تحميل رواية «ميراث ابي» PDF
بقلم زهرة عمر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في عام 1967 في قرية الشعال، داخل منزل صغير في ليلة باردة، تُضاء غرفة جنات بضوء خافت. تجلس جنات، الحامل في شهرها الأخير، على كرسي خشبي أمام نار مشتعلة في المدفأة، تراقب قطرات المطر وهي تسقط بغزارة على زجاج النافذة. في تلك الليلة، تلقت خبر وفاة زوجها عادل، تاركًا إياها وحيدة مع طفلة لم تر النور بعد. كانت جنات امرأة طيبة القلب، مسكينة وجاهلة في نفس الوقت، يتيمة الأبوين، لا أخ لها ولا أخت، لا سند لها ولا معين سوى خال واحد يدعى عامر. كان عامر في ذلك الوقت رجلًا ثريًا. منذ زواجها، لم يسأل عنها ولم يزر...
رواية ميراث ابي الفصل الأول 1 - بقلم زهرة عمر
في عام 1967 في قرية الشعال، داخل منزل صغير في ليلة باردة، تُضاء غرفة جنات بضوء خافت. تجلس جنات، الحامل في شهرها الأخير، على كرسي خشبي أمام نار مشتعلة في المدفأة، تراقب قطرات المطر وهي تسقط بغزارة على زجاج النافذة.
في تلك الليلة، تلقت خبر وفاة زوجها عادل، تاركًا إياها وحيدة مع طفلة لم تر النور بعد. كانت جنات امرأة طيبة القلب، مسكينة وجاهلة في نفس الوقت، يتيمة الأبوين، لا أخ لها ولا أخت، لا سند لها ولا معين سوى خال واحد يدعى عامر.
كان عامر في ذلك الوقت رجلًا ثريًا. منذ زواجها، لم يسأل عنها ولم يزرها، ولا يعلم عنها شيئًا.
بعد ولادة طفلتها التي أسمتها بنين، عاد عامر وأخذها للعيش معه، مبررًا ذلك بقوله: "لا يمكنني ترك ابنة أختي تعيش وحدها بعيدًا عني."
لكن زوجته كانت امرأة مغرورة، لم تحب فكرة وجود جنات وطفلتها في منزلهم ورفضت ذلك. فأمر عامر العمال ببناء غرفة صغيرة من الخشب أمام منزله لتعيش فيها جنات وطفلتها.
جلست جنات في الخارج وسط البرد، تحمل طفلتها في يدها، تنتظر إتمام بناء الغرفة. كانت جنات جميلة جدًا، تشبه زهرة رقيقة وسط الصحراء، وكانت عيون العمال تحدق بها، لكنها لم تعرهم اهتمامًا.
عندما انتهت الغرفة، دخلت جنات وطفلتها بنين. كانت الغرفة صغيرة، وقد وضع فيها سرير وغطاء وقطعة من الحصير فوق التراب. وضعت جنات بنين في السرير وغطتها بالبطانية، ونامت بجانبها.
في صباح اليوم التالي، استيقظت جنات على مشهد مرعب: حفرة كبيرة تحت باب الغرفة، وأثر أقدام وأصابع كثيرة أمامها وداخلها. فزعت جنات وركضت إلى منزل خالها تخبره بما رأته.
قالت جنات بخوف:
"هناك من حاول الدخول إلينا من خلال حفر حفرة تحت الغرفة."
لكن خالها وزوجته لم يصدقوها.
قال عامر:
"كنت أمشي أمام المنزل بعد صلاة الفجر ولم أرَ أحدًا."
قالت زوجة عامر:
"أعتقد أن جنات هي من حفرت الحفرة بنفسها تريد أن تنتقل للعيش معنا في المنزل."
وعندما أخبر عامر جنات بذلك، بدأت جنات تقسم وتقول:
"أنا لم أفعل ذلك!"
أعتقد أنهم العمال لأنهم يعرفون أن هذه الغرفة لي، وأعتقد أنهم لم يتمكنوا من إتمام الحفر عندما خرجت أنت للمشي، فهربوا.
قال عامر:
"حسنًا، اهدئي. سنقوم بصب إسمنت تحت الباب ولن يتمكن أحد من الحفر مجددًا. هيا عودي إلى غرفتك."
كان لبنين أخوين: زيد، الأخ الأصغر، وسيف، الأخ الأكبر، من زوجة والدها السابقة المتوفية. كانا متزوجين ويعيشان في قرية بعيدة وحالتهما المادية ممتازة.
كان سيف، الأخ الأكبر، يملك منزلًا كبيرًا ومزرعة يعيش بداخله، ومنزلًا آخر صغيرًا يقوم بإيجاره، ويعمل في نفس الوقت في نقل البضائع على شاحنته. أما زيد، فكان يعمل في الحدود ويقوم بنقل المسافرين، يملك بيتًا كبيرًا وحالته المادية ممتازة.
رواية ميراث ابي الفصل الثاني 2 - بقلم زهرة عمر
لم تكن جنات على اتصال مع عائلة عادل السابقة. وبعد وفاة زوجها، لم يعرف سيف أو زيد شيئًا عنها، أو أنه قد أصبح لديهم أخت.
في اليوم التالي، كان سيف وأخيه زيد يجلسان في غرفة جلوس منزل سيف يتحدثان عن ميراث والدهما الراحل عادل.
قال زيد: "ما رأيك في تقسيم الميراث؟ ماذا تقترح؟"
رد سيف: "أعتقد أننا يجب أن نُقسم الميراث بالتساوي، نصف لكل منا."
وفي ذلك الوقت، وصل حمزة، صديق والدهم القديم، برفقة محامي. كان حمزة رجلاً طيبًا وصادقًا، وكان يحمل وصية عادل معه.
قال حمزة لسيف: "عادل كان رجلاً عظيمًا وكان يحبكم مثلما يحب نفسه. وكتب وصية قبل وفاته وأراد أن تُقرأ لكم."
امسك المحامي بالوصية وقال: "سأقرأ وصية المرحوم عادل وهي كالتالي: أنا عادل، بجميع قواي العقلية والجسدية وبكل إرادتي، أكتب هذه الوصية قبل رحيلي عن هذا العالم. أوصي بِجميع أملاكي وأراضيّ التي تُقدر بقيمة كبيرة جدًا لِعائلتي فقط. وأوصي أن يكون النصفِ من كل ما أملك لِابنتي بنين، ويُقسم الباقي على أولادي سيف وزيد."
كان سيف وأخيه متفاجئان، ينظران لِبعضهما البعض. لم يكن يتوقعون ما حدث، ولم يكونوا يعلمون أن بنين موجودة حتى.
سأل زيد حمزة: "ماذا تقول؟ بنين؟ من هي بنين؟"
أجاب حمزة: "بنين هي أختكم الصغيرة، ابنة عادل من زوجته الثانية."
قال سيف بغضب: "كيف يفعل ذلك؟ حتى إنها فتاة. ماذا ستفعل بكل تلك الأملاك عندما تكبر؟ ستُتزوج وتُعيش تحت ضل رجل. نحن الرجال من نحتاج المال والأملاك."
سأل زيد حمزة: "هل تعلم أين هي بنين الآن؟"
أجاب حمزة: "لا أعلم، لكنني أعتقد أنها تعيش في مكانٍ آخر. ذهبت إلى بيتهم ولم أجد أحدًا."
وعندما غادر حمزة والمحامي، قال زيد: "ماذا سنفعل الآن؟"
رد سيف: "لا أعلم، يجب أن نُفكر في الأمر."
ثم قال سيف: "أنا يجب أن اجد زوجت أبي وأختي لافهم مادة حدث. لم أستطع فهم شيء منه."
رد زيد: "أعتقد أن لسانه علق على كلمة أنها أختك ولديها الحق في ميراث والدها مثلكم."
ثم قال زيد: "أنا ليس لدي وقت، أنت تعلم أنني طول الوقت على الحدود وأنقل المسافرين."
رد سيف: "أنا سأتولى كل شيء."
وبعد شهور، قدتها جنات وابنتها في الغرفة الباردة. كان المطر يهطل عليهما من خلال الفتحات بين خشب السقف، وكأنهم في الخارج. لم تكن جنات تنزل من على السرير، فالأرض كانت كلها تراب مبلل بماء المطر. كانت تأكل وتشرب وتنام فوق السرير، وطوال الوقت تلف ابنتها ببطانية لكي تدفئها من البرد القارس في الغرفة. وعامر وزوجته ينامون وسط غرفتهم الدافئة.
وبعد بحث طويل، استطاع سيف إيجاد جنات.
وفي يوم مشمس، ذهب سيف لزيارتها. طرق الباب.
جنات تفتح: "من أنت؟"
يرد سيف: "أنا سيف، ابن زوجك عادل، وأنا أخو بنين الكبير."
فرحت جنات كثيرًا وقالت: "أهلاً بك." ودعته للدخول إلى الغرفة.
قال سيف: "كيف حالكِ؟ كيف حال بنين؟"
ترد جنات: "أنا بخير، لكن بنين مريضة."
يبدأ سيف يُنظر حوله ويقول: "ما هذا المكان؟ هل يمكن أن يعيش إنسان في هذا المكان؟"
تُجيب جنات بصوتٍ حزين: "لا أعلم، لكن هذا ما لدينا. نحن نعيش هنا، لا يوجد مكان آخر."
يرد سيف: "كيف تعيشين هنا؟ كيف تتحملين هذا الحياة وهذا البرد؟"
رواية ميراث ابي الفصل الثالث 3 - بقلم زهرة عمر
كيف تتحملين هذا الحياة وهذا البرد؟
بدأت جنات تخبر سيف عن حياتها وكيف تعيش برفقة طفلتها في هذا الوضع، وعن الحفرة تحت الباب، وأن طفلتها قد مرضت بسبب البرد عدة مرات. وهي تخاف أن تفقدها على أمل أن يتمكن من مساعدتها.
قالت: أحاول أن أغطي بنين ببطانية طوال الوقت، لكنها تُصاب بالبرد كل مرة. أخشى أن أفقدها، أخشى أن تموت ابنتي من البرد. حاولوا الدخول إلينا من خلال حفر حفرة تحت الغرفة، والسقف يسرب ماء المطر إلى الغرفة.
رد سيف: ما الذي تريدينه؟ ماذا يمكنني أن أفعل؟
تقول جنات: أريد أن تساعدني، أريد أن تساعد أختك بنين.
بدأ سيف يسأل جنات عن الميراث: قوي لم يترك أبي لكِ شيء؟ يمكنني مساعدتكِ به. أوراق، لم يخبركِ عن ميراث أو أملاك أو شيء؟
تُجيب جنات: أنا لا أفهم شيئًا في تلك الأمور.
يكمل سيف: لم تقرأي ورقة أو يخبركِ أبي شيئًا؟
تُجيب جنات بصراحة: أنا لا أعرف القراءة ولا الكتابة، ولم نتحدث في شيء يخص الميراث لأنني لا أفهم شيئًا في تلك الأمور.
أحس سيف أن جنات لا تعرف شيئًا عن أملاك زوجها. ثم قال سيف: نعم بالتأكيد، سأرى كيف يمكنني مساعدة أختي الصغيرة.
ونظر إليها وهي نائمة وقال: إنها تشبهني كثيرًا. ثم غادر سيف المكان.
عندما عاد إلى منزله، جلس سيف وخديجة في غرفة المعيشة. سألته زوجته: ماذا حدث؟ كيف كانت جنات التي تتحدثون عنها؟
أجاب سيف: تبدو ساذجة وطيبة القلب إلى أقصى حد. ولكن لا أعرف إن كانت تُمثّل الطيبة لتخدعنا. لكنها لا تعرف عن أملاك زوجها، لم تُطلع على شيء.
ردت خديجة: ماذا تفكر أن تفعل؟
يقول سيف: سآخذ أختي من تلك المرأة. سأذهب غدًا إلى المحكمة وأطالب بحضانة أختي. سأستخدم كل ما قالته ضدها لأكسب الحضانة.
ثم يبتسم سيف ساخرًا ويقول: لا يمكنني ترك أختي تعيش في تلك الظروف. هنا بجانبي، يمكنني أن أقدم لها حياة طبيعية مثل كل الأطفال.
ترد خديجة: هنا؟ أين تقصد؟
ثم تقوى بغضب: لا، لن أقبل بتلك الطفلة في منزلي.
يرد سيف: اهدئي يا زوجتي، لن أحضرها إلى منزلي لأنني أحبها وأخشى عليها. سأحضرها من أجل الإرث الذي تحمله تلك المرأة الغبية. لا تفهم شيئًا. إذا تزوجت، سيقوم زوجها بسرقة كل شيء دون أن تعلم. أرجوكي يا عزيزتي افهمي.
تقول خديجة بتردد: لا أعرف، لماذا لا تبقى في منزل أخيك؟
يرد سيف: أخي لديه ستة أطفال ولن يقبل. أنا متزوج بك منذ عشر سنوات وليس لدينا سوى أحمد. لتكن بنين طفلتنا. وعندما تأتي طفلتنا الحقيقية، ستصبح خادمة لك وتقوم بكل أعمال المنزل.
تقول خديجة: حسنًا، من أجلك فقط لأنك تريد ذلك.
في اليوم التالي، تستيقظ جنات في صباح هادئ، لا يوجد ريح ولا مطر. تخرج لجمع بعض الحطب وتشعل النار لطبخ بعض البطاطا.
تقترب إشراق، زوجة عامر، من جنات وتقول: صباح الخير يا جنات، ماذا تفعلين؟
تجيب جنات: أطبخ بعض البطاطا لطفلتي. منذ ولادتها لم تشرب سوى الحليب. تحتاج إلى طعام مغذي.
تقول إشراق: نعم، يجب أن تأكل. تعرفين ثمن الحليب البقر أو الماعز غالي. زوجي مسكين يشتري منه كل أسبوع لابنتك غير الحفاضات.
لا تُجيب جنات على كلام زوجة عامر وتدخل غرفتها.
رواية ميراث ابي الفصل الرابع 4 - بقلم زهرة عمر
تدخل جنات تحاول إطعام بنين.
وفجأة يبدأ المطر في الهطول.
تنظر جنات لخارج الغرفة وتقول: "يا إلهي، المطر يهطل بغزارة وبسرعة."
حملت طفلتها وجلست في زاوية الغرفة على سريرها.
قامت بتغطيتها جيداً وأكملت إطعامها.
أما في منزل سيف، وفي غرفة المعيشة الفاخرة، كان سيف وخديجة يجلسان على الأريكة يتناولان الفطور.
ينهي سيف طعامه ويقول: "لقد شبعت، سأذهب الآن إلى المحكمة يا عزيزتي."
تنظر خديجة لسيف وترد: "حسناً، إلى اللقاء."
يفتح سيف الباب ليخرج ويقول: "ما هذا؟ المطر يهطل بغزارة."
تنظر خديجة للخارج وتقول: "غريب، ألم يكن الجو صافياً قبل قليل؟"
يقول سيف: "وكأنها تحاول منعي من الذهاب."
تضحك خديجة وتقول: "لقد جننت بالتأكيد، سحابة عابرة ستتوقف بعد قليل، هيا ادخل قبل أن تبرد."
استمر المطر في الهطول لساعات طويلة ثم توقف.
استطاع سيف الذهاب إلى المحكمة ويتوجه إلى القاعة.
يلتقي بمحاميه عمر، والذي يكون صديقه المقرب منذ الطفولة.
يناقش معه خطوات القضية والتحضير للمرافعة، ولشرح ظروف أخته وأسباب طلب الحضانة.
ينتظر سيف بجانب محاميه في قاعة الانتظار حتى يعلن عن موعد جلسة قضيته.
يتم تأجيل المحكمة لليوم التالي.
يطلب القاضي بحضور جنات ليتمكن من سماع الطرفين.
تقوم المحكمة بإصدار أمر لشرطة الأسرة بزيارة جنات وتقديم الدعوة لها.
في الوقت نفسه، تطلب من الشرطي أن يقدم تقريراً حول مكان سكن جنات وظروف حياة بنين بجانب والدتها، لتحديد ما إذا كانت جنات قادرة على رعاية ابنتها أم لا.
في المساء، يصل الشرطي إلى منزل جنات.
يقرع الباب ويقول: "أستاذة جنات؟"
تفتح جنات الباب وتقول: "نعم، من أنت؟"
يقدم الشرطي نفسه: "أنا شرطي من شرطة الأسرة، جئت لتسليمكِ هذه الرسالة."
تنظر جنات للرسالة بقلق وتقول: "ما هذه الرسالة؟ لا يمكنني القراءة."
يشرح الشرطي لجنات محتوى الرسالة ويقول: "هذه دعوة من المحكمة، يطلب منكِ الحضور إلى المحكمة لمناقشة قضية حضانة ابنتكِ بنين."
تنظر جنات للشرطي بقلق وتقول: "ابنتي بنين، ما معنى هذا؟"
يقول الشرطي لجنات: "شقيق ابنتك سيف رفع قضية لطلب حضانة ابنتكِ بنين. يزعم أنكِ لا تستطيعين الاعتناء ببنين وأنها تحتاج إلى بيئة أفضل."
تنصدم جنات من كلام الشرطي وتقول بتمتمة: "هذا مستحيل، بنين ابنتي، أنا لا يمكن لأحد أن يأخذها، لن أسمح لهم بأخذها مني، أنا أمها."
تبدأ بالبكاء: "لا يمكنني أن أعيش بدون ابنتي."
يطمئن الشرطي جنات ويقول: "لا تقلقي، ستُحضرين إلى المحكمة لِتُدافعي عن حقك في البقاء بجانب ابنتكِ وتثبتي أنكِ قادرة على رعايتها."
تقول جنات بحزن: "لا أعرف ماذا أفعل."
يحاول الشرطي مساعدة جنات ويقول: "يمكنكِ التواصل مع محامٍ لِتساعدكِ في القضية."
ترد جنات: "محامي، أنا لا أملك المال لِإحضار محامي."
تنهار جنات بالبكاء.
تنظر إلى بنين وتقول: "ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟"
يقف الشرطي ينظر إليها بحزن ويقول: "توقفي عن البكاء، يمكن للمحكمة أن تعيّن لكِ محامي من دفع المال العام."
تهدأ جنات ويبدأ الشرطي بتقييم المنزل.
رواية ميراث ابي الفصل الخامس 5 - بقلم زهرة عمر
دخل الشرطي إلى الغرفة.
كانت شبه مظلمة، تُضاء بفانوس صغير.
تغطي البرودة الغرفة، وماء المطر يبلل تراب الأرضية.
لاحظ الشرطي بنين نائمة على السرير.
نظر إليها فوجد طفلة نحيفة، وجهها شاحب.
لاحظ أنّ السرير مُغطّى ببطانية رقيقة لا تُوفر الحماية الكافية من البرد.
قال: "هذه الظروف لا تُناسب طفلة في سنّ بنين."
أخرج الشرطي دفتره ليدوّن ملاحظاته.
وكتب أنّ الغرفة تفتقر للأثاث الأساسي.
وأنّ الغرفة بأكملها مُعتمة ومُهملة.
لا يوجد مطبخ ولا غرف أخرى.
الأرض لا تزال تراب.
وكتب أنّ جنات تعاني من ظروف معيشية صعبة.
لا تُمكنها من توفير بيئة آمنة وصحية لابنتها.
حاول الشرطي أن يُخاطب جنات بشكل لطيف ومُحترم.
وحاول أن يفهم أسباب ظروفها الصعبة وسبب بقائها هنا ليتمكن من مساعدتها.
أجلس الشرطي على كرسي بجانب السرير الذي تُنام عليه بنين.
نظر إلى جنات بنظرة تعاطف.
وحاول أن يُخاطبها بشكل محترم.
وقال: "هل هذا منزلكِ؟"
نظرت جنات إلى الشرطي بنظرة حزن.
وامسكت بيد بنين وقالت: "لدي منزل في مكان بعيد من هنا."
ردّ الشرطي: "لِما لا تبقين داخله؟"
قالت جنات: "بعد وفاة زوجي أتى خالي بي إلى هنا لأنّني كنت وحيدة وليس هناك من يُساعدني."
ردّ الشرطي: "خالكِ؟ ولكن لا أرى أحدًا هنا."
قالت جنات: "هو لا يُعيش معي. إنه في هذا المنزل الكبير."
أشارت جنات بيدها إلى منزل خالها من النافذة.
وقف الشرطي في ذهول ونظر إلى المنزل.
وقال: "ماذا؟ أن كان يُملك هذا المنزل؟ لِما أنتِ هنا؟"
قالت جنات: "لا أعلم. عندما طلب خالي أن أذهب للحياة معه لقد أخبرني أني سوف أعيش في منزله لكنّ لا أعرف ماذا أحدث."
نظر الشرطي إلى جنات بنظرة تعاطف وصمت قليلاً.
ثم أخرج دفتره وقلمه.
وقال: "انظري، هذه المهمة ليست بسيطة. أنا يجب أن أُقدم التقرير للمحكمة بكل الصدق والوضوح. مصير بنين يعتمد على قرار السلطات المختصة وعلى قدرتك على التغيير وتحسين ظروفك. أريد أن أُساعدكِ، لكنّ كل ما في هذه الغرفة لا يُصلح أن يُعيش إنسان داخلها. وكل ما في هذا التقرير يضمن لسيف حضانة بنين. ولكن لا تخافي، سوف أساعدكِ."
بدأ الشرطي يخبر جنات ماذا يجب أن تفعل وكيف تتصرف.
وبعد ربع ساعة غادر الشرطي منزل جنات.
في منزل سيف، تمسكت خديجة بطفلها محمد وسيف بجانبها.
وتقول: "ماذا حدث في المحكمة؟"
يرد سيف: "لا شيء. تم تأجيل المحكمة إلى يوم غد والحضانة ستكون لي."
ترد خديجة: "كيف أنت متأكد؟"
يقول سيف: "لأنني مستعد لكل شيء. بحلول الغد ستكون بنين هنا."
تضع خديجة طفلها في سريره.
وتقول: "أشفق على جنات. يبدو الأمر صعب عليها."
يرد سيف: "ماذا أفعل؟ لا توجد طريقة أخرى. بقاء بنين بجانب أمها سيُفقِدُنا كل شيء. وعلى كل حال، عليها أن تفرح. ستعيش ابنتها في منزل مُريح مثل البشر بدل عن حظيرة الحيوانات التي تعيش داخلها."
قضت جنات الليلة تجلس على سرير بِجانب بنين.
تمسك بنين بِيد جنات وتُنظر إليها بنظرة براءة.
تقول جنات: "بنين حبيبتي، لا تُخافي. لا يُمكن أحد من أن يُأخذك منّي. أنتِ ابنتي وأنا أُحبّكِ كثيرًا. تعرفين لِمَ أنا سعيدة؟ ذلك الشرطي وعدني إنه سيساعدني. أخبرني إنه"
رواية ميراث ابي الفصل السادس 6 - بقلم زهرة عمر
وعدني الشرطي أنه سيساعدني. أخبرني أنه لم يكتب شيئًا عن هذه الغرفة، سيقول إنني أعيش في منزل خالي. ولكن يجب أن أنتقل للعيش في منزل خالي لكي لا يتورط الشرطي في شيء أو يُكشف.
في الصباح سأتحدث إلى خالي وأخبره كل شيء. لا أعرف لماذا يفعل أخيك سيف هذا. طلبت منه أن يساعدك وليس أن يأخذك. ربما لم يتمكن من فعل شيء ففكر أن يأخذك بجانبه.
تعرفين يا بنين، حتى ولو أحبك العالم بأكمله، لن يستطيع أحد أن يحبك مثل أمك.
نامت جنات.
وفي الصباح استيقظت متأخرةً وركضت بسرعة إلى منزل خالها، لكنها لم تستطع رؤيته لأنه في العمل.
تأخذ جنات طفلتها وتذهب إلى المحكمة بسرعة كأنها.
سيف ينتظر جنات في قاعة المحكمة برفقة محاميه ومحامية جنات والشرطي.
سيف: اعتقد أن جنات هربت مع الطفلة.
ولكن في تلك اللحظة تصل جنات مع ابنتها.
المحامية والشرطي يفرحان لوصول جنات.
المحامية: تسأل جنات عن سبب تأخرها.
الشرطي: ويسأل جنات إن كانت فعلت ما طلبه منها.
جنات: أقول أنها ذهبت إلى منزل خالها، لكنه لم يكن هناك. وتقول أن خالها قد نام في العمل ولم يعد إلى المنزل.
القاضي يطرق المطرقة. تبدأ جلسة المحكمة.
تُجلس جنات على مقعد في واجهة القاعة. يُجلس سيف على مقعد مقابل لها.
القاضي: أرجو من السيدة جنات والسيد سيف أن يقدما أنفسهما للمحكمة.
جنات: أنا جنات، والدة بنين والزوجة الثانية للمرحوم عادل.
سيف: أنا سيف، الأخ الأكبر لبنين والابن الأكبر للمرحوم عادل من زوجته الأولى.
يلقي القاضي نظرة على التقرير ويقول: لقد اطلعنا على تقرير الشرطي يعقوب حول ظروف سكن السيدة جنات وحالة ابنتها بنين.
وبناءً على ما ورد في التقرير، كانت جنات تتابعه بقلق وتحاول التماسك للحفاظ على هدوئها أمام الجميع.
ويكمل القاضي: وحسب تحقيقات التي أجراها الشرطي يعقوب، تُقيم السيدة جنات في منزل خالها السيد عامر في بيئةٍ آمنةٍ ومُستقرةٍ. لا يوجد أي دليلٍ يُشير إلى أن السيدة جنات غير قادرةٍ على توفير رعايةٍ مُناسبةٍ لطفلتها. كما أن السيد سيف لم يُقدم أي دليلٍ يُثبت أن السيدة جنات غير أهليةٍ للحضانة.
أحسّت جنات بأملٍ جديدٍ يُضيء داخلها مع كل كلمةٍ يُنطقها القاضي. كانت سعيدةً وهي تُدرك أن الشرطي قد كتب تقريرًا دقيقًا يُثبت أنها أُمٌ صالحةٌ لطفلتها.
نظر القاضي إلى سيف وقال: بناءً على ما ورد في التقرير، أقرر رفض طلب السيد سيف بمنح حضانة أخته. وأُعلن أن السيدة جنات هي الوصي الشرعي لطفلتها، وأن السيد سيف لا يُحق له زيارة الطفلة إلا بموافقة الوصي الشرعي.
أُعلن الحكم في قاعة المحكمة. وكانت جنات تُحاول التحكم في دموع الفرحة التي كانت تُغمرها. نظرت إلى الشرطي والمحامية وقالت بفرح: لقد فزنا.
وكانوا سعيدين جدًا من أجلها. ولكن لم تكتمل فرحة جنات طويلًا.
طلب محامي سيف الإذن بالتحدث ووجه كلامه للقاضي وقال: كل ما ورد في تقرير الشرطي مُزور، وأنا أملك الدليل على ذلك.
صمتت قاعة المحكمة فجأة كأما أُلقي قنبلةٌ في وسطها. فرحة جنات اختفت كما لو إنها لم تكن أبدًا، وحلت محلها موجةٌ من القلق والخوف.
رواية ميراث ابي الفصل السابع 7 - بقلم زهرة عمر
وحلت محلها موجةٌ من القلق والخوف. أدركت أن الأمور لم تنتهِ بعد، وأن معركة الحصول على حضانة طفلتها ما زالت في بدايتها.
أعطى القاضي الإذن للمحامي بالتحدث وقال:
"أعطيتُ للشرطي الثقةً الكاملةً، لكنه خذلك. استغل ثقتكم لتزوير التقرير. جنات لا تعيش في منزل خالها، بل في غرفةٍ أمام منزله."
نظر القاضي إلى محامي سيف. لم يكن من السهل أن يُصدق أن الشرطي قد زور التقرير، لكنه كان يُدرك أن محامي سيف لم يقل هذا الكلام إلا لأنه كان واثقًا من دليله.
وقال القاضي:
"ما هو الدليل الذي تُقدمه لإثبات أن التقرير مُزور؟"
أخرج محامي سيف شريطًا صغيرًا من جيبه ووضعه على طاولة القاضي.
"هذا التسجيل الصوتي يُثبت أن السيدة جنات تعيش في غرفةٍ أمام منزل خالها، وليس كما ورد في التقرير."
أُطلق التسجيل الصوتي في قاعة المحكمة. كان صوت خال جنات واضحًا وهو يُخبر سيف أن جنات تعيش في الغرفة التي أمام منزله. كان التسجيل قويًا كافيًا لإثارة الشك في نفس القاضي وجعل الجميع يخاف.
سأل القاضي جنات والشرطي بصوتٍ باردٍ:
"هل هناك أي تفسيرٍ لذلك؟"
كانت جنات تُحاول التماسك و التحدث بكل وضوحٍ، لكن صوتها كان يُرتعش من الخوف.
طلبت محامية جنات الإذن للتحدث وقالت:
"عاشت جنات في هذه الغرفة لفترةٍ قصيرةٍ فقط بعد أن غادرت منزل زوجها بعد وفاته. وهي الآن تعيش في منزل خالها كما ورد في التقرير. أنا أؤكد أن جنات أم جيدة، وبنين تعيش في بيئةٍ آمنةٍ ومُستقرةٍ."
لم يُقتنع القاضي بكلام المحامية، وكان يُدرك أن الأمور قد أصبحت معقدةً أكثر، وأن هناك حقيقةٌ مُخبأةٌ وراء هذه الأكاذيب.
وقال محامي سيف:
"ولدينا دليل آخر على كلامنا، وهو الطفلة بنين. لدينا ما يثبت أن بنين تعاني من مضاعفات ما بعد المرض، مما يعني أنها كانت مريضةً بسبب البرد. انظروا إليها، هل هذا حجم طفلة في عمر الأشهر؟"
سأل القاضي:
"ما هو هذا الدليل الذي تتحدث عنه؟"
فأخرج محامي سيف تقريرًا طبيًا يُظهر نتائج فحص صحي لبنين يُظهر أنها تعاني من مضاعفات ما بعد المرض، وأنها كانت مريضة.
جنات، التي كانت تنظر، شعرت بصدمة عند رؤية الوثائق التي كان قد وجدها سيف في منزلها يوم الزيارة وقام بسرقتها.
تقول جنات بحزن:
"لقد وثقت بك، ادخلتك منزلي وأخبرتك كل شيء. كيف تفعل هذا بي؟"
يرد سيف:
"أفعل أي شيء من أجل أختي. نعم، أنتيِ أمها وتحبينها أكثر مني، ولكن الحب فقط لا يفيد شيئًا. أنا يمكنني توفير كل ما تحتاجه."
يطرق القاضي المطرقة ويقول:
"السيدة جنات، لقد استمعنا إلى شهاداتك وشهادات السيد سيف، واطلعنا على جميع التقارير الطبية. للأسف نجد أنك غير قادرة على رعاية بنين في الوقت الحالي. هذا قرار صعب، لكنه ضروري لمصلحة بنين. ظروفك الحاليه لا تُمكنك من توفير كل ما تحتاجه بُنين من رعاية و اهتمام. و بِناءً على ذلك، فإنّ المحكمة تُقرر أن تُسلم بُنين لشقيقها السيد سيف. وأُعلن أن السيد سيف هو الوصي الشرعي على طفلة بنين. وأن السيدة جنات يُحق لها زيارة الطفلة بنين في منزل السيد سيف أو في المكان المتفق عليه."
تُنظر جنات إلى القاضي بِنظرة حزينة.
رواية ميراث ابي الفصل الثامن 8 - بقلم زهرة عمر
تُنظر جنات إلى القاضي بِنظرة حزينة وتقول بِصوتٍ مبحوح:
سأُحاول أن أُغير من ظروفي لِأُصبح قادرة على رعاية بُنين.
سأعود إلى منزلي في القرية.
امنحني فرصة أرجوكم لا تُأخذوا ابنتي.
يقول القاضي:
نُشجّع السيدة جنات على ذلك و نُؤكد لها أنّ المحكمة ستُراقب حالة بُنين بِشكل دوري لِضمان سلامتها و صحتها.
سيتم منحها اليوم الكامل للِبقاء بجانبها و توديعها.
يقول سيف بِابتسامةٍ مُزيفة:
أنا مُمتن لِثقتكم بي.
سأبذل قصارى جهدي لِأكون الأب و الأم لبنين.
سأحميها و أُربيها بِكل حب و رعاية و لن تحتاج لِأحد.
انهارت جنات على كرسيها وبدأت تبكي بحرقة و صوتها مبحوح من البكاء وتقول:
لا! لا! لا تأخذوها مني.
هي ابنتي.
ماذا أفعل بدونها؟
حاولت جنات التمسّك بأي أمل لكنّها شعرت وكأنّ العالم قد انهار عليها.
نظرت إلى سيف الذي كان يبتسم بخبث وكأنّه انتصر على معركةٍ طويلة.
شعرت وكأنّه وحشٌ مُفترس ينتظرها في الظلام ليُنهي حياتها.
استمرت في البكاء وكانت تقول:
كيف ستُحي بدون حُبّها و ضحكاتها؟
ثمّ صرخت:
أفضل أن تعُمي عيُناي على أن تمرّ دقيقه لا أرى وجه ابنتي.
كانت جنات تشعر بِألمٍ حقيقيٍ يُمزّق قلبها.
ألمٌ لم تُعرفه من قبل.
ينظر الشرطي و المحاميه لجنات بحزن عاجزين عن فعل شي.
يتم يطرق القاضي المطرقة ويكمل:
أما بخصوص الشرطي يعقوب هناك شكوك حول تزوير تقريرك عن السيدة جنات.
سيتم فتح تحقيق رسمي في هذا الأمر لمعرفة حقيقة ما حدث.
لأن التزوير في التقارير يمثل انتهاكًا للقانون وجريمة خطيرة يعاقب عليها.
سيتم اتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد الشرطي يعقوب ومنحه العقوبة المستحقة إذا تبين تورطه في هذا الأمر.
جنات تُنظر إلى يعقوب بِنظرةٍ حزينة.
لِأنّ الشرطي يعقوب كان يحاول مساعدتها بِصدق و كان يُشعر بِألمها و حزنها ولم يفكر بنفسه.
كانت تُشعر بِأنّه ضحية لِظروفٍا الصعبة و أنّه الوحيد الذي لا يُريد أن يُؤذيها.
ثمّ نظرت إلى القاضي وقالت:
سيدي القاضي أُريد أن أشهد على صدق يعقوب وأنّه بريء من تهم التزوير.
هو لم يفعل شيئًا.
أنا من خدعه وأخبرته بأشياء زائفة لأنني كنت في منزل خالي ذلك الوقت.
يقول القاضي:
سنُترك هذا الأمر لِتحقيق الرسمي و سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية المُناسبة.
رفعت الجلسة.
يغادر القاضي المحكمة وتبقى جنات تجلس في مكانها.
يمر سيف من جانبها ويقول:
أرى أنك تهتمين لأمر الشرطي أكثر من ابنتك.
ثم يخرج برفقة المحامي.
تقترب المحامية من جنات وتقول بصوت هادئ:
جنات أنا أعرف أنّ هذا صعب جدًا عليكِ لكنّ لا تفقدي الأمل.
تمسك بيد جنات.
سنحاول أن نساعدكِ.
سنحاول أن نعيد بنين إليكِ.
تنظر جنات إلى المحامية بعيون دمعية:
ماذا أفعل؟
ماذا أفعل بدون ابنتي؟
تبتسم المحامية بطمأنينة:
سأفعل كل ما في وسعي لمساعدتكِ.
يقترب الشرطي.
وتقول جنات بصوت متعب ليعقوب:
أنا آسفة لم أُرد أن تُؤذي نفسك لأجلي.
كنت أحاول أن أحمي ابنتي لكنّ أفعالي أدت إلى أذيتك.
أرجوك أن تُسامحني على ما حدث.
يرد يعقوب:
لا بأس.
لا تفكرين بذلك.
رواية ميراث ابي الفصل التاسع 9 - بقلم زهرة عمر
يرد يعقوب:
لا بأس، لا تفكري بذلك. يجب أن تفكري بابنتكِ وبِمستقبلها، ولا تفكري بأحدٍ آخر.
تقول المحامية:
لا تقلقي، سنحاول أن نساعد يعقوب وأن نُثبت براءته. وأنتِ ستساعدينه أيضًا لأنّكِ الوحيدة الاذي يمكنها فعل ذلك. هيا لتذهبي إلى جانب ابنتكِ و تُقضي معها اليوم.
عادت جنات إلى غرفتها حاملة بين ذراعيها ابنتها بنين، وضعتها برفق على سريرها. أشعلت الفانوس الصغير على طاولة بجانب السرير وبدأت في إطعامها. كانت بنين متعبة من يوم طويل في المحكمة ونامت سريعًا.
جلست جنات على كرسي بجانب السرير وتأملت في وجه بنين النائمة. كانت تريد أن تتذكر كل لحظة من هذا اليوم لأنها الذكريات ستبقى معها إلى الأبد. أحسّت جنات بنعاسٍ وتعبٍ بعد يوم طويلٍ وشاقٍّ، لكنّها تردّدت في النوم. كان هذا اليوم الأخير لها مع بنين، فكيف تُغفل عن لحظاتٍ ثمينةٍ كهذه؟
نظرت إلى ابنتها النائمة بجانبها. وجهها الصغير مُشرقٌ كالقمر، وكانت خائفة من أن تنام فينتهي اليوم. شعرت جنات بضيقٍ في صدرها وهيا تفكر كيف ستتركها، كيف ستُفارق ابنتها الوحيدة.
قالت:
أتمنى لو يكن هذا كابوسًا وينتهي بسرعة.
بقيت جنات جالسة بجانب ابنتها إلى أن غلبها النعاس ونامت.
في الصباح، استيقظت جنات على صوت طرقٍ خافتٍ على باب غرفتها. فتحت عينيها ببطءٍ وأدركت أنّ الشمس قد أشرقت.
قالت بخوف:
يا إلهي، قد حلّ الصباح.
ثمّ بدا صوت طرقٍ أقوى هذه المرّة، فأسرعت للنهوض من سريرها. فتحت الباب فوجدت سيف يقف أمامها برفقة شرطيين. أحسّت جنات بضيقٍ شديد فلم تكن متوقعة أن يكون الأمر بهذه السرعة.
يقول الشرطي:
آتينا لتسليم الطفلة بنين إلى الوصي الشرعي سيف وفقًا للأوامر القانونية.
تقول جنات بحزن:
سيف، أرجوك لا تفعل. إنها ابنتي، لا تأخذها بعيدًا عن أمها.
يقول سيف بابتسامةٍ مُزيفة:
لا تقلقي، سأُعتني بِبُنين بِكلّ حب. إنها أختي الصغيرة وانا أحبها.
تقف جنات أمامهم محاولة منعهم من الدخول.
يقول الشرطي:
أرجوكي ِ لا تُصعّبي الأمور. نحن لا نريد أن نؤذيكِ، ولكنّ هذه الأوامر لا يمكن المخالفة.
الأوامر. يدخل الشرطيان وسيف إلى الغرفة. يحمل سيف بنين، كانت بنين تبكي.
يقول سيف:
لا تبكي، من اليوم ستكونين بجانب أخيك وستكونين بخير وأفضل حال.
جنات تقول بصوتٍ مرتجف:
سيف، لا تفعل هذا. بنين طفلة، لا تفصلها عني.
يرد سيف بصوتٍ عالي:
القرار صدر، لا مجال للنقاش. أنتِ لم تكوني أماً مناسبة لها.
ترد جنات بصوتٍ يختنق بالبكاء:
أنا أمها. لا لا يمكنني أن أعطيها كل شيء، لكنيأحبها أكثر من أي شيء في هاذه الدنيا. أنت فقدت أمك وأنت شاب كبير، ولكنك تعرف كم تألمت وحزنت لغيابها.
يتقدم سيف نحوها ويقول:
لا أهتم بمشاعركِ، أنتِ فشلتِ في رعايتها. بنين لازالت طفلة، لا تفهم، وأنا سأكون الأخ الذي تحتاجه. ماذا ستفعل بحبك؟ إنها تحتاج أن تعيش مثل باقي الأطفال.
وعندما كان سيذهب، تُمسك جنات بيد سيف:
لا لا تفعل هذا، أرجوك لا تسرقها مني.
سيف يُبعد يدها بعنف:
أنتِي لا تملكين الحق في التحدث حتى.
وخرج من الغرفة.
رواية ميراث ابي الفصل العاشر 10 - بقلم زهرة عمر
يقول الشرطي: أرجوكي لا تُقاومي، لا نريد أن نؤذي ابنتكِ، إنها فقط تذهب لمكان أفضل.
كانت جنات تُحاول التشبّث ببنين، لكنّها تُجبر على التخلي عنها.
يُحمل سيف بنين برفقٍ ويسير خارج الغرفة.
تنظر جنات إلى بنين بألمٍ شديدٍ، فقد كانت تلك المرة الأخيرة التي ترا فيها جنات بنين.
بعد أن غادر سيف والشرطيان، بقيت جنات تجلس بجانب الباب، وهي تقول: وداعًا يا ابنتي الصغيرة.
ثم وصل خالها عامر وزوجته، وهو يقول: ما هذه الأصوات؟ ماذا يحدث هنا؟ جنات، لمَ لا تجلسين هنا؟
قالت جنات بغضبٍ شديد: لا شيء يهمك، فقط أخذت المحكمة ابنتي بنين، يمكنك العودة إلى النوم أنت وزوجتك.
وأغلقت الباب.
قال عامر: وما ذنبي أنا؟ هل أنا من أخذها؟
وقالت زوجته: لمَ قد تأخذ المحكمة طفلة عن أمها إن لم تفعل أمها شيئًا؟
أغلقت جنات باب الغرفة، وأمسكت ملابس ابنتها الصغيرة بين يديها، وبدأت تعانقها بشدة وتشم ريحها، وتقول وهي تبكي: لن أسامحكم جميعًا.
نامت على السرير وهي تكرر: أتمنى أن كل نقودكم التي أخذتم بها ابنتي أن تذهب في علاجكم. أتمنى أن لا يعمر لكم بيت وأن تتشتت عائلتكم ويصبح أبناؤكم أعداء لبعضكم البعض. كل من كان سببًا في أخذ طفلتي، سيف سيف، أتمنى أن رزقت بفتات أن تبتعد عنك وتحرم من رؤيتها. خالي عامر وزوجته، أنتم السبب في كل ما حدث، لن أسامحكم أبدًا.
وبقيت تكرر هذه الكلمات حتى غفت.
في المساء، وفي منزل سيف، كانت بنين تبكي بشدة ولم تتوقف. كانت خديجة منزعجة ولم تستطع النوم بسبب صوت بكائها، وبدأت تصرخ: سيف، هيّا استيقظ وأسكت هذه الفتاة.
استيقظ سيف وقال: ألم تسكت بعد؟ هل هي مريضة؟
ردت خديجة: لا، ولكن أعتقد أنها تريد أمها.
قال سيف: هل أنتِ غبية؟ إنها في عمر خمسة أشهر فقط، هل تعرف حتى من هي أمها؟
ترد خديجة: نعم، أعتقد أنهم يشعرون بذلك. ألم تقل زوجة أخيك عندما نترك محمد في منزلهم إنه لا يسكت عن البكاء أبدًا حتى نعود؟
رد سيف: لا، إنها فقط لا تريده. وماذا تريدين أن أفعل؟ هل أعيدها إلى والدتها؟
ترد خديجة: بالتأكيد لا! وهل تريد أن نخسر النقود؟
ثم بدأ محمد في البكاء، وتقول خديجة بغضب: انظر! لقد استيقظ محمد أيضًا! هذه الليلة لن تنتهي على خير، افعل شيئًا.
بعد يومين، تم فتح تحقيق رسمي في قضية تزوير تقرير جنات، وتم استجواب الشرطي يعقوب بشكلٍ دقيق. وأظهرت التحقيقات تورط يعقوب في تزوير التقرير.
انتظر الشرطي يعقوب والمحامية حضور جنات لتخبر المحكمة أنها هي من قامت بخداعه، وأخبرته أنها تعيش في منزل خالها، وعلى هذا النحو كتب التقرير. ولكن جنات لم تحضر أبدًا، وحكمت المحكمة على يعقوب بالسجن لعدة سنوات، وفقد وظيفته وسمعته كشرطي.
استغربت المحامية من تصرف جنات وعدم حضورها لتقديم شهاداتها بجانب الشرطي الذي ورط نفسه في محاولة منه أن يساعدها.
ذهبت المحامية لمنزل جنات وطرقت الباب، ولكنها لم تجيب. فذهبت إلى منزل خالها ووجدت زوجته إشراق، وسألتها عن جنات. قالت إشراق: إنها حزينة بسبب خسارة ابنتها، لن نراها ولم تخرج من غرفتها منذ يومين.