تحميل رواية «نبضات لا تعرف المستحيل» PDF
بقلم اميرة احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المقاهي الهادئة، جلست حنين في إحدى الأركان الجانبية مبتعدة عن الزحام، بعينين حزينتين، يملؤها الصراع من داخلها، يداها ترتجف وتحاول أن تسيطر عليها. دخل شادي، عيناه مليئة بالغضب الممزوج بالحزن. سحب كرسي وجلس أمامها، يحاول أن يسيطر على انفعاله. صمت قليلاً، نظر إلى عينيها بإنكار وهتف: بجد؟ وافقتي؟ هربت بعينيها عنه، وحركت رأسها بإيجاب دون أن تنطق بكلمة. ضحك بسخرية وقال وهو يقترب منها: وأنا؟..... نسيتي أنك بتحبيني؟ رمشت بعينيها بتوتر تحاول أن تمنع دمعة كادت تفر منها. أطرقت برأسها بخزي وقالت بصو...
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اميرة احمد
على أعقاب صالة المطار، وقف فارس بقلب محطم، وعينين يمتزج فيهما الألم بالأمل. وقفت إلي جواره والدته، تمسك بيده بقوة وعيناها تبكي بلا توقف.
قالت بصوت مجروح من الألم: هترجعلي تاني يا فارس؟
ابتسم فارس بمرارة، ورفع كفها إلى شفتيه يقبلها بحنان وقال: سايب حتة من روحي معاكي هنا يا ماما.
اقترب طارق وربت على كتفه بحنان، عينيه حزينة ومكسورة، لكنه كان يحاول أن يخفي ذلك بابتسامته المرحة كالعادة ومزاحه بطريقته الخاصة فهتف في فارس: طيب وقلبك؟ مش كنت خدته معاك بدل ما انت سايبه هنا؟
تجهمت ملامح فارس، لكنه هتف بجدية: أشوفك على خير يا بابا.
زاد ضغط طارق على كتف فارس وقال: سافر يا حبيبي... شوف الدنيا وأتعلم واشتغل... وأعرف إننا فخورين بيك في كل الأحوال.
سقطت دمعة من عين طارق رغما عنه، ضمه فارس إلى صدره وربت على ظهره بقوة، لم يعلم في لحظتها هل كان يمنح والده القوة على فراقه، أم يستمدها منه.
أما سما فكانت تبكي بلا توقف، قبل فارس رأسها بحنان وقال: أرجوكي يا ماما كفاية عياط.
همست له سما من بين دموعها: كان نفسي تسافر يا حبيبي وقلبك مرتاح.
تنهد فارس بألم: محدش عارف بكرة فيه إيه.
ودع فارس والديه بحنان، فرت دمعة من عينيه ألمًا لفراقهما... حمل حقيبة سفره وتوجه ناحية صالة المطار لإنهاء الإجراءات.
جلس فارس ينتظر في المطار، عينيه شاردتين يراقب حركة الطيارات بعينيه، لكن ذهنه كان هناك معها... أخرج هاتفه.... فتح المحادثة بينه وبين حياة..... لم يتحدث معها منذ آخر لقاء لهما في منزلها حين رفضت السفر معه... يفتقدها بشدة... يفتقد أحاديثهما وصوت ضحكتها..... نظر طويلاً إلى الهاتف ... كتب رسالة لها " خلاص مسافر... كان نفسي تبقي معايا"
قرأ الرسالة أكثر من مرة، ثم مسحها وتراجع عن إرسالها، همس لنفسه بألم: أنا مسافر بس سايب روحي معاكي هنا يا حياة.
أخرجه من شروده صوت المذياع ينادي على الطيارة المتجهة إلى لندن.... حمل حقيبته الصغيرة ومشي بخطي بطيئة مثقلة بالهموم.
وضع السماعات في أذنه وانطلق الصوت وكأنه يلف كيانه.
Well you only need the light when it's burning low
Only miss the sun when it starts to snow
Only know you love her when you let her go
Only know you've been high when you're feeling low
Only hate the road when you're missing home
Only know you love her when you let her go
And you let her go.......
Staring at the ceiling in the dark
Same old empty feeling in your heart
'Cause love comes slow and it goes so fast
Well you see her when you fall asleep
But never to touch and never to keep
'Cause you loved her too much and you dive too deep
أغمض عينيه بألم وكأن كلماتها لمست روحه وانطلق يمضي في طريقه.
***
في المساء دخلت حياة على والدها الغرفة لتطمئن عليه... طرقت الباب بخفة، فتح لها وهو يرتدي جاكيته، يقف أمام المرآة يعدل من هندامه... وضعت حياة قبلة على وجنته وهتفت وهي تلف يديها حول عنقه: رايح فين يا زيزو؟
ضحك زياد وهو يرش عطره: أخيرا خرجتي من أوضتك يا دكتورة.
جلست حياة على طرف السرير، نظرت لصورة والدها في المرآة وقالت بصوت ضعيف: كنت مضايقة شوية بس يا بابا.
التف إليها زياد وقال: ودلوقتي بقيتي أحسن؟
شردت حياة بعينيها وقالت: لأ... بس قولت أجي أستمد طاقتي منك... المهم متضحكش عليا... بالحلاوة دي كلها رايح فين؟
ضحك زياد: رايح أقابل عمك طارق يا ستي... متضايق شوية هو كمان.
حياة: متضايق ليه؟ ... أونكل طارق أكتر شخص بشوفه دايما بيهزر ويضحك.... عمري ما شفته شايل هم لحاجة.
زياد: هو أكتر إنسان بيزعل ويحس... بس بيداري ده وسط ضحك والهزار.
حياة: وإيه مزعله للدرجة دي؟
قال زياد وهو يخرج من الغرفة: عشان فارس سافر امبارح.
تجمدت ملامح حياة، شعرت وكأن قلبها توقف عن الخفقان للحظة، وعاد يخفق من جديد لكن بلا روح.
قامت حياة من مكانها وتحركت نحو غرفتها، جلست على سريرها تبكي بحرقة... هل حقًا فارس تركها وسافر دون وداع، ألا يشتاق لها كما تشتاق له... هي من اختارت البعد، لكنها لم تكن مستعدة لذلك الفراغ الذي شعرت به حين ابتعد وتلك الغصة التي أصابت قلبها حين علمت بسفره.
مر أسبوع....
في البداية كانت تقنع حياة نفسها أن الأمر مؤقت.. حتمًا سيشتاق لها وسيتصل... سيسأل عنها.... لكنه لم يفعل، عينيها دائمًا معلقة بالهاتف لكن لا إشعارات، لا رسائل ولا مكالمة منه.
في اليوم العاشر، أغلقت باب غرفتها جيدًا... جلست أمام المرآة... ما تراها أمامها هي حتمًا ليست هي... وجهها شاحب من قلة النوم، عينيها ذابلتين من أثر البكاء.. أمسكت بهاتفها بتردد... فتحت المحادثة مع فارس... شغلت رسالة صوتية كان قد أرسلها لها قبل سفره بعدة أشهر.... دمعت عيناها وهي تستمع لنبرة صوته الدافئة.... كادت أن تكتب له رسالة طويلة تبث له فيها أشواقها، تبوح بحبها واشتياقها له، لكنها أغلقت الهاتف وألقت به بعيدًا.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة وهمست لنفسها: أنتي اللي كسرتي قلبك بإيدك... كنتي جبانة يا حياة.
بعد مرور حوالي أسبوعين على سفر فارس.
انعزلت حياة تمامًا عما حولها... لم تعد تخرج من غرفتها... تأكل الطعام بلا شهية.... لا تتحدث مع أحد... حتى أصدقاؤها لم تعد تتحدث معهم أو تراهم... تذهب إلى عملها كل يوم وتعود للمنزل كالآلة... جسدًا بلا روح.
أمسكت بهاتفها من جديد... فتحت المحادثة بينهما، نظرت إلى صورته وعينيه الزرقاوين وابتسامته المرحة، شعره بني اللون... تأملت كل تفاصيله وهمست كما لو كانت تحدثه: يا ترى يا فارس حاسس بيا.... الوجع اللي في قلبي فيه زيه في قلبك؟ وحشتني أوي... يا ترى الجو عندك عامل إيه؟ ... بتنام إمتى وتصحى إمتى؟
لو حاسس بيا أرجع يا فارس.... أو حتى قولي إنك نسيتني يمكن أنا كمان أنسى.
في اليوم الثلاثين.
كانت حياة في حالة مزرية.... شرود تام... بهتت بشرتها، يحيط بعينيها هالتين سوداء من أثر البكاء... خسرت جزء من وزنها بشكل ملحوظ...
دخل عليها زياد في الغرفة، كانت شاردة لم تشعر بوجوده في البداية إلا حين أغلق الباب خلف وهتف باسمها.
نظرت له حياة بابتسامة باهتة وقالت: محتاج حاجة يا بابا؟
جلس زياد على طرف السرير، نظر إليها بألم وقال بنبرة حانية: مش عايزة تقوليلي مالك برضه؟
أشاحت بعينيها عنه وقالت بصوت ضعيف: أنا كويسة يا بابا.
تنهد زياد: أوعي تفتكري إني مش فاهم ولا مش واخد بالي إنك على الحالة دي من يوم ما فارس سافر.
حين سمعت اسمه بدأت عيناها تذرف الدمع بلا توقف، فتح لها زياد ذراعه فألقت بنفسها في حضنه وهمست من بين دموعها: وحشني أوي يا بابا.
ربت زياد على ظهرها وقال: بتحبيه؟
همست من بين دموعها: مكنتش أعرف إني بحبه أوي كده غير لما بعد.
نظر زياد إلى عينيها الدامعتين وقال: هيرجع إن شاء الله.
هزت حياة رأسها بالنفي وقالت: قالي مش هيرجع تاني... أنا اللي كنت غبية يا بابا ورفضت.
زياد: ورفضتي ليه لما انتي بتحبيه كده؟
حياة: عشان كنت خايفة يا بابا... مش عايزة أبعد عنك ولا عن ماما... خايفة أعيش في بلد معرفهاش مع ناس معرفهاش.
ابتسم زياد: طيب ودلوقتي؟
حياة: وجع إنه مش موجود أكبر من أي حاجة تانية.... حاسة إن روحي موجوعة لفراقه.
ربت زياد على ظهرها بحنان: طيب لو رجع وطلب إيدك تتجوزيه يا حياة؟
على نحيب حياة وقالت من بين دموعها: من غير تردد هاتجوزه... بس هو مش هيرجع تاني.
وضع زياد قبلة على جبين حياة وهمس: هيرجع.... عشان هو كمان ساب قلبه معاكي.
***
بعد أن أسدلت الشمس ستائرها على الكون وبدأ يحل القمر مكانها، جلست لارا مع يوسف وعائلته في غرفة المعيشة، لارا ويوسف يجلسان جنبًا إلى جنب على الأريكة وأمامهما على الطاولة بعض الأوراق المتناثرة وحاسوب لوحي صغير، على المقعد بجوارهم يجلس زياد وبجواره حياة وهي شاردة تمامًا وأمامهما تجلس نور تتصفح هاتفها ولا تعيرهم أي انتباه.
كانت لارا يبدو عليها التوتر الذي كانت تحاول أن تخفيه عن يوسف، بين الحين والآخر تنظر إلى هاتفها بقلق... تتأكد من أنه على وضع الصامت وتعيده مكانه مرة أخرى مقلوبًا على وجهه خوفًا من أن تأتيها مكالمة أو رسالة من سامر ويراها يوسف.... كانت تتصفح الحاسوب اللوحي مع يوسف بقلب سعيد وروح متوترة.
قال يوسف وهو يشير إلى إحدى الصور على الحاسوب: أنا شايف القاعة دي أحلى كتير.
أمسكت لارا بالحاسوب اللوحي من يده وقالت: هي حلوة بس أنا مش عجباني الإضاءة فيها، حاسة إنها ضلمة أوي.
زياد: طيب ما تتفقوا معاهم يغيروا الإضاءة.
لارا: تفتكر ينفع يا أونكل؟!
يوسف: خلينا نسألهم ونجرب.... أنا شايف إن دي أكتر قاعة مناسبة للفرح.
نظر يوسف إلى والدته التي يبدو على ملامحها الضجر وقال: ولا انتي رأيك إيه يا ماما؟
رفعت نور عينها وقالت ببرود: اللي تشوفوه... انتوا اللي هتتجوزوا.
نظر زياد إليها وقال بحنان: عارفة يا حبيبتي.... بقالك شوية معملتليش قهوة من إيدك إيه رأيك تعمليلي فنجان قهوة.
قامت نور من مكانها ودخلت إلى المطبخ دون أن تتكلم، غمز زياد ليوسف فقام الأخير خلفها... دخل إلى المطبخ واقترب من والدته، أمسك أبريق القهوة من يدها، بدأ يضع البن والسكر والماء فيها، نظرت إليه نور وجلست على المقعد في منتصف المطبخ، قال يوسف وهو يقلب القهوة: ماما.... من فضلك حاولي تعاملي لارا كويس عشان خاطري.... حاولي تنسي هي بنت مين... بصي لها بس على إنها البنت اللي هتكون مراتي.
تنهدت نور: أنا بحاول.... بس مش سهل... انت مش متخيل هي شبه سارة وهي في سنها إزاي، انت كمان يا يوسف فيك شبه من زياد وهو صغير أوي.... فاهم أنا حاسة بإيه لما باشوفكوا مع بعض... كأني شايفة زياد مع سارة.
اقترب منها يوسف وأمسك كفها بين يديه ووضع قبلة على كفها وقال: ماما... أنا آسف لو برجعلك أي إحساس قديم... بس أنا عايزك تفصلي لارا عن أمها، عامليني يا ماما زي ما بتعامليني.... خليها تشوف حنانك وحبك... مش هعرف أعيش وأنتي مش بتحبيها.
نظرت نور في عيني يوسف رأت ذلك الطفل الصغير الذي كان يترجاها من أجل قطعة حلوى، ابتسمت له بحنان: حاضر يا يوسف هحاول.
قبل يوسف رأسها: وده كفاية عليا يا ماما.
ضحكت نور: خليك أتكلم على لارا وسايب القهوة، ولو فارت انت اللي هتنضف البوتجاز.
ضحك يوسف وهو يصب القهوة في الفنجان: متخافيش أنا مركز.
خرج يوسف يحمل فنجان القهوة في يده والأمل في قلبه، جلس إلى جوار لارا مرة أخرى، هتفت لارا بطفولة: أنا بفكر الورد يبقى أبيض وداخل فيه ورد بينك.
ضحك يوسف: مش كفاية أوضة النوم بينك... كله هيبقى بينك.
ضحك زياد بخفة: ربنا يجعل حياتكم كلها بمبي.
لارا: طيب انتي إيه رأيك يا حياة؟
خرجت حياة من شرودها نظرت إلى لارا وقالت بصوت مهزوز: اللي انتي عايزاه يوسف لازم يعمله... ده فرحك في الأول والآخر.
نور: قوليلي يا لارا اخترتي فستان الفرح ولا لسة؟
نظرت لارا إلى عينين يوسف بارتباك، ثم نظرت إلى نور التي حاولت أن تكسر الحاجز بينهما وقالت: بصراحة يا طنط استقريت على الديزاين بس لسة مخلصش....
ابتسمت نور: طيب مش تفرجيني عليه.
قامت لارا من مكانها وجلست بجوار نور، أخرجت هاتفها وقالت ببراءة: هوريهولك انتي بس يا طنط... يوسف مش لازم يشوفه.
ضحك يوسف بخفة وهو يرفع حاجبه: على فكرة انتي هتلبسي الفستان ده ليا أنا.... يعني أنا لازم أشوفه وأوافق عليه كمان... بعدين إصرارك إني مشوفهوش بيخليني أقلق أكتر.
ألقت نور نظرة على صورة الفستان وقالت بوجه هادئ: حلو أوي... هيبقي حلو عليكي.
هتف يوسف بمشاكسة: قوليلي يا ماما هيعجبني ولا لأ؟
ضحك زياد: يا يوسف أي حاجة لارا هتلبسها لازم تعجبك.... انت ناوي تتخانق معاها يوم فرحكوا؟
قالت لارا بدلال: يرضيك كده يا أونكل... هو على طول بيتلكك على أي خناقة كده.
يوسف: خلاص بقيت أنا اللي وحش؟
ضحكت نور: أوعي تزعلها يوم فرحها يا يوسف أنا بقولك أهو.
لأول مرة شعرت لارا بالانتماء داخل هذا البيت، ربما من كلمات نور... أو بشاشة زياد... لكنها شعرت أنها في هذه اللحظة لم تكن ضيفة.
لمعت عيني لارا من السعادة، نظر لها يوسف بحب ومال على أذنها وهمس: مش قولتلك ماما بتحبك.
ابتسمت لارا بسعادة ولم تعقب.
***
وفي طريق العودة إلى المنزل في سيارة يوسف كان قد تمكن التوتر من لارا... هتف يوسف وهو ينظر إليها: مالك يا لولو ... شكلك متوتر ليه؟
ابتسمت نصف ابتسامة: مفيش... انت عارف تجهيزات الفرح.
امسك يوسف يدها: بس حاسس إن في حاجة تانية موتراكي.... لو في حاجة قوليلي... إحنا هنتجوز يا لارا.... يعني حياتنا هتبقى واحدة... متخبيش عني حاجة.
تنهدت لارا وقالت: تفتكر مامتك بتحبني بجد؟
يوسف: حتى لو مش بتحبك بجد... لما تقرب منك هتحبك زي بنتها بالظبط.
لارا: يعني تفتكر لو حد حاول يوقع بينا وقالها كلام عني هتصدقه؟
عقد يوسف حاجبيه وقال: ليه يا لارا بتقولي كده... ماما مش مندفع مش هتصدق عنك حاجة من غير ما تواجه وتسأل... بعدين ليه أصلًا حد ممكن يوقع بينا؟
حاولت لارا أن تداري ارتباكها: أنا بس بقول... يعني لو حد حاول.
قال يوسف بحزم: لا متقوليش... ماما عاقلة جدًا على فكرة.
لارا: يوسف... أنا بحبك أوي... متخليش أي حاجة تبعدنا عن بعض مهما كانت هي إيه.
امسك يوسف يديها بقوة وقال: متخافيش... مفيش حاجة هتبعدنا عن بعض أبدًا.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اميرة احمد
وقفت جميلة أمام المرآة تمشط شعرها ومالك مستلقي على السرير يشاهدها بإعجاب.
لمحت جميلة انعكاس عينيه اللامعتين في المرآة فقالت:
بتبصلي كده ليه؟
قام مالك من مكانه.
مشي تجاهها ببطء.
همس لها وهو يأخذ المشط من يدها:
معجب.
امسك المشط في يده وبدأ يمرره خلال شعرها برقة.
أغلقت جميلة عينيها بابتسامة تستشعر دفء اللحظة.
مال عليها مالك ووضع قبلة حانية على عنقها وهمس:
بحبك.
فتحت جميلة عينيها ونظرت بانعكاسهما في المرآة ومالك يسند ذقنه على تجويف كتفها وابتسمت.
نظر إليها وقال:
كل ما بشوفك بحس كأني شايف لوحة فنية.
أية من الجمال.
ضحكت جميلة بمرح:
مزهقتش مني؟ بقالنا كتير متجوزين ومفيش في وشك غيري.
قبل وجنتها وهمس وشفاهه تلامس بشرتها:
هو انتي زهقتي مني؟
أومأت رأسها بالنفي.
فهمس:
وانا عمري ما أزهق منك.
التفت إليه جميلة وأصبحت في مواجهته.
لف ذراعه حول خصرها وضمها الي صدره.
همست جميلة بين ذراعيه:
البس انهي فستان في فرح لارا ويوسف؟
رفع مالك وجهه.
نظر الي جميلة في عينيها بحب وهمس:
فاكرة يوم خطوبة يوسف ولارا؟
أومأت رأسها بالإيجاب.
فأردف:
فاكرة الفستان الأحمر اللي كنتي لابساه.
الفستان ده خلاني مش عارف اتنفس.
كنتي جميلة بشكل يوجع القلب وانا شايفك قدامي ومش قادر اطولك.
كان نفسي اخبيكي يوميها عن عيون الناس واشوفك انا بس.
ابتسمت جميلة بخجل وهمست:
الفستان ده كان فكرة ليلي.
هي اللي قالتلي البسه علشان تنطق وتقول حاجة.
وكزته في صدره بخفه وهمست:
بس مقولتش برضه.
ابتسم مالك بشجن:
مكنتش أقدر أقول وقتها.
لكن دلوقتي أقدر اقولك إنك بتعتي انا بس.
أنهى مالك جملته وهو يحملها بين ذراعيه ويتجه بها نحو السرير.
دفنت جميلة رأسها بين صدره وهمست:
انت يوميها خلتني عبيطة وانا قاعدة لابسة الجاكيت بتاعك طول الحفلة.
أبعد مالك رأسه عنها ونظر اليها وضحك بخفة وهو يقول:
صحيح يا جميلة فين جاكيت البدلة.
أنا مشفتهوش من يومها.
لفت ذراعيها حول عنقه وهمست بدلال وهي تقرب شفتيها من شفتيه:
في الدولاب.
احتفظت بيه عندي علشان ريحتك كانت فيه.
كل ما كنت توحشني كنت باحضنه واتخيل إنك في حضني.
وضع مالك قبلة طويلة بين شفتيها مليئة بالحب وهمس:
طيب ما انا بقيت في حضنك اهو.
ابتسمت جميلة وهي تمرر يدها بين خصلات شعره:
ودي احلي حاجة في الدنيا.
في الصباح.
استيقظت جميلة علي قبلة رقيقة من مالك.
بصوت ناعس وعينين مغمضتين تمتمت:
عاوزة انام يا مالك.
ايه مصحيك بدري.
النهاردة اجازة.
وضع قبلة رقيقة على شفتيها وهمس:
اصحي يا حبيبتي كفاية نوم.
فتحت جميلة عينيها.
وهمست بدلال:
مش كفاية.
سيبني انام في حضنك شوية.
قال مالك وهو يعتدل من نومته:
خلاص براحتك.
كنت هاقولك تعالي ننزل نشتري فستان علشان فرح يوسف ولارا.
بس خليكي نايمة أوفر.
فتحت جميلة عينيها بحماس.
اسندت ذقنها على صدره:
بجد.
لو كده انا صحيت خلاص.
ضحك مالك:
خلاص يلا قومي اعملي الفطار ويلا نجهز علشان ننزل.
انا عارف هتلففيني اليوم كله.
في إحدى المحال التجارية الشهيرة.
دخلت جميلة ومالك.
الفساتين المتلألئة متراصة بانتظام.
وقفت جميلة تشاهد الفساتين و تمسكهم واحد تلو الاخر.
امسكت فستان باللون الأحمر الداكن.
اشارت به لمالك وهتفت:
ايه رأيك في ده؟
نظر إليه مالك باهتمام وقال:
حلو بس مش شبهك.
امسك مالك بفستان من الدانتيل بلون الكريمة، بأكمام طويلة وتطريز ناعم يزيّن جزأه العلوي، بينما انسدل الجزء السفلي منه بخفة وهمس لها:
حاسس ده شبهك اكتر.
امسكته جميلة بإعجاب وهتفت:
ماشي هادخل اقيسه.
دخلت جميلة غرفة القياس وخرجت بعد دقائق ترتدي الفستان.
بدت وكأنها حورية خرجت من زمن اسطوري.
نظر لها مالك بصمت وعينين تشع بالحب والإعجاب.
وقف ينظر لها من كل الزوايا.
هتفت جميلة بدلال:
حلو؟
ابتسم مالك وهمس:
اووي.
اقتربت منه جميلة وقالت:
نشتريه؟
لايزال ينظر مالك بإعجاب وقال:
مش عارف.
شكلك حلو اوووي لدرجة ان مش عايز حد يشوفك حلوة كده غيري.
ضحكت جميلة:
خلاص طالما حلو كده خلينا نشتريه يا مالك.
وييبقي تعويض عن اللي حصل في الخطوبة.
ضحك مالك:
ماشي نشتريه.
وفي محل لبيع الملابس الرجالية الانيقة.
دخل مالك وجميلة.
اخذ مالك يدور بين الارفف يبحث عن البدلة المناسبة.
كان الحماس يبدو على وجه جميلة اكثر من مالك.
فقال ممازحا:
ايه يا جوجو الحماس ده كله؟
ضحكت جميلة:
دي اول مرة اختار معاك هدومك.
طبعا متحمسة.
هتف مالك وهو يشير لاحد البدلات المعلقة:
بفكر اجيب بدلة سودا.
اقتربت منه جميلة وهمست في اذنه:
لأ.
البدل السودا بتخليك حلو اوي مش هينفع.
ضحك مالك:
طيب اختاري معايا.
امسكت ببدلة باللون الرمادي الغامق وقالت:
دي لونها هيبقي حلو عليك.
شبه لون عنيك.
ابتسم مالك:
ماشي هاقيسها.
خرج من غرفة القياس بعد دقائق وهو يعدل من جاكيت البذلة.
بدي انيقا فيها.
طوله الفارع وجسده الذي على الرغم من انه نحيل لكنه لا يبدو ضعيفا.
متناسق بشكل ملحوظ.
كانت وسامته تبدو مضاعفة في البدل الرسمية.
هتفت جميلة بعينين لامعتين وضحكة خفيفة:
انت مين؟
ووديت مالك فين؟
ضحك مالك وهو يعدل من ياقة قميصه:
حلوة؟
اقتربت منه جميلة وهمست في اذنه:
البنات هيقعوا تحت رجلك لما يشوفوك بالحلاوة دي.
ضحك مالك وهمس في اذنها:
يبقوا يقعوا على جنب.
علشان انا مش بشوف غيرك.
ضحكت جميلة بدلال.
في طريق العودة.
جلست جميلة بجوار مالك في السيارة.
امسك بكفها بحنان وهمس:
مبسوطة؟
امسكت بكفه ووضعت قبلة رقيقة عليه وهمست:
مبسوطة طول ما احنا سوا.
سحب كفه من يديها وربت علي وجنتها بحنان:
انا مش عايز بس غير انك تبقي مبسوطة.
أوقف مالك السيارة امام المنزل.
وقال لجميلة:
انا هاطلع معاكي و انزل تاني علشان يوسف عاوزني في تجهيزات الفرح.
قالت جميلة وهي تغلق باب السيارة خلفها:
هتتأخر؟
رد وهو يفتح باب العمارة:
مش عارف.
بس أنتي عارفة يوسف.
صعدت جميلة علي السلالم بخفة وهتفت بدلال:
ممكن متتأخرش.
ضحك مالك وهو يفتح باب الشقة ويدلف خلفها:
مقدرش اتأخر عليكي.
في المساء عاد مالك إلي المنزل.
المنزل يعم بهدوء غير مسبوق.
الظلام يحيط بأركان المنزل الا من نور بسيط منبعث من اباجورة صغيرة بجوار السرير في غرفة النوم.
هتف مالك:
جميلة.
انتي نمتي؟
لم يتلقي رد من جميلة.
دخل الي غرفة النوم وهو يخلع ساعة يده.
لكنه تجمد مكانه حين وقعت عينيه علي جميلة تقف امام المرآة تضع احمر شفاه بلون الكريز على شفتيها.
وترتدي نفس الفستان الأحمر الذي ارتدته من قبل في حفل خطوبة لارا ويوسف.
فستان قصير صدره مفتوح.
شعرها منسدل بخفة خلف ظهرها.
همس لها مالك بصوت مبحوح وهو يقترب منها:
جميلة.
مش معقول.
ضحكت جميلة بخفة وهي تلف يدها حول عنقه:
حلو؟
اقترب منها ووضع قبلة على عنقها وهمس:
كل مرة عنيا بتقع عليكي بتكوني احلي من اللي قبلها.
مد يده وتحسس الفستان علي جسدها.
همس بنبرة كلها عشق:
تعرفي النهاردة انتي احلي علشان لابسة الفستان ليا انا بس.
وضعت رأسها على صدره.
رفعت عينيها اليه وهمست:
قلبك بيدق كأنك لسة خارج من سباق.
مرر مالك كفه بحنان على شعرها همس وهو يقبل قمة رأسها:
مش مصدق إنك بتاعتي.
ضحكت جميلة بدلال وهي ترفع وجهها تنظر اليه.
وجهها في مواجهة وجهه وهمست وهي تقبل ذقنه المدبب:
وانا مش مصدقة أنى في حضنك.
جلس مالك علي طرف السرير.
وجذبها تجلس فوق ركبتيه.
ضمها اليه.
يقبل يدها.
كتفها.
عنقها.
وجنتها.
شفتيها.
عاشق يبث اشواقه لمعشوقه.
كان الليل بينهما دافئ لا يحتاج الي كلمات.
في المساء و بينما تتساقط الامطار بالخارج و البرق يضيء السماء بين الحين و الأخر.
عاد عمر من الخارج.
في الأيام الأخيرة بدأت تتحسن حالته الصحية.
لكنه لايزال يتحرك ببطء.
جلس علي الأريكة امام التلفاز بهدوء.
بينما كانت حنين تقوم ببعض الأعمال المنزلية.
وحين مرت من امامه جذبها من يدها مرة واحدة لتسقط جالسة فوق ركبتيه.
شهقت حنين علي الفور وصاحت:
عمر.
رجلك؟
ضحك عمر:
أنا بقيت كويس جداا.
ابتسمت حنين بخجل واحمرت وجنتاها.
أخرج عمر من جيبه أسورة من الذهب ووضعها حول معصم حنين.
وضع قبلة رقيقة على كفها وهمس:
شكرا.
نظرت له بارتباك وهمست:
شكرا علي ايه؟
نظر إلى عمق عينيها وهمس وهو يقرب وجهه منها:
علي إنك جنبي ومعايا.
استحملتيني وانا تعبان.
وكنتي دايما جنبي.
همست بصوت ضعيف:
مش محتاج تجيبلي هدية علشان تشكرني.
أنا عملت اللي مفروض أعمله.
وضع قبلة رقيقة علي وجنتها وهمس:
أنا مقدر كل اللي بتعمليه علشاني.
قامت حنين بارتباك من فوق ركبتيه وهتفت:
أنا هاعمل عصير.
تشرب عصير؟
ابتسم عمر بمرارة واومأ رأسه بالإيجاب.
اتجهت حنين ناحية المطبخ.
لكن فجأة انقطع التيار الكهربائي.
غرق المنزل في الظلام.
توقفت حنين في منتصف المطبخ تمسك بهاتفها الذي يخرج منه ضوء خافت.
تستخدمه لتبحث عن بعض الشموع.
هتف عمر وهو يقترب منها:
خايفة؟
اجابت بارتباك:
لأ.
بس مكنتش متوقعة الكهرباء تقطع.
تحركت حنين لتبحث عن الشموع.
لكن مع ارتباكها ارتطمت يدها ببعض العلب وسقطت علي الأرض.
تنهدت حنين بانزعاج.
وانحنت علي الأرض تلتقط ما سقط بسرعة.
لكنها اصطدمت بعمر الذي اقترب فقط ليساعدها.
تجمدت في مكانها.
ويدها تلامس صدره دون قصد.
في الضوء الخافت.
رفعت رأسها لتجده قريبًا.
قريبًا جدًا.
توقف انفاسها للحظة.
حين أدركت ان المسافة بينهم ضئيلة جدا.
همس عمر بصوت منخفض:
بالراحة.
ابتلعت حنين ريقها بصعوبة.
حاولت ان تتحرك لكن خانتها قواها.
بينما ارتفعت يد عمر.
انامله تلامس وجنتها ببطء.
همست حنين بصوت بالكاد مسموع:
عمر.
شعرت حنين وكأن دقات قلبها تتضاعف.
لمسته تشعل شيئا بداخلها لم تدركه من قبل.
نظر عمر إلي عمق عينيها يحاول ان يقرأ افكارها.
حين لم يجد منها رفض اقترب أكثر.
يشعر بأنفاسها المتسارعة على وجهه.
بشفاه مرتعشة وضع قبلة على شفتيها.
لم تهرب منه.
اقترب أكثر.
مرر كفه على يدها بحنان.
وضع قبلة أطول وأعمق على شفتيها.
ممتلئة بالشوق.
لكن فجأة.
عاد التيار الكهربائي وأضاء ارجاء المنزل.
فتحت حنين عينيها وكأنها صحت للتو من حلم.
وقفت مبتعدة عنه بسرعة تنظر إليه بأنفاس متلاحقة وجسد مرتعش.
زفر عمر تنهيدة حارة وخرج من المطبخ.
في مكتب المحاماة الجديد.
المكان مليء بالحركة والعمال في كل مكان.
في إحدى غرف الاجتماعات وقفت ليلي الي جانب سيف بجوار مكتبه تشرح له بشغف عن تصميم الغرفة.
بينما وقف سيف يرقبها بابتسامة واسعة توحي بان تركيزه معها هي وليس ما تشرحه عن التصميم.
دخل الغرفة.
وقف أنس عند الباب.
تغيرت ملامحه حين رأي ليلي تقترب من سيف الذي همس لها بكلمة بالقرب من أذنها فضحكت ضحكة رنانة.
لاحظ سيف أنس الواقف علي الباب فهتف:
أنس باشا.
ايه النور ده كله.
ابتسم له أنس ببرود و عيناه لازالت معلقة بليلي التي لم تبدي اي ردت فعل تجاهه.
حتي هتف أنس أخيرا:
بتعملي ايه هنا؟
رفعت ليلي كتفيها و نظرت له بتحدي:
و الله مفروض اني انا اللي اسألك بتعمل ايه في مكان شغلي؟
رفع أنس حاجبه و قال باستنكار:
شغلك!
قطع سيف التوتر بينهما:
واضح انكوا تعرفوا بعض.
ردت ليلي بتلقائية:
اه
نظر لها انس بضيق وصاح:
بس.
ضحك سيف وهو ينقل عينيه بين ليلي وأنس وهتف:
واضح ان في حاجة انا معرفهاش؟
نظر له انس ببرود و هو يتجاهل ليلي التي عقدت ذراعيها ونظرت اليه بتحدي:
أنا بس قولت اعدي أباركلك علي المكتب.
بس بما ان عندكوا شغل فا اعدي عليك وقت تاني.
خرج أنس من المكتب كالبرق.
لكنه خلف براكين من النيران تشتعل داخل ليلي.
انهت اجتماعها مع سيف وحين همت ان تدخل سيارتها.
سمعت صوته القوي يهتف باسمها.
استدارت بضيق:
أنس؟
مستنيني ليه؟
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اميرة احمد
خرج أنس من المكتب كالبرق، لكنه خلف براكين من النيران تشتعل داخل ليلي.
أنهت اجتماعها مع سيف، وحين همت أن تدخل سيارتها، سمعت صوته القوي يهتف باسمها.
استدارت بضيق: أنس؟ مستنيني ليه؟
نظر لها بتكبر وهو يضع يده في جيب بنطاله: اركبي معايا يا ليلي، نص ساعة نروح نشرب حاجة و هارجعك تاخدي عربيتك.
لم يترك لها مجال للموافقة أو الرفض، انطلق إلى سيارته الفارهة وتبعته هي وهي تزفر.
دخلا معا إحدى الكافيهات، وحين جلست أمامه ليلي، هتف بضيق واضح وهو ينفخ دخان سيجارته: كنتي بتعملي إيه عند سيف في المكتب؟
عقدت ليلي ذراعيها وقالت بحدة: هو أنت بتستجوبني على أي أساس؟
لم يرد عليها، اكتفى بنظراته النارية تجاهها، فأردفت بارتباك: قولتلك كان عندي شغل... الشركة اللي بشتغل فيها هي اللي ماسكة الديكورات لمكتب سيف.
رفع أنس حاجبه وقال بين أسنانه: وشغلك بيستدعي الضحك والهزار؟
صمتت ليلي للحظات، ثم صاحت: أولاً أنا مسمحلكش، ثانياً أنت بتحاسبني على أساس إنك مين؟
صاح أنس بعصبية. لم يعد يستطيع أن يسيطر على أعصابه أكثر من ذلك: تسمحي ولا متسمحيش... الناس كلها عارفة سمعة سيف اللي انتي كنتي واقفة في مكتبه بتضحكي أوي... سيف صاحبي من أيام الكلية، وأنا حاولت أنصحه كتير... بس هو بتاع بنات... بيحب يلف شباكه على أي واحدة، أنتِ مش بس مدياه مساحة، لا واقفة تضحي وتهزري.
نظرت له ليلي نظرات حادة وقالت: سيف بالنسبالي كلاينت وبس.
عقد أنس ذراعيه أمام صدره وقال ببرود: وأنتي بالنسباله إيه؟ الصيد الجديد؟
رفعت ليلي حاجبها وهتفت: أنس... هو أنت غيران؟
ارتبك أنس من سؤالها المباشر، لكنه حاول أن يسيطر على نبرة صوته وضحك بسخرية: هاغير ليه؟ وعلي مين؟
لم تستطع أن تمنع ابتسامة مشاكسة ظهرت على جانب شفتيها وهمست وهي تسند ظهرها على المقعد بارتياح: معرفش بس حسيت كده.
ازداد ارتباك أنس وهتف: يلا خلصي قهوتك علشان أوصلك عند عربيتك.
ابتسمت ليلي وهي تحتضن كوب القهوة بين يديها: القهوة لازم تتشرب بمزاج... وطبعاً أنت أستاذ في إنك تقتل المزاج الحلو.
غضبت ملامح أنس، لكن نبرة صوته بقيت هادئة وقال بسخرية: أسف لو ضيعتلك المود الحلو اللي كان عاملهولك سيف.
همست ليلي بثقة وهي تضغط على كلماتها: سيف بالنسبالي كلاينت وبس.
رفع حاجبه: آه ماهو واضح.
رفعت ليلي حاجبها وهتفت بتحدي: ما خلاص بقى متزودهاش... قولتلك كلاينت وبس وأنا بأعرف أوقف أي حد زي سيف ده عند حده.
صاح بعصبية: يعني هو حاول يضايقك؟
ابتسمت ليلي بثقة: ميقدرش... أنا بقولك إنه حتى لو عمل حاجة أنا هاوقفه عند حدوده.
لانت ملامح أنس وهتف: طيب خلصي قهوتك... ولو سيف أو غيره فكر يضايقك قوليلي.
ضحكت ليلي بسخرية وقالت: وأنت بقى بتقنعني إنك مش زي صاحبك؟
نظر لها أنس بحدة: أنا مبقنعش حد بحاجة... أنا بس حبيت أنبهك.
في طريق العودة في السيارة... كان الصمت سيد الموقف.
يقبض أنس على مقود السيارة بيد واحدة بعنف، ويده الأخرى يضعها فوق جبهته وكأنه يفكر في شيء.
بينما ليلي كانت تنظر من النافذة بجوارها بشرود.
أخيراً كسر أنس الصمت بينهما وقال: بقالك كتير شغالة على مشروع المكتب بتاع سيف؟
تنهدت ليلي ببطء وقالت: أسبوعين تقريباً.
ناوي نروح نكمل التحقيق في النيابة؟
زفر أنس: مش كده يا ليلي... أنا بس...
صمت أنس. لم يجد كلمات بإمكانه النطق بها.
نظرت له ليلي وقالت بنبرة أهدأ: بس إيه؟
نظر لها أنس للحظة، ثم عاود النظر للطريق: أنا بس محبيتش أشوف واحد زي سيف بيضحك عليكي... هو يبان إنه شخص لطيف بس أنا عارفه كويس مع البنات.
ضحكت ليلي بخفة ولم تعقب.
عاد الصمت يملأ المكان بينهما.
أخيراً توقف أنس بجوار سيارة ليلي.
فتحت باب السيارة ونزلت بهدوء بلا كلام.
راقبها أنس تنزل من السيارة وتتجه إلى سيارتها، ثم تنطلق بعيد.
أشعل سيجارته من جديد. أسند رأسه على ظهر مقعد سيارته وبدأت الأفكار تتزاحم في رأسه.
تعجب أنس من تصرفه مع ليلي، من ضيقة صدره حين وقعت عينيه عليها تضحك مع صديقه.
رغبته الشديدة أن يصرخ بها خوفاً عليها.
غيرته عليها. غيرة!!!
تعجب في نفسه لماذا يغار على فتاة كليلي تثير في نفسه الرغبة في استفزازها وحسب.
تنهد وهو ينفث آخر دخان في سيجارته وهمس لنفسه: انتي عملتي فيا إيه يا ليلي؟
***
وسط الأضواء الساطعة، والموسيقى الحالمة...
وقف يوسف في صدر قاعة الاحتفال يشاهد لارا تتهادى أمامه.
بخطى مرتبكة تقترب... وبقلب واثق ينتظرها.
اقتربت حتى صارت أمامه تماماً.
دقات قلبه كانت أعلى من صوت الموسيقى.
أمسك بيدها طرف طرحتها التل المنسدلة على وجهها.
رفعها ببطء ووضع قبلة رقيقة على جبهتها.
ابتسمت لارا ابتسامة خجولة.
تأبطت ذراعه ومشيت إلى جواره.
انطفأت الأضواء تدريجياً إلا من ضوء في منتصف القاعة مسلط على العروسين وحدهما.
بدأت أصوات الموسيقى تعلو بنغمة لأغنية مميزة لهما.
مد يوسف يده إلى لارا، فوضعت يدها في يده بتردد طفولي.
أمسك بخصرها بثبات بينما وضعت يدها فوق كتفه.
جذبها إليه برقة... وبدأت رقصتهما الأولى.
أقترب يوسف منها وهمس بالقرب من أذنها: أنتي أحلى ست في الدنيا.
ابتسمت لارا وهي تدفن رأسها بين تجويف عنقه.
ضمها إليه أكثر بينما على الهتاف والتصفيق في القاعة.
في زاوية القاعة وقفت حياة... ترتدي فستان بلون السماء.
يلتف على جسدها من أعلى برقة، يبرز خصرها النحيل، ثم ينسدل واسعاً ومنفوشاً حتى الأرض.
نسقته مع طرحة بنفس لون الفستان.
كانت تقف وحيدة... تشاهد يوسف ولارا بعينين تترقق فيهما الدموع.
تتذكر فارس في ألم.
تتمنى وجوده معها في هذا اليوم المليء بالحب.
لم يهاتفها منذ سفره.
لم يرسل إليها برسالة.
قطع كل سبل التواصل معها.
ترى هل قابل امرأة أخرى هناك؟ هل نسيها؟
هل مضى في حياته حقاً وتركها هنا خلفه؟
اللعنة على هذا الحب الذي يجعلنا نغير من مبادئنا.
لو عاد فقط من أجلي... سأسافر حتماً معه بلا تردد هذه المرة.
همست بتلك الكلمات لنفسها بألم.
كانت ذكريات الأيام التي أمضتها مع فارس تعصف بذهنها حين فوجئت بيد قوية تلتف حول خصرها من الخلف وصوته الدافئ يهمس في أذنها: وحشتيني يا حياتي.
شهقت حياة وهي تنتفض مبتعدة عنه ثم همست: فارس...
اتسعت حدقتي حياة. همست بداخلها: إنه هو. يا إلهي كم يبدو وسيماً في تلك البدلة السوداء.
كعادته يرفض أن ينصاع لكل ما هو متعارف عليه فلم يرتد رابطة عنق، بل ترك أول زرين في قميصه الأبيض مفتوحاً بعشوائية تامة جعلت منه أكثر جاذبية.
اقترب منها أكثر وضمها إلى صدره في حركة سريعة وهمس وهو يضع قبلة حانية على خدها الذي احمر خجلاً من حركته الجريئة: هو أنا موحشتكيش؟
ابتعدت عنه وهتفت وقد اعترت الضيق ملامح وجهها: إ... أنت إزاي تعمل كده... أنت اتجننت يا فارس؟
عيناه كانت معلقة بها والابتسامة تملأ وجهه. همس لها: هو حرام أبوس مراتي؟
كان ينهي جملته وهو يقترب منها مرة أخرى، لكنها تسمرت مكانها وهتفت بصوت خافت وعيناها مثبتة خلف كتف فارس: بابا.
اقترب منهما زياد بابتسامة وغمز لفارس: قولتلها؟!
اتسعت ابتسامة فارس حتى ظهرت تلك الغمزة على جانبي خديه: مش مصدقاني تقريباً.
كانت حياة تتنقل بين أعينهما في عدم فهم، لكن اقترب منها زياد وضمها إلى صدره في سعادة وقال: مبروك يا حياة قلب بابا.
ابتعدت عنه حياة غير مصدقة أذنيها وهمست بصوت متحشرج: مبروك على إيه؟!
قال زياد بسعادة: فارس كتب كتابك النهاردة.
نظرت لهم حياة بصدمة ظهرت واضحة على ملامحها.
لحظات مضت وهي غير مستوعبة ما قاله والدها.
حقاً عاد فارس من أجلها. أصبح زوجها.
لكن.. كيف ومتى؟
كانت تدور الأفكار في رأسها ومشاعر مختلطة تعصف بذهنها، مزيج من الغضب والسعادة.
لكنها تكلمت أخيراً وقالت بحدة: ومين قالك إني موافقة؟
ضحك زياد وهو يميل على أذنها ليهمس: هو مش أنا سألتك وقولتي بتحبيه؟ قولتلك لو طلب يتجوزك هتوافقي قولتي آه وهسافر معاه كمان. أنا كنت بسألك لأنه كان كلمني فعلاً وطلب إيدك. بس هو مجنون زي أبوه بالظبط. قالي مقولكيش علشان يعملهالك مفاجأة.
تغيرت ملامح حياة. صاحت: هو أنتوا فاكرني إيه...؟ تجوزوني من غير ما أعرف. أنتا إزاي يا بابا تعمل فيا كده!!
ثم نظرت إلى فارس وقالت بنبرة مرتبكة: أ... أنت اخترت وسافرت يا فارس، ودلوقتي بتجبرني أنا؟ بتتعاملوا معايا على إني ملياش رأي في حياتي.
فغر زياد فاه حين سمع كلمات حياة القاتلة قبل أن تندفع مبتعدة عنهم.
همس له فارس: أنا آسف يا أونكل.
انطلق فارس خلفها، جذبها من ذراعها لتستدير وتصبح في مواجهته وهمس لها: مش عاوزة تتجوزيني يا حياة؟
نظرت له بدمعة ترقرق في عينيها، وأبت أن ترد على سؤاله، لكن عينيها قالت ما في قلبها.
اقترب منها أكثر وهمس بصوته الدافئ: بس أنا مش هسيبك أبداً... وعارف إنك أنتِ كمان عاوزة كده فبطلي مكابرة. بطلي تهربي من إحساسك. أنا لو كنت قلت لك كنتي هترفضى وتهربي. أنا بحبك يا حياة ومش هسيبك تبعدي عني أبداً. أنا حاولت أعيش من غيرك بس معرفتش، واعتقد إنك أنتِ كمان مكنتيش مبسوطة وأنا بعيد.
ظهرت الابتسامة على وجه حياة وكأن الحياة ردت إليها من جديد، وترقرق دمعة سعادة بين مقلتيها من جديد.
اقترب منها فارس مرة أخرى وهم أن يضمها إلى صدره، لكنها دفعته بكفها في صدره وابتعدت عنه هامسة: بابا.
نظر له زياد في ضيق وهتف: لأمتى هتفضل مغفل زي أبوك... احترم إني واقف.
نظر زياد إلى حياة وهتف: خلاص عقلتي وبطلتي حركات الجنان؟
ثم نظر إلى فارس وقال: عمتا أنا هسيبكوا براحتكوا علشان تتكلموا.
ثم مال على أذن فارس: بس متاخدش راحتك أوي.
ضحك فارس وهو يمسك بيد حياة ويجذبها إلى خارج القاعة.
صاحت به حياة: هنروح فين يا فارس؟
همس لها وهو يلف يده حول خصرها: كنت جايب لك حاجة ونسيتها فوق في أوضتي، تعالي هنطلع نجيبها.
نظرت إلى عينيه المتلونة بلون البحر وهمست بتوتر: طيب أطلع أنت وأنا هاستناك هنا.
اقترب منها أكثر ونظر إليها بحزم: انتي خايفة تطلعي معايا يا حياة؟ أنا جوزك على فكرة.
همست بارتباك: أنا مش متعودة على كلمة جوزك دي.
جذبها من يدها دون أن ينتظر رد منها. وصعد بها إلى غرفته بالفندق.
وما إن دخلا حتى أحاط خصرها بذراعيه وجذبها إلى صدره.
لحظات غابت فيها عن الدنيا وهي بين أحضانه.
شعر كلاهما أنه في حلم جميل.
فك يده من على خصرها وأمسك بذقنها رافعاً وجهها إليه، لتنظر له حياة نظرة مليئة بالحب أفقدته رباط نفسه فطبع قبلة طويلة على شفتيها بث فيها حبه لها.
تعلقت حياة بعنقه، تلف ذراعيها حوله.
أخيراً أبعد شفتيه عن شفتيها ليلتقط كل منهما أنفاسه.
فهمست له ضاحكة: مش ملاحظ إنك بتنسي تقولي حاجات مهمة يا دكتور فارس؟
رفع حاجبه وهتف: هو انتي كنتي هترفضى؟
عقدت ذراعيها وقالت بدلال طفولي: بتضحك عليا علشان متعمليش فرح؟
اقترب منها أكثر، يحاوطها بذراعيه وقبل كل جزء من وجهها وهو يهمس بنبرة دافئة: مين قال إن مش هاعملك فرح. عندك أسبوع جهزي فيه للفرح اللي انتي عايزاه. بس الأسبوع اللي جاي زي النهاردة لازم نكون سوا في أكسفورد.
حرك يده على ذراعها في حنان ثم تحسس جسدها الممشوق في الفستان وهمس: شكلك حلو أوي النهاردة.
تمادى وهو يمرر يديه على مفاتنها فهمست مبتعدة عنه: يلا ننزل نكمل الفرح.
قالتها وهي تتجه نحو باب الغرفة، لكنه جذبها من يدها وضمه إلى صدره وهمس في أذنيها: بحبك يا حياتي.
ببطء ابتعدت عنه وخرجت متجهة نحو المصعد في مرح.
بينما تبعها فارس والابتسامة لا تفارق شفتيه.
دلفا إلى المصعد وما إن غلق الباب عليهما هتفت حياة في سعادة كطفلة صغيرة: أنا مش مصدقة بجد إني بقيت... مراتك.
عضت على شفتها السفلية بحياء وهي تنطق كلمتها الأخيرة.
اقترب منها فارس ولامس زاوية شفتيها بيده ليمسح أحمر الشفاه الملطخ بوجهها أثر قبلاته.
نظرت حياة لوجه فارس الذي كان ملطخاً أيضاً بحمرة شفاهها وأخرجت من حقيبة يدها منديلاً مبللاً وأخذت تمرره على شفتيه ووجهه برقة لتزيل عنه لون أحمر الشفاه الخاص بها.
وبمجرد أن لمست أناملها شفتيه، حتى جذبها إليه من جديد لينهل من رحيق شفتيها.
أبعدته بصعوبة وهي تهمس: حد يشوفنا يا فارس.
فتح باب المصعد بعد أن عدلا هندامهما. وقفا عند باب قاعة الاحتفال مرة أخرى.
همت أن تدخل لكنه حاوط خصرها بذراعيه ومشى إلى جوارها، لكنها توقفت وابعدت يديه ببطء وهمست: محدش يعرف حتى إننا بنحب بعض. الناس هتقول إيه لما يشوفونا كده.
ضحك وهو ينظر داخل عينيها وافتعل تقطيب جبينه وهتف: آآآه يا حياة. مهتمة إنتِ بالمظاهر يا دكتورة. عمتا متقلقيش.
لف يده حول خصرها من جديد. واتجها ناحية الطاولة التي تجلس عليها عائلتهما.
غمز فارس إلى والدته فأخرجت من حقيبتها علبة من القطيفة الزرقاء. ناولتها لفارس الذي فتحها وامسك بيد حياة واضعاً بإصبعها خاتم خطبة من الذهب وتبعه بخاتم آخر مرصع بالألماس.
نظرت إليه بعينين دامعتين وهتفت في سعادة: أنت عملت كل ده إمتى؟ أنا نسيت أسألك إنت جيت من السفر إمتى؟
وضع قبلة على باطن يديها واكتفى بأن يرد عليها بابتسامته الساحرة.
أمسك خاتمه الفضي في يده وأشار لها به موجهاً إياه تجاهها: هتنوليني الشرف ده؟
ضحكت وهي تأخذ الخاتم من يديه وتحاوط به إصبعه وهمست له: كل حاجة معاك مختلفة. الناس بتتخطب الأول بعدين تتجوز. أنت اتجوزتني وبعدين بتخطبني.
همس في أذنها: أعمل إيه إذا كنتي إنتِ تقلتي عليا زيادة عن اللزوم. مكنش قدامي حل غير إني أخطفك.
ضحكت وهي تنظر إلى خاتمها وتشير بكفها إلى والدتها: شايفة يا ماما حلو إزاي.
ابتسمت نور وهي تقاوم الدموع في عينيها: ربنا يسعدكوا يا بنتي.
عادت حياة تنظر إلى فارس بتساؤل وهي تنظر إلى الخاتم في إصبعها: غريبة ده مقاسي بالظبط. عرفت إزاي؟
ضحك بخفة وهو ينظر لوالدتها: طنط نور اللي ساعدتني. راحت مع ماما اشترواهم. يعني الحقيقة ده ذوق طنط نور. طلبت منها تختار حاجة تبقي متأكدة إنها هتعجبك.
نظرت حياة إلى نور وهمست: حتى انتي يا ماما اتأمرتي معاهم ضدي؟
أعادت حياة النظر إلى فارس بتعجب وعيناها ممتلئة بالحب: أنت منسيتش حاجة أبداً؟
اتسعت ابتسامته وهو يجذبها مرة أخرى من خصرها: شوفتي كنت هانسي أر قص معاكي.
قال كلمته الأخيرة وهو يتجه بها نحو وسط القاعة يراقصها بجوار العريس والعروس.
أول ما وقعت عين يوسف على حياة وفارس يقتربان منهما. مال على حياة وقبل رأسها وقال: مبروك يا حبيبتي.
نظرت له حياة بتعجب وصاحت بطفولة: حتى أنت يا يوسف؟ هو أنا كنت المغفلة الوحيدة.
ضحك الجميع، بينما مالت لارا على حياة: متزعليش. أنا كمان عرفت من كام يوم بس. المهم إنكوا تكونوا مع بعض.
ابتسمت حياة برضا، بينما لف فارس ذراعيه حول خصرها يضمها إلى صدره وهمس: مش هنرقص سوا بقي ولا إيه؟
أقترب زياد من نور التي بدأت عيناها تذرف الدمع وهمس: في حد يعيط وهو بالحلاوة دي؟
ضحكت نور من كلماته، مسح دموعها بأنامله وقال مازحاً: هو أي نكد وخلاص؟
هتفت نور بسعادة من وسط دموعها: فرحانة يا زياد. عمري ما كنت أتخيل إن ولادي الاتنين يتجوزوا في يوم واحد.
أمسك زياد كفها بحنان وقال بسخرية: طيب ونعيط بالمناسبة السعيدة دي؟
وكزته في كتفه بدلال: بس يا زياد.
لا يزال ممسكاً بكفها، جذبها نحوه أكثر وهمس بالقرب من أذنها: أعتقد دلوقتي حقنا نرقص سوا بقي.
وفي خفة جذبها زياد ناحية منتصف القاعة وبدأ يرقص معها.
نظر طارق إلى سما الجالسة إلى جواره تبتسم بسعادة. اقترب منها وهمس قرب أذنها: برضه مش عاوزة تغيري رأيك وترقصي معايا.
ابتسمت له سما بحنان وهمست: يلا نرقص.
صاح طارق بسعادة: لااااا أنا مش مصدق نفسي. إيه سبب التغيير المفاجئ ده؟
ضحكت سما بخفة: خلاص بقى الأولاد كلهم اتجوزوا. يبقي نفوق لنفسنا بقى يا طروئة.
ضحك طارق وهو يمسك يدها بحنان ويجذبها لترقص معه: أنا لو أعرف كده كنت جوزتهم من بدري.
حين بدأت الجميع يرقص رقصة رومانسية ثنائية. اتجه مالك إلى الطاولة التي تجلس عليها جميلة بجوار ليلي وأنس.
اقترب من جميلة وانحنى وهو يمد يده إليها وهتف: تسمحي لي بالرقصة دي؟
ابتسمت جميلة بخجل، وضعت كفها في كف مالك الممدودة إليها وقامت تتجه معه ناحية ساحة الرقص. فهمس لها مازحاً وهو يضع يده على خصرها: خلينا نوريهم التناغم اللي بجد.
حين قام الجميع للرقص. وجدت ليلي نفسها تجلس وحيدة على الطاولة مع أنس.
قام من مكانه وجلس على المقعد المجاور لها، نظر لها بابتسامة على غير عادته وقال: واضح إن مبقاش في غيرنا.
أجابت بفتور: آه.
نظر لها بتردد قبل أن يقول: طيب تحبي ترقصي؟ يعني بدل ما انتي قاعدة تبصي عليهم وتاكلي في نفسك أوي كده.
رفعت حاجبها وهتفت: معاك؟
نظر لها بتحدي وقال: هو في حد غيري هنا أصلاً؟
ابتسمت بسخافة وقالت: ده في أحلامك.
ضحك بسخرية وهتف بثقة: أحلامي كلها بعرف أحققها على فكرة.
تركها تزفر بحدة خلفه، وقام متجها ناحية باب القاعة ليشعل سيجارته.
جلست تراقبه يبتعد وابتسامة بلهاء ترتسم على وجهها.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اميرة احمد
ضم فارس حياة إلى صدره أكثر وهما يتمايلان على الأنغام الهادئة.
رفعت حياة رأسها من على صدره ونظرت إليه وهمست:
على فكرة الرقص مش كده. أنا حاسة الناس كلها بتتفرج علينا.
فتح عينيه ببطء وهمس:
أنا مش قادر أبعدك عن حضني يا حياة.
همست ضاحكة:
وأنا مش قادرة أستوعب لسه اللي أنت عملته.
وضع قبلة رقيقة على وجنتها وهمس بالقرب من أذنها:
دي تخليكي تستوعبي إنك مراتي؟
احمرت وجنتاها وهتفت بخجل:
بس بقي يا فارس.
مال مالك على أذن جميلة وهو ينظر لفارس وحياة وهمس:
كنت متأكد إنهم بيحبوا بعض.
ضحكت جميلة:
وعرفت منين يا روميو؟
نظر إلى عمق عينيها وقال بجدية:
من الخبرة. سنين وأنا باخبي حبي، فبقيت أقدر أميز اللي بيحب من عنيه علشان دايما بتفضحه.
ضحكت جميلة وقالت:
يعني كنت عارف إني بحبك؟
ابتسم مالك وهو ينظر إليها بحنان:
كنت مش مصدق إنك بتحبيني.
ابتسمت جميلة وهي تميل عليه:
طيب ودلوقتي؟
بنفس الابتسامة وبصوت دافئ همس لها:
بحس إني في حلم جميل خايف أصحى منه.
أسندت رأسها على صدره وهمست:
حلم جميل هنصحى منه على واقع أجمل. بيت كله دفا وحب وأولاد صغيرين بيتنططوا حوالينا.
همس بالقرب من أذنها بصوت رخيم دافئ:
نفسي.
بعد أن انتهت الرقصة، جذبت حياة يوسف من ذراعه في إحدى زوايا القاعة الهادئة وهمست له:
ليه وافقت على كده يا يوسف. ده يومك يا حبيبي. مكنش ينفع فارس يعمل كده النهاردة. ده فرحك أنت. أنا آسفة.
ابتسم يوسف:
أنا وأنتي واحد يا حياة. وفرحي هو فرحك. وأنا عمري ما كنت هبقى مبسوط وفرحان وأنا شايفك زعلانة وقلبك موجوع. أوعي تفتكري إني مكنتش فاهم أو حاسس بيكي. بس كنت مستنيكي تيجي أنتِ تحكي بنفسك.
قالت حياة بارتباك:
أيوه بس لارا. من حقها محدش يشاركها في يومها.
ابتسم يوسف وربت على ذراعها بحنان:
لارا كانت عارفة وموافقة. ثم غمز لها وقال: هي عارفة إن محدش هياخد فرحتها بيا النهاردة.
ضحكت حياة:
ارحمني من التواضع.
ضحك يوسف:
لأ ده بجد. أكيد مش مصدقة نفسها من الفرحة إنها بقت مرات يوسف الألفي.
هتفت حياة ضاحكة:
طبعًا.
جلس طارق إلى جوار سما. أمسك كفها بحنان وهتف:
أنا مش مصدق التغيير.
نظرت إليه بعينيها المتلألئتين بلون اسمها وهمست:
أنت كنت فاكر إني بطلت أحبك؟ أنا كنت باهتم بالولاد علشان هما كانوا محتاجين اهتمامي. مكنش ينفع نكبر دماغنا إحنا الاتنين.
ضحك طارق وقال بسخرية:
هو الشحط اللي بيتجوز ده كان محتاج تربية وهو عنده 32 سنة؟ ولا فاطمة وفريدة اللي كل واحدة فيهم ماشية وجره وراها مدرسة؟
ابتسمت سما:
أنا كنت محتاجة أطمن على فارس. أنت مش فاهم هو حساس قد إيه. كان نفسي بس أحس إن قلبه مرتاح. بعدين العمر اللي جاي كله ليك أنت.
ضحك طارق:
عمر إيه اللي بتتكلمي عليه؟ أنتِ ناسية إحنا عندنا كام سنة؟
وكزته بدلال في كتفه وهمست:
الشباب شباب القلب ولا إيه؟
قهقه طارق:
أنتِ اتلبستي ولا إيه اللي جرالك؟ بس الأكيد أنتي مش سما مراتي.
خفتت ضحكها وتكلمت بجديتها المعهودة وصاحت:
أنت مفيش حاجة بتعجبك أبدًا وعمرك ما هتتغير.
ضحك طارق:
أيوه هي دي سما اللي أنا متعود عليها. ثم غمز لها: وفري سما الجديدة لحد ما نروح البيت.
ضحكت سما رغما عنها ولم تعقب.
اقترب الفرح من الانتهاء، وبدأت المعازيم في الانصراف واحدًا تلو الآخر. طوال الحفل، ضحك الجميع ورقصوا في سعادة وقاربت طاقتهم على الانتهاء.
مال فارس على أذن حياة وهو يمسك بيدها، لم يفلت يدها منذ أن دخل القاعة ووقعت عيناه عليها تقف بصمت في إحدى زواياها. همس لها بنبرة دافئة:
خليكي معايا يا حياة.
ابتسمت حياة:
ما أنا معاك.
نظر لها فارس وهتف:
أقصد متروحيش.
ارتبكت حياة من جرأته وقالت بنبرة مرتبكة:
مش هينفع.
فارس:
مش قادر أبعد عنك تاني. عاوزك في حضني على طول.
ضحكت حياة:
سيبني الأسبوع ده في حضن بابا، وهابقى معاك في بلد معرفش فيها غيرك بقيت العمر.
ابتسم فارس وردد خلفها كأنه يستوعب كلماتها:
باقيت العمر.
صمت قليلاً ثم أردف:
طيب خليكي اسهري معايا النهاردة بس.
ابتسمت حياة وهمست:
أستأذن بابا الأول.
ابتسم فارس:
ماشي نستأذنه.
تركها فارس واتجه ناحية زياد الذي كان يجلس على الطاولة المقابلة لهم. مال على أذنه وهمس له:
ممكن حياة تتعشى معايا النهاردة وهرجعها أنا على البيت؟
ابتسم زياد وأومأ رأسه بالإيجاب.
عاد فارس إلى حياة التي كانت تشاهده بعينين مبتسمتين. أمسك يدها وقال لها وهو يجذبها نحوه:
يلا.
نظرت له بدهشة:
هنروح فين؟
رمقها بطرف عينيه وقال بحدة مفتعلة:
مفيش ثقة أبدًا؟
ضحكت بدلال:
مش أفهم.
سحبها من يدها واتجه بها ناحية المصعد، وبعد دقائق كانا في غرفته مرة أخرى. وبمجرد ما أغلق الباب خلفهم سحبها من يدها وضمها إلى صدره، همس وهو يسند ذقنه فوق رأسها:
أنا مش عارف أبعدك عن حضني. مش عارف هاستحمل الأسبوع ده إزاي وأنتِ بعيدة عني.
ضحكت حياة بمشاكسة طفولية:
نفضل حضنين بعض كده على طول؟
ابتسم ووضع قبلة على جبينها وهمس:
يمكن مش مصدق لسه إنك بقيتي بتاعتي.
ابتعد عنها قليلاً. نظر إلى عمق عينيها وهمس ببرة دافئة وهو يمسك طرف حجابها:
حياة. عاوز أشوف شعرك.
احمرت وجنتاها وابتسمت بخجل. همست بارتباك:
أنت قلت هنخرج نتعشى. لما نرجع.
ضحك فارس وهو يبتعد عنها ليخلع جاكيته وتبعه بحذائه:
أنا قلت هنتعشى مقلتش هنتعشى بره.
نظرت له حياة بعدم فهم. تمدد على السرير يسند رأسه على قائمه وقال بنبرته الهادئة المعروفة:
هناكل العشا هنا علشان نبقى براحتنا.
نظرت له حياة بعينيها مرتبكتين وقالت بنبرة حاولت أن تبدو حادة:
فارس. اللي في دماغك ده مش هيحصل إلا بعد الفرح.
ضحك فارس وهو ينظر إليها باستمتاع. حرك عينيه يمينًا ويسارًا ببراءة مصطنعة وقال:
أنا اللي في دماغي إنك وحشتيني وبقالنا كتير متكلمناش مع بعض. فا نقعد في مكان هادي نتكلم سوا. لكن قلة الأدب اللي في دماغك دي أنا ماكنتش في دماغي أصلًا.
اقتربت منه حياة ووكزته في كتفه وقالت بحياء:
أخس عليك يا فارس كسفتني.
ضحك وهو ينظر إليها ثم قال:
بس لو عايزاني أعمل اللي في دماغك أنا معنديش مانع.
صاحت حياة بعد أن احمرت وجنتاها:
فاررررس.
ضحك فارس أكثر ثم أشار لها بيده بتساؤل وقال:
طيب أيه؟
نظرت إليه حياة باستغراب وهي تجلس على طرف السرير بجواره:
إيه؟
اعتدل فارس واقترب منها. عيناه مليئتان بالحب. اقترب منها وأمسك بطرف حجابها وهو يزيحه من فوق رأسها وهمس:
نفسي أشوف شعرك.
اخفضت رأسها. وفي خفة فكت رابطة شعرها وظهر شعرها قصير. أسود كليل ساكن. ينسدل بنعومة حتى نهاية عنقها كستائر من حرير. راقبها بصمت. للحظة نسي فيها أن يتنفس وكأن الزمن توقف. عيناه تعلقت بشعرها. مرر أنامله فيه، ثم تحسس أطراف شعرها. رفعت عينيها إليه. زادت حمرة الخجل جمالها جمالًا. اقترب منها أكثر. كفه يحاوط وجهها بحنان، ثم مال ليطبع قبلة رقيقة على وجنتها. ثم تحرك ليضع قبلة أخرى بين شفتيها.
ابتعد عنها ببطء. وهمس بصوته الدافئ:
أنتِ عارفة إن شكلك صغير أوي وأنتِ بشعرك.
ضحكت حياة بخجل، فأردف:
باتكلم بجد. لو شوفتك بشعرك هاديكي 14 سنة.
نظرت له حياة طويلًا بعينين لامعتين وقالت:
أنت هنا بجد؟ اتجوزنا بجد يا فارس.
ضمها إلى صدره وهمس:
ومش هاروح في أي مكان.
استلقى فارس فوق السرير وجذبها تستلقي بجواره، ووضعت رأسها فوق صدره. مرر أنامله بين خصلات شعرها وهمس وشفتيه تلامس جبينها:
اتكلمي معايا يا حياة. وحشني كلامنا. أنتي مش عارفة الحياة من غيرك كانت صعبة إزاي. كنت حاسس إني وحيد. مكنتش عايش وأنا بعيد عنك. بس روحي رجعتلي تاني أول ما شوفتك.
دمعت عيناها وهمست بصوت مكتوم:
لو كنت تعرف أنا كنت حاسة بإيه ماكنتش هتسبني وتبعد كده.
مسح دموعها من على وجنتيها بأنامله وهمس بصوت حزين:
لو كنتي وافقتي من الأول ماكنش كل ده حصل.
رفعت وجهها ونظرت إليه وقالت:
يمكن ده حصل علشان أعرف إني مقدرش أعيش من غيرك. أنا ماكنتش بنام يا فارس. كنت بستنى كل يوم إنك تكلمني. تبعتلي رسالة.
مال عليها يضع قبلة فوق شفتيها وهمس بالقرب منهما:
لو كنت كلمتك عمرك ما كنتي هتوافقي على الجواز. كنت هتكتفي بمكالمة أو رسالة. كان لازم أعمل كده علشان لما أرجع أخطفك حتى من نفسك.
ابتسمت بحنان وهمست:
قلبي سافر معاك يا فارس.
قبل شفتيها بخفة وهمس:
وأنا سافرت وسيبت حياتي في مصر كان لازم أرجع آخدها.
أنقضى الوقت وهما يتحدثان عن الأشهر القليلة الماضية وما حدث بها، حتى غفت حياة فوق صدره من شدة التعب والإرهاق.
فتحت حياة عينيها بتكاسل على صوت ذبذبات هاتفها. رفعت رأسها من فوق صدره ببطء تحاول أن تدرك أين هي. نظرت إلى ملامح فارس الهادئة المستكينة وابتسمت لنفسها. حتى تيقنت أن ما مضى لم يكن حلمًا جميلًا من أحلامها، وأن فارس قد عاد بالفعل.
أمسكت هاتفها، فوجدت مكالمات فائتة من والدتها. وضعت كفها فوق صدر فارس تهزه بحنان وهتفت:
اصحى يا فارس. إحنا نمنا محسناش.
زمجر بتكاسل دون أن يفتح عينيه، فعادت تهزه بقوة أكثر وهتفت بنبرة أعلى:
فارس اصحى أنا لازم أروح البيت. الساعة داخلة على 4 الفجر.
فتح عينيه وقال وهو عاقد حاجبيه:
في واحدة تصحي جوزها من النوم في أول يوم جواز ليهم وتقوله روحني.
حياة:
مبهزرش يا فارس بجد هتحصل مشكلة لازم أروح دلوقتي. ماما كلمتني كتير جدًا.
قام فارس بتكاسل وقال:
طيب اجهزي أنتِ وأنا هاتصل بالريسبشن أطلب عربية علشان أوصلك.
صاحت به:
وعربيتك فين؟
أمسك بالهاتف وقال دون أن ينظر لها:
بعتها يا حياة قبل ما أسافر. وفري استجواباتك دي لحد ما أفوق.
بعد دقائق كانت حياة تقف أمام باب منزلهم ومن خلفها فارس. بأنامل مرتعشة وضعت المفتاح في الباب ودورته بحرص. فتحت الباب ببطء لتجد والدتها تجلس على مقعد في مواجهة الباب وحين وقعت عيناها عليها صاحت بحدة:
في بنت محترمة ترجع بيتها بعد الفجر؟
توترت حياة وابتلعت ريقها عدة مرات قبل أن تتحدث. حاولت أن تفتح فمها وترد إلا أن فارس كان أسرع منها فقال:
معلش يا طنط كانت معايا واتأخرنا بره.
صاحت نور مجددًا موجهة كلامها لحياة:
وأنتِ القطة بلعت لسانك مش عاوزة تردي عليا؟
قالت حياة بارتباك:
ماما محصلش حاجة لكل ده. أنتي حتى مش عاوزة تستني لما أدخل البيت ونتخانق.
قالت نور بحدة:
مش لما أقرر هادخلك البيت ولا لأ.
تعجبت حياة وهتفت:
يعني إيه يا ماما؟ هتطرديني من البيت؟
صاحت نور بحدة:
لما تدخلي البيت بعد الفجر الناس تقول علينا إيه؟
صرخت حياة وقد بدأت تتجمع الدموع في مقلتيها:
الناس. هو أنتي اللي فارق معاكي الناس؟ مش أنك كنتي قلقانة عليا؟ صمتت حياة قليلًا ثم أردفت بنبرة أهدأ لكن بها شيء من الحدة والتأثر: عارفة يا ماما لو كنتي قولتي إنك قلقانة عليا كنت جيت وراضيتك. بس أنا عمري ما فرقت معاكي يا ماما. أنتي بتهتمي في الدنيا دي بيوسف وبس. طول عمرك بتفضليه عني. بتهتمي بيه هو وأنا لأ. يوسف أكل. يوسف رجع. يوسف اتأخر. لكن أنا. ماكنتش بتحسي بوجودي أصلا. مش فارقة معاكي موجودة ولا لأ. دايما يوسف يغلط وأنا اللي بتعاقب. وحتى دلوقتي. أنتي متعصبة ومضايقة علشان يوسف اتجوز ومبقاش موجود فقولتي تطلعي عصبيتك دي عليا. مفرقش معاكي إنك واقفة تهزئيني وبتطرديني قدام جوزي.
صمتت حياة وبدأت تبكي بصمت، بينما والدتها تجلس تستمع لكلماتها التي نزلت عليها كسوط يقطع في قلبها. ارتسمت علامات الدهشة على وجهها وفرغت فاها تحاول أن تتحدث لكنها لم تجد ما تقوله.
خرج زياد من غرفته فقد دفعه الصوت العالي للخروج، وقف ينظر إلى حياة التي لا تزال تقف على الباب وتبكي بصمت وبجوارها فارس يربت عليها ويحاول تهدأتها، ونور تجلس أمامه وجهها أحمر يستشيط منه الغضب.
صاح زياد:
إيه اللي فيه إيه؟ واقفين على الباب كده ليه؟
رفعت حياة عينيها الدامعتين وقالت بحدة:
مستنية أشوف ماما هتسمحلي بالدخول ولا هابيت في الشارع.
تكلم فارس بنبرة هادئة:
طنط، الموضوع مش مستاهل. أنا بقولك أنا السبب اللي أخرها بره، ومع ذلك لو حضرتك شايفة أن حياة مينفعش تدخل البيت في الوقت المتأخر ده أنا ممكن آخدها معايا ونمشي دلوقتي.
هتف زياد:
ادخلي أوضتك دلوقتي يا حياة وبعدين نتكلم.
نور تنظر حولها في دهشة ولا يزال تأثير الكلمات عليها، لكنها تكلمت أخيرًا بنبرة أهدأ:
عندك حق. واضح أني ركزت مع يوسف ونسيت أربيكي.
نظرت إليها حياة بعيني خاليتين من المشاعر وقالت بنبرة هادئة باردة:
معلش. استحمليني أسبوع وبعدها مش هتشوفي وشي تاني.
أمسك فارس بيد حياة ونظر في عينيها وقال بنبرة دافئة:
حياة. لو عايزة تيجي معايا لحد ما تهدي تعالي باتي مع ماما وبابا في البيت.
ربت زياد على كتفه وقال:
سيبيها يا فارس. حياة ومامتها محتاجين يتكلموا مع بعض. مش هينفع تسافر وهي زعلانة من مامتها.
ثم نظر إلى حياة وقال بهدوء:
ادخلي أوضتك يا حياة دلوقتي والصبح نتكلم كلنا.
دخلت حياة إلى غرفتها تبكي، وانصرف فارس بعدها. أغلق زياد خلفه الباب ونظر إلى نور بعيني مليئتين بالغضب وصاح:
إيه اللي بتعمليه ده؟
اخفضت عينيها وقالت:
يعني عاجبك البنت ترجع في الوقت ده؟
بنفس الحدة قال:
وايه يعني. كانت مع جوزها. والولد استأذني يعني مفيهاش حاجة. حتى لو غلطت مينفعش تعملي كده. مينفعش تكسريها وتزعقييلها قدام جوزها. أنتي فاهمة أنتي بتعملي إيه؟
صاحت نور:
يعني ينفع ترجع متأخر والناس تتكلم علينا، وهي كمان واقفة بترد وتبجح فيا.
صاح زياد:
أنتي بتعلي صوتك عليا يا نور؟
اخفضت نور عينيها وقالت بنبرة مرتبكة:
أنا. أنا مقصدش.
زياد:
أنتي غلطانة يا نور. اعترفي لنفسك أنك غلطانة. مينفعش تكسري فرحة البنت. مينفعش تهزي صورتها قدام جوزها.
صمت زياد قليلًا ثم أردف:
أنا سمعت كل الكلام اللي حياة قالته وأنا جوه. البنت عندها حق. للأسف عمرك ما صاحبتيها ولا اهتميتي بيها. أنا كنت أقرب للبنت منك يا نور. كنت صاحبها وكانت بتيجي تحكيلي كل حاجة.
بكت نور ولم تعقب. نظر لها زياد بحدة وهتف:
الصبح يا نور تتكلمي معاها وتحاولي تصلحي اللي أنتِ عملتيه. حياة هتسافر يا نور مع فارس وممكن فعلًا مترجعش تاني. فارس مهاجر مش بس هيشتغل كام سنة ويرجع.
قال زياد كلماته وانصرف يدخل غرفته وترك نور خلفه يعتصر قلبها الندم. تبكي بلا توقف وقد اعتزمت أن تصلح أخطاءها في الصباح.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اميرة احمد
علي أعقاب المنزل...
بعد أن فتح يوسف باب الشقة وقبل أن تدخل لارا، استوقفها يوسف وهمس لها: "تؤتؤ.... مش هتدخلي على رجلك؟"
وفي خفة، وضع يده أسفل ركبتيها والأخرى حول خصرها وحملها بين ذراعيه. تشبثت بعنقه ودفنت رأسها بوجه أحمر في تجويف عنقه.
دخل بها إلى الشقة ودفع الباب بركله ليغلقه خلفه. بهدوء أنزلها على الأرض لكنه لم يفك يده من حول خصرها، لف يده الأخرى حول خصرها يقربها منه. نظر إلى عينيها وهمس: "أنا مش مصدق.... مش مصدق إن خلاص انتي في حضني."
ضمها إلى صدره أكثر لكنها لم تتحدث بكلمة، كانت تسري قشعريرة في جسدها ووجنتيها احمرت حتى كادت أن تحرق قميصه من حرارتها.
أبعدها عن صدره للحظة. نظر إلى وجنتيها المتوهجتين من الخجل. تحسسهما بأنامله وهمس بابتسامة: "لارا..... انتي مكسوفة؟!"
لم تجب. توترت أنفاسها أكثر. ضحك بخفة: "بس لارا اللي أعرفها مبتتكسفش مني.... عمتا خلينا نكسر التوتر ده."
أخرج هاتفه وفتح الكاميرا. هتف بمرح: "تعالي نتصور أول صورة في بيتنا كزوج وزوجة."
ابتسمت لارا. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بنبرة متوترة: "يلا."
اقترب منها ورفع هاتفه استعدادًا للتصوير. نظرت إلى الكاميرا بابتسامة، لكن يوسف لف وجهه فجأة ووضع قبلة رقيقة فوق وجنتها.
ابتعدت عنه وهي تضحك بخجل وهتفت: "يوسف... وبعدين."
ضحك يوسف: "على فكرة كنت بصور فيديو.... علشان تفضلي فاكرة دايما أول بوسة بينا."
ابتسمت لارا ومالت تلملم أطراف فستانها الكبير واتجهت ناحية غرفة النوم. تبعها يوسف فتوقفت فجأة والتفت إليه وقال بنبرة متوترة: "ممكن تخليك هنا لحد ما أغير هدومي؟"
رفع يوسف حاجبه بمكر وقال: "طيب افرضي احتاجتي مساعدة."
ردت باقتضاب: "لا شكرا مش هحتاج مساعدة."
واتجهت مسرعة في الممر الطويل المؤدي لغرفة النوم.
بعد ما يقرب من الربع ساعة فتحت الباب وخرجت. ترتدي منامة طويلة من الستان الأبيض بأكمام طويلة، شعرها مربوط إلى أعلى. خرجت إلى غرفة المعيشة وجدت يوسف يجلس على الأريكة يشاهد التليفزيون وجاكيت بدلته ملقى إلى جواره. رفع عينيه إليها وهي تقف عند مدخل الغرفة وقطب جبينه وتساءل بسخرية: "ليه يا لارا؟"
حركت رأسها بعدم فهم وقالت: "ليه إيه؟"
قال يوسف بسخرية وهو يقوم من مكانه: "ليه يا حبيبتي ليلة فرحنا لابسالي بيجامة بكم ورابطة شعرك.... حبيبتي انتي بتخرجي في الشارع بنص كم وفكة شعرك... في البيت ويوم فرحنا ولابسة مقفول وبكم."
قالت لارا بارتباك بدا واضحًا على نبرة صوتها: "بس كده مريح أكتر."
اقترب منها يوسف وهمس قرب أذنها وهو يلف ذراعيه حول خصرها: "مش مهم... حلوة برضه وزي القمر."
مال ليضع قبلة على شفتيها فابتعدت عنه بارتباك وتشنج جسدها وقالت بصوت متحشرج: "مش هتغير هدومك؟"
ابتعد عنها واتجه إلى غرفة النوم لتغيير ملابسه. دقائق قليلة وعاد يرتدي منامة مريحة. جلس إلى جوارها. لف ذراعه حول ظهرها، ومال على أذنها وهمس: "أخيرًا قاعدين مع بعض في بيتنا."
أومأت رأسها بالإيجاب دون أن تتحدث. أنفاسها المتلاحقة وصدرها الذي يعلو ويهبط كأنها خرجت للتو من سباق جعلت يوسف يدرك توترها. اقترب منها أكثر ومرر كفه على ذراعيها محاولًا طمأنتها، لكن كلما اقترب كانت ترتجف أكثر لقربه. مال ليلامس شفتيها بشفتيه لكن زاد ارتجافها ودفعته بكفها في صدره ببطء. ابتعد عنها قليلاً. وجهه يواجه وجهها من مسافة ليست بقريبة. عقد يوسف حاجبيه وهتف: "لارا هو انتي خايفة؟!"
ابتلعت ريقها بصعوبة وأومأت رأسها بتوتر.
أمسك كفها بين راحتيه وهمس: "خايفة مني؟!"
بعينين زائغتين وصوت متوتر قالت: "لأ.... يعني.... أصل."
ابتسم يوسف وأمسك جهاز التحكم وصاح: "تحبي نتفرج على فيلم في التليفزيون... أنا مش جايلي نوم."
ابتسمت لارا أخيرًا وقالت: "ماشي.... بس بلاش الأفلام اللي كلها ضرب اللي بتحبها دي."
ضحك يوسف وهو يتصفح الأفلام على التليفزيون: "لأ ضرب إيه بس.... هاجيب فيلم فيه قتل على طول."
ضحكت لارا وقالت: "يوسف بجد بلاش.... بخاف من الحاجات دي."
نظر إليها بطرف عينه وقال بمكر: "ما دي الخطة.... علشان لما تخافي تيجي في حضني على طول."
ضربته على ذراعه بخفة وقالت: "بس يا يوسف.... هات فيلم حلو."
أخذ يوسف يبحث بين الأفلام حتى استقر على فيلم رومانسي. بدأ الفيلم ومع مرور الوقت بدأت لارا تستلقي بتكاسل على الأريكة.
حين مر الوقت وبدأت لارا تستسلم لسلطان النوم. اضطجع إلى جوارها يوسف وضمها إلى صدره وراح في ثبات عميق.
في الصباح. حين دخلت أشعة الشمس الأولى ونسمة الهواء العليل دخلت تداعب الستائر الشفافة. فتح يوسف عينه في تكاسل، ابتسم حين وجد لارا نائمة كطفلة صغيرة بين ذراعيه. مد أنامله برقة يزيح خصلة من شعرها سقطت على وجهها.
فتحت لارا عينيها ببطء. نظرت إلى يوسف وهمست بارتباك: "صباح الخير."
ابتسم يوسف وهو يضع قبلة صغيرة على وجنتها: "صباح النور."
احمرت وجنتا لارا وهمست بارتباك: "هو إحنا نمنا واحنا بنتفرج على الفيلم؟"
ابتسم بحنان وهمس بالقرب من شفاهها: "آه يا حبيبتي.... نمتي زي الأطفال."
لم ترتجف لارا هذه المرة لكن احمرت وجنتاها بخجل. اقترب يوسف أكثر ووضع قبلة رقيقة على شفتيها.
سحبت لارا نفسها بهدوء من بين ذراعيه، وجلست على طرف الأريكة وهي تضبط خصلات شعرها بتوتر، كأنها تحاول تشغل نفسها عن ارتباكها.
نظر إليها يوسف بعينين مغمورتين بالحنان.
قامت لارا من الأريكة وهتفت: "أنا هقوم أعمل قهوة...... تحب أعملك قهوتك معايا؟"
ابتسم يوسف: "القهوة اللي هتعمليها من إيدك هتبقى أحلى حاجة دقتها في حياتي."
دخلت لارا إلى المطبخ وعلى وجهها ابتسامة من كلماته. دخل يوسف خلفها. اقترب منها، وقف خلفها، لمس كفها برقة، وقال: "أنا عارف إنك لسه مش متعودة... ولسه فيه رهبة، بس أنا أقصد نقرب من بعض واحدة واحدة. إحنا مش في سباق يا لارا."
استدارت له، بعينين ناعسة من أثر النوم، وقالت بخجل: "أنا مش خايفة منك... بس يمكن خايفة من حاجة جديدة مش متعودة عليها."
ابتسم يوسف ولف ذراعيه حول خصرها وقال: "دي حاجة جديدة برضه بالنسبالي...... مش متعود أصحى ألاقي واحدة زي القمر في حضني وتقوم تعملي القهوة كمان."
ابتسمت لارا، فضمها أكثر بين ذراعيه. لم تبتعد لارا، بل اكتفت بابتسامة خجولة. وكأنها كانت إشارة ليوسف ليتجرأ أكثر ويقترب أكثر. حتى سقطت جميع الحواجز بينهما في صباح مميز سيظل في ذاكرتهم للأبد.
***
في الصباح بعد أن قامت نور بصلاة الضحى، دخلت غرفة حياة بعد أن استأذنتها. فتحت الباب بهدوء وجدت حياة تضع بعض الملابس بحقيبة سفرها. وقفت نور عند الباب وهتفت: "مش محتاجة تاخدي هدوم قديمة معاكي... بابا قبل ما ينزل ساب فلوس علشان ننزل نشتريلك هدوم يا عروسة."
حياة بعدم اكتراث: "مش مهم."
جلست نور على حافة السرير تتابعها بعينيها ثم قالت: "أنا عارفة إنك زعلانة مني.... وعارفة إن اللي عملته امبارح كان غلط.... بس انتي يا حياة كنتي دايما مختلفة.... مبستحملش أشوفك انتي بالذات بتغلطي."
تركت حياة ما بيدها ونظرت إلى والدتها بعتاب وقالت: "ليه؟ ليه أنا بالذات.... معصومة من الغلط؟"
تنهدت نور بألم وقالت: "علشان أنا وانتي زي بعض يا حياة.... بشوف فيكي نفسي."
اتسعت حدقتي حياة، كبلتها الصدمة فلم تجد كلمات. فأردفت نور بنبرة ضعيفة: "يوسف دايما بيغلط محتاج اللي يوجهه، لكن انتي يا حياة من وإنتي صغيرة بشوف فيكي نفسي.... دايما محددة أهدافك، عارفة انتي عايزة إيه...." تنهدت نور ثم أردفت: "حتى في العيوب يا حياة.... انتي زيي بالظبط.... ضعيفة قدام الحب...... سامحتي فارس بسهولة بعد ما سابك وسافر، زي ما أنا سامحت زياد برضه بعد ما سابني واتجوز...... بتعصب عليكي علشان مش عايزة أقعي في نفس أخطائي."
كانت حياة تستمع لها ودموعها تنهمر فوق خديها، أخيرًا قالت حياة: "ليه يا ماما عمرك ما قولتيلي الكلام ده؟ عمرك ما كنتي صاحبتي أو قريبة ليا؟"
ترقرق دمعة في عيني نور وقالت: "لسه بقولك عارفة إنك يعتمد عليكي، بتعرفي تتصرفي... إنما أخوكي كنت بجري وراه في كل مكان.... آه كنت بهتم بيوسف أكتر علشان غلطاته أكتر."
بكت حياة بشدة وعلا شهقاتها وقالت بحسرة: "بس أنا برضه كنت محتاجاكي جنبي."
فتحت نور ذراعيها لحياة تضمها بشدة ثم قالت: "أنا آسفة."
بكت كلاهما، ثم أخيرًا تكلمت نور: "أنا كنت فاكرة إني بكده بقويكي أكتر.... بخليكي تعتمدي على نفسك أكتر.... مكنتش عارفة إني بحرمك من حقك فيا..... أنا فعلاً آسفة.... بس ياريتك كنتي فوقتيني من الأول."
ربتت حياة عليها بحنان ولم تعقب. الجرح بداخلها كان كبيراً لكن الحب كان أكبر. لم يستطع قلبها أن يقسو على من وهبتها الحياة.
مسحت نور دموعها بخفة، وقالت محاولة أن تخفف عن حياة: "يلا يا عروسة بقى علشان ننزل نجيب الحاجات اللي ناقصانا مفيش وقت."
رفعت حياة عينها وقالت: "طيب واللبس اللي هنا ده يا ماما؟"
ضحكت نور: "إنتي عروسة يعني لازم لبس جديد في جديد، ثم غمّزت لها وقالت: "كمان عايزين نشتري لبس العرايس ولا عايزة الواد فارس يزعل مني."
احمرت وجنتا حياة ووضعت كفها على فمها تداري ضحكتها.
حياة: "حاضر يا ماما هاجهز وننزل على طول."
نور: "يلا أنا كمان هاروح أجهز."
وقفت نور قبل أن تخرج من الباب والتفت لحياة وقالت: "على فكرة كنت قلقانة عليكي امبارح.... كنت خايفة وعايزة أطمن عليكي بس لما شوفتك كويسة قدامي اتحول كل القلق لعصبية إنك اتأخرتي ومكنتيش بتردي عليا."
لم تنتظر نور منها ردًا بل خرجت وأغلقت الباب خلفها وتركت حياة تعيد ترتيب أفكارها كما ترتب حقيبة سفرها.
***
فتح عمر باب المنزل ودخل بهدوء، عاد من عمله مبكرًا حيث أنه يشعر ببعض الإرهاق. المنزل هادئ يكاد لا يسمع فيه صوت. خلع جاكيته ووضعه على أقرب مقعد. اقترب من غرفة النوم وسمع نحيب حنين من الداخل. فتح باب الغرفة وقلبه يكاد يخرج من ضلوعه من القلق. وجد حنين تجلس على طرف السرير تمسك بيدها صندوق صغير به سلسال فضي يحمل قلبًا به حرف S. ذُهل عمر من بكائها، تجمد مكانه ينظر لها وقد بدأت ملامحه تتغير للحدة.
حين شعرت حنين بوجوده رفعت عينيها. اتسعت حدقتيها حين رأته ووقع السلسال من يدها وصرخت بضعف: "والله يا عمر مش زي ما انت فاكر.... انت فاهم غلط."
اقترب عمر منها وقال بحدة: "ليه يا حنين؟"
تمتمت حنين بنبرة ضعيفة: "انت فاهم غلط.... أنا...."
قاطعها عمر: "فاهم إيه؟ فاهم إنك بعد كل ده لسه بتحنيله؟ بتعيطي عليه بعد كل اللي عمله فيكي!! أفهم إيه؟"
شعر عمر بالنار تأكل في قلبه، صرخ فيها بحدة: "كل مرة كنت باقنع نفسي إنك نسيتيه، إنك بتتحسني، لكن واضح إنك عايشة في ذكرياتك."
همست حنين بصوت مبحوح من كثرة البكاء: "عمر."
قال عمر بنفس الحدة والعصبية: "لحد إمتى هتفضلي مش شايفاني، مش حاسة بيا.... لحد إمتى هفضل حاسس إني بتنافس على قلبك معاه؟"
قالت حنين بصوت مرتبك ودموعها تنهمر فوق خديها: "عمر... أنا مش قصدي.... أنا بس مش قادرة أتخيل إنه مات...."
قاطعها عمر بأنفاس متصاعدة من الغضب: "أنا تعبت... تعبت يا حنين وإنا حاسس إني مش كفاية عشان تحبيني."
اتجه عمر مندفعًا ناحية باب الشقة مرة أخرى، أخذ جاكيته وفتح الباب. انطلقت حنين خلفه تهتف باسمه لكنه لم يجيبها، صرخت تستجديه أن ينتظر. نظر إليها وهو يغلق الباب خلفه وقال بحدة: "أنا هخرج عشان مقولش حاجة أندم عليها بعدين."
أغلق الباب خلفه وانطلق كالإعصار. جلست حنين على الأرض تبكي بحرقة وهي تضع رأسها بين كفيها.
بعد منتصف الليل. حنين تجلس في غرفة المعيشة، عيناها متورمتين من أثر البكاء، قلبها يعتصره الألم من خوفها على عمر، خوف من أن تفقده، أو يبتعد عنها. خوفًا من أن يصيبه مكروه وهو على هذه الحالة.
أخيرًا شعرت بمفتاح عمر يدور في الباب. وقفت مسرعة على باب الغرفة، دخل عمر من الباب بهدوء، لم يعيرها أي اهتمام. توجه مباشرة نحو غرفة النوم. ملامحه يبدو عليها الإرهاق، رابطة عنقه غير مرتبة، ويحمل جاكيت بدلته على ذراعه.
دخل عمر غرفة نومه، بدل ملابسه سريعًا، واستلقى على طرف السرير. دخلت حنين الغرفة بهدوء وجدته مستلقيًا على السرير يدير لها ظهره، وقفت أمام السرير في تردد تفكر. رفعت طرف الغطاء بهدوء واستلقت بجواره.
عيناها معلقتين على ظهره، عضلاته تبدو مشدودة من شدة غضبه. مدت حنين كفها ببطء ولمست ظهره. لم يتحرك، همست باسمه فلم يجيبها.
همست حنين بصوت مرتبك حزين ودموعها تسيل على وجنتيها: "أنا آسفة... آسفة يا عمر مكنش قصدي أجرحك... مش عايزك تبقى زعلان مني."
لم يجيبها عمر. بقي على نفس حالته، اقتربت منه حنين أكثر، ضمته من ظهره، لفت ذراعها حوله حتى أمسكت بكفه بين يديها، ضغطت على كفه وهي تقول من بين دموعها: "سامحني يا عمر ومتسيبنيش.... أنا مقدرش أعيش من غيرك."
شهقت حنين من بين دموعها، التف عمر لها ببطء، ضمها إلى صدره بحنان دون أن يتكلم.
همست حنين وهي تدفن رأسها في صدره: "عمر أنا عايزك تصدقني... مفيش غيرك في قلبي... انت دنيتي كلها يا عمر... أنا سبت أهلي وحياتي وجيتلك انت... أنا بس... هو صعبان عليا مش أكتر.... مش عارفة أصدق لسه إنه مبقاش موجود... وبرضه مش عارفة أصدق إنه عمل فيا كده.... أحداث كتير حصلت مكنتش مستوعباها... مكنتش بعيط عشان لسه بحبه... كنت بعيط وجع.... حاسة إني أنا السبب في اللي حصل... وأنا السبب إنه مات...."
أحكم عمر قبضته حولها وقال بصوت مبحوح: "أوعي تقولي إنك انتي السبب... انتي ضحية... مجني عليها... وموته كان قضاء وقدر."
بكت حنين في حضنه كما لم تبك من قبل. على نحيبها، ارتجفت بين ذراعيه من شدة البكاء. كان عمر يربت على ظهرها بحنان برغم الألم الذي يعتصر قلبه. يحاول أن يجبر كسر قلبها، وقلبه مكسور منها.
أخيرًا بدأت حنين تهدأ، تأخذ نفسها بانتظام. رفعت عينيها إلى عمر وهمست بصوت ضعيف: "عمر... سامحني."
ابتسم عمر بألم وقال: "حنين.... أنا بس نفسي مرة أحس إنك بتحبيني.... إني فعلاً في قلبك... نفسي تنسي الماضي بكل اللي فيه وتبدأي حياة جديدة معايا..... أنا جنبك يا حنين ومش هاسيبك أبدا.... بس أنا إنسان... طبيعي أزعل وأضايق وأضعف.... بحتاج أحيانًا كلمة منك تقويني."
دفنت رأسها في صدره أكثر وهمست: "خليك دايما جنبي يا عمر... وأنا مش عايزة أبعد عنك أبدا."
أغمضت حنين عينيها في هدوء وراحت في سبات عميق. وكذلك عمر، لف ذراعه حولها وأغمض عينيه المجهدتين، غفا كل منهما في حضن الآخر يلتمس فيه دواء لأوجاعه، ألم يكسر قلب كل منهما، جرح كبيرة وغفران أكبر.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اميرة احمد
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اميرة احمد
دخلت حنين الغرفة، وجدت عمر يقف أمام خزانة ملابسها، في يده حقيبة سفر صغيرة يضع بها بعضًا من ملابسها.
هتفت حنين: عمر... هو إحنا مسافرين؟
انتفض عمر حين سمع صوتها وكأنه لم يكن يتوقعها أن تأتي في هذا التوقيت، لكنه ابتسم لها وقال باقتضاب: لأ مش مسافرين.
هتفت حنين: طيب ليه بتحضر الشنطة؟
وضع عمر الحقيبة من يده واقترب منها، أمسك كفها بحنان وهمس: أنا حاسس إننا متوترين زيادة الأيام الأخيرة، فقُلت ليه ما نطلع رحلة صغيرة سوا... كنت حابب أعملها مفاجأة، بس واضح إني فاشل في المفاجأت.
ضحكت حنين: فعلاً فاشل في المفاجأت... يعني لما تاخد هدومي من دولابي مفكِّر إني مش هاخد بالي... بس أنا اتفاجأت برضه.
رفع عمر كتفيه باستنكار وقال: معرفش ده اللي فكرت فيه... عمومًا جهزي الشنطة زي ما أنتِ عايزة، ومتنسيش تاخدي الباسبور بتاعك.
همّ أن يخرج من الغرفة، لكن استوقفته حنين: استني بس... مش هتقولي هنروح فين؟
ابتسم عمر: طيب خلي دي مفاجأة.
ضحكت حنين بطفولة وقالت: طيب هنخرج بره البلد؟ يعني ليه يبقى معايا الباسبور؟
عقد عمر حاجبيه وقال: مش أوي يعني، بس هنعدي الحدود لدولة تانية.
حنين: طيب هو مكان عامل إزاي؟
عمر: هيعجبك وخلاص... مصممة تبوظي المفاجأة.
حنين: طيب ده مكان فيه بحر صح... أنت حاطط المايوهات في الشنطة.
ضرب عمر كفًا بكف باستسلام وقال: مفيش فايدة.
لم تكن الرحلة طويلة، لكنها كانت كافية لتنسج بينهما شيئًا جديدًا... بسيطًا، دافئًا، يشبه الموج حين يلامس الرمل ويعود في هدوء.
وصلوا إلى الفندق الصغير المطل على البحر في ساعة مبكرة من الصباح. طوال الطريق كانت حنين صامتة، اكتفت أن تتابع الطريق في صمت، بينما عمر كان يسترق النظر لها من حين لآخر بابتسامة.
دخلا إلى الغرفة الصغيرة المطلة على البحر. وقف عمر في الشرفة ينظر إلى الأمواج المتلاطمة والحدائق المحيطة بالغرفة، هتف إلى حنين الواقفة بجواره: الجو هنا يرد الروح.
ابتسمت حنين بهدوء. نظر عمر لها بابتسامة وهمس وهو يلف ذراعه حول كتفها: تعالي ننزل نفطر الأول، بعد كده نشوف تحبي نعمل إيه.
هزت حنين رأسها بالموافقة.
بعد الإفطار، خرجا يتمشيان على الشاطئ. كانت المياه الزرقاء تمتد أمامهما بلا نهاية، ونسمات الهواء العليل تملأ المكان من حولهما. أمسك عمر يدها يتمشيان جنبًا إلى جنب. كسر عمر الصمت وهتف: تحبي ننزل الماية؟
ابتسمت حنين وأومأت بالإيجاب.
دخلا إلى المياه معًا. حين لامست المياه قدمي حنين شهقت شهقة بسيطة، صحبتها بضحكة خفيفة وصاحت: الماية ساقعة أوي.
ضحك عمر وبدأ يرش المياه عليها: بس كده هتتعودي عليها بسرعة.
ضحكت حنين وقالت بدلال وهي تبتعد عنه: بس يا عمر... الماية ساقعة بجد.
كانت ضحكات حنين العالية تملأ قلب عمر بالسعادة. وبين ضحكاتهم ومزاحهم، وجدوا أنفسهم فجأة في منتصف المياه. وقفت حنين للحظة تحاول أن تعدل من طرحتها وتخفي خصلة من شعرها فرت هاربة.
اقترب منها عمر وهمس: استني.
أمسك بخصلة شعرها بلطف وساعدها في تعديل حجابها. مرت لحظة دافئة بينهم، تنظر له حنين بشعور مختلف بداخلها. همست حنين وعيناها معلقة بعمر المنشغل بتعديل حجابها: أنا مبسوطة أوي.
رفع عمر عينيه لتتلاقى مع عينيها، وللحظة قرأ مشاعرها في عينيها، فاقترب منها أكثر وهمس: أنا كل هدفي في الدنيا إنك تبقي مبسوطة.
صمتت حنين للحظة وقالت: عمر... أنا بحاول... لسه مش قادرة بس بحاول أكون كويسة.
ابتسم عمر بخفة وقال: وأنا كفاية عليا إنك بتحاولي.
ببساطة، لفت يدها حول عنقه ووضعت قبلة سريعة على وجنته، ثم تركته وابتعدت عنه وصاحت بطفولة: تسابقني؟!
ضحك عمر: بس لو كسبتك هتعزميني على آيس كريم.
ضحكت حنين بدورها وهتفت: موافقة، لأنك في الحالتين أنت اللي هتجيب الآيس كريم.
حين بدأت الشمس تختفي بخجل في السماء، وبدأ الليل يسدل ستائره على الكون، خرجا من المياه بجسد مرهق وقلب سعيد. جلسا على الرمال الناعمة أمام البحر.
قال عمر بمرح: فاكرة يا حنين لما كنا صغيرين وجينا البحر وأنتِ توهتي.
نظرت إليه بابتسامة حزينة وهمست بنبرة ضعيفة: أيوه... كنت صغيرة وأنت دورت عليا ولقيتني.
ترقرقت دمعة داخل عينيها وهمست: دايماً بتلاقيني يا عمر لما بتوه.
اكتفى عمر بالابتسامة ردًا على كلماتها.
حين أسدل الليل ستائره كاملة على الكون، هتف عمر: نرجع أوضتنا بقى؟!
أومأت حنين رأسها بالإيجاب.
عادا إلى الغرفة، وبعد أن خرجت حنين من الحمام، جلست على مقعد صغير بالشرفة. ثم تبعها عمر وجلس إلى جوارها. لاحظ ارتجافها، فاقترب منها ولف ذراعه حول كتفها. أسندت حنين رأسها فوق كتفه بتلقائية.
همس عمر لها: بردانة؟
ابتسمت حنين بهدوء وقالت: كنت... بس دلوقتي لأ.
نظر كلاهما إلى البحر الأسود أمامهما. همست حنين باسمه، أجابها: همممم.
حنين: عارف... أنت دايماً بتحسسني بالأمان.
قبل عمر جبينها في صمت، فأردفت: أنا لما بفتكر أيام زمان بحس إني كنت غبية... أنت كنت دايماً موجود... كنت دايماً معايا وجنبي وبتخاف عليا... وأنا ما كنتش واخدة بالي.
عمر: ودلوقتي؟
حنين: دلوقتي أنا مش عايزة غير إنك تفضل جنبي.
ضمها إلى صدره أكثر وهمس: أنا جنبك وهافضل جنبك لآخر يوم في عمري.
ساد الصمت بينهما، لكنه كان صمتًا مشحونًا بمشاعر لم تُقل بعد، كلمات تبادلاها دون كلمات... واعترافات لم تُقل بعد.
شيء ما تغير بينهما هذه الليلة، لكنهم لم يدركاه بعد.
***
جلس أنس مع أصدقائه في إحدى المقاهي المطلة على البحر، أحد أصدقائه يتحدث بحماس عن سهرة المساء.
صديقه: مش عايز تيجي ليه يا أنس؟
رد أنس باقتضاب: أنت عارف أنا مبحبش الأماكن دي.
صديق آخر: تعالي بقى اقعد شوية صغيرين، مش كل يوم يعني حد مننا بيترقى وبنحتفل... بعدين المرة دي بنحتفل بيك أنت... خلاص هتسيبنا وتتنقل القاهرة.
أنس: ماشي، بس هاجي ساعة واحدة بس.
وفي المساء، دخل أنس إلى الملهى الليلي. الأنوار الخافتة، الموسيقى الصاخبة، رائحة الكحول... جميع الأشياء تشعره بعدم الانتماء للمكان، فقد جاء فقط من أجل أصدقائه.
جلس على طرف الطاولة مع أصدقائه يحتسي مشروب الطاقة، بينما الجميع يحتسي مشروبات كحولية. تجمدت الدماء في عروقه حين وقعت عيناه عليها. أبصر ليلي تجلس على طاولة أمامه، تشرب مشروبًا غازيًا وتضحك مع مجموعة من الفتيات، ترتدي بلوزة من الساتان الأسود بأكمام قصيرة وبنطلون أسود وشعرها مسترسل خلف ظهرها. دون أن يدري، شعر بالضيق لتواجدها في مكان كهذا، توجه إليها على الفور. اتسعت حدقتاها حين رأته يقف أمامها ويقول بحدة: إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ابتسمت له بسخرية وقالت: زيك بالظبط... جيت أسهر مع أصحابي.
اعتلت ملامحه الضيق، اقترب منها أكثر وقال بنفس الحدة: المكان ده مش مناسب ليكي يا ليلي، قومي امشي.
نظرت إليه بتحدٍ وقالت: ومناسب ليك؟ أنت ملكش حق تتحكم فيا بالطريقة دي وتقولي أعمل إيه ومعملش إيه... وأعتقد أنت شايف أنا قاعدة مع أصحابي كلهم بنات وقاعدين في حالنا.
نظر لها أنس طويلاً بحدة ولم يعقب، بل انصرف عائدًا إلى طاولته مع أصدقائه، لكن عيناه لم تفارق ليلي.
كانت عيناه تراقبها ويكاد يخرج الشرر منهما، حتى لاحظ أحد الشباب يقترب من ليلي ويحاول يتحدث معها. كانت تصده بأدب ولباقة، حتى تجرأ وأمسك يدها. لم يستطع أنس أن يتحكم في أعصابه أكثر من ذلك، فانطلق من مكانه كالطلقة، وقبل أن يدرك الأمر كان قد سدد لكمة لذلك الشاب أسقطته أرضًا.
سحب ليلي من يدها بقوة يخرج بها من البار وسط نظرات الدهشة من أصدقائها وأصدقائه. صاح أنس في ليلي: عندك حق المكان ده لا مكاني ولا مكانك.
دفعها بقوة نحو سيارته الفارهة. صاحت فيه بحدة: أنس أنت اتجننت؟
صاح بحدة: آه... اركبي.
لم تعقب ليلي على ردة فعله، فتحت باب السيارة وجلست على المقعد بهدوء. أدار أنس محرك السيارة وانطلق بسرعة مجنونة. صاحت ليلي بحدة: أنت إزاي تجرني كده قدام الناس؟
زفر أنس وهو يشعل سيجارته ولم يعقب، فأردفت ليلي بصوت أقل حدة: على فكرة أنا مكنتش عارفة إن المكان ده بار... صاحبتي قالت إن ده مكان حلو معرفش إنه كده، ولو كنت قولتلي امشي معاك بالراحة كنت مشيت.
صاح أنس بحدة: لو كنتي مشيتي معايا من الأول مكنش ده حصل.
قالت ليلي بنبرة حادة وقد فقدت أعصابها: أنت بتزعق كده ليه؟ مين اداك الحق تقولي أعمل إيه ومعملش إيه؟
نظر لها أنس بعصبية وعينين يخرج منها الشرر ولم يعقب، فقط نفث دخان سيجارته في الهواء، فأردفت ليلي بعصبية ونبرة أعلى: أنت عملت كده ليه؟
صاح أنس بعصبية وقد فقد أعصابه: علشان بحبك.
ساد الصمت بينهم للحظة. ليلي تنظر إليه بعينين متسعتين وعلى وجهها علامات الصدمة. أخيرًا أشاحت ليلي بوجهها عنه تنظر إلى نافذة السيارة تحاول أن تُداري ابتسامة خجل ارتسمت على وجهها. ساد بينهما صمت ثقيل ممتلئ بالمشاعر.
ألقى أنس سيجارته من النافذة وهو يحرر آخر نفس فيها ونظر إلى ليلي وقال بصوت دافئ ونبرة هادئة: بخاف عليكي يا ليلي... بخاف عليكي من الناس والدنيا... بخاف من نفسك وتصرفاتك الطايشة، ماشية في الدنيا فاتحة صدرك لكل حاجة ومش هامك أي حاجة.
صمتت ليلي، تاهت الكلمات داخلها، كانت تتفادى النظر إلى أنس. حاولت أن تتحدث وقالت بنبرة هادئة عكس ما تظهره دائمًا من قوة: أنا... أقصد... أنا...
صمتت ليلي من جديد، ساد الصمت بينهما لدقائق. أشعل أنس سيجارته من جديد. نظرت له ليلي وقالت وهي تضحك: بس أنت ضربت الراجل جامد أوي.
نظر لها أنس ونفث دخان سيجارته بوجهها وقال بعصبية: كنتي عايزاني أعمل إيه يعني وأنا شايفه بيلمسك، احمدي ربنا إنه لسه عايش أصلًا.
ضحكت ليلي، فنظر لها أنس بتعجب: مبسوطة من اللي حصل؟
قالت ليلي وهي تشيح بوجهها عنه: بصراحة، سمعت حاجة النهاردة بسطتني.
رفع أنس حاجبيه وقال بنبرة هادئة: كان لازم تخرجيني عن شعوري؟
ابتسمت ليلي ونظرت إليه: واضح إن في حاجات مبتخرجش منك غير لما بتخرج عن شعورك.
لم تنتظر منه ردًا، كان قد أوقف سيارته أمام الفندق. فتحت باب السيارة وترجلت منها وهي تقول بمرح: تصبح على خير... وعلى فكرة أنا مسافرة الصبح... أشوفك في القاهرة بقى.
غابت ليلي داخل مدخل الفندق وتركت خلفها أنس يطالعها حتى اختفت من أمامه وابتسم وهو يقول لنفسه: عرفت أستفزني وأخرج مني اعتراف بحبها.
***
وقفت جميلة أمام المرآة تعدل من حجابها، بينما صاح مالك وهو يقف على باب الغرفة: جميلة هنتأخر على أنس وهو مش بيحب يستني كتير.
هتفت جميلة وهي تضع عطرها: خلاص أنا جاهزة يلا بينا.
وقف مالك يتأملها بعينين لامعتين وهمس وهو يضع قبلة على وجنتها: زي القمر.
ابتسمت جميلة واحمرت وجنتاها. حملت حقيبتها واتجهت نحو الباب. وقفت إلى جوار مالك وهو يستعد للخروج وهمست: بس غريبة إنه يعزمنا على العشاء ويعزم ليلي معانا.
مالك: عادي، إحنا كلنا أصحاب.
نظرت له جميلة بمكر: أصحاب... ماشي.
ضحك مالك بخفة وهو يغلق الباب خلفه: بقيتي سوسة أوي.
في إحدى المطاعم الفاخرة على ضفاف النيل، جلس مالك وجميلة وليلي وأنس سوياً.
هتف مالك في سعادة: لو هتعزمنا دايماً في مكان حلو كده يبقى يارب تترقى كل يوم.
ضحكت جميلة: واضح إن الترقية فيها زيادة كويسة.
ابتسم أنس ونظر إلى ليلي التي كانت تجلس هادئة على غير عادتها وقال: الترقية فيها الأحلى من الزيادة... فيها إني هتنقل القاهرة.
رفعت ليلي عينيها لتتلاقى مع عيني أنس وهمست بنبرة هادئة: مبروك.
نظر مالك وجميلة إلى بعضهما البعض، نظرة يعرف كل منهما معناها جيدًا وهتف مالك: خير يا ليلي، مش متعودين عليكي هادية كده.
هتفت ليلي: عادي.
جميلة: غريبة يعني سايبة أنس في حاله.
ابتسمت ليلي وهمست: خليه بس هو يسيبني في حالي.
ابتسم أنس ولم يعقب. حاولت أن تغير جميلة دفة الحوار فقالت: خلاص طالما هتستقر في القاهرة يا أنس، ملكش حجة إنك تيجي خطوبة محمد أخويا الأسبوع الجاي.
ابتسم أنس بهدوء وقال: هاجي إن شاء الله.
مالك: جميلة أكتر واحدة متحمسة إنك ترجع القاهرة... عايزة تحس إن في حد قاعد معانا في البيت تقريبًا.
جميلة: أنا مش هاسيبك أصلاً تقعد تحت غير على النوم.
نظر أنس إلى ليلي وقال: جميلة بس اللي متحمسة إني هاعيش هنا.
اخفضت ليلي عينيها بخجل ولم تعقب. بينما هتف مالك: لأ طبعًا كلنا مبسوطين إنك خلاص رجعت.
جميلة: هتتنقل هنا من إمتى بقى؟
أنس بهدوء: من الشهر الجاي.
صمت الجميع وبدأوا يتناولون الطعام. نظرات متبادلة بين أنس وليلي تكسر الصمت بين الحين والآخر. كان الصمت الغير معتاد بينهم كفيل ليشعر كل من جميلة ومالك بالتوتر السائد بينهم.
***
في حفلة خطوبة أخو جميلة. وقف أنس يراقب ليلي في صمت. كانت تتحرك بعفوية ونشاط، تسلم على الجميع ببشاشة، وتتحاشى النظر إلى أنس. كانت ليلي ترتدي فستانًا باللون الأسود ينساب على جسدها بطريقة تبرز أناقتها، ورفعت شعرها إلى أعلى مما زاد من أناقتها.
اقترب منها أنس ونظر لها بابتسامة وكبرياء وهتف مشيرًا بذقنه ناحية طاولة يجلس عليها بعض من أفراد العائلة: مين فيهم باباكي؟
عقدت يديها حول صدرها: اشمعنى.
رفع حاجبيه وهتف بكل ثقة وهو يضع يديه في جيب بنطاله: روحي قوليله أنس باشا المصري عاوز ييجي يتكلم معاك.
وضعت يديها حول خصرها وهتفت بحدة: ده على أساس إن ملناش بيت... لو عايز تتكلم مع بابا تعالي اتكلم في بيتنا.
خبطها بسبابته بين حاجبيها: ما أنا عايز أروح آخد منه معاد عشان أجلكوا البيت... ثم عقد يديه حول صدره: ولا أنتِ مش عايزة؟
زفرت ليلي: بابا اللي قاعد هناك لابس بدلة كحلي.
تركها أنس تقف بشرود وتتحرك ناحية والدها، بينما جاءت جميلة تقف إلى جوارها فمالت ليلي على أذنها وهي تشير ناحية أنس الذي يقف يتحدث مع والدها: شايفة الجنان الرسمي.
ابتسمت جميلة وهي تضم ليلي إلى صدرها: مبروك يا لولا.
اقترب منهما أنس وهو يضع يديه في جيبه ومال على أذن ليلي وهمس بصوت كله ثقة: الفستان ده ميتلبسش تاني... ضيق أوي وأنا بغير.
رفعت حاجبها وهتفت: وده بأمارة إيه إن شاء الله.
ابتسم أنس باستفزاز: ده بقى حقي دلوقتي... وكلامي هيتسمع كده كده.
ابتسمت وهي ترفع حاجبها باستنكار: ابقي قابلني.
قال أنس بهدوء وبساطة: أنا اتفقت مع باباكي هاجي البيت الأسبوع الجاي، وبعديها نكتب الكتاب والفرح.
اتسعت حدقتا ليلي: إيه ده مفيش خطوبة؟
عقد أنس حاجبيه وقال بثقة: لأ... أنتِ عايزاني أوديكي سينما وأمسك إيدك على الكورنيش؟... ناقص تقوليلي أجيب دباديب!
عقدت ليلي ذراعيها: طيب أنا مش موافقة.
اقترب أنس منها أكثر، نظر في عينيها بعمق وهمس: أنتِ الخسرانة.
زفرت ليلي وهي ترفع حاجبها: واثق في نفسك أوي.
ابتسم أنس ولم يعقب، بل نظر إلى جميلة الواقفة إلى جوار ليلي تشاهدهم باستمتاع وقال: خلي بالك منها يا جميلة، عشان هتيجي تقعد معانا في البيت قريب.
لم تستطع جميلة أن تكتم ضحكتها، بينما زفرت ليلي وهي تعقد ذراعيها. هم أنس أن ينصرف لكنه عاد مرة أخرى بنفس الثقة، ووجه كلامه لجميلة: جميلة، بلغيها الفستان ده مش هيتلبس تاني، عشان ملفِت أوي وأنا مبحبش حد يبص على مراتي.
انصرف أنس وعلى وجهه ابتسامة انتصار، بينما نظرت ليلي إلى جميلة بحنَق: شايفة يستفزني إزاي.
ابتسمت جميلة: والله بيحبك وأنتِ كمان بتحبيه يا ليلي ما تنكريش.
ابتسمت ليلي وهي تُداري خجلها: أيوه بحبه يا جميلة، بس مش كده، مش ييجي يقولي الأول إنه عاوز يتجوزني.
ضحكت جميلة: يا ستي هو مش بيحب يلف ويدور.
ابتسمت ليلي وهي تشاهد أنس يقف مع مالك: مستفز... بس بحب استفزازه.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اميرة احمد
وقفت حياة أمام نافذة غرفتها تتابع بعينين شاردتين الطريق أمامها.
مدينة جديدة لم تعهدها من قبل.
شتاء قارص لم تعتاد عليه.
أخرجها من شرودها لمسة رقيقة من فارس فوق ذراعها وهو يناولها كوبًا من الشاي.
تطلعت إليه بابتسامة وأخذت الكوب تحتضنه بين كفيها.
وقف إلي جوارها وهمس: ندمانة؟
دون أن تنظر إليه حركت رأسها بالنفي.
هتف فارس من جديد: مالك؟
ترقرقت دمعة في عينيها وهمست بصوت ضعيف: أهلي وحشوني أوي.
لف فارس ذراعه حول ظهرها يحاوطها، وضمها إلي حضنه وهمس بنبرة ضعيفة: وأنا كمان... أوعي تفتكري أني جامد أو مش بحس... بس الوجع أقل وأنتي جنبي.
حياة: أنا بس مش واخدة على العيشة هنا... كل حاجة جديدة عليا.
ربت فارس على كتفها بحنان وقال: معلش حبيبتي... هتتعودي.
نظرت إليه بطفولة وقالت: فارس أنا مش عارفة أشغل الغسالة... بتدلع عليك أخليك تشغلها أنت علشان أنا مش عارفة؟
ضحك فارس بخفة: طيب ما تقوليلي وأعلمك بتشتغل إزاي.
أطرقت حياة برأسها وقالت بنبرة ضعيفة: فارس أنا بخاف أوي لما بتسيبني وتبات في الشغل.
فارس: حبيبتي... حتى لو كنا في مصر كنت هاسيبك وأبات في الشغل... غصب عني دي طبيعة شغلي وأنتي عارفاها كويس.
رفعت حياة عينيها لتواجهه وهتفت: بس أنا زهقت من القاعدة لوحدي وأنت مش موجود.
ابتسم فارس: عايزة إيه يا حياة؟
رفعت حياة عينيها لتواجهه وهمست بنبرة منخفضة: عاوزة أشتغل.
نظر لها فارس وعقد ذراعيه أمام صدره ولم يعقب فأردفت: أنا دورت وعرفت أني ممكن أعمل معادلة للشهادة بتاعتي هنا وأشتغل بيها.
ابتسم فارس وقال بنبرة دافئة: واضح أنك دورتي كويس قبل ما تقوليلي.
حياة: أنا مش متعودة أقعد في البيت كده.
فارس: موافق بس بشرط.
انفرجت أسارير حياة: اللي تؤمر بيه.
ابتسم فارس وهو يحاوط خصرها بذراعه: أن شغلك ميشغلكيش عني.
تعلقت حياة في عنقه وهمست بالقرب من أذنه: مفيش حاجة تشغلني عنك أبداً.
مال ليضع قبلة رقيقة على وجنتها وهمس: أنا لازم أنزل دلوقتي علشان متأخرش على المحاضرة... بس لما أرجع نكمل كلامنا إن شاء الله.
انصرف فارس ووقفت حياة تشاهده من النافذة وهو يختفي بالتدريج.
ارتشفت من كوب الشاي في يدها وتنهدت ببطء.
في المساء.
عاد فارس إلي المنزل.
مجرد أن فتح الباب اشتم رائحة الشياط.
دخل إلي المطبخ وجد حياة تقف في منتصف المطبخ، ترتدي مريول المطبخ فوق قميص قطني قصير.
المطبخ من حولها في حالة يرثي لها.
أقترب منها فارس وهو يضحك وضمها إلي صدره وقال: واضح أن في كارثة حصلت في المطبخ.
اخفضت حياة رأسها وقالت بدلال: كنت بحاول أعملك المسقعة اللي أنت بتحبها.
ضحك فارس: طيب وأيه؟ البتنجان انفجر في المطبخ؟
اخفضت عينيها بخزي وهمست: اتحرق مني.
ضحك فارس ووضع قبلة فوق رأسها: ولا يهمك.
رفعت عينيها لتتلاقي مع عينيه وقالت: يعني مش زعلان.
اماء برأسه بالنفي مع ابتسامة واسعة ارتسمت فوق شفتيه، فأردفت: طيب وهناكل إيه؟
ابتعد عنها فارس وهو يخلع معطفه وهتف: زي أي راجل متحضر هاطلب دليفري.
ضحكت حياة بخفة ولحقت به وهمست: أنا آسفة يا حبيبي... كان نفسي أعملك المسقعة اللي بتحبها.
ابتسم فارس وهمس بنبرة دافئة: ولا يهمك يا حبيبتي... بكرة تتعلمي.
وقفت حياة تشاهده يصعد الدرج بعينين لامعتين، وخفقات ملأت قلبها.
ابتسمت وهي تشعر بالامتنان لوجودها بجانبه.
بعد حفل زفاف ضخم.
دخل أنس مع ليلي جناحهم في أحد أفخم فنادق القاهرة.
وما إن أغلق الباب ارتسمت على وجه أنس ابتسامة شريرة، ونظرة في عينيه لم تلحظها ليلي من قبل.
مد يده إلي حزام بنطلونه الجلدي وفكه، وفي حركة سريعة سحبه من البنطلون ولف طرفه المعدني حول كفه.
نظرت له ليلي برعب وهي تبتعد عنه ببطء، لكنه أقترب منها وهمس لها: النهاردة هاخد حق كل كلمة مستفزة قولتيها لي ومعرفتش أرد عليها، كل نظرة بصيتيها لي ومعجبتنيش وكان نفسي أكسر عضمك فيها.
ابتعدت عنه أكثر وهي تصيح: هتعمل إيه يا أنس؟
أقترب منها بخطوات ثابتة ونظرة في عينيه لم تعهدها من قبل.
ابتعدت عنه وهي تصيح: اعقل يا أنس هتعمل إيه.
لحق بها بخفة.
استطاع أخيرًا أن يمسك بها قبل أن تبتعد.
أحكم قبضته حولها.
سرت قشعريرة في جسدها من قربه وإحساسها بدفء جسده.
بدأت أنفاسها تتصارع.
أقترب منها أكثر حتى أصبحت لا توجد مسافة بينه وبينها، تكاد أنفه تلامس أنفها.
نظر في عينيها وهمس لها بصوت واثق هادئ: من النهاردة فيه أدب، مفهوم؟
أغمضت عينيها تحاول أن تسيطر على نفسها ولم تعقب.
جذبها أكثر بيديه الحديدتين الملفوفتين حول خصرها وهتف: مفهوم؟
أخفضت رأسها وأرخت جفونها في استسلام.
مد يديه وأمسك بذقنها، رفع وجهها ليصبح في مواجهته.
أقترب منها أكثر حتى لامست شفتيه شفتيها في قبلة ناعمة رقيقة.
ثم نزل إلي عنقها الناعم وضع قبلة رقيقة عليه.
فقدت ليلي رباط نفسها.
لفت يديها حول خصره وهمست بصوت بالكاد مسموع: مفهوم.
ابتسم نصف ابتسامة وزاد ضغطه على خصرها وأقترب من أذنها وهمس: بحبك وأنتي هادية وبتسمعي الكلام.
لم تنظر إليه، بل دفنت وجهها الأحمر في صدره وهمست: بحبك يا أنس.
رفعت رأسها والتقت أعينهما مرة أخرى.
همس لها أنس بصوت واثق: من النهاردة مفيش قط وفار تاني، فاهمة؟
هزت رأسها بإيجاب.
همس مرة أخرى: من النهاردة فيه حب ودلع وبس... أدلعك وتدلعيني وبس... مش هنقف لبعض زي الديوك تاني.
ابتسمت ليلي وهتفت في مرح: طيب بذمتك كل ده وتبقي ديك إزاي... قول تور.
أحكم أنس قبضته عليها أكثر وصاح بصوت ذكوري: وبعدين معاكي بقي شاكلك عاوزة تتأدبي.
قالها وهو يضع يديه تحت ركبتيها ويحملها بين ذراعيه في خفة وكأنها لا وزن لها.
صاحت وهي تتعلق بعنقه وتدفن رأسها فيه: خلاص يا أنس أنا آسفة نزلني... نزلني.
لم يستمع إليها.
توجه بها نحو الغرفة.
أغلق الباب خلفه بدفعة من رجله.
ألقاها على السرير.
خلع عنه جاكيت بدلته وأقترب منها مرة أخرى وهو يهمس: واضح أن مفيش فايدة فيكي.
ضحكت وهي تبتعد عنه بظهرها حتى ارتطمت بظهر السرير: دي أكتر حاجة بتحبها فيا.
انقض عليها، أنفاسه الساخنة تلفح وجهها.
ضمها إلى صدره ودفن وجهه في شعرها وهمس: أنا بحب كل حاجة فيكي يا ليلي.
رفع رأسه ببطء وظل يتأمل ملامحها بنظرة مليئة بالحب.
وأخيرًا ترك شفتيه تهمسان لها بكل مشاعر لم تُقال.
فأخذ يقبلها حتى استسلمت ليلي بين ذراعيه بهدوء.
في الصباح.
فتحت ليلي عينيها بكسل.
ذراعا أنس تحاوط خصرها بقوة، رأسها مسند إلى ظهره، تشعر بحرارة أنفاسه على عنقها.
حاولت أن تبعد ذراعه ببطء وتقوم من السرير، لكنه أحكم قبضة ذراعه حول خصرها وهمس بصوت ناعس في أذنها: عايزة تهربي؟
التفت إليه وجهها يواجه وجهه وقالت: الناس بتقول صباح الخير!
بعينين مغمضة وصوت ناعس قال: لما يصحوا بيقولوا صباح الخير.
ليلي: بس أنا صحيت.
أنس وهو لا يزال مغمض العينين: وأنا معنديش استعداد أصحى دلوقتي، ومينفعش تقومي من السرير غير لما جوزي يقوم.
قالت بصوت متوتر: بس أنا عايزة أقوم يا أنس.
فتح عينيه ببطء وقال: من أول يوم هتعكنني عليا وتصحيني بدري، ده بدل ما تصحيني على بوسة.
أقتربت منه ووضعت قبلة رقيقة على خده وقالت: أحلى بوسة بس خلينا نصحى.
نظر إليها بابتسامة وكأنه يقرأ أفكارها وقال: عايزة تقومي ليه يا ليلي؟
همست بصوت متردد: بصراحة... أنا جعانة أوي، وأنت أكلت الأكل كله امبارح لوحدك.
رفع حاجبه وقال باستنكار: اتحايلت عليكي تاكلي، وحطتلك الأكل في بوقي وعملتيلي فيها مكسوفة، أعملك إيه بقى؟
وكزته في كتفه: يعني افرض كنت بدلع عليك، تقوم تاكل الأكل كله.
اعتدل في جلسته على السرير وهو يقول: الله... كنت جعان... عمتا شوفي عايزة إيه... اتصلي بالريسبشن واطلبي اللي انتي عايزاه.
عبثت بطرف قميصها الحريري وهمست: عايزة أكل بفتيك.
نظر لها أنس بتعجب وقال: بفتيك!!!
رفعت نظرها إليه وقالت بدلال: نفسي فيه.
ضحك أنس: لولا، إحنا اتجوزنا امبارح، أكيد ملحقتيش تتوحمي.
صاحت ليلي: جعانة بقولك يا أنس.
أنس: من أولها كده داخلة على طمع، عشان عرفتي إن أنا اللي هدفع عايزة تفطري بفتيك.
تدللت عليه وقالت وهي تقترب منه: أنت مستخسر فيا من أولها.
أنس باستسلام وهو يضرب كف بكف: خلاص اطلبي اللي انتي عايزاه، مش عارف أنا إيه اللي عملته في نفسي، بتصحي تفطر لحمة.
ضحكت بدلال وهي تمسك الهاتف وقالت: أطلبلك إيه؟
هتف متهكمًا وهو يتجه للحمام: أومليت بالمشروم... معلش حاجة غريبة شوية إن حد يفطر بيها، بس هنعمل إيه بقى استحمليني.
ضحكت ليلي: قدري بقى استحملك هاعمل إيه.
بينما كانت ليلي تطلب الإفطار، خرج أنس من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة، يراقبها من طرف عينه وقال بنبرة متهكمة: خلاص؟ طلبتي البفتيك؟ ولا لسه بتختاري نوع اللحمة؟
نظرت له بطرف عينها وقالت وهي تضحك: لا طلبته خلاص، وقولتلهم يستعجلوا عشان في حد هيموت من الجوع.
بعد دقائق كان هناك طرقات خفيفة على باب الغرفة.
دفع أنس عربة الطعام ناحية السرير وهو يهتف في ليلي: يلا يا لولا الفطار جه.
ثم أردف بنبرة بالكاد مسموعة: رغم إني مكسوف أقول على اللحمة فطار.
خرجت ليلي من الحمام، تتساقط قطرات الماء من شعرها، حين وقعت عيناها على طاولة الطعام صاحت بسعادة وهي تجلس أمام الطعام: الحمد لله الأكل جه بسرعة.
جلس أمامها أنس يشاهدها باستمتاع وهي تتناول الطعام بنهم.
رفعت عيناها إليه وهتفت: الأكل حلو أوي.
ضحك أنس وهو يشاهدها تتلذذ بأكل اللحم وهتف: بألف هنا يا حبيبتي.
بعد أن انتهيا من تناول الإفطار، أسند أنس رأسه إلى قائم السرير يشاهدها تتحرك بخفة في الغرفة من حوله وارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيه.
هتف وهو ينظر إليها: جهزي حاجتك يلا عشان هنتحرك... شهر العسل بدأ.
أقتربت منه ليلي وجلست على طرف السرير بجواره وقالت بنبرة هادئة عكس شخصيتها: هنروح فين؟
همس أنس وهو يضع قبلة رقيقة على وجنتها: خليها مفاجأة.
بالفعل ارتدت ليلي ملابسها واتجهت مع أنس نحو سيارته.
قاد أنس السيارة حتى رأت ليلي لافتة تدل على أنهم في طريق الغردقة.
صاحت ليلي وهي تنظر إليه بحدة: هي مفاجأتك إننا هنروح الغردقة؟
نظر إليها ولم يعقب فأردفت: أنا قولت هتوديني باريس، لندن... يعني يوم ما تحب تبقى رومانسي هنروح بالي... الغردقة يا أنس.
ضحك أنس وهو يشعل سيجارته وقال: أوعدك إن المكان اللي هنروحه هيبقى أحلى من كل دول... مكان عمرك ما شفتي زيه قبل كده.
ضحكت ليلي وهي تميل ناحيته بدلال: لما نشوف.
صف أنس سيارته بجوار مرسى منعزل للقوارب قرب مدينة الجونة.
أقترب أحد العمال منه يحمل عنه حقيبة السفر الكبيرة وصاح: حمد الله على السلامة يا باشا... نورت الدنيا.
ابتسم أنس وربت على كتفه وصاح: الله يسلمك... القارب جاهز يا سالم؟
سالم: جاهز ومستني حضرتك يا باشا.
صعد أنس إلى القارب وأمسك بيد ليلي التي كانت تقف مشدوهة وساعدها تصعد إلى القارب.
جلست ليلي إلى جوار أنس وبدأ القارب يتحرك في الماء.
كانت ليلي تشاهد القارب وهو يضرب مياه البحر بقوة مخترقًا موجاته بعينين لامعتين.
حتى اقترب القارب بهم من جزيرة منعزلة.
بدأ القارب يقلل من سرعته تدريجيًا، حتى توقف تمامًا عند شط الجزيرة.
وقفت ليلي تتأمل ما حولها بتعجب بينما يخرج أنس الحقيبة من القارب.
مياه شفافة متلألئة لدرجة أنك ترى قاع البحر من فوق القارب.
رمال بيضاء ناعمة جدًا مفروشة بطول البحر.
هدوء يحيط المكان إلا من أصوات تلاطم الأمواج وزقزقة العصافير.
كانت الجزيرة أشبه بقطعة من الفردوس وسط مياه البحر الأحمر، رمال بيضاء كالؤلؤ تحتضن المياه الفيروزية التي تتلألأ تحت أشعة الشمس الدافئة.
دارت ليلي حول نفسها تشاهد ما حولها بإعجاب حتى وقعت عيناها على أنس الواقف خلفها عيناه معلقتين عليها.
أقتربت منه وهتفت: إيه المكان ده؟ إحنا في الجنة؟
لف أنس يده حول خصرها وابتسم: مش قولتلك... مكان مشوفتيش زيه قبل كده... جنة لينا إحنا الاتنين.
جذبها أنس من يدها واتجه بها نحو كوخ صغير أمام البحر وهمس لها وهو يفتح بابه الخشبي: هنا مفيش غير هدوء وحب وبس... مفيش موبايلات ولا شبكة ولا إنترنت... مفيش حضارة... هنعيش حياة بدائية هنا.
ضحكت ليلي وهي تبتعد عنه وقالت بمشاكسة: وأنت من امتى كنت متحضر؟
نظر لها أنس بوجه متجهم، أقترب منها وهو يصيح: أنا بقى هاوريكي الهمجية.
ضحكت ليلي ضحكة رنانة وفتحت الباب وركضت مسرعة في الخارج.
أسرع أنس في أثرها وهو يضحك ويهتف باسمها.
وبين الموج والرمال وصوت ضحكاتهما، أدرك أنس أن ليلي كانت نصفه الآخر الذي كان يبحث عنه منذ البداية.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اميرة احمد
خرجت نور من الحمام بتوتر بدا ملحوظا عليها. اتجهت نحو زياد الذي كان يجلس يشاهد التليفزيون. جلست إلى جواره وهتفت بارتباك وهي تحمل شيئا صغيرا في يدها لا يكاد يتبين ماهيته:
"زياد... أنا حامل."
ضحك زياد بخفة وهو يأخذ اختبار الحمل من يدها:
"مش كبرنا على المقالب دي يا نور؟"
ترقترقت دمعة في عينيها وقالت بصوت مختنق:
"ده مش مقلب يا زياد... أنا حامل بجد. بقالي شوية تعبانة وبحس بدوخة ومغص، وبأصحى الصبح نفسي غامة عليا وبرجع. عملت اختبار وطلع إيجابي."
صمت زياد يتأملها للحظات، ثم أطلق ضحكة عالية، واقترب منها يضمها إلى صدره وعلامات السعادة بادية على وجهه وهتف:
"مبروك يا حبيبتي... أنتي مش متخيلة أنا فرحان قد إيه؟"
بكت نور بين ذراعيه وهمست:
"أنت فرحان يا زياد... الأولاد هيقولوا علينا إيه؟ نخلف وإحنا في السن ده."
زياد:
"وإيه المشكلة السن ده... عادي ناس كتير بتخلف في سننا وأكبر مننا كمان. بعدين البيبي اللي هييجي ده هيبقى الكريزة اللي تتحط فوق التورتة."
ضحكت نور من بين دموعها:
"والله أنت فايق يا زياد."
ضحك زياد بسعادة:
"استني بس لما أكلم طارق وأقوله... علشان يبقى يقولي أنت عجِزت تاني."
نور:
"تقول لطارق إيه بس؟ أنت هتفضحنا يا زياد."
زياد:
"فضيحة إيه بس يا حبيبتي... هو إحنا بنعمل حاجة عيب ولا حرام."
صمتت نور ونظرت إليه بسعادة:
"والله يا زياد فرحتك عندي دي بالدنيا، بس أنا خايفة، مش عارفة الأولاد هيتقبلوا الموضوع إزاي... مش عارفة أصلاً هنقولهم إيه."
زم زياد شفتيه وقال:
"يتقبلوا زي ما يتقبلوا... كل واحد فيهم عنده بيته وحياته، ودي حياتنا وإحنا حرين فيها."
نظرت إليه نور بعينين يملؤهما القلق وهمست:
"هنعيش لحد ما نربيه يا زياد؟"
أطرق زياد برأسه قليلا كأنه يفكر في كلمات مناسبة، ثم رفع رأسه إليها وقال والابتسامة مرسومة على وجهه:
"عادي يا حبيبتي هنعيش ونربيه ونجيب له إخوات تانيين كمان."
ضحكت نور على كلماته، فامسك الهاتف وقال:
"تعالي نكلم الأولاد نقولهم."
نور:
"بس هتقولهم أنت يا زياد أنا هاتكسف."
زياد:
"ماشي يا نونو حاضر."
اتصل زياد بحياة فجابت سريعا وهي تهتف:
"وحشتني أوي يا بابا... أخبارك إيه وصحتك عاملة إيه؟"
ضحك زياد:
"صاحتي بمب والحمد لله... استنى هاتصل بيوسف أدخله معانا في المكالمة علشان عاوز أقولكوا حاجة مهمة أنا وماما."
انتظرت حياة حتى اتصل بيوسف. وقال زياد بنبرة واثقة:
"أنا وماما عندنا خبر عاوزين نقولكوا عليه."
هتفت حياة في قلق:
"خير يا بابا انتوا كويسين؟"
قال زياد بنبرة جادة هادئة، بينما جلست نور إلى جواره مطرقة رأسها:
"في أخ أو أخت ليكوا جاي في السكة."
ضحك يوسف بخفة:
"بابا بطل هزار والله قلقتنا عليكوا بجد."
زياد:
"أنا مبهزرش يا يوسف... ماما حامل بجد."
صاحت حياة بضيق:
"يعني إيه يا بابا؟... إزاي حامل في السن ده أصلاً؟... هو إحنا نسيبكوا كام شهر نعمل كده."
بينما هتف يوسف بسعادة:
"بجد يا بابا... ألف مبروك... طول عمري نفسي تجيبولي أخ صغير كده."
صاحت حياة:
"بطل هبل يا يوسف..... أنت فرحان؟!"
يوسف بسعادة واضحة على صوته:
"آه طبعًا فرحان... إيه يضايقني."
قالت حياة بضيق واضح على نبرتها:
"أنت فاهم يا يوسف إن البيبي اللي هييجي ده لو ولد هيدخلك الجيش.... هتسيب بيتك وحياتك وشغلك ومراتك وتدخل الجيش؟"
ضحك يوسف بخفة:
"آه... أنا مفكرتش في الموضوع ده... بس إن شاء الله يطلع البيبي بنت... هو أنت صحيح يا بابا عاوز ولد ولا بنت."
ضحك زياد:
"أنا عاوز بنت طبعًا."
يوسف:
"وإنتي يا ماما؟"
ضحكت نور بخفة:
"بصراحة... أنا عاوزة ولد."
يوسف:
"وإنتي يا حياة؟"
صاحت حياة بنبرة عالية مليئة بالجدية:
"جماعة أنا بجد مش قادرة أفهم انتوا فرحانين على إيه؟ دي مصيبة.... انتوا فاهمين خطورة إن ماما تبقى حامل وهي في السن ده؟"
قال زياد بهدوء:
"إحنا إن شاء الله هنروح للدكتور ونطمن عليها وعلى صحتها واللي الدكتور يقول عليه هنعمله."
هتف يوسف بسعادة:
"ماما... قولولي هتروحي للدكتور امتى وأنا هاخد إجازة من الشغل وأجي أوديكي بنفسي."
صاحت حياة بضيق:
"يوسف لو عايز بيبي أوي كده هات بيبي أنت ولارا.... أنت فاهم إن حياة ماما في خطر بسبب البيبي ده؟"
تنهد زياد:
"حياة... إن شاء الله مفيش حاجة... الكلام اللي بتقوليه ده يقلق ماما أكتر... والمفروض إننا منزعلهاش الفترة دي ونخلي بالنا منها."
حياة:
"بابا معلش أنا مضطرة أقفل علشان فارس زمانه جاي من الشغل."
أغلقت حياة الهاتف وألقته إلى جوارها. جلست بعينين شاردتين والحزن يخيم عليها، حتى أنها لم تشعر بفارس حين عاد من عمله. دخل فارس وجدها بحالة الشرود هذه فجلس إلى جوارها وهتف باسمها. انتفضت حياة. نظر فارس للحزن الكامن في مقلتيها وهمس:
"مالك يا حبيبتي... إيه مزعلك كده؟"
رفعت حياة عينيها بألم وهمست بنبرة باكية:
"ماما حامل يا فارس."
لم يستطع فارس أن يمنع ضحكة عالية فلتت منه، لكنه سرعان ما ابتلعها حين وجد نظرات نارية من حياة. حاول أن يتكلم بنبرة جادة وقال:
"طيب وإيه يزعلك في كده يا حبيبتي؟"
حياة:
"قلقانة عليها... مش حلو تبقى حامل في السن ده."
أمسك فارس بذقنها يدير وجهها ليصبح في مواجهته ونظر إلى عمق عينيها وقال:
"لأ يا حياة أنتي مش قلقانة على مامتك.... إيه السبب الحقيقي اللي مخليكي زعلانة كده."
أرخت حياة جفونها وقالت بدمعة تلمع داخل مقلتيها:
"فارس... المفروض أنا اللي أبقى حامل مش هي."
ضحك فارس بخفة وضَمها إلى صدره:
"وده اللي مزعلك أوي كده..... إحنا لسه بنبتدي حياتنا... متجوزين بقالنا كام شهر بس.... عادي مش متأخرين."
أغمضت عينيها وهي تسند برأسها فوق صدره وقالت:
"بس أنا نفسي أبقى أم أوي."
وضع فارس قبلة رقيقة فوق جبينها وهمس:
"إن شاء الله يا حبيبتي بس لسه بدري."
تمتمت حياة بتردد:
"طيب تعالي نروح لدكتور نشوف سبب التأخير إيه."
ربت فارس على رأسها وقال:
"حبيبتي أحنا مش متأخرين.... لسه بدري.. بعدين أطفال دلوقتي صعب إحنا لسه بنبتدي حياتنا هنا."
صمت فارس قليلا ثم أردف ضاحكا:
"بعدين كفاية يا حبيبتي البيبي اللي هتجيبه مامتك."
وكزته حياة في كتفه وصاحت:
"يعني لو كانت مامتك اللي حامل كنت هتضحك كده؟"
ضحك فارس بشدة وهتف:
"مش عارف بصراحة بس أنا شايف الموضوع بسيط وإنتي مكبراه يا حياتي."
نظرت له حياة بعين حزينة ولم تعقب.
فارس:
"طيب انتوا متأكدين إنها حامل أصلاً؟"
حياة:
"بتقول عملت اختبار حمل وطلع إيجابي."
صمت فارس للحظات ثم قال:
"إنتي عارفة في السن ده الحمل مش سهل كده.... الأحسن تروح لدكتور تتأكد."
حياة:
"بابا بيقول هيحجزوا ويروحوا للدكتور."
***
على الرغم من القلق والخوف الذي كان يعانيه يوسف حين علم بحمل والدته، إلا أن سعادته بالخبر كانت أكبر. حاول أن يكون في رعايتها طوال الأيام المنقضية، حتى أنه أصر أن يذهب معها إلى الطبيب للاطمئنان على صحتها. ذهب ثلاثتهم عند الطبيب. لكن همست نور بخجل ليوسف قبل أن تدخل غرفة الكشف:
"خليك أنت هنا."
انصاع يوسف لرغبتها وانتظرهم بالخارج. وفي غرفة الكشف بعد أن استمع الطبيب للأعراض التي تعاني منها نور، وقام بالكشف عليها. جلس خلف مكتبه، وخلعت نظارته الطبية وقال بنبرة جادة:
"مدام نور مين اللي قال لحضرتك إنك حامل؟"
نظرت له نور بعدم فهم، بينما هتف زياد:
"عملنا تحليل يا دكتور وطلع إيجابي."
الطبيب:
"بس للأسف مفيش كيس حمل."
نور:
"يعني إيه؟"
الطبيب:
"يعني حضرتك مش حامل."
هتف زياد بتعجب:
"طيب وليه يا دكتور التحليل كان إيجابي... وهي كمان عندها كل أعراض الحمل."
نظر الطبيب في بعض الأوراق أمامه، وقال:
"تحليل الحمل الإيجابي مع عدم وجود كيس للحمل بيبقى ممكن دليل على حاجات كتير.... هنحتاج المدام بس تعمل التحاليل والأشعة دي وتجيلي تاني."
بوجه قلق ويد مرتعشة شكر زياد الطبيب وانصرف، يضع يده على كتف نور التي كانت في حالة صدمة، خرجت معه من غرفة الكشف وقابلهم يوسف بابتسامة وصاح بسعادة:
"ها يا بابا طمني... ولد ولا بنت."
اخفضت نور جفنيها وسقطت منها دمعة، بينما قال زياد بنبرة محبطة:
"ماما مطلعتش حامل يا يوسف."
اتسعت حدقتي يوسف وصاح:
"يعني إيه؟ طيب ماما كويسة؟"
زياد:
"مش عارفين لسه.... الدكتور طلب منها أشعة بالصبغة وتحاليل."
نظر يوسف إلى والدته بحنان، واقترب منها وضَمها إلى صدره وقال:
"متخافيش يا ماما إن شاء الله مفيش حاجة."
رفعت نور عينيها الدامعتين وهمست بصوت بالكاد مسموع:
"إن شاء الله."
عاد يوسف إلى منزله بعد أن أوصل والديه إلى المنزل. دخل إلى منزله بوجه متجهم وقلب قلق. صاحت لارا عندما وجدته مقبل عليها بهذه الهيئة:
"مالك يا يوسف في إيه حصل؟"
ألقى يوسف بنفسه بين ذراعيها وهمس:
"ماما مش حامل."
دارت لارا بعينيها ثم هتفت:
"ودي حاجة مخلياك متضايق أوي كده؟"
زفر يوسف زفرة حارة وقال:
"ماما تعبانة يا لارا.... الدكتور طلب أشعة وتحاليل.......أنا دورت على الإنترنت ولقيت إن احتمال يكون عندها حاجة وحشة."
ربتت لارا على ذراعيه بحنان وقالت:
"بعد الشر يا يوسف.... عادي ممكن يكون عندها لخبطة هرمونات بس."
يوسف:
"يارب يا لارا."
***
فتحت جميلة باب غرفة المكتب على مالك المنشغل بعمله على الحاسوب. اقتربت منه، دارت خلف مقعده ووضعت بجانبه طبق به قطعة من الكيك، حاوطت عنقه وهمست بالقرب من أذنه:
"عملت كيك تفاح... أول مرة أعملها... قولي رأيك."
ربت مالك على كفيها المرخيتين أمام صدره وقال:
"معلش يا حبيبتي مشغول شوية."
جميلة:
"طيب دوقها بس."
من شدة تركيزه على الحاسوب أمامه لم يسمع كلماتها. ابتعدت عنه جميلة ببطء ولفت حول مكتبه وهتفت بضيق كان واضح في نبرة صوتها:
"مالك النهاردة يوم إجازتك.... وأنت قاعد هنا بقالك 4 ساعات وسايبني لوحدي."
لم يرفع مالك عينيه من الحاسوب، وقال:
"عندي حاجات مهمة.... هخلص وأجي أقعد معاكي."
خرجت جميلة من الغرفة بضيق دون أن تتفوه بكلمة. توجهت إلى غرفة المعيشة. أمسكت بهاتفها تتصفحه دون اهتمام. بعد عدة دقائق وجدت مالك يقف أمامها ويمسك بطبق الكيك في يده وهتف:
"حلو أوي بس ناقصه سكر."
لم تعره جميلة أي اهتمام وظلت تتصفح هاتفها المحمول، اقترب منها وجلس إلى جوارها، لف يده حولها وقال:
"أنا آسف... أنتي عارفة إن عندي تسليم مشروع قريب ولازم أخلصه في ميعاده."
لم ترفع عينيها عن الهاتف، جذب التليفون منها بحدة وهتف:
"كفاية كده... أنا بكلمك وأراضيكي على فكرة."
رفعت جميلة عينيها بحدة، لكنها قالت بنبرة هادئة:
"بعاملك زي ما أنت بتعاملني.... أنت مبقتش حاسس بوجودي يا مالك."
مالك:
"إزاي بس تقولي كده..... غصب عني والله."
رمشت بعينيها وقالت:
"يعني الكيك عجبتك؟"
وضع قبلة رقيقة على وجنتها وهمس:
"أي حاجة من إيديكي تبقى أكيد حلوة."
ابتسمت جميلة ابتسامة خفيفة، فأردف:
"طيب أراضيكي إزاي؟ تحبي نخرج؟"
لفت جميلة ذراعيها حول عنقه وهمست:
"مش عاوزة نخرج، عاوزة تقعد معايا علشان أنت بتوحشني."
ابتسم مالك:
"وإنتي على طول وحشاني يا جميلة.... أنا معاكي أهو مش هاروح في مكان."
***
دخل أنس إلى المنزل وهو يتحدث على الهاتف، ضحك بشدة، لكن خفتت ضحكته حين وقعت عيناه على ليلي تجلس على الأريكة تقرأ في كتاب. أنهى مكالمته سريعا، وجلس إلى جوارها، لاحظ نظراتها الحادة له، فابتسم بمكر وقال:
"في إيه؟"
هتفت بضيق وعينيها لازالت معلقة بالكتاب:
"مين اللي كنت بتضحك معاها أوي كده على التليفون؟"
رفع أنس حاجبه ولازالت ابتسامة ماكرة مرتسمة على وجهه، أقترب منها أكثر، أسند ذقنه فوق كتفها وهمس:
"ليه؟ غيرانة؟"
أغلقت الكتاب بحدة، وزفرت وهي تلتفت إليه وصاحت بحدة:
"أنا سألتك سؤال رد عليه!"
ضحك بمكر وهو يمرر أنامله على وجنتها وهمس:
"ولو كنت بكلم حد، هتغيري؟"
نظرت إليه بحدة ولم تعقب، أقترب منها أكثر. وجهه في مواجهة وجهها تماما وعينيه مثبتتين على عينيها وقال بنبرة دافئة:
"معقولة بتغيري؟ ..... كنت فاكر إنك واثقة في نفسك أكتر من كده."
أشاحت بوجهها عنه، أمسك بذقنها يلف وجهها لتواجهه مرة أخرى وهمس:
"بحبها أوي."
ابتلعت ريقها وهتفت بصوت منكسر:
"مين؟"
ابتسم وهو يقترب من أذنها ويهمس:
"إنتي."
ترقترقت دمعة في عينيها، وتنهدت ببطء، مال ليطبع قبلة رقيقة على وجنتها همس:
"وبحبك أكتر وإنتي غيرانة."
ابتعدت عنه وهمست بصوت متحشرج:
"بجد كنت بتكلم مين؟"
قام من مكانه يخلع جاكيت بدلته، وقال ضاحكا وهو يلقي إليها بهاتفه:
"كنت بكلم مالك."
تركها تجلس واتجه إلى غرفة النوم، لحقت به مسرعة وبدأت تفك أزرار قميصه وهمست:
"أظن من حقي أغير على الحاجة اللي ملكي."
حاوط خصرها بيديه وجذبها إلى صدره وهمس:
"غيري براحتك يا حبيبتي."
التفت مبتعدة عنه، لكنه جذبها إلى حضنه مرة أخرى، يقبلها ليثبت لها أنه ملكها هي فقط. أسندت ليلي رأسها على صدره العاري. صدرها يمتلئ برائحة أنس التي اعتادت عليها. مزيج من عطره ورائحة التبغ التي التصقت به، كان يسند رأسه على قائم السرير وينفث دخان سيجارته في الهواء ببطء. ابتسمت ليلي وهي تضع رأسها فوق صدره تستمع لدقات قلبه. ساد الصمت بينهما للحظات، نظر أنس للسقف وهمس:
"أنا مش عارف أنا بقيت كده معاكي إزاي؟"
رفعت عينيها تنظر إليه للحظة ثم همست:
"كده إزاي؟"
أردف وهو يحرر آخر نفس في سيجارته:
"ضعيف... معاكي بس .... بحس إني.... بحس إني مليش أي تحكم في نفسي.... بنسى أنا مين.... وببقى عايز أعمل أي حاجة بس أفضل جنبك."
ضحكت ليلي بسخرية:
"بس الكلام ده مش لايق على واحد مكنش بيطيقني."
لف ذراعه حول كتفها وجذبها إليه أكثر، وضع قبلة حانية على جبهتها وهمس:
"كنت بحاول أكذب نفسي وأهرب منك... ضحكتك، كلامك، شكلك... حتى غلاستك.... بس معرفتش أهرب من قلبي."
رفعت عينها إليه وهمست:
"يعني بتحبني بجد؟"
ابتسم لها وقال:
"أنا قلبي محبش واحدة غيرك.... تعرفي أوقات بحس إنك إنتي الوحيدة اللي فاهماني من غير ما أتكلم.... يمكن أول يوم حسيت ده كان في المستشفى يوم عملية مالك."
همست ليلي:
"عارف.... أقولك على سر.... أنا شوفتك في دار الأيتام... اليوم ده لما شوفتك وأنت بتلعب مع الأطفال غمضت عيني وتمنيت إنك تبقى أبو ولادي."
رفع حاجبه باستنكار:
"إنتي شوفتيني إزاي؟ عرفتي إزاي أصلاً؟"
همست بنبرة دافئة:
"مش مهم.... كنت هناك صدفة وشوفتك وعنيا طلعت قلوب أول ما شوفتك وسط الأطفال."
همس وهو يضع قبلة رقيقة على شفتيها:
"وجع قلبي إنتي يا ليلي.... وأحلى حاجة في حياتي."
ضحكت بخفة:
"وده مدح ولا ذم؟"
همس أنس:
"ده اعتراف.... اعتراف إني تايه في حبك."
أحكم قبضته عليها يضمها إلى صدره ووضع قبلة ممتلئة بالمشاعر بين شفتيها، همست له:
"مش عايزة أسيب حضنك أبداً."
ضمها إلى صدره أكثر وهمس:
"ومين قالك إني هاسيبك في يوم تبعدي عن حضني."
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثلاثون 30 - بقلم اميرة احمد
خرجت نور من عند الطبيب بعينين دامعتين.
لف زياد ذراعه حولها، يربت على كتفها وهمس:
"متعطيش يا حبيبتي.... بسيطة ان شاء الله."
همست نور من بين دموعها:
"انت مسمعتش الدكتور بيقول ايه.... ورم على الرحم ولازم عملية استئصال."
زياد:
"متقلقيش يا نور.... عملية سهلة وتقومي بالسلامة على طول ان شاء الله وكلنا جنبك."
انهمرت الدموع من عينيها ولم تعقب.
كان يوسف في انتظارهم في السيارة، حين بصر والدته على هذه الحالة اقترب منها بذعر وهو يقبل يدها وهتف:
"ماما... بتعيطي ليه.. طمنيني الدكتور قالك ايه."
ربت زياد على ظهره بحنان وهتف:
"متقلقش يا يوسف.... الدكتور قال ورم على الرحم وهتحتاج عملية علشان تشيله."
قبل يوسف يدها مرة أخري:
"بعد الشر علىكي يا ماما."
زياد:
"روح ماما يا يوسف وخليك معاها لحد اما انا ارجع البيت."
تمسكت نور بكف زياد وهتفت:
"هتروح فين يا زياد و تسيبني."
ربت على كفها الموضوعة فوق كفه بحنان:
"مش هتأخر عليكي يا حبيبتي.... ساعة بالكتير و راجع."
على أحد المقاهي المطلة على نهر النيل، جلس زياد مع طارق.
زفر زياد تنهيدة حارة وقال والدموع تترقرق في مقلتيه:
"مش قادر أتصور يا طارق ان ممكن نور تروح مني.... انا خايف عليها جدا."
طارق:
"متقولش كده يا زياد دي عملية بسيطة جدا."
تنهد زياد بألم وفرت دمعة من عينيه:
"انت عارف يا طارق نور بالنسبالي ايه..... مش بس مراتي.... دي حبيبة عمري..... مش عارف ازاي مخدتش بالي انها تعبانة... يا حبيبتي تعبانة بقالها شوية و مخبية... ملهية في البيت والولاد... بس ازاي انا محسش بيها..... معقول كنت مشغول عنها كده."
ربت طارق على ذراعه وهتف:
"انت برضه كنت مشغول في جواز الولاد... متلومش نفسك... وان شاء الله عملية تعدى على خير."
زياد:
"نور خايفة من العملية اوي... وانا مش عايزها تدخل العملية وهي خايفة كده ومش عارف اعملها ايه...... انا كمان خايف عليها...... خايف يطلع الورم مش حميد... وقتها مش هاقدر اشوفها بتتألم... رحلة العلاج صعبة ومتعبة وانا مش هاقدر اشوفها كده."
طارق:
"متعملش في نفسك كده يا زياد..... أمسك نفسك شوية انت لازم تبقي قوي علشان تقدر تقويها."
قال زياد بضعف:
"طول عمري نور كانت نقطة ضعفي... مقدرش يمسها حاجة."
طارق:
"ده نصيب واحمد ربنا على كل حاجة بتحصلك."
زياد:
"الحمدلله.... انا راضي والله بس.... احساسي اتحول فجأة 180 درجة من فرحتي انها ممكن تكون حامل لخضتي عليها انها تعبانة .... كل ده حصل في لحظة."
قام طارق من مكانه وربت على كتف زياد:
"قوم يا زياد روح لمراتك خليك جنبها.... واستغفر ربنا كتير لعله يرفع البلاء."
قام زياد بخطي متثاقلة عاد إلي المنزل.
دخل فوجد نور تجلس على أحد المقاعد القريبة من الباب تنتظره.
صاح بمجرد ان وقعت عينيه عليها:
"انتي لوحدك؟ يوسف راح فين؟"
ردت نور بهدوء:
"مشي... انا قولتله يمشي يروح يشوف مراته ميسيبهاش لوحدها."
زفر زياد بضيق:
"مكنش هيجري حاجة لو أستني لحد اما ارجع و ميسيبكيش لوحدك."
قامت نور من مكانها، اتجهت إلي زياد وضمته لصدرها وقالت:
"متخافش عليا يا زياد....انا مش خايفة من المرض... حتي مش خايفة من الموت... انا بس...."
ابتلعت غصة في حلقها ونزلت دمعة ساخنة تجري فوق وجنتها وأردفت:
"انا بس زعلانه اني مش هاقدر أكون بصحتي واخدمك واشوف طلباتك."
ضمها زياد إلي صدره وقال:
"خدمة ايه وطلبات ايه بس يا حبيبتي..... انا مش عايز غير أنك تكوني جنبي وبخير."
همست من بين دموعها:
"انا مش مستعدة اسيبك دلوقتي يا زياد."
ضمها أكثر إلي صدره واحكم قبضته عليها، لم يستطع ان يقاوم دمعة فرت من عينيه وهمس:
"محدش هيسيب حد."
تنهدت نور بألم وهي تعلم بداخلها انها يمكنها ان تتحمل كل الآم العالم في سبيل ان تكون بجوار زياد إلي الأبد.
عاد فارس من عمله بعد يوم طويل بين الجامعة والمستشفى.
دخل ليجد حياة تجلس فوق أحد المقاعد شاردة تماما.
تحمل بين يديها كوب من الشاي برد ولم تشعر به، وعيناها معلقتان في الفراغ خارج النافذة.
اقترب منها فارس بهدوء وسحب كوب الشاي من يدها.
التفتت لتنظر إليه بذهن شارد وكأنها لا تراه.
جذبها فارس من ذراعها لتقف في مواجهته، وضمها إلي صدره بحنان وهمس:
"وبعدين يا حياة.... من ساعة ما عرفتي ان مامتك تعبانة وانتي على الحالة دي."
لم ترد، بل دفنت رأسها في صدره وبدأت تبكي وتشهق.
لف ذراعيه بقوة حولها وهمس بصوته الدافئ:
"حياة... أنتي عارفة وقريتي التقارير كويس.... وانا سألت أكتر من دكتور وكلهم طمنونا .... يبقي ليه بتعملي في نفسك كده؟"
قالت حياة من بين دموعها وشهقاتها:
"انا زعلانة من نفسي.... غيرتي عمتني لما عرفت أنها حامل... شفت اللي انا عايزة أشوفه."
فارس:
"وبعدين يا حياة."
رفعت حياة عينها لتنظر إلي فارس وهمست بنبرة باكية:
"انا طول عمري في مشاكل بيني وبين ماما.... دايما بنتخانق... دايما مش فاهماني.... بس كنت عارفة انها دايما موجودة.... متخيلتش في يوم أنها ممكن تروح مني..... أنا خايفة يا فارس بعد الشر......"
قاطعها فارس بحزم:
"متقوليش كده.... ان شاء الله هتقوم وتبقي بخير.... ويمكن دي فرصتك أنك تصلحي علاقتك بيها."
اومأت حياة برأسها:
"عندك حق.... أنا لو اقدر دلوقتي أكون تحت رجليها، بس صعب."
ضمها فارس إلي صدره وهمس:
"انا أسف لو أني السبب أنك تبقي بعيدة عنها في وقت زي ده.... سامحيني.... بس انتي تقدري برضه تكوني جنبها وتكلميها وتطمنيها .... الحالة النفسية بتفرق في الأوقات اللي زي دي."
رفعت حياة وجهها وهمست بنصف ابتسامة:
"شكرا يا حبيبي أنك جنبي في وقت زي ده.... مكنتش هاعرف أعدي ده من غيرك."
ربت فارس على ظهرها بحنان، بينما شردت حياة مرة أخري وقد أتخذت في نفسها قرار أن تصلح ما فاتها مع والدتها.
وبالفعل تغيرت علاقتهم منذ هذه اللحظة.
بينما كانت نور تجلس على سريرها بوجه شاحب، وعينان أحاطت بهما الهالات السوداء، دخل عليها زياد بابتسامة صافية وعينان امتزج فيهما الحب بالألم وقال:
"أخيرا صحيتي يا حبيبتي."
ابتسمت نور بضعف وقالت:
"ازاي تسيبني أنام كل ده."
جلس زياد بجوارها على طرف السرير وقال:
"أنت محتاجة ترتاحي بعد العملية الدكتور اللي قال كده."
نور:
"بس انا الحمد لله كويسة يا زياد."
أشار زياد لها بسبابته على فمه أن تصمت وقال:
"مش عايز مناقشة في الموضوع ده... الدكتور قال راحة يبقي في راحة."
ثم تركها وهم ان يخرج من الغرفة، فنادته نور:
"رايح فين؟"
قال وهو يخرج من الغرفة:
"رايح أجيبلك الغدا."
دقائق وعاد زياد يحمل صينية علىها أطباق الطعام، وضعها بجوارها على الطاولة المجاورة للسرير.
ضحكت نور بخفة وقالت:
"أكيد أنت معملتش الأكل ده."
ضحك زياد بدوره وقال:
"لأ دي مرات أبنك اللي عملته..... لارا جت مع يوسف وانتي نايمة وكانت جايبة معاها أكل يكفينا أسبوع."
رفعت نور حاجبها بدهشة وقالت:
"لارا هي اللي عاملة الأكل ده؟"
زياد:
"بقولك جايبة أكل يكفي أسبوع كمان."
شردت نور قليلا ثم قالت:
"طيب ليه مصحتنيش يا زياد لما يوسف ولارا كانوا هنا؟"
تنهد زياد:
"علشان يا حبيبتي شكلك كان تعبان أوي."
نور:
"بس واضح يا زياد أني كنت ظالمة لارا.... البنت مهتمية بيوسف من يوم ما اتجوزوا، ودلوقتي مهتمية بيا أنا كمان."
ضحك زياد وقال لأثارة حنقتها:
"طبعا مش تربية سارة."
وكزته نور في كتفه وقالت:
"وبعدين معاك يا زياد.... والله هازعل منك."
ضحك زياد:
"خلاص خلاص... ما صدقت بدأتي تعاملي البنت كويس.... يلا بقي كلى الأكل هيبرد."
تنهدت نور وهي تضع الطعام بفمها وقالت:
"بس أنا مرتاحة من ساعة ما نتيجة التحاليل طلعت والدكتور قال الحمدلله الورم حميد."
زياد:
"الحمدلله يا حبيبتي.... كمان ابتديتي تستعيدي صحتك اهو..... وقريب اوي هترجعي زي الأول."
نور بأمتنان:
"ان شاء الله."
نظر زياد إلي نور وهي تتناول طعامها، وشرد قليلا وهو يشعر بالأمتنان لأن هذه المحنة قد مضت وبدأت نور تستعيد صحتها، لم يكن يتخيل ابدا حياته بلاها... فلم يعرف سبيل للعيش دونها.
دخلت نسمات الهواء الدافئة من الشرفة.
وقفت حنين في منتصف غرفة المعيشة تحكي بحماس لعمر الجالس امامها على الأريكة عن قصة فيلم شاهدته في التليفزيون.
عمر يتابعها بابتسامة وعينين لامعتين... يراقبها بصمت.
لكن فجأة بنبرة واثقة تماما قال عمر:
"بحبك."
أكملت حنين حديثها للحظة ثم توقفت وكأنها أدركت للتو ما سمعته، قالت بارتباك:
"ايه؟!"
ابتسم عمر، ثم قام من مكانه واقترب من حنين.
شعر بنبضات قلبها المتسارعة، وبعينين مثبتتين على عينيها ونبرة دافئة قال:
"بقول أني بحبك..... وبحب الطريقة اللي بتتكلمي بيها لما بتتحمسي، وبحب انفعالاتك، وبحب ارتباكك اما بقرب منك .... وبحب حتي سكوتك."
بدأت انفاس حنين تتسارع، قلبها يدق بين صدرها بعنف.
شعرت بان عقلها توقف عن التفكير للحظة.
اقترب عمر أكثر، لف ذراعه حول خصرها... وهمس:
"وانتي؟"
سقط سؤاله عليها كالماء البارد، لا يسمح لها بالهرب.
تعرف الإجابة جيدا لكنها لا تقوى على البوح بها.
راقب عمر ملامحها بصبر وهو يمرر انامله بنعومة فوق يدها بلمسة خفيفة جعلتها تفقد رباط نفسها.
شعرت حنين بالهواء ثقيلا داخل حلقها وكأن كل شيء حولهما قد اختفي ولم يتبق سوي عيني عمر تنظر اليها بكل حب.
همس لها عمر بصوت يملئه الدفء:
"قوليها يا حنين."
كانت نبرته تحمل رجاء وليس امر.
رجاء ان تعترف لنفسها قبل ان تعترف له.
اخفضت حنين عينيها للحظة، ثم رفعتها في مواجهة عمر مرة أخري وهمست بصوت بالكاد مسموع:
"بحبك."
تجمد عمر في مكانه للحظة، تنفس بعمق، اقترب بوجهه منها أكثر حتى لمس جبينه جبينها، أغمض عينيه للحظة وكأنه في حلم جميل وهمس:
"قوليها تاني يا حنين."
استجمعت حنين كل القوة بداخلها، حاولت ان تنظم نفسها لكن قربه كان مهلك لها، رفعت يدها بتردد تلمس صدره وكأنها تحتاج ان تثبت لنفسها انه حقيقي.
ثم قالت بنبرة اكتر وضوحا:
"بحبك يا عمر."
رفع عمر كفيه يحاوط وجهها بحنان، مال يضع قبلة رقيقة على شفتيها.
همست حنين باسمه.
كانت نبرتها مختلفة، اشعلت بداخله شيء ما، ربما اعطته الضوء الأخضر للاستمرار.
قبلها مرة اخري قبلة أطول... أعمق.. قبلة مليئة بكل المشاعر التي لم يسمح لها بالخروج من قبل.
لم تبتعد حنين... بل مدت يدها تتشبث بقميصه وكأنها تطلب منه البقاء.
ابتعد عنها قليلا، ينتظر عمر منها رد، ينقل عينيه بين عينيها باحثا عن إجابة.
اسبلت حنين جفنيها باستسلام وارتسمت بين شفتيها ابتسامة صغيرة، فاقترب أكثر، يقبلها قبلات أعمق تحمل شوق كل الليالي الماضية.
شعر باستسلامها بين ذراعيه فتجرأ أكثر.
لكن قبل ان تستسلم تماما له، بدأ جسدها ينتفض لا اراديا.
حاول عمر تهدئتها وان يبث الطمأنينة داخلها، لكنها غابت في نوبة من البكاء.
ضمها عمر الي صدره وهمس:
"هشششش انا مش هأذيكي."
ازداد بكاؤها وهمست بين ذراعيه:
"انا اسفة بس مش قادرة انسي الوجع."
مرر عمر كفه على ظهرها بحنان وهمس:
"متخافيش يا حنين... متضغطيش على نفسك يا حبيبتي."
بكت حنين على صدره حتى أرهقها التعب فراحت في ثبات عميق.
استيقظت في الصباح لتجد نفسها وحيدة وعمر ليس بجوارها.
عاد في المساء كالمعتاد، كانت تنتظر بقلق رد فعله على ما حدث.
كانت تخشي منه، لكنه فاجأها عندما عاد وكأن شيء لم يكن.
لكن حزن دفين كان يلمع في عينيه وصمت يخيم على العلاقة بينهما.
دخل أنس إلي المنزل بعد يوم عمل طويل وشاق.
هتف باسم ليلي على الفور بمجرد دخوله.
وقف على باب الغرفة يشاهدها تجلس بدلال على الاريكة وقدماها مرفوعتين لجوارها.
وقف يشاهدها باستمتاع وهو يفك رابطة عنقه.
كان تركيزها مصب على الهاتف في يدها.
هتف باسمها مرة أخري، رفعت رأسها ببرود وقالت:
"أنت جيت يا أنس؟"
اقترب أكثر وهو يخلع جاكيته:
"في ايه؟"
اخفضت عيناها تتحاشي النظر لعينيه وهمست:
"انا في مشكلة كبيرة يا أنس."
تنهد وقال:
"قولي يا وجع قلب أنس."
ليلي:
"انا مش عارفة اتصرف ازاي؟"
جلس أنس إلي جوارها، أمسك بيدها وقال باهتمام:
"ليلي... قولي في ايه مش وقت ألغاز من فضلك.... أنتي عارفة كان عندي يوم طويل في المحكمة وراجع تعبان.... ايه اللي حصل؟!"
رفعت ليلي عينيها إليه وهمست:
"انا مش عارفة هاعيش مع نسخة تانية منك ازاي."
حرك رأسه بعدم فهم.
فأردفت بدلال وهي تلف يديها حول عنقه:
"انا مش عارفة هاقدر على استفزاز نسخة صغيرة منك ازاي.... كفاية عليا مستحملاك انت."
صمت أنس قليلا يحاول ان يستوعب كلماتها، ثم هتف:
"ليلي انا مش فاهم حاجة."
ابتسمت ليلي له بحنان وهمست:
"انا حامل."
اتسعت حدقتي أنس، صمت وكأن الزمان من حوله توقف.
أردفت ليلي:
"انا خايفة اوي... مسؤولية كبيرة جدا....خايفة معرفش اربيه... وخايفة بجد يطلع مستفز زيك."
أخيرا لمعت عيني أنس بابتسامة وهمس ضاحكا:
"طيب ولو بنت وشبهك أعمل انا ايه؟ قلبي مش هيستحمل."
ضحكت ليلي أخيرا.
ضمها أنس إلي صدره وهمس بالقرب من أذنها:
"انا كمان خايف.... بس اللي مطمني أننا هنربيه مع بعض."
مررت ليلي اناملها بين خصلات شعره وهمست:
"جوايا حتة منك بتكبر كل يوم."
ضحك أنس وهو يبتعد عنها ويخلع ساعته:
"بس عندك حق يا لولا دي مشكلة كبيرة.... مش عارف هاستحملك انتي وهبلك وضيفي عليهم هرمونات الحمل.... هاستحمل انا كل ده ازاي بس... ربنا يعيني."
ضحكت ليلي:
"ده انت هتشوف جنان رسمي بس أصبر عليا."
خفتت ابتسامة أنس وصمت قليلا يحاول ان يستوعب الموقف وقال بصوت بالكاد مسموع:
"يعني انا هابقي أب؟!"
اقتربت ليلي منه وضمته من ظهره وهمست:
"أحلي أب في الدنيا."
لم يكن أي منهما في هذه اللحظة مستعد أن يكون مسؤولا عن طفل، لكن وجودهما معا، جعل كل شيء أسهل.