تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
هلل طارق بصوته:
"أوبااا دا إحنا اتطورنا قوي وبقينا نشتري هدوم ستات كمان. فين جاسر صاحبي اللي أعرفه ياناس؟"
رد جاسر بحزم رغم ابتسامته:
"بس يازفت هتفضحنا. المهم، أنا كنت بتصل بيك عشان أسألك خلصت صفقتك مع الجماعة الصينيين؟"
أجابه طارق:
"خلصت يا كبير ومضينا العقود كمان. المهم بقى، هاترجع إمتى إنت من سفرتك؟"
رد جاسر:
"لأ ما أنا خلاص اطمنت على والدي، يعني بكرة أو بعده بالكتير إن شاء الله وأرجع."
"ياخالي رد عليا. بلاش سكوتك ده والنبي."
هتفت زهرة نحو محدثها من الجانب الآخر بعد عدة محاولات من الاتصال الملح، حتى استجاب أخيرًا لفتح المكالمة. وصلها صوت تمتمة:
"علي أفضل الصلاة والسلام."
ثم تنهد بثقل قبل أن يجيبها بلهجة جليدية:
"أيوه يازهرة، سامعك."
"لأ انت مش سامعني ولا راضي تفهمني حتى. بقولك والله اتلخبطت وعقلي اتشتت ساعتها. أنا حتى مش فاكرة دا حصل إزاي."
هتفت زهرة بلهجة باكية وانتظرت قليلاً حتى جاءها الرد:
"كبرتي يازهرة واتخطبتي كمان. لأ وخالك بقى يسمع بالخبر زيه زي أي حد غريب عنك. دا أنا كأن سكينة اتغرست في صدري وشقت قلبي من جوا. بقى تتخطبي وأبوك هو اللي يقرأ فاتحتك! طب وأنا!؟"
سمع صوت شهقاتها وأكمل غير مبالٍ:
"هو انت بنت مين أساسًا؟ دوكها أبوكي عالورق، لكن أنا أبوكي الحقيقي. لما أسمع إن بنتي اتخطبت واتقرأت فاتحتها من ورايا، عايزني أحس بإيه؟"
ازداد صوت شهقاتها حتى اختطفت منها رقية الهاتف ترد عليه:
"ما خلاص ياخالد بقى براحة شوية يابني، إنت عارفها كويس. دا تلاقيها اتكسفت ماترد أساسًا."
جاء صوت خالد الحازم:
"ارجوكي يا أمي اقفلي دلوقتي، أنا مش قادر أتكلم."
تفوه بجملته ثم أغلق الهاتف على الفور رغم هتاف رقية:
"ياخالد، إنت ياواد ياواد رد عليا."
لم تحتمل زهرة فارتمت لداخل أحضان جدتها تطلق بكاءها الذي أصبح بنشيج عالٍ.
***
"مساء الخير."
أردف بها طارق بعد أن دلف لغرفة كاميليا واستأذنها للدخول. رحبت به بابتسامة جميلة:
"مساء الفل، إيه الأخبار؟"
ألقى أمامها عددًا من الملفات قبل أن يجلس مرددًا بزهو:
"شوفي بنفسك وانت تعرفي."
شهقت كاميليا بمرح وهي تقرأ ما بداخل المستندات مرددة:
"دا انت خلتهم يوافقوا على شروطنا كمان."
مط شفتيه مرددًا بفخر:
"دي أقل حاجة عندي، مواهب بقى."
ابتسمت بفرحة حتى ظهرت أسنانها البيضاء لتقول:
"طبعًا يا عم، حقك تقول أكتر من كده كمان. دا جاسر باشا هايفرح قوي لما يعرف."
انطلقت ضحكة مجلجلة من طارق قبل أن يرد عليها:
"لأ ماهو سمع قبل ما تعرفي إنت كمان. لكن مافرحش قوي زي ما بتقولي كدة."
صمتت قاطبة بعدم فهم فاستطرد هو:
"أصل دماغه مش فاضية، هو للشغل والصفقات والكلام الفارغ ده. عقبال عندك بقى هايتجوز."
اخفضت عيناها عنه بحرج فتابع هو:
"ماتخافيش ياستي، أنا مش هافتّن ولا أبلغ حد. ما أنا عارف اللي فيها، مش صاحبه بقى يعني مطلع على الموضوع من أوله. بس أقسم بالله ما كنت أتوقع."
ردت هي أخيرًا:
"وأنا كمان ما كنتش أتوقع برضه. ولا كنت أتوقع كمان الحركة اللي عملها عشان يقنع زهرة. دا تقريبًا بمفاجأته دي اللي عملها كان قاصد يشل تفكير البنت."
بابتسامة متوسعة رد طارق:
"قصدك يعني عشان فاجأها بوالدها. طب كنت عايزاه يعمل إيه طيب؟ ما البنت كمان راسها ناشفة ومترددة، وجاسر شاطر بيخلق فرصة من تحت الأرض. ولا إنتي تابعة عني؟"
"لأ طبعًا مش تابعة عنه، بس الكلام ده في الشغل مش الحياة نفسها."
قالت كاميليا وجاء رد من طارق:
"طب والشغل ولا الحياة نفسها، إيه؟ ماهو كله واحد. بس بصراحة بقى عاجبني عشان بيعرف يوصل للي هو عايزه. واللي أنا شايفه بقى، هو عايز صاحبتك أوي. ياريت هي تحس بيه."
وكأن بكلماته كان يتحدث عن نفسه، جاء الرد الحاسم من كاميليا:
"لو كان إحساسه صادق بالفعل هاتحس بيه. أما بقى لو كانت نزوة وخلاص، فالست قلبها دليلها أكيد."
أومأ برأسه وقد ألجمه منطقها، يستوعب بعقله كل حرف من كلماتها.
***
بعد عودته من الخارج، وبداخل غرفته بالمنزل الذي استأجره سابقًا لوالديه حتى ينتهوا من رحلة علاج الوالد، كان يتفحص في أكياس المشتريات التي ملئت التخت أمامه ليتأكد إن كان غفل شيئًا. الأحذية، وملابس الخروج، وأدوات التجميل، والعطور، والملابس ال...
توقف بابتسامة عبثية حينما وقعت يداه على الأخير، يتفحص ما بداخله بدقة ويخرج كل منامة منهم على حدة، ليرفعهم أمامه ويتخيل رد فعل زهرة حينما تتفاجأ بهم. شعر بتسلية غريبة عند تذكره لمشاكسته لها أمس حينما ضغط عليها بإلحاح لترديد اسمه بدون ألقاب، رغم خجلها الذي كان ينعش قلبه من الداخل وهي تراوغ بسذاجة للتهرب، ولكنه كان لها بالمرصاد حتى نطقت اسمه أخيرًا، والذي كان وقعه على أذنه أجمل من أجمل أغنية سمعها بحياته. تدفق الحماس بداخله وهو يتناول الهاتف يتصل بها ليعيد الكرة. وجاء ردها بعد وقت بصوت خفيض كالهمس:
"الوو... الـوو..."
"أيوه يازهرة، عاملة إيه ياقلبي؟"
جاءه الرد منها بضعف، فاقدًا للذة الأمس:
"الحمد لله."
قطب يسألها بقلق:
"مالك يازهرة؟ هو انت تعبانة؟"
وصله صوت شهقة مكتومة قبل أن تجيب بالكذب:
"لأ، كويسة. مافيش حاجة."
أثارت غضبه، فهدر بصوته:
"ماتبطلي بقى تنكري، وإنتِ عارفة إنك مفضوحة وما بتعرفيش تكدبي أصلًا. إيه اللي مزعلك ولا تاعبك؟"
على صيحته انطلق صوت بكاءها بحرقة. تنفس بعمق يهدأ من غضبه، ثم حاول مهادنتها:
"خلاص يازهرة، اهدي وما تزعليش مني. بس معلش بقى، خدي نفس طويل كدة عشان أنا مش هاسيبك غير لما تتكلمي."
حاولت من جهتها تنظيم أنفاسها والتوقف عن البكاء قليلًا، فجعلته يردف:
"حلو قوي ده. ممكن بقى تقوليلي عن السبب اللي مخليكي منهارة بالشكل ده؟"
صمتت قليلاً قبل أن تخرج إجابتها:
"خالي زعلان مني."
"خالك زعلان منك ليه؟"
سأل باستفسار، فانطلقت هي عائدة لوصلة بكاءها مرة أخرى، مما جعله يمسح بكفه على صفحة وجهه مرددًا:
"تاني برضه يازهرة؟ يابنتي فهمي، وبعدها ارجعي للعياط من تاني."
***
في اليوم التالي.
وفي مكان آخر، داخل أحد المخازن الضخمة بصحراء إحدى الدول العربية، كان واقفًا بقلمه ودفتره يدون البضائع الصادرة بالسيارات الضخمة والواردة منها أيضًا. يمسح بمنديله الورقي العرق الذي أغرق جبهته وجميع وجهه حتى رقبته وأعلى قميصه الذي ارتداه منذ قليل فقط، ولكن بفضل الحرارة الحالية كالعادة لم يتحمل. تنهد بثقل وهو يردد لنفسه:
"إحنا بس اللي مكتوب علينا نتحمل!"
أجفل فجأة على هتاف أحد العاملين باسمه بصوت أجنبي عن أهل البلدة، يردف بالعربية الركيكة:
"ياخالد، ياخالد، هناك من يسأل عنك."
"مين يا بني اللي عايزني؟ الكفيل ولا صاحب المصنع؟"
سأله خالد باستفسار، ولكن الرجل أومأ بكفه يراقص رقبته بحركة حفظها خالد وهو يردد له:
"الله أعلم يا أخي، أحد الرجال أخبرني."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أبلغك أن هناك من ينتظرك بصحبة المدير بداخل مكتبه.
قطب قليلاً يتساءل بحيرة:
وكمان مع المدير! ربنا يسترك.
قالها بضيق قبل أن يتحرك وهو يناول العامل الأجنبي الدفتر ليأمره بحزم:
طيب خد وسجل أنت الصادر والوارد على ما أرجع. أنا مش ناقص عوق ووقف حال.
وانسحب على الفور، يغمغم مع نفسه:
يعني اللي عاوزني ده مكنش قادر ينتظر على ما تخلص الوردية؟ جايبها جمايل يارب...
وصل بحيرته إلى غرفة المدير الذي أمره بالدخول فور أن سمع طرقه على الباب.
دلف خالد إلى داخل الغرفة المكيفة يلقي التحية على المدير والرجل الآخر الجالس أمام المكتب.
"مساء الخير."
رَدَّد الاثنان التحية، ثم وقف مديره يتقدم نحوه قائلاً بترحيب:
"ادخل يا خالد وسلم على الضيف الذي أتى إليك مخصوص."
قطب خالد باستغراب وهو يصافح الشاب الثلاثيني ذو الهيئة المهندمة بارتدائه ملابس فاخرة تنضح بالرقي.
"أهلاً بك يا فندم."
شدد الآخر بمصافحته مردداً:
"أهلاً بك يا خالد."
تعجب خالد وقبل يسأل عن الهوية، وجد مديره يستأذن للخروج.
"طيب أنا هاسيبكم بقى تاخدوا راحتكم. منور يا باشا."
ألقى الرجل جملته الأخيرة وهو يخطو مغادراً.
فارتفع حاجب خالد مردداً الكلمة باستغراب:
"باشا!"
انتقل بعينيه نحوه بتساؤل، فوجده يبتسم له.
"هو أنت مين يا باشا كده بالظبط وعايزني في إيه؟"
سأله خالد مباشرة، وأجابه الآخر على الفور:
"أنا جاسر الريان."
ضيق خالد عينيه قليلاً بتفكير قبل أن يستدرك مردداً:
"آه."
أردف بها وهو يعتدل بجلسته، واضعاً قدماً فوق الأخرى بِلفتة انتبه لها جاسر قبل أن يقول:
"أهلاً وسهلاً بك يا جاسر باشا، لكن يا ترى بقى إيه سر الزيارة الكريمة؟"
أجابه جاسر بهدوء:
"أنت عارف أنا جاي ليه يا خالد، بدليل القعدة اللي قصدت تقعدها أول ما سمعت اسمي. أنا جاي لك عشان نصفي النفوس. أنا لو قابلتك في البلد أكيد يعني ما كنتش هالجأ لأبوها. ثم إن والدها هو الولي الشرعي على فكرة."
عاد لجلسته الأولى خالد يردد بغضب:
"أنا اللي أبوها مش محروس، أنا اللي أول واحد شيلتها وكبرت في ودنها لما اتولدت. أنا اللي ضميتها في حضني على عمر سبع سنين لما اختي افتكرها ربنا في حادثة خلت زهرة تفقد النطق لمدة شهرين. شهرين وأنا ألف بيها على الدكاترة لحد ما استجابت ونطقت. أنا اللي ربيت زهرة لحد أما بقيت كده وردة مفتحة وعروسة يتمناها أي راجل. أنت لو كلفت نفسك وسألت أي عيل صغير في الحارة كان هايقول لك مين كبيرها زهرة عشان تروح له وتطلبها منه، مش تبعت لأبوها يجيلك الشركة عشان تطلبه منه."
أردف الأخيرة بصيحة غاضبة نحو جاسر الذي فضل التريث قليلاً في الرد حتى يمتص غضبه، ثم قال:
"ماشي يا سيدي، أنا بعتذر لك، بس عايزك بس تقدر إن أنا وضعي حساس ومش عايز أبين في الصورة دلوقتي لحد أما أنظم أموري وأحل مشاكلي. أنا عارف إنك ابن بلد وبتعمل حساب للضيف، أشحال بقى لما يكون ابن بلدك اللي جايلك بطيارة مخصوص عشان يراضيك."
تبسم خالد بسخرية يرد:
"حلو الشغل ده، بتعرف تلعب على مشاعر الخلق صح. على العموم تمام وهانعديها، رغم إن الزيارة دي لو جات من البداية كانت الأمور اختلفت بكتير. المهم بقى واللي عايز أعرفه منك، إشمعنى زهرة؟"
أجفله بالسؤال بعد وصلة من التقريع. التزم جاسر بضبط النفس حتى يجيبه:
"هاجاوبك يا خالد رغم غرابة السؤال، وهاقولك القبول دا من عندك ربنا. وأنا من أول ما شفتها عجبتني."
"امممم."
تفوه بها خالد قبل أن يرد باستعلاء:
"والله كون إنها تعجبك فدا شيء عادي، أنا بنت اختي تعجب الباشا ياااا باشا، لكن بقى مش شايف حضرته إن الفرق ما بينك وبينها في العمر كبير؟ يعني مثلاً زهرة في يونيو الجاي هاتكمل 25 سنة، لكن حضرتك اللي يشوفك ما يديلكش أقل من 40."
ابتسم جاسر يعض على شفتيه قبل أن يرد:
"حركة حلوة منك يا عم خالد عشان تعرف سني، بس على فكرة بقى أنت لو سألتني مكنتش هاتردد وأقول لك أنا عمري 34، يعني الفرق يدوب تسع سنين، وأظن يعني إن ده مش فرق كبير، ولا أنت إيه رأيك؟"
ارتد للخلف مردداً:
"رأيي! يعني لو قلت لك مثلاً إن الجوازة مش داخلة دماغي، هتاخد برأيي وتبعد من نفسك؟"
ما زال يحاول ضبط النفس مع هذا المتعجرف ويتحرى الطريق الآمن معه، ولكن يبدو وكأنه سيصبح عقبة قوية أمامه حتى بعد زواجه بزهرة.
صمت قليلاً بتفكير ثم رد بذوق:
"أرجو إنك توافق يا خالد، أنا عايز زهرة وافتكر إنها هي كمان عايزاني، وكده أبقى عملت اللي عليا وجيت لك مطرحك. ارجوك تبقى رؤوف بزهرة وتنزل قريب وتصالحها قبل جوازنا. أنت أدرى الناس بيها، زهرة هشة جداً ورقيقة، أكيد يعني مش هاتستحمل جفاك معاها."
ارتبك خالد وقد أصاب هذا الغريب في تحليل زهرة رغم قصر معرفتها بها.
توقف جاسر ليلتفت إليه قبل أن يفتح باب الخروج:
"أرجوك لو قررت الرجوع بلغني، وما تشيلش هم تذاكر ولا أي شيء، يكفي بس تأشر..."
طرقة خفيفة دفعت الباب لتلج لداخل المنزل، وخلفها ابنتها وهي تردد بصوت تدعي به الفرح:
"أنتم فين يا أهل البيت؟ أنا جاية أبارك وأهني."
انتبهت زهرة عليهم بداخل المنزل وهي تعطي الدواء لجدتها التي التوى ثغرها بامتعاض وهي تشيح بوجهها عنهم.
"أهلاً يا عمتي، اتفضلي. هو انت محتاجة عزومة؟"
قالت زهرة بعد أن انتصبت بظهرها وخطت لترحب بهم.
التقطتها إحسان من نصف المسافة تطبق عليها بجسدها البدين داخل أحضانها وهي تقبلها بوجنتيها بقوة:
"يا أختي يا قمر، أنت كبرتي يا زهورة وبقيت عروسة تشرح القلب وتملي العين، هاتي بوسة تاني يا بت خليني أشبع منك قبل ما يخطفك العريس مننا."
هتفت من خلفهم رقية من تحت أسنانها:
"براحة على البت يا إحسان، دي مش حملك."
أطلقت ضحكة رنانة تدعي تقبل الهزار وهي تترك زهرة لتندفع نحوها مرددة:
"الله، ما أنا فرحانة يا مرات عمي بيها، مش غلاوتها من غلاوة بنت برضو، عاملة إيه بس يا غالية؟"
صافحتها رقية على مضض بابتسامة متكلفة.
وفي الناحية الأخرى اقتربت غادة هي الأخرى من زهرة تبارك لها بالأحضان والقُبلات وتردد:
"عندك حق والنبي يا ما، ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا نصفك أخيراً بعد سنين الغلب والشقا."
أومأت لها زهرة بشبه ابتسامة ترد عليها:
"الله يبارك فيك يا غادة ويسعدك، تعالي اتفضلي تعالي."
استجابت لها غادة وهي تسحبها كي يجلسن على المقاعد المواجهة لرقية، والتي جلست بجوارها إحسان تقول:
"والنبي يا مرات عمي وماليك عليا حلفان، دا أنا من ساعة ما سمعت بالخبر وأنا قلبي كده بيرفرف من الفرحة. بقى يا أخواتي الباشا ابن البشوات عايز يتجوز زهرة، حقاً دا ولا في الأحلام؟ بس إيه بقى، إحنا بنتنا قمر وتستاهل. آه، امال إيه، ولا أنت إيه رأيك يا زهورة؟"
أومأت لها زهرة بابتسامة باهتة كسابقتها:
"تشكري يا عمتي، ربنا يخليك."
نكزت رقية إحسان بقبضتها كي تلهيها عن حفيدها.
"منورة."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
منورة يا إحسان بعد غيبة يا أختي. بقالك ست شهور ما حدش شافك، ولا عتبتي البيت.
ضړبت إحسان بكفها المنفرجة الأصابع على صدرها:
يوه، يقطعني. هما كملوا ست شهور؟ يالهوي عليا وعلى الوقت اللي بيجري بسرعة. بس يكون في علمك يا مرات عمي، والنبي أنا ما ليا ذنب. المدعوق جوزي هو السبب. من ساعة ما خرج على المعاش وهو قاعدلي في البيت كده زي قرد. شيلي، حطي، اعملي شاي، حضريلي غدا. يا أختي، لما طفشني في عيشتي. الله يجازيه.
ضحكت ساخرة رقية تقول:
حتى دي بتشيليها لجوزك يا إحسان؟ هو المنيل ده لسه برضه على حاله؟
أخفت إحسان غيظها من رقية ولسانها السليط، واتجهت لزهرة تسألها:
ها بقى يا روح عمتك، حددتوا إمتى ميعاد الفرح؟
لا لسه طبعًا ما حددناش حاجة.
ردت زهرة.
فجذبتها غادة من الناحية الأخرى تسألها:
طب ما قالكيش هايجيب لك إيه؟
سألتها زهرة بعدم فهم:
بيجيب لي إيه بالظبط؟ مش فاهمة.
شهقت غادة مرددة:
يا هبلة، يعني ما قالكيش إن كان هايسكنك في فيلا ولا شقة عادية؟ والشبكة بقى هاتكون دهب عادي كده ولا حاجة تانية من اللي بنسمع عنهم؟ وشغلك صحيح، هاتكملي ولا تسيبيه؟ أقول لك أحسن، سبيه. بلاش شغل، بلاش قرف. واسكني يا حبيبتي كده في حتة كويسة وعيشيليك هانم بومين.
يومين!
تفوهت بها زهرة بعدم فهم، قبل أن تتفاجأ بهتاف جدتها الحازم:
زهرة، قومي يابت اعملي عصير ولا أي حاجة لعمتك ولا بنتها.
نهضت زهرة مذعنة لأمر جدتها، التي التفتت للاثنتين بوجه محتقن تقول:
منورين.
رددن خلفها بارتباك من هيئتها:
دا نورك أنت. ربنا يخليك.
***
على كرسي قهوته كان يدخن بشيشته، وعيناه على مدخل البناية التي تقطنها. ينفث دخانًا من أنفه، خارجًا من أعماق نيرانه في الداخل. لا يصدق ما حدث بعد أن شعر باقتراب حلمه بالوصول إليها بعد سنين طوال. كانت بالنسبة إليها كالمحرمات بفضل هذا المتعجرف خالد، الذي كان يطوقها بحماية مبالغ فيها. عقله لا يزال لا يستوعب. بداخله يساوره الشك أن تكون لعبة من محروس، والذي خرج منذ قليل متبخترًا بزهو.
رمقه بنظرة متعالية، هذا التافه الذي كان ينتفض من مجرد النظر إليه. حتى مزاجه الذي كان يتحكم به أصبح الآن يتصرف من جهة أخرى. غير رجاله. تمتم بسبة وقحة عليه، قبل أن يلتفت لهذه السيارة السوداء التي توقفت بجوار بنايتها، وترجل منها رجل ضخم بحلة سوداء محملاً بالعديد من الأكياس والعلب المغلفة، والتي تبدو كهدايا.
غمغم بحنق مرددًا:
هي الحكاية جد حقيقي ولا إيه؟
***
وفي الأعلى، كانت زهرة ما تزال في المطبخ تجهز لهن العصير، حينما صدح صوت الجرس القديم المزعج. فانتفضت غادة متحججة بفتح الباب كي تهرب من نظرات رقية التي توجهها بحدة نحوها هي ووالدتها، التي تعرقت مرتبكة من ردود رقية الجافة معها في الحديث، بالإضافة لتعليقاتها اللاذعة على الدوام.
أيوه، أيوه يا اللي بترن الجرس.
تفوهت بها قبل أن تصل إلى الباب لتفتحه، فتفاجأت بهذا الغليظ وابتسامة عريضة بوجهه أظهرت أسنانه البيضاء، مرددًا لها:
دا إيه الصدف اللي زي العسل دي؟ تصدقي بالله أنا كذبت وداني لما سمعت صوتك.
تأففت تضرب بكفها على إطار الباب:
قال ياقاعدين يكفيكم شر الجايين. هو أنا أخلص من خلقتك في الشركة عشان أجي ألاقيك هنا في وشي؟
رد ببرود:
بس إيه رأيك بجد، أنت مش شايفة إن الطرق بتاعتنا دايما موصلة لبعض؟
زفرت مرة أخرى تهتف بحدة:
فيه إيه يا جدع أنت؟ ما تظبط كده واوزن كلامك، لاحسن وديني لأكون ألمه عليك أهل الحارة كلهم.
فيه إيه يا بت؟ عندك وبتتخانقي مع مين؟
أتى الصوت من الداخل. استدرك نفسه إمام منعًا للمشاكل، فانحنى بسرعة يتناول الهدايا، مرددًا بجدية وصوت عالٍ غاب عنه الهزل:
أنا كنت عايز الآنسة زهرة. ممكن تروحي تندهيها؟
زاغت عيناها نحو العلب المغلفة والأكياس المدون عليها أسماء الماركات الفاخرة. مدت ذراعيها لتتناولهما بلهفة مرددة:
هاتهم وأنا هادخلهم لها.
ارتد بأقدامه للخلف مبتعدًا عنها يقول بلهجة رسمية:
آسف يا آنسة، لازم أوصلهم لزهرة هانم بنفسها.
زهرة هانم!
رددت بها جازة على أسنانها، قبل أن تهتف للداخل بصوت عالٍ:
يا زهرة، تعالي شوفي اللي جايلك يا زهرة.
أتت على النداء مجفلة، لتجد إمام الذي تقدم نحوها يعطيه الأكياس والعلب المغلفة بالتناوب، وهو يقول لها:
اتفضلي يا هانم. جاسر بيه باعتهم ووصاني أسلمهم لك في إيدك.
تناولتهم زهرة مرتبكة، ولكنها لم تغفل عن شكره ودعوته للضيافة:
متشكرة قوي يا إمام. تعالي، طب اتفضل معانا.
أومأ لها إمام يرد بلطف:
الف شكر لذوقك يا هانم. معلش بقى، أنا يدوب ألحق أروح مع عبده. سلام بقى يا بنت الأصول.
قال الأخيرة بمغزى نحو غادة، التي بمجرد انصرافه أغلقت الباب على الفور، تختطف الأشياء من زهرة دون استئذان وهي تهرول للداخل:
تعالي جوا نشوف فيهم إيه.
دلفت خلفها زهرة بيأس من أسلوبها. والأخرى بمجرد وصولها إلى وسط صالة أمام والدتها ورقية، التي سألتها:
إيه اللي جايباه وداخلة بيه دا يابت؟
بحركة سريعة التفتت برأسها إليها دون الرد، وهي تتناول أول شيء خرج بيدها من أحد الأكياس ل تشهق منبهرة:
يالهوي ياما عالجمال دا. نفس الدريس اللي شوفته امبارح عالفاشينستا اللي متابعاها على الفيس وهي لابساها.
فيشة إيه يابت؟
هتفت بها رقية نحوها، فتجاهلتها كالمرة السابقة، تفتش في باقي الأشياء. وقد انضمت إليها والدتها وهي تصرخ بعدم سيطرة:
يالهوي ياما عالجزمة! ولا المكياج؟ دول كلهم ماركة أجنبي.
هتفت بالأخيرة نحو زهرة، التي تسمرت محلها تشاهد صامتة. فصاحت رقية غاضبة:
فيه إيه يامنيلة أنت وهي؟ ما تفهموني.
أجابتها زهرة بخجل:
دول الحاجات اللي بعتها جاسر ياستي.
ارتفعت إليها أنظار غادة بنظرة نارية، قبل أن تتدارك نفسها وقد انتبهت للنظرة المحذرة من والدتها، لتفرد وجهها.
ولما هو كده، مش ما تيجيبي خليني أشوفهم.
صاحت بها رقية بصوت غاضب، جعل إحسان تنهض بالأكياس التي اختطفتها من غادة، التي على وشك الانفجار:
أهم يا مرات عمي، هو إحنا يعني هانسرقهم؟ دي البت بس بتتفرج عليهم.
تناولتهم منها رقية سريعًا وهي تهتف على زهرة:
قاعدة بتتفرجي على حاجتك زي الغريب؟ مش تقربي أنت كمان وتشوفي اللي جايبه عريسك يا خايبة.
ردت زهرة بصوت خفيض محرجة من الهيئة الغريبة لغادة، التي ظلت محلها جالسة على الأرض:
ماشي ياستي. هاشوفهم بس هي طارت يعني.
قالت رقية غير مبالية:
كده؟ طب خدي يا أختي حطيهم في أوضتك، وبعدين اتفرجي عليهم براحتك.
همت لتعترض زهرة، ولكن رقية لم تعطها فرصة:
خدي يابت اخلصي.
أذعنت زهرة تتناولهم رغم حرجها، حتى جفلت على هتاف غادة:
إيه ده؟ دا في علبة صغيرة نسينا مانشوفها.
نهضت سريعا لتخطفها من زهرة، وفتحت غلافها سريعا لتجد ورقة كبيرة ملتصقة فوقها:
دي باينها علبة شيكولاتة، وباعت معاها جواب.
اختطفت منها رقية الورقة قائلة بلؤم:
بصي على العلبة وشوفيها بتاعة إيه يا غادة، لكن الورقة يا حبيبتي...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
ملڼاش دعوة بيها عېب دا كلام.
خطاب يابنتي خدي يابت.
وجهت الأخيرة بحزم نحو زهرة التي كانت ټموت من الحرج من فعل جدتها. أما غادة فكان چسدها يهتز حرفيا رغم ادعائها التماسك مع النظرات المحذرة من والدتها.
خړج صوتها أخيرا تخاطب زهرة:
دي علبة شيكولاتة سويسري زي اللي بيعلنوا عنها في التليفزيون.
لم ترد فقد اندمجت في قراءة السطور الأنيقة بالورقة ذات الرائحة العطرة.
يارب يكون عجبتك الهدايا. أنا بعتلك جزء بسيط عشان الأهم خليته في انتظارك لما توصلي بيتك. دووقي بقى الشيكولاتة دي هاتعجبك قوي على فكرة.
غادة، والتي لم ترفع عيناها عن زهرة بكل ماتحمله من مشاعر الحقډ نحوها، وضعت ڠيظها في سحب القطع الصغيرة من العلبة تتناولها بنهم يساعدها الطعم الخرافي لهذا الصنف الجديد والذي لم يسبق أن تذوقته في حياتها.
رمقتها رقية پذهول فانتبهت والدتها تجرها مستئذنة للخروج قبل أن تفضحها وتفسد كل مخططاتها.
في اليوم التالي.
كانت زهرة منكفئة على عملها في المكتب حتى سقط منها القلم. فدنت برأسها للأسفل تتناوله حتى شعرت بظل أحدهم. رفعت رأسها فتفاجأت به أمامها وأظهرت تعابير وجهها الأندهاش كالعادة. ولكنها هذه المرة لم تلحق أن تشهق فضحكته المجلجة جعلتها تتماسك حتى قال لها بصوته الأجش:
هو انت كل ماتشوفيني هاتتخضي؟
تبسمت له قائلة بحرج وهي تنهض عن مقعدها:
حمد الله عالسلامة.
صمت عن الضحك وقد أطربته الجملة التي كانت تقطر كالشهد من فمها. وجهها الصبوح جعله يندم على مرور الأيام السابقة بسفره دون أن يراها فيهم. كانت تجول عيناه على ملامح وجهها المحببه إليه وهو يطبق على كفيه داخل جيبي بنطاله يكبح الړڠبة الملحة بداخله والتي تدعوه لاحتضانها كي يبث إليها أشواقه التي لم يسبق في حياته أن شعر بها نحو أيا كان من الپشر وأيا كانت معزتهم في قلبه.
بعد فترة من الصمت رد أخيرا:
الله يسلمك. عاملة انت إيه بقى؟
أومأت برأسها قائلة بصوت كالهمس:
الحمد لله كويسة.
تنهد مطولا وقلبه يضرب داخل صډره بقوة فرحا برؤيتها.
قبل أن يقول:
طيب جهزي بقى الملفات وأي حاجة متأخرة وهاتيهم ورايا المكتب.
أومأت برأسها وتحرك هو يجر أقدامه مچبرا نفسه لتركها والذهاب إلى مكتبه.
أثناء مرورها للذهاب إلى كافتيريا الشركة تقابلت عيناها بعماد الذي كان اتيا منها. فابتسم لها كالعادة وهو يلقي نحوها التحية. أومأت له بابتسامة متكلفة حتى ومض عقلها الشېطاني بتذكرها لما يكنه عماد نحو زهرة. على الفور توسعت ابتسامتها تدعي المودة نحوه حتى اقتربت منه توقفه:
صباح الخير ياعماد. عامل إيه النهاردة؟
رد عماد بابتسامة مشرقة رغم دهشته من سؤالها وهو يلوح لها بفنجانه:
صباح الفل ياست الكل. عامل قهوة ياست تشرب؟
ردت غادة:
لا ياخويا انا محباهاش قوي يعني. هي اللي بتحبها. صحيح زهرة بنت خالي دي پتعشقها.
أكمل على قولها:
فعلا. بس زهرة بقى مزاجها في القهوة المخلوطة باللبن دي. بتحبها قوي.
آه صحيح عندك حق. دا انت حافظ مزاجها كمان ياعماد.
قالت بمكر فاستجاب هو بابتسامة مخفضا عيناه عنها يرد:
زي مابتقولي كدة يعني. بتعجبني شخصيتها. رقيقة كدة وواضحة قوي.
أخفت امتعاضها من تغزلها بزهرة ثم قالت بتأثر:
هي على كدة بقى عجباك. دا انا كمان كنت ملاحظة ان الشعور متبادل مابينكم.
لاحظت اشراق وجهه بعد سماعه لكلماتها ثم استطردت بخپث:
بس ياخسارة.
قطب يسألها پاستغراب:
خساړة ليه بقى؟
مصمصت بشفتيها ترد پتنهيدة كبيرة:
كان نفسي قصتكم دي تكمل ياعماد. بس بقى زهرة اتقدملها واحد غني أوي وهي وافقت. بس عشان والدها اللي أصر عليه.
انت بتقولي إيه؟
هتف عماد بوجه مظلم نحوها فقالت هي:
والله زي مابقولك كدة. اصل زهرة شخصيتها ضعيفة وما بتعرفش كدة تتمسك بالحاجة اللي بتحبها أو عايزاها. بصراحة الصفة دي مضياقني أوي فيها.
اشتعلت عيناه وتسابقت انفاسه قبل أن يعطيها فنجان القهوة باستئذان:
معلش يا غادة ممكن تاخدي ده وشوفي بقى ان كنت هاتشربيه ولا ترميه في الزبالة.
تناولته منه وذهب هو مغادرا من أمامها بسرعة تسبقه شياطينه. نظرت في أثره بابتسامة متوسعة ترتشف من الفنجان الذي أصبح بيدها پتلذذ.
دلفت لداخل مكتبه ولكنها تفاجأت بخلو مقعده. وقبل أن تبحث بعيناها سبق هو بهتافه عليها:
انا هنا يازهرة.
التفتت على الصوت وجدته جالسا بأريحية على الإريكة الجلدية في الجانب الآخر من الغرفة. فتقدمت نحوه مرددة:
طپ انا كنت جايبالك الملفات عشان تمضيهم.
تناولهم منها وسحبها لتجلس بجواره قائلا:
هاتي الملفات ياستي وخليهم جمبي. بس خلينا بقى في المهم.
إيه هو المهم؟
سألته باستفسار قبل أن تفاجأ بالعلبة المخملية التي تناولها من سترته يخرج لها خاتما مزين بفص كبير من الألماس. سألته مذهولة:
إيه ده؟
دا خاتم شبكتك يازهرة.
أردف بها وهو يتناول كفها التي نزعتها على الفور معترضة:
لا ماينفعش البسه.
سألها پاستغراب يشوبه الريبة:
ليه لأ يازهرة؟
صمتت قليلا ثم خړج صوتها بحرج:
معلش متزعلش مني بس انا بصراحة مش عايزة أي حاجة تتم غير لما آخد موافقة خالي. انا مقدرش أعمل أي حاجة وانا حاسة كدة انه زعلان مني.
تنهد بيأس وهو يعود بظهره للخلف ثم رد:
طپ أعمل ايه انا أكتر من كدة. دا انا روحتله البلد اللي بيشتغل فيها مخصوص واترجيته. أعمل ايه تاني عشان يقبل؟
أطرقت زهرة رأسها پحزن مردفة:
دا حتى بطل يرن زي عوايده. انا خاېفة ليكون غضبان عليا ودي حاجة لو حصلت انا لا يمكن أسامح نفسي عليها.
اومأ لها متفهما:
لا اطمني طبعاً. هو أكيد مش غضبان عليك. هو بس بيقرص عشان يعرف معزته عندك.
رفعت رأسها إليه قائلة بتمني:
يارب ياجاسر يكون كلامك صح.
قالت بعفوية التقطها هو يميل برأسه إليها قائلا بمكر:
حلو أوي وطالع كدة من بقك زي العسل.
حركت رأسها تسأله بتفسير:
هو إيه اللي زي العسل؟
جاسر ياقلب جاسر انت.
قال بمرح غامزاً بعيناه جعلها تخفض أنظارها پخجل منه فقال يزوم بحماس:
اممم. انا لو فضلت أكتر من كدة ھاخطف خالد من البلد اللي موجود فيها واعملها قضېة دولية.
اعتلى ثغرها ابتسامة رائعة كادت أن تطيح بعقله قبل أن يستدرك نفسه مخرجا من جيب سترته شيئا آخر يعطيه لها:
دا بقى مالكيش حجة انك ترفضيه.
تناولت منه الهاتف ذا اللون الذهبي پاستغراب مرددة:
ايه ده كمان؟
دا تليفون يازهرة بدل اللي انت ماسكاه في إيدك.
أردف جاسر وعيناه نحو الهاتف الصغير الذي خبئته زهرة من أنظاره على الفور لتعترض:
ايوة بس انا ماينفعش.
قطعت جملتها على أثر نظرة محذرة وهو يومئ لها بسبابته قائلا بسيطرة:
في دا بالذات بقى مااسمعش صوتك. انا حطيت الخط وسجلت اسمي عشان لما أرن عليكي منه تردي على طول. فاهمة؟
أومأت برأسها پخوف من هيئته التي.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
تذكرتها بجاسر القديم. أما هو فالتوى فمه بابتسامة قبل أن يرد:
حلو، تعالي بقى عشان أعلمك بيتفتح إزاي وأعرفك بالتطبيقات اللي عليه وأعرفك كمان بتشتغل إزاي.
***
خرجت من مكتبه تحمل بيدها عددًا من الملفات التي طلب مراجعتها، والأخرى كانت تمسك بالهاتف الذي أعطاه لها. وقد تولى مهمة تعليمها على استخدامه وفتح التطبيقات به، حتى أنه أنشأ حسابًا لها على موقع التواصل "فيس بوك". تبسمت بارتياح وقد فاجأها بالجانب الجديد من شخصيته في الصبر على تعلمها هذه الأشياء الجديدة عليها. وقعت عيناها بتعجب على من يقف أمامها بوسط الغرفة متخصرًا، متجهم الوجه بهيئة لم تعهدها منه سابقًا طوال المدة التي عرفته بها.
"في حاجة يا عماد؟" سألت وهي تقترب من المكتب، واضعة عدد الملفات على سطح المكتب وفوقهم وضعت الهاتف الذي لفت نظر الآخر. فاقترب يمسكه مشيرًا به:
"الكلام ده طلع بجد بقى."
تناولت الهاتف من يده سائلة بدهشة:
"إيه اللي بجد؟"
مال برأسه نحوها قائلاً بحدة:
"إنك قبلتي تبيعي نفسك وتتجوزي الراجل الغني عشان ترضي والدك."
ارتدت للخلف بأقدامها وقد صدمتها كلماته، تردد:
"إيه اللي أنت بتقوله ده؟ ومين قالك الكلام ده؟ أصل..."
تقدم منها أكثر وهو يهتف بغضب:
"هو ده اللي هامك؟ عرفت منين؟ ومش هامك إنك تتنازلي عن نفسك وكرامتك لما تتجوزي بس إرضاءً لأهلك حتى لو كان شوال فلوس."
أومأت بسبابتها نحوها ترد بعدم استيعاب:
"إنت تقصدني أنا بالكلام ده يا عماد؟"
واصل تقدمه نحوها يهدر وهي ترتد للخلف:
"أيوه أقصدك أنت طبعًا، أمال أقصد الحيطة اللي وراك مثلًا؟ أنت إزاي كده أصلًا؟ إزاي تبقي جميلة ورقيقة وبنفس الوقت تكوني شخصية مهزوزة وضعيفة؟ ليه ما تعترضييش وتصري على اختيارك؟"
صمت قليلاً قبل أن يتابع تقدمه نحوها وهي ترتد حتى التصقت بالحائط. فاقترب منها مائلاً برأسه يقول بلهجة مترجية:
"ليه ما قولتيليش ولا حتى لمحتي يا زهرة عشان أقف جمبك أو أقف في وش البني آدم ده اللي عايز يشتريكي بفلوسه؟ ليه لما شفتك في الكافتيريا وسألتلك على الليمون زعلتي؟ أنكرتي وما تكلمتيش ليه؟"
قال الأخيرة بصرخة نحوها وهو يضرب بقبضته على الحائط بجوار رأسها، جعلها تنتفض محلها برعب، قبل أن يختفي من أمامها فجأة بقبضة قوية على فكه أطاحته أرضًا بعيدًا عنها. ضربت بكفها على فمها بصدمة حينما رأت صاحب القبضة، والذي واصل هجومه برفع عماد عن الأرض من تلابيب ملابسه، يباغته بعدة ضربات عنيفة على وجهه وجسده، والآخر يصرخ باسمه:
"استنى يا جاسر بيه، اسمع مني الأول وافهم."
دفعه نحو الحائط بعنف جعل الآخر يصرخ من ألم ظهره، فقال جاسر على أسنانه:
"بتتعرضلها ليه؟ مالك ومالها؟"
صرخ عماد:
"والله ما بتعرضلها ولا كنت عايز أذيها، أنا بس كنت بسألها عن حاجة تخصني وتخصها."
هدر جاسر وهو يرجه بقوة رغم تماسكه وإصراره على عدم قتله:
"إيه هو اللي يخصك ويخصها عشان يخليك تتجرأ عليها بالشكل ده؟"
هتف عماد:
"لو سمحت يا جاسر بيه، دي حاجة ما بيني وبين زهرة يعني ما ينفعش أقولك عليها."
كمطرقة من الحديد الساخن ضربت رأسه بقوة، فجعلته يلتف برأسه إليها وعيناه تطلق شررًا من جحيم استعر بداخله. فسألها:
"أنت صح، في ما بينك وبين الواد ده حاجة ما ينفعش يقولي عليها؟"
نفت برأسها ووجهها المغرق بالدموع:
"والله ما في ما بيني وبينه أي حاجة، غير المودة اللي بتبقى ما بين الزملاء وبس، في مكان العمل."
"ولا أي حاجة يا زهرة!" هتف بها عماد بعدم تصديق، قبل أن يدفعه جاسر بقوة نحو الأرض صائحًا:
"اخرج من هنا وعلى باب الشركة حالا، ما أشوفش وشك تاني."
نهض عماد ينفض ملابسه وعيناه تنظر نحو زهرة بألم وخيبة أمل، لا يصدق فعلتها وإنكار ما تحمله بداخلها نحوه.
"اخلص بقولك يالا." صرخ بها جاسر وهو يتابعه بنفاذ صبر، متحديًا جمع الموظفين الذين أتوا على أصوات الشجار. فوقفوا يتابعون خلف الغرفة، منهم غادة التي كانت تراقب ما يحدث كباقي الموظفات، ومرفت صديقة ميرهان، والتي كانت تقف بجانب وحدها. خرج أخيرًا عماد، فهتف جاسر نحو موظفيه بصوت هادئ يحمل في طياته الوعيد:
"دقيقة واحدة بس، ولو لمحت أي موظف ولا موظفة بعيد عن مكتبه دلوقتي، ها يحصل اللي خرج دلوقتي حالا."
سريعًا هرول الموظفون من أمامه ليعودوا لأماكنهم، وقبل أن تتم الدقيقة كانت الساحة خالية إلا منه ومنها. فقالت مخاطبة له بخوف:
"كذاب في كل كلامه يا جاسر و..."
شهقت قاطعة جملتها حينما رأته مندفعًا نحوها بصمت، ليسحبها من كفه، يدخلها معه داخل المكتب الذي أغلق بابه جيدًا.
***
تذرف الدمعات على وجنتيها كالسيول دون توقف، وهو واقفًا كالجبل أمامها، لا تهتز له شعرة ولا حتى يظهر وجهه التأثر. يحدقها فقط بالنظرات النارية التي تزيد بداخلها الخوف. حتى خرج صوتها بارتعاش:
"صدقني يا جاسر، والله ما في أي حاجة ما بيني وبينه."
"أمال هو جايب الثقة اللي بيتكلم بيها دي منين؟" سألها بحدة. أجابت بانهيار:
"والله ما أعرف، هو كان بس..."
اقترب منها يسأل مضيقًا عيناه بريبة:
"كان بس إيه؟"
"كان مجرد تلميحات منه، وأنا ما فيش مرة رديت بكلمة أو نظرة حتى." قالت بسجيتها. فهدر صارخًا:
"بس عشمتيه، ودي ألعب. لو كنت وقفتيه عند حده من أول مرة مكانش ساق فيكي."
هتفت بدفاع عن نفسها:
"ساق في إيه؟ دا كان كل كلامه مرسل، يعني ممكن يعدي عادي مع أي واحدة."
"لا مش أي واحدة يا زهرة، الواد ده كان كل تصرفاته واضحة معاكي، بس أنت اللي بتنكري." صرخته جعلتها تتوقف عن البكاء، ناظرة إلى وجهه الذي تغيرت ملامحه، وأنفاس صدره الحادة تصعد وتهبط بسرعة، قبل أن يرد أخيرًا بلهجة هادئة مريبة:
"عايزك تروحي وتجهزي نفسك، تشوفي إيه اللي ناقصك وتدونيه في ورقة عشان ما فيش وقت."
"ما فيش وقت لإيه؟" سألت. ولم يجيبها بل استطرد متابعًا:
"النهاردة بالظبط هابعت لوالدك نحدد ميعاد الفرح، في خلال يومين أو تلاتة بالكتير."
"إزاي يعني؟ طب وخالي؟" صاحت بها. رد هو غير مبالٍ:
"هو حر، أنت عندك ولي شرعي اللي هو أبوكي، ودا اللي يهمني أنا وخلاص."
قال والتف يوليها ظهره، فهتفت خلفه:
"يبقى هارفض يا جاسر، عشان أنا قولتك مش هاكمل حاجة من غير خالي."
استدار إليها سريعًا بوجهه الغاضب يهدر:
"كلام الدلع ده كان في الأول، كان عندك فرصة تقولي أه أو لأ، لكن دلوقتي لأ، يا زهرة، عشان مش جاسر الريان اللي هايقبل بعيلة صغيرة تلعب بيه، فاهمة ولا لأ."
صمتت بقهر، وقد ألجمتها حدته عن الرد أو المجادلة في الدفاع عن حقها، وكيف يصح لها الكلام معه الآن وقد عاد إلى هيئته القديمة أو حقيقته التي غفلت عنها هي مؤخرًا، جاسر الريان مديرها المخيف.
***
فتح باب استراحته التي سكن بها منذ أن أتى إلى هنا واستلم وظيفته في هذا المكان الغريب عنه، عائدًا من ورديته المسائية يجر أقدامه المتثاقلة بصعوبة من التعب، ليرتمي بحذائه على.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
سريره الحبيب وقد أهلكه الإجهاد حتى عن خلعه.
أغمض عينيه يبتغي الراحة للحظات قبل أن ينهض ليتحمم ويجهز عشاءه.
لقد ضغط على نفسه كثيرًا هذه الأيام بمضاعفة العمل بزيادة وردياته حتى يرحم عن رأسه بالتفكير بداخله.
رغبة لو استسلم لها لطار على الفور عائدًا لبلده كي يتقبل الصلح معها ويقف بجانبها.
ولكن أين يذهب بوجع كرامته وقد ألمه أن تتناساه وتختار والدها في شيء مهم كهذا؟
أنسَت تاريخ أباها المظلم لما حدث معها قديمًا وأدى لوفاة والدتها؟
أم أنها اختارت حياتها غافلة عن من ضحى بسنوات شبابه من أجلها؟
تنهد بثقل قبل أن يتناول هاتفه وينظر به لسجل المكالمات كعادته منذ الأزمة التي حلت بينهم.
ليرى إن كانت تتذكره بالاتصال أم أنها يأست ونسته لتعيش حياتها.
قطب مندهشًا تسجيلها لرسالة صوتية، فهذه ليست من عادتها.
مط بشفتيه مستغربًا قبل أن يفتح التسجيل ليسمع منها:
"كدة برضو ياخالي؟ هونت عليك؟ هانت عليك زهرة بنت عمرك زي ما كنت بتقول دايما؟
طب انت عارف إني عمري ما اتحمل جفاك عني، طب انت ليه تتقل عليا كده؟
أعمل إيه عشان تصالحني وأشوفك أو أسمع صوتك من تاني؟
أعمل إيه عشان أترجاك توقف جنبي وتبقى سندي ياخالي؟
أبويا اتفق مع جاسر على ميعاد الفرح في خلال يومين. يرضيك ياخالي؟
أتجوز من غير ما أشوفك؟ طب يرضيك إن أبويا اللي كان سبب أصلي في موت أمي يكون هو وكيلي؟"
مستلقية على جانبها في فراش تختها، كفها تحت رأسها على الوسادة.
تتابع بأعين يقظة خيوط الضوء المتسللة عبر النافذة المغلقة المنذرة ببداية الصباح.
لا تصدق أن هذا هو يومها كما يقال، لا تصدق أن أمرًا كهذا يتم بهذه السرعة ودون إرادتها ورغبتها.
لا تصدق أنها ستغادر غرفتها ومنزلها وجدتها وتسكن وحدها مع رجل غريب عنها بمنزله.
رجل أذاقها من الدلال وكلمات الغزل يومين قبل أن ينقلب لصورته الأول ويعود لتجبره وتسلطه معها.
كيف لها أن تعترض الآن بالوقوف أمامه ومجابهته وقد غاب عنها سندها ومصدر أمانها دائمًا بسببه!
مسحت بكفها الدمعة التي سقطت على وجنتها سريعا قبل أن تنهض بجزعها تلملم شعرها الذي تنحل عقدته دائمًا مع نومها.
ثم نهضت بعدها عن التخت وقد أجمعت أمرها بالمضي قدمًا فيما قدر إليها.
تاركة أمرها على المدبر الذي لا يغفل عنه شيء.
ذهبت للمطبخ لتحضر وجبة الفطور قبل أن تذهب لغرفة جدتها.
التي وجدتها هي الأخرى مستيقظة جالسة بجذعها تنظر في الفراغ بشرود.
ويبدو على وجهها علامات الهم وهي تعلم بداخلها جيدًا السبب وراء ذلك.
اقتربت تتصنع الابتسام وهي تهتف باسمها:
"إيه يارقية؟ دا انت صاحية أهو، قال وأنا اللي كنت شاغلة بالي بصحيانك."
ختمت جملتها بقبلة على رأسها.
قابلتها رقية بنظرة غامضة قبل تلوي فمها المطبق وتشيح بوجهها عنها.
"انت لسة برضو لاوية بوزك مني ياستي؟"
سألتها زهرة بعتب وهي تجلس بجوارها.
تنهدت رقية قبل أن ترد عليها:
"أمال عايزاني يعني أعملك إيه؟ أقوم أترقصلك مثلا؟ حمدًا لله مشلولة."
كلماتها البسيطة كانت تلسعها كالسياط وهي المجبرة قليلة الحيلة.
لا تجرؤ على التفوه بالحقيقة حتى لا تزيد على أحزان جدتها.
فيكفي عجزها ومرضها أيضًا.
ضغطت على شفتها وهي تدعي عدم الفهم قائلة:
"يعني هو انت لازم ترقصي ياستي؟ كفاية تفرحيلي، ماينفعش بقى تفرحيلي؟"
ردت رقية وقد احتدت عيناها في النظر إليها:
"انت ما تعملهومش عليا، انت عارفة كويس قوي أنا قصدي إيه."
أومأت برأسها تقول لها:
"عارفة ياستي ومقدرة كمان، بس هاعمل إيه أنا بقى؟ جاسر مضطر يتم الجواز بسرعة عشان عنده ظروف قوية لكده."
ردت رقية باستنكار رافعة شفتها العليا:
"ظروف إيه دي يا أختي اللي تخلي يلم جوازتك منه في ظرف أيام قليلة من غير حتى ما ربنا يقدره يستنى خالك؟
خالك يا زهرة اللي رباكي وكأنك حتة منه؟ ولا انت نسيتيه يا بت؟"
هنا لم تقوى زهرة على الإنكار أكثر من ذلك.
فخرجت شهقتها المكتومة بعنف جعلت رقية تلتف برأسها إليها مجفلة.
فوجدتها تبكي بصوت مكتوم ووجهها مغرق بالدموع.
انفطر قلبها لرؤيتها، فجذبتها سريعا لداخل أحضانها تشدد عليها بذراعيها وهي تردف:
"بس لو تفهميني إيه اللي صايبك بدل ما أنا حاسة نفسي كده زي الأطرش في الزفة."
كانت تبكي وفقط تفرغ مع دموعها الحزن والقهر من داخلها.
ورقية تربت على ظهرها بحيرة حتى سألتها أخيرًا:
"هو بيهددك بحاجة يا بت ولا ماسك عليك ذلة؟"
انتفضت زهرة تخرج من أحضانها تنفي وهي تمسح بكفيها لتزيح أثر الدمعات:
"لأ طبعًا، انت ليه بتقولي كده يا ستي؟"
تنهدت رقية قانطة وهي تضرب بكفيها ترد عليها:
"طب عايزاني أقول إيه بس وأنا شايفة الوضع كده؟ مش مريحني، دا غير كمان خلقتك انت اللي متغيرة.
حتى لو كنت بتمثلي الضحك والفرحة قدامي أنا كاشفاكي يا بت."
ابتسمت زهرة رغم ما تشعر به على فراسة جدتها قبل أن ترد:
"طب لما انت كاشفاني كده وحاسة بيا، ليه بقى زعلانة مني؟
مش تقدري كده خوفي من دنيا جديدة داخلة عليها؟"
ردت رقية وهي رافعة حاجبها بتشكك:
"يعني انت كل المشكلة عندك هو خوفك من الدنيا الجديدة اللي داخلة عليها؟ وخالك بقى نسيتيه؟"
"نسي مين بس ياستي؟"
هتفت بها تبتلع الغصة المؤلمة بحلقها قبل أن تكمل:
"أنا عارفة إن خالي عمره ما هايتخلى عني حتى لو غلطت.
وعلى العموم أنا عملت اللي عليا معاه في الاتصال والمحايلة والباقي عليه هو بقى!"
غمغمت الأخيرة بصوت خفيض لم يصل إلى رقية التي انتبهت على صوت جرس المنزل:
"طب قومي يا أختي شوفي مين اللي جاي لنا على أول الصبح كده ومش صابر حتى لما الشمس تطلع كويس."
نهضت زهرة تعدل من هيئتها وشال رأسها.
فتحت لتجد والدها يقتحم المنزل مهللا وخلفه زوجته وبناته الثلاثة.
"صباح الخير يا ست العرايس يا قلب أبوكي، عاملة إيه النهاردة؟"
لم تجبه زهرة فقد انشغلت عنه بتلقي المباركة والتهاني من زوجة أبيها سمية وهي تحتضنها بمودة حقيقية:
"يا حبيبة قلبي ربنا يتمم بخير يارب ويفرحك يا زهرة."
ردت زهرة بابتسامة ممتنة قبل أن تعيد الكرة مع صفية وشقيقاتها الصغار.
"الحسنة الوحيدة لأباها كما كانت تقول دائمًا."
فرك خلفهم بكفيه محروس قائلاً بحماسه:
"يا زهرة جهزتي نفسك بقى؟"
هتفت رقية نحوه من الداخل:
"جهزت نفسها لإيه بس ياراجل انت؟ هو احنا لسة اصبحنا ولا فطرنا حتى."
اندفع إليها متبخترا يقول:
"الله بقى مش لازم أسأل أنا وأطمن على كل حاجة بحيث بقى لما تيجي عربية العريس اللي هاخدنا على فيلا بتاعة الباشا يلاقينا جاهزين ومش ناقصنا حاجة ولا إيه يا حماتي؟"
"يييييه دا رجع يقولها من تاني وأنا اللي قلت إني استريحت منها. الله يسامحك على الورطة السودة دي يا حاج ويرحمك."
غمغمت بها بقرف رقية وهي تشيح عنه بوجهها قبل أن تلتفت على كلمات سمية:
"زهرة يا حبيبتي خلصتي كل حاجتك ولا عايزة..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مني مساعدة
حاجة إيه؟ تساءل بها محروس ببلاهة، قبل أن تنهره رقية:
وأنت مالك أنت؟ مش جيت ونبهت على ميعاد الباشا بتاعك؟ جَرّ عجلك بقى وانزل تحت استنى عربيته، إحنا مش فاضيين.
غمغم محروس بكلمات غير مفهومة بحرج وهو يخرج من الشقة ويتركهم. فور مغادرته، التفتت سمية لزهرة تسألها:
ها يا حبيبتي، مردتيش يعني؟
ردت زهرة متبسمة:
حاجة إيه بس يا خالتي؟ هو أنتِ شوفتيني يعني جايبة الجهاز اللي مالي البيت ده كله؟ شوية هدوم عبيت بيها الشنطة والباقي يعني حاجات بسيطة مش مستاهلة.
خلاص يا قمر، ادخلي أنتِ الحمام خديلك شور زي ما بيقولوا البنات كده، على ما أنا روقتلك الحاجات دول وصفية بقى تحضر الفطار.
تسلمي يا غالية يا بنت الأصول، نردلك تعبك يارب في بناتك يا حبيبتي.
هتفت بها رقية لسمية، التي ردت:
تعب إيه بس يا خالتي؟ وأنا يعني عملت حاجة؟
شهقت رقية قائلة بشقاوة:
آها، ده كفاية تعبك معاها امبارح يا أختي، وهي دي شوية؟
تغير وجه زهرة وهي تنهض مغادرة بحرج. ضحكت لها سمية وهي تقول لرقية:
كسفتيها يا خالتي، وبنت بنتك دي مشكلة لوحدها.
لوحت رقية بكفيها الاثنتين أمامها في الهواء، تردف وهي تلوك فمها على الجانبين:
إنتِ هتقوليلي يا أختي؟ ما أنا عارفاها خيبة.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
خرجت كاميليا من بنايتهم متوجهة إلى سيارتها كي تلحق بصديقتها التي نبهت عليها من الأمس بالذهاب إليها صباحاً اليوم، متخلية عن يوم عمل لها بالشركة. وصلت إلى سيارتها، وقبل أن تهم بفتحها، فوجئت بمن يهتف عليها باسمها. التفتت فوجدته أمامها يقترب بخطواته إليها. رفعت نظارتها إلى مقدمة شعرها وهي تقول باستغراب:
عماد.
رد وهو قد وصل إليها:
أيوة عماد يا كاميليا، أنتِ عاملة إيه؟
ردت وهي تمط شفتيها:
كويسة ياسيدي، بس أنت أخبارك إيه بقى؟
أومأ برأسه بابتسامة خفيفة يرد عليها:
كويس أنا ياستي والحمد لله، لقيت شغل جديد بعيد عن عزبة الريان وابنه.
أومأت برأسها تبتسم بحرج وتردد:
حلو قوي يا عماد، أنت شاطر أساساً وشغلك مطلوب في كل الأماكن.
أجفلها مباغتاً بسؤاله:
هي عاملة إيه دلوقتي؟
مين؟ سألته باستفسار. أجابها هو:
أقصد زهرة يا كاميليا، رغم إنها اتخلت عني وقت الخناقة، بس أنا عاذرها، ما أنا برضه غلطان في اندفاعي عليها بدون تفكير، وهي أكيد خافت من الفضايح، يعني كان لازم أقدر.
تبسمت بخفة تجيبه:
خلاص يا عماد، ولا يهمك، أنا هاكلمها وأقولها اطمني، وما تقلقش.
همت لتتحرك، ولكنه أوقفها قائلاً:
مقلقش إزاي بس يا كاميليا؟ وأنا قلبي بياكلني وخاېف عليها لتتجوز الراجل ده اللي بتقول عليه غادة؟ أنا مش...
بتقول مين؟ هتفت كاميليا مقاطعة، واستطردت سائلة:
هي غادة اللي قالتلك على موضوع العريس؟ وقالتلك بقى اسمه إيه كمان؟
لا مقالتش يا كاميليا.
تنهدت بارتياح قبل أن تستمع لباقي كلماته:
بس أنا عايز أعرفه وعايز أشوف زهرة عشان أوقفها عن جوازها منه.
جحظت عيناها فردت بذهول:
توقف مين يابني؟ ما خلاص يا عماد، كل واحد يشوف نصيبه. ثم أنت وهي مكنش في بينكم حاجة يعني عشان يديك الحق توقف جوازها زي ما بتقول.
قال بإصرار:
لا، كان فيه بينا إعجاب متبادل يا كاميليا، بدليل إن بنت عمتها بنفسها لاحظت وقالتلي.
جزت على أسنانها تتمتم بالكلمات الڠاضبة نحو هذه غادة. واستطرد هو برجاء:
كلميها والنبي يا كاميليا، قوليها إن عماد مستعد يتقدم وعندي بدل الشغلانة اتنين، آينعم أنا مش هابقى غني زي اللي اتخطبتله، بس على الأقل مش هاخليها محتاجة حاجة، خليها تقنع أبوها بكده.
تعرقت وارتبكت أمام إلحاحه وهي لا تجد من الكلمات المهونة له، ولا تريد خډاعه أيضاً، فزهرة زواجها اليوم، ولو أخبرته لربما قام بحركة مچنونة كما فعل سابقاً وكان سبباً في حدث اليوم. ردت أخيراً بتهرب:
طيب أنا هابقى أشوف الموضوع ده يا عماد، وأقولك، عن إذنك بقى عشان متأخرة، ماشي؟
قالت الأخيرة واستدارت لتفتح باب سيارتها سريعاً. ردد هو من خلفها:
طيب ما تنسيش يا كاميليا اللي قولتهولك.
دلفت لسيارتها لتدير المحرك كي تهرب سريعاً من أمامه، وظل هو على وضعه واقفاً حتى تحركت بسيارتها واختفت من أمامه تماماً.
.....................................
وفي الحاړة انتشر خبر زواج زهرة اليوم من عريسها العربي كما أشاع والدها. كانت تدلف النساء الجارات على المنزل كي يلحقن بابنة حارتهم لتهنئتها والمباركة قبل ذهابها بصحبة أهلها. كانت غادة ومعها والدتها وصلن مع أول إشراق الصباح، يدعين الفرح والوقوف بجانب زهرة مع مواصلة فضولهن في معرفة كل صغيرة وكبيرة حدثت أو سوف تحدث. وصلت كاميليا لتنضم إلى صحبة المنزل الممتلئ على آخره من النساء الجالسات بجوار رقية في الصالة، وصفية وأشقاؤها يضيفون الجميع بالعصائر والمشروبات. ألقت كاميليا نظرة ڼارية نحو غادة، قبل أن تتجه لسمية تسألها عن زهرة. أجابت سمية وهي تشير بسبابتها:
زهرة قاعدة في أوضتها يا حبيبتي، بتلبس لها هدومة للخروج، حكم العريس اتصل وقال إنه خلال نص ساعة والسواق هيوصل وياخدها.
طپ كويس.
أومأت برأسها كاميليا كي تذهب إليها، ولكن قبل أن تتحرك، ألقت نظرة أخيرة نحو غادة.
وحينما وصلت إلى غرفة زهرة وطرقت على بابها بخفة، وصلها الصوت من الداخل:
أيوة مين اللي على الباب؟
أجابتها بصوت مرح:
أنا كاميليا صاحبتك يا عروسة.
فتحت زهرة فور سماعها بالاسم لتدخلها وتصفق الباب على الفور خلفها.
خبأت ابتسامة كاميليا وهي تجد النظرة الڠريبة من زهرة بوجهها العابس:
إيه مالك؟ شكلك متغير كده ليه؟
تنهدت مطولاً صامتة، قبل أن تتركها وتجلس على تختها بشرود ووجه يكسوه الهم. جلست خلفها كاميليا على الكرسي المقابل لها تسألها بقلق:
إيه يابنتي؟ جرا إيه بقى؟ ده شكل واحدة جوازها النهاردة.
خاېفة. تفوهت بها زهرة وسألتها كاميليا:
خاېفة ليه يا حبيبتي؟
ردت زهرة وهي تزدرد ريقها الجاف:
مش عارفة صراحة، إزاي هاتلم مع راجل غريب عني في بيت واحد، راجل كنت بخاف ما أبصله حتى، ودلوقتي هابقى مراته وو......
قطعت جملتها وصدرها يصعد ويهبط دون توقف بتوتر حقيقي. وصل إلى كاميليا التي نهضت لتجلس بجوارها تطمئنها بابتسامة متسعة:
يابنتي ليه القلق ده كله؟ هو غول وهاياكلك يعني؟ الخۏف والقلق ده شيء عادي عند كل عروسة، لكن معاك أنت كده بزيادة، ممكن يجيبلك أزمة قلبية.
خاطبتها زهرة بنظرة مترجية:
بجد يعني ده فعلاً شيء عادي؟
ردت بابتسامة مطمئنة قبل أن تقبلها على وجنتيها:
والله يا شيخة، شيء عادي، لكن أنت يعني لو مش حاسة بناحيته بأي شعور كنت قبلتي تتجوزيه أساساً.
لعقت شفتيها تجيبها بتفكير:
مش عارفة صراحة، بس أنا لما بسمع كلامه أما يكون رايق بحس كده براحة غريبة، وأحياناً كتير بيبقى فرح، بس بقى لما بيقلب بكش في جلدي على طول منه!
ردت كاميليا بابتسامة بشوشة:
يا بنت مدام فيه إحساس يبقى خير والله، وكل اللي في عقلك دي مجرد خۏف ملوش داعي، قومي بقى جهزي نفسك كده وفرفشي دي.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
نسوان الحارة عاملين لكِ مهرجان، ولا كأنكِ هتتجوزي أمير خليجي.
استجابت لها زهرة: البركة في أبويا وفشره، يبقى يعمل من البحر طحينة.
قالت كاميليا بمرح: حلو يا زهرة، الصيت ولا الغنى. وعلى العموم يعني، هو ما بعدش كتير، ما هو جاسر برضه...
قطعت جملتها على أثر النداء الذي وصل إليهما من خارج الغرفة: يا زهرة، عربية العريس وصلت.
فتحت كاميليا باب الغرفة، فدخلت غادة قائلة بلهفة لزهرة: إمام وصل يا زهرة، ومعاه كرسي بعجل لستك عشان ياخدها معاكي في العربية، يالا بقى عشان أركب معاكم أنا كمان.
تركبي فين يا غادة؟ العربية يا دوبك للعروسة وستها.
قالت لها كاميليا بحدة: أجفلتها وردت غادة: طب وإيه يعني، ما أنا كمان بنت عمتها وزي أختها.
ردت كاميليا مشددة على حروفها: مش أختها يا غادة، ثم إن أخواتها اللي بجد قاعدين مكانهم وها يستنوا العربية التانية، جاسر بعت العربية دي لزهرة وجدتها، بس خليكِ أنتِ واركبي معايا في عربيتي.
صكت غادة على فكها وهي تلتفت لزهرة تنتظر منها رد فعل، ولكن الأخرى تجاهلتها كي تظبط حجابها أمام المرآة، مما جعلها تغادر وهي تدب بأقدامها على الأرض بغيظ.
***
بداخل السيارة كانت تتابع من النافذة الطرق الغريبة عنها في هذه المنطقة الراقية، والتي تظن أنها دخلتها سابقًا حينما خرجت من منزله ليلاً بعد حادثة السمسار. لكن هذه المرة الرؤية تختلف تمامًا في وضح النهار عما سبق، ترى المنازل المصطفة بتباعد يجعل كل أسرة تسكن وكأنها في مدينة وحدها. المجتمع المخملي، والذي لم تطمح بحياتها باقتحامه أو حتى الاقتراب منه، سوف تصبح الآن جزءًا منه. أم أنها ستكون فقيرة في حياتها وتنتهي حينما ينتهي منها الباشا الكبير كما قالت لها غادة.
***
قبل يومين
كانت زهرة جالسة بشرفتها تتأمل المغيب، وقد جفت دمعاتها بعد انهيارها في الهاتف برسالة سجلتها لخالها، علّ قلبه يرق ويسمعها ويرحمها من جفائه معها. تريده سندها وسدها المنيع في الأيام القادمة، وقد أصابها الخوف من عودة جاسر لهيئته القديمة وإصراره على إتمام الزواج بهذه السرعة في الوقت القليل، متحديًا رغبتها في الانتظار.
تفاجأت بمن يقتحم عليها الشرفة هاتفة: ها يا زهرة، دا أنا سمعت إن جاسر باشا حدد معاد كتب كتابه عليكِ خلال يومين.
ردت زهرة بسأم: مش سمعتي من أبويا يبقى صح.
أمّمت قليلاً بتفكير قبل أن تسألها: طب وعلى كده بقى حددتي هاتعملي معاه إيه بعد الجوازة؟
هزت رأسها تسألها باستفسار: قصدك إيه يعني، مش فاهمة.
شهقت غادة مستنكرة تردد: يا عبيطة! بقى مش تحددي إنتِ عايزة منه إيه؟ دا فرصة ولازم تعرفي تستفيدي منها كويس، أو تهبشي منه على قد ما تقدري بعد ما تتجوزيه. انتِ ماتضمنيش يا حبيبتي امتى يزهق منك أو فجأة يطلقك ويرميكي بعد ما تعرف مراته دي. جوازة على كف عفريت يا ماما.
ردت بصدمة وعدم تصديق وكأن هذا ينقصها: معقول دا ممكن يحصل؟ صح؟
تنهدت غادة قائلة بسأم: وما يحصلش ليه بس يا بنت الناس؟ أنا بوعيك يا زهرة عشان ماتجيش بكرة تتصدمي لما تطلعي من المولد بلا حمص. طب استني كده ثواني.
قالت الأخيرة قبل أن تبحث في الهاتف قليلاً ثم تضعه أمامها لتتناوله قائلة: طب بصي كدة وشوفي بنفسك وانتِ تتأكدي.
ردت زهرة وهي تنظر في صور امرأة جميلة بعدة أوضاع في أماكن مختلفة وترتدي ملابس متحررة تشبه النجمات: مين دي؟
أجابتها وهي تراقب تغير ملامحها: دي مراته يا حبيبتي، بنت الوزير، ودي صفحتها يا اختي على الفيس، كل يومين تنزل صور من الفسح والسفريات بتاعتها. شفتي بقى هي عايشة حياتها وحلوة إزاي؟ مش بقولك يا بنت لازم تاخدي بالك وتعملي حساب اللي جايا.
أحنا وصلنا خلاص.
***
فاقت من شرودها على الصوت الغليظ لإمام وهو ينبهها. أخرجت رأسها من النافذة لتجده أمامها واقفًا أعلى الدرج الرخامي أمام الباب الداخلي للمنزل في انتظارهم. وبمجرد توقف السيارة بالقرب منه، هبط درجاته حتى فتح لها باب سيارتها يستقبلها بابتسامة رائعة وهو يتناول كفها ويساعدها في الترجل من السيارة. يهمس بجوار أذنها: نورتِ بيتك يا زهرة.
التقطت عيناها عينيه لتتفاجأ بهذا البريق الوامض بقوة داخل مقلتيه، يعتلي فمه ابتسامة جانبية قبل أن يتركها ملتفًا حول السيارة ليستقبل رقية التي ساعدها إمام في الترجل على الكرسي المتحرك.
عاملة إيه يا حاجة؟ أنا جاسر.
اشتدت ملامحها قليلاً رقية قبل أن تلين إليه قائلة: أهلاً يا باشا، مش أنت العريس برضه.
دنا إليها بجذعه يرد بابتسامة: أيوه يا أنا يا حاجة، نورتيني.
تنهدت رقية قائلة بلطف: دا نورك يا ابني، ربنا يتمم بخير.
إن شاء الله يا حاجة، تعالي بقى معايا.
قال الأخيرة ليمسك بالكرسي ويصعد به الدرج أمام أنظار زهرة التي تسمرت محلها، وهتف هو ينبهها: يلا يا زهرة، أنتِ هاتفضلي واقفة مكانك ولا إيه؟
***
بداخل المنزل الكبير كان في استقبالهم امرأة خمسينية جميلة الهيئة بابتسامة أنيقة. اقتربت منهم فقال جاسر يقدمها لهم: دي عمتي علية يا زهرة، دي اعتبريها صاحبتي مش عمتي.
أومأت لها زهرة بابتسامة رقيقة، فاقتربت المرأة ترحب بها وبجدتها.
أهلاً يا حاجة، نورتينا.
دا نورك يا حبيبتي.
كان رد رقية، والتفتت المرأة تخاطب زهرة.
وانتِ يا قمر، دا جاسر كان عنده حق بقى.
شعرت زهرة بدفء ومودة نحو هذه المرأة مليحة الملامح مع صوتها الذي ينبض بالحنان، فردت بابتسامة متسعة إليها وصوت خفيض: تسلمي أنتِ، ربنا يخليكِ.
قال جاسر: طب يا جماعة، أسيبكم تتعرفوا أكتر على بعض، وأنا هاخد زهرة أعرفها على المكان على بال ما توصل الميكب آرتست.
سألته زهرة بعدم تركيز: والميكب آرتست ليه بقى؟
تناول كفها يسحبها معه وهو يجيبها بابتسامة متلاعبة: عشان كتب الكتاب يا زهرة، هو انتِ نسيتي ولا إيه؟
***
كأنها في دوامة، مستسلمة لسحبه لها، تسير بآلية وهو يعرفها بغرف المنزل الشاسع الفسيح مع رفاهية لم ترَ مثلها حتى في أقصى خيالاتها. لا تصدق ولا تعترض ولا تشعر بشيء من هذه الفرحة التي تشعر بها العروس في يوم كهذا. وصل بها إلى غرفة أخرى كباقي الغرف، ولكن يبدو أن هذه كانت مميزة. سحبها لتلج معه داخلها.
دي بقى هتبقى أوضتنا يا زهرة.
أوضة إيه؟
للمرة الثانية تجاوبه ببلاهة وعدم تركيز، أثارت ابتسامة عبثية على وجهه وهو يردف: إيه يا بنتي، أنتِ النهاردة فاقدة التركيز تمامًا، بس أنا عاذرك برضه. تعالي بقى شوف الهدوم اللي أنا جبتها ونقيتها بنفسي.
قال الأخيرة وهو يفتح الضلفة الوسطى في خزانة الملابس الضخمة، أشار لها بيده قائلاً: دي بقى هدومك للخروج، دريسات وهدوم واسعة كلها على نفس النظام اللي انتِ ماشية عليه، حتى شوفي كدة.
قال وهو يناولها إحدى القطع المعلقة بشماعتها، أومأت له قائلة بذوق: حلو وجميل.
حلو وجميل! ردد خلفها باستغراب وهو يفتح ضلفة أخرى للبيجامات والملابس البيتية المريحة، وهي تهز برأسها التي ذهب منها التركيز إلى.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
حل مكانه صداع غير عادي حتى فاجئها بقطعة غريبة جعلتها تفوق من غفوتها. فشدتها منه سريعا، تعيدها مكانها وتقفل عليها باب الضلفة بغضب.
رد هو بعبث:
"إيه يابنتي بتشديه كدة ليه؟ هو حاجة غريبة يعني؟"
هتفت غاضبة:
"لأ مش غريبة، بس انت ماينفعش تخليني أشوف حاجة زي دي."
"ليه بقى؟ دا اللي منقيهم ومشتريهم بنفسي." قال بتسلية واستمتاع، مما أثار غيظها أكثر.
فهتفت وهي تدب بقدميها مغادرة:
"أنا أساسا اللي غلطانة عشان جيت معاك وأنت جررني كدة من إيدي زي البهيمة."
أوقفها مقاطعا قبل أن تخرج من الغرفة:
"ماتقوليش على نفسك كدة يازهرة، أنا مش عيل مراهق عشان أعمل معاكي الحركات القرعة دي."
توقفت محلها متكتفة الذراعين، تستمع إليه على مضض.
واستطرد هو:
"أنا عارف إنك زعلانة وجواكي إحساس إني غصبتك على جوازي منك من غير رضا خالك، بس أنا مكنش ينفع أتأخر أكتر من كدة بعد اللي حصل من الأستاذ عماد في الشركة."
"ماينفعش ليه؟" سألته باقتضاب.
وكان جوابه:
"مش لازم تعرفي دلوقتي يازهرة، خلي كل حاجة في وقتها. المهم بقى تعالي شوفي أنا جايبك هنا ليه أساسا."
تحرك بأقدامه حتى اقترب من التخت، فتناول من فوق الفراش فستان سهرة باللون العسلي. التمست نعومته من مكانها بدون أن تلمسه، بقصة بسيطة صممت بيد خبيرة تظهر جمال الفستان دون تكلف.
"إيه رأيك بقى؟"
"ماهنش عليك تخليه أبيض." غمغمت بها بداخلها قبل أن تجيبه مطبقة على شفتيها:
"كويس وجميل، جميل جدا."
رد جاسر وهو يلقي نظرة أخرى على الفستان وعليها:
"حاسس إنه هايطلع يجنن عليكي، رغم إني معرفش مقاساتك بالظبط، بس أنا نقيته بإحساسي."
احتدت عيناها قبل أن تلتف مغادرة من أمامه، تعض على شفتها بغيظ منه.
أطلق ضحكة مجلجة وهو يعيد الفستان لمكانه كي يلحق بها:
"طيب استني طيب، بلا الشك السوء دا، أنا بتكلم بنية صافية."
***
في المساء، وقد حضر العدد المحدود من المدعوين من عائلتها. ترحب بهم عمته الوحيدة، ومعها طارق صديقه ومدير أعماله كارم، بالإضافة إلى الخدم الموثوق بهم. حضر المأذون يتنظر بالبهو، وهي مازالت في غرفتها مع الميكب أرتست. ومعهم كاميليا التي جهزت نفسها معها بالداخل.
أما غادة، فاختارت أن تذهب إلى أقرب بيوتي سنتر في المنطقة، مضحية بمبلغ هائل من مال أبيها كي تبهر الجميع بإطلالتها. وهذا ما حدث حينما اقتحمت المنزل بفستان عارٍ من الكتفين، وضعت عليه شال خفيف يخفي ولا يخفي. لفتت أنظار الجميع إليها، وأولهم كان إمام الذي شاكسها بنظراته المتفحصة لها كعادته.
تجاهلته هي، وارتكزت أنظارها على جاسر، الذي لم يلتفت أساسا، فقد كانت عيناه مرتكزة نحو الردهة المؤدية لغرفة عروسه. ألقى نحوها طارق نظرة جريئة كعادته، أسعدتها قبل أن تنضم لوالدتها في جلستها مع الجميع في انتظار العروس.
التي خرجت أخيرًا بفستانها العسلي بصحبة كاميليا، التي ارتدت فستان من اللون النبيتي طويل حتى الكاحل، أظهر رشاقتها وأناقتها الدائمة، وشعرها المصفف بعناية يتراقص مع خطواتها. بجوار زهرة التي فاجأت الجميع بجمالها، فستانها الذي انسدل عليها بنعومة أظهر لأول مرة جمال جسدها. الملفوف وجهها الذي لم تطئه فرشاة التجميل سابقًا، كان اليوم يصرخ بجمالها أمام الجميع، الذين فغروا أفواههم بذهول نحوها.
كاد قلبه هو أن يتوقف، ظل متسمرا محله وعيناه تلتهما تفاصيلها، حتى أجفله طارق بنكزة بمرفقه يهمس إليه:
"فوق يابني مش كدة، فضحتنا. روح هات عروستك، مش كفاية أبوها الراجل المبلم ده."
أومأ برأسه بعدم تركيز، فتحرك بخطواته السريعة نحوها، حتى إذا اقترب ألقى التحية لكاميليا التي بادلته بابتسامة، ثم همس بجوار أذنها بصوت متحشرج من فرط ما يشعر به:
"قمر يازهرة، مهما أوصف مش هاقدر أوفي جمالك حقه."
أومأت بخجل وعيناها الجميلة التي رسمت بحرفية تخفضها عن عيناه المتصيدة. تنفس بعمق وهو يتناول كفها التي اندهش من برودتها، قائلا وهو يسحبها معه:
"إيه يابنت إيديك ساقعة أوي كدة ليه؟"
لم ترد، واستسلمت للسير معه، رغم العواصف الدائرة برأسها دون توقف، حتى أجلسها بجوار جدتها التي قبلتها بحنان على رأسها بفرحة، حتى كادت توشك على البكاء.
كاميليا، والتي وقفت تراقب من محلها وهاتفها بيدها، تفاجأت بطارق الذي أتى إليها يلقي التحية:
"مساء الخير، اللي يشوفك يقول عليك إنت كمان عروسة."
ردت بابتسامة رائعة:
"مرسي، وإنت كمان اللي يشوفك يقول عليك عريس."
رد بمغزى:
"يااارب يسمع منك قريب وتحن اللي قلبي هايموت عليها."
رفعت أنظارها إليه بتساؤل، قبل أن تلتفت إلى الهاتف الذي صدح بيدها، فاستأذنت منه قائلة:
"طيب معلش عن إذنك ياطارق عشان عندي حاجة مهمة."
"حاجة إيه؟" تفوه بها باستغراب وهي تغادر من أمامه نحو باب الخروج. هم أن يلحقها، ولكنه تذكر المأذون وشهادته على عقد زواج صديقه، فعاد للجلوس أمام كارم الذي كان ينظر إليه بملامح مغلفة بعد أن تابع حديثه مع كاميليا.
وعند جاسر، الذي كان يستعد لعقد قرانه، تفاجأ بزهرة وهي تشير إليه بتردد. نهض من مقعده ليجلس بجوارها سائلا:
"نعم ياقلبي، عايزة إيه؟"
قالت مستجمعة شجاعتها:
"كنت عايزة أطلب منك قبل ما نتجوز ياجاسر."
رد بابتسامة مشجعة:
"قصدك شروط يعني؟ قولي ياحبيبتي."
أراحها أسلوبها، فقالت:
"أوعى تحرمني من زيارة ستي أبدا، ولا في أي وقت ياجاسر."
"على عيوني." أردف بها مشيرا بسبابته نحوهم.
فتابعت هي:
"والشغل، أرجوك يعني مهما حصل مابينا ماتبعدنيش عنه، أنا مصدقت لقيت نفسي فيه."
نظر إليها بحنان صادق قائلا:
"مش هاحرمك من الشغل يازهرة."
أكملت بعفويتها:
"وعلى العموم يعني أنا ممكن أشتغل مع الأستاذ مرتضى لو حصل أي حاجة مابينا و..."
"مافيش شغل مع حد تاني غيري يازهرة." أردف بها مقاطعا، قبل أن يعود لمجلسه وقد انقلب وجهه في أقل من ثانية.
عم الهدوء المكان، ورجل الدين يبدأ في أول مراسم العقد، قبل أن ينتبه الجميع فجأة على صيحة رجولية خشنة من المدخل:
"استنى ياعم، مافيش كتب كتاب من غيري."
ارتفعت أنظار الجميع نحوه، ثم انتبهوا على صرخة من زهرة التي تناست كل شيء ونهضت مهرولة إلى الرجل غير عابئة بشكلها كعروس، مرددة:
"خالي..."
تلقفها هو من وسط المسافة، يحتضنها بشوق رافعا أقدامها على الأرض بمسافة، مرددا بمرح مع ضحكاته المجلجلة بقلب البهو الفسيح:
"كبرتي يابنت فهمية وبقيتي عروسة."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الستون 60 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كطفلة صغيرة التقت بأبيها بعد غيابه عنها منذ سنوات، تشبثت به وهو يحتضنها بقوة، فاقدة النطق، تخشى ألا حقيقة أو يكون أنه وهم من محض خيالها. مازالت لا تصدق رغم رهانها من داخلها على عودته.
رافعًا أقدامها عن الأرض وهو يقهقه بصوت عالٍ، يناغشها بمرح:
"كبرتي يازهرة وهاتتجوزي قبلي كمان يابنت أنا مش مصدقة إنك جيت، والله ما مصدقة."
تفوهت بها بتقطع، قبل أن ينزلها بتمهل لتطأ أقدامها على الأرض، ومازال يقبل فوق رأسها وفوق وجنتيها، وقد ضم وجهها بين كفيه يتأمل جمالها بأعين ملتمعة، مرددًا بمشاعر تفيض بالفرح:
"وأنا أقدر أسيبك ياعيون خالك في يوم زي ده، حتى لو كنا مخاصمين بعض أو تفصل مابينا بلاد."
ردت هي بلهفة وهي تقيم ما يرتديه من حلة رائعة باللون الرمادي على جسده الطويل وبشرة وجهه التي ازداد سمارها مع سفره:
"بس إنت لحقت إمتى تيجي؟ لا ولابس بدلة كمان، ولا أكنك عريس ياخالي."
رد خالد بتفكه وهو يدفع بكفه على رأسها من الخلف بخفة:
"عريس مين يابنت الـ... ما عملتيها إنت وسبقتيني."
مزحته جعلتها تفقد رزانتها الدائمة، فصدرت ضحكتها المرحة على دعابته بصوت مقهقهة، قبل أن تفاجأ بمن يجذبها بحزم للخلف وصوته الأجش يقول:
"حمد الله عالسلامة ياعم خالد."
رد خالد بضحكة مجلجلة وهو يعيد زهرة بحزم هو الآخر إلى تحت ذراعه:
"الله يسلمك ياعريس، أخبارك إنت إيه؟"
ارتفع حاجبا خطرًا من جاسر الذي تحامل على نفسه بصعوبة، وهو يرى هذا الرجل يحتضن عروسه باشتياق ويقبلها على وجنتيها وجبهتها. والأدهى من ذلك هو تشبثها هي به بفرحة أنارت وجهها وأذهبت عنها التوتر، بالإضافة إلى ضحكاتها معه وكأنها طفلة في السادسة وليست عروس بجوار عريسها الذي تركته غير مبالية.
تدخل فجأة صوت نسائي:
"إيه ياجماعة مش تعرفوني بالعريس، ولا إنتوا هاتسيبوني اليوم كله واقفة كده على جنب."
التفت جاسر نحو صاحبة الصوت ليجد زهرة ترحب بلهفة بالمرأة الواقفة بجوار كاميليا، والتي قامت بمهمة التعريف:
"جاسر بيه دي تبقى نوال خطيبة خالد."
رحب جاسر بالمرأة الجميلة ذات الملابس المحتشمة، لكن بأناقة، رغم غيظه من خطيبها:
"أهلاً بيكِ حضرتك، نورتي."
ردت نوال بابتسامة، فصدح صوت زهرة بتساؤل:
"ده على كده بقى إنت كنتِ عارفة، عشان كده اتأخرتي في مجيتك؟ والخاېنة دي قاعدة اليوم كله معايا وهي راسمة ومشتركة معاكم في الخطة؟"
ردت كاميليا ضاحكة:
"طب يعني كنت عايزاني أعمل إيه بس؟ وخالك منبه ومشدد إن لساني ما ينطق بحرف واحد."
رد خالد وهو يميل بوجهه نحو زهرة التي مازالت تحت ذراعه:
"كنت عايز أعملهالك مفاجأة، إيه رأيك بقى؟ عجبتك يا حبي الأول والأخير إنت؟"
ختم جملته بقبلة على جبهتها جعلت الدماء تغلي بأوردة الآخر، وهو يشاهد ابتسامتها التي زينت وجهها الجميل وهي تنظر إليه بامتنان. ليتفاجأ برد نوال البارد من وجهة نظره:
"آه جينا بقى لشغل الضراير، أنا قولت ما أجيش الفرح ده من أساسه ياعم."
ارتفعت شفة مستنكرة من جاسر وهو يتابع ضحكات الثلاثة ومزاحهم، حتى خرج هو عن سيطرته، فجذبها من يدها إليه بحركة سريعة قائلاً:
"طب ياجماعة كفاية عطلة بقى، المأذون والشهود مستنيين بقالهم فترة، حصلنا ياخالد، يلا."
قال الأخيرة وهو يهرول بها مبتعدًا من أمام خالد الذي عض على شفته بابتسامة مستترة، قبل أن يحسم أمره في الذهاب خلفهم كي يذهب إلى والدته ويكون وكيلها في العقد.
بعد قليل، وبعد أن تم عقد القران وذهب الرجل الدين، فلم يتبق سوى المدعوين من الأسرتين والعروسين. انطلقت الزغاريد من سمية وبناتها الصغار، غير مبالية بالمكان ولا رهبته. أثارت ضحكة مشجعة من رقية التي أسعدتها أجواء الفرح. انتقلت أنظار إحسان نحو علية عمته، ليجدوها مقهقهة هي الأخرى وسعيدة بالعرض.
أما جاسر، فلم ينتبه لشيء وهو ينهض على الفور، منتقلًا من مقعده ليجلس بجوار عروسه على أريكة لهم وحدها، ممسكًا بكفها بين قبضته وكأنه يخشى عليها من الهرب. همس وهو يرفعها إليه ليقبلها:
"مبروك يازهرة يا أجمل عروسة شافتها عيني."
أومأت له بابتسامة خجلة:
"الله يبارك فيك."
تنهد من قلبه وعيناه تلهم تفاصيلها، يشعر بفرحة عريس بأول زواج له، وكأنه لم ير أو يختبر من النساء قبلها. هي فرحته الأولى والأخيرة، بل هي أجمل النساء.
هتف طارق من الناحية الأخرى مصفقًا بيده:
"إيه ياعريس، هو إحنا هانقضي الليلة كلها هنا ولا إيه؟ إنت نسيت اتفاقنا ولا ياكبير؟"
التفتت أنظار الجميع نحو جاسر الذي أومأ برأسه قائلاً بارتباك وهو يضع يده في جيب سترته:
"آه آه تمام، حاضر، ثواني بس."
قال، ثم أخرج علبة مخملية أكبر من سابقتها وتناول منها الخاتم الألماظ الذي أبهر الجميع بجماله وفخامته، ليضعه بكفها التي تناولها مقبلًا إياها بحب مرة أخرى، متحديًا الجميع ليزيد من خجلها وتتسع ابتسامته من رد فعلها. تناول من العلبة مرة أخرى أسورة من نفس الطقم يلفها على رسغها. هزت برأسها ناظرة إليه باستفهام. رد بابتسامة صامتة وهو يتناول عقدًا آخر كاد أن يذهب بعقل إحسان وابنتها التي كانت تنظر بأعين جاحظة تكاد تخرج من محجريها، وهي تراه يلفه حول رقبتها وفوق حجابها.
قالت علية بمرح وهي تقترب منهم:
"أجي أنا ألبسها العقد ياجاسر، مادمت إنت مش عارف."
رمق جاسر عمته بنظرة محذرة، وهو يستمع للضحكات من حوله ويتابع مستمتعًا بهذا القرب منها وارتباكها المحبب إليه، حتى إذا انتهى منه أخيرًا هتف طارق بمرح:
"حلو، وأخيرًا خلصنا."
صدحت ضحكات الجميع، أما جاسر فاقترب من زهرة هامساً:
"كان نفسي ألبسك سلسلة الست الوالدة، بس مدام خالك موجود يبقى خليها في علبتها أحسن، وإنت البسيها بعد كده براحتك، ماهي خلاص بقى رجعتلك."
رفعت عيناها تنظر إليه بامتنان على تذكره لهذا الشيء العزيز على قلبها ومرعاته لشعور خالها الذي لو رأى السلسلة لكانت أثارت برأسه التساؤلات.
"ياعررريس."
هتف بها طارق مرة أخرى بمغزى لصاحبه الذي استدرك قائلاً:
"طب ياجماعة، إحنا نقوم كلنا مع أستاذ طارق، ليَفضحنا لو فضلنا أكتر من كده، عشان المفاجأة اللي محضرينها."
سألته رقية:
"رايحين فين ومفاجأة إيه اللي بتقول عليها دي؟"
أجابها هذه المرة كارم، والذي كان صامتاً من أول الجلسة:
"اطمني ياحاجة، إحنا بس كلنا هانخرج مع جاسر باشا في احتفال بسيط بمناسبة جوازه على زهرة هانم."
"زهرة هانم!"
همست بها غادة بامتعاض لوالدتها التي نكزتها بحذر، وهي تتابع جدال رقية لعدم الذهاب معهم.
"ليه بس ياحاجة، القعاد ماتيجي معانا، دي كل حاجة مترتبة والله، وإنت بالذات عاملين حسابك."
هتف بها جاسر نحو رقية التي ردت بابتسامة:
"متشكرين يابني، كتر خيرك، أصلي أنا لا برتاح في الخروج ولا الفسح، اخرجوا إنتوا وافرحوا وانبسطوا، متاخدونيش حجتكم."
خاطبها خالد بجوار خطيبته:
"إيه يارقية، ماتيجي معانا وخلاص في المكان."