تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
الأرض أثارت اشمئزازهم قبل أن يجيب من تحت أسنانه وهو يتحرك ليغادرهم.
"ما تسألوا بنت عمتها معاكم في الشركة، البت غادة بنت شعبان ماهي كانت معاهم وحضرت فرحها على الراجل العربي بدل ما تيجي وتتعبوا نفسكم."
هتفت مرفت خلفه لتتأكد مما سمعته.
"يعني انت تقصد إنها اتجوزت فعلاً وراجل عربي كمان زي ما بتقول؟"
التف بجذعه يجيب عن سؤالها بحنق.
"ما قولنا اتنيلت، هي حدوتة دي حاجة غريبة والله."
ذهب بعدها وتركهم يتطلعون لبعضهم باستغراب.
"يعني إيه راجل عربي؟" فسألت ميري الأخرى.
التفتت إليها مرفت تجيبها بنزق.
"يعني مواطن من دولة عربية ومش مصري ياميري."
أومأت برأسها بتفهم ثم تابعت بسؤال آخر.
"طب انت تعرفي اللي اسمها غادة بنت عمتها دي؟"
أجابت مرفت بتفكير.
"معرفهاش شخصياً بس أعرف واحدة كانت مرفقاها دايماً اسمها غادة برضو، أظن كده إنها هي."
......................................
في العاصمة الأوروبية وبداخل جناحه تأمل عامر زوجته وهي تدلف إليه بسعادة ووجه مضيء.
"الـدكتور شاف الأشعة الجديدة وطمني عليك ياعامر."
ابتسم بسعادة على سعادتها وتابعت هي تجلس بجواره على الأريكة الجلدية الكبيرة.
"وقالي كمان إن بوضعك دا احتمال تخرج قبل المدة اللي كان محددها لك في الأول."
أومأ رأسه يتمتم بالحمد.
"الحمد لله يالميا، الواحد كان خايف ما أقدرش أكمل رحلة العلاج أو أرجع بلدي في صندوق."
نهرته بوجه غاضب.
"أعوذ بالله ياعامر ليه بس كلامك الوحش دا واحنا ما صدقنا إن ربنا كرمنا، دا أنا بحمد ربنا أوي عشان كان رؤوف بيا في مرضك وحادثة جاسر كمان، دا كفاية إن كل ما أشوفه واقف قدامي ولا ماشي على رجليه أعرف إن ربنا كان بيحبنا عشان ما حصرش قلوبنا عليه."
"فعلاً يالميا عندك، اللهم لك الحمد."
أردف بها عامر فقالت لمياء بتمني.
"يا ريت بقى لو ربنا يهديه ويوافق يرجع لميري ويخلف لنا أحفاد يملوا علينا البيت، ياسلام ياعامر، أهي دي الفرحة اللي بجد بقى."
كالعادة صمت مطرقاً برأسه لا يجاريها ولا يعترض على حديثها فقد يأس من إقناعها. هذه الفتاة تتلوى في الحديث معها كالحرباء تثير العاطفة لديها بتذكيرها دائماً بشقيقتها الفقيدة والدتها وقد زادت هذه الأيام باتصالاتها المكثفة إليها وزادت معها جرعة المسكنة أيضاً لتزيد من تأثيرها عليها.
قطعت شروده زوجته بالهتاف عليه حانقة.
"برضوا سكت ياعامر ومش راضي ترد على كلامي وكأن سيرة ميري دي بتعملك قشعريرة في جسمك."
تنهد عامر يرد بهدوء.
"يعني عايزاني أرد أقولك إيه بس، وابنك نفسه مش طايقها، أجبره يعني؟"
ردت لمياء بتصميم.
"تحاول تقنعه ياعامر مش تكبر دماغك وأكن الموضوع ما يخصكش، تحاول تعقله عن جنانه بدل ما هو مختفي كده وماحدش عارف غطسان فين ومع إنه واحدة من اياهم."
تأفف عامر ينهض من جوارها كي يتجنب الصدام معها.
"قايم كده وسايبني وأنا بكلمك رايح فين ياعامر؟" هتفت لمياء تسأله.
أجاب بمرواغة وهو يتحرك ذاهباً.
"داخل الحمام يالميا، ولا كمان ممنوع عليا أدخل الحمام!"
.................................
خرج من غرفة القيادة بعد أن قام بضبط الاتجاهات نحو العودة، بعد قضاء معظم اليوم باليخت في عرض البحر حتى قارب اليوم على المغيب واقتربت الشمس من إسدال ستائرها على الأرض. وجدها على نفس وضعها جالسة في نفس المكان الذي تركها به في الجزء المكشوف من اليخت، مستندة بمرفقها على السور الحديدي الصغير تبدو شاردة. وشال رأسها الذي سقط للخلف ليعطي فرصة للشلال الأسود خلفها كي يتطاير مع الهواء البارد بحرية كأميرة غجرية. تخيلها تأسره بسحرها وهو لا يدري لماذا في كل مرة يراها تخطف أنفاسه ولا يكف عن الانبهار بها.
أجفلت من شرودها على جلوسه خلفها تماماً.
"عجبك البحر ولا مشهد الغروب؟" يسألها.
ردت وهي تتأمل المياه وانعكاس الشمس وهي ترحل الذي يترك خيوطاً متلألأة تتراقص على صفحتها.
"كله والله يا جاسر، سبحان من أبدع."
قبلها فوق رأسها من الخلف قبل أن يهمس بصوت أجش.
"يبقى أنا عندي حق بقى لو أصرّيت إننا نقعد هنا على طول وما نروحش أبداً بقى."
التفت بجذعها قائلة بإجفال.
"انت بتتكلم جد، يعني انت فعلاً عايزنا نقعد هنا على طول؟"
لم يجيب بل ظل صامتاً واعتلت زاوية فمه ابتسامة عابثة. أثارت حنقها فعادت تعطيه ظهرها وتردد غاضبة.
"بتستهزأ بيا صح عشان عارفني هبلة وبصدق على طول."
قبل رأسها قائلاً بحنان.
"سلامتك من الهبل ياقلبي، انت بس طيبة ودا اللي بيعلقني وبيجنني بيك بجد."
لانت من كلماته وخف تشنج جسدها فتابع هو.
"بس إيه رأيك يازهرة، مش فكرة حلوة والنبي أنا وانت والبحر والشمس والهوا، إيه بزمتك هانعوز تاني."
ردت زهرة.
"بس الجنة من غير ناس ماتنداس يا جاسر."
لفها من كتفيها إليه لينظر في عينيها قائلاً بصدق.
"بس أنا مالي بالناس، وانت جنتي يازهرة."
صمتت قليلاً وعيناها مازالت أسيرته ثم قالت.
"حتى لو كنت شايفني زي ما بتقول كده، برضه انت ليك حبايب وأنا ليا حبايبي اللي مانقدرش نعيش من غيرهم، دا غير المسؤوليات والشغل اللي وراك، ولا انت نسيت؟"
هذه المرة كان الصمت من نصيبه هو وقد أعادته كلماتها لواقعه. شعرت بتغير وجهه فقالت لتغير دفة الحديث وهي تلتف بجذعه لتدعوه.
"سيبك من الكلام ده وخلينا نتأمل المنظر الجميل ده قبل ما الدنيا تضلم ويدخل الليل علينا."
انتقلت عيناه نحو ما تشير وتنهد من خلفها بعمق وهو يتمنى بداخله بالفعل لو يتوقف الزمان والمكان ويظل هو وهي في جزيرة وحدهم لا يزعجهم شيء ولا يشغلهم التفكير في المال أو ثمة شيء آخر. فهي نعيمه الذي وجده أخيراً ويتمنى ألا يخرج منه أبداً.
أمام مرآته التي كان يعقد عليها رابطة عنقه بروتينة وهو يزفر متأففاً من فمه بعد أن اضطر لقطع إجازته ويعود ليلاً مع عروسه كي يحضر الاجتماع الدوري للمجموعة في هذا الوقت من الشهر. فالبرغم من حسابه لكل شيء واعتماده على طارق وكارم في تسوية معظم الأعمال في غيابه إلا أن هذا الاجتماع لا يصح بدونه ولم يقدر على تأجيله مع حجم الموضوعات المطلوب مناقشتها والبت فيها سريعاً. تابعت عيناه خروجها من حمام الغرفة وهذه الفرحة المرتسمة على وجهها ونظرة الشقاوة التي تناظره بها.
"لم نفسك يازهرة، أنا على أخري." تمتم لانعكاس صورتها في المرآة.
"الله وأنا عملت لك إيه طيب؟" ردت ببرائة.
استدار بجسده إليها قائلاً بوجهه العابس.
"بتغيظيني يازهرة، الفرحة اللي هاتنط من عينك دي لوحدها بتغيظني."
"برضه أغيظك ليه بس يابني مش فاهمة أنا." هتفت بها مدعية عدم الفهم قبل أن تشهق مجفلة على تحركه سريعاً نحوها ليتمكن من القبض عليها بين ذراعيه قائلاً من تحت أسنانه وعيناه تحدقها بحدة.
"يعني انت بجد مش فاهمة أنا متغاظ ليه."
ردت بمهادنة لحالته.
"صلي على النبي ياحبيبي وما تعصبش نفسك، أنا عارفة طبعاً إنك مضايق عشان قطعنا الإجازة بسبب اجتماع المجموعة الضروري ده لكن..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أنا بقى مضايقاك في إيه؟
مضايقني إنك بتضحكي ومبسوطة عشان رجعنا، وانت شايفة وعارفة إني قطعت الإجازة مضطر، يبقى تخلي عندك دم وتقدري إحساسي.
رددت خلفه بعدم فهم:
أقدر إحساسك! يعني أعمل إيه؟
أجابها بجدية:
تقلبي وشك انت كمان وتكشري، ما أشوفش ضحكتك ولا ابتسامتك الحلوة دي خالص لحد ما أخرج.
هزت برأسها تراضيه وهي تكتم ابتسامة ملحة، وكأنها تعامل طفلاً صغيراً:
حاضر تمام، مش هاضحك وابتسم خالص.
تنفس من صدره بقوة لتتركها ذراعيه، ويلتفت عنها نحو المرأة يكمل ما يفعله، فغمغمت بصوت خفيض من خلفه:
كل ده عشان رايح شغلك، إشحال إن ما كنت مادد إجازتك من يومين لعشرين يوم.
برطمتي بتقولي إيه؟
قالها وهو يرمقها بنظرة حانقة، قبل أن يتناول سترة بدلته ويرتديها.
أجابته بابتسامة مترددة:
كنت بقول يعني مدام أنا مش رايحة الشغل زيك غير على أول الأسبوع زي ما اتفقنا، فـ أنا عايزة أروح لجدتي بقى.
التفت يرد عليها وهو يسحب في أكمام سترته والقميص:
يعني مش قادرة تصبري يومين كمان؟ هو انت لحقتي تريحي من تعب السفر؟
ردت بلهفة:
لا يا جاسر، أنا مش تعبانة والحمد لله، ولو تعبانة هابقى أريح هناك في أوضتي وعلى سريري.
عبس وجهه من جديد وهو يستدير ليمشط شعره، وقالت:
تنامي فين يا زهرة؟ ما فيش نوم طبعاً، هي ساعة ولا ساعتين وتيجي على بيتك.
ردت قاطبة وقد تغير لون وجهها وذهب عنه المزاح:
ليه بقى ساعة ولا ساعتين؟ ومنامش كمان؟ وانت أساساً بتتأخر في اجتماعك ده ومش بعيد تيجي على آخر اليوم.
دفع بعنف فرشاة شعره أمامه والتف إليها متخصراً بقبضتيه، يتطلع إلى غضبها، فتنفس قليلاً بعمق يستدعي الحكمة قبل أن يرد عليها:
أنا مش عايز أضايقك، بس بصراحة أنا خايف عليك من العمارة بتاعتكم دي اللي آيلة للسقوط يا زهرة.
عقدت حاجبيها قليلاً قبل أن ترد بابتسامة مندهشة:
وافرض يعني زي ما بتقول، ما أنا طول عمري عايشة فيها، وستي وعيلتي كلها وخالي ده اللي سافر من غير ما أشوفه.
لأ، برضه هيفضل عايش فيها لحد ما يتجوز وياخد ستي معاه.
تأمل هيئتها المتحفزة، فقال ملطفاً وهو يقترب منها:
عارف والله كل اللي بتقوليه ده، بس أعمل إيه أنا بقى في عقلي ده اللي هيفضل مشغول عليك طول الوقت؟ أنا راجل بخاف يا ستي.
عادت إليها ابتسامتها، فقالت برقة وهي تمسح بكفها على صدره العريض من فوق السترة:
لا يا حبيبي، ما تخافش ولا تشغل بالك حتى، ده بيتنا واحنا متعودين عليه.
انتوا متعودين، لكن أنا مش متعود.
تفوه بها وتابع بحدة:
لولا خايف بس من دماغ خالك لا يعند ويعملنا مشاكل، لكنت نقلت عيلتك كلهم في شقق جديدة خارج الحارة والمنطقة كلها، بس شكلي كده هاعملها قريب، وعنه ما رضي...
قاطعته على الفور مرددة:
لا، أوعى يا جاسر تعمل كده، أنا خالي صعب وحاجة زي دي هايخدها على كرامته، ده أنا لسه شايلة هم شقته اللي انت سددت أقساطها.
قربها يضمها إليه أكثر وهو يقول بصوت أجش:
طيب، أمال أعمل إيه بس؟ وأنا مش قادر أمنعك ولا قادر ألاقي حل مع راس خالك الناشفة دي.
ردت زهرة وهي تلف ذراعيه حول جذعه:
سيبها على الله يا سيدي.
ونعم بالله.
أردف ومال عليها يقبلها ويزيد من ضمها إليها بشوق لا ينضب ولا يهدأ أبداً. بعد قليل، وحينما تركها يجبر أقدامه جبراً للذهاب، أردف لها:
عم رزق السواق الجديد ها ياخدك ويرجعك، وما فيش مشوار تاني هاتعمليه من غيره، حتى مشاوير الشركة.
هتفت إليه بعدم تصديق:
أنا بقى عندي سواق مخصوص؟
أجابها بثقة:
وعربية مخصوص كمان.
***
خرج محروس من غرفته وهو يسعل بصوت متحشرج في عرض يومي كل صباح، نتيجة لامتلاء صدره بالتدخين والمواد المخدرة، ورغم ذلك لا يتوانى عن إخراج سيجارته ليشعلها ويدخنها في نفس الوقت.
ارحم صدرك يا محروس، أو حتى اشربلك حاجة سخنة تريحه الأول قبل ما تدخن.
هتفت بها سمية وهي تعمل بروتينها اليومي في ترتيب المنزل ونظافته.
نفث أمامها دخاناً كثيفاً بتحدٍ لما تقوله، قبل أن يجلس على أريكته الخشبية المنجدة يخاطبها والسجارة في فمه:
مالكيش دعوة بصحتي يا أختي، أنا فل وعال العال، بطلي انت رغي وحضريلي الفطار.
استقامت بجذعها عن تنظيف الأرض لتسأله بانتباه:
عايزني أحضرلك الفطار والساعة داخلة على عشرة؟ هو انت مش رايح ورشتك كمان النهاردة؟
أجاب بتعالي وهو يضع قدماً على قدم:
وأروح ليه وأتعب نفسي؟ وأنا عندي بدل الصبي تلاتة وأربعة يشتغلوا تحت إيدين الواد عامري، هما يخلصوا الطلبية وأنا أسلمها للزبون وأستلم حقها، كفاية كده.
لوت ثغرها بامتعاض، قبل أن تقترب لتجلس بجواره قائلة بلطف حتى لا تثير غضبه:
يا محروس، المال السايب بيعلم السرقة، والفلوس اللي انت خدتها مهر لزهرة وبتتبعتر فيها شمال ويمين دي، حاول تلم إيدك فيها شوية، انت معاك بنات عايزين يتعلموا وعايزين جهاز لما يجيلهم عدلهم.
رمقها بنظرة مستنكرة صامتاً، فتابعت هي:
ده غير الشقة اللي إحنا ساكنين فيها دي، حل الكيس وشوفلنا لو حتى أوضتين في عمارة تانية غير اللي ممكن توقع علينا دي.
رد محروس مستخفاً بكلماتها:
والله وبقالك حس يا سمية، وبقيتي تخططي كمان؟ عايزاني أسيب الشقة اللي عايشين فيها بقالنا سنين؟ وتغيري؟ لأ، وكمان عايزاني أحوش لجهاز بناتك؟ أحوش ليه أنا وأضيقها على نفسي من دلوقتي؟ ما يشُدوا هما حيلهم لما يكبروا ويتعلموا من أختهم الكبيرة اللي وقعت الباشا على بوزه.
ضربت سمية بكفها على صدرها قائلة بجزع:
يالهوي يا محروس، انت برضو اللي بتقول كده على بنتك؟ دي زهرة ما فيش في أدبها ولا احترامها.
لسعته كلماتها الحادة، فانتفض يصيح نحوها بغضب:
وانت بقى هاتعلميني أتكلم إزاي على بنتي؟ قومي يا ولية انت حضري الفطار زي ما قولتلك، بلا وجع دماغ ورغي كتير على أول الصبح، قومي.
نهضت سريعاً من جواره تتفادى يده التي امتدت لضربها واتجهت نحو المطبخ مذعنة لطلبه وهي تتمتم داخلها:
روح يا شيخ ربنا يهدك على بهدلتك وعمايلك فيا.
***
وصلت زهرة بالسيارة السوداء الفخمة التي اقتحمت الحارة، لتلتفت إليها جميع الوجوه من مارة وسكان، وزاد الفضول حينما توقفت أمام بنايتهم.
سهمت زهرة في الوجوه الناظرة بتساؤل نحوها بخوف:
مش هو دا البيت حضرتك، ولا أنا غلطت في العنوان؟
أردف بها السائق وهو رجل في عقده السادس يتكلم بتهذيب وعيناه لا يرفعها نحوها.
ردت زهرة باحترام للرجل المسن والذي اختاره جاسر بعناية:
لا، هو نفسه يا عم رزق، أنا اللي سرحت شوية، بس حالاً نازلة أهو.
قالتها وتناولت حقيبتها وأكياس الهدايا المعلبة.
فسألها الرجل:
تحبي أشيلهم أنا حضرتك؟
نفت برأسها وهمت لفتح الباب، فتابع لها:
طيب، أرجو منك يا زهرة هانم ترن في أي وقت تعوزيني فيه على أي مشوار، مش المرواح بس.
أومأت لها برأسها وترجلت بالخطوة السريعة تدلف للبناية لتصعد.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وجدت والدها أمام باب شقته الذي كان خارجًا منه حالًا، فهتف عليها بصوت عالٍ:
"حبيبة أبوكي، انتِ جيتي؟ يا مرات الباش... قصدي الشيخ."
قالها واقترب يضمها بذراعيه ويقبلها بوجنتيها. ردت بابتسامة مجاملة على كلماته باقتضاب قبل أن تفلت نفسها منه لتحتضن سمية التي خرجت إليها وشقيقاتها، وترد على تهاني الجيران الذين خرجوا على هتاف أبيها. ثم هرولت بسرعة لجدتها التي استقبلتها فاتحة ذراعيها من مكانها، وقد تنبهت هي أيضًا لعودتها.
ارتمت زهرة في أحضانها تعود لأمانها وحصنها الدائم، حتى لو كانت قعيدة ومريضة.
"وحشتيني يا بت الجز..."
هتفت بها رقية وهي تشدد من احتضانها وتلكزها بقبضتها بخفة. رفعت إليها رأسها من داخل أحضانها زهرة ترد بابتسامة باكية:
"مافيش فايدة يا رقية، لازم لسانك يشتم."
تأملتها جدتها جيدًا عن قرب، وجهها المضيء وقد ازداد توهجًا، عيناها التي تلمع بالسعادة مع هيئتها الجديدة والملابس الغالية التي ترتديها، مما أدخل السرور بقلبها، فقالت مناكفة:
"وشك منور وعنيكي بتلمع، دا باينه حصل."
"إيه هو اللي حصل يا ستي؟"
سألتها بعدم فهم.
لكزتها رقية مرة أخرى مجيبة بمرح:
"حبتيه ووقعتي يا موكوسة، هو إحنا لسه هانفسر؟"
يأست منها زهرة لتدفن رأسها داخل أحضانها مرة أخرى مرددة بخجل:
"ياباى عليكِ يا رقية، مافيش فايدة فيكِ أبدًا."
صدرت ضحكة رنانة من رقية وهي تقبلها فوق رأسها، وقد تأكد تخمينها.
***
دَلفت مرفت لحجرة الاجتماعات التي قاربت على الاكتمال بأعضائها. جلست بالقرب من جاسر المشغول بمراجعة بعض الأمور مع كارم قبل بدء فعلي للاجتماع، فخاطبته تجذب انتباهه:
"حمد لله على السلامة يا جاسر."
التفت إليها برأسه مرددًا التحية على مضض:
"الله يسلمك يا مرفت، عاملة إيه انتِ بقى؟"
ردت بميوعة وهي تعيد في خصلات شعرها للخلف:
"أنا كويسة ياسيدي، انت بقى اللي اختفيت وقولت عدولي. الا قولي صحيح، يا جاسر، هو انت فعلاً مضيت عقود مع شركاء مهمين زي ما عرفنا؟"
اعتدل بجذعه للخلف فقال بابتسامة متسلية:
"في الحقيقة يا مرفت، أنا ما مضيتش ولا حتى ناقشت أي مشروع في الفترة اللي فاتت دي، كانت حجة عشان أطمن بيها والدي وأي حد يسأل عليا."
تغير وجه مرفت فرددت باستفسار:
"حجة! امال انت كنت فين بقى؟"
طقطق من فمه بصوت ساخر يجيبها بابتسامة متلاعبة:
"عيب يا مرفت إن أقول ولا أصرح حتى بالكلام ده، وانتِ ست مطلقة بقالك فترة كبيرة، يمكن تفتكري إني بتحرش بيكِ؟"
سهِمت بوجهها تنظر إليه بازبهلال وقد وصلها تقريعه غير المباشر والمختلط بسخرية. بلعت ريقها تعتدل بجذعها بعيدًا عن محيطه لتلملم كرامتها. فوقعت عيناها على كارم الذي كان يخبئ بطرف كفه ابتسامة أو ضحكة كبيرة مستترة، جعلت وجهه الأبيض يتحول للحمرة الشديدة وهو مطرق برأسه ينظر للأوراق التي على سطح المكتب أمامه مدعيًا التركيز، مما ساهم بامتقاع وجهها واشتعالها غيظًا من جاسر الريان الذي كان مازال على نفس وضعه ينظر إليها بثقة وتحدي.
قطع شرودها مجيء طارق وخلفه هذه كاميليا، فارتفعت أنظار كارم إليها بتركيز ليتلقى تحيتها بابتسامة عريضة زينت وجهه. تتابعهم أنظار طارق بوجه واجم على غير عادته، ليلقي التحية على صديقه الذي نهض عن مكتبه يتلقفه بالأحضان، والآخر يبادله بابتسامة شاحبة لفتت انتباه جاسر قبل أن يتبادل المصافحة والتحية مع كاميليا التي التفتت بعدها لتجلس على مقعدها المخصص على الطاولة الكبيرة المستديرة. ليتبعها طارق بتجهم يأخذ مكانه بجوارها، وأنظار جاسر تتابعه بقلق. عاد إليها الفضول لتخاطب كارم بلؤم:
"كتير قوي عليك المجهود ده يا كارم، وانت شايل فوق طاقتك. هي البنت السكرتيرة دي مش ناوية بقى ترجع لمكانها وشغلها، ولا هي استحلت الدلع؟"
تغير وجه كارم واتجهت أنظاره نحو جاسر الذي تكلف هو بالرد بحزم:
"تدلع ولا تستحلالها حتى، انت مالك يا مرفت؟ هي شغالة تبعي أنا ولا تبعك انت؟"
صكت على فكها وقد أفحمها رده المفاجئ وزاد بداخلها الشكوك أيضًا.
***
"انت متأكد إنها هي، يالا؟"
تفوه بها فهمي سائلاً لصبيه الذي أجابه بحماس:
"والنعمة زي ما بقولك كده يا معلم، أنا شفتها بنفسي وهي بتخرج من العربية السودة الكبيرة وجريت تدخل عمارتهم جري، بس إيه بقى يا معلم، بقت حاجة تانية خالص. لبس إيه وحلاوة إيه دي، بقت ولا الهوانم بجد يا معلم."
هرش فهمي بطرف سبابته يردف بغيظ وعيناه نحو مدخل العمارة:
"زهرة بنت محروس بقت هانم دي سابت وعيلت قوي."
هز الفتى رأسه باستنكار إرضاء لمعلمه يقول:
"عندك حق يا معلم، دي بت قادرة وعينيها قوية عشان سابتك ولحقت تلاقي غيرك."
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ساخرة يردد:
"لحقت في ظرف يومين تتخطب وتتجوز كمان، ولا أكأنها كانت مترتبة من الأول."
ارتفعت أنظاره فجأة للفتى يأمره:
"روح انت دلوقتي وشوف وراك إيه، بس ما تغيبش عن عيني عشان لما أعوزك ألاقيك، وخليك صاحي لأي حركة غريبة في الحارة."
"عنيا يا معلمي."
هتف بها الفتى وانطلق مهرولًا إذعانًا لأمر فهمي الذي تمتم بتصميم:
"وأنا بقى قاعد هنا ومش متعتع من عالقهوة، أما أشوف السنيورة الهانم دي كمان بقت إزاي."
وفي الأعلى كانت زهرة مازالت ملتصقة بجدتها وشقيقتها وسمية يتفحصن الهدايا التي أتت بها إليهم.
"الله يا أبلة، حلو قوي الشوز اللي جبتيها ده، دا مشكّل غالي قوي كمان."
هتفت بها صفية بانبهار وهي ترتديه. ردت زهرة بابتسامتها الرائعة:
"أنا عارفاكي من الأول نفسك في النوع ده عشان تقلدي البنات أصحابك، قولت بقى أجيبهولك عشان تريحينا من زنك يا ستي، عن سيرة البنات اللي بيلبسوه وانتِ لأ."
لاح على وجه صفية التأثر وقالت سمية بامتنان:
"وأنا بقى كنت عارفة إني هاموت وألبس الدهب، عشان كده جايبالي الخاتم الحلو ده، صح؟"
ردت زهرة بذوق حتى لا تخجلها:
"لا طبعًا، أنا ماكنتش أعرف بحكاية إن نفسك في الدهب، أنا قولت أجيبلك زي ما جبت لستي، وأنا أش عرفني باللي نفسك فيه يا ولية، انتِ أساسًا حتى بصي كدة."
قالت الأخيرة وهي ترفع إليها كف رقية التي قبلتها من رأسها هي الأخرى، وسمية تهتف بانبهار:
"الله يا خالتي، دا حلو قوي الخاتم على إيدك، ذوقك حلو أوي يا زهرة."
ردت رقية بمرح:
"مش ذوقها وبس يا أختي، دا إيدي هي اللي حلوة."
انطلقت الضحكات على جملة رقية، ثم تابعوا اكتشاف بقية الهدايا الخاصة بشقيقاتها الصغيرات قبل أن تنهض سمية لتحضير وجبة الغذاء لهم جميعًا.
***
انتهى الاجتماع الذي استمر لساعات وانسحب الأعضاء تباعًا، ولم يبق سوى جاسر الذي كان يفرك وجهه من التعب والإرهاق مع بعض الأعضاء القلائل، وكارم الذي كان يراجع على محضر الاجتماع وملاحظات الرئيس والقرارات التي اتخذت أيضًا.
وقف جاسر ليهندم سترته وهو ينتظر صديقه ليخرجا معًا، وقد أقلقه هيئته الغريبة عنه، والذي أتى إليه بعد ذلك بخطوات مثقلة وكأنه يجر أقدامه.
"إيه يابني مالك؟ هو انت تعبان؟"
أردف بها جاسر متسائلاً وهم الآخر أن يجيب، ولكن توقفت الكلمات على لسانه وهو يلمحها تغادر بهيئتها الأنيقة دومًا، وخلفها خرج كارم يلحق بها.
اتسعت عيناه لتنهش الغيرة بصدره وهو كالعاجز لا يملك حق الاعتراض أو التحرك لمنع تواصلهم معًا. أقدامه تحثه على اللحاق بهم وعقله يصرخ رفضًا لكرامته. قطع شروده جاسر الذي انتبه إلى ما يتطلع إليه صديقه، فخاطبه بصوت خفيض:
"بقولك إيه، انت منظرك كده مش عاجبني، تعالى روح معايا في عربيتي، خليني أشوف إيه حكايتك."
أجابه بلهجة يائسة:
"حكاية إيه؟ هي بدأت أساسًا عشان أحكي عنها؟ أنا حكايتي انتهت من قبل ما تبتدي."
قطب على لهجته المحبطة، فجذبه من مرفقه بحزم خفيف ليسحبه معه مرددًا:
"لا دا انت ما تتسبش، تعالى معايا."
استسلم له طارق وخرج ليغادر معه.
***
فور خروجها من الاجتماع، على الفور اتصلت بشريكتها لتخبرها بما حدث.
"والله زي ما بقولك كده، دا حتى ما راعاش العيش والملح وهو يحرجني ويلقح بالكلام قدام كارم اللي ما مسكش نفسه، دا كمان ضحك عليا."
سألتها ميري بعدم فهم:
"طيب أنا ما فهمتش برضو، يقصد إيه بكلامه ده؟"
زفرت مرفت بضيق وهي تقطع الرواق المؤدي للباب الرئيسي للخروج:
"كل ده وما فهمتيش يا ميري؟ معنى كلامه إنه كان مقضيها صرمحة ولعب، لأ ومن بجاحته بيقولي عيب أتكلم لا تفتكري إني بتحرش بيكِ. جوزك بيقولنا اخبطوا راسكم في الحيط يا ميري عشان عارف إني صاحبتك ويهمني اللي يهمك."
غمغمت ميري تسب ببعض الكلمات الإنجليزية على جاسر قبل أن تتابع سائلة:
"طيب والبنت السكرتيرة دي كمان رجعت النهارده بقى من إجازتها برضو؟"
أجابتها بلهجة مغيظة:
"لأ يا حبيبتي مارجعتش، وأنا لما سألت كارم عن تأخرها رد عليا جوزك المحترم وقالي هي شغالة عندك ولا عندي. أقطع دراعي ما كان في مابينهم حاجة، وحكاية جوازها بالراجل العربي أنا مش بلعاها."
رددت ميري خلفها بيأس:
"عندك حق يا مرفت، أنا دلوقتي قلقت أوي وبدأت أشك زيك."
تنهدت مرفت بصوت عالٍ قبل أن ترد على صديقتها وقد وصلت بخطواتها بالقرب من سيارتها:
"عشان تعرفي بس إني همي على مصلحتك وإني..."
قطعت جملتها مرفت وارتخت ذراعيها عن فتح باب السيارة وهي تلمح غادة وهي تطرق بكعب حذائها على الأرض، لتنعطف نحو الجهة الأخرى من الطريق لتلحق بسيارة تقلّها للعودة لمنزلها. تطلعت إليه جيدًا تقيمه بنظرة متفحصة من ما ترتديه، ملابس محكمة على جسدها وطريقة سيرها بتمايل لتلفت إليه الأنظار، مساحيق وجهها الثقيلة من مظهرها، أخذت فكرة عامة عن شخصيتها. قطع شرودها صرخة بصوت رفيع وحاد:
"روحتِ فين وسيبتيني؟ هو أنا هاكلم نفسي بقى ولا إيه؟"
جزت على أسنانها تفتح السيارة لتندس داخلها بعنف تهتف:
"بتصرخي في ودني هتخليني أنطرش فيه إيه؟ يا بنتي بالراحة شوية مش كده."
صمتت ميري وظهر فقط صوت أنفاسها العالية، فتابعت لها مرفت ببعض التحكم في عصبيتها:
"بقولك إيه يا ميري، أنا هاجيلك النهارده وأرغي معاكي، ماتقلقيش. أنا بس هاقفل وأسيبك دلوقتي، ولما أجلك هافهمك إللي في دماغي."
***
وبسيارة جاسر التي أصر أن يقودها بنفسه بصحبة صديقه الذي تولى قيادة سيارته، وتولى السائق عبده وإمام الحارس الخاص لجاسر قيادة السيارة الأخرى ليتبعانهم من الخلف، كان طارق يتكلم ويبوح بما بداخله وكأنه انتهزها فرصة ليجد من يشاركه أوجاعه:
"قلبي محروق منها يا جاسر، نفسي أفهم هيا بتعاملني كده ليه؟ طيب لو عشان سمعتي تديني فرصة عشان أتكلم وأقولها إني من يوم ما عرفتها وأنا مش قادر المس ولا أشوف واحدة غيرها. أنا إنسان مش وحش يا جاسر، أنا عندي عيوب وعيوب وحشة كمان، بس أقسم بالله مستعد أصلحها وأتوب عنها عشان خاطرها، بس هي تديني فرصة، فرصة بس أثبت لها فيها أنا بحبها قد إيه ونفسي أعمل عشانها إيه."
تأمل جاسر صديقه بشفقة قبل أن يرد على كلماته الحارقة:
"أنا ما كنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده، بصراحة كنت فاكر إعجاب أو نزوة من نزواتك."
ابتسم طارق بسخرية وهو يلتفت للنافذة ويرد عليه:
"حتى انت كمان! دي على كده بقى هي عندها حق إنها تقفلها في وشي وتفتح أبوابها لكارم."
"كارم؟"
قالها جاسر بدهشة قبل أن يتذكر ما شاهده منذ قليل، فقال باستدراك:
"أنا آسف يا طارق إني ما خدتش مشاعرك بجدية واتلهيت عنك بمشاكلي، بس انت لو تحب وأفاتحها أنا تحت أمرك."
تجهم وجه طارق، فالتفت يرد باعتزاز:
"لأ يا جاسر، أنا مش هاتذللها. إن ما كانت هي تحس من نفسها يبقى بلاها أحسن. مش يمكن بتحب اللي اسمه كارم ده، ساعتها بقى هايفيد إيه الكلام معاها غير إنه هاينقص من كرامتي."
صمت جاسر وقد ألجمه منطق صديقه في الدفاع عن ما تبقى من كرامته التي لا يريد إهدارها أمام عشق يائس أو كما يظن هو لا أمل منه. تذكر محبوبته وما كان يعانيه بعد رفضها له في البداية، يحمد الله لانتهاء عذابه بالزواج منها سريعًا، فلو استمر عنادها لأكثر من ذلك لا يعلم ما الذي كان سيحدث وقتها، هذا إن لم يصبه الجنون.
طالت جلستها بالساعات مع جدتها وأخواتها بالمنزل، وظل هو على وضعه جالسًا على طاولة قهوته يدخن تارة أو يتحدث تارة أخرى مع صبيانه أو يفعل أي شيء دون ملل في انتظار رؤيتها، وقد غلبه الفضول والرغبة الشديدة لرؤيتها وما وصلت إليه من تغيرات شكلية على وصف صبيه في هذه المدة القصيرة بعد زواجها. حينما لمح طرف ثوبها من مدخل البناية وهي تهبط الدرج المتهالك، انتصب في جلسته وتحفزت حواسه حتى أصبحت الرؤية كاملة، فتوسعت عيناه بشدة منبهرًا بجمالها الذي لطالما أرّق مضجعه وأذهب عنه النوم ليالي كاملة. ازداد الآن بشدة حتى كاد أن يقترب من الكمال. غمغم داخله متحسرًا بعد أن طارت من يده على آخر لحظة لتكون ملك غيره:
"يعني أنت كنت ناقصة حلاوة على حلاوتك، ولا أنا كنت ناقص عذاب على عذابي."
انتبهت هي إليه وتلاقت أنظارها به، فعبس وجهها لتشيح بوجهها عنه وتتجاهله قبل أن تعتلي سيارتها التي تحركت على الفور مغادرة الحارة بأكملها أمام عينيه التي لم تتزحزح عن السيارة حتى اختفت. وحينما عاد بأنظاره وجد محروس أمامه يتطلع إليه بابتسامة مستخفة وبشماتة تقز قزًا من عينيه. صك على فكه غيظًا قبل أن يبصق على الأرض وكأنه يوجهها له، ثم ارتفعت رأسه إليه مغمغمًا بتوعد:
"طيب وحياة الغاليين لكون مربياك عليها دي يا محروس، ما بقاش أنا فهمي لو ما قرصتك."
***
عادت إحسان لمنزلها بعد خروجها وقت أن وصلها الخبر من سيدات الحارة بقدوم ابنة شقيقها بسيارة وهيئة راقية تناسب زوجة الرجل الغني العربي، ورأت بنفسها التغير الذي طرأ على زهرة، فتمنت وتحسرت بشدة لو كانت غادة هي مكانها، فهي من تستحق بنظرها. وجدتها جالسة بوسط الصالة تشاهد التلفاز وطبق المسليات بحجرها. ألقت عليها التحية قبل أن تجلس بجوارها وتضع كيس الهدايا الذي أتت به خلفها:
"مساء الخير."
ردت غادة تحيتها قبل أن تسألها:
"رجعت وملقتكيش، يعني كنت فين يا ماما؟"
أجابتها وهي تتناول من طبقها:
"كنت في مشوار مهم يا غالية."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
لا انتي مسمعتيش من أهل الحارة.
سألتها بعدم فهم.
سمعت إيه؟ أنا أساسًا جيت متأخر النهاردة من الشغل وملحقتش أقف ولا أتكلم مع حد.
أممم.
غمغمت بها إحسان وهي تعتدل بجسدها البدين أمام رؤية التلفاز، ثم قالت:
على كده معرفتيش إن المحروسة مرات الباشا جات النهاردة والحارة كلها اتقلبت على العربية اللي جات بيها، ولا شكلها اللي بقى ولا الهوانم، وبقى ليها سواق مخصوص كمان.
صمتت غادة واشتعلت عيناها قبل أن تتأكد مما سمعته.
أنتي بتتكلمي جد يا ماما؟
و أنا هاهزر يعني في الحاجات دي؟ خدي وشوفي بنفسك.
قالت الأخيرة وهي تلقي بالكيس البلاستيكي أمامها، مكملة:
بصي يا أختي على الهدايا اللي جايباها لنا.
تناولت الكيس تخرج ما بداخله بلهفة، فهتفت بفرحة وهي تتأمل الحقيبة الغالية والحجاب الطويل:
الله يا ماما، أكيد الشنطة الحلوة دي ليا أنا والحجاب الطويل ده ليكي أنتي.
تأملتها إحسان قليلاً ثم ردت بابتسامة ساخرة:
أيوه يا أختي، افرحي بالشنطة وأنا أفرح بالحجاب، وهي جايبة دهب لمرات محروس وجدتها.
سألتها مذهولة:
بتقولي دهب!
ردت إحسان من تحت أسنانها:
و هأكذب ليه يا حبيبتي، وأنا شوفت بنفسي، ده أبوها اللي كان بيجي يترجاني على 20 جنيه يجيب بيهم علبة سجاير، تعالي شوفيه دلوقتي وهو بيتمختر في الحارة ويقول يا أرض اتهدي ما عليكي قدي.
لم ترد غادة وتصلبت يديها عن الإمساك بالحقيبة التي سقطت أرضًا، فسألتها والدتها:
أنتي متعرفيش هي هاتكمل شغل ولا تقعد في البيت؟
التفتت لوالدتها تجيبها بحنق:
هترجع يا ماما، دي ما صدقت ولاقيتها فرصة، حظوظ.
....................................
يوم السبت.
استيقظ من نومه في نفس ميعاده كالعادة، فتفاجأ بخلاء مكانها بجواره.
قطب مستغربًا وهو ينهض عن التخت ويهتف باسمها:
زهرة... يا زهرة.
حينما لم يجدها بالحمام أو يسمع ردًا منها، خرج من غرفته بجذعه العاري وبنطاله الرياضي المريح ليبحث عنها مرددًا:
يا زهرة، أنتي فين؟
أتت على صوته سريعا تصعد إليه الدرج وهي تجيبه:
أنا هنا يا جاسر، ثواني جاية.
تفحصها بنظرة تقييمية حتى وصلت إليه ليسألها:
مش عادتك يعني تصحبي بدري وتسبيني، هو أنت كنتي خارجة؟
اقتربت لتسحبه من ذراعه مردفة بحرج:
مش تلبس حاجة قبل ما تخرج كده وتحرج البنت.
تمتم يتطلع نحو الجهة التي تشير إليها، فرأى البنت العاملة بتنظيف المنزل تبتسم وهي تختلس النظرات نحوه.
فرد بابتسامة متوسعة لزهرة وهو مستسلم لسحبها نحو غرفته:
بس البنت مش مكسوفة على فكرة.
تغضنت ملامحها بعتب وهي تلج لداخل الغرفة وتدخله معها، فقالت وهي تصفق باب الغرفة وتستند بظهرها عليه:
طيب يا ريت بقى ما تكررهاش مرة تانية.
ارتفع حاجبه باستدراك ثم اقترب ليستند بمرقفه على باب الغرفة خلفها قائلًا بمرح:
الله، ده الحلوة بتغير بقى.
لانت ملامحها وهي تدفع بكفها أصابع يده التي امتدت تداعب أنفها بمشاكسة.
بس بقى، بطل غلاسة.
قالتها وابتعدت لتلقي نظرة أخيرة على نفسها في المرايا.
فألحقها سائلًا:
طيب أنتي مجاوبتيش سؤالي برضو، لابسة لبس الخروج ليه؟
التفتت إليه متكتفة الذراعين تجيبه:
النهاردة أول الأسبوع يعني رايحة الشغل يا حبيبي، ولا أنت نسيت؟
اقترب متمختراً بخطواته نحوها واضعًا يديه في جيبي بنطاله يردف:
طيب تصدقي بقى، أنا فعلاً نسيت.
ردت وهي تتصنع الهلع:
نسيت! بس أنا منسيتش حكم المدير بتاعي، ده صعب أوي ويخوف.
ردد ضاحكًا:
يا شيخة، وإيه كمان؟
أكملت تعبر بيديها وملامح وجهها:
آه، والنعمة زي ما بقولك كده، ده غير إنه كشري وحواجبه معقودة، ولما يتكلم عيونه بتطلع نار، آآآه.
صړخت الأخيرة وهو يرفعها من خصرها بمرح مرددًا:
ما تقولي إنه عفريت أحسن، ولا أقولك خليها التنين المجنح عشان عيونه بتطلع نار.
قهقهت بين يديه ضاحكة وهي تخاطبه:
خلاص يا جاسر، أنا مش عيلة صغيرة.
أنت مش عيلة وبس، دا أنت هتجنيني معاك.
قالها قبل أن يقبلها على وجنتها بقوة ثم تفلتها يديه.
فقالت هي:
طيب أنا كده هامشي وأسبقك مع عم رزق عشان ده ميعادي، وأنت حصلني.
أوقفها يعترض طريقها:
استني، افطري معايا حتى الأول.
رفعت يدها تنظر في الساعة التي زينت رسغها ثم شهقت أمام وجهه بهلع:
عايزاني أفطر وأنا متأخرة، أشحال إن ما كنت حكيلالك عن مديري اللي بيخوف.
سلام بقى عشان ما أخدتش جزاء.
أردفت الأخيرة وهي تتناول حقيبتها هاربة منه.
نظر في أثرها بابتسامة اعتلت شفتيه يتمتم بداخله:
حلوة لعبة المدير والسكرتيرة دي!
....................................
بوجه متجهم وذقن غير مهذبة على غير عادته، وقف أمام المصعد ينتظر هبوطه كي يصعد إلى غرفة مكتبه بالمصنع.
مطبقًا شفتيه وهو ينظر للوحة الإليكترونية بتركيز.
تحركت رأسه فجأة نحو مدخل مبنى المصنع، فتسمر محله وتخشبت قدماه وهو يراها تقبل عليه غير منتبهة، منشغلة بالتحدث في الهاتف، وشعر رأسها المصفف بعناية يتراقص بتناغم مع خطواتها الرشيقة.
ترتدي بدلة نسائية للعمل، بنطال أسود وقميص أبيض فوقها وسترة بنفس لون البنطال مفتوحة بشكل عصري على قدها الممشوق، تنافس بأناقتها عارضات الأزياء.
راااائعة.
أردف بها بداخله، قبل أن يعود لغضبه ويتذكر عهده الذي قطعه على نفسه.
استقام يفرد ظهره جيدًا ليعود لوضعه أمام المصعد، والذي كاد أن ينساه حينما انفتح بابه الإلكتروني فجأة.
فدلف بداخله وقبل أن يصعد وجدها فجأة تلحق لتشاركه الصعود قائلة بلهث:
صباح الخير.
صباح النور.
رددها إليها بروتينية، قبل أن يعود لوضعه بالتلثم، يتصنع التجاهل ورائحة عطرها تأسر حواسه.
وهذا الخائن في صدره يضرب بقوة فرحًا ببلاهة لمجرد شعوره بقربها في مكان وحده معها.
تكلمت هي تقطع الصمت:
قمت متأخرة عن ميعادي النهاردة وكنت خاېفة أوي لتأخر.
التفت رأسه إليها بصمت، فتفاجأ بلون القهوة صافيًا أمامه دون النظارة الغبية التي ترتديها دائمًا أثناء العمل.
كاد أن يستسلم ويسقط حصونه كي يغرق بهم ويشبع أنظاره منهم، ولكنه استفاق ينهر نفسه ويحثها لعدم الاستسلام.
فرد موجهًا كلماته بمغزى وهو يشيح بوجهه عنها:
مش عادة يعني، ولا هي السهرة طالت؟
تعقدت حاجبيها مردفة بتساؤل:
نعم!
استدرك نفسه فقال موضحًا:
قصدي يعني إنك عمرك ما اتأخرتي.
أجابته مفاجئة بردها:
في الحقيقة أنا فعلاً سهرت امبارح ولقرب الفجر كمان.
وقبل أن يزلف لسانه بغباء أكملت هي:
ميدو أخد دور سخونية وبرد امبارح ونشف دمي من الخۏف، ما عرفتش أنام غير لما أطمنت على الحرارة بعد ما نزلت.
سألها مستغلًا سهوها بالحديث العفوي:
مين ميدو ده؟
ميدو ده يبقى أخويا.
تابع بسؤال آخر:
طيب وأنتي تسهري جنبه لوحدك ليه؟ مش الست الوالدة عايشة برضو؟
أهل شعر بارتباكها أو رأى شحوبًا بلون وجهها فجأة، لا يعلم، ولكن الذي بدا واضحًا أمامه هو إطباق شفتيها وأنظارها التي زاغت بينه وبين لوحة الأرقام بصمت دون إجابة عن سؤاله.
حتى انفتح الباب فتمتمت تجيبه بصوت كالهمس بالكاد يخرج:
مش موجودة.
قالتها وخرجت على الفور.
خړج خلفها وتركزت عيناه عليها يتابع خطواتها السريعة وهي تغادر الرواق نحو غرفتها.
وبداخله شعور غريب لا يعلمه مع عدم فهمه للجملة.
.............................
تعدو سريعا بخطواتها لتصل إلى مقر الشركة بعد أن ترجلت من سيارة النقل العام بمسافة ليست بالقريبة.
وصلت إلى سلم الباب الرئيسي الرخامي وما هي إلا عدة درجات صعدتهم حتى وصل إلى مسامعها همهمة خلفها عن زهرة والسيارة التي تخرج منها.
التفت بجسدها فوجدتها هي بالفعل، تجمعت حولها عدة فتيات من الموظفين يتحادثن معها بترحيب لعودتها، وعيونهن تتطلع مثلها نحو السيارة التي تغادر من خلفهم وهي تبتسم كعادتها وتبادلهم الترحيب بمجاملة.
تسمرت غادة محلها قليلًا تتطلع إلى هيئتها الجديدة وما ترتديه من ملابس فاخرة بالإضافة إلى إشراق وجهها بالسعادة والذي بدا واضحًا للأعمى.
حتى وصل إلى سمعها بعض التعليقات الأخرى من خلفها والتي تتحدث عن زواج زهرة برجل عربي لا تريد الإفصاح عن هويته.
ليرد صوت امرأة أخرى بتخمين أن يكون أمير أو شيخ خليجي.
كالسياط كانت تلسعها الكلمات بالإضافة لرؤيتها كنجمة وسط زميلاتها من الموظفات.
كل هذا كان أكبر من طاقة تحملها ودون أن تدري، استغلت انشغال زهرة مع الفتيات وعدم انتباهها إليها، فانسحبت تكمل صعود الدرج حتى تستكين وتستعيد توازنها وقد اشتعلت النيران بصدرها وشيطان رأسها يحثها على الصراخ وافتعال أي شيء يطفئ الحريق بداخلها.
بعد قليل.
وبعد أن أخذت وقتها في السيطرة ولو قليلًا في انفعالاتها ووحوش رأسها التي تدفعها دفعًا للتمرد وقلب الطاولة فوق رؤس الجميع.
ولكن ما الفائدة، فالخاسر الوحيد سيكون هي.
تلونت بابتسامة رسمتها على وجهها بعد أن أعادت النظر على زينتها وما ترتديه جيدًا قبل أن تذهب إليها لترحب بعودتها.
زهرة حبيبتي.
تفوهت بها قبل أن تندفع لتحتضنها بأشواااق من داخل أعماقها!
وزهرة تبادلها العناق بمحبة وصفاء نية كعادتها.
وحشتيني، وحشتيني أوي يا بنت الإيه.
قالتها وهي تشد عليها بذراعيها بقوة.
انتبهت لها زهرة ولكن فسرتها بدافع اشتياقها وردت:
وأنتي كمان أكتر والله، ربنا يديم المحبة.
فكت ذراعيها عنها قائلة بعتب:
بس أنا زعلانة منك عشان جيتي امبارح الحارة من غير ما تقولي.
عادت زهرة لمقعدها وهي ترد عليها:
يا بنت ما أنا عارفة إن ده ميعاد شغلك، هاتصل وأخليكي تغيبي عن شغلك يعني.
وماله يا زهرة، ما أغيب عن شغلي، هتحصل إيه يعني؟ ده أنا كان نفسي أشوفك يا بت أنت.
تبسمت لها زهرة بمودة حتى ظهرت أسنانها البيضاء وردت بامتنان:
يا حبيبتي، ربنا يخليكِ، ما حړمَش منك.
تطلعت لها بتقييم عن قرب فقالت لها:
عيني باردة، ما شاء الله، التغير ظهر أوي عليكي في المدة البسيطة دي، وشكلك أخدت عليه وانبسطتي، أصل اللي يشوفك قبل الجواز ما يتوقعش النتيجة اللي أنا شايفاها دي.
ابتسمت تهز رأسها بخجل تقول لها:
يعني الحمد لله، أصله بصراحة طلع حاجة تانية عكس ما أنا كنت شايفة خالص.
سألتها بفضول حارق:
طلع إيه يعني؟
زاد خجلها وهي تهز برأسها بابتسامة رائعة بصمت، غير قادرة على التعبير بما يجيش في صدرها.
والأخرى على حافة الانهيار تريد المعرفة بأقصى سرعة لتخيب آمالها وتجيبها أخيرًا:
طلع كويس وخلاص يا غادة، عايزاني أقول إيه يعني.
قالتها ببرائة غافلة عن النيران التي عادت لتشتعل بقلب الأخرى وهي تجاهد للسيطرة على نفسها وأقدامها تهتز بعصبية في الأسفل.
قطع شرودها اتصاله من الهاتف الداخلي للمكتب واستدعائه للزهرة مع بعض الملفات المطلوبة.
أجابته زهرة بعملية قبل أن تغلق معه وتهم بتجهيزهم.
فأجأتها تقول:
يرضى أدخل معاك أسلم عليه بس وأطلع على طول؟
سهت زهرة تنظر إليها مجفلة قبل أن تتدارك لترد بحرج:
ما أنتِ عارفة يا غادة إنه مينفعش، جاسر ما عندوش هزار ولا أي شئ شخصي في الشغل.
آآآه.
تفوهت بها وهي تشيح بوجهها عنها بقصد.
عرضت زهرة لإرضائها:
لو عايزة تسلمي عليه تعالي معايا البيت وكلميه براحتك كمان.
التفت تسألها بلهفة:
والنبي بجد يعني ممكن تاخديني معاك؟
طبعًا يا حبيبتي، والبيت بيتك كمان.
قالتها زهرة مرحبة.
فردت الأخرى تسألها بمكر:
على كده بقى ها تاخديني في عربيتك اللي كل الموظفات في الشركة بيتكلموا عنها؟
ردت بعفويتها:
هي مش باسمي يعني، بس هو خصصهالي مع سواق، وطبعًا هاخدك معايا فيها.
وكمان بتركبي عربية بسواق مخصوص يابت محروس.
غمغمت بها ساخطة بداخلها قبل أن ترد عليها بابتسامة مصطنعة:
خلاص يبقى هاجي معاكِ النهاردة.
توسعت ابتسامة زهرة وهي تردف لها بتذكر:
كويس أوي عشان تسلمي على خالي كمان، أصله هايوصل النهاردة من السفر وقالي إنه هاينزل معايا على طول.
أسلم على خالك؟
سألتها غادة قبل أن تكمل وهي تخفي امتعاضها:
لا يا أختي، خليها وقت تاني نكون أنا وأنتي لوحدنا وما يكونش معانا خالك ده اللي بياكل الجو وياخدك مني.
ضحكت زهرة وهي تنهض بالملفات بعد أن جهزتهم ترد عليها:
زي ما تحبي يا قمر، عن إذنك بقى عشان ما يستعجلنيش ويغضب مني، ما أنتِ عارفاه.
نهضت غادة مرددة لها بحنق مستتر:
إذنك معاكِ يا حبيبتي، أنا أصلًا كنت ماشية عشان شغلي.
....................................
فتحت باب الغرفة لتلج بداخلها وتتقدم وملفات العمل بيدها نحوها برسمية قائلة:
الملفات اللي طلبتها يا فندم.
حطيهم قدامي على المكتب.
قالها برسمية هو الآخر وهو يراجع على بعض الأوراق الموضوعة أمامه على سطح المكتب دون أن يرفع عينيه نحوها.
رفعت حاجباً مستغربة هيئته الجدية في المكتب عكس المنزل تمامًا وعلى الإطلاق أيضًا، ثم وضعتهم.
مذكرة نفسها بصورته الأولى أمامها:
تطلب حاجة تانية يا فندم؟
سألته بعملية وقد عادت للأجواء الاعتيادية في هذه الغرفة.
أجابها باقتضاب:
لا.
ارتدت بأقدامها لتخرج ولكنه أوقفها هاتفًا:
دقيقة لو سمحت.
استدارت إليه عائدة لتسأله:
نعم يا فندم، في حاجة؟
رفع رأسه إليها قائلاً:
عايزك تطلعيلي ملف مناقصة الأسمنت.
اقتربت تشير إليه بيدها:
ماهو قاعد هنا في وسط الملفات اللي جبتهم قدامك دول.
أومأ برأسه بوجه حازم:
تعالي طلعيه بنفسك.
قطبت مندهشة قبل أن تتحرك ملتفة خلف المكتب لتخرجه أمامه:
أهو يا فند...
شهقت مجفلة ليسقط الملف من يدها وقد فاجأها بمعانقتها وتقبيلها على وجنتيها قبل أن يجلسها على سطح المكتب أمامه قائلًا بعشق:
وحشتيني.
صمتت هي قليلًا تهدئ ضربات قلبها قبل ترد على فعلته:
هاتوقف قلبي يا جاسر، والنبي هاتوقف قلبي.
في مرة بعمايلك دي.
تساءل ببرائة:
ليه يا بنت؟ هو أنا عملت حاجة؟ واحد بيقول لمراته وحشتيني، فيه إيه دي؟
هتفت بذهول:
والنبي إيه بقى؟ تنشف دمي وأنت راسم الدور القديم وجد بقى ومش عارف إيه، وبعدها يطلع مقلب!
ازدادت ضحكاته وهو يقرب وجهه منها واضعًا كفيه على جانبي وجهها يردف بهمس:
طيب أعملك إيه طيب؟ ما أنتِ وحشتيني بجد فعلاً، حاولت أرجع لاتزاني بس بصراحة معرفتش. شوقي ليكي كان هايجنني.
أردف الأخيرة وهو يمرر شفتيه على وجنتيها، فانتفضت هي تدفعه عنها وتنزل قدميها على الأرض:
يا جاسر، إحنا في الشغل، مينفعش كده.
قربها من خصرها يردف بشقاوة:
ماينفعش ليه؟ أنا صاحب الشغل وأنتي مراتي أساسًا.
ضحكت وهي تحاول:
•
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
دفعه عنها قائلاً بابتسامة مستترة:
"وافرض يعني معندناش بيت يلمنا بقى؟ ولا هي حبكت في الشغل؟"
ازداد اتساع ابتسامته قائلاً بمشاكسة:
"لا دي ولا دي، بس انت وحشتيني، أعمل إيه بقى؟"
"اعمل نفسك مش واخد بالك."
قالت بمرح، قبل أن ينقلب وجهها للجدية حينما اقترب ليقبلها. فقالت وهي تضع سبابتها على شفتيه وتبعده عنها:
"بلاش بجد... مش هزار على فكرة، عشان أنا مبحبش الطريقة دي."
توقف يسألها مندهشاً:
"طريقة إيه؟ هو انتي ناسية إنك مراتي؟"
"لأ مش ناسية، بس أنا كدة مقفلة ياسيدي، ومعترفش غير بالبيت للراجل ومراته، فيها حاجة دي؟"
صمت قليلاً قبل أن يفك ذراعيه عنها قائلاً بابتسامة:
"لا مافيهاش حاجة يازهرة، وأنا قابل بيكي كدة وأنتي مقفلة."
ابتسمت بارتياح، قبل أن يباغتها بـ "قبلة" على وجنتها مردفاً:
"بس دي بريئة، مافيهاش حاجة يعني، ملكيش حجة."
لوحت بقبضتها قائلة بغيظ مع ابتسامة لم تغادر وجهها:
"مافيش فايدة فيك برضوا، بتعرف تلاقي طريقة."
قالتها وتحركت لتغادر مستأذنة:
"طيب أنا ماشية بقى، خليني أروح أشوف شغلي."
أوقفها قائلاً:
"على فكرة احتمال أتأخر النهاردة في الرجوع، عشان هاديها جولة سريعة كدة على المجموعة."
أمسكت بمقبض الباب قبل أن ترد بنعومة اكتشفتها حديثاً بنفسها وهي على وضع الاستعداد:
"تيجي بالسلامة، أنا مستنياك."
وقبل أن ينهض مستجيباً لمشاكستها، خرجت تغادر على الفور، ليتمتم هو بعد خروجها:
"جبانة."
***
في وقت لاحق.
دلفت غادة لداخل الغرفة الكبيرة الخاصة بحمام السيدات لتراجع على هيئتها كالعادة وتضيف على زينة وجهها قبل خروجها من العمل. أمام المرآة الكبيرة والتي تظهر الصورة جيداً، شعرت بمرور إحداهن بجوارها، ولكنها لم تلتفت لتركيزها الشديد في تمرير قلم الحمرة على شفتيها، حتى انتبهت لمن تخاطبها باسمها:
"انتي بقى غادة؟"
تركت ما بيدها والتفتت نحو مصدر الصوت، فتفاجأت ترد بلجلجة على هذه المرأة الشقراء والتي رأتها قبل ذلك عدة مرات في الشركة وتظن أنها مسؤول مهم بها:
"أييوة أنا غادة، حضرتك، هو انت تعرفيني؟"
صمتت قليلاً، تصفف بيدها على أطراف شعرها الكيرلي المجعد عن قصد بصالونات التجميل، ثم التفتت إليها تجيبها:
"بصراحة معرفكيش انتي شخصياً، بس عندي فضول أتعرف عليكي، أصل من طريقة لبسك كدة واهتمامك بنفسك لفتي نظري."
أطربها ما سمعته، فقالت بتفاخر وهي تشير على نفسها:
"بجد! يعني أنا فعلاً عجبتك؟ أصل أنا بصراحة متابعة كل خطوط الموضة والنت عندي كله عن اللبس ومتابعة الفاشينستات واللي بيلبسوه."
"الفاشينستات!"
أردفتها بامتعاض قبل أن تكمل:
"بس غريبة يعني ياغادة، واحدة في جمالك وشياكتك دي كلها، ولسة سينجل؟ مش سينجل برضوا ولا أنا غلطانة؟"
ردت بلهفة وهي ترفع كفيها للأعلى أمامها:
"لأ والله سينجل، حتى شوفي."
ابتسمت الأخرى ترد بخبث:
"مش محتاجة أشوف ياغادة، أنا عرفت لوحدي، ماهو باين، انتي بنت مكافحة وبتيجي الشركة في أتوبيس عام، عكس بنت خالك اللي اتجوزت الراجل الغني وجاية النهاردة في عربية آخر موديل."
تغير وجه غادة، وخبأت ابتسامتها لترد من تحت أسنانها:
"نصيب بقى، كل واحد بياخد نصيبه في الدنيا دي، نعمل إيه."
قالت لتزيد الحريق بقلبها:
"نصيب! لأ ياحبيبتي، دي حظوظ، وصاحبتك باينها محظوظة أوي، بس هي فعلاً متجوزة الراجل الغني ده من دولة عربية؟"
ازدردت ريقها غادة تجيبها وهي تهز رأسها بتوتر:
"أيوه، ففعلاً هي متجوزاه عربي."
ابتسمت لها المرأة بحنكة، ثم مدت يدها لتصافحها قائلة:
"أنا انبسطت جداً بمعرفتك ياغادة، عشان انتي إنسانة صادقة وباين عليكي طيبة."
"أيوه صح، أنا صادقة وطيبة، بس الدنيا بقى... الدنيا ماشية بالحظوظ زي ماقولتي، بس هو انتي تبقي مين ياهانم؟"
ازداد اتساع ابتسامة المرأة لتجيبها وهي تتحرك من جوارها وتغادر:
"مرفت ياغادة، عضو مجلس إدارة هنا في الشركة."
اتسعت عيناها تبرق بالانبهار، وقبل أن تستوعب جيداً، وجدتها تلتف إليها سائلة:
"على فكرة ياغادة، أنا كل يوم بروح لوحدي في عربيتي، إيه رأيك أروحك معايا؟ اهو نسلي بعض في السكة."
***
عاد مساءً بعد جولته على شركات المجموعة وحضوره لعدة لقاءات شخصية مع أشخاص مهمين لعمله. كل خلية من جسده تصرخ اشتياقاً لها، لدفئها وابتسامتها التي تنسيه كل ما مر به بيومه، رائحتها التي تبعث في روحه الحياة، وكأنها كانت مفارقة العالم منذ سنوات. لقد اشتاقها واشتاق وصلها بجنون، حبيبته التي أتت إليه بعد أن تمكن منه اليأس، لتذكره أن الحياة مازالت تحمل في جعبتها السعادة له.
"زهرة يازهرة."
كان يهتف باسمها وهو يقطع الردهة الفسيحة لمنزله. وصله صوتها من قريب، فخطى حتى وصل إليها، فتغضنت ملامح وجهه وانعقد حاجباه المقلوبان، وهو يكمل ملقياً التحية عليها وعلى من يضمها بذراعه على الأريكة وحدهما:
"مساء الخير، حمد عالسلامة ياخالد."
أجابه الأخير بابتسامة متوسعة:
"مساء الفل ياجاسر باشا، عامل إيه انت بقى؟"
"كويس ياسيدي والحمد لله. زهرة حبيبتي، انتي قاعدة كدة ليه؟"
قال الأخيرة مخاطباً زوجته وهو يقترب للجلوس على المقعد المجاور باستغراب من جلستها تحت ذراع خالها وأقدامها مثنية تحتها، كتفها الأيمن مستريح على صدره وكأنها طفلة صغيرة في حضن أبيها. أجابته بعفوية وهو تشاهد في الهاتف الذي بيدها:
"بتفرج على لقطات من فرحنا ياجاسر، نوال صورت كل حاجة ونقلتهم هنا على تليفون خالي."
بشبه ابتسامة أومأ لها قائلاً وهو يمسك بكفها يحاول إبعادها:
"تمام ياحبيبتي اتفرجي عليهم، بس ادي لخالك نفسه، دا جاي تعبان من السفر."
أعادها خالد بذراعه قائلاً بحزم:
"لأ ياعم أنا مش تعبان، خليها قاعدة عشان نتفرج أنا وهي مع بعض."
سأله جاسر من تحت درسه:
"ليه هو انت مشفتش الفيديو قبل كده؟"
أجابه خالد ببرود متعمد:
"لأ شوفته طبعاً، بس الفرجة بقى مع حبيبة خاله حاجة تانية خالص."
صك على فكه يكبت غيظه من هذا الخالد الذي يقصد متعمداً إثارة غيرته المجنونة بتحدٍ، مستغلاً مكانته بقلب زهرة، ومنها أيضاً وهي تشاهد غير مبالية بنيران صدره المشتعلة لكل من يقترب منها حتى لو كان أباها نفسه. تمتم بداخله يناجي الحكمة:
"اللهم ما أطولك ياروح..."
تتفاوت المحبة في القلوب من شخص لآخر، وكلما زادت المحبة ودرجة القرب من أحبابنا، زادت العفوية وانطلقت الألسنة حتى بالتفاهات.
تتحدث بأريحية وكلماتها تخرج بلهفة في فتح مواضيع شتى دون توقف، والآخر يبادلها الحديث بالحديث، ويجاريها بالاندماج معها ومع كل ما يخرج منها، ومع أقل دعابة منه تجفل الجالسة بالقرب منهم على جمر الغيظ بضحكة رنانة تصدر منها دون تحفظ أو خجل، يتلقاها الآخر بنظرة خبيثة نحوه وكأنه يوصل إليه رسائل مبطنة، ويعلمها الآخر بفطنته!
"ياجاسر باشا لو تعبان روح ريح جسمك، أنا مش غريب."
قالها خالد وهو مضجع في جلسته بجوارها على الأريكة التي لم يفارقها من وقت جلوسهم. أمال الآخر برأسه يرمقه بنظرة مذهولة قبل أن يرد بذكاء لا يفوته:
"ليه ياعم خالد، حد قالك إني معنديش ذوق وما بعرفش أكرم ضيوف؟"
بضحكة مستترة تصنع الصدمة قائلاً:
"ضيوف إيه ياعم، دا أنا بقولك مش غريب، تقولي ضيوف!"
تدخلت زهرة بينهما ترد:
"مايقصدش ياخالي طبعاً، ما انت فعلاً مش غريب."
خاطبها جاسر من تحت أسنانه:
"طيب ولما هو مش غريب، مش تقومي بقى تحضريلنا العشا عشان نتعشى."
انتفضت زهرة، شاعرة بالحرج:
"آه صحيح، ثواني طيب..."
قاطعها خالد يجذبها من ذراعها للجلوس مرة أخرى:
"اقعدي يازهرة، أنا مش جعان."
"بس أنا جعان ياخالد، يرضيك أقعد كده من غير ما أتعشى؟"
قالها بذوق ألجم خالد، الذي رد بابتسامة إليه:
"لأ طبعاً مايرضنيش، قومي يازهرة حضري العشا لجوزك، وأنا كمان هاكل معاكم، حكم أنا ناوي أطول السهرة معاكم."
بشبه ابتسامة أومأ له جاسر، ليجفل فجأة على شهقة كبيرة من خالد وهو يوقف زهرة التي نهضت من جواره:
"استني يابنت، هو انتي قصيتي شعرك؟"
انتبهت زهرة لتمسك بالأطراف التي أشار عليها خالد، وأجابت بعفوية:
"ياخالي دا عشان الأطراف تتساوى، البنت الكوافيرة قالتلي كده."
زمّ مابين شفتيه بتفكير يخلّص النظرة بخبث نحو جاسر الذي جحظت عيناه من ملاحظته، ثم قال:
"خلاص يازهرة، أنا خفت لتكوني بتجربي تقصريه ولا حاجة، بس الحمد لله."
جعدت أنفها ترد عليه بمزاح، قبل أن تتحرك وتتركهم. نظر خالد في أثرها قليلاً، ثم توجه لجاسر يقول ببرائة:
"لتكون استغربت يعني من كلامي وافتكرتها حشرية، بس اللي انت متعرفوش بقى إن زهرة دي مكنتش بتروح المدرسة غير لما العبد لله هو اللي يسرح لها شعرها."
سهُم إليه جاسر قليلاً، يجاهد للمحافظة على المتبقي من تعقله، ثم أشاح بوجهه يعض على شفتيه غيظاً، فهذا الخالد مصر على استفزازه بتذكيره الدائم بدرجة قربه ومكانته المميزة في قلب زهرة.
***
بداخل الملهى الليلي الذي أصبحت تأتيه يومياً لتسهر به منذ فترة، أتت معها هذه المرة مرفت لتقضي الوقت معها وتتحدث عما حدث صباحاً.
"يابنتي زي ما بقولك كده، جاية في عربية آخر موديل، وقال إيه مش عايز تقول على اسم عريس الغفلة، ولا حتى تطلع صور الفرح للبنات الموظفين."
أومأت لها ميري تدعي التركيز رغم تشتت نظراتها كل دقيقة:
"آه يعني هي اتجوزت واحد غني فعلاً، طب ومش عايزة تقول على اسمه ليه بقى؟"
ارتشفت الأخرى من كأسها قليلاً قبل أن تجيبها:
"خمني انت بقى، عشان لما أقولك إن البنت دي أكيد بتربطها حاجة بجوزك، تبقي تصدقيني."
انتبهت تسألها بخوف:
"يعني تفتكري تكون شرعية ولا حاجة زي اللي فاتوا كده؟"
هزت بأكتافها تجيبها بخبث:
"الله أعلم، بس البنت دي شكلها مش سهلة، رسملي كده فيها دور البريئة والملتزمة، وأنا أراهن بحياتي إنها مية من تحت تبن."
صمتت قليلاً ثم استطردت:
"بس على فكرة، أنا لقيت سكة مع البنت قريبتها واتعرفت عليها، هي بنت خفيفة، بس أنا متأكدة إننا هنلاقي من وراها فايدة."
قالت ميري بسأم:
"فايدة إيه يامرفت، ماهي ممكن فعلاً تطلع تخمينات من دماغك وتكون اتجوزت راجل تاني غني فعلاً."
ردت مرفت وهي تجز على أسنانها:
"بطلي خيبة بقى، أنا بتكلم بناءً على شواهد، يعني تفوقي كدة، لتكون البنت دي بتلعب على جوزك."
التوى ثغر ميري تقول لها بإحباط:
"وفرضي يعني، لو وقت زي ما بتقولي كده، ماهو هاجرني بقاله فترة طويلة يامرفت، وأنا بصراحة بقى زهقت."
احتدمت عيناها وهدرت فيها بصوت خفيض:
"تزهقي دا إيه؟ انتي كمان؟ دا جوزك يعني لازم تدافعي عن حقك فيه ضد أي واحدة عايزة تخطفه، ولا انت عايزة تفهميني إنه ماعادش فارق معاكي ولا كرهتيه؟"
أجفلت ميري قليلاً من حدتها، ثم سهُمَت بتفكير، فقالت وهي تمط شفتيها:
"هو انت عندك حق طبعاً إني أدافع عن حقي ضد أي واحدة جربوعة تطمع فيه، وحكاية فارق معايا أو مافارقش، أنا أبقى كدابة لو قلت إنه مش فارق معايا، جاسر قبل ما يقلب عليا كان صبور لأقصى درجة، دا غير إنه وسيم، وأي ست أعرفها كانت بتحسدني عليه طبعاً."
قالت الأخيرة وهي تتلاعب بشعرها، غافلة بغباء عن تغير وجه الأخرى وقد تكورت شفتيها تحدقها بنظرات مبهمة، واستطردت بعصبية:
"بس أنا تعبت من الهجر يامرفت، ونفسي بقى أعيش حياتي."
خرجت عن طورها مرفت تهتف بعصبية:
"أوكي ياميري، مادام انتي تعبتي وزهقتي، ابقي آخدها أنا من قاصرها وأصرف نظر بقى عن مساعدتك."
"خلاص يامرفت، ماتتعصبيش، أنا كنت بقولك بس ع اللي حاسة بيه."
قالتها ميري بمهادنة لها، فهتفت تسألها بحدة:
"طب وهاتعملي إيه لو الموضوع طلع حقيقي والبنت دي ثبت إن ليها علاقة بجوزك؟"
أجابت ميري بنظرة شرسة:
"طبعاً هاطلق الدنيا على دماغه الاتنين، وأسيب بابي هو اللي يتصرف. طب أقولك على حاجة؟ أنا هاجي بكرة الشركة أعدي عليكي، وأشوف البنت دي."
ارتخى وجه مرفت بابتسامة جانبية، قبل أن تجفلها شهقة وهي تنهض من أمامها:
"مارو وصل."
قالتها وذهبت من أمامها لتصافح الشاب الذي كانت تراقصه سابقاً. توسعت عيناها مرفت وهي ترى تساهل الأخرى في احتضان الشاب وتقبيله لها من وجنتيها. زفرت مغمغمة بقرف وهي ترتشف من مشروبها:
"غبيه!"
***
انتهت السهرة أخيراً بمغادرة خالد، الذي لم تتركه زهرة سوى حينما دلف بالسيارة التي أمر بها جاسر لإيصاله، والذي ظل على وضعه مع تصنع الابتسام حتى خلى المنزل لهم.
دلت منتشية لداخل الغرفة التي تجمعهما، والابتسامة لم تفارق وجهها بعد. وجدته واقفاً بوسط الغرفة بوجهه الجامد بعد أن سبقها بخطواته وحاجباه عادا للإنعقاد. خاطبته بتوجس من هيئته المريبة:
"إيه مالك ياجاسر، هو انت واقف كده ليه؟"
أرمقها بنظرة حادة دون أن يجيبها بشئ، قبل أن يستدير عنها متوجهاً نحو حمام الغرفة ليخمد نيران غضبه حتى لا يؤذيها.
نظرت في أثره بعدم فهم وهي تهتف خلفه:
"ياجاسر... طيب رد عليا طيب."
حينما لم يجيبها، خطت لتجلس على سريرها تقضم أظافرها بتوتر، تفكر بتمعن في تغيره فجأة وانقلابه بعد مغادرة خالها على الفور. فطن إلى عقلها أنه لربما أجهد نفسه بجلسته معها ومع خالها لهذا الوقت مع عودته من يوم عمل مرهق. نهضت لتزيح عن عقلها التفكير وتقوم بتبديل ملابسها.
بعد قليل، خرج من حمامه ينشف رأسه بالمنشفة الصغيرة وهو يرتدي بنطال قطني وفوقه فانلة ملتصقة بجسده. وقعت أنظاره عليها أمامه بمنامة حريرية فوق ركبتيها، ارتدت فوقها المئزر الخفيف لتخفي الأجزاء العارية منها، وقد صففت شعرها حول وجهها الذي زينته ببعض المساحيق الخفيفة. توقفت أنظاره عليها قليلاً بشغف وابتلع ريقه ليخفي ارتباكه من جمالها الخاطف، ثم استدار مبتعداً نحو المرآة ليمشط شعر رأسه بتجاهل لها. قاومت خجلها لتقترب منه وتحتضن جذعه من الخلف قائلة برقة:
"طيب قولي طيب ع اللي مزعلك عشان أفهم حتى."
أغمض عينيه متفاجئاً من فعلتها وتصلب جسده لمستها، ثم نظر إلى انعكاس وجهها بالمرآة، والتقطت عيناها خاصتيه لتسأله بتردد:
"هو انت زعلت عشان انشغلت عنك هنا."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
شوية وهزرت مع خالي.
احتدمت عيناه، فتابعت بترجٍ غير منتبهة للعواصف التي انطلقت مع كلماتها:
"شكلك زعلت، صح؟ بس انت عارف إن خالي كان مسافر وشيء طبيعي إني انشغل شوية في الكلام والهزار معاه."
التفت مقاطعًا، يقبض على ذراعيها بقوة قائلاً بغضب:
"ما اسمهاش انشغلت، اسمها سبتك تتفلق زي الكنبة اللي انت قاعد عليها، تهزري وتضحكي بصوت عالي ولا كأن في واحد قاعد جنبكم."
توسعت عيناها تتطلع لهيئته المخيفة بفزع وردت بلجلجة:
"والله ما أقصد اللي بتقول عليه ده، أنا بس كنت فرحانة بمجيء خالي وكان واحشني قعدتنا بتاعة زمان."
زاد بضغطه على ذراعيها يهدر من تحت أسنانه:
"كان واحشك قعدتكم والضحك اللي بصوت موصل لخارج الفيلا دا، أنا من ساعة ما اتجوزتك يازهرة ماسمعتش الضحكة دي منك ولا شوفتك بتتكلمي بالحماس ده."
غامت عيناها وألم ذراعيها أصبح لا يحتمل، فقالت معتذرة:
"أنا آسفة بجد لو كنت زعلتك، بس انت عارف بمكانة خالي عندي، وإن كان على ضحكتي فدي بتطلع طبيعي معاه عشان..."
صمتت، فزاد من ضغطه يريد سماع باقي الجملة:
"عشان إيه يازهرة، قولي."
تأوهت تجيبه والدموع تتساقط منها:
"عشان وأنا مع خالي بحس دايماً إني بنته الصغيرة اللي مكملتش السبع سنين، لكن معاك انت ببقى الحبيبة اللي لسه في بداية التعارف مع حبيبها."
رق قلبه ولانت ملامح وجهه على بكائها، نزع يداه عنها لينزل بذراعيه على خصرها وضمها بقوة تكاد تسحق عظامها مردداً بهذيان:
"مش الحبيبة وبس يازهرة، انت بنت وأنا كل أهلك، سمعاني؟ أنا كل أهلك يازهرة."
صمتت مقررة السكوت، وقد فاجأها بهذا الجانب المظلم بشخصيته وهو الغيرة العمياء، مع انتباهها للجزء الجيد وهو عدم التصريح بما يشعر به أمام خالها تقديراً وتفهماً لها.
***
وفي مكان آخر، كانت تتقلب على فراشها في محاولة يائسة لاستدعاء النوم، وقد بدا أنه هرب دون رجعة لهذه الليلة مع هذه الأفكار المتزاحمة برأسها. تطاردها عيناه بنظراته المعذبة، كلماته لها والتي تحمل في باطنها الألم. ما الذي يجري لها؟ لماذا تشعر الآن بتصدع الجدار الذي قامت ببنائه من زمن ضد أي هجمة تلمس قلبها المحصن؟ لقد أصبح ينتابها التوتر ويساورها القلق، وهي يؤلمها الصدق الذي بدأت تتلمسه داخلها منه نحوها. ولكنها تخشى أن تكون البداية لتضعف وتسقط في فخه. تشعر بالتخبط، عقلها يدفعها للاستمرار بالحفاظ على العهد الذي قطعته على نفسها منذ زمن، وهذا الخائن بصدرها يطالبها بالتريث وإعطاء الفرصة.
فركت بكفيها على وجهها وهي تعتدل بجذعها وتزفر بضيق، فيبدو أن هذه الليلة الغريبة لن تنتهي بالنوم أبداً. أسقطت قدميها على الأرض لتخرج قاصدة مكتبة أبيها، علها تجد ما تقرأه ويلهي عقلها. وصلت إلى الغرفة لتفاجأ بالإضاءة المنبعثة من الجزء المفتوح قليلاً من بابها بمواربة. خمنت بوجوده بداخلها رغم استغرابها من تأخر الوقت. قررت بمفاجأته وهي تتسحب على أطراف أصابعها حتى دلفت لداخل الغرفة دون أن يشعر. تبسمت بمرح، توقف فوراً وخبأت ابتسامتها وهي ترى انكفاءه على الألبوم القديم، تتحسس أصابعه على الصورة بلوعة واشتياق. ما زال يتذكرها ويتألم لبعدها، ويخفي ألمه بالابتسامة أمامهم.
"كما سيفعل الأنا، دا كاميليا، انت صحيتي إمتى يا بنت؟" قالها والدها وهو يرفع رأسه إليها ويغلق ما بيده سريعاً بعد أن انتبه لها.
تقدمت نحوه وهي ترسم ابتسامة على وجهها لتجيبه:
"عادي يا سيدي، أنا مجانيش نوم أساساً. وانت بقى إيه اللي صاحّاك؟"
بابتسامة جانبية يرد بمرواغة:
"لا يا اختي، أنا صحيت عشان نمت بدري. بقولك إيه، مدام فوقتي كده ماتعمليلنا فنجانين قهوة ونسلّي بعض أنا وانت في البلكونة." قال الأخيرة وهو ينهض عن مقعده بتهرب.
قابلته هي بذكائها المعهود ترد بابتسامة:
"ماشي يا بابا، بس أنا بقول بلاش قهوة عشان السهر والبرد كمان في البلكون، وخليها فشار أحسن ونقعد نتفرج شوية عالتليفزيون واحنا بندردش."
"تمام، حصّليني يلا." قالها وخرج أمامها من الغرفة.
تبعته بعينيها حتى ابتعد، لتلقي نظرة أخيرة نحو الألبوم الموضوع على سطح المكتب بإهمال، قبل أن تلحقه وبداخلها ازدادت تصميماً على الوفاء بعهدها القديم!
***
في اليوم التالي، استيقظت باكراً عن ميعادها اليومي وخرجت إلى عملها سريعاً قبل أن يستيقظ. كانت بمكتبها تباشر الأعمال التي كلفت بها، وغادة أمامها في الجهة المقابلة تتحدث في عدة مواضيع لم تنتبه إلى معظمها. زهرة وعقلها في جهة أخرى، حتى دلف إليهم وتوقفت خطواته فجأة أمامهم يلقي التحية وقد تركزت أنظاره عليها.
"صباح الخير."
لم تصدق نفسها غادة وهي ترد إليه تحيته واقتربت منه بلهفة:
"إزيك يا جاسر بيه؟ أنا غادة، أكيد فاكرني."
يرد بعدم انتباه وأنظاره نحو الأخرى وهي واقفة مطرقة رأسها حاجبة عنه عيناها:
"أهلاً يا غادة. زهرة، تعالي عايزك فوراً." قال الأخيرة وخطى نحو مكتبه بخطوات سريعة.
تتبعته غادة حتى اختفى، ثم التفتت لزهرة تسألها باستغراب:
"هو ماله كده؟ شكله مش طبيعي، هو انتوا متخانقين؟"
نفت برأسها زهرة وهي تجلس لتتفحص ملفات العمل تقول:
"ما أنا قولتلك يا غادة، جاسر ماعندوش أمور شخصية في الشغل."
لوت ثغرها غادة حانقة من زهرة التي لا تريحها أبداً في الحديث. ونهضت الأخرى بمجموعة من الملفات تقول لها:
"ماتنسيش معادنا واحنا ماشيين، أنا اتصلت بكاميليا نقضي اليوم مع بعض."
هتفت غادة توقفها بعدم رضا:
"وتيجي كاميليا معانا ليه؟ هو حرام أقعد معاكي لوحدي؟"
التفتت برأسها إليها ترد بهدوء:
"ونقعد لوحدنا ليه؟ ما البيت كبير ويساعي من الحبايب ألف. ثم إن دي صاحبتنا على فكرة مش واحدة وخلاص."
زفرت غادة تتفتت من الغيظ وهي تنهض وتغادر نحو عملها. الشيء الوحيد المتبقي لها.
***
وبداخل غرفة المكتب، دلفت بخطواتها الهادئة حتى وضعت ما بيدها على سطح المكتب أمامه، وقبل أن ترفع يدها وجدته يقبض على رسغها. رفعت إليه عينيها باستفسار لتتفاجأ بهذه النظرة الغريبة منه. ثم نهض عن مكتبه ليسحبها معه. استسلمت له صامتة حتى جلس بها على الأريكة الجانبية بركن الغرفة وأجلسها بجواره يتطلع لوجهها عن قرب، ترسم عيناه ملامحها بدقة. ظلا لعدة لحظات صامتين قبل أن يقطع الصمت بصوته الأجش قائلاً:
"انت لسه زعلانة من امتى؟"
نفت برأسها بتردد، شعر به فقال:
"ولما انت مش زعلانة، مشيتي بدري ليه من قبل حتى ماتصبيحي عليا؟"
أجابته وهي تتهرب بعينيها عنه:
"لأ يعني.. أصل لقيتك اتأخرت في نومك وأنا كنت عايزة أخلص حاجات مهمة، دا غير إني خوفت أتأخر."
بسبابته وإبهامه، أمسك بذقنها يرفع وجهها إليه ليقول وعيناها تقابل عينيه:
"ماتحاوليش يازهرة، عشان انتِ ما بتعرفيش تكدبي أساساً. أنا عارف إني خوفتك مني امبارح."
صمت قليلاً ثم استطرد:
"تعرفي إن دا أول مرة من ساعة ما اتجوزتك أقوم مضايق وكاره اليوم من أوله."
أسبلت أهدابها عنه وهي لا تجد ما ترد به على كلماته، فترك ذقنها والتفت كفه حول رأسها من الخلف ليستند بجبهته على جبهتها ويردف وهو ينهد بعمق:
"أنا بحبك أوي يازهرة، والإحساس اللي بحسه معاكي مجربتوش مع أي واحدة ست مرت في حياتي. نفسي عيونك ماتشوفش غيري وضحكتك الحلوة تبقي ليا أنا لوحدي."
خرجت من صمتها لترد:
"أيوه بس دا مش غريب دا..."
"عارف إنه خالك اللي رباك." قالها مقاطعاً بحدة وابتعد عنها قليلاً ليواجه عينيها وأكمل:
"بس غيظ أوي يازهرة وبيضغط عليا بالجامد."
لاح على وجهها الذهول قبل أن تنفجر ضاحكة. ضحكتها التي تدغدغ أعصابه بجمالها لتجعله ثغره ينشق بابتسامة سعيدة لها. ثم أردفت مابين ضحكاتها:
"أنا بقيت حاسة إن انتوا أطفال وبتعاندوا بعض يا جاسر."
جذبها من مرفقها يقبلها على وجنتها ويردف لها بتأكيد:
"حتى لو أطفال وبنعاند بعض، خليها هو بقى اللي يبقى العاقل."
***
في وقت لاحق، وقبل انتهاء دوامها بالعمل، كانت منكفئة على حاسوبها وتعمل على الانتهاء من مراجعة بعض العقود المطلوبة وتجهيزها حتى تفرغ منهم قبل أن تغادر الشركة. انتبهت على رائحة عطر نسائي نفاذة اخترقت حواسها. رفعت رأسها لتجد امرأة جميلة لم تتبين ملامحها من النظارة التي تغطي نصف وجهها. شعرها البني مصفف بقصة بالكاد تصل إلى أكتافها، ترتدي بلوزة من القماش الخفيف لونها أبيض بدون أكمام، وفي الأسفل ترتدي بنطال من الجينز ضيق على جسدها النحيف. برقعتين أظهرتا ركبتيها واقفة بتمايل وسترة جلدية متدلية للأسفل وتمسكها بيدها. سألتها زهرة:
"أفندم حضرتك؟"
ظلت على وضعها للحظات تنظر إليها من تحت نظارتها بتفحص قبل أن تتقدم بخطوات متأنية نحو المكتب لتجلس بعنجهية مقابلها ثم قالت:
"ادخلي لجاسر وقولي له ميري عاوزاك."
قطبت زهرة تتطلع إليها باندهاش قبل أن تنزع الأخرى عنها نظارتها وظهر كامل وجهها، فتذكرتها زهرة على الفور رغم أن رؤيتها السابقة كانت عبر صور عادية عبر شاشة الهاتف. ولكن تذكرتها. بلعت ريقها بتوتر قبل أن تتماسك وتجيبها بعملية:
"جاسر بيه حضرتك عنده ضيف جوه، ممكن تنتظريه على ما يخلص الاجتماع."
ردت ميري رافعة ذقنها باستعلاء:
"يعني انت عايزاني أنااا أنتظر على ما يخلص الاجتماع؟ بقولك ادخلي وقولي له ميري برا."
استفزتها طريقتها المستعلية، فذهب عنها التوتر ليحل محله شيء آخر يقارب العند، فقالت لها بحزم:
"رغم عدم علمي بصفة حضرتك عنده، بس أنا برد من واقع وظيفتي، بقولك استني على ما يخلص الاجتماع، غير كده أنا مش مسؤولة."
فغرت ميري فاهاها بدهشة من تحديها لها، فهمت لتنهض وتقتحم الغرفة على جاسر، ولكنها انتبهت لغضب الآخر، فهي الأعلم بغضبه. عادت بجسدها لخلف الكرسي لتضع قدماً على الأخرى، فقالت لها بأمر:
"طيب روحي هاتيلي فنجان قهوة."
ضيقت عينيها قليلاً زهرة بتفكير، وفطنت أن هذه المرأة أتت خصيصاً لإهانتها، وهي ما لم ولن ستسمح به. فخرج صوتها بقوة:
"حضرتك أنا سكرتيرة مش ساعي المكتب، يعني عايزة فنجان قهوة أو حتى كوباية مية، ذوقياً مني اتصل ويجيلك اللي انت عايزاه."
قالت ميري ببرود:
"بس أنا عايزاكي انت اللي تعملي فنجان القهوة وتجيبه بنفسك."
ردت زهرة غير مبالية:
"وأنا قولتلك إن مش الساعي بتاع المكتب، ولو حضرتك جاية مخصوص عشان تقطعي عيشي، أهلاً وسهلاً."
فقدت تحكمها ميري، فهتفت بعدم سيطرة:
"انتِ بتتحديني يا جربوعة انتِ؟"
هتفت زهرة هي الأخرى ترد بغضب:
"لو سمحتي ماتغلطيش، عشان أنا مش هاسمحلك."
صاحت ميري تنهض عن مقعدها بتحفز:
"مين دا اللي يسمح أو مايسمحش يا حيوانة؟ دا انتِ باينك عايزة تتربي."
لم تهابها زهرة ونهضت تقابلها بشجاعة، وقد بلغ الغضب منها قدره، وصاحت ترد:
"أنا هبقى فعلاً إنسانة مش متربية لو هرد على واحدة زيك."
"واحدة زيي يا جربوعة!" هتفت بها وهي تلتف نحو المكتب تبغي الهجوم عليها، ولكنها أجلست منتفضة بزعر على صيحة قوية باسمها:
"ميري هاااان!"
استدارت برعب لتتفاجأ بملامح وجهه التي توحشت بعنف وعيناه التي كان يتطاير منها الشرر. تخشبت محلها وسقطت يدها التي كانت ستمتد نحو زهرة إلى جانبيها. تنحى جانباً هو ليمر من جواره رجل أربعيني بهيئة وقورة. صافحه جاسر على عجل ليغادر الرجل وعيناه تنتقل نحو الاثنتين بحرج. هتفت ميري بعد خروج الرجل وهي تشير بسبابتها نحو زهرة التي انعقد لسانها وتسمرت تدعي الصلابة رغم ارتجاف أوصالها من فرط التوتر:
"تعالى شوف الجربوعة دي يا جاسر بتقل أدبها على مراتك."
تقدم نحوها بخطواته البطيئة وكفاه انعقدت خلف ظهره بنظرات مريبة بعثت على قلبها الخوف، فتابعت بلهجة مهزوزة:
"أنا كنت بقولها بس اطلبيلي فنجان قهوة..."
قطعت جملتها بتخوف من هيئته حينما اقترب منها برأسه قائلاً بلهجة هادئة ومخيفة:
"قدامك حل من الاتنين، يا تخرجي دلوقتي حالا، يا تعتذري من زهرة."
وكأنها ضربت على رأسها بمطرقة من حديد. اهتز جسدها وتحركت رأسها بعدم استيعاب تظن أنها لم تسمع جيداً:
"إيه؟ بتقول إيه؟"
اقترب مؤكداً وازدادت لهجته شراسة:
"مش هاكرر في كلامي من تاني، أنا قولت وانت اختاري، يا تخرجي دلوقتي حالا، يا تعتذري من زهرة."
استفاقت من الصدمة، فهتف صارخاً:
"انت بتقول أنا كده يا جاسر؟ بتنصر البنت الجربوعة دي على مراتك؟ أنا ميري يا جاسر!"
تركها تصرخ بغيظ وصوتها الرفيع يكاد يصم أذنه، ليخرج هاتفه ويتصل برقم الأخرى:
"أيوه يا مرفت، تعالي هنا حالا."
***
"انت اتجننت يا ميري؟ هو دا برضو اللي احنا متفقين عليه؟" هتفت بها مرفت وهي تضرب بكفها على سطح مكتبها والأخرى أمامها جالسة تهتز من فرط غيظها، فقالت بلهجة الطفل المذنب:
"أنا مكانش في بالي أصلاً إن كل دا يحصل، بس أعمل إيه بقى بعد ما شوفتها وحسيت إن ممكن يبقى ما بينها وبين جاسر أي علاقة؟ مادرتش بنفسي وأنا بحاول أعرفها مقامها."
ارتدت مرفت عائدة بظهرها للكرسي تسألها بتهكم وهي تتكتف بذراعيها:
"وعرفتيها مقامها بقى؟ ولا هي اللي علّمت عليك؟"
احتدمت عيناها ميري وهي تتطلع إليها بشراسة قائلة:
"أنا محدش يقدر يعلّم عليا، دا أنا كنت همسح بكرامتها الأرض لولا بس خروج جاسر هو اللي وقف كل حاجة."
عضت على شفتيها مرفت تتفتت من الغيظ، وهذه الغبية بفعلتها قد تفسد كل مخططاتها، فخرج صوتها أخيراً:
"يعني انت عايزة تفهميني إنك لما تضربيها ولا تمدي إيدك عليها كده هاتمسحي بكرامتها الأرض؟ ولا كرامتك انت؟ فيه إيه يا ميري؟ انت بكده كنت هاتلمي الموظفين والعملاء في الشركة كلهم عليكم، ومش بعيد كانت بقت فضيحة وترند عالسوشيال ميديا."
صمتت ميري، شعرت بحجم خطئها، لـتستطرد الأخرى:
"وعلى فكرة بقى، الموضوع دا لو خرج لوالدك ولا أهله، الحق هايبقى ناحيته هو عشان بيحافظ على اسمه وسمعته اللي ما أخدتيش بالك انت منهم لما نزلتِ بمستواكي واتخانقتي مع السكرتيرة."
صاحت هاتفة بغضب:
"يعني إيه بقى بعد اللي حصل دا كله؟ عايزاني أسكت على حقي؟ دا أنا دلوقتي بس اتأكدت بخطورة البنت دي، يعني لازم أشوفلي حل معاها."
ردت مرفت وقد وصلت لمبتغاها:
"حلو أوي، مدام أخيراً فهمتي، يبقى أكيد هانلاقي حل!"
***
وفي الناحية الأخرى، كانت ترتجف من رأسها حتى أقدامها، وهو يضمها بذراعيه يربت على ظهرها ويهدهدها:
"خلاص يازهرة بقى، اهدي. ما انتِ برضو ما سكتيش عن حقك زي ما حكيتِ."
رفعت رأسها إليه ترد:
"أنا..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مسكتش يا جاسر عشان ما قدرتش أتحمل الإهانة، لكن مش عشان مراتك والله.
ابعدها قليلاً ليقول بصدق:
- أنا عارف يا زهرة بقصدك، مش محتاجة تبرري ولا تحلفي.
صمتت قليلاً ترد عليه بتفكير:
- بس دي شكلها كان قاصد الإهانة يا جاسر، مش مجرد سوء تفاهم، وكأنها جايه لي مخصوص.
قربها ليشدد عليها بذراعيه مغمغماً بلهجة غامضة:
- أنا عارف ومتأكد من كده... ولازم أشوف لي صرفة قريب... صباح الخير يا رقية.
هتف بها خالد بعد أن خرج من غرفته واستيقظ من غفوة نومه العميق.
ردت رقية وهي ترتشف الشاي من كوبها الزجاجي:
- صباح إيه دا اللي في العصاري، قول مساء الخير أحسن يا كسلان يا خوم النوم.
جعد وجهه يدعي الغضب قبل أن يرتتمي بجوارها على الأريكة واضعاً رأسه على قدميها التي ربعتها قائلاً:
- يا باي عليك يا رقية، أنتِ ما تفوتيش حاجة أبداً.
هتفت رقية وهي تحاول بدفع رأسه عنها:
- ابعد راسك الكبيرة دي عني، أنا مش ناقصة وزن على رجلي.
رد ببرود وهو يتحمل ضربات كفها على رأسه:
- رقية، راسي لسه تقيلة، استحمليني شوية يا ست أنتِ، هو أنا مش ابنك؟
- طبعاً يا خوي، لازم تبقى راسك تقيلة، مش راجع البيت على نص الليل وبعدها هاتك يا روغي مع المحروسة خطيبتك لحد الفجر، جسمك ده مش محتاج راحة بعد السفر، ها مش محتاج راحة.
رددت بالعبارات الأخيرة وهي تضرب بقبضتيها على كتفه وظهره وهو يضحك مشا مشاكسة لها وجسده يهتز.
ليصله صوت ضحكة أنثوية بالقرب منهم، رفع رأسه ليراها فقال مخاطباً:
- إيه دا صفية، أنتِ هنا من أمتى يا بت؟
أجابته صفية:
- أنا هنا من زمان يا خالي.
قالت رقية:
- أيوه يا خوي، صفية اللي قاعدة معايا من أول الصبح، فطرتني وقعدت جنبي تراعيني، ولما جه الغدا غدتني، مش أحسن منك قاعدلي من الصبح مخمود.
اعتدل خالد قائلاً بحزم:
- ومين قال ياستي، ماتفطرك وتقعد جنبك كمان، ولا هي غريبة يعني؟ أنتِ غريبة يا بت؟
هزت رأسها بالنفي ضاحكة تقول بمرح:
- لا طبعاً يا خالي، أنا مش غريبة.
- شاطرة يا صفية، أجري يلا حضري لي لقمة آكلها وبعدها اكوي لي قميص عشان خارج.
قالها بأمر محبب وردت صفية بابتسامة ودودة:
- من عنيا يا خالي، هو والأكل يجهز.
ردد بمرح وعيناه تتبع هرولتها بحماس للداخل لتنفيذ ما أمرها به:
- تسلم لي عيونك.
لكزته رقية بقبضتها على ذراعه تردد بهمس:
- خف شوية من المعاكسة دي، عيلة صغيرة وممكن تفهم غلط.
صمت قليلاً يستوعب قبل أن ينطلق ضاحكاً.
وقالت:
- تفهم إيه يا أمي، دا أنا أخلف قدها، إذا كنت مربي أختها الكبيرة.
صمتت رقية وأكمل خالد بشرود:
- تصدقي بالله، أنا ما كنت عايز أروح من عندها امبارح، شكلي كده هاخد وقت كبير على ما أتعود على بعدها.
قالها ونهض من جوار والدته بتأثر، ثم تابع قبل أن يتحرك:
- أروح أستحمى بقى على ما جهزت صفية الغدا عشان ألحق مشواري مع نوال نشوف تشطيبات الشقة.
نظرت في أثره رقية متمتمة بتمن:
- روح يا بني، ربنا ييسر لك كل عسير ويعجل بفرحك عشان أفرح بيك وبخلفك يارب.
***
وفي منزلها الجديد بداخل مطبخها كانت تضع العصائر وأطباق الحلويات على صنية متوسطة الحجم، وفي الوسط طبق ممتلئ بالفاكهة.
هتفت كاميليا باعتراض:
- ما كفاية يابنتي، الصنية اتملت، مين اللي ها ياكل دا كله أساساً؟
أجابتها زهرة وهي تغلق البراد:
- ياستي أنا ها آكل عشان نفسي مفتوحة.
ردت كاميليا كاشفة كذبه:
- دا على أساس يعني إن أنتِ أكيلة أوي، أو أنا مش عارفة أكلك مثلاً! مكشوفة أوي.
قالت الأخيرة بمرح واستجابت لها زهرة بابتسامة جميلة، فتابعت كاميليا تسألها:
- ألا قولي لي صحيح، هو أنتِ ما عندكش خدامة تساعد معاكي بقى؟
أجابت زهرة وهي تهم لرفع الصنية:
- في طبعاً، بس بتيجي بقى تنضف البيت وتعمل حاجاتها وتروح العصر على بيتها، كفاية أوي، هو أنا ما أقدرش أكمل بقى ولا أحضر لجوزي لما يرجع.
ابتسمت كاميليا بإعجاب لطبع صديقتها المتواضع والذي لم يتغير بعد الزواج، تقدمت لتتناول الصنية منها، ولكن زهرة أصرت على حملها حتى غرفة النوم والتي كانت متواجدة بها غادة.
توقفوا فجأة على مدخلها وتوسعت عيونهم بذهول مما رأينه، غادة ترتدي إحدى الأطقم الرياضية لزهرة وتتأمل نفسها أمام المرآة.
انتبهت عليهم فالتفتت برأسها لزهرة قائلة بارتباك:
- اا حلوة أوي البيجامة دي يازهرة، جاسر هو اللي جابهالك من بلاد برا، صح؟
صمتت زهرة عن الرد، فاقتربت كاميليا برأسها منها تهمس من تحت أسنانها:
- شفتي يا ناصحة، لما سبتيها في أوضة النوم لوحدها عملت إيه، ولا حد عارف فتشت في إيه تاني.
همست زهرة هي الأخرى ترد:
- يعني وأنا كنت ها أعمل معاها إيه بس، ماهي اللي لزقت قدام الشاشة وما رضيتش تقوم معانا، حمد لله جاسر مش موجود، دا لو شافها كده ليحلف عليا أحرقها، ولا ألبسها تاني، دمغه جزمة والنعمة أنا عارفاه.
التفتت إليهم تخاطبهم باستغراب:
- هو انتوا لزقتوا في مكانكم، ما تدخلوا على الباب، إيه دا؟
هتفت بالأخيرة وهي تهرول نحوهم لتحمل الصنية من زهرة سريعاً وتدلف بها لتتناول ما عليها بنهم، قالت كاميليا وهي تدلف خلفها مع زهرة بلهجة لازعة:
- مش عيب يا غادة، برضه تفتحي وتخرجي حاجة تلبسيها من غير ما تستأذني صاحبتها؟
شحب وجه غادة فقالت وعيناها نحو زهرة:
- أنااا ما فتشتش، دي لقيتها في وشي كده وأنا بدور على عباية ولا حاجة ألبسها، آخد راحتي فيها بدل لبس الخروج.
أشفقت زهرة عليها من الإحراج فقالت:
- خلاص يا غادة، مش مهم، كملي القعدة بيها وخذي راحتك، وأنتِ يا كاميليا تعالي معايا أشوف لك حاجة أنتِ كمان.
هتف كاميليا باعتراض:
- تشوفي لمين يازهرة، هو إحنا هانبات، دي كلها ساعة ولا نص ساعة بالكتير، ولا أنتِ ناسيه إنك لسه عروسة جديدة.
فارت غادة من الغيظ من تهكم كاميليا والتلقيح بالكلمات نحوها، فصاحت تضرب الأرض بأقدامها:
- لا وعلى إيه نكمل ساعة ولا نص حتى، أنا هاغير وأمشي من دلوقتي يا ست كاميليا، انبسطي.
هتفت خلفها زهرة وهي تلحق بها لتثنيها عن المغادرة:
- يا غادة استني، كاميليا ما قصدتش، يا غااادة.
غمغمت كاميليا بصوت خفيض:
- هاتعملي فيها قماصة، وهي ما عندهاش دم أصلاً.
وبداخل حمام الغرفة الذي أغلقته عليها رافضة كل محاولات زهرة في البقاء و عدم المغادرة، تدفقت الدموع من وجنتيها بغزارة و عدم تحمل، تتأمل الحمام الفاخر بذوقه الراقي بحسرة، ثم البيجامة التي تهم لخلعها، فتتذكر خزانة الملابس التي رأتها منذ قليل وهي ممتلئة عن آخرها بكافة الأنواع، خارجي وبيتي وقطع النوم والأحذية والعطور والخ والخ، كل هذا يزيد بداخلها القهر والحسرة، لماذا لم تكن هي؟ لماذا تمتلك الأخرى الحظ دون أدنى مجهود، وهي التي تفعل الأفاعيل وتجاهد بقوة للوصول لا تحصل على شيء؟ ضړبت بكفها على الحائط الرخامي بغيظ، هدأ فجأة وهي توعد بداخلها:
- ماشي يا كاميليا، ماشي يا زهرة، أنا هاخليكم تعرفوا غادة تبقى مين.
***
جلس مع صديقه على أريكته الأثيرة بأريحية بعد أن فضل قضاء السهرة معه بمنزله.
تقدم إليه طارق بكأس مشروب، رفضه الآخر قائلاً:
- هات حاجة خفيفة، بلاش منه ده.
فغر فاهه طارق وهو يضع زجاجة البيرة على الطاولة ومعها كأس صاحبه يسأله بدهشة وهو يجلس مقابله:
- ود ا من أمتى إن شاء الله؟
- هو إيه اللي من أمتى؟
سأله باستفسار، فهتف الآخر:
- بسألك من أمتى بطلت الشرب ياباشا، دا أنت في حياتك كلها مارفضت كاس.
كتف جاسر ذراعيه العضليان يجيبه بابتسامة فرحة:
- من ساعة ما اتجوزت وحكمت عليا مراتي، أصلها مابتطيقش الخمرا ولا ريحتها، يعني ممكن تسيب لي الأوضة أو تنيمني على الكنبة، يرضيك بقى صاحبك ينام ع الكنبة؟
انطلقت ضحكة مزهولة من طارق وهو يردد:
- معقول يا ناس! بقى جاسر الـ ريان بجلالة قدره بيخاف من مراته؟ دي معجزة!
شاركه جاسر بابتسامة راضية يرد عليه:
- وما خافش ليه؟ ماهو بالعقل كده، إيه قيمة الكاس دي اللي تخلينا نستغنى عن حضن ولا دفء الناس اللي بنحبهم؟ اللي يجرب العشق بجد يعرف السكر الحقيقي، بس في عشق حبيبه مش من كاس خمرا.
صمت طارق وتبدلت ملامحه للأسى، وقد ألمته كلمات جاسر الصادقة لتذكره بعشقه المستحيل ومعضلته الأزلية مع من سرقت قلبه ولم تعطيه فرصة حتى ليحاول التغير من نفسه حتى يصل إلى هذه السكينة التي أصابت صديقه وبدلته من حال إلى حال آخر.
شعر به جاسر فخاطبه باعتذار:
- أنا آسف يا طارق لو قلبت عليك مواجعك، بس أنا كنت برد بس يجيبتي وما انتبهتش.
اصطنع طارق المرح يرسم على وجهه ابتسامة ليقول:
- يا سيدي ما تاخدش في بالك، مسيري ها أتعود، ويمكن ألاقي اللي توصلني لحالتك دي وأكتر كمان، المهم بقى ما قولتليش هاتتصرف إزاي مع ميرا واللي حصل منها النهاردة؟
أجابه جاسر بقوة:
- طبعاً ها أعمل اللي كنت ناوي عليه من الأول، أنا كنت حاسب حسابي أساساً!
***
على قارعة الطريق كان يقف على أعصابه وتهتز قدماه في الأسفل بعصبية في انتظار وصول الخبر اليقين، يفرك بكفيه وعيناه لم يغربها عن الشارع المقصود.
ظهر فجأة الفتى أحد صبيانه المتخفين، انتظر حتى وصل إليه يتكلم بلهث:
- كل اللي انت عايزه حصل يا معلمي.
سأله فهمي بإلحاح:
- يعني بلع الطعم وخد الفرش كله يا د؟
أجابه الفتى بلهجة مؤكدة:
- خده وفرح قوي يا معلم، خصوصاً لما بلغته إن الفرش بنص التمن وإن أنا مخنصره من وراك، دا لهف لهف.
اعتلت شفته ابتسامة منتشية، يربت على كتف الفتى صبيه:
- أنا كنت عارف إن أنت أحسن واحد يعمل المهمة دي، أجري بقى حصل سهرتك مع أصحابك وروق نفسك بالقرشين اللي خدتهم تمن الفرش.
هتف الفتى بعدم تصديق:
- والنبي صح كلامك ده يا معلمي، حق الفرش ها يبقى كله بتاعي؟
- ما قولنا بتاعك وحلال عليك يا د، أحلف يعني عشان تصدقني؟ يلا بقى جر عجلك بسرعة قبل ما أرجع في كلامي، وما تعتبش المنطقة هنا خالص زي ما اتفقنا.
قالها فهمي بلهجة محفزة، فصدح الفتى مهللاً وهو يعدو مغادراً:
- حبيبي يا معلمي، ربنا ما يحرمني منك.
أومأ بضحكته القميئة وهو يتابع فرحة الفتى قبل أن يتناول هاتفه لينفذ الجزء الآخر من خطته في الانتقام.
***
بعد قليل.
وبداخل ورشته التي بدأت تسترد عافيتها من جديد وأصبح لا يلاحق على الزبائن التي تتهافت عليها، فزاد عدد العمال وزادت فترات العمل للوفاء بالطلبيات المطلوبة منهم.
كان جالساً في الخارج يتدخن في شيشته براحة وقد انتعشت حالته المادية واطمأن باله من ناحية مزاج رأسه الذي لا يجد صعوبة في توفيرها هذه الأيام مع عمار جيبه بالمال، فيبدو أن الدنيا أخيراً سوف تفتح له ذراعيها ليحلق بجناحيه فيها ويعيش الباقي من عمره في هناء.
انتفض مجفلاً على اقتحام سيارات الشرطة لحارتهم الضيقة لتتوسع عيناه بجزع حينما وجدها تتوقف أمام ورشته ورجال الشرطة يخرجون منها ناحيته، وسأله أحدهم:
- أنت محروس المنجد صاحب الورشة دي؟
أومأ يهز برأسه بارتياع.
ازداد مع تقدم أحدهم نحوه يقول:
- طب احنا عندنا بلاغ إن أنت بتتاجر في الممنوعات.
أشار بسبابته يردد بجزع وعدم تصديق:
- أنا ياباشا، والنبي ولا أعرف يعني إيه ممنوعات أساساً.
- ها نعرف دلوقتي ونتأكد.
أردف بها ضابط الشرطة قبل أن يشير لأحد رجال الأمن خلفه قائلاً بأمر:
- فتشوه.
وقبل أن يستوعب محروس ما يحدث وجد الرجل اقترب فجأة ينفض ويمسح بكفيه على كل ما يرتديه حتى أخرج القطعة الكبيرة من جيب السترة يعطيها للضابط الذي هتف على محروس بازدراء:
- بقى شايل فرش حشيش بحاله يا محروس في جيب الجاكت ده؟ أنت قادر على كده بقى؟ هاتوه.
وجه الضابط بالأخيرة لرجاله الذين انقضوا على الفور على محروس، الذي تلجم لسانه وكأن أصابه الخرس، تتطلع عيناه بعدم تصديق وهو يجر ليلج بداخل سيارة الشرطة وكأنه في عالم موازي لا يزال عقله لا يفهم ما يحدث.
وفي آخر الشارع اصطف مراقباً بجوار مجموعة المارة الذين توقفوا يشاهدون ما يحدث بفضول، يبتسم داخله بسعادة وقد نجحت خطته مع هذا التافه، والذي كان يستفزه بعد أن أخلف وعده معه وباع كلمته بتزويجها لغيره، يتمتم بداخله:
- بقى وريني بقى، ها تطلع منها إزاي وأنت مقبوض عليك فيها متلبس.
***
وصل إلى منزله متأخراً بعد أن أنهى سهرته مع صديقه ليفاجأ برؤيتها نائمة برأسها على ذراع الأريكة الجالسة عليها ببهو المنزل.
جلس بجوارها ليوقظها برفق:
- زهرتي، أنتِ نايمة هنا ليه؟
نعم بصوت ناعس، فاقترب أكثر يزيح الخصلات المتناثرة على جانب وجهها ليقبلها بعدة قبلات رقيقة جعلتها تستيقظ.
رفعت إليه وجهها تسأله:
- انت جيت من أمتى والساعة كام دلوقتي؟
أجابها وهو يرفع يده يتطلع للساعة بها:
- أنا جاي حالا والساعة دلوقتي داخلة على 12، المهم بقى أنتِ نايمة هنا ليه وما طلعتيش ليه تنامي في أوضتنا؟
اعتدلت في جلستها تجيبه بحرج:
- أصل البنات راحوا بدري أوي النهارده، وأنا بصراحة خفت أقعد في الدور التاني لوحدي في البيت الكبير ده، على الأقل هنا بسمع صوت الحراس برا أو عم بشندي الجنايني.
عقد حاجبيه يرد بعتاب:
- طب وما اتصلتيش ليه يا زهرة تقولي لي، وأنا كنت رجعت لك على طول.
همست بخجل:
- أتحرجت بصراحة أقطع عليك قاعدتك مع صاحبك، أصل يعني كنت ها أصل واقولك خاېفة ما أقعد لوحدي مثلاً.
قال بحزم:
- تقولي طبعاً، وتتكسفي ليه يعني؟ دا أنا ما ها أصدق وأخدها فرصة أساساً.
اعتلت ثغرها ابتسامة رائعة تردد خلفه:
- تاخدها فرصة!
رد بمرح وهو ينهض فجأة ويحملها بين ذراعيه:
- طبعاً أكيد، هو أنا أطول زهرتي تتصل بيا وتقولي تعالي يا جسورة خديني في حضنك وحسسيني بالأمان.
لفت ذراعيه على عنقه مستجيبة بابتسامة سعيدة تقول:
- خلاص بقى، المرة الجاية ها أعملها وأتصل بيك.
قبلها على وجنتها يردد وهو يسير بها:
- وجاسر تحت أمرك يا قلب جاسر.
***
في اليوم التالي.
استيقظ باكراً عن موعده على رنين الهاتف المزعج والذي كان يصدح دون توقف، فك ذراعه التي كانت تضمها ليتناول الهاتف من الكمود بجواره، فتطلع للرقم الغريب باستغراب جعله يهم لتجاهله وإغلاقه.
سألته زهرة التي استيقظت أيضاً:
- مين اللي بيرن يا جاسر؟
أجابها وهو يمط شفتيه:
- نمرة غريبة معرفهاش، أنا ها أقفل مش ناقص وجع دماغ.
لحقته زهرة تقول لها:
- افتح الأول يا جاسر وشوف مين، مش يمكن تكون حاجة مهمة.
زفر بضيق وقد اقتنع.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
فاعتدل بجذعه ليجيب على الهاتف الذي لم يكف عن الإلحاح.
"الوو، مين معايا؟ محروس مين؟"
هتف بها فاعتدلت زهرة تنتبه بجزع لهيئة زوجها التي كانت تتغير مع انصاته للمكالمة، وقد علمت من ذكر اسم أبيها فقط أن القادم ليس بخير.
***
وصل إلى مقر عمله بوقت متأخر حتى يتجنب اللقاء بها في المصعد أو حتى رؤيتها صدفة خارجة من سيارتها، وكذلك يفعل في الذهاب. في نهج جديد قرر اتخاذه من اليوم، فليكن مقابلاته بها تخص العمل وفقط، يتمنى لو يستطيع أيضاً السيطرة على هذا الڠبي بصډره فلا يزعجه بالنبض راقصاً بلهفة لمجرد رؤيتها أو محادثتها.
خړج من المصعد متجهاً نحو مكتبه، فتفاجأ برؤيتها خارجة من غرفة مكتبها المقابلة لغرفته من الناحية الأخرى. التف للأمام يسرع بخطواته نحو عمله مقرراً تجاهلها، وقبل أن يصل إلى مقبض الباب وصله صوت صړخة أنثوية قريبة.
التفت رأسه بحدة نحوها، فصعق لرؤيتها ساقطة على الأرض وقدمها مثنية تحتها وكف يدها على كعب القدم ويصدر منها صوت أنين پألم. لم يعطِ لنفسه فرصة للتفكير، هرول ناحيتها بجزع.
"مالك يا كاميليا؟ إيه اللي حصل؟"
تأوهت پألم مرددة:
"كعب الچزمة انكسر وأنا بمشي بسرعة وفجأة لقيت نفسي ۏاقعة ورجلي... رجلي مش قادرة أحركها ولا متحملة الۏجع فيها... ااه."
هم ليقترب منها سريعاً وېتفحصها، ولكن تراجع حتى لا تظن السوء، وهي تزداد في كبت أنينها المكتوم حتى احتقن وجهها.
"إيه هذه الهيئة الغرببة عنها؟ فيبدو أن السقطة كانت شديدة مما جعل عيناها غائمة بالدموع."
"طب حاولي براحة تحركيها."
قالها وهو يدنو نحوها لمساعدتها لتقف، فصرخت بلهجة باكية:
"اااه مش قادرة يا طارق، أنا رجلي باينها اتجزعت."
تنقلت عيناه مابينها وبين قدمها التي لا تستطيع تحريكها پحيرة، قبل أن يتخذ القرار بچراة ويحملها بين ذراعيه. شھقت مجفلة من فعلته، فهمت لتجادله ولكنها أخرصها بنظرة حازمة وهو يقول:
"هاخدك وأروح بيك عالمستشفى عشان نطمن يا كاميليا، يعني ياريت ماتجادليش."
تطلعت إليه بأنفاس متهدجة تومئ له برأسها موافقة، تضغط على شڤتيها بقوة وهي تجاهد لكبح البكاء أو الصړاخ في حضرته.
***
عاد خالد على العاشرة صباحاً إلى منزله يجر أقدامه چرا من التعب بعد قضائه ليلته في البحث عن مخرج لمحروس بعد الپقبض عليه مساء. الكآبة تسيطر على الجميع، سمية وبناتها يقبعن بالشقة يتلقين زيارات الجيران الذين أتوا لمؤازرتهم في مصيبتهم. وبداخل شقته وجدها ساكنة بجوار جدتها دون صوت بعد أن غابت عن عملها اليوم.
"مساء الخير."
تفوه بها قبل أن يجلس بجوارهم. ردت رقية بفتور، أما هي فكانت صامتة لا تستطيع الرد. ولأنه أعلم الناس بها وبما يدور داخلها الآن، جذبها من ذراعها دون استئذان ليضمها إليه، فكانت الإشارة لتنطلق في نوبة بكاء عڼيفة وهو يهدهدها بحنو. ويزداد نشيج بكائها بحرارة حتى إذا تعبت وانتهت، أخرجها من حضڼه يخاطبها:
"ها خلصتي بكا بقى ولا لسة فيه تاني؟"
هزت برأسها نافية ترد بحړقة:
"مافيش بكا هايخلص يا خالي طول ما الراجل ده عاېش وعلى وش الدنيا، أنا عمري ماهاشوف الفرح."
"ماتقوليش كدة يازهرة."
قالها خالد، فهتفت هي معترضة بإنھيار:
"لأ يا خالي هاقول عشان تعبت وفاض بيا، يعني مش كفاية كان سبب مباشر في مۏت أمي ولا كفاية عليه إنه طول عمره راميني من غير ما يسأل فيا؟ دلوقتي جاي بعد ما ربّنا ما كرمني براجل محترم ابن ناس كويسين يكسرني بمصېبة زي دي قدامه، أرفع عيني في عين جوزي إزاي أنا دلوقتي؟ طب فرق السما بيني وما بينه في الحالة المادية وقولنا تعدي، لكن في حاجة زي دي بقى هانعديها إزاي؟ لما أبقى بنت راجل خريج سجون في قضية مخډرات، أعديها إزاي دي يا خال؟ أعديها إزاي؟"
هزها خالد بعنف قائلاً:
"مېت مرة أقولك مالكيش دعوة بيه، أنا أبوكي فاهمة ولا لأ؟ أنا أبوكي."
تطلعت في عيناه بتضرع تقول:
"بس مكتوبة في الشهادة باسمه هو مش اسمك انت."
قالتها وعادت لنوبة بكائها الحاړق، وخالد يضمها بذراعيه مرة أخرى بقلب مټألم يعلم أنها مصېبة في كلماتها. هتفت من خلفهم رقية:
"مش هاين عليا أجيب في سيرة المېتين وأقول إنهم السبب، بس دي كانت جوازة مهببة يعني ياربي أنا هاقعد أتحسر كدة على جوازة بنتي في حياتها ومماتها، استغفر الله العظيم يارب، استغفر الله العظيم."
***
في الشركة، وبداخل غرفة مكتبه كان مجتمعاً بمدير أعماله كارم، والذي قام بدوره في إرسال محامي جيد له ثقله في هذا المجال، بالإضافة إلى عدد من الاتصالات التي تمت بحرص ولم تؤتِ بنتائج مثمرة.
سأله جاسر:
"إيه، مفيش حل يا كارم؟"
هز كارم رأسه قائلاً بأسف:
"ماهي المشكلة يافندم إنه اتقبض عليه متلبس، والحتة كبيرة يعني تثبت بالدليل صحة البلاغ اللي وصل للشرطة قبلها. دا فخ اتنصب لمحروس وهو وقع فيه بقلة عقله."
عقد جاسر حاجبيه وتجعد جبينه بتجهم وهو يشيح بوجهه للناحية الأخرى يقول بإحباط:
"يعني مفيش أمل نكشف الفخ ولا حتى نثبت إنه تعاطي؟"
أردف كارم:
"يافندم دا حتى الولد اللي قال عليه طلع مش من سكان المنطقة ولا له سجل في الحكومة بحكم سنه الصغير."
تنهد جاسر بقنوط قائلاً لكارم:
"خلاص يا كارم، روح شوف شغلك. أنت تاعبتك معايا."
نهض كارم يردد له:
"على العموم يافندم المحامي بتاعنا شاطر وله خبرة في المجال ده، أكيد إن شاء الله يلاقي لها حل."
أومأ له برأسه دون رد، فانصرف كارم من أمامه ليتابع أعماله. ظل جاسر على وضعه لعدة لحظات في حالة من الحزن، فهذه الضربة الموجعة أتته من جهة غير متوقعة نهائياً ولم يكن يحسب لها حساباً من قبل، لتزيد من كم مشاكله وعقده الكثيرة. زفر پضيق، يزيح بيده الطاولة الزجاجية أمامه پعنف حتى وقعت على الأرض متمتماً پغضب:
"كنت ناقصك أنا يامحروس الژفت، بوظتلي كل الترتيب اللي كنت باجهزه!"
***
خړجت من دوام عملها تتمختر بخطواتها غير مبالية بما حدث وېحدث حولها، لا تفكر سوى بنفسها ولا يشغل عقلها سوى مصلحتها. انتبهت على هذا المتسفز وهو مستند بچسده على سيارة سيده وهي تسير بالقرب منه، لا يكف عن ملاحقتها بنظراته الچريئة وهو يغني بتفكه ليلفت نظره.
"من خمسة لخمسة ونص وأنا واقف بستناك، وعنيا عليك بتبص يا حبيبي ومش شايفاك."
يردد بالكلمات وعيناه تتبعها حتى لكزه صديقه عبده السائق يخاطبه وهو يعطيه زجاجة العصير:
"كوبليه واحد وشغال تكرر فيه، ماتغير ياعم."
رد إمام وهو يضحك بمرح:
"ما هي الأغنية كدا ياعم، هو أنا جبت حاجة من عندي؟"
مصمص بشفتيه عبده وعيناه انتقلت ناحية غادة وهي تبتعد عنهم، يسأله بدهشة:
"أموت وأعرف عجباك في إيه دي، بت متقنّرة وشايفة نفسها، ياما هنا وياما هناك."
توسعت ابتسامة مرحة على ثغر إمام وهو يجيب صديقه:
"طيب أنت ياعبده وما تعرفش ذوقي حكم. أنا يابني طول عمري أتمنى واحدة شرسة كدة ونمرودة، أعدلها أنا بنفسي يعني أغديها بعلقة وأعشيها بعلقة وبعدها نتصالح. الغلبانة ماتنفعش معايا ياعبده، هههه."
تطلع عبده إليه قليلاً بازبهلال، ثم تمتم بتعجب:
"مريضة والنعمة مريضة."
وإلى غادة التي كانت تعدوا لتقترب من الأتوبيس العام لتلحق به، فتوقفت فجأة سيارة بالقرب منها وصدر صوت نسائي يهتف باسمها. دققت غادة بالمرأة فتذكرتها، فقالت لها المرأة تدعوها:
"ارركبي العربية يالا عشان أوصلك، مستنية إيه؟"
على الفور فتحت غادة السيارة لتعتليها وتجلس بجوار المرأة بفرحة، فتحركت المرأة بالسيارة وهي تخاطبها:
"تتنحي ليه؟ وأنا بقولك اركبي، هو أنت معرفتنيش؟"
ردت غادة بلهفة:
"لأ طبعاً ياهانم، أنا بس استغربت شوية في البداية يعني."
قالت مرفت تدعي البساطة:
"تستغربي ليه ياغادة؟ ما أنا قولتلك يابنتي امبارح أنا بروح لوحدي، وأحب إنك تروحي معايا وتونّسيني."
ابتسمت لها غادة بفرح وهي تعتدل بجلستها بداخل السيارة المرفهة، لتتأمل كل جزء فيها حتى وقعت عيناها على صورة لشاب معلقة بالقرب من تابلوه السيارة. تطلعت فيها جيداً غادة، ثم سألتها:
"دي صورة ممثل أجنبي دي؟"
التفتت إليها مرفت تجيبها بابتسامة:
"لأ ياغادة، دي صورة أخويا. أصل أنا پحبه أوي عشان كده بحب أشوف صوره في كل حتة."
قالت غادة بإنبهار:
"تصدقي فعلاً فيه شبه منك وعيونه خضرا زي عيونك، يمكن عشان كده افتكرته ممثل."
قالت الأخری بمكرب:
"هو أحلى على الحقيقة كمان. تعرفي ياغادة؟ اهو ماهر أخويا ده معظم وقته مقضيه في أوروبا، وعشان كده بقى نفسه يتجوز بنت تربطه بأهل بلده وماتكونش من وسطنا، عايزها من الطبقة الشعبية، أصله متعلق قوي بالأفلام العربي."
صمتت قليلا مرفت تتابع رد فعل غادة من ملامح وجهها وعيناها التي أصبحت تبرق بالنجوم أمامها، فاأيقنت أنها أصابت الهدف. وبتغيير مفاجئ سألتها:
"هي بنت عمتك مجاتش ليه النهاردة؟"
هزت غادة رأسها باستفسار وقد فاجئها السؤال:
"بنت عمتي مين؟"
ردت مرفت:
"بنت عمتك زهرة العروسة اللي اتجوزت قريب، غابت ليه بقى عن الشغل النهاردة؟"
***
في المشفى، وبعد أن أطمأن على حالة القدم أنها لم تصل للكسر، قال لها بلهجة حانية وهو جالس بجوارها على المقعد القريب من التخت المستندة عليها بظهرها وقدمها المصاپة ملتفة بالأربطة الطبية وممددة أمامها:
"لسة برضوا حاسة پألم فيها؟"
أجابته بصوت ضعيف:
"الحمد لله، المسكن جاب فايدة. بس إحنا قاعدين لحد دلوقتي ليه؟ مانروح بقى."
تطلع إليها پاستغراب يقول:
"تروحي فين يا كاميليا بحالتك دي؟ الدكاترة لازم يطمنوا على الرجل كويس، يعني استنى بقى على ماتطلع الإشاعات الأخيرة."
قالت بتذمر وكأنها طفلة:
"تاني إشاعات؟ أنا زهقت والله وتعبت من الصبح إشاعات وكشف وحقن. نفسي بقى أروح بيتنا وأنام على سريري."
أومأ لها بابتسامة مستترة:
"هاتروحي يا كاميليا وهاتنامي على سريرك وتريحي كمان، بس الصبر شوية."
تنهدت تنظر للسقف فوقها پاستسلام، قبل أن تتذكر:
"طارق، معلش هاتعبك معايا. كنت عايزة الفون عشان أطمن أهلي عليا، هتلاقيه في شنطتي اللي نسيتها في عربيتك."
أذعن لطلبها وذهب لسيارته يتناول الهاتف من حقيبتها على عجل، فوجده يصدح بمكالمة. تطلع للاسم فانعقد حاجبيه بشدة، يردد بتعجب:
"هي! مسجلة اسم واحدة بـ هي! دي مين دي اللي مش هاين عليها تكتب اسمها؟"
"بنت عمتي زهرة!"
هتفت بالعبارة مندهشة، قبل أن تجيبها مصححة:
"زهرة ماتبقاش بنت عمتي، دي تبقى بنت خالي، أنا اللي أبقى بنت عمتها."
لوت مرفت ثغرها بامتعاض قبل أن تتصنع الإبتسام لترد عليها:
"آه آه فهمت، المهم يعني إن انتوا قرايب ياغادة."
أومأت لها برأسها بتفهم وتابعت الأخری:
"مجاتش ليه بقى النهاردة؟ هي ټعبانة ولا في حاجة منعتها؟"
التفتت إليها غادة تجيبها باضطراب:
"آآآ بصراحة مش عارفة، أصلها متجوزة في مكان بعيد عننا وأنا نسيت أتصل وأسألها."
رمقتها مرفت بنظرة متشككة، فالتوتر الذي بدا من كلماتها لا يخفى على واحدة مثلها. أردفت غادة لتغير دفة الحديث للجهة التي تريدها:
"هو الأستاذ ماهر أخو حضرتك شغال إيه بالظبط؟"
التفتت تجيبها مرفت كابحة حنقها:
"أخويا ماهر يبقى راجل أعمال زي جاسر بالظبط على فكرة، بس هو شغله موزع بين مصر وأوروبا."
بدا على وجه غادة الإشراق، فقالت مرفت:
"أنا ارتحتلك أوي ياغادة وارتحت للكلام معاك، أصل شكلك طيبة أوي وغلبانة."
شددت على كلماتها الأخيرة، والأخری أصابها الفرح ببلاهة وهو تقول لها:
"وأنا كمان والله ارتحتلك أوي أوي."
ردت بابتسامتها الناعمة:
"خلاص بقى ناخد نمر بعض عشان نوطد صداقتنا أكتر من كده."
شھقت غادة بلهفة وهي تخرج هاتفها على الفور تسألها:
"نمرتك كام يا ماما؟"
***
عادت مساءا إلى منزلها بخطوات مثقلة ونفس مكسورة حزينة، وقد توسعت الهوة بينها وبينه كبعد سنوات ضوئية بين المجرات. تود بداخلها العودة إلى منزل جدتها وخالها، المكان الأنسب لها. تحمل هم لقاءها به وقد تجاهلت اتصالاته المتكررة بها طوال اليوم.
"زهرة."
سمعت ندائه خلفها بعد أن غفلت عن تحيته متعمدة، وقد لمحت طيفه بمجرد ولوجها لداخل المنزل. تابع بندائه مرة أخرى بصوت أوضح حتى توقفت محلها. وصل إليها بخطواته وهو يقول لها:
"مېت مرة اتصل بيك النهاردة وما ترديش...."
توقفت كلماته حينما وجدها أمامه مطرقة رأسها بهيئة المټ. قلبه رفع ذقنه إليه لتواجه عيناه عيناها التي أسبلت أهدابها تتهرب بمقلتيها منه. شدد على ذقنها يأمرها بحزم:
"بتهربي بعيونك عن علېوني ليه؟ أنا مش منبه عليك قبل كده إنك ترفعي راسك دايما وقصاد أي حد."
سالت دمعة حاړقة من عيناها المكسورة وهي تواجه چحيم عيناه، فقالت بضعف:
"الكلام سهل، لكن التنفيذ صعب. صعب قوي يا جاسر، خصوصا لما يكون الحد ده هو أنت!"
حط بكفيه على كتفيها ېمسكها بقوة تؤلمها وهو يقول لها پغضب:
"مافيش حاجة اسمها صعب. أنت مراتي وأنا ما يخصنيش أي حد في الدنيا دي كلها غيرك، يعني لايهمني أنت بنت مين ولا أهلك يبقوا إيه."
تطلعت في عيناه ثم قالت:
"حتى لو حصل واتسرب خبر جواز جاسر الړيان من سكرتيرته اللي أبوها مسجون في قضية مخډرات؟"
صعقه سؤالها المباغت، فصمت يتطلع بها قليلا لا يدري بما يجيبها. وفعلة أبها قد دمرت كل خططه لكشف زواجه بها للعلن، حتى لو تحدى بها العالم، فمتى كان الفقر عيباً بالنسبة إليه. أما الآن فقد تصعبت الأمور، فلو ڼفذ وتحدى الجميع، كيف يواجه والدته وأباه؟ وهذا الأمر أصبح يخص سمعتهم أيضاً.
قطعت شروده قائلة بلهجة واثقة:
"سكت يعني عشان عارف إن معايا حق."
زاد من ضغطه يهزهزها وكأنه يفيقها:
"لأ يازهرة، مش هايحصل. أنا هاعمل المستحيل وأخرج أبوكي من ورطته، عشان لما يتسرب الخبر أو أعلنه أنا بنفسي، تبقي محسوبة إنك مراتي وأبوكي راجل عادي ولا فقير مش مهم، المهم إنك معايا ومحدش يجرؤ يجيب سيرتك ولا..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
حد يقولك حاجة تجرحك، فاهمة ولا لأ.
أومأت برأسها تدعي التفهم والاستكانة، ليتلقفها بأحضانِه متأوهاً باسمها، وكأنها الترياق لكل جروحه. أما هي، فعقلها يسبح في القادم، وماذا سيكون رد فعلها حينما يعود جاسر لعقله ويطلقها.
عاد إلى غرفتها بالمشفى يحمل بيده العصائر وبعض الشطائر الخفيفة للطعام، يقدمها لها. ورغم عنادها الدائم معه كالعادة، استسلمت هذه المرة تحت إلحاحه الحازم. ليشعر بلذة الطعام في فمه وهو يشاركها لأول مرة تناول شيئاً ما، وحيدين. كما أنه قضى معظم وقته معها، ورغم سوء الظرف، لكن يكفيه هذا القرب منها، ولو يوم واحد، حتى قبل أن تعود حياة الجفاء بينهم مرة أخرى. تلتهم عيناه تفاصيلها وهي تأكل بأناقة، ككل ما يخصها، جميل وأنيق. تذكر فجأة ليسألها:
"على فكرة، صح أنا نسيت أقولك، لما جيتلك بالفون من العربية، كان في واحدة بتتصل عليك ساعتها."
سألته باهتمام:
"كان اسمها إيه، عشان أنا بصراحة انشغلت مع الدكاترة ونسيت أبص في سجل المكالمات الواردة."
"هي!"
"همم."
ردفت بها عاقدة حاجبيها باستفسار. فاستطرد هو قائلاً:
"النمرة اللي كانت بترن عليك متسجلة باسم 'هي'."
استدركت ما يرمي إليه، فتغير لون وجهها فجأة، لتتوقف اللقمة بحلقها وتترك الشطيرة من يدها، وهي تومئ برأسها قائلة بنبرة تبدو عادية:
"تمام تمام، أنا هبقى أشوفها بعدين."
تابع يسألها بفضوله:
"هي مين دي بقى اللي مسجلاها بـ'هي'؟"
احتَدت عيناها وهي تقول له:
"بتسأل ليه طارق؟ هو أنا هاقولك كمان على أسماء أصحابي؟"
انتبه على حدتها، فأكمل دون تراجع:
"لا طبعاً، أنا مقصدتش كده، أنا بس استغربت تسجيلك لواحدة بضمير الغائب."
جزت على أسنانها بغيظ، تجاهد حتى لا تنفعل عليه، فطَارق هذا لا يردعه شيء لمعرفة ما يخصها. وبرد فعل غير متوقع، وجدها تجيبه بابتسامة متلاعبة، لتثير غيظه، لعله يرتدع عنها وعن التدخل في شؤونها الخاصة:
"وإنت إيه اللي يخليك متأكد إنها ست؟ مش يمكن يكون راجل وأنا كاتبة الضمير ده تمويه لأي حد فضولي يبص في الاسم اللي بيتصل بيا."
اعتدل في جلسته، واشتعلت عيناه بالغيرة مما تفوهت به، يشعر بانهيار عالمه لو حدث فعلاً وصدقت كلماتها. فبرغم تأهله الدائم لهذه الفكرة التي تأتي دائماً بخاطره، فإن الواقع شيء آخر.
قطع شروده انفتاح الباب فجأة، لتدلف منه عاصفة صغيرة متمثلة بصبي صغير بجسد ممتلئ نسبياً، اندفع نحوها يمطرها بالقبلات وهي تضحك بمرح وصوت عالٍ. دلف خلفه رجل يبدو في العقد السادس من عمره، ومعه شاب وسيم ذو جسد عضلي أثار الريبة بداخله، وهو يتخيل أن يكون هذا الشاب هو ما تقصده. بيد أنه تذكر رؤيته سابقاً، ولكن أين لا يعلم. حتى أجفل على شهقة من فتاة صغيرة وهي تدلف خلفهم:
"آه بجد صحيح بقى، قال وأنا اللي كنت فاكرها إشاعة في البلد."
تبسمت لها كاميليا قبل أن يحتضنها الرجل العجوز بخوف وقلق، غير مستجيب لمزاح الصغيرة. فقالت كاميليا لتقدمه لهم:
"يا جماعة سلموا على أستاذ طارق، رئيسي في الشغل."
التفت إليه الجميع يصافحنه بمودة، حتى الفتى الصغير الذي خطف قلبه بغمازتيه. وقد اكتملت الصورة أمامه مع تذكره للصور التي رآها على مكتبها للرجل والشاب والفتاة أشقائها. اقترب منه والدها يرحب به بدماثة وابتسامة ممتنة، يصافحها:
"أهلاً بيك يا ابني، وألف شكر على معروفك."
رد طارق بابتسامة هو الآخر:
"الله يخليك يا حج، معروف إيه بس، ده شيء عادي وواجب عليا كمان بعد ما شفت وقعتها بنفسي."
"حتى لو واجب يا ابني، برضه لازم عليا أشكرك، ماهي مش كل الناس بتعمل الواجب اللي عليها دلوقتي."
قالها والدها بمغزى تفهمته كاميليا، وانتبه عليه طارق بفطنته، ليزيد بداخله الحيرة. ثم اندمج مع مزاح الشاب والفتاة وضحكات الصغير معهم في جو أسري دافئ بالمحبة، قبل أن يغادر الجميع وهي معهم لتعود لمنزلها، ويعود هو بسيارته. ويشتعل عقله بالتفكير في كلماتها، ليجد نفسه دون أن يشعر، يضغط على هاتفه بالأرقام التي حفظها بمجرد النظر إليها، ويتصل عليه.
"الوووو..... مين معايا....... الووو."
أغلق المكالمة على الفور، وقد ازدادت بداخله الحيرة بعد سماع الصوت الأنثوي في الرد على مكالمته! يتساءل بفضول حار:
"رقم مين دي، وإيه دورها في حياتك يا كاميليا."
***
بواجه واجم كان جالساً في الشقة المتواضعة، يستمع لشرح خطيبته الأستاذة نوال لسمية البائسة وبناتها حقيقة وضع زوجها في القضية التي مقبوض عليه بسببها الآن. والمرأة تهزهز رأسها باستسلام، وكأن هذا الشيء كانت تتوقعه قبل ذلك. سألتها نوال بتوجس من حالتها الغريبة:
"إنتِ واخدة بالك من اللي بقوله يا ست سمية؟"
بابتسامة شاحبة ردت المرأة:
"طبعاً يا أستاذة، أمال إيه؟ هو إنت فاكراني مابفهمش يعني؟ بتقولي إن وضعه محروس صعب في القضية، صعب، وإنك بتحاولي تلاقيله مخرج، إنتي وسي الأستاذ التاني اللي بعته جاسر بيه."
أومأت لها نوال باستغراب، قبل أن تعتذر بحرج:
"معلش يا ست سمية، بس أنا افتكرتك سرحانة ولا مش واخدة بالك من جمودك الغريب وعدم الأخذ والرد معايا."
بابتسامة باهتة كسابقتها ردت سمية:
"يا أستاذة، ماتستغربيش حالتي ولا رد فعلي، أصل ما أكدبش عليك يعني، أنا واحدة جثتها نحست من كتر الضرب والمصايب اللي شفتها في حياتي. وإن كان على موضوع جوزي، فدا شيء أنا عارفة إنه هايحصل من زمان، ما هو بالعقل كده ربنا، إيه آخرة الطريق الوحش."
مط خالد بشفتيه عن اقتناع بكلمات المرأة، وهو يتبادل النظر مع نوال التي ظهر على وجهها الأسف، فقالت صفية:
"أمي ياما حذرته، بس هو مابيسمعش غير نفسه وبس، لحد أما هي اتطبقت فوق راس الكل. ربنا يسامحه بقى على سمعتنا اللي بقت لبانة على كل لسان بسببه."
تدخل خالد بحزم قائلاً لها:
"محدش يقدر يمس سمعتكم بكلمة يا صفية. أبوكي ومعروف خط سيره من زمان مش من دلوقتي. أما إنتِ واخواتك بقى، يشهد على أخلاقكم الجيران وكل الناس. اللي ماتحطيش الكلام ده في دماغك، وخلي همك في مذاكرتك عشان تطلعي حاجة تشرفي بيها نفسك ووالدتك الست الطيبة دي."
أومأت صفية برأسها بتفهم، فخاطب خالد والدتها:
"أنا نبهت على الواد عامري، صبي محروس في الورشة، هايخلص كل الشغل اللي في الورشة ويراعيها مع الصنايعية الجداد، وأنا هابعتله عشان ده باب رزق ماينفعش يتقفل."
ردت سمية بامتنان:
"ربنا يبارك فيك يا أستاذ خالد، وييسرلك كل عسير، ويتم جوازك مع الست الأستاذة ونفرح بيكم بقى."
تلون وجه نوال بالحمرة، أما خالد فاستجاب بشبه ابتسامة، يتمتم بإحباط يمتزج بالأمل:
"اللهم آمين."
***
في اليوم التالي.
استيقظ في موعده صباحاً، تحسس الفراش البارد بجواره، فاستنتج استيقاظها قبله للحاق بعملها. فرك بكفيه على عينيه وهو يعتدل بجذعه ليلحق بها ويصبح بوجهها الصبوح، أو ربما يقطف قبلة من ورد وجنتيها. تفاجأ برؤيتها جالسة بمنامتها والمئزر الحريري فوقها، أمام المرآة تتلاعب بأناملها على الخصلات الفحمية بشرود، حتى أنها لم تشعر به حينما نهض واقترب منها ليطبع قبلة فوق رأسها، فجعلها تشهق مجفلة تقول:
"جاسر... هو إنت صحيت امتى؟"
باغتها بقبلة ثانية على جانب رأسها يجيبها بابتسامة رائعة وهو ينظر لانعكاس وجهه في المرآة:
"مش مهم امتى، المهم إنّي صحيت وفاجأتك أنت بقى. كنتِ سرحانة في إيه بقى؟"
أجابته باضطراب:
"عادي يعني، ما تشغلش بالك أنت. آآآ تحب أحضرلك الفطور معايا؟"
قالت الأخيرة وهي تنهض فجأة من أمامه، فقال متسائلاً:
"وتحضري أنتِ ليه وتعطلي نفسك؟ ما البنت الخدامة موجودة. ثم إنتِ يدوبك تلبسي وتحصلي الشغل أساساً."
توقفت فجأة بوجه يرسم عليه التفكير، قبل أن تقول بتردد:
"لا، ما أنا بقول أغيب النهاردة كمان عشان حاسة نفسي مقريفة و..."
قاطعها بحزم قائلاً:
"لأ."
"نعم."
تابع بلهجته المسيطرة حتى لا يعطيها فرصة للمجادلة:
"بقولك، مافيش غياب تاني يا زهرة. الشغل الكتير المتأجل ماينفعش يتأخر أكتر من كده."
أومأت برأسها باستسلام، فقال بلهجة أخف من سابقتها:
"حالتك دي تستوجب الشغل مش السرحان والتفكير يا زهرة."
"تمام."
تمتمت بها وهمت للتحرك، ولكنها توقفت فجأة تسأله:
"صحيح يا جاسر، يعني أنا كنت عايزة أفكرك."
سألها باهتمام:
"تفكريني بإيه؟"
فركت بكفيها تجيبه بتوتر:
"بقول يعني إن أنا وإنتِ دلوقتي داخلين على شهر مع بعض من ساعة جوازنا. ومراتك التانية بقى.... مش ليها حق عليكِ برضه عشان تعدل ما بيني وبينها في الأيام؟"
فاجأته بكلماتها، حتى أنه عقد حاجبيه بشدة يتطلع إليها بدهشة، ثم رد أخيراً:
"لأ يا زهرة، مالهاش حق عليا، عشان أنا أساساً مش معتبرها مراتي. وأنا كنت صادق معاكِ قبل الجواز لما قولتلك إن اللي بيني وما بينها مسألة وقت مش أكتر. وهي نفسها عارفة كده."
"بس يا جاسر، أنا مش عايزَاك تظلمها......"
قالتها في محاولة لإقناعه، رغم صعوبة خروج الكلمات منها، لتتفاجأ بصيحته الهادرة في مقاطعتها بحدة:
"كفاية يا زهرة، عشان ما تقلّبش خناقة ما بيني وما بينك كده على الصبح. أنا قولتلك الأمر منتهي، يبقى خلاص بقى!"
هزت برأسها بجزع، وقد أجفلتها صيحته وهذه النظرة النارية منه وتهديده لها بالشجار، في سابقة أولى له منذ زواجهم. أما هو، فحاول تمالك نفسه قليلاً وهو يخاطبها ببعض اللين:
"معلش يا زهرة، لو اتعصبت عليك، بس أنا بصراحة الموضوع ده بيخنقني وبرفض الجدال ولا الكلام فيه أصلاً. فياريت يعني تنتبهي، وبلاش تفاتحيني فيه من تاني."
تنهدت بقنوط وهي تبتعد متمتمة بالاعتذار، لتجهيز نفسها للذهاب للعمل، وتتركه بحالة من التخبط والغضب. فهيئتها الساكنة هذه وكلماتها الغريبة تصيبه بالقلق وعدم الارتياح.
***
في وقت لاحق من اليوم.
وهي تعمل بكل طاقتها حتى تصرف عقلها عن التفكير في أي شيء غيره. دلفت إليها غادة بوجه عابس، تصطنع الحزن في لهجتها:
"صباح الخير يا زهرة، عاملة إيه يا حبيبتي؟"
ردت إليها تحيتها بفتور:
"صباح النور يا غادة، إنتِ بقى اللي عاملة إيه؟"
انتبهت غادة على إجابتها الحادة، فقالت:
"مش مهم أنا، المهم خالي، هو عامل إيه دلوقتي؟"
ارتفعت إليها عيناها تجيبها بحنق:
"بتسألي ليه؟ هو يهمك أوي يعني، ولا يهم الست والدتك حتى؟"
استدركت غادة سبب الغضب لدى زهرة وما ترمي إليه بكلماتها، فشھقت تقول بمسكنة:
"إزاي بتقولي الكلام ده يا زهرة؟ هو في واحدة في الدنيا كلها مش هايمها أخوها أو خالها يعني؟ ولا إنتِ فاكرة إننا معندناش دم بقى؟ أكمن أمي ولا أنا مجناش امبارح عندكم نسأل، لكن اللي متعرفوش بقى يا ست يازهرة، أمي كانت تعبانة والضغط علي عليها بعد الخبر المشؤوم ده، وأنا مقدرتش أسيبها وأجي لوحدي. ما إنتِ عارفاني متعلقة بيها إزاي، ربنا ما يحرم حد من أمه."
عبارتها الأخيرة قالتها بقصد وصل لزهرة، وكأن سهماً أصاب قلبها ألجم لسانها عن الرد، وجعلها تتراجع في هجومها، لتقول باضطراب تجاهد للتماسك:
"أكيد طبعاً، ربنا ما يحرمك منها. على العموم، أنا بعاتبك عتاب الحبايب، وإنتِ حرة تيجي أو متجيش، مش فارقة. في كل الحالات، مجيتك لا هاتأخر ولا تقدم."
عادت لمسكنتها قائلة بمواساة ممزوجة بفحيح:
"الله يكون في عونك يا زهرة. بصراحة، عملة خالي دي تقصر العمر وتكسفك قدام جوزك الكبيرة اللي جوا ده. يا ترى كان رد فعله إيه معاكِ بعد الخبر ده؟"
لم تتحمل الضغط على جرحها أكثر من ذلك، فضربت بكفها على سطح المكتب قائلة بغضب:
"وإنتِ مالك برد فعله ولا زهقته حتى؟ إنتِ جاية دلوقتي ليه أساساً؟ ما تروحي تشوفي شغلك وسبيني أنا في همي، امشي يا غادة، عشان أنا مش طايقة نفسي."
انتفضت عن جلستها ترد بغضب:
"وكمان حصلت بتمشيني من مكتبي عشان بسأل وأطمن عليكِ. الله يسامحك يازهرة، الله يسامحك."
ظلت تردد بها حتى خرجت من الغرفة، لتتخلى زهرة عن تماسكها وتذرف الدمعات التي حجبتها بصعوبة أمام الأخرى.
وبداخل غرفته كان مراقباً لها عبر الشاشة، يزفر بألم عن عجزه في مواجهة ما يصيبها ويدخل الحزن بقلبها. انتظر قليلاً حتى هدأت، ثم تناول هاتفه يتصل بها. وصله ردها بعد لحظات تدعي التماسك:
"الوووو.... الووو. يازهرة، جهزي نفسك بعد نص ساعة بالكتير عشان خارجين."
تنحنحت بتوتر لتجيبه برسمية:
"إزاي يا فندم والشغل؟ أنا مكملتش نص يوم في العمل."
وصلها صوته المسيطر:
"أنا صاحب الشغل، وبقولك خارجين مقابلة عمل ياستي، في مانع؟"
***
من النافذة الزجاجية التي شملت نص الحائط خلف مكتبها، كانت تنظر للأسفل وهي ترتشف من فنجانها الكبير مشروبها الساخن، تتطلع بأعين متربصة إلى السيارة التي ضمته، غريمها ورفيقته، حتى ذهبت نحو وجهتها واختفت من أمامها. فالْتفتت بفنجانها مضيقة عينيها بتفكير، حتى هداها تفكيرها لتتصل برقمها، وعلى حسن توقعها، أتاها الرد سريعاً، فقالت هي:
"الووو صباح الخير يا قمر......... أنساه إزاي بس؟ ده أنا حفظته من قبل ما أسجله. ......... حبيبة قلبي.......... طب إنتِ فاضية دلوقتي ولا عندك شغل .......... كده؟ طب حلو قوي، أصل أنا بصراحة زهقانة من الشغل ونفسي أرغي مع أي حد........... ياريت يا حبيبتي، بس ماتتأخريش، ماشي .......... تسلميلي يا قمر، أنا في انتظارك."
نهت المكالمة لتعود للارتشاف من فنجانها بتلذذ، وقد عقدت العزم على معرفة ما تود معرفته اليوم.
***
وبداخل غرفتها وهي مستلقية على تختها بضيق، وقد أجبرتها الإصابة مع تعليمات الأطباء بالراحة التامة، على الأقل لأسبوعين، لتظل حبيسة المنزل حتى الشفاء، في ظاهرة لم تفعلها منذ سنوات، من وقت أن تخرجت والتحقت بالعمل كموظفة صغيرة بعقد مؤقت، ثم عقد كامل، ثم التدرج في الترقيات حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، وما زالت تطمح بالمزيد. طموحها لا يوقفها شيء، تسير على خطى ثابتة رسمتها لنفسها منذ البداية، ورغم ذلك، لم تجد الراحة حتى الآن.
"كاميليا."
قطع شرودها دخول شقيقتها والهتاف باسمها، وأردفت:
"عندك زيارة يا ست كاميليا."
اعتدلت بجذعها لتسألها باهتمام:
"مين يا رباب؟"
ابتسمت شقيقتها تقول بحماس:
"الحليوة القمر اللي كان معاكِ في المستشفى، يخرّب بيت جماله، قاعد مستنيكِ في الصالة برة."
تمتمت باستدراك:
"طارق."
"آآآآه هو ده. ماتشوفلي شغلانة معاكِ يا أختي، ولا أقولك جوزيني أسهل."
قالتها شقيقتها بشقاوة ومرح، قابلته كاميليا بامتعاض، فنهضت لتتحامل على عكازها وهي ترد عليها:
"روحي اقري في كتابك الأول يافاشلة، وبعدها دوري ع الجواز."
هتفت من خلفها شقيقتها:
"يابنتي ما أنا ما عنديش مرارة للكتاب، يبقى جوزيني أحسن."
***
وفي صالة.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثمانون 80 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وفي صالة المنزل كان واقفاً أمام الحائط الذي شمل العديد من الصور العائلية الخاصة بهم بمراحل عمرية مختلفة، حتى شقيقه الصغير، صوره معه منذ أن كان ابن عامين، حتى الصورة الأخيرة جمعتها معه وهو بملابس الدراسة.
غمغم بداخله باستدراك: "صورته الست الوالدة برضه مش موجودة، إيه الحكاية؟"
انتبهت حواسه فجأة على رائحة عطرها المميزة، فاستدار إليها بكامل جسده ليتسمر أمام هذه الهيئة الجديدة عليه. شعرها المعقوص للأعلى يظهر عنقها الطويل، بعض الخصلات الخفيفة تبعثرت على وجهها لتعطيها مظهراً محبباً، بعيداً عن رسميتها المعتادة، وهي ترتدي بيجامة رياضية تناسب القد الرشيق.
"أهلاً طارق، نورت البيت."
قالتها بترحيب وهي تقترب بخطواتها إليه. ورد هو بابتسامة مشرقة وهو يساعدها للجلوس:
"البيت منور بأهله يا كاميليا، انتي عاملة إيه بقى؟"
أجابته كاميليا بابتسامة ودودة:
"الحمد لله، اديني بحاول أتأقلم على القعدة في البيت على ما ربنا يأذن ويشفيني."
رد هو الآخر، متناسياً حكمته ومعاهداته الداخلية مع نفسه:
"أنا بقى مش عارف أتأقلم، الشغل من غيرك ملوش معنى أساساً."
أجفلها رده المفاجئ، فسهمت في كلماته وقد انعقد لسانها عن الرد.
..................................
وعودة للشركة.
طرقت غادة على باب غرفة المكتب مستأذنة، فرحبت مرفت بابتسامة تشير لها بالدخول، وهي تتحدث مع أحدهم مكالمة بالفيديو.
"تعالي غادة، اتفضلي."
دَلفت بتردد وهي تستمع لمزاحها والضحك بمرح مع أحدهم، فقالت هامسة:
"حضرتك أنا ممكن أمشي وأجيلك وقت تاني."
ردت مرفت بصوت عالٍ وهي تنهض عن مكتبها وبيدها الهاتف الذي تتحدث إليه:
"تسبيني ليه يابنتي؟ هو انتي فاكراني بتكلم مع حد غريب؟ دا أخويا ماهر، حتى شوفي."
كتمت شهقتها غادة وهي تجد هذا الشاب الوسيم وهو يحدثها عبر الهاتف.
"أهلاً يا آنسة غادة، صاحبتك دي يا فيفي."
ردت مرفت بضحكة مرحة مع مشاهدتها لرد فعل غادة التي كادت أن تسقط على الأرض من المفاجأة.
"أيوه طبعاً، وهي يعني لو مش صاحبتي كنت هخليك تكلمها، بس إيه رأيك فيها؟ مش قمر برضه؟"
ضحك الشاب بضحكة مجلجلة يرد عليها:
"هي قمر فعلاً."
هنا لم تقو أقدام غادة على تحمل جسدها وسقطت على الكرسي خلفها، غير قادرة على الحديث أو مواصلة المكالمة التي أنهتها سريعاً الأخرى لتجلس بجوارها على المقعد الآخر قائلة:
"إيه يابنتي مكملتيش معانا المكالمة ليه؟ هو انتي اتكسفتي؟"
أومأت برأسها التي كانت تدور بعنف ترد:
"آه بصراحة اتكسفت وقلبي وقف كمان، هو انتي إزاي تخليني أكلم أخوكي كده بالشكل المفاجئ ده؟ مش تديني فكرة الأول."
ضحكت بصوت عالٍ قبل أن ترد عليها:
"ليه يعني؟ ما انتي زي القمر أهو، ولا انتي مسمعتيش رأيه فيكي؟"
ردت غادة ويدها على موضع قلبها الذي يضرب بعنف وعدم تصديق:
"سمعت، ولحد دلوقتي مش قادرة أستوعب."
أطلقت مرفت ضحكاتها مرة أخرى لتردف بلهجة جدية بعدها:
"عشان تعرفي أنا ارتحتلك قد إيه يا غادة، ونفسي علاقتي أنا وانتي تتطور أكتر وأكتر كمان."
ردت غادة بغبطة، وهي تشعر وكأنها طائر يحلق في السماء وعلى وشك الوصول إلى هدفه دون تعب أو تخطيط فاشل ككل المرات السابقة:
"وأنا كمان، وربنا بقيت بحبك قوي."
أومأت برأسها كاميليا تضرب على الحديد وهو ساخن:
"أنا مصدقاكي طبعاً يا غادة، بس بصراحة بقى نفسي تجاوبيني على حاجة محيراني، هاموت وأعرفها منك."
..............................
وفي الناحية الأخرى.
وبعد أن ولج بها داخل ساحة هذا المنزل الغريب، يسحبها من كفها وهو يسير بها لخلف المنزل، كانت لا تكف عن أسئلتها الملحة.
"يا جاسر رد عليا، واخدني على فين وبيت مين دا أساساً؟"
التف ناحيتها بابتسامة ساحرة دون رد، فيزيد بداخلها الغيظ حتى فاض بها وتوقفت تهتف بحنق:
"أنا مش متحركة ولا رايحة في أي حتة غير لما تجاوب على أسئلتي."
"ماتتحركيش."
قالها ثم باغتها بحملها فجأة، وهي ترفس بأقدامها معترضة:
"نزلني يا جاسر، بلاش غلاسة، نزلني بقولك."
ظلت ترددها وترفس بأقدامها حتى استمعت لصوت صهيل الخيول، فارتفعت رأسها تنظر حولها لتلمح عيناها رأس حصان أبيض، سكنت حركتها، فوجدته ينزلها على الأرض الممتلئة بحشائش النجيلة في مكان شاسع وسور خشبي يحجز بداخلها عدة أخصنة صغيرة وكبيرة شديدة الجمال. سألته بانبهار:
"الله يا جاسر، اسطبل الخيل دا بتاع مين؟"
أسعده نظرة الإبهار بوجهها، فقال بسعادة لسعادتها:
"ردّاً على مجموعة الأسئلة اللي سألتيهطول السكة، البيت دا بيتنا، والاسطبل دا بتاعنا، واحنا جاين هنا مش في مقابلة عمل، لا بالعكس، احنا جايين نقضي اليوم أنا وانتي في البراح والخضرة اللي حواليكي دي، نركب خيل وتقضي وقت جميل، إيه رأيك بقى؟"
انشق ثغرها بضحكة سعيدة تقول له:
"انت بتتكلم بجد ولا بتهزر؟"
اقترب يضمها من ظهرها وهو يتأمل بنظرتها المكان:
"والله ياقلب جاسر مابهزر، المكان دا أنا بجيله لما بكون مضايق عشان أنسى نفسي فيه، لكن معاكي انتي بقى النهاردة هاننسى العالم أنا وانتي فيه."
"مني أنا حاجة؟ إيه دي اللي عايزة تعرفيها مني؟"
سألتها غادة باستفسار وتعجب. أجابتها الأخرى مباشرة، وكأنها ترمي ببالونة اختبار في البداية:
"إيه علاقة جاسر الريان ببنت خالك؟"
أجفلت غادة من السؤال المفاجئ، حتى أنها تلجلجت في اضطراب واضح أمام نظرات الأخرى المتربصة، لتزيد بداخلها الشكوك.
"ا ا انا مش فاهمة بصراحة السؤال، لو انتي بتسألي على زهرة، فدي تبقى سكرتيرته، غير كده هايكون فيه تاني مثلاً؟ غير..."
"الشغل؟"
بابتسامة جانبية واثقة خاطبتها مرفت:
"لأ، في أكتر من الشغل يا غادة، وأنا متأكدة من كده عشان عارفة كويس جاسر الريان، وعارفة عجرفته وجليطته مع كل الناس، وخصوصاً الستات، ودي شخصيته المعروفة دايماً، وعلى فكرة، واللي اتقلبت دلوقتي لمية وتمانين درجة من يوم ما اشتغلت عنده بنت خالك، دا بيعاملها بخصوصية، مكانش بيعملها مع مراته."
ارتبكت غادة وارتسم التوتر على وجهها بنظرات عيناها الزائغة وتململها في الجلسة بشكل يوحي برغبتها للهرب. تابعت مرفت بضغطها:
"هو انتي ليه ما بتروديش على سؤالي يا غادة؟ لدرجادي مش واثقة فيا؟ طب اشمعنى أنا عبرتلك عن اللي جوايا ناحيتك من أول مرة شوفتك فيها ورغبتي ف..."
قطعت جملتها بقصد لتثير بداخل الأخرى الفضول، فسألتها بلهفة:
"رغبتك في إيه؟ قولي."
رمقتها بنظرة غامضة وهي تتنهد بقنوط قبل أن تشيح بوجهها دون أن ترد، لـتحرق أعصابها، فتابعت غادة بإلحاح:
"ما تقولي بقى يامرفت، وما تسبنيش كده على ناري."
عادت إليها برأسها بنبرة محبطة:
"خلاص بقى يا غادة، مفيش داعي للكلام، وانت أساساً مش واثقة فيا."
هتفت غادة بارتياح:
"مين بس اللي مش واثقة فيك؟ والله واثقة وربنا العالم باللي في قلبي ناحيتك، بس أنا مقدرش أتكلم، لا أترفد من الشغل وتتقطع لقمة عيشي."
التقطت مرفت جملتها الأخيرة وكأنها وجدت طرف الخيط لتردف بالسؤال:
"ا ااه يعني في كلام أهو وانتِ عارفاه وبتخبي؟ طب أنا مستعدة أديكِ وعد شرف إن ماحدش هايقربلك ولا يقرب من وظيفتك عندك، حجة تاني بقى؟"
"برضه مقدرش أقولك، إلا لو حلفتيلي إنك مش هاتجيبي سيرة لحد عن الموضوع دا خالص، أنا مش قد جاسر الريان ولا قد غضبه. أحلفلك؟"
هتفت بها بغضب قبل أن تكمل:
"انتِ إزاي تطلبي مني حاجة زي دي بقى؟ أنا؟ مرفت تطلبي مني أحلفلك عشان تصدقيني؟ قومي يا غادة، قومي، أنا مش عايزة منك حاجة."
سقط قلب غادة في صدرها من لهجة مرفت الصارمة وهيئتها الغاضبة، فقالت برجاء:
"والنبي ماتزعلي مني ولا تاخدي على خاطرك، أنا والله عايزة أقولك بصفتك صاحبتي، بس عايزة أكمان تقدري وضعي، لو حصل وإنكشف الموضوع وطلعت أنا السبب قدام الكل، ساعتها محدش هايرحمني."
صمتت مرفت وضيقت عيناها بتفكير، ثم ما لبثت أن ترد على الأخرى بلهجة واثقة:
"تمام يا غادة، وليكِ الأمان، بس انتِ اتكلمي."
..............................
لا يدري ما الذي حدث له ليخونه لسانه ويعبر عما بقلبه ناحيتها بقوله في هذه الجملة البسيطة. يعلم أنه لو أعطى لنفسه العنان لأمطرها بكلمات الغزل، خصوصاً وهو يرى الآن ارتباكها اللذيذ وهذه الحمرة التي زحفت على وجنتيها وكأنها طفلة في طور المراهقة. أما هي، وبرغم ما تشعر به الآن بتصدع أسوارها مع دفع هذا الرجل بقوة لاقتحام قلعتها، والتي كانت حصينة دائماً طوال السنوات الماضية قبل لقاءها به، فحاولت تمالك نفسها والتهرب كالعادة من نظراته المتفحصة لها بجرأة، فقالت تدعي المزاح:
"سيدي.. بكرة تتعود، هي الأماكن دي بالذات، حد بيثبت فيها."
أومأ بشبه ابتسامة خاوية ليجاريها:
"على رأيك، الأماكن بتتغير، ومافيش حاجة دايمة، المهم انتِ عاملة إيه النهاردة؟ حاسة بتحسن بقى ولا لسة فيه ألم؟"
تنهدت براحة قبل أن تجيبه:
"الحمد لله، طبعاً النهاردة أحسن بكتير، على الأقل قادرة أتعكز عليها، إنما امبارح بقى... مش عايزة افتكر، بس بصراحة أنا بجد عايزة أشكرك يا طارق على وقفتك معايا امبارح طول اليوم، مش عارفة من غيرك كنت هاعمل إيه ساعتها."
تبسم داخله وهو يتذكر حمله لها بالأمس وشعوره بها بين يديه، ورغم جزعه وخوفه وقتها، فإنه عندما يتذكر الآن تتملكه المشاعر نحوها بقوة. رد بنبرة جعلها عادية:
"هارد عليك بنفس الرد بتاع امبارح على السيد الوالد، أنا معملتش غير الواجب يا كاميليا."
أومأت برأسها بتفهم قبل أن تنتبه لدلوف شقيقها الصغير بصياحه كالعادة:
"يا عالم يا بشر، جعان ونفسي في لقمة، اتقوّت بيها حد فيكم يحن على العبد الغلبان، ولا أدعي عليه من قلبي."
انشقت على ثغرها ابتسامة سعيدة وهي ملتفة برأسها في انتظاره حتى وصل إليهم. ظهر على وجهه الحرج فور أن انتبهت عيناه للضيف الغريب، فقال التحية على استحياء:
"مساء الخير، هو احنا عندنا ضيوف يا ست كوكي؟ لأ إيه؟"
ابتسم له طارق بمودة قائلاً بمزاح:
"ولا يهمك ياباشا، اعتبرني مش موجود وخد راحتك، انت كنت بتقول إيه بقى؟"
ازداد حرج الصغير وهي يطرق رأسه بابتسامة أظهرت غمازتيه، فقالت له شقيقته مرحبة بسعادة تفتح له ذراعيها:
"يا حبيب كوكي انت، قال يعني وش كسوف، تعالى يابني، هو انت لسة هاتفضل واقف في مكانك."
تقبل الدعوة بلهفة ليركض على الفور نحوها، يرتمي بأحضانها ويقبلها في وجنتيها بحب، وهي تضحك له بسعادة، جعلت الغيرة تدب في قلب الآخر ليتمتم بداخله:
"يا ريتني مكانك يا سي ميدو."
خرج الصغير فجأة من أحضانها يقول بحماس:
"النهاردة عندي واجب كتير أوي، ومدرس الحساب طالب مننا حل مسائل كتير."
تجعد وجه كاميليا قائلة ببؤس:
"حساب تاني؟ هو المدرس بتاعكم دا غاوي يذلني؟ أحل معاك ولا أفهمك إزاي بس، وأنا خيبة فيه."
زم ميدو شفتيه عابساً قبل أن ينتبه على نداء طارق:
"سيبك منها يا عم ميدو وتعالى أفهمك أنا، حكم صاحبك بقى لهلوبة في الحساب."
هلل ميدو ليخرج كراسته من الحقيبة ويجلس بجوار طارق، الذي تكفل بكل صبر ليساعده في حل المسائل بتفهم دون كلل أو ملل، وهي تتابع معهم بابتسامة جميلة مثلها.
....................
"مراته!"
هتفت بها بعدم تصديق، حتى أنها لم تنتبه لنبرة صوتها التي علت، مما أثار جزع الأخرى، فهمست هادرة بتحذير:
"وطي صوتك لحد يسمعنا، الحيطان ليها ودان."
حاولت مرفت تمالك نفسها قليلاً، تجاهد لخروج صوتها بنبرة متماسكة نسبياً:
"انت متأكدة إن عقد جوازهم بمأذون شرعي مش بورقة عرفي؟"
أجابتها غادة بتأكيد:
"طبعاً، أمال إيه؟ دا عملهالها فرح ع الضيق فوق باخرة في قلب النيل، واحنا أهلها كلنا حضرناه، أصله كان عايز يفرحها، وحضر معانا الأستاذ طارق والأستاذ كارم مدير أعماله، والست عمته دي اللي اسمها علية."
"انت كمان وصلتي لعمته علية؟"
هتفت بها مرفت بدهشة، ثم عادت بظهرها للمقعد وهي تستوعب هذا الأمر الجديد، والذي لو انتشر أو عُرف، ستكون بمثابة قنبلة مدوية في وسطهم، وضربة قاصمة لغريمها، وحتى ميري المتعجرفة التافهة أيضاً.
اقتربت منها غادة قائلة برجاء:
"أوعي والنبي الخبر دا يطلع، وحياة غلاوة الأستاذ ماهر عندك يا شيخة، أنا مش قد الناس دي."
ابتسمت لها مرفت ترد بلهجة مطمئنة في ظاهرها:
"ما تقلقيش يا غادة، انتِ صاحبتي، والكلام اللي بينا ده سر، ووقع في بير ياستي."
أومأت لها غادة برأسها وهي تشعر ببعض الراحة، أما الأخرى فبداخلها كانت تشعر بالانتشاء والزهو، وقد وصلت بذكائها لسر جاسر الريان، وقد تغيرت كل خططها الآن.
..............................
"افردي كفك وقربي أكتر من كده، بلاش جبن بقى."
يأمرها متصنع الحزم وهو ممسك بلجام الفرس كي تطعمه، وهي تضحك بهستيرية غير قادرة على التوقف، وذراعها تمتد لثانية ثم تعود على الفور بقطع السكر دون نتيجة. هتف عليها جاسر وهو يمسك بكفها الممتلئة بقطع السكر ويقربها عنوة من فم الفرس قائلاً:
"إحنا بالشكل ده مش هانروح ولا لبعد أسبوع."
صاحت زهرة بصوت ضاحك تناديه لترك يده:
"لأ يا جاسر، والنبي سيب، ههه، مش قادرة، مش قادرة، حاسة بيه، وكأنه بيزغزغني في كفي، ههههه."
لم يستمع لرجائها، وكيف يفعل؟ وقد دبت السعادة مرة أخرى بداخله وهو يستمع لضحكاتها الصاخبة، والتي تصبح رنانة دون قصد منها في بعض الأوقات النادرة، وقد تناست حزنها قليلاً مع جولتهم في هذه البقعة التي تبعث على الصفاء النفسي واختلاطهم بهذه الكائنات الرائعة. وكلما علت صوت ضحكتها، تلفت يميناً ويساراً بحثاً عن أحد ما من عمال المزرعة، والذي أمر بابتعادهم لمسافة بعيدة عن مرمى بصره، حتى يخلو له الجو مع محبوبته الرقيقة ذات الضحكة الرنانة النادرة. زفر الحصان من أنفه فجأة، فانتفضت للخلف مجفلة، حتى كادت أن تقع لولا أن ساندتها ذراعه القوية لـتضمها إليه، فهتفت بصوت متهدج:
"شفت اهو، الحصان كان هايوقعني."
شدد عليها يقربها أكثر منه قائلاً:
"تقعي فين؟ ودراع حبيبك موجود، دا أنا يبقى ماليش قيمة بقى."
تململت وهي تحاول فك نفسها منه، وعيناها تطوف حولها بقلق:
"حل إيدك عني شوية، ليشوفنا السايس ولا الراجل اللي شغال معاه، يبقى منظرنا زبالة."
توسعت عيناه وهو يقلد طريقتها:
"أو يكون بيصورنا بكاميرا ولا بيبص علينا بالميكروسكوب مثلاً."
شهقت لتلتفت رأسها بحدة وتنظر حولها لتسأله بجزع:
"يا لهوي، ودا ممكن يحصل فعلاً؟"
جلجلت ضحكة مرحة منه قبل أن يجيبها:
"يامجنونة انتي، ياللي هاتجننيني معاك، مافيش حد يجرؤ يصور ولا حتى يطل براسه علينا، ثم التاني دا كمان ما اسمهوش ميكروسكوب، اسمه نظارة مكبرة، دوكها ليه وظائف تانية غير التجسس على البشر."
"زمت فمها."