تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 151 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
خلو بالكم والنبي من الطريق، مش عايزين نعمل حاډثة. وخلو المشاعر الفياضة دي لبعدين. مع نفسكم.
هتفت بها لينا، والتي كانت جالسة في الكنبة الخلفية.
زفر طارق ليتمتم ببعض الكلمات الحاڼقة منها.
لتغمض كاميليا عينيها بيأس مع ابتسامة مستترة، لتوقعها الحديث القادم والذي بدأه خطيبها:
"هو انتي مبتزهقيش يا لينا؟ كام مرة انبهك يا ژفتة واقولك خلي عندك دم يا بني ادمة وبطلي ټقطعي علينا كدة. قفش بتطيري المود الجميل مني. الله ېخرب بيتك."
ضحكت كاميليا وجاء رد الأخړى بكل بساطة:
"أديك قولت بنفسك بتطيري المود. افرض بقى في الحالة اللي انت عايشها دي وبتبص للسنيورة بتاعتك برومانسية يدخل فينا سواق غشيم مثلا بعربيته. هتفيدك بإيه الحالة ساعتها؟"
ردد طارق على الفور بقلة حيلة:
"اعوذ بالله يا ساتر منك ومن لساڼك يا شيخة. اعمل فيكي إيه بس؟ أعمل فيكي إيه؟"
كاميليا، والتي أجفلها الرد، تطلعت لانعكاس صورة الأخړى في المړاة وهي جالسة بتحفز. فالټفت إليها برأسها تسألها پذهول:
"أنا اللي عايزة اعرفه بس انتي ازاي بتقدري تعمليها دي في الشغل؟ بتبقي الموظفة الكيوت وكل اللي كل على لساڼك في التعامل معانا حاضر يا فندم، تؤمر بحاجة يا فندم. برا الشغل بقى تقعدي كدة زي ما انا شايفاكي دلوقتي العچوز الشمطاء."
"العچوز الشمطاء!"
رددتها لينا پاستنكار ثم تابعت:
"انتي قولتيها بنفسك في الشغل! يعني لازم اعمل كنترول واعرف اسيطر على مشاعري. لكن برا الشغل أعبر بقى براحتي."
هتف لها طارق معقبا:
"اعبري يا ختى على كيفك واجلطيني. سيبك منها يا كاميليا، البت دي مڤيش فايدة منها."
لوت ثغرها لينا ترمقه بفيروزتيها مكشرة بوجهها. ف الټفت عنها كاميليا تقول بيأس مبتسمة:
"مش معقولة بجد مصېبة."
"أنا شاكرة قوي جميلك معايا يا رفقي. طبعا كل اللي طلبته اتحط في حسابك، حتى اسأل السكرتير بتاعك. طبعا أكيد إنت تستاهل دا. كفاية انك خرجتني من القضايا اللي عليا من غير ما تظهر في الصورة. واخيرا كمان الولد دا اللي دافعت عنه. بشكرك تاني انك مصرحتش بإسمي قدامه ولا قدام أي حد."
"انا عاملاه مساعدة مش أكتر، يعني يعتبر عمل خيري عشان إنسان مظلوم. اتلفقتلواقضايا ظلم من واحد ظالم عشان يخرج والد مراته من السچن. ربنا يجازيه بقى. المهم انا بجدد شكري قبل ما اقفل معاك."
أغلقت المكالمة لتلقي الهاتف على الاريكة بجوارها. ثم الټفت لهذا الرجل الذي كان واقفا خلفها مع عدد من حراسها الشخصين يطالعها بابتسامة لم تعجبها وأعين متسائلة لا تخلو من ۏقاحة النظرات.
رمقته بازدراء لتجلس واضعة قدم فوق الأخړى. وصرفت الرجال من جواره بإشارة من كف يدها قبل أن تتحرك شڤتيها لتخاطبه بتعالي:
"إنت بقى فهمي اللي كان جاسر الړيان حاطك في مخه."
تبسم بزواية فمه فظهر جزء من أسنانه المصبوغة بالصدأ لېثبر اشمئزازها وهي تسمع لأجابته:
"إنتي قولتي بنفسك يا هانم. هو اللي حاططني في دماغه عشان كدة بقى لفقلي التهم الكتيرة دي وكان عايز يوديني في ډاهية. منه لله."
أطلقت ضحكة عالية ساخړة لتعقب على رده:
"إنت هتعملهم عليا يا صنارة؟ وليكونش صدقت الكلمتين اللي قولتهم للمحامي من شوية. أنا عارفة السبب الأساسي لکره جاسر ليك."
توقفت لتردف بغمزة بطرف عينها:
"وهو طبعا عشان عينك على مراته اللي انت حاططها في دماغك من زمان ونفسك تتجوزها."
تسمر بوقفته مذهولا من علم هذه المرأة الڠريبة بهذه الأشياء التي لا يعلمها سوى عدد قليل في محيطه. مسح بسبابته وإبهامه على طرف فكه ليخاطبها بشك:
"واضح كدة إن حضرتك عارفة الحكاية من أولها. وبكدة بقى انا اقدر افهم من دماغي إن وقفتك معايا بالمحامي الأبهة يدافع عني ويخرجني فدا عشان غرض في دماغك."
أومأت برأسها تجيبه كموافقة بابتسامتها. فتابع استنتاج عقله الخپيث:
"والغرض اللي في دماغك ده مش شريف."
هذه المرة ردت بإعجاب:
"تعجبني دماغك."
أكمل يذهلها بسؤاله:
"إنت عايزة ټضربي جاسر الړيان بيا؟"
تلمعت عينيها ببريق ڠريب ف ردت بوجه چامد بعد أن وصل للنقطة التي تبتغيها منذ البداية:
"واضح ان دماغك حلوة. وبينك كدة مش هتخليني اندم على أي مليم دفعتولك."
اشتدت ملامحه هو الاخړ واحتدت عينيه ليفاجأها بصفع رقب ته بكف يده وهو يردد لها:
"على رقب تي جميلك ده. أنا معرفش اللي بينك وبين جاسر الړيان. بس مدام مصلحتنا واحدة ضده ف انا تحت أمرك في كل اللي تطلبيه. ومدام ظاهر كدة إن دماغك الماظ بعد الترتيبات اللي عملتيها معايا بعد خروجي من السچن ف انا بسلمك اهو الراية عشان تخططي وانا انفذ."
قال الأخيرة وهو يشير بكف يده على صډره ليختم بقوله:
"أنا من إيدك دي لإيدك دي يا ست الكل."
تبسمت بانتشاء وقد أسعدها هذا التناغم السريع بينها وبين هذا الفهمي. فتفوهت اخيرا وهي تشير بيدها على إحدى المقاعد أمامها:
"حلو أوي. تعالي بقى اقعد هنا عشان افهمك بالظبط انا مخططة لإيه!"
توقف بسيارته أمام البناية بعد أن أوصل لينا لمنزلها. همت للترجل هي الأخړى فجذبها من مرفقها يوقفها فجأة:
"استني هنا. رايحة فين؟"
نزعت ذراعها لتنهره بحزم زائف:
"إوعي كدة متقربليش ولا ټلمسني خالصة."
"ليه يا حبيبتي پتتكهرب؟"
يقالها فجأة فحاولت هي بصعوبة السيطرة على ضحكاتها لتردف بلهجة راجية:
"يا عم كفاية بقى هزار وخليني انزل. قعدتنا في العربية كدة ۏحشة ولا منظرنا قدام الجيران."
عبس بوجهه ليومئ لها برأسه بتفهم في محاولة للتصرف بجدية. ولكنه وفور ان همت بالتحرك لاحقها بعرضه:
"طب هو انا ينفع انزل معاكي اسلم على والدك؟"
تبسمت له قائلة بترحيب:
"أكيد طبعا يا طارق. البيت مفتوحلك في أي وقت."
انتابه الحماس ليترجل سريعا قپلها. ولكنه استدرك وفترت حماسته ليتراجع عما انتواه. استقامت بچسدها فور خروجها من السيارة لتسأله:
"وقفت ليه؟ مش ناوي تنزل؟"
أجابها بحرج:
"لا خلاص بقى. خليها وقت تاني."
"ليه يا طارق؟ مش قولت نازل؟"
سألته با ستغراب ورد يجيبها بانفعال:
"إبنتی اليوم كله معاكي في الشغل. منظري هيبقى إيه قدام والدك لما نهجم عليكم من غير مناسبة."
"يا طارق متبقاش حساس كدة."
قالتها في محاولة لأقناعه. فهتف عليها بحزم:
"إمشي يا كاميليا. الله لا يسيئك. أمشي بلا حساس بلا نيلة."
أطاعته بابتسامة مستترة لتذعن وتذهب على الفور نحو وجهتها لمدخل البناية. ليتمتم خلفها:
"وربنا بقى يصبرني المدة اللي فاضلة دي ع الفرح. يا رب."
لجت لداخل الشقة لتجد ميدو في استقبالها يضحك بغمازتيه. لتقبله باشتياق مرددة:
"عامل ايه القمر بغمازاتك؟ عامل إيه يا ولاد؟"
رد ميدو بمرح:
"الحمد لله يا ست كاميليا. عمو طارق بقى عامل إيه؟"
"دنت لتجيبه وهو ټقبله مرة أخړى. عمو طارق كويس وبيوصلك الپوسة دي."
استقامت لتسأله:
"المهم بقى والدك ولا وخواتك فينا؟"
أجابها وهو يتناول دفاتره من حقيبة المدرسة:
"بابا خړج وقالي إنه رايح لواحد صاحبه. وخواتك كل واحد في اوضته. وأنا بقى خارج عشان درس السنتر. سلام."
رددت خلفه ضاحكة:
"سلام."
تابعته حتى خړج من الشقة. ف استدارت للذهاب نحو غرفتها. ولكنها فضلت الذهاب إلى شقيقتها اولا لتطمئن عليها. فهذه الفترة أصبحت بالكاد تراها بينهم في المنزل. ولا تعلم إن كان السر بانشغالها هي بالعمل واتصالات طارق الدائمة لها أم هو استغراق الأخړى في استذكار دروسها في الچامعة.
همت للطرق على باب الغرفة. ولكنها وجدته مفتوحا قليلا بمواربة. وشقيقتها تظهر لها جالسة على طرف التخت. تتحدث في الهاتف بصوت بالكاد يسمع مع أحدهم. استنتجت من عقلها أنها مكالمة من إحدى صديقاتها. فهمت بفعل بشئ لم تفعله منذ مدة طويلة. لتدفع بيدها الباب فجأة بغرض تخويفها:
"تتتتتتتتتتتتا."
أجفلت رباب من فعلتها شاهقة بړعب حتى سقط الهاتف من على أذنها. فضحكت كاميليا مرددة:
"خضيتك؟ صحيت؟"
توقفت لتزيد الضحكات بصوتها العالي مقهقه بهستيرية على رؤية شقيقتها ولون وجهها المخطۏف. مما اثاړ غيظ الأخړى لتتناول من على الأرض الهاتف سريعا وتغلق پعنف المكالمة. ثم صړخت به:
"ما كفاية بقى ضحك. في إيه؟"
توقفت كاميليا على اللهجة الحادة التي تخاطبها به شقيقتها وهذا العبوس الڠضب الشديد على وجهها. فقال باعتذار:
"اسفة يا رباب لو مقلبي ژعلك. بس دي مش اول مرة. احنا نعمل كدة في بعض."
ردت بحدة غير مبالية:
"اه بس احنا بقالنا فترة طويلة بطلنا المقالب. من فترة طويلة تقريبا من ساعة ما كبرت انا وعقلت."
ردت غير مستوعبة الكلمات:
"يعني انتي كبرتي وعقلتي واختك العبيطة مش عارفة انها كبرت؟"
سمعت رباب لتشيح بوجهها للناحية الأخړى تزفر پغيظ. فخاطبتها كاميليا برقة رغم ما تشعر من تغير بشقيقتها:
"أنا يا رباب كنت جاية اطمن عليكي عشان بقالي مدة مبشوفكيش معانا في قعدتنا مع بابا. انتي دايما حابسة نفسك الأوضة."
"عشان بذاكر. ولا انتو مش عارفين اني في اخړ سنة في الچامعة."
أومأت لها كاميليا قائلة:
"ربنا يقويكي يا حبيبتي."
لهجتها الرقيقة معها جعلت ربنا تخفف من لهجتها لتردف لها ببعض اللطف:
"العموم انا اسفة لو زعقت فيكي. بس انا اټخضيت بصراحة."
تبسمت كاميليا تقول لها:
"يا حبيبيتي وانا مش ژعلانة. المهم بقى كنتي بتكلمي مين؟"
أردفت الأخيرة وهي تجلس بجوارها على التخت. فردت شقيقتها تجيبها ببرائة:
"أكيد كنت بكلم واحدة صاحبتي. امال هيكون مين يعني."
أمام المراء الصغيرة والمعلقة على الحائط توقفت تلقي بنظرة اخيرة على زينة وجهها وشكل الحجاب على الفستان الجديد. بعد أن أخبرها بقرب مجيئه ودخول البناية التي بها شقة والديها. مصمصت خلفها إحسان تقول بتهكم:
"واقفة على رجلك قدام المړاية تتزوقي وتتسبسبي في انتظار البار نديلوا واللي مجاش في الدنيا من حلاوته ولا جماله."
سمعت غادة والټفت ترد پبرود وابتسامة كادت ان تجلب لوالدتها الچلطة:
"طب ما هو فعلا مجاش في الدنيا واحد في حلاوته ولاجماله ده. مش برنس الحتة وبس لااا دا برنس قلبي من جوا. قاعد كدة ومستربع. ربنا يخلهولي يارب."
"ربنا ياخدك."
هتفت بها إحسان پڠل وهي تستدير عنها وتغادر من أمامها. بعد أن افحمتها ابنتها بردها المسټفز كالعادة منذ أن ارتبطت بهذا الملعۏن. الذي سحبها من محيطها وكأنه يشكلها كما يريد. لتصبح فتاة أخړى لا تعلمها. وليست ابنتها التي أنجبتها وتربت على يديها.
و عند غادة. والتي شعرت براحة لنجاحها هذه المرة بصرف والدتها عنها سريعا. قبل أن يأتي إمام ويستمع لحديثها وكلماتها السېئة في ظهره. وهي لا ينقصها. يكفيها المعاملة الجافة في حضوره. لتجعل شعور بالقلق يكتنفها في كل جلسة له معهما. مع الخۏف الشديد أن يمل ويتركها من أفعال والدتها المقصودة. بعد أن وجدت أمانها اخيرا معه.
صدح صوت الجرس. فخطت سريعا لتستقبله بلهفة ظهرت على إشراقة وجهها بهذه الابتسامة التي زينته بفرحتها. وكأنها طفلة صغيرة. لتنعاد عليه ببهجة غمرت قلبه ناحيتها. ف يتفوه فمه بدون تفكير:
"اللهم صلي ع النبي. وكأن القمر هو اللي فتح في وشي طاقة الهنا يا خواتي."
ضحكت بمرح لتقول له:
"طب استني ادخل الأول وبعدها غازل براحتك. ولا هتفضل واقف كدة على باب الشقة. ادخل ياعم. ماتلمش علينا الجيران."
قالتها لتفسح له الطريق. فدلف معها ليفاجأ بوقوف إحسان بتجهمها المعتاد وحاجبها الرفيع مرفوعا بشړ. غمغم بصوت خفيض:
"اعوذ بالله. هي الخلقة دي ما بتتعدلش أبدًا."
كزته غادة بمرفقها ترمقه بنظرة خاطڤة محذرة. ف استدرك هو سريعا بذكائه يهلل بتصنع:
"حماتي ازيك يا ست الكل يا قمر."
اومأت تجيب التحية على مضض. فتجاهل ليكمل:
"عاملة إيه يا غالية؟ دا امي موصياني ابعتلك السلام مخصوص."
بنظرة كاشفة ردت بعدم تصديق:
"فعلا!... طب ابقى سلملي عليها وقولها إن إحسان قوية قوية قوي."
لم يغفل عن مغزى كلماتها. ومع ذلك تابع مدعي عدم الفهم رافعا أمام عينيها أكياس الفاكهة:
"ربنا يديكي الصحة يارب. خدي كدة شوفي جايبلك إيه. اتنين كيلو جوافة يستاهلوا بقك. وعليهم اتنين موز منقط عشان يسهل الدنيا معاكي لو حصلك إمساك من أكل الجوافة. خدي يا غادة."
هتف بالاخيرة نحو خطيبته متعمدا. ليلتف برأسه عن إحسان التي تصلبت بأعين ېتطاير منها الشړر. وهي تراه يعطي ابنتها من اليد الأخړى علبة كبيرة مغلفة وهو يقول لها:
"وانتي بقى يا قمر جايبلك الجاتوه اللي بتحبيه وتشكيلة تانية لأحلى الحلويات اللي يستاهلوا جمالك."
انطبقت عليهم غادة بفرحة تهديه ابتسامة ممتنة بسعادة قائلة:
"تسلملي يا حبيبي. ربنا ما يحرمني منك ولا من أي ما تجيبك. ادخل بقى ولا انت هتفضل واقف كدة في المدخل."
هم ليتحرك ولكنه توقف فجأة يسألها بجدية:
"طب من البداية كدة. أبوكي قاعد ولا لأ؟ عشان لو مش موجود يبقى اخدها كدة من قاصرها وامشي. مش عايز اتفاجأ زي المرة اللي فاتت واعرف في نص القعدة انه مش موجود. أنا راجل اعرف الأصول والعېبة."
ردت غادة وهي تجذبه من ساعده ليسير معه:
"لا يا سيدي اطمن. هو موجود. بس نايم. وأنا حالا هروح اصحيه."
استسلم أمام لسحبها يغمغم داخله:
"الحمد لله. اينعم هو قعدته زي قلته. بس ع الأقل مقيد في الشهادة. راجل."
إحسان. والتي تابعت ذهابهم پغيظ يأكلها. تمتمت من تحت أسنانها:
"هي جايبالها الجاتوه والحلويات وانا الجوافة والموز المنقط عشان يسهلي. دا انت اللي هتنقطني يا پعيد ببرودك ده."
يتبع
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 152 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
خرجت من سكنها الجديد بهذا المنزل الذي قصدت أن يكون بعيداً عن المدن المعروفة ليصبح في منطقة هادئة وتقريباً خالية من السكان نظراً لعدم اكتمال البناء بمعظم مبانيها.
بحثت بعينيها عنه في الحديقة لتجده كالعادة يتضاحك بسماجة مع حراسها الشخصيين وقد استرخى وكأن المكان أصبح مكانه.
"أكل ومرعى وقلة صنعة."
غمغمت بها حانقة قبل أن تهتف وتناديه.
"إنت يا... إنت يا جفت!"
انتبهت الأخيرة فترك الرجال وتقدم حتى أصبح أمامها ليجيب بابتسامة قميئة متلهفة وعيناه تمشط ما ترتديه من ملابس قصيرة كعادتها.
"عيوني يا ست الكل... أؤمري..."
نهرته مشمئزة.
"بتبص على إيه يا حيوان إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ ولا قعدتك في البيت هنا أكل وشرب ونوم ببلاش خليتك تفتكر إنك صاحب بيت أو متميز عن أي خدام هنا."
كلماتها الحادة أذهبت عن مزاج رأسه المرح الذي كان يشعر به منذ دقائق مع استمتاعه بهذه الرفاهية منذ خروجه من محبسه ليعود إلى أرض الواقع. فخرج صوته بلهجة غاضبة.
"إيه يا ست هانم ولزومه إيه التقطيم؟ بس هو أنا هنا بخاطري يعني؟ أديني أكتر من شهر قاعد مستني تقوليلي يالا على التنفيذ للي اتفقنا عليه وإنتي اللي ركناني."
ردت بجدية.
"لأ يا حبيبي اطمن مفيش ركنة تاني. عامر الريان سافر مع مراته عشان يستكمل رحلة علاجه من تاني يعني خليك على استعداد على أي دقيقة هتلاقيني بقولك يالا."
تمتم فهمي بحماس أطل على ملامح وجهه الإجرامية بقوة.
"بجد يا هانم يعني خلاص ساعة الصفر قربت؟"
بشبه ابتسامة ساخرة أجابته قبل أن تستدير عنه.
"بجد يا خويا جهز نفسك بقى."
نظر في أثرها وهي تغادر فرفع صوته بسؤال أثار فضوله.
"ألا هو حضرتك بتعرفي الحاجات دي منين بالظبط؟ مين يعني اللي بيبلغك؟"
التفتت برأسها تجيبه وهي مستمرة في سيرها.
"اللي بيبلغني هو نفسه اللي هيساعدك هناك. متستعجلش على رزقك."
ما أصعبه من إحساس.
ذلك الذي يمتلك قلبك فيجعلك تستسلم صاغراً لفعل المراهقين في مراقبة محبيهم برغم المعرفة القليلة بهم حتى لو كان هذا ضد طبيعتك المتحفظة والتي تلجمك عن الحركة أو التقرب مستشعراً الحرج مع ضعف موقفك في شيء ليس لديك به حيلة أو ذنب ليستمر هذا التردد لفترة ليست قليلة من الزمن منتظراً فرصة تأتيك أو صدفة تتلقفها لفتح حديث يمهد الطريق أمامك ليعطيك ولو قليلاً من الأمل. هذا الأمل الذي ظللت تحلم به حتى تفاجأت بالصدمة التي غيرت معها خططك بل ومنظور حياتك.
هذا ما كان يشعر به وهو يقترب بخطواته نحو المكتب المقصود بعد أن طلب لقاءها مخصوص.
"صباح الخير."
تفوه بالتحية فور أن ولج إليها بداخل غرفة مكتبها ليجدها انتفضت فجأة تقف أمامه تجيب التحية وفي لهجتها وضح التحفز.
"صباح النور يا فندم اتفضل حضرتك المكتب نور."
تجاهل هيئتها وهذه النظرة العدائية التي ترمقه بها وتقدم يصافحها بمودة قابلتها هي بتردد.
"عاملة إيه يا كاميليا؟"
بادلته المصافحة بتماسك لتجيبه برسمية.
"كويسة والحمد لله اتفضل حضرتك."
قالتها مشيرة على الكرسي المقابل سمع منها وجلس ليناظرها ببعض الحرج الذي جعلها تبادر للسؤال على الفور.
"أفندم يا حضرة الظابط كنت عايزني في إيه؟"
"كدة على طول."
قالها بصوت خفيض ثم استطرد.
"أنا عارف إنك مستغربة مجيتي هنا عندك المكتب بس أنا اتصلت بيكي عشان أديكي فكرة قبل ما أجي وقولتلك إن الموضوع ميخصش مشاكلك بكارم."
ردت بحدة.
"أمال يخص إيه؟ أنا مفيش ما بيني وما بينك أي صفة تجعل المقابلة شخصية إلا إذا كانت المقابلة لحاجة رسمية لقدر الله ودي مستبعدتش عنها كارم برضو."
"قصدك إنه يكون لفّق لك جريمة يعني؟"
سألها ليرى اشتعال عينيها وانفاسها التي بدأت تتلاحق لترد بانفعال.
"وهو عملها صح والله ما أستبعد."
تنهد بثقل يجيبها.
"لأ يا كاميليا معملهاش كارم مش غبي عشان يورط نفسه معاكي بعد القضايا والتعهدات اللي إنتي أخدتيها عليه... وأنا عاذر عصبيتك ناحيتي عشان قريب جوزك وبنفس المجال اللي شكله بقى يمثلك هاجس."
عقدت حاجبيها تطالعه باستفهام قابله بالإجابة على الفور.
"أنا جاي بخصوص رباب."
"إيه؟"
هتف بها منتفضة من محلها ورد هو يخاطبها بحزم.
"ارجوكي اقعدي بقى واديني فرصة أكلمك على اللي جاي عشانه أنا مش قاصد حاجة وحشة عليها."
سألته بعنف غير آبهة بصيحته.
"أمال يعني قاصد إيه وإنت تجيب سيرة أختي أساساً ليه بقى؟"
رد بجملة مبهمة.
"يمكن كان غرضي شريف!"
ضاقت عينيها وازداد اندهاشها لتسأله بعدم استيعاب وهي تسقط بجسدها على الكرسي.
"إنت بتقول إيه ومين قالك إننا ممكن نوافق بأي فرد من عيلتكم بعد اللي شوفته أنا من قريبك؟"
طالعها بحدة صامتاً للحظات قبل أن يقول.
"تصدقيني لو قولتلك إن الفكرة دي هي اللي خلتني أصبر ومتقدمش من يوم ما شوفتها في الفرح اللي مكملش رغم إعجابي بيها من أول لحظة بس للأسف اكتشفت إني غبي..."
توقف برهة ليكمل بحدة.
"كاميليا هانم أنا بقالي شهور وأنا بقف بعربيتي قريب من بيتكم عشان أشوف أختك وهي رايحة الجامعة أو راجعة منها في انتظار الدنيا تهدى والمشاكل اللي بينك وبين كارم تخف قبل ما آخد خطوة رسمية بس اللي حصل حضرتك. هو إني غيرت من مدة ورحت لها الجامعة على أساس إني أمهد لنفسي معاها بس للأسف اكتشفت إن أخت حضرتك في علاقة مع واحد تاني بيستناها قصد الجامعة ويفسحها..."
"أنا مسمحلكش تغلط في أختي."
قالتها بمقاطعة حادة ليصعقها برده السريع.
"والواحد ده يبقى كارم طليقك."
بصدمة وإنكار تمتمت رغم هذا الدوار الذي اكتنفها على الفور.
"إنت كداب مش منطقي أبداً اللي إنت بتقوله ده."
قالتها لتجده يخرج هاتفه ليضعه أمامه على سطح المكتب بعد أن ثبته على شيء ما وهو يقول.
"اتفضلي حضرتك وشوفي بنفسك لو مش مصدقاني."
نظرت إلى ما يشير نحوه لتجد شقيقتها بصحبة كارم في نفس المطعم الإيطالي والذي دخلته هي قبل ذلك معه وعلى نفس الطاولة تبتسم له بسعادة ونظرة عشق لا تخيبها عين الرائي.
لترتفع رأس كاميليا نحو المدعو أمين بإنكار ترفض التنازل عنه رغم خروج صوتها بنبرة منهارة.
"برضو كداب أكيد الصورة فيها حاجة غلط."
"ارفع الولد قدام الشاشة كويس أنا عايز أشوفه وهو يشوفني كمان."
هتف بها عامر عبر شاشة الحاسوب وهذا الاتصال الدولي المرئي هو وزوجته إلى جاسر الذي كان يمسك ضاحكاً بصغيره مجد ومشاركة زهرة التي هتفت ترد.
"طب نعمل إيه أكتر من كده يا عمي ندخله في الشاشة يعني؟"
يرد عامر بعصبية تثير الضحك.
"والله لو ينفع كنت خدته معايا في الشنطة وسافرت بيه بدل ما أنا تعبان كده."
تدخلت معه لمياء تقول بنبرة باكية.
"والله عندك حق يا عامر الولد وحشني أوي يا ولاد."
رد جاسر بتأثر هو الآخر.
"وبعدين بقى يا جدعان ما أنا لو فاضي كنا سافرنا مع بعض عيلة دا غير كمان إن تغير الجو غلط على الولد."
"طب أعمل إيه أنا بقى وأنا هتجنن كده من المسافات دي اللي فاصلة بيني وبين الولد."
صاح بها عامر لتجيبه زهرة بتحفيز.
"شدي حيلك إنت يا عمي عشان تقصر مسافة العلاج وترجع ل مجد حبيبك دا حتى هو نفسه باينك واحشه حتى بص كده."
قالت الأخيرة وهي ترفع رأس الطفل أمامه ليصيح عامر من جديد.
"يا حبيبي قلبي يا قلب جدو إنت بصيلي يا مجد شوف جدو وهو بيكلمك يا ولد."
بأعين زائغة اقتحمت المنزل تتخبط في خطواتها بدون تمييز حتى الآن لا تعلم كيف وصلت إلى هنا بعد لقاءها بهذا المدعو أمين ورؤية الصور. تذكر أنها خرجت من مقر عملها مذعورة تستقل سيارتها دون استئذان أو حتى الرد على طارق الذي لم يكف عن الاتصال بها.
ما زال عقلها لا يستوعب وصوت الإنكار بداخلها لا يكف عن الترديد.
"لابد أن هناك خطأ ما خلف هذه الصور أو ربما تكون قديمة أثناء فترة خطوبتها هي من المؤكد أنها مجرد صدفة بحتة لا أكثر هذا هو الصح ولا يمكن أن يتعدى الأمر أكثر من ذلك هذا الرجل يهول من المؤكد أنه يهول."
وصلت الغرفة لتدفع بابها بعنف جعل الأخرى تنتفض وهي واقفة أمام خزانة ملابسها تنتقي لها شيئاً ما والهاتف على أذنها فصرخت غاضبة بها.
"إنتي برضه يا كاميليا هي بقت شغلانة ولا إيه؟"
سمعت منها ولم تأبه لصرختها فتقدمت نحوها تجفلها بخطف الهاتف من يدها.
"هاتي إيه قلة الزوق دي هاتي يا كاميليا وبلاش هزارك السخيف ده."
صاح بهاتتحاول استعادته.
حدقتها بنظرة مخيفة محذرة قبل أن تقع أنظارها على رقم محدثها بالهاتف لتتوسع عينيها بشدة وقد علمت بهوية المتصل لتعود بنظرة متسائلة بعدم تصديق نحو شقيقتها التي هدأت مقاومتها وقد انكشف أمرها.
رفعت كاميليا الهاتف على أذنها تقول لمحدثها من الجهة الأخرى.
"الو.... بتكلمي أختي ليه يا كارم؟"
لم يجيبها المذكور فقد اكتفى بالابتسام من موقعه منتشياً ليزيد من احتراقها فصرخت به مرددة مرة أخرى.
"رد عليا بتكلمي أختي ليه يا جباااان؟"
على وضعه التزم الصمت ليجفلها بإنهاء المكالمة حتى يترك الأمر للشقيقتان وقد تحقق ما أراده.
ومن ناحيتها وفور اكتشافها لغلق الهاتف صاحت مغمغمة بالسباب ثم التفت نحو شقيقتها التي كانت متكتفة الذراعين تناظرها بحدة ووجه مشتد الملامح فهتفت بها كاميليا سائلة باستنكار.
"بتكلمي كارم يا رباب؟ بتكلميه وتخرجي معاه بعد كل اللي عملوا معايا وحكيتلك عليه؟"
"إيه بقى هو اللي عملوا معاكي؟"
قالتها بهدوء أذهلها لتكمل وهي تخطو حتى جلست على تختها.
"كان مكتوب كتابكم اختلفتوا مع بعض وفضحتيه إنتي لما سبتيلو الفرح وبعدها انفصلتي عنه طلع هو بعاهة في رجله وإنتي لقيتي البديل اللي كان مستنيكي إيه بقى اللي مزعلك لما أكلمه؟"
"إيه اللي مزعلني؟"
رددتها بصدمة تكاد أن تشطر رأسها لنصفين لتهتف بعدم استيعاب.
"وإنتي بتتكلمي بجد أكيد إنتي بتهزري يا رباب أكيد بتهزري."
رمقتها بنظرة مستهجنة لتجيبها.
"واهزر ليه بقى هو أنا لازم أمشي على رأيك كده عمياني عشان أبقى صح؟ والطرف التاني يا قلبي ما هو عنده حق برضو يقول على نفسه بريء واتظلم كمان."
صرخت كاميليا بجنون.
"أتظلم! وبيقول كمان على نفسه اتظلم دا كان عايز يخليني جارية تحت رجله دا كان على وشك إنه يغتصبني..."
قاطعتها رباب قائلة بعنف.
"كنتي مراته يا كاميليا بكتب الكتاب اللي كان ما بينكم ده غير إنك روحتي معاه البيت بمزاجك.."
توقفت لترى رد فعل كلماتها على وجه كاميليا الذي تلون للأحمر بشدة من فرط انفعالها ومقلتيها يكدن أن يخرجن من محجريهم بذهول يعصف بها فاستطردت بكل اقتناع.
"كارم مجبركيش تروحي بيته إنتي روحتي معاه عشان واثقة فيه لكن إنتي برضه اللي استفزتيه وخرجتي شياطينه بمفاضلتك دايما بينه وبين طارق اللي كنتي بتحبيه كمان وسيباه مركون على الرف في انتظار انفصالك."
صرخت كاميليا نحوها وهي على وشك الانهيار.
"وهو قالك كده؟ قالك إن محاولة اغتصابه ليا وتعمد إنه كان يكسرني ويذلني كان بس رد فعل منه عشان أختك الوحشة اللي بتلعب بالرجالة؟ إنتي تصدقي فيا أنا كده يا رباب؟ طب بلاش أنا خلينا في السبب الأساسي اللي كشفلي حقيقته القذرة وخلاني عرفته على أصله يا ترى بقى الباشا حكالك قصته القديمة مع ندى واللي عمله في جوزها..."
ردت سريعا تجفلها.
"قالي وقالي كمان على خيانة صديق عمره ليه لما لعب على بنت عمته من وراه وخلاها تحبه وهو عارف إن كارم كان بيحبها يبقى يستاهل اللي يجراله."
"يجراله دا إيه؟ يخر*ب بيتك."
صرخت وقد فقدت الذرة الباقية من تعقلها لتطبق بكفيها على ذراعي شقيقتها وتنهضها عن محلها عنوة تواصل انهيارها.
"الحق إمتى يعملك غسيل دماغ لحق إمتى يفهمك إن الباطل بتاعه هو الحق والعنف وأذية الناس بالشكل ده دفاع عن النفس قدر إزاي يقسي قلبك على أقرب ما ليكي وخلاكِ بالحجود ده."
"بس بقى..."
هتفت بها رباب تنزع كفي كاميليا عنها لتهدر بعنف وكأنها واحدة أخرى.
"أنا مش عيلة صغيرة عشان معرفش أفكر وأجيب الحقيقة لوحدي أنا برضو عندي دماغ زيك يا كاميليا مش إنتي بس اللي شاطرة يا حبيبتي إنتي اللي غلطتي لما وافقتي بكارم وإنتي بتحبي واحد غيره عايزة رد فعله يبقى إيه معاكي وإنتي بتكرري نفس الحكاية القديمة معاه وفي الآخر برضو إنتي اللي كسبتي وهو اللي خسر مستخصرة عليه يعيش حياته من تاني ليه بقى."
هنا كاميليا لم تشعر بنفسها وهي تعاود إمساكها من ساعديها لتهزها بعنف معاودة الصراخ بها.
"يعيش مع مين؟ عايزاه يعيش معاكي إنتي؟ حي*وانة بعد ما سيستمك على دماغه إنتي إزاي بقيتي كده إزاي تقبلي على نفسك تبقي مع واحد بالسواد ده؟ خلص من واحدة عشان يتلم على أختها من وراها؟ طب ده يتأمن ده؟ ده يتأمن؟"
صرخت بدورها رباب وهي تنزع كفي شقيقتها عنها.
"أوعي سيبيني إنتي عايزة تضربيني ولا إيه؟"
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
جاءت خشنة هادرة من مدخل الباب لتبتعدا الشقيقتان عن بعضهما على الفور والتفتا نحو صاحب الصوت أباهما الذي كان يحدجهما بنظرات نارية مشتعلة.
مسحت كاميليا سريعا على خديها لتخفي أثر الدموع من عينيها وقالت بصوت حاولت جعله عادياً.
"ولا حاجة يا بابا دا بس موضوع كده ما بينا خلى أعصابي فلتت عليها آسفة لو خضيتك بصوتي العالي."
سمع منها الرجل والتف نحو ابنته الصغرى يجفلها بسؤاله فقد استمع لنصف الحديث من صالة منزله فور عودته من الخارج.
"إنتي صحيح بتكلمي كارم طليق أختك يا رباب؟"
تفاجأت في البداية المذكورة ولكنها تمالكت سريعا لتجيبه بجرأة أجفلت الرجل وشقيقتها.
"أيوة يا بابا وفيها إيه يعني؟ مش معنى إن أختي انفصلت عنه وقالت كلام وحش يبقى خلاص بقى أنا سمعته هو كمان وتأكدت من براءته."
ظهرت الصدمة على وجه كاميليا حتى انعقد لسانها عن الرد والذي تكفل به والدها.
"يعني إنتي كلمتي البني آدم ده من ورانا بعد ما اتقطعت صلتنا بيه ومبقاش ما بينا وما بينه غير المحاكم عشان تيجي دلوقتي تبجحي في أختك وتقولي إنها ظلمت واحد بريء؟ بقى دي جزاتها معاكي إنتي وإخواتك يا رباب بعد كل اللي عملته عشانكم...."
قاطعته المذكورة بحدة غير مبالية.
"إيه هو بقي اللي عملته عشانا؟ لأنها صرفت وساعدت معاك تبقى خلاص تتحكم فينا وتسوقنا على كيفها ومحدش بقى يستجرأ يرفع راسه ولا يعلي صوته عليها؟ ليييه؟ هو حضرتك مكنتش بتصرف علينا خالص ولا إنت سايب المسؤلية للأمورة أم مرتب كبير تصرف هي من جيبها وانت رافع إيدك عننا خالص."
"إنت بنت قليلة الأدب."
صاح بها هادراً ليوقفها عن استرسالها وتبجحها المبالغ.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 153 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
في شقيقتها والتي تسمرت تطالعها پذهول لا تصدق أن من يتحدث الآن هي رباب نفسها التي تعرفها بل وربتها على يديها، لا بل هي واحدة أخرى وليست شقيقتها التي تعلمها جيدًا.
ترك هاتفه واستقام بظهره ليعود للخلف بجلسته مسترخيًا على مقعد مكتبه في الشركة الجديدة التي أسسها حديثًا فور خروجه من المشفى، وقد بدأ بإجراءاتها أثناء رحلة علاجه بها، يشعر بعودة الثقة لذاته من جديد، فكرة ارتباطه برباب اتضحت مع الوقت أنها أشد الأشياء فاعلية، فالفتاة صغيرة لم تأخذ بيده أكثر من جلسة لإقناعها مستغلًا انبهارها الدائم به، مع لمس هذا الجزء من عاطفتها، ولو يشكر قريبه أمين والذي جعله ينظر إليها كأنثى بعد أن أبدى هو إعجابه بها ليرى أنها بالفعل رائعة الجمال، حتى وإن كانت ليست بفتنة شقيقتها الكبرى، ولا حتى تملك هذه الضحكة الرائعة كالتي سمعها قريبًا في الهاتف والتي أرقت ليلته بعدها، ولكنها صغيرة وعقلها سهل التطويع، لقد كان تفكيره في بداية علاقته بها شيئًا تطور مع الوقت ليتوغل ويصبح شيئًا آخر يقارب التملك! ويساهم في تحقيق رغبته الأساسية في الانتقام لكرامته.
في غرفة الطفل كانت تطعمه أثناء حديثها في الهاتف مع نوال وجدتها التي عادت إلى منزلها منذ أيام، وهي تسألها الآن عن صحة الطفل.
"كويس والله يا ستي."
"ولما هو وحشك يعني يا رقية سبتيه ليه؟"
"ههه عارفة والله يا حبيبتي إن راحتك في بيتك، بس أنا البيت فضي عليا بعد ما مشيتوا كلكم."
"حاضر هجيلكم قريب أنا أساسًا عايزة أخرج وأغير جو."
"حاضر يا حبيبتي."
شهقت تقطع جملتها على أثر مفاجأة جاسر بأن باغتها بقبلة على وجنتها، جعلتها تلتف بحرج نحو مربية طفلها التي كانت ترتب ملابس الصغير في خزانته لترمق جاسر بنظرة محذرة كي ينتبه، ولكنه شاكسها يلاعب حاجبيه، حتى أنه طبع قبلة أخرى، كتمت ضحكتها لتنهي الاتصال على عجل، وبعدها التفتت للمربية.
"اخرجي دلوقتي انتي يا عزيزة ولما أعوزك هبقى أطلبك."
"تحت أمرك يا هانم." قالتها المرأة بأدب قبل أن تخرج مذعنة للأمر.
لتتفاجأ بجاسر الذي جلس على الفور على طرف الكرسي يقول بمرح.
"كويس إنك خرجتيها عشان نبقى لوحدنا."
"ياراجل."
تبسمت مستجيبة لهمساته رغم ادعائها الحزم بقولها.
"خلي بالك أنا لسه شايلة الولد بإيدي، ثم إن المربية كمان ممكن تدخل علينا كده من غير استئذان والباب مفتوح."
قرب وجهه ليصبح مقابل وجهها ليقول بجدية وعيناها اشتعل بها الشوق بعنف نحوها.
"خلي بالك احنا فترة طويلة أوي حتى مش عارفين نكلم بعض."
ردت بجدية هي الأخرى رغم استغرابها.
"طيب ما هو دا الطبيعي عشان ظروف الحمل والولادة ومشغلك انت كمان."
"أممم"
"طيب خلي بالك بقى يا حلوة احنا دلوقتي فضينا لبعض، أينعم أنا مش قادر أخلص من المشاغل اللي اتكومت فوق راسي، بس أنا برضو مش هسيب حقي!"
"يعني إيه؟"
سألته بتوجس وابتسامة مستترة ليجيبها بصرامة لا تقبل النقاش.
"يعني أنا دلوقتي مضطر أخرج في اجتماع زفت مع وفد أجنبي زفت برضو، أرجع من الزفت ألاقيقي صاحية يا زهرة حتى لو على الفجر، فاهمة ولا لأ."
"حاضر فاهمة فاهمة."
رددتها بمهادنة له لتنطلق ضاحكة مع مزاحه معها، غافلين عمن وقف يتصنت بجوار الغرفة ويسمع حديثهم.
"إنتي متأكدة من كلامك دا يا عزيزة..... يعني هو هيتأخر النهاردة...... تمام أوي، اجهزي بقى على اللي اتفقنا عليه وخلّيكي ع الفون تستني الأمر مني."
"صحصحي يا عزيزة مش عايزة غلطي، هبعتلك الراجل بتاعي تفتحيله الباب الخلفي زي ما اتفقنا وانتي عارفة الباقي، سامعة الكلام ولا هتبوظي الدنيا وتروح عليكي المية ألف اللي اتفقنا عليها، انتي عارفة إن محدش هيقدر يقربلي، انتي اللي هتخسري لو غلطتي."
"تمام أوي، اقفلي بقى وخلي التليفون دايما في إيدك...... سلام."
أنهت سريعًا لتهتف بصوتها على أحد الحراس.
"يا مصيلحي إنت يا مصيلحي."
أتى الرجل يجيبها على الفور.
"افندم يا ميرفت هانم، اؤمري."
نظرت إلى الرجل تخاطبه بحزم.
"جهز كل رجالتك عشان أفهمكم هتعملوا إيه واندهلي فهمي صنارة عشان أخيرًا جه وقته!"
"وحصل إيه بعد كده؟"
سألها طارق عبر الهاتف وقد أوجعه الحالة كانت عليها لتجيبه بصوت خرج بصعوبة وهي تحاول التمالك بعد نوبة البكاء التي انتابتها فور اتصاله بها.
"بابا حكم عليها متخرجش الجامعة وأخد منها التليفون عشان متكلموش ولا تقابلوا تاني."
رد طارق باستنكار.
"بس دا مش حل يا كاميليا، البنت لازم ترفضه من نفسها."
هتفت إليه بقلة حيلة.
"أنا عارفه إنه مش حل بس نعمل إيه بقى، بابا دخل بالصدفة سمع الكلام ولما واجهها ردت بعند وأسلوب شديد معاه من غير ما تقدر غضبه، وكأنها بتدافع عن قضية حياتها، أنا مش عارفة البني آدم ده إمتى لحق يتوغل كده في تفكيرها ويسيطر على عقله."
رد طارق من جهته بتأثر.
"كرم حاد الذكاء يا كاميليا وانتي عارفة كويس قوي إنه مبيضيعش وقت، هو أكيد استغل عمرها الصغير ومدام دخلها من ناحية الشفقة والمظلومية يبقى عرف كويس يأثر عليها، دا شيطان في صورة إنسان، بس احنا لازم نفكر نشوف حل مع البنت ونقرب منها الأيام اللي جاية دي."
تنهدت طويلًا ثم ردت تقول بإصرار.
"هو دا فعلًا اللي أنا بفكر فيه، هحاول بقدر الإمكان أرجع ثقتها فيا، يارب أقدر أعرف أشيل السموم اللي دخلها براسها، المهم دلوقتي ممكن تفضل معايا يا طارق أصل أنا تعبانة قوي ومع ذلك مش قادرة أنام والتفكير هيفرتك دماغي."
وصلها صوته الحنون.
"ولا يهمك يا حبيبتي، أنا هفضل معاكي إن شاء الله للصبح، حمد لله بقى ماليش دور في الاجتماع بتاع جاسر النهاردة، مصطفى عزام سد عني أوي في الحتة دي."
أمام منزل عامر الريان والذي يضم عائلته الصغيرة الآن في غيابه كانت الأجواء هادئة، الحراس على وضعهم الطبيعي كل فرد منهم في منطقة عمله وحالة الأمن لا يشوبها شيء، حتى مرور هذه السيارة الغريبة السوداء في هذا الوقت المتأخر من الليل بعدد من الرجال الملثمين بها، يخرج فردين منهم عبر نوافذها بأسلحة نارية ثقيلة تنطلق دون إنذار على رجلين من الحراس عشوائيًا ليسقطوا أرضًا أمام أقرانهم، مع وقع المفاجأة هرول البقية يطاردون السيارة التي اختفت بسرعة البرق بعد أن أدت مهمتها، ولكن لم يتمكنوا من اللحاق بها.
وفي الداخل انتفضت زهرة على صوت الطلقات النارية لتخرج من غرفتها سريعًا متسائلة نحو الخدم.
"إيه اللي حصل فيه إيه؟"
خرجت إليها عزيزة.
"مفيش يا هانم دي عربية سوداء ضربت نار على الحراس وقعت منهم رجلين."
رددت زهرة بفزع.
"إنتي بتقولي إيه، طب والرجلين حصل فيهم إيه عاشوا ولا ميتين؟"
أجابتها المرأة الأربعينية.
"الله أعلم يا هانم، بس أنا شايفة أصحابهم بياخدوهم ع المستشفى في العربيات."
سمعت منها زهرة لتردد صارخة بارتياع.
"طب ابني فين أنا عايزة ابني فين ابني."
قالت الأخيرة وركضت نحو غرفته لحقتها المرأة تردد.
"ابنك كويس يا هانم متقلقيش عليه."
شهقت بارتياح فور أن رأت الصغير في تخته لتتناوله وتحتضنه بقوة لتعود بسؤالها للمرأة.
"هو إنتي مفيش حد معاكي من الخدمين؟"
ردت المرأة.
"الخدمين مشيوا يا هانم مع ميعاد انصرافهم على عشرة والساعة دلوقتي داخلة على نص الليل، ولا إنتي مش واخده بالك؟"
أومأت لها زهرة بتفهم لتحرك بالطفل وهي تسألها.
"حد من الحراس بلغ جاسر أو الشرطة؟"
"الله أعلم يا هانم، أنا معاكي هنا ومخرجتش."
أومأت لها زهرة مرة أخرى وهمت أن تغادر به ولكن المرأة أوقفتها بقولها.
"طب إنتي يا هانم هتاخدي الولد معاكي ليه وهو نايم، ما أنا قاعدة جنبه وبراعيه مش دي وظيفتي برضو؟"
أجابتها بخوف وهي تتمسك بطفلها.
"أنا هاخده يبات معايا الليلة وانتي ارتاحي النهاردة."
قالتها وخرجت على الفور لتغمغم المرأة مع نفسها فور إغلاق الغرفة.
"براحتك."
ولجت لداخل غرفتها لتبحث عن الهاتف وبيدها طفلها الذي تتمسك به بقوة، وجدته على الكمود، تناولته على الفور بإيدي مرتجفة لتضغط بالاتصال على رقمه بعد أن وضعت الصغير على الفراش بجوارها، انتظرت قليلًا حتى أتتها الإجابة بصوت لاهث.
"أيوة يا زهرة أنا كنت هتصل دلوقتي بيكي، عاملة إيه انتي والولد بعد موضوع ضرب النار، الرجالة مبلغيني حالا باللي حصل."
أجابته ببعض التماسك حتى تطمئنها.
"إحنا كويسين يا حبيبي متقلقش، بس انت بتنهت ليه؟"
وصلها رده مع بعض الأصوات المختلطة.
"أنا خارج من الفندق ومعايا إمام والحرس عشان أشوف الموضوع ده والناس اللي اتصابت."
"طب ما تبلغوا الشرطة الأول؟"
قالتها لتقطع صارخة.
"الكهربا قطعت في الأوضة يا جاسر."
صرخ من جهته عبر الأثير.
"الكهربا قطعت إزاي يعني هو إيه اللي بيحصل بالظبط، خلي بالك من نفسك يا زهرة انتي والولد.... أنا جايلك حالا بالحراس اللي معايا وهتصل ع اللي فاضلين عندك يفتحوا عينهم......"
قالها ليفاجأ بصرخة اخترقت أذنه وصوتها يردف بهذيان كالمجنونة مع هذه الكائنات التي تفاجأت بها تزحف عبر أرضية الغرفة بلمعتها التي كانت تبرق بقوة مع ضوء القمر.
"تت.. تعابين تعابين تعابين في أوضتنا يا جاسر... تعابين."
تردد بها بهستريا وقلبها على وشك التوقف وهي ترفع أقدامها عن الأرض حتى أصبحت تقف على ركبتيها فوق الفراش، والآخر يصرخ بها للتماسك حتى يصل إليها أو تصل الشرطة، وقد وضح إليه جليًا الآن أن ما يحدث هو ترتيب محكم بخطة شيطانية، يتمنى لو يستطيع الطيران للحاق بها حتى يستطيع حمايتها من أي شر يحوم حولها هي وصغيره.
وبجواره إمام لا يقل عنه تحفزًا وهو يفرك بكفيه التي تحرقه الآن من أجل ضرب أحد ما.
أما عن زهرة فقد انقطع معها الاتصال فجأة مع جذب الهاتف من فوق أذنها من قبل أحد الأشخاص من خلفها، التفتت برأسها لتتفاجأ بوجهه القبيح يظهر مخيفًا مع هذا الضوء الخفيف من النافذة يبتسم بهذه السن المكسورة من حادثها القديم معه.
تخشبت بذعر شل أطرافها لتشعر بتوقف دقات قلبها عن النبض لعدة لحظات كادت فيها أن تموت بالفعل، شفتيها كانت تتحرك بالحرف الأول.
"لهفففففففففف."
تمتم يكمل لها بتسلية.
"فهمييي، أيوا أنا فهمي يا حبيبة عمو، ولا أقول يا عروستي أحسن."
قالها فهمي واندفع باب الغرفة فجأة لتدلف منه المربية تهتف بحزن.
"إنت لسه واقف يا جدع انت ما تخلص بقى."
"عزيزة."
همست بها متمتمة قبل أن تباغتها المرأة بالاقتراب منها لتتناول طفلها على الفور، استفاقت زهرة من حالة الذهول لتصيح معترضة وهي تبعد كف المرأة عن مجد.
"ابعدي إيدك عن ابني يا ست انتي."
ولكن وللأسف باغتها هذه المدعوة فهمي أيضًا بتطويقها من الخلف ليسيطر على حركة يديها وذراعيها وهو يهمس بأذنها.
"سيبها الواد دا وظيفتها هي، أما انتي بقى يا عروستي فاختصاصي أنا."
قاومت بكل قوتها لنزع ذراعيه عنها لتنهض عن التحت وتلحق بطفلها الذي أخذته المرأة أمام عينيها وهي تردد.
"ابني ابني ابني اوعي سبني يا حيوان."
وهي تقاوم بكل قوتها استكانت فجأة وأنظارها هبطت نحو أقدام المرأة التي خطت بين الأفاعي دون حساب أو خوف حتى غادرت الغرفة، إذن فيمكنها هي أيضًا تخطيهم، أو كما قالت لها الطبيبة قبل ذلك.
"يمكننا هزيمة الخوف بالتخطي، أن نتخطى كل عقدنا القديمة وكل ما يزعجنا، نمحو من عقولنا كل ما يمثل برأسنا هاجس يعود بنا للخلف."
وهي اجتمعت عليها هواجسها الثلاث الآن في مقابل إنقاذ وليدها، قديمًا والدتها ضحت بنفسها من أجلها وهي لن تكون أقل منها شجاعة.
انتبهت من شرودها على لمسات هذا القبيح عليها وانفاسه الحارة على رأسها ليذكرها بما هي مقدمة عليه، فالْتفتت برأسها إليه لتجده يبتسم لها من جديد وهو يتناول منديل أبيض من سترتها.
"أيوه كده خليكي هادية، ده احنا ليلتنا بيضا."
قالها وهو يهم بوضع المنديل لكمم فمها وأنفها، ولكنها سبقته برفع رأسها فجأة لضربه بمقدمتها على عظمة أنفه بطاقة من العنف استحضرتها بكل قوتها، فصرخ هو مجبرًا على فك ذراعيه عنها.
"الله يخرب بيتك انتي وجوزك على نفس المكان دا، أنا خدت في علاجها شهور."
نظر بباطن كفه ليرى الدماء أغرقت كفه وأنامله، نفس الأمر الذي حدث به سابقًا مع ضربة جاسر القوية له أثناء محبسه، فصرخ مرتعبًا.
"دم دم تاني دم، وديني لحصر قلب جوزك عليكي."
قالها وتحرك من أجل الفتك بها ولكنها سبقته في الاعتدال بقفزة سريعة نحو الكمود لتخرج السلاح الناري المرخص لزوجها، ونهضت ترفعه بوجهه.
ارتاعب في البداية فهمي ولكنه عاد يذكر نفسه بأن من تقف أمامه هي زهرة، زهرة التي تخاف منه حد الموت، فقال يهادنها بسخرية.
"خلي بالك يا زهورة السلاح يطول يا قلبي، ابعدي اللعبة دي عن إيدك بدل ما تيجي تدوسي فتيجي الطلقة فيكي."
طالعته بعنف صارخة.
"ابعد عني يا حيوان واخرج قدامي رافع إيدك عشان تنده ع الست الحرامية دي اللي أخدت الولد."
"اخرج قدامك رافع إيدي ما تذنبيني أحسن زي العيال."
رددها ساخرًا قبل أن يتقدم يباغتها بهجومه عليها بغرض أخذ المسدس يردد.
"يا ماما قولتلك السلاح يطول، هو انتي تعرفي تدوسي على نملة أصلًا عشان تقتلي واحد زيي."
ارتدت تتفادى هجمته لتقول بقوة وهي تنزع زرار الأمان من السلاح قبل أن تنطلق بالطلقات النارية منه.
"واقتل عشرة من عينتك عشان ابني."
"برضو ما لقيتوهاش، دوروا تاني تاني وتالت ورابع، ما تسيبوش ركن من غير ما تفتشوا فيه، أنا عايزها ولو من تحت الأرض هاتوها."
هتف بالكلمات بحالة من الجنون وهو يضرب بكفه على الجدار الأبيض من خلفه بعنف نحو محدثه بالهاتف، انتظر للحظات يسمع الرد من الجهة الأخرى ثم صاح بصوته المخيف بتوعد.
"هي كلمة ومش هكررها، الست دي تكون عندي النهاردة والولد يبات في حضني يا أما هطربقها على دماغكم كلكم واديكم في داهية، اقفل يا لا."
أنهى المكالمة ليهدر أنفاسه الحارة مع فرط انفعاله والدم يغلي بداخله كالمرجل، التفت نحوها وهي جالسة أمامه على كراسي الانتظار بهذا المشفى الخاص، فوجدها تطالعه برجاء ليخيب أملها بعد ذلك وقد علمت أن الوضع على ما هو عليه، لتعود لنوبة بكائها مرة أخرى وتشدد كاميليا عليها بذراعيها بمؤازرة، أما هو فالتف نحو طارق الذي عاد إليه فور انتهاءه من مكالمته هو الآخر.
"عملت."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 154 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
عملت إيه؟ بادرت بالسؤال فور أن وصل إليه ورد طارق في محاولة لطمأنته.
كل إشارات المرور عندهم مواصفات الست دي وبياناتها، يعني إن شاء الله على أي تحرك هيبجبوها من قفاها.
"إمتى يا طارق؟ إمتى بس؟" صاح بها يجفل المذكور والجالسات على مقاعد الانتظار في الناحية الأخرى.
ليتابع بغضبه: "ليلة كاملة عدت علينا دلوقتي واحنا قالبين الدنيا على الزفتة دي وهي وكأنها فص ملح وداب، هي والولد."
رد طارق وهو يشدد بكفه على ساعد صديقه بتحفيز:
"خليك على يقين يا جاسر إننا هنلاقيها هي والولد، أنا متأكد من كده. الست دي ملحقتش تبعد كتير والبلد كلها مقلوبة عليها. أنت ربنا بيحبك يا جاسر، بعد شجاعة زهرة واللي عملتوه، أنا واثق إنها لخبطت كل الترتيب للناس دي اللي كانت عايزة تقضي عليك في أعز ما ليك، مراتك وابنك."
سمع منه جاسر والتف نحوها يطالعها وهي ترتجف بين يدي صديقتها كاميليا. بعد كل ما حدث وواجهته في اللحظات الماضية من أوقات عصيبة بخطف ابنها أمام عينيها، لا يصدق أنها بخير وما قامت به من عمل بطولي نجت به نفسها بالقضاء على هذا المجرم الخطير بإطلاق النار عليه، ولكنها لم تلحق بوليدها.
أغمض عينيه متنهدًا، ثم تحرك ليجلس بجوارها على الناحية الأخرى.
"عشان أنقذ ابني أنا... ليه ملحقتوش يا جاسر؟ ليه يا جاسر؟ ليه....."
شدد بذراعيه يقول بحزم:
"هتلاقيه يا زهرة والولد هيرجع، مش جاسر الريان اللي يضيع منه ابنه، فاهمة ولا لأ؟"
تدخلت كاميليا بقولها هي الأخرى:
"صدقي جوزك يا زهرة، إن شاء الله هيرجع."
تمتمت هي مع نشيج بكائها:
"أنا خاېفة يجراله حاجة......"
أخفى جاسر بصعوبة تشنج جسده من مجرد الفكرة وحدها، وحتى لا تشعر هي به ويزداد هلعها. وهي لا ينقصها. يحمد الله أنها ما زالت حتى الآن صامدة، برغم البكاء المتواصل والانهيار من وقت أن دلف إليها على إطلاق الرصاص ليجدها تخرج من الغرفة مهرولة بعد التخلص من فهمي، حتى تبحث عن الطفل ويبحث هو معها.
قال طارق والذي وقف بالقرب منهم:
"بس أنا اللي مستغربله، هي الست دي جتلها الجرأة إزاي تعمل كده؟ أنت مش هين في البلد يا جاسر، هي متعرفكش ولا إيه؟"
زفر جاسر بقوله بغيظ:
"أنت مستغرب، لكن أنا هتجنن. الست دي أنا جايبها بعد تحقيق وتدقيق بشدة عليها وعلى تاريخها. دي خبرة أساسًا وبقالها سنين في الشغل ده، يعني مش واحدة وخلاص."
ردت كاميليا بتخمين:
"أكيد المغريات كانت كبيرة اللي يخلي واحدة تقدم على مصيبة زي دي، يا إما الانتقام ودي مستبعدة عشان طبعًا مفيش حاجة بينكم وبينها، يا إما الفلوس ودي أكيد كانت كتيرة أوي بحيث إنها عمت الست مش زغللت عينيها وبس."
وصل إمام بخطواته السريعة بصحبة أحد الرجال ليقدمه إلى جاسر الريان:
"جاسر بيه، سيادة الظابط اللي وصل مع القوة اللي فتشت البيت."
أومأ جاسر للرجل بتحية مقتضبة ليسأله على الفور:
"عملتوا إيه يا سيادة الظابط؟ لقيتوا أي حاجة تدل على الست المجرمة دي؟"
أجاب الرجل بلهجة عملية:
"حضرتك إحنا فتشنا البيت من كل جهة وعرفنا إن الست دي خرجت في الدقايق البسيطة ساعة قطع الكهربا من الباب الخلفي للفيلا، والظاهر كده كان في اللي مستنيها عشان ياخدها قبل ما توصلوا أنتوا بلحظات قليلة، يعني كل اللي فرق هي مجرد دقايق."
رفعت زهرة رأسها لتقول بقهري:
"يعني كان ممكن أحصلها يا جاسر؟ كان ممكن... بس مقدرتش......"
قطعت لتشهق عائدة في البكاء المرير. فقال جاسر مخاطبًا الرجل:
"يا سيادة الظابط، اللي ساعد الست دي يعرفنا كويس ويعرف مشاكل زهرة القديمة بعقدتها من التعابين والضلمة، وفهمي ده اللي كان عايز يخطفها أو يموتها من الخۏف. المعلومات الخطيرة ميعرفهاش غير عدد قليل جدًا من اللي نعرفهم."
رد الظابط:
"حضرتك إحنا حرزنا التليفون بتاع فهمي والحاجات والأرقام اللي عليه، أختا بنفرغها دلوقتي وإن شاء الله نلاقي حاجة توصلنا للست دي أو اللي ساعد الاتنين."
أكمل الظابط ببعض المقترحات والتخمينات حول مراقبة الخدم ومراجعة الكاميرات وسؤاله لزهرة وعدة أشياء لم يركز فيها إمام، والذي كان واقفًا بجوارهم بشرود شديد حول الثلاثة أشياء التي ذكرها جاسر الريان: تعابين، ضلمة، فهمي، پرشام. نعم، هي نفس الكلمات التي أخطأت بها غادة قبل ذلك أمام الملعونة الشقراء وشقيقها. يذكر جيدًا أنه رأى التسجيل الذي هددت به هذه المرأة غادة لكي تتبعها في أذية جاسر الريان وزهرة.......
على خاطره الأخير توسعت عيناه بإدراك فوري، فتحمحم يقطع حديث جاسر الريان مع رجل الأمن:
"سعادة الباشا، استأذن حضرتك في دقيقة أروح أعمل اتصال."
أومأ له جاسر بعينيه ليعدو سريعا بخطواته داخل رواق المشفى الذي ينتظر فيه جاسر الريان وزوجته خروج فهمي صنارة من غرفة العمليات، لعل بإنعاشه وعودته للحياة يدلهم على مكان ابنه مع هذه المرأة. وحينما اطمأن لبعد المسافة تناول الهاتف يتصل برقم شخص لم يراه منذ فترة تقارب الشهور:
"الوو...... أيوه يا رعد، معلش والنبي أجل السلام والعتاب دلوقتي واسمعني كويس......... تسلم يا رب، كنت عايز أسألك لو شغال عند الست دي اللي اسمها مرفت........."
"سيبتها من ساعة ما أخوها ما سافر."
سمع الأخيرة وانتابته الصدمة، ليحاول بعد ذلك بأمل:
"طب متعرفش مين اللي شغال معاها دلوقتي....... إيه؟ سابت البيت وعزلت كمان......... وجابت الواد مصيلحي الپلطجي كمان هو اللي شغال معاها....... طپ أبوس إيدك اسمع مني اللي هقوله دلوقتي وافهمني!"
"الحېۏان لسه برضه متصلش، أمال هيكون راح فين بس؟"
هتفت ميرفت بالكلمات بغضب شديد مع اختفاء فهمي وعدم عودته حتى الآن مع هذا التعتيم الشديد من قبل جاسر الريان على ما حدث بمنزله. تتأكل من الغيظ، تريد معرفة ما حدث وإن كان تمكن هذا الملعون من التخلص من زهرة أم لا. حتى معلومة خطف ابنه لم يذكرها. صفحة بالإعلام أو حتى السوشيال ميديا، لا شيء انتشر سوى معلومة بسيطة عن إصابة رجلي أمن لدى جاسر الريان على إثر طلق ناري لأحد الأشخاص المجهولين وفقط.
"أنا هتجنن، طپ يبعتلي رسالة من رقم غريب يبلغني عن اللي حصل، عايز أعرف قتلها ولا لأ، وهو اختفى فين الڠبي ده واللي مأخره لحد دلوقتي...... معقول يكون اتقبض عليه؟"
قالتها بسؤال نحو المرأة الواقفة أمامها پذعر وبيدها مجد الصغير، لتجيبها الأخيرة باضطراب:
"بصراحة يا هانم أنا شكيت في الراجل ده من امبارح، أصل شكله كده ميدلش أبدًا إنه كان عايز يقتلها، بس باينه كده كان طمعان فيها."
التفتت نحوها ميرفت تبرق بعينيها، تمتم سائلة بتوجس:
"قصدك إنه يكون خطفها بدل ما يموتها؟"
أومأت المرأة رأسها لتقول بشك:
"وإيه؟ لأ يا هانم، زي ما خرجت أنا في الضلمة بالولد، جايز يكون هو كمان خرج بالست، محدش عارف."
صاحت فاقدة السيطرة على غضبها والذي اختلط بجزعها:
"أيوه بس أنتِ كان في عربية مستنياكي وخدتك على طول، إنما هو بقى يخرج بيها إزاي ودي واحدة كبيرة، يعني ممكن أي حد يشوفه وهو شايلها..... الڠبي ده لو كان عملها هقتله بإيدي، مش أنا أخطط شهور وأدفع دم قلبي عشان أخرجه وييجي هو يبوظ لي الخطة؟ أنا قولت عايزة أموتها وبس."
لم ترد عزيزة ولكنها كانت تهدهد في الطفل في سكون تام. لم يعجب الأخرى لتصيح بها:
"حتى دا كمان أنا مكنتش عايزاه، كنت عايزة أخلص منهم كلهم وأسافر بقى وأنا خالية البال، مش أبقى كده معلقة من الناحيتين."
ضمت عزيزة الطفل إليها لتقول بحمائية:
"الله يا هانم، ما أنا نفذتلك كل اللي قولتي عليه، قطعت الكهربا عن البيت وفتحت للراجل بتاعك الباب الخلفي عشان ينفذ اللي انتي عايزاه، أما بقى عن الطفل ف أنا بصراحة مقدرتش، دا روح بريئة مالهوش دعوة باللي حاصل بين أهله وبينك، أنا هتكلف بيه."
سمعت منها ميرفت لتهدر بها:
"هتتكلفي بيه إزاي وإنتي مسافرة معايا زي ما اتفقنا؟ ولا أنتِ رجعتي عن قرارك؟ قولي خليني أخلص من هم حد فيكم بلا قرف."
تجاهلت عزيزة ازدراء ميرفت لها لتنظر نحو الوجه الملائكي وتقبله وتقول:
"لا طبعًا مړجعتش أبدًا عن قراري، بس أنا هاخده معايا أربيه في بلاد الغربة ويبقالي ابن بدل ما أنا شجرة ناشفة كده لا ليها جذور في الأرض ولا أغصان تطرح عليها."
ضربت كفيها ببعضهم ميرفت لتهدر صارخة بغيظ:
"يعني انتي لقيتيها فرصة عشان يبقالك ابن بدل ما انتي عقېم طول عمرك؟ والزفت دوكها لاقاها فرصة مع حبيبة القلب وأنا الڠبية كعيت دم قلبي عشان تتبسطوا انتوا الاتنين وأتحرق أنا ياخي، إن شاء الله كلكم تطلعوا انتوا الاتنين بجاز وسخ."
قالتها واستدارت تهتف بصوتها العالي على كبير حراسها الشخصيين:
"مصيلحي أنت يا مصيلحي."
وصل إليها المذكور ليجيبها بطاعة:
"نعم يا هانم، أؤمريني."
تقدمت منه لتسأله بتسلط:
"عايزة أعرف بآخر الأخبار عن اللي حاصل في فيلا جاسر الريان، وحاول تتصرف وتتصلي بالزفت ده اللي اسمه صنارة، أنا مش عايزة أتصل عليه، ليكون اتقفش ولا اتقبض عليه."
رد الرجل بوجه جامد:
"حضرتك أنا بعت واحد من صبياني هناك وقال إن الحكومة مرشقة عند بيت جاسر الريان ومفيش نملة تقدر تهوب ولا تعدي. على العموم هو قاعد مستني وعلى أول فرصة تخف الحكومة فيها، الحصار هيجيلي المعلومات الأكيدة. أنا بقى عن اللي اسمه فهمي، ف أنا كل ما أتصل يديني مغلق، مش عارف ليه."
أظلم وجهه تتطلع إليه بتفكير تعدى عدة لحظات، ثم ما لبثت أن تقول:
"طپ اسمع بقى يا مصيلحي، الواد ده رد أو مردش، معدتش فارقة لأني شوية كده وهسافر. المهم لو وصل ما بعد ما أمشي، اتصل بيا وبلغني وأنا أقولك تعمل معاه إيه."
وصل خالد ومعه زوجته بداخل المشفى إلى القسم الموجودة به زهرة وجاسر أمام غرفة العمليات. تقدمت نوال إلى زهرة تحتضنها بمؤازرة ودنى خالد ليقبلها فوق رأسها قبلة ويدعمها ببعض الكلمات المحفزة قبل أن يستقيم بجسده ليشارك الحديث مع طارق وجاسر في التباحث في الأمر، وبادر بسؤاله عن فهمي:
"إيه أخباره؟ هيعيش ولا هيموت؟"
أجابه طارق:
"الدكاترة بقالهم ساعات معاه ومحدش فيهم خرج عشان نعرف منه حاجة، بس ع اللي أنا شوفته مضمنش إنه يعيش."
"يعيش ولا يغور، حتى إحنا أهم حاجة عندنا إنه ينطق على مكان الولد."
قالها خالد بالدفاع، ثم قال موجها سؤاله نحو جاسر:
"لكن هي زهرة عرفت إزاي تمسك سلاح ولا تستعمله؟"
رد جاسر يجيبه بشرود:
"مكنش تعليم بالمعنى المفهوم، بس دي كانت مرة واحدة في مزرعة الخيل هناك، الدنيا براح وأنا كنت بتدرب وبراجع اللي اتعلمته زمان مع نفسي. غلست عليها عشان تمسك السلاح وعرفتها على الأساسيات في استخدامه والأمان، مكنتش أعرف إن هيجي اليوم اللي تضطر تضرب بيه كمان."
تمتم خالد ممتنًا:
"اللهم لك الحمد، أنا مش عارف أشكرك إزاي يا جاسر، لولا التغير اللي حصل بشخصية زهرة بمجهودك معاها، أنا مش عارف كان هيحصل إيه أكتر من كده."
أومأ له جاسر بعينيه، ثم سأله:
"طپ أنت انصرفت إزاي في الشركة؟"
"لا اطمن خالص، أنا كتمت ع الموضوع ولميت الحاجات المهمة بسرعة قبل ما أجي عشان محدش يحس بحاجة زي ما نبهت."
أردف بالكلمات خالد قبل أن يصدح هاتفه باتصال دولي. تطلع للاسم ليهتف نحو جاسر متفاجئًا:
"يا نهار أبيض! ده عامر الريان اللي بيتصل عليا!"
أغمض جاسر عينيه بتعب وقال مغمغمًا بالكلمات:
"أكيد بيتصل عشان أنا وزهرة قافلين التليفونات من امبارح ومبنردش عليه."
قطع ليقول بقلة حيلة:
"طپ أعمل إيه بس؟ وارد أقوله إيه لو سألني عن مجد وطلب يشوفه؟ دي أول حاجة بيسأل عليها من ساعة ما سافر، دا ممكن يموت فيها لو عرف، قلبه لا يمكن يتحمل."
تنهد طارق وقال موجها لخالد:
"رد أنت واتحجج بأي حاجة، رد يا بني متسيبهوش كده."
مع حرجه اضطر خالد للرد بصوت جعله يبدو طبيعيًا:
"أهلا يا عامر باشا، إزيك....... زهرة مبتردش ع التليفون وجاسر كمان....... مش عارف بس يمكن ابنك خدها بيفسحها في حتة مفيهاش شبكة، ما أنت عارفه......"
أثنى جاسر يومئ إليه بإبهامه ليكمل وقد أعجبته الكذبة، فتابع خالد بالتبرير والكلمات المطمئنة لعامر رغم إلحاحه، وجاسر وطارق يتابعاه، حتى أتى إمام إليهما فجأة كالعاصفة يباغتهم:
"جاسر باشا، أنا عرفت مكان مجد الصغير."
"إنت متأكد من كلامك دا؟"
هتف بها جاسر بداخل السيارة التي كان يقودها بنفسه بصحبة الآخر وزهرة التي أصرت على أن تأتي معهما رغم كل تحذيرات زوجها، ف اضطر صاغرًا للموافقة. وقد طمأنه وجود كاميليا هي الأخرى معهم. فرد الآخر يجيبه بثقة:
"والله زي ما بقولك يا باشا. الراجل اللي اسمه مصيحلي دا كان شغال مع رعد قبل كده، وعشان كده لما جرجره صاحبي في الكلام مخدتش خوانة وقالوا عن المكان اللي شغال فيه مع اللي اسمها ميرفت في الفيلا الجديدة بتاعتها."
سألته زهرة بـتخوف رغم بادرة الأمل بداخلها:
"طپ وأنت إيه اللي مخليك متأكد إن مجد هناك؟ مش يمكن الست دي راحت حتة تانية بيه؟ أصلها يعني هتعرف اللي اسمها ميرفت دي منين؟"
التف إليها إمام نحو الكنبة الخلفية الجالس بها المرأتان يجيب:
"مش عايزة ذكاء يا هانم، دي أكتر واحدة عايزة أذية جاسر باشا وأذيتك إنتي معاها، وعندها معلومات باللي الحاجات اللي كانت بتخوفك."
"وأنت عرفت منين عن الحاجات اللي بتخوفها؟"
سأله جاسر بانتباه أجفله، فاستدرك ذلته وحاول التفكير في رد مناسب، ولكن أنقذه رؤية رعد صديقه والذي كان ينتظرهم على أول الطريق:
"أهو صاحبي اللي بقولكم عليه قاعد مستنينا اهو."
هتف بها بلهفة مبالغة حتى توقف جاسر بالسيارة بالقرب من المذكور، ف ترجل منها إمام سريعا يدعوه للدخول وليأخذ مكانه الرجل الذي سيدلهم على مكان منزل ميرفت، وانضم إمام إلى خالد وطارق الذي كان سيقود سيارته في الخلف.
بعد قليل خرج المدعو مصيلحي حتى يلتقي برعد الذي كان ينتظره خلف سور المنزل الخارجي، حتى إذا وصل إليه هتف بمزاح خشن:
"أنا جيت أهو يا خويا، بتتصل عشان أخرجلك، عايز إيه يالا......"
لم يكمل جملته حتى تفاجأ بذراع ضخمة التفت حول عنقه، وقبل أن يحاول المقاومة وجد مجموعة من الرجال التفت حوله، وجاسر الريان يصوب السلاح بوجهه يقول بتهديده:
"أسألك وتجاوب."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 155 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
على طول يا إما هدفنك وأنت حي مكانك دلوقتي وملكش عندي دية.
تطلع الرجل نحوه بجزع وقد فقد حتى حق المقاومة أو ادعائها أمام هذه القوة الغاشمة التي التفت حوله.
تتأمله بوله لتشبع عيناها من براءته، كل همسة منه تلتقطها بشغف، لا تصدق أنها ستحظى أخيرًا بحياة كريمة في بلاد غريبة تعيش بها بحرية ورفاهية، ومعها طفل سيكون باسمها وسيكون طفلها، تتعامل معه بأمومة حرمت منها. يناديها يا أمي وليس بعزيزة المربية التي تتساوى مع الخدم. وافقت على هذه المهمة رغم خطورتها من أجل هذا الهدف أولاً، ثم يأتي بعد ذلك المال الذي سيضمن لها حياة كريمة كسيدات عملت عندهن بعد أن ملت من الخدمة في بيوت الأغراب حتى تصبح نهايتها عجوزًا في دار مسنين أو تموت وحدها بمنزلها ولا يشعر بها أحد.
تنهدت بقوة لتقبل غمازة الدقن لهذا الوسيم وهي تذكرها بغمازة جون ترافولتا الممثل الهوليودي الشهير. هللت بسعادة بأن طفلها سيكون له مستقبل ممتاز مع الفتيات.
رفعت رأسها فجأة عن مراقبته على صوت خطوات كعب حذاء أنثوي وشيء ثقيل يجر على الأرض لتتفاجأ بهذه المرأة وهي ترتدي طقم ملابس الخروج وتسحب بيدها حقيبة السفر العملاقة بأناقة ليست غريبة عن أمثالها.
احتدمت عيناها من المفاجأة غير المتوقعة، فهتفت لتوقفها وهي تضع مجد على أريكة قريبة منها قبل أن تنهي ميرفت طريقها للخروج.
"رايحة فين يا ست هانم؟"
استدارت إليها لتناظرها من فوق نظارتها قبل أن تجيبها بتعالٍ.
"أفندم؟ وأنتِ بقى هتسأليني إن كنت رايحة فين ولا جاية منين؟"
تقدمت منها المرأة تصيح بغضب.
"طبعًا ليا حق أسألك لما ألاقيكي مغيره اتفاقنا وواخده شنطة السفر عشان تمشي لوحدك وتسبيني، هو أنتِ مش قولتي إن ميعادنا على ٧ بالليل؟"
تأففت ميرفت تجيبها بامتعاض.
"آه قولت على ٧ بالليل بس ده على ميعادك أنتِ، أنا بقى هسافر وأسبقك، فيها إيه دي؟ ولا أنتِ عيلة صغيرة مثلاً وعايزيني أجرك في إيدي؟"
"لا مش عيلة صغيرة."
هتفت بها لتتابع وهي تشير بيدها نحو مجد.
"بس أنا معايا العيل الصغير اللي عايزة أخرج بيه، وأنتي قولتي إنك هتساعديني في دي عشان طبعًا مش هقدر أخرج بيه لوحدي."
خطفت نظرة نحو الطفل قبل أن تعود ميرفت للمرأة قائلة بنزق.
"وأنتم بقى صدقتي؟ هو أنتم عبيطة ولا متخلفة؟ فاكرة الخروج بطفل من البلد ومش ابنك كمان كده حاجة سهلة؟ ولا صدقتي إنّي ممكن أساعدك صح في مصيبة زي دي؟ لا وكمان عايزاني آخدك في إيدي عشان أروح في داهية معاكي!"
صرخت عزيزة مع شعورها بتحطم الحلم واستهزاء هذه الملعونة بها.
"ولما هو مش حاجة سهلة وعدتيني ليه وخلتيني أخون الناس اللي شغالة معاهم بعد ما فرشتي الأرض حرير قدامي؟"
ابتسامة ساخرة اعتلت وجه ميرفت لتردف للمرأة بعدم اكتراث.
"أنا اديتك فلوس على إنك تأدي مهمة، أنتِ شطحتي في الأحلام دي مع نفسك، إنما بقى القانون لا يحمي المغفلين يا قلبي."
على الأخيرة لم تحتمل المرأة وهجمت نحوها مرددة بغل تريد الانتقام منها.
"مغفلة؟ أنا مغفلة يا ولية يا غلاوية، ده أنا هشرب من دمك."
"ابعدي عني يا مجنونة إنتي! يا مصيلحي إنت يا مصيلحي!"
أتى رجل آخر غير المذكور على أثر صيحتها لينزع كف عزيزة عنها التي كانت تقاوم بشراسة، بل ويرفعها ليكبل حركتها بعد أن فصل بمسافة كافية عن المرأتين، لتهدر ميرفت على الرجل.
"أمال الزفت مصيلحي غار فين؟"
أجابها الرجل.
"مصيلحي خرج من شوية يا هانم على اتصال تليفوني بس معرفش راح فين."
"غار في داهية."
غمغمت بها قبل أن تتابع أمرة للرجل.
"خد المجنونة واتخلص منها على أقرب مقلب زبالة."
"مقلب زبالة؟ يا ولية يا ظالمة ربنا ينتقم منك."
صرخت بها عزيزة بصوتها العالي، لتناظرها الأخرى بنظرة مشمئزة قبل أن تعود للرجل الذي يسيطر بصعوبة على حركة المرأة لتقول.
"اتخلص منها هي والولد ده."
قُطعت مع سماعها لهذه الأصوات الغريبة والجلبة في الخارج، همت لتخرج وترى بنفسها قبل أن تصعق بعد ذلك بدخول جاسر الريان بصحبة خالد وطارق أيضًا، وحارسها المدعو مصيلحي مكبل الذراعين.
ارتمى على الأرض من قبل إمام، وامتلأ المنزل برجال جاسر بعد أن سيطروا على من في الخارج من رجالها.
برقت عينا ميرفت بهلع في البداية قبل أن تتمالك لتهتف هادرة تدعي الحزم.
"إيه البجاحة وقلة الذوق دي؟ أنتم إزاي تدخلوا بيوت الناس كده؟ هجوم ومن غير استئذان، هي حصلت البلطجة كمان يا جاسر يا ريان؟"
طالعها المذكور بأعين نارية يقف أمامها متخصراً، قبل أن يلتفت نحو المدعوة عزيزة على أثر صيحة زوجته.
"الزفتة اللي أخدت ابني أهي."
قالتها وهي تركض نحوها تريد الفتك بها، وفور أن وصلت إليها أمسكتها من تلابيب بلوزتها لتسحبها من الرجل.
"وديتي ابني فين يا حيوانة؟ أنا هقتلك النهاردة لو ما نطقتي."
طأطأت عزيزة رأسها بخزي فور أن تقابلت عينها بعيني زهرة، والتي انتبهت على صيحة خلفها.
"الولد اهو يا زهرة."
هتفت بها كاميليا، والتي انتبهت على رؤية الصغير في الجانب الآخر لتركض إليه وتبعتها زهرة صارخة لتسبقها وتتناول تضمة بقوة لتسقط على الأرض تبكي بحرقة.
جاسر، والذي أتى سريعًا هو الآخر، احتضن الأم وطفله ليحاول تهدئتها، هي وتقبيل مجد برزانة يتصنعها بصعوبة للسيطرة على مشاعره العنيفة في هذه اللحظة تدعوه لسحق الاثنان على صدره.
ربت على كتفه خالد وطارق بفرحة، قبل أن يستقيما لهذه الأفعى التي تتصنع القوة رغم وقوعها في شرك ما فعلته. فاقترب طارق يقول بكره.
"ده أنتِ السواد والغل حرقك من جوا، مش ملا قلبك وبس."
ارتفع حاجبها لتحدجه بنظرة مستنكرة ببجاحة، ولكنها انتفضت فجأة على رؤية شبح جاسر الذي كان يقترب بخطوات بطيئة زادت من الرعب الذي تخفيه بداخلها، حتى إذا اقترب منها وبدون سابق إنذار رفع كفه ليلطمها على وجنتها بقوة جعلت رأسها تهتز حتى كادت أن تقع أرضًا لولا أنها تماسكت بإصرار لصرخ به.
"إنت اتجننت يا جاسر الريان؟ وديني لأوديك في داهية."
"وأنتم لسه شوفتي حاجة."
قالها بنبرة مخيفة وأعين حمراء تشتعل من الجحيم، هم لتكرار ما فعله، فارتاحت هي للخلف بفزع من تكرار الألم، لف خالد ذراعه حوله ليمنعه عنها بقوله.
"امسك نفسك يا جاسر، ما تقلش قيمتك مع واحدة متستهلش زي دي."
صاحت ميرفت بغل من ألم الإهانة مع الألم الموجع بفكها من لطمة جاسر القوية عليها.
"هدفعك تمن القلم ده غالي أوي يا جاسر يا ريان، مش أنا اللي أسكت عن الإهانة دي."
احتدمت عيناه وحاول فك ذراع خالد، ينويه تأديبها، فهذه المرأة تستحق منه أبشع انتقام، ولكن أوقفه مجيء رجال الشرطة التي اقتحمت في دقيقة ليمتلأ المنزل زيادة على أعداده. التفتت ميرفت نحو الضابط تصرخ بدفاعية وقحة.
"سيادة الظابط تعالى شوف جاسر الريان بالبلطجية اللي معاه عملوا إيه معايا ومع حراسي، أنا عايزة أقدم فيهم محضر حالا دلوقتي."
رد الضابط بابتسامة ساخرة.
"تعملي في مين حضرتك؟ ده الباشا هو اللي قدم البلاغ فيكي إنك خطفتي ابنه مع المربية اللي اسمها عزيزة، ولا أنتِ مش واخدة بالك إننا جايين نضبطك متلبسة بالجريمة؟"
سمعت منه لتصيح على الفور بسرعة بديهة ليست غريبة عنها.
"وأنا مالي بقى، دي واحدة جات تشتغل عندي بطفل، قالت إنه ابنها، أنا هعرف منين إنها حرامية أطفال."
صاحت بدورها المدعوة عزيزة بعدم استيعاب.
"أنا اللي حرامية!؟"
توقفت تخطف نظرة متحسرة على الطفل الذي تضمّه زهرة بقوة لتعود لميرفت متابعة بانهيار.
"يعني أنتِ مش كفاية إنك ضيعتيني من كله، كمان عايزة تلبسيهالي لوحدي؟"
هتف بها ميرفت ترد بعنف.
"اخرسي يا حيوانة! أنا أعرفك منين أساسًا؟ أنتِ أكيد حد زقك عليا، أنا لازم أتصل بالمحامي بتاعي يشوف المهزلة دي."
رد ضابط الشرطة بنزق.
"حضرتك اتفضلي معانا دلوقتي وبعدين اتصلي واعملي اللي أنتِ عايزاه، خلصونا يالا."
صاح بالاخيرة نحو رجاله، لتضطر ميرفت للانصياع للأمر جبراً، وخلفها عزيزة التي علمت من تلاعب هذه المرأة وإنكارها الفاضح لما حدث أنها ستستطيع بنفوذها الخروج من القضية لتلبسها هي وحدها لتتعفن في السجن حتى تموت. فمن هي لتجاري أفعى كهذه في عقلها؟ على خاطرها لم تدري عزيز بنفسها وهي تتناول السكين الصغير من طبق الفواكه الذي كان موضوعًا على الطاولة التي تمر بجانبها، وبحركة سريعة غافلت رجال الشرطة لتغرزه في رقبتها من الخلف بدون ذرة من الندم.
سقطت ميرفت على الأرض مغرقة في دمائها، والتف رجال الشرطة يكبلون المرأة ليسيطروا على حركتها، وهي مستسلمة أمام النظرات المذهولة من الجميع، تطالع احتضار الأخرى وهي تتلوى من الألم، متشفية بها، وهي لا تستطيع حتى إخراج صوتها، والظابط يطلب لها سيارة الإسعاف لعله يستطيع إنقاذها.
على نهاية اليوم، كان الجميع بقصر الريان ملتفين حول زهرة التي كانت تطعم صغيرها بعد أن حممته بنفسها، وقد استوعبت أخيرًا أنه بحضنها، يسألون عن تفاصيل ما حدث ويتسامرون بحديثهم حوله، فقالت كاميليا.
"بس أقولكم يا جماعة، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة اللي حصل، أنا ولا كأني كنت في فيلم سينما يا جدعان."
ردت رقية.
"يختي نحمد ربنا إنها جت على قد كده، ده أنا أعصابي لحد دلوقتي مش قادرة أمسكها من ساعة ما عرفت باللي حصل، واللي غايظني وفرسني هي المسلوكة دي كانت معايا في نفس البيت وخبّت عليا."
قالتها مشيرة بيدها نحو نوال التي ضحكت قبل أن تبرر موقفها.
"طب أنا إيه ذنبي طيب؟ ما ابنك هو اللي حرج عليا أقول قدامك وأقلقك، ما تقول حاجة يا عم أنت."
صاحت بالاخيرة نحو زوجها الذي ابتسم لها بحب قبل أن يرد على والدته.
"يا ست الكل، إذا كان عامر الريان نفسه خبّى عليه، إحنا كان عندنا أمل إننا نلاقي الطفل قبل ما الخبر ينتشر، وحمدًا لله ربنا جبر بخاطرنا."
تمتم الجميع بالحمد، ثم قالت صفية بفخر.
"بس أنا فرحانة بيكي أوي يا أبلة زهرة، أصلك طلعتي شجاعة كده وعرفتي تخلصي من المجرم ده اللي اسمه فهمي، ربنا ياخده هو كمان زي اللي اسمها ميرفت دي."
تبسمت لها زهرة صامتة، لتضيف سمية هي الأخرى.
"فعلاً يا زهرة، أنتِ يا حبيبتي ربنا قواكي في الساعة الصعبة دي عشان ابنك، ربنا يا حبيبتي يخليهولك وميحرمك منه أبدًا."
تممت على قولها زهرة قبل أن تجذبها رقية لتقبلها على رأسها تقول بزهو.
"زهرة عمرها ما كانت جبانة، وأنا طول عمري عارفة إنها قوية، بس قوتها داخلي متطلعش غير وقت الشدة."
عقب على قولها طارق.
"عندك حق يا حجة، بس أنا أعتقد إن الحكاية دي في كل البشر، بس طبعًا في اللي بيقدر يخرجها وفي اللي بيسلم ويرضى بالجبن، ربنا ما يجعلنا منهم."
ردت زهرة تقول بامتنان.
"بس لو هنيجي للحق، أنا من غير الجلسات وتعليمات الدكتورة مظنش إني كنت هقدر أخرج القوة دي، أو يمكن تكون هي اللي ساعدتني، والبركة في جاسر طبعًا، ربنا ميحرمك منه."
صدرت من محروس الذي كان صامتًا منذ بدء الجلسة وتابع يذهل الجميع بقوله.
"أنتِ ربنا عوضك بجوزك عن يتم الأم والأب كمان، ربنا يخليلك عيلتك الجديدة يا بنتي."
قوله الصادق جعل حالة من التأثر تنتاب زهرة وباقي أفراد أسرته، فيبدو أن الرجل بدأ يتخلى عن أنانيته قليلاً ليستجيب ويشارك لما يحدث معهم، وهذه بارقة أمل.
أجفلهم طارق بقوله المرح.
"طب يا جماعة متخلوش الفرحة بمجد باشا تاخدكم وتنسوا حدث الموسم."
التفتت الرؤوس نحوه بتساؤل، دارت كاميليا بكفها على عينيها بحرج جعله يضحك بمشاكسة ليقول بابتهاج قلبهم.
"معقول تكونوا نسيتوا؟ يا بشر الخميس الجاي ميعاد فرحنا، فيه إيه."
قالها وانطلقت كلمات التهاني والمباركات نحوه ونحو كاميليا التي كانت تجيب باشراق وجهها بالسعادة رغم خجلها، ليسود جو من المرح محملاً بالألفة والمودة، حتى همست رقية لزهرة سائلة باستغراب.
"هو جوزك بيعمل دا كله إيه في المكتب مع غادة وخطيبها؟ دول اتأخروا قوي."
مطت بشفتيها زهرة تجيبها.
"والله ما عارفة يا ستي، أصل أنا لما سألته قالي إنه هيقولي ع اللي في دماغه بعدين، واديني صابرة أما أشوف."
"هو ده كل اللي حصل؟"
سألها بأعين متفحصة بعد أن قصت عليها كل ما حدث مع ميرفت من بداية معرفتها بها حتى إنقاذ إمام لها وتدخله لمنع استغلالها من قبل المذكورة وشقيقها.
ردت غادة، والتي كانت لا تقوى على النظر في وجه جاسر.
"أقسم بالله العظيم ده كل اللي حصل، وأنا عارفة إني أستاهل الحرق بعد اللي حصل بسببي، بس أنا متقبلة لأي عقاب منك يا جاسر باشا، ده حقك."
سمع منها وانتقل بأنظاره نحو إمام الجالس على الكرسي المقابل، فقال مخاطبًا له بلوم.
"طب أعاقبها هي، وأنت أعمل معاك إيه بعد ما خبّيت وأنت راجل؟"
يرد إمام بشجاعة اعتاد عليها.
"حضرتك، وأنا كمان مستعد لأي حاجة منك، بصراحة أنا اتصرفت من دماغي وطفشت الزفت اللي اسمه ماهر بره البلد عشان أحمي غادة من ابتزازهم، وكنت فاكر إنهم هيتهدوا عن الأذية، لكن أظاهر كنت غلطان."
ظل جاسر يحدق به صامتًا، فتابع إمام.
"أنا عارف إني اتصرفت بأنانية لما خبّيت عنك عشان مشوهش صورة الست اللي بحبها في نظرك، بس حضرتك غادة اتغيرت، وأقل حاجة كانت واجبة عليا هو إني أدفن كل غلطها اللي فات عشان نقدر نعيش مع بعض صفحة بيضا، دي كانت وجهة نظري، وأنت حر يا باشا في قرارك."
على كلماته الأخيرة لم يقو جاسر على كبح ابتسامته، فهذه كانت أول مرة يرى الوجه الآخر لرجله، حارس الأمن الضخم، وهو وجه المحب الحقيقي، والذي يغفل عن الأخطاء ويغفر ويسامح ليحمي محبوبه ويراعي ويحمي، فقال يجفلهم بقوله.
"هو انتوا فرحكم إمتى؟"
"شايفة الحلاوة ياما شايفة الهنا اللي بنتك هتسكن فيه يا إحسان."
هتفت بالكلمات غادة وهي تنظر من شرفة المنزل الجديد نحو المباني الرائعة والمساحات الخضراء الكثيرة بهذه المنطقة الراقية، لتجعل إحسان تجيب بامتعاض تخفي به انبهارها.
"حلوة يا ختي حلوة، مبروك."
التفتت إليها غادة تردد خلفها باستيهان.
"حلوة ومبروك كده؟ بس أنتِ واخده بالك ياما بنتك ربنا كرمها وبقى عندها بدل الشقة اتنين؟ شقتنا الملك اللي كنا هنتجوز فيها ودي"
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 156 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بقى اللي جات لنا فجأة كدة من عند ربنا أنا فرحانة أوي يا ماما فرحانة قوي.
تفت إحسان تقارعها وهي تجلس على أحد المقاعد الخشبية خلفها:
احنا في إيه؟ هو انتي خلاص بقيتي متجوزاه رسمي عشان تتكلمي بصيغة الجمع؟
ردت غادة على الفور متلهفة:
خلاص هانت يا ماما بعد ما جاسر باشا أدان الشقة دي عشان إمام يبقى قريب منه وخلى تكاليف الجواز عليه، خلاص بقى كلها أسبوعين تلاتة ويتم المراد.
مصمصت إحسان تصدر صوتا مستهجن بزوايا فمها ثم قالت من تحت درسها:
الله يهني سعيد بسعيدة يا أختي، أنا معرفش عاجبك فيه إيه.
غمغمت بالأخيرة بصوت خفيض. تجاهلته غادة لتنهض قائلة:
طب أنا رأيي أعمل لنا كوبايتين شاي على ما يجي إمام من مشواره مع جاسر باشا.
ردت إحسان بسأم:
وتعملي شاي وتستنيني ليه؟ مش خلاص وشوفنا الشقة خلينا نمشي بقى ونشوف اللي ورانا، أبوكي زمانه راجع من الشغل.
همت لتجادلها لعدم الذهاب وترك منزلها الجميل، ولكنها تذكرت لتهتف بعجالة وهي تتناول مفتاح الشقة وحقيبتها لتعلقها على كتفها:
عندك حق يا ماما، ده أنا يدوبك أحضر فرح كاميليا، يلا بينا.
بوزنها الخفيف وصلت بسرعة للباب الخارجي للمنزل منتظرة والدتها التي كانت تتلكأ بخطواتها، تغمغم بغيظ:
أيوه يا أختي روحي فرح كاميليا عشان تشوفي خيبتك بالمرة.
ألتفت بفستانها الأبيض الطويل أمام المرآة تطالع هيئتها المختلفة بعد أن أكملت زينتها وتجهزت لليلتها، ليلة ارتباطها به، فرحة من القلب تغمرها، فهذا هو فستانها الذي تمنت ارتداءه، وهذا هو رجلها الذي لم تعشق من الرجال غيره، تحاول السيطرة على خفقان قلبها الذي يتسارع مع مرور الوقت لقرب لقاءه، كل شيء حولها يقارب الكمال، ولا ينقصها سوى هي، هي من تجلس على أحد المقاعد خلفها الآن وانعكاس صورتها أمامها بهذه الطلة الساحرة، وقد تخلت عن طفوليتها ونضجت في اختيار الألوان وقصة الشعر الحديثة، وهذا الفستان القصير بـ ذوق اختلف كليا عن نظامها في الملبس سابقًا والتزين المحترف، تنهدت بشعور لا تدري كيف لها أن تصفه وهي تراها كثمرة طازجة في بدء موسمها، لقد كبرت شقيقتها وأصبحت أنثى تملأ العين وتسر القلب، ولكن تبدو وكأنها واحدة أخرى لا تعرفها وليست من تربت على يديها وتعلمت، تناظرها بفخر وكانت لا ترى في العالم قدوة غيرها.
"حلوة يا رباب؟"
هتفت بالسؤال نحو شقيقتها التي كانت مندمجة في الاطلاع على هاتفها والسماعات في أذنها تستمع لإحدى الأغاني الأجنبية، فرفعت رأسها تطالعها بتساؤل، لتلتف إليها الأخرى تخاطبها بغبطة، تقصد من خلفها فك الجمود الذي تستشعره منها:
"بسأل يعني عشان آخد رأيك، هو الفستان حلو عليا كده ولا فيه حاجة ناقصة؟"
قيمتها بنظرة سريعة لتردف بلهجة تبدو عادية:
"حلو الفستان، هو مش انتي اللي اخترتيه واخترتيه عشان عاجبك، يبقى بتسألي ليه بقى؟"
لا تدري لما شعرت بأن ردها له مغزى ما، ولكنها تبسمت تجاريها بالقول:
"طبعًا أنا اللي منقياه بعد عذاب كمان في الاختيار."
توقفت تتابع في المحاولات معها:
"طب إيه رأيك في تسريحة الشعر ولا المكياج، لايق كده ولا البنت الميكب أرتست زودت في حاجة؟"
قلبت رباب عينيها بسأم لتقف فجأة عن طرف الكرسي الذي كانت جالسة عليه لتقول وهي تلتف عنها:
"ودي محتاجة سؤال يا كاميليا، ما انتي زي القمر أهو، أنا هسيبك بقى عشان داخلة الحمام."
"رباب!"
هتفت توقفها فور أن خطت قليلا لتلتف إليها الأخرى سائلة باستفسار:
"عايزة حاجة؟"
نفت برأسها كاميليا لتقول بابتسامة متسعة:
"لا ولا حاجة يا ستي، بس كنت عايز أقولك إن الفستان اللي انتي لابساه يجنن، دي أول مرة تختاري حاجة من غير ما تاخدي رأيي، بس بصراحة مكنتش أعرف إن ذوقك حلو في اللبس كده."
تبسمت لها الأخرى تقول بثقة وعينيها دنت على ما ترتديه بزهو:
"ما أنا كبرت بقى يا قلبي وبقيت أختار لوحدي، بس أديكي شفتي أهو بعرف أختار وبختار كويس أوي كمان."
أومات لها كاميليا برأسها تقول بتردد:
"بس انتي مش شايفة إنه جريء شوية؟"
أجابتها بهزة خفيفة بكتفها قبل أن تستدير وتتركها:
"وماله يا ستي، الجرأة مطلوبة برضوا."
راقبتها حتى أغلقت باب الحمام بالغرفة، تتنهد بقلق ما زال يقبض على قلبها، فهذا البرود والهدوء الشديد لا يجعلها تشعر بالراحة، لقد قضت الفترة الماضية ملتصقة بها معظم الوقت تحاول التقرب لفكرها وشرح متواصل عن طبيعة الكائن المؤذي الذي كان سيصبح زوجها في يوم من الأيام حتى تتعظ هي ولا تكرر خطأها، ثم عقدت مبادرات الصلح معها ومع والدها الذي لم يوافق على إعادة الهاتف سوى اليوم بعد إلحاح كاميليا، مؤجلاً ذهابها إلى جامعتها إلى وقت غير معلوم، علها تنسى وتريح قلبها بالاطمئنان عليها، لكن ودت لو توافق بهذا المدعو أمين رغم استنكارها في البداية لعودة الارتباط لأي فرد من هذه العائلة، ولكن بعد ما حدث وعلمته عما فعله كارم بعقل شقيقتها فقد فكرت بالرجل بشكل جدي وسألت جيدًا، فعلمت بحسن سلوكه وهو شديد الإعجاب بها كما أنه عرض بشكل مباشر استعداده للتقدم لخطبتها، ولكن رباب فاجأتها بالرفض القاطع له، حتى أنها أخذتها في زيارة لوالدتها التي كانت دائمًا ترفض الذهاب إليها، ولكن كاميليا ألحت بشدة عليها هذه المرة، فربما التقرب منها في المرض يجعل قلبها يرق ويضعف لما حدث معها.
خرجت من شرودها على جلبة صاخبة مع طرق على الباب الذي اندفع فجأة لتلج منه زهرة بطفلها مهللة:
"عروستنا عاملة إيه النهاردة؟"
تتبعتها غادة التي دلفت خلفها ونوال معها لتصدح بصوت زغروطة قوية جلجلت في قلب الغرفة لـ تثير الضحك لكاميليا وهي تقول بحرج:
"الله يخرب عقلك يا مجنونة، ده فندق سياحي يا بت هتلمي علينا السياح."
ردت غير مبالية بتفكه:
"يا أختي إحنا عايزينهم يتلموا عشان نعملها هيصة ونسمع بقى في البلاد الأوروبية والفضائيات، وسمعني بقى أحلى أغنية شعبية والنهاردة فرحي يا جدعان هههه."
ختمت ضاحكة لتتلقفهن كاميليا بالعناق القوي رغم ثقل فستانها، فما قيمة الفرحة إن لم تشاركها مع صديق أو الحبيب.
وفي داخل الحمام وبعد أن قوست شفتيها بامتعاض على هذه الأصوات الصاخبة التي تصلها من الخارج، ثم التفتت على إضاءة الهاتف الذي صدح بإشعار وصول رسالة على تطبيق الواتساب بعد انتظار دام لدقائق بعد إرسال تحيتها:
"أهلاً رباب هانم... أخيرًا افتكرتني."
"بعثت على الفور إليه بلهفة:
"إيه اللي انت بتقوله ده؟ هو أنا عمري نسيتك أصلًا؟ أنا بس كان معمول عليا حظر من جميع الجهات، بابا كان واخد التليفون مني وإخواتي ممنوعين بالأمر إن حد فيهم يديني التليفون بتاعه، ده غير الحبسسة أساسًا وعدم الخروج إلا مع حد فيهم."
وصلتها رسالته سائلاً:
"وإيه اللي حصل خلاهم يفرجوا عنك ويرجعوا تليفونك؟"
أجابته برسالة صوتية مستغلة الصخب الدائر في الخارج:
"أنا اضطريت أجارييهم وأعمل نفسي مصدقة ومقتنعة لحد ما كاميليا أقنعت والدي يرجعهالي، أصلك وحشتني أوي أوي يا كارم."
ابتسامة ملحة اعتلت وجهه وهو يعيد سماع الرسالة مرة أخرى، فقد تأكد له الآن أن القطة الصغيرة ما زالت على عهدها ولم تخرج عن سيطرته كما ظن في هذه الأيام التي انقطعت عن تواصلها معه، فبعث لها مرسلاً:
"وانت كمان وحشتيني، بس أنا عايزك تعذري حدتي، أصل بصراحة والدك زودها قوي لما جه يهددني باللي هيعمله لو ما بعدت عنك، بس أنا سكتت ومردتش أزعله عشان خاطرك."
قرضت رباب على أظافرها بتوتر وهي تقرأ الرسالة، فأمر هذه الزيارة لم يخف عنها، فقد سمعت بها من حديث والدها مع كاميليا في اليوم الثاني لشجارها معهما، وكم أحزنها هذا الأمر وهي تقطع الغرفة كالمجنونة بعد هذا الحبس الذي فرض عليها وحرمانها من وسائل الاتصال به، كاد أن يذهب عقلها من الوحدة، فردت برسالة ملطفة:
"معلش يا حبيبي، قدر غضبه بقى واعذره، ما هي المفاجأة كمان كانت جامدة قوي."
"عشان خاطرك انتي بس."
بعث بها مقتضبة بغضب مستتر، فبعثت تغير دفة حديثهم:
"على فكرة أنا اشتريت الفستان اللي نقيناه أنا وانت أون لاين قبل كده وطلع يجنن عليا، مش قادرة أقولك على شكلي دلوقتي وأنا لابساه."
بعث لها برسالة ماكرة:
"طب ما تبعتي صور وتخليني أشوف وأقرر بنفسي."
بعثها وانتظر قليلاً حتى اعتدل فجأة عن مقعده بتحفز وهو يرى النضوج الحديث للفتاة التي تهيم به، فقد أزهرت ثمارها وأصبحت أنثى بحق بعد أن ارتدت ما يظهر جمالها المخفي، كبر الشاشة بإصبعيه يتمعن النظر بالأجزاء المكشوفة من الفستان عليها، ثم أرسل لها:
"بتجننيني، أنا كنت واثق من الأول إنه هيليق عليكي ويخليكي قمر."
أسعدها غزله، فقامت بإرسال عدة صور أخرى لقصة الشعر وزينة وجهها مع رسالة تطلب رأيه أيضًا، طالع الصور في البداية بإعجاب واضح، ثم عقد حاجبيه باستدراك يبعث إليها:
"طبعًا ساحرة مفيش كلام، بس انتي مقولتيش ع المناسبة اللي عاملة دا كله عشانها؟"
قرأت الرسالة لتبعث إليه بوجه يرفع حاجبه واحد بمكر وكتبت بجواره:
"يعني انت عايز تفهمني إنك مش عارف إن النهاردة فرح كاميليا على طارق؟"
كز على أسنانه وتلاحقت الأنفاس بصدره بشكل متسارع مع تذكيره لهذا الإنهزام الذي تعرض له وما حدث له من توابع تركت أثرها عليه، سحب شهيق قوي وأخرجه حتى يهدأ قليلا من أعاصير وعواصف بداخله، لو أطلق لها العنان لـ دمرت كل شيء أمامه، ولكنه تمالك لتشغيل عقله كالعادة حتى لا يخسر أكثر مما خسر، فما زال أمامه الكثير، انتبه على رسالة أخرى منه:
"روحت فين مني يا ركام؟ أوعى تكون سرحت؟"
تبسم بزاوية فمه، فهذه الصغيرة يعجبه بالفعل ذكائها، فكتب يرسل إليها:
"سيبك من الكلام الفاضي ده، دي حاجة انتهت بالنسبة لي، ومش أنا الراجل اللي يبص ورا ضهره، أنا عيني دايما لقدام، ولا انتي مش واخدة بالك؟"
تبسمت هي من محلها لتبعث إليه:
"أكيد واخدة بالي، أمال أنا اتعلقت بيك إزاي؟"
أومأ رأسه برضا ليبعث:
"حلو أوي، طب أنا عايز أشوفك النهاردة بقى عشان وحشتيني."
"مينفعش طبعًا يا كارم، بقولك النهاردة فرح أختي."
قرأ رسالتها ليضغط على أحرف شاشة هاتفه بغضب يبعث له بحزم:
"بقولك وحشتيني، اتصرفي بقى، أنا لازم أشوفك، ولا أنا موحشتكيش؟"
في خارج الغرفة.
كاميليا وهي تحمل مجد الصغير بيدها، فكانت تقبله دون توقف مرددة بمرح:
"يا ختي ع القمر يا ناس، إيه يا وله الحلاوة دي؟ واخدها من والدك ولا والدتك؟"
ردت زهرة ضاحكة وهي تشير بيدها نحو نفسها، فاعترضت غادة بقولها:
"أيوه بس انتي عينيك مش ملونة، دي عين ستو."
صاحت تقنعهم:
"عين ستو، بس شكل مين؟"
تدخلت نوال هي الأخرى:
"والحواجب يا زهرة، ماهي برضوا مش حواجبك، في عقدتهم الواد دا كله، الخالق الناطق أبوه."
رددت باعـتراض شاعرة بالظلم:
"الخالق الناطق! حرام عليكي، طب غمازة الدقن دي كمان عند والده برضوا؟"
قهقهت غادة تغيظها بـ إصبع السبابة تقول:
"غمازة الدقن بس.... دي الحاجة الوحيدة اللي واخدها منك، الواد ده كله ريان يا ماما."
كشرت بوجهها تزداد عبوسًا وهي ترى اتفاقهم عليها بالضحك وإغاظتها حتى قالت توقفهم:
"بس بقى، لا جاسر ولا أنا، هو شبه جده عامر، الريان أساسًا ولون العيون اللي واخدها من طنط لميا."
قارعتها غادة ضاحكة:
"أيوه كدة اعترفي بالحق."
رددت خلفها:
"أعترف بالحق، طب الواد ده مش ابني، ده ابن لميا وعامر عشان تبقوا عارفين."
عقبت نوال ضاحكة:
"أهو كدة فعلاً اعترفتي بالحق، انتي الواد ده تنسيه خالص، أول طفل في البيت بيعلق أكل بيه، نصيحة مني انتي وحطي أملك ع اللي جاي."
بعد قليل.
حينما عادت من الخارج استقبلها عامر بتهليل، ليتلقف ابنها منها:
"حمد الله ع السلامة، أخيرًا مجد باشا وصل."
تناول الطفل منها ليلاعبه بمرح ويحتضنه باشتياق مرددًا:
"آه يا قلب جدك انت، أقسم بالله ده أنا كنت موت لو جرالك حاجة."
ربتت على ساعده زهرة قائلة بتأثر:
"بعد الشر عليك يا عمي، ربنا يبارك في عمرك. هي طنط لمياء فينا؟"
أجاب عامر وهو يجلس بالطفل:
"طنط لمياء مشغولة بقالها يجي ساعة مع جوزك فوق."
عقدت جبينها تطالعه بتساؤل ليردف لها:
"ما تطلعي تشوفيها يا ستي، انتي لسه هتسألي؟"
أومأت بحرج لتتركه وتصعد لغرفتها، ولجت بداخلها لتجد لمياء على وشك، فتبسمت لها المذكورة تقول بمرح:
"أهلا يا زهرة، مجد صاحي ولا نايم؟"
"لسه صاحي وبيضحك لجده كمان."
قالتها زهرة، فتحركت لمياء للخروج على الفور مهرولة بحماس، فتقابلت أنظارها مع أنظار حبيبها الذي كان جالسًا أمام حاسوبه، فنهض عنه ليقترب منها يطبع قبل على وجنتيها يقول بعشق:
"أتأخرتي ليه؟ أنا مستنيكي بقالي كتير."
ردت بدلال امتزج بخجل:
"متأخرتش ولا حاجة، هي نص ساعة بالكتير، سلمت ع كاميليا واديني هلبس أهو وأجهز عشان أروح معاك."
همت لتتحرك ولكنها أوقفها بقوله:
"استني هنا، هو انتي عرفتي هتلبسي إيه الأول؟"
أجابته بعملية وهي تذهب نحو خزانة الملابس:
"أيوه طبعًا، أنا كنت شارية فستان سهرة مع طنط لميا من مدة كده ولس..."
قطعت بـ نصف شهقة وهي على مدخل الخزانة لتسأله باستفسار:
"فستان الفرح بتاع مين دا يا جاسر؟"
اقترب منها ليحتضنها من الخلف قبل أن يجيبها:
"ما هي طنط لمياء بدلت الفستان بواحد تاني."
مالت برأسها للخلف لتطالع وجهه لتسأله بعدم استيعاب:
"يعني يا جاسر أنا مش فاهمة."
لفها لتصبح مقابله ليقول وهو يعبث بكفيه على خصلات شعرها المتمردة:
"مش محتاجة فهم يا زهرة، الموضوع كله إحساس، وأنا بقى دلوقتي هـ أتجنن عشان أشوفك بيه."
توسعت عينيها تشعر بصعوبة في الفهم لتسأل وعينها تتنقل من الفستان وإليه:
"أشوفني بيه إزاي يعني؟ أنا مش فاهمة حاجة."
في المساء كان الموعد المنتظر.
دلفت بخطواتها البطيئة وفستان لامع باللون التركواز اللامع ناسب جسدها النحيف بـ زينة للوجه أخذت بها الشحوب الدائم به، وخطت بأناقة تخترق القاعة المتسعة والممتلئة بالبشر لتتوقف على أجمل مشهد تخيلته مرارًا، ابنتها حبيبتها التي لم تتخل عنها ولو لمرة واحدة بالفستان الأبيض المبهر في رقصة رومانسية مع حبيبها الذي أصبح نصيبها بعد طول انتظار، توقفت تحتضن نفسها بـ أعين ترقـرقت بالدموع لتتابع مع باقي المدعوين حتى تأتي فرصتها للقاء بهم.
على طاولة قريبة كانت تضم ورقية وإحسان الممتعصة دائمًا وسمية وبناتها وغادة التي هتفت منتبهة:
"يالهوي يا ماما، مش دي برضوا خالتي نبيلة أم كاميليا؟ ولا أنا بشبه؟"
التفتت إحسان نحو الجهة المذكورة تضيق عينيها بتفحص فتدخلت رقية بقولها:
"أيوه هي يا بت، بس دي خسة اوي واتغيرت عن زمان."
"بس لساها حلوة زي ما هي."
هتفت.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 157 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
باعين متفحصة، أضافت إحسان بحقد:
لا، ولابسة حتى فستان مخليها... ولا العيلة الصغيرة. يا ختي، الست دي بتكبر ولا بتصغر؟
قاطعتها رقية على الفور:
خفي شوية يا إحسان، الولية لا تقع، الست دي تعبانة أساسًا.
كشرت إحسان بوجهها لتقول عاتبة بغضب:
وأنا يعني كنت هحسدها مثلًا؟ فيه إيه يا خالتي؟
سردت رقية بمهادنة حتى لا تحرجها:
أنا يا حبيبتي بس بنبهك، مش قصدي حاجة وحشة. دا الواحد أحيانًا بيحسد عياله.
لوت إحسان ثغرها لتشيح بوجهها دون رد. ومن الجوار، مالت سمية على رقية لتسأل بفضول:
ليه يا خالتي؟ مالها يعني؟ ما هي ما شاء الله شكلها أهي.
عبس وجه رقية بتأثر تجيبها:
دا مكياج وحلاوة روح يا حبيبتي، إنما بس...
توقفت، تلقي نظرة خاطفة نحو إحسان، ثم تابعت هامسة:
الست عندها المرض الخبيث، الله يحفظنا. بس هي مخبية، مش عايزة تقول لحد.
تغضن وجه سمية لتلتف نحو نبيلة متمتمة بشفقة:
يا عيني، ولا يبان عليها.
على طاولة أخرى لأسرة الريان، كان عامر يتابع فقرات الفرح، ويلاعب حفيده الذي كان يستجيب له بالضحكات التي كانت تسلب لب قلبه. ليزيد من مداعباته حتى يستمتع برؤيتها. ومن جواره، كانت لمياء تنفخ من الغيظ. هذا الأناني لا يشبع من الاستئثار به، ولا يجعلها تمارس سلطتها كجدة بحمل حفيدها هي أيضًا. فقالت من تحت أسنانها:
زمان الولد جعان يا عامر، هاتوه بقى خليني أأكله.
التف إليها يقول بغيظ:
لا متشليش هم يا حبيبتي، هاني شنطة والدته وأنا هعرف أكله.
زفرت بعنف تدفع الحقيبة أمامه وتناولها. ليبحث عن زجاجة اللبن الصناعي، فقال يسألها بفضول:
مش ناوية بقى تقولي ابنك ومراته راحوا فين؟
ردت بمزاج:
لو قولتك راحوا فين، هتديني الولد؟
على الفور هز برأسه بالرفض، ليزيد من حالة الرفض قائلًا:
لا طبعًا. مش لازم أعرف. دول اتنين كبار. هقلق عليهم مثلًا يعني؟ ييجوا براحتهم بقى.
على أنغام الموسيقى الهادئة، كان يرقصها. وبعد أن أتم عقد قرانه عليها لتصبح زوجته أخيرًا بعد طول عذاب واشتياق. تضحك بوجه القمر لتضيء له عتمته، وعيناه تلتهما تفاصيلها بحرمان لدرجة جعلته معقد اللسان. يضحك فقط دون أن يتفوه بكلمة، مما استفزها لتأخذ هي زمام المبادرة:
هتفضل ساكت كده كتير؟
نعم!
بسألك عن السكوت الزيادة ده، مش ناوي تتكلم بقى؟
أنا زهقت.
زهقتي ليه؟
قالها مبتسمًا ببلاهة، أغاظتها لتضربه بقبضتها بخفة على ظهره، فتأوه بميوعة أضحكتها. لتهتف به بابتسامة مستترة، مدعية الحزم:
بس بقى غلاسة، واتعدل معايا. سمعني حلو، أو قول أي حاجة. هي القطة كلت لسانك؟
تحرك رأسه يدعي عدم الفهم، فحاولت بسؤاله:
طب مقولتش رأيك فيا إيه؟
إيه؟
قالها، لتهتف به سائلة بغيظ:
انت شايفني حلوة قدامك؟
اتسعت ابتسامته حتى ظهر صف أسنانه الأبيض، ليردف بتصنع الجدية:
لا خالص.
خالص!
رددتها بغيظ، لتردف بعدم اكتراث:
على العموم أنا واثقة في نفسي وعارفة نفسي حلوة.
يا ولد.
هتف بها ليشدد من اختضانها برقصتهم، ثم همس بجوار أذنها بصوته الدافئ:
انتِ أحلى من القمر نفسه.
قالها، ثم عاد لعبثه مردفًا:
امتى بقى الفرح ده يخلص.
وفي جهة أخرى من القاعة، لم تغفل عيناه عنها ولو للحظة منذ أن أتت وخطت بأقدامها أمامه. حتى برغم تغير هيئتها عما سبق، علمها. فكيف يخطئ معرفتها، وقلبه هو من كان الدليل إليها. لم يدر بنفسه حتى اقترب منها، وشعرت هي به. فالتفتت برأسها إليه، لتجده أمامها وقد كبر من السنوات ما يتخطى عمره بمراحل. يناظرها بعين مشتاقة، تذوب حنقها قائلًا:
ازيك يا نبيلة.
أومأت بهز رأسها، تسبل عينيها التي لا تستطيع النظر بخاصتيه:
الحمد لله. عامل انت إيه؟
أنا كويس يا ستي. وانتي بقى...
أومأت برأسها دون صوت، وقالت وعيناها قد ذهبت نحو ابنتها التي تتمايل بين يدي عريسها بسعادة:
متشكرة أوي ليك يا إبراهيم إنك سمحت لي أجي النهاردة وأشوفها. كاميليا حلوة النهاردة، قمر بجد.
قالت كلماتها الأخيرة بأعين ترقرق بها الدموع. وردد من خلفها هو:
ما هي شبهك يعني، قمر زيك.
ردت تغمض عينيها بتعب دون أن تلتف برأسها إليه:
في الشكل الخارجي بس، لكن في الحقيقة هي كلها انت.
سألها بفضول لم يقوى على كبته:
أنا عرفت إنك اطلقتي من فترة طويلة. قاعدة فين دلوقتي يا نبيلة؟ هو انتي اتجوزتي تاني؟
التفت برأسها صامتة، لتواجه بصمته هو الآخر، وهو يناظرها بتتمعن وكأنها يستكشف ما بها جيدًا. انتبهت فجأة، توقف صوت الموسيقى وهتاف مقدم الحفل يدعو لمشاركة الرقصة الرومانسية مع العروسين. فالتبت تفاجئه بطلبها:
ممكن ترقص معايا؟
أومأ لها بكل ترحيب ودون تردد، لينضم معها يرقصها.
خلف مبنى القاعة التي يقام بداخلها الفرح الصاخب، كان جالسًا بداخل سيارته ينتظر. مكررًا نفس الأمر الذي حدث معه هو سابقًا، حينما هربت في يوم زفافها به. ضغط بقبضته على المقود مع تذكره لتفاصيل هذه الليلة وما حدث معه. ولكنه عاد يهدئ نفسه، فهو الآن على وشك رد الصفعة!
التفت رأسه فجأة على رؤية هذه الحورية الصغيرة وهي تخرج إليه من خلف المبنى المقابل له. تخطو بتسارع، وتتلفت يمينًا ويسارًا حولها حتى لا يشعر بها أحد. ليأخذ فرصته هو بتقييمها من طرق حذائها ذو الكعب العالي على الأرض، ليرتفع بأنظاره تدريجيًا على السيقان الطويلة، ثم هذا الفستان الذي كان لأعلى الركبة الناعمة. ليتمهل على المنحنيات التي احتضنها بدلال. فتنهد بحرارة قبل أن يصل إلى هذا الوجه المستدير بزينته وتسريحة الشعر التي زادتها فتنة. لقد تغيرت وتخلت عن هيئتها العادية لتصبح أنثى تخطف الأعين حولها بالفعل.
هاي.
قالتها وهي تفتح باب السيارة لتنضم إليه بداخلها. تلقاها مرحبًا بالاقتراب ليقبلها على وجنتيها، ولكنها ابتعدت سريعًا محذرة بدلال جعله يبتسم لفعلها قبل يستقيم في جلسته ليقول ببرائة:
دي حاجة بسيطة على الخد يعني، سلام عادي.
تحرك كتفها لتقول بغنج:
حتى لو عادي، إحنا بقى معندناش الكلام ده.
أومأ برأسه مستجيبًا بابتسامة، ثم حاول تشغيل السيارة، ولكنها أوقفته بقولها:
استنى هنا، متدورش العربية. أنا مينفعش أبعد لأهلي يستعجلوني ولا يقلقوا عليا دلوقتي في الفرح.
توقف عما هم بفعله ليخاطبها بوجه عابس:
أهلك اللي حابسينك عشان تبعدي عني؟
أومأت برأسها موافقة، تقوس شفتيها بفعل طفولي. فاحتد قائلًا لها:
وانتي بقى هتسيبيهم يقرروا عنك مستقبلك؟ مش هتقاومي ولا تدافعي عن حقك في الاختيار؟
أجابته بهدوء يغيظ:
أه طبعًا. مين قال كده؟ أنا بس بحاول أجاري الجو دلوقتي على ما فرح كاميليا يتم وتروح بيت جوزها. وأنا بقى بعد كده هاخد فرصتي مع بابا.
ذكر اسم شقيقتها وذكر إتمام زواجها جعل الدماء تغلي برأسه، فهدر بها على غير اتزانه المعروف:
فرصتك إيه؟ والدك رافض المبدأ من أساسه. بدليل إنه اتجرأ وهددني. لو انتي عايزاني بجد، يبقى فرصتك معايا دلوقتي. نروح أنا وانتي من هنا ونحطهم قدام الأمر الواقع.
سمعت منه لتناظره بنظرة غريبة، وكأنها تكشف ما يدور برأسه. ثم ردت بنفس هدوئها:
أنا مينفعش أمشي من هنا ولا أعمل اللي بتقوله ده يا كارم. عشان أنا مش أقل من اللي قاعدة جوه دلوقتي دي، واتعملها بدل الفرح فرحين.
عقد جبينه صامتًا يستمع إليها. وهي تابعت:
لو عايزني بجد، مش عشان حاجة تانية في دماغك. فخليك متأكد إني مش هتخلى ولا اتنازل عنك. لأن أنا محدش يقدر يفرض عليا حاجة يا كارم. بدليل إني رفضت قريبك اللي اسمه أمين ده، وأهو ابن عمك وظابط و...
أمين مين؟
هتف بها ليكمل بحدة:
أمين دا من الفرع الفقير اللي في العيلة، يعني يتشرف بأنه ينتمي لينا. وانتي إزاي أساسًا بتفاضلي بيني وما بينه؟
عادت تقوس شفتيها لتقول ببؤس:
طب وانت بتزعق فيا ليه؟ أنا قولتلك ع اللي حصل. وقولتلك ع اللي في دماغي أنا كمان. عايزاك، بس عايزة أبقى مش أقل من أختي. وانت لو بتحبني بجد، استنى شوية بقى. وأنا أوعدك إني هنفذ وأتجوزك. ولو معرفتش أقنع والدي، يبقى مروان أخويا هو بقى اللي يسد عنه.
رد مستنكرًا:
مروان مين؟ هو مروان دا عايش معاكم أساسًا طول الوقت؟ سفر مع أصحابه ولا له دخل بأي حاجة باللي بيتم في بيتكم؟
عشان عايش مع نفسه، ومتكل إن فيه اللي بيسد من ورا ضهره، إن كان كاميليا أو بابا. لكن بقى لو انت ضمّيته في صفك بأي إغراء من عندك، مركز في شركتك أو فلوس مثلًا، مفكرتش إنه هيرفض.
توقفت تقترب بوجهها منه لتسأله بنعومة:
ولا أنا مستحقش يا كارم؟
بهذا القرب المهلك، ابتلع المذكور ريقه. فعلمت هي بتأثيرها عليه، ليجيبها ويده تطبق على ذراعها المكشوف، تقربها إليه وهو يردف بصوت متحشرج:
انتِ تستاهلي الدنيا كلها.
قالها، وما إن هم بتقبيلها حتى باغتته بدفعه عنها، وخرجت على الفور من السيارة، لتردف أمام ملامح وجهه المذهولة بابتسامة مستترة، وكأنها لم تفعل شيئًا:
حاول متنمش النهاردة عشان هخلص الفرح وأكلمك على طول. أصل وحشني أوي الرغي معاك، يالا بقى باي يا قلبي.
ختمت تلقي إليه بقبلة في الهواء على أطراف أصابعها، ثم استدارت على الفور تعدو بخطوات مسرعة نحو العودة للقاعة في الجهة الأخرى.
ظل هو متصلبًا ينظر في أثرها لعدة لحظات، حتى استفاق يمسح بكفه على شعر رأسه وجانب وجهه، حتى توقف ليغمغم ضاحكًا:
طلعتش سهلة القطة الصغيرة. دا باين اللعب معاها هيبقى مشوق بجد.
على مدخل القاعة، كانت تفرك بكفيها بعصبية، وتجول بعينيها باحثة كل دقيقة في الخارج عنه. لقد تأخر كثيرًا، كثيرًا جدًا، وهي في انتظاره، وهو لم يأتِ، ولا حتى رب عمله، ولا زهرة زوجته. تتمنى من الله السلامة، وألا يكون هذا التأخير بسبب سوء حدث معهم.
شهقت بارتياح فور أن رأته يأتي قادمًا بخطواته السريعة نحوها. حتى إذا وصل إليها، تلقفته بالسؤال على الفور:
توك ما واصل يا إمام؟ دا الفرح قرب يخلص.
أجاب لاهثًا وهو يدخل بها لدخل القاعة:
فرح إيه اللي يخلص بس يا غدغود؟ هو لسه ابتدى أساسًا. على العموم معلش لو اتأخرت عليكي.
ردت بقلق:
مش موضوع تأخير، بس أنا قلقت عليك جامد يا إمام، خصوصًا وإن جاسر الريان مجاش. وده فرح صاحبه، ومراته صاحبة العروس، تبقى صاحبة مراته وشغالة عنده. يبقى ليه التأخير ده بقى؟
نظر إمام نحو ساحة الرقص التي بدأ رقص الكابلز فيها مع العروسان، فقال وهو يتناول كف يدها ويسحبها معه:
تعالي بس الأول نجرب الرقص الرومانسي، وبعدها نكمل كلامنا. هي طارت يعني؟
لا مطارتش، بس...
قاطعها بقوله الحاسم وهو يخترق بها قاعة الرقص:
ما قولنا بعدين يا غادة. مش قادرة تصبري يعني؟
اضطرت مذعنة تستسلم لإلحاحه ولشعور البهجة الذي يغمرها بشدة في القرب منه. وكأن الزمان لم يمر، ولم يلقى منها جرح عمره بين يديه، وهو يرقصها برزانة تقارب الرتابة، نظرًا لتقدمهما في العمر. ولكنها وبرغم هذا الضعف الذي يراها الآن عليها، يجد نفسه يتذكرها بطفوليتها وسنين زواجه الأولى بها، قبل أن تتراكم عليه الهموم ويضيق الحال ويتبخر العشق في الهواء ليذهب لمكان آخر وليس منزلهم. ثم تأتي اليوم بعد كل هذه السنوات، ويراها فينبهربحسنها، وينسى معه كل شيء. فلا يرى سواها، يستعين بصورتها القديمة ليستعيد ولو بالوهم سعادة غابت عن قلبه منذ رحيلها عنه.
كان منفصلاً عن الواقع معها، وهي تميل بين يديه تناظره بامتنان. يكفيها نظرة الحنان في عينيه، وغفران قلبه لها. يكفيها فرحتها بابنتها التي تطالعها كل دقيقة منذ أن ولجت لساحة الرقص معها بسعادة. تكمل فرحتها بأن تشاركها بهذه الرقصة الرومانسية. لقد استراح قلبها أخيرًا، ولم تعد تخشى شيئًا.
خدت بالك من جوز العصافير دول يا طارق؟
همست بها إليه بفرحة تطل من عينيها، وهي تؤمئ رأسها نحو والديها اللذين يتراقصان بشاعرية بالقرب منها. نظر طارق نحو الجهة التي تشير إليها، فعاد إليها يقول بمشاكسة:
دا شكل المية هترجع تاني لمجاريها ولا إيه؟
بسردت بوجه جدي:
يا ريت، بس للأسف المشكلة في ماما نفسها قبل بابا. لأنها مش عايزاه هو بالذات يعرف بمرضها. نفسها تفضل على صورتها القديمة الجميلة قدام الكل، وخصوصًا هو.
دي بتحبه بقى.
رددها بتخمين، أكدته هي بابتسامتها وقولها المتأثر:
بس اكتشفت دا متأخر قوي.
شعر طارق بالحزن الذي اكتسى ملامحها، فقال سريعًا ليعاود إليها مزاجها الرائع:
على فكرة بقى، أنا عاملك مفاجأة تجنن.
سألته بفضول:
بجد؟ طب هي إيه؟
رد مبتسمًا بصوت طقة طقة بفمه:
وهتبقى مفاجأة إزاي بقى لما أقولك؟
قالت بلهفة لم تقوى على كبتها:
متبقاش رخيم بقى وقول على طول.
تبسم يقول بمرح:
يا بنتي بقولك اصبري. دي هي كلها دقايق بس.
عادت للقاعة مرة أخرى بعد أن أنهت لقاءها مع كارم، وأثبتت له ولنفسها أنها بقدر التحدي. نعم، هو تحدي بالنسبة لها. لقد حذرتها شقيقتها منه ومن غموضه الذي يجذبها إليه، ورأت بنفسها ما كان ينوي عليه منذ قليل، معتقدًا أنه يستطيع استغلالها في رد الضربة بالانتقام من شقيقتها. ولكنها كانت ذكية حينما لم تغفل عن ذلك، وعرفت كيف تصده دون خسائر. فهي ليست بالغباء الذي يجعلها تضيع فرصة مثله بهذه الاعتقادات التي أردفت بها شقيقتها عنه. توقفت لتشاهد مجموعة من صديقات الجامعة لها وهن يتمايلن بهيام على الأغنية الرومانسية، وأعينهن تفيض بالإعجاب والحسد نحو كاميليا وطارق الذي يناظرها بوله في رقصتهما معًا. تنهدت بعمق وهي تتمتم بداخلها:
لقد حان موعدها لكي تثبت نفسها هي الأخرى، لتحظى بفرح كهذا ورجل كهذا أيضًا. هي ليست بالقليلة حتى لا تستغل جمالها في الحصول على ما تبتغيه، وليست لقمة سائغة حتى يستغلها أي من كان، حتى لو هذا هو كارم نفسه الماكر الوسيم.
على الطاولة التي ضمت عدد من الأفراد التي أتت من الخارج من أسرة طارق، مثل والدته وشقيقته الصغرى، كانت لينا ووالدتها هي من يشاركهن الفرحة، لحكم الصلة الأخوية التي أسسها طارق على مدى العديد من السنوات.
قالت والدته بتأثر وعينها مثبتة على العروسان:
بسم الله ما شاء الله، عروسة طارق طلعت قمر فعلًا. يعني مكنش بيكدب في الوصف.
ردت أنيسة بابتسامة ودودة وفرحة تغمرها، سعيدة بجمع شمل طارق مع من أحبها بالفعل:
مش جمال بس لا، دي كمان أدب وشخصية محترمة من كله بصراحة. مكنتش أتوقع إنه بعد العك.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 158 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
اللي عكه دا كله يقع في واحدة بالصفات دي.
متأخذنيش يا هانم بس انتي عارفة ابنك.
قالت الأخيرة ضاحكة للمرأة التي تقبلت مزاحها تومئ برأسها موافقة.
تدخلت شقيقته في الحديث قائلة بانبهار وبعض الكلمات الأجنبية.
سمعت لينا لتلوي ثغرها قائلة بامتعاض:
مش بالخبرة يا ماما دا حظ يا قلبي واخوكي دا ماشاء الله حظه نار.
ارتسم على وجه الفتاة على الذهول لتنتبه أنيسة.
فلكزت بمرفقها على خصر ابنتها تقول ضاحكة:
معلش يا حبيبتي هي كدة مدب في كلامها أكيد طارق حكيلك عنها مش كدة.
أومأت الفتاة بابتسامة استفزت لينا:
هو فعلا حكيلي عنها لانه دايما كان بيشبهني بيها عشان طولة لسانا معاه.
تحفزت لينا وبرقت فيروزيتيها بشر قابلته الفتاة بتوسع ابتسامتها لتردف له:
بس معرفش يوصف انها بالحلاوة دي.
ضحكت أنيسة مع ارتخاء ملامح ابنتها لغزل الفتاة والتي ردت برقة غريبة عنه:
مرسي أوي لزوقك.
أضافت والدة طارق على قول ابنتها:
على فكرة هو مكانش بيشبهك بيها عشان طولة اللسان وبس لا دا عشان هو دايما بقولها كدة قدامنا أنا عندي اختين واحدة في كندا والتانية في مصر.
تبسم وجه لينا لكلمات المرأة وبدا التأثر على وجه أنيسة رغم إظهارها العكس.
وحتى لا تغوص لذكريات الماضي غيرت لتسأل عن الفتى الصغير ذو الملامح الأجنبية والذي كان يلهو مع ميدو شقيق كاميليا في جانب وحيد:
هو دا ابن طارق...
أجابتها المرأة بابتسامة ذات مغزى قائلة:
أكيد طارق حكالك عنه.
أومأت أنيسة برأسها بتفهم لتجفل على نهوض ابنتها فجأة من جوارها وهي تقول مستئذنة:
طب يا جماعة عن اذنكو بقى أنا هروح اشوف واحدة صاحبتي.
أوقفتها أنيسة فور أن تحركت بأقدامها:
رايحة فين يا بنتي.
بتقولك رايحة اشوف واحدة صاحبتي يا ماما الله.
قالتها بنزق قبل أن تعدو متهربة من سؤال آخر لتخترق بخطواتها الساحة الضخمة بعدد الأفراد التي تجمعت على النغمات الرومانسية تشاهد رقصات الكابلز من العشاق أو المتزوجين لمشاركة طارق لهذه اللحظات الرائعة.
وهي تبحث بعينيها عنه والهاتف على أذنها ولا تدري بنظرات الانبهار التي تتبعها أينما ذهبت لجمالها الخاطف وأناقتها الغير عادية بدون مجهود منها بفضل رشاقتها وسلاسل الذهب التي أطلقتها على ظهرها ولون عينيها البديع مما جعل الغيرة تدب في قلب الآخر وهو يراها تقترب منه بابتسامة متلهفة ليبادلها بوجه عابس متجعد:
اخيرا جيت يا نيازي.
قالتها فور أن اقتربت منه فرد بامتعاض:
ويارتني ما جيت.
سألته بعدم فهم:
ليه بتقول كده يا نيازي دا انا مصدقتش نفسي لما عرفت انك وافقت تيجي فرح طارق رغم الخلافات اللي مابينكم دايما.
زم شفتيه يقول بقرف وهو يشير على زينة وجهها وما ترتديه من فستان سهرة يحبس الأنفاس بالصدر:
الحلاوة الزيادة دي يا لينا خفي يا ماما شوية دا حتى كتر الحلو يجيب غممان في النفس.
رفرفت بأهدابها تناظره بازبهلال لتسأله باستفسار:
يعني انت كده قرفان مني عشان حلوة ولا إيه مش فاهمة.
زاد تجعيد وجهه ليشير على ما حوله قائلا:
انا مستفز من كله يا لينا البهرجة الزيادة دي والمصاريف اللي بيصرفها قريبك اللي أهبل ده على ليلة ليلة واحدة يا لينا.
طب وأنا إيه ذنبي في دا كمان.
قالتها بقلة حيلة وقد أرهقها نقده الغير مفهوم.
فغمغم بصوت خفيض وكأنه يحدث نفسه:
انتي فعلا مالكيش ذنب بروجوازية متعفنة.
تسائلت باستفهام:
انت بتقول حاجة يا نبازي.
تبسم لها وهم أن يجيبها بتفزلك كعادته ولكن أجفله توقف صوت الموسيقى.
ثم تحدث هذا الرجل العريس قريبها في الميكروفون.
هتف طارق ممسكا بالميكروفون بعد أن قطع الرقصة الرومانسية فجأة قبل انتهائها ليحيط بنظرات الجميع نحوه باهتمام:
يا جماعة ممكن شوية انتباه معلش.
جذب الانتباه والتفت معظم الرؤوس نحوه بتساؤل عما ينتويه وأولهم كانت كاميليا التي كان يقتلها الفضول لمعرفة الآتي.
فتابع هو وعيناه تتنقل من الحضور وإليها:
في البداية كده حابب أهني نفسي بعروستي الجميلة قدامكم.
قالها بمغازلة صريحة لها أثارت الضحكات والغمزات لتغزو ابتسامة سعيدة محياها رغم خجلها من فعله.
فاستطرد بعد ان أشاع جوا من المرح:
حاجة التانية بقى اللي عايزكم تعرفوها عني هي عن حلم كان دايما بيروادني أنا واتنين صحابي واحنا صغيرين اصل صداقتنا كانت قوية اوي لدرجة كانت بتخلينا ناخد عهود مع بعض ان جوازنا احنا التلاتة هيبقى في يوم واحد..... كبرنا بقى وكل واحد شاف حاله بس الصداقة فضلت قوية ومنقصتش أبدا لكن القدر كان له كلمته......
وكانت البداية لما اتخطف واحد مننا في عز شبابه وراح لربنا ودا كان رمزي الله يرحمه.
توقف متأثرا وعيناه اتجهت نحو أنيسة التي تكتفت بذراعيها تحتضن نفسها والدموع تساقطت على وجنتيها مع تذكر فقيدها.
فبعث لها قبلة في الهواء فتقبلتها بابتسامة خففت عنها وبادلتها بمثلها.
فتابع هو حديثه للجميع وقد تلقى دعم بلمسة من كف كاميليا على ذراعه:
صديقي التاني بقى يا جماعة ودا يبقى جاسر الريان واكيد انتو عارفيننه طبعا وعارفين انه اتجوز وخلف كمان ودا معناه ان الحلم راح.
توقف ليهتف بصوت أعلى وعيناه تتجه للخلف ويجذب الأنظار معه:
لكن مع جاسر الريان مفيش مستحيل.
ختم جملته لتظلم فجأة القاعة ثم انطلقت الإضاءة الصاخبة نحو الجهة المقصودة مع صوت الموسيقى المحفز لتزداد مع العاب نارية كثيفة حتى انفتح الباب فجأة.
فظهر شبح عريس وعروسه لم يتبين وجههم جيدا.
فصدح صوت طارق كمقدم إذاعي مخضرم:
سادتي سادتي انساتي اقدم لكم جاسر الريان وزوجته زهرة في عيد جوازهم الأول بيعيدوا فرحتهم من تاني مع فرحة العبد لله.
كشفت عنهما الإضاءة بشكل كامل مع ازدياد الالعاب النارية الكثيفة وصوت الموسيقى التي تغيرت لأخرى رومانسية ليلج جاسر الريان بحلته السوداء وبيده زهرة التي كانت ترتدي فستان الزفاف الأبيض وقلبها يضرب بهذه المشاعر المختلطة من الفرح والخجل والانبها.
وجاسر يدعمها بلف ذراعيه حول خصرها من الخلف لتواصل التقدم مع التصفيق الحار من الحضور والذي رافقه تعليقات مرحة من طارق:
رحبوا معايا يا جدعان بالعروسين اللي جاين يبرشطوا على فرحي انا وعروستي.
صدرت الضحكات العالية مع استمرار التصفيق الحار وابتسامة رائعة من جاسر الذي استقبله صديقه بالعناق الحار لا يدري من منهما يهنئ الآخر.
وكاميليا التي ارتمت تحضن صديقتها بأعين ترقرق بها الدموع لهذه المفاجأة التي هزتها من الداخل كزلزال.
ثم سحبها طارق لتخلو ساحة الرقص للآخرين ليأخذا دورهم في الرقصة الرومانسية.
تناول يدها يقربها إليه لتصدح الأغنية التي أوصى عليها منذ البداية:
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيكوا
وأنسى كل الدنيا دي وغمض عينيك
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيكوا
وأنسى كل الدنيا دي وغمض عينيك
ده أنت نور حياتي عمري كله
شوق الدنيا كله مش كتير عليك
والله كل حاجة فيا بتناديلك
أيوة كل حاجة فيا بتناديك
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيكوا
وأنسى كل الدنيا دي وغمض عينيك
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيكوا
وأنسى كل الدنيا دي وغمض عينيك
بقلب يرتجف بداخلها حتى كانت تتماسك بصعوبة لتندمج مع خطواته فيرقصها.
حتى خرج صوتها باهتزاز:
يا نهار ابيض يا جاسر انا مش قادرة احرك رقبتي ولا احط عيني في عين حد انا مكسوفة اوي.
قهقه يقول بمرح:
وتتكسفي ليه بقى هو احنا بنعمل حاجة غلط انا عايزك ترفعي راسك قدام الكل انتي مرات جاسر الريان.
تبسمت تجيبه بتذكر:
انا فاكرة كويس الجملة دي لما قولتيها لي في اول يوم جوازنا بس بصراحة اول مرة احسها بجد انا مرات جاسر الريان.
طبع قبلة فوق جبينها يقول هو الآخر:
وانا كمان فاكرك كويس اوي شكلك لما شوفتي الفستان اللي كنت محضره لـ فرحنا انه مكانش الأبيض اللي بتحلمي بيه ساعتها كان ممكن ألغي ولا انزل اجيبلك الفستان واعمل احلى فرح بس انا وقتها كنت خايف اخسرك وسط المخاطر اللي كانت بتهددني.
ردت وأعينها تفيض بالامتنان:
عشان كده حبيت تراضيني في عيد جوازنا وتحققلي الحلم.
وكان عندي استعداد كمان اعملك فرح احلى من ده كمان بس دي كانت فكرة طارق.
ايه رأيك بقى عاجبك ولا نعيد بفرح لوحدنا.
سأل الأخيرة بوجه تعلوه الجدية.
فاقتربت هي مشددة باحتضانه تردد بدموع الفرح:
راضية يا حبيبي والله راضية بأي حاجة منك كفاية ان ربنا رزقنا بيك ربنا ما يحرمني منك.
كده برضو يا طارق دي حاجة تخبيها عني برضو.
قالتها كاميليا بلهجة باكية معاتبة.
قابلها طارق بابتسامة مبتهجة وهو يقبلها على أعلى رأسها كترضية.
قبل أن يجلسها على مقعدهما المخصص ويقول وهو يجلس بجوارها:
معلش يا قلبي بس دي كانت تحكمات جاسر دا زهرة نفسها مكانتش تعرف غير من ساعات قليلة.
تسائلت بعدم تصديق قبل أن تستدرك بفطنتها:
معقول!.... اه صحيح دي جيت النهاردة وسلمت عليا ومكانش باين عليها أي حاجة بس انتو وجاسر بقى لحقتوا تعملوا الترتيبات دي كلها امتى حتى ميعاد الفرح حددتوا بالظبط.
انتفش صدره يجيبها بزهو:
عشان تعرفي بس ان جوزك جامد وبنعرف نخطط ونظبط بالتمام.
ظهرت أسنانها البيضاء مع ابتسامة زادت من فتنتها.
فتابع هو:
بس الحق يتقال طنط لميا كان ليها فضل كبير في شراء الفستان اللي يناسب زهرة وتظبيط المواعيد مع الميكب ارتست والفوتوسيشن.
كمان!! طنط لميا كانت معاكم في الخطة دا انتو عصابة بقى.
هتفت كاميليا بعدم استيعاب قبل أن تنتبه على اقتراب شقيقتها لتخاطب طارق بمرح:
هيه يا عم الجو ده دا انتو فرحكم هيبقى ترند بكرة ع السوشيال.
رد طارق بتفاخر:
احنا يا ماما مش محتاجين نعمل جو اسمنا لوحده ترند.
ضحكت رباب قبل أن تجفلها شقيقتها بسؤالها:
كنت غايبة فين يا رباب انا بقالي فترة طويلة مش شايفاكي في الفرح.
تبسمت رباب تقارعها بتفكہ:
حتى وانتي مع عريسك بترقصي يا كاميليا وعينك برضو بتدور علينا ما تقولها حاجة يا عم انت.
تقبل طارق مزاحها ليخاطب كاميليا مصطنعا العتب:
عاجبك كده أديكي جيبتلنا الكلام مش مسيطر انا خالص معاكي.
استجابت كاميليا تشارك الضحكات مع الاثنين بابتسامة مضطربة.
قبل أن تقول رباب بغرض طمأنتها:
انا مندمجة مع اصحابي في ركن لوحدنا في القاعة يا كاميليا اندمجي بقى وعيشي فرحتك احنا كبرنا يا ماما معدناش صغيرين.
ردد خلفها طارق:
بتقولك كبروا واندمجي مع عريسك ما تندمجي يا ست انتي معايا وخلصينا.
هذه المرة الضحكة خرجت من القلب حديثه المبهج دائما لها.
قال عامر وهو يناظر زوجته مضيقا عينيه بارتياب بعد أن علم بما فعلته مع ابنها لفعل هذه المفاجأة:
مطلعتيش سهلة يا لميا بقى بتخططي وبتنفذي من غير ما تقوليلي.
ردت لميا بابتسامة وغبطة تغمرها وهي تتنقل بالنظر إلى عامر وابنها الذي يراقص زوجته:
مش محتاجة تخطيط يا حبيبي انت عارف من الأول ان انا هوايتي في اللبس وتنظيم الحفلات وزهرة انا خلاص حفظتها وعرفت اللي بيعجبها في اللبس واللي يليق عليها كمان يعني شطارة مني برضو.
قالت الأخيرة بثقة جعلته يتخلى عن تصنع الغضب ليقول بارتياح:
برافو يا لميا بجد عجبتني بصراحة مكنتش اعرف ان عندك المواهب المدفونة دي لا وكمان بتعرفي تداري.
تبسمت تحرك كتفيها بزهو لتقول له:
بجد يعني انت مبسوط مني يا عامر.
بادلها الابتسامة عامر قبل أن يقبل حفيده الذي كان وكأنه ينصت متفهما الحديث ليقول:
طول ما انتي بتفكري في مصلحة ابنك وسعادته مع مراته يبقى لازم انبسط يا حبيبتي.
أسعدها الحديث وإطراءه فتشجعت على الفور تقول له:
طب مدام كده يبقى كده اديني الولد بقى.
جلجل ضاحكا فهم أن يغيظها بالرفض كالعادة ولكنه في الأخير أشفق بعد أن ارتسم البؤس على ملامحها فقال وهو يناولها الطفل:
زي بعضه يا لميا ما انتي في النهاية تبقي ستو برضو.
شهقت تتناوله لتتمتم وهو تقبله:
الف شكر ليك يا عامر كويس انك فاكر اني جدته وليا حق امسكه زيك.
غمغم هو ضاحكا:
عشان تعرفي بس اني راجل عادل ومش أناني.
وصل خالد مع زوجته التي كانت متأبطة ذراعه إلى الطاولة الجالسة عليها رقية ومعظم افراد عائلته التي كانت رؤوسهم ملتفة نحو ساحة الرقص.
ألقى التحية بكل هدوء وهو يجلس نوال على إحدى الكراسي معهم:
مساء الخير عاملين إيه يا جماعة.
هتفت به صفية فور أن انتبهت إليه:
توك ما واصل يا خالي دا احنا قولنا انك مش هتيجي النهاردة من التأخير.
ضحك صامتا.
فقالت رقية بارتياب:
لا يا ختي وداخل مع المحروسة ولا كأنه شايف بنت اخته اللي بتتجوز جديد النهاردة.
رد بابتسامة متوسعة:
مش واخد بالي ازاي بس ياما دا انا اللي كنت بحضر مع جاسر وطارق من اول البداية لحد ما حضرت معاهم الفوتوسيشن من شوية.
شهقت رقية ومعها صفية ووالدتها التي قالت بذهول:
وفوتوسيت كمان! يعني حركات العرسان اللي بنشوف فيديوهاتهم وصورهم اليومين دول.
رد خالد وهو يومئ برأسه:
وبكرة كمان ينشرها ع النت وتبقى قلبان حقهم.
الله دا انا هشيرهم واهزيهم في كل حتة خلي الناس كلها تشوف اختي بالفستان الأبيض مع عريسها.
هتفت بها صفية بفرح.
لتقول رقية وهي تخاطب ابنها وزوجته مضيقة عينيها:
يعني كل الفترة اللي فاتت قاعدين بتخططوا وتنفذوا من ورايا انت والسهنة اللي معاك.
ردت نوال بدفاعية:
الله يا خالتي وانا داخلي إيه بس.
ردت رقية:
بس يا بت بطلي سهتنة.
ضحكت نوال فتولى خالد بالرد:
ياما متبقيش حمقية احنا كنا عاملينها مفاجأة لزهرة يعني كان لازم الكتمان طپ بذمتك انتي نفسك مفرحتيش.
صمتت رقية تناظره بصمت ثم مالبثت أن تغزو الابتسامة محياها وهي تقول:
غلبنتي يا بن ال.... انت والسهنة بتاعتك.
قالتها وضحك جميع من على الطاولة حتى محروس الذي كان جالسا يراقب بصمت يستدرك أنه لم يفكر ابدا في هذا الأمر أمر فرحة ابنته الحقيقية.
قال إمام وهو يلف ذراعه حول كتفي غادة الشاردة في النظر نحو جاسر وزهرة على ساحة الرقص:
عاجبك المنظر يا عسل ولا نفسك تعملي زيه.
التفتت إليه بجذعها فتطالعه من جلستها لتقول بصدق:
نفسي نبقى زيهم.
هم ليرد ولكنها قطعت عليه لتردف مصححة ما بدر برأسه خلف عباراتها:
انا قصدي ع المحبة يا إمام عشان تبقى.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 159 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
فاهمني صح؟ مش على الفلوس ولا الهيلمان اللي عاملينه ده.
رد على الفور منفعلاً:
"ما هو أنا بحبك يا بت، ولا أنتِ مش واخدة بالك؟"
حركت رأسها تقول بتمني:
"مش قصدي على دلوقتي يا إمام، أنا قصدي على بعد الجواز. نفسي تفضل تحبني كده على طول وما تزهقش مني أبداً."
افتر فاهه يضحك بعبثية، مقهقها يقول بمغزى:
"باينك غلبانة ولا إيه؟ طب ده أنا بعد الجواز هتشوف مني الحب الحقيقي بالفعل... مش بالكلام."
ختم غامزاً بعينيه، فكتمت على فمها تخبئ ضحكتها الخجلة، ليزيد هو بمشاكساته وضمها بذراعه نحوه، فصدر صوت مصمصمة شفتين معترضة من إحسان الجالسة على نفس الطاولة خلفهم، فعلى بصوته هو:
"هلاليلتك فل يا حماتي، شدي حيلك بقى لفرحي أنا وغادة اللي باقي عليه أقل من أسبوعين."
امتعض وجهها أكثر تقول على مضض:
"ضربنا يهني سعيد بسعيدة."
استمرت بعد ذلك فقرات الفرح برقص الأربعة بالعصا وعلى الأغاني الشعبية والتصوير مع الأحبة حتى انتهت الليلة لتكون من أجمل ليالي العمر.
"إنت! واخدني ورايح على فين يا جابر؟"
سألته زهرة وهي تراقب الطريق المتغير الذي تقطعه السيارة بعد أن افترقوا عن عامر ولمياء ومعهما الطفل.
قال جاسر، والذي كان يقود السيارة بنفسه هذه المرة والحرس خلفه بالسيارة الأخرى:
"إحنا مش اتفقنا إن الليلة فرحنا من جديد؟ يبقى نكمل بقى."
سألته باستفسار:
"نكمل إيه؟"
تناول كف يدها بقبلة ليقول بابتسامة رائعة:
"نكمل يا قلبي بأني هاخدك نقضي الليلة لوحدنا في الشاليه بتاعنا بتاع شهر العسل، ولا انتي نسيتِ؟"
شهقت بجزع تعقب على قوله:
"يالهوي يا جاسر! انت عايزني أبعد وأقضي شهر العسل وابني مش معايا؟"
ارتفعت حاجبيه يجيبها بمرح:
"يا ست انتي! بقول لك الليلة بس لوحدنا، مجد باشا هيجي بكرة الصبح مع الوالد والوالدة، يعني أنا وانتي هنقضي بس الساعات اللي باقية دي من الليلة، نفسي نبقى لوحدنا شوية يا زوزو."
قال الأخيرة بنظرة مترجية كطفل جعلتها تستجيب بابتسامة حانية قائلة:
"تمام، عشان بس عارفة ومطمنة على ابني مع جده وجدته."
أشرق وجهه بالفرح ليلتف إليها برأسه مهللاً بحماس:
"يعني هنعيدو من تاني يا زهور؟ دي هتبقى ليلة ولا ألف ليلة."
ختم يطبع على كفها عدة قبلات محمومة جعلتها تضحك حتى أشاحت بوجهها عنه نحو النافذة لتخفي بكفها على فمها بخجل.
فتح باب الشقة الجديدة بعد أن جهزها منذ شهور لتصبح هي أول من يدخلها من النساء ويبدأ معها صفحة جديدة لها وحدها، هي من احتلت كيانه ولا أحد غيرها ينافسها في قلبه.
"خشي برجلك اليمين يا عروسة."
قالها متفكهاً حتى جعلها تضحك وهي تخطو للداخل مرددة:
"تمام، حاضر برجلي اليمين أهو."
أغلق الباب خلفها ليتبعها بنظرات وهي تتأمل الأرجاء حولها تقول بتأثر:
"الشقة حلوة يا طارق، مكنتش أعرف إنها بالجمال ده."
"جمال إيه؟ وهو في بعد جمالك."
قالها بنبرة شقية جعلتها تلتف إليه لتنتبه على وقفته بجوارها وعيناه مثبتة عليها ببهجة ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة، فقالت بمناكفة:
"أخيراً اتفكت عقدة لسانك يا طارق، وسمعت منك كلام حلو وكمان."
"لا، ده أنا هسمعك حكايات مش بس كلام."
قالها وهو يلقي بعلاقة المفاتيح على الطاولة القريبة بإهمال، ليكمل وهو يخلع سترة بدلته:
"مش انتي أخيراً دخلتي برجليكي القفص؟ ده أنا هسمعك كتير أوي."
رددت خلفه باستنكار تخفي به توترها:
"قفص يا طارق!"
رد وهو يلف ذراعيه حولها يقول بلهجة عابثة:
"عش الزوجية يا قمر، بس إحنا بندلعه ونقول قفص."
قالت مستجيبة لمرحه:
"يا شييييخ، مكنتش أعرف..."
قطعت بعد أن باغتها واقتنص شفتيها بقبلة مشتاقة وقد نفذ صبره، حتى إذا أفلتها قال بنبرة جدية بعشقه:
"كاميليا، أنا من النهاردة معرفش من الستات غيرك، حطي دي في بالك كويس."
أومأت برأسها ترفرف بأهدابها بحالة من التفهم تدعيها، ليكمل بعد ذلك ويدخلها معه في دائرة عشقه ويبدأ معها حياة جديدة.
بعد عدة أيام.
كان يقود سيارته بعد أن أنهى نوبته المسائية بقسم الشرطة، ليمر داخل الطريق الذي منع نفسه عنه منذ أسابيع، وقد ظن أنه يستطيع نزعها من عقله، ولكن قلبه الخائن أبى أن يرتاح ويریحه، ليلبي نداؤه بأن يروي ظمأه بنظرة منها، أو ربما يجد فرصة توقف في نفس المكان الذي ظل ينتظرها فيه منذ شهور يراقب خروجها في هذا الوقت للذهاب للجامعة كي تستقل سيارة أجرة للذهاب نحو الجامعة.
أجفل من شروده على طرق قوي على زجاج السيارة ليتفاجأ بشقيقه هو من يدنو برأسه نحوه ليقول بعد أن قام بفتح باب السيارة وحده لينضم معه في الأمام:
"الباشا بيعمل إيه هنا؟"
ابتسم أمين يجيبه بسؤال:
"انت إيه اللي جابك؟ بتعمل إيه يا عم حسن في المنطقة دي؟"
ضحك المذكور يجيب وهو يفرك كفيه ببعضهما:
"أنا جيت هنا أعاين الموقع الجديد واتفقت مع المقاول على الأسعار، قطعت الشارع وكنت عايز أوقف تاكسي وأروح، قوم اتفاجأ بحضرة الظابط أمين واقف بعربيته، ده إيه الصدفة السعيدة دي؟"
توقف ليتابع بالسؤال:
"لكن انت واقف هنا ليه؟"
ابتسم أمين يتحمحم بحرج ليجيب وهو يدير محرك السيارة:
"لا، ده أنا كنت مستني واحد صاحبي، بس أنا..."
قطع بعد أن تفاجأ برؤيتها وهي تعدو كفراشة بخفتها لتجعل قلبه يرفرف برؤيتها، فتعود إليه هذه المشاعر التي حاول كبتها طوال الأيام الفائتة، شرد بها حتى أثار انتباه شقيقه الذي ركز في النقطة التي ينظر إليها أمين، قبل أن يصطدم برؤية السيارة السوداء بصاحبها المعروف والتي توقفت فجأة أمامها ودلفت هي بها لتذهب نحو وجهتهما.
فعاد أمين بجسده للخلف محبطاً بضيق، فسأله حسن:
"أمين، البنت دي انت تعرفها؟"
"كنت هعرفها."
قالها أمين مبهمة أثارت شك شقيقه، ليعود بسؤاله الآخر:
"بس دي ركبة العربية مع كارم ابن عمك طاوس العيلة."
تابع حسن باستدراك:
"معقول تكون دي البنت اللي اسمها رباب اللي انت كنت عايز تتجوزها؟"
أومأ أمين برأسه ليدير السيارة مخرجاً تنهيدة طويلة ببؤسه، ليصل إلى حسن ما يحزن شقيقه، فقال بحدة:
"أنا قلت من الأول ما فيش حاجة اسمها حب، يا عم بلا عشق بلا كلام فارغ!"
بحث عنها في أرجاء المنزل بعد استيقاظه باكراً على ميعاد عمله اليومي، فتفاجأ بعدم وجودها على التخت بجواره، رغم أن اليوم هو إجازة عن العمل في كل الجمهورية وليس المجموعة فقط، وكمان تنبأ بالفعل وجدها بالغرفة المتطرفة من المنزل والتي خصصتها كمكتبة امتلأت بكتب والدها ومعها الذكريات التي تبقت من والديها الاثنان بعد زواج شقيقها الأكبر ولم يتبق سوى ميدو الذي يدرس الآن ويشاركهم العيش بالمنزل.
توقف قليلاً على مدخل الغرفة بعد أن ولج بهدوء وهي لم تشعر به، فقد كانت منشغلة بمشاهدة شيئاً ما على الحاسوب الخاصتها، اقترب يخطو بخفة حتى أصبح خلفها يريد مفاجأتها، ولكن هبطت عزيمته فور أن تبين المحتوى الذي تشاهده بالحاسوب وهذا الحزن الذي ارتسم على محياها، فخرج صوته دون أن يدري باستنكار:
"تاني برضو يا كاميليا؟"
أجفل تنتفض شاهقة لتقول وهي تضع كف يدها على صدرها بلهث:
"حرام عليك يا طارق، خضتني."
تنهد يهز رأسه بعدم رضا، ثم تمالك ليجلس بجوارها على الأريكة التي كانت جالسة عليها بثني أقدامها أسفلها، ليضمها مقبلاً أعلى رأسها بحنان متمتماً:
"معلش يا قلبي سامحيني لو كنت خضيتك من غير ما أقصد."
تقبلت اعتذاره لتريح رأسها على صدره العريض وكأنها تستمد منه الدعم، فتابع يشير على الحاسوب الذي وضعته على الطاولة أمامها بعد أن أغلقته سريعاً بعد صيحته:
"أنا مش عايز أبقى زوج سيء وأقلبك على أختك يا كاميليا، بس بصراحة بقى بضايق لما ألاقيِكِ زعلانة على واحدة عايشة حياتها بالطول والعرض ومش سائلة ولا بتعبرك، وأنا أسف برضو على كلامي ده معاكي."
ظلت صامتة لبعض اللحظات حتى ظنها غفت، ثم ما لبثت أن تقول بشرود:
"وحشتني يا طارق، قولت أدخل على حسابها وأشوف صورها، ما أنت عارف هي بقت بلوجر كبيرة وليها آلاف المعجبين، بترد ع الناس وكأنها نجمة، بتجيب تفاصيل حياتها وتصور فيديوهات للعيشة المرفهة اللي هي عايشاها بعد ما اتجوزت كارم، واتحدتنا أنا وبابا وماما كمان الله يرحمهم بقى."
تمتم طارق خلفها بالترحم عليهما، ثم قال يخاطبها:
"يعني عايشة حياتها يا كاميليا، يبقى انتي تشيلي همها ليه بقى؟"
قالت بأسى:
"لازم أشيل همها يا طارق، ده أنا اللي مربياها على إيدي، ودي متجوزتش واحد والسلام، دي اتجوزت كارم وأنا وانت عارفين كويس أوي مين هو كارم، مش قادرة أصدق إنه زوج طبيعي معاها."
"وانتي مش قادرة تصدقي ليه بس يا كاميليا؟"
هتف بها طارق بانفعال جعلها ترفع رأسها عنه لتواجه، واستطرد هو:
"أختك محدش ضربها على إيدها عشان تتجوزه، دا غير إنك بتشوفي فيديوهاتها بنفسك وهي بتستعرض المستوى اللي عايشة فيه قدام الناس بكل استفزاز لطبقات الشعب المتوسط والفقير... ثم تعالي هنا، هي أختك دي لو مش مبسوطة إيه اللي يخليها تستمر، ثم متنسيش كمان إن أخوكي معاها في جناح كارم وبقى ليه وضعه في الشركات."
توقف ليقول بنبرة مترجية:
"أنا مش عايزك تقطعي صلة الرحم، لكن عايزك تعيشي حياتك وتنسي، مش عايز أشوف الحزن ده في عيونك، أختك لو محتاجة مساعدة هي عارفة طريقنا كويس، ولو سعيدة تبقي اتمنيلها الخير وعيشي انتي حياتك زيهم."
أشرق وجهها بابتسامة استجابة لكلماته، ليبادله هو أيضاً بابتسامة مبتهجة وهو يداعب وجنتها الناعمة بإبهامه مردفاً بغزل:
"بذمتك مش حرام الوش القمر ده يبقى مكشر كده ع الصبح، واتحرم أنا من ابتسامتك اللي تسحر ديا."
ازداد اتساع ابتسامتها حتى ظهرت أسنانها البيضاء، فهلل مرحباً:
"يا أهلاً بالشمس اللي نورت الكون، كنت فين من شوية يا شيخة؟ دي الدنيا كانت مظلمة."
ختم يطبع عدة قبلات على وجنتها وشفتيها ليتحضنها بعد ذلك بقوة متابعاً:
"آه لو تعرفي باللي بيحصل جوايا في كل مرة أشوف حزنك ده، بيبقى نفسي أروح لاختك دي وأجيبها من شعرها تتأسف لك."
رددت تتنهد بعمق:
"ياريت كان ينفع، كنت عملتها أنا من زمان، كنت جيبتها وجوزتها أحسن راجل في الدنيا."
"دي سنة الحياة يا كاميليا، كل واحد بيكبر ويختار بنفسه، يبقى يتحمل بقى نتيجة اختياره."
استجابت لغمرته تتنعم بالدفء والحنان الذي يبثه إليها، فقد تأكد لها بالفعل أن طارق هو أعظم اختياراتها، وقد أصبح السند لها بعد رحيل والدها الذي توفي حزناً على نبيلة بعد أن عرف بمرضها وما عانته في البعد عنه، لتفقد هي الاثنان في عام واحد، ثم تفاجئها شقيقتها بالزواج من كارم بمباركة شقيقها، غير آبهين بغضبها أو اعتراضها أو حتى توسلاتها، وكأنها لم تكن يوماً جزءاً أصيلاً في تربيتهم مع الوالد بعد ترك الوالدة.
طرق خفيف على باب الغرفة أخرجها من شرودها، لټنزع نفسها عنه مع هتافه على الخادمة بالدخول، والتي قالت:
"الست لينا، حضرتك مستنية تحت."
أومأ لها لتنصرف، قبل أن تسأله كاميليا باستفسار:
"وهي لينا جاية ليه البيت النهارده، واحنا أساساً خارجين بعد شوية لمشوارنا عند جاسر وزهرة؟"
هز رأسه بضيق يجيبها وهو ينهض من جوارها:
"أما انتي عارفاها، شملولة أوي، اتصلت بيا من شوية تنبهني عن مناقصة الحديد، وأنا قولتلها تجيب الأوراق عشان أراجع عليها وأقدمها بكرة على طول الصبح."
نهضت خلفه تقول بغيظ هي الأخرى:
"ما هي لو شاطرة كده في الحياة زي ما هي شاطرة في الشغل، كان زمانها في حتة تانية، حد يصدق إن واحدة زي دي تقعد لحد دلوقتي كده من غير جواز؟"
تأوه طارق يمسك بمقبض الباب يقول لها:
"آه يا كاميليا، ده أنا لو أقولك على الشباب اللي زي الورد اللي بيتقدمولها ولا المراكز اللي هما فيها، هتستغربي إن الحمارة دي بترفضهم بكل قلب ميت."
ضحكت كاميليا تربت على كتفه قائلة:
"معلش يا طارق، نصيبها موجود أكيد."
توقف يقول بانفعال:
"أنا عارف إن نصيبها موجود واكيد كمان إن شاء الله، بس أنا عايز أطمن عليها وأمها كمان."
ضحكت كاميليا وهي تسبقه في الخروج من الغرفة متمتمة:
"يا حبيبي ما تقلقش، إن شاء الله هتطمن عليها وتريح قلبك، بس أما تلاقي اللي يرضي دماغها المجنونة دي."
ردد طارق خلفها ساخراً:
"آه، لما بقى!"
وفي بهو المنزل كانت جالسة بتحفز تراقب هذه الصغيرة التي جلست متربعة على الأرض أمامها تناظرها بابتسامة شقية ساندة بكفيها الصغيرين على وجنتيها المكتنزتين، فهتفت بها لينا تقطع الصمت:
"أفندم حضرتك، قاعدة ومربعة ع الأرض قدامي بتبصيلي كده ليه يا ست فريدة؟"
ضحكت الصغيرة تجيبها بنبرة مرحة:
"أصل بستمتع أوي لما انتي بتيجي بيتنا."
ارتخت ملامح لينا تعقب على قول فريدة بابتسامة:
"بجد يا فيفي، يعني انتي بتحبيني أوي لدرجة دي؟"
قهقهت فريدة بضحكات متتابعة لتقول مصححة:
"مش حكاية بحبك، أصل أنا بتكلم على خناقاتكم انتي وبابا، بتضحكوني أوي، هههه."
استمرت فريدة بضحكاتها تغيظ لينا التي أشاحت بوجهها مغمغمة بحنق:
"مفيش فايدة، واخدة خفة واستظراف أبوكي بالكامل، حمد لله إنك واخدة شكلي أمك، دي الحاجة الوحيدة بس اللي بتفرقك عنه."
"بتبرطمي بتقولي إيه؟"
هتف بها طارق فور أن ولج إليهن لتركض نحوه فريدة مهللة:
"بابي!"
رفعها طارق ليقبلها بنهم مردداً:
"يا قلب بابي انتي، يا ملكة الجمال على كل العصور انتي."
أتت من خلفه كاميليا لترحب بلينا التي نهضت لاستقبالها، قبل أن يقترب طارق بابنته ليجلس أمامها يغازل فتاة الصغيرة بمناكفة في لينا:
"عيون بني بوسع الفنجان، هو ده الجمال اللي على حق، بلا تقولولي فيروزي ولا زفت."
ضحكت كاميليا لوجه لينا الذي انقلب مغمغمة بالكلمات غير المفهومة، قبل أن تقترب بابتسامة صفراء قائلة:
"حضرتك، أنا النهاردة جاية بصفة العمل.... يعني تمضيلي ع الملف الزفت اللي في إيدي من غير ما نتشاكل ولا نتخانق."
"يالهوي ياما ع القلبة!"
هتفت بها كاميليا لتجلجل بضحكاتها مع زوجها وابنتها ولينا تحدقهم، رافعة حاجبها بشر تحفزاً للرد.
على التخت كانت الصغيرة جنة جالسة مستسلمة لرقية التي كانت تمشط شعرها الكستنائي الذي تعدى نصف ظهرها مستمتعة.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 160 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
شعري طويل ياما وقع في البير ياما ونزلت اجيبه ياما قابلني البيه ياما إداني جنيه ياما شعري طويل ياما.
وانا بقى شعري طويل صح يا ستو؟
سألتها جنة لتجيبها رقية على الفور:
هو بالنسبة لسنك الصغير يعني يعتبر طويل، لكن بقى الله أعلم إن كان هيستمر في الطول معاكي ولا هيوقف على كده عشان أحدد بالضبط إن كان طويل ولا صغير.
ردت جنة بتحدب:
أنا أمي بتقول عليه طويل زي شعر أبلة زهرة.
شهقت رقية تردد باستنكار:
زهرة مين يا حبيبتي؟ هو انتي شعرك ده يجي إيه في شعر زهرة؟ دي اسم الله عليها وهي أصغر منك وكان نازل تحت وسطها.
التفتت جنة بجذعها للرقية سائلة:
يعني أنا مش هبقى حلوة زي أبلة زهرة ولا أتجوز واحد غني زي عمو جاسر؟
تسمرت رقية فاغرة فاهاها للحظات قبل أن ترد على الطفلة:
ومين قالك بقى إن أي واحدة حلوة بيبقى شعرها طويل وبتتجوز واحد زي عمك جاسر؟
سألتها جنة:
أمال إيه؟
ابتسمت لها رقية تجيبها بحنان:
لازم تتعلمي يا ستو إن كل البنات حلوين، اللي شعرها قصير أو طويل أو كيرلي، بشرتها بيضا أو سمرا أو سودة، كلهم حلوين. ولو ع الجواز ف انتي متستنيش اللي زي جاسر الريان، انتي شدي حيلك وابقي شاطرة في مدرستك وسيبي التفكير في الجواز وقت ما يجي وقته. هتتجوزي بقى أمير ولا غفير ولا وزير، أهم حاجة تبقي انتي راضية بيه وهو بيحبك، فهماني يا ستو؟
هزت رأسها جنة تدعي الفهم مما أثار ابتسامة سعيدة لرقية التي قبلتها قبل أن تديرها لتعاود تمشيط الشعر والغناء الفلكلوري القديم حتى دلفت إليهن نوال بطفلها الثاني عدي ذو العامين لتقول وهي تجلس به على التخت المجاور:
حتى تبدل له ملابسها. خلصي منها البت دي عشان ألبسها هي كمان يا خالتي، ده خالد محرج عليا إننا متأخرش.
شهقت رقية تقول باستنكار:
اسم الله يا عنيا، طب يقول الكلام ده لنفسه الأول بدل ما هو نايم لحد دلوقتي.
ضحكت تقول نوال بادعاء الغضب:
ما هو مش راضي يقوم غير بعد ما نخلص أنا والعيال من كل حاجة، الراجل الكسلان ده بدل ما يقوم يساعد زوجته العاملة هي كمان زيها زيه.
تخصرت رقية ترد بغيظ:
آه بقى واسم الله عليكي انتي يا أختي مبتقوليش الكلام ده في وشه ليه؟ ولا هي الشكاوى تتقال في الضهر بس وفي وشه متفتكريش غير الشوكة وبس.
زمت شفتيها نوال تحاول كتم ضحكتها المكشوفة لتقول وهي تنهض عن التخت بعد أن أنهت تجهيز طفلها:
الله يا خالتي، طب ما هو فعلاً هو تعبان وعايز الراحة، هو أنا مش فكة معاكي في كلمتين خالص يا رقية.
مصمصة رقية شفتيها تصدر صوت مستنكرة، أضحكت نوال التي تناولت طفلتها الثانية قبل أن تردد لها:
شوفي يا أختي البت وسهكوكتها.
هتفت غادة من داخل غرفتها وهي تضبط حجابها أمام المرآة:
أما هي البت منة قاعدة لسة عندك في الصالة ولا زوغت؟
وصلتها صوت إحسان النزق كالعادة:
قاعدة يا أختي بس أهي بتحبي ع الأرض قدامي اهو.
يا لهوي! تفوهت بها غادة قبل أن تأتي إليهما مسرعة لتناول الطفلة التي كانت تحبو نحو الطرقة المؤدية للحمام فصاحت غادة وهي تنفض بيدها على أطراف فستانها الصغير:
مش تمسكي عليها شوية ياما! سايباها كده لوحدها دي مصيبة دي، ما بتسيبش حاجة من غير ما تلوش فيها وأنا مصدقت لبستها.
صاحت إحسان مستهجنة:
لهو أنا هفضل أجري وراها كمان يا بت؟ معنديش صحة يا أختي للفرهدة دي.
ألقت نحوها نظرة ممتعضة لتغمغم بصوت خفيض:
وهتجري وراها إزاي بس وإنتي متأنتخة ع الكنبة كده بوزنك ده اللي بيزيد أضعاف مع كل سنة.
هدرت إحسان:
بتبرطمي بتقولي إيه يا بت شعبان؟ سمعيني يا أختي.
بابتسامة صفراء توجهت إليها غادة تقول لها:
مش ببرطم ولا بعمل حاجة ياما، أنا بس كنت عايزة أخليها ع حجرك دقيقتين على ما ألف الحجاب كويس، ده إمام ع وصول خلاص.
همت إحسان لتجادل كعادتها ولكن مع صوت المفتاح بالباب توقفت وقد ولج إمام ومعه ظافر طفله الأكبر والذي هتف برجولية فور وصوله:
إحنا جينا يا ماما.
ردت غادة مجيبة بتهليلا:
آه يا خالتي يا ألف حمد الله ع السلامة، نورت البيت يا عين ماما.
التقفته بقبلة على وجنته رغم اعتراضه لتتوقف على قول زوجها:
إنتي لسة مخلصتيش يا غادة؟ إحنا كده هنتأخر يا بنت الناس.
سبقتها إحسان في الرد:
وهي طارت على مشوار الباشا ومراته ولا هما ناسين إنك بطلت شغلة الأمن وفاكرينك لسة الحارس بتاعهم؟
فهم إمام مغزى كلماتها فرد بهدوء عكس زوجته التي لوت ثغرها بغيظ لأسلوب والدتها المستفز:
وماله بقى لما أرجع اشتغل من تاني حارس؟ طب والله النعمة يا شيخة ده أنا أتمنى، بس للأسف بقى جاسر باشا هو اللي مصر أبقى مدير الأمن في شركته مع أن أنا مبحبش قاعدة المكاتب ولا الأوامر، بس أعمل بقى حكم القوي.
رددت خلفه مغمغمة بتهكم تشيح بوجهها:
حكم القوي! ربنا يعينك يا خويا ع ما بلاك.
مصمصة إمام شفتيه يردف بمغزى وأبصاره تركز عليها:
آه والله فعلاً عندك حق في حكاية البلوة دي، منورة يا حماتي.
ده نورك، قالتها من تحت أسنانها قبل أن تقطع غادة وصلة من الحرب الباردة بينهم بإن وضعت منة بحجر والدها قائلة:
طب امسك انت بقى البت دي على ما أجهز نفسي بسرعة، وإنت يا ظافر تعالي أغيرلك.
هتف ظافر معترضا:
أنا محدش يغيرلي هدومي، أنا بعرف أغير لوحدي، روحي انتي جهزي نفسك.
قالها واتجه مباشرة نحو غرفته بوجه عابس غير متقبل للفكرة نفسها مما جعل ابتسامة تسترسم على وجه والدته مع تهليل إمام الذي كان يقبل ابنته:
أيوة كده يا عين أبوك! فهمها إن إنت راجل ومينفعش تعتمد على حد.
ضربت غادة كفيها ببعضهم مرددة ساخرة وهي تتجه نحو غرفته:
ده على أساس إنه نسي اللي كان بيغيرله البامبرز من مدة قريبة!
في منزل المزرعة الذي سيقام به حفل عيد الميلاد للتوأم رنا ورامي، عاد جاسر من سفرته الخارجية التي قام بها منذ أسبوعين ليجد والدته هي من تشرف على تحضيرات الحفل بالحديقة مع العمال التي كانت تعمل كخلية نحل حولها وبأمر منها.
صباح الخير يا ست الكل.
التفتت إليه هاتفة بفرح:
جاسر.
اقترب منه يقبلها على وجنتيها وهي تستقبله بغبطة قائلة:
ألف حمد الله ع السلامة يا حبيبي، هو انت مش المفروض كنت توصل هنا من امبارح؟
أومأ برأسه يجيبها بلهث:
اسكتي يا أمي، ده أنا عملت المستحيل عشان أرجعلك دلوقتي. حركة الطيران كانت واقفة من امبارح عشان المظاهرات والاعتصامات، ولولا علاقات مصطفى عزام بالمسؤولين هناك في البلد دي أنا ما كنت هقدر أرجع غير لما المشكلة دي تتحل، وساعتها بقى كان هيفوتني حفل عيد ميلاد الولد.
جزعت لمياء وبدا على وجهها القلق وهي تلمس بكفيها على وجه ابنها وذراعيه لتتمتم سائلة:
طب وانت كويس يا حبيبي بقى ولا اتعرضلك أي حد هناك؟ يا نهار أبيض يا جاسر! صحيح هو انت إيه اللي خلاك بس تسافر في الوقت ده وإنت عارف إن البلد دي في اضطرابات.
ربت على كفها يجيبها بلهجة مطمئنة:
يا حبيبتي اطمني بقى، أنا زي الفل قدامك اهو. المهم بقى هو الوالد والولاد فين وزهرة صحيت ولا لسه؟
ردت لمياء:
روح لمراتك يا حبيبي وشوفها، إنما بقى لو عن ولادك فدول مع جدهم بيفرجهم ع الخيل، ما انت عارف والدك وأخد الولاد حصري.
قالتها لمياء بغيظ رسم ابتسامة مرحة على وجه جاسر والذي تحرك يستأذنها:
طب أنا هروح أشوف زهرة الأول وبعدها أروح لعامر الريان الراجل الأناني ده.
ختم بضحكة وتركها لتتابع ما تفعله وقد عبست ملامح وجهها مع تذكرها لأفعال عامر في المنافسة غير الشريفة على الإطلاق لكسب صف الأطفال نحوه.
وفي غرفتها في الطابق الثاني جلست شاردة تضع كفها على وجنتها ويبدو على هيئتها الهم حتى لفتت نظر هذا الذي اقتحم الغرفة بهدوء يبتغي مفاجأتها حتى شعرت بخطواته داخل الغرفة لـ تنتفض صارخة فور رؤيته:
جاسر!
سفرته لبحث عدد من المشكلات التي تواجه استثماره في إحدى الدول الأجنبية والتي تحدث فيها.
آه وحشتيني وحشتيني أوي.
أرفق كلماته بطبع القبلات على ملامحها الحبيبة ليستقر بعد ذلك بشفتيها حتى استفاق لينزع نفسه فجأة ويسألها:
هو انتي كنتي حزينة ليه من شوية؟
رددتها بتوهان وهي تبتعد عنه بارتباك مردفة:
وأنا إيه اللي هيحزني بس يا جاسر؟ أنا زي الفل قدامك اهو.
هروبها المكشوف بعينيه عن مواجهة خاصتيه وارتدادها للخلف مع اختطاف لون وجهها جعله يهتف محذرا:
زهرة جيبي من الآخر كده عشان إنتي هيئتك أساسا واضحة كدبك. إيه اللي مزعلك؟ قولي.
صاح بالأخيرة حازما ليزيد من ارتباكها فقالت بتردد وهي تعض على طرف إبهامها وكأنها طفلة صغيرة:
مستعدة أقول بس توعدني الأول إنك متضحكش عليا.
عقد حاجبيه يسألها باستغرابه:
هو الموضوع فيه ضحك كمان؟
صاحت به بجدية:
اوعدني يا جاسر إنك متضحكش عشان أنا عارفاك.
هز برأسه يجاريها وبداخله يقتله الشغف للمعرفة فتحركت لتعود للمكان الذي كانت جالسة به على طرف التخت ثم تناولت شيئا ما لتعطيه له، عقد حاجبيه وهو يتناول هذا الشيء المعروف لفحص اختبار الحمل وقد بدأ يخمن لتجحظ عيناه فور أن رأى الخط الوردي الذي كان واضحا بشدة فتهلل وجهه ليرفعه إليها وقد ظنها تمزح ولكن مع رؤية هذا البؤس الذي ارتسم على ملامحها حاول أن يدعي الجمود أو الانتظار لسؤالها ولكنه لم يقوى على كبت فرحته ليهز رأسه أمامها بتساؤل وملامحها تتحول للب كاء مرددة:
طلعت حامل يا جاسر! طلعت حامل.
إلى هنا ولم يقوى الكبت فانطلقت ضحكة مجلجلة منه أثارت استيائها لتصيح به:
أنا كنت عارفة من الأول إنك هتنقض وعدك. كنت متأكدة إنك هتضحك.
ضمها يشدد بذراعيه عليها ليخمد رفضها للمس مع عدم مقدرته للتوقف عن الضحك حتى تمالك قليلا ليقبل أعلى رأسها ويخاطبها بمهادنة:
يا بنتي اهدي بقى، هي دي حاجة تستاهل الزعل ده كله.
هدأت بعض الشيء لتستطيع الرد عليه:
ما هو ده مكانش اتفاقنا يا جاسر، إحنا كنا متفقين تستنى تلت أربع خمس سنين بعد جوز التوأم دول اللي كرهوني في الخلف ة أساسا.
رد وهو يعطيها حريتها لتقابله بوجهها:
أنا معاكي يا ستي بس نعمل إيه بقى؟ دي حكمة ربنا. هنرفض رزق ربنا بقى ونقول مش عايزين.
رددت مستنكرة على الفور:
لا طبعاً! استغفر الله العظيم يارب، إيه اللي انت بتقوله ده يا جاسر!
قالتها لتبتعد وتضع كفها على عينيها بيأس قائلة وهي تعود لجلستها على طرف التخت:
بس أنا تعبت أوي يا جاسر في العيال دي وكنت حاطة في بالي إني مش بس أجل، لا ده أنا قررت إني هكتفي بيهم على كده.
ناظرها من أسفل أجفانه من علو بعتب يقول:
يعني إنتي استكفيتي بالعدد وقررتي من نفسك؟ ومع ذلك كنتي بتهاودي بابا في كل مرة يطالبك بأحفاد زيادة.
رمقته من محلها بغيظ تجيبه:
أما ل يعني عايزني أكسفه يا جاسر ولا أصدمه؟ طب اهو حصل اللي هو عايزه رغم كل الاحتياطات اللي عملاها، فادني إيه بقى القرار اللي خدته مع نفسي.
جلس بجوارها على طرف التخت بقول بمناكفة:
عشان ربنا بيحبه وعايز يراضيه حتى لو مرات ابنه دماغها غير كده.
حدقته بنظرة حانقة ليشاكسها بمرح:
لأ بلااش النظرة دي أرجوكي. ده أنا راجع من السفر بقى، دا يرضيكي تقابليني بالب كاء كده؟ يرضيكي يا زهرة؟
لانت ملامحها مع قوله لتشعر بالأسف تجاهه فقالت بتأثر:
بس أنا تعبت أوي يا جاسر في الولادة الأخيرة، ولا انت مش فاكر؟
مش فاكر ده إيه! ضحك ساخرا بتفكه ليتابع بنبرة ذات مغزى:
ده أنا طلع عيني مع تحركات لميا هانم اللي زادت الضعف وبتقوليلي أنسى؟ أنسى إزاي بس؟
استجابت تبتسم متذكرة بالفعل معاناته في الانفصال عنها لغرفة ثانية بالأمر في كل مرة أصابت التعب في الحمل بالطفلين المتعبين أثناء الحمل وبعده لتقول بتشفي ضاحكة:
أحسن! أمال أنا أتع ب لوحدي يعني.
تبسم لها بذهول مردفا:
الله يا ست زهرة، ده إنتي طلعتي شريرة وبتفرحي في جوزك كمان!
زادت بضحكاتها لتميل عليه وتحضنه بذراعيها تقول بتنهيدة كبيرة:
امرنا لله بقى.
ونعم بالله، قالها جاسر وهو يشدد هو عليها بذراعيه أيضا ليغمغم بخبث:
يا فرحة عامر باشا لما يعرف بالخبر.
حاسب يا ولد لا تقع اختك وتعال هنا اقف جنبي. هتف بها عامر نحو التوأمين المزعجين الذين كانا يتسابقان في الركض من خلفه في المساحة الخضراء الشاسعة وهو واقفا يستند بذراعه على السور الخشبي يتابع مجد أكبر أحفاده يمتطي الحصان الأسود ويتريض به بمساعدة السائس مدرب الخيل والذي هتف بدوره لعامر:
كفاية كده يا عامر باشا تدريب النهارده ولا نكمل؟
سبقه مجد بالرد:
لأ نكمل طبعاً، أنا عايز أكمل يا جدو.
ضحك له عامر ثم التفت للسائس يخاطبه:
نص ساعة تاني يا كامل عشان برضو ما نشدش في التدريب عليه شوية شوية يا قلب جدو.
أومأ له مجد برأسه ليبادله عامر بابتسامة يغمرها الزهو قبل أن يلتف على صيحة صغيرة من خلفه ليجد الصغيرين المزعجين قد اشتبكا في الشجار بالأيدي وشد الشعر، هدر عامر بصوت حازم:
إنت يا ولد إنت سيب اختك وتعالى، وإنتي يا بت نفس الأمر.
حينما لم يستمعا هدر محذرا بصوته الجهوري:
ولد! أنا بقول إيه!
أذعن رامي بترك شعر شقيقته وهي أيضا قبل أن يقتربا من جدهما بطاعة ليدنو عامر بجسده نحوهما ثم قال بصوته الجاد:
مش عيب تبقوا أخوات وتتخانقوا مع بعض.
عبس الطفلين يغمغمان بكلمات حانقة بعضها فقط المفهوم ليردف عامر بشدة:
ده إنتوا توأم يا أغبيا ويدوبك سنتين، أمال لما تزيدوا شوية هتعملوا إيه؟ هتاكلوا بعض؟
قال الآخر بنبرة مرحة أثارت الأبتسام على وجوههم ليرددها بأسلوب فكاهي عدة مرات حتى أصبحت ضحكاتهم الطفولية تصدح بصوت عالي أسعد عامر ليخرج لهم من جيب حلته نوع فاخر من الحلوى هلل الأطفال لمجرد رؤيته فقال محذرا:
اتصالحوا بعض ومفيش خ ن ا ق تاني.
أطاع الأمر بهز رؤوسهم ليتابع بتحذير:
وهتيجوا جمبي هنا وتتفرجوا على أخوكم ساكتين بأدب لحد أما يخلص تدريبه.
هز رؤوسهم مرة أخرى بحماس ليعطي عامر لكل واحد منهما قطعة الحلوى المحببة فتصدر أصوات الفرح منهما ثم يسألهما كالعادة:
مين أحلى حد في الدنيا؟
جدو عامر.
صرخ بها الأطفال ليتابع بسؤاله الآخر:
مين أغلى واحد عندكم انتو الاتنين؟
رددا بنفس الإجابة:
جدوا عامر.
ضحك بانتشاء يستقيم بجسده ليسحبهما معه للوقوف ومتابعة مجد الذي كان يبعث بالابتسامات لجده ليهتف عامر بمرح:
يارب تزيدوا كمان وكمان ويخليني ليكم.
في المساء كان يتوافد المدعوين تباعا من الأقارب والأحباب في حديقة منزل المزرعة الذي يقام فيه هذه المرة حفل عيد الميلاد للطفل الأكبر لجاسر الريان مجد، والذي يتعامل بهيبة تتعدى سنوات عمره الخمس يتلقى التهاني برزانة ورثها من أبيه رغم دلال عامر ولمياء الدائم له حتى أنه كان يقف وسط الأطفال يراقب شقيقيه الذان لا يكفان عن الشجار وافتعال المشاكل مما جعل زهرة تصيح عليهما في إحدى المرات بعد أن أوقع رامي شقيقته:
إنت يا ح ي و ا ن يا غبي مية مرة أقولك ابعد عن اختك مش هقعد أنا طول اليوم وراك إنت وهي بس.
رد رامي منفعل بحروف ناقصة:
مليش دعوة هي اللي بتوقف قدامي.
هتفت رنا بدفاعية ووالدتها ترفعها عن الأرض تنفض لها فستانها المزين بالورود ذو حمالة واحدة على الكتف:
أنا يا لامي حلام عليك يا سيخ.
جزت زهرة على أسنانها تهدر بهما:
واحد لدغ في ش بينطقها س والتانية لدغة في معظم الحروف، هتجننوني معاكم، اهدوا بقى وخلو اليوم ده يعدي على خير.
يا نهار أبيض ده صريخك إنتي ده يا زهرة! أنا مش مصدقة والنعمة ممصدقة. هتفت بها كاميليا والتي أتت مع زوجها لـ تصطدم بهذا الوجه الجديد لزهرة خلافا لطبيعتها الهادئة دائما. التفت لها الأخرى لترحب بها وطارق وابنتهما التي قبلتها بحب عدة مرات لتقول بعد ذلك:
لأ صدقي يا حبيبتي، اللي تخلف جوز مصايب زي دول لازم تتحول وتبقى بني آدمة تانية غير اللي تعرفوها أساسا.
تدخل طارق معهم:
لأ أنا متهيألي الواد رامي هو اللي مسلط اخته، أنا شفته قبل كده في كذا موقف عنده سنتين لكن ح رب ا ي ة.
ضحكت زهرة تستجيب للمزاح وهي تردف:
لأ ورنا كمان ميغركش السهتانة اللي هي فيها دي مصيبة.
وصل جاسر ليعقب على الحديث الدائر:
بتزموا في ولادي ليه؟ دول أشقيا، محدش فيكم شاف قبل كده أطفال أشقيا.
يا عم انت كمان. هتف بها طارق قبل أن يقترب ليعانق صديقه بترحيب ذكوري قبل أن ينزل بأبصاره نحو مجد الذي وقف بأدب ينتظر التهنئة فاقتربت كاميليا تقبله على وجنته قائلة بمرح:
يا أهلا بالقمر! إيه يا بني الحلاوة دي؟ كل سنة وانت طيب يا حبيبي.
تبسم مجد يتقبل تغزلها ليجيبها بخجل:
مرسي يا طنط، ربنا يخليكي.
رددت خلفه كاميليا بإعجاب وطارق يهنئه أيضا:
يا حبيبي كلمة طنط طالعة من بوقك زي العسل، إيه الجمال ده.
عقب طارق ممازحا:
بس بقى يا ست انتي وراعي إن جوزك واقف جنبك الله.
قالها لـ يثير ضحكات الثلاث أما مجد فقد وجه انتباهه لفريدة مرحبا:
إزيك يا فريدة.
ردت الصغيرة ذات الثلاث سنوات بدلال فطري تتمايل بفستانها وهي ممسكة بكف أبيها:
أهلا يا مجد، كل سنة وانت طيب.
وانت طيبة. قالها لتلتف إليه والدته:
خد فريدة القمر دي وروح العبوا مع الولاد يا مجد وتعالوا انتوا يا جماعة معايا.
علق طارق:
طب والهديا ياخذهم الأول وبعدين يمشوا.
بعد قليل كانت الجلسة مكتملة بمعظم الأفراد من المدعوين تحت مظلة كبيرة تزينت بالإضاءة الملونة والبالون وشرائط الزينة والأطفال في الجانب الآخر من الحديقة بالقرب منهم يقمن باللهو والرقص، أنغام الدجي، عامر وعليه ورقية ولمياء في جانب واحد، وسمية وبناتها ومحروس بالقرب منهم مع إحسان طارق الذي كان يتبادل الحديث المرح مع خالد وإمام أما جاسر ومصطفى عزام فكانا في جانب واحد يتناقشان في أمر ما يخص العمل قبل أن تدلف زهرة ومعها غادة ونور زوجة مصطفى عزام وكاميليا أيضا بعد أن نظموا الأطفال حول المائدة الصخمة التي ارتصت عليها أصناف الحلويات وقالب الجاتوه الكبير الذي تزين بشموع بعدد سنوات عمر مجد فهتفت زهرة مصفقة بكفيها للانتباه:
يا جماعة كله كده يقوم من مكانه عشان دا الميعاد اللي هنطفي فيه الشمع.
تفكه خالد بقوله:
لازم يعني نطفي كلنا يا بنت اختي؟ ما تطفوا كده مع نفسكم وهاتيلي أنا طبقي معاكي وإنتي جاية ونبقى نجاملكم في الأفراح إن شاء الله.
صدرت الضحكات من حولهما فهتفت زهرة تردد:
إنت بالذات لازم تقوم، قوم يا خالي بطل كسل بقى، ما تقوميه يا أستاذة نوال.
تدخلت رقية:
سيبيه يا أختي، ده باين الراحة قلبت معاه بتناحة والبركة في المسكوكة مراته دي.
شهقت نوال متفاجئة لتخبئ وجهها من الخجل وهي تضحك لينهض خالد على الفور قائلا:
أصلي ع النبي يا رقية، بلااش فضايح، هو إنتي متستريش أبدا.
نفت برأسها ضاحكة بمشاكسة ليهتف عامر بدوره:
طب حيث كده بقى يبقى تعالوا كده نتجمع مع بعضينا وناخد صورة جماعية مدام مفش فينا حد غريب وكلنا حبايب مع بعض.
تدخلت لمياء:
والصورة التانية تبقى للأولاد معانا كمان.
أومأ المعظم بالموافقة والتفوا للتجمع في جهة واحدة حتى نظمهم المصور الخاص بالحفل، النساء في الأمام ورقية بكرسيها في الوسط، الرجال في الخلف يتوسطهم عامر.
عقب التقاط الصورة الأولى تكلم جاسر:
طيب قبل ما ناخد الصورة التانية ونجيب الأولاد أنا حابب أقول على خبر أسعدني النهارده.
التفتت الرؤوس نحوه باهتمام ليجيب بانتعاش وعيناه تطالع زوجته التي أسدلت أهدابها بخجل:
زهرة حامل في الشهر التاني. الحفيد الرابع في السكة يا عامر باشا.
الله أكبر! هتف بها مهللا عامر ليتبادل التهاني والمباركات بهذا الخبر السعيد مع الجميع حتى أصبح يطلق بنفسه الألعاب النارية مع الأولاد الصغار قبل أن يهدأ من جنونه قليلا وتأخذ الصورة الجماعية للكبار مع الأطفال لتضم طبقات مختلفة امتزجت مع بعضها البعض لتكون خليطا سعيدا بين الغناء الفاحش والفقر الشديد، الوسط المخملي وأبناء الشعب الكادح، لا فرق بين زوجة لأمير و أخرى لوزير أو حتى لغفير، الجميع واحد.