تحميل رواية «نبضات لا تعرف المستحيل» PDF
بقلم اميرة احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى المقاهي الهادئة، جلست حنين في إحدى الأركان الجانبية مبتعدة عن الزحام، بعينين حزينتين، يملؤها الصراع من داخلها، يداها ترتجف وتحاول أن تسيطر عليها. دخل شادي، عيناه مليئة بالغضب الممزوج بالحزن. سحب كرسي وجلس أمامها، يحاول أن يسيطر على انفعاله. صمت قليلاً، نظر إلى عينيها بإنكار وهتف: بجد؟ وافقتي؟ هربت بعينيها عنه، وحركت رأسها بإيجاب دون أن تنطق بكلمة. ضحك بسخرية وقال وهو يقترب منها: وأنا؟..... نسيتي أنك بتحبيني؟ رمشت بعينيها بتوتر تحاول أن تمنع دمعة كادت تفر منها. أطرقت برأسها بخزي وقالت بصو...
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الأول 1 - بقلم اميرة احمد
في إحدى المقاهي الهادئة، جلست حنين في إحدى الأركان الجانبية مبتعدة عن الزحام، بعينين حزينتين، يملؤها الصراع من داخلها، يداها ترتجف وتحاول أن تسيطر عليها.
دخل شادي، عيناه مليئة بالغضب الممزوج بالحزن. سحب كرسي وجلس أمامها، يحاول أن يسيطر على انفعاله. صمت قليلاً، نظر إلى عينيها بإنكار وهتف:
بجد؟ وافقتي؟
هربت بعينيها عنه، وحركت رأسها بإيجاب دون أن تنطق بكلمة.
ضحك بسخرية وقال وهو يقترب منها:
وأنا؟..... نسيتي أنك بتحبيني؟
رمشت بعينيها بتوتر تحاول أن تمنع دمعة كادت تفر منها. أطرقت برأسها بخزي وقالت بصوت بالكاد مسموع:
غصب عني يا شادي.... الضغط عليا كان كبير، هو اتقدملي وأهلي وافقوا... مكنش ليا قرار.
تغيرت نبرة صوته وأصبحت أضعف وقال:
حنين أنا بحاول.... كل اللي محتاجة شوية وقت.
رفعت عينيها لتتلاقى مع عينيه أخيرًا، تجمدت الدموع داخل مقلتيها وقالت بصوت بالكاد مسموع:
افهمني يا شادي.... أنا مليش قرار.
ارتفع صوته فجأة وقال:
يعني خلاص؟ كل اللي بينا ضاع؟
نظرت له بعينين بلا حياة وقالت:
شادي أنا مستعدة أقف قصاد أهلي، بس تعالي اخطبني.
صرخ شادي بعصبية:
حنين.... أعتقد اتكلمنا كتير في الموضوع ده، أروح أقول لباباكي إيه؟ جوزني بنتك بس أنا مش معايا فلوس، ومش هاقدر أصرف عليها لأني بأصرف على أهلي؟
دمعت عيناها وقالت بصوت مهزوز:
أنا بحبك، ولو جيت أنا هقول لبابا إني موافقة ومش عايزة عمر.
صمتوا لدقائق مضت وكأنها الدهر. بعينين حمراء من الغضب وقف شادي وهتف:
كنت فاكرك ليا، كنت فاكر هتستني، بس انتي اللي اخترتي تبعدي يا حنين.
وضع حساب قهوتها على الطاولة وأدار ظهره لها وانصرف.
شاهدته حنين يمضي مبتعدًا وشعرت كأن جزء من روحها يخرج خلفه. وضعت وجهها بين كفيها وانفجرت في البكاء.
قامت حنين من مكانها، خطواتها بطيئة وكأن قدماها لا تقوى على حملها، كان كل خطوة تبعدها عن شادي تبعدها عن حلمها، عن حبها، عن قلبها المعلق بشادي.
عادت إلى المنزل، دخلت إلى غرفتها، أضاء هاتفها بتنبيه رسالة جديدة، أمسكت الهاتف، رسالة جديدة من شادي "كنت فاكرك هتفضلي... كنت فاكرك هتستحملي".
ألقت بالهاتف على السرير بارتباك، وقفت أمام المرآة تنظر إلى عينيها الخاوية من الحياة وهمست لنفسها:
لازم تجمدي يا حنين.... انتي اخترتي الصح.... قرار العقل أهم من القلب.
***
شعرت بيديه الباردتين تتحسس جسدها... أنفاسه اللاهثة تكاد تحرق جلدها الناعم.... يداه تتحسسان يديها... جسدها.... ملامح وجهها.... ثم تستقر اليدين الباردتين كالثلج فوق عنقها.... يضغط على عنقها الأبيض أكثر فأكثر.... تشعر بالاختناق من حرارة أنفاسه ويديه المطبقتين على عنقها... تحاول أن تبعده لكنها تفشل.... تحاول أن تصرخ لكن يخذلها صوتها فلا يخرج... الهواء يقل من حولها تدريجيًا.... تلهث لتأخذ أنفاسها، بينما يزداد ضغط يديه حول عنقها، لا أنه يعتصر قلبها داخل صدرها بيديه الباردتين..... تختنق تحت يديه بالبطيء..... تقاوم... تدفعه بكل ما أوتيت من قوة، يداها مربوطتان، لكنه يهمس في أذنها بصوت كالفحيح: بحبك يا حنين...... يزداد الضغط أكثر فيتحشرج الهواء داخل حلقها.... أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت يديه..... ثم فجأة........
تستيقظ من نومها فزعة. تنظر حولها وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها كمن أنهى لتوه ماراثون، يتساقط العرق من جبينها. تحاول أن تتمالك أعصابها وتهدأ من روعها.
اهدئي حنين.... لم يكن سوى كابوس أخر.... كابوس من الكوابيس المتكررة في الأشهر الأخيرة.
تتناول كوب المياه المستقر بجوارها بيد مرتعشة. ترتشف رشفة صغيرة. تحاول أن تعود للنوم مرة أخرى. لكن لازالت تشعر بتلك الغصة في صدرها. ترمي بجسد مرتخي على فراشها وعينيها مفتوحتان تنظر في اللا شيء متمنية أن يرسل الصباح أولى أشعته في أسرع وقت.
***
دخل يوسف إلى حجرة والده في تردد، يقدم قدم ويؤخر الأخرى. وجد والده يجلس خلف مكتبه يرتدي نظاراته الطبية ويمسك بين راحتيه كتاب منهمك في قراءته.
جلس يوسف أمامه تنحنح ثم همس:
بابا... ممكن أتكلم مع حضرتك شوية؟
نظر له والده من خلف نظاراته الطبية باستنكار:
غريبة أول مرة أشوفك متردد كده إنك تيجي تتكلم معايا في حاجة يا يوسف.
قال يوسف بنبرة متوترة:
بابا.... انت عارف إني بشتغل بقالي حوالي سنة ومرتبى الحمد لله كويس.. و.....
قاطعه والده:
ادخل في الموضوع يا يوسف من غير لف ودوران.
قال يوسف بجدية وكأنه يتلو كلمات كان يحفظها عن ظهر قلب:
بابا أنا بحب واحدة كانت زميلتي في الجامعة وعايز أتجوزها.
ضحك والده:
وهو الموضوع محتاج كل المقدمات دي... والله لو البنت وأهلها كويسين انت عارف أنا مش هعارض أبدا في سعادتك.
أضاءت عيني يوسف وقال:
والله يا بابا لارا بنت كويسة أوي... وبالنسبة لأهلها فأنت عارفهم كويس أوي.
رد عليه في استغراب واضح:
أعرفهم منين؟ أكيد مش عاوز تتجوز بنت طارق دي متزوجة.
ضحك يوسف:
لأ يا بابا.... لارا تبقى بنت طنط سارة بنت خالتك.
تجهمت ملامح والده فجأة وتحولت للعبوس وقال بحدة:
أنت مش ممكن تتجوز بنت سارة أبدا..... ومتتكلمش في الموضوع ده تاني وبالأخص قدام مامتك.
هتف يوسف:
بابا أنا من حقي أفهم.
أردف والده في حزم:
قولتلك الموضوع ده انتهى ومتتكلمش فيه تاني.
دخلت والدته عليهم في المكتب فهتفت في قلق:
في إيه يا زياد صوتك عالي ليه؟
قال زياد بنبرة حنونة:
مفيش يا حبيبتي.
جلست على المقعد المقابل ليوسف ونقلت عينيها بين يوسف وزياد وقالت:
لأ شكلك مضايق... يوسف انت زعلت بابا في إيه؟
لازالت ملامح يوسف في تجهم وهتف:
بابا مش موافق يا ماما.
بدفء قلب أم هتفت:
ليه يا زياد مش موافق إنه يخطب البنت اللي بيحبها؟
تغيرت ملامح زياد ونظر لها باستغراب:
هو انتي موافقة يا نور؟
اقتربت منه وجلست إلى جواره:
وماله يا حبيبي لو بيقول البنت كويسة ومتربية نروح نشوف أهلها.
نظر لها زياد في تعجب:
هو يوسف قالك مين أهلها؟
هتفت نور:
قالي إن باباها متوفي من سنة وإن مفيش غيرها هي ومامتها وإخواتها الصغيرين.
نظر زياد في عينيها بخزي:
وهو قالك مين تبقى مامتها؟
نطق يوسف أخيرًا وصاح:
طنط سارة قريبة بابا يا ماما.... أنا عارف إنك مش بتحبيها عشان كده مقولتلكيش هي مين... أنا أصلا مش قادر أفهم ليه مش بتحبيها كده.
تعلق عيني نور بعين زياد وهمست كمن يحدث نفسها:
ابني أنا عايز يتجوز بنت سارة!!!
ابتعد بعينيه عنها وانتفض زياد من مكانه وهم بالخروج من الغرفة:
يوسف أنا قلت اللي عندي... مش هتتجوزها لو آخر بنت في الدنيا.
نظر يوسف إلى والدته في استجداء وهمس:
ماما من فضلك اتكلمي معاه.
قالت نور في حدة:
ملقيتش غير بنت سارة يا يوسف.... عايز تكسر قلبي انت كمان!
هتف يوسف بعصبية:
أنا مش قادر أفهم يا ماما إيه مشكلتها إنها بنت سارة أو بنت غيرها... انتوا حتى مشوفتهاش أدوني سبب مقنع لرفضكم ده.
قالت نور في حزم:
سبب مقنع إني أنا وبابا مش موافقين وبس كده.
خرج يوسف من غرفة المكتب في غضب وتوجه إلى غرفته وهو يحمل بداخله أطنان من الألم. أخرج هاتفه من جيبه فوجد رسالة من لارا. أمسك الهاتف واتصل بها.
هتخرج معانا بالليل؟
مين هييجي؟
كل صحابنا.
لأ... أنا مش عايز أشوف حد.
مالك يا يوسف في إيه؟
انتي فاضية يا لارا ...... ممكن نتقابل؟
ماشي يا يوسف.
قابليني في نفس الكافيه اللي هتتقابلوا فيه بالليل كمان نص ساعة.
أغلق يوسف الهاتف واستعد للخروج. وبالفعل أقل من نصف ساعة وأقبلت عليه لارا بوجهها البشوش وعينيها البنيتين وشعرها الأسود القصير الناعم منسدل خلف ظهرها بخفة، وضحكتها التي تنير دربه. استقبلها يوسف بابتسامة باهتة. جلست وبدأ يقص عليها ما حدث.
أنا مش قادر أفهم فيه إيه بين أهلي وأهلك؟
أنا كمان مش عارفة... ماما طول عمرها بتتحاشى إن سيرة باباك تيجي وخصوصا قدام بابا الله يرحمه... بس أنا عمري ما فهمت ليه... حتى أصلا مشوفتش أونكل زياد غير في فرح قريبهم ده اللي كان من سنتين وحتى سلموا على بعض من بعيد كده تحس إن فيه حاجة غريبة بينهم فعلا... بس مكنتش متخيلة الموضوع يوصل لكده.
طيب ما تحاولي تسألي مامتك يا لارا... يمكن تقولك.
سألتها قبل كده كانت بتتهرب من السؤال... بس أنا هحاول أسألها تاني.
صمت يوسف قليلاً. ثم مد يده عبر الطاولة وأمسك بيد لارا في حنان:
لارا أنا بحبك ومش هاتخلي عنك أبدا... محتاجين بس نفهم إيه المشكلة اللي بين أهالينا وأنا هحاول أحلها.
نظرت إلي عينيه في يأس:
طيب ولو متحلتش؟
ابتسم وهو يضغط على يدها:
مفيش حاجة ملهاش حل..... وأكيد ربنا مش هيسيبنا.
إن شاء الله يا حبيبي. هو انت مش عايز تيجي بالليل ليه؟
متضايق يا لارا... مش عايز أشوف حد.
تنهدت وقالت: بس أنت لو مجيتش بالليل أنا مش هاجي.... ولو أنا مروحتش جميلة هتزعل... إزاي يعني محضرش عيد ميلادها وأنا أقرب صاحبة ليها.
عايزة إيه يا لارا؟
قالت في دلال طفولي: عايزة إك تيجي معايا نروح عيد الميلاد بالليل.... أنا عارفة إنك متضايق وأنا كمان... وأنا من دلوقتي لحد بالليل هاشغل الزن على ماما لحد أما أعرف إيه السبب.
ماشي يا لارا هاجي معاك بالليل.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثاني 2 - بقلم اميرة احمد
دخلت نور الي غرفتها بعد ان انصرف يوسف.
وجدت زياد يجلس يقرأ كتاب على ذلك المقعد بجوار السرير.
تنحنحت وقالت: زياد... ممكن أتكلم معاك شوية؟
رفع عينيه من الكتاب بابتسامة وخلع نظاراته الطبية ووضعها فوق الكتاب وقال: ادخلي يا نور واقفلي الباب.
جلست امامه على السرير. نظرت له في عينيه وقالت: شكرا يا زياد إنك رفضت.
امسك يديها بين راحتيه وقبلها وهو يقول: انا مش هوافق على حاجة تضايقك ابدا يا نور... انا وجعتك كتير اوي زمان ومش هاعمل كده تاني .... رغم ان بصراحة يوسف صعبان عليا.
قالت بضيق: البنات في الدنيا كتير.
همس لها بنفس الابتسامة: بس انا عارف كويس معني انه يكون شايف ست واحدة عنده بالدنيا كلها يا نور قلبي.
همست له في دلال: زياد... وبعدين معاك.
اقترب منها وجلس الي جوارها: نور .... قولتلك قبل كده مش هاخلي حاجة في الدنيا كلها تضايقك... واعتقد اني وفيت بوعدي السنين دي كلها.... انا سيبتلك تربية الاولاد علشان انا واثق أنك هتخليهم حاجة عظيمة. وفعلا طلعوا أحسن ناس في الدنيا.... بس مش هاسمح ان حد يكسر قلبك حتى لو كان ابنك.
همست له بعينين دامعتين: ربنا يجبر بخاطرك يا حبيبي.
ضمها إلى صدره وهو يهمس: ربنا يخليكي ليا... يا قلبي.
ضحكت بين ذراعيه: زياد هو انت كل ما بتكبر كلامك بيحلو.
ابتسم وهو يضع قبلة علي شفتيها: قولتلك قبل كده كل اما بتحلوي اكتر بتغريني أقول كلام حلو اكتر.
همست له: كبرنا يا زياد.... والمرة دي بجد.
ضحك وهو يقول: قولتلك قبل كده هتفضلي دايما في عيني بنت الجيران الصغيرة اللي هاموت وتبص ناحيتي بس و باحلم كل ليلة باليوم اللي هاتكون فيه بين ايديا.
ابتسمت بعينين لامعتين: حققت حلمك من 26 سنة يا زياد.
مرر يديه بين خصلات شعرها الرمادي ورفع حاجبه وقال: هو كان حلمي لوحدي يا نور؟ نسيتي الجوابات؟
ضحكت وهي تمرر أصابع يديها بين شعيرات لحيته: انت عمري كله يا زياد..... مش بس حلم.
وضع قبلة بين شفتيها وهو يهمس: انتي قولتيلي قفلتي الباب.
قهقهت وهي تبتعد عنه: اعقل يا زياد الولاد بره.
فأردف: يالهوي على الضحكة دي... بتوقف قلبي كل ما بسمعها.
قالت بدلال: سلامتك قلبك يا حبيبي..... بس .....تفتكر يوسف بيحب البنت دي بجد؟
سرح قليلا ثم قال: أكيد... هو اتربي في بيت عارف فيه معني الحب كويس اوي.... فمعتقدش انه هيبقي عنده الجرأة ييجي يقولي انه عاوز يتجوزها الا لو فعلا بيحبها.
ضحكت وقالت: اللي انا متأكده منه ان أكيد هي بتحب أبني... انا ابني يتحب.
-طبعا يا حبيبتي.... كفايه انه ابنك.
- يوسف يتحب علشان شبهك... فيه كتير منك على فكرة..... سرحت قليلا ثم أردفت: لو كانت أي واحدة تانية كنت روحت خطبتهاله وانا فرحانة بس ملقاش في الدنيا دي كلها غير بنتها.... أنت وابنك مصممين تتعبوا قلبي.
- بعد الشر على قلبك.
دخل يوسف إلي المنزل وهو محمل بالهموم والأفكار تعصف برأسه.
دخل غرفة حياة أخته وجدها تجلس تشاهد فيلم علي الحاسوب الخاص بها.
هتف في ضيق: تعرفي هما فين؟
نظرت له حياة بوجهها البشوش وقالت: انت عملت ايه؟ بعد ما انت نزلت ماما فضلت تتخانق و تزعق علي أي حاجة.. شوية تقول البيت مش مترتب.. وانتوا عايشين زي البهايم... و بابا في الاوضة من ساعة ما انت دخلتله المكتب و بعدين ماما دخلت قعدت معاه شوية ... بس اظن ماما في المطبخ دلوقتي.
ضحك يوسف: حبيبتي يا رويتر.
عقدت حاجبيها وقالت: انت تعمل المصيبة و انا أخد نصيبي من التهزيء و أني هاتجوز ازاي و انا مش متحملة حتي مسؤولية نفسي... و الكلام اللي انت حافظه ده.
اقترب منها وقبل يوسف رأسها: حقك عليا.
نظرت له بتفحص وقالت: مالك يا يوسف؟ مش علي طبيعتك.... هو ايه حصل بينك و بين بابا؟
تجهم وجه يوسف من جديد: بابا موافقش أنى اخطب لارا.... علشان مامتها.. مش عارف في ايه بينهم ومش راضي يقولي.
نظرت له نظرة المحقق كونان وقالت: الموضوع ده فيه ماما مش بابا.
تعجب من كلامها وتسأل: يعني ايه يا فلحوصه؟
وضعت سبابتها على رأسها: يعني ماما هي اللي في بينها حاجة و بين مامتها... انت عارف بابا حبيبي مش بتاع مشاكل.... بصراحة ولا ماما... بس ممكن تكون غيرة ستات او حاجة كده.
يوسف: وتفتكري لو في غيرة بابا هيرفض الجوازة علشان كده؟
حياة: امال ايه يا ناصح؟
زفر يوسف زفرة حارة: مش عارف. بس انا مش هاستسلم.
قالت حياة: انا هحاول اقرر ماما بس لو اتخانقت معايا ابقي دافع عني.
هم يوسف بالخروج من غرفتها: متقرريش حد... انا هاعرف بطريقتي.
استوقفته حياة: استني بس يا يوسف... مش هتتغدي... اجيبلك أكل في اوضتك؟
ربت علي كتفها: لا يا حبيبتي مليش نفس.
انصرف يوسف إلي غرفته.
وخرجت حياة إلي والدتها في المطبخ بوجه عابس.
جلست علي مقعد امام الطاولة الموضوعة في منتصف المطبخ بينما انشغلت نور ببعض الاعمال في المطبخ.
ما ان رأتها نور هتفت: أخيرا خرجتي من اوضتك يا دكتورة؟
قالت بنفس العبوس و باقتضاب: اه يا ماما.
حاولت نور ترسم ملامح الغضب على وجهها وقال بحدة: اخوكي جه من بره؟
حياة بعدم اهتمام: في اوضته يا ماما.
نور: روحي شوفيه لو عايز ياكل.
حياة: قولتله يا ماما و مش عايز ياكل.
زفرت نور في ضيق: استغفر الله العظيم.
تكلمت حياة في حدة: ماما هو من حقه يختار يعيش مع مين وانتوا على الأقل تدولوا سبب لرفضكوا ده.
دخل زياد عليهم.
نظر إلي حياة بغضب وصاح بحدة: انتي بتتكلمي مع ماما كده ليه؟
تمتمت حياة: بابا انا اسفة.. بس انا مضايقة.
تجاهلها زياد و اقترب من نور و همس لها: بتعملي ايه؟
لايزال يعتري ملامحها الضيق لكنها أجابت بهدوء: رز باللبن.
همس لها: اول مرة اشوف مهلبية بتعمل رز باللبن.
ضحكت نور.
صاحت حياة: جماعة بجد حرام عليكوا.... الواد هيموت نفسوا جوه وانتوا بتحبوا في بعض هنا.
نظر لها زياد بابتسامة: عاوزة ايه يا حياة قلب بابا.... مش عاوزاني ادلع ماما شوية بعد اللي اخوكي عمله؟
ردت حياة في حدة: بابا هو عمل ايه؟ بيحب بنت وعاوز يتجوزها.... ايه غلط في كده؟
رد زياد في هدوء: اختياره مش مناسب... هيهد عيلتين .... اقترب منها وضمها إلى صدره: انتي عارفة يا حياة انتوا أهم ناس عندي في الدنيا و سعادتكوا مهمة بالنسبالي... مش هوافق علي حاجة تهد سعادة بيتنا.
انصرفت حياة وهي غير مقتنعة بكلمات زياد وعادة إلي غرفتها.
جلس زياد علي المقعد المقابل لنور وضع رأسه بين راحتيه و همس: مكنتش اعرف ان غلطة واحدة في الماضي هتفضل تطاردني العمر كله.
اقتربت منه نور وربتت على كتفه: بكرة ينسي يا حبيبي.
نظر لها في ضعف: انا أكتر واحد عارف انه لو بيحبها بجد مش هينسي ابدا.
جلس الجميع في إحدى الكافيهات للاحتفال بعيد ميلاد جميلة.
كان الجميع في انتظارها فأطلت عليهم ترتدي بلوزة من المخمل باللون الأزرق الداكن و بنطلون اسود اللون اظهر جسدها المتناسق و رفعت شعرها إلي أعلي في دائرة تشبه الأناناس.
ملامحها هادئة... وجنتين مكتظتين وعينات لوزيتان بلون البندق و شفاه بلون الكريز.
ابتسمت حين وقعت عيناها عليه.
لوحت بيديها في الهواء تسلم علي الجميع.
لكنها اقتربت منه و مدت يديها إليه لتصافحه و هي تنظر لعينيه و همست: انا مبسوطة اوي انك جيت يا مالك.
ابتسم لها مالك ولم يعقب.
بل سحب مقعده في هدوء وجلس إلي جوار يوسف.
تنهدت بألم وجلست إلي جواره بصمت.
بينما الجميع يهنئونها بعيد ميلادها.
همس لها مالك: كل سنة و انتي جميلة يا جميلة.
اتسعت ابتسامتها وهتفت: وانت طيب يا مالك.
مال عليه يوسف الجالس إلي جواره و همس بصوت منخفض: هو ايه العلبة الحمرا اللي في جيبك دي يا مالك؟
ارتبك مالك وقال بصوت متوتر: دي هدية جميلة.
ابتسم يوسف بخبث: واشمعني انت اللي جبتلها هدية ...... و الله بتحبها يا واطي.
قاطعه مالك بحدة: لأ مبحبهاش.
ثم أردف بتوتر: لو الهدية اللي هتفهما أني بحبها مش هاديهالها.
نظر له يوسف بتمعن: أديهالها يا مالك.... بس بطل تكابر واعترف لنفسك و ليها انك بتحبها.
زفر مالك في ضيق: قولتلك مش حاسس ناحيتها بحاجة..... المهم قولي انت عملت ايه مع باباك؟
تنهد يوسف بضيق: بابا مش موافق.
تعجب مالك: انا مش قادر اصدق ان جدتك وجدتها اخوات ومتعرفوش بعض غير من الجامعة و متعرفوش أصلا انكوا قرايب.... وليه باباك مش موافق أصلا.
يوسف: مش قادر أفهم في ايه بين بابا ومامتها.... ومحدش راضي يقولي ايه هي ... ماما فجأة وشها قلب و تقولي بنت سارة لأ.... كأن كان في حاجة قديمة بينهم.
مالك: طيب ما تسأل صاحب باباك ... مش انت بتقول زي الاخوات ويعرفوا بعض من زمان... يبقي أكيد يعرف كل حاجة و ممكن يساعدك.
قاطعهم شادي الذي أقترب منهم بوجه عابس.
جذب مقعد وجلس في المنتصف بين يوسف و مالك و قال بضيق: انتوا ازاي محدش فيكوا يقولي ان حنين جاية.... عاجبكوا شكلنا كده؟
يوسف: احنا مكناش نعرف انها جاية... بس عادي يعني اكيد هتتقابلوا.
تألم شادي و هو يقول: انا باموت كل اما اشوف دبلة الزفت ده في ايديها.... وهي مبسوطة و بتضحك.... ببساطة كده نسيت كل حاجة بينا.
مالك: لازم تقتنع يا شادي أنها خلاص مبقيتش ليك. ولازم تعرف تتعامل معاها.
مش هينفع كل أما تشوفها متتكلموش وكل واحد يبص في حتة ويقلب وشه.
يوسف: مالك عنده حق... أصل أكيد هتتقابلوا يعني في أي مكان.
شادي: أنا مش عايز أتعامل معاها زي الأصحاب وأنا بحبها.
يوسف: لو كانت بتحبك زي ما بتحبها مكنتش اتخطبت لواحد تاني.
مالك: متلومش عليها يا يوسف وهو قالها مش هيتجوزها.... هي من حقها تكون ليها بيت وأولاد.
اعتري الضيق ملامح شادي أكثر وهتف: وهو يعني لو ظروفي مش مظبوطة ومش هقدر نتجوز دلوقتي يبقى نسيب بعض.
يوسف: خلاص يا شادي انساها بقي وعيش حياتك.
انصرف شادي ولا يزال على هذه الحالة من الضيق، بينما حنين كانت رغم أنها تحاول أن تظهر بمظهر المنشغلة بالحديث مع صديقاتها، إلا أنها بين الحين والآخر تختلس النظر إلى شادي بعينين مرتعشتين.
مالت لارا على يوسف وهمست: أنا فكرت في فكرة هتخلي أهلنا يوافقوا إننا نتجوز.
ابتسم يوسف: إيه هي يا حبيبتي؟
قالت لارا بتردد: هنقولهم إني حامل.
صاح يوسف: إيه؟! إنتي اتجننتي.... عايزة تلبسيني مصيبة.... هو أنا لمستك ولا جيت جنبك.
قطبت لارا جبينها: أنا لسة شفتها في فيلم قبل ما أنزل.
ضحك يوسف: فيلم إيه بس يا حبيبتي.... إنتي فاهمة دي سمعتك... بعدين لو مامتك صدقتك أهلي مش هيصدقوا... ولو صدقوا هتبقى مشكلة أكبر لأنهم هيعندوا.... بطلي عبط يا بيبي.
هتفت لارا في براءة وهي تضع يدها على خدها: ماهي نفعت في الفيلم يا حبيبي... خلينا نجرب.
ضحك وهو ينظر إليها بكل حب: براءتك دي هوديكي في داهية يا حبيبتي.
عقدت حاجبيها وقالت بغضب مفتعل: مش بحاول أشوف حل..... أنا حاولت أجس نبض ماما كده أقولها إنك عايز تيجي تخطبني، قالتلي حاجة غريبة أوي.
تغيرت ملامحه إلى الجمود وصاح: بدل ما تقوليلي خطط الكلام المهم ده عمالة تقولي في خطط هبلة... انطقي.... قالتلك إيه... يمكن يوصلنا للسبب.
ترقرقت الدموع في عينيها وهمست: قالتلي لو بابا كان هنا عمره ما كان هيوافق أبدا.... وأنا احتراما ليه مش هوافق.
سقطت دمعة من عينيها، سارعت بمحوها بكفها وأردفت: بس بابا الله يرحمه لو كان عايش كان هيختار سعادتي... بابا عمره ما كان هيزعلني.
ربت يوسف على كتفها بحنان... مرر يديه عبر ظهرها محاولا مواساتها وهمس: ربنا يرحمه.
صمت قليلا يستوعب كلماتها ثم هتف كمن وجد حل للغز: باباكي مكنش هيوافق.... وبابا قالي أنا مش هاكسر قلب أمك..... ده معناه إن في حاجة بين أبويا وأمك.
صاحت لارا في ضيق: احترم نفسك.
ضحك وهو ينظر لها: أنا مقصدش حاجة وحشة والله.... بس فكري فيها بالعقل.. مامتك بتقولك باباكي مكنش هيوافق وبابا بيقولي مامتك هتزعل يبقى هما بينهم حاجة .... يمكن مثلا كانوا بيحبوا بعض زمان.... أو كانوا مخطوبين صالونات ... أي حاجة من بتاعت زمان دي.
نظرت له بتمعن: تفتكر؟
قال بغموض: بكرة هحاول أعرف كل حاجة.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثالث 3 - بقلم اميرة احمد
رن هاتف حنين للمرة الثالثة على التوالي، رقم غير مسجل في سجل هاتفها. ترددت كثيرا قبل أن تضغط على زر الهاتف وتجيب.
قالت بتردد: ألو.
جاءها صوته عبر الهاتف يهمس في حنان: وحشتيني يا حنين.
شهقت في تعجب: شادي!!!
همس بتردد: ممكن متقفلش الخط.
خرجت منها تنهيدة حارة: أنت عارف مينفعش نتكلم.
قال بإغواء: يعني أنا موحشتكيش؟
تنهدت حنين وقالت بحدة: لأ موحشتنيش. ومن فضلك متكلمنيش تاني. أنت عارف خطيبي لو عرف هيعمل إيه؟
ضحك بسخرية: هيعملي إيه؟ هينزل من السعودية مخصوص عشان يضربني؟
ازداد توتر حنين وهتفت بعصبية: ابعد عني يا شادي.
قال بضعف: مش قادر. حنين أنتِ مش عارفة أنتِ عندي إيه. أنا لما شوفتك النهاردة كنت هاتجنن.
صمت وهو يستمع لصوت أنفاسها يتصاعد على الجانب الآخر، ثم همس بضعف: أنا لسه بحبك يا حنين.
مسحت دمعة فرت من عينيها سريعا وقالت بحدة تتنافى مع ما تشعر به من مشاعر حب وحنين تجاهه: أنا مش لعبة في إيدك. أنت اللي اخترت إننا نبعد. متلومنيش أنا دلوقتي.
همس بألم وهو يجاهد كلماته لتخرج من حلقه: مبسوطة معاه؟
تنهدت وقالت محاولة إثارة حنقه واستفزازه: جداً.
صاح بحدة وصوت عالٍ: أنت مش هتتجوزيه. أنتِ سامعة. مش هتتجوزي حد غيري يا حنين.
جاهدت وهي تتصنع البرود في صوتها: أنا كنت قدامك. متجوزتنيش ليه؟
ترقرق دمعة في عينيه وهمس بصوت ضعيف: أنتِ عارفة ظروفي. أنا مقدرش أتجوزك دلوقتي. أنتِ مش قادرة تفهمي يعني إيه يبقى عندي 24 سنة وأنا اللي باصرف على البيت. أمي وإخواتي مسؤولين مني أنا. أجي أقول لباباكي إيه؟ بحب بنتك بس مش هاقدر أصرف عليها؟
على نحيبها على الجانب الآخر من الهاتف: أنت حتى محاولتش. لو كنت جيت بابا كان هيقف جنبك ويساعدك.
عاد إلى الحدة مرة أخرى وصاح: أنتِ مستنتيش. محستيش بيا. سبتيني مع أول عريس.
تكلمت بنبرة توحي بالقوة وصاحت: أنت المفروض تقبل الوضع الحالي وتبعد عني يا شادي. احتراماً للصداقة اللي كانت بينا 4 سنين. أنا بقولك اهو ابعد عني.
ضحك بسخرية: صداقة! حب 4 سنين يا حنين. ومش هاسيبك تروحي مني. ثم همس بصوت كالفحيح: أنتِ بتاعتي.
سار الرعب في أوصالها وتذكرت كابوس الليلة الماضية. سارعت وأغلقت الهاتف في وجهه. دفنت وجهها في وسادتها وبكت. تذكرت الماضي. أهلها يضغطون عليها لتتزوج بابن عمها. وشادي يقف مكتوف اليدين. تركها مع أول عقبة واجهتهم. لو كان بقي. لو كان بذل مجهود للحفاظ عليها. لما كانت الآن مربوط اسمها باسم رجل آخر. عمر. ذلك الشهم الرقيق الذي لا يحمل لها سوى كل حب واحترام. تشمئز من نفسها كلما سمعت صوته الحاني. تشعر بأنها تخونه وقلبها لا يزال متعلقاً بشادي. يفعل عمر كل شيء لإرضائها. لكن لا سلطان على القلب. قلبها أسير شادي. تذكرت حين وقعت عيناها على شادي لأول مرة في مدرجات الكلية. نظرت إليه بتعجب. كيف لشخص واحد أن يجمع كل هذا الكم من الوسامة. نظرت إليه بطوله الفارع وصدره العريض وعضلاته البارزة. محال أن يكون هذا الشاب في التاسعة عشرة من عمره. اقترب منها وتعرف عليها. لم تصدق نفسها أنها هي من لفتت نظره بينما تتهافت الفتيات عليه، وجاء هو ليتعرف عليها.
أغمضت عينيها في ألم. كم تمنت لو أمكنها أن تخرجه من ذاكرتها. لو تمنح عمر بعضاً من الحب الذي يغدق عليها به. لو تمسح من ذاكرتها تلك الأربع سنوات المنقضية. تزاحمت الأفكار داخل عقلها فراحت في سبات عميق.
---
وقف يوسف بارتباك أمام الباب. لا يدري هل يدق الجرس أم عليه أن ينصرف. وبخ نفسه بأنه من باب الأدب كان لابد أن يتصل قبل أن يأتي. لكنه خشي لو اتصل لعلم والده بالأمر وامتنع طارق صديق والده المقرب عن الكلام. حاول أن يأخذ نفساً عميقاً قبل أن يدق جرس الباب. لحظات وفتح الباب طفل صغير عمره لا يتعدى الأربعة أعوام وانطلق يجري مرة أخرى. ظل يوسف واقفاً على الباب في توتر لا يدري ما عليه فعله. حتى وجد صياحاً من الداخل: فريدة. ابنك فتح الباب و سابه مرة تانية. هم فارس أن يغلق الباب لكنه وجد يوسف يقف أمامه. تعجب فارس منه وهتف: إيه ده. واقف على الباب كده ليه يا يوسف؟
تنحنح يوسف بإحراج: خبطت وفي طفل فتح الباب وطلع يجري.
ضحك فارس: ده العفريت ابن اختي. تعالي تعالي.
جذبه فارس إلى الداخل وهو يسلم عليه ويتلو كل عبارات الترحاب بوجهه البشوش وطبعه المرح: أخبارك إيه يا يوسف وعامل إيه في الشغل؟
ضحك يوسف: والله يا دكتور أنا شغلي بالنسبة لك حاجة رتيبة. بس اهو الحمد لله بشتغل دلوقتي في مركز صيانة لتوكيل عربيات.
وكزه فارس في كتفه ممازحاً وهو يجلس على مقعد الصالون: هو أنت كمان هتعاملني كدكتور؟ أنا هنا في البيت ده فارس وبس. انسوا يا جماعة إني دكتور.
قهقه يوسف: طبعاً أكيد مطلعين عينك.
فارس: مجنني. تيجي اختي تقولي بص كده ابني طالعله حباية لونها أحمر في إيده الشمال. وأبويا يقولي تعالي بس شوف ضهري ماله مبقيتش قادر أقف. مش معترفين بالتخصص بأي شكل من الأشكال.
ضحك يوسف حتى دمعت عيناه: ربنا يعينك. وأخبار الماجستير بتاعك إيه؟
أردف فارس بجدية لكن لازالت على وجهه نفس الابتسامة: والله الحمد لله قربت أخلص. المهم طمني عليك بقالي كتير مشوفتكش وأونكل زياد أخباره إيه وطنط وأختك الضغنونة حياة.
ضحك يوسف: كلهم بخير الحمد لله. بس حياة مبقتش صغيرة خالص. بقت دكتورة حياة. أنت عارف اتخرجت من كلية صيدلة السنة دي واشتغلت في صيدلية جنبنا.
تعجب فارس من كلماته: مش معقول. أنا بقالي كتير كده مشوفتهاش. أنت عارف أنا دايماً باشوفك أنت وعمو بس.
تنحنح يوسف في حرج: فارس. هو عمي طارق موجود؟
هتف فارس: آه يا حبيبي جوه كان بيصلي. هادخل أبلغه إنك هنا.
هم أن يقف فارس ليخرج من الباب. لكن دخلت أخته فريدة مسرعة تجر في يديها ابنها. ترتدي أسدال صلاة مليء بنقشة الورود الصغيرة وتحمل في يدها معلقة غرف من المطبخ وفوطة وممسكة باليد الأخرى بيد ابنها كمن قبض تواً على حرامي غسيل. وقفت على الباب وصاحت: تعالي يا حبيبي خالو هيشوفك. ثم وجهت كلامها لفارس: الحق يا فارس الولد زوره واجعه أوي مش عارف يبلع حاجة. رمقت يوسف بطرف عينها وهتفت: ازيك يا يوسف. ثم أكملت كلامها قبل أن يرد عليها يوسف: شوفه يا فارس ليكون كورونا ولا حاجة من الأدوار اللي منتشرة دي.
نظر لها فارس في ضيق بينما كتم يوسف ضحكته. صاح فارس: أنا آسف يا ابني على العبث اللي بتشوفوه ده. يا جماعة أنتوا المفروض ناس متعلمة ومثقفة. ودي لدكتور يا حبيبتي.
صاحت فيه بحدة: أمّال أنت إيه؟
قال فارس بوجه يحمل الجدية: معلش يا حبيبتي. أصل أنا محضرتش المحاضرة بتاعت وجع الزور دي. فا عشان كده متلقينيش عارف أوي فيها.
لم يستطع يوسف أن يكتم ضحكة عالية خرجت منه رغماً عنه، فنظرته له فريدة بازدراء وصاحت في فارس: أنت بتتريق عليا.
فارس: أعمل إيه يعني. غلبت أقولكوا أنا التخصصات دي مش بتاعتي. مش طبيب العيلة أنا.
جاء والدهما على الصوت وقف بجوار فريدة: فيه إيه يا ولاد؟
قالت فريدة بضيق: ابنك مش راضي يشوف الولد زوره واجعه ليه؟
ربت على كتفها: معلش يا حبيبتي. روحي أنتِ شوفي اللي على النار وأنا هاخليه يكشف عليه حاضر ويكتبله دوا كمان.
دخل طارق إلى الغرفة. سلم على يوسف بحرارة ونظر إلى فارس: يا ابني قولتلك قبل كده خليك زي أبوك وامشي أمورك في البيت ده. عادي بص في بق الواد واديله أي مسكن. قولها شربيه سوايل دافية. أي حاجة مش لازم تتفحص وتعملنا فيها مجدي يعقوب يعني.
ضحك فارس: أوعدك يا بابا المرة الجاية. عشان لازم أروح العيادة.
صاح طارق: لأ دلوقتي. أنت هتنزل وهي هتاكل دماغي. أنت عارفها طالعة لأمها. ادخلها المطبخ وقولها شربيه ينسون 3 مرات في اليوم.
خرج فارس حانقاً، بينما توجه طارق بكلامه ليوسف: ازيك يا يوسف عامل إيه. وزياد مجاش معاك ليه؟ ولا كبر ومبقاش قادر ينزل من البيت.
توتر صوت يوسف لكنه حاول أن يتمالك نفسه سريعاً: الحقيقة أنا جايلك لوحدي ومش عاوز بابا يعرف إني جيت. أنا عارف يا عمو إنك أقرب صاحب لبابا وزي الأخوات ومتربيين مع بعض من زمان وتعرفوا كل حاجة عن بعض. أنا جيت عشان أسألك سؤال واحد بس هعرف إجابته وأمشي على طول.
تغيرت ملامح طارق لجدية غير معهودة عليه: خير يا يوسف في إيه؟
حاول يوسف أن يستجمع كل شجاعته وهتف: هو كان فيه إيه بين بابا وطنط سارة بنت خالته؟
رد طارق بنفس الجدية: ليه عايز تعرف حاجة زي دي؟
جاءت نبرة يوسف مليئة بالحدة: عشان أنا عاوز أتجوز لارا بنتها وبابا مش موافق. ومش راضي يقولي ليه.
تنهد طارق: بص يا يوسف. أنا ضد إنهم يخبوا عليكوا. بس للأسف مش من حقي إني أقولك.
ثار يوسف: أعتقد على الأقل من حقي أفهم ليه بابا رافض إني أتجوز اللي بحبها.
نظر له طارق قليلاً في صمت. ثم كسر الصمت متسائلاً: أنت عرفتها إزاي؟
ابتسم يوسف: كانت معايا في الجامعة. أصغر مني بسنة.
أخرج يوسف هاتفه وناوله لطارق بابتسامة: دي صورتنا مع بعض.
نظر طارق إلى الصورة وهمس: دي شبه سارة جداً. ثم نظر ليوسف وغمز بعينيه: حلوة يا ولد. ذوقك حلو.
ضحك يوسف: ما أنا مش عارف أتوزاها أهو.
نظر له طارق بتأمل وللحظة شعر كأنه يرى زياد أمامه في صغره. كان يوسف يشبه زياد كثيراً في الملامح. ابتسم له طارق: بتحبها؟
ابتسم يوسف وكأنه يرى لارا أمامه: بموت فيها.
ضحك طارق: أنت مش بس طالع شبه زياد. أنت زيه في كل حاجة.
لم يفهم يوسف معنى كلام طارق. لكن طارق أردف: أنت ملكش ذنب أنت وحبيبتك في الماضي يا يوسف. أنا هاتكلم مع زياد وهاقنعه يوافق. بس أنت عارف أبوك دماغه ناشفة زي الحجر.
اتسعت ابتسامة يوسف: بس عارف برضه غلاوتك عنده وإنه مش بيرفضلك طلب.
ابتسم له طارق بدوره: ربنا يقدم اللي فيه الخير.
انصرف يوسف وقلبه يخفق بشدة. يتمنى أن يستطيع طارق حل اللغز وإقناع والده بالموافقة على الزواج. بينما طارق بمجرد أن خرج يوسف من المنزل. أمسك هاتفه واتصل بزياد. ومجرد أن اتاه صوت زياد قال: زي ما اتوقعت. يوسف لسه ماشي من عندي دلوقتي.
تنهد زياد: كنت عارف إنه هيلجألك. بس أوعى تكون قولتله حاجة يا طارق.
طارق: مقولتش حاجة. بس أنت لازم تقوله هو مش صغير. أنا من الأول ضد إنكم تخبوا على الأولاد حاجة زي دي. مش حاجة عيب ولا حرام عشان تخبوها.
زياد: أنت عارف دي كانت رغبة عصام الله يرحمه وأنا احترمتها. وهو برضه عنده حق إن الأولاد ميعرفوش. يعني هيقول لبنته إيه؟
قال طارق: أنت مش من حقك ترفض سعادة ابنك. متبقاش أناني يا زياد. قوله الحقيقة. مش يمكن سارة نفسها اللي ترفض.
اخفض زياد صوته وهو يقول بصوت هامس: أنت عارف نور حساسة للموضوع ده إزاي. مبتطقش تسمع اسمها. أقوم أخليها تشوفها وتقعد معاها. لأ ونبقى عيلة واحدة نتجمع في المناسبات والأعياد! دي يجرالها حاجة فيها.
ضحك طارق: والله يا روميو محتاج تسيطر على جوليت أكتر من كده. الكلام ده لما كنت صغير. الموضوع عدى عليه عمر.
زفر زياد: أنا عارف. بس هي مش قادرة تتقبل الموضوع حتى بعد العمر ده كله. هي مش غيرة بس هو وجع جواها عمرها ما اتخطته.
قال طارق بضيق: أنت مدلعها أوي يا زياد. طيب على الأقل قول ليوسف الحقيقة واديله سبب مقنع للرفض.
تنهد زياد: حاضر.
أنهى زياد مكالمته مع طارق. ووجد يوسف يفتح باب المنزل ويدلف إلى الداخل في صمت. وعلامات الحزن وخيبة الأمل بادية على وجهه. نادى عليه زياد. توجه إليه يوسف بوجه وجل: نعم يا بابا.
اقترب منه زياد وربت على كتفه: استنى متغيرش هدومك. هالبس وانزل أنا وأنت نقعد نتكلم في أي مكان شوية.
دقائق وكان يقف زياد بسيارته أمام إحدى المقاهي. دخل زياد وتبعه يوسف. جلسا كلاهما على طاولة منعزلة. ساد الصمت بينهم لحظات حتى تكلم زياد: عايز تعرف كان فيه إيه بيني وبين سارة يا يوسف؟
نظر يوسف إلى وجه أبيه. أول مرة يرى هذا الانكسار في عينيه. كان دائماً والده مصدر القوة له وللبيت بأكمله. كيف أصبح بهذا الضعف فجأة. كان يتعجب من شموخ والده والآن يجلس أمامه كطفل صغير يشعر بالخزي من أفعاله. تغلب يوسف على أفكاره وأومأ رأسه بالإيجاب.
تنهد زياد وقال بضعف بصوت كله خزي: أنا كنت متجوز سارة.
صعق يوسف مما سمعه للتو. قال وهو يكذب أذنيه: كنت خاطبها يعني قبل ما تتجوز ماما؟
نظر زياد إليه بعينين كلها ألم: لأ. كنت متجوزها لمدة سنتين. كانت مراتي وكنت عايش معاها في بيت واحد. الشقة اللي أنا اديتهالك.
وضع يوسف يده على فمه من الصدمة ونظر لوالده بعينين كلها غضب: كنت متجوز على ماما؟ ثم صاح يوسف فجأة: بابا أوعى تكون لارا أختي!
ضحك زياد رغماً عنه: لا اطمن مش أختك.
أطرق زياد برأسه بعيداً كمن يحاول أن ينسى الماضي الأليم وقال وهو يسترجع الماضي: نور كانت جارتي. بحبها من يوم ما عرفت الحب. بحبها قبل حتى ما أعرف يعني إيه حب. وهي كمان كانت بتحبني زي ما بحبها ويمكن أكتر. مكنتش أتخيل أبداً أي حاجة غير إني أما أكبر أتجوزها. كنت باعمل كل حاجة عشان أكون معاها وجدير بيها. لحد ما جه اليوم اللي كلمت جدك الله يرحمه عشان أتجوزها. رد عليا وقالي إنها مش موافقة. مكنتش فاهم. دي بتحبني. إزاي مش موافقة؟ حاولت أكلمها كتير مكنتش بترد عليا. كان جوايا غضب كبير من ناحيتها. كنت شايف وقتها إنها كانت بتخدعني بحبها. حسيت بالغدر. عماني الغضب. وفي لحظة متهورة قررت أتزوج. دورت في اللي أعرفهم. كنت عارف إن سارة معجبة بيا. طلبت أيدها ووافقت. وفي ظرف كام شهر كنت متجوزها. عشت معاها بس قلبي كان مع نور. ظلمت سارة كتير لأني مقدرتش أحبها. مكنتش بعاملها كويس وكنت مهملها. وهي من كرم أخلاقها كانت مستحملااني. عمرها ما اشتكت مني ولا من جفاي معاها. لحد ما جه يوم وحسيت إني مش هاقدر أفضل شايل ذنبها أكتر من كده وأنا عايش معاها وقلبي مع واحدة تانية. اقترحت عليها الطلاق ووافقت بسهولة. لأن اللي بينا مكنش جواز وحياة طبيعية. بعدين سافرت كام سنة ولما رجعت اتجوزت أمك. غفرتلي كل حاجة. غفرت إني بعدت عنها. إني كنت متسرع. وإني اتجوزت من سارة. بس عمرها ما قدرت تنسى. حجم الوجع اللي كان في قلبها لما أنا اتجوزت سارة. كان أكبر من إنها تنساه حتى بعد مرور حوالي 30 سنة على جوازي من سارة.
ذهل يوسف مما سمعه للتو، لكنه جاهد أفكاره ونطق أخيراً: وماما ليه موافقتش تتجوزك؟ وبعدين رجعت وافقت.
تنهد زياد وهو يعتدل في جلسته: عشان أمك مكنتش رافضة في الأول أصلاً. جدك ربنا يرحمه ويسامحه هو اللي رفض عشان. صمت زياد وابتلع ريقه ثم أردف: مش مهم تعرف الباقي. المهم أنت عرفت أنا رافض ليه.
احتد يوسف وهتف: بابا من فضلك بلاش ألغاز وقولي الحكاية كاملة.
زفر زياد وقال بألم: عشان ابن عمي واللي كان صاحبي وقتها راح طلب من جدك إنه يتجوز نور. قبل ما أنا أكلمه ومن غير ما أنا أعرف. دلوقتي أنت عرفت كل حاجة.
صمت يوسف قليلاً: دي حاجة متتصدقش. قصة ولا حكايات ألف ليلة وليلة.
وضع زياد كوب القهوة من يديه ونظر إلى يوسف: أعتقد دلوقتي عرفت أنا ليه مش موافق. أمك عمرها ما سامحتني إني اتجوزت سارة وسبتها. هي عدت الموضوع. بس أنا عارف حجم الوجع في قلبها قد إيه.
تنهد يوسف: طيب وخبيتوا علينا ليه؟
نظر له زياد بحزن دفين في عينيه: بعد ما اتجوزت نور. سارة اتجوزت عصام. كنت باتعامل معاها عادي. حتى عزمتني على فرحهم. لكن في يوم بعد ما اتجوزوا اتفاجأت بعصام بيكلمني. كان إنسان خلوق جداً ومحترم. قالي إنه بيعشق سارة. وإنه مش حابب إنه يكون موجود في مكان أنا وهي نبقى موجودين فيه مع بعض. لأن ده بيخليه مش مرتاح وهو شايفني وعارف إني. إني كنت متجوز مراته. قالي إنه طلب من سارة متجيبش سيرتي تاني. وطلب مني إن محدش تاني يعرف إننا كنا متجوزين لأن ده بيشعره بالحرج. قالي يومها إن سارة حامل. ومش معقول ابنه أو بنته يبقوا عارفين أمهم كانت متجوزة واحد تاني. وأنا اديته كلمتي يومها واحترمت رغبته.
رفع يوسف عينيه في عين والده وقال بحدة: وأنا ولارا إيه ذنبنا في حدوتة حبك الفاشلة دي؟
أحنى زياد رأسه في خزي: أنا عارف يا حبيبي إن مالكوش ذنب. الغلط غلطي من الأول. أنا اللي غلطت لما اتجوزت سارة زمان. وبادفع تمن غلطتي لحد دلوقتي.
سكت يوسف قليلاً، ثم انفجر ضاحكاً: أنا مش مصدقك يا بابا. أنت كنت متجوز طنط سارة القمر دي وسيبتها عشان ماما. بابا أنا شفت صورة ليها مع لارا، هي لسة موزة لحد دلوقتي.
رفع زياد حاجبه باعتراض: يا ابني أمك في عيني أحلى ست في الدنيا. سارة جميلة ومهتمة بنفسها. بس أنا معرفتش أحبها لأن قلبي متعلق بنور من يوم ما شفتها. بعدين أنا لازم أخليك تبطل تقعد مع طارق لأنك أخدت الوقاحة منه.
ضحك يوسف: بابا بجد. أنت عارف إن كل اللي شاف لارا بيقول إنها شبه مامتها.
اتسعت ابتسامة زياد حين رأى الحب داخل عيني يوسف وهتف: طيب ما توريني صورة لارا.
اتسعت حدقتا يوسف من السعادة وأخرج هاتفه سريعاً وناوله لوالده. كانت صورة الخلفية للهاتف صورة تجمع بين يوسف ولارا. جالسان جنباً إلى جنب. ينظر يوسف لها بكل حب. بينما ضحكتها الواضحة من الصورة أنها ضحكة من القلب تملأ وجهها بسعادة. نظر زياد إلى الصورة طويلاً وابتسم وهو يعطي الهاتف ليوسف مرة أخرى وهمس: بتحبها؟
نظر يوسف إلى والده بعينين مليئة بالحب وأومأ رأسه بالإيجاب. تنهد زياد: أنت عارف إني مش معارض جوازكم لشخصها. بالعكس. أنا عارف سارة ومتاكد من تربيتها. أقدر أتخيل تربيتها لبنتها عاملة إزاي. بس مامتك يا يوسف.
قاطعه يوسف مترجياً إياه: بس أنت تقدر تقنعها يا بابا. طول عمرك كلمتك بتمشي علينا كلنا من غير أي اعتراض من أي حد فينا. ليه المرة دي يا بابا واقف ضد سعادتي.
زفر زياد زفرة حارة كادت أن تحرق ما أمامه: عشان المرة دي موقفي حرج. هاجرح قلب حد فيكوا. قلب ابني ولا قلب حبيبتي. بس أنت صغير يا يوسف. راجل تقدر تفهم وتتحمل. إنما نور ضعيفة. قلبها ميستحملش كسر. بس اللي أقدر أوعدك بيه إني هاتكلم معاها وأحاول أقنعها.
ابتسم يوسف: بابا أنا عارف إنك هتقدر تقنعها. أنت تأثيرك زي السحر عليها.
ضحك زياد: أنا ببقى كتكوت قدام نور. مبقدرش على زعلها أبداً. أول ما أحس إن في حاجة في الدنيا ممكن تزعلها بحس بوجع في قلبي. بس اديني فرصة ووقت وأنا هحاول.
قام يوسف من مكانه واحتضن والده وهو يهمس: ربنا يخليك لينا يا بابا. والله أنتوا لو عرفتوا لارا هتحبوها أوي.
ضحك زياد: كفاية أنت بتحبها.
---
عادا كلاهما إلى المنزل وهما يشعران بارتياح شديد. يستشعر يوسف الأمل لحصوله على موافقة والده أنه سيستطيع أن يجعل قلب أمه يلين وتوافق على زواجه من لارا. بينما زياد يشعر بالارتياح لأنه أخرج شبح الماضي ويتعامل معه الآن. يعلم أنه إذا ضغط على نور ستوافق على زواج ابنهما من ابنة سارة. لكنه لا يريد أن يحصل على موافقتها بالضغط. يريد رضاها.
دخل يوسف إلى غرفته. أمسك هاتفه. أخذ يبحث في جهات الاتصال المسجلة عنده. لحظات وأتاه صوت مالك على الطرف الآخر.
ما إن سمع مالك صوته حتى هتف في حماس: عملت إيه؟
رد يوسف بصوت مجهد من كثرة التفكير: عرفت الحقيقة. اللي بجد أغرب من الأفلام والروايات.
ضحك مالك: أموت في الدراما. احكيلي.
قص عليه يوسف ما عرفه للتو من والده. كان مالك يستمع إليه بإنصات ويؤازره في بعض الأحيان ويتعاطف معه في أخرى. حتى انتهى يوسف من قص ما حدث معه.
فهتف مالك: بس هو السؤال. باباك بيحب مامتها؟
ضحك يوسف: بقولك سابها عشان يتجوز ماما. مكنش بيحبها أصلاً.
مالك: طيب يبقى كده خلاص سهلة. طالما مفيش مشاعر بينهم يبقى الموضوع سهل.
صمت يوسف قليلاً ثم قال كمن تذكر شيئاً: بس عارف المشكلة فين؟ الشقة اللي المفروض بابا وافق إني أتجوز فيها. دي اللي كان متجوز فيها قبل كده.
ضحك مالك: بلاش الشقة دي لتكون شؤم. واضح إن الحاج مكنش ليه أمجاد فيها.
قهقه يوسف: يا عم اتجوزها أنا بس حتى لو في خيمة وهاكتب أنا التاريخ متقلقش.
ضحك مالك حتى دمعت عيناه ثم هتف: بقولك إيه. أنس أخويا بيزن عليا أروح أقعد عنده في الغردقة أسبوع. فا كنت بفكر نطلع رحلة كلنا. نقول للجروب كله ونسافر سوا نفصل كام يوم. وتبقى حجة ظريفة أقعد بيها في فندق بدل ما أقعد مع أنس في البيت وأتقل عليه.
لمعت عينا يوسف: تبقى فكرة حلوة أوي. وطبعاً جميلة أول واحدة هتقولها.
ضحك مالك: قولتلها أصلاً قبل ما أقولك. وهي زمانها بتكلم البنات تظبط معاهم دلوقتي.
قال يوسف بغيظ: وتقولي مش بتحبها. اعترف يا مالك بتكلمها كام مرة في اليوم؟
ابتسم مالك: مش عارف. بس يعني كل كام ساعة.
ضحك يوسف بسخرية: كل كام ساعة!! أنت عارف أنا بكلم لارا مرتين في اليوم، وتقولي مبتحبهاش. ده أنت بتموت فيها كمان.
تنهد مالك بضيق، فهو يعلم في قرارة نفسه أن يوسف على صواب، لكنه يرفض أن يعترف حتى أمام نفسه بذلك. لكنه أجاب منافياً لإحساسه: مبحبهاش يا يوسف. إحنا أصحاب وبس.
يوسف: خلاص يا عم متضايقش. المهم شوف حجز الأوتيل وأنا معاك. وبقولك إيه نقول لشادي؟
زفر مالك: جميلة أكيد هتقول لحنين. بس خلينا نقوله. هما لازم يكسروا الحاجز اللي ما بينهم ده.
يوسف: عندك حق. لازم يتعلموا يتعاملوا عادي. خلاص يلا اقفل أنت دلوقتي عشان أكلم لارا أقولها على السفر.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الرابع 4 - بقلم اميرة احمد
في الصباح... قبل أن يذهب يوسف لعمله... دخل غرفة والده فوجده يحتسي قهوته الصباحية في الشرفة كعادته.... بينما والدته في المطبخ تعد الإفطار .....
هتف يوسف في تردد وقلب وجل:
بابا.... أتكلمت مع ماما؟
رد زياد بتردد و هو يأخذ رشفة من كوب قهوته:
هاكلمها... بس محتاج الأمور تهدي شوية.
تغيرت ملامح يوسف وظهر الضيق عليه واضحا:
طيب يا بابا أنا مسافر الأسبوع اللي جاي الغردقة مع أصحابي... ممكن لما أرجع تكون كلمتها.
نظر زياد في الأفق وهو يحتسي قهوته:
لارا من جروب أصحابك اللي مسافرين؟
ابتسم يوسف رغما عنه ما إن ذكر والده اسم لارا:
آه يا بابا... إحنا جروب كبير.
لمعت فكرة في عيني زياد وهمس:
خد أختك حياة معاك.
تغيرت ملامح يوسف مرة أخرى وهتف بحدة:
إزاي يعني يا بابا... هو إحنا عيال صغيرة..... هأخد حياة معايا ليه... هي متعرفش أصحابي.
لكن زياد لم تخفت لمعة عينيه وهمس:
أنا كنت بأفكر آخد نور ونسافر نقعد في شقة إسكندرية كام يوم... عشان نبقي لوحدنا وأعرف أتكلم معاها براحتي... بس طالما أنت هتسافر مش هينفع نسيب حياة لوحدها... يبقى تاخدها معاك.... أولاً منها تغير جو... وثانياً تتعرف على لارا وتبقي في صفك... وثالثاً البيت يفضالي أنا ومامتك....
قال زياد كلمته الأخيرة وارتسمت ابتسامة عريضة ملأت وجهه.
زفر يوسف زفرة حارة:
يعني يا بابا عشان البيت يفضالكم... أتدبس أنا في حياة.
ربت زياد على كتف يوسف:
روح يا حبيبي قول لأختك على السفر قبل ما تنزل شغلك عشان تجهز نفسها وتاخد إجازة من شغلها.
خرج يوسف من الغرفة وهو يتمتم:
يارب متعرفش تاخد إجازة.
وقف يوسف أمام باب غرفة حياة... طرق الباب بخفة... لحظات وأتاه صوتها الحنون من خلف الباب تهمس:
ادخل.
فتح الباب ووقف يتأملها.... امرأة في الثانية والعشرين بتصرفات طفلة... وقلب أم.... بها الكثير من حنان والدتها... وعقل وحكمة والدها.... وكثير من براءة الطفولة.....
قاطعت تفكيره وهي تحكم غطاء رأسها استعداداً للخروج وهتفت:
في حاجة يا يوسف؟
ابتسم لها في حنان:
حياة... أنا هاسافر مع أصحابي الأسبوع اللي جاي الغردقة تحبي تيجي معايا؟
ضحكت حياة وهي ترفع حاجبها:
اممم مين صحابك؟؟
ضحك يوسف وقد فهم مغزى سؤالها:
كل أصحابي.
ابتسمت حياة:
طيب وعايزني أنا ليه بقى؟
اقترب منها يوسف:
فرصة يا حياة تتعرفوا على بعض وتقربي منها.... هتحبيها أوي لما تعرفيها.
ضحكت حياة:
حبيبي أكيد طالما أنت بتحبها يبقى أنا هحبها.... هاطلب إجازة من الشغل إن شاء الله وأسافر معاك.
نظر يوسف في المرآة وهو يعدل من هدومه ويمرر يده بين خصلات شعره ويعيد ترتيب شعيرات ذقنه في تباهي:
بما إني اتأخرت... يلا هوصلك في طريقي.... بس انجزي.
جرت حياة في سعادة تلملم أشياءها داخل حقيبة يدها وهي تهتف كالأطفال:
أنت أحسن أخ في الدنيا... أنا 5 دقايق بالظبط وهاكون جاهزة.
***
اتصل مالك بجميلة بعد أن استقر بسيارته أسفل منزلها في السادسة صباحاً:
جميلة من فضلك مش عاوزين نتأخر... أنا واقف تحت.
ردت عليه بمرحها المعتاد:
تعالي يا مالك شيل مني الشنطة أنا جنب العربية...
قالتها وهي تلوح له من خلف زجاج سيارتها.
وقعت عيناه عليها وابتسم على الفور... دون أن يلفظ حرف ترجل من سيارته... أمسك بحقيبتها الضخمة الثقيلة.... وضعها في السيارة، ولف حولها ليفتح لها الباب لتستقر على المقعد المجاور له، نظر إليها بابتسامته الخلابة، وأغلق الباب، استقر في مقعده خلف المقود وانطلق بالسيارة بسرعة جنونية وهو يقول:
يوسف مستنينا على الطريق... واعتقد شادي سبقنا واتحرك على هناك.
حاولت أن تفتعل الهدوء وهي تقول بخبث:
بس لسة هنعدي على بيت حنين.
هي حنين هتركب معانا العربية؟ قالها بصوت متهدج وهو يحاول أن يداري ملامح الضيق التي ارتسمت على وجهه.
وضعت خصلة من شعرها خلف أذنها وهمست:
وليلى بنت خالتي كمان... بس أنت عارف هي ساكنة جنب حنين يعني في طريقنا.
هتف مالك بضيق:
هو حد قالك إني سواق أوبر؟
لم تستطع أن تكتم جميلة ضحكة فلتت منها:
يعني كنت أقولهم لأ؟
نظر إليها بعينين كلها حب:
طيب كنتي عرفيني.... ممكن حد فيهم يركب مع يوسف أو شادي.
نظرت له بعتاب:
يعني .... أنت عارف حنين مش هينفع... عشان شادي.... ويوسف معاه أخته في العربية ولارا كمان.... وأنت عارف ليلى هتتكسف تركب عربية حد متعرفوش....
سكتت قليلاً ثم أردفت:
لو زعلت أنا آسفة... كان المفروض أقولك من قبلها فعلاً.
نظر إلى عينيها طويلاً .... ثم همس:
أنتي عارفة إني مش زعلان منك.. بس عشان اتأخرنا.
ضحكت جميلة ضحكتها التي تأسر روحه:
خلاص هاصالحك وأعزمك على قهوة.
ابتسم لها:
وأنا موافق.
وصلا إلى الغردقة بعد طريق طويل ومرهق.... فرقع مالك أصابعه بجوار أذن جميلة وهمس لها:
جميلة.... اصحي إحنا وصلنا.
فتحت عيناها وهي مبتسمة لاستيقاظها على صوته الحاني.... نظر لها بنفس الابتسامة:
هو أنا مخليكي تقعدي جنبي طول الطريق عشان تفوقيني وتتكلمي معايا ولا عشان تنامي؟
ابتسمت وهي تمسح جفونها بيديها بكسل:
مالك أنا اتكلمت زي الراديو لحد ما زهقت... وأنت ساكت مش بترد عليا حتى.
أردف بنفس الابتسامة:
بس مستمتع وأنا بسمع صوتك.... ثم قال ضاحكاً: مش أحسن من أستاذة حنين اللي بترغي في التليفون طول الطريق.
ضحكت حنين:
معلش يا مالك... بس بجد عمر بيقلق أوي.. كل شوية يتصل بيا يطمن وصلت لفين.
رفعت ليلى حاجبها:
معرفتش أنام منها طول الطريق.
ضحك مالك:
خلاص يا جماعة حمد الله على السلامة... يلا خلينا نروح نشوف الحجز.
وقف مالك وشادي أمام موظف الاستقبال... بينما هتف يوسف في الفتيات:
ممكن كل واحدة فيكم تديني البطاقة بتاعتها عشان الحجز بتاع الغرف.
هتفت ليلى:
أنا مش بحب أقعد مع حد في الأوضة، هاقعد في أوضة لوحدي.
اقترب يوسف من أذن حياة:
ممكن يا حياة تقعدي مع لارا في نفس الأوضة... عشان أبقى مطمن عليكوا انتوا الاتنين.
إشارة حياة بيدها بالموافقة وهي تقول:
أي مكان بس خليني أنام.
هتفت ليلى:
أنا هاروح أشوف حاجة أشربها عشان الصداع هيموتني من كتر رغي أستاذة حنين طول الطريق.
ضحكت الفتيات، بينما تغيرت ملامح شادي للعبوس وحاول أن يبتلع غصة في قلبه لم يستطع إخفاءها من ملامحه.
كانت تحمل ليلى في يدها كوباً من القهوة، حين رن هاتفها ... وضعت يدها داخل جيبها لتخرج الهاتف وبينما هي تنظر إليه اصطدمت بشخص أمامها، وانسكبت القهوة من يديها على كنزته الصوفية، رفعت ليلى عينيها عن الهاتف لترى وجهه الذي احمر من الغيظ، كان شاباً فارع الطول، حاد الملامح نظرت إليه ليلى في غضب وصاحت:
إيه ده مش تاخد بالك؟
نظر إليها بغضب ويكاد أن يتطاير الشرر من عينيه:
أنتي مبتشوفيش؟ ماشية مش باصة قدامك وعايزاني أنا اللي آخد بالي؟
صاحت بحدة:
طيب أنا باصة في الموبايل أنت مش تبص قدامك.
ازدادت نظراته غضباً، ورفع يديه ليخلع عنه كنزته الصوفية المبلولة بالقهوة الساخنة، لكن صرخت ليلى بصوت أعلى:
أنت هتضربني ولا إيه؟
نظر إليها طويلاً وهو يحاول أن ينظف كنزته الصوفية وقال:
رغم إنك تستاهليها، بس أنا مبمدش إيدي على واحدة ست.
لم يترك لها مجالاً للرد عليه... بل تركها في صدمتها وانصرف.
***
وقف يوسف يعيد توزيع بطاقات الهوية على الجميع ومعها مفتاح الغرف، حين اقترب أنس من مالك وصاح مرحباً:
حمد الله على السلامة... نورت الغردقة.
انفرجت أسارير مالك ما إن وقعت عيناه على أنس، وهتف وهو يضمه إلى صدره:
وحشتني يا أنس باشا.
نظر إليه مالك وهو يرتدي قميصه القطني الأبيض ذو نصف أكمام الذي يبرز عضلاته ويحمل كنزته الصوفية كحلية اللون في يديه، ويتوسط صدره بقعة بنية اللون مبللة:
بس إيه اللي عمل فيك كده يا أنس؟
زفر أنس بحرارة:
واحدة غبية... ماشية مش شايفة، وقعت كوباية القهوة عليا....
نظر أنس في الأفق ثم أكمل حديثه:
هي الحلوة الغبية اللي هناك دي.
نظر مالك حيث يشير أنس، ثم همس ضاحكاً:
دي ليلى.
رفع أنس حاجبه:
أنت تعرفها؟
مالك:
دي بنت خالة جميلة... تعالي هاعرفك على أصحابي كلهم.
لم يكد يتحرك مالك وأنس من مكانهما، حين اقترب ليلى عليهم مندفعة وهي تصرخ في أنس:
أنت بتعمل إيه هنا... مش كفاية القهوة بتاعتي معرفتش أشربها بسببك... إيه جاي تشتكيني يعني؟
تجاهلها أنس تماماً... ظل واقفاً كما هو يضع يديه في جيب بنطاله، وينظر لها من علوه وقد ارتسمت ابتسامة مستفزة على شفتيه، لكن مالك اقترب مسرعاً وهو يهتف بهدوء:
أعتقد إنك قابلت ليلى..... ثم نظر إلى ليلى: أنس أخويا يا ليلى.
توترت ليلى كثيراً، ومدت يدها في قلق لتصافحه وهي تهتف بتهكم:
أهلاً.
لكن أنس ظل واقفاً على نفس هيئته، لم يتحرك، ولم يمد إليها يده ليصافحها، بل نظر إلى يديها الممدودة أمامها وهتف بنفس أسلوبها:
أهلاً.
سحبت ليلى يدها متأففة، بينما أقبل يوسف بوجهه البشوش مصافحاً:
أنس باشا.
ابتسم له أنس وهو يمد يده ليصافحه، بينما رمق ليلى بنظرة جعلت القشعريرة تسري في جسدها:
إزيك يا يوسف.. حمد الله على السلامة.
قام مالك بتعريف أصدقاءه على أخيه الأكبر أنس... بينما ظل أنس بين الحين والآخر يرمي نظرة خلسة على ليلى، التي ظهر على وجهها علامات الضيق.
مالت ليلى على أذن جميلة:
هو إزاي اللي اسمه أنس ده قليل الذوق كده.
ضحكت جميلة:
ليه بس.
ارتسمت ملامح الضيق على وجه ليلى:
مش شايفة متكبر إزاي... وإيه كلهم عمالين يقولوا يا باشا يا باشا.... هو ناقص غرور.
قهقهت جميلة:
يا بنتي ما هو وكيل نيابة عايزهم يقولوا إيه... بعدين مش مغرور ولا حاجة... ثم تنهدت: كفاية إنه أخو مالك.
رفعت ليلى حاجبها وقالت بحدة:
وكيل نيابة على نفسه.
قاطعهم صوت أنس وهو يهتف:
حطوا شنطكم في الأوض وارتاحوا شوية أنا مجهزلكوا سهرة بالليل.... ثم اقترب من ليلى ورماها بنظرة نارية وهو يهتف بحنق: أنا هاروح أغير هدومي على ما تكونوا جهزتوا.
زفرت ليلى وهي تدب برجليها في الأرض:
مستفز.
***
بينما يستعد الجميع ليذهبوا إلى غرفهم... استوقف يوسف صوت رجولي يهتف باسمه،:
دكتور فارس مش معقول.... أنت بتعمل إيه هنا؟
قالها يوسف وهو يلتف ليسلم على فارس المقبل عليه ببشاشة.
ابتسم فارس ليصافحه:
أنا عندي مؤتمر طبي هنا..... مفروض أنا اللي أسألك بتعمل إيه هنا ومين معاك.
ضحك يوسف:
أنا مع أصحابي هنا..... وحياة أختي كمان.
قالها يوسف وهو يشير بيديه لحياة الواقفة بعيداً بجوار لارا.... تعلقت عيني فارس بحياة منذ أن وقعت عيناه عليها وهتف:
لأ عندك حق.... حياة فعلاً مبقتش صغيرة.
ضحك يوسف:
مش قولتلك بقت دكتورة حياة... استنى أناديها.
أشار يوسف لحياة بالاقتراب... اقتربت على استحياء وهي تتأمل فارس.... تعرفه جيداً رغم المرات القليلة التي شاهدته فيها... فمن يخطئ تلك العينين التي تلونت بلون السماء الزرقاء في نهار ربيعي.... اقتربت منه مبتسمة، وأومأت إليه بالتحية..... لكنه اقترب منها شاهراً كفيه للمصافحة، نظرت إلى كفه بإحراج شديد وهي عاقدة يديها خلف ظهرها، مدت يدها التي بالكاد لمست كفه الممدودة إليها وسحبتها فوراً.... بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة جعلت من تلك الغمازة القابعة على جانبي وجهه تظهر بوضوح.
لم يكسر التوتر المحيط بهما سوى كلمات يوسف التي أعادتها لأرض الواقع:
أنتي مش فاكرة فارس ولا إيه؟
صارعت الكلمات لتخرج من حلقها وقالت بصوت خافت بالكاد مسموع:
آه طبعاً فاكراه.
ضحك فارس:
بس الحقيقة يا حياة.... أنا مش فاكر غير إنك كنتي طفلة صغيرة في المدرسة آخر مرة شوفتك فيها.
تغيرت ملامح حياة:
ده أكيد من زمان أوي.
ابتسم فارس مجدداً:
بس العيب على بابا.... مش بيخلينا نشوفكم كتير.
وكزه يوسف بمرح:
إيه يا دكتور... مش كفاية إنك بتشوفني ولا إيه؟
لا زالت تلك الابتسامة البلهاء تعلو وجه فارس، وهتف بحماقة:
لأ مش كفاية....
تنحنح فارس بعد أن أدرك حماقة ما قاله للتو من ملامح يوسف التي بدأت تتغير وهتف:
أنا لازم أمشي دلوقتي عشان أرجع المؤتمر... أشوفكم بالليل؟
قال يوسف وهو يربت على كتفه:
إحنا بالليل هنطلع سهرة بره الريزورت... تحب تيجي معانا؟
ابتسم فارس:
لو ميضايقكوش طبعاً.... أنا بالليل بأفضل قاعد لوحدي، ولو حد من زمايلي جه يقعد معايا بتبقى قاعدة مملة كلها مناقشات طبية.
صافحه يوسف:
خلاص يبقى هاكلمك بالليل نتحرك سوا.
انصرف فارس، وبقيت عيني حياة معلقة بنظرته لها حتى غاب عن عينيها.
لم تستفق حياة من شرودها سوى على وكزة من لارا:
مين ده؟
تنهدت حياة وهمست:
ده فارس... ابن صاحب بابا.
ابتسمت لارا، فهي تعلم جيداً الحب حين يلمع في العينين:
امممممم ... ابن صاحب بابا.... طيب مش عايزة تحكيلي عن الفارس اللي هييجي على حصان أبيض بالليل؟
ضحكت حياة:
ولا أي حاجة.... هو من واحنا صغيرين كل ما بيشوفني بيفضل باصص لي نفس النظرة اللي انتي شفتيها دلوقتي دي... بس مش أكتر.
ضحكت لارا:
طيب يلا عشان نطلع الأوضة ونرتاح شوية قبل بالليل.... ولا طار النوم دلوقتي خلاص.
***
في المساء.... على شاطئ البحر الأحمر.... اجتمع الأصدقاء حول دائرة النار التي أشعلها أنس... كان المكان هادئ ويبعث على الاسترخاء... يأتي من خلفهم أصوات المدينة... بينما على مقربة منهم فرقة بدوية تقوم ببعض الاستعراضات.
اقترب يوسف من لارا وهو يعبث بخصلة من شعرها تدلت على وجهها:
مبسوطة يا حبيبتي؟
لمعت عينيها بابتسامة عشق:
مبسوطة عشان معاك.
تنهد يوسف:
إن شاء الله نبقى مع بعض على طول.
مالت لارا عليه في دلال واقتربت من أذنه وهمست:
مش هتحكيلي بقى إيه السبب اللي علشانه باباك مش موافق؟
ابتسم لها:
حاجة عمرك ما هتصدقيها....
تدلدلت عليه أكثر كطفلة تتدلل على والدها من أجل أن يعطي لها قطعة من الحلوى:
قول بقى يا يوسف..... عشان خاطري.
ربت بسبابته على أرنبة أنفها:
بس مش هينفع تقولي لحد... والمرة دي بجد.
جلست أمامه القرفصاء كمن تنتظر أن يقص عليها حدوتة:
يلا أنا سامعاك كويس أهو.
قال لها بصوت خافت:
بابا كانت متجوز مامتك.
شهقت فالتف الجميع ينظر إليهما، هتف يوسف ضاحكاً للجميع:
معلش يا جماعة اتحمست شوية بس، ثم عاد يهمس إليها: هو ده اللي مش هتقولي لحد... خلي بالك حياة متعرفش حاجة عن الموضوع ده.
تغيرت ملامح لارا:
أكيد اللي أنت بتقوله ده كذب... استحالة يكون ده حصل بجد.
همس لها:
بس ده اللي حصل فعلاً... من حوالي 30 سنة.
لم تستطع لارا أن تمنع دمعة هربت من عينيها:
بس كده الموضوع بيتعقد أكتر.
ربت يوسف على كتفها بحنان:
بالعكس... أنا قربت أحل الموضوع... بابا موافق إننا نتجوز.
نظرت له بألم ولا زالت الدموع تترقرق في عينيها:
بس ماما عمرها ما هتوافق.... هي عنيدة جداً أنا عارفاها.
همس لها:
أنا هاتكلم معاها وأقنعها.... لو وصلت إني أخلي بابا يتكلم معاها ويقنعها هاعمل كده... بس إحنا هنتجوز يعني هنتجوز.
تنهدت وهي تضع رأسها المثقل بالهموم على كتفه، لعله حقاً يستطيع أن ينجح فيما يقول.
ليس ببعيد عنهم، لكن بانعزال جلس مالك في صمت ينظر إلى أمواج البحر المتلاطمة في تناغم.... جلست جميلة إلى جواره... كان شاردًا لم يشعر بوجودها إلى جنبه.... نظرت إليه مطولاً وكأنها تحفظ قسمات وجهه داخل قلبها ثم همست:
مالك..... في إيه؟؟
أدرك مالك وجودها إلى جواره... رد عليها دون أن ينظر إليها، ولا زالت عيناه معلقتان على أمواج البحر:
أنا بس مرهق شوية...
لم تستطع أن تمنع نفسها من أن تضع يدها على يديه المسنودة إلى جواره وهتفت:
حاسس بإيه؟ أنت كويس؟
أبعد يده عنها وكأنها أصابته بصاعقة كهربائية حين لمسته، مما جعلها تندم على حركتها العفوية ... نظر لها قليلاً ثم أردف:
بس عشان الطريق كان طويل فا تعبت شوية... صدعت فا كنت محتاج أقعد بعيد في هدوء.
ابتعدت عنه بألم وهي تهمس:
آسفة لو اقتحمت عزلتك.... هاسيبك لوحدك تستمتع بالهدوء.
نظر لها مالك قبل أن تتحرك وترجاها بنظرة قبل كلماته:
اقعدي شوية يا جميلة.... استمتعي معايا بالهدوء.
جلست جميلة إلى جواره مرة أخرى... تحتضن ركبتيها بين ذراعيها، تنظر إلى أمواج البحر في هدوء، والسماء الصافية، وتنعم بوجود مالك إلى جوارها.
نظر مالك إلى البحر طويلاً ثم همس لجميلة ولاتزال عينها متعلقة على الأمواج السوداء المتلاطمة:
تعرفي يا جميلة حكاية يونس الهلالي؟
حركت رأسها بالنفي ،فأردف:
يونس الهلالي كان فارس، راح تونس مع أخواته وهو متنكر في هيئة شاعر، لما السلطان معبد بن باديس عرف بوجود يونس الهلالي وأخواته، قبض عليهم وخدَهم أسري عنده... وهناك في القصر قابل عزيزة بنت السلطان، اللي كانت بتسمع عن بطولات يونس من قبل ما تشوفه وكانت معجبة بيه، ولما شافته حبته، وهو كمان حبها.... بس خبى حبه عنها، لحد ما في يوم جت هي وقالتله إنها بتحبه.....
تنهد مالك وأردف:
بس هو رفض حبها... قالها لو كنا في مكان تاني أو زمان تاني كنت هاقولك بحبك قبل ما تقوليها انتي... بس للأسف مقدرش أحبك وأنا في الأسر.
سكت مالك وسكتت جميلة قليلاً..... لحظات كان الصمت فيها أبلغ من الكلمات... كسر الصمت مالك وهو يهمس لجميلة:
فهمتي حاجة من الحكاية؟
ابتسمت له جميلة في ألم.... وقامت تتمشى على الرمال مبتعدة عنه وهي محملة بخيبة أمل وألم ينهش في قلبها..... همس مالك محدثاً نفسه بحزن:
ياريت تفهمي يا بنت السلطان.
***
جلست حنين مع حياة وليلى يتجاذبان أطراف الحديث، حين اقترب شادي من حنين وهمس:
هتفضلي لأمتى بتهربي مني؟
زفرت حنين وقد أطرقت رأسها بعيداً عنه:
أنا مش باهرب منك.
نظر إليها مطولاً:
مش بتوجهيلي كلام..
قالت بحدة:
عشان مفيش بينا حاجة نتكلم فيها.... نفسي تفهم بقى.... اللي بينا خلص خلاص.
أمسك معصمها بعصبية:
أنا اللي أحدد اللي بينا امتى يبتدي وامتى يخلص... واللي بينا مش هيخلص أبداً يا حنين.
خلصت حنين يدها منه بعصبية، وقامت مبتعدة عن الجميع، تلجأ لملاذها الآمن.... أمسكت بهاتفها واتصلت بعمر... مجرد سماعها لصوته يبعث في نفسها الطمأنينة.
استأذنت ليلى وذهبت تتمشى فوق الرمال.... ابتعدت وهي تضرب أمواج البحر بقدميها العاريتين، لكنها توقفت فجأة حين شعرت بعين ترمقها، صاحت فيه دون أن تلتفت أو تنظر له، وكأنها تعلم تماماً من هو:
أنت إيه اللي جايبك ورايا؟
ضحك أنس وهو ينظر إليها بغطرسة وقال بتهكم:
مقدرتش على بعدك.
التفتت لتنظر له وقالت بحدة:
أنت بتراقبني؟
رفع حاجبه وقال بكل ثقة:
هو أنتِ مفكرة نفسك مهمة أوي عشان أنا أراقبك!
رفعت حاجبها ويتطاير الشرر من عينها:
امال إيه اللي جابك هنا؟ كلهم قاعدين هناك.
رد بسخرية وهو يحرر نفثاً من سيجارته في الهواء:
هو أنتِ مديرة البحر؟!... لازم أما آجي عند البحر أبقى جاي أقابلك؟ عمتا أنا كنت باتمشي وأنتِ اللي كلمتيني... وهاكمل تمشية عادي.
لم ينتظر منها رد، بل أمل في مسيرته بكل هدوء، وتركها خلفه تكاد أذنيها تخرجان دخاناً من شدة غيظها منه.
كانت حياة تجلس وحيدة، تنظر إلى يوسف ولارا بحب وهي ترى حبهما واضحاً لا يخطئه عين... حين اقترب منها فارس وجلس إلى جوارها وهمس بصوته الدافئ:
يضايقك إني أقعد جنبك؟
التفتت تنظر إليه بابتسامة وهمست:
لأ اتفضل.
- معلش أنا اتأخرت... بس وأنا خارج من الأوتيل قابلت 2 دكاترة مسكوا وداني مسابونيش إلا بالعافية.
- هو أنت مبتحبش الدكاترة ولا إيه؟
- إزاي يعني وأنا دكتور... بس في منهم بيبقوا رغايين شوية... دول اللي مبحبهمش.
- ضحكت حياة فأردف: يوسف قالي إنك اتخرجت من صيدلة؟
- مظبوط.
- أنتِ عارفة إننا بنكمل بعض.... "قالها وعيناه معلقتين بعينيها"
- نظرت له بعدم فهم فأردف: أقصد الطب والصيدلة.
- آه فعلاً.
- همس لها: أنتِ عارفة إن كل دكتور بيحتاج صيدلي في حياته؟
- ضحكت: لأ مش للدرجة دي.
- ابتسم لها حتى ظهرت غمازتيه: أنا محتاج صيدلي في حياتي.... هتساعديني كتير في البحث اللي باعمله للماجستير.
- هو الماجيستير بتاعك عن إيه؟
- بصي هو موضوع معقد شوية... بس ببساطة هو عن إن في أدوية بتعالج أمراض القلب وبتكون أصلاً مش الهدف الرئيسي منها علاج أمراض القلب... زي كده استخدام المنشطات الجنسية لعلاج أمراض القلب في الأطفال.
- أيوه أنا كنت قريت بحث فعلاً وأنا في الجامعة عن الموضوع ده... رغم إن لحد دلوقتي في دكاترة كتير بترفض الأسلوب ده من العلاج.
- بس أحياناً العلاجات دي بتجيب نتيجة كويسة جداً... خصوصاً مع الأطفال حديثي الولادة.
- ربنا يوفقك في الماجيستير بتاعك.
- أنا الحمد لله قربت أخلصه.... المناقشة بتاعتي كمان شهرين.
- بجد.... عقبال الدكتوراه.
- لأ أنا مش هاعمل دكتوراه في مصر.... هاعمل زمالة في بريطانيا... قدمت واتقبلت في جامعة أكسفورد، وهسافر إن شاء الله بعد الماجيستير على طول.
- تغيرت ملامح حياة وهمست بتردد: هتسافر؟
- ابتسم بحزن: قدمت على شغل في مستشفى هناك... ومستني ردهم، لو اتقبلت إن شاء الله هسافر على طول، لو متقبلتش هاستنى بداية الدراسة هناك وأسافر.
- قالت بصوت يملأه الحزن: ربنا يوفقك.....
أشاحت بوجهها عنه وهي تفكر لماذا شعرت بحزن لفكرة أنه سيسافر خلال أشهر... لماذا تنتابها هذه المشاعر الآن وتلك النكزة في قلبها التي لم تشعر بها من قبل.... نفضت هذه الأفكار عن رأسها وأكملت السهرة في أحاديث مع الفتيات وحاولت أن تتجنب فارس لنهاية السهرة.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الخامس 5 - بقلم اميرة احمد
في الصباح، جلس الأصدقاء لتناول وجبة الإفطار معًا. جلسوا جميعًا على طاولة كبيرة، الطاولة في حالة من الفوضى، أطباق موضوعة بشكل عشوائي، أكواب من القهوة وأخرى من العصير. هواتف على الطاولة بجانبهم، البعض يعبث في هاتفه، والبعض الآخر يتثاءب في كسل.
أصوات أحاديث جانبية وضحكات. بينما جلست حياة على طرف الطاولة بجوار يوسف، بين الحين والآخر تقع عيناها على فارس الذي يجلس في الطاولة المقابلة لهما مع بعض من أصدقائه الأطباء. يحتسي قهوته وهو يتحدث معهم، تتلاقي عيناه مع حياة فيبتسم لها في هدوء.
حتى قام من مكانه وتوجه إليها وهو يحمل كوب قهوة في يده. وقف إلى جوارهم:
"صباح الخير."
ابتسم يوسف ما إن انتبه لوجوده:
"صباح الخير يا دكتور."
ثم عاود الحديث مع لارا مرة أخرى.
مال فارس على أذن حياة:
"شايفك عمالة تقلبي في القهوة بتاعتك... مش عجباكي؟"
ابتسمت له:
"أنا بحب نوع معين في القهوة... فانا بشرب دي بس علشان أفوق... بس أنا شايفاك مأكلتش حاجة يا دكتور."
همس بابتسامة:
"أنا مبفطرش... القهوة بس."
عقدت حاجبيها:
"بس ده غلط."
رفع كتفه في إشارة لعدم الاكتراث:
"اتعودت على كده."
قالت بمشاكسة وهي تمزح:
"محتاج تغير من عاداتك يا دكتور."
نظر لها والابتسامة مرسومة على وجهه وعيناه الزرقاء كموج البحر معلقة بعينيها:
"انتي عارفة إن دي أول مرة حد ياخد باله إني مش بافطر ويفرق معاه."
توترت من نظراته وعينيه المعلقة بها، حاولت أن تحيد بنظرها عنه، لكن هيهات لها أن تستطيع أن تهرب من تلك النظرات التي تقتحم أنوثتها، لم تسعفها كلماتها فتخرج من حلقها، بل اكتفت بابتسامة خجولة أطلقتها شفتاها.
شعر يوسف بالتوتر الملحوظ بينها، الذي لا تخطئه عين، لاسيما عين عاشق يعرف جيدًا توتر الحب في مراحله الأولى، فوجه كلامه لفارس كاسرًا الصمت بينهما:
"هو المؤتمر بتاعك هيخلص امتى يا دكتور؟"
ابتسم له فارس:
"كمان ساعتين بالظبط يا بشمهندس."
تغيرت ملامح حياة، وظهر الضيق واضحًا على وجهها، لكنها ابتلعت ريقها، وحاولت أن تتظاهر بعدم الاهتمام وهي تنظر في هاتفها، بينما أردف يوسف:
"يعني هتسافر النهاردة؟"
هتف له فارس:
"لأ.... هامشي أخر الأسبوع... بصراحة لقيتها فرصة كويسة آخد إجازة بعيد عن الدوشة."
كان يتلو فارس كلماته وهو يلاحظ تعابير وجه حياة والابتسامة التي ارتسمت على وجهها بمجرد أن عرفت أنه لن يسافر اليوم. شعر بوخزة حلوة في قلبه، وكأن قلبه زادت دقاته، اختل توازن قلبه وتغيرت دقاته منذ أن وقعت عيناه عليها، تساءل كيف تعبث بقلبه فقط بابتسامة منها وهو طبيب القلوب، يعجز أن يجد علاجًا لقلبه من ابتسامته، أو ربما لا يرغب في أن يعالج تلك الرجفة في قلبه.
انتشله يوسف من شروده وهو يهتف:
"إيه يا فارس؟ بقولك هتيجي معانا النهاردة رحلة اليخت؟ بما إنك إجازة فا قضيها معانا بقي بدل ما تبقي قاعد لوحدك."
ابتسم له فارس:
"ماشي موافق... بس أنا مش عاوز بس أبقى تقيل على أصحابك."
هتف له مالك:
"لأ يا دكتور.. إحنا مبسوطين بوجودك معانا."
هتف فارس ببشاشة:
"خلاص لو كده أشوفكوا بعد ساعتين إن شاء الله...."
نظر إلى عيني حياة وهو يقول:
"أنا مضطر أمشي دلوقتي علشان ألحق المؤتمر، هاخلص وأقابلكوا."
ابتسم يوسف:
"هتلاقينا قاعدين على البحر."
بينما هتفت جميلة إلى حنين:
"في إيه يا حنين... بتصحي كل شوية بالليل مخضوضة... في إيه؟"
قالت حنين في قلق:
"مش عارفة يا جميلة.... كابوس باشوفه كل يوم بقالي فترة... نفس الكابوس بيتكرر..... باشوف حد بيخنقني بس مش عارفة مين."
ربتت جميلة على ظهر حنين:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. ابقي اقري قرآن قبل ما تنامي."
هتفت حنين:
"بانام وأنا متوضية وباقرأ قرآن قبل ما أنام وبرضه باحلم بنفس الكابوس....."
تنهدت حنين..
"نفسي مرة أنام من غير ما أحلم بالكابوس ده."
***
دخلت نور على زياد في الشرفة تحمل كوبان من القهوة، وضعتهم على المنضدة. جلست أمامه بعد أن ناولته فنجان القهوة الخاص به، وصوت أم كلثوم ينبعث من المذياع بداخل الغرفة. هتفت له نور بابتسامة:
"انت هتتأخر على شغلك يا زياد."
ابتسم لها بدوره، لازالت تلك العادة تسيطر عليه بعد مرور ما يقرب من 40 عامًا على معرفتهم لكنه لا يزال يبتسم كلما وقعت عيناه عليها، حتى في أشد لحظات غضبه منها لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يبتسم لها بمجرد وقوع نظره عليها:
"أنا إجازة لحد أما الأولاد يرجعوا يا حبيبتي.... مش هاسيبك تقعدي لوحدك."
هتفت في قلق:
"زياد انت عمرك ما بتحب تاخد إجازة طويلة من شغلك؟ في إيه؟"
لازالت ابتسامته مرسومة على وجهه:
"اعتبرينا هناخد أسبوع عسل من غير الأولاد."
احمرت وجنتاها:
"عسل إيه بس يا زياد؟"
لمعت عيناه:
"ألبسي وهننزل نفطر بره.. أنا وأنتي زي أيام زمان."
ابتسمت له في حنان:
"بس يا زياد...."
قاطعها بحزم وهو يمسك يدها ويجذبها إلى الداخل لتستعد للخروج:
"من غير بس... يلا اجهزي.. من حقنا ناخد يومين لنفسنا من غير الولاد."
وفي إحدى المطاعم على ضفاف النيل، جلس زياد إلى جوار نور وأمسك بيديها وأخذ يدندن:
"سنين ومرت زي الثواني في حبك أنت... وإن كنت أقدر أحب تاني، هحبك أنت."
اتسعت ابتسامة نور، لا يزال زياد قادرًا على أن يبعث تلك الرجفة في قلبها حتى بعد مرور أعوام كثيرة معًا.
همس لها زياد:
"انتي عارفة إني محبتش في حياتي حد غيرك؟"
أومأت رأسها في إيجاب، ثم تغيرت ملامحها للغضب وهمست بضعف:
"بس اتجوزت واحدة غيري."
خفتت ابتسامته:
"مش هتسامحيني أبدًا يا نور؟"
همست:
"الوَجَع على قد الحب يا زياد."
اقترب من أذنيها وهمس:
"ومفيش حاجة في السنين اللي فاتت تغفر لي أبدًا؟"
ابتسمت وعلامات الألم ترتسم على وجهها رغم الابتسامة:
"نظرة عينك دي يا حبيبي كانت كفاية إني أغفر لك."
ضغط على يديها بقوة وقال بحزم:
"أنا عايزك تنسي اللي فات وتبقى متأكدة إني محبتش ولا هاحب غيرك."
ابتسمت وقد لانت ملامحها:
"أنا عارفة وعمري ما حبيت غيرك."
هتف بجدية:
"نور... أنا وافقت إن يوسف يخطب البنت اللي بيحبها.... وعايزك تعرفي إني وافقت بس علشان مصلحة ابننا... أنا مش عايز الولد يخرج عن طوعي أو يعمل حاجة ضد رغبتي... طالما اللي بيطلبه مش حاجة عيب ولا حرام يبقى ظلم إني أرفض."
عبست ملامحها وترقرقت دمعة في عينيها، أشاحت بوجهها عنه وهمست بصوت مختنق:
"أنا عايزة أروح يا زياد."
احتدمت ملامحه أكثر:
"ده قرار يا نور ومش هيقبل أي نقاش."
فرت دمعة هاربة من عينيها المتجمدتين وهمست:
"مش انت أخدت قرارك.... روحني البيت من فضلك......"
وقفت وسحبت حقيبة يدها بيد مرتعشة، جذبها من يدها لتجلس مرة أخرى ولازالت ملامحه في جمود وهمس من بين أسنانه:
"انتي هتفرجي الناس علينا بعد العمر ده كله، اقعدي يا نور و خلينا نتكلم."
جلست في صمت وقد أشاحت بوجهها عنه تتطلع إلى مياه النيل المتلألئة تحت أشعة الشمس. حاوطها بذراعه ممسكًا بكتفها في قوة:
"كفاية دلع عليا يا نور.... مش هادلعك في سبيل مصلحة ابننا.... انتي عارفة ومتأكدة إن سارة بنت خالتي وبس.... وعلاقتي بيها مش أكتر من كده، وأنا نسيت الماضي وهي كمان...."
صمت قليلًا ثم همس بحب:
"أنا كنت فاكر إنك متأكدة إني مفيش في الدنيا دي كلها حد حبيته قدك."
انهمرت دموعها وقالت بصوت بالكاد مسموع:
"يعني هي تاخد مني حبيبي، وبنتها تاخد مني أبني."
ابتسم زياد وهو يجذبها أكثر إلى حضنه:
"محدش قدر ياخد حبيبك منك، ولف ورجعلك برضه.... وابنك اللي هياخد بنتها منها."
مالت واضعة رأسها على كتفه، مد يده ليمسح دموعها وهو يهمس:
"سارة إنسانة طيبة جدًا، انتي لو عرفتيها هتبقوا أصحاب... أنا مش طالب منك غير أنك تدي الولاد فرصة... يوسف فعلاً بيحب البنت."
لم تعقب على كلماته، ربت على وجنتيها في حنان:
"لو بتثقي فيا متخليش غيرتك تعميكي عن مصلحة ابنك.... ولو على سارة فا هي الوحيدة اللي اتظلمت في كل اللي حصل...."
رفعت حاجبها وهتفت في ضيق وهي لا تزال مسندة برأسها على كتفيه:
"صعبانة عليك أوي."
ضحك زياد حتى دمعت عيناه:
"يعني أعمل إيه أكتر من كده علشان أثبت لك إني مش بحبها وبحبك انتي.... انتي بتغيري عليا بعد العمر ده كله، أنا كبرت خلاص يا نور مبقيتش زي زمان."
ابتسمت وهي تدفن رأسها في صدره:
"انت في عيني يا زياد أحلى راجل في الدنيا، أنا مشفتش في حياتي راجل غيرك.... واظن من حقي أدافع عن اللي يخصني."
همس لها:
"دافِعي براحتك... بس لما يكون في تهديد أصلاً."
نظر زياد فيما حوله، ثم نظر لها:
"قومي نروح بيتنا أحسن... الناس بتبص علينا وأكيد في دماغهم مليون سيناريو عن علاقتنا غير إننا متجوزين."
ضحكت نور بخجل واحمرت وجنتاها:
"تفتكر بيقولوا علينا إيه؟"
همس وهو يضع قبلة على خدها:
"بيقولوا اتنين مجانين."
وقفت تلملم أشياؤها في ضيق:
"هو ده اللي أسبوع عسل وهتفسحني."
غمز لها زياد بابتسامة خبيثة:
"العسل في البيت يا حبيبتي.... ولو على الفسح، بكرة نروح المكان اللي انتي تختاريه، مش هينفع نخرج وإنتي بتعيطي كده."
ابتسمت وهي تتأبط ذراعه:
"آه... كانت خروجة لهدف يعني."
نظر لها بتمعن وهو يرفع حاجبه:
"وحققت الهدف منها؟"
ضحكت وهي تلف يدها الأخرى حول ذراعه:
"تقريبًا كده."
***
صعد الجميع إلى سطح اليخت. وقف يوسف يتأكد من أن الجميع قد صعدوا قبل أن يتحرك اليخت في الماء، بينما انشغل أنس بالاتفاق مع أحد العاملين لجلب أغراض الغطس لهم، والتأكد أن معهم ما يحتاجون ويكفيهم من طعام وشراب.
وقف فارس يتأمل المياه الصافية من حوله، وهو يترقب حياة بطرف عينيه من بعيد وهي تضحك مع ليلي. ظل واقفًا في شرود حتى ابتعدت ليلي تستعد لترتدي ملابس الغطس فاقترب فارس من حياة وهمس:
"الأوتيل مديني دعوة النهاردة على العشا في المطعم الإيطالي... تيجي معايا؟"
نظرت حياة إليه وحركت رأسها في عدم فهم، فأردف:
"تتعشي معايا النهاردة؟"
قالها بنبرة حاول أن تبدو واثقة لكن قلبه كان يرتجف لها.
همست حياة في تردد وقد احمرت وجنتاها خجلًا ونظرت إلى الأرض:
"لوحدنا؟"
نظر لها بعينين واثقة واقترب منها وهمس:
"آه لوحدنا."
ارتعش صوتها أكثر وهي تهمس:
"أ... أنا... أنا لازم أستأذن بابا."
اتسعت ابتسامته وأخرج هاتفه من جيبه وابتعد عنها قليلًا يجري مكالمة هاتفية، كانت تنظر إليه تكاد لا تصدق ما يحدث حولها وقلبها يرتجف بين جنباتها من السعادة. لحظات وعاد إليها من جديد وقد اتسعت ابتسامته وظهرت غمازته وتلألأت عينيه التي انعكس فيهما لون البحر وقال بصوت واثق:
"أنا استأذنت أونكل زياد وهو موافق."
اتسعت عينا حياة، لا تصدق كلماته لكنها همست:
"إزاي؟ استحالة بابا يكون وافق."
رفع حاجبه في ثقة:
"لو مش مصدقاني اتصلي بيه."
همست بتوتر وهي تعبث بطرف ثوبها:
"مصدقاك.... بس... أنا برضه لازم أقول ليوسف الأول."
قال بثقة أقرب للغرور:
"هو يوسف هيعترض على اللي بابا وافق عليه؟ عمتا أنا هابقى أبلغه متشغليش بالك."
ثم اقترب منها ليهمس في أذنها قبل أن يبتعد عنها:
"نكمل كلامنا بالليل علشان نبقى براحتنا."
ابتعد عنها وعاد ليجلس على سطح اليخت ويطالع المياه الزرقاء في هدوء.
جلست جميلة تعبث بهاتفها المحمول وهي تحكم غلق شال من الصوف حول كتفيها، وارتدت سترة بقلنسوة رفعتها فوق رأسها. اقترب منها مالك وقال بنبرة هادئة:
"انتي بردانة؟"
ابتسمت وهي تنظر داخل عينيه العميقين:
"شوية."
جلس إلى جوارها، تطلع إليها في صمت وهمس:
"انتي عارفة إن شكلك حلو وإنتي مغطية شعرك."
دارت بعينيها بعيدًا عنه:
"أنا عارفة انت تقصد إيه يا مالك... أنا فعلاً بافكر في الموضوع بقالي فترة."
ابتسم لها:
"أنا مقصدش حاجة.. دي ملاحظة أنا حبيت أقولها، لو عايزاني أخلي ملاحظاتي لنفسي بعد كده هاعمل كده."
غمزت له في مرح:
"ملاحظة ذات مغزى يا أستاذ مالك."
اتسعت ابتسامته:
"انتي عارفة إني باقول كده من خوفي عليكي."
خفتت ابتسامتها وهتفت في ضيق:
"ليه يا مالك بتخاف عليا؟"
نظر إلى الأفق وصمت قليلًا ثم قال بصوت مرتبك:
"علشان إحنا أصحاب."
نظرت إليه كثيرًا قبل أن تزفر في ضيق:
"وأنت بتخاف على كل أصحابنا كده؟"
أغمض عينيه وابتلع ريقه وهتف:
"لأ يا جميلة... بس أنا بخاف عليكي زي أختي."
ترقرقت دمعة في عينيها:
"أختك يا مالك؟"
قال مازحًا محاولًا تخفيف التوتر الذي أحاط بهما:
"طبعًا انتي بعد ما شوفتي أنس بتقولي الحمد لله إنك مش أختنا.... هو يبان عصبي وجامد بس هو حنين أوي وقلبه طيب."
ابتسمت وهي تشير إلى حافة اليخت:
"أنا بس نفسي نرجع القاهرة قبل ما هو وليلي واحد فيهم يموت التاني... بص بيعملوا إيه."
نظر إلي حيث تشير جميلة بيدها، فوجد ليلي وأنس كلاهما يرتدي بدلة غطس ويستعد للغوص في المياه، وقف كل منهما أمام الآخر بتحدي. نظر أنس إلى ليلي في علياء:
"لو مبتعرفيش تغطسي مش عيب بس قولي من دلوقتي، مش ناقصين حوادث."
نظرت إلى عينيه بنظرات حادة:
"أنا باعرف أغطس كويس أوي... خلي بالك من نفسك انت يا... يا باشا."
اقترب منها وأشهر سبابته في وجهها:
"بس لو بتغرقي متبقيش تيجي تمسكي إيدي، رغم إني عارف إنك هتموتي وتمسكيها...."
قالها وقد ظهرت ابتسامة خفيفة على جانب شفتيه.
نظرت له مطولًا في تحدي قبل أن تهمس:
"في أحلامك."
بدأ كلاهما في الغطس بعد أن تلقوا تعليمات من المدرب، كان المنظر في الأعماق أخاذ وهما يشاهدان الشعاب المرجانية والأسماك تسبح من حولهم من كل جانب، فجأة ظهر التوتر على ليلي في الماء وبدأت تدور حول نفسها في توتر، أشار لها أنس ليتأكد من أنها بخير، لكنها لم تجيبه وانطلقت نحو السطح بسرعة. صعد أنس خلفها مباشرة وهو يحاول أن يتواصل معها ليخبرها أن تقلل من سرعة صعودها إلى السطح لكن دون جدوى، ما إن صعدت ليلي إلى سطح الماء، رفعت عنها قناعها لتستنشق الهواء، ظهر أنس على السطح أقترب منها ورفع قناعه وصاح بها:
"انتي مجنونة؟ إزاي تعملي كده؟"
لم تعقب، بل دفعته لتبعده عنها وهي تقترب من اليخت استعدادًا لصعوده. اقترب منها وامسك معصمها في قوة يلفها لتواجهه وهمس لها في لين:
"انتي كويسة؟"
أشاحت بوجهها عنه وقالت بتوتر:
"أنا.... أنا ...."
قاطعها وهو يهمس:
"اللي عملتيه ده خطر عليكي جدًا... كان ممكن بعد الشر يحصلك حاجة... غلط تطلعي من الماية بسرعة كده."
قالت بنبرة متوترة:
"أنا خفت من السمكة الكبيرة... أول مرة أشوف سمكة بالحجم ده."
نظر لها أنس مطولًا ثم صدرت منه ضحكة عالية:
"أمال عملتي فيها مبتخافيش ليه؟"
وكزته في صدره وابتعدت عنه لتصعد على اليخت مرة أخرى وهي تصيح:
"إنسان مستفز."
وقف أنس يتأملها تصعد على اليخت مرة أخرى وابتسامة واثقة ارتسمت على شفتيه.
جاء يوسف من خلف مالك الجالس في صمت يتطلع إلى البحر والسماء الزرقاء، صاح فيه:
"هتنزل الماية معايا يا مالك مش هتهرب."
حرك مالك رأسه ببطء:
"بس أنا مليش مزاج."
لم يمهله يوسف مجالًا للنقاش، بل دفعه من ظهره ليسقطه في المياه وهو يضحك ومن ثم قفز خلفه في الماء بمرح، لكن مالك وعلى عكس طبيعته الهادئة بدا عليه الضيق ودفع يوسف مبتعدًا وصعد على سطح اليخت مرة أخرى. صعد يوسف خلفه وهو يلتقط أنفاسه:
"في إيه يا مالك، طول عمرنا بنهزر إيه اللي ضايقك أوي."
دفعه مالك في صدره وصاح:
"حركاتك غبية وملهاش معنى."
ابتعد عنه مالك، وهو يخلع قميصه ذو الأكمام الطويلة. لاحظ يوسف الذي تبعه تلك الكدمة الزرقاء في باطن ساعد مالك، اقترب منه يوسف وهتف بقلق:
"إيه اللي في إيدك ده يا مالك؟"
ارتبك مالك وهو يحاول أن يداري ذراعيه، اقترب منهما أنس وهو يناول مالك منشفة قطنية وقميص جديد وهتف محاولًا تدارك الموقف:
"إيه يا جماعة هتقلبوا الهزار جد ولا إيه؟"
ثم ربت على كتف يوسف وهو يسحبه بعيدًا عن مالك:
"هو بس تلاقي مالك مكنش ليه مزاج ينزل الماية فعلشان كده اتضايق..."
همس يوسف بقلق بدا واضحًا على صوته:
"هو مالك كويس؟"
ابتسم أنس بمرح:
"ما هو زي الفل قدامك أهو ... أكيد انت خضيته فعلشان كده اتعصب."
لم يعقب يوسف، بل احتفظ بقلقه على مالك لنفسه وحاول تجاوز الأمر.
***
جلس فارس على طاولة المطعم المواجهة للبحر، عيناه معلقتان على مدخل المطعم ينتظر حياة. كانت إضاءة المطعم الخافتة والموسيقى الدافئة قد أضافت سحرًا على المكان مع صوت ارتطام أمواج البحر. كان فارس يشعر بالتوتر فلم يكن معتادًا على مثل هذه اللقاءات لكنه لم يستطع تفويت فرصة قضاء بعض الوقت مع حياة على انفراد.
أخيرًا ظهرت حياة عند مدخل المطعم، ترتدي فستانًا فضفاضًا باللون الوردي، وغطاء رأس باللون الأبيض مما زادها جمالًا. عيناها بلون البندق وبشرتها الشقراء المشربة بالحمرة من الخجل جعلتها تبدو كآلهة إغريقية. كانت حياة تمشي على استحياء وهي تنظر في وجوه الجالسين بحثًا عن فارس، حتى وقعت عيناها عليه أخيرًا، فابتسم لها ابتسامته الساحرة ولوح لها بيديه، توجهت إليه بخطى خجولة، سحب لها المقعد وجلست في الجهة المقابلة له. لحظات من التوتر سادت بينها حتى قطعتها هي بروح مرحة:
"واضح إن المكان شيك أوي."
ابتسم لها فارس:
"لو مكنش شيك مكنتش جبتك هنا."
ابتسمت حياة في خجل واحمرت وجنتاها، لكنها حاولت أن تحافظ على هدوئها فابتعدت بعينيها عن مرمى السهام الزرقاء.
عاد الصمت بينهم للحظات، لكن سرعان كسره فارس:
"تعرفي... رغم إننا نعرف بعض من زمان.. بس دي أول مرة تقريبًا نقعد ونتكلم فيها مع بعض... قبل الصدفة اللي جمعتنا في الرحلة دي انتي كنتي بالنسبالي اسم بس معرفش عنك كتير."
ابتسمت حياة برقة:
"آه فعلاً... أعتقد انت علشان دراستك وشغلك فا مكنش بنتقابل كتير."
همس لها فارس في رقة:
"كنت غلطان.... كمان أونكل زياد كان مخبيكي عننا.... دايما لما كنت باشوفه كان بيبقى معاه يوسف بس."
أطلقت حياة ضحكة عفوية:
"انتوا كنتوا دايما بتتقابلوا على القهوة... وأكيد أنا مليش مكان فيها."
ضحك فارس بدوره وهتف:
"حتى لما كنا بنجيلكوا البيت أو انتوا بتيجوا عندنا، دايما كنتي بتبقي ساكتة خالص، يعني عمرنا ما اتكلمنا مع بعض... كنت واخد عنك انطباع إنك هادية ومبتتكلميش."
خفتت ابتسامتها ورفعت حاجبها:
"والانطباع ده اتغير دلوقتي؟"
تورت فارس، وهتف:
"لأ مقصدش... بس يعني... أقصد....."
ضحكت حياة:
"أنا فاهمة قصدك كويس... عندك حق، يمكن دي أول مرة نتكلم فيها سوا... بس كل حاجة ليها وقتها."
مر العشاء بين بعض الأسئلة العفوية عن حياتهما، هوايتهما، حدثته حياة عن حبها للقراءة، وموسيقاها المفضلة، وكيف أنها كانت تخفي القصص في صغرها داخل كتب المدرسة حتى لا تراها والدتها. تحدث فارس عن حبه لكرة القدم، وأحلامه في السفر والاستقرار بالخارج، ورفضه لتقاليد المجتمع البائدة.
وفي لحظة، بينما تأخذ حياة رشفة من العصير، نظر إليها فارس بتركيز وهمس:
"عمرك حسيتي إنك عارفة حد من زمان رغم إنكم لسه متقابلين؟"
نظرت له حياة نظرة مطولة وكأنها تحاول أن تقرأ ما وراء سؤاله:
"أحيانًا."
لمعت عينا فارس، وهمس:
"أنا حاسس ده معاكي."
لم تعرف حياة بماذا تجيبه، كانت نظراته المباشرة لها تبعث بشعور غريب داخلها لم تشعر به من قبل، ساد الصمت بينهما لحظات كانت ممتلئة بمشاعر جديدة على كليهما، لكن قطعه فارس:
"إيه رأيك نتمشى على البحر شوية؟"
أومأت حياة رأسها بابتسامة ناعمة. مشيا جنبًا إلى جنب على الرمال، يستمتعان بنسيم البحر الهادئ، قطع فارس الصمت بينهما وقال ضاحكًا:
"انتي عارفة أنا كنت خايف تكسفيني ومترضيش تتعشي معايا النهاردة."
ضحكت حياة:
"وكنت هتعمل إيه لو كنت رفضت؟"
وقف فارس ونظر إليها للحظة:
"مش عارف... بس كان جوايا إحساس إنك هتوافقي."
نظرت حياة إلى الأمواج المتلاطمة وهمست:
"وكنت عايز تقابلني لوحدي ليه؟"
نظر فارس إليها كثيرًا حتى ظن أنه فقد القدرة على الكلام، لكنه تكلم أخيرًا:
"علشان كنت نفسي أعرف عنك أكتر... مش بس الكلام اللي باسمعه عنك من بابا وماما لما بتيجي سيرتك في الكلام... كنت عايز أعرف انتي مين."
همست بتوتر:
"وعرفت؟"
لم يجب على سؤالها. نظر مطولًا إلى البحر وبعد لحظات وجه كلامه لها وهو لا يزال ينظر إلى البحر:
"عرفت إني كنت مغفل."
ابتسمت حياة في توتر وهمست:
"مش نرجع بقي؟"
همس لها فارس:
"زهقتي؟"
ابتسمت حياة وظهرت تلك الحمرة المحببة على وجنتيها مرة أخرى:
"لأ... بس بقالنا كتير سوا وكده يوسف ممكن يقلق عليا... بعدين هنشوف بعض الصبح صح؟"
ابتسم فارس:
"هاشوفك على الفطار؟"
رفعت حياة حاجبها وهتفت:
"بس انت مبتفطرش يا دكتور."
عقد فارس حاجبيه:
"فارس... اسمي فارس بس من غير دكتور.... مبحبش الناس القريبة ليا يقولولي يا دكتور....."
أقترب منها خطوة وهمس:
"هاستناكي نشرب القهوة الصبح سوا."
ابتسمت في دلال:
"إن شاء الله."
***
اتفق الأصدقاء أن يذهبوا جميعًا في جولة في السوق الشعبي. كانت المجموعة تتنقل بين المحال التجارية وتشاهد المعروضات، بينما ظهرت علامات الملل واضحة على وجه أنس الذي كان يمشي في نهاية المجموعة. كانت ليلي تسير بجوار حياة وجميلة لكن مع الزحام واندفاع المشي وجدت نفسها في آخر الصف تسير إلى جوار أنس. لاحظت علامات الملل الظاهرة بوضوح عليه فهتفت:
"شكلك مش مبسوط."
نظر لها وهو ينفث دخان سيجارته:
"بصراحة شيء ممل جدًا... بتقفوا عند كل محل رغم إن كله بيبيع نفس الحاجة تقريبًا."
عقدت ذراعيها ونظرت له:
"الفكرة مش في الشرا... المتعة في الفرجة... بعدين إحنا جايين هنا ننبسط."
ظهرت ابتسامة ماكرة على شفتيه:
"و شكلك مبسوطة أوي..... مسبتيش محل إلا لما دخلتيه."
رفعت ليلي كتفيها:
"يعني...."
أشاحت ليلي بنظرها فوجدت بائعة تبيع مشغولات بدوية يدوية على جانب الطريق. لفتت نظرها فهتفت ل أنس:
"استنى هاروح أتفرج عند الست اللي هناك دي."
زفر أنس في ضيق، لكنها لم تنتظر إجابة منه، بل اندفعت متجهة نحو البائعة تقلب في البضاعة بشغف. تبعها أنس وهو يشاهدها، وارتسمت ابتسامة على زاوية شفتيه. اقترب منها، فما إن رأته أشارت بيديها وهي تمسك أسورتين في كفيها:
"إيه رأيك؟ أنهي واحدة أحلى؟"
نفث دخان سيجارته وهتف دون أن ينظر لها:
"الاتنين حلوين."
رمقته بجانب عينها بنظرة حادة:
"أنا غلطانة إني باخد رأيك...."
رمى سيجارته على الأرض ودعسها برجله، أخذ الأسورتين من يديها، نظر إليهما نظرة سريعة، وضع واحدة في كفها وأعاد الأخرى إلى الطاولة. أخرج من جيبه بعض النقود وألقى بها إلى البائعة، وانصرف.
وقفت ليلي تشاهده وهي مشدوهة، لحظات حتى استوعبت ما فعله، لحقت به وجذبته من سترته وهي تهتف في حنق:
"انت إيه اللي عملته ده؟"
قال ببرود:
"عملت إيه؟"
عقدت ذراعيها:
"مين طلب منك تشتريلي حاجة؟"
ارتسمت ابتسامة كلها ثقة على شفتيه وهتف:
"اعتبريها هدية مني."
زفرت ليلي وقالت من بين أسنانها:
"مستفز."
رمقها أنس بنظرة لم تفهمها لكنها أسرت قشعريرة في بدنها وهتف:
"هنقضي اليوم كله واقفين هنا... يلا اتفضلي."
اندفعت ليلي تمضي أمامه مسرعة، واختفت بين الزحام. كانت عينا أنس تتبعها أينما ذهبت، لكن في لحظة غفل عنها، وانطلق طفل بين الزحام خطف حقيبة يدها وفر هاربًا. صرخت ليلي وهمت أن تجري خلفه، لكنها فوجئت بيد قوية تجذبها من ذراعها، التفتت لتجده أنس ينظر لها بنظرة حادة وهتف:
"انتي هتعملي إيه؟"
صرخت بحدة:
"هاجري ورا الحرامي اللي سرق شنطتي!"
أحكم قبضته على معصمها:
"انتي اتجننتي؟ حرامي مين اللي عايزة تجري وراه في السوق."
هتفت في حدة:
"أمال عايزني أعمل إيه؟ أقف أتفرج زيك... شنطتي فيها كل أوراقي وفلوسي."
تغيرت نظرة أنس من الحدة إلى اللين وهتف:
"اهدي بس... شنطتك هترجعلك."
هتفت ليلي في حدة:
"هترجعلي إزاي... زمان الحرامي بقى في بيتهم دلوقتي."
التف الجميع حول ليلي، فقد سمعوا صراخها وعادوا إليها. هتفت حنين في قلق:
"في إيه يا ليلي؟ إيه اللي حصل؟"
قالت ليلي بعصبية:
"شنطتي اتسرقت والأستاذ واقف يتفرج وكمان مش عاوزني أجري ورا الحرامي."
هتف يوسف:
"عنده حق يا ليلي... إزاي تبقي بنت وتجري ورا الحرامي وإحنا موجودين."
كان مالك يشاهد ما يحدث وارتسمت ابتسامة على شفتيه، اقتربت منه جميلة وهمست:
"بتبتسم ليه كده؟ في إيه؟"
همس لها مالك:
"أصل أخويا وأنا عارفه... هتشوفي هيعمل إيه."
هتف أنس في حدة ممزوجة بالثقة:
"ممكن كلكوا تسكتوا.... شنطتك هترجعلك من غير ما حد يجري ورا حد."
أخرج أنس هاتفه من جيبه وأجرى مكالمة هاتفية قصيرة، لحظات وعاد يهتف في ليلي بكل ثقة:
"شنطتك كلها ساعة وهتوصلك على الفندق."
ترك أنس ليلي تنظر له في دهشة وانصرف تاركًا الجميع خلفه. مالت جميلة على أذن مالك وهمست:
"إزاي؟"
اتسعت ابتسامة مالك:
"شغله..... الغردقة دي كلها عارفة أنس المصري... مش هيغلب إنه يرجع لها شنطتها."
اقترب مالك من ليلي وهتف:
"يلا نرجع يا ليلي.... طالما أنس قال هيرجعلك شنطتك هترجع متقلقيش."
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل السادس 6 - بقلم اميرة احمد
في المساء، اجتمعوا جميعا في إحدي المقاهي المطلة علي البحر.
جلسوا في دائرة يتبادلون اطراف الحديث، و يلعبون بعض الألعاب حين انقطع التيار الكهربائي فجاءة و ساد الظلام المكان.
عم المكان الهدوء سوي من أصوات الأمواج المتلاطمة.
شعرت جميلة بيد قوية تمسك بيديها وصوت مالك الرخيم يهمس في اذنها:
متخافيش يا جميلة انا جنبك.
شعرت بالطمأنينة تنبعث في نفسها من جديد، بل لم يعد يخيفها الظلام المحيط بها و تنهدت في طمأنينة.
بينما مال فارس علي اذن حياة وهمس:
بتخافي من الضلمة؟
اجابت بصوت مرتعد:
شوية.
همس بصوت دافئ مطمئنا إياها:
ايه اللي بيخوفك في الضلمة؟
تنهدت وهي تقول:
المجهول... إحساس اني مش عارفة ايه اللي حواليا.. مش شايفاه.
ابتسم فارس:
بس انتي عارفة كويس مين اللي حواليكي... غمضي عينك كده.... انتي عارفة كويس انا قاعد فين صح.
اغمضت عيناها و همست:
هممم.
استكمل حديثة و هو مغمض العينين مثلها تماما:
عارفة ان يوسف قاعد جنبك الناحية التانية صح، و لارا جنبه.... انتي عارفة كويس كل واحد فينا قاعد فين حواليكي صح.
اومأت رأسها بحركة لا ارادية و همست:
اهلا.
ال مغمض العينين، يميل برأسه ناحيه اذنها و يهمس:
يعني انتي شايفانا كويس و انتي مغمضة عنيكي.
اتسعت ابتسامتها وهمست:
دلوقتي عارفة كويس كل واحد فين.
همس من جديد:
افتحي عنيكي... هتحسي ان الظلام اقل و انك شايفانا بوضوح اكتر.
فتحت حياة عيناها من جديد، وشعرت فعلا ان رؤيتها أوضح، بينما فارس فتح عينيه و نظر اليها بعينين لامعتين انارهما ضوء القمر:
اطمنتي كده شوية؟
اتسعت ابتسامته واومأت رأسها بإيجاب.
بينما اقترب يوسف من لارا ووضع يده خلف ظهرها و هو يهمس في اذنها:
انتي مش خايفة صح.
همست له:
لا يا حبيبي مش خايفة و انت جنبي.
لحظات و سمع الجميع حنين تصرخ:
ابعد عني.
انتفض مالك من مكانه و تحسس خطاه حتي اقترب من شادي يجره بعيد عن حنين، دفعه مالك ارضا:
ايه يا بني بقي مش هتعقل.
انت بتدخل ليه أصلا....، قالها شادي وهو يحاول ان يقف من جديد وينظف ملابسه من الرمال.
هنا تدخل يوسف:
انت عارف يا شادي حنين زي اختنا كلنا... بعدين هو الحب بالعافية يا اخي.
اقترب شادي من يوسف وصرخ في وجهه:
لا مش بالعافية... بس هي بتحبني.
ربت مالك علي كتفه محذرا:
متلمسهاش تاني يا شادي.... علشان انا مش هراعي أي صداقة بينا و انا اللي هاقفلك.
نظر له شادي بتحدي وصاح:
خليك في حالك يا مالك.
تدخل يوسف مبعدا شادي عن مالك:
ارجع يا شادي الفندق دلوقتي... مش ناقصة فضايح والناس تتفرج علينا.
تدخل أنس:
يا جماعة اللي بيحصل ده عيب.... روح يا شادي ولما نرجع نتكلم.
بينما التفت الفتيات حول حنين يحاولوا تهدئتها بعد ان اصابتها نوبة هلع.
في الصباح...
بينما ساد التوتر بين شادي والشباب.. فضل شادي الابتعاد عنهم وجلس وحيدا.
كانت حياة تتمشي علي الشاطئ عندما تعثرت قدماها في إحدى الأحجار و التفت ساقيها حول نفسها و سقطت.
كان فارس يجلس بالقرب منها علي الشاطئ يقرأ في كتاب حين لفت نظره صرختها المكتومة و شاهد سقوطها.
اسرع إليها و جلس إلي جوارها علي الرمال:
انتي كويسة؟ ايه حصلك؟
همست حياة بألم:
اتكعبلت ووقعت... رجلي بتوجعني أوي.
هتف فارس في قلق ملحوظ:
طيب قادرة تحركيها؟ تقدري تقفي عليها؟
تألمت حياة:
أعتقد مش كسر... بس بتوجعني أوي.
همس فارس بتردد:
طيب ممكن أشوفها.
ترددت حياة و هتفت في خجل:
انا كويسة الحمد لله.
لم يمهلها فارس وقت للتفكير بل هتف في قلق:
مش وقت كسوف... لازم اشوفها علشان لو في كسر او شرخ.
مدت حياة قدمها بخجل، تحسسها فارس بأنامله فانكمشت ملامح حياة في ألم، همس لها فارس:
اسف لو وجعتك... متقلقيش شكلها التواء بس.
شعر كلاهما بخيال طويل يحجب عنهم ضوء الشمس الساطع، التفت فارس فوجد يوسف يقف خلفه عاقدا ذراعيه، رافعا حاجبه وهتف في ضيق:
هو في ايه؟
حاول فارس ان يبدو على ملامحه الهدوء وهتف:
حياة اتكعبلت و وقعت لوت رجليها، و انا كنت باكشف عليها.
رفع يوسف حاجبه وهتف بسخرية:
بتكشف عليها.... بس انا أعرف أنك دكتور قلب.... ولا هي حياة قلبها وقع في رجليها؟
نظر له فارس مطولا، حاول ان يتمالك أعصابه:
أعتقد ان مش من المروءة أني اشوفها واقعة وتعبانة و اسيبها، خصوصا ان مفيش دكتور في الفندق.... عمتا ساعدها وسندها لاوضتها لانها مش هينفع تدوس علي رجلها علي ما اروح اجيب رباط ضاغط علشان الف رجلها بيه.
قال فارس كلماته و هو يقوم من جانب حياة، ولم ينتظر ردا من يوسف.
بينما أقترب يوسف من حياة و حملها بين ذراعيه و توجه بها إلي غرفتها، كانت حياة قد بدأت تبكي من شدة الألم.
لحظات و دق فارس الباب، سمح له يوسف بالدخول.
اقترب فارس من حياة نظر لها بحنان، و التف لينظر إلي يوسف:
ممكن أربطلها رجليها؟
لم يعقب يوسف، بل ابتعد قليلا عن حياة ليفسح المجال لفارس ليعتني بما أصابها.
لحظات مرت علي حياة كانت ترتجف من شدة الألم، و ينتفض جسدها خجلا من لمسات فارس التي كانت رقيقة.
طالعته حياة و هو منهمك في عمله يبدو عليه الجدية و التركيز.
انتهي فارس وناول حياة بعض الأدوية:
انا جبتلك مسكن قوي، تاخديه كل 8 ساعات، و المرهم ده محتاجة تدهني بيه رجلك مرتين في اليوم و ترجعي تلفيها تاني.
لم ترد عليه حياة، فقد كانت في حالة من الخجل افقدتها صوتها، بل هزت رأسها بإيجاب.
نظر فارس إلي يوسف الواقف خلفه:
انت هتفضل واقف كده و هي بتعيط من الوجع، ممكن تجيبلها كوباية ماية تاخد المسكن.
زفر يوسف زفرة حارة، لكن لارا تداركت الموقف وهتفت:
انا هاجيبلها الماية حالا.
ناولت لارا كوب الماء لحياة وهي تجلس الي جوارها علي طرف السرير:
هتبقي كويسة ان شاء الله يا حياة.... حاولي ترتاحي لحد بالليل وان شاء الله تبقي أحسن.
نظر لها فارس بحنان وهمس:
سلامتك.
ثم قام متجها نحو الباب.
بينما صاح يوسف في حياة حين خرج فارس:
هو في ايه؟ من يومين تخرجوا تتعشوا سوا، و النهاردة اجي الاقيه بيدلكلك رجلك؟ هو انا بالنسبالك مش موجود خالص... مفيش احترام ليا.
اقتربت منه لارا وربتت على كتفه في محاولة لامتصاص غضبه و همست:
يوسف مفيش داعي للكلام ده.
فرت دمعة هاربة من عيني حياة من قسوة كلمات يوسف وهمست بألم:
اعتقد انك عارف أخلاقي كويس ... اعتبر فارس صديق ليا... انا لما اتعشيت معاه اخدت اذن بابا و اذنك قبل ما أوافق... و النهاردة اظن انت شوفت انا بتألم قد ايه.... من فضلك يا يوسف اتفضل علشان انا عاوزة انام.
خرج يوسف من الغرفة وتبعته لارا.
امسكت يده بحنان ونظرت إليه بعتاب وهمست:
ليه عملت كده يا يوسف.... واضح انهم معجبين ببعض.
نظر لها يوسف بضيق:
انا عارف.... بس دي اختي.
همست له:
اختك يبقي تفرحلها انها تلاقي الانسان اللي يحبها وتحبه... كفاية اللي بيحصل معانا.
أطلق يوسف تنهيدة حارة:
مش عارف بقي بس انا غيرت عليها لما لقيته ماسك رجليها كده.
زادت لارا الضغط علي كف يوسف وهمست:
صالحها يا حبيبي علشان هي مش بتعمل حاجة غلط.
حرك يوسف رأسه بموافقة:
هاسيبها ترتاح شوية واصالحها.
في الليل بين الظلام الدامس، جلس مالك علي الرمال امام البحر في هدوء وعيناه في شرود تام، حتى انه لم يشعر بجميلة حين جلست الي جواره في هدوء.
ابتسمت له بحنان وهمست:
تعرف ان في اغنية قديمة باسمك؟
نظر لها باستغراب:
باسمى انا؟!
ضحكت وعيناها معلقتان عليه، تكاد تنطق عياناها بحبه و دندنت:
حبيبي ...يا مالك قلبي بالهوي... خدني معاك خدني... خدني للهوا.
اتسعت ابتسامته وهمس:
عارفها.... ماما الله يرحمها كانت بتغنيهالي وانا صغير.
امسكت جميلة بهاتفها، وانبعثت نغمات الاغنية من الهاتف.
نظر مالك إلي البحر امامه ولازالت الابتسامة تعلو وجهه.
قامت جميلة من مكانها وقفت امامه وفردت ذراعيها في الهواء واخذت تدور حول نفسها وتتمايل علي نغمات الاغنية، بينما الهواء يعبث بخصلات شعرها المفرودة بعشوائية محببة علي ظهرها.
لم يستطع مالك ان يبعد عينيه عنها وهي تتمايل امامه كفراشة جميلة تتنقل بين الورود وهي تهمس له من الحين للأخر مع كلمات الاغنية بلفظ حبيبي.
ربما رائحة اليود المنبعثة من البحر جعلته يفقد السيطرة علي اعصابه.
ام تمايل جميلة امامه كلوحة فنية، فتاة فاتحة ذراعيها وشعرها الغجري يتطاير حول وجهها و البحر من خلفها و قدميها الحافيتين تثير الرمال في وجهه بحركتها.
مدت جميله يدها إليه، فاخذ بيديها، وقف الي جوارها يرقص معها رافعا يد واحدة ليلفها حول نفسها في رشاقة و هو ممسكا بيدها.
لم يشعر مالك بالوقت وهو يراقص جميلة، لكن من المؤكد ان الأغنية اشتغلت أكثر من مرة.
كانت تشعر جميلة كأنها في حلم جميل لا تريد ان تستيقظ منه.
لكن يبدو ان الاحلام لا تدوم طويلا.
تعثرت جميلة في دورانها وسقطت بين ذراعي مالك.
توترت واخذت تلاحق أنفاسها التي فقدتها منذ ان سقطت بين ذراعيه.
كانت تشعر ان دقات قلبها مسموعة له.
اما هو فكان يحاول السيطرة على نفسه من قربها المهلك له، لكن دون جدوى.
أغمض عينيه وهو يستنشق عبيرها الزاكي، ويلامسه وجهه خصلات شعرها الهاربة من نسمات الهواء.
حاول مالك السيطرة على نفسه فابعدها عنه وهو يجاهد صوته ليخرج من حلقه فهمس:
الوقت اتأخر هاطلع انام... أشوفك الصبح.
ابتعد مالك وتركها خلفه تقف بشرود.
وجدت حنين طرقات خفيفا على باب غرفتها.
وضعت حجابها بشكل مهمل فوق رأسها ظنا منها ان الطارق هي جميلة وقد نسيت مفتاح الغرفة كالعادة.
فتحت الباب وهي تتحامي بجسدها خلفه، حيث انها ترتدي قميص نومها القطني المريح.
ما ان فتحت الباب حتى دفعها شادي الي الداخل و اغلق الباب.
صرخت به:
شادي انت بتعمل ايه هنا... اخرج بسرعة.
لكنه حاصرها بذراعيه خلف الباب واقترب منها حتى لفح لهيب أنفاسه الساخن وجهها و همس:
انتي مش هتتجوزي حد تاني يا حنين.... انتي فاهمة.
دفعته بعيدا وهي تصرخ:
اخرج حالا بدل ما ألم عليك الناس.
ابتسم والشرار يخرج من عينيه:
الناس اللي هتلميها هاقولها إنك انتي اللي دخلتيني هنا بمزاجك.
اتسعت عيناها وارتجفت وهي تحاول ان تغطي جسدها بيديها حيث كانت نظراته اللاهثة تلتهمها وصاحت:
اخرج يا شادي، جميلة هتيجي دلوقتي.
ضحك وهو يقترب منها أكثر ويحكم قبضته عليها:
جميلة مش هترجع دلوقتي... لسة شايفها علي البحر مع مالك.
تهجم عليها وأخذ يقبلها بعنف، بينما هي تتلوي صارخة بين ذراعيه:
ابعد يا شادي... انت اتجننت.
صرخ وهو يدفعها على الفراش وينقض عليها:
انت مش هتكوني لراجل تاني... هتكوني ليا حتي لو غصب عنك..... انا بحبك يا حنين.
صرخت من بين دموعها:
سيبني يا شادي وانا مش هاتجوز عمر.
صفعها علي وجهها بقوة وصاح:
متنطقيش الأسم ده قدامي.
لم يستمع الي صراخها، وكأنها لا توجه كلماتها اليه.
كانت تعميه رغبته في تملكها... فلم يعد يدرك ما يدور حوله.
بل انقض عليه ممسكا بقميصها القطني ممزقا إياه نصفين كاشفا عن جسدها.
على صراخها وهي تحاول ان تقاومه بكل ما اوتيت من قوة، لكن هيهات بين جسدها الضئيل و جسده الضخم.
كانت تتألم، تشعر ان كل ما حولها ليس حقيقي، بل إحدي كوابيسها التي تأتيها كل ليلة.
شعرت في لحظة ان من امامها ليس شادي من أحبت يوما، بل وحش كاسر يوشك أن يلتهم روحها.
شعرت بأن قلبها يرتجف من الرعب، تمنت ان تخرج روحها من جسدها قبل أن يدنسها ذلك الوحش الهمجي الذي احبته يوما.
همست باكية في ضعف تترجاه:
ارجوك يا شادي.... خليك في عيني صورة الراجل اللي حبيته.... متعملش فيا كده.
توقف للحظة وهمس لها بصوت ضعيف يتملكه الرغبة:
لازم اعمل كده علشان متتجوزيش راجل تاني.
عاد الي عنفه مجددا وعادت هي تقاوم بكل ما اوتيت من قوة.
قاومت وقاومت حتى خارت قواها واستسلمت أخيرا.
لم يكن استسلامها سوي لأنها فقدت الوعي رافضة ما يحدث من حولها.
لحظات.. دقائق ... او ساعات.. لم تدرك حقا كم استغرق الوقت لينتهي كل شيء.
جلس إلي جوارها دافنا رأسه بين كفيه يبكي.
مدركا أخيرا حجم ما ارتكبه من جريمة في حقها.
لم يدرك كم من الوقت مضي حتى بدأت حنين تستعيد وعيها.
ما ان فتحت عيناها ووقعت عيناها عليه صرخت مبتعدة عنه وهي تغطي جسدها العاري بأغطية السرير.
كانت تبكي وتصرخ بهيستيرية وهو ينظر اليها بعينين ضعيفتين وهمس بألم:
انا أسف.... كان لازم اعمل كده علشان متتجوزيش.
لم تعقب، نظرت إليه بعينين خاويتين و كأنها بلا روح.
شعرت أنه سلبها روحها، اغتال براءتها.
في لحظة إدراكها لجريمته، كرهته، أغلقت عينيها متمنيه ان تصحو من ذلك الكابوس الذي يكاد يودي بحياتها.
همس لها مجددا بعينين دامعتين:
انا مستعد اتجوزك دلوقتي.
رفعت عيناها أخيرا وقد تجمدت ملامحها وصرخت فيه بقوة تتنافي مع حجم الضعف والدمار التي تشعر به:
اخرج بره يا شادي انا مش عايزة اشوف وشك تاني.
قام من مكانه بانكسار.
واتجه نحو الباب كإعصار وخرج مسرعا.
بينما حنين ظلت في مكانها تبكي وتنتحب، وتضرب خديها بقوة متمنية ان تستيقظ من ذلك الكابوس الأسود، وتعود لحياتها مرة أخري.
شعرت للحظة وكأنها تري شبح عمر يقف امامها.
عمر.... ماذاستفعل معه بعد ان دنس شادي براءتها.
علي نحيبها مجددا وهي تطرد شبح عمر من خيالها.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل السابع 7 - بقلم اميرة احمد
دخلت جميلة الغرفة تدندن أغنيتها التي كانت ترقص على أنغامها مع مالك، فوقعت عيناها على حنين تجلس على السرير، ملتفة بالأغطية، تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي وتشْهق من شدة البكاء.
صُعقت جميلة من منظرها واقتربت منها مسرعة:
"إيه حصل يا حنين؟"
رفعت حنين عينيها المتورمتين من أثر البكاء، ولم تستطع أن تنبس بكلمة. فهمت جميلة من مظهرها ما حدث لها على الفور. شهقت شهقة عالية ونزلت دموعها على خديها كالسيل وهي تضم حنين إلى صدرها وتصيح:
"مين اللي عمل فيكي كده؟"
ازداد بكاء حنين بين أذرع جميلة وهي تهمس بضعف:
"شادي."
حاولت جميلة أن تتماسك نفسها، بينما الشرار يكاد يخرج من عينيها. ساعدت حنين على الاغتسال وتغيير ملابسها. جلست حنين على طرف سرير جميلة دافنة رأسها بين راحتيها وهي ترتجف وتنتحب. كان بكاؤها يدمي القلوب.
لم تستطع جميلة أن تقف مكتوفة الأيدي أكثر من ذلك فصاحت في حنين:
"أنا هاتصل بمالك.. ييجي يساعدنا نشوف هنعمل إيه في المصيبة دي."
هزت رأسها بالرفض، ورفعت حنين رأسها وقالت بألم:
"هتبقى فضيحة."
قالت جميلة بثقة، تتنافى مع دموعها المنهمرة:
"متخافيش... أنا باحكي لمالك كل حاجة... هو يقدر يساعدنا ومش هيقول لحد."
سكتت حنين بضعف، تشعر وكأنها ممزقة لا تقوى على التفكير. لن تكون يومًا كما كانت، حياتها اختلفت من اليوم. شردت حنين والدموع تنهمر على وجنتيها، فتوجهت جميلة إليها وربتت على كتفها:
"متخافيش أنا معاكي."
خرجت جميلة من الغرفة وأمسكت بهاتفها واتصلت بمالك. لحظات وأتاها صوته الذي ما إن سمعته حتى علت بكاءها. صاح بقلق:
"جميلة انتي كويسة؟"
همست جميلة من بين دموعها:
"مالك انا محتاجالك... ممكن تقابلني دلوقتي؟"
أغلق مالك معها الهاتف وتوجه على الفور إلى بهو الفندق حيث اتفقا على اللقاء. كانت جميلة تجلس واضعة كفيها فوق وجهها وتبكي بشدة. ارتاع مالك من منظرها. أسرع إليها على الفور وأمسك بيديها بين راحتيه وهو يجلس إلى جوارها وهمس:
"جميلة .... انتي كويسة؟"
نظرت إليه بعينين تورمتا من كثرة بكائها على حال صديقتها وقالت بصوت ضعيف:
"شادي."
صاح مالك فيها بعصبية:
"عملك إيه؟؟ ضايقك؟ انطقي يا جميلة من فضلك كفاية عياط."
قالت بصوت متهدج:
"مش أنا... حنين."
صاح مالك مجددًا:
"عمل إيه لحنين؟"
نظرت جميلة إلى عيني مالك بألم، وتساقطت الدموع من عينيها كالسيل وهمست بصوت متهدج:
"اغتصب....."
وضع مالك يده على شفتيها يمنعها من أن تستكمل، فقد فهم ما حدث. أطرق رأسه بألم، أغمض عينيه للحظات كانت قد هربت الكلمات من حلقه فيها محاولًا أن يستوعب ما سمعه للتو، يحاول أن يسيطر على الغضب الذي بداخله، ثم نظر لجميلة وهتف:
"حنين فين دلوقتي؟"
همست له:
"في الأوضة."
نظر إليها بعينين يملؤهما الحزن والألم:
"ممكن تستأذنيها أطلع أتكلم معاها شوية."
لحظات وكان يقف مالك خلف جميلة في غرفة حنين. نظر بعينيه إلى الغرفة التي تحولت إلى ساحة معركة. لم يعد هناك شيء في مكانه. كانت حنين تجلس القرفصاء مدثرة بملابسها. نظر إلى عينيها المتورمتين من كثرة البكاء، تلك الكدمة الزرقاء أسفل شفتيها وبعض الخدوش الواضحة على معصميها والتي فهم منها أنها تمتد إلى كامل جسدها.
أطرق مالك رأسه ونظر أرضًا. لم يستطع أن يرفع عينيه ليواجهها. لحظات مرت عليهم كالدهر حتى تكلم مالك أخيرًا بصوت مكتوم:
"تحبي تروحي للدكتور؟"
أومأت حنين رأسها بالنفي بحركات متوترة. فعاد يسألها مرة أخرى:
"تحبي نروح نعمل محضر في القسم؟ انا معاكي لحد أما تاخدي حقك منه، واوعدك مفيش حد تاني هيعرف باللي حصل... أنس يعرف ظباط كتير في القسم ممكن يساعدونا والموضوع هيخلص هنا قبل ما نرجع القاهرة."
أومأت رأسها بالنفي مرة أخرى وتكلمت بصوت مجروح وعينين شاردتين:
"انا مش عايزة فضايح لأهلي... ولا لخطيبي......"
أطرقت رأسها وهمست والدموع تنهمر من مقلتيها:
"قالي هيقول إنه كان بمزاجي."
خرج مالك عن صمته وصاح بعصبية:
"هو منظرك كده ويبقي بمزاجك؟! أي دكتورة تقدر تثبت إنه مش بمزاجك...."
ثم زفر محاولًا أن يتمالك أعصابه وهمس بنبرة أهدأ:
"مفيش فضايح يا حنين انتي معملتيش حاجة غلط، هو اللي حيوان و...."
توقف عن الكلام قبل أن يقول لفظًا نابياً أمام الفتاتين.
حاول أن ينظم نفسه مرة أخرى ويتمالك أعصابه:
"طيب قوليلي أقدر أساعدك بإيه؟"
همست حنين بضعف:
"انا عاوزة أروح بيتي."
رقت نبرة مالك مرة أخرى:
"لو مش عاوزة أهلك يعرفوا يبقي مش هينفع تروحي إلا لما تبقي كويسة.... انا رأيي تروحي لدكتورة تطمني إن مفيش حاجة وحشة حصلت... مش لازم تقوليلها اللي حصل ممكن تكذبي عليها بأي حاجة تانية، بس علشان لو محتاجة علاج..."
ابتلع ريقه عدة مرات وقال بنبرة متوترة:
"كمان في برشام لازم تاخديه علشان.... علشان ميحصلش حمل.... وانا اوعدك محدش بره الأوضة دي هيعرف اللي حصل...."
صرخت حنين باكية:
"انا مش هاروح لدكتورة... مش هاخرج من هنا."
تنهد مالك:
"طيب انا هحاول أتصرف."
خرج مالك من الغرفة وجذب جميلة معه، ووقفا أمام باب الغرفة وهمس لها:
"انا هاروح الصيدلية وأحاول أجيب اسم الدوا ده، بس انتي في حاجة مهمة لازم تعمليها يا جميلة... اقنعيها تعمل بلاغ في القسم."
رفعت جميلة عينيها لتتلاقى مع عينيه، كلاهما يشعر بالعجز والضعف والغضب. وهمست جميلة أخيرًا:
"انت عايز شادي يتقبض عليه؟ انت عارف إن مستقبله هيضيع لو اتسجن... هتعمل كده في صاحبك؟"
نظر إليها بعينين يملؤهما الألم وصاح بغضب:
"هو ضيع مستقبلها.... يتسجن أحسن.... أهلها لو عرفوا ممكن يقتلوه..... وبعد اللي عمله ده هو مش صاحبي."
زفر مالك تنهيدة حارة وحاول أن يتمالك أعصابه:
"خليكي جنبها يا جميلة متسيبهاش، وأوعي حد يعرف حاجة... لو حد سأل عليها قوليله إنها نايمة أو تعبانة... أوعي تسيبيها يا جميلة لحد أما أرجع."
خرج مالك بغضب وتوجه ناحية غرفة شادي ويكاد الشرار يخرج من عينيه، غضب غير معهود على مالك الهادئ الطباع. طرق باب غرفة شادي بغضب. فتح شادي وهو في حالة يرثى لها، ضعيف، عيناه بها ذبول من أثر البكاء، ملابسه ممزقة، وشعره أشعث. ما إن وقعت عيني مالك عليه لم يستطع أن يمنع نفسه من أن يسدد له اللكمات بكل ما أوتي من قوة حتى أوقعه أرضًا. أغلق مالك الباب خلفه، انقض على شادي أمسك به من قميصه وهو يصيح بغضب:
"انت كده فاكر نفسك راجل؟ ازاي تعمل كده يا بني آدم؟"
رغم فارق البنية الجسدية بين كلاهما، إلا أن شادي لم يدافع عن نفسه حتى. استسلم للكمات مالك وكأنه يعرف في قرارة نفسه أنه يستحقها.
همس له شادي بصوت ضعيف:
"انت عرفت؟"
وكزه مالك في كتفه وهو يدفعه بعيدًا عنه:
"مش قادر أصدق إنك بجد تعمل كده.... وفي واحدة بتحبها."
بكى شادي بضعف وبصوت متهدج:
"انا مستعد أتجاوزها دلوقتي."
نظر له مالك باستحقار:
"وانت هتبقى راضي عن نفسك لو هي وافقت تتجوزك علشان انت كنت حقير معاها؟ هتعيش معاها إزاي وانت عارف إنها بس وافقت بس علشان انت كسرت عينها."
صاح شادي بغضب:
"كنت عايزني أسيبها تتجوز راجل تاني؟"
ازدادت نظرات مالك استحقارًا وقال باستهزاء:
"وهي كده هتتجوزك وتبقى انت في عينها راجل؟ انت مفكرتش إن ده ممكن يحصل لأختك؟"
صرخ شادي:
"انا عارف إني غلط... بس كل اللي كنت بفكر فيه إنها تستناني.... متتجوزش راجل تاني."
نظر له مالك بغضب وهم بالخروج:
"انت الكلام مع واحد حقير زيك ملوش فايدة... ابعد عنها يا شادي ومش هاكرر كلامي تاني ... و إلا ...انا اللي هاعمل فيك بلاغ في القسم... وياريت متخرجش من أوضتك الليلة اللي فاضلة دي لحد أما نرجع القاهرة ونشوف حل في المصيبة دي....."
وقف مالك لحظات عند الباب ثم استدار ونظر لشادي نظرة مليئة بالاستحقار:
"انا مش عايز أعرفك تاني يا شادي.... انت مقزز."
طرق مالك باب غرفة حنين وجميلة وهمس:
"افتحي يا جميلة انا مالك."
فتحت جميلة الباب بحذر، ناولها مالك كيس أدوية:
"البرشام ده تاخد منه قرص دلوقتي، وأنا جبتلها كريم للكدمات خليها تستخدمه..."
تهدج صوت مالك:
"هي عاملة إيه دلوقتي؟"
نظرت له جميلة بعينين مليئتين بالألم والضعف:
"مش كويسة خالص يا مالك...."
أخرج مالك من جيبه شريطًا من الدواء وناوله لجميلة:
"بصي ده برشام مهدئ... أديها قرص منه علشان تهدأ وتعرف تنام... بس يا جميلة خلي الشريط معاكي .... أنا مش عارف بالحالة اللي هي فيها دي ممكن تعمل في نفسها إيه."
لمعت حدقتا جميلة وهمست وهي تضغط على كف مالك الممدودة بالدواء:
"انا مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه يا مالك... شكرا."
سحب مالك كفه من كفها بهدوء وهمس:
"لو احتاجتي حاجة انا موجود."
ابتسمت له جميلة بهدوء وأغلقت الباب.
انقضى اليوم في رتابة على الجميع، الجميع يشعر بالتوتر المحيط بهم دون أن يعرفوا سببًا له. لم ير مالك شادي طوال اليوم ولم يحاول أن يتواصل معه، كان يشعر بالغضب من فعلته الشنعاء. كان مالك يطمئن على حنين من جميلة بين الحين والآخر.
في وقت السفر، اجتمع الأصدقاء كلهم في بهو الفندق ما عدا شادي. توجه يوسف إلى مالك وهتف:
"شادي عمل checkout ومشي من ربع ساعة، معرفش استنى ليه......... تفتكر لسة زعلان من اللي حصل في الكافيه؟"
حاول مالك أن يرسم الهدوء على ملامحه:
"عادي هو حر.... يلا خلينا احنا كمان نلحق نسافر."
وقف أنس يودع الجميع قبل السفر، لكنه جذب مالك مبتعدًا عن الجميع للتحدث على انفراد:
"في إيه يا مالك؟ أنا حاسس إن في حاجة مضايقاك بس مش عارف إيه هي؟"
حاول أن يرسم ابتسامة على وجهه وهتف بمرح:
"متضايق علشان هاسيبك وأسافر."
ضغط أنس على معصم مالك:
"انت بتضحك عليا ولا على مين؟ لو متضايق إنك مسافر خليك معايا يومين كمان... متخليش أي حاجة في الدنيا تضايقك يا مالك... انت عارف أهم حاجة إن نفسيتك تكون كويسة."
ابتسم مالك بمرارة:
"انا كويس يا أنس متقلقش."
جذبه أنس وضمه إلى صدره:
"خلي بالك من نفسك يا مالك، وأنا هاخد إجازة و أنزل إن شاء الله على الميعاد اللي اتفقنا عليه."
ابتسم مالك وهو يربت على ظهر أنس:
"أشوفك على خير."
حاول أنس أن يتفادى دمعة ترقرقّت في عينه فصاح بمرح:
"بس المرة الجاية لما تيجي متجيبش معاك البت اللي شايفة نفسها دي."
خفتت ابتسامة مالك وقال بمرارة:
"انا كنت غلطان فعلاً لما أصرّيت إن كلهم يجوا معايا... بس أنا كنت عايز أقضي معاكوا كلكوا وقت جميل مش أكتر."
ضحك أنس:
"والرحلة كانت جميلة بعيد عن البلوفر اللي بوظتهولي أستاذة ليلي."
وقف فارس على مقربة من يوسف، والجميع يستعد للسفر، ربت فارس على كتف يوسف:
"أنا شايف إن عربيتي أكبر فالأفضل حياة تركب معايا علشان يبقى في مساحة إنها تفرد رجليها... المسافة طويلة من هنا للقاهرة، وإنها تفضل قاعدة طول الوقت هتكون متعبة عليها."
ابتسم يوسف:
"هو أنا شايف إنه مش مبرر قوي... بس مفيش مشكلة خليها تركب معاك لو هي عايزة ده.. .. وكلنا هنمشي مع بعض."
جلست حنين في سيارة مالك بوجه وجل، وعينان شاردتان. بدأ الجميع في رحلة العودة، انطلق يوسف أولًا وتبعه فارس بسيارته وحياة معه، ومن ثم تبعهم مالك.
لم يمض وقت طويل على التحرك حين وجد مالك أمامه تزاحم مروري وحادث على الطريق. بدأت جميع السيارات تسير ببطء حين صاحت جميلة:
"اقف يا مالك بسرعة دي عربية يوسف."
أوقف مالك السيارة وترجل منها مسرعًا، حين وجد يوسف يقف على جانب الطريق يصيح بألم:
"لارا يا مالك... وشادي كمان."
لم يفهم مالك كلمات يوسف، حاول تهدئته:
"اهدى بس يا يوسف وقولي إيه اللي حصل..... أنا مش فاهم حاجة."
حاول يوسف أن يتمالك نفسه وقال بارتباك:
"وانا ماشي شوفت عربية شادي على الطريق مولعة، وأشار بيده لسيارة تحترق قريبًا منهم... وقفت وطلبت الإسعاف والبوليس... حاولت أنقذه أو أساعده معرفتش النار كانت في كل مكان... سبت عربيتي بعيد شوية وخفت على لارا تنزل معايا قولتلها خليكي في العربية... مفيش ثواني قبل ما أوصل لعربية شادي سمعت صوت قوي ولقيت عربية نقل خبطت عربيتي ولارا جواها.... لارا مبتردش عليا يا مالك... مش عارف أعمل إيه."
انهار يوسف على الأرض، جلس على الرصيف واضعًا رأسه بين راحتيه. حاول مالك أن يخفي عن جميلة وحنين ما حدث. لحظات وأتت سيارة إسعاف حملت لارا وتوجهت إلى المستشفى، وسيارة أخرى حملت شادي.
وقف الجميع في استقبال المستشفى يحاولون أن يعرفوا مصير أصدقائهم. دقائق مرت عليهم كالدهر حين خرج الطبيب أسرع نحوه يوسف وتبعه مالك.
هتف الطبيب:
"زميلكم اللي جه في الحادثة حالته حرجة جدًا...."
صاح يوسف بلهفة:
"طيب ولارا يا دكتور."
هتف الطبيب:
"هي في العمليات دلوقتي.... بس هنحتاج متبرع بالدم، فصيلة دمها مش موجودة عندنا للأسف."
نظر يوسف إلى مالك برجاء:
"مالك انت نفس فصيلة دم لارا صح.... انت تقدر تتبرع لها."
ارتبك مالك، وبدأت يداه ترتعش وقال بصوت متقطع:
"انا.. انا للأسف مش هاقدر أتبرع بالدم."
ازداد رجاء يوسف وهو يمسك بيد مالك:
"ارجوك يا مالك.. لارا بتروح مني...."
نظر مالك أرضًا وهمس بضعف:
"انا أسف يا يوسف.. مش هاقدر."
غضب يوسف وصاح في مالك وهو ممسك بكتفيه يهزه بقوة:
"انت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا بترجاك ... انت بتتعاطى إيه يا مالك خايف إنه يظهر في دمك."
أبعده مالك بضعف وهو يحاول أن يتمالك نفسه:
"أنس في الطريق هو نفس فصيلة دمي.... هو هييجي ويتبرع."
دقائق وكان أنس بالفعل يتبرع بالدم من أجل لارا. وقف الجميع والارتباك والألم واضح عليهما. ما إن خرج أنس من غرفة التبرع بالدم، جاء الطبيب مرة أخرى يحدث الشباب بصوت متهدج:
"البقاء لله... للأسف مقدرناش ننقذ شادي... الحروق في جسمه كانت أكتر من إن قلبه يستحملها."
نزل الخبر على الجميع كالصاعقة. أسند مالك رأسه إلى الجدار خلفه بألم ولم يستطع أن يمنع دمعة فرت من عينه وهمس:
"ليه يا صاحبي كده... ليه تقابله وانت شايل ذنب كبير كده."
زفر مالك تنهيدة حارة واتجه إلى أنس وهمس:
"انت لازم تاخد البنات ترجعهم القاهرة دلوقتي... مش هينفع يفضلوا هنا مع اللي بيحصل ده،"
ثم وجه كلامه إلى فارس الذي يقف على مقربة منه:
"وانت كمان يا دكتور فارس... وصل حياة البيت وطمن عمو وطنط ... وكفاية استنى أنا ويوسف بس."
قال أنس بنبرة واثقة:
"هاوصل البنات وأرجعلك تاني."
توجه مالك إلى جميلة التي كانت تجلس على أحد المقاعد بجوار حنين وليلي وحياة، أشار لها أن تأتي إليه، ابتعد بها عن مسمع الفتيات وهمس:
"جميلة... خدي البنات وروحي مع أنس."
نظرت له جميلة بعينين باكيتين:
"انا مش هامشي وأسيب لارا في الوضع ده.... لازم أطمن عليها الأول."
ابتعد بها مالك أكثر، وضع يديه على كتفيها وهمس:
"جميلة... أنا هابقى مطمن أكتر وأنتي في البيت... وأنا هاطمنك على لارا متقلقيش... بس انتوا مش هينفع تفضلوا هنا."
همست له جميلة بضعف:
"طيب خلاص... أنس يروح ليلي وحنين وخليني أنا معاك هنا."
همس بألم:
"جميلة... أنا هاقولك حاجة بس حاولي تمسكي نفسك ومتبينيش أي رد فعل لحد أما توصلوا القاهرة... من فضلك حنين متعرفش اللي هاقوله إلا لما توصل القاهرة."
هتفت جميلة بقلق:
"في إيه يا مالك قلقتني."
أطرق برأسه وهمس بصوت متألم:
"شادي مات."
وضعت جميلة يدها على فمها تكتم شهقة كادت أن تخرج منها، وبدأت الدموع تنسال من مقلتيها، لكن مالك زاد من ضغطه حول كتفيها:
"أرجوكي يا جميلة.. متخلينيش أندم إني قولتلك... أنا هعتمد عليكي تبلغي حنين بالخبر بس لما توصل القاهرة.... خلي بالك من نفسك يا جميلة."
قالها وابتعد عنها وتركها تحاول أن تمسح دموعها وتستعد للرحيل مع أنس، بينما أنس وقف ينقل حقائب الفتيات من سيارة مالك إلى سيارته. جلست حنين بنفس شرودها في الخلف، جلست جميلة إلى جوارها وضمتها إلى صدرها وهمست في أذنها:
"كل حاجة هتبقى كويسة يا حنين إن شاء الله."
صاحت ليلي في جميلة:
"انتي هتقعدي جنب حنين وتسيبيني أقعد أنا جنب الإنسان المستفز ده."
نظرت لها جميلة بضعف:
"من فضلك يا ليلي مش وقته الكلام ده... اقعدي جنبه وأنتي ساكتة لحد أما نوصل القاهرة على خير."
وصلا إلى القاهرة والجميع في صمت لا أحاديث طوال الطريق، حزن يخيم عليهم. حتى كسرت جميلة الصمت وهتفته بصوت متحشرج إلى أنس:
"من فضلك هنوصل حنين الأول وأنا هانزل معاها... وبعد إذنك هتوصل ليلي بعد كده... ليلي ساكنة جنب حنين."
لم يعقب أنس، بل أومأ رأسه بإيجاب. دقائق وكانت سيارته تقف أمام منزل حنين. نزلت حنين ومن خلفها جميلة وانطلقت سيارة أنس. وقف جميلة أمام حنين وضمتها إلى صدرها وانسابت دموعها على خديها وهي تقول:
"شادي مات يا حنين... العربية اللي شفناها على الطريق دي كانت عربيته بس مالك مرضيش يقول وقتها."
لم تخرج حنين من شرودها. ظلت شاردة تنظر في اللاوجود حولها، تحركت كجسد بلا روح وصعدت إلى شقتها، بينما جميلة وقفت تشاهدها ولا تستطيع أن تتحكم في دموعها.
دلفت حنين إلى شقة والدها بأقدام متثاقلة، تشعر بالخزي والألم يأكل قلبها. فتحت الباب فوجدت عمر يجلس في الداخل بانتظارها. دخلت وأغلقت الباب خلفها بتثاقل، وما إن تلاقت عيناها بعيني عمر، بدأت تبكي بهيستيرية. بكت كما لم تبك من قبل. لم تستطع أن تميز سبب بكائها هل هو إحساس بالخزي، أتبكي موت شادي؟، أتبكي شرفها الذي سلبها شادي إياه؟ أتبكي الألم الكامن بداخلها؟ أم تبكي عمر وما هي مقبلة عليه معه.
ارتاع عمر لبكائها، حاول أن يهدئها وهمس بمرح:
"في واحدة تعيط كده أول ما تشوف خطيبها؟"
نظرت له بعينين خاليتين من الحياة، وهمست:
"عمر انا عاوزة نسيب بعض... أنا مش هينفع اتجوزك."
تركته يقف مشدوهًا من كلماتها التي نزلت عليه كالصاعقة واتجهت مسرعة نحو غرفتها. بدأ الارتباك والغضب يظهر على والد ووالدة حنين، لكن عمر ابتلع الصدمة بألم.
لحظات ووجدت حنين طرقًا خفيفًا على الباب وعمر يستأذن بالدخول. لم ينتظر أن تأذن له، بل فتح الباب ودلف وجدها تجلس على طرف سريرها وتدفن وجهها بين كفيها وتبكي.
نزل عمر على ركبتيه أمامها وهي تجهش بالبكاء، أبعد يديها التي وضعتها على وجهها ونظر في عينيها وهمس:
"إيه حصل؟ عاوزة نسيب بعض ليه؟"
على نحيبها:
"انا مينفعش اتجوزك يا عمر.... انت متستحقش واحدة زيي.... أنا.... أنا مش هينفع اتجوز خالص."
همس لها بنبرة دافئة يملؤها الألم:
"حنين... لو غلطتي في حاجة عرفيني.... أنا ابن عمك قبل ما أكون خطيبك... لو في غلط أنا أصلحه بس عرفيني."
زاد بكاؤها وأخذت تشهق وتنتحب وقالت من بين دموعها:
"والله ما عملتش حاجة يا عمر."
زاد ضغط يديه على معصمها لكن نبرته لا تزال هادئة:
"رفضتي الجواز فجأة ليه يا حنين ...... صارحيني."
ازداد بكاؤها حتى أصبح بكاء هيستيريا، كانت بين الحين والآخر تشهق محاولة أن تأخذ أنفاسها، كانت عيناها معلقتين بالأرض لا ترفعهما لمواجهة عمر الذي كان يحثها على الكلام وهو متمالك أعصابه ويخاطبها بكل هدوء، حتى قالت أخيرًا:
"كان غصب عني يا عمر..... قاومت بس مقدرتش، كل اللي حصل كان غصب عني."
ابتعد عمر عنها بهدوء، وقف ينظر إلى النافذة أمامه واضعًا يديه في جيبه، يراقب حركة السيارات على الطريق بذهن مشوش. دقائق أو لحظات، لا تعرف حقًا حنين كم من الوقت مضى وهو على هذه الحالة حتى كسرت هي الصمت:
"صدقني أنا منفعتكش ولا أنفع أي حد، سيبني يا عمر، بس متقولش لحد اللي قولتهولك دلوقتي من فضلك....."
قالت كلماتها من بين دموعها، لكن ظل عمر على جموده وكأنه تحول إلى تمثال بعد أن سمع كلماتها. أخيرًا تنهد عمر زفرة حارة طويلة وكأن الحياة ردت فيه من جديد والتفت إلى حنين التي بدأ بكاؤها يهدأ وقال بكلمات واثقة:
"فرحنا في معاده.... بعد شهر يا حنين."
قال كلماته وتوجه نحو الباب وخرج وتركها في حالة من الصدمة والذهول، هل حقًا سيتزوجها عمر بعد ما سمعه منها.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل الثامن 8 - بقلم اميرة احمد
انقضت 4 أيام على الحادث ولارا لازالت في المستشفى، تعاني من غيبوبة.
وقف يوسف أمام باب غرفتها يشاهدها من خلف الزجاج، عيناه ضعيفين. شعره أشعث، لحيته غير مرتبة، وكذلك ملابسه.
وقف زياد يرقبه بضعف وبجواره نور. نظر زياد إلى سارة الجالسة على أحد المقاعد القريبة تمسك مصحفًا صغيرًا تقرأ منه القرآن. جلس زياد إلى جوارها وقال بصوت حاول أن يبدو هادئًا:
"أعتقد يا سارة، جه الوقت اللي نخلي خلافات الماضي على جنب. أنتي شايفة الأولاد متعلقين ببعض إزاي. إن شاء الله لارا تقوم بالسلامة ومفيش حاجة تفرقهم. مش هنخلي غلطة عملناها زمان تضيع حبهم."
صمتت سارة بألم ولم تستطع أن تمنع دموعها المنهمرة وقالت بصوت مبحوح:
"بنتي بتروح مني يا زياد."
اقتربت منهما نور، ورغم الخلافات والماضي الأليم إلا أن بداخلها قلب أم لم تستطع أن تقسو وهي ترى أمًا أخرى قلبها ينفطر على ابنتها. اقتربت من سارة ووضعت كفها على كتفها تضغط عليه لتطمئنها وهي تهمس:
"إن شاء الله يا سارة هتقوم بالسلامة وهنفرح بالأولاد."
مالت سارة برأسها على كتف نور وهي تبكي بإنكسار:
"أنتي فاهمة يا نور معنى أني أشوف بنتي قدامي في الحالة دي. حاسة أن قلبي هيقف من خوفي عليها. مش هستحمل يجرالها حاجة."
كانت عينا يوسف معلقتين على لارا من خلف الزجاج حين هتف:
"لارا بتتحرك... حركت إيديها."
دخل الطبيب غرفة لارا، ومن ثم تبعه يوسف والجميع. جلس يوسف إلى جوار لارا وأمسك بيديها. فتحت عيناها ببطء ونظرت إلى وجهه نظرة لم يفهمها. نقلت عيناها بين الواقفين جميعًا، كانت تنظر بشرود حين قطع يوسف الصمت وهو يضغط على يديها:
"حمد الله على سلامتك يا حبيبتي."
سحبت يدها من يديه بذعر وصاحت:
"أنت مين؟"
نظرت إلى والدتها الواقفة خلف يوسف وصاحت:
"مين ده يا ماما؟ مين الناس دي؟ أنا فين؟ بابا فين؟"
اتسعت حدقتا يوسف ونظر إليها بألم. شعر بأن قلبه قد توقف للحظة، لا يصدق ما سمعه للتو، لارا لا تتذكره! كيف؟ همس لها يوسف بضعف:
"أنا يوسف يا لارا... يوسف حبيبك."
اعتلى الذعر ملامح لارا وصرخت مبتعدة عنه:
"أنا معرفكش... الحقيني يا ماما."
ابتعد يوسف في ألم، تراجع إلى الخلف خطوات حتى اصطدم بوالده الذي كان يقف على مقربة منه. ضمه زياد إلى صدره وهمس:
"كل حاجة هتبقى كويسة إن شاء الله يا ابني. خليها على الله."
خرج يوسف من الغرفة وتبعه والده ووالدته. صاح يوسف في ألم:
"مش فاكراني أنا بس يا بابا... افتكرت مامتها عادي. معقول بالسهولة دي نسيتني؟"
بكت نور رثاءً لحال ابنها، بينما حاول زياد أن يحافظ على هدوئه وهو يربت على كتف يوسف:
"استنى بس يا يوسف نشوف الدكتور هيقول إيه."
خرج الطبيب بعد دقائق من غرفة لارا وتبعته سارة، والتف حوله الجميع. فقال الطبيب بصوت ثابت وكأنه إنسان آلي:
"الحالة اللي هي فيها فقدان جزئي للذاكرة. مش حالة تقلق، بتحصل أحيانًا مع الحوادث اللي زي دي، خصوصًا أنها كانت في غيبوبة لفترة. هتسترجع ذاكرتها مع الوقت. المهم أنها ترجع لروتين حياتها الطبيعي. تقابل الناس اللي في حياتها زي ما كانت حتى لو مش فاكراهم، ده هيساعدها أنها تسترجع الذاكرة أسرع. بكرة إن شاء الله هكتبلها على خروج."
قال الطبيب كلماته وانصرف. لم يستطع يوسف أن يكبح دمعة فرت هاربة من عينيه. كيف في ثانية أصبح غريبًا بالنسبة لحبيبته؟ حب عمره، فقدها بهذه البساطة، لا تعرف من هو، لا تعرف بوجوده في حياتها، لا تشعر بما يعانيه من أجلها. كانت وحدها من تستطيع أن تلمس قلبه، تشعر بهمومه دون أن يتحدث، والآن عليه أن يواجه فقدانها وحيدًا، كيف يشكو إليها منها؟ كيف يسترجعها؟ كيف استطاعت أن تنسى حبهما، ذكرياتهما معها، كيف محته من ذاكرتها، وهل محته من قلبها أيضًا؟
***
جلست حياة في غرفتها، تنظر من النافذة بشرود وهي تمسك كوبًا من الشاي في يدها تستمد منه الدفء حين رن جرس هاتفها. نظرت إلى الشاشة المضيئة باسم فارس. أمسكت الهاتف وحاولت أن تسيطر على تلك الرجفة التي أحاطت بقلبها، وبنبرة هادئة أجابت:
"ألو."
أتاها صوته القوي واثق من الطرف الآخر:
"إزيك يا حياة."
ابتسمت حياة لا إراديًا حين سمعت صوته. حاولت أن تسيطر على نبرة صوتها وتخفي حماستها:
"الحمد لله بخير. أنت عامل إيه يا فارس؟"
أجاب بنبرة حاول فيها إخفاء توتره:
"أنا بخير. حبيت بس أطمن عليكي. رجلك بقت أحسن دلوقتي."
لم تستطع حياة أن تمنع ضحكة فلتت منها وقالت بمرح:
"فارس دي رابع مرة تتصل تطمن على رجلي في الأسبوع ده بس."
توتر فارس لكنه همس بثقة:
"أعمل إيه؟ بدور على حجة عشان أتكلم معاكي بيها."
ابتسمت حياة بمرح:
"هو أنت شايف إنك محتاج تلاقي حجة عشان تكلمني؟ كنت فاكرة إننا أصحاب وممكن نتكلم عادي."
ساد الصمت بينهما لحظات، وبعدها جاءها صوته الدافئ:
"عارف. بس حسيت إني محتاج مبرر أكلمك بيه عشان متبقاش مكالمتي غريبة."
همست حياة:
"وليه تبقي مكالمتك غريبة؟"
أردف بصوت حنون دافئ:
"عشان ببقى عاوز أكلمك طول الوقت، ولما بنتكلم مش ببقى عاوز أقفل."
شعرت حياة بقشعريرة سرت في جسدها من كلماته، لكنها قالت بنبرة هادئة:
"طيب أنا سامعاك، قول اللي عاوز تقوله."
صمت لبرهة، ثم همس:
"طيب قوليلي يومك كان عامل إزاي؟"
ضحكت حياة:
"يعني متأكد إنك عاوز تعرف يومي كان عامل إزاي."
قال بنبرة واثقة:
"عايز أطمن عليكي. ويمكن عايز بس أسمع صوتك."
ازدادت دقات قلب حياة. صمتت وهي تحاول أن تسيطر على صدرها الذي أخذ يعلو ويهبط رقصًا على دقات قلبها. لكنه همس مرة أخرى:
"حياة."
بعد محاولاتها للسيطرة، خرج صوتها هادئ وهي تهمس:
"نعم."
قال بنبرة متوترة:
"ممكن متقفليش."
قالت بصوت مرح:
"أنا مكنتش هاقفل أصلًا."
ضحك بخفة:
"خلاص خلينا نتكلم سوا."
ابتسمت وهي تقول بنبرة مرحة:
"عايز تتكلم في إيه يا فارس؟"
ضحك:
"أي حاجة وكل حاجة."
ظلا يتحدثا على الهاتف حتى منتصف الليل. وتكررت أحاديثهما بشكل شبه يومي. يتحدثان سويًا عن كل شيء وأي شيء.
***
مضى أكثر من أسبوع على خروج لارا من المستشفى. مكالماتها معه جافة، قلبه يعتصر كلما سمع صوتها الهادئ وهي لا تتذكره. أخبرها بما كان بينهما، علمت بالمشكلة التي كانت بين أهلها وأهله. وافقت والدتها على الخطبة أخيرًا. لكن لم يكن يوسف سعيدًا بهذا الخبر. كان يتمنى أن تتذكره لارا أولًا قبل أن يقدم على هذه الخطوة.
جلست لارا في الكافيه المجاور لمنزلها. كانت قد اعتادت على مقابلة يوسف فيه منذ أن عرفته، والآن يوسف يجبرها على أن تلقاه فيه. تشعر لارا بالألفة للمكان ولا تعرف السبب. تشعر بالأنس لوجود يوسف معها. تشعر بسكينة قلبها بجواره رغم أنها لا تتذكره.
اقترب يوسف منها وهي تجلس بشرود تام. سحب مقعدًا وجلس إلى جوارها. انتبهت أخيرًا لوجوده. قال بصوت يمتزج فيه الحب بالألم:
"وحشتيني."
لم تجبه كما اعتادت. تغيرت كثيرًا منذ الحادثة، لم تعد معه تلك الطفلة التي تتعلق به كوالدها. اكتفت بابتسامة هادئة ردًا عليه. نظر إليها مطولًا قبل أن يمد يده في جيب سترته ويخرج منها شيئًا. مد يده إليها ففتحت يدها فوضع فيها سلسالًا من الفضة ينتهي بقلب صغير. همس لها بألم:
"فاكرة دي؟"
قلبتها في يدها مطولًا ولم تعقب، فأردف يوسف:
"أول هدية جبتهالك. كان أول عيد ميلاد ليكي وإحنا مع بعض. كنتي فرحانة بيها أوي، وقولتي مش هتقلعيها من رقبتك أبدًا. تنهد يوسف تنهيدة حارة ثم أردف: ادوهالي في المستشفى يوم الحادثة ومن ساعتها وهي في جيبي. فاكراها؟"
قلبت لارا السلسال في يدها قبل أن تلفه حول عنقها وهمست:
"أنا حاسة السلسلة شكلها مش غريب عليا. حاسة إن اللي أنت بتقوله أنا مريت بيه بس مشوش في تفكيري."
ابتسم يوسف رغم المرارة التي تحيط بقلبه:
"كان بينا حاجات كتير أوي. أنا مستعد أحكيهالك كلها بس تفتكريني."
أبعدت لارا عينيها عن عينيه وهمست بحزن:
"أنا حاسة إني مقصرة في حقك ومش عارفة ليه، حاسة إني جارحاك إني مش فاكرة، بس غصب عني فعلًا مش فاكرة. حاسة بحاجة ناحيتك بس مش عارفة أفسرها. بحس بألفة وأنت جنبي. بس مش فاكراك."
أمسك يوسف بيدها بين كفيه وهمس بحنان:
"مش مهم يا حبيبتي. متضغطييش على نفسك هتفتكري مع الوقت."
ابتسمت لارا. أغمضت عينيها كمن تحاول أن تتذكر وهمست بصوت خافت:
"يوسف."
ابتسم يوسف واقترب منها وهمس بأمل:
"افتكرتي حاجة؟"
هزت رأسها:
"مش عارفة بس... يوسف لما بتمسك إيدي مبحسش إنك ماسك إيدي. بحس إنك ماسك قلبي. فاهم حاجة."
اتسعت ابتسامة يوسف:
"بدأتي تفتكري أهو. أنتي عارفة إنك كنتي دايما بتقوليلي كده. وقولتيها دلوقتي بعفوية لإنك افتكرتيها."
ابتسمت لارا بارتباك. هتف يوسف:
"يلا عشان أوصلك."
قامت لارا معه، جلست بجواره في السيارة ولا إراديًا مدت يدها تدير مشغل الأغاني. ابتسم يوسف لفعلتها العفوية ولم يعقب. دقائق مرت عليهم في صمت، لكن حين اشتغلت أغنيتهم المفضلة في الراديو، نظرت لارا إلى يوسف بعينين لامعتين:
"أنا حاسة إني عارفة الأغنية دي."
ابتسم يوسف بألم:
"أنتي بتحبي الأغنية دي."
حركت لارا رأسها:
"مش بس بحبها. أنا حاسة إني سمعتها كتير. الأغنية دي ليها علاقة بيك؟ بينا؟"
أردف يوسف بنفس الابتسامة:
"الأغنية دي أغنيتنا المفضلة، دايما كنا بنسمعها سوا. كل مرة كنت باشوفك فيها كان لازم تشغليها، كنا بنغني معاها في العربية زي المجانين."
هزت لارا رأسها وهمست:
"حسيت إن الأغنية دي ليها ذكري عندي أنا مش فاكراها، بس حساها في قلبي."
لم يستطع يوسف أن يمنع نفسه أكثر من ذلك، هتف بضيق:
"لارا. إحنا حاربنا كتير عشان حبنا، وأنا مستعد أحارب عشانك لآخر عمري. أهلنا أخيرًا وافقوا على الخطوبة. أنتي رأيك إيه؟"
اهتز صوته بتوتر وهتف:
"أنا عارف إنك مش بتحبيني دلوقتي. بس أنا متأكد إني أقدر أخليكي تحبيني تاني وتالت زي ما أنا بحبك. اللي بينا أكبر من إنك تنسيه بالسهولة دي."
ترقرق دمعة بين مقلتي لارا:
"يوسف. أنا حاسة ناحيتك بمشاعر أنا مش فكراها. أنا متلخبطة. إزاي أكون بحب شخص وأنا مش فاكرة أي حاجة بينا. بس أنا موافقة إننا نحاول. موافقة إننا نتخطب."
أمسك يوسف يديها وطبع قبلة حانية على باطن كفها وهمس:
"وأنا أوعدك يا حبيبتي هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تفتكري."
***
التقى يوسف ومالك على إحدى المقاهي كما اعتادوا دائمًا. من بعد الحادث وعلاقتهم متوترة، موت شادي نزل كالصاعقة عليهما، وكذلك مرض لارا شغل يوسف كثيرًا عن مالك.
أخذ يوسف رشفة من كوب الشاي وصاح في مالك بفتور:
"مش عايز تقولي فيك إيه؟"
هز مالك رأسه بالنفي وهو يعبث بهاتفه المحمول:
"مفيش."
نفذ صبر يوسف وصاح:
"أنت مخبي إيه؟ قولي. طيب بلاش أنا. البنت الغلبانة اللي بتحبك وأنا متأكد إنك بتحبها بتخبي ليه يا مالك؟"
قام مالك من مكانه بهدوء. صاح به يوسف مجددًا:
"أنت رايح فين؟ مش قاعدين بنتكلم."
همس له مالك بصوت ضعيف:
"هاروح الحمام و أرجعلك."
أمسك يوسف بمعصم مالك:
"لأ هتقعد لحد أما نخلص كلامنا. مش هاسيبك تهرب يا مالك. أنا ضاع مني صاحب ومعنديش استعداد يضيع مني واحد تاني."
حاول مالك أن يفك قيد يد يوسف لكنه فشل. تكلم بهدوء:
"سيبني يا يوسف أرجوك. 5 دقايق و هارجعلك."
أحكم يوسف قبضته على يد مالك:
"مش هاسيبك غير أما أفهم. جميلة وبتنكر حبها، ورفضت تتبرع بالدم لـ لارا. فهمني في إيه. أنا خايف عليك يا مالك."
لم يستطع مالك أن يصمد أكثر من ذلك ولفظ ما في جوفه على الأرض. ذهل يوسف حين رأى مالك يتقيأ دمًا.
اتسعت حدقتا يوسف وهتف بذعر وقلق حقيقي:
"مالك. أنت كويس؟"
قال مالك بضعف وخذي وهو يحاول أن ينظف نفسه:
"أنا آسف. قولتلك سيبني 5 دقايق."
ناوله يوسف محرمة وهو يقول بقلق:
"فيك إيه يا صاحبي؟"
جلس مالك بوهن:
"أعتقد عرفت دلوقتي مقولتلهاش إني بحبها ليه. عشان مش عايز أشوف في عينيها النظرة اللي في عينيك دلوقتي. أقولها بحبك وبعدين؟ بدل ما أفرحها أحزن عليا! بدل ما أمسك إيديها وأقولها بحبك، تمسك إيدي وأنا باخد الكيماوي. بدل ما أكون سندها وضهرها تسندني هي وأنا خارج بعد الجلسة عشان مش قادر أقف على رجلي! هو ده يبقى حب يا يوسف. أنا بعيد عنها لمصلحتها. بعيد لأني فعلًا بحبها من كل قلبي. وأعتقد أنت فهمت دلوقتي أنا مكنش ينفع أتبرع بالدم ليه، والكدمة اللي على إيدي كانت من إيه."
صمت يوسف لحظات من الذهول يحاول أن يستوعب ما سمعه للتو من مالك صديق عمره. حاول أن يتمالك نفسه وهمس بضعف:
"طيب مقولتش ليه يا مالك. أنا كنت فاكر إننا إخوات وأصحاب."
ابتسم مالك بمرارة:
"مكنتش هتفرق."
صاح يوسف:
"لأ هتفرق. تفرق إنك متشيلش ده كله لوحدك."
تنهد مالك بألم:
"أنا لما عرفت كنت خايف. مكنتش فاهم أوي. أنت عارف بابا وماما اتوفوا بنفس المرض في سنة ورا بعض. حتى أنس أنا مقولتلوش غير من قريب، لما عرفت واتطمنت إن نوع الكانسر اللي عندي ممكن يتعالج، هحتاج عملية لاستئصال الورم كمان شهر وإن شاء الله بعدها الدكتور هيحدد."
قام يوسف من مكانه وربت على ظهر مالك:
"إن شاء الله تقوم بالسلامة يا صاحبي. بس برضه أنت غلطان إنك تخبي عليا حاجة زي دي."
ابتسم مالك بمرارة:
"اديك عرفت أهو. بس من فضلك يا يوسف أنا مش عايز حد يعرف."
ابتسم يوسف وقال مازحًا محاولًا تخفيف وطأة الحوار:
"وخصوصًا حبيبة القلب. شوف كنت عارف والله إنك بتحبها يا واطي."
ابتسم مالك:
"أهو أنت فضلت تضغط عليا لحد أما اعترفتلك إني بحبها."
ضحك يوسف:
"المهم تعترفالها هي."
خفتت ابتسامة مالك:
"لو قمت من العملية إن شاء الله."
يوسف:
"متقولش كده يا مالك. إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهتقولها وتتجوزوا."
حاول مالك تغيير دفة الحوار ليخفي الألم والقلق الذي بداخله:
"ولارا عاملة إيه دلوقتي؟"
تجهم وجه يوسف وتنهد بحرقة:
"لسة مش فاكراني يا مالك. بتفتكر حاجات بسيطة لما بفكرها بيها. قلبي واجعني أوي. بس الحمد لله وافقة إننا نعمل خطوبة."
هز مالك رأسه وقال بصوت هادئ:
"خطوة كويسة إنها وافقة على الخطوبة. واحدة واحدة وإن شاء الله تفتكر كل حاجة."
ضحك يوسف بمرارة:
"مش عارف ليه أنا لازم أحفر في الصخر عشان أكون معاها. أهلي شوية وأهلها شوية ودلوقتي هي."
ابتسم مالك:
"الحب مش سهل يا روميو."
ابتسم يوسف بدوره:
"عندك حق."
***
جلست لارا بجوار يوسف في السيارة، متحمسة لاختيارها فستان لحفل الخطوبة. لا تعرف لماذا تشعر بسعادة حقيقية بداخل قلبها رغم أنها لا تتذكر الكثير عن يوسف. توقف يوسف بجوار إحدى الكافيهات، نظرت له لارا بتعجب فهمس:
"هننزل نشرب حاجة قبل ما نكمل طريقنا."
توجه يوسف نحو طاولة بعينيها، وجلس في مكان محدد وكذلك أجلس لارا في مكان بعينيه. ابتسم وهو يغمز للنادل فوضع أمام لارا طبقًا به قطعة من الحلوى ومكتوب بجوارها بالشوكولاتة "بحبك".
شعرت لارا بوخزة في قلبها، رفرفة عجيبة انتابت قلبها الصغير. أغمضت عينيها تحاول ترتيب أنفاسها التي بدأت تتزايد وبدأت ترى صورًا من الماضي. ذكريات مع يوسف. يوم اختبار في الجامعة. يوم وفاة والدها. وذلك اليوم الذي أتى بها إلى نفس المكان التي تجلس به الآن ليعترف لها بحبه. فتحت لارا عينيها ونظرت إلى يوسف وهمست بارتباك:
"أول مرة قولتلي بحبك كان هنا صح؟"
لمعت عينا يوسف:
"افتكرتي؟"
أومأت رأسها بالإيجاب:
"صور مشوشة. بس ده اللي حصل. صح؟"
أمسك يوسف يدها وهمس:
"بحبك يا لارا."
ابتسمت لارا بارتباك وخجل وكأنها تسمعها من يوسف لأول مرة.
اتسعت ابتسامة يوسف واقترب منها أكثر بسعادة واضحة على صوته:
"زي أول مرة قولتلك بحبك، نفس رد الفعل."
بابتسامة لطيفة همست لارا:
"مش يلا عشان نلحق نشتري الفستان. كده هنتأخر."
دخلت لارا إلى إحدى المحال التجارية. توجه يوسف إلى أقرب مقعد وجلس وهو يهتف:
"اشمعنى منسيتيش ترددك ده مع الحاجات اللي نسيتيها."
ضحكت لارا وهي تعقد يديها:
"أنت كمان مش عاجبك."
هتف بمزاح:
"تعبت يا حبيبتي. ده عاشر محل ندخله ومفيش حاجة تعجبك."
أشارت له بيدها:
"خلاص خلاص. المحل هنا شكله فيه حاجات حلوة."
غابت لارا لدقائق تتنقل بين الفستانين المرصوصين بعناية، جاءت تحمل اثنين في كلتا يديها إلى يوسف. "حلو؟" قالتها لارا وهي تشير بالفستان إلى يوسف.
نظر لها يوسف بابتسامة:
"قيسيه يا حبيبتي ونشوف."
جلست إلى جواره وتنهدت:
"ما هي دي المشكلة. أنا طول عمري بحب البينك ونفسي ألبس فستان بينك منفوش. بس مش عارفة ليه حاسة من جوايا إن مفروض أختار الموف. حاسة كأني اتفقت مع نفسي ألبس موف في اليوم ده. فاهم حاجة."
ضحك يوسف ومال على أذنها:
"متفقة معايا يا حبيبتي تلبسي اللون ده."
نظرت له لارا بعدم فهم، فأردف:
"أنتي عارفة إن بحب اللون الموف، وأنتي بتحبي البينك. كنا نتخانق، فـ اتفقنا هتلبسي موف في الخطوبة وهاسيبك تدهني الحيطة في أوضة النوم بتاعتنا بينك."
نظرت له لارا وعقدت حاجبيها:
"وأنت كنت عاوز أوضة النوم ندهنها إيه؟ أبيض؟"
ضحك يوسف وهو يميل برأسه عليها:
"بيئة أوي الأبيض فعلاً."
ضحكت لارا حتى دمعت عيناها. بينما يوسف ظل شارداً يشاهد ضحكتها التي اشتاق لها طوال الأيام الطويلة الماضية.
سكتت ضحكتها عندما لاحظت نظرة يوسف لها. حاول أن يتدارك ارتباكها فقال:
"ها هتختاري أنهي واحد فيهم، لسة هنشتري البدلة."
رفعت كتفيها في حركة طفولية:
"إحنا متفقين على الموف، عشان أنا مش هاتنازل عن أوضة نوم بينك."
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل التاسع 9 - بقلم اميرة احمد
في يوم حفلة الخطوبة...
في داخل القاعة جلس زياد بجوار نور و همس: مش هتفردي وشك بقي؟
قالت من بين أسنانها: شايف الخطوبة اللي ابنك عاملها لبنت سارة.... شايفة يا حياة يا حبيبتي... عارفة ان ماما متعملهاش حتى فرح.
رفع زياد يديه في استسلام وهتف: والله يا بنتي ما عملت فرح لا ليها و لا لغيرها.
رفعت نور حاجبيها وعقدت جبينها ومالت على أذنه و همست: انت كنت عاوز تعملها فرح كمان؟
نظر زياد إلي عينيها و قال بمشاكسة: يعني يرضيكي جوازتين و معملش حتي فرح واحد.
أشاحت نور بوجهها عنه ولم تعقب، مال عليه و هو يحاوطها بذراعه: يعني عاوزة تنكدي يوم خطوبة أبنك؟
ابتسمت نور وهي لاتزال تشيح بوجهها عنه، مال عليها وهمس: أنقذك مني أن طارق جه.
اقترب طارق وقام زياد يصافحه بحرارة، بينما أقترب فارس من حياة مد يده ليصافحها، مدت يدها فاحكم قبضته علي كفها بينما عينيه معلقتين علي عينيها: عاملة ايه دلوقتي يا حياة.
ابتسمت وأحمرت وجنتيها، وهي تحاول ان تسحب كفها من كفه الذي أحكم الضغط عليه ولازالت الابتسامة تعلو وجهه، وقالت: الحمد لله.... أزيك انت يا فارس.
أردف فارس: الحمد لله ..... متوترة ليه كده كأننا اول مرة نتكلم؟
همست بارتباك وهي تسحب يدها من يده أخيرا: يعني.... بس مش واخدة اننا نتكلم و احنا شايفين بعض كده.. كنا بنتكلم علي التليفون..
ترك يدها بابتسامة وجلس إلى جوارها وهو يهمس: بس برضه اتقابلنا قبل كده، ولا متوترة علشان أهلنا هنا؟
اخفضت رأسها وهمست: يعني.. ممكن يكون ده السبب.
بينما مال زياد علي أذن طارق: ابعد الواد أبو عنين ملونة ده عن البنت.
ضحك طارق: ما تسيبه يا عم... مش يمكن حظه يبقي أحسن من ابوه.
وكزه زياد فى كتفه: بعيد عن بنتي يا طارق....
ضحك طارق: انا ابني مش طالعلي يا زياد ما تخافش.... ملوش في الحاجات دي.
تغيرت ملامح زياد إلي الجدية: انا بيتي مش بعيد عنك انت وابنك يا طارق..... فاهمني.
ضحك طارق: انت هتعمل حما علي الواد من دلوقتي.... سيبه و هيجيلك لوحده.
دخلت جميلة إلي الحفل ترتدي فستان باللون الأحمر الناري يصل حتى ركبتيها ويظهر كتفيها المرمريتين وتركت شعرها الأسود منسدل خلف ظهرها بحرية .... التفتت اليها الأعين حين دخلت إلي القاعة... سلمت علي الجميع بابتسامة مرحة... كانت جميع الأعين تراقبها في إعجاب الا مالك، اعتري الضيق ملامحه حين رأها علي هذه الهيئة و اشاح بنظره عنها..... جلست إلي جواره في هدوء.... رفع عينيه اليها في ضيق وقال من بين اسنانه: ايه اللي انتي لابساه ده؟
ردت بتعجب: انا توقعت انه هيعجبك.
قال مالك بضيق واضح في نبرة صوته: انتي مش شايفة الناس بتبص عليكي ازاي؟
تغيرت ملامحها: انا مقصدش اضايقك.... بس توقعت ان شكلي هيعجبك النهاردة.
مال علي أذنها وهمس: انتي عارفة إنك جميلة من غير أي حاجة.... مش محتاجة تعملي كل ده.
ابتسمت في خجل وهمست: بجد؟
صمت مالك وابعد عينيه عنها.... همت جميلة بالوقوف لكن مالك امسك بمعصمها بقوة: رايحة فين؟
قالت بخضوع: كنت هاقوم اشوف لارا.
قال بضيق: ممكن تقعدي متتحركيش من هنا لحد اما اروحك.
همست: حاضر... بس ممكن أسلم بس علي لارا.
تنهد مالك وتغيرت نبرة صوته إلي اللين: ممكن تستني لحد اما أقوم معاكي.
ابتسمت له في حب: حاضر يا مالك.... بس ممكن اطلب منك طلب؟
مالك: اتفضلي.
قالت بصوت مرتبك: ممكن ترقص معايا؟
تصنع مالك البرود: انا اسف يا جميلة مش هينفع.
تساءلت في حزن: ليه؟
اشاح بنظره بعيد عنها: انتي شايفة كل اللي بيرقصوا كابلز.
زفرت بضيق: ارقص معايا علي اننا أصحاب.
رواية نبضات لا تعرف المستحيل الفصل العاشر 10 - بقلم اميرة احمد
كانت الموسيقى تعلو في القاعة، نغمات صاخبة تشبه ذلك الصخب بداخلها.
الزغاريد تدوي في كل مكان، عدسات الكاميرات موجهة عليهما.
تقف حنين في منتصف القاعة ترتدي فستانًا أبيض ضخم، بجوارها يقف عمر، يبتسم للجميع بثبات، يحيي المهنئين بابتسامة ودودة وكأنه اليوم الذي يحلم به من سنين.
أمسك يدها برفق، يضغط على أصابعها محاولًا طمأنتها، لكنها لا تنظر إليه حتى.
كانت نظراتها شاردة، متعلقة بالفراغ، تفكر بالألم الذي يحيط بقلبها، بجزء من روحها فقدته ذات ليلة ولن يعود إليها أبدًا.
اقتربت منها جميلة وهمست في أذنها:
مبروك يا حنين.
أومأت حنين برأسها ولم تعقب.
ربتت جميلة على كتفها وانصرفت.
اقتربت إحدى أقاربهم وصاحت بفرح:
مبروك يا عروسة.. أخيرًا فرحنا بيكوا.
ابتسمت حنين ابتسامة مجاملة:
الله يبارك فيكي.
نظر لها عمر ثم همس قرب أذنها:
تعبانة؟
أومأت رأسها:
شوية.
كان يدرك عمر جيدًا أن ألمها لم يكن جسديًا، بل شيئًا هناك ينهش في روحها، حتى هو يصيبه بعض من وجع القلب الذي يصيبها.
ربت عمر على كفها بحنان:
أنا معاكي ومن دلوقتي مش هاسيبك ثانية.
أغلقت حنين عينيها بألم وهي تعلم أنها لم تعد تملك في حياتها رفاهية الاختيار.
وبرغم يقينها من أن ذلك اليوم الذي ستوهب فيه حياتها وروحها لعمر سيأتي، لكنها لم تكن تعرف أن ذلك اليوم سيأتي وروحها خاوية من الحياة.
فتحت عينيها ونظرت إلى عمر والطمأنينة التي تطل من عينيه وقالت لنفسها:
أنا اخترت عمر من الأول.
بعد الحفل، أول ما أغلق عمر الباب وصارت حنين وحيدة معه في شقتهما، نظر إليها بعينين يخرج منهما الشرار، حدة لم تعهدها عليه من قبل.
أمسك يديها بعنف وصرخ بها:
قوليلي مين اللي عمل فيكي كده.
بكت حنين، لكن هذه المرة لم يضعفه بكاؤها، بل صرخ من جديد:
قوليلي اسمه بس، وأنا مش هاسكت غير لما أجيب لك حقك.
ابتعدت عنه في هدوء تتحاشى غضبه.
جلس عمر على أول مقعد بجواره، دافنًا رأسه بين راحتيه وهمس بضعف:
مش هاعرف أعيش معاكي غير لما آخد حقك، لو سيبته يبقى أنا مش راجل قدام نفسي وقدامك.
اقتربت منه حنين، جثت على ركبتيها أمامه رغم فستانها الأبيض الكبير.
أمسكت يديه تبعدها عن وجهه لتنظر إلى عينيه وهمست من بين دموعها:
أنت أرجَل واحد أنا شفته في الدنيا... ولو على حقي يا عمر ربنا جابهولي... شادي مات بعد ما عمل فيا كده بيومين.
نظر إليها بعين كلها ألم، حمراء من الغضب، ثم قام من مكانه في عنف وعصبية وانطلق كالثور الهائج:
إزاي... مات إزاي...
أمسك معصمها يرفعها من على الأرض بعنف واقترب من وجهها وصرخ:
أنتي فاكرة إنك بتحميه مني لما تقولي إنه مات؟ بتدافعي عنه بعد اللي عمله؟
ترجته حنين من بين دموعها مجددًا، وهي تتألم من ضغط أصابعه على معصمها:
والله يا عمر مات.
لاحظ يديها التي تحول لونها إلى الأحمر، وتركت أصابعه علامات حول معصمها.
تركها وهو يبتعد عنها، أمسك بمزهرية قريبة وألقى بها أرضًا، فتهشمت وتناثرت أجزاؤها في أرجاء الغرفة.
انتفضت حنين رعبًا من صوت ارتطام المزهرية بالأرض.
اقترب عمر منها مجددًا، حاول أن يتمالك أعصابه وهمس بألم:
احكيلي اللي حصل يا حنين.
اتسعت عيناها وأومأت رأسها بنفي.
لكنه عاد وأمسك معصمها من جديد وصرخ بها:
احكي... عايز أعرف كل حاجة.
لم تجد حنين بدًا من ثورته غير أن تقص عليه ما حدث، كيف تعرفت على شادي، كيف أحبته، وعن اليوم الذي قتل روحها فيه.
لم تحكي له عن تفاصيل ذلك اليوم، كل ما ذكرته أنها قاومت وحاولت أن تدافع عن شرفها بكل ما أوتيت من قوة.
كان عمر يسمعها بقلب محطم.
وحين انتهت نظر إليها نفس النظرة النارية وسألها بصوت يملؤه الألم:
وإنتي لسه بتحبيه يا حنين؟
قالت من بين دموعها وبقلب محطم:
أنا من يوم ما لبست دبلتك وأنا ماتت كل حاجة في قلبي ناحيته، ومن يومها أنا كرهته من اليوم ده.
كان عمر يسمعها باهتمام وهو ينظر إلى عينيها الصادقتين.
لكنه اقترب منها من جديد وصرخ:
أنا عايز عنوانه دلوقتي.
قالت من بين دموعها:
أنا معرفش بيته فين.
أخرج هاتفها من جيبه وألقاه إليها:
اتصرفي.
أمسكت حنين الهاتف بيد مرتعشة واتصلت بمالك.
أشار لها عمر أن تفتح مكبر الصوت.
لحظات ورد مالك بقلق:
حنين انتي كويسة؟
حاولت أن تتماسك وتكف عن البكاء وهمست بصوت ضعيف:
مالك... معاك عنوان بيت شادي؟
توتر صوت مالك أكثر وهتف:
الله يرحمه... عايزاه ليه؟ انتي كويسة يا حنين؟
سالت دموعها على خديها وتمتمت:
من فضلك العنوان يا مالك.
فهم مالك أن عمر بجوارها، فرد بحزم:
هابعتهولك في رسالة دلوقتي.
أغلقت حنين الهاتف وجذبه عمر منها في عنف ووضع الهاتف في جيبه، وانطلق نحو الباب خارجًا وتركها خلفه تبكي بلا توقف.
عاد عمر إلى المنزل مع أول خيوط الفجر، وجد حنين قد غفت على إحدى المقاعد بفستانها الأبيض وطرحتها الطويلة ملتفة حولها.
اقترب منها عمر وربت على كتفها بحنان وهو يهمس باسمها.
فتحت حنين عينيها وانتفضت حين رأته وهتفت:
عمر انت كويس؟
اقترب منها عمر بحنان وحملها حتى غرفة نومهما.
أنزلها أرضًا واقترب منها وهمس برقة:
أنا آسف يا حبيبتي... مكنش المفروض تقضي ليلة فرحك كده... حقك عليا، بس كان غصب عني.
ضمها إلى صدره بحنان وقبل رأسها.
انتفضت حنين بين ذراعيه، لكنه ابتعد عنها بهدوء:
أنا هاسيبك ترتاحي وتنامي براحتك وهااروح أنام في الأوضة التانية... لو احتجت حاجة اندهي عليا.
قال كلماته وخرج من الغرفة دون انتظار رد منها، تركها خلفه تقف في دهشة بفستانها الأبيض.
في الصباح، استيقظت حنين على طرقات خفيفة على الباب.
فتحت عينيها تنظر إلى كل ما حولها في دهشة.
لحظات حتى استوعبت أنها الآن في بيت عمر، وبدأت أحداث الليلة السابقة تعود إليها بالبطيء.
اعتدلت في السرير بكسل وهمست بصوت ضعيف:
اتفضل يا عمر.
دخل عمر بابتسامة واسعة، رغم ملامحه الجامدة إلا أنها تلين مع ابتسامته.
جلس عمر بهدوء على طرف السرير ينظر إلى حنين التي تنظر إليه بخوف وقلق.
لحظات من الصمت بينهما مضت كسرها عمر حين قال بصوت هادئ:
يا رب تكوني نمتي كويس.
أومأت رأسها بالإيجاب وهي تشد طرف الغطاء عليها أكثر.
ضحك عمر وقال بمرح:
طبعًا نمتي كويس... إحنا بقينا الضهر... يلا بلاش كسل أنا حضرت الفطار... بس اعملي حسابك ده النهاردة بس.
خرج عمر من الغرفة وبقيت حنين جامدة في مكانها.
لحظات وعاد يقف على باب الغرفة مرة أخرى وهتف:
يلا... أنا جعان على فكرة.
قامت حنين تتبعه في شرود.
نظرت إلى طاولة الطعام المعدة بأشهى الأصناف ونظرت إلى عمر في دهشة.
لم تستطع أن تمنع شبح ابتسامة صغيرة ظهرت على شفتيها وهمست:
أنت اللي عملت كل الأكل ده؟
سحب مقعدًا لها لتجلس بجواره:
بقالي سنين عايش في الغربة لوحدي... طبيعي اتعلمت أعمل أكل كويس.
وضع لها قطعة من البيض في طبقها ونظر لها بابتسامة:
أنا أحسن واحد يعمل أومليت على فكرة... بس خلي بالك ده هيصعب موقفك أوي.
كانت حنين ترقبه في صمت.
أخيرًا تكلمت بصوت ضعيف هادئ:
هيصعب موقفي إزاي؟
ضحك عمر بوجه بشوش:
حبيبتي... أنا باطبخ حلو، بس برضه ناقد جبااار... يعني لازم أكلك يكون حلو عشان يعجبني.
رفعت حنين حاجبيها وهتفت بمشاكسة:
أنت مجربتش أكلي... أنا باعرف أطبخ برضه.
ربت عمر على كفيها الممدودة على الطاولة:
خلاص يا حبيبتي ورينا مواهبك في الغدا إن شاء الله... ولو حابة أني أساعدك أنا ممكن أتكرم وأساعد بس متاخديش على كده.
ضحكت حنين أخيرًا:
لأ شكرًا مش محتاجة مساعدة.
وضعت حنين الطعام في فمها ثم قالت:
أنا كنت فاكراك بتقول أي كلام يعني عشان تبهرني... بس الأكل حلو فعلاً يا عمر تسلم إيدك.
بتلقائية أمسك عمر كفها التي أرختها على الطاولة ووضع قبلة عليها:
بالهنا يا حبيبتي.
ارتبكت حنين من فعلته لكنها لم تعقب.
لكن عمر نظر لها بعينيه القويتين وقال:
حنين أنا جوزك انتي لازم تفهمي ده... مش لازم ترتبكي كل ما المسك... اللي أقدر أوعدك بيه إني مش هالمسك غير لما تبقي انتي جاهزة... وأنا مش مستعجل... بس خلينا نتعامل عادي على الأقل.
أومأت حنين رأسها بتوتر ملحوظ، فأردف:
إحنا هنسافر كمان أسبوع متنسيش تبقي تحضري شنطتك... أنا شايف إننا محتاجين نبعد عن هنا بكل حاجة وحشة حصلت، خلينا نبتدي مع بعض من جديد.
نظر لها عمر بحنان وهو يربت على كتفها وأردف:
حنين... أنا عايزك تنسي أي حاجة وحشة أنتي مريتي بيها... اعتبري حياتك معايا بداية جديدة... وأنا هاعمل كل اللي أقدر عليه عشان أسعدك.
ابتسمت حنين بألم وقالت بصوت بالكاد مسموع:
حاضر يا عمر.
انتهيا من الفطور، ودخلت حنين إلى غرفتها.
لكنها فوجئت بعمر يقف على باب غرفتها يهتف:
قومي غيري هدومك هننزل.
نظرت له حنين باستغراب وهي تتصفح هاتفها المحمول باهمال:
هنروح فين؟
دخل عمر إلى الغرفة، بدأ يخرج ملابسه من خزانة الملابس وهتف:
هنتفسح شوية، بس بسرعة لو سمحتي أنا مبحبش التأخير، قدامك 10 دقايق وتلاقيني جاهزة.
حمل عمر ملابسه وخرج من الغرفة، وبقيت حنين شاردة.
أخذت تتحسس ملابسها بتردد، حتى استقرت أخيرًا، ارتدت ملابسها سريعًا.
وقبل أن تضع اللمسات النهائية، وجدت طرقًا خفيفًا على الباب وصوت عمر يأتي من خلفه:
الـ 10 دقايق خلصوا على فكرة.
فتحت حنين الباب وهي تهتف:
خلاص والله فاضل حاجات بسيطة في الميكاب وننزل.
وقف عمر يتأملها بعينين لامعتين بالحب.
ثم اقترب منها وهو يأخذ قطعة قطنية مخصصة للتجميل موضوعة أمامها، وبدأ يمررها على وجهها في حنان.
تسمرت حنين مكانها وكأن أنفاسها قد توقفت منذ أن اقترب منها عمر.
تحسس بشرتها بالقطعة القطنية وهو يقول بصوت هادئ:
أنتي مش محتاجة تحطي ميكاج يا حنين... أنتي حلوة من غيره... بعدين واحنا سوا مش بتحطي ميكاج، تحطيه وانتي خارجة والناس تتفرج عليكي.
أخيرًا ناولها القطعة القطنية في يديها، وهو يميل عليها بنفس النبرة الهادئة:
لو عايزة تحطي ميكاب يبقي ليا أنا وبس... امسحي وشك وأنا مستنيكي بره.