تحميل رواية «نبضات لا تعرف المستحيل» PDF
بقلم اميرة احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المقاهي الهادئة، جلست حنين في إحدى الأركان الجانبية مبتعدة عن الزحام، بعينين حزينتين، يملؤها الصراع من داخلها، يداها ترتجف وتحاول أن تسيطر عليها. دخل شادي، عيناه مليئة بالغضب الممزوج بالحزن. سحب كرسي وجلس أمامها، يحاول أن يسيطر على انفعاله. صمت قليلاً، نظر إلى عينيها بإنكار وهتف: بجد؟ وافقتي؟ هربت بعينيها عنه، وحركت رأسها بإيجاب دون أن تنطق بكلمة. ضحك بسخرية وقال وهو يقترب منها: وأنا؟..... نسيتي أنك بتحبيني؟ رمشت بعينيها بتوتر تحاول أن تمنع دمعة كادت تفر منها. أطرقت برأسها بخزي وقالت بصو...
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اميرة احمد
جلس يوسف على الأريكة يتصفح هاتفه بلا اهتمام بعد يوم عمل طويل، بينما لارا كانت تعد الطعام. كان كل شيء طبيعيا، روتينيا.
حتى لمح يوسف هاتف لارا يهتز فوق الطاولة والشاشة تضيء باسم سامر.
تجمد في مكانه للحظة، لحظة كانت كفيلة أن تشعل بداخله نارًا لا تنطفئ. التقط الهاتف سريعًا، ثم اتجه بعينيه ناحية المطبخ ليرى لارا منشغلة في تحضير الطعام. أمسك الهاتف وضغط على الشاشة، فتح المحادثة وعندها شعر بأن قلبه قد سقط في قدميه.
"أنا مش قادر أنساكي"
"إنتي إزاي قادرة تعيشي من غيري"
"قابليني بعد الشغل واعتبريها آخر مرة"
"كلميني لما يوسف ينزل"
شعر يوسف أن العالم يدور من حوله، ضغط على الهاتف بقوة. لم تكن هذه رسائل عادية بين أصدقاء، لحظة واحدة كانت كافية لتدمير ثقته.
خرجت لارا من المطبخ، نظرت إليه بابتسامة، ثم تجمدت مكانها حين رأت تعابير وجهه.
اقتربت منه بحذر وهتفت:
"يوسف... في إيه؟"
لم يرد، بل رفع الهاتف أمام وجهها. فهمت على الفور، لم يكن يوسف بحاجة للكلمات، فكانت نظراته وحدها تقتلها من الداخل، تمزقها إلى أشلاء لا تستطيع ترميمها.
وقف يوسف أمامها ممسكًا بالهاتف في يديه، وصاح بحدة:
"بتكلمي سامر من إمتى؟"
صمتت لارا، تحاول أن تستجمع قواها لتجد كلمات ترد بها على يوسف لكنها لم تجد. اخفضت عينيها بخزي وبدأت الدموع تنساب فوق وجنتيها.
صاح يوسف مرة أخرى:
"ليه سامر بيبعتلك الكلام ده؟"
ابتلعت ريقها ولم تجب. قال يوسف ببطء ونبرة ضعيفة لكنها تحمل شيئًا من الحدة:
"إنتي قابلتيه؟"
لم ترد. صمتها وحده كان كالرصاصة في مقتل بالنسبة له.
القي يوسف الهاتف بحدة من يديه فسقط على الأرض مهشمًا، تمامًا كما سقطت روحه من صمت لارا، وصاح مرة أخرى:
"ردي عليا متسكتيش كده... قابلتيه؟"
شعرت لارا بالدموع المنسابة على وجنتيها وكأنها تحرقها، همست بصوت بالكاد مسموع:
"يوسف اسمعني... أنا..."
قاطعها يوسف بغضب:
"قابلتيه؟"
اخفضت عينيها بخزي وأومأت رأسها بالإيجاب. وجسدها بالكامل يرتعش.
اتسعت حدقتا يوسف وذهل من كلماتها، قال بنبرة ضعيفة:
"إنتي فعلاً قابلتيه؟"
رفعت لارا عينيها، وهي تتحاشى أن تتلاقى بعين يوسف وهتفت:
"والله كنت ناوية أحكيلك... كنت هقولك على كل حاجة."
قال يوسف بنبرة باردة تحمل كثيرًا من اللوم:
"ملقيتيش غير سامر."
اتسعت حدقة لارا وصاحت:
"إنت تعرفه؟"
أمسك يوسف ذراعها وأخذ يهز جسدها بعنف وصاح بحدة:
"إنتي هتستهبلي... أحكيلي كل حاجة دلوقتي... قابلتيه ليه؟"
أرخت لارا جفنيها ودموعها تجري كالنهر وهمست بصوت ضعيف ملئ بالخزي:
"لأنه كان بيهددني بيك."
صمت يوسف. كان يتوقع أي رد، أي مبرر طفولي، أي كذبة منها، لكنه لم يكن يتوقع جوابها هذا.
نظر لها يوسف بعينين حائرتين وهمس:
"إيه؟"
حاولت لارا أن تسيطر على رعشة جسدها، تنفست بعمق وقالت من بين دموعها:
"سامر كان بيوهمني أني كنت على علاقة بيه، أنا مش فكراه ولا فاكرة حاجة من اللي بيقول عليها، كان بيهددني أنه هيقولك... كان عارف أن فيه مشاكل بيني وبين أهلك وكان بيهددني أنه هيقولهم... كل مرة كان بيقولي أقابله علشان ميقولكش..."
شعر يوسف بالدماء تغلي في عروقه، كان وجهه أحمر من شدة الغضب، صاح بحدة:
"وإنتي خفتي منه؟"
همست لارا بضعف:
"إنت متعرفش هو كان ممكن يعمل إيه... يوسف كان بيقولي أني عملت حاجات أنا مصدقش أني ممكن أعملها في يوم... يوسف كان بيهددني أنه هيخليك تسيبني."
ضغط يوسف على أسنانه وقال:
"فروحتيله!"
لارا:
"كنت عاوزاه يبعد عننا... كنت عايزاه يفهم أن حتى لو كان فيه بيني وبينه حاجة، فإني بحبك إنت."
قاطعها يوسف وقال بنبرة ضعيفة:
"لمسك؟"
حركت لارا رأسها بتوتر ولم تجد كلمات في حلقها فصاح مرة أخرى:
"لمسك؟!"
اندفعت لارا تدافع عن نفسها وقالت:
"والله العظيم أبدًا... كان بيقابلني في أماكن عامة... عمره ما لمسني ولا حتى كنت باسلم عليه."
جلس يوسف على المقعد، دفن رأسه بين راحتيه وهتف بصوت مكسور:
"ليه يا لارا؟ ليه تعملي فيا كده... ليه لما تخافي تقرري ترمي نفسك في حضن راجل تاني... وملقيتيش غير سامر! أكتر واحد بيكرهني في الدنيا... مقولتليش ليه؟"
جثا لارا على ركبتيها في الأرض أمامه وقالت من بين دموعها:
"أنا خفت... خفت منك وخفت عليك... خفت تحكم عليا بحاجة مش فيا... خفت تشوفني..."
قاطعها يوسف وهو يرفع رأسه لينظر في عينيها وقال بحدة:
"خاينة!"
فرغت لارا فاها من الصدمة. وقعت الكلمة على أذنها كان أقسى من أن تستوعبها. حاولت أن ترد التهمة عن نفسها لكنها لم تجد كلمات مناسبة. شهقت من بين دموعها وقالت بصوت بالكاد مسموع:
"يوسف متقولش عليا كده..."
قاطعها بحدة وهو يقف مبتعدًا عنها:
"هو الست اللي بتكلم وتقابل راجل تاني من ورا جوزها بيبقى اسمها إيه؟"
اتجه يوسف ناحية غرفة النوم، وبقيت لارا تقف مشدوهة من كلمته، تبكي بلا توقف. لحظات ووجدت يوسف قد ارتدى ملابسه واتجه ناحية باب الشقة. أسرعت خلفه وهتفت:
"يوسف استنى... إنت رايح فين؟"
نظر لها بحدة من رأسها حتى أخمص قدميها وصاح:
"مش قادر أكون معاكي في مكان واحد."
لارا:
"ارجوك يا يوسف... اسمعني ومتحكمش عليا."
نظرت لها نظرة نارية وصاح:
"أنا سمعت كفاية."
خرج يوسف وتركها خلفه تبكي بندم، تشعر وكأنها فقدت يوسف للأبد.
***
جميلة تجلس شاردة الذهن، حزينة. منذ عدة أسابيع تخيم عليها هذه الحالة. وقف مالك عند الباب يرقبها بحزن. جلس إلى جوارها وجذبها إلى صدره. تنهدت بألم وهي تلقي برأسها عليه. حرك كفه على ذراعها بحنان وهمس:
"مالك يا حبيبتي؟"
لم تعقب، بل حركت رأسها وصمتت.
بقيت عدة دقائق في حضنه قبل أن ترفع رأسها وتهمس بألم:
"مش حاسس أن في حاجة ناقصانا يا مالك؟"
لف خصلة من شعرها على سبابته وهمس بثقة:
"لأ."
قالت بنبرة مترددة:
"يعني مش لو كان في حياتنا بيبي كانت بقت أحلى."
رد بكل ثقة:
"أنا مبسوط معاكي كده... مش محتاج من الدنيا غيرك."
همست بألم:
"بس يعني..."
قاطعه بهدوء:
"جميلة... ممكن تشيلي الموضوع ده من دماغك... مفيش حاجة تانية نعملها... روحنا لأكتر من 3 دكاترة وكلهم قالوا مفيش مشكلة... يبقى محتاجة تهدي وتبطلي تفكري في الموضوع ده... أنا عارف إنك مضايقة علشان ليلي حامل... بس يا حبيبتي كله في وقته."
هتفت جميلة:
"لأ والله بالعكس... أنا فرحانة علشانهم جدًا... بس نفسي إحنا كمان يبقى عندنا عيلة."
هم أن يرد عليها، يخبرها أنها مخطئة، أو ربما على صواب لكن يلزمها صبر. لكن قبل أن يفتح فمه، وجد هاتفه يهتز، والهاتف يضيء باسم يوسف.
أمسك الهاتف وسرعان ما اتاه صوت يوسف مختنقًا بالألم من الناحية الأخرى وهتف:
"إنت في البيت؟"
مالك:
"آه."
يوسف:
"طيب انزل أنا تحت بيتك."
مالك:
"طيب اطلع نقعد شوية."
يوسف:
"لأ مخنوق مش عايز أقعد في البيت."
مالك:
"طيب نازلك."
بعد دقائق كان يوسف يجلس مع مالك في أحد المقاهي القريبة. كان الضيق والألم يبدو واضحًا على وجهه. نظر مالك إلى النادل وهتف:
"2 شاي لو سمحت."
كان يوسف صامتًا طوال الطريق مما أثار قلق مالك عليه، فهتف:
"في إيه يا يوسف؟ شكلك متضايق أوي."
قال يوسف بنبرة مكسورة:
"حاسس إني مخنوق... مش قادر اتنفس."
مالك:
"والدتك بخير؟"
يوسف:
"الحمدلله... اتحسنت كتير بعد العملية والورم طلع حميد."
تنهد مالك:
"طيب وحل اللغز ده إيه؟ إيه اللي مضايقك يا صاحبي."
زفر يوسف زفرة حارة:
"مش قادر أتكلم."
ابتسم مالك نصف ابتسامة وقال:
"طيب ومنزلني من البيت علشان مش عايز تتكلم."
وضع يوسف كفه على صدره وقال بضيق:
"حاسس أن هيجرالي حاجة من الخنقة... مكنتش عايز أقعد لوحدي."
جاء النادل ووضع كوبان من الشاي وكوب من الماء أمامهما وانصرف. ناول مالك كوب الماء ليوسف:
"طيب اشرب واهدي كده وقولي في إيه."
أخذ يوسف كوب الماء منه ووضعه بجواره، فأردف مالك:
"متخانق مع لارا؟"
أومأ يوسف رأسه بالإيجاب، فقال مالك بمرح:
"كل ده علشان خناقة، عادي إنت بس علشان لسه في الأول، بكرة تتعود... أنا كمان قافش مع جميلة ولولا مكالمتك كانت هتقلب خناقة."
رفع يوسف عينيه ليواجه مالك وقال:
"مهما كان اللي إنت وجميلة متخانقين علشانه، أكيد مش زي اللي أنا فيه."
وضع مالك كفه على ذراع يوسف واقترب منه وقال بقلق:
"في إيه يا يوسف متقلقنيش عليك."
أخفض يوسف رأسه وقال بخزي:
"هقولك بس مش عايز حد يعرف عن الموضوع ده أبدًا، ولا حتى جميلة... أنا اكتشفت أن لارا بتكلم سامر."
عقد مالك حاجبيه وقال باستنكار:
"سامر!! ده إحنا مشفناهوش من أيام الجامعة... إنت متأكد."
بصوت بالكاد مسموع وأنْفاس متقطعة قال:
"مش بس بتكلمه يا مالك... بتقابله ومن فترة."
صاح مالك:
"أكيد فيه حاجة غلط... لارا استحالة تعمل كده... مينفعش تظلمها وتقول عليها كده."
همس يوسف بانكسار:
"أنا شفت الموبايل بتاعها... شفت الشات اللي بينهم، والمكالمات... وواجهتها ومأنكرتش."
صاح مالك:
"إزاي لارا تعمل كده وهي عارفة أن فيه مشاكل بينك وبينه... سامر طول عمره بيحاول يأذيك من غير سبب..."
صمت مالك للحظة ثم أردف:
"طب يعني هما بيتكلموا أصحاب يعني؟"
همس يوسف بخزي والدموع ترقرق في عينيه:
"رسايل حب يا مالك... كان بيقولها وحشتيني، ومش عارف أعيش من غيرك... ثم صاح بحدة: متخيل الحيوان ده بيقول لمراتي كده."
ابتلع مالك ريقه وقال:
"ما يمكن بيرمي جتته عليها."
صاح يوسف:
"إزاي تسمح له أصلاً يقولها كده وهي ست متجوزة إزاي... ثم انكسر صوته وقال: بيبعتلها يقولها كلميني لما يوسف ينزل وكانت بتكلمه يا مالك."
أمسك يوسف برأسه وصاح:
"حاسس أن دماغي هتنفجر من كتر التفكير."
ربت مالك على كتفه:
"اهدأ بس يا يوسف... أنا متأكد أن فيه حاجة إنت مش فاهمها... أصل استحالة لارا تعمل كده... إحنا نعرفها بقالنا سنين."
ابتسم يوسف بألم وقال:
"لارا اتغيرت بعد الحادثة."
صمت مالك، لم يكن يجد كلمات يواسي بها صديقه. ساد الصمت بينهم لدقائق حتى هتف مالك:
"طيب وهتعمل إيه دلوقتي؟"
تنهد يوسف بألم وقال:
"أنا مش عارف أفكر."
مالك:
"طيب اهدأ علشان تعرف تفكر، ومتاخدش أي قرار غير لما تدرسه كويس."
صمت كلاهما ثانية، حتى هتف يوسف بعد دقائق:
"وإنت إيه مضايقك؟"
مالك:
"حاجة تافهة."
ابتسم يوسف نصف ابتسامة وقال:
"قول يا عم يمكن يطلع هم يضحك."
تنهد مالك وقال:
"جميلة زعلانة علشان محصلش حمل كل ده... وأنا مش عايزها تبقى زعلانة ومش عارف أعمل إيه؟"
يوسف:
"طيب يعني هو الموضوع فيه مشكلة؟"
أومأ مالك رأسه بالنفي وقال:
"مفيش... هي حاسة أن فيه حاجة ناقصاها علشان ليلي حامل... مش حابب أشوفها كده بس مفيش في إيدي حاجة أعملها."
يوسف:
"ربنا يرزقكم إن شاء الله."
تنفس مالك بعمق وقال:
"إن شاء الله."
صمت كلاهما، وبرغم أن لم يحل أحد منهما مشكلة الآخر، إلا أن كان كافيًا لهما أن كلًا منهما يشعر بوجع الآخر.
***
مع الخيوط الأولى للفجر، عاد يوسف إلى المنزل. كانت لارا تنتظره. وجدها تجلس على الأرض تسند رأسها فوق ركبتيها. رفعت رأسها مجرد أن شعرت بمفتاح يوسف يدور في الباب، صرخت بلهفة وهي تتجه نحوه:
"يوسف إنت رجعت... اتأخرت كل ده ليه؟"
نظر إليها يوسف بحدة ولم يعقب. تركها تقف خلفه واتجه ناحية غرفة النوم. تبعته وهي تصيح:
"يوسف من فضلك اسمعني... خلينا نقعد ونتكلم."
جلس يوسف على طرف السرير ونظر إليها بحدة، لكنه قال بنبرة هادئة:
"عاوزة تقولي إيه؟"
سالت دموع لارا على خديها وقالت:
"الموضوع ابتدى بعد الحادثة... بعد ما رجعت البيت لقيت رقم بيكلمني... قالي أني كنت أعرفه، أن كان في بينا علاقة ومرتبطين... قالي أني كنت هاسيبك علشانه... أنا مكنتش فكراه... مكنتش عارفة هو مين..."
صمتت لارا للحظة ثم أردفت:
"أنا برضه مكنتش فاكراك... عقلي كان مشوش... كان بيوريني محادثات بينا ومكالمات وصور غريبة مكنتش عارفة أنا عملت كده فعلاً ولا لأ... خفت منه وبعدت... بس هو كان دايما بيلاقي طريقة يرجع يتكلم معايا بيها... كان بيهددني أنه هيخليك تبعد عني ويفضحني... والحقيقة... أنا مكنتش عارفة أنا عملت اللي بيقول عليه ده فعلاً ولا لأ... خفت... كان طبيعي أني أخاف... بس خفت أكتر أنك تبعد عني... أنك تسيبني..."
زادت دموع لارا انهمارًا وقالت من بين شهقاتها:
"بس أنا حبيتك إنت واتجوزتك إنت... والله ما كان فيه بينا غير كلام... أنا حاولت كتير أقوله ميكلمنيش أو مردش عليه، كان بيهددني أكتر... أنا عارفة أني غلطت يا يوسف سامحني."
كان يوسف يستمع إليها وينظر لها بنظرات جامدة بينما قلبه كان يتحطم من كل كلمة تخرج من فمها. حين انتهت قام يوسف من مكانه فتح خزانة الملابس واخرج ملابسه. اقتربت لارا وامسكت يده وقبلتها وهمست:
"أنا آسفة."
سحب يده من يديها بعنف وابتعد عنها يرتدي ملابسه. هتفت:
"طيب هتروح فين؟"
لم ينظر إليها لكنها قال:
"عندي شغل."
هتفت من بين دموعها:
"لسه بدري على ميعاد شغلك... إنت كمان منمتش من امبارح."
لم يرد عليها وكأنها لم تكن تتحدث إليه، وقفت أمامه وهمست:
"يوسف... سامحني."
نظر إليها مطولًا قبل أن يقول:
"إنتي طلبتي أني أسمعك وسمعتك... متطلبيش مني حاجة تانية."
ثم تركها خلفه وانصرف، تركها تتمنى لو لم تقابل سامر في حياتها قط، لو كانت لم تجب على مكالمته الأولى ولم تصادفه في حياتها قط.
***
دخل أنس إلى المنزل. كانت ليلي مستلقية على الأريكة وبطنها بارز أمامها، وبجوارها طبق ممتلئ بالفاكهة المقطعة تأكل منه. اقترب منها أنس وهو يخلع جاكيت بدلته، وضع قبلة سريعة فوق جبينها وقال:
"عاملة إيه النهاردة يا حبيبتي؟"
ابتسمت ليلي وقالت بدلال:
"تعبانة يا أنوس... شايف رجلي وارمة إزاي.... محتاجة أدلع أنا والبيبي."
جلس على طرف الأريكة وهو يهتف:
"يا خبر أبيض... أنا هنا علشان أدلعك إنتي والبيبي."
رفع قدميها ليضعها فوق ساقه وبدأ يدلكها برفق. نظرت له ليلي بحب وهمست:
"ابنك شكله هيطلع شقي أوي... مبطلش تخبيط فيا طول اليوم."
ضحك أنس بخفة:
"طيب هيطلع شقي ليا ولا ليكي؟"
دارت ليلي بعينيها بشقاوة وقالت:
"اكيد ليك... علشان أنا خلاص بطلت شقاوة من يوم ما اتجوزتك."
نظر لها أنس بابتسامة ماكرة وقال:
"شقاوة إنتي ابتدت يا حبيبتي من يوم ما اتجوزتك."
قبل قدمها بحب، وقام من مكانه، دقائق وعاد من المطبخ يشمر عن أكمامه وفي يده كوب من اللبن الدافئ، ناولها كوب اللبن وهتف:
"يلا يا حبيبتي اشربي دي على ما أجهز الغدا."
صاحت ليلي بدلال وهي تعتدل بصعوبة لتجلس:
"مبحبش اللبن يا أنس بجد مش عايزة."
جلس أنس إلى جوارها، مرر يده بحنان على بطنها المنتفخة وقال:
"حبيبتي اشربيه علشان خاطري."
ابتسمت ليلي بضيق وتناولت الكوب منه، ارتشفت رشفة وقالت:
"طيب وهتغدينا إيه النهاردة؟"
رفع أنس حاجبيه وقال بتهكم:
"أنا راجل كلمتي بتهز شنبات، وواقف أحمرلك البانيه اللي كان نفسك فيه... آه يا زمن."
قالت ليلي وهي تحرك يدها فوق بطنها:
"أنا كفاية عليا أني شايلة ابنك."
وضع قبلة رقيقة على وجنتها وهمس:
"وده كفاية عليا."
ابتسمت له بامتنان وهمست:
"أنا بحبك أوي."
همس لها:
"وأنا كمان بحبك."
رفعت ليلي حاجبيها وقالت بحدة:
"بس أنا بحس أنك بتحب البيبي أكتر مني."
مال عليها ليضع قبلة رقيقة فوق شفتيها وهمس:
"بحب البيبي علشان حتة منك."
ابتسمت ليلي وقالت:
"أنس، أنا جعانة..."
قام أنس من جوارها، وقال بحدة:
"أنا هاخاف أنام جنبك بعد كده... إنتي ممكن تاكليني."
ليلي:
"الله... مش كله علشان ابنك."
ضحك أنس وقال بخفة:
"بس مش للدرجة دي... الكرش ده دهون مش بس البيبي."
رفعت حاجبيها وقالت بحدة:
"روح يا أنس هاتلي أكل حالا."
بعد دقائق عاد أنس يحمل أطباق الطعام، وضعها أمام ليلي فبدأت تأكل بنهم. جلس أمامها ينظر إليها بابتسامة، وضع قطعة من اللحم في فمها، أكلتها منه بنهم فابتسم وهمس:
"اتخطفت وحش صغنن."
قالت وهي تلوك الطعام في فمها:
"بكرة أولد وأرجع لطبيعتي."
ضحك أنس بخفة:
"أنا خايف الولد ياخد منك الجينات دي، هاصرف مرتبى كله على الأكل بعد كده."
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم اميرة احمد
بينما كانت حياة تسير في الشارع، لمحت من خلال زجاج أحد المقاهي فارس يجلس مع فتاة لم تراها من قبل. بيضاء، صهباء، على يدها وشم بطول معصمها. كان يضحك معها وعيناه تتلألآن بنفس البريق الذي تعرفه جيدا عندما يكون مستمتعا.
شعرت بوخزة غيرة في صدرها، صدمها الموقف فوقفت مكانها تراقب بصمت.
فجأة، التفت فارس وكأن إحساسه أخبره بوجودها. ابتسم فور رؤيتها ونهض سريعا متجها نحوها. خرج من المقهى واقترب منها قائلا بحماس:
حياة... تعالي، عايز أعرفك على نادين.
لم تجد حياة فرصة للرفض، فسارت معه بخطوات مترددة. عندما وصلا إلى الطاولة، ابتسمت نادين ابتسامة ودودة وقالت وهي تمد يدها لمصافحتها:
هاي حياة... أخيرا اتقابلنا، فارس بيتكلم عنك كتير.
رغم لطف كلماتها الا أن حياة شعرت بعدم ارتياح، لكنها أخفت ذلك بلباقة وردت بابتسامة خفيفة:
أهلا.
جلسوا جميعا، وبدأت المحادثة تأخذ منحى طبيعيا. كانت نادين مرحة، تتحدث بثقة وكأنها تعرف فارس منذ الأزل، بل كانت تصحح له بعض الذكريات وتضيف تفاصيل لم يكن حتى يتذكرها. وكلما ضحك فارس على إحدى تعليقاتها، كانت غصة الغيرة تكبر في قلب حياة.
ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، حين قالت نادين بعفوية:
على فكرة، أنا اللي اقترحت على فارس إنه ينزل مصر ويتجوزك من غير ما يقولك، قلتله إنك هتحبي المفاجأة دي.
اتسعت عينا حياة، نظرت إلى فارس سريعا، لكنه بدا غير منتبه لوقع الكلمات عليها، فقط ابتسم قائلا:
فعلا، كنت محتار، وهي شجعتني.
ازدادت نبضات قلبها، شعرت وكأنها تتلقى صفعة غير متوقعة. كيف لم يخبرها فارس بهذا؟ وكيف لشخص غريب عنه أن يكون له هذا التأثير عليه؟
حاولت السيطرة على مشاعرها، لكن عقلها بدأ في ربط النقاط، فتذكرت كيف كان فارس دائما يخبرها أن قراره بالسفر إلى لندن كان الأصعب في حياته.
فجأة، سألت حياة بنبرة هادئة لكنها حادة:
طيب، مين اللي شجعك تسافر لندن؟
نظر لها فارس باستغراب قبل أن يقول:
نادين... كانت شايفة إن دي فرصة كويسة... خصوصا انها هنا من زمان... حتى هي اللي ساعدتني ألاقي شغل وأنا في مصر قبل ما أجي.
وكأن شيئا انفجر داخل حياة، لكنها تمالكت نفسها، وضغطت على كفيها تحت الطاولة حتى لا يظهر ارتجافها. ابتسمت ببرود وقالت:
واضح إن نادين ليها تأثير كبير على قراراتك.
أدرك فارس النبرة الخفية في كلامها، لكنه لم يعلق، أما نادين فابتسمت وقالت بمرح:
إحنا أصدقاء من زمان، طبيعي نتكلم في الحاجات المهمة.
لكن بالنسبة لحياة، لم يكن الأمر طبيعيا أبدا.
الغيرة لم تعد مجرد إحساس عابر، بل أصبحت نارا تشتعل داخلها. كانت حياة تحاول أن تبقي على هدوئها رغم الاضطراب الذي يتزايد بداخلها، تنظر إلى نادين التي استمرت في الحديث بحيوية، وكأنها لم تلاحظ التوتر الذي بدأ يظهر على حياة. فارس، من جانبه، كان مستمتعا باللحظة، يضحك على نكات نادين. وكأن الحياة تدور في فلك آخر بعيد عن حياة.
لم تستطع حياة إخفاء شعورها أكثر من ذلك، فأخذت نفسا عميقا، ثم نظرت إلى فارس، عينيها تحملان الكثير من الأسئلة، وقلبها ينبض بسرعة. نظرت إليه مباشرة وقالت وهي تحاول السيطرة على غضبها الذي بدأ يظهر في نبرتها:
بس مش غريب يا فارس أنك عمرك ما قولتلي حاجة عن نادين.
شعر فارس بالتوتر الذي بدا واضحا على حياة، والغيرة بدأت تسيطر عليها. مد يده من تحت الطاولة يمسك يدها بقوة التي بدأت ترتجف من شدة الغضب، نظر إلى عينيها وقال بنبرة هادئة:
مجاتش فرصة مش أكتر.
أومأت حياة رأسها ولم تعقب، صمتت وكأنها لم تقتنع بكلماته، بل قامت من مكانها فجأة وهتفت:
أنا هامشي علشان أسيبكوا تقعدوا براحتكوا.
قام فارس معها وهتف:
أنا هاجي معاكي أستنى.
خرجت حياة مسرعة ولم تنتظره، لحق بها فارس وأمسك يدها بقوة دون أن ينظر لها ومشي إلى جوارها. بدأت الدموع ترقرق في عيني حياة لكنها لم تمنحها أذن النزول بعد. ضغط فارس على يدها بين كفه وقال بنبرة دافئة:
زعلانة ليه؟
قالت حياة بحدة:
أنت شايف أنه عادي؟ اتفاجأ ان في واحدة في حياتك وبتتحكم في حياتنا بالدرجة دي وكمان مخبي وجودها عني.
فارس:
محدش بيتحكم في حياتنا. الموضوع ببساطة نادين صديقتي من أيام المدرسة، وكانت معايا في الجامعة. طبيبة نسا شاطرة جدا، أول ما اتخرجت سافرت لندن عاشت هناك وكانت بتدرس في أكسفورد، ولما كان في قدامها فرصة كويسة قالتلي عليها وشجعتني. بس السفر كان قراري أنا، هي بس ساعدتني ألاقي بيت وشغل هنا.
سقطت دمعة من عيني حياة رغما عنها وقالت بصوت مختنق:
ساعدتك تسيب أهلك وحياتك وتسيبني وتيجي تقعد هنا جنبها؟
فارس:
على فكرة هي مش عايشة هنا في أكسفورد. هي عايشة في لندن و بتشتغل هناك، بتيجي هنا بس أيام اللي بيكون عندها محاضرات. أنا كانت الفكرة في دماغي هي بس شجعتني عليها.
وقفت حياة فجأة وقالت بعينين دامعتين:
وهي نادين بتشجعك على كل حاجة، حتى أنا! كنت متردد في الجواز وهي اللي شجعتك؟
التف فارس ليواجها، أمسك وجهها بين كفيه ونظر إلى عينيها وقال:
أنا عمري ما كنت متردد فيكي يا حياة، أنا لما جيت هنا لوحدي من غيرك مكنتش عارف أعيش. كنت متكئب. فكرت أني أسيب كل حاجة هنا وأرجع مصر علشان أكون جنبك، بس هي لما عرفت أني عاوز أسيب مستقبلي هنا اقترحت عليا فكرة أني أنزل اتجوزك واجيبك معايا، كلمت أونكل زياد وعرضت عليه الموضوع ولقيته مرحب بالفكرة وقالي أنك موافقة تسافري معايا.
سقطت دمعة من عينيها ولم تعقب، مال فارس ليضع قبلة رقيقة على وجنتها وهمس:
أنا عمري ما كنت متردد فيكي يا حياة.
ازاحت حياة كفه ببطء من فوق وجنتها، والتفت تمضي في طريقها بخطوات بطيئة مثقلة بالهموم، أمسك فارس بيدها بقوة مرة أخرى وقال:
أنا آسف لو ضايقتك.
قالت حياة بنبرة مكسورة من الحزن:
طالما خبيتها عني يبقي في بينكوا حاجة يا فارس.
همس فارس:
هي بالنسبالي صديقة، مش بشوفها أنها ست. اعتبريها محمود صاحبي.
نظرت له حياة بطرف عينها وقالت:
وهي بتعتبرك ايه؟
ابتسم فارس نصف ابتسامة وقال:
متحاسبينيش غير على مشاعري أنا بس.
قالت حياة بحدة:
بتحبك؟
فارس:
إحنا Best friends.
حياة وهي تضغط على أسنانها:
بتحبك؟
قال فارس بثقة:
لأ.
كان الألم في قلبها أكبر من أن تخفيه. خرجت الكلمات من فمها بصوت ضعيف:
خبيتها ليه يا فارس؟ عارف أنا حاسة بايه دلوقتي ان حبيبي في واحدة في حياته غيري بياخد رأيها في كل حاجة مهمة في حياته حتى جوازه مني ومخبيها عليا؟ فاهم أنا شعوري ايه؟
اخفض فارس رأسه وهمس:
أنا آسف... مقصدتش أضايقك.... ولا قصدت أخبيها... بس فعلا مجتش فرصة أحكيلك عنها... لو تحبي هاقلل مكالماتي معاها، مش هاشوفها غير وإنتي معايا، هاعمل كل اللي إنتي عايزاه علشان أثبتلك أن مفيش حد أهم منك في حياتي.
صمت فارس فقد شعر بالذنب، وفجأة أدرك أنه أخطأ في حق حياة، لكن كان الأمر قد فاته الآن. قلبه كان يشعر بتأنيب الضمير فأردف:
حياة، أنا آسف... بجد مكنش أقصد أخليكي تحسي كده. يمكن كنت غبي أو مش شايف... بس اللي يهمني هو إنك تكوني مرتاحة معايا، وإننا نكون مع بعض.
نظرت له حياة للحظة، ثم قالت:
فارس أنا مش متأكدة من أي حاجة... بس اللي حسيته النهاردة وأنا شيفاك قاعد مع واحدة تانية كان أكبر من إني أتقبله، يمكن لو كنت قولتلي وعرفتني بوجودها مكنتش حسيت بكده، يمكن حتى وانت نازل الصبح لو قولتلي أنك هتقابلها معرفتش صدفة كنت تقبلت الموضوع عن كده.
ابتسم فارس ابتسامة حزينة وقال:
أوعدك أن الأمور كلها هتكون واضحة بعد كده.
بينما كانت حياة تحاول جمع شتات نفسها، كان قلبها لا يزال في فوضى. ومع أن الكلمات قد تبدو هادئة، إلا أن مشاعر الغيرة والشك كانت تدور في عقلها. صمتت حياة وكان صمتها يقتلها. سارت إلى جواره ممسكة بكفه لكنها لم تتفوه بكلمة. بعد فترة وكزها بكتفه مداعبا وقال:
ما خلاص بقي يا حيوته، اعتذرت وقولت حقك عليا هتفضلي مبوزة كده؟
حاولت أن تخفي ابتسامتها وقالت بحدة مصطنعة:
أنا زعلانة منك.
لف ذراعه حول خصرها وقال بغمزة:
طيب هاصالحك أما نرجع البيت.
أبعدت يده وقالت:
زعلانة بجد منك.
نظر فارس حوله، ثم قال لها:
أنا عرفت هاصالحك إزاي. استنيني هنا ثواني.
تركها فارس تقف وعبر الشارع، كانت نظرات حياة تتبعه بابتسامة. اختفى من أمامها دقائق، ثم عاد يحمل باقة كبيرة من الورود، وكوب من الشوكولاتة الساخنة.
ضحكت حياة على الفور حين رأته مقبلا عليها. ناولها الكوب في يدها وهتف:
الهوت شوكليت اللي بتحبيه وبيعدل مزاجك.
ضحكت حياة وهي تتناول الكوب منه، همس لها:
مش زعلانة خلاص؟
ارتشفت رشفة من الكوب في يدها ولم تعقب، ثم أشارت إلى باقة الورد في يده وقالت مازحة:
والورد؟
نظر إليها فارس بمكر وقال وهو يضحك:
لأ الورد ده علشان نادين. أكيد زعلت علشان سيبتها ومشيت كده.
وكزته حياة في كتفه وصاحت بطفولة:
والله معندكش دم.
ضحك فارس وقال بمداعبة:
بتغيري يا قمر؟
ابتسمت وأومأت رأسها بإيجاب. نظر إليها فارس وقال:
متغيريش علشان قلبي مفيهوش إلا حياة وبس.
ابتسمت حياة بحب وأمسكت بكفه، سارا جنبا إلى جنب وكأن المدينة من حولهما خالية لا يوجد بها غيرهما.
***
في مساء ليلة باردة، خلت من المشاعر. دخلت لارا على يوسف الذي كان يستعد للنوم، وقفت بجوار سريره وقالت بحزن:
هتفضل متكلمنيش كده لحد إمتى؟
أعطاها ظهره ولم يجب، عادت تقف أمامه من جديد وقالت:
يوسف إنت بقالك أسبوعين مش بتكلمني، بترجع البيت على النوم، بتنام في أوضة لوحدك. حتى صورتنا اللي كنت حاطتها على موبايلك طول الوقت شيلتها. أنا مش قادرة استحمل المعاملة دي يا يوسف. أنا غلطت وعارفة إني غلطت واعتذرت كتير عن غلطي ده، باعتذرلك كل يوم وحتى مش بترد عليا. يوسف رد عليا من فضلك.
أغمض يوسف عينيه بقوة ولم يجب عليها. كان صمته يقتلها، لكنها كانت تأمل أن يجد في قلبه سبيلا للغفران.
في الصباح، استيقظت لارا على صوت طرقات في خزانة الملابس. فتحت عينيها لتري يوسف يقف أمام خزانة الملابس ممسكا بحقيبة سفر كبيرة يضع بها ملابسه. اعتدلت في جلستها فورا، وصاحت:
يوسف انت مسافر؟
لم يجبها، لكنها قامت ووقفت أمامه، تحاوط عنقه بيديها والقت بنفسها بين ذراعيه وقالت:
متسيبنيش يا يوسف أرجوك.
ببرود فك قيود ذراعيها من حول عنقه، ولأول مرة منذ تلك الليلة يتحدث معها يوسف وقال بكسرة:
أنا آسف. أنا حاولت أنسى. حاولت أعدي. بس مش قادر.
همست من بين دموعها:
سامحني أرجوك.
حرك رأسه وقال:
المغفرة صفة إلهية مش عندي للأسف. أنا كنت مستعد أحارب الدنيا كلها علشان أكون معاكي يا لارا، بس إنتي كسرتيني وخنتي ثقتي. أنا آسف. إنتي طالق.
تجمدت مكانها من كلمته، وقعت عليها كدلو ماء بارد. أما يوسف فبرغم ألم قلبه كانت ملامحه جامدة، ارتجف صوته حين قالها. أغلق حقيبته وحملها واتجه ناحية الباب، أسرعت لارا خلفه ودموعها تنهمر فوق خديها وقالت:
يوسف أرجوك متعملش فيا كده. افتكر الحب اللي بينا.
نظر لها يوسف بعينين متألمتين وقال:
علشان الحب اللي كان بينا. أنا مش هاقول لحد إحنا اتطلقنا ليه. إنتي حرة قولي لمامتك اللي إنتي عايزاه. بس أنا هاحاول أسيب صورتك كويسة في عيون أهلي.
خرج يوسف وأغلق الباب خلفه، سقطت لارا على الأرض تبكي بحرقة والندم يعتصر قلبها.
فتح يوسف الباب بمفتاحه، دلف وهو يحمل حقيبته الكبيرة. في طريقه لغرفته استوقفته والدته، صاحت ما إن رأته يقف أمامها يحمل حقيبته:
يوسف؟! انت بتعمل إيه بشنطة السفر دي هنا.
أخفض يوسف رأسه وقال:
مفيش يا ماما. أنا سبت لارا.
ضربت نور صدرها بكفها وصاحت:
يالهوي! ليه يا يوسف عملت كده؟ إيه اللي حصل يا ابني.
قال يوسف بصوت ضعيف ونبرة منكسرة:
مفيش يا ماما. أنا ولارا اكتشفنا إننا مش متفاهمين.
دفعته نور في كتفه ناحية الباب وهي تصيح:
يلا امشي روح لمراتك مفيش الكلام ده. اقعد معاها وحلوا مشاكلكوا.
اخفض يوسف عينه بألم وهمس:
أنا طلقتها.
شهقت نور، واتسعت عيناها في صدمة، حاولت أن تتمالك أعصابها وقالت:
يعني إيه طلقتها؟! انت اتجننت يا يوسف؟ لو كل واحد طلق مراته مع أول مشكلة بينهم مكنش هيفضل في الدنيا أي اتنين متجوزين. اقعد مع مراتك وحل مشاكلك مش تطلقها.
قال يوسف بضعف:
ماما من فضلك. اللي بينا ملوش حل، وأنا أخدت قراري خلاص.
جلست نور على أقرب مقعد وصاحت بيوسف:
يعني إيه ملوش حل. إنتوا متجوزين بقالكوا كام شهر بس، عادي تحصل مشاكل. قولي إيه اللي حصل واكيد ليه حل، بعدين يعني إيه تطلقها من نفسك كده، ملكش أهل ترجع لهم. ده حتى الدين بيقول حكم من أهله وحكم من أهلها. خلاص تستسهل الطلاق اللي هو أبغض الحلال.
هم أن يفتح فمه ليتحدث لكن قاطعته نور وهي تضرب مقدمة رأسها بيدها وقالت:
هنقول لبابا إزاي دلوقتي. أنت مش عارف الانفعال غلط عليه.
قال يوسف بعدم اكتراث:
عادي يا ماما مش هينفعل. عادي أنا هاقوله. مش أول واحد ولا آخر واحد يطلق مراته. إنتوا عاملين حوار ليه؟
في المساء، عندما عاد زياد من عمله، دخل عليه يوسف بغرفة المكتب. جلس أمامه برأس مطأطأ وقال بنبرة منكسرة:
بابا. في حاجة حصلت وكنت عايزك تعرفها مني أنا مش من حد تاني.
وضع زياد فنجان القهوة أمامه ورفع رأسه إلى يوسف وقال بفتور:
خير؟
بنبرة ضعيفة منكسرة قال يوسف:
أنا طلقت لارا.
صمت زياد للحظة يستوعب كلمة يوسف، ثم قال بحدة ونبرة جادة:
إنت عملت إيه؟
اخفض يوسف رأسه بخزي وقال:
مش قادر أكمل معاها يا بابا. جرحتني. وأنا حسيت أن مبقيتش عندي ثقة فيها. بس...
قاطعه زياد بحدة:
بس إيه؟ هو انت فاكر الجواز لعبة؟ الحب لعبة؟ مش دي لارا اللي حاربت الدنيا كلها علشان تتجوزها. اللي كنت بتموت في المستشفى وهي تعبانة. بسهولة كده اتخليت عنها مع أول مشكلة بينكوا.
يوسف:
أنا موجوع يا بابا وتوقعت أنك هتفهمني.
زياد:
لسة بتحبها يا يوسف؟
قال يوسف بصوت متحشرج:
مش عارف هكمل إزاي وهي مش جنبي.
زياد:
انت خذلتها يا يوسف وخذلتني أنا كمان. أنا كنت فاهم أنك أهدى من كده. عندك حكمة تعرف تتحمل المسؤولية. بس انت اتسرعت. إيه حصل بينكوا وصلك أنك تطلقها؟
اخفض يوسف رأسه ودمعة ترقرق في عينيه وقال بصوت متحشرج:
مش حابب أقول يا بابا. هي جرحتني جرح كبير أنا مقدرش أتخطاه.
انفعل زياد وقال بحدة:
مش عايز تقولي طيب قول لأمك، قول لسارة. مش أنك تاخد قرار زي ده من غير ما ترجع لحد. مش يمكن انت اللي شايفه حاجة كبيرة ده حاجة متستاهلش. مش يمكن انت فاهم غلط، أو أنك مش فاهم أصلا.
هم يوسف واقفاً وقال:
بابا أنا آسف بس أنا مش هارجع في قراري.
انصرف يوسف وقلبه ممزق، عيناه تائهتان. هل اتخذ القرار الصحيح وأنقذ ما تبقى من كرامته، أم أنه تسرع في قراره بالانفصال.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اميرة احمد
بينما كانت حنين تسير وحيدة في أحد المتنزهات القريبة من المنزل، تنظر إلى السماء وعقلها شارد، قلبها مع عمر. تحاول منذ فترة أن تتغلب على ذلك الشعور بالألم الكامن بداخلها، أن تكون بخير لأجله.
كان عقلها شاردًا فتعثرت في صخرة صغيرة وكادت أن تسقط لولا أن يدًا قوية أمسكتها. التفتت لتري شيخًا يقارب عمره على الستين يمسك بيدها من فوق عباءته وقال بنبرة هادئة:
"الله يهديك يا بنتي. تمشين ورأسك في السماء، وناسية الأرض من تحتك."
نظرت إليه حنين، رجلاً مسنًا، ملامحه دافئة وعيناه عميقتين. قالت بنبرة مرتبكة:
"أسفة والله ما أخذت بالي."
ابتسم الرجل:
"ما عليك يا بنتي. الحمد لله أنك طيبة. مصرية صح؟"
ابتسمت حنين بخجل وهمست:
"آه مصرية."
ابتسم الرجل بدوره وقال:
"أنا اشتغلت مع مصريين، وأحسن ناس وأطيب قلب."
اتسعت ابتسامة الرجل وأردف:
"أنا فيصل الراجحي. كنت مدير بنك، بس الحين متقاعد. جيت لهنا مع أحفادي."
ابتسمت حنين وهي تجلس على مقعد قريب:
"أهلاً وسهلاً. أنا حنين الشرقاوي."
طالعها الرجل باستغراب وقال:
"الشرقاوي؟ أنتِ أخت عمر الشرقاوي؟"
ابتسمت حنين بعينين لامعتين وقالت:
"لأ، مراته. هو حضرتك تعرفه؟"
جلس الرجل إلى جوارها، وقال بسعادة:
"يا هلا والله. والله إن الدنيا دي صغيرة يا بنتي. اشتغلت مع عمر سنين قبل التقاعد، كنت مديره."
ابتسمت حنين بسعادة فأردف:
"عمر رجال طيب وابن أصل. كان محبوبًا من كل الناس. بيحبك كثير. لسه بأذكر اليوم اللي جه يطلب إجازة عشان ينزل يكلم والدك ويخطبك. والله لو شفتي السعادة اللي في عيونه وقتها."
شعرت حنين بدقات قلبها تتسارع حين ذكر الرجل اسم عمر. ابتسمت في صمت ولم تعقب. فأردف الرجل وهو ينظر إلى الأفق:
"تعرفين؟ أنا مرة حبيت بنت متل ما حبك عمر. كانت عندي كل شيء بالدنيا. بس كنت عنيد، كنت صغير وماخذني حماس الشباب، ما بينتلها حبي، ضيعتها من يدي. تزوجت، صحيح أنا كمان تزوجت وعشت من بعدها، بس متى أتذكرها قلبي يعورني."
صمت فيصل للحظة ثم أردف:
"حافظي على زوجك يا بنتي. بيحبك كثير ومش سهل تلاقي رجال يحبك زيه."
نظرت حنين أمامها بعينين شاردتين، تفكر في كلمات الرجل، في صوته الأبوي، وفي عمر، الذي لم يتركها أبدًا، ولم يتخل عنها قط.
نهض الرجل من جوارها وهو يقول:
"قول له فيصل الراجحي بيسلم عليك كثير يا عمر. بستناه ييجي يتقهوى معايا، ويجيبك معاه أعرفك على بناتي."
هم أن ينصرف الرجل لكنه نظر إليها مرة أخرى وقال:
"لا تخلي الحب يضيع، تري العمر اللي بيمشي ما بيرجع."
تركها الرجل وانصرف. بقيت حنين تجلس مكانها تفكر في كلماته، عزمت أمرها. ذهبت إلى أحد المولات التجارية، تتنقل بين واجهات المحال تبحث عن شيء لا تعرف ما هو. حتى وقفت أمام واجهة محل ووقعت عيناها على ساعة يد بنية اللون، تمامًا نفس اللون الذي يحبه عمر. دخلت إلى المحل بلا تردد، قالت للبائع:
"لو سمحت ممكن أشوف الساعة اللي بره."
ناولها البائع الساعة، تفحصتها بحب وكأنها ترى فيها عمر. رأت فيها عمره وصبره وحنانه وصمته. رفعت عينها عن الساعة وقالت للبائع:
"هاخذها."
ابتسم البائع:
"تحبي نغلفها؟"
أومأت حنين برأسها بالإيجاب، ثم قالت:
"لو سمحت عندكوا خدمة توصيل؟"
البائع:
"آه يا فندم موجود."
حنين:
"طيب عاوزة أوصلها على العنوان ده."
كتبت حنين في ورقة صغيرة عنوان مكتب عمر واسمه، خرجت من المحل وتغمرها السعادة. عادت إلى المنزل والسعادة تغمرها.
كان عمر يجلس في مكتبه، حين وجد الساعي يضع أمامه علبة ملفوفة بعناية. أمسكها عمر بتعجب، وجد كارت صغير ملصق بها. فتح الكارت فوجد مكتوبًا عليه: "شكرًا على كل حاجة. حنين."
ابتسم مجرد أن وقعت عيناه على اسمها. فتح العلبة فإذا بها ساعة أنيقة، أخرجها بعناية وأمسك هاتفه واتصل بحنين. اتسعت ابتسامته حين سمع صوتها وقال:
"مش اللي بيجيب لحد هدية بيديهاله بنفسه؟"
ابتسمت حنين بخجل على الطرف الآخر وقالت:
"حبيت أعملهالك مفاجأة."
عمر بامتنان:
"حلوة أوي يا حبيبتي. شكرًا."
همست حنين:
"انت تستاهل الدنيا كلها يا عمر."
ضحك عمر بخفة:
"ده واضح إن فيه جو رومانسي بقي."
ضحكت حنين:
"هترجع البيت إمتى يا أستاذ عمر؟"
ضحك عمر:
"آه هي دي حنين اللي متعود عليها. يعني حوالي 3 ساعات."
حنين:
"سلام يا عمر."
عمر:
"سلام يا قلب عمر."
في المساء، عاد عمر إلى المنزل. ما إن فتح الباب حتى وجد الظلام يعم المكان إلا من ضوء خافت ينبعث من غرفة الطعام. دخل عمر ببطء وجد طاولة الطعام معدة بالكامل، ويزين الطاولة شموع تلتف حولها، وتناثرت بتلات ورد حمراء في كل مكان. وفي المنتصف كانت تقف حنين بقميص نوم ناعم من الستان الوردي، مكشوف الصدر، قصير بالكاد يصل إلى فوق ركبتها، وتركت شعرها ينساب بنعومة خلف ظهرها، ووضعت قليلاً من مستحضرات التجميل على وجهها فكانت آية في الجمال.
وقف عمر عند الباب يتأملها بعينين لامعتين، لم يقترب بل تجمد مكانه لا يتحرك. همست حنين بدلال:
"الأكل جاهز. مش هتيجي؟"
بعينين معلقتين عليها، اقترب ببطء منها، لف ذراعه حول خصرها ولأول مرة تستجيب حنين له وتلف ذراعيها حول عنقه. همس لها عمر:
"أنتِ أحلى ست أنا شفتها في حياتي."
احمرت وجنتا حنين وأخفضت رأسها بخجل. أمسك بذقنها يرفع رأسها لمواجهته وقال:
"شكلك حلو أوي النهاردة."
اقترب عمر أكثر، يستنشق رائحة عطرها تملأ صدره. همس لها:
"متأكدة؟"
أحكمت يديها حول عنقه، ودفنت رأسها في تجويف عنقه وهمست:
"متأكدة إني بحبك. وإني مش خايفة وأنا معاك."
وضع عمر قبلة رقيقة بين شفتيها وهمس:
"وأنا بحبك ومستعد أستناكي العمر كله."
لم تكن تلك الليلة ككل الليالي الماضية بين حنين وعمر. كان بها شيء جديد، حب مباح وعشق معلن، جسدان اتحدا ليكونوا معًا في مواجهة الحياة.
في الصباح، شعرت حنين بشيء ناعم يداعب وجنتيها. فتحت عينيها في كسل، وجدت عمر ينظر لها بابتسامة ويمسك في يده وردة حمراء يداعبها بها. اتسعت ابتسامته وهمس:
"صباح الخير يا عروسة."
احمرت وجنتا حنين وهمست:
"صباح الخير يا حبيبي."
وضع عمر قبلة طويلة على شفتيها وهمس:
"كل العذاب ده عشان تدخليني الجنة."
دفنت رأسها في صدره وهمست وهي تقبل صدره العاري:
"أنا آسفة يا حبيبي. كان غصب عني."
أحكم ذراعيه عليها وضمها إليه وهمس:
"كل ثانية في البعد خلت اللقاء أحلى. بس من النهاردة مفيش بعد تاني."
ضمها في قبلة طويلة جعلتها تفقد توازنها، لكنه ابتعد عنها وتوجه إلى الحمام. هتفت له حنين بدلال:
"انت قلت مفيش بعد تاني. رايح فين؟"
اقترب منها، أزاح خصلة الشعر المنسدلة على وجهها ووضع قبلة حانية على وجنتها:
"معلش يا حبيبتي عندي شغل مهم لازم أنزل النهاردة. بس أوعدك هاخد إجازة هنقضيها كلها سوا، مش هنخرج من هنا أبدًا."
هتفت حنين في ضيق:
"النهاردة بس يا عمر."
همس لها:
"وعد يا حبيبتي النهاردة بس."
ارتدى عمر ملابسه واستعد للخروج. ودعته حنين بابتسامة، لكن بمجرد ما أغلق الباب خلفه افتقده وبدأ الشعور بالوحدة يتسرب إلى نفسها.
حاولت أن تضيع الوقت بأن تشاهد التلفاز أو تقرأ كتابًا أو حتى تجرب أن تطهو أكلة جديدة، لكن جزءًا من روحها كان انصرف مع عمر. أمسكت هاتفها وأرسلت إليه رسالة: "وحشتني أوي."
وجدت هاتفها يضيء بمكالمة من عمر، أجابت على الفور فأتى صوته مليئًا بالحنان وهمس:
"وأنتِ كمان وحشتيني."
همست بدلال:
"عمر. تعالي بقى أنا مفتقداك أوي."
أخفض صوته وهمس:
"لو فضلتِ تتكلمي كده هاسيب الشغل وأجي دلوقتي."
ضحكت حنين:
"خلاص يبقى مش هاقفل عشان تيجي."
عمر:
"للدرجادي؟"
همست:
"أنا لقيت الأمان في حضنك، محتاجالك جنبي."
تنحنح عمر وقال بجدية وكأن شخصًا ما دخل عليه:
"أنا آسف لازم أقفل دلوقتي، هارجع أتصل تاني."
أغلقت حنين الهاتف بيأس، تذكرت الليلة الماضية وابتسمت لنفسها في خجل.
قررت أن تمضي الوقت وهي تجهز البيت وتتزين من أجل عودة عمر، لكن بعد أقل من ساعة سمعت صوت مفتاح عمر يلف في الباب. ركضت إلى الباب بلهفة ووجدت عمر يفتح الباب بابتسامة. ألقت بنفسها بين ذراعيه وأحكم هو قبضته حول خصرها وهمس وهو يدفن رأسه بين عنقها:
"مقدرتش تقوليلي محتاجالك ومجيش. مقدرتش أستنى لأخر اليوم."
همست ويداها ملتفتين حول عنقه وتقف على أطراف أصابعها:
"وشغلك عملت فيه إيه؟"
ابتسم وهو يضع قبلة رقيقة على عنقها:
"مفيش حاجة أهم منك، أخدت إجازة وجيتلك على طول."
فرت منها دمعة خبتها سريعا في عنقه وقالت:
"حسيت إن روحي خرجت وراك لما سبتني الصبح، مكنتش مستعدة إنك تسيبني وتخرج بالسرعة دي."
ابتعد عنها قليلاً، حاوط وجهها بكفيه ونظر في عينها:
"أنا هنا، جيت عشان أنسي أي حاجة وحشة عدت في حياتك قبل كده. هنا ومش هاسيبك أبدًا."
ابتسمت حنين، لكن عيناها كانت ممتلئة بمشاعر الامتنان والحب. مال بوجهه ووضع قبلة رقيقة على شفتيها، احمرت وجنتاها لكنها قالت بمرح:
"تحب تتغدى إيه؟"
ضحك عمر:
"أوه، قتلتِ اللحظة الرومانسية."
ابتعد عنها وهو يخلع ساعته ويتجه نحو غرفة النوم، لكنها لحقت به بهدوء من خلفه، أمسكت طرف جاكيت بدلته و هي تخلعه عنه. وضعت الجاكيت بعناية على العلاقة ورتبته باهتمام، ثم اقتربت من عمر الذي كان يجلس على طرف السرير و يخلع جواربه. ابتسمت له بحنان وهي تمد أناملها وتبدأ في فك أزرار قميصه الأبيض، فابتسم بدوره وجذبها لتجلس على ركبته وهمس لها قبل أن يضع قبلة طويلة دافئة بين شفتيها:
"أنا جوعان لحبك يا حنين."
أغمضت حنين عينيها واستسلمت لمشاعر الشوق والحب التي تغمرها وهي بين أحضان عمر.
***
وقف يوسف في الحرم الجامعي ينظر إلى المكان الذي اعتاد أن يلتقي مع لارا وأصدقائه به. ابتسم في نفسه ابتسامة ألم. وقبل أن يتجه نحو سيارته استوقفه صوت نسائي يهتف باسمه. التفت فوجدها فتاة جميلة، شعرها الأسود منسدل على ظهرها بخفة، ملامحها الشرقية وعيناها السوداوان تجذبان كل من ينظر لها. اقتربت منه وهي تحاول التقاط أنفاسها وقالت:
"بشمهندس يوسف. الحمد لله إني لحقتك قبل ما تمشي."
ابتسم يوسف برزانة، يحاول أن يتذكر اسمها لكن دون جدوى. ملامحها ليست غريبة عليه لكن ذكراها مشوشة في عقله. حين استشعرت هي بعدم تذكره لها هتفت:
"بشمهندس أنا يارا. لما كنت في آخر سنة أنا كنت في سنة أولى. مش فاكرني."
لعن يوسف في نفسه ذلك المكان وكل ما يحيط به يذكره بلارا.
ابتسم يوسف ومد يديه يصافحها، فأردفت بابتسامة:
"الندوة بتاعتك كانت حلوة أوي. دايما كنت بستفاد منك."
ابتسم يوسف بخفة:
"شكرًا."
همست يارا بدلال مفتعل:
"شكلك مش فاكرني يا بشمهندس يوسف."
نظر لها يوسف مليًا وقال:
"أنتي عارفة في الجامعة الواحد بيعرف ناس كتير."
همست يارا بوله:
"بس اللي زيك ميتنسوش أبدًا." ثم أردفت بارتباك: "هو انت هتمشي؟"
ضحك يوسف بخفة وقال مستنكرًا:
"هاحضر معاكوا المحاضرات يعني. لازم أمشي عندي شغل."
نظرت يارا إلى عينيه وقالت:
"هو أنا ينفع آخد رقم تليفونك؟"
نظرات الاستغراب بعين يوسف كانت رداً كافياً لها، فأردفت بنبرة مرتبكة تحاول أن تبرر جرأتها:
"أنا بس يعني كنت عايزاه لو احتجت أكلمك لو في حاجة واقفة قدامي تشرحهالي وكده."
ابتسم يوسف برزانة، سحب الهاتف من يدها، سجل لها رقم هاتفه، ثم ناولها الهاتف من جديد بنفس الابتسامة وهتف:
"باي."
انطلق يوسف إلى سيارته دون أن ينتظر منها ردًا، تركها تقف تنظر إلى أثره بابتسامة، ثم رفعت هاتفها إلى أنفها تستنشق رائحة عطره المميزة التي أمسكت بهاتفها.
أغمضت عينيها لثوان تحاول أن تنظم ضربات قلبها التي بعثرها لقاءه.
***
في المساء، بينما كان يجلس يوسف في منزله شارد الذهن، يشاهد التلفاز مع والديه. وجد هاتفه يضيء برسالة جديدة. فتحها بملل، كان رقمًا غير مسجل بسجل هاتفه لكنه عرفها على الفور من صورتها على الحساب. لم تكن سوى يارا. وكأن المحادثة جارية بينهما منذ زمن. كانت رسالتها: "صاحي؟"
تعجب يوسف في نفسه من جرأتها، لكنه أجاب برد مقتضب، حرفان لا أكثر: "آه."
باغتته بسؤالها التالي فأرسلت له:
"- كنت عايزة أسألك سؤال. هو انت فعلاً سينجل؟"
"- ليه؟ عندك ليا عروسة!"
"- نص بنات دفعتي كانوا بيكراشوا عليك، وبعد النهاردة الكلية كلها بقت تكراش عليك. بس انت كنت دايما مركز مع واحدة بس."
"- طمني بنات الكلية، أنا وحيد وزهقان."
"- لأ طالما زهقان يبقى أنا عندي علاج للزهق."
"- إيه؟"
"- نتعشى سوا بكرة. أعرف مكان هيعجبك أوي."
"- موافق بس أنا اللي هاعزمك."
"- موافقة."
"- أشوفك بكرة."
"- هبعتلك لوكيشن المكان الصبح."
وضع يوسف الهاتف جانبًا وشرد من جديد، لكن هذه المرة كانت على وجهه ابتسامة.
نظرت له نور بترقب وقالت:
"لارا؟"
رفع عينيه إليها وقال بحنقة:
"لأ يا أمي. أنا هاقوم أنام. تصبحي على خير."
تركها يوسف واتجه ناحية غرفته.
في مساء اليوم التالي، استعد يوسف للقاء يارا بقلب متردد. دخل إلى المطعم يبحث عنها بعينيه في كل مكان، وحين لم يجدها جلس إلى أقرب طاولة. بعد دقائق بسيطة دخلت يارا إلى المطعم، ترتدي فستانًا بسيطًا باللون الأزرق الملكي يصل إلى ركبتيها، ومنسدلًا بإتقان حول جسدها فاظهر جسدها المتناسق، ورفعت شعرها إلى أعلى. أقبلت على يوسف بعينين لامعتين وابتسامة محببة كست ملامحها.
هتفت يارا وهي تمد يديها تصافح يوسف:
"اتأخرت عليك؟"
ابتسم يوسف بخفة وقال:
"لو اتأخرتي عشان تبقي بالحلاوة دي فأنا معنديش مانع."
ابتسمت يارا بخجل، سحب يوسف الكرسي لها لتجلس. جلست أمامه وأخذا يتبادلان أطراف الحديث. تحدثا عن الجامعة والدراسة وعمل يوسف. لكن فجأة توقفت يارا عن الحديث وقالت بتلقائية وهي تنظر إليه:
"هو انت فعلاً كنت بتحبها؟"
تصنع يوسف الغباء وقال:
"مين؟"
يارا:
"مراتك. أقصد يعني اللي كانت مراتك."
تنهد يوسف وقال:
"بصي يا يارا. أنا بحاول أبدأ من جديد وأنسى سنين كتير عدت عليا. مش عارف هانجح في ده ولا لأ بس بحاول."
يارا:
"عمومًا أنا جنبك وممكن أساعدك تخرج من الحالة اللي أنت فيها."
ابتسم يوسف ولم يعقب، لكنه كان شارد الذهن بباقي اللقاء، حتى انصرفت يارا تمضي في طريقها.
وفي طريق العودة للمنزل أختلى يوسف بمشاعره، همس محدثًا نفسه بصوت مكسور:
"قدرتي إزاي يا لارا تعمليها؟ قدرتي إزاي تقابلي راجل تاني. أنا مش عارف أعملها بعد ما طلقنا. وأنتي عملتي ده بكل سهولة واحنا مع بعض."
سقطت دمعة من عين يوسف رغماً عنه، وهمس لنفسه:
"ضيعتي اللي بينا وأنا اللي الكل بيلوم عليا."
أغمض يوسف عينيه للحظة وعاد ينظر إلى الطريق أمامه وهو يقود شارد الذهن يسترجع ذكرياته مع لارا.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اميرة احمد
بينما كانت ليلي مستلقية على الأريكة في المنزل، كانت تشعر بانقباضات خفيفة منذ الصباح لكنها كانت تتجاهلها. لم ترد أن تقلق أنس خصوصًا أنه في الآونة الأخيرة يقلق عليها أكثر من المعتاد.
لكن مع مرور الوقت بدأ يزداد الألم وتزداد الانقباضات. حاولت النهوض كي تتحرك في المنزل عل حركتها تخفف الألم، لكن مجرد أن حاولت النهوض داهمها وجع مفاجئ فتأوهت بصوت منخفض.
دخل أنس الغرفة على أثر صوتها، لاحظ ملامحها المتألمة. أسرع إليها وأمسك يدها وقال بصوت وضح فيه القلق:
ليلي مالك؟ حاسة بوجع.
نظرت إليه، حاولت الابتسام لكن باغتها الألم مرة أخرى فأطلقت صرخة مدوية وقالت وهي تحاول تنظيم نفسها:
مش عاوزة أقلقك بس شكلي باولد.
انتفض أنس وكأن الكهرباء مسكت في جسده، وقال باضطراب:
طب يلا بسرعة على المستشفى.
دخل مالك وجميلة إلى منزل أنس بعد أن تلقى مالك مكالمة سريعة من أنس. وضع مالك كفه على كتف أنس محاولًا تهدئته وقال بنبرة هادئة:
أهدي يا أنس... توترك ده مش هيخليك تعرف تتصرف.
قال أنس بضيق:
اهدي ازاي بس وأنا شايفها بتتوجع كده... يلا بالله عليك على المستشفى بسرعة.
وضع أنس مفاتيح سيارته في يد مالك وقال:
مش هاقدر أسوق، سوق انت العربية.
هتفت جميلة:
طيب يلا بينا... أنا هاخد شنطة البيبي وأنت ساعدها لحد العربية.
بينما كان أنس يحاول أن يساعد ليلي على النهوض ضحكت بخفة محاولة تخفيف حدة توتر أنس وقالت:
بذمتك أنت بتحقق في جرايم ومجرمين كل يوم وأنت مش قادر تمسك نفسك كده... ده أنت مرعوب أكتر مني.
نظر لها أنس بعينين ممتلئتين بالحب الممزوج بالقلق وقال:
أنا هاموت من القلق عليكي.
توجهوا بسرعة إلى السيارة، حاول مالك أن يقود بأقصى سرعة ممكنة، بينما جلس أنس إلى جوار ليلي في الخلف يمسك بيدها ويحاول أن يساعدها أن تنظم نفسها.
عندما وصلوا إلى المستشفى، ازداد توتر أنس وهو يسأل كل طبيب وممرضة عن حالة ليلي، يسمع صرخاتها من خلف الباب فيفرك يديه أكثر ويزداد توتره أكثر. كانت كل محاولات مالك لتهدئته تبوء بالفشل، بينما انزوت جميلة في مقعد صغير بالممر أمام غرفة ليلي تبكي من شدة قلقها.
بعد دقائق طويلة مرت عليهم، سمع الجميع صوت بكاء صغير من خلف الباب. تجمد أنس في مكانه للحظة يحاول استيعاب ما سمعه للتو. أسرعت جميلة إلى مالك الواقف إلى جوار أنس ونظرت إليه بسعادة وعين دامعة وهتفت:
الحمد لله البيبي وصل بالسلامة.
بعد لحظات فتح الطبيب باب الغرفة نظر إلى أنس بسعادة وقال:
ألف مبروك... جالك ولد زي القمر.
صاح أنس:
ليلي يا دكتور طمني عليها.
الطبيب:
الحمد لله بخير وزي الفل.
اندفع أنس إلى الغرفة يطمئن على ليلي، بينما نظرت جميلة إلى مالك نظرة ضعف كانت ذات مغزى. حملت نظرتها الكثير من المشاعر المتضاربة بين السعادة والحزن والألم والاحتياج. فهمها مالك على الفور دون كلمات، ضمها إلى صدره ووضع قبلة حانية على وجنتها وهمس:
قريب يا حبيبتي إن شاء الله.
في داخل غرفة ليلي بالمستشفى. كانت ليلي مستلقية على السرير، ملامحها يبدو عليها التعب والارهاق. وقف أنس على باب الغرفة ينظر إليها بحب. اقترب منها بخطوات بطيئة ينظر إلى عينيها المرهقتين وتلك الهالة السوداء المحيطة بها وهمس:
أنتي كويسة؟
ابتسمت بهدوء وقالت:
الحمد لله.
نظر أنس إلى الرضيع بين ذراعيها بابتسامة ثم نظر إليها وهو يجلس بجوارها على طرف السرير. مد كفه فتحسس أنامله الصغيرة وسرعان ما تمسك الطفل بكفه كاملة بسبابته. ابتسمت ليلي وقال بنبرة ضعيفة:
شوفت... الولد عارفك.
وضع أنس قبلة رقيقة على جبين الصغير وارتفع ليضع قبلة حانية على رأس ليلي وهمس:
أنتم كل حياتي يا ليلي.
نظر أنس إلى الصغير بين ذراع ليلي وقال مازحا:
أنتي عارفة أنه شبه مالك أوي.
ضحكت ليلي، بينما سمعوا طرقات خفيفة على الباب. سمح لهم أنس بالدخول فدلف مالك ومن خلفه جميلة.
اقتربت جميلة من ليلي وصاحت بحب وهي تضمها إلى صدرها:
حمد الله على سلامتك يا لولا... ما شاء الله البيبي زي القمر.
بينما ضحك مالك بخفة وقال:
هتسميه إيه بقى يا باشا؟
نظر أنس إلى ليلي وغمز لها وقال مازحا:
هنسميه مالك.
ضحك مالك وهتف:
لالالالالا أنسي... تسمي ابنك مالك وتبقي مستني إني لما أخلف إن شاء الله أسمي ابني أنس والدوامة مش هتخلص... لا يا عم شوف لك اسم تاني.
ضحكت ليلي بضعف وقالت:
طيب نعمل إيه يا مالك إذا كان الولد شبهك أوي.
اقترب مالك وحمل الصغير بين ذراعيه، نظر إليه بكل حب ووضع قبلة فوق رأسه. وضع الطفل بين يدي أنس وقال بعينين لامعتين:
سميه سليم.
ابتسم أنس وهو يقول:
سليم المصري.... شغال برضه، ثم نظر إلى ليلي وقال: إيه رأيك يا أم سليم.
ضحكت ليلي:
موافقة بس بلاش أم سليم دي.. أسمي ليلي وهافضل ليلي لو عندي 100 طفل.
ضحك الجميع بسعادة وهم يداعبون سليم الصغير.
دخلت سارة غرفة لارا بهدوء. وجدتها كالعادة تبكي بصمت، هتفت سارة:
قومي يا لارا علشان نتغدى.
رفعت لارا عينيها وقالت من بين دموعها:
مليش نفس يا ماما.
اقتربت منها سارة وجلست على طرف سريرها وقالت:
حبيبتي مش هينفع كده... أنتِ من يوم.... ابتعلعت سارة كلماتها وصمتت قليلا، ثم قالت: أنتِ مبتاكليش ومش بتهتمي بصحتك، ودايمًا قافلة عليكي باب أوضتك يا بتبكي يا نايمة.. مش هينفع كده.
قالت لارا بصوت مبحوح:
بس أنا يا ماما مش عايزة أعمل حاجة... مش عايزة أعيش... يوسف برضه مش بيرد عليا.. مش عايز يسامحني يا ماما.
قالت سارة والدموع بعينيها:
خلاص يا حبيبتي انسيه وكملي حياتك.
لارا:
مش قادرة يا ماما، وأنا عارفة إن أنا اللي جرحته... بس هو برضه جرحني أوي إنه بسهولة كده طلقني وسابني.
ربتت سارة عليها وقالت:
قومي يا حبيبتي ناكل، وتعالي بعديها نقعد نفكر إزاي ممكن تبدأي حياتك من جديد.
جلست سارة ولارا على السفرة مع أخواتها الصغار. ما إن قربت لارا الطعام من فمها، حتى أسرعت إلى الحمام تفرغ كل ما في معدتها، تبعتها سارة بقلق. وحين انتهت نظرت إلى والدتها وقبل أن تقول شيئًا فقدت الوعي.
حملتها سيارة الإسعاف إلى المستشفى. وفي المستشفى بعد التحاليل والفحوصات دخل الطبيب إلى الغرفة وحين وقعت عين سارة على الطبيب اقتربت منه وهتفت:
طمني يا دكتور.
ابتسم الطبيب بخفة وهو يطالع الأوراق في يده وقال:
مفيش أي حاجة تقلق... اللي هي فيه ده طبيعي جدًا مع الحمل، هي بس محتاجة تاكل كويس وترتاح وتخلي بالها من نفسها أكتر.
اتسعت حدقتي سارة في ذهول، بينما لجمت الصدمة لارا فلم تجد كلمات ترد بها، لكن هتفت سارة بصدمة بدت واضحة على نبرتها:
حمل إيه يا دكتور؟
الطبيب:
مدام لارا حامل تقريبًا في الشهر التالت.. ده التقرير اللي كتباه طبيبة النسا اللي كشفت عليها.
تبادلت لارا وسارة النظرات وكان الصمت هو سيد الموقف.
بعد أن انصرف الطبيب، واطمأنت سارة على صحة لارا، عادتا معًا إلى المنزل. بمجرد أن دخلت لارا غرفتها، جلست سارة إلى جوارها. رفعت لارا عينيها وتساءلت بنبرة مكسورة:
أقوله يا ماما؟
ربتت سارة على كتفها بحنان وقالت:
حبيبتي هو لازم يعرف.. ده ابنه أو بنته.
لارا:
بس أنا خايفة يا ماما.... خايفة من رد فعله، وخايفة يفتكر أني بعمل كده علشان نرجع لبعض.
ابتسمت سارة بألم وقالت:
يا لارا هو لازم يعرف مش هينفع نخبي عليه، وزي ما يكون رد فعله، إحنا كلنا معاكي.
أمسكت لارا بهاتفها وقالت:
طيب أنا هاكلمه وأقوله.
خرجت سارة من الغرفة لتعطي الحرية لـ لارا في الحديث مع يوسف، علها تستطيع أن تعيد إليه صوابه بهذا الطفل، الطفل الذي أشفقت عليه أن يأتي إلى الدنيا فيجد والده ووالدته منفصلين.
بعد عدة دقائق، سمعت سارة صوت بكاء وشهقات لارا عاليًا، دخلت إليها وجدتها تبكي بلا توقف. ضمتها سارة إلى صدرها، فقالت لارا من بين دموعها:
عامل لي بلوك يا ماما.
ضمتها سارة أكثر إلى حضنها وقالت بصوت ضعيف:
متضايقيش نفسك يا حبيبتي أنا هاتصرف.
ضمتها سارة في صمت وهي تشعر بألمها، وتتمنى لو تستطيع أن تمحي ذلك الألم القابع بقلبها. يتملكها الغضب من يوسف، تعود إليها صدمات الماضي حين طلقها زياد بلا نقاش تمامًا كما فعل ابنه، لكنها لم تكن تشعر تجاهه بنفس الحب الذي تشعر به لارا تجاه يوسف.
في المساء. حين عاد فارس من عمله يشعر بالإرهاق، وبمجرد أن أدار مفتاحه في الباب ودخل، انطلقت حياة تركض تجاهه بشغف، تعلقت بعنقه كطفلة صغيرة، لفت ساقيها حول خصره وهتفت وهي تضع قبلة على وجنته:
وحشتني أوي يا فارس.
ضحك فارس بخفة وهو يحكم ذراعيه حولها وقال:
وده من إيه؟ مكملتش 12 ساعة بره!
قبلته حياة مرة أخرى وهمست:
هو أنا موحشتكش؟
فارس:
وحشتيني يا حبيبتي.
مشي بخطوات بطيئة وهو يحملها حتى جلس على أقرب مقعد، تطلع إليها مليًا ثم قال ولازالت الابتسامة مرتسمة على وجنتيه:
حياة.... هو ده القميص الأبيض بتاعي؟
ضحكت حياة بخفة وأومأت برأسها بالإيجاب. فصاح فارس:
حياة أنا كويت القميص علشان ألبسه بكرة في الجامعة... أعمل فيكي إيه بس.
تدللت عليه حياة وقالت:
عجبني فا لبسته، بعدين أنت كنت واحشني فأنا لبسته علشان أفتكرك.
ضحك فارس ملىء فاه، ثم نظر إلى حياة بتمعن وهمس:
أنتي بقيتي كده إمتى يا حياة؟ فين البنوتة الصغيرة اللي جت معايا من مصر؟
ابتعدت عنه حياة وتغيرت ملامح وجهها وقالت بخجل:
مش عاجبك؟ أنا بس بحاول علشان أبسطك.
ضمه فارس إلى صدره وهمس بالقرب من أذنها:
أنتي عجباني من غير حاجة يا حبيبتي.... وطبعًا فرحان بالبنوتة الصغيرة اللي بقت أحلى ست بين إيديا... بس الكلام ده جوه البيت بس أنتي سامعة.
ضحكت حياة وهي تبتعد عنه وقالت بدلال:
أنت عارف بره البيت ببقى الشاويش عطية.
فارس:
أيوه كده خليكي الشاويش عطية بره وليا أنا فيفي عبدة.
ضحكت حياة وهي تميل عليه بدلال وتتحسس بأناملها وجنتيه:
علشان العيون الحلوة دي متبصش بره.
ابتسم فارس حتى ظهرت غمازتيه وقال:
طيب ينفع أبص بره وأنا معايا القمر ده.
أمسكت بيده وجنته وقالت بمداعبة طفولية:
أعمل إيه أنا في الغمازتين اللي بيجننوني.
ضحك فارس بخفة:
حياة أنتي شاربة إيه النهاردة؟ ولا واخدة حبوب شجاعة ولا في إيه؟
عقدت حاجبيها بطفولة وقالت:
زهقانة يا فارس... أنت معظم اليوم يا في الشغل يا في الجامعة وسايبني.
فارس:
خلاص يا حبيبتي بكرة أنا هاخد إجازة وهاخدك ونتفسح طول اليوم بكرة... ممكن نروح لندن لو تحبي كمان.
وضعت قبلة على وجنته بطفولة وصاحت:
أيوه كده.
همت أن تنصرف لكن أمسك بتلابيب قميصه الذي ترتديه وقال:
مشوفكيش لابسة قمصاني تاني.
ضحكت وهي تتبختر أمامه وقالت:
بيقولوا سكسي.
لحق بها وهو يضحك:
سكسي إيه ده عليكي جلابية.
وقفت أمامه تضع يديها في خصرها وقالت:
يعني مش عاجبك؟
بعينين لامعتين هتف:
أنتي كلك على بعضك عجباني.
ضحكت وهي تقترب منه وتلف ذراعيها حول عنقه:
المنافسة شرسة أوي يا فارس... البنات هنا زي القمر، وأنت أمور وعنيك تهبل وأنا لازم أخاف.
لف ذراعه حول خصرها وهمس وهو يضع قبلة رقيقة على شفتيها:
بس أنا ميملاش عيني غيرك أنتي.
ابتسمت بهدوء وقالت بدلال وهي تبتعد عنه بخطوات مدروسة:
طيب طالما القميص مش عاجبك أروح أقلعه علشان أحضر الأكل.
صاح فارس وهو يلحق بها:
لأ استني... أنا جاي أشوف موضوع القميص ده.
أسندت حنين رأسها على صدر عمر وهما يجلسان سويا يشاهدان التليفزيون في مساء مميز بينهما، مع هدوء الليل ونسائم الهواء العليلة.
نظر عمر إلى ملامحها الساكنة يتأملها بصمت وهو يعبث بخصلة من شعرها تدلت فوق وجهها، همس لها عمر:
أقولك على سر؟
رفعت عينيها إليه وقالت:
أنت مخبي عني أسرار يا عمر؟
ضحك بخفة وقال:
أنتي عارفة إني حبيتك من أول لحظة شفتك فيها، تقريبًا طلبتك من عمي يوم ما اتولدتي.
ضحكت حنين ورفعت حاجبها باستنكار وقالت بمشاكسة:
يا سلام؟
عمر:
كان عندي وقتها حوالي 7 سنين أو أكبر شوية، جه بابا وقالي تعالي معايا نروح نبارك لعمك علشان جاتله بنت، مكنتش فاهم في الأول، بس لما روحت بيت عمي وشوفتك اتوهمت... عمري ما كنت شفت طفلة بالجمال ده... خدودك كانت حمرا وشعرك ناعم... مكنتيش شبه أي حد أنا شفته في حياتي قبل كده... كنتي جميلة جمال منفرد.... عمي سمحلي إني أشيلك... شيلتك بين إيديا كأني شايل جوهرة... فاكر اليوم ده كويس أوي رغم إني كنت صغير وعدى سنين كتير... وقتها أول ما شيلتك بوست خدك... بابا ضحك أوي وقالي شوفت بقى عندك حد تلعب معاه، بس أنا بصيتله أوي وبصيت لعمي وقولتله أنا مش هلعب معاها أنا هتجوزها.
كانت حنين تستمع إليه بابتسامة والدموع تترقرق بين مقلتيها.
وضع عمر قبلة رقيقة فوق وجنتها وأردف:
من اليوم ده عزمت أمري إنك خلاص مراتي ومفيش حاجة ممكن تقف قدامي... كنت دايما قريب منك، بخلي بالي منك وبحافظ عليكي.
حنين:
أنا فاكرة فعلًا واحنا صغيرين كنت دايما بتجيب لي حلويات، ولو حد زعلني أنت اللي بتقف له... أنا فاكرة مرة لما كنا في المصيف وولد زقني من على العجلة ووقعت اتعورت أنت جيت زعقت له وضربته... يمكن دي كانت أول مرة أشوفك متعصب وبتمد إيدك على حد.
ابتسم عمر نصف ابتسامة حزينة وقال بشجن:
كنتي طول عمرك قريبة مني يا حنين، لحد ما اتخرجت وقررت إني أسافر... كانت دي غلطتي.. كرهت الغربة علشان بعدتني عنك.. كنت غلطان لما سافرت... بس أنا كنت عايز أجيب لك أحسن حاجة وأعمل لك كل اللي بتحلمي بيه.
صمت قليلا ثم أردف:
لو مكنتش سافرت مكنش هيبقي فيه مساحة إن حد تاني يدخل حياتك ... كنت غلطان... لو كنت بس قولت لك عن حبي قبل ما أسافر.... لو....
وضعت كفها على فمه تمنعه من الاسترسال في الحديث ولوم نفسه، ثم قالت ودموعها تسقط على وجنتيها:
لو مكنش كل ده حصل مكنتش هعرف قيمة حبك... مكنتش هحبك زي ما بحبك دلوقتي، ولا كنت هعرف طعم السعادة اللي عايشة فيها معاك.... الوجع هو اللي بيخلينا نحس بقيمة الحاجات الحلوة..... لولا المرار مكناش هنحس بطعم العسل.
بتر كلماتها بقبلة عميقة عبر بها عن مكنون صدره، ثم ابتعد عنها فهمست له:
عمر.
ابتسم وهمس:
قلب عمر... عيون عمر.
حنين:
ممكن توعدني متبعدش عني أبدا.
عمر:
هو أنا أقدر أبعد عنك أصلًا..... بس أنتي كمان لازم توعديني بوعد.
عقدت حاجبيها وقالت:
وعد؟
عمر:
أوعديني إنك تفضلي على طول مبتسمة ومنطلقة وبتحبي الحياة... وإن مفيش أي حاجة في الدنيا تكسرك أبدا مهما كانت.
ابتسمت حنين من وسط دموعها وهي تضع رأسها على صدره مرة أخرى:
أنا قوية بوجودك جنبي... لو أنت مش جنبي كنت أموت.
قبل رأسها وهمس:
بعد الشر عنك يا قلبي.
ثم هتف عمر بمزاح:
بس في حاجة تانية محتاجة توعديني بيها يا حبيبتي.
حنين:
إيه هي؟
قال عمر بحنان:
عايزين نملي البيت ده كله أطفال... أنا موقفي بقي وحش أوي قدام أمي.
ضحكت حنين بشدة:
فاكر لما طنط افتكرت إني حامل.
ضحك عمر بخفة وقال:
أنتي عارفة إنها من ساعتها كل شوية تسألني هو مفيش حاجة جاية في السكة.
ضحكت حنين:
طيب وكنت بتقولها إيه؟
عمر من بين ضحكاته:
كنت بقولها مفيش مواصلات.
ضحك كلاهما، لم يكن تغريهما فقط من يضحك بل كانت قلوبهما تضحك بسعادة... تضحك على الألم الذي غلبه الأمل... والوجع الذي هزمه الحب.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اميرة احمد
عاد مالك من عمله كالمعتاد. لكنه في الأونة الأخيرة شارد الذهن، لا يتحدث إلا قليلاً، حتى جميلة لا تعرف عنه شيئًا. تستنكر تصرفاته بشدة، لكنها لا تتحدث معه حيث أنها مؤخرًا تشعر بتوعك بسيط.
حين دخل مالك عليها غرفة المعيشة، لم تسرع لاستقباله كالمعتاد، فاقترب هو منها ليضع قبلة فوق وجنتها، لكنها ابتعدت عنه كرد فعل تلقائي ووضعت يدها فوق فمها.
اعتدل في وقفته ينظر إليها باستغراب وقال:
في إيه يا جميلة؟ أول مرة تبعدي عني بالمنظر ده.
قالت جميلة وهي تتدارك الأمر:
مش عارفة بس ريحة البرفيوم بتاعك قالبة معدتي.
رفع حاجبه وقال:
بس أنا باستخدم نفس البرفيوم من يوم ما عرفتيني.
ابتسمت جميلة وهي تربت على وجنته:
مش عارفة يا حبيبي، يمكن عندي برد في معدتي. بطني على طول مقلوبة بقالي كام يوم.
مالك:
طيب مقولتيش ليه نروح لدكتور؟
جميلة:
مش مستاهلة يعني، أكيد شوية برد. هبقى كويسة بعد كام يوم.
اقترب منها مالك يضمها إلى صدره وقال:
جميلة متجيش على نفسك يا حبيبتي. لو تعبانة بلاش تكابري وتعالي.
قبل أن يكمل جملته، دفعته جميلة في صدره واتجهت ناحية الحمام تفرغ ما في معدتها.
وقف مالك يشاهدها في ذهول، لكنه قال بحنان وهو يقف أمام باب الحمام:
خلاص لو البرفيوم بتاعي مضايقك أوي كده هادخل آخد دوش حالًا. بس أوعديني لو فضلتِ كده نروح لدكتور يشوفك.
ابتسمت جميلة في ضعف:
خلاص لو فضلت تعبانة نروح لدكتور.
تركته جميلة وتوجهت ناحية المطبخ، بينما ظل مالك يشعر بالحزن من نفور جميلة منه.
في المساء، جلس كلاهما أمام التليفزيون، كل منهما على طرف من الأريكة، كلاهما شارد، عيناه معلقتين على التليفزيون، لكن ذهنه في مكان آخر.
جميلة تشعر بالقلق من تصرفات مالك المريبة مؤخرًا. أحيانًا يتأخر خارج المنزل، وأحيانًا أخرى يتحدث على الهاتف بهمس.
بينما مالك حزين من نفور جميلة منه، لم يعتد منها على هذه التصرفات، خصوصًا في الوقت الذي يحتاجها فيه أن تكون بجواره.
أخرجهم من شرودهم انقطاع الكهرباء المفاجئ. قامت جميلة من مكانها بهدوء وقالت:
أنا هنام.
هتف مالك بنبرة حزينة:
بقيتي بتنامي بدري أوي.
جميلة:
مرهقة شوية.
تنهد مالك وقال:
طيب أنا هادخل البلكونة شوية، الجو هنا حر أوي.
كانت حرارة الجو عالية، وجميلة تتقلب في سريرها لا تستطيع أن تنام من الحر وانقطاع الكهرباء. قامت لتفتح نافذة الغرفة علها تأتيها بنسمة هواء، لكنها صدمت حين سمعت صوت مالك يتحدث على الهاتف بهمس، لكن الصوت كان واضحًا لها.
"لو مناسب يا شيماء هاجي بكرة الساعة 6."
ثم أردف بهمس:
"الساعة 6 مش عايز أتأخر."
كانت مكالمة وجيزة لكنها كانت كفيلة لتشعل النار بداخل جميلة.
عادت جميلة تستلقي على سريرها بشرود، تفكر فيما سمعته لتوها من مالك. من هي شيماء، ولماذا سيلاقيها؟
لم تستطع النوم من كثرة التفكير، كادت أن تخرج وتواجهه لكنها فضلت الصمت. لكن بعد دقائق وجدت مالك يدخل الغرفة ويستلقي إلى جوارها. في البداية ظن أنها نائمة، لكن حين التفت لتواجهه علم أنها لم تنم بعد. قررت جميلة أن تستدرجه لتعرف هل سيقول الحقيقة أم يكذب عليها، فقالت:
مالك... أنا نسيت أقولك ماما عزمانا بكرة على العشا عندها.
مالك:
معلش حبيبتي مش هينفع بكرة، ممكن نخليها يوم تاني.
جميلة:
ليه مش هينفع بكرة؟
مالك:
عندي شغل.
جميلة:
بعد الشغل.
قال مالك بنبرة مرتبكة من التوتر:
بعد الشغل هقابل يوسف.
كاد أن يخرج قلبها من صدرها، لكنها تنهدت وقالت:
متأكد؟
مالك:
آه يا حبيبتي. هو كلمني من شوية وقالي.
جميلة:
ممم ماشي.
صمتت جميلة بألم. لم تنم طوال الليل تفكر في التغيير الذي طرأ على مالك. هل يعرف فتاة أخرى؟ هل انتهى حبها بقلبه؟ وهل بعد كل هذا يتركها وحيدة؟
***
في ظهيرة اليوم التالي، خرج مالك من عمله باكرًا. توجه إلى أحد المقاهي التي كان قد اعتاد أن يلاقي الأصدقاء فيها منذ أيام الجامعة، لكن مؤخرًا بعد طلاق يوسف ولارا تقريبًا انتهت لقاءاتهم وتجمعاتهم، واكتفى مالك بملاقاة يوسف على الأقل مرة كل أسبوع.
دخل مالك بذهن شارد ليحضر قهوته وينطلق في طريقه، لكن وقعت عيناه على يوسف الذي كان يجلس مع يارا. لاحظه يوسف بدوره وارتبك، حيث إنه لم يكن قد أخبره من قبل عن علاقته بيارا.
اقترب مالك من يوسف وسلم عليه، ونظر ناحية يارا بتعجب. فهتف يوسف:
يارا كانت معانا في الجامعة بس بعدينا بكام دفعة. اتعرفت عليها لما كنت في الندوة.
نظر لها مالك شزرًا ثم قال بحدة:
أهلًا.
ابتسمت يارا بخفة وأومأت برأسها ولم تعقب. جذب مالك يوسف من ذراعه وابتعد قليلاً عن يارا وقال بحدة بصوت هامس:
أنت بتعمل إيه يا يوسف؟
يوسف ببرود:
بعمل إيه؟
مالك بحدة:
اللي بتعمله ده غلط يا يوسف. مين دي؟ حتى لو أنت عايز تتعرف على واحدة جديدة أدي نفسك فرصة. مينفعش كده، أنت ماعداش كام شهر على طلاقك أنت ولارا. أكيد مش بالسهولة دي نسيتها.
يوسف:
عادي. أصلًا تلاقيها معاه دلوقتي. مش قاعدة مستنية إني أرجع لها يعني.
تنهد مالك بألم وقال:
يوسف أنت محتاج تكلم لارا.
يوسف:
مفيش بيني وبينها حاجة علشان أكلمها.
مالك بسرعة:
لأ في. ثم زفر تنهيدة حارة وقال: والله لولا إن جميلة ولارا حالفيني إني مقولكش كنت قولتلك. بس أنت محتاج تكلمها وتعرف منها.
ثم نظر مالك ناحية يارا وقال:
هو انت واخد بالك إنك بتظلم واحدة معاك ملهاش أي ذنب، وواضح إنها معجبة بيك بجد. هي عارفة إنك بتنسي بيها واحدة تانية؟ مش واخد بالك إنها عاملة في نفسها كل حاجة علشان تبقى شبه لارا وتعجبك؟ يعني حتى لو أنت معجب بيها فانت مش معجب بيها هي. فاهم ده؟
قال يوسف بحدة:
وانت بقى سايب شغلك وجاي هنا علشان تقولي الكلمتين دول؟
مالك بألم بدا واضحًا على نبرة صوته:
أنا كنت معدي عادي قولت أدخل أجيب قهوة، بس يمكن ربنا كان بعتني علشان أفوقك. بس أنا مش هبقى هنا دايما يا يوسف علشان أفوقك.
قال مالك كلماته وأخذ قهوته وانصرف. عاد يوسف يجلس مع يارا بذهن شارد. لاحظت هي شروده فقالت:
في إيه يا يوسف؟ اتضايقت إن صاحبك شافنا سوا؟
ابتسم يوسف نصف ابتسامة وقال:
ليه هو إحنا بنعمل حاجة غلط علشان أتضايق إن حد يشوفنا.
اتسعت ابتسامتها وقالت:
أنا قولت كده برضه. طيب قولي سرحان في إيه؟
لاحظ يوسف تسريحة شعرها التي كانت هي تمامًا نفس تسريحة شعر لارا، فقال بتلقائية:
يارا هو أنتي بتحاولي تبقي شبه حد؟
عقدت حاجباها لثانية، ثم فهمت ما يرمي إليه فرفعت حاجباها وقالت بحدة:
مش يمكن أنت اللي عايز تشوفني شبه حد؟
تنهد يوسف بألم ثم صمت. أخرجت يارا هاتفها ووضعته أمام يوسف وقد فتحته على صورة لها وهي صغيرة قالت وهي تشير إلى صورتها:
أنا بعمل نفس التسريحة دي من وأنا في تانية إعدادي.
تنهد يوسف وقال:
أنا آسف.
مدت يارا يدها وأمسكت بيده الموضوعة على الطاولة وقالت:
متعتذرش. أنا مقدرة اللي أنت فيه. ومعاك لحد أما تعدي كل ده.
ابتسم يوسف ولم يعقب، فهتفت:
يلا نمشي من هنا. المود مبقاش حلو هنا.
قامت يارا واتجهت ناحية الباب وتبعها يوسف بلا كلمات، لكن الصخب داخل عقله كان أقوى من أن يسكته. كلمات مالك عبثت براحة قلبه الذي كان يخدره منذ فترة.
***
جلست جميلة مع ليلي في شقة الأخيرة. قالت ليلي وهي تضع أكواب العصير أمامهما:
مش كفاية أكل بقى ولا إيه يا جميلة.
قالت جميلة وهي تضع قطعة من الساندويتش بفمها:
انتي عارفة أنا بقالي كام يوم مبآكلش. ما بصدق مالك مش في البيت علشان آكل. لما بيكون جنبي معدتي بتتقلب ومش طايقة حتى ريحة نفسه.
نظرت لها ليلي مليًا، ثم قالت:
جميلة أنتي ممكن تكوني حامل على فكرة.
اتسعت عين جميلة وهتفت:
تفتكري؟
قالت ليلي وهي ترتشف رشفة من العصير:
طبعًا ممكن. أنا كنت كده وأنا حامل في سليم. كنت على طول قرفانة من أنس.
شردت جميلة قليلاً، فهتفت ليلي:
بصي أنا عندي جوه اختبار حمل كنت جايباه من وقت الحمل، هقوم أجيبهولك وابقي اعمليه واتأكدي.
قامت ليلي من مكانها وبعد دقائق عادت تحمل الاختبار في يدها، ناولته لجميلة وهتفت:
بس اعمليه الصبح بلاش دلوقتي.
أومأت جميلة برأسها وهي تأخذه منها. وقبل أن تجلس ليلي بجوارها مرة أخرى سمعوا بكاء سليم. هتفت ليلي وهي تتجه نحو غرفته:
بجد ملحقتش أقعد شوية. مش متهنية على كوباية العصير.
عادت ليلي وهي تحمل الصغير وتهدنه بين يديها. مدت جميلة يدها وأخذت سليم بين ذراعيها بحنان تقبله وتلاعبه. ابتسمت ليلي وهي تنظر إليها وقالت:
والله يا طولت بالك معاه يا جميلة. أنا مبستحملش الزن والعياط بس أنتي بتعرفي تسكتيه. ياريتك تبقي موجودة بالليل وتنيميه كمان.
ضحكت جميلة بخفة وقالت:
خلاص سيبه يبات معايا النهاردة. ده مالك هيفرح أوي.
ليلي:
ياريت. بس انتي عارفة أنس مش هيرضى خالص. نفسي يوم واحد حياتنا ترجع زي قبل ما سليم ييجي. أنا وأنس بس. هو الحمد لله طبعًا، بس أحيانًا بافتقد الهدوء.
ابتسمت جميلة بألم:
تعالي خدي شوية هدوء من اللي أنا ومالك عايشين فيهم.
أمسكت ليلي يد جميلة فقد استشعرت شيئًا مختلفًا في جميلة وقالت:
في إيه يا جميلة حاسة إن في حاجة مضيقاكي.
تنهدت جميلة بألم وقالت:
أنا حاسة في حاجة متغيرة في مالك ومش عارفة إيه هي. حاسة إنه بطل يحبني.
ليلي:
انتي مجنونة؟ أنا عمري ما شفت حد بيحب زي ما مالك بيحبك.
جميلة:
معرفش، بس هو متغير. يمكن زهق.
قالت ليلي باستنكار:
منك؟
رفعت جميلة كتفيها وقالت:
جايز.
ضحكت ليلي وقالت:
وحتى لو زهق منك، جددي من نفسك يا جميلة. أعمليله حاجة جديدة، اشتري لبس جديد. ارقصي له يا جميلة.
ضحكت جميلة:
انتي فايقة والله العظيم.
شعروا بمفتاح أنس يدور في الباب. رفعت جميلة حجابها فوق رأسها. دخل أنس عليهما ومجرد أن وقعت عيناه على سليم حمله وظل يقبله ويلاعبه بسعادة. ضحكت جميلة وهتفت:
طيب مش تقولي حتى ازيك يا جميلة؟
ذمت ليلي شفتيها وقالت:
هو كده أول ما بيشوف سليم بينسى الدنيا، حتى أنا مبقاش يهتم بيا زي الأول.
ضحكت جميلة بشدة وقالت لإثارة حنقت ليلي:
غيري من نفسك يا ليلي.
ضحكت ليلي بدورها، بينما أنس ظل يراقبهم ولم يفهم مزحتهم.
اتجهت جميلة ناحية الباب وهتفت:
يلا أنا هطلع شقتي بقى، مالك زمانه على وصول.
انطلقت جميلة إلى شقتها وهي تنظر على اختبار الحمل الذي بين يديها بأمل.
***
عاد مالك إلى المنزل بقلب وجل، متردد وعلامات الحزن بادية على وجهه لا يستطيع أن يداريها. دخل بقلب مثقل بالهموم، لكنه وجه جميلة تستقبله بحفاوة ومرح، كان في عينيها لمعة لم يلمحها منذ وقت طويل، وعلى عكس قلبه المثقل بالهموم كان قلبها ممتلئ بالسعادة. كان مظهر جميلة مختلفًا، ترتدي قميصًا باللون الأسود شفاف، وأحمر شفاه باللون الأحمر، وتركت شعرها منسدلًا خلف ظهرها تمامًا كما يحبه مالك. اقتربت منه مجرد أن دخل إلى المنزل وهتفت بدلال:
مالك أنا في حاجة مهمة لازم أقولك عليها.
نظر إليها بألم وقال:
وأنا كمان في حاجة لازم أقولك عليها.
صاحت جميلة بسعادة:
موافقة بس أنا هاقول الأول علشان مهما تكون الحاجة اللي هتقولها مش أهم من اللي هاقوله.
أومأ مالك برأسه وصمت، لكن قبل أن تتفوه جميلة بكلمة سمعوا طرقات على الباب وصوت أنس وليلي يبدو عاليًا.
ابتسم مالك نصف ابتسامة لجميلة، وقال:
ادخلي أنتي جوه دلوقتي. واضح إن أنس وليلي في حوار معاهم ونكمل كلامنا بعدين.
شعرت جميلة بالضيق، حيث أنها لم تستطع أن تخبر مالك بالخبر الذي سيقلب حياته رأسًا على عقب. دخلت غرفة نومها وأغلقت الباب خلفها.
حين فتح مالك باب الشقة، وجد ليلي تقف على الباب وتحمل سليم بين يديها، ومن خلفها أنس وكانوا في حالة شجار. ومجرد أن فتح مالك الباب، وضعت ليلي سليم بين ذراعيه والتفت إلى أنس وقالت بحدة وصوت عالٍ:
بطل أسلوبك الهمجي ده.
صاح أنس بدوره:
قولتلك قبل كده يا ليلي متستفزيش غيرتي.
ليلي بحدة:
انت اللي بقيت مجنون رسمي.
كان مالك يقف يشاهدهما في عدم فهم. أخيرًا صاح:
هو في إيه يا جماعة؟
نظرت ليلي إلى مالك وكأنها للتو أدركت وجوده وقالت بحدة:
أخوك يا بشمهندس شافني واقفة مع مديري القديم قابلته صدفة وأنا خارجة من السوبر ماركت، جه بمنتهى العصبية ومن غير ما يفهم راح ضربه علشان واقف بيتكلم معايا.
صاح أنس بحدة:
وهو أنا لما أشوفك واقفة بتضحكي وتهزري مع واحد مفروض مني أجي أعمله كشف هيئة. ما طبيعي هاضربه وأكسر عضمه كمان.
ابتسم مالك رغما عنه وقال بهدوء:
طيب ادخلي يا ليلي لجميلة، هي جوه.
دقت ليلي باب غرفة النوم، ودخلت على جميلة وهي تتمتم:
إنسان مستفز، بيضرب قبل ما يفكر.
نظرت ليلي إلى جميلة التي كانت تربط مئزرها حول خصرها، وعلامات الضيق مرتسمة على وجهها. وقال بخفة:
واضح إننا جينا في وقت مش مناسب.
كانت علامات الضيق على وجه جميلة ردًا كافيًا على ليلي، لكنها قالت بفتور:
لأ عادي.
حاولت ليلي أن تخفف من حدة عبوس جميلة فقالت مازحة وهي تمسك طرف مئزر جميلة:
عادي إيه، قوليلي يا جوجو مش تحت الروب ده قميص نوم ساخن برضه.
بدأت دموع جميلة تنزل على وجنتيها ولم تعقب. قالت ليلي بقلق:
أكيد يعني اليوم مكنش فارق معاكي أوي كده لدرجة إنك تعيطي.
نظرت ليلي حولها على غرفة النوم، فلم تلحظ حين دخلت. الورود والبالونات المعلقة في كل مكان بالغرفة. نظرت لها ونظرت إلى جميلة مرة أخرى، وضعت يدها على فمها وصاحت:
جميلة انتي حامل؟
ازداد بكاء جميلة وهي تومئ برأسها بالإيجاب. ضمتها ليلي إلى صدرها وقالت بحنان:
مبروك. والله أنا آسفة حقك عليا. أنا هاخد أنس وننزل حالًا.
مسحت جميلة دموعها وقالت:
أنا مش زعلانة منك، أنا لسه مقولتش لمالك أصلًا. بس مش عارفة بعيط ليه دلوقتي.
ضحكت ليلي بخفة وقالت:
دي الهرمونات يا جوجو.
ضحكت جميلة من بين دموعها، بينما قامت ليلي من مكانها وقالت:
أنا هاخد أنس وننزل دلوقتي.
جميلة:
استني بس انتوا مش زعلانين؟
ليلي:
أنا هعرف أصالحه إزاي.
خرجت ليلي من الغرفة وتركت جميلة تقف في مكانها. أسرعت ليلي إلى أنس الذي كان لا يزال يهتف بحدة مع مالك، لكنه تسمر في مكانه حين مالت عليه ليلي ووضعت قبلة فوق خده وقالت:
أنا آسفة يا حبيبي انت عندك حق.
نظر إليها أنس بريبة وعدم فهم، لكنها لم تعره اهتمامًا. التفتت إلى مالك وأخذت سليم من بين ذراعيه وأمسكت بيد أنس وقالت:
يلا يا حبيبي ننزل بيتنا نكمل كلامنا تحت.
قام أنس معها ومشي خلفها بنظرات ذهول مرسومة على وجهه، وكذلك مالك كان يشاهدهما في ذهول. لكن على باب الشقة التفت أنس إلى مالك من خلف ظهر ليلي وأشار له بيده علامة على الجنون، فانفجر مالك ضاحكًا.
أغلق مالك الباب خلفهما وتنهد بألم. خرجت جميلة من الغرفة وهي تهتف بدلال:
ها نكمل كلامنا؟
نظر لها مالك نظرة مكسورة كلها ألم وقال:
اقعدي يا جميلة علشان أقولك اللي عايز أقوله.
جلست جميلة على الأريكة، بينما مالك واقفًا أمامها يحاول أن يرتب كلماته، لا يعرف كيف يقول ما هو على وشك قوله. تنفس بعمق وقال:
جميلة أنا...
قاطعته جميلة بحماس وقالت بنبرة سعيدة:
أنا حامل.
اتسعت حدقتا مالك، ووقف ينظر إليها في ذهول وهو يحرك رأسه وقال:
مش هينفع.
نظرت إليه جميلة بعدم فهم وقالت:
هو إيه اللي مش هينفع.
تنهد مالك بألم وألقى بجسده على الأريكة بجوارها وقال:
مش هينفع يبقى عندنا أطفال في الوقت ده. جميلة أنتي لازم تنزلي الطفل ده.
شهقت جميلة من الصدمة وقالت ودموعها بدأت تسيل على خديها:
انت إزاي تقول كده؟ مالك أنت فاهم أنا قولت إيه؟ سمعتني كويس؟ مالك أنا حامل. فاهم يعني إيه؟
همس مالك بألم:
للأسف فاهم.
قالت جميلة من بين دموعها:
لأ يا مالك. ده الطفل اللي أنا بستناه بقالي سنين. أنت جاي دلوقتي وبسهولة كده بتقولي نزّليه؟ أنا مش عايزاه!
قام مالك من مكانه وصاح بحدة:
جميلة أنا قولت اللي عندي. الطفل ده لازم ينزل.
تركها تبكي بحرقة وفتح الباب وخرج.
عاد مالك بعد عدة ساعات، وجد المنزل يعم بالهدوء، فعلم أن جميلة نائمة. دخل غرفة النوم وجدها مستلقية على السرير. غير ملابسه واستلقى بجوارها بصمت.
استلقت جميلة على السرير ودموعها تسيل فوق خديها. كانت تبكي بصمت حتى لا يشعر بها مالك، لكن قلبه كان يشعر بدموعها. اقترب منها أسند رأسه على كتفها. مد كفه ومسح بأنامله دموعها في صمت. لف ذراعه حول خصرها وهمس وهو يضع قبلة حانية على وجنتها:
متزعليش. بس غصب عني.
امسكت بكفه الموضوع على خصرها ووضعته فوق بطنها وهمست له بصوت حزين:
ابننا هنا يا مالك. مش حاسس بيه؟
أبعد كفه من فوق بطنها وقال وهو يبتعد عنها:
كنتي دايما بتفهمني يا جميلة من غير ما أقول. ليه مش فاهمني المرة دي؟
التفتت إليه، وضعت رأسها فوق صدره. سقطت دمعة من عينيها فوق صدره، ساخنة تحرق قلبه وقالت:
وانت دايما بتحس بيا. ليه مش حاسس بيا المرة دي. ليه عايز تقتل ابننا؟
أشاح بوجهه عنها وهمس بنبرة ضعيفة:
افهمي يا جميلة. الوقت مش مناسب لطفل دلوقتي. إحنا مش مستعدين. نزلي الحمل دلوقتي وأنا أوعدك أما يبقى الوقت مناسب نحاول تاني.
انهارت دموعها فوق صدره وقالت بنبرة متهدجة:
عايزني أقتل ابننا؟
لم يعقب. لم يجد كلمات يجيبها بها. خانه صوته وهربت الكلمات من حلقه ففضل السكوت.
في الصباح استيقظت جميلة متعبة. وجهها مرهق وعيناها متورمتين من كثرة البكاء. لم تجد مالك إلى جوارها، قامت بتباطؤ من السرير تبحث عنه في أرجاء المنزل فلم تجده.
في الظهيرة جمعت جميلة ملابسها في حقيبة سفر كبيرة. وقفت تنظر حولها وتتذكر ذكرياتها الجميلة مع مالك في كل ركن من المنزل. ذرفت الدمع وهي تغلق الباب خلفها. نزلت السلالم بصعوبة وهي تحمل حقيبتها في يدها، وقرب شقة أنس وجدت مالك أمامها. قال بحدة حين رآها:
رايحة فين؟
تفادت النظر إلى عينيه وقالت بصوت ضعيف:
هامشي.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم اميرة احمد
في الظهيرة جمعت جميلة ملابسها في حقيبة سفر كبيرة.
وقفت تنظر حولها وتتذكر ذكرياتها الجميلة مع مالك في كل ركن من المنزل.
ذرفت الدمع وهي تغلق الباب خلفها.
نزلت السلالم بصعوبة وهي تحمل حقيبتها في يدها.
وقرب شقة أنس وجدت مالك أمامها.
قال بحدة حين رآها: رايحة فين؟
تفادت النظر إلى عينيه وقالت بصوت ضعيف: هامشي.
بعينين يخرج منهما الشرار صاح: مين أذن لك تمشي؟
سقطت دمعة من عينيها وقالت: من فضلك يا مالك سيبني امشي.
امسك ذراعها وقال بنبرة أهدأ: طيب اطلعي يا جميلة نتكلم فوق.
صاحت جميلة بنبرة عالية: لأ يا مالك، لو لسة مصمم على اللي في دماغك أنا مش هاطلع.
بدأت أنفاسه تعلو وصاح بحدة: من امتي مبتسمعيش كلامي، قولت اطلعي فوق يا جميلة.
فتح أنس باب شقته حين سمع صوتهما العالي وهتف بقلق: في ايه يا جماعة صوتكوا عالي كده ليه، وايه الشنطة دي؟
نظرت جميلة بعينين دامعتين إلى أنس ثم مالك الذي كان يقف صامتا وقالت بحدة: هامشي دلوقتي حالا.
أنس: طيب ادخلوا عندي نتكلم جوه مش هنقف نتكلم على السلم كده.
دخلت جميلة مندفعة وتبعها مالك وأنس.
أول وقعت عينيها على ليلي ارتمت بين أحضانها تبكي بحرقة.
ربتت ليلي عليها بحنان وهمست في أذنها بصوت منخفض: اللي بتعلميه ده غلط على اللي في بطنك، كفاية عياط.
دخل أنس وقال بحدة: ممكن تقعدوا انتوا الاتنين وتفهموني في ايه؟
نظرت جميلة إلى مالك تنتظر منه أن يتحدث لكنه ظل صامتا.
أخيرا صاحت جميلة بحدة ودموعها تغلبها: مالك عاوزني أقتل ابني يا أنس.
نظر لها أنس بعدم فهم.
فهمست ليلي في أذنه: جميلة حامل.
اتسعت حدقة أنس، لا يصدق ما يسمعه من تصرفات مالك.
لكنه نظر إلى أخيه وهتف بحدة: صحيح الكلام ده؟
أشاح مالك بوجهه بعيد وقال بصوت مكسور: أنا مش عاوز أطفال دلوقتي.
نظر له أنس باستنكار وقال بحدة: من امتي بتكفر بنعمة ربنا؟ انتوا متجوزين بقالكوا كتير وأخيرا ربنا رزقكوا بأطفال يبقى ده تصرفك؟
صاح مالك بحدة: دي حياتي وأنا حر فيها.
تكلمت ليلي بهدوء: بس يا مالك حاجة زي دي فيها خطر على صحة جميلة.
صاح أنس بعصبية: مفيش الكلام ده، جميلة مش هتنزل الطفل، مش هتعمل حاجة تغضب ربنا.
بكت جميلة بحرقة وهمست من بين دموعها: أنا باستني الطفل ده بقالي سنين، ارجوك يا مالك متحرمنيش منه.
اخفض مالك نظره وقال بصوت ضعيف: جميلة مش هتعرف تربي طفل لوحدها.
صاحت جميلة بحدة: ليه مش هاعرف أربي طفل، هو انت مش شايفني أمينة أني أكون أم لأولادك؟
صمت مالك ولم يجب.
فأردفت: انت متغير بقالك فترة وأنا ساكتة، ودلوقتي بتقولي مش هاعرف أربي طفل لوحدي، وانت هتروح فين؟ ربيه انت، ولا انت في حاجة تانية بتفكر فيها؟
رفع مالك عينيه وتلاقت مع عين جميلة.
عيناه تحمل ألم وغضب كبير لكنه هتف: حاجة تانية زي إيه؟
جميلة: مالك انت في حياتك واحدة تانية؟
مالك: انتي اتجننتي يا جميلة تقريبا.
صرخت جميلة: متقوليش اتجننتي، انت اللي تصرفاتك غريبة، ممكن تقول قدامهم كده مين تبقي شيماء اللي بتكلمها في التليفون بصوت واطي علشان مسمعكش.
هتف أنس: اهدي يا جميلة.
ثم نظر إلى مالك وقال بحدة: قول يا مالك في إيه؟
ليلي: ازاي تهون عليك جميلة تعمل فيها كده، ازاي تعرضها لخطر زي ده ومتبقاش خايف عليها.
قام مالك من مكانه وصاح بحدة: أنا تعبان.
صاحت جميلة من بين دموعها وهي تدفن رأسها بين راحتيها: وأنا كمان تعبانة.
هتف مالك بصوت ضعيف: بعد الشر عليكي يا حبيبتي.
قامت جميلة من مكانها، امسكت بقميص مالك وهي تهزه بقوة: حبيبتك؟ لو لسة حبيبتك ليه مش عايز طفل يربطك بيا؟ ليه بتعمل فيا كده؟ ليه؟
صرخ مالك بحدة وصوت عالي: علشان المرض رجع تاني، أنا بموت يا جميلة، وشيماء اللي كنت باكلمها دي السكرتيرة بتاعت الدكتور.
تجمدت جميلة في مكانها، فكت أصابعها من قميصه ببطء وضعف.
وقفت تنظر إليه لا تصدق ما تسمعه أذانها.
بينما وضعت ليلي كفها على فمها تداري شهقة كادت أن تخرج منها وانسالت دموعها رغما عنها.
أما أنس اتسعت حدقتيه ولم يعقب.
أردفت جميلة بضعف: ومقولتليش ليه؟
تنهد مالك وقال بألم: كنت هاقولك لقيتك بتقولي أنك حامل، خفت عليكي.
لم تبك جميلة، بل مسحت دموعها بكفها.
اقترب من مالك أكثر، ضمته إلى صدرها وقالت بقوة: عادي، انت حاربت للمرض قبل كده وكنت لوحدك، دلوقتي عندك بيت وزوجة بتحبك وابن جاي في الطريق، كلنا في ضهرك وعندك سبب أقوى تعيش علشانه.
ربت مالك على ظهرها بحنان وهو يبعدها عن صدره: مش دايما هاكسب، بكرة مش مضمون، المرة دي واضح إن المرض أقوى، الدكتور طلب مني أشعة وتحاليل تانية، شكلها مش خير المرة دي يا جميلة.
نزلت دموع جميلة تأثرا بكلماته، لكنه جذبها بقوة إلى حضنه وقال بصوت مبحوح: اوعي تعيطي، أنا هنا، لسة عايش وواقف على رجلي، متعيطيش علشاني أبدا، بس لو بتحبيني بجد نزلي الطفل، مش عاوز أبوظلك حياتك بعد ما أموت، لما تبقي لوحدك سهل تعيشي وتحبي تاني، لكن لو معاكي طفل هتفضلي عايشة دايما في الماضي.
قالت جميلة من بين دموعها وهي تدفن رأسها في صدره: انت مفكر إن حتى لو ده حصل أنا هيملي عيني راجل غيرك؟
أخيرا تكلم أنس بصوت متهدج: تاني يا مالك؟ بتخبي علينا تاني وتشيل ده كله لوحدك.
ابتسم مالك بألم وهو يربت على كتف أنس: مكنش ينفع أشوف النظرة اللي في عينك دي تاني، بتموتني ١٠٠ مرة.
رفعت جميلة عينيها، تتلاقي مع عين مالك أخيرا دون أن يهرب منها.
همست بنبرة ضعيفة: خلي الطفل يا مالك، علشان يبقي دافع ليك تقاوم المرض، وعلشان لو زي ما انت بتقول يبقي سايبلي حتة منك معايا.
ليلي: كلنا معاك يا مالك وان شاء الله تخف وتبقي كويس وانت اللي تربي ابنك وتجوزه كمان.
أنس: البنات عندهم حق يا مالك، كلنا مع بعض وكلنا هنواجه المرض معاك، خلي دايما عندك ثقة في ربنا.
تنهد مالك بألم واستسلام.
كان مالك في الماضي لا يخشى الموت أو المرض، واجهه بكل شجاعة، لكنه الآن لديه من يخشى فقدهم.
***
جلست يارا أمام يوسف، تتطلع إلى عينيه المرتبكتين بقلب وجل.
كسرت الصمت السائد بينهم حين هتفت: يوسف، في إيه؟
نظر لها يوسف بعين ممتلئة بالألم وقال بخزي: أنا آسف يا يارا، أنا مش هاقدر أكمل معاكي، لو كملت هاكون باظلمك.
تنهد بألم وأردف: أنا لسة بحب لارا.
نظرت إليه مليا ثم قالت: بكرة تنساها، عادي، أنت أكيد طلقتها علشان مش عايز تعيش معاها.
يوسف بصوت ضعيف: بس أنا مش عارف أعيش من غيرها.
يارا: يوسف، أنا بحبك.
ابتسم يوسف بمرارة وكأنه أدرك للتو ما أقحم نفسه فيه وقال: أنا آسف مكنتش قاصد أنك تحبيني، كنت فاكر أننا أصحاب، بس حتى صحوبيتنا أنا مكنتش هاقدر أستمر فيها.
بدأت تتجمع الدموع في مقلتي يارا وقالت: أنا كنت معجبة بيك من وقت ما كنت أنت في الجامعة، بس أنت مكنتش شايف غيرها، بتروح في كل مكان معاها، ولما عرفت من السوشيال ميديا أنك اتجوزتها حسيت أن خلاص انت روحت مني للأبد، بس لما لقيتك فجأة مسحت كل الصور اللي كانت معاها، وبعدها شوفتك في الجامعة حسيت أنها فرصتي وأنا مش هاسيبها تضيع مني، ولما عرفتك أكتر حبيتك يا يوسف.
قال يوسف بألم: أنا كنت غلطان فعلا لما قربت منك، بس أنا كنت تايه ووحيد، بس أنا خلاص أخدت قراري، أنا هارجع لمراتي.
هم أن ينصرف لكنها أستوقفته.
أمسكت بيده وهمست: يوسف متسيبنيش.
نظر إليها بألم وتذكر توسلات لارا له، كل ما فيها كان يذكره بحبه ل لارا.
أنصرف وهو يأسف على أخطائه التي أوقعته في هذا المأزق.
***
عاد عمر إلى المنزل بسعادة لما يحمله من خبر سعيد سيفرح به حنين.
حين دخل من الباب وجد حنين في انتظاره كعادتها في الأشهر الأخيرة، لكن كان هناك شيء ما مختلف فيها لم يستطع عمر أن يحدده على الفور.
أثار بكاء حول عينيها بالرغم من ابتسامتها الواسعة.
ضمهما عمر إلى صدره وهتف بقلق: في إيه يا حبيبتي؟ كنتي بتعيطي؟
ابتسمت حنين ولم تكد تفتح فمها لتجيبه حتى هتف عمر: أنا عندي ليكي خبر حلو هيفرحك، مفاجأة.
اتسعت ابتسامتها وقالت بحنان: إيه هو؟
نظر إلى عينيها وقال بابتسامة: أهلك موحشوكيش؟ أنا أهلي وحشوني أوي، وبصراحة مكنتش عايز إننا نسافر الفترة اللي فاتت دي غير لما تبقي كويسة وتنسي أي حاجة وجعاكي.
ثم أردف بمناكفة: وبصراحة أنا أهلي وحشوني جداً وعايز أنزل أشوفهم، فا أنا حجزت ننزل مصر الشهر الجاي.
ابتسمت حنين بسعادة وقالت بمكر: بس أحنا ممكن منعرفش نسافر الشهر الجاي يا أستاذ.
رفع عمر حاجبه وقال: ليه مش هنعرف نسافر؟
بدأت تترقرق دموع سعادة في عين حنين وقالت: محتاجين نشوف الدكتور هيسمح بالسفر ولا لأ.
بدأت تلمع عين عمر، لكنه لم يصدق حدسه فحرك رأسه بعدم فهم.
اتسعت ضحكة حنين بعينين يترقرق فيهما الدمع وهمست: عمر، محتاجين نكلم طنط علشان تزغرط.
حرك عمر رأسه بعدم فهم فسالت الدموع من عينيها وفلتت منها ضحكة طفولية وهمست: هتبقي بابا يا عمر.
تجمد عمر مكانه للحظة.
عيناه مفتوحتين يحاول أن يستوعب كلماتها.
ظل صامتا لدقيقة يحاول أن يجد الكلمات في حلقه، ثم همس أخيرا بنبرة مشحونة بالمشاعر: حنين انتي حامل؟
أومأت حنين رأسها بالإيجاب.
ضمهما عمر إلى صدره بسعادة.
رفعها عن الأرض بخفة وأخذ يدور حول نفسه وهو يحملها بين ذراعيه ويهتف: انتي مش متخيلة أنا مبسوط قد إيه.
ضحكت حنين وهي متعلقة بعنقه وصاحت: بالراحة بالراحة.
أنزلها عمر ببطء على الأرض.
امسك بوجهها بين راحتيه وهتف بقلق: أنا آسف، انتي كويسة.
ضحكة حنين: متخافش أنا كويسة الحمد لله بس لازم ناخد بالنا.
لا يزال عمر ممسكاً بوجهها بين كفيه.
نظر إلى عينيها بعمق وهمس بارتباك: انتي متأكده؟
ابتسمت حنين ببراءة وقالت من بين دموعها: أنا عملت الاختبار ٣ مرات، مكنتش مصدقة زيك كده.
ضمهما عمر إلى صدره وهمس بالقرب من أذنها: انتي من النهاردة ترتاحي خالص، متعمليش أي حاجة أنا هاعمل كل حاجة.
حنين: مش للدرجة دي يا عمر.
عمر: طيب بلا البسي وتعالي نروح للدكتور.
ضحكت حنين: انت متحمس أوي.
نظر لها عمر بعينين حالمتين وقال: انتي مش عارفة أنا مستني اليوم ده بقالي قد إيه.
ابتسمت حنين وقالت: أنا مبسوطة أني أخيرا هاقدر أسعدك يا حبيبي.
ضمها إلى صدره ووضع قبلة حانية فوق جبينها وقال: وجودك جنبي في حد ذاته سعادة.
عند الطبيبة، استلقت حنين على السرير الطبي، وضعت الطبيبة جهاز السونار فوق بطنها، وبعد لحظات انطلق من الجهاز صوت نبضات قلب.
ابتسمت حنين حين سمعت صوت دقات قلب صغيرها داخل أحشائها، بينما انسابت دموعها حين وقعت عينيها على عمر الواقف خلف الطبيبة وتترقرق الدموع داخل عينيه وتتراقص بسعادة.
نظر إليها من خلف ستائر دموعه بابتسامة لن تنساها ما حييت.
بعد أن انتهت الطبيبة من الكشف على حنين واعطتها التعليمات والأدوية المطلوبة، وفي طريق العودة إلى المنزل، مالت حنين تسند رأسها فوق كتف عمر وقالت: نفسك في ولد ولا بنت؟
ابتسم عمر وعيناه على الطريق وقال: بنت طبعاً، وتبقي شبهك يا حبيبتي.
ضحكت حنين بخفة وقالت: وأنا كمان نفسي في بنت.
ربت عمر على كفها وقال: إن شاء الله تيجي بنت.
حنين: طيب لو بنت تفتكر هنسميها إيه؟
قال عمر بلا تردد: حورية.
حنين: اشمعني حورية؟
عمر: علشان الحور بيعيشوا في الجنة، وعيشتي معاكي كلها جنة.
ضحكت حنين وقالت: طيب ولو جه ولد؟
نظر لها عمر بابتسامة ثقة وقال: إن شاء الله حورية.
حين عادا إلى المنزل، هتفت حنين بحماس: نكلم بقي طنط نقولها؟
ضحك عمر: والله أنا خايف عليها من الفرحة.
أمسك بالهاتف واتصل بوالدته مكالمة فيديو، بعد لحظات ظهرت صورتها أمامه على الشاشة وصاحت بسعادة: وحشتوني يا ولاد.
ضحك عمر وقال: وانتي كمان يا ماما.
حنين: وحضرتك يا طنط أوي.
والدة عمر: إيه يا ولاد مش ناويين تنزلوا بقي، بقالكوا كام سنة، من ساعة ما اتجوزتوا منزلتوش حتى زيارة.
ضحك عمر ونظر إلى حنين، ثم نظر إلى الهاتف وقال: والله يا ماما احنا كنا نازلين وحجزت التذاكر على الشهر الجاي، بس عرفنا أن حنين حامل فا هنضطر نأجل السفر شوية، بس إن شاء الله ننزل تولد في مصر.
ظهرت الصدمة على وجه والدة عمر ولم تعقب للحظات، ثم صاحت: قولت إيه يا عمر؟ حنين حامل؟
لم تعط الفرصة لعمر ليجيبها، فأخذت تطلق الزغاريد المدوية.
نظر عمر وحنين إلى بعضهما البعض وغرقا في نوبة ضحك.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم اميرة احمد
تطلع الطبيب في الأوراق الموضوع أمامه، ثم نظر إلى مالك الجالس خلف المكتب، وبجواره تجلس جميلة، تمسك بيده تحاول أن تطمئنه.
وقال: بشمهندس مالك... معلش هنحتاج نعيد الأشعة والتحاليل دي بس في مركز مختلف.
تطلع إليه مالك بعينين مليئتين بالألم، وقال بارتباك: ليه يا دكتور... هو في حاجة وحشة أوي كده فيهم؟
ابتسم الطبيب: ليه تفترض الأسوأ؟ مفيش حاجة وحشة فيهم ولا حاجة.
هتفت جميلة بقلق: طيب ليه نعيدهم يا دكتور؟
الطبيب: التحاليل اللي قدامي تحاليل شاب بصحة جيدة مفيهاش أي حاجة ولا بتدل إن عنده أي ورم في جسمه، أما الأشعة مبينة إن في ورم حجمه كبير على الغدة الدرقية، ومن خبرتي ورم بالحجم ده، لازم يبقى باين في التحاليل... كده يبقى في خلل في حاجة من الاثنين... الأشعة مش متوافقة مع التحاليل.
تنهد مالك: طيب في مركز معين حضرتك ترشحه أعمل فيه التحاليل والأشعة؟
كتب الطبيب اسمًا على ورقة صغيرة وناولها لمالك، وقال: ممكن تروح المركز ده... أنا بثق فيهم.
شكره مالك وخرج مع جميلة.
وما إن ركبا السيارة حتى قالت بصوت يملأه الألم: شوفت يا مالك... يعني ممكن يكون ما عندكش حاجة.
نظر لها مالك بألم، وقال: وممكن يكون الورم حجمه كبير.
هتفت جميلة بنبرة حادة: خلي عندك أمل عشانّا.
ابتلع غصة في حلقه ولم يعقب.
عيناه معلقة على الطريق أمامه، لكنه شعر بجميلة التي أمسكت بطنها بتألم، فقال بقلق: أنتي كويسة؟
هزت رأسها وقالت: متخافش... الدكتورة بتقول التقلصات دي عادية في أول كام شهر بس متزيدش عن حد معين.
ثم نظرت إليه بعتاب، وقالت: انت لو كنت بتيجي معايا عند الدكتورة بدل ما ليلى بتيجي معايا كنت عرفت.
قال بنبرة ضعيفة: معلش كده أحسن.... أنا مش عايز أتعلق بيه.... كفاية إنه هييجي الدنيا وممكن ميلاقيش أبوه.
فرت دمعة من عين جميلة من صعوبة كلمات مالك، وقالت: كفاية بقى يا مالك... متعملش في نفسك وفينا كده يا حبيبي... أنت المفروض بعد اللي الدكتور قاله النهاردة يبقى عندك أمل أكتر من كده... طيب أقولك على حاجة... الدكتورة قالت لي إن البيبي احتمال يكون ولد... هتتأكد الزيارة الجاية.
نظر إليها بطرف عينيه، وقال بصوت ضعيف يملؤه الحزن: مش عايز أعرف يا جميلة.... ولما تعرفي متقوليليش.
ابتلعت جميلة غصة حلقها وحاولت أن تداري انقباضة قلبها، وهمست: بكرة الدكتور يطمنك وتعرف إنك كنت غلطان.
***
في أحد مراكز صيانة السيارات الكبيرة، جلس يوسف في مكتبه بوجه وجل، حين دخل صديقه كريم إلى المكتب وصاح: يوسف الألفي مكشر، أكيد في حاجة غلط.
رفع يوسف عينيه من الأوراق التي أمامه، ونظر إلى كريم ولم يعقب.
أعاد نظره إلى الملفات التي أمامه مرة أخرى، حين صاح كريم: يوسف... انت دبلتك فين؟
لم يرفع يوسف عينيه من الأوراق، وهمس بصوت مكتوم: أنا طلقت لارا.
جحظت عينا كريم وصاح: انت مجنون يا يوسف... إزاي تعمل كده.. انتوا بتحبوا بعض.
أطرق يوسف رأسه، وهمس: النصيب.
اقترب منه كريم، وقال: يوسف ممكن نتقابل أنا وانت بعد الشغل النهاردة.. في موضوع مهم عايز أكلمك فيه.
صمت يوسف ولم يعقب.
في المساء، جلس يوسف مع كريم في أحد المقاهي، حين هتف كريم: يوسف انت طلقت لارا بسبب سامر؟
تجمد يوسف في مكانه، واتسعت عيناه بدهشة، وقال: انت عرفت منين.
أطرق كريم رأسه: انت عارف إن سامر صاحبي من أيام الكلية.... بس أنا مكنتش أعرف إنه قذر للدرجة دي... أنا عرفت إمبارح بس والله الحكاية كلها... وده اللي خلاني أجي مكتبك النهاردة أطمن عليك .... اسمعني يا يوسف انت ظلمت مراتك.
صاح يوسف بحدة: عرفت إيه؟ هو أنا المغفل الوحيد اللي مكنتش أعرف إن مراتي بتخ...
قاطعه كريم: يوسف اسمعني من فضلك، سامر صاحبي من زمان، وكلنا عارفين هو بيغير منك وبيكرهك قد إيه. أنا حاولت كتير أفهمه إن الفكرة اللي واخدها عنك غلط بس فشلت، لحد ما لارا دخلت في الموضوع وانت ارتبطت بيها وسامر خد الموضوع تحدي. حاولت أتكلم معاه كتير بس زي ما بيقولوا صاحبك على عيبه. أما عرفت إنك اتجوزت لارا تخيلت إن خلاص الموضوع بالنسبة له انتهى واللعبة السخيفة خلصت. لحد ما قابلته إمبارح وحكالي على كل حاجة.
لما لارا عملت الحادثة وفقدت الذاكرة، سامر عرف من صديقة مشتركة... وشاف إن دي فرصته إنه ينتقم. كلم لارا وأوهمها إنها كانت على علاقة بيه وإنها نسيته زي ما نسيت حاجات كتير... للأسف فبرك شات كتير بينه وبينها ومكالمات، خلاها تتوهم فعلاً إن كان في بينهم علاقة. كان مفبرك صور ليهم مع بعض وشات بينهم ميتقالش بين اتنين متجوزين حتى. لارا لما شافت الكلام ده في الأول واجهته، لكنه هددها... هددها بكل حاجة انت ممكن تتخيلها، هددها إنه هيبعتلك الصور والشات اللي بينهم، وإنه هيبعته لوالدتك لما عرف إن والدتك كانت رافضة الجواز. كان يبتزها عشان تنزل تقابله، ولما بترفض كان بيبعتلها صورة لشات ما بينهم ويهددها إنه هيبعته لأهلها أو ليك. هددها حتى إنه هيأذيك... هي كانت بتواجهه في كل مرة واختارتك انت يا يوسف. لما حكم الخناق عليها اتجوزتك عشان تهرب منه، لكن هو زاد في شره. عرف مني بالصدفة إني اشتغلت معاك في نفس المركز، بقى يسألني أنا بخلص شغل امتى عشان يعرف المواعيد اللي انت بترجع فيها البيت عشان يبدأ يبعتلها رسايل على أمل إنك تشوفها وتحصل مشكلة.
أنا آسف يا صاحبي... مراتك عمرها ما عملت حاجة غلط. أنا والله معرفتش غير إمبارح هو اعترف لي بكل حاجة. أنا شفت شر في عينه إمبارح عمري ما شفته، ولذة انتصار تخوف.... هو إنسان مريض ولارا كانت الضحية... بس اللي أضمنهولك إنها عمرها ما عملت حاجة غلط.... هو كان هدفه انت مش هي... كان عايز يبوظ حياتك انت... هو مكنش عايزها.... حتى لما عرف إنك طلقتها بطل يضايقها. واللي عرفته منه إمبارح إنه كان بيخطط يوقعك في مشكلة ويرفدك من شغلك.... هو عايزك تخسر كل حاجة.... هو كان بيكلم لارا بس عشان تبعد عنها، ولما اتجوزتوا فضل يكلمها عشان يعرف معلومات يأذيك بيها، ولو صادفت وانت شفت الشات اللي بينهم وطلقتها يبقى المصلحة مصلحتين.
كان يوسف يستمع إليه وعلامات الدهشة على وجهه. لم يستطع سوى أن يقول: طيب لارا مقالتليش ليه؟
نظر كريم إليه وربت على يديه: كنت عايزها تقولك إيه، هو أوهمها إنه على حق. استغل إنها فاقدة الذاكرة وحكم الخناق عليها.... خلاها في نظر نفسها خاينة، وهددها بسمعتها وشرفها.
صاح يوسف بحدة: هو فين الحيوان سامر ده دلوقتي.
حاول كريم تهدئته، وقال: سيبلي أنا سامر هاعرف أتصرف معاه كويس وأجيبلك حقك. المهم دلوقتي لارا... هي متستحقش منك كل ده يا يوسف، الجامعة كلها عارفة بقصة حبكوا، متخسرهاش عشان واحد بيغير منك.. متسيبش مراتك ليه.
سحب يوسف مفاتيحه وانطلق عائدًا إلى منزله. دخل المنزل يلتمس أي أثر يحمل طيف لارا لكنه لم يجد.
عاد إلى منزل والديه. دخل مثقلًا بالهموم والأفكار في غرفته، حين دخلت والدته واقتربت منه. جلست على حافة السرير وربتت على قدميه بحنان، وقالت: اللي بتعمله ده غلط يا يوسف.... طول عمرك متسرع... بس أنا مش هاسيبك تغلط المرة دي.... انت طلقتها ومقولتش لحد، وكنت غلط يا يوسف... الحب اللي بينكوا يخليك تغفر لها أي حاجة وكل حاجة. انت تعبان وانت بعيد عنها ومتكابرش... هي كمان تعبانة وهي بعيد عنك.
رفع يوسف عينيه بألم، وقال: انتي يا ماما اللي بتدافعي عنها؟ انتي كنتي رافضة جوازي منها.
ابتسمت نور بألم: أنا مكنتش رافضة عشانها ولا عشان أخلاقها.... البنت بتحبك بجد، وانت لازم تفهم وتعرف يعني إيه مسؤولية بيت وأسرة وميبقاش سهل عليك الطلاق كده.
اقترب منها يوسف وارتمى في حضنها: أنا تعبان يا ماما و متلخبط..... موجوع منها أوي... بس هي وحشتني أوي.
ربتت نور على كتفه بحنان، وهمست: انت كمان وجعتها أوي، الطلاق أكتر حاجة توجع الست خصوصًا لو بتحب جوزها..... مراتك تعبانة يا يوسف في المستشفى من امبارح، سارة كلمتني وقالتلي، روح لها يا ابني وكفاية مكابرة.
رفع يوسف عينيه بألم ممزوج بقلق: مستشفى.... لارا تعبانة؟!
نور: سارة بتقول مبتاكلش كويس ومش مهتمية بصحتها من يوم ما سبتها يا يوسف لحد ما وقعت من طولها.
انتفض يوسف وهو يرتدي ملابسه وانطلق مسرعًا إلى المستشفى.
دخل بخطوات بطيئة ثقيلة، وجد لارا نائمة في السرير وعلى وجهها يظهر الإرهاق والتعب، وأحاطت بعينيها تلك الهالة السوداء.
اقترب منها يوسف ببطء وجلس إلى جوارها في السرير. فتحت عينيها بإرهاق وحين رأت يوسف أشاحت بوجهها عنه، لكنه مد يده وأمسك بذقنها وحرك وجهها لتصبح في مواجهته وهمس: أنا آسف....
نظرت إليه بعينين دامعتين، لكنه أردف: وحشتيني.... أنا مش عارف أعيش من غيرك.
سقطت دمعة من عينيها وهمست بصوت ضعيف: رجعت دلوقتي ليه يا يوسف، أنا اترجيتك كتير تسمعني ومتسبنيش، جيت دلوقتي، مرجعتش عشانّي أنا، رجعت عشانها؟!
أمسك يوسف بيدها بين كفيه، وضع قبلة رقيقة على باطن يدها وهمس: أنا جيت عشان عرفت إني كنت غلطان، ومراتى أحسن وأشرف ست في الدنيا. أنا مش عارف تقصدي مين اللي رجعت عشانها، بس اللي رجعني ليكي يا لارا هو قلبي.
بكت لارا وهمست من وسط دموعها: بجد يا يوسف ولا راجع عشان.....
قاطعها يوسف وهو يخرج خاتم زواجها من جيبه: تتجوزيني يا لارا؟
نظرت إليه طويلًا قبل أن تمد يدها إليه وهي تقول: موافقة يا يوسف عشان بنتنا تتربي بين أمها وأبوها.
اتسعت حدقتا يوسف وفرغ فاه وصاح: بنتنا... هو انتي حامل؟
نظرت له لارا بدهشة: هو انت مكنتش تعرف؟
بصوت مرتعش همس: لأ... انتي بجد حامل؟
أزاحت لارا الغطاء من فوق بطنها لتظهر بطنها منتفخة متكورة أمامه.
بصوت مختنق بالدموع قالت: أنا حامل في الشهر السادس يا يوسف.... ماما كلمت طنط وقالت لها... أنا كنت فاكرة... كنت فاكرة إنك رجعت عشان البيبي.
نظر لها يوسف بألم، وقال: ومقولتليش ليه؟!
نزلت دمعة من عينيه وهمست: كلمتك فوق الـ 20 مرة وانت مكنتش بترد عليا.... وفي الآخر عملت لي بلوك.
نظر لها يوسف طويلًا لا يجد كلمات، لكنه أخيرًا ضمها إلى صدره وهمس بجوار أذنها: أنا آسف..... كنت غبي ومغفل.... سامحيني... أنا رجعت عشان عرفت قيمتك في حياتي.
حاوطته بذراعيها وهمست: وحشتني يا يوسف أوي.
ابتعد عنها ببطء وهتف: موبايلك فين؟!
نظرت له نظرة تحمل في طياتها الكثير من الألم والعتاب، وقالت: انت برضه لسة بتشك فيا؟!
حرك رأسه بالنفي، وقال: لأ.... أنا عايز أجيب لك حقك وقدامك.
أمسك هاتفها وفتح الرسائل بينها وبين سامر، وجد أنها حظرته من الوصول إليها منذ طلاقهما..... فك الحظر وأرسل رسالة لسامر:
"أنا محتاجالك تكون جنبي.... عرفت بلاوي عن يوسف... أنا في مستشفى.... مستنياك"
ثم وضع يوسف الهاتف بجوارها، وقال: حبيبتي.... سامر هييجي دلوقتي... عايزك تقوليله إنك بتحبيه وموافقة تتجوزوا.... بس اشترطي عليه يبعتلك كل الصور والفيديوهات اللي بينكوا.
صاحت لارا بدهشة: إيه اللي انت بتقوله ده؟ أنا مبطيقش الإنسان ده.... هو كان السبب إننا نسيب بعض.
هتف يوسف بألم: لارا أنا سامحتك.... بس في حاجات محتاج أتأكد منها بنفسي.... ولازم آخد حقي من سامر.
ثم أخذ الهاتف منها مرة أخرى، وأرسل لنفسه كل الرسائل وسجل المكالمات بينها وبين سامر.
ثم نظر إلى لارا مجددًا، وقال: أنا هخرج من هنا دلوقتي وخلي الموبايل جنبك بيسجل كل حاجة هتحصل بينكوا...
هم أن يخرج، لكنه توقف مرة أخرى واستدار لها، وقال: لارا أوعي يعرف إنك حامل... ولو سألك عرفتي إيه عن يوسف قوليله أي حاجة... قوليله يوسف بيعرف بنات غيري، أو قوليله يوسف بيختلس من شغله، اتفقنا؟؟
من بين رجفتها أومأت لارا برأسها...
خرج يوسف وتركها خلفه قلبها ينبض بعنف، حتى دخل سامر بعد عدة دقائق إلى غرفتها.
نظر إليها سامر بعينيه الحديديتين، وقال بسخرية: يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام.
لم تعقب لارا، فجلس على أقرب كرسي بجوارها واضعًا ساق فوق ساق ويده في جيبه، وقال بحدة: عايزاني ليه دلوقتي؟ لما حبيب القلب رماكي افتكرتيني؟
بصوت متهدج مرتبك قالت: أنا عايزة انتقم من يوسف.
لمعت عينا سامر وابتسم بخبث، وقال: آه كده نتكلم..... قولي لي بقي يا حلوة تعرفي عنه إيه ممكن يوديه في داهية.
هتفت لارا بسرعة وارتباك: يوسف بتاع بنات وكان بيعرف بنات عليا.
حرك رأسه بالنفي، وقال: تؤ... ملوش لازمة الكلام ده ميوديش في داهية إلا لو كان يعرف واحدة متزوجة، أو واحدة أبوها صاحب نفوذ.
حركت رأسها بتوتر، وقالت: لأ كلهم بنات عاديين.
نظر سامر بعينيه التي تمتلئ بالشر، وقال: أكيد في حاجة تانية تعرفيها عنه... ده أنتي كنتي مراته.
ابتلعت ريقها وقالت بتوتر: يوسف بيختلس من شغله.
لمعت عينا سامر بشر وظهرت ابتسامة شريرة على جانب شفتيه، وقال: أيوه بقي كده الكلام... قولي لي بقي بيختلس إزاي.
لارا: بيختلس في قطع الغيار.... بيدخلها على السيستم بسعر وبيخرجها بسعر مختلف والفرق ليه... أنا معرفش تفاصيل أوي عن الموضوع بس سمعته مرة وهو بيتكلم.
سامر: لو عايزة نوديه في داهية ونلبسه قضية لازم يبقى عندك كل التفاصيل.
قالت لارا بتوتر: حاضر هاجيب التفاصيل دي، بس قولي هتعمل إيه.
قال سامر ببرود: عادي... نعرف بس تفاصيل أكتر وهفبرك شات بينه وبين واحد من اللي بيتعامل معاهم، ونفبرك فاتورتين تلاتة بتوقيعه أسعار القطع فيها غير اللي داخلة بيه على السيستم... ونروح نبلغ عنه.
نظرت لارا إليه بحقد، وقالت بحدة: سامر، هو الشات اللي بينا كان متفبرك صح.... أنا عمري ما كنت أعرفك قبل الحادثة؟
ابتسم سامر بشر: طيبة أنتي يا حبيبتي وصدقتي، بس إيه رأيك في الصور متركبة بشكل ميخرش الماية.
صاحت لارا بحدة: يعني انت اللي عملت كل ده؟
صاح سامر بحدة: آه.. أنا اللي فبركت كل ده... أخدت صور ليكي من على الإنترنت وركبتها على صور لينا مع بعض.... وفبركت الشات.... أنتي حتى قبل الحادثة وأيام الجامعة لو كنت قايلك صباح الخير يوسف مكنش بيخليكي تردي عليا.... كان دايما بيحميكي ويبعدك عني زي الأسد اللي بيحمي عشيرته.
بدأت دموع لارا تنساب على وجنتيها، وصاحت بحدة: اطلع بره يا حيوان يا حقير...
قام سامر من مكانه، وقال بحدة: احترمي نفسك ومتنسيش إني لسة أقدر أأذيكي.....
وقف على الباب وقال لها قبل أن ينصرف: هاستنى منك تكلميني لما تعرفي تجيبي معلومات عن يوسف... طريقنا واحد.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم اميرة احمد
أنصرف سامر وبقيت لارا تبكي بلا توقف.
بعد عدة دقائق دخل يوسف وحين وجدها على هذه الحالة أسرع إليها ضمها إلي صدره وقال بقلق:
"إيه اللي حصل؟ الحيوان ده عملك حاجة؟"
رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة ضعيفة:
"أنا آسفة يا يوسف... أنا غلطت فعلا.... أنت كان عندك حق كان المفروض مصدقش كلامه وأجي أحكيلك كل حاجة مش أطاوعه وأخاف منه.... ده عايز يوديك في داهية."
ربت يوسف على ظهرها بحنان وقال:
"المهم دلوقتي نعرف ناخد حقنا منه، قوليلي أنتي سجلتي اللي حصل بينكوا؟ عرفتي تخليه يعترف؟"
أومأت لارا برأسها بضعف. أخرج يوسف هاتفه واجرى مكالمة لأنس.
يوسف: أنس أنا خلاص معايا فيديو لاعترافة، واسكرين شوت بكل التهديدات.
أنس: طيب حلو جدا... هبعتلك رقم واحد صاحبي في مباحث الإنترنت... روحله الصبح وهو هيعمل اللازم.
يوسف: شكرا يا أنس... أنا مش هاوصيك مش عايزه يشوف النور تاني.
أنس: باللي أنت بتقول عليه ده مش هياخد أقل من 7 سنين سجن.
يوسف: حلو جدا...... خلاص هاروح مباحث الإنترنت وأكلمك وأنا هناك.
أنهى يوسف المكالمة وتوجه إلي لارا وأمسك يدها وقال:
"إيه يا حبيبتي.... مش تشدي حيلك بقي عشان نخرج من هنا ونرجع بيتنا."
ابتسمت لارا ولم تعقب. فأقترب منها يوسف أكثر وقال:
"عايزين نروح للمأذون نكتب الكتاب تاني."
ضحكت لارا بطفولة وقالت:
"على فكرة أنت رجعتني خلاص... قولتلي تتجوزيني وأنا وافقت واصلا أنا لسة في شهور العدة علشان حامل."
أطرق يوسف برأسه وقال بخزي:
"بس أنا طلقتك على الورق كمان يا لارا، فلازم نكتب من جديد."
تغيرت ملامح لارا وقالت بضيق:
"للدرجة دي مكنتش عايزني؟"
ضغط يوسف على كفيها بين كفيه أكثر وقال:
"بالعكس... ده للدرجة دي كنت موجوع منك.... مهما قولت مش هتفهمي إحساس الراجل بيبقى إيه لما يلاقي مراته بتعرف راجل غيره.... جرحتي كرامتي أوي."
همست لارا من بين دموعها:
"أنا محبتش راجل غيرك يا يوسف.... ولو تعرف بعدك عني عمل فيا إيه، كنت عرفت أن كل اللي عمله سامر ده كان كذب."
ابتسم يوسف بحنان وقال:
"خلاص هننسي اللي فات وهنبتدي من جديد... قوليلي يا عروسة عايزة إيه؟ مهر جديد؟ شبكة جديد؟"
ضحكت لارا وهتفت:
"فرح جديد!!"
ضحك يوسف:
"طيب فرح جديد وكرشك قدامك كده ده ينفع، بس ممكن نعمل حفلة صغيرة نعزم فيها أهلنا وأصحابنا ونحتفل معاهم برجوعنا."
ثم نظر يوسف حوله وكأنه تذكر شيء وقال:
"هي طنط سارة فين؟"
لارا: ماما روحت البيت وهتيجي الصبح.... بقالها كام يوم تعبانة معايا ومحتاجة تشوف طلبات أخواتي الصغيرين.
ابتسم يوسف بحنان:
"طيب كلميها قوليلها متجيش الصبح، أنا هاقعد معاكي لحد أما تخرجي من هنا."
ابتسمت لارا له بحنان وهمست:
"بحبك يا يوسف."
ضمه إلي صدره وهمس:
"وأنا كمان يا قلب يوسف."
نسي يوسف الوجود ولارا بين أحضانه مجددا، لكن أعاده إلي الواقع صوت اهتزاز هاتفه معلنا مكالمة من نور.
نظر يوسف إلي الهاتف بغضب، وأجاب بحدة قبل أن تجد نور فرصة للحديث:
"إنت ليه مقولتليش إن لارا حامل؟"
تنهدت نور وقالت بهدوء:
"لو كنت عرفت إنها حامل من الأول كنت هترجع لها عشان البيبي بس، وعمرك ما كنت هتقتنع إن الخطوة دي صح..... لكن دلوقتي أنت رجعت عشانها هي ... عشان عرفت إنك عايزها هي."
تنهد يوسف وصمت قليلا، يعلم أن والدته على صواب، لكنه يتمنى لو علم بحمل لارا منذ البداية ليخوض معها الرحلة من بدايتها.
هتفت نور على الجانب الآخر من الهاتف:
"تيجي تاخد هدومك من هنا وترجع بيتك، ومتجيش تاني غير وأنت معاك مراتك."
ثم أردفت بحنان:
"ربنا يسعدكوا يا ابني ويبعد عنكوا الشر."
أنهت نور مكالمتها معه، وبقي يوسف مع لارا حتى خرجت من المستشفى بسلام.
***
في عيادة الطبيب، جلس كلا من مالك وأنس في انتظار دورهما. أمسك أنس يد مالك بقوة وقال:
"متخافش... إن شاء الله هيطلع مفيش حاجة."
خرج مالك من شروده وأومأ برأسه دون كلمات. عاد مرة أخرى أنس وقال:
"مش كنت جبت جميلة معاك.... ليه مقولتلهاش إنك جاي للدكتور دي هتموت من القلق عليك."
رد مالك بنبرة ضعيفة:
"عشان اللي الدكتور هيقوله ده هيكون مصيري لوحدي.... أنا قررت لو الدكتور قال إن في ورم هاطلق جميلة."
نظر له أنس بحدة وقال:
"إنت اتجننت؟ تطلقها ليه؟"
مالك:
"أنا لوحدي اللي عارف رحلة العلاج صعبة قد إيه.... خضتها قبل كده، وهي مش هتستحمل تمشيها معايا... بالأخص وهي حامل.... صعب عليا أشوفها بتتألم علشاني."
فتح أنس فمه ليتكلم ويخبر مالك أنه مخطئ، فالألم أقل بوجود من نحبهم إلى جوارنا، لكن قبل أن يجيب عليه أنس، صاحت الممرضة:
"مالك المصري."
قام مالك بفتور من مكانه واتجه ناحية غرفة الطبيب ومعه أنس. جلس مالك أمام الطبيب بقلب وجل، كانت قدماه تتحرك بتوتر دون توقف والطبيب يطالع في تقارير التحاليل والأشعة بين يديه، لكن هدأ كل شيء وعم الصمت حين رفع الطبيب عينه عن التقارير وقال:
"زي ما توقعت بالضبط.... الجهاز بتاع الأشعة كان فيه مشكلة... والأشعة دي مفيهاش أي ورم."
حرك مالك رأسه بعدم فهم وقال:
"يعني إيه يا دكتور؟"
ابتسم الطبيب:
"يعني حضرتك صحتك كويسة جدا يا بشمهندس ومعندكش أي حاجة."
ضحك أنس بقوة وشكر الطبيب، بينما قال الطبيب:
"بس هنفضل برضه نعمل الأشعة الدورية كل 6 شهور عشان نطمن عليك."
أخيرا ابتسم مالك. خرج من عند الطبيب بقلب يدق بالحب والحياة يختلف تماما عن ذلك القلب الذابل اليائس الذي دخل به إلي الطبيب.
عاد مالك إلي المنزل بسعادة. دخل فوجد جميلة تجلس وعلامات الضيق على وجهها وصاحت بمجرد أن وقعت عينيها عليه:
"كنت فين يا مالك أنا قلقت عليك جدا، ومش بترد عليا ليه؟"
ابتسم مالك وقال بهدوء:
"كنت عند الدكتور."
نظرت جميلة له بعتاب وقالت:
"طيب ومقولتليش ليه؟"
ابتسم مالك، واقترب منها وضمها إلي صدره دون كلمات. دائما لا حاجة للكلمات بينهما.
ثم ابتعد عنها مالك وهتف بسعادة:
"قولتيلي بقي إنك حامل؟"
بملامح جامدة أومأت رأسها بالإيجاب. فعاد يسأل بنفس السعادة التي كانت واضحة على عينيه وصوته:
"ولد؟"
أومأت رأسها مجددا بالإيجاب.
قبل وجهها وهو يقول بسعادة:
"يعني أنا هبقى بابا وإنتي يا حبيبتي هتبقي ماما؟"
سقطت دمعة سعادة على وجنتها وقالت:
"هتبقى أحن بابا في الدنيا يا حبيبي."
ضمها إلي صدره بسعادة، فهمست:
"وحشتني يا مالك."
أسند ذقنه فوق قمة رأسها وقال:
"أنا آسف يا حبيبتي على اللي عيشتك فيه الأسابيع اللي فاتت.... حقك عليا يا جميلة."
همست جميلة بضعف:
"الدكتور قالك إيه يا مالك؟"
ضحك مالك وقال:
"قالي إن مفيش ورم.... أنا كويس يا جميلة."
أحكمت يديها حوله أكثر وصاحت بسعادة:
"الحمدلله يا حبيبي."
قال بنبرة ضعيف:
"كان عندك حق متسمعيش كلامي ومتنزليش البيبي."
ابتعد عنها قليلا، مد يده يتحسس بطنها التي بدأ يظهر انتفاخ بسيط عليها، ثم انحني على ركبتيه يقبل بطنها برقة وهمس:
"أنا آسف."
مررت جميلة يدها بين خصلات شعره الناعمة وهمست:
"المهم إننا هنا دلوقتي ومع بعض."
نزلت جميلة على الأرض بجواره، تلقي بنفسها بين ذراعيه وتلقي بحمول الأسابيع الماضية التي عاشتها بخوف أن تفقده، أما مالك فكانت سعادته بالطفل وكأنه أدرك وجوده للتو.
***
دخل يوسف بغضب حاول السيطرة عليه إلي غرفة النيابة، حيث يجلس أمامه سامر مكبل اليدين.
حين دخل يوسف مع أنس ابتسم سامر ليوسف ابتسامة مستفزة، كادت أن تفلت أعصاب يوسف لولا أن أنس ضغط على يده وهمس بأذنه:
"اهدي يا يوسف مش كده."
بدأ سامر بالكلام وهتف بنفس الابتسامة المستفزة:
"إيه يا يوسف جاي ليه؟"
يوسف:
"جاي أشوف وشك قبل ما تتسجن ومتشوفش نور تاني."
ضحك سامر ببرود وهمس ليوسف:
"ابقي سلملي على لارا،" ثم مال على أذن يوسف وهمس بصوت كالفحيح: "أصلها هتوحشني أوي، اوعي تصدق إن الكلام ده كله كان متفبرك، كانت بتيجي تعيط في حضني وتشتكيلي منك."
لم يستطع يوسف أن يكبح جماح نفسه، فأخذ يسدد اللكمات المتتالية لسامر دون توقف وهو يصيح:
"كنت بتبتزها يا واطي، كانت خايفة منك."
أمسك أنس بيوسف يمنعه عن سامر وهتف:
"خلاص يا يوسف مش كده."
صاح وكيل النيابة:
"أنس باشا، أنا ساكت عشان خاطرك بس حضرتك عارف وجوده هنا ممنوع أصلا."
ابتسم سامر باستفزاز ليوسف، بينما قال يوسف بحدة:
"أنا هاسيب القانون ياخد مجراه، بس اوعي تفتكر الضربة دي عشانك، دي عشان كل ليلة باتت فيها مراتي وهي خايفة منك، عشان كل مرة كنت باشوف التوتر والخوف في عينيها ومش فاهم ليه، ودلوقتي فهمت."
نظر له سامر بعينين يملئهما الشر وهتف:
"إنت فاكر إنك كده كسبت؟ مراتك كانت بتجري ورايا."
ابتسم يوسف بثقة وقال:
"ودلوقتي في بيتي مستنياني أروح لها، وأنت! في السجن بتتحاسب على كل اللي عملته."
على الرغم من الثقة في كلام يوسف، إلا أن أنفاسه المتلاحقة احمرار عينيه كانا كفيلان ليشعر أنس بتوتره، فسحبه إلي خارج الغرفة وهتف:
"خلاص يا يوسف أظن كده أخدت حقك."
يوسف:
"حقي هاخده لما أشوف حبل المشنقة حوالين رقبته."
أنس:
"خلاص قولتلك مش هياخد أقل من 7 سنين ومش هيقدر يتعرضلك انت او لارا تاني.... اهدي بقي."
صاح يوسف بحدة:
"الإنسان ده دمر حياتي.... خلاني طلقت مراتي، وحرمني من إني أكون معاها في شهور حملها، خلاني كرهت نفسي، وبعدت عنها .... وكمان كان عايز يأذيني في شغلي."
ربت أنس على كتفه:
"الشر في النفوس موجود كتير... بس الأهم دلوقتي إنك تروح تشوف مراتك وتهتم بحياتك وامسح الصفحة دي من حياتك نهائي."
صمت يوسف واغمض عينيه للحظة، يتمنى أن يرجع بالزمن إلى الوراء ليصلح أخطاء الماضي.
***
أمسكت حياة بيد فارس ونادين تجلس خلف مكتبها تنظر في صور التحاليل والأشعة الخاصة بحياة. رفعت عيناها وابتسمت بألم وقالت:
"للأسف يا فارس زي ما توقعت، مش هينفع يحصل حمل."
تشبثت حياة بيد فارس أكثر وبدأت تترقرق دمعة في عينيها، بينما قال فارس بصوت ثابت:
"مستحيل ولا صعب؟"
ابتسمت نادين بثقة:
"إنت عارف أنا مبؤمنش بالمستحيل، كل شيء ممكن."
لم تستطع حياة أن تمنع دمعة فرا من عينيها، بينما قامت نادين من مكانها، واقتربت من حياة وربتت على ذراعيها حنان وكأنهم أصدقاء منذ الأزل وقالت:
"مش لازم تبقي زعلانة كده يا حياة.... ممكن نجرب نعمل IVF وممكن يجيب نتيجة، هو نسبة نجاحه ضعيفة أه بس ممكن نجرب."
رفعت حياة عينيها الباكيتين إلي فارس وهمست:
"نجرب؟"
ابتسم فارس بحب:
"اللي إنتي عايزاه."
نظرت حياة إلى نادين وأومأت رأسها. قامت نادين وجلست خلف مكتبها بحماس وقالت وهي تكتب في دفتر أمامها:
"خلاص يبقى نبتدي ناخد الأدوية دي يا حياة وتجيلي الأسبوع الجاي إن شاء الله."
أخذت حياة الورقة منها وانصرفت. وحين دخلت إلي سيارة فارس انفجرت في البكاء.
ضمها فارس إلي صدره وقال بصوت ضعيف:
"حياة.... إنتي بتعيطي ليه دلوقتي؟"
قالت حياة من بين دموعها:
"لو فشل الحقن المجهري إنت هتسيبني يا فارس؟ هتتجوز واحدة تانية عشان تجيب ولاد؟" ثم رفعت عينيها لتواجه عيني فارس وهمست: "لو عايز تتجوز قولي وطلقني بس متتجوزش عليا."
ضحك فارس حتى ظهرت غمازتيه وقال وهو يربت على ظهرها بحنان:
"أتجوز تاني إيه بس، أنا كفاية عليا مرة واحدة مستحملش أنا جنان تاني."
وكزته حياة بخفة في كتفه، فأردف بجدية:
"أنا بحبك يا حياة وإنتي عارفة ومتأكدة من ده، موضوع الأطفال أنا مش فارق معايا، ومش عايز حتى نمشي في المحاولات اللي بتقول عليها نادين، أنا هاعمل ده بس عشان إنتي تكوني مبسوطة."
رفعت عينيها الدامعتين تنظر إليه وقالت:
"يعني مش هتتجوز عليا."
ضحك فارس وقبل عينيها الدامعتين وقال بمرح:
"مقدرش أتتجوز عليكي يا جميل."
ابتسمت حياة من بين دموعها وقالت:
"ولا هتطلقني عشان مبخلفش؟"
حرك رأسه بالنفي وهو يضع قبلة فوق جبينها وقال بنبرة دافئة:
"ولو كنت أنا اللي مبخلفش كنتي هتسبيني؟?"
نفت حياة على الفور وقالت:
"خالص والله."
ابتسم فارس وهمس:
"وأنا مقدرش ابعد عنك يا حياتي."
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم اميرة احمد
في أحد المنازل المطلة على النيل، وقفت حياة تعدل هندامها في المرآة بوجه عابس. مال فارس على أذنها وهو يهمس:
"إيه مزعلك كده يا حياتي؟"
صاحت حياة بحدة:
"فارس! أحنا هنرجع تاني لندن أمتي؟"
ضحك فارس وهو يضمها:
"مش قادرة تستحملى هنا أسبوع كمان؟"
نظرت له حياة بغضب وقالت:
"فارس، أنت هنا مش معايا خالص... بتكلم ده وتهزر مع ده وتقابل ده... وناسيني خالص..."
ثم أردفت بصوت ضعيف:
"أنا اتعودت إن اهتمامك بيا بس... دنيتنا مفيهاش غير أنا وانت بس."
ضمها فارس وهمس بصوت دافئ:
"حبيبتي.... أكيد أهلي وأصحابي وحشوني... بقالي 7 سنين مشفتهمش، لكن أنتي يا حبيبتي في قلبي دايما، ببقى قاعد مع الناس وعيني عليكي برضه."
قالت حياة بطفولة:
"معرفش، أنا زهقت وعايزة نرجع."
ضحك فارس بشدة:
"مش دي حياة اللي مكنتش عايزة تسافر،"
ثم أردف وهو يقلد نبرة صوتها:
"سافر لوحدك يا فارس، أنا مقدرش أسيب حياتي هنا."
وكزته في كتفه بخفة وقالت:
"بس بقي يا فارس.... اتعودت على العيشة هناك.... هناك بقي بيتي."
ضمها فارس إلي صدره وقال بنبرة حنونة:
"وأنا بيتي مكان ما تكوني أنتي."
دفعته بصدره بخفة وقالت:
"يلا ألبس علشان منتأخرش على عيد الميلاد."
قال فارس بارتباك وهو يرتدي قميصه:
"على فكرة نادين بعتتلي رسالة، بتسأل لو عايزين نجرب تاني لما نرجع."
ابتسمت حياة بألم وقالت:
"أنا مش عايزة أجرب تاني يا فارس... أنا اقتنعت بكلامك، أنت عندك حق... ده نصيبنا وأنا راضية بيه."
ضمها فارس إلي صدره ووضع قبلة حانية فوق جبيتها وقال:
"يعني مقتنعة."
همست بألم:
"لو انت مش هتسيبني."
فارس:
"حياة.... أنا قولتلك مليون مرة... أنا اتجوزتك علشانك أنتي... علشان بحبك... موضوع الأطفال ده فعلا مش فارق معايا.... وأنا عملت كل اللي فات ده وجربنا عمليات أكتر من مرة علشان بس أنتي تبقي سعيدة، لكن أنا سعادتي أنتي يا حياة."
ابتسمت حياة بدمعة تترقرق في عينيها وقالت:
"وانت كل حاجة في حياتي يا فارس."
ثم هتفت بخفة:
"يلا بقي هنتأخر عليهم، كمان العفاريت ولاد يوسف دول وحشوني أوي."
ابتسم فارس وهو يضع عطره:
"يلا خلاص أنا جاهز."
***
جثا عمر على ركبتيه يربط لحوريته حذائها، ثم اعتدل ليضع لها رابطة شعرها. ضحكت حنين وهي تشاهدهم ثم هتفت:
"كفاية دلع على بابي يا حورية وروحي كملي لبسك."
رفع عمر عينيه إليها، ثم قال بابتسامة:
"ده أنتي غيرانة بقي؟"
ثم توجه عمر إلي حورية وهتف:
"روحي يا حبيبتي كملي لبسك في أوضتك."
خرجت الصغيرة تركض وهي تهتف:
"حاضر يا بابي."
أتجه عمر ناحية حنين، فقالت بدلال:
"هو الدلع كله ليها وأنا اتنسيت خلاص؟"
وضع عمر قبلة بين شفتيها وهمس وهو يضمها إلي صدره:
"ده أنتي الأصل حتي."
قالت وهى تزم شفتيها كالأطفال:
"مش باين... المفعوصة دي أخدتك مني خالص."
ضحك عمر:
"محدش يقدر ياخدني منك ابدا... حتى لو كانت بنتك."
ابتسمت حنين بخجل، بينما قال عمر:
"حنين."
حنين:
"نعم."
قال عمر بارتباك وتوتر:
"أنا كنت بفكر نرجع نستقر هنا.... يعني هيبقي صعب تبقي هناك بال3 أولاد لوحدك."
هتفت حنين بسعادة:
"بجد يا عمر؟"
عقد عمر حاجبيه وقال:
"انتي مبسوطة؟ يعني توقعت أنك مرتاحة هناك أكتر."
حنين:
"أنا برتاح في المكان اللي أنت هتكون فيه."
ابتسم عمر:
"أنا كنت بفكر أسافر أنا لوحدي أنهي كل حاجة هناك، وارجع نفتح مشروع صغير هنا نديره أحنا الاتنين."
هتفت حنين بسعادة:
"دي فكرة حلوة أوي يا عم."
وضع قبلة حانية على وجنتها وهمس:
"حبيبتي أنتي."
دخلت حورية مرة أخري إلي الغرفة وأمسكت بيد عمر وهتفت:
"يلا يا بابي هنتأخر على عيد ميلاد أدم."
تبعها عمر وخرج باستسلام، بينما لحقت حنين بهم تشاهدهم بابتسامة.
***
ركض سليم حول ليلي وأنس. صاحت ليلي:
"سليم.. أقعد في مكان."
وجه نحوها مسدس الخرز وصوبه نحو ساقها، فصاحت ليلي بألم. نظرت إلي أنس الذي يقف بجوارها يضحك عليها، وقالت والشرر يتطاير من عينيها:
"أنت بتضحك... الولد ده واخد الشقاوة منك على فكرة."
ضحك أنس بخفة وقال:
"حبيبتي أنا كنت طفل هادي وأنا صغير... الولد واخد شقاوتك كلها... باين من عينيكي أنك كنتي داهية وانتي صغيرة."
ضحكت جميلة وهي تقترب منهم وقالت:
"عندك حق، كانت مصيبة وهي صغيرة."
أنس:
"ووهي كبيرة... بس أنا بامشي حالي في البيت ده... أنتي عارفة مجنونة ممكن تخليني أبات على السلم."
ربت يوسف على كتفه بحماس وصاح بمرح:
"هو ده الكلام."
وقف مالك في المطبخ يرتب الأطباق، حين وجد الصغير يركض نحوه بسعادة ويصيح:
"بابي."
انحنى يفرد ذراعه بحب، يتلقى الصغير بين ذراعيه وقال:
"عيد ميلاد مين النهاردة؟"
ضحك الصغير بطفولة وقال:
"أنااا."
وضع مالك قبلة حانية على خد الصغير وقال:
"طيب يلا بتعمل ايه هنا يا أدم... روح ألعب مع أصحابك."
حمله مالك وخرج به إلي الحديقة الصغيرة الملحقة بالمنزل، وعاد يجلس مع الأصدقاء.
صاحت ليلي بسعادة:
"هتولدي أمتي يا حنين."
ابتسم عمر وهو يحرك يده على انتفاخ بطنها بحنان، بينما قالت حنين:
"لسة الشهر الجاي."
هتف عمر:
"بس المرة دي اتنين."
ضحك أنس:
"ربنا يقويك عليهم... أنا سليم وليان مجنني."
ضحك الجميع، بينما جلست حياة تحمل ياسين الصغير وهي تداعبه ويضحك وهي تهتف بسعادة:
"قلب عمتو.. وروح عمتو أنت."
اقتربت منها رهف الصغيرة وقالت:
"وأنا يا عمتو؟ هو الحب كله لياسين وأنا لأ؟"
ضحكت حياة وهي تضمها إلي صدرها بحنان:
"ده أنتي حبيبة عمتو أوعي تقولي كده."
نظرت جميلة بسعادة ثم هتفت:
"إيه ده... انتوا عارفين أول مرة أخد بالي إن حنين وحياة عايشين في دولتين عكس بعض تماما."
ضحكت حياة بخفة وقالت:
"أيوه أحنا عندنا برد طول السنة وحنين عندهم صيف طول السنة."
هتفت ليلي:
"بس اتعودتوا بقي على العيشة بره؟ يعني مجتمع مختلف وكده."
فارس:
"بصي في الأول الموضوع بيبقى صعب... بس بعد شوية خلاص بتبقي دي حياتك."
عمر:
"بس بصراحة يا دكتور، الغربة مهلكة للأعصاب."
فارس:
"بس أحيانا بتحتاج تبعد علشان تلاقي نفسك."
يوسف:
"يعني أنا بصراحة مقدرش أبعد عن أهلي واصحابي... أنا بحب الروتين أوي."
ضحكت لارا بخفة:
"طيب ما تعمل الروتين اللي بحاول أمشيك عليه في البيت بقالي سنين وانت اللي بتصمم تكسره."
ضحك يوسف:
"يا حبيتي أنا أقصد روتين بأني أنام في وقت محدد وأصحى في وقت محدد وأروح شغل ثابت ، مش أني أخد كيس الزبالة وأنا نازل."
ضحك أنس بشدة، فنظرت له ليلي بحدة فقال:
"أيوه فعلا لازم تاخد كيس الزبالة في ايدك وانت نازل... أنا الصبح بانزل لابس البدلة وفي ايدي كيس الزبالة زي الباشا ولا يهمني."
ضحك الجميع، بينما مالت ليلي على أذنه وهمست:
"برافو يا بيبي."
دخلت جميلة إلي المطبخ تحمل صينية موضوع عليها أكواب العصير، لكن لحق بها مالك، ضمها من ظهرها وهو يمرر يديه على انتفاخ بطنها وهمس بالقرب من أذنها:
"تعبانة؟"
همست بضعف:
"البنت دي هتطلع شقية ومتعبة أوي... مش زي أدم وأحمد."
همس وهو يأخذ الصينية من يديها:
"معلش يا جميلة هانت، خليني أنا أشيل عنك الصينية دي، وانتي جهزي التورتة علشان نطفي الشمع."
جاءت حورية تبكي لعمر وهتفت من بين دموعها:
"بابي سليم بيشد شعري."
لحق بها سليم وقال برزانة وهدوء تتنافى مع سنه الصغير:
"والله يا أونكل أنا مشدتش شعرها... أنا مسكته بس... كنت بقولها شعرك حلو وطويل."
نظرت جميلة لمالك بابتسامة ومالت على أذنه وقالت:
"الولد طالعلك."
ضحك مالك وهمس:
"بيفهم."
بينما ربت عمر على حورية بحنان:
"هو ميقصدش يا حبيبتي معلش..."
جاء أنس يحمل الكعكة وقال:
"يلا يا أستاذ أدم علشان نطفي الشمع."
وضع الكعكة في منتصف الطاولة والتف الجميع حولها، وقف أدم في المنتصف بجوار مالك وجميلة التي حملة أخيه الصغير أحمد، بينما حمل مالك أدم. مالت جميلة على أذن مالك وهمست:
"سيبه هو اللي يطفي الشمع يا مالك السنة دي، مش زي كل سنة تنفخها أنت."
مالك:
"أعمله ايه اذا كان بياخد وقت طويل جدا علشان ينفخها."
ضحكت جميلة بخفة وقالت:
"بيدرس قراراته زي أبوه."
أطفأت ليلي النور وبدأ الجميع يغنوا أغنية عيد الميلاد لأدم.... نظر مالك حوله بسعادة، ابتسم لسنوات مضت منحته الألم والمرض، لكنها منحته أيضا السعادة والألم... برغم كل ما مضى وبرغم الظروف، إلا أنه كان أقوى وانتصر على كل ألم... نظر حوله بامتنان... لديه كل ما يحلم به، حولته السنين من شاب مريض يائس.... إلى رجل سعيد ورب أسرة ناجح.
وقعت عيناه على حنين التي كانت تغني بسعادة وتنظر لعمر وهو يحمل طفلتهما بين ذراعيه بحنان... وحده هو وجميلة يعرفان حجم الألم التي عانته حنين في الماضي، لكن عمر لم يتركها تستسلم لليأس.
أطفأ أدم الشمع ووضع مالك قبلة حانية على خده، بينما مالت جميلة على أذن مالك وهمست:
"كل سنة واحنا مع بعض."
ومن بين عيون الأطفال اللامعة التي تركض حولهم، كانت الحياة تبتسم لهم من جديد.... اجتمعوا مرة أخرى كما فرقتهم الحياة من قبل، لكن هذه المرة لم يكن أحد مستعدا أن يترك يد الأخر.
مضت السنوات وتغيرت الملامح، لكن دفء القلوب كان هو ذاته... دفء يصنعه الحب والأمل... لم يكن طريقهم مفروشا بالورود... لكن نبضاتهم لم تعرف للمستحيل طريقا.