تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
يعني اطمن بقى إني في حماية جاسر الريان وما أخافش.
مال برأسه يتطلع إليها بنظرة متفحصة مع ابتسامة مرحة، وشقاوتها الحديثة عليه تثير بقلبه البهجة بعنف.
فقال: بقولك إيه، ما تيجي تركبي الحصان وتجربي.
شهقت رافضة وهي تحاول الإفلات من ذراعه.
لا يا أخويا، أنا مش عايزة أركب، أخاف.
والنعمة يا جاسر، سيبني وبلاش غلاسة.
جلجلت ضحكاته الرجولية الصاخبة مرة أخرى وهو يمنع عنها الإفلات والهرب منه، مستمتعًا بمناكفتها.
***
ولجت إلى داخل منزلها، تتمايل بخطواتها بعدم اتزان من فرط فرحتها وحالة الانتشاء ما زالت تتملكها.
دفعت بسلسلة مفاتيحها على أقرب طاولة وجدتها أمامها، قبل أن تسقط على الأريكة متكئة بجذعها وابتسامة متسعة على وجهها.
لقد حدثت المعجزة، وجاءت الفرصة لكي ترد القلم القديم لجاسر الريان.
تقسم بعمرها أنها لم تتوقع، ولا حتى في الأحلام، هذا الرجل بكل جبروته وسطوته.
أخيرًا وجدت نقطة ضعف له، أخيرًا تنازل وسلم مفاتيح قلبه لامرأة.
وياليتها كانت امرأة من وسطه وتليق بقامته، أم أنها تمثل له تحديًا أو نزوة؟ لا تعلم.
المهم أنها وجدت فرصتها أخيرًا.
احتدت عيناها وهي تعيد تذكر الليلة المشؤومة حينما طردها ليلاً من منزله وكأنها بائعة هوى، بعد أن أهان كرامتها وقلل من أنوثتها التي تتفاخر بها أمام الجميع.
استفاقت من شرودها على صوت الهاتف بجوارها، والذي كان يصدح بورود مكالمة.
تطلعت للرقم واسم صاحبته بتأفف، لا تريد إجابتها أو الخوض معها في الأحاديث التافهة التي لا تمل منها.
تمتمت بضيق وهي تتطلع للاسم.
مش وقتك خالص دلوقتي يا ميري، بعد ما كارتك اتحرق بالجديد واتعدى الموضوع كل تصوراتي.
***
فور انتهاء المكالمة، ضغطت على أرقام الهاتف طالبة رقمًا آخر، فوصلتها الإجابة سريعًا من صاحبها.
الوو... يا أهلا وسهلا بمرفت هانم، توك ما افتكرتي فينا.
أجابت بلهجة بغنج.
على الأقل أنا بفتكر يا سيدي، مش زيك.
المهم بقى، أنا هاقولك ما بتفتكرش فيا خالص.
رد عليها الرجل.
طب إيه بس، وشغل الجرايد وأخد كل وقتي، ما انت عارف صاحبك بيحب المغامرات والجري ورا كل خبر جديد.
امممم.
زمّت بفمها ثم قالت بميوعة.
الله يقويك يا سيدي، على العموم أنا مقدرة وعارفة بأشغالك الكتير كمان.
وعشان تصدقني، ليك عندي سبق صحفي هايرفعك لمدير ويشهرك كمان.
دبت الحماسة في صوت الرجل من الجهة الأخرى ليسألها.
بتتكلمي جد؟ طب ما تقولي يا بنتي على الخبر ده اللي هايرقيني ويشهرني كمان.
ضحكت بصوت عالٍ وردت بمكر.
هاقولك بس على شرط، أبقى برا الصورة ويظهر الموضوع وكأنه اجتهاد شخصي منك.
وأنا يا سيدي، هاقولك على التفاصيل اللي تمشي عليها عشان تتأكد بنفسك.
رد الرجل بمرح.
حلو قوي يا فوفة، انت كده شوقتني أعرف الموضوع.
***
في نهاية الجولة، وبعد قضاء الوقت في مزرعة الخيل وتناول طعامهم في الهواء الطلق وسط الخضرة التي أخذت مساحة واسعة لهذا المنزل الريفي، كان اللقاء مع الوارد الجديد في الحظيرة الداخلية للفرسة بشرى، والتي لفت اسمها انتباه زهرة.
فسألت جاسر وهي تشاهد المهرة الصغيرة.
اسمها حلو قوي، مين اللي سماها كده؟
أجابها جاسر وهو يتفحص المهرة عن قرب بالحجرة الخاصة بهم في الحظيرة.
أنا اللي سميتها كده يا زهرة، وأنا اللي مسمي معظم الخيول هنا.
أصل المزرعة دي في رعايتي من زمان.
والدي ووالدتي بيجوا تقريبًا في السنة مرة أو مرتين.
وعلى فكرة، أنا برضو اللي سميت الكتكوتة الصغيرة من وهي في بطن أمها.
سألته زهرة بفضول.
وسميتها إيه بقى؟
ترك الصغيرة ليخرج إليها ويجيبها.
سميتها زهرة.
فغرت فاهاها، وظهر على وجهها عدم التصديق.
فاقترب يداعبها على أنفها بسبابته قائلاً.
مش مصدقة ليه؟ حد قالك إني بكذب يعني؟
ولا انت كنت تعرفيلها اسم تاني مثلاً وأنا مش عارف؟
هتفت بابتسامة مستترة وهي تبتعد عن متناوله.
يا باي عليك، بطل بقى غلاسة يا جاسر، خلاني أتكلم.
ماشي يا ستي، اتكلمي.
قالها وهو يكف عن مناغشتها ويتكئ بجسده على الفاصل الخشبي بينهم وبين حجرة الفرسة بشرى ومهرتها.
هتفت زهرة.
عشان طبعًا مش معقولة، أنا وأنت من ساعة ما اتجوزنا ماسيبناش بعض غير في اجتماعات الشغل الضرورية.
يبقى إمتى جيت واخترت اسم البيبي اللي في بطن الفرسة؟
تنهد بعمق قبل أن يجيبها بصدق.
أنا اخترت اسمها في اليوم اللي انت رفضتي فيه، فاكرة ولا أفكرك؟
أطرقت برأسها تزم شفتيها بحرج.
فاستطرد هو.
في اليوم ده أنا كنت مضايق قوي، جيت هنا عشان أخرج بحصاني، فاكتشفت حمل بشرى.
ساعتها حلفت إني هاسمي البيبي اللي في بطنها باسمك، معرفش ليه جالي الخاطر ده، رغم إني كنت متغاظ منك في يومها أوي.
صمتت زهرة قليلًا تنظر إليه بعشق، ثم أهدته ابتسامة ممتنة وهي تقترب منه قائلة.
أنا متشكرة قوي يا جاسر، واحد غيرك بعد اللي حصل كان نجا بنفسه من النسب اللي يعر.
لكن انت لا بينت تأثرك، ولا حتى بان على وشه.
دا غير الخروجة اللي تجنن دي كمان.
قطع جملتها بوضع سبابته على فمها، ثم اقترب ليقبلها من وجنتيها قائلاً بصوت متحشرج.
أوعي تفتكري إني بعمل كده من ذوقي ولا حسن أخلاقي.
أنا في سعادتك بلاقي سعادتي، وحزنك هو حزني.
روحي فيك يا زهرة، واللي يزعلك أو يأذيك يبقى بيأذيني أنا.
أسعدتها الكلمات منه وهي تشعر بصدقها، وكأنه المطر الذي هطل فجأة ليعيد لأرضها الحياة، ثم تنبت بزهور العشق والمودة لهذا الرجل.
تناولت كفه تعبر عن عشقها بقبلة رقيقة مثلها.
ابتسم هو بمكر رافعًا حاجبًا خطيرًا، قبل أن يعتدل بجسده لها ليعيد إليها هديتها لأضعاف أضعاف، غير مبالٍ باعتراضها كالعادة.
***
في اليوم التالي.
وبداخل حجرة الاجتماعات في الشركة، كان يتوافد مسؤولو المجموعة وموظفوها الكبار للجلوس في أماكنهم المحددة قبل بدء الاجتماع.
زهرة، والتي كانت تجلس بمحلها بجوار مقعد رئيسها والذي لم يأتِ إلى الآن، كانت تعمل على مراجعة الملفات المطلوب البت فيها داخل الاجتماع.
غافلة عن أعين متربصة لم ترفع أنظارها عنها من وقت أن دلفت وجلست على مقعدها.
تتفحصها بدقة وتتساءل بداخلها عن السر بهذه الفتاة، والذي جذب جاسر الريان بجلالة قدره ليلتفت إليها، بل ويضحي ليتزوجها، غير عابئ بالفروق الهائلة بينهم.
إن كانت جميلة، فالعالم يمتلئ بالجميلات التي من وسطه ويناسبنه.
أم أنه رغب فيها واستعصت عليه فلجأ إلى الحلال كي ينالها؟
ولكن حتى لو كان هذا هو السبب، فهي الأعلم بجاسر الريان أنه لا يسلم اسمه لامرأة لسبب مثل هذا.
أيكون اقتنع بالبراءة التي تحاوط بها نفسها؟ أم أنها أحبها فعلًا؟
تشعر بغرابة الكلمة مع رجل مثله، جلف قاسٍ لا يعبئ بمشاعر امرأة.
قطعت تفكيرها فجأة لتنهض وتبتعد قليلًا قبل موعد الاجتماع.
لا تريد الاستسلام للذكرى القميئة برأسها.
خرجت من الحجرة لتذهب نحو مرحاض النساء، لتخرج الهاتف وتتصل برقم الأمس.
فجاءها الرد سريعًا.
الوو يا فوفوتي، لحقت أوحشك.
هتفت عليه بنزق.
أوحشك ده إيه انت كمان؟ أنا بتصل عشان أسألك عملت إيه في الموضوع اللي كلمتك عليه امبارح.
طقطق بفمه صوت عتاب ساخر ليقول.
أخص عليك يا فوفة، بقيتي صعبة قوي لدرجادي مش طايقة العبد لله.
قال وأنا اللي قلت إننا هانعطف ونعيد الأيام القديمة.
فـ...
هتفت بها مقاطعة بحدة.
فتراجع الآخر عن مزاحه يقول بصوت جدي.
رغم إني مضايق من زعقك فيا، بس أنا هاطمنك وأقولك إني شغال في موضوعك وبظبطه على التمام.
بس المفاجأة بقى اللي اكتشفتها أنا بقى وغفلت عنك انت.
سألته قاطبة باستفسار.
معلومة إيه؟
أجابها على الفور بحماس.
البنت اللي ادتيني عنوانها وسألت عنها في منطقتها، اتضح إن والدها مسجون في قضية مخدرات.
يعني الخبر لو اتنشر والناس عرفت بنسب الباشا اللي بيهز البلد بمشروعاته، مش هايبقى خبر الموسم وبس، لا يا قلبي دي هتبقى فضيحة.
شهقت بفرحة لم تقدر على كبتها.
يانهار أبيض، انت بتتكلم يا فاضل؟ طب مستني إيه؟ ماتنشر بقى وسمّع الدنيا.
رد الرجل.
يا قلبي أنا مستعد أنشر من امبارح مش من دلوقتي.
بس بقى نفسي في صورة تظبط الحكاية كده وتخلي الخبر ما يخرش المية.
صمتت قليلًا بتفكير قبل ترد.
طب تمام يا فاضل، أنا هحاول أشوف الموضوع ده معاك، وأكيد هلاقي صرفة.
أنهت المكالمة وشعور الفرح يزلزل كيانها.
هذه المرة الحظ يخدمها بشكل غريب ليعزز ضربتها لجاسر ويجعلها في مقتل.
لا بل هذه ستكون ضربة مزدوجة للاثنين.
***
وصلت مرفت قبل الاجتماع بدقائق، بنفس الوقت الذي وصل فيه جاسر ليأخذ مكانه على رأس الطاولة بصحبة أحد العملاء الكبار للشركة ومعهم طارق.
والذي استوقفه كارم في وسط الحجرة ليرحب به ويصافحه ثم ينتهره.
قال له فرصة ليسأله.
هي كاميليا مجاتش معاك ليه المرة دي؟
قسى وجه طارق وهو يحاول كبح جماح غضبه والرد بلهجة تبدو عادية.
هي حرة يا كارم.
قالها مقتضبة قبل أن يتركه على الفور ويجلس محله، غير سامحًا بإعطائه فرصة في الأخذ والرد والاستفسار عن سبب تغيبها.
ومن ناحيته، مط كارم بشفتيه غير مستوعب لموقف طارق الغير مفهوم.
***
بعد انتهاء الاجتماع وخروج معظم الأفراد منه واحد تلو الآخر، فلم يتبق سوى جاسر ومعه هذا العميل، وطارق، وزهرة تقوم بدورها كسكرتيرة.
خرجت مرفت لتقف بأحد الزوايا وعقلها يدور في عدة اتجاهات، تريد لتنفيذ خطة ما لتحقيق مبتغاها.
تنظر في الخواء حولها والشركة تكاد تكون خالية بعد انتهاء دوام العاملين وانصراف معظمهم.
وقعت عيناها على المصعد الخاص بالموظفين الصغار، والذي تستقله باعتبارها منهم، وهذه اليافطة المعلقة عليه منذ يومين لتخبر الموظفين أنه مغلق للتصليح.
فومض عقلها بفكرة شيطانية.
همت لتنفيذها، ولكنها تذكرت كاميرات المراقبة، فعدلت من وجهتها وقد أصابها الإحباط.
خصوصًا وهي ترى خروج جاسر الآن بصحبة العميل في مصعده الخاص، والأخرى تستقل مصعدها مع إحدى عاملات النظافة.
صكت فكها بغيظ وقد تأجل تنفيذ مخططها، ولكن لايهم، فهي قد بدأت الطريق ولابد أنها ستجد الطريقة للتنفيذ.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
تصعد الدرج وهي تغني مبتهجة، غير عابئة بثقل ما تحمله ذراعيها ولا بالمبلغ الكبير الذي أضاعته في هذه المشتريات العديدة.
ولجت لداخل المنزل بعد أن فتحت الباب بمفتاحها، فوصل صوت غنائها إلى والديها الجالسين في وسط المنزل أمام شاشة التلفاز.
رمقتها إحسان بنظرات متفحصة وهي تقترب لتقبلها من وجنتيها المكتنزتين وتلقي التحية نحوهم.
"مساء الفل عليكم، عاملة إيه ياقمر؟"
ردت إحسان من تحت لسانها.
"كويسة ياختي، انت بقى ياحلوة واصلة متأخرة من شغلك ليه؟ وأيه الكياس الكتيرة اللي في إيدك دي؟"
ردت غادة مبتسمة وهي تتلاعب في سلسلة مفاتيحها.
"دا كام طقم خروج على جزمة جديدة وكام إزازة ريحة كده من الغالين."
رددت خلفها إحسان بسخرية.
"كام طقم خروج على جزمة جديدة وكام إزازة ريحة من الغالين؟ وضيقت على نفسك ليه ياحبيبتي؟ ما كنت كملتيهم بكام جزمة جديدة على كام شنطة كمان."
تدخل شعبان والدها أيضاً.
"أو كان جابت المحل كله، هي خسرانة حاجة مادام في طور غيرها بيصرف على البيت."
التفتت غادة إلى والدها الجالس متربع القدمين على كنبة الصالون وطبق البرتقال فوق حجره يتناول منه وهو يتحدث.
"الفلوس دي من مرتبى يابابا، يعني مخدتش حاجة منك."
أكمل شعبان بلهجته المستنكرة.
"مش بقولك في طور وبيصرف ع البيت؟ طب حتى لو كان من مرتبك، هو انت الفلوس دي جايباها من حرام يعني عشان تبعزقيهم كلهم في يوم واحد؟"
زمّت شفتيها لتهمس لوالدتها بغضب.
"عاجبك كده؟ أديك فتحتي علينا فاتحة ومش هنعرف نسدها. يعني ماكنش ينفع كلامك ده. ما بيني وما بينك على الأقل كنت أفهمك."
"تفهميني إيه؟ لهو انت عندك مواضيع كمان؟" قالتها بهمس إحسان هي الأخرى.
فناظرتها غادة بثقة لتردف لها قبل أن تذهب من أمامها نحو غرفتها.
"حصليني جوا وأنا أحكيلك كل حاجة."
نظرت في أثرها بتفكر إحسان قبل أن تجفل على قول زوجها.
"شوف بت الـ... سابتني بتكلم، وأهاتي وغارت على أوضتها من غير ما تعبرني."
حدقته إحسان بقرف وهي ترى قطع البرتقال الصغيرة تتناثر من فمه وهو يتحدث، فقالت بنزق قبل أن تذهب هي الأخرى وتتبع ابنته.
"ما تخليك في الطفح اللي انت بتطفحه، ومالك ومالها."
فغر فاهه شعبان باستغراب وهو يتابع انصراف زوجته وتركه، ثم غمغم.
"أما ولية كهينة صحيح."
بعد قليل.
وبعد أن شرحت غادة السبب الرئيسي الذي دفعها للشراء اليوم، وحكت لوالدتها عما تفعله مرفت معها وتلميحاتها المستمرة لها، سألتها بفرحة ممزوجة بالأمل.
"ها ياست الكل، فهمت بقى ولا تحبي أفهمك من تاني؟"
قلبت عينيها إحسان قبل أن ترد بسأم.
"فهمت إيه؟ ما انت بقالك ساعة عمالة تحكي وتعيدي وتزيدي، وبرضوا مقتنعتش."
"ليه بقى ياست ماما؟ هو أنا بتكلم أجنبي مثلاً؟ دا حتى كل كلامي واضح وباين زي عين الشمس."
هتفت بها غادة لوالدتها التي ردت هي الأخرى بحدة.
"هو إيه اللي واضح وزي عين الشمس؟ الولية دي كل كلامها معاك عايم، وع المتغطي. مافيش حاجة مباشرة عشان أطمن وأفرح فرحتك دي وأباركلك على المرتب اللي ضيعتيه في يوم واحد."
زفرت غادة لترد بضيق.
"قولي بقى كده ياست ماما، انت اللي صعبان عليك الفلوس ومش هامك صورة بنتك ولا لبسها لما يحصل المراد ويتم اللي بتحلم بيه من زمان."
زفرت إحسان هي الأخرى وهي تضرب كفيها ببعض وترمقها بنظرات ممتعضة وردت.
"يعني انت عايزاني أعوم على عومك وأصفقلك كمان؟ طب مش لما أشوف أمارة الأول يابت الخايبة. الكلام الطياري ده مايكلش معايا. مش يمكن تكون الست دي ليها غرض تاني معاك؟"
صاحت غادة بعدم سيطرة.
"غرض تاني إيه بس ياما؟ دي خلتني أكلم أخوها من التليفون وعرفتني عليه بقصد. دا غير إنها ست مش هينة في الشركة ولا حتى موظفة عادية عشان أشك فيها. دي عضو مجلس إدارة وشريكة كمان في مجموعة جاسر الريان، هاتعوز مني أنا إيه بس؟"
لويت إحسان فمها على زاوية بشك، ثم قالت بعدم استسلام لإلحاح ابنته.
"برضوا ياغادة، تحرصي وتاخدي بالك. لما نعرف ميتها إيه الأول، ونعرف بقى إن كان غرضها دا بجد ولا وراه حاجة تانية. إحنا مش فاهمينها."
أشاحت بوجهها عنها حانقة غادة، ولم ترد، فهي لم تقتنع بوجهة نظر والدتها، بل هي تكاد تكون متأكدة من صدق نوايا مرفت نحوها.
عاد متأخراً إلى المنزل بعد قضاء سهرته في مناقشات ولقاءات مع بعض الشركاء الأجانب للتباحث على إحدى الصفقات الهامة. يجر أقدامه جراً، وقد بلغ منه الإرهاق والتعب الجسدي مبلغه.
كان على وشك الصعود إلى الطابق الثاني، ولكنه توقف حينما لمح إضاءة إحدى الغرف القريبة من الردهة. تراجع ليتسحب بخطوات خفيفة نحوها، وقد خمن وجودها بالداخل. وصدق تخمينه حينما رآها، فقد كانت متكئة بجسدها على الأريكة الأثيرة وتتحدث في الهاتف باندماج مع أحدهم.
توقف محله يرسم تفاصيلها الرائعة وهي ترتدي إحدى مناماتها القصيرة، كاشفة عن ساقيها بسخاء، وتتلاعب بخصلة طويلة من شعرها، غافلة عن عيناه المتربصة.
بالطبع تبين صفة المتحدث من الجهة الأخرى في تباسطها وضحكاتها الصاخبة دون تحفظ معه. زفر بضيق من هذا الذي يشاركه اهتماماتها ويستمع لضحكاتها مثله. يعلم أنها أنانية منه، ولكن وليكن كذلك، فهو يعشقها ويريد الاستئثار بها وبكل ما يخصها.
تدفعه رغبة قوية إلى أخذ الهاتف وإغلاق المكالمة على الفور، ولكن يعز عليه حزنها أو غضبها. سخر من حالته وضعفه الآن أمام هذه الصغيرة، وقد كان سابقاً حاد الطباع وخشن المعاملة مع جميع النساء مهما بلغت درجة جمال الواحدة منهن.
قطع شروده حينما وجدها تنهي المكالمة وتهم لتعتدل بجلستها. اقترب سريعاً بخطواته الخفيفة ليجفلها فور أن التفت رأسها، فصرخت زهرة بارتياع قبل أن تبتلع كلماتها في سترته وقد طوقاتها ذراعيه ليضمها إليه سريعاً بقوة ليهدئها ويطمئنها، وسقط جالساً بها على الأرض.
"بس بس، اهدي. مفيش حاجة. انت في حضن حبيبك. إيه يابنتي؟ هو أنا لدرجادي خضيتك؟"
كان جميع جسدها يرتجف حرفياً بين يديه، حتى شعر بانتفاضتها تحولت لبكاء مكتوم على صدره. دب الخوف في قلبه من حالتها التي استمرت للحظات، قبل أن يخرجها من حضنه عنوة لينظر إلى وجهها الذي أصبح كتلة حمراء مغرقة بالدموع. حاوط بكفيه على صدغيها لتقابل عيناها عيناه، فقال مدعي الحزم رغم الجزع الذي أصبح يعبث بداخله.
"ليه دا كله بقى؟ ها؟ ممكن أفهم؟"
خرج صوتها بارتعاش.
"أسفة ياجاسر لو خضيتك مني، بس أنا بجد بخاف أوي والله. يمكن تستغربني وتستغرب حالتي، بس أعمل إيه بقى في جبني."
ضيق عيناه يسألها بتركيز.
"يعني حركة خفيفة زي دي ترعبك بالشكل ده؟ دا غير خوفك الغير مبرر من الضلمة. هو في إيه بالظبط يازهرة؟"
ارتعشت شفتيها بعجز أمامه قبل أن تقول أخيراً.
"دي عقدة عندي من وأنا صغيرة. يعني عشان حادثة حصلتلي زمان. ممم، بلاش والنبي تفكرني، أنا مش عايزة أفتكر دلوقتي."
قالت الأخيرة لتنزع وجهها من بين يديه وترتمي داخل أحضانه. شدد بذراعيه ليحتويها ويحتوي خوفها، فقالت هي بصوت مكتوم.
"عارفة إن شكلي غبي."
ويضحك، بس دي طبيعتي ياجاسر. وخالي وستي رقية عارفين عني الحكاية دي."
انتبه على عبارتها فسألها بريبة.
"وخالك ورقية كانوا بيعملوا إيه لما يحصل معاكي كده؟"
ردت بعفويتها.
"ستي كانت بتقرالي قرآن، وخالي كان بيضمني ويطبطب عليا لحد ما أهدى."
عض على شفتيه يحاول السيطرة على النيران التي اشتعلت بداخله، ليقول مستنكراً.
"دا بدل ما ياخدوكي لدكتور يشوف حالتك ويلاقي علاج مناسب ليكي."
رفعت رأسها من على صدره لترد بلهجة لائمة.
"أنا مش مجنونة ياجاسر، ولا عندي حالة نفسية. دا مجرد خوف أو جبن عندي في نفسيتي. وخالي وستي عارفين كده، وكانوا دايماً بيعرفوا يهدوني بحنانهم."
استفزته جملتها الأخيرة، فرد وهو يشدها من ذراعها ليعيدها لأحضانه مرة ثانية، مشدداً.
"أنا حنين أكتر منهم على فكرة، وهاعرف أحتويكي يازهرة، وأنسيكي الخوف دا خالص، سامعاني؟ وبرضوا هاعرف سبب الحقيقي اللي ورا الموضوع ده."
في اليوم التالي صباحاً.
اصطفت السيارة بالقرب من مقر الشركة. ترجلت منها زهرة لتلحق بيوم عملها كالعادة، فاصطدمت عيناها بتلك التي رمقتها بنظرة غاضبة والتفتت لتكمل طريقها دون مخاطبتها أو حتى إلقاء التحية.
تنهدت زهرة بسأم منها ومن طريقتها الغبية في الخصام، ومع ذلك عز عليها زعلها وهمت لمصالحتها. عدت خلفها بخطوات سريعة حتى لحقت بها أمام المصعد العام، فجذبتها من ذراعها لتحدثها بعشم.
"واخدة في وشك وبتجري من قدامي جرى إيه ياختي؟ دول مكانوش كلمتين دول."
نفضت ذراعها لترد بعنف.
"كلمتين برضوا؟ دا انت طردتيني من مكتبك! ولا أكني حشرة قدامك عشان بس بسألك سؤال عادي، إكمن خاېفة عليك وعايزة أطمن."
كظمت غيظها زهرة وردت ببعض الحلم.
"حتى لو كان غرضك كويس ياغادة، أنا ساعتها كنت في حالة ما يعلم بيها إلا ربنا، ومكنتش متحملة أي سؤال أو أي كلام، يعني كان لازم تقدري."
ردت بحدة غادة.
"تقدير إيه يا ماما؟ دا انت اللي نفسيتك كبرت وما بقتيش شايفة حد قدامك. عربية آخر موديل ووظيفة محترمة ومتجوزة باشاا........ الله يسهلك ياعم. عينك بقى هتشوف إزاي الناس الغلابة."
بصقت كلماتها والتفتت لتتخذ طريقها نحو الدرج، تاركة زهرة متسمرة محلها وقد ألمتها كلمات غادة وتفكيرها.
ومن ناحية قريبة كانت تشاهد منذ دقائق معظم ما حدث، حينما دلفت بالصدفة داخل مقر الشركة وانتبهت على وقفتهم الغريبة أمام المصعد. أخرجت هاتفها لتتصل بها، وكالعادة أتاها ردها سريعاً.
"الووو ياقلبي، عاملة إيه النهاردة؟"
".......... بقولك إيه؟ ما تيجي عندي المكتب نرغي شوية."
بعد قليل.
كانت جالسة معها على الأريكة الجانبية بداخل غرفة المكتب الواسعة ذات الذوق العصري، ترتشف من كوب العصير أمامها وجسدها يهتز من الغضب. سألتها الأخرى بمكر.
"إيه ده؟ انت شكلك متعصبة قوي. هو انت خارجة من خناقة يابنتي ولا إيه؟"
أجابتها بوجه مكفهر.
"لا عادي، ما تاخديش في بالك. انت شوية كده وهاروق نفسي. أصل مافيش حد في الدنيا دي كلها يستاهل إني أتعصب ولا أحرق في دمي عشانه. صدق اللي قال شبعة من بعد جوعة."
ردت مرفت بابتسامة وقد أطربها كلمات غادة.
"تقصدي زهرة صح؟ عشان ينطبق عليها كل كلامك. بس هي زعلتك في إيه بقى؟"
أجفلت غادة من سرعة البديهة لدى الأخرى والتي خمنت الاسم سريعاً بذكائها، فقالت بمواربة.
"اهو بقى عملت اللي عملته. أنا مش عايزة أحكي ولا أتكلم عشان ما أعصبش نفسي على واحدة متستاهلش. دي اتغيرت وشافت نفسها أوي بعد ما كانت بتخاف من خيالها وما بتتحركش في أي حتة غير وهي معايا."
لوت شفتيها مرفت تقول بكيد وابتسامة مستترة.
"حقها بقى ياغادة، مش خلاص وصلت."
حدقتها الأخيرة بنظرة نارية صامتة قبل أن تشيح بوجهها لترتشف من عصيرها بغيظ. فتابعت مرفت.
"ما قولتيليش صح؟ هو انتوا كنتوا واقفين قدام الإنساسير بتقولوا إيه؟ أصل بصراحة شفت وقفتكم واستغربت."
أجابتها غادة بتفاخر.
"كانت بتترجاني عشان أ صالحها، بس على مين؟ أنا أديتهمولها فوق دماغها ولا هامني."
صمتت قليلاً مرفت بتفكير قبل أن ترد.
"وهاتستفيدي إيه بقى لما تديلها فوق دماغها ياعبيطة؟ دي ممكن تقلب جاسر عليك وتخليه يرفدك."
ناظرتها بخوف تسأله.
"تفتكري هي ممكن تعملها؟ صح، بس أنا أعرف زهرة وما أظنش إنها تعملها."
ردت مرفت بفحيح.
"وما تظنيش إنها تعملها ليه بقى؟ مش انت بنفسك بتقولي إنها اتغيرت؟"
ظلت غادة على صمتها تنظر لها بارتياع. واستطردت الأخرى.
"ما تخافيش قوي كده. بس أنا رأيي إنك تروحي لها بنفسك وتصالحيها وتفهميها إنه كرم أخلاق منك. وبشطارتك بقى تخليها ترضيك وتدعك كمان."
سألتها بتشتت.
"ترضيني إزاي يعني؟ مش فاهمة."
ردت مرفت بابتسامة متسعة.
"هاقولك ياغادة إزاي."
"ما جبتيش البنات معاك ليه؟"
تفوه بالسؤال محروس لزوجته أثناء زيارتها له في قسم الشرطة، والذي كان بحالة يرثى لها وكأنه كبر في العمر 20 سنة فجأة. أجابته سمية بهدوء لا يخلو من التقريع.
"أجيبهم فين يا محروس؟ انت عايز بناتك يدخلوا القسم على سنهم الصغير ده ويشوفوك بالحالة دي."
مصمص محروس بشفتيه يقول.
"قال يعني خاېفة على شعورهم قوي؟ أمال لما آخد حكم هاتحرميني من شوفتهم خالص على كده بقى."
شهقت سمية بجزع ترد على كلماته.
"بعد الشر يامحروس. بلاش تفول وتقول كده. الله لا يسيئك. إن شاء الله تطلع قريب وماتوصلش قضيتك للمحكمة. دي الأستاذة نوال مافيش أشطر منها. والمحامي التاني بتاع الباشا جوز بنتك كمان بيحكوا عليه قصص في القضايا اللي كسبها قبل كده."
رد محروس بعد أن أصدر همهمة ساخرة.
"قال الباشا جوز بنت قال! هو دا لو همه الموضوع بجد كان سكت لحد دلوقتي واكتفى بالمحامي الخايب بتاعه. دا انت بنفسك بتقولي باشا يعني يقدر جيبه اللي يشيل القضية عني بدل الواحد ألف."
تطلعت سمية بدهشة إلى هذا الرجل الذي ما زال يصدمها بحجم أنانيته المفرطة.
"جوز بنتك راجل محترم يامحروس. يعني مش هايقبل يلبس قضيتك لحد مظلوم. واهو بيعمل اللي عليه، جايبلك محامي كبارة وموصي عليك هنا جامد، محدش من الواغش اللي في الزنزانة معاك يقدر يقربلك. دا غير إنه مسلط رجّالته يدور ع الواد اللي وقعك في المصيبة دي. عايز إيه تاني بس؟"
همس بانفعال جاز على أسنانه وعيناه تتنقل كل ثانية نحو باب الغرفة. رجل الأمن.
"عايز مزاجي ياختي. دماغي هاتنفجر ومش متحمل. متخليه يبعت لي حاجة تريحني شوية تبع الأكل اللي بيبعته."
فغرت فاهاها وتوسعت عيناها لتتجمد محلها مذهولة للحظات، قبل أن تتدارك نفسها وتنهض فجأة مستأذنة.
"بقولك إيه يامحروس؟ أنا هقوم ياخويا قبل ما تنزل عليا جلطة ولا يحصلي حاجة. بناتك مالهومش غيري دلوقتي."
"هو دا بقى المحل اللي كلتي دماغي بيه طول السكة."
أردفت بالعبارة زهرة وهي تلج بصحبة غادة لداخل المطعم المشهور بأطعمته الرائعة. تلفتت غادة حولها بانبهار وهي تشكر بداخلها مرفت التي أشارت عليها بهذا المطعم، قبل أن تجلس على إحدى الطاولات أمام زهرة وردت.
"يكون يعني مش عاجبك ياست زهرة؟ ولا مش قد المقام؟ اهو دا اللي خطر في بالي بقى، ولا انت ندمانة على العزومة اللي ورطتك فيها عشان تصالحيني؟"
عبست زهرة بوجهها قليلاً قبل
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أنت لستِ لسه هاتلقحي بالكلام. أنا بفوتلك يا غادة، لكن بزعل. والله ما فيش حاجة تجبرني أصالحك بعد الكلام السم بتاع الصبح غير إني بعزك يا غادة، واعرفي دي كويس.
"ماشي ياستي." تمتمت بها وهي تتناول قائمة الطعام أمامها، وقالت:
"هاتختاري إيه أنتِ بقى؟"
صدح صوت الهاتف الخاص بزهرة. فردت بعجالة قبل أن تجيب على المتصل:
"اطلبي أنتِ اللي عايزاه وأنا هارد على جاسر."
أخفت أمتعاضها غادة لتضع غيظها في اختيارات الأطعمة التي بالغت في عددها للنادل، حتى صدح هاتفها هي أيضًا فأجابت بغبطة مرحبة وكأنها تقصد لفت نظر زهرة، التي أنهت مكالمتها سريعًا:
"الو يا قلبي، عاملة إيه؟"
"أصوات كتير؟"
"آه، ما أنا قاعدة في مطعم."
"مع بنت عمتي عشان هنتغدى فيه."
"إيه؟ مش سامعاني كويس؟"
"طب ثواني طيب، هغير مكاني وأبعد عن الزحمة شوية." قالتها وهي تنهض عن مقعدها، تستأذن من زهرة التي أوقفتها بحزم قبل أن تبتعد:
"حاولي ماتتأخريش في مكالمتك، عايزين نلحق نتغدى ونروح لكاميليا كمان."
أومأت لها برأسها بسأم قبل أن تبتعد لتجري مكالمتها.
ومن الجهة الأخرى، كانت تراقبهم من الطابق الثاني للمطعم، وهي تتحجج لغادة بالأصوات في الهاتف حتى جعلتها تبتعد بمسافة كافية لعزلها عن زهرة، التي أتى إليها النادل بعد قليل بكوب من عصير فريش، فسألته باستغراب:
"إيه دا بس؟ أنا مطلبتش عصير."
أجابها النادل بعملية:
"الهانم اللي كانت مع حضرتك هي طلبت، أخدت واحد مني وبعتني بالتاني ليك."
أومأت له برأسها بتفهم ليضعه على الطاولة أمامها، وهي في انتظار رجوع غادة، التي كانت مندمجة في الحديث الشيق لمرفت، التي مازالت تراقب في الطابق الثاني.
"أيوه يا غادة زي مابقولك كدة، ماهر راجع بعد كام يوم وأنا عايزة أعمل حفلة تعارف لأصدقائي عليه، هتيجي أنتِ طبعًا صح؟"
ابتسمت باتساع وهي تستمع إلى لهجة غادة المتلهفة واسترسالها في الكلمات، فتابعت بمكرها:
"طبعًا يا قلبي، لازم تبقي أول الحاضرين، مش أنتِ بقيتي صاحبتي؟"
"طيب شوفي بقى، أنا عارفة ذوقك حلو في اللبس وشيك، وأنا قاعدة دلوقتي في محل ملابس بنقيلي كام فستان، تفتكري إيه الألوان اللي تليق عليا؟"
استمرت مرفت في استدراج غادة في الحديث، والأخرى أخذتها الفرحة وألهتها عن العزومة وعن الطعام وعن زهرة، التي ملت من الانتظار. وكلما حاولت الاتصال، وجدته رقمها مشغولاً. حتى ارتشفت من العصير لتخفف عنها التوتر والغضب. فغزت ابتسامة الانتصار على ثغر مرفت، التي أنهت المكالمة مع غادة بعدها بوقت قليل على وعد باتصالها مرة أخرى لتستشيرها في باقي المشتريات.
عادت غادة أخيرًا إلى الطاولة، التي امتلأت عن آخرها بالمأكولات التي طلبتها من القائمة، ترتسم على وجهها ابتسامة حالمة تجعلها تطير عن الأرض محلقة.
"هاا، اتأخرت عليكِ."
ردت زهرة بغضب، رغم هذا الوهن الذي بدأت تشعر به:
"فندم يا ست يا غادة، ما كنتِ مشيتي وسيبتيني أحسن، بتطلعيلي ساعة أستناكي، دا الأكل نفسه برد ياشيخة."
ردت غادة ملطفة وعيناها تطوف على المأكولات باشتعال:
"معلش يا زهرة، كانت مكالمة مهمة أوي والله، بس إيه الأكل الحلو ده؟"
قالت الأخيرة لتهجم على الأطباق أمامها تتناول منهم بنهم، استدركت لتسأل زهرة بحرج وفمها ممتلئ عن آخره:
"هنتِ مابتأكليش معايا ليه؟"
ردت زهرة وهي تتطلع للطعام أمامها بدون شهية وثقل رأسها يزداد شيئًا فشيئًا:
"كولي أنتِ وحاولي تنجزي عشان أنا بدأت أتعب."
"أكيد تعبك دا سببه جوع، والنعمة كولي الحتة المحمرة دي وأنتِ هتفوقي." قالت الأخيرة وهي تمد إليها بقطعة لحم مشوية. أبعدتها زهرة بيدها وهي تشيح بوجهها عنها.
"يا غادة والنبي يا شيخة ما تغصبيني، مش قادرة."
قطبت مندهشة غادة من حالة النفور التي لدى زهرة، ثم مطت شفتيها بعدم اكتراث لتكمل هذه الوجبة الدسمة بنفس مفتوحة على آخرها، حتى إذا انتهت سألتها زهرة وكان صوتها يأتي من جهة أخرى غيرها:
"شبعتي؟"
ردت غادة تشير بيدها على امتلاء معدتها:
"للآخر، حقيقي اللي أشارت عليا بالمطعم تستاهل بوسة، وأنتِ يازهرة متشكرة أوي يابنت خالي ياقمر أنتِ."
أومأت لها بعينيها بضعف لتتناول من الحقيبة عدة وريقات من المال بغير تركيز، تضعهم في القائمة دون أن تعير اهتمامًا لهتاف غادة:
"حيلك حيلك ياعبيطة أنتِ، إحنا مأكلناش بالفلوس دي كلها."
نظرت لها بأعين زائغة وهي تخرج بعض منهم وتضعهم في كفها، وهمت لتقف، ولكن جسدها المنهك سقط على المقعد مرة أخرى بعنف.
"هتفتحي غادة عليها بجزع وهي تقترب:"
"مالك يازهرة، فيكي إيه؟"
لم تقو على الرد وأنفاسها أصبحت ثقيلة كجسدها، جفناها ينغلقان وتفتحهما بصعوبة. أصابها الجزع غادة وهي تحاول معها بكلمات مضطربة:
"يا زهرة قومي خليني أوصلك، قومي يابنت خالي ماتخضينيش عليكِ."
حينما لم تجد فائدة من محاولاتها الجديدة وهي تنظر حولها تبتغي المساعدة من أحد ما، حتى لفتت أنظار بعض الأشخاص حولها ليسألوها، وقبل أن تجيبهم وصلها الاتصال من تلك التي تشاهد من علو. أجابتها غادة على الفور وكأن اتصالها أتاها نجدة من السماء:
"الو.. أيوه يا مرفت، الحقيني."
ردت بتصنع تدعي عدم الفهم:
"ألحقك ليه يا غادة، في حاجة حصلت؟"
ردت سريعًا:
"زهرة يا مرفت مسخسخة معايا وشكلها يخوف لدرجة إنها مش قادرة تقوم من مطرحها، وأنا خاېفة مش عارفة أعمل إيه. الناس حواليا بيقولولي نساعدك وناخدها المستشفى."
قاطعتها على الفور:
"لأ، أوعي يا غادة تعملي كدة وتخلي حد غريب يوصلها معاكي. أنا لو قريبة منك كنت جيتلك وأخدتها لأي مستشفى، بس نصيحتي ليكي اتصلي بجوزها ييجي ويتصرف واخلي مسؤليتك، محدش عارف بنت خالك عندها إيه."
"يانهار أسود، يعني هايكون عندها إيه؟ أنتِ بتخوفيني ليه أكتر ما أنا خاېفة؟"
أجابتها بثقة:
"أنا مابخوفكيش، أنا بقولك ع الصح يا غادة، أنتِ مش قد جاسر الريان ولا قد غضبه."
أنهت المكالمة غادة وهي على آخرها، وقد جف حلقها وارتعدت أوصالها من الخۏف، تلعن دخولها هذا المحل وتلعن الساعة التي أتت بها، وهي تحاول مع زهرة التي التفت بعض النساء حولها لمعرفة ما أصابها. وبحركة سريعة تناولت هاتف زهرة لتضغط على الرقم الأخير، فجاءها الرد بالصوت الأجش:
"الو يازهرتي.. لحقتي ترجعي من مشوارك؟"
"تمالكت نفسها لترد بصوت مهزوز:"
"أنا مش زهرة يا جاسر باشا، أنا غادة."
وصلها وصوته الحازم:
"وأنتِ بتتصلي عليا ليه من تليفون زهرة؟"
سقط قلبها رهبة من نبرته، فقالت مدافعة:
"أنا آسفة يا جاسر بيه إني بتصل، بس زهرة تعبانة أوي."
"مالها يازهرة؟" بنت انتقالها بمقاطعة حادة أجفلتها لتزيد من رعبها، فتمتمت سريعًا تشرح له ما حدث على عجالة.
والأخرى مازالت تتابع من محلها وتراقب. وكما توقعت، لم ينتظر جاسر سوى دقائق وأتى على الفور بقلب ملهوف يشعر به على وشك التوقف من الخۏف عليها.
"إيه اللي حصل؟"
أردف بها بحدة بمجرد وصوله، ليفرق تجمع النساء حولها سريعًا ليتفحصها.
خرجت كلمات غادة بلجلجة من فرط خۏفها:
"آآآ والله ما أعرف، إحنا كنا بنتغدى وفجأة لقيتها سخسخت كدة مني."
لم ينتبه لها ولما تتفوه به، بعد أن دنا سريعًا من زهرة يحاول إفاقتها بقلب ملتاع:
"زهرة قومي يازهرة، هي إيه اللي حصلها بالظبط؟"
أردف بها بأعين نارية نحو غادة، التي ارتعدت أمامه تهز رأسها بعجز:
"والله ما أعرف، والله العظيم ما أعرف."
حدجها بغضب قبل أن يدنو نحو زهرة ليحملها، غير آبه بوضعه ولا نظرات الناس حوله، ليغادر بها نحو أقرب مشفى. رفعت غادة الحقائب لتلحق بهم. وفي الأعلى، انشق ثغر مرفت بابتسامة متسعة لتتصل بشريكها:
"أيوه يا فاضل، أخدت صور كويسة بقى ولا لسة؟"
كان لابد له أن يعلم من البداية، هو ليس غبياً حتى يغفل عن شيء كهذا. واضح كضوء الشمس الفضاح، ليس غبياً ليبيت ليلته دون أن يحقق فيما حدث. لقد بدأت الحرب، ومن جهة غير معلومة على الإطلاق، من وقت أن أخبره الطبيب بنتيجة فحصها، ليجمع الأحجية ويربطها ببعضها، فيصل إلى النتيجة التي هو بصددها الآن. وللمرة الثانية، تأتيه الضربة من جهة غير متوقعة، وفي المرتين، الضربات تصيبها هي قبل أن تصيبه. وما أشدها من ضربات.
تململت هي فراشها قبل أن ترفع رأسها لتبحث عنه، فوجدته جالساً في جانب من الجناح الكبير على الأريكة الوحيدة به، أذهلتها الملامح القاتمة والمرتسمة على وجهه بغضب، حواجبه المنعقدة بشدة تنبئ بالسوء عن ما يبدو شارداً فيه. جلسته على غير العادة في هذا الوقت الباكر من الصباح، مكان فراشه البارد بجوارها جعلها تتساءل باستغراب: منذ متى استيقظ، أو أنه لم ينم أصلاً؟
"في حاجة يا جاسر؟" تفوهت بها لتقطع شروده، فالْتفتت إليه رأسها لتبدل ملامحه على الفور، ليجيبها بابتسامة مشاكسة بصوته الأجش:
"طب مش تقولي صباح الخير الأول."
ابتسمت بحرج وهي تعتدل بجذعها لتردد إليه الصباح. وكان رده على الفور أن أتى ليجلس بجوارها يرد على صباحها لها بقبلات رقيقة متتالية على وجهها:
"صباح الفل والورد والياسمين على أحلى زهرة في حياتي."
زحف الدفء في شرايينها لينشر فيضان محبته لها، وليذهب عن عقلها التوتر الذي انتابها منذ قليل. وتابع ليسألها بحنانه:
"عاملة إيه النهاردة بقى؟"
أجابته بابتسامة مطمئنة:
"الحمد لله، النهاردة حاسة نفسي كويسة أوي عن إمبارح، مع إني مستغربة أوي اللي حصلي فجأة بعد ماكنت كويسة."
أومأ برأسه ليدفن وجهه سريعًا في تجويف عنقها يتنشق عبيرها بقوة. شعرت هي بتشنج جسده فسألته بحيرة:
"هو أنا ليه حساك متغير النهاردة؟"
"لزوموها إيه الأسئلة دي بس يازهرة كدة ع الصبح؟" قالها بصوت مكتوم، جعلها تغير السؤال:
"طب هو أنا نمت قد إيه بالظبط؟"
توقف عما يفعله ليواجه وجهها ويزيح بيده الخصلات المتناثرة على جانبيه، فرد ما طار بشفتيه:
"هممم بصراحة مش فاكر، بس أنتِ نمتِ كتير قوي."
تطلعت عن قرب لوجهه لتسأله بتوجس:
"هو أنتَ فضلت سهران طول الليل جمبي يا جاسر؟"
رد مبتسمًا لها بحنان:
"وإيه اللي يخليني أسهر جمبك بس؟ والدكتور نفسه مطمني عليكِ ياستي، أنا جالي شوية قلق عادي يعني عشان الشغل."
ظلت صامتة تراقب تهرب مقلتيه عن مواجهة خاصتيها وبعض الحركات الخفيفة لعضلات وجهه، والتي زادت من الشك بداخلها لتسأله بإلحاح:
"مش عارفة ليه يا جاسر بدأت أشك إنك مخبي عني حاجة."
أهداه ابتسامة رائعة قبل أن يقبلها مرة أخيرة، قبلة عميقة على وجنتها، لينهض بعد ذلك وهو يرد بلغة غامضة لم تفهمها:
"مافيش حاجة بتتخبى دلوقتي يازهرة، قومي يلا فوقي عشان تفطري وتلحقي شغلك معايا."
قالها وذهب نحو حمام الغرفة. غمغمت في أثره مندهشة ترد:
"أروح الشغل معاه! إزاي يعني!"
وفي الجهة الأخرى، كانت تنظر في شاشة الهاتف وتقرأ المنشور المكرر على عدة صفحات والمرافق بالصور المؤكدة صحة الخبر، واضعة كفها على فمها بجزع:
"ده ما كان ينقصها، إلا يكفي تحقيق جاسر الريان معاها ونظراته المرعبة اللي كان يلقيها نحوها إمبارح وكأنها المتسببة فيما حدث، حتى أصبحت تغمغم محدثة نفسها:"
"يالهوي عليا، طب وأنا مالي خاېفة أوي كدة ليه؟ هو أنا اللي كنت صورتهم ولا نشرت الصورة حتى..."
"كانت خروجة مهببة، كانت خروجة زفت عليا وعلى سنيني."
"مالك يابت، أنتِ بتكلمي نفسك؟" هتفت بها إحسان وهي تلج لداخل الغرفة. رفعت غادة رأسها ترد بهلع:
"ما أنا لازم أكلم نفسي ياما، لازم أكلم نفسي، وشكل اللي جاي مش خير أبداً ياما، ربنا يستر، ربنا يستر."
نهرتها إحسان غاضبة:
"بطلي تندبي زي غراب البين كدة وفهميني فيه إيه."
ناولتها غادة الهاتف بصمت، لتنظر فيه وتفهم وحدها. قرأت قليلاً في الخبر قبل أن تسألها باستغراب غير مبالية بالخبر نفسه:
"وأنتِ إيه دخلك بقى بالهليلة دي كلها عشان تندبي وتعمليها مناحة؟"
تلعثمت قليلاً قبل أن تجيبها بقلق:
"ممما أنا كنت معاها إمبارح في المطعم لما أغمى عليها وأنا اللي اتصلت بيه عشان يتصرف، يعني لو ماكنتش اتصلت بيه أنا مكنش حصل دا كله."
ضيقت عينيها بتفكير إحسان قبل أن تقبض على رسغها هادرة بتهديد:
"إنتِ كنتِ قاصدة يابت."
صاحت صاړخة:
"والله ياما ما كنت أقصد، أنا اتصرفت كدة من خۏفي لما شفتها مسخسخة قدامي، هو بقى اللي مقدرش ع تعب الغندورة وجه يشيلها بنفسه، أنا مالي أنا، ما كان بعت السواق أو حد ييجي ياخدها بداله."
زادت إحسان من ضغط كفها الغليظة على يد غادة لتؤلمها أكثر، وهو تعاود السؤال:
"ولما أنتِ واثقة في نفسك كدة، بتكشي في هدومك ليه منه؟"
صرخت غادة بألم وهي تجيبه:
"بكش في هدومي عشان نظراته ليا إمبارح مكنتش مطمناني، الراجل كان بيزغورلي بعيونه ونشف ريقي بأسئلته الكتيرة."
دفعتها إحسان للخلف ترد بضيق:
"ومدام متأكدة وواثقة في نفسك، خاېفة ليه؟ دا أنتِ تروحي الشغل وتروحي لها بيتها عنده كمان، اللي على راسه بطحة هو اللي يحسس عليها يا عنيا."
خرج من حمامه ليجدها أمامه، ارتدت ملابسها وتنهي حجابها أمام المرآة. خاطبت انعكاس وجهه أمامها:
"اتأخرت ليه في حمامك، مش عوايدك."
رد عليها مبتسمًا بشحوب:
"وأنتِ كمان مش عوايدك تخلصي لبس بسرعة كدة."
استدارت إليه بابتسامتها الرائعة لترد بمرح:
"واديني عملتها ياسيدي عشان تعرف إن مراتك مابتحبش الرقاد ولا العيا، وعشان كمان عندي ملفات عايزة أجهزها بسرعة لمديري الراجل الصعب اللي قولتلك عليه قبل كدة."
اتسعت ابتسامته قليلاً يجاريها في مزحتها، وقد تأكد من ظنه. زهرة لم تدري بعد بما نشر وما يتناقل على الهواتف عن خبر زواجهم وما حدث أمس، حتى أصبح ترند على وسائل التواصل الاجتماعي عنها وعن أبيها ونسبه بهم. فكيف له أن يخبرها ويطفئ شمس ابتسامتها المشرقة، فهذا كثير وفوق قدرة تحملها وتحمله. قطع شروده صوت الهاتف، والذي أشارت إليه زهرة بضيق:
"ما تشوف تليفونك دا ياعم اللي ما بطلش رن من الصبح وفلق دماغي."
"طب استنيني عشان نمشي مع بعض." قالها وتوجه ليتناول الهاتف من فوق الكمود، غافلاً عن غمغمتها من خلفه:
"لتاني مرة بيقولي نمشي مع بعض، هو ناسي إن كل واحد ليه عربيته ولا إيه؟"
قالتها وذهبت لتتناول شطيرة صغيرة لفطارها وترتشف فنجانها اليومي القهوة باللبن كما تحب.
في الوقت الذي كان هو يرد فيه على المتصلين من شركاءه في المجموعة ليطمئنهم بردود مقتضبة حتى لا تفهم هي ما يرمي إليه، وعيناه تتنقل حولها كل دقيقة، حتى أتاه الاتصال المنتظر. رمقه بنظرة خاطفة يقول سريعاً قبل
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
خلص اتصالي وراجعلك.
تطلعت في أثره مندهشة من تكرار جملته لها.
حاولت الانتظار قليلا، ولكن حينما تأخر في جداله بالشرفة، ومع نظرة لساعتها، شهقت قائلة:
بالهوي دا أنا اتأخرت جدا على ميعادي! لا بقى خلص مع نفسك، أنا يدوبك ألحق الشغل المتأخر عليا.
غمغمت بعبارتها الأخيرة سريعا وهي تتناول حقيبتها لتغادر دون أن تنتظره، لتتخذ السيارة المخصصة لها بسائقها وتذهب لعملها.
أما هو، فكان على صفيح ساخن وهو يخاطب محدثه في الهاتف:
أنا فتحت المكالمة على أن المتصل والدك مش أنت يا مدام.
وصله صوتها بصراخ:
أصبعي مش عايز يرد عليا، وأنت ليك عين تحطها في عيني أساسا بعد ما بقيت ترند، أنت واللمامة بنت تاجر المخدرات.
ضم قبضته بقوة ليرد عليها جازاً على أسنانه، يحاول كبح جماح شياطينه مع هذه المستفزة:
كلمة تاني عنها يا ميري، وهاتشوفي وش عمرك ماشوفتيه.
أنت كمان بتدافع عنها؟
قطع صرختها والدها الذي تناول منها الهاتف ليحدثه قائلاً:
جاسر يا ريان.
نعم يا سيادة الوزير.
هتف بها بنفس القوة ليأتيه رد الرجل:
عايزك تيجي الفيلا حالا وتقابلني، ولا حضرتك متردد؟ ما تيجي.
استفزته كلمات الرجل، فقال حازم:
مش أنا سيادتك اللي أتردد في أي موضوع يخصني، وأنت عارف كده كويس يا سيادة الوزير فهمي حيدر.
تمام، يبقى تيجي حالا في ظرف ربع ساعة عشان أنت عارف مشاغلي.
قالها فهمي وأغلق المكالمة على الفور.
زفر جاسر بعنف قبل أن يعاود الرجوع لجناحه ليفاجأ بذهابها دون انتظاره.
رفع رأسه للسماء يتنهد بيأس، يرجو أن تكون على قدر ما يحدث.
خرجت من سيارتها لتعدو بخطواتها بنشاط وحيوية نحو الدلوف إلى الشركة، لتفاجأ بنظرات الجميع المصوبة نحوها بشكل ملاحظ.
شعرت ببعض الارتباك وهي تتساءل إن كان هناك شيء ما يعيب ملبسها وما ترتديه، ولكنها نفضت الفكرة لتكمل طريقها وهي تظن أنها تتوهم.
ولكن شكها بدأ يتزايد وهي تسمع الهمهمات خلفها من بعض الموظفات والموظفين، وهي واقفة في انتظار المصعد العمومي للشركة:
دي ليها عين تيجي النهاردة بعد اللي اتعرف؟ لا وواقفة تنتظر الأسانسير مع الموظفين الغلابة! تمثيل يابنتي كهينة أوي وعاملة فيها بريئة. أموت وأعرف هي عرفت توقعه ازاي دي؟ وقعة سودة وهاتنزل بيه لسابع أرض. دا كفاية سيرة أبوها اللي مشرف في السجن بتهمة المخدرات.
هنا وضحت الصورة كاملة وتأكدت مما ظنته في البداية.
تسللت بخطواتها مطرقة رأسها بخزي متجهة نحو الدرج لتصعده على أقدامها بديلاً للمصعد.
تريد الاختباء، تريد العودة لمنزلها الآمن مع جدتها وخالها، تريد الاختفاء عن أعين الجميع وعن سماع ما يؤذيها منهم، تريد أن تتلاشى نهائياً.
ولج لداخل القصر المهيب بعد اختراقه لصف الحرس الأشداء والمنتشرين بكثافة خارجاً.
ليتقدم بصحبة مدير مكتب الرجل، والذي قابله بابتسامة دبلوماسية بطبيعة عمله.
تلقفته ميريهان من وسط القصر وهي تهتف بعدم مراعاة لمكانته أو حتى لمظهره ومظهره أمام العاملين بالقصر:
أهلاً أهلاً بالعريس، نورت ياباشا. ماجيبتش ليه العروسة نتعرف بيها؟ ولا نتعرف بيها ليه؟ ما إحنا عرفناها خلاص، ومصر كلها عرفتها وعرفة نسب الباشا اللي يشرف.
تنحنح الرجل بحرج معتذراً ليتركهم.
فتقدم جاسر ليجلس على أقرب مقعد وجده أمامه، يتطلع إليها ببرود وهي تصرخ حانقة منهم:
مترد يا جاسر باشا؟ ولا القطة كلت لسانك؟ ولا مش لاقي رد بعد ما سمعتك بقت ترند في العالم كله؟
لم يبالِ بجلسته إليها مستمراً في بروده صامتاً عن الرد عليها، لدرجة كادت أن تصيبه بالشلل من فرط غيظها.
حتى قاطع صرختها والدها الذي خرج من غرفة مكتبه ليهدر مستنكراً:
كفاية ياميري وارجعي على أؤضتك.
خرج جاسر عن صمته ليرد على الرجل:
كفاية ليه يا سيادة الوزير؟ ماتسيبها تخرج طاقة الكبت والقهر اللي جواها بدل ما تطق ولا يحصلها حاجة.
عادت للصراخ موجهة الخطاب لوالدها:
شايف يا والدي بجاحته وقلة أدبه.
نهض جاسر احتراما للرجل الذي اقترب منه ليشاركه الجلسة:
واخد بالك يا سيادة الوزير أنا للان ملتزم بسياسة ضبط النفس ومش عايز أرد عليها احتراما لسيادتكم.
فغرت فاهاها واشتعلت عيناها ذات العدسات الزيتونية.
فكان الرد من الرجل الذي قال مباشرة بدون مواربة:
سؤال وعايز اعرف إجابته حالا يا جاسر، هي البنت دي حقيقي تبقى مراتك ولا الموضوع حصل فيه لبس؟ والصور دي كمان بتاعتك ولا لأ؟
صمت قليلا جاسر وعيناه تتنقل بين الرجل وابنته، ثم أجابهم بكل ثقة:
دا حقيقي فعلا، زهرة تبقى مراتي على سنة الله ورسوله. والصور اللي اتأخدت من غير علمي ولا رضاي هي كمان تبقى صورنا.
وقع الخبر عليهم واعترافه المتبجح لهم كان كالصاعقة التي أتت فجأة لتزلزل كيانهم.
همت ميري بالاعتراض صاړخة كعادتها، ولكن توقفت فجأة بإشارة من والدها الذي تولى دفة الحديث أمام جاسر مشدداً على أحرف الكلمات:
إنت واعي للي أنت بتقوله دا، ولا داري بعواقب اعترافك ليا أنا بالذات بأنك اتجوزت على بنتي واحدة سكرتيرة لاتسوى وكمان بنت تاجر مخدرات.
أولاً حضرتك أنا مسمحلكش تعيب في مراتي. ثانياً بقى أنا بأكدلك إني واعي لكل كلمة قولتها.
قالها جاسر برباطة جأش يحسد عليها.
وكان رد فهمي بكل هدوء:
حلو أوي يا جاسر، فتحة الصدر دي. أرجوا شجاعتك بقى تنفعك لما أخرب بيتك وأمسح الاسم اللي بناه والدك من سنين بعد فضيحتك ما ملت الدنيا.
صمت قليلا الرجل قبل أن يستطرد:
أما ترجع لعقلك دلوقت حالا وتكدب الخبر بعد ما تطلق البنت دي ونبدل الموضوع برجوعك لميري بكام صورة حلوين وكأن شيئا لم يكن، دا لو أنت عايز تنقذ المجموعة.
التمعت عيناها ميري بتشفى واضح، أما جاسر فتلقى الكلمات بابتسامة جانبية ساخرة ليرد:
سيادتك أخدت بالك دلوقتي من الفضايح، وبنتك اللي مقضاياها سهر وشرب وحاجات تانية؟ دا مأثرش معاك؟ طيب أجيبلك أنا من الآخر عشان تبقى على نور، مراتي مش هاطلقها، وإن كان على المجموعة فاأنا كفيل لإنقاذها. أما بقى بخصوص حصتك فانت تقدر تسحبها وبكل سرور مني، لكن.
لوح بسبابته يتابع:
لكن إنك تحاول تلعب معايا وتضرب من تحت الحزام، فانا سيادتك كمان هارد بفايل كبير لصور بنت الحسب والنسب بنتك وهي بتشرب وبتترقص وبتدخل شقة صاحبها العازب في عمارة في قلب مصر الجديدة.
قال الأخيرة بمغزى لميري التي هبت منتفضة:
اعترض؟ افرض بروح لصديقي شقته، إنت إيه دخلك؟ ما أنت هاجرني بقالك أكتر من سنة.
لم يتمالك نفسه وضحك بدون صوت.
أما فهمي فقد هدر على ابنته يسكتها غاضباً:
اخرسي ياميري.
تابع جاسر:
شوف حضرتك أنا بقيت ترند زي ما أنت شايف، يعني حكاية تانية على حكايتي مش هاتفرق، لكن سيادتك هتقدر تتحمل ولا الوزارة نفسها هاتتحمل على سمعتك؟
خبط فهمي بكف يده على ذراع المقعد بعنف، لينهي الجلسة مع جاسر الذي أفقده اتزانه قائلاً بحسم:
ميعادنا في اجتماع الجمعية العمومية للمجموعة، وانتهى.
تمام سيادتك.
تمتم بها ناهضاً ليغادر، وما أن استدار خطوتين حتى التف لميريهان قائلاً بأسف:
معلش ياميري هاعفيك من الحرج، أنا واقولهالك بنفسي، إنت طالق.
قالها والتف يكمل طريقه غير عابئ بصرختها من خلفه ولا بغضب فهمي وتوعده بالرد.
بضحكات متشفية سعيدة.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كانت تقرأ في كلمات المنشور وتنظر للصور بتمعن وهي تخاطب محدثها في الهاتف.
"حلو اوي يافاضل الشغل ده بصراحة فاجأتني."
اتاها صوت الآخر بتفاخر.
"عشان تعرفي بس إني صحفي مش هين الخبر بقى ترند في ظرف نص ساعة وكل الصفحات والمواقع بقت تنقل من صحيفة العبدلله صاحبك اسهمه بقت تعلى يا فيفي."
صدرت منها ضحكة ذات صوت عالٍ قبل أن ترد.
"يالا ياسيدي عد الجمايل. المهم بقى اني بجد سعيدة ماكنتش اتخيل إن الزخم ده كله يحصل من نشر كام صورة صغيرين في المطعم المشهور ده."
قالت: "قال وانا اللي فكرت ان المشهد دا يحصل في الشركة لما الأنساسير يعطل ولا يقع بيها."
هتف الرجل من محله.
"يخرب عقلك هو انت بجد فكرتي في كدة؟ لا دا انت بقيتي شريرة أوي يافيفي."
ردت خلفه بتأكيد.
"أوي أوي يافاضل انت لسة أساسا معرفتش امكانياتي ياحبيبي."
"الحيوانات الأغبية هي حصلت يشنعوا على أبني."
هتفت بها لمياء وهي جالسة بجوار زوجها في المشفى وهي تتفقد بعض المواقع المصرية على هاتفها.
أجفل عامر ليسألها بدهشة.
"مين هما الحيوانات يا لميا ومالهم ومال ابنك؟"
اقتربت تناوله الهاتف ليرى ماتقصده وتابعت هي غاضبة.
"هي حصلت يا عامر يطلعوا إشاعات على أبني؟ أنا هما مش عارفين جاسر الريان يبقى مين ولا وضعه إيه في البلد ولا مراته تبقى بنت مين."
عقد حاجبيه عامر بشدة واطبق شفتيه ينظر في الهاتف بصمت واستطردت هي.
"انت لازم تتصرف ياعامر وتعمل اتصالاتك تشوف إيه الحكاية دي ومين البنت دي كمان اللي زقينها عليه؟ أنا متأكدة ان الصور اكيد تركيب. ماتنطق ياعامر هو انت ساكت ليه وسايبني اتفلق مع نفسي؟ مش واخد بالك ولا مش مركز في اللي بقوله ولا إيه؟"
التفت رأسه يتطلع إليها لعدة لحظات تترقب هي فيها رد فعله ثم مالبث أن يفاجأها لينهض من جوارها قائلاً باقتضاب.
"أنا هاروح اخلص ورق المستشفى واحجز تذكرتين عشان نسافر. احنا نازلين مصر حاليا."
نهضت هي الأخرى لتتبعه سائلة بدهشة.
"ونسافر ليه ونقطع رحلة العلاج وانت ممكن باتصال واحد تحل كل حاجة؟ هو فيه إيه بالظبط ياعامر؟"
عاد إلى مقر شركته بصحبة كارم الذي كان يصف له شفهياً وضع المجموعة وأسهمها التي هبطت بشدة في البورصة وما ترتب على ذلك من وقف لبعض الصفقات نتيجة لحالة عدم الاستقرار مع اقتراح بعض الحلول السريعة والتي سيتم دراستها الآن في مكتب الرئيس.
فتحه جاسر ورأسه ملتفة للخلف نحو مكتبها الفارغ يتسائل باستغراب عنها.
"هي زهرة مش موجودة على مكتبها ليه؟"
أجابه كارم منشغلاً بالنظر في هاتف يده على أسهم الشركة.
"أنا عرفت انها حضرت النهاردة."
"على أساس اننا مش على علم بحضورها يعني ياعم كار..."
أردف بها جاسر قبل أن يقطع كلمته وقد هاله ما يراه.
انتبه كارم ليرفع رأسه فتفاجأ هو الآخر وهي يرى زهرة على الأريكة الجانبية في المكتب متكومة على نفسها كطفلة صغيرة فاقدة أبويها.
تحمحم كارم ليتسئذن شاعراً بالحرج وهو يتطلع إلى رئيسيه الذي تسمر محله أمامها.
"طب انا هاستنى برا على ماتندهني."
أومأ له برأسه وراقب انصرافه قبل أن يقترب ليجلس بجوارها بقلب ملتاع يسألها.
"إيه اللي حصل؟"
رفعت عيناها التي ذبلت من البكاء قائلة برجاء.
"عايزة امشي ياجاسر عايز اروح عند جدتي."
ضيق عينيه يسألها بلهجة خطرة.
"هو انت في حد هنا ضايقك؟"
هزت رأسها تكرر بإلحاح.
"ياجاسر بقولك عايزة امشي. احنا ماكنش لينا الجوازة دي من الأول. كل اللي بيتقال من الناس ليها حق فيه. انت نجمة في السما عالية وانا بنت..."
"إياك تكملي يازهرة."
قالها بمقاطعة حادة ليتابع.
"أنا اتجوزتك انت بس وماليش دعوة بأي حد تاني. وعلى العموم انا كدة فهمت لوحدي."
"فهمت ايه؟"
سألت بدهشة.
أما هو فانشغل عنها ليتناول هاتفه ليهاتف أحدهم وفور أن أتاه الرد أصدر أمره بحزم.
"اسمع ياكارم جمعلي كل فرد في الشركة من أكبر موظف لاصغرهم........ في ظرف دقايق ياكارم."
أنهى مكالمته سريعاً ليجدها تسأله باستفسار.
"هو انت بتجمع الموظفين ليه؟"
تجاهل الإجابة ليمسك كفها ويسحبها قائلاً.
"تعالي معايا الأول."
نزعت يده لتتشبث بالأرض معترضة.
"مش هاتحرك في أي حتة غير لما تفهمني الأول."
تنهد رافعاً عيناه للسماء قبل يقترب منها ليرد وهو يحاوط وجهها براحتيه.
"هاخدك ياستي ع الحمام تغسلي وشك وتطبطي نفسك كدة و لما نخرج للموظفين تبقى راسك مرفوعة وظهرك مفرود بعظمة."
ضيقت عيناها بتساؤل قائلة.
"ليه يعني؟"
"انت لسة هاتسألي يازهرة تعالي بقى مافيش وقت."
قالها ليتجه بها فوراً نحو المذكور.
ضغط على جرس المنزل ولم ينتظر كثيراً حتى فتح له الصغير الباب بابتسامته الرائعة وغمازتيه التي تخطف لب قلبه دائماً ليهتف له مهللاً بمرح.
"عمو طارق."
"قلب عمو طارق انت."
أردف بها وهو يقبله على وجنتيه بسعادة ظاهرة قبل أن يسأله هامساً.
"عاملة ايه بقى أبلة كاميليا كويسة النهاردة؟"
رد ميدو بهمس هو الآخر مقرباً رأسه وكأنه يفشي له سراً.
"كويسة وعال العال دي حتى كمان لبست وهاتخرج دلوقت."
استقام بجسده يسألها قاطباً بدهشة.
"هاتخرج ازاي يعني وهاتروح فين؟"
قالها قبل أن تلتف رأسه على صوتها القريب.
"أهلا طارق انت وصلت."
تطلع إلى ما ترتديه من ملابس تصلح للخروج ليردد سؤاله لها.
"انت رايحة فين ياكاميليا وازاي هاتخرجي برجلك دي؟"
تقدمت تتعكز على عاكازها بخطوات بطيئة عرجاء لتجيبه بوجه متجمد.
"عندي مشوار مهم ولازم اعمله دلوقتى ضروري."
أوقفها قبل أن تصل للباب هاتفا بغضب.
"مشوار ايه اللي هاتروحيه بحالتك دي؟ هو في إيه ياكاميليا؟"
أجابته قائلة بحدة.
"زهرة اتصلت بيا معيطة وانا لازم اروح اشوفها حالا."
بعد قليل.
وبعد أن أصرت على الخروج فا أصر هو الآخر على توصيلها بسيارته.
كانت تتحدث معه بقلق وهي جالسة بجواره في الأمام.
"أنا كنت عارفة من الأول انها رقيقة ومش هاتتحمل العالم الغريب دي عليها. زهرة دنيتها كلها كانت مختصرة في خالها وستها. فجأة تلاقي نفسها في مجتمع ما بيرحمش. هي مش قد الضغط دا كله. أنا عارفاها."
التف إليها يخاطبها برقة.
"واضح انك بتحبيها اوي."
ردت كاميليا وعيناها تتطلع إليه عن قرب.
"أنا فعلاً بحبها اوي بس خاېفة عليها أكتر. عشان الجوازة دي ماكنت راضية عنها من الأول. دي عالم مابترحمش ومشاعر البشر عندهم آخر شئ يفكروا فيه. بس بحلف وديني لو جاسر الريان مدافعش او اتخلى عنها لكون واقفالوا ان شالله اترفد من شغلي حتى."
صمت طارق ولم يسعفه قلبه على الرد فعيناه والتي كان يحيدها بصعوبة ليلتفت للطريق تعلقت بهذه المرأة المذهلة والتي مازالت تدهشه قوتها وشجاعتها رغم هذا الحزن الذي يغلف قسماتها وهي تتحدث وكأن الموضوع يمسها هي شخصياً. هي لغز ولن يهنأ له بال حتى يجد شفرة لحله.
في الردهة الفسيحة وقد أتى الجميع لتلبية لدعوة رئيسهم في العمل.
خرج بها أمامهم بعد أن ذهب عن وجهها بعض الذبول تجاهد لتنفيذ نصائحه برفع عيناها في وجوه الجميع دون خوف أو خزي.
في حضرته استمر في سحبها من كف يدها حتى توقف أمامهم في الوسط ليصيح فجأة بصوت جهوري يصل إلى أبعد فرد في الردهة.
"أكيد طبعا سمعتوا ولا قريتوا اللي انكتب عني وعن زهرة في السوشيال ميديا."
صدرت الهمهمات والأصوات المغمغمة من بعضهم قبل أن يوقفها هو بصيحة قوية.
"مش عايز اسمع أي صوت عشان تسمعوا اللي جاي دا مني كويس قوي وتفهموه."
خيم الصمت بعد كلماته القوية ليتابع.
"أنا دلوقت بعلن اهو قدامكم ان الخبر دا حقيقي. يعني من الساعة دي أي حد هايحاول يضايق زهرة هانم مراتي بكلمة حتى لو مش مقصود أنا هاعرف ارد حقها كويس قوي. الأمر دا أنا معنديش تساهل فيه. يعني لو حصلت اشغل الكاميرات على أي فرد فيكم عشان اتابع بنفسي هاعملها. واللي معترض على القرار ده يتفضل يلم حاجته من دلوقت وعلى برا الشركة حالا."
صدر من بينهم صوت مرفت باعتراض.
"إيه الكلام دا حضرتك ازاي يعني تشغل كاميرات وتراقب واللي يغلط بكلمة حتى لو مش مقصودة ترفده على طول دا يبقى اسمه تعسف."
أجابها بنظرة مستخفة.
"اعتبريه زي ما تحبي تعتربيه بس وفري اعتراضك بقى للجمعية العمومية للمجموعة يااا مدام مرفت."
"اعتبريه زي ما تحبي تعتبريه بس ياريت بقى توفري اعتراضك لأجتماع الجمعية العمومية للشركة يااامدام مرفت."
لا زالت الكلمات تتردد في رأسها بعد أن ألقاها بتحدي أمام الجميع لتشعر وكأن دلوا من الماء المثلج سقط فوق رأسها. إهانته المبطنة أخرستها واللجمتها عن الرد عليه حتى أفقدتها لذة انتشاءها بالنصر بعد أن ملئت الدنيا بخبر زواجه بهذه الفتاة ونسبه لرجل مسجون. ليقلب الطاولة فوق رأسها الآن بخبر إعلانه هذا بكل تفاخر أمام موظفين شركته ليجبرهم على احترام هذه الزهرة وكأن لا شئ يعنيه في هذا العالم سوى رضاها حتى وهو يعلم بكم الخسائر والكوارث المترتبة على أعلانه هذا.
فارت الډماء برأسها وجسدها كان يهتز من فرط انفاعلها حتى أصبحت تضغط بقبضتها على قلمها الصغير بقوة أدت لأنكساره لنصفين فجرح راحة كفها ولكنها لم تهتم فجرح كرامتها أقوى وأشد. كرامتها التي دهسها قبل ذلك حينما لفظها كقطة مصېبها الجرب وهي التي تقربت منه وكانت على استعداد لتهبه قلبها وجسدها بل وروحها لو أراد. ولكن قلبه الغشيم رفض بكل قوة ليتحجج بمبادئ وهمية ليس لها سعر ولا ثمن في قانون المحبين.
انتفضت فجأة على صوت هاتفها الذي صدح أمامها على سطح المكتب وقطع شرودها. لمحت بعيناها اسم المتصلة فتأففت بقرف فاخر ما ينقصها الآن هو الاستماع لتفاهات هي في غنى عنها. همت لعدم الرد ولكنها استدركت ترد سريعاً لتعلم بااخر اخبار جاسر الريان مع صهره الوزير. خرج صوتها بنبرتها المصطنعة كعادتها.
"ألوو.... أيوة ياقلبي اخبارك ايه النهاردة؟"
اتاها من الجانب عبر الأثير صوت صړختها الباكية.
"الحقيني يا مرفت جاسر طلقني."
"طلقتها معقول؟"
هتف بالسؤال طارق والذي وصل بصحبة كاميليا ليشهدوا بالصدفة تجمع الموظفين واعلان جاسر الهام أمامهم بقوة ثم يصعق الآن بهذا الخبر المهم من صديقه بعد أن اجتمع به داخل غرفة مكتبه تاركاً زهرة في الجانب الآخر من الغرفة مع كاميليا والذي أجابه باستنكار.
"ومش معقول ليه بقى؟ ماهو دا الطبيعي على فكرة ولا انت مش واخد بالك ياسيدي؟"
"واخد بالي وعارف كويس باللي ناوي عليه من زمان بس ما توقعتش يكون دلوقتى بالذات. انت كدت فتحت عليك جبهة فهمي حيدر في وقت صعب وحرج ودي جبهة شديدة أوي وشرسة."
قالها طارق بقلق وكان رد جاسر الحازم.
"تبقى زي ما تبقى. أنا أساسا على اخري من الراجل ده هو وبنته من زمان بس كنت بصبر نفسي وبأجل في شئ محسوم. ايه اللي يجبرني استنى أكتر من كدة ولا اتنازل وانفذ شروطه؟ يا أخي في ستين داهية."
تنهد طارق يمسح بكفيه على جانبي رأسه ليرد وهو يحاول التخفيف من توتره.
"برغم خۏفي وقلقي من اللي كل اللي بيحصل ده بس بصراحة مديك الحق. الراجل مستفز هو وبنته لكن كمان ماقدرش انكر إن الضړبة شديدة عليهم. ابن ال..... اللي نشر الخبر قاصد يوجه ضرباته في كذا اتجاه. دا عقل شيطاني يابني. لكن انت معرفتش مين الصحفي ده؟"
"ظلم وجه جاسر واحتدت عيناه ببريق خطړ ليجيب طارق بشر.
"هعرفه يا طارق وهاعرف اللي زقه عليا وقصد يأذيني فيها. بس كل حاجة وليها وقتها."
أومأ طارق رأسه بتفهم ليكمل على كلماته.
"فعلا عندك حق ياجاسر. أهم حاجة دلوقت انقاذ المجموعة. انا سمعت ان الأسهم في البورصة هبطت جامد."
رد جاسر.
"دا حقيقي. أول حاجة هاعملها هي اجتماع مهم مع المسؤلين والخبرا اللي في المجموعة وكارم بيقوم باللازم دلوقت."
سهم طارق قليلا ليسأله بتوجس.
"وهو كارم موجود هنا دلوقت؟"
أومأ جاسر وهو يهز برأسه المنشغل.
"في غرفة الإجتماعات جوا."
وفي الجانب الآخر.
وهي بجوار صديقتها الحبيبة التي كانت تتحدث معها بفرح وزهول غير مستوعبة حتى الآن ما رأته بعيناها بدفاع جاسر القوي عنها واعلانه لخبر زواجهم بتحدي للجميع غير مكترث لما يقال ويشاع عن أباها. النقطة السوداء المصاحبة لها دائما. مشاعر مختلطة تنتابها ما بين الفرح والشعور بالأمان لهذا الإعلان والقلق والخۏف الشديد مما هو قادم.
"آيه يابنتي سرحتي في إيه؟ أنا بكلمك."
هتفت بها كاميليا لتخرجها من شرودها. ابتسمت لها زهرة ترد بحرج.
"لا يعني اصل..... مش عارفة بقى متلخبطة خالص ومش عارفة اتلم على أعصابي لحد دلوقتي من اللي حصل."
اعتلى ثغر كاميليا بابتسامة مرحة وهي ترد عليها.
"تتلخبطي ولا تقلقي ليه بس ياعبيطة دا جاسر باشا ثبت الكل وعمل اللي مكنتش اتخيل في حياتي انه يحصل. أنا دلوقت بس اتأكدت ان الراجل دا بيحبك وبجد يازهرة."
ارتعشت شفتيها بابتسامة سعيدة تحاول السيطرة عليها بخجل وقلبها أصبح يضرب بقوة مع سماعها لكلمات كاميليا. فانتقلت عيناها نحوه في الجانب الآخر من الغرفة وهو مندمج في الحديث مع طارق ليلتفت إليها فجأة وكأنه استمع لنداء عيناها التي التقت على الفور بخاصتيها بحديث خاطف سريع ولكن موجز. نظرة عاشقة تكفى لاختصار كل كلمات العشق أو حتى أبيات الشعر توعدها بالأمان وما أجملها من كلمة.
"تاني برضوا بتسرحي؟"
قالتها كاميليا بابتسامة ماكرة لتكمل بشقاوة.
"طب ما اقوم انا بقى واسحب الراجل الغلبان اللي جبته معايا ده عشان يخلالكوا الجو مع بعض."
ختمت جملتها بضحكة مقهقهة بعد أن زجرتها زهرة بنظرة حذرة خطېرة وقد تحول وجهها للإحمرار الشديد من فرط انفاعلها وخجلها. ورغم أن صوت الضحكة لم يكن عالياً ولكنها لفتت انتباه طارق من الجهة الأخرى من روعتها. فضحكتها الصافية تميزت ببحة ناعمة لا تصدر سوى من إمرأة ناعمة مثلها فتجعل من يسمعها يود تكرارها طوال اليوم.
التفت جاسر بدوره حينما لاحظ انصراف طارق عنه وقبل أن يهم بمخاطبته انتبه على خروج كارم اليهم من غرفة الإجتماعات يدعوا رئيسه للبدء في الجلسة وقد اكتمل عدد الحضور. لتقع عيناه بالصدفة على كاميليا التي لم يراها منذ فترة وهو لا يجد الوسيلة لمعرفة سبب غيابها.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
على مقعده اشتد وجه طارق واحتدت عيناه بعجز. كم ودّ إيقافه عن التقرب إليها وقطع فرصته نحوها، ولكن ما الحجة التي يملكها لفعل ذلك؟
ربت جاسر على كتفه بمغزى وصل إليه، لينهض ويتبعه في حضور الاجتماع المهم، ولم يقو على منع نفسه بإلقاء نظرة أخيرة نحوهم.
في الحارة، وعلى كرسيه وهو جالس أمام أحد صبيانه الذي كان يقرأ له المنشور على أحد الصفحات، مال إليه بجسده يسأله بريبة، مضيقاً عيناه.
"بتقول مين يا ده؟"
أجاب الفتى بلهفة: "بقولك جاسر الريان يا معلمي، ده باشا تقيل أوي وأخباره دايماً مالية النت."
أومأ بتفهم ليضيف بسؤال ثانٍ: "آه وجاسر ده بقى عربي ولا مصري؟"
"بقولك مصري يا معلمي، مصري، حتى على طول بيظهر مع الوزراء في فتح المشروعات الجديدة."
عاد بجسده للخلف وهو يستوعب كلمات الفتى، بعد أن تناول الهاتف يتمعن النظر في صورها متمتماً: "يعني العصفورة اتلم عليها الباشا اللي كانت شغالة عنده واتجوزها في السر بعلم أهلها وأبوها. الدغف عمل علينا مسرحية عشان يفهمنا إنها اتجوزت واحد عربي عشان ماحدش يدور ولا يسأل. ماشي يا محروس الـ.... بس أهو ربنا فضحهم يا معلم."
رفع فهمي رأسه إلى صبيه يرد بوجه مبتسم وهو يغمز بعينيه: "عندك حق يا ده، وحركة معلمك مع محروس عملت جو وشعللت الخبر، سبحان الله زي ما أكون كان قلبي حاسس."
استجاب الفتى بابتسامة مع معلمه، والذي هدر عليه فجأة: "خد احفظلي الصور دي في التليفون."
صمت برهة ليكمل بعدها مغمغماً بصوت خفيض: "آه هي حاجة من ريحتها تصبر قلبي وخلاص، ولا يمكن الزمن يحن وترجعي تاني؟ والنعمة دا ما يحصل لكون كاتب عليها وقتي إن شاء الله، حتى ولو في شهور العدة."
وعند رقية، والتي كانت جالسة بوجه مكفهر وغاضب، وصفية تحكي وتصف لها ما حدث وما يقال على حفيدتها مع تشويه لصورتها، مستغلين خطأ أباها الذي أدى لحبسه. ولج إليهم خالد عائداً من عمله ليتفاجأ بهيئة والدته الغريبة عنها.
"مساء الخير."
قالها بتوجس، لتزداد حيرته مع ردودهم المقتضبة وصمتهم فجأة عن الحديث.
أردف يسألهم وهو يجلس على الكرسي المقابل لهم: "خير، في إيه؟ في حاجة حصلت يا ماما؟"
أومأت والدته برأسها، فخرج صوتها كالهمس: "ما فيش حاجة، خير إن شاء الله."
عقد حاجبيه بشدة ليتجه مخاطباً صفية بانفعال، وقد أقلقته نبرة رقية الحزينة على غير عادتها: "قولي انت يا صفية، عشان أنا جبت آخري وانتوا عارفين إن ما عنديش صبر."
سألته صفية بدهشة: "أولاهو انت ما فتحتش نت النهاردة يا خالو؟"
احتَدت عيناه من ردها الذي احتسبه تهرباً، فهتف بنفاذ صبر: "وأنا مالي بالنت ولا الزفت؟ هو أنا فاضي أبص فيه؟ ولا أنيل في شغلي كمان؟ ثم إيه دخل كلامكم باللي بيحصل في النت؟"
تنهدت صفية، تناولته الهاتف صامتة بحرج، ليفهم وحده ما حدث. فبمجرد رؤيته الصور، برقت عيناه بالغضب، ليقرأ ما كتب على عجالة قبل أن يرفع رأسه هادراً: "ما حدش فيكم اتصل بيا ليه وقالي؟ سايبني من الصبح كدا على عمايا والدنيا مقلوبة حواليا."
ردت رقية بصوت عالٍ عن الأول: "يعني لو اتصلنا بيك كنت هاتعمل إيه يا خالد؟ كنت هاتسيب شغلك بقى وتجري على ولاد الـ.... اللي شنعوا وكتبوا الكلام ده؟"
اهتزت رأسه رفضاً، يقول بغضب: "لا طبعاً يا ماما، الكلام ده ما عنديش حيلة فيه عشان يخص الباشا. أنا المهم عندي دلوقتي البت هايبقى وضعها إيه مع صاحبنا وكان إيه رد فعله معاها؟ انتوا اتصلتوا تشوفوه؟"
ردت صفية بأسف: "إحنا مانعرفش حاجة عنها لحد دلوقتي، عشان من ساعة ما عرفنا واحنا بنتصل وهي ما بترودش."
انتفض خالد عن جلسته بغضب، صارخاً: "وبرضوا فضلتوا ساكتين من غير ما تدوني خبر؟" قالها ليتحرك ذاهباً.
فاستوقفته رقية قائلة: "خلي بالك من تصرفاتك يا خالد، قبل يطلع منك أي فعل. بس لو حسيت إن البنت زعلانة ولا فيها أي حاجة مضايقاها، هاتها لحضني على طول يا ابني، ماتستناش."
أومأ لها برأسه قبل أن ينصرف مغادراً بسرعة. تمتمت رقية بقلق: "يا رب استرها ع البت يا رب وطمني عليها والنبي."
وقف السيارة فجأة ليخرجها من شردها الذي لازمها من وقت أن تركوا الشركة. تطلعت حولها لتقع عيناها على الواجهة المضيئة لإحدى المحلات. التفت برأسها إليه تسأله بدهشة: "وقفت هنا ليه؟ دا أنا افتكرت إننا وصلنا."
التف بجذعه إليها قائلاً: "لأ يا ستي ما وصلناش، بس أنا بصراحة بقى طقت في دماغي انعنش نفسي بأيس كريم من المحل اللي قدامنا ده. أوعي تقوليلي إنك ما بتحبهوش."
ابتسمت بيأس تقول: "ما فيش فايدة فيك، يعني في البداية قولتلي نتعشى مع بعض، ولما رفضت، قولت تحطني قدام الأمر الواقع، وانت عارف ومؤكد إن دي عزومة ماتترفضش، خصوصاً من محل مشهور زي ده."
"حلو أوي." قالها وهو يهلل أمامها بسعادة طفل صغير، قبل أن يترجل من السيارة متجهاً نحوها ليساعدها على السير.
وبداخل المحل، كان يتطلع بها هائماً وهي تتناول بملعقتها الصغيرة وتتلذذ بالطعم المدهش، حتى قالت له ممتنة: "يجنن، حلو أوي يا طارق، أنا بقالي فترة طويلة ما دُقت حاجة بالطعامة دي."
رد بسعادة لسعادته: "بالهنا والشفا."
صمت قليلاً قبل أن يلح عليه فضوله ليقول بتردد: "أنا لاحظت يعني إن الأخ كارم قعد معاكي فترة طويلة أثناء انشغالي في الاجتماع مع جاسر."
رفعت إليه أنظارها لتفاجئه بسؤالها: "هو انت ليه ما قولتلُوش على إصابتي لما سألك؟"
احتَدت عيناه ليأسر أنظارها لحظات مترقبة لرده، قبل أن يجيبها بتحدٍ: "ومش هاقول يا كاميليا، أي سؤال يسأله عنك مش هاجاوب عليه عشان يخلي عنده دم ويميز بقى."
ابتسمت من قلبها قبل أن تضيف بمكر أنثوي امتزج بحزنها: "يميز ليه؟ مش يمكن يكون رايد الحلال وعايز يدخل البيت من بابه؟"
"كدة خبط لزق!" قالها بغضب وقد اشتعلت عيناه ببريق خطر وهو يسألها: "ولو هو حصل وطلبك فعلاً؟"
مطت بشفتيها تجيبه بالحقيقة: "هاكذب عليك لو أنكرت، بس هو فعلاً لمح بكده."
دفع الملعقة من يده بعنف حتى سقطت على الأرض الرخامية أسفلهم، فأصدر صوتها دوياً لفت نظر بعض الأفراد حولهم، حتى أتى النادل يتناولها ويبدلها بملعقة أخرى. ليأخذ وقته قليلاً في تمالك نفسه قبل أن يستطرد بضيق: "اشمعنى هو ليه دايماً تحسسيني إن الباب اللي مقفول في وشي أنا دايماً مفتوح على آخره لصاحبنا ده؟"
صمتت تشيح بوجهها عنه، قبل أن تجيبه بنزق وتوتر: "وافرض يعني زي ما بتقول كدة، دي ما فيهاش زعل، كل حاجة نصيب، وكارم أساساً راجل دوغري ومالوش في اللف والدوران."
صمت يخترقها بعينيه المتفحصة ليزيد من ارتباكها، ثم اقترب بجذعه يسألها بتذكر: "ولما هو دوغري وأنا راجل مش تمام في نظرك، صاحبنا ده اللي مسجلاه على تليفونك بـ"هي"، محله إيه في الإعراب عندك؟"
ألمتها كلماته وتصور نظرتها إليه بهذا السوء، لتبتلع الغصة المؤلمة في حلقها وتجيبها دون تفكير: "هي مش راجل، دي تبقى أمي."
أجفلته إجابتها المباغتة، لتأتي الآن في إجابة عن السؤال الملح بداخله من فترة، فسألها بتوجس: "طيب هو أنا ممكن أسألك وأقولك ليه؟"
بابتسامة لم تصل لعيناها، ردت تمازجه بمرارة: "ليه إيه؟ عشان مسجلاها بضمير الغائب زي ما قولت عليها انت قبل كدة؟ ولا عشان استكرت عليها أعظم صفة تنولها الست لما تبقى أم؟"
تنهد بعمق يجيبها: "كله يا كاميليا، كله."
صمتت أمامه قليلاً بتفكر، قبل أن ترد بحسم: "أنا هاجاوبك على كل أسئلتك يا طارق، بس دا لما تسمع الحكاية كلها، عشان أنا عايزآك تعرف."
قالتها كاميليا لتسرد أمامه: "حكاية نبيلة عبد الواحد، الفتاة الريفية التي تزوجت من ابن بلدتها صابر المنسي على عمر السابعة عشر، لينتقل بها من بلدتهم الصغيرة إلى المدينة الكبيرة المزدحمة. نبيلة لم تكن فتاة جميلة وحسب، بل كانت فاتنة جاذبة للأنظار لها أينما تكون. في بداية زواجهم كانت الحياة على أسعد ما يكون، مرتب الوظيفة الحكومية كان أكثر من كافي للزوج الذي كان يصرف على زوجته الجميلة الصغيرة ببزخ كي يدللها بكل ما تشتهي به نفسها، متنعماً بالسعادة معها، فقد كان يعشقها بكل جوارحه، وهي أيضاً كانت ترى فيه مثال للرجل الحقيقي وزوج تحلم به كل الفتيات. ولكن مع الوقت لا شيء يدوم، والمال الذي كان أكثر من كافي في البداية أصبح بالكاد يكفي مع إنجاب الأولاد ومصروفاتهم المستمرة وغلاء المعيشة. زادت الهموم وزادت الشكوى المستمرة لقلة المال وضيق الحال، ومع مرور السنوات رويداً رويداً أصبحت الحياة لا تحتمل. لم يدخر صابر جهداً في المحاولة على قدر إمكانياته القليلة بالعمل بوظيفة أخرى بجوار وظيفته لكسب رضاء الزوجة الساخطة دوماً، ومع ذلك لم يفلح. وكانت الضربة القاصمة حينما حملت خطأ كما تسميه بطفلها الأخير الذي رفضته حانقة في البداية، ولكن مع صبر الزوج عليها ووعد ابنتها الكبرى كاميليا، والتي كانت في هذا الوقت تدرس في الجامعة، لمساعدتها في تربيته، تقبلته على مضض ليزداد بمجيئه الأعباء والمصروفات ويزداد سخطها لأضعاف. حتى جاء هذا اليوم حينما حضرت فرح لإحدى قريباتها في بلدتهم والتقت بابن عمها المغترب منذ سنوات في إحدى دول الخليج، والذي كان حلمها وهي فتاة صغيرة بوسامته ورجولته، ليعود جامعا ثروة لا بأس بها من المال. انبهر بجمالها وشبابها، فنبيلة في هذا الوقت كانت بالكاد تخطت الثامنة والثلاثون، وضعها برأسه الرجل ليسوق عليها أفراد من عائلتها لإقناعها بالزواج به وترك الزوج الفقير وأولاده. في البداية كان الرفض قاطعاً، ولكن مع الإغراءات المستمرة وضيق حالها مع زوجها، استسلمت في النهاية لتختار المال والزوج الوسيم وتتخلى عن عائلتها الصغيرة حتى طفلها ذو العام الواحد."
"ساب ميدو على سنة واحدة؟ طب إزاي والدك قبل يطقله أصلاً؟" سألها طارق مذهولاً بوجه متأثر.
وردت هي بجمود متحاشية شعور الخزي الذي يكتنفها مع ذكر القصة: "الست لما تقرر تنفصل عن زوجها بتعرف كويس إزاي تخرجه عن شعوره وينطق بكلمة النهاية، وقصة الراجل ده عرفناها لما اتجوزت تاني يوم بعد انتهاء عدتها."
ظل على صمته يعطيها الفرصة لتتابع باسترسالها: "على فكرة أنا روحتلها بيتها بعد ما اتجوزت، كنت عيلة صغيرة بقى وفهمي على قدي، وشوفت جوزها الراجل كان أكبر من أبويا بعشر سنين، ومع ذلك كان شكله أصغر بكتير. في الأول عذرت والدتي لما شوفت الفرق الهائل في عيشتها برفاهية في فيلا كبيرة وراجل وسيم، وعذرت ضعفها. ولكن لما كررت الزيارة اكتشفت أخلاقه الزفت، وإنه بيخونها مع أي واحدة حتى لو خدامة. ولما قولتلها وواجهتها باللي سمعته وشوفته بعيني، سدت ودانها وزعقتلي."
"هو دا اللي خلاكي تقاطعيها بعد كدة؟"
أومأت برأسها وهي تخبره نصف الحقيقة، فالسبب الحقيقي كان هو تحرش الرجل بها هي نفسها حينما رآها أول مرة بمنزله صدفة، وأعجب بها لدرجة أظهرت الرغبة في عينيه، ف كاميليا كانت صورة مصغرة من والدتها، تختلف عنها فقط في لون العيون، فالوالدة تتميز عيناها بلونها شديد الخضرة.
"الله يخرّب بيت غبائي، اختار الأم من قبل ما أشوف بنتها، أقسم بالله كنت هاغير رأيي." قالها بفجر أثار اشمئزازها، وهو يقيمها من رأسها لأخمص أقدمها، ثم سلامه الغير مريح، ليباغتها بقبلة مقرفة على وجنتها مدعياً أنه في مقام والدها. حتى شعرت بيداه التي امتدت تلامس أجزاء من جسدها، فركضت شاكية نحو والدتها التي كانت في المطبخ في هذا الوقت، والتي نهرتها غاضبة لتتهمها باختلاق القصة.
"أخلاق الجواري." تفوهت بها دون تفكير، لتجده يسألها قاطباً حاجبيه: "بتقول إيه يا كاميليا؟"
ردت تجيبه بالشرح: "بقولك إن والدتي فضلت تبقى جارية لراجل غني بفلوسه رغم أخلاقه الزفت، على إنها تبقى ملكة في بيتها الفقير مع عيلتها اللي بتحبها."
ظل على صمته وهو يتطلع إليها بشعور امتزج بين الإشفاق على فتاة تلقت أكبر صدماتها في هذا العمر الصغير، والأعجاب الشديد بشجاعتها وتقبلها حمل المسؤولية برعاية أسرتها وشقيقها الطفل الصغير.
"أخيراً جيتي يا زهرة." هتف بها خالد وهو يتلقفها من وسط الردهة بعد انتظاره لها على أعصابه لمدة قاربت الساعة.
ردت هي بابتسامة مطمئنة وهي تحاول التخفيف من توتره: "يا خالي والله كويسة، ماتقلقش."
هتف منفعلاً: "ولما انت كويسة وبخير، قافلة تليفونك ليه؟ دا سِتّك هاتموت من القلق عليك."
افتغر فاهاها لتغلقه سريعاً بكفها متذكرة بأسف، تقول: "أنا آسفة والله يا خالي، بس النهاردة كان يوم صعب من أوله، دا غير الاجتماعات المهمة اللي قام بيها جاسر وأنا كنت بساعده فيها بحكم وظيفتي."
ضيق عيناه ليتطلع بتفحص إليها، وكفيه وضعهم على جانبيه خصره، ليسأله بدهشة: "انت بتكلميني وكأنه يوم عادي في شغلك؟ طب واللي اتنشر عنك وعنه ومالي النت بقى؟ مش واخدين بالكم منه؟"
ابتسمت ساخرة وهي ترد: "مش واخدين بالنا إزاي بس يا خالي؟ دا اترتب على اللي بتقوله مصايب فوق دماغنا.... تعالي معايا أحكيلك، تعالي."
هتفت بجملتها الأخيرة وهي تتناول ذراعه لتسحبها معها للداخل، فاعترض متشبثاً في الأرض: "انت هاتاخديني في دوكة، مش تقوليلي الأول المحروس جوزك سابك وراح فين دلوقتي؟"
ردت وهي تتنهد بيأس: "يا خالي جاسر برا بيتابع مع فريق الأمن الجديد اللي هايكلفه بتأمين الفيلا، مش بقولك ليلة كبيرة؟ تعالي يا عم أحكيلك وانت تفهم."
بعد وقت ليس بقليل، انتهى من إصدار الأوامر وتوزيع المهام، كما اطمئن بنفسه بعد أن قام بجولة تفقدية حول مداخل ومخارج المنزل ووضع كاميرات المراقبة. كان يصعد درجات السلم الأمامي بخطوات مثقلة من التعب والإرهاق، رأسه على وشك الانفجار، كل عضلة بجسده تئن للراحة، مع القلق المتزايد بداخله، يريد الاستلقاء على سريره ليغفى ولو قليلاً حتى يستطيع المواصلة ومجابهة ماهو آت. تفاجأ بخالد والذي كان خارجاً بصحبة زهرة على مدخل المنزل. اقترب ليحييه بابتسامة مرحبة: "خالد باشا، انت هنا من امتى يا عم؟"
رد خالد ممازحاً وهو يصافحه بمرح: "أنا هنا من زمان، انت اللي باينك مش عايز تشوفني ولا تقعد معايا."
استجاب له جاسر يرد بابتسامة عاتبة: "حرام عليك، هو أنا كنت أعرف إنك موجود أساساً؟ على العموم احنا في بيتها، تعالي نقعد ونتساهر كمان."
رد خالد بابتسامة ممتنة رغم مرحه: "لأ ياسيدي أجلها لوقت تاني، أنا يدوبك أروح دي رقية متحالفة لو اتأخرت."
ابتسم له جاسر مع محاولات إثناءه.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أطمنّت زهرة على نفسها، لكن خالد أصرّ عليها بالذهاب بعد أن اطمأنّ عليها، وسردت له ما فعله جاسر من أجلها. ختم توديعها بقبلة كبيرة على رأسها، وأمرها بالذهاب في أقرب وقت لجدتها لتطمئنها.
في الداخل، سقط جاسر على أقرب مقعد وجده أمامه، وأغمض عينيه بقوة. فتحها فجأة ليجد قبلة خفيفة على وجنته، قبل أن تبتعد بسرعة.
سألها مستفسراً للتأكد: "دي كانت بوسة؟"
هزّت رأسها نفياً بابتسامة مستترة. رفع حاجبيه بمكر مردفاً قبل أن يعود لوضعهما: "ماشِ."
هذه المرة، بمجرد اقترابها لتضع قبلتها في الجهة الأخرى، قبض عليها من كتفيها.
"قفشتك!" قالها، لينطلق ضاحكاً معها. ردّ لها هداياها بأضعافهم ككل مرة على وجنتيها وجميع وجهها، قبل أن توقفه قائلة بجدية: "استنى بس، أصل أنا بصراحة من الصبح مش لاقية فرصة أشكرك بعد اللي عملته معايا. أنا بحبك أوي يا جاسر."
مع سماع جملتها الأخيرة، كاد قلبه أن يتوقف من الفرح. سهم يتطلع إليها لحظات دون صوت أو حركة، يكتفي فقط بابتسامة سعيدة وهو يكرر سماعها في أذنه. ليتوقف أخيراً قبل أن يقطعه فجأة رنين هاتفه بالصوت المميز لرقم والده. تناوله ليرد سريعاً: "ألو.. أيوه يا والدي... بتقول إيه... يعني إنتوا خلاص على وصول... تمام ترجعوا بالسلامة."
أنهى المكالمة وتغيرت ملامحه ليعود لقلقه في انتظار القادم. سألته برقة، واضعة راحتها على ساعده بحنان: "عمي عامر راجع من السفر؟"
رفع رأسه إليها ليجلي عن عقله الأفكار السيئة في حضورها، فابتسم ليقترب منها قائلاً بمشاكسة: "ماتأجلي الأسئلة وخلينا في الكلام المهم، الحلوة بقى كانت بتقول إيه."
ضحكت، ترد بخجل: "ما خلاص بقى يا جاسر، هي شغلانة."
شدد من ضمها، يأمرها بحزم محبب، لتزيد من ضحكاتها الصاخبة مرحباً: "بلاش غلاسة بقى وقولي."
"هههه، لا مش هقول عشان إنت مستغل..."
"ميري حبيبة قلبي."
تفت بها فور أن دلفت إليها بداخل غرفتها، لترتمي بجوارها على التخت، مرددة بأسى تدعي اللوعة على رؤية انهيارها المفاجئ: "حبيبتي مالك بس؟ ليه تزعلي وتقهري نفسك بالشكل ده؟"
اعتدلت ميري بجذعها، تصرخ باكية: "عشان اتذليت يا ميرفت! أنا ميري! الناس تمسك في سيرتي ويقال إن جاسر رماني وفضل عليا الجربوعة دي! أنا يا مرف!" قالتها لتنخرط في بكائها مرة أخرى.
شددت عليها مرفت بذراعيها، تظهر التعاطف في صوتها: "طب بس يا قلبي ماتزعليش وتقهري نفسك، إنت كدة ممكن يحصلك حاجة وحشة لا قدر الله. ماحدش هينفعك."
خرجت من أحضانها قائلة بغيظ اختلط ببكائها: "يا مرفت أنا اتهنت واتداست كرامتي! جاسر الغبي ماهمهوش منظري ولا منظره لما فضل واحدة زي دي! أنا مشغلهاش عندي خدامة! خلى ناس متسواش تفرح وتشمت فيا! بقى أنا ميري يحصل فيا كدة!" انقطعت كلماتها بوصلة جديدة من البكاء، والأخرى تقوم بوظيفتها على أكمل وجه في التربيت على ظهرها بحنو زائف، حتى هدأت لتسألها بفضول ينبع من حقدها: "طب والدك بقى مش سامع باللي بيحصل معاك عشان يتصرف ويوقف كل واحد عند حده؟"
عدلت ميريهان شعرها للخلف، ويدها تمسح بالمحرمة الورقية على وجهها، لترد ببعض الثبات: "والدي شايف وفاهم كل حاجة، بس أنا مقدرش أتكلم معاه لأنه للأسف مش طايق يسمع صوتي من ساعة المواجهة مع جاسر لما قالوا إني بشرب وبسكر وبـ... عند مارو شقته في مصر الجديدة."
تطلعت إليها مرفت بتفحص، لتسألها بتوجس: "مارو دا اللي كنت بترقصي معاه صح؟"
أومأت لها ميري برأسها كإجابة. فتابعت مرفت سؤالها بهمس متردد: "وانت فعلاً رحتي معاه شقته؟"
هتفت ميري بانفعال وافر: "فرضاً يعني روحت كام مرة، وهو ماله أصلاً؟ ولا هو قرف وخلاص؟"
ابتسمت مرفت ما بحلقها من كلمات موبخة، فهذه الغبية تستحق كل ما يحدث معها، فقالت بمهادنة: "إنت حرة يا روحي وأنا مالي يعني. المهم بقى أنا سمعت إن خالتو لميا وعامر الريان رجعوا من السفر، هو الكلام ده بجد؟"
أجابتها وقد بدأت تستعيد تماسكه: "ده حقيقي يروحي، دي حتى خالتو اتصلت بيا كمان وأنا كلمتها وأنا منهارة على اللي عمله ابنها معايا وباركتلها على النسب اللي يشرف!"
انتبهت مرفت واشتعلت عيناها بالحماس، لتسألها: "وكان رد فعلها إيه؟ ميري قالت إيه؟"
أجابتها ببعض التشفّي: "كانت ساكتة ومش عارفة ترد عليا بكلمة واحدة، بس أنا فاهمة كويس قوي بعد السكوت ده فيه إيه، دي خالتو وأنا عارفاها."
افترّ ثغر الأخرى بابتسامة سعيدة، قائلة بمكر: "ده شكلها على كده هاترحب بمرات ابنها الجديدة جامد."
ردت ميري وهي تبادلها ابتسامتها الخبيثة: "أكيد ياقلبي، وخلي الأستاذ جاسر بقى يشرب ويشوف نتيجة اختياره اللي ها يخسف بيه وبشركته الأرض. ولسة كمان لما والدي يتحرك، أنا متأكدة إنه مش هايسكت."
مطّت شفتيها بابتسامة منتشية، وقد أطربتها الكلمات، قبل أن تجفل فجأة على صيحة ميريهان الغاضبة: "بس أنا بقى هاموت وأعرف ابن الـ... اللي نشر الخبر الزفت ده، ده ولا كأنه كان قاصدني أنا."
ابتلعت مرفت ريقها بتوتر، وهي تشيح بوجهها عنها بتهرب، حتى التفت إليها تجرها لحديث غيره: "على فكرة يا ميري، صحيح نسيت أما أقولك، مش أنا هاعمل حفلة بعد كام يوم كده."
سألتها مندهشة: "حفلة بمناسبة إيه بقى؟ هو انت مش عيد ميلادك كان قريب؟"
عادت لطبيعتها تتكلم بأريحية، وقد نجحت بصرف ميريهان عن حديث الصحفي والنشر: "يا ابنتي ما أنا مش عاملاها لعيد ميلادي، أنا عاملاها لماهر، أصله راجع في خلال يوم ولا يومين، اهو بقى منها حفل تعارف له، ومنها إحنا نعمل حاجة جديدة نبين فيها جمالنا وأناقتنا. أكيد إنت هاتحضري يا ميري، ده إنت ملكة الأناقة والحفلات."
عضت ميري على شفتيها وقد اكتنفها التردد، وهي تتساءل: "طيب هي الناس مش هاتمسك سيرتي عشان مطلقة جديد، ولا بقى يشمتوا فيا زي أصحابي الأندال؟"
ردت مرفت بتشدّق لتقنعها: "مين ده اللي يجرؤ يتكلم ولا يشمت فيك بحرف؟ هو إنت ناسيه إنك بنت مين؟ ولا صاحبتك اللي عاملة الحفلة نفسها تبقى مين؟ ده اللي يلمح بكلمة بس، وحياتك عندي لأكون طرداه شر طردة. ده إنت حبيبتي واللي يمسك ويمسني."
"قلبي بافي في."
فلتها ميري بفرحة وهي تلف عليها ذراعيها لتضمها، والأخرى تردد ضاحكة: "ده إنت اللي قلبي يا روحي إنت."
من الشرفة المتهالكة بالمنزل القديم، كان الفتيات الثلاثة يتطلعن للأسفل بانبهار، وهن يتابعن شقيقتهن التي تترجل من السيارة برفقة رجلين من الحراس الشخصيين بشكل مهيب لفت أنظار المارة وسكان الحي. شهقت صفية مخاطبة رقية الجالسة محلها، وشط الصالة بمرح: "يا لهوي يا ستي على المنظر! بنت بنتك نازلة من العربية وحواليها الحرس! ولا كأنها وزيرة ولا مرات المحافظ!"
هتفت رقية بين ترديدها بالآيات القرآنية والأدعية: "الحافظة الله! كبري يا بت وخمسي في وش كل راجل ولا ست شافوها ولا صلوش على النبي."
طاوعتها صفية تردد بالدعوات الحافظة، وهي تراقب مع شقيقاتها نزول زهرة لداخل المبنى.
بعد قليل، كان الفتيات الثلاثة، ومعهم سمية والدتهم، ملتفين حول زهرة المستندة برأسها على حجر جدتها، وهي تمسد بكفها على شعرها بحنان. هي في أشد الحاجة إليه الآن مع هذه العواصف الدائرة برأسها من قلق وخوف وترقب لما سيحمله لها الغد. تعلم أنه متمسك بها، ولكن أيضاً لا تدري إلى متى سيظل كذلك أمام هذه الحروب الطاحنة التي تقابله بسببها.
"طب إنت قلقانة ليه بس يا زهرة؟ مش جاسر باشا وقف كل واحد عند حده في الشركة ونصرك قدامهم؟" هتفت بالسؤال سمية، وأومأت لها زهرة بعينيها، تتنهد بقنوط دون رد. فتدخلت صفية تقول: "ما أمرك غريب يا أبلة زهرة، يعني بدل ما تبقي سعيدة وفرحانة دلوقتي باللي حصل وجه في صالحك، تبقي زعلانة كده وشايلة الهم."
تطلعت إليها زهرة بنظرة غامضة، ثم ردت بابتسامة باهتة: "معلش يا صفية، أصل شكل أختك كده خدت على النكد وما بتعرفش تفرح."
خاطبتها سمية بعدم رضا: "بعد الشر عليك يا حبيبتي من النكد ولا الكلام الفارغ. إنت بس عشان متهابة، لكن بكرة لما تاخدي على الجو هاتحسي بجد يا حبيبتي إن ربنا كرمك."
أكملت على قولها صفية: "آه والله يا أبلة، ده انت ربنا بيحبك قوي عشان كده بيكرمك. طب بذمتك ما أخدتيش بالك من نظرات الناس وعيونهم اللي كانت هاتتلقع عليك وعلى عربيتك؟ ولا الحراس كمان دول؟ أكنهم بهوات بالبدل واللبس الأبهة."
استجابت لها زهرة بابتسامة ودودة، قبل أن تجفل على لكزة على ذراعها من بقبضة رقية، وهي تسألها: "آه صح، يا منيلة، إنت جاية على حارتك بالحرس ليه؟ هي المنطقة غريبة عنك؟"
اعتدلت بجذعها لتخرج عن صمتها وتجيب جدتها: "مش من دماغي والله يا ستي، جاسر هو اللي أصر على كده. ده حتى كمان شدد الحراسة على بيتنا وعليه هو شخصياً."
ضيقت عيناها رقية بريبة، فلحقتها سمية تقول: "هو أدرى بظروفه يا جماعة، ده راجل كبارة واسمه مش هين في البلد. المهم بقى يا ستي زهرة، فوقي كده وقومي اتنشطي في قلب المكان ده. خالك موصيني على شوية أكل أعملهم على الغدا النهاردة، اصله هايجيب في إيده الأستاذة نوال، يعني القعدة هاتكمل بجمعة الحبايب."
شدد عامر من عناق ابنه بحرارة واشتياق، يقبله على رأسه ويربت على ظهره بخشونة محببة إلى جاسر، والذي كان متشبثاً به هو الآخر، يشعر وكأنه طفل صغير وجد حصنه الآمن بعودة والده. فمتى كان السند متمثلاً في القوة فقط؟ في حضن الآباء، حتى في ضعفهم نجد قوتنا.
ابتعد أخيراً عنه، وعيناه تتلفت حوله في البهو، يتمتم هامساً: "هي فين دلوقتي؟ مش شايفها يعني."
قالها بإشارة على والدته. عبس وجه عامر وهو يجلس على أريكته يقول بضيق: "قاعدة في الجناح بتاعها فوق، مش طايقة تشوف وشي ولا تكلمني من ساعة ما حكيت لها، وهي واخدة موقف مني ومنعزلة. كل ما أجي أقرب منها تصرخ في وشي وتسيب المكان كله."
زمّ بفمه جاسر ليرد وهو يمسح بأنامله على ذقنه الخشنة بتوتر: "لما إنت مش طايقاك وواخدة منك جنب وبتصرخ فيك، أمال أنا هاتعمل معايا إيه بقى؟"
تنهد عامر بقنوط يقول بأسف: "بصراحة يا حبيبي ربنا يعينك. والدتك واخدة الموضوع قوي على كرامتها وصورتها اللي اتهزت وسط الناس، ورافضة أي منطق للحوار معاها. واللي زود كمان هو طلاقك لميري بنت اختها."
كز على أسنانه جاسر يقول بغيظ: "وطبعاً أكيد الزفتة هي اللي اتصلت بيها وسخنتها زيادة عليا."
أومأ له عامر برأسه، فغمغم جاسر ببعض الكلمات الحانقة، قبل أن ينهض متنهداً بيأس: "أنا رايح لها، ها أجرب حظي معاها وأحاول. ربنا المعين."
"ونعم بالله ياحبيبي، أنا جاي معاك."
بشرفة غرفتها الواسعة والمطلة على الحديقة الخلفية بالمنزل، كانت جالسة محلها ساكنة كالبركان الخامد الذي ينتظر الفرصة فقط ليطلق حممه المشتعلة نحو الجميع دون تفريق. تتطلع نحو الأشجار والخضرة أمامها تارة، ثم تعود لمتابعة الأخبار في الهاتف ورسائل الأصدقاء المتعاطفة والشامتة بشياكة والتعليقات الساخرة. انتبهت على الرائحة المميزة لعطر ابنها مع صوت خطواتهم خلفها، حتى شعرت به يطبع قبلة كبيرة فوق رأسها، مردداً بصوت دافئ: "الحمد لله على السلامة يا ست الكل."
حدّقته بنظرة نارية دون أن ترد، قبل أن تعود برأسها للأمام. تبادل جاسر مع والده نظراتهما بيأس، قبل أن يجلسان مقابلها على مقاعدهم.
تكلم عامر يخاطبها: "وبعدين بقى يا لميا؟ دي مقابلة تقابلي بيها ابنك بعد غياب شهور عنه؟"
التفتت برأسها إليه قائلة بحدة: "لا، ما أنا سيبتلك الزوق والحنية، مش إنت بقى أبوه الحنين اللي بيداري عليه، حتى لو كان بيعمل مصيبة من غير ما يقدر العواقب اللي وراها."
صمت عامر عن الرد، وقام جاسر بالنيابة عنهم: "مصيبة إيه يا أمي؟ لا قدر الله، ده جواز وعلى سنة الله ورسوله."
برقت عيناها الخضراء تناظره بتحدٍ: "بجد؟ طيب ولما هو كده يا جاسر باشا، خبيتوا عليا ليه؟ ها، اتجوزتها في السر ليه؟ قبل ما سيرتكم تبقى على كل لسان."
أجابها بقوة: "للتوضيح يا أمي، أنا ما اتجوزتش زهرة في السر، أنا بس ما أعلنتش، يعني تفرق. وبخصوص إنّي ما قولتلكيش، فانتِ عارفة السبب كويس."
"اهاا، قصدك بنت خالتك اللي انت عملت بأصلك وطلقتها امبارح." قالتها بسخرية أثارت غضبه، فقال: "والله يا أمي، إنتِ عارفة كويس إني بعمل بأصلي، زي ما بالظبط عارفة ومتأكدة إن طلاقي من بنت اختك كان ها يتم في أي وقت."
تخلت عن لهجتها العادية لتصيح بغضب: "آه، ومالقيتش غير امبارح عشان تتممه! ده بدل ما تلم فضيحتك مع بنت الـ..."
"لو سمحتي يا أمي، ماتغلطيش." قاطعها بحدة هادراً ليتابع: "مش أنا اللي بعمل الفضايح. لو عايزة تشوفي الفضايح بجد، تعالي شوفي صور بنت اختك وهي بتشرب وترقص، ولا شوف صور الرجالة اللي كانت بتصاحبهم، ولا أقولك، تشوفي صورة الولد الأخير طالب الجامعة وهي بتزوره في بيته وهو عازب لوحده."
لم تتأثر لمياء في شجارها بالقول: "وانت بقى بشطارتك حبيت تأدبها، فقمت عملت زي الدبة اللي قتلت صاحبها، لبست نفسك في بنت تاجر المخدرات..."
"كفاية يا أمي." هدر بها ضارباً بكفه على سطح الطاولة. نهرها من جانبه عامر بصوت ضعيف ومجهد: "بلاش الكلام ده يا لميا، عشان خاطري."
ردت هي: "وبلاش ليه؟ هو أنا جبت حاجة من عندي؟ مش ده الخبر اللي مالي الدنيا هنا."
ناطحها جاسر بالقول: "حتى لو كان يا أمي، أنا ما يهمنيش غير زهرة."
قالت لمياء وهي تشتعل من الغيظ: "يعني برضوا بتتحدى الكل بـ... حتة بنت زي دي؟ بتعاند نفسك ولا مين؟ بس يا جاسر!"
زفر مطولاً، يشيح بوجهه عنها، فتابعت هي سؤاله بتهكم: "ما جبتهاش ليه بقى معاك؟ كنت خليتنا نتعرف بالنجمة."
رد جاسر غير مبالٍ بغضبه: "مش هاجيبها يا ست الكل، ولا هاخليكِ تتعرفي عليها، غير لما أبقى متأكد إنك مش هاتـ... ولا تعمليها وحش."
همّت لترد بسخرية، ولكن انتبهت على عامر الذي كان يمسك بقلبه، فانفضّ الاثنان بلهفة عليه: "عامر، مالك؟ مالك يا والدي؟ حاسس بحاجة؟"
رفع رأسه إليهم قائلاً: "اطمنوا، ماتقلقوش. أنا بخير إن شاء الله."
بنصف نومة ونصف جالسة، كانت مستلقية على فراشها تراقب أمامها الهاتف الذي وضعته على وضع الصامت، كلما أضاء بمكالماته التي لا حصر لها منذ الأمس، من وقت أن تركته بعد أن أفصحت وحكت ما أقسمت بطمسه ودفنه بداخلها قديماً. وعقلها الآن يدور في دوائر.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
الحيرة دون توقف. لا تصدق كيف فعلتها في لحظة ضعف لتنبش بأظافرها على جراح قد ظنت بعقلها العقيم أنها اندملت وطابت. لماذا تشعر الآن بقرب تهدم أسوارها؟ لماذا تعطيه بيدها منفذًا كي يتسلل بخبثه إليها وهي الأعلم بحقيقته وما يمثله هو بهيئته المتأنقة أشد كوابيسها رعبًا!
تنهدت مثقلة وهي تعود برأسها للخلف تستعيد ذكرى قديمة انحفرت بداخلها كنقش حجر فرعوني أصيل.
حينما ترجلت بسيارة الأجرة قريبًا من هذا المحل المشهور لتزفر متأففة بضيق بعد أن حسمت قرارها ولانت تحت إلحاحها لتقابلها به. حينما ولجت إليه بداخلها، لم تبحث كثيرًا فقد انتبهت عليها بعد أن لوحت لها الأخرى بلهفة لتجلس معها على إحدى الطاولات في جانب المحل بجوار الجدار الزجاجي الذي يكشف لها الخارج بكامله. صافحتها بحرارة، تقبلها وتعانقها غير مبالية بنظرات رواد المحل حولها. أخفت كاميليا امتعاضها وتجملت بالذوق معها على مضض حتى جلست لتبدأ نبيلة في سؤالها:
"يا حبيبتي عاملة إيه؟ كويسة كده وكويسين خواتك؟ الواد ميدو عامل إيه؟ خس عن الأول ولا لسه مكلبظ؟ أكيد مكلبظ، صح؟"
كانت تومئ برأسها مغمغمة بإجابات روتينية معتادة حتى أتت على ذكر أخيها الصغير فلم تحتمل:
"مالك أنت بميدو؟ إن كان كبر ولا خس ولا تخن يخصك في إيه؟"
توقف سيل الأسئلة بحلق نبيلة لتخرج منها تنهيدة حارة قبل ترد بأسى:
"يعني زعلانة عشان بسأل عليه؟ خلاص يا ستي مش هسأل لو كان ده هيريحك."
زفرت بضيق تشيح بوجهها عنها، فهذه المرأة تتعمد بمسكنتها إخراج مارد الغضب منها بطرفة عين، وهي التي تجاهد للتماسك.
"أنا لو مش واثقة فيك وفي قلبك الحنين، أنتِ وأبوكي، ما كنتش هاسيبه."
أردفت بها نبيلة، فالْتفت رأس كاميليا إليها بحدة واستطردت الأخرى:
"أنا عارفة إني اتصرفت بأنانية، بس ما عملتش الحرام."
اشتعلت عيناها كاميليا بنيران الغضب، ولكن نبيلة تابعت:
"يمكن ضعفت، بس مين مش بيضعف في الزمن ده؟ سمير ابن عمي كان هو حلمي وأنا صغيرة، بس لما سافر واتقدم لي أبوكي رضيت بيه وعشت معاه راضية ومتحملة ظروفه كمان. بس بقى لما رجع ومد لي إيده من تاني بدنيا حلوة وظروف مرتاحة مقدرتش أرفض..."
"كفاية يا ماما."
هتفت بها كاميليا توقف استرسالها بعدم احتمال. تداركت نبيلة نفسها لتهادنها بلطف:
"اشربي عصيرك طب الأول وماتتعصبيش، أنا بتكلم معاك عشان أنتِ كبيرة وعاقلة."
زفرت حانقة كاميليا قبل أن تتناول كوب العصير الكبير عله يهدأ ولو قليلًا انفعالها. راقبتها قليلًا نبيلة بصمت قبل أن تسألها:
"عاملة إيه في شغلك الجديد؟ بيقبضوكِ كويسة؟"
تمتمت تجيبها:
"عادي يعني، المرتب مش كبير بس كويس بالنسبة لموظفة جديدة بعقد مؤقت."
قالت نبيلة بنبرة خفيضة غامضة:
"اممم يعني على كده لسه الظروف مزنقة معاكم في البيت."
تركت كاميليا كوبها تضعه بعنف على الطاولة لتسألها مضيفة عينيها:
"ممكن تجيبي من الآخر وتقولي أنتِ عايزة إيه؟ عشان بصراحة بقى المقدمات بتاعتك دي دائمًا بيبقى وراها حاجة."
فجأة لمعت عيناها نبيلة تجيبها بحماس:
"عريس يا كاميليا، زي القمر وغني، يعني هايعيشك برنسيسة وكل اللي أنتِ تشاوري عليه هايجيبه تحت رجليك، بس أنتِ توافقي."
عقدت حاجبيها بشدة لتسألها بدهشة:
"عريس مين؟ ودا يعرفني منين؟"
ردت نبيلة متابعة بحماس أشد:
"فاكرة لما نزلتِ مع أبوكِ من أسبوعين جنازة عمك إسماعيل في البلد؟ شافك هو باللبس الأسود هناك وعينه كانت هاتتطلع عليكِ. فضل يسأل بنت مين لحد أما عرف إنك بنتي. جاني وكلمني مع عمك سمير، ولما شاف صورك في الألبوم اتأكد من ظنه وطلب إيدك."
افتغر فاهاها للحظات تستوعب قبل أن تسألها ليتأكد ظنها:
"طلب إيدي من جوزك؟"
"أيوة يا كاميليا، ماهو يبقى ابن عمه."
"كمان ابن عمه!"
هتفت بها غير قادرة على التحكم بغضبها لتكمله:
"هو أنتِ عايزة إيه يا سِت أنتِ بالظبط؟ يعني مش كفاية غدرتي بجوزك وسبتيه بعياله كمان عايزة تحصريه على بنته؟ هو أنتِ جنسك إيه؟"
التفتت بعينيها نبيلة حولها قبل أن تهمس ضاغطة على أسنانها:
"هدي شوية، الناس بقت تنتبه على صوتك. ثم إيه لزومها العصبية دي كلها؟ دا أنا رايدة مصلحتك يابت."
"عريس غني هايشيلك أنتِ وأهلك لو اتشرطتي عليه بمهر كبير أو حساب في البنك، مش بدل الشغل والمرمطة وفي الآخر برضوا فقرا. ما تفكري بعقلك شوية، وإن كان على قربه من جوزي يبقى نخبي ياستي ونتصرف. يابت دا أنتِ الوحيدة في عيالي اللي طلعتي شبهي، واخدة جمالي ومتعلمة كمان، وربنا جايب لك الفرصة الحلوة بدري أوي، يعني اقفشي فيها بقى."
"أنا مش شبهك."
قالتها حادة بعند، فقابلتها نبيلة بضحكة مستهجنة ترد:
"والنبي إيه! طب بصي في المراية الأول وأنتِ تتأكدي."
شعرت بالقهر وهذه الحقيقة لطالما أزعجتها لدرجة جعلتها تكره المرأة والنظر فيها، تكره أن تصبح مثلها وتكره أن تكون شبهها. انتقلت عيناها للخارج لترى زوجها هذا الرجل الصبياني بحلته الرمادية جالسًا في انتظارها على مقدمة السيارة، يرمق النساء المارة بنظرات متفحصة وقحة والعلكة في فمه. هذا الملعون وكأنه يعود بالزمن للخلف، عائدًا عكس أباها الذي يتقدم به العمر يوميًا ويزداد شيبًا وتجعدًا ومرضًا، وكأن الزمن يكافئ الحقير ويدهس بعنف على الطيب المسالم.
ضاق بها، فضربت بكفها على سطح الطاولة وقد تهاوى كل تماسكها:
"أنا مابتكلمش ع الشكل، أنا بتكلم ع الشخصية. أنا عمري ما هابقى زيك يا نبيلة وأسلم نفسي للي يدفع أكتر. عمري ما هاتجوز واحد يخوني أبدًا يا نبيلة، ولا هارضى بأي راجل يتجوزني بس عشان شكلي ولا جسمي."
تبسمت نبيلة ترد باستخفاف:
"يبقى عمرك ما تتجوزي، لأن الكلام ده ينطبق على واحدة عادية مش واحدة في جمالك يا عين أمك. بتتتري على النعمة اللي وهبها لكِ ربنا؟ طب خليكِ بخيابتك دي وبكرة يدور بيكِ الزمن يا كاميليا وتتمني واحد زي عمك سمير ده يصرف عليكِ ويدلعك عشان جمالك."
انتفضت من شرودها واحتدت عيناها لتتذكر وعيدها الذي وفت به منذ سنوات طويلة حينما اجتهدت وثابرت في عملها حتى وصلت لأعلى المناصب بمجهودها فقط لا لشئ آخر لتفرض احترام نفسها على رؤوس كل من يراها.
نزلت بعينيها على الهاتف الذي مازال يضيء بالاتصال، ولكن برقم آخر وشخص آخر. تطلعت به قليلاً ثم حسمت أمرها لتجيبه:
"ألو.... أهلاً يا كارما."
انتبهت زهرة وشقيقاتها وهن يعددن مائدة طعامهم التي يتم تجهيزها بفرش ورق الجرائد على الأرض على دلوف خالد وخلفه نوال خطيبته، وأصوات شجارهم تسبق خطواتهم.
"يعني مش ما فيش فايدة فيك؟ هو أنت عايز تشلني يا خالد؟"
"لا إله إلا الله. هو أنا يابنتي عملتك حاجة؟"
"في إيه يا جماعة؟ إيه بتتخانقوا ليه؟"
سهتفت بالسؤال زهرة قبل أن يقترب منها خالها يرحب بها ويقبلها أعلى رأسها بحنانه المعتاد، غير مكترث لغضب خطيبته التي تبادلت التحية مع زهرة وباقي أفراد العائلة بحرارة رغم عبوس وجهها.
جلس خالد بجوار والدته يضم زهرة بذراعيه كالعادة، ثم قال بمشاكسة مخاطبًا خطيبته:
"طب برضوا كلام بزمتكم دا، وش تقابل بيه الناس؟ ضاربة بوزك شبرين ليه؟"
فقرشت نوال بغيظ وهمت لترد، ولكن رقية سبقتها:
"فِقر في عينك يا قليل الحيا، ماتلم نفسك ياواد بدل ما ألمك."
تأوه خالد بميوعة مصطنعة أثارت ابتسامة مستترة كبحتها نوال قبل أن تعود لغضبها:
"اضربيه تاني والنبي يا رقية، خليني أفش غلي يا شيخة."
"من عنيا يا حبيبتي، أنتِ تأمري يا غالية."
قالتها رقية لتزيد على ضربه بعضة كبيرة على لحم كتفه لتنطلق الضحكات من الجميع، حتى خالد جسده ارتخى عن المقاومة قبل أن يتمكن من القول أخيرًا من بين ضحكاته:
"جرى إيه يا ست؟ هو أنتِ ما صدقتِ؟"
هزت رأسها رقية بتشفي. وقالت زهرة مخاطبة نوال:
"أديكِ قولتِ بنفسك مجرد بس ما بصيت لهم، يعني دا مش ذنبي يا ناس. ربنا ميزني عن بقية الخلق بالجاذبية، يمكن عشان شخصيتي المرحة أو شكلي الحلو، بجد مش عارف."
"اديكِ قولتِ بنفسك مجرد بس ما بصيت لهم، يعني دا مش ذنبي يا ناس. ربنا ميزني عن بقية الخلق بالجاذبية، يمكن عشان شخصيتي المرحة أو شكلي الحلو، بجد مش عارف."
هتف بها خالد بمرح، فلكزته مرة أخرى رقية تقول ساخرة:
"لتكونش فاكر نفسك رشدي أباظة ياواد ولا الحلوة التاني ده كمال الشناوي."
عادت الضحكات الصاخبة مرة أخرى، فرد خالد:
"خلاص يارقية، عند زمن الأبيض والأسود ووقفتي؟ طب قولي حد من الجداد زي أحمد عز كدة أو يشبهني فعلاً."
شهقت زهرة بجواره تزامناً مع قهقهات شقيقاها، فلف خالد ذراعه حول عنقها بهزار ثقيل معتادة عليه يرد:
"إيه يابت بتتريقي عشان قولتي أحمد عز؟ طب بذمتك مش أحلى من جوزك المحفلط ده؟ قولي."
زاد بضغطه وهي تردد ما بين ضحكه:
"لأ طبعًا، جاسر أحلى."
هتف خالد مرددًا:
"يابت الـ... وبتقوليها في وشي كمان؟ مش أنا كنت فارس أحلامك ولا نسيتي؟"
زامت فك ذراعه عنها لتجيب وفور أن فعلها والتقطت أنفاسها قليلاً، عادت تردد له بغيظ قبل أن تتحامي في جدتها:
"وبرضوا جاسر أحلى."
لتزداد الجلسة صخباً مع هتافه المستنكر وضحكاتهم التي كانت تصل لخارج بنايتهم.
عادت إلى منزلها مساءً بعد أن قضت يومها المميز مع أسرتها المحببة. لمحت شبحه في غرفتهم والإضاءة خافتة جالسًا بكتفين متهدلين دون حركة وكأنه تمثال من الشمع. انتفضت في البداية بخوفها الفطري من الظلام قبل أن تضغط على الكابس الذي أضاء جميع الغرفة وركضت إليه فورًا تسأله بجزع:
"إيه مالك ياحبيبي؟ هو أنت تعبان؟"
لم يرد، ولكنه أوقفها ليحتضن خصرها بذراعيه بقوة ويتنفس بألم شعرت به، لتحيط بذراعيها على رأسه وتخلل أناملها بخصلات شعره. صامتة حتى تكلم هو أخيرًا:
"أنا دلوقتي بس عرفت قيمة الأخ، دلوقتي بس عرفت إن حظي وحش عكس ما كنت مفكر بقالي سنين."
سألته بصوتها الرقيق:
"بتقول كده ليه يا جاسر؟"
شدد بذراعيه عليها جيدًا قبل أن يجيب وكأنه يحدث نفسه:
"لو معايا أخ، كنت هاسيب له الجمل بما حمل واكتفي بيكِ لوحدك. لو عندي أخ كان هايشيل معايا مسؤولية اسم والدي اللي بناه بعمره كله. يعلم ربنا إن عمر ما يهمني أي فلوس أو مناصب، كل اللي يهمني هو اسم أبويا وبس."
قالت بتوجس وأناملها مازالت تتخلل شعر رأسه:
"في حاجة جدت جديد في الشركة؟"
أجاب بصوت مكتوم بحضنها:
"بكرة هاتنعقد الجمعية العمومية للمجموعة بحضور والدي الرئيس الفعلي."
زحف إلى قلبها الخوف وهي تشدد من احتضانه وتمتم داخلها:
"استر يارب..."
بخطوات مثقلة كانت تتقدم نحو غرفته حاملة بيدها أقراص الدواء لعلاجه في ميعادها هذه الساعة، رغم احتقانها وكل ما تحمله من غضب نحوه ونحو ابنها بعد شعورها بالغدر منهم حينما أقصوها في شئ هام كهذا يخص سمعة العائلة وصورتها أمام الجميع. هي تعلم بإصرار ابنها إذا أراد شيئًا ووضعه نصب عينيه لا يهدأ حتى يناله، لكن أن يصل حجم تطرفه إلى هذه الدرجة لم تتخيل، أو أن يساعده أباه ويبارك خطوته دون علمها هذا فاق كل احتمالها، وهي التي كانت بجواره في رحلة علاجه التي قطعها ولم يكملها. أهكذا يكون تقديرهم لها؟ تنهدت بعمق ما تحمله من حزن بداخلها منه قبل أن تطرق باب غرفته وتلج بداخلها إليه بعد أن سمعت إذنه بالدخول. دلفت بخطوات مترددة تخاطبه بجمود:
"صباح الخير. أنا جبت لك الدوا عشان ده ميعاده."
ابتسم بعشق وهو يقف بنصف الغرفة أمامها يتمم على أزرار قميصه المنشي. فزوجته العزيزة مهما بلغ غضبها وادعت عدم الاهتمام لا تغفل عن أدق تفاصيله، فقال يشاكسها:
"يعني فاكرة ميعاد الدوا ومش فاكرة الفطار؟ هاشربه إزاي على معدة فاضية؟ بس يالميا."
برقت أمواجها الخضراء فقالت بقلق متناسية غضبها:
"هو أنت فعلاً ما فطرتش ياعامر؟ وبتلبس وخارج كمان؟"
استدار عنها ليتجه نحو المرأة يضع عطره ويقول بلهجة ماكرة لائمة:
"وأنتِ تشغلي نفسك ليه بقى؟ وأنتِ مش طايقاني ولا طايقة حتى تشاركيني أوضة واحدة؟"
زمّت شفتيها تكتم غيظها وأنفاسها تهدر من خلفه، فهي الأدرى بزوجها وطريقته في اجتذاب تعاطفها نحوه. همت لتتركه غير مبالية، ولكنها انتبهت على ارتعاش كفيه في لف رابطة عنقها.
"استنى ياعامر."
قالتها واقتربت منه لتلفها بيدها. ابتسم لها بجانبية وهي تتطلع لها عن قرب وهي متحاشية النظر إليه، فسألته بوجهها العابس:
"هو أنت تعبان النهاردة؟ مش بعادة يعني إيدك تترعش في ربط الكرافت؟"
أجابها بابتسامة حانية:
"وليه ماتقوليش إني بمثل عشان أشوف لهفتك عليا؟"
كبحت ابتسامة ملحة وقالت بجدية:
"لو حاسس نفسك تعبان بلاها من حضور الاجتماع ده ياعامر، أنت قلبك لسه تعبان."
"واسيب ابني لوحدها؟"
اضطربت واهتزت كفيها من عبارته البسيطة فقالت وهي تنهي ما تفعله لتشيح بوجهها عنه تدعي القسوة:
"وهو ابنك صغير؟ ولا مكانش عارف بعواقب عملته؟"
زفر عامر بسأم وهو يتناول سترة حلته ليرتديها وقال بحسم:
"ابني مش صغير يا لميا، بس أنا مش هاسيبه يواجه التيار ده لوحده، حتى لو غلطان، أنا برضوا في ضهره."
تنهدت بحرارة وهي تتطلع إليه مستندة على حافة الكمود ثم قالت:
"خليك في ضهره ياعامر، وافضل كده ساير فيه من غير ما توجهه ولا تنصحه. سيرتنا بقت على كل لسان، ابن عامر الريان ساب بنت الوزير وراح اتجوز سكرتيرة أبوها تاجر مخدرات."
رمقها بنظرة عاتبة قبل أن يدنو ليتناول سلسلة مفاتيحه من جوراها ورد قبل أن يتحرك ويتركها:
"هو حر في اختياره يالميا، بنت وزير ولا بنت غفير أو مهما كانت صفة البنت، أنا بقى أهم حاجة عندي أشوفه مبسوط. دي تكفيني."
قالها وانصرف من أمامها تاركًا إياها للأفكار السوداء التي تغرق بها دون رحمة، حتى انتبهت لأقراص الدواء فتذكرت لتتناولهم وتهتف راكضة للحاق بها:
"استنى ياعامر، خد علاجك، استنى، أنت ما فطرتش أساسًا."
بداخل سيارتهم التي كانت تقطع الطريق ذهابًا إلى الشركة، يدها بيده وكأنه يستجدي منها القوة بصمت عبر رجاء نظراته لها، وهي لا تبخل عليه بمؤازرته وقد قضت ليلتها كاملة بالدعاء المستمر وغمره بفيض حنانها.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وصلت السيارة اخيرا لمقر الشركة لتترجل منها معه ويدها مازالت بيده لافتين انظار الجميع حولهم وكأنه يتحدى بها العالم غير أبه بما يقال أو يحدث.
دلف بها لداخل غرفة مكتبه فتفاجأت بوالده عامر الريان شخصيا على كرسي الإدارة الذي احتله جاسر سابقا ويبدوا عليه الإنهماك في عمله على بعض الأوراق أمامه.
تباطئت خطواتها حتى تشبثت بالأرض غير قادرة على مواصلة التقدم. نظر لها جاسر عاقدا حاجبيه باستفسار فرمقته بنظرة مترددة قبل أن تجفل على هتاف عامر المرح:
"إيه ياعرايس هاتفضلوا واقفين كدة مكانكم كتير؟"
رفعت ايه أنظارها برهبة جعلتها تستسلم لسحب جاسر لها اليا حتى وصل بها إليه يقدمها:
"عامر باشا احب اعرفك على عروستي."
توسعت عيناها وزاد قلبها في خفقانه وهي ترى عامر الذي نهض عن مقعده. تركزت عيناه عليها فقال لها بلهجته المداعبة:
"ومالها بقى مكسوفة كدة ليه هو انا غريب ولا انت مش عايزة تسلمي عليا؟"
ذهب بعض التوتر عنها ولكن حل محله الخجل الشديد وهي تسبل أهدابها عنه ولم تقوى على الرد عليه. فضحك الرجل من قلبه وهو يخاطب ابنه:
"لا طلعت صياد بابن الريان وعرفت تنقي بس مش كدة بقى انا لازم اسلم عليها واتعرف عليها كويس."
سحبها جاسر وهو يردد لوالده بابتسامة تفضح بهجته من الداخل:
"براحة ع البنت يا عامر ياباشا شوية شوية عليها عشان تاخد عليك."
تناول عامر كفها يصافحها بحرارة مشبعة بمشاعر تضخ بداخله الان نحو هذه الفتاة التي أعادت ابتسامة سعيدة لوجد ابنه حتى تخلى عن وقاره وعنجهيته المعتادة وهو يقدمها اليه وكأنه طفل صغير وقد حصل على جائزته.
"الف مبروك يابنتي وسامحيني إن يكون اول لقاء مابينا هنا في المكتب."
قالها مخاطبا لها فخرج صوتها بهمس خجول:
"متقولش كدة ياعمي انا عارفة من الأول بظروف تعبك وسفرك ربنا يخليك ويبارك فيك يارب."
ربت براحته على ظهر كفها قائلها بحنان:
"ربنا يبارك فيك انت يازهرة وعلى العموم انا مش ناسي وهاعوضك انت وجاسر بس نخلص الأول من المشاكل اللي احنا فيها دلوقت."
اكتنفها الإرتياح على الفور بقوله فكلماته المطمئنة وصلت اليها بصدق إحساسه. اما جاسر والذي اسعده قول أبيه وترحيبه بزهرة لم يسعفه الظرف السئ بالتعبير عن امتنانه فقال لوالده بتوتر:
"مقولتش ياولدي الإجتماع النهاردة هايتم بحضور فهمي ولا هايبعت مندوب عنه؟"
رد عامر بعدم اكتراث:
"يجي أو يبعت أي حد من عنده في الحالتين مش فارقة المهم ان الإجتماع خلاص يدوبك نص ساعة ويبدأ يالا بقى جهز نفسك يابطل انا هاسبقك."
قالها وتحرك على الفور مغادرا. تشبثت زهرة بكف جاسر توقفه قبل اللحاق بوالده:
"هو انا هاحضر معاكم الإجتماع؟"
نفى برأسه قبل أن يقبلها على أعلى رأسها وقال:
"كارم هو اللي هايتولى المسؤلية النهاردة ريحي نفسك انت وادعيلنا بالتوفيق."
بعد نصف ساعة.
كان بدء الإجتماع الكبير الذي ضم الشركاء ومسؤلي المجموعة مع عامر رئيس المجموعة وابنه جاسر وعدوهم الاقوى والشرس الوزير فهمي حيدر في لفتة نادرا ماتحدث فعلها الرجل خصيصا كي يرى بأم عينيه تأثير النتيجة الحاسمة في القضاء على الصرح الكبير لعامر الريان اڼتقاما منه ومن ابنه وقد أعد غدته بتفاهمات واتفاقات سرية مع باقي الشركاء.
زهرة والتي لم تطاوعها قدميها للجلوس والراحة على مقعد مكتبها كانت تقطع الغرفة ذهابا وأيابا بلا هوادة وفمها يردد بالأدعية بلا توقف. يتاكلها الفضول لمعرفة ما يجري في الغرفة المغلقة وعلى طاولة الإجتماع المصيري ترجوا الا تكون النهاية لهذا الكيان العظيم وتذكر هي كطرف أساسي ضمن أسباب سقوطه.
"إنت واقفة عندك بتعملي ايه؟"
انتفضت مجفلة لتلتف نحو لصاحبة الصوت تخاطبها بهمس عاتح:
"حرام عليك ياغادة خضتيني مش تديني تنبيه الأول."
لوكت غادة بالعلكة داخل فمها وهي تخطو لتجلس على المقعد المقابل للمكتب قائلة بتهكم:
"تنبيه! انت عايزاني ازمرلك مثلا في ايه يازهرة مش صوتي انا اللي عالي ياحبيبتي دا انت اللي كنت سرحانة واكنك في دنيا تانية."
تطلعت لها زهرة وهي تتنهد بقنوط قبل أن تجلس خلف مكتبها أمامها وتابعت غادة تسألها بفضول:
"ماقولتليش بقى انت قاعدة كدة أعصابك ومتعصبة ليه؟"
أطرقت برأسها زهرة تدعي الانشغال بأحد الملفات أمامها فقالت باقتضاب:
"يعني موضوع كدة شاغلني."
لوت ثغرها غادة وهي ترد بغيظ:
"بتداري ليه ما الشركة كلها عارفة ان النهارده في اجتماع مهم للشركا الكبار في مجموعة الريان بس انت اكيد عارفة سبب الإجتماع ده."
ظلت زهرة على صمتها لحظات ترمقها بيأس فهي الأعلم بغادة وسبب مجيئها في هذا التوقيت إليها. هذا وقد أعادت غادة السؤال بإلحاح:
"يابت ماتقولي هو سر حربيعايزانى اقول ايه ياغادة بس هو انا هاتدخل كمان في الأمور الكبيرة ديه."
تفت بها منفعلة قبل أن تزفر بضيق وتشيح بوجهها للناحية الأخرى لتزيد من سخط الاخرى قبل أن تستقيم منتبهة وقد لمحت بعيناها خروج فهمي حيدر الوزير المعروف لها من شاشة التلفاز بخطوات مسرعة يقطع الرواق بوجه مكفهر ومعه بعض الرجال.
"إيه دا مش دا الوزير يابت يازهرة؟"
قالتها غادة فالتفتت لها زهرة بتشتت وحيرة حتى انهار جدار صمودها فتركتها راكضة نحو غرفة الإجتماع الذي بدا انه انفض مع خروج ألأفراد تباعا منه.
"بت يازهرة استني يابت هاتروحي فين طب خوديني معاكي ېخرب بيتك."
تفوهت بالكلمات غادة وهي ټضرب بأقدامها على الأرض بغيظ لعدم تمكنها من اللحاق بها ومعرفة ما يجري.
وصلت لمدخل الغرفة الشاسعة فتباطئت خطواتها بتردد ثم أطرقت رأسها بخجل مع النظرات المتفحصة لها بفضول من رجال ونساء تبينوا هويتها في طريقهم للخروج. ولجت للداخل فتسارعت أقدامها قليلا نحو الطاولة التي لم يتبقى عليها سوى عدد قليل وعلى رأس الطاولة كان عامر يأخذ وضعه وبجواره كارم وطارق من جهة والجهة الأخرى كان جاسر الذي التقطها عيناه على الفور وكأنه شعر بوجودها. أومأ لها لتكمل بوجه مشرق بشكل اثار دهشتها. بلغ إلى أسماعها كلمات التهنئة التي كانت توجه لعامر من بعض الأفراد ومنهم ميرفت والتي كانت ترسم ابتسامة بعرض وجهها وهي تخاطب عامر بنعومة وود تبدلت لنظرة غامضة نحو زهرة بمجرد أن اعطت ظهرها للجلسة ومن عليها. جعلت زهرة تتطلع لها بحيرة قبل أن تجفل على قبضة على كفها لتسحبها وتقربها سريعا لتجلس بجواره رغم اندماجه في الحديث وتلقي التهاني مع والده.
طرقت بأنامل كفها الحرة على كف يده القابضة على يدها أسفل الطاولة فالټفت إليها سريعا ليرى التسائل بعيناها ولكنه فاجأها بغمزة جريئة منه جعلتها تغلق فمها عن الكلام او السؤال وحتى رفع رأسها وقد اصبغ وجهها بحمرة الخجل. فانتظرت حتي انحسرت الغرفة عليهم ليجفلها جاسر وهو يفقد أتزانه المعروف وقفز سريعة نحو والده ليقبله على رأسه بحرارة مهللا:
"حبيبي ياعامر باشا ربنا يحفظك ويخليك ليا يارب."
صدحت ضحكة مجلجلة من عامر وهو يدفعه عنه قائلا بمرح:
"طب خلاص يابني بقى بلاش شغل الشحاتين ده."
"ياجماعة ماتفهمونا إيه اللي حصل؟"
هتفت بها زهرة مذهولة مما تراها أمامها أجابها طارق بحماس:
"إنت لسة مافهمتيش يازهرة الراجل اللي قدامك ده قضى على فهمي حيدر بالقبضة القاضية اموت واعرف عملتها ازاي."
وجه الأخير نحو عامر الذي تلاعب بياقة قميصه يردد بزهو:
"ياجماعة مش لدرجادي دي حاجة بسيطة يعني."
"ياجامد."
هتف بها جاسر ضاحكا قبل ان يعود لمكانه بجوار زهرة. تدخل كارم هو الآخر متخليا عن تحفظه الدائم:
"لا بجد حقيقي ياعامر باشا احنا نفسنا نعرف منك قدرت ازاي تتصرف بالسرعة دي وتعرف بنية الوزير فهمي."
صمتت زهرة منصتة لعامر الذي تلاعب بالشباب قليلا قبل أن يجيبهم كي تعلم مالذي حدث وقلب الحال هكذا من النقيض للنقيض:
"ولا ياحبيبي انت هو انا عرفت نية فهمي بحكم العشرة دا شريكي بقالوا سنين طويلة يعني فاهم طريقة لعبه كويس قوي كنت متأكد انه هايلف ع الشركا المهمين معانا عشان ينضموا في صفه لما ينسحب من كيان المجموعة وساعتها تبقى ضړبة قوية فعلا خصوصا لما ينضملهم البقية اللي أكيد مش هايستنوا لما ټغرق المركب ويغرقوا معانا."
تدخل جاسر يقولاه:
"ياوالدي بس انا كلمت معظمهم وطمنتهم على مستقبل المجموعة لو انسحب منها فهمي وهما أكدولي انهم في صفي."
"كانوا بيخدعوك ياحبيبي."
قالها عامر لتزداد دهشتهم ويلفهم الصمت الذي قطعه هو مستطردا:
"المعلومة دي انا عرفتها من واحد عزيز عليا منهم فهمي كان بيحضر لكيان جديد يضمهم فيه بعد ما يوقع مجموعتنا بس على مين انا جبت مكانوا جوكر."
ردد طارق مهللا:
"ايوة بقى ومش أي جوكر دا مصطفى عزام يعني يمسك التراب يحولوا لدهب دي ضړبة معلم بجد."
جذبت زهرة جاسر من قماش قميصه مستدركة تحاول الفهم فسألته هامسة:
"مصطفى عزام مين قصده على جوز الممثلة المشهورة؟"
اومأ لها جاسر بعيناه لتشهق فاغرة فاهاها بعدم تصديق. رمقها بتسلية قبل أن ينتقل بعيناه نحو والده مخاطبا:
"بس انت برضوا مقولتش اقنعت مصطفى يشاركنا ازاي مكان فهمي؟"
أجابه عامر بصبر رغم شعوره بالإجهاد وبعض الام صدره التي اعتاد عليها في الفترة الأخيرة:
"مصطفى ابن سوق وعارف ان اسمنا مسمع وهو مش غبي عشان يضيع فرصة زي دي لأجل عيون فهمي المتخلف طبعا لما كلمته فرض شروطه وانا وافقت عليها من غير تفكير اسم مصطفى عزام هو اللي لجم باقي الشركا عن الإنسحاب ورا فهمي ماهو كل واحد فيهم تهمه مصلحته في الأول والاخر."
"طب هو مصطفى فرض شروط مجحفة؟"
سأله جاسر بتوجس وكانت إجابة عامر بجدية:
"مش لدرجة مجحفة هي المسؤليات هاتزيد حبتين في المرحلة الجاية نسبته هتبقى أعلى من فهمي طبعا وعلى العموم دي اتفاق مبدئي يعني لسة مافيش عقد اتمضى بس حتى لو أصر يعني احنا برضوا قدها ولا ايه ياعم جاسر؟"
رد جاسر بثقة مؤكدا:
"طبعا ياباشا قدها وقدود كمان."
"على بركة الله."
تمتم بها عامر وهو ينهض عن كرسيه فاهتز قليلا قبل أن يلحقه جاسر ويسنده بساعده وسأله بقلق:
"إنت تعبان ياولد؟"
ربت عامر على كف ابنه المتشبثة به قائلا بابتسامته المعهودة:
"لا ياحبيبي ماتقلقش نفسك انت انا بس تعبت من القعدة بقالي شهور ما اشتغلتش."
"طب اجي معاك أوصلك."
قالها جاسر وهو يهم للتحرك معه فدفعه عامر بطرف كفه قائلا بنزق:
"ياعم اوعى خليك انت في شغلك وانا السواق هايوصلني هي حكاية."
توقف جاسر يرمقه بابتسامة ممتنة وهو يراقب انصرافه مع أصدقائه حتى الټفت على سؤال طارق من خلفه:
"تفتكروا ياجماعة لو فهمي حيدر نجح في مخططه وأنشأ الكيان بتاعه ده كان هايسميه إيه؟"
"أكيد كان هاسميه ميري."
قالها جاسر وانطلقت ضحكات الرجال الصاخبة لخارج الغرفة. أما زهرة فكانت تخبئ بكفها على فمها حتى لا يخرج صوتها بينهم.
"انهار اسود ياميرفت هو إيه اللي حصل بالظبط؟"
سألتها ميري بجزع عبر الهاتف تتحامي بغرفتها من ڠضب والدها العاصف وهي تستمع لصياحه بالمنزل على الخدم بالسباب وتكسيره لكل ماتطاله يده. أجابتها الأخرى بصوت متأثر:
"للاسف ياميري عامر الريان خدع الكل وجاب شريك جديد مكان والدك."
هتفت ميري بعدم تصديق:
"شريك جديد! دا مين دا اللي اتجرأ وقدر يعملها مين اللي دا وصل بيه غباءه انه ياخد نصيب والدي في مجموعة هو من اكبر مؤسيسينها؟"
بحثت ميرفت ابتسامة ملحة وجاهدت ليخرج صوتها بنبرة عادية لتجيبها:
"ماهو ماخدتش نصيبه يا ميري والدك هو اللي انسحب من دماغه وعامر كان عامل حسابه ومجهز مع مصطفى عزام."
"إيه مصطفى عزام؟"
شهقت بالأسم متفاجئة لتكمل بغيظ:
"ياولاد الإيه يعني مصطفى عزام يجي وياخد مكانه في المجموعة بعد ما والدي يمشي مكانش ينفع بقى يبقى شريك ووالدي معاهم."
قطبت ميرفت لتسألها مندهشة:
"ميري هو انت بتقولي ايه وزعلانة على ايه بالظبط؟"
وصلها صوتها الغاضب قبل أن تنهي المكالمة:
"زعلانة على كله يا ميرفت انا كدة حظي هباب دايما الفرص الكويسة بتطير من إيدي."
اغلقت معها لتطلق العنان لنفسها في الضحك وهي تغمغم ساخرة:
"غبية فعلا."
بغرفة مكتبه وبمجرد ان أغلق بابها عليهم رفعها عن الأرض يغمرها بقبلاته المچنونة غير عابئ باعتراضها الواهي ولا مقاومتها والتي على غير العادة لم تكن قوية فقد وصلها مايشعر به وتعاطف قلبها معه ضد ارداتها:
"كفاية ياجاسر بقى احنا في المكتب كام مرة هاقعد افكرك."
رد بصوت مفعم بمشاعره القوية نحوها:
"عادي ياستي فكريني تاني وتالت ورابع ولمية مرة حتى انا راجل نساي أساسا."
قال الاخيرة مشددا عليها بذراعيه ليدفن رأسه في حجابها وكأنه وجد اخيرا أمانه بين يديه. استكانت قليلا تنتظره حتى أنزل أقدامها على الأرض فقال وهو وهو يكبح جماح نفسهه:
"لولا بس اننا في المكتب وعشان عارفك بتزعلي لما ازودهادا على أساس ان انت كدة مزودتهاش."
قالتها ساخرة فانطلقت ضحكة رجولية صاخبة منه وهو يجبر نفسه على الابتعاد عنها حتى وصل ليجلس على حافة مكتبه فقال بمكر:
"طيبة اوي انت يازهرة وفكرك محدود اوي في حكاية ازودها دي."
استدركت للمعنى المبطن خلف كلماته فعبست بوجهها كي تخفي حرجها ولكزته بقبضتها على صدره بخفة تعنفه قائلة:
"بلاش تلميحاتك السخيفة دي عشان انا مش غبية عشان مفهمش."
تبسم يتناول قبضتها ليقبلها بحنان صامتا فقالت هي:
"لدرجادي انت فرحان ياجاسر."
تنهد بعمق وشردت عيناه قليلا قبل يجيبها:
"كلمة فرحان دي قليلة جدا عن اللي حاسس بيه وخصوصا بعد اللي عرفته من والدي رغم غيظي الشديد طبعا من حجم اللي كان بيتدبر من ورايا لكن معلش الجايات اكتر من الريحات."
قال الأخيرة بمغزى لم تفهمه زهرة فقالت بفطرتها:
"ريحات بقى ولا جيات خلينا دلوقت في اللي جاي الرجل جوز الممثلة اياها دي امتى بقى هاتقابله ولا تتمم معاه إجراءات الشراكة."
أردف يجيبها وهو يلتف لخلف مكتبه ليجلس على مقعده:
"أكيد قريب طبعا بس لما اشوف والدي واشوف مواعيدهم مع بعض المهم بقى جهزي انت نفسك."
عقدت حاجبيها بشدة تسأله باستفسارا:
"جهز نفسي لإيه؟"
رد بجدية وهو يضم كفيه يستند بهم على سطح المكتبه أمامه:
"عايزك تبقي جاهزة يازهرة عشان ناوي قريب قوي أعلن عن خبر."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التسعون 90 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جوازنا قدام العالم كلها مش بس الشركة هنا.
توقفت قليلا تستوعب جملته المبهمة ثم سألته بنبرة خفيضة بحرج:
"ودا هايحصل ازاي وانت عارف يعني.... بموضوع والدي واللي اتنشر عنه."
عاد بجسده لخلف الكرسي يذكرها بلهجته المسيطرة قائلا:
"أنا قولت قريب يازهرة يعني على ما يجي اليوم ده اكيد هاكون لقيت حل."
أومأت برأسها تستأذن في الانصراف لتكبح تدفق الأسئلة العديدة برأسها.
في اليوم التالي.
وبجوار رجل الأمن المكلف حديثا منه وحارسه الشخصي إمام في غرفة مغلقة وحدهم كان ينظر بتركيز في الشاشة التي أمامهم للقطات محددة يشير إليها الرجل:
"هو ياباشا زي ما انت شايف هو دا الواد اللي جاب العصير لزهرة هانم ودي الست اللي كان بيتكلم معاها أكيد هي اللي حطت المنوم."
ضيق عينان الصقرية بتركيز في هيئة الفتى ذو الجسد النحيف والمغطى نصف وجهه بقناع طبي فقال بتركيز:
"انت متأكد انه مش شغال في المحل ياعوني."
أجابه الرجل بثقة:
"طبعا يافندم انا فرزت العمال كلهم لكن الهيئة دي ماشوفتهاش على أي واحد فيهم واضح جدا ان الموضوع كان مدبر من الألف للياء بدليل ان الولد والست مقلعوش الكمامة نهائي من وشهم."
مسح بأطراف أنامله جاسر على ذقنه الخشنة بتفكير واستطرد الرجل:
"أنا حاسبت مدير المطعم وحاسبت كل اللي اتعاون مع الولد ده أو الست بس المشكلة اللي عقدت الدنيا فعلا هو موضوع الكمامة ده عرفوا يستغلوا هاجس المرض المنتشر كويس قوي."
ظل صامتا جاسر ينقر بأصابعه على سطح المكتب الصغير وعيناه انتقلت للمرأة الملفحة بسترة ثقيلة وكاب يخفي شعرها وكمامتها في الامام لتخفي شخصيتها بالكامل فقال اخيرا للرجل:
"اسمع ياعوني الست دي أهم من الولد نفسه عايزك تعيد على شرايط الكاميرات من تاني وتجيبها من قبل ما تدخل المحل مش عايزك تهدى غير لما تجيبلي معلومة مهمة عن الست دي تدلني عليها."
على باب منزلها توقف يلتقط أنفاسه كي يتماسك ويهدئ من ثورة هذا الغبي بصدره لقد فعلها إذن وأتى بعد أن استبد به شوقه إليها حتى كاد أن يطيح بعقله منذ اخر مرة قابلها وحكت إليه مالم تقوى على البوح به لشخص آخر غيره وهو في حيرة تكتنفه بلا رحمة أمواج من الأمل ترفعه في محيط عشقها ليشعر بامتلاكه العالم بين يديه وأمواج أخرى غادرة تسقط به في ظلمة عقلها اليابس الحجري فتوشي له بالقلق مع عدم ردها على مكالماته العديدة طوال الايام الفائتة ليحسم أمره اخيرا بمواجهتها لكي تعود لرشدها أو أن يفعل ما يمليه قلبه عليه ويضعها أمام الأمر الواقع نعم هذا ما سيحدث لقد حسم أمره واتخذ القرار.
تنفس مطولا قبل أن يضغط على الجرس ولكنه تفاجأ بفتح باب المنزل أمامه خبئت ابتسامته سريعا وهو يتبين هيئة الرجل المنمق أمامه وهو يخرج اليه بابتسامة مهذبة كعادته لافظا اسمه وكأنه سؤال:
"طارق."
هم ليقارعه الاخر بالسؤال ولكنه ابتلع جملته فور أن رأى المرأة الخمسينة بصحبة صاحب البيت أباها وهي خلفهم في الداخل رأسها فقط التي ظهرت إليه بزينة وجهها التي زادتها فتنة على فتنتها الطبيعية ولكن مع تهرب عيناها وتغير ملامحها لتوتر بدا جليا عليها اظهرا إليه ماكان يخشاه لينبؤه حدسه بصدق وتأكيد:
لقد فعلتها نعم لقد خطت بيدها على حكم اعدامها واعدامه وفعلتها!
عاد اخيرا لمقر عملها الذي اشتاقت إليه بكل جوارحها بعد إجازة استمرت لأسبوعين بسبب إصابة قدمها لحقتها بأسبوع ثالث على قصد حتى تتجنب اللقاء به على الفور وتتجنب الصدام معه وقد شهدت بنفسها على صدمته وقت لقاءه الكارثي على باب منزلها بكارم ووالدته في صدفة غريبة جعلته يعلم بما انتوته فور حدوثه من ألجيد انه تمالك نفسه وتعامل مع الأمر بزوق وروية رغم شحوب وجهه الذي لم يخفى عليه.
تتمنى بهذا الأمر أن تغلق صفحته لتسير بحياتها التي رسمتها من قبل وقد كافأها القدر بمنحها ما تتمناه ولكن هل هذا حقا ماتمنته.
عند خاطرها الاخير استفاقت من شرودها لتنتبه على قربها من غرفته في الرواق المؤدي لغرفتها هي أيضا ولكن في الناحية الأخرى خطړ على رأسها أن تدلف إليه وتحادثه بلهجة عادية يتقبلها هو فتعود علاقتهم كزملاء وفقط رغم شكها في هذا الأمر لطبيعته الثورية دائما وجرأة افعاله الغير متوقعة على الإطلاق ولكن كل شئ مع الوقت يمر وقد مر الان اسبوع فلابد انه نسي أو هدأ عقله من ناحيتها فتحت باب غرفتها لتلج بالداخل وعقلها مازال هناك أمام غرفته تتسائل مع نفسها هل كان من الواجب ان تدلف إليه برسمية لتخبره بمجيئها ام كان يجب ان تقابله كما قررت بلهجة عادية على اعتبار ان تكون هذه طريقة تعاملها معه في المرحلة القادمة هي تعلم بمساؤه كما تعلم بحسناته لابد أنه هدأ الان وعلى استعداد للتعامل معها بحضارة.
انتفضت فجأة لتلتف بجسدها مجفلة على دفعة قوية لباب غرفة مكتبها لتفاجأ به أمامها بوجهه المتجهم الغاضب ليصفق الباب خلفه بعد ذلك ويغلقه بنفس القوة السابقة.
ارتجفت على غير توقعها وهي تتطلع إليه بهذه الهيئة الغريبة عنها وهو يتقدم نحوها كفهد بري حلته السوداء وقميصه ألاسود والبنطال بنفس اللون لتكتمل الصورة بطوله المهيب وجسده العريض عيناه الحمراء وذقنه الغير حليقة مع صوت انفاسه الهادره الذي تصل إليها فيبث بقلبها الخۏف بشدة وهي تجاهد وتدعي التماسك حتى خرج صوتها اخيرا:
"انت ازاي تخش كدة مش تستأذن الأول."
وكأنه لم يسمعها اقترب أكثر ليميل بوجهه قائلا بهدوء مريب:
"ليه."
"متحركش راسها تدعي عدم الفهم وهي ترد:
"إيه بالظبط مش فاهمة."
اقترب اكثر لترتد هي غريزيا للخلف تراقب قوله وهو يكز على أسنانه:
"بلاش تستهبلي انت عارفة انا بسألك عن إيه."
"أستهبل دا آيه مش تخلي بالك من كلام......"
"ااه."
صرخت بها وقد أجفلها بقبضه على مرفقيها بقوة ليقربها نحوه بعنف هادر:
"ابصي في عيوني كويس يا كاميليا وقولي فضلتيه عليا ليييه."
أجفلها حجم غضبه وجنونه ولكنها تمسكت بكبريائها الزائف لتردف له بدفاعية تخفي بها جزعها منه:
"انت بينك اټجننت باين ولا إيه سيب إيديا ياطارق انا مش عايزة اتصرف واعملك ڤضيحة."
هزهزها بقبضتيه غير مبالي بصياحه:
"ردي يا كاميليا وبلاش تتهربي من الإجابة انا على اخري بتعشميني بقربك بعد ما حكيتي عن أدق اسرارك ليا وبعدها تطعنيني في ضهري بخطوبتك من كارم مين أحق انا ولا هو عشان تفضليه عليا."
تمالكت نفسها قليلا قبل أن تعود لطبيعتها العنيدة فقالت بتحدي:
"انا ماحكتلكش عشان اقربك انا حكيت عشان تفهم من نفسك السبب اللي واقف بيني ومابينك."
انعقد حاحبيه بشدة يستوعب قبل أن يهتف بغضب حارق:
"قصدك انك شايفاني في صورة جوز امك هو دا اللي تقصديييه."
أكملت بتشفي رغم الام ذراعيها حتى توقفه بالحجة:
"وانت تفرق إيه عنه ولا انت مش واخد بالك من نفس الصفات اللي قولتها."
ازداد عنفوان ثورته مع ازدياد ضغط قبضتيه على مرفقيها يهدر بألم قلبه:
"هي دي الصورة اللي رسمهالي في عقلك عشان تبعديني عنك انا عمري ما كنت خاېن ولا خدت ست من جوزها انا عمري ما بصيت لمرات صاحبي انا عمري ماغدرت بحد حتى لو كان عدوي......"
"بس بتاع نسوان."
قالتها مقاطعة بحدة لتصل إليه وكأنها نصل سكين حامي اخترق عظام صدره فرد بصوت متهدج:
"تمام يا كاميليا زي ماقولتي كدة بتاع نسوان."
صرخ بعدها بتقرير:
"يعني عندي خبرة ياحلوة خلتني اكشفك واعرف انك بتبادليني نفس الشعور."
نفت برأسها تحركها بعنف رافضة بتشنج واستطرد:
"ولا ياكاميليا صدقي رعشتك في ايدي تأكد كلامي نظرتك ليا تأكد كلامي قلبك اللي بيصرخ بأسمي دلوقت وانا سامع صوت دقاته كلهم بيأكدوا كلامي."
توسعت عيناها بجزع تناظره بصدمة وانفاس متلاحقة وهذه الحقائق التي يلقيها بوجهها مع هذا القرب الذي فرضه عليها ليلفهم الصمت لحظات جعلته ينسى نفسه وغضبه ليضعف أمام فتنة وجهها القريب من وجهه فازداد خفقان قلبه وارتكزت عيناه على شفتيها حتى دنى برأسه نحوها بدون تفكير وقبل ان يتمكن من فعل ما صرخ به وجدانه افاقته هي بدفعه بكفيها على صدره لتتمكن من افلات نفسها والابتعاد عنه وقد ارتخت ذراعيه وأعصابه عنها حتى ذهنه تشتت فزرأت هي بعنف وقوة اكتسبتها مع مرورها بتجارب مشابهة قبل ذلك:
"اتفضل اخرج برا وماشوفش وشك هنا تاني اخرج برا يا طارق عشان ما ابلغش عنك حالا."
ناظرها بتحدي لبعض الوقت قبل أن يخرج كما دخل ويصفق الباب خلفه بعنف تهاوت قوتها الزائفة وسقطت على الكرسي خلفها لتتنفس اخيرا واضعة كفها على صدرها فتطلق العنان لشهقة مؤلمة خرجت من أعماق قلبها الذي كان يصرخ بين أضلعها وكأن بضرباته القوية يعاقبها أو يعبر لها بطريقته عن اعتراضه.
"ها بقى ايه الأخبار."
تفوهت بها زهرة وهي تدلف خلفه لداخل غرفة مكتبه بعد أن عاد لمقر عمله اخيرا وقد قارب يوم العمل على الانتهاء في مهمة عمل خارجية واجبة النفاذ.
خطا ليسقط بجسده المرهق على الكنبة الجانبية في الغرفة الشاسعة جذبها لتسقط جالسة بجواره قائلا بحزن:
"اسألي وانت جمبي مش وانت واقفة."
أومأت برأسها لتعيد السؤال بصيغة أخرى:
"ماقولتليش عملت ايه طيب في محادثاتك مع الراجل ده اللي اسمه مصطفى عزام."
تنهد مطولا ليتكئ بظهره للخلف ورد باقتضاب:
"كل خير والحمد لله."
"اه يعني اتفقتوا ومضيتوا العقود."
رددتها بإلحاح ينبع من قلقها شعر به هو ليهديها ابتسامة بلون عشقه قبل أن يطبع قبلة عميقة على وجنتها ليطمأنها بإجابته:
"اتفاهمنا ومضينا العقود واتفقنا على عزومة عشا لزوم الاحتفال بالشراكة الجديدة."
تبسمت بارتياح وفرح لهذه الأخبار الجيدة والسعيدة فتابع لها:
"الاحتفال هايكون بكرة ان شاء الله في فندق شهير هو يملكه عايزك تجهزي نفسك من دلوقتي."
خبئت ابتسامتها لتسأله قاطبة جبينها بدهشة:
"وانا مالي ياجاسر هاجي معاكم ليه بقى."
عبس وجهه الذي اشاحهه للحظات قبل أن يلتفت إليها مخاطبا بجدية:
"العشا هايكون اسري يازهرة هو وأخوه هايجيبوا زوجاتهم معاهم ووالدي هايجبب والدتي معاه وانت هاتيجي معايا."
رفرفرت بأهدابها قليلا تستوعب قائلة بعدم تصديق:
"انت بتتكلم بجد عايزني انا ووالدتك نتعزم في حتة واحدة مع بعض خلاص بقى بلاها انا اروح معاكم."
حدجها بنظرة غاضبة قبل أن يقول:
"والدتي يستحيل تعمل حاجة تضر بصورتها ولا شكلها قدام الناس دا لو فكرك انها ممكن ماتعاملكيش كويس ثم انه كمان ما ينفعش اروح انا لوحدي وكل واحد جاي وساحب مراته في إيده في العزومة وابقى انا بطولي كدة ولا انت شايفاني راجل عازب يازهرة."
أطرقت رأسها وارتسم على وجهها التردد فقالت بنبرة خفيضة بحرج:
"أنا مش عايزة أفكرك ياجاسر بوضعي واللي بيتقال عليا."
هتف بصرامة:
"أنا قولتلك من الاول اني هاقدمك للناس كلها عشان تعرفك يعني ماحدش يقدر يقربلك ولا يمسك بكلمة وانت مرات جاسر الريان فاهمة يازهرة ولا لأ."
"نعم! انت بتتكلم بجد ولا بتهزر ياعامر."
هتفت بها لمياء ساخطة وهي تخاطب زوجها وكان رده الحازم:
"لأ مش بهزر يا لميا مرات ابنك هاتيجي معاه العزومة يعني لازم تجهزي نفسك لمقابلتها وتنسي اللي في دماغك بقى."
صاحت معترضة بعنف:
"ودي اعملها ازاي ان شاء الله بقى هو انت وابنك مش واخدين بالكم ولا درانين بالموضوع كله مصطفى هايجيب مراته اللي مصر كلها تشهد على اناقتها وجمالها واخوه هايجيب زوجته الأجنبية يعني ماتختلفش عنها غير في الشهرة بس ابنك بقى هايدخل عليهم بصاحبة الصون والعفاف اللي شغالة عنده سكرتيرة ووالدها سمعته بقت على كل لسان."
عبس يرد بقوة:
"الشغل مش عيب يا لميا ثم إن حكاية والدها دي لسة في التحقيق ومافيش حاجة مؤكدة وحتى لو في ماحدش له دعوة بينا ولا له حق الإعتراض على زوجة جاسر الريان."
"انت بتضحك عليا ولا على نفسك فوق ياعامر النسب دا ما يشرفش اي عيلة محترمة عادية مش عيلة بأسمنا ووضعنا قدام العالم كلها حتى لو انكرت انت وابنك قدامي ولا قدام الناس لكن برضوا متأكدين من جواكم ان كلامي صح."
قالتها لمياء بثقة قبل ان تنهض عن جلستها معه وتتركه لأفكاره المتخبطة.
"ماهو عنده حق برضوا يازهرة دا الصح على فكرة."
قالتها كاميليا وهي تقلب في مجموعة ملابس امامها بالمحل الخاص بملابس المحجبات بأحد المولات الشهيرة واستطردت امام صمت الأخرى وهي تسحب معها إحدى القطع:
"أنا كمان من رأي إن انت لازم تاخدي ثقة أكتر من كدة في نفسك جاسر الريان بيتحدى بيك العالم يا زهرة يعني لازم تكوني قد التحدي ده."
تناولت زهرة منها القطعة والتي كانت عبارة عن فستان سهرة محتشم بألوان زاهية تليق بالسهرة وردت وهي تتطلع فيه بدقة متفحصة:
"والله عارفة كل كلامك يا كاميليا بس اعملها ازاي دي بقى وانا حاسة إنها دنيا غريبة عليا وحكاية والدي صعبت عليا اوي إن اندمج مع الناس دي."
سهمت كاميليا بكلمات صديقتها بحزن اكنتفها وهي تقدر ما تشعر به وسألتها:
"هو جاسر لسة ملقاش حل في موضوع والدك."
أومأت لها بشبه ابتسامة ساخرة لتجيبها بيأس وقد تركت الفستان من يدها وسندته على الطاولة الزجاجية بجواره:
"للأسف الولد اللي قال عليه ابويا فص ملح وداب والمحامي بيعمل اللي عليه عشان يخرجه منها قبل المحاكمة هتصدقي بقى لما اقولك إن ابويا بقى مشهور في القسم من كتر الصحفين اللي بتسأل عليه ولسة كمان لما تيجي المحاكمة هايبقى نجم وترند ع السوشيال ميديا وسلميلي بقى على مظهري كزوجة لجاسر الريان."
شحب وجه كاميليا من مجرد التخيل لوضع زهرة وزوجها لو حدثت المحاكمة لتتناقل اللسنة الخلق بالخبر دون رحمة هزات رأسها لتجلي الفكرة السيئة عنها فقالت مخاطبة زهرة بحزم:
"بقولك إيه يابت انت اهمدي كدة وشيلي الأفكار السودة دي من دماغك احنا ماصدقنا الله يرضى عنك نلاقي وقت نتلم فيه مع بعضينا عايزين نعيد الأيام الجميلة يا زوزو."
استجابت لها زهرة بابتسامة جميلة أسعدتها فتابعت كاميليا سائلة:
"ها ياقطة بقى عجبك الفستان."