تحميل رواية «مزرعة الغضب» PDF
بقلم نرمين قدري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حدقت روز من النافذة في حركة المرور السريعة بين المباني البنية والرمادية الكئيبة العالية وكان لونها يعكس الانقباض الذي أثقل كاهل الفتاة. أفلتت منها تنهيدة خافتة وهي تترك الستارة لتستقر مكانها، وتستدير لمواجهة الرجل المسن الجالس خلف المكتب. "أستاذ فؤاد، كنت صديق لبابا وتستطيع أن تفهم الوضع أكثر من أي شخص آخر. ليه المزرعة هتتباع بكرة؟ محتاجة تفسير منك. أنت على مدار عشرين سنة كنت المحامي العيلة وماسك كل حاجة تخص أملاك بابا الله يرحمه، ليه فجأة كده اتغير الحال؟ معقول كل حاجة تروح في لمح البصر كده؟ حض...
رواية مزرعة الغضب الفصل الأول 1 - بقلم نرمين قدري
حدقت روز من النافذة في حركة المرور السريعة بين المباني البنية والرمادية الكئيبة العالية وكان لونها يعكس الانقباض الذي أثقل كاهل الفتاة. أفلتت منها تنهيدة خافتة وهي تترك الستارة لتستقر مكانها، وتستدير لمواجهة الرجل المسن الجالس خلف المكتب.
"أستاذ فؤاد، كنت صديق لبابا وتستطيع أن تفهم الوضع أكثر من أي شخص آخر. ليه المزرعة هتتباع بكرة؟ محتاجة تفسير منك. أنت على مدار عشرين سنة كنت المحامي العيلة وماسك كل حاجة تخص أملاك بابا الله يرحمه، ليه فجأة كده اتغير الحال؟ معقول كل حاجة تروح في لمح البصر كده؟ حضرتك مدرك حجم الكارثة؟ أنا بكرة هكون في الشارع، بكرة بعد ما المالك الجديد يوصل مش هلاقي حتة أروح فيها. أنا معنديش حد."
"أمي ماتت وأنا صغيرة، وأبويا كمان هو كمان سابني لوحدي."
تنهد المحامي بضيق وقال بأسلوب يأس:
"ده السبب اللي جابني دلوقتي يا روز، في أن تعيدي التفكير في أسلوب حياتك. هو كوني محامي والدك وأقرب أصدقائه، حابيت أعرفك أن حياتك الجاية هتختلف تمام. لكن على موضوع هتقعدي فين؟ أنا حاطط شرط للي هيشتري المزرعة أنه يسيب ليكي المبني الصغير اللي في آخر المزرعة."
ضحكت روز بسخرية وقطعت كلامه قائلة:
"قصدك مبني الخدم والعمال اللي كانوا بيشتغلوا عندنا في الأرض؟"
"اسمعي يا روز، أي حد مكانك لازم يوطي للريح لحد ما تعدي. انتي دلوقتي مش روز البنت الغنية اللي كل حاجة تحت رجليها. لا، الوضع اختلف. لازم كبريائك ده يهدأ خالص وترضي بالأمر الواقع. عارف إن وفاة شخص عزيز تتطلب من الإنسان التكيف على الرغم من صعوبة ذلك، لكن انتي حتى معندكيش رفاهية الحزن على والدك. عنادك وكبريائك لازم دلوقتي تسيبيهم على جنب. كنت دائمًا مستقلة لدرجة العناد، عشان كده أنا مش شايف إصرارك على دفن نفسك في الريف. لو مش عاجبك الوضع، وإنك تقعدي في بيت العمال، سيبي المزرعة وحياة الريف كلها وانزلي للمدينة. انتي دكتورة وبشهادتك هاشتغلي."
"ومن الفلوس اللي هتتبقى من بيع المزرعة، أجري شقة صغيرة ومن شغلك ادفعي أيجارها."
نظرت له روز نظرة عميقة وشرد عقلها.
كيف لهذا الكائن أن يكون صديق والدها من زمن؟ كيف لكل هذه المدة التي قضاها معهم لم يظهر وجهه الحقيقي؟ كيف قدرته على ارتداء قناع الصداقة والحب لوالدها كل هذه المدة؟ وكيف لم يلاحظ والدها هذا القناع الذي يخفي خلفه الكره له؟
ظلت تتساءل نفسها كيف، إلى أن قطع حبل تفكيرها صوت المحامي وهو يقول:
"ها يا روز، فكرتي؟ هتعملي إيه؟ هتقعدي ولا هتسيبي المزرعة وحياة الريف؟ وخذي بالك من حاجة قبل أي قرار تاخديه. اعملي في اعتبارك أن لسة وصية ولدك ما اتفتحتش. أنا بس منتظر المالك الجديد يستلم المزرعة وبعدين هفتح الوصية."
نظرت له نظرة ذات معنى، تجعله يفهم سبب اضطرارها للذهاب. لقد احترم أبوها هذا الرجل ووثق به كما لم يثق بأحد في حياته.
"أبوها..." وقفت الكلمة في حلقها، ونظرت إلى ثوبها الأسود ويديها المعقودتين بشدة في حجرها. توفيت والدتها بعد مولدها بفترة قصيرة، تاركة لزوجها الرحالة مهمة تربية طفلتهما بكل ما في هذه المهمة من غرابة ومشقة. ولأن رحل هو أيضًا تاركًا إياها بمفردها.
حاولت أن تمنع دموعها المنهمرة، ورفعت عينيها لتلتقي بنظرة المحامي الحانية. وغامت عيناها البنيتان من الدموع الموشكة على السقوط، وتوت شفتاها في ابتسامة باهته:
"متشغلش بالك أستاذ فؤاد، لسة مقررتش هقعد هنا ولا هسيب كل حاجة. أول ما هقرر هبلغ حضرتك علطول."
واتجهت نحو الباب قائلة وهي شاردة:
"بس في حاجة محتاجة أفهمها قبل ما أمشي، إيه علاقة المالك الجديد بفتح الوصية؟ عمومًا حضرتك تشكر لحد كده. الجاي بقا ده بتاعي أنا. بعد إذنك، اتاخرت."
رفع حاجبيه بتذمر قائلاً:
"كل حاجة في وقتها حلوة يا روز، خلي فتح الوصية في وقته. ولكن تفتكري أنك مازلت شابة صغيرة في العشرين والناس مبترحمش، وإنك لوحدك. خلي بالك من نفسك كويس يا روز علشان الجاي صعب ومش هتعرفي تصدي. غير أن أنا سمعت أن اللي اشترى المزرعة حوت في السوق، وانتي جنبه سمكة صغيرة."
نظرت له نظرة تفحصية وهزت رأسها، وتركته ورحلت من المكتب وهي تحدث نفسها عن مدى استفزاز هذا الكائن.
دخلت روز مزرعتها للمرة الأخيرة والحزن يكسو كل معالم وجهها، فهي أفنت نفسها في تلك المزرعة. كانت تعمل بها مثل أي عامل، لم يكن أحد لديه المقدرة أن يفرق بينها وبين عمال المزرعة، فهي كانت تعشق العمل بيدها وكانت تعتبر المزرعة هدفها الوحيد. كانت تود أن تكبرها، ولكن انتهى الحلم سريعًا. فغدًا سوف تؤخذ روحها من جسدها. بدأت روز تمر على كل قسم في المزرعة، فهي كانت مقسمها أقسام. وقفت عند اسطبل الخيل واستنشقت نفسًا طويلاً، ثم دخلت لتجد استقبالاً حافلاً من قبل الحصان الخاص بها، فهي كانت تعشق هذا الحصان. فقد أهداه لها والدها في عيد ميلادها السابع، وكبرا سويًا. أطلقت عليه اسم ريحانة. نظرت روز للحصان وانهمرت الدموع من عينها، فقد احبستها أكثر من اللازم. انهارت روز من شدة البكاء، ثم رفعت عينيها تنظر محتويات المكان وكيف لكل ركن فيه ذكرى سعيدة لها، وكانت لا تعلم أن الذكريات السعيدة أشد ألمًا من الحزينة. تنهدت بحزن لاجتيازها أولى المراحل، قد تكون أصعبهم، ولكنها على يقين أنها سوف تمر. ولكن النور الآتي من النافذة شد نظرها إلى ذلك الحقل الممتد بلا نهاية، وكأنه ينسج أمامها كل أحلامها ويخبرها بأن أحلامها تاهت إلى ما لا نهاية. خرجت روز من الاسطبل تجر قدمها، دخلت فيلتها تجمع أغراضها وتنقلها إلى الغرفة الموجودة بآخر المزرعة، وعقلها يفكر في هوية المشتري. فغدًا سيأتي المالك الجديد ولا تعلم عنه شيئًا. تمنت من الله أن يكون رجل مسن لكي يترك لها حرية التصرف في أي شيء حتى لا تشعر بالغربة في بيتها، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
وفي الصباح، أبدلت روز ملابسها وذهبت لعملها المعتاد في المزرعة، فهي دكتورة بيطرية وهذا من صميم عملها أن تراعي جميع الحيوانات.
لاحظت حركة غير معتادة في المزرعة، يبدو أن المالك الجديد قد وصل فعلاً.
ذهبت مسرعة لتستكشف هوية المالك.
وقفت بجوار عمود تتلصص النظر. شاهدت سيارة ضخمة من أغلى الماركات، يجلس على عجلة القيادة شاب مفتول العضلات في الثلاثين من عمره، وبجواره سيدة في العقد الرابع من عمرها وتبدو على معالم وجهها الحدة، وفي الخلف تجلس فتاة في أواخر العشرينات. نزل الشاب من السيارة وأنزل الكرسي المتحرك وحمل الفتاة ثم وضعها فوق الكرسي.
وقفت روز تسترق النظرات وتحاول التدقيق في الشاب لكي تستشف من نظرات عينيه أي شيء يدل على شخصيته، ولكن كانت ملامحه خالية من أي تعبيرات، ولكن يوجد بعينيه قسوة ممزوجة بحزن.
تنهدت روز وذهبت لإكمال أعمالها وقلبها يرتجف من الذي سوف يأتي، والمؤشرات تدل على أنه ليس بخير.
رواية مزرعة الغضب الفصل الثاني 2 - بقلم نرمين قدري
دخل عاصي فيلا المزرعة وهو يدفع الكرسي المتحرك للأمام، ودخلت بجواره والدته وهي تحمل أغراضها.
قالت الفتاة الجالسة على الكرسي المتحرك وهي تنظر حولها تتأمل المكان:
- الله يا عاصي المكان هنا يخبل، تحفة بجد كأنه لوحة مرسومة. والفيلا كمان، بجد أحسن قرار أخذته إننا نسيب مصر ونيجي نقعد هنا. بجد شكلي هرتاح قوي هنا.
نظر لها عاصي نظرة رضا، ثم نقل نظره لوالدته كأنه يقول لها: اصبري، الحساب لسه هيبدأ.
تنهدت أمه وكأنها تقرأ ما يريد أن يقوله، وهي تنظر له نظرات شفقة على حاله، وفي داخلها هي أيضًا الانتقام، فمرار الظلم كان شديد عليها وما مرت به كان قاسي لأبعد حد.
اجتمع كل الخدم أمام عاصي وعائلته، ولكن عين عاصي تبحث عن شيء ما. قال وهو يزفر أنفاسه بضيق:
- كل واحد يعرف نفسه.
"للهانم الكبيرة" بدأ كل العاملين في المزرعة وفي الفيلا بالتعريف عن هوايتهم وعن وظيفتهم.
نظر لهم عاصي ثم قال:
- مين فيكم بنت الحاج رضوان صاحب المزرعة القديم؟
نطق كبير العمال الذي يدعى عمار وقال:
- حضرتك تقصد الدكتورة روز، لا يا أستاذ عاصي. الدكتورة دلوقتي بتكون في الأسطبل، معاد الكشف الدوري للأحصنة.
رفع عاصي حاجبيه وقال متعجباً:
- يا سلام، وجناب البرنسيسة مكانش ينفع تأجل الشغل العظيم اللي بتعمله وتيجي تتعرف على صاحب شغلها الجديد؟ ولا الهانم مستغنية عن الشغل ولا هي مستكبرة تيجي تسلم علينا؟
عدل عمار نظارته الطبية وقال بارتباك:
- لا أبداً يا أستاذ عاصي، بس الدكتورة بتحب الانضباط في المواعيد. هي مقسمة يومها كله على المزرعة وكل حاجة ليها معاد، ودلوقتي معاد مرور الأسطبل.
ضحك عاصي بصوت مرتفع ثم قال بصوت حاد:
- الكلام الفارغ ده كان زمان، دلوقتي أنا اللي أقول إيه يتعمل وفي الوقت اللي أنا أحدده. خلاص أيام زمان خلصت، والهانم اللي عمالة تحط مواعيد على كيفها تنسى الكلام الفارغ ده. حد يجري ينده لها.
ولكن قطع كلامه دخول روز بملابس الشغل، وكانت عبارة عن بنطال يخفي نصفه، حذاء برقبة مرتفعة، وبلوزة واسعة من الشيفون، وبالطو أبيض.
قالت بصوت مرتفع:
- خير، سمعت حضرتك وأنا داخلة بتجيب سيرتي خير.
نظر لها من أعلى لأسفل وقال:
- هو أنتي بقا روز بنت الحاج رضوان؟
ابتسمت نصف ابتسامة بسخرية وقالت:
- آه أنا بقا الدكتورة روز بنت الحاج رضوان، وأنت بتكون عاصي ابن عم جلال الجانيني، صح؟ عرفتك من أول ما شوفتك نازل من العربية.
استشاط عاصي غيظاً وقال وقد احمر وجهه من الغضب:
- أنا البشمهندس عاصي صاحب المزرعة والفيلا.
رفعت حاجبها بكبرياء وقالت:
- آه، منا عرفت إنك انت اللي أخدت مزرعتنا.
ضحك بسخرية متعمدة وقال:
- كانت مزرعتكم يا آنسة، لكن دلوقتي أنتي مجرد دكتورة شغالة عندي، وممكن أستغنى عنك وأجيب أي دكتور غيرك. أنتي...
ثم أكمل بنبرة استهزاء:
- مبتعمليش حاجة مستحيلة، أي دكتور لسه متخرج هيعمل اللي أنتي بتعمليه. لكن عشان إحنا عندنا أصل مش هنرميكي برا زي غيري ما عمل. وهشفق عليكي، وكفايا عليكي إن سمحتلك بالبيت الصغير اللي في آخر المزرعة.
نطقت والدته وعلامات الكره واضحة عليها:
- عاصي كفايا كده، الدكتورة روز ملهاش ذنب في اللي حصل زمان. هي كانت صغيرة مش فاهمة.
التفت لها عاصي وهو في قمة غضبه وقال:
- ولا إحنا كان لينا ذنب في اللي حصل زمان، ومع كده أنا وإنتي ورنا دفعنا التمن. وما كانش لينا ذنب، بابا مات على بوابة الفيلا هنا. وكأنه شريط بيمر قدامي بعد ما جدها اتهم أبويا بالسرقة وجلده قدامنا، وكل ده ليه؟ عشان ياخد من الحظيرة كام بيضة وشوية لبن يسد جوعنا. فاكر يا أمي، وكأن اللي حصل ده بيحصل حالا. رنا كانت مموتة نفسها من العياط، كان الجوع بينهش فيها ومش عارفة تسكت، وكانت حرارتها وصلت أربعين ومش عارفين نعالجها. وأبويا كان قليل الحيلة، مش في إيده حاجة غير إنه يروح يجيب كام بيضة يسد بيهم جوعنا. وطبعاً الوضع معجبش الباشا الكبير، إزاي حتة جنايني ياخد حاجة من أملاك الباشا! حتة الجانيني الحقير اللي اتجرأ وأخد كام بيضة بدون إذن، لازم يتعاقب.
ثم التفت لروز وأمسكها من وجهها بشدة وبدأ بالضغط عليه وقال:
- عارفة عقابه كان إيه؟ ها، عارفة ولا أقولك؟ عقابه إن جدك ماسك كرباج وجلد أبويا قدامنا ومرحمش جوعنا ولا بكائنا، ولا حتى مرض أختي شفعله، ولا تذللات أبويا وإنه ميكسرونيش قدامنا، لكن جدك بكل جبروته إزاي يتنازل ويسامح؟ لكن أصر على جلده وكسره. إن الإنسان لا يرث الكرامة ولا المهانة، بل يصنعها بنفسه. لأ، ومستكفاش بكده، كرشنا من الشغل. أبويا ما استحملش كل الإهانة دي، وقع قدامنا مات على باب المزرعة. وإحنا تعرفي حصل فينا إيه؟ عشنا إزاي كام يوم مر علينا وإحنا في الشارع. رنا كانت طفلة عندها يا دوب سنتين، البرد والجوع مبيرحموش، ولا السخونيه رحمتها وتسببت لها في شلل. بس ربنا كبير يا بنت الأكابر. جه اليوم اللي أبوكي جه ذليل لحد عندي يترجاني أشتري المزرعة عشان يسد ديونه. جه ليا ذليل، بس لعبها صح. ربط نقل المزرعة بشرط كاتبه في الوصية بتاعته، لو نفذت الشرط المزرعة بكل اللي فيها ملكي. بس للأسف وأنا بمضي العقد ما أخدتش بالي من الشرط ده، بس هحلها إن شاء الله.
نهرت روز يده بحده من على وجهها وقالت والغضب قد تملك كل أجزاء جسدها:
- إيه حيلك، آخر مرة إيدك تتحط. وأوعى تنسي أنا مين. أنا بحذرك قدام الكل هنا، إيدك لو انحطت عليا تاني استحمل اللي هيجرالك. واللي حصل زمان أنا مليش دعوة بيه، حساباتك دي تصفيها مع اللي عمل فيكم كده، وأظن مكانه ميتوهش. الكل عارف جدي فين دلوقتي. وعلى الشرط اللي بابا حطه في الوصية، أنا معرفش عنه حاجة ولا فتحت الوصية أصلاً.
ثم تنهدت وقالت وهي ترفع حاجبها:
- آه، فهمت. عشان كده المحامي كان مصمم إن يفتح الوصية بعد ما تستلم المزرعة.
- اسخري من كلامي براحتك، بس حياتك اللي فاتت كوم واللي جاي فيها كوم تاني خالص.
- بقولك إيه يا بشمهندس، يؤسفني أن أقول لك إن أنا مش هديك فرصة أن تنتقم مني. هسبلك الجمل بما حمل، المزرعة كلها حلال عليك. اديني بقيت فلوسي فرق بيع المزرعة وأنا هسيبلك المكان كله. اشبع انتقام في لوحدك.
ضحك عاصي ضحك هستيري، ثم تبدلت معالم وجهه بحدة وقال وهو يجز على أسنانه:
- نجوم السما أقربلك من الحلم المستحيل بتاعك ده. فلوسك بعتها، اعتبري نفسك أخدتيها. أنا أصلاً جاي هنا مخصوص عشانك.
قطعت كلامه بحدة وقالت:
- لأ، معلش وضح كده. فلوس مين اللي اعتبر نفسي أخدتها؟ أنا أوديك في ستين داهية في قانون.
جلس عاصي ووضع ساق فوق الأخرى وقال بهدوء وكأنه مستمتع بغضبها:
- تمام، أنا قاعد مستني الداهية اللي هتوديني فيها. وبردو هتفضلي تحت رحمتي، هتفضلي شغالة عندي.
أغمضت روز عينيها تمتص غضبها وقالت وهي تحاول تسيطر على غضبها:
- يا بشمهندس، من فضلك اديني فلوسي وخلّينا نخلص من بعض النهاردة. نكلم المحامي يفتح الوصية عشان نخلص من الربطة دي وكل واحد يروح لحاله.
- أنتي ملكيش فلوس عندي، اعتبريها تعويض عن اللي حصل زمان فينا من عيلتكم. وإذا كان على مكتوب في الوصية أي كان المكتوب، فميهمنيش. أبوكي باع لي المزرعة وخلصنا.
- أنت يابني عيان، عايز تتعالج. شوفلك دكتور نفسي يعالجك بدل ما أنت ما تطلع أمراضك النفسية دي علينا. أنا هكلمك المحامي عشان يجي يخلص كل حاجة ونخلص بقى.
أوقف الجدال صوت والدتهم تعلن عن غضبها مما يحدث أمام جميع عمال المزرعة، فالجميع يقف يتابع الحديث بانتباه وتركيز.
قالت الأم بحده وهي تنظر حولها:
- أظن الكل عرف نفسه، الكل يتفضل على شغله وياريت نفض المهزلة دي.
ثم توجه نظرها نحو روز وقالت:
- وأنتي كمان يا دكتورة على شغلك دلوقتي، وبعدين نشوف حكاية بقيت فلوسك. أنا هتكلم مع عاصي ونشوف إيه اللي لازم يتعمل وهنعمله. غير أن كل الإجراءات القانونية واقفة لحد فتح الوصية، يعني لحد دلوقتي عاصي مش مالك المزرعة. في مواقف على شرط اللي في وصية العقد بيقول كده، فاهدّي كده لحد ما نعرف إيه في الوصية.
تنهدت روز وهزت رأسها بالموافقة، ونظرت نظرة كره اتجاه عاصي وتركت المكان وهي في قمة غضبها منه. خرجت مسرعة تحلف وتتوعد لعاصي، فقامت بالاتصال بالمحامي ولكنه لم يجيب على هاتفه. زفرت أنفاسها بضيق وذهبت لاستكمال عملها.
رواية مزرعة الغضب الفصل الثالث 3 - بقلم نرمين قدري
وفي داخل الفيلا نظر عاصي لوالدته نظرة عدم رضا وقال:
- ماما أنا عارف كل اللي حضرتك عاوزة تقوليه، بس من فضلك عشان أنا مش حابب أكسرلك كلمة. من فضلك ما تدخليش في الموضوع ده وسيبيني منه. هي إحنا اللي شوفناه بسببهم مش شوية.
= بس البنت ملهاش ذنب في اللي حصل زمان. صحيح أنا بكرههم كلهم، بس براحة عليها لحد ما نعرف الشرط اللي أبوها حاطه في الوصية.
- وإحنا كمان ما كانش لينا ذنب. وأنا مش فاهم إنتي مهتمة قوي بالشرط ده ليه؟ أنا كده كده اشتريت مزرعة وخلاص وهي هتشتغل عندي.
= لأ، أوعى تستهون برضوان أبداً. رضوان مش بيعمل أي خطوة مش محسوبة. لما جه اختارك إنت بالذات عشان تشتري المزرعة بتاعته كان عارف بيعمل إيه. بص يا عاصي، رغم علمك وشهاداتك، قدر رضوان يخدعك ويخبي عليك الشرط اللي في العقد. إن انتقال مليكة المزرعة مربوط بالوصية اللي كاتبها.
أجاب عاصي بسخرية:
- وايه يعني؟ ليكن ما يكون. المزرعة بتاعتي.
= لأ، متستهونش قوي كده. ممكن يكون حاطط شرط إن البنت الفلاحة دي تكون هي المديرة هنا وكل حاجة تمشي بموافقتها الأول. رضوان مش سهل ومش هيرمي بنته كده من غير ما يكون مأمن لها حياتها. روز كانت روح رضوان. أكتر حد حبه. استحالة ما يكونش مأمنها.
رفع عاصي حاجبيه وظهر على وجهه علامات القلق وقال:
- تفتكري يا ماما دي تبقى مصيبة لو اللي قولتي صح؟
قالت رنا وهي تمسح دموعها:
+ عاصي، إحنا عشنا حياة الظلم وعرفنا قد إيه صعب. ليه عاوز تعيش روز نفس اللي عشناه؟ خد بالك هي مش هتقدر تستحمل اللي إحنا استحملناه. إحنا كنا مجبرين نتحمل، كبرنا على كده بمعنى أصح اتعودنا. إنت بقيت مهندس زراعي وأنا خريجة كلية العلوم. لكن هي مش هتقدر. روز كبرت في حياة مرتاحة متعرفش يعني تجوع مرة وتأكل مرة. روز دكتورة، مش حتة فلاحة زي ما ماما قالت عليها.
نظر لها عاصي وهو يستعد للخروج وقال:
- لازم تقدر وتتعود على وضعها الجديد. يا رنا، زي ما إحنا رضينا. بس الصبر حلو، لسه اللي جاي أحلى. تصبر عليا بس. بنت رضوان، كله في أوانه حلو.
دخلت روز غرفتها وعلى وجهها علامات الغضب والكره. أخرجت هاتفها من جيب بنطالها واتصلت على المحامي وقالت بأسلوب أمر حتى لا تفتح مجال لأي أحاديث:
- صباح الخير أستاذ فؤاد. لو سمحت المالك الجديد وصل. ممكن حضرتك تحدد معاد علشان نفتح الوصية. وصحيح، أنا فكرت في كلامك واقتنعت أسيب هنا خالص وأسافر. بس حضرتك ياريت تكلم صاحب المزرعة يجبلي باقي حسابي من البيع عشان الأستاذ بيقول "مهطرات" أنا مش فاهمة معناه. فيا ريت حضرتك اللي تتعامل معاه مش أنا.
تنهد فؤاد وكأنه على علم بالقادم وقال:
_ ماشي يا بنتي، اهدي بس وكل حاجة ليها حل. أنا هكلمك البشمهندس عاصي وهاخد منه معاد عشان نخلص.
- ماشي يا أستاذ فؤاد، بس ياريت يكون في أقرب وقت لأن مش مستحملة القعدة هنا خلاص.
- ربنا يقدم اللي في الخير يا روز.
أغلقت روز هاتفها ثم نظرت إلى ساعة يدها وأطلقت زفرة مكتومة وجرت مسرعة. فكان معاد تغير دمامة الحمام التي كسر جناحها أول أمس.
دخلت روز على عجل دون أن تنتبه من الذي يقف في آخر حظيرة الطيور يتطلع على أشكال وأنواع الطيور المختلفة.
حملت روز الحمامة الصغيرة وهي تبتسم وقالت لها بحب:
عارفة إني أنا اتأخرت عليكي، معلش سامحيني. يومي كان طويل، بس إنتي خلاص بقيتي تمام. عارفة إنهم كسروا جناحك زي ما أنا كمان اتكسرت. بس تعرفي، مش لازم تستسلمي. لازم تخفي وترجعي تطيري تاني. وأنا كمان أوعدك إني مش هستسلم وهطير من هنا خالص وأبدأ حياة جديدة في أي مكان بعيد مع ناس جديدة لا يعرفوني ولا أعرفهم. صحيح يعز عليا المكان هنا، أنا اللي عملت كله ده، بس ما باليد حيلة.
ثم أكملت وهي تمسح دموعها وغير مبالية بمن يسمع حديثها مع الحمامة ومستمتعة بضعفها وقالت:
- بس تعرفي، أنا مش فاهمة ليه بابا اختاره هو بالذات عشان يبيع له المزرعة. وليه بابا ما قاليش حكاية البيع دي؟ ويا ترى إيه الشرط اللي بابا حطه في الوصية؟
ثم نظرت للحمامة بابتسامة عريضة وقالت:
ما علينا، شكلي اتجننت وعمالة أتكلم مع حمامة. المهم إني أنا كمان هطير زي ما هي هتطير.
ولكنها سمعت صوت يأتي من خلفها ويقول بثقة:
= نجوم السما أقربلك من حلم إنك تطيري. إنتي هنا تحت رحمتي وبس. وملكش خلاص مني.
التفتت روز لمصدر الصوت وقالت:
- إنت إيه اللي مدخلك هنا؟ هنا بالذات؟ أنا مانعة أي حد يخش. دي عصافير من سلالة نادرة لو طارت هنخسر فيها كتير. ولازم تكون عارف. مش عشان اشتريت المزرعة يبقى ليك الأحقية تخش أي حتة في أي وقت. لأ يا بشمهندس، كل مكان هنا وليه وقت زيارته.
أجاب ببرود تام:
- ها، خلصتي كلام؟ بصي بقى يا شاطرة، أنا أخش في المكان اللي يعجبني في الوقت اللي يعجبني. وأظن من حكم في ماله ما ظلم. واتفضلي روحي غيري هدومك وشكلك الغريب ده عشان المحامي على وصول. بصراحة، أنا مشفتش حد بالمنظر وطريقة اللبس دي. الفلاحين اللي شغالين في الأرض لابسين أحسن من كده.
نظرت له روز نظرات مفعمة بالغضب وتجاهلت كلامه ورحلت.
دخلت روز غرفتها ومازالت ملابسها في الحقائب لم تفرغها في الخزانة. فقد اشتاقت لغرفتها وسريرها وكل محتويات غرفتها. فهي كانت عاشقة لغرفتها الوردية. فهي من قامت بدهان الغرفة بنفسها وتعليق ورق الحائط المزغرف عليها. أدمعت عينيها، ألقت تنهيدة حزن ودخلت الحمام تغتسل وكلماته ترن في أذنيها على مظهرها الخارجي غير المهندم. فهي فعلاً لم تكن تلتفت يوماً بطريقة لبسها أو تسريحة شعرها. فهي في معظم الأوقات رفعة عالياً ومخفية تحت كاب على رأسها.
خرجت من الحمام ورمت كلامه عرض الحائط وارتدت ملابس أخرى مريحة لا تمد الأنوثة بأي مظهر، ولم تضع على وجهها أي نوع من مساحيق التجميل. ولكن كان جمالها طبيعي من حضن الطبيعة، جمال هادئ خلاب يسرق النظر دون مجهود.
وعلى النحو الآخر، تدخل المزرعة فتاة في كامل زينتها وكأنها خارجة من عرض لأفخم الأزياء والإكسسوارات. تتطاير منها رائحة العطر تعبق المكان. تدخل بسيارتها وهي تتأفف من الحر. تقابل في طريقها روز وهي تمشي على استعجال تحدث نفسها كالعادة. تنده عليها بصوت متعجرف:
- انت يا يا انت اللي ماشي هناك. ممكن سؤال؟
استشاطت روز أنها تحدثها بصيغة المذكر. التفتت ونظرت لصاحبة الصوت وقالت وهي تزفر أنفاسها بغضب وتجز على أسنانها:
- نعم؟ أي خدمة يا سكر؟
قالت صاحبة الصوت بعجرفة:
= معلش، أنا شكلي توهت في مغارة علي بابا دي. أنا عاوزة أوصل لفيلا عاصي، بس بقالي ربع ساعة عمالة أخش من مكان أطلع من مكان تاني وكأني في جنينة حيوانات. والريحة تقرف. معرفش إنتوا إزاي مستحملين تعيشوا هنا وسط الدبان والروائح المقرفة دي.
نفخت روز بشدة وقد نفذت كل ذرة صبر لديها وقالت:
- حضرتك هتمشي على طول. هتلاقي الفيلا في وشك. أوك؟ سلام.
رواية مزرعة الغضب الفصل الرابع 4 - بقلم نرمين قدري
وصلت الفتاة للفيلا ورنت الجرس، فتحت لها إحدى الخادمات، نظرت لها بعجرفة وقالت بقرف:
ساعة علشان تفتحي الباب، اوف. جري اندهي الست الكبيرة بسرعة.
جاء صوت من خلفها يقول ضاحكاً:
انتي طول عمرك كده يا هبة، متسرعة ومش طايقة نفسك. إيه اللي أخّرك يا بكاشة؟
التفتت هبة للصوت وقالت بشبه ابتسامة:
يوووه يا خالتو، إنتوا إيه اللي رماكم هنا وسط الحر والدبان؟ ولا الريحة يا خالتو، بجد حاجة مقرفة فوق ما تتخيلي. والغريب بقا إصرارك إن لازم أجي. يكون في علمك لو اتجوزت عاصي، استحالة أعيش هنا.
مش لما تتجوزيه الأول، خدي بالك. أوعي تظهري قدام عاصي إنك قرفانة من المكان هنا، هو بيحب هنا جداً. خدي بالك من تصرفاتك، أنا بقالي سنة بخطط علشان ياخد باله منك ويتجوزك، وإنتي كل شوية بطريقتك دي تبوظي كل اللي بعمله.
لا خلاص يا خالتو، هسكت خالص. بس يشوفني بقا، هو مش شايفني من الأصل.
جاء صوت ضاحك:
ولا هيشوفك من الأصل طول ما إنتي عاملة شبه العروسة الحلاوة كده.
التفتت هبة لمصدر الصوت وقالت:
اتصدقي إنك رخمة قوي يا رنا. إنتي مش شايفة لبسي وشكلي عامل إزاي؟ كل حاجة من أغلى الماركات.
على فكرة يا هبة، إنتي سطحية قوي. عاصي أصلاً مش بيفرق معاه خالص كل البهرجة اللي إنتي عملتيها في نفسك. عاصي بيحب البساطة في كل حاجة، وإنتي بصراحة عاملة زي اللي خارجة من مولد النبي، شبه العروسة الحلاوة ملونة من كل حتة، بس بصراحة مقصرتيش، مش سايبة حتة في وشك غير لما ملونتيها، لا بصراحة، صرفه ومكلفة الصرف باين.
تعصبت هبة وتصنعت البكاء بدلع ماسخ، وذهبت لخالتها:
شفتي يا خالتو رنا، كل شوية تسمعني كلام يضايقني. هو أنا ذنبي إني أحلى منها وإني بتحرك ولفيت العالم كله وهي زي ما هي مبتخرجش من باب الأوضة بتاعتها.
ابتلعت رنا غصة في قلبها، ورسمت الضحكة على وجهها، وضحكت على سطحية بنت خالتها، وذهبت بكرسيها لتفتح الباب بعد أن سمعت صوت الجرس يعلن عن قدوم ضيف.
فتحت رنا الباب وابتسمت للضيف، فكانت روز، وقالت بابتسامة حب:
تعالي يا روز، اتفضلي.
أصعب شعور يمر عليك إنك تستأذن في مكان قد كنت تملك مفاتيحه في يوم. دخلت روز وهي تحبس دموعها، فشعورها بالغربة في البيت التي تربت فيه شعور قاسٍ حقاً. دخلت وهي تجر قدميها وقد تملكها الخجل، وكأنها لم تعرف هذا المكان من قبل.
استشفّت رنا ما تشعر به روز، وقالت لوجه ضاحك لتعفيها من الحرج:
أنا حاسة إن أنا وإنتي هنكون صحاب مقربين قوي. عاوزاكي بكرة إن شاء الله تفرجيني على المزرعة دي كلها.
ابتسمت روز ابتسامة لها، وانحنت تقبلها وتقول لها بحب:
طبعاً يا آنسة رنا، هتكون أصدقاء، وبكرة إن شاء الله أعدي عليكي ونقضي اليوم كله، أفرجك على المزرعة.
قالت رنا بلهفة:
بتكلمي جد يا روز؟ إنتي فعلاً هتخرجيني من سجني ده؟
انحنت روز لمستواها وقالت:
وعد مني يا رنا، طول ما أنا هنا محدش هيخرجك غيري، وإن شاء الله أقدر أقومك من على الكرسي المتحرك.
لاحظت هبة قرب الحديث المطول بين رنا والضيف.
قالت هبة: خير يا رنا، مين اللي جه؟
دخلت روز على استحياء، ومازال شعور الغربة يمتلكها. ابتسمت ابتسامة هادئة، وألقت التحية برأسها على الجالسين، والدة عاصي وهبة، وجلست على استحياء وعينها على الأرض.
تفحصتها هبة بقرف، ثم أشارت بعينها لخالتها، التي بدورها أشارت لها بعدم مبالاة.
قالت هبة قاطعة الصمت:
آه، مش إنتي اللي أنا سألتك عن مكان الفيلا صح؟ بس إنتي جاية قاعدة وسطنا ليه؟
دخل عاصي، لم يتمالك نفسه من الضحك على كلام هبة وعلى مظهر روز الرجالي في ملابسها.
قامت روز بغيظ من كلامها، وجذبت الكاب من على رأسها، وانسدل شعرها كشلال فوق ظهرها، وكان أسود مثل الليل، ويصل لبعض منتصف ظهرها، مما جعل عاصي يقف مكانه دون حركة وكأنه تحول لتمثال.
نظرت لها هبة بلا مبالاة وقالت:
آه، سوري بنت، معلش. أصل بصراحة شكلك صعب ولبسك كمان صعب جداً والله. مع إن اللي يشوفك ويشوف طريقتك في الكلام يقول عليكي ولد. ولبسك اللي تحسي إنك مش عارفة لبستيه إزاي ما فيهوش أي أنوثة.
قالت روز بثقة في نفسها:
أولاً، إحنا متعرفناش، بس ما علينا مش مشكلة. بصي يا سكر، أنا واحدة بحب اللبس اللي يريحني، مش مشكلة رايحة فين، المهم أنا مرتاحة فيه ولا لأ. الكارثة هنا، أكون لابسة أفخم ماركات ويكون أغلى ما فيا لبسي وبس. ثم غمّزت بعينيها، ثم أكملت وقالت: أنا اللي بغلي الحاجة وبديها قيمة، مش الحاجة اللي بتغليّني، تمام يا سكر. ثم التفتت نحو عاصي وبنفس العفوية: خير يا بشمهندس؟ بقالي ساعة مستنية، هو أستاذ فؤاد قالك جاي إمتى؟
هبة في همس واضح:
سوقية وبيئة، اوف. معرفش بيجيبوا الأشكال دي من فين.
التفتت لها روز ورفعت حاجبها وقالت:
خير؟ قلتي حاجة يا سكر؟ أصلي ما سمعتش.
قطع حديثهم صوت جرس الباب يعلن عن وصول فؤاد المحامي.
دخل فؤاد وعلى وجه نفس الابتسامة التي لم يغيرها منذ سنوات، وكأنها مطبوعة على وجهه. دخل معه عاصي وروز غرفة المكتب وأغلقوا الباب خلفهم.
وفي الخارج قالت هبة بغضب:
هي مين البنت السوقية دي يا خالتو؟ دي معندهاش ريحة الذوق، وإزاي عاصي بيتكلم معاها عادي كده؟ تطلع مين دي؟ دي ماشفتش أ، ب، اتيكيت في حياتها.
ضحكت خالتها وقالت:
واحدة فلاحة يا هبة، منتظرة منها هتكون عايشة إزاي يعني؟ عاملة إيه في نفسها؟ فلاحة عايشة وسط البهايم وعايشة وسط الأرض وسط التين، هتكون لابسة لك منين يعني يا هبة؟ ولا رايحة عندها عرض أزياء؟
قالت رنا بقرف من نظرة هبة الطبقية:
تطلع صاحبة الهالوما دي كلها اللي إحنا قاعدين فيها اللي مش عاجباكي دي يا هبة؟ دي بتكون الدكتورة روز بنت عم رضوان صاحب المزرعة دي كلها، اللي وهو اللي باع المزرعة لعاصي قبل ما يموت.
قامت هبة واقفة وقالت بعدم تصديق:
لا بتهزري يا رنا؟ دي دكتورة؟ استحالة طبعاً يا بنتي، إنتي مش شايفة شكلها عامل إزاي ومبهدلة إزاي؟ دكتورة؟ إيدي أصلاً.
يا بنتي، بطلي سطحية اللي إنتي فيها دي. إنتي هتفضلي لحد إمتى تبصي للناس بمنظور اللي فوق ده، منظور الطبقية اللي إنتي عاملة لنفسك ده؟ شيلي البرواز اللي إنتي حاطة نفسك فيه وانزلي معانا على أرض الواقع. روز دكتورة بيطرية، هي اللي عملت المزرعة دي كلها لوحدها، هي اللي بتراعي كل الحيوانات اللي فيها بطولها، ما حدش فينا يقدر اللي بتعمله.
= آه، قولي كده بقى. دكتورة حيوانات؟ عشان كده شكلها عامل كده؟ حقها بقى بصراحة، طول النهار عايشة مع البقر والمعيز هنا.
بصراحة يا هبة، إنتي الكلام معاكي خسارة بجد والله العظيم خسارة. يعني الواحد مهما هيفهم فيكِ، بقول لك دكتورة، إنتي معاكي شهادة إيه؟ هبة، وصلتي لحد فين في التعليم عشان تفضلي تبصي للناس بالمنظور ده؟ معلش، فهميني كده.
وفجأة أوقف كلا من رنا وهبة عن الكلام والتفت نحو الصوت الصاعد من غرفة المكتب، وفتح الباب بشدة، وخرجت روز من المكتب تصيح وتحدث نفسها، وخرجت من الفيلا وصفعت الباب وراءها بشدة.
وخرج ورائها عاصي بنفس حالة الغضب وهو يوجه كلامه للمحامي:
ده اسمه جنان اللي بيحصل ده، جنان. محدش هيوافق على الكلام الفارغ ده.
رفع المحامي حاجبيه بقله حيلة وقال بهدوء وبنفس الابتسامة وكأنها مطبوعة فعلاً:
واللهي القرار معاكم، وأنا تحت أمركم في أي حاجة هتخدوها.
رواية مزرعة الغضب الفصل الخامس 5 - بقلم نرمين قدري
خرج المحامي من باب الفيلا وعيون عاصي تتابعه.
ظفر أنفاس غيظ ممزوجة بغضب. أغلق عاصي الباب وراءه والتفت ليجد عيون الكل تتابعه.
اقتربت أمه وعلى وجهها علامات استفهام حول ما حدث، وقالت:
خير يا عاصي؟ روز طالعة من جوا وصوتها عالي وخرجت من غير حتى ما تسلم. ونفس الكلام أنت طالع مش طايق نفسك. فيها إيه؟ الوصية وصلكم للحال؟ أكيد مش اللي كنا متوقعينه لأن روز كمان مش عاجبها المكتوب في الوصية.
وقفت هبه واقتربت منهم، وقالت:
أنا مش فاهمة حاجة. وصية إيه؟ وروز دي تطلع مين؟
أجابت رنا بتهكم:
منا قلتلك روز بتكون مين بس، نقول تاني. روز دي يا ستي صاحبة كل ده. والدها قبل ما يموت كان عليه ديون كتير. علشان ميسبهمش لروز باع المزرعة لعاصي، بس شرط في العقد أن انتقال الملكية ما يتنقلش لعاصي غير بموافقة على شرط موجود في وصية هو كاتبها.
قالت هبه متعجبة:
وإزاي عاصي يمضي على الكلام الفارغ ده؟
أجاب عاصي وهو يجلس في ضيق:
منا ما خدتش بالي من الشرط ده يا هبه. مضيت من غير ما أبص على كل شروط العقد.
قالت الأم بغيظ:
لا يا عاصي، متنكرش إن رضوان خدعك وخلّاك تمضي وإنت مغمض.
زفرت هبه أنفاس ملل، وقالت:
يا جماعة مش ده موضعها. مين خدع مين؟ عاصي مضى وخلاصنا. المهم هنا بقى إيه هو الشرط اللي محطوط في الوصية خلاكم متعصبين كده؟ ده الأهم.
عمت حالة صمت واتجهت كل النظرات نحو عاصي، الذي وضع يده على رأسه ونظر نحو الأرض في شرود تام.
قالت الأم:
مش وقت سرحانك ده يا عاصي. قولي رضوان عمل إيه علشان يحفظ حق بنته؟ من الواضح إن اللي كتب حاجة مش متوقعة.
ضحكت رنا وقالت بسخرية:
لأ يكون عاوز يجوزكم؟ تكون نكتة الموسم.
استدارت لها الأم وقالت بغضب:
رنا! يا تقولي كلام معقول يا اتفضلي على فوق، بلاش كلام عبيط. مش ناقص كمان إن عاصي يتجوز من فلاحة.
رفعت رنا عينيها مستعجبة، وقالت:
صحيح أنا بهزر بس ليه يا ماما؟ لأ، ومالها روز؟ إنتي ليه نسيتي إن حالنا كان أسوأ منها؟ إحنا كنا في الشارع مش لاقيين حتة تلمنا. كان ممكن منكملش تعليم ولا عاصي يوصل لكل اللي إحنا فيه ده. مش لازم ننسى أصلنا.
قالت الأم بنفس نبرة الغضب:
وماله أصلنا يا رنا؟ بصي، إنتي كلامك كله بيعصبني. اسكتي لحد ما نعرف إيه الشرط اللي مخلي أخوكي عامل كده.
ضحكت رنا:
منا قلتلك، بس إنتي اللي مش عايزة تصدقي.
قالت هبه بغيظ:
ما تبطلي بقى يا رنا. مش ناقصة هبلة؟ بذمتك دي واحدة ممكن عاصي يبصلها؟ مش شايفة لبسها ولا شكلها؟
رفعت رنا حاجبيها، وقالت:
وإيه ماله شكلها؟ على الأقل هي دكتورة. الرك بقى على معاه ثانوي منازل، واخده بطلوع الروح.
التفتت هبه نحو خالتها، وقالت:
خالتوا، عجبك اللي رنا بتقوله ده؟ بجد بايخة قوي. بتشبهني الفلاحة دي؟ على الأقل يا رنا أنا معايا ثانوي. الرك بقى على بيتكسف يروح المدرسة وبيتاخدها منازل علشان يا حرام مش قادر.
قالت رنا ضاحكة، وأخفت دموعها:
لا يا هوبا، أنا مش شبهتك بيها. أنا بقول إنها أحسن منك. هي دكتورة وإنتي ولا حاجة. غير إن أنا ما اخترتش أكون على الكرسي ده. صحيح كنت بحاول منازل، بس في الآخر اتخرجت من كلية العلوم والحمد لله. الدكاترة عطوني أمل إن ممكن أمشي وأنا عايشة على الأمل ده.
قالت الأم وقد تملكها الغضب أقصاه:
ما خلاص خلصنا بقى يا رنا. خلينا نشوف بقى أخوكي هيقول إيه. كفاية محاضرات عنك وعن إزاي تقدري تمشي. متفلقناش.
قام عاصي واقفاً واتجه نحو رنا وكأنه استشعر الجرح الذي امتلك قلبها، وقال:
طول عمرك يا مفعوصة بتلقطيها وهي طايرة.
قالت متحمسة:
احلف بالله عليك، هو كده صح؟
هو كده يا مفعوصة. إنتي ما شفتيهاش طالعة من جوا والشياطين بتطلع من عينيها.
غمزت بعينها، وقالت:
بس أنا شايفاك هديت كده، خير؟ لتكون هتوافق على الشرط؟
إنتي شايفة إيه يا مفعوصة؟
شايفة إن البت ما تتسابش، البت قمر.
قالت الأم غاضبة وبصوت حاد:
باااااااااس منك ليها. أنا محتاجة أفهم اللي بيحصل. حد فيكم ينطق علشان كده كل حاجة دخلت على بعض. أنا مش فاهمة.
قال عاصي وهو يمسح على رأسه:
إيه في الكلام مش مفهوم يا أمي؟ رضوان لعبها صح. باع لينا المزرعة ونفس الوقت ضمن حق بنته. حط شرط علشان يكتمل البيع وتنتقل الملكية: إن اتجوز روز. ولو أردنا الانفصال، مدة لا تزيد عن سنتين مدة عقد الجواز.
قامت هبه منفعلة:
وإنت موافق بالتخريف ده يا عاصي؟ أكيد طبعاً إنت مش هتوافق.
جلس عاصي وضع ساق فوق الأخرى، وقال بهدوء مستفز:
وإنتي عندك حل تاني يا هبه؟ لو عندك قولي.
قالت الأم بغضب:
ده كلام فارغ. أنا ما صبرتش كل ده وصممت أعلمك علشان تيجي حتة فلاحة وتاخدك على الجاهز؟ الكلام ده لا يمكن يحصل لو انطبقت السما على الأرض.
رفع عاصي حاجبيه، وقال:
تمام أوي. أنا تحت أمركم. اللي شايف إن في حل تاني يقولي.
ضحكت رنا وهي تنظر لأخيها، وقالت:
أنا عن نفسي معنديش حل. اللي إنت شايفه صح اعمله.
قالت الأم بنفس نبرة الغضب:
بس أنا مش موافقة. رجع ليها المزرعة وهي حرة مع ديون أبوها، ملناش علاقة بيها. ويلا نمشي من هنا. لكن جواز من الفلاحة دي استحالة. فاهم؟ استحالة.
قال عاصي يتهكم:
وأسيب حلمي إن آخد المزرعة؟ لأ طبعاً. أنا مستحيل أعمل كده. أنا كبرت وأنا بحلم أمتلك المزرعة اللي كانت سبب في إننا نكون في الشارع. ولو على الجواز، هتجوز. وهي اللي جابته لنفسها. هيكون جحيمها مش جوزها. أنا هكون عملتلها في الدنيا، وتبقي تفرجني هتهرب مني تروح فين؟ بنت الأكابر واللي عمله فينا جدها زمان، تستحمله هي بقى دلوقتي. كل واحد يشيل وصمة عائلته. أنا مليش في.
وعند روز، حالها لم يكن بخير. فكانت في قمة غضبها وهي غير مصدقة ما كتبه والدها في الوصية. ظلت تحدث نفسها عن السبب الذي جعل والدها يفعل ذلك. قطع حبل أفكارها صوت رنين هاتفها. نظرت لهاتفها، المتصل كان المحامي.
أجابت مسرعة بصوت غاضب:
ألو أستاذ فؤاد، أنت كنت عارف باللي كان مكتوب في الوصية؟ عارف بابا عمل كده ليه؟ أنا محتاجة تفسير. أنا عايزة أفهم بالظبط ليه بابا عمل كده وإيه إصراره الغريب إن أتجوز من الشخص ده بالذات.
أجاب فؤاد بهدوءه المعتاد:
ممكن تهدي يا روز علشان أعرف أتكلم. اديني فرصة أتكلم وأفهمك. لو على الوصية، أيوا كنت عارف اللي فيها، وتأكدي إن والدك عمل كل حاجة لمصلحتك.
قطعت كلامه غاضبة:
وإيه مصلحتي إني أتزوج واحد معرفوش ولا يعرفني، ولا بيكرهني وبيكره عائلتي كلها؟ واحد مغرور مش شايف غير نفسه.
أنا عارف شعور عاصي من عيلتكم، وهو ليه أسبابه. بس اتأكدي إن رضوان عمل الصح. عاصي أكتر حد ممكن ياخد باله عليكي، حتى لو بيكرهك.
وأنا ما طلبتش من حد ياخد باله مني. أنا كبرت كفايا، أنا دكتورة وأظن إني مش محتاجة لحد.
غلطانة يا روز. إنتي دلوقتي في أمس الحاجة لحد تحتمي ليه.
أحتمي من مين وليه يا أستاذ فؤاد؟ أنا بجد مش فاهمة حاجة.
رواية مزرعة الغضب الفصل السادس 6 - بقلم نرمين قدري
بصي يا روز، أنا ما كنتش عايز أتكلم، بس استغربتي إزاي أبوكي خسر كل فلوسه كده مرة واحدة، ويوصل أنه يبيع المزرعة اللي كانت أعز حاجة عنده. أحب أقولك إن أبوكي ما عليهوش ديون ولا حاجة، وهو اتعمد يبيع المزرعة علشان محدش ياخدها منك. كان مجبر يعمل كده.
+ معلش يا أستاذ فؤاد، أنا مش فاهمة حاجة.
- تمام، عشان كده أنا كلمتك. بصي، أنا رتبت معاد مع عاصي النهاردة بعد المغرب، وهيجيبك معاه بعد ما تكونوا هديتوا.
أغلقت روز الهاتف وظل عقلها شارد في كلام المحامي. ظلت تفكر ولكن لم تجد أي إجابة أو تفسير مقنع لما فعله والدها. أسحق له أن يربط مصيرها بشخص لم تعرفه من قبل، بشخصية كل نظرة منه تحمل لها كره شديد. تخشى روز أن يكون والدها قد ظلمها بما فعل.
وبعد المغرب، سمعت روز صوت طرقات على بابها، وكانت متوقعة من الطارق. فتحت الباب وجدت عاصي يقف أمامها ووجهه خالٍ من أي تعبير، وقال بهدوء مبالغ فيه:
- أظن المحامي كلمك وعرفتي إنه مستنيني سوا.
هزت رأسها بالموافقة وخرجت أمامه. جاءت ريح قوية أطارت شعرها للخلف فلامس وجهه عن قصد. شعر بارتعاشه في جسده لا يعلم مصدرها. تجاهل هذا الشعور وركب سيارته، وركبت بجواره وهي لم تتحدث بأي كلمة. طول الطريق التزموا الصمت، ولكن عين عاصي كانت تختلس النظر لها ولاحظ ارتباكها. وصلا إلى مكتب المحامي الذي قابلهم بابتسامته المعتادة وقال بهدوء:
- تمام، اتفضلوا اقعدوا، وأظن كل واحد فيكم هدا ونقدر نتكلم.
قال عاصي بجدية تامة:
- يا ريت تقصر في الكلام عشان أنا ما عنديش وقت أضيعه في كلام ملهوش لازمة. أنا ما يهمنيش الحاج رضوان مديون أو مش مديون، أنا كل اللي يهمني إنه باع المزرعة وأنا اشتريت. ووجود شرط ملهوش أي لازمة عشان أستلم مزرعتي، وأنا جيت عشان أشوف حل للشرط المهبب ده.
تجاهلت روز كلامه واتجهت ببصرها نحو المحامي وقالت:
- تمام كده بابا ما عليهوش ديون. طيب عندي سؤالين ومحتاجة منك إجابة.
- ليه باع المزرعة؟ ده أول سؤال.
- السؤال التاني، طالما ما عليهوش ديون فين الفلوس؟ وليه طالما عندي الفلوس دي كلها أقعد في أوضة الخدم؟
قال المحامي بهدوء:
+ تمام، كلامك جميل. إجاباته كلها عندي. أولاً يا آنسة روز، أبوكي باع المزرعة بعد ما عرف إنه مريض كانسر في مرحلة متأخرة، وهو عارف إن ولاد عمامة طمعانين فيه من زمان، عينيهم كانت على المزرعة من بعد ما جدك اتوفى، وهما هيموتوا عليها. بس جدك كتبها باسم والدك، وهو كان قدهم وقدر يقف لهم. لكن والدك خاف عليكي منهم عشان كده باعها، عشان كان متأكد إنهم هايخدوها منك.
قطع كلامه صوت عاصي وهو يقول بحدة:
- طيب وهو خاف عليها من أعمامها وباع المزرعة؟ إيه لازمة الشرط المهبب ده اللي حاطه ده؟ جزاتي إني عايز أعمل خير يبليني بجوازه زي دي؟
التفتت له روز وقالت بغضب:
- يبليك أنت؟ عارف بتقول إيه؟ أنا ببليك. أنت أصلاً تطول تتجوز من الدكتورة روز؟ عمتاً، أنا اللي ميشرفنيش إن اسمي يرتبط باسمك.
ضحك المحامي باستفزاز وقال:
- اهداوا انتوا الاتنين. أنا جي في الكلام. من سنة جه ابن عم الحاج رضوان الكبير، وكان مصمم يجوز روز لابنه الكبير عشان المزرعة. ولما الحاج رضوان رفض، ابن عمه اتعصب وحلف لا ياخد المزرعة. بعد موت ابن عمه، وهو صمم يجوزك روز عشان عارف إنك أنت اللي هتحميها، لأنهم كانوا هيجوزوها غصب عنها.
قال عاصي وهو ينظر لها يتوعد:
- وإشمعنى أنا اللي باع له المزرعة؟ رغم إنه عارف اللي حصل زمان وعارف قد إيه أنا بكره عائلتهم كلها.
رفع فؤاد حاجبيه:
- أستاذ عاصي، الحاج رضوان كان عارف هو بيعمل إيه كويس، وعارف أنت بتكون مين، ومتأكد إنك أكتر حد ممكن يحمي روز.
قطعت روز كلامه وقالت بغضب:
- بابا فاكرني بنت صغيرة مش هعرف أحمي نفسي؟ جايب لي بودي جارد؟ ما علينا، أنا عايزة الفلوس اللي اتباعت بيها المزرعة، خليني أمشي من هنا خالص. وأظن ده كان رأيك من الأول يا أستاذ فؤاد.
قال فؤاد بتهكم:
- أنا بس كنت بشوف قوتك ورغبتك في تمسكك بالمكان. عايزة تفضلي هنا ولا هتستقري؟ لكن للأسف يا روز، أنتِ ما عندكيش رفاهية الاختيار. والدك حسم الأمر.
قامت روز من مكانها وقالت مستفهمة:
- اللي هو إزاي يعني؟ إزاي ما عندييش رفاهية الاختيار؟
قال فؤاد:
- من غير عصبية. الحاج رضوان حط لك الفلوس وديعة في البنك، ما تقدريش تصرفيها قبل سنة، وبعقد جوازك من عاصي.
هبت روز بعصبية على المكتب حتى انجرحت يدها وقالت:
- استحالة بابا يعمل فيا كده. أنا مش عايزة أتجوز الكائن ده، هيطلع كل عقده فيا. أنا عايزة فلوسي.
قال فؤاد موجهًا كلامه لكلاهما:
+ أنتم دلوقتي ما قدامكمش حل غير الجواز. أنتِ عشان تقدري تاخدي فلوسك، وأنت عشان تنقل ملكية المزرعة. القرار معاكم، وأنا مستني.
نظر كل منهما للآخر. قال عاصي للمحامي وهو يستعد للذهاب:
- تمام، امشِ في إجراءات الزواج وحدد اليوم، وبلغني. أنا عن نفسي ما عنديش مانع. ووجه نظره ليها وقال: أهلاً بيكي في جحيم العاصي.
ابتلعت روز ريقها بصوت مسموع وقالت وقد بدأ الخوف يمتلكها:
- لأ، اللي هو إزاي؟ أنا مش عايزة أتجوز. أنتوا بتهزروا؟ مش هتجوز لو انطبقت السما على الأرض.
قال المحامي وكأنه لم يستمع لكلام روز:
- تمام أستاذ عاصي، يومين كده وهكون جهزت كل حاجة، وإن شاء الله هسلمك مع القسيمة عقد نقل ملكية المزرعة.
ذهبت روز بصحبة عاصي إلى المزرعة وكأنها تمثال بدون روح، ولكنها انصدمت فور وصولها المزرعة ونظرت لعاصي بتعجب. لقد وجدت حشد كبير من رجال يرتدون زي الصعيد يقفون أمام بوابة المزرعة. ارتجفت روز وشعر عاصي بقوة ارتجافها. التفت لها وقال:
+ شكل الحرب بدأت. متنزليش من العربية لحد ما نشوف عاوزين إيه.
نزل من السيارة وعلى وجهه علامات الغضب وقال بأسلوب تحذير:
- أهلاً وسهلاً. خير؟ في أي خدمة أقدر أقدمها لكم؟
قال كبيرهم:
- وه، وتطلع مين أنت عاد؟
قال عاصي بهدوء مصطنع:
- أنا اللي بسأل حضرتك السؤال ده، حضرتك تطلع مين؟
أجاب بحدة:
- أنا صاحب المزرعة دي كلها.
نزلت روز من السيارة فور سمعها كلامه وقالت بغضب:
- مزرعة مين اللي أنت صاحبها؟ وتطلع مين أنت من أصله؟
قال الرجل الصعيدي:
- وه وه، شكلك أنتِ بنت رضوان ولد أخوي صوح؟
- آه، أنا روز. أنت بقا مين؟
- أنا حمدان، ولد عم أبوكي. لازم وحماكي كمان. أنتِ بقا عروسة ولدي شعبان. وأشار اتجاه شعبان الذي بدوره فرقعة عينيه على روز وهو فاتح فاه.
جذب عاصي روز من يدها ورجعها للخلف ووقف في مقدمته وقال:
- إيه موضوع إن المزرعة بتاعتك؟ أفهم بس.
قال حمدان:
- رضوان ولد عمي مخلفش أولاد، خلفته بنات، وهي حتة بنت واحدة. وأنا هجوزها لولدي، يبقى خلاص دي مزرعتي عاد. البنات حدانا ملهاش ورث من أصله.
ضحك عاصي وقال:
- وهو الحاج رضوان مبلغكش إنه باع المزرعة قبل ما يموت بشهر عشان يسدد ديونه؟
قال حمدان بزعر:
- كيف؟ أنا مش فاهم. كيف رضوان يبيع المزرعة؟ وباعها لمين؟ وأنت تطلع مين؟ وبنت ولد عمي بتعمل في عربيتك إيه في وقت متأخر أكده؟
رواية مزرعة الغضب الفصل السابع 7 - بقلم نرمين قدري
قال عاصي متجاهلاً كلامه:
- الحاج رضوان بعها ليّ، بس لو حضرتك عايزها تمام، معنديش مشكلة. سد ديون الحاج رضوان وخد المزرعة، معنديش أي مانع.
رفع حمدان حاجبيه وقال:
- وتطلع كام ديون ابن عمي؟ واصلًا من امتى وهو عليه ديون؟ أنا أعرف إنه كان ميسور الحال والمزرعة دي ورثها من أبوه وأجداده. إزاي يبيعها؟ لأ، الحكاية فيها إنّ ونصباية. أنا مش متحرك من هنا غير لما أشوف عقود البيع. أنا أصلًا مش مصدق إن رضوان يكون عليه ديون من الأصل. أكيد دي لعبة.
قالت روز بغضب:
- تعرف إيه أنت عن أبويا؟ تعرف إنه جاله سرطان؟ تعرف علاجه كان بيتكلّف كام في الشهر؟ بابا اتجبر على بيع المزرعة علشان يسدد ديون العلاج. مش من حقك تشوف أي عقود. كنتوا فين أنتم من زمان؟ ولا افتكرت إن ليك قرايب بعد أبويا ما مات علشان الورث؟ أنت حيلة ابن عم أبويا.
قال حمدان بغضب:
- لأ يا بنت الغالي، أنا مش مسافر الصعيد غير لما أشوف عقود البيع بنفسي. وكلامك ده كله ملوش لازمة.
قال عاصي بفراغ صبر:
- العقود عند المحامي. هنجبهالك منين دوللوقتي؟
- لأ، منا مش مستعجل. كده كده أنا هنا بحضر لفرح ولدي شعبان على بنت الغالي.
قالت روز وقد تملكها الغضب أقصاه:
- فرح مين على مين؟
قال حمدان:
- فرحك على ولدي شعبان، زينة شباب الصعيد.
اقترب منها عاصي وقال بصوت منخفض:
- يا تعيشي في جحيم العاصي، يا عندي استعداد أخلع وأسيبك تتجوزي زينة الشباب.
قالت وهي تجز على أسنانها بغيظ:
- لأ، وعلي إيه جواز؟ بجواز بلاها زينة الشباب، خلينا في جحيم العاصي. هي موتا ولا أكتر.
قال عاصي وهو يكتم الضحك:
- أهلًا بيكي في جحيمك.
ثم التفت إلى حمدان وقال:
- للأسف يا عمده، حتى دي ما تنفعش. علشان أنا كتبت كتابي على روز قبل وفاة والدها، وفرحنا كمان يومين. وطبعًا حضرتك أول المعزومين على الفرح. أنت برضه في مقام والدها، مش العم والد برضه.
وسحب روز من يدها وتركهم ورحل.
دخل عاصي مع روز من باب الفيلا، جذبت روز يدها من عاصي وقالت:
- أنت إزاي تسمح لنفسك تقولهم إننا كتبنا الكتاب؟
نظرت له عاصي وقال:
- خيرًا تعمل. أنا غلطان، كنت سبتك ليهم وكنتي اتجوزتي العريس اللي شكله بيتعامل معاملة الأطفال ده. أنا غلطان. أنا هطلع أنادي ابن عم أبوكي وأسلمك له.
قالت روز وهي تنظر له بتحدي:
- عادي خالص، وإيه المشكلة؟ ما أنا كمان لو اتجوزت الكائن ده، أنت مش هتاخد المزرعة. عادي خالص. أوعى تكون فاكر نفسك بتعمل فيا جميلة ولا حاجة. مصلحتك معايا زي ما مصلحتي معاك.
رفع عاصي كتفيه وقال:
- حلو أوي كده. تمام، كويس إننا إحنا الاتنين متفقين إن جوازنا من بعض مصلحة، وإننا لازم نتجوز علشان نخلص من بعض. خلصنا من بعض، هو الجواز؟ وأنا عاوز أخلص منك في أقرب فرصة ممكنة.
- أكيد أنت بتحلم، علشان الوصية متحدد فيها المدة. أنا مش هقدر أفك الوديعة قبل سنتين.
- والله دي مشكلتك أنتِ. أنا مشكلتي تتحل مع كتب الكتاب. المحامي قالي: تكتب الكتاب هسلمك نقل الملكية ونخلص من الشبكة الزفت دي.
كل ذلك ولم ينتبهوا أن الجميع يجلس ويستمع لحوارهم. فاقوا على صوت والدة عاصي وهي تصيح بصوت مسموع:
- باااااس! هو مين اللي هيتجوز مين؟ حد فيكم يفهمني إيه اللي بيحصل هنا؟
انتبه عاصي وأدار وجهه تجاه والدته وقال:
- خير يا أمي، في إيه؟ صوتك عالي ليه؟
قالت الأم بغضب:
- صوتي برضه؟ أنا اللي عالي ولا حضرتكم اللي مش عاملين حساب لحد كبير هنا؟ أنا عاوزة أعرف إيه اللي بيحصل.
- ولا حاجة خالص. أنا فرحي بعد بكرة، وده قرار.
- اللي هو إزاي يا عاصي؟ أنت إزاي تنزل نفسك للمستوى ده؟ أنت عاصي أكبر مستثمر في مصر، وبتعرف ناس كتير من الطبقة الراقية. هتجوز فلاحة شغالة في مزرعة. طيب هتقدمها للناس إزاي؟ هتقولهم مين دي؟
تملك روز الغضب أقصاه وقالت وهي تحاول أن تتحكم في أعصابها:
- حضرتك الفلاحة اللي مش عاجباكي بتكون دكتورة، وبتحضر كمان دراسات عليا في نوع نادر من الأوبئة الخاصة بالحيوانات. غير إن أنا مش دايبة في ابن ساعتك، لكن الظروف حكمت علينا إحنا الاتنين بالجوازة دي. فا حضرتك مجبرة تتقبلي الوضع زي ما إحنا كمان مجبرين نتقبله، ومجبرة كمان تحترميني الفترة اللي هكون فيها مرات ابنك على ورق علشان الحياة تمشي.
قامت الأم من مكانها وقالت بتعجب:
- يا سلام، أنا محدش يجبرني على حاجة أنا مش عاوزاها. أنا مش مجبرة أعاملك كويس. أنا أعملك بالطريقة اللي تعجبني.
- تمام قوي حضرتك. أنا كمان زي ما هتعمليني هعملك، وتأكدي إن الشعور هيكون متبادل.
اقترب منها عاصي وضغط على يدها بشدة وقال بغضب:
- لأ، عندك أمي تتعاملي معاها باحترام. إياكي أسمع إنك كلمتيها بأسلوب مش كويس.
نفرت يده وقالت بغضب:
- واللهي الكلام ده تقوله لوالدتك مش ليا. طول ما هي بتحترمني، احترامي وتقديري ليها واجب عليا. غير كده، أنت مش بسكت لأي حد يدوس ليا على طرف. أنا مش أقل من أي حد هنا، وكرمتي فوق أي شيء.
قالت هبه بعجرفة:
- يع، يا عاصي! أنت بتكلم جد؟ أنت هتجوز من الشخصية دي؟ لأ طبعًا، أنا أكيد بحلم. هتسيبني أنا علشان الشيء ده؟ دي فلاحة، لا بتعرف تلبس ولا بتعرف تتكلم.
قالت روز وكأنها تراها لأول مرة:
- مين السكر دي ها؟ ثم اقتربت منها وقالت وهي تجز على أسنانها:
- بقولك إيه يا ملزقة، أنتِ حطي لسانك في بوقك وخلي الأيام الهباب دي تعدي على خير، علشان أنا شياطين الإنس والجن بيرقصوا قدامي. فاتلمي وخلي اليوم ده يعدي على خير.
ثم تركته وفتحت الباب لتخرج، ولكنها تفاجأت بوجود حمدان أمام الباب. تقهقرت للخلف ونظرت لعاصي الذي اقترب منها ووجه كلامه لحمدان وقال:
- خير يا عمده، أنت لسة مروحتش؟ قلت لك الفرح كمان يومين.
- لأ، مروحتش. أصل بصراحة، حدوتة الجواز وبيع المزرعة دي مش لده عليا. أنا عاوز أشوف القسيمة دلوقتي، يا إما بنت ود عمي تيجي معايا على الصعيد حالا. بلا مسخرة وقلة حيا.
بدأت علامات الغضب على وجه عاصي واحمر وجهه:
- بقولك مراتي، هي مين اللي تروح معاك الصعيد؟
- وأنا بقولك من حقي أشوف قسيمة الجواز.
خرجت والدة عاصي على صوت حمدان، وقفت بحدة وقالت:
- خير يا عمده، صوت عالي هنا ليه؟
نظر لها حمدان وقال وهو يدقق النظر:
- خير يا حاجة، بس أكيد حضرتك بتفهمي في الأصول. ينفع بنته تقعد لحالها اهنه؟ أنا بس رايد أطمن عليها.
- ومين قال إنها لوحدها؟ هي في بيت جوزها.
- بس لسة الفرح متعملش عاد. ينفع كيف؟
- متهيقلي إنك عارف إن الحاج رضوان لسة متوفي من وقت قريب، فا إحنا مش هينفع نعمل فرح كبير. كل اللي هنعمله حفلة صغيرة هنا في الفيلا علشان الإشهار بس. وياريت حضرتك تبقي تتفضل، لكن دلوقتي الوقت اتأخر، اتفضل حضرتك، وأشوفك بعد يومين في الفرح.
ثم أغلقت الباب في وجهه.
رواية مزرعة الغضب الفصل الثامن 8 - بقلم نرمين قدري
والتفت إلى روز وقال:
- أنتي مش هينفع تخرجي من باب الفيلا انهاردة. اتفضلي نامي مع رنا الليلة دي.
قالت روز معترضة:
- لاء مش هينفع، أنا هصبر لحد ما يمشي وأروح أبات في الأوضة بتاعتي.
قال عاصي:
- هو مش هيمشي، هو أصلاً شاكك في كل كلامنا. مش هيمشي غير لما يتأكد أن المزرعة فعلاً انباعت. يا ريت روحي أنتي نامي وأنا هكلم المحامي يسرع الإجراءات ويحضر لك كتب الكتاب بكرة. بلاش كلام كتير واتفضلي مع رنا.
قطعت رنا كلامهم بمرحها المعتاد وقالت:
- ياه أنا فرحانة قوي أنك هتباتي معايا يا روز! طول عمري كان نفسي يكون ليا أخت ونفضل نحكي لحد الصبح.
ابتسمت لها روز ابتسامة باهتة، فهي تشعر بالغربة في بيتها وكأنها لم تكن تعيش سنوات عمرها بأكملها.
دخلت روز بصحبة رنا الغرفة. نظرت روز حولها، كل شيء كما تركته.
قالت رنا وكأنها قرأت عيون روز ولاحظت الدموع العالقة في عينيها:
- هي دي كانت أوضتك صح؟ توقعت كده من كتر ما هي جميلة.
هزت روز رأسها وسقطت الدموع رغماً عنها وقالت:
- آه يا رنا، وكنت بحبها أوي. وأنا اللي ملونة الحيطان بنفسي ومختارة الديكور وكل حاجة فيها. بس تعرفي أنتي كمان هتحبيها زي ما أنا حبيتها، أنا حاسة أن ذوقنا واحد تقريباً.
ضحكت رنا وقالت:
- أنا كمان حاسة أننا هنكون أصدقاء مقربين.
- لاء قولي أخوات بس. أنا ممكن أسأل سؤال من غير ما أجرحك؟
+ أنتي قولتي أننا بقينا أخوات، فا من حقك أي سؤال طبعاً.
- هو. أنتي يعني ما فكرتيش تتعالجي؟ يمكن ربنا ييسر الحال وتقومي من على الكرسي ده.
ضحكت رنا وقالت بصوت مهموم:
- بصراحة أنا اتعودت عليه وبقينا جزء من بعض. عاصي حاول معايا كتير بس أنا اللي رافضة العلاج.
- ليه يا رنا؟ حاولي ساعدي نفسك.
+ خايفة يا روز، خايفة من خيبة الأمل. خايفة أدي نفسي أمل أن هقدر أمشي تاني وميحصلش. فبحاول أقنع نفسي أن خلاص دي حياتي وده مستقبلي اللي جاي.
- لاء أنتي غلطانة يا رنا. طول ما فينا نفس فيه أمل ولو حتى ضعيف. أوعي تيأسي من رحمة ربنا.
+ ونعمة بالله. تعرفي يا روز أن الدكاترة قالوا إن مرضي ده نفسي مش عضوي.
ابتسمت روز وقالت:
- بجد؟ دي حاجة حلوة قوي. وأنا وعد مني مش هسيبك غير لما تكوني بتجري مش بتمشي. ويلا ننام عشان فصلت. اليوم كان طويل قوي وبكرة لسه عندي لقاح لكل الحيوانات. اعلمي حسابك أنتي هتكوني المساعدة بتاعتي، يعني من بكرة نازلة معايا الشغل.
رنا بفرح وهي غير مصدقة:
- بجد يا روز؟ بتكلمي جد؟ يعني أنا هعمل حاجة غير قاعدة الكرسي دي؟
- آه طبعاً. واعملي حسابك أنا في شغل معنديش محسوبيات. الشغل شغل. مافيش تعب. يلا نامي بقا.
كل ذلك وعاصي يقف في بلكونة غرفته يستمع لحديثهم ويبتسم على الروح التي أعطتها روز لرنا وكأنها أهدت الحياة لها من جديد.
لم تستطع روز النوم من كثرة التفكير. ظلت مستيقظة تفكر فيما تخفي لها الأيام. شعرت بالجوع الشديد. تذكرت أنها لم تأكل طوال النهار. خرجت من غرفتها متناسية أنه لم يعد منزلها ونزلت المطبخ لتجد شيء تتناوله. فتحت الثلاجة لتبحث عن أي طعام. وكان عاصي يراقبها من بعيد وهو يبتسم على عفويتها وطريقتها وكأنها طفلة صغيرة. ولكن وقف عندما لمح هبه تدخل المطبخ هي الأخرى.
اصطدمت هبه ب روز وقالت لها بعجرفة:
- أنتي إيه اللي منزلك هنا؟ متهيقلي الضيافة ليها حدود. حضرتك ضيفة، يبقى تلتزمي بأصول الضيافة. ما تتميش كده على كيفك وتفتحي وتقفلي في الثلاجات. لو احتاجتي حاجة اصبري لما أصحاب البيت يكونوا موجودين يجيبوا لك اللي محتاجاه. لكن تخشي تفتحي كده. أظن عيب. ولا أهلك معرفوش يعلموكي أصول الضيافة تكون إزاي؟
أغمضت روز عينيها بشدة وتذكرت أنه لم يزل بيتها وأنها فعلاً هنا ضيفة.
فتحت عينيها وحبست دموعها وقالت معتذرة:
- آسفة، أنا بس كنت عاوزة أشرب. بعتذر.
وتركتها وغادرت الفيلا بأكملها وهي تجري بأسرع ما لديها على غرفتها في آخر حديقة الفيلا ولم تنتبه أن الجو بارد جداً والمطر شديد في الخارج. ظلت تجري لتصل غرفتها ودخلت وانهارت في البكاء.
دخل عاصي المطبخ ينظر إلى هبه باحتقار ثم قال لها:
- أنتي إيه اللي منزلك المطبخ يا هبه؟ أظن أنتي هنا ضيفة. ياريت متتعديش حدود الضيافة.
قالت له هبه بمسكنة:
- أنا بردو ضيفة يا عاصي. أنا هوبا حبيبتك وخالتوا قالتلي أن أنا هكون ست البيت هنا بعد ما أنا وأنتي نتجوز.
= يابت أنتي هبلة؟ أنا فرحي بعد بكرة على روز. فوقي بقا.
- آه منا عارفة أنه جواز على ورق. بس لحد يعني ما تاخد المزرعة عشان الشرط اللي حاطه أبوها. يعني جواز كده وكده يعني.
ضحك عاصي وتركها وخرج يبحث عن روز. وصل على باب غرفتها وسمع صوت بكائها من خلف الباب وشعر وكأن قلبه يتمزق عليها. استغرب من الشعور الذي يتملكه. حاول طرد هذا الشعور ولكن لم يستطيع السيطرة على شعوره. لقد دق قلبه لأول مرة. طرق الباب بدون أن يفكر.
فتحت روز وهي تمسح دموعها بظهر يدها. وقفت أمامه وقالت مستفهمة:
- خير يا بشمهندس؟ أي خدمة؟ أظن أن الفجر قرب يأذن. يعني ده مش معاد للزيارة.
ارتبك عاصي أمامها وقال:
+ هو مش المفروض يا دكتورة أنتي دلوقتي نايمة مع رنا؟ إيه اللي جابك هنا؟
- متهيقلي يا بشمهندس أنا حرة. أكون في المكان اللي أنا عاوزه.
رش عاصي رأسه وقال:
+ هو من جهة أنتي حرة. فا أنتي لحد دلوقتي حرة صحيح. الكتاب لسة ما اتكتبش.
قطعت كلامه وقالت باستهزاء:
- هو سقف طموحاتك عالي بقا؟ هو خيالك صورلك أنك لما تكتب الكتاب هتتحكم فيا ومش هكون حرة؟ عندك أحلام يقظة والله يا بشمهندس.
+ ما علينا. مش قضيتنا دي. اتفضلي معايا على الفيلا. بلاش نسيب أي حاجة للظروف. ممكن تلاقي حمدان قدامك في أي وقت.
- ما أفتكرش زمانه روح بعد كلام مامتك معاه. غير أن الفجر خلاص قرب يطلع. وأنا عندي شغل كتير. والا أقولك استناني برا هغير وأجي معاك عشان كنت مواعدة رنا هتيجي معايا.
+ وأننتي فاكرة رنا هتصحي بدري وتنزل معاكي؟ ما أفتكرش. بس حاولي يمكن تكون طريقة تكفري بيها عن ذنوب جدك معانا. على العموم في انتظارك. متتاخريش عليا.
نظرت له روز بغيظ من طريقته المستفزة وأغلقت الباب. بدلت ملابسها وخرجت معه. دخلا سوياً الفيلا. وكانت هبه أيقظت خالتها. دخلت روز بصحبة عاصي ليجد والدته تجلس في البهو وهي ترفع حاجبها وهي تنظر لهما بغضب شديد. قامت واقفة وقالت بصوت حاد:
- خير يا عاصي؟ كنت فين وش الصبح كده؟
التفت لها عاصي باستغراب وقال:
+ هكون فين؟ في وقت زي ده كنت بجيب روز هنا عشان لو حمدان رجع مينفعش يلاقيها نايمة هناك. هيشك في كل كلامنا وأنا مش عاوز أي تصرف ملهوش لازمة لحد ما يكون معايا قسيمة الجواز عشان تقل الملكية.
رفعت الأم حاجبها مرة أخرى وقالت:
- وهي جناب البرنسيسة إيه اللي خرجها برا في وقت زي ده؟ ولا عشان تجرجرك وراها وتحس أنها ليها قيمة؟
جزت روز على أسنانها من الغيظ وقالت:
- أنا طالعة أصلي الفجر وأصحي رنا عشان عندي شغل كتير.
قالت هبه بعجرفة:
+ وتصحي رنا ليه؟ رنا مالها هي ومال شغلك مع البهايم.
تجاهلت روز كلامها وكأنه شيء نكرة. ثم التفتت إلى عاصي وقالت له:
- أنا هخلص شغل على المغرب. يناسبك المعاد ده؟
هز عاصي رأسه موافقاً ولم يتفوه بكلمة.
قالت الأم وهي تجلس:
+ وعلي فين العزم أن شاء الله؟ ولا مينفعش نعرف؟
قال عاصي بنفاذ صبر:
+ رايحين للمحامي عشان كتب الكتاب. عشان إحنا قولنا لحمدان أن كتب كتابنا. وأنا مش عاوز مشاكل معاه عشان يا أمي مليكة المزرعة مربوط بالقصيمة. في حاجة كمان؟ ولا أروح أشوف شغلي؟
قالت الأم مستعجبة من طريقته كلامه:
- خير يا عاصي؟ في طريقتك لهجة مش عجبتني. لتكون حنيت للبت الفلاحة دي؟
ضحك عاصي وقال:
- حنيت لمين يا أمي؟ أنا لما صدقت أن القدر جابها لحد عندي وأنتقم براحتي فيها.
نظرت هبه لخالتها. ابتسموا ابتسامة انتصار.
رواية مزرعة الغضب الفصل التاسع 9 - بقلم نرمين قدري
دخلت روز وجدت رنا مستيقظة ومبدلة ملابسها.
ابتسمت لها روز وقالت:
- أنا قلت هتنامي ومش هتقدري تصحي بدري.
- لأ خالص، أنا وعدتك. يلا بينا، أنا متحمسة جدا.
خرجت روز بصحبة رنا، وكانت رنا مستمتعة جدا باليوم وقد غير من نفسيتها جدا تحت أنظار عاصي المراقبة لهم.
دخلت رنا مع روز غرفتها التي في آخر حديقة الفيلا والتفت حولها وقالت بمرح:
- صحيح يا روز، الأوضة دي مش بنفس جمال أوضتك اللي في الفيلا، بس تحسي بدفا غريب فيها.
ضحكت روز ضحكة باهتة وقالت:
- المزرعة كلها يا رنا أنا اللي عملتها. جدي سابها لبابا وبابا كان مهتم بالبيزنس، كان رجل أعمال ملهوش في زرع ولا في حيوانات. أنا استلمت منه المزرعة خرابة وأنا اللي بنيت كل حاجة فيها بنفسي. سهرت كتير وتعبت قوي علشان أخليها كده. علشان كده انصدمت جامد لما عرفت أن بابا باع المزرعة. هو عارف شدة تعلقي بيها إزاي، حتة مني يا رنا. بس سيبك مني أنا، ويلا.
نظرت إليها رنا نظرة استفهام وسألتها:
- يلا إيه؟
ضحكت روز وقالت:
- يلا قومي علشان من هنا ورايح هتيجي هنا كل يوم ساعة تعملي فيها علاج طبيعي. يلا بقا الوقت بيضيع، وأنا عندي معاد مع هولاكو على المغرب. مش عاوزة أتأخر عليه أحسن يقلب تنين.
ضحكت رنا وقالت:
- أظن هولاكو ده عاصي، صح؟
هزت روز رأسها وقالت:
- رنا بعد إذنك، اللي بيحصل هنا مش عاوزة حد يعرف عنه حاجة خالص لحد ما الكل يتفاجيء إنك بتمشي. وخصوصا الصفرا بنت خالتك.
ابتسمت رنا وحاولت روز معاها واستجابت رنا ليها. انتهوا من الجلسة وبدلت روز ملابسها وذهبت بصحبة رنا على الفيلا. دخلت رنا وهي في قمة سعادتها. وجدت الجميع يستعد للغداء والسفرة جاهزة.
قالت هبة وهي تتفحص روز وطريقة لبسها، فكانت ترتدي ثياب ماركة على غير المعتاد:
- خير يا رنا، طول النهار فينك مختفية كأنك مش عاوزة تقعدي معايا؟ ولما صدقتي هربتي؟ إيه في إيه؟ وخصوصا إنك يعني محتاجة الراحة علشان حالتك دي.
ابتسمت رنا وقالت بهدوء:
- وليه مش هقعد معاكي؟ أنا بس كنت مع روز. كان عندها شغل كتير وكنت بساعدها.
ضحكت هبة بحقد وقالت:
- هو انتي تعرفي تساعدي نفسك؟ لما تسعديها، بطلي هبل. مساعدة إيه؟ بالكرسي بتاعك ده آخرك تهشي الدبان ده لو عرفتي كمان تعملي كده. قال مساعدة قال. بذمتك مصدقة نفسك؟ اطلعي بقا من وهم إنك تقدري تعملي حاجة. انتي خلاص هتعيشي وتموتي كده. لازم ما ترضي بالأمر الواقع ومتعيشي نفسك الوهم.
وقفت روز أمام هبة وقالت بغضب:
- الإعاقة بتكون في العقول يا آنسة هبة، مش البدن. وللأسف إعاقة العقول ملهاش علاج.
ثم ابتسمت لرنا ومالت عليها وغمزت لها وقالت:
- ولا كانك سمعتني حاجة. دي واحدة معاقة، عيانة في مخها وفكرها والفل بياكل فيها. أوعي تخليها تأثر فيكي بكلامها الماسخ. شبهي. اعرفي كويس إن طول ما فينا نفس في أمل وإرادة، طول ما في نفس في حياة.
قالت رنا ضاحكة:
- أنا عملت كده فعلاً. كان الأول كلامها بيوجعني، لكن بعد كلامك معايا والإرادة اللي عندك والطاقة اللي عطتهالي، كلامها عبارة عن هوا. ولا بيأثر فيا. على رأيك يا روز، دي واحدة عيانة بفكرها وليس على مريض حرج.
لاحظت هبة الارتباط اللي بين روز ورنا، وأن كلامها لم يؤثر على رنا كالمعتاد. تنهد عاصي وقال وهو ينظر لهبة بغضب، وكان كلام روز قد أوقف ما كان ناوي يفعله عاصي مع هبة. وقال بغضب:
- أظن كفايا كلام. ويلا، السفرة جاهزة. أنا جعت، ولا هنقضيها كلام يا هبة؟
قالت هبة بتهكم:
- اصبر يا عاصي، لما الضيفة اللي عندنا تمشي. ميصحش كده. ولو إن المفروض هي عارفة إن دي ساعة غدا. ما ينفعش حد يزور حد الوقت ده. دي حاجة أظن مش محتاجة علام بقا.
احمر وجه روز من كثرة الخجل. للمرة الثانية تشعرها هبة أنها ضيفة وليست مرغوبة بها. قالت وهي تحاول من خفة إحراجها:
- أنا في انتظارك يا بشمهندس في الجنينة برا لما تخلص أكل. على مهلك.
قالت رنا:
- في إيه يا روز؟ انتي ما أكلتيش حاجة خالص النهاردة؟ شربتي قهوة وبس؟ اقعدي كلي معانا. وأنا شفت البيت عندك، لأ عندك تلاجة ولا أكل. شكلك كده بقالك كام يوم من غير أكل، وده ميصحش. الأكل انحط. عيب قوي لما تخرجي من غير ما تاكلي.
رفعت هبة حاجبها وقالت:
- آه، علشان كده كنتي بتتسحبي بليل وفاتحة التلاجة؟ يا حرام. أنا لو كنت أعرف كنت طلعتلك حتة جبنة ولا أي حاجة تاكليها. عمتا، استني برا. وأول ما نخلص أكل هاخلي الدادة تلف الباقي وتودهولك على الأوضة بتاعتك.
انجرحت مشاعر روز لدرجة أنها لم تستطيع السيطرة على دموعها. فالعزيز عندما يهان تجرح كرامته بشدة. قالت مدبرة المنزل دون إذن وكأنها استنفذت آخر ذرة صبر لديها:
- بواقي أكل إيه اللي هديها للدكتورة؟ ده خير، الدكتورة مغرقنا كلنا. مش الدكتورة روز اللي تاكل بواقي ناس.
قالت الأم بغضب:
- خلاص، فضي. وانتي متكلميش من غير إذن. ويلا على الأكل. ثم التفتت لروز:
- وانتي اتفضلي استني عاصي برا. هيخلص ويطلع. معلش، معملناش حساب إن ضيف هياكل معانا. المرة الجاية ابقي سيبي خبر للدادة علشان تعمل حسابك.
شعرت روز بصفعة أخرى على وجهها وتركتهم دون أي كلمة وخرجت تجري مسرعة للخارج.
ضحكت هبة بحقد وقالت:
- أنا هموت من الجوع يا خالتوا. الله على الأكل وجماله.
نظرت رنا ليها باستحقار وقالت للدادة:
- من فضلك، ممكن تدخلينا الأوضة بتاعتي.
قالت الأم:
- إيه يا رنا؟ مش هاتكلي؟
أجابت رنا دون أن تلتفت لهم:
- لأ. ألف هنا وشفا على هبة.
قام عاصي أيضاً وقال:
- أنا قايم علشان متأخرش. معنا معاد مع المحامي. ثم وجه كلامه لرنا وقال:
- رورو، تحبي تيجي معانا تحضري كتب الكتاب؟
التفتت له رنا وقالت:
- بجد يا عاصي؟ هو ينفع؟
هز عاصي رأسه وقال:
- ينفع يا قلب أخوكي. ثانية تكوني جاهزة. ثم التفت للدادة:
- ساعديها من فضلك.
قامت هبة واقفة وقالت:
- ليه مقولتليش أجيبكم معاكم؟
معلش يا هبة، معملناش حساب الضيوف. ابقي قولي لنا المرة الجاية علشان نعمل حسابك.
خرجت رنا وجذب عاصي الكرسي المتحرك وخرجوا دون أن ينظروا لأحد.
استغربت روز من خرجهم السريع وقالت:
- لحقتوا تاكلوا بالسرعة دي؟
قالت رنا:
- لأ، أصل أنا مش بحب الأكل اللي معمول. عاصي قالي تعالي ناكل برا وأنا لما صدقت أهرب من هبة.
فهم عاصي أخته، ذاب في ذكائها وقال:
- ست البنات بقا تحب تاكل إيه؟
قالت رنا ضاحكة:
- أنا بصراحة مبعرفش الأماكن هنا. أكيد روز تعرف أكتر مننا.
قالت روز مبتسمة:
- طيب انتي تحبي تأكلي إيه علشان أحدد المكان؟
قالت رنا:
- اممممم، بيتزا. ناكل بيتزا.
قالت روز:
- تمام. أنا همشي بعربيتي وأنتم.
قطع كلامها عاصي وقال بحده:
- لأ، هتركبي معانا. يلا.
ركبت روز بجوار عاصي وركبت رنا في الخلف تحت أنظار هبة الحاقدة.
وصلوا لمطعم البيتزا وقالت روز:
- يلا، أنا هستناكم هنا لحد ما تخلصوا.
قالت رنا متصنعة الزعل:
- هو ينفع تسبيني لوحدي؟ أنا لما صدقت خرجت. يا روز، أنا محبوسة وده أول إفراج ليا.
ضحكت روز على طريقتها الطفولية.
حاول عاصي يحمل رنا لينقلها على الكرسي، ولكن أوقفته روز وقالت:
- لو سمحت يا عاصي، من فضلك.
ارتجف عاصي وهذه أول مرة تقول اسمه روز، فكل مرة تناديه بالبشمهندس. هذه أول مرة تقول اسمه.
التفت ليها وقال:
- خير؟ في إيه؟
جذبت روز الكرسي وقربته من باب السيارة وقالت لرنا:
- يلا.
قالت رنا:
- روز، مش هقدر.
قالت روز بإصرار:
- يلا يا رنا، انتي قدها. وحدة وحدة. اخلصي.
وفعلاً تحملت رنا على نفسها وبشدة. سحبت ساقيها وبدأت تنزلهم من سيارة. نزلت أول ساق وبدأت روز تساعدها في نزول الأخرى. وقف عاصي من هول المفاجأة.
ساعدت روز رنا في الوقوف. انتبه عاصي وقرب الكرسي منهم وهو ما زال في حالة صدمة وعيونه ممتلئة بالدموع. جلست رنا واحتضن أخته بشدة وانسابت دموعه.
التفت إلى روز وقال:
- انتي عملتي إيه يا روز؟ بجد عملتي إيه؟ انتي غيرتي حياة رنا كلها.
قالت رنا:
- ولسة يا عاصي، بس علشان خاطري مش عاوزة حد يعرف باللي حصل. وخصوصا الصفرا بنت خالتك. أظن فاهماني.
- فاهمك طبعاً يا قلب أخوكي.
دخلوا إلى المطبخ، طلبت رنا البيتزا المفضلة لها وجاء الدور على روز. اعتذرت وقالت إنها لم ترغب في الطعام. ولكن أصر عاصي وطلب لها مثلما طلب لنفسه. كانت روز جائعة حقاً، أكلت بجوع شديد. نظر لها عاصي وابتسم، فهو يعلم أنها جائعة حقاً.
انتهوا من الطعام، ذهبوا جميعاً إلى المحامي الذي أحضر المأذون وتم عقد القران وأصبحت روز زوجة له.
رواية مزرعة الغضب الفصل العاشر 10 - بقلم نرمين قدري
طول الطريق عودتهم وروز ملتزمة الصمت هي وعاصي.
ظل عاصي يسترجع كلام المحامي أنه لازم يعيش مع روز سنة كاملة، ولا يحق له أن يمنعها من ممارسة عملها كطبيبة داخل المزرعة إلا إذا هي أرادت ذلك.
قال عاصي بغضب:
"أنا مش فاهم الحاج رضوان بيعمل كده ليه وعلشان إيه. أنا ممكن أحميكي من غير جواز، ليه يجبرني أعيش مع حد أنا مش بحبه ومش بعرفه؟ ليه أنا أكون مجبور على الجواز منك؟"
قالت روز والخجل يتملكها وإحساسها أنها مفروضة عليه بيجرح كرامتها:
"متقلقش يا بشمهندس، الوضع هيفضل زي ما هو. أنا هنام في الأوضة اللي في الجنينة زي ما احنا. كل الكلام مجرد حبر على ورق، سنة وهتعدي وكل واحد حر في تصرفاته."
قال عاصي وقد تملك منه الغضب:
"أنا أصلًا مش مستني رأيك علشان أعمل كده، هو ده اللي هيحصل. أنا أصلًا ليا حياتي وهعيشها زي ما أحب، أنا مرتبط بواحدة وكنا متفقين نتجوز، أظن ده حقي. أبوك قال أتزوجك بس مقالش متجوزش عليكي، وأنا هتجوز مع اللي أحس إنها مش مفروضة عليا زي الدوا."
شعرت بجرح مشاعرها وقد فقدت قواها من كثرة المهانة.
لمح عاصي دموعًا عالقة في عينيها، شعر أنه أزادها معها في الكلام.
قالت رنا وقد أدمعت عيونها على حال روز:
"بعد إذنك يا عاصي، أنا عاوزة أنام مع روز النهارده."
قال عاصي:
"تمام يا رنا، زي ما تحبي."
ثم وجه كلامه لروز وقال:
"المحامي قالك على الراتب الشهري بتاعك بخصوص شغلك في المزرعة؟"
هزت رأسها وقالت:
"آه، شكرًا."
"وها المبلغ عجبك ولا المرتب مش مناسب ليكي؟"
"تمام، مناسب."
والتزمت الصمت.
دخلت رنا بصحبة روز إلى منزل روز الصغير، وقامت روز بمساعدتها في تبديل ملابسها والنوم.
استيقظت روز في الصباح واستقلت سيارتها، لمحها عاصي وهي خارجة. حاول جاهدًا ألا يعطي الموضوع اهتمامًا، ولكن فضوله غلب عليه، كان يود أن يعرف لأين ستذهب باكرًا. تتبعها دون أن تشعر به.
ذهبت روز لتبيع سيارتها، فهي لم تملك مالًا. باعت سيارتها وهي تنظر لها والدموع تنهمر من عينيها، فكانت غالية قوي عليها. وذهبت واشترت بعض مستلزمات للبيت من طعام.
عادت المزرعة.
تعجب عاصي من أمرها وعلم أنها فعلاً بحاجة للمال وأن والدها ظلمها عندما وضع كل مالها في وديعة وربطها بشرط الزواج.
دخلت روز بيتها وجدت رنا قد استيقظت. أعدت الفطار ثم جلست مع رنا تساعدها على الحركة بمفردها، وكانت حالة رنا تستجيب بسرعة، ثم ذهبا سويًا للعمل.
انهمكت روز في العمل حتى لا تفكر فيما يحدث لها.
دخل عليها محمد المهندس الزراعي المسؤول عن المحاصيل، وجلس يهزر ويضحك معها كعادته، وعينه لم تنزل من على رنا، فقد أعجب بها من أول نظرة.
دخل عاصي ولاحظ قرب محمد من روز. دقت طبول الغيرة أعلنت عن حضورها، فقد دبت الغيرة في قلب عاصي. لقد أعلن قلبه الاحتجاج عليه وتغلب على قسوته، فقد كان قلب عاصي كالحجر، ولكن العشق أذاب الحجر.
اقترب منهم عاصي وقال وهو ينظر لها نظرات غضب:
"خير يا دكتورة؟ إيه الحاجة اللي مخلية الكل يضحك كده وصوت ضحككم مسمع لآخر المزرعة؟ ضحكوني معاكم، بس الأول نتعرف على الأستاذ اللي واخد راحته كأنه في بيته."
قام محمد واقفًا من الخجل.
رفعت روز حاجبيها وقالت:
"أعرفك المهندس محمد، المهندس الزراعي اللي ماسك محاصيل الأرض والزراعة هنا، وتقريبًا أنا وهو متربيين سوا ويمكن صديقي الوحيد."
بكلامها قد وصل عاصي لأعلى درجات الغضب وجز على أسنانه وقال:
"إيه؟ مش هتعرفني على المهندس؟"
قال محمد مسرعًا ليخفف من حدة الموقف، لقد رأى الغيرة في عيون عاصي:
"حضرتك طبعًا غني عن التعريف، حضرتك المهندس عاصي اللي اشتري المزرعة من الحاج رضوان الله يرحمه."
قالت رنا بمرح:
"وأنا رنا، أخت عاصي."
قال عاصي متحديًا:
"و روز بتكون مراتي، وفرحنا بكرة، عاملين حفلة صغيرة في الفيلا، يا ريت حضرتك تشرفنا."
ثم التفت إلى رنا وروز وقال:
"مش كفايا شغل لحد كده، ويلا علشان الكل مستنينا على غدا."
قالت رنا:
"آه والله، أنا هموت من الجوع جدًا جدًا. يلا بينا بجد، الشغل هنا مرهق بس ممتع. ليكي حق يا روز، روحك بتبقى متعلقة بالمكان، يستاهل التعب اللي تعبتيه."
ابتسمت لها روز ثم قالت:
"تمام، أنا كمان تعبت من الشغل. يلا، أنا مروحة."
جري وراها عاصي وماسكها من ذراعها لدرجة أنه ألمها، وقال بحده:
"على فين رايحة حضرتك؟"
"على بيتي، إيه غريب في ده؟ مش كان اتفقنا على كده؟"
"آه، كان اتفقنا بس لما كان حضرتك بتحترمي إن اسمك على اسم راجل، مش فاتحاها على بحر."
"نعم؟ حضرتك بتقول إيه؟ معلش كده وضح لي، يعني يا دكتورة يا محترمة مينفعش تقعدي تهزري وتضحكي مع كل واحد هنا."
"أنا هزرت مع مين؟ مش فاهمة."
ثم كشرت وقالت:
"آه، أنت تقصد محمد. وده فيها إيه؟ أنا أعرف محمد من وأنا في ابتدائية."
"فيها إنك على ذمة راجل، المفروض تحترمي اسمه."
"ها، وبعدين أعمل إيه يعني؟ مش فاهمة."
"يعني مـ... تقـ...ـفـ...ـيش تـ...ـكـ...ـلـ...ـمـ...ـي مـ...ـع أي حـ...ـد."
"تمام، موافقة. بس يكون الفعل متبادل، زي ما عايزني أحترمك أنت كمان تحترمني وتحترم إنك مراتي."
"مش فاهم، عايزة إيه؟"
قطع كلامهم صوت رنا وهي تقول:
"اخصوا بقى، أنا جعت قوي وتعبت، عاوزة أنام."
رفع عاصي حاجبيه وقال بأسلوب أمر:
"يلا معايا على الفيلا، وبلاش صوتنا يطلع أكتر من كده."
"تمام، هاجي معاك، بس يكون في علمك البت الصفرا اللي هناك دي لو اتكلمت أنا مش هسكت لها. هي بقا اللي لعبت في عداد عمرها، طلبتها ونالتها، وأنا أصلاً عفاريت الدنيا بتنططت في وشي."
دخلوا جميعًا للفيلا، ودخلت روز ورائهم ورأسها مرفوعة لأعلى.
قالت مروة مندفعة:
"كل ده علشان تيجوا؟ أنا هموت من الجوع."
وقطعت كلامها عندما لمحت روز معهم. نظرت لها بحقد وقالت:
"مش كنت تقول يا عاصي إن معاك ضيوف علشان أعمل حسابهم على السفرة."
ابتسمت روز لها وجلست على السفرة وقالت:
"عندك حق، بعد كده لما تحبي تيجي عندنا، ادينا خبر، أصل إحنا فعلاً مش بنستقبل الضيوف في أي وقت. يلا يا جماعة، الأكل هيبرد. آه سوري يا هبه، اتفضلي اقعدي، إحنا بيت كرم وبنفهم في الأصول، مينفعش نرد ضيف ساعة أكل. من فضلك يا عاصي، خلي حد من المطبخ يحط طبق زيادة للضيفة."
ثم التفتت إلى رنا التي كانت تكتم ضحكاتها وقالت:
"ها يا رورو، قررتي هتلبسي بكرة إيه ولا لسة؟ أنا عن نفسي هلبس الفستان اللي اختاره ليا عاصي، كان يجنن."
قالت الأم:
"مش فاهمة فساتين إيه اللي بيتكلموا عنها، وعاصي إيه دخله في ده؟"
قالت روز بدلع:
"يا طنط، لحقتي تنسي؟ هو مش بكرة فرحنا أنا وعاصي؟ هو في فرح من غير عروسة ما تلبس فستان الفرح؟ بذمتك يا هبه، يصح كده؟"
جلست هبه تأكل في نفسها من الغيظ ولم تستطع الرد عليها.
انهمك الجميع في الأكل، ولاحظ عاصي أن روز لم تأكل أي شيء، ولكنها تتصنع الأكل.