تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
شعرت بأن رأسها على وشك الانفجار، رغم أنها كانت ترتشف فنجانها المفضل القهوة باللبن. أحضره لها عامل الكافتيريا بلال في آخر لحظة قبل بدء الاجتماع، وكأنه نجدة لها. كانت تجاهد لتركّز على مناقشات العذاب وهي جالسة على يمينه. تعمل بربع طاقتها في تدوين محضر الاجتماعات وملاحظاته التي لا تنتهي. كانت تزفر بداخلها كلما وقعت عيناها على ساعة يدها. الشيء الوحيد الذي كان يبعث بالطاقة بداخلها ويحثها على الاستمرار، هو رؤية صديقتها وهي تعمل بينهم كفرد منهم، تناقش وتجادل برأيها الحر دائمًا بثقة وقوة. "ما أجملها! بهية الصورة وعزيزة النفس كاميليا."
"طب أنا بقول كفاية بقى، ونأجل الباقي على المرة الجاية."
انتبهت لمقولته التي ألجمت الجميع عن مواصلة النقاش وجعلتهم يضبون أغراضهم للمغادرة. كادت أن تصرخ مهللة بالنصر، فرحة بانتهاء الاجتماع على الثامنة وليس التاسعة كما توقعت. تمنت الهرولة بحرية أمامهم حتى تصل إلى باب الشركة، ومنه تطير إلى جدتها وحصن الأمان منزلهم.
"إنتِ ياااقطبت؟"
زهرة وهي تنظر إلى ناحية الصوت، لتجد امرأة في الثلاثينيات بشعر أصفر وبشرة برونزية على عينيْن باللون العسلي تخاطبها.
"حضرتك بتكلميني؟"
أومأت لها زهرة بسبابتها نحو نفسها تسألها. أشارت المرأة الصفراء بعنجهية:
"هاتيلي منديل من العلبة اللي قدامك دي."
"العلبة مش بعيد عنك يامرفت، طلعيلك منديل لوحدك."
تفاجأت زهرة بصوته الخشن ورده السريع من قبل أن تفتح هي فاها، مما أحرج المرأة فجعلها تفعل على الفور دون مجادلة.
"طب أنا كدة بقى خلصت، عايز مني حاجة تاني يافندم؟"
سألت زهرة بلهفة. أجابها صامتًا بنظرة مسيطرة كالعادة وهو يتناول دفترها وينظر به. زفرت بداخلها وهي جالسة في انتظار قرار إفراجها عنه، قبل أن تتنقل بأنظارها نحو صديقتها التي كانت تخاطبها بعينيها من قريب. فانشق ثغرها لها بابتسامة كادت أن تطيح بعقله بجوارها. وقد غفل عن المدون بالدفتر، وتركّزت عيناه على وجهها المضيء بإشراق. مع هذه الغمزة الموجودة أسفل ذقنها التي زادتها روعة. لأول مرة يراها هكذا عن قرب لفترة طويلة من الزمن. كان بإمكانه مدها أكثر، ولكنه أشفقًا عليها أنهى الاجتماع قبل موعده.
من تتبعه لنظراتها، انتبه على صديقه الذي أتى يقترب منه بصحبة كاميليا، التي ذهبت تلقائيًا إليها من الناحية الأخرى.
"ايه ياعم؟ مش الاجتماع خلص برضوا ولا أنا بيتهيألي؟"
قال طارق بمرح كعادته. استجاب جاسر مرددًا له:
"خلص ياسيدي، بس أنا لازم كدة أديها نظرة أخيرة، ولا أنت مش عارفني؟"
"عارفك طبعًا ياكبير ياجامد انت، لكن قولي مرفت دي تبقى صاحبة مراتك صح؟"
سأل طارق الأخيرة بصوت خفيض وهو يشير بعينيه نحو المرأة وهي تخرج أمامهم مغادرة من غرفة الاجتماعات. أجابه جاسر بنظرة غير مبالية تفهمها الآخر، فتابع قائلًا:
"طب مش كفاية شغل بقى، الساعة ٨ دلوقتي، يعني يدوب تروح وتاخدلك شاور تريح بيه جسمك شوية."
أومأ له جاسر، وقبل أن يرد، تفاجأ بهتافها باسمه:
"جاسر باشا."
"نعم، في إيه؟"
قال بجدية عكس ما يشعر به من دغدغة جميلة بأذنه فور سماع اسمه بصوتها لأول مرة.
"أنا خلاص مروحة مع كاميليا، يعني خلاص مش عايزة السواق ولا الحارس يوصلوني."
"ليه؟ هي كاميليا في طريقك؟"
سأل قاطبًا باستفسار. أجابته كاميليا:
"لا طبعًا يافندم، بس أنا فرحانة بعربيتي الجديدة بقى وقولت أوصل زهرة معايا. ما أنا كدة كدة رايحة الحارة النهاردة على فرح واحدة كانت جارتنا زمان."
أومأ لها قائلًا بصوته الأجش:
"ألف مبروك ياستي عالعربية وفرح قريبتك، بس برضوا زهرة مش هاتروح معاكي."
"ليه بقى؟"
هتفت معترضة. أجابها بتفكه غريب عنه:
"إيه نسيتي العيال اللي بتشرب في الحارة؟ ولا أنتِ عايزة خالك خالد يزعل منك؟"
أخفضت زهرة عيناها عنه بخجل، وقد اكتسى وجهها بالحمرة. أما كاميليا، فانفغر فاهاها بدهشة مما تراه من تغير بجاسر الريان لأول مرة، كما فعل طارق بالضبط.
***
بعد قليل، وبداخل سيارة جاسر الريان، كانت جالسة في الخلف مع غادة التي كانت لا تصدق نفسها وهي تتأمل كل ركن وكل تفصيلة بالسيارة الفارهة.
"يالهوي يابت يازهرة، دا أنا حاسة قلبي هايوقف من الفرحة والنعمة."
قالت غادة هامسة بصوت خفيض لزهرة التي كانت تنظر لها بجمود مكتفة ذراعيها. وتابعت:
"رغم إني كنت هاموت النهاردة واركب مع كاميليا في عربيتها الجديدة، بس تتعوض بقى. هو كل يوم الواحد هايلاقي توصيلة بعربية جاسر الريان."
حينما ظلت زهرة على صمتها، هتفت غادة:
"ماتردي يابت مبلمة ليه كدة؟ ولا يكون مش قادرة تستوعبي انتِ كمان زيي؟ لا عندك حق بصراحة."
جذبتها فجأة زهرة من ذراعها، تهمس بغيظ في أذنها:
"اهدي بقى الله يخرب بيتك وبطلي فرك. الرجالة اللي قاعدين قدام دول مراقبين وشايفين كل حاجة، ماتخليهمش يضحكوا علينا."
شهقت رافعة شفتها باستنكار:
"يضحكوا على مين ياما؟ هو إحنا قرود قدامهم؟ طب خلي واحد فيهم يعملها كدة عشان كنت أعرفه مقامه صح."
"منورين يا أنسات."
انتفضت الفتيات على الصيحة التي أتت من صوت جهوري في الأمام. فهتفت غادة نحو الرجل وهي واضعة يدها على قلبها:
"يخرب بيتك فزعتني، مش تدي إشارة الأول بدل ما توقف قلبنا بصوتك الغريب ده."
"ههههههه"
ضحك الرجل بسماجة أثارت حنق غادة ودهشة زهرة. تدخل السائق عابس الوجه دائمًا:
"بطل غلاستك دي يا إمام، خلينا نخلص في يومنا."
أردف إمام بمشاكسة وهو يغمز لها بالمرأة:
"بلاها غلاسة عشان القمرات، انت تؤمر ياعُبد. اه ياني ياما، ياما نفسي أتجوز."
مالت زهرة بوجهها تخبئ بكفها ابتسامة متسلية، وقد فهمت مقصد الرجل من وجه غادة الذي تميز غيظًا حتى أصبح شكلها كالشخصيات الكرتونية.
***
... وإلى جاسر الذي استقل سيارة صديقه وجلس بجواره في الأمام، ينظر بعينيه إلى الخارج من نافذة السيارة، غير منتبه لحديث طارق ولا غنائه خلف مذياع السيارة. فقد شرد عقله بصاحبة الابتسامة الرائعة بندرتها، يستعيد بذهنه كل أحداث يومه معها، رقتها، خوفها منه طوال الوقت، خفة ظلها وعفويتها في إلقاء الجمل بدون تفكير. تذكر حديثه معها منذ لحظات حينما خرجت معه من باب الشركة تتجه نحو سيارته لكي تستقلها مع حارسه الشخصي والسائق، فوجد هذه الفتاة ثقيلة الظل قريبتها منتظرة بجوار السيارة.
"زهرة."
هتف بحزم، فالتفت عائدة إليه تجيبه بطاعة:
"نعم يافندم، عايز حاجة قبل ما أمشي؟"
أومأ بعينيه نحو غادة يسألها:
"البنت دي مستنية هناك ليه؟ وإيه اللي أخرها أصلًا عن ميعاد انصرافها؟"
أجابته زهرة:
"يافندم البنت دي تبقى بنت عمتي وأنا اللي طلبت منها تستنى عشان تروح معايا."
"ياسلااام."
أردف بها ساخرًا وتابع:
"وإنتِ بقى بتعزمي عليها من قلبك تركب عربيتي من غير ما تقوليلي؟"
احتَدت عيناها فقالت باعتزاز:
"أنا ما عزمتش فسحة يافندم، لا حضرتك، أنا طلبت منها ترافقني عشان ما أقعدتش مع اتنين رجالة في عربية لوحدي، وأنا إيش ضمني؟"
كتم ابتسامته حتى لا يحرجها، فتابعت:
"وعلى العموم لو انت مش موافق، ناخدها من قصرها وحمد لله عربية كاميليا موجودة أهي مامشيتش."
"امشي يازهرة."
"نعم حضرتك؟"
تابع مرددًا بصرامة وهدوء:
"بقولك امشي يازهرة على العربية بسرعة وخدي قريبتك معاك، الوقت اتأخر."
همت لتجادل معترضة، ولكنه أوقفها بنظرته الحادة والمسيطرة، فاستدارت نحو السيارة مذعنة لأمره. ابتسم خلفها بتسلية قبل أن يذهب إلى سيارة صديقه.
"آه، إيه دا الله يخرب عقلك هببت إيه؟"
تفوه بها جاسر بفزع، يستفيق من شروده بعد أن اندفعت رأسه بقوة للأمام وارتدت في نفس الثانية بفضل حزام الأمان. رد طارق وهو يسرع بمحرك السيارة:
"أعملك إيه بس ياصاحبي، كان لازم أفوقك؟ أصلك سرحان ومش معايا خالص."
"تفوق مين يابني آدم انت؟ ما كنت أعمل بينا حادثة أحسن بهزارك السخيف ده."
قال جاسر بغضب، قابله طارق بابتسامة باردة يردد:
"آسف ياروحي، بس أنا بغير لما ألاقيك تنشغل عني ولا تفكر في حد غيري."
"ياربي عليك ياأخي لما تطلب معاك غتاته، ياساااتر."
أردف جاسر مغمضًا عينيه باشمئزاز أثار ضحك الآخر:
"حبيبي ياجاسر والله، واحشتني قعداتك وهزارك ياجدع، ماتيجي تسهر معايا النهاردة."
"وإنت هاتسهر فين بقى؟"
"إيه دا؟ هو انت هتوافق بجد تسهر معايا؟"
سأله طارق بعدم تصديق. أومأ له جاسر بعينيه، فهلل الآخر بترحيب:
"أيوه بقى ياجسورة، واحشتني بجد لياليك."
***
... حينما وصلت السيارة الفارهة ذات الماركة العالمية في المنطقة الشعبية الفقيرة، واخترقت قلب الحارة، كل الرؤوس التفتت حولها، حتى أن بعض البشر تركت الفرح كي تتبع وجهة السيارة الغريبة بحارتهم.
هتفت غادة بلهفة:
"شايفة يازهرة، الناس في الحارة كلهم هايتجننوا على العربية."
أومأت لها زهرة بصمت، وقد نفذت طاقتها حتى عن الكلام.
"أوقف هنا يا آنسات قدام العمارة القديمة دي؟"
سألها السائق، وأجابته زهرة:
"أيوه يا حضرت، ولو على أول الشارع تمام برضوا."
"لا تمام إيه؟ انتِ لازم تنزلي من العربية على باب البيت عدل، دي تعليمات جاسر بيه."
قال الحارس، وأومأت له زهرة برأسها. فالتمعت عينا غادة بالحماس، حتى إذا توقفت السيارة وترجلت زهرة منها، خاطبت غادة السائق:
"كمل بقى طريقك، عمارة بيتنا في الشارع اللي جاي ده."
"لحد كدة وخلصت، أنا الباشا أمرني بتوصيل الآنسة بس، ماحدش جاب سيرتك انتِ."
أجفلها السائق برفضه بصلف وقلة ذوق، فهتفت عليه غاضبة:
"جرا إيه ياجدع انت؟ هما الخطوتين دول هايتعبوك ولا يبوظوا العربية لو كملتهم؟"
أردف السائق بحدة وهو ينظر لها في مرآة السيارة:
"ماليش في الكلام دا أنا، اتفضلي يا آنسة عشان عايز ألف وأخرج بالعربية من حارتكم."
"وحد قالك إننا اللي ماسكين فيك بلاخيبة، روح ياخويا في ستين داهية تاخدك بلاقرف."
بصقت بكلماتها وهي تترجل من السيارة، صافقة الباب بعنف. لم يؤثر في السائق الذي خاطبه الحارس بتصنع الغضب وهو يترجل من السيارة خلفها:
"أما انت قليل ذوق صح ياعبده، هي دي برضوا معاملة الآنسات؟"
هرولت تطقطق بكعب حذائها على الأرض أمام نظرات الجيران الفضولية، وتتبعها هو حتى صار يسير معها:
"ماتزعليش ياقمر، هو كدة الواد عبده، جلف وما يعرفش يعامل النسوان الحلوة."
لفت نظرها بتشديده على حروف كلمته الأخيرة، فتوقفت في أقرب شارع مختصر ترمقه بنظرة نارية وهي تجز على أسنانها، تردف:
"هو في إيه بالظبط يا أخينا انت؟ كل ما تشوفني تغمزلي بعيونك، يا إما تلقح قدامي بالكلام. اعرفك منين أنا عشان تاخد عليا بالشكل ده؟"
أجابها يبتسم ببرود وهو يتلاعب بحاجبه:
"وهو لازم يبقى تعارف شخصي ياعسل؟ دي حاجة كدة اسمها تااَلُف ارواح."
أشارت بسبابتها مرددة بازدراء:
"تااَلُف ارواح! وانت تقصد بزكائك الخارق، إن روحي أنا ممكن تاخد على روحك انت؟ دا على كدة بقى تلقيحك في العربية كان بقصد؟"
برقت عيناه الواسعة وهو يردف لها بتفكه:
"أييييوة، خدتِ بالك انتِ لما طلعت من قلبي بحرقة كدة وأنا بقول آآه ياما، ياما نفسي أتجوز؟ هاموت عالحلال والنعمة."
فردت ظهرها ومدت بذقنها إليه بتعالٍ تردف:
"الحلال بتاعك ده ياشاطر تدور عليه مع واحدة من مستواك، مش أنا اللي يناسبها حلالك ده يابابا."
"بلاش الحلال، طب يناسبك الحرام؟"
أجفلها بوقاحته في الرد، مما جعلها بدون تفكير ترفع يدها إليه كي تصفعه، متناسية فرق الطول الهائل بينهم، مما جعله يتلقف كفها ببساطة. فضغط عليها حتى كاد أن يسحق عظامها بين قبضته القوية وقال:
"طب مش تخلي بالك ياحلوة وانتِ بتطلقي إيدك كدة في الهوا، لا تروح منك وماترجعش تاني."
صرخت بألم مكتوم:
"سيب إيدي يابني آدم انت، بدل ما أصرخ وألم عليك الحارة كلها، والبسك فضيحة تضيعك شغلك."
ضغط على شفته المنفرجة بابتسامة وهو ينظر إليها باستمتاع، ثم تركها فجأة تركض هاربة منه نحو منزلها بخوف. تابعها مضيقًا عينيه بتفكير وهو يحك بطرف إبهامه على وجنته الخشنة قبل أن يستدير مغادرًا وهو يتمتم بتسلية:
"شرسة شرسة يعني، وأنا إنسان مريض بتستهويني جدًا الأنواع دي."
***
... وإلى زهرة التي انتظرت قليلًا بمدخل العمارة، حتى أتت إليها كاميليا بعد أن تتبعتهم بسيارتها.
"اتأخرتي ليه؟"
هتف بها زهرة فور رؤيتها. ردت كاميليا وهي تخطو إليها بسرعة:
"مش على ما قدرت ألاقي مكان أركن فيه العربية ياقلبي."
"أيوه ياعم عربيتي والكلام الفاضي ده، اتقنعري علينا ياختي اتقنعري."
قالت متصنعة الحقد. جذبتها كاميليا بمزاح ثقيل من ذراعها وهي تسحبها نحو الدرج قائلة:
"يخرب عقلك، هي غادة بهتت عليكي يابت ولا إيه؟ قولي يابت وطلعي السواد اللي جواكي ناحيتي قولي."
ضحكت زهرة مقهقهة وهي تصعد معها الدرج. أردفت كاميليا:
"بس الفرح برة إيه؟ يجننن. صحيح أنا شوفت عربية نوال في المكان اللي ركنت فيه عربيتي."
"نوال خطيبة خالي، معقول!"
قالت زهرة قاطبة جبهتها بدهشة.
***
حينما دلفن الفتيات لداخل المنزل، هللن بمرح ترحيبًا بنوال الجالسة على الأرض تتناول مع رقية وجبة عشاءها.
"يا هلا يا هلا، الأستاذة نوال بحالها في بيتنا وبتاكل عالأرض كمان."
قالت زهرة ورددت خلفها كاميليا بمزاح:
"لأ وكمان قاعدالك ياختي بالبيجامة والنص كوم في بيت خطيبها، فين الحياء ولا التربية، إيه قلة الأدب دي؟"
"لأ ما إحنا خلاص قلعنا برقع الحياء ولغينا التربية، فاضل بس نبقى قلالاة الأدب."
ردت نوال وهي تنهض عن الطعام بضحك مستجيبة لمزاحهم قبل أن تعانقهم الاثنتان باشتياق، ترحب بهن ويرحبن بها.
"بس غريبة يعني ما اتصلتيش بيا ولا قولتي إنك جاية."
سألتها زهرة فجاوبتها نوال:
"لأ ماهي الزيارة النهاردة كانت بسبب مفاجأة ليكِ ياقمر."
"مفاجأة ليا أنا؟"
سألت زهرة بدهشة فرددت شقيقتها صفية:
"يالهوي ياأبلة دا اللي حصل النهاردة في الحارة ولا أفلام السيما؟"
سألت كاميليا من ناحيتها هي الأخرى:
"إيه اللي حصل؟"
"حصلش ولا محصلش، اتنيلي انتِ وهي اطفحوا اتعشوا الأول وبعدين احكوا براحتكم."
"صدقتي ياستي، والنعمة دا أنا هاموت من الجوع."
قالت زهرة وهي تجلس بجانبهم تتناول الطعام، وهتفت كاميليا وهي ترمي على رقية تحضنها:
"ستي حبيبتي، وحشتيني ياقلبي."
"وحشك عفريت، توك ما افتكرتي يابت الجز...، أقطعلك شعرك اللي انتِ فرحانة بيه ده ها؟"
قالت رقية وهي تلكزها بقبضتها والأخرى مقهقهة تتقابل تعنيفها المحبب.
***
... وإلى جاسر الذي دلف مع صديقه طارق لداخل الملهى الليلي، يتلقى الترحيب من رواده والعاملين به بحرارة بعد فترة انقطاع كبيرة.
"عملت ثورة انت النهاردة في المكان ياكبير بمجيتك."
قال طارق وهو يجلس على طاولة خصصت لهم. جلس أمامه جاسر قائلًا باتزان:
"طبعًا يابني هو أنا أي حد؟"
"لأ ياعم مش أي حد دا انت جاسر باشا، بقولك إيه بقى إحنا عايزين السهرة النهاردة تبقى صباحي، نسوان ومشروب و..."
"حيلك حيلك بس اوقف عندك على كدة."
أردف جاسر مقاطعًا صديقه، وأكمل:
"من أولها كدة، أنا آخري مشروب معاك وبس، لاعندي دماغ لنسوان ولا الكلام الفاضي، لو انت عايز أسيبلك أنا الطرابيزة؟"
هتف طارق على مضض:
"خلاص ياعم بلاها، هو انت بتيجي كل يوم يعني؟"
قال جاسر بابتسامة مشاكسة:
"طب افرد وشك طارق، عشان بس ما أحسش إنّي تقيل عليك ولا حاجة."
رد طارق بابتسامة صفراء، قابلها جاسر بضحكة مجلجلة أثارت دهشة الآخر فقال مداعبًا:
"هل هلالك، الضحكة دي بقالي سنين ماسمعتهاش منك ياعم ياجاسر، إيه جرا في الدنيا؟"
لم يجبه جاسر فتابع بجدية:
"طب معلش بجد بقى ماتزعلش مني، هو انت فعلًا قاطعت النسوان وزهدت فيهم؟"
"مين قال كدة؟"
سأله جاسر باقتضاب، وأجاب الآخر:
"أنت، بتصرفاتك وفِعلك، مراتك وكأنها عدوتك، إني أشوفك في علاقات عابرة أو حب حقيقي، مافيش خالص، يبقى إيه بقى؟"
"حب حقيقي!"
سأله جاسر بتفكير وهو يتلاعب بأطراف أصابعه على شعر ذقنه النابت حديثًا. رد طارق بتأكيد:
"آه حب حقيقي ياسيدي، مدام مش عايش الحب مع مراتك اللي بالأسم دي؟ يبقى تدور انت بنفسك على اللي تسعدك."
سأله جاسر:
"طب أنت جربت الحب الحقيقي؟"
أجابه طارق وهو يهز برأسه:
"مش عارف والله ياصاحبي، أنا بنجذب لستات كتير أوي، اللي من لون عينها، اللي من شعرها، واللي من..."
توقف عن الكلام يصف معبرًا بكفيه، فنهره جاسر بقرف:
"دا ما اسمهوش حب، دا اسمه حاجة تانية."
"ياعم عارف بس بهزر معاك."
رد طارق وتابع بجدية:
"واصلي والله اللي تقصده وحاسه أوي كمان، خصوصًا اليومين دول."
سأله جاسر باستفسار:
"آه، ليه بقى خصوصًا اليومين دول؟"
صمت قليلًا طارق محدقًا به، ثم أجابه بتردد:
"بصراحة بقى أنا منجذب ومشدود أوي لكاميليا، معرفش..."
قطع جملته متأثرًا بنظرة محذرة من جاسر الذي رفع له سبابته بتهديد:
"إياك يا طارق، أنا بحذرك عشان ما أقلبش عليك."
"ياعم يكفينا شر قلبتك، أنا مقصدش حاجة وحشة والله، أنا بس بقول مشدود ليها، لكن مش بغرض وحش."
أكمل طارق بتبريره وجاسر يحذره بتهديد، حتى انتبه على مدخل الملهى خلف طارق وتساءل:
"دي إيه اللي جابها دي؟"
"هي مين؟"
سأل طارق قبل أن يستدير بجذعه، فعاد إليه هامسًا:
"يانهار أبيض دي مراتك!"
***
... "أيوه ياخالي، ربنا يخليك يارب وما يحرمني منك."
قالت زهرة وهي تحادث خالها في الهاتف، بعد أن علمت من نوال الخطة التي رسمها ونفذتها هي بحرفية بالاتفاق مع شقيقها، ظابط المباحث، في القبض على فهمي واعوانه.
وصلها صوته المحبب:
"بس يابت، بطلي شغل الشحاتين ده؟ هو أنا عملت إيه يعني؟ بس لو حابة تعملي الواجب اشكري الأستاذة نوال عندك."
"الأستاذة نوال آه، دي بترسم يابابا عشان تثبت رجلها عندك."
قالت زهرة بمشاكسة في نوال الجالسة أمامها على الكنبة الخشبية تبتسم بسعادة وبجوارها كاميليا ورقية وصفية يتابعن باهتمام. وصلها رد خالد عبر مكبر الهاتف:
"هي لسة هاتثبت، ماهي ثبتت ياختي وانختت من زمان، هو أنا لسة هاقولك يابن اختي، اديهاني اديهاني."
انطلقت الضحكات من الجميع ونهضت نوال تلوح لها بيدها كي تتناول الهاتف. هتفت زهرة بغضب مصطنع:
"اخص عليك بعت بنت اختك وحبك القديم، اخص."
جذبت الهاتف نوال مرددة لها:
"انت بنفسك قولتي حبه القديم، يبقى الجديد هو اللي يكسب. أيوه يا خالد أخبارك إيه؟"
سألته بنعومة وهي تغلق المكبر مخرجة لسانها لهم قبل أن تتابع وتتحرك تاركة:
"الصوت هنا مش كويس باينه من الشبكة، ثواني هاكلمك من أوضة ستي، دقيقة واحدة."
هتفت كاميليا من خلفها:
"كمان هاتكلميه من الأوضة؟ دي احتلت البيت بقى."
"عقبالك انتِ كمان لما تحتلي بيت جوزك."
خاطبتها رقية بمداعبة استجابت لها كاميليا بابتسامة، فقال زهرة بحالمية:
"بحب قوي قصة حبهم الغريبة دي، رغم التعب والصبر اللي فيها، لكنهم ما زالوا متمسكين ببعض وماحدش فيهم خان العهد."
تابعت خلفها كاميليا:
"سبحان الله عندك حق، شوف قعدوا كان سنة بنفس المكتب شغالين مع بعض، وماحدش فيهم عنده الجرأة يعترف، ولما حصل طلعت معاهم مشكلة أبوها اللي عايز لها شقة برا الحارة."
"عنده حق يا كاميليا برضوا، أي حد في الدنيا بيبقى نفسه يربح بنته، وإحنا العمارة هنا زي ما انتِ شايفة، آيلة للسقوط."
"بس انت خالك حلو ويتحب."
قالت كاميليا بشقاوة فلكزتها رقية بقبضتها جعلتها تتأوه ضاحكة:
"آه ياستي خلاص كفاية والنبي، هو انتِ النهاردة مستلماني ولا إيه؟"
"آه ياختي مستلماكي وعايزاكي تقري النهاردة، مدام جيتلي برجلك."
ردت رقية مصطنعة العزم، وهتفت كاميليا:
"يانهار أبيض يا أنا وقعت في الفخ بقى؟ أنا إيه اللي خلاني النهاردة بس، والغي مشوار الفرح."
قالت صفية:
"القعدة الحلوة ياأبلة هي اللي خلتلك تلغي مشوار الفرح، زي أنا كدة ما سأيبة المذاكرة وقاعدة جنبكم."
"آه ياناصحة وخلي القعدة تنفعك في آخر السنة."
قالت زهرة فهتفت رقية:
"بت ياصفية قومي من هنا وروحي ذاكري."
"بس ياستي."
"اخلصي يابت."
نهضت صفية مغادرة الجلسة على مضض بعد إصرار رقية التي خاطبت كاميليا:
"قوليلي بقى ياحلوة واعترفي، إيه اللي مخليكي بترفض في العرسان ومش عايزة تتجوزي."
"إزاي بس ياستي؟ والنعمة عايزة بس النصيب."
"نصيب في عينك، برضوا بتلفي وتدوري ومش تقولي."
"آه" تأوهت صارخة من قبضة أخرى على ذراعها فهتفت باستسلام:
"هاقول والله وهاقول."
قالت وصمتت قليلًا معهم قبل أن تتابع أمام نظراتهم المتفحصة:
"بصراحة بقى أنا مقدرش أسلم واحد قلبي وجسمي غير وأنا متأكدة مية في المية إني بحبه، وإنه هايصوني ومايخونيش مع أي واحدة غيري."
"ودا هاتجيبيه منين بقى؟ هاتِفصليه؟"
قالت رقية بسخرية ضحك على أثرها الفتيات، قبل أن تردف كاميليا:
"خلاص بقى يبقى ماتلوموش البنت لما تتأخر ولا ماتتجوزش خالص، مدام المسألة صعبة قوي كدة."
"يخرب بيتك."
تفوهت بها رقية بعد أن ألجمتها كاميليا بردها.
***
"جاسر، يا جاسر، استنى ياعم."
هتف طارق من خلفه وهو يلاحق خطواته السريعة في البحث عن سيارته في موضع السيارات. توقف الآخر يرد بغضب:
"بتنده ليه؟ مش خلاص السهرة انفضت وأنا قولتلك ماشي؟"
اقترب طارق يرد عليه بلهث:
"يابني مش عايزك تفهمني غلط، والله ما أعرف إنها بتيجي هنا، أنا أصلًا بقالي فترة مابجيش هنا."
تنهد جاسر يردف له:
"خلاص يا طارق، اللي حصل حصل، مافيش داعي للاعتذار وأنا مسامحك خلصنا."
أومأ طارق ببعض الارتياح، ثم ما لبث أن يتحدث بجدية:
"بس الصراحة، انت كسفتها يا طارق، كونك تخرج من المحل بمجرد ما هي دخلت، أي حد هايفهمها دوغري."
"خلي اللي يفهم يفهم بقى وياريت هي تحس على دمها لحد كدة."
قال جاسر بعدم اكتراث. حدق به طارق قليلًا يتمتم:
"دا انت بقيت بتكرها فعلًا يا جاسر."
"أكرها ولا أحبها حتى، خلاص بقى خليني أروح."
قال وهو يلوح بكفه ذاهبًا من أمام صديقه، حتى إذا وصل إلى سيارته وجلس فيها، أخرج هاتفه على الفور يطلب رقمها بدون تفكير.
"الو..."
"أيوه يازهرة."
وصله صوتها المتردد بقلق:
"الو.. أيوه يافندم، هو في حاجة حصلت؟"
أربكه سؤالها له على الفور، فقال متحججًا:
"لأ، أنا بس كنت بطمن عليكِ بعد ما وصلتي."
شعر بغباء قوله من صمتها، فغير بفكرة أتته على الفور:
"زهرة هو انت معاكي حساب على الفيس بوك؟"
قطبت تجيب عن سؤاله الغريب:
"لأ طبعًا، أنا معنديش حساب في أي حتة، انت بتسأل ليه؟"
ردد بمكر:
"لأ يعني، أصل في واحدة دخلتلي على الخاص بنفس الأسم، افتكرتها انتِ."
هتفت غاضبة بتشنج:
"لأ طبعًا حضرتك، مش أنا اللي أعمل كدة ولا أنا بالأخلاق اللي تسمحلي أعمل حاجة قليلة الأدب زي دي."
صمتت بعد أن وصل إلى أسماعها أصوات غريبة مكتومة، فتابعت تسأله بقلق:
"حضرتك هو في إيه عندك؟ وانت مابتتكلمش ليه؟ هو انت حصلتلك حاجة؟"
بسؤالها الأخير أبعد السماعة ولم يستطع الإكمال، حتى لا يصل إليه صوت ضحكه الذي لم يقدر على كبحه ولا توقفه.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
على الكرسي الجلدي الذي كانت جالسة عليه، تهزهز بأقدامها بعصبية، تنفخ دخان سيجارها الذي يخرج وكأنه حريق نابع من داخلها، تهذي بالكلمات الساخطة بعدم تصديق:
- أنا يامرفت، أنا مرفت يعمل فيا كدة ويخلي شكلي زبالة قدام صحابي، بقى مريهاااان يتعمل فيها كدة يامرفت؟
لوت ثغرها الأخرى وهي تجيبها:
- بصراحة أنا مش عارفة أقولك إيه؟ الموقف اللي حكيتيه يثبت فعلًا إنه موقف زبالة، بس أنا اللي مستغرباه هو بيعمل معاكي كدة ليه؟ هو مش عارف إن انتوا مشهورين وموقف زي دي الناس ماهتصدق تحكي فيه، دا غير إنه كدة بيحرجك فعلًا قدام صحابك.
ردت ميري من تحت أسنانها:
- إلا يحرجني! دا الأوباش أخدوها فرصة عشان يتريقوا ويهزروا بسخافة عليا أناااا، الحيوانات.
- أديكي قولتي بنفسك، أوباش وحيوانات كمان، إيه بقى اللي مخليكي مستمرة معاهم؟ ماتسبيهوم وافضي لجوزك دا اللي هايروح منك وكفاية بقى.
قالت مرفت بغضب، قابلته الأخرى بضحكة ساخرة تردد:
- أفضى لمين ياقلبي؟ هههه ياحبيبتي جاسر الريان دا لو حتى عملتلوا أمينة وبقى هو سي السيد، برضوا مش هايحن، أنا عارفاه هو بيعمل كدة قصد عشان أطلب الطلاق.
تساءلت الأخرى وهي تمط شفتيها بدهشة:
- معقوول؟! هي لدرجادي الأمور اتعقدت مابينكم؟
- وأكتر كمان من الدرجادي ياروحي.
أردفت ميري وهي تشعل سيجارة أخرى وتابعت:
- جاسر قلبه أسود، من يوم الحادثة وهو مش راضي ينسالي اللي حصل.
- لما سبيته يتعالج في أوروبا لوحده؟
قالت مرفت بتخمين، ردت ميري بتشدق:
- وافرض يعني سيبته؟ ماهو كان معاه والدته، بصراحة أنا كمان متحملتش عصبيته وجو الخنقة بتاع المستشفيات والقرف، وانتِ عارفاني يامرفت بحب الحرية والأنطلاق، ماليش بقى في الجو البلدي ده.
زفرت مرفت بملامح ممتعضة قبل أن ترد عليها:
- اهو الجو البلدي دا ياناصحة هو اللي خلاه قلب عليكي لما موفقتيش جمبه في شدته، بس أنا مازلت فاكرة يا ميري، انتِ مش بس رجعتي مصر وسبتيه، لا دي انتِ كنتِ عايزة تطلقي كمان.
ردت ميريهان بتوتر:
- مما هو بصراحة أنا خوفت قوي لما الدكاترة خمنوا عدم وقوفه على رجله من تاني، دا غير كمان لما قالوا إن احتمال مايخلفش.
خرجت الأخيرة بخزي وصوت خفيض، أومأت مرفت برأسها وقد وصلها المعنى:
- اااه يبقى عشان كدة بقى، ياخسارة ياميري، كان لازم تصبري شوية وتفهمي من الأول؛ إن واحد زي جاسر الريان ده لا يمكن هايتقبل الهزيمة ولا الضعف، جاسر عنده إرادة حديدية مكنته إنه يتخطى ويرجع أحسن من الأول كمان.
زفرت ميري تشيح بوجهها عنها لعدم تحملها الحقيقة قبل أن تردف:
- اهو اللي حصل بقى، طلبت الطلاق ووالدي مرديش وبعدها صاحبنا دا رجع على رجله، حاولت كتير أتقرب وهو رفض، صبرت عليه وحطيت في بُقي جزمة قديمة لما خاني مع أشكال زبالة وأنا مكانش بيقربلي وبرضوا لا حن ولا قدر حتى، بس المدة طالت قوي، وهو بيزيد في غباءه وعِنده معايا، وأنا هاموت والمسه وهو حرمني من قربه، بس زهقت بقى وقرفت.
- ميري، بصيلي هنا وحطي في عينك في عيني.
أردفت مرفت وهي تمسك بأطراف أعصابها على ذقن ميري لتنظر إليها جيدًا وتابعت:
- انتِ عارفة كويس إنه كان بيخونك عشان يردلك القلم ويثبت لنفسه إنه تمام، وانتِ اللي جبتيه لنفسك يبقى تصبري كمان وتحاولي تغيري من نفسك.
نزعت يدها عن ذقنها بعنف هاتفة:
- تاني انتِ كمان أغير من نفسي، أبوس على ايده مثلًا عشان يرضى عني؟ دا قافل في وشي بالضبة والمفتاح، عالعموم أنا بلغت والده عشان يشوفلي صرفة معاه، ماهو الإهانة دي لا يمكن أعديها على خير.
برقت لها مرفت بعدم تصديق:
- يانهار أبيض، انتِ اشتكيتي لوالده ياميري وهو في المستشفى بيتعالج برا؟
أردفت الأخرى بعدم اكتراث:
- امال يعني عايزاني اسكت على كرامتي اللي اتهانت؟ مش كفاية والدي اللي مرديش يسمعني أصلًا بحجة إنه مشغول بأمور الوزارة والكلام الفارغ ده!
........................................
- بتقول إيه؟
هتف بها جاسر وهو يترجل من سيارته إلى محدثه في الهاتف وأردف:
- هي البت دي معندهاش دم ولا إحساس، بتتصل بيك وانت راجل تعبان بتتعالج في آخر الدنيا على حاجة تافهة زي دي؟
وصل إليه صوت أبيه بضعف:
- يابني مهياش حاجة تافهة، ثم كمان هي ماقلتس لحد غريب، امال يعني عايزها تشتكي لوالدها بقى عشان يكبر الموضوع وتبقى حكاية.
صاح بغضب وهو يدلف لداخل منزله الكبير:
- ولا يقدر يعمل حاجة، يتشطر الأول على بنته اللي داخلة ملهى ليلي الساعة ١٢ بعد نص الليل، هو ليه عين يكلمني أساسًا!
وصل إليه صوت والدته التي تناولت الهاتف من زوجها وتدخلت بحديثهم:
- يابني ياحبيبي بلاش عصبيتك دي، أنا ميت مرة أقولك اتفاهم معاها، انت بس اديها ريق حلو دي ماهتصدق، أنا بنت اختي بتحبك وهاتموت عليك.
أردف بضحكة متقطعة ساخرة:
- تاني برضوا ياماما بتحاولي معايا، بعد ماورطتيني فيها بحجة إنها بنت الغالية حبيبة قلبك، اللي ماتت في عز شبابها واتحرمتي منها، أقنعتيني إنها يتيمة ومحتاجة اللي يطبب عليها عشان تتعدل، وهي ضلع معوج بكتير الدلع وحب النفس والأنانية، أنا معدتش جاسر بتاع زمان ياست الكل ولا انت نسيتي؟
- يابني ياحبيبي....
- معلش والنبي الله يخليكِ ياأمي، اقفلي دلوقتي وبكرة الصبح هاتصل أنا وأطمن عليكم.
- ياجاسر.......
كان قد وصل إلى غرفته وهو ينهي المكالمة بعد مقاطعة والدته، رمى الهاتف وسلسلة المفاتيح على المقعد الوحيد الذي وجده أمامه قبل أن يسقط بظهره على التخت، يتنفس بثقل، وكل عضلة بجسده تأن من التعب، بالإضافة تزاحم الأفكار السيئة بعقله بعد أن عادت إليه مشاهد الحادث القديمة، ومراحل العذاب في العلاج الشاق بعد ذلك حتى يستطيع الوقوف على أقدامه مرة أخرى، وقد ظن عدم النجاة وانهيار عالمه، أغمض عينيه يستعيد وجهها الجميل بمخيلته ويتذكر مشاكسته لها منذ قليل وردودها العفوية التي تُسعده دائمًا، تنهد من العمق وهو يفتح أجفانه على رؤية الغرفة الكبيرة الخالية من الحياة، لأول مرة منذ فترة طويلة يكره شعور الوحدة فيها، بعد أن كييف نفسه عليها بل وكان يجد الراحة بها، لكن كان هذا قبل أن يراها!
...............................................
بعد أسبوع.
دلف إلى الشركة التي جعلها المقر الرئيسي لقيادة المجموعة، يقضي معظم يومه بها، يدير كل شئ من داخلها، عكس ما كان ينتوي سابقًا، قبل أن يراها وتتغير معه كل خططه، خطواته السريعة توقفت فور أن دلف للغرفة الواسعة، حينما رأى ابتسامتها التي تسلب لب قلبه؛ وهي تتحدث في الهاتف غافلة عنه، بطء بخطواته حتى أصبح قريبًا منها ويستمع إلى محادثتها:
- حبيبي والله زي مابقولك كدة، رقية حكمت عليها تبات معانا ليلتين وصاحبتك ماصدقت، دي روحت بالعافية والنعمة بعد ما والدها اتصل وبهدل الدنيا معاها، واقعة أوي بصراحة يعني؟
صمتت قليلًا تستمع لرده عبر الأثير فانطلقت ضحكة بصوتها كادت أن توقف قلبه من خلفها، ورأسها تميل للخلف حتى اصطدمت عيناها به فانتفضت تنهض مجفلة أمامه حتى أغلقت المكالمة دون أن تدري:
- جاسر بيه، اسفة والله مكنتش واخدة بالي.
رغم الإحباط الذي انتابه بتوقف ضحكاتها، لكنه تمكن من رسم الجمود كالعادة في حديثه:
- مش تخلي بالك يا آنسة من ضحكتك وانتِ في مكان شغلك.
أومأت برأسها وردت وهي مطرقة رأسها:
- عندك حق، مش هاتكرر تاني يافندم.
صمت قليلًا وانتظرته هي أن ينصرف ولكنه فاجأها بسؤاله الفضولي:
- كنتِ بتكلمي مين؟
رفعت عيناها إليه باندهاش وردد هو:
- بسألك، مين دا اللي كنتِ بتناديه ياحبيبي؟
عضت على وجنتها من الداخل تكبح غضبها، فقالت متصنعة الابتسام:
- دا يبقى خالي يا جاسر بيه، أنا كل كلامي كدة معاه.
- خالك خالد.
أردف بها قبل أن يتحرك قليلًا ثم استدار قائلًا:
- أنا بسألك بس عشان مصلحتك، مهما كانت معزة خالك عندي، الكلمة دي مايصحش تتقاله عشان بس ماحدش يسمعك ويفهمك غلط بعد كدة.
أومأت برأسها بعدم اقتناع، أملًا في ذهابه الذي حدث بعد ذلك ولكنها أوقفته قبل أن يدلف لغرفته هاتفة:
- على فكرة يا جاسر باشا، أنا خلصت كل الملفات المتكومة، يعني النهاردة بقى يحقلي آخد فرصتي زي بقية الموظفين في البريك بتاعي.
التفت برأسه لها بنظرة حانقة قبل أن يدلف لمكتبه صافقًا الباب بقوة أمامها.
....................................
بداخل دكانه الذي كان يعمل به بجهد وقد توفرت معه المواد الخام كي ينهي الأعمال القديمة والتي توقفت منذ زمن، بيده إحدى الوسادات التي يعمل عليها بتركيز، وبجواره من الناحية الأخرى العامل الصغير، المدعو عامري. يعمل هو الآخر بقطعة أخرى، ارتفعت رأس الاثنين فجأة على صيحة جهورية أجفلتهم:
- صباح الخير عليك يا عم محروس.
- فهمي! هو انت خرجت إمتى من السجن؟
تمتم بها محروس بعد أن انتفض وسقطت الوسادة منه على الأرض وهو يرى الظل الطويل أمامه بمدخل الدكان، يخطو ببطء وخطوات متمهلة، بوجهه الإجرامي وملابسه المتسخة بفعل السجن، قال مخاطبًا الفتى:
- قوم ياعسل روح هاتلي حاجة ساقعة من البقال اللي في الشارع اللي ورانا.
تسمر عامري بجلسته بعد تركه ما كان يعمل به أيضًا فانتقلت عيناه باستفسار إلى معلمه الذي هدر عليه فهمي:
- في إيه يا جدع؟ ماتقول للواد يتحرك يجيبلي حلاوة خروجي من السجن ولا انت مش فرحان بخروجي من السجن يامحروس؟
استدرك نفسه محروس يستوعب الصدمة فهتف على صبيه:
- روح ياعامري نفذ اللي قالك عليه عمك فهمي، قوم يابني اتحرك بسرعة، حمد الله عالسلامة، كفارة يا فهمي.
أومأ له الفتى وهو ينهض على مضض كي يخرج ويتركهم. بعد مغادرته تناول فهمي أحد المقاعد ليجلس عليها بالعكس ليصبح مقابل محروس الذي كان يبتلع ريقه بصعوبة من الخوف.
- عامل إيه يامحروس من غيري؟ بتعرف تصرف نفسك من الكيف؟
سأله بنبرة غريبة، أجابه محروس على تخوف:
- لا ماهو الواد شمة اللي كان شغال معاك، مقصرش معايا بصراحة، كان بيديني اللي بطلبه منه وكله بحسابه.
ردد فهمي بتمهل وهو يتناول سيجارة من جيبه ليشعلها:
- اه صح عندك حق، كله بحسابه، بس ياترى بقى دفعت انت حسابه؟
رد محروس بعدم فهم:
- اه طبعًا، وحتى اسأله، أنا مافيش مرة سحبت منه حاجة إلا وتمنها في إيده الأول.
- والتمن بقى جايبه منين ياغالي؟
صاح فهمي فجأة وهو يباغت محروس بجذبه من قميصه، جعل الخوف يزحف بأوردته:
- الله الله يافهمي، إيه اللي حصل يا جدع؟ وانت بتعمل معايا كدة ليه؟
هدر فهمي وهو يجز على أسنانه بعد أن أوقع السيجارة من فمه، وأصبحت أنفه تنفث دخانًا يلفح بشرة محروس:
- بعمل كدة عشان انت جبان، خيخة، اعتبرتك راجل لما اديتك الفلوس مهر البت عشان تجوزهاني وفي الآخر خدت أنا على قفايا، خطيبة المحروس اتفقت مع أخوها الظابط وعملوا عليا رباطية عشان يدخلوني السجن وماخرجش منه تاني، لكن لا يا حبيبي، العيال هي اللي شالت الليلة عشان أنا صفحتي بيضا والبوليس فتشني وملقاش في هدومي حاجة.
- طططب ماهو دا كويس يافهمي، مدام ربنا نصرك عليهم وخدت براءة، قال محروس بتلجلج من الخوف، جز الآخر على أسنانه أكثر في قوله:
- لا مش كويس ياعنيا، عشان الزفت أخو المحروسة حطني في دماغه وحلف إنه هايسود عيشتي لو قربت من الكونتيسا بنتك، يعني لبست غضب الحكومة بسببك.
دافع محروس يومئ بكفه نحو صدره:
- أنا يافهمي؟! وأنا ذنبي إيه بس في الليلة دي؟
شدد فهمي من قبضته على تلابيب قميص محروس يهزهزه بعنف هادرًا:
- ماهو انت لو راجل وبتعرف تحكم أهل بيتك، مكانش أي حاجة من دي حصلت، اسمع أما أقولك ياض، قدامك فرصة أسبوع بالكتير، ياتردلي الفلوس اللي أخدتها على داير مليم، والكيف اللي كنت بتبلعه على حسابي، ياتجوزني البت وبرضاها تمنع الرباطية دول عني. فاهم ياخيخة.
صمت محروس بصدمة فدفعه فهمي للخلف بقوة حتى اصطدم ظهره بالحائط حتى ألمه بشدة.
- ومن غير سلام.
أردف بكلماته الأخيرة وهو ينهض بعنف عن كرسيه الذي ارتمي على الأرض، تاركًا محروس يلتقط أنفاسه بصعوبة وهو يشتكي من آلام ظهره، مصعوقًا مما حدث وما ينتظره من أيام سوداء بعد تهديد فهمي الصريح له.
..................................
في الموقع الجديد لها وهي جالسة على مكتبها تعمل بكل طاقة ونشاط، سمعت طرق مهذب على باب غرفتها، رفعت عيناها فتفاجأت بمن يطل برأسه إليها مستأذنًا بدماثة ولطف:
- صباح الخير، ممكن أدخل؟
- كارم!! أهلًا بيك اتفضل طبعًا ودا برضوا كلام.
قالت وهي تنهض عن مقعدها لترحب، تقدم هو ليصافحها قبل أن تشير إليه ليجلس أمامها.
- المكتب نور.
قالت بابتسامة ودودة، بادلها ابتسامتها مرددًا:
- المكتب منور بصحابه ياستي، بس إيه الجمال ده، دا انتِ طورتيه وحطيتي فيه من روحك.
ازداد اتساع ابتسامتها وهي ترد:
- الله يخليك يارب، أشكرك على ذوقك.
أومأ لها برأسه قائلًا بإعجاب:
- حقيقي تستاهلي الترقية يا كاميليا، أنا بباركلك من قلبي فعلًا.
- الله يبارك فيك، بس انت كنت مختفي يعني طول الفترة اللي فاتت، دا حتى اجتماع المجموعة محضرتهوش؟
ابتسم بداخله على ملاحظتها لغيابه، وأجاب:
- لا ما أنا كنت برا البلد بظبط الدنيا للباشا الكبير وحرمه، ولما اطمنت على كل حاجة رجعت.
- واوو دا انت بتسد مع جاسر باشا بقى برا وجوا كمان، صدق اللي قال عليك إيده اليمين.
تبسم بانتشاء وقد أطربه تعبيرها وقال:
- الحمد لله أنا ببذل المجهود في الشغل من قلبي وحمد لله ربنا بيوفقني والأقي التقدير، متهيألي إنك شبهي.
أومأت بسبابتها نحوه تردد:
- أنا شبهك انت معقول؟
- مين شبه مين؟
أتت فجأة من هذا الذي دلف إليهم دون استئذان، نهض كارم يرحب به مصافحًا:
- طارق بيه أهلًا بيك.
بادله المصافحة بأطراف أصابعه مرددًا:
- أهلًا بيك ياسيدي؟ انت جيت من أمتى؟
أجاب كارم وهو يعاود الجلوس:
- أنا وصلت من السفر امبارح، عديت على مكتبك، قالولي إنك تحت مع العمال، قولت أجي أبارك للزميلة كاميليا على المنصب الجديد، بس الحمد لله إني شوفتك عشان يدوبك بقى أمشي.
- أومأ له برأسه ليخرج؛ مشمئزًا من أدبه الزيادة كما يصنفه دائمًا، ولكنه تفاجأ بردها هي من خلفه:
- طب استنى أشرب شاي حتى، هو انت لحقت تقعد.
- ربنا يحفظك يارب، ملحوقة إن شاء الله الجيات كتير، سلام يا طارق باشا.
أردف بكلماته قبل أن يغادر، فنهض طارق خلفه يغمغم بحنق وصوت خفيض:
- يقولها شبهي والجيات كتير وهي تعزم عليه بالشاي، اللي ما عملتها في مرة حتى معايا.
- انت بتقول حاجة يا طارق بيه؟
- لا ياستي مفيش، عن إذنك.
رد على سؤالها وهو يخرج بأناقة رغم غضبه:
...................................
في وقت لاحق من اليوم.
حينما أتى وقت استراحة الموظفين، خرجت سريعًا وكأنها طفلة وهذا موعد خروجها، فاخيرًا سمح لها هذا المتجبر لتأخذ فرصتها كالاخرين، كانت تهرول بخطواتها وكأنها تخشى منه إيقافها، لا تعلم أنها مراقبة من شاشته كالعادة، دوى هاتفها باتصال دولي فبطئت من خطواتها لتجيبه:
- الوو...... أيوه يا خالي بتتصل ليه تاني؟
- هو أنا لحقت أتكلم معاكي أصلًا يابت ال..... نسيتي إنك ناهيتي وقفلتي في وشي من غير استئذان.
خبأت بكفها ضحكتها قبل أن ترد على سبابه:
- مافيش فايدة فيك، مهما وصلت ولا اتعلمت ولا حتى سافرت، برضوا واخد طبع رقية في الشتيمة.
- أيوه ياختي أنا واخد طبع أمي في الشتيمة خليكي انت المؤدبة فينا.
أردف خالد قبل أن يضحكها مرة أخرى ثم أكمل:
- المهم بقى عشان أنا مش فاضي دلوقتي، بكرة إن شاء الله هايوصلك عالبنك بالمصري كدة يجي خمسة وخمسين ألف جنيه.
- خمسة وخمسين.
- أيوه يابنتي، هاتدفعي منهم لسمسار الغبرة قسط خمس شهور الشقة على الشهور اللي فاتت والخمسة مصاريف ليكِ انتِ وستك.
رددت زهرة على تخوف من المسؤولية:
- ربنا يسهل يا خالي إن شاء الله.
شدد خالد بكلماته:
- خلي بالك من نفسك يازهرة وحرسي من الحرامية ياعين خالك، أنا سالف نصهم، يعني قدامي كام شهر تاني على ما أقدر أبعت غيرهم.
- تمام يا خالي ربنا هو المعين.
- ونعم بالله.
................................
بعد انتهائها من المكالمة مع خالها نزلت بالمصعد سريعًا إلى كافتريا الشركة وهي تطلب غادة كي تصاحبها إلى هناك، وقبل أن تصل إلى هناك، كادت أن تصطدم به خارجًا من إحدى الغرف، رفع كفيه يتراجع ضاحكًا بقهقهة حتى أخجلها فابتسمت له بخجل، ردد بغير تصديق:
- أقسم بالله أنا لو حلفتلك إني كنت بفكر فيكِ، أكيد مش هاتصدقي صح.
تساءلت بابتسامة مستترة تدعي الجدية:
- ليه يعني؟
- عشان غيبتي كتير قوي المرة دي، وأنا كل يوم أدخل الكافتيريا مخصوص عشان أشوفك وانتِ مابتجيش.
قال مباشرةً بدون مواربة أجفلها حتى انعقد لسانها عن الرد واخفضت عيناها كالعادة، هم ليتابع هو ولكن ظهور غادة أوقف كل شئ.
- واقفين مكانكم ليه؟ ماتكملوا طريقكم عالكافتيريا.
قالت غادة وهي تقترب منهم، رد عماد:
- لا وحاجة، أنا بس كنت بحكي لزهرة عن فرح أختي اللي تم امبارح.
- إيه دا؟ انت أختك اتجوزت صح امبارح؟
سألته غادة وارتفعت أنظار زهرة إليه لتتبين صدقه، أجاب هو بكل ثقة:
- حمد لله ربنا تم على خير وسترناها، عشان أفضي بقى لنفسي وأدور أنا كمان على صاحبة النصيب.
قال وعيناه على زهرة التي وصلها تلميحه، فتابع يخاطبهم:
- تعالوا معايا جوا أجيبلكم حاجة تشربوها، وبالمرة أفرجكم عالصور.
وافقت غادة بحماس حتى سحبت معها زهرة المترددة، ليجلسن الثلاثة على طاولة وحدهم، يريهم صور شقيقته والعائلة وأجواء الفرح، وهن يعلقن على ما يرونه بتركيز، غافلين عن أعينٍ تراقبهم من خلف الشاشة بغيظ، حتى فاض به وخرج من الغرفة نهائيًا.
....................................
حينما قارب انتهاء فترة استراحتها، ذهبت زهرة إلى موقعها على الفور، حتى لا تترك له فرصة لمعاقبته بتأخرها، ولكنها اصطدمت به فور عودتها جالسًا على طرف مكتبها، واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله ينظر أمامه في الفراغ، ظنته شاردًا فتمتمت داخلها بقلق:
- استر يارب، ودا إيه اللي مقعده هنا؟ دا البريك حتى مخلصش.
التفت إليها فجأة وكأنه شعر بحضورها، فاعتدل بحسده مخاطبًا إياها بأمر:
- البسي شنطتك عشان انتِ خارجة معايا دلوقتي حالًا، عندنا ميعاد مع عميل مهم.
رددت بعدم استيعاب:
- أخرج فين حضرتك؟ ثم إن جدول مواعيدك النهاردة مافيهوش مواعيد مع عملاء أساسًا.
أردف لها بحزم:
- دا ميعاد ظهر فجأة، فبلاش تجادلي معايا واخلصي ياللا أنا مستنيكي في العربية تحت، تحرك ليذهب ولكنها أوقفته هاتفة:
- بس يافندم أنا مابخرجش معاك في المواعيد اللي زي دي، كارم هو اللي بيقوم بالمهمة.
التفت برأسه إليها ناظرًا من طرف عينيه يجيبها بغموض:
- لا ماهو الوضع اتغير، زي مافي حاجات كتير هاتتغير بعد كدة!
...............................
بعد قليل بداخل المطعم الفاخر، والجديد عليها بديكوراته الغريبة، وألوانه الهادئة، إضاءته الخافتة وموسيقى بالكاد تسمع، وزعت الطاولات فيه بشكل متباعد، يناسب خصوصية زبائنه القلائل والواضح من ملابسهم وما يرتدونه، حجم الغناء الفاحش، عكس ما ترى دائمًا في المطاعم التي تعرفها، أو حتى التي دخلتها مع كاميليا.
بدأ القلق يسري بداخلها وهي ترى نفسها وكأنها من كوكب آخر بينهم، بالإضافة إلى نظراته المسلطة عليها مباشرةً والتي تشعرها بعدم الارتياح، تتملل في جلستها، تتهرب بعينيها بالنظر حولها في أرجاء المكان حيث تذهب كل دقيقة نحو المدخل، مع دخول كل فرد من الرجال وكأنها ستعلم بهوية العميل الذي لا تعرفه.
- إيه مالك متوترة ليه؟
سألها بصوته الأجش، قالت هي بارتباك وهي تنظر حولها بطرف عينيها:
- ولا حاجة يافندم، بس حاسة نفسي غريبة بلبسي عن الناس اللي هنا.
- انتِ مش غريبة يازهرة، بالعكس انتِ أحلى منهم كلهم.
- نعم!
أردفت بها وهي ترفع عيناها إليه ولا تدري إن كانت سمعت جيدًا أم لا، ليجفلها بقوله الآخر:
- تعرفي تفرقي بين الرغبة والحب الحقيقي يازهرة؟
سهمت وهي تنظر إليه وقد ارتسم على ملامح وجهها عدم الفهم مع بوادر الغضب، فتابع:
- أنا مش بسألك بنية وحشة بالعكس أنا عايزك تفهمي اللي عايز أقوله.
- وإيه هو اللي انت عايز تقوله؟
قالت بحدة لم تؤثر فيه، أردف بسؤال:
- قوليلي يازهرة انتِ اتخطبتي قبل كدة؟
- لا.
نفت بقوة فابتسم بزاوية فمه بارتياح وأومأ لها:
- اشربي اللي قدامك يازهرة، أنا طلبتك قهوة باللبن زي مابتحبي، بس هي مختلفة شوية عشان هنا بيعملوها بشكل يجنن، أنا قاصد أجيبك هنا أساسًا عشان كدة.
نظرت إلى الفنجان الذي يقصده فتفاجأت بحجم الرغوة التي تشكلت أمامها وكأنها قلوب، رفعت رأسها ناظرة إليه بقوة تسأله:
- هو انت عايز توصل لإيه بالظبط ساعدتك؟
- أوصلك انتِ.
- إيه؟
خرجت منها بخوف حقيقي وأكمل هو:
- أنا عايز اتجوزك يازهرة، ......يتبع
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أنا عايز اتجوزك يازهرة.
فور سماعها الجملة، ارتد ظهرها للخلف بصدمة تحدق به مبهوتة، مجفلة، نحو الرجل الجالس أمامها بهيبته المعتادة، صامتًا يراقب بتفحص وقع الجملة عليها.
أردف لها:
عارف انك مصدومة، بس انا راجل دوغري وماليش في اللف والدوران، انا عايز أتجوزك بجد.
رددت بشفتيها هامسة بعدم استيعاب:
ازاي يعني؟
أجابها مرددًا ببساطة:
زي اي اتنين بيتجوزا يازهرة ، ماتعرفيش الناس بتتجوز ازاي؟
رفعت عيناها اليه بنظرة غاضبة، قابلها بابتسامة متلاعبة اثارت بداخلها الغيظ.
أردف ملطفًا:
بلاش تفهميني غلط ، انا لو مش بحترمك ماكنتش دخلتلك من سكة الحلال، كنت جربت معاكي أساليب تانية، ما انا برضوا جاسر الريان.
تذكيرها بهويته أعادتها لنفس النقطة لعدم التصديق، أسبلت عيناها عنه وبداخلها تنتظر تفسيرًا.
تابع هو:
أظن ان يعني في الفترة البسيطة اللي انتِ قضيتيها في الشغل معايا ، خدتِ فكرة عني تعرفك بأخلاقي.
رددت بعدم تركيز:
بس انت متجوز.
اعتبريني مش متجوز، ودا حقيقي على فكرة، كل اللي بين وبين ميري مسألة وقت مش أكتر، ثم انت هاتفرق معاكي في إيه؟
قطبت ناظرة إليه بعدم فهم.
أكمل هو:
وافقي يازهرة وانا موافق على كل اللي تطلبيه.
كل اللي اطلبه!
رددت خلفه الجملة وهي تعيد تكرارها داخل رأسها بتشتت، ثم ما لبثت أن تسأله بفطنتها:
عامر بيه عارف بالكلام ده حضرتك؟
لأ مش عارف، وانا مش هاعرفه دلوقتِ وهو بيتعالج بعيد عني، ولا والدتي هاتعرف كمان عشان بنت اختها.
أومأت برأسها وقد صدق تخمينها تردد:
يعني حضرتك عايز تتجوزني في السر؟
بس دا وضع مؤقت يازهرة ، على ما تستقر أموري.
التوى فمها المطبق بابتسامة غريبة لم يفهما، قبل أن تتناول مشربها ترتشف منه صامتة عن الرد اليه بإجابة مفيدة تريحه.
..............................
خرجت غادة من الباب الرئيسي للشركة وهي تغمغم بالكلمات الحانقة، بعد أن علمت من ساعي المكتب بمغادرة زهرة للشركة تقريبًا منذ ساعة.
ماشي يازهرة ، بقيتي تخرجي وتمشي على كيفك دلوقتِ ، بعد ماكنتِ بتخافي ماتعدي الشارع من غيري ، طبعًا ماهي الترقية قوة قلبك، ماشي.
انت بتكلمي نفسك يااَنسة؟
شقهت مرتدة باقدامها للخلف، حينما فاجئها هذه الثقيل بها وظهوره أمامها من العدم.
يخربيتك هو انت متسلط عليا ياجدع انت؟ ناقصاك انا ولا ناقصة خفة دمك دي دلوقتِ.
تفوهت بها اليه ساخطة، فكان رده ضحكة سمجة وهو يردف:
ههه عجبتني خفة دمك دي، اصلها حقيقة على فكرة.
جزت على أسنانها تود لو امتلكت المقدرة لضربه فقالت وهي تتحرك لتتخطاه:
طيب ياخويا ، أسيبك انا بخفة دمك دي واستظرافك، مش فاضيالك.
غمغم من خلفها:
الحق عليا اللي استنيت لميعاد انصرافك عشان اونسك بدل ما تمشي لوحدك بعد صاحبتك ماخرجت مع جاسر بيه وسابتك.
ابتسم بعرض وجهه وهو يرى تأثير كلماته الخبيثة، حينما استدارات اليه بأعين تقدح شررًا تسأله:
انت قصدك ان صاحبتي انا، اللي هي زهرة.... خرجت مع جاسر الريان؟
اجابها رافعًا حاجبه بتسلية:
اَه امال ايه، دي حتى ركبت معاه في عربيته كمان ، وجاسر بيه الله يستره، استغنى عني في مشواره معاهم النهاردة ، باينه كدة عايز يريحني شوية.
اصبح جسدها يهتز من فرط انفعالها وهي تسأله مرددة:
يعني كمان خرجت معاه لوحدها، وهي ازاي قبلت؟
ردد هو بمكر:
لا ياغادة مش لوحدهم ، عبده السواق كان معاهم.
مش فارقة، تغور ماتغورش انا ايه هايهمني اساسًا، ايه اللي ها يهمني؟
بصقت كلماتها والتفت مغادرة بغضبها ونيران صدرها تحرق الأخصر واليابسة، قهقه هو من خلفها على هيئتها مرددًا لنفسه بمرح:
الله يخرب عقلك ياواد ياإمام ، فتنت الاصدكاء في بعضيهم.
..........................
بداخل سيارته وهي جالسة بجواره في الخلف ملتصقة في الباب، مسبلة عيناها ولا تنطق ببنت شفاه، من وقت أن اخبرها بعرضه وعرفت نيته، وهي على هذه الحالة.
كم مرة سألها وهي تجيبه بكلماتٍ مبهمة مقتضبة، أصابت رأسه الحيرة من جمودها وغموض موقفها، يريد استشعار رد فعل واحدة تؤنبه بشئ ولا يجد الطريقة.
ااا كفاية لحد هنا وقف ياا.
قالت زهرة فجأة تخرج عن جمودها.
انتهزها فرصة ليخاطبها:
يستنى ليه؟ هو انت بيتك هنا؟
سألها يقصد أحد الأبنية الكبيرة في الميدان.
أجابته على مضض:
لا حضرتك احنا بيتنا في الحارة اللي ورا الميدان ، وقف هنا يااخ ا.
اوقف ياباشا؟
قال السائق مخاطبًا جاسر الذي تفهم موقفها، وأومأ له بالموافقة.
وفور أن توقفت السيارة قبض على مقبض الباب بجوارها مع ترك مسافة اَمنة بينهم قبل أن تترجل منها، هامسًا:
زهرة ، حاولي تفكري كويس في الكلام اللي قولته، انا مش مستعجل على الرد، خُدي وقتك.
اومأت برأسها دون أن ترفع انظارها اليه حتى تركها تترجل، فخرجت مسرعة دون ان تلتفت ولا حتى تلقي السلام مع مغادرتها.
.........................
تسير مسرعة بخطواتها وقد تنفست اَخيرًا الهواء الطبيعي بعيدًا عن محيط هذا الرجل.
مازالت حتى الاَن لا تصدق ماسمعته منه، اَخر ما كانت تتصوره ان تلقى عرض الزواج من جاسر الريان نفسه، ذلك المتجبر والذي لطالما أخافها بتجهمه وجموده يطلب منها الاَن الزواج وفي السر؟
زهرة ، زهرة.
التفت برأسها نحو مصدر الصوت وجدت أباها أمام مدخل ورشته يشير اليها بيده ليوقفها.
حركت رأسها أليه باستفسار، فأشار بيده لتذهب اليه، اذعنت مغيرة اتجاه عودتها لترى مالذي يريده منها.
بعد قليل وبعد أن استمعت منه وهي جالسة أمامه بجمود متكتفة الذارعين، عاقدة حاجبيها، تنظر اليه بصمت.
ها يازهرة ماسمعتش ردك يعني؟
رددت خلفه:
ردي في إيه بالظبط؟
ردك في اللي بحكي فيه بقالي ساعة ، في المصيبة اللي ورطتوني فيها انتِ وخالك وخطيبته واخوها الظابط، فهمي حالف ليطين عيشيتي بسببكم.
بسببنا!!
تفوهت بها زهرة وهي على وشك الإنفجار ردًا على كلمات والدها، وتابعت تجاهد ببعض التماسك.
يعني انت تشرب وتاخد فلوس من واحد زي فهمي ، عارفه كويس ، وعارف نيته الوس...... ناحية بنتك ، واما خالي يتحرك عشان يدافع عني مع خطيبته المحترمة واخوها اللي بينفذ القانون مع واحد لبس العيال الصغيرين في السجن وخرج هو منها زي الشعرة من العجين عشان يحاسبك على غلطك معاه ، تقوم تحط غلبك فينا احنا!
وقف محروس قبالها مشددًا على كلماته:
ماهو انتِ السبب ، لو كنتِ وافقتي من الأول مكانش دا كله حصل ، الراجل عايز يتاقلك بالدهب بس انتِ ترضي، هاتلاقي فين في حارتك الفقرية دي واحد زيه؟ واحدة غيرك كانت خدتها فرصة وخدت منه اللي هي عايزاه ، بس انتِ فقرية....
قاطعته صارخة:
إييييييه؟ هي بيعة وعايز تكسب فيها ؟ ولا انا متحرم عليا اعيش اللي بتعيشه أي بنت في جوازة طبيعية مع واحد مناسب لها، بتحبه ويحبها ؟ ولا........
توقفت بحلقها الكلمات تبتلع الغصة، لاتدى ان كانت موجهة كلماتها له ام لهذا الذي سبقه منذ قليل، فذهبت من أمامه مغادرة قبل أن تنفجر به مخرجة ماتراكم مافي قلبها نحوه منذ سنوات.
لجت لداخل بنايتها الذي أتت اليه مهرولة، فتوقفت على أول درجات السلم تلهث بتعب من كل ما مر بيومها.
أخرجت هاتفها من حقيبتها الذي كان على وضع الصامت، فتفاجئت بكم الاتصالات الهائلة من غادة.
تجاهلتها واتصلت بمن تستطيع مساعدتها بالفعل.
الو... ايوة ياكاميليا ، تعالي والنبي اللحقيني بسرعة، انا حاسة نفسي في مصيبة.................................
.................................
يابت اهمدي بقى خايلتيني ، يخربينك.
قالت إحسان مخاطبة ابنتها التي تقطع الغرفة أمامها ذهايابًا وإيابًا وهي تتاَكل من الغيظ.
ردت غادة وهي تشير اليها بالهاتف:
تعالي وشوفي بنفسك كام مرة اتصل بيها والست هانم مابترودش، طبعًا ماهي شافت نفسها عليا، بعد ما بقت تركب عربيات مع رجالة غريبة.
هتفت إحسان لتوقفها:
يابت اعقلي بقى وبلاش كلامك ده اللي يودي في داهية، انتِ عايزة تأذيها وتأذي نفسك معاها؟
وأذي نفسي معاها ليه بقى ها؟ كنت ركبت معاهم مثلًا وانا مش دريانة؟
تفوهت بها غادة وهي تمد برقبتها نحو والدتها الجالسة على طرف التخت أمامها.
زفرت إحسان قبل أن تجذبها وتُجلسها عنوة بجوارها لتخاطبها:
طب اقعدي بس واسمعي مني، كلام الجنان ده ماتهلفتيش بيه قدام حد ، عشان مايوصلش للبيه بتاعكم ويكدرك يابت الخايبة، او يطردك من شركته، دا انت ماصدقتِ تلاقيها.
ردت غادة وهي تضرب بكفيها على ركبتيها من الغيظ:
طب اعمل ايه بس يامٌا؟ انا قاعدة محلك سر ، والهانم اللي طول عمري بقول عليها خايبة، شكلها كدة اتعلمت تلعب من ورا ضهري، بعد مااتقدمت عليا، هي والمحروسة كاميليا.
مطت شفتيها إحسان قائلة باستخفاف:
ولا أي حاجة ياعين امك، عشان زهرة دي اللي انتِ خايفة منها ، ابوها مورط نفسه في مصيبة مع فهمي بسببها ، واخد منه فلوس بالهبل مهرها والبت رافضة، وفهمي حالف لخالك ياينفذ ويتجوزها ، يايجيبلوا الفلوس على داير مليم خلال اسبوع ، وانت طبعًا عارفة خالك ، ايده والأرض.
يعني خالي لو غُلب في أمره ، هايجوزوا زهرة؟
تسائلت غادة بابتسامة ترتسم على محياها.
ردت إحسان:
أمال تفتكري يعني، خااالك هايقدر يسد ويدفع الفلوس في اسبوع.
نفت تحرك رأسها بارتياح وهي تعتدل بجلستها واضعة قدم فوق الأخرى تردد:
ساعتها بقى اَخد انا مكانها عند جاسر بيه ، ماانا مش هافوت دي عند كاميليا ، مش هي وعدتني انها تتوسطلي بترقية، وساعتها بقى يبتدي الشغل الصح.
.................................
معقووول؟ انتِ بتتكلمي جد؟
سألتها كاميليا فاغرة فاهاها، وهي تهز برأسها وترمش بعيناها بعدم تصديق لما سمعته منها.
ردت زهرة بغضب:
أمال يعني هاكون بهزر انتِ كمان؟ دي مصيبة واتحطت فوق راسي، قال وانا اللي كنت بسأل نفسي على عاميله الغريبة معايا ، اتاري البيه كان حاططني في دماغه وانا مش دريانة.
اومأت لها كاميليا بتفكير:
عندك حق، انا عن نفسي في مرة من المرات شكيت ، بس استبعدت الفكرة من دماغي فورًا ، عشان معرفتي البسيطة بجاسر ، مخلتنيش اتوقع منه أبدًا حاجة زي ، بس انتِ هاتردي تقولي إيه؟
ودي فيها رد ؟ انا مش معتبة الشركة دي تاني نهائي، وخلي الباشا يدورلوا على واحدة غيري بقى.
قالت زهرة بانفعال ردًا على سؤال كاميليا التي اعترضت:
لا طبعاً ماينفعش الكلام اللي انتِ بتقوليه ده ؟ هو محل ملابس، دي وظيفة في شركة محترمة يابنتي ، يعني في أصول قبل ما تتصرفي بأي تصرف.
هتفت زهرة بانهيار:
اصول ايه بس ياكاميليا ؟ دا انا كنت بخاف منه من غير سبب، دلوقتِ بقى عايزاني اشتغل معاه وانا عارفة بنيته ناحيتي، دا ايه المرار ده بس ياربي.
زحفت كاميليا لنتحشر بجوارها تحت الفراش كي تضمها اليها، مربتة على ذراعيها تخاطبها بتهوين:
على فكرة اللي انتِ شايفاه مرار ده ، في غيرك هايموت عليه، جاسر الريان ده مش راجل هين ، كون انه يبصلك دي حاجة كبيرة قوي تديكي ثقة في نفسك، تعرفك انك جميلة ومرغوبة بجد.
ردت زهرة ورأسها مستريحة على كتف كاميليا:
كل ده ملوش قيمة عندي ياكاميليا ، انا عمري ماحلمت بواحد زي جاسر ده يبصلي، طول عمري بحلم بالعش اللي يضمني مع واحد يحبني واحبه، يكون مُتعلم ومتوظف في الحكومة أو شركة كويسة عشان ماتبهدلش في العيشة معاه، وانا اساعده بمرتبي، نعمل فرح الشارع كله يشهد عليه و نربي ولادنا بلقمة حلال، انا نفسي في عيشة عادية زي بقية البنات ياكاميليا ، حرام اعيش عيشة عادية؟
قالت كاميليا بحنان وهي تزيد بضمها:
لا ياحبيبتي مش حرام أبدًا طبعًا ، أكيد ربنا هايديكي اللي بتحلمي بيه واكتر كمان ، بس تبقي قوية وماتخافيش من حد، ولو عايزة ترفضيه ، ارفضيه بقلب قوي كمان، ولو عالوظيفة تغور الوظيفة وان شاء الله ربنا يعوض باللي أحسن منها.
رفعت زهرة رأسها ناظرة إليها لتخاطبها برجاء:
صح ياكاميليا، يعني انا ممكن اقول له لأ ،واسيبلوا شركته واغور من وشه؟
ممكن طبعًا.
طب ازاي؟
هاقولك ، بس قومي تعالي معايا الاول طمني رقية ، دي هاتموت من القلق عليكي.
قالت كاميليا وهي تسحبها لتنهض معها عن التخت، استجابت زهرة لتخرج من الغرفة التي لازمتها من وقت أن عادت الى المنزل، لتذهب الى رقية التي كانت جالسة على دكتها بوسط الصالة، تسبح على مسبحتها بقلق على حفيدتها، وفور أن رأتها تهلل وجهها فهتفت بسخرية متصنعة الغضب:
هل هلالك شهر مبارك ، اَخيرًا ياحلوة اتهز بيكي السرير وقومتي عشان نشوف وشك؟
ردت بابتسامة زهرة قبل أن ترتمي تدخل في أحضان جدتها التي شددت عليها بذراعيها تنهرها بعتب:
برضوا دي عمايل يازهرة ، تسبيني كدة على ناري بقعدتي هنا من غير ماتطمنيني عليكِ وانا هاموت واعرف اللي صابك.
ردت بصوت مكتوم داخل حضن جدتها:
بعد الشر عليكِ ياستي، سمحيني مش هاتكرر تاني.
لا كرريها ياختي عشان ادخل فيكِ السجن المرة الجاية.
قالت رقية بمزاح كعادتها استجابت له زهرة ضاحكة.
وردت كاميليا مضيقة عيناها:
ياشرس انت، ماكنتِ زي القطة من شوية بس.
لوحت لها رقية بقبضة يدها مهدد بحزم مصنع:
بس يابت انتِ، عشان ماحطش غلبي فيكِ دلوقتِ وانا على اَخري أساسًا وايدي بتاكلني.
هتفت كاميليا وهي ترتمي بجوارهم:
ياااولد ياجااامد ، طب انا نفسي اجرب ايدك بجد بقى ياللا يارقية.
لكزتها رقية بخفة قبل أن تجذبها هي الأخرى داخل أحضانها مع زهرة، فخاطبت الاثنتان سائلة:
عايزة اعرف منكم بقى ، ايه السبب اللي خلى زهرة تزعل كدة؟
ضغط شغل ياستي.
خرجت من فاه الاثنتين، قبل ان تلكزهم بقبضتها غير مصدقة:
ضغط شغل برضوا ياولاد الجزمة...... فاكريني عبيطة؟
...........................
في اليوم التالي كانت جالسة على مكتبها تردد في الأدعية والسور الحافظة، واطرافها ترتشعش من الخوف في انتظاره، تشعر بجفاف حلقها كل دقيقة، لترتشف من زجاجة المياه الموجودة على سطح المكتب، ثم تعود لترديد الأدعية مرة أخرى.
أجفلت حينما ولج فجأة اليها داخل الغرفة الواسعة بخطواته السريعة، قبل أن يبطئها وهو يقترب منها.
وقفت هي احترامًا له.
صباح الخير القى التحية وعيناه تتفحص وجهها بدون تحفظ كعادته.
خرج صوتها برد التحية بصعوبة وعيناها لا ترفعها اليه:
صباح الخير يافندم.
عاملة إيه؟
أجفلها بسؤاله فارتفعت عيناها اليه دون إردتها تومئ برأسها:
تمام يافندم والحمد لله، ااا انا كنت عايزة اقولك اي....
تعالي المكتب جوا وقولي اللي انتِ عايزاه ، انا مستنيكِ.
قال كلماته وخطى ذاهبًا نحو مكتبه على الفور، ارتفعت شفتها العليا وهي تنظر في اثره مرددة بدهشة:
هو فاكرني هاقوله إيه ده؟
.................................
بعد قليل وبعد ان قرأت الاَيات المنجيات على باب مكتبه، وفعلت تمارين الشهيق والزفير عدة مرات قبل أن تطرق ويسمح لها بالدخول.
وصلت لتقف أمامه ودون أن تنطق ببنت شفاه وضعت الورقة التي بيدها على سطح المكتب.
إيه دي؟
سألها قاطبًا وهو يرمق الورقة التي أمامه بنظرة سريعة.
ظلت هي على صمتها، مطرقة راسها للأسفل.
تناول الورقة ليقرأها، فارتفع حاجبيه يردد بدهشة:
دا طلب استقالة ، افهم من كدة ان دا ردك على عرضي؟
ابتلعت ريقها وهي تجاهد للسيطرة على ضربات قلبها السريعة لتجيبه بتماسك:
لا طبعاً حضرتك بس دا منعاً للحرج.
مش فاهم يازهرة وضحي أكتر، موافقة على عرضي ولا لأ.
قال بحدة ويده تطرق بالقلم على سطح المكتب.
استجمعت شجاعتها وهي تتذكر توصيات كاميليا لها بالأمس، فنفت برأسها المتشنجة تردد:
لا حضرتك ، وارجو منك تتقبل أستقالتي.
صمت قليلًا وظل صوت قلمه الذي يطرق به على سطح المكتب هو سيد الموقف، وظلت هي على وضعها لاتستطيع أن تواجه عيناه التي تشعر بسهامها المسلطة عليها تكاد أن تُرديها قتيلة.
ثم مالبث أن يرد بهدوء مريب أدهشها:
تمام يازهرة، دا كان عرض مني وانتِ رفضتيه براحتك طبعًا.
رفعت اليه عيناها تسأله:
طب والإستقالة حضرتك هاتمضيلي عليها طبعًا مش كدة؟
حرك رأسه بالرفض قائلًا باقتضاب:
لأ.
لأ ليه حضرتك؟
سألته تريد تفسيرًا.
أجاب بلهجة مسيطرة:
عشان مش انا الراجل اللي يغصب واحدة ست على جوازه منها، ولا انا الرئيس اللي يضيق على موظفته عشان رفضت عرضه، انا قولتلك براحتك يعني مافيش داعي لمخاوفك دي كلها.
تنفست قليلًا وقد أدخلت كلماته بعض الإرتياح بقلبها، فقالت مستغلة طيبته الجديدة عليها:
طب مدام كدة يافندم ، يبقى رجعني تاني لمكتب الأستاذ مرتضى ، احسن برضوا.
اخرجي دلوقتي يازهرة.
نعم!
اردفت بها مندهشة لتجد ملامح وجهه تحولت فجأة وعاد الى تجهمه المعتاد مع انقلاب حاجبيه وهو يهدر عليها:
الموضوع وخلاص اتقفل، يبفى قفلي على كدة انتِ كمان وارجعي شغلك حالاً ، دلوقتِ يازهرة.
مع صيحته الاَخيرة انتفضت ترتد بأقدامها لتخرج مغادرة من أمامه على الفور.
خارج مكتبه تنفست الصعداء اخيرًا واضعة يدها على قلبها الذي هدأت سرعاته قليلًا، زفرت وهي تسقط على كرسي مكتبها، تمسح بكفيها على وجهها حامدة ربها على مرور هذه اللحظة العصيبة وانتهاءها على خير.
وجدت هاتفها يصدح بدوي صدور مكالمة، التقطته سريعًا لتجيبها على الفور:
الو...... ايوة ياكاميليا.
عملتي ايه يازهرة طمنيني؟
زفرت مرة ثانية مع سؤال صديقتها الذي أتى سريعًا قبل أن تجيبها وعيناها على باب مكتبه، بصوت خفيض وحذر:
هو قالي براحتك انك ترفضي أو توافقي وانا مبغصبش واحدة ست على جوازها مني ولاهاضيق عليكِ عشان رفضتيني.
ردت كاميليا:
طب كويس والله راجل محترم.
هتفت زهرة جازة على أسنانها:
أيوة ياختي بس مرديش يمضيلي عالإستقالة او حتى يرجعني عند الأستاذ مرتضى ، يعني مشكلتي معاه مستمرة ، انا بخاف منه بجد ياكاميليا، ونفسي بقي الاقي حل لمشكلتي دي.
ردت كاميليا بحزم من جهتها:
بس يابت اعقلي كدة وخليكِ جامدة ، تخافي منه ليه ان شاء الله هو هاياكلك؟ مدام طمنك من جهته يبقى خلاص بقى ، شوفي شغلك تمام عشان ماتديهوش فرصة يضيق عليكِ زي ماقال ، وعلى فكرة بقى ، جاسر الريان محترم بجد يعني مابيقولش كلام في الهوا، فاطمني بقى.
ردت زهرة وهي تستوعب كلمات صديقتها:
يارب ياكاميليا يطلع كدة زي ماقولتي ، عالعموم انا ححاول اللتزم زي ماقولتِ واما اشوف اَخرتها إيه.
اَخرتها خير ان شاء الله.
طب بقولك إيه؟ ماتنسيش بقى ميعادنا، عايزة اللحق البنك قبل مايقفل.
قالت زهرة وردت كاميليا بسؤال:
تمام انا معاكِ ، بس انتِ ميعاد انصرافك على تلاتة العصر ، جاسر الريان هايسمحلك بقى بالانصراف بدري.
خبطت زهرة بكفها على جبهتها بإحباط مرددة:
مش عارفة.
.................................
مر اليوم بعملها بروتيتية عادية دون تغير تشعر به، سوى تجاهله لها كلما دلفت اليه بمستند او ملف ضروري، يومئ لها بيده على سطح المكتب لتضعه أمامه، دون أن يرفع رأسه اليها.
ومن جهتها كانت تعمل بجدية وتركيز حتى لا تعطيه فرصة للتضيق عليها كما ذكرت كاميليا، ولكن ارتباطها مع كاميليا للحاق بميعاد البنك قبل ان يغلق ، جعلها على صفيحٍ ساخن من القلق ، حتى أجمعت أمرها للدلولف اليه بشجاعة وطلب الإنصراف مبكرًا عن موعدها.
...........................
نعم يا اَنسة وعايزة تخرجي بدري ليه ان شاء الله؟
كان رده بسؤاله السريع على طلبها، أجفلت من عودة فضوله الغريب نحوها، وحاولت الرد بزوق وعدم الخطأ:
عادي يافندم ، عايزة اخرج بدري في أمر ضروري يخصني.
ترك مابيده واعتدل بظهره للخلف بالمقعد يسألها بسماجة وتصميم:
وانا بقى يازهرة ماينفعش اسمحلك بالانصراف، غير لما اعرف السبب واشوفه يستاهل ولا لأ.
من فضلك ياجاسر بيه ، انت قولت بنفسك انك مش هاتضيق عليا ، وانا دلوقتِ بترجاك في أمر ضروري.
أجفلته بجرأتها على تذكيره بوعده اليوم لها.
ضيق عيناه واصبح يصك على فكه غيظًا منها ومن رأسها العنيدة.
ثم رد على مضض وهو يزفر من أنفه دخانًا:
ماشي يازهرة هاسمحلك بالانصراف ، عشان مابقاش المدير الظالم اللي بيضيق على الموظفة اللي عنده.
انتشت داخلها وهي تحاول جاهدة كبت ابتسامة النصر، فتحركت لتخرج مستنئذنة بلطف:
الف شكر ليك يافندم ، عن اذنك بقى.
أوقفها هادرًا فور أن التفت تنوي الخروج من مكتبه:
بس بقى مافيش بريك النهاردة يازهرة.
استدرات بكليتها اليه وعلى وجهها ابتسامة جميلة، أنسته موقفها العنيد ورفضها له اليوم بل أنسته نفسه، وهي تقول بأدب:
تحت أمرك يافندم.
وخرجت من أمامه متهادية بخطواتها رغم شعورها بعدائيته نحوها وصوت أنفاسه الهادرة خلفها تكاد أن تصل لأذنها.
................................
فور خروجها تفاجأت بغادة الواقفة أمامها بجوار المكتب.
غادة انتِ هنا من إمتى؟
سألتها زهرة وهي تتوجه ناحية الجلوس خلف مكتبها.
ردت غادة وهي متكتفة الذراعين:
انا هنا من زمان ياحبيبتي ، انتِ اللي اتأخرتي جوا ، كل ده بتشتغلوا؟
أجابتها زهرة بحسن نية وعدم تركيز:
أمال يعني هاكون بلعب انتِ كمان؟ المهم بقى انت ليه جيتي الشغل بدري النهاردة ومااستنتنيش اَجي معاكي زي كل يوم؟
عادي يعني ، ماانت كمان بقيتي تروحي عالبيت من غير ماتقوليلي.
قالت غادة بتلميح عن الأمس فهمته زهرة فردت تجيبها:
يابنتي امبارح كنت في ميعاد شغل مع جاسر بيه ، معلش ملحقتش اقولك وحتى من تعبي بعد ماجيت، نمت زي القتيلة ومارديتش على اي حد في التليفون.
اممم.
مصدرت منها مبهمة ثم تابعت وهي تلعب بخصلة من شعرها:
طب وعلى كدة بقى انت هاتروحي معايا النهاردة ولا برضوا معاكي مشوار مع الباشا؟
أسبلت عيناها زهرة وقد انتبهت اَخيرًا على تلميحاتها، فقالت مصححة ومشددة على كل حرف:
ماسـموش ميعاد مغ الباشا، اسمه ميعاد شغل ، الراجل اللي جوا ده يبقى مديري وانا السكرتيرة بتاعته، مش رفيقته ولا صاحبته ، وردًا على سؤالك ، لا ياستي مش ماشية معاكي النهاردة ، عشان عندي مشوار مهم مع كاميليا ، هاتاخدني بعربيتها توديني البنك عشان اوفر عليكِ السؤال كمان.
قالت غادة بعكس مايدور بنفسها:
يعم وانا مالي ، تاخدك بعربيتها ولا تجيبك حتى ، انتِ فاكراني هابصلكم كمان ولا إيه؟
همت لترد زهرة ولكن دوى صوت هاتف المكتب الداخلي، فتناولته لترد، فتفاجأت بصياحه:
فين ملف مناقصة الحديد يازهرة ، انا مش منبه عليكِ تجيبيه.
يافندم ماهو عندك مع بقية الملفات اللي دخلت بيها من شوية.
صرخ هادرًا حتى كاد أن يصم أذنها:
هو انا لو شوفته ولا لقيته ، كنت هاتصل بيكِ وازعجك ياست زهرة، اخلصي يالا اتصرفي واجيببه.
طيب ثواني هادخل واشوفوا.
قالت بتلعثم ثم تحركت سريعًا نحو مكتبه، تاركة غادة التي تتلاعب بشعرها بعدم اكتراث.
دلفت اليه تشير بيدها أمامه نحو سطح المكتب:
انا جيبته مع مجموعة الملفات اللي دخلت بيها من نص ساعة ، ممكن تكون اللي قدامك دي.
اتفضلي طلعيه انتِ بنفسك ، انا مش مدور على حاجة.
هتف غاضبًا وهو يضرب بقبضته على سطح المكتب أمامها، تحركت باَلية نحو خلف المكتب بجواره، تبحث عن الملف بتركيز وسط المجموعة المذكورة وبعض الملفات المتناثرة بفوضوية امامه.
ورغم المسافة الاَمنة بينهم إلا انه ارتبك فجأة مع حضورها بجواره، أسكرته رائحتها المسكية، والتي لا يعرف ان كانت هذا عطرًا ام أنه شئ اَخر لا يعلمه.
توقف عقله عن العمل وتوقف الزمان والمكان وهو يشعر بحضورها قد ملأ المحيط من حوله.
استقامت فجأة ملوحة له بالملف:
أهو يافندم ، الملف اللي انت طالبه.
اشار بيده اليها لتضعه أمامه، فاقدًا القدرة عن الكلام أو تصنع الجديدة، أذعنت تنفذ أمره باستغراب وتخرج بناءًا على إشارة سبابته لها للخروج.
بعد مغادرتها ظل لبعض اللحظات يجاهد لاستعادة ذهنه جيدًا وهو يفرك بكفه على صفحة وجهه، حتى فاض بهِ، فدفع بقلمه الذهبي نحو الحائط بقوة ليقع منكسرًا على الأرض.
وبسرعة تناول هاتفه يتصل بيده اليمنى كارم والذي ما ان أجاب، خاطبه جاسر بأمر:
اسمع ياكارم ، سيب اللي في إيدك وتعالالي حالًا دلوقتي ، عايزك ضروري.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الرابع عشر 14 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
تقود سيارتها وصوت ضحكاتها التي لا تتوقف تكاد تصل للمارة في الشارع، حتى أنها كانت تضرب بكفيها على عجلة القيادة من فرط مرحها، مما اضطر زهرة التي كانت تشاركها الضحك للكزها بمرفقها على خصرها حتى تنتبه للطريق.
- يابت بس الله يخربيتك هاتودينا في داهية.
- مش قادرة والنعمة ما قادرة هههههه.
لكزتها مرة أخرى قبل أن تيأس منها وتوجه نظراتها نحو النافذة، وبعد أن هدأت كاميليا قليلًا خاطبتها:
- ماتزعليش مني لو كنت غلست عليكِ، بس بجد أنا مش قادرة، إيه اللي جاب لجيبتي منين الجرأة دي يازهرة؟ ومع مين؟ مع جاسر الريان؟
أجابتها زهرة بابتسامة شقية:
- والله ما أعرف، أهي جات كدة بقى، بس كمان هو خنقني بإصراره إنه يعرف رايحة فين؟ وأنا بقى دبيت الجملة وأنا بايعة بصراحة، يطردني بقى يقعدني، براحته.
ردت كاميليا وهي تضحك بمكر:
- بعد اللي قولتيه دا ياحبي، لا يمكن أتوقع إنه يطردك، بقى جاسر الريان يا ناس، يسمح لموظفته إنه تتحداه كدة، دي حاجة ولا في الخيال.
خبأت ابتسامة زهرة وهي تسألها بارتياب:
- تقصدي إيه يا كاميليا بكلامك ده؟
أجابتها كاميليا بابتسامة:
- بصراحة مش عارفة، بس أنا أسمع يعني عن المثل اللي بيقول، حبيبك يبلعلك الزلط.
- حب إيه وكلام فارغ إيه أنتِ كمان؟ قفلي عالسيرة دي يا كاميليا قفلي.
قالت زهرة وقد تغير لون وجهها وشحب، ردت كاميليا التي انتبهت لها:
- خلاص ياستي هاقفل ولا تزعلي.
- مش حكاية أزعل، بس أنا مصدقت إني خلصت من الموضوع ده، مش عايزة أفتح فيه تاني.
ابتعلت كاميليا كلماتها حتى لا تزعجها، وفضلت تغير مجرى الحديث:
- طب إيه؟ إحنا وصلنا المنطقة اللي إنتِ قولتي عليها، مكتب الراجل السمسار دا فين بقى؟
أجابتها زهرة وهي تشد بذراعيها على حقيبة النقود الموضوعة بحجرها:
- آخر الشارع يا كاميليا، هتلاقي يافطة كبيرة أوي مكتوب عليها باللون الأخضر اسم السمسار ماهر بركات.
قادت قليلاً كاميليا حتى وصلت للعنوان المذكور، فوقفت بسيارتها أمام البناية التي عليها اليافطة، ترجلت هي وزهرة التي كانت تحتضن في حقيبة النقود بتخوف، حينما دلفن إلى داخل المكتب وجدن الساعي فقط أمامهم ينظف أرضية المكتب، سألته زهرة:
- السلام عليكم، أستاذ ماهر بركات موجود؟
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لا حضرتك، ماهر بيه خرج مع زبون من شوية.
كان رد الساعي، سألته زهرة بتوجس:
- طب وهايرجع إمتى، أنا عايزاه ضروري.
- والله حضرتك معرفش هايرجع إمتى، بس هو مدام اتأخر كدة يبقى أكيد بيفرج الزبون على أماكن تانية وممكن يستنى ما يرجعش المكتب تاني النهاردة.
- يعني ما فيش فرصة إنه يرجع النهاردة؟
سألته كاميليا فكان رد الرجل بضحك:
- والله حضرتك لو عايزة إنتِ والأنسة تستنوا براحتكم، بس أنا ما أضمنش بقى إنه يجي مدام اتأخر كدة.
تبادلت الفتاتان النظرات بإحباط، قبل أن يغادرن بيأس.
في طريقهم للعودة للمنزل خاطبتها كاميليا:
- خلاص يازهرة، النهاردة بكرة واحدة يعني مفرقتش.
ردت زهرة بحزن:
- لأ فرقت، عشان أنا كنت عايزة أفش غلي دلوقتِ وأرميهم في وشه ابن الورمة ده، بعد ما هددني آخر مرة إنه هايفسخ عقد الشقة لو اتأخرنا أكتر من كدة.
عادت كاميليا للضحك مرة أخرى مرددة لها:
- بقيتي شرسة أوي انتِ يازهرة ومعندكيش صبر، طب ما إحنا نيجي بكرة إن شاء وبرضوا نرميهم في وشه، زعلانة ليه بقى؟
- زعلانة عشان هاستغلك وأتعبك معايا تاني، ماهو أنا بصراحة ماينفعش أنزل بالشيلة دي في الموصلات، الواحد ما يضمنش.
قالت زهرة ببعض الحرج، وردت كاميليا بترحاب:
- ياستي استغلي براحتك وأنا موافقة، هو أنا جايبة العربية وبدفع أقساطها اللي بالشئ الفلاني دي كل شهر ليه بقى؟ عشان أبات فيها مثلاً؟
- طب والمصيبة اللي على رجلي دي هاعمل فيها إيه من هنا لبكرة وأنا عندي شغل بكرة الصبح.
سألتها زهرة بحيرة، أجابتها كاميليا بلهجة مطمئنة:
- يابنتي سيبيها في البيت وأنا هاعدي عليكي بعربيتي أخدك من الشغل على بيتكم، تسحبي الشنطة وبعدها نروح عالسمسار على طول نخلص.
تنهدت زهرة قائلة بامتنان:
- ريحتي قلبي بكلامك ده، ربنا يريح قلبك يا كوكو وتتجوزي اللي إنتِ بتحلمي بيه؟
رددت خلفها كاميليا وهي تتنهد بابتسامة حالمة:
- يارب يا أختي يارب.
........................
- طلبتها للجواز كدة على طول من غير مقدمات؟ طب كنت جربت الأول الطرق الودية، يمكن كانت لانت معاك من غير جواز أصلًا.
سأله طارق بدهشة وهو جالس معه أمام بار المشروبات في الملهى الليلي، رد جاسر بنزق وهو يرتشف من كأس المشروب الذي بيده:
- زهرة محترمة ماينفعش معاها أي طريق تاني غير الحلال.
- ياسلام طب أهي رفضتك ياناصح، دي تلاقيها خدتها فرصة وقالت تطمع فيك.
ردد جاسر ردًا على كلمات صديقه.
- تطمع في إيه؟ دي قدمت طلب استقالة وكانت عايزة تسيب الشغل.
- كومان!
أردف بها قبل أن يرتشف من مشروبه هو الآخر، ثم قال بتفكير وهو يستوعب كلماته:
- دي جريئة أوي بقى إنها ترفض جاسر الريان ذات نفسه، هي تطول واحد زيك أساسًا يبصلها؟
رمقه جاسر بنظرة حانقة قبل يرد بابتسامة جانبية ساخرة:
- زهرة مش جريئة أساسًا على فكرة، بالعكس بقى دي بتخاف من خيالها، بس بقى هي دماغها ناشفة حبتين وتفكيرها مختلف شوية.
- طب وانت تتعب نفسك معاها ليه؟ اقبل استقالتها وريح دماغك.
تنهد بثقل وهو ينظر لكأسه صامتًا لعدة لحظات وانتبه عليه طارق الذي كان يحدق بهِ بتفكير، ثم قال باقتضاب:
- مش قادر يا طارق، مش قاااادر.
هم ليرد طارق ولكن أوقفه ظهور إحدى الفتيات من عاملات الملهى وهي تتقرب منهم بملابسها العارية وابتسامة لعوب على شفتيها توقفت فجأة من نظرة مخيفة رمقها بها جاسر، قبل أن يشير لها بسبابته فارتدت هاربة من أمامه.
ردد طارق الذي تابع ذهاب الفتاة بأسى:
- يخرررب عقلك حرام عليك طفشت الرزق، إيه يا أخي؟ هي البت لحقت تتكلم حتى؟ طب نديها فرصتها، يمكن تطلع كويسة وتنسيك البت اللي شاغلة تفكيرك دي.
أومأ بذقنه جاسر قائلاً بازدراء:
- انتِ عايزة دي..... تنسيني زهرة؟
قطب طارق يقول بابتسامة مندهشًا:
- غريب أوي انت ياصاحبي، مرة تبقى زير نسوان، كل يوم مع واحدة شكل، ومرة تكرهم مرة واحدة وبعدها ترجع مصمم على واحدة بس، وكأن متخلقش غيرها؟
رد جاسر بجدية:
- أولاً أنا عمري ما كنت بتاع نسوان وانت عارف كدة كويس، دي كانت فترة وعدت بعد ما خفيت ورجعت للحياة بعد الحادثة، أما بخصوص زهرة....
صمت قليلاً بتفكير ثم استطرد:
- مش عارف بصراحة ألاقي تفسير للي بيحصلي بمجرد ما أشوفها، عندي رغبة قوية إني امتلكها ومتبقاش لراجل غيري، أي همسة منها بتقتلني من جوا.
قطب طارق مرة أخرى يتفحصه باندهاش والاخر تابع بشرود:
- عليها ابتسامة بتحرق قلبي لما أشوفها بتوجهها لحد غيري، ضحكتها من يوم ما سمعتها وأنا بعيد تكرارها في عقلي ليل ونهار من روعتها، كل حاجة فيها بت.....
قطع كلمته يتوقف عن استرساله وقد استفاق أخيرًا، ليجد صديقه يحدق بهِ مضيقًا عيناه بتركيز ويخاطبه:
- كمل يا جاسر، وإيه تاني؟
- أكمل إيه تاني انت كمان؟ هي حكاية؟
قال جاسر بدفاعية مرتبكًا، أجفله طارق يسأله:
- انت متأكد إن اللي حاسس بيه تجاه البنت دي مجرد رغبة؟
ارتبك أكثر فنهض عن كرسيه فجأة قائلًا بتوتر:
- انت باينك متقل في الشرب وبتخرف وأنا معنديش وقت ليك يا عم، سلام.
تفوه بكلماته وذهب على الفور أمام نظرات صديقه الذي ظل صامتًا يتتبع أثره حتى خرج من الملهى.
........................
وعند محروس الذي التزم مكانه بداخل المنزل ولم يعد يخرج سوى للعمل، بعد تهديد فهمي له وعصيان ابنته الذي يعلم تمام العلم، أنه لو ضغط عليها سوف تتجه لخالها حامي الحمى دومًا لها، بالإضافة لخطيبته المحامية أو شقيقها رجل الأمن، ضرب جبهته بيأس وحيرة، وصداع رأسه يكاد يفتك بها، لا يعلم ما الحل القريب لهذه المعضلة، كان يجب عليه أن يتروى قبل أخذه المال، ولكن كيف كان سيفعلها ورؤيته للمال الذي وضعه فهمي أمامه ليضغط على نقطة ضعفه وحاجته إليه، شلت عقله عن التفكير، كيف يرفض واحتياجات رأسه من المكيفات أصبحت متوفرة فجأة وبكثرة، كيف سيرد لفهمي مبلغه الآن والذي تحصل عليه من الزبائن وتداين به لأصدقائه لا يكمل العشرة آلاف؟ كيف سيقنع ابنته لترحمه من هذا الذل بموافقتها على فهمي؟ هو يعلمها جيدًا، على قدر رقتها وهشاشتها فإنها تملك رأسٍ عنيدة كالثور، ولكنها طيبة فليعمل على هذه النقطة ويحاول معها من جديد.
في صباح اليوم التالي تفاجأت به زهرة وهي تهبط الدرج كي تذهب إلى عملها، واقفًا أمام باب شقته وعيناه للأعلى، كأنه في انتظارها، ألقت عليه التحية بتردد كي تتخطاه وتذهب:
- صباح الخير.
- صباح النور، هاتمشي وتسيبي أبوكي في المصيبة اللي واقع فيها يازهرة.
ردد بتعجل كي يوقفها، فالتفت إليه ترد من تحت أسنانها:
- ياصباح يا عليم يا رزاق يا كريم، يعني عايزني أعملك إيه بقى؟ هو أنا اللي كنت وقعتك في المصيبة اللي إنت بتقول عليها دي؟
قال بمسكنة:
- لأ ما وقعتنيش، بس أنا لما وافقت على فهمي كان غرضي إنك تتستري مع واحد غني، يريحك من الشقا، وقبلت بفلوسه مهر عشان أجهزك، بعد ما أسدد ديوني وأشغل ورشتي من تاني.
ردت زهرة وهي تجاهد لضبط النفس:
- برضوا مش فاهمة، أنا إيه دخلي بوقعتك مع فهمي؟ انت عارف من الأول إني مابطيقهوش ولا أطيق سيرته، تقبل ليه تاخد فلوسه؟
- مالكيش دخل وأنا غلطت ياستي، بس أهو دلوقتِ ماسكني من إيدي اللي بتوجعني، دا ممكن يخلص على أبوكي وإخواتك يتشردوا يازهرة، يرضيكِ يابنتي؟
اللمعت عيناها وهي تحدق به صامتة بحزن، فقد استطاع أن يجد مدخله إليها، ثم ما لبثت أن ترد قائلة بأسى:
- كان نفسي أساعدك والله، بس بصراحة مقدرش، سامحني يابويا.
ألقت بكلمتها الأخيرة وتحركت تهبط بقية الدرجات مسرعة من أمامه، تخفي عنه سيل دمعاتها على وجنتيها بحزن يعصر قلبها.
تابعها بعينيه وهي تغادر، يجز على أسنانه من الغيظ.
- حتى حياتي هانت عليكِ يابنت ال....... ماشي يازهرة، ماشي.
ارتد ليعود داخل منزله يتناول وجبة فطوره قبل الذهاب للورشة ولكن استوقفه هذا الحديث الدائر بين صفية ووالدتها داخل غرفتها:
- والله ياماما زي ما بقولك كدة، الشنطة كانت متعبية بالفلوس اللي سحبتها زهرة من البنك امبارح، دا أنا أول مرة أشوف رزم الورق الجديدة وريحتها اللي تشرح القلب، ميات كلهم والورقة فيهم تجرح الطير زي ما بيقولوا.
- والله يابنتِ ما فيش حاجة بعيدة عن ربنا، خالد تعب وكبر قوي على ما قال يا جواز، ربنا يقرب البعيد ويتجوز زميلته المحامية دي قريب بقى، قادر يا كريم.
قالت سمية، ورددت من خلفها ابنتها بلهفة:
- إن شاء الله ياماما السنة دي يخلص أقساط الشقة، زهرة بعد ما ترجع من شغلها النهاردة هاتسدد أقساط خمس شهور يعني خمسين ألف جنيه، يبقى كدة سدد نص تمن الشقة والنص التاني هايبقى حاجة هينة إن شاء الله، ياما نفسي أحضر فرحه في قاعة زي اللي بنشوفها في التليفزيونات كدة ياماما، دا هايبقى حلو قوي جمب مراته اللي زي القمر دي.
اكتفى بهذا القدر محروس وخرج على الفور بخفة كما دلف بخفة، يسوقه شيطانه، غير عابئ بشيء سوى نجاة نفسه!
........................
ينظر إلى سيده الذي يقلب في أوراق الملف الذي أمامه ويقرأ فيها بتركيز، وعدد من الأسئلة الملحة داخل رأسه، يريد إجابتها.
- هي دي كل المعلومات اللي عندك؟
سأله جاسر باهتمام، أجاب كارم:
- حضرتك دي معلومات سريعة جمعتها بعد ما طلبت حضرتك مني امبارح.
- أبوها شغال منجد! يعني إيه؟
أجاب كارم على سؤال سيده بابتسامة:
- منجد حضرتك، دا يبقى الصناعي اللي بيعمل مراتب القطن وكنب الصالون وحاجات شبهم.
- يعني راجل كويس؟
ردد كارم بابتسامة متوسعة:
- كويس دا إيه بس ياباشا؟ دا راجل برشامجي وبيمشي بس بكيفه، بنته أساسًا متربية مع خاله وستها بعد ما والدتها ما اتوفت واتجوز غيرها.
أومأ برأسه يستوعب الكلمات واستطرد كارم:
- أنا شوفت البيت اللي ساكنينه، حاجة بجد مؤسفة، قديم قوي وأيل للسقوط، تقريبًا المباني اللي في الحارة كلها أيلة للسقوط، بس هو انت يعني شاكك في حاجة ياباشا؟
- حاجة إيه اللي أشك فيها؟
سأله جاسر بعدم فهم، رد كارم باضطراب:
- قصدي يعني في سلوك البنت أو سيرتها.......
- ماتكملش يا كارم أحسنلك.
أجفله بمقاطعته الحادة مما أثار الريبة بداخله، أكمل جاسر بعين تقدح شررًا:
- أنا لو شاكك فيها مش هاشغلها عندي أساسًا، ثم دي حاجة تخصني، وانت من إمتى بتسأل ولا تتدخل في أي حاجة بطلبها منك؟
- آسف ياباشا.
اعتذر بأدب، تقبله جاسر واستطرد بأمر سلطوي:
- عايز معلومات تانية أكتر من كدة، وطبعًا مش عايز أنبهك عالسرية.
................................
خرج كارم من مكتبه وتوجهت عيناه على زهرة يخاطبها بذوق وهو يخطو بتمهل:
- عاملة إيه يازهرة النهاردة؟
أجابته رغم دهشتها:
- الحمد لله كويسة، متشكرة يا أستاذ كارم عالسؤال.
- لا شكر على واجب ياستي، الباشا جوا طالب الملفات اللي قالك عليها من شوية.
قال كارم بابتسامة وهو يومئ بسبابته للخلف، ردت وهي تنتفض من جلستها تتناول الملفات المطلوبة:
- تمام يا كارم وأنا جهزتهم، حالًا داخلة بيهم.
- ربنا يعينك.
تفوه بها وخرج على الفور، مما جعل زهرة تنظر في أثره لعدة لحظات بدهشة بعد قليل وحينما دلفت إليه بداخل المكتب وبيدها عدد من الملفات لتضعها أمامه بعملية، كان بجلسته على كرسيه لا يفعل شيئًا سوى النظر إليها، ويده تتلاعب بالقلم الجديد.
- عايز حاجة تاني يافندم؟
صمت قليلاً وعيناه لا تحيد عنها ثم رد بتمهل:
- عدلتي الملف اللي قولتلك عليه من شوية؟
قالت وهي تشير بسبابتها نحو المجموعة التي أمامه:
- طبعًا يافندم وحتى شوف بنفسك.
- طلعيه وخليني أشوفه.
قال بلهجة مسيطرة وهو يومئ لها بعينيه نحوهم، أذعنت لأمرها رغم دهشتها واقتربت من أمام المكتب تخرج له الملف المطلوب دون الالتفاف من ناحيته، عيناها لا ترفعها إليه كالعادة ولكنها تشعر بتحديقه الفج بها دون حياء.
- اهو يافندم.
وضعت الملف أمامه واستقامت لترتد بأقدامها للخلف تخاطبه:
- عايز حاجة تاني يافندم؟
رمق الملف بنظرة سريعة ثم ارتفعت عيناه إليها بصمت ونفى برأسه.
ارتدت تخرج بعملية رغم استغرابها من حالته، أغمض عيناه هو بعد خروجها يتنهد بثقل، ويده تطرق بالقلم على سطح مكتبه بتفكير.
................................
- إيه دا بقى؟ جبتهم منين دول؟
سأله فهمي رافعًا حاجبيه المقطوع في المنتصف وهو يتفحص في رزم النقود داخل الحقيبة التي أمامه على الطاولة، أجاب محروس بثقة وهو يجلس على مقعده مقابله:
- وانتِ مالك بقى جبتهم من إنه داهية؟ انت ليك فلوسك واتردتلك على داير المليم، ليك حاجة تاني عندي ياباشا؟
ضيق عيناه فهمي صامتًا يحدق به بتفكير وهو ينفث دخان الشيشة من أنفه، كرر محروس بثقة:
- ماردتش يعني ياباشا، ليك حاجة تاني؟
- حسك طلع يامحروس وشوفت نفسك، شكلك كدة معبي إيدك، مش ناوي تريحني وتقولي جبت الفلوس منين؟
- يوووه هي شغلانة بقى؟ ما قولنا فلوسك واتردتلك، انت هاتعملي فيها تحقيق؟
بصق كلمته الأخيرة ونهض يغادر من أمام فهمي دون استئذان، والآخر يتبعه بنظرة متشككة، حتى جلس أمامه أحد صبيانه، يهمس له بجوار أذنه وكفه تشير نحو الحقيبة، استمع له فهمي ثم ردد بتساؤل:
- يعني الشنطة بتاعة زهرة! ودي جابت الفلوس منين؟
................................
بعد انتهاء يومها في العمل وتوجهها للمغادرة مع غادة، كانت كاميليا في انتظارها بجوار الشركة على الاتفاق.
- ودي إيه اللي جابها دي بعربيتها دلوقتي؟
ردت زهرة على سؤال غادة وهي تخرج معها من الباب الرئيسي:
- جايا معايا هاتوصلني البيت ياستي، فيها حاجة دي؟
رمقتها غادة وحاجبها المرفوع بشر تردد:
- جايه توصلك انتِ لوحدك، وأنا إيه بقى؟ ماليش لازمة مابينكم؟
- في إيه يا غادة؟ هو أنا معرفش أهزر معاكِ أبدًا، كل حاجة تاخديها كدة بنية وحشة، هاتوصلك طبعًا، وبعدها توصلني مشواري.
قالت زهرة وتمتمت الأخيرة بصوت خفيض، أثار فضول غادة لتسألها:
- انتِ بتقولي حاجة؟
نفت زهرة برأسها تجيبها بابتسامة مصطنعة:
- لا حبيبتي هاكون بقول إيه بس؟ ماتخديش في بالكِ انتِ.
لوت غادة فمها قبل أن تهتف بنزق:
- ياختي أهو الغتت كمان وصل عندها عشان يكمل.
تنهدت زهرة بغضب من كلمات غادة التي وجهتها نحو عماد الذي وصل بالقرب من سيارة كاميليا وخرجت إليه هي تتحدث بمودة كعادتها، حينما وصلن الفتيات استقبلهم عماد بقوله ضاحكًا:
- طبعًا ياعم حقكم تدلعوا وتتأخروا براحتكم، مدام معاكم اللي يوصلكم ويغنيكم عن مواصلات الحكومة ووجع القلب.
ردت كاميليا بمشاكسة:
- بطل قر بقى يخربيتك، إيه يابني؟ خف الحقد الطبقي دا شوية بقى.
- حقد طبقي!
هتفت بها عماد واستطرد ضاحكًا:
- خلاص اتخليتِ عن طبقة الشعب وانضميتي لطبقة البشوات عشان جبتي عربية نص عمر، امال لو جبتيها آخر موديل، هاتعملي إيه يا كاميليا؟
- ههاجر ههههه.
أردفت بها تلوح بكفها في الهواء ضاحكة، وانطلقت معها ضحكاته مع ضحكات الفتيات التي رحب بهن عماد بعد ذلك، فأصرت كاميليا على توصيله معهم، كاد أن يرفض، ولكن بنظرة واحدة منها تراجع لينضم إليهم، زهرة في المقعد الأمامي بجوار كاميليا، وعماد في الكنبة الخلفية مع غادة التي التفت كي تفتح باب السيارة من الناحية الأخرى تجاوره على مضض، فتفاجأت بهذا الحارس الثقيل يغمز لها بعينيه من الناحية الأخرى بمشاكسة كعادته قبل أن ينتبه على خروج سيده من باب الشركة ليستقيم باحترام في انتظاره، والذي انتبه هو الآخر على السيارة الصغيرة وهي تلتف مغادرة، وتجمع بداخلها الفتيات ومعهم هذا المتحذلق عماد.
أكمل هبوط الدرجات الباقية قبل أن يعتلي سيارته وشياطين غضبه تتراقص أمام عينيه، جسده يهتز من فرط غضبه.
- نروح البيت على طول ياباشا ولا في مشاوير تانية؟
سأله السائق بأدب، وكانت إجابته:
- غور على أي مصيبة؟
ابتلع السائق كلماته ومعه إمام الحارس، رغم الإجابة المبهمة والغريبة من سيدهم الغاضب، تحركت السيارة نحو وجهة المنزل مؤقتًا، في انتظار تعليماتٍ أخرى منه.
................................
توقفت كاميليا بالسيارة أمام البناية التي تقطنها زهرة، بعد أن أوصلت عماد إلى وجهة عمله الأخرى؛ التي يعمل بها مساءًا، ثم تخلصت من غادة بتوصيلها إلى منزلها هي أولًا قبل زهرة التي ترجلت الآن تاركة حقيبتها اليدوية بداخل السيارة، كي تصعد وتأتي بحقيبة النقود وكاميليا في انتظارها، ولكنها توقفت فجأة على هذا الصوت القبيح الذي هتف باسمها:
- أهلًا أهلًا بسنيورة الحتة... زهرة.
كان مستندًا بظهره على المبنى المجاور ثم تقدم بخطواته نحوها، توقفت هي أمامه بتحدي في انتظاره، حتى إذا وقف أمامها خاطبته بازدراء:
- بتنده باسمي في نص الشارع ليه؟ عايز إيه يا فهمي؟
- كنت عايز أشكرك رغم زعلي من رفضك لطلبي.
قال بسماجة زادت من الغضب بداخلها فقالت بحنق:
- لا شكر على واجب ياسيدي، وسع بقى خليني أمشي.
- طب مش هاتسأليني بشكرك على إيه قبل ما تمشي؟
تكتفت ناظرة إليه بصمت متأففة، أردف هو:
- كنت عايز أشكرك على الفلوس اللي ردتيها لي مع والدك النهاردة، أصلي كنت محتاجهم قوي، لكن انتِ جبتيهم منين يا أبلة؟
- فلوس إيه؟
سألته بعدم فهم، أجابها بتأكيد:
- الفلوس اللي بعتيهم النهاردة مع أبوكي، رزم الألفات الجديدة.
- أنا بعتلك مع أبويا فلوس جديدة ورزم كمان؟
ابتسم داخله فهمي وهو يرى وجه زهرة الذي شحب وانسحبت منه الدماء، فقد تأكد الآن بصدق تخمينه، وهو سرقة محروس للنقود الجديدة والمعروف وجهتها أكيد من البنك.
أتت إليهم كاميليا تسأل زهرة بتحفز وهي تومئ بذقنها نحوه:
- في إيه يازهرة؟ الجدع ده بيتصدر لك ليه؟ هو لسه مترباش.
ابتسم فهمي بزاوية فمه رغم تلميح كاميليا الصريح بسجنه ولم يرد، فقد اكتفى بمشاهدة زهرة التي نظرت لها برعب تغمغم بكلمات غير مفهومة قبل أن تهرول لداخل المبنى وهرولت من خلفها كاميليا تتبعها.
........................
- يانهار أسود يانهار أسود، الشنطة مش موجودة يا كاميليا، الشنطة اختفت.
كانت تهذي بها بانهيار وهي تبحث بخزانة ملابسها وتقلبها رأسًا على عقب، هتفت كاميليا وهي تبحث معها بأرجاء الغرفة:
- إنت متأكدة إنك حطتيها هنا؟ مش يمكن تكوني سبتيها في أوضة سِتّك وأنتِ ناسيه؟
- والله حطيتها في الدولاب بتاعي وفي الضرفة الوسطانية كمان، أنسى إزاي بس يا ناس أمانة كبيرة زي دي؟ أنسى إزااااي؟
انضمت كاميليا معها رغم يأسها تخاطبها:
- طب يعني هاتكون راحت فين بس؟ دي حتى شنطة كبيرة وتقيلة مش حاجة هينة.
توقفت زهرة فجأة وقد بدأت تستوعب الكارثة ترد ووجهها مغرق بالدموع:
- فهمي مكنش بيهزر يا كاميليا، أبويا فعلًا خد الفلوس، بس إزاي وأنا مكتمة من امبارح وحتى غادة مجبتش قدامها سيرة؟ ياستي ياستي.
هتفت الأخيرة وهي تخرج مسرعة نحو جدتها الذي منعها المرض من مشاركة البحث مع حفيدتها.
- ماشوفتيش أي حد غريب دخل النهاردة؟ أو حتى قريب، أي حد؟
رددت رقية بصوت مرتعش:
- والله يا حبيبتي ما شفت، إنتِ من ساعة ما خرجتي وسبتيني في البلكونة وأنا فضلت مكاني لحد ما جات صفية على الساعة عشرة جابتني هنا، وانتِ عارفاني على حطة إيدك يا حبيبتي.
خرجت كلمات زهرة بنشيج مع بكائها:
- ياستي والله ما أقصد أجرحك، أنا بس عايزة أعرف لو كنتِ حسيتي أو لمحتي أي حد في البيت هنا بعد أنا ما خرجت؟
صمتت قليلاً تعصر ذاكرتها رقية ثم أجابت:
- هو أنا اللي فاكراها يعني، بعد انتِ ما خرجتي يجي بنص ساعة كدة، حسيت بكركبة خفيفة، بس خمنت تكون صفية رجعت بعد ما نسيت حاجة، حتى ندهت عليها وما ردتش.
التفتت زهرة نحو صديقتها تردد بتأكيد:
- يبقى هو فعلًا يا كاميليا، ودخل خدها بعد ما اتخانقت أنا معاه ومشيت على شغلي، بس عرف إزاي؟ .... هو أنا لسة هاسأل نفسي؟ أنا رايحة له.
قالت الأخيرة وهرولت راكضة نحو ورشته التي لمحتها فيها منذ قليل قبل أن تصل لمنزلها، ركضت كاميليا خلفها ولكنها توقفت قبل دخول الورشة، وقد شعرت بالحرج من حضور موقف مخزي كهذا بين فتاة وأبيها، فوقفت تنتظرها في الخارج وتراقب.
وعند محروس الذي انتفض على صرختها وهي تلج مندفعة داخل ورشته:
- سرقت الفلوس يابا، سرقت فلوس خالي وأديتها لفهمي.
استدرك نفسه فهتف على صبيه ليخرج من الورشة:
- اطلع انت دلوقتِ ياعامري وتعالى بعد شوية، بسرعة ياض.
انتظر خروج الفتى ثم رد عليها مستنكرًا:
- مش تنقي ألفاظك يابت، داخلة كدة هاجمة زي البهيمة وبتاتهمني ظلم حد قالك أبوكي حرامي؟
هتفت بسخرية مريرة:
- أه تصدق إنه حصل فعلًا، وأنا اتأكدت بنفسي دلوقتِ إن انت سرقت فلوس خالي ياحرامي.
- لمي نفسك يابت فهمية.
هدر بها ويده توقفت في الهواء قبل أن تنزل على وجنتها، استطرد مهددًا:
- أنا مش عايز أمد إيدي عليكِ، لكن لو طولتِ لسانك أكتر من كدة لكون دافنك وانتِ حية مكانك هنا.
- ادفني، قطع من جتتي حتى، بس هات الفلوس أبوس إيدك، فهمي أكدلي إن انت اللي خدت الفلوس وأديتهاله رد الدين بتاعك النهاردة، بأمارة كمان إنها ورق جديد من البنك.
قالت برجاء، فأخرج هو سبة بذيئة من فمه نحو فهمي وهو يبتعد قليلاً عنها قبل أن يعود إليها متبجحًا:
- ماشي يازهرة أنا اللي خدتهم، وانتِ قولتيها بنفسك عشان أسد ديني، بعد انتِ ما اتخليتي عني ونشفتي راسك.
- أنا نشفت راسي، لكن هو ذنبه إيه؟
صاحت بها وتابعت:
- حرام عليك، أنا لو مسددتش الشهر ده السمسار هايفسخ العقد وتروح الشقة من خالي، وتروح الجوازة كلها كمان، دا أبوها المستشار بيتلكك وحالف بعد السنة ما فيش جواز، مش كفاية ضيع نص شبابه على بنتك اليتيمة كمان عايز تحرمه من حب عمره؟
أصدر من فمه صوت ساخر قبل أن يرد:
- وماله ياحلوة، مش عاملي فيها البطل وحامي الحمى، خليه يضحي شوية كمان.
- يضحي إيه تاني؟ يعني يموت بالحيا بقى عشان يرضيك؟
قالت صارخة قبل أن تنتبه على ضحكة ساخرة وصاحبها على مدخل الورشة يتقدم نحوهم ويردد:
- ههههههه عليا النعمة عرفت لوحدي، دا أنا أستاهل أوسكار بقى في الذكاء والمفهومية يا جدعان.
رد محروس من تحت أسنانه:
- انت جيت يا وش الفقر، مش كفاية فتنت الأهل في بعضيهم؟
التفت على جملته بنظرة حانقة قبل أن تنتبه إلى هذا الكريه الذي تجاهل أباها ليقترب منها مرددًا:
- مستعد أرجعلك فلوس خالك دلوقتي حالًا وعليهم خمسين كمان مهرك، بس انتِ قولي أه.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
تقود سيارتها وصوت ضحكاتها التي لا تتوقف، تكاد تصل للمارة في الشارع. حتى أنها كانت تضرب بكفيها على عجلة القيادة من فرط مرحها، مما اضطر زهرة التي كانت تشاركها الضحك، للكزها بمرفقها على خصرها حتى تنتبه للطريق.
- يابت بس الله يخربيتك، هاتودينا في داهية.
- مش قادرة والنعمة ما قادرة ههههههه.
لكزتها مرة أخرى، قبل أن تيأس منها وتوجه نظراتها نحو النافذة. وبعد أن هدأت كاميليا قليلًا خاطبتها:
- ماتزعليش مني لو كنت غلست عليكِ، بس بجد أنا مش قادرة. جبتي منين الجرأة دي يا زهرة؟ ومع مين؟ مع جاسر الريان؟
أجابتها زهرة بابتسامة شقية:
- والله ما أعرف، أهي جات كدة بقى. بس كمان هو خنقني بإصراره إنه يعرف رايحة فين؟ وأنا بقى دبيت الجملة وأنا بايعة بصراحة. يطردني بقى يقعدني، براحته.
ردت كاميليا وهي تضحك بمكر:
- بعد اللي قولتي دا يا حبي، لا يمكن أتوقع إنه يطردك. بقى جاسر الريان يا ناس، يسمح لموظفته إنه تتحداه كدة، دي حاجة ولا في الخيال.
خبأت ابتسامة زهرة وهي تسألها بارتياب:
- تقصدي إيه يا كاميليا بكلامك ده؟
أجابتها كاميليا بابتسامة:
- بصراحة مش عارفة، بس أنا أسمع يعني عن المثل اللي بيقول: حبيبك يبلعلك الزلط.
- حب إيه وكلام فارغ إيه انتِ كمان؟ قفلي عالسيرة دي يا كاميليا، قفلي.
قالت زهرة وقد تغير لون وجهها وشحب. ردت كاميليا التي انتبهت لها:
- خلاص ياستي هاقفل ولا تزعلي.
- مش حكاية أزعل، بس أنا مصدقت إني خلصت من الموضوع ده، مش عايزة أفتح فيه تاني.
ابتعلت كاميليا كلماتها حتى لا تزعجها، وفضلت تغير مجرى الحديث:
- طب إيه؟ احنا وصلنا المنطقة اللي انتِ قولتي عليها، مكتب الراجل السمسار دا فين بقى؟
أجابتها زهرة وهي تشدد بذراعيها على حقيبة النقود الموضوعة بحجرها:
- آخر الشارع يا كاميليا، هتلاقي يافطة كبيرة أوي مكتوب عليها باللون الأخضر اسم السمسار ماهر بركات.
قادت كاميليا قليلًا حتى وصلت للعنوان المذكور، فوقفت بسيارتها أمام البناية التي معلق عليها اليافطة. ترجلت هي وزهرة التي كانت تحتضن في حقيبة النقود بتخوف. حينما دلفن إلى داخل المكتب وجدن الساعي فقط أمامهم ينظف أرضية المكتب. سألته زهرة:
- السلام عليكم، أستاذ ماهر بركات موجود؟
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لا حضرتك، ماهر بيه خرج مع زبون من شوية.
كان رد الساعي. سألته زهرة بتوجس:
- طب وهايرجع إمتى؟ أنا عايزاه ضروري.
- والله حضرتك معرفش هايرجع إمتى، بس هو مدام اتأخر كدة يبقى أكيد بيفرج الزبون على أماكن تانية وممكن يستنى ما يرجعش المكتب تاني النهاردة.
- يعني مافيش فرصة إنه يرجع النهاردة؟
سألته كاميليا، فكان رد الرجل بضحك:
- والله حضرتك لو عايزة انتِ والاَنسة تستنوا براحتكم، بس أنا مضمنش بقى إنه يجي مدام اتأخر كدة.
تبادلت الفتاتين النظرات بإحباط، قبل أن يغادرن بيأس.
في طريقهم للعودة للمنزل خاطبتها كاميليا:
- خلاص يازهرة، النهاردة بكرة واحدة يعني مفرقتش.
ردت زهرة بحزن:
- لأ فرقت، عشان أنا كنت عايزة أفش غلي دلوقتِ وارميهم في وشه ابن الورمة ده، بعد ما هددني آخر مرة إنه هايفسخ عقد الشقة لو اتأخرنا أكتر من كدة.
عادت كاميليا للضحك مرة أخرى مرددة لها:
- بقيتي شرسة أوي انتِ يازهرة ومعندكيش صبر، طب ما إحنا نيجي بكرة إن شاء وبرضوا نرميهم في وشه، زعلانة ليه بقى؟
- زعلانة عشان هاستغلك وأتعبك معايا تاني، ماهو أنا بصراحة ماينفعش أنزل بالشيلة دي في الموصلات، الواحد مايضمنش.
قالت زهرة ببعض الحرج، وردت كاميليا بترحاب:
- ياستي استغلي براحتك وأنا موافقة، هو أنا جايبة العربية وبدفع أقساطها اللي بالشئ الفلاني دي كل شهر ليه بقى؟ عشان أبَات فيها مثلًا؟
- طب والمصيبة اللي على رجلي دي هاعمل فيها إيه من هنا لبكرة وأنا عندي شغل بكرة الصبح.
سألتها زهرة بحيرة، أجابتها كاميليا بلهجة مطمئنة:
- يابنتي سيبيها في البيت وأنا هاعدي عليكي بعربيتي أخدك من الشغل على بيتكم، تسحبي الشنطة وبعدها نروح عالسمسار على طول نخلص.
تنهدت زهرة قائلة بامتنان:
- ريحتي قلبي بكلامك ده، ربنا يريح قلبك يا كوكو وتتجوزي اللي انتِ بتحلمي بيه؟
رددت خلفها كاميليا وهي تتنهد بابتسامة حالمة:
- يارب يا أختي يارب.
........................................
- طلبتها للجواز كدة على طول من غير مقدمات؟ طب كنت جربت الأول الطرق الودية، يمكن كانت لانت معاك من غير جواز أصلًا.
سأله طارق بدهشة وهو جالس معه أمام بار المشروبات في الملهى الليلي. رد جاسر بنزق وهو يرتشف من كأس المشروب الذي بيده:
- زهرة محترمة ماينفعش معاها أي طريق تاني غير الحلال.
- ياسلام، طب أهي رفضتك ياناصح، دي تلاقيها خدتها فرصة وقالت تطمع فيك.
ردد جاسر ردًا على كلمات صديقه.
- تطمع في إيه؟ دي قدمت طلب استقالة وكانت عايزة تسيب الشغل.
- كــمـــان!
أردف بها قبل أن يرتشف من مشروبه هو الآخر، ثم قال بتفكير وهو يستوعب كلماته:
- دي جريئة أوي بقى إنها ترفض جاسر الريان ذات نفسه، هي تطول واحد زيك أساسًا يبصلها؟
رمقه جاسر بنظرة حانقة قبل أن يرد بابتسامة جانبية ساخرة:
- زهرة مش جريئة أساسًا على فكرة، بالعكس بقى دي بتخاف من خيالها، بس بقى هي دماغها ناشفة حبتين وتفكيرها مختلف شوية.
- طب وأنت تتعب نفسك معاها ليه؟ اقبل استقالتها وريح دماغك.
تنهد بثقل وهو ينظر لكأسه صامتًا لعدة لحظات. انتبه عليه طارق الذي كان يحدق بهِ بتفكير، ثم قال باقتضاب:
- مش قادر يا طارق، مش قاااادر.
هم ليرد طارق ولكن أوقفه ظهور إحدى الفتيات من عاملات الملهى وهي تتقرب منهم بملابسها العارية وابتسامة لعوب على شفتيها. توقفت فجأة من نظرة مخيفة رمقها بها جاسر، قبل أن يشير لها بسبابته فارتدت هاربة من أمامهم.
ردد طارق الذي تابع ذهاب الفتاة بأسى:
- يخرررب عقلك، حرام عليك طفشت الرزق، إيه يا أخي؟ هي البت لحقت تتكلم حتى؟ طب نديها فرصتها، يمكن تطلع كويسة وتنسيك البت اللي شاغلة تفكيرك دي.
أومأ بذقنه جاسر قائلًا بازدراء:
- أنتِ عايزة دي..... تنسيني زهرة؟
قطب طارق يقول بابتسامة مندهشًا:
- غريب أوي انت ياصاحبي، مرة تبقى زير نسوان، كل يوم مع واحدة شكل، ومرة تكرهم مرة واحدة وبعدها ترجع مصمم على واحدة بس، وكأن متخلقش غيرها؟
رد جاسر بجدية:
- أولًا أنا عمري ما كنت بتاع نسوان وانت عارف كدة كويس، دي كانت فترة وعدت بعد ما خفيت ورجعت للحياة بعد الحادثة. أما بخصوص زهرة....
صمت قليلًا بتفكير ثم استطرد:
- مش عارف بصراحة ألاقي تفسير للي بيحصلي بمجرد ما أشوفها. عندي رغبة قوية إني أمتلكها ومتبقاش لراجل غيري، أي همسة منها بتقتلني من جوا.
قطب طارق مرة أخرى يتفحصه باندهاش. والآخر تابع بشرود:
- عليها ابتسامة بتحرق قلبي لما أشوفها بتوجهها لحد غيري، ضحكتها من يوم ما سمعتها وأنا بعيد تكرارها في عقلي ليل ونهار من روعتها، كل حاجة فيها بت.....
قطع كلمته يتوقف عن استرساله وقد استفاق أخيرًا، ليجد صديقه يحدق بهِ مضيقًا عيناه بتركيز ويخاطبه:
- كمل يا جاسر، وايه تاني؟
- أكمل إيه تاني انت كمان؟ هي حكاية؟
قال جاسر بدفاعية مرتبكًا. أجفله طارق يسأله:
- أنت متأكد إن اللي حاسس بيه تجاه البنت دي مجرد رغبة؟
ارتبك أكثر فنهض عن كرسيه فجأة قائلًا بتوتر:
- أنت باينك متقل في الشرب وبتخرف وأنا معنديش وقت ليك يا عم، سلام.
تفوه بكلماته وذهب على الفور أمام نظرات صديقه الذي ظل صامتًا يتتبع أثره حتى خرج من الملهى.
........................................
وعند محروس الذي التزم مكانه بداخل المنزل ولم يعد يخرج سوى للعمل، بعد تهديد فهمي له وعصيان ابنته الذي يعلم تمام العلم، أنه لو ضغط عليها سوف تتجه لخالها حامي الحمى دومًا لها، بالإضافة لخطيبته المحامية أو شقيقها رجل الأمن. ضرب جبهته بيأس وحيرة، وصداع رأسه يكاد يفتك بها. لا يعلم ما الحل القريب لهذه المعضلة. كان يجب عليه أن يتروى قبل أخذه المال، ولكن كيف كان سيفعلها ورؤيته للمال الذي وضعه فهمي أمامه ليضغط على نقطة ضعفه وحاجته إليه، شلت عقله عن التفكير. كيف يرفض واحتياجات رأسه من المكيفات أصبحت متوفرة فجأة وبكثرة؟ كيف سيرد لفهمي مبلغه الآن والذي تحصل عليه من الزبائن وتداين به لأصدقائه لا يكمل العشرة آلاف؟ كيف سيقنع ابنته لترحمه من هذا الذل بموافقتها على فهمي؟ هو يعلمها جيداً، على قدر رقتها وهشاشتها فإنها تملك رأس عنيدة كالثور، ولكنها طيبة فليعمل على هذه النقطة ويحاول معها من جديد.
في صباح اليوم التالي تفاجأت به زهرة وهي تهبط الدرج كي تذهب إلى عملها، واقفاً أمام باب شقته وعيناه للأعلى، كأنه في انتظارها. ألقت عليه التحية بتردد كي تتخطاه وتذهب:
- صباح الخير.
- صباح النور، هاتمشي وتسيبي أبوكي في المصيبة اللي واقع فيها يازهرة.
ردد بتعجل كي يوقفها، فالتفت إليه ترد من تحت أسنانها:
- ياصباح ياعليم يارزاق ياكريم، يعني عايزني أعملك إيه بقى؟ هو أنا اللي كنت وقعتك في المصيبة اللي انت بتقول عليها دي؟
قال بمسكنة:
- لأ ماوقعتنيش، بس أنا لما وافقت على فهمي كان غرضي إنك تتستري مع واحد غني، يريحك من الشقا، وقبلت بفلوسه مهر عشان أجهزك، بعد ما أسدد ديوني وأشغل ورشتي من تاني.
ردت زهرة وهي تجاهد لضبط النفس:
- برضوا مش فاهمة، أنا إيه دخلي بوقعتك مع فهمي؟ أنت عارف من الأول إني مابطيقهوش ولا أطيق سيرته، تقبل ليه تاخد فلوسه؟
- مالكيش دخل وأنا غلطت ياستي، بس اهو دلوقتِ ماسكني من إيدي اللي بتوجعني، دا ممكن يخلص على أبوكي وإخواتك يتشردوا يازهرة، يرضيكِ يا بنتي؟
التمعت عيناها وهي تحدق به صامتة بحزن، فقد استطاع أن يجد مدخله إليها. ثم ما لبثت أن ترد قائلة بأسى:
- كان نفسي أساعدك والله، بس بصراحة مقدرش، سامحني يابويا.
ألقت بكلمتها الأخيرة وتحركت تهبط بقية الدرجات مسرعة من أمامه، تخفي عنه سيل دمعاتها على وجنتيها بحزن يعصر قلبها.
تابعها بعيناه وهي تغادر، يجز على أسنانه من الغيظ.
- حتى حياتي هانت عليكِ يابت الـ....... ماشي يازهرة، ماشي.
ارتد ليعود داخل منزله يتناول وجبة فطوره قبل الذهاب للورشة ولكن استوقفه هذا الحديث الدائر بين صفية ووالدتها داخل غرفتها:
- والله يا ماما زي ما بقولك كدة، الشنطة كانت متعبية بالفلوس اللي سحبتها زهرة من البنك امبارح، دا أنا أول مرة أشوف رزم الورق الجديدة وريحتها اللي تشرح القلب، ميات كلهم والورقة فيهم تجرح الطير زي ما بيقولوا.
- والله يا بنتِ ما فيش حاجة بعيدة عن ربنا، خالد تعب وكبر قوي على ما قال يا جواز، ربنا يقرب البعيد ويتجوز زميلته المحامية دي قريب بقى، قادر يا كريم.
قالت سمية، ورددت من خلفها ابنتها بلهفة:
- إن شاء الله يا ماما السنة دي يخلص أقساط الشقة، زهرة بعد ما ترجع من شغلها النهاردة هاتسدد أقساط خمس شهور يعني خمسين ألف جنيه، يبقى كدة سدد نص تمن الشقة والنص التاني هايبقى حاجة هينة إن شاء الله، يا أما نفسي أحضر فرحه في قاعة زي اللي بنشوفها في التليفزيونات كدة يا ماما، دا هايبقى حلو قوي جمب مراته اللي زي القمر دي.
اكتفى بهذا القدر محروس وخرج على الفور بخفة كما دلف بخفة، يسوقه شيطانه، غير عابئ بشيء سوى نجاة نفسه!
..................................
ينظر إلى سيده الذي يقلب في أوراق الملف الذي أمامه ويقرأ فيها بتركيز، وعدد من الأسئلة الملحة داخل رأسه، يريد إجابتها.
- هي دي كل المعلومات اللي عندك؟
سأله جاسر باهتمام، أجاب كارم:
- حضرتك دي معلومات سريعة جمعتها بعد ما طلبت حضرتك مني امبارح.
- أبوها شغال منجد! يعني إيه؟
أجاب كارم على سؤال سيده بابتسامة:
- منجد حضرتك، دا يبقى الصناعي اللي بيعمل مراتب القطن وكنب الصالون وحاجات شبهم.
- يعني راجل كويس؟
ردد كارم بابتسامة متوسعة:
- كويس دا إيه بس يا باشا؟ دا راجل برشامجي وبيمشي بس بكيفه، بنته أساسًا متربية مع خالها وستها بعد ما والدتها ما اتوفت واتجوز غيرها.
أومأ برأسه يستوعب الكلمات واستطرد كارم:
- أنا شوفت البيت اللي ساكنينه، حاجة بجد مؤسفة، قديم قوي وآيل للسقوط، تقريبًا المباني اللي في الحارة كلها آيلة للسقوط، بس هو انت يعني شاكك في حاجة ياباشا؟
- حاجة إيه اللي أشُك فيها؟
سأله جاسر بعدم فهم، رد كارم باضطراب:
- قصدي يعني في سلوك البنت أو سيرتها.......
- ماتكملش يا كارم أحسنلك.
أجفله بمقاطعته الحادة مما أثار الريبة بداخله. أكمل جاسر بأعين تقدح شررًا:
- أنا لو شاكك فيها مش هاشغلها عندي أساسًا، ثم دي حاجة تخصني، وانت من إمتى بتسأل ولا تتدخل في أي حاجة بطلبها منك؟
- أسف ياباشا.
اعتذر بأدب. تقبله جاسر واستطرد بأمر سلطوي:
- عايز معلومات تانية أكتر من كدة، وطبعًا مش عايز أنبهك عالسرية.
....................................
خرج كارم من مكتبه وتوجهت عيناه على زهرة يخاطبها بذوق وهو يخطو بتمهل:
- عاملة إيه يازهرة النهاردة؟
أجابته رغم دهشتها:
- الحمد لله كويسة، متشكرة يا أستاذ كارم عالسؤال.
- لا شكر على واجب ياستي، الباشا جوا طالب الملفات اللي قالك عليها من شوية.
قال كارم بابتسامة وهو يومئ بسبابته للخلف، ردت وهي تنتفض من جلستها تتناول الملفات المطلوبة:
- تمام يا كارم وأنا جهزتهم، حالًا داخلة بيهم.
- ربنا يعينك.
تفوه بها وخرج على الفور، مما جعل زهرة تنظر في أثره لعدة لحظات بدهشة. بعد قليل وحينما دلفت إليه بداخل المكتب وبيدها عدد من الملفات لتضعها أمامه بعملية، كان بجلسته على كرسيه لا يفعل شيئًا سوى النظر إليها، ويده تتلاعب بالقلم الجديد.
- عايز حاجة تاني يافندم؟
صمت قليلًا وعيناه لا تحيد عنها ثم رد بتمهل:
- عدلتي الملف اللي قولتلك عليه من شوية؟
قالت وهي تشير بسبابتها نحو المجموعة التي أمامه:
- طبعًا يافندم وحتى شوف بنفسك.
- طلعيه وخليني أشوفه.
قال بلهجة مسيطرة وهو يومئ لها بعيناه نحوهم، أذعنت لأمرها رغم دهشتها واقتربت من أمام المكتب تخرج له الملف المطلوب دون الالتفاف من ناحيته، عيناها لا ترفعها إليه كالعادة ولكنها تشعر بتحديقه الفج بها دون حياء.
- اهو يافندم.
وضعت الملف أمامه واستقامت لترتد بأقدامها للخلف تخاطبه:
- عايز حاجة تاني يافندم؟
رمق الملف بنظرة سريعة ثم ارتفعت عيناه إليها بصمت ونفى برأسه.
ارتدت تخرج بعملية رغم استغرابها من حالته، أغمض عيناه هو بعد خروجها يتنهد بثقل، ويده تطرق بالقلم على سطح مكتبه بتفكير.
....................................
- إيه دا بقى؟ جبتهم منين دول؟
سأله فهمي رافعًا حاجبيه المقطوع في المنتصف وهو يتفحص في رزم النقود داخل الحقيبة التي أمامه على الطاولة. أجاب محروس بثقة وهو يجلس على مقعده مقابله:
- وأنتِ مالك بقى جبتهم من أنه داهية؟ أنت ليك فلوسك واتردتلك على داير المليم، ليك حاجة تاني عندي ياباشا؟
ضيق عيناه فهمي صامتًا يحدق به بتفكير وهو ينفث دخان الشيشة من أنفه. كرر محروس بثقة:
- ما ردتش يعني ياباشا، ليك حاجة تاني؟
- حسك طلع يامحروس وشوفت نفسك، شكلك كدة معبي إيدك، مش ناوي تريحني وتقولي جبت الفلوس منين؟
- يوووه إيه شغلانة بقى؟ ما قولنا فلوسك واتردتلك، أنت هاتعملي فيها تحقيق؟
بصق كلمته الأخيرة ونهض يغادر من أمام فهمي دون استئذان، والآخر يتبعه بنظرة متشككة، حتى جلس أمامه أحد صبيانه، يهمس له بجوار أذنه وكفه تشير نحو الحقيبة، استمع له فهمي ثم ردد بتساؤل:
- يعني الشنطة بتاعة زهرة! ودي جابت الفلوس منين؟
....................................
بعد انتهاء يومها في العمل وتوجهها للمغادرة مع غادة، كانت كاميليا في انتظارها بجوار الشركة على الاتفاق.
- ودي إيه اللي جابها دي بعربيتها دلوقتِ؟
ردت زهرة على سؤال غادة وهي تخرج معها من الباب الرئيسي:
- جايا معايا هاتوصلني البيت ياستي، فيها حاجة دي؟
رمقتها غادة وحاجبها المرفوع بشر تردد:
- جايه توصلك انتِ لوحدك، وأنا إيه بقى؟ ماليش لازمة مابينكم؟
- في إيه يا غادة؟ هو أنا معرفش أهزر معاكِ أبدًا، كل حاجة تاخديها كدة بنية وحشة، هاتوصلك طبعًا، وبعدها توصلني مشواري.
قالت زهرة وتمتمت الأخيرة بصوت خفيض، أثار فضول غادة لتسألها:
- انتِ بتقولي حاجة؟
نفت زهرة برأسها تجيبها بابتسامة مصطنعة:
- لا حبيبتي هاكون بقول إيه بس؟ ماتخديش في بالكِ انتِ.
لوت غادة فمها قبل أن تهتف بنزق:
- ياختي اهو الغتت كمان وصل عندها عشان يكمل.
تنهدت زهرة بغضب من كلمات غادة التي وجهتها نحو عماد الذي وصل بالقرب من سيارة كاميليا وخرجت إليه هي تتحدث بمودة كعادتها. حينما وصلن الفتيات استقبلهم عماد بقوله ضاحكًا:
- طبعًا يا عم حقكم تدلعوا وتتأخروا براحتكم، مدام معاكم اللي يوصلكم ويغنيكم عن مواصلات الحكومة ووجع القلب.
ردت كاميليا بمشاكسة:
- بطل قر بقى يخربيتك، إيه يابني؟ خف الحقد الطبقي دا شوية بقى.
- حقد طبقي!
هتفت بها عماد واستطرد ضاحكًا:
- خلاص اتخليتِ عن طبقة الشعب وانضميتي لطبقة البشوات عشان جيبتي عربية نص عمر، امال لو جبتيها آخر موديل، هاتعملي إيه يا كاميليا؟
- ههاجر ههههه.
أردفت بها تلوح بكفها في الهواء ضاحكة، وانطلقت معها ضحكاته مع ضحكات الفتيات التي رحب بهن عماد بعد ذلك، فأصرت كاميليا على توصيله معهم. كاد أن يرفض، ولكن بنظرة واحدة منها تراجع لينضم إليهم. زهرة في المقعد الأمامي بجوار كاميليا، وعماد في الكنبة الخلفية مع غادة التي التفت كي تفتح باب السيارة من الناحية الأخرى تجاوره على مضض، ففاجأت بهذا الحارس الثقيل يغمز لها بعيناه من الناحية الأخرى بمشاكسة كعادته قبل أن ينتبه على خروج سيده من باب الشركة ليستقيم باحترام في انتظاره، والذي انتبه هو الآخر على السيارة الصغيرة وهي تلتف مغادرة، وتجمع بداخلها الفتيات ومعهم هذا المتحذلق عماد.
أكمل هبوط الدرجات الباقية قبل أن يعتلي سيارته وشياطين غضبه تتراقص أمام عيناه، جسده يهتز من فرط غضبه.
- نروح البيت على طول ياباشا ولا في مشاوير تانية؟
سأله السائق بأدب، وكانت إجابته:
- غور على أي مصيبة؟
ابتلع السائق كلماته ومعه إمام الحارس، رغم الإجابة المبهمة والغريبة من سيده الغاضب، تحركت السيارة نحو وجهة المنزل مؤقتًا، في انتظار تعليماتٍ أخرى منه.
....................................
توقفت كاميليا بالسيارة أمام البناية التي تقطنها زهرة، بعد أن أوصلت عماد إلى وجهة عمله الأخرى، التي يعمل بها مساءًا. ثم تخلصت من غادة بتوصيلها إلى منزلها هي أولًا قبل زهرة التي ترجلت الآن تاركة حقيبتها اليدوية بداخل السيارة، كي تصعد وتأتي بحقيبة النقود وكاميليا في انتظارها. ولكنها توقفت فجأة على هذا الصوت القبيح الذي هتف باسمها:
- أهلًا أهلًا بسنيورة الحتة... زهرة.
كان مستندًا بظهره على المبنى المجاور ثم تقدم بخطواته نحوها. توقفت هي أمامه بتحدي في انتظاره، حتى إذا وقف أمامها خاطبته بازدراء:
- بتنده بإسمي في نص الشارع ليه؟ عايزة إيه يا فهمي؟
- كنت عايز أشكرك رغم زعلي من رفضك لطلبي.
قال بسماجة زادت من الغضب بداخلها فقالت بحنق:
- لا شكر على واجب ياسيدي، وسع بقى خليني أمشي.
- طب مش هاتسأليني بشكرك على إيه قبل ما تمشي؟
تكتفت ناظرة إليه بصمت متأففة، أردف هو:
- كنت عايز أشكرك على الفلوس اللي رديتيها لي مع والدك النهاردة، أصلي كنت محتاجهم قوي، لكن انتِ جبتيهم منين يا أبلة؟
- فلوس إيه؟
سألته بعدم فهم، أجابها بتأكيد:
- الفلوس اللي بعتيهم النهاردة مع أبوكي، رزم الألفات الجديدة.
- أنا بعتلك مع أبويا فلوس جديدة ورزم كمان؟
ابتسم داخله فهمي وهو يرى وجه زهرة الذي شحب وانسحبت منه الدماء، فقد تأكد الآن بصدق تخمينه، وهو سرقة محروس للنقود الجديدة والمعروف وجهتها أكيد من البنك.
أتت إليهم كاميليا تسأل زهرة بتحفز وهي تومئ بذقنها نحوه:
- في إيه يازهرة؟ الجدع ده بيتصدر لك ليه؟ هو لسة مترباش.
ابتسم فهمي بزاوية فمه رغم تلميح كاميليا الصريح بسجنه ولم يرد، فقد اكتفى بمشاهدة زهرة التي نظرت لها برعب تغمغم بكلمات غير مفهومة قبل أن تهرول لداخل المبنى وهرولت من خلفها كاميليا تتبعها.
....................................
- يانهار أسود يانهار أسود، الشنطة مش موجودة يا كاميليا، الشنطة اختفت.
كانت تهذي بها بانهيار وهي تبحث بخزانة ملابسها وتقلبها رأسًا على عقب. هتفت كاميليا وهي تبحث معها بأرجاء الغرفة:
- إنتِ متأكدة إنك حطتيها هنا؟ مش يمكن تكوني سبتيها في أوضة ستك وأنتِ ناسيا؟
- والله حطيتها في الدولاب بتاعي وفي الضلفة الوسطانية كمان، أنسى إزاي بس يا ناس أمانة كبيرة زي دي؟ أنسى إزااااي؟
انضمت كاميليا معها رغم يأسها تخاطبها:
- طب يعني هاتكون راحت فين بس؟ دي حتى شنطة كبيرة وتقيلة مش حاجة هينة.
توقفت زهرة فجأة وقد بدأت تستوعب الكارثة ترد ووجهها مغرق بالدموع:
- فهمي مكنش بيهزر يا كاميليا، أبويا فعلًا خد الفلوس، بس إزاي وأنا مكتمة من امبارح وحتى غادة مجبتش قدامها سيرة؟ ياستي ياستي.
هتفت الأخيرة وهي تخرج مسرعة نحو جدتها الذي منعها المرض من مشاركة البحث مع حفيدتها:
- ماشوفتيش أي حد غريب دخل النهاردة؟ أو حتى قريب، أي حد؟
رددت رقية بصوت مرتعش:
- والله يا حبيبتي ماشوفت، انتِ من ساعة ما خرجتي وسبتيني في البلكونة وأنا فضلت مكاني لحد أما جات صفية على الساعة عشرة جابتني هنا، وأنتِ عارفاني على حطة إيدك يا حبيبتي.
خرجت كلمات زهرة بنشيج مع بكائها:
- ياستي والله ما أقصد أجرحك، أنا بس عايزة أعرف لو كنتِ حسيتي أو لمحتي أي حد في البيت هنا بعد أنا ما خرجت؟
صمتت قليلًا تعصر ذاكرتها رقية ثم أجابت:
- هو أنا اللي فاكراها يعني ااا بعد أنتِ ما خرجتي يجي بنص ساعة كدة، حسيت بكركبة خفيفة، بس خمنت تكون صفية رجعت بعد ما نسيت حاجة، حتى ندهت عليها وماردتش.
التفتت زهرة نحو صديقتها تردد بتأكيد:
- يبقى هو فعلًا يا كاميليا، ودخل خدها بعد ما اتخانقت أنا معاه ومشيت على شغلي، بس عرف إزاي؟ .... هو أنا لسة هاسأل نفسي؟ أنا رايحة له.
قالت الأخيرة وهرولت راكضة نحو ورشته التي لمحته فيها منذ قليل قبل أن تصل لمنزلها، ركضت كاميليا خلفها ولكنها توقفت قبل دخول الورشة، وقد شعرت بالحرج من حضور موقف مخزي كهذا بين فتاة وأبيها، فوقفت تنتظرها في الخارج وتراقب.
وعند محروس الذي انتفض على صرختها وهي تلج مندفعة داخل ورشته:
- سرقت الفلوس يابا، سرقت فلوس خالي واديتها لفهمي.
استدرك نفسه فهتف على صبيه ليخرج من الورشة:
- اطلع انت دلوقتِ يا عامري وتعالى بعد شوية، بسرعة ياض.
انتظر خروج الفتى ثم رد عليها مستنكرًا:
- مش تنقي ألفاظك يابت، داخلة كدة هاجمة زي البهيمة وبتتهميني ظلم، حد قالك أبوكي حرامي؟
هتفت بسخرية مريرة:
- أه تصدق إنه حصل فعلًا، وأنا اتأكدت بنفسي دلوقتِ إن انت سرقت فلوس خالي يا حرامي.
- لمي نفسك يابت فهمية.
هدر بها ويده توقفت في الهواء قبل أن تنزل على وجنتها، استطرد مهددًا:
- أنا مش عايز أمد إيدي عليكِ، لكن لو طولتِ لسانك أكتر من كدة لكون دافنك وانتِ حية مكانك هنا.
- ادفنيني، قطع من جتتي حتى، بس هات الفلوس أبوس إيدك، فهمي أكدلي إن انت اللي خدت الفلوس وادتهاله رد الدين بتاعك النهاردة، بأمارة كمان إنها ورق جديد من البنك.
قالت برجاء، فاأخرج هو سبة بذيئة من فمه نحو فهمي وهو يبتعد قليلًا عنها قبل أن يعود إليها متبجحًا:
- ماشي يازهرة أنا اللي خدتهم، وانتِ قولتيها بنفسك عشان أسد ديني؛ بعد انتِ ما اتخليتي عني ونشفتي راسك.
- أنا نشفت راسي، لكن هو ذنبه إيه؟
صاحت بها وتابعت:
- حرام عليك، أنا لو مسددتش الشهر ده السمسار هايفسخ العقد وتروح الشقة من خالي، وتروح الجوازة كلها كمان، دا أبوها المستشار بيتلكك وحالف بعد السنة ما فيش جواز، مش كفاية ضيع نص شبابه على بنتك اليتيمة كمان عايز تحرمه من حب عمره؟
أصدر من فمه صوت ساخر قبل أن يرد:
- وماله ياحلوة، مش عاملي فيها البطل وحامي الحمى، خليه يضحي شوية كمان.
- يضحي إيه تاني؟ يعني يموت بالحيا بقى عشان يرضيك؟
قالت صارخة قبل أن تنتبه على ضحكة ساخرة وصاحبها على مدخل الورشة يتقدم نحوهم ويردد:
- ههههههه عليا النعمة عرفت لوحدي، دا أنا أستاهل أوسكار بقى في الذكاء والمفهومية يا جدعان.
رد محروس من تحت أسنانه:
- أنت جيت يا وش الفقر، مش كفاية فتنت الأهل في بعضيهم؟
التفت على جملته بنظرة حانقة قبل أن تنتبه إلى هذا الكريه الذي تجاهل أباها ليقترب منها مرددًا:
- مستعد أرجعلك فلوس خالك دلوقتي حالًا وعليهم خمسين كمان مهرك، بس انتِ قولي آه.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السادس عشر 16 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
على أقدام جدتها كانت مستريحة برأسها، بعد أن أنهكها البكاء والجدال دون فائدة معه، نفذت طاقتها ولم تعد لديها قدرة على شيء، سوى الإستكانة بحجر جدتها التي كانت تلمس على شعرها بحنان.
بجوارها كانت جالسة كاميليا التي لم تقوى على المغادرة وترك صديقتها بهذه الهيئة الغير مطمئنة.
خيم الصمت ولم تعد سوى أصوات انفاسها الهادرة بالقهر مما حدث.
"مساء الخير."
هتفت صفية بالتحية بعد أن ولجت فجأة إليهم بداخل الشقة المفتوح بابها كالعادة.
فاستطردت بقلق حينما لم يرد أحد وقد انتبهت لهيئتهم الغير مطمئنة:
"في إيه ياجماعة مالكم؟ حصل حاجة؟"
تنهدت زهرة ترفع أنظارها إليها كما فعل الجميع وتجيبها بصوت متحشرج من أثر البكاء:
"إيه ياصفية؟ هو انتِ ماحدش قالك؟"
"قالي إيه بالظبط؟ انا واصلة من درس الأحياء حالًا، دا انا حتى معدتش على بيتنا عشان قولت اجي اذاكر عندك هنا على طول."
قالت صفية وهي تجلس على أقرب مقعد وجدته أمامها.
"أممم."
مصدرت من زهرة بتهكم.
وكان الرد من رقية:
"ابوكي سرق الفلوس اللي بعتها خالد امبارح من سفره ياصفية واداها لفهمي، سداد لدينه."
"يانهار اسود، دا حصل امتى وازاي؟ وعرف منين أساسًا؟"
هتفت صفية وهي تضرب بكفها على صدرها بجزع.
ردت كاميليا من ناحيتها:
"اهو دا اللي حصل بقى يا صفية، والدك عرف مكان الفلوس واتسحب أخدهم من الشقة بعد زهرة ما مشيت على شغلها؟"
تساءلت مرة أخرى بعدم تركيز:
"أيوة بس عرف ازاي؟ دي زهرة امبارح كانت متبتة على الشنطة ونبهت ان محدش يجيب سيرة خالص و.."
قطعت صفية جملتها وقد وعت أخيرًا لموقفها.
انتبهت عليها زهرة فاعتدلت بجذعها تسألها بتوجس:
"انتِ اللي قولتِ قدام ابوكي ياصفية؟"
نفت على الفور:
"لا والله ياابلة انا بس .."
"بس إيه؟ كملي يااختي واتحفيني، ما انا كان لازم اعرف من البداية ان انتِ الوحيدة اللي ممكن تطلع السر مابينا."
هتفت بها زهرة غاضبة وهي تشير بيدها على أربعتهم.
ردت صفية بدمعة ساخنة:
"والله ياابلة ماقولت قدام حد تاني غير أمي ودي انتوا عارفينها كويس، دي بتتمنالكم كل خير وبتحبكم."
أكملت رقية على قولها بتأكيد:
"سمية بنت حلال، لا يمكن تعمل حاجة زي دي."
سألتها زهرة بحدة:
"انتِ قولتي لامك امتى يابت.؟"
أجابت صفية وهي تمسح بظهر يدها الدموع المتساقطة على وجنتيها:
"الصبح كدة قبل ما اروح على مدرستي، بعد هو ماخرج وراح على ورشته، كنت معاها في الأوضة لوحدنا رغينا مع بعض شوية وهي بتطبق الهدوم، دا حتى البيت كان فاضي علينا واخواتي الصغيرين كانوا سبقوني على مدرستهم."
أغمضت زهرة عيناها بتعب.
وردت كاميليا من ناحيتها:
"كده اتفهمت ياصفية، يبقى والدك بعد ما اتخانق مع زهرة عالسلم دخل وسمعكم، ونفذ بوقتها على طول."
أجهشت صفية بالبكاء تردد بندم:
"ياريت كان اتقطع لساني قبل ما انطق ولا اقول كلمة حتى."
"بس الله يخليكي انا مش ناقصة، انا فيا اللي مكفيني."
هدرت بها زهرة بعدم تحمل.
فردت كاميليا ملطفة:
"خلاص ياجماعة اللي حصل حصل، خلينا في اللي جاي دلوقتِ، عايزين نشوف صرفة نسدد بيها اقساط الشقة."
قال زهرة بيأس:
"هانلحق امتى بس نجمع ولا نسدد ياكاميليا؟ دا احنا داخلين عالشهر السادس، يعني المطلوب هايبقى ٦٠ ألف دا اذا صاحبنا مافسخش العقد زي مابيهدد على طول."
اردفت كاميليا:
"ماهي المشكلة بقى اننا في أخر الشهر، يعني لو في أوله كنت جمعت أنا أي مبلغ معاكم ونكملهم حتى لو قسط واحد نسكت بيه الراجل صاحب البيت أو السمسار دا كمان."
هتفت رقية ردًا على حديث الفتاتين:
"ولا تجمعوا ولا تزفتوا، خالد راجل ويتحمل يعني لو...."
قاطعتها زهرة بحدة صائحة بتهديد:
"والنعمة لو عملتيها يارقية وقولتيله لكون سايبالك البيت وهاجة واحلف ما اخليكِ تشوفي وشي تاني."
تخصرت لها رقية تهتف:
"نعم ياعين ياستك؟ امال عايزاني أشوفك يابت في الوحلة دي وافضل ساكتة؟ ولتكونيش ياختي هاتنطسي في عقلك وتوافقي على هباب البرك فهمي عشان تردي فلوس خالك؟ دا انا ادفنك مكانك يابت."
هزت برأسها لتنفي بتعب.
ولكنها جفلت على سؤال كاميليا:
"صحيح يازهرة انت مقولتليش رديتي عليه بأيه الراجل ده بعد ماعرض عليكِ العرض اللي زي وشه ده."
هزت كتفيها تجيبها بابتسامة مريرة ساخرة:
"يعني كنت هاقوله إيه؟ اذا كان ابويا نفسه هو اللي غدر بيا، مشيت طبعًا من غير كلام."
ابتلعت رقية كلماتها الحادة بعد أن اللجمتها حفيدتها بالحقيقة المرة.
هتفت صفية من جهتها تسألها:
"هو ابن ال...... عرض عليكِ إيه بالظبط؟"
أجابتها كاميليا على الفور:
"عرض عليها ياستي انه يرجع لها الفلوس وعليهم كمان خمسين ألف زيادة في مقابل انه يبقى مهرها من جوازه بيها."
جزت صفية على أسنانها تردد بسبة:
"يا ابن الكل ........."
"مافيش منها فايدة الشتيمة ياصفية."
تفوهت بها زهرة وهي تعود لتلقي برأسها التي ثقلت من الصداع على حجر جدتها.
فخاطبتها كاميليا:
"طب احنا مش هانشتم يازهرة، لكن الحل ايه بقى؟"
تنهدت بثقل تجيبها:
"ربنا يحلها من عنده بقى؟ ومن هنا لبكرة ماحدش عارف ربنا كاتب إيه؟"
.....................................
"ايه دا يازهرة؟ طلب سلفة!"
قال جاسر وهو يتمعن النظر في الورقة التي دستها بين الملفات أمامه.
تعرقت زهرة وخرج صوتها بصعوبة من الحرج:
"ايوة حضرتك، انا كنت عايزاك تمضيلي عليها النهاردة لو تسمح؟"
"مش حكاية اسمح، بس دا مبلغ كبير بالنسبة لموظفة جديدة زيك."
عضت على شفتيها وهي تجاهد للتماسك أمامه في قولها:
"عارفة يافندم، بس انا محتاجة المبلغ ضروري."
"ليه؟"
اعتدل بظهره يواجها بنظراته جيدًا وهو يعيد على أسماعها بسؤاله:
"بسألك عايزة المبلغ في إيه؟"
أزدرفت ريقها وهي مطرقة رأسها أمامه وردت بصوت خفيض:
"يعني وهو انا لازم اقول واحكي يافندم؟"
"طبعًا لازم اعرف السبب قبل ما امضي، ان كنتِ طلباها بسبب أزمة مالية، أو تجهيز لجواز مثلًا."
خرجت الأخيرة من تحت أسنانه قبل أن يستطرد:
"ثم متنسيش كمان انك موظفة يدوب من شهور قليلة وعلى قوانين الشركة ماينفعش السلفة غير على الأقل لما تكملي سنة."
أومأت برأسها بخيبة أمل متمتمة تستأذن للذهاب:
"تمام يافندم، عايز حاجة مني قبل ما اخرج؟"
تنهد قانطًا وهو يعود لعمله ويتناول أحد المستندات:
"خدي الملف دا راجعيه واعمليلوا ملخص."
همت تتناوله ولكنها تفاجأت بعدم سماحه لمرور الملف من يده إليها بتشديده على إمساكه.
رفعت عيناها إليه بتفسير، فأعطته الفرصة بدون قصد؛ للنظر جيدًا إلى وجهها الحزين وعيناها التي كان بها أثر احمرار من فرط بكاءها أمس مع بعض الهالات الصغيرة حولها نتيجة لسهرها طوال الليل بالتفكير في الكارثة التي حلت عليها.
فسألها:
"إنتِ كنتِ معيطة؟"
نفت برأسها وهي تحاول سحب الملف من جديد ولكنه فاجأها بترك الملف، ليقف فجأة مقابلها يحدق بها من مستوى طوله ويُعيد إليها السؤال بقلق:
"في إيه يازهرة بالظبط؟ وايه اللي مزعلك قوي كده؟"
أجابت بإنكار وقد أصابها التوتر من هذا القرب المفاجئ له ورائحة عطره غطت على الهواء حولها:
"لا حضرتك مافيش حاجة، ماتشغلش بالك انت."
صمت قليلًا ليزيد بداخلها الشعور بعدم الراحة قبل يردف بصوته الأجش:
"انا مستعد اديكِ اللي انتِ عايزاه، بس انتِ تقولي السبب."
"سبب إيه؟"
سألته وهي ترفع عيناها إليه.
أجابها يومئ بذقنه نحوها:
"السبب اللي مخليكِ بالشكل ده؟"
ارتدت قليلًا بتوتر ثم قالت تواجهه بشجاعة:
"حضرتك قولت من ثواني بس مافيش سلفة لموظفة جديدة زيي غير لما اكمل سنة، يبقى الفلوس اللي هاتدهاني، دي هاتبقى ازاي بقى؟"
أجفلته بردها كالعادة فقال بهدوء مع ابتسامة جانبية:
"انا مستعد اعملك استثناء يازهرة، بس انتِ قوليلي مشكلتك."
صمتت قليلًا وعيناها الجميلتان تقابل عيناه الصقرية دون الخجل الذي يعتريها كالعادة تفكر بكلماته بتأني قبل أن تجيبه بردٍ مناسب:
"متشكرة جدًا يافندم على اهتمامك، بس انا ما أفضلش ابدًا اني اعالج مشكلتي بإنك تستثنيني عن بقية الموظفين."
حينما لم يتحرك وظل على جموده أمامها تحركت بخطواتها تستأذنه للخروج وقد أصبح الملف في يدها:
"طب انا ماشية يافندم، عايز مني حاجة تاني؟"
بهزة بسيطة من رأسه أجابها بالنفي لتخرج وتتركه على وضعه.
تبعه بعيناه حتى أغلقت الباب خلفها، ليسقط على طرف مكتبه جالسًا يمسح بكفه على شعر رأسه ووجهه بتفكير.
.............................
بعد خروجها من مكتبه وجدت غادة جالسة أمام مكتبه تتأمل بأظافرها التي طلتها منذ قليل في وقت انشغال زهرة بالداخل.
مديرها:
"صباح الخير انتِ جيتي ياغادة، ماشوفتكيش يعني من الصبح؟"
قالت زهرة وهي تجلس على مقعدها خلف المكتب:
"جيت من زمان ياحبيبتي، بس انتِ اتأخرتي قوي جوا، قولت اسلي نفسي."
"غاااادة خلي بالك من كلامك."
خاطبتها زهرة بتحذير.
التفت اليه الأخرى برأسها تقول بمكر:
"الله بقى هو انا قولت أيه يعني؟ ولا انتِ كل كلمة مني لازم تاخديها بضمير وحش؟"
ردت زهرة بشبه ابتسامة ساخرة:
"يعني المشكلة بقت فيا انا دلوقت ان ضميري بقى وحش؟ ماشي ياستي، المهم بقى انا كنت عايزاكي في حاجة ضروري."
رددت غادة وهي تعتدل بجلستها نحوها باهتمام:
"حاجة ايه دي اللي انتِ عايزاني فيها ضروري؟"
سألتها زهرة بتردد:
"انا عرفت ان والدك سوى معاشه بعد ما كمل مدته في شغل الحكومة."
"ايوة ياختي سوى معاشه وقعد لنا في البيت زي الست المطلقة، دي امي هاتطق من جنابها منه."
قالت غادة وهي تلوح بيدها في الهواء بنزق.
اردفت اليها زهرة:
"دا انا سمعت كمان انه مكافأت الشغل في المصلحة بتاعتهم بتبقى مبالغ حلوة."
"ايوة هي المكافأة كانت كويسة يعني بس طبعًا قبض المعاش قل كتير قوي على مرتب الشغل اللي كان بيقبضه كل شهر........"
توقفت فجأة عن استرسالها فسألت زهرة بدهشة:
"بس عجيبة يعني، دي اول مرة تسأليني!"
ردت زهرة بسؤالها مباشرةً:
"غادة هو انتِ ابوكي يرضى يسلفني مبلغ كدة احل بيه مشكلتي؟ وانا والله هاعمل جمعية واردلوا المبلغ كامل في أقرب وقت."
أربكتها المفاجأة في البداية ثم تداركت تردد بتبرير:
"ياريت ياحبيبتي كنت اقدر اكلمه ولا اقولوا حتى، اصل ابويا دا بمية حال ومحدش يعرف ابدًا بيفكر في إيه؟"
"بس عمتي تعرف، ابوكي مش بيمشي خطوة من غير شورتها، كلميها ياغادة ولا أجي أنا اكلمها بنفسي، ابويا خد الفلوس اللي بعتها خالي لاقساط شقته وراح سد بيها دين فهمي، خليها توقف معايا والنبي، شقة خالي هاتروح مني."
قالت زهرة كلماتها برجاء وكان رد الأخرى مصممة بشفتيها تدعي الحزن قبل أن تجيبها باصطناع:
"ياعيني عليكِ يابنت خالي، دا انت واقعة في مصيبة على كدة، بس ياريت والنبي كنا نقدر نساعدك، ما انا نسيت اقولك، ابويا بعد ما سحب الفلوس من شغله راح بيهم دوغري واداهم لواحد صاحبه هايعمل معاه مشروع، اهو يشغل نفسه بدل مايناكف في أمي ويقرفها."
"يناكف في امك ويقرفها!"
رددت زهرة بعدم تصديق وهي تتمتم بداخلها:
"دا يتعملوا تمثال أساسًا في التناحة والجلد التخين من كتر التهزيق اللي بياخده منها، على العموم انا كنت عارفة من الأول ان مافيش رجا منك ولا من امك، قال يا مستني السمنة من بطن النملة!"
..................................
وفي عملها كاميليا وبعد انتهائها من اجتماع مهم بانصراف الوفد الضيف والقادم من شركة على وشك التعاون معهم.
زفرت بتعب وهي تلقي نظارتها على سطح الطاولة الجالسة عليها، تفرك بأطراف أصابعها على جبهتها من الإرهاق.
"ايه مالك؟ هو انت تعبتي ولا ايه؟"
سألها طارق بعد أن عاد للجلوس أمامها.
أجابته وهي تريح رأسها على كف يدها المستندة على الطاولة امامها:
"بصراحة هاموت، انا كان هاين عليا اسيب الإجتماع واهرب واسيبكم."
"مدام تعبانة كنت عملتيها بجد، تيجي على نفسك ليه يعني؟"
ردت وهي تفتح عيناها اليه جيدًا:
"دا بجد بقى ولا هزار."
"لا والله ما هزار انا بتكلم جد، هو البني ادم يملك ايه تاني غير صحته عشان يضحي بيها يعني؟"
قال بصدق وصل إليها فاأجابته بابتسامة مشرقة:
"مرسي ياسيدي متشكرين على زوقك."
راقه ابتسامتها الصافية على وجهها الجميل ولون القهوة بعيناها وهو يتحقق من لونهم لأول مرة عن قرب، فقال ليجلي رأسه من الأفكار التي طرأت فجأة بها:
"هو انا ممكن أسألك عن سبب تعبك والأرهاق الشديد اللي باين على وشك؟ اصل دي مش عوايدك بصراحة؟"
وعلى عكس المتوقع أجابته:
"بصراحة هي مش مشكلتي انا، هي مشكلة واحدة صاحبتي، أو بالأصح هي مصيبة مش مشكلة."
"ياه لدرجادي؟"
"وأكتر من الدرجادي كمان، الخيانة لما تيجي من اقرب الناس إليك بتقسم الضهر، خصوصًا لما يكون الشخص ده المفروض يكون هو السند او الركن الحنين اللي ممكن ترمي حملك عليه بقلب مليان، يطبطب عليك وقت جرحك ويقويك."
قالت كلماتها الأخيرة بشرود لفت انتابهه، فسألها بفراسة:
"هو انتِ تقصدي راجل ولا ست؟ اصل انا حاسك بتتكلمي عن الاتنين."
أجفلت تتدارك نفسها وتعتدل بجلستها وهي تتناول نظارتها مرة أخرى جعلته يصيح بداخله معترضًا كارهًا إخفاءها للون القهوة، فقالت بجدية:
"كنت عايزة أسألك يعني لو تعرف، عربيتي دي لو حبيت ابيعها تجيب كام، اصل انا اشتريتها تقسيط ومعرفش التمن الأصلي."
قطب يسألها بدهشة:
"ولما انتِ اشتريتيها تقسيط، عايزة تبيعها ازاي بقى قبل ما تخلصي اقساطها؟"
أجابته بابتسامة مرتبكة:
"يعني انا بسألك عشان لو حبيت ابيعها عشان اجيب غيرها، هاتعرف تقدرها؟"
مط بشفتيه مرددًا بتفكير:
"مش عارف بصراحة، لأني مجربتش النوع بتاعها، بس ممكن اسأل ناس اصحابي واشوف واقولك."
.............................
في وقت استراحة الموظفين، خرجت زهرة لتجلس بداخل كافتيريا الشركة بركن وحدها بجوار النافذة الزجاجية الكبيرة، تتأمل الأشجار الخضراء أمامها وعقلها يسبح في العديد من الأفكار لحل لهذه المعضلة.
"مش بعادة يعني تقعدي لوحدك من غير غادة."
ارتفعت عيناها اليه وقد علمته من صوته، ردت بابتسامة:
"لا ما احنا حبينا نغير بقى، اقعد ياعماد انت محتاج عزومة؟"
جلس على الفور وسألها:
"شكلك متغير، هو انتِ في حاجة مزعلاكي يازهرة؟"
رددت بابتسامة متوسعة رغم الحزن الذي سكن داخلها:
"هو باين عليا اوي كدة؟"
"باين جدًا يازهرة، حتى لو خبيتي وداريتي بابتسامتك."
أومأت برأسها قبل أن ترتشف من فنجانها، فتابع:
"فكي يابنتي وسيبي حمولك على الله، قادر ربنا يحلها."
قالت بابتسامة مشرقة:
"انت طيب قوي ياعماد."
ردد خلفها:
"مش أطيب منك يازهرة، انتِ ربنا ميزك بالاتنين، حلوة من جوا ومن برا."
حاولت تخفي ابتسامة خجلة فضحها تورد وجهها، وهي تتهرب من نظراته بارتشافها من القهوة باللبن، طلبها الدائم.
..................................
نهض فهمي من جلسته على القهوة التابعة له، بعد أن نبهه أحد صبيانه عن وجود من يسأل عليه بزاوية قريبة من القهوة.
تمخطر بخطواته وهو يتحقق من الجسد الصغير والتي كانت تتلفت يمينًا ويسارًا بتوتر قبل ان تنتبه لوجوده فانتفضت تلاقي من ضخامة جسده وهيئته الإجرامية قبل ان تتدارك نفسها أمامه وقالت:
"انا اللي كنت عايزاك ياعم فهمي."
رد فهمي بابتسامة ساخرة:
"نعم يابيضة، وكنتِ عايزة عمك فهمي في ايه بقى؟"
ابتعلت ريقها تشجع نفسها وهي تحاول تذكر الكلمات التي ظلت تحفظها طوال الليل عسى أن يرق قلب الحجر:
"طبعًا انت عارفني ياعمي، ماانت ياما جيت بيتنا قبل كدة، والنبي وحياة غلاوة أغلى حاجة عندك، رجع الفلوس اللي بعتها خالد لاختي، دي الشقة هاتضيع منه والله."
ضحك بدون صوت وهو يحدق بها بنظراته الوقحة يجيبها:
"طب ما انا عايز ارجعها ياعسل، بس اختك هي اللي مش راضية، ماتقنعيها ياقمر مدام انتِ كدة عاقلة وشاطرة، ولا اقولك ... ماتيجي انت ياصغنن، حكم عمك يحب يرم جسمه برضوا بالبدارة."
تسمرت صفية تنظر بصدمة من وقاحة الرجل التي تعدت الحدود، حتى أجفلت على صيحة من خلفها باسمها.
التفت إلى شقيقتها التي كانت واقفة بوسط الشارع بوجهها الغاضب، تشير اليها بكفها.
هرولت على الفور اليها تترك هذا البغيض الذي ردد من خلفهم بصوته العالي:
"آه ياني ياما، طب اختار مين فيهم ياجدعان دلوقتِ، الوظوظ الصغنن، ولا الوحش اللي مطير النوم من عيني ليلاتي؟"
........................
هتفت زهرة فور ان ادخلتها إلى داخل المنزل معها وهي تدفعها بعنف امام نظرات رقية الجالسة بوسط الصالة كعادتها في هذا الوقت:
"انتِ اتجننتِ يابت؟ واقفة مع فهمي في نص الشارع وبتتكلمي وتتحاكي معاه كمان؟"
ردت صفية بتوتر وندم:
"امال اعمل ايه ياعني وانا شايفاه بيشتري ويبيع فينا؟ افضل ساكتة وانا السبب في كل اللي حصل؟ قولت اكلمه يمكن قلبه يحن."
"ها ياختي وقلبه حن بقى على كلامك؟"
سألتها زهرة ساخرة فردت صفية تنفي برأسها:
"لأ طبعًا دا عاكسني وقالي اتجوزيني كمان."
"قال ايه ياختي؟"
هتفت عليها زهرة وهي ترفع بقبضتيها في الهواء، تجاهد للتحكم في انفعالها معها.
ثم، ما لبثت أن تدفعها من أمامها وهي تتجه نحو غرفتها مغمغة بالكلمات:
"انا لازم اشوف صرفة، لازم اشوف حل النهاردة."
سقطت صفية بجوار رقية التي لكزتها بقبضتها:
"ارسي على حيلك بقى وبطلي عمايل العيال بتاعتك دي، مش كل الناس عبيطة زيك!"
وإلى زهرة التى تسمرت بجوار خزانة ملابسها بعد أن اخرجت سلسال والدتها الحبيبة من الصندوق القديم، تنظر اليه بحسرة، وقد اجبرها الظرف المقيت لبيعه، عسى بالمال الذي سيأتي من خلفه، ان يساهم بحل جزئي لمشكلتها.
"كان نفسي احافظ عليك عشان من ريحة الغالية لكن اعمل ايه بقى؟ سمحيني ياامي."
تفوهت بها بقهر المغلوب، على أمره.
......................................
ترجلت من سيارة الأجرة التي أوقفتها سريعًا فور ان رأت الرجل المقصود أمامها خارج من البناية التي بها مكتبه، يتحدث مع الحارس قبل أن يتوجه لسيارته.
"أستاذ ماهر، لو سمحت استنى."
التفت على مصدر الصوت الرجل قبل أن يهم يفتح باب سيارته، ينتظر قدومها بنظرات متفحصة خلف النظارة الشمسية.
اقتربت زهرة تحدثه بلهاث نتيجة عدوها السريع نحوه:
"الحمد لله اني لحقتك، خوفت لا محصلكش زي امبارح."
"أهلًا ياأنسة زهرة، يارب تكون جيتك على خير المرة دي."
تفوه بها الرجل الأربعيني بلهجة ممتعضة وصلت لزهرة التي ابتعلت ريقها تخاطبه بحرج:
"خير ان شاء الله ياأستاذ ماهر، انا بس عايزاك تفهمني الأول."
أومأ لها بكفه معترضًا:
"لا عايز اسمع ولا عايز افهم، هي كلمة وبس، خالك اللي قاعد يتمرمغ في فلوس الخليج، افتكر العبد الغلبان في الأقساط اللي عليه ولا لأ؟"
"والله بعت قسط خمس شهور اول امبارح وجيتلك هنا عشان اسددهم حتى اسأل الساعي بتاعك، بس انت بقى مكنتش موجود."
قالت زهرة بلهجة مترجية فعاجلها بطلبه:
"ياستي واديني جيت وقدامك أهو، فين بقى الفلوس؟"
عضت على شفتيها تردد بهمس:
"للأسف الفلوس اتسرقت."
ردد خلفها بغضب:
"نعم! ولما هي اتسرقت بقى جايلي ليه أُنسة؟ ولا دي حجة جديدة للتأخير تاني؟ لأ بقى بقولك ايه ماتزعليش مني لما افسخ من بكرة، انا كدة عداني العيب يابنت الناس، عن إذنك بقى."
"استنى والنبي يااستاذ ماهر واسمعني؟"
هتفت بها وهي توقفه حتى جذبته من مرفقه بدون قصد، فالتف اليها برأسه بنظرة مذهولة جعلتها تتدارك نفسها لتنزع يدها سريعًا مردد باعتذار:
"انا آسفة معلش، هما كلمتين بس عايزاك تسمعهم مني."
نزل بعيناه نحو كفها التي تشير بها فسألها بغموض:
"كلمتين ايه بالظبط اللي عايزاني أسمعهم؟"
أجابته ببرائة غافلة عن عيناه المتخفية تحت النظارة التي تغيرت بها النظرة اليها:
"انا جايالك النهاردة عشان اعمل معاك اتفاق يااستاذ ماهر، وطمعانة في كرمك ان توافق عليه."
تحمحم يجلي حلقه ليهتف على حارس البناية وهو يرفع بيديه حزام بنطاله الذي يتساقط دائمًا مع تهدل كرشه في الأمام:
"عبد السميع خلي بالك من العربية على ما اطلع شوية كدة اتفاهم مع الآنسة في مكتبي."
أومأ له الرجل بالإيجاب وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته يجيبه بلهجة غير مفهومة:
"انت تؤمر يابيه."
"هو انا هاطلع معاك المكتب دلوقتِ؟"
سألته باستفسار.
أجابها بانفعال:
"امال عايزانا نتفاهم في الشارع ياأنسة ولا ايه؟ انا مافياش حيل للوقفة كتير."
أومأت برأسها رغم قلقها وسارت خلفه تتبعه للصعود على الدرجات القليلة المؤدية لمكتبه في الطابق الأرضي.
تبعتهم نظرات حارس المبنى الذي كان يمصمص بشفيته بعدم رضا.
..................................
بعد قليل كانت جالسة أمامه تشرح وهي تضع المبلغ الذي بيدها على سطح المكتب:
"دول سبعة آلاف وبعد بكرة ان شاء الله هاجيبلك من القبض ٣ آلاف، كدة يبقى كملنا قسط واحد والباقي ان شاء الله هاتصرف فيهم واجيبهم."
"وانتِ بكدة هايبقى حليتي ايه ياأنسة؟ ما هو بعد بكرة هانكون دخلنا في الشهر الجديد، يعني هايبقوا ست شهور، وهايفضلوا برضوا الخمسين ألف جنيه."
سألها باسترخاء وهو جالس بأريحية على مقعده خلف المكتب.
أجابته برجاء:
"ماانا بقولك هاحاول اتصرف ان شاء الله، انا بس مش عايزك تفسخ العقد وتضيع الشقة من خالي، دا احنا مصدقنا."
"هو خالك عارف بالكلام ده؟"
هزت برأسه تنفي سريعًا في إجابة عن سؤاله.
فصمت قليلًا ينظر نحوها بوجه مغلف وهي تنتظر إجابته على أحر من الجمر.
ثم مالبث أن يقول:
"بصراحة ياأنسة انتِ صعبتي عليا قوي بعد كلامك ده، بس دي فلوس ناس وانا أخرِى وكيل عن صاحب العمارة، يعني مش عمارتي انا شخصيًا، بس ااا."
"بس إيه؟"
سألته بلهفة بعد أن أصابتها كلماته بالأحباط وخيبة الأمل.
نهض عن كرسيه بخطواتٍ متمهلة حتى وصل ليجلس مقابلها امام المكتب، اردف بصوت خفيض:
"بس انا ممكن اتفاهم مع الراجل بأي حجة عشان خاطرك."
نهضت منتفضة عن مقعدها فور ان امتدت كفه لتربت على ركبتها فسألته بأعين نارية غاضبة:
"في إيه؟"
ردد متصنعًا عدم الفهم وهو ينهض خلفها:
"يعني هايكون في إيه بس ياأنسة؟ انا بس بحاول اخفف عنك، ثم انتِ قولتِ هانتفاهم؟"
"انا قولت هانتفاهم وقولتلك عاللي في إيدي، يعني مش قصدي حاجة تانية ليكون فكرك يروح لبعيد."
هتفت بها بحزم لم يؤثر فيه، فقال ببرود:
"وانا احترمتك ياأنسة زهرة طبعًا، ومستعد كمان اديكي دلوقتِ حالًا وصل شهرين مش واحد، وابقى وفرت عليكِ ١٠ آلاف جنيه زيادة، ايه رأيك بقى؟"
فغرت فاهاها ورأسها تتحرك بعدم تصديق وقد تأكد ظنها من هذا الرجل.
"اما صحيح راجل خرفان ومجنون."
هتفت وهي تتحرك بخطواتها نحو باب الغرفة.
ولكنها تفاجأت به يعترض طريقها بجسده البدين يردد:
"جرا إيه ياعسل ماتبقيش طماعة، هو انتِ عايزاني اتنازلك عن كام شهر بالظبط؟"
حاولت جاهدة للتماسك وعدم البكاء أمامه وهي تحاول للهروب منه حتى وصلت لباب الغرفة حاولت الفتح بتحريك قبضته ولكن لا فائدة.
صرخت بجزع:
"انت قافل الباب بالمفتاح ولا إيه؟"
ضحك بسماجة لا تليق بالموقف:
"لأ طبعًا ياغزال دا عيب في الباب نفسه، ليكي عليا من بكرة اجيب النجار يصلحه، بس تعالي دلوقتِ والنبي قال الأخيرة وهو يندفع بجسده ليهجم عليها فقفزت تبتعد عنه مستغلة خفتها وثقل حركته، وتناولت أول شئ تطوله يداها من على سطح المكتب، فصاحت مهددة بقلب يقفز بين أضلعها كأرنب مذعور:
"اقسم بالله لو ما اتحركت وفتحت الباب لكون فاتحة دماغك باللي في إيدي دي."
ردد مقهقهًا:
"هاتفتحي دماغي بدباسة الورق يخرب عقلك ياشيخة، تعالي يابنت الناس وليكي عليا اضحيلك بشهر تالت كمان، بس خلاص بقى ماتتعبيش قلبي."
حينما وجدت انه لا فرصة للنجاة مع هذا القبيح تركت مابيدها وتوجهت نحو النافذة، لتفتحها بنية صادقة تهدده بعد أن صعدت اليها بفضل الكنبة الجلدية أسفلها:
"خطوة تاني هاتتحركها واكون رامية نفسي في الشارع وجيبالك مصيبة وعليا وعلى اعدائي."
"ايه ده ايه ده هو انتِ بتتكلمي جد ولا إيه؟"
أردف بها وهو يتقدم بخطوته فصرخت هي بصوت عالي توقفه:
"بقولك اوقف مكانك وافتحلي الباب لارمي نفسي من الشباك حالًا دلوقتِ."
وقبل ان ينبت ببنت شفاه اندفع الباب فجأة بدفعة كبيرة من الخارج أدت لكسره، ودلف منه رجل ضخم الجسد يهجم عليه و يقيد حركته وهو يغمغم بالكلمات المنددة والمندهشة:
"انت مين ياجدع انت؟ واذا تقتحم المكتب من غير احم ولا دستور كدة؟"
شهقت زهرة بعدم تصديق وقد علمت بهوية الرجل والذي كان إمام حارس مديرها في العمل رغم تعجبها لحضوره، لتجفل منتفضة على صيحة غاضبة غفلت عن صاحبها الذي كان واقفًا على مدخل الباب في غمرة فرحتها بنجدتها:
"هاتفضلي واقفة عندك كتير؟ اتحركي وابعدي عن الشباك."
تسمرت محلها تنظر اليه باذبهلال ليُفيقها بصيحة أقوى بوجهه الذي توحشت ملامحه:
"أخلصي ياللا وتعالي من عندك."
على الفور تحركت مسرعة تهبط من الكنبة الجلدية حتى اقتربت لتفاجأ به وهو يقبض على كفها ليقربها منه اكثر ويرمقها بنظرة نارية قبل أن يتجه بأنظاره الى حارسه الشخصى الذي سأله:
"اعمل في إيه دا ياباشا؟"
أجابه بقوة:
"اكسرله ايده، عايز اسمع صوت ايده وهي بتتكسر."
وقبل أن تستفسر عن ماسمعته فوجئت بصرخة عاليه من الرجل مترافقة بصوت كسر العظام الذي سمعته حقًا مما جعل غمامة سوداء تلفها لتسقط مغشيًا عليها وتتلقفها ذراعيه القويتان وهو يهتف باسمها:
"زهرة، زهرة."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل السابع عشر 17 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كتمثال من الشمع تجمدت محلها لا تتحرك ولا حتى ترمش بعينيها. لا تصدق أو تستوعب أن ما تراه إن كان حقًا أم أنه محض وهم في خيالها وقد تشوشت الرؤية أمامها.
حتى عندما وصل إليها أبوها ليقبلها من وجنتيها أمامه في عرض رخيص، أثار حنقها منه أضعاف. قبل أن يسحبها من ذراعها لتجلس بجواره قريبًا من جاسر، الذي كان يجلس مقابلهم بمسافة قريبة جدًا على الأريكة البيضاء الضخمة بالغرفة الواسعة والتي تليق بجلوس جاسر مع كبار الزوار؛ وليس أبوها الذي كان يهتف بسعادة:
- تعالي ياقلب أبوكِ تعالي، تعالي يا وش السعد أنتِ. يكون في علمك يا جاسر بيه، زهرة دي جوهرة نادرة وما يعرفش قيمتها غير جواهرجي. واخد بالك يا باشا؟
أومأ له بابتسامة عريضة جاسر:
- واخد بالي طبعًا يا عم محروس، أمال أنا اخترتها دونًا عن كل اللي أعرفهم ليه.
خرج صوتها أخيرًا بتساؤل لكليهما:
- هو في إيه بالظبط؟ أنا مش فاهمة حاجة.
- فيه الهنا وتحقيق الأماني يا حبيبة قلب أبوكِ. ياريت أمك الغالية كانت عايشة دلوقتي، دي كانت هاتطير من الفرحة. إهئ......
أردف محروس وقطع جملته يمسح بمنديله الدموع التي لم تراها زهرة، ليكمل لجاسر الذي ظهر على وجهه التأثر:
- والله يا جاسر يا ابني....
غمغمت الكلمة مع نفسها بعدم تصديق، تحدجه بنظرة نارية وهو يستطرد أمام جاسر الريان:
- مش أنا بعز مراتي اللي هي على ذمتي دلوقتي، لكن وربنا ما حبيت ولا هانسى أبدًا حبي لوالدة زهرة ربنا يرحمها يا رب. إهئ.....
قال جاسر أمام نظرات الذهول التي اكتنفت زهرة من الأفعال الغريبة لهذا الرجل المدعو أباها:
- ربنا يرحمها يا رب ويصبرك يا عم محروس، بس خلينا دلوقتي بقى في المهم.
- إيه هو المهم؟
سألت زهرة بنفاذ صبر، فجاء الرد من جاسر:
- المهم يا زهرة هو إني خطبتك من والدك ووافق.
ردت زهرة بتهكم وهي تنقل عينيها بين الاثنين:
- وافق على إيه بقى؟ على جوازي منك في السر؟
- سر إيه يابنتِ؟ هو إحنا بتوع سر برضوا؟ إيه اللي أنتِ بتقوليه دا يازهرة؟
قال محروس بتشنج لم تصدقه زهرة، والتي مالت إليه برقبتها ترمقه بنظرة ساخرة قبل أن تلتفت على قول جاسر:
- أنا فهمت والدك يا زهرة ظروفي. إحنا هانتجوز بمعرفة والدك وخالك وأهلك اللي بتثقي فيهم، بس هايتم في دايرة محدودة عشان الخبر مايوصلش للإعلام. ودا طبعًا هايكون شيء مؤقت على ما أخلص أنا من مشاكلي مع بنت خالتي، اللي هي مراتي حاليًا.
- وأهلك؟
خرج سؤالها بحدة، فجاء الرد من جاسر بثقة:
- هاقول لوالدي. أما والدتي فدي هاتتأجل شوية عشان بنت اختها، لكن طبعًا هاعرفها بعدين على ما تهدى الدنيا والأمر يبقى واقع. ها، في حاجة تاني؟
تدخل محروس بقوله:
- هايكون في إيه تاني بس يا باشا؟ ما أنت ضبطت الدنيا وكل حاجة تمام أهو.
بنظرة حانقة رمقت والدها قبل أن تلتفت إلى جاسر تسأله:
- أيوه بس أنت بتقول دايرة محدودة عشان مايوصلش الخبر للإعلام، يبقى هاعرف إزاي أنا بقى أهل حتتي وكل اللي أعرفهم؟
أجاب بنظرة مسيطرة وهو يلوح أمامها بسبابته:
- أنا قلت الناس الثقة من أهلك، يعني مش أي حد وخلاص. وإن كان على أهل حتتك؛ هما لازم يعني يشوفوني ويعرفوا أنا مين يعني؟ ما كفاية عليهم يعرفوا إنك اتجوزتي راجل مهم وخلاص.
- عندك حق يا باشا، دا أنا ممكن حتى أقول إن اللي اتجوزها شيخ ولا أمير من الخليج، حد له عندنا حاجة؟
قال محروس وهو يدخل في الحديث مرة أخرى وأكمل على قوله جاسر بنظرة متحدية:
- أنا كده يبقى عملت كل اللي أنتِ طلبتيه يا زهرة، ولا عندك سبب تاني للرفض؟
أجفلها بسؤاله فانعقد لسانها عن الرد بكلمة مفيدة، فكيف ترد على شيء هي لم تفكر فيه من الأساس؟ فرفضها من البداية كان بناءً على أمر يستحيل حدوثه مع عدم قبولها لدور الزوجة السرية، أما الآن فهو قرب المسافة بأسلوبٍ غريب جعله يرضي الطرفين، ولكن هي لم تحسب نفسها أبدًا طرفًا في قضيته!!
- ها يا زهرة ساكتة ليه ماتردي؟
أجفلها جاسر بسؤاله الملح، فجاء الرد من أباها:
- ودي عايزة مفهومية يا جاسر باشا، دا حتى بيقولوا في الأمثال إن السكوت علامة الرضا، ولا أنت عايزني أفهمك؟
أنشق ثغره بابتسامة فرحة ليقول بلهفة:
- خلاص يبقى نقرا الفاتحة يا عم محروس وخير البر عاجله.
- طبعًا يا باشا.
أردف بها سريعًا محروس قبل أن يرفع كفيه يقرأ بينهم سورة الفاتحة مع جاسر الذي أنهاها سريعًا ليرمق زهرة بنظرة ظفر وانتصار لقرب حصوله عليها، أما هي فكانت كالتائهة أو مخطوفة مما يحدث معها الآن وهي لا تدري إن كان خطأ أو صواب.
بعد قليل كانت جالسة على مكتبها تخطو بالقلم خطوطًا كالدوائر على الورقة البيضاء أمامها، مستندة بمرفق يدها الأخرى على سطح المكتب والتي استراحت عليها وجنتها وقد لف برأسها الشرود، بعد أن تركت جلستهم هاربة من شيء لازالت لا تصدقه، تسأل نفسها عما حدث، وعقلها لا يستوعب السرعة أو الطريقة التي تم بها خطبتها؛ يا إلهي هي فعلًا أصبحت الآن خطيبته؟
- سرحانة في إيه؟
انتفضت عائدة برأسها للخلف وقد فاجأها بظهوره، مقربًا وجهه منها وقد دنا برأسه نحوها، تلعثمت في ردها مع هذا الوضع الغريب:
- ااا عادي يعني.
ردد خلفها بابتسامة بعرض وجهه:
- عادي؟ طب قومي يلا وحصليني على المكتب.
قال وذهب من أمامها على الفور. بربرشت بعينيها خلفه تنظر في أثره باستغراب مرددة:
- هو إيه اللي بيحصل؟
في طرقة الطابق الأول للشركة كانت خارجة من إحدى الغرف التي سملت بها إحدى المهام الموكلة بها، تتغنج بخطواتها كالعادة لتجذب أنظار الجميع إليها. انتبهت على أحد الرجال من العملاء الذي التفت رأسه إليها وتركزت أنظاره عليها يشملها بنظرة إعجاب نثرت السعادة بداخلها، قبل أن يعود ليكمل طريقه دون الالتفات مرة أخرى أو التوقف وكأنه استكفى بالنظرة. زفرت داخلها بإحباط لعدم تحقيقها هدف حتى الآن بهذه الشركة، قبل أن تنتبه فجأة على رؤية خالها محروس وهو خارج من المصعد مع كارم مدير مكتب جاسر ريان في كل مجموعته وفي طريق خروجهم من الباب الرئيسي، هرولت بخطواتها كي تلحقه ولكن المسافة كانت شاسعة. ودت لو تخلع حذائها ذو الكعب العالي ولكنها تذكرت شكلها أمام عمال وموظفي الشركة، فتحرك فمها بالهتاف باسمه مع الحذر في نبرة صوتها:
- يا خالي استنى يا خالي، يا خالي.
وصلت إلى مخرج الشركة لتصعق برؤية خالها وهو يعتلي لداخل السيارة بجوار كارم؛ الذي انطلق على الفور. دبّت بقدمها على الأرض وقد أصابها الإحباط لعدم إشباع فضولها في معرفة ما يحدث، قبل أن تلتقي أنظارها بهذا الغليظ الذي كان يتابعها وهو ينظر لها بابتسامته السمجة المعهودة. همت لتتجاهله أو ترمقه بنظرة حانقة كالعادة ولكن عقلها أبى هذه المرة إلا أن يعلم بالذي يحدث من خلف ظهرها، فردت وجهها تتصنع الابتسام وهي تخرج من المخرج الرئيسي لتهبط الدرجات الرخامية القليلة حتى تذهب إليه. انتبه هو فخطا مقربًا المسافة إليها:
- صباحنا نادي النهاردة، إيه يا قمر؟
أردف فور أن اقترب منها، ردت هي تتصنع اللطف:
- صباح الخير يا...، مرسي أوي على ذوقك.
أطلق ضحكة ساخرة مرددًا:
- مرسي!! أخرابي ياما ههخخخ.
عضت شفتها غيظًا من هذا الرجل، والذي دائمًا ما يشعرها بأنه يكشف ما بداخل عقلها، تماسكت لتسأله:
- معلش يعني لو هاقطع عليك وصلة الضحك بتاعتك، بس أنا كنت عايزة أسألك عن الراجل اللي ركب العربية مع كارم دلوقتي.
رد إمام على الفور:
- قصدك على عم محروس أبو الآنسة زهرة؟
برقت عيناها باللهفة بعد سماع كلماته فتشجعت تسأله:
- أيوه هو، كنت عايزة أعرف منك بقى، إيه اللي جابه هنا؟ وراكب مع كارم في عربيته كده إزاي؟
صمت قليلًا يدعي التفكير ثم انفغر فاهه بابتسامة مرحة يجيبها:
- ااا بصراحة معرفش.
ردت وهي تجز على أسنانها:
- يعني عرفت إن اسمه محروس وأبو زهرة، ومعرفتش السبب اللي جابه هنا؟
- آه.
قالها مقتضبة مع تساع ابتسامته، مما أثار ازدياد حنقها منه، وبدون كلمة استدارت وهي تتفتت من الغيظ منه، تطرق بكعبها العالي على الأرض الرخامية عائدة بعد أن فقدت الأمل باستدراجه في الحديث.
فتحت باب مكتبه لتفاجأ بجلسته على طرف المكتب بابتسامة تنبؤها أنه كان في انتظارها، استدارت لتغلق الباب خلفها وهي تتمتم داخلها:
- دا أنا بايني هاشوف العجب في الأيام اللي جاية.
عادت لتخطو نحوه بتردد، وهي تموت خجلًا من نظراته المتفحصة لها، حتى اقتربت منه تمُد يدها ببعض المستندات:
- اا دول عايزين إمضة.
تناولهم سريعًا ليُلقيهم بإهمال خلفه على سطح المكتب مرددًا:
- ودا وقت شغل دلوقتي، تعالي الأول اقعدي هنا قصادي عشان أكلمك.
برقت عيناها وهي تراه يمسك بكفها كأنه أمر عادي ليسحبها كي تجلس على الكرسي المقابل له أمام المكتب.
- إيه بقى وشك مخطوف كده ليه؟
صمتت قليلًا قبل أن تُجاوب على سؤاله:
- لا يعني، بس أنا مستغربة قوي اللي بيحصل، لأنه بصراحة مكنتش أتوقعه.
اعتلى شفتيه ابتسامة رائعة وهو يرد:
- لا صدقي وصدقي أوي كمان. أنا طيارتي كمان ساعة أو أقل، هاسافر أطمن على بابا وأقوله بالمرة، وبعد ما أرجع بقى كل حاجة هتبقى رسمي.
إن كان يظن أن بكلماته طمأنها فهو واهم، بربشت بعينيها وقد عاد دوار رأسها من جديد وهي تردد داخلها:
- رسمي!
انتبهت عليه ينهض فجأة يتناول حقيبته يلملم بها أشياءه ويهتف عليها:
- قومي يلا عشان أوصلك معايا في طريقي.
- توصلني فين؟
سألت بعدم تركيز، جعلته يضحك مرددًا لها:
- هاوصلك على بيتكم يا زهرة، أو بمعنى أصح السواق هو اللي هايوصلك بعد ما يوصلني أنا على المطار. قومي عشان تريحي في بيتكم، أنتِ شكلك تعبان.
لم تجادل معه ونهضت على الفور تنفذ أمره، فأقصى ما تتمناه الآن، هو الاستلقاء على سريرها أو أن ترتمي داخل حضن رقية ملجأ أمانها.
كانت غادة تسرع بخطواتها كي تصل إلى زهرة بعد أن وصلت إلى طابقها، لتسألها عن حضور أبوها للشركة، ربما وجدت عندها المعلومة التي ترضي فضولها. التصقت بالحائط فجأة حينما رأتها تسير بجانب جاسر، والذي تراه لأول مرة لا يسرع بخطوته كالعادة، بل ويتحدث بإريحية مع زهرة، واضعًا كفهِ بجيب بنطاله. تسمرت محلها تراقبهم حتى دلفوا لداخل المصعد فاشتعل رأسها.
- لااا أنا قلبي كده مش مطمن وحاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة وبتحصل من ورا ضهري.
غمغمت بها قبل أن ترفع هاتفها لتتصل بوالدتها والتي أجابت على الفور:
- الوو... أيوه يا غادة بتتصلي ليه؟
ردت على الفور:
- أيوه يا ماما، فيه حاجات حصلت النهاردة في الشركة مجنناني وهاتخلي برج من نفوخي يطير.
- حاجات إيه يابت؟
ترجل محروس من سيارة كارم أمام بناية منزله يردد بصوت عالٍ:
- اتفضل يا باشا اشرب شاي ولا خد واجبك.
أومأ له كارم بكفه وهو يتحرك بسيارته والاَخر يكرر بصوت عالٍ:
- طب يا باشا مع ألف سلامة، مع السلامة.
ظل متابع السيارة حتى خرجت من الحارة ثم التفت على الجيران والبشر التي انتابها الفضول نحوه، تنهد بصوت عالٍ وهو يسير بقلب الحارة منتفخ الصدر بزهو حتى وصل إلى القهوة مرددًا بصوت عالٍ أمام نظرات فهمي الذي كان يدخن الشيشة بجوار رجاله:
- واد يا حمامة فرق شربات على الحارة كلها، حلاوة خطوبة بنتي ست البنات كلهم، زهرة محروس.
صدرت الهمهمات مع ألأصوات المباركة وبعض الأسئلة الفضولية:
- ألف مبروك يا محروس، عريسها يبقى مين؟ ياترى العريس من الحارة؟
أومأ يرد بتفاخر:
- عريسها يبقى باشا كبير أوي من دولة عربية شقيقة.
ألقى جملته الغريبة فازدادت الأسئلة مع المباركات والتهنئة، وهو يجيب بزهو ويختلق قصص من وحي خياله، حتى أجفله فهمي الغاضب ينكزه بكفه:
- هي مين اللي اتخطبت من الدول العربية، أنت بتتكلم بجد يا راجل أنت ولا جاي تصيع علينا؟
نفض كفه محروس يقول بشراسة:
- وأنت مالك إن كنت بألف ولا اخترع حتى من دماغي؟ فلوسك وخدتها عالجزمة القديمة، لك إيه تاني بقى عندنا؟
توقف فهمي مزهولًا، من فعل محروس الذي تجرأ عليه أمام البشر، بوقاحة تأتي من ثقة بداخله.
تجاهله محروس وهو يبتعد عنه يردد بصوت عالٍ مرة أخرى:
- فرق يا ابني فرق وما تسيبش حد من الحارة نهائي، خلي الكل يعرف بالنسب اللي يشرف مش يعر؟
قال الأخيرة وهو يرمق فهمي بنظرة معبرة، زادت من غضب الآخر، والذي كان صدره يعلو ويهبط بتنفسه حاد.
وفي الأعلى صفية كانت متابعة ما يحدث من الشرفة، التي تركتها لتذهب لرقية بالداخل هاتفة:
- الحقي يا ستي، دا أبويا بيفرق شربات في الحارة ويقول إن زهرة اتخطبت لراجل مهم من دولة عربية.
رددت خلفها رقية بعدم فهم:
- دولة عربية إيه يابت؟ وكلام فارغ إيه اللي بتهلفطي فيه؟ هو أبوكي اتجنن ولا اتلحس في عقله؟
ردت صفية:
- والله ما أعرف يا ستي، أنا بقولك على اللي شوفته وأنا باصة من البلكونة حالًا دلوقتي عالشارع تحت.
صاحت عليها رقية بغضب:
- شارع! لهو كمان نشرها في الشارع، انزلي يابت روحي اندهيله بسرعة، ولا هي حصلت كمان يخطبها من غير مانعرف، ناقص بقى يجوزها من غير علمي عشان أطين عيشته إن شاء الله بالمرة.
بجوار مطار القاهرة الدولي، توقفت السيارة التي تقلها معه، وهي مازالت على حالتها من الصمت والشرود، تومئ برأسها وهي تستمع إلى حديثه وحكاياته القديمة في السفر، وسرده بعض العادات والطقوس الغريبة لبعض الشعوب، حتى إذا سألها عن شيء ليسمع صوتها تجيبه باقتضاب، وعدم تركيز، فعقلها لا يستوعب حتى الآن الشخصية الجديدة له، مازالت تبحث عن الرجل المخيف به.
- إيه بقى؟ إحنا خلاص وصلنا كده، يعني أنا حالًا هانزل وأسافر.
أومأت برأسها تقوله له:
- تسافر وترجع بالسلامة إن شاء الله.
ردد بفرح:
- الله يا زهرة حلوة الدعوة دي منك، كده هاتخلي الواحد يسافر وهو مبسوط مرتين، مرة عشان الدعوة اللي تجنن دي، ومرة تانية عشان مجيتك معايا قبل ما أسافر. ثواني كده.
أردف الأخيرة وهو يخرج من جيب سترته هاتفه ليفاجأها بالتقاط عدة صور لها، ثم قال متغزلًا وهو ينظر للصورة:
- قمر، رغم إن الأصل أحلى برضوا.
ردت بشبه ابتسامة صامتة وقد توقف عقلها من كثرة الصدمات، حتى أجفلها بالقاضية حينما التقط كفها وقبلها مودعًا قبل أن يترجل من السيارة ليلحق بطائرته. ظلت لعدة دقائق تنظر لكفها التي قبلها منذ قليل بذهول، لا تصدق أن هذا هو بنفسه جاسر الريان.
حينما وصلت أخيرًا وتوقفت السيارة أمام بنايتها، ترجلت بصعوبة من هذا الدوار الذي أصاب رأسها بفضل الصدمات التي تلقتها اليوم، شكرت السائق من قلبها أنه توقف أمام مدخل البناية تمامًا، فقدرتها على السير أصبحت بالكاد تكفيها لتصعد الدرج وتصل إلى سريرها الحبيب. انتبهت على بعض الهتافات من خلفها فالتفت برأسها وهي تلج لداخل العمارة:
- ألف مبروك يا زهرة، ألف مبروك يا ست العرايس.
أومأت برأسها إلى الجيران دون صوت رغم دهشتها، لتعود بضعفها تكمل الطريق وهي تغمغم داخلها:
- هو لحق أبويا ينشر الخبر والناس تصدقه؟ دا أنا نفسي مش مصدقة.
حينما وصلت أخيرًا للمنزل وجدت رقية في انتظارها متخصرة بتحفز وتقول:
- أهلًا بالسنورة، اللي بتتخطب من برا برا ولا اكن ليها بيت ولا أهل ربوها؟
- قرا فاتحتك وبقيتي خطيبته بجد؟
هتفت بالسؤال كاميليا بعدم تصديق، أكملت على قولها زهرة:
- وأخدني في عربيته اللي وصلتوا للمطار وباس على إيدي دي كمان وهو بيودعني.
قالت الأخيرة وهي تلوح بكفها أمامها، سألتها كاميليا بدهشة:
- طب ومالك طيب بتهرشي فيها كده ليه؟
- مش عارفة، بس هي بتاكلني من ساعتها.
سمعت الجملة كاميليا وانفجرت في الضحك على صديقتها التي مازالت تهرش بأظافر يدها الأخرى على كفها، تردد مابين ضحكاتها:
- على النعمة أنتِ التوتر بتاعك ده هايجننك ويخلص عليكِ.
زفرت زهرة غير مستجيبة للضحك مع كاميليا وهي تشعر بصواب جملتها رغم مزاحها، فقالت:
- ما أنا حاسة فعلًا إني هاتجنن في الآخر على فكرة.
توقفت كاميليا فجأة عن الضحك تسألها بتخوف:
- أعوذ بالله، ليه بس يابنتِ بتقولي الكلام ده؟
تنهدت زهرة واضعة كفها على جبهتها وهي ترفع رأسها للأعلى قبل أن تعود بأنظارها لكاميليا قائلة بتعب:
- طيب أعمل إيه ما أنا تعبت، دماغي متشوشة؛ كل ما افتكر الكروته اللي تم بيها الموضوع، بحس إن اتعمل عليا كماشة، خصوصًا كمان لما نبهتني رقية إنه كان لازم يجي هنا البيت ويطلبني منها، بس دا هايجي إزاي بس في بيتنا ده، دا ممكن يخاف ما يدخله ليقع عليه. أنا كان مالي أنا بالجواز أساسًا ووجع القلب ده كله، لا وكمان لما يحصل، أتجوز واحد زي جاسر الريان، الفرق بيني وبينه، فرق السما من الأرض مابيني وبينه!
اقتربت كاميليا تهدهدها بلطف كي تخفف عنها:
- طب خلاص إهدي طيب، مش مستاهلة النكد ده كله، أعوذ بالله أنتِ اتحسدتي ولا إيه؟ دا الحارة كلها هنا قايمة على سيرتك، من ساعة ما وصلت ودخلت عندكم بعربيتي.
أردفت زهرة:
- مش موضوع حسد يا كاميليا، أنا الشعور ده حسيته من ساعة ماشوفت أبويا وهو قاعد قصاد جاسر في المكان ده اللي مخصصه لكبار الزوار عنده في الشركة، حاجة كده في منتهى الروعة، وأبويا زي ما أنتِ عارفه لا شكله ولا لبسه يناسب القعدة وو...
- يابنتِ مش كده هاتعقدي نفسك.
قاطعتها كاميليا بحزم تُوقفها وتابعت:
- اتعلمي تفرحي بقى كده شوية وزيحي الفكر الوحش ده من دماغك، اللي أنتِ فيه ده حاجة كبيرة أوي، غيرك هايموت على نصها. طب أنتِ مش عاجبك جاسر؟ أو حاسة ناحيته بأي إحساس؟
صمتت قليلًا تفكر قبل أن تجيبها:
- هو بغض النظر عن إني دايمًا بخاف منه ومن هيبته كده وشخصيته القوية أوي دي، بس أنا أبقى عمياء ومعنديش نظر لو قلت عليه وحش، دا عامل زي نجوم السيما، دا غير كمان نبرة صوته التخينة دي تحسي كده كلها رجولة و....
قاطعتها كاميليا تهتف بمرح:
- وإيه تاني يابنتِ؟ ما أنتِ حلوة أهو وعندك نظر كمان وبتفهمي، أمال إيه لزوم بقى التعب ووجع القلب ده كله؟
ابتسمت لها زهرة بخفة قبل أن تتذكر:
- طب أنا هاعمل إيه بقى مع رقية؟ دي قالبة وشها مني ومش راضية تكلمني، ولا خالي ده كمان هاقنعه إزاي بقى بالموضوع ده، وأنا أساسًا مقلقة.
هتفت كاميليا وهي تنهض عن التخت وتجذبها من يداها لتنهض معها:
- بس بقى بلا مقلقة بلا زفت، تعالي معايا وأنا هاقنع رقية إن شاء الله وبعدها نشوف صرفة لخالك. اخلصي يلا.
وعند إحسان التي عادت من زيارة شقيقها لتعلم بالحقيقة الكاملة منه، بعد سماعها للأخبار التي تواترت في الحارة بالإضافة إلى ما سمعته من غادة صباحًا والتي استقبلتها بلهفة سائلة:
- ها يا ماما إيه الأخبار؟
رمقتها إحسان بنظرة غامضة قبل أن تكمل طريقها حتى تجلس على أقرب المقاعد الذي وجدته أمامها، تخلع شالها لتجفف به عرقها.
- فيه إيه يا ماما؟ هاقعد ساعة مستنياكي، ماتجاوبيني بقى وتريحيني.
هتفت بها غادة بنفاذ صبر، ردت والدتها من تحت أسنانها:
- عايزاني أقولك إيه يابت الهبلة؟ أقولك بقى إن العريس اللي بيقول عليه خالك من دولة عربية، طلع هو نفسه البيه بتاعكم وإن زهرة اللي كنتِ بتتريقي عليها عرفت توقعه وتجيبه على بوظه.
وكأنها صعقت بماس كهربائي، نهضت بجسد مهتز، جاحظة العينان، فاغرة فاهاها بقوة، لعدة لحظات قبل أن تتمكن من الهمس أخيرًا:
- جاسر يا ماما؟ أنتِ تقصدي جاسر ولا حد غيره؟
ردت إحسان بامتعاض وهي واضعة سبابتها على وجنتها:
- وانتوا عندكوا كام بيه بقى يابت الهبلة؟
صرخت تندب وتضرب بكفيها على قدميها وقد أخرجتها الصدمة عن شعورها:
- اهو دا اللي أنا قلبي حس بيه من الصبح وكدبت نفسي، اهو دا اللي كنت خايفة منه واهو حصل يا ماما.
هتفت إحسان بخوف عليها:
- براحة شوية لا تتلبسي ولا تأذي نفسك، ساعتها هاتخسري وتخيبي أكتر ما أنتِ خايبة.
توقفت تبكي بحرقة مرددة:
- طب أعمل يا ماما في حظي المايل؟ دا أنا مخلتش حاجة، مكياج، لبس، شياكة، حلاوة زي ما أنتِ شايفة كده، ناقصني إيه بقى عشان هي تسبقني؟ دي مابتتعبش في حاجة خالص، يعني ممكن تطلع كده غاسلة وشها بس على الحجاب الكبير ده، حتى من غير ما تظبطه على الموضة، هي بتسحر يعني للرجالة ولا إيه بس؟ ثم إنه هو دا كمان إزاي يرضى بيها؟ وهو بيشوف الستات أشكال وألوان ولا مراته، آه صحيح مراته، مراته يا ماما عارفة ولا لأ؟
صرخت بالأخيرة بإدراك، فكان رد والدتها بهدوء:
- لا يا أختي مش عارفة، عشان المحروس مش ناوي يقولها ولا يقول لأمه كمان، يعني هايخلي الجوازة عالضيق، حتى أهل الحارة ماهيعرفوش بيه، امال خالك النهاردة شاع في الحارة إن العريس باشا من دولة عربية ليه؟
ردت غادة بغل:
- حلو قوي، يبقى أنا بقى هاقول لمراته وأوقف الجوازة من أولها.
- عشان أكتم نفسك بإيدي وأخلص عليكِ بالمرة.
تفوهت بها إحسان بقوة أجفلت غادة التي توقفت على قولها مندهشة وتابعت إحسان:
- يا خيبة ياهبلة، سوا قولتي لمراته أو ما قولتيش الجوازة هاتمشي، عشان شكل البيه بتاعك ده واقع في البت أو عايز يطولها مش فارقة، المهم إحنا فايدتنا فين؟ ولا أنتِ فاكرة يعني لما تقولي لمراته إنها هاتديكِ جايزة مثلًا ولا تجوزهولك أنتِ؟
- قصدك إيه يا ماما مش فاهمة؟
سألتها غادة بتشتت، أجابت إحسان بمكر:
- هاقولك ياختي، ماهو المثل بيقول إيه؟ من جاور السعيد يسعد، ومين عارف؟ مش يمكن اللي خلاه يبص لزهرة، يخليه برضوا يبصلك أنتِ؟
انطلقت غادة مهللة بلهفة:
- بجد يا ماما، طب ماتفهمني والنبي، ينوبك فيا ثواب يا شيخة.
أومأت لها إحسان بخبرة وحنكة تقول:
- هاقولك!
في جوف الليل وهي في ثبات نومها العميق صدح الهاتف بجوارها بدوي صوت ورود مكالمة، ظلت للحظات تقاوم الاستيقاظ، ولكن مع استمرار الصوت رفعت رأسها عن الوسادة بنصف وعي تتناول الهاتف من أعلى الكمود بجوارها لترد بصوت ناعس دون أن تنظر لرقم المتصل:
- الوو... أيوه مين؟
- أنتِ لحقتي تنامي؟
على الفور انفتح جفناها بإدراك بعد سماعها لنبرة صوته الأجش، ابتلعت ريقها لتسأل بريبة رغم علمها الأكيد بصوته وقد ذهب النوم بلا رجعة:
- مين معايا؟ جاسر بيه؟
وصلها صوت ضحكة مسترخية منه قبل أن يرد:
- يعني عرفتيني أهو، طب إيه لزوم السؤال بقى؟
صمتت تعض على شفتها السفلى من الحرج، واستطرد هو:
- عاملة إيه؟
قطبت مندهشة من سؤاله الغريب في هذه الساعة المتأخرة من الليل، ثم أجابت برسمية:
- الحمد لله كويسة حضرتك.
- إيه حضرتك دي؟
أردف بالسؤال وتابع لها:
- هو إحنا لسة في بينا رسميات ولا إيه؟ إيه يا زهرة؟
- أيوه يا جاسر بيه.
أجابت بسجيتها لتفاجأ برده:
- اسمي جاسر بس يا زهرة، تعرفي تقولي جاسر بس؟ عايز أسمعه منك دلوقتي.
- هو إيه؟
- اسمي يا زهرة، هو أنتِ سرحتي مني ولا إيه؟
عضت على شفتها تكاد أن تدميها مع شعورها بالنبرة المتسلية في صوته، ليصلها هتافه باسمها مرة أخرى:
- زهرة!
- أيييوة.
خرجت من فرط توترها بنفاذ صبر، رد هو بهدوء يغيظ:
- يلا بقى اندهيني باسمي من غير حضرتك ولا بيه.
جزت على أسنانه وهي ترفض قول شيء تشعر بثقله على لسانها.
- زهرررة.
- اممم.
هذه المرة وصلها صوت ضحكته قبل أن يردف بتصميم:
- ماليش دعوة أنا عايز أسمع اسمي حالًا منك دلوقتي.
قالت بمرواغة:
- طب ماتخليها بكرة بقى عشان أنا تعبانة قوي ونفسي أكمل نومي؟
- تكملي إيه يابنتي؟ أنت لحقتي امتى تنامي أصلًا؟ دي الساعة بتوقيت مصر يدوبك تجيب ١١ الليل.
- عادي طبعًا، أنا أصلًا دايمًا بنام بدري.
قالت بعفوية التقطها هو يرد بمكر:
- والله، طب جهزي نفسك بقى عشان أنا من دلوقتي ورايح هاعلمك السهر.
وصله صوت شهقتها فجلجل بضحكة مقهقًا، جعلها تضرب برأسها على الوسادة مرددة مع نفسها بغيظ:
- دا إيه الوقعة اللي أنا وقعت نفسي فيها دي بس ياربي؟
رواية نعيمي وجحيمها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بإحدى الدول الأوربية وبداخل جناحه الذي يتعالج به في المشفى العريق، كان متكتفًا بذراعيه يحدق بابنه الذي شاركه الجلسة على الأريكة الجلدية التي أخذت معظم مساحة الحائط في إحدى جوانب الجناح.
- نعم ياحبيبي، سمعني تاني كدة عشان أنا بايني ماسمعتش كويس.
تبسم جاسر يخفض أبصاره قبل أن يرفعهم إلى أبيه قائلًا:
- لا أنت سمعتني كويس قوي ياعامر باشا فبلاش تعملهم عليا.
رد عامر بانفعال:
- أعملهم ايه يا واد انت؟ هو أنت مش واخد بالك من اللي أنت بتقوله؟ أنت جاي تقولي بالفم المليان إنك هاتتجوز، طب امتى؟ وفين؟ ومراتك اللي على زمتك دي ياباشا، ولا أنت ناسيها؟
- لا طبعًا مش ناسيها، بس هي ليها عندي إيه؟ ما إحنا جوازنا مع وقف التنفيذ بقاله سنتين، إيه فرفت بقى لما اتجوز، دا حتى الشرع محلل أربعة.
قال جاسر ببساطة قابلها عامر بتهكم يرد:
- جاسر! بلاش ياحبيبي تلف وتدور عليا، أنت عارف كويس قوي إن الموضوع مش سهل، لا ميرهان هاتقبل ولا والدها ولا حتى أمك أنت نفسها هاتقبل، ولا أنت تايه عنها؟
- لا طبعًا مش تايه عنها عشان كدة مش ناوي أقولها دلوقتي خالص، ومتكل عليك انت كمان ياباشا برضوا ماتقولهاش ولا أكنك سمعت مني خالص.
- ياسلاام.
أردف بها عامر يضرب كفيه ببعضهم وهو يشيح بوجهه عنه قبل أن يعود إليه متابعًا:
- طب خليني معاك للاَخر ونمشي الجوازة زي ما أنت عايز، بعد كدة بقى إيه اللي هايحصل؟ هاتصالح مراتك وتعدل مابينهم بقى ولا إيه بالظبط؟
رد جاسر بقوة:
- لا طبعًا مفيش صلح والكلام الفارغ ده، الطريق الوحيد اللي فاضل مابيني وبين مريهان، هو طريق المأذون اللي هايطلقنا، مهما مر الوقت وعدت السنين، برضوا مفيش رجوع، وهاطلقها يعني هاطلقها.
قال عامر بيأس:
- ياجاسر يابني افتكر المصايب اللي هاتنزل على راس المجموعة لو حماك عرف أو شم خبر، النسبة اللي مشارك بيها معانا مش هينة دا غير باقي الشركا اللي أكيد هايختاروا صفه وينحازوا ليه عشان مصالحهم معاه، دا وزير وإيده طايلة في الحكومة.
قال جاسر بعدم أكتراث:
- كل اللي أنت بتقوله دا أنا عارفه كويس وبرضوا مش فارق، أنا خلاص قررت، يعني مهما حصل أنا قابل النتايج مهما كانت صعوبتها، وعلى فكرة أنا أقدر من بكرة أفُك الشراكة وأعجل بالمحتوم، لكن أنا بقى بحاول أشغل عقلي وأخد احتياطاتي.
رد عامر بعدم رضا:
- احتياطاتك! بتتكلم كدة بكل ثقة، طب ناسي كمان نسبتها هي ولا المُأخر الفلكي اللي هاتدفعوا لو حصل الطلاق؟
ردد جاسر من تحت أسنانه:
- اهو دا بقى اللي غايظني بجد؟ ولجمني عن طلاقها من أول مانزلت مصر بعد رحلة علاجي في ألمانيا، بس ماشي خلينا في سياسة النفس الطويل واما أشوف إيه أخرتها.
أومأ عامر برأسه متفهمًا لما مر به ابنه من أوقات صعبة جعلته ينقلب على زوجته التي لم تدعمه أو تقف بجواره وقتها، ثم سأله ملطفًا:
- طب إيه بقى؟ مش ناوي تقولي على اسم عروستك دي ولا تعرفني هي مين؟
انفغر فاهاها بابتسامة رائعة أنارت وجهه وهو يتناول الهاتف من جيب سترته ويردد:
- أنا مش هاقولك على اسمها وبس؟ لا دا أنا هاخليك تشوف صورتها كمان.
دقق عامر في الصورة جيدًا بعد أن تناول الهاتف من جاسر، ثم قطب حاجبيه قليلًا قبل أن يلتفت إليه بأستدراك:
- الله، مش دي تبقى السكرتيرة بتاعة رضوان مدير الحسابات عندنا في الشركة، ودي عرفتها ازاي؟
رد جاسر بابتسامة شقية:
- لا ماهي مابقتش سكرتيرة رضوان وبقالها فترة سكرتيرتي أنا.
- ياحلاوة، وكاميليا بقى ياحبيبي؟ سكرتيرة معاها في نفس المكتب ولا خرطتها للوز؟
أطلق جاسر ضحكة رجولية مجلجلة على مزحة أبيه قبل أن يجيبه:
- لا اطمن ياباشا، موصلتش للوز، أنا بس رقتها وخليتها تمسك المصنع مع طارق، جامد ابنك مش كدة برضوا.
أومأ له عامر بابتسامة مستترة وهو ينظر للصورة مرة أخرى:
- هي لدرجادي عجباك؟ بس دي مش Type بتاعك خالص ياجاسر.
رد على كلمات والده متفكهًا:
- طب وأنت إش عرفك ب Type بتاعيى بس ياباشا؟ لكن إيه رأيك بقى في زوقي؟
ألقى نظرة اَخيرة الرجل قبل أن يعطيه الهاتف ويجيبه:
- طبعًا جميلة رغم إنها مختلفة عننا، لكن مدام عجباك بقى، ربنا يهنيك بيها ياسيدي.
- يارب يا والدي يارب.
ردد بها خلفه جاسر من قلبه، قبل أن يردف والده بقلق:
- ماتزعلش مني، بس أنا كنت عايزك تأجل شوية لما تتحسن الظروف أو حتى لبعد ما أكمل أنا رحلة علاجي، عشان لو دخلت الحرب أكون في ظهرك.
رد جاسر بثقة:
- أنا عارف إن الحرب جاية جاية، بس بقى المهم، إن لو حصل اللي أنت خايف منه؛ ساعتها زهرة هاتكون في حضني وتحت عيني، هو دا اللي يهمني وبس.
أجفل الرجل على اللهجة الجديدة لابنه فاعتدل بجلسته يتفحصه جيدًا وقبل أن ينبت فاهها بالسؤال، انتبه على صوت أقدام آتية نحوهم، أشار بكفه لجاسر لقفل الموضوع، وقد علم بمن الزائرة.
- جاسر حبيبي هو أنت لحقت تخرج امتى؟ وتيجي على هنا كمان من غيري؟
قالت والدته بلوم وهي تخطي أمامهم برشاقة، شعرها الأصفر القصير أظهرها أصغر من عمرها، ترتدي بنطال أبيض من القماش وفوقه بلوزة باللون التركواز، زادتها بهاءًا ورقيًا، لتجلس بجوار زوجها.
رد جاسر بابتسامة مراوغة:
- أعمل إيه ياست الكل؟ ما أنا كان معايا مشوار مهم وجيت على هنا بعد ما قضيته.
ابتسم والده بارتياح قبل أن يخاطب زوجته:
- جرا إيه يا لمياء ما أنتِ كل يوم بتيجي لوحدك، ولا هو عشان جاسر موجود في البلد، يبقى لازم رجلك تبقى على رجله.
برقت بعينيها الخضراء تردف له بغضب:
- وأنت مالك أنت ياعامر، ابني وبدلع عليه، فيها حاجة دي؟
تبسم لها جاسر بإشراق يرد:
- طبعًا حقك ياست ماما، ادلعي واعملي كل اللي انتِ عايزاه كمان.
- ياقلب ماما أنت، خد دي.
أردفت قبل أن تلوح له بقبلة في الهواء تلقفها جاسر بضحكة مجلجلة أثارت انتباه والدته، التي سهمت بها قليلًا قبل أن تتشجع قائلة:
- وحشتني قوي ضحكتك دي اللي تجنن ياحبيبي، بس إيه الحكاية بقى؟ هو أنتوا اتصلحتوا؟
قطب قليلًا قبل أن يفهم مقصدها ثم نفى لها برأسه مرددًا:
- لا.
تابعت والدته بلهفة:
- طب إيه رأيك، لو اتصلك بميري تيجي هنا تزور والدك وتاخدها أنت فرصة عشان ترجع الميا لمجاربها وتعملوا شهر عسل من جديد، دا البلد هنا تجنن.
تبسم جاسر يتبادلا النظر بيأس مع والده، من إصرار والدته العجيب على عودته لميريهان، رغم كل ما تعلمه عنها.
***
رقية وهي جالسة بوسط الصالة على كنبتها المعروفة، تشاهد التلفاز باندماج في أحداث المسلسل، تفاجأت بمن تلف ذراعيها حول رقبتها لتُقبلها وتعانقها بقوة.
- أوعي يابت بطلي كدة هاتكتمي نفسي.
هتفت عليها متصنعة الغضب وهي تقاومها بذراعيها، زادت زهرة من التشديد عليها وهي تردد:
- وحشتيني يارورو ووحشني ضربك ده كمان.
لكزتها رقية بقوة على ذراعها قائلة:
- يابت ابعدي بقى وبطلي تناحة، دا إيه يا أخواتي قلة الكرامة وعدم الدم ده.
قهقهت زهرة قبل أن تقبلها مرة أخرى ترد:
- مدام ضربتيني وهزقتيني يبقى قبلتِ الصلح، صح يا رورو؟
هدأت عن المقاومة رقية والتفت رأسها إليها بوجهٍ عابس قبل أن تجيبها:
- خلاص يا أختي قبلنا الزفت، اتبطي بقى وفكي دراعاتك عن رقبتي.
قبلتها قبلة اَخيرة بصوت عالي أثارت تأفف رقية، قبل أن تلتف لتجلس بجوارها بفرحة، تأملتها قليلًا قبل أن تسألها:
- هو الواد دة عاجبك صح يابت؟
أجابتها زهرة بسؤال:
- بتسأليني ليه ياستي؟ هي مش كاميليا خلتك تشوفي صورته في التليفون بتاعها؟
- شوفته يا أختي، طول وعرض وجمال، زي العيال اللي شغالين يمثلوا في المسلسل دا اللي في التليفزيون دلوقتي، المهم بقى عاجبك أنتِ؟
ارتبكت في البداية قبل أن تجيبها:
- طبعًا أكيد ياستي، امال أنا رضيت بيه ليه يعني؟
صمتت مرة أخرى رقية تتفحصها بنظرات كاشفة قبل أن تقول:
- المرة دي سماح عشان بس اقتنعت بكلام كاميليا امبارح لما قالتلي إنك اتلبختي ومعرفتيش تتصرفي مابينهم، ودي حاجة أنا صدقتها منها عشان عارفاكِ كويس وعارفة كسوفك.
تبسمت زهرة بارتياح قبل أن تسألها رقية مغيرة مجرى الحديث مابينهم:
- عملتي إيه امبارح لما النور قطع، مخرجتيش يعني تجري من الأوضة تستخبي فيا زي كل مرة.
تبسمت بسعادة زهرة وهي تلمح النبرة المعاتبة في لهجة رقية، فمالت عليها تقول:
- قلقتي عليا يارورو؟ حبيبة قلبي أنتِ، على العموم ياستي أنا ملحقتش أجري عشان النور وصل بسرعة دا غير إني كنت ساعتها قاعدة جمب الشباك المفتوح وجاسر كان بيكلمني في الفون.
ردت رقية ساخرة:
- اهاا ياحلاوة، على كدة بقى جاسر ياحلوة، كان بيكلمك الساعة ١٢ الليل دا أنتِ آخرك تنامي ٩ أو ١٠ لحق يعلمك السهر يابت؟ لا وكمان لسانك خد على اسمه كدة من غير بيه ولا باشا، زي ما كنتِ بتقولي دايمًا؟
ارتبكت زهرة وهي لا تعلم كيف ترد على رقية، بعد أن أزعجها هذا الجاسر ليلة أمس باتصاله في وقت نومها ثم إصراره على ذكر اسمه في مكالمة استمرت لأكثر من ساعة ونصف حتى كادت أن تنام منه لولا أنه أشفق عليها خاتمًا بجملة مستفزة:
- كفاية عليكِ كدة النهاردة، على العموم الأيام اللي جاية كتير.
تنهدت بغيظ تملكها ومنه ومن مشاكساته الدائمة لها حتى أجفلت من شرودها على نكزة من رقية وهي تهتف:
- ملمتي وروّحتي فين أنا بكلمك يابت؟
تعلثمت قليلًا قبل أن تجيبها:
- ممروحتش في أي حتة ياستي، أنا بس افتكرت خالي، اللي برن عليه من امبارح ومش راضي يرد.
- أنتِ بتتكلمي جد يابت؟
سألتها رقية باستفسار، وردت زهرة:
- والله زي مابقولك كدة ياستي، طب لو قولنا إنه كان مشغول امبارح، مرنش ليه الصبح زي عادته معانا لما يشوف الرنة؟
لوت ثغرها رقية ترد:
- يبقى أكيد عرف من حد من صحابه الكتير اللي في الحارة، خالد ما يتقلكش كدة غير لما يكون زعلان.
- يانهار أسود معقول؟
أردفت بها زهرة بقلق قبل أن تتناول هاتفها باصرار على سماع صوته.
***
وإلى طارق الذي ترجل من سيارته وهو يرد على اتصال هاتفه:
- الوو... أيوه بقى ياكبير، أخيرًا افتكرتنا يا عم.
وصله الصوت الأجس:
- يعني أنت اللي افتكرت بقى تتصل، اتنيل على عينك.
أطلق طارق ضحكة جهورية وهو يلج لداخل مصنعه قبل أن يرد:
- إيه الألفاظ البيئة دي، هي طنط لميا مش قاعدة جمبك ولا إيه؟
ردد الأخر:
- لا ياخويا مش قاعدة جمبي.
صمتت قليلًا طارق يرهف السمع قبل أن يرد:
- أمال إيه بقى صوت النسوان اللي جامبك دة، هو أنت سافرت عشان تلعب بديلك ولا إيه ياكبير؟
قهقه جاسر ليرد مابين ضحكاته:
- مافيش فايدة فيك، دايمًا كدة ضميرك مش تمام، دي مش واحدة من اياهم، دي مديرة المحل، أصل بشتري منها شوية فساتين وحاجات كدة.
هلل طارق بصوته:
- أوبااا، دا إحنا اتطورنا قوي وبقينا نشتري هدوم ستات كمان، فين جاسر صاحبي اللي أعرفه ياناس؟
رد جاسر بحزم رغم ابتسامته:
- بس يازفت هتفضحنا، المهم أنا كنت بتصل بيك عشان أسألك، خلصت صفقتك مع الجماعة الصينيين؟
أجابه طارق:
- خلصت ياكبير ومضينا العقود كمان، المهم بقى، هاترجع امتى أنت من سفريتك؟
رد جاسر:
- لا ما أنا خلاص اطمنت على والدي، يعني بكرة أو بعده بالكتير إن شاء الله وأرجع.
***
- يا خالي رد عليا، بلاش سكوتك ده والنبي.
تفت زهرة نحو محدثها من الجانب الآخر بعد عدة محاولات من الاتصال الملح، حتى استجاب أخيرًا لفتح المكالمة، وصلها صوت تمتمة:
- عليه أفضل الصلاة والسلام.
ثم تنهد بثقل قبل أن يجيبها بلهجة جليدية:
- أيوه يازهرة سامعك.
- لا أنت مش سامعني ولا راضي تفهمني حتى، بقولك والله اتلبخت وعقلي اتشتت ساعتها، أنا حتى مش فاكرة دا حصل إزاي؟
هتفت زهرة بلهجة باكية وانتظرت قليلًا حتى جاءها الرد:
- كبرتي يازهرة واتخطبتي كمان؟ لا وخالك بقى يسمع بالخبر زيه زي أي غريب عنك، دا أنا كأن سكينة دخلت صدري وشقت قلبي من جوا، بقى تتخطبي وأبوكٍ هو اللي يقرأ فاتحتك؟ طب وأنا!
سمع صوت شهقاتها وأكمل غير مبالي:
- هو أنتِ بنت مين أساسًا؟ دوكها أبوكي عالورق، لكن أنا أبوكي الحقيقي، لما أسمع إن بنتي اتخطبت واتقرت فاتحتها من ورايا عايزاني أحس بإيه؟
ازداد صوت شهقاتها حتى اختطفت منها رقية الهاتف ترد عليه:
- ما خلاص ياخالد بقى براحة شوية، يابني أنت عارفها كويس، دا تلاقيها اتكسفت ماترد أساسًا.
جاء صوت خالد الحازم:
- أرجوكي يا أمي، اقفلي دلوقتي أنا مش قادر أتكلم.
تفوه بجملته ثم أغلق الهاتف على الفور رغم هتاف رقية:
- ياخالد، أنت ياواد، ياواد رد عليا.
لم تحتمل زهرة فارتمت لداخل أحضان جدتها تطلق بكاءها الذي أصبح بنشيج عالي.
***
- مساء الخير.
أردف بها طارق بعد أن دلف لغرفة كاميليا واستأذنها للدخول، رحبت به بابتسامة جميلة:
- مساء الفل، إيه الأخبار؟
ألقى أمامها عدد من الملفات قبل أن يجلس مرددًا بزهو:
- شوفي بنفسك وانتِ تعرفي.
شهقت كاميليا بمرح وهي تقرأ ما بداخل المستندات مرددة:
- دا أنت خلتهم يوافقوا على شروطنا كمان.
مط شفتيه مرددًا بزهو:
- دي أقل حاجة عندي، مواهب بقى.
ابتسمت بفرحة حتى ظهرت أسنانها البيضاء لتقول:
- طبعًا يا عم حقك تقول أكتر من كدة كمان، دا جاسر باشا هايفرح قوي لما يعرف.
انطلقت ضحكة مجلجلة من طارق قبل أن يرد عليها:
- لا ماهو سمع قبل ما تعرفي أنتِ كمان، لكن مافرحش قوي زي ما بتقولي كدة.
صمتت قاطبة بعدم فهم، فاستطرد هو:
- أصل دماغه مش فاضية هو للشغل والصفقات والكلام الفارغ ده، عقبال عندك بقى هايتجوز.
اخفضت عيناها عنه بحرج فتابع هو:
- ماتخافيش ياستي أنا مش هأفتن ولا أبلغ حد، ما أنا عارف إنها صاحبتك بقى، يعني مطلع على الموضوع من أوله، بس أقسم بالله ماكنت أتوقع.
ردت هي أخيرًا:
- وأنا كمان مكنتش أتوقع برضوا، ولا كنت أتوقع كمان الحركة اللي عملها عشان يقنع زهرة، دا تقريبًا بمفاجأته دي اللي عملها كان قاصد يشل تفكير البنت.
بابتسامة متوسعة رد طارق:
- قاصدك يعني عشان فاجئها بوالدها، طب كنتِ عايزاه يعمل إيه طيب؟ ما البنت كمان راسها ناشفة ومترددة، وجاسر شاطر بيخلق فرصة من تحت الأرض ولا أنتِ تايهة عنه؟
- لا طبعًا مش تايهة عنه، بس الكلام دا في الشغل مش الحياة نفسها.
قالت كاميليا وجاء رد من طارق:
- طب والشغل ولا الحياة نفسها إيه؟ ما هو كله واحد، بس بصراحة بقى عاجبني عشان بيعرف يوصل للي هو عايزه، واللي أنا شايفه بقى، هو عايز صاحبتك أوي، ياريت هي تحس بيه.
وكأن بكلماته كان يتحدث عن نفسه، جاء الرد الحاسم من كاميليا:
- لو كان إحساسه صادق بالفعل هاتحس بيه، أما بقى لو كانت نزوة وخلاص، فالست قلبها دليلها أكيد.
أومأ برأسه وقد ألجمه منطقها، يستوعب بعقله كل حرف من كلماتها.
***
بعد عودته من الخارج وبداخل غرفته بالمنزل الذي استأجره سابقًا لوالديه حتى ينتهوا من رحلة علاج الوالد، كان يتفحص في أكياس المشتريات التي ملئت التخت أمامه، ليتأكد إن كان غفل شيئًا ما، الأحذية وملابس الخروج وأدوات التجميل والعطور، والملابس ال...
توقف بابتسامة عبثية حينما وقعت يداه على الأخير، يتفحص ما بداخله بدقة ويخرج كل منامة منهم على حدة، ليرفعهم أمامه ويتخيل رد فعل زهرة حينما تتفاجأ بهم، شعر بتسلية غريبة عند تذكره لمشاكسته لها أمس حينما ضغط عليها بإلحاح لترديد اسمه بدون ألقاب رغم خجلها الذي كان ينعش قلبه من الداخل وهي تراوغ بسذاجة للتهرب ولكنه كان لها بالمرصاد حتى نطقت اسمه أخيرًا، والذي كان وقعه على أذنه أجمل من أجمل أغنية سمعها بحياته، تدفق الحماس بداخله وهو يتناول الهاتف يتصل بها ليعيد الكرة، وجاء ردها بعد وقت، بصوت خفيض كالهمس:
- الوو...
- الوو... أيوه يازهرة عاملة إيه ياقلبي؟
جاءه الرد منها بضعف فاقدًا للذة الأمس:
- الحمد لله.
قطب يسألها بقلق:
- مالك يازهرة؟ هو أنتِ تعبانة؟
وصله صوت شهقة مكتومة قبل أن تجاوب بالكذب:
- لا كويسة مافيش حاجة.
أثارت غضبه فهدر بصوته:
- ماتبطلي بقى تنكري وانتِ عارفة إنك مفقوسة وما بتعرفيش تكدبي أصلًا، إيه اللي مزعلك ولا تاعبك؟
على صيحته انطلق صوت بكاءها بحرقة، تنفس بعمق يهدأ من غضبه، ثم حاول مهادنتها:
- خلاص يازهرة اهدي وماتزعليش مني، بس معلش بقى خدي نفس طويل كدة عشان أنا مش هاسيبك غير لما تتكلمي.
حاولت من جهتها تنظيم أنفاسها والتوقف عن البكاء قليلًا، جعلته يردف:
- حلو قوي ده، ممكن بقى تقوليلي عن السبب اللي مخلياكِ منهارة بالشكل ده.
صمتت قليلًا قبل أن تخرج إجابتها:
- خالي زعلان مني.
- خالك زعلان منك ليه؟
سأل باستفسار، فانطلقت هي عائدة لوصلة بكاءها مرة أخرى، مما جعله يمسح بكفه على صفحة وجهه مرددًا:
- تاني برضوا يازهرة، يابنتي فهمي وبعدها ارجعي للعياط من تاني.
***
في اليوم التالي.
وفي مكان آخر داخل أحد المخازن الضخمة بصحراء إحدى الدول العربية، كان واقفًا بقلمه ودفتره يدون البضائع الصادرة بالسيارات الضخمة، والواردة منها أيضًا، يمسح بمنديله الورقي العرق الذي أغرق جبهته وجميع وجهه حتى رقبته وأعلى قميصه الذي ارتداه منذ قليل فقط، ولكن بفضل الحرارة الحالية كالعادة لم يتحمل، تنهد بثقل وهو يردد لنفسه:
- إحنا بس اللي مكتوب علينا نتحمل!
أجفل فجأة على هتاف أحد العاملين باسمه بصوت أجنبي عن أهل البلدة يردف بالعربية الركيكة:
- ياخالد ياخالد، هناك من يسأل عنك.
- مين يا بني اللي عايزني؟ الكفيل ولا صاحب المصنع؟
سأله خالد باستفسار، ولكن الرجل أومأ بكفه يراقص رقبته بحركة حفظها خالد وهو يردد له:
- الله أعلم يا أخي، أحد الرجال أخبرني لأبلغك أن هناك من ينتظرك بصحبة المدير بداخل مكتبه.
قطب قليلًا يتسائل بحيرة:
- وكمان مع المدير! ربنا يستفر.
بضيق قبل أن يتحرك وهو يناول العامل الأجنبي الدفتر ليأمره بحزم:
- طب خد وسجل أنت الصادر والوارد على ما أرجع أنا مش ناقص عوق ووقف حال.
وانسحب على الفور يغمغم مع نفسه:
- يعني اللي عاوزني ده، مكنش قادر ينتظر على ما تخلص الوردية؟ جيبها جمايل يارب.
***
وصل بحيرته إلى غرفة المدير الذي أمره بالدخول فور أن سمع بطرقه على الباب، دلف خالد لداخل الغرفة المكيفة، يلقي التحية على المدير والرجل الآخر الجالس أمام المكتب:
- مساء الخير.
ررد الاثنان التحية ثم وقف مديره يتقدم نحوه قائلًا بترحيب:
- ادخل ياخالد وسلم على الضيف الذي أتى إليك مخصوص.
قطب خالد باستغراب وهو يصافح الشاب الثلاثيني ذو الهيئة المهندمة بارتدائه ملابس فاخرة تنضح بالرقي.
- أهلًا بيك يافندم.
شدد الآخر بمصافحته مرددًا:
- أهلًا بيك ياخالد.
تعجب خالد وقبل يسأل عن الهوية وجد مديره يستأذن للخروج:
- طب أنا هاسيبكم بقى تاخدوا راحتكم، منور ياباشا.
ألقى الرجل جملته الأخيرة وهو يخطو مغادرًا، فارتفع حاجب خالد مرددًا الكلمة باستغراب:
- باشا!
انتقل بعينيه نحوه بتساؤل فوجده يبتسم لها.
- هو أنت مين ياباشا كدة بالظبط، وعايزني في إيه؟
سأله خالد مباشرة، واجابه الآخر على الفور:
- أنا جاسر الريان.
ضيق خالد عينيه قليلًا بتفكير، قبل أن يستدرك مرددًا:
- اااه.
أردف بها وهو يعتدل بجلسته واضعًا قدمًا فوق أخرى، بلفته انتبه لها جاسر قبل أن يقول:
- أهلًا وسهلًا بيك يا جاسر باشا، لكن ياترى بقى إيه سر الزيارة الكريمة؟
أجابه جاسر بهدوء:
- أنت عارف أنا جاي ليه ياخالد، بدليل القعدة اللي قصدت تقعدها أول ما سمعت اسمي، أنا جايلك عشان نصفي النفوس، أنا لو قابلتك في البلد، أكيد بعني مكنتش هالجأ لابوها، ثم إن والدها هو الولي الشرعي فكرة.
عاد لجلسته الأولى خالد يردد بغضب:
- أنا اللي أبوها مش محروس، أنا اللي أول واحد شيلتها وكبرت في ودنها لما اتولدت، أنا اللي ضميتها في حضني على عمر سبع سنين، لما اختي افتكرها ربنا في حادثة خلت زهرة تفقد النطق لمدة شهرين، شهرين وأنا ألف بيها على الدكاترة لحد ما استجابت ونطقت، أنا اللي ربيت زهرة لحد أما بقيت كدة وردة مفتحة وعروسة يتمناها أي راجل، أنت لو كلفت نفسك وسألت أي عيل صغير في الحارة، كان هايقولك مين كبيرها زهرة عشان تروحلوا وتطلبها منه، مش تبعت لابوها يجيلك الشركة عشان تطلبه منه.
أردف الأخيرة بصيحة غاضبة نحو جاسر الذي فصل التريث قليلًا في الرد حتى يمتص غضبه ثم قال:
- ماشي ياسيدي أنا بعتذرلك، بس عايزك بس تقدر إن أنا وضعي حساس ومش عايز أبين في الصورة دلوقتي لحد أما أنظم أموري وأحل مشاكلي، أنا عارف إنك ابن بلد وبتعمل حساب للضيف، إش حال بقى لما يكون ابن بلدك اللي جايلك بطيارة مخصوص عشان يراضيك.
تبسم خالد بسخرية يرد:
- حلو الشغل ده، بتعرف تلعب على مشاعر الخلق صح، على العموم تمام وهانعديها، رغم إن الزيارة دي لو جت من البداية كانت الأمور اختلفت بكتير، المهم بقى واللي عايز أعرفه منك، إشمعنا زهرة؟
أجفله بالسؤال بعد وصلة من التقريع، لزم جاسر بضبط النفس حتى يجيبه:
- هاجاوبك ياخالد رغم غرابة السؤال وهاقولك، القبول دا من عند ربنا، وأنا من أول ما شفتها عجبتني.
- امممم.
تفوه بها خالد قبل أن يرد باستعلاء:
- والله كون إنها تعجبك فدا شيء عادي، أنا بنت اختي تعجب الباشا، ياااا باشا، لكن بقى مش شايف حضرتك إن الفرق ما بينك وبينها في العمر كبير، يعني مثلًا زهرة في يونيو الجاي هاتكمل ٢٥ سنة، لكن حضرتك اللي يشوفك ما يديلكش أقل من ٤٠.
ابتسم جاسر يعض على شفتيه قبل أن يرد:
- حركة حلوة منك يا عم خالد عشان تعرف سني، بس على فكرة بقى، أنت لو سألتني مكنتش هاتردد وأقولك، أنا عمري ٣٤ يعني الفرق يدوب تسع سنين واظن يعني إن دا مش فرق كبير، ولا أنت إيه رأيك؟
ارتد للخلف مرددًا:
- رأيي! يعني لو قلتلك مثلًا إن الجوازة مش داخلة دماغي، هتاخد برأيي وتبعد من نفسك؟
ما زال يحاول ضبط النفس مع هذا المتعجرف، ويتحرى الطريق الآمن معه، ولكنه يبدو وكأنه سيصبح عقبة قوية أمامه، حتى بعد زواجه بزهرة، صمت قليلًا بتفكير ثم رد بذوق:
- أرجو إنك توافق ياخالد، أنا عايز زهرة وافتكر إنها هي كمان عايزاني، وكده أبقى عملت اللي عليا، وجيتلك مطرحك، أرجوك تبقى رؤوف بزهرة وتنزل قريب وتصالحها قبل جوازنا، أنت أدرى الناس بيها، زهرة هشة جدًا ورقيقة، أكيد يعني مش هاتستحمل جفاك معاها.
ارتبك خالد وقد أصاب هذا الغريب في تحليل زهرة رغم قصر معرفتها بها، توقف جاسر ليلتفت إليه قبل أن يفتح باب الخروج:
- أرجوك لو قررت الرجوع بلغني، وماتشيلش هم تذاكر ولا أي شيء، يكفي بس تأشر.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل التاسع عشر 19 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بطرقة خفيفة دفعت الباب لتلج لداخل المنزل وخلفها ابنتها وهي تردد بصوت تدعي فيه الفرح:
- انتوا فين يا أهل البيت؟ أنا جاية أبارك وأهني.
انتبهت زهرة عليهم بداخل المنزل وهي تعطي الدواء لجدتها التي التوى ثغرها بامتعاض وهي تشيح بوجهها عنهم.
- أهلًا ياعمتي، اتفضلي هو انتِ محتاجة عزومة؟
قالت زهرة بعد أن انتصبت بظهرها وخطت لترحب بهم. التقطها إحسان من نصف المسافة تطبق عليها بجسدها البدين داخل أحضانها وهي تقبلها بوجنتيها بقوة.
- ياختي ياقمر انتِ، كبرتي يازهورة وبقيتِ عروسة تشرح القلب وتملي العين، هاتي بوسة تاني يابت خليني أشبع منك قبل ما يخطفك العريس مننا.
هتفت من خلفهم رقية من تحت أسنانها:
- براحة على البت يا إحسان، دي مش حملك.
أطلقت ضحكة رنانة تدعي تقبل الهزار وهي تترك زهرة، لتندفع نحوها مرددة:
- الله ما أنا فرحانة يامرات عمي بيها، مش غلاوتها من غلاوة بنتِ برضوا، عاملة انتِ إيه بس ياغالية؟
صافحتها رقية على مضض بابتسامة متكلفة. وفي الناحية الأخرى اقتربت غادة هي الأخرى من زهرة تبارك لها بالأحضان والقبلات وتردد:
- عندك حق والنبي يا ما، الف مبروك ياحبيبتي، ربنا نصفك اَخيرًا بعد سنين الغلب والشقا.
أومأت لها زهرة بشبه ابتسامة ترد عليها:
- الله يبارك فيكِ ياغادة ويسعدك، تعالي اتفضلي تعالي.
استجابت لها غادة وهي تسحبها كي يجلسن على المقاعد المواجهة لرقية، والتي جلست بجوارها إحسان تقول:
- والنبي يامرات عمي وماليكِ عليا حلفان دا أنا من ساعة ماسمعت بالخبر وانا قلبي كدة بيرفرف من الفرحة، بقى يا اخواتي الباشا ابن البشوات عايز يتجوز زهرة؟ حقا دا ولا في الأحلام، بس إيه بقى، احنا بنتنا قمر وتستاهل، اه امال ايه، ولا انتِ إيه رأيك يازهورة؟
أومأت لها زهرة بابتسامة باهتة كسابقتها:
- تشكري ياعمتي ربنا يخليكِ.
نكزت رقية إحسان بقبضتها كي تلهيها عن حفيدها:
- منورة يا إحسان بعد غيبة، ياختي بقالك ست اشهر ماحدش شافك ولا عتبتي البيت.
ضرب إحسان بكفها المنفرجة الأصابع على صدرها:
- يوه يقطعني هما كملوا ست اشهر، يالهوي عليا وعلى الوقت اللي بيجري بسرعة، بس يكون في علمك يامرات عمي، والنبي انا ما ليا ذنب، المدعوق جوزي هو السبب، من ساعة ما خرج عالمعاش وهو قاعدلي في البيت كدة زي قرد قطع، شيلي، حطي، اعملي شاي، حضريلي غدا، ياختي لما طفشني في عيشتي الله يجازيه.
ضحكت ساخرة رقية تقول:
- حتى دي بتشيليها لجوزك يا إحسان، هو المنيل ده، لساتوا برضوا على حاله؟
أخفت إحسان غيظها من رقية ولسانها السليط واتجهت لزهرة تسألها:
- ها بقى ياروح عمتك، حددتوا امتى ميعاد الفرح؟
- لا لسة طبعًا محددناش حاجة.
ردت زهرة، فجذبتها غادة من الناحية الأخرى تسألها:
- طب مقالكيش هايجيبلك إيه؟
سألتها زهرة بعدم فهم:
- بجيبلي إيه بالظبط مش فاهمة؟
شهقت غادة مرددة:
- ياهبلة يعني مقالكيش ان كان هايسكنك في فيلا ولا شقة عادية؟ والشبكة بقى هاتكون دهب عادي كدة ولا حاجة تانية من اللي بنسمع عنهم؟ وشغلك صحيح هاتكملي ولا تسيبيه؟ اقولك احسن سبيه، بلاشغل بلاقرف، واسكني يا حبيبتي كدة في حتة كويسة وعيشيليك هانم بومين.
- يومين!
تفوهت بها زهرة بعدم فهم قبل أن تُفاجأ بهتاف جدتها الحازم:
- زهرة، قومي يابت اعملي عصير ولا اي حاجة لعمتك ولا بنتها.
نهضت زهرة مذعنة لأمر جدتها التي التفتت للأثنتين بوجه محتقن تقول:
- منورين.
رددن خلفها بارتباك من هيئتها:
- دا نورك انتِ ربنا يخليكِ.
.....................................
على كرسي قهوته كان يدخن بشيشته وعيناه على مدخل البناية التي تقطعها. ينفث دخان من أنفه خارجًا من أعماق نيرانه في الداخل. لا يصدق ماحدث. بعد أن شعر باقتراب حلمه بالوصول إليها بعد سنين طوال كانت بالنسبة إليها كالمحرمات بفضل هذا المتعجرف خالد الذي كان يطوقها بحمائية مبالغ فيها. عقله لا يزال لا يستوعب. بداخله يساوره الشك أن تكون لعبة من محروس؛ والذي خرج منذ قليل متبخترًا بزهو، يرمقه بنظرة مستعلية. هذا التافه الذي كان ينتفض من مجرد النظر إليه. حتى مزاجه الذي كان يتحكم به، أصبح الآن يتصرف من جهة أخرى غير رجاله. تمتم بسبة وقحة عليه قبل أن يلتفت لهذه السيارة السوداء التي توقفت بجوار بنايتها وترجل منها رجل ضخم بحلة سوداء محملًا بالعديد من الأكياس والعلب المغلفة والتي تبدو كهدايا. غمغم بحنق مرددًا:
- هي الحكاية جد حقيقي ولا إيه.
...................................
وفي الأعلى كانت زهرة مازالت في المطبخ تجهز لهن العصير، حينما صدح صوت الجرس القديم المزعج فانتفضت غادة متحججة بفتح الباب كي تهرب من نظرات رقية التي توجهها بحدة نحوها هي ووالدتها التي تعرقت مرتبكة من ردود رقية الجافة معها في الحديث بالإضافة لتعليقاتها اللاذعة على الدوام.
- ايوة أيوة ياللي بترن الجرس.
تفوهت بها قبل أن تصل إلى الباب لتفتحه فتفاجأت بهذا الغليظ وابتسامة عريضة بوجهه أظهرت أسنانه البيضاء مرددًا لها:
- دا إيه الصدف اللي زي العسل دي، تصدقي بالله أنا كدبت وداني لما سمعت صوتك.
تأففت تضرب بكفها على إطار الباب:
- قال ياقاعدين يكفيكم شر الجاين، هو انا اخلص من خلقتك في الشركة، عشان اجي الاقيك هنا في وشي؟
رد ببرود:
- بس إيه رأيك بجد؟ انتِ مش شايفة ان الطرق بتاعتنا دايمًا موصلة لبعض؟
زفرت مرة أخرى تهتف بحدة:
- في إيه ياجدع انت؟ ماتظبط كدة واوزن كلامك، لاحسن وديني لاكون لامة عليك أهل الحارة كلهم.
- في إيه يابت عندك؟ وبتتخانقي مع مين؟
أتى الصوت من الداخل، استدرك نفسه إمام منعًا للمشاكل، فانحنى بسرعة يتناول الهديا مرددًا بجدية وصوت عالي غاب عنه الهزل:
- انا كنت عايز الاَنسة زهرة، ممكن تروحي تندهيها؟
زاغت عيناها نحو العلب المغلفة والأكياس المدون عليها أسماء الماركات الفاخرة. مدت ذراعيها لتتناولهم بلهفة مرددة:
- هاتهم وانا هادخلهم لها.
أرتد بأقدامه للخلف مبتعدًا عنها يقول بلهجة رسمية:
- اَسف ياَنسة، لازم أوصلهم لزهرة هانم بنفسها.
- زهررة هاانم!
رددت بها جازة على أسنانها قبل أن تهتف للداخل بصوت عالي:
- يازهرة، تعالي شوفي اللي جايلك يازهرة.
أتت على النداء مجفلة، لتجد إمام الذي تقدم نحوها يعطيها الأكياس والعلب المغلفة بالتناوب وهو يقول لها:
- اتفضلي ياهانم، جاسر بيه باعتهم ووصاني أسلمهوملك في إيدك.
تناولتهم زهرة مرتبكة ولكنها لم تغفل عن شكره ودعوته للضيافة:
- متشكرة قوي يا إمام، تعالي طب اتفضل معانا.
أومأ لها إمام يرد بلطف:
- الف شكر لزوقك ياهانم، معلش بقى انا يدوب ألحق أروح مع عبده، سلاام بقى يابنت الأصول.
قال الاَخيرة بمغزى نحو غادة التي بمجرد انصرافه أغلقت الباب على الفور، تختطف الأشياء من زهرة دون استئذان وهي تهرول للداخل:
- تعالي جوا نشوف فيهم إيه؟
دلفت خلفها زهرة بيأس من أسلوبها، والأخرى بمجرد وصولها إلى وسط صالة، أمام والدتها ورقية التي سألتها:
- إيه اللي جايباه وداخلة بيه دا يابت؟
بحركة سريعة التفت برأسها إليها دون الرد، وهي تتناول أول شيء خرج بيدها من أحد الأكياس لتشهق منبهرة:
- يالهوي يا ما عالجمال، دا نفس الدريس اللي شوفته امبارح عالفاشينستا اللي متبعاها على الفيس وهي لابساه.
- فيشة إيه يابت؟
هتفت بها رقية نحوها، فتجاهلتها كالمرة السابقة، تفتش في باقي الأشياء وقد انضمت إليها والدتها وهي تصرخ بعدم سيطرة:
- يالهوي يا ما عالجزمة ولا المكياج دول كلهم ماركة أجنبي.
هتفت بالاَخيرة نحو زهرة التي تسمرت محلها تشاهد صامتة، فصاحت رقية غاضبة:
- في أيه يامنيلة انتِ وهي ماتفهموني؟
أجابتها زهرة بخجل:
- دول الحاجات اللي بعتها جاسر ياستي؟
ارتفعت إليها انظار غادة بنظرة نارية قبل أن تتدارك نفسها وقد انتبهت للنظرة المحذرة من والدتها، لتفرد وجهها.
- ولما هو كدة، مش ما تجيبي خليني اشوفهم.
صاحت بها رقية بصوت غاضب جعل إحسان تنهض بالأكياس التي اختطفتها من غادة التي على وشك الإنفجار:
- اهم يامرات عمي، هو احنا يعني هانسرقهم، دي البت بس بتتفرج عليهم.
تناولتهم منها رقية سريعًا وهي تهتف على زهرة:
- قاعدة بتتفرجي على حاجتك زي الغريب، مش تقربي انتِ كمان وتشوفي اللي جايبه عريسك ياخايبة.
ردت زهرة بصوت خفيض، محرجة من الهيئة الغريبة لغادة التي ظلت محلها جالسة على الأرض:
- ماشي ياستي هاشوفهم، بس هي طارت يعني؟
قالت رقية غير مبالية:
- كدة طب خدي ياختي حطيهم في أوضتك، وبعدين اتفرجي عليهم براحتك.
همت لتعترض زهرة ولكن رقية لم تعطيها فرصة:
- خدي يابت اخلصي.
أذعنت زهرة تتناولهم رغم حرجها حتى أجفلت على هتاف غادة:
- ايه ده؟ دا في علبة صغيرة نسينا مانشوفها.
نهضت سريغًا لتخطفها من زهرة وفتحت غلافها سريعًا، لتجد ورقة كبيرة ملصقة فوقها.
- دي باينها علبة شيكولاته و باعت معاها جواب.
اختطفت منها رقية الورقة قائلة بلؤم:
- بصي على العلبة وشوفيها بتاعة ايه ياغادة، لكن الورقة ياحبيبتي ملناش دعوة بيها، عيب؛ دا كلام خطاب يابنتي، خدي يابت.
وجهت الاَخيرة بحزم نحو زهرة التي كانت تموت من الحرج من فعل جدتها، أما غادة فكان جسدها يهتز حرفيًا رغم ادعائها التماسك مع النظرات المحذرة من والدتها. خرج صوتها أخيرا تخاطب زهرة:
- دي علبة شيكولاتة سويسري زي اللي بيعلنوا عنها في التليفزيون.
لم ترد فقد اندمجت في قراءة السطور الأنيقة بالورقة ذات الرائحة العطرة:
" يارب يكون عجبتك الهدايا، انا بعتلك جزء بسيط، عشان الأهم خليته في انتظارك لما توصلي بيتك، دوقي بقى الشيكولاتة دي هاتعجبك قوي على فكرة."
غادة والتي لم ترفع عيناها عن زهرة بكل ما تحمله من مشاعر الحقد نحوها؛ وضعت غيظها في سحب القطع الصغيرة من العلبة تتناولها بنهم يساعدها الطعم الخرافي لهذا الصنف الجديد والذي لم يسبق أن تذوقته في حياتها. رمقتها رقية بذهول فانتبهت والدتها تجرها مستأذنة للخروج، قبل أن تفضحها وتفسد كل مخططاتها.
..................................
في اليوم التالي كانت زهرة منكفئة على عملها في المكتب، حتى سقط منها القلم، فدنت برأسها للأسفل تتناوله حتى شعرت بظل أحدهم. رفعت رأسها فتفاجأت به أمامها وأظهرت تعابير وجهها الاندهاش كالعادة، ولكنها هذه المرة لم تلحق أن تشهق، فضحكته المجلجة جعلتها تتماسك، حتى قال لها بصوته الأجش:
- هو انتِ كل ماتشوفيني هاتتخضي؟
تبسمت له قائلة بحرج وهي تنهض عن مقعدها:
- حمد الله عالسلامة.
صمت عن الضحك وقد أطربته الجملة التي كانت تقطر كالشهد من فمها، وجهها الصبوح جعله يندم على مرور الأيام السابقة بسفره دون أن يراها فيهم. كانت تجول عيناه على ملامح وجهها المحببة إليه؛ وهو يطبق على كفيه داخل جيبي بنطاله، يكبح الرغبة الملحة بداخله والتي تدعوه لاحتضانها كي يبث إليها أشواقه التي لم يسبق في حياته أن شعر بها نحو أيًا كان من البشر وأيًا كانت معزتهم في قلبه. بعد فترة من الصمت رد أخيرا:
- الله يسلمك، عاملة انت إيه بقى؟
أومأت برأسها قائلة بصوت كالهمس:
- الحمد لله كويسة.
تنهد مطولًا وقلبه يضرب داخل صدره بقوة فرحًا برؤيتها، قبل أن يقول:
- طيب جهزي بقى الملفات وأي حاجة متأخرة وهاتيهم ورايا المكتب.
أومأت برأسها وتحرك هو يجر أقدامه مجبرًا نفسه لتركها والذهاب إلى مكتبه.
....................................
أثناء مرورها للذهاب إلى كافتيريا الشركة تقابلت عيناها بعماد الذي كان آتيًا منها، فابتسم لها كالعادة وهو يلقي نحوها التحية. أومأت له بابتسامة متكلفة حتى ومض عقلها الشيطاني بتذكرها لما يكنه عماد نحو زهرة. على الفور توسعت ابتسامتها تدعي المودة نحوه حتى اقتربت منه توقفه:
- صباح الخير يا عماد، عامل إيه النهاردة؟
رد عماد بابتسامة مشرقة رغم دهشته من سؤالها وهو يلوح لها بفنجانه:
- صباح الفل ياست الكل، عامل قهوة ياستِ تشربي؟
ردت غادة:
- لا ياخويا انا محباهاش قوي يعني، هي اللي بتحبها صحيح زهرة بنت خالي، دي بتعشقها.
أكمل على قولها:
- فعلا، بس زهرة بقى مزاجها في القهوة المخلوطة باللبن، دي بتحبها قوي.
- اه صحيح عندك حق، دا انت حافظ مزاجها كمان ياعماد؟
قالت بمكر، فاستجاب هو بابتسامة مخفضًا عيناه عنها يرد:
- زي مابتقولي كدة يعني بتعجبني شخصيتها رقيقة كدة وواضحة قوي.
أخفت امتعاضها من تغزلها بزهرة ثم قالت بتأثر:
- هي على كدة بقى عجباك، دا انا كمان كنت ملاحظة ان الشعور متبادل مابينكم.
لاحظت إشراق وجهه بعد سماعه لكلماتها ثم استطردت بخبث:
- بس ياخسارة.
قطب يسألها باستغراب:
- خسارة ليه بقى؟
مصمصت بشفتيها ترد بتنهيدة كبيرة:
- كان نفسي قصتكم دي تكمل ياعماد، بس بقى زهرة اتقدملها واحد غني أوي وهي وافقت بس عشان والدها اللي أصر عليه.
- انت بتقولي إيه؟
هتف عماد بوجه مظلم نحوها فقالت هي:
- والله زي مابقولك كدة، اصل زهرة شخصيتها ضعيفة وما بتعرفش كدة تتمسك بالحاجة اللي بتحبها أو عايزاها، بصراحة الصفة دي مضايقني أوي فيها.
اشتعلت عيناه وتسابقت انفاسه قبل أن يعطيها فنجان القهوة باستئذان:
- معلش يا غادة ممكن تاخدي ده، وشوفي بقى ان كنتِ هاتشربيه ولا ترميه في الزبالة.
تناولته منه وذهب هو مغادرًا من أمامها بسرعة، تسبقه شياطينه. نظرت في أثره بابتسامة متوسعة، ترتشف من الفنجان الذي أصبح بيدها بتلذذ.
...................................
دلفت لداخل مكتبه ولكنها تفاجأت بخلو مقعده، وقبل أن تبحث بعيناها سبق هو بهتافه عليها:
- انا هنا يازهرة.
التفتت على الصوت وجدته جالسًا بأريحية على الإريكة الجلدية في الجانب، الآخر من الغرفة، فتقدمت نحوه مرددة:
- طب انا كنت جايبالك الملفات عشان تمضيهم.
تناولهم منها وسحبها لتجلس بجواره قائلًا:
- هاتي الملفات ياستي وخليهم جمبي، بس خلينا بقى في المهم.
- إيه هو المهم؟
سألته باستفسار قبل أن تفاجأ بالعلبة المخملية التي تناولها من سترته، يخرج لها خاتمًا مزين بفص كبير من الألماس. سألته مذهولة:
- إيه ده؟
- دا خاتم شبكتك يازهرة.
أردف بها وهو يتناول كفها التي نزعتها على الفور معترضة:
- لا ماينفعش البسه.
سألها باستغراب يشوبه الريبة:
- ليه لأ يازهرة؟
صمتت قليلًا ثم خرج صوتها بحرج:
- معلش متزعلش مني، بس انا بصراحة مش عايزة أي حاجة تتم غير لما آخد موافقة خالي، انا مقدرش اعمل أي حاجة وانا حاسة كدة انه زعلان مني.
تنهد بيأس وهو يعود بظهره للخلف ثم رد:
- طب اعمل ايه انا أكتر من كدة؟ دا انا روحتله البلد اللي بيشتغل فيها مخصوص واترجيته، اعمل ايه تاني عشان يقبل؟
أطرقت زهرة رأسها بحزن مردفة:
- دا حتى بطل ما يرن زي عوايده، انا خايفة ليكون غضبان عليا، ودي حاجة لو حصلت انا لا يمكن اسامح نفسي عليها.
أومأ لها متفهمًا:
- لا اطمني طبعًا هو أكيد مش غضبان عليكِ، هو بس بيقرص عشان يعرف معزته عندك.
رفعت رأسها إليه قائلة بتمني:
- يارب ياجاسر يكون كلامك صح.
قالت بعفوية التقطها هو يميل برأسه إليها قائلًا بمكر:
- حلو أوي وطالع كدة من بقك زي العسل.
حركت رأسها تسأله بتفسير:
- هو إيه اللي زي العسل؟
- جاسر، ياقلب جاسر انتِ.
قال بمرح غامزًا بعيناه، جعلها تخفض أنظارها بخجل منه، فقال يزوم بحماس:
- اممم انا لو فضلت اكتر من كدة، هاخطف خالد من البلد اللي موجود فيها واعملها قضية دولية.
اعتلى ثغرها ابتسامة رائعة كادت أن تطيح بعقله، قبل أن يستدرك نفسه مخرجًا من جيب سترته شيئًا آخر يعطيه لها:
- دا بقى مالكيش حجة انك ترفضيه.
تناولت منه الهاتف ذا اللون الذهبي باستغراب مرددة:
- ايه ده كمان؟
- دا تليفون يازهرة، بدل اللي انتِ ماسكاه في إيدك.
أردف جاسر وعيناه نحو الهاتف الصغير الذي خبأته زهرة من أنظاره على الفور لتعترض:
- ايوة بس انا ماينفعش.
قطعت جملتها على أثر نظرة محذرة وهو يومئ لها بسبابته قائلًا بسيطرة:
- في دا بالذات بقى ما اسمعش صوتك، انا حطيت الخط وسجلت اسمي، عشان لما ارن عليكي منه تردي على طول فاهمة.
أومأت برأسها بخوف من هيئته التي تذكرها بجاسر القديم، أما هو فالتوى فمه بابتسامة قبل أن يرد:
- حلو، تعالي بقى عشان اعلمك بيتفتح ازاي؟ واعرفك بالتطبيقات اللي عليه واعرفك كمان بتشتغل ازاي؟
.........................................
خرجت من مكتبه تحمل بيدها عدد من الملفات التي طلب مراجعتها والأيد الأخرى كانت تمسك بالهاتف الذي أعطاه لها، وقد تولى مهمة تعليمها على استخدامه وفتح التطبيقات به، حتى أنه أنشأ حسابًا لها على موقع التواصل بالفيس بوك. تبسمت بارتياح وقد فاجأها بالجانب الجديد من شخصيته في الصبر على تعلمها هذه الأشياء الجديدة عليها. وقعت عيناها بتعجب على من يقف أمامها بوسط الغرفة متخصرًا، متجهم الوجه، بهيئة لم تعهدها منه سابقًا طوال المدة التي عرفته بها.
- في حاجة ياعماد؟
سألت وهي تقترب من المكتب واضعة عدد الملفات على سطح المكتب وفوقهم وضعت الهاتف الذي لفت نظر الآخر فاقترب يمسكه مشيرًا به:
- دا الكلام طلع بجد بقى.
تناولت الهاتف من يده سائلة بدهشة:
- هو إيه اللي بجد؟
مال برأسه نحوها قائلًا بحدة:
- انك قبلتي تبيعي نفسك وتتجوزي الراجل الغني عشان ترضي والدك.
ارتدت للخلف بأقدامها وقد صدمتها كلماته تردد:
- إيه اللي انت بتقوله ده؟ ومين قالك الكلام ده أصلا؟
تقدم منها أكثر وهو يهتف بغضب:
- هو دا اللي هامك؟ عرفت منين؟ ومش هامك انكتتنازلي عن نفسك وكرامتك لما تتجوزي بس ارضاءًا لأهلك، حتى لو كان شوال فلوس.
أومأت بسبابتها نحوها ترد بعدم استيعاب:
- إنت تقصدني أنا بالكلام دا ياعماد؟
واصل تقدمه نحوها يهدر وهي ترتد للخلف:
- أيوة اقصدك انتِ طبعًا، امال اقصد الحيطة اللي وراكي مثلًا؟ انتِ ازاي كدة أصلا؟ ازاي تبقي جميلة ورقيقة وبنفس الوقت تكوني شخصية مهزوزة وضعيفة؟ ليه ما تعترضيش وتصري على اختيارك؟
صمت قليلًا قبل ان يتابع تقدمه نحوها وهي ترتد حتى التصقت بالحائط، فاقترب منها مائلًا برأسه يقول بلهجة مترجية:
- ليه ماقولتليش ولا حتى لمحتي يازهرة عشان اقف جمبك او اقف في وش البني آدم ده اللي عايز يشتريكي بفلوسه؟ ليه لما شوفتك في الكافتيريا وسألتلك على اللي مزعلك انكرتي وماتكلمتيش ليييه؟
قال الاَخيرة بصرخة نحوها وهو يضرب بقبضته على الحائط بجوار رأسها، جعلها انتفضت محلها برعب، قبل ان يختفي من أمامها فجأة بقبضة قوية على فكه أطاحته أرضًا بعيدًا عنها. ضربت بكفها على فمها بصدمة حينما رأت صاحب القبضة والذي واصل هجومه برفع عماد عن الأرض من تلابيب ملابسه، يباغته بعدة ضربات عنيفة على وجهه وجسده والاَخر يصرخ بأسمه:
- استنى ياجاسر بيه، اسمع مني الأول وافهم.
دفعه نحو الحائط بعنف جعل الاَخر يصرخ من ألم ظهره، فقال جازًا على أسنانه:
- بتتعرضلها ليه؟ مالك ومالها؟
صرخ عماد:
- والله ما بتعرضلها ولا كنت عايز أذيها، انا بس كنت بسألها عن حاجة تخصني وتخصها.
هدر جاسر وهو يرجه بقوة، رغم تماسكه واصراره على عدم قتله:
- إيه هو اللي يخصك ويخصها عشان يخليك تتجرأ عليها بالشكل ده؟
هتف عماد:
- لو سمحت ياجاسر بيه، دي حاجة ما بيني وبين زهرة، يعني ماينفعش اقولك عليها.
كمطرقة من الحديد الساخن ضربت رأسه بقوة فجعلته يلتف برأسهِ إليها، وعيناهُ تطلق شررًا من جحيم استعر بداخله، فسألها:
- انت صح في مابينك ومابين الواد دا حاجة ماينفعش يقولي عليها؟
نفت برأسها ووجها المغرق بالدموع:
- والله مافي مابيني وبينه أي حاجة، غير المودة اللي بتبقى مابين الزملا وبس في مكان العمل.
- ولا أي حاجة يازهرة!
هتف بها عماد بعدم تصديق قبل أن يدفعه جاسر بقوة نحو على الأرض صائحًا:
- تخرج من هنا وعلى باب الشركة حالًا، ماشوفش وشك تاني.
نهض عماد ينفض ملابسه، وعيناه تنظر نحو زهرة بألم وخيبة أمل، لا يصدق فعلتها وانكار ماتحمله بداخلها نحوه.
- اخلص بقولك ياللا.
صرخ بها جاسر وهو يتابعه بنفاذ صبر، متحديًا جمع الموظفين الذين أتوا على أصوات الشجار فوقفوا يتابعون خلف الغرفة، منهم غادة التي كانت تراقب مايحدث كباقي الموظفات ومرفت صديقة ميرهان والتي كانت تقف بجانب وحدها. خرج أخيرا عماد، فهتف جاسر نحو موظفيه بصوت هادئ يحمل في طياته الوعيد:
- دقيقة واحدة بس، ولو لمحت أي موظف ولا موظفة بعيد عن مكتبه دلوقتِ، ها يحصل اللي خرج دلوقتِ حالاً.
سريعًا هرول الموظفين من أمامه، ليعودا لأماكنهم، وقبل أن تتم الدقيقة كانت الساحة خالية إلا منه ومنها فقالت مخاطبة له بخوف:
- كداب في كل كلامه ياجاسر و.....
شهقت قاطعة جملتها حينما رأته مندفعًا نحوها بصمت، ليسحبها من كفه يدخلها معه داخل المكتب الذي أغلق بابه جيدًا.
..................................
تذرف الدمعات على وجنتيها كالسيول دون توقف، وهو واقفًا كالجبل أمامها لا تهتز له شعرة ولا حتى يظهر وجهه التأثر، يحدجها فقط بالنظرات النارية التي تزيد بداخلها الخوف، حتى خرج صوتها بارتعاش:
- صدقني ياجاسر والله مافي أي حاجة مابيني ومابينه.
- امال هو جايب الثقة اللي بيتكلم بيها دي منين؟
سألها بحدة، أجابت بانهيار:
- والله ما اعرف، هو كاان بس......
اقترب منها يسأل مضيقًا عيناه بريبة:
- كان بس إيه؟
- كان مجرد تلميحات منه، وانا مافيش مرة رديت بكلمة أو نظرة حتى.
قالت بسجيتها فهدر صارخًا:
- بس عشمتيه، ودي ألعن، لو كنتِ وقفتيه عند حده من أول مرة مكانش ساق فيها.
هتفت بدفاعٍ عن نفسها:
- ساق في إيه؟ دا كان كل كلامه مرسل، يعني ممكن يعدي عادي مع أي واحدة.
- لا مش أي واحدة يازهرة، الواد ده كان كل تصرفاته واضحة معاكي، بس انتِ اللي بتنكري.
صرخته جعلتها تتوقف عن البكاء ناظرة الى وجهه الذي تغيرت ملامحه وانفاس صدره الحادة تصعد وتهبط بسرعة، قبل أن يرد أخيرا بلهجة هادئة مريبة:
- عايزك تروحي وتجهزي نفسك، تشوفي ايه اللي ناقصك وتدونيه في ورقة عشان مافيش وقت.
- مافيش وقت لإيه؟
سألت ولم يجيبها بل استطرد متابعًا:
- النهاردة بالظبط هابعت لوالدك نحدد ميعاد الفرح في خلال يومين أو تلاتة بالكتير.
- ازاي يعني؟ طب وخالي؟
صاحت بها، رد هو غير مبالي:
- هو حر، انتِ عندك ولي شرعي؛ اللي هو أبوكي ودا اللي يهمني انا وخلاص.
قال والتف يوليها ظهره فهتفت خلفه:
- يبقى هارفض ياجاسر، عشان انا قولتك مش هاكمل حاجة من غير خالي.
استدار اليها سريعًا بوجهه الغاضب يهدر:
- كلام الدلع ده كان في الأول، كان عندك فرصة تقولي اَه او لأ، لكن دلوقتِ لا يازهرة، عشان مش جاسر الريان اللي هايقبل بعيلة صغيرة تلعب بيه فاهمة ولا لأ.
صمتت بقهر وقد ألجمتها حدته عن الرد أو المجادلة في الدفاع عن حقها، وكيف يصح لها الكلام معه الآن؟ وقد عاد إلى هيئته القديمة أو حقيقته التي غفلت عنها هي مؤخرًا، جاسر الريان مديرها المخيف.
...................................
فتح باب استراحته التي سكن بها منذ أن أتى إلى هنا واستلم وظيفته في هذا المكان الغريب عنه، عائدًا من ورديته المسائية يجر أقدامه المتثاقلة بصعوبة من التعب، ليرتمي بحذائه على سريره الحبيب، وقد أهلكه الإجهاد حتى عن خلعه.
أغمض عيناه يبتغي الراحة للحظات قبل أن ينهض ليتحمم ويجهز عشاءه. لقد ضغط على نفسه كثيرًا هذه الأيام بمضاعفة العمل بزيادة وردياته؛ حتى يرحم عن رأسه بالتفكير. بداخله رغبة لو استسلم لها لطار على الفور عائدًا لبلده كي يتقبل الصلح معها ويقف بجانبها. ولكن أين يذهب بوجع كرامته وقد ألمه أن تتناساه وتختار والدها في شئ مهم كهذا. أنست تاريخ أباها المظلم لما حدث معها قديمًا وأدى لوفاة والدتها؟ أم أنها اختارت حياتها غافلة عن من ضحى بسنوات شبابه من أجلها.
تنهد بثقل قبل أن يتناول هاتفه وينظر به لسجل المكالمات كعادته منذ الأزمة التي حلت بينهم، ليرى ان كانت تتذكره بالاتصال أم أنها يأست ونسته لتعيش حياتها.
قطب مندهشًا تسجيلها لرسالة صوتية، فهذه ليست من عادتها، مط بشفتيه مستغربًا قبل أن يفتح التسجيل ليسمع منها.
" كده برضوا ياخالي هونت عليك؟ هانت عليك زهرة بنت عمرك زي ما كنت بتقول دايمًا؟ طب انت عارف اني عمري ما اتحمل جفاك عني، يبقى تتقل عليا كدة ليه؟ اعمل ايه عشان تصالحني واشوفك او اسمع صوتك من تاني؟ اعمل ايه عشان اترجاك توقف جمبي وتبقى سندي؟ ياخالي ابويا اتفق مع جاسر على ميعاد الفرح في خلال يومين، يرضيك ياخالي اتجوز من غير ما اشوفك، طب يرضيك ان ابويا اللي كان سبب اصلي في موت امي، يبقى هو وكيلي؟"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل العشرون 20 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مستلقية بجانبها على فراش تختها، كفها تحت رأسها على الوسادة، تتابع بأعين يقظة خيوط الضوء المتسللة عبر النافذة المغلقة، والمنذرة ببداية الصباح. لا تصدق أن هذا هو يومها كما يقال، لا تصدق أن أمرًا كهذا يتم بهذه السرعة ودون إرادتها ورغبتها، لا تصدق أنها ستغادر غرفتها ومنزلها وجدتها وتسكن وحدها مع رجل غريب عنها بمنزله. رجل أذاقها من الدلال وكلمات الغزل يومين قبل أن ينقلب لصورته الأول ويعود لتجبره وتسلطه معها. كيف لها أن تعترض الآن بالوقوف أمامه ومجابهته وقد غاب عنها سندها ومصدر أمانها دائمًا بسببه؟!
مسحت بكفها الدمعة التي سقطت على وجنتها سريعًا قبل أن تنهض بجزعها تلملم شعرها الذي تنحل عقدته دائمًا مع نومها، ثم نهضت بعدها عن التخت وقد أجمعت أمرها بالمضي قدمًا فيما قدر إليها، تاركة أمرها على المدبر الذي لا يغفل عنه شيء.
ذهبت للمطبخ لتحضر وجبة الفطور قبل أن تذهب لغرفة جدتها التي وجدتها هي الأخرى مستيقظة، جالسة بجذعها تنظر في الفراغ بشرود، ويبدو على وجهها علامات الهم، وهي تعلم بداخلها جيدًا السبب وراء ذلك.
اقتربت تتصنع الابتسام وهي تهتف باسمها:
- إيه يارقية؟ دا انتِ صاحية أهو، قال وأنا اللي كنت شاغلة بالي بصحيانك.
ختمت جملتها بقبلة على رأسها، قابلتها رقية بنظرة غامضة قبل تلوي فمها المطبق وتشيح بوجهها عنها.
- انتِ لسة برضوا لاوية بوزك مني ياستي؟
سألتها زهرة بعتب وهي تجلس بجوارها، تنهدت رقية قبل أن ترد عليها:
- أمال عايزاني يعني أعملك إيه؟ أقوم أترقصلك مثلًا، حمد لله مشلولة.
كلماتها البسيطة كانت تلسعها كالسياط، وهي المجبرة قليلة الحيلة، لا تجرؤ على التفوه بالحقيقة حتى لا تزيد على أحزان جدتها، فيكفي عجزها ومرضها أيضًا. ضغطت على شفتها وهي تدعي عدم الفهم قائلة:
- يعني هو انتِ لازم ترقصي؟ ياستي كفاية تفرحيلي، ماينفعش بقى تفرحيلي.
ردت رقية وقد احتدت عيناها في النظر إليها:
- بت انتِ، ما تعملهومش عليا، انتِ عارفة كويس قوي أنا قصدي إيه؟
أومأت برأسها تقول لها:
- عارفة ياستي ومقدرة كمان، بس هاعمل إيه أنا بقى؟ جاسر مضطر يتم الجواز بسرعة عشان عنده ظروف قوية لكده.
ردت رقية باستنكار رافعة شفتها العليا:
- ظروف إيه دي يا أختي اللي تخليه يلم جوازتك منه في ظرف أيام قليلة من غير حتى ما ربنا يقدره يستنى خالك، خالك يا زهرة اللي رباكي وكأنك حتة منه ولا انتِ نستيه يا بت؟
هنا لم تقوى زهرة على الإنكار أكثر من ذلك، فخرجت شهقتها المكتومة بعنف، جعلت رقية تلتف برأسها إليها مجفلة، فوجدتها تبكي بصوتٍ مكتوم ووجهها مغرق بالدموع. انفطر قلبها لرؤيتها فجذبتها سريعًا لداخل أحضانها، تشدد عليها بذراعيها وهي تردف:
- بس لو تفهميني إيه اللي صايبك، بدل ما أنا حاسة نفسي كده زي الأطرش في الزفة.
كانت تبكي وفقط، تفرغ مع دموعها الحزن والقهر من داخلها، ورقية تربت على ظهرها بحيرة، حتى سألتها أخيرًا:
- هو بيهددك بحاجة يا بت ولا ماسك عليكِ ذلة؟
انتفضت زهرة تخرج من أحضانها تنفي وهي تمسح بكفيها لتزيح أثر الدمعات:
- لأ طبعًا انتِ ليه بتقولي كده ياستي؟
تنهدت رقية قانطة وهي تضرب بكفيها ترد عليها:
- طب عايزاني أقول إيه بس؟ وأنا شايفة الوضع كده مش مريحني، دا غير كمان خلقتك انتِ اللي متغيرة، حتى لو كنتِ بتمثلي الضحك والفرحة قدامي أنا كشفاكي يا بت.
ابتسمت زهرة رغم ما تشعر به على فراسة جدتها قبل أن ترد:
- طب لما انتِ كشفاكي كده وحاسة بيا، ليه بقى زعلانة مني؟ مش تقدري كده خوفي من دنيا جديدة داخلة عليها.
ردت رقية وهي رافعة حاجبها بتشكك:
- يعني انتِ كل المشكلة عندك، هو خوفك من الدنيا الجديدة اللي داخلة عليها؟ وخالك بقى نستيه؟
- أنسى مين بس ياستي؟
هتفت بها تبتلع الغصة المؤلمة بحلقها قبل أن تكمل:
- أنا عارفة إن خالي عمره ما هايتخلى عني حتى لو غلطت، وعلى العموم أنا عملت اللي عليا معاه في الاتصال والمحايلة، والباقي عليه هو بقى!
غمغمت الأخيرة بصوتٍ خفيض لم يصل إلى رقية التي انتبهت على صوت جرس المنزل:
- طب قومي ياختي شوفي مين اللي جايلنا على أول الصبح كده ومش صابر حتى لما الشمس تطلع كويس.
نهضت زهرة تعدل من هيئتها وشال رأسها.
فتحت لتجد والدها يقتحم المنزل مهللًا وخلفه زوجته وبناته الثلاثة:
- صباح الخير يا ست العرايس ياقلب أبوكي، عاملة إيه النهاردة؟
لم تجبه زهرة فقد انشغلت عنه بتلقي المباركة والتهاني من زوجة أبيها سمية وهي تحتضنها بمودة حقيقية:
- ياحبيبة قلبي ربنا يتمم بخير يارب ويفرحك يا زهرة.
ردت زهرة بابتسامة ممتنة قبل أن تعيد الكرة مع صفية وشقيقاتها الصغار، الحسنة الوحيدة لأباها كما كانت تقول دائمًا.
فرك خلفهم بكفيه محروس قائلًا بحماس:
- ها يازهورة، جهزتي نفسك بقى؟
هتفت رقية نحوه من الداخل:
- جهزت نفسها لإيه بس ياراجل انت؟ هو احنا لسة اصبحنا ولا فطرنا حتى.
اندفع إليها متبخترًا يقول:
- الله بقى، مش لازم أسأل أنا وأطمن على كل حاجة، بحيث بقى لما تيجي عربية العريس اللي هاتخدنا عالفيلا بتاعة الباشا، يلاقينا جاهزين ومش ناقصنا حاجة ولا إيه يا حماتي؟
- يييييه، دا رجع يقولها من تاني، وأنا اللي قولت إني استريحت منها، الله يسامحك على الورطة السودة دي يا حاج ويرحمك.
غمغمت بها بقرف رقية وهي تشيح عنه بوجهها، قبل أن تلتفت على كلمات سمية:
- زهرة ياحبيبتي، خلصتي كل حاجتك ولا عايزة مني مساعدة؟
- حاجة إيه؟
تسائل بها محروس ببلاهة قبل أن تنهره رقية:
- وانت مالك انت؟ مش جيت ونبهت على ميعاد الباشا بتاعك، جر عجلك بقى وانزل تحت استنى عربيته، احنا مش فاضين.
غمغم محروس بكلمات غير مفهومة بحرج وهو يخرج من الشقة ويتركهم. فور مغادرته التفتت سمية لزهرة تسألها:
- ها ياحبيبتي مردتيش يعني؟
ردت زهرة متبسمة:
- حاجة إيه بس يا خالتي؟ هو انتِ شوفتيني يعني جايبة الجهاز اللي مالي البيت، دي كلها شوية هدوم عبيت بيها الشنطة، والباقي يعني، حاجات بسيطة مش مستاهلة.
- خلاص ياقمر، ادخلي انتِ الحمام خديلك شور زي مابيقولوا البنات كده، على ما أنا روقتلك الحاجات دول، وصفية بقى تحضر الفطار.
- تسلمي يا غالية يا بنت الأصول، نردلك تعبك يارب في بناتك ياحبيبتي.
هتفت بها رقية لسمية التي ردت:
- تعب إيه بس يا خالتي؟ وأنا يعني عملت حاجة؟
شهقت رقية قائلة بشقاوة:
- اهاا دا كفاية تعبك معاها امبارح يا أختي وهي دي شوية؟
تغير وجه زهرة وهي تنهض مغادرة بحرج، ضحكت لها سمية وهي تقول لرقية:
- كسفتيها يا خالتي، وبنت بنتك دي مشكلة لوحدها.
لوحت رقية بكفيها الاثنتان أمامها في الهواء تردف وهي تلوك فمها على الجانبين:
- انتِ هاتقوليلي يا أختي، ما أنا عارفاها خيبة.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
خرجت كاميليا من بنايتهم، متوجهة إلى سيارتها كي تلحق بصديقتها التي نبهت عليها من الأمس بالذهاب إليها صباحًا اليوم، متخلية عن يوم عمل لها بالشركة.
وصلت إلى سيارتها وقبل أن تهم بفتحها فوجئت بمن يهتف عليها باسمها، التفتت فوجدته أمامها يقترب بخطواته إليها.
رفعت نظارتها إلى مقدمة شعرها وهي تقول باستغراب:
- عماد.
رد وهو قد وصل إليها:
- أيوة عماد يا كاميليا، انتِ عاملة إيه؟
ردت وهي تمط بشفتيها:
- كويسة ياسيدي، بس انت اخبارك إيه بقى؟
أومأ برأسه بابتسامة خفيفة يرد عليها:
- كويس أنا ياستي والحمد لله، لقيت شغل جديد بعيد عن عزبة الريان وابنه.
أومأت برأسها تبتسم بحرج وتردد:
- حلو قوي يا عماد، انت شاطر أساسًا وشغلك مطلوب في كل الأماكن.
أجفلها مباغتًا بسؤاله:
- هي عاملة إيه دلوقت؟
- هي مين؟
سألته باستفسار، أجابها هو:
- أقصد زهرة يا كاميليا، رغم أنها اتخلت عني وقت الخناقة، بس أنا عاذرها، ما أنا برضوا غلطان في اندفاعي عليها بدون تفكير، وهي أكيد خافت من الفضايح، يعني كان لازم أقدر.
تبسمت بخفة تجيبه:
- خلاص يا عماد ولا يهمك، أنا هاكلمها وأقولها اطمن و ما تقلقش.
همت لتتحرك ولكنه أوقفها قائلًا:
- مقلقش إزاي بس يا كاميليا؟ وأنا قلبي بياكلني وخايف عليها لتتجوز الراجل ده اللي بتقول عليه غادة، أنا مش...
- بتقول مين؟
هتفت كاميليا مقاطعة واستطردت سائلة:
- هي غادة اللي قالتلك على موضوع العريس، وقالتلك بقى اسمه إيه كمان؟
- لا مقالتش يا كاميليا.
تنهدت بارتياح قبل أن تستمع لباقي كلماته:
- بس أنا عايز أعرفه وعايز أشوف زهرة عشان أوقفها عن جوازها منه.
جحظت عيناها فردت بذهول:
- توقف مين يابني؟ ما خلاص يا عماد كل واحد يشوف نصيبه، ثم انت وهي مكانش في مابينكم حاجة يعني عشان تديك الحق توقف جوازها زي ما بتقول.
قال بإصرار:
- لا كان في مابيننا إعجاب متبادل يا كاميليا، بدليل إن بنت عمتها بنفسها لاحظت وقالتلي.
جزت على أسنانها تتمتم بالكلمات الغاضبة نحو هذه الغادة، واستطرد هو برجاء:
- كلميها والنبي يا كاميليا، قوليلها إن عماد مستعد يتقدم، وعندي بدل الشغلانة اتنين، اينعم أنا مش هبقى غني زي اللي اتخطبتلو، بس على الأقل مش هاخليها محتاجة حاجة، خليها تقنع أبوها بكده.
تعرقت وارتبكت أمام الحاحه وهي لا تجد من الكلمات المهونة له، ولا تريد خداعه أيضًا فزهرة زواجها اليوم ولو أخبرته، لربما قام بحركة مجنونة كما فعل سابقًا وكان سببًا في حدث اليوم.
ردت أخيرًا بتهرب:
- طب أنا هبقى أشوف الموضوع دا يا عماد وأقولك، عن إذنك بقى عشان متأخرة ماشي.
قالت الأخيرة واستدارت لتفتح باب سيارتها سريعًا، ردد هو من خلفها هو:
- طب ما تنسيش يا كاميليا اللي قولتلك عليه.
دلفت لسيارتها لتدير المحرك كي تهرب سريعًا من أمامه، وظل هو على وضعه واقفًا حتى تحركت بسيارتها واختفت من أمامه تمامًا.
.....................................
وفي الحارة انتشر خبر زواج زهرة اليوم من عريسها العربي كما أشاع والدها.
كانت تدلف النساء الجارات على المنزل كي يلحقن بابنة حارتهم لتهنئتها والمباركة، قبل ذهابها بصحبة أهلها.
كانت غادة ومعها والدتها وصلن مع أول إشراق الصباح، يدعين الفرح والوقوف بجانب زهرة مع مواصلة فضولهن في معرفة كل صغيرة وكبيرة حدثت أو سوف تحدث.
وصلت كاميليا لتنضم إلى صحبة المنزل الممتلئ على آخره من النساء الجالسات بجوار رقية في الصالة، وصفية وأشقائها يضيفن الجميع بالعصائر والمشروبات.
ألقت كاميليا نظرة نارية نحو غادة قبل أن تتجه لسمية تسألها عن زهرة.
أجابت سمية وهي تشير بسبابتها:
- زهرة قاعدة في أوضتها ياحبيبتي بتلبس لها هدوم للخروج، حكم العريس اتصل وقال إنه خلال نص ساعة والسواق هايوصل وياخدها.
- طب كويس.
أومأت برأسها كاميليا كي تذهب إليها ولكن قبل أن تتحرك ألقت نظرة أخيرة نحو غادة.
وحينما وصلت إلى غرفة زهرة وطرقت على بابها بخفة، وصلها الصوت من الداخل:
- أيوة مين اللي على الباب؟
أجابتها بصوتٍ مرح:
- أنا كاميليا صاحبتك يا عروسة.
فتحت زهرة فور سماعها بالاسم، لتدخلها وتصفق الباب على الفور خلفها.
خبأت ابتسامة كاميليا وهي تجد النظرة الغريبة من زهرة بوجهها العابس:
- إيه مالك؟ شكلك متغير كده ليه؟
تنهدت مطولًا صامتة قبل أن تتركها وتجلس على تختها بشرود ووجهٍ يكسوه الهم.
جلست خلفها كاميليا على الكرسي المقابل لها تسألها بقلق:
- ايه يابنتي جرا إيه؟ بقى دا شكل واحدة جوازها النهاردة؟
- خايفة.
تفوهت بها زهرة وسألتها كاميليا:
- خايفة ليه ياحبيبتي؟
ردت زهرة وهي تزدرد ريقها الجاف:
- مش عارفة صراحة، إزاي هاتلم مع راجل غريب عني في بيت واحد، راجل كنت بخاف ما أبص له حتى ودلوقتي هابقى مراته و......
قطعت جملتها وصدرها يصعد ويهبط دون توقف بتوتر حقيقي وصل إلى كاميليا التي نهضت لتجلس بجوارها، تطمئنها بابتسامة متسعة:
- يابنتي ليه القلق دا كله بس؟ هو غول وهايكلك يعني؟ الخوف والقلق دا شيء عادي عند كل عروسة، لكن معاكِ انتِ كده بزيادة ممكن يجيبلك أزمة قلبية.
خاطبتها زهرة بنظرة مترجية:
- بجد، يعني دا فعلًا شيء عادي؟
ردت بابتسامة مطمئنة قبل أن تقبلها على وجنتيها:
- والله يا شيخة شيء عادي، لكن انتِ يعني لو مش حاسة بناحيته بأي شعور، كنتِ قبلتي تتجوزيه أساسًا؟
لعقت شفتيها تجيبها بتفكير:
- مش عارفة صراحة، بس أنا لما بسمع كلامه أما يكون رايق بحس كده براحة غريبة وأحيانًا كتير بيبقى فرح، بس بقى لما بيقلب، بكش في جلدي على طول منه!
ردت كاميليا بابتسامة بشوشة:
- يابنتِ مدام في إحساس؛ يبقى خير والله، وكل اللي في عقلك دي مجرد خوف مالهوش داعي، قومي بقى جهزي نفسك كده وفرفشي، دي نسوان الحارة عامليلك مهرجان ولا كأنك حتى هاتتجوزي أمير خليجي.
استجابت لها زهرة ترد:
- البركة في أبويا وفشره بقى، دا يعمل من البحر طحينة.
قالت كاميليا بمرح:
- حلو يازهرة، الصيت ولا الغنى بقى، وعلى العموم يعني هو مبعدتش كتير، ماهو جاسر برضو......
قطعت جملتها على أثر النداء الذي وصل إليهم من خارج الغرفة:
- يازهرة عربية العريس وصلت.
فتحت كاميليا باب الغرفة، فدلت غادة قائلة بلهفة لزهرة:
- إمام وصل يازهرة ومعاه كرسي بعجل لستك عشان ياخدها معاكي في العربية، يلا بقى عشان أركب معاكم أنا كمان.
- تركبي فين يا غادة؟ العربية يدوبك للعروسة وستها.
قالت لها كاميليا بحدة أجفلتها، وردت غادة:
- طب وايه يعني؟ ما أنا كمان بنت عمتها وزي اختها.
ردت كاميليا مشددة على حروفها:
- مش اختها يا غادة، ثم إن أخواتها اللي بجد بقى قاعدين مكانهم وهايستنوا العربية التانية، جاسر باعت العربية دي لزهرة وجدتها بس، خليكِ انتِ واركبي معايا في عربيتي.
صكت غادة على فكها وهي تلتفت لزهرة تنتظر منها رد فعل ولكن الأخرى تجاهلتها كي تظبط حجابها أمام المرآة، مما جعلها تغادر وهي تدب بأقدامها على الأرض بغيظ.
...................................
بداخل السيارة كانت تتابع من النافذة الطرق الغريبة عنها في هذه المنطقة الراقية والتي تظن أنها دخلتها سابقًا، حينما خرجت من منزله ليلاً، بعد حادثة السمسار.
لكن هذه المرة الرؤية تختلف تمامًا في وضح النهار عما سبق، ترى المنازل المصطفة بتباعد، يجعل كل أسرة تسكن وكأنها في مدينة وحدها، المجتمع المخملي والتي لم تطمح بحياتها باقتحامه أو حتى الاقتراب منه، سوف تصبح الآن جزءًا منه. أم أنها ستكون فقرة في حياتها وتنتهي حينما ينتهي منها الباشا الكبير كما قالت لها غادة.
قبل يومين.
كانت زهرة جالسة بشرفتها تتأمل المغيب، وقد جفت دموعها بعد انهيارها في الهاتف برسالة سجلتها لخالها، علّ قلبه يرق ويسمعها، ويرحمها من جفاءه معها. تريده سندها وسدها المنيع في الأيام القادمة، وقد أصابها الخوف من عودة جاسر لهيئته القديمة، وإصراره على إتمام الزواج بهذه السرعة في الوقت القليل متحديًا رغبتها في الانتظار.
تفاجأت بمن تقتحم عليها الشرفة هاتفة:
- ها يازهرة، دا أنا سمعت إن جاسر باشا حدد ميعاد كتب كتابه عليكِ خلال يومين؟
ردت زهرة بسأم:
- مش سمعتي من أبويا يبقى صح.
- اممم.
زمرت قليلًا بتفكير قبل أن تسألها:
- طب وعلى كده بقى حددتي هاتعملي معاه إيه بعد الجواز؟
هزت رأسها تسألها باستفسار:
- قصدك إيه يعني مش فاهمة؟
شهقت غادة مستنكرة تردد:
- ياعبيطة، بقى مش تحددي انتِ عايزة منه إيه؟ دا فرصة ولازم تعرفي تستفيدي منها كويس، أو تهبشي منه على قد ما تقدري بعد ما تتجوزيه، انتِ ماتضمنيش ياحبيبتي، إمتى يزهق منك أو فجأة يطلقك ويرميكي بعد ما تعرف مراته، دي جوازة على كف عفريت يا ماما.
ردت بصدمة وعدم تصديق وكأن هذا ينقصها:
- معقول دا ممكن يحصل صح؟
تنهدت غادة قائلة بسأم:
- وما يحصلش ليه بس يا بنت الناس؟ أنا بوعيكِ يازهرة، عشان ماتجيش بكرة تتصدمي لما تطلعي من المولد بلا حمص، طب استني كده ثواني.
قالت الأخيرة قبل أن تبحث في الهاتف قليلًا، ثم تضعها أمامها لتتناوله قائلة:
- طب بصي كده وشوفي بنفسك وانتِ تتأكدي.
ردت زهرة وهي تنظر في صور امرأة جميلة بعدة أوضاع في أماكن مختلفة وترتدي ملابس متحررة تشبه النجمات:
- مين دي؟
أجابتها وهي تراقب تغير ملامحها:
- دي مراته ياحبيبتي بنت الوزير ودي صفحتها يا أختي عالفيس، كل يومين تنزل صور من الفسح والسفريات بتاعتها، شوفتي بقى هي عايشة حياتها وحلوة إزاي؟ مش بقولك يا بنتِ، لازم تاخدي بالك وتعملي حساب اللي جاي.
- وصلنا خلاص.
فاقت من شرودها على الصوت الغليظ لإمام وهو ينبهها. أخرجت رأسها من النافذة لتجده أمامها، واقفًا أعلى الدرج الرخامي أمام الباب الداخلي للمنزل في انتظارهم.
وبمجرد توقف السيارة بالقرب منه، هبط درجاته حتى فتح لها باب سيارتها يستقبلها بابتسامة رائعة وهو يتناول كفها ويساعدها في الترجل من السيارة، يهمس بجوار أذنها:
- نورتي بيتك يازهرة.
التقطت عيناه بخاصتيه لتفاجأ بهذا البريق الوامض بقوة داخل مقلتيه، يعتلي فمه ابتسامة جانبية، قبل أن يتركها ملتفًا حول السيارة ليستقبل رقية التي ساعدها إمام في الترجل على الكرسي المتحرك.
- عاملة إيه حاجة؟ أنا جاسر.
اشتدت ملامحها قليلاً رقية قبل أن تلين إليه قائلة:
- أهلًا ياباشا، مش انت العريس برضوا.
دنا إليها بجذعه يرد بابتسامة:
- أيوه يا أنا يا حاجة، نورتيني.
تنهدت رقية قائلة بلطف:
- دا نورك يا بني، ربنا يتمم بخير.
- إن شاء الله يا حاجة، تعالي بقى معايا.
قال الأخيرة ليمسك بالكرسي ويصعد به الدرج أمام أنظار زهرة التي تسمرت محلها. وهتف هو ينبهها:
- يالا يازهرة، انتِ هاتفضلي واقفة مكانك ولا إيه؟
بداخل المنزل الكبير كان في استقبالهم امرأة خمسينية جميلة الهيئة بابتسامة أنيقة اقتربت منهم، فقال جاسر يقدمها لهم:
- دي عمتي علية يازهرة، دي اعتبريها صاحبتي مش عمتي.
أومأت لها زهرة بابتسامة رقيقة فاقتربت المرأة ترحب بها وبجدتها.
- أهلًا يا حاجة نورتينا.
- دا نورك يا حبيبتي.
كان رد رقية والتفتت المرأة تخاطب زهرة:
- وانتِ يا قمر، دا جاسر كان عنده حق بقى.
شعرت زهرة بدفء ومودة نحو هذه المرأة مليحة الملامح مع صوتها الذي ينبض بالحنان فردت بابتسامة متسعة إليها وصوتٍ خفيض:
- تسلمي انتِ ربنا يخليكِ.
قال جاسر:
- طب يا جماعة أسيبكم تتعرفوا أكتر على بعض وأنا هاخد زهرة أعرفها على المكان على بال ما توصل الميكب أرتست.
سألته زهرة بعدم تركيز:
- والميكب أرتست ليه بقى؟
تناول كفها يسحبها معه وهو يجيبها بابتسامة متلاعبة:
- عشان كتب الكتاب يازهرة، هو انتِ نسيتي ولا إيه؟
...................................
كأنها في دوامة، مستسلمة لسحبه لها؛ تسير بآلية وهو يعرفها بغرف المنزل الشاسع الفسيح، مع رفاهية لم ترها مثلها حتى في أقصى خيالاتها، لا تصدق ولا تعترض ولا تشعر بشيء من هذه الفرحة التي تشعر بها العروس في يومٍ كهذا.
وصل بها إلى غرفة أخرى كباقي الغرف، ولكن يبدو أن هذه كانت مميزة. سحبها لتلج معه داخلها:
- دي بقى هتبقى أوضتنا يازهرة.
- أوضة إيه؟
للمرة الثانية تجاوبه ببلاهة وعدم تركيز. أثارت ابتسامة عبثية على وجهه وهو يرد:
- في إيه يابنتي؟ انتِ النهاردة فاقدة التركيز تمامًا، بس أنا عاذرك برضوا، تعالي بقى شوف الهدوم اللي أنا جبتها ونقيتها بنفسي.
قال الأخيرة وهو يفتح الضلفة الوسطى في خزانة الملابس الضخمة، أشار لها بيده قائلًا:
- دي بقى هدومك للخروج، دريسات وهدوم واسعة كلها على نفس النظام اللي انتِ ماشية عليه، حتى شوفي كده.
قال وهو يناولها إحدى القطع المعلقة بشماعتها، أومأت له قائلة بذوق:
- حلو وجميل.
- حلو وجميل!
ردد خلفها باستغراب وهو يفتح ضلفة أخرى للبيجامات والملابس البيتية المريحة وهي تهز برأسها التي ذهب منها التركيز إلى غير رجعة وحل مكانه صداع غير عادي، حتى فاجأها بقطعة...... غريبة جعلتها تفوق من غفوتها، فشدتها منه سريعًا تعيدها مكانها وتقفل عليها باب الضلفة بغضب.
ردد هو بعبث:
- إيه يابنتي، بتشديه كده ليه؟ هو حاجة غريبة يعني؟
هتفت غاضبة:
- لأ مش غريبة، بس انت ماينفعش تخليني أشوف حاجة زي دي؟
- ليه بقى؟ دا اللي منقيهم ومشتريهم بنفسي؟
قال بتسلية واستمتاع مما أثار غيظها أكثر، فهتفت وهي تدب بأقدامها مغادرة:
- أنا أساسًا اللي غلطانة عشان جيت معاك، وانت جررني كده من إيدي زي البهيمة.
أوقفها مقاطعًا قبل أن تخرج من الغرفة:
- ماتقوليش على نفسك كده يازهرة، أنا مش عيل مراهق عشان أعمل معاكي الحركات القرعة دي.
توقفت محلها متكتفة الذراعين، تستمع إليه على مضض، واستطرد هو:
- أنا عارف إنك زعلانة وجواكي إحساس إني غصبتك على جوازك مني من غير رضا خالك، بس أنا مكانش ينفع أتأخر أكتر من كده بعد اللي حصل من الأستاذ عماد في الشركة.
- ماينفعش ليه؟
سألته باقتضاب وكان جوابه:
- مش لازم تعرفي دلوقتي يازهرة، خلي كل حاجة في وقتها، المهم بقى تعالي شوفي أنا جايبك هنا ليه أساسًا.
تحرك بأقدامه حتى اقترب من التخت، فتناول من فوق الفراش، فستان سهرة باللون العسلي. التمست نعومته من مكانها بدون أن تلمسه، بقصة بسيطة صممت بيد خبيرة، تُظهر جمال الفستان دون تكلف.
- إيه رأيك بقى؟
- ماهانش عليك تخليه أبيض.
غمغمت بها بداخلها قبل أن تجيبه مطبقة على شفتيها:
- كويس وجميل، جميل جدًا.
رد جاسر وهو يلقي نظرة أخرى على الفستان وعليها:
- حاسس إنه ها يطلع يجنن عليكِ، رغم إني معرفش مقاساتك بالظبط، بس أنا نقيته بإحساسي.
احتدت عيناها قبل تلتف مغادرة من أمامه تعض على شفتها بغيظ منه، أطلق ضحكة مجلجلة وهو يعيد الفستان لمكانه كي يلحق بها:
- طب استني طيب، بلاش الظن السوء دا، أنا بتكلم بنية صافية.
.............................
في المساء وقد حضر العدد المحدود من المدعوين من عائلتها، ترحب بهم عمته الوحيدة ومعها طارق صديقه ومدير أعماله كارم بالإضافة إلى الخدم الموثوق بهم.
حضر المأذون ينتظر بالبهو، وهي مازالت في غرفتها مع الميكب أرتست، ومعهم كاميليا التي جهزت نفسها معها بالداخل.
أما غادة فاختارت أن تذهب إلى أقرب بيوتي سنتر في المنطقة، مضحية بمبلغ هائل من مال أبيها كي تبهر الجميع بإطلالتها.
وهذا ما حدث حينما اقتحمت المنزل بفستان عاري من الكتفين، وضعت عليه شال خفيف، يخفي ولا يخفي؟ لفتت أنظار الجميع إليها وأولهم كان إمام، الذي شاكسها بنظراته المتفحصة لها كعادته.
تجاهلته هي وارتكزت أنظارها على جاسر الذي لم يلتفت أساسًا فقد كانت عيناه مرتكزة نحو الردهة المؤدية لغرفة عروسه.
ألقى نحوها طارق نظرة جريئة كعادته أسعدتها قبل أن تنضم لوالدتها في جلستها مع الجميع في انتظار العروس التي خرجت أخيرًا بفستانها العسلي بصحبة كاميليا التي ارتدت فستان من اللون النبيتي طويل حتى الكاحل، أظهر رشاقتها وأناقتها الدائمة وشعرها المصفف بعناية، يتراقص مع خطواتها.
بجوار زهرة التي فاجأت الجميع بجمالها، فستانها الذي انسدل عليها بنعومة أظهر لأول مرة جمال جسدها الملفوف، وجهها الذي لم تطئه فرشاة التجميل سابقًا، كان اليوم يصرخ بجمالها.
أمام الجميع الذين فغروا أفواههم بذهول نحوها، كاد قلبه هو أن يتوقف، ظل متسمرًا محله وعيناه تلتهم تفاصيلها حتى أجفله طارق بنكزة بمرفقه، يهمس إليه:
- فوق يابني مش كده فضحتنا، روح هات عروستك مش كفاية أبوها الراجل المبلم ده.
أومأ برأسه بعدم تركيز، فتحرك بخطواته السريعة نحوها، حتى إذا اقترب، ألقى التحية لكاميليا التي بادلته بابتسامة ثم همس بجوار أذنها بصوتٍ متحشرج من فرط ما يشعر به:
- قمر يازهرة، مهما أوصف مش هاقدر أوفي جمالك حقه.
أومأت بخجل وعيناها الجميلة التي رسمت بحرفية تخفضها عن عيناه المتصيدة.
تنفس بعمق وهو يتناول كفها التي اندهش من برودتها قائلًا وهو يسحبها معه:
- إيه يابنتِ؟ إيديكِ ساقعة أوي كده ليه؟
لم ترد واستسلمت للسير معه رغم العواصف الدائرة برأسها دون توقف، حتى أجلسها بجوار جدتها التي قبلتها بحنان على رأسها بفرحة حتى كادت توشك على البكاء.
كاميليا والتي وقفت تراقب من محلها وهاتفها بيدها، تفاجأت بطارق الذي أتى إليها يلقي التحية:
- مساء الخير، اللي يشوفك يقول عليكِ انتِ كمان عروسة.
ردت بابتسامة رائعة:
- مرسي، وانت كمان اللي يشوفك يقول عليك عريس.
رد بمغزى:
- يااارب، يسمع منك قريب، وتحن اللي قلبي هايموت عليها.
رفعت أنظارها إليه بتساؤل قبل أن تلتفت إلى الهاتف الذي صدح بيدها، فاستأذنت منه قائلة:
- طب معلش عن إذنك يا طارق، عشان عندي حاجة مهمة.
- حاجة إيه؟
تفوه بها باستغراب وهي تغادر من أمامه نحو باب الخروج، هم أن يلحقها ولكنه تذكر المأذون وشهادته على عقد زواج صديقه، فعاد للجلوس أمام كارم الذي كان ينظر إليه بملامح مغلفة، بعد أن تابع حديثه مع كاميليا.
وعند جاسر الذي كان يستعد لعقد قرانه تفاجأ بزهرة وهي تشير إليه بتردد.
نهض من مقعده ليجلس بجوارها سائلًا:
- نعم ياقلبي، عايزة إيه؟
قالت مستجمعة شجاعتها:
- كنت عايزة أطلب منك قبل مانتجوز يا جاسر.
رد بابتسامة مشجعة:
- قصدك شروط يعني، قولي ياحبيبتي.
أراحها أسلوبها فقالت:
- اوعى تحرمني من زيارة ستي أبدًا ولا في أي وقت يا جاسر.
- عيوني.
أردف بها مشيرًا بسبابته نحوهم، فتابعت هي:
- والشغل، أرجوك يعني مهما حصل مابينا، ماتبعدنيش عنه، أنا مصدقت لقيت نفسي فيه.
نظر إليها بحنان صادق قائلًا:
- مش هاحرمك من الشغل يازهرة.
أكملت بعفويتها:
- وعلى العموم يعني أنا ممكن أشتغل مع الأستاذ مرتضى لو حصل أي حاجة مابينا و......
- مافيش شغل مع حد تاني غيري يازهرة.
أردف بها مقاطعًا قبل أن يعود لمجلسه وقد انقلب وجهه في أقل من ثانية.
عم الهدوء المكان ورجل الدين يبدأ في أول مراسم العقد، قبل أن ينتبه الجميع فجأة على صيحة رجولية خشنة من المدخل:
- استنى يا عم، مافيش كتب كتاب من غيري.
ارتفعت أنظار الجميع نحوه ثم انتبهوا على صرخة من زهرة التي تناست كل شيء ونهضت مهرولة إلى الرجل، غير عابئة بشكلها كعروس مرددة:
- خالي......
تلقفها هو من وسط المسافة يحتضنها بشوق رافعًا أقدامها على الأرض بمسافة مرددًا بمرح مع ضحكاته المجلجلة بقلب البهو الفسيح:
- كبرتي يابنت فهمية وبقيتي عروسة.