تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم ندى محمود توفيق
داخل قسم الشرطة، داخل غرفة أحد الضباط، كان يجلس جلال على مقعد خشبي وثير أمام المكتب الخاص بالضابط، وكان بمفرده في الغرفة يحدق في اللاشيء أمامه بجمود تام لدقائق طويلة نسبيًا، حتى قطع ذلك الصمت القاتل وصول الضابط أخيرًا، الذي دخل وأغلق الباب خلفه ثم تحرك نحو مقعده الخاص أمام مكتبه وهو يتمتم بهدوء:
"معلش اتأخرت عليك."
رد جلال بنبرة رجولية قوية:
"ولا يهمك.. خير يامحسن بيه، ممكن أعرف سبب وجودي هنا إيه؟"
جلس الضابط على مقعده وهو يحدق في جلال مطولًا قبل أن يهتف له بنظرة ثاقبة:
"خير إن شاء الله.. أنا طلبت تيجي هنا عشان عايز أتكلم معاك في كام حاجة."
كان جلال ثابتًا تمامًا وينظر للضابط بكل صلابة وثقة وهو يقول:
"اتفضل أنا سامعك.. إيه الحاجات دي؟"
أجابه بعين حازمة ونبرة مريبة:
"عمك لغاية دلوقتي هربان وده مش في صالحه ولا في صالحكم.. انتوا بينكم تار وممكن الأمور تخرج عن السيطرة."
تطلع جلال له بوجه خالي من التعابير ثم هتف بكل ثبات انفعالي:
"لا اطمن، معدش في تار تاني خلاص، حق أبوي ورجع.. بس أنا بردك لسه مفهمتش أنت جايبني هنا ليه؟"
مسح محسن على وجهه وهو يطلق زفيرًا حارًا قبل أن يتطلع لجلال بنظرات منذرة متمتمًا:
"عمك فين يا جلال؟"
ضحك ساخرًا ثم أجابه ببرود مستفز:
"أنت لسه قايل أنه هربان، أنا هعرف منين مكانه عاد ياباشا!"
محسن بغضب بسيط وعين تحمل التحذير:
"لا أنت عارف مكانه يا جلال."
اختفت ابتسامة جلال وحل محلها الجدية وتقوست ملامح وجهه لتصبح مخيفة بعض الشيء وهو يرد:
"قولتلك معرفش مكانه يامحسن بيه."
لوى محسن فمه بغيظ وهو يحاول التحكم في انفعالاته ثم قال بوجه شيطاني مخيف:
"أنت بتتستر عليه وده غلط.. ولو اتأكدت أنك بالفعل عارف مكانه وقتها النتائج مش هتكون مرضية يا جلال وهتتحاكم معاه."
أخذ جلال نفسًا عميقًا وهو مازال محتفظًا ببروده وثباته الانفعالي المستفز، الذي أنهه بعبارته الأخيرة وهو يبتسم بتكلف ويقول في نظرة تحدي:
"لما تتأكد ياحضرة الظابط، انتوا عارفين بيتي زين وأنا موجود.. لو مفيش حاجة تاني دلوقتي أقدر أمشي."
طالت نظرات محسن المشتعلة له، فهو لا يستطيع اتهامه بأي شيء الآن وسجنه، وهذا هو ما يثير جنونه بالأكثر. بعد لحظات طويلة من تحديقه الغاضب، أشار لجلال بمعنى أنه يمكنه الانصراف. فهب جلال واقفًا بكل شموخ وهو يهندم من عباءته السوداء التي فوق كتفيه، ثم ألقى نظرة أخيرة على الضابط بكل هيبة وتحرك للخارج وهو يقود خطواته لخارج القسم بأكمله. وفور مغادرته، أخرج هاتفه ليجري اتصالًا ثم يضع الهاتف فوق أذنه ينتظر الرد الذي أتاه بعد ثوانٍ قصيرة، فقال بلهجة حادة:
"وينك ياعلي؟"
سكت للحظات وهو يستمع لرد ابن عمه عليه، ثم أجابه بغلظة:
"طيب خليك مكانك متتحركش، أنا جايلكم دلوقتي."
***
داخل منزل حور.
كانت جالسة بغرفتها فوق فراشها تحدق في الفراغ أمامها بشرود، عقلها منشغل بالتفكير به منذ حديثهم الأخير. رغم قلقها واهتمامها لأمره، إلا أن غضبها منه يمنعها من الاستسلام والتصرف وكأنه شيء لم يكن. لا تستطيع تركه سجينًا لأفكاره المؤذية وعقله الذي يدله نحو طريق السوء. لم تجد أفضل من هذا الحل لمحاولة ردعه عن ما يريد فعله. رغم أنها لم تكن تود أن تضعه بين شقي الاختيار، إما بينها أو بين والده، لكنه لم يترك لها طريقًا آخر.
انتشلها من عمق أفكارها دخول أمها عليها الغرفة وهي تقول بجدية:
"حور قومي البسي يابنتي."
التفتت لأمها باستغراب وهي تسألها:
"ألبس ليه؟"
قالت الأم ببسمة رقيقة وهي تشير بعينيها للخارج:
"بلال برا وقاعد مع أبوكي بيتكلموا.. البسي يلا عشان تطلعي له، عيب."
رمشت بعينيها عدة مرات مندهشة. لوهلة ظنت نفسها تتوهم وتسمع كلمات في خيالها هي فقط، لكن صوت أمها وهي تلح عليها ثانية بالنهوض أثبت لها أن بالفعل في منزلهم الآن. لكن ماذا يفعل ولماذا جاء دون أن يخبرها حتى.
نهضت من فراشها بسرعة وهرولت نحو الحمام لكي تستعد. وبعد دقائق قصيرة خرجت ثم بدأت في ارتداء ملابس مناسبة وجميلة. واستغرقت وقتًا طويلًا حتى انتهت من تجهيز نفسها وخرجت من غرفتها تتجه للصالة حيث يجلس هو ووالدها. وفور وصولها لهم، ابتسم لها والدها وقال وهو يشير لها بيده على الأريكة بجواره:
"تعالي ياحور اقعدي ياحبيبتي تعالي."
أماءت بوجهها لوالدها بالموافقة ثم التفتت نحو بلال الذي كان يتمعنها بعمق وابتسمت له بتكلف حتى لا يشعر والده بتوتر الأجواء بينهم. ثم قالت له برقة:
"ازيك يابلال."
أجابها وهو يبادلها الابتسامة التي لم تكن متكلفة كخاصتها:
"زين الحمدلله."
جلست بجوار والدها واستمر الحوار بينه هو وبلال لدقائق طويلة نسبيًا وهم يتحدثون بأمور مختلفة تخص العمل والحياة ومشقاتها على الجميع، حتى استقام أبيها أخيرًا وقرر تركهم بمفردهم ليتحدثوا براحة أكثر.
فور انصرافه، تقابلت نظراتهم معًا. كانت هي غاضبة بعكس نظراته التي كانت معاتبة وثابتة عليها، لا تحيد لثانية عنها. أما هي فقد أشاحت بوجهها للجهة الأخرى ترفض النظر لوجهه. ودام هذا الوضع المريب بينهم لدقائق حتى قررت هي اختراق فقاعة الصمت وإنهاء تأمله فيها، حيث التفتت له وقالت بجفاء متصنع:
"ليه مقلتليش إنك جاي؟"
بلال بنبرة هادئة لكن نظراته كانت ثاقبة وهو يسألها:
"إيه مش عاوزاني ولا إيه.. تحبي أقوم أمشي!"
لانت حدة معالمها بعد عبارته وللحظة شعرت بالندم في أعماقها على سخافة كلماته، فقالت له بلطف لكن مازال الحزم يستحوذ على صوتها:
"مش قصدي كدا طبعًا، بس عشان استغربت يعني أنت جيت فجأة."
حرك حاجبه بطريقة مثيرة للاهتمام وهو يجيبها في صوت منزعج:
"أنا كنت أحب أقولك قبل ما آجي أكيد، بس للأسف أنتي مبترديش عليا ومسبتليش حل تاني عشان أشوفك وأتكلم معاكي."
عقدت ذراعيها أسفل صدرها وهي تميل بوجهها للجانب تأبي النظر إليه وهي تقول بمكابرة:
"أعتقد أن بعد آخر مرة، معدش في كلام تاني نقوله."
تنهد الصعداء بقلة حيلة ثم تمتم بصوت رجولي غليظ:
"طيب ممكن تبصيلي وأنتي بتكلميني."
أصدرت زفيرًا حارًا ثم عادت بوجهها لجهته تنظر له بضيق، فتقابل نظراته الممتعضة والمعاتبة لها على تصرفاتها الجافة معه. ثم تابع بخشونة:
"أنتي بتعملي كده ليه!"
انفجرت به ساخطة وهي تقول:
"أنت عارف أنا بعمل كده ليه يابلال وبرضوا مصمم على كلامك وتفكيرك الغلط، وكل ده وعايزني مزعلش منك وأشجعك كمان."
هتف بغضب وهو يحاول التحكم بانفعالاته ونبرة صوته:
"واديكي قولتي تفكير، شوفتيني رحت وقتلته دلوقتي!"
حور بعصبية وهي تنظر في عينيه بحدة:
"أنا مش عايزك تفكر مجرد التفكير حتى."
رفع يده يمسح على وجهه وهو يتأفف بخنق، مستغفرًا ربه، ثم يتمتم مغلوبًا:
"طيب وأنتي إيه اللي يرضيكي دلوقتي؟"
جلست بثقة أكثر على مقعدها ونظرت له بحزم وهي تقول:
"تشيل الأفكار دي من راسك نهائي وكمان توعدني أنك متعملش حاجة."
أخذ نفسًا عميقًا ورد باستسلام:
"طيب ياحور مش هعمل حاجة خلاص، ارتحتي كده."
تطلعت في عينيه بعمق وهي تسأله بحدة:
"وعد؟"
مال ثغره للجانب مغلوبًا وهو يجيبها في خفوت:
"وعد.. بزيادة عاد، تعبتيني معاكي يابنت الناس."
اختفى غضبها وحل محل قسوة ملامحها لينها مجددًا، وقد ظهرت لمعة عينيها المحبة وبسمة ثغره البسيطة وهي تحدقه من الجانب، حتى قالت أخيرًا في رقة وهي تبتسم بدلال:
"بتحب القهوة؟"
ضحك بصمت رغمًا عنه ليجيبها متغزلًا بغرام:
"ولو مبحبهاش هحبها طالما من يدك."
اتسعت بسمتها الخجلة أكثر وهي تتفادي النظر إليه من فرط حيائها، ثم استقامت واقفة وابتعدت عنه متجهة للمطبخ لكي تقوم بتحضير القهوة له، لتتركه يبتسم عليها بحب.
***
كان عمران يقف بالخارج أمام السيارة بانتظار خروج أخته الصغيرة حتى يأخذها لوالدتها في منزلهم. بعد دقائق قصيرة من الانتظار، خرجت أخيرًا من باب المنزل وهي تركض باتجاهه. فمد يده لباب السيارة الخلفي يفتحه لها لكي تصعد وتستقل به، لكنها توقفت أمام السيارة وهي تلزم شفتيها بعبوس وتقول في براءة:
"لا أنا بحب أركب قدام."
تنهد عمران الصعداء مغلوبًا قبل أن يغلق الباب الخلفي ويفتح الباب المجاور لمقعده وهو يقول لها:
"اركبي يلا قدام."
اتسعت بسمتها السعيدة وبلحظة كانت تقفز وتستقل بالمقعد المجاور له، بينما هو فيتحرك نحو الجهة الأخرى لكي يستقل بمقعده المخصص للقيادة وينطلق بالسيارة يشق بها الطرقات متجهًا نحو منزل داليا.
كان طريق الوصول للمنزل ليس سهلًا أبدًا، بالأخص بوجود تلك الصغيرة بجواره وهي تتوقف عن طرح الأسئلة والتحدث. لا ينكر حقيقة أن ذلك الوقت كان ممتعًا له، رغم أنه ليس من محبي الكلام الكثير والثرثرة. من ضمن أسئلتها الطفولية له عندما أبعدت نظرها عن الطريق ونظرت له وهي تسأله بفضول:
"هي طنط آسيا في نونو في بطنها؟"
أجابها بهدوء دون أن يحيد بنظره عن الطريق أثناء القيادة:
"امممم.. أنتي مين قالك؟"
ريم بضحكة طفولية جميلة:
"هي امبارح قالتلي لما أنت مكنتش قاعد.."
هتسمي النونو إيه؟
زم شفتيه بجهل ليجيبها وهو يبتسم بعبث:
_معرفش أنتي إيه رأيك نسميه إيه؟
سكتت للحظات وهي تفكر وتحدق في سقف السيارة بسكون تام حتى قالت بسرعة في حماس:
_نسميه أحمد.
اتسعت بسمته وهو يحدقها بطرف عيناه متمتمًا:
_اشمعني؟
مطت شفتيها ببراءة مجيبة بكل بساطة:
_معرفش هو جه كدا أنا افتكرت الاسم ده.
ردد خلفها وهو يضحك بصمت على عبارتها الطفولية:
_اممم هو جه إكده.
بعد دقيقة بالضبط توقف بالسيارة أمام أحد المحلات الكبيرة لشراء الأطعمة المختلفة ثم نظر لريم وقال بحزم:
_أنا هنزل اشتري حاجة وراجع خليكي إهنه متطلعيش من العربية مفهوم.
طالعته بكل استعطاف وهي تترجاه متمتمة:
_عايزة آجي معاك بليز.
كان سيرفض لكن نظرتها الطفولية تملكته فلم يشتكِ رد طلبها حيث قال مستسلمًا:
_يلا انزلي.
خرج من السيارة وتحرك نحو الجهة الأخرى حيث مقعدها وكانت هي نزلت أيضًا من السيارة وسارت بجواره ثم رفعت يدها بكل عفوية وامسكت بكفه وهي تبتسم له مما جعله يبادلها الابتسامة لا إراديًا. دخلوا معًا للمحل وبعدما انتهي من شراء ما يريده اتجه بها نحو قسم صغير به بعض ألعاب الأطفال وغمز لها وهو يقول:
_يلا اختاري لعبة عشان نشتريها.
قفزت فرحًا وهي تضحك وبسرعة اندفعت نحو صفوف الألعاب تتفحص الجميع بتركيز وهي تفكر أيهما تختار. حتى وقع اختيارها بالنهاية على دمية كبيرة نسبيًا جميلة لديها شعر طويل وبني وقالت له وهي تشير عليها:
_عايزة دي.
مد يده والتقط علبة الدمية وهو يشير لها بعينها أن تلحق به حتى وصل أمام مكتب الحساب ودفع ثمن الدمية وهي تقف بجواره ملتصقة به حتى رأت صاحب المحل بعدما دفع أخاها ثمن اللعبة يضعها له في كيس كبير يسعها ويعطيها له. جذبها عمران من يده ثم بيده الأخرى امسك بيد أخته وسار معها للخارج متجهًا نحو السيارة.
فتح باب السيارة الخلفي ووضع به اكياس الطعام الذي قام بشرائه ثم أخرج الدمية من الكيس وناولها لها وهو يبتسم بحنو. فلمعت عيني ريم بفرحة حقيقة وملامح وجهها الطفولية الجميلة كانت تشعره براحة غريبة. بحركة مفاجأة كانت ترتمي عليه وتعانقه من قدميه وهي تضحك وتقول برقة تليق بفتاة مثلها:
_شكرا ياعمران أنا بحبك أوي.
ضحك وانحنى عليها ليحملها بين ذراعيه وهو يلثم وجنتها بدفء متمتمًا بمزح:
_كل ده عشان لعبة بس!.. وأنا كمان بحبك.. يلا عاد عشان نروح البيت عشان متأخرش على الشغل وكمان أمك مستنياكي من بدري.
هزت رأسها له بالموافقة وهي لا تتوقف عن الضحك اللطيف. بينما هو ففتح باب المقعد المجاور له وضعها فوق المقعد ثم أغلق الباب والتف من الجهة الأخرى ليستقل بمقعده ويكمل طريقه باتجاه منزلها.
***
بمكان آخر داخل أحد المنازل الخاصة بعائلة خليل صفوان. كان يجلس كل من منصور وعلي وحمزة معًا يتحدثون في حل لوضع منصور وهروبه من الشرطة. حتى وصل جلال وفور دخوله هتف منصور يسأله باهتمام:
_إيه اللي حصل خدوك ليه على القسم ياجلال؟
اقترب جلال وجلس على أول مقعد قابله بجوارهم ثم قال بخنق:
_بيسألوني على مكانك.
نظر حمزة بدهشة لجلال وقال بحدة:
_اوعاك تكون قولتلهم.
جلال بلهجة رجولية حازمة:
_اقولهم كيف يعني ياجدي طبعًا مقولتش حاجة بس مش بعيد يبدأوا يراقبوني عشان يعرفوا مكان عمي ولو عرفوا أني عارف مكانه ومتستر عليه هتسجن أنا وهو.
اعتدل علي في جلسته وقال بضيق ملحوظ وحيرة:
_طب والعمل إيه دلوك؟
أخذ جلال نفسًا عميقًا ثم أخرجه زفيرًا متهملًا قبل أن يجيب بجدية تامة:
_مفيش غير حل من الاتنين يا أما تسلم نفسك ياعمي يا أما تطلع برا البلد واصل عشان طول ما أنت إهنه مسيرهم هيعرفوا مكانك.
هتف حمزة بغضب شديد يبدي اعتراضه على فكرة جلال:
_يسلم نفسه ده إيه.. مش هيحصل ياجلال واصل.
مسح " علي " على وجهه وهو يزفر ثم قال مؤيدًا لجلال في رزانة:
_أنا شايف أن چلال عنده حق.. حتى لو هربت هتفضل هربان لغاية ميتا يابوي لا الحكومة ولا عمران هيسيبك.
نظر منصور لابنه بغضب وهتف رافضًا رفض قاطع:
_انا مش هسلم نفسي ياعلي. وهو الحل التاني احسن حل أني اطلع برا البلد واصل.
رتب حمزة على كتف ابنه الذي يوافقه في الرأي وقال بصلابة ونظرة تبث الطمأنينة لنفسه:
_زين متقلقش من بكرا هنظبطلك مكان زين عشان تسافر من إهنه ومترجعش لغاية ما الموضوع ده يتنسي واصل.
التزم جلال الصمت ولم يبدي اعتراض على قرار جده رغم أنه لم يعجبه ومن وجهة نظره أن يسلم نفسه للشرطة أفضل من عيش حياة الهروب والخوف من السجن لآخر حياته.
***
بتمام الساعة العاشرة مساءً.....
كانت جليلة تجلس على الأريكة بالصالة وعيناها عالقة على النافذة بتلهف تنتظر عودة ابنها. فقد أهلكها كثرة التفكير والقلق منذ رحيله بالصباح مع الشرطة. انتفضت جالسة عندما رأت سيارته تقف أمام المنزل ويخرج هو منها ليقود خطواته نحو باب المنزل.
أسرعت نحو الباب مهرولة وفور دخوله اندفعت نحوه تسأله بلهفة وخوف:
_چلال أنت زين ياولدي؟
ابتسم لها بحنو وراح يمسح على ذراعه بلطف متمتمًا وهو ينحني على رأسه يقبلها:
_أنا كويس الحمدلله ياما اطمني متقلقيش.
جليلة بحيرة وتعجب:
_امال خدوك معاهم ليه؟
تنهد جلال بخنق وهو يجيبها:
_تحقيق عاوزين يعرفوا مكان عمي وين مني.
اتسعت عيني جليلة بدهشة وهي تسأله:
_وأنت قولتلهم؟
جلال بحزم:
_لا طبعًا مقولتش ياما بس ربنا يستر من اللي جاي.
تقوست معالم وجهها للخوف والقلق مجددًا. لتقترب منه وتمسك فوق صدره وذراعيه بحنو متمتمة في عين دامعة:
_خد بالك من روحك ياولدي أنا مقدرش اشوف فيك حاجة وحشة ياجلال ده أنا تِجرا لي حاجة فيها ياحبيبي.
ابتسم لها بدفء ودون تفكير كان يضمها لصدره وهو يقبل رأسها بعدة قبلات متتالية هامسًا بحب:
_بعد الشر عليكي ياما متقوليش إكده.. متخافيش أن شاء الله مفيش حاجة تحصل والحوار ده يخلص على خير.
تمتمت جليلة بصوت نابع من صميمها وهي تدعو ربها:
_يارب ياولدي.. ربنا يحفظك ليا ولولادك وميوريناش فيك حاجة وحشة أبدًا.
ردد خلفها بعطف:
_اللهم آمين ياما.. اطلعي أنتي عاد نامي وارتاحي وأنا كمان هطلع أنام.
ابتعدت عنه وهي تبتسم له بحنان أمومي وتمسك فوق كتفه بكل لطف هامسة:
_حاضر ياحبيبي.. اطلع أنت ريحي جسمك ونام وأنا شوية إكده هبقى اطلع.
_طيب تصبحي على خير ياغالية.
جليلة بعينان لامعة بالحب النقي:
_وأنت من أهله ياولدي.
قاد خطواته نحو السلم يصعد درجاته بهدوء وبطء دون عجلة. حتى وصل للطابق الثاني حيث غرفته وعندما وقف أمام الباب أخذ نفسًا عميقًا ورسم بسمة صافية ودافئة لكي يقابل بها حبيبته ولا يثير قلقها وخوفها عليها أكثر. مد يده بمقبض الباب واداره ثم دفع الباب للداخل ببطء ودخل. أغلقه خلفه بهدوء وفور التفاته نحو الغرفة رآها تجلس فوق الأريكة وتحدقه بعتاب وغضب وسط دموع عيناها السابحة فوق وجنتيها بغزارة. فتسمر بأرضه للحظات مندهشًا لكن سرعان ما تدارك الموقف واسرع نحوها ليجلس بجوارها ويحاوطها بذراعيه ضامًا إياها لحضنه متمتمًا:
_مالك يافريال بتبكي إكده ليه.. أنا كويس أهو قصادك مفيش حاجة.
دفعته بعيدًا عنها بسخط هاتفة في انفعال حقيقي وبكاء شديد:
_من الصبح وأنا برن عليك ومش بترد عليا. كنت هتجنن من الخوف عليك وحسيت ضغطي علي وتعبت قوي وأنت حتى مفكرتش تطمني عليك ولا ترد عليا.
حاول احتواء الموقف واحتوائها بكل ذكاء حيث فرد ذراعيه ليحاوطها مجددًا مجيبًا بأسف صادق وحزن:
_حقك عليا ياحبيبتي. صدقيني التلفون كان صامت وأنا اتلهيت ونسيت ما اتصل بيكي متزعليش أنا مبتحملش اشوف دموعك والله وأنتي حامل والزعل غلط عليكي.
أبعدت ذراعيه عنها وهي تهتف بمكابرة وانزعاج وسط صوتها المبحوح الذي مزق قلبه:
_بعد عني ياچلال.
لاح شبح ابتسامته العابثة وهي يتعمد الاقتراب منها أكثر وبذراعيه يحاول محاوطتها وضمها وسط صوته الهاديء الذي يذيب القلب:
_لا ابعد عنك كيف مقدرش.. بعدين مش هتسأليني خدوني ليه ولا تطمني عليا حصلي إيه هناك.
هزت رأسها بالرفض وهي مازالت تأبي النظر لوجهه وتحاول التملص من بين لمساته وذراعيه هاتفة في جفاء مزيف ليس حقيقي:
_لا مش عاوزة اعرف مهو أنت كيف الحصان قصادي ماشاء الله. عشان تتعلم بعد إكده متنسنيش.
زم شفتيه بعبوس متصنع ليجيبها متصنعًا المرض:
_مين قالك أني كيف الحصان.. ده أنا تعبان قوي!
التفتت له أخيرًا وطاعته بطرف عيناها في نظرة استهزاء وهي تلوي فمها وتهتف:
_هو فين التعب ده!
امسك بكفها الناعم ورفعه حتى يسار صدره ليضعه تحديدًا عند قلبه ويهمس لها وهي يتصنع الانهيار النفسي والحزن:
_إهنه.
لم يلبث للحظة حتى تابع بنفس النبرة لكن نظراته أصبحت أكثر إثارة للشفقة:
_قلبي تعبان واتوحشك قوي. حني عليا وعليه عاد وبزيادة.
منعت ضحكتها بصعوبة وردت عليه تسأله ببرود مزيف:
_بزيادة إيه؟
قال وهو يكتم بسمته حتى لا يفسد اللحظة المؤثرة:
_بزيادة نكد.
اتسعت عيناها بصدمة وراحت تصيح به مشتعلة:
_أنا نكدية ياچلال.
هتف بسرعة يصحح ما قاله حتى لا يفسد كل محاولاته في نيل رضاها:
_لا ياحبيبتي أنا قصدي بلاش نكد دلوك يعني مش عاوزين زعل أنا متوحشك قوي ورغم كل اللي حصل بس چاي مزاجي رايق شوية وحابب نكون جار بعض ونقضي ليلة حلوة.
رأى تعبيرات وجهها تعود لطبيعتها مجددًا بعدما اقتنعت وهدأت ثورتها بما قاله فابتسمت برقة وقالت له مستسلمة:
_طيب.. قولي عاد خدوك ليه القسم؟
قال بنفاذ صبر وهو يقترب منها أكثر:
_مش وقته دلوك أنا أقولك اتوحشتك تقوليلي القسم والحكومة بعدين ابقى احكيلك.
مالت برأسها للخلف وهي تقول بحدة على عكس تعبيرات وجهها الضاحكة:
_لا احكيلي دلوك.
وه جلال بلاش قلة أدب عاد.
قالت عبارتها الأخيرة وهي تنتفض جالسة وتضحك بصوت مرتفع عندما شعرت به يزغزها بجرأة. حاولت الفرار من بين براثينه لكنه أحكم الإغلاق عليها داخل قفصه جيدًا. فأصبحت حبيسة بين ذراعيه وانغمست معه في لحظاتهم الغرامية المميزة.
داخل منزل إبراهيم الصاوي.
صعد عمران الدرج مسرعًا شبه ركضٍ بعدما اتصلت به وطلبت منه القدوم بسرعة مبررة رغبتها بوجوده بجوارها أنها مريضة جدًا. فور دخوله للغرفة تسمر مكانه عندما رآها جالسة فوق الفراش وبيدها صحن ممتلئ من الموز. تلتقط موزة وتقشرها ثم تأكلها على ثلاث مرات بالضبط. وحين التفتت له تركت صحن الموز من يدها وعيناها أدمعت وهي تهمس له بنبرة استنجاد:
_عمران.
كان لا يفهم شيئًا لكنه أكمل مهمته دون اعتراض واقترب منها حتى جلس بجوارها وراح يمسح على شعرها بحنو وهو يسألها:
_مالك يا آسيا أنتي كويسة؟
ارتمت بين ذراعيه وهي تبكي بصوت موجوع متمتمة:
_من الصبح ضهري ومعدتي تعابيني قوي ياعمران ومش قادرة أتحرك وقولت آكل يمكن أنسى التعب أو يخف مفيش فايدة.
قال في قلق واهتمام شديد:
_طيب ومتصلتيش بيا ليه من الصبح يا آسيا عشان نروح للدكتور؟
هزت رأسها بالرفض وهي تجيبه بصوتها المبحوح:
_لا الدكتور قالي إن ده طبيعي في أول شهور من الحمل وإني لازم أرتاح.
أبعدها عمران عنه بلطف ونظر إليها بحدة وهو يسألها:
_هو أنتي مش بترتاحي وبتتعبي نفسك ولا إيه؟
هزت رأسها بالنفي بسرعة وهي تجيبه بحزن:
_لا والله مبعملش حاجة واصل وطول الوقت قاعدة في السرير مبتحركش. وزهقت من كتر القعدة لوحدي خليك جاري.
راح يخلي فوق شعرها مجددًا ثم انحنى عليها ولثم جبهتها بحنو متمتمًا:
_أنا جارك أهو. أنتي دلوقت تعبانة؟
هزت رأسها بالنفي فسألها باستغراب وعدم فهم:
_أمال بتبكي ليه؟
انفجرت في البكاء ثانية وهي تجيبه بحزن:
_معرفش. بس أنت خليك جاري واحضني.
ابتسم لها بغرام ودون تردد كان يحاوطها بتملك ويضمها لصدره وبيد كان يمسح فوق ظهرها واليد الأخرى يمسك بكفها ويمسح على ظاهره بحنو. أما شفتيه فكانت تتجول بقبلاتها على شعرها وجبهتها وهو يهمس لها بصوت يسلب العقل ينسدل كالحرير ناعمًا على قلبها:
_هاا حاسة بإيه ارتحتي شوية؟
أماءت له بالإيجاب وهي تبتسم في حب. بينما هو فكان مستمر في لمساته التي تأثرها وتمحي عنها أي ألم أو تعب سببه الحمل. لكن فجأة شعرت بتقلصات في معدتها وكأنها على وشك التقيؤ فانتفضت مبتعدة عنه ونهضت مسرعة باتجاه الحمام تقف أمام المرحاض وتنحني عليه لتفرغ ما بمعدتها وهي تتقيأ بعنف وصوت عالٍ كأن أحشائها تخرج من بطنها بدل الطعام. اتجه لها ووقف خلفها يمسح على ظهرها ويمسك بشعرها. وعندما انتهت بعد لحظات طويلة اعتدلت واقفة واتجهت نحو حوض الوجه لكي تغسل وجهها وكان هو يساعدها. فوجدها بعد انتهت من غسل وجهها وجففته انتصبت واقفة والتفتت له تلقي بجسدها كله عليه ورأسها فوق كتفه وهي تقول بصوت ضعيف:
_مش قادرة أقف ياعمران.
ضمها له وهو يقبلها بحنو وإشفاق عليها. ثم انحنى وحملها فوق ذراعيه ليتجه بها لخارج الحمام ومنه للفراش لكي يضعها فوقه بكل رفق ويتمدد بجواره بنصف جسدها. وبذراعيه يضمها لصدره متمتمًا لها في خفوت:
_أجيبلك أكل ياغزال أو عصير؟
هزت رأسها له بالرفض وهي تهمس في صوت متعب:
_لا مش عاوزة. أنا حاسة روحي كانت بتطلع.
أنحني عليها يلثم جبهتها ووجنتها بعشق متمتمًا:
_بعد الشر عليكي. تعدي الشهور الأولى دي بس وإن شاء الله تبقى زي الفل.
رفعت رأسها عن صدره وتطلعت في عيناه بعبوس وهي تهمس:
_عمران.
ابتسم لها وتمتم وهو بأنامله كان يملس على وجنتها ووجهها:
_اؤمري.
قالت في وجه حزين ويحمل اليأس:
_هو أنا لما أبقى في الشهر التامن والتاسع ووزني يزيد هيبقى شكلي عفش؟
ضحك رغمًا عنه بقوة وهو يجيبها بحب:
_فينك وفين الشهر التاسع يا آسيا لما تعدي الشهور دي الأول وتاجي الشهور اللي بتقولي عليها نبقى نتناقش وقتها.
آسيا بعناد وعينان دامعة:
_لا رد علي سؤال دلوقتي.
تنهد الصعداء مغلوبًا قبل أن يردف ضاحكًا وبنظرات حانية:
_لا أنتي دايمًا حلوة وجميلة ياغزالي.
سألته ثانية بعبوس وضيق:
_خليك دايمًا بتقولي ياغزال بحب أسمعها منك.
انحنى عليها مرة أخرى يقبلها للمرة التي لا تعرف عددها من كثرة قبلاته لها اليوم وهمس بصوت رجولي يحمل بحة أثرت قلبها:
_حاضر ياغزال. بزيادة بكاء عاد.
أماءت له بالموافقة وهي تعود لحضنه مجددًا تضع رأسها فوق صدره وتستمع بلمساته الدافئة فوق جسدها حتى غلبها النوم وغفيت بين ذراعيه.
بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل. استيقظت آسيا من النوم وكان عمران نائم بجوارها في ثبات عميق. فنهضت من الفراش وارتدت ملابسها الفضفاضة وحجابها لكي تذهب للمطبخ وتشرب ماء.
خرجت من الغرفة بعدما ارتدت ملابسها وتحركت باتجاه الدرج تنزل بكل بطء وحرص لكنها توقفت بمنتصف الدرج عندما سمعت صوت إخلاص وهي تتحدث في الهاتف بحدة:
_أنتي ملكيش صالح بعمران أنا هتصرف معاه ومش هيقدر يعترض ولا يقول حاجة.
ضيقت آسيا عيناها بتعجب وهي تحاول تخمين مع من تتحدث حتى سمعتها ترد على الهاتف بغضب:
_يامنى اسمعي الكلام ومتقاوحيش معايا. لو عاوزة ولدي يكون ليكي صح اعملي كيف ما بقولك.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم ندى محمود توفيق
أظلمت عيني آسيا وأصبحت تعابيراتها مخيفة لا تبشر بالخير أبداً. حاولت التحكم بانفعالاتها حتى لا تطلق سحرها الشرير على إخلاص الآن. بينما كانت على وشك الاستدارة والعودة لغرفتها لمحتها إخلاص، فانزلت الهاتف بسرعة مرتبكة وصاحت:
"آسيا"
توقفت آسيا وهي تغلق عيناها وتصر على أسنانها مغتاظة، ثم التفتت لها برأسها تطالعها في نظرات تقذف الرعب في النفوس. تابعت إخلاص بحزم وتوتر ملحوظ:
"بتعملي إيه إهنه دلوك؟"
لمعت نظرة الاستنكار في عين آسيا وهي تجيبها بشراسة مرعبة وقوة:
"إيه هو ممنوع النزول دلوك ولا إيه!"
سكتت للحظة واستقرت في عيناها نظرة مميتة كلها وعيد تؤكد لها عودة عودة الساحرة الشريرة، ثم تابعت بخفوت مريب:
"كملي حديتك في التلفون معطلكيش عنه ياحماتي"
بعد تلك العبارة تأكدت إخلاص أنها سمعت حديثها مع منى، وحتماً ستبدأ حرباً جديدة لن تنتهي سوى بهزيمة أحدهم. اكملت آسيا طريقها لغرفتها وبقت إخلاص مكانها تتابعها بحقد وغضب.
بعدما وصلت للغرفة ودخلت، كان عمران قد فتح عيناه واستيقظ حين شعر بغيابها فسألها بتعجب:
"روحتي وين؟"
ردت بكل هدوء وهي تقترب منه وتجلس على الفراش بجواره:
"نزلت اشرب من المطبخ"
مسح على وجهه وهو يتثاوب بخمول، ثم مد يده يلتقط هاتفه يتفقد الساعة وهو يهمس:
"الفجر أذن ولا لسا؟"
بينما كان ينظر في ساعة هاتفه يتفقد معياد آذان الفجر، وصله صوتها القوي وهي تقول بثبات:
"عمران أنا عاوزة ارجع القاهرة"
سكن للحظة متعجباً طلبها في هذا الوقت وبهذه الطريقة الحاسمة، ثم ترك الهاتف من يده والتفت لها يجيب بلطف:
"حاضر نررجع بس مش وقته دلوك أنتي شايفة الوضع كيف ولسا أبوي معداش على موته حاجة ولا مسكنا عمك بردك، ده غير أنك تعبانة والسفر غلط عليكي دلوك"
أجابته بكل ثبات انفعالي ونظرة لم تعد تحتوي على الدلال والرقة الذي كانت عليه قبل النوم:
"أنا مش حابة اقعد إهنه مش مرتاحة"
عمران ببساطة واستغراب:
"وأنا بقولك هنروح يا آسيا بس مش دلوك اصبري على الأقل بعد الولادة"
نظرت في عيناها بثقة وهي تجيب:
"أنا مش عاوزة اروح اخد أجازة ولا كام يوم ولا ارجع أنا عاوزة نعيش هناك"
رفع حاجبه بدهشة من كلماتها وتحول مزاجها المفاجيء دون سبب منطقي بالنسبة له، ليردف بجدية وقد تخلى عن لطفه:
"چرالك إيه يا آسيا.. إيه اللي حصل وبعدين نعيش هناك كيف يعني وأمي تروح وين؟"
مال ثغرها للجانب في بسمة ساخرة قبل أن تهتف بعين تلمع بوميض شيطاني:
"أنا معنديش استعداد اقعد إهنه واعرض ولدي اللي في بطني للخطر"
غضن حاجبيه بعدم فهم ليهتف بحدة وانزعاج بدأت تظهر بشائره:
"إيه اللي بتقوليه ده.. وخطر إيه؟"
قررت إظهار جانبها السيء ولن تترك أحد لن يصيبه سحرها الشرير. من يحاول تهديد سلامها النفسي وحياتها هي وزوجها وابنها لن تشفق عليه مهما كان هويته.
قالت لعمران بشراسة وعينان تطلق شرارات الشر والغضب:
"اسأل أمك اللي كانت بتتكلم مع منى في التلفون وبتتفق معاها عشان يسقطوني"
تبدل الهدوء وتحول لنيران مشتعلة بعد كلماتها، حتى أنها رأت ظلام عيناه المخيف الذي تعرفه جيداً وتعرف أن القادم لن يكون خيراً. حتى وجدته يسألها بصوت محتقن:
"هي قاعدة تحت؟"
لم يحصل على رد منها سوى بالصمت، فهب واقفاً وهو يهم بالذهاب لها ثائراً، لكن آسيا أوقفته وهي تقول بهدوء بسيط:
"طلعت تنام ياعمران بعد ما خلصت كلامها معاها.. اهدى دلوك وبكرا الصبح اتكلم معاها الصباح رباح"
توقف وتراجع عن الذهاب لها، بينما هي فقررت اتباع أسلوب جديد ومختلف عليها، حيث لمعت عيناها بالعبارات المزيفة وابتعدت عنه لتتجه نحو الفراش مجدداً لتجلس فوقه وتقول بصوت يغلبه البكاء:
"أنا مش عارفة أمك بتكرهني إكده ليه ياعمران.. مع أني معملتش ليها حاجة وحشة ولا أذيتها"
مسح على وجهه نازلاً لحيته وهو يتأفف بغيظ وانزعاج، بينما آسيا تابعت بضعف متصنع:
"وصلت بيها أنها عاوزة تسقطني.. حتى لو مبتحبنيش تفكر فيك وأن ده ولدك وحفيدها.. لا ولساتها عاوزة تخرب علينا وتجوزك منى"
لان قلبه ولم يستطع تحمل رؤية انهيارها ودموعها، فاقترب منها بهدوء ليجلس بجوارها ويضمها لصدره مقبلاً شعرها بحنو وهو يهتف بصوت كله أمان ووعيد:
"متخافيش ياحبيبتي مفيش حد هيأذيكي طول ما أنا جارك ومفيش مخلوق هياخدني منك وأنا هتصرف مع أمي زين اطمني"
تابعت بنفس الضعف والبراءة وهي منخرطة في نوبات بكائها:
"عشان إكده أنا كنت بقولك نمشي ونروح نعيش في القاهرة وحدينا في بيتنا ومحدش يضايقنا.. أنا معدتش متحملة ياعمران خلاص"
مسح على ظهرها وذراعيه بدفء وهو يجيب بصوت رجولي قوي:
"نشوف الموضوع ده الأول وبعدين نفكر في النقل والقاهرة دي"
لمعت عيني آسيا وهي بين ذراعيه بشيطانية وفي نظراتها الوعيد لإخلاص على محاولاتها في أذيتها. ستندمها على مجرد تفكيرها في التفريق بينهم.
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.
كان جلال يجلس بجوار زوجته في غرفة الجلوس، وجليلة تجلس على المقعد المقابل لهم وهي تتحدث مع عمار الذي يتبادل مع جدته أطراف الحديث عن مدرسته وأصدقائه.
لكن فجأة ملأ الغرفة الصمت القاتل عندما نظر عمار لوالده وسأله بحماس طفولي:
"احنا امتى هنروح نشوف بيتنا الجديد يابوي؟"
وقع سؤال حفيدها على أذنها كالصاعقة التي احرقتها بأرضها، وأخذت تتبادل النظرات بينه هو وابنها بدهشة وعدم فهم. لكن جلال أجاب بهدوء تام على ابنه:
"هشوف وقت فاضي واخدكم ياعمار"
ركض عمار باتجاه والده وهو يتوسله بطفولية:
"نروح النهاردة يابوي.. نروح النهاردة"
جلال بجدية:
"حاضر لو لقيت وقت فاضي هخدكم النهاردة كفاية عاد"
التزم الصمت بعد عبارة والده وهو يبتسم بسعادة. أما جليلة فقد نظرت لابنها وهي تسأله بدهشة امتزجت بغضبها:
"بيت إيه ده ياجلال؟"
تنهد جلال الصعداء بقوة ثم تطلع لأمه مطولاً قبل أن يهتف بلطف:
"من فترة اشتريت بيت وبظبط فيه دلوك عشان ننقل هناك"
كانت فريال تتابع تعبيرات وجهها بتشفي وفرحة، بينما جليلة فهتفت بسخط شديد:
"تنقل كيف يعني وهتهملني لحالي ياجلال؟"
استقام من مكانه واقفاً وتقدم نحوها حتى جلس بجوارها ليمسك يدها وهو يقول بحنو:
"اهملك كيف ياما بس.. هو أنا أقدر أسيبك ومتقلقيش كل يوم والتاني هكون عندك واقعد معاكي شوية"
لمعت عيني جليلة بالعبرات وراحت ترفع رأسه ليسقط نظرها على فريال، فترمقها شزراً وهي تصيح بها في غل:
"أنتي اللي طلبتي منه وحطيتها في دماغه صح.. عاوز تحرميني من ولدي كمان؟"
التزمت فريال الصمت ولم تجيبها، وتولى جلال هو مهمة الرد على أمه بحزم وضيق:
"أما فريال ملهاش صالح أنا اللي قررت واشتريت البيت من غير ما تعرف حتى وبعدين قولتلها"
التفتت جليلة نحو ابنها لتحدقه بعتاب وحرقة وهي تصيح:
"وهو مين اللي خلاك تفكر إكده مش هي ولا لا؟"
كان جلال يسأل بالرد عليها منزعجاً، لكنها تابعت دون أن تعطيه الفرصة للإجابة وهي تهب واقفة وتقول بغضب:
"اعمل اللي يريحك ياجلال أنا مليش صالح بيك"
أنهت كلماتها واندفعت لخارج الغرفة مسرعة، فاستقام هو يهم باللحاق به، لكن فريال لحقت به بسرعة وامسكت بذراعه توقفه وهي تهمس له بحنو:
"سيبها لما تهدي اتكلم معاها ياجلال مش دلوك"
مسح على وجهه وهو يتأفف بغضب لينظر لها ويقول بنفاذ صبر:
"أنتي مش سمعاها بتقول إيه يافريال.. مفيش في مرة متعكننش عليا بكلامها"
تنحنحت بصوت مسموع وهي ترسل له إشارات بأن يصمت، ثم التفتت تجاه ابنها الذي يجلس ساكناً بعبوس يتابع شجار جدته وأبيه. قالت له بلطف:
"اطلع ياعمار ياحبيبي على اوضتك خلص واجيبك لغاية ما أجيلك"
هب الصغير واقفاً وهو يوميء لأمه بالموافقة ثم يتجه لخارج الغرفة ويغادر. فالتفتت فريال لزوجها مجدداً وجذبته من يده معها نحو الأريكة ليجلسوا وتقول له برزانة:
"معلش ياجلال هتعمل إيه مهما كانت هي أمك ومتقلقش أنا اتعودت خلاص على كلامها ليا ومعدتش بضايق"
جلال بعصبية شديدة:
"أنا بضايق يافريال.. كلامها ليكي كأنه ليا. أنا مش قادر افهم هي بتعمل إكده ليه لو مش قادر تحبك على الأقل تعاملك زين عشان خاطري أنا ولا حتى أنا مليش خاطر عندها ولا أهمها واصل"
رتبت فريال على كتفه بحنو وهي تبتسم له بمعالمها الجميلة وتقول:
"هدي نفسك ياحبيبي.. وهي مسيرها هتعرف أن اللي بتعمله ده غلط ويمكن لما ننقل ونروح بيتنا تتغير وتدرك تصرفاتها الغلط"
أصدر زفيراً حاراً في قلة حيلة وهو يدفن وجهه بين راحتي كفيها مردداً:
"يارب يافريال يارب.. تعبت والله"
انحنت عليه وقبلته من شعره بحب ثم همست في أذنه برقة وهي تبتسم له باتساع أكثر:
"تحب اعملك القهوة اللي بتحبها من يدي يمكن تعدل مزاجك وتروقك"
التفت لها وطالعها مبتسماً بنظرات متيمة ثم أن يتلقط كفها ويرفعه لثغره يطبع عدة قبلات دافئة بباطنه وهو يجيبها في خفوت:
"كل حاجة من يدك حلوة يافريالي"
تلونت وجنتيها بحمرة الخجل والسعادة ثم سحبت يدها من قبضته بلطف لتهم واقفة وتتركه متجهة نحو المطبخ لكي تحضر له فنجان القهوة خاصته.
كانت آسيا في طريقها للطابق الأرضي حيث المطبخ، لكنها لمحت زوجها وهو يتجه نحو غرفة أمه. فابتسمت بخبث وانتظرته حتى دخل الغرفة، فأسرعت نحوها ووقفت خلف الباب لكي تستمع لحديثهم الذي بدأ كالاتي.
إخلاص بدفء:
"كيفك ياولدي؟"
أجابها عمران بصوت غليظ ووجه خالي من التعابير:
"زين ياما الحمدلله"
ثم تحرك واقترب من الفراش ليجلس على حافته صامتاً رغم نظراته المريبة التي تقول الكثير وكانت تثير قلق إخلاص التي سألته بعدم فهم:
"مالك ياعمران في حاجة حصلت ولا إيه؟"
ثبت نظره على عيني أمه ثم أردف بحزم:
"كنتِ بتتكلمي في إيه مع منى ياما امبارح؟"
ارتبكت وانعقد لسانها بعد سؤاله. فاستغربت لحظات طويلة وهي تحاول إيجاد رد مناسب تجيبه به حتى قالت في الأخير بتلعثم:
"ولا حاجة ياولدي كنا بنتكلم عادي. هو أنت عرفت كيف أني كنت بكلمها؟"
تحولت نبرة عمران الهادئة لغليظة ومستاءة وهو يهتف:
"يعني مكنتيش بتتفقي معاها عشان تسقطوا آسيا وتموتي ولدي؟"
اتسعت عيني إخلاص بصدمة وبسرعة راحت تجيبه صائحة بغضب:
"مين اللي قالك الكلام ده.. أكيد الحرباية مراتك عاوزة تولع الدنيا.. أنا كنت بتكلم مع منى صح بس مقولتلهاش حاجة كيف كده واصل"
عمران بغضب هادر:
"امال كنتي بتقوليلها إيه.. لما آسيا بتكذب عليا عاد؟"
ازدردت ريقها بتوتر وقد لانت صلابة تعبيراتها وتراجعت شجاعتها. فتابع عمران بحدة عندما لم يحصل على رد منها:
"ما تردي ياما!!"
أجابته إخلاص باضطراب وعدم صدق:
_أنا كلمتها وأما عرفت أن عمتك وأختها مسافرين قولتلها تاجي تقعد هنا معانا كام يوم لغاية ما يرجعوا.
ثار وهاجت عواصفه أكثر حيث صاح بعصبية مخيفة:
_تاجي فين.. أنا سبق وقولت مش عاوز منى ترجع هنا واصل بزيادة اللي عملته.
هتفت إخلاص وهي تحاول إقناعه برأيها:
_يا ولدي عيب اللي بتقوله ده حتى عشان عمتك متزعلش.. وبعدين هي هتاخد كام يوم وتمشي.
عمران بصوت جهوري مرعب:
_أنا قولت كلمتي يا أمي.. مش عاوز منى في البيت هنا أنا مراتي حامل ومش حمل مشاكل ولا زعل.
قالت إخلاص وهي تترجاه بلطف وتوعده:
_لا وعد عليا أنا مش هخليها تقرب من مراتك واصل ولا تزعلها.. حرام عليك دي بت عمتك غلبانة والله وهبلة.
هتف بلهجة لا تقبل نقاش أكثر وصوت رجولي أجش:
_خلص الكلام.. ولو حصل أي حاجة لولدي يا أمي مش هسامحك واصل.. طالما كرهك لمراتي وصل أنه يخليكي تقتلي ولدي وتخسريني هتعملي إيه تاني.
قبضت على ذراعه تمنعه من الرحيل وهي تهتف بحزن وعينان دامعة:
_لا يا ولدي صدقني أنا عمري ما أعمل كده واكسر فرحتك بولدك يا حبيبي.. دي مراتك الشيطانة عاوزة توقع بينا عشان تنتقم مني.
انتشلت ذراعه من قبضة أمه هاتفاً بلهجة صارمة:
_لو عاوزة راحتي صح تبعدي واصل عن آسيا وبذات الفترة دي لغاية ما تولد.
أجفلت إخلاص نظرها أيضاً وهي تردد بشجن وامتعاض:
_حاضر يا ولدي كيف ما تحب.
القي عليها نظرة مغلوبة قبل أن يستدير ويفتح الباب ليرحل ويتركها وحيدة. في هذا الوقت كانت آسيا قد ذهبت بسرعة واختبئت بعيداً عن الباب وأنظار زوجها.
خرجت حور من بناية منزلها وكانت في طريقها للشارع الرئيسي لكنها تسمرت عندما لمحت سيارة بلال كالمرة السابقة تصطف على الطرف الآخر من الطريق ويقف هو خارجها يستند بظهره عليها وهو ينظر لها مبتسماً بمشاعر جيّاشة. فصعدت الحمرة اللطيفة لوجنتيها وهي تطالعه بقلة حيلة. ثم تحركت وعبرت الشارع حتى وصلت له لتقف أمامه وتقعد ذراعيه أسفل صدرها وهي تنظر له بضيق متصنع هاتفية:
_وبعدين معاك هو أنا كل ما أنزل مش بيتنا الاقيك واقف كدا في الشارع مستنيني.. المرة الجاية هقول لبابا أن في واحد بيضايقني واخليه هو يتصرف معاك.
مال ثغره للجانب وهو يضحك بصمت ثم أجابها بنفس المزح:
_لا ما أنا هخطفك دلوقتي وبعدين نبقى نتصل بـ بابا ونطلب فدية.
قهقهت بخفة ثم قالت ساخرة وسط ضحكها:
_فدية إيه دي؟!
غمز لها بلال بلؤم متمتماً في نظرة ممتلئة بالعشق:
_يجيوزني بنته بسرعة وإلا مش هرجعاله تاني.
تأففت مغلوبة وهي تمسح على وجهها ضاحكة وتقول له:
_أنت معندكش صبر خالص كدا!
هز رأسه لها بالنفي متمتمأً في هيام شديد:
_أنا شخصية صبورة قوي في كل حاجة في حياتي إلا دي مش قادر اصبر فيها.. أعمل إيه عاد القلب وما يريد يا غالية.
مالت بوجهها للجهة الأخرى وهي تعض على شفتيها خجلاً وقد تحول وجهها أحلى بندورة حمراء من فرط استحيائها. بينما هو فقهقه بخفة وقال له بحنو وهو يشير على العربية بعيناه:
_يلا عاد اركبي.. مش هنفضل نتكلم كده في الشارع كتير.
ضيقت عيناها قبل أن تسأله بفضول:
_هنروح فين؟
أجابها ضاحكاً وهو يفتح باب مقعده الخاص بالقيادة:
_ما قولتلك هخطفك هو احنا هنعيدو ونزيدو في الكلام كتير ولا إيه!
التفت نحو الجهة الأخرى من السيارة لتصعد بالمقعد المجاور له وهي تسأله مبتسمة بنعومة:
_طيب هو مفيش أوبشن اعرف هتخطف فين عشان ابقى مجهزة نفسي حتى.
هز بالرفض وهو يغمز لها بساحرية هاتفاً:
_لأ دي مفاجأة.
اتسعت عيني حور بدهشة ولمعت بفرحة حماسية جميلة وهي تترجاه بفضول:
_بجد مفاجأة.. هي إيه بليز قولي؟
طالعه بلال بطرف عيناه ليجيبها مستنكراً:
_ولما أقولك هتبقى مفاجأة كيف عاد.
الحت عليه بحماس أكثر هاتفة:
_طيب اديني أي خيط أو تلميح كدا حتى.
هز رأسها مجدداً بالرفض القاطع وهو يضحك عليها ويقول:
_لأ أنا ممكن أديكي مفاجأة تاني غيرها بنسبالي أحلى.. وهي أن احنا اتكلمنا مع أبوكي واتفقنا خلاص أنه بعد كام يوم هنلبس الدبل وبعديها بفترة هنكتب الكتاب.
تجمدت بمقعدها وحتى تعبيرات وجهها أصبحت متصنمة كالصنم. للحظات طويلة وهي تتمعنه بذهول حتى خرجت عن إطار صدمتها أخيراً وصاحت بعدم استيعاب:
_أنت بتتكلم جد!!.. وبابا ليه مقاليش؟
_أنا طلبت منه أن أنا اللي أقولك عشان أشوف الريأكشن اللي شوفته ده دلوقتي.
كان يتحدث وهو يضحك عليها بقوة بينما هي فضحكت على ضحكه وكأن ضحكته الجذابة كانت معدية. هتفت بعد ثواني بصوت رخيم:
_هنلبس الدبل بس من غير خطوبة طبعاً عشان باباكي صح؟
عبس وجه بلال وهو يتنهد بحزن ويجيبها في أسف وحنان جميل في نظراته وصوته:
_صدقيني كان نفسي أفرحك ونفرح مع بعض بخطوبتنا بس الظروف حكمت.. أوعدك أني إن شاء الله هعوضك في الفرح وكتب الكتاب و....
قاطعته ولم تجعله يكمل عباراته وهي تتأمله بغرام متمتمة:
_بلال أنا مش زعلانة والله ومقدرة الظروف طبعاً.. بالعكس أنا فرحانة أن خلاص هنلبس الدبل وبعدها هنتجوز وعارفة أن أنت هتعوضني كفاية حبك وحنانك عليا.
هام بنظراته بها وهو يتأملها في ذوبان ليقول بصوت رجولي دافيء يسلب العقل:
_عرفتي عاد أنا عاوز نكتب الكتاب ونتجوز ليه بسرعة.. عشان اللحظات دي مبيتردش عليها بالكلام.
صعدت الحمرة لوجنتيها فور تداركها لمقصده وبسرعة اعتدلت في جلستها وهي تقول له بغيظ:
_احترم نفسك الله.
هتف ببراءة مزيفة وهو يكتم ضحكته:
_هو أنا قولت إيه.. أنا مكنش قصدي حاجة صدقيني.
حور مغتاظة وهي تتفادي النظر إليه خجلاً:
_امممم مكنش قصدك فعلاً وأنا صدقت علطول.
انفجر ضاحكاً في هذه اللحظة ثم هتف وهو يحرك محرك السيارة وينطلق بها:
_احنا نروح مشوارنا أحسن عشان تشوفي المفاجأة.
كانت تهمس في سرها من فرط خجلها منه (ياريت) وظلت الطريق كله وهي تتفادي النظر إليه وسط ابتسامتها المستحية المكتومة.
عودة لمنزل إبراهيم الصاوي بعد رحيل عمران من غرفة أمه استغلت آسيا الفرصة وقررت الدخول لها والتحدث معها. ولكنه لن يكون حديث طبيعي أو لطيف بل سيكون حديث يليق بها وبالساحرة الشريرة الكامنة في ثناياها.
طرقت الباب ثلاث طرقات متتالية ثم فتحت ودخلت فوجدت إخلاص جالسة فوق فراشها وعينيها حمراء من فرط الغضب والدموع تملأهم. فأغلقت الباب بهدوء ووقفت وهي تنظر لها مبتسمة مما أثار جنون إخلاص وجعلها تثور واقفة وتندفع نحو آسيا وهي تصيح بها بحقد:
_أنتي فكرك أن كده هتقدري تكرهي ولدي فيا.
تمتمت آسيا بثبات انفعالي غريب وصوت أقرب لصوت فحيح الأفعى:
_لأ أنا مش هدفي أنه يكره أمه.. بس صدقيني لو عاوزة هخليه يكرهك أنا ليا زمن عايشة هنا معاكم من وقت ما اتجوزت عمران بس شكلك لغاية دلوقتي لساتك معرفتنيش زين يا حماتي.. أو يمكن شبهتيني بحد واختلط عليكي الأمر ومعدتيش عارفة تفرقي بينا.
لوت إخلاص فمها بسخرية ثم هتفت بقرف وغضب:
_أنتي عقربة.
ابتسمت آسيا وقالت بكل برود وعينان لامعة بوميض مخيف:
_لأ أنا حاجة أبشع من كده.. وقادرة اتحول في لحظة لشيطان لو حبيت.. العايبك الرخيصة أنتي واللي ممشياها وراكي دي متمشيش معايا.
كانت إخلاص صامتة وهي تشتعل من الداخل وتود لو تقبض على رقبتها وتخنقها. أما آسيا فتابعت بلهجة تثير الرهبة في النفوس:
_أنا لو مكانك كنت دورت على راحة ولدي فين وعملتها.. عشان مخسرهوش.. أنا جوزي ومات خلاص ومعدش ليا سند غير ولدي هو اللي يقف في ضهري ومعايا.. ده لو كنتي ذكية صح هتفكري كده لكن انتي كرهك ليا وحقدك مسيرك وراه كيف الحمار اللي في الساقية ومعدتيش بتفكري بعقلك.
طالعتها إخلاص بحدة وهتفت بلهجة محذرة:
_لمي لسانك ده بدل ما اقصهولك.. واتحدتي معايا بأدب.
لم تكترث لها آسيا وتابعت بنفس عباراتها السابقة لكنها هذه المرة كانت تحمل التهديد الصريح:
_أنا مش هسمحلك تخربي بيتي وتفرقي بيني أنا وجوزي وكمان تأذي ولدي.. واعتبري دي إنذاري الأخير ليكي بعد كده أنا مش مسئولة عن اللي هعمله.. منى مش هتاجي هنا واصل وهتبعديها عن عمران وإلا أنتي حرة يا حماتي.
أنهت عباراتها والقت عليها نظرات قوية كلها تحذير قابلتها بأخرى كلها برود واستهزاء من إخلاص التي فور رحيلها عن غرفتها وتركها بمفردها ابتسمت في غيظ وقالت بوعيد:
_معدش فاضل غيرك اللي يهددني يا بت جليلة.. اصبري عليا واتفرجي هعمل إيه.
داخل منزل خليل صفوان بتمام الساعة الثامنة مساءً...
كانت فريال تنزل الدرج ببطء بينما كان اولادها الاثنين بانتظارها أمام الباب وهم يصيحون عليها:
_يلا يا أمي أبويا مستنينا برا.
أجابتهم فريال بصوت مرتفع:
_جاية أهو اطلعوا لأبوكم وأنا هحصلكم.
فتحوا الباب وخرجوا لوالدهم الذي كان ينتظرهم بالسيارة. واستقلوا بالمقعد الخلفي للسيارة وهم ينتظرون جميعاً وصول فريال التي وصلت أخيراً بعد دقيقتين واستقلت بالمقعد المجاور لجلال.
هتف عمار بحماس وفرحة شديدة:
_هيييه رايحين بيتنا الجديد.
رد عليه معاذ برزانة وسخرية من سذاجة أخيه الصغير:
_أنا رايحين نتفرج بس على البيت وبعدين هنررجع تاني مش هنقعد هناك.
عبس وجه عمار الذي راح بسرعة يتحدث لوالده الذي انطلق بالسيارة وتحرك بها ليسأله بيأس:
_هو احنا امتى هنروح نعيش في بيتنا يا بوي؟
ابتسم جلال لهم وقال بحنو:
_لما يجهز ويخلص هننقل هناك.. قريب إن شاء الله.
استمر طريقهم الطويل بحديثهم المختلف والمرح الذي لا يخلو من الضحك بسبب مزحات عمار العفوية وردود معاذ عليه وكان جلال يكتفي بالضحك فقط عليهم دون أن يتحدث كثيراً. فكان تركيزه منصب أكثر على قيادة السيارة والطريق أمامه.
بعد دقائق طويلة وصلوا أخيراً وتوقفت السيارة أمام بناية كبيرة مكونة من سبع طوابق. ونزلوا الأولاد أولاً من السيارة ليقفوا وهم يرفعوا رأسهم للأعلى يتفقدوا ارتفاع البناية الشاهق وضخامتها. حتى فريال بعد خروجها كانت تنظر بتعجب ودهشة فخرج صوت معاذ وهو يسأل والده:
_بيتنا في الدور الكام يا بوي؟
اقترب جلال ووقف بالمنتصف بين أولاده ليمسح على شعرهم بلطف وهو يضحك مجيبًا:
"الرابع"
تنهدت فريال تنهيدة حارة تنم عن تعبها من قبل أن تصعد للطابق الرابع. تقدم جلال أولًا ولحقوا به وما أسعدهم أنهم وجدوا مصعد بالبناية فاستقلوا به. كانت فريال أولهم بسبب حملها، فهي لن تستطيع صعود كل هذه السلالم.
لحظات طويلة نسبيًا حتى توقف المصعد بالطابق الثالث وانفتح الباب ليخرجوا منه. تحرك جلال باتجاه باب منزله وأخرج المفاتيح ليضعها بالقفل ويفتح الباب ببطء وهو يردد البسملة. وردد ثانية عند أول خطوة يخطوها للداخل. اندفع الأولاد ركضًا للداخل وهم يتفحصون المنزل. أما فريال فظلت واقفة بجوار زوجها وهي تبتسم بعينان لامعة من فرط سعادتها.
أغلق جلال الباب وانحنى عليها يلثم وجنتها وهو يحاوطها بذراعه من كتفيها ويهمس لها بحنو:
"يلا ياحبيبتي تعالي اتفرجي على بيتك"
التفتت له وطالعته بعين دامعة كلها عشق. فوجدته ينحني عليها ثانية، وهذه المرة كانت قبلته طويلة وحميمية مفعمة بالمشاعر. لم ينتشلهم من تلك اللحظة الدافئة سوى صوت أولادهم وهم ينادون عليهم. فرفعت فريال أناملها لعينانها وجففت عبراتها السعيدة ورسمت بسمة صادقة وجميلة على ثغرها وهي تسير بجوار جلال الذي كان يضمها من خصرها بذراعه أثناء سيرها معه للداخل.
وصلوا لأحد الغرف الصغيرة نسبيًا فقال عمار بحماس:
"دي أوضتي"
أما معاذ فقد خرج وجذب أبيه من يده للغرفة المجاورة التي كانت بنفس الحجم لكن لها إطلالة أفضل بالنسبة له وقال في سعادة:
"ودي بتاعتي يابوي"
ضحك بخفة عليهم ومال على رأس ابنه يقبله بدفء وهم يهمس لهم:
"البيت كله بتاعكم يا ولدي.. حاضر دي أوضتك والتانية أوضة أخوك"
كان عمار يتعلق بأمه وهو يعانيها بفرحة طفولية صادقة. وهي كانت تراقب سعادتهم وتسعد أكثر برؤيتهم هكذا. ثم بدأوا يتجولون في أرجاء المنزل بأكمله من غرفة لغرفة. ومع كل خطوة كانت عيني فريال تدمع أكثر وهي تنتقل بنظرها بين المنزل وبين جلال. تطالعه بغرام وهيام ترسل له شكرها وامتنانها من خلال نظراتها.
***
بمنزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة الجلوس الصغيرة العلوية بالطابق الثالث.
فتحت آسيا الباب ببطء وألقت نظرة للداخل فرأته يجلس على الأريكة العالية وأمامه عدد كبير من الأوراق ومنشغل بالعمل حتى أنه لم ينتبه على دخولها وصوت الباب.
مال ثغرها للجانب في حنان وتحركت نحوه بكل تريث حتى وقفت خلفه من الجانب ووضعت كفيها على كتفيه من كل جانب وانحنت على كتفه الأيسر تقبله برقة هامسة له في دلال:
"مش محتاج غزالك تروق عليك وسط الشغل يا معلم"
ظهرت بسمته الرجولية المميزة والتفت لها ثم أمسك بكفها الذي فوق كتفه وبحركة مباغتة منه كان يجذبها ويجلسها بحضنه فوق قدميه وهو يهمس لها غامزًا:
"محتاج طبعًا بس على حسب الطريقة يا غزال"
قهقهت بغنج أنثوي وردت عليه في مكر وهي تعبث بأناملها في ياقة جلبابه الأبيض:
"بالطريقة اللي تحبها يا معلم"
رفع حاجبه بنظرات لعوب وابتسامته تتسع أكثر ليجيبها في وقاحة:
"لا الطريقة اللي عاوزاها متنفعش هنا.. اخلص شغلي وننزل أوضتنا وأقولك تحت أنا عاوز إيه"
صعدت الحمرة لوجنتيها وهي تلكمه برقة في صدره وسط ضحكها متمتمة له باستحياء:
"بلاش قلة أدب"
قال مبتسمًا بسخرية ولؤم:
"بتاخدي بيدي للرذيلة وتقوليلي بلاش قلة أدب!"
ارتفعت ضحكتها وهتفت بجدية متصنعة محاولة التحكم بدلال وضحكها:
"لا أنت كمل شغلك وأنا هقعد جارك ساكتة ومؤدبة لغاية ما تخلص"
غمز لها بجرأة أكثر وهمس بنظرات أذابتها:
"ومين قالك أني عاوزاك تقعدي مؤدبة!"
خجلت حقًا وكثيرًا هذه المرة. بعفوية رفعت يدها وكتمت على فمه بكفها وهي تضحك وتقول:
"بس عاد هو أنت ما بتصدق حد يفتح الكلام ده معاك"
أبعد كفها عن فمه بلطف وراح يلثم باطنه بعدة قبلات متتالية في حب. ثم انتقل بشفتيها جبهتها وجنتيها يوزع قبلاته على وجهها ويهمس لها:
"ربنا ما يحرمني منك واصل يا غزالي"
ردت عليه بنعومة ودلال أنثوي يسلب العقل:
"ولا يحرمني منك يا سيد الرجال وتاج راسي"
ذاب تمامًا بعد عبارتها ونبرتها ونظرتها فوجد نفسه يقترب منها يهم بعيش لحظاته الخاصة معها. لكنها انتفضت بسرعة مفزوعة وهي تنهض من فوق قدميه وتقول بخجل:
"في حد طالع.. سامعة صوت رجلين"
حاول التركيز وسماع أي صوت وبعد ثوانٍ بالفعل سمع صوت خطوات تقترب من الغرفة. وبعدها فورًا انفتح الباب وظهر بلال من خلفه الذي فور رؤيته لآسيا توقف مكانه وهو يبتسم باحراج بسيط خشية من أن يكون وصل بوقت غير مناسب. لكن عمران قال له بلطف:
"تعالى يا بلال أنا كنت مستنيك"
تنحنح بأدب وهو يدخل ويقول لآسيا:
"كيفك يا آسيا"
آسيا بنبرة عذبة:
"بخير الحمدلله يا بلال.. ادخل اتكلم مع أخوك وأنا هنزل تحت الأوضة"
دخل بلال وهو يبتسم لها بود بينما هي فتحركت باتجاه باب الغرفة وقبل أن تغادر التفتت برأسها للخلف واستغلت فرصة أن بلال كان يوليها ظهره ولا يراها ونظرت لعمران وهي تبتسم بعنج وغمزت له. ليبتسم هو برغبة وإعجاب لا إرادي.
***
بصباح اليوم التالي استيقظت آسيا على صوت رنين هاتفها المرتفع وعندما نظرت بجوارها لم تجد عمران فعرفت أنه خرج مبكرًا للعمل اليوم.
مدت يدها والتقطت هاتفها لتجيب على المتصل بصوت ناعس:
"الو"
وصلها صوت لم تكن تتوقعه أبدًا يهتف ببكاء شديد:
"آسيا أنا خلود"
انتبهت جميع حواس آسيا وفر النعاس من عينيها فاعتدلت في نومتها بسرعة وهي تجيبها بتعجب:
"خلود!!.. مالك بتبكي كده ليه!"
هتفت خلود ببكاء عنيف وصوت مرتجف من فرط انهيارها وهي تتوسلها في الهاتف بعجز حقيقي:
"ساعديني أبوس يدك يا آسيا مفيش حد هيقدر ينجدني غيرك"
***
على الجهة الأخرى داخل معرض الأجهزة الخاص بعائلة خليل صفوان وتحديدًا بغرفة جلال. كان هو بطريقه لمكتبه بعدما انتهى من حديث خاص مع عميل مميز.
فتح باب غرفته ودخل لكنه تصلب بأرضه منصدمًا عندما رأى منيرة تجلس على الأريكة وتنتظره. هبت واقفة بعينان لامعة فور رؤيتها له. أما هو فتقوست ملامحه وأظلمت عينيه بشكل مرعب وبسرعة دخل وأغلق الباب ثم اندفع نحوها وهو يجذبها من ذراعها صائحًا بها:
"بتعملي إيه هنا"
هتفت منيرة ببكاء ورجاء:
"سامحني يا جلال أنا غلطت بس والله لسه بحبك ومش عاوزة أخسرك. أنا آسفة سامحني"
مسح على وجهه ولحيته وهو يستغفر ربه بنفاذ صبر ثم هتف بحدة وسخط:
"