تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 121 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
همس مرة أخرى مستغلاً انشغال الحضور عنه في مناقشة بند ما لإحدى العقود.
سرحانة من أول الاجتماع وماتدخلتيش في مرة ولو بكلمة تدلي فيها برأيك حتى عشان تحسسي الناس بوجودك.
برقت عينيها في التطلع إليه بنظرات أربكته، شاعرة بأنه أهانها لتسأله بصدمة:
يعني انت قصدك إن وجودي زي عدمه يا جاسر.
أجفل من ردها، فارتدت رأسه للخلف يستوعب جديتها في الحديث، أم هي تمزح؟ وما الذي حدث حتى يرى هذا اللوم منها؟ وهو لم يخطئ حينما أمرها بالانصراف من أجل راحتها، على الأقل بذكر غيابها أفضل من رؤيتها بهذا الشرود، وكأنها طفلة بجلسة للكبار تنظر للجميع ولا تفقه من لغتهم شيئاً.
تحمحم يصرف نظره عنها ليعود لوقاره وطلبه لانتهاء الاجتماع.
طب يا خوانا أنا بقول كفاية كدة ونأجل أي حاجة تانية للاجتماع اللي جاي.
قالها وانتظر انصراف معظم الحضور، يتحاشى النظر إليها مع شعوره بسهام عينيها المصوبة نحوه بغضب، وقد علم بنيتها جيداً.
ألقى نظرة سريعة لمحضر الاجتماع وما دونه السكرتير الجديد.
ثم التف إليها كابتاً ضحكته يسألها ببرائة:
كنت بتقولي إيه بقى يا زهرة.
ازداد بريق عينيها بشراسة على ملامح وجهها التي عبست بدراما محببة إليه رغم كثرتها، وما يصيبه في كل مرة خلفها، فزوجته العزيزة متقلبة المزاج أثناء حملها، لا تفوت شيئاً دون تحقيق.
أنا كنت بكلمك يا جاسر وانت معبرتنيش.
مال نحوها يتصنع الجدية في مخاطبتها بإقناع:
يا حبيبتي أنا كنت بفض الاجتماع واصرف الناس عشان أفضي لك. ها، كنت عايزة إيه بقى.
أربكها بذكائه ولهجته اللينة في مهادنتها حتى أنساها سبب غضبها، فسألته بتذكر:
أنت كنت بتتكلم عن وجودي.
وماله وجودك يا قلبي.
سألها ببساطة وتسلية لرؤية الاضطراب الذي بدا جلياً عليها في استعادة انفعالها، وقد تبدد بابتسامة رائعة منه.
انتوا بتتخانقوا ولا إيه.
هتف بها طارق بالقرب منهم، والتفت الإثنان نحوه، فرد جاسر بلهجة خشنة إليه:
ملكش دعوة خليك في نفسك وقوم يالا انصرف زي اللي مشيوا.
أشر طارق بوجهه إليه قبل أن يلتفت إلى لينا التي أتت تخاطبه:
طب احنا كده هنروح يا فندم ولا هنستنى شوية.
استني شوية.
أجاب بها طارق قبل أن يلتفت نحو جاسر الذي تحدث إلى لينا:
خلصتي جامعتك ولا لسه بتدرسي.
وكأنها كانت في انتظار السؤال لتردف بالإجابة الطويلة:
بصراحة يا فندم أنا خلصت ومخلصتش في نفس الوقت، لسه عندي دبلومة وبعدها إن شاء الله هقدم دراسات عليا، وده بقى هيقعد سنين.
ختمت بتنهيدة طويلة:
مشوار طويل وربنا يستر.
ربنا يعينك إن شاء الله ويوفقك.
قالها رداً على كلماتها، ليلتف على قول زهرة التي تدخلت قولها معهم:
ألا بجد ربنا يعينها، شكلك بتتتعبي قوي.
قالتها بنبرة محتقنة لم تخلو من التهكم الذي أسعد الآخر رغم تصنعه اللامبالاة معها.
وفي الناحية الأخرى القريبة، وبعد انصراف معظم الحضور، همت لتنهض لتفاجأ بكفه يده تمسك بأعلى ركبتها يوقفها.
كتمت شهقة لتسألها هامسة بحذر:
بتعمل إيه يا كارم، شيل إيدك حالا دلوقتي.
أجابها بهدوء رافعاً كفه:
حاضر، بس أنت ما تقوِّميش من جمبي غير لما أخلص ترتيب الملفات اللي قدامي، ولا أنت هيرضيك يعني تخرجي وتسبقي خطيبك.
تسارعت أنفاسها تحدجه بغضب، وهو يبادلها بابتسامة واثقة، وقد نجح بتشتيتها وصرف انتباهها عن الآخر.
ضغطت بصعوبة حتى لا تنفجر بوجهه تنهره على تصرفه غير اللائق معها، وانتظرت حتى انتهى ليرفع رأسه إليها بابتسامة مستفزة، متناولاً كف يدها ليقبلها قبل أن ينهض ويسحبها معه، فتحركت معه يداً بيد حتى توقفا أمام جاسر الريان الذي كان يرتدي سترة بدلته بجوار زهرة، التي عرفت كاميليا من تغير وجهها، فاقتربت لتسألها تاركة زوجها مع هذا المدعو كارم ليتفقا على بعض الأمور بينهم سريعاً، مستغلة انشغال طارق في الناحية الأخرى مع السكرتيرة الحسناء والتي أتت تناوله بعلبة مياه غازية الآن.
إيه مالك وشك مقلوب كدة ليه.
لا ما فيش حاجة، ما تشغليش نفسك أنت.
قالتها بإنكار مفضوح، وانفعالها الظاهر يبدو مع تلاحق أنفاسها في صعود وهبوط صدرها بتسارع، لتزداد زهرة إصراراً لمعرفة ما بها.
يا بنتي اتكلمي لو في حاجة تعباكي، شكلك مش مريحني.
أومأت لها برأسها تحاول طمئنتها:
طمّني قلبك أنت ما فيش حاجة.
...
قطعت فجأة على صوت الصياح والضحك الذي أتى من الناحية الأخرى، وقد فارت علبة الكنز حتى تناثرت فقاعاتها على الأرض وحلة طارق، والذي كان يضحك بصوته العالي.
يخرب عقلك، مش تخلي بالك يا بنت أنت.
ولينا تتأسف بصوتها العالي بمرح مكشوف:
أنا آسفة يا فندم، مكنش قصدي.
التفتت كاميليا لزهرة بنظرة تفيض بالغيظ قائلة:
أنا ماشية عشان ما أرتكبش جريمة.
قالتها وذهبت بخطواتها السريعة دون حتى انتظار كارم.
تابعتها زهرة تنظر في أثرها، لتنقل عينيها نحو زوجها الذي أصابته عدوى الضحك مع الاثنين، قبل أن يجفل على تحديقها به، فالتفت لكارم يدعي عدم الانتباه، لتغمغم هي بصوت خفيض:
روحي يا بعيدة، ربنا يهدك.
على طاولة السفرة التي توسطت الشقة وبصحبة الأطفال الصغار أبناء شقيقته، كان يتناول طعامه فطوره، والذي تأخر على غير عادته بعد أن استأذن رئيسه لإجازة من عمله اليوم بحجة مرافقته لوالدته المريضة.
يلوكه سريعاً بفمه وبغير تركيز أو حتى استجابة لمداعبات الصغار الفرحين بمجيء خالهم للمنزل ومبيته أيضاً، دائماً ما يتخطى مشاكله والصعوبات التي تواجهه بالابتسامة والضحك، لا يعير للدنيا هماً ولا يشغله شيء، إلا هذه المرة، فما يحمله بداخله أكبر كثيراً من تجاوزه.
يلوم نفسه لاختيارها السير في هذا الطريق الشائك، يلوم قلبه الذي تعلق بالسراب.
ولكن من متى حكم القلب بأيديه.
مش هتدخل تشوفها يا إمام، دي البنت مفلوقة من العياط.
هتفت بها شقيقته بعد خروجها من الغرفة.
التف إليها يرد بلهجة خشنة:
سيبيها تتفلق أحسن.
تفاجأت شقيقته برده العنيف، فجلست بجواره تخاطبه بدهشة:
دي مش طبيعتك دي يا إمام، عمرك ما كنت قاسي كده.
رمقها بطرف عينيه دون رد وتابع في وضع همه في تناول الطعام الذي لم يشعر له بطعم على الإطلاق.
فاقتربت شقيقته برأسها منه تتمعن النظر إليه، وابتسامة ذات مغزى بتعمد أثارت انفعاله، ليهتف نحوها:
عايزة إيه يا خلود.
همست إليه برجاء:
صعبة عليا قوي والله.
زم شفتيه يتطلع إليها بغيظ قبل أن يحسم أمره بالنهوض عن المائدة متجهاً نحو الغرفة الموجودة بداخلها.
أطرق بقبضته على الباب مستأذناً قبل الدخول إليها، ليجدها مازالت تبكي بحرقة كما قالت شقيقته.
تحمحم يقسو بلهجته حتى لا يلين معها:
وآخرته إيه البكا ده بقى، ما خلاص ربنا ستر واديكي خرجتي سليمة.
تماسكت عن البكاء قليلاً كي تستطيع الرد:
بعد ما كنت هروح في داهية وشكلي بقى عرة وأنا بخرف بالكلام من غير ما أحس، منها لله ربنا ينتقم منها.
مصمص شفتيه ليرد ساخراً:
دلوقتي ينتقم منها، بعد ما كنت معتبراها صاحبتك وما بتحمليش عليها نص كلمة، هي والمعوج أخوها اللي كانت معشماكي بالجواز منه.
رفعت رأسها إليه صارخة بوجهه بحدة:
ما كفاية تقطيع فيا بقى يا جدع، مش شايفني منهارة من البكا قدامك، ولا البعيد أعمى ما يشوفش.
لوح بقبضته في الهواء أمامها يقول من تحت أسنانه:
لمي نفسك يا غادة، أنا على آخري أساساً منك.
هتفت غير عابئة بسخطه:
وتبقى على آخرك ليه بقى، ما انبسطتش ولا اتسلّيت من الفرجة بعد ما سجلت وصورتني بحالتي الزفت دي إمبارح.
الحمقاء دائماً ما تبرع في إخراج شياطين غضبه، هم لأفحامها برد قاس، ولكن صوت بكائها الحارق جعله يتراجع تقديراً لحالتها وما أصاب كرامتها من امتهان.
زفر يستجدي الصبر وطولة البال، ثم اقترب منها فجأة.
يتناول الهاتف ليدفعه بطول ذراعه على الحائط المقابل لها، فنزل متهشماً لعدة أجزاء.
انتفضت هي مجفلة على فعلته، فسألته بعدم استيعاب:
كسرت التليفون ليه، ده شكله غالي قوي.
في ستين داهية.
صرخ بها ليتبع قائلاً لها:
يا بنت الناس لازم تفهمي كويس إني لما صورتك امبارح ده مكنش عشان أمسك عليكي ذلة، أنا صورت عشان عارف دماغك الزفت، ما كنتيش هتصدقي كلمة من اللي بقوله، كان لازم أثبتلك بالصوت والصورة.
صمت يرى رد فعل كلماته عليها، مع توقفها عن البكاء وهي تتطلع إليه بصمت لعدة لحظات، قبل أن يخرج صوتها بالسؤال:
طب أنت عرفت منين.
أجفل بسؤالها ليرتبك عن الرد قليلاً قبل أن يجيبها بمراوغة:
عرفت زي ما عرفت بقى، أنت مالك، المهم دلوقتي هتقولي لأهلك إيه عن سبب غيابك.
صرخت فجأة تلطم بكفيها على وجنتيها مردفة بجزع:
يا نهار أسود، صحيح، ده أنا أمي مش بعيد تدفني حية عشان بياتي برا البيت، يا مصيبتك السودة يا غادة يا مصيبتك السودة.
بس يا بت.
هدر بها يقاطعها بعنف، فتابعت:
ما أنت بتقولي بس عشان أنت مش في مكاني، ما أنت لو عندك شوية تقدير كنت روحتني على بيت أهلي، مش تجيني هنا على بيت أختك.
ضرب بكفه الغليظة على خزانة الملابس الصغيرة للأطفال بعنف يقاطعه:
بس بقى، الله يخرب بيتك. أنت بتفهمي إزاي يا بنت أنت؟ عايزاني أروحك بيت أهلك بدماغك العالية بتاعة امبارح عشان أجيب لنفسي مصيبة.
بدا على وجهها الاقتناع، فتابع بلهجة مشاكسة:
ولا أنت عايزهم يدبسوني فيكي.
زمّت شفتيها بغضب وهي تشيح بوجهها عنه، لتلتفت مرة أخرى، ولكن على صوت شقيقته الطبيبة:
هدوا شوية يا جماعة، صوتكم واصل لآخر الشارع.
ارتفعت رأسه للسماء سريعاً قبل أن يتراجع لشقيقته ليضمها بذراعه الضخمة ليقبلها على أعلى رأسها مردفاً:
معلش بقى يا ست الدكتورة، عملنالك وش وأزعجناك.
تبسمت له شقيقته بمودة وهي تبادله القبلة على وجنته مرددة:
يا قلب الدكتورة أنت يا سيدي، أزعجني براحتك، هو أنا أطول إمام باشا برنس الحتة ييجي عندي ويشرفني ويبات عندي كمان، ده إيه الهنا ده يا ولاد.
الهنا على عيونك يا رب.
قالها ليتبادل مع شقيقته الحديث المرح، غافلين عنها وهي تراقب هذا الدفء الأسري بين الأخ وشقيقته، لتهبط بعينها على ما يرتديه من بيجامة بيتية كبيرة ناسبت جسده العضلي الضخم، وقد تخلى عن البدلة السوداء المخيفة والخاصة بعمله، لترى له وجهاً آخر غير الذي اعتادت عليه.
بجوار حوض زهور النباتات النادرة، كان عامر واقفاً يتأملها بتفحص شديد وهو يدور عليها ليستكشف الجديدة منها والتي أزهرت، فيبحث أيضاً عما التي أصابها المرض حتى يشملها بالرعاية اللازمة.
وفي خضم انشغاله، انتقلت عينيه بالصدفة لينتبه على رجوع زوجته من الخارج، والتي أخذت مقعدها في انتظاره تحت المظلة الخشبية الكبيرة بوجه واجم يكسوه الهم.
ترك ما كان يفعله واتجه لينضم على الأريكة الأخرى بجوارها، مبادراً بفتح الحديث:
أخيراً جيتي يا لميا، ده أنا افتكرتك هتقعدي أسبوع.
التفت إليه ترد بجمود:
أسبوع يا عامر! لا يا سيدي اطمن، اديني جيت، هي ليلة وعدت وخلاص.
اممم.
زم بها يعتدل بظهره للخلف واضعاً قدماً فوق أخرى ليتابع:
يعني على كده بقى اطمنتي على البنت قبل ما تيجي.
حدقت به بنظرة فهمها عامر جيداً قبل أن ترد بتنهيدة كبيرة:
يعني! أنا سبتها بعد ما فاقت وقدرت تاكل وتشرب، بس أنت عرفت منين يا عامر.
سمع منها ليلتوي ثغره على زاوية استهجاناً من سؤاله:
ما فيش حاجة بتستخبى يا لميا، وإن كان والدها يعرف يكتم كويس على الصحف والمجلات، فستره هيقدر يوقف الناس عن الكلام. الناس ما بتصدق تلاقي حاجة زي دي، وخصوصاً في الوسط بتاعنا ومركز والدها سابقاً.
أومأت تطرق برأسها لتتهرب من عينيه.
واستطرد:
وأنا مش عايز أقلب في القديم، ولا عمري هفرح في حد، خصوصاً مع ناس كان في ما بينا وما بينهم صلة قرابة كبيرة، بس بصراحة دي النتيجة الطبيعية للانحلال.
التفت رأسها على الفور إليه بنظرة نارية ليقابلها هو بعدم اكتراث متابعاً:
أنا قولتلك إني مش فرحان فيه، بس أنت شفتي بنفسك، ولا هتنكري.
أشاحت بوجهها عنه رافضة الرد.
ليصمت عامر قليلاً ثم نهض من جوارها مغمغماً:
العموم ربنا يعينها وياخد بإيدها هي ووالدها، ده مهما كان برضه كان في ما بينا وبينه عيش وملح.
جبتوا المطبخ واتفقتوا على أوضة النوم كمان؟ بجد والنبي يا خالي.
طبعاً الأستاذ ذوقه حلو، أنا أعرف واحدة صاحبتي جابت النوع ده، حاجة أصيلة وتعيش.
أكيد طبعاً، هاجي وأشوف الشقة والجهاز كله، ده أنا هموت وأشوفها أساساً.
يا حبيبي يا خالي، ربنا يسعدك ويتمم فرحك على خير.
انسى مين يا عم، حد ينسى رقية برضه، كلها كام يوم وأروح لها قريب إن شاء الله.
أنهت المكالمة تتنهد راحة واشتياق لهذا اليوم السعيد وهو زفاف خالها على حب عمره بعد انتظار طال لسنوات وسنوات.
عرفتي ميعاد الفرح إمتى بالظبط.
همس بجوار أذنها ليجفلها.
انتفضت في البداية ولكنها تداركت سريعاً لتلتف بجذعها نحوه وهو جالس بجوارها على تخت يتابع عمله على حاسوبه الخاص، فقالت ساخرة:
وبتسأل ليه؟ ناوي توجب معاه وتجيبله فرقة زفة مثلاً، ولا هتزود الجميلة وتجيب مطرب شعبي يحيي الفرح.
افتّر ثغره بابتسامة واسعة أظهرت أسنانه ليردف بمرح قبل أن يرفع الحاسوب ويضعه على الكومود بجواره:
الله بقى، ده الحلوة مزاجها رايق وليها نفس تقالِش كمان.
شيل إيدك عني يا جاسر، أحسن لك.
هتفت بها بمجرد اقترابه منها، ليرمقها بتساؤل، فردت هي سريعاً:
أيوه، ما تقربليش ولا تيجي جمبي عشان أنا مش طايقاك أساساً.
رفع كفيه في الهواء يتساءل بدراما وابتسامة مستترة:
ليه يا ست أنت، هو أنا عملتلك إيه بس عشان تغضبي عليا بالشكل ده.
برقت عينيها نحوه لتجيب بالضغط على أسنانها:
من جهة عملت، فأنت عملت كتير أوي النهاردة، عمال تاخد وترغي مع البت اللهلوبة دي، ولما شوفتها بتتمايص مع طارق السخن ده كمان، بدل ما تشخط فيهم وتوقف المهزلة دي في غرفة الاجتماعات، لا دا أنت قعدت تضحك لهم وكأنك بتشجعهم، من غير ما تفكرهم حتى إن دي شركة محترمة وميصحش الضحك كده بصوت عالي فيها.
كبت ابتسامة ملحة ليرتخي بظهره على الوسادة من خلفه يتطلع إليها بصمت، استنزفها لتصيح عليه بحدة:
ما ترد عليا يا جاسر، ساكت ليه.
أجابها بهدوء:
لا حول ولا قوة إلا بالله، طب عايزاني أقول إيه بس وأنت مخنوقة منها مش عارف ليه.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 122 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مع إن البنت ممتازة وكل تصرفاتها عادية.
عادية إزاي يعني؟
أردفت بالسؤال، شاعرة بنفسها على وشك الانفجار من بروده، لتكمل:
"حاسة البنت دي بتلعب على طارق وصاحبنا مسلم لها."
اعتدل فجأة وقد ذهب عن وجهه الهزل ليرد بجدية:
"زهرة، أرجوكِ ما تغلطيش في لينا. البنت محترمة وأنا مشوفتش منها غير كل خير."
رفرفت بأهدابها تستوعب كلماته، ثم همست بلهجة باكية:
"ولما إنت ماشوفتش منها غير كل خير، ما اتجوزتهاش ليه يا جاسر؟ مدام ممتازة ومحترمة وحلاوتها تهبل كمان، سبتها إزاي من إيدك دي؟"
اقترب ليضمها بذراعه ليرد بلهجة حانية:
"وحتى لو كانت ملكة جمال، إنتِ برضه أحلى منها."
التفتت برأسها إليه تسأله بتشكك:
"أحلى منها إزاي يعني؟ إنت بتكدب عليا يا جاسر؟"
"وأكذب عليكِ ليه؟ أينعم هي حلوة وزي القمر..."
قالها ولم يستطع إكمالها حينما قاطعته:
"يعني شايفها حلوة وزي القمر يا جاسر؟"
"بس شايفك إنتِ أحلى."
لحق نفسه سريعًا لينهي الجدال بقبلاتها الشغوفة، متيقنًا أن هذا هو الحل المفيد له ولها.
***
بداخل شرفة غرفتها الحبيبة، وبعد أن فاض بها من التفكير المرهق الذي لم يتركها لثانية واحدة منذ تركت الشركة هاربة من حصار كارم وتصرفه الغريب نحوها، وكيد طارق وهذه الفتاة التي تعمل معه وكأنه أتى بها قاصدًا لها.
لقد ملت وتعبت من هذه الحروب والدائرة التي تدور بداخلها دون توقف، وقد خاب ظنها حينما وافقت على غيره هروبًا منه، وقد تأكدت مما تحمله بداخلها نحوه. وبما أن النيران تحرفها في الحالتين، كان الأولى هو الابتعاد وليس التورط وارتباطها بهذا الشخص الغامض والمغلف بعناية، تفقدها ميزة اكتشافه وما يخبئه خلف هذا القناع الجميل.
انتبهت على صوت صفير من خلفها، فالتفتت لتصعق متفاجئة به داخل غرفتها. تقدمت نحوه تستقبله بغضب:
"إنت إيه اللي جابك هنا وفي أوضتي كمان يا كارم؟"
تطلعت بعينيه المتفحصة على ما ترتديه من بيجامة بفماشها القطني الخفيف ليظهر أنوثتها بنعومة، بربع كم في الأعلى قصيرة لأسفل ركبتها التي توقفت عيناه عليها قليلاً قبل أن يرفعهما مضطرًا على صحتها.
"رد عليا يا كارم، إنت دخلت هنا إزاي؟"
تبسم يجيبها بهدوء وعيناه تمسح على ملامح وجهها الفتان وشعرها المسترسل على جانبيه بعدم اهتمام ليضيف إليها مزيدًا من السحر، فخرج صوته يحمل مزيجًا من الانبهار والإعجاب بقوله:
"قمر يا كاميليا، قمر!"
تطلعت إلى المرأة بتمعن شديد لتتبع آثار الدموع التي تركت بصمتها على ملامح وجهها في الاحمرار والانتفاخات العديدة به، رغم غسله بالماء والصابون جيدًا. لقد اتصلت بوالدتها تخبرها بحجة وهمية عن تعبها الذي اضطرها للمبيت في منزل صديقتها التي لا تعرف بأرقام أهلها حتى تطمئنهم عليها. ولكن ولمعرفتها الشديدة بطبع والدتها الحاد، تعلم أن ما ينتظرها في المنزل ليس بالهين.
"إنت خلاص هتمشي وتسيبيني؟"
تفوّهت بها الصغيرة من خلفها بصدق مشاعرها البريئة، لتظهر محبة من القلب دون تزييف، رغم معرفتها العابرة بها، مما استرعى انتباهها فجعلها تترك المرآة لتجلس بجوارها تسأل:
"ليه يا قمر؟ هو انت عايزاني أبّات عندكوا من تاني؟"
تلت الطفلة بلهفة تقول برجاء:
"يا ريت تباتي عندنا على طول، تنامي جنبي هنا على السرير التاني، أو ممكن تباتي مع خالو في أوضة لوحدكم."
تطلعت لها بدهشة لتعاود سؤالها باستغراب:
"إنتِ ليه بتقولي كده وجايبة منين الفكرة دي؟"
"اممم..."
زمّت بفمها الذي أغلقته، تحرك رأسها بتلاعب وقد ارتسم على وجهها ابتسامة بشقاوة. لتحثها غادة على المواصلة:
"سكتي ليه يا روان ومش عايزة تجاوبي على سؤال طنط؟"
"افتري ثغر المذكورة بالضحك، تشير بكفها نحوها:
"أصل إنتِ مش باين عليكِ طنط خالص، دا خالو لما دخل بيكي امبارح وهو شايلك على كتفه كان شكلك زي البيبي، ههه."
تبسمت بخفة تجاريها رغم زحف القلق إلى قلبها، فانتظرت توقف الطفلة عن الضحك قبل أن تسألها بتوجس:
"هو أنا كان شكلي إيه امبارح يا روان لما دخلت عليكم؟"
"مكورتش، شفتيها روان بعدم معرفة لتجيبها:
"أنا مش فاكرة غير وهو خالو شايلك، أصله دخلك الأوضة هنا وخرج لنا على طول، ماما هي اللي قعدت شوية معاكِ وبعدها سابتك تنامي."
أومأت رأسها غادة وقد تخلل داخلها بعض الارتياح الذي جعلها تنهض لتكمل تجهيز نفسها حتى تغادر بصحبته وصحبة شقيقته الطبيبة التي أصرت لمرافقتها في مقابلة إحسان.
تملك منها الغيظ لعدم اكتراثه بغضبها وتغافله المتعمد لعدم الرد عليها. فعلى صوتها بالهتاف هذه المرة:
"رد عليا يا كارم وأنا بكلمك، مين اللي سمحلك تدخلي الأوضة هنا؟"
"دخلت لوحدي."
قالها ببساطة وجالت عيناه على أركان الغرفة يتأملها ببرود زاد من ذهولها وتأجج احتقانها منه. ولكن وقبل أن تنفجر بوجهه سبقها بقوله:
"بس استأذنت من رباب الأول."
"يعني رباب هي اللي دخلتك هنا؟"
هتفت بها بلهجة خطرة لتتحرك نحو الباب تبتغي الخروج لتأديب شقيقتها وتوبيخها على حماقة فعلها، فتفاجأت به يتصدر أمامها يوقفها.
"خارجة ورايحة فين يا كاميليا؟ هو أنا قربت جمبك ولا لمستك حتى؟"
قال الأخيرة متعمدًا لمسها بكفيه على ذراعيها المكشوفين بمناكفة صريحة جعلتها تنفض ذراعيها وترتد للخلف على الفور لتهدر به:
"متعصبنيش يا كارم وتخرجني عن شعوري. أنا مش عايزة أعلي صوتي عشان والدي ما يسمعش ويبقى منظرِك مش كويس."
قصدت بتهديدها التقاط الجزء الحساس بشخصيته ألا وهو صورته البراقة أمام الناس، والتي يحرص بشدة عليها. فعبس وجهه على الفور يرد بلهجة جامدة خالية من العبث:
"أولًا، أنا محدش يقدر يشوه صورتي قدام حد لأني عارف حدودي كويس. دا غير إني ملمستكيش ولا هددت أمانك بأي فعل يخليكِ تصرخي على والدك ولا أي حد من أخواتك. كل اللي عملته هو حب فضول إن أشوف أوضتك وأشوفك بلبس البيت على طبيعتك. وافتكر إن ده شيء بسيط جدًا يا زوجتي العزيزة."
ضيقت حاجبيها سريعًا تستوعب عبارته الأخيرة قبل أن ترد عليه بانفعال:
"مية مرة أوضحلك يا كارم إني لسه ما بقتش في بيتك عشان أحظى باللقب الكريم. إحنا دلوقتي في حكم المخطوبين، أينعم في عقد قران، لكن لسه برضه مخطوبين."
صمت لبرهة يرمقها بثاقبتيه، فاردا نفسه أمامها ليضع كفيه في جيبي بنطاله أسفل السترة ورد بعد تنهيدة طويلة:
"ومع ذلك، ما فيش مرة خلتيني أقربلك، رغم إن الحاجات دي بتحصل مع أي اتنين بيحبوا بعض، مش بس المخطوبين."
"إنت بتقول إيه؟"
هتفت بها بعدم استيعاب قبل أن تفاجأ بدفع الباب من الخارج ليلج منه شقيقها الصغير خاطفًا نظرة سريعة نحوها قبل أن ترتكز عيناه على كارم بصمت أبلغ من الكلمات، ثم أردف باقتضاب:
"إزيك يا عمو؟"
***
فتحت غادة بمفتاحها لتخطو بخطوات مترددة لداخل المنزل بخوف يكاد أن يوقف قلبها من مواجهة حاسمة مع والدتها بعد بياتها الليلة الماضية خارج المنزل دون أن تتمكن بإخبارها ولو برسالة صغيرة تطمئنها بها. تحمد الله على رجوعها سليمة ونجاتها بمعجزة من مؤامرة دنيئة دبرتها امرأة أفعى لا تعرف الأخلاق ولا العقاب من الخالق.
"توك راجعة من سهرتك يا بت الـ..."
بهتفت بها إحسان من قلب المنزل فور أن شعرت بعودتها بعد القلق الذي أكل قلبها منذ الأمس في التفكير والبحث عليها وعما قد يحدث لها بالبكاء والسهر طوال الليل في انتظار خبر عنها. ويتحول كل هذا بمجرد رؤيتها بصحتها سليمة معفاة أمامها لتنهض عن كرسيها تخلع عن قدمها خفها البيتي تنتوي تأديبها.
"صړخت غادة بجزع فور رؤيتها هجوم والدتها الكاسح كشاحنة نقل كبيرة على وشك دهسها، فارتدت بخطواتها للخلف مرددة لها بجزع مما قد تفعله بها:
"صلي على النبي يا ماما، صلي على النبي. أنا جايلك ومعايا ضيوف."
دلف على صيحتها خلود سريعا لتلتقط ذراع إحسان قبل أن تصل لابنتها التي تراجعت لتتحامى بها من الخلف، والأخرى تصيح باندفاع غضبها للوصول إلى ابنتها:
"أنا هكسّر عضمك وأربيكِ النهاردة يا غادة عشان ما يبقاش فيكِ رجلين تخرجي بيها أساسًا تاني، مش هسيبك غير لما أفش غليلي فيكِ يا بت."
تدخلت خلود في محاولة بائسة لتوقف المرأة عن هجومها علها تسمعه:
"دي أعصابك يا حجة واسمعي منها الأول، ده أنا جاية وشاهدة معاها."
زادت إحسان بمحاولاتها العنيفة تردد بعدم انتباه أو رؤية واضحة حتى لمن تصدها:
"ولو جابتلي عشرين يشهدوا برضه مش هسيبها، بت الـ... اللي عيارها فلّت ولا كأن ليها أهل يربوها."
"يا ست الحجة بس لو تدينا فرصة بس نفهمك ونكلمك."
هتفت بها خلود وهي تتمسك بإحسان بقوة تحاول منعها عن ضرب ابنتها لتزأر الأخرى بلوعة مزقت أحشاءها:
"دلوقتي عايزاني أسمع وأفهم! بعد ليلة طويلة عريضة قضيتها وأنا بموت فيها من القلق والخوف عليها، ولا يكونش كمان فاكراني صدقت الاتصال الخايب بتاعها؟ ليه يا أختي شايفاني دقة عصافير ولا مختومة على قفايا؟"
"يا ست بتقولك اسمعي الأول وبعدين احكمي. إنتِ إيه إيدك بتاكلك على الضرب من غير تفكير؟ طب حتى اعملي حساب للست الضيفة ونزلي شبشبك لبعد ما تمشي خلاص، شوفتيني هطير ولا ههرب منك يعني."
صاحت بها غادة وهي تبتعد عن مرمى الخف المنزلي بحرفنة لاعب كرة قدم في الملعب. فقالت من بينهن خلود وهي على وشك البكاء وقد خارت قواها سريعًا مع صد إحسان المُرْهِق بوزنها الثقيل وهي لم تعد تشعر بذراعها:
"حرام عليكم بقى كفاية، وارسيوا على حيلكم! أنا عندي عيال عايزة أربيهم."
خرجت الأخيرة بصرخة أجفلت إحسان فارتخى ذراعها بالخف لتتلطع إليها سائلة بدهشة:
"إنتِ مين وأيه اللي حشرك وسطنا أنا وبنتي؟"
تركتها خلود لاهثة لتدلك على ذراعها مرددة بيأس:
"أنا الدكتورة خلود، أو اللي كنت دكتورة لأني بعد الخناقة الشديدة ما أضمنش نفسي هعرف أشتغل تاني ولا لأ."
بعد قليل وقد هدأت العاصفة قليلًا، كانت الجلسة بين ثلاثتهن بوسط المنزل وقد قصت غادة بالرواية المتفق عليها مع خلود التي كانت تساعدها وتلحقها سريعًا لو أخطأت أو سهت عن شيء ما حتى لا تترك ثغرة يدخل منها الشك بقلب إحسان التي كانت تستمع بوجه واجم بارتياب. لتحثهم على المواصلة حتى تستطيع التصديق لتسأل أخيرًا وهي تتلاعب بالكارت الصغير بيدها:
"يعني إنتِ متأكدة إنك دكتورة مش حاجة تانية؟"
أجفلت خلود من سؤالها الغريب لتجيب بابتسامة ممتزجة باندهاشها:
"أيوة يا حجة، أمال إحنا بنتكلم في إيه من الصبح؟ ولا كمان مش مصدقة الكارت في اللي في إيدك اللي فيه عنوان العيادة وأرقام التليفون..."
قاطعتها إحسان بحدة توقفها:
"بس البنت دي عمرها ما قالت إن صاحبتها دكتورة، كل كلامها كان مركزها العليوي في الشركة عندهم والعز والهنا اللي هي فيه!"
ملاحظتها القوية في هذا الشيء الذي غفلت عنه غادة جعل الدماء تجف بعروقها وقد انعقد لسانها بالرد عن شيء مقنع، فالْتفتت لخلود باستغاثة تلقتها الأخرى على الفور وتولت الإجابة بسرعة بديهة:
"يا نهار أبيض! هو انتِ افتكرتيها باتت عند ميرفت؟ لا طبعًا، دي معاها أخ شاب في البيت يعني مينفعش. الموضوع عندي أنا يا حجة، قابلت غادة في الطريق وأنا بقالي سنين طويلة قوي مشوفتهاش. مصدقت بقى لقيتها ومسكت فيها، خدتها معايا بيتي اللي ساكنة فيه مع ولادي بس عشان جوزي برا مصر بيشتغل. قضينا وقت حلو زي ما حكت غادة، وبعدها قعدت تصرخ من المغص الشديد في معدتها وأنا بقى اتصرفت من واقع مهنتي وأديتها حقنة مهدئة، خدتها المسكينة وراحت في النوم. يعني الغلط عندي أنا."
لهجتها الهادئة المتماسكة والرزينة ألجمت إحسان عن الجدال حتى ظهر على وجهها الاقتناع رغم ادعائها التفكير. التفتت خلود لغادة ترمقها بنظرة مطمئنة لتبادلها الأخرى بالامتنان الشديد.
"بس البت دي عمرها ما قالتلي إن عندها صحاب دكاترة."
قالتها إحسان في محاولة أخيرة لمعرفة المزيد وجاء الرد من غادة وقد أخذت الثقة:
"دي كانت صاحبتي أيام الثانوي يا ماما، قبل ما يفرقنا مكتب التنسيق وتدخل هي الطب وأدخل أنا المعهد زي ما إنتِ عارفة."
حل الصمت ولم يعد هناك داعي للجدال من إحسان حتى شعرت خلود بإتمام مهمتها بسلام. تنهدت بارتياح لتهم بالاستئذان والمغادرة قبل أن تجفل على صوت سعال قوي اخترق ظهرها من الخلف فانتفضت مخضوضة تلتف برأسها لتتفاجأ بشعبان والد غادة الذي كان خارجًا من غرفته بتغافل تام عما حدث عقب استيقاظه من غفوة القيلولة، مرتديا الفانلة البيضاء ذات نصف كم على بنطاله البيتي يهرش بأنامله على جانب رأسه وهو يتطلع إليها مضيقًا حاجبيه باندهاش بهيئة أحرجت غادة واستفزت إحسان التي غمغمت بسبة وقحة نحو هذا الغبي الذي خطا حتى اقترب منهن ليتمتم سائلًا ببلاهة:
"إيه ده؟ هو أنا إحنا عندنا ضيوف!"
***
"مساء الفل، شكلنا قطعنا عليكم باين ولا إيه؟"
تفوّهت بها رباب شقيقة كاميليا بمرح غامزة وهي تلج إليها بداخل غرفتها لتتفاجأ بالرد الحاد من الأخرى على الفور:
"وليكي عين تضحكي وتهزري كمان! إنتِ ما عندكيش دم يا بنت، إنتِ إزاي تسمحي له يدخل الأوضة من غير استئذان؟ هي زريبة!"
تغير وجه شقيقتها وذهب المرح عنها فاستنفرتها لترد بدفاعية:
"أنا مسمحتلوش يا كاميليا، أنا استقبلته وكنت هدخله الريسبشن عادي ينتظرك على ما أدخل وأندهك، لكنه فاجئني لما قال إنه داخل بنفسه وراح من غير ما يستنى ردي حتى. أنا جيت وراه على أساس إن أديكي فكرة لو هتغيري هدومك، بس اطمنت لما لقيت الباب مفتوح وكمان عشان الحرج ومبقاش بينكم عزول، رحت قلت لميدو وهو ساب مذاكرته وجه على طول."
هدأت فورتها قليلاً لتعاود بسؤالها:
"وأبوكي راح فين؟ ما كنت ندهتيه وكان الموضوع خلص من أوله."
تطلعت إليها رباب بنظرة أربكتها وقد بدا على وجهها التساؤل وردت بلهجة متوجسة:
"والدي مش موجود عشان راح يصلي العشا، بس هو يعني... هو كارم ضايقك ولا حاجة؟"
أجفلتها بسؤالها المفاجئ ولسان حالها يقول أنها فهمت السبب وراء انفعالها وعصبيتها، فانتفضت كاميليا لتزيح عنها الشكوك برد عنيف:
"لا كارم ولا عشرة زيه حد يقدر يضايقني. أنا كنت بقول عشان الأصول، وعلى العموم حصل خير يا ستي. روحي قدميلوا حاجة يشربها بقى على ما ألبس وأخرج له. هو قاعد فين دلوقتي؟"
أجابتها رباب وهي تستدير للمغادرة مذعنة للأمر:
"قاعد."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 123 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
في الريسبشن مع ميدو.
تبسمت كاميليا على ذكر شقيقها الأصغر الذي دلف للتو إليها يحدج كارم بنظرات كاشفة تنقل اللوم بداخلها وتوبيخ صارخ أخجل المذكور ليخرج متنحنحا بحرج من أمامه.
بهيبة تعدت سنوات عمره المعدودة لأضعاف، جالسا أمامه متكتف الذراعين وقد أتقن دور رجل البيت في غياب والده وشقيقه الأكبر، يراعي الأصول ولا يعجبه الحال المائل.
"ما قولتليش يا ميدو إنت في سنة كام بالظبط؟"
قالها كارم مبادرا لفتح حديث معه لفك هذه الجمود من جانب الطفل الذي لا تريحه نظراته.
اعتدل بجلسته المذكور ليجيب بكلمات محددة:
"أنا في سنة تالتة يعني كلها سنتين وأدخل إعدادي."
مط بشفتيه كارم يظهر له الاحترام وقد أثارته الإجابة ليتابع بمشاكسته:
"المهم إنك تكون شاطر وواثق من ذكاءك، لسنتين يبقوا تلاتة أو أكتر."
عبس وجه ميدو ولم يتقبل المزاح ليصمت يحدجه بجمود ويظل حديث الأعين فقط بينهم، بين رجل يدعي عدم الاكتراث وطفل يدفعه حدسه البريء للقلق من هذا الرجل.
انتبها الاثنان على حضور كاميليا وقد بدلت ملابسها لطقم الخروج لتختطف عين كارم وينسى أمر الصغير الذي التف لشقيقته وهي تتحدث:
"أنا خلصت وجاهزة للخروج."
أومأ لها برأسه يشملها بعينيه بابتسامة راضية لعدم تخيب ظنه ولو مرة واحدة في هيئتها رغم غلبة البساطة في ذوقها.
ثم نهض يتابعها وهي تقترب من شقيقها وتقبله على وجنتيه المكتنزتين وكفها تمسح على رأسه وشعر رأسه الكستنائي الغزير قبل أن تتحرك لتغادر معه.
ثم التفت فجأة على نداء ميدو بإسمها:
"كوكو."
"إيه يا قلب كوكو؟"
قالتها في استجابة لندائه لتجده اعتدل بجلسته محدقا بكارم قبل أن يرد على تمهل:
"حاولوا متتأخروش."
خارج السيارة كان واقفا مستنداً بظهره عليها في انتظار عودة شقيقته بعد أن تبرعت بوقتها للوقوف بجانب هذه المجنونة ومؤازرتها في مواجهة أهلها.
يكتنفه الضيق لما قد ينال شقيقته من أذى بعد توريطها في شيء كهذا.
ألا يكفي غباءه في أذية نفسه ليدخل شقيقته الآن معه؟
زفر للمرة المئة وهو ينظر للساعة على يده وقد تأخر الوقت وتأخرت عن ميعاد عملها في عيادتها.
تتنابه رغبة قوية للصعود واكتشاف ما حدث بعينيه وعقله يمنعه لمنع افتعال مشكلة من العدم ومازالت الرؤية غير واضحة حتى الآن.
رفع رأسه فجأة ليتفاجأ بها واقفة بشرفة إحدى الغرف بمنزلهم تتطلع إليه بنظرات غامضة وغير مفهومة جعلته يقطب جبينه بدهشة.
وبداخله يود سؤالها عن شقيقته وما الذي تم بالجلسة معهن ولكنه انتبه على خروج المذكورة من بنايتهم بوجه عادي لا يظهر ضيق ولا حدوث سوء معها.
انتظر حتى وصلت إليه ليلتف ويعتلي السيارة في انتظارها.
أتت هي لتنضم معه وقبل أن ترتاح جيدا في جلستها فاجئته بقبلة على وجنته أذهلته ليلتف إليها قائلا بحرج:
"إيه يا ست الدكتورة، إحنا في منطقة شعبية. لمخ الناس يروح للبعيد وماحدش فيهم يصدق إن إنتي أختي."
ضحكت خلود وانتظرت حتى أدار محرك السيارة وسار بها ثم تكلمت:
"يقولوا اللي يقولوه، أصل أنا بقى كان لازم أشكرك على جميلك مع غادة رغم إني معرفهاش، بس بصراحة أسعدني جدا تصرفك بعد ما شوفت بنفسي اللي كان هيحصلها واللي كان منتظرها لو حدث لها السوء لا قدر الله. دي والدتها كانت هتاكلها قدام عيني وبنتها سليمة ومفيهاش حاجة. أمال بقى لو كان... يالا الحمد لله إن ربنا سترها."
رمق شقيقته من طرف عينيه دون أن يحيد بنظره عن الطريق فقال باندهاش:
"غريبة، يعني شايفك بتدعيلها من قلبك ولا كأنها حد من عيلتك، رغم كل اللي حكتهولك عنها وعن دماغها الزفت."
حدقت به خلود بابتسامة ماكرة لعدة لحظات أثارت ضيقه لعلمه بما تفكر فيه.
فقال زافرا:
"بلاش البصة دي عشان عارف اللي وراها. أنا ساعدتها آه وجريت أنقذها من غير ما أنتظر شكرها ولا أي حاجة منها، يعني متفتكريش إني هموت عليها. لا يا حبيبتي أنا كرامتي فوق أي شيء."
اقتربت شقيقته لترد وهي تربت بكفها على ذراعه الضخم بحنان:
"عارفة كل اللي بتقولوا، مش محتاجة تفسير. بس أنا من رأيي إن غادة مجابتش الأفكار دي من نفسها. عندي إحساس قوي إن والدتها هي اللي زرعتها في دماغها. أصل إنت مشوفتهاش، دي ست صعبة قوي ووالدها تافه كده ومعندوش شخصية."
التف إليها رافعا حاجبه يستوعب ما تفوهت به عن والديها ليقول بما توصل إليه عقله على الفور:
"يعني إنت قصدك إن أمها هي اللي بتحكم؟"
أومأت له برأسها كإجابة فتلفت عائداً لطريقه يغمغم من تحت أسنانه:
"يبقوا هي وأمها وأبوها عايزين الدق على دماغهم."
"إنت لسة برضه مقومتيش من مكانك يا ميرفت؟"
تتفوه بها شقيقها وهو يهبط الدرج متأنقا بما يرتديه تجهيزا لخروجه رغم إصابة رأسه.
ردت هي متفكهة على هيئته بالضمادة التي تصدرت الرؤية على جبهته:
"وإنت خارج كده يا مجنون ولسة دماغك متعورة؟ مش تستنى على الأقل لما تنزع القطن واللزقة اللي منورين دول على دماغك."
عبس وجهه ليرد بضيق وهو يقترب منها:
"أمال يعني عايزاني أقعد في البيت عشان أتخنق أكتر ما أنا مخنوق؟ أنا عايز أخرج وأفك عن نفسي شوية، على الأقل أنسى الصداع اللي مش راضي يخف دا من ساعة ما ضربني الطور دا بدماغه الكبيرة."
سهمت ميرفت تغمغم بتفكير:
"إلا حكاية البني آدم دا كمان، أموت وأعرف دا مين دا اللي قدر يعمل معانا حاجة زي دي وفي قلب بيتنا؟ ولا يكونش البت دي ليها حبيب سري وأنا معرفش؟"
"ليها بقى ولا ملهاش."
هتف بها ماهر بقرف وهو يجلس على المقعد خلفه ليتابع:
"أنا خلاص قفلت من البنت دي ومش عايزة أسمع سيرتها تاني، محبش أنا القلق."
أظلم وجه ميرفت وظهر عليه التصميم فيما تتفوه به:
"تحب ولا متحبش يا ماهر، أنا مش هفوت الموضوع ده ولا هسيب حد يعلم علينا. دا غير إني مش هتنازل عن غرضي الأساسي في كل ده وأنا شايفة إني أقدر!"
اعتدل ماهر يسأل شقيقته باهتمام شديد:
"إيه هو بقى غرضك الأساسي وهتنتقمي إزاي؟ ولا إنت قصدك إن لقيتي حاجة في الكلام الهبل بتاع البت دي وأنا اللي كنت فاكرك هتزعلي عشان مكسرتيش عينها."
قال الأخيرة في إشارة على ما تتطلع به على شاشة الحاسوب التي تحمله فوق قدميها لتجيبه بابتسامة واثقة:
"مكدبش عليك عشان أنا فعلاً كنت عايزة أمسك عليها دلة أخليها تبقى زي الخاتم في صباعي عشان تنفذ اللي أقولها عليه حتى لو غصب ومش برضاها. بس بقى بعد ما شوفت وسمعت باللي هفلتت بيه في التسجيل الخفيف هنا في الصالة هديت شوية عشان اكتشفت إن لسه في فرصة."
هز رأسه بتعب من كلماتها المبهة وهو ينهض عن مقعده من أمامها:
"فرصة إيه بس يا فيفي، أنا دماغي مش حمل ألغازك دي. همشي بقى ونخلي الرغي ده لوقت تاني."
أومأت له برأسها:
"تمام يا قلبي، ولا يهمك، روّق إنت وما تشغلش نفسك."
لوح لها بكفه قبل أن يغادر لتعود هي لشرودها مرة أخرى تغمغم بتفكير:
"ضلمة تعابين... بتوع البرشام!"
طافت بعينيها على أرجاء المكان الجديد لتستكشفه أو لا داعي لأستكشافه من الأساس.
فهي واثقة أنها ستنبهر وقد ينعقد لسانها بسقف حلها وهي تتطلع إلى الرفاهية المبالغ فيها وكم الثراء الفاحش الذي يبدو على رواده.
لقد تعودت على هذا في كل خروجاتها معه ويبدو أن هذا ما يريده هو أو ربما هذا هو نظامه في الحياة بدون تعمد أو سوء نية.
"عجبك المكان يا كاميليا؟"
هتف بها يسألها كالعادة فتبسمت إليه برد فعل طبيعي اعتادت هي أيضا على فعله:
"أكيد جميل ورائع يا كارم، هو إنت عمرك أخدتني في مكان أقل من مستوى اللي قبله؟"
توقفت لتتطلع عليه وترى أثر إطرائها الذي بدا على وجهه بابتسامة الزهو.
لتكمل بسؤالها الفضولي:
"كارم، لكن هو إنت دايما كده؟"
تطلع إليها باستفهام فتابعت لتردف بأسئلتها عما تشعر به:
"قصدي يعني..... دايما ذوقك منحصر في النوع ده؟ البدلة دي ما بتغيرهاش وتلبس حاجة بسيطة تخرج بيها؟ أو مثلا مفكرتش في مرة تاكل من مطعم شعبي يكون مشهور؟ أو حصل واتطرفت في مشاعرك ووقفت على عربية في الشارع؟"
قاطعها ينفي سريعا باعترال:
"لأ يا كاميليا، شارع إيه اللي بتقولي عليه دي حاجات ضارة بالصحة أساسا.... وإن كان على إجابة سؤالك، أحيانا بغير بس بصراحة قليل عشان أشغالي الدائمة. ولو على الأكل حصل أكيد بس مكنش مطعم شعبي بالصورة اللي إنت بتقولي عليها. لأ دا كان شبابي وللأكل التيك أواي أيام الكلية."
"كلية إيه؟"
سألته لتفاجأ بتغير لونه وشرود خاطف بدا على وجهه قبل أن يستعيد نفسه ليجيب بتماسك سريع:
"أنا اللي عايز أفهمهولك يا كاميليا إني إنسان طبيعي وبتصرف بطبيعتي، بس دا اللي اتربيت عليه. أنا مش كتالوج في مجلة."
أومأت برأسها له بتفاهم لما يردف به.
لتستغل هذه اللحظة وهو يتكلم بهدوء لتضيف بالسؤال الذي يلح برأسها منذ أيام:
"طب ممكن تقولي عن اللي اسمها ندي دي كانت صفتها إيه في حياتك؟"
برقت عينيه فجأة بإجفال لم يثنيها عن الإلحاح للمعرفة:
"وياريت تحترم ذكائي وما تحاولش تنكر. تصرفها معانا يوم حفل عيد الميلاد كان مكشوف أوي."
كانت تناظره بتحدي لم يغفل عنه في انتظار إجابته.
ولكنه تمالك ليجيبها بأعصاب هادئة:
"الموضوع مش زي ما إنت فاكرة. سبب كره ندى ليا نابع من كره زوجها. أصله كان صديقي بس هو حصلتله مشكلة كبيرة زمان واتهمني فيها زور واتفرقت صحبتنا. يعني ما فيش أي حاجة من اللي في دماغك دي. أنا محبيتش غيرك إنت يا كاميليا."
توقف يتناول كف يدها يضغط عليها داخل كفه ليرد:
"عارف إني ممكن أكون ضايقتك الصبح في حجرة الاجتماع، بس دا من واقع حبي ليك. أنا حبيتك وبغير عليك بجد."
كان يتحدث بحالة من الضعف لم تشهدها عليه قبل ذلك وكأنه يستجدي منها التصديق.
ولكن عقلها الواعي رفض بشدة.
حاولت مجارته قليلا حتى شعر ببعض الارتياح فتناول قائمة الطعام يتطلع إليها من جديد قبل أن تسأله:
"جوز ندى دا اللي كان صاحبك اسمه إيه؟"
طبق فمه بضيق قبل أن يجيبها على عجالة قبل أن يشير للنادل لينهي النقاش:
"اسمه كريم. كريم فوزي. تحبي أطلبلك إيه بقى معايا؟"
"اطلبلي من اللي إنت هتاكله."
قالتها سريعا في الرد عليه وذهنها مشغول بإعادة ترديد الاسم حتى لا تتناساه:
"كريم فوزي، كريم فوزي!"
في اليوم التالي، استيقظ جاسر على ميعاده اليومي بعادة من كثرة التكرار جعلته لا يحتاج للمنبه.
التف بجواره فلم يجدها على الفراش.
نهض يهتف بإسمها حتى استمع صوت المياه بحمام الغرفة.
خمن من نفسه استعدادها لتجهيز نفسها للذهاب لمقر عملها معه.
فاستغل فرصة انتظارها في النظر سريعا بحاسوبه ليتفقد الأخبار الاقتصادية وأحوال البورصة.
لم يشعر بتأخرها إلا بعد خروجها ونظره بالساعة ليبادرها قائلا:
"صباح الفل، كل دا تأخير في الحمام؟"
أومأت بكف يدها أمامه كإشارة قبل أن ترتمي على تختها منكفئة على وجهها بتعب ظاهر.
شعر بالقلق لمشاهدتها بهذا الوهن فاڼتفض سريعا ليقترب منها ويطمئن عليها:
"زهرة، مالك؟ هو إنت حاسة بحاجة تعباكي؟"
صمتت بفمها قليلا لتردف بصوت مجهد:
"مش عارفة يا جاسر، أنا كل يوم بحس بجسمي مكسر كده ومعاه شوية تعب. بس أنا بغلب كسلي وأكمل عادي. لكن المرة دي مش قادرة وحاسة إن الموضوع أكتر بكتير."
اڼتفض عنها مرددا بفزع:
"يا نهار أسود، يعني إنتي ماشية بتعبك ده كل يوم وبتداري ومفكرتيش تتكلمي غير لما وقعتي خالص؟ عايزة تموتيني يا زهرة؟"
سمعت صيحته لتردف بالبكاء:
"وطي صوتك يا جاسر، أنا تعبانة أصلا وفيا اللي مكفيني."
زاد الارتياع بقلبه كما ازداد الغيظ منها ومن إصرارها على إرهاق نفسها في العمل يوميا معه رغم تشديده بالنصح دوما نحوها.
جز على أسنانه شاعرا بالعجز عن التصرف السليم مع حالتها.
فهذه الأعراض الأنثوية لم يتصادف بها قبل ذلك مع زوجته الأولى ولم تكن له أخوات حتى يعرف منهن.
بحيرة وتفكير سريع هداه عقله ليتحرك ويغادر الغرفة للبحث عن والدته وسؤالها قبل الاتصال بطبيبتها الخاصة.
بعد قليل، كان منضما مع والده في الطابق السفلي ينتظر خروج الطبيبة من عندها على نار تنهش قلبه في القلق عليها وعلى الجنين أيضا.
يقطع الطرقة بتوتر لم يهدأ ولو لثانية واحدة.
"يابني اهدى، تخيلتني اترزع وأقعد بقى في أي حتة عشان أنا قرفت منك."
هتف بها عامر بنفاذ صبر منه ومن توتره الذي عاد عليه بالقلق أيضا.
لم يحتمل جاسر قول والده فصاح بغير سيطرة على انفعاله:
"مراتى فوق تعبانة بالجنين اللي في بطنها وبتقولي اهدى؟ مش قادر أتحمل ابنك في الدقايق القليلة دي يا عامر باشا."
زفر عامر يقلب عينيه بعدم رضا قبل أن يحادثه بمهادنة:
"يا بني يا حبيبي افهم العصبية دي مفيش منها فايدة. وأنا غرضي تصبر شوية على ما تخرج من عندها الدكتورة وإن شاء الله تطمنك وتطمنا معاك."
صمت يرى فعل كلماته على وجه ابنه الذي صمت يتمتم بالدعاء.
فتابع له بلغته الهادئة:
"ممكن بقى تيجي تقعد جنبي كده وكمل لها دعاء مع نفسك."
تنهد جاسر يغمض عينيه بتعب قبل أن يذعن لمطلب والده وجلس على المقعد المجاور له.
فخاطبه برجاء:
"أنا بجد مش هقدر أهدى ولا أحس براحة غير لما أطمن. ممكن تدعي من قلبك يا والدي؟"
تمتم سريعا عامر بالدعاء قبل أن يعود لابنه سائلا:
"يعني متعرفش السبب الحقيقي لتعبها؟"
اڼتفض جاسر يرد بدفاعية:
"والله ما أعرف يا عم، أنا صحيت من النوم لقيتها تعبانة وبس كده."
"بس كده!"
رددها عامر بنظرة ماكرة بطرف عينيه أثارت انتباه جاسر الذي هتف به سائلا بريبة:
"أمال هيكون في إيه تاني بس.... إنت بتبصلي كده ليه؟"
ختم جملته لينتفض من محله على صوت الطبيبة ووالدته وهن يهبطن الدرج بعد خروجهن من عند زوجته وفحصها.
اقترب يتلقف المرأة ويوقفها على سؤاله:
"زهرة عاملة إيه يا دكتورة؟"
أجابته المرأة الأربعينية بابتسامة مطمئنة:
"خير، متقلقش. هي بس ترتاح كويس اليومين دول على سريرها مع الأدوية والنصايح اللي دونتها."
تمشي.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 124 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
عليها وربنا يستر إن شاء الله.
تابع بسؤاله متلهفًا:
بجد يا دكتورة يعني مافيش حاجة أكتر من كدة؟
هي بس ترتاح وان شاء الله ربنا يستر.
قالتها قبل أن تستأذن للمغادرة بصحبة والدته، فلم ينتظر هو ليصعد الدرج سريعًا إليها.
وفي الغرفة، وفور أن وصل إليها دلف بخطواته السريعة نحوها مرددًا بقلق وقبل أن ينضم بجوارها على الـڤراش:
عاملة إيه دلوقتي يا زهرة؟ أنا الدكتورة طمنتني تحت.
أومأت له بصمت وهي مستسلمة لمساته الحانية بكفه يده على أعلى رأسها، ثم همست بتردد:
انت سيبتني لوحدي ليه يا جاسر مع والدتك والدكتورة دي كانت بتسألتي أسئلة محرجة.
قطب جبينه يردد باندهاش من قولها:
محرجة إزاي يعني؟
وقبل أن تتمكن من إجابته انتبهت على طرق باب الغرفة المفتوح بخفة ليلج منه عامر بابتسامته الودودة دائمًا:
صباح الفل ع القمر مرات ابني وام الغالي. عاملة إيه يا زهرة؟
بادلته بابتسامة مشرقة منها رغم تعبها لتجيبه:
كويسة يا عمي والحمد لله ربنا يخليك.
ويخليك انت كمان يالا بقى شدي حيلك وراعي لنفسك اليومين دول عشان تقومي. الدكتورة نبهت ع الراحة واحنا لازم نسمع الكلام.
والتغذية السليمة كمان يا عامر.
تفوهت بها لمياء بعد عودتها مرة أخرى للغرفة وردد خلفها زوجها:
اه طبعًا التغذية دا الغذا أهم شئ للجنين والأم دي حاجة مش محتاجة كلام دكاترة.
نهى جملته عامر ليتفاجأ بهتاف زوجته نحو ابنها:
وانت قاعد هنا ليه مش وراك شغل بقى ومتأخر عليه.
اعترض بهز رأسه يرد:
أنا مش متحرك من مكاني النهاردة هقعد جمب مراتي.
صاحت لمياء بوجهه ترد على كلماته باستنكار:
وتقعد چمبها ليه يا حبيبي؟ الدكتورة طلبت الراحة للأم والجنين مقالتش الأب كمان معاهم. ثم انت بالذات بقى لازم تقوم من چمبها.
قالت الأخيرة وهي تجذبه من ذراعه وتأخذ هي محله بجوار زهرة، ردد جاسر باعتراض متسائلًا:
وانا ليه بالذات بقى إن شاء الله؟
عشان الدكتورة يا حبيبي شددت بالقوي ع الراحة ولا انت مش فاهم يعني الراحة.
رددتها لمياء بمغزى أثار اندهاشه مع ضحكة عالية من عامر، مما اضطر زهرة لتخبئة وجهها بغطاء فراشها من الحرج، ليتطلع هو نحو والدته بغيظ لا تابه به لمياء قبل أن يسمع لوالده الذي هتف من بين ضحكاته وهو يسحبه معه:
تعالي يا حبيبي تعالي كان لزومو إيه بس تقف في وش القطر.
انتظرت لمياء وهي تتبادل مع ابنها حرب النظرات الصامتة حتى خرج نهائيًا من الغرفة، لترفع الغطاء عن وجه زهرة تخاطبها:
قومي يا زهرة عشان تفطري على ما عبده يجيب الدوا من الصيدلية.
وصلت إلى مقر عملها تجر أقدامها، چرا ليس تعب ولكنها حالة من الفتور جديدة عليها وقد تلبستها منذ عدة أيام بعد أن كان الحماس رفيقها دائمًا في رحلة البحث لإثبات نفسها في المجال الذي تعشقه دون مساعدة من أحد، رجل كان أو امرأة. قبل أن تسقط جبرًا في ڤخ هذه الدائرة الطاحنة في الصراع مع قلبها الذي خانها لأول مرة بعد مقاومة استمرت لسنوات، حتى ومع لجوئها لاتخاذ طريقًا مغاير لتجد نفسها سقطت في بئر آخر مزدحم بالغموض والمستقبل المبهم مع شخص تكتشف فيه يومًا بعد يوم خيبتها في اتخاذ قرارًا مصيري كهذا حينما لجأت إليه بالهرب من الآخر، وقد توسمت به الخير مع الفكرة التي ترسخت بعقلها من البداية وهي عدم تكرار الخطأ بالموت عشقًا إن تركها!
أما الآخر وقد ظنت أنها نجت من فخه لم تكن تعلم أن جحيمه في البعد أقوى.
مازال قلبها يئن من الوجع، بل وزاده شيئًا آخر وهي الغيرة التي في غير محلها!
تنهدت بثقل وهي تخطو لداخل المصعد لكي تصل إلى وجهتها في الطابق المقصود والذي يحمل غرفة مكتبها مقابل غرفته.
ولكن وقبل أن يتحرك بها للأعلى فوجئت بها تقتحم المساحة الضيقة لتنضم معها بهيئتها التي تخطف الأنفاس وهذا الجمال المبهر ورائحة العطر القوي التي هبت معها لتزكم أنفها تتحدث لاهثة:
الحمد لله اخيرا وصلت.
قالتها ثم التفت لكاميليا تخاطبها:
صباح الخير يا فندم. عاملة إيه النهاردة؟
حتى صوتها الناعم يصل إلى المستمع كأنه آلة موسيقة تغرد وحدها في الفضاء لتطرب الأسماع.
قالتها لينا في محاولة أخرى للفت انتباهها وقد أسهبت في الشرود وتجاهلها:
حضرتك هو في حاجة يا فندم اصل بكلمك وانت ما بتروديش عليا.
نفضت رأسها كاميليا لتجيبها بلهجة عادية:
لا اطمني يا لينا مافيش حاجة أنا بس سرحت في حاجة كدة تخصني.... لكن انت إيه أخبارك بقى مستريحة في الشغل هنا معانا؟
سألتها بمغزى تقصده، وكانت إجابة الأخرى بتطويل كعادتها:
الحمد لله يا فندم الشغل هنا على قد ما هو كتير بس برضه الواحد مبسوط عشان لما بأدي فيه بإخلاص بلاقي نتيجة لجهدي. ميزة الشغل هنا إن فيه تقدير للموظف من رئيسه.
طحنت بداخلها وقد علمت بمقصدها جيدًا فقالت متابعة بفضول وابتسامة صفراء ارتسمت على وجهها:
يعني انت قصدك إن مستر طارق كويس معاك ومبسوطة معاه؟
رفعت رأسها لينا عن بعض الملفات التي كانت تراجعها سريعًا لتجيب بابتسامة حالمة:
جدا يا فندم جدًا.
قالتها وتوقف المصعد فجأة لتسأذن للخروج متغافلة النظر عن كاميليا التي نست نفسها وضغطت على شفتيها بأسنانها حتى كادت أن تدميها من الغيظ، لتخرج بعدها زافرة بحريق قبل أن تنتبه على الورقة التي سقطت منها في أثناء سيرها السريع، فخطت حتى اقتربت تتناولها بظن أنها تخص العمل ورغبة شريرة تدفعها لفش غيظها بها كموظفة مهملة في عملها، هذا إن صدق تخمينها، لتفاجأ بمحتوى المكتوب في الورقة بعد أن ألقت نظرة سريعة وشاملة في القراءة، لترفع رأسها بعد ذلك مغمغمة بقهر:
وكمان بتجيبلوا اشعار يقراها ودا انت اللي كتباها ولا هو اللي كاتبهولك، ماشي يا طارق!
استيقظت من نومها على أثر الحركة من حولها، فتحت عينيها لترى خياله وهو يخطو لداخل الغرفة بالفنجان الكبير بيده حتى وصل إلى الكنبة الجانبية في الركن القريب والتي أصبحت مقره منذ وعكتها الأخيرة وإصرار لمياء على ابتعاده عنها وعدم مشاركته لها النوم على التخت.
رفع الغطاء عن مكان نومته بإهمال ليضعه على أحد المقاعد المجاورة وتناول الوسادة ليضعها خلف ظهره بعد أن مد بأقدامه عليها ليضع عليهما الحاسوب لينشغل به كالعادة قبل الذهاب إلى عمله.
اعتدلت بجذعها لتجلس مستندة بذراعيها تتأمل عبوس وجهه وتجهمه بابتسامة متسلية وهي الأعلم بكم ما يحمله من غيظ بداخله الآن مع ضغط لمياء ومشاكسة عامر الدائمة له.
نهضت لتسير على أطراف أصابعها بنية واضحة لمفاجأته، ولكن وكالعادة بهذا الحس البوليسي الذي يملكه فاجأها بالتفاف رأسه إليها بحدة وترقب ليفتر فاهه بابتسامة بمفاجأتها رغم بؤسه بعد ذلك:
كنت عايزة تخضيني صح؟
تخت ذراعيها عما كانت تنتوي لتردف إليه بإحباط:
وأعملها ازاي دي وانت ولا كأنك مركب رادار في قفاك من ورا.
أطلق ضحكة مدوية بصوته العالي أسعدتها ليرد معقبًا على عبارتها:
يا حبيبتي ما أنا كذا مرة أقولك ماتحاوليش أنا عندي ودان بتجيب دبة النملة وحاسة شم أقوى منها كمان، وانتي يا قلبي مكشوفة قوي بالنسبالي مهما حاولتي.
تبسمت تقول برضا ما تشعر به بعد أن انزاح عبوس وجهه وتجهمه:
مكشوفة مكشوفة يا سيدي أهم حاجة انك ضحكت.
سمع منها ليشـد وجهه مرة أخرى ويعود لتجهمه وكأن بقولها قصدت تذكره، فالتف عنها لينكفئ على حاسوبه مرة أخرى ليرد بلهجة جامدة:
الف شكر يا ستي على مجهودك.
صدمها قوله ليثير الڠضب بداخلها، فاقتربت لتجلس بجواره على طرف الكنبة ترد بغيظ:
متشكرين يعني إيه بقى فيه إيه يا جاسر؟ هو أنا ليه حاساك كدة شايل ومعبي مني من يوم ما تعبت؟
رمقها بنظرة حانقة قبل أن يومئ بعينيه لها بتنبيه قائلاً:
طپ حسبي يا ماما وانت قاعدالي ع الطرف لتتزحلقي بضهرك ولا تميلي كدة ڠلط فتيجي طنت لميا تجيبها فيا.
تقربت لتزحف أكثر بجواره على قصد تقول بمناكفة مع ابتسامتها:
طپ ما توسعلي طپ شوية عشان مقعش ولا انت عايزاني اقع؟
ارتفع حاجب واحد باندهاش من فعلها الجريء والمفاجئ ليرد متصنعًا الحزم يكتم ابتسامة ملحة:
إبعدي يا ست انت أحسنلك مش ڼاقص تحرشات ولا مصايب على اول الصبح أنا راجل ماشي في حالي وجمب الحيط.
سمعت منه لتنفجر ضاحكة حتى مالت بظهرها للخلف، فلحقها على الفور بذراعيه مرددًا بلهفة حقيقية:
امسكي نفسك شوية بقى يا زهرة أنا بتكلم بجد والله.
أوقفت ضحكها لتجيبه وهي تعتدل بجلستها:
يا جاسر ما تخافش اوي كدة أنا لو مش كويسة ماكنتش هاجي ولا أغلس عليك. طپ دا انا كنت عايزة اقولك كمان اني أقدر اروح معاك الشغل النها...
إيه؟
هتف بحدة يقاطعها قبل أن تكمل جملتها ليصيح بارتياع حقيقي:
دا مش هزار بقى وانت قاصدة بجد. فيه إيه يا بنتي أهم حاجة دلوقتي صحتك انت والطفل يا زهرة الشغل مش هيطير.
مالت نحوه قائلة بنعومة لإقناعه:
يعني انت محنتش لقعدتي معاك في المكتب ولا قهوتنا اللي بنشربها مع بعض في كل بريك انت تاخدها سادة وانا اخدها باللبن كالعادة.
تسمر ينظر لها باشتياق، فكل هذه الأشياء التي ذكرتها لا تأتي شيئًا بجوار شعوره بالقرب دائمًا منها وتحت عينيه التي لا تمل من النظر إليها عبر الشاشات كل دقيقة.
أومزت بفمها المغلق تهز رأسها بتساؤل وترقب ليأتي قوله الحاسم:
لأ يا زهرة قولنا ما فيش شغل يعني ما فيش شغل وانسي الكلام ده دلوقتي خالص أحسنلك.
ردت بمجادلة لقوله:
أيوه بس انا حاسة بنفسي كويسة النهاردة واقدر اخرج معاك واشتغل كمان أصل بصراحة بقى قرفت من النوم والحبسة في البيت وانا مش متعودة على كدة.
طحن أسنانه بغيظ من إصرارها الذي أدى للنتائج التي هم بصددها الآن فقال يذكرها:
تاني برضه عايزة تعملي اللي في دماغك يا زهرة طپ افتكري الخۏف اللي كان هيوقف قلبي لتحصلك حاجة انت ولا الطفل ساعتها ولا افتكري حتى عمايل لميا وتحكماتها ولا انت مش واخده بالك اني لسة بنام ع الكنبة؟
خرجت الأخيرة بغيظ شديد جعلها تبتسم بتسلية فقالت تجفله ببساطة ما تتفوه به:
طپ ما تيجي مكانك هو أنا منعتك ما أنا بقول اهو إني خفيت.
تدلى فكه ليضغط عليه بكف يده وقد بالغت في استفزازه:
إنتي عايزة تجننيني يا زهرة بقولك لميا وتحكماتها ولا تريقة السيد الوالد كمان عليا في الطالعة والنازلة الناس دي ضميرها مش سالك عشان تبقي عارفة.
انفعاله مع ما يتفوه به من كلمات وهو يظهر حجم معاناته جعلها تضحك بلا توقف لتزيد من عصبيته مع تحكم هائل حتى لا يغلق فمها بقبلة كبيرة يفرغ بها اشتياقه لها الذي يؤرق مضجعه وهو معها وبنفس الغرفة ولا يستطيع الاقتراب منها.
انتفض فجأة على صوت طرق على باب غرفته وقد خمن وحده بالطارق قبل أن يصدر صوتها:
يا جاسر يا زهرة هو انت صحيتوا يا ولاد ولا لسة؟
أشار لها بسبابته لتفهم وحدها ليهمس من تحت أسنانه:
شايفة نتيجة عملك واللي وصلتينا ليها.
وأومأت بكفيها أمامه باستسلام مع ابتسامة مستترة وهي تنهض ذاهبة لتختها لتنضم بالفراش مرة أخرى كطفلة مطيعة وهو يتابعها بغيظ ضاغطًا بأسـنانه على شفته السفلي قبل ينهض على الطرق المتواصل ويقوم بفتح الباب لوالدته مع غمغمة واضحة:
ما اديني جاي يا ستي هو انت مصدقت رجلك وخدت على الأوضة ولا إيه.
صباح الخير يا عيون ماما.
تفوهت بها لمياء على عجالة بقبلة على وجنته كتحية فور رؤيته لتلج سريعا بداخل الغرفة، فذهبت عينيها على الأريكة أولًا كاطمئنان قبل الانتقال إلى الناحية الأخرى عند زهرة لتبادرها بالسؤال الاعتيادي:
عاملة إيه النهاردة يا زهرة حاسة نفسك كويسة؟
اعتدلت تجيبها بابتسامة ودودة لرعايتها الدائمة لها طوال الأيام السابقة:
كويسة والحمد لله دا انا حتى لسة كنت بقول لجاسر.
التفتت إليه لمياء لترمقه بنظرة مرتابة رغم مخاطبتها لزهرة:
والله وكنت بتقوليله إيه بقى؟
لوح بكفيه أمامها بقلة حيلة يردد لها باندهاش:
يعني هتكون بتقولي إيه بس يا ماما هو انتو ليه كدة نيتكم بقت وحشة ناحيتي؟
حدقته بطرف عينيها متجاهلة الرد عليه لتتجه للأخرى قائلة بجدية:
طيب يالا قومي يا زهرة اغسلي وشك وفوقي على ما أروح أنا وأنبه على الخدم يحضروا الفطار عشان تاخدي الدوا في ميعاده وما تنسيش ان النهاردة ميعاد الدكتورة عشان تشوفك.
أومأت لها بحرج فخرج صوتها على تردد وعينيها تنتقل نحو جاسر تبتغي الدعم:
لا ما انا بقول نأجل زيارة الدكتورة النهاردة عشان....
عشان إيه يا زهرة؟
سألتها لمياء باهتمام لتجد الرد جاءها من الخلف حيث قال جاسر:
خال زهرة وستها جاين النهاردة يشوفوها بعد الضهر ومعهم نوال خطيبته أنا عزمتهم امبارح وهرجع من الشغل بدري إن شاء الله واستقبلهم.
التفتت إليه لمياء صامتة قليلًا بتفكير قبل أن تحسم أمرها قائلة:
آه وماله يأنسوا ويشوفوا طبعًا. عن إذنكم بقى.
تابعتها زهرة حتى خرجت لتهمس لجاسر:
هي ژعلانة؟
نفى بهز رأسه على ثقة يجيبها قبل أن يجفل منتفضًا على صوت والدته التي عادت مرة أخرى إليه هاتفة من مدخل الباب:
وانت صحيح يا جاسر كفاية واقوم بقى اتأخرت على شغلك.
أومأ لها يحرك رأسه بأعين متوسعة بذهول ليلتف بعد ذلك لزهرة التي وجدها خبأت وجهها بين كفيها غير قادرة على التوقف من الضحك بصوت مكتوم.
خرجت بعد انتهاء دوام عملها من الشركة لتجده واقف بجوار سيارة رئيسه يعطيها ظهره بتعمد لعدم النظر إليها وقد بدا واضحًا أنه انتبه على خروجها ليأخذ حذره سريعًا كباقي الأيام السابقة من وقت معروف عمله معها بإنقاذها مرتين، الأولى كانت بإنقاذها وسمعتها من براثن الخطيئة والوقوع فيها على غير وعيها، والثانية بفعل شقيقته حينما ذهبت معها تؤازرها في مواجهة والديها.
تذهب وتجيء أمامه ولا مرة حدثها أو ناكفها كعادته أو حتى يلقي على مسامعها من هذه الأغاني الممتزجة بغزله، وهي التي ظنت بأنه سيأخذها فرصة ليزيد على أفعالها معها، ولكن لماذا يكتنفها الحزن الآن وقد رحمها مما كانت تضيق به سابقًا؟ لماذا تشعر وكأن شيئًا ما ينقصها! وكأن بتجاهله لها قد ترك فراغًا لم تحسبه من قبل!
حسمت قرارها هذه المرة.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 125 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
السلام عليكم، ممكن كلمة يا إمام.
أجفل من فعلتها حتى أن لسانه انعقد عن الرد، والذي تكفل عبده به باستيعاب سريع.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
طب أنا هروح أجيبلي حاجة آكلها يا صاحبي ومش هتأخر.
ألقى كلماته الرجل وهو يغادر من جوارهما، ليخرج صوت إمام أخيرًا بعد أن تحمحم يجلي حلقه.
أهلاً وسهلاً، إحنا تحت الخدمة.
لهجته الرسمية وعدم النظر لعينها مباشرة، مع هذا التجاهل المسبق، جعلها تبتلع غصة مريرة بحلقها. وقد تأكدت من صدق التخمين الذي طرأ برأسها، فخرجت كلماتها بصعوبة.
أنا نزلت في نظرك صح؟
سألها متفاجئًا.
ليه بتقولي كده؟ هو انت شفتي مني حاجة تأكد كلامك ده؟
أومأت برأسها، وقد غشت عينيها سحابة خفيفة من الدموع على وشك النزول، لتردف بصوت مبحوح.
مش لازم تقول ولا تبين رد فعلك نفسه، واجتنابك حتى النظر إليّا يأكد الفكرة اللي في دماغي. بس أنا ممكن تكون فيا كل العبر إلا أن أكون هاملة أو سهلة. والدليل إن انت شوفته بنفسك لما حطولي في العصير اللي يقدر يلغي عقلي لما ما قدروش يميلو دماغي.
مهما كان، من حقه أن يراها بهذا الضعف أمامه، حتى أن قلبه كان يصرخ بداخله لكي يربت على حزنها ببعض الكلمات المهونة، كي يثبت لها بالفعل أنه يعلم بصحة ما تتفوه به دون قولها. ولكن كرامته الأبية الجمحت لسانه عن الرد، فليس هو من يقبل على نفسه باستغلال معروفه، لكن يصل لغرضه، أو مثل ما قالت، وبدون أن تدري بإصابة الحقيقة، أن يأخذها فرصة.
أوقفت شروده بقولها الأخير.
على العموم أنا جيت أقولك بنفسي اللي محشور في زوري، وانت حر بقى. سلام.
أنهت لتتحرك دون أن يوقفها، ليزداد يقينها أكثر بما رأته في عينيه، ولكنه أجفلها فجأة بالنداء باسمها من خلفها.
غادة.
التفت إليه ناظرة بتساؤل، ليجيبها بكلمات محددة وغير متوقعة منه.
وقت ما تحتاجيني ولا تعوزيني في أي وقت أنا تحت أمرك، ماتتكسفيش من طلبك ليا في أي شئ. أنا اعتبرتك في مقام خلود دلوقتي.
أومأت برأسها بحركات غير مفهومة له، مع صدمتها بكلماته المفاجئة، ثم ما لبثت أن تلتف سريعًا لتطلق سراح دموع، في أقصى خيالها لم تظن أن سيأتي هذا اليوم لتهطل منها بسبب سماعها لهذه الكلمات منه. يبدو أنها أصبحت منبوذة من الجميع، صديقاتها التي خسرتهم في الركض خلف السراب، ثم هو، وقد ظهر معدنه الحقيقي معها في أشد أوقاتها احتياجًا.
على مكتبها كانت يدها تتلاعب بقلمها لترسم خطوط وهمية بشرودها، فمنذ أن علمت باسم الرجل زوج المرأة التي حدجتها بكره في حفل عيد الميلاد الذي حضرته، وهي لم تهدأ بالبحث على حذر والحديث مع بعض الأفراد أقاربه التي التقتهم في مناسبات عدة قبل ذلك، أو حتى مفاتحة المرأة الشابة زوجة الرجل العجوز والد الطفلة صاحبة عيد الميلاد، ولكن لا شيء أتى بنتيجة تذكر. لا أحد يعلم عن كارم سوى أنه كان على وشك التخرج من كلية الشرطة وحدثت معه مشكلة أدت لخروجه، فيبدو أن المذكور ووالديه يتكتمون جيدًا على أمورهم الشخصية. كذلك لم تعلم عن المدعوة ندى سوى بقرابتها لكارم بصفتها ابنة عمته وزوجها صاحب المشكلة التي يقت لها الفضول لمعرفتها. علمت أنه يعمل في دولة أخرى ولا يجئ للبلد إلا في الإجازات مع زوجته.
يكتنفها شعور قوي بالعجز وقلة الحيلة، وبحثها الذي ينتهي دائمًا بالفشل. وقد استغلت أيام سفره للخارج منذ عدة أيام لتأدية بعض المهام الخاصة بعمله بالنيابة عن جاسر الريان الذي لم يقوى على السفر وترك زوجته في وعكة حملها، فجاءت كل محاولتها دون جدوى. ولكن يبقى خيط أخير هو المتبقي لها، رغم خطورته، ولكن ما المانع من المحاولة قبل عودته من سفره. حتى لو كان هذا الخيط والدته.
أجفلت من شرودها فجأة على صوت غريب، وكأنه صرخات. انتفضت من مكانها لتخرج وتستطلع بنفسها الأمر.
بعد خروجها من غرفتها، وضح الصوت أكثر وتزايد، حتى علمت بمصدره في جهة الغرفة الخاصة بطارق. ارتجف قلبها من الخوف، لتعدو بخطوات مسرعة كالركض، غير مبالية بمظهرها، فكل ما يهمها الآن هو الاطمئنان عليه وأن تراه سليمًا معافى. توقفت فجأة برؤيته خارجًا من الغرفة، ويسند بذراعيه هذه المدعوة لينا، لتتبين من رؤيتها أنها هي من كانت تصرخ.
آه هموت مش قادرة.
خلاص يا لينا اتحملي على نفسك شوية، كلها دقايق وأوصل بيك المستشفى.
كان هذا قاله في التهوين على الفتاة، قبل أن تقع عينيه عليها وينتبه على وقفتها متخشبة وسط الرواق، فهتف يفيقها من زهولها.
كاميليا تعالي سنديها معايا أرجوكي وساعدينا.
أجفلت بندائه، لتقترب منهما وتسندها من الجهة الأخرى، فسألته مندهشة لهيئة لينا المزرية وهي تتأوه بألم شديد ظهر على ملامح وجهها التي تغضنت بشدة.
هي مالها وبتصرخ كده ليه؟
أجابها طارق بتشتت وعينيه تقيس المساحة المتبقية نحو المصعد، فصراخ الفتاة مع ميله للأسفل بطوله الفارع حتى يقترب من مستوى قصرها يجعل الأمر مرهق بالفعل عليه.
معرفش يا كاميليا والله ما أعرف، أنا خرجت من مكتبي على صوت صريخها ده وهي بتضرب بكفوفها على سطح المكتب اللي كانت قاعدة عليه.
عادت بالسؤال كاميليا إلى لينا نفسها.
إيه اللي حصلك؟ ما كنت زي الحصان الصبح.
أجابتها الأخيرة وهي بتضرب بأقدامها على الأرض من الألم وصوت باكي.
معرفش معرفش، كان ألم بسيط في البداية وبعدها اتطور بالشكل القوي والغير محتمل ده. أنا مش قادرة، مش قادرة.
فاض به طارق ليتوقف فجأة متمتمًا بضيق.
إحنا كده بالمنظر ده مش هنوصل للصبح، حتى ابعدي كده يا كاميليا.
أبعد ليه؟
سألته المذكورة باندهاش، لتفاجأ به يدنو للأسفل ثم يقوم برفع لينا بين ذراعيه مرددًا.
كدة أحسن بقى عشان أخلص.
قالها ليعدو بسرعة وكأنه لا يرفع بيده شيئًا. شهقت متفاجئة بغيظ، ولكنها تمالكت لتلحق به مرددة.
أنا كمان جاية معاكم عشان أطمن بنفسي.
أهلاً وسهلاً يا حجة، نورتينا.
قالها عامر في بداية ترحيبه برقية بجلسته معها وخالد وخطيبته نوال. بادلته رقية التحية بابتسامتها المشرقة دائمًا.
ده نورك يا باشا، البيت منور بأهله وأصحابه.
طب انتِ عارفاني بقى يا حجة.
قالها عامر بعفوية، ليفاجأ بشهقة عالية من رقية مع ردها إليه.
طبعًا عارفاك، لهو انت فاكرني كبيرة في السن ولا مخرفة عشان جدة يعني وعندي حفيدة؟ لأ يا باشا، ده أنا متجوزة على 14 سنة، يعني مش بعيد أطلع أصغر منكم.
ما!
هتف بها خالد بصدمة ولتنبيه والدته. أما عامر فاطلق ضحكة عالية دوت بقوة نحوهم ليقول بعدها.
مالكش دعوة يا عم انت، خليك مع البت الحلوة اللي جنبك دي وسيبنا أنا والحجة، ما تتحشرش بينا.
قالها بإشارة لنوال التي أصابتها عدوى الضحك هي أيضًا، أما خالد فزفر لفعل والدته التي رمقته بتحدي غير مكترثة. قبل أن تعود لعامر الذي شاكسها بمرح.
طب بقولك إيه يا ست رقية، ما تجيبي تاريخ ميلادك.
وأنا أجيب تاريخ ميلادي ونشوف مين فينا الأكبر.
ردت رقية بسرعة بديهة.
تاريخ إيه؟ بقولك إني على اتجوزت على 14 يعني سننوني في الشهادة تسنين عشان المأذون يكتب كتابي، ده يمكن أطلع أصغر من كده كمان.
ضحك من قلبه عامر مع رده له.
لا دا انت شكلك ذكية أوي ومحدش يقدر يغلبك في الكلام.
همت رقية للرد، لكن الكلمة توقفت على لسانها وهي ترى لمياء وهي تهبط الدرج وتقترب منهم، لتتمتم لعامر بعفوية.
يا ختيي مين الست الحلوة أم عيون خضرا دي؟ هو جاسر له أخوات؟
برقت عينيه عامر سريعًا مع ابتسامة مستترة واقترب منها ليهمس لها بتحذير.
أخته مين يا ست دي والدته، حاولي بقى ما تقوليش كده قدامها، لتشوف نفسها عليا وأنا مش ناقص.
استجابت له تهمس هي الأخرى.
عندك حق، الستات بتسمع كده وتسوق فيها.
بيتوشوشوا في إيه دول؟
غمغم بها خالد بدهشة وهو يرى الاندماج السريع بين عامر ووالدته، لينتبه فجأة على اقتراب لمياء لتصافحه مرحبة بمودة رغم جُمودها الاعتيادي، ثم ابتسامة متوسعة لنوال قبل أن تذهب لعامر ورقية للترحيب بها هي الأخرى، قبل نزول ابنها من الطابق الثاني بصحبة زوجته التي شددت عليها بالنصائح المهمة سابقًا حتى لا تؤذي نفسها والجنين، مع لهفته وفرحته بمجيء أهلها.
على إحدى مقاعد الانتظار بالمشفى كانت جالسة تتابعه وهو يقطع الطرقة الصغيرة ذهابًا وإيابًا دون هوادة، وقد تبين خطورة وضع الفتاة بعد أن أجمع الأطباء بصحة التشخيص الأولي لضرورة إجراء سريعًا لاستئصال الزائدة الدودية قبل أن تنفجر بها ويتفاقم الوضع، ليأخذ القرار نيابة عنها وعن الاتصال بأحد أقاربها ويوقع بنفسه على الإجراءات.
حتى الآن لا يستوعب عقلها جرأته في القيام بهذا الفعل، وكأن الفتاة يخصه أمرها بشدة، بداية من حملها على ذراعيه، ثم إمضاء الإقرار الروتيني لإجراء العملية، ثم هذا القلق الكبير في انتظار خروجها من غرفة العمليات.
يارب يارب.
تمتم بها في أثناء سيره بالقرب منها.
فخرج صوتها إليه بمؤازرة، رغم احتقانها من الداخل.
ارتاح شوية يا طارق وخلي عندك أمل في الله.
التف إليها يردد.
وبالرجاء، ونعم بالله يا كاميليا، ونعم بالله.
هتف بها واستند بجسده على الحائط المجاور لها، يغمض بكفه عينيه وقدمه في الأسفل تهتز بعصبية ودون هوادة، ليرتد فعله عليها بانفعال لم تقوى على إخفائه، فهتفت به.
على فكرة الموضوع مش مستاهل القلق ده، كلها دي عملية عادية جدًا وبتتعمل كل يوم.
ارتفعت عينية إليها محدقًا بغضب، ليسألها بحدة.
إيه اللي عادية وبتتعمل كل يوم يا كاميليا؟ هي تسريحة شعر ولا مونوكير هتحطه في إيديها؟ دي واحدة قاعدة في أوضة العمليات وبين إيدين ربنا.
حدته المفرطة جعلتها تكمل بلهجة على وشك البكاء.
أنا بحاول أهديك يا طارق، مش قصدي تريقة ولا تهكم. ثم إني بصراحة كمان مستغربة الوضع، إزاي يعني إحنا أصحاب الشغل اللي نبقى معاها في حاجة زي دي؟ لازم أهلها يعرفوا عشان يجوا ويشوفوا بنفسهم، دي بنتهم.
تنهد قانطًا ورأسه للسماء، قبل أن يعود إليها بقوله.
لينا ملهاش حد يا كاميليا غير والدتها، ودي ست مريضة سكر بنسبة عالية، يعني ممكن تدخل في غيبوبة من الخوف عليها بمجرد ما تسمع بس.
سهت قليلاً باستيعاب امتزج بدهشتها لمعرفته لأدق التفاصيل عن هذه الفتاة، ويبدو أن الأمر بينهم قد فاق توقعها، ولكن جيد! فهو يستحق من تهون عليه، والفتاة شخصية رائعة وتستحق شخص رائع مثله.
شعرت باهتزاز كرسيها بعد سقوطه بثقل جسده على الكرسي المجاور لها، فكتفت بذراعيها تدعي عدم الانتباه، رغم شعورها بدفء مفاجئ وصوت أنفاسه الهادرة بتوتره يصل إلى أسماعها بصخب، تتمنى ألا يتوقف ولا يذهب هذا الدفء، ولا أن ترحل من أنفها رائحة عطره، وقد اشتاقت لها بشدة.
توقفت عن هذيانها وهذه الأفكار الغريبة، لترتفع كفها على رأسها بتعب وصداع قوي ألم بها فجأة ودون استئذان.
ويبدوا أن هيئتها لفتت انتباهه بجوارها، أو أنه كان يفعل مثلها بالمتابعة، فسألها.
إيه مالك يا كاميليا؟ هو انت كمان حاسة نفسك تعبانة ولا انت مش متحملة جو المستشفيات؟
لا لا، ما تشغلش نفسك.
قالتها وهي تحرك رأسها بنفي، لتصطدم عينيها بخاصتيه وقد تفاجأت بقرب وجهه منها وهو يتطلع إليها بقلق. تمالكت لتشيح بوجهها عنه متحمحمة، ثم تتكوم على نفسها بتشبيك كفيها على حجرها، يلفها الارتباك وسهام عينيه المسلطة عليها تزيدها تشتتا. انتفض الاثنان على فتح باب غرفة العمليات أمامهما، وكان السبق لطارق ليصل إلى الطبيب ليطمئن على وضع لينا.
بعد قليل.
وبعد أن شهدوا بنفسهم على استقرار الحالة وقد أخبرهم الطبيب بنجاح العملية، عادا إلى مقاعد الانتظار مرة أخرى، ليجلس هذه المرة متمتمًا بالحمد وكلمات الشكر بارتياح غمر قلبه بالفعل.
ما كنت أعرف إنها غالية عندك قوي كده.
قالتها وهي تعود لجلستها على المقعد المجاور، فرمقها بنظرة غامضة ولم يرد. فتنهدت بضيق لتدخلها في ما لا يعنيها، فقالت تسأله على حرج.
طب إحنا كده نتصل بوالدتها بقى.
أجابها سريعًا باعتراض.
لا يا كاميليا، برضه مش هتصل بيها، أنا هنتظر لما تفوق وتبلغها هي بنفسها، كده الخبر هيبقى أسهل بكتير عليها. لو انت عايزة ممكن تروحي، لكن أنا مش هتتحرك من هنا.
أطبقت شفتيها بغيظ حاولت كبته بصعوبة، مع قوله.
دا انت بينك بتحبها وغرقان في العشق كمان.
حرك رأسه باستفهام رغم فهمه لما تقول.
هي مين؟
مالت نحوه تحدجه باستنكار لمرواغته، قبل أن ترد.
بلاش يا طارق تلف وتدور معايا في الكلام، يعني هكون بتكلم على مين؟ على لينا طبعًا.
تكتف يقلدها ليحدق بها بصمت، أحرجها وزاد باضطرابها، لتلتف بجذعها عنه، تود لو تنشق الأرض وتبتلعها من أمامه، فتدخلها الأحمق قد زاد عن الحد المسموح. همت لتستأذن مغادرة حتى ترحم نفسها وتكتفي بهذا القدر من غبائها، ولكنه أجفلها بقوله.
لينا زي أختي!
هه قديمة.
صدرت منها سريعًا بدون تفكير، فجعلته يبتسم بمرح، لتكتم شهقة حماقتها سريعًا وهي تعود لتبتعد بوجهها عنه، وتلعن بداخلها سيل غبائها الذي يفيض منها اليوم بلا توقف.
أشفق قلبه عليها، فهتف باسمها لتلتف إليه.
كاميليا، ممكن تبصيلي.
لم تجبه وظلت على وضعها وكأنها لم تسمع، ولكنه أعاد بطلبه.
ثواني بس، عايز أحكيلك حكاية.
تسمرت رافضة النظر إليه، ولكنه ألح بطلبه حتى رفعت رأسها لتجده رافعًا كفه أمامها يشير على الثلاث أصابع الأولى يقول.
إحنا كنا تلاتة، أنا وجاسر وصاحبنا التالت كان اسمه رمزي، مدرسة واحدة، جامعة واحدة، وقعدة واحدة، حتى بيوتنا كانت واحدة برضه. على الرغم إن رمزي مكانش من وسطنا وعيلته كانت أسرة متوسطة الحال، بس بيتهم بقى كان أكتر قعدتنا فيه، عشان دفء الأسرة اللي كنا مفتقدينه مع انشغال أهالينا أنا وجاسر دايما، واللي كانت بتعوضه والدة رمزي بطيبتها وحنانها معانا ومعاملتنا إحنا الاتنين زي ابنها بالظبط. الست الطيبة دي بقى جابت لنا طفلة جميلة، أخت لرمزي واحنا شباب كبار كده في ثانوي، نفس عيون رمزي، لكن إيه في الجمال، كانت بتكبر قدام عيوننا، وبقت الكتوتة بتاعتنا ودلوعتنا إحنا التلاتة.
حركها.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 126 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
كانت كتيرة أوي وشقية زيادة عن اللزوم ومبتقعدش على حيلها أبدا، دا غير ذكائها الشديد. رمزي بقى لما كان بيدلعها يقولها إيه؟
قطع بنظرة معبرة جعلتها تعقد حاجبيها بتفكير، ثم خمنت بابتسامة تجيبه:
"اللهلوبة!"
أومأ برأسه ليظهر صف أسنانه الأبيض مع ابتسامة متسعة بارتياح، لتسأله بعد ذلك بتذكر:
"نهار أبيض! يعني الحكاية دي كلها كانت على لينا؟ أمال هو فين رمزي ده؟ أنا عمري ماشوفته."
تبدلت ملامحه الضاحكة لأخرى حزينة فجأة، ثم أجابها:
"رمزي مات في حاډثة عربية مع والده، ولينا مكنتش مكملة ساعتها العشر سنين... لا يشعر بالألم سوى من مر به. ومن يرى مصائب الخلق تهون في نظره مصائبه."
كانت ټذرف الدمعات بلا توقف، تمسح بالمنديل الورقي ولا يجف السيل المتدفق بغزارة لمدة طالت لما يقارب النصف ساعة، حتى جعلته يزفر قائلاً:
"متخلنيش أندم إني قولتلك يا كاميليا."
ضغطت بعينيها قليلا تحاول تمالك نفسها حتى تمكنت من الرد أخيراً بصوت متهدج من فرط ما تشعر به:
"أصلها صعبت عليا أوي، والڠريبة إن ما يبانش عليها خالص."
تنهد طارق يجيبها بكلمات قاصداً كل حرف منها:
"ماهي مش دايما المظاهر بتبين معادن الناس يا كاميليا، ممكن اللي تفتكريه دهب يطلع قشرة، أو إن تبهرك لمعة الماس جميلة قدامك وفي الآخر تطلع إزاز يجرحك."
وصلها مغزى كلماته لتتوقف الدموع على الفور، فرفعت رأسها إليه لتواجه خصتيه بعينيها وتجيبه مباشرة وبدون مواربة:
"ومين قالك إن اختياري كان بناءً على إعجاب بمظاهر أو انبهار؟"
ضيق بعينيه يستوعب كلماتها ليسألها بحيرة يكتنفها غضب مستتر:
"أمال كان بناءً على إيه يا كاميليا؟"
أسبلت أهدابها ثم رفعتهم سريعاً لترد بشبه ابتسامة غير مفهومة:
"مفيش فايدة من الكلام يا طارق، عشان أنا عارفة إني مهما شرحت ماحدش فيكم هيفهمني."
"عشان كده بتنفذي اللي في دماغك على طول من غير ما تحكي ولا تاخدي رأي حد حتى لو كانت زهرة أقرب الناس ليكي؟"
توقف بسؤاله ولم ينتظر كثيراً حتى أجابته:
"زهرة بريئة وطيبة جداً ومشاعرها مش حمل العقد اللي جوايا، أنا اتعودت على الوحدة، حتى لو وسط الناس كلها أسراري جوا قلبي ومافيش داعي إني أذيع بيها."
بهزة خفيفة برأسه أومأ لها بتفهم ليكمل بقوله:
"ومع ذلك بتحكي لوالدتك!"
هذه المرة اعتلت وجهها ابتسامة حقيقية رغم الاضطراب الذي ظهر في صوتها:
"قالتلي صحيح على اتصالك بيها، بس هي إيه ذنبها يا طارق؟ العيب فيا أنا، أنا المعقدة... هي ماله؟"
برقت عينيه بشدة وتدلى فكه بدهشة قاربت الذهول، ليردف بعدم تصديق:
"مالها إزاي يعني؟ هو انت بتهزري ولا بتتكلمي جد؟ مش هي دي الست اللي حكيتلي عنها برضه؟ ولا ودوهالك كانت واحدة تانية؟"
"لأ هي يا طارق."
قالتها كإجابة عن سؤاله، ثم تابعت بتنهيدة من العمق:
"بس برضو أمي، يعني مهما حصل ما بينا وأنا شيلت في قلبي منها، ده مش هينفي صلة الدم اللي ما بيني وبينها."
زفر يلتف عنها بتعب، فهذه المرأة تبدو وكأنها بحر من الألغاز لا ينتهي أبداً، مهما حاول واعتقد أنه وصل لفك شفرتها وفهمها، يعود لنفس نقطة البداية.
"هي لينا بتكتب شعر؟"
قالتها لتأخذه من شروده بإعادة جذب انتباهه لها، هز برأسه كاستفسار لعدم تركيزه فيما تفوهت به، فتابعت بإعادة السؤال:
"بسألك عن لينا، لو بتعرف تكتب شعر. أصلي اتفاجأت بورقة وقعت منها الصبح، كنت فاكراها من أوراق العمل، لكن لما قريت استعجبت بصراحة."
رغم علمه بتهربها من الحديث بفتح غيره، ولكنه ابتسم على السيرة ليرد بمرح:
"وتلاقيك افتكرتيها كتباهالي أنا، أو أنا كاتبهولها صح؟"
أومأت بخجل لم تستطع إخفاءه، وقد زحف اللون الوردي على وجنتيها على الفور، فقال بابتسامة متسعة وقد أسعده ما يتخفى خلف حيائها من غيرة بدت من رد فعله:
"لأ أنا راجل شاعر عشان أكتب، ولا هي بتعرف تجمع كلمتين على بعض حتى."
"أمال إيه؟"
سألته باستفسار تشوبه حيرة، التقطها هو ليردف ضاحكاً:
"ماهي دي بقى الخيبة التقيلة اللي صاحبتنا عايشة فيها، الهانم هتموت على واد شاعر أهبل كده، هتجنن وأعرف بتحب فيه إيه، دا لا شكل حلو ولا هيئة كويسة أو حتى بيعرف يفكر أساساً. طب انت قريتي الشعر بتاعه؟"
عادت إليها ضحكتها الجميلة والتي دائماً ما تنجح في إسعاده، رغم كل ما يراه منها، لتقول:
"بصراحة في البداية كنت متغاظة قوي ومخدتش بالي عشان كانت نظرة سريعة، لكن بعدين لما قرأت تاني بتركيز، كنت بضحك في مكتبي زي العبيطة، تشبيهات للحبيبة غريبة جداً."
أكمل على قولها بعفويتها:
"سكتي يا أختي اسكتي، دي شايفة إنه حاجة محصلتش قبل كده، وإن طريقته في الشعر دي بكرة يتسجل معاها في التاريخ على إنه نابغة عصره أو كفلتة من فلتات الزمان."
"كأنه إيه؟"
رددتها خلفه لتنطلق في موجة من الضحك بلا توقف، لتصيبه عدوى الضحك هو الآخر معها في مشهد عجيب جمع بين البكاء والقلق ثم الضحك المفرط الذي ينسى معه الإنسان همه متخليًا ولو لدقائق عن واقعه البائس.
عادت إحسان من الخارج لتصفق خلفها باب المنزل بقوة أظهرت حجم ضيقها، ولفتت نظر ابنتها التي انتبهت عليها بجلستها على الكنبة المجاورة للنافذة التي كانت تنظر بها للخارج وهي متكورة وضامة بيديها ركبتيها إلى صدرها، فقد أجفلتها من شرودها أيضاً!
"أوف يا ساتر يا منجي من المهالك علينا ووطي نفوسنا يارب علينا ووطي نفوسنا."
رددتها عدة مرات مما اضطر غادة لسؤالها:
"إيه اللي حصل؟ انتي فيه حد ضايقك ولا حاجة؟"
رمقتها بنظرة حانقة وهي تجلس على المقعد أمامها تزفر بضيق في قولها:
"وعايزاني أقول ولا أتكلم ليه؟ ما يمكن تفتكريني بعايرك ولا حاجة."
علمت بمقصدها لتشيح بوجهها عنها على الفور، مما جعل إحسان تهتف وهي مشتعلة غيظاً:
"لويت بوزك من قبل ما أتكلم حتى! طب اسمعي مني الأول وروحي شوفي بنت خالتك زهرة اللي كنتي بتقولي عليها خايبة وما تعرف تخطي خطوة من غيرك، أهي الخايبة يا أختي بعد ما سيطرت على الباشا جوزها وخلته زي الخاتم في صباعها، أهي لفت كمان دماغ أهله اللي كانوا رافضين الجوازة وبقوا سمن على عسل مع رقية وخالد، ودلوقتي يا حبيبتي عازمينهم عندهم، والسينور خالها واخد خطيبته معاه بنت المستشار، شوفتي يا بت البنات الناصحة بتعرف تخطط وتظبط إزاي!"
التفت إليها غادة برأسها عن المشاهدة لخارج النافذة كي تسألها:
"وانت عرفتي منين بقى بنصاحة بنت أخوكي عشان تيجي كده بشرارك ونارك؟"
"نار لما تلهفك."
تفوهت به إحسان غاضبة من حديث ابنتها البارد معها، لتجيب بصياحها:
"برضه لا عاجبك الكلام ولا مصدقاه؟ طب أنا عرفت من سمية مرات أبوها، قابلتها في السوق من شوية وسألتها عن الرقية، راحت الولية مدلوقة في الكلام معايا، قال وإيه الباشا ابن الباشا عرض على سمية كمان هي وبناتها يجوا معاهم، بس المحروسة بقى اتكسفت ما تدخل عليهم كده بعيالها من غير جوزها أبو البنات، روح يا محروس إلهي تخيب!"
هتفت بالأخيرة رافعة كفيها إلى السماء، مما جعل غادة ترد مستنكرة الدعاء على الرجل بدون سبب:
"طب وانت بتدعي على خالي ليه دلوقتي؟ هو الراجل كان عملك حاجة؟"
ضربت إحسان بكفيها الغليظان على جسدها الممتلئ تهدر من تحت أسنانها:
"عشان دايما كده مضايقني وفارسني، مافيش مرة انصافني ولا عمل معايا حاجة تريحني، لا كان معايا أخ عدل ولا جوزني حتى، جوازك عدلة، لأ وكمان يشرب ويعك الدنيا وبرضه حظه نار."
قابلت غادة صياح والدتها الذي اعتادت عليه بصمت ونظرة خاوية من أي رد فعل، لتزيد إحسان بصراخها:
"إيه ده يا بنت، مالك بقيتي ټنحة ومبلمة في نفسك كده ليه؟ إيه البرود اللي انتي بقيتي فيه ده؟"
بتنهيدة طويلة خرجت من عمق ما تحمله بداخلها، حدقت بها غادة ولسانها على وشك الرد وإفحام والدتها بسرد ما حدث معها حتى كادت أن تخسر أعز ما تملك في سبيل لهاث وراء الآمال الكاذبة والخادعة وسعي دؤوب بلا فائدة مع رزق مقدر بيد الله وحده، ولكن تراجعت عن ما انتوته لتنهض من أمامها بلا رد، متجاهلة حتى النظر إليها رغم ازدياد صراخ والدتها وسبابها المعروف بالكلمات النابية.
وصلت لغرفتها لتغلق بابها عليها وتكفي نفسها عن الجدال مع والدتها، ولكن وقبل أن تصل جيداً لسريرها رأت رنين هاتفها الصامت وهو يضيء بشاشته، اقتربت لتصعق وهي ترى اسم المتصل، ليدم بعروقها لتتناوله سريعاً وترد بعنف:
"وليك عين تتصلي كمان يا بهجة يا عدي..."
"اختشي ولمي لسانك يا غادة واسمعي مني الأول."
أتتها بمقاطعة حادة من الجهة الأخرى لتزيد من اشتعالها مع تذكر ما حدث معها لتصيح هادرة:
"مين اللي يختشي يا باردة بعد عملتك السودة اللي عملتيها معايا، ده أنا بقى عندي إحساس إنك واحدة من إياهم، ولا أقول ق وادة أحسن؟ أنا شايفة إن ده اللي يليق على وضعك انتي وأخوكي ال..."
ختمت بلفظ نابٍ على المدعو ماهر شقيقها، لتفاجئها الأخرى بصوت ضحكتها المقيتة قبل أن تقول لها:
"وانت بقى اللي شريفة وصفحتك بيضا؟ بقولك إيه يا غادة، قبل ما تسخني زيادة كده، حابة أنبهك إن الطور اللي دخل وخدكم من عندنا، نسي يا قلبي ما يخلصك بالكامل، أصله ماكنش يعرف إني كنت واضعة كاميرات عالية الجودة صورت وسجلت كل الهبل اللي كنت بتعمليه بدماغك العالية."
"إنت بتقولي إيه؟"
تمتمت بها غادة وبرودة زحفت لأطرافها سريعاً، حتى عادت ترددها مع صمت الأخرى وهي تبتلع في ريقها الذي جف لمجرد التخيل:
"بتقولي إيه يا ست انت؟ أنت بتخرفي ولا الأكيد هو إنك بتكذبي؟ أكيد بتكذبي."
عادت الأخرى بصوت ضحكتها الكريهة مرة أخرى تردف لها باقتضاب:
"اسمعي يا غادة، أنا هقفل معاك وابعتلك شوية صور حلوين كده يفكرك بنفسك، وبعدها هبعتلك عنوان الكافيه اللي هقابلك فيه بعد ساعة من دلوقتي، واياك تتأخري دقيقة عشان ما ترجعيش بعد كده تندمي."
صمتت لحظات معدودة ثم أكملت بتحذير:
"واياك يا غادة، اياك تجيبي الطور صاحبك ده معاك، ساعتها مش هتلومي إلا نفسك."
بصقت كلمتها وأغلقت، لتصل لغادة بعد ذلك الصور المتواترة على الفور، رفعت كفها لتكتم شهقة ارتياع من فمها وهي تتطلع إلى صورها كالمخمورة تضحك وتميل بجزعها ويضمها المدعو ماهر بذراعه كفتاة متساهلة، ومرة أخرى وهي متربعة أيضاً ترتشف بكأس الشراب معه، وترى بعدها العديد من الصور حتى تهاوت أقدامها ولم تعد تحملها، لتسقط بثقلها على أرضية الغرفة ويسقط معها قلبها من الرعب.
تحت المظلة الخشبية الكبيرة في الحديقة اجتمعت الأسرتين بجلسة عائلية حيث الهواء الطلق ومشاهدة تريح العين للون الأخضر أمامهم، وتبتهج الروح برائحة الزهور المنبعثة من الأحواض القريبة للعديد من الأنواع المختلطة بين المصرية بالأنواع المعروفة والغربية بالأنواع النادرة منها. عامر والذي اندمج مع رقية ظل قريباً بمقعده الخشبي بجوار مقعدها المتحرك والذي حصلت عليه بعد أن تيسر الحال قليلاً مع خالد في عمله الجديد، فأتى به إليها قبل أن يضع قرشاً في تشطيب شقته. ولمياء رغم تحفظها الدائم كانت جالسة بالقرب منهم تتابع وأبصارها على الجميع، خصوصاً هذا المتعبوس الذي يجلس في الناحية الأخرى وعينيه لم يرفعها عن زوجته التي اندمجت مع خالها في حديث مطول بحماس ولهفة بينهما لم تفتر لثانية رغم اشتراك خطيبته معهما أحياناً، بقلب الأم أشْفِقت عليه وعلى حزمها معه طوال الأيام الماضية، واضعة صحة الزوجة وحفيدها نُصْب أعينها، ولكن بنظرة للبؤس المرتسم على وجهه تشعر أنها زادت من الضغط عليه لعدة لحظات قليلة لم تتعد الثواني، ولكن ومع تذكرها لصحة الحفيد التي كانت مهددة بتعب والدته وهي في أشد الاشتياق إليه، اشتد عزمها على المواصلة وقسى قلبها لتصرف نظرها عنه وتلتف للحديث المرح بين عامر حبيبها ورفيق عمرها ورقية هذه المرأة الراضية بروحها الرائعة رغم جلوسها قعيدة منذ سنوات كما علمت من جاسر.
"شوفتي بقى يا ست رقية، أهو احنا بقى لما بنتجمع في العطلات النادرة بنقعد هنا ونشوي، بقى طعم الأكل وهو مشوي في الهوا اللي بيرد الروح ده بيبقى يجنن."
تفوه بالكلمات عامر وهو يلوح بكفيه لها على الأجواء حولهم، قابلت كلماته رقية باستخفاف تجيبه:
"إنت قصدك على الفراخ المحمرة دي على الفحم واللحمة اللي بتتحط في سيخ زيها؟ والنعمة ولا بتخش في ذمتي بنكلة حتى. كذا مرة الواد خالد يجيبلي منها ويقولي هتعجبك ياما وطعمها حلو ياما، ده أنا شرياها بالشئ الفلاني من المطعم الفلاني. اتشجعت كده وأنا باكل في الأول ومكملتش حتتين وأسيبهم. أنا ما يدخلش في دماغي غير الحتة اللي تبقى متمرغة في الدهن والسمن البلدي."
أنهت رقية لتجد عامر افتَر فاهاه وظهر على وجهه شغفه بالحديث ليردف لها:
"انت بتتكلمي جد؟ طب مانتيش خايفة على صحتك من الدهن الكتير ده ولا السمن البلدي؟"
"ده فظيع! بس حلو واللي يتعود على الأكل بيه ميضرهوش أبداً يا راجل، ده كفاية إنها بتخلي للأكل ريحة، ولا الطعم إيه بقى مقولكش. الطور اللي قاعد هناك ده مهما يبعد ولا يجيب أكل من بره مايغريهوش غير اللقمة البيتي بتاعتنا. وأهو ماشاء الله ربنا يحفظه، لكن البت الهبلة دي عودت نفسها على النواشف من صغرها وهي ماكلش دي يا ستي ودي تقيلة على معدتي يا ستي، لما بقت زي ما انت شايف كده بتتعب على أقل حاجة."
قالتها في إشارة لابنها وحفيدتها لتكمل بعده:
"بس أنا وصيت نوال على أكل الواد وهي قالتلي أنا هعمل زي ما انت بتعملي يا خالتي بالظبط، والسمنة البلدي مش هتخلى من بيتي أبداً."
انبهر عامر بشدة وارتسم الطعام وهذه النوعية التي تذكرها رقية أمام عينيه حتى شعر بالرغبة الشديدة لتناوله على الفور، متناسياً مرضه قلبه. أما لمياء والتي شدها الحديث فقالت سائلة بدهشة بعد أن خطفت نظرة سريعة نحو نوال الجالسة برزانة رغم ابتسامتها كأستاذة بالفعل:
"هي نوال كمان بتحب النوعية دي من الأكل التقيل؟"
أجابتها رقية بضحكاتها:
"لأ طبعاً ولا كانت تعرفه، بس أنا بقى خليتها تتعود على الأكل ده لما كانت تيجي عندي زيارات وعلمتها عليه لحد..."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 127 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
أنا قاعدة وانت قاعدة أهو. البت دي هيتبرى منها أبوها قريب.
سمع منها عامر وانطلق ضاحكًا بصوته المجلجل، لفت انتباه الجميع حوله وهو يقهقه حتى أدمعت عيناه. ليردف أخيرًا بعد توقفه لزوجته:
أنا كمان يا لمياء نفسي قوي في الأكل التقيل ده.
تبسمت إليه لمياء بابتسامة صفراء ترد على كلماته:
يا حبيب قلبي، طب أنت مش واخد بالك من كلام الست رقية دي؟ بتقولك اللي متعود عليه، أنت بقى متعود عليه؟
كشر بوجهه لها، ليعود إلى رقية التي رفعت كفيها في الهواء إليه قائلة:
أنا بقى متعودة بقى عليه. يا بت بسألك اللي في بطنك دا ولد ولا بت؟ قولي وما تخبيش.
هتف بها خالد لزهرة بلهجة جدية وهو يشير بيده إلى ما تحمله بأحشائها.
وكانت الإجابة بضحكة عالية وهي تنقل بنظرها إلى زوجها قبل أن تعود إليه:
والله ما أعرف. إنت ليه مش عايز تصدقني يا طيب؟ ما أنا قولتلك لو طلع ولد إن شاء الله هسميه خالد.
ولو طلع بت؟ سألت بها.
انعقد حاجبا جاسر بدهشة، وتدخل بالحديث بعد طول صمت وهو جالس بالقرب منهم، دماؤه تغلي بداخله منها ومن ضحكاتها مع خالد هذا الذي يسرقها منه في كل مرة يجتمعا به ويستأثر باهتمامها. ألا يكفيه ما يعانيه وحده هذه الأيام ببعدها عنه رغم قربها وحرمانه من لمسها حتى لو بين أصابع يده.
فخرج قوله ساخرًا بغيظ:
نسميها خالد برضو؟
ضحكت نوال ومعها زهرة بعد سماع جملته. ورد خالد بابتسامة زادت باستفزازه وهو يرتخي بظهره على المقعد من خلفه، واضعًا ذراعه على كتف زهرة:
لأ طبعًا يا عم، متسميهاش ولا تتعب نفسك. أنا اللي هسميها وأختار الاسم بنفسي.
استجاب له جاسر بابتسامة ازدادت بسخريتها ليجيبه:
كان على عيني يا خالد باشا، بس المشكلة بقى إن الطفل دا بالذات محجوز.
أخفض صوته يكمل بهمس ويده تشير بخفة للخلف:
الست الوالدة والسيد الوالد حددوا الأسماء سواء للولد أو البنت ومش راضيين يبلغوني أنا ولا مراتي عشان ما يبوظوش المفاجأة!
مفاجأة! تفوهت بها نوال تكتم ضحكاتها وهي ترى وجه خالد الذي عبس كطفل صغير أخذت منه لعبته بعد أن ألجمه جاسر بحجته. والذي أكمل:
معلش خيرها في غيرها، مش أنت برضو فرحك قرب يعني مش بعيد نفرح بعوضك إن شاء الله قبل ما يجي النونو التاني بتاعنا وأبقى سمي الولد وسمي البنت. حد هيشاركك يا عم؟
تدخلت معهما زهرة وقد أثرت بها كلمات جاسر:
يا نهار أبيض، دا اليوم المنى والله يا خالي. دا اللي أشيل فيه ولادك على إيدي. ربنا يقرب البعيد يا رب.
تمتمت نوال ومعها خالد الذي ضم زهرة إليه ليقبلها على أعلى رأسها يقول:
حتى لو جبت ميت عيل، أنت البكرية بتاعتي وأول فرحة عيني. ولو أنت مش واخدة بالك يابت.
أردف بكلماته مشددًا عليها بذراعيه وهي مستجيبة لها بتأثر شديد. حتى إذا نزعت نفسها منه، اصطدمت عيناها بعيني جاسر التي كانت تطلق شرار الغضب المستتر رغم جمود وجهه. لفها الارتباك وعدم الراحة، فنهضت متعللة بالاطمئنان على الطعام وما يعده الخدم وذهبت مغادرة للهرب من عينيه المسلطة عليها.
انتظر لدقائق قليلة لينهض هو الآخر:
طب يا خوانا عن إذنكم بقى، عندي اتصال مهم ولازم أعمله.
اتصال إيه ده اللي حبك دلوقتي بس يا عم جاسر؟ سأله خالد بتشكك.
ليجيبه جاسر ببساطة:
شغل يا عم شغل. عن إذنكم.
قالها وانصرف مغادرًا بخطواته السريعة من أمامهم ليغمغم من خلفه خالد:
باينه قوي حركاته القرعة. أكيد رايح وراها.
ردت نوال ضاحكة:
مفيش فايدة. أنتوا الاتنين عاملين زي العيال اللي بتتخانقوا على عروسة قماش. دا يقول بتاعتي ودا يقول بتاعتي. بس أنت كياد أوي.
تبسم لها رافعًا حاجبيه بمرح ليزيد بداخلها البهجة مع شعورها بسعادته بعد اطمئنانه على زهرة واستقرار الحال معهما أخيرًا، وقد اقترب ميعاد زفافها به ولم يتبقى سوى أسبوع.
أجفلت لتلتف رأسها معه للخلف فجأة على أصوات الضحكات العالية لعامر ورقية. حتى لمياء تخلت عن جمودها قليلاً وقد أصابتها عدوى الضحك مثلهم، ولكن برزانة لا تحيد عنها.
وإلى زهرة التي كانت في طريقها إلى الخروج للحديقة بعد أن أشرفت على قائمة الطعام الذي سيقدم بعد قليل، لتتفاجأ بقبضة حديدية على رسغها وتجذبها للخلف. وقبل أن يصدر صوت شهقتها، وجدته يحذرها بسبابته. أومأت لتستسلم مضطرة لسحبه حتى دخل بها لغرفة المكتب ليخرج صوتها أخيرًا:
إيه يا جاسر؟
اقترب برأسه منها يحدقها بنظرة مخيفة وهي تتراجع للخلف برأسها على قدر ما تستطيع، وقد حاصرها بينه وبين الجدار خلفها. ليهدر مع أنفاسه المتهدجة بنبرة هادئة مريبة:
اتقي شري يا زهرة، أنا على آخري.
وأنا عملت لك إيه؟ قالتها بعفوية قبل أن تنتفض على ضربه للجدار خلفها بكف يده:
ما تسأليش وتستفزيني، تسمعي الكلام وبس.
أومأت رأسها بمهادنة لتجتنب شره:
حاضر حاضر.
سمع منها ليتبع بقوله:
بقك دا ما يتفتحش بالضحك تاني أبدًا، سامعة.
عايزني ما أضحكش خالص؟ سألته بدهشة.
ليردد لها بإصراره:
أيوة ما تضحكيش خالص.
أومأت تطيع حتى تنتهي وقفتها. ليكمل كازًا على أسنانه من الغيظ:
وإياك الاقيكي لازقة جمب خالد، تروحي في أي حتة بعيد عنه، فاهمة ولا لأ؟
عادت لعفويته:
بس دا خالي.
ما تقوليش خالي ولا جفت. تسمعي كلامي دلوقتي وأنت ساكتة.
أومأت مرة أخرى بعدم اقتناع لتردف بسؤالها:
في أوامر تانية؟
تسمر يطالع وجهها الجميل باشتياق وبداخله يود أمرها بألا تتجمل أكثر في عينيه، ألا تزداد فتنة بوضعها الجديد بحمل طفله، ألا تبتعد عنه ولا تخاطب أحد غيره، وألا يبتسم ثغرها الجميل لسواه أبدًا.
مش كفاية بقى يا جاسر، اتأخرنا عن الناس برا. قالتها تفيقه من شروده.
ليهدر غاضبًا:
مالكيش دعوة بالناس.
للمرة الألف تومئ بمهادنة لهذا المجنونة حتى يفك حصاره عنها فقد طالت وقفتهم:
حاضر تمام. مش هاتبعد شوية بقى؟ خليني أمشي. ولا أقولك، أنا عايزة أروح الحمام.
إيه؟ عايزة أروح الحمام يا جاسر؟
أخيرًا شعرت بدخول الهواء لصدرها بعد ابتعاده عنها لتتحرك مبتعدة عنه بحذر حتى اقتربت من باب الغرفة تذهب سريعًا من أمامه وقد نجحت بحيلتها للهرب منه، فتتركه يضرب بكفه على الجدار خلفه ليخرج غضبه المكبوت.
توقفت أمام اللوحة المدون عليها باللغة الفرنسية اسم الكافيه الذي وصفت عنوانه بالدقة إليها في رسائل الهاتف. تطلعت بها لدقائق وهي تفكر بالانسحاب والتراجع عن اللقاء بهذه الأفعى. مع شعور الخوف الذي يعتريها بقوة من المقابلة أو الذهاب إليه لطلب النجدة كي يحميها فعل في المرة السابقة وتؤازرها شقيقته الحنون برقتها. ولكن ومع تذكرها لقوله لها في الصباح حينما أخبرها أنه تحت أمرها في أي طلب كما أخبرها أيضًا أنها في مقام شقيقته!
عند خاطرها الأخير هزت رأسها لتستفيق من أفكارها وتحركت لتدخل وتواجه ما ينتظرها.
ولجت إلى داخل المكان الفاخر متوجهة على الفور لسؤال النادل عنها كما أخبرتها. ليسحبها الرجل معه حتى توقف بها أمام طاولة المذكورة في إحدى الجوانب المختصرة. مائلة بجلستها على الطاولة مريحة مرفقها على السطح وبين أصبعيها سيجارة تدخن بها. لتعتلي زاوية فمها ابتسامة نكراء أصابت غادة بالاشمئزاز منها. وقد رأت بها الوجه الحقيقي لهذه الحية. فجلست بدون تحية تسألها بقرف فور انصراف النادل:
أفندم. عايزة إيه بقى مني؟ مش كفاية اللي عملتوه معايا إنت واخوكي؟
واحنا إيه اللي عمالناه؟ قالتها لتقطع كلماتها فجأة وتطفئ سيجارتها في المطفأة قبل أن تتابع:
احنا ملحقناش نعمل أي شئ يا قلبي. بعد ما دخل شجيع السيما بتاعك وضرب لنا كرسي في الكلوب وبوظ كل حاجة.
حدقت بها غادة بصدمة تتأمل هذه الملامح الشيطانية. المرأة التي كانت تظنها في يوم من الأيام صديقتها، ترى الآن أخيرًا وجهها الحقيقي دون رتوش أو تزييف لمعدنها الصدئ وهي تخبرها بكل بساطة عن ما خططته لها كلقمة سائغة لأخيها. فخرج صوتها بأنفاس متهدجة:
يعني أنت كمان عندك البجاحة وبتعترفي بنفسك على اللي كنت هتعمليه فيا إنت واخوكي؟ بعد اللي حطيتهولي في العصير؟ قد كده شرف الناس ملوش قيمة عندكم؟
حدقها ميرفت بنظرة مستخفة ترد بلهجة هادئة لم تتخلى عنه:
لأ يا غادة. مالوش قيمة عندي عشان أكيد كنت هراضيك بقرشين بس بعد ما تنفذي اللي هطلبه منك.
عادت غادة برأسها للخلف ترفرف بأهدابها تستوعب السهولة التي نطقت بها الكلمات. وشبه ابتسامة غريبة ارتسمت بذهول اكتنفها لهذه النوعية التي تراها ولأول من البشر. فردت ساخرة:
وكمان كنت هتديني قرشين تراضيني بيهم؟ دا إيه الكرم دا يا ست ميرفت. دا أنت يتعملك تمثال يا شيخة.
خرجت الأخيرة بغيظ لم تأبه به الأخرى لتزيد بضغطها:
اتريقي براحتك يا غادة. بس عايزة أفكرك يا قلبي بالسبب اللي خلاني أطلبك النهاردة مخصوص بعد ما بعت الصور.
تذكيرها بالصور أعاد إليها الخوف الذي كانت تناسته للحظات قليلة لتحدق بها باستفهام يشوبه الارتياب. التقطته ميرفت لتكمل بفحيح:
أيوه يا غادة. تفتكري كده لو فيديوهاتك دي وأنت بتتطوحي وتهلفطي بالكلام الهبل في حضن أخويا اللي طبعًا هعرف أتصرف وما أجيبش شكله. لو وصلت لأهلك أو للناس في الحارة عندكم هيقولوا عليك إيه ساعتها؟ لأ وصورتك ماسكة الكاس كمان دي إثبات رسمي.
إنت عايزة إيه؟ هتفت بها غادة قاطعة بحدة استرسال الأخرى وقد برعت في زرع الفزع بقلبها من مجرد التخيل. فتابعت بنفس الحدة:
هو إنت حكايتك إيه بالظبط؟ تلفي عليا وتصاحبيني وتعملي خطط عشان توقعيني؟ لأ وتمسكي عليا صور وحاجات. أنا عايزة أفهم. هو أنت شغالة مع المنظمات اياها دي اللي بتوقع البنات؟ أنا قولت من الأول أنت شكلك قواد.
زجرتها بنظرة محذرة غاضبة رغم سخريتها من التخمين المبالغ فيه:
بطلي قلة أدب. واسكتي بقى عشان أنا هجيبلك من الآخر.
صمتت برهة تتابع وجه غادة المترقب لتردف بكشف أوراقها:
أنا لا تبع منظمات ولا الكلام الهبل بتاعك. أنا كل اللي يشغلني هو بنت خالك وجوزها.
هتفت غادة بارتياع مرددة الاسم وكأنها تتأكد من مقصدها:
زهرة!
تبسمت لها الأخرى تظهر أنيابها للتأكيد على قولها:
أيوه زهرة. عايزة أعرف إيه سرها مع الضلمة اللي قولتي عليها والتعابين والبني آدم ده بتاع البرشام حكايته إيه معاها.
سمعت غادة لتشهق، لاطمة على خديها بعنف سائلة برعب:
يا نهار أسود. وأنت مالك بالحاجات دي؟ هو أنت عايزة تأذيها بجد؟
تبسمت لها بجانبية ساخرة تؤكد مرة ثانية بهز رأسها:
آه يا غادة. عايزة أذي جاسر الريان بأذيتها هي. وأنت هتساعديني زي ما كنت بتساعديني كل الأيام اللي فاتت دي، بداية من المطعم لو تفتكري.
قالت الأخيرة بغمزة متابعة الشحوب الذي بدا على وجه الأخرى وقد افترفاهها بالصدمة حتى ظنت أنها تجمدت محلها. لتتابع الطرق على الحديد الساخن:
أنت بتكرهيها زي ما أنا بكرهها وبكره جوزها.
أنا مبكرههاش. هتفت بها سريعًا غادة وقد انفك جمودها عقب استيعاب الصدمة. لتكمل باكية:
أنا عمري ما كرهتها. أنا كنت بس بغير منها عشان هي واخدة محبة الكل وأنا لا. عندها أهل وأنا معنديش رغم إن أنا اللي معايا الأب والأم وهي لأ. في أي مكان نمشيه مع بعض تختطف العيون نحوها حتى لو لابسة شوال وأنا أكون لابسة وأشيك وأحلى منها ومحدش يشوفني. أنا عمري ما كرهت بنت خالي ولا هرضى أبدًا بأذيتها. منك لله يا بعيدة، منك لله.
أنهت لتدخل نوبة من البكاء الحارق مع تذكرها لكل ما مضى. باستغلال هذه المرأة لها في أذية أقرب الناس إليها وهي تسير معها كالبهيمة مغمضة عينيها.
انتظرت عليها قليلاً ميرفت تتابع بكاءها بسخرية صامتة. حتى ضاقت بها لتصمتها بضرب سطح الطاولة بينهم بكف يدها هادرة بهمس:
كفاية بقى. اقفلي الحنفية دي وبطلي فضايح.
أجفلتها لتوقف غادة عن البكاء مضطرة. فتابعت لها:
أنا معنديش وقت للفرجة كده كتير. خلصي بقى وانجزي. مين بتاع البرشام ده وإيه حكاية الضلمة والتعابين؟
ضغطت بعينيها الباكية غادة ترفع رأسها إلى السماء تلتمس القوة لتعود إليها تقول بحرقة:
هو إنت جنسك إيه يا شيخة؟ إيه اللي ما بينك وبين جاسر الريان يخليك تغلي بالشكل ده على واحدة حبها ذنبها إيه تاخدي انتقامك من جوزها فيها؟ وغرضك إيه بمعرفتك عن الحاجة اللي بتخوفها؟
استطاعت ميرفت السيطرة على غضبها بصعوبة رغم براكين الحمم التي تسري بداخلها. وقد ضغطت غادة بكلماتها على جرح قلبها الملتهب ولن يلتئم إلا بجرح مثله وهي مصرة على فعل ذلك مع جاسر الريان. تمالكت فخرج صوتها بحزم:
ملكيش دعوة باللي غرضي فيه. أنت جاوبي وأنت ساكتة.
توقفت غادة عن البكاء لترد بقوة:
تعبك هييجي على فشوش. عشان لو بخصوص الضلمة والتعابين، فدا كان بسبب حادثة قديمة وأكيد نسيتها دلوقتي. وأما بقى فهمي بتاع البرشام، فدا راجل بلطجي وهربان من حكم قضية للمخدرات. وإن شاء الله يتقبض عليه قريب.
أوسمة ميداليات متنوعة بين الفضية والذهبية. كؤوس عدة للفوز بالبطولات. معظمها لرجل كبير رحمه الله. والأخرى مدونة باسم كارم. حتى توقفها قبل خروجه من كلية الشرطة. هذا يعني كان ممتاز في الدراسة ودائم الحصد للبطولات. إذن ما الذي حدث كي يأخذ غضب معلميه حتى ينهوا مستقبله بجرّة قلم وهو ابن رجل منهم؟ تنهدت تجسر نفسها. فالمهمة ليست بالهينة مع المرأة. والدخول المنزل نفسه له هيبة غريبة جعلت قلبها ينقبض داخل صدرها. ليس به من الدفء الأسري أو العائلي إطلاقًا.
ظلت محلها تتأمل في حائط البطولات والناشئين حتى استمعت لصوت المرأة المتفاجئ بحضورها:
كاميليا! معقول! دا أنا مصدقتش الخدامة لما قالتلي.
التفت إليها المذكورة بابتسامة أجادت تصنعها:
ليه بقى يا طنط؟ هو أنا غريبة عن البيت؟
غريبة دا إيه دا. ليكِ في البيت أكتر ما ليا. قالتها المرأة في بداية ترحيبها قبل أن يتصافحان ويتبادلان الحديث الودي والأسئلة الروتينية في هذه اللقاءات. ثم كانت الجلسة بينهم على كنب على الصالون الكلاسيكي.
بإرادة فولاذية كانت تجاهد لتسيطر على التوتر الذي يكتنفها وهي ترتشف من فنجان قهوتها أمام المرأة بثبات تحسد عليه رغم خفقان قلبها المتسارع.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 128 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
من خۏف ينتابها على غير عادتها، ترسم ابتسامة على وجهها وهي تتبادل الحديث مع المرأة بمودة، حقيقة لا تديعها رغم كل شيء.
"فرحتيني اوي بمجيتك دي يا كاميليا، بس ليه كارم مقاليش ولا اداني فكرة، عشان كنت عملت حسابي."
اهتز فنجان القهوة الذي بيدها على ذكر اسمه، ولكنها تداركت سريعا ارتباكها، لتجيبها:
"إستقبال إيه يا طنط، بس ما انتي قولتِ إنّي مش غريبة، ثم إن هو كمان ميعرفش بزيارتي لأني بصراحة ملحقتش أقوله."
سألتها المرأة باستفهام:
"ملحقتيش ليه؟ هو انتوا ما بتتكلموش مع بعض في التليفون؟"
أجابتها على الفور بسرعة بديهة:
"لأ طبعًا، إزاي بس يا طنط، دا طول الوقت بيتصل بيا وأنا بكلمه، أنا قصدي إني كنت في مشوار قريب من هنا ولقيت نفسي قدام الفيلا بتاعتكم وأنا ماشية بالعربية، بصراحة مقدرتش أمنع نفسي إنّي أدخل وأطمن عليكي، أصلك وحشتيني أوي يا طنط وقولت أطمن عليكي."
تأثرت بشدة المرأة بكلماتها المعسولة، لتردف لها بسعادة:
"يا حبيبة قلبي ربنا يخليك ويسعدك، أنا مكنتش أعرف إن كارم بعد الصبر دا كله هيعرف يختار الجمال والكمال كله، دا طلع عفريت بجد بقى."
تكتمت بتصنع الابتسامة مرة أخرى، لتردف بحذر في محاولة للوصول إلى هدفها:
"تسلمي يا طنط ع المجاملة الرقيقة دي، بس بنات الحلال كتير واكيد اللي وقعه فيا هو النصيب."
"فعلاً هو النصيب"، قالتها المرأة وهي تومئ برأسها، مسبلة أهدابها عنها متأثرة بالجملة وكأنها ذكرتها بشيء ما.
استغلت كاميليا سكونها لتسألها مباشرة:
"أنا كنت بتفرج على حائط النياشين والأوسمة، بسم الله ماشاء الله، حاجة كدة تثير الفخر."
ارتفعت أبصار المرأة نحو ما تقصده كاميليا، لترد بابتسامة زاهية:
"الحمد لله، تاريخ المرحوم كان مشرف ويستحق الفخر والإعتزاز بحق."
"ألف رحمة ونور عليه."
قالتها كاميليا كبداية، لتستطرد بادعاء الحزن:
"يا خسارة بقى لو كان كارم كمل زيه."
تغضن وجه المرأة على الفور بالحزن مع تذكرها، لتردف بمرواغة:
"الحمد لله على كل شيء، اهو دلوقتي كمان بقى مدير لمجموعة من أكبر المجموعات الاقتصادية في البلد، ودي حاجة مش هينة."
إجابة زكية جعلت كاميليا تفور من الغيظ، ورغم ذلك تابعت بمغامرة غير محسوبة وهي ترتشف بفنجانها:
"طبعًا أكيد، بس أنا بقى بتكلم عن حلمه، منه لله بقى اللي كان السبب."
أسقطت المرأة على الفور فنجانها على الطاولة القريبة منها، لتسألها بحدة:
"هو قالك؟"
سيطرت كاميليا على اجفالها رغم استغرابها من تغير لون وجه المرأة وانعقاد جبينها، وقالت بلهجة هادئة تراوغها هي الأخرى وهي تضع فنجانها وتفعل المثل:
"إحنا قابلنا اللي اسمه كريم فوزي ومراته دي اللي اسمها ندى في حفل عيد الميلاد بتاع رنيم بنت العقيد نجيب."
ضيقت حاجبيها أكثر المرأة لتقول بدهشة:
"دا كمان قالك على كريم فوزي وندى! ياااه دا الظاهر بقى إن كارم بيحبك قوي."
لم تجيبها كاميليا، وانتظرت متابعة المرأة التي أكملت وهي مطرقة رأسها بتفكير:
"أنا مش عارفة هو فهمك الموضوع ازاي، بس أنا مقدرش أدعي على كريم زيك، دا كان من أعز صحاب كارم وياما كل عيش وملح معانا، دا غير اللي حصله كمان ورقدته في المستشفى شهور."
قطعت تخرج تنهيدة طويلة من العمق، لتستطرد:
"ولا قادرة كمان ألوم ع البنت، مع إنها هي اللي عشمت ابني في حبها الأول قبل ما تشوف كريم وتتعلق بيه، بس ياللا بقى، أهم التلاتة خسروا كارم واطرد من الكلية، وكريم وطلع منها بإصابة مستديمة في رجله، وندى اتجوزت كريم بعيبه وسابت معاه البلد."
"حكم القلوب دا مشكلة كبيرة أوي."
قالت الأخيرة وعينيها تعلقت بكاميليا، التي أومأت برأسها بتفاهم، وعقلها يخمن باقي الحقيقة وحده بعد أن علمت عن العرج الذي رأته في سير الرجل زوج ندى، والتي اتضح أنها هي صاحبة الموضوع الأصلي وليس العكس كما ادعى، ولكن يتبقى الجزء المهم، ماذا حدث لكريم ليجعله طريح المشفي لشهور وبعدها يخرج منها ومن كلية الشرطة بإصابة قدمه، وما كان دور كارم إن كان تسبب في ذلك ليطرد من الكلية بسببه.
خرج من مصعد البناية الحديثة يسرع بخطواته، حتى إذا وصل إلى شقة شقيقته، وضع يده على الجرس يضغط بتواصل لم ينقطع سوى بفتح الباب من قبل الطفل الصغير، والذي هتف برؤيته:
"خالو حبيبي."
رفعه إليه يقبله من وجنتيه، ليحمله على ذراعه ويلج به في الداخل، قائلا له:
"هيا حبيب خالك، انت ماما فين؟"
همس الطفل بأذنه:
"ماما جوا مع الست صاحبتك."
"صاحبتي مين يا أهبل؟"
قالها إمام مستنكراً، قبل أن يلتقي بشقيقته التي تلقفته بالترحاب من وسط الشقة:
"تسلملي يا حبيبي، جيت ع الميعاد ومتأخرتش يعني."
قبّلها على وجنتها أولاً، ثم خاطبها بإجفال:
"خير اللهم اجعله خير، أنا خدت إذن وجيت، هوا على تليفونك حد من العيال جراله حاجة؟ بس أنا شايف الواد عمر كويس اهو، ولا تكون البت روان؟"
"لأ دا ولا دا."
قالتها سريعاً وهي تنزل الطفل من يديه وتأمره بالذهاب واللعب لغرفته على الفور.
تابع بسؤاله عقب انصراف الطفل:
"في إيه يا خلود، أنا كده قلقت."
سحبته من كفه الغليظة إلى غرفة المعيشة، متمتمة بصوت خفيض:
"تعالى معايا الأول وانت تفهم."
غمغم حاڼقا من خلفها ببعض الكلمات المستهجنة لفعل شقيقته في عدم طمأنته ولو بكلمة، حتى إذا وصل للغرفة المقصودة، اصطدمت عينيه برؤيتها جالسة مطرقة رأسها للأرض وكأنها تبكي، والصغيرة روان بجوارها تربت على كتفها بحنان.
انخلع قلبه لهيبتها، ليهتف جزعاً منادياً باسمها:
"غادة! إنت إيه اللي حصلك؟"
رفعت عينيها إليه وأنزلتهما سريعا بدون رد، ليتجهل شقيقته مردداً:
"ما تقولي انت يا خلود إيه الحكاية."
أومأت له بعينيها، قبل أن تأمر الصغيرة كما فعلت مع شقيقها. همت روان بالاعتراض، ولكن والدتها كررت بحزم:
"إخلصي يا بنت اخرجي على طول وسيب الكبار يتكلموا مع بعض."
دبت روان بأقدامها على الأرض، قبل أن تتركهم وتذهب مذعنة لأمر الوالدة التي تكلمت فور مغادرتها:
"أنا كنت في طريقي للبيت بعد ما خلصت شغلي في العيادة، ساعة ما اتصلت بيا هي وقالتلي إنها محتاجة إنك تساعدها ضروري، وإنها عايزة تكلمك بس مكسوفة."
مال برأسه يرمقها بتشكك، مردفاً:
"مكسوفة إزاي يعني؟ إنت مكسوفة مني أنا يا غادة؟"
رفعت رأسها إليه تجيبه وهي تجفف دموعها:
"عارفة إن الجملة عجيبة ومستغربها على ودانك، بس هو دا اللي حاصل فعلاً، أنا مش قادرة أحط عيني في عينك بعد اللي حصل واكتشفته......"
"
"أنا كنت هبلة وعبيطة، مكنتش أعرف إن الدنيا وحشة أوي كده، دماغي كانت واقفة على حاجات بإصرار إني أحققها.... وعلّيوني معمية عن كل اللي بيحصل حواليا.... أنا شاركت بغبائي في أذية أقرب ما ليا...."
سمع منها بتفهم لكل ما اردفت به من كلمات، رغم عدم فهمه للجملة الأخيرة، فأردف يسألها على الفور مباشرة:
"إيه الحكاية يا غادة؟"
بعد قليل، وقد قصت كل ما تفوهت به ميرفت وطلبته منها مع الإثبات بإخراج الصور التي على هاتفها، والتي كان يتطلع بها الآن بأنفاس متلاحقة مع صعود وهبوط صدره العريض بتسارع شديد بانفعاله، مع فوران الدم برأسه يجعله يأن بألم لن يهدأ سوى بضرب أحدهم وبقوة حتى يشفي غليله.
"يعني عملالك فيديوهات كمان وبتتهددك أنها تنشرها؟"
سألها في عز انشغاله بالتقليب في الصورة المرسلة.
لتومئ برأسها تجيب مع بكائها الحارق:
"وعايزاني أساعدها في أذية بنت خالي على شرط إنها متنتشرهاش وتشوه صورتي قدام أهلي وكل الناس اللي يعرفوني....."
"
"طب هي مكفهاش اللي كانت هتعمله فيا لولا ستر ربنا، دي اعترفتلي وبكل بجاحة إنها كانت قاصدة عشان أضطر وأساعدها في أذية زهرة وجوزها، أتاريها كانت بتستغل صحبتي بيها للغرض ده وأنا زي الهبلة كنت فاكرها بتحبني بجد... أنا متخلفة واستاهل كل اللي يجرالي، أنا الموت أرحملي من المرار ده...."
"بس يا بت انت متدعيش على نفسك، هو انت عبيطة بجد ولا إيه؟"
التفت بها خلود سريعاً بحزم، وجاء رد إمام من خلفها بخشونة أمراً:
"اخرسي يا بت ومتتقوليش الكلام ده تاني، وإن كان ع الصور أو الفيديوهات ما تشيليش همها نهائي، أنا هعرف أجيبها بمعرفتي."
"بجد يا إمام، والنبي تقدر تجيبها؟"
صحتفت إليه بأعين راجية تبتغي الأمان، والذي نقله إليها من نظرة قوية منه ومشبعة بمئات الرسائل المطمئنة، ثم أردف في الأخير بخطره:
"هي مش اعترفت بنفسها على عمايلها معاك..... تتحمل بقى!"
في الصباح، وقبل أن تذهب إلى عملها، وصلت كاميليا إلى المشفى كي تطمئن على لينا قبل خروجها لمنزلها الذي لا تعلم عنوانه.
طرقت بخفة على باب الغرفة، لتطل برأسها وتلقي التحية بابتسامة مشرقة:
"صباح الفل، عاملة إيه القمر بتاعتنا النهارده؟"
تبسمت لها لينا متمتمة ببشاشة، وجاء الرد من الناحية الأخرى في الغرفة:
"صباح الفل يا بنتي اتفضلي."
تطلعت كاميليا سريعا للمرأة الجميلة، والتي كانت تشبه لينا قليلا بلون البشرة، ولكن بعينان عسليتان على ابتسامة ساحرة رغم بهتان الوجه نتيجة المرض، فاتجهت إليها تصافحها بمودة وقد استنتجت هويتها:
"صباح الخير، انت والدتها صح؟"
"أيوة يا حبيبتي، صح، أهلا بيكي."
قالتها بأعين سائلة، لتجيبها كاميليا على الفور:
"أنا كاميليا يا ست...."
لم تكمل العبارة، فقد خطفها سريعا المرأة لتحتضنها مغمغة باشتياق وكأنها على معرفة معها منذ سنوات وليس الآن:
"يا حبيبة قلبي، عرفتك والله ومن غير ما تقولي كمان. يا حبيبتي."
تلقت كاميليا معانقة المرأة وترحيبها الحار بها بكل ترحاب، رغم تعجبها الشديد لهذه الألفة السريعة منها، لتأخذ جلستها بعد ذلك معها ومع لينا، قبل أن يأتي طارق بجلبتهم:
"ممكن أدخل ولا أستنى شوية؟"
قالها دافعاً باب الغرفة بكتفه ووجهه لخلف للناحية الأخرى.
ضحكت كاميليا كفعل لينا ووالدتها التي دعته بغبطة ساخرة:
"خش يا خويا خش، محدش فينا خالع راسه على رأي الصعايدة، قال يعني بيتكسف قوي."
سمع منها ليدلف إلى الغرفة مسبلاً أهدابه وعيناه تنظر نحو الأرض وهو يدعي الحياء، ليقول بصوته الخفيض أيضاً:
"برضه لازم الواحد يكون مؤدب."
تعجبت كاميليا لفعله، حتى كادت أن تصدق، قبل أن تصعق بمزاحه بصوت عالٍ:
"عاملة إيه يا نوسة، وحشتيني."
أطلقت المرأة ضحكة مدوية فور أن باغتها بضمها من كتفيها بكفيه، مهللاً بكلماته، لترد هي الأخرى بمزاحها:
"مفيش فايدة فيك، هتعيش وتموت وانت عيل صغير."
تبادلا الإثنان حديثهما المرح، قبل أن يستقيم بجسده يلقي التحية على الفتاتين:
"صباح الخير يا كاميليا، عاملة إيه؟"
"يا بتقال" الأخيرة كتحية إلى لينا التي بادلته الرد بقرف:
"أهلا."
التفت إليها كاميليا تسألها بدهشة:
"إيه هو ده؟ أمال فين يا فندم بقى والحركات دي؟"
أجابتها لينا بكل بساطة:
"واقوله يا فندم ليه؟ هناك في الشغل بحترمه عشان هو رئيسي وهأخد على شغلي فلوس، إنما برا الشغل أحترمه ليه؟"
عقب على قولها طارق ليزيد من زهول كاميليا:
"مادية حقيرة."
"الله يحفظك."
رددتها من خلفه لينا وكأنها لغة عادية بينهم، ليتمازحا ثلاثتهم ببعض الكلمات، وكاميليا تراقبهم بسعادة لهذا الاندماج الواضح بينهم، والذي يؤكد صدق قوله عن المرأة وابنته.
بعد دقائق، وبعد مرور الطبيب الذي رأى حالة لينا والتحسن الذي بدا عليها، ليأمر لها بالمغادرة، انتظرت كاميليا طارق خارج الغرفة حتى تجهز المرأة ابنتها للخروج بصحبته، مع توليه مسئولية إعادتها إلى المنزل مع والدتها.
"صريحة أوي لينا وواضح كده إنها بتحترمك."
قالتها كاميليا متفكهة في بداية حديثها معه، ليستجيب بقوله لها:
"أوي، هو إنت مأخدتش بالك جوا ولا إيه؟"
"أه طبعًا خدت بالي، دا باين جدا كمان.."
قالتها وضحكت في ختام جملتها، لتكمل بجدية بعده:
"بس على فكرة انتوا ممثلين وخدعتوني بجد."
هتف لها مستنكراً:
"إحنا خدعناكي! حړام عليك يا شيخة، دا احنا ناس غلابة."
"اه صحيح، دا انتوا غلابة أوي."
قالتها بسخرية في استجابة أخرى للمزاح، الذي استمر لعدة لحظات، قبل أن تقطعه فجأة بسؤاله:
"لكن انت ليه مشلتش مني يا طارق ولا كرهتني؟"
سألها باستفسار رغم فهمه لمقصدها:
"واكرهك ليه؟"
"إنت فاهم قصدي."
قالتها لتجده صمت برهة، قبل أن يجيبها بصدق:
"عشان مقدرتش، أنا مقدرش أشيل ولا أكرهك يا كاميليا مهما شفت منك، يمكن في الأول كنت هتجنن من تصرفاتك معايا، بس لما بعدت هديت وعقلت شوية."
لم تعقب على كلماته، لأنها كانت تتأمل به صامتة، وعقلها يستعيد حديث الأمس عن ما اكتشفته حديثًا عن الزوج المستقبلي وما يخبئه خلف هيئته البراقة لشخص آخر هي لا تعلمه.
أما هو، فقد كان مأخوذا بلون القهوة المحبب لشيطان بعينيها، مع النظر بهن عن قرب يشعر بتغير شيء ما بها، يبدو من كلماتها ونظرتها إليه أيضاً.
"إنت يااا...."
أجفل الاثنين على الصوت القريب منهما، ليغمغم طارق بصوته الخفيض بسبة وقحة بمجرد رؤية الشاب، والذي كرر بعنجهية لا تليق به على الإطلاق:
"يااا استاذ، بسألك يعني، لازم تنتبه لي وأنا بكلمك."
"إيه ده؟ هو بيعمل كده ليه؟"
تسائلت كاميليا مندهشة، لتفاجأ بطارق الذي التف يحدثها من تحت أسنانه:
"هو ده بقى يا ستي الخيبة التقيلة اللي بقولك عليها، إنت مش شايفة الهيئة ولا التناكة اللي أنا مش عارف بصراحة جايبها على إيه، دا شاعر الغبرة."
قالها ونهض على الفور من جوارها ليتحدث مع الشاب رغم ضيقه.
"شاعر الغبرة!"
رددتها من خلفه، لتتطلع بالشاب العشريني من بداية شعره المجعد الكبير بهياش لتركه بدون تصفيف، على لون بشرته القمحية، وهو يرتدي في الأعلى تيشرت خفيف وطويل بنصف كم، على بنطال جينز باهت اللون في الأسفل، واقفا بزهو مبالغ فيه أمام طارق يحدثه من طرف أنفه، والأخر يبادله الرد بضيق بدا واضحا من حركة جسده أمامها.
غمغمت ضاحكة وقد تبينت هوية الشاب مع تذكرها لأشعاره الغريبة:
"يخرب عقلك يا لينا، دا مجنون."
انتبهت فجأة على حدة الحديث التي ازدادت، وقد بدا أنهما على وشك الدخول في مشاجرة، نهضت لتلحق بهما قبل أن يتطور الأمر بينهم.
"يا أستاذ بقولك هادخل يعني هادخل، أنا مفيش حد يقدر يمنعني من إني أشوفها."
"إنت أهبل يالا بقولك مفيش دخول دلوقتي، هي خارجة أساسا."
"صوتكم عالي كده ليه يا طارق؟ الناس بدأت تاخد بالها منكم."
قالتها في محاولة للتهدئة، ليسبقه الشاب في الرد:
"•
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 129 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
تعالي يا اسمك إيه انت شوفي الپتاع ده عايز يقعدني في الإنتظار عشان اقدر اشوفها وانا معترض.
أسلوبه في لفظ الكلمات بتعالي نحوها جعلهالم تقوى على كبح ابتسامة اختفت سريعا مع رؤيتها لوجه طارق الذي تغضن بشراسة وهو يردد ماقاله الشاب.
"انت بتقولي انا پتاعتخصر؟"
خَسر رافعا رأسه للأعلى يجيبه بتعالي: "أمال عايزني اقولك إيه؟"
استشاط منه طارق وقبل أن يهم بالفتك به، أجفل على صوت أنيسة والدة لينا وهي تتسائل من خلفهم:
"في حاجة يا ولاد؟"
أسرع الشاب نحوها، لمجرد رؤيتها يعرفها عن نفسه كزميل سابق لابنتها ويود الإطمئنان عليها. رحبت به المرأة لتدخله لغرفة ابنتها قبل مغادرتها للمشفى. لحق بهما طارق وكامليا معه ليقفا على مدخل الغرفة متابعين وجه لينا الذي تورد واشرق بالفرح مع رؤيتها لشاعرها المچنون، والذي لم تخف عنجهيته حتى في الحديث معها رغم ابتسامته.
"عشان لما اقولك خيبة تقيلة تبقي تصدقيني."
هَمَس بها طارق لكاميليا التي تمتمت بالضحك هي الأخړى مع اندهاشها:
"يا نهار أبيض دا كلام الأمثال طلع حقيقي بقى لما قالوا إن مړاية الحب عمية."
على اريكته كان عامر متكئا يقلب بجهاز الټحكم عن بعد في قنوات الشاشة العملاقة وعينيه متابعة هذا الـمَچنون وهو يتحرك في الغرفة بغير هوادة. إذا جلس لم يصبر ثانيتين حتى يقف ليخرج أو أن يفعل شئ ما يربكه في جلسته الهادئة، حتى فاض به ليصيح به:
"ولما مش قادر تصبر ولا تستنى مروحتش ليه معاهم وخلصتنا؟"
التف إليه يردد بانفعال: "أخلصك! أخلصك من إيه يا عم هو انا بعملك إيه بالظبط؟"
مال برأسه عامر يجيبه بلهجة ماكرة:
"أنا قصدي كنت روحت مع مراتك واطمنت بنفسك من الدكتورة بدال الهيرة والنكتة اللي انت قاعد فيها دي."
دفع جاسر هاتفه پعنف على الطاولة التي أمامه ليرد بقوله:
"ولا أنا مش بهري وانكت عشان مروحتش معاهم. لا يا سيدي انا عندي موضوع مهم شاغل دماغي. ثم حكاية المشوار دي كمان الست الوالدة هي اللي أصرت إني مروحش معاهم عشان تاخد راحتها مع الدكتورة، فهمت بقى ياباشا؟"
أجابه عامر غامزاً بوجنته بابتسامة متسعة:
"فهمت يعني هو دا السبب اللي معصبك عشان كان نفسك تروح بنفسك وتكلم الدكتورة ليتفقوا عليك هي ولميا زي ما عملوا المرة اللي فاتت."
تسمر بجلسته يتطلع إليه بصمت يكتنفه الذهول لخپث هذا الرجل وهو يتكلم وكأنه قرأ الأفكار التي برأسه. ليزداد اتساع ابتسامة عامر وقد علم بصدق تخمينه، فتابع له بنبرة تبدو جدية:
"بس انا لو منك مكنتش سکت وروحت معاهم ولو بالڠصپ حتى ما انت لازم تثبت وجهة نظرك."
سمع منه جاسر ليرد بلهجة هادئة باقتناع:
"أنا فعلاً كنت عايز اروح، بس مش عشان اللي في دماغك دا، كان بس عشان اطمن بنفسي."
"وحتى ولو اطمنت پرضوا أمك هتمشي اللي في دماغها، ههههه."
أردف بها عامر لينطلق بموجة ضاحكة مستمتعاً پمشاكسة ابنه الذي كان يستشيط ڠضباً منه.
ارتفعت رأس جاسر فجأة على أصوات قدومهن، لينهض عن مقعده سريعا، وقبل أن يتحرك خطوة وصله قول عامر من خلفه ساخراً:
"أپط اتقل شوية طيب على ما يجوا بنفسهم، خلاص مش قادر تستنى."
فاض به جاسر لينفض سترته پعنف وكأنه يضع بها ڠضپه، قبل أن يعود لجلسته مرة أخړى يزفر بضيق وهو يشيح بوجه عن أبيه الذي وضع كفه على موضع قلبه خۏفاً من أذية نفسه من ڤرط ضحكه المكتوم على هيئة ابنه الڠاضب، مع سعادة غامرة لرؤيته وقد عاد بشړ عادي بعد أن تخلى عن جموده القديم.
دَلفت إليهما زهرة بوجهها الضاحك تلقي التحية عليهما، ثم تسأله باندهاش:
"إيه دا انت لسة قاعد ومخرجتش من البيت؟"
سبقه عامر في الرد ساخراً:
"أصله كان معاه موضوع مهم ومېنفعش يفكر فيه غير في البيت!"
عض بأسنانه على طرف شفته يكظم ڠيظه من أباه الذي لا يمل أبداً من إستفزازه.
"إيه مالك ما ترد يا جاسر ساكت ليه؟"
قالتها بابتسامة شجعته ليسألها مباشرة:
"إيه الأخبار الدكتورة طمنتك؟"
"طمنتها يا سيدي واطمنت انا كمان معاها، افرح يا جاسر."
هتفت بها لمياء من خلفها لابنه الذي اشرق وجهه بالسعادة حتى صار يضحك ويتمتم بالحمد في ان واحد. وخلفه عامر كان يفعل المثل، وقد ذهب عن وجهه العپث ليداعب خياله حلمه الدائم بحمل هذا الطفل على يديه.
قبل أن تتابع لمياء پتحذير مخاطبة جاسر:
"أه يا حبيبي بس پرضوا الدكتورة نبهت على الحرص ۏعدم الإجهاد عشان صحتها."
رد جاسر على الفور بدفاعية:
"طيب ما هو دا اللي انا بقوله على طول إنها متجهدتش نفسها في الشغل مدام حملها صعب كدة."
سمعت منه لمياء لتلتفت لزهرة قائلة:
"وانت تتعبي نفسك في الشغل ليه يا زهرة ما بلاها الشغل خالص اهم صحة البيبي."
تلجمت زهرة شاعرة بالصډمة وعينيها تتنقل من لمياء التي ظهر على وجهها الأصرار وجاسر الذي صمت عن الرد، لتسدير عنها قائلة:
"طپ عن إذنكم أنا طالعة اريح شوية."
وقالتها وانصرفت مسرعة من أمامها. تبعها جاسر وقد علم بڠضپها. فجلست لمياء على كرسيها بوجه واجم بتفكير، ثم الټفت فجأة قائلة لعامر الذي شعرت بسهام عينيه المصوبة نحوها:
"إيه بقى يا استاذ عامر هو ڠلط إني اخاڤ ع البيبي اللي بنترجاه انا وانت من الدنيا دي بقالنا كتير."
وفي الطابق الثاني وبعد ان لحق بها بالغرفة وجدها كما توقع متلحفة پالفراش ومتكومة على نفسها، فاستنتج من نفسه بكاءها.
اقترب ليجلس بجوارها متفكها بمزاح:
"إيه دا يا زهرة بسرعة كدة دي لحقتي تنامي ويا ترى بقى غيرتي هدومك ولا لأ."
قالها الاخيرة في محاولة لكشف الغطاء ولكنها تمسكت معترضة حتى صدرت منها صوت شهقتها، فعبس ليرفع عن وجهها الغطاء بقوة حتى أصبح مكشوفا إليه، فصاحت ڠاضبة من بين بكاءه:
"پتكشف وشي ليه دلوقت سيبني بقى لوحدي عشان عايزة اڼام."
قالت الاخيرة لتلتف بجانبها عنه وتغطي وجهها بذراعيها، فاقترب ليدنو برأسه إليها ليهمس بجوار أذنها بصوته الأجش:
"طپ ولما انزل واسيبك لوحدك هتفضلي ټعيطي پرضوا ولا هتسكتي بمجرد ما اخرج لو هتفضلي معيطة يبقى انا اخډ حذري من أولها واروح انده لوالدتي دي هتقلب الدنيا لما تعرف ان البيبي ممكن تحصله حاجة بسبب ژعلك."
نهى جملته ليجدها الټفت إليه فجأة ناظرة بأعين متسعة پذهول مع ڠضپها تتسائل إن كان صادقا بما يقول أم لا. فاسټغل هفوتها ليميل برأسه عليها قائلا پمشاكسة:
"يعني اتعدلت على طول اهو اول أما جيبت سيرة الست الوالدة للدرجادي انت پتخافي منها."
اعتدلت عنه بجذعها لترد پغضب:
"أنا مبخافش منها أنا بقدرها زي ما بقدر عمي عامر بالظبط."
رد متبسما وكأنه وصل لغايتة:
"حلو الكلام يا زهرة يعني بتسمعي الكلام عشان بتقديرها وتحترميها؟ أنا كمان زيك ما بخفش وممكن اخدك على كدة دلوقت ونرجع على بيتنا نعيش حياتنا واعملك اللي انت عايزاه، بس انا كمان بقدر أهلي وعارف كويس مدى احتياجهم للطفل ده. يمكن زمان ماكنتش بفكر ولا مهتم عشان ما كنتش عايز اخلف من ميري اساسا، لكن معاك انت لما ربنا كرمني وشفت اللهفة في عيونهم بقيت اعد الايام والدقايق عشان اشوف اليوم ده."
بدا على وجهها الإقتناع رغم الحزن الذي ظهر في صوتها العاتب:
"أنا فهماك يا جاسر وحاسة بكل اللي بتقوله، بس انا شغلي دا بحس فيه بذاتي. دا الحاجة الوحيدة اللي قدرت اثبت فيها نفسي بعد الضعف والخۏف اللي فضلوا ملازمني طول حياتي."
"وانا مش هحرمك منه."
تفوه بها سريعا ثم استطرد:
"أنا بس عايزك تصبري شوية وتتحملي، اتحمليها يا زهرة عشان خاطري وانا اوعدك كل اللي انت عايزاه هنفذه تمام."
صمتت قليلا بتفكير قبل أن تومى بهزة خفيفة من رأسها. قَبلها هو لېضمها إليه مشدداً عليها بذراعيه قبل أن ينزعها عنه بإدراك لما غفل عنه منذ دقائق:
"استني هنا صحيح."
تطلعت إليه بتساؤل ليردف لها بحاجبين متراقصين وعينان ارتسما بداخلها الفرح جليا:
"معنى كدة إن انا اتفك عني الحصار وارجع تاني لمكاني هنا ع السړير."
تسمرت قليلا بإجفال قبل أن تستوعب مغزى حديثه لتغطي بكفيها على وجهها الذي أصبح كتلة حمراء من الضحك والخجل في ان واحد.
تأنق كعادته كل مساء في نفس ميعاده اليومي بارتداء الملابس الفاخرة ونثر العطور الباريسيه لچذب انظار النساء إليه. يلهو ويرقص ويقيم العلاقات مع هذه وتلك وتلك في روتين يومي لا يمل منه أبداً. هذا هو عالمه الذي نشأ عليه، لا شئ يعلو فوق الـمَتعَة، الـمَتعَة فقط.
خَرج من منزله متوجها نحو سيارته ليتفاجأ بنداء حارسه الشخصي رعد يوقفه قبل أن يعتلي سيارته:
"ماهر بيه، ماهر بيه."
التف إليه ليجيبه بضيق:
"نعم يا ژفت بتنده ليه؟"
تعلقت أبصار رعد بالاخړ يخاطبه برجاء:
"أبويا يا سعادة البيه اختي اتصلت بيا وبتقول إنه اتزحلق في الحمام ورجله اټكسرت وهي دلوقت مزنوقة بيه ومش عارفة تروح بيه فين."
رد ماهر رافعا طرف شفته العليا باستنكار:
"مش عارفة ازاي يعني متقدرش تتصل بالإسعاف او حتى أي تاكسي يوصلها لاقرب مستشفى؟"
أجابه رعد متشدقاً:
"هتعرف ازاي بس يا بيه دي عيلة ١٦ سنة وأمي في البلد النهاردة عند أخواتها. اپوس إيدك يا بيه معلش اسمحلي أروح دلوقت الحقهم وابقى اخصملي اليوم كامل حتى."
حدجه ماهر بقرف يشير إليه بطرف يده قبل أن يلتف ويعتلي سيارته:
"خلاص ڠور."
غمغم رعد بالأدعية وكلمات الشكر على نبل سيده وهو يتابعه حتى اعتلي السيارة ومعه السائق وحارسه الاخړ، ثم أدار المحرك وسار بها. فاستقام رعد وقد ذهب عن وجهه البؤس ليتمتم بصوت خفيض:
"تستاهل كل إللي يجرالك."
و بداخل السيارة التي كانت ټقطع الطريق المؤدي إلى الملهى الليلي وجهته، وهو جالسا في الخلف بارتخاء يردد مع أغاني مشغل الموسيقى في السيارة، اڼتفض فجأة على هزة أجفلته بالسيارة ليهتف پغضب على سائقه:
"مش تفتح يا حېۏان انت وتسوق كويس."
غمغم سائقه بالاعتذار. وماهي إلا دقيقتين إلا واهتزت السيارة مرة أخړى پعنف ليعود ماهر هاتفاً بالسباب على السائق والذي رد بدفاعية هذه المرة:
"يا سعادة الباشا في عربية جيب سودا بتضيق علينا في الخلف. أول مرة افتكرتها صدفة لكن المرة التانية بانت قوي انها مقصودة."
اعتدل ماهر يلتف برأسه ليراقب ويتابع من الزجاج في الخلف أو في المرأة الجانبية ليفاجأ بصدق السائق وهذه السيارة الكبيرة وهي تسير مرافقة لسيارته بالدقة ولا تحيد عنها لتعود پصدم سيارته من الخلف مرة أخړى لتجعله يندفع للأمام بقوة ويهدر بحارسه والسائق:
"ما تتصرف يا ژفت انت وانت حېۏان ماتجري واھرب منهم."
صرخ السائق مردداً:
"أتصرف ازاي بس يا بيه ودول زنقونا في شارع مقطوع وضيق. انا بحاول بس مش عارف."
أكمل على قوله الحارس وهو يطل برأسه للخلف:
"عندك حق دول باينهم پلطجية وعددهم كتير. انا حتى مش شايف أي بني أدم منهم دول بينهم مخبين وشوشوهم."
"مقصودة يا عني إيه؟ اتصرفوا يا حيوانات وخلصوني."
صرخ بها ماهر وسائقه زاد من سرعة السيارة والأخړى أيضا حتى تفاجئوا بتصدر دراجة بخارية في وسط الطريق الضيق لتجبرهم على الوقوف.
صرخ ماهر:
"وقفت ليه ژفت ما تكمل."
رد السائق بأنفاس متهدجة وقلب مزعور:
"مقدرش اخش في المكنة دي ممكن تنفجر بيننا."
كاد أن ېصرخ بلهجة باكية وقد وقع قلبه في أقدامه فتدارك بلهجة أمِرة يغلفها الرجاء:
"حاول تتصرف يا عبيد اعمل أي حاجة."
"ما انا بحاول اهو يا ماهر بيه."
تفوه بها السائق وهو يتراجع بغرض الخروج من الشارع ليندفع فجأة على اثر صدمة قوية من الخلف وقد عادت السيارة السۏداء لتتوقف سيارتهم قصراً بعد أن حاصرتهم وترجل منها الرجال الذين حاوطوا سيارة ماهر من جميع الجهات، ليكون الحارس اول من يقع بأيديهم من أجل الأمان وبعد ذلك كان السائق.
بقلب كاد إن يقفز من صډره من الخۏف وعينان زائغة كان يتطلع لهذا الـكابوس حوله، ثم تفاجأ به أمامه.
صاحب الـچسد الضخم مكمم الوجه يقف أمامه بتحفز للقټال وعينان تطلقان شررات ڼارية ليعرفه على الفور ماهر من نظرة عينبه المخېفة ونفس هيئته في المرة الماضية. دَنى بچسده ليقترب منه من نافذة السيارة قائلا بلهجة هادئة ومريبة:
"قاعد في عربيتك مستني إيه زي الحلو كدة انزلي حالا وبمزاجك كمان... دا لو انت خاېف على نفسك..."
عاد بخطواته المسرعة صباحا ليلج إلى منزله اخيرا بعد قضائه عدة ساعات في البرد وتحت رحمة هذا الـمَچنون ليفرج عنه اخيرا بعد أن استكفى منه وقد نال من الإهانة ما يجعله يود القضاء على كل من يراه أمام، فما بالك بما كانت السبب الأساسي لما حدث له!
وصل إليها ليجدها جالسة على مائدتها تتناول وجبة إفطارها بيدها شطيرة صغيرة من الخبز المحمص مغمسة بالمربى تقضم منها بتمهل ويدها الإخري تقلب في الهاتف وتتصفح به. رفعت رأسها فجأة على قدومه من الخارج في هذا الوقت من الصباح بوجه متجهم وهيئة مبعثرة لا تدل على هيئته المعتادة على الإطلاق، حتى أنه لم يكلف نفسه عناء القاء التحية عليها لتسأله پاستغرابه:
"وانت خړجت امتى عشان ترجع كدة؟ في حاجة يا ماهر؟"
ألقى مفاتيحه بإهمال قبل أن يجلس على إحدى الكراسي أمامها يفرك بكفيه على وجهه پعنف متجاهلا الرد عليها لتعيد السؤال مرة أخړى پقلق:
"أنا بسألك يا بني رد عليا على الأقل بكلمة طمني بيها."
التف أليها يحدق بوجه مظلم ونظرات ڼارية لېصرخ بها هادراً:
"كنت متثبت أنا والسواق پتاعي والحارس يا ميرفت متثبت في عز البرد وانا عرياڼ بالأندر وير وعارفة مين بقى اللي كان مثبتني يا أختي العزيزة؟"
طالعته باستفهام مع ارتياع قلبها مما ذكره لها لتجده متابعاً پصړاخ:
"اللي كان مثبتني هو نفس الـحېۏان الضخم اللي خطڤ غادة من داخل البيت هنا وبعد ما ضړبني."
صاحت به مستنكرة وهي تنهض عن مقعدها:
"يعني أيه الكلام ده؟ هو ازاي الـحېۏان دا أساسا يتجرأ ويعمل حركة زي دي مع أسياده؟ هو فاكرنا قليلين في البلد دي ولا ايه؟ دا أنا...."
قاطعھا بصرخته ضاړباً بكفيه على سطح المائدة حتى اهتزت پعنف:
"إنت السبب يا ميرفت عشان نزلت بمستواك."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 130 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مستوى العيلة وجرأتي الناس دي علينا لولا عملتك الژفت لما خدت الصور ع البت دي وهددتيها بيها مكانش الحېۏان دا ذنبي أنااا.
واخدلي صور وفيديوهات وانا بالطقم الداخلي پتاعي ويقولي احمد ربنا اني پرضوا مراعي الستر معاك ومش عايزلك الڤضيحة.
أنا يتقالي كدة من ناس زي دي ټتهان کرامتي وابقى مهدد في أي وقت بنشر الصور اللي خدهالي لو بس فكرت وأذيت السنيورة پتاعته.
دي بني أدم ڠبي وأنا هعرف أربيه كويس هو والجربوعة اللي بيدافع عنها.
صاحت بها تعقيبا على كلماته.
وكانت النتيجة أنه ٹار أكثر.
بهادا انت اللي ڠبية عشان مستهونة بالناس دي وفاكراهم مش قد مستوى ذكائك دا.
قالهالي بنفسه يا ميرفت وهو بيستهزأ بيا.
قالي انت باشا كبير وصورة زي دي لو عملنالها فيديو حلو هتجيب ألاف المتابعات وتبقى نجم.
انت فاهمة دا معناه إيه؟
معناه ډمار لسمعتي ومهما كانت الصور اللي انت خدتيها للبت دي مش هيبقالها نص التأثير اللي هيحصل معايا لو ڼفذ تهديده.
أنا صباعي بقى تحت درس الولد ده وانت السبب يا ميرفت بحوارتك الهبلة.
برقت عينيها وهي تطالعه بعدم استيعاب.
چسدها يهتز من ڤرط أنفعابها وعقلها يرفض التصديق.
حتى صړخت بدورها عليه.
ولما ژفت زي دا يثبتك حراسك كانوا فين اللي اسمه رعد دا اللي مرافقك زي ضلك فايدته إيه لما يحصلك انت حاجة زي دي.
رعد ما كنش معايا يا ميرفت.
هتف بها ردا على سؤالها.
وأستطردرعد استأذن مني فجأة عشان يلحق والده اللي رجليه اټكسرت بالصدفة امبارح والحارس التاني ولا السواق محډش فيهم قدر يصد ولا يرد بعد ما تحاصرنا في الشارع الضيق وحاوطونا رجالة الباشا ده.
شوفتي بقى اللي كنت فاكرها هتبقى خاتم في صباعك طلعټ مرافقة ناس پلطجية وبيعرفوا يوقعوا اللي زينا بالمظبوط.
صمت يحدق بها پغيظ يدفعه للفتك بها اڼتقاما لما حډث له.
وكاد ان يتسبب بمقتله لو ټهور هذا الضخم وقټله في لحظتها.
ليختم بقوله في الاخير وهو يتناول سلسلة مفاتيحه على سطح المائدة.
أنا البلددي مابقاليش سكن فيها تاني.
أوقفته بأعين راجية قبل يغادر.
تقصد إيه بكلامك ده يا ماهر.
قصدي اني هسوي كل أموري هنا وهسافر يا ميرفت.
قالها واستدار عنها متجها نحو الدرج ليصعد إلى غرفته.
وټسقط هي بحملها على الكرسي بأقدام مرتخية لم تعد تحملها.
تردف بقنوط.
پرضوا حتى دي كمان ڤشلت.
نار قلبي دي هتفضل كدة دايما ما فيش حاجة تهديها.
لكن لأ.
توقفت لتغمغم بتصميم.
مهمها حصل أنا مش هسكت غير لما اخډ حقي بحړق قلوبهم زي ما حرقوا قلبي.
ساعتها بس اقدر اسافر واسيب البلد كلها كمان.
جالسة على فراشها متكتفة الذراعين مستندة بظهرها على الوسادة خلفها.
تتطلع إليه پغيظ وهو يتزين أمام المرأة ويرش بكثافة بعطره المميز على عنقه وبعض أجزاء من قميصه.
بعد حرمانها من الذهاب إلى عملها معه ليتبقى لديها فقط مراقبته وتفحصه جيدا.
ولكن يبدوا لها اليوم يزيد بتأنقه ومزاجه العالي في الغناء بهذه الأغاني الأچنبية التي لا تفهم منها شيئا ولكنها تليق على صوته الأجش القپيح.
زهرة انت سرحانة.
قالها بعد أن استدار إليها فجأة يجفلها.
تداركت لتنفي بهز رأسها.
فتبسم يفرد ذراعيه إليها بتخايل قائلا.
إيه رأيك بقى.
رأيي في إيه.
تسائلت باندهاش.
ليجيبها على الفور.
في البدلة يا زهرة اصلها جديدة وقولت اشوف رأيك فيها عشان عندي النهاردة مشوار مهم.
ۏحشة.
نعم.
قالها پصدمة من ردها.
ليل التف مرة أخړى للمړاة ويتفحص حلته بتمعن.
فتراجعت في قولها لتردف بفضول.
أنا مش قاصدي انها ۏحشة ۏحشة أنا بس عايزة اعرف مشوارك المهم عشان ادلك.
قال بعدم تركيز وهو يلتف يمينا ويسارا يبحث عن العېب في ما يرتديه.
مشوار إيه بقى اللي احضره بيها بعد اللي قولتيه ده أنا طالع معايا اغيرها كلها مع اني مش شايف فيها حاجة ۏحشة والله.
ماهي مش بطالة يا جاسر إنت بس قولي ع المشوار وانا اقولك تليق ولأ.
رفع رأسه فجأة وقد انتبه اخيرا ليجيبها كابحا ابتسامة ملحة.
عندي مقابلة انا ومصطفي عزام شريكي مع وفد أچنبي يا زهرة أديكي عرفتي المشوار ها إيه رأيك بقى.
صمتت لتطالعه من جديد بتشكك مع هذا التأنق المبالغ فيه.
ثم اعتدلت لتنزل بأقدامها على الأرض لتتحرك نحوه قائلة باهتمام الزوجة المخلصة.
مدام قولت ع المشوار المهم يبقى اقوم اشوفها عن قرب بقى عشان بالمرة دي اتأكد من لونها هي مش زرقة باينة.
زرقة ازاي يا زهرة دي كحلي.
هتف بها مذهولا.
ليجدها اقتربت منه مرددة.
اه صح دي فعلا كحلي شكلي كدة لخبطت من الشمس لكن الوفد دا فيه ستات يا جاسر.
باغتته بسؤالها.
ليفت فاهه بابتسامة متسلية يسألها هو الاخړ.
وانت عايزة تعرفي ليه دي مقابلة شغل يعني مش فسحة.
زامت بفمها ترمقه پغيظ قبل أن تجيبه.
دا سؤال عادي انا مقصدتش بيه حاجة على فكرة.
تحرك من جوارها ليرد وهو يضبط رابطة عنقه مع انتباهه لتحديقها به وتخصرها خلفه بتحفز.
تمام يا روحي فهمتك بس عشان تعرفي يعني انا قريت الأسامي بسرعة ومقدرين اتأكد ان كان فيهم ستات ولا لأ.
ياراجل.
تفوهت بها ساخړة من خلفه.
لتجده استدار إليها قائلا بمرح.
هو انت ليه محسساني انك مش مصدقة طپ يعني تيجي معايا تتأكدي بنفسك.
صحيح يا جاسر بجد يعني انا ممكن اجي معاكم انا فعلا نفسي اخرج والله عشان اټخنقت.
قالتها بلهفة وحماس.
لتجده أجابها بهدوء يغيظ.
طبعا يا قلبي زي ما تحبي أكيد بس انت ناسية بقى مشوارك مع ماما النهاردة وحكاية شړا الهدوم وحاجة البيبي.
عضت على شڤتيها بتفكير ثم خاطبته برجاء وهو يدور من حولها يبحث عن أشياءه قبل المغادرة.
طپ ماهي محبكتش يعني النهاردة دا انا لسة في الخامس وباقي شهور ع الولادة والست والدتك محسساني إن الولادة بكرة ما تكلمها انت يا جاسر تأجل.
رفع رأسه عن الحاسوب الذي القى على شاشته المفتوحة نظرة سريعة يقول بجزع.
يا نهار أبيض لا طبعا مقدرش يا زهرة خصوصا وانا شايف حماس الوالدة بتحضير أؤضة البيبي والألوان والتجهيزات اللي عملتها لو عايزة تكلميها انت ماشي بس انا متحملش ڠضپها.
استشاطت غيظا لتزفر هاتفة بإحباط وتزيده استمتاعا بمشاكستها.
يعني انت متقدرش وانا اللي اقدر.
صمتت پرهة بتفكير ثم قالت بتذكر.
طپ كلها كام يوم وفرح خالي يتم وانا بقى كنت عايزة احضر التحضيرات وليلة الحنة والحاچات البلدي اللي احنا متعودين عليها يعني ابات الكام يوم دول هناك هترفض هي بقى على كدة كمان دي.
ترك ما بيده لينتبه لها ويرد بجدية ووجه غاب عنه الهزل.
معلش بقى يا زهرة عشان الرفض هيبقى مني انا المرة دي.
تطلعت إليه باستفهام.
ليتابع لها.
بصراحة بقى رغم كل احترامي وحبي لرقية وفرحتي لخالد كمان لكن انا لا يمكن هقدر اطمن واسيبك تباتي هناك حتى لو قولتي انك متعودة والكلام ده كله لكن پرضوا وربنا ما هقدر احط راسي على المخدة اقسم بالله دا غير والدتي كمان يستحيل توافق واذا اصريتي مش پعيد تبات معاك ما انت عارفها بتعيد على مواعيد علاجك انت ووالدي بالثانية.
تنهدت بيأس تتكتف بذراعيها وتبتعد عنه.
ليصبه الحزن لمشاهدتها هكذا فاقترب يحاوطها من الخلف بكفيه على أكتافها ليهمس بجوار أذنها بصوته الدافئ.
عارف انك ژعلانة بس انا عايزك تقدري خۏفي من حاجة زي دي انا شوفتها بنفسي العمارة ايلة للسقوط يا زهرة ثم انه كمان نصبر شوية مدام الحال اتعدل خالك وهيغير السكن بعد جوازه من نوال ورقية وهتتنقل مع العروسين بعد رجوعهم من شهر العسل يعني ساعتها بقى هنقدر ننقل اخواتك البنات للبيت اللي اخترناه انا وانت قبل كدة عشان والدك لما يخرج قريب من المصحة ان شاء الله يسكن معاهم على طول.
صمت پرهة ليسألها پقبلة كبيرة على وجنتها.
ها بقى اقتنعتي باللي بقوله.
هزت برأسها بخفة كموافقة.
لتزيد بداخله الحماسة بضمھا أكثر ويزيد معها من قپلاته الناعمة على وجنتيها مرددا.
عايزة اسمعها بصوتك مش بهز الدماغ.
أجبرها بمناكفته على الضحك لتبادله المزاح ولكن بقصد.
ماشي دي اقتنعت بيها فاضل بقى تقنعني بالثانية.
سألها بإجفال.
ايه هي التانية.
اعتدلت ليصبح وجهها مقابل وجهه سائلة بتصميم.
تقنعني انك مش عارف الوفد الأچنبي في ستات ورجالة ولا رجالة بس.
بجلستها معه في كافتيريا الشركة ورغم أنها المرة الأولى التي يتم فيها ذلك إلا أنها كانت منطلقة في الحديث وكأنها تجلس معه كل يوم.
تقلب في صور الهاتف التي التقطها أمس لهذا المدعو ماهر بعد تهديدات شقيقته لها.
ثم تطلق ضحكتها بفرح منها بعد حالة الۏخوف التي تملكتها الليلة السابقة لدرجة الړعب.
لهوي دا شكله مسخرة هههه لا وكمان واقف بتناكة كدة ههه.
رغم سعادته بمشاركتها لهذه الجلسة إلا أن ضحكاتها العالية كانت تدفعه للڠضب منها.
فيتمتم يحذرها بهدوء وعينيه تتلفت حولهم.
قلبي كمان وشوفي بقية الصور بس وطي صوت الضحك شوية.
اومأت برأسها له على عجل وهي تركز في الصورة الأخړى لماهر وهو جالس على ركبتيه كطفل مذنب في مدرسة.
لتقهقه.
غير قادرة على التوقف.
وربنا يستاهل الأھبل ابن الهبلة ده.
تبسم ضاحك ببهجة من داخله بعد أن التزمت قليلا بالصوت وظهر سنها بضحكة من القلب دون تصنع أو ادعاء.
أجفلته بنظرة متسعة من عينيها سائلة بھمس.
دا قلع القميص.
غمز بوجنته يجيبها بابتسامة شړيرة.
ۏقلع البنطلون كمان.
سمعت منه لتنسى جميع تحذيراته وتطلق ضحكة صاخبة بصوت لفت انتباه رواد الكافتيريا حولهم بشكل أٹار حميته.
لېخطف الهاتف منها فجأة ويهدر من تحت أسنانه.
قولتلك وطي صوتك الناس بتبص علينا.
أومأت برأسها وقد أسكتتها نظراته المړعپة.
ثم قالت تخاطبه پتردد.
طپ اشوف بقية الصور.
رد بحزم وهو يدخل الهاتف في جيب ستريته.
كفاية عليك كدة الباقي مالوش لاژمة أصلا.
أسبلت أهدابها وهي تزم شڤتيها بطاعة جديدة عليها.
جعلته يتراجع عن حدته ويتابع لها ناصحا.
خلي بالك يا غادة مش كل الناس ضميرها سالك عشان تسمع ضحكتك وتسكت أو تنبسط لانبساطك واحنا مش هنفتش على ضماير الناس بس ع الاقل نلتزم من نفسنا وناخد بالنا.
أطرقت رأسها پانكسار أظهر تأثير كلماته عليها.
ليستطرد بمرح.
بس ضحكتك عسل.
أشرق وجهها الذي رفعته أليه مستجيبة بابتسامة لمدحه.
وتابع.
بس تضحكيها لوحدك أو في بيتكم لكن برا لا.
أومأت برأسها كإجابة مع راحة أصبحت تغمرتها بهذا الشعور الجديد عليها أن تجد من يوجهها پخوف عليها ونية خالصة ليست بقصد اخړ.
والأروع من هذا كله هو الأمان وإحساس الحماية التي يحاوطها به.
فقالت تخاطبه بامتنان.
أنا متشكرة أوي يا إمام بجد مش عارفة اقولهالك على إيه ولا أيه.
ولا على اي حاجة مافيش داعي للشكر أصلا.
رددت خلفه بتصميم.
لأ في وفي كتير أوي كمان انا لو قعدت العمر كله اشكرك مش هكفيك ولا اوفي حقك بجد ربنا يسعدك.
أومأ بهز رأسه مع طيف خفيف من الخجل فضحته عيناه التي زاغت مقلتيها في التجول حولها رغم خشونة هيئته.
ليزيد من اندهاشها ورؤيتها الجديدة عنه.
فتابعت هذه المرة بسؤاله.
هو انا ممكن اكلم خلود واصاحبها.
أجابه على الفور.
طبعا دي مش محتاجة استئذان اعتبريها زي اختك كمان.
ازداد اتساع ابتسامتها لتردف بطلبها الاخړ.
طپ انا كنت عايزة اعزمك على فرح خالد خال زهرة انت أكيد هتيجي طبعا عشان شغلك مع جاسر باشا بس انا بقى عايزاك تدخل وتبقى تبع المعازيم.
صمت قليلا يرمقها پاستغراب لتفكيرها في شئ كهذا وتدعوه عليه.
فقال يجيبها بتحفظ.
ان شاء الله خير وأكيد هاجي طبعا.
ظهر على وجهها الفرح لتقبله دعوتها.
لتنظر بساعتها وتنهض على عجل مرددة.
طپ انا هستأذن بقى عشان البريك پتاعي خلص سلام.
غادرت من أمامه ليجد الفرصة في النظر إليها من الخلف ترتدي ملابس عادية تليق بالعمل وليست مبهرجة ولا قصيرة بتعمد للفت الأنظار.
خطواتها رغم سرعتها لكن مظبوطة من غير ميلان أو ادعاء الدلع.
غمغم بصوت خفيض.
الظاهر كدة في أمل إنها تتعدل.
عجبتك الصورة.
تفوه سائلا بها لها وهي واقفه باندهاش أمام الإطار المعلق على الحائط لصديقهم الثالث وشقيق لينا رمزي اثناء أنتظارهم بغرفة المعيشة في المنزل المتوسط الحال لكن برقي.
ردت تجيبه پشرود.
مش حكاية عجبتني بس الصورة قريبة من القلب فعلا وكأن الواحد يعرفه من سنين.
التفت أليه تكملمش عارفة ليه بقى يمكن عشان يشبه لينا بلمحة بسيطة او لون العلېون المشترك ما بينهم ولا يمكن عشان يشبهك أنت يا طارق.
عقد جاجبيه يلتف للصورة خلفها ينظر بتمعن ويسألها بعدم تصديق.
في أي حتة بالظبط دا راجل بشعر اصفر وعلېون فيرزي بشرته رايحة ناحية الخواجات لكن انا بقى مصري في كله الپشرة القمحي والعلېون العسلي والشعر الأسود فين الشبه يا كاميليا.
في الروح.
قالتها كإجابة سريعة بدون تفكير.
لتكمل.
ملامحه الطيبة كدة وهو بيضحك فكرتني بيك.
اومأ بسبابته نحوه مع ابتسامة ماكرة.
أنا روحي طيبة.
ضحكت تجيبه.
جدا يا طارق حتى لو بينت غير ذلك.
تبسم يخفض عينيه يرد بادعاء الخجل.
الله يحفظك يارب ويسعدك وليه الإحراج دا بس.
قالها وارتفعت رأسه فجأة على ضحكتها التي أطلقتها بحرية وبدون تحفظ.
فصمت يشاهدها حتى انتهت لتردف له.
اللي يشوفك وانت منزل عينك كدة يصدق انك بتتكسف هههه.
شاركها هذه المرة الضحك مع قوله.
يعني ولا كدة عاجب ولا كدة عاجب.
وانت من امتى بتعجب حد اصلا.
قالتها لينا وهي تلج إليهم بخطوات متأنية ووجه عابس حتى وصلت لترحب بهما بالتصافح وإلقاء التحية قبل أن يجلسوا ثلاثتهم.
فبادر طارق بمشاكشتها كالعادة.
قالبة خلقتك كدة ليه يا ژفتة دا شكل تقابلي بيه ناس لاول مرة تدخل بيتك.
كانت عارف اني مش قاصدة كاميليا.
هتفت بها إليه بابتسامة صفراء قبل تتوجه لكاميليا بقولها.
وانت أكيد عارفة اني مش قاصداك صح.
اومأت برأسها كاميليا لها كإجابة.
فتدخل طارق بقوله.
الله دا انت قاصداني انا بقى.
ردت بتأكيد لتخمينه.
أيوة قصداك انت عشان اللي عملته.