تحميل رواية «ميثاق الحرب و الغفران» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قبل سنتين من الآن ......... اصطف بسيارته السوداء أمام المنزل بعد عودته من عمله بتمام الساعة الرابعة عصرًا. فتح باب السيارة وترجل منها وقبل أن يخطو خطوة واحدة نحو المنزل التقطت أذناه أصوات صياح لرجال يتشاجرون امتزجت بصراخات نساء. ضاقت عيناه باستغراب لكن سرعان ما اتسعت بذهول حين رأى مجموعة من الشباب يخرجون من منزله، بعضهم يحمل بيديه عصيان غليظة وكبيرة والبعض الآخر يحمل أسلحة بيضاء صغيرة من المطبخ ويركضون باتجاه الشارع الموازي لمنزلهم تحديدًا نحو الشارع الخلفي. أسرع نحوهم وتمكن من الإمساك بواحد منه...
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ندى محمود توفيق
في ظرف ثواني حدث كل شيء أمامه ولم يفق من صدمته إلا عندما وجدها بين ذراعيه وهي تنزف الدماء من ظهرها.
حالة من الهلع سادت في الشارع وبعض الرجال حاولوا اللحاق بصاحب الدراجة النارية والبعض الآخر تجمعوا حولهم في محاولة لإسعافها.
نظر لها وضمها إليه هاتفًا بزعر:
_ آسيا
رمقته بضعف ثم أغلقت عينيها ببطء وأرتخت أعصاب جسدها كلها.
هو كان بعالم آخر لا يسمع ولا يرى شيء حوله سواها وكأن تلك الرصاصة أصابته هو.
ودون أي لحظة تفكير حملها بين ذراعيه وبمساعدة الناس فتحوا له باب السيارة ووضعها بالمقعد الخلفي ثم أغلق الباب وركض نحو مقعده المخصص للقيادة يستقل به وينطلق بالسيارة كالبرق يشق بها الطرق بجنون.
كل ما كان يستحوذ على عقله في تلك اللحظة هو الوصول للمستشفى بأسرع وقت.
كان عين يضعها على الطريق والعين الأخرى لا يزيحها عنها كل ثانية ينظر لها ويهتف بهلع وخوف ملحوظ في نبرته الرجولية:
_ آسيا أنتي سمعاني.. آسيا
كانت فاقدة الوعي بالفعل ولا تجيبه.
لا إراديًا مد ذراعه للخلف وهو يقود وقبض على كفها يحتضنه بين كفه العريض باحتواء هاتفًا بنبرة مبحوحة رغم إدراكه أنها لا تسمعه لكنه كان يطمئن نفسه حتى يهدأ من روعه ونبضات قلبه السريعة:
_ هانت خلاص ياغالية قربنا نوصل استحملي.. استحملي ياغزالي
***
مرت ثلاث ساعات منذ وصولهم للمستشفى وهي لم تخرج من غرفة العمليات حتى الآن.
ظل هو جالسًا على المقعد الحديدي بالردهة الطويلة المؤدية لغرفة العمليات ورأسه مدفونة بين راحتي كفيه وقدميه تهتز بعنف من فرط التوتر والخوف.
يديه وملابسه غارقة بدمائها وعقله لا يستطيع إخراج لحظة سقوطها بين ذراعيه وهي تنزف.
رغم عجز نظراتها الأخيرة له وضعفها إلا أنها كانت كلها سكينة وكأنها تخبره أنها ستكون بخير طالما هو معها.
هو عاجز عن التفكير في هذا الوقت بذلك الوغد الذي فعلها.
كل اهتمامه منصب على زوجته المسطحة على فراش المرضى بغرفة العمليات الآن.
لكن بأعماقه يقسم لذلك الفاعل بعقاب سيجعله يتمنى الموت.
ساعة أخرى مرت وأخيرًا رأى الطبيب يخرج من غرفة العمليات فهب واقفًا واسرع نحوه يسأله بتلهف:
_ خير يادكتور طمني
أجابه بتنهيدة حارة وابتسامة خافتة:
_ الحمدلله العملية نجحت والمدام بخير وهننقلها على العناية لمدة أربعة وعشرين ساعة عشان تكون تحت الملاحظة لو حصلت أي مضاعفات
ردد " الحمدلله " وهو يتنفس الصعداء براحة ثم شكر الطبيب وعاد لمقعده مرة أخرى يجلس فوقه وهو يمسح على شعرها نزولًا لشعره زافرًا بضيق.
هدأ قلبه الذي كان ينتفض خوفًا لكنه لن يرتاح إلا عندما يراها بعينيه ويطمئن بنفسه.
أخرج من جيبه هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين منذ وقت طويل وأجاب على المتصل بصوت ضعيف:
_ إيوة يابوي
وصله صوت أبيه المزعور وهو يسأله:
_ عمران أنت زين ياولدي؟
أجابه بخنق وهو يمسح على وجهه متأففًا:
_ كويس يابوي خير في حاجة؟!
سكون استحوذ على المكالمة بينهم حتى وصله صوت أبيه الخافت وهو يسأله بقلق وكأنه تأكد من شيء:
_ آسيا چرالها إيه؟
رفع عمران حاجبه مستغربًا سؤال والده ولم يجيب فتابع إبراهيم بغضب ظاهر في نبرته:
_ سلا*** باعتلي رسالة وكاتب فيها المرة دي كان حظ المعلم ولدك حلو ومحصلهوش حاجة وكانت من حظ المدام المرة الچاية هتكون من حظه هو لو معقلتهوش وخليته يرچع الفلوس
اختفى صوت عمران تمامًا وكان المسموع فقط في الهاتف هو صوت أنفاسه الملتهبة وهو يضغط على قبضة كفه بعنف ويزأر من بين أسنانه كالأسد الجائع لالتهام فريسته.
عاد يسأله ابراهيم مرة أخرى بقلق:
_ عمران مرتك فين وكيفها؟
لم يسمع سؤال والده من الأساس بسبب الغضب الذي استحوذ عليه حيث وجد نفسه يردد بوعيد مرعب:
_ اتجرأ علي ويده طالت مرتي.. روحه هتطلع على يدي إن شاء الله
ابراهيم بانفعال حقيقي:
_ عـمـران طمني ياولدي إيه اللي حـصل ومرتك مالها؟!!
رد بصوت مختنق من فرط الغضب:
_ آسيا خدت الرصاصة بدل مني ودلوك في العناية المشددة
اتسعت عيني ابراهيم بدهشة وبسرعة راح يسأله باهتمام وخوف:
_ حالتها خطر؟
_ لا الدكتور قال أنها كويسة بعد العملية وحالتها مستقرة
تنهد ابراهيم براحة وقال فورًا في جدية وصوت غليظ:
_ هنركب أنا وبشار دلوك ونچيلك على القاهرة طوالي
لم يجيب عليه واكتفى بسماع عبارة أبيه الأخيرة وأنهى الاتصال ثم وضعه هاتفه في جيب جلبابه وعينيه علقت في الفراغ أمامه بنظرات مخيفة كلها وعيد بالثأر لزوجته من ذلك الوغد الذي تجرأ على حرمه.
***
داخل الجامعة.....
كانت حور تقود خطواتها السريعة لخارج الكلية وقلبها يضرب بصدرها في عنف من فرط الخوف.
كلما تلتفت خلفها تجد ذلك الشاب مازال يلاحقها.
من سوء حظها أنها كانت بمفردها هذا اليوم وصديقتها لم تحضر.
توقفت مرغمة عندما سمعته يهتف مناديًا عليها:
_ حــور
استدارت له وهي تدور بنظرها حولها تتأكد من عدم ملاحظة أحد لها.
ثم رمقته شزرًا وغضب رغم خوفها منه وصاحت بصوت منخفض بعض الشيء:
_ ابعد عني ومتمشيش ورايا تاني
أجابها بغيظ وسخرية:
_ طب مش كفاية بقى ولا إيه.. أنا في الأول قولت بتتقل لكن شكله الموضوع مش تقل بس
ضحكت بسخرية وهي تشيح بوجهها للجانب ثم عادت له وقالت منفعلة بغيظ محاولة الفرار منه بأي كذبة:
_ أنت مبتفهمش قولتلك أنا مخطوبة. ابعد عني احسنلك عشان خطيبي هنا ولو شافك مش هيحصل طيب
ابتسم مستهزءًا منها وقال بعدم اقتناع:
_ مخطوبة إيه أنتي هتستعبطي عليا هو فين خطيبك ده
صرخت به بعصبية:
_ احترم نفسك وبعدين استعبط عليك إيه.. أنت مين أصلًا عشان اتكلم معاك ولا تكلمني.. بني آدم مريض
بنفس اللحظة سقط نظرها على بلال وهو داخل سيارة يقودها.
لا تعرف كيف ظهر ومتى لكنه كان كطوق النجاة الذي أرسله الله لها.
بظرف لحظة ودون تفكير قالت له وهي تشير بعيناها على السيارة:
_ خطيبي في العربية أهو ابعد عني بقى وامشي من هنا
لا تدري من أين ضربتها الجرأة لتجعلها تتجه نحو بلال بكل ثقة وتفتح الباب المجاور لمقعده وتستقل بجانبه.
التفت هو نحوها وعينيه اتسعت بصدمة لتخرج منه همسة:
_ حور!!!
كانت لا تنظر له ونظراتها ثابتة على ذلك الشاب الذي يقف بمكانه وينظر لها بحقد وهي داخل السيارة.
أنفاسها كانت سريعة وصدرها يرتفع ويهبط بعنف مع ملامح وجهها المزعورة مما جعله يتحول من الذهول للقلق وهو يسألها:
_ حور في إيه مالك؟
انتبهت لصوته أخيرًا والتفتت له تقول بتوتر وخجل شديد من موقفها:
_ مفيش حاجة أنا شوفتك وحبيت اسلم عليك
لم يصدقها ونظراته لها اشتدت حزمها بعدما رأى الارتعاش على صفحة وجهها.
ولم يكن بحاجة لشرح حتى يفهم أنها دخلت معه بالسيارة بهذه الطريقة لتلوذ إليه من شيء لا يعلمه.
عاد يسألها من جديد لكن بلهجة قوية:
_ حور ردي عليا في حاجة حصلت أو حد ضايقك؟
ارتبكت وخشيت من أن تخبره فتقحمه بمشكلة ربما يتأذى منها كالسابقة.
حاولت التصرف بطبيعية وقالت نافية بابتسامة مضطربة:
_ لا مفيش حاجة صدقني أنا......
بترت عبارتها في منتصفها عندما رأته ينظر خارج السيارة وقد لمح الشاب الذي يقف ينظر لهم بغضب فقال بلال دون أن يشيح بنظره عن الشاب:
_ اللي واقف وبيبص ده عملك حاجة؟
ارتبكت وأسرعت تقول بخوف تحاول ردعه وتهدأته:
_ سيبك منه ده واحد مش طبيعي أصلًا
وجدته سيهم بفتح باب السيارة ليخرج فاوقفته بتوسلها وصوتها المرتعد:
_ بلال عشان خاطري بلاش مشاكل.. أنا سكته وهو مش هيقرب مني تاني خلاص
أجابها بصوت رجولي محتقن بالغضب:
_ متخفيش هتكلم معاه بهدوء. خليكي أنتي إهنه ومتطلعيش من العربية
لم تستطع إيقافه مرة أخرى ووجدته نزل من السيارة واتجه نحو ذلك الشاب.
كانت نظراتها عالقة عليهم وهي تضع كفها فوق يسارها تحديدًا قلبها الذي يدق بعنف من الرعب.
رأته يتحدث معه ويربت فوق كتفه بقوة وكأنه يحذره وكانت ملامح وجهه مخيفة كلها جموح.
لم تجد أي ردة فعل معاكسة من الآخر وعلى عكس توقعها انتهى الحديث بينهم وهو يهز رأسه بإيجاب وكأنه انصاع لتحذيرات بلال.
تنهدت الصعداء براحة عندما وجدته يستدير ويعود إليها وفور استقلاله بالسيارة بجوارها مرة أخرى وجدته يقول بلهجة مريبة:
_ لو اتعرضلك تاني أو ضايقك بأي شكل قوليلي
أماءت بالموافقة وهي تبتسم برقة وتقول بامتنان حقيقي:
_ شكرًا يا بلال
مال ثغره للجانب ببسمة جانبية ساحرة وهمس:
_ على إيه احنا مفيش شكر ما بينا مش إكده ولا إيه
أجفلت نظرها عنه بخجل ثم هتفت بتوتر ملحوظ وهي تهم بالرحيل:
_ طيب أنا هسيبك عشان معطلكش لو وراك حاجة وآسفة إني ركبت العربية كدا فجأة
أوقفها سؤاله بنبرته الرجولية:
_ رايحة وين استنى هوصلك البيت أنتي مش كنتي ماشية
ابتسمت بإحراج وأجابته بالرفض الرقيق:
_ لا مش عايزة اتعبك أنا هطلع وهركب أي مواصلة
لم يهتم برفضها وراح يشغل محرك السيارة وهو يجيبها مبتسم بمكر:
_ تركبي مواصلة كيف وخطيبك موچود
تجمدت دماء عروقها واتسعت عيناها بدهشة.
فقد استنتجت أن ذلك الشاب هو من أخبره أنها قالت له أنه خطيبها.
ازدردت ريقها بخجل وتحولت وجنتيها لكتلة من الدماء الحمراء.
حتى لسانها انعقد ولم تستطع الرد عليه فالتزمت الصمت ودون نقاش قبلت بعرضه.
ثم أبعدت نظرها عنه وثبتته على الطريق من فرط خجلها بينما هو فكان بين كل لحظة والأخرى ينظر لها ويبتسم بحب.
***
بتمام الساعة الثامنة مساءً........
داخل منزل خليل صفوان تحديدًا داخل غرفة فريال.
كانت قد انتهت للتو من أداء فريضتها ونزعت عن شعرها الحجاب وراحت تجلس فوق الأريكة وهي تحدق في الفراغ أمامها بضياع.
بالأمس كانت شخص والآن آخر.
لا تدري ما الذي حدث وكيف كانت بهذه الحالة الثورانية، بل وكانت لا تطيق رؤية وجهه وتشعر أنها تكرهه حقًا، ليس مجرد كلمة. لكن الآن هدأت عاصفتها وكأنها فاقت من غيبوبة وعادت لطبيعتها مرة أخرى. لكنها لا تستطيع نسيان كلماته الأخيرة لها بأنه سيهجرها ولن يجعلها تراه. وبالفعل لم يكن مجرد كلام يطلقه في الهواء دون معنى، فهو منذ الأمس لم يأتِ ولم تره. سألت ابنها الكبير منذ قليل عنه فأخبرها أنه لم يعد للمنزل حتى الآن.
ظلت بغرفتها لساعات طويلة على أمل عودته ودخوله الغرفة، لكن دون فائدة. حتى وجدت الساعة تخطت الحادية عشر قبل منتصف الليل. فاستقامت واقفة وارتدت ملابسها الفضفاضة وحجابها وخرجت من الغرفة متجهة نحو المطبخ بالأسفل. عندما وصلت للطابق الأرضي سقط نظرها عليه وهو يجلس مع جده يتحدث بجدية. طالت نظراتها المريرة إليه، لكن هو لم يرفع نظره لها حتى وتجاهلها تمامًا متعمدًا كأنه لا يراها. مما أشعل نيران الغيظ والقهر في صدرها أكثر. وبسرعة استدارت وعادت لغرفتها مجددًا دون الذهاب للمطبخ كما كانت تنوي.
صفعت باب الغرفة واندفعت نحو فراشها تجلس فوقه، وقدميها تهتز بقوة من فرط الحرقة التي جعلت دموعها تنهمر فوق وجنتيها بغزارة لا إراديًا. وسرعان ما انهارت في البكاء المرتفع وراحت ترفع يدها تضعها فوق بطنها لتزداد حدتها في البكاء أكثر. لم تهدأ إلا بعد وقت طويل وقررت الخروج والذهاب لغرفة أطفالها وقضاء الليلة معهم علها تهدأ وتنسى همها.
فتحت باب غرفة صغارها ودخلت، فوجدت عمار الصغير نائم ومعاذ يجلس فوق فراشه متدثرًا بغطائه ومستيقظًا. فغضنت حاجبيها باستغراب واقتربت تجلس بجواره تسأله:
"صاحي ليه لغاية دلوك يامعاذ؟"
أجابها بعبوس دون أن تلتقي عيناه بعينيها:
"مش جايلي نوم ياما."
اقتربت منه أكثر ورفعت كفها تمسح فوق شعره بحنو متمتمة:
"ليه ياحبيبي إيه اللي مضايقك؟"
تمتم بخفوت وخنق واضح في نبرته:
"مفيش حاجة."
ابتسمت فريال بدفء وقالت في نظرة ثقة:
"مفيش كيف يعني.. هو أنا مش عارفة ولدي ولا شيفاه قصادي. فيك حاجة ومش عاوز تقول.. يلا احكيلي عاد وقولي إيه اللي حصل."
هيمن الصمت القاتل بينهم لبرهة من الوقت، هي تنتظره أن يتحدث وهو يفكر بتردد هل يتكلم أم لا. بالنهاية حسم قراره ونظر لأمه بحزن وألم يسألها في عينان دامعة:
"أما أنتي صح هتسيبنا تاني؟"
اتسعت عيني فريال بدهشة من سؤال ابنها وسرعان ما أجابته بالنفي القاطع وهي تضمه لصدرها:
"مين اللي قالك الكلام ده.. أنا مقدرش اسيبكم ولا ابعد عنكم واصل."
ابتعد معاذ عن ذراعيها ونظر لها بخزي يقول:
"من وقت ما رجعتي وأنتي وأبويا بتتخانقوا علطول وامبارح سمعتك وأنتي بتقوليله أنك هتهملي البيت وتهملينا وهو منعك ومرضيش يطلعك عشان إكده قعدتي."
ارتخت عضلات وجهها وظهر عليها المرارة والضيق. ثم تنهدت طويلًا وزفرت متهملة وهي تجيب على ابنها بحكمة:
"مفيش بيت مبتحصلش فيه مشاكل يامعاذ. أنا قولت لأبوك إكده في لحظة غضب وحتى لو حصل وسيبت البيت المرة دي مش هطلع منه غير وأنت وأخوك معايا."
رد عليه بانزعاج ملحوظ:
"بس أنا وعمار مش عايزين نهمل بيتنا وأبونا ونمشي أنتي ليه عاوزة تهملينا. أبويا بيحبك وبيحبنا قوي. عاوزة تسيبينا مع مرت أبويا لحالنا وتمشي وأنتي عارفة احنا مبنحبهاش."
تحولت نظراتها للحدة فور ذكره لزوجة والده وقالت بغضب:
"أنا مستحيل أسيب عيالي للحرباية دي لوحديهم عشان إكده أنا رجعت عشانك أنت وأخوك ولو لساتني قاعدة فعشانكم برضوا."
معاذ بوجه عابس ونظرات متأملة:
"طيب وأبويا."
سكتت والحزن يعتلي ملامحها دون رد. فوجدته يقول بعصبية وانزعاج تام:
"انا زهقت من اللي اسمها منيرة دي. أنا هقول لأبويا أني شوفتها بتسرق فلوس منه واخليه يطلقها ونخلص منها واصل ونرجع نكمل حياتنا كيف ما كنا مبسوطين."
قالت فريال بسرعة في حدة وهي ترفع سبابتها في وجهه تحذره:
"اوعاك تتكلم ولا تقول حاجة لأبوك أنت ملكش صالح بالكلام ده أنا موجودة وهتصرف."
سألها بفضول يلمع في عينيه وجدية لا تليق بطفل في العاشرة من عمره أبدًا:
"هتعملي إيه؟"
قالت بنظرة شيطانية كلها وعيد:
"هتعرف بعدين المهم متجيبش سيرة لحد ولما اقولك على حاجة تنفذها من غير ما تخلي حد يحس واصل بينا تمام."
ابتسم بسعادة وغمرته الحماسة عندما أدرك أنه سيساعد أمه من الآن وصاعدًا في التخلص من زوجة والده. وبعفوية جميلة راح يلقي بجسده على جسد أمه وهو يضحك ويقول متأملًا:
"قريب هنررجع كيف ما كنا ياما قبل ما تيجي منيرة دي وتخرب بيتنا وحياتنا."
تنهدت الصعداء بأسى وهي تضم ابنها لحضنها وتتمتم بتمني:
"أن شاء الله ياولدي أن شاء الله."
***
بالقاهرة داخل المستشفى.
كان يقف أمام زجاج غرفة العناية المشددة يشاهدها وهي مسطحة فوق الفراش ويديها ممتلئة بأبر المحاليل وجهاز التنفس الاصطناعي فوق أنفها. نظراته لها كانت ضائعة ومهمومة ومشاعره تتضارب كلما يتذكر كيف ألقت بنفسها أمامه لتحميه وتأخذ الأذى بدلاً منه. كأنها أصبحت آسيا أخرى ليست المرأة التي حاولت قتله لمرتين. اليوم فضلت عليه هو.
"ليتني لم أسمح لكِ بالخروج.. ليتكِ لم تدفعيني لتدفعي الأذى عني وتتلقيه أنتِ." كان صوت عقله وقلبه يردد بندم محملًا نفسه ذنب ما أصابها وهي بين ذراعيه دون أن يستطيع حمايتها. وبنفس اللحظة يعود ويستغفر ربه متقبلًا حكمة القدر والبلاء، فربما يحمل الشر في ثناياه خيرًا لا يعلمه إلا الله.
لم يفق من شرود عقله المهموم سوى على صوت الممرضة وهي تقول بابتسامة لطيفة:
"لو حابب تدخلها الدكتور قال مفيش مشكلة بس دقيقتين بالظبط عشان متتعبش وأهم حاجة التعقيم والماسك."
تنهد بعبوس وسألها باهتمام:
"هي فايقة؟"
هزت الممرضة رأسها بالإيجاب هاتفة:
"أيوة."
أومأ لها بالموافقة وهو يتنفس مطولًا براحة أنها استيقظت. ثم راح يتجهز كما أخبرته حول ضرورة التعقيم وارتداء القناع الطبي قبل دخوله لغرفة العناية. دقائق معدودة ودخل بهدوء وحرص شديد حتى عند غلق الباب. ثم تقدم نحو فراشها وراح يجلس فوق مقعد صغير بجوار الفراش ويتمعنها مطولًا وهي نائمة. وجهها شاحب وبشرتها ازدادت بياضًا من التعب والمرض. لا يفهم ماذا يحدث له، لكن رؤيته لها على هذه الحالة تمزق قلبه. فرفع كفه ووضعه فوق كفها ثم احتضنه بدفء واحتواء جميل دون أن يبتعد بنظره عنها للحظة واحدة.
على أثر لمسته لها فتحت عيناها بضعف والتفتت له. وفور وضوح صورته أمام ناظريها همست له بنبرة مميزة أثرته:
"عمران."
خرج صوته يحمل بحته الرجولية الساحرة المفعمة بالحنان:
"نعم ياغزال.. أنا جارك اطمني."
مال ثغرها للجانب في ابتسامة مرهقة دون أن تنظر له، فقد كانت تارة تفتح عيناها وتارة تغلقها من فرط التعب.
وصله صوتها الضعيف وهي تسأله باهتمام:
"أنت كويس؟"
ابتسم لها وأخذ يمسح فوق كفها بلطف متممًا في صوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
"متفكريش غير في نفسك دلوقت ملكيش صالح بيا. أنا هبقى زين لما تبقي أنتي زينة وترجعيلي."
ألقت عليه نظرة رقيقة رغم التعب ولم يسعفها قول شيء بسبب ضعفها، فقط اكتفت بالضغط على كفه في لطف. فرفع هو جسده قليلًا من فوق المقعد وانحنى عليها مقبلًا جبهتها برقة. ثم استقر في مقعده مرة أخرى وأكمل لدقائق متابعته الصامتة لها وهي نائمة قبل أن يترك يدها ببطء خشية من إيقاظها ويستقيم واقفًا ثم يتجه لخارج الغرفة.
نزع عنه القناع الطبي واقترب من المقاعد الحديدية التي بالردهة وجلس فوقها مرجعًا رأسه للخلف وهو يغلق عينيه. ولم يفتحهم سوى على صوت الأقدام التي كانت تقترب منه. وإذا به يجد أبيه وابن عمه قد وصلوا، لكنهم لم يكونوا بمفردهم، بل كانت أمه ومنى معهم. توقف ورأى أمه تسرع في خطاها نحوه لتحتضنه بقوة هاتفة في ارتجاف:
"طمني ياولدي أنت زين. فيك حاجة؟"
أجابها بخفوت وضيق ملحوظ:
"أنا كويس ياما الحمدلله أنتي إيه اللي جابك بس."
ردت إخلاص بغضب وحدة:
"اللي جابني أنت. كيف يعني إيه اللي جابني."
أول ما قالي أبوك صممت آجي معاه
مسح على وجهه وهو يزفر الصعداء مغلوبًا فاقترب بشار منه وهمس له بقلق:
_كيفها دلوك؟
تمتم بنبرة هادئة ومرتاحة:
_الحمدلله كويسة وفايقة
مال ثغر إخلاص بضيق وقالت هامسة بصوت مسموع:
_الوحش مبيجرلهوش حاچة، ربك بيخلص الحقوق بعد اللي عملته فيك
رمقها عمران بنظرة جعلتها تبتلع لسانها داخل فمها وتفقد القدرة على النطق مجددًا حتى ابراهيم نظر لها بغضب لكنه تجاهلها واقترب من ابنه يربت فوق كتفه هاتفًا بجدية:
_تعالي ياولدي واحكيلنا إيه اللي حُصل وقولت إيه لسلاّم
ابتعدوا ثلاثتهم عن مسامع إخلاص ومنى ليتحدثوا براحة أكثر بعيدًا عنهم.
هتفت منى لإخلاص بخنق:
_مكنش لها لزمة چيتي يامرت خالي ده مبصش في وشي حتى
رمقتها إخلاص بحدة وقالت:
_اصبري واعملي كيف ماهقولك بس، أنتي ملكيش دعوة أنا هظبط كل حاچة
لوت منى فمها باقتضاب ويأس ممتثلة لأوامر زوجة خالها دون أي اعتراض، عل محاولاتهم تثمر بنتائجها الجميلة هذه المرة!.
***
بمنزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة خلود، كانت ساكنة فوق فراشها تجلس منكمشة على نفسها ضامة قدميها لصدرها وتحتضنها بذراعيها، عيناها متورمة من فرط البكاء وجهها لونه يميل للأزرق من العنف الذي تعرضت له على يد والدها وأخيها، فهي لا يدخل أحد لها من وصولها للمنزل سوى والدتها لتعطيها الطعام فقط ولا تتحدث معها كثيرًا امتثالًا لأوامر أخيها بعدم التحدث معها أبدًا.
انتفضت في جلستها فجأة برعب عندما سمعت صوت الباب وبعدها انفتح بقوة، لم تكن أمها كما توقعت وكان أخيها، رمقته بنظرات مرتعدة وهي تتابعه بتركيز وهو يغلق الباب خلفه ويقف يتطلعها بنارية أحرقتها في فراشها، شعرت بلهيب الغضب يخرج منه وكأنه يود القبض على رقبتها وخنقها لكنه لا يستطيع، هبت واقفة من فراشها وتقهقهرت بخطواتها المتعثرة للخلف خوف منه عندما وجدته يتقدم نحوها، كلما يقترب كانت تبتعد أكثر ولم يسمرها مكانها سوى صرخته المدوية بها:
_اثبتي مكانك!
وقفت مجبرة وهي ترتجف خشية من أن يضربها، انهمرت دموعها فوق وجنتيها لا إراديًا وراحت تهتف بتوسل وسط بكائها:
_ابوس يدك ياعلي متعمليش حاچة تاني بزيادة معدتش متحملة
كانت الدماء تغلي في عروقه وصدره تشتعل النيران به كحريق بإمكانه القضاء على الأخضر واليابس؛ كلما يتذكر فعلتها المخزية ويتخيلها وهي بين أحضان ذلك الوغد منغمسة معه في ملذاتهم المحرمة دون علمهم، هو كل يوم يحجب أبيه عنها بصعوبة حتى لا يقتلها والحقيقة أنه هو من يحتاج ليمسكه أحد من زمام جموحه القاتلة قبل أن يرتكب فيهم أثم.
احتقن وجهه وأصبح شكله يقشعر البدن ففكرت هي بالتقهقهر مرة أخرى حتى لا ينالها سطوته لكنه قبض على ذراعها بقوة كادت تفرم لمحها بين أصابعها وهو يهتف:
_بس كنتي متحملة تنامي في حضن الـ**** ده كل يوم يافاچرة، لا كنتي بتخافي من ربك ولا عاملة حساب لحد وملبسة رچالة البيت كلهم العمة ومحدش حاسس بيكي وأنتي دايرة على حل شعرك يا***** ، اللي بنعمله فيكي قليل احمدي ربك كان زمانك دلوك عند رب كريم بيحاسبك هو
صرخت من فرط الألم وهي تبكي بقوة وتهتف متوسلة إياها بضعف:
_سيب يدي ياعلي أبوس يدك
ترك ذراعها وقبض على شعرها وهو يكمل بصوت متحشرج:
_اتبليتي على بت عمك ولطختي في شرفها وخليتي ناسها يرموها كيف الزبالة ما بتترمي وچوزوها لواد الراچل اللي قتل أبوها واتاريكي أنتي الفاچرة وال***** مش هي
اشتعلت نظراتها فور ذكره لآسيا ونظرت لأخيها شرزًا تقول بحرقة:
_وأنت محموق عليها إكده ليه، هي كانت مش عاوزة عمران ودلوك بقت دايبة فيه ومش بعيد قريب تلاقوها ماشية وبطنها قصادها، ولا أنت قلبك محروق اكمنها مبقتش ليك وأنت كنت عاوزها.. طالما زعلان إكده صدقت عليها ليه الكلام ، أنت كيفك كيفهم وهي مش هتسامح حد فيكم وحتى لو أطلقت هي وعمران مش هتكون ليك ياعلي ولا هتقبل بيك متحلمش على الفاضي و........
قبض على فكها وشد من ضغطه على شعرها وهو يصرخ بها بانفعال:
_اقفلي خشمك بدل ما اقطع حسك واصل من الدنيا ونرتاح منك
بكت ضعفًا والمًا من جموحه، فتركها وقال بنظرة مشمئزة:
_ال**** اللي لطختي شرفك وشرفنا معاه باعك وبيقول أنا مليش دعوة هي اللي كانت بتچيلي وتقرب مني وأنه مش بيحبك ولا عاوز يتچوزك، بس متقلقيش هتتچوزيه وتغوري معاه في داهية
ظهر الذهول على ملامحها من كلمات أخيها وما يقوله حبيبها عنها ثم وجدته يكمل بقسوة وهو يهم بالأنصراف:
_لتكوني فاكرة أننا إكده بنريحك وهتروحي تعيشي معاه في سعادة، اطمني أنتي طالعة من السچن رايحة لچهنم
كانت ساكنة ودموعها تسيل في صمت، صدمتها تظهر بوضوح في نظراتها وعلى وجهها الذي يعكس انكسار وعجز قلبها، بينما علي فاستدار وغادر وتركها سجينة غرفتها مرة أخرى...
***
كان جلال يجلس بغرفة الصالون الكبيرة بمفرده يتابع أعماله المتبقية من صباح اليوم، والهدوء المريب يستحوذ على الأجواء حوله ولا يُسمع شيء سوى صوت الأوراق الخاص بالعمل وهي تتحرك بفعل نسمات الهواء الهادئة، لكن هاتفه قطع صوت اندماجه فتأفف بخنق وتجاهله حتى ينهى رنينه لكن المتصل مُلح ولا يتوقف عن الرنين المستمر، فتأفف وهو يشتم بالأخير في غيظ ثم مد يده يجذب الهاتف ليجيب على ذلك المتصل ويعنفه لكنه توقف قبل أن يرد وتطلع بالشاشة التي تنير باسم منيرة في استغراب، فأجاب عليها بخنق:
_في إيه؟
ردت عليه بصوت مبحوح وضعيف وهي تستغيث به:
_تعالى ياچلال بسرعة أنا تعبانة ومش قادرة آخد نفسي مش عارفة إيه اللي حُصلي
ضيق عينيه بريبة وهتف في إيجاب قبل أن يغلق الاتصال:
_طيب جايلك
انزلت الهاتف من فوق أذنها بعد انتهاء المكالمة وهي تبتسم بخبث، ثم راحت تقف وتلقي نظرة على مظهرها وثوبها المثير في المرآة وهي تبتسم بشيطانية متذكرة كلام تلك الساحرة " أنتي أعملي كيف مابقولك بس ومتقلقيش الليلة دي هتنولي مرداك كله وقريب هتيچي تديني حلاوة العيل كمان"
أسرعت نحو الفراش والقت بجسدها فوقه وهي تمثل المرض باحتراف، فور دخوله من باب الغرفة هتفت بصوت ناعم ومرهق:
_الحقني ياچلال صدري طالع نازل ونبضات قلبي سريعة مش قادرة اتنفس
اقترب منها وجلس جوارها يسألها بقلق بسيط:
_إيه اللي حُصلك مرة واحدة إكده يعني!
اعتدلت في جلستها ونظرت له بضعف هاتفة:
_معرفش أنا بقول يمكن عشان الأكل المالح اللي أكلته عشان لما باكل حاچة مالحة بتعب إكده دائمًا
لوى فمه وهتف يوبخها بضيق:
_وتاكلي مالح ليه طالما عارفة نفسك بتتعبي.. استنى هچبلك عصير يمكن الضغط علي والعصير يريحك
استقام واقفًا وانصرف يتركها تبتسم بثقة ومكر أن حيلتها الشيطانية نجحت، نامت مرة أخرى وهي تتعمد إظهار جسدها من ذلك الثوب وبالأخص بعد عودته حيث نأولها كأس العصير وأخذت تشربه بكل بطء ورقة وهي تبتسم له بحب بين كل لحظة والأخرى، رغم أنه كان لا يظهر أي ردة فعل تدل على تأثره من محاولاتها المثيرة وكأنه لا يراها ولا يهتم لما تفعله أساسًا لكنها استمرت تيقنًا أن مفعول سحرها لن يخيب ظنها أبدًا وسيحقق لها مرادها.
دقائق معدودة وانتهت من شرب الكأس كله فسألها هو بترقب:
_بقيتي احسن دلوك؟
هزت رأسها له بالإيجاب ودون أي مقدمات مالت عليه ترتمي بين ذراعيه هامسة بدلال:
_ربنا ما يحرمني منك واصل ياحبيبي
تجمد مكانه فور معانقتها له وشعر كأن شيء غريب صابه، كان لا يريدها ولكنه لا يستطيع إبعادها، لكنه قاوم ذلك الشعور وأبعدها عنه ببطء وسط نظراته الغريبة، أما هي فشعرت أنها اقتربت من مرادها فقوست شفتيها بعبوس عندما أبعدها عنه وقالت في حزن وعين ممتلئة بالحب:
_هتفضل لغاية ميتا إكده بتبعدني عنك ياچلال، أنا بحبك قوي وعاوزة اسعدك بأي طريقة بس أنت مش مديني فرصة واصل اقرب منك من وقت چوازنا
ضربت إشارات الإنذار في عقله تنبهه باقتراب الخطر، فهناك أشياء غريبة تحدث له وكأنه بدأ يتأثر بها حتى نظراته انحرفت على ثوبها وجسدها العاري، نفر تلك الأفكار عنه وبسرعة نزع نظره عن جسدها وهو مازال يقاوم فقال بخنق وهو يتعمد عدم النظر إليها وكأنه يحاول الفرار منها:
_نامي يامنيرة أنتي تعبانة ريحي وأنا هروح أنام
قبضت على يده برقة وتطلعته بنظرات كلها رجاء واستعطاف تهتف:
_خليك چاري الليلة دي عشان خاطري
ولم تترك وقت بين تلك العبارة وبين خطوتها القادمة التي كانت نقطة النهاية حيث اقتربت منه ولثمت وجنته بقبلة مطولة كلها نعومة ومشاعر، رجعت برأسها للخلف بعد انتهاء قبلتها الطويلة ونظرت في وجهه بدقة تتفحص تأثير ذلك عليه فوجدته ينظر بغرابة لكن عيناه كلها رغبة وقد كان قد سقط في الفخ بالفعل.
أما هو فكان كالمغيب الذي ليس في وعيه ولا يفهم كيف أصبح يراها فريال وهي تبتسم له بعشق كما كانت تنظر له دومًا، هو اشتاق لها ولنظراتها بشدة وحين رآها أمامه هكذا فقد القدرة على التحكم بنفسه وانصاع خلف مكائد زوجته محققًا لها مرادها في ليلتها التي تتمناها.
***
بالقاهرة داخل المستشفى بتمام الساعة الثالثة فجرًا.......
كان عمران يجلس بجوار أمه وعلى الجانب بعيدًا منهم تجلس منى بجوار بشار، وكلما يقع نظره عليها يتنهد بخنق وقلة حيلة، لاحظت إخلاص نظراته فقالت له بانزعاج:
_چرا إيه ياعمران بتبص لبت عمتك إكده ليه؟
رمقها بنظرة ملتهبة وقال في ازدراء:
_جبتيها معاكي ليه ياما.. غايتك إيه المرة دي ياترى!
ردت إخلاص ببرود امتزج بجديتها:
_هتكون إيه غايتي يعني.. عاوزني اسيبها وحدها مع مرت أبوك الحرباية دي وعمتك ورحاب مسافرين مكنش قصادي حل غير أني أچيبها معايا.. أنت إيه اللي مضايقك من وچودها!
مسح على وجهه وهو يزفر بغيظ ويهمس بصوت محتقن:
_أنتي شايفة حالي كيف مرتي في العناية ومش عارف هتطلع سالمة ولا لا وجيبالي منى معاكي وچاية.. أنا مش متحمل مشاكل وآسيا مش بتتحمل وچودها
لوت فمها بسخرية ثم هتفت مغتاظة بحقد:
_وه من دلوك بقيت تخاف منها وعلى زعلها ياعمران
رمق أمه بعصبية وهتف بلهجة رجولية مخيفة:
_لازم أخاف على زعلها وهي في الحالة دي..
لو صدر منكم أي تصرف يعجبنيش محدش يلومني، والكلام ليكي انتي كمان، ملكيش صالح بيها ولا تتكلمي معاها أصلًا لما تطلع من العناية.
اتسعت عيني إخلاص بصدمة من قسوته معها وهو يحذرها من الاقتراب من زوجته أو مضايقتها، ولا إراديًا لمعت عيناها بالدموع لتجيب عليه بتأسف وحزن:
"حاضر يا ولدي، حقك عليا. واطمني، محدش فينا هيضايقها أصلًا ولا يقرب منها طالما أنت خايف على الهانم قوي كده ومش عاوز حد يلمسها بالكلام حتى. ده جزاتي إني جاية أجري أطمن عليك، بتكلمني كده عشانها يا عمران؟"
تأفف بخنق وهو يمسح على شعره مستغفرًا ربه، ثم نظر لأمه وقال باعتذار ونبرة أصبحت لينة:
"أنا مقصدش كده يا أمي، طبعًا حقك عليا، سامحيني. أنا أعصابي تعبانة ومش متحمل أي كلمة من حد. راعي اللي أنا فيه، أبوس إيدك، وعشان خاطري تعالي على نفسك شوية وملكيش صالح بيها."
ردت إخلاص بامتعاض وانزعاج ملحوظ:
"حاضر يا عمران، كيف ما أنت عاوز يا ولدي، متقلقش."
تنهد بقلة حيلة وإرهاق، ثم مد يده يمسك بكف أمه يربت عليه بحنو وأسف، فابتسمت هي له ببسمة لم تصل لعينيها.
***
صباح اليوم التالي، داخل غرفة جليلة بمنزل خليل.
استيقظت من نومها على صوت رنين هاتفها، فالتقطته وأجابت على المتصل مجهول الهوية وهي تقول:
"ألو، مين معايا؟"
نظرت منى لإخلاص بخبث فور سماعها لصوت جليلة وردت عليها ببرود:
"كيفك يا حجة جليلة؟ أنا منى، بت اخت الحاج إبراهيم."
تقوست معالم وجه جليلة بقرف وردت عليها باقتضاب:
"خير، عاوزة إيه؟"
ردت منى بخبث وهي تتصنع الدهشة:
"شكلك كده لسه متعرفيش اللي حصل لبنتك!"
انتفض قلب جليلة بهلع فور ذكرها لابنتها وهبت واقفة من فراشها بتلهف تسألها برعب:
"بنتي مالها؟ جرالها إيه؟"
تابعت منى بكل برود ولؤم:
"خدت طلقة امبارح في ضهرها، ومن وقت ما طلعت من العملية وهي في العناية. الله أعلم هتطلع منها ولا لأ. كان المقصود عمران، بس شكله كده مكنتش فارقة معاه بنتكم ومحاولش يحميها وسابها تاخد هي الطلقة بداله."
سكتت منى للحظة كأنها تقيس نبضها وردة فعلها، لكن يبدو أن الصدمة استحوذت على جليلة وأفقدتها القدرة على النطق، فابتسمت منى وتابعت بشيطانية وضيق:
"أنا لو منكم وبتي طلعت سليمة بعد اللي حصلها ده، آخدها ومخليهاش على ذمته لحظة تاني أصلًا. يمكن ياخدوها منك كيف ما أخدوا جوزك."
***
بنفس الوقت، كانت فريال بالأسفل حول طاولة الطعام، تطعم أولادها فطارهم قبل ذهابهم للمدرسة. وبعد انتهائهم ورحيلهم، وجدت منيرة تنزل الدرج وتتجه نحوها وهي على ثغرها ابتسامة تشق طريقها حتى أذنها. رغم تعجبها وفضولها حول سبب تلك السعادة، لكنها تجاهلتها وكأنها لا تهتم لأمرها. أما الأخرى، فقد اقتربت وجلست على المقعد المقابل لفريال وهي تتطلع لها بنصر وخبث، وفريال مازالت تتجاهلها. لكن منيرة لم تهدأ، حيث سألتها بمكر:
"إيه هو مفيش حد فطر ولا إيه؟"
رمقتها فريال بطرف عينيها ولم تجبها، فضحكت الأخرى وهمست بغنج تلقي بقنبلتها القاتلة:
"أنا هقوم أحضر الفطار لجوزي، سيد الرجال. أصل نازل دلوقتي وهو على لحم بطنه من امبارح وهيفطّر أكيد جعان وعاوز يفطر."
رفعت فريال رأسها لها ورمقتها بنارية، فتابعت الأخرى بنظرة نصر كلها دلال:
"ودعي عهدك عاد من إهنه ورايح. جلال بقى ليا، وامبارح كانت أول ليلة بينا."
تجمدت فوق مقعدها وتحول وجهها بلحظة من الغضب للذهول وعدم الاستيعاب، وكأن صاعقة برق ضربتها وأحرقتها. فجسدها كله تشنج وقلبها راح يصرخ متوجعًا.
كل شيء كان يسقط متواليًا فوق رأسها، حيث بنفس اللحظة كان هو ينزل الدرج ووقف مكانه فور رؤيته لها وهي تنظر له بصدمة.
***
بالقاهرة، كانت آسيا استعادت صحتها وفاقت تمامًا، وتم نقلها لغرفة خاصة بناءً على طلب عمران. شعر هو بقلبه يتراقص فرحًا بعدما رآها سالمة وخرجت من دائرة الخطر وأصبحت بخير. لأول مرة يصيبه ذلك التلهف لرؤيتها، وفور نقلها لغرفتها، كان هو أول ما يدخل لها مع الطبيب ليطمئن على حالتها الصحية.
رأته وهو يدخل، فابتسمت باتساع في سعادة وحب. بينما هو، فاقترب منها وانحنى عليها يلثم جبينها بحنو هامسًا بصوت لم يسمعه سواهم:
"حمدلله على السلامة يا غزالي."
ابتسمت له بخجل وفرحة، بينما الطبيب فبدأ بفحصه لها وهو يسألها بوجه مشرق:
"حمدلله على السلامة يا مدام آسيا، طمنيني عاملة إيه وحاسة بأي حاجة ولا لأ؟"
ردت عليه بخفوت جميل:
"بخير الحمدلله يا دكتور، أنا كويسة."
ردد الطبيب "الحمدلله" خلفها مبتسمًا وأكمل فحصه لها. وبعد انتهائه، استأذن وكان في طريقه لمغادرة الغرفة. لكن آسيا بتلك كانت تحاول الاعتدال والتحرك، فلم تستطع. جربت المحاولة مجددًا لكن دون فائدة. وعندما عنّدت وضغطت على نفسها، تألمت بشدة وأخذت تصرخ بألم، فهتف عمران بسرعة مفزوعًا:
"مالك، في إيه؟"
نظرت له بعين دامعة وهتفت:
"مش قادرة أحرك رجلي يا عمران."
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ندى محمود توفيق
لمعت عينيها بعبارات القهر ونظراتها كانت ثابتة عليه، تحدقه بذهول وعدم تصديق كأنها تبحث عن ردة فعله التي ستثبت عكس ما قالته زوجته، لكنه طعنها بقسوة في يسارها عندما وجدته يتفادى النظر إليها في وجه تعلوه علامات الندم والأسف ليس لديه الجرأة لينظر داخل عينيها.
فور رؤيتها له وهو على هذه الحالة المخزية تأكدت من حقيقة كلامها.
حجبت دموعها ومنعتهم من السقوط رغم انهيارها المؤلم الذي يظهر بوضوح على صفحة وجهها، نقلت نظرها على منيرة للمرة الأخيرة فرأت الشماتة والنصر يلمع على وجهها، وبالواقع يحق لها السعادة فهذه المرة كانت المبارة لصالحها هي وخرجت هي الخسارة والمقهورة.
لم ترفع نظرها له مجددًا، وعلى العكس تمامًا سارت بكل هدوء نحوه دون النظر إليه وعبرت من جانبه بسكون غريب ثم صعدت الدرج بخطواتها البطيئة دون أن تتفوه ببنت شفة.
تابعها بعين دامعة وهو يدرك جيدًا أن ما فعله كان نقطة النهاية في حياتهم.. لن تسامحه مهما فعل، ستمسحه ولن تترك له أثر بقلبها أو حياتها حتى، فقدها وفقد معها قطعة من فؤاده.
استدار بعد لحظات وصعد للأعلى يلحق بها، فلم يتحمل تركها وحيدة وهي بهذه الحالة، سيحاول شرح موقفه لها علها تفهم أنه لم يكن واعيًا لما يفعله، لكن فور وصوله ودخوله لغرفتهم وجدها جالسة كجسد بلا روح تحدق في الفراغ بضياع حتى عيناها لا تذرف الدموع.
صابته نغزة مميتة في قلبه عندما رآها هكذا وسقطت دمعة حارقة على وجنته ثم تقدم نحوها بتريث وراح يجلس القرفصاء أمام قدميها على الأرض ممسكًا بيدها يهمس بصوت مبحوح:
_ فــريـال
كما هي دون حركة أو أي ردة فعل فقط سحبت يديها من قبضته بكل نفور وابعدتهم عنه وهي تنظر للجهة الأخرى بعيدًا، سكونها كان يخيفه ويقلقه أكثر.. كان ينتظر ردة فعل جنونية منها وأن تصرخ به وتعاتبه، لكن تعاملها مع الموقف بهدوء يثبت لها مخاوفه حول كرهها له الذي أصبح حقيقي.
هتف يتوسلها بعين دامعة وصوت موجوع:
_ متفضليش ساكتة إكده أبوس يدك.. اصرخي وزعقي وقولي كل اللي عاوزاه حتى لو هتقوليلي إنك بتكرهيني سكوتك مخوفني اكتر يافريال.. اقسم بالله أنا مكنتش حاسس بروحي.. قلبي عمره ما خانك.. متدوريش وشك مني قلبي بيتقطع
دموعها كانت على وشك الانهمار لكنها شدت على محابسهم، وبظرف لحظة كانت تهب واقفة وتتركه متجهة نحو الحمام دون أن تنظر بوجهه لثانية واحدة.
كان سيهم باللحاق بها لكنه تسمر على أثر صراخ أمه المرتفع وهي تصرخ بهستيريا:
_ بـــتــي.. چــــلال
وثب واقفًا وركض مزعورًا للخارج نحو غرفة أمه، بينما فريال ففور سماعها لصوت صفع الباب بعد رحيله خرجت من الحمام وتجمدت بأرضها لدقيقة وهي تحدق في الباب وفجأة انهارت باكية وهي تصرخ وتبكي بحرقة وراحت تلقي بكل شيء أمامهما تطوله يدها وسط صراخها المتألم ثم جلست على الأرض تكمل نوبة انهيارها.
داخل المستشفى بالقاهرة.......
كان يقف عمران مع الطبيب خارج الغرفة يتحدث معه بوجه عابس رغم جدية نبرته الرجولية ويسأله:
_ ممكن ياخد قد إيه يادكتور؟
أجابه الطبيب بهدوء ونبرة رزينة:
_ قد إيه بظبط مقدرش أقولك.. بس اطمن الموضوع بسيط جدًا الأصابة والعملية أثرت بشكل طفيف عليها وهي هتواجه صعوبة ومش هقدر تتحرك خلال فترة العلاج ومع الجلسات والالتزام على علاجها هترجع زي الأول واحسن كمان، أهم حاجة بس الحالة النفسية لأنها عاملة أساسي في تحسن حالتها.
أماء له بتفهم ثم شكره بلهجة مهذبة وفور رحيله رفع يده يمسح على شعره ووجهه وهو يتأفف بخنق وحزن، اقتربت منه إخلاص وسألته بنظرة دقيقة:
_ هي فاقت ياعمران؟
نظر لأمه وقال بخفوت وقسمات وجه تعلوها الهم:
_ فاقت بس محدش يدخلها دلوك ياما أنا هدخل اقعد معاها واكلمها.
لم تعترض واكتفت بهز رأسها بالموافقة على أوامره ثم تابعته وهو يدخل للغرفة ويغلق الباب خلفه.
علقت نظرات آسيا عليه عندما رأته، كان يظهر الشجن عليه لكنه يحاول إخفائه أمامها ويبتسم لها بحنو، حتى أنه جلس بجوارها على الفراش ومد يده يحتضن كفها الناعم بين قبضتيه الواسعة، رمقته هي بعين غارقة في الدموع وراحت تسأله بخوف:
_ قالك إيه الدكتور ياعمران؟
مازال يحتفظ بابتسامته المتصنعة ويحدقها صامتًا يفكر في طريقة ليخبرها بها ويحاول تهدأتها، فعادت تسأله مرة أخرى لكنه كان سؤال تأكيدي يحمل يأسها والمها:
_ قالك مش همشي تاني صح؟
ضغط على يدها بدفء ورمقها بحب محاولًا الصمود أمامها حتى لا ينهار وهو يرى الوجع والانكسار في نبرتها وصوتها، فصاحت هي به هذه المرة باكية:
_ عمران رد عليا.
حاول إخراج صوته طبيعيًا قدر الإمكان وهتف وهو ينظر داخل عيناها باحتواء يبث القوة والطمأنينة إليها:
_ هترجعي كيف الأول واحسن كمان ياغالية، ده فترة مؤقتة بس ومع العلاج هتبقى كيف الحصان متخافيش أنا جارك وهنعدي الفترة دي سوا.
ظهور الجمود الغريب عليها فجأة وسرعان ما راحت تبتسم بسخرية وكأنها تستنكر ما قاله ولا تصدقه، لا يمكنه خداعها وهي ترى نفسها لا تستطيع التحرك حتى من مكانها.
استمرت في الضحك بمرارة ودموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها ثم سحبت يديها من قبضته بسرعة وضمتهم لصدرها تنظر له بعجز لأول مرة يراه في عيناها وهي تقول بألم وصوت قوى رغم بحته:
_ أنت بتضحك على عيلة قصادك وتقولها فترة مؤقتة.. وبتبصلي بشفقة إكده ليه!
ضيق عيناه بتعجب من عبارتها بينما هي فتابعت بحرقة:
_ هو أنت فرحان فيا مش إكده.. بعد ما حاولت اقتلك مرتين ربنا خدلك حقي مني أهو.. مش بعيد الكل يبقى فرحان فيا دلوك كمان.. وأهي جاتلك الفرصة عشان تطلقني وتهملني أصلًا إيه اللي هيقعدك مع واحدة مشلولة.
تقوست ملامحه من الهدوء للانزعاج الحقيقي من سخافة عباراتها وأصبح يرمقها بغضب ثم هتف في نبرة رجولية حادة:
_ إيه اللي بتقوليه ده!.. طلاق وشلل إيه.. رغم كل اللي مرينا بيه وعشناه شكلك لساتك معرفتنيش لأنك لو عرفتيني عمرك ما كنتي هتقوليلي الكلام ده.
ارتجفت نبرتها وراحت تصيح به في ضعف:
_ أنا صح معرفكش لأنك مبتدينيش الفرصة دي أساسًا.. أنت جارك دايمًا وفي ضهري بس مش بقلبك وأنا مهما حاولت أزيح الغبار اللي بينا مبقدرش.. أنا على السرير ده دلوقتي بسبب أملي في حجات كتير.. ومش عاوزاني افكر إنك فرحان فيا وأنا عارفة زين إنك مبتحبنيش.. وأن مكنتش شمتان يبقى أكيد شعورك مجرد شعور شفقة على حالي بس.. فمتمثلش الحزن قصادي ياعمران و......
أظلمت عيناه واحتقن وجهه من فرط جموحه، فقد كان داخله ثورة جامحة بين صدمته وبين غيظه الشديد منها، ولم يحتمل سماع المزيد من تراهاتها والعبث التي تتفوه به هذا فهتف بنبرة رجولية مخيفة وهو يسكتها بصوته الغاضب:
_ ولا كلمة تاني.. أنتي اعصابك تعبانة وأنا مش هاخد على اللي بتقوليه بس لو كملتي كلمة كمان هكسر قلبك صح.. أنا هطلع واسيبك ترتاحي وتريحي أعصابك شوية يمكن تفوقي وتدركي اللي قولتيه.
استقام واقفًا واستدار متجهًا لخارج الغرفة ويتركها بمفردها بين عبثية أفكارها وتشتت عقلها المرهق، فهي لم تهضم حقيقة شللها ولا تتمكن من البقاء صامدة وهي ترى نفسها طريحة الفراش لا يمكنها الحركة.
استعادت فريال قوتها مرة أخرى بصعوبة بعد وقت طويل وخرجت من غرفتها مسرعة للتصل بأخيها وتطمئن عليه هو وآسيا، لكن لم تحصل على رد منه وكان الحل الثاني الاتصال بأمها التي ردت عليه وأخبرتها بكل شيء، حاولت فريال التحدث مع آسيا والاطمئنان عليها ومواساتها لكنها لم تستطع بسبب تعليمات عمران بعدم دخول أحد لها حاليًا وأن يتركوها ترتاح.
أنتهت من حديثها مع أمها وكانت بطريقها لغرفتها لكن بمنتصف الطريق داهمها ألم مميت في بطنها جعلها تطلق أهاتها العالية، انحنت لأمام وهي ممسكة ببطنها تتألم بشدة وعيناها امتلأت بالعبرات من عدم قدرتها على تحمل الألم، فقامت خطواتها البطيئة نحو غرفتها ظنًا منها أنها إذا ارتحت جسدها على الفراش قد يغادرها ذلك الألم لكنه كان يزداد أكثر وأكثر وتأوهاتها تزداد، وبينما كانت تتحانل على قدميها الضعيفة لغرفتها توقفت عندما سمعت منيرة داخل إحدى الغرف الصغيرة تتحدث في الهاتف وتقول:
_ أنا حطيتلها في الوكل اللي ادتهوني وعملت كيف ما قولتيلي بظبط، أنتي متأكدة أنه هيجيب نتيجة وهيقطع خلفها واصل ومش هتجيب عيال تاني.
اتسعت عيني فريال بصدمة بعد اختراق أذنيها تلك العبارات الشيطانية، وراحت تضع يدها على بطنها تتحسس على طفلها الذي مازال لم ينمو حتى داخلها وهي تبكي بقوة من فرط الألم والخوف، ثم تابعت نحو خطواتها وهي تبكي وتردد برجاء داعية ربها:
_ يارب انصرني وما تحرق قلبي على ولدي واحفظني واحفظه.. يارب أنا مليش غيرك أنك على كل شيء قدير.
وراحت تطلق آهة خرجت من أحشائها كلها ألم وقهر وبتلك اللحظة كانت قد وصلت لغرفتها ودون تفكير راحت تمسك هاتفها وتتصل بأخيها الصغير، الجميع بالقاهرة ولا يوجد غيره يمكنه إنقاذه.
بعد رنات طويلة أجابها بلال أخيرًا وهو يهتف:
_ الو يافريال كيفك ياغالية.
ردت عليه بصوتها الباكي والمتوجع:
_ بلال الحقني بسرعة.
هتف مزعورًا:
_ مالك يافريال!
فريال متوسلة إياه وسط بكائها وأهاتها التي تمزق القلب:
_ مش قادرة اتكلم تعالى على البيت عندي بسرعة أبوس يدك.
القت بالهاتف على الفراش وسقطت على الأرض وهي تتألم وتبكي بشدة ممسكة ببطنها ومنكمشة تتلوى بجسدها وسط صراخها ولسانها الذي لا يتوقف عن تكرار الأدعية تسأل من ربها أن يحفظ طفلها لها.
داخل المستشفى.....
وقفت منى أمام غرفة آسيا وراحت تتلفت حولها تتأكد من عدم وجود أحد وبالأخص عمران، وعندما وجدت الساحة فارغة لها ابتسمت بخبث وفتحت الباب ودخلت بسرعة، فرأت آسيا متسطحة فوق الفراش وتنظر للسقف بشرود ووجه عابس.
ضحكت بصمت وتقدمت نحوها بتريث هامسة في شماتة تظهر في نبرتها:
_ الف سلامة عليكي كان نفسي أقولك ربنا يقومك بالسلامة بس بالشكل مظنش إنك هتقومي تاني من أساسه.
استقرت نظرات آسيا النارية عليه وراحت تصرخ به منفعلة:
_ أنتي بتعملي إيه إهنه.. اطلعي غوري برا احسن.....
ضحكت منى مستهزئة ثم اقتربت أكثر ووقفت بجوار فراشها بالضبط تنحنى عليها وتهتف بتأثر مزيف:
_ حتى وأنتي راقدة في السرير ومش قادرة تتحركي بتهدديني.. مسكينة لسا الجلالة والهيبة واخداكي.
لمعت عيني آسيا بوميض مرعب وأصبحت كالأسد الذي على وشك التهام فريسته، ودون إهدار أي لحظة راحت تقبض على ذراع منى بأظافرها حتى كادت تقطع لحمها بين يدها والأخرى راحت تصرخ بألم بينما آسيا فثبتت نظرها في عيناها وهي تحدقها بجبروتها المعتاد ونظراتها القاتلة:
_ أنا صح دلوك مش هقدر اتحرك ولا أعملك حاجة بس قريب قوي راجعة كيف ما كنت وأقوى والمرة دي مش هرحم حد وأولهم أنتي.. اوعاكي تفتكري إني نسيت اللي قولتيه ليا في التلفون كله مضاف لحسابك وأنتي دفترك تقل أوي يا****..
هخليكي تحلمي بالساحرة الشريرة كل ليلة وتنامي وتصحي وأنتي بتفكري ياترى آسيا لما ترچع هتعمل فيا إيه ومهما تتوقعي مش هتتخيلي اللي هعمله في قبلك كتير وقف قصادي وفضوله خلاه يلعب بالنار وهو بيخاف منها فحرقته وأكبر مثال عندك خلود شوفي حالها كيف دلوك وأنتي تخافي على روحك صح
رغم الرعب الذي استحوذ على معالم منى بالفعل من مجرد كلمات تحمل الإنذار والذي فشلت في إخفائه لكنها أيضاً أبت الخضوع أمام تلك الساحرة ودفعت قبضتها عن ذراعها وانتصرت واقفة تقول لها بحقد شديد:
_يمكن أخاف صح لو كنتي راچعة من تاني لكن بعد اللي قولته لناسك انسي إنك تفضلي في بيت ابراهيم الصاوي تاني ولا تفضلي على ذمة عمران
التهبت نظرات آسيا واحتقن وجهها بالغضب وكانت على وشك الانفجار بها مجدداً لكن سكنت تماماً عندما سمعت صوت خطوات تقترب من غرفتها وميزتها جيداً أنها لزوجها فنظرت لمنى بشيطانية وابتسمت داخلها في خبث ثم راحت تسألها بغضب متصنع تجرها للاعتراف بكل شيء:
_قولتيلهم إيه؟
ابتسمت منى بنصر وتشفي ثم هتفت لها في شجاعة تتعمد إثارة جنونها أكثر ربما ستفقدها بعد قليل:
_قولت لأمك أن جوزك رماكي طعم بداله ومقدرش حتى يحميكي وسابك تاخدي انتي الطلقة وأن أنا لو مكانهم آخد بتي واطلقها ومسبهاش على ذمته للحظة واحدة.. معلوم جايز ياخدوكي منهم واصل ونرتاح منك كيف ماخدوا أبوكي منهم وزمانهم دلوك جايين والحرب هتقوم ومش هيمشوا غير وأنتي في يدهم
رغم نيران صدرها وغيظها من اعترافها وأنها تمنت لو تستطيع أن تنهض وتقبض على رقبتها وتخنقها لكن معرفتها بأن عمران سمع كل شيء جعلها تبتسم تلقائياً في نصر ومكر وتصرفات بكل برود على عكس ثورانها لتقول لمنى وهي تضحك وتشير نحو الباب بعين تتحدث عن بداية انتقامها:
_كل مرة بتثبتيلي مدى غبائك أنا لو مكانك مكنتش اتكلمت واصل وفضحت روحي بس يفيد بإيه الندم بعد فوات الآوان
ثم ألقت عيناها على الباب الذي بدأ ينفتح وقالت لها مبتسمة:
_بصي إكده على الباب واعتبري ده بس بداية اللي كنت بحكيله عنك من شوية
التفتت منى تجاه الباب ورأت عمران وهو يفتح الباب ويدخل سقط قلبها بين قدميها بتلك اللحظة وأنفاسها انحبست فشعرت كأنها لا تستطيع التنفس من فرط خوفها منه بينما آسيا فكانت تتابع تعبيرات وجه منى المرتعدة وهي تبتسم بتشفي لكن رغم كل ما فعلته لم تهدأ وقررت إثارة جنون عمران أكثر حيث تابعت وهي تنقل نظرها بين عمران وبينها هاتفة:
_ربنا وقعك في شر أعمالك وأنتي بنفسك فضحتي نفسك مالك خايفة إكده ليه ده أنا لسا مقولتش انتي قولتيلي إيه في التلفون مش أنا برضوا اللي احمد ربنا أن عمران وافق يتچوزني ويتستر عليا وأنه مش واخدني برضاه ولا بيحبني عشان انا كسر بنات
اتسعت عيني منى بذهول وراحت بسرعة تهتف محاولة الدفاع عن نفسها بتكذيب آسيا:
_لا أنا مقولتش إكده يا عمران دي كذابة
كان آسيا تحدق في وجه زوجها الذي كالبركان الملتهب وتفوح حممه النارية على سطح الانفجار وهي تبتسم بفخر وتشفي فلن يطفيء النيران الذي بصدرها سوى عقاب عمران لها وهي تعلم جيداً أنه لن يشفق عليها هذه المرة وسيثأر لها ولكرامتها.
تققهقهرت منى عندما رأت عمران يقترب منها وبلحظة صرخ بنبرة جمهورية نفضتها بأرضها:
_اتصلتي بيهم من إمتى؟
لمعت عيناها بالدموع وراحت تقول بخوف:
_أنا مليش صالح والله ياعمران دي مرت خالي هي اللي قالتلي اتصل بيهم واقولهم إكده
كور قبضة يده محاولاً التحكم بانفعالاته وقال بصوت محتقن وهو يصر على أسنانه:
_أمي قالتلك قوليلهم أن ولدي رمي مرته طعم وأنه معرفش يحميها!!.. وأن احنا اللي قتلنا خليل صفوان وهنقتل بته كمان
هزت رأسها بالنفي تبحث عن عذر تدافع به عن نفسها لم تجد فاكتفت بالنفي الصامت وهي تبكي ليصرخ بها مرة أخرى:
_ماتنطقي ولا القط كل لسانك دلوك
انتفضت وأخذت تبكي وتقول بأسف:
_حقك عليا ياعمران أنا آسفة
أخذ يصرخ بها بعصبية ترهب البدن:
_الشجاعة خدتك قوي ووصل بيكي إنك بتغلطي فيا وفي شرف مرتي وأنا كنت ساكت من البداية وعامل حساب بس لعمتي
دخلت إخلاص مزعورة على أثر صراخ ابنها وهرولت نحوه تهتف له بعدم فهم:
_مالك ياولدي في إيه؟
رمق أمه بغضب وصاح منفعلًا وهو يلقي بأوامره القطعية:
_من إهنه ورايح منى ملهاش قعدة في البيت عمتي على عيني وعلى راسي بس بتها ملهاش مكان في بيتنا وبشار هياخدها من إهنه ويرچع بيها على البلد عند عمتي
فغرت إخلاص شفتيها بصدمة وراحت تنقل نظرها بين منى المنهارة وآسيا التي تبتسم بنصر أما عمران فتابع:
_ومن إهنه ورايح تبعدي عن آسيا واصل فاهمة ولا لا يامنى المرة دي الكلام كان بينا بس المرة الچاية هيكون ليا تصرف تاني
هما منى بالاندفاع لخارج الغرفة وهي تبكي لكنه استوقفها بعبارته الحازمة:
_رايحة وين.. مش لما تعتذري الأول من مرتي اللي بتقولي عليها كسر البنات وانتي متطوليش ضفرها
رمقت آسيا عمران بفخر وعشق ثم اعتدلت في نومتها وهي تبتسم بشموخ وقوة تليق بها حتى سمعت منى التي تعتذر منها وتقول بصوت مقتضب:
_حقك عليا يا آسيا أنا آسفة
ثم اندفعت لخارج الغرفة ركضاً.. تذكرت آسيا اليوم الذي جعلها تعتذر من منى بسبب أفعالها الشيطانية والآن بنفس الطريقة جعل منى تعتذر منها وطردها من المنزل بأكمله.
ركضت إخلاص خلف منى بالخارج وعمران غادر بعدهم وترك تلك الجالسة فوق فراشها تتلوى سروراً وتشفي وغرور بعد نصرها المشرف.
***
وصل بلال لمنزل خليل صفوان وأخذ يطرق على الباب بهمجية وقوة من فرط اتعاده على أخته ففتحت له منيرة الباب وهي تقول بخنق:
_في إيه هو احنا واقفين على الباب!!!
رمقها بلال باشمئزاز وراح يسألها بقلق ظاهر على معالمه:
_فريال وين؟
لوت منيرة فمها بقرف وردت وهي تشير بعيناها للأعلى:
_فوق في أوضتها هتكون وين يعني
هم بأن يدخل لكنه توقف وسألها بنبرة مهذبة رغم اشمئزازه منها:
_عاوز اطلعها في أي حريم في البيت ولا ادخل؟
ردت منيرة مقتضبة:
_مفيش حد اطلعلها
اندفع للداخل ركضاً وهو يصعد الدرج وفور وصوله لغرفتها أخذ يطرق على الباب وهو يهتف:
_فريال أنتي چوا
عندما لم يسمع رد منها فتح الباب ودخل فوجدها ملقية على الأرض وتأن بصوت مكتوم وهي تبكي وعلى ساقها نقاط دماء صابه الزعر واسرع نحوه يجثى أمامها ممسكاً برأسها يهتف:
_فريال إيه اللي چرالك أنتي سمعاني
ردت عليه بصوت ضعيف وسط أنينها:
_وديني المستشفى بسرعة يابلال
كانت أنفاسه السريعة والحارة تلفح وجهها وبظرف لحظة حملها فوق ذراعيها واسرع بها للخارج ركضاً وسط نظرات منيرة المندهشة لا تفهم ماذا حدث لها.
بعد ساعات طويلة منذ وصولهم للمستشفى كان بلال يجلس بالخارج بانتظار خروج الطبيب حتى يطمئن عليها وفور رؤيته للطبيب اسرع نحوه وسأله بقلق:
_مالها يادكتور إيه اللي حصل؟
أجابه الطبيب يشرح له حالتها ببساطة:
_اتعرضت لنزيف والحمدلله لحقناها في الوقت المناسب وانقذنا الجنين وهي بخير كمان بس لازم تفضل النهاردة في المستشفى عشان في فحوصات وتحاليل لازم نعملها وكمان اهم حاجة ترتاح في السرير تماماً الفترة الجاية لأن ممكن يحصل نزيف تاني في اقل مجهود ووقتها للأسف ممكن نفقد الجنين
تجمد بلال مكانه بعد دهشته من معرفته بحمل أخته الذي لم تخبر به أحد واكتفى بإماءة رأسه للطبيب كشكر ثم جلس على أحد المقاعد وهو يمسح على رأسه لا يعرف هل يفرح أم يحزن على خبر كهذا.
وبعد تقريباً نصف ساعة تم نقلها لغرفة عادية ودخل بلال لها ثم جلس بجوارها وهو يمسح بكفه على يده بلطف هاتفاً:
_حمدلله على السلامة ياحبيبتي
ردت فريال بوجه مزعور وهي تسأله:
_بلال الدكتور قالك أن ابني عايش صح؟
ابتسم لها ورتبت على ذراعها بحنو يطمئنها:
_متخافيش عايش وكويس الحمدلله.. انتي كنتي عارفة من بدري إنك حامل؟
أجفلت نظرها عنه وهزت رأسها بالإيجاب فضيق عينيه وهتف في غضب بسيط:
_ومقولتيش لحد ليه يافريال.. ده شكله حتى چوزك ميعرفش!
أسرعت وقبضت على يده تتوسله بجدية:
_بلال أوعاك تچيب سيرة لحد عشان خاطري ياخويا أبوس يدك
انفعل وقال لها بحدة غير مستوعباً ما تطلبه منه:
_مقولش لحد كيف يعني يافريال أنتي اتخبلتي في نافوخك هو دور برد عشان تداريه ده حمل ومسير الكل يعرف
اطرقت رأسها أرضاً وقالت بمرارة وألم:
_لو قولت لأمي الكل هيعرف وأولهم چلال وچلال لو عرف إني حامل مستحيل يوافق يطلقني وهتحصل مشاكل كبيرة كفاية اللي أنا فيه أنا مستنية بس الوقت المناسب وهقول للكل
رمق أخته باستياء وقال في لهجة رجولية قوية:
_هيطلقك ورچله فوق رقبته أنا مش قادر افهم إنتي إيه اللي مقعدك لغاية دلوك معاه ومع مرته في نفس البيت
سكتت فريال وتذكرت منيرة وهي تتحدث في الهاتف فلمعت عيناها بوميض الشر والثأر وراحت تقول لأخيها بوعيد:
_چلال انتهى بنسبالي خلاص وقريب قوي هسيبه وامشي بس الأول اطلع الشيطانة دي من البيت مش هسيبلها بيت عيالي عشان تملاه بـ***** وقتها بس لما اكشفها على حقيقتها ويطلقها أنا آخد عيالي وامشي وأنا مرتاحة إني اخدت حقي وانتقمت منه وهو يفضل لوحده عشان احرق قلبه كيف ما دمرني
صاح بلال بعصبية:
_فريال انتي لساتك عاوزة تقعدي تاني انتقامك الوحيد هو طلاقك مش أنك تكشفي مرته انتي مالك بيها
احتضن يده بين كفيه ونظرت في عينيه تترجاه برقتها العفوية:
_بلال أنت اكتر واحد بتفهمني زين يمكن اكتر من عمران كمان.. عشان خاطري بلاش تعارضني المرة دي وسيبني على راحتي ومتقولش لحد على حملي لو بتحبني وغالية عندك صح اعمل كيف مابقولك
سحب كفه من بين يديها وهو يقول بعدم اقتناع وانزعاج حقيقي:
_فريال انتي بتغلطي قوي وهتندمي بعدين.. هو ميستاهلش أي حاجة وحتى حبك خسارة فيه بعد اللي عمله وانتي لساتك عاوزة تكملي معاه..
متضحكيش على نفسك وتقولي هطلق وهسيبه بس الأول أعمل معرفش إيه. دي كلها حجج فارغة عشان تفضلي چاره، وأنا وأنتي عارفين زين إنك مش هتقدري تهمليه وإنك لسا بتحبيه.
تلألأت العبرات في عيناها لا إراديًا، بينما بلال فهب واقفًا وقال باقتضاب وصوت مكتوم:
_اعملي اللي يريحك، مش هقدر أقولك حاجة. كل اللي أتمناه إنك متندميش على قراراتك دي بعدين. عمومًا الدكتور قال هتاخدي اليوم هنا عشان فيه تحاليل وفحوصات هتتعمل. أنا هطلع أجيبلك حاجة تاكليها والعلاج وراجع.
أومأت له بالموافقة وتابعته وهو يغادر، وعيناها بدأت في ذرف الدموع الحارقة. كلما تتذكر منيرة وهي تخبرها عن ليلتها الأولى مع زوجها، تشتعل النيران في صدرها ويتمزق قلبها قهرًا وهي تتخيله كيف كان بين ذراعيها ويلمسها، بعدما كان يخبرها بأنه أبدًا لن يشم زهرة سواها حتى مماته، ولكنه فعل وخان بوعده.
توقف بشار بالسيارة أمام أحد المخازن الضخمة والمعروفة لبيع الأسماك الخاصة بسلاّم المرواني. فتح عمران أولًا باب السيارة ونزل منها وهو يتطلع بنظراته الثاقبة على المبنى الأرضي المجهز بأحدث المباني العصرية، ثم وقف بجواره بشار الذي سأله بنبرة مريبة:
_دلوقتي ولا هنصبر شوية يا ولد العم؟
رد عمران بخفوت مخيف:
_زمانه جاي دلوقتي. خليها لما يجي أحسن.
هز بشار رأسه بالموافقة وظلوا مكانهم بانتظار وصول سلاّم، الذي وصل بعد نصف ساعة تقريبًا. وفور رؤيته لعمران ابتسم باتساع وراح يتقدم نحوه يضحك بسخرية ويقول بثقة:
_معقول المعلم عمران الصاوي بنفسه عندي؟ ده شرف كبير ليا. أكيد بقى جاي عشان نفضي حسابنا، مش كده؟
لم يظهر أي تعابير وجه على ملامح أي من بشار أو عمران، الذي رد عليه بنظرة مظلمة:
_هنفضه متقلقش، هنفضه كله.
ضحك ورد ببرود مستفز ولؤم:
_طيب كويس. ولا أقولك زي ما بتقولوا في الصعيد عندكم، زين زين قوي. صحيح ألف سلامة على المدام، أخبارها إيه دلوقتي؟
كان هادئًا ويتحكم بأعصابه جيدًا، لكن فور ذكره لزوجته وهو يسخر منه، وكأنه نجح بالإمساك به من نقطة ضعفه، احتقن وجهه بالدماء وعيناه تلونت بالأحمر، فأصبحت ملامحه كالشبح الذي عاد ليثأر لروحه المتألمة. وبظرف لحظة كان يقبض على رقبته وهو يوجه له الضربات المتتالية. أسرعوا رجاله نحوه، وبظرف لحظة كانوا يشهرون أسلحتهم بوجه بشار وعمران، الذي أخفض نظره لسلاّم الذي بين قبضته وقال مبتسمًا بسخرية وبلهجته الصعيدية:
_إيه هتخوفنا بشوية الحريم اللي جايبهم والمسدسات اللعبة اللي في يدهم دي؟ إحنا صعايدة، مش هنخاف ونرجع لورا كيف الحريم لما تهددنا بحتة سلاح.
كان بشار يقف صامدًا دون أن يرف له جفن، وعيناه كانت ثابتة على رجالهم الخاصة وهم يتقدمون بتربص من الخلف حاملين البنادق. وثواني وكانوا خلف رجال سلاّم يرفعون بنادقهم عند رؤوسهم ويهتفون لهم بغضب:
_نزلوا سلاحكم بدل ما نفرغ البندقية في نفوخكم.
ظهر الزعر على وجوههم، وبثواني كانت يداهم للأسف وأسلحتهم على الأرض. فضحك عمران ونظر له يقول مستهزئًا:
_شوفت الفرق بينا وبين شوية ال*** اللي جايبهم. أنت تجرأت على حرمة بيتي، وإحنا عندنا مفيش رجالة بتصفي حسابها مع حريم إلا لو كانت حاجة تاني أنت أكيد عارفها. ولو حصل وحد *** كيفك كده فكر ويده طالت حريمنا بنقطعها ونرميها لكلاب السكك.
ظهر الرعب على وجه سلاّم الذي قال له بخوف يحاول إخفائه:
_أنا مكنش في نيتي مراتك، بس هي جت فيها.
_من سوء حظك.
باللحظة التالية كان المخزن يشتعل بالنيران بعدما قام أحد رجال عمران بإشعال النيران به. فالتفت سلاّم وهو يفغر عيناه بصدمة وراح يترجى عمران:
_أبوس إيدك يامعلم بلاش تعمل كده، خليهم يطفوا النار وأنا هنفذ كل طلباتك واللي أنت عاوزه هعمله.
عمران بنظرة رجولية تحمل الاستنكار:
_وه راح وين سلاّم اللي كان نافش ريشه علينا وفاتح صدره الواسع وبيهددني في التلفون بكل شجاعة؟ قلبت حرمة!
رتب على كتفه بعنف وهو يقول بوعيد مبتسمًا:
_أنا هتسلى عليك وبعد كده هرميك في السجون لغاية ما تعفن، بس كفاية عليك المخزن وبكرة نبدأ الجولة التانية.
ثم دفعه بيده فسقط على الأرض، ثم ألقى نظرة على بشار الذي ابتسم له ورتب على كتفه يطلب منه أن يستقل بالسيارة وهو سيلحق به. فرفع بشار يده يشير لأحد رجالهم بأن يقترب، وعندما وقف أمامه قبض على كتفه يضغط عليه ويقول بجدية:
_كيف ما قولتلك ونبهت عليك ياصابر وخلي بالك زين أحسن يهرب منك.
رد عليه الرجل بثقة تامة:
_اطمن يامعلم بشار، عيني مش هتغفل عنه لحظة واحدة.
رتب فوق كتفه بقوة مرددًا:
_عفارم عليك ياصابر، يلا خده.
استدار بشار والتف حول سيارته ليستقل بمقعده المخصص للقيادة وينطلق بها مع عمران في طريق عودتهم للمستشفى.
الهموم تجمعت كلها على صفحة وجهه. بات صدره يضيق عليه وأنفاسه تنقطع وكأنها على وشك أن تخنقه من فرط الحزن والتعب. فلم يعد لديه ملجأ آمن ومريح يلوذ به من شرور الحياة. ملاذه الوحيد أصبح موطنًا لعذابه المميت.
توقف أمام غرفتها وهو يتنفس الصعداء بعبوس، ثم فتح الباب ببطء شديد ودخل. توقف عند الباب بعد دخوله وراح يتجول بنظره في أرجاء الغرفة بحثًا عنها، لكن الهدوء المريب كان يغمر الغرفة بأكملها. فضيق عينيه باستغراب وبسرعة اندفع نحو الحمام علها تكون بالداخل، لكنه أيضًا كان فارغًا. تسمر مكانه لبرهة من الوقت وهو يفكر بشكوكه المرعبة. هو ليس لديه القدرة الكافية لتحمل فراقها مرة أخرى.
باللحظة التالية فورًا كان يصيح مناديًا عليها بزعر:
_فــريــال.
اندفع لخارج غرفتهم وكانت وجهته الأولى غرفة أولاده. وصدمته الكبرى عندما وجد الغرفة أيضًا فارغة ولا أثر لهم. لوهلة شعر بأنه على وشك فقدان عقله وأصابته نغزة قاتلة في قلبه خشية من أن تكون حققت مخاوفه وهجرته هي وأولاده. فأخذ يبحث عنهم بالمنزل وهو يصرخ بغضب امتزج بصوته الموجوع:
_فــريــال.. معاذ.. عمار.
انتفض مفزوعًا من نومه. هو لا يعرف كيف ومتى غاص بنومه وهم كانوا مازالوا بطريقهم للقاهرة، وبذلك الوقت كان هو بجوار أمه بالمقعد الخلفي وعلي مكانه على مقعد القيادة بعدما تناوب عنه عندما رأى التعب يظهر عليه بوضوح.
مسح جلال على وجهه وهو يتأفف بخنق، ثم نظر لعلي وسأله بصوت غليظ:
_الساعة كام دلوقتي يا علي؟
أجابه علي بخفوت:
_الساعة 12 إن شاء الله، على الفجر نكون في القاهرة.
تحدث منصور بخنق وانفعال:
_ولد إبراهيم مش بيرد علينا وآسيا كمان. بس فريال اتصلت وطمنتنا بتقول هي كلمتهم وآسيا كويسة.
تنهد جلال الصعداء براحة داخلية وفرحة متمتمًا:
_الحمدلله.
التفت جلال بنظره نحو أمه النائمة بجواره. فقد قضت النهار بأكمله لا تتوقف عن البكاء والنحيب على ابنتها حتى أرهقت نفسها ولم تتمكن من الصمود أكثر أمام النوم.
أخرج هاتفه وراح يتمعن بها شاردًا وهو يفكر بكابوسه الذي راوده للتو. لا يعرف لماذا حدثه قلبه بأنه قد يكون حقيقيًا وتركته ورحلت بالفعل. فراح يتصل على زوجة عمه فلا يوجد سواها يمكنه الاتصال بها ليسألها عن زوجته وأولاده ليطمئن عليهم.
أجابت إنصاف عليه هاتفة بفضول:
_الو يا جلال، إيه وصلتوا ولا لسا وآسيا كيفها؟
جلال بصوت هادئ لكنه يحمل القلق في أعماقه:
_آسيا كويسة يامرت عمي الحمدلله. إحنا لسا موصلناش. هي فريال نامت ولا لسه صاحية؟
ردت عليه بجهل وهي تزم شفتيها:
_أنا مشوفتهاش، شكلها مطلعتش من أوضتها من وقت ما مشيتوا، بس العيال نايمين في أوضتهم.
أطلق زفيرًا طويلًا بارتياح يحمد ربه أن كابوسه لم يتحقق. ثم أنهى الاتصال مع إنصاف وعاد يضع هاتفه في جيبه مرة أخرى وانشغل عقله من جديد بشقيقته يفكر في حالها ومن الذي حاول قتلها.
فتح عمران باب غرفة آسيا ودخل، ثم أغلق الباب خلفه واقترب منها بعدما وجدها نائمة بعمق في فراشها. جذب مقعد وجلس بجوارها تحديدًا عند رأسها وراح يتأملها بدفء. كلما يتذكر سهامها المسمومة التي ألقتها على مسامعه بصباح اليوم ينزعج منها بشدة، ولكنه لا يستطيع لومها فهي لم تشهد منه سوى على البرود وتحجر قلبه فيما يخص مشاعره. هو يعلم جيدًا أنها تعلقت به وربما سقطت في بحور عشقه منذ زمن، ورغم ذلك كان يبخل في الإسخاء عليها من مشاعره وحنانه.
ليتها رأت حاله عندما كانت داخل غرفة العمليات وبعد خروجها. ليت قلبه صوت لكي تسمعه وهو يصرخ من أعماقه متوجعًا عليها وهو يراها فقدت قدرتها على الحركة. لو كانت رأت وسمعت لم تكن لتقول أنه سعيد بوضعها المزري أبدًا. ليتها هي أعطته الفرصة ليزيح عن صدرها الهم ويضمها بين ذراعيه مخففًا عنها وجعها ويخبرها بكل حنان أنه لن يتركها مهما حدث وسيظل ملاذها وحصنها المنيع دومًا.
انحنى عليها ببطء ثم لثم جبهتها بدفء هامسًا:
_طول ما أنا جارك مفيش حد هيتجرأ ويأذيكي، واللي يفكر همحيه من على وش الدنيا. النهاردة خدتلك حقك ولسا كمان.
ثم ابتسم ورفع أنامله يبعثر خصلات شعرها في حنو هاتفًا بضحكة ملغومة:
_حتى وأنتي بالحالة دي لسه جبروت ومحدش قادر عليكي. مبتسمحيش لحاجة تكسرك واصل. ياريتك تفهمي بس أن مش أنا اللي أسيبك لحالك، ولو الخلق كلها جرحتك أنا أداويكي يا غزالي.
أمسك بكفها هذه المرة وراح يطبع قبلات متتالية عليها في رقة، وظل بجوارها الليل كله على هذا المقعد حتى أنه نام دون أن يشعر، ولم يفتح عينيه سوى على أصواتهم المرتفعة خارج الغرفة. حتى آسيا استيقظت ونظرت لعمران بنعاس تسأله بخمول:
_في إيه؟
فرك عينيه من أثر النعاس وهب واقفًا يهم بالخروج ليفهم ما الذي يحدث بالخارج، لكنه توقف عندما رأى منصور يقتحم الغرفة. وبنفس اللحظة كانت آسيا تعتدل في نومتها شبه جالسة وتذكرت منى وهي تخبرها بأن عائلتها قادمة لأخذها. لا إراديًا مدت ذراعها وامسكت بذراع عمران تحتمي به، وكأنها تقول لهم تجرأوا وحاولوا أخذي إن استطعتم.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ندى محمود توفيق
لم يلبث على اقتحام منصور للغرفة لحظة وكانت خلفه مباشرة جليلة التي ركضت متلهفة نحو آسيا وراحت تحضتنها وتضمها لصدرها بكل تلقائية وكأن الماضي لا وجود له من الأساس. ضيقت آسيا عيناها بتعجب من اللهفة التي لم تكن تتوقعها من أمها أبداً، فهي نفسها المرأة التي تخلت عنها وتركتها بلا مأوى حتى تكون فريسة سهلة لذئاب الطرق.
سكنت آسيا ولم تتحرك حتى لم ترفع ذراعيها وتحاوط أمها. كانت كالصنم الذي بلا روح تنظر لهم بجمود ملامح مريب، وبالأخص لشقيقها الذي يحتل وجهه الندم والأسف القاسي. هو حتى لم يتجرأ على الاقتراب منها وكأنه يخجل من النظر داخل عينيها. لم تفق سوى على صوت أمها الباكي وهي تهتف بانهيار ورعب:
"آسيا كيفك يابتي طمنيني أنتي زينة؟"
سحبت جسدها ببطء من بين ذراعين أمها وردت عليها ببرود مشاعر:
"زينة الحمدلله."
اعتدلت جليلة في وقفتها وأخذت تنظر لابنتها بمرارة وندم، بينما آسيا فكانت تشيح بوجهها للجهة الأخرى حتى تتفادى النظر لهم.
تقدم منصور من عمران الذي كان يقف بشموخ يثبت نظراته المخيفة عليهم. وعند وقوف منصور أمامه التقت نظراتهم القاتلة قبل أن يهتف منصور بلهجة صارمة:
"احنا چايين ناخد بتنا عشان ترجع لبيت أبوها وناسها."
استمر جمود ملامح عمران للحظات قبل أن ترتفع البسمة الساخرة لثغره وهو ينقل نظره بينهم وبين والده الذي كان يقف بالخلف وعلى ثغره نفس الابتسامة، ثم قال:
"طب مش تطمن الأول حتى على بتكم ياحاج منصور ولا إيه؟ معقول قاطعين الطريق ده كله عشان تجوا تاخدوها مني بس؟!"
منصور بعصبية وقسوة:
"طول ما هي معاكم وحالك مش هتبقى كويسة واصل. وأهو كانت هتروح منينا لولا ستر ربنا بسبب أن الراجل اللي معاها مكنش قادر يحمي مرته."
احتقن وجه بشار وكان سيهم بالاندفاع نحو منصور، لكن إبراهيم قبض على يده بقوة ونظر له في حدة يهمس:
"اهدأ ومتتدخلش عشان الدنيا متولعش أكتر.. سيب عمران يتصرف معاهم."
على عكس المتوقع تماماً، كان عمران مازال يحتفظ بهدوئه وابتسامته المستفزة، حيث انحنى على أذن منصور وهمس له بصوت يحمل فتيل اشتعال النيران:
"بلاش نتكلم عن الرجولة وأنت بتك كانت ملبساكم العمم كلكم."
أظلمت عيني منصور وأصبح كجمرة النيران المشتعلة، وبلحظة رفع يده في الهواء، لكنها علقت مكانها عندما قبض عمران عليها يهتف بصوت رجولي متحشرج:
"المرة الجاية صدقني يدك مش هتلاقيها."
اندفع على نحو عمران ودفع يده بعنف عن والده، ينظر له شزراً ويصيح:
"بلاش تقوم حرب أنت مش قدها يا ولد إبراهيم. بتنا هناخدها وهتطلقها برضاك أو غصب عنك."
تدخل إبراهيم أخيراً ووقف بالمنتصف يهتف يوجه حديثه الحازم لكل من منصور وعلي:
"أنا بقول بزيادة كده. شفتوا بتكم واتطمنتوا عليها. كيف ما جيتوا ترجعوا بالحسنة أحسن يامنصور."
بتلك اللحظة كان عمران يتطلع لعلى في أعين مميتة تقذف الرعب في قلوب أعتى الرجال، ثم همس له بنبرة تحمل الإنذار الحقيقي:
"خد أبوك وارجعوا بيتكم ياعلي لمصلحتكم. ومرتي سيرتها متجيش على لسانك ولو فكرت بس تقرب منها ولا توجه ليها كلام حتى تبقى جنيت على روحك. معدتش بت عمك اللي قصادك طول الوقت. بقت مرت المعلم عمران حطها في عقلك زين واوعاك تنساها."
لم يبالي منصور بأي شيء وراح يقترب من آسيا يمسك بذراعها وهو يهتف:
"يلا يا آسيا قومي عشان ترجعي البيت معانا."
قبض عمران على يده لينزعها عن ذراع زوجته بقوة وهو يصرخ به:
"أنا هادي وبتكلم بالحسنة بس شكلها كده متنفعش معاك. معدش ليكم بت.. بقت مرتي واللي يفكر يقربلها هخلص عليه واصل."
دس منصور يده في جيب جلبابه وأخرج سلاحه وراح يوجهه نحو رأس عمران يهتف بوعيد حقيقي:
"أنا اللي هخلص عليك أنت وأبوك كيف ما عملتوا مع أخويا ودلوقتي عاوزين تقتلوا بتُه كمان."
خرجت صرخة مرعوبة من إخلاص وهي تصرخ:
"يامري ولدي الحق يا إبراهيم ولدك."
زعرت آسيا وتسارعت نبضات قلبها رعباً على زوجها، فراحت تتشبث بذراع عمران في قوة تلوذ إليه وتطمئن قلبها المرتجف بوجوده وهي تصيح في غضب على عمها ينزل سلاحه:
"أنا مش هرجع معاكم مش عاوزاكم.. ومش هسيب جوزي."
اندفع إبراهيم نحو منصور وهو ينوي خنقه بيده على تعديه على ابنه أمامه، لكن جلال الذي كان يقف يشاهد شجارهم من البداية صامتاً تدخل أخيراً وأوقف إبراهيم ليقترب من عمه ويهتف منفعلًا:
"عمي نزل سلاحك. لو حد ليه الحق يقرر آسيا هترجع ولا لا هو أنا وأنا مقولتش حاجة لغاية دلوقتي."
رمق منصور ابن أخيه بدهشة ويده لا إراديًا نزلت بالسلاح، ثم راح ينقل نظره بين الجميع في غيظ ثم هتف لجلال بسخط:
"بقى مليش حق في اختك خلاص يا ولد أخوي."
التزم جلال الصمت ولم يجيب على عمه الذي كان بانتظار رد من ابن أخيه يستعيد له كرامته المهدرة، لكنه صمت. فوضع سلاحه في جيبه ثم استدار وغادر الغرفة بأكملها، وبقي علي ينظر لجلال بعتاب بسيط قبل أن ينصرف هو الآخر خلف والده.
نظر جليلة لابنتها وقالت لها بعينان دامعة ورجاء:
"يابتي اسمعي الكلام وتعالي معانا. مش كفاية خدوا أبوكي منينا عاوزاهم ياخدوكي انتي كمان."
تطلع عمران بوجه جلال المهموم وهو يتطلع لأمه وشقيقته. فاقترب منه وهتف له بصوت رجولي غليظ ومنخفض:
"أنا هطلع وأسيبك تتكلم معاها لحالكم شوية. بس أوعى شيطانك يوزك تفكر تاخدها عشان مش هتطلع من الأوضة دي كيف ما دخلت يا جلال."
لم يجبه واكتفى بصمته كرد بالموافقة. بينما عمران فغادر وأشار للجميع بالخروج، وجلال طلب من أمه الانصراف وتركهم بمفردهم.
جلس جلال على المقعد المجاور لفراشها ونظر لها بحزن يهتف باهتمام وحنو:
"كيفك دلوقتي؟"
رمقته شزرًا وبوجه يميل الاحمرار من فرط الاستياء والخوف:
"انتوا جايين بسلاح وبترفعوه على عمران. أنا مش هرجع معاكم يا جلال.. مكاني بقى جار جوزي ومش هسيبه."
تطلع إليها مطولًا قبل أن يسألها بصرامة:
"ليه؟"
احتقن صوتها الناعم وأصبح أكثر شراسة رغم مرارته:
"عشان هو الوحيد اللي كان جارى لما انتوا اديتوني ضهركم ورمتوني في الشارع. هو خدني وضمني لصدره رغم كل اللي عملته فيه سامحني وحماني وفضل جارى وفي ضهري. لكن انتوا لولاه كنتوا هتقتلوني.. ارجع لكم ليه دلوقتي."
أجفل نظره عنها في أسف ثم ابتسم في تعجب مما يسقط على سمعه من كلمات. هذه ليست آسيا التي كانت تصرخ قبل الزواج بأنها لن تتزوجه. لكن يبدو أن عمران نجح بترويضها بالفعل وربما عشقته.
نظر لها مجددًا وقال بهدوء وهو ينتصب في جلسته:
"متقلقيش أنا أساسًا مش جاي عشان اخدك أنا جيت عشان أطمن عليكي. صحيح أنا مش حابب إنك تفضلي وسطيهم لكن أنا سبق وجبرتك على الجواز فمش هجبرك دلوقتي على الطلاق كمان. وطالما مرتاحة ومبسوطة ومش عاوزة تسيبي عمران خلاص براحتك."
ابتلعت غصة مريرة في حلقها وقالت له بجفاء:
"زين يبقى قول الكلام ده لعمي وارجعوا تاني البلد. أنا مش متحملة مشاكل ولساتني تعبانة ولا عمران متحمل كمان بزيادة اللي هو فيه. ومش عاوزة يجراله حاجة ولا يتأذي بسببكم."
مال ثغره للجانب في بسمة حزينة ونظراته كانت كلها أسى. رغم الألم الي اجتاح صدره من قسوتها وتحدثها معه كأنهم أعدائها، لكنه لا يستطيع إيلامها فمهما فعلت ومهما قالت هي على حق.
رفع يده يمسح على ذقنه ويجيبها بخفوت غريب:
"أنا اتوحشتك قوي يا آسيا. وصدقيني هفضل ندمان طول حياتي على اللي عملته فيكي يا غالية."
مالت بوجهه للجهة الأخرى حتى تخفي دموعها السابحة في عينيها، بينما هو فتوقف وانحنى على رأسها يلثم جبهتها متمتمًا بصوت يقتله الندم والوجع:
"حقك عليا يا بت أبوي سامحيني. أنا ظلمتك ومحافظتش على أمانة أبوي بس ربنا بياخدلك حقك مني دلوقتي."
لم تتمكن من حجب عبراتها التي انهمرت بغزارة فوق وجنتيها، ثم تطلعته بعين مقهورة ونبرة ممتلئة بالقسوة قالت:
"أنا عمري ما تخيلت أن ممكن يجي يوم وأفرح في وجعك يا جلال، بس أنا دلوقتي فرحانة عشان أنت متستاهلش فريال بعد اللي عملته فيها ظلمتها كيف ما ظلمتني واديك بتدفع التمن غالي قوي. وبتعيطي بدل الدموع دم عشان هتسيبك هي وعيالك. خلي منيرة والحجة جليلة ينفعوك بعد ما تلاقي روحك لحالك ومحدش جارك حتى عيالك خسرتهم بسبب غبائك. ولو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي كيف فريال ولا في واحدة هتحبك كيف ما كانت هي بتحبك. اختارتك أنت وفضلتك على ناسها واستحملت مني كل حاجة عشانك ومكافأتها في النهاية تتجوز عليها."
كانت تطلق سهام مسمومة بكلماتها تصوبها بمنتصف يساره. تلك القسوة والنفور الذي تتحدث بهم معه مزقته اربًا. لوهلة تمنى أن تخفف هي عنه وربما تحاول إقناع فريال بالرجوع عن قرار الطلاق. لكن هيهات، هل ينتظر العون من يد تركها بمنتصف النيران لتأكلها ولم ينقذها.
انتصب في وقفته وألقى نظرة أخيرة مهمومة على شقيقته قبل أن يستدير وينصرف، ليتركها وهي تزداد في البكاء أكثر.
هرولت جليلة نحو ابنها فور رؤيتها له يخرج من الغرفة. وقفت أمامه وسألته بلهفة:
"قالتلك إيه يا جلال وافقت ولا لا."
رفع جلال نظره ودار بعينيه على وجوه عائلة الصاوي. فرأى الثقة والقوة على قسماتهم. كانوا المتسببين في موت والدهم، ولكن الآن هو وأمه المتسببين في خسارة ابنتهم. سلموها لهم كالبضاعة التي لا تباع ولا تسترد.
عاد بوجهه لأمه وقال في صوت متعب:
"آسيا مش هتيجي معانا يا أمي واحنا هنرجع بيتنا بزيادة كده."
اتسعت عين جليلة بدهشة واستاءت بشدة، حيث راحت تهتف معترضة:
"مش هتيجي كيف يعني.. أنت هتسيب اختك وسطيهم بعد اللي حصل فيها. أنا هدخل أتكلم معاها."
كان عمران يقف على مسافة بعيدة نسبيًا ويتابع حديثهم بصمت تام، بينما جلال فأمسك بذراع أمه يمنعها من الدخول وهو ينحني على أذنها ويهمس بمرارة:
"أمي هي مش عاوزانا.. عاوزة تفضل مع جوزها هي مش لحالها وعمران معاها."
مش هجبرها على حاجة سبق وخسرناها بسبب اللي عملناه فيها، بلاش نخليها تكرهنا أكتر.
تطلعت في عين ابنها الموجوعة، وتلألأت العبرات في عينيها هي أيضاً، ثم نظرت نحو باب غرفتها بحسرة وقلبها ينزف الدماء، وهو يصرخ متوسلاً أن يسمح لها بالدخول لآخر مرة قبل رحيلهم، لكن هيهات.
تقدمت إخلاص من جليلة ووقفت أمامها، تردف بنظرة شيطانية كلها حقد:
_ متزعليش قوي، أنا مش هسيب ولدي لبتك الحرباية، وقريب هخليه يطلقها وترجع لكم.
تعمدت إخلاص أن تتحدث بنبرة منخفضة حتى لا يصل صوتها لأذن ابنها، بينما جليلة فالتهبت نظراتها واشتعل وجهها كجمرة من النار، فراحت تقبض على ذراع إخلاص بعنف وتردف في تحذير مخيف لا يقل تجبر وقوة عن ابنتها:
_ بتي لو جربتي منها واذيتي شعرة واحدة منها، يا إخلاص، هاخد روحك بيدي، سمعاني ولا لأ؟
ضحكت إخلاص بخبث وردت عليها ساخرة:
_ اطمني، هحطها في عيوني، دي مرة الغالي.
كانت على وشك أن تنقض عليها، لكن جلال أوقفها وهو يتأفف بنفاذ صبر ويقول بلهجة رجولية حازمة:
_ بزيادة يا ما، إحنا في إيه ولا إيه، مش وقته كيد الحريم ده، دلوك يلا.
سارت مع ابنها مرغمة، وعيناها عالقة على باب غرفة ابنتها، لا تزيحها عنه حتى توارت واختفت تماماً. توقف عمران وهو يمسح على وجهه متأففاً بتعب، ثم تحرك بخطواته نحو الغرفة، دخل وأغلق الباب مجدداً خلفه، وعندما سقط نظره عليها رآها نائمة في الفراش وتولي ظهرها للباب، فتقدم منها بتريث وجلس على المقعد المجاور لها يتمتم في لين:
_ آسيا!
خرج صوتها ضعيفاً ومبحوحاً وهي تسأله:
_ مشوا؟
_ إيوة.
لم يكن بحاجة ليرى وجهها حتى يتأكد أنها تبكي، يكفيه الشعور بارتجافة صوتها وشهقة أنفاسها السريعة. اعتدل في جلسته وكان على وشك أن يشاركها الفراش ويجلس بجوارها ويضمها لصدره، لكنها أوقفته على آخر لحظة وهي تقول في شدة:
_ هملني لحالي يا عمران، عاوزة أنام وأرتاح.
حدقها بضيق، ثم انتصب في وقفته وألقى عليها نظرة مغلوبة ومنزعجة، قبل أن يستدير وينصرف ليتركها بمفردها كما طلبت.
داخل منزل خليل صفوان، تحديداً بغرفة فريال.
كانت تجلس متربعة فوق الأريكة المقابلة للفراش، وبمنتصف قدميها تضع صحن ممتلئ بسلطة الخضروات، تغرس الملعقة بالصحن وتملأها، ثم تذهب بها لفمها وسط دموعها التي لا تتوقف عن الانهمار فوق وجنتيها.
ليست بالمزاج المناسب للأكل، لكن حملها وشعورها بالجوع المستمر، بجانب تعليمات الطبيب الصارمة لها حول اهتمامها بأكلها وبالأخص الصحة، يجعلها تأكل مرغمة. لا تشعر بطعمه في فمها من فرط الحزن والقهر الذي يستحوذ عليها، وهي لا تستطيع نزع خيانته لها من عقلها وليلته مع زوجته الثانية، كيف فعلها وهو كان يمطرها بالوعود أنه أبداً لن يشم زهرة فوقها مهما حدث طوال حياته، ستظل هي ملكة عرش قلبه لا شريك لها.
ملأت الملعقة ووضعتها في فمها وهي تبكي بصمت وتهتف بغيظ وعينان مشتعلة بنيران الغيرة والحقد:
_ مش بعيد كمان شهر تيجي بواقي الحريم دي تقول أنا حامل، عشان وقتها هقتلهم هما الاتنين. ماشي يا جلال، مبقاش أنا بت إبراهيم الصاوي، أما خليتك تبكي بدل الدموع دم، أنا عارفة كيف هاخد حقي منك.
ألقت بالملعقة في الصحن، ثم وضعته على المنضدة بجوارها، واعتدلت في جلستها، تنزل قدميها على الأرض، ورفعت أناملها لوجهها تجفف دموعها، محاولة البقاء صامدة رغم كل ما حدث ومازال يحدث. ثم أنزلت يدها لبطنها وأخذت تتحسس عليها حيث يسكن طفلها الصغير، لا إرادياً سالت عبراتها مجدداً وهي تتمعن النظر في بطنها وتقول بمرارة:
_ أبوك ميستاهلش حتى يعرف بوجودك. أنا لو لسه واقفة على رجلي ومنهارتش، فده عشانك أنت وإخواتك بس.
توقفت عن البكاء عندما اقتحم الغرفة ابنها الأكبر معاذ، ودخل وهو يقول بتذمر:
_ وينك يا ما، أنا بدور عليكي في البيت كله.
رفعت أناملها وجففت دموعها بسرعة قبل أن يراها، وردت عليه بهدوء:
_ وهو أنا بطلع من أوضتي وأروح مكان غيرها من أساسه يا ولدي.
اقترب منها وجلس بجوارها، ثم دقق النظر في وجهها، وعندما رأى آثار الدموع والبكاء في عينيها سألها بقلق وتعجب:
_ أنتي بتبكي ليه يا ما؟
التفتت له وابتسمت بدفء وهي تهز رأسها بالنفي، متمتمة:
_ مش بتبكي يا حبيبي، دخلت حاجة في عيني، وعشان كده دمعت.
أومأ رأسه بالإيجاب دون أن يعلق، بينما هي فكانت على وشك أن تسأله أين أخيه الصغير، لكن فجأة صدح صوت صراخه وهو يقول:
_ يا ما الحقيني!
انتفض قلبها فزعاً، وبلحظة كانت تثبت واقفة وتهرول للخارج مسرعة، ومعاذ كان يسبقها بسبب خطواته الخفيفة وركضه السريع نحو أخيه.
كان صوت صراخ عمار يأتي من الطابق الثالث حيث غرفة منيرة، فأسرعت شبه راكضة من فرط الرعب وهي تصيح:
_ عــمــار.
فور وصوله للطابق وغرفة منيرة، رأت ابنها يقف أمام الغرفة ويبكي بشدة، وتقف هي تنظر لها بكل قسوة وعدم مبالاة. هرولت فريال نحوه وجثت أمامه تضمه لصدره، مردفة بارتياع:
_ مالك يا حبيبي، إيه اللي حصل؟
رفع الصغير نظراته المرتعدة لمنيرة وقال لأمه بغضب بسيط:
_ جيت أسألها عن أبويا وضربتني يا ما.
اتسعت عيني فريال بصدمة، وسرعان ما تحولت لظلام دامس، وملامحها باتت أشبه بأنثى حيوان مفترس على أتم الاستعداد لالتهام فريستها. ألم يكفيها أن بسببها كانت على وشك أن تفقد طفلها، والآن تضرب ابنها؟ أيقظت الوحش النائم الذي بأعماقها، يهدأ ثورانه إلا وهي تتلوى من الألم أسفله.
اعتدلت فريال وانتصبت واقفة بكل شموخ وهيبة، ثم نظرت لمنيرة بعين تدب الرعب في الأوصال، وسألتها باستنكار:
_ بقى أنتي رفعتي يدك على ولدي وضربتيه!
رمقتها منيرة بعدم اكتراث وقالت في فظاظة:
_ ولدك مترباش وعاوز يتربى من أول وجديد. شكلك معرفتيش تربيه، وكان لازم يتربى على اللي قالوه.
رفعت فريال حاجبها تتصنع الدهشة، ثم نزلت بنظرها لابنها وسألته بلهجة ساخرة وهي تضحك:
_ صح أنت عاوز تتربى يا عمار، وأنا معرفتش أربيك يا حبيبي!
كان على ثغر معاذ ابتسامة استهزاء وتشفي، وهو يرى أمه كيف تقف أمامها بكل قوة وعلى وشك الانقضاض عليها، أما عمار فابتسم لا إرادياً بعد عبارة أمه، رغم وجهه الممتلئ بالدموع.
رفعت فريال رأسها لمنيرة مرة أخرى وضحكت وهي تقول بنظرات تشبه الأشباح التي عادت من الجحيم:
_ طيب إيه رأيك تديني أنتي شوية نصائح في طرق التربية الصحيح، طالما شايفة ولدي مترباش وأنا معرفتش أربي. معلومك أنتِ مفيش في تربيتك ولا أخلاقك يا طاهرة.
لوت منيرة فمها بقرف وردت عليها بعدم اهتمام:
_ أنا مش فايقالك يا فريال، عاوزة تربي ولدك، خديه وربيه بعيد عني.
استدارت وهمت بالدخول لغرفتها، لكن فريال قبضت على ذراعها بعنف وحدقتها بهدوء مرعب، هاتفة بإصرار:
_ أبداً ميصحش، لازم نتكلم وتقوليلي قالك إيه. بس تعالي نتكلم جوا على رواق.
ثم تحركت فريال ودخلت للغرفة بعد أن دفعت منيرة قبلها للداخل، ووقفت أمام الباب وراحت تغلقه وتقول لأولادها بابتسامة شيطانية حتى لا يدخلوا:
_ خليكم اهنه يا حبايبي، لغاية ما مرة أبوكم تديني نصائح التربية.
نظروا الأثنين لبعضهم وهم يضحكوا بخبث وتشفي، وتابعوا أمهم وهي تغلق الباب بكل بطء، وفور انغلاقه اسرعوا واقتربوا منه يضعوا أذنهم عليه ليسمعوا كل شيء.
نظرت منيرة لفريال بريبة وراحت تصيح به بعصبية:
_ جرالك إيه يا فريال، اتجننتي ولا إيه، بتقفلي الباب ليه، اطلعي برا يلا.
رفعت فريال ذراعيها وشمرت عن أكمامها وهي تبتسم لها شراً وتسألها للمرة الأخيرة:
_ قوليلي بقى تاني كده، أنتي عملتي إيه في ولدي وكنتي بتقولي عليه إيه برا.
تقهقرت منيرة للخلف في قلق بسيط من منظر فريال المريب. أما فريال فلم تنتظر ثانية واحدة، وبلحظة وثبت على منيرة وهي تقبض على شعرها وتجذبها منه، صارخة بها بهستيريا:
_ بقى أنتي يا ولية يا عرة بترفعي يدك على ولدي وتقولي عليه مترباش.
ارتفع صراخ منيرة بالمنزل كله، ولسوء حظها أن المنزل فارغ ولا يوجد سواهم به، فلا يوجد أحد لينقذها من بين براثن جموح فريال القاتل.
ألقتها فريال على الأرض وهي مازالت لا تترك شعرها، وراحت تجثو فوقها وبيد تمسك بوجهها وتصفعها، واليد الأخرى تقبض على شعرها وتصرخ بها بكل غل:
_ افتكرتي هدوئي ضعف مني، بس أنا كان لازم أجيبك من شعرك وأرنك العلقة التمام دي من زمان يا *****.. ده أنا هاخد روحك بيدي يا خطافة الرجالة وخرابة البيوت.. بس أقسم بالله وغلاوة ولادي ما هسيبك في البيت ده تاني، وقريب قوي هرميكي أنا بيدي برا زي الكلبة.. نهايتك قربت وهتكون على يدي يا ****.
كان صراخ منيرة وهي أسفل فريال وتتلقى الصفعات منها يجلجل المنزل بأكمله، ومعاذ وعمار بالخارج يسمعون صراخها وأمهم وهي تصيح بها، ويبتسمون بفرحة وانتشاء.
بعد وقت طويل نسبياً، تركتها فريال واستقامت واقفة وهي تصرخ به محذرة بعين ملتهبة:
_ يدك لو رفعتيها على ولادي تاني ولا لمستي شعرة منهم، هقطعلك واصل. اعتبري ده تحذيري الأول ليكي، المرة الجاية هكسر ضلوعك.
بقت منيرة بالأرض تبكي وتصرخ، وشعرها المشعث حولها منظره يثير الضحك والخوف بنفس الوقت. أما فريال فنفضت عن يديها وملابسها بقرف، ثم ألقت عليها نظرة أخيرة كلها نصر، قبل أن تتجه لخارج الغرفة وتفتح الباب وتخرج لأولادها وهي تبتسم لهم وتقول بثقة:
_ إيه رأيكم في درس التربية يا عيال؟
ضحكوا بصوت مرتفع ورد عمار متشفيًا:
_ حلو قوي يا ما، أحسن تستاهل.
ارتفع صوت قهقهتهم، ثم عادوا لغرفة والدتهم بالطابق الثاني مجدداً، وتركوا منيرة مازالت وسط صراخها المتغاظ وبكائها.
بصباح اليوم التالي بالقاهرة.
فتح عمران باب المنزل، ثم التفت ينظر لها بابتسامة دافئة، لم تبادله إياها، بل كانت تحدق بالمنزل في وجه جامد لا روح فيه. التفت خلفها وأمسك بجانبي المقعد المتحرك الذي تجلس عليه، ودفعها للداخل بحرص.
ظل يدفعها بالمقعد حتى وصل لغرفة نومهم، توقف بمنتصف الغرفة، ثم التفت لها، وعندما نظر في وجهها رأى العبرات تملأ وجنتيها، فابتعد خطوتين عنها يجذب المقعد، ثم عاد لها مجدداً وجلس أمامها، ثم رفع أنامله يكفكف دموعها بحنو هامساً:
_ ليه بتعملي في روحك كده يا غزالي؟ الدكتور قال فترة صغيرة وترجعي كيف الأول واحسن.
أبعدت يديه عنها ببطء وابتسمت له ساخرة تقول في يأس:
_ وممكن مرجعش يا عمران، وافضل على الكرسي ده لآخر عمري.
اقترب بمقعده منها أكثر، ومد يديه ليمسك بكفها يحتضنه بين قبضته باحتواء، متمتماً في حنو يملأ نبرته ومعالمه الرجولية الجذابة:
_ متقوليش كده تاني.. ربنا قادر على كل شيء، وخليكي واثقة فيه، ومع العلاج وايمانك في ربنا، هترجعي تقفي تاني، وأنا جارك مش هسيبك لحظة واحدة.
سحبت يدها من قبضته ببطء، وقالت له بعبوس وهي تلوي فمها ساخرة:
_ مش يمكن تزهق مني وتسيبني، محدش عارف إيه اللي ممكن يحصل ولا إيه يتغير. في يوم وليلة الحال بيتغير، واديني قصادك أهو!
تنهد الصعداء مغلوبًا ونظر لها يقول بضيق ملحوظ:
_ آسيا أنا لو كنت عاوز أسيبك كنت سبتك من زمان. أنا بقيت حاسس إني شايف واحدة معرفهاش قصادي. لا ده كلامك ولا تفكيرك.
أشاحت بوجهها للجانب وقالت بألم:
_ وضعي الأول حاجة ودلوقتي حاجة تاني.
أطلق تنهيدة حارة وطويلة، ثم رفع أنامله ووضعها أسفل ذقنها يدير وجهها نحوه مجددًا ويثبت نظره في عينيها يتمتم ببحة رجولية ساحرة:
_ أنا مش شايف اختلاف. لسه كيف ما أنتِ متغيرتيش.
ابتسمت له بحزن مستنكرة محاولاته لإثبات تعلقه ورغبته الحقيقية بها، وعادت تشيح بوجهها مرة أخرى عنه وهي تجاهد في عدم انهمار عبراتها مرة أخرى. لكنها سمعته يسألها بجدية تامة:
_ لو أنا مكانك وحصل معايا كده كنتِ هتهمليني وتمشي ولا تفضلي جارية؟
نظرت له مطولًا بعينيها الدامعة دون رد. كان صمتها خير إجابة على سؤاله بأنها أبدًا لن تتركه. ابتسم بعدما فهم ردها من خلال نظراتها وعاد يسألها مرة أخرى بلهجة استنكارية:
_ لما أنتِ مش واثقة فيا ومش عاوزاني ليه قولتي لناسك أنا مش هسيب جوزي وممشتيش معاهم!
سقطت دموعها رغمًا عنها وقالت له بقوة وسط انهيارها النفسي:
_ عشان أنت عارف زين إني مينفعش أرجع لهم ومليش غيرك.
ابتسم لها بعاطفية ثم عاد يجفف لها دموعها مرة أخرى ويتمتم بنبرة تذيب القلب:
_ لا عشان كيف ما أنا مقدرش أسيبك أنتي كمان مقتقدريش. لكن لو كنتِ عاوزة ترجعي لهم صح كنتِ هترجعي ومكنتش حاجة هتهمك.
أجفلت نظراتها عنه باستسلام تام بينما هو فانحنى عليها ولثم جبهتها بقلة دافئة وهو يتمتم:
_ بلاش تخلي الشيطان يسيطر عليكي بالكلام الفارغ اللي في راسك ده. واطمني أنا جارك ومش هسيب يدك أبدًا لغاية ما تعدي الفترة دي وترجعي بصحتك وعافيتك يا غُزالي.
رفعت عينيها إليه دون أن تجيبه فقط تحدقه بهدوء. مازالت لا يمكنها تقبل وجودها معه بهذا الوضع وهي تعلم أنه لا يحبها وربما فقط يشفق عليها وعلى حالها المزري.
لم تبدي أي اعتراض عندما وجدته يقربها منه ويضمها بين ذراعيه فتستكين برأسها على صدره الدافيء. ابتسمت بحزن وتركت نفسها المعذبة تتذوق النعيم بين ذراعيه، تسقي روحها المشتاقة لأنفاسه ورائحته الرجولية المسكرة. قد يكون هذا هو أقصى درجات الحب التي يمكنها الحصول عليها منه، ولا تنكر أنها بحاجة حتى لمجرد عناق منه ليبث الطمأنينة لقلبها الخائف.
بتمام الساعة السادسة مساءً.. بعد عودة الجميع للمنزل كل منهم ذهب لغرفته ليرتاح من السفر الطويل. أما جلال فقاد خطواته المتعثرة نحو غرفة فريال. وقف أمام الباب للحظات وهو يزفر بحزن يفكر كيف سيبرر لها ما فعله.. وكيف يجعلها تسامحه. هو يعرف أن لا يوجد لديها فرصة أخرى للغفران لكنه لن يتخلى عنها سيظل يحاول حتى تسامحه.
فتح الباب ببطء بعد تفكيره الطويل ودخل ثم اغلقه خلفه وعندما التفت رآها نائمة في الفراش بثبات عميق. فأطلق تنهيدة طويلة ثم تحرك نحوها بهدوء تام. وجلس على طرف الفراش بجوارها بينما هي فكانت نائمة على جنبها الأيمن وتولي ظهرها للباب.
شعرت به وبوجوده بجوارها لكن لم تتحرك وتصنعت النوم. ليس تعبًا لكنها لم تكن حتى ترغب برؤية وجهه ولا مخاطبته. بينما هو فظل يتمعن بها مطولًا في أعين متلألأة بالعبرات. نفورها وكرهها له يقتله بالبطيء. اشتاق لها ولحبها ونظراتها العاشقة له.. ليتها تدرك وتفهم مدى عشقه الجنوني لها.
انحنى عليها من الخلف وراح يلثم شعرها ورأسها بعدة قبلات متتالية وطويلة يبث بها كل أسفه وندمه على ما فعله بها. كانت قبلاته تتحدث بدلًا عن شفتيه وتسألها الغفران. شعر بوخزة لا إرادية في جسدها عندما لمستها شفتيه فعرف أنها ليست نائمة. رفع جسده عنه واعتدل في جلسته ثم راح يتحدث إليها بصوت مبحوح وضائع:
_ سامحيني يافريال أنتي عارفة أني لا يمكن واحدة تاخد مكانك في قلبي ولا المس ست بإرادتي. بس صدقيني أنا مكنتش في وعي ومعرفش كيف عملت كده. بقيت أحاول أبعد بس كنت بحس في حاجة بتمنعني وبتجبرني ومكنتش حاسس بروحي ولا باللي بعمله. أنا حتى كنت شايفها أنتي وكنت فاكر روحي معاكي معرفش كيف صورتك بقت قصادي بدالها. كنت كيف المسحور اللي مش داري بالدنيا حواليه.
كانت تستمع لتوسله في طلب العفو وهو يسرد لها ما حدث محاولًا الدفاع عن نفسه. ودموعها أخذت طريقها لوجنتيها تنهمر بغزارة في ألم يمزق قلبها أربًا. أما هو فتابع كلامه ولكن هذه المرة نبرة صوته كانت تثبت انهياره الداخلي وعبراتها التي سقطت من عينيه رغمًا عنه:
_ أنا تعبت قوي ونفسي اتقطع وأنا بجري في طريق معرفلوش أول من آخر. حاسس روحي تايه ومش عارف أنا فين ولا بعمل إيه. بقيت مش شايف قصادي غيرك. كرهك ليا اللي عمري ما تخيلت إني ممكن أشوفه في يوم من الأيام. وكرهك ده بيقتلني بالبطيء. أنا مش هطلب منك تسامحيني وترجعي كيف الأول عشان أنا عارف زين إنه صعب قوي بس على الأقل خليكي جارية ومتهملنيش. أنا مقدرش أعيش من غيرك أنتي وعيالي. ومش هقولك اديني فرصة تانية بس متدمرّيش كل حاجة بينا بسبب غلطة أنا ندمان عليها. وأوعدك إني هصلحها وهرجع كل حاجة كيف ما كانت قريب قوي. وكل اللي أنتي عاوزاه بعد كده هيحصل.
ابتعدت فريال عنه وهبت جالسة وهي تنظر لها بشراسة وتختفي بغضب وسط وجهها الممتلئ بالدموع:
_ مفيش حاجة هترجع كيف ما كانت. خلصت خلاص والخيانة ملهاش غفران عندي.
رأت دموعه في عينيه تحارب من أجل السقوط وهو يهتف بقلة حيلة وعجز:
_ اقسم بالله ما كنت داري بروحي. أنا لغاية دلوقتي مش عارف كيف ده حصل ولا امتى ولا فين. أنا حاسس كأني كنت بحلم ومش حقيقي. أنا بحبك وبعشقك أنتي ومفيش واحدة تقدر تدخل قلبي لا في وجودك ولا غيابك.
صرخت به منفعلة وهي تبكي بشدة:
_ اطلع برا مش متحملة أسمع صوتك ولا أشوف وشك.
ظل مكانه وهو يتطلع إليه بأسى بينما هي ففقدت السيطرة على نفسها وراحت تضربه بقبضتيها في صدره بعنف وسط صراخها الهستيري به:
_ اطلع برا قلتلك مش عاوزة أشوف خلقتك قصادي.
كبل يديها حتى يهدأها ثم جذبها لصدره وضمها محاولًا امتصاص جموحها وثورانها ولكن حدث العكس حيث انتفضت بعيدًا عنه ودفعته بكل قوتها حتى كاد يسقط من فوق الفراش وهي تصرخ به وتلتقط أي شيء يقع تحت يديها وتلقيه عليها:
_ بعد عني واطلع برا.
كان يحاول تفادي الأشياء المؤذية التي تلقيها عليه والأخير رفع يديه يصيح باستسلام:
_ خلاص اهدي هطلع اهدي.
لم يهدأ ثورانها إلا عندما رأته يتجه للخارج ويتركها. فألقت بجسدها مجددًا فوق الفراش وهي تتنفس بصعوبة وتبكي بعنف.
بمنزل عمران بالقاهرة......
منذ حديثهم الأخير بصباح اليوم وهي لا تنظر له ولا تحدثه حتى حين يحاول تقديم المساعدة لها والبقاء بالقرب منها ترفض وتبعده. ليس نفورًا منه لكنه خوف وانعدام ثقة والأثنين أسوأ من بعض بالنسبة له. بات لا يفهم ما الذي تريده بالضبط حتى تتأكد أنه لا ينظر لها بشفقة ويمد لها يد العون فقط رفقًا بحالتها. هو يريد أن يكون بجوارها ويغمرها بحنانه وحبه خصوصًا في تلك الفترة لكنها لا تسمح له. ورفضها المستمر لا يزعجه بقدر ما هو يؤلمه.
لكنه حسم الأمر أن ينهي تلك السخافة الليلة فلم يعد هناك مجال للمراوغة أكثر. هو ليس برجل يتحمل تلك التصرفات وبالأخص أن كانت من امرأة يريدها ويحبها.
استقام واقفًا من الأريكة التي بالصالة وقاد خطواته نحو غرفتهم بالداخل حيث تجلس هي ولا تغادرها. فتح الباب ودخل فوجدها فوق الفراش تحدق في الفراغ أمامها بشرود. أخذ نفسًا عميقًا وتقدم إليها ثم جلس على حافة الفراش بجوارها وظل يتطلع إليها في قسمات وجه منزعجة. بينما هي فكانت تتفادى النظر إليه وتشيح بعينيها للجهة الأخرى حتى لا تلتقي بعينيه. لكنها سمعته يهتف بصوت رجولي غليظ:
_ هتفضلي على الحال ده كتير كده؟
ردت عليه بخفوت تتصنع عدم فهم مقصده:
_ ماله حالي؟
عمران بخنق ملحوظ ونفاذ صبر:
_ مش عاوزة تبصي في وشي ولا تكلميني كأني عدوك ولا عاوزاني أقرب منك.
أجابته بحزن وهي مازالت تنظر للجهة الأخرى:
_ مش عاوزة أتعبك معايا وأخليك تشيل همي وتخدمني عشان بس مجرد شعور بالشفقة جواك ناحيتي.
حدقها بنظرات ثاقبة كلها غيظ وقلة حيلة. عندما قالت ذلك الكلام بأول مرة ظنها تفوهت به دون وعي منها بسبب حزنها وحالتها النفسية السيئة. لكن يبدو أنها حقًا تعتقده ينظر لها بتلك النظرة الضيقة والسخيفة.
مسح على وجهه وهو يتأفف بعصبية تظهر على ملامح وجهه الصلبة ثم هتف بانزعاج تام:
_ شكلك مش عاوزة تجيبيها لبر ولا الطلقة يمكن أثرت على نفوخك لو بتفكري كده صح.
التفتت له أخيرًا وصرخت به منفعلة:
_ أيوة بفكر كده عشان دي الحقيقة.
ارتفعت نبرته الرجولية وأصبحت مخيفة بسبب عصبيته وهو يقول بصدق:
_ قصدك الحقيقة اللي أنتي رسماها في راسك. لكن الحقيقة صح اللي أنتي مفكرتيش فيها إن مش يمكن أكون بعمل كده عشان بحبك! لو مش عارفة تفرقي بين حبي وشفقتي يبقى متسمميش سمعي بكلامك الماسخ ده تاني.
سقطت تلك الكلمات التي تفوه بها وبالأخص اعترافه بحبه لها كالبرق عليها. فتجمدت مكانها وعيناها اتسعت بصدمة وعدم استيعاب. لوهلة ظنت نفسها تحلم وأنها ستستيقظ الآن أو ربما هذا ليس عمران. كانت معالم وجهها غريبة تمامًا كالأصنام التي لا حركة فيهم. ترمقه بنظراتها التي ترسل إشارات الاستفهام وأسئلة التأكيد عن حقيقة ما تفوه به. لكنه لم يمنحها أكثر من ذلك واستقام من جانبها غاضبًا ثم تركها وانصرف. وبقيت هي كما على وضعها متصنمة لا ترمش حتى بعينيها!
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندى محمود توفيق
مرت ساعات منذ حديثهم الأخير الذي انتهى بجدال غير متوقع واعتراف صادم بالنسبة لها، والنهاية كانت رحيله وهو غاضب دون أن يترك لها فرصة للرد عليه. تركها بين تساؤلاتها الكثيرة ونبضات قلبها المتسارعة، لا تعرف هل يجب عليها الفرح أم القلق. ربما لا تصدقه، وربما كانت لا تتوقع منه اعترافًا بتلك الطريقة الغريبة. أو كانت تنتظره أن يكون أكثر رومانسية كما تخيلته دومًا. لكنه يتركها منذ ساعات بمفردها في وقت ولحظات من المفترض أن يكون فيها معها. ربما هو محق قليلًا في غضبه، ولا تنكر أنها قد تكون أزعجته حقًا بإصرارها على تجاهله وتعاملها بجفاء، حتى لو كانت تعلم أنه لا يحبها. لم يكن عليها أن تكون قاسية هكذا معه وهو يحاول مواساتها ودعمها بكل لطف وحنان. لكن كل هذا لا يبرر تركه لها وسط جحيم تفكيرها وقلبها المتهلب بعد إلقائه لقنبلة غير متوقعة. هي أيضًا من حقها الحصول على تفسير لكل شيء والشعور بصدق مشاعره.
سئمت وحدتها وتمددها فوق الفراش، فقررت الخروج. وكانت على وشك أن تجذب المقعد المتحرك وتحاول الجلوس فوقه، لكنها توقفت عندما وجدت الباب ينفتح ويظهر هو من خلفه حاملًا فوق ذراعيه صينية لطعام العشاء. رمقته بقسمات وجه غامضة، ليست غاضبة ولا سعيدة. بينما هو، فاقترب منها وجلس على آخر الفراش ليضع الطعام بالمنتصف، هاتِفًا لها بخفوت:
"كلي عشان تاخدي العلاج."
رمقته بنظرة قوية تحمل الدهشة وعدم الاستيعاب. يجلس أمامها يتحدث بكل إريحية وكأنه لم يقل شيئًا منذ ساعات. بدلًا من أن يفسر لها ما قاله ويثبت حبه.
ظهر الانزعاج على معالمها، فقالت له باقتضاب وهي تشيح بوجهها للجانب:
"مش عاوزة أكل."
رفع حاجبه بتعجب وقال في نبرة رجولية صلبة:
"مفيش حاجة اسمها مش عاوزة، لازم تاكلي عشان العلاج."
ثم تابع بلهجة تحمل السخرية والضيق الملحوظ، يلقي بتلميحاته المغتاظة:
"لو عايزة ترجعي تقفي على رجلك تاني عشان متحسيش بالشفقة من حد ولا تحسي نفسك تقيلة على الناس."
رمقته شزرًا وقالت بعناد شديد:
"قولتلك مش عاوزة."
مسح على وجهه وهو يتأفف مستغفرًا ربه، ثم حدقها بحدة وقال في لهجة لا تحمل المزاح:
"آسيا أنا مش هدادي فيكي كيف العيال الصغيرة، كُلي."
استقرت نظراتها المشتعلة داخل عيناه، وهي ترمقه بتحدي وعدم اكتراث، ثم تمتمت بنبرة محتقنة:
"اطلع برا وهملني لحالي."
التهبت نظراته واحتقن وجهه من فرط الغيظ، فاستقام واقفًا وقال بلهجة آمرة وهو يشير نحو الطعام:
"أنا هدخل الحمام آخد دش، ولما أطلع ألاقيِكِ خلصتي الوكل ده."
تركها واتجه نحو الحمام، فبقت هي مكانها لدقائق تنظر نحو الحمام وهي تشتعل غيظًا منه، وبين كل لحظة والأخرى عيناها تسقط على الطعام. تحاول المقاومة، لكن شعورها بالجوع يجذبها نحوه بشدة. لوقت طويل نسبيًا جاهدت في البقاء صامدة، لكن بالنهاية استسلمت وراحت تبدأ في تناول الطعام. كان طعمه لذيذ وشهي، وكانت بين صدمتها أنه يملك موهبة الطبخ بهذه الاحترافية، وبين جوعها الشديد الذي يجعلها تأكل بشراهة.
خرج من الحمام بعد الانتهاء، فوجدها انتهت للتو من طعامها، ابتسم وقال لها بغلظة:
"جدعة."
لوت فمها مستهزئة وردت عليه بقرف:
"أكلت عشان مصلحتي بس مش خوف مثلًا كيف ما أنت فاكر."
اتسعت ابتسامته ورد بتأكيد وهو مستمر بتجفيف شعره من المياه بالمنشفة:
"آه ما أنا عارف."
تفادت النظر إليه ومالت برأسها للجانب حتى لا تراه. بينما هو، فأكمل ارتداء ملابسه واقترب من الفراش. رفع الغطاء، وفور جلوسه بجوارها التفتت له وقالت بضيق:
"هتنام جاري ليه!"
جز على أسنانه مغتاظًا منها، ثم هتف بنبرة منذرة:
"نامي يا آسيا وعدي الليلة على خير."
انفعلت وصاحت به بغضب حقيقي:
"مش هعديها يا عمران، ماعوزاكش جاري."
طفح كيله وانفجر بركانه، وكان على وشك أن ينخرط معها في شجار عنيف وهو يصرخ، لكن فجأة انطفأت الأضواء والظلام الدامس ملأ الغرفة والمنزل كله. صمت مخيف هيمن عليهم وهم لا يرون بعضهم من الظلام، لكنها شعرت به يقف ويتحرك لخارج الغرفة وهو يقول لها باستياء وعصبية:
"خليكي لوحدك طالما ما عاوزانيش."
استمعت لعبارته القاسية، ثم سمعت خطواته خارج الغرفة. فظلت هي وحيدة في الظلام فوق فراشها. وبعد ثلاث دقائق بالضبط من التفكير وهي تتذكر كلماته وانفعاله عليها، انهارت في البكاء الصامت. وحزنها زاد الضعف بسبب عدم قدرتها على الحركة وملازمتها لذلك الفراش مجبرة.
بينما كانت منخرطة في البكاء، انتفضت مفزوعة عندما شعرت بشيء غريب يحك بقدميها. كانت ستحاول التحرك لكنها لم تستطع، وبرعب وسط الظلام راحت تصرخ عليه بصوت مبحوح:
"عــمــران."
لحظات معدودة ودخل الغرفة مفزوعًا، ثم أشعل إضاءة هاتفه واقترب منها يسألها باهتمام:
"مالك، إيه اللي حصل؟"
قالت بخوف ووجه ممتلأ بالعبرات:
"حسيت بحاجة بتلمس رجلي."
انحنى عليها وكشف الغطاء عن قدميها، فوجد سترة شتوية مصنوعة من الفرو أسفل الغطاء بجانب قدميها. فابتسم بهدوء وعاد يدثرها بالغطاء مجددًا بعد أن سحب السترة ورفعها أمامها لكي تراها. ثم جلس على الفراش بجوارها ومد أنامله لوجهها يمسح دموعها هامسًا:
"آهدي، مفيش حاجة خلاص."
رمقته بنظرة مليئة بالعتاب والحزن، ودون تردد استمعت لصوت قلبها وراحت تلقي بنفسها بين ذراعيه، تضع رأسها فوق صدره وتحاوطه بذراعيها متمتمة بضعف غريب:
"متهملنيش تاني."
مال ثغره للجانب في بسمة عاشقة، ثم رفع ذراعه يلفه حولها ليضمها إليه أكثر ويقول بعبث وخبث:
"ليه مش كنتي عاوزاني جارك من شوية."
رفعت رأسها عن صدره ونظرت له بغيظ تهتف:
"وأنت ما صدقت قلت الكلمة يعني!"
قهقه بصوته الرجولي الساحر، ثم أجابها بحنو من بين ضحكه:
"طيب يا آسيا، حقك عليا. أديني جارك أهو ومش هسيبك اطمني عاد."
كانت ستبتسم له بحب، لكنها تصنعت الجمود بسبب انزعاجها منه. بينما هو، فتأملها بغرام لثواني قبل أن يميل عليها ويقبلها من جبهتها برقة، ثم يضمها لصدره مرة أخرى.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.
كانت فريال تقف أمام المرآة تنظر لمظهرها وملابسها الجديدة ووجهها الذي قامت بتزيينه بمساحيق الجمال وارتدت حجابها. ثم خرجت من الغرفة وقادت خطواتها للدرج تقصد الطابق الأرضي. عندما وصلت رأت جليلة وجلال يجلسون على الأريكة ويتحدثون بجدية. فتنحنحت بقوة وتحركت نحوهم، ثم جلست على مقعد بعيد نسبيًا عنهم وهي تلقي بنظرها بعيدًا عن زوجها الذي يتأملها بحزن. بعد لحظات معدودة التفتت أخيرًا وتبتتت نظرها على جليلة، ثم سألتها باهتمام:
"آسيا كيفها يا مرت عمي؟"
تطلعت لها جليلة للحظات بوجه خالي من التعابير قبل أن تجيب عليها بخفوت امتزج بخنقها:
"زينة الحمدلله. لكن أخوكي ضحك على بتي وخدها تحت دراعه، مرضيتش ترجع معانا ولا تبص في وشنا."
تنهدت فريال الصعداء بعبوس وردت في بساطة وجدية:
"أنتي عارفة أن عمران ملوش صالح. لو في سبب لتصرفات آسيا فهو أنتوا واللي عملتوه معاها. لكن هي دلوقتي طبيعي ترفض تسيبه وهي بتحبه."
اتسعت عين جليلة بدهشة وبسرعة هتفت مستاءة بشدة:
"تحبه كيف يعني وميتا لحقت تحبه؟ أنتي بتخرفي يا فريال ولا إيه!"
ومن فريال شفتيها ببرود وردت عليها مبتسمة:
"لا بقول الحقيقة ونصيحة يا مرت عمي تتقبليها، عشان خلاص آسيا حتى لو سامحتكم مش هترجع تاني ولا عمران هيسيبها."
التفتت جليلة نحو جلال الذي كان يتابع حديثهم بصمت وهتفت له منفعلة تشتكي زوجته بخنق:
"شايف مرتك بتقول إيه يا جلال. جاية تحرق دمي."
مالت فريال بوجهها للجانب وكتمت ضحكتها بصعوبة، بينما هو فتنهد ورتب على ذراع أمه بحنو وهو يقول بزنانه:
"مش مهم ياما اللي بتقوله فريال. المهم دلوقتي أن آسيا تسامحنا الأول. متضايقيش روحك عاد وقومي روحي أوضتك ريحي جسمك ونامي."
لوت جليلة فمها بانزعاج ملحوظ، ثم ألقت على فريال نظرة أخيرة ممتلئة بالغيظ واستقامت واقفة لتتحرك باتجاه الدرج تقصد غرفتها بالأعلى.
فور انصراف جليلة هبت فريال واقفة، وكانت ستهم بالصعود لغرفتها هي أيضًا، لكنه أسرع نحوها وقبض على ذراعها بلطف وهو يهمس لها برجاء:
"فريال تعالي معايا المكتب جوه عايز أتكلم معاك عشان خاطري."
جذبت يدها من بين قبضته بعنف ورمقته شزرًا وهي تقول بقسوة:
"مفيش حاجة بينا نتكلم عليها غير العيال. ولو عايز تقول حاجة تخصهم يبقى قول دلوقتي، مش عايز يبقى متتكلمش معايا واصل."
التفتت وسارت باتجاه الدرج، لكن أوقفها ابنها الصغير الذي دخل من باب المنزل وهو يصرخ بفرحة:
"أما.. أبوي."
استدارت له وهي تبتسم باستغراب على حماسه وفرحته، ثم تقدمت منه لتقف بجواره فتراه يخرج ورقة مستطيلة كبيرة بها شهادة تقدير على درجاته المرتفعة والجيدة في امتحانات منتصف العام ويقول بسعادة طفولية جميلة:
"المدرسة النهاردة كرمت اللي طالعين الأوائل، وأنا ومعاذ كنا من الأوائل. بصي يا ماما."
اتسعت عيني فريال بدهشة امتزجت بفرحتها الغامرة وهي تلتقط الورقة من ابنها وتتمعنها بتدقيق. بينما معاذ فأخرج شهادته وأعطاها لوالده، وهو سعادته الذي تظهر على ملامحه لا تقل عن أخيه الصغير.
لمعت عيني فريال وامتلأت بالعبرات من فرط شعورها بالفخر والسعادة لنجاح أولادها، وراحت تحتضنهم وتضمهم لصدرها وهي تلثم شعرهم بقبلات متتالية وتتمتم:
"عيالي الشطار حبايب أمهم اللي دايمًا رافعين راسي، عقبال ما أشوف شهادة تخرجكم كده يا حبايبي وأفرح بيكم."
انحنى جلال على رأس كل من ولديه وقبلهم بحنو متمتمًا في نبرة أبوية جميلة:
"عشان الدرجات الحلوة دي يلا جهزوا روحكم بكرة فيه مفاجأة."
قفزوا الاثنين فرحًا وهم يصرخون وسط ضحك فريال وجلال عليهم. لكن الجميع توقف عن الضحك عندما ظهرت منيرة وهي تسأل بوجه ساخر بعض الشيء:
"إيه بتصرخوا على إيه كده؟!"
تبادل الطفلين النظرات المشمئزة فيما بينهم، بينما فريال فثبتت عيناها على منيرة وهي تتمعنها بثقة وشموخ. وعندما وصلت أمامهم ووقفت بجوار جلال، ابتسمت فريال بخبث وراحت تسألها:
"كيفك دلوقتي يا منيرة؟ العيال بيقولولي مطلعتيش من أوضتك من وقت الدرس اللي ادتهولك."
التهبت عيني منيرة وهي تتطلع في فريال، أما جلال فراح ينقل نظره بينهم، ثم سأل فريال بخشونة:
"درس إيه ده؟"
تحدث عمار وهو يقول متشفيًا في زوجة أبيه:
_أصل مرت أبوي ضربتني لما كنت مسافر يابوي وأمي أدتها درس زين قوي.
ظهر الذهول على معالم جلال الذي بظرف لحظة راح ينظر لمنيرة ويهتف لها ببشائر غضب مخيف:
_اللي بيقوله ده صح!!
ارتبكت منيرة ولاح الخوف على ملامحها وهي تدافع عن نفسها أمامه:
_مضربتهوش ياچلال زعقلته وعشان هو قل أدبه عليا بس.
تدخلت فريال وتقدمت منها لتقف أمامها مباشرة وتقول بنظرات نارية ولهجة محذرة:
_ولدي مبيكدبش، متربي احسن تربية مش كيف تربيتك.
منيرة بعصبية شديدة:
_احترمي روحك يافريال واتكلمي زين معايا.
قبض جلال على ذراع فريال برفق وهمس له بنبرة لينة:
_فريال خلاص مش قصاد العيال مينفعش إكده.
جذبت يدها من قبضته وصاحت به هو ومنيرة منفعلة:
_لو رفعت يدها على ولادي تاني هكسرهالها المرة الچاية.
جلال بحدة وغضب حقيقي بدأ يظهر:
_بزيادة عاد يافريال متنسيش أنهم عيالي كمان يعني مش أنتي وحدك اللي هتخافي عليهم.
ابتسمت له ساخرة ثم اقتربت منه وانحنت على أذنه تهمس له بلهجة لا تحمل الشفقة في صوت منخفض:
_مهو واضح قوي حبك لولادك.. لو كنت بتحبهم صح مكنتش هتجبلهم الشيطانة دي في البيت.
رأت تحول ملامحه لشكل مريب وبينما كانت على وشك الانصراف منعها بيده التي حاوطتها من خصرها بقوة، ثم نظر لمنيرة وقال لها بحدة:
_اطلعي فوق واستنيني حسابي معاكي بعدين.
ثم التفت نحو أولاده واملى عليهم تعليماته الصارمة:
_وانتوا يلا على اوضتكم فوق.
بينما فريال فكانت تحاول التملص من بين قبضته وهي تتطلعه شزرًا لكنه لا يبالي بالتواء جسدها بين ذراعه وفور رؤيته لزوجته وأولاده وهم يصعدون الدرج متجهين لغرفهم، انحنى بسرعة وحمل فريال فوق ذراعيه وهو يتجه بها نحو غرفة مكتبه الخاصة وسط صياحها المنفعل به ومقاومتها الشديدة له.
***
فتحت آسيا عيناها بانزعاج على أثر أشعة الشمس المتسللة من النافذة، شعرت بملمس دافيء ومريح أسفل رأسها وعندما رفعت رأسها أدركت أنها نائمة بين ذراعيه ورأسها كانت فوق صدره، تأملته وهو نائم وعلى ثغرها ابتسامة مغرمة جميلة ولوهلة تمنت أن تبقى طوال اليوم على هذا الوضع ولا تبتعد عنه، لكن سرعان ما اختفت بسمتها عند تذكرها لشجارهم بالأمس واعترافه بحبه لها بطريقة مثيرة للانفعال ومن ثم تصرفه بكل برود وكأنه لم يقل شيء، غلت الدماء في عروقها وراحت تتوعد له.. أن كان اعترافه حقيقي فهي تعرف جيدًا الطريقة المناسبة لجعله يأتي لها مجددًا ويركع أسفل قدميه طالبًا العفو منها على حماقته.
ابتعدت عن حضنه ومدت يدها لمقعدها المتحرك تجذبه نحو الفراش ثم جلست وحاولت تحريك جسدها حتى نجحت بالنهاية وجلست فوق المقعد ثم تحركت به للحمام ودخلت وبعد ثانية بالضبط توقفت وعادت بالمقعد للخلف مجددًا تلقي نظرة عليه فوجدته نائم ضيقت عينيها بغيظ وراحت تدخل مجددًا وهذه المرة صفعت الباب بقوة كادت تخلعه من مكانه، انتفض هو مفزوعًا على أثر صوت الباب وعندما التفت بجواره ولم يجدها وبظرف لحظة ربط بين عدم تواجدها وصوت الضجة المرتفعة الذي استيقظ مفزوعًا عليها فظن أن صابها مكروه، كل ذلك حدث بثواني حيث وثب واقفًا واسرع نحو الحمام وهو يفتح الباب عليها هاتفًا:
_آسيا أنتي كويسة؟
شهقت بصدمة وراحت تصرخ به مزعورة:
_إيه ياعمران مش تخبط الأول!
رآها تجلس فوق مقعدها وسالمة ليس بها أي مكروه فغضن حاجبيه متعجبًا ثم أردف بخفوت يحمل بعض الأمل:
_أنتي قومتي لوحدك وچيتي الحمام؟
سكتت لثواني مستنكرة سؤاله قبل أن تجيبه ضاحكة:
_أنت شايف إيه!
تقدم نحوها وجثى أمام مقعدها وهو يحدق بوجهها ويسألها بقلق ودفء:
_يعني أنتي زينة ومحصلكيش حاچة لما قعدتي لوحدك على الكرسي.
عادت برأسها للخلف وهي تتأفف بقلة حيلة ثم عادت له مجددًا وقالت بجدية بسيطة:
_عمران أنت شايف احنا وين.. أنا في الحمام ممكن لما اطلع نكمل كلامنا.
رغم انزعاجه منها لكنه كبت غيظه وحوله لمرح وخبث حيث راح يغمز لها ويقول بنبرة لعوب:
_ونكمل لما نطلع ليه ما أنا معاكي أهو وقاعد جمبك عشان اساعدك لو احتجتي حاچة.
فغرت شفتيها وعينيها بصدمة وبسرعة راحت تهتف به برفض قاطع وخجل ملحوظ:
_أنت مهتم بيا وعاوز تكون چاري في كل وقت وكل حاچة وأنا مقدرة ده ومشكور يامعلم بس مش للدرچادي، دي الحاچة الوحيدة اللي مينفعش تكون فيها چاري.
كان ينظر لها بابتسامة عريضة وهو يسمعها واستمر ضحكه وصمته حتى بعدما انتهت وتوقفت عن الحديث فتقوست هي ملامح وجهها بقلق حقيقي وارتباك من نظراته وسكونه وقالت له بحزم:
_عمران اطلع برا قاعد قصادي إكده ليه!
ضحك بقوة على تعابير وجهها ثم انتصب واقفًا وتمتم له بمكر وهو يغمز بثقة:
_هطلع متقلقيش، ومسيرك هتحتچيني في حچات تاني كتير ياغزال.
تابعته بنظراتها المندهشة من تصرفاته الغريبة وتلك الوقاحة التي تظهر لأول مرة منه وفور انصرافه انطلقت ضحكتها الصامتة رغمًا عنها...
دقائق طويلة نسبيًا قضتها داخل الحمام وعند خروجها وجدته يجلس فوق الفراش ويتحدث في الهاتف مع بشار.. فهمت من كلامه أنه يتحدث عن العمل وعدم قدرته على الذهاب وهو يلقي بتعليماته الجادة على ابن عمه حتى يتابع الأعمال هو بدلًا منه هذه الفترة.
كان هناك بعض الأسئلة التي تسبح في عقلها لكنها أثرت تجاهلها رغم صعوبة ذلك وتصرفت بعدم اهتمام، حيث تحركت بمقعدها نحو المرآة ووقفت أمامها ثم جذبت فرشاة الشعر وبدأت بتسريح شعرها، كانت بين كل لحظة والأخرى يسقط نظرها على صورته في انعكاس المرآة فتراه يتمعنها بعمق فتشيح بنظرها بسرعة في اضطراب ملحوظ، لكن فجأة وجدته يتحرك وينحنى عليها من الخلف وهو يمد يديه ويجذب مقعدها للخلف، تجمدت يدها مكانها وهي ممسكة بفرشاة الشعر وانتهى الأمر وهي أمامه بالمقعد وهو خلفه يجلس فوق الفراش، وخطوته التالية كانت جذب الفرشاة منها وكل ذلك كان يتم بكل الحنو والرفق منه مما جعلها متسمرة مكانها كالصنم لا تحرك رأسها حتى ومستسلمة لكل فعل وحركة منه، عقلها يصرخ عليها وبذكرها بوعدها منذ قليل بأنها ستتجاهله وقلبها مسير وراء عواطفه.
شعرت به وهو يمرر الفرشاة بين خصلات شعرها يسرحه لها بكل رفق، أغمضت عيناها بسكينة وهي تبتسم بحب، كانت تشعر أنه يفهم ويدرك جيدًا تأثير تصرفاته عليها ويستمر بفعلها لهدف معين لا تعرفه، ويبدو أن المبارة هذه المرة لن تكون لصالحها كما اعتادت.
قطعت الصمت الجميل الذي بينهم بسؤالها الذي كان يأكلها أخيرًا:
_أنت مش هتروح الشغل لا وإيه؟
أجابها بهدوء تام وهو مستمر بتسريح شعرها:
_لا بشار قاعد إهنه وهيكمله بدل مني.
طرحت سؤالها الثاني وهي تنتظر سماع إجابه خاصة:
_وأنت مش هتنزل ليه؟
كأنه قرأ أفكارها فابتسم عند سؤالها وأجابها بنبرة رجولية تذيب القلب:
_عشانك.. مينفعش اهملك لحالك في البيت.
منعت ابتسامتها من الظهور وقالت بخفوت محاولة إظهار التمنع:
_بس أنا زينة وأنت شوفتني بنفسك كيف بقوم لوحدي.
سرت قشعريرة في جسدها كله عندما شعرت بأنفاسه خلف أذنها ويده التي امتدت لتحتضن كفها وترفعه لثغره ليلثمه بحب متمتمًا:
_بس أنا مش هبقى مطمن عليكي ياغزالي غير وأنتي قصاد عيوني، دلوك مفيش حاچة بنسبالي أهم منك ياغالية.
التفتت له برأسها وطالعته بعينان دامعة ثم سألته بخوف:
_عمران هو أنت بتعمل إكده عشان حاسس بالذنب وأن اللي حصلي بسببك وأنا فديتك بروحي.
ظهر الانزعاج على ملامحه بلحظة ثم أردف لها بنفاذ صبر وضيق:
_تاني يا آسيا!!.. مش هنخلص عاد من الحوار ده ولا إيه!!.. بزيادة كفياكي متسمميش فرحتك وراحتي بكلامك ده أبوس يدك.
عادت برأسها للأمام في وجه عابس ورغم محاولاتها لحبس دموعها لكنهم انهمروا لا إراديًا، فوجدته يدير مقعدها لتصبح مواجهة له وبيده يمسح دموعها وينحنى عليها يلثم جبهتها وشعرها بعدة قبلات متتالية وسط همسه المحب لها:
_أنا اكتر حاچة بتنمناها دلوك إنك ترچعي تقفي على رچلك تاني، مش عشاني لا عشانك، عشان مبقتش متحمل اشوف كسرتك ودموعك اللي مبتچفش من عيونك، وصدقيني أنتي بس تقومي من تاني وأنا مش هحرمك من حاچة واصل وكل طلباتك أوامر، بس أنا دلوك مش طالب منك غير حاچة واحدة إنك تستحملي شوية وتخليني امسك يدك واقف چارك عشان نعدي المحنة دي على خير، عايز أشوفك قوية كيف ما متعود عليكي.
تمتمت بصوتها المبحوح والبائس:
_ضعفي وكسرتي أنا مش بسمح لمخلوق يشوفهم غيرك أنت بس.
احتضن وجهها بين كفيه وهمس وهو ينظر في عيناها بحب:
_اسمحيلي كمان أكون چارك وبزيادة كلامك الماسخ ده متبعدنيش عنك.
ردت عليه بالصمت وسط دموعها فضمها هو لصدره وهو يقبل شعرها لوقت طويل ثم همس لها بخفوت:
_هنفطر وبعد إكده هنبدأ جلسات في البيت وتدريب كيف ما قال الدكتور.
ابتعدت عنه وهزت رأسها بالموافقة في صمت فابتسم لها وعاد يلثم ظاهر كفها من جديد قبل أن يستقيم واقفًا ليتركها ويغادر.......
***
وجدت نفسها حبيسة داخل مكتبه بعدما اغلق الباب عليهم حتى يمنع خروجها منعًا باتًا، فحدقته بنظرة مشتعلة وصاحت به:
_چلال افتح الباب وطلعني.
كان اللون الأحمر يملأ وجهه كله من فرط الغيظ ولم يكترث لها بل تقدم إليها بخطوات متريثة، وهي استمرت في التقهقهر للخلف وهي ترفع سبابتها في وجهه وتحذره بغضب امتزج بتوترها الملحوظ:
_وقف عندك ومتقربش مني.. لو فكرت تلمسني مش هيحصل طيب يا چلال.
لا يسمعها ولا يهتم بأى كلمة تقولها حتى تحذيرها له استفزه أكثر فراح يجذبها من خصرها بقوة لتصطدم بصدره عنادًا بها ويهتف بنفاذ صبر وغيظ:
_اديني لمستك وريني هتعملي إيه يلا.
التهبت عيناها وبلحظة غضب وعدم وعي منها رفعت يدها في الهواء وكانت على وشك أن تصفعه لكنه قبض على كفها في الهواء وانزله مجددًا في أعين مخيفة، ثم هتف لها بمرارة:
_أنا غلطت مرتين، وأول مرة صحيح كنت استحق عقابك ليا لأني عملتها وأنا واعي، وتاني مرة رغم أني قعدت فوق راسك وأنا بترجاكي وبحلفلك إني مكنتش حاسس بروحي ولا باللي بعمله محاولتيش حتى تفهميني...
صرخت به وهي تقاطعه بمنتصف حديثه:
_أنت اتچوزت عليا وفوق ده قضيت ليلتك معاها وهي في حضنك وعايزني افهمك كيف يعني، وحتى لو مكنتش داري بروحك كيف ما بتقول صح برضوا أنت السبب في كل ده لو مكنتش ضحيت بحبنا وكسرتني واتچوزت مكناش هنوصل للمرحلة دي.
فغر عيناه بصدمة هتف مستنكرًا:
_مين اللي ضحى.. هو مش أنتي اللي هملتيني من غير ما تفهمي حاچة وطلبتي الطلاق وكنتي عاوزة تاخدي عيالي.. كان عندك استعداد تهدي كل حاچة في لحظة وأنتي أصلًا محاولتيش تواجهيني وتسأليني.
فريال بعصبية شديدة:
_متقارنش غلطك بغلطي، اللي أنت عملته ملوش غفران.
أنت كأنك ما صدقت تلاقي فرصة عشان تروح تتجوز عليا.
صرخ بها منفعلًا:
_مش عاوزة تقتنعي إنك غلطانة وليكي سبب في اللي احنا فيه دلوك.. انتي شايفيني الشيطان اللي في القصة دي وأنتي الملاك اللي مبيغلطش.
صرخت مثله في عناد:
_وأنت عايش دور الضحية يا جلال.
هدأت نبرة صوته وظهر بها العجز وانعدام الشغف في مزيد من جدال لإثبات عشقه لها:
_أنا بحبك.
ارتخت عضلات وجهها وكذلك جسدها ثم أجابت عليه بألم:
_مش عاوزة حبك لو هتحبني إكده يبقى متحبنيش أحسن.
نظر في عيناها بلمعة أمل وشجن:
_وأنتي مكنتيش بتحبيني! اللي أنا شايفها قصادي مستحيل تكون فريال حبيبتي.. القسوة اللي في قلبك والكره ده عمري ما شوفته منك.
تلألأت العبرات في مقلتيها وهي تجيبه بأسى:
_أنت قتلتها يا جلال، فريال اللي كنت بتحبها وتعرفها قتلتها.
جلال بصوت موجوع ويمزق القلوب:
_ومين قالك إني عايش أنا مت معاها من زمان.. ومين عارف يمكن قريب متلاقنيش صح وقتها هتبقى ارتحتي مني واصل.
انهمرت دموعها غزيرة فوق وجنتيها بعد عبارته الأخيرة ووجدته يتركها ويبتعد عنها ليجلس فوق الأريكة ويناولها مفتاح الباب وهو يدفن وجهه بين راحتي يديه متمتمًا:
_اطلعي يا فريال.. حبسي ليكي مش هيفيد بحاچة ولا هيخليكي ترجعي تحبيني وتغفري.
بقت مكانها لوقت طويل وهي تتمعنه وسط بكائها ثم جذبت المفتاح من يده واتجهت نحو الباب، لكن بمنتصف الطريق توقفت على أثر دوار شديد داهمها وبظرف ثواني كانت الرؤية تتشوش أمامها وكل شيء يصبح أسود ولم تشعر بنفسها سوى وهي تسقط فوق الأرض فاقدة الوعي.
داخل منزل عمران بالقاهرة.....
كان يمسك بيدها ويحثها على الوقوف لكنها كانت متسمرة بمقعدها دون حركة وتتطلعه بخوف وتردد ثم تقول له:
_مش هقدر يا عمران.
انحنى عليها أكثر وأمسك بذراعيها ولفهم حول رقبته ثم تمتم لها مبتسمًا بثقة:
_هتقدري ارمي حملك كله عليا وحاولي تقفي واحدة واحدة.
التقت نظراته المرتبكة مع عيناه الثاقبة فابتسمت تلقائيًا برقة، وبدأت تحاول النهوض من المقعد والوقوف على قدميها، بعد محاولات صعبة وطويلة نجحت في الوقوف أخيرًا، فابتسم هو لها بفرحة ثم ضمها أحضنه وتعلقت هي برقبته ودفنت وجهها بين ثنايا رقبته وكان هو يحاوط خصرها بذراعيها ويساعدها على الحركة بكل حرص وبطء، وهي رغم الصعوبة التي تواجهها في رفع قدميها حتى لكنها كانت تفعلها لتسمعه يهمس لها في أذنها وهو يضحك بلؤم:
_إيه مرتاحة في حضني.
ابتعدت برأسها عن كتفه ونظرت له تهتف في غيظ:
_متبقاش مستغل للفرص.
كان لا يفصل بين وجهيهم عن بعض سوى سنتي مترات بسيطة، فابتسم ونظراته تتجول على وجهها برضا واضح عن ذلك الوضع، ثم همس لها ببحة رجولية تذهب العقل:
_اللي أنا شايفه إنك أنتي اللي لغاية دلوك لساتك بتستغلي أي فرصة عشان تفضلي فيها جاري وفي حضني.
شعرت نفسها مغيبة مغناطيسيًا أمام نظراته وبحته الرجولية وبكل خضوع سألته في نعومة أنثوية:
_أنت عاوز إيه يا عمران؟
ابتسم بمكر ثم انحنى عليها ولثم وجنتيها بقبلة دافئة وابتعد للخلف مجددًا ليتأمل في تلك العيون الساحرة التي تسحبه وتجذبه لداخلها بكل مرة ينظر لها ويهمس برد منحرف تمامًا عن سؤالها:
_عيون الغزال دي خدت عقلي، جمالها كيف السحر اللي بيجرني لطريق معرفلوش آخر.
انعقد لسانها وتلونت وجنتيها بحمرة الخجل، أو بالمعنى الأدق وجهها كلها أصبح عبارة عن بندورة من الطماطم الأحمر، لا تملك القدرة على الرد ولا حتى الابتعاد عنه والتوقف عن التأمل في ملامحه الرجولية الجذابة، كان لديها فقط عجز في الحركة والآن أصبح الكلام أيضًا.
ضربت إنذارات الخطر بعقلها عندما شعرت به يقترب منها لا إراديًا والفراشات بدأت تحلق في معدتها وقلبها ينبض بعنف، للحظة كانت ستضعف وتستسلم لكل شيء لكن بسرعة قالت في صوت مبحوح ومتلعثم:
_عمران أنا تعبت وعاوزة اقعد.
فاق من سحر تلك العينان وحالة الغرام ليدرك الوضع الحقيقي أنها مازالت مريضة ولا يجب أن تقف لوقت أكثر من الذي حدده الطبيب، فانحنى عليها وحملها فوق ذراعيها لتهشق هي وتسأله بتعجب:
_شلتني ليه؟
تمتم بهدوء وهو يتجه بها نحو الفراش:
_هريحك على السرير.
وضعها فوق الفراش برفق وحذر شديد ثم انتصب في وقفته واستدار ليهم بالخروج لكنها قبضت على كفه برقة ونظرت في عينيه تهمس له:
_خليك جاري يا معلم.
ابتسم لها باتساع وظهر تأثره الشديد برقتها وأنوثتها فتمدد بجوارها وراح يضمها لحضنه مرة أخرى وهو يتمتم بسعادة:
_بس بس.. أنتي تطلبي بس يا غزال.
رفعت رأسها عن صدره وابتسمت بسخرية لتردف:
_شوفت عاد مين اللي مستغل للفرص!
وجدته ينفجر في الضحك فأخذت تتمعنه بحب حتى رأته يغمز لها ويسألها بهيام ملحوظ:
_أنتي قولتي إيه من شوية لما مسكتي يدي.
صمتت لبرهة تحاول فهم ما يريد سماعه وفور إدراكها ضحكت وراحت ترسم الدلال والغنج على محياها وهي تتمتم بأنوثة تذهب العقل:
_يامــعــلم.
راقبت تعابيرات وجهه الذائبة وهي تضحك ثم سمعته يقول بصوت يتصنع الصمود:
_نامي يا آسيا وارتاحي نامي.
هتفت وسط ضحكها:
_أنا مش عاوزة أنام.
عمران بنفاذ صبر مغلوبًا:
_خلاص اقعدي ساكتة واستمتعي بالهدوء.
قالت باسمة بلؤم:
_حاضر يا معلم.
رمقها بطرف عيناه رافعًا حاجبه فقهقهت بقوة وسكنت بين ذراعيه بينما هو فكان بأنامله يعبث بخصلات شعرها في رقة.
بعد انتهاء الطبيب من فحصه لفريال خرج جلال معه خارج الغرفة ليتحدثوا وراح يسأله باهتمام:
_الإغماء ده طبيعي ولا إيه يا دكتور؟
ابتسم له الطبيب وتمتم بالنفي:
_هو للأسف مش طبيعي بيكون بسبب المجهود الكبير أو الضغط النفسي وعدم الأكل والاهتمام بالصحة وكله ده مؤشر خطر لو استمر الوضع على الحال ده وخصوصًا أن المدام لسا في الشهور الأولى بس هي حاليًا كويسة ومفيش أي خطر أو قلق على صحة المدام والجنين كمان.
اتسعت عيني جلال بصدمة واستحوذ عليه السكون الغريب للحظات يحاول استيعاب ما يقوله الطبيب ثم ردد خلفه بعدم فهم:
_چنين!!.. چنين إيه؟
ضيق الطبيب عيناه باستغراب وهتف:
_أيوة المدام حامل في الشهر التالت.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ندى محمود توفيق
التفتت برأسها للجانب فور سماعها لصوت الباب. وعندما انفتح وظهر هو من خلفه، أشاحت بوجهها فورًا للجهة الأخرى. فجدالهم هذه المرة سيكون مختلف تمامًا، وربما سترى جانب منه لم تراه من قبل.
اقترب جلال بخطوات متريثة حتى وصل لفراشها، فوقف لثوانٍ ينظر لها بعيناه المظلمة قبل أن يجذب المقعد ويجلس بجانب الفراش وهو مستمر في التحديق بها. وجهه تعلوه قسمات السخط والخزي، وهي كانت تتفادى النظر إليه، ربما خوفًا، وربما خجلًا من ذنبها.
طال صمتهم للحظات قبل أن يسألها بصوت محتقن من فرط الاستياء:
_ ياترى كنتي ناوية تقوليلي أمتى؟ لما تولدي ولا لما ميبقاش في عيل واصل!
رفعت رأسها ورمقته شزرًا بعدما فهمت تمليحه بكلماته الأخيرة، وقالت له في عناد:
_ مكنتش هقولك.
ابتسم ساخرًا منها وهو يحاول تمالك أنفعالاته حتى لا يفقد السيطرة عليها:
_ وده كنتي هتخبيه عني كيف عاد!
_ مكنتش هقولك يا جلال غير بعد ما تطلقني.
تقوست ملامح وجهه بشكل مرعب، وفجأة انتفضت زعرًا على أثر صرخته المدوية بها:
_ قولت مليون مرة الطلاق ده شيليه من راسك، عيالي مش هيتربوا بعيد عني.
صاحت به في عصبية:
_ وأنا مكنتش هقولك بحملي عشان إكده، عشان عارفة زين إنك هتصمم على عدم الطلاق بعد ما تعرف.
ارتفعت نبرته الرجولية المخيفة أكثر وهو يصيح بها:
_ اللي في بطنك ده ولدي وملكيش حق إنك تخبي عني لشهور كمان. كل اللي جرا بينا حاجة وده حاجة تاني واصل. لكن أنتي شكلك قويتي قوي ومعدتيش عارفة بتعملي إيه ولا بتطيحي في مين.
اعتدلت في نومها وهبت جالسة تصرخ به في قسوة:
_ وأنا قولتلك مية مرة مش عاوزاك وعاوزة اتطلق منك.
جمود الملامح كان رده عليها وعلى نفورها. بل ولأول مرة ترى الجمود يتحول لجفاء مماثل لقسوتها، حتى يقول لها بعدم اكتراث وبرود:
_ للأسف مضطرة تستحمليني. أنا قولتلك في المكتب تحت مفيش حاجة هتخليكي ترجعي تحبيني تاني، وأنا لولا عيالي الاتنين والتالت اللي جاي مكنتش كملت أكتر من كده مع واحدة ماعوزانيش ولا طايقة تبص في وشي وكنت طلقتك. لكن في بينا تلات عيال وأنا مش هبعد عيالي عني واصل، يعني أنتي مجبورة تعيشي مع راجل مبتحبهوش. كيف ما أنتي عندك كرامة أنا كمان عندي، رغم إني دست عليها مية مرة عشانك لأني غلطت وحاولت بكل الطرق أخليكي تسامحيني، لكن أنتي كل مرة كنتي بتثبتيلي كرهك ليا ونفورك مني وأنا معدتش مستحمل. لكن هستحمل عشان عيالي كيف ما أنتي مجبورة تستحملي عشانهم. لو الحب إكده معاوزهوش، يافريال.
كانت تستمع لذلك الرجل الغريب بذهول. تريد تكذيب سمعها، لكنها لا تستطيع تكذيب نظرها وهي ترى البرود وانعدام الحب في عينيه تجاهه. وهو يضربها سهام الهجر أنه لولا أبناؤه لما استمر معها، وأنه لم يعد يريد حبها ولا يريدها.
اغروقت عيناها بالدموع وسقطت عبراتها غزيرة فوق وجنتيها. بينما هو فاستقام واقفًا وألقى عليها نظرة قاسية وهو يهتف محذرًا إياها:
_ ولو شيطانك وزك عشان تنزلي العيل يافريال، متلوميش غير روحك على اللي هتشوفيه مني.
هل يظنها حقًا قد ترتكب ذنبًا كهذا وتقتل طفلها بسبب غضبها منه؟ وجدت شلالًا من الدموع يسيل على وجهها بعدما تلقت تحذيراته الأقرب إلى تهديد. وتابعته بنظراتها المنكسرة وهو ينصرف ويتركها وحيدة وسط انهيارها.
مدت يدها للمنضدة الصغيرة المجاورة للفراش حتى تلتقط الممسحة الورقية التي فوقها. لكنها انزلقت من يدها وسقطت على الأرض. تأففت بخنق ثم انتصبت جالسة ونزلت من الفراش، وعندما انحنت على الأرض بجانب الفراش لكي تلتقط الممسحة الورقية، لمحت شيئًا غريبًا يظهر طرفه من أسفل مرتبة الفراش. فضيقت عيناها باستغراب ودون تفكير راحت ترفع طرف المرتبة. فرأت أسفلها كيس أسود صغير وتفوح منه رائحة نتنة. رفعت أناملها تغلق أنفها من الاشمئزاز. فقد عرفت الآن مصدر الرائحة التي كانت تخنقها منذ أيام وهي نائمة. التقطت الكيس ثم القته على الأرض. وبدأت تفتحه لترى ما الذي يحتويه ذلك الكيس بداخله حتى يخرج تلك الرائحة البشعة. استغرق فتحها له وقت طويل فقد كان محكم الغلق بطريقة غريبة. وعندما فتحته انفجرت منه الرائحة كلها وكانت لا تحتمل. فراحت بسرعة تسد أنفها بأي شيء وهي تسعل من اختناق أنفاسها. لكن ما رأته بداخله جعلها تنتفض وتلقي بالكيس بعيدًا وهي ترتد للخلف خوفًا وصدمة. فقد رأت طيورًا مازالت لم تنضج حتى وكأنها خرجت من بيضتها قبل اكتمال نضجها وماتت، ومعهم أجزاء أخرى غريبة مخيفة مع خصلات شعر وقطعة صغيرة من ملابسها وملابس زوجها وبعض الطلاسم والكلمات الغريبة المكتوبة على قطع الملابس.
كتمت على فمها بيدها حتى لا يخرج صوت بكائها وصراخها المكتوم. وبقت هكذا لوقت طويل نسبيًا وهي منكشمة على نفسها في الأرض وتبكي بقهر. ثم رفعت أناملها تجفف دموعها لتستعيد قوتها وصمودها بعدما أدركت أن ذلك السحر لا يخرج إلا من أفعال تلك الشيطانة الكامنة بالأعلى. هبت واقفة وانتصبت في وقفتها ثم دفعت الكيس أسفل الفراش مؤقتًا الآن حتى يراه أحد. وجذبت حجابها وارتدته ثم اندفعت لخارج الغرفة كأنثى من نار على أتم الاستعداد لإحراق الجميع بنيرانها الملتهبة.
بالقاهرة تحديدًا داخل الشقة المقابلة لشقة عمران.
فتحت سندس الباب ودخلت فوجدت شقيقها جالسًا فوق الأريكة يشاهد التلفاز. لكنه هتف لها بحزم فور دخولها:
_ ليه اتأخرتي كدا؟
اقتربت منه وجلست بجواره وهي تزم شفتيها بحزن متمتمة:
_ قعدت شوية مع آسيا يا سليم، كل ما أشوفها بزعل جدًا عليها. ربنا يشفيها يارب وترجع زي الأول في أسرع وقت.
أجابها بنبرة عادية دون أن يشيح بنظره عن التلفاز:
_ ليه هي إيه اللي حصلها؟
ضيقت عيناها بتعجب وردت عليها في قوة:
_ أنا مش قولتلك ياسليم؟ كانت في المستشفى!
أماء بالإيجاب وتمتم:
_ أيوة قولتيلي، هي مش كانت تعبانة شوية ورجعت وخلاص ولا إيه!
تأففت سندس وردت على أخيها بجدية:
_ تقريبًا جوزها له أعداء وكانوا عايزين يأذوه، لكن جات فيها هي والطلقة أثرت عليها وعملت معاها شلل مؤقت.
التفت لها فورًا بصدمة وقال باهتمام:
_ ومسكوش اللي عمل كدا!
هزت سندس رأسها بالنفي. وسرعان ما ظهر العبوس على حال صديقتها وهي تتمتم بعدم وعي:
_ حظها قليل آسيا دي والله، مش كفاية اللي حصل فيها وطريقة اللي اتجوزت بيها ودلوقتي كمان تقعد في السرير ومتقومش منه.
غضن حاجبيه باستغراب ثم سألها في حيرة وعدم فهم:
_ طريقة إيه!
تنهدت سندس الصعداء ونظرت لأخيها بقلة حيلة تقول محذرة إياه بحزم:
_ هحكيلك بس إياك تجيب سيرة لحد خالص بالكلام ده.
هز رأسه لها بالموافقة وبدأ يستمع لشقيقته باهتمام وتركيز شديد وهي تسرد له ما حدث مع صديقتها وكيف انتهى بها المطاف الآن وأن زوجها لا يحبها للأسف وأنه محاولاتها للهرب والتخلص منه كلها باتت بالفشل والآن تقبلت الأمر الواقع وتعايشت معه.
تحركت آسيا بمقعدها المتحرك داخل المنزل وكانت تحركه باتجاه غرفة عمران الصغيرة الخاصة بالعمل. توقفت أمام باب الغرفة ورفعت يدها لتفتحه ببطء ثم دخلت فوجدته نائم فوق الأريكة على ظهره ويضع ذراعه على عيناه. تنهدت الصعداء وتحركت نحوه بمقعده في هدوء وحرص شديد حتى لا تصدر ضجة وتوقظه.
أخذت تتأمله بسكون وهو نائم وعقلها يستمر في تكرار عباراته دون توقف "الحقيقة صح اللي أنتي مفكرتيش فيها أن مش يمكن أكون بعمل إكده عشان بحبك! لو مش عارفة تفرقي بين حبي وشفقتي يبقى متسمميش سمعي بكلامك الماسخ ده تاني". لا تستطيع ترك العنان لروحها بالرقص والاحتفال بذلك الاعتراف. فهناك جزء يكمن بأعماقها لا يصدقه. ومازال يعتقد بأنه تفوه بتلك الكلمات فقط بدافع شعوره بالشفقة أو حزنه عليها. أو ربما لم يقصد الحب كما تفهمه هي.. ومفهومه عن العشق يختلف عنها. ومشاعره تجاهها ليست أكثر من مجرد اعتياد أو حتى صداقة!!
انتفضت من عمق تفكيرها بجروحها النازفة على صوت رنين هاتفه. فألقت نظرة على شاشته وقرأت اسم المتصل "بشار". فتنهد بحرارة واستدارت بالمقعد تتجه لخارج الغرفة قبل أن يستيقظ. لكنه فتح عيناه شبه مفزوعًا. وعندما سقط نظره عليها أولًا هتف:
_ آسيا!!
توقفت مجبرة بينما هو فاعتدل في نومته والتقط هاتفه ليجيب على بشار بصوت غليظ. دامت محادثتهم لدقيقتين بالضبط. وفور انتهائه نظر لها وهب جالسًا يسألها باهتمام:
_ مالك أنتي كويسة؟
ردت عليه بخفوت والعبوس يلوح على صفحة وجهها:
_ زينة.. جيت أشوفك لما اخدت وقت طويل قاعد هنه، فلقيتك نايم.
دقق النظر في ملامحها المريبة ليقول بجدية:
_ قربي عاوز أتكلم معاكي، رايحة وين!
استدارت بالمقعد واقتربت منه مجددًا، فأصبحت على مسافة قريبة منه. مد ذراعيه للمقعد وجذبه إليه حتى أصبح أمامه مباشرة. ثم ثبت نظره في عينيها وهو يعيد سؤاله لكن بأسلوب وكلمات مختلفة:
_ بتفكري في إيه المرة دي؟
رمقته مندهشة من سؤاله ومعرفته أن سبب ضيقها هو تفكيرها المفرط في شيء ما. فهتفت بحيرة:
_ عرفت كيف؟
قرب مقعدها منه أكثر حتى أصبح بين قدميه وهو يحاصرها من الجهتين بذراعيه ويردف بصوت رجولي قوي:
_ مش محتاج أسمعك عشان أفهم أو أعرف بتفكري كيف ولا إيه اللي مضايقك. بقيت فاهمك وعارفك زين.
ابتسمت له برقة وقالت ساخرة:
_ متأكد إنك فاهمني للدرجة دي يعني.
بادلها الابتسامة وتمتم بثقة وخبث:
_ تحبي أثبتلك وأقولك إيه اللي بتفكري فيه!
رمقته بطرف عيناها مستنكرة ثقته وهي تضحك لثقتها التامة بأنه لن يستطيع تخمين سبب ضيقها. فوجدته ينحني عليها ويهمس في أذنها بخبث:
_ بتفكري في اللي قولته ليكي امبارح الصبح. صح ولا لا؟
اتسعت عيناها بصدمة ولللحظة شعرت بضربات قلبها تتسارع وتضرب بصدرها في عنف من فرط التوتر. بينما هو فابتعد برأسه عنها وتمعنها مبتسمًا بمكر عندما رأى الاضطراب والذهول يستحوذان على ملامحها.
تماسكت وردت عليه بالنفي في خنق:
_ لا مش صح.
حاولت الابتعاد عنها وتحريك مقعدها حتى تنصرف. لكنه أحكم قبضته عليه وطالت نظراته الحائرة لها، ليقول لها بانزعاج ملحوظ:
_ مش مصدقاني!
فهمت أنه يقصد اعترافه لها فاشتعلت نظراتها بالسخط وقالت بحدة:
_أيوة مش مصدقاك ياعمران.
رأت الغضب الممتزج بعيظه منها تظهر بشائره على وجهه، وكأن نظراته تقسم لها أنها ستجعلها تصدقه والآن. توترت وتسارعت أنفاسها فهي لا تثق بخطوته القادمة وتخشاها.
وبلحظة واحدة دون أن تدرك الموقف لكي تحاول تفاديه حتى وجدت ذراعه يلتف خلف ظهرها ويجذبها نحوه ليلتقوا معًا للحظات في نقطة العشق المشتركة قبل أن يرتفع رنين الهاتف الصاخب مجددًا ليجعلها تنتفض زعرًا وتدفعه بعيدًا عنها في قسمات وجه مندهشة ومفزوعة.
رجعت بمقعدها للخلف وبسرعة استدارت وغادرت الغرفة تتركه مكانه دون حركة يحدق في الفراغ الذي تركته أمامه. وبجانبه صوت الهاتف الذي لا يتوقف فمسح على وجهه مستغفرًا والتقط الهاتف يجيب على المتصل بصوت مختنق:
_خير يابشار في إيه تاني!!
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي.......
كانت إخلاص في طريقها لزوجها حتى تتحدث معه في أمر مهم. وقبل أن تنزل درجات السلم رأت عبد العزيز وهو يصعد الدرج عكسها فسألته إخلاص بجدية:
_ابراهيم في أوضة الجلوس تحت يا حچ ولا لا؟
زم شفتيه بجهل ورد عليها بإيجاز:
_معرفش يا إخلاص آخر مرة سابني وطلع فوق.
سكتت لثواني وقد أدركت أنه مع زوجته الأخرى. بينما عبد العزيز فتركها وأكمل طريقه نحو غرفته. اندفعت إخلاص نحو غرفة عفاف وهي كجمرة من نيران وعندما وصلت وكانت على وشك طرق الباب اخترق سمعها حديثهم معًا في الداخل.
عفاف بغضب:
_أنا معاوزكش تقرب من ناس خليل صفوان قوي يا ابراهيم.
هتف ابراهيم ساخرًا بنفاذ صبر:
_ياولية خليكي ناصحة وواعية. طول ما في عداوة بينا هيفضلوا حاطين في دماغهم أن اللي قتل خليل منينا لكن لما ننهي المشاكل دي هنقطع الشك من راسهم واصل.
قالت بعدم اكتراث وضيق:
_خليهم يحطوا في دماغهم ومش هيعرفوا يثبتوا حاچة.
صاح ابراهيم بها منفعلًا:
_لو عرفوا أن أنا اللي قتلته الدم هيرجع من تاني.
رفعت إخلاص يدها وراحت تلطم على وجنتيها بصدمة وهي تهتف بصوت منخفض:
_يامري يامري.
لكنها انتفضت مزعورة على صوت بلال الغليظ وهو يهتف:
_مرت ابوي.
انتصبت في وقفتها واعتدلت بسرعة والتفتت له بوجه مضطرب ومصدوم بينما هو فسألها بانزعاج بعدما رآها تستمع لوالديه من خلف الباب:
_بتعملي إيه؟!
التفتت إخلاص للخلف وعادت لبلال برأسها بسرعة ثم اندفعت نحوه وحاولت إبعاده عن الباب حتى لا يسمع شيء وهي تهتف له مبتسمة:
_ولا حاچة ياولدي كنت جايه اشوف أبوك عاوزة اتكلم معاه بس خلاص ابقى أكلمه في وقت تاني.
رفع حاجبه بنظرة قوية وتظهر أنه لم يصدق ما تفوهت به للتو. بينما إخلاص فكان خوفها من أن يسمع حديث أمه وأبيه أكثر من أي شيء حيث قبضت على ذراعه وجذبته معها بعيدًا وهو تقول مبتسمة رغم اضطراب صوتها:
_تعالى عاوزة اتكلم معاك شوية يابلال.. صحيح قولي عملت إيه في موضوع البت اللي عاوز تتقدملها دي.
ضيق عينيه بتعجب وهو يسألها:
_أنتي عرفتي كيف؟
إخلاص مبتسمة بلطف:
_أبوك قالي يعني هكون عرفت كيف.
سار معها مرغمًا رغم شعوره بأن هناك شيء غريب يحدث إلا أنه أكمل في طريقه معها وهو يتحدث معها ويجيب على اسألتها.
***
فتح علي باب غرفة شقيقته ودخل فوجدها جالسة فوق المقعد وبيدها كتاب القرآن الكريم تقرأ به بصمت. ابتسم ساخرًا منها ثم أغلق الباب واقترب نحوها وهو يتمتم:
_زين افتكرتي أن في رب قريب هتقابليه وتقفي قصاده ويسألك عن أعمالك ال*** اللي عملتيها. فكرتي هتردي تقوليلوا إيه ولا لا!
رفعت خلود نظرها لشقيقها وحدقته بعين عاجزة وضائعة قبل أن تسأله:
_أبوي كيفه يا علي.. مبيدخلش عندي واصل ولا بشوفه.
رمقها علي بقرف وهتف بقسوة:
_مطايقش يشوف خلقتك كيف ما أنا مطايقش دلوك بس مچبور اشوفك.
أجفلت نظرها أرضًا عن أخيها تترك العنان لدموعها الموجوعة بالسقوط. حتى لو طلبت العفو منهم فذنبها لا غفران له. هي ماتت في نظرهم وابنتهم لم تعد موجودة.
استطرد علي بغضب وجفاء:
_بليل المأذون جاي. أنتي وال**** التاني ده هيكتب عليكي وياخدك ويغور وتنسي أن ليكي ناس واصل.
استقامت واقفة واسرعت نحو أخيها تجثي أمامه على الأرض ممسكة بقدمه وهي تتوسله باكية:
_أنا موافقة اتچوزه ياعلي بس أبوك يدك ما ترموني كيف ما عملتوا مع آسيا سامحوني أنا غلطت وندمانة والله العظيم.
دفعها بعيدًا عنه وهو يصيح بها ساخرًا وينحني ليجذبها من خصلات شعرها:
_لازم توافقي متوافقيش ليه مش ده حبيب القلب اللي جبتيلنا العار معاه برضاكي. بس اللي متعرفهوش إننا غصبناه على الچواز منه ومكنش موافق وكان بيقول أنا كنت بتسلى معاها وبضحك عليها مش ناوي الچواز ولا حاچة.
استقامت خلود واقفة وتقهقهرت للخلف وسط ملامح وجهها المندهشة وهي تهز رأسها بالرفض وتهتف بدموع تملأ وجنتيها:
_ لا سمير بيحبني وميقولش إكده أنت أكيد بتكذب عليا.
أظلمت نظرات علي ووجهه احتقن بالدماء فأصبح مرعبًا وبلحظة غار على شقيقته يجذبها من شعرها وهو يقبض على فكها صارخًا بها منفعلًا:
_اقفلي خشمك واصل بدل ما اخد روحكم أنتوا الاتنين بيدي وبدل ما تطلعي من البيت سليمة اخليكي تطلعي على المدافن طوالي.
انهارت باكية بين يدي أخيها بصوت مرتفع وهي تصرخ من الألم بينما هو فتركها ودفعها بعنف لتسقط على الأرض وهي تبكي بحرقة......
***
داخل منزل خليل صفوان....
كانت فريال تجلس على أحد المقاعد بالصالة وبجوارها ابنها الكبير. منذ وقت طويل وهي تجلس هكذا بانتظار نزول منيرة من الأعلى.
نظر معاذ لأمه وسألها بعدم فهم:
_أما هو احنا قاعدين إكده لينا وقت طويل ليه؟
نظرت له فريال وقالت بجدية في أعين متوعدة لمنيرة:
_لما تنزل مرت أبوك يامعاذ هتطلب منها تذاكرلك تقولها إني تعبانة ومش قادرة اذاكرلك وأنت في درس مش فاهمه.
زم شفتيه بقرف وقال رافضًا:
_لا أنا مش بحبها ياما أنتي عارفة إكده.
فريال بحزم وهي تلقي تعليماته الماكرة على ابنها:
_وأنا مش بقولك حبها ولا أعمل إكده حبًا فيها. افهم أنا عاوزاك تلهيها ومتخلهاش تطلع فوق اوضتها واصل غير لما انزل. أبوك هيطلقها ويرميها في الشارع بعد اللي هعمله النهاردة بس أهم حاچة أن تعمل كيف ما قولتلك.
أدرك أن أمه لديها خطة للتخلص من زوجة أبيه فابتسم بخبث وأماء لها بالموافقة. بتلك اللحظة ظهرت منيرة أخيرة وعندما رأت فريال ابتسمت بمكر وهي تقول لها:
_إيه اللي مقعدك إكده ولا مستنية چلال ياچي وتطلبي منه السماح.
ضحكت فريال وقالت في لهجة مخيفة:
_ماشاء الله مفيش حاچة بتخفى عليكي في البيت يامنيرة. ده أنتي لو مسخرة چن مش هتعرفي كل كبيرة وصغيرة إكده.
انكمش وجهه منيرة وقالت لها بارتباك:
_قصدك إيه؟
ردت فريال مبتسمة بثقة على اضطرابها الواضح:
_مش قصدي حاچة بقولك على سبيل المثال يعني.
بتلك اللحظة استقام معاذ واتجه نحو زوجة أبيه ينظر لها بكل رقة ويطلب منها بأدب تام:
_يا أبلة منيرة ممكن تذاكريلي عشان أمي تعبانة ومش قادرة تذاكرلي وأنا في درس مش فاهمه.
رفعت منيرة نظرها لفريال التي كانت ترمقها بقرف وتقول:
_لولا أني تعبانة مكنتش خليتك تذاكري ولا تقربي من ولدي واصل.
ضحكت منيرة بخبث وانزلت نظرها لمعاذ تقول له بحنو قاصدة إثارة جنون فريال:
_طبعًا ممكن يامعاذ.. أنا مقدرش ارفضلك طلب أنت وأخوك أبدًا.
ابتسم معاذ لمنيرة بحب ثم التفت لأمه وهو يبتسم لها بمكر. وسرعان ما عاد برأسه لزوجة والده مجددًا يقول لها:
_طيب تعالي عشان أنا كتبي چوا في أوضة الجلوس كنت بذاكر هناك.
أماءت له منيرة بالموافقة وهي تلقي نظراتها اللئيمة على فريال التي كانت تنظر لها متصنعة الغيظ. وفور اختفائها مع ابنها داخل غرفة الجلوس ضحكت فريال وهي تقول متوعدة:
_ليلتك الأخيرة أن شاء الله في البيت ده يا شيطان.
وبسرعة هبت واقفة واسرعت للدرج تقصد الطابق الثالث حيث غرفة منيرة وكانت كلما تخطو خطوة تتلفت حولها حتى تتأكد أن لا أحد يراها.......
***
بالقاهرة داخل غرفة آسيا.....
مازالت حتى الآن لا تستطيع التحكم بأنفاسها ولا حتى هوج مشاعرها وتلك الفراشات المحلقة في بطنها كلما تتذكر ما حدث منذ قليل. والابتسامة لا تغادر شفتيها تشعر بقلبها يتراقص فرحًا. مع أن ما فعله لم يكن إثبات قوي على صدق مشاعره لكن يكفيها سعادة بقربه منها وأنه لو لم يكن يحبها بالفعل لكن محاولاته للاقتراب منها تكفي.
انتفض قلبها في صدرها عندما انفتح الباب فجأة وظهر هو من خلفه. فأطرقت رأسها أرضًا دون أن تنظر له منفرط خجلها بينما هو فتصرف بطبيعية تامة واتجه نحو الخزانة لكي يبدل ملابسه غير مباليًا بوجودها!.
رفعت هي نظرها بعفوية له وعندما رأته يبدل ملابسه أشاحت بوجهها بسرعة للجانب الآخر وهي تتأفف بغيظ منه. فهو يتصرف هكذا عنادًا بها حتى يثير جنونها كما تفعل به. لكنها التزمت الصمت ولم تظهر أي ردة فعل حتى انتهى من ارتداء ملابسه فوجدته يستدير ويقترب منها. عاد قلبها يدق بعنف تصدرها يعلو ويهبط. بينما هو فكان يدرك أن قربه هو سبب بعثرة مشاعرها واضطراب أنفاسها. فرغب في التلذذ بها قليلًا حيث انحنى عليها وأصبح وجهه مقابل لوجهها مباشرة وهو يثبت نظره على عيناها بنفس النظرة التي كان يرمقها منذ قليل بغرفة عمله. أزدردت آسيا ريقها بتوتر بعدما ظنته سيكرر فعلته مجددًا فهمست له بخفوت وتعلثم:
_عـمـران ممكن تبعد حسيت نفسي كتم مرة واحدة.
ضحك رغمًا عنه وقال لها بكل برود هو يمد يده على الفراش يجذب مفاتيحه:
_مالك متخافيش مش هعمل حاچة. أنا كنت هاخد دول بس.
رفع المفاتيح أمام نظرها وعندما رأته وأدركت حيلته اللئيمة استشاطت غيظًا ورمقته شزرًا بينما هو فاعتدل واقفًا وهو مازال يحتفظ بابتسامته والقى عليها نظرة أخيرة وهو يغمز لها بخبث ثم يستدير وينصرف. فيتركها تضحك خجلًا رغمًا عنها وبنفس اللحظة تتوعد له على ما موقفه السخيف للتو معها.
***
داخل غرفة منيرة ......
دخلت فريال وأغلقت الباب خلفها ثم اندفعت نحو كل ركن بالغرفة تبحث فيه عن أي دليل على شر أعمالها. أسرعت نحو خزانة جلال بالتأكيد لن تتركه دون أن تزقيه شرها. أخذت فريال تفتش بين ملابس زوجها وتدخل يدها بين كل طبقة تبحث عن شر تدفنه له تلك الشيطان..
وبالفعل أسفل الملابس بنهاية الخزانة تمامًا وجدت شيء صغير ملفوف على شكل مثلث وحوله خيوط كثيرة بألوان مختلفة.
التقطته فريال والقته على الأرض وهي لا تصدق ما تراه عيناها ودموعها بدأت تجتمع في مقلتيها.
هي حتى خافت من أن تفتحه فيصيبها أذى هي وابنها الذي لم يولد بعد.
لكنها لم تتوقف وتابعت بحثها بالغرفة وانتقلت بعدما انتهت من خزانة زوجها إلى خزانتها فوجدت نفس الشيء موجود أسفل ملابسها بنفس المكان.
للحظة أحست نفسها ستصاب بالجنون وستفقد عقلها.
واستمرت تبحث بالغرفة بانهيار وعصبية وعندما رفعت مرتبة الفراش وجدت نفس الشيء أيضًا أسفلها.
فقدت فريال السيطرة على نفسها وراحت تنزع ملاءة الفراش وتلقيها على الأرض وهي تصرخ بغضب.
كانت تخشي أن تبحث بمكان آخر فتجد المزيد من السحر.
تلك الشيطان التفت حولهم كالأفعى وسممت حياتهم بشرها وسحرها.
دمرت زواجها وعلاقتها بزوجها والآن تأذيه بالسحر.
جثت فريال على الأرض وصمت قدميها لصدرها وهي تبكي بقهر لكن فجأة رأت بين ملابس زوجها الملقية على الأرض شيء يخرج من وسطها فاستقامت واقفة وعندما فتشت بين الملابس رأت نفس الكيس الأسود الذي وجدته بغرفتها.
وقفت أمامه تنظر له بتردد وخوف.
فضولها يدفعها لفتحه لكن خوفها يمنعها وبالنهاية أثرت السماع لصوت الخوف الذي بقلبها واستقامت واقفة تخرج كيس من جيب ملابسها وتجمع به تلك الأشياء التي وجدتها حتى تضعها أمام الجميع عند عودة جلال من الخارج.
***
بتمام الساعة الثامنة مساءً بالقاهرة...
كانت آسيا قد انتهت من تبديل ملابسها ورغم الصعوبة التي واجهتها في البداية لكنها نجحت بالنهاية.
ارتدت ثوب أسود قصير بالكاد يصل لركبتيها بأكمام عريضة تغطي كتفيها فقط وبفتحة دائرية واسعة عند الصدر.
كان ذلك الفستان من ضمن الملابس التي قامت بشرائها في يوم الحادثة.
تركت العنان لشعرها الطويل أن ينسدل على كتفيها وظهرها بانسيابية تامة وأخيرًا خرجت من الغرفة وتحركت بمقعدها للصالة وقامت بتشغيل التلفاز على قناة الأفلام المفضلة لديها واستمعت لأحد الأفلام المحببة لها باستمتاع.
دقائق طويلة نسبيًا وسمعت صوت باب المنزل فابتسمت بلؤم وتصنعت التركيز على التلفاز وكأنها لم تنتبه لوصوله.
بينما هو فور دخول وتقدمه للداخل حيث الصالة ورآها بذلك المظهر الجديد.. ثوب أسود قصير وشعر أسود طويل وغزير.
تسمر بأرضه منذهلاً.
لم يخطأ عندما وصفها بالساحرة الشريرة.
لكنه الآن سيضفي بعض التعديلات لتصبح ساحرته المثيرة.
يبدو أنها اليوم قطعت الوعود على نفسها بأن تسلبه عقله وتصيبه بالجنون كنوع من أنواع الانتقام المميزة مثلها.
كانت تتجاهله عمدًا وتشاهد التلفاز دون أن تنظر لها كأنها لا تراه.
بينما هو فلا يمكنه رفع نظره عن كتلة الجمال الصارخ الذي أمامه.
في ذلك الثوب الذي يبرز جمالها الأنثوي أكثر.
ساقيها المكشوفة وذراعيها وجسدها الممشوق.
تلك الماكرة جعلته يعاني من تسارع نبضات قلبه وأنفاسه وبات يشعر بنقص الأكسجين لديه وكأنه لا يمكن التقاط أنفاسه.
تنتقم منه بنفس الطريقة.
وللأسف سيسلمها راية انتصارها عليه بكل طواعية فهو لن يستطيع المقاومة.
اقترب منها بخطى بطيئة فالتفتت هي له أخيرًا تتمتم بهدوء ماكر:
"كنت وين ده كله؟"
غمز لها بخبث وهو يبتسم متغزلًا بها:
"قصدك كنا وين وبقينا وين يا غزال!"
رغم توترها البسيط وخجلها من ملابسها ونظراته إلا أنها تصرفت بثبات وقالت له في برود:
"قصدك إيه؟"
وقف أمامها ومد يده لها يهمس بهيام:
"هاتي يدك الأول، اسندي عليه واقفي وأنا هقولك قصدي إيه"
رمقته بطرف عيناها في ابتسامة متغطرسة قبل أن تضع كفها بين كفه العريض وترفع يدها الأرض تضعها فوق كتفه.
وهو يلف ذراعه حول خصرها يساعدها على الوقوف.
عندما وقفت رجع خطوة للخلف دون أن يتركها حتى يتمكن من تفحصها بوضوح أكثر وهو يهمس وسط نظراته الجريئة والمعجبة:
"ايه الحلاوة دي بس"
اتسعت عيناها بصدمة والحمرة صعدت لوجنتيها فأصبح وجهها بلون الدماء من فرط الخجل.
وبسرعة أبعدت ذراعه عنه وجلست مرة أخرى على مقعدها تقول له بصوت مرتبك:
"بعد من قصادي عاوزة أكمل الفيلم"
ابتسم وجلس على المقعد المقابل لها يهمس بخبث وهو يعيد ذراعه مرة أخرى حول خصرها:
"هو مش النهاردة في جلسة مفروض وأنتي معملتهاش، تعالي يلا دلوك عشان نعملها مينفعش نهمل في العلاج"
توترت من لمسة يده وأمسكت بذراعه تبعده عن جسدها ببطء متمتمة في برود وهي تبتسم بلؤم بعدما فهمت أنه يبحث عن أي فرصة لكي يستغلها ويقترب منها:
"الدكتور قال الجلسة يوم ويوم وأنا عملتها امبارح يعني مفيش النهاردة"
عمران ببساطة وعينان لامعة بالرغبة:
"مش هتضر بحاچة لو عملناها النهاردة كمان"
رسمت ابتسامة صفراء على وجهها وهي تجيبه محاولة كتم ضحكتها وأخفاء تلذذها بتلهفه عليها:
"بس أنا تعبانة ومش قادرة النهاردة وعاوزة أكمل الفيلم كمان"
اختفت ابتسامته واستحوذ السخط والغيظ على ملامحه فجذب جهاز التحكم الخاص بالتلفاز واطفأه وهو يهتف بعصبية:
"أهو الفيلم اللي واكل دماغك ده، بلا فيلم بلا قرف دلوك.. قومي يلا عشان تعملي الجلسة"
كان الفزع والريبة من عصبيته الغريبة يهيمن على قسماتها حتى عبارته الأخيرة التي جعلتها تنفجر ضاحكة وتجيبه من بين ضحكها:
"بقولك الجلسة معادها بكرا مش النهاردة ياعمران، مالك!!!"
عمران بانزعاج تام:
"وأنا هبت في دماغي تبقى النهاردة"
كانت لا تستطيع التوقف عن الضحك القوي.
وكلما حاولت التوقف ونظرت في ملامح وجهه تنفجر من جديد في الضحك.
بينما هو فلوى فمه مغتاظًا وقال لها بلهجة آمرة وحادة:
"طالما تعبانة أنا هدخل الحمام آخد دش واطلع الاقيكي غيرتي اللي لابساه ده مفهوم"
هزت رأسها له بالموافقة وهي مازالت تضحك دون توقف.
فتوقف وابتعد عنها متجه نحو الحمام وهو يتأفف ويزفر بانفعال متمتمًا بصوت منخفض لكنه وصل لمسامعها:
"لابسالي قميص نوم وتقولي عاوزة اسمع الفيلم!!!"
استمرت تضحك لوقت طويل رغم أنه يستحقها لكنها اشفقت عليه فقد أثارت جنونه بشدة.....
***
داخل أحد المقاهي الصغيرة كانت حور تجلس على طاولة مكونة من مقعدين بانتظار صديقتها.
وبينما كانت تتلفت حولها في وجوه الجميع.
الطاولات ممتلئة أما بعائلات أو أصدقاء أو ربما عشاق ولم يكن سوى طاولتها هي فقط الفردية.
وطاولة أخرى!!.
كان ذلك الشاب الذي يجلس على تلك الطاولة يوليها ظهره وينظر للبحر أمامه.
دققت النظر به وراحت تهتف بتعجب بعدما رأت وشاحها حول رقبته:
"ده الشال بتاعي!"
آخر ما تذكره أن ذلك الوشاح أعطته لبلال.
فاتسعت عيناها بدهشة عندما قفذت بعقلها فكرة أنه هو من يرتديه.
وراحت تحاول رؤية وجهه ومن حظها الجيد أنه التفت للجانب لكي يلتقط كوب القهوة خاصته فتأكدت أنه هو بالفعل عندما رأت وجهه من الجانب.
ابتسمت بحب وسعادة ودون تردد توقفت وقادت خطواتها نحوه.
ثم جذبت المقعد المقابل له وجلست مثله توجه نظرها نحو البحر وهي تهمس مبتسمة برقة:
"ممكن اعطلك شوية؟"
التفت لها بصدمة لكن سرعان ما أدرك عبارتها وضحك وهو يتمتم:
"لسا فاكرة!"
لمعت عيناها بوميض جميل وهو تطيل النظر إليه وتقول بنعومة وهي تشير إلي وشاحها الذي حول رقبته:
"زي ما أنت لسا فاكر ومنسيتش"
نزل بنظره إلي الوشاح وابتسم بحب وهو يتذكر ذلك اليوم.
بعدما أعاده لها وغادر فاكتشف أنه نسي حقيبة الأدوات الهندسية الخاصة به وعندما عاد ليأخذها وجد الوشاح بداخلها ولم يجدها.
فاق من شرودها وهو يبتسم باتساع ثم نظر لها وقال وهو يمسك الوشاح:
"هنسى تميمة الحظ بتاعتي كيف!!"
ابتسمت له بخجل وتمتمت ضاحكة:
"أنا عرفتك منه"
ضحك وقال بمكر:
"ومقولتيش ليه أنه ممكن يكون واحد شبه بتاعي ومش هو"
هزت رأسها بالنفي وقالت مبتسمة بثقة ونظرات ثاقبة:
"مستحيل عشان الشال ده أنا عملاه بإيدي ومفيش شبهه"
طالت نظراتهم اللامعة لبعضهم حتى أشاحت هي بوجهه في توتر فالتفت هو للخلف يسألها:
"أنتي معاكي حد؟!"
حور بإيجاب:
"آه صحبتي بس لسا جاية في الطريق"
هز رأسه بتفهم وعاد بنظره لها مجددًا يرمقها مطولًا بحب وهو يهمس:
"من حسن ظني أني شوفتك النهاردة ياحور"
همست رقة امتزجت بخجلها الجميل:
"اشمعنى؟"
ابتسم لها بوجه عابس وتمتم:
"أنا مش من عادتي واصل أني اقعد في كافيهات أو أماكن عامة إكده وحدي، بس النهاردة كنت مخنوق قوي ولقيت رچلي بتاخدني للمكان ده من غير ما احس"
أجفلت نظرها للأسفل وهي تبتسم برقة وتجيبه:
"صُدفة"
تمتم بنظرة عميقة تحمل معاني جمة:
"تؤتؤ نصيب مش صدفة"
رمقته مطولًا بسكون في أعين تتحدث بدلًا من الألسن.
ولم يقطع حديثهم الغرامي سوى وصول صديقة حور التي توقفت بسرعة وقالت لبلال بابتسامة مرتبكة:
"صحبني وصلت معلش مضطرة امشي"
أماء لها بالموافقة في ابتسامة دافئة فاستدارت هي وهمت بالرحيل لكنها توقفت والتفتت له مجددًا برأسها تهمس في خجل:
"أنا كمان فرحت أني شفتك"
لم تمهل نفسها اللحظة لتسمع رده أو حتى ترى ردة فعله على ملامحه.
واسرعت نحو طاولتها بجانب صديقتها وكانت بين كل آن وآن تخطف النظرات السريعة إليه فتجده ينظر لها أيضًا.
***
كانت فريال بغرفتها تقف في الشرفة منذ وقت طويل بانتظار وصول جلال.
رغم أن موعد وصوله مر منذ أكثر من ساعة لكنها قالت أنه ربما ظهر له عمل طاريء ولهذا تأخر.
التفتت للخلف تلقي بنظرها داخل الغرفة عندما سمعت صوت رنين هاتفه وبسرعة دخلت تتجه له لتلتقطه وتجيب على المتصل بعدما قرأت اسمه فوق الشاشة " علي" :
"الو ياعلي"
أتاها صوت علي المريب وهو يقول:
"فريال البسي وتعالي على مستشفى (......)"
شعرت بانقباضة قلبها ثم هتفت مفزوعة فهي كانت تشعر أن ذلك اليوم المشؤوم لن يمر مرور الكرام بعد كل ما اكتشفته بالصباح:
"مستشفى ليه ياعلي مين تعبان.. چلال حصله حاچة صُح؟"
تنهد علي بضيق وأجابها في صوت عابس:
"چلال تعب شوية بس متقلقيش.. المهم تعالي أنتي دلوك ومتقوليش لحد في البيت واصل"
***
وقف ابراهيم أمام باب شقة بالطابق الخامس داخل أحد المباني الكبيرة.
وطرق الباب ثلاث مرات متتالية ليسمع صوت الطفلة الصغيرة من الداخل وهي تصيح بفرحة:
"جه ياماما جه"
لحظات معدودة وانفتح الباب لتظهر من خلفه امرأة شابة جميلة الوجه حسناء وطفلة صغيرة تشبهها.
نزل برأسه ضاحكًا بحب لتلك الصغيرة التي ركضت عليه تتعلق به وتهتف بسعادة:
"بابا"
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ندى محمود توفيق
خرجت فريال من سيارة الأجرة أمام المستشفى ثم قادت خطواتها للداخل شبه راكضة. وبينما كانت في طريقها تائهة لا تعرف وجهتها، أوقفت أحد الممرضين تسأله عن رقم الغرفة والطابق، ثم أسرعت تقصد الطابق الذي أخبرها به. قضت الطريق كله حتى وصلت للمستشفى وهي لا تتوقف عن البكاء، وكلما تتذكر ما أخرجته من بين ملابسه داخل غرفة منيرة، الرعب يتملكها خشية من أن يصاب بمكروه. تلك الشيطان قد تكون حاولت أذيته، وها هو الآن بين زوايا المستشفيات عليلًا.
توقفت بالطابق الذي أخبرها به الممرض. ثم تحركت بخطواتها المتعثرة وهي تتلفت حولها بحثًا عن علي. وعندما سقط نظرها عليه ورأته، أسرعت نحوه شبه راكضة. استقام علي واقفًا فور رؤيتها لها وانتظر وصولها له ليهتف لها بخفوت قبل أن تطرح هي سؤالها المتلهف والمرتعد:
"اهدأ يافريال الحمدلله هو كويس دلوقتي مفهوش حاجة."
سألته بأنفاس لاهثة وعينان دامعة:
"إيه اللي حصل ياعلي؟"
تنهد علي الصعداء وقال بوجه عابس:
"تعب مرة واحدة من غير أي سبب ووقع. والدكتور قال إنها كانت بداية ذبحة صدرية بس الحمدلله لحقناها."
رفعت فريال كفها لفمها تكتم شهقتها المرتفعة والعبرات انهمرت من مقلتيها غزيرة. أحست بقلبها يتمزق خوفًا وحزنًا عليه وقدميها لا تقوي على حملها. اختل توازنها وكادت أن تسقط لولا علي الذي امسك بذراعها بسرعة يعيد توازنها. فرفعت عينيها العاجزة له تسأله:
"في أنهي أوضة؟"
أشار لها بعيناه على الغرفة المقابلة لهم فتحركت بسرعة وتلهف نحو الغرفة. فتحت الباب ودخلت فوجدته متسطحًا على الفراش ويحدث في الفراغ أمامه بشرود. لكنه التفت تجاه الباب فور سماعه لصوته وعندما رآها، طالت نظراته المتعبة لوجهها الغارق بدموعه. وباللحظة التالية كانت تهرول نحوه ودون تفكير ترتمي بين ذراعيه تعانقه بقوة وهي تنهار باكية وتشهق بعنف ينتفض جسدها نفض على أثره. رفع ذراعيه حولها يحاوطها ويضمها إليه أكثر وهو يدفن وجهه بين ثنايا رقبتها يستنشق عبيرها مغمضًا عيناه. تمنى أن يتوقف الزمن بتلك اللحظة ولا تبتعد عنه أبدًا. فوجودها وقربها هو وحده دوائه من أي مرض.
دام عناقهم لدقائق وهي لا تتوقف عن البكاء حتى سمعت صوته الضعيف يتمتم:
"أنا كويس يافريال.. اهدي وبزيادة بكاء عاد."
ابتعدت عنه ببطء وهي ترفع أناملها تمسح عبراتها وتتمتم بنبرة حاقدة ونظرات متوعدة:
"كله من تحت راس العقربة دي."
سألها جلال باستغراب:
"مين دي؟!"
تنهدت فريال بقوة محاولة تمالك أعصابها وأجابته بنبرة حاولت إظهارها طبيعية:
"متشغلش بالك دلوقتي بالكلام ده.. المهم أنت كويس في حاجة تعباك؟"
مسح على ظهر كفها بلطف وهو يهز رأسه بالنفي فعادت هي تسأله باهتمام وقلق:
"الدكتور قالك إيه طيب؟"
جلال بخفوت ونبرة عادية:
"قال أهم حاجة ابعد عن العصبية والزعل الفترة الجاية عشان ميتكررش تاني."
هتفت فريال بترقب ونظرة ثاقبة:
"طيب أنت كنت مضايق أو حاسس بتعب قبل ما ده يحصل؟"
ضيق عيناه بتعجب وقال مبتسمًا:
"إيه يافريال إيه الأسئلة دي!!.. لا مكنتش تعبان أنا مرة واحدة تعبت معرفش إيه اللي جرى."
اشتعلت عين فريال بالغضب والغيظ بعدما توقعت أن منيرة هي المتسببة في مرضه والحمدلله أنه لم يحدث له شيء وإلا كان الآن ضمن الأموات.
أعادت نظرها له فوجدته أغمض عينيه ويستريح. تمعنته مطولًا بحنو ودفء ثم مدت يدها وامسكت بيده ليحتضن هو بدوره يدها بين كفه العريض ويغلق عليه وهو مازال مغمضًا عينيه.
***
تابع إبراهيم زوجته بعينيه وهي تسير نحوه حاملة كوب الشاي الخاص به ثم تنحني على المنضدة لتضعه أمامه. وتنتصب واقفة مجددًا لتقترب منه وتجلس بجواره هامسة بعبوس ملحوظ فوق معالمها:
"ماشي تاني يا إبراهيم."
ابتسم لها بحنو ثم أمسك بيدها في قوة يتمتم:
"معلش يا داليا النهاردة مينفعش أقعد معايا شغل مهم."
تنهدت الصعداء مطولًا بخنق لكنها التزمت الصمت ولم تعترض. لكنه انتبه على صوت ابنته الصغيرة وهي تركض نحوه وبيدها أوراق المدرسة خاصتها وتهتف:
"بص يابابا المس ادتني عشرة من عشرة في الامتحان."
نقل نظرة بين ورق الامتحانات وكلما يقرأ الدرجة على ورقة منهم يجدها النهائية فابتسم لها بحب وانحنى على رأسها يلثم شعرها بعدة قبلات متتالية وهو يهتف لها مشجعًا:
"جدعة بتي.. ربنا يحفظك ياحبيبة أبوكي. اختك فريال كانت شاطرة كيفك كده وهي صغيرة."
نقلت الصغيرة نظرها بين أمها وأبيها ثم سألته بحيرة:
"طيب هي فين ليه مش بتيجي تشوفني يابابا؟"
مسح على شعرها بلطف متمتمًا:
"هتيجي ياحبيبتي هتيجي."
التفتت داليا للجهة الأخرى وهي تلوي فمها ساخرة على عبارة زوجها الأخيرة والخنق يعتلي ملامحها. بينما ابنتها الصغيرة فصعدت على الأريكة تجلس بجوار أبيها تحديدًا بين ذراعيه. فنظرت لها مبتسمة بحنو أمومي ثم تحدثت لإبراهيم بجدية:
"أوعى تكون نسيت إني قولتلك أننا هنسافر بكرة القاهرة."
تقوست ملامحه بالانزعاج وقال بحدة:
"قاهرة إيه.. هو وقته الكلام ده دلوقتي يا داليا."
داليا بنظرة ثاقبة وقوية:
"ماما تعبانة ولازم أروح أطمن عليها وأشوفها."
طالت نظرته القوية لها للحظات قبل أن يشيح بوجهه عنها وهو يتأفف بعنف ملتزمًا الصمت كدليل على استسلامه وموافقته. بينما هي فاستقامت واقفة واتجهت للمطبخ لكي تقوم بتحضير وجبة العشاء لهم حتى يأكل معهم قبل رحيله مجددًا.
***
بالقاهرة داخل منزل عمران.....
دخل عمران الغرفة بعدما انتهى من حمامه الدافئ فوجدها جالسة فوق الفراش وقد بدلت ملابسها بالفعل كما طلب منها. ألقى عليها نظرة مقتضبة ثم اتجه نحو الخزانة يخرج منها منشفة صغيرة يجفف بها شعره من المياه. وهي كانت تتابعه بتركيز وتتفحص ملامح وجهه المنزعجة وهي تضحك بصمت حتى لا يسمعها.
لحظات معدودة حتى انتهى من تجفيف شعره ثم استدار واقترب من الفراش ليتسطح بجوارها على ظهره رافعًا ذراعه فوق عينيه ينوي النوم. فتمعنته لثواني وهي مبتسمة قبل أن تهمس:
"عمران!"
أجابها بامتعاض:
"خير."
تنحنحت برقة وهي تحاول كتم ضحكتها ثم سألته بتعجب:
"أنت هتنام؟"
عمران ببرود دون أن ينظر لها:
"كلك نظر."
كانت ستنطلق منها ضحكة مرتفعة لكنها كتمت على فمها بيدها بسرعة. واستغرقت لحظات حتى تمالكت نفسها مرة أخرى لتبعد كفها عن فمها وتوم شفتيها بعبوس وهي تسأله في حزن متصنع:
"طيب أنت متعصب مني وبترد عليا من غير نفس كده ليه؟.. أنا عملت إيه ضايقك مني؟!"
تجاهل سؤالها ولم يجيبها فانحنت عليه وهزته في كتفه برفق متمتمة:
"عمران أنا بكلمك رد عليا!"
رفع ذراعه عن عينيه والتفت لها يرمقها بعين مشتعلة. اضطربت من نظرته وعادت بظهرها للخلف في وجه تعلوه قسمات التوتر بينما هو فهتف بصوت خشن:
"نامي يا آسيا أنا مش ناقص صداع ووجع دماغ."
أنهى عبارته واستدار في الفراش يوليها ظهره يكمل نومه. بينما هي فرمقته بغيظ وهذه المرة انزعجت حقًا لكنها أيضًا لم تستسلم وبدهاء وذكاء شيطاني اخرجت صوتها مبحوحًا وكأنها على وشك البكاء وهي تلقي بسهمها بمنتصف الهدف تمامًا:
"يعني أنا هصدعك عشان زهقانة ومش جايلي نوم وعاوزة أقعد معاك شوية. ما أنا لو مكنش ده حالي كنت قمت عملت أي حاجة وسليت نفسي."
مسح على وجهه متأففًا ثم استقام جالسًا وهو يلتفت لها ويقول بنبرة متحشرجة:
"روحي كملي الفيلم اللي كنتي بتسمعيه. أنا تعبان وعاوز أنام."
كانت ستبتسم لكنها تمالكت نفسها وردت عليه بيأس:
"لا أنت مش تعبان.. لو كنت تعبان مكنتش قولتلي نعمل الجلسة دلوقتي."
رفع حاجبه على ردها ثم أردف بنظرة مغتاظة وصوت رجولي غريب:
"وأنتي ماشاء الله شايفك فوقتي وبقيتي كيف الحصان بعد ما كنتي من شوية بتقوليلي تعبانة.. إيه خفيتي دلوقتي؟"
فشلت في كبح ابتسامتها أكثر من ذلك حيث استقرت نظراتها الماكرة على خاصته وهي تضحك وتسأله بصوت أقرب لفحيح الأفعى:
"وأنت إيه اللي مضايقك للدرجة دي؟!"
اختفى الانزعاج من على صفحة وجهه وحل محله اللؤم وهو يتجول بنظراته على تفاصيل وجهها كله. في نظراتهم متعة وخبث يتبادلونها بين بعضهم البعض. ليخرج صوته الرجولي المميز أخيرًا وهو يهمس لها مبتسمًا:
"أنا فاهم زين اللي بتحاولي تعمليه.. بلاش. أنتي بتلعبي بنار لسعتها وحشة قوي."
ضحكت بصمت وعينان تفيض قوة وحبًا لتجيبه بخفوت شديد وثقة:
"بس أنا شايفة أن معدش في نار وفي لوح تلج بيدوب بالبطيء."
انطلقت ضحكته الرجولية وهو يقهقه بقوة على تلميحاتها الخبيثة. ورغم انزعاجه منها إلا أنها نجحت في امتصاص بركانه بكل بساطة. فغمز لها وهو يبتسم بلؤم:
"طيب خدي بالك أحسن السحر ينقلب على الساحر."
اتسعت ابتسامته وهي ترمقه رافعة حاجبها بغطرسة. ثم رفعت كفها بخبث وذكاء تضعه فوق صدره وتربت عليه مرتين برقة وهي تهمس بدلال أنثوي:
"تصبح على خير يامعلم."
ثم سحبت يدها ببطء وتمددت على الفراش توليه ظهرها. لتتركه وهي تعلم جيدًا الضجيج الذي خلقته في صدره ونفسه بحركتها الأنثوية الذكية. بينما هو فأغلق عيناه وهو يضغط على شفاه محاولًا الثبات حتى لا ينهار أمام فيض مشاعره ونيران صدره الملتهب.
***
داخل منزل خليل صفوان.....
فور دخول جلال من الباب هرولت جليلة نحوه مزعورة وهي تهتف بعينان دامعة:
"ولدي مالك ياحبيبي إيه اللي جرى لك؟!"
انحنى جلال على رأس أمه مقبلًا إياها بحنو وهو يتمتم:
_مفيش حاجة يا أمي متقلقيش شوية تعب وراحوا لحالهم الحمدلله.
ألقت منيرة نظرة شيطانية على فريال التي كانت تقف خلفه. وعلى الرغم من وجود الجميع، اقتربت من جلال وعانقته بشدة وهي تبكي بخوف وحزن مزيف:
_الحمدلله أنك بخير. خوفت قوي عليك يا جلال.
التهب صدر فريال بنيران الغل والغيرة، وأخذت تحدق في منيرة بنظرات متوعدة كلها نقم. بينما الأخرى كانت تقابل ثوران فريال ببرود نظراتها المتشفية وعيناها الضاحكة.
أبعدها جلال عنه ببطء وهو يهتف متنهدًا بخنق ملحوظ:
_أنا كويس يا منيرة.
اقترب الجد حمزة من جلال وهمس في أذنه باهتمام ونبرة رجولية حادة:
_اطلع ريح فوق عشان المأذون على وصول وبعدين نبقى نتكلم ونقولي إيه اللي جرا وتعبت ليه.
هز رأسه بالموافقة لجده مجيبًا:
_تمام يا جدي.
قاد جلال خطواته نحو الدرج فلحقت به منيرة مسرعة، وسط نظرات فريال النارية لها. وعندما التفتت للجانب وسقط نظرها على وجه جليلة، رأتها تبتسم بخبث وتشفي، فاندفعت فريال نحوها ثائرة وهمست في أذنها بغضب:
_أنتي أول واحدة هتندمي لما تكتشفي حقيقة الشيطانة اللي حطتيها وسيطنا وچار ولدك. احمدي ربك أنه رجع سالم الحمدلله ومجرالوش حاجة.
اتسعت عين جليلة بدهشة امتزجت بحيرتها من غموض كلماتها وتمليحاتها الغير مفهومة. بينما فريال فتركتها واتجهت للأعلى تلحق بمنيرة قبل أن تصل لزوجها. أوقفتها بمنتصف درج الطابق الثاني وجذبتها من ذراعها ثم دفعتها، فاصطدم ظهرها بالحائط واصدرت تأوهًا عاليًا نسبيًا وهي تصيح بفريال:
_اتجننتي في نافوخك ولا إيه يا فريال!
اقتربت منها فريال وحاصرتها بينها والحائط وهي تقبض على ذراعها بعنف، توجه لها تهديداتها المخيفة:
_مش عاوزة أشوفك چار چلال واصل. أنتي أصلًا أيامك الأخيرة في البيت ده فعديها على خير.
قهقهت بقوة ثم ردت على فريال ببرود ساخر:
_هو جلال ده مش جوزي برضوا؟ هتمنعيني مقربش منه كيف عاد؟ بعدين أنتي بتخرفي يا فريال.. أيام أخيرة إيه صدقيني أنا لو عاوزة جلال يرميكي برا البيت في يوم وليلة هعملها.
ابتسمت لها شزرًا وقالت باقتناع ساخر:
_صح عندك حق ما أنتي مفيش حاجة بتغلب عليكي ولا بتوقف قصادك دلوقت. عمومًا أنا نبهت عليكي وحذرتك.
طالت نظرات منيرة القاتلة لها، ثم تجولت بعينها على طول جسد فريال حتى وقفت عند بطنها تتمعنها للحظات قبل أن تقول لها بشر ينبض داخل مقلتيها:
_أنا لو مكانك أخاف على عيالي اللي في بطني ومتكلمش كده ولا أهدد بقلب جامد.
رغم أن الغضب تسلل لقلب فريال، إلا أنها أبت إظهاره. وبعينان مظلمة وكأنها فقدت النظر، راحت تقبض على رقبة منيرة تخنقها وهي تهتف لها:
_لو فكرتي تأذي عيالي هاخد روحك بيدي يا منيرة ومفيش حاجة هترحمك من يدي.
بتلك اللحظة كان جلال أدرك أنه نسي هاتفه بالسيارة، فاستدار وعاد يهبط الدرج مجددًا يقود خطواته للأسفل لكي يذهب لسيارته، لكنه تسمر بالطابق الثاني عندما رأى فريال وهي تخنق منيرة، فأسرع نحوها يصيح بها:
_فـريـال!
أفلتت منيرة من بين قبضتي فريال بصعوبة، التي كانت لا ترى أمامها من فرط غضبها، وراح يصرخ بها منفعلًا:
_إيه اللي بتعمليه ده!
تحدثت منيرة وهي تبكي بزيف تتهم فريال:
_شافتني طالعة وراك يا جلال ومن كتر غيرتها حاولت تمنعني ولما قولتلها مش هتقدري تعملي حاجة قالتلي هقتلك وخنقتني كيف ما شوفت.
ألقى جلال نظرة مشتعلة على فريال ثم عاد لمنيرة وهتف لها بحنو:
_أنتي كويسة؟
هزت رأسها بالموافقة وهي تبتسم برقة، فتابع جلال بجدية:
_طيب اطلعي يلا على أوضتك.
ابتسمت وسألته بمكر:
_هتيجي ورايا؟
جلال بحدة:
_قولت اطلعي يا منيرة على أوضتك.
امتثلت لأوامره وصعدت الدرج تقصد غرفتها بالطابق الثالث. بينما فريال فرمقته بخزي وقالت في سخط:
_اطلع لها مهو علاج السم بيكون من السم نفسه. أنا غلطانة إني شايلة همك بعد كده هاخد عيالي وأمشي وأسيبها تعمل فيك اللي تعمله مليش دعوة.
قبض على ذراعها وجذبها معه للأعلى نحو غرفتهم وسط مقاومتها له ومحاولاتها للتملص من قبضته لكن دون جدوى. وفور وصولهم للغرفة دفعها للداخل وأغلق الباب خلفه ثم صاح بها باستياء شديد:
_لو نسيتي كلامنا الصبح أفكرك بيه تاني يا فريال.. كيف ما أنتي قولتي إن كل حاجة خلصت بينا ومعدتيش بتحبيني أنا كمان قولتلك إني معدتش عاوز حبك. واللي مخلينا مكملين مع بعض بس هو عيالنا. فبلاش تمثلي دور الغيرة وتعملي مشاكل من مفيش وأنا وأنتي عارفين زين إنك مبتحبنيش أنتي بس كرامتك بتاكلك عشان اتجوزت عليكي.
تلألأت عبرات القهر في عينيها وهي تردد عبارته بصيغة السؤال:
_أنا اللي بقيت بتاعت المشاكل يا جلال؟!!
صابها ألم شديد في بطنها بتلك اللحظة جعلها تميل للأمام ممسكة ببطنها وهي تتأوه. فهرول نحوها مزعورًا يضع يده فوق بطنها ويسندها هاتفًا بخوف:
_مالك؟
دفعته بعيدًا عنها وهي تصرخ به باكية:
_بعيد عني. روح للشيطانة بتاعتك ملكش صالح بيا.
احكم قبضته عليها وهو يهتف بغضب:
_حسك ميعلاش كفاية صراخ. بعدين أسيبك كيف هو مش اللي في بطنك ده ولدي؟ تعالي ارتاحي على السرير واهدي.
سارت معه باتجاه الفراش وهي تتمتم بصوت خافت:
_اممم ولدك مهو لولاه مكنتش هتهتم تبص في وشي ولا تسألني مالك.
تجاهل كلماتها رغم انزعاجه وغيظه منها. ثم ساعدها في التسطح على الفراش وقال لها بنبرة حادة خالية من أي مشاعر:
_هروح أجيب لك عصير وحاجة تاكليها يمكن تسندك.
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى تأبى النظر إليه. بينما هو فغادر الغرفة. وفور خروجه توقف واستند على الحائط بجوار الباب واليد الأخرى فوق صدره تحديدًا عنده قلبه بعدما شعر بألم شديد يجتاحه. فحاول أخذ أنفاسه وهو يزفره ببطء محاولًا البقاء هادئًا كما أمره الطبيب حتى لا ينتكس مرة أخرى خلال هذه الفترة.
كان منصور على الطاولة الكبيرة بمنتصف الصالة وبجواره علي وجلال وعلى الجهة المقابلة كان المأذون وبجواره سمير. كان جميع الرجال يتمالكون انفعالاتهم بصعوبة حتى لا يقتلوا ذلك الوغد الجالس أمامهم والذي سيسلمون له ابنتهم رغمًا عنهم فقط حفاظًا على شرفهم وسمعتهم.
بدأ المأذون مراسم الزواج الشرعية وبتلك اللحظات كانت خلود تنزل الدرج مع أمها. وعندما رأت عشيقها يجلس معهم حول طاولة الزواج ويردد خلف المأذون ما يمليه عليه شعرت بالسعادة تغمرها أنه سينقذها من بين براثن عائلتها. لكن سرعان ما تملك منها الرعب عندما رأت نظرات أبيه القاتلة لها فتشبثت بذراع أمها وأكملت معها نزول الدرج حتى وصلت نحو المقاعد وجلست تراقب مراسم زواجها محاولة عدم النظر لوجوه نساء العائلة وهم يرمقونها باشمئزاز وغضب. أما الرجال فكانوا يتحاشون النظر إليها عمدًا حتى لا يفقدوا سيطرتهم على أنفسهم.
دقائق طويلة نسبيًا وانهى المأذون المراسم بتنهئته للعروسان ثم استقام واقفًا وصافح الرجال مودعًا إياهم قبل الرحيل. فور انصراف المأذون صاح منصور بغضب دون أن ينظر لابنته:
_شنطة خلجاتها وين يا إنصاف؟
أشارت بيدها على الحقيبة وعيناها غارقة بالدموع. فنظر منصور لسمير وهتف بغضب:
_خدها وغوروا من هنا قبل ما أرتكب جريمة فيكم احنا معدش عندنا بنات.
رمق سمير خلود بشر وكأنه يتوعد لها. بينما علي فاندفع نحوه وهو يصرخ به:
_سمعت اللي قولناه ولا أقولهولك بطريقتي يمكن تفهم أصلك مبتفهمش غير بيها.
امسك جلال به يمنعه وهو يهتف له بحزم:
_علي اهدى مش عاوزين فضايح.
انحنت خلود تحمل حقيبة ملابسها. وقبل أن تتحرك انحنت عليها أمها تعاملها وهي تبكي بحرقة. فاندفع نحوها منصور يجذبها بعنف صارخًا بها:
_بتعملي إيه يا ولية!
انسيها، بتك ماتت خلاص وعزاها دلوقتي هتطلع ومش هترجع تاني.
أما إنصاف فانهارت باكية بقوة، وخلود سالت دموعها الغزيرة فوق وجنتيها دون أن تقوى على رفع عينيها في وجوههم.
اندفع سمير نحو خلود يجذبها من ذراعها للخارج بعنف دون أن يتفوه ببنت شفة. تعجبت هي من قسوته معها، لكن لم تهتم كثيرًا. قبل أن تخطو قدمها عتبة المنزل، استوقفتها عبارة زوجة عمها جليلة وهي تقول بتشفي وتجبر:
"ربنا خد حق بتي، واديكي بتطلعي من البيت من غير رجعة بنفس الطريقة اللي خلتينا نطردها بيها."
رمقتها خلود بغل وهتفت:
"ولو رجع بيا الزمن كنت هعملها تاني، عشان بتك شيطان مش ملاك كيف ما فاكرينها."
التهبت عين جليلة وكانت على وشك أن تنقض عليها، لكن فريال أمسكت بها وهي تهمس لها بضيق:
"متسمعيش ليها يا مرت عمي، سبيها. أصلًا متستاهلش تقللي من روحك عشانها."
جذبها سمير من يدها بعنف وهو يصرخ بها:
"امشي قصادي، لعنة اليوم اللي عرفتك فيه حتى."
ابتسمت جليلة بتشفي بعدما سمعت عبارة زوجها لها، ونفس التشفي كان بعين فريال وجلال. أما إنصاف فأخذت تصرخ وتبكي مولولة وهي تتوسل منصور:
"يا منصور، هتسيبله بتك كيف؟ مش خايف يعملها حاجة؟ مش شايفه بيعاملها كيف؟"
استدار منصور وقال بقسوة وهو يتجه نحو الدرج:
"ياكش يقتلها ويريحنا منها واصل."
جلست إنصاف على أقرب مقعد لها وهي مستمرة في نحيبها وصراخها على ابنتها. بينما الجميع فقد تركها وذهبوا لغرفهم وأعمالهم، تاركين إياها وحيدة أحزانها على ابنتها المخطئة.
***
بتمام الساعة الرابعة فجرًا...
فتحت آسيا عينيها بخمول، فرأت عمران يقف فوق المصلاة يصلي صلاة الفجر. ابتسمت بحب له، ثم اعتدلت في نومتها جالسة وظلت تتابعه حتى انتهى وسلم، فقالت له:
"تقبل الله."
أجابها بخفوت:
"منا ومنكم إن شاء الله."
آسيا بعبوس بسيط:
"ليه مصحتنيش أصلي معاك؟"
ابتسم لها ورد بجدية:
"أدينا فيها أهو، قومي يلا اتوضي وصلي قبل ما الضي يطلع."
أومأت له بالإيجاب وأبعدت الغطاء عن جسدها، ثم اعتدلت ومدت يدها تجذب مقعدها، فوجدته هو يقربه لها وينحني عليها يحملها، ثم يضعها فوق المقعد ويتحرك بها حتى الحمام، ثم يقول بحنو بعد أن وصلوا لباب الحمام:
"لو احتجتي حاجة اندهي عليا."
هزت رأسها له في نظرات مغرمة، ثم دخلت للحمام وأغلقت الباب. استغرقت تقريبًا عشر دقائق بالداخل حتى خرجت بعدما انتهت من الوضوء، واتجهت نحو الخزانة تخرج حجابها وملابس مناسبة للصلاة. ثم بدأت في أداء فريضتها وسط نظراته الثابتة عليها، لا يزيحها بل يتأملها بشرود.
انتهت من صلاتها، ثم نزعت عنها الملابس التي ارتدتها من أجل الصلاة واقتربت منه بمقعدها تسأله بفضول حقيقي:
"عمران، هو أنت رحت فين النهاردة؟ وأنت قولتلي إن بشار هو اللي ماسك الشغل منك الفترة دي؟"
عمران بنبرة عادية وهدوء تام:
"كان معايا كام حاجة خلصتها ورجعت."
سألته بجدية وفضول أقوى:
"حاجة إيه؟"
رفع حاجبه مستنكرًا أسألتها، فأسرعت هي بسرعة تبرر أسألتها بعدما رأت تبدل ملامحه للشدة:
"أنا مش بستجوبك ولا بحقق معاك طبعًا، بس حابة أعرف يعني."
لاحت الابتسامة الساحرة على شفتيه وهو يجيبها بنظرة ثاقبة:
"حابة تعرفي ليه عاد؟!"
تنحنت بتوتر ثم هتفت بانزعاج تام:
"خلاص ياعمران، مش عاوزة أعرف. كنت حابة أفتح موضوع وخلاص."
قهقه بخفة عليها، بينما هي فالزمت الصمت لبرهة من الوقت، تارة تنظر له وتارة تشيح بنظرها عنها، في توتر ملحوظ كلما تفكر فيما ستطرحه عليه. لكنها بالنهاية حسمت قرارها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتنحنح بارتباك وتسأله:
"عمران، إحنا بكرة الصبح رايحين المستشفى للدكتور، وممكن منحلقش نعمل الجلسة قبل ما نروح. إيه رأيك نعملها دلوقتي؟"
صمت قاتل هيمن عليه وهو يتمعنها بنظراته المريبة. فشعرت بدقات قلبها تتسارع، بالأخص عندما رأته يتفحصها كاملًا. وقد كانت ترتدي بيجامة منزلية واسعة قليلًا.
استمر الصمت يدور حول نظراته الغريبة حتى هتف أخيرًا وهو يهز رأسه بالرفض ويشيح بنظره للجهة الأخرى:
"تؤ، مليش مزاج دلوقتي. خليها الصبح."
فغرت عينيها مندهشة ثم قالت له شبه ضاحكة:
"أنت بتردهالي يعني!"
زم شفتيه للأمام دون أن يجيبها، وهو ما زال لا ينظر لها. فرفعت حاجبها مبتسمة بمكر وأعين متوعدة ثم تابعت:
"طيب خلاص، خليها الصبح."
ابتعدت عنه بمقعدها وتحركت حتى وصلت للمرآة. فتوقفت بالمقعد أمامها وراحت تفرد شعرها الطويل وتبدأ في تسريحه بكل بطء ورقة، وبين كل لحظة والأخرى تختلس النظر إليه فتجده يتابعها بإعجاب. باتت تفهمه وتعرف جيدًا أن أحد نقاط ضعفه هي شعرها، ولسوء حظه إنه لا يستطيع مقاومتها حين تتركه ينساب بحرية على جسدها. ضحكت بخبث والتفتت له تسأله بلؤم يظهر في نظراتها بوضوح:
"إيه، غيرت رأيك ولا إيه؟"
تلك الساحرة لن تتوقف أبدًا، وهو لم يعد يحتمل محاولاتها لأصابته من الأعماق بسحرها. فهب واقفًا واندفع نحوها، ثم استند بكفيه على ذراعي مقعدها من الجانبين وهتف لها بغيظ:
"وبعدين معاكي أنتي، مصممة تطيري برقي من نافوخي يعني ولا إيه؟"
ضحكت بقوة وأجابته بسرعة في حزن:
"بعد الشر عليك يامعلم، محدش يقدر أصلًا."
عمران بأعين مشتعلة:
"عاوزة إيه يا آسيا؟!"
أخفت ابتسامتها المتلذذة برؤيتها له وهو يتآكل بنيران صدره ولهيب مشاعره. لكنها لن تتوقف إلا عندما تسمعه بعمق اعترافه مرة أخرى وبالطريقة التي تريدها.
أخذت نفسًا عميقًا وردت عليه ببراءة مزيفة:
"عاوزة نعمل الجلسة."
صر على أسنانه بغيظ وأعين تحمل الوعيد لها، ثم مد ذراعه لها لتمسك به، وبالذراع الآخر لفه حول خصرها ليساعدها على الوقوف. ثم بدأت تتحرك معه ببطء شديد، وعندما ابتعدت عن المقعد وجدته يقربها منه أكثر، وبذراعه يضغط على خصرها بحميمية، فانتفضت وهتفت بارتباك وخجل:
"عـمـران!!"
ابتسم لها بخبث وتمتم:
"إيه، مش أنتي اللي طلبتي وأصرتي."
قالت بصوت متلعثم ومضطرب:
"خلاص، رجعني للكرسي تاني، تعبت وعاوزة أقعد."
هي أساسًا لا تستطيع الوقوف على قدميها، وعندما رأته ينحني عليها أحست بأن توازن جسدها كله اختل، فأسرعت تتشبث بكتفيه خشية من أن تسقط. بينما هو فضحك واقترب من أذنها يهمس لها باستمتاع:
"قبل ما تحاولي تستغلي نقاط ضعفي عشان تجننيني عليكي، ابقي فكري زين في اللي أنا ممكن أعمله، واديكي شوفتي أنتي بلمسة واحدة بس بتبقي كيف."
ابتسمت رغمًا عنها بخجل، لكنها أخفت الابتسامة فورًا عندما ابتعد عن أذنها وعاد ينظر لها بعينيه الثاقبة وأهدابه العريضة. عندما تتفحص النظر فقط لثوانٍ في ملامح وجهه الرجولية، تنصهر وتذوب بين يديه ومن غرامها له.
ازدردت ريقها بخجل وقالت:
"طيب، مش هترجعني عاد للكرسي؟"
هز رأسه بالرفض مجيبًا بابتسامة متلذذة:
"هو إحنا لحقنا لسه مخلصناش."
احتل التوتر معالمها وراحت تترجاه بوجنتين اللون الأحمر سينفجر منهم:
"عمران، أبوس إيدك كفاية."
ضحك بقوة وقال لها بجدية وحنو:
"متخافيش، مش هعمل حاجة تاني. هنكمل الجلسة بكل أدب واحترام."
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تزفر بقلة حيلة وسط ابتسامتها الخجلة. ثم التفتت له مجددًا وأكملت معه جلستها وهي تتحرك بمساعدته، ورغم أن خطواتها كانت بطيئة، لكن كلاهما لاحظا الفرق بين الجلسة السابقة والآن، وأن قدرتها على الحركة بدأت تتحسن بسرعة شديدة.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل إبراهيم الصاوي...
كانت إخلاص تتابع إبراهيم وهو يقف أمام المرآة يهندم من ملابسه قبل أن يخرج. الغضب يتملكها كلما تتذكر حديثه مع عفاف بصباح الأمس واعترافه بأنه هو المتسبب في قتل خليل صفوان.
حاولت السكوت والبقاء هادئة، لكنها فشلت في التحكم بأعصابها. حيث هبت واقفة واندفعت نحوه تهتف منفعلة:
"كيف عملتها يا إبراهيم، كيف؟!"
التفت لها باستغراب وقال بحدة:
"هو إيه اللي كيف عملتها؟"
تجمعت العبرات في مقلتي إخلاص التي تابعت بحرقة على زوجها:
"هي اللي وزتك صح؟.. أنت متعملش كده من نفسك أبدًا. ده خليل كان كيف أخوك، ومهما كانت المشاكل في إيه بينكم متوصلكش للقتل واصل. لكن هي فضلت توز في ودانك كيف الشيطان لحد ما خلتك تقتله."
اتسعت عيني إبراهيم بصدمة وظهر الاضطراب على ملامحه، لكن سرعان ما قبض على ذراع إخلاص بغضب وهو يصيح بها:
"بتخرفي تقولي إيه يا ولية أنتي.. إيه الجنان اللي بتقوليه ده!!"
انهمرت عبرات إخلاص وهي ترد عليه بأسى:
"ده مش جنان، ده الحقيقة يا إبراهيم اللي أنا مش قادرة أصدقها لغاية دلوقتي. متحاولش تنكر عشان أنا سمعت بودني امبارح أنت والعقربة عفاف."
كان الذهول يحتل معالم وجهه وهو يسألها بتوتر ملحوظ:
"سمعتي إيه؟"
إخلاص بصوت مبحوح:
"سمعتك وأنت بتقولها إنك بتقرب منهم عشان ميحسوش ولا يعرفوا إنك أنت اللي قتلت خليل."
كتم على فمها بيدها في نظرات ملتهبة وهو يهتف محذرًا إياها:
"وطي حسك ده لحد يسمعنا وتودينا في داهية."
دفعت إخلاص يده عن فمها وهتفت بألم وقهر:
"جلال رفع السلاح على راس ولدك عشان فاكر إن هو اللي قتل أبوه.. وطلعت أنت اللي قتلته. مش خايف على ولدك ولا بتفكر فيه إنهم ممكن يحاولوا يأذوه؟"
إبراهيم بنبرة رجولية قوية وساخطة:
"عمران راجل مش عيل صغير ومفيش مخلوق يقدر يقربله. ولو حد فكر يقرب من ولدي ولا يأذيه آخد روحه بيدي."
ابتسمت إخلاص مستهزئة وهي ترد عليه بأسى:
"ومفكرتش فيه هيعمل إيه لما يعرف إن أنت اللي قتلته؟ سواء هو أو حتى بلال وفريال."
جذبها إبراهيم من ذراعها بعنف هاتفًا وهو يحذرها بنبرة مخيفة لا تمزح:
"لو لسانك وقع بالكلام قصاد عمران ولا بلال مش هرحمك يا إخلاص، فاهمة ولا لا."
انسِي اللي عرفتيه وسمعتيه، واصل وكأنك مسمعتيش حاجة.
ثم تركها بقوة وهو يتجه لباب الغرفة ويغادر، ليتركها بمفردها تتصارع بين أفكارها في رغبتها بإخبار ابنها بحقيقة والده، وبين خوفها منه ومن تهديده.
كان بلال يقود سيارته في طريقه للجامعة، ومر من أمام منزل حور أثناء طريقه. وكأن الظروف استمعت لرغبته في رؤيتها، فوجدها تقف بالشارع العمومي وتبدو في انتظار سيارة أجرة لكي تذهب للجامعة. فضحك بسعادة غامرة وقاد سيارته باتجاهها، ثم وقف خلفها ونظر لها من النافذة يقول مبتسمًا:
_ لو فضلتِ واقفة إكده هتفوت عليكي محاضرة الساعة تسعة.
انتفضت بفزع عندما سمعت صوته والتفتت بسرعة للخلف وهي تضحك، لتجيبه بحيرة:
_ وأنت عرفت إزاي أن معايا محاضرة الساعة تسعة؟
زم شفتيه ببراءة مزيفة مردفًا:
_ مجرد تخمين.
ضحكت بخفة ثم قالت في نفاذ صبر وهي تتأفف:
_ المواصلات كلها بتيجي مليانة وأنا واقفة يجي أكتر من نص ساعة، بفكر أرجع البيت والله ومروحش خالص.
قهقه بقوة، فشردت هي في ضحكته الرجولية الجذابة، ولكن سرعان ما انتشلها من أحلامها بصوته وهو يقول بعبث:
_ طب ما أهو في مواصلة فاضية قدامك!
التفتت حولها تبحث عن السيارة الفارغة الذي يتحدث عنها وهي تسأل بعفوية:
_ فينها؟
عندما عادت بنظرها له، وجدته يتمعنها مبتسمًا وهو يرفع حاجبه. ففهمت مقصده ورغمًا عنها ضحكت بحياء واضح وردت عليه:
_ لا متشكرة، مش عايزة أعطلك.
ظهر الاقتضاب على محياه من رفضها وهو يقول مازحًا:
_ تعطّليني إيه، ما أنا رايح الچامعة معاكي. انتي هتعطليني صَح لو فضلتِ واقفة إكده كتير، ووقتها هتضيع المحاضرة عليا وعليكي. والنهاردة أنا معايا امتحان وتسليم مشروع تخرُّج، يعني مستقبلي معتمد عليكي.
انطلقت ضحكتها الرقيقة وهي تردف بصدمة متصنعة:
_ ياااه، مستقبلك معتمد عليا.. للدرجة دي!
أجاب بلال مبتسمًا وهو يكمل مزحه:
_ وأكتر كمان. هااا ناوية تشيلي ذنبي ولا هتركبي عشان أوصلك واحنا الاتنين نلحق مستقبلنا؟
استمرت في الضحك وهي تهز رأسها مغلوبة منه، ثم قالت في النهاية تبادله المزاح:
_ هركب وامري لله.. ده مستقبل برضوا مش لعب عيال.
أجابها ضاحكًا بأعين تفيض عشقًا:
_ أيوة چدعة.
استدارت حول السيارة وفتحت باب المقعد المجاور له، لتستقل بجانبه وهو ينطلق بالسيارة نحو مقر الجامعة.
داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا بغرفة الجلوس الخاصة بعمل جلال.
كان يجلس يباشر أعماله على الحاسوب ويضع آخر الحسابات بمعرض الأجهزة العائد له وللعائلة، حتى اقتحم عليه الغرفة ابنه الصغير. الذي اقترب منه وجلس بجواره يسأله في اهتمام وحزن:
_ أبوي هو أنت صَح كنت تعبان امبارح في المستشفى؟
التفت جلال نحو عمار ثم ترك ما بيده وراح يمسح فوق شعر ابنه بحنو متمتمًا:
_ أيوة كنت تعبان شوية وبقيت كويس الحمدلله دلوك، متقلقش.
أماء لأبيه بابتسامة راحة، ثم ظهر الحماس والسعادة على وجهه وهو يردف:
_ أمي قالتلي أن قريب هتجيب لنا أنا ومعاذ أخت.
أشرق وجه جلال بفرحة مختلفة وجميلة، وراح يسأل ابنه بتلهف:
_ هي قالتلك أنها حامل في بنت؟
هز عمار رأسه بالإيجاب، وأكمل:
_ أيوة قالتلنا أنا ومعاذ، وسمعتها كمان دلوك كانت بتتكلم في التليفون وبتحجز عند الدكتور.
تلاشت ابتسامة جلال تدريجيًا، وظهر الانزعاج البسيط على ملامحه، فمسح على شعر ابنه بلطف وهتف:
_ أنا هطلع أشوف أمك، وأنت خلي بالك على الورق ده لغاية ما أرجع.
امتثل لأوامر أبيه بهز رأسه بالموافقة، بينما جلال فاسرع للأعلى حيث غرفتهم، جانب منه سعيد ويتطاير فرحًا بأنها ستمنحه فتاة هذه المرة، وجانب آخر غاضب من تصرفاتها وكأنه لا وجود له.
فتح باب الغرفة ودخل، فوجدها تقوم بتبديل ملابسها. شهقت بفزع عندما رأته وقالت مستاءة:
_ مش تخبط قبل ما تدخل.
تجاهل السخافة التي تفوهت بها للتو وهتف بعصبية:
_ معاكي معاد دكتور النهاردة، مش المفروض تبلغيني وتأخدي إذني؟ ولا هتطلعي وتروحي من غير ما أعرف إكده ووحدك كمان تروحي للدكتور؟
فريال بلهجة قوية وثابتة:
_ أولًا مكنتش هروح وحدي، أمي كانت هتروح معايا. ثانيًا معاد الدكتور لسه بليل، وكنت هقولك قبل ما أطلع.
أردف جلال باستنكار وغضب شديد:
_ قبل ما تطلعي! وچاية على روحك إكده ليه يافريال هانم؟
فريال بجفاء وعدم اكتراث:
_ مش أول مرة أروح وحدي يا جلال، أنا ليا شهور بروح وحدي عشان طبعًا أنت مكنتش فاضيلي من مواضيع چوازك.
صاح بها منفعلًا بصوت رجولي مخيف:
_ عشان أنتي كنتي مخبية عني حملك، متبرريش ذنبك وتعلقيه عليا.
تنهدت فريال الصعداء بعدم حيلة لتجيبه:
_ طيب أنت عاوز إيه دلوك يا جلال؟
اقترب منها حتى أصبح في مواجهتها مباشرة لا يفصله عنها سوى سنتيمترات قليلة، ويهتف في حدة منذرًا إياها:
_ من إهنه ورايح مفيش طلوع من البيت من غير أذني، واياكي تخبي عني حاجة يافريال، وإلا العواقب هتكون وخيمة، فاهمة ولا لا؟
مالت بوجهها للجانب تأبى النظر إليه في امتعاض، بينما هو فاستدار وهم بالانصراف، لكنه توقف بعد خطوة والتفت لها برأسه يسألها بجمود رغم أن عيناه تلمع بالسعادة:
_ أنتي حامل في بنت صَح؟
رمقته بطرف عيناها، ثم التفتت له وابتسمت بسعادة مثله وهي تجيبه:
_ لسا هعرف جنسه إيه في الخامس أو الرابع، بس أنا حاسة أنها بنت.
تبادلوا النظرات الخاصة بينهم وهم يتذكرون لحظاتهم معًا، عندما كان يستمر بأخبارها أنه يتمنى أن يرزق بطفلة منها تشبهها تمامًا في كل شيء حتى طباعها.
مال ثغره للجانب في ابتسامة جميلة، ثم قال بجفاء متصنع:
_ أنا اللي هروح معاكي بليل، قولي لأمك وبلغيها بدل ما تجهز على الفاضي.
لم يمهلها اللحظة لتعترض، حيث استدار وانصرف، ليتركها تبتسم بفرحة داخلية على اهتمامه ورغبته في مرافقتها للطبيب.
دخل عمران بناية المنزل وهو يحمل بيده أكياسًا بها بعض مستلزمات زوجته والمنزل، وبينما كان في طريقه للدرج، قابل سليم الذي توقف ومد يده مصافحًا هاتفًا:
_ ازيك يامعلم عمران؟
لمس عمران نبرة السخرية في صوته، فحاول الثبات ورد ببرود أعصاب متصنع:
_ الحمدلله.
ابتسم سليم له، ثم تجرأ وسأل بكل برود:
_ ألف سلامة على مدام آسيا.
فور ذكره لاسم زوجته، الهدوء المزيف الذي يحافظ عليه فقده واشتعلت نظراته، ورغم كل هذا مازال يحاول البقاء هادئًا، حيث رد على سليم بصوت متحشرج ومخيف:
_ الله يسلمك.
لم يضع سليم حدًا لتعديه حدود عمران الحمراء، فمازالت القصة التي سردتها له شقيقته في عقله، ورغم ملاحظته لشر عمران المناكير فوق صفحة وجهه، إلا أنه تابع ببرود متعمد:
_ أخبارها إيه دلوقتي؟ طبعًا مش محتاج أقولك ياعمران لو احتجت أي حاجة أنا موجود، وأنت عارف عيادتي فين.
أظلمت عين عمران، فقد فاض كل شيء، وذلك الوغد استنفذ رصيده بالكامل لديه، ولسوء حظه أنه اليوم ليس بمزاج يسعه لتحمل شخص مثله.
بحركة مباغتة وفجأة، وجد سليم عمران يجذبه من ليقته ويهتف له بلهجة محذرة تحمل الشر والوعيد الحقيقي:
_ أنت عارفني زين يا سليم، والمثل بيقولك ابعد عن الشر وغنيله، فخليك بعيد عني أحسلك، ولو لسانك اتجرأ ونطق اسم مرتي أو جبت سيرتها تاني، تبقى جنيت على روحك، وصلت الرسالة.
كان الهدوء التام من نصيب سليم، أما عمران فتركه وربت على كتفه بلطف متمتمًا في نظرات ونبرة صوت تقذف الرعب في الأبدان:
_ ركز في شغلك يادكتور أحسن تخسره قريب.
كان تهديد عمران صريح في كلماته لسليم، الذي اشتعل بنيران الغضب فور رحيله.
داخل غرفة فريال، كانت تمسك بالكيس الذي جمعت فيه أعمال السحر التي قامت بها منيرة لتؤذيهم، وهي تفكر بتردد. فمازال جلال لم يتعافى وتخشى أن تكشف له الحقيقة فتكون هي السبب هذه المرة في مرضه، وبنفس الوقت باتت لا تحتمل رؤية تلك الأفعى ولا تأمن على أولادها بوجودها معهم في نفس المنزل.
صراع قوي بين عقلها وقلبها دام للدقائق، كل منهم له أسبابه المقنعة في كشف الحقيقة أو إخفائها مؤقتًا، لكن بالنهاية انتصر جانب كشف الحقيقة، فهي لا تدري لو انتظرت أكثر ماذا سيصيبهم مجددًا، وما الشيء الجديد الذي ستقبل على فعله تلك الشيطان.
أخذت الكيس معها وغادرت الغرفة وهي تقود خطواتها للطابق الأرضي حيث الجميع يتناول فطوره الآن، فهذه اللحظة المناسبة ليروا حقيقتها بوجود الجميع، حتى لا يتبقى لها فرصة للبقاء للحظة أخرى بمنزلها.
وقفت فريال عند آخر الدرج بعدما وصلت للطابق الأرضي ورأتهم مجتمعين حول طاولة الطعام يتناولون وجبة الفطار. تقدمت منهم ثم ألقت نظرة شيطانية ومتشفية على منيرة تودعها من خلالها، قبل أن تهتف محدثة جلال وهي ترفع الكيس الأسود أمامهم:
_ جلال تعالى شوف الشيطان اللي دخلته أنت وأمك بينا.
رمقها جلال باستغراب وعدم فهم ثم رد:
_ مالك يافريال؟
قالت فريال بابتسامة كلها ثقة وهي تنظر في عين منيرة التي كانت تنتفض من الخوف:
_ شوف لقيت إيه في أوضتنا تحت السرير وطلعت إيه من أوضة منيرة.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ندى محمود توفيق
سكن الرعب في نفس منيرة بعدما سمعت عبارة فريال الأخيرة،
بينما جلال فقد استقرت نظراته المتعبة والثاقبة على زوجته قبل أن يستقيم واقفًا ويسير نحوها ثم يجذب الكيس من يدها ويفتحه لتتسع عينيه بصدمة محدقًا بأعمال السحر وسط حيرة وفضول الباقية لمعرفة ما يراه داخل ذلك الكيس.
رفع جلال عينيه ينظر لوجه فريال فرآها تحدقه بغضب امتزاج بعجزها وحزنها ثم التفت نحو منيرة يسألها بعين ملتهبة:
_إيه ده!!_
ازدردت منيرة ريقها بصعوبة وفورًا هبت واقفة تسرع باتجاه جلال لتنظر في ذلك الكيس مثله وعندما رأت دلالات الإثبات على شرها فرت دماء وجهها وأصبح شاحب كجثة بلا روح حتى جسدها تجمد والبرودة أخذت تسير بين أوصالها ببطء قاتل وراحت تصرخ بغضب وصوت مهزوز يثبت توترها لكنها رغم كل هذا لا تستسلم ومازالت تبحث عن طريق لإنقاذ نفسها من السقوط بوحلها:
_الحاجات دي مش بتاعتي أنا مستحيل أعمل كده يا جلال.. أكيد هي اللي عملتها وعاوزة تلبسها فيا.. هي خسرتك ومن كتر غيرتها وحقدها ملقتش حل غير السحر والأعمال عشان ترجعك ليها_
صرخت بها فريال منفعلة بعدما سمعت اتهاماتها الزور:
_لسه بتكذبي أنتي إيه شيطان.. ده أنتي حاولتي تقتلي عيلي اللي في بطني ولسه امبارح كنتي بتهدديني إني لو مبعدتش عنك هتأذيني_
استخدمت منيرة أسلوبها الشيطاني في الدفاع عن نفسها لتتحول من صورة الظالم للمظلوم حيث التفتت حولها تتجول بنظرها على وجوه جميع العائلة بعينان امتلأت بالعبرات ثم عادت تلقي نظرة أخيرة على جلال لتراه يتمعنها بأعين مخيفة تبشر بأعصار مدمر في طريقه لها فبكت زيفًا.. بكاء شديد وسط نظراتها العاجزة والبريئة نحو فريال وهي تصيح بها:
_أنا حاولت أقتل ولدك!!.. أنا بتعملي فيا كده ليه يا فريال أنا عملتلك إيه حرام عليكي_
استقامت جليلة واقفة بتلك اللحظة وأسرعت نحوهم لتتفحص محتويات الكيس وعندما رأتها نظرت في وجه منيرة بذهول فوجدتها تهتف ببكاء هستيري تتوسلهم أن يصدقوها:
_لا يا مرت عمي متصدقهاش أنا معملتش كده واصل.. أنا بحب جلال قوي كيف هأذيه_
ثم أخذت تتقهقر للخلف وهي تبكي بضعف وقهر متصنع وتهتف بصوتها المرتجف:
_حرام عليكي يا فريال أنا ما أذتكيش في حاجة.. عملتلي سحر وكمان عاوزة تطلعيني أنا الساحرة اللي عملتهولك_
كانت فريال تشاهد المسرحية التي تمثلها أمامهم بذهول وللحظة فقدت قدرتها على النطق وزاد ذهولها أنها رأت جليلة تقترب من منيرة وتواسيها وهي تتمتم لها بحنو:
_اهدي يا منيرة اهدي يا بتي خلاص احنا عارفين أنك متعمليش حاجة كيف كده واصل_
طفح كيل فريال فصرخت بهم بعصبية شديدة:
_أنتوا هتصدقوا العقربة دي عشان دموع التماسيح اللي بتنزلها دي_
ثم اندفعت نحو جليلة تصيح بها بقهر وعينان دامعة:
_وأنتي مصدقاها كيف بقولك حاولت تقتل ولد ولدك اللي لسه مش على الدنيا وولدك كان هيروح فيها من يومين بسببها كرهك ليا عمى عيونك عن الحقيقة_
نظرت جليلة لفريال بغضب وقالت:
_مش يمكن أنتي اللي عاملة السحر ده لولدي صوح وبتقولي منيرة اللي عملته_
ظل جلال يتابع الحرب الباردة بين أمه وزوجته وبين منيرة التي أبدعت في تمثيلها الدرامي وهو ساكن تمامًا وعقله يستعيد كل تصرفات زوجته المريبة بالفترة السابقة بداية من اختفاء أمواله نهاية بليلته معها التي لا يعرف حتى الآن كيف مرت كل ما يتذكره عنها أنه كان كالمغيب لا يشعر بشيء وفقط يرى فريال أمامه من المستحيل أن تكون كل هذه الإشارات مجرد صدف قدرية.
التفتت فريال نحو جلال تنتظر الإنصاف منه لكنها رأت السكون المريب عليه وهو يتمعن في زوجته بنظراته المميتة لوهلة ظنته لن يصدقها مثلهم وسيفضل تصديق ادعاءات تلك الأفعى بدلًا من تصديقها لكنه لم يفعل وهذه المرة كان كالحصن بظهرها حيث وجدته يقترب من منيرة التي ظنته سيعانقها كما فعلت أمه ويملأ أذنيها بعبارات الثقة والأمان لكنها واجهت بدلًا من ذلك صفعة كادت أن تهوي بها أرضًا تلك الصفعة كانت بمثابة صدمة لها وغضب ظهر على قسمات وجه جليلة أما الجد حمزة وعلي ومنصور كانوا يبتسمون فخرًا بتصرف جلال الصائب.
اعتدلت منيرة في وقفتها محدقة بجلال في ذهول واضعة كفها فوق وجنتها التي تلقت صفعته للتو ثم هتفت ببكاء مستمرة في اتهاماتها السخيفة:
_جلال متصدقهاش أنا معملتش حاجة والله.. هي اللي عملتلك الأعمال دي كلها_
تحول من سكونه لثوران مخيف جعله كالوحش الكاسر فقبض على فكها في عنف وهو يصيح بها:
_اكتمي مسمعش حسك ولا أسمعك بتقولي فريال تاني واصل.. **** اليوم اللي شوفتك واتجوزتك فيه_
كانت تصرخ وتبكي وهي تهز رأسها بالنفي مستمرة في أنكار أفعالها الشريرة فجذبها جلال من ذراعها وجرها خلفه كالحيوانات دون اكتراث لأي حد كأن تلك الغمامة التي حجبت الرؤية عنه عينيه طوال الشهور السابقة قد انجلت أخيرًا وعادت له رؤيته مجددًا.
همت جليلة بالإسراع واللحاق بابنها عندما رأته يتجه بزوجته للأعلى لكن صدح صوت حمزة وهو يصيح بزوجة ابنه غاضبًا:
_جليلة ملكيش صالح.. بزيادة اللي عملتيه مش دي كانت شورتك وفضلتي فوق ودن ولدك لغاية ما خلتيه يتجوزها_
التفتت جليلة نحوه بغضب لكنها لم تجرؤ على ثني أوامره بل امتثلت لها مجبرة على عكس فريال التي كانت تبتسم بنصر وسعادة ثم تحركت هي خلف زوجها تلحق به لتشاهد بعينيها اللحظات الأخيرة التي طالما انتظرتها لتلك الأفعى.
وصل جلال لغرفتها بالطابق الثالث ودفعها للداخل بعنف فسقطت فوق الفراش فاعتدلت بسرعة في رعب وأخذت تتراجع للخلف محاولة الفرار من بطشه القاتل لكن هيهات فلا سبيل لها اليوم.
كانت ملامحه أشبه بشبح عاد من الجحيم ليسلبها أعز ما تملك فارْتَجَفَتْ رَعْبًا وهي تبكي وتصرخ على أمل أن يأتي أحدهم وينقذها ليتها تخيلت تلك النهاية بعقلها منذ البداية لكن الإنسان الذي غلف الله على قلبه وجعله بلا روح متحجرًا لن ينعم بهبة الرؤية وسيصبح أعمى البصر والبصيرة.
تلقت الصفعة الثانية منه وهو يصرخ بها بصوت جهوري جلجل المنزل بأكمله:
_اللي سرقتيه مني كنت بتديه للـ ***** بيعملك السحر يا *** صوح_
هزت رأسها بالنفي وهي تبكي بصوت عالي وتقول:
_لا لا أنا معملتش حاجة ومسرقتش حاجة.. مش أنا يا جلال مش أنا_
جذبها من خصلات شعرها مكملًا صراخه المرعب بها وهو يقول ساخرًا:
_أمال مين اللي سرق فريال!!.. الرقم السري بتاع خزنتي أنا غيرته ومفيش غيرك يعرفه في البيت حتى فريال متعرفهوش بس أنا مكنتش داري بروحي لدرجة أني كنت عارف أنك بتاخدي الفلوس مني وكنت بقول يمكن محتاجاها وكنت سايبك واتاريكي بتسحريلي بفلوسي يا ****_
أخذت تتلوى بين قبضته محاولة التملص منه وسط صراخها وتوسلها له بأن يتركها لكنه لم يكن يسمعها حتى وتابع بنقم حقيقي وعصبية:
_وفي الليلة إياها كنتي عملتلي حاجة عشان أقرب منك وتنولي اللي عاوزاه.. كنتي زقياني السحر في العصير اللي شربتهولي الصبح مش كده_
لم يحصل على رد منها سوى البكاء لكن صرخته نفضتها بين يديه:
_انطقي_
ردت أخيرًا تعلن استسلامها وهزيمتها بحرب ليست لها من الأساس:
_سامحني يا جلال أبوس يدك أنا بحبك ومكنتش عارفة أعمل إيه_
تقف فريال عند باب الغرفة تشاهد وتسمع كل شيء وعينيها تذرف الدموع بغزارة دون توقف بينما جلال فتابع وهو يصفعها للمرة الثالثة صارخًا بها:
_وفوق كل ده عاوزة تقتلي ولدي.. صدقيني اللي حايشني عن قتلك دلوقتي هما عيالي.. لكن الغلط راكبني أنا من ساسي لراسي أني سبتك تدخلي بيني وبين مرتي واتجوزتك وخسرت مرتي وعيالي بسببك يا ****_
جثت منيرة أسفل قدميه تقبلها وهي تبكي متوسلة إياه بكل عجز:
_متهملنيش يا جلال غلطة ومش هتتكرر تاني ومن إهنه ورايح هبقى تحت طوعك وكل اللي تقوله هنفذه من غير نفس ولو عاوزني أطلع أحب على راس فريال واعتذر منها هطلع بس متهملنيش أبوس يدك_
سحب قدمه من بين يديها ودفعها بعيدًا عنه باشمئزاز ثم تفوه بعبارة كانت تتوق فريال لسماعها.. عبارة حتى أنه تأخر على نطقها حتى الآن:
_أنتي طالق_
لمعت عيني فريال بوميض الدهشة الممتزج بفرجتها الغامرة على عكس منيرة التي كانت الصدمة تحتل ملامحها وجمدتها بأرضها دون حركة.
تابع جلال بلهجة آمرة وهو يشير لها على الخزنة:
_مش عاوز أشوف حاجة ليكي في البيت ده واصل.. لمي كل عزالك وخلجاتك عشان ناسك هياخدوكي دلوقتي_
استدار يهم بالانصراف لكنه تسمر عندما رأى فريال تقف عند الباب وعينيها الباسمة ممتلئة بالعبرات طالت نظرته المتألمة لها قبل أن يتحرك ليعبر من جانبها ويذهب ويتركها فالتفتت فريال نحو منيرة ودخلت لها بخطوات بطيئة تهمس بتشفي:
_سبق وقولتلك هطلعك من بيتي وأخلي جوزي يرميكي كيف الزبالة من الباب بس أنتي مصدقتنيش البكا والعويل مش هيفيدك بحاجة دلوقتي قومي احملي لمي عزالك بدل ما أرميهم في الشارع وأولع فيهم قصاد الخلق كلها_
تقابلت نظرات فريال المتشفية مع منيرة الحاقدة وهي على الأرض بحالتها المزرية لبعض الوقت قبل أن تستدير وانصرف وتتركها تعاني بمفردها جزء من عقابها على أفعالها.
في القاهرة......
انتهت من ارتداء ملابسها وتجهزت لموعدها مع الطبيب في المستشفى وظلت تنتظر عودته حتى مرت ساعة تقريبًا انزعجت من تأخره عليها فمالت للأمام تلتقط هاتفها من فوق المنضدة وبينما كانت على وشك الاتصال به سمعت صوت باب المنزل فانزلت الهاتف مجددًا في هدوء وتبدل عبوس وجهها لبسمة جميلة تستقبله بها لكن تبددت تلك الابتسامة واختفت تدريجيًا عندما رأت قسمات وجهه المكفهرة والمتكدرة فسألته بقلق:
_مالك يا عمران؟_
تأفف بقوة زافرًا لهيب حارق من بين شفتيه ثم اتجه نحو المطبخ دون أن يجيبها فغضنت حاجبيها باستغراب وتحركت بمقعدها خلفه فورًا إلى المطبخ فرأته يضع الطعام الذي قام بشرائه في المبرد دون أن يلتفت لها ولا يتحدث معها حتى فهتفت بضيق بسيط من تجاهله لها:
_عمران أنا بسألك مالك ليه مبتردش عليا؟!_
رأته يسكب المياه من الزجاجة في الكأس ثم يرفعه لفمه ليشربه كله دفعة واحدة ثم يجيب أخيرًا:
_مفيش يا آسيا..
لو لبستي يلا بينا عشان من تأخرش.
أنهى عبارته وتركها مجددًا، وهذه المرة كانت وجهته غرفة نومهم؟
فرفعت حاجبها اليسار مستنكرة بروده في الرد عليه وتقوست ملامح وجهها بالانزعاج الحقيقي، فلحقت به فورًا ودخلت الغرفة خلفه فوجدته جالس فوق الفراش ويمسك بهاتفه على وشك الاتصال بأحدهم؟
فأسرعت نحوه وجذبت الهاتف منه وهي تهتف بعناد:
_في حاجة حصلت وأنا مش هطلع ولا هتحرك من هنا غير لما تقولي إيه اللي حصل_
رمقها بنظرة منذرة ثم مد يده مردفًا:
_آسيا أنا مش عاوز اتعصب وتحصل مشكلة بينا هاتي التلفون وبلاش عند؟ مش وقته واصل دلوك_
هزت رأسها رافضة وهي تضم الهاتف لصدرها بإصرار هاتفة:
_قولتلك مش ههملك غير لما تقولي.. طالما مش بترد عليا إكده يبقى ليه علاقة بيا وأنا عملت حاجة_
تنهد الصعداء بنفاذ صبر وقال بنبرته الرجولية المميزة:
_لا معملتيش حاجة بس أنا دلوك عفاريت الدنيا بتتنطط قصاد وشي وأنتي عارفة عصبيتي فبعدي عني وبعدين نبقى نتكلم_
زمت شفتيها في عناد أثار جنونه أكثر فصرخ بها منفعلًا دون وعي:
_آسيا متعانديش معايا؟ اطلعي برا واستنيني_
فزعت من صراخه بها ولاح السخط الشديد والحزن على قسماتها؟
فوضعت له هاتفه في يده واستدارت وانصرفت لتتركه بمفرده كما صرخ بها للتو.
دقائق طويلة مرت وهو مازال في الغرفة يتحدث بالهاتف؟
فور سماعها لصوت الباب ينفتح ويخرج منه أشاحت بوجهها للجانب الآخر فورًا تتفادى النظر إليه؟
عندما رآها هكذا أطلق زفيرًا عاليًا بضيق ثم اقترب منها وانحنى عليها من الجانب يقبل رأسها بحب متمتمًا في أسف:
_حقك عليا_
أزاحت يده عنها وهي تقول ببرود دون أن تنظر لوجهه:
_يلا بينا عشان اتأخرنا_
جلس على المقعد المقابل لها ثم مد أنامله يمسك بذقنها ليميل وجهها باتجاهه؟
حاولت هي إزاحة يده مجددًا لكنه قبض على كفها الناعم ورفعه لشفتيه يقبل باطنه عدة قبلات متتالية؟
صابتها القشعريرة من ملمس شفتيه الغليظة وأنفاسه الساخنة وأرادت سحب يدها فوجدته يضغط عليها بإحكام رافضًا تركها ويهمس لها وهو يتأملها بعيناه الرجولية المثيرة:
_متزعليش مني ياغزال.. غصب عني اتعصبت عليكي وأنا عشان إكده بعدت عنك واصل وقولتلك متعانديش معايا؟ عشان مش عاوز ازعلك مني_
طالت نظراتها الناعمة له ونجح بقبلة صغيرة فقط امتصاص غضبها لكنها لن تمحنه رغبته بهذه السرعة؟
فابتعدت بنظرها عنه في دلال ملحوظ وهي تقول له بجفاء متصنع:
_سيب يدي_
مال ثغره للجانب في ابتسامة ماكرة وعمدًا ضغط على يدها أكثر وهو يحتضنها بين كفه العريض ويتلمسها بكل بطء في لمسات ليست بريئة أبدًا؟
فانتفضت هي خجلًا وحاولت سحب يدها منه هاتفة بتوتر:
_عمران سيب يدي بتعمل إيه؟!_
ابتسم بخبث ورد بكل برود:
_ولا حاجة ماسك يدك عادي_
آسيا بوجنتين متفجرتان من فرط الأحمرار هتفت:
_هو ده العادي بنسبالك!!.. عـمـران بعد عني أنا لساتني زعلانة منك ومسامحتكش_
كانت عينيه تلمع بخبثه وهو يبتسم لها بجرأة ويتمتم:
_وأنا بصالحك أهو_
وجدته يرفع يدها مجددًا لشفتيه وهذه المرة كانت قبلته مختلفة عن السابقة؟
كانت كلها جرأة ولؤم متعمد منه لإثارة خجلها المحبب؟
عند ملمس شفتيه ولحيته لبشرتها صرخت بقوة في ألم مزيف:
_آه رجلي_
ترك يدها مزعورًا وهتف بسرعة في قلق:
_مالها رجلك؟_
قالت بصوت مضطرب تخترع كذبة:
_معرفش حسيت بألم فجأة_
دقق النظر في ملامحها المرتبكة ففهم حيلتها للتخلص منه؟
رأته يضحك بخفة ويقول غامزًا:
_هنطلع دلوك عشان اتأخرنا على معاد الدكتور وبعدين لما نرجع نبقى نكمل موضوع الصلح ونشوف رجلك اللي وجعاكي دي_
عضت على شفاها بعدما أدركت أنه كشف حيلتها البسيطة ولم تتفوه ببنت شفة فقط ابتسمت له بنعومة ليقابل هو الابتسامة بقبلة دافئة على وجنتها جمدت جسدها كلها بالمقعد....
***
كانت فريال وجليلة وإنصاف يجلسون بالصالة ويستمعون لأصوات الرجال المرتفعة بغرفة الجلوس؟
فنظرت جليلة لفريال وقالت لها بغضب:
_قولي الحقيقة أنتي اللي عملتيها يافريال مش منيرة صح؟!_
رمقتها فريال بطرف عيناها في ثقة وقالت:
_روحي قولي الكلام ده لولدك ياحماتي وهو يرد عليكي_
ضحكت جليلة ساخرة منها وردت منفعلة:
_وأنتي فكرك ولدي هيسامحك ولا يرجعلك تاني بعد كل اللي عمله معاكي وأنتي مكنتيش بتبصي في وشه وآخر حاجة تطلعي مخبية عنه حملك والله اعلم كنتي ناوية تسقطي العيل ولا لا كمان_
استشاطت فريال غيظًا وحدقت بوالدة زوجها شزرًا لتردف مستاءة تنفي اتهاماتها السخيفة:
_ده ولدي قبل ما يكون ولده ولا يمكن اقتل ولدي ولو أنا خبيت عنه حملي فأنا ليا أسبابي وأنتي ملكيش الحق تعرفيها ولا حتى تحاسبيني_
اتسعت عيني جليلة بدهشة من تلك الجرأة التي تحلت بها فجأة وجعلتها تتحدث معها بكل شجاعة وقوة؟
سرعان ما اشتعلت عينيها بلهيب الغيظ وصاحت بها:
_ليا ونص كمان ده ولدي واللي في بطنك ولد ولدي؟ أنتي فاكرة روحك إيه ولا عشان ولدي وقف في صفك النهاردة ونصفك يبقى تنسي نفسك وانتي بتكلميني؟ ليكون فكرك عشان جلال طلق منيرة خلاص يبقى هيرجعلك لا متحلميش يابت ابراهيم_
ابتسمت لها فريال بنظرات ثاقبة وقوية ثم تمتمت:
_ومين قالك أني كنت مستنية جلال يطلقها عشان يرجعلي.. لما تطلع العقربة دي من البيت وقتها هتشوفي أنا كنت مستنية إيه_
قطع الحرب الباردة بينهم خروج الرجال من غرفة الجلوس وكانت وجوههم مكفهرة وبالأخص عائلة منيرة لكن جلال كان هادئًا تمامًا وكأن حمل ثقيل فوق صدره أزاحه وتخلص منه.
تحرك عند بداية الدرج ووقف ثم نظر للأعلى وصاح بصوته الرجولي الجهوري والمرتفع:
_مـنـيــرة_
دقائق قصيرة ومعدودة حتى بدأت الآذان تسمع صوت خطوات أقدام منيرة على الدرج وهي تنزل ببطء؟
وكأنها بانتظار معجزة تمنعها من مغادرة هذا المنزل وعودة كل شيء لحالته الرائعة كما كان.
عندما وصلت للطابق الأرضي رأت جلال ينتظرها عند آخر الدرج وينظر لها بقسوة؟
عينيه تودعها من قبل مغادرتها المنزل وتستقبل رحيلها بصدر رحب؟
رفعت رأسها ونظرت في وجوه عائلتها وبالأخص والدها وعمها فرأت الوعيد والشر يتطاير من عينيهم؟
تملكها الرعب وانهمرت دموعها غزيرة خوفًا من بطش والدها لها بعد مغادرتها لمنزل زوجها.
نزلت آخر درجات السلم ببطء أشد؟
تنزل خطوة وتتراجع خطوة حتى وصلت أخيرًا لآخر درجة ووقفت بجوار جلال الذي نظر لوالدها وقال له بقرف:
_خد بتك ياحاج ياسر_
اندفع ياسر تجاه ابنته يجذبها من ذراعها بعنف وهو يهتف لها بصوت محتقن من فرط الغيظ:
_حسابك معايا في البيت يا****_
اقترب عمها وبقية رجال عائلتها وحملوا حقائبها واشيائها بينما جلال فنظر لوالدها وقال لها بثبات انفعالي غريب:
_بتك ورقة طلاقها هتوصلها خلال يومين ومش عاوز اشوف خلقتها تاني_
رمقه ياسر بغضب ثم نظر لابنته باستياء أشد وراح يجرها معه للخارج صائحًا بها:
_اتحركي قصادي يافاجرة_
كانت فريال تتابع لحظات رحيلها الأخيرة والأبدية من منزلها وهي تبتسم باتساع ولمعة النصر والتشفي تظهر بوضوح في عينيها؟
بينما جلال وبقية رجال العائلة دخلوا مجددًا لغرفة الجلوس ليكملوا حديثهم فيما بينهم لكن كعائلة فقط.
***
بالقاهرة داخل المستشفى.....
كانت آسيا تنتظر عمران بساحة الانتظار أو ما يسمى بـ( كافتريا ) المستشفى؟
بعد أن تركها وذهب لينهي عملًا مهمًا له بالخارج لن يستغرق دقائق كما أخبرها؟
بينما كانت هي ممسكة بهاتفها تتفحص محتوياته بفتور انتبهت على صوت طفلة صغيرة تبلغ من العمر تقريبًا ست سنوات تسألها بعينان دامعة وخوف:
_ياطنط مشوفتيش ماما أنا مش لاقياها_
التفتت لها آسيا وتركت الهاتف من يدها ثم رفعت يدها تمسح على شعرها بحنو وتسألها باهتمام:
_مش لقياها كيف ياحبيبتي؟ هي سابتك وراحت تجيب حاجة طيب_
هزت رأسها بالإيجاب وقالت بصوت طفولي باكي:
_أيوة هي قالتلي هروح اشتري الدوا بس اتأخرت وانا بدور عليها مش لقياها خالص_
ضمتها آسيا لصدرها وهي تربت عليها بحنو وتتمتم:
_طيب متخافيش هي أكيد راجعة تاني واتأخرت شوية بس.. انتي خليكي هنا جمبي لغاية ما ترجع_
أومأت الصغيرة بالموافقة لآسيا ثم ابتعدت عنها وجلست على المقعد المقابل لها وهي تتلفت حولها باحثة عن أمها بين وجوه الجميع علها تجدها وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع فاشفقت آسيا عليها وقالت لها مبتسمة بدفء:
_أنتي اسمك إيه؟_
إجابتها بعبوس:
_ريم_
اتسعت ابتسامة آسيا أكثر وراحت تمد يدها تمسح على شعرها بحب متمتمة:
_اسمك حلو قوي ياريم.. بس أنا مش قولتلك متخافيش وماما هترجع متبكيش عاد.. تحبي اجيبلك عصير أو بسكويت_
هزت رأسها بالرفض دون أن تنظر لآسيا؟
فقد كانت منشغلة بالبحث عن أمها بين الناس حتى سمعت سؤال آسيا:
_بابا وين طيب ياحبيبتي؟_
التفتت الصغيرة لآسيا أخيرًا وقالت لها بحزن:
_بابا مش موجود احنا جينا هنا عشان تيتة تعبانة وبابا اصلا مش بيقعد معانا كتير وبيجي كل فترة طويلة يقعد شوية ويطلع_
تبادلت معها آسيا أطراف الحديث حتى تنسيها خوفها وتوترها فقالت لها:
_ليه بابا شغال إيه؟_
زمت الطفلة شفتيها للأمام في جهل وتمتمت بعبوس:
_معرفش بس هو بيقولي دايمًا أنه بيروح عند اخواتي عشان كدا مش بيقعد كتير معانا_
كانت آسيا تتابع لطافتها وهي تتحدث بكل براءة وتبتسم لها بحب؟
وتابعت الحديث معها حتى تلهيها أكثر:
_طيب واخواتك اسمهم إيه؟_
سكتت لبرهة من الوقت تتذكر أسمائهم ورفعت سبابتها تضع طرف اصبعها في فمها وسط تفكيرها العميق ونظرات آسيا الضاحكة حتى قالت لها بالأخير في تلهف:
_ايوة بابا قالي أن اختي اسمها فريال وأخويا عمران وبلال_
تجمدت الدماء في وجه آسيا وتدريجيًا تلاشت ابتسامتها حتى تحولت لذهول وعدم فهم؟
لا يمكن أن يكون مجرد صدفة بتصادف نفس الثلاث أسماء؟
مرت وقت طويل نسبيًا والصمت القاتل يهيمن على آسيا التي تحاول طرد تلك الأفكار الشيطانية من عقلها واستيعاب ما قالته تلك الطفلة؟
وبعد تفكير عميق أخيرًا قررت طرح سؤالها الأخير عليها حتى تتأكد من شكوكها:
_أنتي بابا اسمه إيه ياريم؟_
كانت الصغيرة على وشك الإجابة لكنها توقفت عندما قطع حديثهم عمران وهو يهتف:
_آسيا!!
التفتت له مزعورة ثم زفرت بقوة وهي تقول متنفسة الصعداء براحة:
_قلبي وقع في راجعة ليها ياعمران حرام عليك_
رأت نظراته المستفهمة نحو الطفلة فقالت بخفوت ووجه مضطرب:
_تاهت من أمها وكانت بتسألني عليها فقولتلها استنيها هنا معايا لغاية ما ترجع_
انحنى عمران على الصغيرة وراح يسألها بحنو واهتمام:
_أنتي كان معاكي أمك بس وأبوكي مش معاكم؟_
تدخلت آسيا بسرعة خشية من أن تجيبه الطفلة وقالت بصوت متوتر:
_لا لا أمها بس كانت معاها ياعمران.. هي قالتلي أنها راحت تشتري دوا واتأخرت وأكيد هترجع دلوقتي_
رفع كفه ومرر فوق شعرها بلطف وهو يسألها:
_طيب أنتي جعانة أو عاوزة تشربي أي حاجة أجيبلك يا بابا_
تلفتت برأسها بين آسيا وعمران وردت عليه باستغراب ونبرة تهكمية:
_بس أنت مش بابا!_
ضحك بخفة ورد عليها وهو يقترب منها يقبل رأسها بدفء:
_عارف ياحبيبتي_
كانت آسيا تتابع ما يحدث بينهم بعينان ثاقبة وتزدرد ريقها بصعوبة من ذهولها وتوترها رغم أنها لم تتأكد بعد لكنها تشعر بأن شكوكها حقيقة.
التفتت الصغيرة على صوت أمها وهي تصيح عليها:
_ريــم_
صاحت الطفلة ترد على أمها:
_ماما_
ركضت أمها نحوها وعانقتها بقوة في خوف شديد تهتف لابنتها بعتاب شديد:
_أنا مش قولتلك ياحبيبتي متتحركيش من مكانك وأنا شوية وراجعة_
نظرت الصغيرة لآسيا وقالت لأمها مبتسمة:
_أنا سألت طنط عنك وقالتلي اقعد جمبها استناكي لغاية ما تيجي_
نظرت داليا لآسيا وابتسمت لها بامتنان تقول:
_متشكرة جدًا ليكي معلش لو ريم ازعجتك أو تعبتك_
طالت نظرة آسيا المتفحصة والشاردة لها ثم انتبهت لها ولعباراتها وردت عليها ببسمة صغيرة تكاد تخرج بصعوبة:
_مفيش أزعاج ولا حاجة_
التفتت داليا برأسها للجانب وعندما سقط نظرها على عمران تسمرت مكانها واتسعت عينيها بصدمة فلاحظت آسيا صدمتها ونظراتها المرتعدة لزوجها وكأنها تعرفه ثم امسكت بذراع ابنتها ونظرت لآسيا تقول لها بتوتر وبإيجاز شديد:
_عن إذنك وشكرًا مرة تاني_
بظرف لحظة كانت تجذب ابنتها معها ويبتعدوا عنهم بسرعة عندما التفتت آسيا لوجه عمران رأته يتابع تلك السيدة وهي تسير مبتعدة عنهم رافع حاجبه بتعجب ولم يكن صعب عليها توقع نوع الأسئلة التي تدور بذهنه الآن بعد نظراتها المريبة والمضطربة له.
فتح إبراهيم باب الغرفة ودخل فوجد إخلاص جالسة فوق الفراش وبيدها هاتفها تحدق في شاشته وتستمع لصوت الرنين وتنتظر الرد فاقترب منها وادخل عينيه في الهاتف فرأى اسم عمران ينير الشاشة.
جذب الهاتف من يدها بعنف صائحًا بها:
_إيه بتتصلي بيه عشان تقوليله يا إخلاص!_
هبت واقفة من الفراش مفزوعة ثم قالت:
_كنت بتصل أطمن على ولدي يا إبراهيم إيه ممنوع كمان ولا إيه!_
رمى بالهاتف على الفراش ثم قبض على ذراعها وهو يصرخ بها بعصبية:
_تطمني عليه إيه؟ أنتي بتستعبطي عليا_
تأففت إخلاص بقوة بعدما مالت بوجهها للجانب وردت عليه بعينان دامعة:
_والله ما كنت هقوله حاجة يا إبراهيم.. بعدين حاجة كيف إكده حتى لو عايزة أقوله عليها مقدرش أقوله في التلفون_
ضغط على ذراعها بعنف أشد وهو يصيح بنظرات ملتهبة ومحذرة:
_لا في التلفون ولا في غيره لو فتحتي خشمك ونطقتي بكلمة قصاد عمران ولا بلال هقطع لسانك وأصل يا إخلاص فاهمة ولا لا_
التزمت الصمت مجبرة وهي تطرق رأسها أرضًا وتنهمر الدموع الحارقة من عينيها في سكون تام حتى وجدته يترك ذراعها بكل هدوء ويهمس لها بنبرة أصبحت لينة ودافئة:
_مفيش حد مبيغلطش وأنا غلطت وأنتي من واجبك تقفي في مكانك يا إخلاص مش تعملي فتنة بين العيال وأبوهم عشان غلطة عدت وخلصت وهو ندمان عليها_
رفعت رأسها وطالعته بخزي متمتمة:
_وأنت شايف أن دي غلطة بسيطة وعادية ومفيش مشكلة نكمل حياتنا عادي كيف ما كانت!_
رأت الحدة تظهر في عينيه مجددًا لكنه ما زال محتفظًا بنبرته اللطيفة:
_أيوة هنكمل حياتنا عادي يا إخلاص عشان عيالنا وعشان ميبقاش في دم تاني وحد منينا يتأذي.. أنتي عارفة زين أنا بحبك كيف وأنك غالية عندي فمتخليش عاد المشاكل تدخل بينا يا أم الغالي وانسي اللي سمعتيه وخلينا نكمل حياتنا كيف ما كانت_
نظرت له بأسى دون أن تقوى على التفوه بكلمة ومعارضته أو حتى تعنيفه على ذنبه الشنيع أما هو فقد تركها واتجه نحو الحمام لكي يأخذ حمامًا دافئًا بعد يوم طويل وشاق في العمل.
انتهت من محاضرتها وكانت في طريقها لمغادرة الجامعة بأكملها وأثناء مرورها من حرم الجامعة الكبير سقط نظرها بالصدفة على بلال وهو يجلس بجوار فتاة يتبادلون أطراف الحديث توقف وتابعتهم بتركيز شديد والانزعاج بدأ يتسلل لها وسرعان ما تحول لغيرة شديدة عندما رأتهم يضحكون ويتحدثون بحرية ومتعة استمرت وقت طويل وهي تراقبهم من بعيد بنظراتها الحارقة على أمل ينهض ويتركها لكنه لم يفعل وذلك الحديث لا ينتهي ومع الوقت يصبح تفاعلهم مع حديثهم أقوى وضحكهم يزداد.
شعرت بلهيب يخرج من عينيها وهي تشاهدهم ونيران الغيرة تأكل صدرها وكانت نظرتها الأخيرة لهم متوعدة ومغتاظة ثم اندفعت لخارج الجامعة بأكملها وهي كالأسهم المشتعلة لا ترى أمامها سوى هدفها وهو بوابة الجامعة حتى تغادر قبل أن تحترق بنارها.
وقفت أمام الجامعة تنتظر سيارة أجرة لكن كالعادة جميع السيارات ممتلئة الوقت يمر ودون فائدة فضربت الأرض بقدمها وهي تهتف مغتاظة:
_أووووف هو ده وقته كمان.. أنا ناقصة حرقة دم ياربي_
سمعت صوته داخل السيارة من خلفها وهو يهتف باسمها:
_ناوية تقفي كتير تستني؟!_
لم تلتفت له وتجاهلته تمامًا كأنها لا تسمعه فضيق عينيه بتعجب ثم هتف بنبرة قوية:
_حور!_
التفتت له برأسها وردت باقتضاب:
_أفندم_
غضن حاجبيه وظهر الجدية التامة على ملامحه وهو يسألها:
_أنتي كويسة؟!_
استدارت له بجسدها كاملًا وقالت منزعجة بغضب حقيقي:
_أنا كويسة وزي ما أنت شايف مستنية ميكروباص.. ممكن تمشي أنت بقى وتشوف شغلك_
فتح باب السيارة فورًا ونزل ثم اقترب منها وهو يسألها بحيرة وقلق:
_في إيه مالك.. في حاجة حصلت ولا إيه؟!_
حور بقسوة وعصبية بعدما تذكرت ضحكه وحديثه مع تلك الفتاة:
_مفيش حاجة يا بلال ممكن تمشي وتسيبني_
لاحظ بشائر الاستياء على معالمه فقال لها بنبرة رجولية حازمة:
_طيب مش لما تفهميني الأول إيه اللي حصل وليه بتكلميني بالطريقة دي.. لو عملت حاجة ضايقتك قوليلي وأنا اعتذرلك وأبوس على راسك كمان_
صاحت به منفعلة:
_إيه تبوس على راسي دي.. احترم نفسك_
رفع حاجبه اليسار بطريقة مريبة ورد عليها في خفوت وصوت محتقن:
_تعبير مجازي ياحور.. تعبير مجازي أكيد مش هعمل إكده يعني_
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي عاقدة ذراعيها أسفل صدرها فتابع هو بهدوء متصنع رغم انزعاجه الشديد:
_تعالي اوصلك واحكيلي إيه اللي مضايقك_
ردت بامتعاض:
_شكرًا_
بلال بعصبية بدأت تظهر عليه:
_حور في إيه!!_
رمقته بغضب وقالت في حدة:
_مفيش قولتلك امشي مش هركب معاك_
لوى فمه بغيظ وهو يصر على أسنانه وطالت نظراته المتفحصة لها كأنه يحاول اختراق عقلها وفهم ما يدور داخلها ثم هز رأسه بالموافقة وابتعد عنها ليستقل بسيارته مجددًا ظنته سيرحل لكن وجدته ما زال واقفًا بسيارته ولم يتحرك قالت له بحدة:
_إيه هتفضل واقف كدا يعني؟!_
رد عليها بغيظ وسخط:
_آه لما اشوف هتعاندي إكده لغاية امتى_
ولته ظهرها في عدم اكتراث ووقفت تتابع الطريق تبحث عن أي سيارة بها مقعد فارغ كانت تدعي ربها أن تجد سيارة حتى لا تضطر على الذهاب معه في سيارته فاستجاب ربنا لدعائها ووجدت سيارة أخيرًا واستقلت بها وهي تنظر له ببرود على عكس نظراته المشتعلة لها.
فتح جلال الباب ودخل لكنه تسمر فور رؤيته لها وهي تجمع ملابسها وتضعها بحقيبة ملابس كبيرة وقف لثواني يتابعها حتى طرح سؤاله أخيرًا:
_بتعملي إيه؟!_
ردت عليه بجفاء وهي مستمرة في وضع ملابسها بالحقيبة:
_كيف ما أنت شايف بلم هدومي وماشية وهاخد عيالي معايا كمان_
ارتفع حاجبه تلقائيًا كردة فعل مستنكرة على ما تفوهت به للتو ثم رفع يده واستند بكفه على الحائط يسألها للمرة الثانية لكن هذه المرة بلهجة مخيفة:
_ماشية وين عاد!_
التفتت له وقالت بقوة:
_راجعة بيت أبوي_
كان البرود يستحوذه كليًا حيث أنحنى برأيه وهو يهز رأسه بالتفهم ثم رد بابتسامة بسخرية:
_وأنتي مين سمحلك بده وقالك أنك هتروحي_
تركت اللي بيدها والقت بالملابس في الحقيبة ثم انتصب في وقفتها واستدارت له بجسدها لتتقدم نحوه وتهتف بغضب بسيط:
_مش مستنية أخد أذن لا منك ولا من حد يا جلال.. أنا لما رجعت وفضلت هنا واستحملت كل حاجة كان عشان هدف واحد وهو أني اطلع منيرة من البيت ده واليوم خلاص غارت ومش راجعة تاني إلا لو أنت حبيت تردها عاد_
جلال بنبرة هادئة تمامًا:
_امممم وأنتي كان عندك الهدف ده ليه؟_
فريال بنظرة غاضبة:
_عشان مش هسيب عقربة كيفها تعيش مع عيالي في نفس البيت ولا تأذيهم_
ابتسم جلال بسخرية وقال في نظرة مميتة ليست طبيعية أبدًا كنبرته:
_ولما أنتي ناوية من البداية تاخدي العيال وترجعي بيت أبوكي بتقولي ليه كنتي عاوزة تخلصي منها عشان متعيشش مع عيالك في نفس البيت؟ مهو العيال مش موجدين وأنتي هتاخديهم معاكي دلوقتي فين عاد الفايدة اللي رجعتلك؟_
لوَتْ فريال فمها واشتدت حدة نظراتها وهي تسأله:
_قصدك إيه؟!_
مالَ ثغره بابتسامة مريرة وقال باستياء وقسوة:
_أنتي فاهمة قصدي زين قوي يا فريال.. عاوزة تنتقمي مني ولما تكشفي منيرة واطلقها تسبيني أنتي والعيال وتهمليني لحالي عشان أحرَب الوَعْ صُحْ كيف ما أنتي جَرَبْتِيهِ واتحرَمْ من عيالي وأفضل وحدي كعقاب ليا مش إكده_
فرت الكلمات من عقلها بعدما ضربها بحقيقة مخططها القاسي والأناني التي كانت تسعى له منذ عودتها لهذا المنزل رأته يضحك بخزي بعدما تأكد من صدق ما قاله وحقيقة مبتغاها منذ البداية ثم تمتم بألم يظهر في نبرته:
_أظن دلوقتي أنتي فهمتي مين فينا اللي عمره ما حب التاني أبدًا.. متقلقيش أنا مش همنعك لو عايزة تمشي الباب يفوت جَمْل بس بعد ما تولدي وولدي أو بنتي يا رب للدنيا سالمين سعتها امشي بس برضو هتمشي وحدك من غير العيال_
امتلأت عيناها بالدموع وردت عليه بقهر ووجع:
_همشي دلوقتي ومش هتقدر تمنعني يا جلال_
ابتسم لها بسخرية ثم استدار وسار للخارج يتركها بمفردها وهو يغلق الباب بالمفتاح من الخارج فأسرعت نحو الباب تضرب عليه هاتفة بغضب:
_جلال افتح الباب..
لم تسمع منه رد فقد رحل وتركها حبيسة الغرفة..
جثت على الأرض مستندة بظهرها على الباب وهي تبكي بألم وحزن شديد....
***
داخل المستشفى بالقاهرة دخلت آسيا لغرفة الطبيب الجديد الذي ستتابع معه حالتها الصحية.
انتظرته بالغرفة لدقائق طويلة مع عمران الذي كان يتحدث في الهاتف عن العمل إلى حين وصول الطبيب.
أخيرًا انفتح الباب وظهر من خلفه الطبيب.
فور رؤيتها له ابتسمت بعذوبة على عكس عمران الذي تحولت ملامحه بلحظة واحدة وأصبحت مرعبة وغريبة.
هتفت آسيا بعفوية تامة وهي مبتسمة:
_سليم!
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ندى محمود توفيق
تجمدت دماء وجهها وازدردت ريقها بتوتر عندما انتبهت لنظرات عمران النارية بعد عبارتها (سليم).
أجفلت نظرها عنهم والتزمت الصمت تمامًا، بينما استقام عمران واقفًا محدقًا بسليم وهو يسأله:
_ بتعمل إيه إهنه؟
سار باتجاه مكتبه الخاص وجلس على مقعده وهو يجيب على عمران بعين متحدية:
_ أنا الدكتور اللي هيتابع حالة المدام.
التفت عمران برأسه تجاه آسيا التي كانت تتفادى النظر إليه توترًا، ثم عاد ينظر لسليم يجيبه بهدوء مزيف:
_ وهو مفيش دكتور غيرك في المستشفى ولا إيه؟
ابتسم الآخر ببرود متمتمًا:
_ للأسف أنا هنا دكتور العلاج الفيزيائي في المستشفى.
استقرت في عيني عمران نظرة مميتة دامت للحظات، قبل أن يرفع كفه يمسح على شعره نزولًا للحيته متأففًا بصوت قوي.
وبلحظة مفاجأة انحنى للأمام وهو يضرب فوق سطح المكتب بكفيه مستندًا عليهم ويقول بلهجة مرعبة:
_ شكلك إكده مبتفهمش بالحسنى يادكتور.
انتفضت آسيا فزعًا على أثر ضربته العنيفة فوق المكتب وأسرعت إليه بمقعدها المتحرك تقف بجواره وترفع يدها تتشبث بذراعه هامسة برجاء:
_ عـمـران عشان خاطري.
التفت سليم لآسيا وعندما رأى الخوف في عيناها انزعج أكثر، فعاد بعينيه لعمران وهو يجيبه باستياء واضح:
_ أنا بأدي واجبي كدكتور. هنا مش هتنقي على مزاجك مين الدكتور اللي عايزه يامعلم. ثانيًا مالك متعصب ليه، متخفش من هخطفها منك يعني.
التفتت آسيا إلى سليم ترمقه بعينان متسعة وساخطة، وبسرعة عادت لزوجها تراقب تعابير وجهه التي تحولت بلحظة كما توقعت.
فضغطت بيدها على ذراعه محاولة امتصاص جموحه، لكنه دفع يدها واندفع نحو سليم الذي استقام وهو يبتسم بسخرية.
ولم يلبث حتى لينطق بكلمة واحدة حيث وجد نفسه بالأرض بعدما تعرض للكمه مبرحة من عمران.
الذي انحنى عليه وجذبه من لياقة قميصه وهو يصيح به:
_ أنت چربت قبل إكده اللعب معايا يادكتور، يعني دي مش أول مرة وأعتقد أنك عارف زين أنا ممكن أعمل إيه. افتكر نصيحتي وخليك عاقل ومتهلفطش بالكلام معاي بدل ما اخليك تقعد في البيت كيف الحريم والمكتب اللي فرحان بيه ده متشوفش وشه تاني.
هرولت آسيا إليه وهي تجذبه من ذراعه متوسلة إياه بقلق:
_ عمران أبوس يدك كفاية يلا بينا نمشى من إهنه.
انتصب في وقفته ثم ألقى نظره أخيرة ملتهبة تحمل التهديد لسليم الذي مازال جالسًا على الأرض ويمسح بيده دماء شفتيه.
فتتقابل نظراتهم النارية معًا، ثم يستدير عمران وينصرف بزوجته.
استقام سليم واقفًا وهو يصر على أسنانه بغيظ، ثم جلس على مقعده مجددًا دون أن يحيد بنظره عن الباب.
فانتشله من أفكاره الشيطانية دخول صديقه الذي أسرع نحوه وجلس أمامه يهتف بضيق:
_ كنت عارف أن مشكلة هتحصل. قولتلك ادخل أنا بدالك ياسليم، صممت على رأيك.
سليم بعصبية:
_ خلاص يامحمد، أنا على أخرى دلوقتي.
أطال صديقه النظر إليه في عدم رضا وهو يهز رأسه بنفاذ صبر وقلة حيلة.
بينما الآخر عاد مرة أخرى يتذكر ما حدث للتو وقد تشنجت عضلات وجهه كلها.
***
كانت تختلس النظر إليه وهم داخل السيارة، فتجده ساكنًا تمامًا، لكن قسمات وجهه تقول العكس، كأن يوجد خلف ذلك الهدوء بابًا من أبواب الجحيم لو انفتح لن تجد طريقًا للنجاح من جموحه.
التزمت الصمت لوقت طويل وهي تراه لا يتحدث أو حتى ينظر لها متجاهلًا وجودها لسبب ليس خير بالتأكيد.
تنفست بعمق وهمست تسأله بخفوت:
_ هنرچع البيت؟
التفت لها أخيرًا، وليته لم يلتفت، فقد رأت النظرة التي كانت تخشاها وجعلتها تتجمد مكانها دون حركة.
ثم رد بغلظة:
_ رايحين لدكتور معرفة كويس هتتابعي معاه من إهنه ورايح.
ودت الرد عليه لكنها صمتت تجنبًا لذلك الوحش الكاسر، واكتفت بإجابته عليها، واستمرت في جلوسها الصامت كما كانت، حتى وصلا للطبيب ودخلوا، وقد استغرق الفحص وجلسة العلاج وقتًا طويلًا جدًا.
بعد الانتهاء استقلوا بالسيارة مجددًا، وكانت وجهته هذه المرة المنزل أخيرًا.
كلاهما ينتظران لحظة وصول المنزل، لكن كل منهم لديه أسبابه الخاصة، فهي أهلكت وتعبت جدًا خلال الجلسة وتحتاج للراحة، أما هو فمازالت الدماء تغلي في عروقه ولن تبرد دون أن ينهي الأمر.
توقفت سيارته أمام بنايتهم ونزل هو أولًا، ثم التف حول السيارة من الجهة الأخرى وأخرج مقعدها على الأرض قبل أن يفتح الباب وينحني عليها يحملها بين ذراعيه ليساعدها على الوقوف والجلوس فوق مقعدها.
يفعل كل هذا دون أن ينظر لوجهها بشكل مباشر، مما أدى إلى عبوسها، وهي أيضًا اتبعت نفس أسلوبه في التجاهل.
فور دخولهم للمنزل اتجهت هي مباشرة نحو الغرفة، ثم أغلقت الباب خلفها وشرعت في نزع ملابسها.
فوجدته يقتحم الغرفة ويدخل ثائرًا.
هتفت بغضب:
_ مش تخبط الأول.
تجاهل ما قالته كأنه لم يسمع، واندفع نحوها ينحني عليها مستندًا بذراعيه على جانبي مقعدها.
وجدت أن المسافة بينهم لا تُحسب، فمالت برأسها للخلف في توتر ملحوظ، رغم أنها حاولت الثبات، إلا أن تقوس أهدابه الغزيرة وعينيه السوداء الثاقبة وهو ينظر لها هكذا جعلتها تنهار تمامًا، وهي لا تعرف هل خوفًا أم لوعة.
عادت لرشدها على أثر صوته المخيف وهو يغمغم منذرًا:
_ أنا مش عاوز أچبرك تقطعي تواصلك مع صحبتك عشان أخوها، بس اعتبريه آخر تحذير يا آسيا، مش عايز أشوفك بتخاطبي ال*** ده ولو بعينك حتى، وإلا أنتي عارفة اللي هيحصل.
فتحت فمها وكانت على وشك أن تجيبه متعرضة وبانزعاج، فباغتها بصرخة جعلتها ترتجف في مقعدها:
_ أنا كلامي أوامر مش موضوع قابل للنقاش ولا الاعتراض، يعني الكلمة الوحيدة اللي اسمعها هي حاضر وبس.
رغم الاضطراب المرسوم على صفحة وجهها، إلا أن السخط أيضًا كان يستحوذ على جزء منها، مما دفعها للرد عليه بعصبية:
_ وأنا مش هنفذ أوامر مش فاهمة سببها. ده دكتور وكنت هتابع معاه طبيعي جدًا كيف أي مريض. أنا مش فاهمة أنت ليه مش طايقه إكده وكل ما تشوفه وشك بيتحول كأنك شفت عدوك.
أظلمت عينيه وصوته خرج غليظًا وخافتًا يسأله:
_ يعني إيه مش هنفذ؟
خلعت رداء الخوف وارتدت القوة والشجاعة التي طالما اتصفت بها، حيث هتفت بشجاعة وهي تنظر في وجهه:
_ يعني فهمني إيه اللي حصل بينكم ووقتها انفذ أوامرك.
هدوء مريب احتل ملامحه فجأة، وراح بأنامله يزيح خصلتها المتمردة مثلها من على عينيها، ويهمس بنظرة تحسم الأمر وتنهي ذلك النقاش:
_ أنا قولت اللي عندي وأنتي سمعتيني وفهمتيني زين، فمش هعيده تاني. بلاش عاد تقفي قصادي الند بالند لمصلحتك ياغزالي.. مفهوم؟
تطلعت في عينيه تتمعن في نظراته المخيفة دون أن تجيبه، فسمعته يصرخ بها بغضب:
_ مفهوموووم ولا لا يا آسيا؟
هزت رأسها له بالموافقة منصاعة لأوامره في غيظ.
بينما هو فاعتدل وانتصب واقفًا، ثم ولاها ظهره واقترب من الخزانة يخرج ملابسه حتى يبدل التي يرتديها.
خلال هذه اللحظات كانت هي تقترب من الفراش بالمقعد، وعنادًا نابعًا من غضبها قررت الوقوف والمشي بمفردها هذه الخطوات المتبقية إلى الفراش.
توقفت بصعوبة شديدة ورفعت قدمها المتحجرة بألم، فنجحت في خطوة أول خطوة، لكن عند الخطوة الثانية اختل توازنها وكادت أن تسقط.
لكنه أحاط بخصرها من الخلف يعيدها لتوازنها قبل أن تنهار على الأرض.
التفتت له برأسها فوجدته يهتف برجولية مختلفة:
_ مش هكون موچود كل مرة إكده عشان امسكك لما تنتقمي من نفسك بالشكل ده وتأذيها.
آسيا بتمرد وزمجرة شديدة:
_ وأنا مطلبتش منك مساعدة.
عمران بخفوت مميز:
_ حتى لو مطلبتيش أنتي محتچاني بس لساتك مش عاوزة تعترفي.
ابتسمت له بسخرية وقالت متحدية إياه في غضب:
_ لا مش محتجاك ياعمران.
هز رأسه مغلوبًا وهو يتأفف، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه واقترب من الفراش ليضعها فوقه برفق شديد.
التقت نظراتهم معًا، وعندما تعمق في عيني الغزال الساحرة التي أمامه وجدها تسحبه لعمقها أكثر كالمغناطيس.
وكلما حاول الابتعاد سحرها يمنعه.
لم يكن حالها أفضل منه، فطالما كانت تأثرها ملامحه الرجولية، وكلما يقترب منها تدخل مداه الخاص وتغرق داخل عينيه وآصالته.
طال تمعنهم لبعض أكثر من اللازم، فشعرت بنفسها تفقد القدرة على التحكم بمشاعرها.
تلقائيًا أغمضت عيناها رافضة النظر لجحيم قلبها أكثر من ذلك.
لكن سرعان ما تبدل جحيمها لبرودة شديدة عندما شعرت بملمس شفتيه فوق وجنتها، ثم انتقلت لجبهتها في قبلة طويلة ودافئة.
انطفأ جحيمها، لكن جسدها كله بات ينبض بعنف، ولم تفتح عينيها إلا عندما سمعت خطواتها وهي تتجه نحو الحمام وصك سمعها صوت الباب.
فنظرت على الباب وهي تتنفس بصعوبة.
***
بمساء ذلك اليوم داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة فريال....
فتح جلال باب الغرفة بالمفتاح ودخل ثم أغلقه خلفه بهدوء، وعندما التفت سقط نظره أولًا عليها وهي نائمة فوق الفراش.
فتحرك ببطء شديد نحوها وجذب المقعد ليجلس عليه بالقرب من الفراش تحديدًا بجوار رأسها.
أخذ يتأملها بأسى وضيق.
فهو مهما صرخ وقال لا يزال يحبها ولن يستطيع التخلص من ذلك الحب أبدًا.
لكنه لا يعد يتحمل نفورها وكرهها له.
إن كانت لا تريده فهو أيضًا لن يكافح أكثر في علاقة على حافة الانهيار، حتى لو كان على حساب قلبه الممزق.
نزل بنظره حتى بطنها، وتلقائيًا ارتفعت البسمة لثغره، فانحني عليها بوجهه ولثم بطنها بحب يهمس محدثًا طفله بصيغة المؤنث كما يعتقد أنها فتاة:
_ الظروف اللي هتاچي فيها ياحبيبة أبوكي عمري ما كنت عاوزها خصوصًا وأنا كنت بتمناكي من زمان. بس مين عالم يمكن ربنا يچعلك سبب وأول ما تاچي تنوري كل حاچة ضلمة بنورك.
سكت للحظة مفكرًا، ثم لاحت ابتسامته الجميلة على شفتيه مرددًا:
_ نــور.
فتحت فريال عينيها ببطء عندما شعرت بشيء يزعجها في نومها.
وعندما اتضحت صورته أمامها هبت جالسة هاتفة بغضب:
_ بتعمل إيه؟
وإيه اللي جابك؟ ما كنت سبتني محبوسة كمان يومين تاني لغاية ما أموت.
رد جلال بصوت رجولي حاد:
_ أنا ما كنتش حابسك، ده نتيجـة عنادك وتكسيرك لأوامري، فقـفلت عليكي عشان ترجعي لعقلك وتهدي، بس شكله مفيش تغيير وما جابش نتيجة.
رمقته بإصرار وهتفت ساخطة:
_ ومش هيجيب، لساتني مصممة على قراري يا جلال.
صرخ بها منفعلًا بصوت مرتفع:
_ وأنا قلت مش هتطلعي ولا رجلك هتعتب عتبة البيت غير بعد الولادة و....
قطع حديثه في منتصفه ذلك الألم الذي اجتاحه في صدره، فرفع يده يضعها فوق يساره بألم مغمضًا عينيه. انتابها الزعر عليه وبسرعة أمسكت بيده تهتف مرتعدة:
_ جلال أنت كويس؟
عادت تهتف له بخوف أشد عندما وجدته ما زال يغلق عينيه ويكافح الألم:
_ جلال رد عليا، متقلقنيش، نروح المستشفى طيب؟
فتح عينيه أخيرًا وأبعد يدها عنه بضيق يقول ساخرًا:
_ ده على أساس إن صحتي تهمك قوي يعني.
هزت رأسها بعدم اكتراث لما قاله وهبت واقفة من الفراش لتمسك بذراعه مجددًا تهمس في اهتمام تساعده على الوقوف:
_ طيب قوم ريح على السرير وارتاح.
للمرة الثانية أبعد يدها عنه واستقام واقفًا بمفرده، ثم اقترب من الفراش وتمدد بجسده فوقه. بينما هي فتركته وغادرت الغرفة وعادت بعد دقائق طويلة نسبيًا وهي تحمل بيدها كوب من العصير الطازج ومعه قرص من الدواء الخاص به. جلست على المقعد المجاور للفراش ومدت يده بالعصير له تهتف بحنو:
_ خد العلاج واشرب العصير ده معاه عشان يسندك.
حدقها بغيظ ثم التقط كوب العصير والقرص منها. ابتلع القرص أولًا ثم شرب العصير خلفه مباشرة وهو يتمتم بلهجة ازدراء:
_ الدكتور قال ابعد عن التوتر والعصبية، بس فين الكلام ده عاد في البيت إهنه، وخصوصًا وأنا مرتي فريال هانم.
لوت فمها بندم أنها تسببت في تعبه ولم تراعي مرضه. ورغم هذا تحدثت بنفس تمردها:
_ أنت لو ما كنتش تعاندني وهملتني أروح بيت أبويا، ما كانش كله ده هيحصل ولا هتتعصب إكده.
رمقها بنظرة مشتعلة واحتقن وجهه بالدماء مرة أخرى قبل أن يردف مغتاظًا:
_ أنتي ناوية تجيبي أجلي يعني الليلة دي؟
ردت بخفوت ولهجة اعتذار:
_ خلاص هسكت أهو ومش هتكلم، اهدى ومتتعصبش.
تجول بنظره في أرجاء الغرفة فرأى حقيبة ملابسها ما زالت كما هي لم تفرغها من الملابس. فقال بغضب بسيط:
_ مفضيتيش الشنطة لغاية دلوك ليه؟
طالعته بطرف عيناها في صمت حتى لا تتحدث وتثير جنونه مجددًا. أما هو فقد استطرد بحدة:
_ قومي فضيها يلا وحطي هدومك في الدولاب كيف ما كانت.
اتسعت عيناها بدهشة وردت مستنكرة:
_ دلوك!!!
جلال بثبات انفعالي مستفز وهدوء تام:
_ أيوة دلوك، يلا قومي وخليني أشوفك وأنتي بترجعي كل حاجة لمكانها.
جزت على أسنانها مغتاظة ثم ابتسمت بتصنع يخفي النيران المشتعلة داخلها وقالت:
_ ماشي يا جلال، هفضيها.. عشان بس مش عاوزة أرد عليك ونتخانق من تاني وتتعصب وتتعب.
بادلها نفس الابتسامة المتكلفة متمتمًا ببرود مشاعر:
_ أيوة إكده جدعة، وكويس طلعتي لسه بتفكري فيا.
ألقت عليه نظرة ملتهبة قبل أن تستقيم واقفة وتتجه نحو الحقيبة لتفتحها وتبدأ بإعادة ملابسها للخزانة مرة أخرى في ضيق ملحوظ. بينما هو فكان يتابعها مبتسمًا في لوعة متنهدًا الصعداء بقلة حيلة. عندما رفعت رأسها ورأت نظراته هكذا قالت بغيظ:
_ بتبص إكده ليه!
رفعت حاجبه بلؤم ثم استقام واقفًا واقترب منها حتى وقف بجوارها وانحنى عليها يهمس في أذنها وبذراعه يحاوطها من خصرها:
_ أبص براحتي كيف ما أنا عاوز يا فريال.
ثم رجع برأسه للخلف مبتعدًا عن أذنها ليكمل ببسمة باردة:
_ كملي يا أم معاذ.. كملي، لسه مطولة لغاية ما تفضي الشنطة اللي فضيتي فيها الدولاب كله دي.
ثم ترك خصرها وابتعد عنها تمامًا وقال بجفاء متصنع وهو يقود خطواته نحو الحمام:
_ وغيري القميص اللي لابساه ده مش حلو عليكي.
التفتت برأسها جانبًا نحو المرآة تتفحص مظهرها وقميصها الوردي القصير. فلم يكن شكلها سيء بالقدر الذي وصفها به. نظرت إلى باب الحمام حيث اختفى خلفه هو ولوت فمها بقرف محاولة التغاضي عن عبارته.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي.....
كانت إخلاص في طريقها لغرفة الجلوس لتتحدث مع زوجها لكنها سمعت صوت عفاف وهي تتحدث في الهاتف داخل المطبخ. فتحركت ببطء إليها حتى تستمع لحديثها وهي تقول بضحكة شيطانية:
_ لا ياما متقلقيش، بعدين أنتي فكراني هسيبها تاخد حاجة هي وعيالها. إبراهيم في يدي من زمان ومبيقدرش يرفضلي طلب من كتر حبه ليا، وأقدر بسهولة أخليه يكتب كل حاجة باسمي أنا وولدي.
ضغطت إخلاص على قبضة يدها بقوة محاولة تمالك أعصابها حتى سمعتها تكمل بسخرية:
_ إخلاص فاكرة روحها هتقدر عليا ولا هخاف منها، ده أنا بصباع واحد مني إبراهيم يطلقها ويرميها في الشارع.
فاض كيلها فاندفعت لداخل المطبخ ثائرة وهي تهتف متوعدة:
_ تعالي وأنا أوريك هقدر عليكي ولا لا يا ولية ياناقصة!
لم تمهلها اللحظة حتى لتجيب حيث انقضت عليها فسقطت عفاف فوق الأرض وإخلاص كانت فوقها تجذبها من شعرها وتضربها صائحة:
_ ده أنا اللي هخلص عليكي واصل وأرميكي برا بيتي يا*****! خدتي جوزي مني وضيعتيه بشرك وكمان عاوزة تلهفي حق عيالي!
دخل إبراهيم من باب المنزل وكان في طريقه لغرفة عفاف بالأعلى لكنه توقف عندما سمع صوت صراخها داخل المطبخ فهرول مسرعًا لها. لكن تسمر مكانه عندما رأى إخلاص فوقها وهي تنتف خصلات شعرها دون رحمة فركض نحوها وأبعدها عنها صائحًا بعصبية:
_ إيه اللي بتعملوه ده؟ اتجننتوا ولا إيه؟
حاولت إخلاص التملص من قبضته وهي تصرخ به بحرقة:
_ ضيعت روحك عشان دي ياريتها تستاهل.. سمعت للعقربة دي لغاية ما خلتك تقتل ااا.....
كتم إبراهيم على فمها بسرعة في عينان متسعة وهتف بنظرة مخيفة ومحذرة:
_ اقفلي خشمك ده قبل ما أقطع نفسك واصل، أنا مش قايلك تنسي اللي سمعتيه ومتجيبيش سيرته تاني.
كانت عفاف تنقل نظرها بينهم في ذهول وعدم استيعاب ثم سألت إبراهيم بتوتر:
_ هي عرفت منين يا إبراهيم؟
إبراهيم بعصبية:
_ مش وقته يا عفاف.. ده اللي ناقص نتكلم ونحكي في المطبخ إهنه كمان.
ثم تابع بلهجة آمرة لهم:
_ يلا كل واحدة تطلع فوق على أوضتها، مش عاوز أشوف خلقتكم.
أول من اندفعت للخارج ثائرة كانت إخلاص ثم لحقت بها عفاف فبقى هو بمفرده يمسح على وجهه ويتأفف بغضب.
***
داخل منزل خلود أو بالمعنى الأدق منزل سمير...
كانت تجلس فوق الفراش في غرفة نومها وهي تبكي بصمت ضامة ركبتيها لصدرها. منذ ليلة زواجهم وهو تركها ورحل وإلى الآن لم يعد. هاهو اليوم الثاني الذي تقضيه في هذا المنزل بمفردها وهو لم يهتم حتى ليسأل عنها ويطمئن عليها. تركها كمن يترك حيوان لا يريده.
عيناها بدأت تنغلق وحدها بسبب شعورها الشديد بالنعاس. فقد كانت تحرم نفسها النوم متألمة أن يعود ولكنه لم يعد منذ الأمس. فجأة انتفضت عندما سمعت صوت باب المنزل فوثبت واقفة من فراشها وهرولت ركضًا للخارج وهي تبتسم بفرحة أنه عاد أخيرًا. لكن ما رأته جعلها تتجمد مكانها دون حركة فاغرة شفتيها وعيناها. كأن دلو من المياه المثلج سكب فوقها ولوهلة أحست بقلبها سيتوقف من فرط صدمتها بها وهي تراه بداخل المنزل مع فتاة بين ذراعيه ويضحكان وسط كلماته المنحرفة لها وقد لاحظت أنه أيضًا ثملًا. فهتفت بصوت موجوع:
_ سمير مين دي؟
رفعت الفتاة نظرها لسمير وهي تضحك وتقول بوقاحة:
_ دي مراتك اللي قولتلي عليها، مش كدا؟
رد بقرف وهو يهز رأسه بالإيجاب:
_ امممم للأسف.
تقدمت تلك الفتاة في مياعة من خلود حتى وقفت أمامها ورفعت كفها تصافحها وهي تقول:
_ ازيك، أنا مريم، وحفاظًا على مشاعرك وكده اعتبريني صحبة سمير فقط.
رمقتها خلود شزرًا ودفعت يدها بعيدًا عنها باشمئزاز ثم اندفعت نحو زوجها تصرخ به في غضب:
_ مشّي اللي جايبها معاك دي من بيتي يا سمير بالذوق.
رفع
تعالي معايا برا يلا عشان خاطري تعالي.
ألقي نظرة نارية على خلود المنكمشة على نفسها في الأرض وتبكي وترتجف بعنف، ثم غادر الغرفة مع فتاته وهو مستمر في نعتها بأقذر الألفاظ.
داخل منزل عمران بالقاهرة.
سمعت آسيا صوت رنين هاتفها، فمدت يدها للمنضدة القريبة من الفراش والتقطته. راحت تقرأ اسم المتصل الذي كان أمها، فبقيت تحدق في الشاشة لوقت مترددة، حتى حسمت قرارها ورفعت الهاتف لأذنها ترد بجفاء:
_الو.
تهللت أسارير جليلة فور سماعها لصوت ابنتها، فراحت تهتف بفرحة وتلهف:
_آسيا كيفك يابتي طمنيني عليكي.
أجابت عليها بجمود تام:
_كويسة الحمدلله.
جليلة باهتمام شديد وقلق أمومي:
_منتظمة في علاچك وبتعملي الجلسات ولا لا؟ وكيف رچلك دلوك اتحسنتي شوية؟
سألت أكثر من سؤال واحد في نفس الوقت والجملة من فرط قلقها، مما جعل آسيا تتأفف مغلوبة لا تدري على أي سؤال منهم تجيب. لكنها بالنهاية ردت في تلقائية:
_بقيت أحسن الحمدلله دلوك يام...
بترت عبارتها قبل أن تكملها عندما انتبهت أنها ستتفوه بكلمة "أمي". وعادت بسرعة تعدلها في قسوة وهي ترد:
_اطمني ياحجة جليلة أنا بخير.
رغم الوجع الذي ضرب بقلبها بعدما نادتها بـ "حجة جليلة"، لكنه لم يمحِ فرحتها بأنها تتحدث معاها لأول مرة منذ شهور، وكانت على وشك أن تلفظ بكلمة "أمي". وكانت على وشك أن تجيبها محاولة فتح موضوع جديد، لكن سمعت الرد المفحم من آسيا وهي تقول:
_أنا هقفل عشان تعبانة وعاوزة أنام. تصبحي على خير.
عبست جليلة وردت على ابنتها بحزن:
_وانتي من أهله يابتي.
أنهت آسيا الاتصال فوراً وألقت بالهاتف على الفراش بجانبها، ثم انهارت في البكاء وهي تخفي وجهها بين راحتي كفيها. استمر بكائها الشديد لدقائق طويلة حتى توقفت وتمددت على الفراش تضع رأسها على الوسادة مغلقة عيناها تحاول الهرب بالنوم من واقعها، لكن روحها المتألمة لم ترتاح واستمرت دموعها في ذرف الدموع الصامتة فوق الوسادة.
انتهى عمران من عمله داخل غرفته الخاص وخرج، ثم قاد خطواته نحو غرفة نومه حتى يرتاح بعد إرهاق العمل. وعندما دخل وجدها نائمة في الفراش، فتحرك نحو الفراش وتسطح بجوارها مغمضاً عينيه. لكن تسلل لأذنه صوت أنفاسها السريعة وشهقاتها المنخفضة التي أثبتت له أنها تبكي. ففتح عينيه دفعة واحدة واعتدل في نومه ليقترب منها خلف ظهرها ويمد يدها يمسح على شعرها بدفء هاتفاً:
_آسيا بتبكي ليه؟
ردت عليه بصوت متحشرج:
_مفيش.
امسك بكتفها وأدارها على ظهرها حتى تكون أمام عينيه وهو ينظر لها ويقول بجدية:
_مفيش كيف يعني أنتي مش شايفة روحك بتبكي كيف!
مالت بوجهها للجانب بعيداً عنه ودموعها تستمر في السقوط دون توقف. حتى وجدته يمسك بذقنها ويديرها له مجدداً هاتفاً بحزم هذه المرة:
_إيه اللي حصل.. أكيد مش بسبب المشكلة اللي حصلت الصبح.
تمعنت النظر في عيناه بضعف وتذكرت عبارته لها "حتى لو مطلبتيش أنتي محتچاني بس لساتك مش عاوزة تعترفي". فازداد انهمار دموعها أكثر وسط نظراتها الملتزمة له كأنه الطوق الوحيد لديها للنجاة.
أمرها عقلها وسأل قلبها، فلبت الطلب دون تفكير ورفعت نفسها قليلاً لتتمكن من معانقته والقاء نفسها بين ذراعيه ملاذها الآمن وهو تهتف ببكاء:
_أنت عندك حق. أنا محتياك ومحتاجة أحس بيك دايماً چاري ومتسبش يدي عشان كل ما أقع تسندني وأقف على رجلي من تاني كيف ما عملت معايا لما الكل أتخلى عني وأنت الوحيد اللي فضلت چاري وقدرت أقف على رجلي من تاني وأخد حقي بسببك. محتياك ياعمران ومش هقدر أبعد عنك ولا أعيش من غيرك.. اوعى تهملني وتسيب يدي.
بنهاية حديثها كانت البسمة العاشقة تأخذ مجراها فوق ثغره. وذراعيه التفوا حولها بتملك ليضمها لصدره أكثر، ثم ينحني على شعرها يقلبها عدة قبلات متتالية هامساً:
_متخافيش ياغزالي أنا چارك ومش هسيبك أبداً.
تشبثت به أكثر وهي تستند برأسها فوق صدره الدافيء مغلقة عيناها وتهمس بصوت مبحوح:
_من حسن حظي أنك موجود معايا وربنا عوضني بيك.
اتسعت ابتسامته أكثر في غرام وأخذ يوزع قبلاته فوق شعرها وجبهتها مرة أخرى. حتى خرج صوته ماكراً بعدما قرر أن يمنح بعض المتعة والمرح لحديثهم حتى يساعدها على الخروج من حزنها:
_أنتي قولتي كل حاجة بس لساتك مقولتيش أهم حاجة.
ابتعدت عنه ونظرت إليه بوجه غارق في الدموع تسأل:
_إيه هي؟
رفع أنامله وجفف دموعها وهو يبتسم بحب، ثم انحنى على أذنها وهمس بلؤم:
_بحبك ياعمران.
اتسعت عيناها بدهشة ورمقته بخجل شديد وتوتر ملحوظ. لكنها حاولت التصرف بالبرود حيث ضحكت بصمت وهي تهز رأسها مغلوبة وترد عليه:
_أنت لازم تستغل كل لحظة إكده لمصلحتك أصلًا.. بعدين ليه متقولش أنك أنت اللي ناسي تقول الجملة دي مش أنا.
رفع حاجبه وهو يضحك على ردها الذكي ثم هتف غامزة بثقة:
_مسيرك هتقوليها وهسمعها ياغزال.. مش هتقدري تهربي مني كتير.
ضحكت ورفعت أناملها تمسح عيناها من آثار الدموع جيداً وهي ترد عليه ساخرة:
_هنشوف يامعلم مين اللي هيقع الأول.
تمدد على ظهره فوق الفراش ونام، ثم فرد ذراعه له يدعوها للانضمام له والنوم بين ذراعيه هذه الليلة. فرمقته مبتسمة بذكاء وقالت مازحة:
_لا بلاش احسن جاذبيتي تأثر عليك وتخليك تعترف.
ارتفعت ضحكته الرجولية على عبارتها وبحركة احترافية منه كان يجذبها ويسقطها بين ذراعيه وهو يقول بثقة:
_لازم تچربي الأول عشان تعرفي.
هزت رأسها في عدم حيلة وهي تضحك ثم أغلقت عيناها بين ذراعيه تنوي النوم وهي تشعر بملمس شفتيه فوق جبهتها يقبلها بحنو.
بصباح اليوم التالي داخل الجامعة.
توقفت حور عندما رأت بلال وهو يتجه نحوها. وبسرعة استدارت واتجهت مبتعدة تحاول الهرب منه حتى لا تتحدث معه، لكنه أسرع خلفها شبه ركضاً حتى وصل واعترض طريقها ووقف أمامها يقول مبتسماً بغيظ:
_بتهربي مني!
هزت رأسها بالنفي في برود وقالت:
_لا اهرب منك ليه!
تأفف بلال بخنق وهتف برجاء:
_طيب طالما مش بتهربي ممكن نقعد ونتكلم يا آنسة حور؟
طالت نظراتها له وهي تفكر ملياً، ثم تنهدت بنفاذ صبر في الأخير واماءت له بالموافقة. سارت معه إلى مقهى الجامعة ليجلسوا على طاولة صغيرة مقابلة بعضهم وتسمعه يسألها بضيق حقيقي:
_هاا أنا سامعك إيه اللي معصبك مني للدرجة دي.
مالت بوجهها في عفوية وهي تتنفس الصعداء بدلال، لكن اشتعلت نظراتها والتهب صدرها بنيران الغيرة مجدداً عندما رأت نفس الفتاة تجلس على مقربة منهم وتنظر لهم، أو بالمعنى الأدق له. فرمقتها شزراً ترسل لها تحذيرات بنظراتها، ثم عادت بوجهها لبلال وهي عبارة عن جمرة من النيران المشتعلة مما جعله يضيق عيناها مستغرباً ذلك التحول المفاجيء ويسألها:
_مالك وشك قلب إكده ليه؟
حور في سخط حقيقي:
_أنت بتحقق معايا وبتعاتبني ليه على طريقة تعاملي معاك.
رفع حاجبه مستنكراً ما تقوله ورد عليها في استفهام وانزعاج:
_قصدك إيه؟
حور بعصبية وجفاء:
_يعني أنت ملكش حق يابلال.
انفعل وهتف في حدة وغضب:
_لا ليا. أنتي عارفة أني متقدملك وأهلك موافقين يعني قريب هتبقي خطيبتي.
استقامت واقفة وقالت في ثقة وغطرسة مميزة تليق بها:
_أنت لسا متقدمتش ولسا متخطبناش. وثانيا وده الأهم اهلي موافقين بس أنا لسا مقولتش هل أنا موافقة ولا لا.
هب هو الآخر واقفاً وسألها مغتاظاً:
_يعني أنتي مش موافقة؟
ابتسمت بخبث وقالت في تدلل:
_لما تيجي تتقدم وقتها هتعرف ردي.. ولغاية الوقت ده خليك بعيد عن أي حد أنا مش حابة أشوفك قريب منه عشان ممكن أغير رأي في لحظة يا بلال.
وانهت عبارتها وهي تلتفت برأسها للخلف وتنظر لتلك الفتاة. وعندما تأكدت أنه فهم إلى من تنظر تركته وابتعدت. فظل مكانه متجمداً لا يستوعب ما حدث للتو ويتمتم وهو يضحك مندهشاً:
_دي بتهددني!!!
انحنى على الطاولة والتقط هاتفه ليضعه في جيب بنطاله مكملاً وهو يضحك بصمت:
_معلش يا بلال اعذرها البنت غيرانة.. ماشي يا حور هانم لما نشوف آخرتها معاكي. أنا على آخر الزمن اتهدد وللأسف مضطر انفذ أوامر ست الحسن أحسن ترفضني.
فتحت فريال عيناها وهي تشعر بشيء ضخم يقيدها. عندما نزلت بنظرها فرأت ذراع جلال والتفتت خلفها إليه فاغرة شفتيها فوجدته يعانقها من الخلف ونائم. حاولت إبعاده عنها وهي تهزه في كتفه وتهتف بغضب:
_چلال بعد عني!
فتح عينيه منزعجاً على أثر صوتها المرتفع وضربها له في كتفه وهو يقول بخنق:
_في إيه.. هي الناس بنصحيها بالطريقة دي!!!
ابعدته عنها وهي تقول ساخرة بغيظ:
_بعد اللي أنت عامله ده هصحيك ازاي يعني.
أدرك وضعهم كيف كان وهو يحتضنها، فرفع يده يفرك عيناه ويمسح على شعره هاتفاً ببرود:
_أكيد أنا ونايم حضنتك.. متقلقيش يعني لو كنت واعي مكنتش هعملها.
اتسعت عيناها وبـلحظة التهب صدرها واشتعلت نيرانها فصاحت به غاضبة:
_ومتعملهاش ليه عاد.. ولا أنت بس بتتچوز عليا وتقضي الليالي في حضن العقربة دي لكن فريال لا.
حدقها مزمجراً وصاح بها منفعلًا في عصبية:
_چرا إيه هو الخناق طب معاكي على الصبح.. ما تخلينا نصطبح كيف الناس الطبيعية.
فريال ساخرة:
_كيف ما قولت الناس الطبيعية.. أنت شايفنا طبيعين!!
هتف بلهجة استهزاء تحمل سخطه الحقيقي:
_لا عندك حق احنا مش طبيعين.. احنا ملبوسين. شوفي ليكون لسا في عمل تحت السرير تاني ولا حاجة اصل اللي أنتي بتعمليه ده شغل شياطين.
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ندى محمود توفيق
مالت بوجهها للجانب وهي تبتسم رغم عنها بعد عباراته التهكمية وهو يشاركها نفس الرأي بأنهم ليسوا طبيعيين بل تلبستهم الشياطين. لن تتوقف عن الضحك إلا عندما سمعت يهتف بازدراء:
_ اضحكي.. أنتي عكنني عليا وبعدين اضحكي!
التفتت له مجددًا وقالت في غطرسة:
_ أنت لو مكنتش قربت مني وحضنتني مكنش ده كله هيحصل.
رفع حاجبه مستنكرًا ردها المتعجرف ثم مال بوجهه عليها يسألها في نظرات ملتهبة:
_ يعني أنتي مشكلتك كلها في أني حضنتك!
نظرت في عينيه بثبات وشجاعة مجيبة على سؤاله:
_ ونمت جاري!
اشتعلت نظرات جلال وامتزجت بالغيظ الذي حاول إخفائه في رده الصارم عليها:
_ ده بيتي وأنام مطرح ما أنا عاوز وأنتي مرتي ولو عاوزت أقرب منك متقدريش تمنعيني. بس مش أنا اللي أجبر ست عليا مهما كانت هي مين. يعني لو سايبك مكملة في اللي بتعمليه ده فمعناه أني سايبك بمزاجي مش عشان أنا مش قادر عليكي مثلاً ولا خايف منك.
تحولت في لحظة من البرود إلى جمرة لهب مشتعلة. أسلوبه المختلف والجاف معها كأنه يتحدث لامرأة لا يكن لها حتى مجرد التقدير وليس الحب. جعلت من جسدها كله ينتفض سخطًا. هل حقًا بات يراها على هذا الشكل؟
لوهلة شعرت نفسها امرأة لا قيمة لها بينما هي زوجته وأم أولاده. والسؤال الذي كانت تخشاه الآن تطرحه على نفسها بروح مضطربة: "هل حقًا أصبح لا يحبني؟!".
تزعزعت ثقتها وظهر ذلك بوضوح في نظراتها وهي تسأله بخفوت:
_ قصدك إيه يعني!
جلال بقلب متحجر وعين غاضبة:
_ قصدي أنك أنتي السبب في الشخص اللي قصادك دلوقت. أنتي بعتي بس أنا مش هشتري اللي بايع يا فريال. قولتي مش عاوزة حبي يبقى تستحملي قسوتي. أنتي متعرفيش الغفران وأنا معدتش محتاجة منك. سديتي كل الطرق وأنا عارف ومتأكد زين أن هيجي يوم هتلاقي روحك وحدك في الضلمة وهتفضلي تدوري على طريق ضي مش هتلاقي فـ هستنجدي بيا بس وقتها معرفش هكون موجود ولا لا عشان آخد بيدك كيف ما كنت بعمل معاكي دايمًا.
الغضب والقسوة التي في عينيه كانت أشد إيلامًا من كلماته المؤذية. ولم تكن تشعر بنفسها وسط تمعنها له وسماعها لعباراته أن دموعها سقطت من أسرها. ولم ينهي ذلك النقاش المميت سوى طرق الباب وصوت عمار هاتفيًا:
_ أبوي.
اعتدل جلال في جلسته وتصرف بطبيعية تامة مجيبًا على ابنه:
_ تعالي يا عمار.
فتح الباب ودخل ثم أسرع نحو والديه وجلس على الفراش يبتسم لهم بحماسة مميزة لكن سرعان ما تبددت عندما رأى على ملامح أمه العبوس فقال:
_ أنتي مضايقة من حاجة ياما؟
رسمت بسمة دافئة فوق ثغرها قبل أن ترد عليه:
_ لا ياحبيبي أنا زينة.. أخوك فين؟
_ تحت كان قاعد مع جدي حمزة.
ثم التفت إلى أبيه وسأله بإشراقة وجه طفولية:
_ أنت وعدتنا أننا هنطلع رحلة وهتعملنا مفاجأة عشان نجحنا صح؟
ضحك جلال بخفة وهز رأسه بالإيجاب مجيبًا:
_ امممم صح.
انتصب عمار في لحظة وجلس على ركبتيه فوق الفراش مكملًا بسعادة غامرة:
_ ومرت أبوي خلاص معدتش قاعدة ومش هتيجي تاني. يعني أنتوا مش هتتخانقوا واصل تاني وأمي كمان هتطلع معانا الرحلة صح ياما؟
لوى جلال فمه باستنكار وهو يتذكر شجارهم للتو ويرد في خفوت على عبارة ابنه:
_ امممم مفيش خناق واصل.. بقينا كيف السمنة على العسل وأمك كيف ما أنت شايف بتحبني موت.
رمقته بطرف عيناها مغلوبة في ضيق ثم ردت على ابنها بحنو:
_ أيوه يا عمار هاجي معاكم طبعًا ياحبيبي متقلقش.
قفز فوق الفراش فرحًا ثم قال بنبرة متشوقة وهو ينزل من الفراش ويتجه نحو الباب:
_ أنا هروح أقول لمعاذ.
تابعته فريال بابتسامة أمومية دافئة لكنها تحمل الحزن. ومع تأملها الطويل لأثره وجدت دموعها تنهمر فوق وجنتيها بغزارة. وسرعان ما تحول بكائها الصامت لنحيب وهي تخفي وجهها بين راحتي كفيها وتبكي بقوة. فغضن حاجبيه بتعجب ثم هتف بقلق وعدم فهم:
_ فريال مالك؟
ظن الإجابة على سبب بكائها ستكون شجارهم وكيف انتهى بكلماته القاسية ولوهلة شعر بالندم أنه تسبب في بكائها بهذا الشكل وكان على وشك أن يحاول تهدئتها بحنو. لكنها صابته بالصدمة الحقيقية عندما رفعت وجهها الغارق في الدموع ونظرت له بعينان عاجزة وبريئة ثم قالت:
_ حاسة أني نفسي في فراولة يا جلال.
رأت سهو غريب يعلو ملامحه وهو يتمعنها ويرمش بعينيه. لحظات صمت مرت كانت أشبه بصوت صفير الحقل حتى اخترق فقاعة الصمت وتحدث أخيرًا يسألها بعدم استيعاب:
_ أنتي كنتي بتبكي كده عشان نفسك في فراولة!!
هزت رأسها بالإيجاب وهي مستمرة في البكاء الشديد فقال بجدية ولهجة حاول إخراجها دافئة حتى يهدأها:
_ بزيادة بكا في إيه.. بعدين ده مش موسم فراولة!
عادت ترمقه مجددًا لكنه بغضب ودهشة وهي تسأله:
_ يعني إيه؟
طال تمعنه فيها مفكرًا ليقول في النهاية مغلوبًا في استسلام:
_ يعني هجيبلك يا فريال حاضر.. هتصرف وأجيبلك الفراولة اللي نفسك فيها دي.
لانت حدة ملامحها واشاحت بوجهها للجهة الأخرى تهمس بصوت منخفض وهي تمسح دموعها في غيظ:
_ تتصرف طبعًا متتصرفش ليه.. كيف ما اتصرفت واتجوزت عليا تتصرف دلوقت وتجيبلي اللي نفسي فيه أنا وبتك.
سألها باستغراب رافعًا حاجبيه بعدما سمع تمتمتها بكلام غير مفهوم:
_ بتقولي حاجة؟
نظرت له وقالت في بسمة متكلفة وهدوء تام:
_ بقول شكرًا.
ثم استقامت واقفة واتجهت نحو الحمام تتركه وهو يتابعها بنظراته الدقيقة وفور اختفائها داخل الحمام رفع يده يضرب كف على كف متمتمًا في نفاذ صبر:
_ صبرني يارب.
بينما هي فور انعزالها داخل الحمام انفجرت باكية مرة أخرى ولكن هذه المرة قهراً وهي تتذكر كلماته الأخيرة عن حقيقة بقائها وحدها في النهاية وأنه لن يلبي نداء استغاثتها عندما تطلب. لن يحبها. ولن يحارب من أجلها. سيتوقف عن المحاولة وسيتخلى عنها.
آشعة الشمس الذهبية المتسللة من النافذة تضرب في وجهه منذ شروقها لكنه لم ينم سوى ساعات قصيرة وأغلب الليل كان مستيقظ لا ينتابه شعور النوم بأي شكل. يشغل تفكيره أمورًا مختلفة سببت له الأرق هذه الليلة ومنعته من الراحة.
لم يكن ذلك سائرًا عليها بل هي غارقة في سبات عميق طوال الليل بين ذراعيه. فتركها تنعم بسكينتها دون أن يحاول إزعاجها في نومها حتى. بينما هو منخرطًا في التفكير بأموره المعقدة.
اخفض نظره له يتأملها بشرود. وبلحظة واحدة مر شريط حياتهم منذ الزواج وربما قبله حتى. كيف بدأت وكيف تضع نقاط النهاية الآن. كلاهما كانوا يحسبون الدقائق وليس الأيام حتى تدق ساعة انفصالهم وكل منهم يعود لحياته. تستمر هي من حيث بدأت تسعى للانتقام وتنثر شر الساحرة بأي بقعة تخطها قدمها. وهو يتابع حياته الطبيعية بين عمله وعائلته وحين تتقاطع طرقه مع الفتاة المناسبة التي سيميل قلبه لها سيتزوجها. لكن كلاهما تقاطعت طرقهم العكسية وتوقفوا بنقطة المنتصف ولم يكن أمامهم سوى حلين. أما الاستمرار معًا بنفس الطريق أو بقائهم بنفس النقطة حتى النهاية التي لن تكون مرضية لكليهما.
لم يكن يدري أنه على وشك الخوض في حرب ضد ساحرة تستعد لإلقاء تعويذتها السحرية عليه. سحبته للعمق وسجنته فأصبح أسيرًا. وحتى لو تركت له خيار الرحيل لن يفعل.
أحب خبايا روحها المخفية أسفل قناع القوة والتمرد. تحارب من أجل البقاء صامدة والحقيقة أنها تتشبث به عند أول عاصفة تزعزعها. تلوذ إليه وتأخذه حصنها المنيع ضد كل العواصف. تلك القسوة المزيفة خلفها فيض من المشاعر الدافئة. أو طفلة في زي أنثى ناضجة ومثيرة.
لاحت البسمة المغرمة فوق شفتيه وهو يتأملها فانحنى على شعرها يلثمه بقبلات متتالية رقيقة وبذراعه فوق خصرها يضمها إليه أكثر. أما يده الأخرى فامتدت لكفها الناعم واحتضنته بدفء. وكان سيهم برفعه حتى شفتيه لكي يقبله لكنها بدأت تتحرك وتفتح عيناها ببطء. فأغلق هو عينيه بسرعة متصنعًا النوم ولم يترك كفها الأسير بين قبضته العريضة.
عندما حاولت تحريك يدها وجدتها مقيدة فاخفضت نظرها. وعندما رأتها طال تمعنها في احتضانه لكفها بين قبضته فابتسمت بحب. وبتلقائية تامة رفعت رأسها له تتأمله وسط نومه واقتربت من جانب وجهه تطبع قبلة ناعمة فوق وجنته ولحيته. لم تلبث حتى تبعد شفتيها عن وجنته وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة حيث فتح عينيه والتفت بوجهه لها. ولولا أنها أدركت حركته الماكرة بوقت قياسي وعادت برأسها للخلف مفزوعة كانت ستتحول لنوع آخر من القُبل ليس بريء على الإطلاق.
رأته يبتسم بعبث ويتمتم غامزًا:
_ صباح الورد يا غزال.
كان صوت أنفاسها سريع وصدرها يرتفع ويهبط بتوتر. أما نظراتها فكانت مغتاظة حيث راحت تلكمه برفق في كتفه هاتفة:
_ أنت مش محترم.
ارتفع حاجبه الأيسر في رد فعل تلقائي على وصفها له بعدم الاحترام وهتف في لهجة رجولية:
_ مش محترم كيف يعني!
اضطربت للحظة من نبرته وقررت القفز لعبارة أخرى وهي تسأله بخجل:
_ أنت كنت صاحي؟
زم شفتيه للأمام مجيبًا ببراءة متصنعة:
_ يعني نص نص.. أنتي متعصبة كده ليه متقلقيش هعمل نفسي كانت نايم ومش حاسس بيكي ولا باللي عملتيه.
ارتبكت بشدة وكان صوتها يظهر متوترًا وهي تهتف:
_ أنا معملتش حاجة!
اعتدل في نومته ورفع نصف جسده قليلًا عن الفراش ليميل عليها بوجهه وهو يبتسم بخبث. كانت تعود برأسها للخلف حتى وجدت الوسادة هي آخر الطريق فابتسمت له ببلاهة وقالت في خجل شديد:
_ احم في إيه يا عمران.
كان مظهرها وهي متوترة وتبتسم بهذه الطريقة يدعوه للضحك لكنه تمالك أعصابه وأجابها بنظرات تحمل معنى مختلف غير الذي تلفظه شفتيه:
_ نسيتي ما تصبحي عليا.
سكون غريب استحوذ عليها وهي تطالعه بخجل حتى همست في صوت خافت:
_ صباح الخير.
لوى فمه باقتضاب وقال في عدم اقتناع:
_ لا معجبتنيش.
ضيقت عيناها باستغراب ثم قال له في لهجة تهكمية:
_ كيف يعني معجبتكش! أنت قولتلي مصبحتيش عليا وأنا بقولك أهو صباح الخير.
هز رأسه بالرفض معبرًا عن عدم رضاه. ثم لمعت عينيه ببسمة ماكرة وهو يقول بتصنع البراءة:
_ لما كنت نايم خير اللهم اجعله خير حلمت حلم غريب. كنتي أنتي وبتصبي عليا بـ....
هتفت تمعنه من استرسال سرده لحلمه الكاذب وهي تقول بقلة حيلة ونبرة خجلة:
_ خلاص متكملش..
آنت عاوز إيه يعني دلوك؟
عمران ضاحكًا بلؤم:
_كلك نظر.
ثم مال بوجهه للجانب، يجعل وجنته أمامها حتى يتسنى لها تقبيله كما فعلت منذ قليل. نقلت نظرها بين وجهه وبين نظراته الماكرة وهو ينتظرها، فقالت له بلهجة منذرة:
_هتعمل كيف ما عملت من شوية؟
تصنع عدم الفهم ورد ببرود تام:
_عملت إيه؟!
آسيا مغتاظة:
_عمران!!
وجدته يضحك بقوة، ثم يجيب عليها مبتسمًا:
_لو فضلتِ بتفكري كتير إكده، موعدكيش أني مش هعملها.. يلا عاد!
سيطرت على خجلها ونبضات قلبها، وفورًا رفعت رأسها تتطبع قبلة سريعة على وجنته وتبتعد مجددًا. فالتفت لها وهو يضحك، ثم مال على جبهتها يقبلها بحنو وهو يرد:
_صباح النور يا غَزالة.
ثم ابتعد ونهض من الفراش يتجه نحو الحمام. فور اختفائه عن أنظارها، أطلقت هي تنهيدة طويلة وهي تزفر بقوة. تطلق أنفاسها المكتومة وعلى ثغرها ابتسامة مغرمة وخجلة. ثم رفعت كفها تخفي به عينيها ووجهها وهي تضحك مغلوبة.
أبعدت الغطاء عن جسدها لكي تنهض، لكن شعرت بشيء جعلها تتسمر مكانها مندهشة. هي تستطيع تحريك قدمها بمفردها. لمعت عيناها بسعادة غامرة، ودون تفكير حاولت النزول من على الفراش وحدها دون الاتكاء على مقعدها، ونجحت بالفعل. وقفت على الأرض وابتعدت عن أي شيء حولها يمكنها الاتكاء عليه، فاستطاعت البقاء ثابتة دون أن يختل توازنها. تلألأت العبرات في مقلتيها وراحت تصرخ دون وعي:
_عـــمـــران!
خرج من الحمام مزعورًا على أثر صراخها وهرول نحوها يسألها بهلع:
_مالك؟!
تطلعت في عينيها بفرحة مفرطة وعينان دامعة:
_أنا واقفة لوحدي.
انتبه أنها تقف على قدميها بثبات طبيعي. فنزل بنظره على طول جسدها يتفحصها بصدمة دامت لدقيقة كاملة، حتى تراجع خطوة للخلف بعيدًا عنها وهتف بعينان تلمع بالأمل:
_حاولي تمشي لوحدك إكده.
رفعت قدميها عن الأرض ببطء شديد وخطت أولى خطواتها بمفردها. فاشرق وجهها بضوء مختلف وانهمرت دموعها وهي تطلعه في سعادة. رأت ثغره ينفرج عن ابتسامة واسعة ويقترب منها مجددًا، يضمها لحضنه مقبلًا شعرها وهو يهتف ضاحكًا بفرحة:
_أنا مش قولتلك كلها فترة صغيرة قوي وترجعي كيف الأول، وأهو بدأتي تقفي على رجلك من تاني.
ابتعدت عنه وقالت بلهفة وفرحة:
_نروح للدكتور؟
أومأ لها بالإيجاب وهو ينحني مقبلًا إياها مجددًا ويتمتم:
_أيوه يلا البسي عشان نروح ونشوفه هيقول إيه.
ارتمت عليه مجددًا، هذه المرة كانت هي التي تعانقه وتلف ذراعها حول رقبته متعلقة به وتهتف فرحة بامتنان ودلال يليق بها:
_ربنا ميحرمني منك أبدًا يا سيد الرجالة كلهم.
ضحك بصمت وحب وهو يلثمها من رقبتها، بينما آسيا فابتعدت عنه وجذبت مقعدها لتجلس عليه وتتحرك نحو الحمام حتى تستعد للذهاب للطبيب.
***
داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا بغرفة الجلوس حيث يجلس كل من حمزة ومنصور يتحدثون حول حادثة قتل خليل.
هتف حمزة بغضب:
_هرب منك كيف يعني يامنصور؟
رد على أبيه منفعلًا:
_معرفش يابوي، مقدرتش لا أنا ولا علي نمسكه. بس الواد التاني اللي كان سايق المكنة معانا...
سأله حمزة بنظرة ثاقبة:
_جلال مكنش معاكم؟
هز رأسه بالنفي مجيبًا:
_لا، أنا مجبتلهوش خبر. قولت خليه لما يتحسن شوية وبعدين هقوله. ولد أخوي كان في المستشفى، ولو عرف أننا مسكنا عيل من العيال اللي ضربوا نار على خليل، مش هيهدى وممكن تِجراله حاجة ويتعب تاني.
هز حمزة رأسه بتفهم وقال في حزم:
_زين ما عملت. متقولوش حاجة دلوقتي، خلينا لم نخلي العيال دي تقر وتعترف مين اللي وزهم يعملوا إكده.
لمعت عيني منصور بالشر وقال في وعيد:
_أنا قولتلك يابوي مين اللي عملها، لكن أنت اللي مش مصدقني.
صاح حمزة منفعلًا:
_ومين قالك أني مش مصدقك؟ أنا قولتلك نتأكد الأول عشان بعد إكده نبقى على حق لما ناخد بحق ولدي ومنبقاش ظلمناه. اصبر يامنصور، خلاص هانت وقريب هنتأكد مين اللي قتل خليل.
هتف منصور بنظرات تنضج بالثأر والنقم:
_يجهز كفنه من دلوقتي.
***
داخل المستشفى بالقاهرة.....
بعد نصف تقريبًا من الفحص داخل غرفة الطبيب، خرجت أكثر سعادة بعدما حصلت على البشارة من الطبيب أنها الآن بإمكانها السير بمفردها، لكنها ستستمر بالاتكاء على عكاز خاص لفترة أخرى أثناء سيرها حتى تستعيد كامل صحتها وتصبح جاهزة لممارسة حياتها بطبيعية كالسابق.
جلست على مقعد حديدي بالردهة الطويلة والعريضة داخل المستشفى بعدما خرجت من غرفة الطبيب، تنتظر زوجها الذي ذهب لشراء دوائها، وبيدها ممسكة بالعصا الجديدة التي أعطاها له الطبيب. عادت برأسها للخلف على الحائط تستند عليه مغلقة عيناها، لكن اخترق سمعها صوت أنثوي قريب منها يهتف هاتفيًا:
_أيوه يا إبراهيم!
لا تعرف لماذا انتبهت جميع حواسها وفتحت عيناها دفعة واحدة تبحث عن مصدر ذلك الصوت. كأنه لا يوجد سوى إبراهيم واحد وهو والد زوجها، وتلك المرأة تقصده هو. واتضح أنه هو بالفعل عندما رأت وجهها، فقد كانت نفس السيدة التي رأتها بزيارتها السابقة للمستشفى وكانت تتحدث مع ابنتها الصغيرة "ريم".
جعلت أذنها مستيقظة ومترقبة لكل كلمة تقولها وتستمع لها، وهي تتحدث عن والدتها المريضة وأنها ترافقها. ثم انتقل الحديث عن ابنتها الصغيرة، موضحة أنها برفقة خالتها في المنزل. في آخر الحديث اتخذ طريقًا مغايرًا أثبت لها أن شكوكها صحيحة عندما سمعتها تسأله عن حاله، وعندما حصلت على الرد منه تابعت بلهجة منزعجة وهي تهتف:
_أنت من امتى كنت فاضيلينا يا إبراهيم؟ طول الوقت مشغول مع عفاف يا أما إخلاص يا أما ولادك، وأنا وبنتك ملناش نصيب من الاهتمام ده أبدًا.
سكتت لثوانٍ تستمع للرد منه، ثم ردت عليه بعصبية أشد وعدم اكتراث:
_أيوه عمران شافني من كام يوم وكان معاه مراته.. أعمل إيه يعني أنقل ماما من المستشفى عشان ابنك بيعالج مراته هنا.
اشتدت حدة الحوار بينهم، الذي انتهى بصيحتها المستاءة:
_إبراهيم أنا فيا اللي مكفيني وماما تعبانة، مش فارق معايا دلوقتي ابنك يعرف ولا ميعرفش. كل اللي يهمني ماما بس.
أنهت عبارتها وانزلت الهاتف من فوق أذنها ضاغطة على زر إنهاء الاتصال، تهتف وهي توعد لزوجها بغيظ:
_ماشي يا إبراهيم، صدقني أنا بنفسي اللي هقول لابنك، وخلّينا نشوف هتفضل لغاية امتى مخبيّني أنا وبنتي وحارمنا من كل حاجة كدا.
ثم اندفعت ثائرة باتجاه الحمام. فتابعتها آسيا ببسمة شيطانية وهي تهمس مستنكرة:
_التالتة يا إبراهيم!!.. أنت إيه مفيش حاجة بتهدك؟ بس دلوقتي وقعت في يدي أنت والعقربة عفاف. كنت صابرة ومستنية الفرصة المناسبة وأهي جات تحت رجلي.
استقامت واقفة وتحركت متكئة على عكازها تسير ببطء خلف داليا إلى الحمام. وعند وصولها وقفت أمام الباب وابتسمت بخبث، ثم رفعت يدها تمسك بالمقبض وتديره لتدخل وتقفل الباب خلفها مجددًا. وجدتها تقف أمام حوض الوجه تغسل يديها، فوقفت آسيا مكانها تتمعنها في بسمة مخيفة قليلًا. بينما داليا فقد اعتدلت وانتصبت واقفة، وعندما استدارت خلفها واصطدمت بآسيا، شهقت مفزوعة ثم تسمرت بأرضها مندهشة.
ازدردت داليا ريقها بتوتر، لكنها حاولت التصرف بطبيعية، أو بالمعنى الأدق كأنها لا ترى آسيا من الأساس. حيث تحركت باتجاه الباب وكانت تنوي المغادرة، لكن قبضة آسيا على ذراعها أوقفتها عنوة وهي تقول لها مبتسمة بتكلف:
_أنتي نسيتيني ولا إيه؟
ارتبكت داليا وظهر ذلك على ملامحها، حتى لو حاولت إخفائها والتصرف بكل هدوء وطبيعية:
_لا، الحقيقة مش متذكراكي، أنا آسفة.
ابتسمت آسيا بتهكم، ثم ردت عليها في لطف لا يناسب النظرات المريبة المستقرة في عينيها:
_متقلقيش، من هنا رايحة هتفتكريني زين ومش هتنسيني واصل.
دفعت داليا قبضة آسيا عن ذراعها وصاحت بها غاضبة:
_أنتي مين أصلًا وبتكلميني كدا إزاي؟
ضحكت آسيا بثقة قبل أن تجيب بنظرات محذرة:
_أنتي عارفة زين قوي أنا مين، زي ما أنا عارفة انتي وبنتك تبقوا مين.
اتسعت عيني داليا بصدمة وسرعان ما تحولت إلى انزعاج وهي تسأل آسيا:
_وأنتي عايزة إيه يعني دلوقتي؟
لمعت عيني آسيا بوميض مريب، واختفت البسمة اللطيفة والمزيفة من فوق ثغرها، لتصبح على حقيقتها كساحرة مخيفة وهي توجه تحذيراتها لداليا:
_نفس اللي عاوزه إبراهيم منك.. مش هتجيبي سيرة لعمران أبدًا إن أبوه متجوز ومعاه بت صغيرة.
رفعت داليا حاجبها متعجبة وقالت ساخرة:
_أنا كنت متوقعة أنك أول حاجة هتعمليها هتقولي لجوزك وهتفضحي حماكي.. ودلوقتي بتطلبي مني مجبهولوش سيرة؟ ليه؟
آسيا بلهجة قوية وصلبة:
_ليه دي حاجة متخصكيش.. كيف ما اتجوزتي إبراهيم في السر ومحدش من عياله ولا حرمه يعرف، يبقى هتكملي على إكده ومحدش هيعرف.
ضحكت داليا باستهزاء من آسيا، ثم أردفت باللامبالاة:
_ولو معملتش اللي انتي بتطلبيه ده بقى وطلعت دلوقتي وقولت لجوزك، هتعملي إيه؟
مال ثغرها آسيا ببسمة شيطانية هاتفة في نظرة مميتة:
_هتبقي أنتي الخسرانة.. ولو كنت مكانك مكنتش هفكر أقف قصادي، بس معلش ليكي عذرك لسه متعرفنيش.. الأفضل تعملي زي ما بقولك، لأن أنا مليش نية أذيكي أبدًا إلا لو أنتي اضطريتيني لده.
رغم الخوف البسيط الذي تسلل لداليا بعد تهديدات آسيا المريبة، إلا أنها تصرفت وكأنها لا تبالي من الأساس وهمت بالرحيل، لكن آسيا أوقفتها للمرة الثانية وهي تسألها بتلك البسمة الغريبة مجددًا:
_متعرفناش صح!!
زفرت داليا بخنق وردت ممتعضة:
_داليا.
اتسعت ابتسامة آسيا وهي تهمس لها هذه المرة بلين حقيقي:
_وأنا آسيا.
ثم تابعت وبلحظة واحدة تحولت للوجه المخيفة مجددًا، رغم أنها مازالت على بسمتها، لكن نظراتها كانت تكفي لبث الرعب في قلب داليا:
_وياريت يا داليا، حمايا العزيز ميعرفش حاجة عن كلامنا ده، ولا يعرف أن آسيا عرفت من الأساس أنه متجوز. وده مش تهديد، ده نصيحة.
كانت تضغط على كلماتها الأخيرة بنبرة لا تحمل المزاح أبدًا. ثم تابعت بنظرها داليا وهي تغادر الحمام وتتركها بمفردها تبتسم في شيطانية، ولم ينتشلها من حالتها سوى رنين الهاتف معلنًا عن اتصال من زوجها، فأجابت عليه فورًا في رقة غريبة، كأن المرأة التي كانت تتحدث مع داليا للتو واحدة، والتي تتحدث مع زوجها الآن أخرى!
_أيوه يا عمران.
وصلها صوته الغليظ والقلق:
_أنتي فين يا آسيا؟!!
ابتسمت بحب وقالت له ضاحكة:
_روحت الحمام، متقلقش..
رد عليها بالموافقة وانهى الاتصال.
غادرت الحمام وعادت لمكانها مرة أخرى تسير ببطء، وكان هو بانتظارها بنفس المكان الذي تركها فيه.
في تمام الساعة التاسعة مساءً داخل منزل خليل صفوان.
كانت فريال تجلس فوق الأريكة الصغيرة التي بالغرفة وتقوم بحياكة ملابس جديدة لصغيرتها القادمة بعد شهور معدودة، لكنها التفتت نحو الباب عندما سمعت صوته وهو ينفتح ويدخل جلال حاملًا بين يديه صحن أبيض كبير ممتلئ بفاكهة الفراولة. اتسعت عيناها بصدمة من السرعة التي استطاع بها إيجاد فاكهة ليس في موسمها. هي ظنته سيستغرق أيام وربما لن يجلب لها من الأساس.
تركت ما بيدها وقالت له مندهشة:
_ دي فراولة!!!
تقدم منها وجلس على الأريكة بجوارها، يضع الصحن بالمنتصف بينهم وهو يتمتم:
_ أنتي شايفة إيه!
فريال بعدم تصديق وهي تبتسم بسعادة:
_ لقيتها بالسرعة دي كيف؟!!
بادلها الابتسامة وهو يقول بلهجة رجولية جادة:
_ أنتي مش طلبتي وقولتي نفسك فيها.. وأهي الفراولة قصادك ملكيش صالح عاد لقيتها كيف ولا چبتها منين.
تمعنت في الصحن أمامها بعينان لامعة وفورًا حملته ووضعته فوق قدميها وبدأت تضع أول واحدة في فمها متلذذة بمتعة وهي مغلقة عيناها وتهمس:
_ امممم طعمها حلو قوي.
تلألأت عينيه بوميض غرامي جميل وهو يهمس لها في دفء:
_ بالهنا والشفا.
كانت منشغلة في الأكل بنهم شديد ولا تنتبه له ونظراته الحانية، حتى أحست بكفه فوق بطنها هامسًا بحب:
_ حبيبة أبوها لو طلبت نچوم السما أچبهالها.
نظرت فريال له بطرف عيناها وبحركة مباغتة دفعت يده عن بطنها ساخطة وقالت بتهكم:
_ آااه يعني چبت الفراولة في نفس اليوم من غير صبر عشان بتك بس، لكن لو أنا مكنتش حامل وكنت طلبت حاچة مكنتش هتسأل فيا.
فغر شفتيه بعدم استيعاب لما تقوله وتحولات حالتها المزاجية كل لحظة، ثم هتف في نفاذ صبر:
_ وأنتي وهي إيه يافريال مش واحد.. يعني هي اتكلمت دلوك وقالتلي يابابا هاتلي فراولة، ما أنتي اللي طلبتي.
هزت رأسها بالرفض وقالت في غضب حقيقي:
_ لا أنا وهي مش واحد، لما اولد هنبقى مش واحد.
مسح على وجهه وهو يتأفف بقلة حيلة، مستغفرًا ربه، ثم قال في ابتسامة متصنعة:
_ طبب يافريال احنا بنتكلم على دلوك.. لما تولدي أن شاء الله وتقومي بالسلامة نبقى وقتها نشوف الموضوع ده. وكل طلباتك أنتي وهي أوامر. ده لو أنتي طبعًا رچعتي عن اللي في دماغك وفضلتي قاعدة.
صاحت به مستاءة في عناد:
_ مش هقعد ياچلال.. أنت أصلًا مش فارق معاك حاچة وحتى مش بتحاول تصلح غلطك وتخليني اسامحك، لا ده أنت قلبت الترابيزة عليا وبقيت أنت الضحية وأنا الظالمة.
رفع سبابته وهو يشير لنفسه مندهشًا ويجيبها بغضب شديد:
_ أنا مش بحاول ومش فارق معايا!!.. كل اللي كنت بعمله ده ومش فارق معايا. هو مين اللي مش بيحاول يافريال أنا ولا أنتي؟ ده أنتي حتى مش بهون عليكي وأنا في عز تعبي وبتسممي سمعي كل ليلة بكلامك أنك معاوزنيش ولا بتحبيني. أنا معترف بغلطي وعارف أن اللي عملته مش هتسامحيني عليه بسهولة وكنت مستعد احاول عشانك للآخر من غير ملل واعوضك واثبتلك حبي وان اللي عملته كان غباء مني ودفعت تمنه غالي قوي، بس أنتي حتى مكنتيش بتديني فرصة ولا بتبصي في وشي.
تجمعت العبرات في مقلتيها وانهمرت غزيرة فوق وجنتيها وهي تجيبه بعصبية وسخرية:
_ آه يعني أنت تتچوز عليا وأنا آچي اخدك بالحضن واقولك معلش ياحبيبي أنا عارفة أنه غصب عنك وأنا كنت السبب عشان سبتك وهديك فرصة تاني تصالحني وتصلح غلطك!!!
توقفت للحظة ثم أكملت بصوت مبحوح وقد ازداد بكائها أكثر:
_ أنت لو عاوزني وعاوز تصلح غلطك صح هتحاول تثبتلي حبك من غير ما اطلب ولا أقولك أنا هديك فرصة. هتحاول تطلب مني السماح وتفهم من نفسك أني محتاچة لده مش تتحچچ بأني مكنتش ببص في وشك. والصبح تهددني وتقولي هتفضلي لوحدك في الضلمة وأنا مش هاخد بيدك ويبقى تستحملي قسوتي وكرهي طالما مش عاوزة حبي.. هو ده مفهومك عن الاعتذار ياچلال وتصحيح الغلط!!!
طال تمعنه في وجهها وتبعثرات نفسها المتألمة وهي تشكيه لنفسه من أفعاله معها. فلان قلبه وصابه الندم الشديد على دموعها وحزنها المتسبب فيه. ابتسم لها بعشق واقترب منها ينحنى على رأسها يقبل رأسها بحنو وبيده يحاوطها من كتفيها ويهمس لها مبتسمًا بالأمل والسعادة:
_ يعني افهم من كلامك ده أنك موافقة نبدأ صفحة چديدة وتديني فرصة اصلح غلطي واعوضك واخليكي تسامحيني.
لوهلة انتابها شعور السعادة لكن سرعان ما تبدد عندما شعرت برغبة في الغضب والحزن من جديد، فرفعت أناملها وجففت دموعها وهي تبعده عنها وتهب واقفة وتقول بتمنع:
_ لا.
اختفت ابتسامته وتبدلت ملامحه في لحظة للدهشة الممتزجة بالغيظ وهو يتطلعها رافعًا حاجبه بعدم فهم لم تريده بالضبط. بينما هي فتركته واتجهت للشرفة.
عض على شفاه السفلية محاولًا تمالك أعصابه، وعندما التفت جانبه رأى صحن الفراولة، التقطه وراح يأكل بغيظ وهو يلقي الفراولة في فمه بغل. لحظات معدودة ووجدها تدخل من الشرفة وتقترب منه ثم تجذب الصحن من يده هاتفة بانزعاج:
_ أنا لسا مخلصتش أكل.
حاول البقاء هادئًا وهو يقول ساخرًا:
_ هو مش أنتي كنت بتبكي دلوك ومضايقة!
رمقته بطرف عيناها وقالت في اقتضاب:
_ هو أنا عشان مضايقة يبقى مكلش يعني.
أنهت عبارتها واتجهت إلى الشرفة مجددًا بصحن الفراولة حتى تكمل أكلها، بينما هو فبقى مكانه يحدق في أثرها مذهولًا. وراح يمسح على فمه ولحيته متأففًا داعيًا ربه أن يلهمه الصبر، ثم صاح عليها لكي تسمعه:
_ چهزي نفسك عشان بكرا طالعين الرحلة اللي وعدت بيها معاذ وعمار.
ردت عليه بفتور مزيف:
_ رايحين وين؟
ابتسم عندما فهم حماسها من سؤالها الفضولي فقال:
_ العين السخنة.
بالقاهرة.
تحركت آسيا نحو المطبخ لكي تقوم بتحضير العشاء. فقد مر وقت طويل منذ تلك الحادثة دون أن تدخل المطبخ أو حتى تتجول داخل منزلها كالسابق.
وقفت داخل قوقعتها الخاصة وبدأت في تحضير وجبة العشاء لهم وهي تبتسم بسعادة. رغم أنها كانت تواجه صعوبة التحرك براحة بسبب اتكأها على ذلك العكاز، لكن يكفيها أنها تسير على قدميها دون مساعدة من أحد. بتلك اللحظات كان عمران يبحث عنها، وعندما سمع ضجة بسيطة قادمة من المطبخ تقدم نحوه ووقف عند الباب يتابعها وهو يبتسم بحنو. تعافيها كان يسعده أكثر منها، وتلك اللمعة المميزة في عيناها التي يراها منذ الصباح تضاهي الدنيا كلها.
تحرك نحوها ببطء حتى وقف بجوارها وهمس بالقرب من أذنها في مداعبة:
_ مقدرش انكر أني الوكل من يدك وحشني قوي.
التفتت له وابتسمت براحة مجيبة:
_ وأنا مبسوطة أني واقفة وبحضرلك الوكيل كيف الأول.
ثم اخفضت نظرها أرضًا وتمتمت بعينان لمعت بالدموع:
_ كنت فاقدة الأمل أني أرجع اقف تاني ياعمران.
لف ذراعه حول كتفها وضمها إليه مردفًا في ثقة وحنو:
_ وأنا قولتلك هترچعي واللي قولته حصل. متفكريش عاد في اللي فات وافرحي.
اغمضت عيناها وهي تضحك بمشاعر امتزجت بين الفرحة والعشق. لكن وجدت يديها ترتفع لظهره وتعانقه بحب شديد ودون وعي منها كأنها مغيبة همست بصوت منخفض:
_ بحبك قوي.
لسوء حظها أنه سمع بعض الحروف، فابعدها عنها بسرعة وسألها ضاحكًا:
_ أنتي قولتي إيه؟
صمتت ودارت بنظرها على شيء حولها معادًا وجهه، تفكر في حيلة تنقذ نفسها بها من هذا المأزق بعدما أدركت فعلتها الساذجة. بينما فقبض على كتفيها يهزها بلطف ويعيد سؤاله للمرة الثانية، ضاغطًا عليها بنظراته الساحرة:
_ عيدي اللي قولتيه.
ازدردت ريقها بتوتر قبل أن ترد بجهل مزيف:
_ أنا مقولتش حاچة.
رفع حاجبه بتهكم وهو يضحك في صمت، بينما هي فنفرت يديه عنها وقالت بغضب مزيف حتى يتسنى لها الهرب منه:
_ إيه ياعمران بتبصلي إكده ليه، قولتلك مقولتش حاچة.
قهقه برجولية جميلة وأجابها بكل هدوء يضمر خلفه اللؤم:
_ طب اهدى مالك متعصبة إكده ليه.. خلاص مقولتيش حاچة وأنا سمعت غلط.
ثم انحنى على أذنها وهمس بنظرات ليست بريئة متعمدًا إثارة جنونها:
_ البتاع اللي لابساه ده مش حلو عليكي ومتخنك.
نزلت بنظرها لثوبها المنزلي الطويل واتسعت عيناها بصدمة قبل أن تجيب بسخط:
_ متخني كيف يعني!!
زم شفتيه للأمام في عبوس ورد في خفوت:
_ معرفش بس ممكن لو لبستي حاچة قصيرة ومريحة هتبقى حلوة عليكي اكتر.
عقدت ذراعيها أسفل صدرها بعدما فهمت محاولاته الماكرة في الوصول لهدف معين لا تعرفه. وراحت تسأله بسخرية مبتسمة:
_ حاچة كيف إيه يعني.
غمز لها بعيناه في وقاحة وقال:
_ كيف القميص الأسود مثلًا.. فكراه؟
فغرت فمها بدهشة فور تذكرها لذلك القميص وكيف انتهت تلك الليلة وهي تعاني من خجلها الشديد أنه رآها شبه عارية هكذا.
ردت عليها وهي تعود بوجهها الطعام تكمل تحضيره تتفادى النظر إليه من خجلها:
_ لا مش فاكرة حاچة وخليني عاد اكمل الوكل ياعمران.
مال بوجهه عليها وهمس في نبرة جادة:
_ مهو الصراحة يا غزال أنا حطيته في دماغي وهتلبسيه يعني هتلبسيه مفيش مفر ليكي.
التفتت له وقال بعناد مغتاظة:
_ لا مش هلبس حاچة.
رفع حاجبه بانزعاج من رفضها وعنادها وتحولت ملامحه من اللين للاستياء المزيف. اضطربت بعدما رأته هكذا فانحبست أنفاسها وللحظة كانت سترفض مجددًا، لكنها استسلمت وقالت مغلوبة:
_ ماشي بس مش النهاردة.
كتم ضحكته بعدما انصاعت لرغبته وأجابها بالموافقة متنهدًا في لطف:
_ ماشي يا غزالي مش النهاردة.. أنا كفى وزاد عليا اللي سمعته النهاردة.
انهى عبارته بقبلته الطويلة والحميمية فوق وجنتها ثم انتقلت لكتفها العاري، وعندما شعرت بأنه لن يتوقف عند هذا الحد تراجعت بسرعة في خجل وقالت:
_ تلفونك بيرن برا ياعمران.
انتصب في جلسته يتمعنها مبتسمًا وهي تكمل تحضير الطعام تتهرب من النظر لعينيه الثاقبة. فتنهد مطولًا بحب وابتعد عنها وغادر المطبخ يتركها أخيرًا بمفردها.
بصباح اليوم التالي.
تحركت آسيا باتجاه الباب عندما سمعت صوت الرنين فقد ظنت أن عمران نسى شيء وعاد ليأخذه. كانت خطواتها بطيئة واستغرقت وقت حتى وصلت للباب، ولحسن الحظ أنها كانت ترتدي ملابسها الفضفاضة وحجابها. حيث اندهشت بالطارق عندما فتحت الباب وهتفت في ذهول:
_ سليم!!!
داخل منزل إبراهيم الصاوي.
كان بلال في طريقه لغرفة الجلوس حيث يجلس والده لكي يتحدث معه. وعند وصوله أمام الباب توقف، وكان على وشك أن يرفع كفه ليطرق ويستأذن قبل الدخول، لكن يده علقت في الهواء وهو يسمع لحديث أبيه في الهاتف.
"لا، أنا مش هقدر آجي عندكم يا حبيبة أبوكي. أنتي أول ما تخف ستك هترجعوا أنتي وأمك للبيت تاني وهاجي أقعد معاكي قد ما تعوزي."
سكون تام للحظات قبل أن يكمل مرة أخرى متحدثًا في الهاتف:
"أيوه يا داليا، خلي بالك زين من بتي، متتشغليش مع أمك وتسيبي البت لوحدها كده. لسه صغيرة."
رواية ميثاق الحرب و الغفران الفصل الأربعون 40 - بقلم ندى محمود توفيق
وقفت تحدق به في ذهول والعديد من التساؤلات حلقت في ذهنها بتلك اللحظة.
بينما هو فابتسم بلطف وقال:
_ازيك يا آسيا.
ضيقت عينيها بتعجب من تعامله العفوي معها ثم ردت عليه بأسلوب قوى:
_بخير الحمدلله ياسليم. خير في حاچة ولا إيه؟
تنهد سليم الصعداء وزفر أنفاسه متمهلاً قبل أن يجيبها بلهجة جادة:
_كنت حابب اتكلم معاكي في موضوع مهم لو أمكن.
ابتسمت آسيا بلين وهتفت معتذرة:
_تمام مفيش مشكلة بس نخليها وقت تاني لأن مش هينفع نتكلم على الباب وللأسف مش هقدر اقولك اتفضل لأن عمران مش موچود.
أخذ نفساً عميقاً ورد عليها بملامح وجه مكفهرة:
_مش هاخد من وقتك خمس دقائق والموضوع مهم جداً يخصك ويخص عمران.
تبدلت تعابير وجه آسيا للحيرة والفضول عندما أوضح لها أن الأمر جدي ويخصها هي وزوجها، فالتزمت الصمت لبرهة من الوقت وهي تفكر مترددة. كانت سترفض التحدث معه لكن فضولها لمعرفة ما الذى يريد إخبارها بها سيطر عليها، وهي تدور في حلقة ذهنها العديد من التساؤلات حول سبب كره زوجها لذلك الرجل ولماذا هو لا يتوقف عن محاولات التحدث إليها وافتعال المشكلات مع عمران، حتماً يوجد سبب لا تعرفه.
هزت رأسها بالموافقة وقالت في حزم:
_تمام هتقول اللي عندك وهتكون آخر مرة ياسليم.. اتفضل.
افسحت له الطريق ليعبر ويدخل ثم أشارت له بيدها للصالة فسار قبلها بينما هي فأغلقت الباب ولحقت به، ثم جلست على الأريكة المقابلة له وسألته بقوة تليق بها:
_اتفضل أنا سمعاك. عاوز تتكلم في إيه؟
تحدث سليم باهتمام:
_أنا عارف أنه مش من حقي اتكلم في حاجة زي كدا، بس أنا عرفت أنتي وعمران ايه الظروف اللي اتجوزتوا فيها يعني عارف كل حاجة بالظبط.
اتسعت عيني آسيا بصدمة وهي تسأله:
_مين قالك الكلام ده؟
هتف الآخر ببسمة لطيفة:
_مش مهم مين قالي أنا بس عرفت أنك كنتي مغصوبة على الجواز وأنك حاولتي تهربي اكتر من مرة وأنك اتظلمتي. أنا جاي اساعدك بس مش اكتر.
رفعت حاجبها بنظرة ساخرة قبل أن تجيب عليه بصوتها الصارم:
_ماشاء الله شكلك عارف كل حاجة. طب وأنت هتساعدني كيف عاد؟
لمس الاستهزاء في نبرتها لكن لم يهتم كثيراً وتابع بجدية تامة:
_أنا اعرف عمران من زمان أوي وهو شخصيته صعبة يعني ممكن يأذيكي طالما انتوا في بينكم تار ومشاكل كتير من قبل الجواز وأنا الصراحة حابب اساعدك وانقذك يعني لو حابة تطلقي أنا ممكن اقف جمبك واساعدك وبالتالي مفيش حد يقدر يقرب منك ولا يأذيكي.
طالت نظراتها له وسكونها المريب وهي تبتسم بوجه لا يحمل رقة النساء أبداً ثم قالت في استهزاء:
_اطلق وأنت تساعدني ومحدش يأذيني!!.. هو أنت في إيه بظبط إيه اللي بينك وبين عمران!
أجاب بامتعاض بعد تنهيدة طويلة:
_كانت في مشكلة قديمة بينا بس اتحلت وده ملوش علاقة باللي أنا جاي اتكلم فيه معاكي دلوقتي.
هزت رأسها بتفهم وهي مازالت محتفظة ببسمتها الغريبة. ثم اعتدلت في جلستها لتصبح أكثر شموخاً وقوة قبل أن تهتف بلهجة حادة:
_بص ياسليم أنت شكلك مش طبيعي صح وبنى آدم مريض وليه حق عمران يعمل إكده معاك. أنت لو تعرف عمران فلساتك متعرفنيش وأنا لو محتاجة مساعدة من حد أكيد مش هطلبها منك. مع العلم أني مش محتاجة مساعدة من أساسه واللي قالك الكلام ده ليه حساب معايا وأنا عارفة أن سندس اللي حكتلك. فأنا هعتبر اللي الحوار اللي تم ده كأنه محصلش من الأساس ومش هجيب سيرة لعمران عشان المشاكل.
توقفت عن الكلام للحظة ثم هبت واقفة مكملة بغضب ولهجة تحذيرية:
_آخر مرة تفكر تتكلم معايا وخليك بعيد عني وعن جوزي ياسليم لو مش حابب تدخل في مشاكل أنت مش قدها. ودلوك اقدر اقولك اتفضل برا.
لوى فمه بضيق قبل أن يستقيم واقفاً ويقول في ابتسامة شيطانية:
_اتمنى متندميش بعدين!
أشارت له نحو الباب وهي تهتف بعصبية:
_اطلع برا ياسليم.
هز رأسه له بالموافقة وهو يبتسم بسخرية ثم تحرك باتجاه باب المنزل في خطوات سريعة وبقت هي مكانها دون حركة تتابعه بنظراتها الساخطة وهو يرحل. بينما هو فعندما فتح الباب اصطدم بعمران الذي كان يهم بوضع المفتاح في قفل الباب ليفتحه ويدخل منزله.
فرت الدماء من وجه آسيا ولوهلة تمنت أن تنشق الأرض وتبتلعها فالقادم لن يكون سوى خراب. أما عمران فتجمد مكانه وهو يحدق بذلك الدخيل الذي يخرج من منزله ولم تدم دهشته إلا ثواني قبل أن يثبت نظراته المظلمة عليه ويتقوس وجهه المكفهر الذي يقذف الرعب في القلوب.
أسرعت آسيا نحوهم رغم خوفها من بطشه الذي ستشهده فيما بعد. لكنها خشيت من القادم بعد تلك النظرات وهذا المظهر المرعب. ولم تلبث لتصل لهم فقد كان زوجها تدخل منذ زمن حيث أبرح سليم أرضاً بلكمة سالت دماء وجهه وأنفه على أثرها. ولم يكتف بل تابع ضربه المميت له وهو يصرخ به ويسبه بألالفاظ النابية:
_بتعمل إيه في بيتي ***** ده أنا هاخد روحك بيدي يا****.
صاحت آسيا بخوف وصوت مرتبك بعدما وصلت لهم ومدت يدها تمسك بذراع عمران تحاول منعه عنه:
_عمران أبوس يدك اهدى.
لكن رده عليها جعلها تتصلب في أرضها رعباً ثم تقهقرت للخلف متحاشية ذلك البركان القاتل الذي أمامها حتى لا تطولها حممه الحارقة. حيث وجدته يدفع يدها بعنف بعيداً عنه ويلتفت لها يرمقها بنظرة مميتة كلها وعيد وغضب.
استقام سليم واقفاً في ذلك الوقت وراح يوجه لكمته لعمران ولكنها كانت ضعيفة مقارنة بما تلقاه للتو على يده. فوجد عمران يقبض على رقبته ويدفعه نحو الحائط دون أن يسحب قبضته من عليه ويهتف له بملامح وجه متشنجة ونبرة مرعبة:
_أنا حذرتك مليون مرة متقربش من مرتي بس أنت مبتفهمش بالحسنى. كنت بتعمل إيه في بيتي!
ابتسم سليم رغم وجهه الغارق بالدماء وخرج صوته مختنقاً وهو ينظر نحو آسيا بشر:
_أسأل مراتك.
فغرت آسيا عيناها وشفتيها بصدمة وكانت ستصرخ وتجيب عليه لكن نظرات عمران دبت الرعب في صدرها وجعلتها تبتلع عبراتها دون أن تقوى على التحدث.
عاد عمران بنظره لذلك الوغد الذي كاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة من فرط الاختناق ثم ترك رقبته لكنه انهال عليه مجدداً يكمل ضربه له دون أن يتوقف عن سبه. حتى أصبح الآخر ملقي على الأرض لا يقوى على فتح عينيه حتى. فانحنى عليه وجذبه عمران ليوقفه على قدمه عنوة ويجذبه معه للخارج وهو يهتف بوعيد مخيف:
_أنا هعرفك كيف تبقى **** صح وتتجرأ تقرب من حرمة بيتي.
ظلت آسيا مكانها دون حركة تحدق في الفراغ أمامها بعد رحيله وقد اجتمعت الدموع في عيناها وسقطت كلها غزيرة على وجهها وسط صوتها وعتابها لنفسها وهي تقول:
_يارتني ما دخلته أنا إيه اللي عملته ده!
ألقت بعكازها على الأرض وجلست بجواره على الأرض وهي تبكي قلقاً عليه وضيقاً من فعلتها الحمقاء.
داخل منزل ابراهيم الصاوي....
فتح بلال الباب ودخل وهو ينظر لأبيه بقسمات وجه مريبة. أما ابراهيم فانهى الاتصال فوراً مع داليا هاتفاً بابتسامة متصنعة:
_طيب ياحج سيد هبقى اكلمك تاني ونشوف الموضوع ده.
مال ثغر بلال في ابتسامة مخزية ثم تقدم من أبيه وجلس على المقعد المقابل له وهو يتمتم بنظرات ثاقبة:
_شكلي قطعت عليك مكالمة مهمة يابوي.
ابتسم ابراهيم بكل برود أعصاب ورد نافياً:
_لا ده موضوع عادي كنت بتكلم فيه مع سيد على الشغل.
أطرق بلال رأسه أرضاً وهو يهزها عدة مرات متتالية وسط همسه الغاضب:
_امممم الحج سيد.
ضيق ابراهيم عينيه باستغراب قبل أن يسأل ابنه بعدم فهم وقلق:
_مالك يا بلال في حاجة حصلت ولا إيه؟
طال السكون المريب بينهم وسط نظرات ابراهيم المستفهمة وبين تعابيرات وجه بلال الغريبة وهو مازال مطرق رأسه أرضاً ولا يتحدث. يفكر في شيء لا يفهمه ابراهيم. أخيراً رفع رأسه لينظر لوالده باستياء ويسأله في صوت محتقن:
_عندها كام سنة؟
غضن حاجبيه بعدم فهم مجيباً بسؤال على سؤاله:
_مين دي؟
خرج عن طور هدوءه المزيف وهتف بغضب:
_بتك يابوي!
استحوذت الصدمة على ابراهيم وهو يحدق بابنه لوقت طويل نسبياً صامتاً حتى تنهد في النهاية وقال بثبات تام:
_ست سنين.
ظهر الذهول على بلال لكن سرعان ما تحول بضحكة صامتة في عدم حيلة وهو يجيب على والده:
_متجوز من اكتر من ست سنين ومش قايل لحد!!!
احتقن وجه ابراهيم بالدماء قبل أن يجيب على ابنه منفعلًا في حدة:
_چرا إيه يا بلال انت كبرت عليا ولا إيه عشان تحاسبني أنا أعمل اللي أنا عاوزه مش هاخد الأذن منك ولا من أخواتك.
انفعل بلال بدوره وصاح بنظرات نارية:
_هحاسبك يابوي هي مش اللي اتجوزت عليها دي أمي. معاك بدل المرة اتنين عاوز ايه تاني وبدل العيل تلاتة. تروح كمان تتجوز التالتة في السر من غير ما حد يعرف.
صاح ابراهيم بعصبية ولهجة محذرة:
_وطي حسك واتكلم زين مع أبوك يا بلال. وأمك انا شايلها فوق راسي وممخليهاش محتاجة حاجة كل طلباتها مجابة ومديها حقوقها كاملة. وأنا معملتش حاجة غلط ولا حرام ربنا حللي بدل الواحدة أربعة وطالما في مقدورتي متجوزش ليه التالتة والرابعة كمان.
قهقه بلال مغلوباً وسط جموحه الشديد ثم رد بغضب:
_إيه ناوي تتجوز الرابعة كمان دلوك عشان تقفل الأربعة وتبقى حللت شرع ربنا.
استقرت نظرات ابراهيم الساخطة على ابنه للحظات قبل أن يردف بحدة:
_أنا كنت ناوي اقولكم اليومين الچايين واديك عرفت لوحدك.
دي مرتي وليها حق عليا كيف أمك وكيف مرت أبوك ومعدتش مستحمل اخلي بتي تعيش بعيد عني اكتر من إكده
رفع بلال حاجبه مندهشًا بعدما فهم تلميحات والده وما ينوي على فعله قريبًا. فاستشاط مغتاظًا أكثر وازداد غضبه عنفًا، حيث هب واقفًا وهتف لأبيه بنبرة لا تحمل المزاح:
_مفيش حد هيدخل البيت إهنه يابوي كيف ما كانت مرتك عايشة الست سنين وحدها بعيدة عنينا تفضل مكانها. مش هسمح لحاچة تكسر أمي ولا تضايقها.
أنهى عبارته واندفع لخارج المنزل دون أن ينتظر الرد من أبيه الذي كان يشتعل غيظًا من ابنه. ورفع يده يمسح على وجهه متأففًا بغضب ونفاذ صبر.
***
توقف عمران أمام باب إحدى الشقق وصاح بسليم الواقف بجواره:
_افتح الباب ده يلا.
مد سليم يده لقفل الباب وفتحه، ثم دخل هو أولًا ومن بعده عمران الذي كان يتطلعه بوعيد شيطاني. ثم قبض على فكيه وهو يصرخ به:
_ديل الكلب عمره ما يتعدل يا***. وأنت مكفاكش اللي عملته فيك زمان لما فكرت تعمل نفس ال*** مع فريال. أنا متأكد إني لو دخلت أوضة النوم دلوك مش هلاقي هدوم حريم وو*** بس، لكن كمان الحشيش اللي أنا سبق وبلغت عنك ودخلتك السجن والمصحة بسببه ودلوك بلغت عنك تاني، بس المرة دي مفيهاش طلعة.
ابتسم سليم بثقة وقال في عدم مبالاة:
_مش هتقدر تثبت حاچة وهقول أنه مش بتاعي. وهطلع منها عادي. أنا لو منك كنت كبرت دماغي من الكلام ده وروحت لمراتي اسألها الراجل الغريب كان بيعمل ايه معاها في البيت.
أظلمت عيني عمران بشكل مرعب، وللحظة فقد قدرته على التفكير بعقلانية وباتت عيناه لا ترى شيء أمامها من الظلام. فدث يده في جيب جلبابه وأخرج سلاحه الخاص، ثم رفعه ووجهه نحو رأسه وهو يهتف بصوت مخيف:
_احنا معندناش عزيز واللي يغلط ويجيب سيرة حريمنا بالباطل بندفنوه في أرضه. وأنا دلوك شكلي هعمل إكده معاك وهحفرلك قبرك تحت رچلك.
لم يرف لسليم جفن وظلت ابتسامته المريبة والمستفزة تزين ثغره وهو يحدق بعمران في تحدي، غير مباليًا بتهديداته ظنًا منه أنه لن يجرؤ على فعلها وكلماته ما هي إلا مجرد عبارات ترهيب لا أكثر. لكن هيهات، فقد توسط الشيطان بعقل عمران وكان على وشك فعلها حقًا عندما وضع أصبعه فوق الزناد ولم يكن بين قتله له سوى ثواني معدودة. ولم يوقظه من غفلته سوى صوت الأقدام على درج البناية ثم طرق الباب من قبل الشرطة. فأنزل يده تدريجيًا دون أن يزيح بنظراته القاتلة عن سليم وأعاد سلاحه لجيبه مجددًا، ثم اتجه نحو الباب وفتحه وافسح الطريق للعساكر بالانتشار داخل المنزل، بينما الظابط الذي اتضح أنه صديق لعمران فقد اقترب منه ورتب على كتفه متمتمًا بنبرة هادئة:
_اهدى ياعمران.
أغلق عينيه وهو يضغط على قبضة يده بعنف ويهمس لصديقه بنبرة لا تبشر بالخير أبدًا:
_خده من قصاد وشي يا يوسف قبل ما ارتكب فيه چريمة.
اقترب يوسف على أذنه وهتف له بغضب بسيط:
_جرا إيه ما تهدى يامعلم هتضيع نفسك عشان واحد ****.. متقلقش المرة دي لو طلع معاه ممنوعات فعلا تاني مش هيطلع منها.
استقرت نظرات عمران الملتهبة على سليم للحظات قبل أن يندفع نحوه ويهمس له بصوت يرهب القلوب:
_احمد ربك أنهم نقذوك من يدي، كان زمانك مع الأموات دلوك.
قبض يوسف على ذراع عمران وجذبه بعيدًا عن سليم يهتف:
_عمران مينفعش كدا أهدى قولتلك.
ثم صاح على أحد العساكر بغضب:
_وأنت يابني تعالى خده على عربية البوكس تحت.
تقدم العسكري من سليم وكبل يديه بالأقفال ثم جذبه معه للخارج متجهًا للأسفل حيث سيارة الشرطة. وبعد وقت قصير نسبيًا من البحث داخل المنزل كله بالفعل تم العثور على ممنوعات ومواد مخدرة.
***
داخل منزل خليل صفوان.
كانت فريال تقوم بتجهيز حقائب السفر استعدادًا للرحيل. وبينما كانت منشغلة بتجميع الملابس داخل الحقيبة صك سمعها صوت جليلة وهي تهتف بغيظ:
_قدرتي تاخدي ولدي تحت باطك تاني ورچعلك لا، وكمان بتچهزي شنطكم عشان تطلعوا تصيفوا.
توقفت يد فريال عن الترتيب واغلقت عيناها بخنق محاولة تمالك أعصابها. ثم انتصبت واعتدلت في وقفتها والقت بالبنطال الذي بيدها داخل الحقيبة في غضب والتفتت لجليلة تنظر لها بقوة وتقول بثقة متعمدة إثارة غيرتها أكثر:
_أيوة رچعلي يامرت عمي، هو ملوش غيري أنا وعياله وميقدرش يبعد عنينا. كنت فاكرة أني هسيبه للحرباية اللي جبتهاله دي. لا، نچوم السما اقربلك، ده أنا بت ابراهيم الصاوي وأنا اثبتلك اهو أني مش لقمة سهلة هتقدري عليا أنتي وحرمة متسواش مليم في سوق الحريم.
ابتسمت جليلة بنظرات تحمل الاندهاش من التحول الجديد في شخصية زوجة ابنها. ثم تقدمت نحوها وهي ترفع ذراعيها وتعقدهم أسفل صدرها متمتمة في سخرية:
_وه ده أنتي عودك نشف وبقيتي تعرفي تردي وتاخدي حقك كمان يابت ابراهيم.
ابتسمت فريال لها في بسمة صفراء وقالت بقوة:
_البركة فيكي ياحماتي.
التهبت نظرات جليلة ثم هتفت بغل وكره:
_أبوكي قتل چوزي وحرمتوني منه.. وأخوكي خد بتي. فكرك هسيبك تاخدي ولدي مني كمان دلوك.
صاحت بها فريال منفعلة:
_أبويا مقتلش حد وعمران مخدش بتك منك، هو حماها منكم وانتوا السبب في خسارتها مش هو، وأنا مخدتش ولدك منك وقاعد چارك أهو.
جليلة بصوت موجوع وحقد شديد:
_وأنا إيه عرفني أخوكي بيقول لبتي إيه، ما يمكن بيحرضها علينا. وحتى لما أخوها وعمها راحوا ياخدوها اختارته هو. مش مكفيكم حرقة قلبي على چوزي كمان عاوزين تاخدوا عيالي مني.
ضيقت فريال عيناها بذهول وعدم استيعاب لما تسمعه منها، ثم ردت عليها بغضب وكره:
_أنتي ربنا عاقبك ببتك وخلاها تكرهك بسبب عمايلك واللي عملتيه فيا، ولو استمريتي على إكده حتى ولدك هيكرهك. وهتبقي خسرتي الكل بسبب حقدك وقلبك الأسود ده.
غلى الدم في عروق جليلة ودون تفكير للحظة واحدة رفعت يدها في الهواء وهوت بها فوق وجنة فريال تصفعها بقوة. ولسوء حظها أن جلال رأى ذلك المنظر فصاح بغضب:
_أمـــا.
اندفع للداخل إليهم ووقف أمام أمه يهتف منفعلًا:
_كيف ترفعي يدك عليها.
وقفت فريال خلف زوجها ليس احتماء به لكن لتثبت لأمه أنه معها ولن يتركها، بينما جليلة فعادت بنظرها لابنها وقالت له في غضب:
_مرتك متربتش ياجلال ولسانها طول وعاوز قصه.
جلال بعصبية:
_لو غلطت في حقك تاچي تقوليلي ياما وأنا اربيها بطريقتي واخليها تحب على رجلك كمان، لكن مش ترفعي يدك عليها.
ابتسمت جليلة بمرارة وهي تنقل نظرها بينه وبين فريال المحتمية خلفه، ثم قالت في ألم:
_لا كتر خيرك ياولدي. مرتك ملاك مبتغلطش، أنا اللي عفشة.
أنهت عبارتها واندفعت لخارج الغرفة لكي تترك العنان لدموعها الحارقة، بينما جلال فقد التفت نحو زوجته وسألها باستياء:
_إيه اللي حَصل؟
تأففت فريال بضيق ثم جلست على طرف الفراش وهي تجيبه بهدوء:
_ولا حاچة، شافتني بلم الهدوم في الشنطة ومش عاچبها أننا هنسافر، ففضلت تضايقني بنفس الكلام بتاع كل مرة أنها مش هترتاح غير لما تطلقنا. ولما أنا رديت عليها برد معچبهاش ضربتني.
جلال بنظرات دقيقة ومترقبة لردها:
_رديتي قولتي إيه؟
تمتمت فريال بعبوس:
_ولا حاچة، هي بتقول أن عمران خد منها بتها وأنا هاخدك منها، فرديت عليها وقولتلها أنها هي السبب في كره آسيا ليها. لو كنتوا اختارتوا تصدقوا بنتكم بدل ما تشكوا فيها مكنش ده كله هيحُصل.
طال صمت جلال وهو يحدق بها في ملامح وجه امتزج ضيقها بندمها على ما فعله بشقيقته. ثم جلس بجوارها على الفراش وقال في قلب موجوع:
_فكرك أنا مش ندمان على اللي عملته في آسيا يافريال.. بالعكس، وحشتني قوي ونفسي تسامحني، بس مش عارف اخليها ترچع تاني كيف الأول إزاي.
نظرت له فريال ببسمة دافئة وقالت في أمل:
_آسيا رغم قسوتها وقوتها دي كلها بس قلبها حنين وطيبة قوي، وأنا متأكدة أنها هتسامحكم. أنت بس حاول تثبتلها ندمك وحبك ليها ياچلال. هي شيفاكم مبتحبوهاش ومش فارقة معاكم وبعتوها بكل سهولة ومحدش فيكم صدقها ولا وثق فيها حتى، عشان كدا مش قادرة تصالفكم وتنسى اللي عملتوه فيها بسهولة.
تلألأت العبرات المقهورة في عينيه وهو يجيب بصوت مبحوح:
_لما بشوف اللي بيحُصل معانا ومعايا بذات بحس أن ده حقها وعقاب ربنا ليا عشان ظلمتها وكسرتها. يعني ربنا خدلها حقها مني كامل.
لمست نبرة الوجع والتعب في نبرته فلان قلبها وذاب جليده للحظة، فوجدت نفسها دون وعي تقترب منه وتضمه لصدرها كما كانت تفعل دومًا سابقًا وهي تهمس بحنو وتلثم رأسه بقبلة ناعمة:
_أن شاء الله كل حاچة هترچع كيف ما كانت وآسيا هترچع من تاني وسطينا. أنت غلطت في حقها وندمت، بس الندم أهم من الذنب.
دفن وجهه بين أحضانها يستنشق رائحتها المفضلة لديه الذي حرم منها لشهور طوال. ولوهلة شعر الزمن توقف به وكأنه نسي كل شيء في تلك اللحظة ولا يريد الأبتعاد عنها أبدًا. كم اشتاق ليديها الناعمتين وهي تمسح فوق شعره وكتفه تخفف عنه همه وتزيح عن كتفيه الأحمال الثقيلة. تضمه لصدرها كما تضم الأم طفلها الصغير وتستمر في تقبيله وغمره بحبها وحنانها.
ابتعد عن صدرها بعد دقائق قصيرة ونظر في عينيها مبتسمًا بحب وهو يقول:
_كنت مشتاق لحضنك ده قوي يافريال وكنت تايه من غيره، مش لاقي مكان يسعني ولا يخفف عني كيف ما أنتي بتعملي.
عادت لعقلها وأدركت فعلتها الساذجة فاستقامت واقفة وراحت تكمل ترتيب حقيبتها وهي تجيبه بجفاء عكس الحنان الذي كانت تغمره فيه منذ قليل:
_أنت اللي حرمت روحك منه باللي عملته. كنت تايه عشان عارف نفسك غلطان ومفيش مخرچ ليك من ذنبك.
هتف بعين لامعة بوميض الأمل والعشق:
_وعرفت غلطي وندمت، وأنتي لساتك قايلة أن الأهم من الغلط هو احساسك بالندم.
التفتت له ورمقته بقوة في نظرات مقهورة كلها كسرة:
_وأنت متعصبتش عليا ولا اتخانقنا خناقة بسيطة عشان يبقى غلطك عادي وأول ما تندم اسامحك. أنت قتلتني ياچلال وكسرتني.
كنت بموت في الليلة ألف مرة وأنا عارفة أنك معاها ونايم في نفس السرير جمبها.
استقام واقف واقترب منها أكثر وهو يهمس بمرارة:
_قوليلي طيب أعملك إيه عشان أخليكي تسامحيني. أنا مهما تقولي وتعملي ومهما اتعصب منك مش قادر على بعدك. قلبي بيتقطع وأنا شايفك بعيدة عني ومش بتبصي في وشي.
أجابته بصوت مبحوح تحاول الثبات أمامه قدر استطاعتها:
_متعملش حاجة يا جلال. معدتش مستنية منك حاجة أساسًا.
أغلق عينيه يجاهد في منع دموعه من السقوط بينما هي فتابعت بخفوت ونبرة رقيقة:
_روح راضي أمك. أنا مهما أضايق منها على اللي بتعمله معايا بس أحيانًا بديها العذر وبقول هي معذورة وقلبها محروق على موت جوزها وكره بنتها ليها وعشان كده مش بتحبني وبتعاملني كده. متوجعش قلبها أكتر ببعدك أنت كمان عنها.
ابتسم لها بدفء وحب ثم انحنى عليها ولثم شعرها بحنو متمتمًا:
_حاضر.
ظلت متصنمة مكانها دون حركة حتى غادر الغرفة وتركها فرفعت أناملها تمسح دموعها من فوق وجنتيها وهي تتنهد الصعداء بقلة حيلة.
***
عودة للقاهرة.
كانت آسيا تجلس على الأريكة حيث كانت جالسة عندما كان ذلك المشؤوم موجود بمنزلها. ربما لأول مرة في حياتها تشعر بهذا الرعب. كانت تحارب داخل عقلها الذي لا يتوقف عن التفكير به خوفًا من جموحه أن يؤدي به لطرق مظلمة لا مخرج منها وبين ارتياعها من بطشه الذي سيكون لها نصيبًا منه عندما يعود. لم تكن أبدًا تتخيل أنه سيأتي اليوم الذي تتمنى فيه عدم عودته للمنزل.
تستمر في عض شفاها السفلية من التوتر وتفرك يديها ببعضها. أما قدماها فكانت لا تستطيع السيطرة عليها فقد كانت تهتز بعنف وتضرب بباطن قدمها الأرض دون توقف. وأنفاسها المتسارعة لا تساعدها على الاسترخاء والبقاء صامدة. فمن يراها بهذا الشكل المرتعد لا يصدق أبدًا أنها آسيا المتجبرة التي لا تهاب أبدًا وتقف أمام الجميع بكل شموخ. فجأة تحولت وأصبحت أنثى رقيقة وناعمة.
انتفض قلبها في صدرها عندما سمعت صوت الباب ينفتح وبلحظة هبت واقفة وهي ممسكة بعكازها تضغط عليه بقوة وتتشبث به كأنها تستمد القوة منه لتظل صامدة أمام الفيضان المدمر الذي وصل. ازدردت ريقها بخوف عندما رأته يدخل من الباب وأغلقه ثم التفت لها بجسده وعندما رأت نظراته شعرت بأن الشجاعة المزيفة التي كانت تتمسك بها كلها فرت هاربة. حاولت الثبات دون أن تتزعزع عندما رأته يتقدم منها بتريث وبنظرات متوعدة. حتى وقف أمامها أخيرًا وقد وصلت للحظة التي تمنت أن لا تأتي أبدًا. فوجدته يقبض على ذراعها بعنف دون شفقة هاتفًا:
_كان بيعمل إيه هنا؟
لم تقوى على النظر لوجهه فأطرقت رأسها أرضًا وأغلقت عيناها بخوف محاولة السيطرة على نبضات قلبها القوية. لكن ثباتها المزيف انهار وشعرت بقدماها لا تستطيع حملها عندما سمعت صرخته الجهورية بها:
_انطقي.
لمعت عيناها بالعبرات وردت عليه بصوت ضعيف أخرجته بصعوبة:
_ولا حاجة والله. اتكلم كلام غريب كده وبعدين أنا طردته يعني لما أنت وصلت أنا كنت طردته أساسًا. قولي إنك معملتلهوش حاجة يا عمران.
مد يده في جيبه وأخرج سلاحه ثم ألقاه على الأريكة أمامها وهو يهتف بعينين مظلمة:
_ربنا نجاه من يدي على آخر لحظة وإلا كان زمانه دلوقتي في المشرحة.
اتسعت عيناها بذهول عندما رأت السلاح وازدادت حدة نبضات قلبها ارتياعًا. بينما هو فباغتها بصرخة جعلت أعضاء جسدها كلها ترتجف:
_يا ترى قالك إيه عاد خلاكي تدخليه البيت؟
رفعت كفها تخفي وجهها وهي تحاول أن تظل صامدة. بينما هو فزداد طوفانه شراسة أكثر وراح يصرخ بنبرة جعلت من صوته ليس طبيعيًا:
_سكوتك ده بيعفرتني أكتر. انطقي ومتخلنيش أعمل حاجة مش عاوز أعملها.
لا تعرف من أين جاءتها الجرأة وهي ترتجف رعبًا أساسًا منه أن ترد عليه وتقول بغضب وصوت مرتبك:
_كل اللي عمله قال كلمتين وأنا طردته يا عمران. أنت بتعمل كده ليه؟ شاكك فيا يعني ولا إيه؟
ليتها لم تتحدث وظلت صامتة فقد هيجته أكثر وجعلته يثور. حيث ضغط على ذراعها بعنف أشد دون رحمة وهو يقول بنظرة مميتة:
_هو أنا لو شاكك فيكي كنت هكلمك كده؟ كنت قتلتك انتي وهو من زمان.
اتسعت عيناها بصدمة. وكانت تلك اللحظة الحاسمة لإيقاظ ساحرتها المرعبة. حيث صرخت به بغضب وهي تدفع قبضته عنها بكل قوة:
_آه ما أنتوا القتل عندكم سهل. كيف ما أبوك قتل أبويا أنت كمان تقتلني. يلا هات سلاحك ده واقتلني.
صر على أسنانه بغضب هادر وقال في لهجة محذرة لا تبشر بالخير أبدًا:
_اقفلي خشمك ده ومسمعش حسك واصل.
تطلعت في عينيه بعناد وهي تجيب صائحة بصوتها الناعم مقارنة بصوته الرجولي الذي يحبس الأنفاس:
_لا مش هقفله. يلا وريني رجولتك وهتقدر تقتلني كيف؟
أصبح وجهه كله مكفهرًا وكأنه جسد بلا روح خرجت للتو من قبرها. وبلحظة غضب من الشيطان مثل التي كانت تستحوذ عليه مع سليم رفع يده في الهواء وكان على وشك أن يصفعها. لكنه توقف على آخر لحظة عندما رآها تشيح بوجهها عنه للجهة الأخرى وتحتمي منه بيديها وهي تخفي بها وجهها حتى لا تطولها صفعته.
تصلبت يده في الهواء وهو يقفل قبضته ضاغطًا عليها بعنف مغتاظًا من نفسه ومنها. ولم يكن أمامه شيء ليفرغ به شحنة جموحه المكتظة في روحه سوى الطاولة الصغيرة التي بجوارهم. وكان فوقها كاسات وبعض التحف الفخارية والزجاجية. فازاحهم كلهم بيده واسقطهم على الأرض ليتهشموا إلى قطع صغيرة. ثم دفع الطاولة بقدمه فسقطت هي أيضًا على الأرض.
تقهقرت آسيا للخلف في خوف حقيقي. فهي لأول مرة تشهد ذلك الجانب المرعب منه. بدا مريبًا ومخيفًا كوُحش مفترس بإمكانه تدمير أي شيء تطوله يداه. حتى مقعد الأريكة لم يسلم منه. حيث دفعه بقدمه بقوة فاهتز وكاد يسقط على الأرض. كانت هي تتابعه بنظراتها المصدومة والمرتعدة وهي تقف بأحد الزوايا منكمشة على نفسها وملتصقة بالحائط.
بينما هو فبعدما توقف التفت لها وطالعها بذلك الوجه الذي يشبه الأشباح وقال في غضب ولهجة محذرة لا تحمل أي تهاون أو مزاح:
_متحاوليش تستفزيني تاني وأنا متعصب لو مش حابة تشوفي الجانب المرعب ده مني. أنا لساتني مخلصتش حدتي معاكي. بس هبعد وهكمله بعدين. لأن لو كملت دلوقتي مش ضامن روحي ممكن أعمل إيه أكتر.
انهى عباراته ثم تركها واتجه لغرفة النوم بالداخل. ثم إلى الحمام لكي يأخذ حمامًا دافئًا يهدأ من ذلك الحريق المشتعل في صدره كلما يتذكر كلمات ذلك الوغد وهو يلمح بأن هناك علاقة بينه وبين زوجته أو أن زيارته القصيرة في منزله معها لم تكن بريئة أبدًا. وأن هناك بعض الحلقات المفقودة لا يعرفها.
كان يحاول طرد تلك الأفكار من عقله حتى لا يزداد جنونًا. لكن صوته وهو يستمر بقول "مراتك" وتذكره لما فعله بشقيقته يوقظ بركانه مجددًا. فانتهى به المطاف واقفًا أسفل المياه الباردة بالحمام. يتركها تنهمر على جسده المشتعل علها تطفأ نيرانه.
***
ظلت آسيا مكانها لدقائق طويلة تحاول استعادة بأسها وأنفاسها الطبيعية مجددًا بعد ذلك الطوفان المدمر الذي انفجر بها وبالمنزل. فكأنها شهدت حدثًا لم تكن تراه سوى في الأفلام والقصص. والذهول مازال يستحوذ عليها حتى الآن.
تحاملت على عكازها وتحركت بخطوات بطيئة نحو الأريكة حتى تجلس وترتاح. لكنها توقفت بمنتصف الطريق عندما داهمها دوار غريب وشعرت بالبرودة في كافة أنحاء جسدها. فتسارعت نبضات قلبها. ثم ازدادت حدة الدوار حتى بدأت تغلق عيناها ببطء متغيبة عن الواقع وسقطت على الأرض.