تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كطفلة صغيرة التقت بأبيها بعد غيابه عنها منذ سنوات، تشبثت به وهو يحتضنها بقوة فاقدة النطق ، تخشى ألا يكون حقيقة أو أنه وهم من محض خيالها، مازالت لا تصدق ، رغم رهانها من داخلها على عودته، رافعًا أقدامها عن الأرض ، وهو يقهقه بصوت عالي. يناغشها بمرح :
- كبرتي يازهرة وهاتتجوزي قبلي كمان يابت؟
- انا مش مصدقة انك جيت والله ما مصدقة.
تفوهت بها بتقطع قبل أن ينزلها بتمهل لتطئ أقدامها على الأرض ومازال يقبل فوق رأسها وفوق وجنتيها وقد كوب وجهها بين كفيه يتأمل جمالها بأعين ملتمعة، مرددًا بمشاعر تفيض بالفرح :
- وانا اقدر اسيبك ياعيون خالك في يوم زي دا ؟ حتى لو كنا مخاصمين بعض أو تفصل مابينا بلاد.
ردت هي بلهفة وهي تقيم ما يرتديه من حلة رائعة باللون الرمادي على جسده الطويل وبشرة وجهه التي ازداد سمارها مع سفره:
- بس انت لحقت امتى تيجي ؟ لا ولابس بدلة كمان ولا اكنك عريس ياخالي .
رد خالد بتفكه وهو يدفع بكفه على رأسها من الخلف بخفة .
- عريس مين يابنت ال...... ما عملتيها انتِ وسبقتيني.
مزحته جعلتها تفقد رزانتها الدائمة فصدرت ضحكتها المرحة على دعابته بصوت مقهقهة، قبل أن تفاجأ بمن يجذبها بحزم للخلف وصوته الأجش يقول :
- حمد الله عالسلامة ياعم خالد .
رد خالد بضحكة مجلجلة وهو يعيد زهرة بحزم هو الاَخر الى تحت ذراعه :
- الله يسلمك ياعريس ، اخبارك انت إيه؟
ارتفع حاجبًا خطرًا من جاسر الذي تحامل على نفسه بصعوبة وهو يرى هذا الرجل وهو يحتضن عروسه باشتياق ويقبلها على وجنتيها وجبهتها، والأدهى من ذلك هو تشبثها هي به ، بفرحة أنارت وجهها واذهبت عنها التوتر ، بالإضافة الى ضحكاتها معه وكأنها طفلة في السادسة وليست عروس بجوار عريسها الذي تركته غير مبالية ، تدخل فجأة صوت نسائي :
- ايه ياجماعة ، مش تعرفوني بالعريس ولا انتوا هاتسيبوني اليوم كله واقفة كدة على جمب.
التفت جاسر نحو صاحبة الصوت ليجد زهرة ترحب بلهفة بالمرأة الواقفة بجوار كاميليا والتي قامت بمهمة التعريف :
- جاسر بيه، دي تبقى نوال خطيبة خالد .
رحب جاسر بالمرأة الجملية ذات الملابس المحتشمة لكن بأناقة ، رغم غيظه من خطيبها :
- أهلًا بيكِ حضرتك ، نورتي .
ردت نوال بابتسامة فصدح صوت زهرة بتساؤل :
- دا على كدة بقى انتٍ كنتِ عارفة عشان كدة أتأخرتي في مجيتك ، والخاينة دي قاعدة اليوم كله معايا وهي راسمة ومشتركة معاكم في الخطة .
ردت كاميليا ضاحكة :
- طب يعني كنتِ عايزاني اعمل ايه بس ؟ وخالك منبه ومشدد ان لساني ماينطق بحرف واحد حتى؟
رد خالد وهو يميل بوجهه نحو زهرة التي مازالت تحت ذراعه:
- كنت عايز اعملهالك مفاجأة ، ايه رأيك بقى ؟ عجبتك ياحبي الأول والاَخير انتِ .
ختم جملته بقبلة على جبهتها جعلت الدماء تغلي بأوردة الاَخر وهو يشاهد ابتسامتها التي زينت وجهها الجميل وهي تنظر اليه بامتنان، ليتفاجأ برد نوال البارد من وجهة نظره.
- اَاه جينا بقى لشغل الضراير، انا قولت ماجيش الفرح دا من أساسه ياعم.
ارتفعت شفة مستنكرة من جاسر وهو يتابع ضحكات الثلاثة ومزاحهم، حتى خرج هو عن سيطرته فجذبها من يدها اليه بحركة سريعة قائلًا :
- طب ياجماعة كفاية عطلة بقى المأذون والشهود مستنين بقالهم فترة ، حصلنا ياخالد ياللا .
قال الاَخيرة وهو يهرول بها مبتعدًا من أمام خالد ، الذي عض على شفته بابتسامة مستترة قبل أن يحسم أمره في الذهاب خلفهم ، كي يذهب ألى والدته ويكون وكيلها في العقد.
.................................
بعد قليل
وبعد أن تم عقد القران وذهب الرجل الدين ، فلم يتبقى سوى المدعوين من الأسرتين والعروسين ، انطلقت الزغاريد من سمية وبناتها الصغار غير مبالية بالمكان ولا رهبته ، اثارت ضحكة مشجعة من رقية التي أسعدتها أجواء الفرح ، انتقلت أنظار إحسان نحو علية عمته ليجدوها مقهقهة هي الأخرى وسعيدة بالعرض ، أما جاسر فلم ينتبه لشئ وهو ينهض على الفور منتقلًا من مقعده ليجلس بجوار عروسه على أريكة لهم وحدهم ، ممسكًا بكفها بين قبضته وكأنه يخشى عليها من الهرب ، همس وهو يرفعها إليه ليقبلها :
- مبروك يازهرة ، يا أجمل عروسة شافتها عنيا .
أومأت له بابتسامة خجلة :
- الله يبارك فيك .
تنهد من قلبه وعيناه تلتهم تفاصيلها، يشعر بفرحة عريس بأول زواج له ، وكأنه لم يرى أو يختبر من النساء قبلها ، هي فرحته الأولى والاَخيرة بل هي أجمل النساء .
هتف طارق من الناحية الأخرى مصفقًا بيده :
- إيه ياعريس هو احنا هانقضي الليلة كلها هنا ولا إيه ؟ انت نسيت اتفاقنا ولا ياكبير ؟
التفتت انظار الجميع نحو جاسر الذي أومأ برأسه قائلًا بارتباك وهو يضع يده في جيب سترته :
- اه اه تمام حاضر ، ثواني بس .
قال ثم أخرج علبة مخملية أكبر من سابقتها ، وتناول منها الخاتم الألماس الذي أبهر الجميع بجماله وفخامته ، ليضعه بكفها التي تناولها مقبلًها بحب مرة أخرى متحديًا الجميع ، ليزيد من خجلها وتتسع ابتسامته من رد فعلها ، تناول من العلبة مرة أخرى أسورة من نفس الطقم يلفها على رسغها ، هزت برأسها ناظرة إليه باستفهام ، رد بابتسامة صامتًا وهو يتناول عقد اَخر كاد ان يذهب بعقل إحسان وابنتها الاَتي كنا ينظرن بأعين جاحظة تكاد أن تخرج من محجريها، وهن يرونه يلفه حول رقبتها وفوق حجابها .
قالت علية بمرح وهي تقترب منهم :
- اَجي انا اللبسها العقد ياجاسر مادمت انت مش عارف .
رمق جاسر عمته بنظرة محذرة وهو يستمع للضحكات من حوله ويتابع مستمتعًا بهذا القرب منها وارتباكها المحبب أليه، حتى اذا انتهى منه اَخيرًا ، هتف طارق بمرح :
- حلو واَخيرًا خلصنا .
صدحت ضحكات الجميع أما جاسر فاقترب من زهرة هامسًا :
- كان نفسي اللبسك سلسلة الست الوالدة، بس مدام خالك موجود يبقى خليها في علبتها أحسن وانتِ البسيها بعد كدة براحتك ، ماهي خلاص بقى رجعتلك .
رفعت عيناها تنظر اليه بامتنان على تذكره لهذا الشئ العزيز على قلبها ، ومرعاته لشعور خالها الذي لو رأى السلسلة لكانت أثارت برأسه التساؤلات .
- ياعررريس .
هتف بها طارق مرة أخرى بمغزى لصاحبه الذي استدرك قائلًا :
- طب ياجماعة احنا نقوم كلنا مع استاذ طارق ليفضحنا لو فضلنا أكتر من كدة ، عشان المفاجأة اللي محضرينها .
سألته رقية :
- رايحين فين ؟ ومفاجأة ايه اللي بتقول عليها دي ؟
أجابها هذه المرة كارم والذي كان صامتًا من أول الجلسة :
- اطمني ياحاجة، احنا بس كلنا هانخرج مع جاسر باشا في احتفال بسيط بمناسبة جوازوا على زهرة هانم .
- زهرة هانم !
همست بها غادة بامتعاض لوالدتها التي نكزتها بحذر وهي تتابع جدال رقية لعدم الذهاب معهم .
- ليه بس ياحاجة القعاد؟ ماتيجي معانا دي كل حاجة مترتبة والله وانتِ بالذات عاملين حسابك .
هتف بها جاسر نحو رقية التي ردت بابتسامة :
- متشكرين يابني كتر خيرك ، اصلي انا لا برتاح في الخروج ولا الفسح ، اخرجوا انتوا وافرحوا وانبسطوا متاخدونيش حجتكم .
خاطبها خالد بجوار خطيبته :
- ايه يارقية؟ ماتيجي معانا وخلاص في المكان اللي احنا مش عارفينه ده، مش يمكن يطلع حاجة حلوة وتنبسطي فيها .
- ياخويا انا مبسوطة وعال العال ، اطلع انت مع خطيبتك اللي لازقلها من أول مارجعت ياواد .
قالت رقية بمشاكسة كعادتها اثارت غيظ خالد الذي ضيق لها عيناه مع ضحكات الجميع حولهم وشهقة من نوال التي غطت فمها بكفها ، حتى زهرة التي ظهر عليها الأرتياح وهي تضحك بمرح أسعدت قلب مُحبها الذي لا يمل من اختلاس النظر نحوها بجواره ،
تدخلت علية قائلة بصوتها الحنون:
- خلاص ياجماعة اخرجوا انتوا وانا هاقعد معاها، دي حتى زي العسل وقعدتها ما ينشبعش منها .
- تسلمي ياأميرة يابنت الأمرا ، تعالي اقعدي جمبي نكمل حكاوينا من تاني ، احنا كنا بنقول ايه؟
هتفت بها رقية نحو المرأة وجاسر والجميع يتحرك للخروج، رد خالد قبل أن يذهب مع عروسه :
- مافيش فايدة فيكِ يارقية ، هتفضلي طول عمرك تفضحي ابنك في كل الأماكن من غير مايهمك مشاعره ولا إحساسه
هتفت ترد:
- طب جر عجلك طيب بدل ما احكي للست الطيبة دي على مصايبك وانت صغير وافضحك بجد.
- لا وعلى ايه بس الطيب احسن.
أردف بها خالد متحمحمًا بحرج من السيدة التي كانت تقهقه بصوت مكتوم، وهو يعدل ياقة قميصه ويستدير لليتبع الاَخرين في الخروج ومعه خطيبته ، فهتف موليا لها ظهره :
- سلام يارورو.
.............................
في مكان اَخر
بداخل الملهى الليلي، الذي أتت اليه مرفت مع بعض صديقاتها ، وهي تبحث بعيناها عنها على الطاولات وفي الوجوه المارة حولها ، حتى وجدتها بساحة الرقص ، ترقص مع أحد الشباب الأغراب باندماج ، لفت رواد المحل حولها ، تأففت الأخرى بمشاهدتها ، لتجلس على أحد الطاولات في انتظارها والذي طال لقرابة الساعة حتى انتبهت اليها مريهان وذهبت اليها لاهثة تردد:
- هاي ياقلبي، انتِ جيتي هنا من أمتى ؟
نفثت الأخرى دخان سيجارتها قبل أن تجيبها بضيق :
- انا هنا من زمان ياحبيبتي، انتِ اللي مش فاضيالي.
القت مريهان ابتسامة نحو الشاب الذي اشار اليها من مسافة قريبة ، قبل ان ترد على صديقتها بعدم انتباه:
- مش فاضيالك ليه بس يابنتِ ؟ ما انا جيتلك على طول اول أما شوفتك اهو .
غضبت الأخرى من طريقتها فجذبتها بعنف كي تجلس على الكرسي المقابل لها :
- ماتقعدي بقى خايلتيني، هو صاحبنا ده ما استكفاش برقصك معاه بالساعتين ، عمال يشاغلك حتى هنا وانتِ زي العبيطة مندمجة معاه .
التفت اليها ميري قائلة بنزق :
- الله يا مرفت ، دا انتِ الشغل مع جاسر طبع عليكِ وخلاكِ مملة زيه ، ياباي عليكِ
هتفت مرفت تشير نحو نفسها بسبابتها :
- - انا بقيت مملة ياميري ، عشان بنصحك وعايزة أوعيكِ لمصلحلتك، يابنتِ ماينفعش تخلي أي حد ياخد عليكِ بسرعة كدة، راعي وضعك ياحبيبتي وشوفي انتِ بنت مين ومرات مين .
- اووف انتِ كمان لازم تفكريني .
تفوهت بها قبل أن تتابع وهي تعود بأنظارها نحو الشاب الذي راقصها منذ قليل :
- طب بزمتك، واحدة في وضعي كدة زي مابتقولي انتِ وهاجرها جوزها ، تفتكري والنبي لما تشوف حاجة حلوة كدة قدامها ، وفي عز احتياجها ، مش برضوا الخيانة تبقى حلال ليها .
نكزتها مرفت بطرف كفها وهي تهتف بغيظ :
- تخوني ايه يازفتة انتِ ؟ هي ناقصة عك أكتر ماهي معكوكة، بصيلي كدة وانتبهي ماينفعش التسيب ده وشوفي جوزك بيعمل ايه؟.
استدارت لها قائلة من تحت أسنانها :
- مايعمل اللي يعمله بقى انا مالي؟ اذا كان حتى البيت اللي كان جامعنا زي المطار ، سابوا هو كمان ومابقتش عارفة انا بقى ساكن فين.
ارتدت الأخرى بظهرها للخلف قائلة بتفكير :
- يااااه ، حتى الحاجة الوحيدة اللي كانت بتجمعكم راحت كمان، مش عارفة ليه ياميري ، قلبي حاسس كدة ان في حاجة مش مظبوطة .
ضحكت الأخرى ساخرة تسألها :
- حاجة واحدة بس اللي مش مظبوطة ، يابنتِ الوضع كله مش مظبوط .
زفرت مرفت هاتفة :
- يابنتِ افهمي بقى ، انا بتكلم بناءًا على حاجة شوفتها بنفسي ، جوزك من كام يوم كان عامل خناقة لرب السما مع موظف حاول يتقرب من موظفة زميلته أو يتحرش بيها ، مش عارفة ، المهم ان الشركة كلها اتلمت عليهم .
- يتخانق عشان موظفة؟
تساءلت ميري بدهشة ، أجابتها الأخرى :
- شوفتي بقى ياستي، اهي الموظفة دي بقى تبقى سكرتيرته ، ومعرفش كدة حاساه بيعاملها معاملة خاصة ولا ايه ، مش عارفة ، بس انا ابتديت اقلق .
صمتت ميري قليلًا قبل أن تسألها :
- تفتكري يعني تكون في علاقة مابينهم ؟ طب هي السكرتيرة دي شكلها ايه بالظبط ؟ حلوة كدة وجامدة ، ما انا عارفاه ماتعجبوش أي واحدة وخلاص .
مطت مرفت بشفتيها :
- يابنتي والله مااعرف ، بس هي البنت حلوة بصراحة رغم انها مابتحطش مكياج نهائي ، دا غير انها محجبة بقى ولبسها واسع بزيادة ، يعني حاجة غريبة كدة ملهاش تفسير ، فاهماني .
صمت قليلًا ميري ترتشف من المشروب الذي أمامها قبل ان تتوجه لمرفت قائلة :
- طب انا عايزة اشوف البنت دي، عندك صورة ليها ؟
نفثت مرفت من سيجارته قبل أن ترد عليها بهدوء :
- معايش ، بس لو عايزة اصورهالك .
....................................
على سطح المركب النيلي كان الاحتفال الذي أعده لها ، وقد خصص لهم فقط مع الفرقة الموسيقة التي كانت تعزف وفرق النوادل لخدمتهم، محروس وزوجته وبناته على طاولة وحدهم ، كاد أن يفضحهم بفرط فرحته ، أو كلما تناول شيئًا جديدًا من ألأصناف التي كانت تقدم أمامه على الطاولة ، لولا نصائح الفتيات الصغيرات له ، وتذكيرهم الدائم له ، بأنه والد العروس فيعود لرشده وغضبه بعد أن ذهبت عنه وكالة العروس على اَخر لحظة ، وحل محله هذا المدعو خالد .
في الطاولة الاخرى جلست كاميليا مع غادة ووالدتها ، تنظر اليهم بتحدي وثقة، غير عابئة بنظرات إحسان لها ، ومشاعرها التي تغيرت ناحية غادة ، بعدما سمعت بما فعلته وأخبرت به عماد .
كانت الموسيقى تعلو وتشدوا بالأنغام الجميلة وخالد على طاولته مع خطيبته وعيناه تتنقل كل دقيقة نحو ابنة قلبه ، فيناغشها بعيناه ، ليثير غضب الاَخر.
- ما كفاية بقى يازهرة، بصيلي بقى وخلي عندك دم شوية .
هتف بها جاسر بغيظ نحوها فجعلها تحدق به فترفرف برموشها الصناعية غير مستوعبة الجملة التي صدرت منه :
- انا اخلي انا عندي دم ياجاسر؟
اقترب برأسها يرد بعتب:
- طب وعايزاني اقولك طيب وانا شايفك مش مركزة معايا خالص واكنك عايزة تقومي من جمبي وتروحي تقعدي مع خالك دا اللي سايب خطيبته وعمال يعاكسك عشان يغيظني .
- يغيظك ! طب ليه ؟
تفوهت بها ضاحكة بعدم تصديق ، اثارت السعادة به ليقول لها :
- معرفش بقى روحي اسأليه ، باينه كدة مضايق اني اخدتك منه، طب يعني مش يخليه في حاله هو مع عروسته ويسيبنا احنا الغلابة نفرح ببعض .
اندمجت في الحديث معه وقد استرعى اهتمامها ، فردت بابتسامتها التي تسلب لب قلبه :
- طب خلاص ياسيدي اديني انتبهتلك ومش هابص على خالي تاني عايز تقول ايه بقى ؟
رد بابتسامة متوسعة على وجهه:
- اقولك ياستي، بس في الأول بقى انا كنت عايز اسألك ، عجبتك السهرة .
أجابته بابتسامتها الجميلة :
- عجبتني ، بس بصراحة أجمل مافيها هي اني وسط عيلتي ، عشان من غيرهم لا يمكن كنت هاحس بطعم أي حاجة حلوة.
تناول كفها ويقبلها للمرة الألف غير عابئ بخجلها ولا اعتراضها .
وعلى طاولة خالد الذي كان يتأملها صامتًا ، سألته نوال :
- إيه بقى ياعم ؟ مش تفتكرني كدة ولا انت ماصدقت تشوف حبيبتك عشان تنساني .
تنهد خالد مطولًا قبل أن يجيبها بوجه ذهب عنه الهزل :
- قلقان عليها يانوال ، الدنيا اللي هي دخلاها على قد ماهي جميلة ومبهرة لكن في نفس الوقت كلها مشاكل وصعوبات ، موجة عالية بترفعها لفوق قوي ، خايف لمتقدرش عليها فتوقعها ولا لاسمح الله تكسرها.
نكزته بخفة بقبضتها على كفه الممدودة على الطاولة تردد :
- وتوقعها ليه ولا تكسرها كف الله الشر ياسيدي ؟ ما انت قاعد هو وبتراعيها، مش بتقول انك خلاص وافقت على عرض الراجل اللي قالك على الشغل في شركته هنا في البلد .
رد هو بتأكيد :
- ان شاء الله انا حسمت أمري وهقبل بالوظيفة، مش هاقدر ابعد تاني عنك ولا عن رقية ولا هاقدر اسيبها هي تواجه الموج ده لوحدها .
قالت نوال :
- حلو أوي ، بس على فكرة بقى ، جاسر بيحبها وباين في عيونه اللي فضحاه، انا شايفة انه يقدر يسعدها كمان، ماهو كان لازم يجي اليوم ده ياحبيبي ، وزهرة مش هاتفضل العمر كله بنوتك الرقيقة ، اللي بتخاف عليها من الهوا الطاير.
كشر بوجهه لها بطرقة فكاهية اثارت ابتسامتها كالعادة قبل أن ينهض فجأة قائلًا :
- بقولك ايه ؟ انا قايم اغير واشوف الناس اللي بتعزف عالفاضي دي ايه عندهم ايه تاني شعبي ، عشان انا حاسس نفسي هنا بالشكل دة .
ضحكت نوال وهي تراقبه يذهب نحو الفرقة الموسيقة والذي تحدث معهم قليلًا قبل أن تعزف الفرقة ألحانها الشعبية ارضاءًا له ، ليقوم بالرقص عليها لافتًا أنظار الجميع حوله ، حتى زهرة التي اندمجت قليلًا في حديثها مع جاسر ، عادت بأنظارها لتجده ينظر نحوها غامزًا وهو يميل يمينًا ويسارًا ويلوح بيداه في الهواء ، جعلها تضحك من قلبها والاَخر يراقبها ويضرب بقبصته
على سطح الطاولة، منتظر انتهاء هذا العرض الذي اشترك به صديقه طارق أيضًا بجنون رقصاته هو أيضًا، ليتبعه محروس والفتيات أشقاءها الصغار ليشاركن خالد الذي جاملهم قليلًا ثم ذهب إلى زهرة يسحبها وهي تعترض بضحك مرددة :
- معرفش ياخالي انت عارفني .
وهو مستمر بسحبها غير عابئ لجاسر الذي يتاَكل من الغيظ يحاول بصعوبة كبح شيطانه ، حتى وضعها في الوسط لتتمايل معه بخفة ، وهو يديرها بين يديه وشيققاتها يلتففن حولها بخفة بفرحة أسعدتها بينهم ، لتنضم اليهم غادة تشاركهم ، أما كاميليا فكانت تتابع صامتة بعد أن وقفت بزاوية وحدها ، حتى وجدت من يشاركها .
- مابترقصيش ليه معاهم ؟
- قول لنفسك ما انت كمان مابترقصش .
ابتسم على قولها يرد :
- انا بصراحة ماتعودتش ارقص .
- وانا بقى مابعرفش ارقص .
ازداد اتساع ابتسامته على ردودها الفورية ، فقال :
- بس انا اللي اعرفه بقى ، ان مافيش بنت في مصر ما بتعرفش ترقص .
قالت هي بتأكيد :
- لأ ياسيدي خديها مني قاعدة ، في بنات كتير في مصر مابتعرفش ترقص وانا منهم .
استند بظهره على السياج الحديدي يسألها :
- طب ليه بقى ؟ انتِ مابتحبيش ولا انتِ من هواة الرقص الغربي .
ارتفع حاجبيها وأخفضتهم فجأة فقالت باندهاش :
- الرقص الغربي ! ايه ياعم كارم ؟ هو انت فاكرني قريبة جاسر بيه، دا انا تربية الحارة ياعم ، يعني بقى اغاني شعبية ومهرجانات وهيصة بقى، بس انا برضوا مابعرفش ارقص .
- برضوا !
اردف بها ضاحكًا قبل أن ينتبه على صوت الموسيقى الذي تغير فقال مازحًا :
- إيه ده ؟ هما سمعونا ولا إيه ؟ دول جابوا موسيقى غربي فعلاً .
- اه بس دي هادية .
قالتها كاميليا وقد لفت نظرها جاسر الذي تحرك من جوار الفرقة الموسيقية ليخترق الدائرة وسط الجميع ، يحتضن زهرة المذهولة ليرقص بها رقصة رومانسية ، ضحكت من قلبها كاميليا وهي تتابع صديقتها التي كانت كالدمية بين يديه من صدمتها وهو يحركها ويميل بها ، امام انظار الجميع .
حتى وقعت عيناها على يقف في الوسط واضعًا كفيه في جيبي بنطاله يرمقها بغضب ، يبدوا انه توقف عن الرقص منذ فترة ، غمغمت داخلها من هيئته باستغراب :
- ودا ماله ده بيبصلي كدة ليه ؟
والى زهرة التي كانت لا تستوعب هذا القرب منه وجرأته في سحبها من بينهم ليلصقها بجسده ، يتمايل بها بنعومة وبيدٍ خبيرة يحركها بين يديه، ناظرًا اليها بتحدي على الأعتراض ، هي أو خالد الذي كانت خطيبته تحاول جاهدة بمزاحها لتلهيه عن مراقبتهم بتحفز .
استمرت الرقصة واستمر الحفل الصغير الجميل حتى انتهاءه ، وغادر الجميع الا خالد وخطيبته ومعهم كاميليا التي أصرت على مرافقتها .
.............................
أمام منزلها الجديد قبلها خالد على جبينها يخاطبها بلهجة تفيض بالحب :
- وانت داخلة على دنيا جديدة خليكِ دايمًا حاطة في بالك اني في ضهرك ومش هاسيبك أبدًا ، وافتكري اتفاقي معاكي من زمان ، انك مهما غلطتي برضوا تيجي وتقوليلي، وانا هاصلح دا لو حصل يعني .
قال الاَخيرة بمرح جعلها تبتسم قائلة بارتياح :
- انا من أول ما شوفتك ياخالي وانا اطمنت، ما انتِ ضهري وسندي طول عمرك ، ربنا يخليك ليا يارب .
قبلها على جبينها مرة أخرى قبل أن يتركها لتسلم على جدتها التي كانت تنتظر في السيارة :
- يعني برضوا عملتي اللي في دماغك يارقية وماشية ، ماهنش عليكِ تباتي حتى الليلة .
انطلقت ضحكة مرحة من رقية وهي تجذبها نحوها لتقبلها من وجنتيها قائلة :
- ابات معاكي فين ياموكوسة؟! يابنت هو انتِ.....
قطعت جملتها لتقربها أكثر تهمس بأذنها بعض الكلمات التي جعلت زهرة وجهها يتغير ...... فاستقامت عنها ترد بعبوس :
- ايه اللي انتِ بتقوليه دا بس ياستي ؟
قهقهت رقية بضحكتها الرنانة فقال خالد الذي انضم معهم بالسيارة في الكرسي الأمامي قائلًا :
- بتضحكي على إيه يارقية وخليت البت وشها يتقلب؟ يارب مايكون اللي في بالي .
- انت كمان ياخالي .
تفوهت بها زهرة وهي تستقيم بظهرها فاختل توازنها قليلًا ، لتجد يدٍ ناعمة تسندها من الخلف تخاطبها:
- حاسبي لا توقعي على السلم ورواكي .
استدارت اليها زهرة تقبلها وتحتضنها مرددة :
- الف شكر ليكِ ياكاميليا بجد.
- بتشكريني على إيه ياعبيطة دا انتِ أختي ، ياللا بقى سلام وروحي بقى لعريسك دا اللي مستنيكِ على نار .
قالت الاخيرة بإشارة إلى جاسر المنتظر بالقرب منهم ، يدعي التحدث مع رجاله وهو لا يطيق صبرًا .
نظرت اليه زهرة لتفاجأة بأنظاره المرتكزة نحوها ، التفت مرتبكة لتقترب مرة أخرى من سيارة جدتها وخالها تقول :
- طب انا هاسلم على ستي مرة أخيرة...
- لا تسلمي ولا تزفتي تاني ، امش يابت .
اردفت بها كاميليا وهي تدفعها بخفة للخلف ضاحكة قبل أن تنضم بداخل السيارة مع خالد وخطيبته ورقية ، وتتحرك بهم من أمامها .
رفعت كفها ملوحة حتى اختفاءها من أمامها ، لتلتف بعد ذلك وتجده أمامها يومى لها رأسه بابتسامة متسلية قائلًا :
- تحبي نجري ونحصلهم؟
اطرقت برأسها بابتسامة مستترة قبل أن يتناول كفها ليتحرك بها نحو المنزل
.....................
وفي الداخل وبعد أن أوصلها لغرفتها بالطابق الثاني ، هبط مرة أخرى لوداع عمته التي أسرت على الذهاب أيضًا :
- مش كنتِ قعدتي ليلتك معانا النهاردة معانا ياعمتي .
ردت علية بابتسامة ودودة :
- أبات فين ياجاسر ؟ انت عايزني ابقى عزول يابني، ياحبيبي ربنا يهنيك .
ردد بابتسامة واسعة :
- ربنا يخليكِ ياحبيبتي ويبارك فيك ، بس برضوا انا كنت عايزك تباتي ولا تقعدي يومين حتى ، البيت واسع وانا مصدقت اشوفك، بعد غياب،شهور .
صدحت ضحكة منها قبل أن ترد :
- ومين السبب بقى في الغياب؟ مش انت اللي مشغول دايمًا بشغلك ، انا ياحبيبي قاعدة في بيتي دايمًا ، بعد ما جوزت البنت والولد، انت بقى لو عندك أصل هات العروسة وتعالى زورني .
أومأ برأسه قائلًا :
- أن شاء الله ياعمتي ، هايحصل أكيد .
ابتسمت له ببشاشة وهمت أن تتحرك ولكنها توقفت فجأة تقول :
- جاسر ، مش هاوصيك ياحبيبي على عروستك الجديدة ، البنت باينها طيبة أوي وحساسة ، عكس اللي..... انت عارف بقى ؟
رد بضحكة مجلجلة :
- عارف والله ياعمتي عارف ، يارتني بس كنت سمعت نصيحتك زمان قبل ما اتورط ...
- كل حاجة نصيب ياحبيبي وربنا يبارك في اللي جاي اسيبك بقى .
قالت الاَخيرة وهي تقبله على وجنتيه مودعة قبل أن تنصرف مغادرة .
..............................
صعد مهرولًا الدرج لينضم الى عروسه ، بعد أن غاب عنها قرابة النصف ساعة ، لانشغاله بتوديع عمته ومكالمة لأحد الشركاء استغرقت وقتًا قبل أن ينهيها مع الرجل على مضص، ليصعد الى الطابق الثاني اَخيرًا ، يخطو نحو غرفته في هذا البهو الفسيح بخطواتِ سريعة ، توقفت فجأة وتسمرت خلفها أقدامه، وقد وقعت عيناه عليها بكامل جمالها ، واقفة بمنتصف الصالة تتلاعب بالهاتف غير منتبهة ، وقد خلعت عنها حجابها ، وظهرت معه رقبتها وجزء في ألاعلى من فتحة الفستان الذي انتقاه بنفسه ، متوقعًا أن يناسبها وقد فاقت بجمالها كل توقعاته ، شعرها الحريري؛ انساب بنعومته كالشلال بلونه الأسود ليصل ألى اخر ظهرها، في مشهد بديع سرق أنفاسه وعقد لسانه ، قبل أن ينطق اَخيرًا :
- بتعملي إيه؟
أجفلت رافعة له رأسها تجيبه :
- ولا حاجة يعني ، اصل بصراحة كنت هاتصل بخالي بس اتكسفت فقولت اقلب شوية في النت....
قطعت جملتها وقد وصل اليها بهيبته ليقف أمامها وكفيه حطت على جانبي رأسها ، تتغلغل أنامله في الخصلات الطويلة ، قبل أن تتركهم ويُحاوط وجهها ليرفعه اليها وأصابعه تتلمس نعومة وجنتيها مرددًا:
- من أول مرة شوفتك فيها وانا نظريتي مخيبتش ، كنت عارف انك ملكة جمال مخبية جمالها عن الجميع ، انوثة طاغية وباللبس الواسع بتحفظيها وتحفظي نفسك عن كل العيون، ان كانت غريبة أو قريبة حتى، انت رزقي الحقيقي يازهرة ، وانا الراجل المحظوظ بيكِ.
مزبهلة ، عيناها تنظر اليه ولا تجد من الكلمات ماترد بها على كلماته ، شعر هو بذلك فقال مداعبًا بابتسامة جانبية :
- كنتِ عايزة تتصلي بخالك دلوقتِ يازهرة ؟
- هممم
صدرت منها بتشتت ، قبل أن تردد بارتباك :
- لاااا مما انا ماتصلتش خلا......
قطعت جملتها هذه المرة مجبرة وقد حطت شفتيه على شفتيها ، يفصل عنها الكلام ويفصلها عن العالم أجمع ، وقد ألصقها به بحميمية أجفلتها ، ترتعش من المفاجأة فتزيد رغبته بها، ويزيد من ضمها إليه، ليُذيب مقاومتها ويُذهب عنها ارتجافها ، حينما فصل قبلته عنها اًخيرًا أطرقت برأسها عنه تلتقط انفاسها مخفضة عيناها عنه ، وهو ينظر لها من طرف أجفانه وانفاسه الحادة تلفح وجهها الذي اللتهب بالحمرة ، جذبها من خلف رأسها ليرفع وجهها اليه وعيناها تلتقي بعيناه ، فقال بصوت متحشرج :
- ارفعي راسك وعينك تبقى في عيوني دايمًا ، انتِ مراتي ، مرات جاسر الريان ، فاهمة ولا لأ ؟
اومأت برأسها بطاعة صامتة وهو ينظر اليها ، قبل أن يرفعها من أسفل ركبتيها ، يحملها بين يديه صامتًا هو الاَخر ، ويذهب بها الى غرفتهم .
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
على كرسي والدته جلس بالشرفة كما كانت تجلس هي سابقًا، رغم برودة الجو في هذه الساعة المتأخرة من الليل.
يشعل سيجارته وينفث دخانها في هذه الظلمة والسكون الذي عم المنطقة بعد نوم معظم سكانها.
أما هو فقد جافى عينيه رغم محاولاته الكثيرة ورغم التعب الجسدي الذي أصابه من السفر والإنتقال.
لقد افتقدها منذ الاَن رغم سفره عنها وتغربه عن الوطن منذ شهور، لكن عدم وجودها بالمنزل لهو من أصعب الأشياء التي مرت عليه.
وقد كانت تشغل جزء كبير من عمره.
كلما مر على ركنٍ في المنزل تذكرها به وتذكر مشاكساته لها.
وضحكاتها التي كانت تنطلق بحرية معه وحده دون قيود او خجل.
تذكر ضعفها وهشاشتها بعد وفاة والدتها والصدمة التي الجمت لسانها عن النطق وقد شهدت احتضار والدتها وهي تضمها بين ذراعيها.
محاولاته المستميتة بعد ذلك معها لتعود للنطق مرة أخرى وممارسة الحياة الطبيعية لها كطفلة مثل باقي الأطفال.
اول يوم لها في الدراسة ثم الجلسات الطويلة التي كان يقضيها معها في استذكار دروسها.
سنوات طفولتها ثم مراهقتها وهي تكبر أمام عيناه وتنشأ تحت ظله ورعايته حتى أصبحت زهرته الجميلة التي كان يفتخر بتربيته لها.
قبل أن يأتي هذا الجاسر بكل سهولة ويقتطفها.
"انت لسة صاحي ومانمتش؟"
وصلت لأسماعه من رقية التي أصرت على المبيت اليوم بالصالة ويبدوا انها شعرت بخطواته أو ربما هي الأخرى كانت مستيقظة.
"نامي انتِ يامّا ومايهمكيش، انا هاشرب السيجارة وبعدها ادخل انام."
"ياواد بدل الخايلة الكدابة دي، تعالى ارغي معايا وونسني على مايجي النوم اللى رايح منك ده."
هتفت بها رقية من مكانها، فاستجاب هو ناهضًا ليذهب عندها ويجلس على الكرسي المقابل لها مرددًا:
"أديني جيت يارقية عشان تبطلي زن، ها ياستي، عندك ايه رغي بقى عشان نسلي بعض على ما الفجر يدن او يطل على علينا النوم اللي مفارقنا ده؟"
اجابته رقية بابتسامة جانبية:
"اه بس انا النوم ما فارقش ياعنيا، انا صحيت على حركتك وصوت رجليك ياغالي، ايه اللي قاقلك بقى ومطير النوم منك وانت راجل راجع تعبان من السفر؟"
تأملها وهو يدخن بسيجارته صامتًا فاستطردت هي:
"انت قلقان على زهرة صح؟ بس يعني ياحبيبي هي كانت هاتقعد العمر كله جمبك، ما كل بنت اَخرتها الجواز يابني.."
ضيق عيناه خالد قليلًا قبل أن يرد:
"عارف يامّا كل بنت أخرتها الجواز، لكن اعمل ايه انا بقى؟ قلقان عليها وهي بعيد عني، هاتقوليلي ما انت سيبتها وسافرت، هاقولك كنت مطمن عليها معاكي عشان انتِ فاهماها زيي، زهرة طول الوقت عايزة اللي يطبطب عليها وياخد باله منها عشان مابتتكلمش ولا بتبوح باللي جواها، وانا بقى معرفش ان كان اللي اتجوزته دا هايبقى كويس معاها ولا يجي عليها."
ردت رقية بقلق:
"كف الله الشر يابني، ليه بس بتقول كدة؟ احنا ليه نقدم الوحشة؟ والراجل ما شوفناش منه غير كل خير."
زفر خالد دخان سيجارته الكثيف قائلًا:
"بس مش مننا يامّا، إحنا ناس غلابة ودا راجل واصل، يعني لو حصل حاجة لقدر الله، مش هانعرف نجيب منه حق ولا باطل، بس وربنا؛ لو حصل للبت أي حاجة منه، لكون واخد روحه وان شالله حتى اروح فيها."
هتفت رقية بتفكه رغم غضبها:
"يخرررب بيتك، هو انت خلاص قدرت البلا قبل وقوعه، واحنا يدوب مدخلين البنت النهاردة، في إيه ياواد؟ ماتهدي شوية براسك الكبيرة دي وسيب حمولها على الله."
"ونعم بالله."
تمتم به مبتسمًا وقد أخرجته رقية بخفة ظلها من دوامة التفكير.
واستطرد:
"ماشي يامّا هاسيبها على الله، وخليني افكر بأسلوب ايجابي شوية يعني مثلًا، اهي البنت هاتعيش عيشة حلوة في عز جوزها، احسن بكتير من هنا برضوا، دا كفاية الطقم الغالي ده اللي لبسهولها."
ردت رقية بابتسامة:
"انت هاتقولي، دا إحسان وبنتها كانت عنيهم هاتبوظ منهم وهما بيبصوا عليه."
"ربنا يهديهم بقى."
غمغم بها خالد بشرود قبل أن يعود لوالدته قائلًا:
"من ضمن الإيجابيات كمان، أكيد الناس الغنية دي الكهربا مابتقطهش عندهم؟"
"أكيد ياحبيبي أكيد."
رددت بها رقية لابنها القلق وكأنها تخاطب نفسها وتطمئنها، وقد ذكرها خالد بالعقدة الأزلية لحفيدتها.
***
أخرجت من حقيبة الملابس التي أتت بها منامة قطنية ناعمة لترتديها، بعد أن احتارت في البحث في صف الملابس العارية والتي ملأ بها الخزانة وانتقاها بنفسه لها.
ارتدتها سريعًا وعيناها مرتكزة على باب الحمام المرفق بالغرفة أو على الأصح الجناح الملكي.
جلست على التخت لتمسح بكفيها على شعرها ووجنتيها بتوتر، تتدراك نفسها بعد أن استفاقت من الدوامة التي لفها بداخلها معه.
مازالت لا تستوعب حتى الاَن ما حدث منذ قليل، عواطفه الجامحة نحوها، رقته الشديدة في مهادنة عذريتها، كلمات الغزل التي كان يلقيها على مسامعها، فيمحو مقاومتها بسحر صوته الأجش فيأخذها لعالمه الجديد عليها، عالم جاسر الريان، عالمه وحده، يقولها كل دقيقة وكأنه يذكر نفسه أو أنه يستمتع بوقع الجملة، أنتِ زوجتي أنت زوجتي.
انتبهت على توقف صوت المياه بالحمام، فزحفت للخلف سريعًا لتغطس تحت الفراش لتبدوا وكأنها نائمة.
بعد دقائق خرج هو من حمامه مرتديًا بنطال بيتي مريح وعليه فانلة سوداء محكمة على جسده العضلي.
كان ينشف بالمنشفة الصغيرة شعر رأسه حينما وقعت عيناه عليها على الفراش، معطية له ظهرها.
ضيق عيناه قليلًا ليتحقق مما يرى جيدًا، حتى جلس على طرف السرير ومال يتلمس المنامة القطنية التي ترتديها فهتف ضاحكًا:
"ههههه انتِ لابسة بيجامة بكم يازهرة هههههه، زهرة يازهرة."
حينما لم ترد اقترب أكثر يميل عليها ويردد باسمها:
"زهرة يازهرة، انتِ نمتي؟"
سأل قاطبًا حاجبيه وهو ينظر لها جيدًا مدعية النوم، مغمضة عيناها بشكل كشف إدعائها، ابتسم بمرح وقد علم بكذبها.
"كدة من أول يوم ماشي."
تمتم بها قبل أن يرتد بجسده ليسلتقي على التخت خلفها ويتركها.
صبرت قليلًا هي ثم فتحت عيناها لتفاجأ بالظلام الدامس.
فتحت واغلقت بأجفانها عدة مرات حتى سقط قلبها من الخوف فخرج صوتها بارتجاف:
"لو سمحت ممكن تولع النور."
ضحك بتسلية من خلفها قائلًا:
"ايه ده هو انتِ صاحية؟ مش برضوا كنتِ نايمة من شوية؟"
"ولع النور ياجاسر انا بجد بخاف من الضلمة."
رد باسترخاء وذراعيه التفت تحت رأسه على الوسادة:
"لا بصراحة انا ماقدرش انام غير في الضلمة."
يتحدث بتسلية ولا يعلم بما يحدث لها.
التفت اليه بجسدها إليه وهي بالكاد تتحقق منه لتقول بهلع:
"ياجاسر ولع النور انا بخاف من الضلمة بجد."
على الفور التقطتها ذراعيه ليجذبها لأحضانه مرددًا بمرح:
"يعني كان لازم اطفي النور عشان تبطلي تمثيل."
شعر بارتجافها فقال ضاحكًا:
"ايه يابنتي لدرجادي بتخافي من الضلمة؟ هو انتِ عيلة صغيرة يازهرة."
صمتت عن الرد مستسلمة لدفئه تغمض عيناها بقوة حتى تغفى.
ردد بتفكه:
"لا بسالي ببجامة بكم يازهرة ودي جيبتيها منين أساسًا؟"
ردت بصوتِ يغلب عليه النعاس:
"خلاص والنبي ياجاسر عايزة انام."
قبلها هو أعلى رأسها مرددًا بحنان وقد أسكرته رأئحتها المسكية:
"ماشي ياقطتي، نامي انتِ وتصبحي على..."
***
في اليوم التالي.
دلفت إحسان لغرفة ابنتها كي توقظها كالعادة في هذا الوقت المبكر من اليوم، فوجدتها جالسة أمامها مربعة أقدامها على التخت.
"ياختي ياحلاوة، أول مرة تصحي لوحدك ومتطلعيش عيني في صحيانك."
اردفت بها آحسان وهي تقترب نحوها.
"ليه هو انا نمت اساسًا عشان اصحى."
جلست إحسان على كرسي التسريحة أمامها فسألتها:
"وايه بقى ياحلوة اللي طير النوم من عينك."
هتفت غادة حانقة:
"حظي يامّا، حظي اللي مش راضي يتعدل نهائي، ولا انتِ لحقتي تنسي ليلة امبارح؟"
ردت آحسان:
"لا ياختي ملحقتش انسى، بس يعني هاقعد اهري وانكت فى نفسي بقى عشان اطق ولا تجيني مصيبة هو انا ناقصة."
صاحت غادة على والدتها:
"طبعًا مش ناقصة، ما انتِ مش هامك حاجة ياماما، بنتك هي اللي تتطق وتموت من القهرة، الكل بيعلى حواليها وهي قاعدة بتبص كدة بعنيها وتتحسر."
ضربت إحسان بكفيها على ركبيتها صائحة:
"يابت الهبلة وانا اعملك ايه بس؟ ما انتِ بنفسك اللي قولتي نصيبك."
"نصيبي!"
تفوهت بها وهي تجز على اسنانها متابعة:
"طب يعني انا ايه اللي ناقصني عشان مابقاش زي المحروسة اللي اتجوزت جاسر الريان، ولا كاميليا دي كمان اللي انتِ بتقولي عليها عنست، الاتنين كانوا بيلفوا حواليها امبارح، كارم اللي طول الوقت عامل زي السيف مع الكل عندها هي، الضحكة بتبقى من الودن للودن ولا طارق، صاحب جاسر الريان اللي أول ما شافني امبارح عينوا كانت هاتطلع عليا، لكن بمجرد بس ماخرجت له الأستاذة كاميليا؛ فضل متابعها وعينه مانزلتش عليها طول السهرة، ولا اكنها عملاله عمل حتى، في إيه بالظبط؟ هو انا وحشة ولا قليلة عشان لا اَخد حظ دي ولا حتى نص حظ التانية السهونة دي اللي عملالي فيها البريئة وهي قدرت تلف الراجل في أقل من شهر."
صمتت وتهدجت أنفاسها وهي تنظر نحو والدتها التي مصمصت بشفتيها لها تردد بضيق:
"والنبي ماعارفة اقولك ايه؟ احترت واحتار دليلي معاكي بعد ما كنت حاطة أمل انك ترفعينا معاكي بجوازة عليوي، لكن نعمل إيه بقى؟ كل حاجة نصيب."
هتفت غادة ترد وعيناها تبرق بتصميم:
"لأ يامّا مش نصيب لا دا حظ، وانا بقى لازم اَخد حظي من الدنيا، ان شالله حتى بالعافية."
***
مستندًا بمرفقه على الوسادة بجوارها بعد أن استيقظ باكرًا وسحره المشهد.
أميرة أحلامه اَخيرًا بين يديه وشعرها الحريري غطا بكثافته الوسادة تحت راسها، نائمة لا تشعر بشئ، ولا بقلب مُحبها الذي يتحرق شوقًا لاستيقاظها وبنفس الوقت يستمتع بتأمله لها.
من وقت أن استيقظ باكرًا كعادته فوجدها بين يديه وهو لا يصدق أنه حصل اَخيرًا عليها.
جميلة بكل مافيها، قلبًا نقيًا وروحًا صادقة و جمال صورتها يطغى على كل شئ.
يشعر بأنه في حلم ولا يتمنى الإستيقاظ منه، لقد تضخم قلبه بالسعادة حتى أصبح يخشى عليه من التوقف.
تنهد بعمق وقد تذكر مرور الوقت فنهض مجبرًا أقدامه ليفتح ستائر النوافذ الكبيرة ويخترق ضوء الشمس الذهبي الغرفة حتى غطى الوسادة النائمة عليها.
انتقل سريعًا ليتكئ بجسده بجوارها ويعود لوضعه السابق في مراقبتها وقد بدا دفء الشمس وقوتها أتى بمفعوله على ملامح وجهها التي كانت تنكمش وتنفرد بتأثر.
راقبها بتفحص وهي ترفرف بأهدابها تحاول الإستيقاظ وقد اخترق الضوء القوي أجفانها.
أبصرت عيناها سقف الغرفة الغريبة عنها فتحركت مقلتيها قليلًا حتى طالعته أمامها فارتدت غريزيًا للخلف بفزع.
ضحك بصوت مجلجل وهو يقربها منه بذراعيه ويردد بصوت عالي:
"جوزك والله جوزك ههههه."
هدنت حركتها وقد بدا انها بدأت تتذكر، أغمضت عيناها بحرج وهي تراه يقهقه بضحكاته في مشهد غريب عنها ككل شئ حولها.
حينما توقف اَخيرًا قال لها:
"ايه افتكرتيني ولا تحبي اجيبلك اثبات؟"
ردت بحرج:
"خلاص بقى ياجاسر."
قال بابتسامة متلاعبة:
"ياروح جاسر انتِ، ياللي سيباني من الصبح جمبك، اعد الثواني والدقايق عشان تصحي، صباح الفل."
قال الاَخيرة وهو يدني بوجهه منها ليقبلها، فاجئته برفع الشرشف فجأة حتى غطت نصف وجهها الأسفل.
قطب حاجبيه باستفسار، فقالت هي بارتباك:
"عايزة اقوم."
"نعم؟"
تفوه بها بعدم فهم فغمغمت بكلمات غير مترابطة:
"بقولك عايزة اقوم، انا كدة متعودة اول مااصحى لازم على طول اقوم واغسل وشي."
رد بابتسامة مستترة وتسلية:
"معقول دا بجد؟! يعني انتِ لازم اول اما تقومي تغسلي وشك؟"
أومأت برأسها بصمت، فتابع بمرح:
"طب ماتقومي مستنية ايه؟"
تفوه بها ليفاجأ بدفعه للخلف لتنهض سريعًا من أمامه.
انطلقت ضحكاته مرة أخرى وهو يتابعها تهرول ناحية الحمام مرتبكة، فهتف بصوت عالي:
"طب ماتتأخريش بقى في غسيل وشك عشان انا وانتِ ورانا سفر."
استدارت اليه تسأله:
"سفر ايه؟"
اعتدل بجذعه جالسًا ليتناول الهاتف قبل أن يجيبها:
"انتِ ناسية اننا في شهر العسل، ياللا بقى جهزي نفسك على مااخلص شوية مكالمات مهمة للشغل."
ترددت في السير وبداخلها تود لو تثنيه عن السفر فقالت بتردد:
"طب ما نستنى يوم ولا يومين يعني."
"يوم ولا يومين إيه بس يازهرة؟ انا مصدقت اريحلي يومين من الشغل، هاقضيهم بقى في البيت، يالا بسرعة اجهزي انتِ احنا متأخرين أصلًا، الوو......"
تفوه بكلماته قبل أن يرد سريعًا على من يهاتفه، تنهدت هي بقنوط وهي تتابعه قبل أن تتحرك على مضض نحو الحمام وقد ألجمتها حجته عن المجادلة، وقد كانت تتمنى أن تقضي اليوم برفقة أسرتها الصغيرة جدتها وخالها العائد من السفر.
***
وعند طارق والذي تلقى المكالمة الهاتفية من صديقه.
ترك ما كان يعمل به على أحد الملفات، ورد على الفور قائلًا بمرح:
"أيوة ياكبير، انت برضوا اللي متصل بنفسك، ياعم دا واجب علينا ......... ايوة امال ايه مش عريس وواجب علينا احنا نطمن عليك ههههههه ......... بهزر ياحبيبي ربنا يسعدك ........ اه طب ماشي طبعًا، سافر انت ولا يهمك .... عيوني ياغالي هتابع بنفسي وماتشلش انت هم اي حاجة وروق نفسك وانبسط ياسيدي........ تمام ياحبيبي."
انهى طارق المكالمة ليعود الى عمله مرة أخرى ولكنه التفت على طرقتها قبل أن تلج لداخل الغرفة وبيدها بعض الملفات، قائلة بابتسامة مشرقة:
"صباح الخير ممكن أدخل."
"وانتِ محتاجة عزومة ادخلي طبعًا."
قال لها تاركًا ماكان يفعله مرة أخرى.
انتظر حتى جلست فقال مخاطبًا لها:
"افتكرتك مش هاتيجي النهاردة؟"
ردت هي مستدركة:
"قصدك يعني عشان سهرة امبارح والفرح وكدة، لا عادي انا عودت نفسي، بقوم على ميعاد محدد حتى لو سهرت للفجر."
"منظمة في كل حاجة ياكاميليا حتى في دي؟"
غمغم بها قبل أن يتابع:
"جاسر اتصل قبل ما تيجي حالًا ووصاني على شوية حاجات اعملها تبع الشغل، اصله مسافر ياستي مع عروسته."
"اه ما انا عارفة، قالي كارم امبارح على المكان اللي رايحينه."
قالت بعفوية ولا تدري بالنيران التي اشتعلت بقلبه فقال:
"واضح ان استاذ كارم خد عليكِ قوي."
ضيقت عيناها تسأله بتفسير:
"قصدك ايه مش فاهمة؟"
أجابها بحدة غير قادرًا على كبح غضبه:
"قصدي ان الباشا اللي دايمًا متحفظ مع الكل، كان قاعد امبارح معاكي براحته خالص يضحك ويهزر ويحكي كمان."
صمتت قليلًا تستوعب كلماته قبل أن ترفع عيناها قائلة بهدوء وتماسك:
"استاذ طارق، أرجو ان كلامك يكون بنية سليمة و مايكونش فيه تلميح لحاجة وحشة، عشان بصراحة كدة انا لايمكن هاقبل بالسكوت من غير ما ارد."
ارتبكته حدتها فقال بتراجع قليل:
"انا مش قصدي نية وحشة عنك ياكاميليا، انا بس بقولك على اللي شايفه، والولد ده انا مش مستريحله."
"والله تستريحله او تكرهه دي حاجة ماتخصنيش، انا بتكلم عن نفسي، المهم دلوقت خلينا في الشغل، عشان دا وقت شغل، مش كلام في الخصوصيات."
القت بكلماتها ثم التفتت لمجموعة الملفات التي وضعتها أمامها على سطح المكتب مستطردة امامه بعملية:
"هانبتدي بإيه بقى؟"
أجابها بيأس:
"ابتدي باللي تحبيه ياكاميليا!"
***
والى مكان اَخر.
على تختها كانت مستلقية على وجهها وهي مازلت بملابس السهرة وحذائها في أقدامها بعد أن عادت فجرًا متأخرة كالعادة.
صدح الهاتف بجوار رأسها عدة مرات حتى استيقظت اَخيرًا لترد على مضض بصوت ناعس:
"الو.... مين معايا؟"
وصلها الصوت الحاد:
"ايه مين معاكي دي كمان؟ هو انتِ لساكي نايمة ياهانم؟"
فركت قليلًا على عيناها قبل ان ترد عليها:
"معلش يامرفت، ماخدتش بالي من الأسم، بس انتِ مش بعادة تتصلي بدري كدة."
وصلها صوت زفرة قوية عبر الاثير قبل ان تجيبها بحنق:
"اولًا احنا مش بدري خالص، احنا تقريبًا الضهر، ثانيًا بقى انا بتصل عشان اقولك على البنت اللي انتِ طلبتي صورتها امبارح."
"بنت مين؟"
تفوهت بها فااثارت غضب الأخرى التي صرخت عليها:
"البنت سكرتيرة جاسر ياميري واصحي وفوقي كدة، عشان الهانم اتضح انها واخدة اجازة النهاردة وبنفس اليوم اللي غايب فيه جوزك عن الشغل."
اعتدلت بجذعها اَخيرًا وقد بدا انها تنتبه:
"بتقولي ايه؟ قصدك ايه مش فاهمة."
قالت مرفت:
"بقولك الهانم غايبة بنفس اليوم اللي غايب فيه، ومعرفش بقى ان كانت دي صدفة ولا حاجة تانية."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
على مكتبه بداخل الشركة التي تولى إدراتها خلفًا لرئيسه الغائب كان يمارس نشاطه اليومي في العمل الدؤوب بكل همة وجدية كعادته حتى تفاجأ بالاتصال على هاتفه.
ضيق عينيه قليلًا وهو ينظر للرقم الغريب، قبل أن يجيب وقد بدأ يخمن هوية المتصل من الرقم المميز.
"آلووو...... مين معايا؟"
"آلوو يا كارم، دا أنا ولا يكونش كمان نسيت صوتي؟"
استغرب قليلًا من نبرتها الحادة ثم تدارك يرد بدبلوماسية كعادته.
"إزاي الكلام دا يافندم وهل يخفى القمر؟ أهلًا بيكِ يا ميري هانم."
"يا أهلًا."
قالتها بعنجهية وتابعت.
"بقولك إيه، أنا عايزة أسألك دلوقت حالًا وتجاوبني على طول، جاسر فين؟"
أجابها على الفور بنبرة عادية وكأنها كان على استعداد تام لها.
"جاسر باشا ياهانم سافر بلاروسيا يوقع عقد الشراكة لمصنعه الجديد."
صمتت قليلًا ثم سألته بتصميم.
"إنت متأكد من كلامك دا يا كارم؟ عشان عارف لو كنت بتكدب هاتشوف اللي يحصلك بجد، وافتكر كويس إن منصب والدي يمكني أتأكد بمتهى السهولة من المطار، إن كان سافر ولا دي لعبة."
رد بهدوئه المعتاد.
"طبعًا متأكد ياهانم، هو أنا أجرؤ برضوا للكدب عليكِ. وعلى العموم هو سافر بالطيارة الخاصة بوالده، يعني مسافرش بالمطار."
استمع قليلًا لصوت أنفاسها الحانقة قبل أن تقول.
"ماشي يا كارم سيبنا من جاسر دلوقتي، أنا كنت عايزة أسألك بقى على البنت السكرتيرة بتاعته دي كمان، هي مش قاعدة على مكتبها ليه تراعي مصالح جاسر في غيابه؟"
أجابها عن سؤالها الآخر أيضًا بحنكة قائلًا.
"تقصدي زهرة السكرتيرة؟ البنت حصل معاها ظرف طارئ ياهانم واضطرت تاخد إجازة كام يوم، ما انتِ عارفة نظام الشركات في المجموعة، معندناش تعسف ولا تضيق على الموظفين."
***
أنهت المكالمة لترمي الهاتف بطول ذراعها على التخت أمامها قبل أن تلتف للناحية الأخرى وتجلس مقابل صديقتها بجوار الشرفة، تتناول سيجارة من العلبة وتشعلها بالقداحة قبل أن ترميها هي الأخرى على المنضدة بعصبية.
"شكله هو كمان مريحكيش."
نفثت ميري دخانًا كثيفًا قبل أن ترد عليها.
"قال نفس الكلام اللي قالوا عامر، بس برضوا أنا مش مطمنة وحاسة إن فيه حاجة."
سألتها مرفت.
"قالك إيه طيب عن البنت السكرتيرة؟"
أجابتها ميري بتهكم.
"بيقولي قال إن حصل عندها ظرف طارئ، وقال إيه الشركة بتاعتهم شركة محترمة مابتضيقش على الموظفين ولا تتعسف معاهم."
مطت مرفت بشفتيها ولم تعقب، فهتفت عليها ميريهان.
"سكتي ليه يا انتِ كمان؟ ماتقولي إيه رأيك في الكلام اللي اتقال ده؟"
ردت مرفت بلهجة هادئة.
"يعني عايزاني أقولك إيه يعني؟ مش يمكن يكون كلامه صح والبنت فعلًا عندها ظرف طارئ."
"في نفس الوقت اللي مسافر فيه جاسر؟"
قالت ميري بتشكك.
"حد عارف بقى، يمكن صدفة."
صاحت الأخرى بانفعال.
"هي إيه اللي صدفة يابت انتِ؟ هو انت عايزة تحرقي دمي بكلامك وبعدها تقولي يمكن ومش يمكن."
ردت مرفت حانقة.
"الله ياميري، هي دي جازاتي يعني إن بقولك على اللي بشوفه عشان تاخدي بالك وتحرسي."
هتفت ميري بعدم سيطرة.
"أحرُس فين ولا آخد بالي من إيه؟ هو مديني فرصة لأي حاجة، جاسر باع واتوقع منه أي فعل."
***
بداخل سيارته والتي كانت تقطع المدينة الساحلية كان يتحدث في الهاتف مع والده.
"يعني هي اتصلت بيك النهاردة وسألتك؟ طب وانت قولتلها إيه بقى؟"
أجابه عامر عبر الهاتف.
"أيوه يا جاسر زي ما بقولك كده يابني، وحمد لله إن والدتك مكانتش موجودة وإلا ماكنتش هاخلص من تحقيقها معايا دي كمان، على العموم أنا رديت عليها وقولت إنك مسافر، بس بصراحة أنا استغربت قوي."
رد جاسر بابتسامة ساخرة.
"وانت استغربت من إيه بقى يا والدي؟ على السرعة ولا إن الهانم افتكرت إن ليها جوز؟"
وصله صوت أبيه القلق.
"من الاتنين يا جاسر، واضح كده إنها متابعة وليها عيون في الشركة ودي نفسها حاجة تقلق."
رد جاسر باستخفاف.
"لا يا والدي ماتقلقش، أنا عارف مين اللي متابع معاها أساسًا، وعلى العموم أنا كنت عامل حسابي."
"عامل حسابك! طيب ياسيدي ربنا يهنيك بعروستك، إلا قولي هي فين صحيح عشان أبارك لها بنفسي؟"
تزينت زوايا فمه بابتسامة سعيدة وهو يلتف لها ليعطيها الهاتف فوجدها غفت بجواره في الكنبة الخلفية للسيارة.
هدهدها بصوت خفيض.
"زهرة يا زهرة."
انتفضت مستفيقة تردد له.
"آيوة جاسر، معلش خدتني نومة بس أنا بصراحة مش متعودة على السهر."
رد بابتسامة مستترة وعيناه انتقلت نحو السائق وحارسه الشخصي في الأمام بحرج.
"خلي بالك من كلامك يا زهرة وفوقي كويس عشان تكلمي والدي."
"بتقول والدك؟!"
أردفت بها وهي تتناول الهاتف بعد أن أومأ لها برأسه، فخرج صوتها برهبة.
"آلوو.... عامر بيه؟"
وصلها صوت ضحكة كبيرة من الرجل مرددًا.
"بيه إيه بس يازهرة، ما خلاص بقى؟ ألف مبروك يابنتي."
شعرت بالدفء في صوت الرجل الذي جعلها تكمل المكالمة معه بارتياح.
***
بعد قليل توقفت السيارة أمام مبنى رائع بتصميمه المميز والذي لفت نظرها من غرابته، فالجزء الأمامي والذي بدا كالسور كان مبني من الحجارة والجزء الآخر ظهر أمامها وهي تدلف معه للداخل بشكل هندسي كالمثلثات.
كانت كالتائهة وهو تخطو معه ويدها الصغيرة تضمها كفه الكبيرة نحو مدخل المبنى وأقدامها تدب في الأسفل على الأرض المرتصفة بأحجار دقيقة وصغيرة.
انتبهت على مسبح عملاق وحوله عدة شمسيات تبدو وكأنها صنعت من سعف النخل أو شيء آخر يشبهه بالإضافة إلى الطاولات البلاستيكية والمقاعد.
دارت رأسها لتسأله بحيرة.
"هو انتوا عاملين هنا حوض سباحة والبحر قدامكم على طول."
التفت رأسها إليها بابتسامة رائعة قائلًا بتفكه.
"عشان لما نزهق من البحر نغطس في البسين ولو زهقنا من البسين نروح للبحر، إيه رأيك بقى مش لعبة حلوة؟"
ختم جملته بغمزة بوجنته أربكتها ثم تمتمت بداخلها.
"ناس فاضية."
حينما ولجت للداخل افتغر فاهاها وتوسعت عيناها بانبهار على الرغم من بساطة الأثاث إلا أنه كان رائع مع الأشكال الغريبة في الديكور، عكس منزله بالقاهرة الذي يتميز بالفخامة والكلاسيكية بشكل عصري.
انتابها الخوف من هذا العالم الغريب عنها والتي لم تطمح ولا حتى حلمت في القرب منهم، لتجد نفسها الآن بينهم ولا تعلم إن كانت ستظل بموقعها هذا أم أنها سترتد بالخلف للعودة لبيئتها التي أتت منها.
شهقت فجأة حينما وجدته يرفعها بغتة بذراع واحدة سائلًا.
"سرحانة في إيه؟"
هتفت بجزع.
"إيه اللي بتعملوا ده يا جاسر؟ مش خايف لحد يشوفنا؟"
ضحك متسليًا.
"لا ماهو مافيش حد معانا يا عيون جاسر، الشاليه والمنطقة كلها خاصة، يعني حتى الخدم هايجوا في وقت محدد وينصرفوا ويروحوا."
قالت بعدم فهم.
"إزاي يعني خاصة؟ طب والبحر القريب ده كمان تبعكم برضوا؟"
"آه."
قهقه مرددًا بتأوه حارق وهو يضغط بأسنه على شفته السفلى ضاحكًا بسعادة.
"هاتعملي فيا إيه تاني يابنت محروس؟"
***
خرجت من عملها متأففة وهي تدب بكعبها ذا الصوت العالي بعدم اكتراث لانتباه المارة حولها والتي تتلفت إليها بدهشة، حتى التقت عيناها به واقفًا تحت ظل شجرة قريبة منها.
تقدمت بخطواتها حتى وصلت إليه فخاطبته.
"انت واقف عندك بتعمل إيه يا عماد؟"
صافحها بالتحية أولًا قبل أن يجيبها وعيناه تتلفت خلفها.
"أنا واقف ياستي مستني واحد صاحبي، بس انتِ إيه أخبارك؟"
قالت رافعة حاجبها الرفيع بمكر.
"واحد صاحبك برضوا؟ وبتتهرب مني بسؤالك عن أخباري يا عماد؟"
أومأ برأسه قائلًا باستسلام.
"امال يعني عايزاني أقولك إيه بس وأنا شايفك خارجة لوحدك، هي زهرة مخرجتش معاكي ليه؟"
ردت بابتسامة جانبية.
"لا ياسيدي مخرجتش معايا زهرة عشان هي مجاتش النهاردة الشغل أساسًا."
قطب يسألها بقلق.
"ليه مجاتش بقى؟ دا حتى امبارح انتظرتها كتير وبرضوا مجاتش، هي تعبانة ولا حاجة؟"
تنهدت مطولًا قبل أن تقول بخبث.
"آه ياعماد دا انت باينك طيب قوي وعلى نياتك، هو انت ماتعرفش إيه آخر أخبارها؟"
ازداد قلقه فردد يجيبها.
"أخبار إيه يا غادة؟ أنا لسة شايف كاميليا امبارح وكلمتها على زهرة عشان تفاتحها في موضوعي، وهي سمعت مني ومقالتش أي أخبار عنها."
مصمصت بشفتيها تدعي التأثر لتزيد من حيرته ثم قالت.
"والنبي انت صعبان عليا يا عماد، شوف انت يامسكين بتعمل إيه عشانها وهي ياسبحان الله اتجوزت امبارح."
هتفت متسع العينين ومجعد الجبين بصدمة.
"بتقولي إيه؟ اتجوزت كده على طول وبالسرعة دي؟ طب هي كاميليا مقالتليش ليه امبارح وأنا بكلمها، يعني هي تسمع مني وتسيبني على عمايا كده، طب ليه؟"
ردت غادة بخبث.
"تلاقيها خافت منك لتبوظ الجوازة ولا حاجة."
أظلم وجهه فقال بحريق اشتعل بصدره.
"أنا فعلًا كنت هابوظ الجوازة لو كنت عرفت، أنا بس كنت عايز فرصة أتواصل معاها بيها، يمكن كنت لقيت حل، لكن كده اتغفل وأنام بحلم بيها عشان أصحى تاني يوم على كابوس إنها اتجوزت من امبارح وبقت ملك واحد تاني، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل."
ظل يردد بها وهو يسير مبتعدًا عنها مكسور الخاطر، وهي تتبعه بعينيها بامتعاض.
***
حتى تفاجأت بصرير سيارة توقفت بالقرب منها ليطل منها هذا الحارس ثقيل الظل برأسه إليها يتطلع إليها من نافذة السيارة التي يقودها بنفسه هذه المرة ويخاطبها بتفكه.
"واقف في الشمس ليه يا جميل؟ مش خايف منها لتحرقك؟"
زفرت تشيح بوجهها عنه حتى التفت تقول له من تحت أسنانها.
"هو أنا مش هاخلص منك يا جدع انت؟ ماتحل عني بقى وشوف وراك إيه؟"
قال بسماجة اعتادت عليها منه.
"كده برضو تكسري بنفسي وأنا معدي على الشركة مخصوص دلوقتي عشان أشوفك في ميعاد انصرافك، رغم إن حيلي مهدود والنعمة بعد سفر رايح جاي مع البيه بتاعنا وحرمه الجديدة، الله يسامحك يا غدغود."
"غد غود!"
تمتمت الاسم الذي نطق به بقرف قبل أن تنتبه على باقي كلماته.
"انت بتقول إنك سافرت مع البيه وحرمه الجديدة! قصدك مين؟ زهرة؟"
هتف متفكهًا.
"امال هايكون مين غيرها بس؟ دول حتى رايحين يقضوا شهر العسل يا عسل."
أغمضت عيناها وقد أصابتها كلماته في صدرها المحتقن لتفاجأ بمزاحه الثقيل.
"عقبالنا يارب، دا أنا من ساعة ماشوفتك امبارح بالفستان العرياني ده وأنا عايز أتوزجك النهاردة مش بكرة."
هتفت بعدم السيطرة وقد بلغ حنقها من هذا الشخص مداه.
"يا خي ان شاء الله تتجوزك عقربة تلوشك يا بعيد، دا إيه المصيبة دي."
قابل انفعالها متبسمًا ببرود فهمت تتحرك لتذهب وتتركه ولكن الفضول داخلها جعلها تتوقف لتسأله ببعض اللطف.
"طب على كده بقى انت عارف المكان اللي راحوا فيه؟"
هتف يرد بحماس.
"آه امال إيه، دا أنا ممكن كمان أوصفهولك بالملي بس بقى لو قبلتي تركبي معايا أوصلك."
فتحت فاهاها لتمطره بالسباب ولكنها تماسكت وهي تذكر نفسها بالغاية التي ستحصل عليها من وراء توصيله لها.
رفعت بذقنها ترد باستعلاء.
"هاركب معاك بس عشان أنا واثقة من نفسي."
تغاضى إمام عن لهجتها المستعلية بل وتوسعت ابتسامته باستخفاف يتابعها حتى انضمت بجواره في الأمام، وسألته غادة على الفور.
"امال فين السواق نفسه عشان تسوق انت؟"
رد إمام وهو يدير المحرك ويتحرك بالسيارة.
"عبده روح ياستي مفرهد من المشوارين وأنا بقى هاوصلك وأرجع بالعربية على فيلا جاسر بيه، المهم بقى، احنا كنا بنقول إيه؟"
***
كانت تقف بشرفتها إحسان تلملم الملابس التي جفت من الشمس بعد غسيلها لتطويها وتضعها في السبت البلاستيكي، حينما لمحت السيارة الفارهة التي اقتحمت الحارة الضيقة لتفاجأ بتوقفها أمام منزلها.
عصرت رأسها لتتذكر أين رأت هذه السيارة حتى صعقت برؤية ابنتها وهي تترجل منها تشير بطرف كفها للسائق قبل أن تدلف لداخل البناية.
انتظرت قليلًا إحسان حتى سمعت بصوت الباب الخارجي وابنتها تدلف منه، خرجت إليها من الشرفة بوجه حائر لتسألها.
"عربية مين دي يا غادة اللي وصلتك لحد باب البيت؟"
غمغمت غادة بحنق وهي تخلع عن قدميها الحذاء ذو الكعب العالي.
"يعني هايكون عربية مين بقى؟ خطيبي مثلًا بلا حسرة؟ دي عربية الباشا جوز الهانم بنت أخوكي."
"بنت أخويا؟!"
أردفت بها بحيرة لتضع سبت الغسيل على الأرض بعد أن استرعت انتباهها لتلحقها بغرفتها وتسألها على الفور.
"انتِ ماشية على طول يابت من غير ما تفهميني، إيه اللي ركبك عربية جاسر الريان يامنيلة؟"
هتفت غادة بضيق وهي تخلع ملابسها.
"ركبت مع الزفت الحارس بتاعه ياما، عشان أعرف منه أخبار بنت أخوكي اللي هايصة مع جوزها في الساحل الشمالي في العز والهنا اللي هي فيه."
قالت الأخيرة بصرخة قبل أن تسقط على التخت بأنفاس متهدجة.
جلست بجوارها إحسان تخاطبها بهدوء.
"طب مضايقة نفسك ليه؟ ماهو دا الطبيعي يا غادة بعد ما ربنا فتح في وشها طاقة القدر."
ردت غادة من تحت أسنانها.
"مقهورة ياما بعد ما سمعت بالتفاصيل اللي قالهالي إمام عن المكان اللي خدها فيه جاسر الريان، دي حاجات إحنا بنشوفها في التليفزيون ونستعجب عليها لكن محدش جرب ولا قرب حتى منها لكن بنت أخوكي بقى، حظها ناااار."
صمتت إحسان قليلًا بتفكير ثم قالت.
"واضح كده إن اللي اسمه إمام بيعزك يا غادة عشان يحكيلك ده كله."
التوى ثغرها لترد بتهكم.
"الزفت عايز يتجوزني ياما، شوفتي الهنا اللي أنا فيه، أنا غادة عايز يتجوزني حارس أمن!"
ردت إحسان بهدوء وابتسامة جانبية.
"وتاخدي على أعصابك ليه يا هبلة؟ هو لزق فيكِ يعني، خدي منه مصلحتك وبعدها اديله صابونة."
قطبت غادة تسألها.
"قصدك إيه ياما؟"
"ما قولنا خدي منه مصلحتك وزحلقيه هي غنوه."
أردفت بها إحسان وهي تنهض من جوارها لتترك غادة تعيد الكلمات برأسها بتفكير عميق.
***
على الشاطئ الذي خلا إلا منهم كانت جالسة على الكرسي ومستندة بمرفقها على المنضدة الصغيرة تراقبه وهو يسبح وحده بعد أن رفضت النزول معه إلى البحر لعدم معرفتها بالسباحة.
مازالت تكتم غيظها منه من وقت أن أصر على ارتدائها لهذه القطعة الخفيفة، مدعيًا أنها ملابس الشاطئ. وعلى الرغم من استمتاعها به وهو يتطاير مع الهواء في اندماج واضح مع هذا الجو الساحر، ولكنها لم تنسى مقلبه معها حينما خدعها وترك حقيبتها ليأتي بحقيبة ملابس انتقاها هو من خزانتها لهذه الملابس الغريبة عنها في تصميم واضح لارتدائها ما ينتقيه بنفسه لها حتى الأشياء الخاصة.
لا تصدق أن جاسر الريان بجلالة قدره وهيبته ووقاره ووجهه المتجهم دائمًا، يصغر بعقله لهذه الأمور التافهة والصغيرة؛ ولكنها لا تنكر في قرارة نفسها أنها تسعد بما يفعله لإرضائها، حتى لو كانت رفاهية الأشياء بالنسبة لها شيء عادي بالنسبة له، لكن يكفي أنه يفعل وأنه يسعى لإسعادها.
استفاقت من شرودها على صوت هاتفها الوارد بمكالمة، فتحت ترد بلهفة بمجرد رؤيتها للرقم.
"آلوو.... أيوه يا خالي وحشتني ياحبيبي."
وصلها صوته المرح.
"وحشتك فين يابكاشة؟ هو أنا لو وحشتك صحيح كنت سافرت على طول كده يابت من غير ما تستنيني أشوفك؟"
ردت بحرج.
"طب أعمل إيه بس يا خالي مع جاسر واخد إجازة لنفسه يومين بس ومش عايز يقعدهم في البيت، بس بصراحة بقى انت وجدتي وحشتوني قوي."
قال خالد بسعادة.
"ي حبيبة خالك انتِ، يابت أنا ملحقتش أشبع منك وغراب البين ده طار بيكِ، حاولي بقى ماتتأخروش عايز أقعد معاكي ونحكي في تفاصيل حياتك من وقت ما سافرت أنا وطول فترة غيابي."
ردت هي بتأكيد.
"طبعًا يا خالي، دا أنا واحشني الرغي والهزار معاك قوي، يمكن أكتر منك كمان."
تابعت زهرة حديثها الممتع مع خالد ورقية التي كانت تناكشها ببعض الكلمات الجريئة التي كانت تجعل زهرة تغضب حرجًا منها وبنفس تتحدث بابتسامة مستترة تصل إليهم رغم عدم رؤيتهم لها، حتى أثارت انتباه جاسر فخرج لها من البحر بجسده العضلي وقطعة السباحة يرتديها والتي جعلتها تشيح بوجهها خجلًا منه حتى وصل إليها يدنو بجذعه يتطلع إليها بجرأة أربكتها فنهت المكالمة معهم بتوتر.
قال متسليًا بصوته الأجش.
"كنتِ بتكلمي مين؟"
رمقته بعينيها سريعًا قبل تجيبه على وضعها بارتباك.
"كنت بكلم خالي وجدتي طبعًا أصلهم اتصلوا عشان يطمنوا عليا."
مال إليها قائلًا بابتسامة عبثية.
"هاا بقى وطمنتيهم؟"
ضيقت عيناها قليلًا حتى فهمت مغزى سؤاله ثم التوى ثغرها بحنق.
"على فكرة بقى هما سألوا عليك وأنا قولتلهم إنك بتعوم في البحر ومش فاضي تكلمهم."
مط بشفتيه قائلًا بتنهيدة.
"على كده بقى قولتلهم إن بعوم وحيد في بحر طويل عريض وعروستي مش معبراني ولا هاين عليها حتى تشاركني العوم."
التفت إليه قائلة بحدة.
"فيه إيه يا جاسر؟ يعني عايزني أعوم إزاي بس وأنا أساسًا مبعرفش؟"
"أعلمك!"
أردف بها سريعًا قبل أن يجفلها بحمله لها بين ذراعيه لتصرخ زهرة بخوف.
"واخدني ورايح بيا فين؟ بقولك معرفش."
قهقه ضاحكًا يردد.
"وأنا قولتلك هاعرفك يبقى لزوم إيه بقى الخوف؟"
أخذت تصرخ معترضة وهي ترفس بأقدامها حتى أدخلها معه وهي تصرخ تناجيه بتركها، فما كان منه إلا أنه فلت أقدامها فقط واحتفظت ذراعيه بضمها من الخصر بقوة وهو يقول لها بمرح.
"سيبي نفسك معايا وماتخافيش، أنا لسه مادخلتش بيكِ في الغويط، استمتعي يا زهرة وخلي عندك ثقة فيا."
قالت مرتجفة بخوف وقد غطتها المياه إلى أسفل كتفيها.
"يا جاسر ماتستهونش بخوفي، ده ممكن يغرقني بجد."
"بقولك ثقي فيا، بقولك ثقي فيا."
هتف بها حازمًا وهو يميل بها لتغطيها المياه حتى رأسها وشعرها فشاهقت مجفلة بلهث بعد أن أعادها سريعًا.
"حرام عليك يا جاسر والله بجد حرام اللي بتعمله فيا ده."
"حرام على مين بس يا زهرة بحلاوتك دي؟"
ردد بها بعدم تركيز وهو ينظر لهيئتها الشهية بعد أن ابتل جميع شعرها وسقطت خصلاته الطويلة السوداء على وجهها فكان يزيحها بكفه من وجنتيها التي تخضبت بالحمرة مع انفعالها، أهدابها الكثيفة والتي أسبلتها مع لهاثها خوفًا من المياه.
انتبهت هي على اشتعال عينيه فقالت بتوتر.
"طب كفاية النهارده و خلينا........."
قطع جملتها بقبلة مباغتة اعترضت عليها تدفعه عنها حتى نزع نفسه عنها ينظر إليها باستغراب فهتف غاضبة.
"مش تخلي بالك لحد يشوفنا."
رد بانفعال.
"أخلي بالي من إيه يابنتي؟ بقولك دي منطقة خاصة ومحدش يجرؤ يقرب منها عشان دي ملك العيلة أساسًا."
هتفت متشدقة.
"وافرض إن ماحدش يقدر يقرب، ماهو ممكن حد يشوفنا من عمارة بعيدة ولا عيل طايش يبص علينا بالميكروسكوب واحنا مش واخدين بالنا."
"ميكروسكوب إيه؟"
سأل بعدم استيعاب فقالت هي بحنق.
"عدسة مكبرة يا جاسر بتقرب البعيد وتكبره، هو أنا هافهمك برضوا يعني إيه ميكروسكوب؟"
سهم من مقولتها الغريبة فجعلته يلتفت بعينيه للبعيد، استغلت هي ارتخاء ذراعيه لتفلت نفسها منها وتخرج من البحر هاربة.
انتبه هو فقال متوعدًا وهو يخرج للحاق بها.
"يامجنونة، طب وديني ما أنا سايبك النهاردة يا زهرة."
***
في المساء.
كانت ترتدي فستانًا آخر من التشكيلة التي أتى بها من سفرته، يناسب لخروجها معه إلى أشهر المطاعم في هذه المنطقة الساحلية. الفستان كان طويل حتى الكاحل، منتفش في أكمامه ليتنهي عند الرسغ بحلقة صغيرة وضعت عليه أسورته لتبرز جمالها، الصدر كان مغطى بالتطريزات الخفيفة والتي تنتهي عند الخصر بحزام التف حول جسدها وحذاء في الأسفل ناسب لونه الأرجواني وحجابها في الأعلى لفته على رأسها بشكل عصري أشعرها بالرضا عن نفسها وقد نال إعجابها حقًا، لم تكن تظن أنه يملك خبرة أيضًا في ملابس النساء؟
أجلسها على طاولتهم بعد أن رحب بهم النادل ودلهم عليها، أشار له جاسر على عدة مأكولات بحرية من القائمة يتميز بها المطعم هنا قبل أن يصرفه، ثم التفت إليها سائلًا.
"إيه رأيك بقى يا زهرتي، عجبك المطعم؟"
ردت بابتسامة منبهرة.
"طبعًا عجبني، دا شكله فخم ومشهور قوي."
"ولسه كمان لما تجربي أكلهم هاتنبهري بجد، عليهم طريقة تخليكِ تشتاقي للمكان وتزوريه في السنة كذا مرة."
ابتسمت بحرج وعيناها تلتف حولها.
"بس شكله غالي قوي بدليل الناس اللي حوالينا كلهم بهوات وهوانم."
"ما إحنا بهوات وهوانم برضوا، ولا انتِ نسيتي يا زهرة هانم ياحرم جاسر بيه؟"
قال ببساطة أجفلتها لتعود برأسها بتفكير بما يذكرها به، إنها بالفعل أصبحت منهم بانتمائها إليه، وهل هذا حقًا؟!!
تناول كفها يخرجها من شرودها قائلًا.
"الجميل سرحان في إيه؟"
انتبهت إليه نظراته المحدقة بها بتفحص لتقول.
"لا عادي يعني بس انت عارف بقى، إني لسه باخد على الجو وبحاول أستوعب النقلة الغريبة دي."
رفع كفها يقبلها بحنان.
"استوعبي ياقلبي براحتك، بس ياريت بقى في وقت تاني، عشان طول ما انتِ معايا عايز تركيزك وعقلك وتفكيرك كله معايا أنا لوحدي، ماشي ياروح جاسر."
أومأت برأسها بتشتت فكيف تنفذ ما يقوله لها وعقلها مازال لا يستوعبه هو نفسه بأفعاله معها وهذه الشخصية المعاكسة لهيئته الأولى على الإطلاق.
استطرد متابعًا لها.
"عارفة يا زهرة، أنا طول عمري ما فرحتش أوي كده، على قد ما سافرت وروحت وحققت إنجازات وفرحت بيها، لكن كل ده جمب فرحتي بيكِ لا يسوى شيء، بجد بجد أول مرة أعرف يعني إيه سعادة."
"طب وف جوازاتك الأولى ما فرحتش بعروستك؟"
تمتمت به بداخلها تود لو تستطيع البوح بهذا السؤال لتعرف الإجابة منه ولكنه لم يعطها فرصة وهو يشرح لها عن المطعم وتاريخ إنشائه ومعرفته به وهو عائلته، حتى انتبه الاثنان على وقوف طفلة رائعة الجمال بالقرب منهم، تتطلع بابتسامة شقية إليهم.
اقتربت برأسها منها تسألها زهرة.
"إنت مين ياقمر واسمك إيه؟"
أجابتها الفتاة.
"أنا تاليا."
"الله اسمك حلو أوي يا تاليا."
رددت بها يازهرة وتدخل جاسر بسؤاله للصغيرة والتي تبدو في الرابعة من عمرها.
"انتِ حلوة أوي يا تاليا في حد كبير بقى معاكي؟"
أسبلت عيناها الصغيرة بانتشاء وقد أعجبها ثناؤه لها فمالت برأسها تتلاعب في خصلات شعرها قائلة بغنج أثار الضحك لدى الإثنين.
"جيت مع والدي ووالدتي."
"ياروحي أنا يابنتي إيه الحلاوة دي؟"
أردفت بها زهرة بقلب يقفز بالفرح لهذه الطفلة الرائعة والتي أثارت الحنين بقلب جاسر أيضًا في الحصول على طفلة مثلها من محبوبته وقد نبت بداخله الأمل بعد زواجه منها.
"مساء الخير، إحنا أسفين يا جماعة."
انتبه لها فجأة الاثنان من امرأة شديدة الجاذبية والجمال وهي تتناول الصغيرة وترفعها إليها، قالت زهرة وهي تنهض لترحب بالمرأة.
"مساء النور، بتعتذري ليه طيب وتاخديها؟ دي زي القمر وما أزعجتناش خالص والله."
ردت المرأة بابتسامة رائعة كطفلتها.
"يا حبيبتي ربنا يرزقكم بواحدة زيها بس تبقى أهدى شوية عشان دي مطلعة عيني."
"انتوا هنا وأنا بدور عليكم."
صدرت بالقرب منهم بصوت رجولي انتبه على صاحبه جاسر فنهض مرحبًا بالرجل بتهليل.
"رؤوف الصيرفي! انت فين يا عم؟"
"جاسر."
أردف بها الرجل قبل أن يجفله جاسر بعناق أخوي وهو يبادله الترحيب بحرارة هو الآخر مع بعض كلمات العتاب والمزاح أيضًا.
خاطبت زهرة المرأة.
"طب ما تتفضلي حضرتك اقعدوا معانا مدام طلعوا أصحاب وبيعرفوا بعض."
ردت المرأة بمودة.
"ياريت كنت أقدر والله بس إحنا مستعجلين وعندنا مشوار ضروري ومتأخرين عنه بسبب العفريتة دي."
انتبهت زهرة على لكنة المرأة المختلطة ببعض الكلمات الصعيدية قبل ترد بمزاح للطفلة.
"قصدك العفريتة اللي اسمها تاليا؟"
أجابتها المرأة بضحكة.
"أيوه هي اللي جايبالنا الكلام على طول."
"بس اسمها حلو قوي، مين سبب التسمية انتِ ولا والدها؟"
سألتها زهرة فاأجابت المرأة.
"لا أنا ولا والدها جدها أصلًا فنان وشاعر وحكاية الأسامي عنده لازم تبقى بمعنى وحكاية من وراه..."
"سمرا."
قطعت جملتها لتلتف لزوجها الذي ألقى بالتحية لزهرة برأسه قبل أن يلتفت لزوجته ويشير لها بالانصراف فااستأذنت منها مودعة لتغادر ويعود جاسر لمقعده بعد أن أنهى لقاءه الصغير مع صديقه وعادت زهرة هي الأخرى لمقعدها تسأله.
"ما مسكتش فيهم ليه عشان يكملوا السهرة معانا مدام طلع صاحبك ومراته؟"
رد جاسر.
"مسكت فيه والله بالجامد كمان بس المجنون ده بيقولي إن وراهم مشوار مهم والعفريتة بنته هي اللي غفلته ساعة ما راح يشتريلها آيس كريم، وحشني بجد ابن الذين بقالي زمن ماشوفتهوش."
انتبهت على نبرته السعيدة في الحديث عن صديقه ليستطرد قائلًا.
"عارفة بقى يا زهرة، أهي مراته دي كانت شغالة في البداية عندهم جليسة لجدته قبل ما يحبها ويتجوزها وقتها أنا كنت مستغرب قوي لكن دلوقتي بس قدرت موقفه لما جربت."
"هو عرف إني مراتك؟"
أجفلته زهرة بسؤالها فقال هو باستدراك.
"تصدقي أخدنا الكلام ونسيت أقوله، بس هو لو سألني كنت أكيد هاجاوب على طول، ده صاحبي وغالي عندي قوي."
أومأت برأسها لتخفي ما انضمر بصدرها من إجابته والتفت برأسها لتتابع ذهاب الرجل وامرأته مستغلة اندماج جاسر مع النادل الذي أتى بالطعام.
لفت نظرها رعاية الرجل لزوجته بتناوله للطفلة ليحملها عنها ثم نظرته الولهة لها وكأنه لا يرى من النساء غيرها، متأبطة ذراعه الحرة بثقة في جمالها وعشق زوجها الذي يبدو للأعمى كم هو فخور بها وهي تستحق، كما لفت نظرها أيضًا هذا الرجل الذي يتابعهم بعينيه ورأسه مغطى بالكاب من ناحية غير مرئية لهم مع الإضاءة الخفية!!
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أمام مراَته التي كان يعقد عليها رابطة عنقه بروتينة وهو يزفر متأففًا من فمه، بعد أن اضطر لقطع إجازته ويعود ليلاً مع عروسه كي يحضر الاجتماع الدوري للمجموعة في هذا الوقت من الشهر. فالبرغم من حسابه لكل شيء واعتماده على طارق وكارم في تسوية معظم الأعمال في غيابه، إلا أن هذا الاجتماع لا يصح بدونه ولم يقدر على تأجيله مع حجم الموضوعات المطلوب مناقشتها والبت فيها سريعًا.
تابعت عيناه خروجها من حمام الغرفة وهذه الفرحة المرتسمة على وجهها ونظرة الشقاوة التي تناظره بها، فتمتم لانعكاس صورتها في المرآة:
"لم نفسك يازهره، أنا على آخري."
ردت ببرائة:
"الله وأنا عملتلك إيه طيب؟"
استدار بجسده إليها قائلًا بوجهه العابس:
"بتغيظيني يازهره، الفرحة اللي هاتنط من عينك دي لوحدها بتغيظني."
"برضوا أغيظك ليه بس يابني؟ مش فاهمة أنا."
هتفت بها مدعية عدم الفهم قبل أن تشهق مجفلة على تحركه سريعًا نحوها ليتمكن من القبض عليها بين ذراعيه، قائلًا من تحت أسنانه وعيناه تحدقها بحدة:
"يعني انتِ بجد مش فاهمة أنا متغاظ ليه؟"
ردت بمهادنة لحالته:
"صلي على النبي ياحبيبي وماتعصبش نفسك، أنا عارفة طبعًا إنك مضايق عشان قطعنا الإجازة بسبب اجتماع المجموعة الضروري ده، لكن أنا بقى مضايقاك في إيه؟"
"مضايقني إنك بتضحكي ومبسوطة عشان رجعنا وانت شايفة وعارفة إني قطعت الإجازة مضطر، يبقى تخلي عندك دم وتقدري إحساسي."
رددت خلفه بعدم فهم:
"أقدر إحساسك! يعني أعمل إيه؟"
أجابها بجدية:
"تقلبي وشك انتِ كمان وتكشري، ماشوفش ضحكتك ولا ابتسامتك الحلوة دي خالص لحد ما أخرج."
هزت برأسها تراضيه وهي تكتم ابتسامة ملحة وكأنها تعامل طفلًا صغير:
"حاضر تمام مش هاضحك وابتسم خالص."
تنفس من صدره بقوة لتتركها ذراعيه ويلتفت عنها نحو المرآة يكمل ما يفعله، فغمغمت بصوت خفيض من خلفه:
"كل ده عشان رايح شغلك، اشحال إن ماكنتش ممدد إجازتك من يومين لعشرين يوم."
"بتبرطمي بتقولي إيه؟"
قالها وهو يرمقها بنظرة حانقة قبل أن يتناول سترة بدلته ويرتديها. أجأبته بابتسامة مترددة:
"كنت بقول يعني مدام أنا مش رايحة الشغل زيك غير على أول الأسبوع زي ما اتفقنا، فا أنا عايزة أروح لجدتي بقى."
التفت يرد عليها وهو يسحب في أكمام سترته والقميص:
"يعني مش قادرة تصبري يومين كمان؟ هو انتِ لحقتي تريحي من تعب السفر؟"
ردت بلهفة:
"لا ياجاسر أنا مش تعبانة والحمد لله، ولو تعبانة هبقى أريح هناك في أوضتي وعلى سريري."
عبس وجهه من جديد وهو يستدير ليمشط شعره وقال:
"تنامي فين يازهره؟ مافيش نوم طبعًا، هي ساعة ولا ساعتين وتيجي على بيتك."
ردت قاطبة وقد تغير لون وجهها وذهب عنه المزاح:
"ليه بقى ساعة ولا ساعتين ومنامش كمان؟ وانت أساسًا بتتأخر في اجتماعك ده ومش بعيد تيجي على آخر اليوم."
دفع بعنف فرشاة شعره أمامه والتف إليها متخصرًا بقبضتيه، يتطلع إلى غضبها فتنفس قليلًا بعمق يستدعي الحكمة قبل أن يرد عليها:
"أنا مش عايز أضايقك، بس بصراحة أنا خايف عليكِ، من العمارة بتاعتكم دي اللي آيلة للسقوط يازهره."
عقدت حاجبيها قليلًا قبل أن ترد بابتسامة مندهشة:
"وافرض يعني زي ما بتقول، ما أنا طول عمري عايشة فيها وستي وعيلتي كلها، وخالي دا اللي سافر من غير ما أشوفه، برضوا هيفضل عايش فيها لحد أما يتجوز وياخد ستي معاه."
تأمل هيئتها المتحفزة فقال ملطفًا وهو يقترب منها:
"عارف والله كل اللي بتقوليه ده، بس أعمل إيه أنا بقى في عقلي ده اللي هيفضل مشغول عليكِ طول الوقت، أنا راجل بخاف ياستي."
عادت إليها ابتسامتها فقالت برقة وهي تمسح بكفها على صدره العريض من فوق السترة:
"لا ياحبيبي ماتخافش ولا تشغل بالك حتى، دا بيتنا واحنا متعودين عليه."
"انتوا متعودين لكن أنا مش متعود."
تفوه بها وتابع بحدة:
"لولا خايف بس من دماغ خالك لايعند ويعملنا مشاكل لكنت نقلت عيلتك كلهم في شقق جديدة خارج الحارة والمنطقة كلها، بس شكلي كده هاعملها قريب وعنه مارضي."
قاطعته على الفور مرددة:
"لا اوعى ياجاسر تعمل كده، أنا خالي صعب وحاجة زي دي هياخدها على كرامته، دا أنا لسه شايلة هم شقته اللي انت سددت أقساطها."
قربها يضمها إليه أكثر وهو يقول بصوت أجش:
"طب أمّال أعمل إيه بس؟ وأنا مش قادر أمنعك ولا قادر ألاقي حل مع راس خالك الناشفة دي؟"
ردت زهرة وهي تلف ذراعيه حول جذعه:
"سيبها على الله ياسيدي."
"ونعم بالله."
أردف ومال عليها يقبلها ويزيد من ضمه إليها بشوق لا ينضب ولا يهدأ أبدًا. بعد قليل وحينما تركها يجبر أقدامه جبرًا للذهاب، أردف لها:
"عم رزق السواق الجديد هاياخدك ويرجعك، ومافيش مشوار تاني هاتعمليه من غيره، حتى مشاوير الشركة."
هتفت إليه بعدم تصديق:
"أنا بقى عندي سواق مخصوص؟"
أجابها بثقة:
"وعربية مخصوص كمان."
***
خرج محروس من غرفته وهو يسعل بصوت محشرج في عرض يومي كل صباح نتيجة لامتلاء صدره بالتدخين والمواد المخدرة، ورغم ذلك لا يتوانى عن إخراج سيجارته ليشعلها ويدخنها في نفس الوقت.
"أرحم صدرك يامحروس أو حتى اشربلك حاجة سخنة تريحه الأول قبل ما تدخن."
هتفت بها سمية وهي تعمل بروتينها اليومي في ترتيب المنزل ونظافته، نفث أمامها دخانًا كثيف بتحدي لما تقوله قبل أن يجلس على أريكته الخشبية المنجدة، يخاطبها والسيجارة في فمه:
"ملكيكيش دعوة بصحتي ياختي، أنا فل وعال العال بطلي انتِ رغي وحضريلي الفطار."
استقامت بجذعها عن تنظيف الأرض لتسأله بانتباه:
"عايزني أحضرلك الفطار والساعة داخلة على عشرة، هو انت مش رايح ورشتك كمان النهاردة؟"
أجاب بتعالي وهو يضع قدمًا على قدم:
"وأروح ليه وأتعب نفسي؟ وأنا عندي بدل الصبي تلاتة وأربعة يشتغلوا تحت إيدين الواد عامري، هما يخلصوا الطلبية وأنا أسلمها للزبون واستلم حقها."
كفاية كده. لوت ثغرها بامتعاض قبل أن تقترب لتجلس بجواره قائلة بلطف حتى لا تثير غضبه:
"يامحروس، المال السايب بيعلم السرقة، والفلوس اللي انت خدتها مهر لزهره وبتتبعتر فيها شمال ويمين دي؛ حاول تلم إيدك فيها شوية، انت معاك بنات عايزين يتعلموا وعايزين جهاز لما يجيلهم عدلهم."
رمقها بنظرة مستنكرة صامتًا فتابعت هي:
"ده غير الشقة اللي إحنا ساكنين فيها دي، حل الكيس وشوفلنا لو حتى أوضتين في عمارة تانية غير اللي ممكن توقع علينا دي."
رد محروس مستخفًا بكلماتها:
"والله وبقالك حس يا سمية وبقيتي تخططي كمان، عايزاني أسيب الشقة اللي عايشين فيها بقالنا سنين وأغير؟ لا وكمان عايزاني أحوش لجهاز بناتك، أحوش ليه أنا وأضيقها على نفسي من دلوقتي، مايشدوا هما حيلهم لما يكبروا ويتعلموا من أختهم الكبيرة، اللي وقعت الباشا على بوزه."
ضربت سمية بكفها على صدرها قائلة بجزع:
"يالهوي يا محروس، انت برضوا اللي بتقول كده على بنتك؟ دي زهرة مافيش في أدبها ولا احترامها."
لسعته كلماتها الحادة فانتفض يصيح نحوها بغضب:
"وانتِ بقى هاتعلميني أتكلم إزاي على بنتي؟ قومي ياولية انتِ حضري الفطار زي ماقولتلك، بلا وجع دماغ ورغي كتير على أول الصبح، قومي."
نهضت سريعًا من جواره، تتفادى يده التي امتدت لضربها، واتجهت نحو المطبخ مذعنة لطلبه، وهي تتمتم داخلها:
"روح يا شيخ ربنا يهدك على بهدلتك وعمايلك فيا."
***
وصلت زهرة بالسيارة السوداء الفخمة التي اقتحمت الحارة لتلتفت إليها جميع الوجوه من مارة وسكان، وزاد الفضول حينما توقفت أمام بنايتهم. سألت زهرة في الوجوه الناظرة بتساؤل نحوها بتخوف:
"مش هو ده البيت حضرتك ولا أنا غلطت في العنوان؟"
أردف بها السائق وهو رجل في عقده السادس، يتكلم بتهذيب وعيناه لا يرفعها نحوها. ردت زهرة باحترام للرجل المسن والذي اختاره جاسر بعناية:
"لا هو نفسه يا عم رزق، أنا اللي سرحت شوية بس حالا نازلة أهو."
قالتها وتناولت حقيبتها وأكياس الهدايا المعلبة فسألها الرجل:
"تحبي أشيلهم أنا حضرتك؟"
نفت برأسها وهمت لفتح الباب فتابع لها:
"طب أرجو منك يازهره هانم، ترني في أي وقت تعوزيني فيه على أي مشوار، مش المرواح بس."
أومأت لها برأسها وترجلت بالخطوة السريعة تدلف للبناية لتصعد لجدتها. وجدت والدها أمام باب شقته الذي كان خارجًا منها حالاً، فهتف عليها بصوت عالي:
"حبيبة أبوكي، انتِ جيتي يامرات الباش... قصدي الشيخ."
قالها واقترب يضمها بذراعيه ويقبلها بوجنتيها. ردت بابتسامة مجاملة على كلماته باقتضاب قبل أن تفلت نفسها منه لتحتضن سمية التي خرجت إليها وشقيقاتها، وترد على تهاني الجيران الذين خرجوا على هتاف أبيها. ثم هرولت بسرعة لجدتها التي استقبلتها فاتحة ذراعيها من مكانها وقد تنبهت هي أيضًا لعودتها. ارتمت زهرة بأحضانها تعود لأمانها وحصنها الدائم حتى لو كانت قعيدة ومريضة.
"وحشتيني يابت الجز..."
هتفت بها رقية وهي تشدد من احتضانها وتلكزها بقبضتها بخفة. رفعت إليها رأسها من داخل أحضانها زهرة ترد بابتسامة باكية:
"مافيش فايدة يارقية، لازم لسانك يشتم."
تأملتها جدتها جيدًا عن قرب، وجهها المضيء وقد ازداد توهجًا، عيناها التي تلمع بالسعادة مع هيئتها الجديدة والملابس الغالية التي ترتديها، مما أدخل السرور بقلبها فقالت مناكفة:
"وشك منور وعنيكي بتلمع، ده باينه حصل."
"إيه هو اللي حصل ياستي؟"
سألتها بعدم فهم، لكزتها رقية مرة أخرى مجيبة بمرح:
"حبتيه ووقعتي ياموكوسة، هو إحنا لسه هانفسر؟"
"يئست منها زهرة لتدفن رأسها داخل أحضانها مرة أخرى مرددة بخجل:
"ياباى عليكِ يارقية، مافيش فايدة فيك أبدًا."
صدرت ضحكة رنانة من رقية وهي تقبلها فوق رأسها وقد تأكد تخمينها.
***
دَلفت مرفت لحجرة الاجتماعات التي قاربت على الاكتمال بأعضائها، جلست بالقرب من جاسر المشغول بمراجعة بعض الأمور مع كارم قبل بدء الفعلي للاجتماع فخاطبته تجذب انتباهه:
"حمد الله على السلامة ياجاسر."
التفت إليها برأسه مرددًا التحية على مضض:
"الله يسلمك يامرفت، عاملة إيه انتِ بقى؟"
ردت بميوعة وهي تعيد في خصلات شعرها للخلف:
"أنا كويسة ياسيدي، انت بقى اللي اختفيت وقولت عدولي. الا قولي صحيح ياجاسر، هو انت فعلاً مضيت عقود مع شركاء مهمين زي ما عرفنا؟"
اعتدل بجذعه للخلف فقال بابتسامة متسلية:
"في الحقيقة يامرفت أنا مامضتش ولا حتى ناقشت أي مشروع في الفترة اللي فاتت، دي كانت حجة عشان أطمن بيها والدي وأي حد يسأل عليا."
تغير وجه مرفت فرددت باستفسار:
"حجة! أمّال انت كنت فين بقى؟"
طقطق من فمه بصوت ساخر يجيبها بابتسامة متلاعبة:
"عيب يامرفت، إن أقول ولا أصرح حتى بالكلام ده وانتِ ست مطلقة بقالك فترة كبيرة، يمكن تفتكريني بتحرش بيكِ."
سهمت بوجهها تنظر إليه بازبهلال وقد وصلها تقريعه الغير مباشر والمختلط بسخرية، بلعت ريقها تعتدل بجذعها بعيدًا عن محيطه، لتلملم كرامتها. فوقعت عيناها على كارم الذي كان يخبئ بطرف كفه ابتسامة أو ضحكة كبيرة مستترة جعلت وجهه الأبيض يتحول للحمرة الشديدة وهو مطرق برأسه ينظر للأوراق التي على سطح المكتب أمامه مدعي التركيز، مما ساهم بامتقاع وجهها واشتعالها غيظًا من جاسر الريان الذي كان مازال على نفس وضعه ينظر إليها بثقة وتحدي.
قطع شرودها مجيء طارق وخلفه هذه كاميليا فارتفعت أنظار كارم إليها بتركيز ليتلقى تحيتها بابتسامة عريضة زينت وجهه. تتابعهم أنظار طارق بوجه واجم على غير عادته ليلقي التحية على صديقه الذي نهض عن مكتبه يتلقفه بالأحضان والاَخر يبادله بابتسامة شاحبة لفتت انتباه جاسر، قبل أن يتبادل المصافحة والتحية مع كاميليا التي التفتت بعدها لتجلس على مقعدها المخصص على الطاولة الكبيرة المستديرة ليتبعها طارق بتجهم يأخذ مكانه بجوارها وانظار جاسر تتابعه بقلق.
عاد إليها فضول مرفت لتخاطب كارم بلؤم:
"كتير قوي عليك المجهود ده ياكارم وانت شايل فوق طاقتك، هي البنت السكرتيرة دي مش ناوية بقى ترجع لمكانها وشغلها، ولا هي استحلت الدلع؟"
تغير وجه كارم واتجهت أنظاره نحو جاسر الذي تكلف هو بالرد بحزم:
"تدلع ولا تستحلالها حتى، انت مالك يامرفت، هي شغالة تبعي أنا ولا تبعك انتِ؟"
صكت على فكها وقد أفحمها رده المفاجئ وزاد بداخلها الشكوك أيضًا.
***
"انت متأكد إنها هي يالا؟"
تفوه بها فهمي سائلًا لصبيه الذي أجابه بحماس:
"والنعمة زي ما بقولك كده يامعلم، أنا شوفتها بنفسي وهي بتخرج من العربية السوداء الكبيرة وجريت تدخل عمارتهم جري، بس إيه بقى يامعلم، بقت حاجة تانية خالص، لبس إيه وحلاوة إيه، دي بقت ولا الهوانم بجد يامعلم."
هرش فهمي بطرف سبابته يردف بغيظ وعيناه نحو مدخل العمارة:
"زهره بنت محروس بقت هانم؟ دي سابت وعالت قوي."
هز الفتى رأسه باستنكار إرضاءً لمعلمه يقول:
"عندك حق يامعلم، دي بت قادرة وعينها قوية عشان سابتك ولحقت تلاقي غيرك."
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ساخرة يردد:
"دي لحقت في ظرف يومين تتخطب وتتجوز كمان، ولا اكنها كانت مرتبة من الأول."
ارتفعت أنظاره فجأة للفتى يأمره:
"روح انت دلوقتِ وشوف وراك إيه، بس ماتغيبش عن عيني عشان لما أعوزك ألاقيك وخليك صاحي لأي حركة غريبة في الحارة."
"عنيا يامعلمي."
هتف بها الفتى وانطلق مهرولًا إذعانًا لأمر فهمي الذي تمتم بتصميم:
"وأنا بقى قاعد هنا ومش متعتع من عالقهوة، اما أشوف السنيورة الهانم دي كمان بقت إزاي؟"
***
وفي الأعلى كانت زهرة مازالت ملتصقة بجدتها وشقيقتها وسمية يتفحصن الهدايا التي أتت بها إليهم.
"الله يا أبلة، حلو قوي الشوز اللي جبتيه ده؟ ده مش غالي قوي كمان."
هتفت بها صفية بانبهار وهي ترتديه، ردت زهرة بابتسامتها الرائعة:
"أنا عارفة إني من الأول نفسك في النوع ده، عشان تقلد البنات أصحابك، قلت بقى أجيبهولك عشان تريحينا من زنك ياستي عن سيرة البنات اللي بيلبسوه وانتِ لأ."
لاح على وجه صفية التأثر وقالت سمية بامتنان:
"وأنا بقى كنتِ عارفة إني هاموت وألبس الدهب عشان كده جايبالي الخاتم الحلو ده صح؟"
ردت زهرة بذوق حتى لا تخجلها:
"لا طبعًا أنا ماكنتش أعرف بحكاية إن نفسك في الدهب، أنا قلت أجيبلك زي ما جيبت لستي، وأنا أش عرفني باللي نفسك فيه ياولية انتِ أساسًا؟ حتى بصي كده."
قالت الأخيرة وهي ترفع إليها كف رقية التي قبلتها من رأسها هي الأخرى. وسمية تهتف بانبهار:
"الله ياخالتي، ده حلو قوي الخاتم على إيدك، زوقك حلو أوي يازهره."
ردت رقية بمرح:
"مش زوقها وبس ياختي، ده إيدي هي اللي حلوة."
انطلقت الضحكات على جملة رقية ثم تابعوا اكتشاف بقية الهدايا الخاصة بشقيقتها الصغيرات قبل أن تنهض سمية لتحضير وجبة الغذاء لهم جميعًا.
***
انتهى الاجتماع الذي استمر لساعات وانسحب الأعضاء تباعًا ولم يبقى سوى جاسر الذي كان يفرك وجهه من التعب والإرهاق مع بعض الأعضاء القلائل، وكارم الذي كان يراجع على محضر الاجتماع وملاحظات الرئيس والقرارات التي اتخذت أيضًا.
وقف جاسر ليهندم سترته وهو ينتظر صديقه ليخرجا معًا وقد أقلقه هيئته الغريبة عنه، والذي أتى إليه بعد ذلك بخطوات مثقلة وكأنه يجر أقدامه جرًا:
"إيه يابني مالك؟ هو انت تعبان؟"
أردف بها جاسر متسائلًا وهم الآخر أن يجيبه ولكن توقفت الكلمات على لسانه وهو يلمحها تغادر بهيئتها الأنيقة دومًا، وخلفها خرج كارم يلحق بها. اتسعت عيناه لتنهش الغيرة بصدره وهو كالعاجز لا يملك حق الاعتراض أو التحرك لمنع تواصلهم معًا. أقدامه تحثه على اللحاق بهم وعقله يصرخ رفضًا لكرامته. قطع شروده جاسر الذي انتبه إلى ما يتطلع إليه صديقه، فخاطبه بصوت خفيض:
"بقولك إيه انت منظرك كده مش عاجبني تعالى روح معايا في عربيتي خليني أشوف إيه حكايتك."
أجابه بلهجة يائسة:
"حكاية إيه؟ هي بدأت أساسًا عشان أحكي عنها، أنا حكايتي انتهت من قبل ما تبتدي."
قطب على لهجته المحبطة فجذبه من مرفقه بحزم خفيف ليسحبه معه مرددًا:
"لا دا انت ماتتسبش، تعالى معايا."
استسلم له طارق وخرج ليغادر معه.
***
فور خروجها من الاجتماع على الفور اتصلت بشريكتها لتخبرها بما حدث:
"والله زي ما بقولك كده، ده حتى مرعاش العيش والملح وهو بيحرجني ويلقح بالكلام قدام كارم اللي ممسكش نفسه ده كمان وضحك عليا."
سألتها ميري بعدم فهم:
"طب أنا مفهمتش برضوا، يقصد إيه بكلامه ده؟"
زفرت مرفت بضيق وهي تقطع الرواق المؤدي للباب الرئيسي للخروج:
"كل ده وما فهمتيش ياميري، معنى كلامه إنه كان مقضيها صرمحة ولعب، لا ومن بجاحته بيقولي عيب أتكلم لا تفتكريني بتحرش بيكِ. جوزك بيقولنا اخبطوا راسكم في الحيط ياميري، عشان عارف إني صاحبتك ويهمني اللي يهمك."
غمغمت ميري تسب ببعض الكلمات الإنجليزية على جاسر قبل أن تتابع سائلة:
"طب والبنت السكرتيرة دي كمان، رجعت النهاردة بقى من إجازتها برضوا."
أجابتها بلهجة مغيظة:
"لا ياحبيبتي مارجعتش وأنا لما سألت كارم عن تأخرها رد عليا جوزك المحترم وقالي، هي شغالة عندك ولا عندي. اقطع دراعي إن ماكان في بينهم حاجة وحكاية جوازها بالراجل العربي، أنا مش بلعاها."
رددت ميري خلفها بيأس:
"عندك حق يا مرفت، أنا دلوقتي قلقت أوي وبدأت أشك زيك."
تنهدت مرفت بصوت عالي قبل أن ترد على صديقتها وقد وصلت بخطواتها بالقرب من سيارتها:
"عشان تعرفي بس إني همي على مصلحتك، وإني..."
قطعت جملتها مرفت وارتخت ذراعيها عن فتح باب السيارة وهي تلمح غادة وهي تطرق بكعب حذائها على الأرض لتنعطف نحو الجهة الأخرى من الطريق لتلحق بسيارة تقلّها للعودة لمنزلها. تطلعت إليه جيدًا تقيمه بنظرة متفحصة، مما ترتديه ملابس محكمة على جسدها وطريقة سيريها بتمايل لتلفت إليه الأنظار، مساحيق وجهها الثقيلة، من مظهرها أخذت فكرة عامة عن شخصيتها. قطع شرودها صرخة بصوت رفيع وحاد:
"روحتي فين وسيبتيني؟ هو أنا هاكلم نفسي بقى ولا إيه؟"
جزت على أسنانه تفتح السيارة لتندس داخلها بعنف تهتف:
"بتصرخي في ودني، هاتخليني أنطرش، فيه إيه يابنتي؟ بالراحة شوية مش كده."
صمتت ميري وظهر فقط صوت أنفاسها العالية، فتابعت لها مرفت ببعض التحكم في عصبيتها:
"بقولك إيه ياميري، أنا هاجيلك النهاردة وأرغي معاكي ماتقلقيش، أنا بس هاقفل وأسيبك دلوقتي ولما أجلك هافهمك إللي في دماغي."
***
وبسيارة جاسر التي أصر أن يقودها بنفسه بصحبة صديقه الذي تولى قيادة سيارته، وتولى السائق عبده وإمام الحارس الخاص لجاسر قيادة السيارة الأخرى ليتبعهم من الخلف، كان طارق يتكلم ويبوح بما بداخله وكأنه انتهزها فرصة ليجد من يشاركه أوجاعه:
"قلبي محروق منها يا جاسر، نفسي أفهم هيا بتعاملني كده ليه؟ طيب لو عشان سمعتي، تديني فرصة عشان أتكلم وأقولها إني من يوم ما عرفتها وأنا مش قادر ألمس ولا أشوف واحدة غيرها، أنا إنسان مش وحش ياجاسر، أنا عندي عيوب وعيوب وحشة كمان، بس أقسم بالله مستعد أصلحها وأتوب عنها عشان خاطرها، بس هي تديني فرصة، فرصة بس أثبت لها فيها أنا بحبها قد إيه ونفسي أعمل عشانها إيه؟"
تأمل جاسر صديقه بشفقة قبل أن يرد على كلماته الحارقة:
"أنا ماكنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده، بصراحة كنت فاكره إعجاب أو نزوة من نزواتك."
ابتسم طارق بسخرية وهو يلتفت للنافذة ويرد عليه:
"حتى انت كمان! دي على كده بقى هي عندها حق إنها تقفلها في وشي وتفتح أبوابها لكارم."
"كارم!"
قالها جاسر بدهشة قبل أن يتذكر ماشاهده منذ قليل، فقال باستدراك:
"أنا آسف يا طارق، إني ماخدتش مشاعرك بجدية واتلهيت عنك بمشاكلي، بس انت لو تحب وأفاتحها أنا تحت أمرك."
تجهم وجه طارق فالتف يرد باعتزاز:
"لا يا جاسر أنا مش هأتذلها، إن ماكنتش هي تحس من نفسها يبقى بلاها أحسن، مش يمكن بتحب اللي اسمه كارم ده، ساعتها بقى هايفيد بإيه الكلام معاها غير إنه هاينقص من كرامتي."
صمت جاسر وقد ألجمه منطق صديقه في الدفاع عن ماتبقى من كرامته التي لا يريد إهدارها أمام عشق يائس، أو كما يظن هو لا أمل منه. تذكر محبوبته وما كان يعانيه بعد رفضها له في البداية، يحمد الله لانتهاء عذابه بالزواج منها سريعًا، فلو استمر عنادها لأكثر من ذلك، لا يعلم ما الذي كان سيحدث وقتها، هذا أن لم يصبه الجنون.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
طالت جلستها مع جدتها وأخواتها بالمنزل.
وظل هو على وضعه جالسًا على طاولة قهوته يدخن تارة أو يتحدث تارة أخرى مع صبيانه.
كان ينتظر رؤيتها، وقد غلبه الفضول والرغبة الشديدة لرؤيتها وما وصلت إليه من تغيرات شكلية بعد زواجها.
حينما لمح طرف ثوبها من مدخل البناية وهي تهبط الدرج المتهالك، انتصب في جلسته وتحفزت حواسه.
حتى أصبحت الرؤية كاملة فتوسعت عيناه بشدة منبهرًا بجمالها.
غمغم داخله متحسرًا:
- يعني أنتِ كنتِ ناقصة حلاوة على حلاوتك؟ ولا أنا كنت ناقص عذاب على عذابي؟
انتبهت هي إليه وتلاقت أنظارها به.
فتعبس وجهها لتُشيحه بوجهها عنه وتتجاهله.
قبل أن تعتلي سيارتها التي تحركت على الفور مغادرة الحارة بأكملها.
أمام عيناه التي لم تتزحزح عن السيارة حتى اختفت.
وحينما عاد بأنظاره وجد محروس أمامه يتطلع إليه بابتسامة مستخفة.
صك على فكه غيظًا قبل أن يبصق على الأرض.
ثم ارتفع رأسه إليه مغمعمًا بتوعد:
- طب وحياة الغالين لكون مربياك عليها دي يامحروس، مابقاش أنا فهمي لو ماقرصتك.
عادت إحسان لمنزلها بعد خروجها.
ورأت التغير الذي طرأ على زهرة.
فتمنت وتحسرت بشدة أن لو كانت غادة هي مكانها.
وجدتها جالسة بوسط الصالة تشاهد التلفاز.
القت عليها التحية قبل أن تجلس بجوارها وتضع كيس الهدايا الذي اتت به خلفها:
- مساء الخير.
ردت غادة تحيتها قبل أن تسألها:
- رجعت وملقتكيش يعني، كنتِ فين ياما؟
أجابتها وهي تتناول من طبقها:
- كنت في مشوار مهم ياغالية لا انتِ مسمعتيش من أهل الحارة.
سألتها بعدم فهم:
- سمعت إيه؟ أنا أساسًا جيت متأخر النهاردة من الشغل وملحقتش اقف ولا اتكلم مع حد.
غمغمت بها إحسان وهي تعتدل بجسدها أمام رؤية التلفاز ثم قالت:
- على كده معرفتيش ان المحروسة مرات الباشا جات النهاردة والحارة كلها اتقلبت على العربية اللي جات بيها ولا شكلها اللي بقى ولا الهاوانم وبقى ليها سواق مخصوص كمان؟
صمتت غادة واشتعلت عيناها قبل أن تتأكد مما سمعته:
- أنتِ بتتكلمي جد يامّا؟
- وأنا هاهزر يعني في الحاجات دي؟ خدي وشوفي بنفسك.
قالت الأخيرة وهي تلقي بالكيس البلاستيكي أمامها، مكملة:
- بصي ياختي على الهدايا اللي جايبهالنا.
تناولت الكيس تخرج ما بداخله بلهفة، فهتفت بفرحة وهي تتأمل الحقيبة الغالية والحجاب الطويل:
- الله يامّا، أكيد الشنطة الحلوة دي ليا أنا والحجاب الطويل ده ليكِ أنتِ.
تأملتها آحسان قليلًا ثم ردت بابتسامة ساخرة:
- أيوه يااختي افرحي بالشنطة وأنا أفرح بالحجاب، وهي جايبة دهب لمرات محروس وجدتها.
سألتها مذهولة:
- بتقولي دهب؟!
ردت إحسان من تحت أسنانها:
- وأكذب ليه ياحبيبتي وأنا شوفت بنفسي؟ ده أبوها اللي كان بيجي يترجاني على 20 جنيه يجيب بيهم علبة سجاير، تعالي شوفيه دلوقتي وهو بيتمحتر في الحارة ويقول يا أرض اتهدي ما عليكي قدي.
لم ترد غادة وتصلبت يداها عن الإمساك بالحقيبة التي سقطت أرضًا.
فسألتها والدتها:
- أنتِ ماتعرفيش هي هاتكمل شغل ولا تقعد في البيت؟
التفت لوالدتها تجيبها بحنق:
- هترجع يامّا، دي ما صدقت ولاقيتها فرصة، حظوووووظ.
يوم السبت.
استيقظ من نومه في نفس ميعاده كالعادة، فتفاجأ بخلاء مكانها بجواره.
قطب مستغربًا وهو ينهض عن التخت ويهتف باسمها:
- زهرة... يازهرة.
حينما لم يجدها بالحمام أو يسمع ردًا منها، خرج من غرفته ليبحث عنها مرددًا:
- يااازهرة أنتِ فين؟
أتت على صوته سريعًا تصعد إليه الدرج وهي تجيبه:
- أنا هنا ياجاسر، ثواني جاية.
تفحصها بنظرة تقيمية حتى وصلت إليه ليسألها:
- مش بعادتك يعني تصحي بدري وتسبيني؟ هو أنتِ كنتِ خارجة؟
اقتربت لتسحبه من ذراعه مردفة بحرج:
- مش تلبس حاجة قبل ما تخرج كده وتحرج البنت.
تمتم يتطلع نحو الجهة التي تشير إليها فرأى البنت العاملة بتنظيف المنزل تبتسم وهي تختلس النظرات نحوه.
فرد بابتسامة متوسعة لزهرة وهو مستسلم لسحبها نحو غرفته:
- بس البنت مش مكسوفة على فكرة.
تغضنت ملامحها بعتب وهي تلج لداخل الغرفة وتدخله معها فقالت وهي تصفق باب الغرفة وتستند بظهرها عليه:
- طب ياريت بقى ما تكرريهاش مرة تانية.
ارتفع حاجبه باستدراك ثم اقترب ليستند بمركبه على باب الغرفة خلفها قائلاً بمرح:
- الله، ده الحلوة بتغير بقى.
لانت ملامحها وهي تدفع بكفها أصابع يده التي امتدت تداعب أنفها بمشاكسة.
- بس بقى بطل غلاسة.
قالتها وابتعدت لتلقي نظرة أخيرة على نفسها بالمراة.
فلاحقها سائلًا:
- طب أنتِ مجاوبتش سؤالي برضوا، لابسة لبس الخروج ليه؟
التفت إليه متكتفة الذراعين تجيبه:
- النهاردة أول الأسبوع، يعني رايحة الشغل ياحبيبي، ولا أنت نسيت؟
اقترب متمخترًا بخطواته نحوها واضعًا يديه في جيبي بنطاله يردف:
- طب تصدقي بقى أنا فعلاً نسيت.
ردت وهي تتصنع الهلع:
- أنت نسيت بس أنا منستش، حكم المدير بتاعي دا صعب قوي ويخوف.
ردد ضاحكًا:
- ياشيخة، وايه كمان؟
أكملت تعبر بيداها وملامح وجهها:
- آه والنعمة زي ما بقولك كده، ده غير أنه كشري وحواجبه معقودة، ولما يتكلم عيونه بتطلع نار، آه.
صرخت الأخيرة وهو يرفعها من خصرها بمرح مرددًا:
- ما تقولي أنه عفريت أحسن، ولا أقولك خليها التنين المجنح عشان عيونه بتطلع نار.
قهقهت بين يديه ضاحكة وهي تخاطبه:
- خلاص ياجاسر، أنا مش عيلة صغيرة.
- أنتِ مش عيلة وبس، ده أنتِ هاتجننيني معاكِ؟
قالها قبل أن يقبلها على وجنتها بقوة ثم تفلتها يديه.
فقالت هي:
- طب أنا كده هامشي وأسبقك مع عم رزق عشان ده ميعادي وأنت حصلني.
أوقفها يعترض طريقها:
- استني افطري معايا حتى الأول.
رفعت يدها تنظر في الساعة التي زينت رسغها ثم شهقت أمام وجهه بهلع:
- عايزني أفطر وأنا متأخرة، أشحال إن ما كنت حكيت لك عن مديري اللي بيخوف؟ سلام بقى عشان ما أخدتش جزاء.
أردفت الأخيرة وهي تتناول حقيبتها هاربة منه.
نظر في أثرها بابتسامة اعتلت شفتيه يتمتم بداخله:
- حلوة لعبة المدير والسكرتيرة دي!
بوجه متجهم وذقن غير مهذبة على غير عادته وقف أمام المصعد ينتظر هبوطه كي يصعد إلى غرفة مكتبه بالمصنع.
مطابقًا شفتيه وهو ينظر للوحة الإلكترونية بتركيز.
تحركت رأسه فجأة نحو مدخل مبنى المصنع فتسمر محله وتخشبت قدماه وهو يراها تقبل عليه غير منتبهة.
منشغلة بالتحدث في الهاتف وشعر رأسها المصفف بعناية يتراقص بتناغم مع خطواتها الرشيقة.
ترتدي بدلة نسائية للعمل، بنطال أسود وقميص أبيض فوقها وسترة بنفس لون البنطال مفتوحة بشكل عصري على قدها الممشوق.
- رااائعة.
أردف بها بداخله قبل أن يعود لغضبه ويتذكر عهده الذي قطعه على نفسه.
استقام يفرد ظهره جيدًا ليعود لوضعه أمام المصعد.
والذي كاد أن ينساه حينما انفتح بابه الإلكتروني فجأة فدلف بداخله.
وقبل أن يصعد وجدها فجأة لحقت لتشاركه الصعود، قائلة بلهث:
- صباح الخير.
- صباح النور.
رددها إليها بروتينية قبل أن يعود لوضعه بالتجهم، يتصنع التجاهل ورائحة عطرها تأسر حواسه.
وهذا الخائن بصدره يضرب بقوة فرحًا ببلاهة لمجرد شعوره بقربها في مكانٍ وحده معها.
تكلمت هي تقطع الصمت:
- قمت متأخرة عن ميعادي النهاردة، وكنت خايفة أوي لتتأخر.
التفت رأسه إليها بصمت فتفاجأ بلون القهوة صافيًا أمامه دون النظارة الغبية التي ترتديها دائمًا أثناء العمل.
كاد أن يستسلم ويسقط حصونه كي يغرق بهم ويشبع أنظاره منهم.
ولكنه استفاق ينهر نفسه ويحثها لعدم الاستسلام.
فرد موجهًا كلماته بمغزى وهو يشيح بوجهه عنها:
- مش بعادة يعني ولا هي السهرة طولت؟
عقدت حاجبيها مردفة بتساؤل:
- نعم؟
استدرك نفسه فقال موضحًا:
- قصدي يعني إنك عمرك ما اتأخرتي.
أجابته تفاجئه بردها:
- في الحقيقة أنا فعلًا سهرت امبارح وقبل الفجر كمان.
وقبل أن يزلف لسانه بغباء أكملت هي:
- ميدو أخويا أخد دور سخونية وبرد امبارح، ونشف دمي من الخوف، ماعرفتش أنام غير لما اطمنت ع الحرارة بعد ما نزلت.
سألها مستغلًا سهوها بالحديث العفوي:
- مين ميدو ده؟
- ميدو ده يبقى أخويا.
تابع بسؤال آخر:
- طب وأنتِ تسهري جنبه لوحدك ليه؟ مش الست الوالدة عايشة برضوا؟
هل شعر بارتباكها أو رأى شحوبًا بلون وجهها فجأة لا يعلم؟
ولكن الذي بدا واضحًا أمامه هو أطباق شفتيها وانظارها التي زاغت بينه وبين لوحة الأرقام بصمت دون إجابة عن سؤاله.
حتى انفتح الباب فتمتمت تجيبه بصوتٍ كالهمس بالكاد يخرج:
- مش موجودة.
قالتها وخرجت على الفور.
خرج خلفها وتركزت عيناه عليها، يتابع خطواتها السريعة وهي تغادر الرواق نحو غرفتها.
وبداخله شعور غريب لا يعلمه مع عدم فهمه للجملة.
تعدو سريعًا بخطواتها لتصل إلى مقر الشركة بعد أن ترجلت من سيارة النقل العام بمسافة ليست بالقريبة.
وصلت إلى سلم الباب الرئيسي الرخامي وما هي إلا عدة درجات صعدتهم حتى وصل إلى مسامعها همهمات خلفها عن زهرة والسيارة التي تخرج منها.
التفت بجسدها فوجدتها هي بالفعل.
تجمعت حولها عدة فتيات من الموظفين، يتحادثن معها بترحيب لعودتها وعيونهن تتطلع مثلها نحو السيارة التي تغادر من خلفهم.
وهي تبتسم كعادتها وتبادلهم الترحيب بمجاملة.
تسمرت غادة محلها قليلًا تتطلع إلى هيئتها الجديدة وما ترتديه من ملابس فاخرة بالإضافة إلى إشراق وجهها بالسعادة والذي بدا واضحًا للأعمى حتى.
فوصل إلى سمعها بعض التعليقات الأخرى من خلفها، والتي تتحدث عن زواج زهرة برجل عربي لا تريد الإفصاح عن هويته.
ليرد صوت امرأة أخرى، بتخمين أن يكون أمير أو شيخ خليجي.
كالسياط كانت تلسعها الكلمات بالإضافة لرؤيتها كنجمة وسط زميلاتها من الموظفات.
كل هذا كان أكبر من طاقة تحملها.
ودون أن تدري استغلت انشغال زهرة مع الفتيات وعدم انتباهها إليها، فانسحبت تكمل صعود الدرج حتى تستكين وتستعيد توازنها.
وقد اشتعلت النيران بصدرها، وشيطان رأسها يحثها على الصراخ وافتعال أي شيء يطفئ الحريق بداخلها.
بعد قليل وبعد أن أخذت وقتها في السيطرة ولو قليلًا في انفعالاتها، ووحوش رأسها التي تدفعها دفعًا للتمرد وقلب الطاولة فوق رؤوس الجميع.
ولكن ما الفائدة فالخاسر الوحيد سيكون هي.
تلونت بابتسامة رسمتها على وجهها بعد أن أعادت النظر على زينتها وما ترتديه جيدًا قبل أن تذهب إليها لترحب بعودتها.
- زهرة حبيبتي؟
تفوهت بها قبل أن تندفع لتحتضنها بأشواااق من داخل أعماقها!
وزهرة تبادلها العناق بمحبة وصفاء نية كعادتها.
- وحشتيني، وحشتيني أوي يابنت الإيه.
قالتها وهي تشد عليها بذراعيها بقوة.
انتبهت لها زهرة، ولكن فسرتها بدافع اشتياقها، وردت:
- وأنتِ كمان أكتر والله، ربنا يديم المحبة.
فكت ذراعيها عنها قائلة بعتب:
- بس أنا زعلانة منك عشان جيتي امبارح الحارة من غير ما تقولي.
عادت زهرة لمقعدها وهي ترد عليها:
- يابنتِ ما أنا عارفة إن ده ميعاد شغلك، هاتصل وأخليكِ تغيبي عن شغلك يعني؟
- وماله يازهرة ما أغيب عن شغلي، هايحصل إيه يعني؟ ده أنا كان نفسي أشوفك يابت أنتِ.
تبسمت لها زهرة بمودة حتى ظهرت أسنانها البيضاء وردت بامتنان:
- ياحبيبتي ربنا يخليكِ، ما اتحرمش منك.
تطلعت لها بتقييم عن قرب فقالت لها:
- عيني باردة، ماشاء الله التغير ظهر أوي عليكِ في المدة البسيطة دي، وشكلك أخدتِ عليه وانبسطتي، أصل اللي يشوفك قبل الجواز ما يتوقعش النتيجة اللي أنا شايفاها دي.
ابتسمت تهز رأسها بخجل تقول لها:
- يعني الحمد لله، أصل بصراحة طلع حاجة تانية عكس ما أنا كنت شايفاه خالص.
سألتها بفضول حارق:
- طلع إيه يعني؟
زاد خجلها وهي تهز برأسها بابتسامة رائعة بصمت غير قادرة على التعبير بما يجيش بصدرها.
والأخرى على حافة الإنهيار تريد المعرفة بأقصى سرعة.
لتخيب آمالها وتجيبها أخيرًا:
- طلع كويس وخلاص ياغادة، عايزاني أقول إيه يعني؟
قالتها ببرائة غافلة عن النيران التي عادت لتشتعل بقلب الأخرى وهي تجاهد للسيطرة على نفسها وأقدامها تهتز بعصبية في الأسفل.
قطع شرودها اتصاله من الهاتف الداخلي للمكتب واستدعائه للزهرة مع بعض الملفات المطلوبة.
أجابته زهرة بعملية قبل أن تغلق معه وتهم بتجهيزهم.
فاجأتها تقول:
- يرضى أدخل معاكِ أسلم عليه بس وأطلع على طول؟
سهمت زهرة تنظر إليها مجفلة قبل أن تتدارك لترد بحرج:
- ما أنتِ عارفة ياغادة إنه ما ينفعش، جاسر معندوش هزار ولا أي شيء شخصي في الشغل.
- اااه.
تفوهت بها وهي تشيح بوجهها عنها بقصد.
عرضت زهرة لإرضائها:
- لو عايزة تسلمي عليه تعالي معايا البيت وكلميه براحتك كمان.
التفت تسألها بلهفة:
- والنبي بجد؟ يعني ممكن تاخديني معاكِ؟
- طبعًا ياحبيبتي والبيت بيتك كمان.
قالتها زهرة مرحبة فردت الأخرى تسألها بمكر:
- على كده بقى هاتخديني في عربيتك، اللي كل الموظفات في الشركة بيتكلموا عنها؟
ردت بعفويتها:
- هي مش باسمي يعني، بس هو خصصهالي مع سواق، وطبعًا هاخدك معايا فيها.
- وكمان بتركبي عربية بسواق مخصوص يابت محروس.
غمغمت بها ساخطة بداخلها قبل أن ترد عليها بابتسامة مصطنعة:
- خلاص يبقى هاجي معاكِ النهاردة.
توسعت ابتسامة زهرة وهي تردف لها بتذكر:
- كويس أوي عشان تسلمي على خالي كمان، أصله هايوصل النهاردة من السفر وقالي إنه هاينزل معايا على طول.
- أسلم على خالك؟
سألتها غادة قبل أن تكمل وهي تخفي امتعاضها:
- لا ياختي خليها وقت تاني، نكون أنا وأنتِ لوحدنا، وما يكونش معانا خالك ده اللي بياكل الجو وياخدك مني.
ضحكت زهرة وهي تنهض بالملفات بعد أن جهزتهم ترد عليها:
- زي ما تحبي يا قمر، عن إذنك بقى عشان ما يستعجلنيش ويغضب مني، ما أنتِ عارفاه.
نهضت غادة مرددة لها بحنق مستتر:
- إذنك معاكِ ياحبيبتي، أنا أصلًا كنت ماشية عشان شغلي.
فتحت باب الغرفة لتلج بداخله وتتقدم وملفات العمل بيدها نحو برسمية قائلة:
- الملفات اللي طلبتها يافندم.
- حطيهم قدامي على المكتب.
قالها برسمية هو الآخر وهو يراجع على بعض الأوراق الموضوعة أمامه على سطح المكتب دون أن يرفع عينيه نحوها.
رفعت حاجبًا مستغربة هيئته الجدية في المكتب عكس المنزل تمامًا وعلى الإطلاق أيضًا.
ثم وضعتهم مذكرة نفسها بصورته الأولى أمامها:
- تطلب حاجة تانية يافندم؟
سألته بعملية وقد عادت للأجواء الاعتيادية في هذه الغرفة.
أجابها باقتضاب:
- لا.
ارتدت بأقدامها لتخرج ولكنه أوقفها هاتفًا:
- دقيقة لو سمحتِ.
استدارت إليه عائدة لتسأله:
- نعم يافندم في حاجة؟
رفع رأسه إليه قائلًا:
- عايزك تطلعيلي ملف مناقصة الأسمنت.
اقتربت تشير إليه بيدها:
- ماهو قاعد هنا في وسط الملفات اللي جبتهم قدامك دول.
أومأ برأسه بوجه حازم:
- تعالي طلعيه بنفسك.
قطبت مندهشة قبل أن تتحرك ملتفة خلف المكتب لتخرجه أمامه:
- اهو يافند...
شهقت مجفلة ليسقط الملف من يدها وقد فاجأها بمعانقتها وتقبيلها على وجنتيها قبل أن يجلسها على سطح المكتب أمامه قائلًا بعشق:
- وحشتيني.
صمتت هي قليلًا تهدئ ضربات قلبها قبل ترد على فعله:
- هاتوقف قلبي ياجاسر، والنعمة هاتوقف قلبي في مرة بعمايلك دي.
تساءل ببرائة:
- ليه يابنتِ هو أنا عملت حاجة، واحد بيقول لمراته وحشتيني، فيه إيه دي؟
هتفت بذهول:
- والنبي إيه؟ بقى تنشف دمي وأنتِ راسم الدور القديم وجد بقى ومش عارف إيه؟ وبعدها يطلع مقلب!
ازدادت ضحكاته وهو يقرب وجهه منها واضعًا كفيه على جانبي وجهها يردف بهمس:
- طب أعملك إيه طيب؟ ما أنتِ وحشتيني بجد فعلًا، حاولت أرجع لاتزاني بس بصراحة معرفتش، شوقي ليكِ كان هايجنني.
أردف الأخيرة وهو يمرر شفتاه على وجنتيها فانتفضت هي تدفعه عنها وتنزل قدميها على الأرض:
- ياجاسر إحنا في الشغل ماينفعش كده.
قربها من خصرها يردف بشقاوة:
- ماينفعش ليه أنا صاحب الشغل وأنتِ مراتي أساسًا.
ضحكت وهي تحاول دفعه عنها قائلة بابتسامة مستترة:
- وافرض يعني، ما عندناش بيت يلمنا بقى؟ ولا هي حبكت في الشغل؟
ازداد اتساع ابتسامته قائلًا بمشاكسة:
- لا دي ولا دي، بس أنتِ وحشتيني أعمل إيه بقى؟
- اعمل نفسك مش واخد بالك.
قالت بمرح قبل أن ينقلب وجهها للجدية حينما اقترب ليقبلها فقالت وهي تضع سبابتها على شفتيه وتبعده عنها:
- بلاش بجد... مش هزار على فكرة، عشان أنا مبحبش الطريقة دي.
توقف يسألها مندهشًا:
- طريقة إيه؟ هو أنتِ ناسية إنك مراتي؟
- لأ مش ناسية، بس أنا كده مقفلة ياسيدي ومعترفش غير بالبيت للراجل ومراته، فيها حاجة دي؟
صمت قليلًا قبل يفك ذراعيه عنها قائلًا بابتسامة:
- لا مافيهاش حاجة يازهرة وأنا قابل بيكِ كده وأنتِ مقفلة.
ابتسمت بارتياح قبل أن يباغتها بقلبة على وجنتها مردفًا:
- بس دي بريئة مافيهاش حاجة، يعني مليكيش حجة.
لوحت بقبضتها قائلة بغيظ مع ابتسامة لم تغادر وجهها:
- مافيش فايدة فيك، برضوا بتعرف تلاقي طريقة.
قالتها وتحركت لتغادر مستئذنة:
- طب أنا ماشية بقى خلينا أروح أشوف شغلي.
أوقفها قائلًا:
- على فكرة احتمال أتأخر النهاردة في الرجوع عشان هاديها جولة سريعة كده على المجموعة.
أمسكت بمقبض الباب قبل أن ترد بنعومة اكتشفتها حديثًا بنفسها وهي على وضع الاستعداد:
- تيجي بالسلامة أنا مستنياك.
وقبل أن ينهض مستجيبًا لمشاكستها خرجت تغادر على الفور، ليتمتم هو بعد خروجها:
- جبانة.
في وقتٍ لاحق.
دلفت غادة لداخل الغرفة الكبيرة الخاصة بحمام السيدات لتراجع على هيئتها كالعادة وتضيف على زينة وجهها قبل خروجها من العمل أمام المراة الكبيرة والتي تظهر الصورة جيدًا.
شعرت بمرور إحداهن بجوارها ولكنها لم تلتفت لتركيزها الشديد في تمرير قلم الحمرة على شفتيها.
حتى انتبهت لمن تخاطبها باسمها:
- أنت بقى غادة؟
تركت ما بيدها والتفت نحو مصدر الصوت فتفاجأت ترد بلجلجة على هذا المرأء الشقراء والتي رأتها قبل ذلك عدة مرات في الشركة وتظن أنها مسؤل مهم بها:
- أييوة أنا غادة حضرتك؟ هو أنتِ تعرفيني؟
صمتت قليلًا تصفف بيدها على أطراف شعرها الكيرلي ثم التفت إليها تجيبها:
- بصراحة معرفكيش أنتِ شخصيًا، بس عندي فضول أتعرف عليكِ، أصل من طريقة لبسك كده واهتمامك بنفسك لفتي نظري.
أطربها ما سمعته فقالت بتفاخر وهي تشير على نفسها:
- بجد! يعني أنا فعلًا عجبتك؟ أصل أنا بصراحة متابعة كل خطوط الموضة، والنت عندي كله عن اللبس ومتابعة الفاشينستات واللي بيلبسوه.
- الفاشينستات!
أردفتها بامتعاض قبل أن تكمل:
- بس غريبة يعني ياغادة، واحدة في جمالك وشياكتك دي كلها ولسة سينجل، مش سينجل برضوا ولا أنا غلطانة؟
ردت بلهفة وهي ترفع كفيها للأعلى أمامها:
- لا والله سينجل حتى شوفي.
ابتسمت الأخرى ترد بخبث:
- مش محتاجة أشوف ياغادة أنا عرفت لوحدي ماهو باين، أنتِ بنت مكافحة وبتيجي الشركة في اتوبيس عام، عكس بنت خالك اللي اتجوزت الراجل الغني وجاية النهاردة في عربية آخر موديل.
تغير وجه غادة وخبأت ابتسامتها لترد من تحت أسنانها:
- نصيب بقى، كل واحد بياخد بياخد نصيبه في الدنيا دي نعمل إيه؟
قالت لتزيد الحريق بقلبها:
- نصيب! لا ياحبيبتي دي حظوظ، وصاحبتك باينها محظوظة أوي، لكن هي فعلًا متجوزة الراجل الغني ده من دولة عربية؟
ازدردت ريقها غادة تجيبها وهي تهز رأسها بتوتر:
- أيوه فعلًا هي متجوزاه عربي.
ابتسمت لها المرأة بحنكة ثم مدت يدها لتصافحها قائلة:
- أنا انبسطت جدًا بمعرفتك ياغادة عشان أنتِ إنسانة صادقة وباين عليكِ طيبة.
- أيوه صح أنا صادقة وطيبة، لكن الدنيا بقى الدنيا ماشية بالحظوظ زي ما قولتي؟ بس هو أنتِ تبقي مين ياهانم؟
ازداد اتساع ابتسامة المرأة لتجيبها وهي تتحرك من جوارها وتغادر:
- مرفت ياغادة، عضو مجلس إدارة هنا في الشركة.
اتسعت عيناها تبرق بالانبهار وقبل أن تستوعب جيدًا وجدتها تلتف إليها سائلة:
- على فكرة ياغادة أنا كل يوم بروح لوحدي في عربيتي، إيه رأيك أروحك معايا اهو نسلي بعض في السكة؟
عاد مساءً بعد جولته على شركات المجموعة وحضوره لعدة لقاءات شخصية مع أشخاص مهمين لعمله.
كل خلية من جسده تصرخ اشتياقًا لها، لدفئها وابتسامتها التي تنسيه كل ما مر به بيومه.
رائحتها التي تبعث في روحه الحياة، وكأنها كانت مفارقة العالم منذ سنوات.
لقد اشتاقها واشتاق وصلها بجنون، حبيبته التي أتت إليه بعد أن تمكن منه اليأس لتذكره أن الحياة مازالت تحمل في جعبتها السعادة له.
- زهرة يازهرة.
كان يهتف باسمها وهو يقطع الردهة الفسيحة لمنزله.
وصله صوتها من قريب، فخطى حتى وصل إليها، فتغضنت ملامح وجهه وانعقد حاجباه المقلوبان.
وهو يكمل ملقيًا التحية عليها وعلى من يضمها بذراعه على الأريكة وحدهم:
- مساء الخير، حمد عالسلامة ياخالد.
أجابه الأخير بابتسامة متوسعة:
- مساء الفل ياجاسر باشا، عامل إيه أنت بقى؟
- كويس ياسيدي والحمد لله، زهرة حبيبتي أنتِ قاعدة كده ليه؟
قال الأخيرة مخاطبًا زوجته وهو يقترب للجلوس على المقعد المجاور، باستغراب من جلستها تحت ذراع خالها وأقدامها مثنية تحتها.
كتفها الأيمن مستريح على صدره وكأنها طفلة صغيرة في حضن أبها.
أجابته بعفوية وهو تشاهد في الهاتف الذي بيدها:
- بتفرج على لقطات من فرحنا ياجاسر، نوال صورت كل حاجة ونقلتهم هنا على تليفون خالي.
بشبه ابتسامة أومأ لها قائلًا وهو يمسك بكفها يحاول إبعادها:
- تمام ياحبيبتي اتفرجي عليهم، بس أدي لخالك نفسه ده جاي تعبان من السفر.
أعادها خالد بذراعه قائلًا بحزم:
- لا يا عم أنا مش تعبان، خليها قاعدة عشان نتفرج أنا وهي مع بعض.
سأله جاسر من تحت درسه:
- ليه هو أنت مشفتش الفيديو قبل كده؟
أجابه خالد ببرود متعمد:
- لا شوفته طبعًا، بس الفرجة بقى مع حبيبة خاله حاجة تانية خالص.
صك على فكه يكبت غيظه من هذا الخالد، الذي يقصد متعمدًا إثارة غيرته المجنونة بتحدي مستغلًا مكانته بقلب زهرة، ومنها أيضًا وهي تشاهد غير مبالية بنيران صدره المشتعلة لكل من يقترب منها حتى لو كان أباها نفسه.
تمتم بداخله يناجي الحكمة:
- اللهم ما طولك يا روح.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
تتفاوت المحبة في القلوب من شخصٍ لآخر، وكلما زادت المحبة ودرجة القرب من أحبابنا زادت العفوية وانطلقت الألسنة حتى بالتفاهات.
تتحدث بأريحية وكلماتها تخرج بلهفة في فتح مواضيع شتى دون توقف، والآخر يبادلها الحديث بالحديث ويجاريها بالاندماج معها ومع كل ما يخرج منها، ومع أقل دعابة منه تُجفل الجالس بالقرب منهم على جمر الغيظ؛ بضحكة رنانة تصدر منها دون تحفظ أو خجل يتلقاها الآخر بنظرة خبيثة نحوه وكأنه يوصل إليه رسائل مبطنة ويعلمها الآخر بفطنته.
"ياجاسر باشا لو تعبان روح ريح جسمك، أنا مش غريب."
قالها خالد وهو مضجع في جلسته بجوارها على الأريكة التي لم يفارقها من وقت جلوسهم.
أمال الآخر برأسه يرمقه بنظرة منذهلة قبل أن يرد بذكاء لا يفوته:
"ليه ياعم خالد؟ حد قالك إني معنديش ذوق وما بعرفش أكرم ضيوفي؟"
بضحكة مستترة تصنع الصدمة قائلًا:
"ضيوف إيه ياعم؟ دا أنا بقولك مش غريب تقولي ضيوف؟"
تدخلت زهرة بينهما ترد:
"مايقصدش ياخالي طبعًا، ما أنت فعلًا مش غريب."
خاطبها جاسر من تحت أسنانه:
"طيب ولما هو مش غريب، مش تقومي بقى تحضري لنا العشا عشان نتعشى."
انتفضت زهرة تشعر بالحرج:
"آه صحيح، ثواني طيب....."
قاطعها خالد يجذبها من ذراعها للجلوس مرة أخرى:
"اقعدي يازهرة أنا مش جعان."
"بس أنا جعان ياخالد، يرضيك أقعد كده من غير ما أتعشى؟"
قالها بذكاء ألجم خالد الذي رد بابتسامة إليه:
"لا طبعًا ما يرضنيش، قومي يازهرة حضري العشا لجوزك وأنا كمان هاكل معاكم، حكم أنا ناوي أطول السهرة معاكم."
بشبه ابتسامة أومأ له جاسر ليجفل فجأة على شهقة كبيرة من خالد وهو يوقف زهرة التي نهضت من جواره:
"استني يابنت هو انتِ قصيتي شعرك؟"
انتبهت زهرة لتمسك بالأطراف التي أشار عليها خالد وأجابت بعفوية:
"ياخالي دا عشان الأطراف تتساوى، البنت الكوافيرة قالتلي كده."
زم مابين شفتيه بتفكير يخلع النظرة بخبث نحو جاسر الذي جحظت عيناه من ملاحظته ثم قال:
"خلاص يازهرة أنا خوفت لتكوني بتجربي تقصريه ولا حاجة بس الحمد لله."
جعدت أنفها ترد عليه بمزاح قبل أن تتحرك وتتركهم.
نظر خالد في أثرها قليلًا ثم توجه لجاسر يقول ببرائة:
"لتكون استغربت يعني من كلامي وافتكرتها حشرية، بس اللي انت متعرفوش بقى، أن زهرة دي مكنتش بتروح المدرسة غير لما العبد لله هو اللي يسرح لها شعرها."
سهم إليه جاسر قليلًا يجاهد للمحافظة على المتبقي من تعقله، ثم أشاح بوجهه يعض على شفتيه غيظًا، فهذا الخالد مُصر على استفزازه بتذكيره الدائم بدرجة قربه ومكانته المميزة في قلب زهرة.
***
بداخل الملهى الليلي الذي أصبحت تأتيه يوميًا لتسهر به منذ فترة، أتت معها هذه المرة مرفت لتقضي الوقت معها وتتحدث عما حدث صباحًا.
"يابنتي زي ما بقولك كده، جاية في عربية آخر موديل وقال إيه مش عايز تقول على اسم عريس الغفلة ولا حتى تطلع صور الفرح للبنات الموظفين."
أومأت لها ميري تدعي التركيز رغم تشتت نظراتها كل دقيقة:
"آه يعني هي اتجوزت واحد غني فعلًا، طب ومش عايزة تقول على اسمه ليه بقى؟"
ارتشفت الأخرى من كأسها قليلًا قبل أن تجيبها:
"خميني انتِ بقى، عشان لما أقولك إن البنت دي أكيد بتربطها حاجة بجوزك تبقي تصدقيني."
انتبهت تسألها بتخوف:
"يعني تفتكري تكون شرعية ولا حاجة زي اللي فاتوا كده؟"
هزت بأكتافها تجيبها بخبث:
"الله أعلم، بس البنت دي شكلها مش سهلة، رسملي كده فيها دور البريئة والملتزمة وأنا أراهن بحياتي إنها مية من تحت تبن."
صمتت قليلًا ثم استطردت:
"بس على فكرة أنا لقيت سكة مع البنت قريبتها واتعرفت عليها، هي بنت خفيفة بس أنا متأكدة إننا هنلاقي من وراها فايدة."
قالت ميري بسأم:
"فايدة إيه يامرفت؟ ماهي ممكن فعلًا تطلع تخمينات من دماغك وتكون اتجوزت راجل تاني غني فعلًا."
ردت مرفت وهي تجز على أسنانها:
"بطلي خيبة بقى أنا بتكلم بناءً على شواهد، يعني تفوقي كده لتكون البنت دي بتلعب على جوزك."
التوى ثغر ميري تقول لها بإحباط:
"وافرضي يعني فوقت زي ما بتقولي كده، ماهو هاجرني بقاله فترة طويلة يامرفت وأنا بصراحة بقى زهقت."
احتدت عيناها وهدرت فيها بصوت خفيض:
"تزهقي ده إيه انتِ كمان؟ ده جوزك يعني لازم تدافعي عن حقك فيه ضد أي واحدة عايزة تخطفوا ولا انتِ عايزة تفهميني إنه ماعدش فارق معاكي ولا كرهتيه؟"
أجفلت ميري قليلًا من حدتها ثم سهمت بتفكير فقالت وهي تمط بشفتيها:
"هو انتِ عندك حق طبعًا إني أدافع عن حقي ضد أي واحدة جربوعة تطمع فيه، وحكاية فارق معايا أو مافارقش، أنا أبقى كدابة لو قلت إنه مش فارق معايا، جاسر قبل ما يقلب عليا كان صبور لأقصى درجة، ده غير إنه وسيم وأي ست أعرفها كانت بتحسدني عليه طبعًا."
قالت الأخيرة وهي تتلاعب بشعرها غافلة بغباء عن تغير وجه الأخرى وقد تكورت شفتيها تحدقها بنظرات مبهمة، واستطردت بعصبية:
"بس أنا تعبت من الهجر يامرفت ونفسي بقى أعيش حياتي."
خرجت عن طورها مرفت تهتف بعصبية:
"أوكي ياميري مادام انتِ تعبتي وزهقتي ابقى آخدها أنا من قاصرها وأصرف نظر بقى عن مساعدتك."
"خلاص يامرفت ماتتعصبيش أنا كنت بقولك بس اللي حاسة بيه."
قالتها ميري بمهادنة لها.
فهتفت تسألها بحدة:
"طب وهاتعملي إيه لو الموضوع طلع حقيقي، والبنت دي ثبت إن ليها علاقة بجوزك."
أجابت ميري بنظرة شرسة:
"طبعًا هاطربق الدنيا على دماغ الاتنين وأسيب بابي هو اللي يتصرف، طب أقولك على حاجة، أنا هاجي بكرة الشركة أعدي عليكي وأشوف البنت دي."
ارتخى وجه مرفت بابتسامة جانبية قبل أن تجفلها شاهقة وهي تنهض من أمامها:
"مارو وصل."
قالتها وذهبت من أمامها لتصافح الشاب الذي كانت تراقصه سابقًا.
توسعت عيناها مرفت وهي ترى تساهل الأخرى في احتضان الشاب وتقبيله لها من وجنتيها، زفرت مغمغمة بقرف وهي ترتشف من مشروبها:
"غبية!"
***
انتهت السهرة أخيرًا بمغادرة خالد الذي لم تتركه زهرة سوى حينما دلف بالسيارة التي أمر بها جاسر لإيصاله، والذي ظل على وضعه مع تصنع الابتسام حتى خلى المنزل لهم.
"دلفت منتشية لداخل الغرفة التي تجمعهم والإبتسامة لم تفارق وجهها بعد. وجدته واقفًا بوسط الغرفة بوجهه الجامد بعد أن سبقها بخطواته، وحاجباه عادا للإنعقاد، خاطبته بتوجس من هيئته المريبة:
"إيه مالك ياجاسر هو انت واقف كده ليه؟"
رمقها بنظرة حادة دون أن يجيبها بشيء، قبل أن يستدير عنها متوجهًا نحو حمام الغرفة ليخمد نيران غضبه حتى لا يؤذيها.
نظرت في أثره بعدم فهم وهي تهتف خلفه:
"ياجاسر... طب رد عليا طيب."
حينما لم يجيبها خطت لتجلس على تختها تقضم أظافرها بتوتر، تفكر بتمعن في تغيره فجأة وانقلابه بعد مغادرة خالها على الفور، فطن إلى عقلها أنه لربما أجهد نفسه بجلسته معها ومع خالها لهذا الوقت مع عودته من يوم عمل مرهق، نهضت لتزيح عن عقلها التفكير وتقوم بتبديل ملابسها.
بعد قليل خرج من حمامه ينشف رأسه بالمنشفة الصغيرة، وهو يرتدي بنطال قطني وفوقه فانلة ملتصقة بجسده، وقعت أنظاره عليها أمامه بمنامة حريرية فوق ركبتيها، ارتدت فوقها المئزر الخفيف، لتخفي الأجزاء العارية منها وقد صففت شعرها حول وجهها الذي زينته ببعض المساحيق الخفيفة.
توقفت أنظاره عليها قليلًا بشغف وابتلع ريقه ليخفي ارتباكه من جمالها الخاطف، ثم استدار مبتعدًا نحو المرآة ليمشط شعر رأسه بتجاهل لها.
قاومت خجلها لتقترب منه وتحتضن جذعه من الخلف قائلة برقة:
"طب قولي طيب على اللي مزعلك عشان أفهم حتى."
أغمض عينيه متفاجئًا من فعلتها وتصلب جسده للمستها ثم نظر إلى انعكاس وجهها بالمرآة والتقت عيناها بخاصتيه لتسأله بتردد:
"هو انت زعلت عشان انشغلت عنك شوية وهزرت مع خالي؟"
احتدت عيناه فتابعت بترجٍ غير منتبهة للعواصف التي انطلقت مع كلماتها:
"شكلك زعلت صح، بس انت عارف إن خالي كان مسافر وشيء طبيعي إني أنشغل شوية في الكلام والهزار معاه..."
التف مقاطعًا يقبض على ذراعيها بقوة قائلًا بغضب:
"ما اسمهاش انشغلت، اسمها سيبتك تتفلق زي الكنبة اللي انت قاعد عليها، تهزري وتضحكي بصوت عالي ولا كأن في واحد قاعد جنبكم."
توسعت عيناها تتطلع لهيئته المخيفة بهلع وردت بلجلجة:
"والله ما أقصد اللي بتقول عليه ده، أنا بس كنت فرحانة بمجيء خالي، وكان واحشني قعدتنا بتاعة زمان."
زاد بضغطها على ذراعيها يهدر من تحت أسنانه:
"كان واحشك قعدتكم والضحك اللي بصوت موصل لخارج الفيلا، ده أنا من ساعة ما اتجوزتك يازهرة، ماسمعتش الضحكة دي منك ولا شوفتك بتتكلمي بالحماس ده."
غامت عيناها وألم ذراعيها أصبح لا يحتمل فقالت معتذرة:
"أنا آسفة بجد لو كنت زعلتك، بس انت عارف بمكانة خالي عندي، وإن كان على ضحكتي فدي بتطلع طبيعي معاه، عشان..."
صمتت فزاد من ضغطه يريد سماع باقي:
"عشان إيه يازهرة قولي."
تأوهت تجيبه والدموع تتساقط منها:
"عشان وأنا مع خالي بحس دائمًا إني بنته الصغيرة اللي مكملتش السبع سنين، لكن معاك انت ببقى الحبيبة اللي لسة في بداية التعارف مع حبيبها."
رق قلبه ولانت ملامح وجهه على بكائها، نزع يديه عنها لينزل بذراعيه على خصرها وضمها بقوة تكاد تسحق عظامها مرددًا بهزيان:
"مش الحبيبة وبس يازهرة، انتِ بنتي وأنا كل أهلك سمعاني؟ أنا كل أهلك يازهرة؟"
صمتت مقررة السكوت وقد فاجئها بهذا الجانب المظلم بشخصيته وهو الغيرة العمياء، مع انتباهها للجزء الجيد وهو عدم التصريح بما يشعر به أمام خالها؛ تقديرًا وتفهمًا لها.
***
وفي مكان آخر كانت تتقلب على تختها في محاولة يائسة لاستدعاء النوم وقد بدا أنه هرب دون رجعة لهذه الليلة، مع هذه الأفكار المتزاحمة برأسها، تطاردها عيناه بنظراته المعذبة، كلماته لها والتي تحمل في باطنها الألم، مالذي يجري لها؟ لماذا تشعر الآن بتصدع الجدار الذي قامت ببناءه من زمن ضد أي هجمة تلمس قلبها المحصن؟ لقد أصبح ينتابها التوتر ويساورها القلق، وهي يؤلمها الصدق الذي بدأت تتلمسه داخلها منه نحوها، ولكنها تخشى أن تكون البداية لتضعف وتسقط في فخه، تشعر بالتخبط؛ عقلها يدفعها للاستمرار بالحفاظ على العهد الذي قطعته على نفسها منذ زمن، وهذا الخائن بصدرها يطالبها بالتريث وإعطاء الفرصة.
فركت بكفيها على وجهها وهي تعتدل بجذعها وتزفر بضيق، فيبدو أن هذه الليلة الغريبة لن تنتهي بالنوم أبدًا. أسقطت قدميها على الأرض لتخرج قاصدة مكتبة أبيها علها تجد ما تقرأه ويلهي عقلها. وصلت إلى الغرفة لتفاجأ بالإضاءة المنبعثة من الجزء المفتوح قليلًا من بابها بمواربة، خمنت بوجوده بداخلها رغم استغرابها من تأخر الوقت. قررت بمفاجأته وهي تتسحب على أطراف أصابعها حتى دلفت لداخل الغرفة دون أن يشعر. تبسمت بمرح توقف فورًا وخبأت ابتسامتها وهي ترى انكفاءه على الألبوم القديم، تتحسس أصابعه على الصورة بلوعة واشتياق، ما زال يتذكرها ويتألم لبعدها، ويخفي ألمه بالابتسامة أمامهم كما سيفعل الآن.
"إيه دا كاميليا؟ انتِ صحيتي أمتى يابنت؟"
قالها والدها وهو يرفع رأسه إليها ويغلق مابيده سريعًا بعد أن انتبه لها.
تقدمت نحوه وهي ترسم ابتسامة على وجهها لتجيبه:
"عادي ياسيدي أنا مجانيش نوم أساسًا، وانت بقى إيه اللي صحاك؟"
زم بابتسامة جانبية يرد بمرواغة:
"لا ياختي أنا صحيت عشان نمت بدري، بقولك إيه مدام فوقتي كده ماتعملي لنا فنجانين قهوة ونسلى بعض أنا وانتِ في البلكونة."
قال الأخيرة وهو ينهض عن مقعده بتهرب، قابلته هي بذكائها المعهود ترد بابتسامة:
"ماشي يابا بس أنا بقول بلاش قهوة عشان السهر والبرد كمان في البلكون، وخليها فشار أحسن ونقعد نتفرج شوية عالتليفزيون واحنا بندردش."
"تمام حصليني يلا."
قالها وخرج أمامها من الغرفة تتبعته بعينها حتى ابتعد لتلقي نظرة أخيرة نحو الألبوم الموضوع على سطح المكتب بإهمال، قبل أن تلحقه وبداخلها ازدادت تصميمًا على الوفاء بعهدها القديم.
***
وفي اليوم التالي استيقظت باكرًا عن ميعادها اليومي وخرجت إلى عملها سريعًا قبل أن يستيقظ. كانت بمكتبها تباشر الأعمال التي كلفت بها وغادة أمامها في الجهة المقابلة تتحدث في عدة مواضيع لم تنتبه إلى معظمها زهرة، وعقلها في جهة أخرى، حتى دلف إليهم وتوقفت خطواته فجأة أمامهم يلقي التحية وقد تركزت أنظاره عليها:
"صباح الخير."
لم تصدق نفسها غادة وهي ترد إليه تحيته، واقتربت منه بلهفة:
"ازيك ياجاسر بيه أنا غادة أكيد فاكرني؟"
رد بعدم انتباه وانظاره نحو الأخرى وهي واقفة مطرقة رأسها، حاجبة عنه عيناها:
"أهلًا ياغادة، زهرة تعالي عايزك فورًا."
قال الأخيرة وخطى نحو مكتبه بخطوات سريعة، تتبعته غادة حتى اختفى ثم التفت لزهرة تسألها باستغراب:
"هو ماله كده شكله مش طبيعي؟ هو انتوا متخانقين؟"
نفت برأسها زهرة وهي تجلس لتتفحص ملفات العمل تقول:
"ما أنا قولتلك ياغادة، جاسر ماعندوش أمور شخصية في الشغل."
لوت ثغرها غادة حانقة من زهرة التي لا تريحها أبدًا في الحديث.
ونهضت الأخرى بمجموعة من الملفات تقول لها:
"ماتنسيش معادنا واحنا ماشيين، أنا اتصلت بكاميليا نقضي اليوم مع بعض."
هتفت غادة توقفها بعدم رضا:
"وتيجي كاميليا معانا ليه؟ هو حرام أقعد معاكي لوحدي؟"
التفت برأسها إليها ترد بهدوء:
"ونقعد لوحدنا ليه؟ ما البيت كبير ويساعي من الحبايب ألف، ثم إن دي صاحبتنا على فكرة، مش واحدة وخلاص."
زفرت غادة تتفتت من الغيظ وهي تنهض وتغادر نحو عملها الشيئ الوحيد المتبقي لها.
***
وبداخل غرفة المكتب دلفت بخطواتها الهادئة حتى وضعت مابيدها على سطح المكتب أمامه وقبل أن ترفع يدها وجدته يقبض على رسغها. رفعت إليه عيناها باستفسار لتفاجأ بهذه النظرة الغريبة منه ثم نهض عن مكتبه ليسحبها معه. استسلمت له صامتة حتى جلس بها على الأريكة الجانبية بركن الغرفة وأجلسها بجواره، يتطلع لوجهها عن قرب، ترسم عيناه ملامحها بدقة. ظلا لعدة لحظات صامتين قبل أن يقطع الصمت بصوته الأجش قائلًا:
"انتِ لسة زعلانة مني؟"
"نفت برأسها بتردد شعر به فقال:"
"ولما انتِ مش زعلانة مشيتي بدري ليه من قبل حتى ما تصبحي عليا؟"
أجابته وهي تتهرب بعينيها عنه:
"لا يعني.. اصل لقيتك اتأخرت في نومك وأنا كنت عايزة أخلص حاجات مهمة، ده غير إني خوفت أتأخر."
بسبابتيه وإبهامه امسك بذقنها يرفع وجهها إليه، ليقول وعيناها تقابل عينيه:
"ماتحاوليش يازهرة، عشان انتِ مابتتعرفيش تكدبي أساسًا، أنا عارف إني خوفتك مني امبارح."
صمت قليلًا ثم استطرد:
"تعرفي إن ده أول مرة من ساعة ما اتجوزتك أقوم مضايق وكاره اليوم من أوله."
أسبلت أهدابها عنه وهي لا تجد ما ترد به على كلماته، فترك ذقنها والتفت كفه حول رأسها من الخلف ليستند بجبهته على جبهتها ويردف وهو ينهد بعمق:
"أنا بحبك أوي يازهرة، والأحساس اللي بحسه معاكي مجربتوش مع أي واحدة ست مرت في حياتي، نفسي عيونك ماتشوفش غيري وضحكتك الحلوة تبقي ليا أنا لوحدي."
خرجت من صمتها لترد:
"أيوه بس ده مش غريب ده..."
"عارف إنه خالك اللي رباكِ."
قالها مقاطعًا بحدة وابتعد عنها قليلًا ليواجه عينيها وأكمل:
"بس غياظ أوي يازهرة وبيضغط عليا بالجامد."
لاح على وجهها الإبهلال قبل أن تنفجر ضاحكة، ضحكتها التي تدغدغ أعصابه بجمالها لتجعله ثغره ينشق بابتسامة سعيدة لها ثم أردفت مابين ضحكاتها:
"أنا بقيت حاسة إن انتوا أطفال وبتعاندوا بعض ياجاسر؟"
جذبها من مرفقها يقبلها على وجنتها ويردف لها بتأكيد:
"حتى لو أطفال وبنعاند بعض، خليها هو بقى اللي يبقى العاقل."
***
في وقت لاحق وقبل انتهاء دوامها بالعمل كانت منكفئة على حاسوبها وتعمل على الانتهاء من مراجعة بعض العقود المطلوبة وتجهيزها، حتى تفرغ منهم قبل أن تغادر الشركة. انتبهت على رائحة عطر نسائي نفاذة اخترقت حواسها. رفعت رأسها لتجد امرأة جميلة، لم تتبين ملامحها من النظارة التي تغطي نصف وجهها، شعرها البني مصفف بقصة بالكاد تصل إلى أكتافها، ترتدي بلوزة من القماش الخفيف لونها أبيض بدون أكمام، وفي الأسفل ترتدي بنطال من الجينز ضيق على جسدها النحيف، برقعتين أظهرتا ركبتيها، واقفة بتمايل وسترة جلدية متدلية للأسفل وتمسكها بيدها.
سألتها زهرة:
"أفندم حضرتك؟"
ظلت على وضعها للحظات تنظر إليها من تحت نظارتها بتفحص قبل أن تتقدم بخطوات متأنية نحو المكتب لتجلس بعنجهية مقابلها، ثم قالت:
"ادخلي لجاسر وقولي له ميري عاوزاك."
قطبت زهرة تتطلع إليها باندهاش قبل أن تنزع الأخرى عنها نظارتها وظهر كامل وجهها فتذكرتها زهرة على الفور، رغم أن رؤيتها السابقة كانت عبر صور عادية عبر شاشة الهاتف ولكن تذكرتها. بلعت ريقها بتوتر قبل أن تتماسك وتجيبها بعملية:
"جاسر بيه حضرتك عنده ضيف جوا، ممكن تنتظريه على ما يخلص الاجتماع."
ردت ميري رافعة ذقنها باستعلاء:
"يعني انتِ عايزاني أنااا أنتظر على ما يخلص الاجتماع، بقولك ادخلي وقولي له ميري برا."
استفزتها طريقتها المستعلية، فذهب عنها التوتر ليحل محله شيء آخر يقارب العند فقالت لها بحزم:
"رغم عدم علمي بصفة حضرتك عنده، بس أنا برد من واقع وظيفتي بقولك استني على ما يخلص الاجتماع، غير كده أنا مش مسؤولة."
فغرت ميري فاهاها بدهشة من تحديها لها. فهمت لتنهض وتقتحم الغرفة على جاسر، ولكنها انتبهت لغضب الآخر، فهي الأعلم بغضبه. عادت بجسدها لخلف الكرسي لتضع قدمًا على الأخرى فقالت لها بأمر:
"طب روحي هاتي لي فنجان قهوة."
ضيقت عيناها قليلًا زهرة بتفكير، وفطنت أن هذه المرأة أتت خصيصًا لإهانتها وهي ما لم ولن ستسمح به، فخرج صوتها بقوة:
"حضرتك أنا سكرتيرة مش ساعي المكتب، يعني عاوزة فنجان قهوة أو حتى كوباية ميه، ذوقيًا مني اتصل ويجيلك اللي انتِ عايزاه."
قالت ميري ببرود:
"بس أنا عاوزاكي انتِ اللي تعملي فنجان القهوة وتجيبه بنفسك."
ردت زهرة غير مبالية:
"وأنا قولتلك إن مش الساعي بتاع المكتب، ولو حضرتك جاية مخصوص عشان تقطعي عيشي أهلًا وسهلًا."
فقدت تحكمها ميري فهتفت بعدم سيطرة:
"انتِ بتتحديني ياجربوعة انتِ؟"
هتفت زهرة هي الأخرى ترد بغضب:
"لو سمحتي ماتغلطيش عشان أنا مش هاسمحلك."
صاحت ميري تنهض عن مقعدها بتحفز:
"مين دا اللي يسمح أو ما يسمحش ياحيوانة، ده انتِ باينك عايزة تتربي."
لم تهابها زهرة ونهضت تقابلها بشجاعة وقد بلغ الغضب منها قدره وصاحت ترد:
"أنا هابقى فعلًا إنسانة مش متربية لو هارد على واحدة زيك."
"واحدة زيي ياجربوعة."
هتفت بها وهي تلتف نحو المكتب تبغي الهجوم عليها ولكنها أجفلت منتفضة بزعر على صيحة قوية باسمها:
"ميريهااااان."
استدارت برعب لتفاجأ بملامح وجهه التي توحشت بعنف وعيناه التي كان يتطاير منها الشرر، تخشبت محلها وسقطت يدها التي كانت ستمتد نحو زهرة إلى جانبيها. تنحى جانبًا هو ليمر من جواره رجل أربعيني بهيئة وقورة، صافحه جاسر على عجل ليغادر الرجل وعيناه تنتقل نحو الاثنتان بحرج.
هتفت ميري بعد خروج الرجل وهي تشير بسبابتها نحو زهرة التي انعقد لسانها وتسمرت تدعي الصلابة رغم ارتجاف أوصالها من فرط التوتر:
"تعالى شوف الجربوعة دي ياجاسر، بتقل أدبها على مراتك."
تقدم نحوها بخطواته البطيئة وكفيه انعقدا خلف ظهره، بنظرات مريبة بعثت على قلبها الخوف فتابعت بلهجة مهزوزة:
"أنا كنت بقولها بس اطلبي لي فنجان قهوة..."
قطعت جملتها بتخوف من هيئته حينما اقترب منها برأسه قائلًا بلهجة هادئة ومخيفة:
"قدامك حل من الاتنين، ياتخرجي دلوقتي حالًا، ياتعتذري من زهرة."
وكأنها ضربت على رأسها بمطرقة من حديد، اهتز جسدها وتحركت رأسها بعدم استيعاب، تظن أنها لم تسمع جيدًا:
"إيه؟ بتقول إيه؟"
اقترب مؤكدًا وازدادت لهجته شراسة:
"مش هاكرر في كلامي من تاني، أنا قولت وانتِ اختاري ياتخرجي دلوقتي حالًا، ياتعتذري من زهرة."
استفاقت من الصدمة فهتف صارخة:
"انتِ بتقولي أنا كده ياجاسر، بتنصر البنت الجربوعة دي على مراتك، أنا ميري ياجاسر!"
تركها تصرخ بغيظ وصوتها الرفيع يكاد يصم أذنه ليخرج هاتفه ويتصل برقم الأخرى:
"أيوه يامرفت تعالي هنا حالًا."
***
"انتِ اتجننتي ياميري؟ هو ده برضه اللي إحنا متفقين عليه."
هتفت بها مرفت وهي تضرب بكفها على سطح مكتبها، والأخرى أمامها جالسة تهتز من فرط غيظها.
فقالت بلهجة الطفل المذنب:
"أنا مكانش في بالي أصلًا إن كل ده يحصل، بس أعمل إيه بقى؟ بعد ما شوفتها وحسيت إن ممكن يبقى ما بينها وبين جاسر أي علاقة مادرتش بنفسي وأنا بحاول أعرفها مقامها."
ارتدت مرفت عائدة بظهرها للكرسي تسألها بتهكم وهي تتكتف بذراعيها:
"وعرفتيها مقامها بقى ولا هي اللي علمت عليكِ؟"
احتدت عيناها ميري وهي تتطلع إليها بشراسة قائلة:
"أنا محدش يقدر يعلم عليا، ده أنا كنت هامسح بكرامتها الأرض لولا بس خروج جاسر هو اللي وقف كل حاجة."
عضت على شفتيها مرفت تتفتت من الغيظ، وهذه الغبية بفعلتها قد تفسد كل مخططاتها، فخرج صوتها أخيرًا:
"يعني انتِ عايزة تفهميني إنك لما تضربيها ولا تمدي إيدك عليها؛ بكده هاتمسحي بكرامتها الأرض ولا كرامتك انتِ؟ فيه إيه ياميري؟ انتِ بكده كنتِ هاتلمي الموظفين والعملاء في الشركة كلهم عليكم ومش بعيد كانت بقت فضيحة وترند عالسوشيال ميديا."
صمتت ميري تشعر بحجم خطئها لتستطرد الأخرى:
"وعلى فكرة بقى، الموضوع ده لو خرج لوالدك ولا أهله، الحق هايبقى ناحيته هو عشان بيحافظ على اسمه وسمعته اللي ماخدتيش بالكِ انتِ منهم لما نزلتِ بمستواكي واتخانقتي مع السكرتيرة."
صاحت هاتفة بغضب:
"يعني إيه بقى؟ بعد اللي حصل ده كله عايزاني أسكت على حقي؟ ده أنا دلوقتي بس اتأكدت بخطورة البنت دي، يعني لازم أشوف لي حل معاها."
ردت مرفت وقد وصلت لمبتغاها:
"حلو أوي، مدام أخيرًا فهمتي يبقى أكيد هانلاقي حل!"
***
وفي الناحية الأخرى كانت ترتجف من رأسها حتى أقدامها وهو يضمها بذراعيه، يربت على ظهرها ويهدئها:
"خلاص يازهرة بقى اهدي، ما انتِ برضه ماسكتيش عن حقك زي ماحكيتي."
رفعت رأسها إليه ترد:
"أنا ماسكتش ياجاسر، عشان ماقدرتش أتحمل الإهانة، لكن مش عشان مراتك والله."
أبعدها قليلًا ليقول بصدق:
"أنا عارف يازهرة بقصدك مش محتاجة تبرري ولا تحلفي."
سهمت قليلًا ترد عليه بتفكير:
"بس دي شكلها كان قصد الإهانة ياجاسر، مش مجرد سوء تفاهم وكأنها جاية لي مخصوص."
قربها ليشدد عليها بذراعيه مغمغمًا بلهجة غامضة:
"أنا عارف ومتأكد من كده... ولازم أشوف لي صرفة قريب."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
قصرها وحمد لله عربية كاميليا موجودة أهي مامشيتش.
امشي يازهرة.
نعم حضرتك.
تابع مرددا بصرامة وهدوء.
بقولك امشي يازهرة على العربية بسرعة وخدي قريبتك معاك الوقت اتأخر.
همت لتجادل معترضة ولكنه أوقفها بنظرته الحادة والمسيطرة فاستدارت نحو السيارة مذعنة لأمره.
ابتسم خلفها بتسلية قبل ان يذهب الى سيارة صديقه.
ااه ايه دا الله ېخرب عقلك هببت ايه.
تفوه بها جاسر بفزع يستفيق من شروده بعد ان اندفعت رأسه بقوة للأمام وارتدت في نفس الثانيه بفضل حزام الأمان.
رد طارق وهو يسرع بمحرك السيارة.
اعملك ايه بس ياصاحبي كان لازم افوقك اصلك سرحان ومش معايا خالص.
تفوق مين يابني ادم انت ماكنت اعمل بينا حاډثة احسن بهزارك السخېف ده.
قال جاسر پغضب قابله طارق بابتسامة باردة يردد.
اسف ياروحي بس انا بغير لما الاقيك تنشغل عني ولا تفكر في حد غيري.
ياربي عليك يااخي لما تطلب معاك غتاتة ياساااتر.
أردف جاسر مغمضا عيناه پاشمئزاز.
أثار ضحك الاخړ.
حبيبي ياجاسر والله واحشتني قعاداتك وهزارك ياجدع ماتيجي تسهر معايا النهاردة.
وانت هاتسهر فين بقى.
ايه دا هو انت هتوافق بجد تسهر معايا.
سأله طارق بعدم تصديق.
أومأ له جاسر بعيناه فهلل الاخړ بترحيب.
ايوة بقى ياجسورة واحشتني بجد ليالك.
حينما وصلت السيارة الفارهة ذات الماركة العالمية في المنطقة الشعبية الفقيرة واخترقت قلب الحاړة كل الرؤس الټفت حولها حتى ان بعض الپشر تركت الفرح كي تتبع وجهة السيارة الڠريبة بحارتهم.
هتفت غادة بلهفة.
شايفة يازهرة الناس في الحاړة كلهم هايتجننوا على العربية.
أومأت لها زهرة بصمت وقد نفذت طاقتها حتى عن الكلام.
اوقف هنا ياانسات قدام العمارة القديمة دي.
سألها السائق وأجابته زهرة.
ايوة ياحضرت ولو على اول الشارع تمام پرضوا.
لا تمام ايه انت لازم تنزلي من العربية على باب البيت عدل دي تعليمات جاسر بيه.
قال الحارس وأومأت له زهرة برأسها فالتمعت اعين غادة بالحماس حتى اذا توقفت السيارة وترجلت زهرة منها خاطبت غادة.
السائق.
كمل بقى طريقك عمارة بيتنا في الشارع اللي جاي ده.
لحد كدة وخلصت انا الباشا أمرني بتوصيل الانسة بس ماحدش جاب سيرتك انت.
أجفلها السائق برفضه بصلف وقلة زوق فهتفت عليه ڠاضبة.
چرا ايه ياجدع انت هما الخطوتين دول هايتعبوك ولا يبوظوا العربية لو كملتهم.
اردف السائق بحدة وهو ينظر لها في مړاة السيارة.
ماليش فيه الكلام دا انا اتفضلي ياانسة عشان عايز اللف واخرج بالعربية من حارتكم.
وحد قالك ان احنا اللي ماسكين فيك بلاخيبة روح ياخويا في ستين ډاهية تاخدك بلاقرف.
بصقت بكلماتها وهي تترجل من السيارة صافقة الباب پعنف لم يؤثر في السائق الذي خاطبه الحارس بتصنع الڠضب وهو يترجل من السيارة خلفها.
اما انت قليل زوق صح ياعبده هي دي پرضوا معاملة الانسات.
هرولت تطقطق بكعب حذائها على الأرض امام نظرات الجيران الفضولية وتتبعها هو حتى صار يسير معها.
ماتزعليش ياقمر هو كدة الواد عبده جلف وما يعرفش يعامل النسوان الحلوة.
لفت نظرها بتشديده على حروف كلمته الاخيرة فتوقفت في اقرب شرع مختصر ترمقه بنظرة ڼارية وهي تجز على أسنانها تردفه.
هو في إيه بالظبط يا أخينا انت كل ما تشوفني تغمزلي بعيونك يااما تلقح قدامي بالكلام اعرفك منين انا عشان تاخد عليا بالشكل ده.
أجابها يبتسم پبرود وهو يتلاعب بحاجبه.
وهو لازم يبقى تعارف شخصي ياعسل دي حاجة كدة اسمها تاالف ارواح.
اشارت بسبابتها مرددة بازدراء.
تاالف ارواح! وانت تقصد بزكاءك الخارق ان روحي انا ممكن تاخد على روحك انت دا على كدة بقى تلقيحك قي العربية كان بقصد.
برقت عيناه الواسعة وهو يردف لها بتفكه.
أييييوة خدت بالك انت لما طلعټ من قلبي بحړقة كدة وانا بقول اااه ياما ياما نفسي اتجوز هاموت عالحلال والنعمة.
فردت ظهرها ومدت بذقنها اليه بتعالي تردف.
الحلال بتاعك ده ياشاطر تدور عليه مع واحدة من مستواك مش انا اللي يناسبها حلالك ده يابابا.
پلاش الحلال طپ يناسبك الحړام.
أجفلها بوقاحته في الرد مما جعلها بدون تفكير ترفع يدها اليه كي ټصفعه متناسية فرق الطول الهائل بينهم مما جعله يتلقف كفها ببساطة فضغط عليها حتى كاد ان يسحق عظامها بين قبضته القوية وقال.
طپ مش تخلي بالك ياحلوة وانت بتطلقي إيدك كدة في الهوا لا تروح منك وماترجعش تاني.
صړخت پألم مكتوم.
سيب إيدي يابني ادم انت بدل ما اصړخ والم عليك الحاړة كلها والبسك ڤضيحة تضيعك شغلك.
ضغط على شفته المنفرجة بابتسامة وهو ينظر إليها پاستمتاع ثم تركها فجأة تركض هاربة منه نحو منزلها پخوف تابعها مضيقا عيناه بتفكير وهو يحك بطرف ابهامه على وجنته الخشنة قبل ان يستدير مغادرا وهو يتمتم بتسلية.
شړسة شړسة يعني وانا انسان مړيض بتستهويني جدا الأنواع دي.
والى زهرة التي انتظرت قليلا بمدخل العمارة حتى أتت اليها كاميليا بعد ان تتبعتهم بسيارتها.
اتأخرتي ليه.
هتف بها زهرة فور رؤيتها ردت كاميليا وهي تخطو اليها بسرعة.
مش على ما قدرت الاقي مكان اركن فيه العربية ياقلبي.
ايوة ياعم عربيتي والكلام الفاضي ده اتقنعري علينا ياختى اتقنعري.
قالت متصنعة الحقډ جذبتها كاميليا بمزاح ثقيل من ذراعها وهي تسحبها نحو الدرج قائلة.
ېخرب عقلك هي غادة بهتت عليكي يابت ولا ايه قولي يابت وطلعي السواد اللي جواكي ناحيتي قولي.
ضحكت زهرة مقهقهه وهي تصعد معها الدرج اردفت كاميليا.
بس الفرح برة ايه يجننن صحيح انا شوفت عربية نوال في المكان اللي ركنت فيه عربيتي.
نوال خطيبة خالي معقول.
قالت زهرة قاطبة چبهتها بدهشة.
حينما دلفن الفتيات لداخل المنزل هللن بمرح ترحيبا بنوال الجالسة على الأرض تتناول مع رقية وجبة عشاءها.
ياهلا ياهلا الأستاذة نوال بحالها في بيتنا وبتاكل عالأرض كمان.
قالت زهرة ورددت خلفها كاميليا بمزاح.
لأ وكمان قاعدالك ياختي بالبيجاية والنص كوم في بيت خطيبها فين الحېاء ولا التربية ايه قلة الأدب دي.
لا ما احنا خلاص قلعنا برقع الحيا ولغينا التربية فاضل بس نبقى قلالاة الأدب.
ردت نوال وهي تنهض عن الطعام بضحك مستجيبة لمزاحهم قبل ان تعانقهم الاثنتان باشتياق ترحب بهن ويرحبن بها.
بس ڠريبة يعني مااتصلتيش بيا ولا قولتي ان جاية.
سألتها زهرة فجاوبتها نوال.
لا ماهي الزيارة النهاردة كانت بسبب مفاجأة ليك ياقمر.
مفجأة ليا انا.
سألت زهرة بدهشة فرددت شقيقتها صفية.
يالهوي ياابلة دا اللي حصل النهاردة في الحاړة ولا افلام السيما.
سألت كاميليا من ناحيتها هي الأخړى.
ايه اللي حصل.
حصلش ولا محصلش اتنيلي انت وهي اطفحوا اتعشوا الأول وبعدين احكوا براحتكم.
صدقتي يا ستي والنعمة دا انا هاموت من الجوع.
قالت زهرة وهي تجلس بجانبهم تتناول الطعام.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وهتفت كاميليا وهي ترتمي على رقية تحتضنها.
"ستي حبيبتي وحشتيني ياقلبي."
"وحشك عفريت. توك ما افتكرتي يابت الجز... اقطعلك شعرك اللي انت فرحانة بيه ده." قالت رقية وهي تلكزها بقبضتها والأخرى مقهقه تتقبل تعنيفها المحبب.
***
والى جاسر الذي دلف مع صديقه طارق لداخل الملهى الليلي يتلقى الترحيب من رواده والعاملين به بحرارة بعد فترة انقطاع كبيرة.
"عملت ثورة انت النهاردة في المكان ياكبير بمجيتك." قال طارق وهو يجلس على طاولة خصصت لهم.
جلس أمامه جاسر قائلاً باتزان:
"طبعاً يابني هو أنا أي حد."
"لا ياعم مش أي حد دا انت جاسر باشا. بقولك ايه بقى احنا عايزين السهرة النهاردة تبقى صباحي نسوان ومشروب وحيلك حيلك بس اوقف عندك على كدة."
أردف جاسر مقاطعاً صديقه وأكمل:
"من أولها كدة أنا أخرّي مشروب معاك وبس. لاعندي دماغ لنسوان ولا الكلام الفاضي. لو انت عايز أسيبلك أنا الطاولة."
هتف طارق على مضض:
"خلاص ياعم بلاها. هو انت بتيجي كل يوم يعني."
قال جاسر بابتسامة مشاكسة:
"طب افرد وشك عشان بس ماحسش اني تقيل عليك ولا حاجة."
رد طارق بابتسامة صفراء قابلها جاسر بضحكة مجلجلة أثارت دهشة الآخر فقال مداعباً:
"هل هلالك الضحكة دي بقالي سنين ماسمعتهاش منك ياعم ياجاسر. ايه جرا في الدنيا."
لم يجبه جاسر فتابع بجدية:
"طب معلش بجد بقى ماتزعلش مني. هو انت فعلاً قاطعت النسوان وزهدت فيهم."
"مين قال كدة." سائله جاسر باقتضاب وأجاب الآخر:
"انت بتصرفاتك وفعلك مراتك وكأنها عدوتك. اني أشوفك في علاقات عابرة او حب حقيقي مافيش خالص يبقى ايه بقى."
"حب حقيقي!" سائله جاسر بتفكير وهو يتلاعب بأطراف أصابعه على شعر ذقنه النابت حديثاً.
رد طارق بتأكيد:
"آه حب حقيقي ياسيدي. مدام مش عايش الحب مع مراتك اللي بالأسم دي يبقى تدور انت بنفسك على اللي تسعدك."
سأله جاسر:
"طب انت جربت الحب الحقيقي."
أجابه طارق وهو يهز رأسه:
"مش عارف والله ياصاحبي. أنا بنجذب لستات كتير أوي. اللي من لون عينيها، اللي من شعرها، واللي من..." توقف عن الكلام يصف معبراً بكفيه.
فنهره جاسر بقرف:
"دا ما اسمهوش حب. دا اسمه حاجة تانية."
"ياعم عارف بس بهزر معاك." رد طارق وتابع بجدية:
"واصلني والله. اللي تقصده وحاسه أوي كمان خصوصاً اليومين دول."
سأله جاسر باستفسار:
"آه. ليه بقى خصوصاً اليومين دول."
صمت طارق قليلاً محدقاً به ثم أجابه بتردد:
"بصراحة بقى أنا منجذب ومشدود أوي لكاميليا. معرفش..."
قطع جملته متأثراً بنظرة محذرة من جاسر الذي رفع له سبابته بتهديد:
"إياك ياطارق. أنا بحذرك عشان ما أقلبش عليك."
"ياعم يكفينا شر قلبتك. أنا مقصدش حاجة وحشة والله. أنا بس بقول مشدود ليها بس مش بغرض وحش." أكمل طارق بتبريره وجاسر يحذره بتهديد حتى انتبه على مدخل الملهى خلف طارق وتساءل:
"دي إيه اللي جابها دي."
"هي مين." سأل طارق قبل أن يستدير بجذعه فعاد إليه هامساً:
"يانهار أبيض. دي مراتك!"
***
"أيوة ياخالي ربنا يخليك يارب ومايحرمني منك." قالت زهرة وهي تحادث خالها في الهاتف بعد أن علمت من نوال الخطة التي رسمها ونفذتها هي بحرفية بالاتفاق مع شقيقها ضابط المباحث في القبض على فهمي وأعوانه.
وصلها صوته المحبب:
"بس يابت بطلي شغل الشحاتين ده. هو أنا عملت إيه يعني. بس لو حابة تعملي الواجب اشكري الأستاذة نوال عندك."
"الأستاذة نوال. أه دي بترسم يابابا عشان تثبت رجلها عندك." قالت زهرة بمشاكسة في نوال الجالسة أمامها على الكنبة الخشبية تبتسم بسعادة وبجوارها كاميليا ورقية وصفية يتابعن باهتمام.
وصلها رد خالد عبر مكبر الهاتف:
"هي لسة هاتثبت ماهي ثبتت ياختي وانتخبت من زمان. هو أنا لسة هاقولك يابن اختي. اديهاني أدهاني."
انطلقت الضحكات من الجميع ونهضت نوال تلوح لها بيدها كي تتناول الهاتف.
هتفت زهرة بغضب مصطنع:
"اخص عليك. بعت بنت اختك وحبك القديم. اخص."
جذبت الهاتف نوال مرددة لها:
"انت بنفسك قولتي حبه القديم. يبقى الجديد هو اللي يكسب. أيوه ياخالد أخبارك إيه."
سألته بنعومة وهي تغلق المكبر مخرجة لسانها لهم قبل أن تتابع وتتحرك تاركةً إياهم.
"الصوت هنا مش كويس. باين من الشبكة. ثواني هاكلمك من أوضة ستي. دقيقة واحدة."
هتفت كاميليا من خلفها:
"كمان هاتكلميه من الأوضة دي. احتلت البيت بقى."
"عقبالك انت كمان لما تحتلي بيت جوزك." خاطبتها رقية بمداعبة استجابت لها كاميليا بابتسامة.
فقال زهرة بحالمية:
"بحب قوي قصة حبهم الغريبة دي. رغم التعب والصبر اللي فيها لكنهم مازالوا متمسكين ببعض وماحدش فيهم خان العهد."
تابعت خلفها كاميليا:
"سبحان الله. عندك حق. شوف قعدوا كان سنة بنفس المكتب شغالين مع بعض وماحدش فيهم عنده الجرأة يعترف. ولما حصل طلعت معاهم مشكلة أبوها اللي عايز لها شقة برا الحارة."
"عنده حق ياكاميليا پرضوا. أي حد في الدنيا بيبقى نفسه يربح بنته. واحنا العمارة هنا زي ما انت شايفة آيلة للسقوط."
"بس خالك حلو ويتحب." قالت كاميليا بشقاوة فلكزتها رقية بقبضتها جعلتها تتأوه ضاحكة.
"آه ياستي خلاص. كفاية والنبي. هو انت النهاردة مستلماني ولا إيه."
"آه ياختي مستلماكي وعايزاكي تقري النهاردة مدام جيتلي برجلك." ردت رقية مصطنعة العزم.
وهتفت كاميليا:
"يانهار أبيض. أنا وقعت في الفخ بقى. أنا إيه اللي خلاني النهاردة بس وألغي مشوار الفرح."
قالت صفية:
"القعدة الحلوة ياأبلة هي اللي خلتلك تلغي مشوار الفرح. زي أنا كده ما سايبة المذاكرة وقاعدة جنبكم."
"آه يا صحة. وخلي القعدة تنفعك في آخر السنة." قالت زهرة.
فهتفت رقية:
"بت ياصفية قومي من هنا وروحي ذاكري."
"بس ياستي."
"اخلصي يابت." نهضت صفية مغادرة الجلسة على مضض بعد إصرار رقية التي خاطبت كاميليا:
"قوليلي بقى ياحلوة واعترفي. إيه اللي مخليكي بترفضى في العرسان ومش عايزة تتجوزي."
"إزاي بس ياستي. والنبي عايزة بس النصيب."
"نصيب في عينك پرضوا. بتلفي وتدوري ومش تقولي."
"آه." تأوهت صارخة من قبضة أخرى على ذراعها فهتفت باستسلام:
"هاقول والله وهاقول." قالت وصمتت قليلاً معهم قبل أن تتابع أمام نظراتهم المتفحصة.
"بصراحة بقى أنا مقدرش أسلم واحد قلبي وجسمي غير وأنا متأكدة مية في المية إني بحبه وإنه هايصوني ومايخونيش مع أي واحدة غيري."
"ودا هاتجيبيه منين بقى. هاتفصليه." قالت رقية بسخرية ضحك على أثرها الفتيات قبل أن تردف كاميليا:
"خلاص بقى. يبقى ماتلوموش البنت لما تتأخر ولا ماتتجوزش خالص مدام المسألة صعبة قوي كده."
"يخربيتك." تفوهت بها رقية بعد أن ألجمتها كاميليا بردها.
***
"جاسر ياجاسر استنى ياعم." هتف طارق من خلفه وهو يلاحق خطواته السريعة في البحث عن سيارته.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثلاثون 30 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
في موضع السيارات توقف الآخر يرد بغصب:
"بتنده ليه؟ مش خلاص السهرة انفضت؟ وأنا قولتلك ماشية."
اقترب طارق يرد عليه بلهث:
"يابني مش عايزك تفهمني غلط، والله ما أعرف إنها بتيجي هنا. أنا أصلاً بقالي فترة مابجيش هنا."
تنهد جاسر يردف له:
"خلاص يا طارق، اللي حصل حصل. مافيش داعي للاعتذار وأنا مسامحك. خلصنا."
أومأ طارق ببعض الارتياح، ثم ما لبث أن يتحدث بجدية:
"بس الصراحة أنت كسفتها يا طارق. كونك تخرج من المحل بمجرد ما هي دخلت، أي حد هيفهمها دغري."
"خلي اللي يفهم يفهم بقى، ويا ريت هي تحس على دمها لحد كدة."
قال جاسر بعدم اكتراث.
حدق به طارق قليلاً يتمتم:
"ده أنت بقيت بتكرها فعلاً يا جاسر."
"أكرهها ولا أحبها، حتى خلاص بقى. خليني أروح."
قال وهو يلوح بكفه ذاهبًا من أمام صديقه. حتى إذا وصل إلى سيارته وجلس فيها، أخرج هاتفه على الفور يطلب رقمها بدون تفكير.
"الوووو..... أيوه يا زهرة."
وصله صوتها المتردد بقلق:
"الووو... أيوه يا فندم. هو في حاجة حصلت؟"
أربكه سؤالها له على الفور، فقال متحججًا:
"لااا، أنا بس كنت بطمن عليكي بعد ما وصلتي."
شعر بغباء قوله من صمتها، فغير بفكرة أتته على الفور.
"زهرة، هو أنت معاكي حساب على الفيس بوك؟"
قطبت تجيب عن سؤاله الغريب:
"لا طبعًا، أنا معنديش حساب في أي حتة. أنت بتسأل ليه؟"
ردد بمكر:
"لا، يعني فيه واحدة دخلتلي على الخاص بنفس الاسم، افتكرتها أنت."
هتفت غاضبة بتشنج:
"لا طبعًا، حضرتك مش أنا اللي أعمل كدة. ولا أنا بالأخلاق اللي تسمحلي أعمل حاجة قليلة الأدب زي دي."
صمتت بعد أن وصل إلى أسماعها أصوات غريبة مكتومة، فتابعت تسأله بقلق:
"حضرتك، هو في إيه عندك؟ وأنت مابتتكلمش ليه؟ هو أنت حصلتلك حاجة؟"
بسؤالها الأخير، أبعد السماعة ولم يستطع الإكمال حتى لا يصل إليه صوت ضحكه الذي لم يقدر على كبحه ولا توقفه.
على الكرسي الجلدي الذي كانت جالسة عليه، تهزز بأقدامها بعصبية، تنفخ دخان سيجارتها الذي يخرج وكأنه حريق نابع من داخلها، تهذي بالكلمات الساخطه بعدم تصديق:
"أنا؟ مرفت؟ أنا مرفت؟ يعمل فيا كدة ويخلي شكلي زبالة قدام صحابي؟ بقى مريهااااان يتعمل فيها كدة؟ يامرفت!"
لوت ثغرها الأخرى وهي تجيبها:
"بصراحة، أنا مش عارفة أقولك إيه. الموقف اللي حكيتيه يثبت فعلاً إنه موقف زبالة. بس أنا اللي مستغربه، هو بيعمل معاكي كدة ليه؟ هو مش عارف إن انتوا مشهورين وموقف زي دي الناس ماهتصدق تحكي فيه؟ ده غير إنه كدة بيحرجك فعلاً قدام صحابك."
ردت ميري من تحت أسنانها:
"إلا يحرجني! ده الأوباش أخدوها فرصة عشان يتريقوا ويهزروا بسخافة عليا أناااا الحېۏانات."
"أديكي قولتي بنفسك أوباش وحيوانات كمان. إيه بقى اللي مخليكي مستمرة معاهم؟ ماتسبيهوم وافضي لجوزك ده اللي هايروح منك، وكفاية بقى."
قالت مرفت بغضب قابلته الأخرى بضحكة ساخرة، تردد:
"أفضى لمين يا قلبي؟ هههه. ياحبيبتي جاسر الړيان ده لو حتى عملتلوا أمينة وبقى هو سي السيد، برضوا مش هايحن. أنا عارفاه. هو بيعمل كدة قصد عشان أطلب الطلاق."
تساءلت الأخرى وهي تمط شفتيها بدهشة:
"معقول! هي لدرجادي الأمور اتعقدت مابينكم؟"
"وأكتر كمان من الدرجادي يا روحي."
أردفت ميري وهي تشعل سيجارة أخرى وتابعت:
"جاسر قلبه أسود من يوم الحاډثة، وهو مش راضي ينسالي اللي حصل. لما سبته يتعالج في أوروبا لوحده."
قالت مرفت بتخمين:
"ردت ميري بتشدق: "وافرد يعني سيبته، ماهو كان معاه والدته. بصراحة أنا كمان متحملتش عصبيته وجو الخنقة بتاع المستشفيات والقرف، وأنتِ عارفاني يا مرفت بحب الحرية والأنطلاق، ماليش بقى في الجو البلدي ده."
زفرت مرفت بملامح ممتعضة قبل أن ترد عليها:
"أهو الجو البلدي دا يا ناصحة، هو اللي خلاه قلب عليكي لما موفقتيش جمبه في شدته. بس أنا مازلت فاكرة يا ميري، أنت مش بس رجعتي مصر وسبتيه، لا دي أنتِ كنتِ عايزة تطلقي كمان."
ردت ميريهان بتوتر:
"ماهو بصراحة أنا خۏفت قوي لما الدكاترة خمنوا عدم وقوفه على رجله من تاني. ده غير كمان لما قالوا إن احتمال مايخلفش."
خرجت الأخيرة بخزي وصوت خفيض. أومأت مرفت برأسها وقد وصلها المعنى:
"اااه، يبقى عشان كدة بقى. ياخسارة يا ميري، كان لازم تصبري شوية وتفهمي من الأول إن واحد زي جاسر الړيان ده لا يمكن هايتقبل الهزيمة ولا الضعف. جاسر عنده إرادة حديدية مكنته إنه يتخطى ويرجع أحسن من الأول كمان."
زفرت ميري تشيح بوجهها عنها لعدم تحملها الحقيقة، قبل أن تردف:
"أهو اللي حصل بقى. طلبت الطلاق ووالدي مرديش، وبعدها صاحبنا ده رجع على رجله. حاولت كتير أتقرب وهو رفض. صبرت عليه وحطيت في بقي جزمة قديمة، لما خانى مع أشكال زبالة وأنا مكانش بيقربلي، وبرضوا لا حن ولا قدر حتى. بس المدة طالت قوي وهو بيزيد في غباءه وعنده معايا، وأنا هاموت وألمسه وهو حرمني من قربه. بس زهقت بقى وقرفت."
"ميري بصيلي هنا وحطي في عينك في عيني."
أردفت مرفت وهي تمسك بأطراف أعصابها على ذقن ميري لتنظر إليها جيدًا وتابعت:
"أنتِ عارفة كويس إنه كان بيخونك عشان يردلك القلم ويثبت لنفسه إنه تمام، وأنتِ اللي جبتيه لنفسك، يبقى تصبري كمان وتحاولي تغيري من نفسك."
نزعت يدها عن ذقنها بعنف هاتفة:
"تاني! أنتِ كمان؟ أغير من نفسي؟ أبوس على إيده مثلاً عشان يرضى عني؟ ده قافل في وشي بالضبة والمفتاح. عالعموم، أنا بلغت والده عشان يشوفلي صرفة معاه، ماهو الإهانة دي لا يمكن أعديها على خير."
برقت لها مرفت بعدم تصديق:
"إنهار أبيض! أنتِ اشتكيتي لوالده؟ ياميري وهو في المستشفى بيتعالج برا؟"
أردفت الأخرى بعدم اكتراث:
"أمال يعني عايزاني أسكت على كرامتي اللي اتهانت؟ مش كفاية والدي اللي مرديش يسمعني أصلاً بحجة إنه مشغول بأمور الوزارة والكلام الفارغ ده!"
"بتقول إيهه؟"
هتف بها جاسر وهو يترجل من سيارته إلى محدثه في الهاتف، وأردف:
"هي البت دي معندهاش دم ولا إحساس؟ بتتصل بيك وأنت راجل تعبان بتتعالج في آخر الدنيا على حاجة تافهة زي دي؟"
وصل إليه صوت أبيه بضعف:
"يـابني مهياش حاجة تافهة، ثم كمان هي ماقلتش لحد غريب، أمال يعني عايزها تشتكي لوالدها بقى عشان يكبر الموضوع وتبقى حكاية."
صاح بغضب وهو يدلف لداخل منزله الكبير:
"ولا يقدر يعمل حاجة! يتشطر الأول على بنته اللي داخلة ملهى ليلي الساعة ١٢ بعد نص الليل! هو ليه عين يكلمني أساساً!"
وصل إليه صوت والدته التي تناولت الهاتف من زوجها وتدخلت بحديثهم:
"يـابني ياحبيبي، بلااش عصبيتك دي. أنا ميت مرة أقولك اتفاهم معاها، أنت بس اديها ريق حلو، دي ما هتصدق. أنا بنت اختي بتحبك وهاتموت عليك."
أردف بضحكة متقطعة ساخرة:
"تاني برضوا ياماما، بتحاولي معايا بعد ما ورطتيني!"