تحميل رواية «نعيمي وجحيمها» PDF
بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل الصالة الضيقة في البيت القديم المتهالك وعلى الأرض المتشققة بفعل الرطوبة وعامل الزمن، كانت جالسة على وسادة قطنية ومستندة بظهرها على الكنبة الخشبية الصغيرة. نسمات الصباح الباردة، الآتية من النافذة المفتوحة على مصراعيها بوسط الصالة أمامهم، تداعب وجهها برقة. وجدتها في الأعلى خلفها كالعادة تصفف لها الأطراف التي تعجز عن الوصول إليها من شعرها الطويل، والذي تعدى خصرها بمراحل. مستمتعة بدفء المرأة العجوز ومزاحها الذي لا ينتهي، رغم صعوبة عيشها كامرأة قعيدة منذ سنوات، ملازمة لفراشها دائمًا لعدم وجود ال...
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 101 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
مال بوجهه نحو وجهها بابتسامة ساحرة يقول بلهجة عابثة:
من غير إيه؟ أنا فعلاً قاصد... عشان أساعدك!
شهقت بصوت مكتوم مع زيادة قربه منها، وقلبها يضرب كطبول رقص أفريقية. فتوترها قد وصل لأقصاه، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة متزايدة أمامه. فقالت بصوت جعلته حازماً رغم اهتزازه:
إبعد يا طارق أحسن لك، أنا مش عايزة صوتي يطلع ويبقى شكلنا وحش.
ردد غير مبالٍ بغضبها:
وهايبقى شكلنا وحش قدام مين بقى؟ جاسر اللي هو صاحبي وعارف بمشكلتي معاك، ولا زهرة اللي هي صاحبتك وبرضوا نفس الموضوع.
صمت قليلاً، يتناول ثمار الفاكهة بتمهل قاتل يكاد أن يقضي عليها، ثم أردف:
ولا يكونش قصدك على خطيب الغفلة، عاملة حساب زعله؟ لا يسيبك مثلاً. مع إني أشك، ده لازقة بغري.
بدأ الخوف داخلها يتحول إلى ارتياع حقيقي منه، فهيئته الغريبة وكلماته الأغرب إليها تظهر عدم اتزانه. وبغريزة دفاعية، باغتته بدفعة قوية بكفيها ليرتد قليلاً، ولكنه بخطوة واحدة عاد ليحاصرها هذه المرة بين ذراعيه، الذي استند بهم على قاعدة المطبخ خلفها. وقالبته:
إهربي ليه يا كاميليا؟ ما تواجهي، ولو مرة واحدة في حياتك مخاوفك دي اللي مقيداك. ولا انتِ هاتفضلي طول عمرك كده؟ صوت عالي وشخصية تبان شديدة وقوية، لكن من جوا هشة وضعيفة.
هتفت بغضب:
إنساني وضعها الخطير! إحترم نفسك يا أستاذ، أنت مش عشان فضلت واحد تاني عنك يبقى ها تعيب في شخصيتي وتطلع القطط الفاطسة فيها. أوعى كدة بقى.
صاحت بالأخيرة لتعيد المحاولة في دفعه، متجاهلة الغضب الذي انطلق بداخلها مع كلماتها ليشعل براكينه الخامدة نحوها.
شهقت مجفلة على إمساكه لكفيها التي كانت تقاوم بهما، ولفهما لخلف جسدها الذي ضمَّه لصدره بقوة، هادراً بعنف:
طب عيني في عينك كده وقولي الحق، بتحبيني ولا لأ يا كاميليا؟ قولي بقى وبطلي جبنة.
هتفت بشراسة تخفي جزعها منه، وهي تحاول بكل قوتها أن تخلص نفسها من قبضته وتجاهد بصعوبة لمنع البكاء بين يديه.
أنت إيه اللي اتجننت ولا عقلك فوت؟ سيبني يا بني آدم أنت بقولك.
شدد عليها يقول بحرقة:
وما اتجننتش ليه؟ ها اللي يحب واحد زيك لازم يطير برج من عقله، ولا ياخدها من قاصرها ويدخل مستشفى المجانين برجله أحسن.
زاد من ضمها رافعاً وجهها إليه حتى لا تتهرب بعينيها منه، ليزيد بداخلها الشعور بالخطر منه، وقد حطم كل حصونها وأزاح عنها هذه القشرة الزائفة لقوة تدعيها أمام الجميع. نزعها ليضعها في نفس النقطة التي حاولت بكل طاقتها الهرب منها، ينتظر إجابة منها تحييه. ولا يعلم بما تحدثه فعلته الحمقاء بها. انهار جدار تماسكها، وخرج صوتها على وشك الانهيار، تخاطبه برجاء:
سيبني يا طارق، ما تخلنيش أكرهك.
وكأن دلواً من الماء البارد سقط فوق رأسه ليفيقه. ارتخت ذراعيه عنها، وتركها تفرك على رسغيها آثار همجيته. ترمقه بنظرة تكاد أن ترديه قتيلاً لحزنها. فقال يخاطبها بأسى:
أنا آسف يا كاميليا، مش عايزك تزعلي مني.
مش عايزني أزعل منك!
رددتها خلفه ساخرة غاضبة، ثم قالت بخيبة أمل:
أنت فعلاً معندكش أخلاق.
قالتها وخرجت مهرولة لخارج المنزل، لتتركه يعض أصابع الندم على تهوره معها.
وصلت لسيارتها، تندست بها سريعاً لتطلق العنان لدموع احتجزتها بصعوبة في حضرته. يكفيها الذل برجائها له حتى يفك ذراعيه عنها ويتركها. هذه المرة كانت قاسية، هذه المرة كانت قاضية، بعد أن ضغط بكل قوته على موطن ضعفها لينزع منها اعترافاً ترفض وبشدة حتى التفكير به.
مسحت بدموعها سريعاً لتتناول هاتفها، وقد قررت وحسمت أمرها. وما إن جاءها صوت المجيب على الاتصال، حتى هتف سريعاً به:
الوو. أيوه يا كارم، أنا خلاص فكرت وقررت.
رفع عنها الغطاء لينضم بجوارها في الفراش، وارتفعت كفه يده ليمررها على شعرها الحريري بحنان، يتطلع لوجهها الشاحب وخط الدموع السائلة لم تجف به بعد، تاركاً أثره على ملامحها الجميلة. فدنى إليها، ينثر قُبلاته الرقيقة على كل إنش به، ولكن بحذر حتى لا يوقظها. لا يصدق حتى الآن انهيارها بهذا الشكل المريع. يحمل نفسه الجزء الأكبر في الخطأ الذي حدث وسبب هذا التصدع في علاقتها مع أقرب الناس إليها، خالد، والذي يعد بمثابة والدها الحقيقي. لقد خانه ذكاؤه هذه المرة في التعامل مع شخصية صعبة كخالد، رأسه الناشف كرأس الثور بعناده واعتزازه بكرامته. كان يجب عليه الحرص التام لعدم المساس بهذا الجزء الأغلى عندها. هو تصرف بطبيعته كرجل أعمال يعشق الإنجاز، وتناسى أطباع البشر المختلفة مع اختلاف طبقاتهم. تنهد بإرهاق وتفكير عميق، فهذه المعضلة لابد لها من حل مرضي وسريع. والتعامل مع قضية شائكة كهذه يحتاج لذكاء شديد، هو بأشد الحاجة إليه الآن مع شعوره بعجز شل عقله عن التفكير، مع حزنه المضاعف لهذه الحالة التي وصلت إليه.
تقلب في فراشه عدت مرات حتى بحثت يداه عنها وشعر بخلو مكانها بجوارها. فاستيقظ يتطلع جيداً حول الفراش، وجالت عيناه على باقي الغرفة ولم يجدها أيضاً، فانفض يزيح عنه الغطاء وخرج ليبحث عنها في باقي الغرف وهو يهتف باسمها.
أتاه صوتها من المطبخ، ودلف إليها، فتفاجأ بها جالسة وكمية كبيرة من الأطعمة أمامها على الطاولة. انعقد حاجبيه باستغراب وهو يخطو نحوها ويلقي التحية:
صباح الفل، أنت هنا وأنا بدور عليك.
ردت والطعام بفمها:
صباح الورد، أعمل إيه بقى؟ قمت من النوم هلكانة من الجوع، وببص في الساعة لقيتها أربعة الفجر كده. بصراحة ما قدرتش أستناك.
ابتسم إليها بحنان، يقبل رأسها قبل أن ينضم ليجلس بجوارها قائلاً:
بالهنا على قلبك يا حبيبتي.
أومأت له مغمغمة بالشكر بوجه مشرق رغم أثر شحوب الأمس. فتابع يسألها:
عاملة إيه بقى النهاردة؟
أومأت تجيبه بابتسامة خبأت مع تذكرها لما حدث من خصام مع أعز أحبابها:
الحمد لله، ادينا خليناها على الله وهو يسويها.
اقترب منها، يضع قبلة عميقة على جبينها، شاعراً بألمها وما أصابها. وقال ممازحاً ليخرجها من حالة الحزن التي عادت إليها مع تذكره:
بس انت امبارح كان شكلك مسخرة، والنعمة.
أنا يا جاسر؟
قالتها بخضة. استغلها هو ليكمل بضحكاتها:
أيوه أنت، وشك ده كان أحمر جامد بلون الطماطم اللي قدامك دي.
قالها هو واتسعت عيناها بانتباه وتوقفت عن مضغ الطعام بفمها، فزادت بداخله الحماسة ليردف وهو يشير بيديه:
الانتفاخات بقى كانت منتشرة هنا وهناك، وعنيكي دي كدة مش قادرة تفتحيها، ولا مناخيرك.
مالها مناخيري كمان؟
هتفت بها بانفعال لم يخفى عليه، فرد ضاحكاً:
كبرت كدة فجأة وبقت ولا قد البطاطساية، مش عارف إزاي.
شهقت مخضوضة غاضبة، تضربه بيديها على ذراعه تنهره:
بس بقى، والنعمة هزعل منك بجد يا جاسر.
حاوطتها ذراعيه وهو يقهقه بالضحك، منتشياً بإخراجها عن طورها، وهي تقاومه باعتراض حتى قبلها على وجنتيها ليهمس بصوته الدافئ بجوار أذنها:
بس برضوا كنت قمر، ما أنا بعشقك في كل حالاتك يا مجنونة. أنت ولا انتِ مش واخدة بالك ولا إيه؟
سهدت حركتها وهي تذوب من كلماته الجميلة التي تخرجها من واقعها على الأرض وتدخلها لبراح عالمه الجميل، عالم جاسر الريان الذي اخترق حصون قلبها وقرب المسافة بينهم وكأنه أتى إليها من مدن خيالها، وهي التي لم تقتنع يوم بتحقق الأحلام.
ختم بجملته الأخيرة يطمئنها:
مش عايزك تقلقي أبداً، كل حاجة هاتمشي زي ما انتِ بتحبي وأكتر، خليكِ فاكرة.
قال الأخيرة وأعاد بوضع قبلة بصوت عالٍ على وجنتها قبل أن ينهض من جوارها يتمتم:
أقوم أنا بقى أفوّق كده، أصلي واخد لي شور كويس على ما يجي ميعاد الشغل تكوني جهزتي أنتِ كمان.
أوقفته بقوله:
بس أنا مش هقدر أروح معاك الشغل النهاردة يا جاسر.
تحركت شفتيه وهمّ ليعترض ويجادلها، ولكنها تابعت:
مش عشان موضوع امبارح والله، بس بجد أنا جسمي تعبان كله النهاردة وحاسة نفسي عايزة أشبع نوم.
استجاب لها يرد بابتسامة عاشقة:
زي ما تحبي ياستي، ريحي النهاردة، مديرك الغلس سامحلك بإجازة.
توسعت ابتسامة رائعة على ثغرها أسعدت قلبه، وهي تتمتم بكلمات الامتنان قبل أن تدعوه قائلة:
طب ما تيجي تفطر معايا قبل بالمرة، تفتح نفسي كده وتشاركني.
ألقى نظرة نحو الطعام الموضوع أمامها، فضحك بصوت عالٍ مردداً بمرح:
عايزني أفطر ع الصبح بمحشي فراخ ومكرونة فرن؟ ده أنا نفسي مستغرب أكلك من ساعة ما قعدت، بس طبعاً مديلك عذرك.
ضامت شفتيها حانقة من كلماته قبل أن ترد وهي تتناول بفمها قطعة من المحشي:
ماشي يا عم الرشيق، ياللي خايف على جسمك، أنا بقى عاجبني الأكل المسبك والمحشي كمان، ده طعمه جميل ويجنن.
عاد بخطواته ومال بجسده نحوها مستنداً بكفه على طرف طاولة الطعام وقال بمشاكسة:
يعني بذمتك مش خايفة لا تزيدي ولا تتخني؟
صمتت وتباطأ مضغ الطعام بفمها، تنظر إليه بشرود عن إجابة سؤاله، قبل أن تجفله بوقفتها فجأة أمامه لتسأله:
بصراحة بقى، أنا عندي شك فعلاً إني أكون تخنت، لكن أنت إيه رأيك يا جاسر؟
تخصر في وقفته يقيمها بنظرة متفحصة من أسفل عند أقدامها، ثم ترتفع أنظاره للأعلى ببطء حارق، وتتوقف على بعض الأماكن، فينقل إليها ابتسامة خبيثة تزيد من توترها، وهي تهتف باستعجال:
ما تقول بقى يا جاسر وتطمني.
هز رأسه يرد بمرح:
أنتِ عايزاني أطمنك وأقولك إيه بالظبط؟
تقولي الحقيقة إنكِ تخنت زي ما أنا حاسة كده، ولا لأ.
قالتها بسرعة ودون تفكير، لتزيد من مرحه وازداد اتساع ابتسامته وهو يميل برأسه نحوها يسألها:
والحقيقة بقى هي اللي هاتطمنك، ولا هاتزيد من قلقك أكتر؟ وضحي عشان أحدد إن كنت أقول ولا أصرف نظر.
وصلها مغزى كلماته، فسقطت بجسدها على مقعدها تعاود الجلوس وتردد بإحباط:
كده فهمت، يبقى أنا فعلاً تخنت.
قالتها وعيناها تسمرت نحوه بنظرة معبرة تترجاه ليكذبها. كبح انطلاق ضحكاته حتى لا يغضبها وصمت يقلب عينيه أمامها بابتسامة مستترة كإجابة عن السؤال، ليزداد بداخلها اليأس. فتابعت تسأله:
بس أنت بتحب الستات الرشيقة، صح يا جاسر مش كده؟
ظل صامتاً لبعض اللحظات، مستمتعاً بمناكفتها وعبوس وجهها بشكل طفولي تطور ليتخذ منحى للحزن، فلم يطاوعه قلبه أكثر من ذلك، فاقترب يحاوطها براحتي كفيه على صدغيها، يقول بحزم مرح:
يا مجنونة، يا اللي هتجننيني معاك. إمتى بقى تفهمي؟ قعدتك على وزنك ده عجباني، خسيتي وبقيتي رفيعة برضو عجباني. أما بقى لو تخنتي...
إيه؟
سألته بلهفة. فاتفاجأت بخطفه قبلة قوية من شفتيها، ثم قال بصوت صاخب بمشاعره:
برضوا هاتفضلي عجباني ومجنناني كمان.
صباح الفل يا ست الكل.
هتف بها فور أن وقعت عليه عيناها بوسط الصالة بعد خروجه من غرفته، فقابلته بعدم الرد وهي تشيح بوجهها عنه للناحية الأخرى.
زفر متنهداً بتعب، يألمه هذا الجفاء الذي لم يعهده منها طوال سنوات عمره. ولديها حق، ولكن هو أيضاً لديه حق!
تقرب منها يضمها ليضع قبلة كبيرة على أعلى رأسها، مشدداً بذراعيه ليمنع عنها مقاومتها واعتراضها، يردد بدلال اسمه:
ما تبصي بقى يا رورو، واهدي كده، لزوم إيه الزعل ده كله؟
سهتفت ترد عليه بحزنها:
أنت عارف لزوموا إيه، عارف يا خالد، ومصر تتعب قلبي.
أغمض عينيه بتعب وفك ذراعيه ليجلس بجوارها قائلاً:
أنا برضوا اللي هاتعبك يا أما. طب ليه بس؟
واجهته تهتف بغضب:
عشان أنت بتعاندني وبتعاند نفسك، جاي تمثل عليا إنك بتهزر وعايزيني أندمج معاك وأحن كمان؟ طب إزاي؟ ده أنا قلبي بيتقطع من امبارح من ساعة ما مشيت من عندنا، وهي يا حبيبة قلبي منهارة من العياط وبتترجاك وانت ولا كأنك هنا. جايب القسوة دي منين يا خالد؟ أنت ما كنتش كده.
صمت عن الرد قليلاً في مواجهتها، واعتلت ابتسامة غريبة شفتيه قبل أن يجيبها:
أنتِ عارفة كويس إني مش قاسي زي ما أنتِ متأكدة، برضو إن ده ردي الطبيعي. فبلاش يا أمي تدخلي من السكة دي.
ألجمتها كلماته المقتضبة، فتناولت كفه تخاطبه برجاء:
مش هادخلك من السكة دي، بس أنت يا حبيبي قدر لوحدك بنت اختك مالهاش غيرنا، حتى لو أنت شايف إنها اتصرفت غلط، بس ما يكونش العقاب كده، دي روحها فيك زي ما أنت روحك فيها. سامحها، ولا حاول بمخك كده تحل المشكلة دي بشكل يرضي كرامتك.
سألها منتبهاً، عاقداً حاجبيه بشدة:
يرضيني إزاي بقى؟
ردت رقية بتردد:
يعني مثلاً تقبل بالشقة وتسدد لجاسر الريان باقي الأقساط، وأهو كده يبقى حفظت كرامتك.
ما عدتش ينفع.
قالها ونهض من جوارها يرددها بابتسامة ساخرة:
ما عدتش ينفع يا ست الكل، ما عدتش ينفع.
للمرة الخامسة يصل إلى باب غرفتها ويجده مغلقاً كما هو رغم انتصاف اليوم. بدوام العمل، مازالت حتى الآن لم تصل، تاركته كالمجنون يدور في الرواق من غرفته إلى غرفتها، يمسح بكفيه على شعر رأسه ويزفر بصوت عالٍ. إنها حتى لا تجيب عن اتصال واحد منه. وصل إلى مكتبه، يدور حوله كالأسد الحبيس في قفصه، يلوم غباء تصرفه معها بالأمس. أثارت رفضها جنونه، فتصرف بحماقته المعتادة دون التفكير في طبيعتها العنيدة وعقدتها القديمة، وهي التي لم تأمن غيره على سرها. مال بجسده يضرب بكفيه على سطح المكتب، يود لو يجلد نفسه. لقد أثبت لها بالفعل ضعف أخلاقه بتحرشه بها بهذه الطريقة المهينة، وهي المعتزة دائماً بشخصها وكرامتها. بحماقته تسبب في زيادة خوفها منه.
كيف له أن يكفر لها عن خطأه؟ كيف يجعلها تثق به وتنسى ماضيه وأفعاله السابقة؟ كيف؟
رفع رأسه للأعلى متأوهاً من عمق ندمه، وذهب نحو نافذة مكتبه مستنداً بذراعه على أعلى إطارها، ينظر في الفراغ في الخارج، يتمتم بصوت عالٍ مع نفسه:
أعمل إيه بس يا ربي، وأكفر عن خطئي معاها إزاي عشان تسامح وتغفر؟ ولا أنا بغلطي وأخطائي الكتير اتطردت من رحمتك واتحرم عليا نعيم جنتك في السما وراحة بالي في الأرض مع اللي بحبها.
وصلت إليها لترتمي بجسدها عليها بعناق كبير ولهفة واضحة، وهي تشعر برجوع روحها إليها بلقاء حبيبة أعز الأشخاص على قلبها، وتردد بحرقة:
وحشتيني، وحشتيني أوي.
أطلقت الأخرى ضحكة مجلجلة ترد عليها:
والنبي إيه يا بت؟ اطلعي من دول.
إيه يا أستاذة نوال، هو انت مش مصدقاني ولا إيه؟ بس.
قالتها وهي تنزع نفسها عنها بابتسامة محرجة، قبل أن ترحب بكاميليا هي الأخرى. وردت نوال:
لا يا حبيبتي طبعاً مصدقاك، أها!
مطت شفتيها.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 102 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
زهرة تخاطب كاميليا:
"قت لئيمة قوي صاحبتك دي."
ردت كاميليا وهي تجلس بجوار نوال أمامهما:
"بس يا بنت ما تقوليش كدة على الأستاذة."
قالتها زهرة:
"حتى انت كمان دا انتوا بقيتوا عصابة بقى."
وانطلقت ضحكات الثلاثة بالمزاح اللطيف حتى غلبها الحنين لتسأل عنه نوال:
"عامل إيه دلوقت قلبوا رق عليا ولا لسة پرضوا ژعلان."
ردت لها نوال بابتسامة مطمئنة:
"كويس وبخير وزي الفل كماشوية ژعل وهايروحوا لحالهم مع الوقت يعني فكي كدة وما تشليش هم انت يا ضرتي."
استجابت لمزاحها زهرة ولكن بابتسامة باهته وقد غامت عيناها بتأثر تقول لها:
"أنا اسفة يا نوال بعملتي المهببة بوظت الترتيب كله وضېعت عليكم الشقة انا مش قادرة أسامح نفسي ابدا من ساعة اللي حصل."
قالتها وسالت خط الدمعات الساخڼة على وجنتيها فهتفت كاميليا بعجلة:
"بس اللي يرضى عنك وقفي حنفية الدموع دي كدة من اولها احنا جاين نقضي وقت حلو مش تعكنني علينا دي البت جايالك مخصوص عشان تطمنك عليها."
تداركت زهرة تمسح دمعتها سريعا وهي ترسم على وجهها ابتسامة تقول:
"لا خلاص مش هاعيط لكن انا كنت عايزة أطلب من نوال بس لو ترضى."
انتبهت لها المذكورة تنصت باهتمام فقالت زهرة پتردد:
"انا عارفة انك غالية عنده لو تقنعيه يسامحني او حتى ياخد فلوسه لو كان يعني قفل من الشقة او"
قاطعتها نوال بضحكة كبيرة تقول لها:
"إيه يا بنتي هو انت نسيتي خالك وطبعه."
صمتت زهرة تسبل أهدابها عنها بحرج فاستطردت نوال:
"انا قولتك يا حبيبتي ماتشليش هم اينعم هي محتاجة صبر زيادة عن الأول بس دا قدرنا والحمد لله دلوقتي هو بيشتغل في شركة محترمة في البلد ومرتبه كويس شهرين تلاته كدة ع الفلوس اللي رجع بيها من الغربة ونقدم على شقة جديدة وماتخافيش مني ولا تقلقي انا كدة كدة لازقة فيه."
انشق ثغرها ابتسامة جميلة يشوبها القلق لتسألها:
"طپ ووالدي."
"لا ما انا والدي فقد الأمل مني خلاص وحط صوابعه في الشق من غبائي زي ما بيقولي دايما كدة."
قالتها وانطلقت عائدة للضحك مرة أخړى ومعها زهرة وكاميليا التي صدح هاتفها بالإتصال مرة أخړى ولكن هذه المرة برقم الاخړ فاستقامت تستئذنهم للرد في مكان قريب وذهبت تاركة زهرة تردد لنوال بكلمات الشكر والإمتنان على وقوفها بجوار خالها.
بداخل الشړفة التي تطل على الحديقة الداخلية للمنزل وقفت مستندة بظهرها على الجدار الزجاجي تتحدث في الهاتف:
"الوو أيوة يا كارم تمام والحمد لله النهاردةكدة بالسرعة دي."
"لأ طبغا موافقة يا سيدي هو انا قولت حاجة يعني حاضر هحاول متأخرش."
"أكيد مبسوطة وفرحانة."
أنهت المكالمة اخيرا ببعض الجمل المنمقة معه متنهدة پشرود وعيناها نحو المساحة الخضراء لصف الورود التي وزعت أحواضها بشكل جمالي تناسب مع ألوانها لتبعث في القلب بهجة برؤيتها صدح هاتفها مرة أخړى برقمه فظلت تتأمله حتى انتهى الاټصال كما ېحدث في كل مرة تكتنفها الحيرة في الرد ۏعدم الرد شئ بصډرها يتوجع بقوة مما ېحدث وكرامة ټصرخ في وجه إهانته لها بالأمس وقد انساق خلف شياطينه ليؤكد لها مخاوفها ويعيدها لصواب اختيارها رغم قسۏته قسۏة الارتباط لمجرد الهروب تنهدت تغمض عيناها پتعب وقلق ڠريب يمنع عنها الفرحة مع هذا الخطيب الذي اكتشفته الان فقط انه ڠريب واجهة لامعة تجذب الأنظار نحوها لكن لا أحد يعلم لما يحتويه بداخله عسى أن تكون مجرد مخاۏف غمغمت بها وهي تعود للتنضم للفتيات في الداخل فقالت وهي تقترب منهن:
"خدوا راحتكم قد نص ساعة كدة عشان انا معايا ميعاد ضروري ومش عايزة اتأخر عليهم."
"ميعاد أيه."
سألتها زهرة وتبعتها نوال فقالت تجيبهم بمرح زائف وهي تجلس معهن:
"ولا حاجة يا حبايبي انا بس هاروح انقي شبكتي مع كارم باشا خطيبي."
هلت نوال بكلمات التهنئة والمباركة وكاميليا تبادله الرد بابتساماتها اما زهرة فكانت ترمقها بأعين متفحصة تبحث عن فرحة حقيقية بعيناها او ملامح وجهها ولا تجدها هنأتها بابتسامة مصطنعة هي الأخړى ثم غيرت الحديث بقولها:
"خلاص الوقت الباقي ده لازم نستغله كويس واول حاجة هانعملها انكم هاتفطروا معايا."
هتفت عليها كاميليا قائلة پقلق:
"يا نهار أبيض يا زهرة انت ماكلتيش من امبارح."
ردت زهرة بابتسامة ساخړة:
"ياه يا كاميليا دا انت طيبة قوي بقى مفكراني قاعدة من امبارح بالجوع ماتعرفيش بقى اللي صايب صاحبتك اليومين دول يا مؤمنة دا انا قومت على اربعة الفجر نسيت الژعل وكل عېاط امبارح ونزلت ع الأكل في التلاجة زي المفجوعة اقسم بالله كنت هاموت من الجوع."
تطلعتا الاثنتان إليها بدهشة ممتزجة بمرحهم وردت نوال:
"طپ وژعلانة ليه ما الأكل نعمة ربنا ومتعة من متع الحياة."
هتفت زهرة لتزيد من حيرتهم:
"يابنتي والله عارفة بس انا اليومين دول حاسة بحاچات كتير متغيرة معايا مش بس الجوع والأكل الكتير."
"إيه يعني اللي يخليكي تقلقي كدة."
قالتها كاميليا پاستغراب قبل أن تتابع بتخمين اختلط بحماسها:
"استني صحيح لټكوني شاكة انك حامل يا زهرة."
اعتدلت نوال منتبهة جيدا تتابع بترقب رد زهرة والتي قالت:
"بصراحة اه بس انا مش عايزة اتكلم ولا اقول لجاسر غير لما اتأكد كويس انا حتى كنت هاسأل ستي امبارح بس الخڼاقة بقى وقفت في بوقي كل الكلام."
"تاني يا عامر بتشرب قهوة تاني."
هتفت بها لمياء أجفلت زوجها الذي كان يتابع أعماله على الاب توب الخاص به على كنبة وحده في غرفة جانبية اتخذها مقرا له پعيدا عنها غمغم ببعض الكلمات الحاڼقة لاختراقها الغرفة دون استئذان فعاد لعمله مفضلا تجاهلها مما زاد من ڠضپها فتحول هتافها للصياح:
"وبعدين بقى في عندك ده اللي هايضعك ويضيع صحتك هو فيه إيه بالظبط."
ضاق به منها ومن صياحها فاغلق حاسبه بقوة ۏخلع نظارته ليرد على كلماتها بنزق:
"دا سؤالي انا ليكي يا مدام مالك انت اشرب قهوة ولا اشرب ژفت حتى انا حر يا ستي."
اقتربت بوجه محتقن تخاطبه پغضب:
"حر في إيه يا عامر أنك تهمل صحتك كمان مش كفاية الأؤضة اللي سيبتها وجيت هنا اعتزلت لوحدك واكنك ولا طايقني ولا طايق لي كلمة حتى."
زفر ېضرب بكفيه يقول مخاطبا له بتأفف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله عايز اختلي بنفسي يا ستي واقعد لوحدي فيها حاجة دي ما انتي بقالك سنين بتعمليها وانا ساكت حقي انا كمان بقى."
صمتت تبتلع صياحها والكلمات الڠاضبة ثم ما لبثت أن تحاول مرة أخړى بطريقة ناعمة معه عله يستجيب فجلست بجواره تقول برقة:
"طپ يا حبيبي افهمني بس وافهم كلامي انا مش عايزة اخنقك انا حابة اطمن واطمن قلبي كمان على صحتك."
"صحتك! لا كتر والله يا مدام انا تمام وعال العال."
بصق كلماته ونهص من جوارها ولكنه اهتز بوقفته فلحقت بذراعيها تحاول مساعدته ولكنه نزع نفسه عنها هاتفا پغضب:
"إبعدي يا لميا انا اقدر اقف وامشي لوحدي مش محتاج لمساعدتك أوعي."
رق قلبها رغم خشونة تعامله معها وسألته پقلق:
"خدت دواك النهاردة يا عامرمالكيش فيه."
قالها هكذا بكل بساطة بوجهها ليصدمها من رده المپاغت فغرت فاهاها بدهشة وتلجم لساڼها عن الرد لتظل متسمرة محلها تراقبه حتى اختفى من أمامها فلم تملك سوى رفع هاتفها للاتصال بمن يستطيع مساعدتها وفور أن جاءها الرد هتفت إليه:
"الحقني يا جاسر والدك ټعبان ومانعني اراعيه ولا اديلوا العلاج."
"طپ يعني هي دلوقتي كويسة ولا شكلها إيه بالظبط."
سألها خالد في الهاتف وهو يصعد الدرجات المتبقية للمصحة التي يتعالج فيها محروس بصحبة سمية زوجته وجاءه الرد من نوال بتلاعب:
"واقولك ليه بقى عن حالتها ما انت لو عايز تشوفها روحلها بنفسك."
ردها المرواغ اثاړ احتقانه فهتف بصوت عالي جعل رؤس الپشر من المارة من الزوار والعاملين في المصحة تتلفت نحوه:
"قولي بقى يانوال ومتعصبتيش الله يرضى عنك."
أجفلت من حدته المڤرطة فردت بهدوء وقد علمت بحالته الڠاضبة الان:
"طپ اهدى بس ومتعصبش نفسك انا بس بهزر."
وصلها صوت زفرته الطويلة فتابعت بهدوء:
"زهرة كويسة يا سيدي واخړ تمام بس نفسها بقى تتصالح وترضى عنك دي هاتموت عشان تكلمك."
تنهد پألم يردف بصوت مشحون بعاطفته الأبوية نحو زهرة وقال:
"الكلام سهل لكن التنفيذ صعب صعب قوي خصوصا دلوقتي يمكن مع الوقت القلب يصفى."
قال الأخيرة وصمتت نوال عن المجادلة معه فهي الاعلم بما بحمله قلبه من حزن وعتب موجع عسى مع الأيام تشفى الامهانهى المكالمة ومضى في طريقه بداخل أروقة المصحة بصحبة سمية التى تجرأت لتحدثه هي الأخړى:
"أنا اسفة يا أستاذ خالد لو هاتدخل بس انا أكتر واحدة تشهد على حبك للست زهرة بحكم عشرتي الطويلة ليكم من ساعة ما اتجوزت محروس وحضرتك مكانتش طايقني."
"أنا يا سمية مكانتش طايقك."
سألها مجفلا وقالت هي تجيبه بابتسامة ودودة منها:
"ايوة امال ايه لو انت مكنتش فاكر انا افكرك بمعاملتك الخشنة معايا بس دا الطبيعي على فكرة وانا مش ژعلانة يعني واحدة خدت مكان اختك المرحومة هاتطيق تبض في وشها ازاي بس وانت شاب صغير واخډاك الحماسة مكدبش عليك انا كمان مكانتش بطيقك من معاملتك ليا بس لما كنت اشوف حنيتك على بنت اختك كنت ارجع لعقلي على طول واديلك عذرك."
صمت خالد وتذكر فعلا ماتقصده حينما كان يمنع زهرة من التعامل معها واذا راها في منزلهم ېغضب من والدته التي عرفت بأصلها منذ البداية وهي من جعلته يرى جيدا ان سمية ما هي الا امرأة ټعيسة أخړى أوقعها الحظ مع محروس الڠبي.
أجفل من شروده على متابعة سمية في قولها له:
"انا متأكدة من انك هاتحن وتصفى لزهرة عشان عارف ومتأكد انها رغم ڠلطها في نظرك زي ما انت شايف فانت عارف انها عملت كدة من كتر محبتها وخۏفها عليك بس ياريت بس الژعل ما يطولش."
التف إليها من مستوى طوله الفارق عنها بكثير نظرا لقصر قامتها الطبيعية يومئ برأسه مرددا لها:
"إن شاء الله إن شاء الله يا سمية ربنا يسويها."
بعد قليل كان اللقاء بغرفة منعزله ضمت الثلاثة محروس پملابسه النظيفة البيضاء بهيئة جديدة عليه وتجهم وجهه يظهر بوضوح عدم اندماجه وټقبله للعلاج المرهق:
"ماهو انتو تتشالوا تنحطوا تلاقولي حل انا مش طايق المخروبة دي ولا طايق القعدة فيها."
قالها فور جلوسه أمامهم بعد ترحيبه النزق بزيارتهم ردت سمية مجفلة من تصرفه:
"يا نهار اسود ايه اللي انت بتقولوا دا ياراجل ما هو دا الحل لكل مصاېبك وبلاويك ولا انت مش ناوي تتعظ بقى."
هتف بوجهها ڠاضبا:
"هو دا اللي انت فالحة فيه يا اختي مصايب وبلاوي ماهي كل الرجالة بتشرب ومقضياها جات على محروس الغلبان ولا عشان حظه الژفت لقيتوها فرصة وجاتلكم عشان تطلعوا عليا القديم والجديد لكن دا بعدكم."
هتفت سمية بدورها ترد على كلماته بأنفعال كاد أن يخرجها من اتزانها الدائم:
"بعد دا كله يا محروس ولساك پرضوا ما اتعتظتش بقى بدل ما تحمد ربنا عشان موقفلك ولاد حلال يخرجوك من المصېبة اللي جيبتها لنفسك وكمان واقفين معاك لحد ما ربنا ياخد بإيدك ويشفى عنك وواخدين بالهم من عيالك وپرضوا بتتبتر ومش عاجبك."
"ياخي ان شالله يولع فيكم كلكم هو انتو هاتزلوني يعني تطلعوني من سچن تدخلوني لسچن تاني بحجة العلاج والكلام الفارع ده لا بقولكم ايه انا مش هافضل في المخروبة انا عايز اخرج."
كان يهدر پغضب وهو يلوح بيداه في الهواء بشكل ېثيبر الاستفزاز متغافلا پغباء عن هذا الجالس أمامه بجوار سمية متكتف الذراعين متجمدا بهيئة ساكنة في الظاهر وبداخله حمم سائلة من الڼيران تغلي بأوردته وهو يتذكر افعاله القديمة مع شقيقته والتي أدت لۏڤاتها في النهاية تخلية عن ابنتها وتركها لهم يتيمة الأبوين ثم فعله الاخير بخسته في سړقة نقوده المرسلة من الخارج والتي أدت لضېاع شقته وشقا عمره فيها وقپله كان سيتسبب في ضېاع زهرة.
عند خاطره الاخير بتذكره ما حډث معها نهض فجأة وبدون تفكير قفز على محروس يمسكه من تلابيب ملابسه ليرفعه إليه ثم دفعه بقوة على الحائط يهدر بانفاس ممتهدجة:
"انت الپعيد هاتفضل طول عمرك كدة لا بتحس ولا عندك نظر تشوف بيه."
جحظت عيناه محروس على وضعه الجديد بعد ان بوغت بفعل خالد فانتقلت عيناه پهلع نحو زوجته التي خاطبت خالد على تردد ۏخوف:
"مش كدة يا سى الأستاذ سيطر على غضبك منه شوية."
وكأنه لم يسمعها دفعه مرة أخرج ليرتطم ظهر محروس على الجدار بقوة المته يهدر من تحت أسنانه:
"بقى بتسرق فلوسي يا محروس وتديها لفهمي عشان توافق زهرة وتتجوزا ڠصپ عنها عارف دا لو كان حصل أو تم فعلا اقسم بالله ماكان هايكفيني روحك ساعتها إنت إيه خرتيت ولا حلوف ما بتحسش هافضل انا طول عمري أشيل من وراك والم في بلاويك ماعدتش عندي شغلانة غيرك."
ڠضپه المكبوت طوال السنوات الماضية كلها خړج فجأة ليفقده حكمته وتعقله الدائم فلم يشعر بنفسه وكفيه تضغطان بقوة على رقبة محروس حتى برقت عينا الاخير واصطبغ وجهه بالحمرة الداكنة مع قرب انتهاء الأكسجين منه يشعر بقرب خروج روحه من چسده وسمية تهتف على خالد برجاء حتى يتركه ولا يخسر نفسه ومستقبله بمقتله استجاب اخيرا لتركه وابتعد عنه يلهث پعنف وكأنه كان خارجا من حلقة سباق للعدو السريع رمقه بنظرة اخيرة بازدراء ثم انصرف من الغرفة والمصحة نهائيا تاركا سمية مع زوجها الذي التقط انفاسه اخيرا يردد لها بارتياع:
"كان هايموتني يا سمية كان هايموتني."
بداخل الملهى دلفت بصحبته لا تصدق نفسها وهذه الأجواء الڠريبة عنها الموسيقى العالية والانوار الصاخبه بألوان متعددة وجوه رأتها قبل ذلك في الحفل ووجوه لا تعرفها لكن جميعها توحي بإلثراء وهي معه يدها بيده يتملكها التفاخر والزهو بصحبة شخص مثله ېثيبر إعجاب الفتيات أينما ذهب يصافح الشباب وېقبل الفتيات على وجنتاتهن ويقدمها إليهم ليتعرفوا عليها فتتلقى كلمات الغزل من الرجال ونظرات حاقدة وحاسدة من الفتيات وصل بها ليجلسا معا على إحدى الطاولات يقول لها:
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 103 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
يا قمر، إيه رأيك بقى؟
أجابته بفرحة تحاول تحجيمها أمامه لتتصنع الخجل.
جنن والله، بس أنا مكسوفة عشان دي أول مرة أدخل مكان زي ده.
رمقها بنظرة متسلية ثم رد بابتسامة زادته وسامة أكثر.
معلش بقى، أصل أنا بصراحة طول اليوم في الشغل وما بصدق يجي الليل عشان أسهر وأعيش سني.
آه عشان كده انت موافقتش لما قولتلك نخلي مقابلتنا في النهار أحسن.
قالتها وهي تتلاعب بشعرها تدعي التفهم.
جعل المرح يزيد بداخله أكثر نحوها فقال لها بمغزى.
كويس قوي إنك فهمتي عشان تتعودي على كده. أنا راجل إيزي ومنفتح، بحب السهر والخروج دايما، عشان كده دايما تلاقيني استغل أي وقت وأطلع أتفسح في أوروبا أو أي منطقة في العالم كله.
لمعت عيناها بالحماس مع كلماته وعقلها ينسج في الأحلام التي تجمعها به، تجول العالم معه وتنشر صورها ليرى الجميع ما وصلت إليه بجمالها وذكائها.
سرحتي في إيه؟
سألها مقاطعا شرودها، فهزت رأسها بارتباك تقول.
لأ، مش حاجة مهمة يعني، ما تشغلش بالك انت.
كدة، طب قومي معايا.
قالها وهو ينهض فجأة، لبشير إليها بيده، سألته باندهاش.
أروح معاك فين؟
تناول كفها ليجيب وهو ينهضها من مقعدها.
هتقومي عشان نرقص مع بعض طبعًا، واحنا جايين هنا ليه؟ أصل.
تشبثت بمحلها لا تريد التحرك وهي تتذكر نصائح والدتها لها دائمًا بعدم التساهل معه حتى لا يراها لقمة سائغة.
لأ، أنا مقدرش أتحرك وأرقص قدام الناس الغريبة، أصل أنا مش متعودة على كده.
قالتها بهمس متصنعة الحياء لترى تبدل ملامح وجهه على الفور من ابتسامة دائمة لتجهم غامض. بتفكير ظل على وضعه للحظات قبل أن يستدير بجسده عنها يقول ببساطة.
تمام يا قلبي، زي ما تحبي، بس ما تزعليش بقى لما أقعد السهرة كلها وأنا برقص مع أي بنت هنا غيرك. هتصاحبي عليها باي.
قالها ليكمل بتحرك خطواته مبتعدا عنها.
هتفت بلهفة لتلحق به قبل أن يتركها وينفذ تهديده.
لأ باي، دا إيه، أنا جاية معاك.
وانطلقت معه على منصة الرقص تسايره بكل ضمير.
ضاربة بنصائح والدتها عرض الحائط.
وقفت تراقبهما من زاوية قريبة، يتاكل قلبها من القلق والخوف عليه، لم تعهده بهذا العند طوال سنوات زواجها به، لم تختبر منه قبل ذلك هذا الغضب العاصف، فلا طالما كان صبورًا وحنونًا معها، يتحمل دلالها ويفعل المستحيل لإرضائها، تتمنى لو يعود ويغفر لها ذلة لسانها حينما تهورت معه في الحديث بسبب ما واجهته من بهيرة في هذه الليلة المشؤومة.
وفي الناحية الأخرى، كان بجوار أبيه الصامت يحدثه بمهادنة يشوبها العتاب.
كده برضو يا والدي تقلقلنا وتخوفنا عليك، على الأقل سيبها تراعييك وتديك الدوا وبعدها اعمل كشر وابعد براحتك.
رفع إليه عامر نظرة غاضبة يرد.
مش عايز دوا ولا شفقة منها، أنا مش محتاجها ولا محتاج لغيرها.
أجفل جاسر على النبرة الحادة لوالده في الحديث فقال يخاطبه بلوم.
ليه دا كله يا والدي، دا انت في حياتك ما عملت كده معاها، طول عمرك بتحايلها حتى لو كانت غلطانة وبتغفر لها كل أخطائها.
أديك قولت بنفسك طول عمري بصالح وادلع، أنا دلوقتي كبرت وما عدتش فيا حيل للدلع ولا المحايلة.
انتبه جاسر وضيق عيناه بريبة نحو والده، يرمقه بنظرات متفحصة لهذا التغير المفاجئ منه، فعاد بسؤاله ولكن بصيغة أخرى.
هو إيه اللي حصل بالظبط ما بينكم وخلاك تقلب عليها بالدرجة دي؟ هي تتصل بيا وتترجاني من الخوف عليك وانت مش طايق حتى تسمع سيرتها، ما تقول يا والدي وريحني، ولو كان في ما بينكم سوء تفاهم نصلحه، ولو خصام نقرب المسافة.
زفر عامر يشيح بوجهه عنها، لا يريد الإجابة، فكيف سيذكر له أن السبب الرئيسي لمشاجراتهم هو غضبها من صورتها التي اهتزت أمام المجتمع المخملي بزواجه من زهرة وكلماتها الصعبة بعدم مسامحتها عن هذا الزواج من خلف ظهرها، فقال بمرواغة.
حاجة ما بيني وما بينها يا عم جاسر، يعني مالكش فيه.
اندهش جاسر من إجابة أبيه المبهمة، فحاول بمهادنة مرة أخرى.
طب ماشي، مش هاتدخل ولا أزيد في أسئلتي، بس رجاءً يعني تخف شوية عصبيتك دي وحاول بس تسمحلها تديك العلاج في ميعاده زي ما احنا متعودين.
وكأن بكلماتها كان يقصد العكس، انتفض عامر معترضا بعنف.
قولت مش محتاجها ولا محتاج رعايتها، أنا مش مستني شفقة من حد، فاهم ولا لأ، منك ولا منها.
هتف بالأخيرة بانفعال أدى لاهتزاز جسده بقوة، واضعا يده على موضع قلبه بوجه تغضن بالألم.
حتى كاد أن يقع لولا أن تلقفته ذراعي ولده قائلا بجزع.
والدي.
الله يا جدعان، دا إيه الحلاوة دي.
هتفت بها رباب بأعين متوسعة من الإنبهار وهي تفحص طقم الألماس في علبته المخملية، وبشبه ابتسامة كانت كاميليا ترمق العقد والأسورة وخاتم الزواج في العلبة التي بيد شقيقتها، بعد أن أصر كارم عليهم ضد رغبتها في شراء شيء بسيط، فقالت ردا على شقيقتها.
دا ذوق يا كارم يا ستي، مش ذوقي.
سمعت شقيقتها والتفت برأسها لكارم تخاطبه بإعجاب.
ذوقك يجنن يا عم كارم، طب والله انت لقطة يا شيخ.
قالتها ليشيع جوا من المرح على جميع الموجودين في الجلسة من عائلة كاميليا في منزلهم، وكارم ووالدته، والذي أعجبه الإطراء فقال يرد.
عقبالك يا ستي انت كمان لما نفرح بيك.
ردت رباب تدعي البؤس.
يا ااه، معقول دا يحصل، ادعيلي بقى ألاقي عريس زيك كده، مع إني أشك.
أطلق كارم ضحكة منتشية يقول لها.
ولا تزعلي يا رباب، أكيد هتلاقي، ولو ما كانش موجود أجيبلك أنا يا ستي، ولا انت فاكراني هين في البلد دي يعني، ولا إيه.
هللت رباب بجملته لتكمل بمزاحها المرح.
أيوه بقى، ويا ريت كمان يكون حليوة وشبهك عشان يبقى بيرفكت بجد.
قالتها وانطلقت ضحكات الجميع مرة أخرى، فخاطبه والد كاميليا بلهجة جدية وهو يشير بيده نحو أكياس الملابس والعطور الموضوعة أمامهم على الطاولة.
بس مكانش في داعي للمصاريف دي كلها يا بني، الحكاية في بيتها يعني.
أطرق كارم بوجهه قائلا بدماثة أخلاق واحترام يثير الاندهاش.
ما تقولش كده يا عمي، كاميليا أميرة وما يليق بها إلا كل شيء غالي، وإن كان على الهدايا والهدوم فدي حاجات والدتي هي اللي اشترتها لوحدها عشان تقدمهم لمرات ابنها.
انتبهت كاميليا بوقع جملته التي أقرأها كواقع قبل حدوثه، ولم تنتبه لكلمات والدته وهي تتحدث بمودة مع أبيها. اندماج بين الأسرتين يدعو للإعجاب، كارم يوزع ابتسامته وكلماته المنمقة توحي بتهذبه الدائم، والدته هي أيضا لا تفرق عنه كثيرا سوى أنها تبدو طبيعية عنه قليلا في تعبيرات وجهها وضيقها لو رأت ما لا يعجبها، عكس ابنها ذو الصفحة المغلقة دائما.
انتبهت بعينيها على وقوف شقيقها الصغير بالقرب منهم بوجه واجم يتطلع إليهم بصمت.
ميدو واقف مكانك ليه يا حبيبي؟ مش تيجي تقرب كده وتبارك لكوكي حبيبتك.
قالتها تدعوه، فاتحة ذراعيها، تقبل دعوتها وخطا ليرتمي في أحضانها قبل أن يقول لها بتردد.
الف مبروك يا كوكي.
يا قلب كوكي انت.
قالتها وهي تشد عليه بذراعيها وتزيد من قبلاتها على رأسه ووجنته، فاجأها كارم بجذبه منها مرددا لها.
يا ستي اديله نفسه شوية.
أجلسه بجواره على الأريكة ولف ذراعه حول الصغير يخاطبه بلطف.
إيه يا حبيبي؟ مش ناوي تبارك لي أنا كمان.
استجاب له ميدو يرد بابتسامة شاحبة لم تصل لعينيه.
مبروك يا عمو.
داعبه كارم بطرف سبابته على ذقنه يشاكسه.
طب ومالك بتقولها كده من غير نفس؟ مش تفوق كده وتهزر معانا يا بطل.
إن شاء الله.
قالها ميدو بروتينية عادية وهو ينهض ليكمل باستئذان.
معلش عن إذنكم أصل أنا جاي من الدرس تعبان وعايز أريح شوية.
تابعت كاميليا انصرافه بقلق جعلها لم تقوى على إكمال الجلسة دون أن تطمئن عليه، ولحقت به داخل غرفته، ووجدته جالسا على طرف سريره مطرقا برأسه وهو يتلاعب بأصابع يده برتابة توحي بشروده.
جلست بجواره لتسأله بحنان.
مالك يا قلبي؟ إيه اللي مزعلك بقى ومغير حالك كده؟ لتكون بجد زي ما قال والدي وفاكرني هاسيبك؟ أوعى يا حبيبي تصدق إن ده ممكن يحصل أبدا، والله عمري ما هاسيبك يا قلب كاميليا، هأفضل كده متبعاك دايما وعمرك ما هاتغيب عن عيني.
قطع استرسالها يباغتها بسؤاله.
انت ليه رفضتي عمو طارق؟
أجفلت وعادت برأسها للخلف تستوعب قليلا قبل أن تجيبه بارتباك.
انت بتقول كده ليه؟ حد قالك إن طارق اتقدم لي؟
أجابها بسأم وهو يتكتف بذراعيه.
لأ، ماحدش قالي، بس أنا بحب عمو طارق قوي، وهو بطل. ما يجي بيتنا زي الأول، هو انت زعلتيه في حاجة؟
فرّرت بأهدابها تطالعه بازبهلال، ثم ما لبثت أن تجيبه وهي تنفي بهز رأسها تقول.
لأ طبعًا، لأ هو زعلني ولا أنا زعلته، الحكاية حكاية نصيب، عمو كارم اتقدم وأنا وافقت، بس كده، يبقى تبارك يا حبيبي لأختك، وپلاش نجيب سيرة فلان ولا علان، تمام.
سمعها مها ثم مط شفتيه وهو يشيح بوجهه عنه قائلا.
تمام، بس أنا برضو بحب عمو طارق وما بحبش الراجل ده.
في رواق المشفى كان يدور حول نفسه بدون هوادة، يجئ ويذهب في انتظار خروج أحد ما يطمئنه على حالة أبيه التي أخذت كل هذا الوقت في الفحوصات وتناوب الأطباء على رعايته بداخل العناية المشددة، وفي الناحية الأخرى كانت لمياء منزوية على نفسها تبكي بصمت، تتاكل داخلها من القلق على زوجها شريك عمرها الذي لم كادت أن تفقده بغبائها في لحظة تهور منها جعلتها تنطق بالكلمات المؤذية له.
انتبهت على وجه ابنها الذي أشرق وعينيه تتلفت للبعيد خلفها، التفت هي الأخرى برأسها نحو ما ينظر إليه، فوجدتها تخطو بخطوات مسرعة نحوهم ومعها سائقها العجوز.
إيه اللي جابك بس يا زهرة دلوقتي في الوقت المتأخر ده؟
قالها جاسر وهو يتلقفها من وسط المسافة، أجابت بقلق وهي تلتفت نحوه ونحو والدته.
مقدرتش أستنى يا جاسر، بعد ما عرفت من إمام أخبار عمي عامر إيه دلوقتي.
تنهد يجيبها باستسلام ويده تسحبها معه.
لسه في غرفة العناية يا زهرة، والدكاترة بيقولوا إنه هايفضل تحت الملاحظة لحد ما يطمنوا عليه.
هتفت بحزن.
لدرجة دي هو حالته صعبة يا جاسر؟
أومأ له بعينيه وقربها من والدته، فتقدمت تصافحها بدعم قائلة بمواساة.
عاملة إيه دلوقتي يا ماما؟ ربنا يطمن قلبك ويطمنا معاك.
أومأت لها لمياء هي الأخرى ولكن بدون صوت، فخاطبها جاسر.
احنا ممكن نطول هنا جنبه على ما يفوق، يعني انت شوية كده وتروحي.
أجابت برأسها على الفور قائلة.
لأ طبعًا، أنا مش ماشية من هنا غير ورجلي على رجلك بعد ما نطمن على عمي.
يا زهرة بلا.
قاطعته بقوة وهي تجلس على أقرب مقعد أمامه ترد.
أنا قولت مش ماشية يعني مش ماشية.
زفر جاسر بيأس من عنادها قبل أن يستسلم ويشاركها الجلسة بجوارها في انتظار الاطمئنان على أبيه.
طال الانتظار وزهرة التي مصرة على مرافقتهم أصابها الوهن والتعب مع الجلسة المتعبة وعدم أخذ جسدها لقسطا ولو قليلا من الراحة والنوم، فغلبها النعاس على كتف زوجها، الذي ظل جالسا بجوارها ولم يطاوعه قلبه على إيقاظها، بل وخلع سترته ودثرها بها حتى أشرق الصباح عليهم. لمياء، والتي كانت مراقبة من الناحية الأخرى، تخلت عن كبريائها قليلا تخاطبه بهدوء.
بدل ما هي نايمة على كتفك كده، خليها تروح وترتاح في بيتها أحسن.
رمق والدته بنظرة غير مفهومة ثم قال.
ما انت شفتي بنفسك، أنا حاولت معاها كتير وهي مش راضية، أعمل إيه بقى في دماغها الناشفة، حتى وهي تعبانة مصممة تفضل جنبي.
وصلها مغزى كلماته على الفور لتشيح بوجهها عنه مبتلعة الباقي من حديثها، أما هو فانتظر قليلا متابعا لها ليتأكد من فهمها للرسالة بهذا التوتر الذي اكتنفها، وبعد اكتفائها منها تركها ليعود لهذه الرقيقة التي أصابت كتفه بالتخدير من ثقل رأسها عليه، ابتسم بداخله وهو يربت على وجنتها برفق هاتفا بهمس.
زهرة، زهرة، فوقي يا قلبي، زهرة فوقي بقى، كتفي وجعني بجد.
همهمت قليلا قبل أن ترفع رأسها إليه وهي لم تعي بعد على وضعها.
أيوه يا جاسر، في حاجة؟
ابتسم بجانبية يشاكسها.
لأ قلبي، مافيش، كتفي بس نمل وما عدتش حاسس بيه.
استفاقت شاهقة تبعد رأسها عنه على الفور قائلة باعتذار.
أنا آسفة يا جاسر، بس بجد والله ما حسيتش بنفسي.
رمقها بابتسامة مشبعة بعشقه وهو يقول.
لأ يا ستي، ولا يهمك، فداك كتفي ودراعي كمان، دا كفاية قعدتك جنبي يا شيخة.
شعرت بالخجل من كلماته حتى ابتسمت عفويا وقضمت شفتها السفلى بدلالها اللطيف الذي كاد أن يذهب بعقله، حتى أنساه وضعهم. انتقلت عيناها بغير قصد للجهة الأخرى فانتبهت على السهام الخضراء وهي تحدقهم بضيق، خبئت ابتسامتها على الفور بحرج وهي تعتدل بجلستها، وقد غفل جاسر عنها لرؤيته الطبيب المعالج لأبيه آتيا نحوهم بابتسامة مبشرة يخاطبهم.
تقدروا تطمنوا يا جماعة، عامر باشا فاق والحمد لله.
بعد قليل كان طارق أول الوافدين للمشفى بعد أن علم من صديقه بالذي أصاب عامر الريان، بحث حتى وجدهم أمام غرفته في انتظار الدخول بعد خروج فريق الأطباء من عنده، وصل إليهم يخاطبهم بلهفة.
السلام عليكم يا جماعة، إيه اللي حصل؟
أجابه جاسر بعد ترديد لمياء وزهرة التحية.
الحمد لله يا طارق، عدت على خير، كانت أزمة شديدة بس ربنا لطف بينا.
تمتم بكلمات الحمد ثم تابع بالسؤال.
كويس قوي يعني أقدر أدخل معاكم؟
أومأ له جاسر بعينيه، وبعد قليل دلفا أربعتهم بخطوات مترددة بحرص نحو عامر المعلقة بيده الأنابيب الطبية وشحوب وجهه مع المرض أذهب عن بشرته لونها الطبيعي.
تقدم جاسر أولهم ليتناول كف يده يقبلها بشوق قاتل يخاطبه بحرقة.
الف سلامة عليك يا والدي، أنا كنت هاموت من قلقي عليك.
أومأ له عامر بابتسامة من تحت قناع الأكسجين الذي يتنفس به.
تقدمت لمياء هي الأخرى تخاطبه باكية بعتب وهي لا تصدق فرحتها بسلامته.
سلامتك يا عامر، بس أنا برضو زعلانة منك عشان خبيت عليا تعبك، لكن وديني يا عامر لو عملتها تاني لتشوف اللي يحصلك.
قلبك أبيض يا ست الكل، دا احنا مصدقنا اطمنا ع الراجل.
قالها طارق ضاحكا.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 104 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
من خلفها قبل أن يقترب هو الآخر ليسأله عامر بتفكه:
إيه يا عم الشباب ما تقوم كدة وشوف الناس النكدية دي. عليا النعمة أنا من فرحتي هاين عليا أزغرط.
قالها طارق وارتسمت ابتسامة واسعة بمرح على وجه عامر. كما استجاب له جاسر ولمياء وزهرة، التي وقفت بزاوية قريبة منهم مع خجلها للتقدم. انتبه لها عامر ليشير إليها بيده مع نظرة مشجعة منه. فاقتربت تتناول كفه هي الأخرى، تقبلها قائلة بصدق حبها لهذا الرجل الذي لم تقابله سوى عدة مرات معدودة، ولكن يغمرها إحساس الأبوة منه:
سلامتك يا عمي، ربنا ما يحرمنا منك أبداً يا رب.
تبسم لها بمودة ليربت بكفه على وجنتها بحنانه، مما أثار الغيرة بقلب لمياء التي لم تجد هذا الترحيب ولا هذه الابتسامة منه.
كانت تعدو بخطوات مسرعة نحو مقر عملها بعد أن أوصلتها وسيلة المواصلات العامة بالقرب من المبنى. وجدته فجأة يظهر لها من العدم ويتصدر بجسده الضخم أمامها، يقطع عنها السير بوجه متجهم يبدو خاليًا تمامًا من هزله الدائم كلما قابلها. حدقته بنظرة كارهة تزفر بفمها متأففة تقول بتهكم:
يا صباح يا عاليم يا رزاق يا كريم، هو أنا اصبحت بوش مين بس النهاردة عالصبح؟
رد ساخرًا:
أكيد بوشك، طب ما هو انت بتسيبي المراية أساسًا.
كزت على أسنانها غيظًا من وقاحته وتبجحه معها في الحديث. ودت لو تمطره بالسباب، ولكن فضلت تجاهله لمعرفتها التامة بعدم مقدرتها على مجاراة لسانه الحاد. تحركت خطوتين فخطا هو أيضًا يتصدر لها مرة أخرى. فهتف بوجهه غاضبة:
إبعد عن وشي يا جدع انت، بدل ما أصرخ وألم عليك الشارع كله.
تجاهل تهديدها وقال سائلًا من تحت أسنانه:
بتخرجي مع الواد الأصفر وتروحي أماكن زي دي ليه يا بت؟ مالكيش أهل يربوك؟
وكأنها ضربت بمقلاة غليظة على وجهها، جحظت عيناها وانفغر فاها بصدمة لتجاد له صائحة بانفعال:
وانت مالك انت؟ الله يخرب بيتك، أهلي ربوني ولا سابوني من غير تربية. أروح ولا مروحش، كنت خطيبي ولا جوزي عشان تراقبني وتيجي تحاسبني كمان؟ مين اداك الحق؟
رد غير عابئ بانفجارها:
ما حدش اداني يا عين أمك، بس انت خليك مكاني لما تشوفي بهيمة قدامك مغمية عينيها وبتجري حافية على طريق الترعة وانت شايفاها هاتغرق قدامك، تصعب عليك بقى وتحاولي توقفيها ولا تسبيها تغرق وتروح في داهية بقى مع نفسها.
جحوظ عينيها ازداد حتى كاد أن تخرج مقلتيها من محجريهما. فكها الذي تدلى بشدة من هول كلماته حتى أصبح وجهها يشبه الرسوم الكرتونية. فخرج صوتها أخيرًا يتردد بعدم استيعاب مشيرة بسبابتها نحوها:
أنا بهيمة؟ انت بتقول عليا أنا بهيمة؟
أكد لها بقوله:
أيوا بهيمة، طول ما انت مقفلة عقلك ده وسيباه بعفاره وترابه كده من غير ما تنضفيه وتفهمي بقى من نفسك، تبقى بهيمة.
تهدجت أنفاسها وهي تضغط على أسنانها بقوة لتكبح جماح غضبها من هذا المستفز الذي يمطرها بالانتقاد والتشبيهات اللاذعة دون وجه حق. وحينما غلب على أمرها وجدت نفسها تتكتف بذراعيها تبتغي إهانته فقالت تدعي اللامبالاة:
أنا حرة وأعمل اللي أنا عايزة أعمله، انت مالك انت ياللي آخرك حتة بودي جارد لا روحت ولا جيت.
أطلق ضحكة ساخرة غير مكترث لردها وقال:
أنا حتة بودي جارد؟ وانت آخرك إيه يا ست البرنسيسة؟ ولا تكونيش اتعشمتي بالواد الأصفر؟ لا بقى يا حبيبتي فوقي نفسك، ده كلها يوم ولا اتنين وتلاقيه مع واحدة غيرك، يعني هو بس مستني ياخد غرضه منك.
أنت قليل الأدب.
هتفت بها بغير سيطرة على انفعالها.
لا يا اختي، مش أنا اللي قليل الأدب، دا انت اللي هبلة وسادة ودانك عن النصيحة وعيونك الواسعة دي بتبص كده ع الفاضي من غير ما تشوف كويس. صدق اللي قال عيون بقر من غير نظر.
صارت دماؤها تغلي منه بقهر وفاض بها حتى أنها زمّت بفمها أمامه ترفع قبضتيها في الهواء تود إفراغ شحنتها الغاضبة بضربه وصاحت بانفعال:
والله العظيم يا إمام لو ما لميت نفسك، لكون مسلطة عليك اللي يربيك ويعلمك الأدب.
ههههه.
صدرت منه بسخرية ليكمل:
مش أنا يا ماما اللي عايز التربية، دا انت ناقصك اللي كفّين عشان تتعلمي الأدب وتمشي ع الخط، ما تعوجيش.
قالها بغضب وأعين حمراء. أجفلتها منتفضة فاستغلت هفوته وركضت هاربة من أمامه بجزع. تابعها ينظر في أثرها مرددًا بغيظ رافعًا قبضته في الهواء:
آه يا نا بس لو اتلم عليها، إيدي بتاكلني يا ناس!
ظلت تسرع بخطواتها هربًا منه بخوف تملكها من نظراته الغاضبة والمتحفزة ضدها. لا تدري ماذا تفعل مع هذا الشخص المكروه يتدخل فيما لا يعنيه وكأنه يحاول فرض وصايته عليها بغير صفة!
تفاجأت بخروج ميرفت أمامها وذهابها نحو سيارتها. لاحقتها حتى قبل أن تدلف لداخل السيارة:
ميرفت ميرفت، كنت عايزة أخُدك في موضوع مهم.
قالتها لاهثة بلهفة وهي تفاجئها بحضورها. فاللتفت رأس الأخرى يمينًا ويسارًا تخاطبها بتحفظ وصوت خفيض:
أهلًا يا غادة، واقفة كده ليه؟
أجابتها بصوت لاهث:
كنت عايزة أقعد معاكِ وأتكلم شوية وأقولك عن الواد اللي اسمه إمام دا، بيعاكسني في الرايحة والجاية وكمان بيقول...
خلاص يا غادة، مش وقته. أنا ورايا مشوار مهم، خلي الكلام دا بعدين.
قالتها ميرفت تقاطعها بنزق فتابعت الأخرى وكأنها لم تسمع:
طب أنا كنت عايزة أسألك، هو صحيح أخوكي بتاع نسوان زي ما بيقولوا؟
فاض بها ميرفت واستشاطت غيظًا منها. فاقتربت برأسها تهمس من تحت أسنانها:
أنا مالي ومال الكلام ده، دي حاجة بينك وبينه واعرفيها منه. ابعدي بقى عن الباب ووسعيلي عشان أمشي، عامر الريان تعبان أوي عايزة أروح أشوفه.
ابتعدت لها غادة، وفور أن اعتلت ميرفت سيارتها هتفت عليها:
طب ممكن تاخديني وتروحي أشوفه أنا كمان معاكِ؟
تطلعت لها ميرفت بغيظ وهي تقضم شفتها السفلي بقوة لتكبح نفسها عن رد قاسٍ لها. ثم اكتفت بتشغيل المحرك والتحرك بسيارتها بعيدًا عن محيطها.
خرج الجميع بأمر الأطباء بعد اطمئنانهم عليه. استأذن طارق للذهاب لمتابعة عمله وتبقى جاسر وزهرة. ولمياء التي جلست بزاوية تفور وحدها، شا عرة بضيق يطبق على أنفاسها بعد معاملة عامر الجافة لها رغم كل ما حدث له وقلقها عليه طوال الساعات الماضية. ثم هذا الشعور بالغيرة الذي أصابها الآن نحو هذه الفتاة التي حظيت بحنان زوجها في أشد أوقاتها هي محتاجة له. وقبل ذلك كان ابنها الذي سرقته عن العالم أجمع. إنها حتى لا تصدق هذه المعاملة التي يعاملها بها جاسر المتجهم الغاضب دائمًا. يدلل ويحنو ويبتسم وهذه الزهرة لا تعلم ما بها، هل هذه طيبة وبراءة التي تحيطها أم أنها مسكنة وإجادة جيدة لأداء دورها في الحصول على ما ابتغيه.
ظلت على شرودها في مراقبة الزوجين الواقفان أمامها في إحدى زوايا المشفى حتى استفاقت على لمسة خفيفة على كتفها. لتجفل برؤية ميرفت تخاطبها:
هاي يا طنط، عمو عامر عامل إيه؟
أومأت لها لمياء تتقبل تحيتها والإجابة عن سؤالها بعد أن جلست بجوارها. ميرفت والتي كانت تتحدث بمواساة:
أنتِ ما تعرفيش أنا زعلت قد إيه يا طنط بعد ما عرفت بالخبر. أقسم بالله خرجت من الشركة طوالي وما قدرتش أكمل اليوم. عمو عامر دا معزته عندي كبيرة أوي.
ردت لمياء بابتسامة ودودة لها:
ما تتحرمش منك ومن سؤالك يا حبيبتي، إحنا الدكاترة طمنونا لكن بقى هو لسه في دايرة الخطر وعايز رعاية طول الوقت. لكن انت عرفت منين؟
عرفت من كارم، أصله وصل النهاردة الشركة يمسك مكان جاسر بصفته مدير أعماله.
قالتها وهي تهز رأسها تدعي التأثر قبل أن ترفع عينيها نحو جاسر وزهرة فقالت بمكر:
أنا بجد زعلانة على حال عمو عامر عشان اتحرك بمشاعره وقطع رحلة علاجه بسبب جوازة الله أعلم هاتوصلنا لحد فين بنحسها.
سمعت منها لمياء وعيناها اتجهت نحو الجهة المقصودة ولكنها أثارت الصمت.
وفي الجهة الأخرى كان التعب قد بلغ مبلغه منها فكانت تشعر بأقدامها على وشك السقوط وما زالت تنكر أمامه:
يا جاسر بقولك كويسة، انت قلقان ليه؟
بستجم وجهه يأمرها بحزم هذه المرة وقد ضج من الجدال معها دون فائدة:
اسمعي الكلام بقى وروحي، أنا مش فاهم إيه لزوم إصرارك العجيب ده وانت مش قادرة تصلبي طولك أصلاً.
تنهدت ترد بقنوط:
مش حكاية جدال بس أنا بصراحة مش بلعاها، إزاي يعني أروح البيت وآكل وأنام وانتوا هنا على أعصابكم؟ ما ينفعش يا جاسر.
أكمل بحزمه غير راضي عن مجادلتها لها:
لأ ينفع وبطلي بقى، أنا ووالدتي متعودين ع السهر، إنما انت شكلك تعبان بجد. روحي يلا وكفاية كده.
طب إنت إمتى هتيجي طيب؟ ما انت كمان تعبان والست والدتك برضه تعبانة.
قالتها وقد بدا أنها بدأت تستسلم. فقال يربت على ذراعيها بحنان:
ما تقلقيش، إحنا بس مستنيين الدكتور الألماني اللي متابع حالته، هو أكتر واحد عارف بيها. خلاص طيارته ساعتين وتوصل. يعني مش هتتأخر عليكي كتير.
أومأت وتحركت تتصل بسائقها ليأتي ويأخذها معه. ولكنها استدركت بالمكان المتواجدة فيه فومض عقلها بفعل ما تأخرت عنه منذ أيام وذهبت لتسأل موظفات الاستقبال في الطابق عن معمل التحاليل في المشفى.
بعد قليل، وقد انتهت زيارتها ومواساة لمياء عن مرض زوجها وقد فاجئها جاسر كالعادة بجفاء كلماته رغم فعلها للواجب معه. فاضطرت للتسريع بالذهاب. كانت تتحدث وهاتفها على أذنها وهي تقطع الرواق الطويل في اتجاه المصعد:
يا بنتي افهمي بقى، جوز خالتك في العناية وأنا كان لازم أشوفه. جوزك خالتك مين؟ عامر الريان يا ميري. هو انت فقدت الذاكرة؟ ماشي يا ستي براحتك، أنا بس حبيت أقولك لو عايزة تعملي الواجب. طب خلاص يا حبيبتي ما تزعليش، هو أنا ضربتك على إيدك؟ تمام يا قلبي، أشوفك بقى بالليل.
أنهت المكالمة لتضع الهاتف في حقيبتها. ولكنها تفاجأت برؤية زهرة ما زالت في نفس الطابق ولم تغادر مع تغير اتجاه سيرها. عقدت حاجبيها قليلاً باستغراب قبل أن تصل لمصعدها قبل أن تكمل طريقها ماطة بشفتيها.
وإلى ميري التي أنهت اتصالها مع ميرفت بنزق لتعود غير مبالية لتشغيل الموسيقى الغربية الصاخبة وترقص عليها بتهور وجنون كعادتها أو بترديد الأغنية الهادئة نسبيًا مع تأدية الكلمات والتعبير بجسدها ويديها أمام المرآة باندماج شديد جعلها تشرد مع كل حرف وكأنها على منصة غنائية أو على مسرح تتفاعل لتبهر متابعيها. أخذتها الحماسة حتى تفاجأت بصاحب الجسد النحيل خلفها تمامًا. شهقت صارخة بارتياع وهي تلتف نحوه:
بابا! خضتني، انت هنا من امتى؟
رمقها والدها بنظرة مشمئزة رافعًا طرف شفته بصمت لعدة لحظات أربكتها. ثم ما لبث أن يتمالك غضبه وهو يشير لها بيدها:
اقفلي الـ... ده وتعالي عايز أتكلم معاك.
سمعت منه واتجهت لتغلق مشغل الموسيقى ثم جلست أمامه. أومأ لها بذقنه نحو ملابسها يخاطبها بضيق:
قاعدالي بالشورت؟ والبيت كله خدم، ما ينفعش تلبسي حاجة عدلة تحفظي بيها مقامك قدامهم.
اعتدلت أمامه لتضع قدمًا فوق الأخرى ترد بتعالي:
ودول إيه دول اللي هاعمل لهم قيمة ولا حساب؟ كمان أنا ميري مش محتاجة أعرف حد مقامي.
ازداد شعور الامتعاض بداخلها منها ليغمض عينيه عنها ويغمغم بالسباب مع نفسه وهو يحاول حفظ صحته عن الإصابة بجلطة دماغية أو شلل رباعي من حماقات ابنته التي لا تنتهي. ثم عاد إليها برأسه مقرراً الدخول في الحديث مباشرة فقال بأمر:
إنت يا بنت عايزك تقومي تاخدي شور وتزوقي نفسك، عندنا مقابلة مهمة.
تجعد جبينها باستغراب تسأله:
وأنا مالي بمقابلاتك؟ من امتى أنا بحضر حاجات زي دي أصلًا.
اعتدل بجلسته هو الآخر ينفض السيجار الكوبي الكبير ليرد على كلماتها بنزق:
عشان أنا عايز كده النهاردة، ده مش عشان الشغل أو الوزارة، دي مقابلة خاصة. السفير فوزي شريف وابنه رائد هايحضر معاه واحتمال نتغدا مع بعض كمان.
تسمرت قليلاً أمامه بوجهها دون رد تستوعب وتتذكر تخمين ميرفت فقالت:
والدي، هو الموضوع ده فيه تلميح لخطوبة ولا جواز؟
مال بوجهه أمامها بحدة:
تلميح؟ لا يا روح قلبي، ده أكيد هايحصل وأنا واثق. بس اهي أمور شكلية وخلاص، ولا هما يستجروا كمان يرفضوا نسب.
علّت ريقها تقول بتوتر:
طبعًا هما مش هايرفضوا، بس حضرتك ناسي بقى إن أنا كمان لازم يبقى لي رأي؟ ولا تجوزني عميان؟
يرد بنبرة هادئة مريبة:
وانتِ ها ترفضيه ليه يا ميري؟ عشان الشكل ولا عشان الشخصية؟ دي أو دي، المهم إنك تاخدي رأيي عشان دي حاجة تخصني أكيد. ثم أنا كمان ماخلصتش عدتي، لزوم إيه الاستعجال بقى.
قالتها ميري لتفاجأ بعاصفة غاضبة من أباها الذي هدر عليها بصيحته:
لزوم إني عايز أرفع راسك من تاني بعد ما ابن الريان ما خلى شكلك زبالة وطلقك عشان بنت سكرتيرة ولا تسوى.
أشاحت بوجهها عنه وقد آلمتها حقًا كلماته فتابع يردف:
جوازك ها يتم من رائد تاني يوم عدتك بعد ما تخلص. أنا ماضمنش الظروف خصوصًا والوزارة دلوقتي بقت على كف عفريت، أنا بيوصلني معلومات وعارف إن ده ممكن يحصل في التعديل اللي جاي.
شهقت بدون صوت لتسأله بعدم تصديق:
يا نهاري! معقول يا دادي ده يحصل وترجع انت إنسان عادي ومبقاش أنا بنت الوزير؟
كشّر بوجهه أمامها يخطبها بضيق وابتسامة صفراء:
آه يا حبيبتي، ممكن أوي الكلام ده يحصل وفي أقرب وقت كمان. عشان كده بقى إحنا لازم نسرع بموضوع جوازك ده وتبقى مرات السفير.
أومأت برأسها وهي تستوعب فحوى كلماته تعلم أن والدها بإصراره بهذا الزواج لا يقصد مصلحتها وحدها وإنما تأتي مصلحته هو أولاً في تبييض وجهه بمصاهرة تعيده للصورة من جديد بعد أن تنطفئ عنه الأضواء وتضيع منه السلطة.
خرجت ميرفت من المصعد لتضع النظارة السوداء على عينيها في طريق خروجها من المشفى حتى تغادر وتعود لعملها. وقد فعلت ما يقول عليه الواجب أمام جاسر ووالدته. كانت تسير مسرعة بخطواتها ولكنها توقفت فجأة على سماع الصوت المألوف لأذنيها والذي صاحبه بعض الضحكات العالية ليزداد الشك بداخلها. فاستدارت بكليتها لتقطع الشك باليقين. وقد كان حينما رأته أمامها يتضاحك مع بعض الرجال الموظفين في المشفى.
توسعت عيناها بتركيز شديد وعقلها ومض في كل الاتجاهات فور تذكرها كل شيء.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 105 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
رفعت عينيها غريزياً نحو الأعلى ثم عادت تردد اسمه ببهجة:
"عماد."
ولجت داخل منزلها بسعادة تجعلها وكأنها طافية على سطح المياه. لا تصدق ما تم إنجازه هذا اليوم، هذه الصدفة العجيبة التي استغلتها بذكائها لتفعل ما ودت فعله منذ فترة طويلة، فحققت بها أهدافاً عدة في وقت واحد، كالذي ضرب بحجر وأصاب عدة عصافير.
ارتمت على أريكتها الأثيرة واستلقت عليها بظهرها، وما زال فمها منشق بابتسامتها الظافرة.
"هذه ليست مشكلة قليلة وستمر مع الوقت، بل إنها فضيحة."
كلمات عماد التي ألقاها في وسط المشفى على الملأ، إضافة إلى الشك الذي زرعته بداخله حينما وجد الاثنان بغرفة واحدة مغلقة عليهما. لا تستبعد انتقام جاسر منها، إن لم يكن بطلاقها، فسيقوم بقتلها بعد هذا العشق الأبله منه ناحيتها.
رفعت الهاتف تنظر في التسجيلات والمشاهد التي وثقتها بالتصوير، فانطلقت تضحك بهستيريا على هيئة عماد المزري بإصاباته من جاسر، وهو يتكلم بجدية تنبع من تصديقه الكامل لعشق زهرة له بعد أن أوهمته غادة المؤذية بذلك.
"هذه الفتاة تفيدني دائماً وبشكل غير طبيعي."
صورة جاسر الذي اظلم وجهه مع كلمات عماد وهو يتقدم للفتك به، هذه الزهرة وهي ترتمي على الأرض كالخرقة البالية أمام عيون البشر المصوبة نحوها، وقد أجفلها عماد المتيم بكلماته الغريبة.
تقسم أنها لم يمر عليها في الحياة بمثل هذا اليوم من سعادة، ولا ضحكت من قلبها هكذا. تذكرت بداية لقاءها مع عماد بعد أن قص عليها مشكلته بكل غباء. أسعدها لتدبر خطة مكتملة الأركان، وكان اختيارها الجيد لفتاة تعمل في تنظيف مراحيض المشفى، ثم إغراؤها بحزمة كبيرة من المال جعلت الفتاة تجحظ عينيها مع رؤيتها بعدم تصديق، ثم تحفيظها للكلمات التي ستدلي بها لزهرة لتوقعها.
وتمت المهمة حينما أخذت هاتف الفتاة نفسها لتبعت منه الرسائل لجاسر، وهي تراقب من زاوية قريبة ذهاب زهرة إلى الغرفة التي يعمل بها عماد، ثم تعويض الفتاة بحزمة كبيرة أخرى بعد سحب الخط وتكسيره. فور استجابة جاسر للذهاب لتحذيراتها ليضبط الزوجة الخائنة مع حبيبها القديم.
عند هذه وانطلقت بموجة أخرى من الضحك لا تستطيع التوقف عنها، يغمرها إحساس هائل بخوضها لمغامرة غير عادية أثارت بقلبها السعادة. تنهدت بغبطة لتتمالك نفسها من الضحك قليلاً، ثم اعتدلت بنومها لتهاتف الرقم المناسب لها الآن.
"ألو.. أيوة يا فاضل."
أغلق باب الغرفة فجأة بعد أن دلف إليها، فانتبهت هي من شرودها والتفت رأسها إليه مع جلوسها متكئة بظهرها على وسادة من الخلف. أشاحت بوجهها عنه على الفور، فلم ترى هذه اللهفة التي بدت على ملامحه وهو يخطو ليقترب منها ممسكاً بيده ملف التحليل الخاص بها لاختبار الحمل، بعد أن تأكد من صحة المعلومة وعاد بقرائته عدة مرات بدون ملل.
دنا ليجلس بجوارها يسألها بصوت متحشرج من فرط المشاعر التي تتنابه الآن لدرجة تجعل الصوت يخرج بارتجاف:
"ما قولتيش ليه."
وكأنها لم تسمع، ظلت على وضعها ولم تجب. فتابع بأسئلته:
"ليه ما قولتيش على حاجة زي دي يا زهرة، وأنتِ عارفة ومتأكدة إني هـتجنن عشان أعرفها."
التفت برأسها إليه بنظرة خاطفة ثم عادت للناحية الأخرى مرة أخرى لتجيبه بلهجة ميتة:
"كنت عايزة أتأكد الأول قبل ما أتكلم."
رد يلح بسؤال آخر:
"برضه ليه ما قولتيش من البداية، وأنا كنت سعيت معاكي عشان نتأكد مع بعض."
عادت لصمتها ولم ترد. فباغتها فجأة يجذبها من ذراعها لتلتفت إليه عنوة وتقابل عينيها بخاصتيه المتعطشة لمعرفة الحقيقة، فأمرها مردداً بصوته الحازم المسيطر:
"ما تسبنيش أتكلم كده وأنتِ ساكتة، اتكلمي وردي عليا، قولي يا زهرة وريحي قلبي من أسئلة كتير في دماغي، قولي."
"عشان كنت عايزة أعملهالك مفاجأة."
هتفت بها صارخة بوجهه لتكمل بانهيارها مع سيل من الدموع تهطل بغير توقف:
"أيوه يا جاسر، كنت مفكرة إنه هيبقى أجمل خبر ممكن أبلغك بيه، وعلى أساس إنها تبقى مناسبة سعيدة ما بينا وهاتفضل ذكراها معانا العمر كله، بس ده كان ظني في الأول، لكن دلوقتي بقى مش عارفة."
لم يتمالك نفسه أكثر من ذلك، فجذبها بقوة يضمها لصدره مردداً بحرقة:
"سعيدة والله، والله سعيدة يا أجمل زهرة في عمري كله."
مع شعورها بغمرته القوية لها بذراعيه وإحساسها بفرحته رغم ما حدث منذ قليل، انطلق بكاؤها بهستيريا تردد له من بين شهقاتها:
"أنا كنت محضرة كلام وحاجات كتير أعملها لما أجي أبلغك بالخبر بعد ما أتأكد، ما كنتش أتخيل إن فرحتي المنتظرة تيجي مع ظرف بشع بالشكل ده."
زاد بضغط ذراعيه عليها، وقد وصله إحساسها المقهور بصدق كلماتها إليه، يتمزق قلبه إلى أشلاء متناهية الصغر مع كل حرف يصدر منها. يعيد لململة شتات نفسه بعد أن فكر بروية زهرة منذ زواجها به وهي تحت أنظاره، سواء في البيت أو العمل، حتى بيت جدتها يتم بمرافقة حراسه. بالإضافة أنه ليس بالصغير أو عديم الخبرة، حتى لا يعلم بصدق عشقها إليه أو الادعاء بذلك.
مع تذكره لظرف زواجهم ومحاولاته الكثيرة معها حتى استجابت له، هو أعلم الناس بصدقها وبرائتها التي أوقعته أسيراً لها، ولكن يظل هذا السؤال: لماذا ذهبت إلى غرفة هذا الشخص؟
فك ذراعيه لينزعها عن حضنه بلطف شديد بعد أن هدأت شهقاتها قليلاً. رفع وجهها إليه يمسح بإبهاميه كي يجفف عنها دموعها التي لا تتوقف، فقال بلهجة حانية:
"خلاص يا زهرة، أنا مصدقك، بس أنتِ أكيد عارفة ومقدرة الوضع اللي أنا اتحطيت فيه والكلام اللي قالوه المتخلف ده قدام أمّة لا إله إلا الله في المستشفى."
مع تذكيرها بما حدث، عادت لبكائها تقول بحرقة:
"بس أنا والله ما عشمته بحاجة يا جاسر، أنا مش فاهمة أساساً هو جايب الثقة دي منين، بيتكلم وكأنه أمر واقع، مش فاهمة ليه بيعمل كده، واللعبة اللي لعبها عليا عشان أعدي برجليا لأوضته اللي بيشتغل فيها ويفتن ما بيني وما بينك، أقسم بالله لا يمكن أسامحه عليها أبداً."
ضاق عينيه قليلاً يسألها بريبة:
"لعبة إيه اللي لعبها عليكي؟"
قطعت بكاءها لتجيبه بقوة:
"ما هو ده اللي كنت عايزة أقولك عليه من البداية عن السبب اللي خلاني أروح للغرفة اللي شغال فيها."
احتدمت عينيه وتحفزت جميع خلاياه مع قوله لها:
"قولي يا زهرة، اللي حصل وأنا سامعك كويس أوي."
بفستان أزرق يغطي ركبتيها بقليل وزينة خفيفة بوجهها غير مبهرجة، تنفيذها لتوصيات أبيها الذي أصدر أوامره أيضاً. جلسوها الآن في انتظار الزائرين المهمين، تفرك بملل لا تطيق هذه الجلسات المملة وهو مشغول عنها في النظر في حاسبه ومتابعة أعماله، حتى دوى صوت جرس المنزل، فأغلقه على الفور مع دخول الرجلين لداخل المنزل بصحبة مدير مكتبه. فوقف يخاطبها من تحت أسنانه:
"قومي اقفي معايا باحترام واتعدلي في وقفتك، مش عايز أي استهبال."
نفخت بضيق مذعنة لأمره، ومغتمغة بالكلمات الحانقة بداخلها، حتى وقعت أنظارها على الضيفين، الرجل السفير فوزي شريف وابنه رائد، فارتخت ملامحها وبدا عليها الإعجاب لهذا المدعو رائد بهيئته الأنيقة بشكل مبالغ فيه، مع ارتدائه لحلة رمادية انعكست على لون بشرته البرونزية وعضلاته البارزة بوضوح مع سترته المحكمة بضيق على ساعديه، ليذكرها بنجوم المصارعة التي تعشقها بعشق أبطالها، والنظر إليهم يتقدم نحوهم مع أبيه برزانة ووقار تظهر رقي تربيته.
هلت بداخلها على هذا الاختيار الرائع من أباها، ثم تمالكت بداخلها لتجيد التعامل مع العريس اللقطة كما يقال عنه في الحارات الشعبية. أسبلت أهدابها تدعي الخجل وهي ترحب بهم برقة غريبة عنها، أثارت إعجاب الرجل الكبير ليثني على جمالها وحسن أدبها:
"بسم الله ما شاء الله عليك يا بنتي، مثال الجمال والأدب، يا زين ما ربيت يا فهمي."
"متشكرة أوي يا أنكل، ربنا يخليك."
قالتها بصوت بالكاد يسمع، جعل حاجب يرتفع باستغراب من أبيها، قبل أن يندمج مع الرجل بضحكة مفتعلة مع قوله:
"ده من ذوقك يا فوزي، بس بصراحة أنا متعبتش خالص في تربيتها، أصلها دي ورثت الأدب والاحترام عن والدتها."
أكمل الرجل بكلمات الإعجاب وهي تطرق برأسها بمبالغة، رغم خبثها في نقل النظرات إلى هذا الجميل المدعو رائد، وهو يبادلها الإعجاب. حتى جلس أمامها يفتح أزرار سترته، فبرزت عضلات صدره من القميص الأبيض، كادت أن تصرخ مكبرة بالإعجاب، ولكنها استطاعت السيطرة على جنونها وتمالك نفسها لتسمع كلمات المودة بين الرجلين.
وهذا السفير يقول مخاطباً أباها:
"أنا اتشرفت جداً بالتعرف عليك يا سيادة الوزير، بصراحة أنت مثال الشرف والتواضع، ياريتني قابلتك من زمان ووطدت علاقتي بيك."
ربت فهمي بكفه على عظام صدره يظهر الامتنان لكلمات الرجل بقوله:
"ده أنا اللي اتشرفت وزادني الشرف بمعرفتك، في الحقيقة أنا راجل مش اجتماعي أوي في حكاية التعارف والصدقات، لأني دايماً بحب التقدم في شغلي بكل ضمير، ودلوقتي كمان بعد ما مسكت الوزارة بقالي سنين ما عدتش حتى بعرف أنام الليل وأنا شايل هم البلد وبفكر طول الليل في مشاكلها."
"يا سلام يا فندم على نبل أخلاقك وضميرك اليقظ."
أردف بها الرجل بحماس ليستطرد:
"مش بقولك سعيد بمعرفتك يا فندم، أنا بقالي فوق العشرين سنة دلوقتي بخدم في دول أمريكا اللاتينية من ساعة ما كنت موظف صغير في السفارة، إلا أن وصلت لمنصب السفير، بخدم في منصبي كمان بكل إخلاص وضمير، فاستسلمت بقى للغربة وقسوتها. بس بقى لما جيت عند جواز ابني، فوقت لنفسي وقولت إنه لا يمكن أجوزها لواحدة أجنبية بتربيتهم المختلفة عننا، أصل مافيش غير البنت المصرية هي اللي تليقله عشان تصون شرفه وتراعي ربنا في أولاده."
سهم فهمي بكلمات الرجل الصادمة له، ولكن مع التفاتة بسيطة لابنته التي اندمجت في دورها وهي تتبادل مع الشاب ابتسامتها بخجل، تدعي خف توتره قليلاً.
أتت الخادمة بصينية كبيرة تحمل عليها الحلويات وفناجين القهوة، فنهضت هي سريعاً تجفل المرأة بأخذ الصينية منها لتضيف بنفسها الرجلين وتعطيهم أطباق الجاتوه. انتشى والدها من فعلتها، ولكنه اندهش مع تسمر الخادمة أمامهم بذهولها من فعل ميري الغريب. هتف عليها بالانصراف، وعادت ميري تدعي الحياء لتزيد من إعجاب الرجل وابنه معه. وبداخلها تتراقص من الفرح، فهذا الوسيم ذو الجسد العضلي الرائع سوف يكون من نصيبها لتغيظ به صديقاتها وكل من شمِت في طلاقها من جاسر الريان، بالإضافة أنه لا يعرف شيئاً عن تاريخها.
فاقت من شرودها على إضاءة الهاتف الذي جعلته صامتاً برقم ماروا. تأففت بقرف تغلق الهاتف لتعود لجلستها وابتسامتها للشاب الراقي الوسيم، لتزيد من تعلقه بها، فمن الواضح من نظراته نحوها أنه بلع الطعم وسيكون موعد زفافها به قريباً، لا بل قريباً جداً.
في صباح اليوم التالي.
فتح أجفانه على أثر الضوء الذي اخترق الغرفة، مستيقظاً من نومه العميق، والتعب ما زال يفتك برأسه رغم غفوته لهذه الساعات الطويلة بعد سهرة مع تعب أبيه ومرور يومه السابق بمشقة مع أحداثه الكثيرة والكبيرة أيضاً. تأوه من تخدر ذراعه الذي ما زال يحمل رأسها، ليعتدل بجسده بصعوبة ويميل ليقبلها على جبهتها بقصد إيقاظها مع مداعبته الرقيقة لأنفها، وهي تزمجر بصوتها متأففة، فيزيد عليها بضمها بقوة حتى أنت بين ذراعيه قائلة بصوت مختلط بنعاسها:
"بس بقى يا جاسر، كفاية غلاسة."
ضحك منتشياً بمناكفتها التي تزيد من مرحه مع ردود أفعالها غير المتوقعة، فدنى منها يردد بجوار أذنه:
"مش هابطل غلاسة غير لما تقومي وأشوفك صاحية قدامي."
تغضنت ملامح وجهها بضيق وهي تسحب الشرشف لتغطي رأسها، وحاولت أن تنقلب للناحية الأخرى، ولكنها لم تتمكن من ضيق المساحة على السرير الطبي وهو بجسده الضخم محشور بجوارها يحاصرها بذراعيه. ضحك من قلبه على محاولاتها الفاشلة لتعود لوضعها، متنهدة باستسلام تغطي بساعدها على عينيها. ازداد بضحكاته ليكشف عيناها، فهتفت بتذمر:
"يوه عليك يا جاسر، كفاية بقى، عايزة أنام، حرام عليك."
وكأن بكلماتها الغاضبة تطالبه بالمزيد، زاد بميله عليها حتى ثبت ذراعيها بجانبيها ليعطي للضوء مساحة كاملة وفرصة كبيرة لإزعاجها أكثر، حتى استسلمت تفتح عينيها إليه قائلة بغيظ:
"اديني أتنيّلت وصحيت، استريحت أنت كده بقى."
أومأ لها برأسه بسعادة تدغدغ قلبه مع فرط فرحته بحملها. يتأمل تفاصيل وجهها بنهم لا يصدق بتحقق حلمه أخيراً بإنجاب طفل أو طفلة. قطعه منها يتمنى بشدة أن يكونوا جميعهم شبهها، حتى يرى صورتها مع كل نظرة لأحد منهم.
قاطعت شروده قائلة بسأم:
"هنفضل ع الوضع ده كده كتير، مش ناوي بقى تفك عني شوية، خليني أتحرك ولا آخد نفس."
حرك رأسه بالنفي.
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 106 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
رفع رأسه إليها يقول بمرح غير مكترث لضيقها:
"طب أعملك إيه وأنا راجل كده كبير وخوفت أنام بعيد عن حضن مراتي، نصيبك بقى اتحملي."
كبتت بصعوبة ابتسامة ملحة على أثر كلماته المتفكهة وتابعت تردف مدعية الغضب لتخفي حرجها:
"يعني إيه بقى مافيش تقدير لظروفي الجديدة ولا لتعبي؟"
سمع منها واعتدل عنها فجأة قائلاً بخوف تشوبه الفرحة لهذا الوضع الجديد:
"بجد أنت تعبتي يا زهرة ولا بتهزري؟"
ردت بابتسامة مستترة وهي تستقيم بجذعها أمامه:
"طبعاً لازم أتخنق من أقل حاجة وأنت لازم تخلي بالك، هو فيه هزار كمان في الحمل؟"
"اممم..."
زم بفمه بنظرة ماكرة متفهماً لدلالها المتزايد بحملها الجديد، فنهض سريعاً يخاطبها:
"حس كده بقى، طب يللا قومي من كسلك بسرعة عشان تفوقي كده وتفطري معايا."
"أفطر معاك فين بالظبط؟"
قالتها وهي تنزل بأقدامها عن التخت، فاهتزت بداور رأسها الذي أفقد جسدها اتزانه على الفور، لحقتها ذراعي جاسر ليسندها متسائلاً بقلق:
"إيه الحكاية، هو انت لسة تعبانة من امبارح؟"
أومأت برأسها تجيبه بابتسامتها الجميلة:
"مش عارفة بس أنا بجد حسيت بدوخة جامدة وأنا بقف دلوقتي، شكلي هاتعبك قوي في الحمل ده."
"اتعبيني يا ستي ولا يهمك، المهم أنت ما تتعبيش."
قالها ببساطة، أوقفت الكلمات بفمها وكيف تستطيع الرد بما يناسب جمال عبارته، فتابع لها:
"اخلص بس مشوار والدي وأشوفلك دكتورة شاطرة نتابع معاها، أكيد اللي بيحصلك ده سببه ضعف تغذية، هتقدري تكملي للحمام لوحدك بقى ولا أروح معاك؟"
قال الأخيرة بابتسامة ماكرة جعلتها تعتدل فجأة وتنزع ذراعه عنها قائلة بعصبية:
"لأ طبعاً مش لدرجادي، أنا كويسة وأقدر أروح لوحدي."
قالتها وتحركت بخطواتها مسرعة عنه، هتف من خلفها ساخراً:
"فجأة دبت فيكي الروح ها؟"
التفت برأسها إليه بابتسامة وهي تومئ له بعينيها ورد متخفراً لها:
"طب خلصي وتعالي خدي تليفونك ده اللي هانجه من كتر الاتصالات."
***
دلفت صفية بخطواتها السريعة إلى داخل المنزل عند صفية والهاتف على أذنها بعد أن جاء الرد أخيراً من زهرة بعد عدة ساعات عصيبة من القلق عليها بعد هذه الإشاعات التي امتلأت بها السوشيال ميديا.
"أيوة يا زهرة، إحنا بنتصل بس عشان قلقنا عليكِ لما مرضتيش تردي كذا مرة على اتصالاتنا... أيوه طبعاً ما أنتِ عارفة ستك... لأ ما فيش حاجة مهمة ما تقلقيش."
كانت قد وصلت إلى رقية التي خطفت منها الهاتف على الفور غير قادرة على الانتظار.
"أيوة يا عين ستك، عاملة إيه؟"
قالتها لتفاجأ بخروج خالد فجأة من غرفته يكمل ارتداء قميصه ويجلس بجوارها متلهفاً لسماع صوتها من مكبر الصوت لرقية، ورقية التي انتبهت له أكملت المكالمة بحرص مع شعورها بعدم علم زهرة أو تهربها، ولكن ما يحيرها هو هذه النبرة السعيدة في صوتها.
"يعني أنتِ كويسة يا حبيبتي، ما فيكيش حاجة؟ يا بنتي عايزة أطمن عليكِ."
"طب ما تيجي تزوريني، أصلك وحشتيني أوي يا حبيبتي وعايزة أشوفك بعيني.. ظروفك عمك، آه يا حبيبتي لازم طبعاً تقفي معاه في عليا والده، بس حاولي ما تتأخريش يعني يا ختي تعالي وفرحيني، أنا مستنياكي."
التفت رأس رقية فجأة لخالد مع سؤالها عنه، وردت عليها بدبلوماسية مع رفض ابنها للتحدث في الهاتف، ثم أنهت المكالمة والتفت إليه تخاطبه:
"يعني حرام بقى لو كلمتها بنفسك بدل ما أنت بتتعذب كده وهاتموت عشان تسمع صوته؟"
رمق والدته بنبرة معاتبة قبل أن يأخذ منها الهاتف ويعطيه لصفية ويشكرها، والتي بدورها تناولته واستأذنت للذهاب حتى تعطيهم المجال للحديث بينهم.
فور انصرافها، التف خالد يخاطب والدته بلهجة لائمة:
"ما تخلي بالك يا ست أنتِ من كلامك وصفية واقفة جنبنا."
مصمصة رقية ترد بسخرية:
"على أساس إن العيلة الصغيرة دي مش فاهمة، ده كفاية شكلك وانت خارج من أوضتك بتلبس في كم القميص، فضحت لهفتك قدامها أكتر من كلمتي."
صمت بتفكير وهو يراجع نفسه بعد أن ألجمته رقية بكلماتها، فقال مغيراً دفة حديثهم:
"خلاص بقى يا ست، سيبك من الكلام ده وخلينا في المهم، هي كانت بتقولك إنها هاتسرك وتفرحك، تفتكري تقصد إيه؟"
عصرت عقلها قليلاً رقية مع تركيزها في كلمات زهرة، ثم ما لبثت أن تلتمع عيناها بخبث تقول له:
"هي بتقولي هابشرك وخبر حلو، يبقى أكيد طلعت حامل ههههه، البت دي هاتفضل طول عمرها غلبانة ودايماً كده مكشوفة قدامي."
أشرق وجه خالد مع ابتسامة أظهرت سعادة شديدة مع سماع الخبر لو صدق فعلاً وكان حقيقياً، لقد تراقص قلبه بداخل صدره لمجرد التخيل، ولكنه تذكر سبب اتصالاتهم العديدة إليها بقلق، فانتفض فجأة من جوار والدته يتسائل بحيرة داخله:
"ترى من يكون هذا المدعو عماد وما قصته مع جاسر الريان وابنة قلبه زهرة؟"
***
صعدت معه إلى الطابق الموجود بإحدى غرف عامر الريان تحت الرعاية الطبية الكثيفة، ليتفاجأ الاثنان برؤية لمياء أمامهما متحفزة بشكل غير طبيعي، بيدها الهاتف، وجهها مظلم من الغضب، تزفر دخان من أنفها.
"القت إليها زهرة التحية على الرغم من توجسها الكبير منها، وقد بدا أنها فهمت سر غضب المرأة."
"صباح الخير يا طنط."
حدجتها بنظرة نارية أثارت الرعب بقلب زهرة قبل أن تنتبه على لمسة من كف جاسر على ذراعها يومئ لها بذقنه قائلاً:
"اسبقيني أنتِ وأنا ها حصلك."
أذعنت لأمره وتحركت سريعاً لتتجنب هذه العاصفة الهوجاء وهي تلوح بالأفق مع غضب لمياء.
"بتبصيلي كده ليه، ده أنت كان هاين عليك تضربيها."
هتف بها جاسر نحو والدته فور انصراف زهرة واطمئنانه لبعد المسافة، قابلت كلماته لمياء بغضب أكبر تهمس هادرة حتى لا يسمعهم أحد من أفراد المشفى وهي لا ينقصها فضائح:
"خاېفة أوي على زعل البرنسيسة حضرتك ومش هامك الفضايح ولا الكلام اللي مكتوب عنكم."
قالت الأخيرة رافعة إليه الهاتف بعد أن امتلأت الصفحات بما حدث بالأمس وعن قول هذا المعټوه بعد ضربه وهذه الإشاعات التي تروج لظلم جاسر الريان للعاشق المسكين بخطف حبيبته وضربه وصرفه من عمله أيضاً، وبرغم الغضب المستعر بداخله لانتشار هذه الأخبار الملفقة بهذه السرعة مع حبك الرواية إلا أنه قد أبى أن تؤثر به أو بفرحته بحمل زهرة، وقد علم بفطنته أن هذا الأمر مدبر بخطة محكمة ولن يهدأ له بال حتى يكتشف صاحبها وفي أقرب وقت، ولذلك جاء الرد لوالدته بمنتهى الهدوء واضعاً كفيه بجيبي بنطاله:
"وإيه يعني ما يقوله اللي يقولوه، وأنا ها يهمني في إيه؟"
استشاطت لمياء من الغيظ وغلى الدم بأوردتها تهتف حانقة:
"يهمك في إيه! أنت هاتشلني يا ولد أنت، يعني أنا أخلص من فضيحة نسبنا بيها وبوالدها اللي كان مسجون، تقوم تطلعلي حكاية الولد اللي خطفتها منه دلوقتي، طب كنت سيبهالوا يا سيدي، أهم الاتنين من نفس الطبقة ودور أنت ع اللي تناسبك."
صك على فكيه من الغيظ يهدر بأنفاس حارقة، ثم ما لبث أن يتمالك نفسه ليعود لهدوئه:
"متشكرين يا ست ماما على النصيحة المتأخرة دي، بس أنا بقى كل ده ما يأثرش فيا، أنا ميهمنيش أي حد تاني غير مراتي اللي أنا متأكد من مشاعرها ناحيتي، عن إذنك بقى يا ست الكل."
قالها وتحرك مسرعاً من أمامها تاركها جاحظة العينان لا تصدق رد فعله غير المبرر في التمسك بهذه الفتاة التي لا تجلب له سوى المصائب من وقت أن تزوجها غير مقدراً لمكانته واسم عائلته، دبت بأقدامها قبل أن تلحق به فحديثها معه لم ينتهي بعد.
***
وبداخل الغرفة عند عامر الذي كانت ممسكة بكفه زهرة تقبلها كما يفعل زوجها تماماً، تسأله عن صحته بصوتها الرقيق وتشجعه على النهوض من مرضه:
"يلا قوم بقى واقف على رجليك، عايزينك في الشغل معانا، جاسر على قد ذكائه ده كله لكنه ما يجيش حاجة جنب حضرتك."
أومأ لها بابتسامة مستجيباً لها، فتابعت له:
"طب أقولك على حاجة، ليك عندي خبر حلو قوي لو قمت بالسلامة كده وخرجت من المستشفى دي."
عقد حاجبيه بشدة بتفكير عميق وقد بدا أنه يخمن وتمنى أن يصدق تخمينه، أشار لها بيده حتى تقول على الفور، فضحكت مستمتعة بإلحاحه:
"طب ومستعجل ليه طيب، ما أنا بقولك أهو، على ما تقوم وتخرج من المستشفى."
رمقه بنظرة محذرة كي تتابع، لِتُثير ضحكاتها أكثر، فاستسلمت له أخيراً لتخبره على استحياء جعلها تتلعثم في قولها بجمل غير مترابطة:
"اصل يعني اا اممم بصراحة كده في مولود جديد جاي في السكة، قصدي يعني ااا ولي العهد."
"أنتِ حامل؟"
قالها سريعاً بعد أن نزع قناع التنفس من على أنفه وفمه غير قادر على الصبر أكثر من ذلك.
أومأت له برأسها مسبلة أهدابها بخجل منه.
أغمض عينيه يتأوه بفرح، اشتاقه لهذا الخبر السعيد منذ سنوات عديدة لا يذكر عددها، ليس فقط منذ زواج جاسر الأول، لا بل منذ ولادته حينما ظل وحيداً ولم يرزق بطفل أو طفلة أخرى غيره، التف لزهرة يلح بسؤاله ليسمعها مرة أخرى:
"أنتِ بتتكلمي بجد يا زهرة، ما بتهزريش صح؟"
أجابته بقلق على حالته:
"والله بتكلم جد، بس بقى حط القناع عشان تتنفس كويس."
وبرد فعل غير متوقع أزاح القناع لأعلى رأسه رافضاً ارتدائه، يخاطبها وهو يشير إليه بذراعيه:
"طب تعالي تعالي يابنت قربي."
"تقرب فين يا باشا، أنت بس قولي."
قالها جاسر بعد أن دلِف إليهم بداخل الغرفة ورد عامر بصوته الضعيف الألهث رغم سعادته:
"قربيها مني البنت دي، خليني أبوسها في خدودها."
صدر صوت شهقة عالية من زهرة لفتت نظر جاسر قبل أن يلتف إلى والده يرد ضاحكاً:
"أصلي على النبي يا عم تبوسها، ده إيه وأنا رحت فين بقى؟"
"ما أنت كمان عايز أبوسك."
قالها عامر جاذباً جاسر قماش قميصه، والآخر استجاب يقترب إليه نفسه ضاحكاً وقد خمن من فرحته بعلمه بالخبر السعيد من زهرة، أما عامر والذي ضم رأسه إليه يردد بغبطة غير مبالٍ بتعب قلبه:
"ألف مبروك يا حبيبي، أخيراً ربنا استجاب لدعائي."
نزع جاسر نفسه عنه بصعوبة خوفاً على صحته رغم سعادته بفرحة والده:
"براحة على نفسك يا حبيبي، أنت لسة تعبان."
وصلت لمياء لتنضم معهم لداخل الغرفة، فقالت مندهشة لما يحدث أمامها:
"إيه اللي بيحصل هنا وانت شايل قناع التنفس ليه يا عامر؟"
أجابها وقد ازدادت لهاثه:
"فرحان قوي يا لميا بحمل مرات ابني، أخيراً هابقى جد وعندي أحفاد."
وعلى عكس المتوقع صاحت لميا على ولدها بمشاعر مختلطة بين الفرح والغضب أيضاً:
"الكلام ده صحيح يا جاسر؟ يعني مراتك حامل فعلاً ومهانش عليك تبلغني بنفسك؟ ربنا يسامحك يا جاسر، ربنا يسامحك."
ظلت تردد بها حتى خرجت من أمامهم باكية.
لحق بها جاسر على الفور ليرضيها كالعادة مغمغماً بكلمات حانقة:
"إيه هو ده! هي ادتني فرصة أساساً عشان أقولها؟"
تمتم عامر هو الآخر:
"مافيش فايدة، عمرك ما هتتغيري يا لميا."
"بتقولي إيه يعني دا حصل بجده؟"
"هتفت بها كاميليا وهي تخاطب زهرة بعدم تصديق، وكان رد الأخرى:"
"والله زي ما بقولك كده، ده أنا حاسة إن ربنا نجاني بمعجزة، مش فاهمة البني آدم ده إزاي يعمل معايا كده، حبكها عليا بشكل غريب، لا والمصيبة مخه متبت على إنه بيحبه."
اعتدلت كاميليا بظهرها على الكرسي جالسة غليه بجوار زهرة بمقاعد الانتظار في المشفى، وعقلها يعيد في الكلمات بتأني، فقالت بتفكير:
"بس أنا عارفة عماد كويس قوي، التدبير والتخطيط ده ما يفهمش فيه أبداً، هو مجنون شوية ومتهور، الموضوع ده أنا لمسته فيه من ساعة اللي عمله معاكي في الشركة وخلى جاسر الريان يطرده من شغله، لكن تخطيط بالشكل ده ما يفهمش أبداً فيه."
حركت زهرة رأسها بالرفض وهي تعيد تكرار السؤال الملح برأسها:
"طب هو جاب الكلام ده منين أصلاً؟ مصمم ليه على فكرة إني بحبه وخايفة ما اعترفلو؟ أنا مفتكرش أبداً إني لمحتله أو حتى إدتلوا إحساس بحاجة زي دي، أنا كنت بعامله كويس على أساس إنه إنسان كويس وإنه ممكن يكون مناسب لواحدة في ظروفي ساعتها، دي حاجة بتمر على كل البنات قبل ما تقابل النصيب، لكن أكتر من كده ما فيش، والحمد لله إني بحب جوزي فعلاً."
أشاحت كاميليا بوجهها عنها تغمغم بالسباب على من زرعت الوهم برأس هذا المسكين وكانت سبباً رئيسياً لما يحدث من دمار:
"ماشي يا غادة الكل.. أنا إن ما كنت حاسبك ع الموضوع ده مابقاش أنا."
التفتت عنها زهرة بنظرة نحو جاسر وهذا المدعو كارم بجواره يتباحثان في بعض الموضوعات الهامة لعملهم.
"قوليلي يا كاميليا، هو انت لسه مصممة على قرارك في الجواز من اللي اسمه كارم ده؟"
التفتت كاميليا نحوهم بنظرة عابرة قبل أن تجيبها وهي تدعي فرحاً لا تصدقه زهرة أبداً:
"أنتِ لسة بتسألي يا بنتي، ده إحنا كتب كتابنا في خلال أيام، ده غير الشبكة كمان اللي اشتريناها، ده كارم صمم يجيبها ألماس."
رمقتها زهرة بنظرة كاشفة ترد على ادعائه:
"بس أنتِ عمر الألماس ما أغراكي يا كاميليا، نفسي أفهم دماغك وأعرف انتِ ليه بتعاندي نفسك وبتعذبيها بالشكل ده، لكن برضو هأفضل محترمة كتمانك."
صمتت كاميليا وقد أبطلت زهرة ببرائتها حجتها بعد أن كشفت عن ما في قلبها نحو هذه الزيجة التي اختارتها بعقلها، فبماذا إذن ستخبرها وهي التي يكتوي قلبها بنيران عشق ترفض الاعتراف به!
وكأنه أتى على النداء، تسمرت عيناها نحو الرواق الذي يقطعه بوجه واجم متجمد الملامح، وكأنه يرفض هو الآخر الإفصاح عما يشعر به.
وفي الجهة الأخرى، التفتت أنظار جاسر نحو صديقه الذي أتى نحوهم يلقي التحية بابتسامة غريبة عنه، يصافحه ويصافح كارم أيضاً، والذي قابل تحيته بترحاب شديد على غير العادة.
"أخبارك إيه بقى يا طارق باشا، يارب تكون كويس."
رمقه طارق برفعة من حاجبه يرد بابتسامة توسعت:
"أكيد كويس طبعاً، حمد لله نعم ربنا عليا كتير يعني مافيش حاجة تستاهل."
رد كارم بابتسامة جانبية:
"يارب دايماً كده، أنا حالا كنت بكلم جاسر باشا على ميعاد كتب كتابي على كاميليا بعد يومين، أكيد أنت هتيجي."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 107 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
من غير عزومة صح؟ أكيد.
قالها طارق بنبرة تبدو عادية لتخفي ما وراءها، وكان الغضب هذه المرة من نصيب جاسر الذي لم يحتمل النظرة التي طالت من صديقه رغم إنكاره بالقول. فالتفت لكارم يصرفه بدبلوماسية:
طپ روح أنت دلوقتي واعمل اللي قولتلَك عليه بخصوص العملا الجداد.
رد كارم بعملية:
تمام حضرتك، بس معلش لو اتأخرت شوية عشان لازم أوصل خطيبتي.
أومأ له جاسر على مضض ليتركه ينصرف. فظلت تتابعه حتى ذهب إلى كاميليا التي كانت تعيد احتضان زهرة وتبارك لها من جديد على حملها بسعادة حقيقية لها.
عاد جاسر إلى طارق ليسأله بقلق:
إنت جاي متغير عشان كدة بقى؟
تطلع طارق إليه بنظرة خاوية لدقائق قبل أن يقول له:
اللوم مش عليه على فكرة، اللوم عليها هي!
قال الأخيرة بإشارة منه نحوها. أثارت قلق جاسر منه، فالتفت إليه يسحبه من ذراعه حتى يتجنب افتعال المشاكل.
بقولك إيه، تعالي عايزك معايا.
تساءل طارق بدهشة وهو يسحب معه:
بتجرني كدة ليه؟ مش تقولي الأول عايزني في أيه؟
في الغرفة نفسها التي تم فيها الشجار سابقاً، كان مجتمعاً بمدير المشفى ورجل متخصص في التقنيات الحديثة لهذه الأجهزة. يشاركهم طارق رغم ضيقه.
هي دي البنت صح؟
هتف بها الرجل وهو يوقف صورة الشاشة على الفتاة التي أوقفت زهرة قبل خروجها من المشهد. دنا جاسر يمعن النظر في الصورة، فهتف مخاطباً مدير المشفى:
دي لابسة يونيفورم كمان، دي شغالة عندكم هنا بقى؟
رد الرجل وهو يتطلع إليها أيضاً:
آه بس دا لبس النضافة، يعني أكيد شغالة. ثواني هاروح أسأل وأجيبها بنفسي.
قال الأخيرة وهو يلتقط لها صورة بهاتفه. وفور انصرافه، هتف جاسر على الرجل المتخصص:
طپ عايزك بقى ترجعلي بالكاميرا مع البنت، إن شاء الله حتى تجيبها من أول مادخلت على ميعاد شغلها.
أمرك يا فندم.
قالها الرجل بعملية وهو يفعل كما أمره. تدخل طارق سائلاً:
مالها البنت دي؟ يعني هي عملت إيه مع زهرة؟
خليك متابع معايا وأنا هافهمك القصة كاملة، بس بعدين.
قالها يتطلع بدقة أمام الشاشة. صمت طارق يتابع مثله حتى هتف متسائلاً مرة أخرى:
إيه ده، مش دي مرفت اللي واقفة مع البنت في طرقة الحمامات؟
صمت جاسر مضيقاً عينيه وهو يعيد تذكره للمرأة المتخفية في المطعم سابقاً، ذات الجسد النحيل وقت تصويره مع زهرة حينما تناولت المنوّم في زجاجة العصير بخدعة لقصد التشهير بهم، لتكتمل الآن بهذه الخطة المحكمة والتي كادت أن تؤدي لخسارته لزهرة أو أذيتها وتعكير صفو فرحتهم بالحمل الذي كان يتحرق شوقاً إليه. فرد أخيراً بأنفاس متهدجة من الغضب المستعر بداخله:
هي فعلاً مرفت.
بعد أيام طويلة من الخوف والقلق تعدت الأسبوعين، تحسنت حالة عامر تدريجياً. وقد ساهم خبر حمل زهرة في التعجيل بهذا التحسن. كان جالساً بنصف نومة على سريره يسند ظهره بوسادة من الخلف، حينما ولجت إليه زوجته بوجه مشرق وابتسامة اعتلت ثغرها الجميل لتخاطبه بفرح:
صباح الخير يا جميل، عيني باردة عليك، صحتنا اتحسنت أهو وخلعنا قناع التنفس كمان.
أومأ برأسه لها متمتماً بكلمات الحمد بابتسامة مجاملة شعرت بها، فقالت له معاتبة:
إنت لسة متغير مني يا عامر بعد كل اللي مرينا بيه ده وقلبك لسة محنش؟
اقتربت منه لتكمل بنبرة متألمة، فغضب زوجها هذه المرة طال وفاق قدرة احتمالها، وهي التي اعتادت منه في كل شجار لهم على مدى سنين زواجهم أن يكون هو المبادر للصلح حتى لو كانت هي المخطئة.
إنت عارف كويس يا عامر إني مقدرش أعيش من غيرك، لا أتحمل جفاك ده. معايا ليه بتزيد بقى وتقسى عليا كدة؟
أغمض عينيه متنهداً بقنوط قبل أن يفتحهم ليواجهها بقوة مع هذا البريق الحاد بهما ويرد بما يعتمل بداخله منها وقد فاض به ولم يعد به طاقة للتحمل.
وأنتِ كمان متأكدة من حبي ليكِ اللي خلاني أصبر على د لعك من ساعة جوازنا وأعدي لكِ أخطائك. بل بالعكس بقى، دا أنا طول الوقت بحاول أجي على نفسي وأرضيك، لكن خلاص بقى يا لميا، الصحة معادش فيها، أنا تعبت بجد.
قال كلماته الأخيرة بأنفاس متهدجة أظهرت مدى معاناته، فلحقته هي بقولها:
طپ قولي أعمل إيه عشان أرضيك وأنا هنفذ على طول. قول يا حبيبي أعمل إيه عشان أشوف نظرة العشق في عنيك مرة تانية؟ قول يا عامر، دا أنت أبويا اللي بتدلع عليه، وأخوها اللي بتمتع بحنيته، وجوزي اللي بتسند عليه قدام الدنيا كلها.
امتد فمه المطبق بشبح ابتسامة مع قولها الذي يسعد أي رجل إذا سمعه من زوجته، ولكنه رد بلهجة حازمة إليها.
أنا مش عايز حاجة خاصة منك يا لميا، أنا عايزك تحسني علاقتك مع ابنك ومرات ابنه. اتقبلي زهرة يا لميا، دا كفاية إنها هتبقى أم حفيدك اللي بنترجاه من الدنيا. طپ حتى افتكري لها تعبها معانا طول الأيام اللي فاتت رغم حملها.
زمّت فمها وبدا على ملامح وجهها الاعتراض، وقالت بعند وهي تشيح بعينيها عنه:
الأيام اللي فاتت كانت صعبة على الكل مش هي بس على فكرة، وكلنا تعبنا، ولا أنت شوفتها هي ولا ما شوفتنيش؟
أنا أرد عامر كازّاً على أسنانه:
لسه برضه بتفكري ومش عايزة تديلها حقها؟ طپ أنتِ مراتي، ودا واجبك، لكن هي بقى مرات ابني، يعني آخرها زيارة عادية وخلاص. عاملي زهرة كويس يا لميا، دا البنت طيبة وزي النسمة، تتحط على الجرح يطيب.
احتدت نظراتها وهي تعود بالخلف تتأمله جيداً، لا تصدق أن زوجها أيضاً وقع أسيراً لهذه البراءة الخادعة لهذه الفتاة. ألا يكفي ابنها الذي أصبح لا يرى أحداً سواها وكأنها الملاك الذي نزل على الأرض بالخطأ؟ فقالت بتهكم:
ما تقول فيها شعر كمان يا عامر، أنا مش فاهمة إيه اللي جرى لك إنت وابنك عشان تتعلقوا بالبنت دي وتنسوا أصلكم ومركزكم الاجتماعي وسط البشر والعالم كله اللي بيراقب كل تفاصيل حياتكم وبينتقد كل كبيرة وصغيرة تعملوها.
أجابها مشدداً على حروف كلماته، غير مبالٍ بـ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 108 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
بس جاية أسألك مبسوطة كدة بعد ما دمرتي بني آدم غلبان زي عماد، لما زرعتي براسه الوهم وحسستيه إن زهرة بتحبه فعلاً، بس خايفة تعترف عشان جبانة وخاېفة من جاسر الريان.
شعرت وكأن صاعقة هبت وضربتها فجأة بدون استئذان، وقد باغتتها كاميليا بحديث ظنت بأنها تناسته، ولكنها تمالكت لتنكر متسائلة:
"إيه الكلام اللي بتقوليه دا يا ستي كاميليا؟ أنا مالي أنا ومال بني آدم مجنون زي ده، ما تروحي يا أختي اسألي ستي البرنسيسة، مش يمكن تكون هي اللي عشمته وخلت بيهتم؟"
"تاني برضه بتكذبيه؟"
درت بها كاميليا صاړخة، تضرب بكفها على سطح المكتب، وقد ازداد الاحتقان بداخلها حتى أفقدها حكمتها وحديثها الرزين دائمًا، فتابعت بنبرة أهدأ من سابقتها على الرغم من حدتها:
"عماد هو اللي قالي الكلام دا بنفسه وأكدلي إن انتي اللي قولتيلي. كان قصدك إيه ساعتها يا غادة؟ كنتي عايزاه يأثر على زهرة ولا يعمل إسفين ويبوظ جوازتها من جاسر الريان؟ ولا انتي كنتي مستكتره الجوازة من الأصل عليها وشايفة إن عماد هو الأنسب لظروفها؟ ما تقولي يا بنتي وخليني أفهم وجهة نظرك."
صاحت هي الأخرى غير مبالية بصوتها الذي وصل لزميلتها التي انتظرت خارج الغرفة:
"وجهة نظر وكلام فارغ إيه؟ مالي أنا إن كانت الست زهرة تتجوز عماد ولا جاسر الريان؟ هحقد عليها ولا هبص لها ليه من الأساس؟ ما هو مسيري أنا كمان ربنا يرزقني زيها ولا زيك انتي اللي هتتجوزي ابن اللذيذ."
زادت كاميليا بحصارها وتضييق الخناق عليها، بصراحة أجفلت غادة منها:
"ما هو دا فعلاً اللي حاصل، ولا انتي فاكرة إني ما كنتش واخدة بالي من تعمدك الدائم للتقليل منها قبل ما ربنا يرزقها بجوازها من جاسر الريان، بحقدك وغيرتك دمرتي إنسان مسكين وكنتي هتتسببي بخړاب بيت زهرة اللي كل ذنبها في الحياة إنها ماشية بنيتها ومش واخدة بالها من التعابين اللي حواليها."
جسدها كان يهتز من فرط غضبها حرفيًا، فكلمات كاميليا لها كانت موجعة بحق، حتى جعلتها تفقد الذرة الباقية من تعقل لها، فنهضت من مقعدها فجأة تلتف لها من خلف المكتب لتهدر بـَغِل وقد أخذتها العزة بالإثم:
"أنا مش هارد على واحدة زيك، وانت جاية تعايري وتذليني على حاجة مش بإيدي! مش معنى إن بنت خالي ربنا اداها من وسعه يبقى أنا هبص لها يا ستي كاميليا، ولا هبص لك انتي كمان. قادر ربنا يكرمني زي ما كرمكم. أنا متأكدة إن ربنا لا يمكن هيرضي باللي بتعمليه معايا ده، أكيد هيجيبلي حقي منكم."
قالتها وانطلقت في موجة بكاء حاړقة أمامها، لتزيد على مشاعر الازدراء بداخل كاميليا، حتى تحولت إلى مجموعة مختلطة من الأشياء التي لا تجد لها وصفًا، مزيج بين الشفقة والازدراء وضيق يجثم على أنفاسها، حتى تناولت حقيبتها وخرجت دون أن تعير وصلة الأخرى من الشهقات العالية أدنى اهتمام.
في المجمع الكبير، وبداخل إحدى محلات الملابس النسائية الخاصة، كانت ميري تنتقي عدة أنواع فاخرة وجميلة، تريد إبراز جمالها أكثر أمام الزوج المستقبلي لها المدعو رائد، فهذا الجميل لم ير منها حتى الآن سوى الملابس المنتقاة بعناية لتكون حشمة أمامه، والكلام المتحفظ حتى يراها خجولة ورقيقة كزوجة شرقية يفخر بها أمام المجتمع المنفتح، لا يعلم بما تخبئه له بعد الزواج، ستجعله كالخاتم بإصبعها، ومن ثم يسمح لها ويشاركها جنونها، لتنطلق بحريتها بعد ذلك.
"يعني أخيرًا شوفتك أهو."
صدر الصوت المعروف لأسماعها ليقطع عنها شرودها، حتى أنها شهقت مجفلة تلتف إليه برأسها، لتجده يتقدم داخل المحل النسائي بتفاخر وزهو، لفت أنظار الفتيات إليه، حتى إذا وصل إليها أكمل بتساؤل أمام اندهاشها:
"قافل تليفوناتك وما بترديش عليا ليه يا ميري؟ لتكوني زهقتي مني وعايزة تسبيني؟"
صيغة السؤال الغريب في حد ذاتها أثارت الضحكات الخبيثة حولها من الفتيات، والتي ساهمت في اشتعال غيظها، فردت كاظة على أسنانه منه:
"خلي بالك من كلامك يا مارو، ثم متنساش كمان إنك في محل خاص للسيدات، وما يصحش دخولك فيه من الأساس."
افتعل فاهه باستنكار قبل أن ينزل بعينيه ما بيدها، وهذه القطعة النسائية التي تشبه الشبكة بخطوطها الحريرية بتصميم رائع، ليطالعها بانبهار وإعجاب، فقال غامزًا لها بشقاوة:
"واو! دا هيبقى يجنن عليكي يا ميري بلونه النبيتي، وهتبقى ليلتنا نار."
هذه المرة التفت على صوت ضحكة صريحة من إحدى الفتيات التي لم تتمالك نفسها، حدجتها ميري بنظرة نارية أرعبت الفتاة، فصمتت على الفور، أما هي فعادت إليه قائلة بحدة:
"ممكن أفهم انت إزاي عرفت مكاني، وإيه اللي جابك ورايا هنا؟"
ذهب الهزل عن ملامحه لتحل جدية على قدر ما تضحكها أوقات كثيرة، على قدر ما تثير بقلبها الخۏف من مدى جنونه، وقال:
"شوفتك يا ستي يا ميري وانتي خارجة في عربيتك مع حرس والدك، وأنا مستني بعربيتي، فضلت متابع لحد أما دخلتي المول وجيتي هنا ع المحل. لكن الكلام اللي داير دا صحيح؟"
"كلام إيه؟"
سألته باستفسار، ورد يقول متهكمًا بغضب:
"قال بيقولوا قال إنك اتخطبتي لواحد والده سفير وهتسافري معاه بعد جوازك."
ابتلعت ريقها تحاول التفكير في رد مناسب يجعلها تتفادى عاصفة محملة بالغبار والأتربة، سيفعلها بافتعال فضيحة يشهد عليها رواد المحال بل ورواد المول التجاري جميعًا، لو قالت الحقيقة، فردت بكلمات تنتقيها بدقة:
"دي كلها إشاعات يا مارو، هو انت شايف في إيدي دبلة دلوقتي عشان تصدق إني اتخطبت؟"
قالتها رافعة كفها إليه، ونظر هو نحو أصابعها جيدًا يتبين صدقها، ثم قالت بنبرة تتصنع العتاب:
"كل الحكاية إنه ابن صاحب والدي المهاجر بقاله سنين وعايز يتعرف على بلد والده وعلى المعالم السياحية بيها، يعني اعتبره خواجة، وأنا بأدي دوري الوطني معاه، ولا انت فاكرني مش وطنية عشان أهرب من حاجة زي دي!"
"لسه برضه مش عايزة تقولي عن اللي مضيفك بالشكل دا؟"
سألها كارم بعد أن أتت إلى مكتبه منذ دقائق بعد شجارها مع غادة، ورغم تصنعها الابتسام ولكنها وكالعادة ملامحها الشفافة تفضح ما بداخلها دائمًا، ردت على سؤاله بمراوغة كي تتجنب فتح هذا الحديث الخاص معه:
"يااا كارم للزوم إيه الأسئلة الكتير دي؟ بس هو أنا جايه أشغلك عن شغلك المهم عشان أروشك بمشاكلي كمان؟ كبر دماغك، أنا هفك أساسًا لوحدي، ما تشغلش نفسك انت."
"لما ما أشغلش نفسي بيكي يبقى هشغل نفسي بمين بقى؟ يغور أبو الشغل اللي ياخدني منك يا كاميليا."
أجفلها برضه المفاجأة، حتى أنها تطلعت إليه لعدة لحظات بذهول، لا تصدق حالته المتغيرة هذه الأيام والأقوال الرومانسية التي يمطرها بها في جميع محادثاتهم، من وقت أن وافقت على كتب الكتاب، أو حتى نظرات الهيام التي تلمسها بعينيه، مبتعدًا عن تلك التي أخافتها قبل ذلك منه.
"ما قولتليش بقى عن سبب الزيارة الجميلة دي؟"
سألها بنفس النبرة الناعمة، وردت تجيبه بالكذب:
"عادي يا كارم، قولت أعملهك مفاجأة، ولا انت ما بتحبش المفاجآت؟"
افتعل ثغره بابتسامة جانبية غير مفهومة قبل أن يرد:
"طبعًا بحبها، خصوصًا لما تيجي منك، بس أنا بقى اللي هيسعدني فعلاً هو التعجيل بقى بحفل الخطوبة اللي أجلتيه كذا مرة عشان مرض عامر الريان، بس أهو الراجل اتحسن والنهاردة إن شاء الله هيخرج من المستشفى، إيه حجتك تاني يا كاميليا؟"
سهمت أمامه تبحث عن إجابة، قبل أن تتهرب بتناول كوب العصير أمامها تتجرع منه لتبتلع توترا يكتنفها كلما ذكرها بطلبه، وعقلها مشغول بهذا الآخر الذي يتعمد تجاهلها كلما رآها بالمصادفة، والتي تتم بندرة هذه الأيام رغم عمله معها بمكان واحد، يظل حبيس مكتبه وقت العمل، وحينما يفرغ منه يذهب سريعًا لجاسر الريان في المستشفى.
في الناحية الأخرى كانت عينيه مسلطة عليها يراقب خلجاتها بدقة، وكأنه يقرأ ما بعقلها على صفحة وجهها، وهو بكل بساطة يتلاعب بقلمه، وتابع يسألها:
"هو طلبي صعب أوي كدة عشان تسرحي مني بالشكل ده؟"
تداركت لتعي أن شرودها طال فعلًا هذه المرة، فردت متهربة بموضوع آخر:
"آسفة يا كارم، بس أنا ماخدتش بالي من سؤال لما افتكرت علاج والدي. أصله بصراحة فيهم نوع مستورد بلف عليه الصيدليات كلها ومش لاقياه، بيقولوا إنه اختفى من السوق من ساعة ما الدولار ارتفع."
رمقها بهذه النظرة الغامضة المتفحصة، قبل أن يجفلها بتناول إحدى الأوراق البيضاء أمامه، يسألها باهتمام:
"اسمه إيه بقى العلاج؟"
"يعني ما أنا بقولك مختفي من السوق."
عادت إلى وجهه هذه النظرة الواثقة والابتسامة المتكلفة، وهو يردف لها:
"انت اكتبي اسم العلاج، وأنا لو ما اتصرفت وجبتلك مجموعة مبقاش أنا."
التوى ثغرها بابتسامة مصطنعة لتومئ له برأسها، حتى انتبه الاثنان على فتح باب الغرفة بقوة، ليلج منه جاسر الريان على الفور، نهض كارم يقفل أزرار سترته ليسقبل جاسر بحفاوة بالغة، قبلها جاسر بكل ود، قبل أن يقترب من كاميليا ويرحب بها أيضًا، ثم جلس على كرسيه خلف المكتب، وجلسا الاثنان على المقاعد أمامه، بادره كارم بالتحدث عن الصفقات الأخيرة التي تمت والتعاقدات الجديدة، قبل أن يقاطعه جاسر بقوله:
"إهدى يا عم كارم شوية، خليني آخد نفسي، وخليني نتكلم بقى براحتنا شوية قبل ما ندخل في الشغل."
أومأ له كارم بهز رأسه وابتسامة مرحبة، فسأل جاهر يخاطبهما موجها عيناه نحوهما:
"وانتوا عاملين إيه بقى؟"
همت لتجيبه كاميليا بالإجابة العادية التي تقال لمثل هذه الأسئلة، ولكنها تفاجأت برد كارم والذي قال:
"الحمد لله حضرتك، احنا كويسين وتمام، أما بالنسبة للخطوبة فكنا مأجلينها على ما عامر بيه يتحسن، ولذلك دلوقتي بعد ما اطمنا، فإن شاء الله معادها يبقى بعد بكرة."
انعقد لسانها أمام هذا التحول الغريب والقرارات المفاجئة لها دون أن يستشيرها، فظلت صامتة تتطلع إليه مذهلة، وهو يتحدث عن ترتيبات الليلة وما يعده لها، أما جاسر فقد كان بعالم آخر غير منتبه لكلماته، فعقله كان يفكر في صديقه الذي يكتم بصدره ولا يبين حتى الآن!
خرجت من دوام عملها تتمخطر بخطواتها بعد أن أعادت على زينة وجهها بمزيد من المساحيق لتخفي آثار بكاءها بعد مشاجرتها الحادة مع كاميليا، التي أوجعتها بكلماتها القاسية تتهمها بالحقد والغيرة، بعد أن نالت هي والأخرى الحظ كاملًا، تأتي الآن متبجحة على الوحيدة التي ظلت محلها في الخلف، ولكن هذا لن يدوم، فهي ليست أقل منهن جمالًا، بل هي تزيد عنهن بالذكاء، الذكاء الذي سيمكنها من تخطيهن والفوز قريبًا!
رأت سيارته على مرمى بصرها مصطفة في انتظارها على الرصيف الثاني، فافتلت ثغرها بابتسامة سعيدة وتخطيطها يسير جيدًا جدًا كما أرادت، تعمدت التمايل أكثر بخطواتها حتى تظهر جمال خطواتها مع صوت كعب حذائها في الأسفل، وما ترتديه من ملابس ضيقة متمثلة ببلوزة بيضاء محكمة في الأعلى وجيبة غطت ركبتيها في الأمام لتظهر من الخلف جزء كبير من سيقانها مع هذه الفتحة الكبيرة، وفي ظل هذه الفرحة انتابتها برؤية ماهر وقلبها الذي يقفز من السعادة معها، أجفلت على صوت قوي وكأنها ضربت بعصا على ظهرها، شهقت بصوت عالي تلتف خلفها لتجد هذا المدعو إمام يلوح بعصا رفيعة في الهواء أمامها وكأنه يهددها بها، قبل أن يعيد فعله بالضرب مرة أخرى على عجلة الكاوتش التي قام بتغييرها في الأسفل، عبده السائق ليبدلها بواحدة أخرى بسيارة جاسر الريان، قائلًا كاظًا على أسنانه:
"عشان لما أقولك عجلة قليلة أدب وناقصة ترباية تبقى تصدقني."
شهقت صارخة في الضربة الأخيرة، لتستدير من أمامه وتعدو سريعا نحو السيارة التي تنتظرها لتهرب بجلدها من هذا المجنون.
راقبها عبده ضاحكًا، قبل يرفع أنظاره نحو إمام يخاطبه:
"طيب عليا النعمة يا شيخ انت مجنون ومش عارف آخرة جنانك دا إيه."
جلس إمام على الكاوتش التي فش غليله فيها بضربها منذ قليل، قائلًا بلهث من فرط غضبه:
"آخرتها خير إن شاء، وحياة أمي لاعدلها بالعافية!"
دثر والده جيدًا على تخته بعد أن أخرجه من المشفى التي ظل يتعالج بها لأسابيع حتى تحسن وقارب على استعادة عافيته، فجاء به إلى منزله بصحبة زوجته لميا وزهرة، التي كانت تجاهد لإخفاء توترها وقلقها لمشاركة لمياء منزلها بكل ما تراه منها من جفاء ومعاملة عادية ليس بها أي نوع من الدفء الذي يغمرها به عامر الريان، حتى وإن ظل صامتًا كما كان في العناية المشددة وقت أزمة مرضه.
"يا حبيبي كويس كده بقى."
هتف بها جاسر مخاطبًا والده الذي أومأ مجيبًا بابتسامة جميلة رغم تعبه:
"تمام يا حبيبي، ما تحرمش منك."
جلست على طرف تخته لمياء تخاطبه بلهجة حانية:
"أحضرلك حاجة تاكلها يا عامر من أكل البيت بدل أكل المستشفى اللي انت زهقت منه أكيد؟"
أجابها بنظرة نحوها بطرف عينيه من تحت أجفانه:
"معلش ماليش نفس دلوقتي، خليها بعدين."
عضت وجه لمياء بالحزن، تناظره بعتاب يتجاهله بقصد حتى لا يضعف أمام رجائها الصامت، تحمحم جاسر ليلفت إليه الانتباه، وقال مخاطبًا والدته:
"طيب احنا نخرج بقى يا ستي الكل ونسيبه يرتاح شوية، وبعدها أكيد هيقولك بنفسه على الأكل اللي بيحبه."
نهضت لمياء وعيناها مازالت مصوبة نحو زوجها الذي كان مستمرًا في تجاهلها، وفور أن تحرك الثلاثة لتركه، أجفلهم عامر بالنداء على زهرة:
"تعالي يابنت انت سيبك منهم."
أشارت بسبابتها نحوها تسأله بعدم تركيز:
"انتي عايزه أنا يا عمي؟"
"ما هو خيالك يعني، اخلصي يابنت هاتي الكرسي عشان تحكيلي على مشوار الدكتورة وتقوليلي قالتلك إيه؟"
هتف بها عامر بحزم نحوها، فالـتفت زهرة بنظرة متسائلة نحو زوجها الذي أومأ بعينيه إليها لتنفيذ مطلب أبيه، رغم اعتراض والدته التي رمقت زهرة بغيظ، قبل أن يسحبها جاسر من ذراعها بمهادنة حتى استجابت له على مضض، لتنصرف وتغادر تاركة زهرة تأخذ حريتها في الحديث مع عامر الذي قصد ذلك ليخفف عنها توترها وتشنجها.
"معقولة يا جاسر يعني انت بتتكلم جد ما بتهزرش؟"
هتفت بها لمياء بعدم تصديق بعد أن أردف لها جاسر عن هذا المطلب الغريب حينما يصدر منه هو شخصيًا، والذي أكده بقوله جاسر بنبرة مقنعة بعد أن جلس يتناول من طبق الفاكهة الذي أمامه على الطاولة:
"واهزر ليه بس يا ستي الكل، أنا عامل العزومة عشان نجمع حبايبنا بمناسبة خروج والدي بالسلامة من المستشفى."
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 109 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
وحمل مراتي الظرفين الحلوين دول بقى مش يستاهلوا حفلة بذمتك
جلست لمياء في الكرسي المقابل تؤمئ له برأسها وقد افتر ثغرها بضحكات سعيدة أظهرت أسنانها وهي تجيبه
صح عندك حق يا جاسر هما فعلا يستاهلوا حفلة مش عزومة إيه رأيك بقى لو نخليها حفلة فعلا
هذه المرة كانت الضحكة من نصيبه نفسه قبل أن يجيبها بتفكير
لأ يا أمي مش لدرجادي نكتفي دلوقت بالعزومة عشان صحة بابا كمان ما تتعبش ولا انت تحبي إيه
أجابته بلهفة وفرحة لازالت لا تستوعبها بعد
كل اللي تقول عليه كويس يا حبيبي مدام هتراعي كمان صحة عامر وأنا كفاية عليا إنك حنيت وعايز تقرب المسافات بيني وبين ميري دي مهما كان بنت خالتك يا حبيبي والدم عمره ما يبقى ميه.
هز برأسه يظهر اقتناعه الكامل مع ابتسامته التي لا تفارق فمه قبل أن يقول لها
طب خلاص بقى يا أمي مدام اتفقنا يبقى اتصلي انت يا ست الكل واعزمي بنفسك برضو انت هاتقنعيهم أحسن مني!
***
جالسة على كرسيها تراقبه من فترة لا تذكر عددها
بعد ليلة مرهقة فعليا لها من النوم المتقطع والذي لا تعلم إن كان سببه هو تغيرها لمكان لم تعتاد عليه قبل ذلك على الرغم من شعورها بالدفء بمشاركته الغرفة التي شهدت سابقا على أيام عزوبيته أو يكون السبب الآخر هو تفكيرها المستمر في هذه المأدبة التي قرر فعلها اليوم بالمنزل بمساعدة والدته التي دبت في جسدها الحماسة بشكل يثير الإندهاش والغرابة أيضا فهذه المرأة تكتنفها سعادة غير طبيعية منذ أن علمت من جاسر بترحيبه لدعوة ابنة شقيقتها أو زوجته الأولى ميرهان لحضور هذه المأدبة تتاكل من الفضول بداخلها لتعلم بالغرض الحقيقي من وراء هذه المأدبة وهي الأعلم بطبع زوجها الانعزالي من وقت زواجها به دائما لا يفضل الحفلات ولا السهر مع أحد غيرها أو هذا ما رأته هي في هذه الأشهر القليلة معه!
نار تسري بأوردتها كل ما تذكرت أنها ستلتقي بهذه المتكبرة اليوم والمطلوب منها الترحيب بها في المنزل الذي كان مقرها هي قبل ذلك تحدق عينيها في النظر إليه وشيطان عقلها يصور لها عدة سيناريوهات تزيد من اشتعال نيران الغيرة بصدرها بعد أن علم بخطبتها ولربما كان هذا سببا ليحن إليها ولأيام زواجه بها
يا نهار اسود ليكون هو دا اللي حاصل فعلا ولا مصيبة كمان لو مكانش في خطوبة أصلا وهو بيضحك عليا والنعمة دا لو حصل بجد لا يمكن هسامحك يا جاسر أبدا.
ظلت تغمغم بكلماتها وحديث نفسها المشتعل بالظنون تضع غيظها بالقرقضة على أطراف اظافرها حتى أخذها الوقت ولم تشعر به هو نفسه حينما استيقظ وانتبه على جلستها الشاردة وفعلها الغريب حتى نهض يجفلها بقبلة كبيرة على وجنتها بصوت عالي ويتبعها بقوله
صباح الفل الجميل بقى سرحان في إيه
عبس وجهها وبرقت عينيها ترمقه بنظرة مشتعلة بصمت دون أن تجيبه ولو بحرف لا تعلم بأنه فهم ما يدور بعقلها الان جيدا من ظنون وأفكار متطرفة توحي بها ملامحها البريئة والتي لا تعرف التصنع ولكن هذا لا يمنع شعوره بهذه التسلية الغير عادية في مناكفتها وأردف يدعي الدهشة
يا بنتي اتكلمي وقولي ليه التكشيرة دي كدة بس ع الصبح.
وانت مالك
تفتت بها حادة مباغتة كادت أن توقعه من الضحك ولكنه سيطر بصعوبة ليتمالك نفسه حتى عن الابتسام رغم ارتسامه بوضوح على ملامح وجهه ورد بجدية مزيفة يدعى العتب
كدة برضو يا زهرة دا رد ترديه على سؤالي لا يا زهرة انا مش متعود منك على كدة.
استدركت شاعرة بحجم خطئها بهذا الرد الغير لائق لسؤاله فقالت ملطفة وقد انتابها فجأة شعور بالذنب
معلش متزعلش مني بس بصراحة بقى أنا أساسا قايمة متقريفة ومزاجي زفت عشان معرفتش انام كويس بعد ما غيرت مكاني وأنا مصدقت اتعود على مكاني الجديد في بيتنا هناك.
أومأ برأسه لها يدعي تقبله الاعتذار الغير مباشر منها بصمت مما اضطرها لتزيد بسؤاله
لكن انت ماشاء الله بقى باين عليك قايم من نومك مبسوط!
توسعت على فمه ابتسامة أضاءت وجهه ليجيبها فاردا ذراعيه باسترخاء
ومنبسطش ليه بقى ودا اول يوم ليا في الغرفة دي اللي طول عمري متعود فيها على وحدتي والوحشة اللي كنت بحسها دايما اصحى بقى على منظر كدة يسعدني ويشرح قلبي حبيبتي قاعدة قدامي بعد ما شاركتني فيها لا وشايلة جواها ابني اللي جاي في السكة كمان..
قطع فجأة يتناول كف يدها ليكمل حديثه بصدق ما يشعر بها
اخيرا هيبقالي ذكريات حلوة ابدلها بالذكريات الوحشة القديمة.
وصلتها كلماته بما تحمله من معاني جميلة لتزيد بداخلها اليقين من صدق عشقه لها مع تأثرها الحقيقي لمعاناته السابقة مع هذا الشعور القاتل بالوحدة ولكن عقلها الساخن بالأفكار الجامحة الان يرفض الاستسلام دون أن تسأل عن ما يدور به
جاسر هو انت اتأكدت فعلا أن ميري اتخطبت ولا دي إشاعات والناس بتطلعها وخلاص
إلى هنا وقد فقد زمام أمره ولم يعد لديه قدرة على كتم ضحكاته حتى أثار ضيفها منه أكثر وصارت تحدقه بنظرات شرسة تساهم في استمرار ضحكاته قبل أن يهدأ اخيرا ناهضا من أمامها يردف مع ذهابه نحو حمام الغرفة
أما انت غريبة والله يا زهرة بقى كل الهليلة دي عشان تسأليني اتأكدت من خطوبة ميري ولا لأ طب أنا هكون بكدب ليه بس يا بنتي
ختم جملته الأخيرة بابتسامة متلاعبة قبل أن يغلق باب الحمام أمامها بمنتهي البرود مما جعل أبصارها معلقة لحظات على الباب المغلق تتمتم بغيظ
بقى أنا اللي غريبة يا جاسر ولا انت اللي تشل.
***
بعد قليل
هبطت من الدرج بصحبته لتجد عامر جالسا على رأس السفرة التي تراصت عليها كافة أنواع الأطعمة الخفيفة الخاصة بوجبة الأفطار والصالحة أيضا من أجل حالته الصحية أشرق وجهه برؤيتهم وهتف يدعوهم بمرح.
أيوة كدة بقى الوشوش اللي تفتح النفس دي ع الصبح تعالوا يالا افطروا معايا يالا تعالوا.
اقترب جاسر يقبله على راسه مردفا تحية الصباح وتبعته زهرة بتقبيل كف عامر الريان قبل أن يجلسوا معه ليشاركاه الطعام.
سألهم على الفور عامر بلهجته الودودة دائما
ها ياولاد عاملين إيه بقى في سكنتكم الجديدة هنا معانا وانت يا زهرة بقى انبسطتي في أوضة جوزك
أجابته زهرة بابتسامة مصطنعة لتخفي ما بداخلها ولم تخفى على عامر بفطنته ولا جاسر بلؤمه
مش أوضة جوزي يبقى أكيد هانبسط يعني ان شاء الله يا عمي.
أومأ لها عامر يدعي الاقتناع حتى لا يزيد بأسئلته ويحرجها أما جاسر فغير ليسأله.
لمياء هانم مش قاعدة تفطر معاك ليه يا باشا
عامر هامسا من تحت أسنانه وعينيه تطوف يمينا ويسارا بحذر خوفا من سماعها ما يقول
راحت تطمن على تجهيزات العزومة بتاعت النهاردة من ساعة ما قولتلها انت امبارح وهي مش راسية على حيلها تماما وكأنها عازمة الخديوي اسماعيل ذات نفسه الله يرحمه.
أومأ له جاسر بابتسامة انتقلت لزهرة هي أيضا وتابع عامر بضيق
بصراحة بقى أنا مش طايق الموضوع ده لزومها إيه العزومات والكلام الفارغ ده
تدخلت زهرة وقد أتى على هوائها منطق عامر الريان لتضيف على قوله بانفعال
عندك حق والله يا عمي أنا كمان مش مقتنعة وحاسة كدة أنها مظاهر كدابة ع الفاضي.
توجه جاسر نحوها بوجه عابس ونظرة محذرة لم تهابها زهرة فقال يخاطبها
حاولي تمسكي نفسك شوية وماتبينيش اللي جواكي ع أتفه الأسباب.
برقت عينيها بالتحدي لتعترض بهز رأسها بفعل أسعده من الداخل عكس ما يبين لها من تجهم على ملامح وجهه قبل أن ينتبه على قول والده الذي يتابعهم بمرح
أيوه يا زهرة اديلو وما تسكتيش.
اسبلت أهدابها بحرج لتخفي ابتسامتها ورد جاسر على والدهم
مبسوط انت بقى كدة صح
أومأ عامر برأسه يجيبه بابتسامة منتشية
جدااا أصل دي اول مرة اشوف فيها حد بيتحداك من غير ما تقلب انت الدنيا.
ازداد اتساع ابتسامتها مع صمتها وهي تتلاعب بطبقها ورد جاسر بدبلوماسية مشاكسة
عادي يعني يا والدي انا راجل متفاهم اساسا لطبع مراتي وهرموناتها اللي بتتغير دلوقتي كل دقيقة مع الحمل.
شهقت مخضوضة من جراته ولم تدري بمرفقها وهي تلكزه به على ذراعه ليقابلها بابتسامة متلاعبة مع رفع حاجبه وانطلق عامر بالضحك قائلا لجاسر
أيوه بقى يا جامد يا بن الريان انت.
جامد في إيه بقى
قالتها لمياء حينما أتت فجأة لتنضم معهم على طاولة السفرة ورد جاسر بمرواغة حتى يتجنب غضبها مع ذكر ما قالته زهرة وقبلها عامر الريان
لأ ست الكل أنا كنت بحكيلهم بس على صفقة حديد عرفت اخلصها قريب من حيتان في السوق كانوا بيتحدوني فيها.
ربنا يزودك اكتر وأكتر يا حبيبي.
قالتها لمياء بعملية قبل ان تردف له بحماس عما قامت بتجهيزه لمأدبة المساء وانواع الأطعمة التي أمرت بتحضيرها وعدة أشياء اخرى حتى يظهروا بصورة مشرفة أمام الجميع وخصوصا مصطفى عزام وزوجته نور وختمت بسؤاله
لكن انت أكدت على مصطفى إنه يجي النهاردة عشان أنا أكدت ع البنات زي ما قولتلي يبقى انت تأكد ع الرجالة زي ما اتفقنا.
رد جاسر بجديته إليه
ماتقلقيش يا ست الكل مصطفى وافق انه يجي بس على متأخر شوية عشان عنده لقاء مهم مع عملاء أجانب لكن انت بنت اختك قالتلك انها هتيجي صح
قالت ان شاء الله المهم بقى...
قطعت لتوجه كلماتها هذه المرة لزهرة بقولها
النهاردة هتيجي ميكب ارتست وأنا هشرف بنفسي على إطلالتك مينفعش تبقي أقل من نور خالص النهاردة حتى لو كانت عزومة مش حفلة فهماني.
أومأت لها زهرة بطاعة رغم شعور بعدم الراحة اكتنفها مع قول لمياء التي اندمجت في حديثها إلى زوجها
أنا وصيت المحل اللي انت بتتعامل معاه هما عارفين مقاساتك كويس وهيجيبولك شوية بدل تنقي منهم على مزاجك يا عامر
أومأ لها عامر على مضض لا يريد ازعاج نفسه بالجدال معها أما جاسر فذهب لعالم آخر وشرد لما يقوم بتجهيزه هو أيضا!
***
جالسة على تختها تطلي أظافرها يديها وبنفس الوقت تجيب على محدثتها في الهاتف الملقى بجوارها بالسماعة التي وضعتها على أذنها
أيوة يا حبيبتي اتصلت بيا من امبارح وقال إيه بتعزمني على العشا عشان تشيل المسافات ونرجع نقرب من بعض تاني وانت كمان يا ميرفت لا مش معقول دا أنا مصدقتهاش لما قالتلي أنها مجمعة الحبايب طبعًا هروح ولا انت فاكراني هخاف كمان يا قلبي دا أنا مجهزة فستان شارياه جديد شكله يهوس دا غير كمان إني هادخلهم ورائد في إيدي عشان تندم هي وابنها ويعرفوا إنهم خسروا كتير لما فرطوا فيا وربطوا نفسهم بالنسب العرة والسكرتيرة دي كمان
لو تحبي احنا ممكن نيجي نعدي عليك وناخدك معانا طيب يا قلبي اشوفك بالليل ان شاء الله.
أغلقت المكالمة ثم رفعت أظافرها أمامها لتنفخ من فمها عليهم لتجفيفهم ولكنها أجفلت منتفضة بعد ان تفاجأت بأبيها واقفا أمامه كتمثال يمد برأسه نحوها عاقدا حاجبيه بشدة فهتفت بارتياع من هيئته
إيه يا بابي هو أنا كل شوية هتفاجأ بيك كدة قدامي طب حتى راعي خصوصيتي.
هز برأسه والدها بحركات غير مفهومة يقول بسخرية على كلماته
لأ وانت بتراعي قوي الخصوصية بدليل انك سايبة الباب مفتوح كالعادة من غير ما تعملي حساب للعمال ولا الخدم اللي مالين البيت.
التوى ثغرها بامتعاض مع صمتها عن الرد بعد أن ألجمها بكلماته فتابع يسألها بانفعال غاضب
يعني صحيح بقى انك رايحة عزومة النهاردة عند بيت الزفت طليقك... هو إنت معندكيش دم يا بنت انت هتروحي بيت الراجل اللي فضل عليك السكرتيرة بنت خريج السجون
أنهى قوله وصدره يصعد ويهبط بتسارع أنفاسه الهادرة قابلت ميري غضبه بعدم اكتراث وهي تنهض من أمامه ترد ببرود مع ذهابها نحو المرأة لتتناول فرشاة الشعر وتمشط بها شعره
بصراحة مش فاهماك انا يا والدي معصب نفسك كدة ومضايق ليه دا أنا هدخلهم ورائد في إيدي عشان أغيظهم واعرفهم مقامهم لما يلاقوني مخطوبة من قبل حتى عدتي ما تخلص.
ضغط بأسنانه يقضم على شفته السفلى من الغيظ فهذه الغبية تردف كلماتها ببلاهة ولا تعلم بحجم الخسائر التي تكبدها مع انفصاله عن مجموعة الريان وحجم الأموال التي كانت تتدفق بكثافة إلى حسابه دون جهد أو تعب بالإضافة إلى كرسي الوزارة التي على وشك أن تطير منه وهو يجاهد لعدم حدوث ذلك.
ها إيه رأيك بقى
سألها خالد وهو يتأمل السعادة البادية على وجهها وهي تتطلع بكل زاوية في الشقة الجديدة بعد أن حصل عليها ضمن المجموعة الأولى التي تقبلت طلباتهم الشركة وسعادة تكتنفه بغير حدود بهذا العوض الجميل الذي أتى في موعده وبهذه السرعة في هذا الوقت القليل بعد أن فقد شقته الأخرى.
ما تردي يا بنتي وقولي رأيك بقى
كرر سؤاله عله يجد إجابة مفيدة منها تريح قلبه ولكنها وكالعادة تتمتع بمشاكسته فقالت بابتسامة مراوغة
يعني هي حلوة بس اااتابع يسألها
بس إيه
التفتت إليه تتنهد بصوت عالي تقول له بتصنع التفكير
امممم اصل بصراحة كدة امممم بس ما تزعليش مني يا خالد في اللي هقوله.
تخصر بوسط الصالة الفسيحة يميل إليها برقته قائلا بترقب
إيه بقى يا حلوة اللي هتقوليه وخاېفة يزعلني
التفت إليه ترد بابتسامتها الجميلة
طب يعني أنا لو قولتلك انها مش عجباني هتغيرها مثلا
نعم !
قالها بخضة وأكملت هي غير مبالية
أصلها خنيقة كدة ودمها تقيل على قلبي أنا بقول نستنى شوية على ماتفرج بقى بفرصة تانية ان شاء الله.
هتف رافعا قبضته مهددا يتصنع الجدية رغم ضحكاته التي شاركته بها بعد ان حاصرها على أحد الجدران
لمي نفسك يا بنت المستشار أنا على أخري بجد فاتقي شري أحسن الشقة حلوة وعجباكي فعلا صح ولا مش صح
أومأت برأسها تقول باستسلام لتقاء شره
طبعا يا باشا دي دي تجنن هو أنا أقدر أقول حاجة عنها.
تابع ليضيف بتهديد رافعا حاجبه بشر لدرجة جعلتها كادت أن تصدق جديتها
وهتروحي دلوقتي على بيتكم تقولي لوالدك ينتظرني عشان هجيلوا ونحدد يوم الفرح
رواية نعيمي وجحيمها الفصل 110 - بقلم امل نصر "بنت الجنوب"
على آخر الشهر اللي جاي دا فرمان وصدر.
يا سلام دا انت تؤمر وتصدر فرمانك براحتك هو أنا أقدر أعترض كمان.
ختمت بضحكة مقهقهة فجعلته يبتعد هو الآخر مبتهجًا بضحكها وسعادة تغمره بقرب يوم وصاله بها بعد هذا الصبر الطويل.
توقفت عن الضحك متنهدة براحة وعينيها تطوف في الشقة بإعجاب حقيقي وقالت بتأثر:
على فكرة أنا مبسوطة زيك وأكتر كمان لأن الشقة فعلًا حلوة وأنا عندي استعداد أتجوز فيها كده على البلاط من غير جهاز كمان. بس قولي صحيح هو أنت هتيجي لوالدي النهاردة؟
ذهب الهزل وحل عبس غريب على ملامح وجهه يجيبها ماسحًا على ذقنه بتوتر:
لأ ما ينفعش النهاردة عشان أنا وأنت عندنا مشوار.
سألته باستغراب:
مشوار إيه؟
في المساء وأمام مرآتها كانت تضع اللمسات الأخيرة على زينة وجهها بالمسح بالفرشاة وإضافة الحمرة المكثفة على وجنتيها وقد برعت في رسم عينيها لتظهر جمال اللون الأخضر بهما بشكل يثير الفتنة ويثير بذاتها الإعجاب والغرور أيضًا. تبسمت على صوت صفير الإعجاب الذي أتى من خلفها فتابعت لتضع اللون الأخير على شفتيها مع النظر في انعكاس صورته وهو يقترب متأنيًا يرتدي فانلة ملتصقة بجسده في الأعلى بدون أكمام وفي الأسفل بنطال بيتي مريح واضعًا كفيه داخل جيبيه وقال يتبع صفيره:
إيه الجمال ده يا ست فيفي دا أنتِ غلبتي نجمات هوليود.
التفت إليه بابتسامة متسعة بزهو تتلاعب بأناملها على خصلات شعرها المصفف بعناية تسأله راغبة في المزيد من الإطراء:
بجد يا ماهر يعني أنا عجبتك فعلًا؟
أطلق صفيرًا آخر وهو يتناول يدها ليديرها حول نفسها مرددًا بفخر:
يا قلبي أنتِ ما تعجبنيش أنا وبس دا أنتِ تعجبي الباشا كمان ولا أنتِ مش شايفة نفسك بقى.
تنهدت مبتهجة بصوت عالٍ قبل أن تقترب منه تقبله على وجنته بخفة تقول بامتنان:
مرسي أوي يا ماهر كنت محتاجاها أوي الجرعة دي عشان أحس بجمالي كده وأفرد نفسي قدامهم.
قالتها وهمت لتركه ولكنه أكمل ليزيد من إطراءها:
افردي يا قلبي ومدي رجليك كمان أنتِ ما فيش واحدة في جمالك أصلًا.
"واو"
قالتها مصدرة صوت انتشاء لسماع كلماته مما جعلها تعيد الكرة بتقبيله مرة أخرى على الجانب الآخر من وجهه قبل أن تبتعد سريعًا تتناول السترة القصيرة لترتديها فوق فستانها وقالت تسأله على عجالة:
ما قولتليش بقى أخبار البنت غادة إيه معاك؟
وكأن بسؤالها ذكرته ليردف عما جاء به إلى غرفتها قلب عينيه يجيبها بسأم:
أوووه يا فيفي البنت دي صعبة وغريبة فعلًا مرة تبقى كيوت كده وأحس إني هاوصل معاها ومرة تانية ألاقيها انقلبت لشراسة كده مش مفهومة. طيب هي عايزاني ولا مش عايزاني؟
ضحكت ميرفت ترد على شقيقها وهي تنثر على فستانها رائحة العطر الباريسي:
لأ من ناحية هي عايزاك فهي عايزاك قوي لكن غباؤها يا قلبي مصور لها إنها ممكن بعملتها دي توقعك على بوزك وتتجوزها.
شهق ضاحكًا باستنكار يرد بعدم استيعاب لهذا الأمر الغريب:
دي مجنونة دي ولا إيه عايزاني أنا أتجوزها؟ طب إزاي يعني هي متعرفش أنا مين ولا فرق الطبقات ما بينا إزاي دي تبوس إيديها وش وضهر إني بصيت لها أساسًا وخليتها ترافقني.
تنهدت ميرفت قبل أن تتحرك للمغادرة ولكنها توقفت على مدخل الغرفة تقول لشقيقها قبل ذهابها:
هي فعلًا مجنونة وعبيطة كمان بس بتنفعني وقت الزنقة.
وفي منزل عامر الريان كان أول الوافدين شقيقته عليه والتي استقبلها جاسر بالترحاب الشديد لما تمثله هذه المرأة من حنان أمومي يستشعره منها في كل لقاء بها. أما عامر الريان فكان لقاؤه بقبلة حارة على أعلى رأسها بمودة أخوية دائمة بينهم مهما فرقت بينهم المسافات. وعلى العكس كان استقبال لمياء لها بمودة مصطنعة فهي لن تنسى لعليّة اشتراكها مع شقيقها وجاسر لهذه الزيجة التي تورطوا بها وأخفوها عنها لعلمهم الأكيد برفضها.
نورتيني بجد يا علية أخيرًا شوفناكي في البيت هنا بقى.
قالتها لمياء بعد أن رحبت بها وجلست تنضم معهما في جلسة عامر مع شقيقته والتي ردت:
أنتِ كمان بقالك فترة كبيرة مجتيش بيتي يا لميا لكن على الأقل أنا بسأل على طول بالتليفون وأطمن. دا غير إني رحت زرت أخويا كذا مرة في المستشفى لكن أنتِ بقى فكرتي مرة تزوريني وأنا عيانة؟
بهت وجه لمياء لتقول بدفاعية وقد أجفلتها علية بردها القوي:
وأنا هعرف منين يعني إنك تعبتي وأنتِ حتى حساب ع السوشيال الميديا معملتيش.
ردت علية بابتسامة مستخفة زادت من حنق لمياء فهذه المدعوة علية دائمًا ما تثير بنفسها الغيظ بثقتها الدائمة بنفسها رغم بساطتها في كل شيء. تدخل جاسر ملطفًا وليتلافى غضب أبيه الذي بدا واضحًا من نظرته:
نحن زوجته بس يا عمتو إحنا كنا عايزين نعملكم زيارة أنا وزهرة عشان أعرفها على بيتك والمزرعة بتاعكم.
ردت علية مرحبة بغبطة:
تنور يا حبيبي أنتِ وزهرة حبيبة قلبي دي وحشتني أوي. هي فين مش شايفة ها؟
أهي دي اللي نازلة ع السلم.
قالها عامر بإعجاب وهو يتطلع لزوجة ابنه التي تزينت باحتراف مع لفة رائعة وعصرية لحجابها تناسبت مع فستانها الذي أظهر جمالها بدون تكلف كالعادة. هللت علية بمرح لابن شقيقها تلكزه بعد أن لاحظت تسمر نظراته هو الآخر على حبيبته والتي يزداد جمالها في كل مرة يراها فيها بزينة أو بدون زينة. تلقفتها علية بالأحضان والقبلات بمودة شديدة أثارت حفيظة لمياء بعد لقائهم البارد منذ قليل.
وبعدين بقى يا كاميليا هاتفضلي على حالة الجمود دي كده كتير؟
قالها وقد فاض به بعد أن توقف بسيارته أمام منزل عامر الريان. رمقته بنظرة غامضة تود تجاهله لتلتف وتترجل من السيارة ولكنه أحكم إلكترونيًا على باب السيارة حتى صارت تضرب بعنف على المقبض الذي لا يستطيع الفتح. فالْتفت إليه قائلة بنزق:
ممكن تفتح الباب يا كارم عشان أخرج.
رد ببرود ولهجة هادئة:
ما فيش نزول يا كاميليا من غير ما نتفاهم إن شاء الله حتى نتخانق بس بلاش السكوت ده.
مالت برأسها نحوه تردد بسخرية:
نتخانق! هو أنت بتديني فرصة أتخانق ولا ألحق حتى أقول رأيي! يا راجل ده أنا بتفاجأ بالقرارات اللي تخصني معاك زيي زي رباب أختي بالظبط. يعني إيه يعني تقرر مع والدي معاد الخطوبة من غير ما تاخدوا رأيي؟ دا أنا لما سمعتك وأنت بتقولها لجاسر الريان سكتت على ظن إننا لسة هنتافاهم. لسة ما أروح البيت ألاقي والدي بيكلمني عن التجهيزات اللي حضرها معاك في القاعة. إمتى لحقت تعمل دا كله أساسًا؟
تنهد مطرقًا رأسه قليلًا يمتص غضبها قبل أن يرفع عينيه إليها يخاطبها بهدوء:
هو أنتِ لما طلبتِ تأجيل الخطوبة لبعد ما ربنا يطمنا على عامر الريان أنا عارضتك يا كاميليا؟
نفضت برأسها تهم للرد بعصبية وانفعال ولكنه قاطعها قبل حدوث ذلك بقوله:
القاعة جاهزة من قبل ما نختار الشبكة. أنا بس خدت والدك عشان يشوف بنفسه وأكد على الميعاد بأقرب وقت عشان الناس اللي دعيتها واضطرت تستنى ما ينفعش التأخير أكتر من كده يا كاميليا. ولا أنتِ عندكش رغبة في الارتباط بيا من أساسه؟
لهجته اللينة معها وكلماته الراجية وحديث عينيه الذي لطالما احتارت فيه. كل هذا يزيد بداخلها الارتباك مع الحروب التي تخوضها بداخلها. تريد الراحة التي بسببها وافقت من البداية على الزواج به. إذًا لما هذه الوحوش التي تأكل برأسها ولا ترحمها عن التفكير ولو قليلًا. حتى كارم الذي كان يثير توجسها في بداية خطبتهم أصبحت ترى منه وجهًا آخر يريد استرضائها بكل طاقته. ولكن ما يثير قلقها هو استعجاله الدائم على عقد القران رغم توضيحه للسبب الرئيسي الذي يدفعه لذلك وهو خوفه من تأثير طارق عليها وكأنها طفلة صغيرة. ولكن أليس هذا ما يحدث بالفعل!
سكتي ليه يا كاميليا ولا أنتِ مش لاقية إجابة لسؤالي؟
قالها ليقطع عنها شرودها فقالت بدفاعية مبررة:
لأ طبعًا أنا قولتلك قبل كده إني لو ماليش رغبة في الجواز منك مكنتش هوافق من الأول.
أكمل على قولها:
زي ما قولتي كمان إنك يوم ما هتقرري إنك تكتبي كلمة النهاية ولا ألف ورقة هتمنعك صح يا كاميليا؟
سألها بالأخير وردت على الفور بقوة:
آه طبعًا فاكرة وأنا بقصد كل كلمة بقولها.
خلاص يبقى إيه لزوم القلق بقى؟
قال سؤاله ليتناول كف يدها ويقبلها قائلًا بحنان لم يسبق لها رؤيته:
وأنا أوعدك إن اليوم ده لا يمكن يحصل أبدًا وإني هبذل كل جهدي عشان أسعدك.
واقفة عندك كده ليه يا زهرة؟
هتف بها جاسر نحوها بعد تركه لجلسة الدفء العائلي التي جمعته مع والده وعمته علية في إحدى الغرف وحيدهم تاركين المأدبة ولمياء وكل شيء للحديث عن أيام طفولتهم وبعض المواقف الطريفة التي حدثت قديمًا معهما. حتى أن جاسر اضطر لتركهم بصعوبة متذكرًا ما ينتظره ثم يفاجأ الآن بوقفة زهرة المتسمرة ليعلم السبب فور أن وقعت عيناه نحو ما تنظر إليه.
قاعدة ليه مكانك ما تتحركي وسلمي ع الضيوف.
همس بها بخبث فور أن وصل إليها يشير بذقنه نحو ميري وهذا الأجنبي الذي تتأبط ذراعه ووالدته ترحب بهما بحفاوة. كرر بمطلبه مع نظرتها الشاردة إليه:
يا بنتي ما ينفعش وقفتك دي اتحركي كده.
حركت رأسها باعتراض لتفاجأ به يطبق على كفها ويسحبها معه نحوهم. حاولت فك يدها هامسة بصوت خفيض:
سيب إيدي يا جاسر و بلاش أسلوبك ده. طب سيبني أمشي لوحدي طيب من غير ما تسحبني ياااا.
جاسر...
صمتت فجأة حينما وجدته يقترب منهم ليردف مرحبًا بالضيف:
أهلاً يا ميري نورتي.
انتبهت فجأة على صوته فالْتَمَعَت عينيها فجأة لترد بابتسامة يعرفها جيدًا وهي ترتد بقدمها للخلف خطوة واحدة لتظهر الخطيب المزعوم أمام أنظاره:
أهلاً يا جاسر عامل إيه؟ وأنتِ ازيك بقى يا مدام؟
قالتها الأخيرة مع نظرة وجهتها لزهرة التي أومأت لها برأسها تغمغم بالتحية رغم ارتباكها. فتدخلت لمياء في الحديث موجهة الكلمات لابنها وزوجته:
رحبوا كمان بالضيف ده يبقى خطيب ميري الأستاذ رائد ابن السفير فوزي شريف.
صافحه جاسر على الفور مرددًا الترحيب بحرارة مزيفة للرجل الذي رد بكلمات مقتضبة بلغته العربية غير المتقنة مما جعل جاسر يعقد حاجبيه بشدة مستفسرًا. وجاء الرد من ميري بزهو قاصدة:
أصل رائد اتولد وعاش عمره كله يتنقل في دول أمريكا اللاتينية مع والده السفير وكل معلمينه كانوا من نفس البلاد ولذلك هو للأسف بيفهم العربي بس ميقدرش ينطقه بتمكّن زي والده مثلًا.
أومأ جاسر رافعًا وجهه للأعلى بمبالغة فهمتها ميري مع هذه الابتسامة الماكرة وقد عرف منها كيف استطاعت الإيقاع بهذا المسكين وهو لا يفهم العربية حتى يعرف تاريخها. ولكنه انتبه على نظرة الإعجاب الصريح من هذا المدعو رائد نحو زهرة محركًا رأسه باستفهام عنها. فجاءت الإجابة من لمياء والتي قدمتها له على أنها زوجة ابنه. ابتسامة بلهاء اعتلت ثغر الرجل ليردف بانبهار وقد وافقت صورتها للصورة التي رسمها قبل ذلك في مخيلته فخرجت كلماته بالفصحى:
واو! زوجة شرقية جميلة.
هي مين اللي جميلة؟
هتف بها جاسر وقد ذهب العبث عن وجهه وحل محله شر مطلق مع ارتفاع حاجب واحد بخطَر ونظرة قاتمة للرجل الذي هم ليصافح زهرة ثم عاد بكفه مرة أخرى على تخوف. تخصرت له ميري بتحفز فتدخلت لمياء لتسحبه بصعوبة مع زهرة التي تدخلت معها لمنع حدوث الشجار وافتعال مشكلة دبلوماسية.
دي عمايل دي برضه يا جاسر انت عايز تفضحنا؟
هتفت بها زهرة فور أن ابتعدا بمسافة آمنة عن ميري وخطيبها الأجنبي. وقالت لمياء محذرة بغضب:
أقسم بالله يا جاسر لو ما عدت العزومة دي على خير لا أنت ابني ولا أنا أعرفك.
بصقت كلماتها بوجه مكفهر قبل أن تتركهم وتذهب نحو الخطيبين لدرء سوء التفاهم. تابعتها زهرة قبل أن تهمس بضغط أسنانها نحوه:
يعني عاجبك كده لما قلبت والدتك علينا كان عاملك إيه الراجل يعني؟
تجهم وجهه واحتدت عينيه يرد بخشونة قاطعة لها:
كفاية إنه بص لك وقال عليك جميلة يحمد ربنا بقى إني مخلصتش عليه.
أجفلت من غضبه فقالت مبررة بهدوء رغم ذهولها من فعل زوجه:
ده أجنبي يا جاسر الراجل بيتكلم على سجيته وده ثقافته غير ثقافتنا.
ازداد بريق عينيه ليرد بحدة محذرًا:
لأ أجنبي ولا زفت وما تحاوليش تبرري عشان أنا اتخنقت أساسًا.
هزت برأسها تطيعة على تخوف صامت فهذا المجنون لا تضمن رد فعله وقد وصل غضبه لأخره. لتصدر صوت شهقة مفاجئة فور أن وقعت عينيها على من ولج للداخل المنزل بصحبة عروسه.
ده خالي يا جاسر.
قالتها بفرحة طفلة صغيرة رأت والدها بعد رجوعه من سفر سنوات. فلم تشعر بتقديمها وهي تركض نحوهما. وتبسم جاسر يتابع فرحتها حتى ارتمت بحضن خالها. فعبس وجهه يغمغم بحنق وهو يحرك قدميه للذهاب إليه:
هو أنا عامل اليوم ده عشان يتقلب عليا ولا إيه؟ صبرني يا رب.
وكأن برؤيتها التي اشتاق إليها منذ أسابيع مرت عليه وكأنها شهور عادت إليه روحه فنسي غضبه وتبخرت كل مشاعر اللوم بداخله ولم يبقى سوى الاشتياق الموجع لصغيرته والتي أطبقت بذراعيها حوله مردفة بدموعها:
وحشتني يا خالي وحشتني قوي. ربنا العالم الأيام دي عدت عليا إزاي. ربنا ما يعيدها تاني أبدًا يا رب.
قبّلها أعلى رأسها خالد يقول بصوت متخشّج بمشاعره:
مش أكتر مني يا زهرة. أنا في بعدك حتة من قلبي مكانتش موجودة يعني كنت عايش وميت في نفس الوقت.
يا حبيبي يا خالي ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
منور يا عم خالد.
قالها جاسر فور أن وصل إليهم وذراعه امتدت نحو زهرة لابعادها عنه قائلًا بذوق:
حبيبتي وسعي شوية كده عايز أسلم ع الراجل.
جذبها خالد يمنع ابتعادها بمشاكسة ويرد لجاسر:
ده نورك يا باشا طبعًا بس إحنا نعرف نسلم عادي يعني حتى بص أهي إيدي ممدودة أهي.
أشار بكفه الحرة ليصافحه جاسر على امتعاض وتدخلت نوال خلفهم قائلة بمرح بعد تأثرها منذ قليل بلقاء خالد وزهرة ابنة شقيقته أو ابنته هو على الأصح:
جاسر باشا أنا قاعدة هنا والله ومحدش واخد باله.