تحميل رواية «ميكاتوا» PDF
بقلم نور اسماعيل.
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما تأخرت في ترتيب الكلام يقول: لا تكمل.. أفهم ما تريد قوله. مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما أخطأت يقول: لا تعتذر.. أتفهم ما حدث. مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي تشعر أنه يعرفك أكثر من نفسك! لقائلها "زكي فضل مطر" أنتظرك العمر بأكمله حتى وأنت لا تفكر في المجيء حتى! "هيام" لم يكن وداعًا لائقًا بما عشناه، ولم يكن حضورًا لائقًا بما في قلوبنا.. ولكنه القدر. "زاد مطر" أنا من أقف على محطاتي، أنا من أنوي الرحيل وأنا من أنوي المكوث، أنا صاحبة القرار ال...
رواية ميكاتوا الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور اسماعيل.
الفصل الواحد والعشرون
وكأن عيناي لم تُبصر يومًا، ولا اقتنص أنفي شيئًا من الهواء، وما دارت بهذا العقل فكرة، وما زارت الأذن حتى الطنات، فكل ما بي وما حولي قد تغير، وكل كُلي يكتمل يوم لقياك.
ترجلت مايا نحو المطبخ حاملة بيدها فنجان القهوة -الماكياتو- كما تحب وباليد الأخرى ممسكة هاتفها تتصفحه حتى أتتها مكالمة رائد الهاتفية. وضعت الفنجان جانبًا، وأجابت الاتصال.
الووو، صباح الخير يا رائد.
تنهد رائد بضيق وأردف لها:
صباح النور يا مايا.
تعجبت مايا من نبرة صوته الواضح عليها الضيق فسألته:
مالك يا رائد؟ فيه حاجة مضايقاك ولا إيه؟
جلس رائد إلى أقرب مقعد وهو ينظر إلى حاسوبه النقال وبدأ بقراءة رسالة مُرسلة إليه عبر البريد الإلكتروني لديه.
مفيش، مبعوت لنا رسالة إننا اجتزنا أول مرحلة في المسابقة وانتقلنا للمرحلة الثانية.
عقدت مايا حاجباها مُستفهمة واحتست رشفة من فنجانها مع قولها:
إزاي! هو مش أنت اعترضت على الشرط وقالولنا كدا انسحاب؟
ده المفروض، معرفش إزاي نجحنا واتأهلنا للمرحلة الثانية.
ضحكت مايا بخفة وأردفت له:
ده أنت كُنت هتضرب دكتور حسن.. إزاي نجحونا؟
استشاط رائد غضبًا حينما سمع اسم حسن ثانية فقال:
ما تجيبيش سيرة دكتور مناخوليا ده على الصبح مش عاوز يومي يقفل.
مثلًا!
قالتها مايا ضاحكة، فأردف رائد لها مُنفعل:
مايا ما تستفزينيش.
وضعت مايا رائد على مكبر الصوت وهي تتصفح الهاتف وبالتحديد الصفحة الخاصة بالمسابقة وظهور غلاف الصفحة عليه الأربع حُكام.. فتبتسم ابتسامة جانبية مع قولها له:
أنا مش بستفزك والله، بس المفروض تبقى كوول كدا عشان شكل إن السؤال اللي سألوه لينا ده كان لعبة بيعرفوا بيها اللي بيحب بجد من اللي بيمثل.
حكّ رائد بذقنه ونهض يصنع له كوب من الشاي فتابعت مايا حديثها له:
وبعدين أنتَ لايف كوتش، يعني تهدى كدا وتتحكم في عصبيتك.. ودكتور حسن ده عسلية والله.
ماياااا، قسمًا بالله الراجل ده لو في المقابلة الثانية استفزني هكسر أي حاجة على دماغه.
خلاص ما تقفش على الصبح مش ناقصة قفش، المهم ميعاد المقابلة الثانية إمتى؟! أنا متحمسة جداااا بشكل ما تتخيلوش.
`~`~`
إزاي اتقبلنا؟ المسابقة دي بتلعب بينا ولا إيه؟
قالتها روز أثناء تناولها طعام الغداء برفقة مصعب في أحد المطاعم، وما إن ابتلع مصعب طعامه الذي بفمه حتى قام بشرح الأمر لها:
ما نعرفش والله زيي زيك كده، لا جيت الصبح الرسالة جولت اللهم اجعله خير يا رب. أولًا إحنا رفضنا الشرط المغلق، ثانيًا عدى يدوب أسبوعين على أول مقابلة. لحقوا يفرزوا الزين من الشين ويعرفوا مين مقبول ومين لا.
احتست روز القليل من الماء ووضعت الكوب مكانه ثانية وأردفت:
بس كدا لو فعلًا اتقبلنا وتخطينا المرحلة الثانية.. مطلوب منك حاجة مهمة جدًا قبل ما نظهر على التلفزيون لكل الناس.
ترك مصعب ما بيده وانتبه لها فتابعت روز حديثها:
ترجع الفلوس اللي معاك لأصحابهم، عشان لو بس ظهرت على التلفزيون هيبلغوا عنك وهتبقى مصيبة.
يعني كيف نرجع يخربيت مطنك ما شافوهمش وهما بيسرقوا شافوهم على التلفزيون، أنا كدا هتحبس يا عنز فقرى.
قد عَلَت نبرة صوته قليلًا فالتفت لهم بعض من الجالسين بالمطعم، فقبضت روز بشدة على كف يده تحثه على خفض صوته قليلًا مع قولها باحتراس:
الله يخربيتك هتفضحنا، أيوه طبعًا لازم نفكرلك في طريقة ترجع بيها من غير ما تتحبس.
انتهت روز من طعامها وأخذت تفكر، بينما سكت مصعب عن تناول المزيد فقد بدأت أعصابه تتوتر خوفًا من القادم. روز تريده أن يُعيد المبالغ التي احتال بها على ضحاياه دون وجه حق، ومصعب يخاف أن يُزج بالسجن!
جاءت لي فكرة، أول حاجة نعمل إعلان نعرض شقتك للبيع بسعر عالي.. هي تستاهل وبفلوسها ترجع للناس اللي نصبت عليهم.
قام مصعب بلطم وجهه بطريقة مضحكة وأردف لها:
يعني أشج لك خلجاتي عشان ترتاحي يا واكلة ناسك؟
لوحت روز له بعصبية وقالت:
ليه ما تصبر للآخر لسه ما خلصتش كلامي؟
أصبر كيف؟ أروح أسلم نفسي برجلي.. هي المشكلة في الفلوس يا فقرية، المشكلة في الناس والمحاضر المعمولة في.
وضعت روز سبابتها على فمها الصغير تفكر مليًا وتتقلب بمقلتيها في الفضاء فأردف مصعب لها:
هتفكري في إيه يا مراري الطافح؟
اعتدلت روز في جلستها ودنت منه برأسها للأمام حتى لا يسمعها أحد:
في فكرة نعرف نرجع للناس حقوقها وفي نفس الوقت يتنازلوا عن الشكاوى والمحاضر بحيث ما تتأذيش وتتحبس.
ابتسم مصعب ابتسامة جانبية فلقد قفز قلبه فرحًا إثر اهتمامها به وانشغالها بأمره كي تخرجه من مأزقه، فأردف لها:
أمانة خايفة عليّ يا روزة؟!
لم تنتبه روز لوجهه المتهلل أساريره فأجابت على الفور:
أيوه طبعًا وهي دي فيها كلام!
انتبهت روز مؤخرًا فعدّلت من حديثها معه:
أنت شريكي وصاحب جدع وكمان هندخل المسابقة سوا، لو قبضوا عليك هدخل مع مين أنا؟
لا بس عليّ الطلاق خايفة عليّ يا عم بخ.
ابتسمت روز وأبعدت يده عن وجهها وأردفت:
ما قولت أيوه يا زفت عشان أنت شريكي وكلنا عيش وملح سوا والصاحب له إيه عند صاحبه!
وجّه مصعب السكين إلى وجهها ثانية يداعبها وهو يلوّح بها:
عشان أصحاب وبس يعني؟
ضحكت روز وخبأت وجهها عنه. يقولون أن مرحلة ما قبل الاعتراف بالحب أفضل مرحلة تمر على العاشقين! لها ذكرياتها وكلماتها ومواقفها، لها تأثيرها وسحرها الخاص.. لها طُرقها والممرات المحفورة. تبقى هي أجمل مراحل الحب، وتبقى الذكرى عالقة بها.. ويبقى الأثر فيها دائم.
`~`~`~
بكف يدها الرقيق، كانت تمرر جميلة على الفراش تنزع غطاءه وغطاء الوسادات حتى عثرت على قميص مُستعمل لحسن زوجها وبه عطره، فوضعته جانبًا كالعادة وما إن انتهت من جمع الأغطية والمفروشات استعدادًا للغسيل. خرجت ووضعتهم بالغسالة الكهربية وقامت بتشغيل البرامج الخاصة، وعادت إلى الغرفة ثانية تبحث عن قميص حسن وتشم به رائحته حتى فاجأها هو بقدومه خلفها.. شمت رائحته ورفعت رأسها وهي مُديرة ظهرها له ففاجأها هو بقوله:
وحشتيني على فكرة!
التفتت إليه تذهب نحوه إثر رائحته ولامست صدره بكفّي يديها وتحدثت إليه برقة صوتها المُعتاد:
ما قلتش إنك جاي النهارده يا حسن.
قبّلها حسن قُبلة مطولة على جبهتها وأردف لها لاصقًا وجهه بوجهها:
أنا ما بقلش، أنا قلبي بيختار وعقلي المجنون يأمر وأنفذ، وكنت عاوز أشوفك وأفضل معاكِ الليلة.
قام باحتضانها بقوة حتى اعتصر عظامها بين يديه، وأثناء عناقه لها لمح قميصه الموضوع جانبًا فابتسم لها:
مش هتبطلي العادة دي.
ابتسمت جميلة، قد تفهمت ما يرمي إليه وذهبت نحو قميصه وأمسكته وهي تردف:
بيصبرني لحد ما ترجع حضني ثاني.
التفت حسن حوله وأردف:
مش سامع صوت سلمى! وحشتني حبيبة بابا.
ظلت جميلة على بسمتها وشبكت ذراعها بذراعه وترجلت لخارج الغرفة وهي تردف:
نامت، لسه كانت بتنيمها إيمان من شوية.
وصلا إلى الأريكة فجلسا سويًا فهمّت جميلة بسؤاله:
احكي لي عن المسابقة بتاعتك، إيمان متابعة نت وبتحكي لي ومبهورة أوي بصراحة عاوزة أسمع منك زي ما اتعودت.
ضم حسن كفيها بين كفيه وهو يتحدث لها بعدما جلس بأريحية:
أنا أقولك يا ستي، المسابقة دي بتخليني أشوفك في كل اتنين جايين متقدمين.
ارتعش ثغرها فرحًا، راقب هو ردود فعل وجهها فأكمل:
يعني لما بييجي اتنين ما كانوش ممكن يكونوا سوا بس بقوا، ولما كل حد منهم يتكلم عن الثاني وإنه قد إيه بيحبه وقد إيه المسابقة دي اشترك فيها عشان يفرحه وعشان يثبت له حبه، ولما يرفضوا شرطي ويشتموني. بشوفك، بشوف حبك ولهفتك اللي ما كنتش عارفها لحد ما أنا بإيدي فتحت صندوق قلبك ودخلت وقفلت ورايا.
تدللت جميلة وهي تلامس وجهه برفق وتحدثت بدلال إليه، هي تعشق اللحظة التي يأتيها فيها... تعشق رائحته، أنفاسه، كلماته. تعرف أن اثنتان يشاركانها فيه، وليس هن وحدهن! مُتابعيه ومرضاه وجمهوره العريض المُلتف حوله، ولكنها على يقين أن لها مكانة ثابتة بداخله.
لو كان ينفع نشارك في المسابقة دي يا حسن، كنت هتشترك مع مين فينا؟
كان حسن يداعب أناملها ومن ثم لامس خصلة شعرها الجانبية المنسدلة بأصابعه وأردف:
تقى.. الشقاوة والحيوية والحركة والدلع. وضحى.. الجدعنة والدماغ وكأنها واحد صاحبي.
ضحكت جميلة فاسترسل حسن حديثه:
إنما أنتِ الحنية والحب والروح، هو ينفع أشترك بيكم أنتم الثلاثة؟!
قهقهت جميلة عاليًا وهمّت بجذب رأسه إلى صدرها فهو المكان الذي يرتاح فيه وبه وعليه.
`~`~`
خُلِقنا ليتمم أحدنا الآخر، لعلك تدرك ذلك وتدع تلك السِمة السامة بك جانبًا، دع قلبك ينبض ويستشعر الحب فأنا لستُ عارًا تُريد تخبئتي عن العالم أو ذنب اقترفته، أنا نصفك الآخر!
باسل ووئام يسيران محاذيان بعضهما البعض على كورنيش النيل ممسكين بكوبًا من مشروب الحمص الساخن الحار الشهير، ويتحدثان معًا بشأن المسابقة أيضًا والرسالة التي وصلت إليهم أيضًا وأنه تم قبولهما برغم رفض الشرط المزعوم من ذاك المختل.
أنا قلقان مش عارف ليه.
احتست وئام قليلًا من المشروب وأكلت بعض الحمص وأردفت له:
ليه؟ مش أنت صاحب الفكرة؟
تهادت خطوات باسل إلى السور الأسمنتي فأمسك الأكواب ووضعهم جانبًا وحمل وئام تجلس على السور وجلس بجانبها وأردف لها:
أيوه كنت مبسوط ومتحمس، بس يعني فكرة إننا هنكون وسط ناس ما نعرفهمش مُراقبين طول الوقت من اللجنة ومن الناس اللي بتتفرج علينا.
انتظرته وئام حتى انتهى وأردفت:
بالعكس، مع إن أنا خجولة ولا ليا في الشمال أو اليمين..
بس متحمسة وعاوزة أكملها.
حدق باسل بها ففهمت وئام ما يدور برأسه، من المؤكد أن شكه جعله يفهم أمرًا آخر غير الذي تشير هي إليه.
فأردفت:
"عاوزة نتعرف على ناس أكتر، عاوزة برضو أبين للناس أن ربنا عوضني بيك بعد كل اللي شوفته. عاوزة أشوف البنات المشتركة بتتصرف إزاي مع نصها التاني عشان أتعلم منهم."
انفرجت عقدة لسانه وقام بمجاراتها في الحديث:
"أيوه وأنا كمان حابب أتعلم، حابب أتخلص من عقدتي لما نبقى مع ناس كتير، واثق شوية في نفسي وفي إخلاصك ليا."
"وتجربة حلوة هتعلمنا كتير، مش كدا؟"
احتست وئام آخر جزء بالمشروب وأشارت إلى باسل مازحة:
"الحمص خلص، هات تاني."
ضحك باسل وأردف لها:
"حالًا."
ذهب هو نحو بائع حمص الشام ونظرت هي نحوه تحدث نفسها، أن كل ما به طيب لولا هذه الخصلة الخبيثة.
قريبًا سيكون معها الحل، قريبًا ستقوم بإبادتها نهائيًا.
***
بعد يوم عمل مرهق لنبيل، عاد إلى منزله وخلع ملابسه ودلف يتحمم بماء ساخن ينسيه إرهاق ما رأى من يومه. انتهى نبيل وخرج من المرحاض تناول هاتفه ليجد عشرات الاتصالات من ديانا خطيبته، فزع لأمرها واتصل بها ففاجأه صوتها باكية بشكل درامي زائد عن المعتاد كعهدها.
"كعبول فيه إيه يا كعابيل حياتي؟"
ببكاء حار كالأطفال كانت تتقاطر كلماتها على مسامعه.
"بلبول، بلبلي إيئ إهئ إهئ اااااه."
"إيئ إيه! بتزيئي ليه زي عجل العيال البايظ مالك فيه إيه؟"
مسحت ديانا وجنتيها من بين صوت شهقاتها العالية المتكررة وأردفت له:
"أصل أنا كنت عاوزة أعمل بطاطس تصبيرة لحد ما صينية الجلاش اللي في الفرن تجهز، فقشرت كيلو ونص بطاطس."
"كيلو ونص هو أنت عازمة الجيران!"
"لاء أنا هاكل لوحدي فمش عاملة كتير، المهم يا بلبولي."
"بطلي بلبولي دي لآخدك على خلقتك."
"المهم يا بلبلي قشرتهم وحطيتهم في مية وملح زي ما شوفت في الفيديو وسخنت الزيت."
جلس نبيل إلى فراشه وأردف لها:
"حلو."
شهقت ديانا بصوت عال ومن ثم تناولت منديلًا وصنعت صوتًا بأنفها فتقزز نبيل منها واقشعر بوجهه على الناحية الأخرى وأكملت هي:
"لا مش حلو عشان أنا نزلت بالبطاطس بالمية والملح في الزيت وفجأة الدنيا ولعت خالص، روحت جبت ميه ورشيت على الطاسة راح المطبخ كله ولع وطلبنا المطافي إيئ أعااااا."
قذف نبيل بالهاتف على الفراش وهي على الجهة الأخرى تناديه بينما هو كان يتمتم إلى نفسه:
"أقسم بالله أنا مش طايق نفسي، أنا عاوز أرمي حياتي على حد وأجري."
"مالها دي بالأكل والمطبخ، بتجود ليه مش كفاية مش عارف هكفيها منين أكل كمان هتولع لي في الشقة."
"يا بلبولي روحت فين أزرني في محنتي."
مسك نبيل الهاتف مرة أخرى وتحدث لها:
"أنت بتجودي ليه وبتدخلي في اللي مالكيش فيه، عاوزة تطفحي قولي لمامتك ينفع الكوارث دي."
"أنا بحاول أساعدك عشان لما نتجوز أبهرك بمؤكلاتي."
قالت الأخيرة وقامت بمسح أنفها مرة أخرى وصنعت نفس الصوت فقال نبيل:
"بصراحة منبهر بعد ما سمعت النفة دي، اكتمي بقى وماتدخليش المطبخ تاني."
"المهم.. أنا كنت هكلمك عشان أقولك أننا اتقبلنا في المسابقة."
تهللت أسارير ديانا وقفزت كثيرًا بمكانها كالأطفال وأردفت له فرحة:
"بجد! بجد يا بلبل هيييه هيييه بقى هيييه جدًا."
"أنا بالمناسبة دي هطلب وجبة البيج كومبو ومعاها صينية كنافة نابلسية للحلو عشان أنسى الحادثة الأليمة دي وأحزاني تلتئم."
أغلق نبيل الهاتف في وجهها دون أن ينهي معها هو المكالمة وتحدث إلى نفسه:
"ودي لما ندخل المسابقة هيكفوها منين أكل، مش بعيد تاكل المتسابقين."
"عديها على خير يا رب، يا يسوع كن معنا."
***
على الدرج.
كانت عزة تصعد لتصل إلى شقتها، فسمعت صوت قصي قريب من الباب حتى وصلت لتجد ابنة جارتها _نهى_ تقف مع قصي ويضحكان وما إن شاهدوها رحبوا بها وقامت نهى بالتحدث إلى عزة:
"أبلة عزة اتأخرت ليه كدا؟"
تعجبت عزة من وقفتهما هكذا، على عكس كل مرة كانت تراهما معًا ولكن حديث حسن إليهم قبل أسبوع قذف الشك والخوف بقلبها مجددًا من ناحية قصي، وأرادت هذه المرة أن تخبئ إحساسها وأن لا يظهر على معاملاتها.
دلفت عزة بعدما ألقت عليهما السلام، تعجبت نهى من معاملتها الفاترة فهي لم تعتد على هذا منها فقامت بالاستئذان وذهبت إلى منزلها، وما إن رحلت أغلق قصي الباب وجلس بجانب عزة:
"إيه يا زوزو مالك؟"
"مفيش."
قالتها ونهضت إلى المطبخ فتبعها قصي:
"لاء وشك متغير."
شرعت عزة في البدء في إعداد الطعام فقالت:
"لاء عادي، بس مستغربة وقفتك أنت ونهى على الباب كدا."
استند قصي إلى أقرب مكان بالقرب منها وأردف:
"عادي، كانت بتسأل عليكِ قولتلها إنك مش موجودة فطبعًا مادخلتش."
"وكنتوا بتتكلموا في إيه على الباب؟"
قالتها عزة بعبوس وجه لاحظه قصي، فأردف قصي بهدوء أعصاب كالعادة:
"بتسألني عملنا إيه في المسابقة عشان كان عندها امتحانات ومتابعتش نت فقولتلها وكمان بقولها انسحبنا ففاجأتني أننا مقبولين ومن ضمن أسماء الثنائيات اللي ناجحة وانتقلت للمرحلة التانية وحاطين صورنا وكانت بتوريني على فونها."
تركت عزة ما بيدها وتقدمت بخطواتها نحوه، الشك يقتلها وأصبح يتلاعب بها كثيرًا، منذ آخر مرة بدأ في تخبئة أمور كثيرة عليها، منذ كلمة دكتور حسن.. لا تعرف منذ متى بدأ معها الأمر ولكن ما تعلمه جيدًا أن هناك شيء بينهما قد انكسر.
"هو أنت ليه ما قولتليش على حوار دار الأيتام دا إلا في المسابقة، وغريبة كنت عاوزة أكفل طفل واحد."
"عاوز تملكني دار بحالها.. اشمعنا دلوقت وفلوسها هتيجي منين؟"
شعر قصي بما تلمح إليه عزة، تنفس الصعداء وتحدث لها بهدوء:
"مفاجأة يا عزة ولما هتحصل هتعرفي ملابساتها في الوقت المناسب."
"ما اعرفش ليه طول الوقت حابة تحطينا في خانة الاستجوابات والتحقيقات."
"بقولك اتقبلنا في المسابقة دا مش مفرحك؟ مش دا اللي كنتي عاوزاه؟"
نظرت عزة بكلتا عينيه وقالت بثبات:
"أنا مش هروح المسابقة.. ومش عاوزة حاجة خالص."
تركت المطبخ ورحلت فزفر قصي بخيبة أمل زفرة عميقة مختنقة وهز رأسه بأن أمرها أصبح معقدًا للغاية وماذا سيفعل.
***
مرة دكتور أسنان دخل على ولاده لقاهم بيتخانقوا قالهم مش معجون كده إديني فرشة أتكلم!
رواية ميكاتوا الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نور اسماعيل.
الفصل الثاني والعشرين
وإن أردت ذلك، لجلبت إليك النجوم والقمر ووضعتهما بين كفيك... فلا أمتلك أغلى منك نعمة، أنت رزق ربي. لو كان باستطاعتي أن أضع الكون بين يديك يا سلطانيتي لفعلتها!
في مكتب طاهر إحسان بإحدى مباني شركاته، كان جالسًا برفقة المحامي الخاص به وابنه قصي.
يجلس ثلاثتهم ومن الواضح تركيزهم على ما يفعلون، يقومون بتوقيع أوراق أمامهم وملفات حتى انتهوا. نهض المحامي وصافحهما ومضى.
التفت والد قصي نحوه وأردف له أن ما كان يريد قد تم بالفعل. فقد تم توقيع عقود نقل ملكية دار الأيتام خاصتهم إلى عزة زوجته بناءً على طلبه وإلحاحه في ذلك، معللًا أنه قبل أن يكون حقه بميراثه الشرعي ملكية هذا الدار فـأيضًا هناك حق قد اقترفته زوجته صفية هانم بعزة وعليها سداده حتى وإن كان عن طريق ملكية الدار بتعويضها برعاية الأطفال الأيتام وبتعويضها إحساس الأمومة التي فقدته على يدها.
أما عن قصي فكان له رأي آخر.
_ مش بس عشان كده يا بابا.
انتبه والد قصي للحديث وأعاره الاهتمام فبادر قصي بالقول مردفًا:
_ أنا كمان حاسس بالذنب ناحية عزة، عشان عارف باللي حصلها وكنت طرف فيه وخبيت. ما هي تبقى أمي اللي عملت فيها كده، ولولاها كان زمانها تقدر تبقى أم مع أي شخص ثاني... لو ما كانتش قابلتني ولا حبينا بعض.
شعر قصي بوخزة في صدره فوضع أنامله عليه وهو يسترسل كلماته:
_ منكرش إني هاموت على إحساس الأبوة، لما باشيل ولاد أحمد صاحبي... لما باشوف بيبي في الشارع ويضحكلي. بس إزاي أحاسبها عليه وأنا طرف في حرمانها وحرماني؟ لازم اسكت واستحمل وأتحمل لآخر يوم ليا معاها.
نهض قصي من مجلسه وأمسك بالملف الذي به العقود وصافح والده ومضى. وبسيارته مرّ على محل لبيع الورود اشترى باقة ورد التوليب وحملها بالسيارة.
رأى وشاحًا ذا لون هادئ، اشتراه أيضًا. وفي دلوفه للمنزل كانت هي بالشرفة تقوم بـنشر الملابس المغسولة على الحبل.
سمعت صوت دخوله، تصنعت عدم الاهتمام فلم تبادر بالهرولة نحوه كما تفعل. زمّ هو شفتيه يعلم الموقف المأخوذ منه بناءً على خيالات رأسها. بهدوء كعادته دلف لها وقبلها قبلة خلف أذنها.
استشعرت هي أنفاسه والتفتت وجدته يحمل الباقة والوشاح والملف ويجذب يدها للداخل مع قوله أن هناك أمرًا مهمًا.
أعطته عزة الاهتمام وجلست على الأريكة تستمع إليه. أخرج عقود ملكيتها لدار الأيتام التي ترعرعت بها وعملت بها قبل أن يلتقيا.
فغر فاه عزة، فأوضح قصي أن هذا هو وعده سواءً أن التحقا بالمسابقة أم لا. رغبتها في كفالة طفل أعطتها تأشيرة لملكية دار أيتام بأكملها.
عليها أن تتمنى ويلبي قصي جل أمنياتها ما تتمنى!
على اندهاشها ما زالت، اقترب هو منها ولف أحد ذراعيه على ظهرها يدنيها منه متحدثًا لها بهدوء، أنه على استعداد لخسران العالم وأن ينتصر بها وحدها.
عللت عزة وضعه له في خانة الشك معظم الوقت، لا انتقاص من صدقه ووفائه لها، ولكنه حال معظم الرجال، لا يحافظ منهم على الود والعهد إلا من رحم ربي. وأن الخوف يتملكها أن يعشق من هي تصغرها بأعوام ليقوم بتجديد شبابه أو لتحقيق حلم الأبوة المنشود.
برهن لها وأقسم أنه من دونها ضائع وأنه سيبقى على عهدها حتى الموت، والآن عليهما الاحتفال بهذا الخبر العظيم زائد اجتيازهم للمرحلة الأولى بالمسابقة.
تهللت أسارير عزة ودلفت المرحاض تستعد للخروج معه لإقامة الاحتفال. أما عن قصي فكل كلمة تحدث بها كانت حقيقية، هو يريدها لا غيرها حتى وإن خسر العالم... ستبقى هي!
***
ماذا إن ابتكرنا عالمًا خاصًا بنا، يراه الناس مظلمًا ونراه نحن مشعًا بالنور!
نملؤه بكل ألوان الحياة، عالمًا مريحًا يصلح للجميع... ينسينا بشاعة العالم وقسوة الأيام وأفعال الماضي.
ربما لا وجود لترف هنا... فقط اجلس واسترح، حكايات لطيفة وابتسامات رقيقة.
في فناء المبنى المقام به اختبارات لجنة التحكيم... كان الجموع محتشدة، أينعم أنهم ليسوا بالجمع الغفير الماضي الذي كان في أول اختبار، ولكنهم أيضًا عدد لا يستهان به.
تعرفت عزة على ديانا من بعيد فترجلت نحوها وصافحتها وقامت ديانا بتقديم نبيل إلى قصي وعزة فوقف أربعتهم سويًا، بينما كانت وئام تسير محاذية باسل حول البناية تنتظر دورهما غارقان في الحديث المشترك.
أما عن مايا ورائد فجلسا إلى أقرب مقعدين ينتظران، وعلى مقربة منهم كانت تسير روز مع مصعب لتنتبه روز إلى رائد!
رفعت أحد حاجبيها ووقفت مكانها فنظر مصعب لها متسائلًا:
_ وقفتي ليه؟
_ فاكر الخازوق اللي حكيتلك عليه وقولتلك كان عاوز يغيرني وكده وفركشنا من قبل ما نبدأ.
قالت كلماتها معطية ظهرها إلى رائد ومايا ولكن مصعب كان ينظر صوبهما فأردف:
_ أيوه فاكر، مين... أبو نضارة اللي هناك ديته ومعاه بنت شبه باربي!
_ أيوه هو.
_ طب ومالك اتوترتي ليه كده؟ تلاقيه مقدم في مسابقة المرار ديته معانا عادي.
عضت روز على شفتها السفلى مع قولها:
_ مش متوترة يا بئف أنت شوفتني اتوترت... أنا بس اتفاجئت إنه هنا.
تعجب مصعب من تغييرها هكذا، واضح من الأمر أنها كانت ليست معرفة وحسب.
فأردف لها متشككًا بعدما تحولت نبرة صوته للجدية:
_ كنتوا بتحبوا بعض ياك؟ في إيه يا روز اخلصي؟
قامت روز بصفعه بخفة على ساعده وقالت:
_ مفيش عادي، كان مشروع أيوه صحوبية وحب بس مكملتش.
شعر مصعب بالغيرة حيال رائد فترجل بطريق مغاير بعيدًا عنه وعن مايا متأبطًا ذراع روز موضحًا:
_ تعالي من هنيته طيب عشان ما نخليهوش نهار أزرق عليك وعليه.
على الناحية الأخرى، كان قد لمح رائد روز تقف برفقة هذا الشاب الأسمر ذي الشعر الأجعد. تعرف عليها وظلّ محدقًا بها، بينما كانت مايا تشرب من القنينة خاصتها المملوءة بـالديتوكس. وما أن قامت بإنزالها لتراه يحدق بالزاوية التي تقف بها روز، فأردفت إليه:
_ رائد! فيه إيه؟
انتبه رائد لها فأردف ناظرًا نحوها:
_ لا مفيش بس يعني بشبه على حد كده.
هزت مايا رأسها وقامت باحتساء القليل الآخر من مشروبها.
أما بالداخل... كانت لجنة التحكيم تستعد للقاء هذا اليوم العاصف. يرتب والي أسئلته، يظبط حسن هندامه.
تقوم الماكيرة بضبط هيئة زاد، يقرأ حمدي التعليمات ثانية.
_ على فكرة، أنتِ النهارده النجمة بجد.
قالها والي موجهًا كلماته إلى زاد فابتسمت زاد لكلماته المجاملة لها وقالت:
_ مش قولنا بلاش غزل.
_ ده مش غزل، دي حقيقة... وبعدين إيه؟ أنا ملتزم أهو من يومها.
تركت زاد المرآة وتوجهت له بعيناها مباشرة قائلة بنبرتها الحاسمة كالعادة:
_ وإحنا عندنا شغل... ممكن تركز في شغلك؟
حدّق والي بعيناها ذات البريق اللامع قائلًا:
_ ما أنا مركز أهو لما نسيت اسمي.
تخبط نبض قلبها، فأعادته مكانه بصرف انتباهها عما قال هذا المتلاعب بحلو الكلمات وأردفت بنبرة صوت واضحة:
_ يلا أول المتسابقين.
اعتدل الجميع بانتظار دلوف أول ثنائي. دلف أول زوجان وجلسا وتبادل الجميع التحية والابتسام.
أما خارجًا، كانت ديانا ممسكة بعلبة من شيكولاتة النوتيلا الزجاجية كبيرة الحجم وتأكل منها بشراهة ومن الواضح توترها. رمقها نبيل بعيناه وأردف لها:
_ يعني هو لازم يبقى معانا كانتين ماشيين بيه... كل ده برطمان نوتيلا؟
تأففت ديانا وقالت له بطفولتها المعهودة وهي تأكل:
_ يوووه، بلبول اسكت عشان أنا متوترة جدًا.
صمتت تنظر نحو الشوكولاتة والتهمت الكثير ومن بعدها قالت:
_ وبعدين جبت نوتيلا بس، ما جبتش سندويتشات زي المرة اللي فاتت وتقعد تزعق.
رمقها نبيل بنظرة ممتعضة كعادته وأردف لها:
_ بقى والمسيح يا شيخة مش معاكِ إلا النوتيلا بس؟!
_ لا طبعًا، فيه علبتين بسكويت أولكر مملح وعلبتين محلى و5 أكياس شيبسي جامبو وازازتين واحدة لترين مياه وواحدة لترين بيبسي، يعني يعتبر ما جبتش حاجة.
قالتها مستهزئة منه وأكملت أكلها، فأمسك نبيل شعرها المصفف على طريقة كيرلي وهز رأسها يمينًا ويسارًا مع قوله:
_ يعني أطفش منك، أطفش... قصدك إن كل ده مسح زور يا بنت المفترية. إحنا لو اتقبلنا في المسابقة دي تقدري توضحيللي جوا هتعملي إيه؟ أكيد هتاكليهم يا كعبول.
ضحكت ديانا بشدة وهي تأكل الشوكولاتة وأردف بفم مملوء:
_ لاء طبعًا مش هاكلهم، قالولك عليا زومبي؟! أنا هاكل أكل المتسابقين هيهيهيهي.
كتم نبيل فمها بكامل كفه دافعًا رأسها بعيدًا، ومن بعدها زفر ضيقًا ففهمت ديانا أنه متخوف الهزيمة كعادته المتشائمة فأردفت له تنهي تفكيره المتشائم عنه:
_ بلبولي أقولك نكتة؟
صمت نبيل ولكنه ناظر لها فقالت هي بفم ملطخ شوكولاتة:
_ مرة دكتور أسنان دخل على ولاده لقاهم بيتخانقوا قال لهم مش معجون كده اديني فرشة أتكلم!
وضع نبيل منديلًا ورقيًا على وجهه فتعالت صوت ضحكاتها. أما عن مصعب وروز فصمم مصعب أن تكون جلستهم بعيدة عن أنظار رائد وكان على أوج مشاعره من العصبية فأردفت روز:
_ على فكرة أنا اتكلمت مع الست صاحبة الشقة، وقالت هتتنازل عن المحضر المعمول فيك لأنك صعبت عليها، بس لازم صاحب الفلوس كمان يتنازل، وأنا إن شاء الله هحاول معاه... ما تقلقش. أما بقى الكام خبطة اللي وراهم، ما كنتش بتعملهم باسمك ولا شكلك... يعني محدش يعرفك. وبالتالي هنوصلهم الفلوس من بعيد وكده اسمنا عملنا اللي علينا.
راقبت روز ردة فعل مصعب لتجده بعالم آخر عنها، فلوحت أمام عيناه لينتبه هو لتردف إليه أين هو؟
ليوضح لها بعصبيته المضحكة المعهودة بأنه قد تعكر دماؤه ومزاجيته حينما رأى رائد ورأى ارتباك روز. أوضحت روز أن ارتباكها لمجرد أنها متفاجئة من وجوده هنا، فقد مضت السنوات بعد انفصالهما ولم تراه!
ولكن دقات قلب مصعب تفسر شيئًا آخر:
_ أيوه يعني حصلك إيه لما شوفتيه اسم النبي حارسه وصاينه سبع البرومبة، قالوا لك رئيس المسابقة هو ولا صاحب مصنع الكاراتيه اللي هيكسب فلوس ولعب جوا الأكياس!
كانت روز تكتم ضحكاتها فأكمل هو:
_ إيه اللي شافته ارتبكت ورجلها اتلخلخت من بعض، ليه يعني... والله شبه شراع الباب!
ضحكت روز بشدة وقالت له تهدئه:
_ طب خلاص هدي نفسك.
_ شايفاني بقطع في شعري ياك؟ اتلمي واتمسّي عشان أنا على آخري لو كمان اتقابلنا وسيد محمد الحلو ديت اتقابل معانا.
_ اسمه رائد.
أمسك مصعب ببعض من الثرى وقذفهم بوجهها فهربت هي ضاحكة ليهتف هو بصوت جهوري غاضب:
_ اسمه زفت، اسمه قطران... ده كان يوم قطران لما جينا هنيته.
مضى الوقت فدلف عزة وقصي أول ثنائي يدلف إلى لجنة التحكيم على حسب رقمهم من بين الخمس ثنائيات قصتنا. سألهم الجميع أسئلة أخرى... أسئلة متنوعة.
حتى أتى سؤال مفتاح الدخول إلى المسابقة من بابها:
_ بتحبوا القهوة؟
قامت زاد بتوجيه السؤال لكلاهما. أردفت عزة:
_ أنا ما بحبهاش...
مطت زاد شفتيها أسفًا، لِتُتم عزة قولها:
"بس قصي بيعشقها."
ابتسمت زاد فأردف والي:
"نوع قهوتك المفضلة إيه؟"
"بحب الميكاتو مش بشرب غيرها."
نظر أربعتهم إلى بعضهم البعض وابتسموا، فقام حسن ناهضًا يصافح قصي قائلًا:
"مبارك.. تم قبولكم بأكاديمية مطر وردي!"
***
"نبيل ولا الأكل يا ديانا؟"
قالها حسن إلى ديانا، لتمط هي شفتها السفلية كطفلة بلهاء وقالت ناظرة نحو نبيل ونحوهم تارة:
"أنا بحب الأكل أوي، بس ممكن في يوم أبطل الأكل الكتير مش هموت، بس لو سيبت بلبولي.. ممكن يغمى عليا ومعرفش أعيش."
ضحك جميعهم فقال والي مازحًا إياها:
"هيغمى عليها لاء الموضوع هيكبر منها كدا."
ضحكت ديانا، فقال حمدي لهما يوجه سؤاله:
"بتشربوا قهوة؟"
فكروا لثوانٍ ونظروا لبعضهم البعض وبعدها حدقوا بلجنة التحكيم فقال نبيل:
"مش من هواة القهوة بصراحة، بس لو حد قدمهالي أشربها."
"طيب شربت أنهى نوع وعجبك؟"
"مش فاكر صدقني."
عبست زاد، فقال حسن لهما بعدما رأى ضيق زاد بأنهم من الممكن عدم اجتيازهم هذه المرحلة بسبب هذا السؤال:
"طب وديانا؟"
"بص يا دكتور، أنا برضه مكنتش بشربها.. بس في مرة كدا شربتها عشان أبقى عميقة وبلبل ميحسسنيش تافهة."
"وكان نوعها إيه؟"
تدخل نبيل بسؤاله لهم مقاطعًا:
"دقيقة بس نفهم، هو الأكاديمية دي عبارة عن مطاحن بُن ولّا إيه؟ السؤال عن القهوة قلقني."
ابتسم حسن لتجيبه زاد:
"إحنا بنسأل السؤال دا لمغزى هتعرفه بعدين يا نبيل."
كل هذا وديانا كانت تحكّ برأسها تتذكر نوع القهوة لتهتف مندفعة كعهدها:
"كتاكيتو.. آه قهوة كتاكيتو."
قام نبيل بلكمها في أحد جناباتها السمينة وأردف لها ينهرها بسخرية:
"قولتلك ميت مرة مش اسمها كتاكيتو، كتاكيتو دا إيه بتشربي قهوة فعشة أم ياسمين! اسمها ميكاتو."
اتسعت بسمة زاد فصفقت لهما وأردفت لهما بترحيب:
"مبروك، تم قبولكم بالأكاديمية."
***
"عاوزني أقول عيب في وئام؟"
أردف باسل متسائلًا إلى لجنة التحكيم فأردف والي:
"أيوه، قولنا على أكبر عيب في وئام."
نظر باسل نحو وئام وأطال النظر، كان قلبها يرتجف تنتظر لتعرف ما عيبها الأكبر بوجهة نظره. انفرجت شفتاه للتحدث وقال:
"إن وئام كشكل، مش جميلة."
كسر قلبها، بل أحدث صوت تكسيره فزعًا بداخلها. نكست وئام رأسها لأسفل فتابع باسل حديثه ناظرًا إلى لجنة الحكم يتحدث بثقة:
"بس روحها الأجمل خلتني أحبها بعد ما كنت مستحيل أحب بعد مراتي الأولى!"
رفعت وئام رأسها انتصارًا، فرح قلبها ثانية وأعاد أجزائه الممزقة إلى مكانها الصحيح، واستفاقت روحها قبل أن تذبل، فداهمهم حسن بسؤاله:
"بتحبوا القهوة؟"
"آه."
قالها باسل فأردف حسن:
"بتشربها نوعها إيه؟"
"مظبوطة."
"ووئام؟"
نظر باسل نحو وئام لتتحدث بدورها فقالت هي:
"أنا عمري ما شربت قهوة في حياتي بس أول مرة أشربها كنت بشتغل في عيادة دكتور وعرفني على نوع كدا كانت إسبريسو باللبن."
"ميكاتو؟"
سألتها زاد منتظرة إجابتها فأومأت وئام رأسها إيجابًا، فابتسمت زاد ليخبرهم حمدي بأن تم قبولهم بالمسابقة.
وحينما حل دور رائد ومايا، كان هذا سؤال حسن لهما:
"هو أنا لو قمت من مكاني وأبديت إعجابي بمايا ومسكت كف إيدها وبوسته من باب المجاملة هتعمل إيه؟"
بدا الغضب على قسمات وجه رائد متشحة شفته العلوية قائلًا بهدوء:
"هقوم أكسر الريون على دماغ حضرتك يا دكتور."
ضحك حسن بهيستريا جعلت من بجانبه يضحكون أيضًا حتى مايا خبأت فمها من الضحك، فأردف حسن:
"ليه أنت مش كول كدا، أنت لايف كوتش حتى ميبقاش باب النجار مخلع."
عض رائد شفته السفلية يكظم غيظه ورمق مايا بجانب عيناه وبعدها حدق بحسن قائلًا:
"أي حاجة تيجي ناحية مايا مببقاش لايف كوتش، ببقى من حواري عابدين."
ضحكت زاد كثيرًا وأردفت تسألهما:
"بتشربوا قهوة؟"
أجاب الاثنان بالإيجاب، فسألتهم عن نوعها ليجيب رائد السادة بينما تجيب مايا بنبرة حب:
"الميكاتو."
ليعلن لهما قبولهم بالمسابقة.
***
أحتاج للاعتراف إليها، لعناقها، لقبلاتها، أحتاج لأن تمد يدها الدافئة لتفك أزرار قميصي، لتنفض عني كآبتي وتنزع عني ثياب حزني وشقوتي، أحتاج لأن أكنّ في أحضانها كي أولد من جديد نبتًا نقيًا لتمنحني بعدها لقب عصفور سلامي الأوحد، ولكن كيف لي بهذا بعد كل هذا الصمت غير المبرر وغير معلوم نهايته.
بعد أسئلة كثيرة موجهة إلى مصعب وروز، كانت إجابتهم جميعها مقنعة ومضحكة بنفس الوقت، أردفت زاد بسؤالهما عن احتساء القهوة فأجابا أن أحيانًا وعندما سئلوا عن النوع أجابت روز أنها الإسبريسو أو اللاتيه وذات مرة ذاقت الإسبريسو المختلطة باللبن، فأردف مصعب مندفعًا بعفويته الساخرة:
"أيوه كباريتو.. كان اسمها معفلج شربناها سوا وبصراحة أحس أنها وش السعد عشان الجهوة دي اللي قربتني من الجمر."
ضحكت زاد بشدة حتى وضعت رأسها على المنضدة أمامها ليردف حمدي له:
"يا أخي بذمتك فيه قهوة اسمها كباريتو؟"
"يا بوي خابرش أنا كباريتو.. عفاريتو.. شيء من هذا القبيل.. بس إيه يا أستاذ حمدي.. جهوة مزاج."
نهضت زاد ضاحكة وقالت له بنبرة صوت تهتز ضحكًا:
"ميكاتو قصدك؟"
أشار مصعب لها قائلًا:
"أنتو أدرى المهم هي دي."
طرقت زاد كفًا بكف مع هزة برأسها متعجبة من كم عفوية هذا المتسابق، فأخبرهم والي بأنه تم قبولهم.
رحل الجميع لا تتسع الفرحة قلبه، تم قبولهم وهناك مرحلة جديدة قادمين مقبلين عليها أخيرًا ستغير مجرى حياتهم حتى وإن لم يفوزوا بنهاية المسابقة تكفي المحاولة وتكفي الشهرة على مواقع التواصل الاجتماعي والتليفزيون والصحف والمجلات.
وبعدما عاد الجميع، هاتفت روز الرجل صاحب المال والمحضر المقدم بمصعب، تهدج صوتها تشرح له أنه نادم وسيعيد ماله وأنه لم يكن لصًا ولكنها الظروف. بالأول لم تنجح ولكن بعد مضي وقت من الإلحاح وافق الرجل وتنازل عن المحضر وذهبت روز وأعطته أمواله. أما عن مصعب فكان يشغله غيرته من رائد خاصة عندما علم من صفحة المسابقة على الفيسبوك بأنه هو وخطيبته من المقبولين وبأنهم سيتقابلوا بالداخل.
مايا كان انشغالها وضع الحالات باستعدادها للمسابقة ووضع الكثير من الصور والمنشورات المتحمسة بها، بينما كانت عزة تنعم بفرحة أخرى بعيدة عن المسابقة، ملكية الدار وإدارتها ومضى نصف يومها مع الأطفال وبينهم ورؤية قصي لابتسامتها كانت عنده بمثابة حياة.
وعلى الرغم من فرحة ديانا ونبيل باجتيازهم للدخول إلى المسابقة، كان نبيل متخوفًا من ملاحقة حظه البائس بهذه اللعبة وعدم فوزهم ليس حتى النهاية ولكن خروجهم من أول جولة. بينما كانت ديانا تتهيأ بتحضير ملابسها وتغيير لشكل شعرها وبشرتها حتى تظهر بصورة لائقة أمام الجمهور فهذه الصورة ستنحفر بأذهان كل من يراها.
كانت تتابع زاد التجهيزات مع والي وحمدي وحسن، كان من آن لآخر تنفلت نظرات إعجاب والي إلى زاد.. أوقات كانت تلاحظها وأحيان أخرى لا تنتبه.
وعن فرحة ذكي العارمة، حينما أخبروه بأنه هو من سيقدم البرنامج بالتليفزيون، وحينما أتى اليوم وتهيأ هو ودارت الكاميرات للتصوير، وقيل:
"أكشن!"
"مساء الخير.. أنا ذكي فضل مطر، أنا مش بس صاحب شركات مطر ومنتج البرنامج.. أنا صاحب الفكرة، فكرة مطر وردي، فكرة الحب والعشق وجمع العشاق في مكان واحد نعرف يعني إيه حب ووفاء ويعني إيه اتنين يفضلوا سوا ونشاركهم لحظاتهم، هتعيشوا معانا أحلى أيام برفقة المتسابقين، هسيبكم مع حالة خاصة أولى من نوعها في الوطن العربي.. حلم العشاق.. مطر وردي!"
تغلغلت كلماته قلب هيام التي كانت تشاهده بالتلفاز حينها، فهي منذ أن علمت بموضوع المسابقة واسم شركات مطر للإنتاج، خمنت بأنه هو، حدثها قلبها وحدثها حدسها ولم يكذب! حينما رأت وجهه بعد كل هذه السنوات، وسمعت صوته كانت تتنفس الصعداء كأنها تلهث وبجانبها تدور أغنية حسين الجسمي وكأنها تعبر عن حالها:
دماره، أستاهل دماره
خل تحرقني ناره
خلاني واقع بالعشق، وما أطفّيها الجقارة
إثارة، حبه غير إثارة
موّتني بسماره
لمّن أشوفه أرتبك، وتصعد الحرارة
وإلاهي، عبدك يا إلاهي
لافت انتباهي
مو خلقة قاتلني قتل هنية لأهله وجاره
إشارة، لو أشر بإشارة
أروح له طيارة
هذا اللي عليه دق القلب، ودورت عنه دوارة!
رواية ميكاتوا الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نور اسماعيل.
نحن أكوان تسير، والله كل يوم هو في شأن منها.
فُتحت أبواب أكاديمية مطر وردي أمام المتسابقين العشرة: قصي وعزة، وئام وباسل، رائد ومايا، روز ومصعب، وأخيرًا نبيل وديانا. فُتحت أفواههم على مصرعيها عندما رأوا هذا الصرح الكبير، وما إن مرت الدقائق لتهرول الفتيات للداخل مرحًا. هرولت مايا تضحك وتتبعها ديانا تتقافز هنا وهناك وتقذف بالوسادات التي على الأرائك، وهرولت بعدهم روز على استحياء. بالطبع تم تصوير هذه اللحظة وعرضها مباشر على التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، فمنذ اللحظة الأولى الكاميرات الموجودة بكل شبر من أرجاء المبنى تقوم بنقل اللحظات كلها لحظة بلحظة.
تَرَجَّلت عزة متأبطة ذراع قصي، تنظر هنا وهناك مبتسمة، وتتبعها وئام تخطو على استحياء، قدماها تتحرك ببطء، وولج أخيرًا باسل بعدما استبقه مصعب ونبيل ورائد.
أما عن المتابعين، فكل أحدٍ كان بواديه، له الثنائي المفضل للتشجيع وكتابة التهاني لهما بالحماس المفعم. فمثلًا، أصدقاء مايا وصديقاتها يلتفون بهذا اليوم حول والديها يصفقون حينما رأوها هي وخطيبها يدخلان وهرولتها وفرحتها الطفولية هذه، وأخذوا بكتابة التهاني أمثال:
- أيوه يا ميوووووش نورتِ الشاشة.
- رائد ومايا، رائد ومايا، هما اللي هيكسبوا إن شاء الله.
- والله طلة رائد ومايا طلة ملوك يا ناس.
وعلى صعيد آخر، كانوا زملاء وأقارب نبيل وديانا أيضًا يتابعون ويكتبون التهاني لهما كنوع من التشجيع:
- يا نيبوووو جو جوووو أنت وديانا.
- بسم الصليب عليهم، قمرات، معاكم إحنا للنهاية.
أما عن أشقاء وئام وزوجة أبيها، كانوا ملتفين حول الشاشة التلفزيونية وأمامهم صحن المسليات (اللب) ويتابعان بإمعان. فرحت مها كثيرًا فكتبت لشقيقتها وهي ممسكة بهاتفها:
- يا رب يا ئمئم يفرحكِ، وهتكسبِي أنتِ وجوزك إن شاء الله.
وأصدقاء باسل العازفون وبعض من أقاربه وأشقائه دونوا أيضًا التهاني الجميلة له ولزوجته. أما عن عينا صفية، كانت تراقب قصي وزوجته وقلبها يعتصر غيرة عليه وشوق إليه، بينما كانت تهتف الفتيات التي بمجموعة "عزة هاند ميد" وتبقى مصعب وروز.
كانت التهاني الخاصة بهم قليلة، لم يكن أحدٌ من أقارب وعائلة مصعب يتابع، وروز لم يكن لها أحدٌ لتشجيعها مطلقًا!
بعد دخولهم وغلق باب الأكاديمية، سمعوا بمكبرات الصوت التي بأرجاء المكان صوت زاد مطر المميز قائلة لهم:
- مطر وردي بترحب بيكم جدًا، طبعًا أنتم صوت وصورة قدام مصر كلها والوطن العربي. ارتاحوا واتعرفوا على المكان والغرف بتاعتكم ولينا لقاء بعد ساعة، هنتجمع كلنا في الهول هنا. إنجوي وتجربة ممتعة إن شاء الله.
ابتسم الجميع وهمّوا بالصعود. نظر رائد ناحية روز فتصنعت روز عدم الاهتمام، ليرمقهما مصعب النظرات فيمسك بكف يد روز ويقبض عليها كأنه يخاف عليها من الضياع. أما عن قصي، كان يحاوط ظهر عزة بحنانه الوافر المعهود ويصعدا إلى الطابق الأعلى حتى افترقا، فبين غرف الشبان والفتيات ممر طويل.
دلفت ديانا إلى الغرفة باندفاع وتمسك بجميع وسادات الأسرة الموضوعة بجانب بعضهم البعض وتتقاذف بهم إلى أعلى. تضايقت عزة من التصرفات الهوجائية هذه فوجهت حديثها إلى ديانا:
- ديانا، ما ينفعش نرمي المخدات اللي هننام عليها كدا وتقع على الأرض.
توقفت ديانا ووقفت تنظر إلى عزة وهي تلهث وتمسك بواحدة منهم قائلة:
- أنا فرحانة يا عزة، وبعدين أكيد المخدات نضيفة والأرض كمان.
- لأ، تصرفات بعشوائية مش هينفع، إحنا هنعيش سوا والله أعلم هنمشى إمتى، فياريت كل واحد ياخد باله من تصرفاته.
قالتها روز موجهة حديثها للجميع، فشعرت ديانا بالإحراج وترجلت نحو حقيبتها المغلقة لتجرها وتذهب نحو الخزانات بالداخل بغرفة تبديل الملابس للجميع.
بينما جلست مايا على أحد الأسرة وقالت وهي تنظر له تارة وتنظر لهم تارة:
- أنا هاخد السرير دا يا جماعة.
همّت وئام بسحب حقيبتها للداخل كي ترتب ملابسها بالخزانة المخصصة لها والموضوع عليها اسمها، ولكل واحدة منهم خزانة مدون عليها اسمها.
ونظرة نحو غُرفة الشباب، لنجد قُصي يقوم بالتعرف على كل جزء دون أن تنفرج شفتاه، بينما مصعب يحاول أن ينظر بعيدًا عن رائد ويشغل نفسه بحجز مكانه وترتيب ثيابه. ويطل نبيل من النافذة ليرمي ببصره إلى أبعد نقطة، وينظر هنا وهناك مع قوله:
- المكان حلو أوي، إيه الحلاوة دي!
ترجل باسل خارجًا من المرحاض، بعدما بدل ثيابه وتوضأ ليقيم فرضه، فأردف بصوت عالٍ:
- هو القِبلة هنا منين!
نظر الجميع له، فأردف رائد بهدوء:
- خدوا الفونات مننا فمش عارف بصراحة.
- صلِّي في أي اتجاه لحد ما نسألهم وإن شاء الله ربنا يتقبل.
قالها قصي له، فترجل رائد نحو قُصي ليقول:
- خلاص رتبت جوه حاجتك؟
أومأ قصي بالإيجاب ليدلف رائد، فيجلس نبيل مادًا يده إلى مصعب المنهمك بتفريغ حقائبه قائلًا له:
- نبيل نشأت، 40 سنة شكلي كدا أنا أكبر واحد هنا.
رفع مصعب وجهه له وصافحه بقوة عهد أبناء الجنوب مردفًا:
- مصعب الأحمدي يا باشا من الصعيد، جاي مع حبيبتي روز واللي إن شاء الله هنتخطبوا بعد طلعونا من هنيتي.
قالها بصوت عالٍ جعلت رائد يتوقف عما يفعل لثوانٍ وبعدها تابع في صمت، ليجلس قصي معهم وعلى وجهه ابتسامته المعهودة قائلًا:
- يبقى كدا يا بُلبل أنا وأنت من سن واحد، أنا جاي مع مراتي عزة. سبق واتعرفنا في المرحلة التانية مش كدا؟
تبسم نبيل ليهتف بطريقته المضحكة المعهودة:
- وأنت طبعًا عارف أنا جاي مع مين، مع عيد ميلاد جرحي أنا اللي جوه.
ضحك ثلاثتهم بقهقهة عالية، لينتهي باسل من صلاته ويترجل نحو فراشه جالسًا عليه يراقب الأجواء.
وبعد مرور الساعة، تجمع الجميع بنفس المكان الذي حددته زاد وجلسوا ينتظرون. فألقت زاد التحية عليهم من جديد لتردف لهم جميعًا:
- رولز مطر وردي بدأت، الشيف نبيل وخطيبته ديانا، الكابتن لايف كوتش رائد وخطيبته مايا، الفوتوجرافر قصي وزوجته عزة، عازف الأوبرا باسل وزوجته وئام، وأخيرًا ثنائي أنا حبيته من وقت التجارب مصعب وروز.
يوم السبت والأحد بتبقوا مختلطين أكل وشرب وجلوس سوا في كل حاجة. يوم الاثنين بنعمل قعدة للرد على متابعينكم على مواقع التواصل الاجتماعي، يوم الثلاثاء الاختبار وبعدها بنعزلكم عن بعض مش بتشوفوا بعض لحد يوم تقديم الاختبار الخميس بليل إعلان النتائج الجمعة بالثنائي الفائز في الأسبوع دا. كل أسبوع بتزيد النقط على حسب الاختبار، على حسب معاملتكم مع بعض، على حسب الالتزام بالرولز كلها وبنفضل كدا لآخر يوم في المسابقة بنعلن الفوز عن أفضل ثنائي. حابين نوجه عنايتكم تاني وتالت أنتم على الهوا، الكاميرات بكل مكان في المبنى، فيه مسابقة كل أسبوع لصديق الجميع وليها جوائزها، طول ما إحنا هنا مفيش خروج ومش بتشوفوا حد غير بعضكم. فيه تدريبات رياضية للمحافظة على أجسامكم، فيه طبيب تغذية عشان هتتبعوا أسلوب غذائي ونظام حمية، وفيه طبيب نفسي طبعًا لحل أي أزمة وهو قابلتوه في التجارب قبل الدخول للأكاديمية دكتور حسن العطار. الفطار والغدا والعشا، بيوصل لحد عندكم، المطلوب الحفاظ على نظافة المكان طول الوقت، أنتم بتقدموا نفسكم وبلدكم. إن شاء الله تبقى تجربة لطيفة للكل، وأهلًا بكم مرة تانية.
نهض الجميع ثانية يستكشف بقية الأماكن، فهرولت ديانا ممسكة بيد نبيل إلى الخارج بحديقة المبنى، وترجلا وئام وباسل يسيرون حول المبنى ليروا حيثياته. ودلف قصي وعزة إلى المطبخ ليُعد قصي فنجانًا من القهوة (الميكاتو) وصعدت مايا إلى أعلى بعدما أخبرت رائد بأنها دقائق وستهبط ثانية له. انتظرها رائد حتى اختفت عن أنظاره وترجل ناحية روز مُنتهزًا انشغال مصعب عنها قائلًا لها:
- آخر مكان أتوقع إني ألاقيكِ فيه يا روز هو هنا، عاملة إيه؟
التفتت روز ناحيته تتصنع الابتسام قائلة:
- إزيك يا رائد أخبارك إيه؟
- أنا لمحتك من وقت التجارب بس تقريبًا أنتِ ما شوفتنيش.
عدلت روز من انسدال شعرها الحريري ذا اللون الأصفر وأردفت له بثقة:
- طبيعي ما اعرفش أشوفك، المتقدمين كانوا كتير جدًا.
حكّ رائد بطرف أنفه وأردف لها بصوت هامس يدنو ناحيتها قليلًا:
- ولاقيتيه فين النكتة دا؟
علمت روز بأنه يشير إلى مصعب في تلميحاته، فعبست بوجهها وأجابته بضيق:
- أنت بتقصد مين بـ "نكتة"؟ مصعب؟
- هو أنتم مخطوبين ولا مرتبطين؟
تصنعت روز عدم استماعها لسؤاله وأردفت له بلامبالاة:
- فرصة سعيدة يا رائد إني أشوفك هنا، عن إذنك.
تركته ورحلت وهو ينظر ناحيتها، وإذ بمايا تهبط من على الدرج لتترجل نحوه وتجلس:
- إيه رأيك يا حبيبي؟
انتبه رائد لها قائلًا:
- في إيه يا ميوش؟
لفّت مايا بعينيها بحركة دائرية تقول في حبور:
- المكان، المسابقة، كل حاجة...
المكان ساحر بشكل مش طبيعي.
تبسم رائد لها مجاملة وهو يردف:
"أيوة فعلًا، أكتر من رائع."
"نفسي نكسب بقى، هتبقى خبطة تحفة."
"ربنا يكرمنا يا مايا إن شاء الله، إحنا هنعمل اللي علينا."
كان قصي يفرغ محتويات القهوة بفنجانه وعزة تردف له بصوت هامس:
"البنات صغيرة وأنا العجوزة اللي فيهم."
قالتها ضاحكة فأردف قصي ضاحكًا هو الآخر:
"لا الحمد لله، فيه نبيل أدى ودي حاجة مدياني جرعة ثقة في نفسي."
لامست عزة كف يد قصي وأردفت لها بحبها المعهود:
"تفتكر هنكسب يا حبيبي؟"
تبسم ثغر قصي واحتضن كفها بكفيه وأردف لها:
"أنا مكسبى أنتِ يا حبيبتي، ومش طمعان في الأكثر."
زفرت عزة بعمق وهي تنظر له بحب، بينما خارجًا كان صياح ديانا مع نبيل مدويًا:
"يعني إيه دكتور تغذية وحمية؟ يعني إيييه أنا جعانة أوووي يا بلبولي!"
أمسكها نبيل من أطراف ثيابها يطيحها يمينًا ويسارًا وهو يردف:
"ماهو ده حلو، ده حلو عشان تخسي بدل ما تاكليهم هنا ولما نطلع تاكليني أنا لما نتجوز."
عبست بوجهها بطفولة وهي تجلس على النجيلة بأرض الحديقة وهي تردف:
"ورياضة كمان؟ يعني مش بس أكل صحي وبحساب لأ كمان رياضة، أنا جعانة يابلبولي جعانة."
أمسك نبيل بحفنة من الزرع الأخضر النامي بمشيئة الرحمن وحده، قطفها ووضعها بفمها وهو يهتف لها:
"خدي كلي، خدي خدك ربنا تتنيحي وأخلص يا كولمان عشرين ألف لتر."
نصعد إلى أعلى طوابق المبنى، حيث أرجوحة وبعض من المقاعد الخشبية وبساط للتريض. كانت روز قد وصلت إلى هذا المكان واستكشفته.
فجلست إلى الأرجوحة تتأرجح بها وتفكر، أن بالتأكيد هي الوحيدة التي ليس لها متابعين ولا مشجعين.
ولكن الأمر حتمًا سيبنى على وجودها بهذا المكان وبأفعالها ومشاركتها للآخرين.
صعد مصعب ليجدها وكأن حدسه محدثه، هرول ناحيتها يقوم بتحريك الأرجوحة بها فنظرت هي نحوه وابتسمت فقال هو:
"عليا الطلاج أنتِ أحلى نتاية فيهم."
ضحكت روز بسخرية على كلماته وأردفت:
"نتاية!! اسمها بنت إيه نتاية دي.. حسّن ألفاظك يا بئف إحنا على الهوا."
"يعني هي بئف اللي من السربون يا خريجة الأزهر بارك، جاكي لكمة أما تلكمك."
أوقف هو الأرجوحة وجلس أمامها يردف لها بنبرة غير معتادة هي عليها:
"الواد النطع اللي اسمه رائد دهوت كلمك؟!"
حدقت روز بعينيه قائلة:
"وحتى لو كلمني فيها إيه، إحنا في مكان مشترك والله أعلم هنمشي إمتى وده أول يوم لينا."
تحركت نيران الغيرة بداخله فأردف لها بفم ملوي:
"أنا بجى بالذات البني آدم ديتي عاوزوش يكلمك.. ممكن؟"
ضحكت روز وطرقت كفًا بكف فأكمل هو:
"يعني شغالة تضربي كف على كف شيفاني مجنون ولا بعوعو زي كلاب الأرمنت."
"مش عنتكلم من خشمي وكلامي مفهوم يابوي."
"أنت عامل مشكلة من لا مشكلة، ماتشيله من دماغك بقى."
لوح لها بيده وأردف ممتعضًا:
"لأه شايلهوش من مخي وأوسع ما معاكي هاتيه."
"معاه خطيبته على فكرة، وبعدين رائد حد محترم وابن ناس مش هيتحرش بيا هنا."
فارت الدماء بعروقه واحتقن وجهه ليمسك ساعدها بقوة ويلتويه قائلًا لها:
"يتحرش كيف؟ ده لما يكون آخر يوم في عمره إن شاء الله.. طب بس يجرب ناحيتك عشان نلعب على وشه سيجا."
أقبلت روز نحوه بجذعها العلوي ووجهها وقالت وهي ما زالت مكانها:
"وليه يعني ده كله، أنت صدقت التمثيلية ولا إيه يا مصعب؟"
تحشرج ريق مصعب وكان بصعوبة بلعه ثم نظر بعيدًا بعدما ركلها بقدمه ونهض فضحكت روز وأكملت تأرجحها.
تزرع اليوم على أمل أن حلمك سيتحقق ويكبر ويثمر... لولا أن هناك صورة في الخيال لاكتمال الحلم... ما تحركنا يومًا من مقعدنا.
كانا باسل ووئام يتحدثان وهما يترجلان بالحديقة حول المشتركين والمسابقة والقواعد. كانت تحاول وئام بكل الطرق إلهائه عن أي تفكير غير سوي بأن أنظارها تنجذب نحو الآخرين أو أنه أقل منهم.
حتى هو، أشاد بهدوئها وجمال أخلاقها، على عكس بعض المشاركات لم يحبذ بعض التصرفات منهن. أخبرها بما حدث بغرفة النوم وتبديل الملابس وأنه يريد بأسرع وقت معرفة القبلة كي لا يفوته فرضًا من فروضه.
مر أول يومان بالأكاديمية، وزاد ووالي يتابعان.. ويشاركان حسن وحمدي لبدء أول اختبار للمتسابقين.
وبينما الجميع منهمك، أخرج والي حقيبة هدايا مغلفة وأعطاها إلى زاد فتعجبت هي وأردفت:
"إيه ده؟"
"افتحي وشوفيها."
أمسكت زاد بالمغلف فتحته، لتجد جوارب قطنية كنا نرتديها حينما كنا صغار أطفال بعمر المدرسة، واختفت واختفى طرازها الآن.
كانت قد ذكرت زاد بإحدى المرات أوقات تدوينها على حسابها الشخصي بفيسبوك، أنها تريد زوج من هذه الجوارب بأي ثمن حيث إنه يذكرها بطفولتها وأيام عهدها مع والديها قبل انتقالها للعيش مع عمها وهجرتهم إلى أحد البلاد العربية للعيش بها.
اندهشت زاد ولم تطل الاندهاش، فهي تعلم بشعوره نحوها بالانجذاب وتتبع خطواتها وكلماتها وهمساتها فأردفت له:
"وطبعًا عرفت من البوست اللي كتبته."
ابتسم والي ابتسامة نصر وأردف لها بفخر:
"مينفعش يبقى نفسك في حاجة وماجبهاش."
"وده لاقيته فين؟ أنا بجد كنت دايخة عليه."
أمسك والي بقلم أمامه ودون على ورقة مقابلة لها:
"بحب أشوف فرحتك بأي حاجة، فلازم أتشقلب."
ابتسمت زاد بفرحة بالغة عنان السماء السابعة، ليمر حمدي لهما ورقة قائلًا:
"أعتقد ده أنسب حاجة لأول اختبار."
قرأ الاثنان الاختبار وأومأ إيجابًا، ليأتي يوم الاختبار فتتحدث زاد لهم عبر مكبر الصوت والكل مجتمع:
"الاختبار أول أسبوع عبارة عن أكلة من صنع شريكتك وهو طبق موحد لمكرونة وايت صوص والاستيك المشوي، وهنقدم الخمس أطباق واللي هيعرف طبق شريكته من الثنائيات الفائزة."
"ودلوقت ميعاد الفصل لحد يوم النتيجة."
بدأت الأضواء بالارتعاش حتى هبط فاصل من السقف ليعزل المبنى إلى قسمين. مط بعض الشباب شفتيه ومنهم من ابتسم.
فصعد الجميع ليتحدث مصعب بضيق:
"أيا هو ده ياربي من أولها، من أولها."
أردف قصي له بهدوئه ورصانته:
"فيه إيه؟ الحوار سهل الحمد لله."
"يابوي سهل عليك أنت عشان هي مراتك بقالها ست آلاف سنة."
"إنما أنا أعمل إيه لو اتلخبطت؟"
نهض رائد وترجل نحوه يمازحه بسخرية:
"إيه، ماكلتش من إيد روز أبدًا؟"
نهض مصعب وتحدث له وهو على وشك انفجار قنبلة غضبه:
"وأنت تنطق اسمها ليه ومالك بيها؟"
هز رائد رأسه يمينًا ويسارًا متعجبًا وأردف:
"يابني ما بقالنا يومين بنتعرف مالك فيه إيه، خليك هادي."
"لا عاوزش ولو سمحت ماكنتش عنكلمك."
تدخل نبيل لفض النزاع فأردف باسل لهما:
"على فكرة حركات عيال اللي بتعملوها دي، المفروض إننا أكبر من كده والناس بتتفرج علينا."
جلس رائد على فراشه مستندًا إلى كفي يده وهو يعود بظهره للخلف قائلًا بسخرية موجهًا حديثه إلى باسل:
"أكيد واحد لايف كوتش زيي مش هاخد نصايح من مجرد واحد كل مهمته في الدنيا يعزف ويصدعنا ومن يوم ما جينا وهو ساكت."
شعر باسل بالضيق منه فأردف متحفزًا:
"العازف ده إنسان حساس، أحسن من النصابين اللي بياخدوا فلوس قد كده من الناس وهما أول المرضى اللي عاوزين يتعالجوا."
عبس رائد وهم بالنهوض فتدخل قصي:
"بس اهدوا يا جماعة إحنا رجالة كبار إيه الكلام ده."
أشار باسل نحو رائد وهو يتحدث إلى قصي:
"يعني واحد يضايقني ويحرق دمي ومينفعش أردها له؟ ليه نفسيته فيها كتاب دين؟"
أشار قصي للجهتين لكي يلتزموا الهدوء وأردف:
"متنسوش إن ضبط النفس ومعاملتنا لبعض بناخد عليها نقط، فاهدوا كده واتحكموا في نفسكم وعصبيتكم."
نظر مصعب نحو قصي وأردف ساخرًا:
"بص يا أستاذ تشيرفول مان عشان من ساعة ما جينا وبسمتك العريضة ما فارقتش وشك السمح، فيه ناس هنا داخلة ومتحملة من بعض فخليك على جنب الله يهديك."
كانت زاد تتابع الحوار كاملًا، فقامت بالاتصال على حسن حتى يأتي لفض المشكل.
وإذ به بمنزله بغرفته مع زوجته الثالثة تقى يمضيان وقت لطيف سويًا بعدما كانت تعاني طيلة النهار من وعكة أصابتها بمعدتها حتى أنها أفرغت طعامها بالكامل ولا تستطيع أكل أي شيء.
فترك حسن جميع انشغالاته وبقي بجانبها يقرأ لها بعض القصص والروايات الرومانسية والأشعار المكتوبة في غزل النساء.
"تسائلني: "من أنت؟" وهي عليمة
وهل بفتى مثلي على حاله نكر؟
فقلت، كما شاءت، وشاء لها الهوى:
قتيلك! قالت: أيهم؟ فهم كثر
فقلت لها: "لو شئت لم تتعنتي ولم تسألي عني وعندك بي خبر!
فقالت: "لقد أزرى بك الدهر بعدنا!
فقلت: "معاذ الله! بل أنت لا الدهر وما كان للأحزان، لولاك، مسلك إلى القلب لكن الهوى للبلى جسر."
تأففت تقى وهي بين أحضانه تنظر له قائلة:
"لأه زهقانة بقى يا سونه."
اندهش حسن رافعًا حاجبيه مردفًا لها وهو يلامس وجنتيها برفق:
"فيه حد يزهق من شعر أبي فراس الحمداني؟"
مطت تقى شفتيها وقالت مغيرة نبرة صوتها لصوت طفولي:
"طب قولي نكتة."
فكر حسن لدقيقة ثم قال:
"مرة مصطفى قمر ومحدش نفذ."
"اممم شغالة، فكر في حاجة كمان."
رن هاتف حسن باسم زاد فاعتدل هو في جلسته وأردف إلى تقى:
"استني يا توكتك عشان ده شغل ومدام بيتكلموا دلوقت يبقى فيه مصيبة!"
مطت تقى شفتها السفلية وهي تقول بتغنجها ودلالها المعتاد عليه:
_لأ متردش، متردش.
_لازم أرد.
_أنا عيان.
_أنت حبيبي، بس دا شغل.
أخذت تسدد له لكمات بصدره بخفة:
_أنت وحش وحش وأنا مخاصماك.
قبلها حسن قبلة طويلة بشفتيها جعلتها تنسى نفسها ودنياها، ومن ثم تركها فجأة فوقعت مرة واحدة بشكل مضحك وأجاب الاتصال:
_أيوه يا زاد!
رواية ميكاتوا الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نور اسماعيل.
الفصل الرابع والعشرون
كما يقول بيكاسو:
هناك من يحولون قرص الشمس إلى دائرة صفراء، وهناك من يحولون الدائرة الصفراء إلى قرص الشمس!
أي أنه قد يمكنك تقبل الواقع، أو تغيير الواقع، أو تحويله لشيء لا قيمة له.. كلها وجهات نظر مختلفة باختلاف الأشخاص والأماكن والثقافات.
حضر حسن على الفور، وبغرفة لجنة الحكم أسفل البناية القاطنين بها المتسابقون، كان ينتظرهم رائد وباسل ومُصعب بعدما سمعوا تعليمات بأسلاك أجهزة الاستقبال والإرسال المثبتة بملابسهم طيلة يومهم حتى النوم.
هبط ثلاثتهم ووقفوا بواجهة حسن الجالس بهدوئه المعتاد ينظر لهم، الأمر مذاع صوت وصورة أمام العالم، نسب المشاهدات تعلو يومًا عن يوم وكم التعليقات على الثنائيات المتسابقة وما حدث في ازدياد بكل دقيقة.
_ إيه يا شباب! إيه إحنا فين هنا في أولى أول!! معقول التهريج اللي بيحصل دا.
انفرجت شفتا باسل قائلًا:
_ دكتور حسن، تقريبًا أنا أكثر واحد فحالتي من ساعة ما جيت.
توقف عن الحديث ورمق رائد شزرًا، نظرة غاضبة وعاد إلى حديثه:
_ بس الكوتش رائد، مصمم نتخانق ومشاكل وجو مش لايق علينا وإحنا رجالة بشنبات كدا.
لم يكظم رائد غضبه طويلًا، فاندفع في الحديث بهوجائيته غير المعتادة منه مؤخرًا وأردف:
_ أنا مش جاي هنا أتعلم الأدب عشان أقف قدام حضرتك وتحاسبني قدام الناس صوت وصورة كأني عيل مذنب.
_ أنا نفسي نفهم إنت مين والله، يعني السيد الوالد كان صاحب كابل الكهربا العمومي ولا إيه، ماتفهمنا يا خلايجي.
هتف بالأخيرة مُصعب غاضبًا، فابتسم ثغر حسن ابتسامة جانبية وأردف:
_ كابتن رائد، إنت فعلًا مش في مدرسة ولا جاي تتذنب زي العيال.
بس المسابقة دي غير أنها شو وفلوس ومتعة وتهريج، فهي صورة بنعكسها لبيئاتنا المختلفة قدام الناس.
وكل حد بيوضح الصورة المناسبة للمكان اللي هو جاي منه.
فمش معقول أبدًا أول أسبوع ليكم ونمسك في بعض عشان تافهات وحضرتك قمت بالواجب مع زمايلك المشتركين بإنك تقلل منهم وتستفزهم على الهوا.
كان جسد رائد يهتز توترًا وهو يستمع إلى حسن ومن ثم عقد ذراعيه أمام صدره ليردف ساخرًا:
_ تمام والمطلوب؟!
شبّك حسن أصابعه ببعضهما البعض وهز رأسه مُستنكرًا من أمر هذا المتعجرف وأقبل بجذعه إلى الأمام وأردف لهم:
_ مش هوضح تاني إن كل فعل سلبي بيقلل من فرصة الفوز حتى لو كنت أنت ضمن الكابل الفايز بالنقط الأعلى.
وعلى فكرة، بداية من الأسبوع الثالث أول كابل هيمشي من هنا.
الأقل في تحصيل الاختبارات والسلوك والتفاعل مع الآخرين والالتزام بقواعد البرنامج..
صمت حسن لثوانٍ ثم رفع بصره إلى رائد وقال له متحديًا:
_ أعتقد هو دا المطلوب يا كوتش..
تركهم ورحل فصعد ثلاثتهم، كان باسل صامتًا ومصعب ينعت رائد بسره بأصعب السبّات أما عن رائد فكان يعتصر غضبًا..
~~~
مضت الأيام، وغدًا تقديم الاختبار الأول.. هو ليس اختبارًا وحسب!
أي قد يراه البعض مجرد طبخ أكلة من صُنع المتسابقات لشركائهم والتعرف عليها فقط وقد تمت المهمة، بل هذا الاختبار يعكس مدى معرفة كل طرف بالآخر وحفظه لأسلوبه حتى لو كان بالمطبخ وطريقة التفريق بين صحنه وصحن الآخرين والإحساس به.
اختبار يعكس مدى الاتفاق والعكس بالعكس.. ومدى الاختلاف.
كانت مايا تقضم بشفتيها تقف بشرفة الغرفة فوجدت عزة جالسة على فراشها تقرأ كتابًا، فترجلت نحوها وجلست مقاطعة إياها تتحدث بابتسام:
_ عزة هو ينفع تساعديني في حاجة؟
تركت عزة الكتاب من يدها وأومأت برأسها مستفهمة فأكملت مايا:
_ بصراحة بقى، أنا نيلة خالص في الطبيخ.. مابعرفش حتى أسلق بيض.
ينفع تقوليلي الطبق اللي طلبوه دا بيتعمل إزاي؟
صمتت عزة وابتسمت لها قائلة:
_ أنا لو قلتلك مش هتبقى مسابقة، لأن المفروض إن كلنا بنتنافس على حاجة واحدة.
تعجبت مايا منها، كانت تعتقد أنها ستساعدها على الفور فهذا يعكس على هيئتها الهادئة الودودة منذ اليوم الأول فأردفت لها بنبرة اندهاش:
_ إنتي بس هتقوليلي المقادير والطريقة وبعدين كل حد فينا هيعمل أكلته بطريقته الخاصة.
والشباب عليهم يميزوا، يعني ما فيهاش غش لفوز أو حاجة.
كانت تستعد عزة للنهوض وأردفت لها:
_ وكدا مش هتبقى مسابقة، عامة عندك دقيقتين النهاردة مكالمة فون ممكن تكلمي والدتك تسأليها.
لكن أنا آسفة مش هقدر أقولك.
تركتها ورحلت فكزت مايا على أسنانها من تصرف تلك الأنانية وفكرت في اغتنام فرصة أخرى بمهاتفة والدتها لمعرفة الطريقة.
وحينما حان وقت الاتصال، قامت مايا بسؤال والدتها عن الطريقة وأوضحت لها أن ليس أمامهما سوى دقيقتين لتوضيح الأمر لها على عجالة، ولكن أهدرت والدة مايا الوقت بتوبيخها لأنها كانت تطلب منها كثيرًا تساعدها بالطبخ وصنع الأكلات والحلوى وكانت مايا ترفض وتتهرب.
صرخت مايا بها الوقت يمضي وما أن شرعت والدتها في الشرح كان قد انتهى الوقت!
أما عن ديانا، فكانت جالسة مع وئام في الحديقة يتحدثان حول الاختبار أيضًا وخوفهم من الإخفاق في البداية هكذا، فأوضحت ديانا بأنها طباخة ماهرة ونبيل يعشق أكلاتها ولكن لها طريقتها الخاصة التي تجعله دائم التنمر عليها فضحكت وئام بشدة مما أخبرتها به ديانا.
وأضافت أيضًا بأنها خائفة من الغد فهي لا تعلم عن الصحن المطلوب أي شيء تمام علمها باللغة الهندية!
وأوضحت وئام لها أيضًا أنها المرة الأولى التي ستصنع فيه هذا الصحن وستجتهد به وتتصرف وفق إحساسها راجية من الله الفوز وتخطي أول اختبار لهم.
أما عن الشقراء روز، كانت تتأرجح على الأرجوحة كعهدها منذ مجيئها إلى صرح مطر وردي شاردة تتذكر أشياء
عن قديمها وهرولتها خلف الملاليم كي تصنع لذاتها مكانة، تعلمها لرياضة التايكوندو كي تحافظ على نفسها من ذئاب البشر، واعتزالها العالم والدنيا حتى صديقة واحدة لم يكن لديها ولم تحاول من الأساس وكأنه كُتب عليها العيش هكذا وحيدة دون أحد، رفيقتها الوحدة منذ نعومة أظافرها.
~~~~
_ هو ممكن يعني، ممكن يمشونا من أول اختبار؟
كان هذا سؤال نبيل إلى الجميع أثناء جلستهم ببهو الصرح المنفصل عن بهو الفتيات، فأردف قصي له:
_ لأ محدش هيمشي في أول اختبار هي بس النقط.
_ يبقى أنا هسقط في دا عشان بسم الصليب ربنا باليني بواحدة بتطبخ عك ولا هتعرف تعمل حاجة.
ومش هاخد نقط والتاني كمان هيكون أصعب فهنسقط ونخرج أنا وهي بالشلاليت من هنا.
نظر باسل نحوه صامتًا وابتسم دون التحدث فأكمل نبيل:
_ وبعدين أنا من أمتى كسبت حاجة؟! أنا على طول فاشل وكل حاجة بتيجي معايا بالعكس.
ولما اتقابلت هنا كان بس عشان ماما طلبت شفاعة تماف إيريني ووصلتها إننا ندخل المسابقة، لكن إحنا بائسين وفشلة ومننفعش في حاجة.
امتعض وجه مصعب وهو ينظر له فأكمل نبيل حديثه المتشائم:
_ ويمكن كلكم محدش يعرف غير الأستاذ قصي ودا بحكم أنها مراته ٣٥ سنة!
ضحك قصي فقال مصعب:
_ يا بوي قوم وهات سكين ودبّها في بطن كل واحد وإحنا على الهوا كديتي ولا يبجى فيه مسابقة ولا فيه هرهاط طين عشان سيادتك تنبسط، وصدقني إحنا مسامحينك مش هتاخد في واحد مننا ٣ أيام سجن.
هز نبيل رأسه بحزن مضحك وأردف أيضًا بنفس نبرته المتشائمة:
_ ما أصل مش معقول كعبول هيعمل الصنف اللي طلبوه دا، أنا اللي اسمي شيف الصنف دا بالذات بيتعمل بتكات وإبداع خاص ودي بتعمل أكل بيسبب لك نزلة معوية سبع تيام.
كانت قهقهة قصي عالية فتوقف وأردف إلى نبيل:
_ مش مطلوب منها تبدع، مطلوب منها تعمله وإنت تعرفه وتميزه ما بين خمس أطباق وبس.
_ ماهي بتعمل عكّ، أي حاجة وقلب.
_ يبجى هتعرف العك يا أبو عمو، دا موضوعك سهل مش زيي معجرب ما أعرف اللي وكلاهم ديت هتطبخ كيف.
هي بس لو حطت لي سم ومتت بعدها وكتها هعرفه.
رمقه رائد ومصعب يتحدث هكذا عن روز فابتسم ساخرًا ليعدل مصعب من حديثه عنها:
_ إن شاء الله هتعمل حاجة عظمة زيها، حاكم البت دي عسل وتستاهل كل خير.
وضع مصعب فنجان قهوته جانبًا وتحدث إلى رائد:
_ أخبار خطيبتك إيه في المطبخ يا رائد؟
انتبه رائد أن الحديث إليه فترك المجلة الأسبوعية التي تصلهم كل أسبوع من يده وأردف متلعثمًا:
_ مايا... كويسة، يعني بتتعلم.
_ أهو شوفتوا، محدش مننا هيكسب والله صدقوني.
قالها نبيل، فنفض مصعب ملابسه بطريقة مضحكة وصعد إلى أعلى كي لا يستمع إلى المزيد من البؤس.
~~~~
زِن عقلك وقلبك فالدنيا زاهدًا ناسيًا أمر أن تصل بكليهما إلى مُبتغاك في نهاية الأمر، حتمًا ستفوز بأحدهم وتخسر الآخر.
حان وقت المسابقة، أمام كل متسابقة مكونات الطبخة جميعها والموقد وكل شيء جاهز، الحماس يزداد الأنفاس تتلاحق.
متابعات تتزايد وأرقام تعلو بنسب المشاهدات، وئام، ديانا، عزة، مايا وأخيرًا روز.
كل واحدة في غرفة زجاجية ترى الجميع ويروها من خلالها، وكل واحد من الفتية لا يستطيع متابعة شريكته أثناء صُنع الطعام، أما بالنسبة للجنة الحكم كانوا يتابعونهن بدقة ويتحمسون معهن.
كانت كلٌّ من عزة وروز منهمكتان بالعمل والتقطيع والسلق والتجهيز، وئام تحاول ولكنها متباطئة نسبيًا عن عزة وروز.
ديانا تضع أشياء وتذوق بطرف الملعقة فتجد عدم استحسان تمط شفتيها وتجرب شيئًا آخر، ومايا تقف لا تدري من أين تبدأ.
انتهى الوقت، وتم تقديم الخمس أطباق على مسمع ومرأى المشاهدين في جميع الأنحاء سواء مشاهدة عبر التلفاز أو الإنترنت.
نظر الحكم إلى الخمس أطباق وتم ترقيمهم وإعطاء الرقم إلى المتسابقة صاحبة الصحن وجلوسها بعيدًا عن غرفة التذوق.
أقبل الأول..
مصعب وتذوق من كل صحن ملعقة، واختار رقم 4.
ولج نبيل بعده وتذوق، واختار رقم 5.
ثم دلف باسل وتذوق، فاختار الرقم 3.
أتى دور رائد وتذوق جميع الصحون، وتشابه معه الأمر بصحنين، فوقف متحيرًا بعض الوقت.
واستقر على اختيار رقم 5.
وأخيرًا، دلف قصي وتذوق الخمس صحون، فابتسم بثقة ليختار رقم 2.
كان الجميع مترقبًا للنتيجة، المتسابقون والمشاهدون. أمسك والي النتيجة واستدعى المتسابقين جميعهم، ليقفوا أمامهم، فيطلب من الفتيات رفع رقم الصحن الخاص بها. فرفعت عزة رقم 2، ورفعت روز رقم 3.
ورفعت ديانا رقم 5، وقامت وئام برفع رقم 1، وأخيرًا رفعت مايا رقم 4.
لِتُعلن النتائج بفوز الثنائي عزة وقصي، ونبيل وديانا بأول اختبار، ليسفر عن فشل البقية. وبذلك جمع لأول وثاني ثنائي خمسة عشر نقطة، والبقية صفرًا!
بين حماسية ومخيبة للآمال اشتدت المسابقة. عاد الخمس ثنائيات بين فرحة وحزن وتأنيب لبعضهم البعض. فلامت وئام باسل كيف له ألا يعرف صحنها من بينهم، وضحكت روز، كانت تعلم بفشل مصعب في تمييز صحنها.
أما عن مايا فقد لاحظت اقتراب رائد من روز أثناء تواجدها بالمرحاض وخروجها منه، وهمسه لها وهو يدنو منها، فاحتقن وجه روز وتركته لترحل بعيدًا. فدل ذلك عن بداية حدوث مشكلة عارمة بينهما.
- أيوة يعني كنت بتقولها إيه؟ ولا هي عشان حلوة وبلونداية عاجباك؟!
تأفف رائد وأوضح لها أنه مجرد حديث ليس له قيمة أن يتذكره أو تنشغل به مايا حتى، وحاول اختلاق أحاديث أخرى بأنه عليها تعلم الطبخ لمستقبلهما معًا، فبهذه الطريقة سيكون معتادهم تناول الطعام من الوجبات السريعة ومحلات المأكولات الجاهزة.
أما عن مصعب فهو كان ممسكًا بذراع روز بعدما رأى رائد يهمس لها، وحينما أتى مصعب رحلت هي وذهب رائد.
تأوهت روز بشدة ونفضت ذراعها عنه قائلة:
- إيه الهمجية دي؟ ما تتكلم زي الناس العاقلين.
- مانا بتكلم أهو يا أبلة زي الناس العاقلين، ولا هو الناس عتتكلم من خشومهم وأنا عتتكلم من ودانى؟ كان عيجولك إيه وايا وجفة معاك؟
لوحت روز بيدها غاضبة وأردفت إليه بنبرة عصبية:
- اسمع يا مصعب، إحنا هنا عشان غرض معين، مش معناه أبدًا إنك تتحكم فيا وتتصرف كدا معايا. مش من حقك.
تراقص مصعب لها ساخرًا من حديثها وأردف:
- مش من حجي! رقصوني يا ولاد، مين مش من حجه؟ عليا الطلاق ما يجرب منك تاني لنولع فيه وفخطيبته وفيك، وفالفيلا وفالأستاذة زاد اللي كل ما تشوفني تضحك، عشان أصل أنت فاكرة تفوري دمي وأنا أجف لك شاب كول وروش! عالله يا روز.. عالله تحصل حاجة تاني تحرج دمي.
رمقته روز نظرة من أسفل لأعلى وتركته، فتنهد هو وأردف إلى نفسه:
- سايبه هي، ده تولع فيها بلاد.
***
بفرحة بالغة كانت تتراقص ديانا حول نبيل تعبر عن فرحتها بفوزهم قائلة:
- أنا كنت متأكدة يا بلبولي، متأكدة جدًا أوي.
- متأكدة إيه؟ أنا عاوز أعمل غسيل معدة بعد المعلقة اللي دوقتها في طبقك.
مطت ديانا شفتيها وهي تردف بطفولة كعهدها:
- حرام عليك يا بلبولي، ده أنا حطيت فالطبق ده عصارة أفكاري وخبرتي بالمطبخ، وعشان كدا أنت عرفته على طول يا حووبي وحسيت بيا وبجماله.
قالتها ونامت على ذراعه كهِرّة تشم رائحة صاحبها، فنفض ذراعه عنها قائلًا:
- عرفته على طول إيه؟ عرفته من العك المنيل.. لاء ولأول مرة فيه عك أكتر منك يا كعبول الأستاذة صاحبة رقم 4، حاجة كدا أستغفر الله العظيم يا رب ربنا يرحم جوزها ولا خطيبها ده.
- بس أهم حاجة إننا كسبنا يا بلبل، كسبنااه افرح يلا.
- ما إحنا لسه ما نعرفش يا ستي اللي جاي هنكسب فيه ولا لاء.
تأففت ديانا فنفخت منه بوجهه قائلة:
- يووه، هو أنت ما سبتش غرابك على باب الفيلا ليه؟
***
بدأ الأسبوع الثاني، ما بين حصة للرياضة للعشرة متسابقين يرتدون بها ملابس التدريب المخصصة، يتبعون المدرب لحظة بلحظة.
جلوس قيام، حركة، جري هرولة هنا وهناك مع الإشارة، تقسيمهم لفريقين فتيات وشباب.
الجميع بحركات نشطة صباحًا، تتوزع الابتسامة للجميع على وجوههم، تخطئ ديانا كثيرًا وتلهث ولا تستطيع اللحاق بهم، تشعر بالتعب من أقل مجهود.
تنتهي الحصة لديهم ولكنها لا تنتهي بالنسبة لديانا، يستمر المدرب معها تمارين وتدريبات، تتعالى ضحكات الفتيات ويقوم نبيل بتحميسها بشكل ساخر، والحماس يشتد والمتابعة في تزايد.
وبعد الرياضة، تأتي وجبات الغداء الصحية ليتناولها كل ثنائي بطريقته، فمثلًا أخذت روز طعامها وصعدت إلى الأرجوحة فتابعها مصعب كي يقوم بإصلاحها وأيضًا تناول الطعام معها.
عزة وقصي في بهو الفيلا على الطاولة وبجانبهم وئام وباسل. مايا كانت تتناول طعامها في الحديقة ورائد معها ولكن بصمت.
انتهت ديانا لتهرول تريد أن تقوم بسد جوعها المتواصل، فلم تجد سوى هذا الطعام الصحي والموضوع بكمية، تبكي بشكل طفولي مضحك، فيربت نبيل على ظهرها كي تتحمل فتقوم بأخذ وجبتها ووجبة نبيل وتفر هاربة!
ينتهي اليوم ويأتي اليوم الآخر، يجلس الجميع حول الشاشة ليتلقوا رسائل متابعيهم ويقومون بالرد. فكان أول ثنائي له جمهور واسع عزة وقصي.
قاموا بالرد على الجميع وعلى الرسائل المحبة لهم لينهضوا ويأتي دور نبيل وديانا وكم الرسائل المشجعة لهما والمضحكة، وكانوا أيضًا يجيبون عنها بمزاحهم وعفويتهم وضحكاتهم.
ليأتي دور مايا ورائد، يتلقون ويجيبون حتى تأتي رسالة غريبة موضحة أن هناك شيئًا غريبًا يصدر من رائد ناحية روز، وهناك دائمًا مشاحنات بين رائد ومصعب، ويظن الجمهور أن هناك شيئًا خفيًا وراء ثلاثتهم رائد وروز ومصعب، ومايا على غير علم به.
شعرت مايا بالاختناق والغضب فنهضت من المجلس وصعدت إلى غرفتها، فأوقفها رائد ممسكًا بذراعها مستفهمًا:
- فيه إيه يا مايا؟
- أنا عاوزة أفهم إيه اللي بيتقال ده بالظبط؟ يعني إيه بتودد لروز وكان فيه حاجة بينكم؟! انطق يا رائد أنا مش مغفلة.
هز رائد رأسه يمينًا ويسارًا وهو يحاول أن يخفي عنها كالعادة:
- أنت هتصدقي شوية كلام يا مايا؟
حاول أن يضمها إليه فنفضت نفسها عنه قائلة:
- شوية كلام إيه؟ الفانز بيقولوا إنك قولتلها بعد الاختبار إنك كنت عارف طبقها.. عرفت طبقها منين؟ ويعني إيه كنت عارف؟ يعني تعرفها وأكلت من إيدها قبل كدا.. وكمان إيه الخناقة اللي كانت بينك وبين مصعب عليها وقت العزل بينا؟ يعني لولا الفانز أنا ما كنتش هعرف حاجة!
دب رائد بقدمه أرضًا بعنف وأردف يحاول كتم عصبيته وغضبه:
- مايا اهدي ممكن؟ كل ده كلام فارغ والفانز عاوزين يولعوها عشان ياخدوا تريندات وكدا، إحنا قدام الناس ما تخليش شكلنا وحش.
قامت مايا بدفعه في صدره بقوة تحاول إبعاده عنها وكأن لسان حالها يقول بداخلها لا توجد طرقات أخرى وعليك أن تسلك ذلك الطريق حتى تكمل حياتك، ملاحظة.. ذاك الطريق مليء بالألغام!
- شكرًا للناس الحيوانة اللي خلتنا نحكي عن ناس حيوانة بأن قد إيه هما حيوانات وقالولنا إزاي يعملوا كدا الحيوانات وطلعوا حيوانات أكتر منهم.
عقد رائد حاجبيه قائلًا:
- قصدك إيه يا مايا؟
نظرت له مايا بتركيز تصوب مقلتيها نحوه متحدية إياه قائلة:
- يعني شكرًا يا كذاب.. ويا حيوان!
تركته ودلفت إلى الغرفة مغلقة الباب في وجهه فوقف هو بلا حراك.
***
"كلمات رصاص"
البعض قد يعترف لشخص ما بأشياء، لكن لا يحسن التعبير. والبعض الآخر يتعمد أن يقول كذلك لِيُفرغ مرضه الذي طالما تفاقم بسبب أحد ما. والبعض يريدون أن يحرجوا ويجرحوا الآخرين. أنا أعترف أننا في بعض الأحيان نلقى مثل هذا النوع، النوع الذي يظهر أمام العامة كأن لا شيء مثله، ثم مع بعض الأشخاص يُلقي إليهم كلمات، لا ليست كلمات بل سهام تنفذ في قلوبهم، ثم يحاولون بقدر الإمكان أن يتحاشى البعض منهم الكثير من الناس خشية أن يُصيبهم القتل الرحيم وهم على قيد الحياة.
فها قد حانت وقت جلسة حسن النفسية للمتسابقين العشرة. جلس الجميع في بهو الفيلا، الطبيب حسن العطار بالمنتصف والباقون حوله. تتأنق مايا في ملابسها دون النظر أو الجلوس ناحية رائد. وئام بملابسها العادية البسيطة بجانب باسل. ديانا بجسدها الممتلئ تجلس على أكبر قدر من الأريكة وبجانبها نبيل.
عزة يمسك بيدها قصي وروز تجلس بجانب عزة بينما يجلس مصعب بالطرف الآخر.
تنحنح حسن وبدأ جلسته بمزاح كعادته لكي يسود جو مرح عام ومن ثم أردف:
- النهارده أنا عاوز كل حد منكم ينسى أنه قدام كاميرات وناس، وينسى أصلًا إن فيه حد حواليك. عاوز كل حد منكم يحكي لي وكأني لوحدي يقول لي إيه اللي واجعك، كأننا في رحلة مثلًا لمكان حابينه وقاعدين بليل بعد حفلة شوي ورقص وهيصة، بنلعب لعبة الصراحة، قولوا كل اللي جواكم. نبدأ بـ... ديانا.
ضحكت ديانا كطفلة بلهاء تريد التخبئة عن وجوههم، فقالت وهي بمكانها:
- ما اعرفش هحكي عن إيه واجعني بس..
صمتت طويلًا والجميع بانتظارها حتى نظرت نحو نبيل ولأول مرة يقع عن وجهها وجه المرح والطفولة وتتحدث بجدية فقالت:
- أنا بنت مش وحيدة لأهلي، بس مش مفضلة لحد.. لا عندهم ولا عند إخواتي ولا أصحابي. وأنا في إعدادي كانت البنات عاملين تجمعات وأصحاب كلهم، وأنا بس المنبوذة فيهم. كانوا بيقولوا عليا هبلة، تافهة، كنت بجيب الأكل وآكل.. كل ما أتغاظ آكل، كل ما ألاقي نفسي وحدي آكل. لحد ما بقينا أنا والأكل أصحاب، ومش بس أصحاب إحنا اتنين مرتبطين ما ينفعش حد منهم يفركش من التاني. بقيت بتخن وجسمي بيملى، مش مهم.. ما فيش لبس مقاسي يرضو طظ. ما فيش أصحاب.. عادي، باكل وآكل وآكل.. الأكل عمره ما خاصمني عمره ما سابني. عمره ما اتخلى عني، حبيت مرة وقالي أنت مفشولة أوي مش هينفع أخدك الفرح عند قرايبي. فسيبنا بعض، وحبيت تاني وقالي مش هينفع برضو نتجوز عشان ما فيش فستان فرح هيدخل فيا وإنه بيتكسف وهو ماشي جنبي.
لحد ما اتقدم نبيل، كنت مستقتلة إني أنجح العلاقة دي، في الأول عشان أثبت إني مش فاشلة ومش تافهة وعبيطة وبحب الأكل وبس.
هبطت دمعة رغما عنها فمسحتها سريعًا وضحكت قائلة:
- نبيل من أول يوم عاوز يفك مني، وأنا مصممة ومصرة وعاوزة..
زمان سمعت من حد إنك ما تحاولش أكتر من 9 مرات في أي علاقة، إنت مش لاقي كرامتك في الزبالة.
ضحك جميعهم، برغم تأثر حسن وتأثر نبيل بها ووئام. أكملت ديانا بروحها المرحة كالعادة:
_بقالنا سنتين وشوية مخطوبين، ياما اتخاصمنا ومرة فركشنا وبرضه رجعنا.
ثم نظرت إليه بحنان وقالت:
_ومش هأسيبه أبدًا، عشان نبيل يتحب بغض النظر عن الإصرار إن لازم يفضل عشان مكونش فاشلة، فهو لازم يفضل عشان أنا بحبه ببؤسه وشؤمه وكل النحس دا.
ضحك الجميع، فضمها نبيل إليه في مشهد حاني رائع، ليصفق الجميع، فيشير حسن إلى روز قائلًا:
_يلا يا روز.
_أومال فيش غير البنت؟
قالها مصعب ليضحك جميعهم، فأردف حسن مبتسمًا:
_معلش دوركم جاي بس ليديز فيرست، خليك شيك يا مصعب.
_حاضر، هبقى شيك من السبت الجاي.
تنحنحت روز وعدلت من انسياب شعرها وأعادته للخلف فقالت:
_أنا نفسي أتكلم، حقيقي نفسي أتكلم من زمان أوي، من أول ما عيني فتحت ولقيت نفسي وحدي. من غير أب أو أم أو أهل! من غير صحاب أو قرايب، لقيت نفسي في ملجأ، ملجأ ومش معروف حتى مين أهلي ولا منين ولا بنت مين.
اتسعت حدقة عين عزة بينما كانت ترمقها مايا نظرات تحتقرها، أكملت روز دون النظر لأحد منكسة رأسها لأسفل:
_أنا كنت بتكسف أعرف حد حقيقتي، حقيقة طفلة كبرت وبدأت تعرف أنها كانت غلطة، مجرد غلطة. بنت من الشارع زي ما بيقولوا.
نكس رائد رأسه لأسفل وأخذ يفرك بيده وقد لاحظته مايا، أكملت روز:
_البنت اللي من الشارع كبرت واتعلمت واشتغلت وحافظت على نفسها حتى لما حصلها حادثة تحرش. دافعت عن نفسها واستقالت، البنت اللقيطة اتعلمت التايكوندو عشان تعرف تحمي روحها وهي وحدها في الدنيا. البنت اللقيطة، رغم جمالها وعقلها الكبير، ممشيتش في طريق وحش واستسهلت وقالت نصيبي وأنها ضحية ومجني عليها مش جاني.
صمتت قليلًا، فتناولت الماء وتحشرج صوتها فأكملت:
_ولما قابلت حد ارتاحتله، حست بقبول وهو حس براحة. وقربت وقرب، ووضح لها برغبته. في إنه عاوز يكمل جايز يحصل قرب عن كدا، وكملت وقربنا أكتر وأكتر لحد ما اطمنت له. وقالت له حقيقتها بعدما علق كذا مرة على أسلوب لبسها وحياتها.
شعر رائد بالتوتر وأخذ يبتلع ريقه بصعوبة، راقبه مصعب نظرة له ونظرة نحو روز وهي تكمل:
_ولما عرف حقيقتها، سابها، سابها عشان مينفعش يرتبط ببنت من الشارع مشكوك في نسبها. جاي من حلال ولا من حرام، حاسبها على غلط هي مالهاش ذنب فيه.
انهمرت دمعاتها مسحتهم، فأكملت بعد أن رفعت رأسها نحو حسن تخاطبه:
_لحد ما قابلت مصعب، وبرغم بداياتنا الغير موفقة، لكن حبيته واستجدعته. ووقف جنبي في حاجات ووقفت جنبه، لحد ما بقينا كيان واحد. عرف حقيقتي، مسابنيش وهرب، بالعكس فضل وقرب أكتر كأنه مندمش يوم على معرفتي، مطمعش فيا وقال وحيدة واستغلها وأكيد شمال بس بتمثل. بالعكس اقترح المسابقة وأننا ندخل سوا ومتمسك بيا قدام الناس وقدام الدنيا. برغم إنه صعيدي ووو...
لم ينتظرها مصعب لكي تكمل، فنهض ليهرول ناحيتها ويجثو على ركبتيه قائلًا لها بعدما أمسك كلتا يديها المرتعشتان ليضمهما بقوة قائلًا بنبرات تحمل كل معاني الحب:
_وبيحبك يا روز، مصعب بيحبك يا رزة.
رفعت له رأسها فاغرة فاها مندهشة بعينين فرحتين، فأعادها هو:
_أنا بحبك يا ملكومة وعمري ما أتخلى عنك حتى لو هموت.
قام بضمها إليه أمام الكاميرات أمام المشاهدين أمام المتسابقين وحسن، ليصفقوا له داخل مطر وردي صانعًا أحدهم له صفيرًا وتصفيق حاد من حسن مع صفير هو الآخر. وهتاف عالٍ من مجموعة فتيات بسكن طالبات يتقافزون على أسرتهم صانعات هتاف جماعي:
_أووووووووووه كيوووت يا مصععااااب.
-المرتب مش مكفيني لوحدي والحالة ضنك، أتجوز وأخلف عشان نشحت.
_يا سيدي احمد ربنا كفاية نعمة الصحة.
- يعني لما كعبول والعيال يجوعوا أقلع أوريهم عضلاتي!
رواية ميكاتوا الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور اسماعيل.
وهل من عاشق مثلي؟ وهل بين النساء جميلات سواكِ. أهيم سارحاً بين شفتاكِ وكأني في رحلة بحرية تتلاطم الأمواج.
أمام التلفاز كانت جالسة هيام وأمامها أطباق المسليات والمقرمشات، تشاهد وعلى وجهها ترتسم الابتسامة وبجانبها فنجان قهوتها المفضل ساخن ينتظر رشفاتها.
ولجت ابنتها لتجدها تشاهد باهتمام البرنامج الذي ذاع صيته مؤخرًا "مطر وردي". ضحكت ساخرة وجلست بجانبها تتحدث إليها متسائلة لماذا تهتم بأمر برنامج تافه هكذا. بينما أجابتها هيام بأنها تشعر بسعادة تغمرها حينما تتابع الثنائيات وتعاملاتهم والاختبارات وجلسات الاستشارات النفسية وصفوف الرياضة والتغذية، حتى أنها لا تستطيع تغيير المحطة الفضائية عنهم.
هي بالفعل تهتم لأمر البرنامج، ولكن هناك سبب خفي وراء متابعتها. من الجائز أن تراه مرة أخرى حبيبها السابق وقدر قلبها وساكنها الأبدي.. ذكي فضل مطر!
خطرت ببالها فكرة وهي جالسة هكذا، فأردفت لابنتها:
"ايش رأيك أفنان، أبغى أنزل مصر قريبًا."
استفهمت ابنتها بدهشة وقالت لها:
"ويش تجولين يا يوما، مصر وايش تبغين فيها حتى تسافري؟"
عادت هيام بالذكرى شاردة تريح رأسها خلفها على الأريكة قائلة بعد تنهيدة طويلة:
"ما تنسي أن أهل أبوي من مصر، وكمان هاي ما أبغى ورح أسوي أموري وأنزل بأقرب وقت. أنا بعاني وايد من الوحدة من بعد أبوكِ رحمة الله عليه، أبغى تغيير جو."
ابتسمت ابنتها بسخرية وقالت ممازحة إياها:
"بس يايوما، ما يصير تنزلين وحدك، ندبر أمورنا ونيجي وياكِ."
"بسافر وحدي، تلمحين إني عجوز صايرة وأبغى حدا يساندني.. بقدر لحالي. حسوي أموري وهنزل قريب."
عم الصمت وانتبهت الجدة هيام ثانية إلى التلفاز حاسمة أمر سفرها إلى القاهرة، بينما كانت تنظر لها فتاتها مندهشة من أمرها ومن فكرة السفر التي خطرت ببالها فجأة وحسمت أمرها بها، أي لا جدال.
إثر متابعة هيام، كانت جلسة الطبيب حسن مُدارة ما تزال. كانت وئام تتحدث عن ما سبق بحياتها وأوجعها وأن باسل هو عوضها الحقيقي عما فات. كانت تتحدث بنبرات خجولة لكنها قوية، والجميع كان مستمعًا لها. فأراد حسن تغيير نبرة الحزن بصوتها وداعبها بطلب منه حينما أوضحت أنها أحيانًا تقوم بدندنة الأغاني مع ذاتها وهي تطبخ أو تصنع شيئًا بالمنزل. وأوقات كثيرة سمعها باسل وردد معها أو أمسك آلته وقام بالعزف لها.
أوضح حسن لها أنه يغني أيضًا وصوته يلقى الاستحسان من البعض وله جمهور ينتظره في بعض الحفلات الغنائية الشبابية، فدعاها للغناء معه!
ابتسمت وئام بخجل وقامت بتخبئة فمها من هول مفاجأة الطلب والطالب. نظرت إلى باسل كي يقوم بإعطائها الإذن ولا تحدث مشكلة فيما بعد، فقام بالإذن لها مشيرًا بعينيه.
تنحنحت وئام وركز الجميع النظر عليها، فاختارت أغنية للمطربة شيرين وبدأت وبدأ معها حسن:
"أمنتك عليّ عشان لاقيتني مصدقاك، وعدتك في وقت الجد جنبك هتلاقيني. بسهر على راحتك وراضية أتعب معاك، وإن ما تشيلكش الأرض أنا أشيلك في عينيك."
كان جزء من الجلسة جميلًا، أخذت عزة تتمايل معها على قصي المحتضن يداها، ومصعب ينظر بحب إلى روز المستندة إلى صدره وتردد مع وئام بخفوت. بينما كانت تنظر مايا شزرًا نحو رائد وتتصنع عدم الاهتمام به والتركيز نحو وئام وحسن وهما يغنيان ويملآن الجو مرح.
كانت ديانا تقوم بفعل "طقطقة أصابعها" لهما، أي موسيقى تصويرية لهما. ونبيل غارق في ضحك على فعلاتها البلهاء العفوية هذه مع مداعبته لشعرها بكف يده بفوضوية.
انتهت جزئية وئام لتأتي عزة ومن بعدها مايا، ليأتي دور الشباب واحدًا تلو الآخر. كان مصعب أولهم. من الممكن وصف فقرته بالفاصل المضحك، فكان يقص ما يوجعه لكن بطريقته الهزلية كعهده جعل الجميع يضحك من حوله عدا رائد الذي كان يشخص نظراته عليه بحقد مدفون.
ثم تحدث نبيل، فحكى معاناته في لم شمله بديانا ومن قبلها فشله في عدة خطبات قبلها وتعرضه للخيبات كثيرًا بحياته جعله ينظر نظرة سوداوية للحياة بشكل عام، خائفًا من القادم بسبب قلة المعيشة وحالة راتبه البسيط في ظل الغلاء وهذا هو سبب أول في تأخر زواجه برغم طول مدة الخطوبة.
"يعني ببساطة المرتب مش مكفيني لوحدي يا دكتور حسن والحالة ضنك، أتزوج وأخلف عشان نشحت."
ربت قصي على كتفه قائلًا له برصانته التي عهدناها:
"ياسيدي احمد ربنا كفاية نعمة الصحة."
امتعضت شفتي نبيل فرد عليه قائلًا:
"يعني لما كعبول والعيال يجوعوا أقلع أوريهم عضلاتي!"
تعالت ضحكات الجميع، ليأتي دور رائد وقصي وأخيرًا باسل.
كان حسن يدون بمفكرته الصغيرة أثناء تحدثهم كل واحد على حدة. انتهت الجلسة ورحل حسن ليصعد البقية إلى غرف النوم باستقبال يوم جديد.
مرت أيام، فكانت عناوين يوميات اليوم كالتالي:
إعلان أصدقاء الأسبوع الثاني من الشباب والفتيات وتزايد النقاط.
مكالمة نارية تأتي إلى مصعب.
اختبار الأسبوع الثاني ومن بعده الفصل.
وأخيرًا مفاجأة مدوية تأتي إلى عزة على شكل رسالة بصندوق البريد!
رحبوا معنا بالأسبوع الثاني لـ "مطر وردي"، تجمع العشر متسابقين ببهو الصرح ينظرون نحو الشاشة ووجوه الخمس فتيان والخمس فتيات وفي الأسفل مدون أصدقاء الأسبوع.
تقلبت وجوه رائد، مصعب، نبيل، قصي، باسل عدة مرات حتى توقفت على قصي ليصرخ قصي كأنه فتى بالعشرينات ويضم عزة إليه فيزيد عشرة نقاط ليصبح هو وعزة خمس وعشرين نقطة.
وتتقلب وجوه الفتيات ما بين مايا، ديانا، وئام، عزة، روز والجميع ينظر نحو عزة علمًا بأن من الممكن أن تفوز هي مثل زوجها، ولكن توقعاتهم لم تكن صائبة فتوقفت على وجه وئام!
لتضحك هي في حبور وتشير نحو الشاشة فتفوز بعشرة نقاط تضاف إلى حساب الثنائي وئام وباسل.
وهكذا تصبح وئام وقصي أصدقاء الأسبوع الثاني للمتسابقين، من حيث الهدوء والنظافة ومتابعة التعليمات ومصادقة زملائهم والتعاون والحفاظ على حضور الصفوف بموعدها.
ووسط فرحة قصي ووئام سمعوا صوت زاد تتحدث إليهم عبر مكبرات الصوت:
"مساء الخير يا مطر وردي، مبروووك وئام وقصي.. أنتو أصدقاء الأسبوع الثاني. وتستاهلوها.. بصوا على الشاشة عشان تشوفوا هداياكم."
ظل الجميع ينظر نحو الشاشة، لتظهر سيارة فارهة وتعليق والي بالخلف:
"مبروك قصي ووئام، غير النقط انتو كسبتوا عشا رومانسي جدًا بكرة بليل في أضخم أوتيلات القاهرة. العربية دي هتيجي تاخد كل ثنائي منكم لهناك وهنتابع معاكم العشا على صوت عزف البيانو الفريد والعشا المتميز خارج نطاق أكاديمية مطر وردي، استمتعوا."
فرحت عزة كثيرًا وقامت بعناق قصي وهرولت على الدرج متأبطة ذراعه كي يقومون باختيار ملابسهم لسهرة الغد، بينما أمسكت وئام كف يد باسل ونظرت له بفرحة قائلة:
"أنا هنا حاسة إني بفرح من قلبي، على عكس أيام حياتي كلها."
تبسم باسل لها وأردف بصوته الهادئ:
"أنا مبسوط عشان انتِ مبسوطة يا وئام وكفاية إنك في حياتي."
مسح باسل على وجنتها برفق، فكانت تراقبهما ديانا باهتمام ليصفعها نبيل على رقبتها من الخلف قائلًا لها:
"باصة على إيه، هاه باصة على إيه.. اتنين كسبانين فرحانين ببعض مالك كأنه فيلم تيتانك معروض قصادك يا كعبول الأيام."
ضمت ديانا كفوف يداها إلى بعضهما البعض وتحدثت بهيام له وهي على نظرتها إلى وئام وباسل:
"شايف الحب يا بلبولي."
"بس بلاش بلبولي لأديك بالقفا تاني."
"شايف مش بس عزة وقصي، كمان باسل ووئام.. ولما مصعب اعترف لروز.. آآآآه سوو سوويت."
كان نبيل يتعوج بفمه أثناء كلامها وأردف لها ساخرًا:
"طب ي سويت هانم يالا فيه تمرين عندك، خليكِ مهتمة جايز نكسب إحنا الأسبوع الجاي وننجح في أي حاجة في الدنيا دي."
مطت ديانا شفتيها ونهضت معه على مضض كي تتابع تمريناتها التي أشار لها المدرب تقوم بها كي ينقص وزنها ويصبح مظهرها لائقًا وجميلًا.
وفُزت بكِ فاستطار القلب وتهللت أساريره، أنا من كنت قبلك لا أؤمن بحب ولا هوى؛ حين التقيتك علمت كيف مات قيس ولم ينفعه دواء! وجدت ليلى مثله، أخطأت سلفًا بأنها أساطير كاذبة، وصدقت قصص الحب وأقاويله!
بميعاد المكالمات الهاتفية، مسموح أحيانًا ثلاثة دقائق وأحيان أخرى دقيقتان، ولحسن حظ مصعب اليوم أتته مهاتفة لوالده واستغرقت الثلاث دقائق في سباب وشتائم مروعة. والسبب إعلانه لحب روز أمام مصر كلها، فتاة الملجأ معدومة النسب.
"أنا لا كنت عارف برامج ايا وربراب ايا لحد ما اختك ورتني التليفون جالتلي بص ياباه مصعب على التلافزيون ومسابجة وممسبجاش، انت يا ولدي مش مسافر مصر تشتغل. فجر ايا ومسابجات ايا وجلة حيا ورباية ايا عرتنا فالنجع كله جاك دم أما يخش عليك."
تنحنح مصعب ونظر إلى الكاميرات وأردف لوالده ممسكًا الهاتف:
"يابوي، يابوي إحنا عالهوا اديني فرصة أتكلم واشرحلك."
"وبت مين دي اللي تجولها نحبك جدام الناس، يا واد روحت مصر وبجيت خيبان وبايظ زي الولد الفقرية بتوع بحري اللي عم يلبسوا مناطيل ساجطة يا واد."
قبّل مصعب الهاتف وهو يقول:
"أبوس راسك يابوي تديني فرصة أشرحلك."
"بت ملهاش أصل ولافصل تربية شوارع تجولي نحبها وهتجوزك ورايح معاها مسابقة جدام الخلايج كلها، إخص عليك وعلى تربيتك يا ود الفقرى."
لطم مصعب وجنتيه وأردف يحاول كظم غيظه على قدر ما يستطيع:
"يابووي اسمعني، روز بت زينة وجدعة ولهاش ذنب في اللي حصلها زمان وأنا نحبها وعاوزها وداخل المسابقة معاها وعشانها ياباه، نبوس ركب جدي ما تزعل وجول لأختي القوقة اللي جومتك عليّ حسابها بعدين بس تخلص المسابقة."
انتهت الدقائق، وضع مصعب الهاتف بمكانه وترجل نحو أقرب كاميرا وتحدث عبرها وكأن والده سيسمعه:
"يابووي نبوس ركب والديك البت زينة، ما تزعلش مني انت وامي ومسيركم تشوفوها وتحبوها زي ما حبيتها. روز بت حنينة جوي يابوي، والإنسان بيتجاس بأخلاقه وتعامله والبت دي راجل يشهد عليّ ربنا ماشوفت حاجة منها وحشة.. وتستاهل إنها تكون شريكة حياتي أحسن من ميت بت نعرفوا أصلها وفصلها وهي مدوراها برة باسم العفة."
نهض ومن ثم تذكر شيئًا فعاد إلى الكاميرا مرة أخرى ليتحدث:
"وتاني مرة اختي اللي سخنتك عليّ إن شاء الله هحط راسها في الفرن لحد ما تتفحم بت المحروق."
نهض ومضى وأغلق غرفة المهاتفات خلفه.
بينما كان الثنائي عزة وقصي يتهيآن للخروج في نزهة موعد العشاء المنتظر، وتتهيأ وئام بوضع بعض مساحيق التجميل على وجهها كي تبدو أجمل في سهرتها المنشودة.
كان قصي يرتدي بدلته الأنيقة ويساعد باسل في ربط ربطة العنق خاصته ويلقي نظرة على هندامه بأنه لائق ومظهره رائع.
بالخارج كان يترجلان أربعتهم ليستقلوا السيارة، وليسو وحدهم من كانوا على موعد للعشاء. بل كانت زاد أيضًا على موعد بإقامة حفل صغير لعمها ذكي بمناسبة بلوغه العام السادس والستين! وقامت بدعوة والي وأفراد الشركة وحمدي وحسن وزوجاتهم. كان يومًا لطيفًا للغاية وسط أغاني عبد الحليم حافظ المشغلة بصوت جهور والمشروبات الجميلة التي تقدم بعد تقطيع قالب الكيك وقد همست زاد بأذن عمها أن يتمنى أمنية. فتمتم إلى نفسه قائلًا:
"نفسي أشوفها!!"
بفستانها الأسود الأنيق عاري الصدر والأكتاف كانت تترجل زاد بعدما طلبت من الرجل الذي يقوم بتشغيل الأغاني تشغيل أغنية "حبيبتي من تكون". لتجد أنامل والي تمتد لتطرق كتفها من الخلف، فتدور لتجده وتبتسم مع رفع لخصلة شعرها خلف أذنها:
"زاد، هو القلب بيزيد دقاته ليه لم بشوفك؟!"
تنفست بعمق وزفرت بهدوء وهي تتحدث له محاولة أن تكون نبرتها جادة:
"يمكن بتعاني من الضغط العالي أو حاجة."
هز والي رأسه ساخرًا وقد عقد ذراعيه أمام صدره وأردف لها خلف ابتسامته الساحرة:
"مممم بقا كدا، لا ياستي مش الضغط هو اللي عالي."
أومأت زاد برأسها مستفهمة فاسترسل والي حديثه:
"ممكن يكون الشوق عالي، الحنين عالي."
"هو انت بقيت تقعد مع عمو كتير ولا إيه؟"
أشار والي ناحية ذكي الذي كان غارقًا بالحديث مع حسن وأردف:
"قصدك ذيكو، لا ذيكو دا حبيبي وأحب أتعلم منه كمان، كفاية قصته مع السلطانة هويام."
أشارت زاد له أن يخفض صوته وأردفت محذرة إياه:
"إوعى تقع بالكلام قدامه عن الحوار دا هتزعله مني."
"زاد!"
نطقها مصوبًا عينيه بعينيها مباشرة، فصرخ قلبها مترجمًا هذا على صورة نبضات. فأنتبهت هي ليقول والي بثبات:
"أنا مش عارف أعمل حاجة في نفسي ومحتاج تدليني."
"أدلك على إيه يا والي؟"
"لما تحب أوى وتتعلق أوى واللي قدامك بيصد كتير وانت بتحاول وبتحاول، تعمل إيه عشان تفتح باب الصخر؟"
دبلت زاد شفتيها وتصنعت الهروب فقالت:
"أنا همشي عشان مرحبتش بمرات دكتور حسن كفاية وشكلي وحش."
هنا، أمسك والي زاد من ساعدها يوقفها وأردف:
"زاد أنا غرقان.. زاد أنا ميت زاد أنا بنامش."
هزت رأسها له أن لا فائدة وهمت بالذهاب وبالفعل تركته فأردف هو إلى نفسه مصوبًا نظره عليها:
"مانا هقولها يا زاد، اصل هعمل إيه مش عارف.. مش عارف خلتيني لا عارف أتكلم ولا أتنيل أنا مني لله."
لقد تعبت السير وثقل قلبي، فقدت روحي بأماكن متفرقة، تلونت دنياي بلون لا أقدر على الرؤية به. كنت دومًا شريدًا... كنت لحين مجيئك، أضاءت عتمتي، سطع نوري، ووضعت لجانبي المظلم نجومًا. أظنني ما كنت لأستطيع إكمال دربي المعتم دونك، أشعر بك تخبرني ها أنا هنا فليطمئن ارتجاف قلبك الصغير فلتهدأ روحك، هاك كتفي اتكئ، بل هاك كلي واستند! فيا رفيق الدرب فوالله إن الدرب من دونك معتم. فلنعم الرفقة رفقتك ولنعم الأحباب أنت!
الجميع متأهبون بانتظار الاختبار الثاني، جالسون بشكل دائري على الأرائك جانب بعضهم البعض.
الوضع ما زال شائكًا بين مايا ورائد. فبعد جلسة الصراحة شعرت مايا أن الشخص الذي كانت تقصده روز هو رائد، ليس من كلامها استشفّت هذا من ردود أفعاله هو أثناء تصريحها بما فعله معها علاوة على ربطها للأحداث.
أما عنه يحاول بكل الطرق تشتيت انتباه مايا عما سمعت أو يلمح الجمهور المشاهد لها بعلاقته بروز قديمًا، زائد أنه ابتعد عن اعتراض طريق روز أو مضايقتها بالحديث الخفي الهامس. تذكر أنها حبيبته وأنه قد شارك بهذه المسابقة أولًا وأخيرًا من أجلها. مايا زوجته المستقبلية وحبيبته الذي علم بفقدانها أنه لا يوجد أخرى تستطيع ملء مكانها مهما حدث. حاول طيلة هذا الأسبوع ملاطفتها وإزالة الخلافات بينهم بقدر المستطاع ولكن قد ترسخ بعقلها ماترسخ وعليه إثبات العكس.
بمكبرات الصوت كان صوت حسن فأردف:
"هاللو مطر وردي، هاللو يا حلوين يا قمرات الشاشة، بالمناسبة عرفتوا اتعمل ألتراس محبي كعبول وبلبول عرفتوا دا؟"
قفزت ديانا فرحًا وابتسم نبيل وهنأهم زملاؤهم، فأكمل حسن كلماته:
"يعني حتى لو مكسسبوش فيه جمهور عريض برة بقا مستنيكم تقدروا تعملوا فيديوز وريلز وتنتشروا يا مسكرين."
"حبيبي يا دكتور سوونه أنا أصلاً بموت فيك يا مقطقط إنت."
تفوهت ديانا بالأخيرة عفوياً فضحك الجميع وضحك حسن ليملا عليهم الاختبار الثاني:
"طيب، معاد تاني اختبار وعاوزين همة ونشاط كدا، عندنا 25 نقطة للكابل عزة وقصي، و15 نقطة لديانا ونبيل و10 نقط لوئام وباسل وصفر روز ومصعب ورائد ومايا. الاختبار دا عاوزين أكبر عدد من النقط عشان أقل كابل هيمشي بعد اختبار الأسبوع الجاي."
ارتبكت روز بتشبث مصعب بكف يدها واستمع إلى حسن باهتمام:
"الاختبار اسمه تعرفني أد إيه، البنوتات الحلوين هنجتمع بواحدة واحدة منهم ونسألها أسئلة هنكون عارفين إجابتها من شركائهم وعلى قدر صحة الإجابات هيكون الفوز. وكذلك الأمر للشباب وبالعكس."
تحدث الجميع جانبًا بههمة، فأوقفها حسن قائلًا:
"هنفصل دلوقتي ونتقابل بعد يومين في غرفة لجنة التحكيم، باااااي."
هبط السقف الفاصل وتم الفصل، فصعدت الفتيات والشباب إلى غرفهم.
جلست روز مرتبكة تتحدث بصوت يكاد أن يكون مسموعًا:
"يارب أعرف أجاوب صح، مش عاوزة نخسر بصراحة."
جلست مايا على مقربة منها وتحدثت ساخرة منها:
"إيه معرفكيش حاجة عنه، وللا كان محتفظ بأسراره لنفسه عشان ميقولهاش لبنت ملاجئ؟"
نهضت روز من مكانها وتحدثت محذرة إياها:
"مسمحلكيش! بنت الملجأ أجدع وأشرف من الدلوعة بنت مامى وبابي وهي خايبة مش عارفة حتى تحافظ على جوزها ولا تنسيه واحدة فاتت."
اقتربت عزة منهما وقالت موجهة حديثها إلى مايا:
"عيب تتكلمي كدا عنها يا مايا، كلنا ظروفنا وحشة.. أنا كمان اتربيت في دار أيتام، أينعم أعرف أهلي وهما ودوني لأن محدش كان هيقدر على تربيتي. بس النتيجة واحدة، اللي من غير أهل دا ساعات بيكون أخلاقيًا أحسن من ناس كتير."
مطت ديانا شفتيها وأخذت تقذف بدميتها الضخمة "دبدوب أحمر اللون" التي أتت بها من منزلها وتردد:
"يابنات مش هينفع خناق، إحنا المفروض نبقى أصحاب ومش عشان بنتصور.. عشان إحنا يدوب خمسة ويا عالم المسابقة هتخلص إمتى مش عاوزين نقعد في مكان بنكره فيه بعض."
كانت وئام تشرب بعض الماء، حتى أخفضت الكوب عن فمها وقالت:
"أنا عاوزة أجاوب صح عشان باسل ميفتكرش إني معرفوش أو مبحبوش مش بس عشان أكسب، ياترى هيسألونا إيه."
وعلى الجانب الآخر عند غرفة الشباب، كان حديثهم كالآتي:
"الحياة بقت عبارة عن عاشق مكسور، وشخص مصدوم، وطيب مهموم، وصاحب حق مش طايله، وكأننا جايين الدنيا نعذب بعض، ومحدش فارق معاه لا صداقة ولا قرابة ولا كنافة بالزبادي حتى."
كان يتمتم نبيل بهذه الكلمات إثر وقوفه بجانب الشرفة ناظرًا إلى السماء، فرفع مصعب إليه بصره رافعًا شفته العلوية امتعاضًا وأردف:
"عيجول إيه دا؟! يعني مش كفاية المجلب المغلق الجديد اللي خدناه وعنفكروا فيه ودا جاعد يجول شعر وعامل فيها عبدالرحمن الأبنودي."
ضحك قصي وهو مارًا بجانبهم وجلس إلى فراشه قائلًا:
"بالعكس برضو أنا شايف أن كمان المرة دي سهلة جدًا، انتو بس اللي مصعبينها على نفسكم."
ترجل مصعب ناحية فراش قصي وجلس أمامه قائلًا:
"أمانة يا تشيرفول مان تبطل تفاؤل شوية وتبص لها من خرم إبرة زيينا كدا وتكون محبط، ناقصنا صداع يا ولدي."
كان رائد يسمعهما من بعيد ممسكًا بكأس مشروب بارد فانفرجت شفتيه قائلًا:
"أنا مش عاوز أنسحب دلوقتي، إحنا كابل الصفر وبالعكس حابب أفضل لأطول وقت.. لكن فعلًا المطلوب الجديد صعب ومش صعب شوية لاء صعب كتير."
نظر نبيل إليهم جميعًا مستاءًا كالعادة مردفًا:
"يا جماعة وأخرتها! هنخسر وكلها خسارة ومفيش كسبان.. الحظوظ الحلوة مش مع اللي زينا وعلى إيه بنحاول ونجري."
نهض مصعب مسرعًا ووضع يده على فم نبيل كممه وأردف:
"كلمة كمان وهجلبك من فوق، أقسم بالله حاسس إني عايش مع غراب بائس. بفكر أول ما أطلع من هنا أروح أفصل الكفن جاك الحزن اللي تشيله من بدري!!"
حاولت جاهدًا أن أُحلق عاليًا في الضوء كالعصافير أن أكون حرًا طليقًا ونجحت لوهلة.. وكونت سربًا رائعًا لكن بدا أنني مقيدة هنا كلما حاولت أن أطير كان هناك شيئًا يجذبني نحو الأسفل شيئًا يجذبني عكس تيار انطلاقي شيئًا يحاول إرجاعي إلى الظلمة وكنت أتغاضى ظنًا مني أنه يتشبث بي كي يكون معنا لكن بدا أنه يسحبني للأسفل ليبدل مكاني ونجح وتركني هنا.. وانطلق في سربه الذي كونته في الضوء وتركني هنا في الظلمة ثانيًا.
بعد استيقاظهم باليوم التالي، وبعد صف الرياضة وتناول إفطارهم ومن ثم أتت خبيرة تجميل تقوم بتعليم الفتيات بعض الثوابت لوضع "المكياج" على وجوههن وطريقة هادئة ليبدين مشرِقات جميلات أمام الكاميرات بخطوات سهلة وبسيطة.
أما عن الشباب كانوا على موعد لمدرب البوكسينج والحديد، فكانوا بصالة الرياضة يتبعون تعليماته واحدًا تلو الآخر حتى يصبحوا بأجسام رياضية متناسقة تليق بهم كواجهات في برنامج إعلامي ضخم كـ "مطر وردي".
وإذ كانت الفتيات تستمع لتعليمات خبيرة التجميل، استمعت عزة إلى صوت زاد بأن هناك رسالة تنتظرها عند المسبح.
هبطت على الفور بفرحة، فبالتأكيد إحدى معجباتها التي تمطرها برسائل الإعجاب في جلسة السوشيال ميديا الأسبوعية.
وما إن وصلت لتجد صندوق أحمر اللون وبه الرسالة بمظروف. فتحت المظروف أمام الكاميرات ومدون به:
"مش هتكسبوا المسابقة، مفيش اتنين بيثبتوا للعالم أنهم أفضل اتنين بيحبوا بعض وأوفياء لبعض وواحد منهم كان سبب في دبح التاني، ابقى اسألي قصي إيه السر اللي مخبيه عليك طول عمره من يوم جوازكم لدلوقتي. أتمنى تفهمي بقا."
كانت الرسالة مزعجة وبدون إمضاء. هرولت عزة مندفعة كعادتها على الدرج ولاتعلم ماذا تفعل فهم مفصولان الآن وهي تريد مواجهته بما قرأت على وجه السرعة قبل أن يتلاعب الشيطان بمخيلتها ويقوم بتهيئة الكثير من السيناريوهات داخل عقلها تؤدي بنهاية علاقتهما للأبد.:
"أنا في موقف مرعب ولا أحسد عليه، أنا قصاد أكتر الناس اللي عارفة تفاصيلي وحاسه غريب!"
رواية ميكاتوا الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نور اسماعيل.
كم هائل من الضربات، كم هائل من الصراع الداخلي بسببك!
لم أعد أستطيع مجاراة هذا، رحمة بي كي لا أتألم من كثرة الضربات، فألم الروح يقتل وألم الجسد يُنسى. لقد أهدتني وداعاً بلا عودة!
ولجت عزة إلى غرفة الفتيات تبكي بشدة ممسكة بالرسالة الغريبة التي وصلتها. قد لمحتها روز في غرفة وضع الميكياج، فاقتربت منها على استحياء.
مهما كانت المسافة بينهما لم تكن قريبة، لكن روز تشعر بأنها أقربهن لها هنا، لأن حالها ونشأتها وظروفها نفس الظروف.
جلست أمامها وهي تبكي هكذا، فسألتها ما بها، لتجيبها عزة بانهيار عن محتوى الرسالة التي وصلتها.
وتنسى عزة أمر الكاميرات والتصوير والمشاهدين، وكأنها قد تمنت وجود إحداهن كي تقص ما بها وتفرغه كاملاً. قامت بقص كل شيء يؤذيها من ناحية قصي زوجها، كل الأمور التي يقوم بتخبئتها عنها قصي وتكتشفها صدفة، كل الأمور التي أرهقتها من ناحيته وكسرت شيئاً ما بينهما كان وطيداً.
قصت عزة على روز كل شيء وكأنها صديقتها منذ زمن، وكأنها كانت تنتظر من يقول لها ما بك كي تخبره عن فيضان حمل قلبها.
سمعتها روز إلى النهاية وانفرجت شفتيها بأن في كل مرة ذكرتها عزة كان قصي معذوراً. هو لا يقصد غضبها أو إزعاجها بأي شكل من الأشكال، ولكن يخونه التصرف فقط!
أرادت روز تهدئة وضع عزة المنهار وقالت لها بهدوء أن غرام قصي المفعم بها يراه الكفيف، فهو يعشقها حد النخاع ويبدو هذا واضحاً جداً حتى في تعاملاته معها وتصرفاته كلها.
هدأت عزة إلى حد ما. أخبرتها روز بأن عليها الهدوء والتصرف بحكمة وبعد الاختبار تتحدث معه بهدوء وترى ما حجته هذه المرة وسيعلم قلبها إن كان صادقاً أم كاذباً.
***
أتى الاختبار. تم وضع الأسئلة بعناية من قبل الطبيب النفسي حسن العطار ووافق عليها بقية أعضاء اللجنة.
وكانت أول المتسابقات التي دلفت إلى غرفة لجنة الحكم هي عزة. بدأ حسن بالحديث وقام هو بالمبادرة على مرأى ومسمع المشاهدين.
"عزة، إيه آخر حاجة بيعملها قصي قبل ما ينام؟"
سمعت عزة السؤال، قلبها يتآكل من كثرة الحزن والانكسار والخذلان به. نسيت أمره ونسيت له كل شيء. رفعت عيناها بحزن مكتوم وقالت وقد تعلقت بأهدابها باقٍ آثار الدموع:
"بيصلي."
مط حسن شفتيه ودون الإجابة، سألت زاد السؤال الثاني.
"إيه أكتر هدية حبها منك قصي؟"
"مش فاكرة.. هدايا كتير."
"واحدة منهم، أكيد عارفة أكترهم."
أومأت عزة برأسها نفياً، فـ أردف لها والي.
"أكتر كلمة لازقة في لسان قصي؟"
رفرفت عزة بأهدابها عدة، وقالت في حزن:
"تمام.. كلمة تمام."
نظر ثلاثتهم إلى بعضهم البعض متعجبين، فـ أردف حسن:
"فيه حاجة مضيقاكِ ياعزة؟ ده بره الاختبار."
رفعت عزة نظرها إليه وقالت بوهن واضح على نبراتها:
"لأ، أنا تمام."
نظر حسن إلى السؤال الذي يليه وسألتها فأجابت، يليه زاد وأجابت. أجابتها كلها خاطئة عكس ما أجاب قصي عن نفسه ومدون لديهم.
انتهى دور عزة، ليدلف مصعب صانعاً تحية بيداه لأعلى فوق رأسه مراراً، فضحكت زاد. فـ أردف له والي:
"اقعد يا مصعب، اقعد مش داخل ترمي تحية وفرح."
"ياباشا هي عوايدنا كديتي.. هاه اسألوني عن رزة.. يارب سهل."
تماسكت زاد من الضحك وتلت عليه السؤال الأول.
"أكتر أكلة بتحبها روز؟"
حك مصعب برأسه والتوت شفتيه وأردف متلعثماً:
"مرة قالت لي إنها بتحب البامية قوي، كانت فيه مدرسة ليها في الملجأ توكلهالها وكانت تحبها من يدها."
"ونفسها ترجع هناك تاني عشان تاكلها من يديها."
ابتسم حسن فـ أردف له:
"روز بتخاف من إيه ي مصعب؟"
هنا أجاب مصعب بثقة دون تفكير وأردف:
"روز بتخاف من الناس يا سعادة البيه."
"يابني إحنا قابضين عليك؟! إيه بيه وباشا دي ما تظبط كدا."
قالها له والي فـ رفع مصعب كف يده يعطيهم التحية العسكرية مع هزة لرأسه بالإيجاب.
سألته زاد وهي تنظر إلى الأوراق تتحاشي النظر إليه كي لا تضحك.
"أكتر صفة بتحبها فيك روز؟"
ابتسم مصعب وأردف وكأنه يراها أمامه:
"بتقول الجدعنة، بس أنا حاسس الحنية عشان بصراحة مهما حصل بعرفش أقسي وأبعد."
تنهد حسن بعمق وتلى عليه السؤال الذي يليه.
"روز بتاخد كام معلقة سكر في الشاي؟"
حك مصعب برأسه مع تمتمته بصوت مسموت نسبياً:
"بتاخد كام معلقة الفقرية دي."
"هاه يا مصعب."
"حاضر يا باشا بنفكر.. بتاخد معلقتين!"
سأل والي وسألت زاد وسأل حسن وانتهى دور مصعب ليأتي دور مايا. فالشباب تدلف وتخرج من باب والفتيات من مكان آخر.
جلست وبدأ والي بعدما سألها إذا كانت متوترة كما يبدو عليها، فـ أجابت بالنفي، فـ همّ بسؤالها.
"صفة وحشة فيكِ ما بيحبهاش رائد؟"
فكرت لبرهة وقالت بكبرياء:
"لأ، رائد مش بيكره فيا حاجة خالص."
فكرت مايا في شكلها أمام المشاهدون وتناسّت أمر الصدق بالإجابة أو الكذب يفرق بالنقاط. همّ حسن بسؤال آخر.
"فاكرة أول أغنية أهداها ليكِ رائد؟"
من دون تفكير أردفت مايا:
"هو بيحب عمرو دياب أوي، أهداني أغنية خليك جنبي."
ابتسمت زاد وسألتها بعد حسن.
"آخر خناقة بينكم كانت ليه؟"
"السبب يعني؟"
أومأت زاد بالإيجاب، فـ أردفت مايا أن السبب انزعاجها مما أوضحوه لها متابعينهم بمواقع التواصل الاجتماعي بأنه قد يكون له علاقة قديمة العهد بإحدى المشاركات هنا وهذا أزعجها كثيراً لأنه لم يخبرها وقد نفى الأمر تماماً.
وبعد أسئلة عدة انتهى وقت مايا ليدلف نبيل من الباب الآخر وجلس، فـ بادر حسن:
"بلبل، ديانا لما بتزعل بتعمل إيه؟"
"بتاكل."
"طيب لما بتعبر عن حبها ليك؟"
"بتعزمني على الأكل."
"طيب لما تبقى فرحانة؟"
"بتطلب أكل."
ضحكت زاد بقهقهة عالية وأردفت له متسائلة:
"هو كله أكل أكل، حرام عليك كل حاجة بتعملها أكل."
"آه والمسيح الحي ده اللي بيحصل بأمانة."
تدخل والي بالسؤال فقال:
"ديانا نفسها في إيه حلم عاوزة تحققه يا نبيل؟"
"نفسها نكسب المسابقة ونتجوز."
فسألت زاد:
"إيه اللي ممكن يوجع ديانا أوي يا نبيل؟"
"لو حرمتوها من الغدا، أو أنا سبتها."
ضحكت زاد بشدة ونامت على المنضدة، فـ سأل حسن وبعده والي حتى انتهت مرحلة نبيل.
لتدلف وئام، فقامت زاد بسؤالها بادئة:
"أكتر كلمة بيحبها باسل منك؟"
ظلت تفكر وئام مرتبكة. ثقتها بنفسها قليلة عن البقية. تمالكت نفسها وعثرت على إجابة.
"لما بقوله يا حبيبي."
أكملت زاد سؤالاً آخر لها:
"أول حاجة بيعملها باسل أول ما يصحى."
ضحكت وئام وخبأت فمها وأردفت بخجل:
"بيمسك الموبايل قبل ما يغسل وشه حتى."
ضحك ثلاثتهم بهدوء، فـ أردف والي:
"باسل خانك كام مرة؟"
دب السؤال بصدرها الفزع، فـ أردفت متسعة حدقتيها ذهولاً:
"هو جاوب على السؤال ده وقال كام مرة."
"جاوبي يا وئام."
قالها لها والي حاسماً، فـ تلجلجت وئام وقالت وهي تقوم بتعديل وشاحها:
"اللي أعرفه ولا مرة."
"باسل بيفرح إزاي؟"
قالها حسن فشردت هي لتردف بنبرة حانية:
"لما بيفرح بيمسك الكامنجا يعزف أي مقطوعة سعيدة. لو حزين أو بيفكر في حاجة مزعلاه بيعزف مقطوعة حزينة."
سألتها زاد سؤالاً وأجابت وسأل والي ثم حسن حتى انتهت مرحلتها لتخرج ويدلف رائد فيجلس بعدما قام بمسح عيناه وارتداء النظارة ثانية. بادر والي هذه المرة:
"مايا خانتك كام مرة؟"
رفع رائد حاجبًا من حاجبيه وأردف مندهشاً بنبرة صوت ساخرة:
"هو ليه الأسئلة من بدايتها سخيفة؟ إزاي يعني خانتني."
تعجب حسن منه وأطرق كفاً بكف ليردف له موضحاً كاظم غيظه بداخله:
"يا كابتن رائد، دي أسئلة مدروسة وليها أبعاد نفسية في ردة الفعل والإجابات. إحنا مش بنلعب والله."
تأفف رائد فـ أجاب بنفاذ صبر:
"أكيد ولا مرة يعني."
سألته زاد بعدما اعتدلت بجلستها ناظرة إلى الأوراق التي أمامها وصوتها واضح:
"أكتر صفة مش بتحبها فيك مايا؟"
"التحكمات والغيرة الشديدة."
"طب أكتر حاجة بتحبها؟"
"أعتقد بتحب كل حاجة فيا مش حاجة محددة."
همّ حسن بسؤاله وهو متحفزاً له:
"مايا سابت خطيبها اللي اتخطبت له بعدك عشان بتحبك ولا عشان مش متوافقة مع خطيبها ده؟"
اعتدل رائد في جلسته بغرور ليردف بنبرة واثقة:
"لأ طبعاً عشان بتحبني ومش عارفة أتخطاني."
مط حسن شفته السفلى وأردف ساخراً:
"Good!"
أضافت زاد سؤالاً لتقول:
"لما مايا بتزعل بتعمل إيه؟"
فكر رائد قليلاً وأردف إلى زاد:
"بتنزل ستوريهات حزينة وبس."
أكمل والي بعدهم إلى النهاية حتى نهض رائد منتهياً لتدلف روز فتلاقت عيناهما لتتصنع روز اللامبالاة وجلست.
فقالت زاد لها:
"ركزي بقى عشان فعلاً أنا مش حباكم تمشوا، انتوا الكابل المفضل ليا."
ابتسمت روز برقة وأردفت:
"ولا أنا والله."
بادر حسن بسؤاله ناظراً لعيناها مباشرة:
"أكتر طقم عند مصعب بيحبه وبيلبسه كتير؟"
ضيقت روز عيناها تتذكر وأردفت بعدما استغرقت ثوانٍ:
"تي شيرت أحمر عشان هو أهلاوي (قالتها باسمه) وبنطلون جينز أسود تقريباً بيحبهم قوي عشان أكتر الوقت لابسهم."
التفت إليها والي قائلاً:
"إفرض مصعب طلع بيخدعك ومش بيحبك ولا حاجة ولا متمسك بيكِ وهيسيبك أول ما يطلع من البرنامج وعمل كدا بس عشان التريند ونسبة المشاهدة ومتابعينكم، هتعملي إيه؟"
شعرت روز بوخز إبر الخيبة تطرق باب قلبها ولكنها رفضت الخنوع لذاك الإحساس فقالت بكبرياء أنثى تجيد اللعب جيداً وتعلم خفايا مصعب أكثر من ظاهره:
"مش هعمل حاجة غير إني أنسحب بهدوء، بس مصعب مش هيعمل كدا وكمان معملش كدا عشان البرنامج. مصعب بيحبني بجد، وأنا متأكدة."
بعد وقت من الأسئلة والإجابات انتهى دور روز ليدلف قصي، فبادر والي بسؤاله وبعده حسن وبعدهم زاد وهو يجيب بثبات وثقة حبه لعزة والعشرة الطويلة التي بينهما فقد عرف عنها أكثر ما تعرفه هي عن ذاتها.
كانت إجاباته دقيقة وبالشرح أيضاً. كان في كل مرة يثير إعجاب زاد بثباته وقوة عشقه على عكس إجابات عزة المخزية.
هو لا يعلم شيئاً عن الحرب التي تنتظره بعد الاختبار. انتهى دوره ودلفت ديانا آخر المتسابقات.
يسعنا القول أنها كانت مرحة للغاية حتى إنهم لم يشعروا بالوقت معها. أجابت على كل الأسئلة كطريقتها المعتادة، بطفولة ومرح وتلقائية والكثير من العفوية.
كانت إجابتها تتأرجح ما بين الصحة والإخفاق، ولكنها كانت مثابرة محاولة في كل مرة.
انتهى وقتها ليدلف آخر المتسابقين باسل. تم سؤاله تباعاً دون ترتيب مقصود حسن والي زاد.
كان كثير التردد وكثير التفكير. كان يجيب ونبرات صوته خائفة فهو لا يثق كثيراً بأي إجابة من إجاباته عن زوجته وئام ولكن بداخله يرجو الله أن يكون مدركاً للإجابة الصحيحة.
انتهى الاختبار، ووقف العشرة متسابقين بالخارج بانتظار النتيجة أمام مرأى ومسمع كل متابعيهم بالوطن العربي سواء على التلفاز أو مواقع التواصل الاجتماعي.
مضى الوقت، شعر قصي بشيء غريب بعزة، فهو يحفظها عن ظهر قلب شاحبة صامتة منتكسة الرأس أغلب الوقت للأسفل.
يحاول التحدث إليها والتودد عما جرى بالمسابقة ولكن تبقى هي هكذا، فقط تنتظر النتيجة لتختلي به وتقوم الحرب التي ما هدأت منذ تلك الليلة.
أما عن ديانا فهرولت تفتح علب الوجبات التي وصلت للعشاء وجلس نبيل بجانبها يشاهدها وهو يومئ على أفعالها البلهاء التي تصدر منها دون عناية.
صعدت روز تبدل ملابسها وتعيد مكياج وجهها إلى وضعه الصحيح، وجلست مايا إلى الأريكة تتصفح الجريدة التي تتصدر أخبارهم لحظة بلحظة وبجانبها رائد يحتسي من كوب الشاي.
جلست وئام تقص الأسئلة التي تم توجيهها لها وكيف أجابت ليصحح لها باسل تارة ويفرح لإجابتها الصحيحة تارة أخرى.
ليطل حسن على الشاشات فيجتمع الكل أمامها فيعلن نقاط كل ثنائي، لينم هذا عن فوز غير متوقع لأكثر ثنائي حاصل على نقاط هم مصعب وروز ونبيل وديانا بالتساوي عشرون نقطة لكل فريق ليصبح مجموع نقاط نبيل وديانا خمسة وثلاثون نقطة وعشرون نقطة مصعب وروز!
تفرح روز بشدة لترتمي بين أحضان مصعب فيقوم بحملها والدوران بها في مكانه. تنظر نحوهم مايا ورائد شزراً نظرات تحمل حقداً وكراهية وسوء نية.
يلى الثنائيان الفائزان، ثنائي وئام وباسل ب خمسة عشر نقطة أخرى تضاف إلى رصيدهم فيصبح لديهم خمسة وعشرون نقطة.
فرح باسل كثيراً وقام بتقبيل وئام بين عينيها، قبلة لأول مرة يقبلها إياها لتشعر وئام بأنها قد حيزت لها الدنيا بحذافيرها وأن الأمان هو صدر ذاك الرجل.. باسل!
يقوم حسن بإخبارهم بباقي النتائج ليكونوا عزة وقصي ثنائي المرتبة الرابعة فيحوزوا على عشر نقاط فيصبح رصيدهم خمسة وثلاثون نقطة.
وآخر ثنائي خاسر بهذه الجولة للمرة الثانية مايا ورائد بعدما حصلوا على خمس نقاط فقط تضاف إلى رصيدهم الجديد.
تعجب قصي من خسارتهم، كيف هذا ليكمل حسن عليهم إجابات كل نصف بالثنائي إن كانت إجابات صحيحة أم خاطئة لينكسر قلب قصي.. إجابات عزة جميعها خاطئة!! كيف!
هرول ناحيتها ليسألها ويتملكه الغضب، ليس بسبب المسابقة ولكن كيف لها أن لا تعرفه بعد كل هذا العمر، فـ أجابت هي وبفمها تذوق مرارة الخيبة:
"أنا في موقف مرعب ولا أحسد عليه، أنا قصاد أكتر ناس اللي عارفة تفاصيلي وحاسة غريب!"
"قصدك إيه ياعزة."
"هقولك قصدي إيه."
تقوم عزة بإعطائه الرسالة المشؤومة ليقرأها ويعلم أنه خط والدته. فيوضح لها أن من بعث هذه الرسالة في هذا الوقت خصيصاً هو يريد فشلهم بالتأكيد.
جلس وقد قرر إزاحة الستار عن آخر سرين لا تعلم عزة عنهما شيئاً. أول سر بهما هو فعلة والدته بها وهو كان يعلم كل هذا الوقت أن والدته هي من أفقدتها أمومتها.
والسر الثاني والذي كان بمثابة خنجر قد غرس بقلب عزة جعله ينزف دماء سوداء..
وضع قصي راحة يده على صدره وأردف بوهن وعدم تصنع:
"أنا بعاني بعيب خلقي مولود بيه ياعزة، عندي صمام تعبان في القلب وعمري ما قلت لك عشان متخافيش إني في يوم أمشي وأسيبك عشان مالكيش غيري."
"وكل الوقت ده كنت بتعالج وبابا كان بيبقى معايا."
نظرت عزة له مشدوهة لا تجد ما تقوله أو تفعله، فـ أردفت وعيناها تنهمر بكاءاً:
"إزاي متقوليش، إزآآآي قصي بتتكلم جد ولا إيه رد عليا."
كان يمرر قصي راحة يده على صدره وهو يردف لها وقد استسلم لتعب قلبه المزمن:
"أنا ممكن أطلب دكتور هنا يكشف عليا وتعرفي بنفسك."
"يعني الأقراص اللي كنت بتاخدها والحقن عشان كدا وتقول لي دول مقويات وفيتامينات!"
هز قصي رأسه إيجاباً، فـ فزعت هي في وجهه خائفة وتحدثت بصوت جهور:
"إزاي قدرت تخبي عني وأنا في حضنك كل يوم، إزاي بعد كل السنين دي نطلع أغراب عن بعض كدا."
قامت باحتضانه بقوة تعتصره بين يديها وبكائها يسيل على ثيابه.
لا نخفيكم سراً، التعليقات والمتابعات ما تزايدت والجميع مشدوهاً من مفاجأة قصي. حزين لحاله ونسب تشجيع الثنائي في ازدياد على عكس انهيار مؤشر متابعين ومحبي ثنائي رائد ومايا المهددان بالخروج من المسابقة إن لم يحرزا هدفاً جيداً الأسبوع القادم.
***
صعدت غمام السماء والتقطت نجمة على شرفك سيدتي.
فالليل لا يحلو إلا بابتسامة منك، والأيام لن تضحك لي إلا برؤيتك. انظري إلى هذه اللآلئ التي اتخذتها الأعالي زينة لها.. ألم ترق لك؟ إنها حتماً ستناسب شعرك الأسود فشعرك والسماء سيان.
فـ إني المولع الذي غرقت قدماه في بحر الغرام.. فهل من مهرب أم أن الذي يلج عتبة بابك في عداد المفقودين!
إني شارداً بتضاريسك أيتها الحسناء.. حسناء الطلة والهيبة والحسن.
بـ جلسة طويلة في مكتب زاد، طرأ لـ والي الذي أخبرها بفرح كم التمويل الهائل من شركات المنتجات التسويقية لكي يقوموا بتمويل البرنامج وكم الربح العائد بنسب المشاهدة العالية، فهو يتصدر
"التريند"
لعدة أسابيع منذ بدايته.
فرحت زاد فهي لم تكن تعلم أنه سينجح هكذا وأن فكرة موظفيها في تجديد نشاط شركاتهم فكرة موفقة إذاً.
وأثناء حديثهم عن البرنامج تحدثت زاد بدون حواجز أو تحفظات، أن المسابقة هذه أوضحت لها الكثير عن العوالم الخفية للحب!
ذاك المرض الملعون الذي يلتهم قلب ساكنه كأنه مستعمر به لن يتركه إلا بالموت. فالخمس ثنائيات وطريقة تعاملاتهم وحبهم لبعضهم البعض والشد والجذب بينهم جعلها تحب شعور الحب والتجربة والارتباط بشكل عام.
لتوضح أثناء حديثها أن مرة اعتراف مصعب إلى روز بالحب وقعت على قلبها كخمر لا يسكر ولكنه يذهب بالعقل إلى طريق يحبذ المشي والركض به.
معلقاً بذهنها ذاك اليوم وتحكي عنه كطفلة ابنة السابعة عشر لأول مرة ترى قصة حب أمام عينيها.
فـ ينتهز والي الفرصة ليقترب منها، ويمسك كوب الشاي خاصتها ليرتشف من مكان ثغرها لتنظر هي له بغرابة فيردف وانفاسه لاهثة:
"زاد أنا مش قادر، أنا بحبك وأوي ومن زمان."
فغر فاه زاد لم تجبه ليعيد والي:
"بحبك ومعجب وولهان وعاشق وعاوز معاد من عمو ذكي مطر أتقدم لك لأن مش هتضيعي من إيدي ثانية كمان جاية."
"والى أنت بتقول إيه!"
"بقول اللي سمعتيه يا زاد."
"وده حصل إمتى ده؟!"
"حصل من أول مرة شوفت عيونك، وبيزيد كل ما تصديني وتعامليني بصلابة وبقيت مش قادر عليه وأنا كل يوم بشوفك وبتعامل معاكِ ومش قادر أنطقها ليكِ. وعشقت البرنامج عشان قربني لحب حياتي.. انتِ يا زاد. برنامج مطر وردي أحلى برنامج أنا أخرجته عشانك وعشان جمعني بيكِ وبتمنى نكون أحد الكابلز عشان نكسب على الكل بحبي ليكِ اللي يفوق الكل.. قولتي إيه!"
على فتح فاه زاد على مصراعيه كما هو، فقد طرق باب قلبها طرقة خلف الأخرى دون توقف. ليطرق باب مكتبها بالفعل وتدلف السكرتيرة تخبرها بأن إحداهن بالخارج تريد مقابلتها بعدما سألت على ذكي بك مطر..
أوضحت لها أن اسمها هيام حسون!
هبت زاد واقفة بمكانها، ما هذه المفاجآت لهذا اليوم. انتظروني حتى أبتلع ريقي فأنا لم أفق من أول ضربة من ذاك الوالي، هل يعقل؟! هيام حبيبة عمها هنا؟!
أذنت لها بالدخول، لتدلف سيدة كبيرة بالعمر لكن لم يظهر هذا عليها كثيراً ترتدي ملابس متعارف عليها بدول الخليج وتبتسم في حياء تحييها.
لننتقل بالمشهد إلى نهوض هيام بمشهد بطيء في بهو قصر ذكي فضل مطر. تنظر خلفها مبتسمة وقلبها ذا الروح الشابة يرقص فرحاً وعجلات مقعد ذكي تزج ناحيتها مع فرحته هو وانهمار دموعاته لتقول هي بصوت هامس حنون:
"ذكي... اشتقت لك!"
***
بمرحلة الخطوبة هي مرحلة انتقال الجاليري من صور كوميك وورود لصور عفش وحلل ودهانات وأشكال سفر وحاجات ما يعلم بها إلا ربنا.
رواية ميكاتوا الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نور اسماعيل.
في حديقة القصر الكبير، كانت جلسة الحنين والإشتياق. جلسه إشتاقت لها أرواح هيام وذكى لسنوات سابقه، أكثر من عشرين عاماً.
جلسة عتاب، جلسه حديث الذكريات، جلسه إسترجاع ما فات، تصحيح مفاهيم خاطئة ووضع نقاط فوق الحروف كي توضح الرؤية.
"إتجوزتِ وخلفتِ وولادك كبروا واتجوزوا وخلفوا وبقيتِ جدة! لكن أنا لسه على عهدي بحبك ي هيام."
قالها ذكى وبعينيه سيل من الهيام يتقاطر على عينيها، لتلتقيه هي بعينين تذوب اشتياقاً له، فأردفت هي:
"تفتكر استسلمت لما سبتني ي ذكي؟ استسلمت لهم بكل شيء فيني بس روحي ما رضيت تسير كيف يبغوني."
"أنا ما سبتكش ي هيام، والدك هددني لو مسافرتش وسيبت السعودية كلها هيلفق لي تهمة وقضية ويمشيني مترحل ويقضي على مستقبلي."
قالها ذكى بحزن، فأردفت هي وكادت عيناها تبكي أمامه:
"كل ما اشتاق لك، إيدي كنت أكلمك على الهاتف اللي تركته لي زمان وما لقيت رد مرة."
"ده كان رقم بيت أخويا والد زاد، وهما مشوا وسافروا الإمارات والبيت فاضي."
"اشتقت لي ي ذكي؟"
قالتها بنبرة أسرت المتبقي من قلبه، ليردف هو بعذوبة وكأنه فتى العشرين:
"وعمري ما بطلت أحبك ي هيام، وعمري ما يأست لحظة إني أشوفك تاني حتى وأنا في عمر الـ 66."
"مش ناوية نضيع الباقي ي ذكي، زوجي توفاه الله ووالدي الله يرحمهم. وأولادي كل واحد فيهم له حياته."
"وأنا وحدي، أما عرفت أمر برنامج مطر وردي كان شيء جواتي يحس فيك إنه لك. وأما شفتك على الشاشة قلبي رفرف من مكانه، رجعني لسنين كانت عايشة فيها ويدوب باسمك وكأني بنت صغيرة بالعمر أبغى أحمل الشاشة بين أحضاني."
ابتسم ذكى ابتسامة واسعة ليردف بحيوية وفرحة:
"وأنا مش هضيعك تاني ي هيام حتى لو باقي في عمري ساعة واحدة!"
نظرت هيام له نظرة متفحصة لحاله، فقد رق قلبها لتربت على كف يده قائلة:
"ما كنت أبغى أشوفك تشدي، حزنت لحالك بس تظل حبيبي وروحك مبتسمة وكلها حياة."
"ما في عودة يا ذكي، ما راح أتركك!"
لم ييأس زكريا النبي، بالرغم من دواعي اليأس، وهن عظمه، واشتعل رأسه شيبًا، وكانت امرأته عاقرًا.
لكنه ظل يحسن الظن بربه.
لما دعا زكريا: "ربّ لا تذرني فردا"؛ أردف قائلاً: "وأنت خير الوارثين".
قال الألوسي هنا: "كأنه قال: إن لم ترزقني ولدًا يرثني فأنت خير وارث؛ فحسبي أنت".
وهو معنى لطيف في أدب الدعاء.
إن لم تعطني ما طلبت فالأمر لك، أنت حسبي وفيك العوض الجميل.
وبعودة إلى الأكاديمية.
إعلان أصدقاء الأسبوع الثالث، كعهدهم يقف العشرة متسابقين أمام الشاشة لتتناقل صور الفتيات والشباب بسرعة، صورة خلف الأخرى، لتقف على صور الشباب على وجه مصعب!
ليطلق مصعب صافرة قوية ويضحك بزهو ويتراقص في مكانه رقصات عشوائية مضحكة، ليضاف خمسة عشر نقطة إلى رصيدهم، ليصبح خمسة وثلاثون نقطة، فيصبح هناك تساوى في رصيد كل من الثنائيات قصي وعزة، نبيل وديانا.
تتوالى صور الفتيات خلف بعضهم البعض، لتتوقف الشاشة على صورة روز!!
ولأول مرة يلتقيا ثنائي هما أصدقاء الأسبوع الثاني، فرحت روز فرحة طفلة صغيرة أتتها دمية في عيد مولدها، أرادت كثيرًا أن تحوز بها.
ليضاف مجددًا إلى رصيدهما خمسة عشر نقطة، ليصبح رصيدهما خمسون نقطة!
ف يتقدم الثنائي روز ومصعب في قائمة المتسابقين، يليهم ثنائي قصي وعزة خمسة وثلاثون نقطة، وأيضًا نبيل وديانا.
وفي المرتبة الثالثة وئام وباسل خمسة وعشرون نقطة.
وأخيرًا رائد ومايا خمس نقاط فقط للأسبوع الثالث!
يدون على الشاشة: مبارك ثنائي الشقاوة كما أطلقوا عليكما متابعوكم، روز ومصعب جائزة أصدقاء الأسبوع، لتفوزوا بجائزة التالية.
يظهر صوت والي معلقًا على صور لنادي به مركز للاستجمام والمساج والساونا وقسم للسيدات: باديكير وكوافير وكل ما يهم المرأة.
"مبروك مصعب وروز، هتقضوا نص يوم في منتجع (...) ما بين جاكوزي وسبا وساونا ومساج ورياضة، وروز قسم اعتناء كامل هتطلعي منه واحدة تانية. برافو تستاهلوها!"
تقافز الاثنان كزوج من القرود في مكانهما فرحين، لترمقهما مايا نظرة من أسفل لأعلى حاقدة عليهما، بينما التوت شفتي عزة، كانت تظن أنهما من الثنائي الفائز هذا الأسبوع أيضًا.
أما عن ديانا ونبيل فابتسما لفرحتهما، فهرولت ديانا ناحية روز وقبلتها بحفاوة وهي تبارك لها وتتمنى لها قضاء يومًا ممتعًا.
وأيضًا اقتربت وئام من روز فصافحتها وباركت لها، وتقدم باسل ليصافح مصعب ويعانقه، يقدم له التهاني من قلبه وليس رياء أمام الشاشات.
حان وقت الهدية وخرج روز ومصعب سويًا، وكان بانتظارهما سيارة نقلتهما إلى هناك. وبينما هما يسعدان بوقت ممتع، كانت بقية الثنائيات يمارسون يومهم الطبيعي داخل صرح مطر وردي!
كانت تترجل وئام بالحديقة ومعها زوجها باسل ويتحدثان وتتابعهما الكاميرات، ولكنهما اعتدوا على هذا الأمر فأصبح مألوفًا لهما.
"إنتِ زعلانة عشان ما كسبناش الأسبوع ده أو حد منا!"
قالها باسل متسائلاً ليرى ردة فعل وئام، فأردفت هي:
"بالعكس، ما إحنا كسبنا الأسبوع اللي فات وبعدين ده نصيب."
"إوعى تكوني حاسة إن مثلاً مصعب أو قصي أو حتى نبيل بيحبوا بناتهم أكتر ما أنا بحبك."
"أو بيعملوا حاجات تبين ده وأنا ما بعمل."
ابتسمت وئام برفق وأردفت بهدوء كما عادته:
"عايزة أقولك اللي طلعت بيه من كل حاجة عيشتها حاجة واحدة بس الست بتعوزها، مش الحب."
"غلط. أكبر غلط لو حسبت إنه الحب، وفيه أشباه رجال متخلفين بيفتكروا إن فيه ستات عايزة الارتباط للجنس. الست عايزة أمان. الأمان وبس."
"إنت عارف إن الخوف فينا إحنا كستات أصل. والشعور بالأمان استثناء. إحنا دايماً خايفين دايماً قلقانين مترقبين اللي فات واللي إحنا فيه واللي جاي باختلاف عمرها، ثقافتها، جنسها، شخصيتها. لو قابلت الفرصة النادرة في وجود الراجل اللي بجد يطمنها. هتملك الدنيا وما فيها. الست لو اتطمنت وحست بالأمان؛ بتتبدل كل أحوالها!"
"بيبين في تصرفاتها، وفي كثرة احتياجها للشخص اللي حسسها بالأمان، وفي إنها تحس إنه عكازها اللي بتتكي عليه طول الوقت."
"هي كائن والله مفهوم ببساطة، كل ما عليه إنه يهدي خوفها ويسكنها. بس السؤال هتلاقيه فين؟"
"وأنا والله ما كنت عايزة غير الأمان."
مد باسل كفه بحنو ليلامس يدها يتشبث بأصابعها ويردف:
"حاسة بالأمان معايا رغم إني شباك."
"بس بتحاول تكون أحسن، وإنت في عيني أحسن من أي حد."
أثناء تحادثهما كانا نبيل وديانا يترجلا نحوهما ليهتف نبيل بطريقته المضحكة:
"مساء الخير على الأزواج الجداد الأعزاز اللي بياخدوا العزلة مكانهم بامتياز!"
ضحكا باسل ووئام لتجلس ديانا بجانبهم بعفوية قائلة وهي تأكل من صحن به أوراق كثيرة من نبات الخس:
"ماهو بصوا بقى، نقعد كلنا سوا نحكى ونضحك ونتكلم عشان أنا لما بقعد لوحدي بستسلم للجوع وكده خطر لأن ما بلاقيش حاجة آكلها وكل الأكل هنا صحي وخضروات وفاكهة وكده حرام."
ضحكت وئام وقامت بقرصها بخفة في وجنتها وهي تردف لها:
"بس شكلك فرق عن لما دخلنا يا دودو عشان فستان الفرح وكمان تبقي قمر أكتر ما انتِ حلوة، وعشان نبيل ما يبصش برة."
قالتها فأردف نبيل ممتعضاً بسخرية:
"هو نبيل ما فيش مجال يبص أصلاً، كعبول حاجبه الرؤية كلها."
قهقه باسل هو ووئام كثيرًا لتهتف ديانا به بتلقائيتها المفرطة كعهدها:
"تنكر إن فترة خطوبتنا كانت أحلى فترات حياتك وأحلى مراحل عمرك."
هز نبيل رأسه منافياً ليجيبها في مباراتهما المتداولة أمام وئام وباسل وأمام الكاميرات والمشاهدون:
"مرحلة إيه اللي أجمل مراحلي دي عايز أفهم، مرحلة الخطوبة هي مرحلة انتقال الجاليري من صور كوميك وورود لصور عفش وحلل ودهانات وأشكال سفر وحاجات ما يعلم بها إلا ربنا."
فقالت ديانا بعدما دفعت بقبضة يدها المتكورة في بطن نبيل:
"بتحبني وبتخبي من الحسد هقهقهق."
قام نبيل بدفع رأسها ليتهادى شعرها حول وجهها بعفوية وتكتمل الصورة بضحكات كثيرة بين الشجر والزروعات والخضرة.
تتزايد متابعات الثنائيات نبيل وديانا وقصي وعزة وروز ومصعب، حتى التحق بهم متابعين وئام وباسل ومؤيديهم.
بينما كان هناك اجتماعًا للجنة الحكم عن الاختبار الثالث، فبادر حسن باقتراح أن يصنعوا اختبارًا دون علم المتسابقين حتى تكون ردة الفعل حقيقية، وأخبرهم بالفكرة وكيفية طرحها وتطبيقها، فوجدت استحسانًا كالعادة.
يخرج ثلاثتهم من الجلسة، ليهم والى ناحية زاد قائلاً:
"ليه معاملة الطناش دي ي زاد؟"
انتبهت زاد فانتبهت لتردف بتلعثم محاولة مجاراة الأمر:
"والي، ينفع نكون صحاب وزمايل شغل.. أنا مش هقدر على ارتباط ومش هعرف."
اندفع بها والي قائلاً:
"ليه مش هينفع يا زاد، ليه مش بنت وفيه قلب وفيه عندك مشاعر وأنا متأكد إنك بتبادليني نفس المشاعر، يبقى ليه؟"
توترت زاد وتبدلت ملامحها وزادت دقات قلبها متصارعة مع ردة فعلها الهادئة التي تبدو على وجهها، فأردفت بصوت خافت:
"خايفة!"
اندهش والي فأردف رافعًا حاجبيه:
"خايفة من إيه؟ زاد القوية المسيطرة اللي بتعرف تمشي شركات وشغل ضخم خايفة من الحب؟"
"خايفة على قلبي يا والي، خايفة ينكسر خايفة ينجرح. أنا في أمان طول ما أنا بعيد ومش بفكر في حاجة ولا بعمل حساب حاجة."
اقترب منها والي، ليحاول لمس كف يدها، فابتعدت هي بذوق وأردف يهدئ من روع نبضاتها المهتزة:
"تخافي لو أنا شخص مش أمين، مش هيعرف يكون قد ثقتك إنك تضحي بعزلتك ووحدتك وهدوء بالك في إن يبقى لك شريك حياة وتصرفات ودنيا وعيلة."
"عيلة!"
هتفت بها زاد مستفهمة، فاقترب والي ليزيح خصلة من خصال شعرها المنساب على جبينها قائلاً:
"أيوة عيلة ي زاد، مش مهم عندي أي حاجة قد إن يكون لي عيلة منك وتشاركيني كل حياتي اللي جاية."
ظلّت محدقة به هكذا ليردف هو بحسم وكأنه يعلم كيف يضرب ضربته لتنزل على عقلها وقلبها معًا ويحرز هدفًا لصالح عشقه المستميت!
"ذكي بك مطر رجع له حبه بعد 25 سنة غياب وفراق وبعد مسافات وبلاد، فضل عنده الأمل لحد ما رجع له فعلاً، ما فقدش أمله بربنا ولا بقلبه ولا بثقته للي بيحبها. مش عايزك تخافي يا زاد."
"أنا نفسي بحاول ما أخافش وآخد الخطوة رغم إني كنت مستبعدها تتكرر على حياتي، بس حبيتك!"
بللت زاد شفتيها وهي تنظر له تريد أن تهتف له: أنا أحبك أكثر، ولكن الخوف يحيط بأسوار قلبي، يقبض على روحي ليريها المستقبل باهتًا دون ملامح أن تركت عزلتها ووحدتها وسمحت لقلبها بالخطو نحوه!
"ولولا أني أمنتُ ظلك كما أمنتُ كلك ما اقتربتُ منك بل لم أكن لأسمحَ لك بالاقتراب!"
"ولكنها كانت السكينة لي وإن كنا نناشد ابتعادًا خوفًا من القادم! كان لي كالوضع المؤقت التي تجعل المتضور جوعًا يشعر وكأن كسرة الخبز في يديه لحم غزال."
"حبي ليكي ببرائتك لا يثقل بمال. عيوني ليكي بكلمة بتخرج وقت ما بتتقال. شوقي ليكي بيتخطى حدوده لو بعدتي ثانية عن عيوني."
"الحب يكمل مع كلمة روحي وهي خارجة منك كأنها حكاية ألغاز."
"هيفضل شوقي ليكي ما بيتقدرش بمال يا أغلى حاجة حصلت لي في حياتي كأنني امتلكت العالم بكل زواياه."
"فاكر الكلمتين دول لما كتبتهملي على أول بورتريه رسمتهولي يا قصي؟!"
قالتها عزة أثناء جلوسها مع قصي على سطح الصرح بجانب الأرجوحة وكأنهما يناشدان العزلة قليلاً برغم من مراقبة العالم لهم.
تحدثت لها قصي كعهده، حديثه قليل لكنه بالغ وقوي التأثير بها:
"فاكر وعمري ما نسيت حاجة بينا ياعزة."
"طب ليه ما عرفتنيش موضوع والدتك، ليه كل حاجة بكتشفها متأخر. حتى على الأقل ما أحسش إن وجودك معايا شفقة مش حب."
تنهد قصي بنفاذ صبره وشرد بنظرة للناحية الأخرى بعيدًا عن وجهها، فأكملت عزة:
"قولي إنك بتحبني. قولي كل دقيقة إنك بتحبني مهما حصل."
"أنا بحبك ياعزة وانتِ عارفة ده كويس، مش كل شوية تيجي حاجة تهز اللي بينا."
"ماهو انت السبب في الهزة دي! أنا لو اعرف كل حاجة من الأول هيحصل إيه."
طرق قصي على المنضدة أمامه طرق خفيف، ونهض يتجول بأرجاء المكان وهي جالسة ليهتف وكأنه آخر ما تبقى له من صبر بداخله:
"أنا شخص مش برتب مواضيعي بحس إن مش فرض عليّا إنك تعرفي جميع خطواتي لأن مش أمر مهم. موضوع مرضي مرضتش أقلقك وموضوع ماما محبتش تحسي إنك معايا شفقة ورد جميل. لأن الثقة عندك فيا صفر ياعزة ومعدومة، فبوفر علينا جدال ونقاشات هتاخد من عمرنا ومالهاش فايدة."
قامت عزة بنهره في صورة عتاب متحدثة بصوت متهدج تتخلله الحشرجة وشهقات البكاء:
"وليه تسمح بإني أكون لعبة في إيد والدتك كل شوية تبعت لي كارت تهديد شكل يدمر حياتي!"
سأم قصي من المجادلة وشعر بتعب بسيط بقلبه، فأردف لها:
"أنا تعبت، أنا هنزل آخد الدوا وأريح شوية."
تركها ورحل، تنظر ناحيته وتقاطرت عيناها دمعًا. يا ترى من الجاني ومن الضحية بقصتهم أم أنها مجرد مفاهيم وعليهم ترتيبها صحيحة كي يعيدوا بناء علاقتهم التي وطدتها الأيام والسنين.
رسالة إلى مايا!
علمت مايا بأنه هناك رسالة مصورة لها بغرفة الهاتف، لتذهب فيظهر على الشاشة فتاة لتتحدث لها مباشرة:
"مايا، انتِ ما تعرفينيش بس أنا أعرفك وأعرف رائد. رائد مش بيحبك وبيضحك عليكي، هو بس لقى فيكِ المادة الخام اللي يطلع فيها عقده وكلاكيعة ونجح. هو من بره يبان لايف كوتش ممتاز ومن جوه محطم ومتعجرف وأنانى. بنصحك تسيبيه ومتكمليش معاه."
توقفت الرسالة، جن جنونها. ماهذا الهراء إذاً!! رائد يكذب ويستعملها كمادة خام لفرض سيطرته عليها، أو أنها الوحيدة من بين عشيقاته التي خضعت ورضخت بسهولة.
هرولت خارجًا، ياترى ماذا ستفعل.
على الناحية الأخرى تلقى باسل رسالة ورقية مطوية بين ملابسه مدون بها:
"وئام مش بتحبك، هي بس حبت حد يقبلها بعيبها. وبتظهر في صورة ملاك بس عشان تصدق إنها شخص ملائكي هادي لكن من جواها بتعرف تكون ست مش ولابد."
"صاحبت شباب كتير في السر عشان ترضي غرورها كأنثى وأمامك حبت تبان ست محترمة عشان تتجوزها، برافو شربت مقلبها صح. أنا واحد حبيت أبعت لك الرسالة عشان تفوق!"
أما عن ديانا فكانت هناك رسالة ورقية أيضًا مطوية أسفل علبة الطعام خاصتها مدون بها:
"وليه ما تقوليش إن العيب في نبيل وإنه متحمل ومكمل وجودك معاه بس عشان ما فيش حد يقبله ببؤسه وشؤمه. وعلى فكرة هو كان بيحب بنت قبله وعذبتها وكثير حاول معاها وما كانش قادر يعيش من غيرها بس هي سابته وعشان كده حاول كتير يسيبك. ودايما متنمر عليكِ وعلى أفعالك لأنك كلها مش عاجباه وانتو في المسابقة هنا عشان يكسب الفلوس والعربية وبعدها يقولك باي باي!"
ولكن لعزة كان أمرًا مختلف، فكانت هناك أداة لنقل البيانات - فلاشه - موضوعة في خزانتها مدون عليها: "ضيعتي في شاشة غرفة الهواتف وشاهدي."
هرولت بالفعل لم تأخذ مجال للتفكير، دلفت وأغلقت الباب ووضعت الأداة بالشاشة وقامت بتشغيلها ل تظهر نهى جارتها قائلة لها:
"أبلة عزة، أنا آسفة بس لجنة المسابقة طلبوا مني إني أتكلم عنكم ونعرضها عشان الناس تعرف قد إيه انتوا بتحبوا بعض لأننا الأقرب ليكم، بس للأسف أنا عايزة أصحيِك من الحلم والوهم. إبيه قصي متجوز فعلاً واحدة عرفي تبقى صاحبتي وعارفاها عن طريقي وهي حامل دلوقتي. أنا آسفة إني بقولك كده!"
"هو يعني إيه الكلام ده!"
كان هتاف باسل عاليًا وهو واقف ببهو الفاصل بين غرفتيهما الفتيات والشباب، ووئام تقف مذهولة مما أخبرها به ومما قرأته بالرسالة، فأردفت بقوة تدافع عن نفسها:
"وانت صدقت ياباسل! صحيح العشرة بينا مش طويلة بس إحساسك إيه ناحية مراتك والست اللي كانت جارتك في يوم من الأيام وما شفتيش منها حاجة؟!"
متخبطًا متأرجحًا كعادته بين شك ويقين، إحساسه بها أنها مظلومة وحديث صديقه لا يستطيع تكذيبه لأن لا يوجد منطق يجعله يسب زوجته وإرسال رسالة كهذه في هذا الوقت وهو على غير حق!
ونترك ساحة عراك باسل ووئام لنهبط إلى عتاب مرير بين الثنائي المحبوب روز ومصعب، ففي العتاب.. كنت أنتظر تلك اللحظة التي ينتهي فيها الخلاف بـ جملة "علاقتنا وبقاؤنا معًا أهم من أي خلاف بيننا" بينما كنت تجاهد أنت لتثبت أنني الطرف المذنب، كنت أعاتبك بـ قلبي ولم أنتظر منك إلا اللين، وكنت تعاتبني بـ عقلك ولم تنتظر مني إلا الهزيمة أمامك يا حبيبي!
بعينين ذابلتين تحدثت روز إلى مصعب بعدما تغير شكلها السابق إلى الأجمل، تصفيف شعر جديدة ولون بشرة أجدد أكثر نضارة، فبعدما عادا من هديتهما تلقت رسالة مسموعة بصوت أحدهم لا تعرفه كاد الحديث بها أن يفتك بعقلها.
"اتقالي إنك شايفني شمال، وإن عشان خاطر الفلوس انت دخلت هنا وإن ده واحد قريب ليك وانت حكتله عني اسمه سمير، قال إنك مش بتحبني انت بس بتكسب عليا شغل ومتابعات وتريند وزي ما بعت مبادئك في حاجات تبيعها تاني عشان خاطر الفلوس. مصعب الكلام ده بجد!"
قبل أن يتحدث مصعب وجدا انهيارًا بمايا تصرخ في وجه رائد قائلة:
"طلقني انت مالكش أمان، أنا تعبت كل شوية قصة وحدوتة وآخرتها إحنا لسه على البر!"
حدق بها رائد بغيظ وأمسك ذراعها يقبض عليه بقوة قائلاً:
"أنا برضه اللي ماليش أمان! مين عمرو ده يا أستاذة اللي كنت على علاقة بيه قبلي وخروج وفسح وكان فيه تجاوزات!! وعاملة عليا شريفة وانتِ أصلاً مراتي، بتضحكي عليا يا مايا."
قامت بصفعه دون أن تصنع حسابًا للكاميرات للمشاهدين ككل مرة، صفعته صفعة مدوية شهق لها المتابعون وزملائهم المتسابقون وقالت بصوت جهور غاضب:
"اخرس يا حيوان، طلقني دلوقتي حالاً انت مريض ومجنون."
"بتضربيني اتجننتِ؟! طب انتِ طالق يا مايا!!"
رواية ميكاتوا الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نور اسماعيل.
قوة العاقل عقله... وقوة الجاهل لسانه..
كانت الأحداث صوت وصورة أمام لجنة الحكم، كانت مفاجأة ردة فعل رائد بتطليقه لمايا، فقد شهقت زاد ونظرت إلى حسن الذي كان جالسًا يراقب في صمت، أما عن حمدي فطرق كلتا يداه وتحوقل على كم المهازل التي حدثت، فقد انشقت جدران صرح مطر وردي رأسًا على عقب.
رأت زاد أن الاختبار هذا المرة صعب للغاية، وكان رأي والي مؤيدًا بعدما رأى ردود الأفعال قوية كالذي حدث، ليجيبهم حسن بمنتهى الهدوء ورجاحة العقل:
_ أنا شايف إنه اختبار أمثل عشان كل واحد فيهم يعرف هو على أرض صلبة في علاقته أو لأ.
تعجبت زاد فأردف والي له مندهشًا:
_ هو أنت يا دوك لو جالك جواب زي اللي كتبناه عن واحدة من زوجاتك المصون، هيكون إيه رد فعلك؟
ابتسم حسن وعاد بظهره للخلف وهو يتأرجح على المقعد الهزاز:
_ هثور طبعًا.
_ أهو.. ده رد فعل طبيعي مهما كان الحب.
_ أصبر يا حضرة المخرج العظيم، أنا لسه مكملتش.. هثور وبعدها هقعد مع نفسي قبل المواجهة.
الشخص اللي قصادي ده يصدر منه فعل زي ده فعلًا؟! هل شخصيته كده؟
أفعاله معايا توحي بكده.. فيه جهاز حساس جوا كل حد مننا بنعرف نقيس بيه الصح والغلط.
الإحساس عمره ما يكذب يا والي..
لو فوجئت برسالة زي دي وقعدت مع نفسي وفكرت وهديت هروح أواجه وأنا جوايا نسبة كبيرة تحتمل الكذب أو التصديق قبل حتى الشخص ما يتكلم يدافع عن نفسه أو يثبت اللي اتقال.
تنهدت زاد وقالت بنبرة خوف وترقب:
_ بس دول اتطلقوا! ما كنتش حابة المسابقة تبقى سبب في فشل اتنين أو بعدهم عن بعض.
عاد حسن بثقة ينظر إلى شاشات نقل الكاميرات ويتحدث بصوته الهادئ:
_ عشان علاقتهم مهزوزة وهشة من الأول، المسابقة مالهاش علاقة بالعكس المسابقة كانت تيست هايف وهما سقطوا فيه.. راقبوا الباقي بقى وشوفوا.
عادت الكاميرات إلى مطر وردي..
كانت عزة تبكي وتثور في وجه قصي، اتهامات تلو الاتهامات وبكاء وحسرة وشكوى، فقد شعر قصي بأنه قد ضاق ذراعًا به لم يعد يحتمل، ليجيب بهدوء شديد وقد تمالك نفسه للنهاية:
_ اللي عاوزاه يا عزة، مش هبرئ نفسي زي كل مرة، مش هقف وقوف المحكوم عليه زي كل مرة لأني تعبت.
اللي حساه ومصدقاه شوفيه وأنا هعمله لك، لو كلام نهى واللي وصلك مصدقاه يبقى نتفارق بالمعروف.
وكل حقوقك هتوصلك.. لو كلام نهى واثقة إنه غلط وإحساسك بقصي جوزك إنه عمره ما يعمل كده.
يبقى كأنك ما شوفتيش وما سمعتيش حاجة.. لكِ القرار.
تركها ورحل وقد رمى بكرة النار في ملعبها، وقفت تترقبه وتوقفت عن البكاء أخيرًا!
لأول مرة ينطق قصي بشفتيه كلمة الانفصال، هل هان عليه لهذه الدرجة أم أنه سئم وضعه بخانة المتهم كل دقيقة والأخرى!
لقد خيرها والخيار لها دون أن يذكر أسباب، دون محاولة منه ككل مرة بأن يشرح وجهة نظره وأنه مظلوم كالعادة وأن كل هذا كذب وافتراء.
توقفت عزة عن فعل الشهقات والبكاء والنحيب واستيقظت على شيء واحد، هل بالفعل هي على استعداد للطلاق منه؟ هل هي مستعدة بأن تفارق قصي؟
قصي لم يكن مجرد زوج لها، قصي بمثابة مدينة من الأمان والحب والعطاء دامت لسنوات.. قصي العائلة والأبناء بالنسبة لها، قصي كل شيء وأي شيء.
يستحيل تعشقه هكذا ولا يعشقها هو بل أضعاف! حدسها يحدثها لا تصدقي يا عزة.. لا لم تكن أفعاله لن يفعلها لن يقوم بجرحك ما دمتِ على قيد الحياة، بل هي أكذوبة.
هل يا ترى هذا اختبار من قبل لجنة الحكم أم أنها رسالة حقيقية؟ قديمًا قالوا حدث قلبك.. فما هو حديث قلبك يا عزة بساكن قلبك وعيناكِ؟!
ونقلًا إلى مشهد مماثل لمواجهة رسائل غريبة باختبار (أزمة ثقة) والذي أطلقه عليه حسن العطار، تجلس ديانا في وصلة من العتاب والبكاء الطفولي إلى نبيل ومواجهته بما قرأت ليجيبها بالإيجاب وكانت المفاجأة!
ما ذكر بالرسالة حقيقي، ولكن كان قديمًا وحاليًا استطاعت هي بالولوج داخل طيات قلبه لتنحبس به أخيرًا وتقذف بما به من ذكريات تخص غيرها وتجلس بمفردها مليكته وملكها.
فرحت ديانا لصدق نبيل وأخيرًا تحدث دون تشاؤم دون نظرة بائسة، لأول مرة يفضح مشاعره لها بصدق لأول مرة يكشف عن سره لعشقه القديم والذي قد تم نسيانه بمجرد معافرتها هي معه لأنها بالفعل عشقته بصدق.
لتعانقه هي بعفوية وتضربه على كتفه ضربات خلف بعضها فيقوم نبيل باحتضانها لأول مرة من قلبه وداخل إحاسيسه ومشاعره ليهتف بأذنها بصوت حانٍ غير معتاد عليه:
_ حبيتك يا جزمه ومبقتش عارف استغنى عنك.
كل الزوايا تهتف برحيلي:
ويحك! ماذا بعد هذا الليل الطويل الذي لا يلتفت لصراخ قلبك؟
إلا قلبي.. وعجبي من قلبي!
هو من يدفعني دفعًا للصمود وحراسة المكان،
يهمس لي:
إلى أين ستغادرين؟
أين ستختفين وكلك مثقل بهذا الكم من المشاعر وفيكِ كل صخب الأماكن؟
وماذا عن لباس أمنياتك الطويل الذي جعلك تتعثرين بلا أسف في جب أحلامك العريقة؟
لن يهون عليك أن تنزعيه لترميه في العراء..
لقد علق به عطر الطرقات والشوارع التي جمعتك بأغلى صدفة سطرها القدر لكِ في الألواح..
وإن هانت عليهم نسمات قربنا منهم، إننا مرضى بهم..
ذلك المرض الأنيق، العتيق، الذي منه الداء وفيه الدواء.
أينما حللنا أدركتنا ريحهم الآسرة، كل وجهة هم فيها أسود المكان..
إنهم للقلب نبض الحياة وإن ماتوا ألف موتة..
جلست وئام حزينة لما سمعته من باسل، تعلم تمام العلم إنه شخص شكاك بطباعه لكن بعدما عاشرها ومرت بهم الأيام وقد صارحته بكل شيء حتى بعدما الاختبار العنيف الذي مر به هو على يدها حينما قامت بشكوته للشرطة وبعدها عنه وحجب المعاملة معه حتى أتى هو زحفًا بعد العديد من المحاولات، هل يشك بها لمجرد رسالة كاذبة من صديقه؟
جلست تبكي في صمت كعادتها لا تدري ماذا ستفعل، عقلها لن يدور به أي شيء عن المسابقة أو الجائزة أو ما شابه.. هي تفكر في أمر زيجاتها، فبالفعل قد تعلقت به وأصبحت لا تطيق فراقه وقد اعتادت طباعه السيئة قبل الحسنة.
أما عنه فقد انزوى بأحد زوايا الأكاديمية يفكر ويقارن، بداخله محامٍ للدفاع يدافع عنها ويذكره بما مضى منها، يصرخ به ويطلب منه تكذيب ما قرأ بالرسالة.
وهناك شيطان رأسه يدفعه للتصديق، فكلهن سواء بوجهة نظره.. كل واحدة على وجه هذه الأرض ما هي إلا غانية تدعي الفضيلة وتتخفى في ثوب العفة.
ما حدث له قديمًا أصبح نقطة سوداء بحياته بعدما خانته خطيبته وحبيبة الطفولة مع أقرب أصدقائه وقامت بالهرب معه، منذ هذا اليوم وهو يرى جميع النساء غواني عاهرات لا يصلح لهن سوى المعاملة الجافة وأن ينظر لهن بأنهن أحقر مخلوقات الأرض.
ولكنه تذكر بأنه كان سببًا رئيسيًا بفقدان زوجته الأولى رانيا بسبب الظن السيء وهي أطهر من هذا التفكير وأنقى ولم يفده الندم على رحيلها وقد أبدله الله بوئام.. وئام ونيسة وحدته ومؤنسة أيامه.
وئام من صبرت على طبعه الصعب وتحملت بل وتقوم بمعالجته لكي يعود شخص طبيعي، وئام التي لم يرَ منها سوى طيبة القلب والخجل، الفتاة التي ظُلمت من قبل عائلتها وزوجها الأول، الفتاة اليتيمة التي استطاعت حماية نفسها وهي وحدها حتى منه.
هل هي من تتحدث عنها الرسالة! بالطبع لا فالتي تستطيع أن تفعل هذا تستطيع مُضِي العمر هكذا دون زواج ما الذي يدفعها ويرغمها؟ تستطيع أن تتسكع بأحضان الرجال وتصنع ما يحلُّو لها دون رقيب ما الذي يجعلها تنحبس بقفصك أيها المريض!
شيء واحد دفعها هو بحثها عن الأمان الذي تتحدث عنه مرارًا وتكرارًا لك، هي تريد فقط منزل وزوج وباب مغلقًا يحجب عنها ضوضاء الحياة وصخب الناس المؤذية.
من دون إحساس منه، نهض من مكانه ليترجل يبحث عنها فيجدها بغرفتها، ليدلف ويقترب منها وينظر لها لتقول هي بأهداب مبللة أثر البكاء المتواصل:
_ جاي تطلقني صح! طب أبوس ايدك لو ناوي على كده مش قدام مصر كلها خليها لما نطلع وكل واحد فينا يروح لحاله ساعتها من غير شوشرة.
نظر باسل لها بعمق ليهتف بصوت ونبرة غير معتادة هي عليها ويمسح وجنتها أثر العبرات:
_ أنا آسف..
حدقت وئام به كثيرًا، هل ما قال كان صحيحًا؟ صنعت بوجهها علامات استفهام ليكرر هو:
_ أنا آسف، اللي قريته ده عن واحدة مش أنتِ.. مش هطلقك يا وئام، لو أنتِ لقيتِ فيا الأمان فأنا لقيت فيكِ علاجي وتحملي وصبرك على واحد زيي.
ابتسمت وئام وهي تمسح وجنتيها لتشهق فرحًا وتقول:
_ بجد، أنت بتتكلم جد.. بجد يا باسل؟
ابتسم هو وضم رأسها إلى صدره وأردف وهي في أحضانه:
_ أيوه يا جد، ما تزعليش مني وغلاوتي عندك.. أنا آسف.
نترك ساحة المصالحة هنا لنهبط بالحديقة ومصعب يحاول شرح الموقف إلى روز.
بعدما مر يومان على وقعة هذا الاختبار الخفي ما بين شك وحيرة وخوف للثمانية متسابقين عدا رائد ومايا اللذان حسما أمرهما من أول يوم وها هم يحزمون أمتعتهم ليهمون بالخروج من المسابقة وتحطم الحلم الوردي للأبد.
كان يترجل مصعب ناحية روز الشاردة أسفل أحد الشجرات وفي طريقه يقوم باقتطاف الأوراق حتى وصل لها فأردف:
_ بخ!
نظرت روز ناحيته بتجهم وجه وعادت لشرودها فتنحنح مصعب ليردف:
_ عاوزين نتفق اتفاق يا رز، إني كان ممكن أكدب وأقولك الكلام ده ما حصلش مني وأطلع الواد الهيرو.
بس أنا بعترف وبأقول آه حصل مني، وأنا ود الجزمه سمير دهوت أما أطلع من هنيتي إن ما خليته يركب الفرس بالمقلوب ما بقاش أنا.
كأنها لا تسمعه على شرودها، الضوء ينعكس بخضراويتها يعطيهم لهيب يذيب كل من يراهم.
اقترب مصعب أكثر فتحدث بجدية عن المرة السابقة:
_ طب اسمعي، أنا ما كنتش أعرفك وكنت مستغرب كيف بنت بحلاوتك وقاعدة لحالها تبقي جدعة وعارفة تحافظ على روحها، أما قبلت إننا نشترك في المسابقة قلت كل حاجة عندها عادي، ما أكدبش إن قلبي وقتها كان بدء يشقشق ناحيتك يا ملكومة.. بس كنت بخمده وأقول يعني واحدة عاملة كديتي هتبصلك على فقر إيه ثم أكيد أنتِ مش أول من دخل بيتها وحياتها.
نظرت له روز دون تحدث نظرة احتقار فأكمل مصعب يحاول تجميل مظهره أمامها:
_ هما مش الفانز الفقرية بتوعنا قالولك في يوم السوشيال على مكالمة أبوي رغم إن أنا ما قلتش لكِ.
يعني أنا لو مش بنحبك بجد ما كنتش قلت كديتي لأبوي ووقفت في وشه.
انفرجت شفتا روز أخيرًا لتقول بحرقة قلب يصدر لهيبه بين حروفها:
_ عشان الفلوس!
مصعب: أنت ممكن تبيع نفسك عشان الفلوس، فممكن تمثل عادي بقى ونكسب شهرة وتريند ومكاسب من الأكاديمية تمثيل.
بدأت تنساب إحدى الدمعات على وجهها وهي تردف باحتراق بالغ:
المشكلة إني حبيتك بجد وصدقتك، حتى لما جات لي الرسالة إحساس كبير جوايا كان بيكذبها، بس قلت أواجهك عشان تقول لي ما حصلش وتخلص الحكاية، لكن فوجئت إنها بجد.
مد يده يهم بمسح دمعاتها فابتعدت بوجهها عنه، فقال هو بصوت يتخلله الحب والغرام المفعم بها:
والله بنحبك وبنموت فيك يا فقر، الكلام دا من بدري وكنت غبي وأبويا ما ربانيش ساعة ما جيت له، ومستعد أبوس راسك ورجلك قدام الدنيا كلها عشان بس ترضى عليّ.
روز: برضه تمثيل.
مصعب: وإيه يثبت لك يا روز إنه مش تمثيل؟ اللي هتقولي عليه هاعمله.
نهضت من مكانها تنفض غبار جلوسها عن ثيابها وهي تتحدث له:
ولا حاجة، ما فيش حاجة مطلوبة منك، أنا رايحة أكلم الإدارة وأقول إني منسحبة.
أوقفها مصعب ممسكًا برسغها قائلًا:
أنا مش بمثل يا روز، ولو على الفلوس والمسابقة ما عاوزهوش، وها أروح أنسحب وياك كمان بس ما أخسركيش يا بنت قلبي!
ارتعشت شفتاها ونظرت له تتحدث بغرابة:
بنت قلبك!
مصعب: مش أنت مكطوعة عارفة أباك ولا أهلك؟ أنا اعتبرتك مني من يوم ما حبيتك، وبنت قلبي وضلوعي بيتك، وما عاوزهوش فلوس، ما عاوزهوش حاجة، بس أفضل وياك يا روز وتحبيني وأحبك.
روز: يعني مستعد تنسحب من المسابقة؟!
بثقة دون أن ترمش عيناه أردف مصعب:
أيوة ننسحب من أبوها بس تسامحيني، ونرجع لشغلنا وحياتنا وها أتجوزك ويكون لنا بيت، واللي عاجبه عاجبه، واللي ما عاجبهوش بكرة يرضى، قلت إيه يا روز؟!
ركضت إليك أبتغي سكنًا، ومالت رأسي على كتفك تعبًا، جئتك يحيطني الخذلان من كل الدنيا، مهزومة في كل مسعاي، قصدتك ألتمس نورًا في غسق الدجى، كنت أرجو أن أرى بك موطأ قدماي، فهل من عودة إلى موطنك؟ فهل لتجديد العهد إشارة بالبدء إذًا.
***
فنجان قهوة "الميكاتو" كان يحتسيه قصي بهدوء شاردًا بالبهو الواسع وحيدًا، ينتظر بالفعل نتيجة قرار عزة دون تدخل منه أو ضغط أو تبرير كالعادة.
مضى يوم آخر وهما في ابتعاد، يريد أن يصرخ بها لماذا تزيد الشروخ بينهما، لم لا تحافظ على الباقي من جدران تحيط بعلاقتهم كسور متين!
إن صدقت تلك الخرافة فهي إذًا قد اختارت النهاية، وإن كذبتها فعليه تقويمها من جديد حتى لا يتكرر مثل تلك العواصف كل آن وآخر.
أما عنها فكانت تركن عزة رأسها على الحائط تفكر، فجلست ديانا معها لتسألها عن حالها، فتجيب عزة باقتضاب وحزن مكتوم.
تحاول ديانا أن تقوم بإخراجها من حالتها هذه لتقص عليها قصة الرسالة المجهولة، تعتقد أنها الوحيدة التي تلقتها وتذكر لها بأنها كانت صادقة وقد اعترف نبيل بمحتواها ولكنه اعترف أيضًا إنه أخيرًا قد أحبها واقتنع بها كزوجة وشريكة حياة.
شعرت عزة بالخوف أن تكون رسالتها أيضًا حقيقية لا تحتمل التكذيب، فسألت ديانا سؤالًا عفويًا أبله لا يصدر من فتاة ابنة الخامسة عشر:
ديانا، أنتِ بتشوفي إن قصي بيحبني بجد!
فغر فاه ديانا من مفاجأة السؤال لتجيب بحركاتها الجسدية كعادتها ويداها قائلة:
طبعًا طبعًا أنتِ بتسأليني! لو نبيل عمل لي بس ربع طريقة قصي وياكِ أنا مش ها أعيش معاكم على الأرض.
بدأت الدمعات تتكاثر بمقلتي عزة وأردفت بانكسار لها:
أنا جات لي رسالة شبه رسالتك كدا، وخايفة يكون اللي فيها بجد زيك برضه.
قامت ديانا بعض شفتها السفلى ومن ثم قالت لها:
بصي، أنا ما أعرفش جاء لك إيه وما أعرفش جوازكم ماشي إزاي، بس لو قلبك مصدق صدقي، ولو قلبك مكذب كذبي، ببساطة إحنا لو عاوزين نحبهم ها نحبهم يا عزة حتى لو فيهم مليون حاجة وحشة.
ولو عاوزين نكرههم ونبعد ها نكره ونبعد حتى لو فيهم ألف حاجة حلوة.
ربتت ديانا بلطف على رأس عزة وتركتها لتتركها في حيرة من أمرها، لننتقل بالمشهد إلى رائد ومايا أمام لجنة الحكم، فيقوم حسن بالمبادرة:
يؤسفني بشدة أقول لكم إن دا كان اختبار خفي، اختبار الأسبوع الثالث وأنتو سقطتوا بمجرد تصديقكم للرسائل.
مايا باندفاع:
يعني الرسائل كانت كذب!
ليجيب والي:
كذب أو صدق ها نوضحه، بس أنتو سقطتوا وفعلًا ها تخرجوا من المسابقة كمان بعد حدوث الطلاق وكنا نتمنى دا ما يحصلش.
رائد بعنجهيته المعهودة وسبابه الموجه للطبيب حسن:
أنا عاوز أسأل سؤال واحد، اللي قرأته كان صح ولا كلام مناخوليا من دكتور الغبرة.
فأردف حسن متمالكًا غيظه كعهده:
أولًا ما أسمحش لك، ثاني شيء اه كان كذب، رسالتك كانت كذب وأحب أقول لك لما تطلع يا ريت ما تكملش في كورسات اللايف كوتش غير لما أنت تتعالج أولًا عشان تبقى مقتنع باللي بتوصله.
أما عن رسالة مايا فكانت حقيقية، وسواء كدا أو كدا عاوزين ترجعوا لبعض أو لا دا مش شغلنا.
الأكاديمية دورها وقف لحد هنا.
نهضت زاد تحاول حبس دموعها لتدور وتعانق مايا وتعطيها علبة مغلقة مردفة:
دي كادو بسيطة من الأكاديمية، كنتو منورينّا وإحنا بجد في حزن شديد لخروجكم.
حظ سعيد وربنا معاكم.
ترجل الاثنان مفترقان بعدما ولجا معًا، لم تكن مسابقة لمجرد الهتاف والأمنيات وحمل الشعارات بل لمعرفة معدن كل واحد للآخر، لقياس مدى الحب مدى التمسك ومدى الأرض الصلبة والأساس الصلب الذي يحتمل العلاقة، هل هو متين أم مع أول نفخة ريح ستطيح به!
***
بعدما توجها مصعب وروز إلى الإدارة ليخبروهم بانسحابهم، تخبرهم الإدارة بأن عليهما التريث وغدًا سيكون هناك خبر مهم لجميع من بالأكاديمية.
نتفاجأ بخطوات عزة ناحية مجلس قصي، وملامسة كف يده مع قولها بنبرة اعتذار:
أنا مش مصدقة اللي اتقال، وعندي إحساس إنه مقلب، أنا مصدقة إحساسي إني باحبك ومش ها أعرف أسيبك.
حدق قصي بها وأردف وصوته يحمل معاني الغضب وكظم الضيق:
وليه مقلب؟ مش يمكن حقيقة وباكذب عليك، ومتجوز عرفي ومراتي حامل زي ما قالت نهى.
ضحكت عزة لتقوم بلكمه في كتفه قائلة:
خلاص بقى يا قصي، لا مش متجوز، أنا بس اللي أعصابي تعبانة وبقت تتهز من أقل حاجة.
حقك عليّ.
أمسك قصي بكلتا يديها واعتدل في جلسته ليكون مواجهًا لها وأردف:
أنا باحبك، ما تبقيش غبية كلمة تجيبك وكلمة توديكِ، لو عاوز أتجوز ها أقول لك وأصارحك من زمان مش ها أعملها زي الحرامية.
أرجوك يا عزة، حافظي على اللي بنيناه سوا، حافظي على حبنا وعلينا، دي آخر مرة أسمح لك بالاتهامات والعياط والمشاكل، أنتِ فاهمة!
أومأت عزة برأسها إيجابًا لتنام على صدره ويلف هو ذراعه حول جسدها وهي نائمة هكذا، لننتقل بالمشهد إلى زاد التي تتحدث إلى عمها بشأن قراره في الزواج من هيام وترك إخبارها هي وأولادها أن يكون لها دون تدخل منه، فتفاجئه زاد بقصة والي كلها وما اعترف لها به، فيحثها ذكي بأن الفرصة تأتي للإنسان مرة واحدة وعليها اغتنامها قبل الضياع فهو يرى فيه من البداية إعجابه بزاد الحقيقي:
مش عارفة يا ذيكو خايفة.
ذكي:
إدي له فرصة يا حبيبتي وإدي لقلبك فرصة كمان، كفاياكِ وحدة، إذا كنت أنا عمك وبعد 66 سنة أخيرًا ها أتجوز حبيبتي.
ضحكت زاد لتقول برضا نفس:
أنا مؤمنة بدعائي اللي كنت دايما أقوله، يا رب حليها، وحلها من عندك، ووقع في طريقنا ناس حنينة، بسيطة، لينة، ومتفصلين علينا.
مال ذكي بجذعه إلى الأمام يتحدث بنبرة يختلجها الفرح:
يعني ها تدي له فرصة؟!
أومأت زاد برأسها إيجابًا ليفتح ذكي ذراعيه فترتمي هي بينهما وكأنها تريد عناق العالم معه بعدما قررت ذاك القرار.
ليأتي يوم إخبار المتسابقين بالاختبار الجديد ويفاجئوا جميعًا بأنه قد تم الاختبار وقد نجح جميعهم ولكن بفرق نقاط كالعادة.
وقف ثمانيتهم مشدوهين، لتعلن زاد بأن أول المتسابقين بالنقاط هما نبيل وديانا ليصبح مجموع نقاطهم 55 نقطة.
ثاني ثنائي يحمل أعلى نقاط وئام وباسل ليصبح مجموع نقاطهم 45.
ثالث ثنائي مصعب وروز ليصبح مجموع نقاطهم 70 نقطة!
وأخيرًا أصحاب المركز الرابع قصي وعزة ومجموع نقاطهم 50 نقطة فقط.
لتترتب الثنائيات كالآتي بعد الأسبوع الثالث:
1- روز ومصعب.
2- نبيل وديانا.
3- قصي وعزة.
4- وئام وباسل.
فيقف جميعهم ما بين تخبط لما حدث ومفاجئتهم وتعليل زاد للاختبار مع إخبارهم بحقيقة الرسائل ليتضح بأن رسالة باسل وعزة ورائد كانت رسائل مختلقة والبقية رسائل صحيحة.
فرح قلب عزة الذي كان ما زال به جزء ما زال خائفًا، قبل مصعب يد روز وركع على ساق ونصف ليقول أمام الكاميرات للمرة الثانية وأمام المتسابقين:
آسف يا رز، آسف في اللي قلته وسمعتيه، واللي عاوزاه أكفر بيه ويرضيكِ ها أعمله.
ما ليش غيرك وباحبك وأنتِ أشرف بنت في الدنيا.
لتبتسم روز بسمة عريضة تعيد لها ثقتها بنفسها وروحها وتفرح لأنهما الأعلى هذا الأسبوع، لينتهي أسبوع ويأتي رابع أسبوع ما بين جلسة نفسية مع حسن وجلسة مع طبيبة التغذية التي تهتم بصحتهم وأوزانهم، ولا نخفيكم سرًا فقد أصبح شكل ديانا أجمل من السابق وبدأت التعود على الحمية الغذائية حتى التمارين والقيام بالرياضة أصبحت أكثرهم التزامًا، لنذهب معهم بجلسة "السوشيال ميديا" وتلقيهم رسائل أحبتهم ومعجبيهم الذين هم في ازدياد لكل ثنائي منهم.
حتى في تعاملاتهم جميعهم على حد سواء أصبح هناك تعاون والقيام بسهرات وجلسات، فقاموا بعمل ليلة ساهرة على سطوح المبنى، فحضرت الفتيات المشويات وتأنقت جميعهن وارتدى الفتية الملابس الرسمية.
أدار مصعب مشغل الأغاني وبدأت الحفل ما بين رقص وصخب وغناء وأكل.
ويوم آخر يجلس جميعهم يلعبون لعبة "الصراحة" فيتصارح الجميع والحديث يأتي بأحاديث والليلة تصبح أكثر سمر وجمالًا وقربًا.
ليأتي يوم إعلان أصدقاء الأسبوع لتتناقل الوجوه بين الشباب لتقف على نبيل فيصفق مصعب ويطلق صفيرًا مع احتضان قصي له وتتناقل صور الفتيات لتقف على ديانا لتقفز بمكانها عدة مرات وتهرول ناحية نبيل توقعه أرضًا مع علو صوت ضحكات الجميع عليهما فيستقبلا هديتهما مع ازدياد رصيدهم من النقاط ليصبح 85 نقطة فيصعدا هما بالمركز الأول.
وتأتي هديتهما بقضاء يوم كامل بمدينة الألعاب "دريم بارك" مع تناول وجبة شهية خارج حدود الحمية وتناول الكثير من الشوكولاتة لتقفز ديانا بجميع أرجاء الصرح مع معانقة روز ووئام لها وضحك عزة على عفويتها.
_أيوه، خلاص قربت أجهز أهو.
كانت زاد بغرفتها تتأنق استعدادًا للنزول، فكانت على ميعاد مع إحداهن لحضور حفل عيد ميلادها بمكان مشهور لإقامة الحفلات، وكانت إجابتها على اتصال لصديقتها الأخرى.
كانت لا تريد الذهاب، لكن بإصرار عمها ذهبت ولبت الدعوة. وما أن وصلت بين حديث وأغنيات ورقص، لتأتي الكعكة وتقوم صاحبة الحفل بتقطيعها وتوزيعها، فتجلس بجانب زاد فتردف زاد:
_عاوزة أمشي، مش متعودة على الحفلات دي.
_يا بنتي، تمشي إيه؟ لسه السهرة هتحلى.
صمتت زاد وكانت تتناقل بنظرها هنا وهناك، لتقع نظرتها على فتاة صغيرة، ابنة أربع أو خمس سنوات، شقراء ذات عينين زرقاوين، تقف بمنتصف دائرة، وهناك أيضًا حفل عيد ميلاد أحدهم، ومن الواضح أنها هي، لترفع ببصرها على من يقف بجانبها، وقبل أن تحدق به لتتأكد تسمع صوت صديقتها وهي تردف:
_مش والي عبدالحميد اللي هناك ده!
نهضت زاد واقفة وهي تسمع لباقي حديث الأخرى وهي تقول:
_هو عامل عيد ميلاد بنته هنا برضه.
التفتت زاد ناحية صديقتها بهلع لتردد:
_بنته!
_معقول يا زاد بتشتغلوا سوا بقالكم قد إيه وما تعرفيش إنه متجوز وعنده بنت!
لم تستمع زاد، بل قادتها قدماها خطوة خلف خطوة حتى وصلت إليهم، وهو يعانق الفتاة مع تحدثه لها بالإنجليزية قائلًا فيما معناه: والدك يريد عناقًا كبيرًا، فتعانقه الفتاة، ليرفع رأسه والي فيجد زاد أمامه تنظر له.
يقف يبتلع ريقه مع بداية انفراج شفتيه مع قوله:
_زاد..!
لتهم زاد بالانصراف بسرعة من أمامه إلى سيارتها، وهو خلفها يناديها، لكنها لا تسمع شيئًا سوى صوت انكسار شيء ما بداخلها، لتدير المفتاح وعجلة القيادة وتنطلق على أقصى سرعة..!
_ما طبيعي البدايات تبقى حلوة يا جماعة برضه، أصل مفيش حد هيدخل يقولك أنا تربية زبالة على طول.
رواية ميكاتوا الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نور اسماعيل.
الفصل التاسع والعشرون
- أنا هنا مش ببرر موقف يا عمو ذكي، أنا هنا عشان مش حابب أكون في خانة المتهم اللي حطتني فيها زاد من غير حتى ما تسمع أسبابي.
أنا كنت متجوز من كام سنة من بنت أمريكية الجنسية، قابلتها وأنا في مرة من مرات سفرياتي لنيو يورك، شغل ودراسة.. اتقابلنا واتصاحبنا وعرضت عليها الجواز ووافقت.
منكرش إني وقتها كنت طايش، حلم الجواز ببنت أمريكية على المعيشة هناك والجنسية.. بس بعد شهور لقيت إن ده حلم كارثي وأنا مش سعيد إطلاقًا.
حاولت أتأقلم على الوضع لكن.. كانت بقت حامل!
طبعًا، كنت فرحان وفي نفس الوقت قلقان أوي، كنت بحاول أقنعها نرجع نعيش في مصر بس هي كانت رافضة.
وبعد رفض ومشاكل.. رفعت دعوة طلاق هناك وكسبتها بسهولة وبالتالي اتحرمت من بنتي اللي يا دوب شوفتها بنت شهور وبعدين اتحرمت منها لسنين في ظل المحاكم والقضايا.
بالترجي وبالود وبالعنف حاولت وحاولت لحد ما في النهاية وصلت إني ممكن أشوفها أسبوع كل سنة هنا في مصر تقضيه معايا وكمان ممكن أروح لهم أسبوع أنا في الشتا.
ومن وقتها بعتبر نفسي مخوضتش من الأساس التجربة دي ولا بفتكرها.. ما بفتكرش منها إلا ليديا بنتي!
أمسك والي كوب الماء واحتسى القليل بيد ترتجف ووضعها ثانية إلى مكانها، كل هذا وذكي يراقبه بهدوء ومن ثم أكمل والي:
- أنا حبيت زاد بجد يا عمو، أنا ملعبتش بيها ومينفعش ألعب أصلًا.. زاد شخص قوي وحساس ولماحة.
لو إحساسي الصح بيها موصلش كانت عرفت، الماضي بتاعي مش هيغير من وضعي معاها ووضع حبي شيء.
- وليه خبيت عليها يا والي! أنا أول مرة من اليوم اللي جاتلي فيه زاد وعاشت معايا أشوفها بالإنهيار ده.
لا فزت بعد هوجاء قلبي، ولا ذاق عقلي ما اشتهى
اخترت أن أحيا بعقل، بقيت صخوري وقلبي انتهى
جعلت قلبي في السيد، عاد بي حائرًا بعد الهوى
لا تفاضل بين شقيك، فإن فعلت زال شقًا واختفى..
تنحنح والي ليكمل محاضرة دفاعه عن نفسه وأردف بصوت متهدج:
- أنا أكيد كنت هقولها، بس لما أتأكد من مشاعرها ناحيتي.. مستحيل هقولها إني مطلق وعندي بنت أمريكية.
عشان أسد باب التفكير خالص عليها ومتدنيش فرصة.
هز ذكي رأسه نافيًا مع قوله:
- مش مبرر يا والي.
على الدرج، كانت تهبط زاد مسرعة غاضبة تتراقص أمامها شياطين الأرض جميعها.
تنظر ناحيتهم مصوبة عينيها على والي لتقف بينهما مع قولها بصوت جهوري وعصبية مفرطة:
- أظن يا أستاذ والي عمو ذكي مش هيبقالك محامي في موضوع أنا خلاص قفلته من قبل ما يبدأ.
ده لو أنت جاي تبرر الكدب والخداع والتمثيلية العظيمة اللي كنت بتمثلها عليا.
أما لو جاي عشان عمو ذكي أو حاجة تانية، فأنا هنسحب ومش هبقى موجودة.
لأن مش حابة أشوفك ثلاث ثواني على بعض ومش هصدق يخلص البرنامج ويخلص العقد عشان تنتهي رحلتك معايا للأبد..
قذفت بكلماتها كمدافع مدوية بوجهه ليراقبها بعينين حزينتين دون التفوه بكلمة ليردف ذكي آسفًا:
- متخيل شخصية زي زاد كانت قافلة باب قلبها للنهاية، ولما يا دوب بتحاول اتصدمت.. أعتقد إن لازم محاولة باسلة وجبارة يا والي.. عشان بس تسمعك وتغفرلك!
~`~`~
تلك الظلمة التي مرت بك وذاك النور الذي تركته في غفلة وهذه العتمة التي علقت بها بإرادتك.
أنت وحدك من يمكنه إضاءة الطريق وترك اليأس وإخراج الروح من الظلمات إلى النور.
عودة إلى الأكاديمية..
موعد الاختبار الرابع، كان عبارة عن ابحث عن هدية شريكك المفضلة!
كان اقتراح المعد حمدي عن شراء أكثر الهدايا التي يفضلها شريك حياتك أو أكثر الأشياء التي يريدها حقًا.
أخبر كل طرف من طرفي كل ثنائي عما يريد من هدية ودونها في أوراق مغلقة تظل مع لجنة الحكم لحين إعلان النتيجة.
تم فصل الصرح وأصبحن الفتيات وحدهن والشباب نفس الوضع.. كانت عزة تفكر في أمر أكثر الهدايا الغالية على قلب قصي لإحضارها.
أما عن ديانا فكانت تصلي لأجل أن يلهمها الله عن أكثر الهدايا التي يريدها نبيل وأن لا تخطئ بشأنها، أما عن وئام فكانت تعيد كل حكايات باسل معها عن ما يحب ولا يحب حتى تعثر على بغيتها.
وروز ظلت تدور في مكانها الفريد بجانب الأرجوحة تفكر مرة واثنتين وعشرة.. ماذا يحب مصعب!
وبغرفة الشباب..
كان نبيل يتحدث إلى باسل أن الأمر بمثابة السهل الممتنع، الخوف من اقتراف خطأ بسيط باختيار شيء لا يريده شريكك الآخر أو لم يكن هو المدون في ورقة لجنة التحكيم.
قصي كان ممسكًا بورقة وقلم ويدون كل شيء يخص عزة، كل شيء تحبه وتفضله وما هي الأشياء التي لديها وما الذي ليس معها.
أما عن مصعب فكان يتحدث إلى نفسه بصوت مسموع:
- إيه ناقصك يا وكلاهم، عتحبي إيه يا جارشاهم.
تذكر شيئًا ليطرق على رأسه بأنامله قائلًا:
- أيوه.. أيوه، في مرة قالت لي عتحب الكلاب ونفسها في كلب صغير تربيه أحسن من الناس.
يعني نجيبوا كلب! الخوف أجيب كلب يطلع غلط ودكتور حسن سنكافولا ديتي ياخد هو الكلب!
مر يومان وأتى يوم شراء الهدايا، أخذت الفتيات المال والشباب وذهبا في رحلتين منفصلتين ليخبر كل شاب عن المكان المراد منه إتمام عملية الشراء وكذلك الفتيات.
وبعد مضي نصف يوم في البحث، حان وقت تقديم الهدايا.
ليبدأ بـ وئام وباسل.. ليخرج باسل من جيبه علبة حمراء قطيفة ويفتحها لتجد وئام بداخلها قلادة وقرط مصنوعان من الفضة!
ليبدوا على وجه وئام الخذلان، فهذه الهدية لم تكن بغيتها لتخرج هي علبة بها ساعة رجالي ليرفع باسل حاجبه اندهاشًا لم تكن أيضًا مراده.. ليخفقا أول ثنائي حيث كان تدوينهم بالورق كالآتي:
وئام تريد دمية! من صغرها تحلم بدمية تلعب بها كالصغار وتحتفظ بها، أما عن باسل فقد كتب أنه يريد عطرًا له ماركة عالمية كان يحلم كثيرًا بشراؤه واقتناؤه وللأسف لم يكن بوسعه إخبار وئام يومًا.
ليدلف ثاني الثنائيات قصي وعزة..
ليكون بحوزة عزة علبة من الكرتون وتهم بفتحها ليجد قصي بداخلها هاتف جديد حديث الطراز، فيضحك قصي هو بالفعل كان يريد هاتفًا ولكن خطأ الماهر بألف.. كان يريد نوعًا بعينه يسمى _آيفون_ فالتوت شفتي عزة بضيق ليأتي قصي بصندوق حديدي وبداخله قطة شيراز فتهلل عزة فرحًا لأن هذا هو مبتغاها حقًا، وبهذا يحصلان قصي وعزة على نصف عدد النقاط.
ليأتي دور نبيل وديانا فتتقدم ديانا بعفويتها المعهودة وشعرها يتهادى خلفها بعدما فقدت الكثير من شحوم جسدها وأصبحت أنحل مما سبق.
فتقدم نبيل نحوها ممسكًا بشيء هائل ليفتحه فترى هي وتشهق بقوة، فستان الزفاف!!
فأخذت تقفز وتدور بمكانها ببلاهة عهدها ولجنة الحكم تضحك لأن هذا ما كتبته بالورق وهذا ما كانت تريد، ليصبح الأمل فيما اشترت هي لتفتح العلبة ويجد نبيل خاتم أب الاعتراف لديه، فمنذ وقت طويل أخبرها بأن كان لديه خاتم أب الاعتراف بالكنيسة التابع لها وقد فقده دون علم منه وحزن لذلك حزنًا شديدًا فقد كان عزيزًا لديه وأيضًا به بركة الكاهن الذي يتبع له، وما أن رآه نبيل لتتهلل أساريره ويقوم بعناقها وهذا على غير العادة لأن هذا ما كان يريد بالفعل.
ليحصل أول ثنائي في هذا الاختبار على عدد النقاط كاملة.
ويتقدم آخر الثنائيات روز ومصعب، فيقوم مصعب بمداعبة روز كعادته أمام لجنة الحكم فتضحك هي ليقوم بجلب كلب من نوع _جولدن_ صغير لتبتسم روز أنه أصاب الهدف فيدق قلبها بتصارع خوفًا أن تخطئ.
هي.. لتتقدم بخوف دون ثقة كعهدها وتفتح حقيبة بلاستيكية وبها علم نادي الأهلي والشارات الخاصة بهم والقبعة وميدالية عليها الشعار!
فيقفظ مصعب فرحًا ويقبلهم ومن ثم يقفز بها فرحًا ضامًا إياها بين ذراعيه ليحصلا الاثنين على عدد النقاط كاملة.
فيصبح نتيجة هذا الاختبار كالآتي:
1- نبيل وديانا 105 نقطة.
2- مصعب وروز 90 نقطة.
3- قصي وعزة 65 نقطة.
ليعلنوا انتهاء ثاني الثنائيات باسل ووئام بـ صرح مطر وردي، وبالدموع والعناق والبكاء.
كانا يحزما أمتعتهم ويقبلون الجميع ويلوحون لهم في أجواء صعبة ومبكية ليغلق باب مطر وردي على ثلاثة ثنائيات فقط.
~`~`~`~
محاولات مستميتة لـ والي مع زاد ولكن كلها باءت بالفشل، لم تعطه فرصة والمعاملة بحد العمل فقط، يلاحظ حسن هذا ليتحدث معها بمفردها فتقوم زاد بقص كل شيء عليه ويسمعها هو بأذن الطبيب النفسي وليس الصديق وزميل العمل.
يعلم ما في داخل زاد، خوف من الارتباط والمستقبل وقبل إن تسنح لنفسها بدخول النور.
تصادمت بحائط صخري، حائط الكذب والغش!
يجد حسن باب حديدي قد انغلق على قلبها أقوى وأقسى من ذي قبل، وأن والي هو الذي رسم نهايته لها هي.
- ما طبيعي البدايات تبقى حلوة يا جماعة برضه أصل مفيش حد هيدخل يقولك أنا تربية زبالة على طول.
- دكتور حسن افهمني، هو إزاي عرف يتلون كده ويكذب.
ابتسم حسن مع هزة لرأسه قائلًا:
- زاد.. هو بالنسبة له مش كذاب، هو كان مأجل فكرة إنه يقولك لحد ما يتأكد منك مش عاوز يسدها عليكي وعلى نفسه من قبل أي حاجة.
تنهدت زاد بحزن مكتوم ليردف حسن بحسم:
- لو حسيتِ بأي حاجة حلوة ناحيته كان صادق فيها، إديله فرصة تانية.
~`~`~
أتعلمين كم مرة تمنيت فيها لقائك كم مرة دعيت الله أن تكوني لي، كم مرة بكيت فقط لأرى عيناكِ، كم مرة دعوت الله أن تكونين نصيبي، كم مرة حلمت فقط أن ألامس يداكِ، واليوم.. أنا بجانبك يفصلنا بضعة أمتار... حقًا كم أنا محظوظ!
بقوة كانت هيام تواجه فتياتها بأمر زواجها من ذكي أخيرًا حب عمرها الأوحد وأنه قرار بلا رجعة شاؤوا أم أبوا.
تعنيف واستنكار.. دامت الاتصالات بينهم لأيام عدة ما بين الهدوء وعرض الأمر والعراك والصوت العالي، وحينما وجدوا فتياتها وأزواجهم أن لا محالة فهي لن تتراجع، خضعوا للأمر ولكن أوضحوا لها بأن وجودها بينهم ثانية بزوجها الجديد غير مرحب به!
لم يزعج هيام قولهن، فهي تريد أن تعيش المتبقي برفقته حتى وإن كان ساعة واحدة فقط، عزما هي وذكي بأن يتمما عقد القران بعدما ينتهي البرنامج في حفل بهيج يليق بتتويج قصة حبهم عميقة الأثر.
ونعود إلى عصافير مطر وردي..
قصي وعزة وهما يقوما بتزيين الحديقة علمًا بأن اليوم هو حدث جلل، عيد ميلاد روز!
حدث لم تكن تهتم هي به من الأساس، لكن عندما علم المتابعين طلبوا منهم صنع حفل لها وأنهم أصدقائها وعائلتها لن تصبح وحيدة هي بعد الآن..
وعن تقسيم العمل فيما بينهم، اختار نبيل طبخ مأكولات الحفل بينما قامت ديانا بمساعدته في لوحة من الفكاهة وخفة الظل والمشاغبة بينهما.
مصعب كان يحضر نفسه وما سيرتديه بالحفل، فكان يشرف على وضع المنضدة بالحديقة والمأكولات والحلوى والكعكة التي كانت عليها صورة روز.
طلب من إشراف مطر وردي جلب هدية لها بخلاف الكلب، لتوافق الأكاديمية على طلب مصعب. ولم يكن وحده من جلب لها هدية بل الجميع.
فقد قدمت لها عزة فستانًا رائعًا ذا لون فضي يفضل ارتداؤه بالسهرات، وقدم قصي لها لوحة قد رسمها خصيصًا، بعدما طلب أدوات الرسم من إشراف مطر وردي وكانت في غاية الروعة.
لتقدم ديانا هدية تعكس طفولتها، دمية كبيرة الحجم بحجم الإنسان الطبيعي لشخصية "دورا" الكرتونية.
ويقدم نبيل لها كعك عيد الميلاد الذي صنعه خصيصًا، تحت ساعات من العمل المتواصل الشاق لطبخ المائدة وصنع الكعكة.
وأخيرًا، تكون هدية مصعب خاتم الخطبة!
تفاجأت هي به ويلبسها إياه. وبفرحة ورقصات وتناول طعام، كان حفلًا جميلًا رائعًا أضفى على النفس حيوية وعلى الليلة متعة وبهجة.
***
الأسابيع الخامس والسادس ليأتي السابع، ومجموع نقاطهم تتأرجح ما بين ارتفاع وهبوط للثلاثة الثنائيات، ف إن ارتفع أحدهم من نتيجة اختبار يرتفع الآخر نتيجة صديق الأسبوع.
وهكذا حتى الأسبوع السابع وموعد خروج ثالث الثنائيات، فبعد يوم الرياضة ويوم الجلسة النفسية ويوم "السوشيال ميديا" يأتي الاختبار السابع من اختيار زاد مطر بعنوان "اكدب عليا!".
بعد اتفاق مع الثلاث فتيات عزة وديانا وروز عن كذبهم بأكذوبة مختلقة بخصوص حياتهم مع شركائهم، تم الاتفاق وتم حفظ الأكذوبة وخطوات تحقيق الاختبار وهو بطريقة غير معلومة للثلاث شباب.
فجلست روز مع مصعب وبدأت أول واحدة اختبارها لتردف له أثناء جلستهم بوقت صفا:
"مش حاسس إنك اتسرعت بخطوبتك ليا يا مصعب؟"
"لاه حاسسش، دنا متأخر سنة وشهرين."
ضحكت روز لتردف له بهدوء ورصانة صوتها:
"طيب حاسس إنك عارف كل حاجة عني؟! وكل حاجة فيا تؤهلني إني أبقى مراتك؟"
"يا بوي تتأهلي ونص، هو كأس الأمم المتحدة؟ مالك يا رز؟"
تنهدت روز وشردت، تجيد التمثيل باحتراف لتردف بصوت حزين متصنع:
"أصل بصراحة أنت فاجئتني بموضوع الخطوبة، وتخطينا الاختبارات مع بعض اللي فاتت كلها حسستني إنك بجد بتحبني وباقي عليا وعاوزني... فقررت..."
عضت على شفتها السفلى وهي تتصنع عدم استطاعتها إكمال الحديث، لينتبه لها مصعب بجدية قائلًا:
"قررتِ إيه يا بوي، تترشحي في مجلس الشعب!"
"ما بهزرش يا مصعب، أنا فعلًا فيه حاجة عاوزة أقولهالك من زمان وقلقانة... بس لما أنت خدت قرار إننا نتجوز وخطبتني قدام الدنيا كلها... يبقى لازم تعرف."
اكترث مصعب للأمر ونظر لها بانتباه، لتردف روز:
"أنا زمان أوي من كام سنة، حبيت حد واطمنت له أوي وللأسف كان بيلعب بيا. واتجوزني عرفي... وفي يوم وليلة سابني وهرب ومعرفش طريقة ولا الورق العرفي فين لأنه سرقه!"
اتسعت حدقة عين مصعب ذهولًا دون أن يتحدث. لننتقل بالمشهد إلى نبيل وديانا وبراعة ديانا وهي تتحدث وتمثل الاختبار على أكمل وجه مردفة:
"إيه مخضوض ليه يا بلبول! أنا ما كنتش عاوزة أقولك وقتها بس خلاص المسابقة قربت تخلص. ولازم بقى أقولك أنا ناوية على إيه، أنا مش عاوزة جواز... أنا وأنت بقينا تريند يعني لو بس خرجنا من المسابقة كسبانين الفلوس والعربية نقسمهم وكل حد يروح لحاله. مش هتسرع تاني على جواز، هيبقى مستقبلي قصادي والمتابعين بالهبل ليا وميت ألف حد يتمناني ولا يتنمر بقى ولا يحسسني إني عبء عليه. وأنت كمان تتمتع بحياة العزوبية براحتك بقى وتتفرغ لبؤسك وشؤمك اللي تعبت منه وتريحني وترتاح..."
وبسرعة نجد عزة مع قصي التي كانت تدمع عيناه وهو يسمعها:
"أيوة وافقت نتجوز لأنك ابن ناس وعيلة، هو أنا كنت أحلم؟ كنت فاكرة بقى إننا هنعيش في الفيلا والخدم والحشم بس دا ما حصلش ونابي طلع على شونة فخلاص استسلمت للأمر الواقع، لكن لو كسبنا المسابقة... فأنا بصراحة عاوزة نصيبي وهو على دار الأيتام هبقى بزنس وومن كبيرة وساعتها أعمل كل اللي اتحرمت منه."
"أنا مش عارف أصدقك يا عزة! أنتِ بتتكلمي جد؟"
"وكويس إن ما فيش ولاد يا قصي، عشان الفراق يبقى بهدوء وتقدر تتجوز وتلحق حياتك في إنك تخلف ويكون لك طفل."
قالتهم دفعة واحدة وأشاحت بنظرها بعيدًا حتى لا ينظر بعيناها هو ويعلم الحقيقة حينما تنطق بها مقلتيها وتخبره بأنها كاذبة وأن قلبه يحدثه بالصدق فهي تخدعه لبعض الوقت بلعبة ولا تتحدث صدقًا!
لنترك ساحة الرد للشباب الثلاثة وننتظر الفصل الأخير.
***
ب:
"من خلال تجاربي البائسة الحزينة أقدر أقولك إن ما فيش حاجة هتنقذك غير إنك تحب نفسك."
رواية ميكاتوا الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور اسماعيل.
أتيتُ وكلي مبعثر، لا أدري لي سبيل غير قلبك، هب لي كتفك كما عودتني ولا تتركني متخبطًا بين السبل! أنت رفيقي وطريقي ومأمني وسند رأسي ومنظم قلبي، يُضمدني حنانك وإني أحبك كل حين فهلّا أدركت!
ها وقد أتت اللحظة الحاسمة، نتيجة الاختبار السابع بمطر وردي بفوز الثنائي مصعب وروز!
وخسارة ديانا ونبيل وقصي وعزة، لتنم النتائج بمقارنة النقاط بأن الثنائي عزة وقصي أقل نقاط من بينهم ليخرجوا من الصرح بأكمله بعد الأسبوع السابع!
وماذا حدث إذًا!! هيا بنا عودة للخلف..
حينما علم قصي وسمع ما أخبرته به عزة، فيشعر بوخزات متتالية بصدره ليسقط مغشيًا عليه أرضًا! فتصرخ عزة لتتدخل إدارة مطر وردي وتأتي الإسعاف تنقله مباشرة إلى مشفى والكاميرات معهم حتى يتحول بكاء عزة إلى نحيب وإبداء بياليتها ما شاركت بهذا الاختبار قط حتى لا يضيع من بين يديها كنزها الوحيد بهذه الدنيا!
ولإحكام اللعبة، سمع صوت والي الثنائيان المتبقيان وهو يعلن بتأجيل الاختبار السابع حتى عودة قصي من المشفى والاطمئنان لحالته.
فنذهب بالكاميرات إلى ديانا ونبيل، فبعدما سمعها نبيل أردف في حزن وأسى:
أنا كنت حاسس يا ديانا، أصل مش معقول الدنيا تمشي معايا عدل كدا من غير ما تديني فوق دماغي مرة واحدة تفوقني.
كانت تحملق ديانا به مذهولة، لقد صدق الكذبة.. هل هي ممثلة بارعة أم هو إنسان بائس وكل أفكاره للمستقبل متشائمة.
أكمل نبيل بصوت متهدج متأثر بما قالت ديانا للتو:
براحتك.. عاوزة تسيبيني دلوقتي ماشي، عاوزة بعد ما تخلص المسابقة برضه اللي شايفاه.
أكملت ديانا تمثيلها فقالت:
لا طبعًا إزاي أسيبك دلوقتي وإحنا أساسًا كابلز في المسابقة، لما تخلص ونكسب نقسم المكسب وكل واحد يشوف طريقه.
هز نبيل رأسه بحزن ناكسًا إلى أسفل لتلتوي هي بفمها عالمة بكون خسارتهم بهذا الاختبار ليردف هو:
أنا هحاول أكلم حد من رئاسة مطر وردي يطمنا على قصي اللي فرفر من شظية فوق دا الله أعلم ماله دا كمان.
قامت ديانا بلكمه في صدره بقبضة يدها الممتلئة وقالت في غضب مضحك:
قصي تعب يا خيبتي القوية وغرابي البائس أكيد لما عزة عملت فيه الاختبار بتاعنا دا.
فغر فاه نبيل مشدوهًا مع رفع حاجبيه لتكمل ديانا:
من خلال تجاربي البائسة الحزينة وياك أقدر أقولك أن مفيش حاجة هتنقذك غير إنك تحب نفسك، لو كنت حبيت نفسك يا نبيل وعرفت أنت قد إيه طيب ومعدنك نضيف كنت هتعرف إني بحبك يا بائس يا متشائم.
وإن اللي بقوله كل دا وهم.
ظل نبيل يطرق على رأسه مندهشًا مع قوله:
إنتِ بتقولي إيه؟
اللي سمعته يا بؤس الدنيا (نظرت إلى السماء) يارب يسوع ارحمني.
بس هما لسه منبهين إن فيه اختبار.. قصدك إنهاااا.
التوت شفتا ديانا لتردف باستياء:
كدا أنا وأنتِ وعزة وقصي بخ، أما نشوف مصعب وروز.
نقلًا إلى روز ومصعب اللذان لم يشعرا بما حدث بالأسفل ولكن سمعا تنبيه والي بمكبرات الصوت عن الاختبار السابع وإن قصي بالمشفى.
إحنا بس نتطمنوا على الراجل ولينا حساب بعدين.
أمسكته روز من ذراعه توقفه قائلة:
استنى هنا.. أنت لازم تقول لي موقفك إيه بعد اللي قلتهولك دا وتقول لي قرارك النهائي.
حدق مصعب بها مطولًا وزفر بحرارة عميقة وأردف لها بجدية:
لولا ما سمعنا الأستاذ والي كنت قلت إنها لعبة الاختبار السابع ودي فكرة مغفلقة كالعادة من دكتور ملوخية.
لكن دلوقت اتأكدت إنه مش اختبار..
ابتلعت روز ريقها بصعوبة ودقات قلبها في اهتزاز خوفًا مما سوف يخبرها به، فأردفت:
وقرارك إيه؟
طرق مصعب بحذائه أرضًا مرة.. اثنان.. ثلاثة.. ناظرًا له، وروز موزعة أنظارها عليه وعلى حركة قدمه ليرفع لها بصره:
اسمعي يا روز، حتى لو مش لعبة من الأكاديمية فهي لعبة منك عاوزة تعرفي بنحبك وشاريكي قد إيه!
واتطمني يا ستي، بنحبك وبنعشق تراب رجليكي، المرة اللي زيك وما خلتنيش مرة أجرب ناحيتها ولا ألمسها.
وبقالنا كتير عارفين بعض وشغالين سوا، مفيش مرة دخلتيني بيتك وحدك.
يبقى مستحيل ترضي بغير الحلال، بلا عرفي بلا ديك رومي.. إنتِ عمرك ما ترخصي روحك لواحد تتجوزيه ويهرب ويسيبك، ودا اللي عرفته وحبيته في روزة حبيبة قلبي.
تحكمت روز في ابتسامتها التي تنم عن فرحتها وقالت بجدية:
يعني مش مصدقني في اللي قلتهولك؟!
أومأ مصعب برأسه نافيًا فضحكت وقفزت كثيرًا بمكانها وهي تردف:
نجحنا يا مصعااااب، نجحناااا كنت خايفة وقلقانة مش عشان الاختبار عشان ممكن تصدق دا عني بجد.
وساعتها كنت هفسخ خطوبتنا.
أمسك مصعب ساعدها بقوة ليجعلها تقترب نحوه ويردف وأنفاسه ملتصقة قليلًا بها:
تفسخي مع مين يا بنت المركوب، دانا أفسخك نصين ولا تسيبيني.
بس ثواني.. كان اختبار يعني!
أومأت روز برأسها إيجابًا لتهرول فارة من أمامه ليهرول هو خلفها يحاول الإمساك بها..
فتنغلق نتيجة الاختبار السابع بعدما تم الاطمئنان على صحة قصي وخروجه من المشفى وحزم أمتعته هو وعزة وعناقهم الطويل للبقية وتوديعهم بالدموع وتوديع المتابعين عبر الكاميرات وخروج ثالث الثنائيات وإغلاق باب صرح مطر وردي خلفهم!
مر أسبوعان آخران بين تحديات ونقاط وفوز وخسارة وتأرجح النتائج، هدايا لأصدقاء الأسبوع وسهرات حديث المتابعين والرد عليهم، والمفاجأة أن من ضمن الرسائل كانت رسائل موجهة إليهم من قبل وئام وباسل وعزة وقصي! يحمسونهم على المضي قدمًا وإنهم يشجعونهم على أي حال.
ليأتي الأسبوع العاشر والأخير، فيكون الاختبار الأخير والذي اقترحه حسن وزاد ولاقى استحسان من البقية وهو عبارة عن اعتراف حقيقي لكل طرف من أطراف الثنائي وجهًا لوجه وعلى حسب النقاط سيحسم الفوز.
على حسب تقبل كل طرف باعتراف الآخر، ورغم أن فارق النقاط ليس كبيرًا ولكن دقات قلوب المتابعين وعائلات المشاركين تدق في ترقب وخوف.
من سيفوز، من هو أفضل وأصدق ثنائي لمطر وردي، هل ديانا ونبيل.. أم روز ومصعب!
جلس مصعب وروز أمام بعضهما البعض وجهًا لوجه في غرفة منعزلة زجاجية يراهم اللجنة وبالطبع المتابعين خلف شاشات الهواتف والتلفاز.
بدأت روز وابتلعت ريقها لتردف مصوبة عيناها بعين مصعب مع قولها:
بيقولوا اعتراف حقيقي ولازم يكون حقيقي، وعليك تقبله أو لاء.
واعترافي يا مصعب هو.
كان يراقب حسن ردود الأفعال ويدون أمامه، وتشاهد زاد باهتمام.. حمدي أيضًا كان مستمع جيد.
أما عن والي فنظراته كانت موزعة على المشاركين وعلى زاد حينما تغفل هي نظراته!
اعترافي هو، عرض عليا منتج كبير إني أمثل فيلم وأبقى نجمة شباك بس طبعًا كان فيه مقابل وأكيد أنت عارف المقابل دا إيه، وأنا بعد انبهاري بالفكرة.. رفضت وما كنتش عمري هقولك الحوار دا لأنه مش مهم.
بس أديك عرفت.
صمت مصعب ليردف لها شابكًا أصابعًا ببعضهما البعض واضعًا إياهم أمامه:
اعترافك مفيش فيه أي حاجة تدينك يا روزة، بالعكس كبرتك في عيني.
أنا بقى اعترافي إن لولاكِ كان زماني ماشي في اللي كنت ماشي فيه، وإني كمان كنت داخل هنا عشان الفلوس وبس، بس حبيتك حتى لو ما كسبناش، بالعربي كسبتك يا روز يا فقرية.
أما عن نبيل وديانا، جالسان موجهان بعضهما البعض فقال نبيل:
بعترفلك يا كعبولي اللذيذ، إني ما حبتكيش طول السنين دي غير لما أبوكِ اللي دفعت له العشرين ألف في المستشفى وجيه عمل فيها ذئاب الجبل ورمالي الدبلة في وشي، وما حسيتش إني محتاجك غير لما حسيت إنك هتضيعي يا كعبول الزفت.
ضحكت ديانا ببلاهة وأردفت:
اعترفلك اعتراف يا بلبولي، لما جسمي خس واحلوّيت وبقيت قمراية زي ما أنت شايف.
كنت بفكر أبقى يوتيوبر زي اليوتيوبرز المنتشرين دول وأتشهر وأروح مطاعم أجرب الأكلات وأقول تجربتي.
واااو وكنت بفكر إنك كل دا ما حبتنيش فأريحك مني بقى وأمشي..
تلعثم نبيل ومن ثم ابتسم ليردف:
وأنا مش هسيبك، يعني مش أخطبك شبه كشك السجاير، وأسيبك وإنتِ شبه أديليه!!
ضحكت ديانا بعفوية لتحسم الجولة والنقاط وقبل أن تُعلن النتيجة!!
يجوز الربا في الحب، فمن أعطاك حبًا رده ضعفين. لأمير القوافي.
نظراتهم كانت تتحدث، عيناهما حولها التجاعيد ولكن روحها شابة.
قلبيهما عمرًا تخطت الخمسون عامًا ولكن النبض ما زال نبض شابين في مقتبل عمرهما.
هيام وذكي تم عقد القرآن في حفل بهيج رائع كتبت عنه الصحف ومواقع الإنترنت الإلكترونية.
كان اللقاء جميلًا حينما تشابكت أيديهم وحملت نظراتهم لبعضهم البعض كل الأحاديث المحملة والمحتفظ بها بداخلهم لأعوام.
جمالهم وكأنهما قد عادا بالعمر للخلف خمس وعشرون عامًا، ذكي من فرحته كان يشعر أنه يريد الطيران والتحليق بجناحيه، وأخيرًا حلم حياته أصبح بين يديه.
والي كان ينظر ناحية زاد معظم تواجده بالحفل، كانت تتألق في ثوبها وتنتقل كالفراشة بين المعازيم والكاميرات والترصدات وهو على نظراته لها.
يريدها أن تشعر به أن تقبل اعتذاراته.. ولكنها أبت شامخة كما كانت، جامدة صلبة المشاعر لا تشعر به ولا بغيره.
كانت تضحك برفقة الطبيب حسن وإحدى زوجاته تقي أثناء تواجدهم بالحفل، فترجل والي بخطوات خائفة نحوهم أثناء انهماكهم بالحديث المشترك:
تكتك دي الحب كله، كل واحدة منهم واخدة حتة في قلبي، لكن تقي واخدة قلبي كله.
قالها حسن ليحتضن تقي بذراعه بقوة فابتسمت زاد قائلة:
وااااو، ربنا يخليكم لبعض يارب..
أنت فكرة غريبة ومميزة يا دكتور حسن، ومنين بس الواحد يلاقي زيك؟
ضحك حسن بقوة لتردف تقى بنبرة غيرة:
"سونسونتي حاجة فريدة مش هتتكرر ولا هتيجي تاني يازاد، ومستحيل تلاقيه زيه."
لمح حسن اقتراب والي ليتحدث إلى تقى:
"تكتوكي تعالي عاوزك في حوار ما قلتش لك عليه لسه مألفه دلوقت حالا."
قهقهت تقى عالياً وهو يسحبها ليتحدث والي وزاد تعطيه ظهرها ناظرة نحو تقى وحسن:
"أنا دلوقت عرفت يعني إيه الواحد يحب، يعني يفضل يحب ويصمم ويحارب لحد ما يفوز، زي ما عمل عمو ذكي، عرايسنا الحلوين اللي إحنا بنحضر فرحهم دلوقت."
التفتت زاد إليه ممسكة كأس العصير المثلج فابتسمت ابتسامة شاحبة لتردف له:
"عمو ذكي وطنط هيام، (نظرت ناحية حسن وزوجته) دكتور حسن مثلاً، دي ناس صريحة مش هتتكرر، حبهم اتبنى على صدق فحياتهم كملت، فهمت يا والي؟"
بعينين بدأت تتخط بهما خط العبرات أردف والي راجياً إياها:
"أنا بحبك يا زاد، وكل اللي عاوزه فرصة."
"فرصتك سعيدة يا والي، ومنور الحفل عقبالك."
قالتها ببرودة أعصابها المعهودة ومضت من جانبه كأنه شيئاً لم يكن من الأساس.
`~`~`~`~
واليوم..
بأكبر قاعات القاهرة المطلة على النيل نهاراً، استعدادات لحفل زفاف الثنائي الفائز بنهاية مسابقة مطر وردي. الكثير من المتابعين والمتابعات كانوا بالحضور حتى إن لم يكن هناك مكاناً يتسع لأحد.
بثوب أنيق دلفت عزة متأبطة ذراع قصي الذي يرتدي بذلته ذات رابطة عنق نفس لون فستان عزة. وعلى استحياء وبشاشة وجه كانت وئام وباسل جالسان على أحد المناضد المزينة لاستقبال الحضور. والغريب حضور مايا فقط، بثوب رائع ذا لون أسود ووشاح أنيق للغاية، ليلتف المتابعين حول عزة وقصي وباسل ووئام ومايا وبالتصوير هنا وهناك معهم وصوت الأغاني والصخب والجميع بانتظار العرائس صاحبا أشهر وأكبر حفل زفاف أقيم بمصر على نفقة مسابقة مطر وردي علاوة على إقامة شهر العسل بتركيا شاملة كل شيء وسيارة طراز السنة ومبلغ مالي ليبدآ حياتهم.
المصورون والصحفيون حضور، وكانت مفاجأة أن المطربة أنغام ستحيي الحفل علاوة على حضور المعد حمدي وزاد ووالي والطبيب حسن برفقة زوجاته الثلاث وقدوم ذكي برفقة هيام.
وصوت تصفيق عالٍ وصفير حينما دلفا نبيل وديانا معاً واندماجهم بين الحضور والمتابعين وانهالت الصور ولقطات الكاميرا عليهم، لتهم عزة بالحديث هامسة بإذن ديانا فوافقت ليتحدثوا إلى وئام ومن ثم مايا وهو اقتراح عزة بالحضور بجانب غرفة العروس روز! حتى لا تشعر أنها وحيدة بيوم كهذا دون شقيقة أو صديقة أو أم! برغم حضور مصر كلها لها، وتحول حفل الزفاف لصور مصورة لهما مصعب وروز وصور كارتونية ولوحات كبيرة لهما لقطات تفرد بها المتابعين على الشاشات.
فصعدت عزة مع باقي الفتيات إلى غرفة العروس لتطرق عزة فيدلف جميعهن مع تعالى زغرودة لوئام بقوة فتهتز روز بمكانها وتشعر أن عليها البكاء من هول جمال المفاجأة فتنهاها الماكيرة التي تعد لها المكياج الخاص بالزفاف. عانقتهن جميعاً ورقصن وهي بالمنتصف، وعانقتها مايا بحرارة واعتذرت لها ورقصا سوياً مرتدية روز فستان زفاف ولا أروع.
ومثلما فعلن الفتيات، فعل الشباب بقيادة قصي إلى غرفة العريس مصعب! وحينما دلفوا جميعهم ترك مصعب الحلاق ورقص معهم رقصة تخص أبناء الصعيد، وأمسك باسل الهاتف ليلتقط عدة صور سيلفي لهم جميعاً أما عن نبيل فقد صنع بث مباشر عن طريق صفحته التي أصبح لها الآلاف المتابعين وصور كل شيء يقوم به مصعب من تحضيرات للزفاف.
وحينما أتى وقت الخروج للجمع الغفير، كان ينظر المدعوون بناحية ليخرجا روز ومصعب من ناحية أخرى فيصفق الجميع مع تعالى الزغاريد وإطلاق الصفير. رقص الجمع المحتشد بجانبهم وهم بالوسط، غنت المطربة أنغام لهما وشاركها حسن الغناء وأيضاً غنى حسن وحده ودعا وئام لمشاركته وكانت هي في غاية السرور خاصة عندما رأت ابتسامة باسل وتصفيقه لها.
وحينما أتت الرقصة الهادئة، تجمع الثنائيات أبطالنا وغيرهم من المدعوين. ليميل مصعب إلى أذن روز هامساً:
"يابت المحروق إيه اللي لابساه ديتي، يابت مش قلنا الملط دهوت نوقفه، أنتِ على ذمة راجل مش على ذمة حنان."
تمايلت روز عليه بدلال لتردف:
"عروسة يا موس بقى الله، بعد الفرح هلتزم حاضر.. وبعدين أنا اخترته مع زاد وعجبها موت."
"قلتِ عروسة يا إيه يا ملكومة؟!"
تدللت روز أكثر وهذا على غير معتادها ولكنه زوجها الآن أمام الله وأمام الجميع:
"يا موووس."
"يا بوي يا مراري أنا يا رب، لا اثبتي كده إحنا لسه في الفرح، نروحوا ونبدأ شهر العسل واعملي اللي عاوزاه."
"أمرك يا روحي."
"قالت يا روحي بخشمها اللي قد غطا جزازة البيبس، قالت يا روحي وأنا عرقت من ورا ودني كيف دماسة الفول."
لننتقل بالمشهد إلى وئام وباسل وهما يتراقصان بهدوء:
"ربنا يتم فرحتهم على خير."
ابتسم باسل ليردف لها:
"ويتم اللي إحنا ماشيين فيه على خير يا حبيبتي."
"ولو ما نجحش يا باسل؟"
"هينجح يا وئام، أنا واثق في ربنا وأنا عاوز بيت مليان عيال منك."
أما على الناحية الأخرى فكانت تتراقص ديانا بخفة بين ذراعي نبيل الذي يفرق طوله عنها:
"إيه الحلاوة دي يا كعابيلو، خفيف رشيق لطيف."
"يا بلبولي أنا قمرررر."
"بس ما تقوليش بلبولي بس لأديكِ على خلقتك."
"يا ابني كنت هتلاقي فين الحلاوة دي بس؟"
"من صباح الكخ على الكخ، كنت هلاقي أنتِ لو ما خسيتي وبانت ملامحك وشوفناها يا كعبول الهباب."
"آه أحبك وأنت بتديني في جنابي يا معذبني."
وأحاديث مفعمة بالغرام بين قصي وعزة لتنطلق نيرانها المتأججة حباً في صورة كلمات:
"ياااه، فرحهم فكرني بفرحنا يا قصي."
"ما حدش زيك يا زوزا، وما حدش في الدنيا عندي ولا بشوفه غير عزة."
"يديمك يا صاحب العمار كله."
كانت تقف مايا تنظر لهم بعينين دامعتين ليقتحم خلوتها أحدهم مع دعوته لها بالمشاركة للرقصة.
`~`~`~~`~
وبعد مدة..
مضى مصعب وروز شهر العسل وحازا على المبلغ المالي والسيارة وبدآ مشروعهما الخاص شركة لبيع أي شيء وشراء كل شيء، عملهما القديم كما هما. وبعد رفض أهله لها كثيراً، تقبلوها أخيراً وعدلت هي من طريقة ملبسها كثيراً عن السابق عن اقتناع لأنها تحب مصعب حقاً.
نبيل وديانا، وبسبب مواقع التواصل الاجتماعي والمتابعين الذين أصبحوا يتعدون المليون، أصبح لديهم عملهم الخاص وهناك راتب ودخل مادي خاص بهم وتمت شهرتهم كثيراً ليفتتحا مطعم كعبول وبلبل ويحقق نجاح واسع وتزوجا وفي انتظار طفلهما الأول.
خضعت وئام للعلاج حتى تستطيع الإنجاب برحم سليم معافى، وكان باسل معها خطوة خطوة يؤازرها، قيل إن هناك مدة للتعافي واستقبال رحمها لطفل ولكن الأمل كبير وموجود.
سامحت والدة قصي، قصي وعزة وذهبت إلى منزلهما تترجى عفو عزة عما فعلت بها وطلبت منهم أن ينتقلا للعيش بفيلا طاهر إحسان وبعد إلحاح من قصي وافقت عزة، فقد أظهر البرنامج حبها الشديد لابنها وعلمت السيدة بأنها لم تكن على صواب فأرادت بتصليح الخطأ لم يبق بالعمر مثلما مضى. وهناك عرض والد قصي بسفر عزة للخارج حيث عمليات زرع الرحم ومن الممكن نجاحها وبالتالي من الممكن أن يكون لديهم طفل بيوم من الأيام.
أما عن مايا، فهذا الشاب الذي التقى بها بحفل زفاف روز ومصعب.. أصبحا أقرب من السابق معاً حتى تقدم لخطبتها ومن ثم الزواج وتعيش معه أفضل أيام حياتها لأنه أحبها بصدق من خلال متابعته مطر وردي وكثيراً كان يشعر أنها كثيرة على ذاك المتعجرف.. رائد!
أما عن رائد، فأصبح من مرضى الطبيب حسن ومن متابعيه ولكن بالخفاء، حتى يستطيع تخطي أزمته والعودة لعمله مرة أخرى. وليس هو فقط بل وباسل الذي يأتي في كل مرة مصطحباً زوجته وئام معه وقت الجلسة.
وبعد فرحة قلب ذكي بعودة حبيبته أخيراً وبين أحضانه، يفاجأ ذات يوم بهجوم الموت ليأخذها منه بعدما ارتشف قلبه طعم العودة وهدأت دقاته. فتتوفى العاشقة هيام بين أحضان ذكي، تموت وهي تشعر بالسعادة أخيراً التي حرمت منها.. تموت على صدره هو.. حبيبها الوحيد.
أما عن زاد فهي عادت للعمل بكل همة ونشاط، تحضر لمسابقة مطر وردي 2 ولكن دون والي استعانت بمخرج آخر، فقد نجح البرنامج نجاحاً ساحقاً جعلها تخطو الخطوة مرة أخرى دون تفكير.
وفي كل مرة وكل مكان تذهب إليه، ترى والي يقف لها معتذراً حاملاً باقة الورد ينتظر عفوها عنه!
كنتم مع (ميكاتو) مطر وردي، الرواية التي تدعو للحب ولشعائره وألغازه.. تدعو للتفاؤل بأن يوماً ستجد نصفك الآخر. من الممكن أن يكون جارك، قريب لك، زميل دراسة، زميل عمل، أو حتى أحدهم الذي مر يوماً بالطريق وابتسم لك عبثاً. خطِ أول درجة من درجات درج الغرام وأن تدير عجلة الحظ وتحدث إلى نفسك مازلنا في أول الدرج، نخطو أول الخطى معاً، ويدي في دفء دائم بضمَّة يداك.. أختارك قلبي واطمئن برفقتك، وكأن قلبي في الاستثناء كسفينة نوح لم تحمل سوا المسلمين، كذلك حال قلبي لم يحمل سواك.
مع تمنياتي بحسن القراءة والمتابعة.. لكم مني أرق الأمنيات على أمل بلقاء آخر في رواية أخرى
نور إسماعيل
ميكاتو (مطر وردي)