تحميل رواية «ميكاتوا» PDF
بقلم نور اسماعيل.
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما تأخرت في ترتيب الكلام يقول: لا تكمل.. أفهم ما تريد قوله. مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي كلما أخطأت يقول: لا تعتذر.. أتفهم ما حدث. مرة واحدة بالعمر.. يمر بك الشخص الذي تشعر أنه يعرفك أكثر من نفسك! لقائلها "زكي فضل مطر" أنتظرك العمر بأكمله حتى وأنت لا تفكر في المجيء حتى! "هيام" لم يكن وداعًا لائقًا بما عشناه، ولم يكن حضورًا لائقًا بما في قلوبنا.. ولكنه القدر. "زاد مطر" أنا من أقف على محطاتي، أنا من أنوي الرحيل وأنا من أنوي المكوث، أنا صاحبة القرار ال...
رواية ميكاتوا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نور اسماعيل.
صَفْر الميه الحالة ضنك، صحابي فاكريني مدير بنك.
صوت دندنة نبيل كان يملأ أرجاء المطبخ أثناء طبخه للوجبات المطلوبة منه بالفندق. فدلف زميله الطباخ وسمعه فضحك على دندنته وأردف له:
"ايه يابو النِبْل، مالك ضارب البوز عالصبح؟"
لم يهتم نبيل وظل يردد أغنيته، فأكمل زميله حديثه له:
"شكل أعصابك تعبانة يا بلبل، اشرب لمون يهديك."
نظر نبيل ناحيته إثر تحميره لقطعة اللحم وأردف حانقًا:
"الفلوس هي اللي بتهدّي الأعصاب، إنما اللمون ده تعصره على خيبتك!"
ضحك زميله وذهب ناحية مخزن الخضروات مردفًا إليه:
"ماشي يا عم."
عاد نبيل إلى دندنته، فرَن هاتفه باسم ديانا فأجاب أثناء قيامه بعملية الطبخ كعهده:
"نعم يا كعبول؟"
"سلام ونعمة، إزيك يا نبيل؟ إنت فين؟"
لاحظ نبيل صوت ديانا متغيرًا بعض الشيء فسألها:
"في الشغل، مالك؟"
"ينفع تستأذن وتجيلي على مستشفى ****؟"
تعجب نبيل وأردف لها بعدما ترك ما كان يقوم به:
"مستشفى! فيه إيه؟"
"بابا تعب أوي بليل وكنا فاكرين إنها أزمة عادية، بس صحي الصبح مش بينطق ووديناه للمستشفى قال جلطة."
اتسعت حدقة عين نبيل وهي تقص له القصة، فأكملت ديانا:
"ينفع تيجي و..."
"آجي وإيه؟ قولي على طول."
"لو معاك فلوس عشان المستشفى طالبة مبلغ كبير، وأنا وماما دفعنا كل اللي معانا وعمو كمان وبيقولوا طالما هو في العناية لازم ندفع حاجة تحت الحساب.. معاك يا نبيل؟"
تنهد نبيل بضيق لم يظهره لها وصمت، فتحدثت ديانا:
"خلاص يا نبيل أنا آسفة أنا عارفة ظروفك، تعالى من غير الفلوس المهم تكون جمبي."
مضى الوقت ليس بكثير، استأذن نبيل من عمله وذهب إلى منزله وأحضر شيئًا ليذهب على الفور إلى المشفى. يجد ديانا بحالة لم يعتدها عليها أبدًا.. حزينة وصامتة وعيناها باكيتان. فيذهب نحوها لأول مرة يمسك يدها يطمئنها بطريقة عفوية خارجة من إحساسه بها، فنظرت ديانا إليه بحزن:
"شكرًا إنك جيت."
وضع نبيل يده بجيبه وأخرج كيسًا بلاستيكيًا وأعطاها إياه:
"دول كُل اللي معايا، عشرين ألف.. كنت ناوي أدفعهم مقدم العفش. خديهم كملي فلوس المستشفى."
نظرت ديانا إلى المال فاغرة فاها وعادت بالنظر إليه مندهشة مع قولها:
"نبيل أنا خلاص عارفة الظروف، أنا أصلًا كلمت واحدة صاحبتي و..."
"خلاص يا كعبول خلاص خديهم، هو مش باين لنا جواز.. أو المسيح ياخد أبوكِ تحت عرش النعمة ومندفعش الفلوس من أصله."
رفعت ديانا حاجبًا من حاجبيها وقالت له باندفاع:
"نعم!"
تنحنح نبيل وعدّل حديثه لها ثانية:
"قصدي نروح نصلي له كلنا يقوم بالسلامة، خُدي الفلوس يا كعبول."
نظرت ديانا إليه بامتنان وحب بالغ وأردفت له:
"أنا متشكرة أوي يا بُلبلي، أنا بحبك مووت."
نظر نبيل لها بعينين ذابلتين وربت على شعرها بيده وترجل معها نحو غرفة والدها ليطمئنا عليه.
حضنك ملاذ ليا، حضنك ما لذ وطاب.. كافر بدين الحب جاء إلى عناقك أنت وتاب!
يرن هاتف مايا إثر نومها، فتقلبت لتتناوله وهي تتثائب:
"ألو.. صباح الخير يا رائد."
ابتسم رائد على الناحية الأخرى وهو يقوم بسكب الماء المغلي في الكوب صانعًا النسكافيه وقام بتقليدها مداعبًا إياها:
"ألووه، صباح الخير يا رائد.. أحلى صوت لأحلى بنوتة وهي صاحية من النوم."
ضحكت مايا بخجل فأكمل هو:
"يلا حبيبي قومي عشان تجهزي."
تثاءبت بمياعة وما زالت بفراشها وأردفت له:
"حاضر هقوم آخد الشاور وأعمل واحدة ميكاتو وألبس وأكون جاهزة."
أمسك رائد بالكوب وذهب ناحية شرفة منزله يحتسي رشفة من الكوب مع قوله:
"ميوش، ممكن نلبس حاجة مش ضيقة عشان حبيبك بيغير عليكِ؟"
ابتسمت مايا لأنها تعرفه وأردفت:
"حاضر."
"ميوش يا روحي ممكن كمان نقدم البندانة لقدام شوية كتير عشان شعرنا الحلو اللي بيخليني أتعفرت وهو نازل على وشك ويبصولك ما يبانش؟"
نهضت مايا من فراشها وارتدت خُفيها وأردفت له:
"هحاول عشان أنت عارف مهما لبست بندانات بيطلعوا."
"أشطر كتكوت يا ناس."
ضحكت مايا بدلالها عليه وأردفت له:
"يلا أسيبك عشان مانتأخرش."
أغلقا الهاتف، وقامت مايا بالدلوف للمرحاض للتحمم ومن ثم خرجت جففت شعرها بالمصفف الكهربائي وذهبت سريعًا إلى المطبخ وجدت والدتها متيقظة طلبت منها فنجان ميكاتو مع شطيرة جبن خالية الدسم وقبلتها بقوة في وجنتها، وعادت إلى غرفتها ترى ما هو مناسب لارتدائه. غير ضيق.. غير مُلفت فقد حفظت التعليمات جيدًا وبدأت تتعايش مع طريقة تفكيره فهي تحبه أيضًا ولا بأس من تقديم بعض التنازلات حتى يظل الحب وتظل العلاقة قائمة.
ارتدت ثيابها وهو ارتدى ثيابه، لفت وشاحها جيدًا حتى لا تخرج شعيراتها الناعمة الأمامية على وجهها مثلما نبهها، نظر رائد بالمرآة يحدق بوجهه وأسنانه وشكل النظارة الطبية على وجهه. وضعت هي أحمر الشفاه وقامت بتكحيل عينيها، مشط هو شعره بعناية والتقط مفاتيحه وهبط ليشغل سيارته ويقودها نحو منزل مايا.
وعلى دقات الساعة، رن هاتفها وأخبرها أنه بالأسفل فانصرفت وهبطت إليه. قابلها بابتسامة ودلفت لداخل السيارة وانطلقا. فكان اتفاقهم اليوم بأن يقوموا بزيارة المحلات التي تبيع الأثاث ليعرفوا الأسعار ويروا إن كان بإمكانهم أن يقوموا بحجز بعض منه. فرائد يتعجل عقد القران خوفًا منها تتركه مرة ثانية، واشترطت مايا شراء الأثاث أولًا قبل عقد القران.
قاموا بزيارة العديد من المحلات، هذا جميل ولكنه باهظ الثمن.. هذا راقٍ ولكنه ضخم غير مناسب.. هذا سِعره مناسب ولكنه صيحة قديمة..
أنهكهما التعب، فدعاها رائد لتناول الطعام في أحد المطاعم. وحينما أتى الطعام لهما كانت تتناول مايا بحرص فانتبه لها رائد أثناء تناوله طعامه:
"مالك يا مايا الأكل مش عاجبك ولا إيه؟ تطلبي غيره؟"
"لأ حلو، أنا بس لاقيت نفسي زايدة 3 كيلو فقلقت قولت لازم أنزلهم حالًا."
معن رائد النظر لها بحب وأردف لها هامسًا بغرامه المشتعل:
"بس أنا بحبك كدا، سواء رُفيعة قلبوظة بعشقك في كل حالاتك."
ابتسمت مايا إثر تناولها طعامها وقالت له بدلال:
"لا يا خويا مش هاكل براحتي وأتخن وتبص لحد غيري، لازم أحافظ على نفسي طبعًا."
ابتسم ثغر رائد وتحدث لها إثر تقطيعه لقطعة اللحم بصحنه:
"عمري ما أبص لغيرك لغاية ما تبقي عجوزة وكركوبة وعندك 180 سنة هفضل أحبك ومش شبعان منك."
"أهو حنيتك وحبك ليا ده اللي مصبرني عليك وعلى تحكمات قرقوش بتاعتك دي يا قِفل."
قالتها فضحك هو وأردف لها:
"اللي معاه جوهرة بيخبيها وبيخاف عليها من عيون الناس."
"بس مش لدرجة الخنقة يا رائد، خير الأمور الوسط."
"أنا لو طولت أعملك دولاب إزاز في البيت وأخبيكِ فيه وأخلي الناس تسلم عليكِ من بعيد ويشوفوكِ بحاجز هعملها."
حدقت به مايا مندهشة مع هزة رأسها قائلة:
"هعمل إيه يا ربي، حبيتك وخدتك على عيبك وربنا يقدرني وأعرف أتأقلم على جو الاختناق التنفسي ده."
ضحك رائد وضحكت هي معه وأكملا تناول طعامهما حتى ينتهيا ويعودا لإكمال يومهم.
في غضون أيام كانت قد اعتادت وئام على السكن الجديد، فهو عقار صاحبته سيدة مُسنة تجلس بمفردها بالعقار بعد وفاة زوجها وتزوج أولادها. عاملت وئام بالحسنى وأجرت لها الشقة ونقلت بها أشياؤها على الفور. أما عن عملها فما زال كما هو، موظفة استقبال بعيادة الأسنان وكانت أيضًا اعتادت على صنع قهوة الميكاتو للطبيب ولها أيضًا، وفي حديث دار بينها وبين الطبيب عن غيابها الأيام الماضية عن العمل فأخبرته بكل شيء.. حتى قضية باسل وما فعله بها وهذا كان رده:
"عاوزة رأيي؟"
"يا ريت يا دكتور."
"روحي وتنازلي عن القضية."
اندهشت وئام وأردفت إلى الطبيب:
"أتنازل عن إيه؟ أروح أتنازل عن حقي في واحد اتهجم عليا وافتكر إني رخيصة وسهلة عشان مطلقة! حضرتك بتقول إيه يا دكتور؟"
احتسى الطبيب من الفنجان وأردف لها بعدما تمهل قليلًا:
"بصي يا وئام، أنتِ زي بنتي واللي هقولهولك ده تحطيه حلقة في ودانك، إحنا في مجتمع عقيم. بيبص للمطلقة على إنها حتة لحمة وعريانة كمان وأي حد ينفع ينهش فيها. وهي هتوافق، مش عشان مش كويسة. عشان وحيدة ومحتاجة وعندها حرمان. مجتمع ما عندوش أدنى إحساس بالرحمة إن المطلقة دي ست عادية بس نصيبها جه كدا. وإن مش معنى عدم اكتمال زواجها تبقى مش شريفة."
ابتسمت وئام بسخرية وأردفت له قائلة:
"بصراحة مبرر إني أتنازل عن القضية يا دكتور، مش بعيد بعد ما أتنازل عن القضية سيادته يفتكر إن ليا ميل وعاوزة منه اللي كان عاوزه ويكمل في قرفه."
"أنتِ مش سيبتِ العمارة اللي هو جارك فيها؟"
"أيوه."
"خلاص مش هيوصلك، اعملي اللي عليكِ كست محترمة وأصيلة. أنتِ بنفسك قولتِ إنه ساعدك تلاقي شغل وساعدك لما تعبتِ ووداكِ المستشفى. ده غير فكرة إنه بيكلم زوجته المتوفية، يعني بيعاني من حاجة نفسية. ده مريض ويجوز الشفقة عليه.. أتنازلي وماتكونيش سبب في أذى حد مد ليكِ إيده واحتسبي حقك على الله."
صمتت وئام تفكر فيما أخبرها به الطبيب، هل ستفعل أم ستظل على رأيها متمسكة بالقضية لينال باسل جزاءه ويعلم كل ذكر أن المطلقة سيدة شريفة مثلها كمثل كل سيدات المجتمع وعليه احترامها وتقديرها مهما كانت الظروف.
أتتمكن من المخاطرة مرة أخرى يا قلبي؟
فقد نزفت دمي من شدة آلامي، أتراني ماذا حدث بي؟ أصبحت مهددة بالفناء، مُت ومات بي كل شيء جميل، ليس لدي إلا بعض دقائق بقلبي الذي كان يملأه الحياة! والبقاء لمن يتعايش بقساوة قلب.
لم تتمكن عزة من مواجهة قصي بما سمعت، كانت تحمل بداخلها الآلام ساكنة هادئة ولكن لغة عينيها تفضحها. فحزنها واضح عليها حتى تعاملها معه فاتر ليس بتوهج حبها المعهود. أما عنه، فهو لاحظ فتورها ووجهها الباهت.. عدم نومها ليلًا..
وصمتها نهارًا.
يريد معرفة ما بها، ولكنها تجيب في كل مرة: "لا يوجد شيء، مجرد إرهاق".
كان يتحمم ويترجل خارج المرحاض، فوجدها تقوم بتفتيش هاتفه الخلوي محاولة فتح كلمة المرور به، تعطيه ظهرها. ليقف ممسكًا بالمنشفة مع قوله:
- أنا أديلك الباسورد يا عزة.
تفاجأت هي به وبصوته، فوقفت في مكانها ليردف لها:
- 11/3 عيد ميلادك يا عزة.
فتحه لها وأعطاها إياه وتركها وترجل خارجًا لتظل هي على نظرتها الباهتة له، فتشت كل تطبيق به وكل شيء ولم تجد شيئًا!
مجرد رسائل من العملاء: شخص يريد لوحة، شخص يريد كوب مطبوع، شخص يريد جلسة تصوير خارجية.
لا يوجد شيء يمت بصلة إلى ما سمعت.
حتى ردوده على عملائه الفتيات بحدود العمل والاحترام فقط.
حتى صورته الشخصية على المواقع الإلكترونية كلها واحدة: هي وهو معًا!
إذًا ما الذي سمعته هذا؟ هل عليها مواجهته كي تنطفئ نيران قلبها، أم تؤثر الصمت طالما لم تجد شيئًا يدينه، وتعتبر المكالمة التي أتتها مجرد مكالمة للتوقيع بينهما وصنع المكائد من فتاة تغار من مكانها في قلبه!
ذهبت إلى المرحاض، توضأت وخرجت، ارتدت إسدال الصلاة لديها وشرعت في البدء لإقامة صلاة ركعتين ترتاح بهما مع الله.
وحينما سجدت بكت بمرارة حلق وصوت جعلت قصي يسمعها، فيقف خلفها وهي تردد بأذن الأرض:
- يا رب لو فيه حاجة أنا معرفهاش عرفها. لأ يا رب متعرفنيش أنا أموت فيها لو طلع متجوز ومخلف. خليني على عمايا بس يفضل معايا يا رب.
بكت باحتراق من داخلها لتردد ثانية:
- هو اللي طلعت بيه من الدنيا. زيح عني يا رب وخفف عني اللي شايلاه.
نهضت وانتهت من صلاتها وسلمت يمينًا ويسارًا، ليترجل لها ويجلس أمامها على سجادة الصلاة.
يربت على رأسها ويضع قبلة على جبهتها يتحدث لها:
- مالك يا حبيبتي بس؟
بعينين دامعتين كانت تنظر له وتحدثت له بصوت متهدج:
- قصي.. أنت عارف إني بحبك أوي وماليش غيرك في الدنيا.
ابتسم قصي ولامس وجنتها بحنان وأردف لها:
- وأنتِ أغلى حد عندي في الدنيا وماليش غيرك أصلًا.
- بجد ملكش غيري؟!
قالتها بدقات قلب خائفة، رأى قصي نظرات الارتعاب بعينيها. هو اعتاد منها كل هذا منذ وقت فقد رحمها وإخبارها بأنها لن تصبح أم أبدًا.
قد اعتاد خوفها.. ارتعابها من فقدانه هو أيضًا.. هي لا تعلم أن والدته هي من فعلت بها هكذا.. فقط أخبرته بما حدث وهو بفطنته علم أنها والدته وعندما أخبره لم ينكر.
ومن يومها هي تعلم أنه قضاء وقدر وهو يعلم أنها ضحية مؤامرة من والدته صفية هانم.
- أسئلتك غريبة يا عزة، وبقالي كام يوم مستغربك، فيه إيه؟
انهمرت عبراتها على وجنتيها وشرعت في البكاء مجددًا، فهم قصي بمسح إياهم مع حديثه لها الهادئ:
- عزة متخافيش، أنا بحبك ووالله العظيم ما حبيت حد في الدنيا أدك.
- ما أنا عارفة يا قصي! عارفة ومتأكدة إنك بتحبني.. بس يا ترى إحساسك كراجل نفسه يكون أب، عارف تسيطر عليه؟! يعقل 16 سنة أنا وأنت من غير أولاد وأنت صابر وراضي وبتحبني ومريحني.
ليه يا قصي هو أنت ملاك مش بشر زيينا.. مبتغلطش!
قالت الأخيرة باندفاع بإحساسها، فزفر قصي بعمق ليطلق أنفاسه بتنهيدة حارة ويردف لها:
- اللي عاوز أوصله ليكي بلاش شكوكك تهدم حياتنا يا عزة، أنا بحبك كدا وعاوزك كدا وأنتِ بتحبيني وراضية كدا.
الله يرضى عنك بلاش كل شوية نفس السيرة ونفس الخوف.
أنا زي ما بقدر أهديكي وأطمنك.. ببقى عاوز منك تطمنيني إنك لسه بتحبيني وباقية على العهد.
العهد اللي أنا خدته لما بعت أهلي وفلوسي واخترتك.. إن مهما حصل يا عزة هتختاريني.. مهما حصل.
حدقت عزة بعينيه لم تجد ما تقوله، ارتمت بين أحضانه فهو ملاذها الوحيد وآثرت أن تخمد الشكوك وتعود لحياتها الطبيعية فقد رزقها الله بزوج يعشقها وعليها ألا تضيع هذا الرزق منها بمكائد ليس لها أساس من الصحة.
~~~
طرقة والثانية والثالثة.. فتحت روز الباب لتجد مصعب أمامها يحمل باقة ورد يخبئ وجهه بها، وما إن فتحت الباب فباعدها عن وجهه قائلًا:
- بخ، اتخضيت يا حج كامل!
تعجبت روز منه ومشطت وقفته من أسفل لأعلى مع قولها:
- أنت إيه اللي جايبك هنا، وعرفت بيتي منين؟
- عرفت بيتك من آخر مرة مشيت وراكي فيها، جاي ليه عشان أصالحك عشان آخر مغرز عملته فيكي كان مش تمام، وبصراحة بصيت لروحي في المراية وجولت يا واد يا مصعب متبقاش جحش وتزعل لهطة المهلبية دي منك، جاك دم يسدحك سدح، فروحت جبت ورد عارف إن البنات هبلة وعتحبه وجيت نفتحوا صفحة جديدة وننسى أخطاء الماضي.
نظرت روز له بامتياض محدقة به مع قولها:
- ومين قالك إني قابلة صلحك ولا عاوزة أعرفك تاني من الأساس؟
دلف هو إلى منزلها دون استئذان يلف بنظره في أرجاء المكان وهو يردف لها:
- جولي للحجة والحج إني هنيت، وجوليلي صالون بيتكم منين؟
همت هي بإخراجه ممسكة بذراعه ودفعه للخارج مردفة له بانزعاج:
- يا أخي أنا أعرف إن الصعايدة ناس كويسة، أول مرة أشوف منهم حد نطع، اطلع بره.
- وهيه، المثل بيقول من جه البيت ليك رمي الحج عليك يا أبلة روز.
- وأنا مش عاوزة أشوفك أصلًا يا أخي إيه أنت مبتحسش؟
وقف مصعب أمام منزلها وأعطاها الورد قائلًا لها:
- والله أنا ما عاوز شر منك، بالعكس فعلًا حاسس إني زودتها معاكي خصوصًا بعد آخر مرة.
فلو الحج والحجة قاعدينش أو نايمين.. ممكن تنزلي تقعدي معايا في الكافيه اللي تحت.
مستنيكي.
هبط هو فوقفت هي مكانها ثم دلفت تتحدث إلى نفسها:
- عاوز إيه الزفت دا مني؟
ارتدت ملابسها وذهبت إليه، فابتسم ابتسامة عريضة حينما رآها.
وجلست.
- خلصني عاوز إيه؟
- براحة، إيه قالت لك الحجة متتعوجيش ياك؟
- مفيش حج ولا حجة، وإخلص وإنجز يا أخينا قولي عاوز إيه؟
تقدم مصعب بجذعه من فوق على المنضدة وأردف لها:
- عاوز سكتنا تبقى واحدة، ونشتغلوا سوا، مخك حلو بصراحة وعاجبني.
عقدت روز ذراعيها وأردفت له مستنكرة:
- آسفة، طريقك غير طريقي.. أنت نصاب وحرامي وفلوسك حرام.
أنا سمسارة ببيع أي حاجة وبشتري أي حاجة بالحلال ومبضحكش على الناس.
اهتز مصعب من داخله ليتحدث إليها بجدية:
- وهو أنا يعني مولود حرامي غسيل! أقسم بالله ما عملت كديتي غير من الحوجة.
أنا اشتغلت ألف شغلانة وكل مرة يمشوني ومكنتش عاوز غير الحلال.
بس أعمل إيه.
صبرت روز حتى انتهى فأردفت هي له:
- بص يا مصعب، أنت متعرفش عني حاجة.. بس اللي عاوزة أوصله ليك.
إن أي بنت في ظروفي هتعمل الحرام بقلب مرتاح وهيكون حقها.
بس أنا معملتش كدا، أنا بتعب ويطلع عيني وساعات يبقى مكسبى ملاليم وساعات مكسبى يبقى حاجة تملى العين وراضية وحابة كدا.
لكن أنت اخترت الطريق السهل، فلوس كتير وتتعب قلوب الناس المضحوك عليها.
ويومين ويخلصوا وتدور على فريسة تانية، ودا حرام ومينفعش.
حديثها صحيح، فما زال ضميره ينتفض بداخله ولكن ماذا عساه أن يفعل، شبك يداه ببعضهما وأردف لها:
- طيب لو بطلت سكة النصب، توعديني نشتغلوا سوا بطريقتك وفي الحلال؟!
- أنت ليه متمسك تشتغل معايا، ما تبطل وتشتغل وحدك؟
عاد مصعب بظهره للخلف وأردف لها بجدية:
- عشان أولًا عجبتني دماغك، بت واقفة وحدها عارفة طريقها.
عتخش في الحديد وبالحلال.. زائد إن فعلًا اختشيت من نفسي بت وعتنحت في الصخر.
وأنا عستسهل الحرام، يعني بالعربي صحيتي لي ضميري.
صمتت روز فاستطرد هو حديثه:
- جولي أيوا تعملي ليش فيها سوزان مبارك وبالمرار هتردي عليّ؟ دا مرار طافح هو.
- موافقة بس بشرط، هنمشي بدماغي بلاش دماغك السو سامع.
ضحك مصعب بشدة وأردف لها:
- موافق، يلا اطلبي لنا القهوة اللي كنت عتشربيها ساعتها.
كانت حلوة جوي.
- ميكاتو!
- أنا عارف ميكو ولا كبريتو، هاتيها وولعي فينا إخلصي.
ضحكت روز ونادت النادل تطلب فنجانين من قهوة الميكاتو ومن الواضح بداية هدنة بينهما ووضع أسس معاهدة جديدة ستبدأ.
~~~
تركت لكم واقعكم البائس، ومزقت صفحاتكم من قاموسي.
ارتحلت إلى عالمي الخالي فلا تتبعوني، دعوني فقط ألمس طيف آمالي ولو للحظة فقط دعوني ولا تتبعوني، حتى وإن كانت سيمفونية حلمي.. قصيرة المقطع!
كانت هناك مقابلة بين زاد ووالي بخصوص البرنامج داخل الشركة، يضعون الخطوط العريضة ليبدأ كل منهم بدوره.. زاد كإنتاج للبرنامج ووالي مخرج يختار أدوات وطاقم عمله بعناية.
ووسط حديث قائم عن البرنامج، اقترح والي اقتراحًا:
- جت على بالي حاجة إمبارح لو ضفناها للبرنامج هتخلي حماسه أقوى ونسب المشاهدة عليه عالية.
أعطته زاد الاهتمام بكامل حواسها وأردفت:
- إيه الفكرة؟
- أنا شايف مسابقة بين كابل مرتبط تمام كويس، هنسأل أسئلة هنعمل اختبارات كل دا جميل.
بس إيه رأيك لو نزود تاتش غربي.. ونعمل صرح كبير يجمعهم!
رفعت زاد حاجبًا وأردفت إليه:
- بمعنى؟
- نعمل زي بيت كبير، فيلا متعددة الحجرات.. يعيشوا فيها.
بكاميرات مراقبة في كل مكان ترصد يومهم بالكامل من ضحك ولعب ومواقف حتى الاختبارات والأسئلة.
الناس هتبدأ تتشد لكل كابل وتعاملاته، هيرصدوا حركاتهم هيبقالهم معجبين متابعين.
فيه ناس هترابط قدام القناة عشان بس تشوف يومهم.
يفضلوا جوا الصرح دا المتسابقين لحد نهاية المسابقة.. وبزيادة عدد النقط ناس بتفضل واللي مش بيجتاز الاختبارات بنجاح هو اللي يمشي.
تصويت من الجمهور.. متابعة.. تمويل بالإعلانات.
شغل على أعلى مستوى.
عاد والي بظهره واثقًا ووضع طرف نظارته الطبية بفمه وقال بثقة:
- إيه رأيك؟!
هزت زاد رأسها معجبة بذكائه الواضح، وابتسمت له قائلة:
- أنت مش مخرج بس، أنت فعلًا مشكلة.. جابوك ليا منين؟
- ولسه ياما هتشوفي انبهارات، أنا جاي هنا أبهرك!
لوحت زاد بيدها له قائلة:
- لاء كفاياني 37 سنة انبهارات، ده مش كويس عشان صحتي.
ضحك والي على مصطلحاتها ودعاها ليكملوا حديثهم خارجًا أثناء تناول وجبة طعامهم سويًا بمطعم يُشهد له بالطعام الشهي اللذيذ يصنع السوشي. فأخبرته هي أنها المرة الأولى التي ستتجرأ لتناوله، ومن بعدها ستعطيه رأيها بكل صدق. ووافق والي ومضوا معًا ليمضي يومهم سويًا كمثل الأيام السابقة!
- ما هو محدش هيديك من صحته لو تعبت، ولا حد هيديك من مزاجه لو قرفت، ولا حد هيفرد ظهرك لو انحنى، فواحدة واحدة على نفسك وهونها تهون.
رواية ميكاتوا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نور اسماعيل.
أيعقل أنه يوجد بشر يضحك ويبكي في نفس اللحظة؟ نعم يا عزيزي، إنها أنا، أنا تلك الباكية الضاحكة.
مصعب وروز، ها هما يقومان بتسليم شيء إلى أحد عملائهم، فتبسم ثغر العميل وسلمهم نسبتهم كما اتفقا ورحل.
نظر مصعب إلى نصيبه من المال نظرة مستاءة ورفع بصره إلى روز قائلًا:
"إيه هو ده بأمانة الله ونبوس ركب والديكِ يا شيخة! إيه هو ده؟"
ضحكت روز ووضعت المبلغ المالي في حقيبتها وهي تتحدث معه:
"يا ابني احمد ربنا على نعمته، كبيرة ولا صغيرة كله رزق من ربنا ورزق حلال كمان."
نظر مصعب إلى المبلغ بين يديه بنفس النظرة المستاءة المضحكة:
"يعني بعد الهرية والمرار الطافح والمكالمات والمشاوير والآخر 500 جنيه ليكِ و500 ليا!"
تعمقت روز بالنظر إلى عينيه وأردفت بهدوء ورضا:
"حتى لو قليلين يا مصعب، اسمهم حلال ومخدناهمش غصب عن حد ولا تعبنا قلب حد عليهم.
ولا فيه حد بيدعي علينا بيهم، والقليل للقليل كتير وكويس.
ويا سيدي على الأقل أنت عايش فشقة تمليك مبتدفعش إيجار زيي وعفش على ما تفرج."
مشط مصعب وقفتها هكذا. حديثها يتعارض مع مظهرها العام. فهي ترتدي القصير والضيق وعارية الشعر!
كيف يكون هذا مظهرها وتكون بكامل الرضا من الداخل بهذه الطريقة؟
فهمت روز من نظرة مصعب إلى ماذا يرمي بنظرته، فقالت له:
"طبعًا بتقول بنت مش محجبة وبتلبس ضيق وقصير بتكلمني عن الحلال والحرام."
ابتسم مصعب ساخرًا وأردف:
"بصراحة آه."
هزت روز رأسها معترضة وأردفت له:
"على فكرة حقك، كل الرجالة بتبص البصة دي لكل بنت.
مدام لبسها متحرر تبقى زنديقة متعرفش ربنا. مسيرك في يوم تعرفني بجد وتعرف حقيقتي."
أمسكها مصعب من معصمها يوقفها. نظرت إلى مسكته فتركها، فأردف لها:
"طب ممكن سؤال!"
وجهت روز انتباهها له فأردف هو:
"يعني إحنا طول الشغلانة ديت، وأنتِ تطلعي معاي في أي وقت.
ونروح أي مكان. ولا أبوكِ مثلًا اتصل ولا أمك قلقت عليكِ وجاية تدور عليكِ.
ولا اتصلت وقالت لك الوقت اتأخر يا وكالهم فينك. أو أخوكِ مثلًا قال لك ما تنزليش النهارده.
فين ناسك يا بت؟"
تنهدت روز بحزن وارتبكت مقلة عيناها، لاحظها مصعب فقال لها:
"إيه، متعاركة معاهم ياك؟"
"مش كل حاجة لازم تعرفها يا مصعب، إحنا بنشتغل وبس."
تركته وترجلت أمامه بخطوات، فسار خلفها وهو يردف لها بطريقته الساخرة كعهده:
"طب خلاص تلويش بوزك. عليكِ لاوية بوز تتمد مترين زي دكر الوز جاكي دم يخش عليكِ."
أمتلك من القوة ما يكفي لادعائي بأني بخير ولا أمتلك منها ما يؤهلني للنظر لحقيقتي في المرآة!
أمسكت القلم ووقعت على التنازل، وسرعان ما تناولت حقيبتها وسارت وئام في الشارع تبكي بكاءً شديدًا.
حتى قادتها قدماها إلى أريكة خشبية أمام نهر النيل. جلست وتذكرت كل ما مرت به.
فقدانها لوالدتها منذ الصغر، معاملة زوجة والدها، الظلم الذي وقع عليها في زيجتها الأولى، حرمانها من الأمومة إلا إذا شاء الله بمعجزة ما لتتحقق منيتها.
وها هي غريبة وحيدة. حتى وحدتها لم يتركوها وشأنها. لاحقها العذاب وحديث الناس الفارغ والنظرة المؤلمة والتعب النفسي حتى وصلت إلى طمع أحدهم بها بعد أن استبشرت به الخير. ظن بأنها سيدة وحيدة مطلقة إذا فهي سيئة السمعة وستستجيب لما يريد حتمًا.
دموعها كانت تكفي ببحيرة صغيرة حتى أجهد قلبها من البكاء. توقفت ونظرت إلى السماء تنتظر رحمة الله بها وعفوه.
نهضت ومسحت دموعها وتهيأت وذهبت إلى عملها ككل يوم.
وبعد أسبوعين...
كانت وئام بعملها كعهدها. دق زر التنبيه لها بإدخال المريض فدعته للدخول وعادت للجلوس فوجدت باسل أمامها!
لوهلة أولى بعدما نظرت إليه تصنعت عدم رؤيته وعادت إلى مكتبها فجلس أمامها.
"أنا آسف."
كانت تلك هي كلماته مع نظرة عينيه الحزينة، بينما كانت وئام تتصنع الانشغال بالكتابة على الأوراق ولم تجب، فأردف باسل:
"حقك تتجاهليني، أنا بجد آسف. أنا ساعتها معرفش ليه حصل كدا أو عشان إيه.
الشيطان، الشيطان ملكني."
رفعت وئام بصرها إليه وقالت له في عناد وغضب مكتوم:
"لو سمحت ده مكان شغل، ولا عاوزني أسيبه زي ما سيبت العمارة؟"
أطال باسل النظر بها ومن ثم نهض مردفًا لها:
"ماشي يا وئام، بس أكيد هنتكلم وده مش آخر كلامي معاكِ."
مضى يوم عملها وكانت في طريقها تهبط على الدرج فوجدته أمامها.
"ممكن تسمعيني؟"
نفثت وئام بضيق وأردفت له غاضبة:
"إيه يا أستاذ عاوز تكمل عليّا بالمرة، أبقى ست شمال وباقف مع رجالة أحك في الشوارع؟"
"لا لا لا ده مش قصدي، أنا بس عاوزك تسمعيني وبلاش وقفة في الشارع.
ممكن نروح الكافيه القريب ده، هقول لك كلمتين وبعدها أمشي."
هزت وئام رأسها بسخرية قائلة له:
"وكمان نروح كافيه سوا، دي بقى طبخة جديدة بتعملها عليّا زي اللي فاتوا.
عن إذنك."
همت بالرحيل فأوقفها هو بعدما وقف أمامها يعرقل سيرها.
"أرجوكِ بس اديني الفرصة دي وبعدها مش هتشوفي وشي للأبد."
"أنت فاكر إيه؟ إني روحت اتنازلت فكدا بقى عاوزة أفتح كلام معاك ونبدأها صداقة وصحوبية؟
إفهم يا أخينا أنت، أنا روحت واتنازلت إنسانية مش أكتر وسيبت حقي على الله.
لكن والله ما كرهت حد في الدنيا قد حضرتك، وحسبي الله ونعم الوكيل."
مزقت كلماتها قلبه فأردف لها بعدما اهتزت عيناه أمامها:
"مش هلومك، بس عشان تقطعي الموضوع كله تعالي معايا واسمعيني لآخر مرة عشان أعرف أكفر عن ذنبي."
ترجلت وئام ممسكة بحقيبتها المعلقة بكتفها ومضت دون النظر له:
"آسفة."
تركته ورحلت فوقف باسل أمامها يعلم أن جولته هذه المرة خاسرة.
ولكن بداخله يأبى الهزيمة، فهو يريد وسيعمل على هذا النحو حتى يثبت عكس إدانته.
"قصي، إيه رأيك لو نكفل طفل يتيم من الدار اللي كنت أنا فيها؟"
ارتبكت الملعقة بيد قصي إثر تناوله طعامه وابتلع ما بقى في فمه بصعوبة وأردف لها:
"شايف أنها مهمة صعبة يا عزة، مش هنقدر أنا وأنتِ عليها."
تفاجأت عزة بردة فعله! كانت تظن بأنه أول من يوافقها على طلبها، فأردفت له:
"ليه مهمة صعبة يا قصي؟!"
هز قصي رأسه ولوح لها ممسكًا بالملعقة وهو يتحدث:
"أنا وأنتِ خلاص أربعين سنة ولا 39، طفل عمره قد إيه اللي ممكن نكفله، شهور.
ولا عنده سنة ولا اتنين؟
هنعرف نكيفه على طباعنا؟ هنعرف نبدأ معاه المشوار من الأول دراسة ومدارس ومذاكرة.
وبامبرز ومش عارف إيه؟
أنا مشغول في شغلي اللي بقى مشهور جدًا سوشيال ميديا، وأنتِ نفس الحوار.
جروبك بتاع الكروشيه وشغلك واخد كل وقتك، وخلاص أنا وأنتِ خدنا على الوضع ده."
لم تقتنع عزة وأردفت له شاعرة بالضيق مما أخبرها به:
"على فكرة أنا هعرف أنظم بين بيتي وشغلي والطفل، حتى لو كفلناه ابن شهور.
قصي، أنا كنت فاكرة إنك هتتحمس للفكرة أكتر مني."
نهض قصي من مجلسه وجلس بالمقعد الذي بجانبها على الطاولة وقام باحتضانها بلف ذراعه على ظهرها قائلًا:
"خايف يا عزة!"
"خايف من إيه يا حبيبي؟"
رقت دمعة بعينيه وأردف لها بصوت متهدج:
"ياخد مكاني في قلبك وحياتك، عزة أنا اتعودت 16 سنة على مكاني هنا."
أشار بإصبعه إلى قلبها وعيناها وأكمل:
"أنتِ كلك بتاعتي وبس، وأنا مكتفي بيكِ على العالمين."
أمسكت عزة يديه وقبلتهما وقالت بحنو:
"مفيش أي حاجة ممكن تاخد مكان قصي عندي، ده أنت أبويا وأخويا وحبيبي وصاحبي وجوزي وابني."
ابتسم قصي ابتسامة جانبية وقال لها:
"ولما هو أنا حبيبك وحياتك وجوزك وابنك، عاوزة تجيبي بيبي تاني يشاركني فيكِ ليه؟"
لامست عزة بكلتا يديها وجنتيه بحنان بالغ وهي تردف:
"نفسي أحس إني أم يا قصي، وإن مفيش حاجة ناقصاك."
أمسك قصي يداها من على وجهه وقبلهما مع قوله:
"وأنتِ معايا مفيش حاجة ناقصاني، أنتِ بس خليكِ معايا.
وحبيني زي ما بحبك وعاوزك تحطي في دماغك كلمة كان راجل صديق لوالدي دايمًا يقولها له.
لما يبقى بيفكر كتير زيك كدا ودماغه مش مبطلة تفكير كان يقوله محدش هيديك من صحته لو تعبت، ولا حد هيديك من مزاجه لو قرفت، ولا حد هيفرد ظهرك لو انحنى، فواحدة واحدة على نفسك وهونها تهون."
ابتسمت عزة وتنهدت بعمق ولم تنفرج شفتاها عن المزيد، فمن الواضح أنه عقد قراره.
أو يخاف بعدها كما يزعم، على كل حال فما يريده الله هو المفعول ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
"مايا، أنتِ متعرفنيش بس أنا عاوزة أقابلك ضروري.
شوفي المسج وابعتي لي نتقابل فين."
قرأت مايا الرسالة عبر تصفحها لبريدها الوارد على تطبيق المحادثات "ماسنجر"، تعجبت جدًا من الرسالة والراسل.
تمهلت قليلًا ومن ثم قامت بضغط زر الاتصال على الإنترنت.
وعندما أجابت الفتاة أوضحت لها بأن اسمها هدير.
وتريد التواصل معها ومقابلتها في القريب العاجل لشيء ضروري.
تلاعبت الأفكار برأسها وأرادت قطع مناوشتها بأن تذهب بالفعل إلى هذه الفتاة وترى ماذا تريد منها.
"ليمون بالنعناع، تشربي إيه يا مايا؟"
نظرت مايا إلى النادل متوترة وعادت بالنظر إلى الفتاة قائلة:
"لا مش هشرب حاجة، ممكن تقولي لي عاوزاني ليه وتعرفيني منين؟"
أخرجت الفتاة علبة سجائر من جيب سروالها وأشعلته وأردفت لها:
"أنتِ مايا خطيبة رائد الشمري صح؟!"
رفعت مايا حاجبًا من حاجبيها وقالت:
"أيوة وأنا عاملة الريليشن على صفحتي إيه الجديد؟"
"اصبري عليا بس..."
أخرجت هاتفها من جيب سروالها الآخر، وقامت بتصفحه حتى وقفت ووجهت لها صورة بها رائد بجانب فتاة جميلة، من الواضح من الصورة أنهما على علاقة حب وليست علاقة عمل أو صداقة.
اتسعت حدقة عين مايا وأمسكت الهاتف تتحقق، إنه هو! ما هذا؟
وأردفت تتحدث بصوت عالٍ:
"أنتِ جبتِ الصورة دي منين؟"
"ده جروب فيه بنات بتقول على خطيبها أو حبيبها أو جوزها وتنزله صورة عشان لو مصاحب عليها أو بيخونها. والبنت دي نزلت الصورة، وأنا عارفة دكتور رائد حضرت عنده كورسات كتير، وعارفة إنك خطيبته.. فحبيت أحذرك."
أخذت مايا تقضم شفتيها وتقوم بطرق أصابعها على المنضدة بعنف حتى أردفت لها:
"ابعتي لي الصورة حالًا!"
وعلى الفور أرسلت لها الفتاة الصورة، فرحلت مايا بعدما اتصلت برائد وطلبت منه مقابلته على الفور ولا يمكن التأجيل.. وحينما أتاها..
***
قدمان زاد يتبعهما قدمان والي، وأمامهم عجلات مقعد زكي المتحرك، يتجولون بفيلا طابقين متعددة الغرف يمكنهم تأجيرها للمسابقة والبرنامج.
كانت هذه الفيلا رقم ثلاثة التي تمت مشاهدتهم لها، ويبدو أنها لاقت استحسان منهم بعكس ما قبلها.
"أنا شايف إن دي أفضلهم."
قالها زكي فأردفت زاد بعده:
"وأنا كمان، كنت هقول كده يا زيكو.. إحم إحم قصدي يا عمو."
ضحك والي على عفوية زاد وأردف هو الآخر:
"خلاص نبدأ من بكرة في إجراءات إيجارها وفرشها وتجهيزها بالكامل."
"هياخد وقت قد إيه؟"
سأله زكي فأردف والي:
"شهر إن شاء الله، وبعدها نبدأ دعاية للكاستينج وامتحانات القبول والدعاية التليفزيونية ودي لعبتي."
"تمام تمام."
قالها زكي، ومن ثم توقف زكي بعجلات مقعده في ركن ما وتذكر شيئًا:
"أنا نحب كلشي، نحب نشوف أفلام مسلسلات نحب نتابع تي في.. نحب القصص الرومانتيك نموت عليها."
ضحك زكي على ما تخبره به هيام أثناء تناولهم للتسالي المملحة معًا، يسترقون بعض الوقت بعيدًا عن منزلها وعن عمله، سويًا في أحد أطراف المدينة.
"وبتحبي إيه كمان؟"
لفت هيام بعينها تتلاعب بمقلتيها بمياعة ودلال وقالت:
"ممم، ونحب الجلوس وياك.. نحب الكلام والضحك والخروج عن روحي معاك يا زكي."
"وأنا كمان، دي بتكون أسعد لحظاتي وببقى مش عاوزاها تمشي ولا تخلص."
أمعنت هيام النظر بوجهه وقالت:
"يا ريت!"
"زيكووز، يلا بينا هنمشي."
قالتها زاد وهي تدفع مقعده فابتسم هو دون أن يردف لها بكلمة، محدثًا نفسه:
"يا ترى هتشوفي البرنامج يا هيام.. يا ترى هشوفك وتشوفيني حتى؟"
***
قدما النادل تتحرك خطوة وراء خطوة حتى توقف عند طاولة نبيل وديانا.
"هتطلبي إيه يا كعبولز؟"
حدقت ديانا بقائمة الطعام وقالت:
"مممم، أنا قررت النهاردة يا بلبلي إني أبقى نباتية ومش هاكل لحوم."
"أيوه يعني أطلب لك برسيم ولا إيه؟"
لكمته ديانا بيده بخفة وقالت:
"برسيم إيه شايفني معزة؟ ممم ممكن بطاطس بيوريه وسلطة. أصل نويت أعمل دايت."
امتعض نبيل بشفتيه وطلب هو الآخر طعامه فذهب النادل وأردف هو لها:
"متأكدة على الطلب اللي طلبتيه ده هتقدري تشبعي ولا هتاكليني بعدها أنا والترابيزة والجرسون!"
لم تعره ديانا اهتمامًا وقالت له وهي تمرر لسانها خارجًا على شفتها السفلية:
"عارف يا بلبولي."
"بس ما تقوليش بلبولك عشان ما أدكيش بقفا إيدي."
"عارف يا بلبولي."
"ثاني!"
"لو العالم ده يبقى عبارة عن ناس حلوة وأمورة ورقيقة وقلبها كبير وحاجات كتير وبطاطس وكاتشب وبرجر ومكرونة بالبشاميل وآيس كريم رول وطاجن كوارع بالبامية!"
نهض نبيل ببطء من أمامها يردف:
"عارفة والمسيح الحي، أنا كنت متأكد إنك طالبة البرسيم ليا وإنتِ داخلة تاكلي في المطعم جوا. أنا ماشي.. أسيبك مع طاجن الكوارع."
ترجل فهرولت خلفه كالمعتوهة:
"بلبل، بلبووووولي استنى!"
***
"الحياة مش عبارة عن واحد زائد واحد يبقوا اتنين، الحياة واحد بيحب واحد قرروا يبقوا هما الاتنين واحد!"
رواية ميكاتوا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور اسماعيل.
أعلم أنها ليست المرة الأولى التي أصبح بها في تلك الحالة، لكن أقسم أن تلك هي أقساها.
لا أعلم ماذا حل بي لكني أصبحت أكثر هدوءًا، أصبحت كثيرة البكاء، ليس لأنني هشة أو لا أملك القدرة على التحمل، لكن لقد تحملت كثيرًا، تحملت أشياء لا يستطيع أحد مقاومتها، ولكن بالرغم من كل ما مررت به إلا أنني كنت صامدة، طالما دائمًا أصدر الضحكات لأظهر أنني بخير.
ولكن لم تعد لدي طاقة للتحمل والتظاهر أكثر من ذلك.
لقد نفذت قوتي لم أعد أستطيع الصمود.
أعلم أن الجميع لاحظ تلك الشحوب التي تملأ وجهي، أعتذر للجميع لكن لا أدري إلى متى سأظل هكذا، لكن كل ما أعلمه أن تلك هي أسوأ فتراتي.
كل ما أتمناه أن أصبح بخير فقط لا أريد شيئًا سوى أن أرى الابتسامة الحقيقية على وجهي مجددًا، مرة واحدة!
قالت سيدة:
- لو سمحتِ.
انتبهت وئام فرفعت بصرها إلى التي تناديها أحد عملاء العيادة الطبية فأردفت لها:
- أيوة.
قالت السيدة:
- عاوزة أعرف أسعار الحشو المؤقت والحشو الدائم والتنظيف بكام.
أخرجت وئام ورقة بقائمة الأسعار للخدمات الطبية بالعيادة وتناولتها السيدة وعادت ثانية وئام إلى شرودها.
أما عن باسل، بمجلسه مع أحد أصدقائه المقربين بعد التدريب على مقطوعة موسيقية سيقدمونها على المسرح الثقافي.
كان يحكي ويخرج ما في جعبة قلبه، يفرغ ما بداخله يحزنه إلى صديقه والآخر يستمع فقط يريد أن يريحه من عبء يحتمله على قلبه.
قال باسل:
- أنا عارف إني غلط، بس غصب عني.. معرفش إيه بيتحكم فيا عشان أشك وأخمن الوحش طول الوقت. إيه بيخليني أشوف كل البنات والستات واحد ووحشين وخاينين. وأكيد مخبيين حاجة وأكيد نيتهم مش صافية.
تنهد باسل ونظر في الفضاء إلى الأعلى وهو يتحدث بضيق مكتوم بداخله:
- أنا السبب في موت رانيا، بسبب شكي فيها طول الوقت وحاططها تحت مراقبتي على طول واستحملتني. وأهي ماتت!
طب وواحدة زي وئام.. إيه ذنبها إني أقتحم حياتها وأهكر موبايلها وأحاول أعتدي عليها بعد ما وثقت فيا. أنا بنفسي قرأت محادثاتها مع أختها والناس اللي تعرفهم. ست في منتهى الاحترام.. وعايشة في حالها ومش بتأذي حد. وكانت بتعاملني بأخوة وبثقة، ليه عملت كدا.. كنت هستفاد إيه. ولا أنا كنت خلاص متأكد إنها شمال طالما مطلقة وعايشة وحدها. ولا كنت بقنع نفسي بإيه بس.
ربت صديقه على كتفه بهدوء وحنو، ونظر إليه قائلًا:
- كويس إنك حاسس بالذنب وحاسس إن فيه حاجة غلط حصلت منك وواجب عليك الاعتذار يا باسل. خصوصًا إنها أنقذت مستقبلك واتنازلت عن القضية.
التفت باسل إلى صديقه وأردف بحزن:
- ما قبلتش اعتذاري.. ما قبلتش حتى تسمعني.
مط صديقه شفتيه يفكر فيما أخبره به باسل وأردف إليه:
- يبقى البنت دي فعلًا كويسة يا باسل وظروفها الوحشة هي اللي رمتها وحدها بالشكل دا. وكانت بتستنجد بيك جدعنة عشان متعرفش حد، يعني شافت فيك الأمان. معنى إنك تخون الأمانة! يبقى هي عندها حق ما تبصش في وشك.
زفر باسل بضيق ولم تنفرج شفتاه فأكمل صديقه:
- عندي فكرة وممكن تنفع معاها، منها هي تعرف إنك صادق في إنك بجد حاسس بالذنب ناحيتها. وعاوزها تسامحك ومش شايفها ست وحشة. ومنها هي ترفع راسها وترجع تثق في نفسها وفيك من تاني.
تعجب باسل ونظر ناحية صديقه بعدما ضيق عينيه يعيره تركيزًا:
- إيه هي؟!
عيناها حمراوتان من آثار البكاء، منعزلة بغرفتها محتضنة وسادتها تنظر في الفضاء أمامها، تفكر مايا بما سمعت وعلمت من رائد بالليلة الماضية.
قالت مايا:
- تقدر تقول لي إيه اللي في الصورة دي؟
نظر رائد إلى الصورة وتمالك نفسه مع تنهيدة مطولة ليردف لها:
- مالها الصورة؟
قالت مايا:
- مش أنت دا؟ ومين البنت اللي أنت محاوطها بدراعك دي وبتطفوا الشمع يا أستاذ رائد؟ أكيد من حد بيحضر محاضراتك ولا واحدة من قرايبك عشان الطريقة اللي في الصورة دي مش طريقة اتنين قرايب أبدًا!
أطال رائد الصمت وهو ينظر إلى الصورة بالهاتف ومن ثم أردف لها برصانة حديثه المعهودة:
- دي علاقة كدا خدت وقتها وراحت.
قالت مايا:
- يعني إيه خدت وقتها وراحت؟ إذا كان حضرتك منزلاها في جروب بتاع بنات مرتبطة وقايلة إنها مرتبطة بيك.
قال رائد:
- أنا مش مسئول يا مايا عن اللي هي بتقوله، مسئول عن اللي أنا بقولهولك وهي إني قفلت باب العلاقة دي من فترة كبيرة ومن قبل ما نرجع لبعض.
حدقت مايا بعينيه غاضبة، انتثرت عروق عينيها الحمراء بكل مكان بمقلتيها.. كادت على وشك البكاء ولكنها كظمت إحساس الضعف داخلها:
- يعني عرفتوا بعض وحبيتوا بعض في وقت ما أنا وأنت فسخنا الخطوبة؟
قال رائد:
- أنت اللي فسختيها مش أنا يا مايا.
قالت مايا:
- جاوبني!! يعني في نفس الوقت صح؟
نظر رائد أسفل قدميه فدنت مايا منه تتحدث وحثيث صوتها يشبه رياح على وشك العصف به:
- ما ضيعتش وقت! روحت اتعرفت وصاحبت واتصورت وحبيت.. أومال إيه ما عرفتش أتخطاك يا مايا. ما عرفتش أشوف غيرك يا مايا، يلا نرجع عشان لسه بحبك.
رفع رائد بصره لها وأردف بثقة:
- ودي حقيقة وأنا ما كذبتش عليك.
قالت مايا:
- قول لي إزاااااااي!
حدق رائد بها وأردف لها بنبرة تحد مصوبًا عينيه عليها دون أن يهتز:
- طيب ما أنت اتخطبتِ على طول أول ما سيبنا بعض، كنت حاسبتك؟ كنت نصبت لك المحكمة اللي أنت نصباها ليا دلوقت دي؟!
شرعت مايا في البكاء بعدما خبأت عينيها وفمها بيديها فتحدث رائد ناظرًا أمامه عبر زجاج السيارة:
- أنا ما ضحكتش عليك، أنا لو حبيتها بجد كنا كملنا وخطبتها لكن عرفت إني مش عارف أتخطاك وبالتالي قفلت صفحتها ورجعت لك.. أنا ما أخطأتش يا مايا ولا خونتك. وكوني ما حكتش فهو مش حوار مهم بالنسبة لي. وكونها بتقول إننا لسه على علاقة فأنا مستعد أتواجه بيها وأكذبها كمان.
مسحت مايا دمعاتها الحارة من على وجنتيها وقالت وصوت شهقاتها يمزق أوصال القلب:
- روحني البيت يا رائد.. حالًا.
تحرك رائد بعجلات السيارة سريعًا حتى أحدثت صوتًا عاليًا على أسفلت الطريق، وما إن وصلا حتى هبطت هي وسارت تهرول ناحية المبنى السكني الذي تقطن به باكية تريد العناق الطويل لتهدئة تشنجات قلبها المكسور.. ويد حنونة تمسح دموعها الغزيرة.
علب بلاستيكية ضخمة بها دهانات، عمال يترجلون هنا وهناك.
مزارعون يقومون بتصليح الحديقة الخارجية، وعمال تقوم بفحص الكهرباء والماء والغاز.
ووسط كل هذه الجلبة، كانت تقف زاد ووالي تتابعان آخر تطورات المسكن الذي يحضرونه للعمل الضخم التليفزيوني من إنتاج شركات مطر وإخراج والي عبد الحميد!
قالت زاد وهي تسير ببطء أمام والي الذي يلحقها بخطوات:
- شايفة إنك لو فضلت على سرعة التجهيزات دي، هتخلص قبل شهر كمان.
قال والي:
- عارفة يا آنسة زاد، ماما كانت تقول لي كلمة زمان حلوة أوي، تقول لي أي حاجة بننوي نعملها وليها روحها. فيه حاجات روحها خفيفة فبتتقضى بسرعة.. وفيه حاجات روحها تقيلة.. بتاخد وقت ومجهود كبير ومش بتخلص. والبرنامج بتاعكم دا أنا متحمس له وحابه وحاسس إننا هنقدر ننجز فيه وهيقابل استحسان وإعجاب من كل اللي هيتابعه.
جلست زاد إلى أقرب مقعد بالحديقة الخارجية بعدما خلعت نظارتها الشمسية وقالت له:
- الجو حلو ومختلف، في الأول لما اقترحوا إننا نجدد نشاطنا ما جاش على بالي أبدًا فكرة برنامج تليفزيوني. ومسابقة لثنائيات كمان.. يعني حاجة كانت بعيدة أوي عن عقلي.
ابتسم والي ابتسامة رقيقة كوجهه مردفًا لها:
- إيشمعنا.. مش بتحبي قصص الحب؟!
اختلجت مشاعر زاد بعد سؤال والي وقالت له شاردة في الخضرة والأشجار المحيطة بهم:
- مش فكرة بحبها أو مش بحبها، الفكر ككل مش في قاموسي.
قال والي:
- ليه؟
قالت زاد:
- عشان الحب دا مجرد كماليات، لكن مش هو اللي بيمشي الدنيا وحياتنا. مش هو اللي بتتوقف عليه حياة بني آدم مثلًا.
وضع والي سبابته على ذقنه يحكها أثر التفكير وأردف إليها:
- أومال من وجهة نظرك شايفة إيه ممكن يوقف عليه حياتنا كبني آدمين؟
استنشقت زاد بعمق وأطالت ومن ثم زفرت ببطء وأردفت بهدوء نفس مبتسمة تظهر صفي أسنانها المرصوص:
- الشغل، الكفاح، النجاح، الطموح.. كل دي حاجات تخلي الإنسان يستمر ويكمل ويعيش. الحب جه ماشي ما جاش الدنيا مش هتوقف.
كان والي جالسًا يريح ظهره للخلف فعاد إلى الأمام قائلًا لها:
- تسمحي لي أقول لك إن لي رأي مخالف.
بسطت زاد كف يدها مشيرة له بالتحدث الساحة أمامك فابتسم والي من طريقتها وأردف:
- هو آه عدم وجود الحب مش بيوقف حياة البني آدم، بس بيقتله. بيقتل روحه وإحساسه وشغفه، بيبقى عامل زي الآلة ومش عارف هو بيعمل كدا ليه أو عشان إيه. آه بيثبت نفسه وبينجح، بس مش بيشارك حد تاني الإحساس ويفرح معاه. مفيش حد يحسسه إنه مهم وإن كل إنجازاته عظيمة وإنه يستاهل. الحياة يا آنسة زاد مش عبارة عن واحد زائد واحد يبقوا اتنين، الحياة واحد بيحب واحد قرروا يبقوا هما الاتنين واحد! فهماني؟!
حديثه جعل عضلة قلبها تهتز، هناك شعور من نوع آخر شعرت به زاد ولأول مرة.
كلما تحدث إليها هذا الوالي، تحكمت به وأخمدته وأردفت بعدم اكتراث:
- فاهمة بس برضه شايفة إن وجهة نظري صح.. وعشان كدا أنا وصلت لـ 37 سنة ومفيش حب أو علاقة صداقة أو صحوبية أو أي مشروع من مشاريع الجواز.. أنا لحالي أحلالي.
ابتسم والي لعفويتها الخاطفة وهز رأسه يمينًا ويسارًا أن لا فائدة، كل جهة منهم مقتنعة بما تتمسك من مبادئ.
وكلاهما يرى أنه الجهة الصحيحة والآخر خاطئ، لكن على كل حال اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
التحف برداء الليل الطويل، صم أذنيك عن ضجيج هذا العالم، أغمض عينيك عن كل هذا الخراب، واغلق قلبك عن كل هذا الزيف، اخلع عنك هذا الوجه الجامد، ثم حمّل دعواتك هذا الأنين المرابض خلف ضلوعك، أطلق سراح مقلتيك واسمح لأمطارهما بالهطول، رفقًا بقلبك يا قُصي مازال في الحرف الأول في السطر الأول من كتاب المعارك!
تقوم غزة بفرد الشال الصوفي على الأريكة لتشاهده جارتها المقربة لها وتقيمه من وجهة نظرها فهي صنعته خصيصًا لها.
تحسست الجارة الشال متهللة أساريرها، قد نال إعجابها حقًا، فتناولته ووضعته على كتفيها قائلة:
"حلو أوي يا عزة تسلم إيدك."
ربتت عزة على ظهرها وهي تردف بحنو:
"تلبسيه في الخير وتعيشي وتدوبي."
جلست الاثنتان، فقامت الجارة بتقديم الشاي إلى عزة وتناولت هي الكوب الآخر. ارتشفت عزة رشفة من الكوب فأردفت لها الجارة:
"عاملة إيه مع قصي؟ وافق على موضوع تكفلي طفل دا؟"
تنهدت عزة بحزن قائلة وهي تحتسي الشاي الساخن:
"مرضيش، قال لي شغلنا وسننا ومش هينفع وكلام كتير من دا."
"يووه، ربنا المستعان يا بنتي، هاتوه تربوه سوا ويقولك يا ماما ويقوله يا بابا ويملى حياتكم فرح ولعب وشقاوة."
وضعت عزة الكوب وبدا على وجهها علامات الضيق قائلة:
"والله ما عارفة، قفل الموضوع من غير حتى نقاش فيه وشايف إن كده أحسن."
رن هاتف عزة فأمسكته لتجد رقمًا هاتفيًا غير معروف لها، همّت لتجيب، من الممكن أن يكون أحد عملاء جروب الكروشيه خاصتها:
"ألوو."
"طبعًا ضحك عليكي وكل بعقلك حلاوة، لو عاوزة تتأكدي إن قصي جوزك متجوز ومخلف كمان، تعالي دلوقتي على العنوان اللي هبعتهولك في رسالة وهتشوفيه بعينك."
فزعت عزة لما سمعت وهمّت بانتظار الرسالة حتى وصلتها فهرولت للخارج مذعورة لم ترَ أحدًا، بينما كانت تناديها جارتها كثيرًا تريد معرفة ما تم بالمكالمة التي نزعتها من أمنها وصفوها هكذا. ولكن عزة لم تجب فهي في عجلة من أمرها.
هبطت ولوحت لأحد سيارات الأجرة، أخبرته بالعنوان الذي بالرسالة. كانت مذعورة وجهها يتحدث خوفًا، تنظر هنا وهناك من نافذة السيارة. تقوم بخبط ركبتها وفخذيها بقبضة يدها من شدة الغيظ، حتى وصلت السيارة. قذفت الأجرة إلى السائق ونظرت إلى الرسالة لتتأكد من رقم الطابق والشقة. صعدت وتأكدت وقبل أن ترن جرس الباب، سمعت صوته! وضعت أذنها على الباب.. هو صوته!! صوت قصي زوجها، قامت بالضغط على زر الجرس مطولًا حتى فتحت فتاة بعمر الثامنة ممسكة بدميتها تنظر لها وتبعها قصي:
"مين يا فرح؟!"
ليجد عزة أمامه!! فغر فاهه مع شهقتها هي المذعورة.. هبطت دمعة على وجنتها وهرولت على الدرج دون التحدث بكلمة واحدة، فارتبك هو ليرتدي حذاءه ويتبعها بعدما أغلق الباب.
***
"طيب لو قبضت الجمعية أم عشرين ألف، على جمعيتك إنتِ يا كعبول أم العشر آلاف، هيبقى معانا كام؟"
قالها نبيل وهو يحك بظهر القلم رأسه وأمامه عدة أوراق وآلة حاسبة، بينما كانت تفكر ديانا معه إثر جلوسهم بإحدى المقاهي قائلة:
"المشكلة إن لسه قدامنا ٦ شهور على ما نقبض يا ببلبي هنعمل إيه؟"
قذف نبيل بالأوراق والأقلام بعشوائية مضحكة قائلًا لها:
"إنتِ غاوية تشليني! إنتِ عاوزة تحسسيني بالزفت المتزفتين فيه أكتر ما أنا حاسس. طب يا ديانا يا بنت رأفت وآدي الجوازة باظت أهو أهو أهو."
حاولت ديانا لم الأشياء المبعثرة من أمامه وهي تضحك وقالت له بطفولتها المعروفة:
"يا ابني اصبر، أنا بفكر بجد في حل عملي، إيه رأيك لو تقدم على قرض؟"
"بضمان إيه.. كليتي ولا كبدي؟"
"لأ بضمان شغلك، وأنا أقدم على قرض برضو."
"إيه بضمان خدودك؟!"
لوحت ديانا بيدها له علامة استيائها من دعابته وسخريته الدائمة قائلة:
"خدودي إيه إنت كمان، ممكن بضمان شغلي برضو، ونحاول نستلف الباقي."
اقترب نبيل منها ليقوم بـ"لدغ" ذراعها السمين بإصبعيه فتأوهت هي بشدة ويردف هو:
"وكمان هنستلف ما صباح الكخ عالكخ، ماهو لو أبوكِ الضلالي يرجّع لي فلوسي بعد ما قال وبقى زي القرد، لكن إزاي عيلة كلها شفطات مطبخ."
نهرته ديانا وأزاحته بكوع ذراعها قائلة:
"إيه دا بسم الصليب عليه، أنت هتحسد بابا يا نبيل.. وبعدين دا حماك يعني زي باباك فيه حد يطلب فلوس من باباه برضو؟!"
"والمسيح لو أبويا لأ كنت اشتكيته في القسم بيهم."
"Any way، إحنا لازم نشوف طريقة عشان نتلم بقى ونتجوز."
"إنتِ ما بتتلميش، إنتِ يفتحوا لك شقتين على بعض عشان يعدوكي يا كعبول الزفت."
"هي فين فلوسك يا نبيل، معقول شيف في فندق ولحد دلوقتي مش عارفين نجيب شقة ولا عفش ولا معانا فلوس الفرح؟!"
عقد نبيل ذراعيه ومثل الكبرياء قائلًا:
"أصل بحولهم أول بأول لسويسرا عشان أضارب بيهم في البورصة، يا شيخة اتوكسي."
ضحكت ديانا له ضحكة بلهاء، جعله يقوم ببعثرة شعرها على جبهتها بكف يده ودفعه لوجهها بطريقة مضحكة.
***
صفقة جديدة تمت بفضل الله ثم بمساعدة روز، قاموا بدور الوسيط لبيعة قطعة أرض مهجورة. وبذكاء من كليهما مصعب وروز استطاعا أن يحصلا على مبلغ مالي كبير اقتسماه بعد تعب أنهكهم في هذه الصفقة للتواصل مع المشترين وأصحاب الأرض والوصول إلى حل وسط. بهذه المناسبة قام مصعب بدعوة روز إلى الاحتفال على شرف هذه الصفقة بإحدى البواخر النيلية لسماع الموسيقى ومشاهدة النيل ولا بأس من بعض الرقص للاستمتاع وتخريج الطاقة السلبية.
رقصا واحتسيا المشروبات الغازية وتناولا عشائهما وسط الجمع على متن الباخرة على صوت الكمان ومشاهدة النيل ليلًا، وهمّت روز بالعودة فقد بدأت الساعات الأولى من صباح اليوم التالي. أراد مصعب توصيلها حتى وافقت، وقام بهذا على أكمل وجه فقد صمم أن يقوم بتوصيلها حتى باب منزلها فالوقت متأخر ويريد الاطمئنان عليها.
صعدا وفتحت حقيبتها لتتناول المفتاح وتفتح الباب وأردفت له:
"كان يوم جميل بصراحة، شكرًا يا واد يا صعيدي."
عدّل مصعب من ياقة قميصه بغرور مزعوم قائلًا:
"أي خدمة يا رزة، إحنا بس رهن الإشارة."
"طب يلا تصبح على خير."
"وإنتِ من أهله يا جمرة."
ظل واقفًا فضحكت هي مردفة له:
"يلا انزل عشان أدخل وأقفل."
"طب باقول لك إيه، ما تشوفي كده لو الحج ولا الحجة نايمين ندخلوا ونكملوا السهرة عندك جوه."
همّ بالدخول بعدما خطى خطوتين للداخل فسحبته روز وأخرجته ثانية مع قولها:
"لا يا حبيبي مش باكمل سهرات مع حد، روح يلا عاوزة أنام."
"طب أحكي لك حكاية أما كنت صغير وبلعب في الترعة وجرصني الحنش."
قالها مترجلًا ثانية للداخل فسحبته هي أيضًا:
"حنش أما يحنشك، يلا يا واد باقول عاوزة أنام."
"طب بصراحة أنا كنت عاوز طلب."
وضعت روز كفًا على كف على بطنها قائلة بنفاذ صبر:
"إيه هو؟"
"عاوز بوسة من شفايف الورد داي يا بوي."
وما إن اقترب من شفتيها حتى قامت روز بركله في بطنه مع ضربة بقبضة يدها في ظهره ودفعه في وجهه بلكمة من يدها بحركات رياضية وكأنها مدربة عليها ليقع مصعب أرضًا يتأوه.
"فاكرني بت من إياهم ولا إيه يا صعيدي؟! فووق أنا أكلك حي."
"ااااه اااااه، يا بت إنتِ بطلة ملاكمة ولا إيه يا مطعونة في قلبك ما حسيتيش بضلوعي ااااه."
كان يرقد أرضًا متألمًا ممسكًا بجسده كله فأردفت روز بثقة:
"روحت واتعلمت تايكوندو عشان أعرف أحمي نفسي من أمثالك وأنا عايشة وحدي. تصبح على خير يا بئف."
قالتها وولجت وأغلقت الباب بقوة في وجهه وهو مستلقي هكذا من شدة الألم، فأردف يتحدث من شدة تعبه:
"حتة مرة ملونة زي سمك الزينة توجعك كده دي يا فجري، قوم قوم دا أنت عار على الصعايدة. قوم يا حزين قامت قيامتك."
***
"فرق كبير أوي بين إنك تكون قوي وإنك تكون وقح.. بينهم مسافات وبلاد."
رواية ميكاتوا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نور اسماعيل.
قلبها يدمي، النيران تشتعل به، يتآكل من الداخل، عباراتها أصبحت كالشلال المنسكب على وجنتيها، ورأسها أصبحت مشتتة بشكل مهيب، تخشى البكاء أمامه، فتفضحها شهقاتها، لم يعد قلبها يحتمل، وتراقصت دمعاتها ألمًا من كثرة السقوط.
ترقد عزة على سرير حديدي تتمدد عليه وحولها الحوائط ذات اللون الأبيض والنوافذ المفتوحة المطلة على الأشجار والخضرة. فهي مكثت لليلتين بمشفى بعدما أصيبت جراء حادث سيارة مروع، حينما كانت تهرول بصورة جنونية باكية بعدما تأكدت من خيانة حبيبها الأوحد، قصي!
وعلى الفور تم نقلها وكانت النتائج، كسر بأحد ذراعيها وكدمات ببعض عظام الحوض وعظام جمجمة الرأس.
قصي بالخارج يتابع حالتها مع الطبيب ومن ثم طرق الباب ليدلف لها. حينما رأته هي أشاحت ببصرها الناحية الأخرى فجلس هو وبدأ بالحديث:
_إيه اللي وصلتينا ليه دا يا عزة؟ ياعزة أرجوك ردي عليا أنا تعبت.
هنا، أدارت عزة وجهها ناحيته وعلى أعتاب عينيها دمعة تأبى الهبوط. قالت له بصوت يملئه الحزن المكتوم والحسرة:
_أنت اللي تعبت يا قصي؟ أنا من الأول قولتلك.. من 16 سنة لو موضوع الخلفه هيضايقك ويأثر عليك
نسيب بعض وأتجوز وأنا هرجع الدار أشتغل وأعيش فيها زي ما كنت.
ليه دلوقت.. ليه دلوقت بعد كل الحب وكل العمر دا.. بعد العشرة والروح اللي بقت روحك!
عاوز تتجوز وتخلف؟ حقك.
بس مش على حسابي وإنك تستغفلني.
نهض قصي مدافعًا عن حاله وأردف بنبرة ضيق مع لوم لها:
_أنا مش متنيل متجوز، مش متجوز!!!
اتسعت عين عزة وأردفت له بنبراتها المتحشرجة:
_أومال البيت اللي كنت فيه وحضرتك قاعد واخد راحتك وقالع الشوز والبنت الصغيرة وقبل ما أرن الجرس سامعه صوت ضحكتك والتليفونات اللي قارفاني ومش راضيه أقولك
جوزك متجوز ومخلف.. جوزك متجوز ومخلف.. تبقى إيه؟
خطى قصي خطوتين ناحية سريرها وأمسك يدها السليمة فنهرته وتركت يده فقال لها بنبرة عتاب:
_فين الدليل فكل اللي بتحكيه إني متجوز، إزاي مواجهتنيش باللي بتقوليه دا وسألتيني؟
أنا حلفت لك إني مش هخون عهدك يا عزة، وإن مش عاوز أولاد وأنا قراري دا ومتحمله.
_مش مصدقاك.
_أنا مش بكدب يا عزة.
أدارت عزة وجهها الناحية الأخرى، فتنهد قصي بفروغ صبر وجلس ثانية وأردف:
_أنا مكنتش عاوز أقولك أي حاجة لأن دي حاجة بيني وبين ربنا، بس هقولك عشان قلبك يرتاح.
البيت اللي شوفتيني فيه دا بيت أحمد فوزي صديقي الله يرحمه.
أقرب صديق ليا، من زمان من قبل ما أقابلك.
وله فضل عليا فحاجات كتير فالدراسه ولما كنت بتعلم الشغل عند بابا لأن مكنتش غاوي.
دماغي كانت فالرسم والتصوير وهو علمني كل حاجة، وبعد ما اتجوزتك كان هو من الناس اللي مبعدتش عني زي الباقي.
وفضلنا سوا، وكان بيشتغل معايا فتوسيع نطاق شغلي وأنه يشهرني.
وأحمد من سنة عمل حادثه.. وقبل ما يموت حلفني مسبش مراته وولاده.
لأن مراته ست يتيمه ومالهاش غير مامتها.. وأنا من يومها بعتبر نفسي مسؤول عنهم.
البيت دا أنا كلت وشربت فيه كأنه بيتنا، ومراته أختي وبعتبر ولاده ولادي.
عشان كدا لما فاتحتيني فـ حوار إننا نكفل طفل يتيم مرضتش، أنا شايل هم ولاد أحمد.
صحيح أنانية مني إني ما أشركتكيش فحاجة زي دي وعرفتِك، بس حسيت إني هضيع ثوابي عند ربنا.
ولو حابه تتأكدي.. بعد ما تطلعي من هنا بالسلامة.
هنروح السجل المدني وهنطلع مستخرج، والمستخرج دا بيثبت إذا كان فيه زوجة تانية غيرك ولا لأ.
وكمان هوديكي عند مرات أحمد وهي ومامتها هيحكولك كل حاجة.. راضية يا عزة؟!
التفتت عزة ثانية ناحيته وهمّت بمسح عينيها فدنا هو منها ومسح على رأسها بحنان مع قوله:
_أنا بحبك.. عارفه يعني إيه بحبك! يعني مش هعرف أخد ست تانية فحضني غيرك.
ومش هعرف أشم ريحة ست غير عزة فهدومي، ومش هعرف أحس بست تانية ولا أنبسط بلحظة معاها لمجرد إنها تخلف لي طفل أنا معرفوش!
رقت مشاعر عزة له، فطبع قصي قبلة على أناملها الرقيقة فأردفت هي له:
_والرقم اللي بيكلمني؟
_هاتي موبايلك وطلعيهولي الرقم.
تناول حقيبتها وأخرج الهاتف المغلق، فتحه وأعطاها إياه فجلبت له الرقم ليتصل به من هاتفه فيجده مغلقًا! رفع هاتفه في وجهه يخرج رقمًا آخر وتحدث إليه بجدية:
_ألو.. ألوو أيوه يا معالي الباشا إزيك حضرتك.. قصي إحسان معاك. فيه رقم مضايق المدام عندي عاوز أعرف مين صاحبه وفين بالظبط.. أشكرك يا باشا.
تمام.. هنتظر معاليك.
أغلق قصي الهاتف ونظر لها بحب وأقترب برأسه ناحية وجهها قائلًا:
_مش عاوزك تسامحي أو تعدي الموقف غير بعد ما تشوفي بعينك إني مش متجوز وتسمعي كلام مرات أحمد.
ونعرف مين صاحب الرقم، وبعدها هيبقالى حق عرب عندك يا عزة هانم.
ابتسمت عزة، بل تراقص قلبها فرحًا.. لم يخونها، لا يرى غيرها بل لا يريد من الأساس.
مازال قلبها نابضًا بين ضلوعه هو.. مازالت قصة حبهما مسطورة بحبر لا يمحيه الزمن أو الظروف أو الدخلاء!
"حلف القمر.. يمين وقالي، يا حلو ساعة ما شافك
في الحسن لا بعدك ولا قبلك يا روحي.. يا روحي كملت أوصافك"
عام 1992
_ألو.. ألووو أيوه يا شافع سامعك.
بصعوبة كان يستمع زكي إلى مكالمة شقيقه شافع الهاتفية الدولية من مصر إلى السعودية.
وبالكاد يلتقط منه الكلمات إثر وقوفه بأحد الحانات المخصصة للمكالمات الهاتفية الدولية آنذاك.
_أيوه يا زكي، تعرف تنزل مصر حالًا؟
_ليه؟
_خالك خليفة مات، وأنت عارف مالوش لا ست ولا عيل.
وفلوسه اللي تحت الأرض هتطلع والورث هيبقى بيني وبينك.
ولازم تيجي عشان تحضر كل دا.
أصاب زكي الذهول! هل مات حقًا خالهم البخيل المتعنت أخيرًا، هذا الرجل سليط اللسان.
ذو الملايين توفاه الله ولم يصبح له وريثًا سواه هو وشقيقه، هل بالفعل سيرتاح من العمل ونظام العبودية والسخرة ببلده غير بلدتهم، هل سيكون له كيانه الخاص أخيرًا.
هل سيترك العمل هنا؟ وهيام! ماذا سيفعل حيالها.. فقد طاق الشوق بهما ووصلت مرحلة حبهما إلى أوجها.
ولم يستطع واحد منهم ترك الآخر، ماذا سيفعل؟ وعلى أي شيء ينوي؟
_ألوو، يا زكي أنت معايا؟
_أيوه يا شافع، معاك.. طيب هرتب أموري وأكلمك ونشوف سوا.
صوت طفلة صغيرة بجانب شافع تود أن تتحدث إلى زكي وصوتها يصنع ضجيجًا مزعجًا فنهرها.
والدها وعاد ثانية إلى مكالمة زكي فانتبه زكي:
_زاد دي؟
_أيوه يا سيدي عاوزة تكلمك، مش وقته لما تنزل أبقى كلمها، ودا يمكن كمان متسيبهاش وتفضل معانا هنا على طول.
انتهت المكالمة الهاتفية، عاد زكي سريعًا يريد أن يخبر هيام بما حدث ولكن كيف؟
فموعد لقائهم الأسبوعي لن يحين بعد!
فتطرق إلى طريقتهما السرية المتفقان عليها منذ بداية اعترافهما لبعضهما البعض بحبهما.. إرسال الخطابات.
بطريقة ذكية لم يلاحظها أحد.
دلف زكي إلى مطبخ السرايا وصافح الخدم وتبادل النكات والضحكات مع بعضهم حتى راقب الطعام المحضر فسأل بدهاء:
_الأكل دا طالع فوق؟
أجابه الطباخ الهندي باللغة العربية ولكنها ركيكة على قدر ما يستطيع أن الطعام سيصعد إلى غرفة الفتاة الكبرى هيام!
انتهز زكي فرصة انشغال الطباخ وهو يسكب الحساء بصحن آخر فوضع الخطاب أسفل الصحن المسطح الذي عليه الصحن المملوء بقطع اللحم.
أخذت الخادمة الصينية بعدما اكتملت وصعدت بها إلى هيام التي كانت تتراقص أمام المرآة على أحد أغنيات.
الفلكلور السعودي الشهيرة حينها، تتراقص بالطريقة الخليجية وتطيح بشعرها الطويل يمينًا ويسارًا منسجمة.
وما إن دلفت الخادمة ووضعت الصينية فأمسكت هيام يداها لتتراقص أمامها فضحكت الخادمة وتركتها ورحلت.
أوقفت هيام صوت الأغاني، وشرعت في البدء لتناول الطعام، ولكن قبل أن تتناول فتشت كالعادة هل هناك أي رسائل بصندوق بريد الحب؟!
وبالفعل وجدت، قرأت الخطاب بهيام حتى وصلت إلى السطر الذي بدل حالها رأسًا على عقب، فنهضت سريعًا وفتحت ستائر الشرفة تبحث عنه، فوجدته يقوم بغسل السيارة وينظر إلى أعلى ينتظرها..
وعلى الفور ارتدت ثيابها والعباءة فوقهم وألقت بالوشاح من دون ترتيب على شعرها المنسدل، وهبطت.
بعدما أخبرت والدتها أن صديقتها بالمشفى وتريد الاطمئنان عليها وسيقوم بتوصيلها زكي كالعادة.
وصلت عنده واستقلت السيارة وانطلق هو بها حتى وصلا إلى مكانهم المعهود وبدآ الحديث:
_هتنزل مصر يا زكي؟
قالتها بعينان تنضحان حنان، فأردف هو لها:
_غصب عني، شرحت لك كل حاجة فالجواب.
_رح تتركني؟
ارتسم خط الدمع وسط بياض عينيها، فمسح زكي على وجنتها وأردف لها:
_عمري ما هسيبك يا حبيبتي، هنزل أخد ورثي وساعتها هرجع أدق بابك وأنا معي اللي يعيشك بمستواكي يا هيام.
وأبوكي مش هيرفضني، لأن ساعتها مش هكون سواق تاني.
هتكوني معايا طول العمر.
ضغطت هيام على شفتها السفلى وأشاحت بنظرها بعيدًا بارتباك لاحظ زكي وأردف لها:
_خايفه من إيه؟
_مش عارفه يا زكي، خايفه ما ترجع.. خايفه يدرون باللي بيني وبينك ويصير مشكل.
خايفه ما يرضون أصلًا نتزوج.
نظر زكي بعمق إلى عينيها وقال مبتسمًا:
_بالعكس بقى، أنا حاسس إن حاجات كتير هتتغير بعد موضوع ورثي دا وهتكوني معايا وهتشوفي..
رفرفت هيام بأهدابها بخوف وقالت:
_يارب يا زكي يارب.
_تتجوزيني يا وئام؟
تركت وئام القلم من يدها وأردفت له مندهشة مع نبرات صوتها المستنكرة:
_هو فيه إيه بالظبط، هو أنت كل شوية هتطلع لي.. يا أخي يا ريتني ما اتنازلت عن القضية.
سمعها باسل إلى أن انتهت وأردف لها:
_والله العظيم أنا لا عاوز أضايقك ولا بشتغلك، أنا طالبك فحلال ربنا بجد..
موافقة؟
طرقت وئام كفًا بكف، رن صوت جرس التنبيه بدور المريض التالي فنهضت سريعًا، وفتحت باب غرفة الطبيب ودلف المريض، وجلست ثانية وتوجهت إلى باسل بقولها:
_ممكن لو سمحت تسيبني أشتغل؟ يعني أنا بصراحة الوضع دا بقى بيخنقني.
_ما هو أنتِ ما بترضيش نتكلم في مكان تاني وماعرفش رقم تليفونك.
حدقت وئام به مع قولها بصوت خفيض:
_آه تاخد رقمي؟ ما أنا ست شمال بقى وفاتحاها على البحري وهناخد وندي مش كدا.
هز باسل رأسه بالنفي قائلًا لها:
_والله لأ.. والله باتكلم جد، أنا عاوز أتجوزك وندمان على أي حاجة وحشة عملتها معاكِ.
ظلت وئام تنظر حولها خائفة، فلاحظ هو فنهض مردفًا لها:
_دا رقمي (دونه على ورقة أمامها) فكري وردي عليا وأنا وقتها هاروح لأهلك وأطلبك رسمي منهم.
عن إذنك..
تركها ورحل، فصوبت نظرها ناحيته مع شرودها، هل ما أخبرها به كان حقًا؟! وما يدريها الحقيقة من الكذب بهذا الأمر، الحسم هو إحساسها والفيصل استخارة الله في الأمر والله خير معين.
صورة، خلف الأخرى والأخرى.. يحدق بها مصعب ويلمس شاشة هاتفه ليرى ما بعدها، واحدة تلو الأخرى.
كلها صور تجمعه بروز.. تلك الحسناء الفاتنة الصلبة.
فتاة قوية، جميلة، ذات رأس يابس وقلب صلب.. لا تتهاون ولا ترضخ.
هناك ما تطمح إليه، وغير هذا وذاك جميلة للغاية، وبالرغم من ذلك لم تستغل جمالها حتى في شيء غير مشروع!
ظل ينظر مصعب بالصور مبتسمًا ويتحدث إلى نفسه:
_فلفلاية حراقة، حراقة يا بوي.. يا مرار أبويا أني.
مسح على الصورة بإصبعه وقال:
_وبص أنا واقف كيف جمبها، بيمين ظابط مباحث.
ضحك بشدة وأكمل حديثه إلى نفسه:
_البت حلوة وقمرا وعاتضرب وعاتدي فشلاليت وبمية راجل صوح، شكلك وقعت يا فجري.
ليك حج توجع، هي دي البنت صوح، بنت كانوا يرضعوها ملبن، مش بنت بلدنا اللي كيف علب التونة وكأنهم مولودين في شم النسيم جاهم دم يصبغهم صبغ!
مسح بيده على صدره العاري المملوء بالشعر الكثيف وهو يتنهد قائلًا:
_هااااح، النبي لأ نكلمك يا رزة نفور دمك شوية ونضحك.
قالها ضاحكًا وقام بالاتصال بها، مرة.. والأخرى.. كانت هي تخطو خارج المرحاض واضعة منشفة على رأسها وترتدي معطف الاستحمام ونظرت بالهاتف وجدته مصعب، التوت شفتاها وأجابت:
_نعم يا زفت.
_جاكِ زفت أما يزفتك يا بعيدة، كام مرة نرن عشان معالي السيادة ترد.
جلست روز إلى فراشها وأنزلت المنشفة من على رأسها وقذفت بها بعيدًا وأردفت:
_كنت باخد دش، وبعدين عاوز إيه؟
_دش! ليه لسه بدري على عيد الشرطة؟
ضحك هو فضحكت هي ساخرة منه قائلة:
_هيهيهيهي، عاوز إيه بجد؟
_فيش يا بوي، عاوزين ننول الرضا.
_لأ عدي علينا بكرة.
_أمانة ننول الرضا يا عسل.
ابتسمت روز لمداعبته فقالت له:
_ما تنزل من على دماغي يا زفت أنت، عاوزة أخلص عندي كذا حاجة نازلة هاعملها.
اتسعت حدقة عين مصعب مع قوله:
_رايحة فين يا اللي واكلة ناسك؟!
_وأنت مالك.
_كدتي نازلة كدتي من غير بعد إذنك يا أستاذ مصعب، بعد إذن جنابَك يا مصعب باشا أنزل، ولا يا حضرة السفير مصعب لو سمحت تأذن لي بالخروج.
نظرت روز إلى المرآة وحدقت بملامحها ومن ثم تناولت المصفف الكهربائي ووضعت المكالمة على الميكروفون وقامت بتشغيل المصفف:
_اخلص يا واد مش فاضية لهزارك بجد.
سمع مصعب صوت المصفف ففزع بشكل مضحك مردفًا:
_أيا اللي عيزن ديتي.
ضحكت روز بعفوية ولم تجبه، فاستطرد مصعب قوله:
_ولا ردت عليّ، كأن شمبانزي عيكلمها.. يا قارشة ناسك أيا اللي عيزن دي خرم ودني.
_دا سيشوار يا أهبل.
_أيوا شغلي الخلاط واعملي ليمون وروحي على حالك وفيه كلب عيعوعو لك في التليفون يا جبر.
ضحكت روز كثيرًا حتى قالت له وأغلقت المصفف:
_عاوز إيه يا مصعب هاه؟
_النبي عاوزين ننول الرضا، ما تيجي ونجيب مليجي.
_نعم!
_قصدي، تعالى نروح كافيه نشرب قهوة كبريتو ولا ناكلوا في حتة زينة، ولا نعملوا أي حاجة المهم أشوفك.
أدارت روز عيناها في أرجاء الغرفة مستمتعة بحديثه مردفة له:
_وليه عاوز تشوفني؟
_عشان أسألك الساعة كام يا فقرية.
ضحكت روز فأردف هو مداعبًا إياها:
_النبي ننول الرضا بس.
_طب نص ساعة ونتقابل في الكافيه بتاعنا.
_وه! اشترتيه ياك.
_امشي يا واد يا غبي من هنا.
_تعالي بس نقولك، بس من غير ضرب زي الدور اللي عدى هاه بلاش تبيني إنك قوية عرفنا يا ستي. بكرة أتدرب وأبقى أقوى منك.
_فرق كبير أوي بين إنك تكون قوي وإنك تكون وقح.. بينهم مسافات وبلاد يا صعيدي.
تأفف مصعب وأردف لها:
_يا بوي خلاص فهمنا الدرس، آسف يا صلاح مش هنكررها تاني. يلا نخرج وحشتني العيون اللي شبه عيون قطة بيت خلاف.
ضحكت روز بخفة وعقبت على حديثه:
_إيه قطة بيت خلاف دي؟
_دي حكاية غير حكاية الحنش، أما أشوفك ها قولها لك بس نص ساعة وألاقيكي في وشي يا واكلة ناسك.
_طيب يا صعيدي، مش هاتأخر.
ضحك مصعب واتفقا على ميعاد لمقابلتهما وأغلق مصعب يتراقص فرحًا في مكانه بحركات عفوية مضحكة.
مايا..
ينظر رائد إلى الاسم ويتصل بها وهو يقف تحت شرفتها ينتظر الرد، ولا تجيب!
اتصل مرة، اثنان، ثلاثة.. عشرة.. خمسة عشر، ومن ثم أمسك خانة اسمها بالواتساب وأرسل لها:
_عارف أنت أجمل حاجة تفرح هي إيه. إن اللي ياما حلمت بيه تلاقي حبيبك.
وأنا عشت أحلم باللحظة دي دا اللي بادور عليه.. أنا أسيب حياتي ودنيتي ولا يوم أسيبك.
لم تنظر مايا حتى إلى الهاتف، دلفت والدتها حاملة عصير مثلج من الفراولة الطازجة وجلست بجانبها في فراشها:
_أنتِ مش نايمة يا مايا، قومي وكلميني.
من أسفل وسادتها الموضوعة على رأسها تحدثت مايا:
_معلش يا ماما مش فايقة أتكلم.
_لأ معلش قومي، عاوزة أقول لك كلام مهم.
نهضت مايا واعتدلت وجلست أمام والدتها عيناها منتفختان أثر البكاء وعدم النوم، لون بشرتها شاحب ونظرتها ذابلة، ربتت والدتها على كف يدها قائلة لها:
_اللي حصل من رائد ما يستاهلش كل اللي أنتِ عاملاه دا.
همت مايا بالاعتراض ولكن والدتها قاطعتها:
_سيبيني أكمل كلامي للآخر، رائد اتصل بيا وحكى لي لما لقاكِ مش بتردي عليه. مايا دا موضوع وابتدى وانتهى وأنتِ مش في حياته. خلاص ليه مكبراه كدا.
لوحت مايا بيديها وهي تتحدث بعصبية وعيناها باكيتان:
_لأ مش مكبراه، إزاي ما يقوليش إزاي أبان مغفلة كدا.. حتى على الأقل من باب إنه يعرفني إنه فعلًا زي ما بيقول ما حبش غيري ومش بيعرف يتخطاني.
_ما تبقيش أنانية يا مايا.
قالتها والدتها بجدية وبصرامة تنظر إلى عيناها واستطردت حديثها قائلة:
_أيوه أنانية، عاوزة تسيبيه وتتخطبي وترجعي له وهو يفضل عايش كدا، ما يجربش زي ما أنتِ جربتي مع حد تاني يمكن ينفع.
بنبرة عصبية تحدثت مايا وشعرها يتهادى حولها بفوضوية:
_ليه ما قالش ليه ما حكاش من الأول؟
_ولما واجهتيه ما أنكرش، مايا في زمننا دا لو فيه بنت لاقت حد يحبها قد حب رائد ليكِ بتمسك فيه بإيدها وسنانها، ادي له فرصة مرة كمان وما تضيعيش حد بيحبك من إيدك.
أثناء حديثهما سمعا صوت جرس الباب وترحيب والد مايا.. وصوت رائد!
نهضت الأم ذاهبة إليه ترحب به، ووقفت هي لدى باب غرفتها تحدق به ويحدق بها.
نظرات الشوق فاضحة، وكلام العين بألف حديث.. ولحديث عتابهما النازف بقية..
_أحب أوجه رسالة لأهلي وللناس اللي بتتريق عليا وبتقول إن الأكل مضر، لأ يا أفندية إحنا بناكل عشان نتابع عروض المطاعم الحلوة والأكل اللذيذ ونقول لكم عليه من واقع خبراتنا، الكوارث اللي بتحصل للبنات اللي عاملة دايت دي بنات من جواها عاوزة ترقع بالصوت وتصحيكم وتيجي تاكل معانا.. إحنا أبطال قومية يا سادة!
ضغطت ديانا زر نشر هذا المنشور على حسابها بفيسبوك وتطلعت إلى كم الساخرة من أقربائها وصديقاتها وزملاء العمل، وكانت تهم بالرد على كل تعليق منهم وهي تضحك.. كانت تقوم بالرد بيد وباليد الأخرى ممسكة بشطيرة بها دجاج مقلي ومايونيز وخس وبجانبها صحن مملوء بطاطا مقلية غارق بالكاتشب.
وكوب مثلج مياه غازية، مضت الساعات وفوجئت باتصال نبيل فأجابت:
_حبيبي.. غرابي بلبولي البائس إزيك.
قام نبيل بإبعاد الهاتف عن أذنه ونظر إليه ممتعضًا وأعاد الهاتف ثانية إلى أذنه:
_طالما بتتكلمي ونص كلامك مش مفهوم يبقى بتاكلي.
_لأ دا سناكس بس لحد ما الأكل اللي أنا طالباه يوصل.
لطم نبيل وجنته اليمنى مع قوله:
_لسه كمان طالبة أكل.
عضت ديانا شفتها السفلى تشعر بالخزي قليلًا مع قولها:
_بصراحة يا بلبولي، أنا باتصل أطلب بيتزا سلامي إكسترا تشيز لقيت فيه عرض ساندوتش كوردن بلو و3 تومية و3 كول سلو وكانز أسيبه.
_والعرض دا على إيه يا عربية نقل زلط! كعبول دي كلمة قليلة عليكِ.
_عرض لو طلبت ثلاثة بيتزا اثنين لارج وواحدة ميديم هاخد العرض دا.
_والحمد لله تم الطلب بنجاح، أومال أنتِ دلوقتِ بتاكلي إيه لحد ما الأوردر ييجي؟
_لأ دا طبق رز بلبن والمكسرات والقشطة ماما كانت عاملاه، قلت تصبيرة لحد ما الأكل ييجي. المهم أنت كنت بتتصل ليه؟
أردف نبيل لها بصوت مضحك:
_ما فيش يا كعابيل الدنيا كلها، كنت ها أقول لك أختي هاتقدم لي على قرض بضمان وظيفتها وها تدهول لي ممكن ندفعه مقدم شقة لينا وبالباقي الفلوس نجيب العفش.
بس بمنظرك دا أنتِ مش عاوزة شقة، أنتِ عاوزة متحف.
ضحكت ديانا بفمها المملوء طعام وصفقت بكلتا يديها قائلة بفرح:
_أيوه بقى يا نيبووووو، هيييه وها نتجوز ها نتجوز.
_قصدك أنتِ ها تتجوزي وأنا ها أتنيح..
أنا عارف إن عند المسيح أفضل طبعًا!
إهئ إهئ إهئ
همت ديانا بإغلاق المكالمة معه حتى تجيب عامل التوصيل بطعامها، أغلق نبيل الهاتف وشرع في لطم وجنتيه مع دندنته بصوت متهدج مضحك:
_عارف أنت الحظ، أهو أنت الحظ بيبظ بظ بظظظ ومكلبظظظ
_يا عم أنا شخصية صامتة وموبايلي صامت.
ومشاعري صامتة ونظراتي صامتة، ده حتى مصايبي صامتة!
رواية ميكاتوا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور اسماعيل.
رواية ميكاتوا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نور اسماعيل
ميكاتو💕 (مطر وردى) ☂️💦
(15)
`~`~`
احيانََا نثق كثيرََا في من حولنا لدرجة أننا لا نتوقع أن يخذلونا ابدََا ونعطي لهم اكثر من طاقتنا حب واهتمام وفي لحظة ينهون كل ذلك يتركونا بعدما كانو مصدر ثقة لنا يصبحون مصدر خذلان بدون توقع منا بحدوث ذلك.
على نغمات أغنية _ياطيب القلب وينك_كانت تستمع إليها هيام شارده ودمعاتها هى المُتحدثه، حتى سمعت صوت طرقات على الباب، أجابت هيام بالإذن للطارق بالدخول
وإذا بها والدتها..
دلفت وجلست بجانبها، ف اطفأت هيام جهاز تشغيل الأغانى وإنتبهت إلى والدتها
_خير، فى شى يا يوما؟!
نظرت الأم لها بجديه وقالت بنبرة صارمه جاده
_ايوة فيه ياهيام، موضوع جد خطير وأنا أبوك حكينا فيه قبل يومين ونريد الحين تعرفينه وتبلغينا بقرارك
_ويش تبون منى؟
_تقدم لك رچال عظيم طالب يدك للزواج، وإتكلم ويا أبوكِ وأبوكِ خبرنى وبصراحه، رچال وايد زين ووايد طيب وكريم ومن عيله وايد راقيه.. هاه ويش تجولين؟!
لم أشعر بالحزن، لم يكن شعورًا كأنك حزين أو ما شابه؛ بل كأن شيء قد سقط داخلى، كأنها روحك قد سقطت فتهشمت، وقلبك قد سقط كأنه مدينة سقطت بقاياها بعد كل تلك الحروب.
لا تعلم هيام بماذا تُجيبهم فقالت فى اندفاع
_زواج شنو الل تحكون فيه، مو صاير سنى فوق السبعين وختيرت تريدون تزوچونى دالحين
_سنك مو كبير، لكنه رچال وايد مهم ويقول انه كان يريد يفاتح ابوكِ من سنة يعنى انتِ براسه من زمان
إندفعت هيام بضيق ونهضت تدور ب أرجاء غُرفتها
_وانا مو رضيانه يا يوما، زواچ شنو الل تحكون فيه
رمقتها والدتها بنظرة من أسفل ل أعلى تبغضها وخرجت من غرفتها منزعجه منها ومن ردة فعلها وذهبت لتخبر
والدها على الفور، أما عن هيام فهرولت مُسرعه للخارج بعدما إرتدت ملابسها وذهبت تجرى إتصال هاتفى دولى بمصر بالرقم الذى اعطاها إياه ذكى قبل رحيله.
إتصلت حتى أتاها الرد من رجل لا تعرفه، أخبرته انها تريد زكى ف أعطاه شقيقه شافع سماعه الهاتف ليستمع ذكى الى حُرقه صوت هيام
_ذكى.. ذكى فقدتك وايد، ميتى رح تيچينى ما أقدر عالفراق والله
أحس ذكى حرارة انفاسها عبر الموجات اللاسلكيه فقال لها ب إشتياق بالغ
_إنتِ وحشتيني أكتر يا هيام، أنا مفيش اى حاجه فبالى وعلى طول أفكر فيها غيرك
_متى رح تيچى
_قريب، خلاص قربت اخلص كل امورى هنا، طمنينى صوتك قلقنى
هنا بكت هيام بحرارة ممسكه بسماعه الهاتف قائله وصوتها يتهدج
_رح يزوچونى يا ذكى، لازم تيجى دالحين، تعال يا ذكى!
كانت هذه آخر كلماتها وإنتهت المكالمه، حزن ذكى وبدا ذلك على تعابير وجهه حيث أصبح شارداً
غير مُنتبه لما حوله، الكرة بملعبه وماذا سيفعل الآن؟!
`~`~`~
فى إندفاع ترجل قُصى داخل فيلا والده وبصوت جهور كان يتحدث وعيناه تتحدث غضباً يُسبق العاصفه
_فين مدام صفيه.. يا مدام صفيه، يا أمى!
هبطت صفيه هانم من على الدرج مُستنده إلى _عصاها_التى تتوكأ عليها ناظره الى قُصى متهلله اساريرها بفرحه لم يسبق لها ترتيب أو حسبان وقالت بشوق وحنين إلى إبنها
_قُصى؟! أخيراً جيت
حاول قُصى تمالك أعصابه بعدما بلل شفتيه ورتب كلماته ب ذهنه قائلاً
_أُمى، إيه الذنب الل أرتكبته فحقك عشان تدمرى حياتى بالشكل دا
ليه كل دا، ليه تحرمينى انا ومراتى من أحلى إحساس فالدنيا
ليه مازالتِ متتبعانى ومتتبعاها وبرضو بتحاولى مابينا عشان نسيب بعض
أنا عملت إيه يا أمى يستاهل دا كُله؟!
إقتربت صفيه بخطواتها البطيئه نحو قصى تلامس وجهه بكف يدها، تتحس ملامحه وتشم رائحته غير آبهه لمَ يقول غير مستمعه ل إسئلته التى طرحها عليها، كل مايدور فى ذهنها
هو امامها الآن بعد كل هذه السنوات..
_وحشتنى يا قُصى، كُنت خايفه أموت من غير م اشوفك
كلماتها بعد وقوعها على مسامعه، أحدثت كسر قوى بقلبه، فهى لاتزال والدته برغم كُل مافعلت
ستظل والدته وسيظل حُبها قائم بين ضلوعه، رفع عيناه لها يعيد عليها السؤال
ثانية ولكن بعدما هدأ من روعته
_أمى، بالله عليكِ تسيبينى فحالى أنا ومراتى
إنتبهت صفيه وإتسعت حدقه عينها إندهاشاً قائله
_وهو أنا عملتلكم إيه
_من 16سنه سلطتِ عليها ستات تضربها فالسوق وتدشدش عضمها ومش بس دا حصل، أنا مراتى كانت حامل
ونزفت لحد الموت وكان لازم نشيل الرحم وإلا كانت ماتت
ودلوقت.. فيه رقم من الفيلا هنا ب اسم مُنيره، شغال يكلمها ويبعت لها جوزك متجوز جوزك مخلف
عاوزة إيه يا ماما منى، عاوزة إيه تانى أموتها ولا أطلقها..
هنا كشفت صفيه عن أنيابها وقالت بتحدِ وجبروت عهدها القديم
_ماتموت هى ولا تغور فداهيه، هى خدتك منى وبعدتك عنى يبقى تستحمل وتمشى بعيد عننا بقا
حرمتنى من أغلى ولادى القادرة
غضب قُصى مماسمع من والدته بكلمات تنعت بها زوجته الغائبه عن مجلسهم والتى لم تصنع به غير المعروف
ف أردف لها بضيق
_دى مراتى يا ماما، ومحبش تقولى كدا عنها.. وعزة مخدتنيش منك
ولا خطفتنى، أنا جيت هنا وقولتلك هتجوز ها وهفضل معاكِ وتحت جناحك أنتِ وبابا
حضرتك الل موافقتيش
_رايح تجيبلى بنت من الشارع لا ليها أهل ولا أصل ولا فصل وعاوز تتجوزها هنا فبيتى وكمان
عاوزنى أوافق، طبعاً عمرى م هوافق
_وعزة بقت مراتى من 16سنه، وعمرى م هسيبها وبسبب الل حضرتك عملتيه فيها وهى متعرفهوش
هفضل معاها لآخر يوم فعمرى، لكن الل طالبه منك دلوقت
تبعدى عنى بقا وتسيبينى عايش مع مراتى فسلام
دا فعلا.. أنا أحب ولادك ليكِ وعاوزة الل باقى منك ومنى يفضل كويس
أدار ظهره وهمّ بالإنصراف، فقالت هى فى تعنت وكبرياء
_مش هتنتصر عليّا بنت الشوارع يا قُصى، وهترجع.. هترجع يا قُصى!
مضى قُصى كأنه لم يسمع شيئاً وظلّ على تمسكه ب عزة، على عهد حُبه كما هو.
`~`~`~
فتحت وئام باب شقتها تقوم ب توصيل أختها مها إلى باب المنزل بعدما جلست معها قليلاً وحان وقت الرحيل
_متقطعيش بيا يا مها وتعاليلى تانى
قامت مها بعناقها مطولاً مع قولها لها
_كُل م الاقى سكه زى كدا هجيلك يا ئمئم، سلام يا حبيبتي
همت مها بالهبوط على الدرج فقابلت صاحبه العقار الذى تقطن به وئام من الواضح انها كانت صاعده ايضاً، صافحا بعضهما البعض ف وقفت وئام لم تغلق بابها حتى تمر السيده ولكن اتضح أن السيدة كانت صاعدة فى زيارة إلى وئام خصيصاً..
رحبت بها وئام وأدخلتها المنزل، أعدت كوبان من الشاى المتساقط بداخله ورق النعناع الأخضر.
جلست السيدة وجلست وئام وبدء الحديث
_إزيك يا بنتى، أنا كنت قاعده وحدى قُلت أما اطلع اتساير مع وئام شويه وجبتلك طبق بلح الشام ولاد ابنى بيحبوه من ايدى
إبتسمت وئام وشكرتها على ما أتت به كضيافه، أردفت لها السيده بعدما إحتست من كوب الشاى
_العماره ساكن فيها استاذ ايوب وقاعد وحده بعد وفاة مراته الست الطيبة ام محمود
والعرايس الجداد الل جم من شهرين دول، وانتِ، قلت مبدهاش بقا اطلع اتفك معاكِ م انتِ زى بنتى
ولا انا مضيقاكِ؟
إبتسمت وئام بلطف وقالت
_بالعكس، حضرتك منورانى انهاردة أجازتى وأنا كمان قاعده وحدى
_متأخذنيش يابنتى فالسؤال، قاعده لوحدك ليه دا كله انتِ ماشاءالله حلوة وصغيرة
وألف من يتمناكِ، والله بكلمك زى بنتى أوعى تزعلى منى
رقت السيده لحال وئام ف تغيرت ملامح وئام إلى الضيق قائله بنبرة صوت حزينه
_حتى لو اتجوزت تانى ي خالتى هتطلق زى الاولانى
_ليه يابنتى كدا! كفالنا الشر متفوليش
_مش بفول ي خالتى دى الحقيقة، انا عندى عيب خلقى فالرحم يخلينى مخلفش
ومولوده بيه وله علاج طويل عشان ينفع.. ف الل هييجى ويتقدم هيعرف دا ف هيمشى
وعلى إيه، أنا كدا أحسن من البهدله
بشتغل وبصرف على نفسي، ومبعده دماغى عن وجع الدماغ وقرف الناس وكلامهم
صمتا الإثنين، ف قالت لها السيده بحنو
_بُصى يابنتى، أنا هكلمك لمصلحتك.. لو جالك حد متقفليش بابك
قوليله على الل فيكِ وان شاء الله هييجى واحد ابن حلال ياخد بإيدك ويعالجك وتبقى زى الفل
وتعملى أحلى بيت وعيله أن شاء الله
إبتسمت وئام فقالت السيده لها تمازحها
_بقولك ايه، كوباية الشاى بتاعتك حلوة وتعدل الدماغ
اعمليلى واحده كمان
قالتها ضاحكه ثم تابعت بحديثها
_زمانك بتقولى إيه الست الرخمه دى، وبتطلب كمان
ضحكت وئام ونهضت تصنع الشاى قائله
_لا طبعاً بالهنا والشفا ي خالتى انتِ تؤمرى
دلفت وئام ووضعت الماء يغلى على الموقد وأخذت تفكر فيما قالت السيدة حينها أتى ببالها باسل.
باسل الذى كان جالس بمفرده يعزف مقطوعه حزينه بشُرفه منزله ناظراً نحو شقة وئام القديمه التى بجانبه.
يتمنى لو الزمن يعود للخلف ولا يفعل مافعله مرة أخرى من الواضح أنه قد تمكن الندم منه وعلم حقاً بشاعه ما إقترف بحق وئام.. وفى إنتظار ردها.. او مكالمتها، ولكنه حِلم بعيد الحدوث.
`~`~`~
تجود على قلبي حينًا، وتنغزه بالنسيانِ حينًا آخر،
ورغمَ غلق جميع نوافذه، ما زلتَ تتسرب إليه من ثقب تركته لك قصدًا.
طبق من المعكرونه ب_الصوص_الابيض وبجانبها طبق من اللحم المقطع شرائح مطهو على البخار..
كانا مقدمان أمام مايا ورائد ب أحد المطاعم بعدما تم الصُلح بينهما أخيراً بمساعده قوات خارجيه ك والدها ووالدتها..
شرعا الاثنين فى البدء لتناول طعامهم، فسمعا شجار قائم بالطاولة التى بجانبهم بين الفتاة والفتى اللذان كان يجلسا عليها..
ما كان يدور بينهما من قذف بعضهم البعض بالسُباب وإتهام الفتاة الفتى ب أنه خائن وشخص غير موثوق به
وأنها ليست المرة الأولى، ضحكت مايا بسخرية وهى تتناول طعامها ف فهم رائد علامَ تدل ضحكتها هذه
فقام بسؤالها
_بتضحكِ عشان قالتله ديل الكلب عمره مابيتعدل؟!
رفعت مايا بصرها عن الصحن وقالت له ممسكه بالسكين
__عارف يا رائد، أكبر مُشكلة لينا ك بنات الخيانه.. بنحس فعلاً وقتها ان إحنا مش ماليين عين المرتبطين بيه ولا حتى فارقين معاه، هحكيلك موقف
زمان.. أيام الكُليه أنا ارتبطت مرة، الشخص دا مش عاوزة اقولك يارائد حُب وغرام وهيام وجوابات ومكالمات وهدايا، وطبعاً كُنت صغيرة أوى ف كنت مبهورة أوى
الشخص دا قولتله اوعى تخوننى، قالى مستحيل
المشكلة بقا أن الشخص دا كُنت كل م نخرج سوا يبص عالبنات، يبص على الرايحه والجايه والقاعده والواقفه
وكأن الل معاه دى ديكور ولا ليها أى لازمه، وكان مثلا يقولى شايفه البنت الل هناك دى
طلقه.. البنت دى مش عارفه فورتيكا
إبتسم ثغر رائد الجانبي وهو يتناول طعامه قائلاً لها
_مايمكن بيثير غيرتك
_لاء دا كان طبعه، حتى وانا مش معاه.. ودى الحاجه الل خلتنى اسيبه
عشان عينه مش ماليانه بيا حتى لو كُلى عيوب.. مدام إختارنى يبقى يكتفى!
تعمق رائد النظر بها ب عشقه المعهود وأردف
_حيوان.. عشان تكون معاه النعمه دى ويبص لغيرها ولاحتى يقارنها
إبتسمت مايا وأردفت له إثر إلتهامها طعامها
_اللى فات سامحت عليه يا رائد، بس الل جاى مفيهوش تهاون، أى حاجه تيجى ناحية كرامتى
مش بتهاون فيها
ترك رائد السكين من يده، ومرر أصابعه يلامس كف مايا المنبسط على الطاولة
وأردف لها
_انتِ أغلى حاجه فحياتى يا مايا، وأنا مستحيل اضيعك من أيدى مستحيل!
`~`~`~`~
_أنا هضيعها!
قالتها روز بصوتها الضاحك ف أردف لها مصعب
_هتضيعى ايا يافقرية
_هضيعلك فكرة ان الفلوس الحلال بتخلص بسرعه اصبر بس عليا، تعالا نشوف هناكل إيه
أمسكت روز بقائمه الطعام الورقية وهمت بالقراءه ومصعب ممسكاً ايضاً بالقائمه الأخرى
_بيكاتا بالصوص والمشروم!
كانت تقرأ روز قائمه الطعام بصوت عالِ وتوقفت عند هذه الوجبه ف أردف لها مُصعب
_خلاص نطلبوا دى
_لالا، مش هتبقى حلوة.. دا انا بعمل اجدع منها
حدق مصعب بقائمه الطعام وأردف لها
_يبجى ناخدو دى، لحم الدنت تت.. وو بفلو سوس شوش، ايا دى وكل ديتى ولا تعاويذ!
إطلبي انتِ يافقرية راسى إتجلبت
قامت روز بمناداة النادل وطلبت الطعام لهما ورحل، فقالت هى لمصعب
_على فكرة، أنا اكلى لايعلى عليه، ولا الشيف شربينى ولا تقول مطاعم ولا دياولو
أمال مصعب بجذعه على الطاولة وأردف لها مداعباً إياها
_طب م تدوجينا يابوى، ماهو الايدين العسل دى اكيد بتعمل عسل
_خلاص مرة هعمل غدوة ونروح مثلاً الازهر بارك وناكل هناك
رفع مصعب شفته العلويه وأردف ممتعضاً
_الازهر بارك! طالع رحلة للإهرامات أنى مع مدرسة الاعدادى!
يابوى أجيلك أنا البيت وناكلوا وننبسطوا سوا
قالها لها ثم أتبعها بغمزة من إحدى عيناه، فإبتسمت روز بإصفرار قائلاً لها
_ومالو، وبعد الاكل اعملك شاى وتدخل تريح جوا ف الاوضه لو عاوز
كشف مصعب عن صفى اسنانه بطريقه بلهاء وأردف
_ياسلااام دا تبجى أومى دعيالى صوح
طرقت روز بقوة على الطاولة أمامها وأردفت بصرامه بعدما تغيرت ملامح وجهها
_فوق من الحلم!! م أصلها وكاله تيجى وتاكل وتريح.. أقسم بالله م اتلميت يا مُصعب
فاكر البوكسين الل فاتو، دول كانو مسح زور.. هتلاقينى مش عارفه اعلم عليك فى أنهى منطقه فجسمك بعد كدا
نظر مصعب حوله ولوح لها بيده
_م خلاص يابومه خلاص يافقرية، مكانتش كلمه نجولوها بهزار، أنا والله م عاوز اتجل عليكِ
سمعتيش انتِ عن الراچل الصعيدى، ضربه واحده من كف يده تقسمك نصين والله
حدقت روز به مطولاً مع رفع أحد حاجبيها فتابع هو مُتنحنحاً
_يعنى مش اقسمك انتِ اقسم أى حد يعكر مزاجى، لكن انتِ رزة العسل
يابووى عالعفاشه الحلوة ياناس.. جرد أبيض!
اتى الطعام وانزله النادل، فقالت هى له تحثه على البدء فى طعامه
_طب إخلص واطفح عشان نشوف شغلنا الراجل هيقابلنا كمان ساعه
_ايوة هيجابلنا يدي كل واحده فينا ٤٠چنيه وتبجى إتعشت.. توب علينا يارب من دى شوغلانه
_ماتطفح وانت ساكت
_أهو يابوى أهو أهو چاكِ تعلب ينغچلك نغچيل
`~`~`~
نبيل وديانا ووالدة ديانا، كانا يتجولان بشقه تحت التشطيب يروها أن كانت مناسبه لشرائها وتشطيبها
بالمبلغ المالى التى قدمت عليه كقرض شقيقه نبيل حتى يتم دفعه ك مقدم للشقه.
ديانا كانت تتجول سعيده بين هنا وهناك، بينما كانت والدتها تزمت شفتيها تارة.. تمط شفتيها تارة
تطرق كفاً ب كف تاره.. كل هذا اثناء تجولها ب أنحاء الشقه.. لاحظها نبيل ف أردف لها
_فيه حاجه يا طنط؟!
نظرت له السيده من أعلى لأسفل ب إختناق ولم تجيبه ف أردف هو
_هو أنا شفاف وللا إيه
هنا هرولت ديانا كالاطفال عليه وأمسكت يده تجّره إلى أحد الغرف قائله
_بلبولى بص، الأوضه دى نخليها لينا.. والتانيه صغننه نخليها للبيبهات
وفالصاله نعمل..
قاطعتها والدتها قائله
_مالك فرحانه وطموحه اوى كدا، الشقه صغيرة أوى عليكم وعاوزة توضيب كتير
إمتعض نبيل بشفتيه قائلاً
_قصدك الشقه صغيرة عليها هى يا طنط، متقلقيش هنفتح الباب وندخلها بالعرض
_إنت بتهزر! الشقه فعلاً صغيرة وللا إيه رأيك يا ديانا؟!
تأففت ديانا وأردفت لها بنبرة تستعطف إياها
_يووه ياماما هى شقه محندقه وحلوة وأنا مبسوطه بيها وعلى أد فلوس بلبولى
قامت والدتها بمصمصه شفتيها إعتراضاً وأردفت حنقاً
_بلبولك دا إيه، متبقيش مدلوقه كدا الشقه صغيرة وهتخنقك خصوصًا بقا لو خلفتوا
إلتفت نبيل ناحيتهما واضعاً يده فوق الاخرى ناحية بطنه قائلاً
_خلاص خلصتوا، يا طنط أنا ظروفى مقندله والفلوس الل معايا متكفيش أنى اشوف شقه أكبر
وهى موافقه ليه بقا الزن
رفعت السيده حاجباها قائله
_زن! أنا بزن يانبيل؟! طب إسمع بقا ياتجيب شقه كبيرة وكويسه
يا تعتبر الخطوبه مفسوخه
أمسكت يد ديانا وجذبتها للخارج تدفعها بينما كانت ديانا معترضه وتحاول أن تقوم ب إفهامها
ولكن صممت السيده فرحلا سوياً، وقف نبيل مكتوفى الأيدي ينظر ناحيتهم مُتحدثاً إلى نفسه
_أنا كُنت عارف أن الل زيي مينفعش تمشيله سكه، لو مشيت لى حاجه لازم يبقى فيه حاجه غلط
الدنيا ماشيه وهوب لاسعه مكواه فقفا الواحد
نظر نبيل ل أعلى وأردف بقلة حيله
_آبانا الذى فالسماوات... ااااه
`~`~`~
أقسمت أنكِ مختلفة، راهنت على اختلافك وتميزك، تحديت الجميع بكِ وقبلها تحديت ذاتي بكِ، مُتحدثاً الى نفسي دائماً بأنكِ الأمل.
_كدا كل حاجه إتجهزت وهتبدء دعاية التليفزيون صح؟!
سألت زاد والى بعدما رأت الفيلا مُجهزة بالكامل على الحاسوب النقال لدى والى، ف اغلقه والى وأردف
_على طول هنبدء.. متشغليش بالك يدوب بس انا هقعد كام قاعده مع مُعد البرنامج ونبدء الحملة الاعلانية
هتبقى كارثه من الجمال.. حتنبهرى
إبتسمت زاد غى خفوت ف أردف والى لها متسائلاً
_هو ليه كل تعابيرك ي آنسة زاد بهدوء ب همس ب صمت كدا
مفيش بس غير لو الاستاذ ذكى مطر موجود، بسمع صياح بقا وايوا يا ذييكووو وبتاع
ضحكت زاد وقالت له وهى تعدل من انسياب شعرها للخلف
_ياعم انا شخصية صامته وموبايلى صامت
ومشاعرى صامته ونظراتى صامته، دا حتى مصايبي صامته!
فعر فاه والى وشبك يداه ببعضهما البعض بعدما أنحنى بجسده على يده للإمام مُنتبهاً لها
_مصايبك صامته! لا أفهمها دى.
ضحكت زاد بشده وقالت له تتذكر شيئاً
_هقولك موضوع محدش عارفه خاالص
اشار والى لها ب أريحيه قائلاً
_فى بير
شبكت زاد يداها ببعضهما تفركهما وهى تتذكر وتقول
_ من صُغرى وأنا قريبه من عمو ذكى كدا، فهو له قصه كدا بعدين تبقى تعرفها
المهم قصه حب عميقه أوى أوى وانتهت بالفراق
وانا صغيرة كُنت اسمعه وهو بيحكيلى على أساس انى مش فاهمه
بس انا كنت فاهمه، المهم باباوماما كانوا جايبين له عروسه
وروحنا بقا وخدونى معاهم، وهو مكانش مدى وش للعروسه نهائى
ف المهم هو راح التويلت.. روحت أنا طلعت عالكرسي
ووشوشت العروسه قولتلها عمو ذكى مش بيحبك هو بيحب بنت تانيه اسمها هيام
ومش هيتجوزك وجه بعد م بابا زعل منه لو مجاش
ضحك والى بشده يُخبأ عينه بيداه غارقاً بموجه ضحك هيستريه، ف استطردت زاد حديثها
ووجهها مُبتسم بعفويه
_بس ياسيدى العروسه قامت وانهارت وعيطت والجوازة باظت ولحد الآن محدش عرف ان الزئرده زاد هى السبب ولا حتى عمو ذكى..
_إنتِ مُشكلة بجد
ضحكت زاد ف سكت والى عن الضحك وأردف لها متمعناً بوجهها
_مشكلة وجميلة كمان.. جميلة أوى!
تلعثمت زاد وإبتلعت ريقها وتصنعت الانشغال بشئ آخر وامسكت الهاتف
_هكلم عمو حالاً اقوله الاخبار الحلوة دى، هو مُتحيز للفكرة بشكل انت مش متخيل إزاى
أدارت ظهرها له وتصنعت إجراء الاتصال وتنفست الصعداء بعمق ومن ثم إبتسمت وهو من خلفها يتابعها النظر مُبتسماً.
~`~`~بالفصل القادم`~`~`
_ماهو لو الراجل يعامل الست على إنها طفلة والست تعامل الراجل على إنه عنده مُشكلة ذهنيه
كل مشاكلنا العاطفيه هتتحل والله!
.....
`~`~`~`~`~`~`~`~`~`~`
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية ميكاتوا الفصل السادس عشر 16 - بقلم نور اسماعيل.
إتفضلي يا آنسة زاد.
قالها والي يدعو زاد للجلوس بمكتب مُعد البرامج التليفزيونية الأستاذ حمدي فرغلي.
جلست زاد جلستها المعهودة واضعة ساق على الأخرى مع ابتسامتها المتحفظة. أما عن والي فكان ينتظر ردود الأفعال بالنظر إلى كليهما، فبدأ المُعد الأستاذ حمدي بفتح الحديث:
منورة يا آنسة زاد، إن شاء الله هيبقى تعاون كويس ما بينا.
تقدر تحس بأكبر انتصار في حياتك يا حمدي، أنت في حضرة أصغر وأشطر منتجة ورئيسة مجلس إدارة في مصر ويمكن الشرق الأوسط كله.
خبأت زاد ضحكتها مع ظهور عينيها مُبتسمتين وأردفت:
المخرج بتاعنا مُبالغ حبتين بس.
بالعكس أنا بقول الحقيقة.
هز المُعد رأسه قائلًا:
طيب ندخل في الشغل، فكرة البرنامج رائعة.. والطريقة بالتاتش الغربي حلوة وجذابة.
بالنسبة لشغل آنسة زاد كإنتاج هيبقى التمويل كبير. والإعلانات، اختيار القناة برضه مناسب جدًا خصوصًا إنها أكثر قناة فضائية بتحقق أعلى نسب مشاهدات.
بالنسبة للإخراج.. متأكد إن والي عبد الحميد هيطلع حاجة عظيمة، الرؤيتين والخبرتين دول لما يجتمعوا وتلاقوني كمُعد برامج مخضرم من الدرجة الأولى.
ابتسمت زاد من شكر المعد بنفسه بطريقة هزلية وظلت تستمع إليه هي ووالي.
التوليفة دي هتعمل حاجة هتولع الدنيا، دلوقتي إحنا واقفين على الحملة الإعلانية وطبعًا هنبدأ أول ما نرسي على اسم البرنامج أو المسابقة.. فكرتوا في اسم؟!
قالها المُعد مشيرًا بعينيه إلى كليهما، نظر والي ناحية زاد يقضم على كلتا شفتيه ويحرك رأسه بتساؤل، فهمت زاد بالقول:
هو عمو ذكي كان قال مفتاح اختيار الثنائيات هيكون للي بيشربوا الميكاتو، فإيه رأيكم لو سميناه ميكاتو؟!
رفرف والي بأهدابه ناظرًا نحو المُعد فأردف حمدي المُعد واضعًا سبابته على فمه يفكر:
ميكاتو.. هو كويس بس مش واو.. خلينا نفكر باسم خاطف اسم رنان. وبعدين الاسم كأننا بنغشش الثنائيات مفتاح اللعبة.
ضحكت زاد من بلاهة الفكرة فتطرق والي إلى فكرة خطرت بباله للتو:
عاوزين اسم بيرمز للحب، يعني تجميعة حب.. تجميعة عشق.. حاجة في المود دا.
شرد المُعد ومن ثم أردف بعد مرور دقيقتين:
أنا حابب فرقعه، تعالوا ندخل اسم الشركة المنتجة في الاسم.
عقدت زاد حاجبيها باندهاش قائلة:
مطر!
هز حمدي رأسه بالموافقة وأكمل:
بالظبط، مطر.. مطر حب، مطر العشق، مطر الغرام.
ما نسميها حاجة ألطف ومش مباشرة؟!
قال والي الأخيرة فصمت زاد وحمدي ليطرق بإصبعه طرقة قائلًا:
مطر وردي!
ابتسم حمدي أعجبته الفكرة، وتعمقت زاد بالنظر نحوه ليقول والي:
اللون الوردي أو الأحمر بيرمز للحب، وبما أن مطر أحمر هيبقى اسم صعب على المسامع أو التخيل، يبقى مطر وردي أفضل وأشيك.
قام حمدي بطرق ركبة والي بقبضة يده أي إنه موفق باختيار اسم البرنامج، أما عن زاد فصنعت له بإصبعيها علامة أنه قد أصاب الهدف!
وبعدما انتهى اجتماعهم خرجت زاد بصحبة والي، وهمت للدلوف إلى سيارتها فأوقفها والي:
عندك حاجة بالليل؟
توقفت زاد على باب سيارتها وفكرت ثم ردت:
لأ ليه؟
أنا رايح حفل زفاف البلوجر المشهورة نيفين برواس، إيه رأيك تيجي معايا؟
تعجبت زاد من دعوته إياها خصوصًا أن ما يجمعهما هو العمل فقط، ولكن ما المخاطرة إذا، فلتذهب وتجرب حياة جديدة خارج العمل والمنزل!
ابتسمت وأردفت له:
هأشوف وأكلمك.
لا لا لا، تكوني جاهزة على 8 مساءً وتلبسي أشيك فستان عندك سواريه، وأنا هعدي عليكي يا برنسيس زاد شافع مطر.
ركب والي سيارته بعدما غمز لها بإحدى عينيه ومضى بسيارته من جانبها بينما هي متوقفة مشدوهة أمام تصرفاته وقلبها يدق فرحًا، دقات غريبة الأمر عليها ولكنها تبدو جميلة وإحساسها رائع.
أتى المساء.
كانت زاد في حيرة لأول مرة من أمرها، هي لم تعتد الحفلات، ومثل هذه خاصة.. حفلات المشاهير. الكثير من الكاميرات الكثير من الصحف والصحفيين والمجلات!
مئات الآلاف من الأعين، ولكن من الواضح إنها رغمًا عنها انجرفت بهذا العالم وأصبحت واحدة منه بعد إنتاجها لهذا الإنتاج الإعلامي الضخم.. مطر وردي!
بعد مكوثها أمام الخزانات بغرفة تبديل الملابس لساعات، تبحث وترى وترتدي وتجرب هذا وذاك، حتى استقرت، طرأت ببالها فكرة.. لِمَ لا تغير تصفيفة شعرها المعتادة منذ سنوات؟!
قامت بالاتصال بإحدى مصففات الشعر بأحد الصالونات الشهيرة وعلى الفور حضرت لها لتكون بعد ساعة تتألق زاد بشكل جديد عليها تمامًا.. طرقت باب غرفة عمها ذكي لتراه يقرأ بأحد الكتب فقام بغلقها وتمعن النظر بها ليقول بنبرة محبة وسرور:
إيه الجمال دا كله.. على فين التألق دا وكأنك نجمة من نجمات التليفزيون؟
بجد يا ذيكو؟!
قالتها زاد بنبرة متوترة ليجيبها ذكي بثقة:
اللي يقول غير كدا أعمى، مخبية كل الجمال دا فين بس.
هزت زاد رأسها يمينًا ويسارًا ومن ثم جلست بجانبه تداعبه بيديها قائلة:
أهو في الشركة والشغل والدوامة دي.
ربع ذكي عينيه لها بعدما أخفض النظارة الطبية من عليها وأردف لها:
ما تخليش الشغل يشغلك ويسحب عمرك من غير ما تحسي، خلي فيه وقت تعيشيه لنفسك يا زاد. عمرنا بيتقاس يا حبيبتي بساعات الفرح وبس.
قبلت زاد رأس ذكي وبعدها سمعت هاتفها يرن، فهرولت سريعًا بعدما أشارت لعمها وداعًا، استقلت المصعد حتى نزلت للبهو الخارجي وحتى خارج القصر لتجد والي متألقًا ببذلته السوداء وذقنه وشاربه المهذبين، وتصفيفة شعره المميزة.
كان واقفًا يربط زر الجاكيت وتقدم نحوها بخطوات واثقة وبسط يده لها فوضعت يدها وهي تضحك ليقبلها بهدوء مع قوله:
برنسيس.. يلا بينا.
ابتسمت زاد وصعدت السيارة وانطلقا، وصلا الحفل كانت الأجواء غير معتادة على زاد لكن هو المعتاد بالنسبة إلى والي.. أقبل الكثيرون إليهم يرحبون بهم وبالأخص والي.
حتى انصهرا وسط صخب الجمع، الرقص الأغاني التصوير، هناك وجه آخر من والي ذاك الواثق بنفسه الجاد بعمله، يرقص ويغني ويداعب أصدقاءه.. يعطي لوقت المرح مرحًا والجد جد.
كانت تراقب ردود أفعاله مع مراقبة الأجواء أيضًا، فلاشات الكاميرات تضوي وتخفت من حولها، صوت الموسيقى والأغاني عالٍ جدًا.
يا ريت الكابلز اللي هنا يشاركوا العروسين فرحتهم بالرقصة دي.
عزفت مقطوعة هادئة ورومانسية، تقدم والي ليدعوها لها فشعرت زاد بالإحراج مع قولها:
ما ليش في الرقص، وبعدين إحنا مش كابل.
بس إحنا جايين سوا، وأنا حابب أرقص الرقصة دي معاكي.
نظرت له زاد بارتباك قائلة:
ما تشوف أي بنت من صاحباتك دول، أنا مش هأعرف بجد.
دقق والي النظر بعينيها اللامعتين وأردف وكأنه يتحدث صوب قلبها مباشرة:
بس أنا مش شايف حد منهم، شايفك أنتي معايا على الأغنية دي، يلا.
قامت معه مشتبكة أيديهما ومن ثم أحاط هو بذراعيه خصرها وهي أحاطت رقبته برفق يديها، كانت متوترة تنظر هنا وهناك فلاحظها والي:
ما لكيش دعوة بحد، خليكي معايا.. قولي لي هي دي أول مرة ترقصي فيها مع حد؟
ابتسمت زاد وأردفت:
أول مرة أرقص في حياتي مش مع حد وبس.
وإيه إحساسك؟
إحساس حلو، كأني معزولة عن العالم.
حاسس إنك مستغربة الجو، عاوزك تاخدي عليه لأنك خلاص بقيتي واحدة منهم.
تنهدت زاد مع قولها له:
مش حاسة إني شبههم عشان أنصهر جواهم، في النهاية كل حد وله شغله.. كل شيخ وله طريقة زي ما بيقولوا.
أنتي فعلًا مش شبه حد منهم، أنتي ما لكيش شبه أساسًا.
انتهت المقطوعة مع الرقصة وعاد الجمع للصخب من جديد، وعلى هذا النحو حتى شعرت زاد بالدوار فطلبت من والي الرحيل وهو لبى طلبها على الفور، فقام بتوصيلها بسيارته إلى القصر كما أتى بها.
تصبح على خير، وكانت سهرة حلوة.
أحلى ما في السهرة هو أنتي يا زاد.
قالها بشكل مباشر هذه المرة، تنحنح ليعيد صيغة حديثه قائلًا:
آسف لو قلت زاد من غير آنسة بس.. بس شايف إن التكليف بينا مش لطيف. ولو ضايقتك مستعد أرجع التكليف ثاني لو حابة.
هزت زاد رأسها قائلة:
خلاص ما فيش مشكلة.
همت زاد بالنزول فهرول هو ليهبط من ناحيته ويقوم بجذبها للخروج من خلال مسك كف يدها فأردف لها:
ينفع أكلمك قبل ما أنام؟
توقفت زاد شعرت بأن أنفاسها لاهثة، لأول مرة بحياتها تتعرض لهذه المواقف المتتالية. ومن ثم أردفت:
ليه؟ فيه حاجة بخصوص البرنامج؟
شعر والي بالإحراج ومن ثم أردف لها:
لأ.. لأ خلاص ما فيش حاجة.. تصبحي على خير.
ابتسمت زاد ودلفت إلى القصر، وما إن غاب عن نظرها واستقل سيارته ورحل، تراقصت هي دون إرادة منها، هائمة تتغنى بأغنيات عبد الحليم حافظ مثل التي يسمعها عمها ذكي، حتى وجدته أمام حوض السباحة جالسًا يستمع لإحدى الأغنيات فجلست قائلة:
مساء الخير يا ذيكووو.
نظر لها ذكي مطولًا مع قوله:
مساء النور يا حبيبتي، انبسطتي في الحفلة؟
أخذت زاد نفسًا عميقًا ومن ثم أخرجته زفيرًا بطيئًا قائلة وهي تنظر إلى السماء من فوقهم:
قوي يا ذيكو قوي، قولي بقى إيه اللي مصحيك لحد دلوقت؟
مستنيكي.
أخذت الدوا؟
هز رأسه ذكي بالنفي، فهرولت زاد من مجلسها لتجلب العقاقير الخاصة به وهي تردف:
ما تحكي لي يا ذيكو الحب ابتدأ بينك وبين هيام إزاي؟
شرد ذكي بعالمه الخاص، عالم قلبه الخفي وأردف بنبرة تملأها الشوق الحزين:
ابتدأ زي ما انتهى يا زاد.. بإحساس مني ومنها، إننا ما ينفعش نكمل من غير بعض.
*عودة للماضي*
صوت طرقات على باب المنزل، صوت طرقات عدة كأن صاحبها أصابه الهلع.. يجرى ذكي ليفتح الباب فيرى هيام أمامه مرتدية فستان زفافها الأبيض بيوم عرسها باكية مع قولها:
ذكي أنا هربت يا ذكي، هربت منهم..
يلا نتجوز دالحين.. دالحين يلا.
احتضنها ذكي بقوة ومن ثم أردف لها يمسح عينيها الباكيتين ومساحيق التجميل التي شوهت وجهها بفعل البكاء والتوتر.
_ هيام، إزاي تهربي من فرحك.. أبوك أكيد بيدور عليك ومش هيسيبنا في حالنا.
_ يحصل اللي يحصل، يلا نتجوز أنا أريدك زوجي رغماً عنهم كلهم، أنا روحي فدوى روحك يا ذكي ما أقدر أعيش بدونك لحظة.
إثر تحدثهما دلف عريس هيام ووالدها وأشقاؤها ووالدتها، فهرعت هيام لتقف خلف ظهر ذكي تختبئ، فأردف والد هيام:
_ إنت هنا؟! كنت حاسس إنك عند الخسيس دا، يلا معايا من سكات كفاية فضايح.
ترجلت والدتها تجرها من شعرها مع قولها:
_ شنو الفضايح اللي تبي تسويها لنا أكثر من كذا، يلا على عرسك، والله زوجك لو يبي بعد اللي عملتيه يقتلك هنتركه يسوي اللي يسويه فيك.
_ يا يومااا حرام عليكم.
وقف ذكي أمامهم يحاول تخليص هيام منهم ولكن بدون جدوى، فأردف إلى والدها:
_ لو كنت وافقت على جوازنا وقت ما جيت واتقدمت لك ما كان حصل كل دا.
نظر والد هيام إليه نظرة تطير الشرر.
_ عاوزني أجوز بنتي لصعلوك كان يشتغل عندي سائق! حتى لو أصبحت ملايين الدنيا عنده بنظري بيفضل صعلوك كان ينتظر مني الريالات أرميها له على الأرض مش أعطيه بنتي.
مضى والد هيام بعدما صفع ذكي بكلماته، واختفت هيام للأبد بعدما زوجوها رغماً عنها، وترك ذكي السعودية وعاد إلى مصر لينمي عمله ويصبح ما هو عليه الآن بعقل فقط دون روح أو قلب.
~~~
صدئت على باب انتظارك أحرفي، يا أيها الحلم الذي لم يُنصف.
وأنا على قيد اللقاء مُعلق، وأنت لا تبدو ولست بمختفي!
في جلسة لنبيل مع عائلة ديانا لمحاولة فض النزاع، يريدون فض الخطبة وديانا متمسكة، بل والأحرى تمسك نبيل هذه المرة.
_ يا عم رأفت أنا جيت واتقدمت وكنتم عارفين ظروفي، ومضحكتش عليكم في حاجة.
ما قلتش مثلاً على أخر الشهر هكتشف إن خالي نجيب ساويرس ولا يوم هصطاد سمكة ألاقي في بطنها أوضة نوم وشاشة LCD.
رمقه والد ديانا حنقاً مع قوله:
_ يا شيخ بالذمة مش مكسوف من نفسك، سنتين وشوية خطوبة ورايح تجيب شقة قد علبة الصلصة.
وكمان فلوس سلف من أختك ولسه أقساط ولسه العفش اللي لحد دلوقت حضرتك مش عارف هتجيبه منين.
كان ينظر نبيل ناحيتهم باختناق والتفت ناحية ديانا مردفاً:
_ شايفة أهلك، يعني أبوك اللي بيتنطنط دا مش أنا اللي جريت عليه ودفعت اللي معايا عشانه.
نسي دلوقت.
استمعته ديانا وأردفت:
_ يا بابا لو سمحت، أنا مش عاوزة أفسخ الخطوبة ومتمسكة بنبيل وعاوزة أكمل معاه.
والشقة حبيتها موت.
قامت والدتها بلكزها في قدمها مع قولها:
_ يا شيخة اتلهي، أنا عارفة متمسكة بيه على إيه.
نظر نبيل ناحية والدة ديانا قائلاً:
_ معلش يا طنط هو أنا لما جيت أتقدمت لديانا كنت شبه كاظم الساهر ودلوقت حمو بيكا ولا إيه مش فاهم!
_ قصر الكلام، ديانا متقدم لها من فترة عريس أي بنت تحلم بيه.. وانت سنتين واقف مكانك محلك سر ومش بتتحرك وهتضيع بنتي معاك وسنين عمرها هتضيع وياك وكدا كدا انت مش فارق لك كسرت الأربعين وعادي.
إن شاء الله تتجوز على ٥٠ سنة حتى بس وبنتي مش معاك!
قالها والد ديانا بصرامة، فنظر نبيل لهما ونظر ناحية ديانا مع قوله لها وهو يقوم بخلع خاتم الخطبة من إصبعه:
_ على فكرة أنا كنت بدأت أتعلق بوجودك في حياتي، بس هما مش راضيين.
وأنا أكثر من كدا مش قادر، أصلاً أنا عمري ما كسبت حاجة في حياتي ولا هكسب.
ترك نبيل خاتم الخطبة على الطاولة ورحل، فهرولت ديانا باكية إلى غرفتها لتلحق بها والدتها تهدئ من روعها، ويرحل نبيل منكسراً مهزوماً كالعادة.
~~~
_ حلمت بناس بتسحبني للنار وأنا بحاول أشد نفسي ومصممين يسحبوني لحفرة نار كبيرة وكنت بصرخ صاحي يومي مغفلق ومش طايق روحي.
قالها مصعب فأردفت له روز:
_ طيب اشرب العصير هيهديك.
_ شايفاني بقطع في شعرياتي إنت كمان.
_ مش قصدي، بس بفكر في اللي بتقوله.. أعتقد يا مصعب إن لازم ترجع أي فلوس نصبت بيها لأصحابها!
دي رسالة من ربنا.
نظر مصعب لها متعجباً وأردف لها بنبرة سخرية:
_ أمانة إنت آخر واحدة تتكلمي عن الحلال والحرام.
شعرت روز بالضيق وأردفت له:
_ دا ليه إن شاء الله؟!
_ لبسك وشكلك، بتطلعي وتخرجي من غير حساب مع واحد ما تعرفيهوش.
مسلمة بالاسم ولا لابسة تحجيبة ولا حتى لبس طويل يداري الرجلين البيضا دي.
والدراعات اللي كيف الملبن دي، حاطة ٣٠ كيلو بوية على وشك رغم إنك مش ناقصة العسل بيكب منك كب.
وبتسمعي الأذان ولا مرة تقولي لي نروح نصلي مثلاً ولا أخرت الصلاة.
يا شيخة.. وبتجيلي لي حرام وحلال.
عقدت روز ذراعيها أمام صدرها وأردفت له معترضة عما قال:
_ شكلك تعبان في مخك وبتاخد الناس بالظاهر، على فكرة أنا أه كل اللي بتقوله دا بس عمري ما أذيت حد ولا كلت بفلوس حرام ولا عملت حاجة غلط.
أنا نفسي ربنا يهديني بس سايبة باب موارب بيني وبين ربنا أرجع منه، لكن مش قافلة كل حاجة وكأن ماليش رب ولا حساب وعقاب، فكرتني بخازوق قديم كان بيفكر بعقم زيك كدا.
التوت شفتا مصعب قائلاً لها:
_ خازوق كيف قديم يعني؟!
_ واحد كدا، كنت بعت له قفص عصافير نادر النوع جبته له وبعدها يعني كلمة في حدوتة عجبته دماغي عجبته دماغه واتصاحبنا، وبعد فترة طلب مني أغير شكلي.
وأتحجب وأغير طريقة لبسي، وبلاش ميكب وصلاة.
قلت له حيلك حيلك، اللي بيحب حد أو على الأقل بيعجب بحد مش بيغيره بيرضى بيه.
على حاله كدا، لكن ما بياخدش حد من حياته يغيره على كيفه ومزاجه.
_ وإيه حصل؟!
_ عادي فكينا من بعض، أنا محدش يجي يفتكر إنه هيعدل الكون بتاع حياتي على مزاجه.
أنا كدا يا أعجب اللي أعجبه دا وأنا كدا يا يفك مني وبلاش قلبة دماغ.
ضحك مصعب بطريقة هستيرية مع طرق كفي يديه بعضهما البعض، فتعجبت هي لضحكاته المتواصلة هذه فأردفت له:
_ إيه بيضحكك أوي كدا.
_ عادي، عارفة إنت بت مجنونة وفاكه وطجة صح وجطر اللي ما يعجبكيش يغور على طول لسه هنتكلم.
ضحكت روز لتشبيهه وقالت له:
_ أيوه طبعاً، أنا شوفت بهدلة في حياتي بما فيه الكفاية ناقصة كمان حد يطلع عقده عليا.
المهم.. إيه رأيك في كلامي.. هترجع الفلوس للناس؟!
وضع مصعب سبابته برأسها يدفعها للخلف مع قوله:
_ كيف يعني أرجع الفلوسات، ما شافوهمش وهما هيسرقوا شافوهم وهما هيرجعوا.
عشان أسلم روحي للسجن برجليا يا مخلولة.
عادت روز بظهرها للخلف تفكر في الأمر، فعرض تلفاز المقهى إعلام المسابقة بصوت عالٍ جعل كل من بالمقهى يصبح منتبهاً معه من طريقة عرضه.
"إنت وهي، تعالوا.. مخطوبين؟ متجوزين! طيب بتحبوا بعض ومش لاقين فرصة عشان تكونوا سوا للأبد؟
طب بتحلموا بالشهرة! الشهرة ولا الفلوس؟ طب إيه رأيكم في الشهرة والفلوس وتبقى مع شريك حياتك طول العمر؟ مش بس كدا وعربية موديل السنة!
تعالوا تعالوا دا مش لغز.. بتعلن قناة عن بدء مسابقة برنامج مطر وردي للثنائيات، أي كابل ينفع يشترك سواء مخطوبين مرتبطين متجوزين وبتحلموا بفرصة.
بشرط تجاوبوا على شروط المسابقة وتملوا الاستمارة عن طريق اللينك دا.
وأول عشر ثنائيات فايزين عن طريق اللينك هنبعت لهم وهنبدأ المسابقة بعد اختبار صغير مبدئي يحدد مين هيكمل معانا.
يلا نبدأ أكبر وأضخم تحدي ومطر وردي!!"
تمعنت روز بما قيل ومصعب فغمز مصعب لها فلم تتفهم روز إلى ماذا يرمي قائلة:
_ إيه فيه إيه.
_ إيه رأيك!
_ في إيه؟
_ في اللي لسه سامعينه دهوت.
_ إيه اللي لسه سامعينه.
_ يا شيخة اللي يخرب بيت الغباوة، يعني برطمان عسل وبجرة جاك دم في غباوك.
نهض وتركها خارجاً يسبها وينعتها، فلحقت به هي تتفهم أمره تهرول خلفه، وعلى الناحية الثانية كانت ترى مايا الإعلان على مواقع التواصل الاجتماعي فأخبرت رائد هاتفياً قائلة:
_ عاجباني الفكرة.
_ هي فكرة مجنونة فعلاً.
_ إيه رأيك يا رائد، نشترك فيها.
_ نعم!! لا طبعاً دا بيقول لك الثنائيات الفايزة هتعيش في مكان واحد كلهم وكاميرات وحوار أنا إزاي أقبل على اللي هتكون مراتي تعيش مع شباب أغراب وغير كدا ميت مليون متابع بيتابعها ومخزق عينه فيها في التليفزيون.
تعجبت مايا منه قائلة:
_ يا رائد أنا تعبت من عقليتك، هو أنا هكون مش لابسة يعني في البرنامج.. ما هكون بلبسي.
وبعدين بقول لك نشترك مش جايز ما ننجحش ونترفض تعالى نجرب.
تنهد رائد بضيق قائلاً لها:
_ هو أي حاجة نشوفها لازم نطبقها يا مايا، لا مش موافق.
_ يا حبيبي عشان خاطري، هنبقى مشهورين وتريند وفلوس ونتجوز على حساب البرنامج وعربية يا لهوي!
_ إنت خلاص شايفة إننا اشتركنا وكسبنا إحنا كمان المسابقة والعربية والفلوس.
كانت تلامس مايا شعرها بحركة لا إرادية أثناء حديثها معه وقالت:
_ أيوه طبعاً، أصل من الواضح إنها مسابقة حب وعشاق وثنائيات هتكون أسئلة عن إيه يعني.
مشاكل وحلول المرتبطين وبعدين ما هو لو الراجل يعامل الست على إنها طفلة والست تعامل الراجل على إنه عنده مشكلة ذهنية.
كل مشاكلنا العاطفية هتتحل والله!
صفق رائد رداً عليها ممازحاً إياها ليردف:
_ وااااو وكمان بقينا لايف كوتش وهتغلبيني.
_ تربيتك يا كوتش.. ها موافق ولا إيه.
~~~
_ وأنا قلت لاء يا باسل.
جلس باسل بعينين حزينتين أمام وئام مردفاً:
_ على فكرة إنت حتى ما اديتنيش فرصة تسمعيني، اللي بيبقى محكوم عليه بالإعدام بيبقى عنده أمنية واحدة قبل تنفيذ الحكم.. وأنا أمنيتي تسمعيني.
لم يعد هناك سبيل لشرح ما نمر به، فقدنا القدرة وفقدنا الأسباب، أفلت حبال الود ويشهد إني ما أفلتها إلا عندما جرحت يدي وقطعت حبال الوصل فيما بيننا.
_ حاولي تسمعيني ولو لمرة واحدة يا وئام.
تحدثت إليه وئام بصرامة وبجدية مخيفة منها لم تعتد عليها:
_ على فكرة مسلسل خايب منك أوي، جاي تتقدم لواحدة ما تعرفيش أي حاجة عنها غير إنك غلطت في حقها فتصحح غلط بغلط أكبر.
لاء طبعًا! آسفة.
هو أنت عارف أنا اتطلقت ليه؟ عارف أصلًا أنا قاعدة لوحدي ليه؟
فين أهلي؟ في سني الصغير ده إيه مخليني متلطشة كده؟
لاء طبعًا! جاي وعامل نفسك فلانتينو على حساب الحكاية وخلاص وفاكر بطلبك ده أنا هاطير من الفرح إنك هتنتشلني من الضياع ومن سُمعة المطلقة اللي زي الزفت مش كده؟
فكر باسل لثوان وبلل شفتيه ثم تحدث دفعة واحدة:
_أنا عارف كل حاجة يا وئام!
عقدت وئام حاجبيها اندهاشًا وأردفت:
_إيه!!
رأس قُصي كانت تهدأ من حروبها الداخلية مُستريحة إلى أرجل عزة الحنونتين ويديها تمرره على رأسه برفق وهي تستمع له وهو يفضي ما في جعبته يؤلم قلبه وصدره.
_كانت وحشاني قوي، ملامحها، صوتها، حنيتها، بس غصب عني أذتني.
ومش بتحبك ولا عاوزاكِ، والاختيار صعب بينكم.
بس في النهاية اختارتكِ.. أنتِ يا عزة مالكيش ذنب في كل ده.
أنا دخلت حياتك دمرتها.
رفع رأسه لها واستكمل حديثه وعيناه دامعتان:
_أنا السبب في كل التعب اللي أنتِ فيه.
هزت عزة رأسها بالنفي، ليس من السهل الوصول إلى ما نُريد بدون تعب، فالتعب هو أول خطوة في طريق العشق!
_لاء يا قُصي، أنتَ جيت بقيت لي حياة بعدما كُنت وحدي.
أنتَ عمرك ما كنت سبب تعبي.. بس والدتك هتفضل والدتك.
ما تقطعهاش يا قصي.. روح لها وشوفها واحكي معاها، جايز هي عملت المشكلة دي بيننا عاوزة تقربك منها من تاني بس مش عارفة تتصرف، حقها تغير عليك مني.
أنا بعد كل السنين دي أخدتك بعيد عنها من غير ما هي تعمل حسابها حتى، التمس لها العذر.
وأوصلها يا قصي.. عشان ربنا يباركلنا في حياتنا ويرضى علينا.
وأنا مسامحاها.
نظر لها قصي تريد أن تهم شفتيه بالبوح، ففي بعض الأوقات يكون الإفلات ببعض ما في القلب ليس هو الدواء لنا!
_عزة..
_صِلها يا قصي دي أمك وهتفضل أمك.. ويمكن ييجي اليوم اللي ترضى هي عني.
ويتلم شملنا كلنا سوا وأزمة حياتك الوحيدة تتحل يا حبيبي.
أمسك قصي كفوف يداها يقبلها فتألمت هي ما زال ذراعها مكسورًا، فقال هو بصوت عشقه الواضح كضوء الشمس:
_أنا بحبك قوي يا عزة..
ب_كل حاجة بتتعوض ما تزعليش عليها، واللي ما يتعوضش فصاحب العوض موجود!
رواية ميكاتوا الفصل السابع عشر 17 - بقلم نور اسماعيل.
وكأنني تلك الزوايا المهجورة، تلك الشوارع المنقطعة، أنا الأماكن التي هجرها الجميع دون رحمة!
_وعملت إيه لما قالك كده؟!
تنهدت وئام إثر جلوسها مع جارتها السيدة المُسنة بعدما قصت عليها قصة باسل معها من أول يوم حتى اعترافه الأخير بأنه كان يقوم بالتجسس على هاتفها ومعرفة معلوماتها الشخصية ومكالماتها الهاتفية، أردفت إلى جارتها عابسة الوجه نبرتها حزينة:
_بهدلته وشتمته وقولتله أنت من غير ضمير ولا إحساس، ربنا يوريني فيك شر انتقامه على اللي عملته فيا. قال لي: حاجة غريبة.. كان ممكن مقولكيش حاجة بس أنا حبيت أريح ضميري من ناحيتك للآخر.
ربتت السيدة بهدوء بكف يدها ذا الجلد الواضح عليه بشيخوخته وقالت:
_بصي يا وئام، أنتِ زي بناتي.. الولد ده مش عاوز منك حاجة وحشة.. آه في الأول كان نيته مش خير بس لما اتأكد منك عرف غلطته وبيحاول يكفر عنها، ما كانش جالك مرة واثنين وثلاثة عشان تسامحيه وطلبك للجواز.
كانت وئام تحدق بعينا السيدة مطولًا تستمع إلى كلماتها، أكملت السيدة:
_اديله فرصة يا وئام.
ابتلعت وئام ريقها مع هزة لرأسها وأردفت بانكسار:
_عارفة يا خالتي، أنا عمري ما كان عندي حق اختيار أو قرار.. ما عنديش طول حياتي ودن واحدة تسمعني وعقل يفكر معايا، ما فيش حد كان جنبي في الحلوة والمُرة عشان أجري عليه دلوقتي يقولي على القرار الصح اللي أعمله. أنا وحدي، وأنا عند بابا ووسط أخواتي وحدي.. وأنا متجوزة ومع جوزي وأهله وحدي. حتى باسل ده.. ما اعرفش أميز هو بجد ندمان على اللي عمله معايا ولا نمرة جديدة بيعملها عليا. أنا خايفة.. أنا كل حاجة راحت مني من أول وفاة أمي ولحد دلوقتي.. مستنية عوض ربنا في أي حاجة. نفسي أوي.
تقلبت مُقلة عين السيدة المسنة ناظرة إلى السماء وقالت بصوتها الحنون:
_كل حاجة بتتعوض ما تزعليش عليها، واللي ما يتعوضش فصاحب العوض موجود! صلي استخارة يا وئام وربنا هيرشدك للطريق الصح.. رب الخير مش بيجيب إلا الخير.
استمعت وئام إلى نصيحة جارتها، توضأت وصلت ركعتي الاستخارة، وبعدما انتهت ظلت شاردة وهي تجلس على سجادة الصلاة، تذكرت آخر شيء قاله لها باسل بعينين نادمتين تتحدثان رجاءً:
_أنا آسف.. آسف من هنا لسنين جاية ولحد ما أنا أموت، أنا آسف يا وئام!
إنه لشيء مُرعب أن تمرَّ بجانب من أخبرته كلَّ تفاصيلك كالغريب..
منهمك نبيل وسط الأواني والموقد، صلصة الطماطم والبصل المقشر ومقطع قطع صغيرة، رائحة الشواء، التوابل مختلفة اللون والطعم والرائحة.. السكين الحامي واللحم الطازج وصدور الدجاج الموضوعة وبانتظار إعدادها. يعمل نبيل كآلة، يقوم بفعل الطبخ لا شيء آخر.. لكن حينما تدقق النظر به سترى علامات العبوس والحزن بدت واضحة عليه. يسكب الطعام في صحون التقديم دون أن تنفرج شفتاه أو يرتفع نظره عن مستوى طاولة الإعداد، وفي الوقت ذاته.. يلج إلى المطبخ حذاء رياضي وردي اللون ببطء، نرتفع بالبصر إلى أعلى بنطال جينز وقميص مربوط من أسفل آخر زر وتحته شيرت داخلي قطني ووجه ديانا ذا الوجنتين الممتلئين والشعر الفوضوي على جانبي وجهها وظهرها. تنظر ناحيته بقلب مفتور، أما عنه فهو على انهماكه بعمله لا يأبه من القادم أو الخارج. ترجلت عدة خطوات نحوه حتى توقفت، وضعت كف يدها الممتلئ على يده أثناء تقطيع الخضروات، نظر لها نبيل عابس فقالت هي:
_وحشتني!
لم ينطق نبيل على نظرته كما هو فمسحت ديانا على شعره وأكملت:
_والشعرتين البيض اللي على جوانب راسك دول وحشوني يا بلبلي. هونت عليك؟!
بعد النظرة المطولة هذه منه، انفرجت شفتاه وتحدث لها أخيرًا وما زال يحدق بها:
_أنا عملت اللي أهلك كانوا عايزينه، شوفي العريس المتريش يا ديانا هما عندهم حق. إيه ذنبك تفضلي جنب واحد أكبر منك بـ 15 سنة ولسه مشواره طويل وتحقيق اللي أنتِ عايزاه مش قادر عليه. يا دوب حلمه بيحققه على قده، ده لو كان له في الدنيا حلم أصلًا.
هل كانت تلوح الآن مقولة: لا تغفر أبدًا لمن أفقدك الثقة، وهو يعلم جيدًا شدة خوفك من الخُذلان أمام نبيل؟! ولكن ديانا لم تفقده الثقة بذاتها، ظروفه المتعثرة الصعبة ومتطلبات أهلها الزائدة هي من أوقفت سريان دماء علاقتهما. سمعته ديانا حتى النهاية، اغرورقت عيناها بالدمع مع قولها بطفولتها المعهودة:
_عارف بعد كل اللي قولته ده يا نبيل إيه ذنبي؟ أنا حبيت مرتين قبلك.. أو تقدر تقول كنت في علاقة فاشلة مرتين قبلك، كل حد منهم كان مصدر قلق وتعب ليا بشكل منفرد. ولما سيبتهم كنت مرتاحة أوي، إلا أنت! برغم تريقتك عليا، برغم إنك بتاخد كلامي باستهزاء.. برغم إني بالنسبة لك جوازة والسلام.. وبرغم الفروق الكتير اللي بينا.. أنا حبيتك بجد.
وضعت كف يدها على قلبه وقالت وهي تنظر إلى عينيه مباشرة:
_عشان قلبك أبيض ونظيف، أنا روحت الكنيسة امبارح وولعت شمعة وصليت. قولت يا عدرا.. يا مارجرجس بشفاعتك تدلني أنا صح لو كملت مع نبيل غصب عن أهلي ولا لو سمعت كلامهم وخلاص سيبته، لاقيتني النهاردة جيتلك. لاقيت بعد الشغل رجليا واخداني لعندك.
وضعت يدها بحقيبتها وأخرجت كيسًا بلاستيكيًا به مبلغ مالي كبير:
_أنا قبضت الجمعية العشر آلاف جنيه، واستلفت عليهم عشرة تانيين من إخواتي وهبقى أرد من جمعية جديدة. وكمان فلوسك اللي كانت عند بابا العشرين ألف. كده بقوا أربعين ألف، ده غير اللي معاك.. تعالى نجيب عفش على قدنا. وواحدة واحدة نبقى نجدده لما ربنا يفرجها، وموافقة عالشقة الصغيرة ومحدش له دعوة دي حياتي. وأنا مختاراها كده، قولت إيه يا بلبولي.. هتكمل مع كعبولك ولا هتفضل بائس كده بوشك ده؟
ابتسم نبيل ابتسامة جانبية مع قوله ساخرًا:
_يابنتي إيه يرغمك على غراب زيي، انفدي بجلدك.
_لأ، رجلي على رجلك وبؤسي على بؤسك وبومتي على غرابك.
ضحك الاثنان بشدة فدلف زميل نبيل بسرعة إلى المطبخ ممسكًا هاتفه يعرض إعلان المسابقة "مطر وردي" موجهًا حديثه إلى نبيل:
_بص ياض يا حزين أنت، مسابقة بسيطة وممكن تكسب الفلوس والعربية وفرح على حساب البرنامج يا فقري. إيه رأيكم؟!
لمعت الفكرة في أذهان نبيل وديانا وابتسما فقالت ديانا وهي تخرج هاتفها:
_داخلينها وش، أنا هدخل عاللينك وأشترك حالًا.
أخذت تتراقص ممسكة بالهاتف ومحدقة به:
_وهنكسب المسابقة وهناخد عربية وفلوس هيييه، شفاعتك يا عدرا تكون معانا.
نظر لها نبيل وأطرق كفيه واحدة بالأخرى متحدثًا إلى زميله:
_أهو تخيل مسرح البالون ده هيبقى قدام الناس في التليفزيون.. ده إحنا فضيحتنا هتبقى بجلاجل!
دائمًا ما كان يخبرني عمي الحبيب أننا نندفع بكل طاقتنا عندما نُحب.. وبنفس القدر الذي اندفعنا به تتحطم قُلوبنا، كان يُوصيني أن أتمعن في الاختيار كي لا يتحطم قلبي وإن ما أصبتُ هدفًا جيدًا فلا داعي من الحُب من الأساس، ولكن أصاب العمى قلبي عندما رأيتك وبعدها توالت المفاجآت.
كانت تتهادى زاد بحذائها بطرقة الشركة تتابع العمل، دلفت إلى مكتب جانبي:
_يارا، عايزة ملف شُحنة الصين الأخيرة على مكتبي كمان ربع ساعة.
_حاضر يا آنسة زاد.
خرجت وأخذ صوت طرقات حذائها يدوي حتى أوقفت أحد الموظفين بالطرقة:
_علي، ابعتلي إيميل قولي آخر تطورات الصفقة اللي إحنا داخلينها ومعلومات عن العطاءات المتقدمة قصادنا.
_حصل يا فندم.
دلفت إلى مكتبها، وجلست وضغطت على زر لدى عامل المقهى الخاص بالشركة:
_فنجان قهوة يا عيد.
ارتدت نظارتها وأمسكت الملف الورقي الذي أمامها وأخذت تتصفحه، رن هاتفها أجابت:
_ألو، لأ هو قدامي أهو هخلصه وأبلغ حضرتك.. متشكرة يا فندم تحت أمرك.
صوت طرقات على الباب، أمرت زاد بالدخول إثر انشغالها بقراءة الأوراق:
_آنسة زاد، مستر والي عبد الحميد بره.
رفعت زاد نظرها منتبهة وأردفت:
_ماشي خليه يدخل.
دلف والي وأغلقت السكرتيرة الباب خلفها، صافحا بعضهما البعض وجلس:
_آسف لو جيت في وقت مش مناسب، شكلك مشغولة.
_هو بصراحة فيه ضغط النهاردة، بس أنا معاك ما إحنا مع بعض في شغل برضه.
ابتسم والي وأردف لها:
_طبعًا وأنا جاي عشان كده، فيه كمية تمويل جاية على المسابقة مش هتتخيلي شركات إيه.
ابتسمت زاد وتركت الأوراق من يدها وقالت بانتباه:
_طب ده خبر كويس جدًا.
_ولينك المسابقة الضغط عالي عليه جدًا، والطلبات المتقدمة بصراحة أكبر من توقعي.
عادت زاد بظهرها للخلف وأردفت:
_إمتى هنبدأ كاستينج؟! ونختار الكابلز.
_لما يخلص عدد المقدمين المحدود، عايزك تفضي نفسك الفترة الجاية عشان هيبقى فيه الكاستينج. وتقريبًا ده هيبلع الوقت مننا.
أشارت زاد لما حولها بكلتا يديها قائلة:
_أنت شايف أنا مش ملاحقة على الشغل بجد، هيبقى هنا وهناك.
مط والي شفتيه وأردف بعد تفكير لثوانٍ معدودة:
_ممكن ذكي بك ييجي يتابع الشغل أثناء الكاستينج، أصل لازم تكوني موجودة.
تنهدت زاد تفكر فنهض والي وأمسك نظارته الشمسية يقوم بارتدائها:
_أنا همشي.
لوحت زاد له مبتسمة:
_طيب ما طلبتش ليك حاجة.
_الوقت والحاجة اللي جاي لك عشانها خلاص عملتهم، دلوقتي أسيبك لشغلك. وأي جديد هبلغك بيه.
نهضت زاد وصافحته، ترجل والي نحو الباب ومن ثم نظر ناحيتها قائلًا:
_زاد.. النهاردة جمالك مش طبيعي واللون الموف عليكي يهبل. أول مرة أشوف أنثى عارفة توفق بين الحياة العملية وبين طبيعتها كأنثى. أحييكي.
قال هذه الكلمات كقذف القنابل ورحل تاركًا دقات قلب زاد تفعل بها ما تفعل ولكنها تخمد الإحساس بالانغماس بعملها وعدم ترك مساحة للتفكير.
_على إيه يا فندم الشكر إحنا تحت أمرك ومبسوطة إن العربية وسعرها عجبوا حضرتك، إن شاء الله مش هيبقى آخر تعامل ما بينا.
تحت أمرك اتفضل.
أغلقت روز الهاتف بعدما انتهت المكالمة، بينما كان مصعب يقوم بعد المبلغ الذي حاز عليه بعدما أجرى هو وروز تلك البيعة، وكان نصيبهم مبلغ مالي جيد. نظر ناحيتها وأردف:
_مضبوطين بالتمام والكمال، يلا يا رزة عشان جعّان جوي، هنطلبوا إيه؟
_لا لا تعالى نروح مكان مفتوح ونتغدى، أنا عاملة أكل بيتي.
انفرجت أسارير مصعب وأردف:
_وعدي يا وعدي، والله بطني نشفت من أكل برة، هنروحوا فين؟
_تعالى نروح الأزهر بارك أو جنينة الحيوانات.
_جنينة حيوانات إيا يا بوي، رايح مع سلمى بت أخوي أنا، لا فكري فحاجة تانية.
لوحت روز بيدها له وأردفت بنبرة عصبية:
_إخلص وقوم يلا وقف تاكس قبل الأكل ما يبرد، دلع ماسخ ومش لايق عليك وأنت بئف كدا.
تصنع مصعب أنه سيقوم بلطم وجهها بكف يده قائلًا:
_أنا بئف يا عنز أبيض، قدامي جاك داء المية.
أوقفا سيارة أجرة، وإلى حديقة عامة ذهبا، وجلست روز بعدما فرشت مفرش قماشي كبير ووضعت الأواني وقامت بسكب الطعام الساخن، وبدءا في تناول الطعام.
كانا يلتهما بنهم وشراهة، من الواضح أن روز طباخة ماهرة فالطعام لذيذ ومصعب يأكل دون توقف.
_يا ابني بالراحة هيقف فزورك.
كان فم مصعب مملوء بالطعام فابتلعه وأردف:
_لا بيمين نعينوك، مكان الشيف شربيني بتاع يا جماله يا جماله دهوت، الوكل جميل يا بت.
_بالهنا والشفا، عشان تعرف بس سبع صنايع بس البخت ضايع.
قضم مصعب جزءًا من فخذ الدجاج وألحقها بملعقة أرز أبيض وأردف:
_النبي يا بت يا اللي شبه سمك الزينة أنتِ، على حلاوتك وشطارتك دي المفروض ما تجعديش ثانية. أنتِ لو حدانا فالبلد كنتِ اتجوزتِ بعد الإعدادية.
ضحكت روز فأكمل مصعب بعدما قام بشرب صحن الملوخية فضحكت روز بشدة، ابتلع ومسح فمه بالمناديل وأردف:
_أصل أنا لسه هتحسوك، النبي عربي.. المهم كيف أهلك سايبينك من غير جواز لحد دلوك؟ أكيد عيجيكي ناس كتير يا واكلة ناسك وأنتِ راضياش، صوح؟
أرادت روز تغيير مجرى الحديث فقالت له:
_وأنت ما اتجوزتش ليه لحد دلوقت؟
_ما لقتش بصراحة بت وزير الصناعة اللي أرضى بيها.
قام بلطم خديه بطريقة مضحكة وأردف:
_هو أنا لاقي آكل، كنت نصاب وحرامي ودلوك سمسار هتجوز منين؟
ضحكت روز ومن ثم تناولت الماء تشربه فتذكر هو شيئًا:
_صوح قدمت لينا أنا فمسابقة مطر مغفلق باين، مطر أزرق.
رفعت روز إحدى حاجبيها وأردفت له معترضة:
_يا ابني أنت غبي؟ مسابقة إيه إحنا ولا مرتبطين ولا مخطوبين ولا متجوزين، هنهبب إيه فيها أنت عاوز تضحك علينا الناس!
قام مصعب بتجرع الكثير من الماء ومن ثم تجشأ فصنع صوتًا، لتقوم بلكمه روز وأردف لها:
_عادي نمثلوا.
عقدت روز ذراعيها والتوت شفتيها قائلة:
_طب بالعقل يا ذكي، اللي هيمثل إنه مرتبط بحد دا مش عالأقل عارف عنه أي حاجة؟ هندخل المسابقة نمثل إننا مرتبطين.. طب تعرف إيه عني أنت؟ أعرف أنا عنك إيه يا هباب البرك؟
_هباب البرك! خلي بالك اللي بتشتميه دهوت فبلدهم عمدة بس الدنيا قلبته على ضهره.
ظلت روز محدقة به ساخرة بقسمات وجهها، فقام مصعب بتعديل هندامه وكأنه يتقدم بتعريف نفسه إلى عمل جديد وأردف ممازحًا إياها:
_معاك مصعب عابدين الأحمدي، 25 سنة، واد أسمر وحلو وملو هدومي وخريج كلية زراعة، اشتغلت كذا شغلانة ومنفعش. ونعمل سكيب لجزئية معينة فحياتي عشان هتبقى فضايح.
ضحكت روز مخبأة فمها بيدها فأكمل هو:
_وحاليًا شغال سمسار أي حاجة وكل حاجة، عمري ما ارتبطت بمرا فحياتي عشان شايفهم جنس وجع القلب والدماغ، والحريم أصلًا كائنات مرضانه فعقلها. ساكن فشقة تمليك بس أنا أصلًا من الصعيد وعيلتي ناس كويسة أبوي مدرس لغة عربية والحجة أمي ربة منزل وعندي ست إخوات، وأجيد اللغة الصينية بطلاقة.
أطرقت روز كفًا بكف وتهز رأسها يمينًا ويسارًا فقال هو:
_اتفضلي عرفيني بنفسك يا غندورة.
حدقت روز به واختفت ابتسامتها تدريجيًا من على وجهها وأردفت:
_أنا يا سيدي روز عبد الله، خريجة معهد تمريض.. 22 سنة كنت شغالة فمستشفى وسيبتها بعد موضوع معين حصل معايا فيها، وحاليًا بشتغل سمسارة مع واحد مهفوف كدا.
_الله يحفظك يا أبلة.
_وعمري ما دخلت علاقة عشان معنديش وقت أعطل نفسي فحب وكلام فارغ، صاحبت كام مرة ولقيت إنه تضييع وقت وبس.
_كملي وناسك، ناسك فين يا وكلاهم؟
بعينان حزينتان أردفت روز:
_وكلاهم فعلًا زي ما ع طول تقولي، أنا ماليش حد ولا أهل يا مصعب. أنا وعيت عالدنيا لقيتني فملجأ.. ومعرفليش أهل!
اعتدل مصعب في جلسته وأردف لها بجدية:
_اتكلمي جد يس كفاية هزار.
مسحت روز بأصابعها عبرة انهمرت رغماً عنها وقالت:
_بتكلم جد، أنا لقيطة يا مصعب.. ها لسه عاوز تكمل فالتمثيلية؟
فغر مصعب فاهه وظل محدقًا بها بذهول دون أن ينطق بحرف واحد.
بينما كنت أرفض كل شيء بشدة، كنت قبولي الوحيد بل كنت سبيلي الوحيد والأجدر والأبقى!
كان قصي يداعب الطفل الصغير ابن صديقه المتوفى أحمد فوزي، والذي يعاني من ضمور بالمخ أفقده الحركة تمامًا وكذلك النطق والسمع! هذا هو سبب وجود قصي بمنزلهم، فهو يتابع مع والدته وجدته الطبيب وعلاجه، وفي زيارته هذه المرة كانت عزة برفقته.. كانت مستمتعة بأجواء الأسرة واللعب مع الطفلة فرح والحديث مع زوجة صديق قصي ووالدتها، وحينما رأى قصي الفرحة بعين عزة هكذا شعر أنه أخطأ بأنه لم يقم بتعريفها عليهم منذ حينها ولكن لا بأس فقد أصلح قصي كل شيء أخيرًا.
_ما شاء الله عليكم يا بنتي، ربنا يبارك لكم فبعض يا رب.
قالتها جدة الأطفال موجهة حديثها إلى عزة فقالت عزة:
_ربنا يخليكي يا ماما، بجد قصي دا كل حاجة فحياتي ومعوضني عن عدم وجود أهلي وعن فقدان أمومتي.
نظرت عزة له بامتنان بالغ وحب فنظر لها قصي مطولًا قائلًا بنبرة عشق:
_عزة دي الدنيا ليا أصلًا ومش مهم بعدها ناس ولا حياة.
ضحكت عزة بخجل فقالت أرملة صديق قصي بعدما وضعت لهما المشروب:
_على ذكر الحب والعشق، فيه مسابقة شغالين يعلنوا عنها فالتليفزيونات والإنترنت، عن الحب وكدا، وفيها مكاسب مهولة.
عقد قصي عينيه فبادرت عزة بالقول:
_آه شفت إعلانهم وأنا بتصفح الفيس وبشوف طلبات جروبي، مش برنامج مطر وردي؟
هزت دعاء أرملة صديق قصي رأسها إيجابًا، وأردفت:
_ما تقدموا فيها أنت والأستاذ قصي!
نظرت عزة إلى قصي، فأخرج قصي هاتفه وفتح بيانات الإنترنت وهو يردف:
_اسمها إيه؟
_مسابقة مطر وردي.
تصفح وبحث حتى وجد الإعلان، قرأه حتى النهاية ومن ثم أردف بلهجة متحفظة:
_دا الثنائيات الفائزة هتعيش فبيت واحد لمدة شهرين وهيتذاع كل دا عالتلفزيون!
قالت دعاء في اندفاع مبتهجة وهي تهز طفلها الصغير:
_أيوه، إيه رأيكم.. يا لهوي يا مدام عزة لو اشتركتوا وكسبتوا والله تستحقوها. وكمان ما تأخذنيش يا أستاذ قصي، والدة حضرتك تعرف إنك عمرك ما هتستغنى عن مراتك، وترضى عنكم بقى.
ابتسمت عزة وأردفت هي مطأطأة رأسها للأسفل:
_مستحيل قصي يوافق، قصي بيغير عليا جدًا.. نعيش قدام الناس ونتكلم قدام الناس.
_لا مش كدا وبس وشهرة ونمشي الناس تشاور علينا لا لا لا.
أردفت دعاء تحثهم بلهجة تدفعهم بها للتفكير:
_طب وماله، شوفوا شغلك أنت وهي لما يتشهر أكتر من كدا والناس تعرفكم أكتر دا لو ما كسبتوش. أومال بقى لو كسبتم.. فلوس وعربية يا لهوي.. الله يرحمك يا أحمد. لو كان موجود كنت سيبت العيال لماما واشتركنا.
لمعت الفكرة بذهن عزة فنظرت ناحية قصي، الذي فعل برأسه نفيًا أي إنه لا مجال للتفكير.
لا تحاولي..
"بارك الله لكما.. وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير."
رفع المأذون المنديل وتعالت الزغاريد بأرجاء المكان وقام رائد بمصافحة والد مايا وجميع من حضر من أصدقائه وزملاء بحفاوة، أما عن العروس مايا كانت تتألق بحلتها وتقوم بعناق صديقاتها بعدما انتهى عقد القران وقاموا بتشغيل الأغاني وكانوا يتراقصن حولها في مشهد جميل. حتى اقترب رائد ناحيتها وعانقها بقوة مطولًا وطبع قبلة على رأسها ثم نظر إلى عينيها فلقطت إحداهن صورة لهما مفاجأة وكانت الأروع!
مرت الساعات وسط الصخب والفرحة المتناثرة بالمكان وقلوبهم، حتى أتى البرنامج الثاني ليوم عقد القران كما خططوا له، ذهبوا إلى المقهى المفضل لهما مع بعض من أصدقائهم حيث أكملوا سهرتهم هناك على راحتهم أكثر.
وفي العودة، توقفت سيارة رائد أمام منزل مايا فنظرت مايا ناحيته:
_من أجمل أيام حياتي فعلًا.. أنا بحبك يا رائد.
مسح رائد على وجنتها بيده وحدق بعينيها بغرامه المفعم قائلًا:
_أنا بموت فيكي يا روح رائد، بقيتِ مراتي يا ميوش فهمي نظمي رسمي.
رفعت مايا سبابتها فوجهه تلوح بها قائلة:
_لا لا لا لسه فاضل تكة على آخر السكة.. عارف كمان مبسوطة ليه أكتر؟
_ليه يا قلبي؟
_عشان وافقت إننا نشترك فالمسابقة.
نظر رائد أمامه وأردف ساخرًا:
_مش ساومتيني، لو كتبنا الكتاب بدري قبل الفرح يبقى نشترك.. مش سهلة أنتِ.
تراقصت مايا في مكانها على مقعد السيارة وأردفت:
_يا حبيبي امشي ورايا بس ومتخافش.
نظرت مايا بساعة الهاتف وقالت بعدما شهقت بصوت خفيض:
_أوه اتأخرت جامد..
يلا تصبح على خير يا حبيبي، لما توصل كلمني.
همّت بالنزول، فأوقفها ممسكًا كف يدها ودنا منها ببطء.
كنتِ زي القمر، ألف مبروك يا حبيبة قلبي.
طبع قبلة بخفة على وجنتها، فسبّلت مايا عيناها، واقتربت شفتيه زاحفة إثر تقبيله المتتابع إلى شفتيها، فقامت مايا بلطمه بوجنته، ففزع رائد لينظر لها وعيناه متسعتان مشدوهًا.
إيه اللي بتعمله دا؟
أنتَ بقيتِ مراتي، دي بوسة بريئة والله.
لا بريئة ولا جريئة، غير مسموح غير لما نكون في شقتنا.
همّت بالهبوط فأوقفها ثانية يسحبها ناحيته.
طب بوسة كمان ويبقوا قلمين.
رائد!
عيونه.
تصبح على خير.
هبطت وهرولت حاملة ذيول فستانها، ولوحت له وصعدت الدرج، فابتسم هو وعدّل من وضعية نظارته وانطلق بسيارته وهو يقوم بدندنة أغنية عمرو دياب.
آه يا نور حياتي ما فيكيش غلطة، أجنبية طيب ولا إيه دي خلطة، آآآآآآآه يا نجمة مسكت فيها وأنا مستقتل عليها، سيبي ضحكتك عليكي، عليكي رايقة.
سقف جامد للعلمك القسوة، واديه بالقلم عشان تأكدله أنك إتعلمت!
رواية ميكاتوا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نور اسماعيل.
ولازالت أحيا على أنقاض، ولازالت أحتاج كتفك لأتّكئ عليه.. ذات يوم كنت أنا.. فهل سأعود أنا برفقتك كروح واحدة!
يجلس باسل متوترًا، مشتبكة أصابعه ببعضها البعض، ينظر إلى والد وئام وزوجته السيدة حمدية بجانبه، ترمقه نظرة من أسفل لأعلى تتفحصه وتتشدق بشفتيها اعتراضًا.
أما عن وئام فكانت تستقبل ردود الأفعال كلها بصمت.. تراقب الأجواء ولا تعرف من أين ستأتي الضربة القادمة، انفرجت شفتا والد وئام عن الحديث وأردف:
- بتقول يا باسل يا ابني، عرفت وئام بنتي كانت جارتك في العمارة قبل ما تنقل، وإنك أرمل وعاوز تتجوزها.
أومأ باسل برأسه إيجابًا ومقلتيه تتحرك في تشكك بين والد وئام وزوجته، حتى أردفت زوجته بعدما وضعت كف يدها على الأخرى تتحدث استنكارًا:
- وبسلامتك بقى عارف إنها ما بتخلفش ومش هتخلف عشان هي معي...
أوقفها باسل عن إكمال حديثها المزعج وتحدث بلباقة واحترام حتى لا تزيد على وئام بنعتها بالكلمات الكاسرة لها:
- وئام مش معيوبة، وئام عندها مشكلة وبالعلاج هتبقى كويسة واه عارف وموافق.
نظرت وئام ناحيته نظرة امتنان، لأول مرة من بين هذا العالم الغادر يكون لها سندًا، من بين هؤلاء الذين يتشحون بالظلام تظهر بقعة النور أخيرًا.. هناك ضمادات بشرية أخيرًا جاءت إلى حياتها لتطيب جراحها وتؤنس وحدتها وتلتئم بها تمزقات قلبها الضعيف.
عندما سمعت السيدة حميدة طريقتها في الدفاع عنها هكذا، تشدقت ثانية واستدارت بجسدها نحو زوجها تحدثه ساخرة:
- إيه رأيك يا أبو العروسة!
- طيب يا ابني سيبني أفكر وهرد عليك.
نهضت وئام من مجلسها قائلة في حسم لأمرها:
- بابا، مع احترامي ليك.. باسل أنا أعرفه وموافقة عليه وفكرت واستخرت ربنا كمان.
ضحكت حمدية بسخرية ضحكات متقطعة وأردفت لها:
- ده الشملولة واخدة قرارها وإنت تحصيل حاصل يا أبو العيال!
قذفت حمدية بكرة النار كي تزيد الأمر اشتعالًا وتجعل والدها يرفض وتقيم الحرب التي تبغاها، ولكن والد وئام حسم الأمر قائلًا:
- خلاص يا بنتي، اللي تشوفيه.. إنتِ من يوم ما طلعتِ من هنا وإنتِ حرة في نفسك وفي قراراتك، وأنا مش هغصبك على حاجة تاني أبدًا.
ابتسمت وئام بعينين لامعتين ونظرت نحو باسل الذي بادلها الابتسام والاهتمام لأول مرة منذ بداية تعارفهما.
~
- سقف جامد للعلمك القسوة، واديه بالقلم عشان تأكد له إنك اتعلمت!
دوّن رائد هذه الجملة على اللوحة خلفه وجلس يُلقي محاضرته كالعادة والجميع منصت إليه:
- محدش في الدنيا اتخلق مهزوم طول الوقت، مهزوم مهزوم.. هييجي وقت وهيبقى منتصر بس يبقى متعلم من اللي فات، مش مجرد عاش 30 أو 20 سنة على ما فيش.
الشخص اللي علمك الخسارة والهزيمة، ما تكرهوش.. حبّه، عارف ليه؟
عشان صنع منك إنسان مختلف، إنسان شاطب من تاريخه اللي فات وهيبقى إنسان جديد بسبب القسوة والخسارة دي!
وبعد مضي وقت، انتهت المحاضرة وهمّ رائد بالخروج خارج قاعة المحاضرات حاملًا حقيبة حاسوبه الخاص وإذ بهاتفه يرن، أخرجه من جيب بنطاله ليجدها مايا.
فأجاب الاتصال:
- ميوش حبيبي، بتتصلّي في وقتك لسه مخلص السيشن دلوقتي.
كانت تعدّل مايا من هندام وشاحها أمام المرآة وتتحدث مع رائد عبر مكبر صوت الهاتف:
- طب إنت فين دلوقتي؟
وضع رائد يده بجيب بنطاله ووقف ينظر هنا وهناك وهو يتحدث معها بالهاتف:
- لسه في مكان شغلي.
- طب عدّي علينا عندنا مشوار مهم.
شعر رائد بالقلق حيال كلمات مايا له، فأغلق المكالمة وعلى الفور كان أسفل منزلها ينتظرها، هبطت هي وركبت السيارة بجانبه بعدما ألقت التحية عليه أردفت:
- يلا بينا.
- يلا بينا على فين؟ إنتِ مكالمتك قلقتني.
رفعت مايا أحد حاجبيها وأردفت له مستنكرة:
- قلق ليه يا ابني فيه إيه؟ إحنا هننزل نشتري كام حاجة كده لبس بيتي وترينينجات.
وكام فستان ليا وبدلة ليك.
- ليه ده كله؟!
- عشان البرنامج.
قالتها بعينين تشتعل حماسًا، فتأفف رائد ناظرًا أمامه:
- يا دي البرنامج، البرنامج البرنامج، إنتِ اتجننتِ خلاص وبعدين البرنامج ده مش لسه فيه اختيار للثنائيات واختبار وممكن نسقط.. يبقى على إيه التكاليف.
مطّت مايا شفتيها وعقدت ذراعيها بعدما نظرت أمامها غاضبة وتحدثت إليه:
- هنكسب في الكاستينج وهتشوف، يلا بس عشان ما نتأخرش لسه قدامنا لفة كبيرة.
نفث رائد يشعر بالضجر منها، ولكنها حبيبته في النهاية وكلماتها أوامر لقلبه وعليه السمع والطاعة.
~
قيل في الودّ المتأخر.. كالذي مات جاره من الجوع، وفي عزائه ذبح كل الخراف!
بعينين ذابلتين كانت تراقب روز هاتفها.. مر يومان بعد آخر مقابلة لها مع مصعب، وبعدما أخبرته بالحقيقة.
وهو لا خبر عنه، لا مكالمات لا مقابلات، أذهله ما سمعه حقًا!
كانت تعلم هي هذا، لذلك أخرت معرفة ذلك قدر استطاعتها.. لكن طالما ستبدأ لعبة أمام الناس صوت وصورة فلابأس من معرفة الحقيقة وأيًّا كان القرار بعدها.
هي كانت تعلم أن هذا هو رد فعله وردة فعل أي شخص يمكنه سماع حقيقتها، طفلة لقيطة ملقاة على قارعة الطريق.. تبرأ منها أهلها والعلم عند الله وحده، هل نسبها حرام؟ هل كانت خطأ بين اثنين خافوا من فضيحتهم أن تتضح أمام الناس فألقوا بها بهذه الطريقة القاسية وهي جزء منهم لحمًا ودمًا!
روز لم تحب مصعب، وهو أيضًا.. هما فقط صديقان وشركاء عمل، ولكن شيئًا ما بعد إخباره بالحقيقة جعلها تنتظره.. وتنتظره والوقت قاتل والصمت سيفه.
تريد منه العودة قبل فوات الأوان، قبل احتراق المنزل بالكامل ويبقى الهشيم فقط.
أما عن مصعب..
كان ينظر إلى صورتها على هاتفه ويدور برأسه ما علمه عنها، يتذكر موقفًا حينما أبرحته ضربًا.
يتذكر قوتها وصرامتها في مواقف عدة، يتذكر صلابة عقلها، لا تخضع ولا تُهزم.
والمفاجأة أن ليس لها عائلة تنتمي لها! رفضت الطرق غير المشروعة وسارت بالطريق الصحيح حتى وإن كان قوته قليلة بالكاد تُعينها على العيش.
ماذا سيفعل؟ تعلق بها كثيرًا وبوجودها.. من دون أن تدري هي علمته أن يسلك طريقًا صحيحًا، بأن يسير رافعًا رأسه لا مختبئًا خلف الجدران، علمته كيف التغلب على صعاب الحياة، علمته كيف يكون رجلًا!
وبرغم من أن يومه بالكامل كان معها، يأكلان.. يشربان.. يبيعان.. يشتريان، يقابلان عملاء، يتحدثان.
كان يومه عبارة عنها، لم يمسّها حتى!
علمته أن هناك خطوطًا حمراء يجب الوقوف عندها والالتزام بها، الأمر ليس بفتاة شارع وفتاة لها عائلة وأصول هو ليس هكذا، الأمر بأنك تتعلم كيف تكون إنسانًا تحترم نفسك وغيرك وتُلزم غيرك باحترامك.
تنهد مصعب وهو يدور بأرجاء غرفته لا يعلم ماذا يفعل، أصوله كشاب من صعيد مصر جعلت هناك الخشونة في طبعه وعلى ما تربى عليه من عادات وتقاليد، ولكنه رأى منها ما يجعله يفكر ألف مرة قبل أن يظن بها السوء.
أمسك هاتفه وفتح خانة محادثتها وبعث لها رسالة:
- رزة يا فقرية.
على الفور رن الهاتف لدى روز، فانتبهت وهرولت نحوه وفتحت الرسالة لتجدها من مصعب.. فرح قلبها.
وتهللت أساريرها، كيف له لم ينزعج مما أخبرته به برغم نشأته الصعيدية!
لم تجبه في البداية وعلم هو أنها قد رأتها.. فأرسل رسالة أخرى:
- لاه ماهو هتتجلى وأنا هتجل العلاقة كدهتي هتاخدنا ونوقعوا لتحت.
ضحكت روز بصوتٍ عالٍ ما إن رأت رسالته وعلى الفور كتبت له:
- عاوز إيه يا واد يا صعيدي؟
- عاوزك يا واكلة ناسك بنسألك عليكِ بقالي يومين لا سمعت صوتك ولا شوفت وشك الأجرب.
- أنا وشي جربان يا بئف؟
رفع مصعب حاجبيه حينما رأى رسالتها الأخيرة وأرسل لها ملصقات ضاحكة وبعدها:
- خشمك دهتي لو ما بطلش جوله يا بئف يا بئف دي أني هناكلك كتلة ما كلهاش حرامي غسيل.
ابتسمت روز وقامت بالاتصال به فأجاب هو بعدما تصنع أنه كان نائمًا وبدأ الحديث متثائبًا.
فضحكت هي قائلة:
- ده على أساس عفريتك اللي كان بيكلمني على الواتس.
- أيا دي مين، رزة! كيفك يا بت المحروج؟
- أحسن منك.. عاوز إيه بتبعت لي ليه مش من آخر مرة وإنت واخد جنب بعدما قولتلك حقيقتي.
زي أي راجل ديله عوج بيفكر بالمقلوب.
- بنفكروا بالمقلوب كيف؟ نفكروا من الشراب يعني.. وبعدين أنا ما خدتش جنب.
ده حتى كنت نموت في بعدك يا رزة حتى افتحي الواتساب كدهتي هنوريكِ حاجة.
فتحت روز فوجدت صورة منه يضع سلك شاحن هاتفه على وريده ويلصقه بلاصق شفاف مدونًا أسفل الصورة:
- أهو عشان تعرفي تعبت كيف في بعدك، روحت المستشفى وركبت محاليل.
قهقهت روز بصوتٍ عالٍ فضحك مصعب على صوت ضحكاتها فقالت هي:
- ودي مستشفى إيه بقى مستشفى اللاسلكي ولا كابلات الكهربا؟
- بس دمي خفيف ونعجبك ولا وحك لوح.
- بس بلا لا وحني، لوحك قطر.
- طب البسي يلا هننزل نشوف شغل أنا لقيته على النت كدهتي بيعة حلوة ونصيبنا مضمون فيها.
وبعدين هاخدك نسهروا على مركب شراعي ونتعشوا.
ابتسمت روز، فقد تمت المصالحة أخيرًا وانتهى الخلاف وعلم مصعب بحقيقتها ومازال مستمر، وتعاملت هي بطبيعتها وبراحة قلبها دون قيود أخيرًا.
~
باقة ورد توضع أمام زاد على مكتبها، رفعت زاد بصرها لتجدها سكرتيرة مكتبها تضعه مبتسمة مع قولها:
- كل سنة وحضرتك طيبة يا آنسة زاد، الورد ده جاي لحضرتك.
ضيقت زاد عينيها ونظرت لهاتفها لترى تاريخ اليوم وتذكرت أن اليوم بالفعل هو ذكرى عيد ميلادها، ولكنها لا تهتم لمثل هذه الأشياء، انصرفت السكرتيرة وأمسكت زاد البطاقة الموضوعة على باقة الورد لتجد هذه الكلمات:
- كل سنة وإنتِ طيبة يا زاد، معقول أعرف عيد ميلاد من الفيس بوك.
اعملي حسابك على عيد ميلاد جامد.. وإلى.
تعجبت من طريقته، يبالغ في معاملته معها وكأنهم أصدقاء منذ دهر.
وما إن انتهت من قراءة البطاقة لتجده يتصل بها هاتفيًا.
_ألو
_كل سنة وأنتِ زي القمر.
ابتسمت زاد خجلًا، واحمرت وجنتها، وأردفت له بتحفظ كعهدها:
_أنت قاعد لي بقى، واخد بالك من عيد ميلادي، وباعث ورد و...
_والليلة مجهّز لك عيد ميلاد في مكان هبعت لك اللوكيشن بتاعه. وطبعًا حضرتك لا فاكرة عيد ميلادك ولا بتحتفلي ولا فيه حد في حياتك بيحتفل بيه.. فأنا قررت متطوعًا بما إننا أصحاب هحتفل لك بيه.
ضحكت زاد مع هز لرأسها يمينًا ويسارًا، تتعجب من أمر هذا الغريب، فقالت له:
_افرض أنا مش مستعدة لحفلات أو عندي خطط تانية لليلة انهاردة أو مثلًا...
_يا زاد ما عندكيش ولا حاجة، وحتى لو فيه هنكنسلها بقول لك. المهم الساعة 9 بالدقيقة تكوني في كامل أناقتك كالعادة.. وتيجي على المكان اللي هبعت لك عليه على الواتس. سلام.
أغلق حتى قبلما أن تتفوه هي بأي كلمة، وكأنه متأكدًا من قبولها وما عليها سوى الانصياع خلف ما عرضه عليها.
ولكن حقيقة الأمر.. هو حملها برمتها من عالمها الروتيني الممل إلى عالمه هو المملوء بالحيوية والتغيير وقد أعجبتها الفكرة، ومن يدري؟!
في تمام التاسعة، كانت قدميها تطأ أرض المكان المذكور، نظرت هنا وهناك حتى وجدته فأقبل نحوها ودعاها للجلوس فجلست.
كانت تشعر بالارتباك قليلًا ولكن والي قد أزاله بعد بضعة دقائق.
_تشربي حاجة الأول مش كده؟
أجابت زاد بالإيجاب برأسها فطلب والي كوبين من عصير الليمون المثلج، انصرف النادل فمشّط والي جسد زاد بالكامل يلقي نظرة كاملة على طلّتها اليوم وأردف لها متسعة بسمته:
_قولي لي كل مرة بتتألقي في لبس الأميرات ده إزاي؟
ابتسمت زاد وأردفت له بهدوء:
_ممكن لو سمحت تتكلم عادي كأصحاب وبلاش كلام المغازلات ده.
_أنا مش بغازلك، أنا فعلًا بقول الحقيقة.
صمتت زاد ونظرت نظرة دائرية تحيط بها المكان كله ومن ثم قالت:
_أنت رايح تعمل لي عيد ميلاد، لازم تفكرني بأن تميت 38 سنة!
_السن مجرد رقم يا زاد، المهم القلب والروح شباب. وبعدين أبدًا شكلك وهندامك ما يدوا 38، أنتِ بالكتير 29 سنة.
_طول الوقت بحس إنك مبالغ.
_بالعكس والله بقول الحقيقة.
_أنت كام سنة يا والي؟
عقد والي ذراعيه أمام صدره وعاد بظهره للخلف وأردف بثقته المعهودة:
_تديني كام سنة؟
_لأ قول أنت.
_35.
شعرت زاد بالإحراج، هو أصغر منها سنًا.. ولكن ما الذي جال بخاطرها الآن؟ هما الاثنين لا تربطهما علاقة من الأساس.
مرت الدقائق، حتى أشار والي إلى النادل فأغلقت أضواء المكان وأتوا بقالب الكيك الكبير الذي عليه اسمها ووضعوه أمامها وصفق كل من بالمكان، شعرت زاد بالسعادة لأول مرة أحدهم يقوم بالاحتفال بعيد مولدها وبيوم كهذا حتى عمها الغالي على قلبها.
غنت معه وقطعت قالب الكيك، حازت على قطعة صغيرة وهو أيضًا، وحملوا القالب وانصرفوا. شكرته كثيرًا وكانت سعيدة للغاية وبدا هذا واضحًا عليها، وأثناء تحدثهما سويًا وتقديم والي لهدية زاد، وقفت فتاة أمام طاولتهم.
_والي عبدالحميد!
رفع والي بصره لها وابتسم ونظرت زاد ناحيتهما، فنهض والي وعانقها وتبادلا التحية وبعد السؤال عن الأحوال، رحلت الفتاة على وعد بلقاء قريب، وما إن جلس ثانية أمام زاد فقالت له وهي تتصنع الانشغال:
_إيه صاحبتك؟
_ريم! آه احنا كنا أصحاب فترة وبعدين ما عرفش حصل إيه.
ضحك والي فضحكت زاد وبعدها أردفت:
_أصل سلمت بحرارة وأحضان وبوس وكده.
قالتها والدماء تفور من وجنتيها، لاحظ والي وأردف لها بنبرة صوته الرصينة:
_عارفة يا زاد، أنا ممكن أبوس حد ما باحبوش لكن عمري ما أمسك إيده.. أنا يوم ما بأبعد عن شخص باحبه بأفضل مركز على إيده، ما جاش في بالي أي حاجة غير إني عايز أفضل فاكر شكلها لأني مش هألمسها تاني، لأن مؤمن جدًا إن الإيد أصدق حاجة بتعبر عن الحب عشان كده هي حركة مهمة بين أي اثنين بيحبوا بعض.
زي لما تكون ماشي مع صاحبك فيلمس ظهرك بتلقائية عشان يبعدك عن العربيات، أو إنه يطبطب عليك لما يحضنك وهو بيسلم عليك، أو يمسح دموعك بإيده وأنت بتعيط على حاجة وجعتك.
كانت تستمع زاد إليه باهتمام وكأن قد أعجبتها كلماته وهو يكمل لها وكأنه يريد توصيل فكرة معينة لها:
_قريت في مرة لنينا لاكور لو تسمعي عنها جملة بتقول عن حبيبها.. مسح الدموع من على وجهي، لقد استخدم يديه، لقد كان يحبني حبًا شديدًا. حاجة كده مش مفهومة إنك ممكن تبوس ألف شخص لكن ما تمسكش إيده، ماسكة الإيد معنى ثاني وثالث زي مثلًا تبقي متوترة وعندك حاجة مهمة فصاحبتك تمسك إيدك فتطمني، أو لما تبقي رايحة ميعاد مهم ومرتبكة فاللي رايحة تقابليه ده يشد على إيدك في السلام فتهدى، حاجة كده شبه اللي قاله فؤاد المهندس في الشموع السوداء إن زي ما يكون القلب في كف الإيد!
قالها ومن بعدها لامس بأطراف أصابعه كف يدها الموضوع تلقائي على المنضدة، شعرت زاد بنفضة وكأن هناك قوة كهربية تم التوصيل بجسدها للتو.. أو أن هناك شعور بتلك "لسعة البرد" تمر بظهرها الدافئ.
ما هذا الشعور؟ ما هذه الطرقات التي تجعلني أسير بها يا والي؟ طرقات لم أعتاد عليها ولم أعرفها ولم أتطرق لها من الأساس، قامت زاد بجذب كف يدها مسرعة وقامت بنهره على فعلته هذه:
_فيه إيه يا والي؟ مش شايف أنها زادت شوية؟
شعر والي بالخجل منها فنهض هو الآخر يعتذر منها كثيرًا ويدعوها رجاءً للجلوس مرة ثانية:
_أنا آسف والله مش قصدي، غصب عني لقيت نفسي..
_لقيت نفسك إيه؟ مرة نروح فرح مرة تجيب لي ورد وكل شوية كلمات غزل، ودلوقت تلمس إيدي. والي، أنا ما باحبش التصرفات دي، وإلا يا ريت نرجع مجرد شركاء في شغل وبس.
شعر والي بالضيق فاعتذر منها مرة أخرى وقام بتهدئتها وأجلسها مرة أخرى وهو يتحدث إليها:
_بجد مش قصدي أضايقك أو أزعلك يا زاد، حركة تلقائية مني.. وخلاص يا ستي من هنا ورايح المعاملة هتبقى عادي وأي شعور مني هأحسّه وهألاقيه بيطلع، هأكتمه على طول. بس أنتِ ما تضايقيش.
صمتت زاد وما زالت على عبوسها فأردف هو ممازحًا إياها:
_ممكن نكمل الليلة بنضحك زي ما كنا، انهاردة عيد ميلادك.. بلاش البوز ده بقى مش لايق على الطلة الملكية دي.
ابتسمت زاد وعادا لحديثهما، لا نخفي سرًا بأن شيئًا ما يتحرك داخلها كلما فعل والي فعلًا جديدًا معها، ولكنها تقوم بإخماده سواء داخلها أو بصوت مسموع فلا مجال للحب بعالم زاد مطر وهذا أفضل!
~~~
_مسابقة!! مسابقة إيه.. إيه الهبل اللي أنتم جايين تقولوه ده؟
تأفف نبيل وأخذ يقضم بشفتيه فقالت ديانا:
_مسابقة يا ماما في التليفزيون هناخد منها فلوس كتير قوي وعربية وفرح على حسابهم حاجة جامدة موت.
التوت شفتا السيدة والدة ديانا وقامت بفعل مصمصة شفتيها ساخرة منهم، فقال والد ديانا:
_اسمع يا نبيل إحنا هنديك فرصة عشان بس البنت بتحبك ومتمسكة بيك. لكن جو تليفزيونات وبرامج ما لناش فيه.
_ما هو مش أنتم يا عمي اللي هتتصوروا أنا وهي.
قالها نبيل فقالت والدة ديانا:
_على حد علمي دي مسابقة لعيال صغيرة في سن بنتي، هتروح تعمل إيه أنت هناك وسطهم؟ يا خويا اتكسف على دمك.
_ليه يعني يا طنط هو أنا عندي 60 سنة؟ من صباح الكخ على الكخ.
دنا نبيل من أذن ديانا وأردف لها ممتعضًا منهم:
_أمك وأبوكِ بيموتوا فيا قوي.
قامت ديانا بغمزة وأردفت لوالديها:
_إحنا بس كنا عاوزين نستلف شوية فلوس منكم نجيب حاجات لازمانا للبرنامج.
نظرت السيدة ناحيتهما وبالأخص نبيل وأردفت:
_طب نديكِ أنتِ ماشي إنما هو ليه؟ لقيط ولا إحنا متكفلين بيك؟
_أنا عاوز أعرف يا طنط هو أنا أكلت نايبك من على السفرة؟ فيه إيه أنا مش عاوز حاجة هاتوا لها هي وكفوها مقاسات كبيرة، وأنا لي ربنا.
أمسكت ديانا بذراع نبيل تجذبه نحو السفرة تتحدث بحماسها المعتاد:
_طب قوم يا بلبلّي هنتغدى انهاردة سوا وأنا اللي عاملة الأكل بنفسي عشان لما نتجوز ما أعتمدش عليك في الطبيخ وأكون طباخة جميلة مرات طباخ شاطر.
امتعض نبيل بوجهه ردة فعل منه على ما قالت وسار معها تسحبه حتى أجلسته على المقعد ووضعت على صدره المحرمة وناولته الشوكة والسكين ووضعت أمامه صحنًا فارغًا وقامت بسكب الطعام الساخن وقطع الدجاج وابتسمت له ابتسامة عريضة كي يبدأ، فهمّ نبيل تقطيع قطعة دجاج ووضعها في فمه ليصنع صوتًا مضحكًا بعدما مضغها أثناء البلع ونظر نحوها متسائلًا:
_إيه ده يا كعبول؟
كانت تأكل ديانا بنهم وأردفت له بفمها المملوء:
_فراخ يا حوبي.
_فراخ إيه.. الفراخ دي عاملة كده ليه؟
ضحكت ديانا وأردفت له بعفويتها:
_آااه، أصل كان لازم تتغسل فأنا بقى إيه جبت الإريال وغسلتها خليتها ناصعة البياض.
اتسعت حدقة عين نبيل مع اعوجاج شفتيه وأردف لها بهدوء:
_غسلتيها بإيه؟ بإريال! إريال مسحوق الغسيل؟
_أيوه كان مكتوب في اليوتيوب تتغسل، وأنا ما لقتش غير إريال لو فيه تايد أو برسيل كنت غسلت. بس ماما ما عندهاش غير ده.
هنا أمسك نبيل ذراعها يلويه فتأوهت هي وتحدث لها بعصبية تفرطك ضحكًا:
_فراخ إيه اللي بتتغسل بإريال منك لله، ودي ناكلها ولا ننشرها على حبل الغسيل يا اللي تنزغدي.
تركها ونهض مسرعًا نحو المرحاض فهرولت هي خلفه تتهادى بشحوم جسدها المترهلة قائلة:
_يا بلبلّي اصبر، طب أنت ما دوقتش الكانيلوني.
_عاملاه بإيه ده بقى إن شاء الله بسولار ولا حاطة في البشاميل بتاعه جبس. أوعي يا شيخة دي جوازتي منك تكفير ذنب.
وعلى هذا العراك المضحك، ثنائي المشاكسات برغم الطيبة التي تملأ قلبيهما، هل سيستمران على هذا النحو؟
~~~
ضغطه على رابط المسابقة الموضوع على صفحة الإنترنت، فتحت صفحة ملء استمارة البيانات.
كان يقرأ قصي ويقوم بالإجابة عن كل سؤال، كان يصنع لعزة مفاجأة فقد كانت أمنيتها التحاقهم بهذه المسابقة وبعد إلحاح منها ولأنها معشوقته خضع لطلبها ولكن سرًا حتى إن تم القبول تتفاجأ ويكون لها أسعد خبر.
أما عن عزة فقد كانت ترتب الخزانة بغرفة نومهما لتجد ظرف عليه اسم شركة والد قصي وبداخله المال!
تعجبت عزة من هذا الأمر ودلفت إلى قصي لتجده يجلس على حاسوبه منهمكًا، فقالت له ممسكة بالظرف الورقي:
"إيه دا يا قصي؟"
رفع قصي بصره لها ليجدها تمسك بالظرف، مط شفتيه واستعد للمعركة لأنها لم تكن تعلم بأنه يأخذ أموالًا من والده على اعتبار أنها حقه.
"عادي يا عزة، ظرف وفيه فلوس."
"فلوس من مين؟ من أهلك؟"
بلل قصي شفتيه وترك الحاسوب ونهض مترجلًا إليها يتحدث:
"أيوة منهم يا عزة، فيه إيه؟"
بدأت عاصفة عزة أن تندلع فأردفت بنبرة على أعتابها العصبية:
"ومقولتليش ليه؟ وبعدين إحنا من إمتى بنخبي حاجة على بعض؟ وبعدين أصلًا إحنا مش عاوزين منهم فلوس، أنا بشتغل وأنت بتشتغل، وكل فلوسي بتتحط في البيت، يبقى بتاخد منهم ليه؟ أهلك طلعونا من حياتهم زمان من غير أي وجه حق، يبقى مش بنقبل إحسان دلوقت."
عبس قصي بوجهه وتحدث يهز رأسه استنكارًا:
"لأ ثواني بس، يعني إيه كل فلوسي بتتحط في البيت دي! أنا من أول يوم قلت لك فلوس شغلك خليها ليكِ يا عزة، وأنا اللي هصرف على البيت. أنتِ بتعايريني يا عزة!"
اتسعت عين عزة ذهولًا وحاولت الدفاع عن نفسها:
"لأ طبعًا مش دا قصدي، قصدي أن إحنا مش محتاجين لهم."
اقترب قصي منها وتحدث مشخصًا نظرته إلى عينيها:
"لأ محتاجين وعاوزين، فلوس شغلي وشغلك مش مأمنة ليا وليكِ المستوى اللي أنا عاوزه. أنا عشت طول عمري ابن ناس يا عزة وابن عز. ما سألتيش نفسك قسط العربية بيتدفع منين؟ شغل المرسم وسيشنات التصوير بتاعتي وشغل الكروشيه هو اللي جاب لنا العربية؟ هو اللي جاب شقتنا دي؟! فوقي يا عزة ولما تيجي تحاسبيني ما تعايرينيش بإنك واقفة جنبي. وافتكري أني قلت لك من الأول إني رافض بس أنتِ اللي صممتِ."
حدقت عزة بكلتا عينيها وقد اغرورقت عيناها وأردفت له بصوت متهدج:
"طبعًا، أنت طول عمرك ابن ناس وعز ولازم فلوس كتير وكفاية لأن دا مستوى عيشتك من الأول. من قبل ما تنطرد من الجنة عشان اليتيمة بنت دار الأيتام، مش كدا؟ بس أنا عاوزة أعرف ليه خبيت عليا؟ أنت ليه كل حاجة بتخبيها عليا كدا؟ فين الحب وعشرة السنين وأنا كل شوية أتفاجئ ليك بحاجة شكل؟"
زفر قصي زفرة حارة وهم بإمساك كتفيها يهدئ من عصبيتها فنفضته هي عنها وترجلت بعيدًا عنه تتحدث وقد سالت دموعها:
"ابعد عني، أنا كل شوية بكتشف إني ما أعرفكش. مش هو دا الشخص اللي حبيته وآمنته على حياتي."
تركته وهرولت إلى غرفتها وأغلقت بابها بقوة.
وقف قصي مشدوهًا من تصرفها هذا، لا يعرف ماذا يقول وكان في خاطره إسعادها بشيء صادمته هي بشيء آخر في لحظة، بداخله نحوها آلاف الأمنيات، وآلاف الانكسارات والكثير الكثير من الخذلان!
~`~`~
موعد المقابلات، تم فتح باب استقبال المتقدمين للمسابقة.
كاميرات هنا وهناك، الكثير يقف بالصفوف ينتظر دوره للمقابلة المبدئية لاختيار الصفوة ومن بينهم فحص آخر حتى يتم دخولهم إلى أكاديمية مطر وردي، هذا العمل الضخم فنيًا وبقوته وانتشاره عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو التلفزيون والذي من قبل أن يبدأ بدأت الصحف والمجلات في الحديث عنه. حيث الشهرة، الحماس، الفضول، المال، والربح الذي يفوق التوقع!
جلست زاد في منتصف منصة الحكام وعلى يمينها وإلى يسارها المعد حمدي فرغلي. وما إن ولج من الباب أول المشتركين، وجلسا أمامهم فتحدثت زاد إليهم بثقة:
"عرفونا بنفسكم."
نظر باسل نحو وئام وأمسك يدها يشتبكا بأصابعهما وأردف بثقة:
"باسل حمودة، 29 سنة عازف آلة كمان بفرقة موسيقية بالأوبرا. ودي وئام مراتي، 24 سنة وما فيش أولاد."
ابتسمت زاد ونظرت إلى والي وحمدي، ف هم والي بسؤاله:
"طيب يلا ندخل على السؤال الأول يا باسل."
ابتسم باسل بثقة وابتسمت وئام وقالا معًا:
"مستعدين."
~`~ب`~`~`
"والله يا باشا أنا ما أعرفش بيتعافى المرء بإيه، بس من خبرتي يعني نقول لك يتعافى المرء إذا خليتوه إن شاء الله في حاله!"
رواية ميكاتوا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نور اسماعيل.
"كلام في سرك الحياة وأنت معايا، كل ما بيعدي وقت تحلى عن البداية.
صعب الكلام اللي أعرفه يوصف هوايا، في حاجات كده بنحسها وماتتحكيش.."
صوت المطرب صابر الرباعي يتصدح بالسيارة، فقامت أنامل بإيقاف المشغل، ومن ثم حذاء باهظ الثمن يهبط من سيارة طراز السنة.
نرتفع بالنظر وكأنه تصوير بطيء للمشهد، بنطال جينز رمادي اللون، وقميص ذو لون أحمر قاتم، وفوقه جاكيت بليزر رمادي اللون أيضًا.
هبط الطبيب والمعالج النفسي حسن من سيارته الفارهة وارتدى نظارته الشمسية، فالتف الجمع الغفير المزدحمون أمام صالة الكاستينج وصفقوا بحرارة له.
والتفت الفتيات حوله وتم التقاط عدة صور معهن، ومنهم من أرادت معرفة مكان عيادته فأعطاها بطاقته "الكارت" الخاصة به، ورحل يدلف إلى قاعة التقديمات.
كل هذا وكاميرا التلفزيون معه، وأيضًا كاميرا تغطية التواصل الاجتماعي، علاوة على كاميرات هواتف الملتحقين والمتقدمين للمسابقة.
وقبل أن تطأ قدميه صالة التقديم وينضم إلى لجنة الحكم، أتته مكالمة هاتفية من إحدى زوجاته تقى، فهمّ بالرد عليها:
- أيوه يا تكتك.
- سونسونتي قول لضحى تبطل تضايقنا! مين قال لك إنه عامل لك كريم بروليه وقمت النهارده أجهز فيه؟
وقف حسن ووضع يده بجيب بنطاله ونظر هنا وهناك وأردف:
- أنتِ يا روحي.
- يبقى ليه ضحى تبعت لي مسج واتساب ومصورة الكريم بروليه بتاعها، وأصلًا صايص زيها وسخيف.
وتقول لي محضراه لأبو علي ليلته عندي النهارده!
حبس حسن ضحكاته وأردف يهدئ من روع تقى كما يفعل دائمًا:
- خليها تعمل المهم، هو على قلبي حلو من مين.
ابتسمت تقى وداعبت شعرها وانبطحت على بطنها على فراشها قائلة له:
- من تكتوكك.
- طب يلا يا تكتوكي عندي شغل، نقفل ونتكلم أول ما أخلص، سلام.
بوسي لي نفسك كتير أوي.
الطبيب حسن العطار، معالج نفسي مشهور ومعروف بالبلدة، يتم استضافته على كثير من القنوات الفضائية.
وله صفحته الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي تعج بالمتابعين، ما يعادل ثلاثة مليون متابع!
قد كانت فكرة المعد حمدي فرغلي بالاستعانة به عضوًا رابعًا بلجنة الحكم، فهو الوحيد الذي سيكون عنده معرفة نفسية من يتقدم أمامهم وما خلف السطور.
وقد نالت الفكرة استحسان زاد ووالي.
دلف حسن وصافحهم جميعًا، وجلس بجانبهم ووضع حقيبته بجانبه وأخرج النوتة الخاصة وقلمه ووضع هاتفه جانبًا وأردف إلى الجميع:
- متأسف للتأخير.
همّ حمدي بالرد عليه:
- ولا يهمك يا دوك، أول المتقدمين باسل ووئام.
أشار حمدي نحوهم فابتسما، فقالت وئام بصوتها الهادئ على استحياء:
- دكتور حسن أنا متابعة حضرتك سوشيال، وبحب محاضرات حضرتك بتاعت لغة الجسد ونعرف الكذاب منين ومحاضرات الثقة بالنفس، أنا مبسوطة أوي إني قابلت حضرتك أوي.
هز حسن رأسه وأردف لها بنبرة ترحيبية:
- أنا اللي مبسوط إني ضمن فريق تحكيم عمل ضخم زي كذا، يلا نبدأ.
نظرت زاد نحو والي كي يبدأ فأردف والي:
- إيه السبب إنكم تشتركوا؟!
صمتت وئام ناظرة نحو باسل فأردف باسل:
- أنا ووئام متجوزين من فترة صغيرة، كان فيه قبلها معرفة بس مش طويلة يعني.
فأنا لما لقيت المسابقة حبيت أنضم، وكنت حاسس إني مش هتقبل، لأن فيه أسئلة كتير معرفتش أرد عليها على اللينك، أنا بس كنت عاوز أشترك عشان أعرف من خلال المسابقة وئام أكثر.
كان حسن يستمع ويدون أمامه صامتًا، فأردفت زاد:
- إيه اللي خلاكم تحسوا أن ينفع ترتبطوا؟
همّت وئام بالرد قائلة:
- أنا كان لي تجربة قبل باسل وفشلت، أو يعني كنت متجوزة واتطلقت.
قاطعها حسن قائلًا:
- لا ثانية واحدة، الطلاق مش فشل، الطلاق اثنين استحالت العيشة بينهم ووقفوا عند طريق سد.
بالطلاق كل حد فيهم هيبقى عندهم طريق منفصل يعرف يمشي فيه بعيد عن الثاني.
لكنه مش فشل يا وئام، كملي.
حديثه أعطاها ثقة بنفسها حتى بدا هذا على ملامحها، فقامت هي بتعديل هندام وشاحها وأردفت:
- فكنت مقررة إني مش هتجوز ثاني، بس باسل عمل حاجات كتير عشان يحسسني إنه شاريني.
فالبداية كنت خايفة منه، أنا معنديش تجارب كثيرة.
بس فيه حاجة واحدة عملها، حسيت إني أقدر آمنه على نفسي وأثق فيه.
رمقها باسل نظرة حب جديدة العهد عليهما، فابتسم جميع من بلجنة التحكيم فأردف حمدي معد البرنامج:
- المسابقة بالنسبة لكم سبوبة ومكسب خيالي ولا لعبة حابين تجربوها؟
ولا إيه؟
صمت الاثنان وأمهلهم التفكير، حتى أردف باسل:
- المسابقة فكرة حلوة وشدتني، وكنت عاوز يعني أتعرف على ناس جديدة أستفيد من تعاملاتهم مع نصفهم الثاني إزاي، عشان لو فيه حاجة أنا مقصر فيها أظبطها.
- وأنتِ يا وئام؟!
قالتها زاد فتنحنحت وئام وأردفت:
- هي كانت فكرة باسل وعجبتني، بس الفوز بالفلوس مش هدفي ولا في دماغي.
أنا بس كان نفسي يكون لي كيان الناس تعرفني بيه في يوم من الأيام بدل ما أنا مهمشة طول عمري.
تنحنح حسن وعدّل من رزمة أوراق أمامه وأردف:
- باسل فيه شرط في المسابقة ولازم نعرف إجابتك عليه، ودا يحدد قبولك أو رفضك.
تمام؟
هز باسل رأسه فأردف حسن ناظرًا إلى أوراقه:
- الشرط هو إنك لو تخطيت المرحلة دي واللي بعدها ودخلت أكاديمية مطر وردي، بمجرد وجودك مع بقية الثنائيات، لو حصل وعجبتك واحدة من أي كابل ثاني وحسيت إن فيه انسجام بينكم أكثر من الطرف الثاني اللي معاها سواء جوزها خطيبها حبيبها، ينفع التبديل فورًا، وأنت كمان تسمح لزوجتك باستخدام نفس الحق.
استشاط باسل غضبًا ونهض تغلي دماؤه قائلًا:
- لا مش موافق طبعًا، حضرتك بتقول إيه؟!
***
أحبك! .. فكلمة أحبك بالنسبة لي ليس من السهل البوح بها، ولكن من السهل أن أفعل ما يعبر عنها.
فأحبك تعني أنا أتفهم عيوبك، مميزاتك وقلبك الضعيف ووجهك المُر الذي يتقلب ساعة وساعة، أتفهم جنونك هذا وعصبيتك الزائدة.
أحبك تعني قلبي قد مال نحوكِ، وظل يترقبك، يترقب أفعالك، أقوالك، يترقب أيضًا عيناكِ التي تبهرني كل يوم كأول لقاء بيننا.
عيناكِ فقط كفيلة على أن يقع أحدهما في حبك، كنت أريد أن تكون عيناك تلك قبيحتين، حتى لا يقع في حبك أحد ويتعلق بكِ، ولكن كيف؟
فهي السبب بأن أقع في حبك، هي السبب في سقوطي في بئرك إلى الأبد.
كانت تدور مايا في مكانها ليشاهدها رائد ويعطيها رأيه بمظهرها الأخير الذي ستذهب به إلى الكاستينج، فقد تمت دعوتهم اليوم بأنهم ضمن ثنائيات تقديم اليوم.
وقفت عن الدوران وقالت بلهفة:
- حلوة؟!
اقترب رائد منها وحاصر خصرها بذراعيه قائلًا:
- قمر.
- طب يلا بقى يلا جدًا يلا بسرعة، قلبي بيدق بدقات متزايدة مش قادرة أصدق إننا كنا من ضمن مقبولين مرحلة التقديم، وكمان هقابل دكتور حسن العطار يااااي.
كان رائد ممسكًا بكف يدها أثناء هبوطهما بمصعد العقار الذي تقطن به مايا مع عائلتها، ونظر نحوها يمط شفتيه مع قوله:
- بدأت أغير من سي حسن دا من دلوقت وأتخنق منه.
مدت مايا شفتها السفلية بطريقة مداعبة طفولية وقالت له:
- ليييه يا كيوتي، دا الدوك، مش بتشوف الريلز بتاعته انستا؟
أردف رائد لها ممتعضًا:
- لا مش بشوف وكفاية كلام عنه من وقت ما اتقبلنا صدعتيني بيه يا إما هحلف ألغي كل حاجة يا مايا.
- لا لا خلاص خلاص سكتت أهو.
وضعت مايا كف يدها على شفتيها واستقلا السيارة معًا وانطلقا.
وصلا فقدم رائد لقطة الشاشة برقمهم من ضمن المقبولين للاختبار المبدئي إلى المسؤول خارجًا، فأدخلهم غرفة أخرى ووضعوا أرقام ورق لاصق على صدر كل منهما وانتظروا دورهم.
أما بالداخل فكان أحد الثنائيات المتقدمين وتجمعهما علاقة حب وطيدة لسنوات، أجابا على جميع الأسئلة حتى وصلا إلى سؤال حسن غير المألوف، فكانت إجابة الفتى:
- أه أوافق!
اتسعت حدقة الفتاة التي برفقته وقالت ضاحكة بسخرية:
- إزاي توافق؟! يعني أنا ممكن يعجبني حد من الناس جوا وأنت واشطا كذا نفركش ونرتبط بيهم.
دنى الفتى منها وأردف بهدوء صوت كان مسموع نسبيًا إلى الحكم وبالأخص حسن الذي قام بالتركيز معه:
- أنتِ شايفة الفلوس قد إيه لو كسبنا والعربية، أنتِ إيه عبيطة عاوزة تخسرينا كل دا.
طبعًا موافق.
رفع الفتى رأسه إليهم قائلًا بثقة:
- أيوه موافقين على الشرط.
- Good!!
قالها حسن ودون أمامه فأردفت زاد أنه انتهى الاختبار المبدئي وعليهم الرحيل، ليدلف مايا ورائد معًا، قاموا بالترحيب بهم وتقدمت زاد بالسؤال:
- مكتوب كتابكم عرايس جداد يعني!
- أيوه ونفسي نكسب وتعملوا لنا الفرح والهوني مون أوي.
قالتها مايا باندفاع، فتناول والي القلم أمامه وأردف:
- تعرفوا بعض من إمتى وإيه السبب إنكم تاخدوا خطوة الجواز رسمي؟
أجاب رائد وأجابت مايا وكانت إجاباتهم مقنعة، فأردف حسن:
- حضرتك لايف كوتش، زميل يعني.
ضحك رائد وأردف برصانة:
- ليّ الشرف، مايا من وقت قبولنا وعرفت إن حضرتك في لجنة التحكيم وحرفيًا بتحلم باللقاء.
ابتسم حسن وأردف لهما وهو يدون أمامه دون النظر إليهما:
- تسمعوا دائمًا المقولة بتاعت أنا بحبه أكثر لا أنا بحبها أكثر والمياصة دي.
لو سألتكم السؤال دا مين بيحب الثاني أكثر؟!
نظر كل واحد منهم لآخر، فتنحنح رائد قائلًا:
"أنا بحبها أكتر."
تعجبت مايا منه وأردفت مقاطعة رائد:
"لأ أنا أكتر طبعًا!"
"هاتي دليل طيب."
أشار حسن لهما ضاحكًا بكلتا يديه وأردف:
"من غير خناق، كل حد يقول دليله وأنا هقرر."
تنهدت مايا وأردفت تسرد لهم قناعتها بأنها مغرمة به أكثر منه:
"رائد شخص شديد، تعامله شديد.. النظرة بحساب والكلمة بحساب. متكلميش صاحبتك الفلانية، متلبسيش اللبس الفلاني، بلاش الكلمة دي، مفيش خروج دلوقت. المكان الفلاني دا سمعته وحشه مش هتروحيه، زي ما يكون اتولد عسكري. كل حاجة عنده أوامر أوامر.. فالبداية حسيت إنه صعب وإن مهما كنت بحبه مش هقدر، سيبنا بعض."
"سيبتيني.."
قالها رائد مقاطعًا إياها مائلًا رأسه نحوها، فكتمت هي ضحكتها وابتسمت لجنة الحكم، فأكملت مايا تهز رأسها إيجابًا له:
"ماشي يا سيدي سيبتك، وبعد ما سيبته أنا اتخطبت لشخص تاني.. بصراحة أنا هقول كلام رائد أول مرة يسمعه، طول ما أنا مع الشخص التاني كان رائد فبالي وفذكرياتي.. خروجاتنا ضحكاتنا مواقفنا حتى خناقتنا. أغنية سمعناها سوا، كلمة دايمًا يقولها ولازقة فلسانه، بمعنى أصح كان معايا رائد وكأني مسبتوش. ولما فسخت ورجعنا، هو حاول يبقى أفضل من الأول، آه لسه بيديني فرمانات ولسه طريقه عسكرية بس بطريقة ألطف، بطريقة عارف يدخل بيها لقلبي من جديد.."
نظرت ناحيته بهيام وقالت جملتها الأخيرة:
"وف الأصل هو مخرجش منه."
من دون وعي منه، أمسك رائد كف يد مايا وقبلها، وأردف له حسن:
"أومال إيه قناعاتك يا رائد بإنك بتحبها أكتر؟"
شبّك رائد أصابعه بأصابع مايا وحدق بها مطولًا مع بسمته وعدّل من نظارته وأردف لها وكأنه لا يرى غيرها:
"قبل مايا، كان عندي أكتر من تجربة بس مدخلتش فمرحلة الرسميات، جو صحوبية وخروج ومكالمات. محستش بنفسي وقلبي إلا معاها ومخدتش الخطوة إلا وياها. لما بعدنا، أنا فعلًا كنت ميت.. بس طبعًا كبريائي كراجل عمري ما بينت لها دا.. كنت بشوف صورها مع خطيبها دا، الدم بيغلي مش بس غيرة وكدا ولا حب تملك. مايا دي أنا، إزاي بتخرج مع حد تاني، إزاي بتسمع كلام حلو من حد تاني. أول ما فسخت جريت عليها، قولتلها عاوز نرجع لأن فعلًا كنت ميت عايش من غيرها.."
زمتت زاد شفتيها وأردفت:
"كل اللي بتقوله دا حب، بس مش إنك بتحبها أكتر.. فين برهانك على إنك بتحبها أكتر؟"
رفع رائد نظارته على عيناه وأردف بنبرته الواثقة:
"مايا فيها شوية حاجات مش بحبها، عنيدة ولازم رأيها يمشي.. دلوعة لأبعد حد يعني لو محصلش اللي عاوزاه الدنيا بتتهد، ساعات عقلها بيبقى صغير فمواقف. ومع كل دا متقبلها وبحبها وعمري ما أسيبها."
قام والي بسؤال مايا قائلًا:
"لو مثلًا كسبتوا المسابقة، وجه رائد بعد الفرح طلقك وقالك أنا بس كنت عاوز الفلوس والعربية وخلاص هتعملي إيه؟"
ضحكت مايا بقهقهة عالية أدهشت من حولها عدا رائد لأنه يتفهمها، فقالت موجهة حديثها إلى والي:
"مش هيعمل كدا مستحيل."
اندهش والي من ثقتها الزائدة بخطيبها وأردف لها متسائلًا:
"ليه؟"
"عشان أنا اللي صدعته إني عاوزة أدخل المسابقة وهو مكانش موافق، رائد آخر حاجة تهمه الفلوس."
تقدم حسن واعتدل على مقعده وأردف لهما:
"طب حيث كدا بقا فيه شرط عشان تقدروا تدخلوا الأكاديمية لو نجحتوا فالمرحلة الجاية كمان."
أومأ رائد برأسه استفهامًا:
"إيه هو؟"
"الشرط هو إنك لو تخطيت المرحلة دي واللي بعدها ودخلت أكاديمية مطر وردي، بمجرد وجودك مع بقية الثنائيات، لو حصل وعجبتك واحدة من أي كابل تاني وحسيت إن فيه انسجام بينكم أكتر من الطرف التاني اللي معاها سواء جوزها خطيبها حبيبها، ينفع التبديل فورًا. وأنت كمان تسمح لزوجتك باستخدام نفس الحق."
اتسعت حدقة عين مايا اندهشت ورفعت حاجباها، فضحك رائد وأردف:
"دا بجد الشرط دا ولا تهريج؟"
نهض حسن من مجلسه ووجه نحوه ورقة الشروط ووجده مكتوب، فابتسم رائد ساخرًا ونظر ناحية مايا:
"أنا أسمع إنه لاسع بس مش كدا."
وجه حديثه نحو حسن:
"حضرتك عاوزني أجاوب بجد؟!"
أومأ حسن برأسه إيجابًا، فقالت زاد:
"وعلى فكرة رفضك يعني إنك منسحب."
نهض رائد ممسكًا بيد مايا قائلًا بعصبية:
"انتوا عاقلين يا جماعة؟ يعني من سكان الكوكب معانا؟! إيه اللي بتحكوا فيه دا؟ إحنا فين هنا؟"
قام حسن بتهدئته ولوّح له بأنامله قائلًا:
"إهدى بس مفيش حاجة خالص، افتكر المبلغ اللي هتكسبه فنهاية الجولة. العربية، الفرح، الهوني مون فأحلى مكان فالعالم. أعتقد شرط هايف زي دا مش هيخليك ترفض."
"يا أخي xxxxx"
تلفظ رائد بلفظ خارج صعب وانصرف مع مايا يتحدث بصوت جهوري:
"دا مش شيزوفرينيا، دا مناخوليا، هو دا اللي هتموتي وتشوفيه. إيه رأيك إن فولو على كل مكان بتتابعيه فيه.. دا دماغه سايحة."
ضحك حسن وكان ثلاثتهم ينظرون نحوه فقال وهو يرتب أشياؤه أمامه وكأنه لم يسمع شيئًا:
"عادي عادي واخد ع كدا، يلا Next."
`~`~`~
والقرب منك يبهج روحي وكأن حبك منشعل في وتين قلبي فيضيئه.. ويندثر شحوب وجهي .. ويمتلئ قلبي بالنور .. ويعيد حبك لي الشغف لي تجاه كل شيء..
ترقد عزة على فراشها متيقظة مديرة ظهرها إلى باب الغرفة، فولج قصي بخطوات هادئة وصعد إلى الفراش فتصنعت هي النوم فقام بمحاوطة جسدها بذراعه ووضع رأسه فوق رأسها وقبل وجنتها قائلًا لها:
"هتفضلي كتير نايمة هنا وسيباني؟"
زفرت عزة بحرارة وقالت له بنبرة حزن مكتوم:
"كدا أحسن يا قصي."
كان قصي يمرر يده على جسدها بحنو وهو يتحدث إليها هامسًا بأذنها:
"لأ مش أحسن، ولو أنتِ كويسة كدا أنا مش كويس."
التفتت عزة نحوه وأردفت له وعبراتها حبيسة عيناها:
"ليه؟ مش أنت وأسرارك وحياتك تمام! أنا موجودة فالبيت عشان خدمتك. الأكل والشرب والغسيل، وأكتر من كدا مش هقدر."
قام قصي باحتضانها رغمًا عنها وأردف لها وهي بين ذراعيه:
"وحضني موحشكيش؟"
حاولت عزة الإفلات من بين ذراعيه ونهضت تتحدث:
"حتى دا مبقتش قادرة عليه يا قصي."
"ليه يا عزة حصل إيه لكل دا؟ لو عالكلام اللي قولته ساعتها فأنا آسف وقت عصبية واندفاع مكانش قصدي."
بللت عزة شفتيها ورفرفت بأهدابها عدة وقالت له متهدجة الصوت:
"مش بس الكلام، أنا فجأة حسيت إننا أغراب وإن كل شوية أكتشف لك حاجة جديدة شكل. ومعرفش بتخبي ليه، واللي يخبي الصغيرة يخبي الكبيرة."
اقترب قصي منها وأمسك يدها وأردف لها بطريقته العاقلة الهادئة:
"أنا مقصدش أخبي، وحياة عزة!"
رفعت بصرها له فأكمل قصي:
"والله ما جت مناسبة أقول، الفكرة إن أنتِ عندك حساسية من ناحية أهلي وأنا مقدر دا. فمقولتش لا أكتر ولا أقل وقولت عزة ذكية حتفهم إن معيشتنا ليها دخل أكبر من شغلي وشغلها وبس.."
صمتت عزة ونكست رأسها أسفل فرفع وجهها له بإصبعه وأردف لها بحنان:
"أنا آسف.. وبحبك، ومقدرش أستغنى عنك ومش هخبي حاجة تاني ولو خبيت قطيعيني حتت."
على نظرتها له فأكمل ممازحًا إياها:
"وأرميني فالزيت."
ضحكت عزة فقبلها ف وجنتها اليمنى ونظر لها ثم قبلها بوجنتها اليسرى ونظر لها ثم هم بتقبيل شفتيها فأوقفته هي قائلة:
"بس بقا بطل دلع."
"وفيها إيه لما أتدلع عليكِ، حبيبتي وقلبي وكل حياتي."
نهضت عزة من مكانها فأمسك كف يدها ووجه الهاتف نحوها:
"إقرئي كدا."
قامت عزة بالقراءة صامتة: "تم قبول تقديمهم بالاختبار المبدئي لدى مسابقة مطر وردي وميعاد المقابلة.."
قفزت عزة فرحًا رغم أن غير معتاد عليها هذا السلوك الطفولي فقفز معها قصي وقام بعناقها مطولًا وهو يردف:
"حبيبي بس يؤمر.."
`~`~
نصف الإكليل، أو المتعارف عليه بـ "الجبنيوت"، كان اتفاق والد ديانا مع نبيل أن يبدأوا بإجراءاته قبل دخولهم المسابقة، وبالفعل تم عمل محضر بالكنيسة لتوثيق المصوغات الذهبية المقدمة من قبل العريس للعروس، ومقدار المهر.. كل هذا تم توثيقه بالكنيسة وفي جمع من الحضور من أهل العروس وأهل العريس والأصدقاء والمعارف. فستان قصير للغاية أخضر اللون ذو ذيل طويل عاري الأكتاف والصدر كانت ترتديه ديانا وكانت قد تجهزت بأفضل صالونات التجميل حيث تصفيفة شعرها كانت روعة للغاية ومميزة و"الميكياج" الموضوع لها يناسبها ويعطيها مظهرًا جميلًا. أما عن نبيل، فقد اشترى بذلة سوداء وارتدى تحتها قميص أخضر نفس لون فستان ديانا على حسب تعليمات ديانا له كي لا يفسد مخططها بالاحتفال بهذا اليوم. خرج الجميع من الكنيسة إلى أحد الأندية التابعة للكنيسة، وبدأ الحفل مرت ديانا من بين الفتيات تحمل باقة الورد وجميعهن يصفقن لها ومن ثم بدأت وصلات الرقص. يتراقصن ويتغنين ويتقافزن، أما عن نبيل فهو هادئ ساكن مكانه.. هذه هي شخصيته زائد سنه فهو يكبرهم بالكثير وهذه الأفعال لا تليق به، حتى التف حوله مجموعة من أقاربه الشباب وبدأ يتغامزون ويتهامسون حول جمال عروس نبيل وأنه محظوظ بالطبع، فهي فتاة عفوية.. شقية.. جميلة، ذات روح فكاهية وخفة ظل. ووسط الصخب أتت إلى ديانا رسالة تم قبولهم بالاختبار المبدئي للمسابقة، أتت إحداهن إليها تريها الرسالة فهرولت تتراقص ناحية نبيل وتمسك كلتا يديه ليرقص معها فرقص معها ببلاهة وبطريقته المضحكة المعهودة والجميع حولهن يضحك ويقاسمهم الرقصة وتم التقاط صورة تذكارية جميلة.
`~`~`~
"يلا يا بت يا رزة يا فقر هنتأخروا."
قالها مصعب عبر الهاتف فكانت روز ترتدي حذاءها وهو معها على الهاتف وتتحدث له وهي تهبط على الدرج:
"نازلة أهو خلاص يا زفت."
هبطت وأصبحت في مواجهته فأغلق هو الهاتف وأردف لها:
"عارفة ما تجوليلي يا زفت ويا بئف وكلامك الماسخ دا هناك، لنبلعك الموبايل دا كله فخشمك."
ضحكت روز وتأبطت ذراعه قائلة:
"معرفش مالي متوترة ليه."
"هو إحنا رايحين نجدموا فالسفارة!"
دا مسابجة، يا تصيب يا تخيب.
عادي يا روزة، خليكي فريش.
وصلا إلى هناك، تم حصولهما على رقم وانتظرا دورهما. مضى وقت طويل، نهض مصعب يشتري لهما شطيرتين فقد شعرا بالجوع. جلسا بمكان ليس ببعيد وتناولا الشطيرتين، ومن بعدهما ابتاع لهما زجاجتين مياه غازية.
مضى الوقت ما بين النظر بالساعة وما بين سيرهما حول المكان كي يمررون الدماء بساقيهما، وما بين الحديث معًا، وما بين مشاهدتهما للمتقدمين وسخرية مصعب من البعض وضحكات روز.
نظر مصعب بجانبه ليجد اللوحة الكبيرة المدون عليها اسم المسابقة وصورة لجنة الحكم، مع تفخيم لشخص حسن معهم كطبيب ومعالج نفسي وحائز على الدكتوراه الفخرية بإحدى الجامعات المعروفة.
نظر إلى اللافتة مصعب يزمت شفتيه وأردف إلى روز:
مين حسن دا يعني؟ شوية نسوان هناك شغالة "آه حسن ياااي حسن"، مين يعني حسن دهوت؟ مدير القوات العليا لصنع الملبس أبو نعناع!
ضحكت روز بصوت مرتفع وأردفت له:
لما شوفت لجنة الحكم عملت سيرش وعرفت أجيب قرار كل واحد منهم. بص يا سيدي: زاد مطر المنتجة صاحبة شركات مطر للشحن، ووالي عبد الحميد مخرج معروف وأصحابه من الوسط أكتر بتوع الانستجرام بلوجرز وفاشونيستا وكدا. حمدي فرغلي معد برامج واسمه معروف وبرامجه ناجحة. حسن العطار دكتور نفسي ومتابعينه كتير وعنده صفحة رسمية ومقاطع تيك توك وشغل عالي والبنات بتموت عليه ومتجوز تلاتة... بس.
سمعها مصعب للآخر وأردف لها:
أيوة يعني مين حسن دهوت؟!
قام أحد القائمين على المسابقة بمناداتهما، همت روز بتعديل هندامها ومصعب أيضًا، و ولجا إلى القاعة.
بعد الترحيب بهما، أردف حمدي لهما:
صعيدي وقاهروية... شرق وغرب، عرفتوا بعض إزاي؟!
صمت الاثنان فقالت روز:
أنا سمسارة وهو سمسار فتقابلنا في شغل ومن وقتها بقى شغلنا مشترك وأصحاب وبعدين ارتبطنا.
اسم روز بالكامل إيه يا مصعب؟!
كان هذا سؤال حسن إلى مصعب، شعر مصعب بالارتباك وأردف:
اسمها روز عبد الله.
عبد الله إيه؟!
نظر مصعب ناحيتها قائلًا بصوت هامس:
عبد الله إيه يا وكلاهم؟
همست روز له في أذنه:
عبد الله عبد الرحمن.
يعني ينفع كل العبد اللي في اسمك ولابسة لي جيبة فوق الركبة يا اللي يلدغك حنش؟
رفع مصعب بصره إلى حسن وأردف:
روز عبد الله عبد الرحمن يا بيه.
ضحك حسن على عفويته فأردفت زاد له:
طيب أنا أعرف إن الصعايدة دمهم حامي وطبعهم حامي، أنا شايفة إن روز متحررة ولبسها أوبن مايندد. فإيه رأيك ده مش متعارض مع ده؟!
قام مصعب بلكم روز بذراعها وتحدث لها ضاغطًا على أسنانه حتى أحدثت صريرًا:
شوفتِ، شوفتِ يا عنز أبيض جبتي لي الكلام كديتي، أهو مرة شبه أميرات ديزني عتتريق عليَّ! صبرك عليَّ بس نطلع من هنيتي هولع في لبسك كله.
نظر نحو زاد وأردف:
ماهو إحنا مرتبطين بس، يعني لما نخشوا في حكاوي الخطوبة والجواز هلبسها بردة زي أمي وخياتي البنتة هنام في الصعيد، ما تقلقوش.
ضحكت زاد فأردف والي لهما:
من أمتى تعرفوا بعض، وإيه الحاجة اللي عجبتكم في بعض خلتكم تاخدوا خطوة الارتباط؟!
صمت الاثنان طويلًا فقطع حسن الصمت:
إيه مفيش إجابة ولا عرفتوا بعض هنا على باب القاعة!
لا باب قاعة إيه، ما تقولي يا حلوة التجاسيم في يومك المغفلق ديتي.
همت روز بالرد قائلة:
تقريبًا نعرف بعض بقالنا سنة، والارتباط من كام شهر وبالنسبة لي اللي عجبني فيه أنه جدع وشهم وسداد وأكتر حاجة بحبها فيه أن دمه خفيف.
وأنت يا مصعب؟!
نظر والي نحو مصعب فأردف مصعب له:
إحم إحم، بسم الله الرحمن الرحيم... أنا عجبني في روز أنها بسم الله ما شاء الله زي ما حضراتكم شايفين بالألوان زي التليفزيون الزماني ده كان كل الناس تليفزيوناتها أبيض وأسود وبيت العمدة الوحيدين اللي عندهم. وكمان جمر... يعني لو بس خطفتوا رجلكم لحديت البلد هتشوفوا اللي ما تحبوش تشوفوه واسمهم بنات جال.
ذهبت زاد في دوامة ضحك متواصلة تخبئ وجهها بيدها فقاطعه حسن:
لاء مين قال بنات الصعيد وحشين؟ بالعكس الصعايدة حلوين وليهم جمال خاص بيميزهم، زائد لكنتهم المميزة... أنا ياما أديت سيشنز في الصعيد، البنات والشباب هناك الله أكبر عليهم.
صنع مصعب إلى حسن تحية يضع يده على رأسه عدة مرات وقام قبل حسن يمينًا ويسارًا وجلس ثانية.
داهم حمدي بسؤالهما فجأة:
يتعافى المرء بإيه يا روز؟!
اندهشت روز من السؤال فأردفت:
يتعافى لو كان له مبلغ مالي يأمن بيه نفسه ومستقبله وما يحتاجش لحد بيه.
نظر حمدي إلى مصعب قائلًا:
وإيه رأيك يا مصعب... شايف يتعافى المرء بإيه؟
والله يا باشا أنا ماعرفش بيتعافى المرء بإيه، بس من خبرتي يعني نقول لك يتعافى المرء إذا خليتوه إن شاء الله في حاله!
ضحكت زاد بشدة وهي تنظر ناحية والي فقام حسن بطرح الشرط على مصعب ففغر مصعب فاهه له فزفر حسن وتحدث إليه يقوم بإقناعه:
إيه رأيك؟ في إيدك الخيار للآخر!
نظر مصعب صوب روز وحدق بها لثوانٍ ومن ثم توجه بالقول نحو لجنة الحكم وأردف إلى حسن خاصة:
يا باشا خيار وجزر إيه اللي في يدي، ما ينفعش طبعًا.
عاد حسن بظهره للخلف بعدما أطرق بأنامله على المنضدة بخفة وأردف مرحًا:
إذا أنت منسحب!
مين قال كده؟
أنت مش موافق على الشرط ده.
بس يعني... يعني كيف تدخل معي البت اللي مرتبط بيها وتطلع هي مع واحد تاني؟ هو إحنا في أمريكا يا باشا؟ مسابقة إيه ديت اللي تدعو للفسق والفجور؟
ابتسم حسن ابتسامة جانبية ونظر ناحية والي فقالت زاد:
ممكن تحصل وممكن لا يا مصعب، إحنا بنفرض حدث أنه متاح وأنك لو تخطيت المرحلة الجاية ودخلت الأكاديمي، تمضي على المعاهدة دي.
اتسعت حدقة عين مصعب ونهض منزعجًا يدعو روز للنهوض قائلًا بنبرة صوت عالية:
يا بوي قومي، قومي شروط إيه المغفلقة دي وجايبين لينا دكتور مسبسب يطلع ميتين اللي خلفنا يلا يا بت!
طب أنا هقولك ليه، أنا سمعت في مرة واحد من المتجوزين دول بيقول لمراته اعملي لي كوباية شاي زيادة فقالت له هعملها لك في كوباية أكبر، بتهزر الست عادي راح إداها بالمفك في عينها!
رواية ميكاتوا الفصل العشرون 20 - بقلم نور اسماعيل.
_وبعدين حصل إيه يا أبو علي؟
قالتها ضحى متسائلة وهي تقوم بمساعدة حسن في إلباسه ملابسه، مستعدًا للخروج، فأردف لها هو مبتسمًا:
_أي حد سمع الشرط اتخض، فيه اللي وافق وفيه اللي اعترض.
اتسعت عين ضحى متفاجئة مما قال حسن وأردفت له متعجبة:
_فيه حد وافق؟! فيه ممكن حد يوافق على الشرط المجنون ده؟!
ضحك حسن وهو يقوم بوضع زخات العطر على ملابسه ويتأنق أمام المرآة فأردف هو لها:
_أنتِ متخيلة يا ضحى المبلغ اللي هيكسبه الثنائي الفائز؟ العربية أحدث موديل والشهرة تصدر التريند. الثنائي اللي هيكسب مش هيوقف بس مكسبه على البرنامج، بعد البرنامج لو عمل أي لايف أهبل على الإنستجرام أو فيسبوك كمّ المتابعين اللي هيتابعوه والفلوس اللي هتدخل له.. الموضوع أكبر من ارتباط.
هرولت ضحى ووضعت الكريم الخاص بتصفيف شعر حسن فوق رأسه وقامت بتصفيف شعره بنفسها وهي تتحدث:
_بس المفروض إنهم داخلين ومشتركين في مسابقة زي دي عشان الحب والارتباط والوفاء في العلاقة، مش أول ما يبقى قدام حد منهم مغريات يخلع.
صمتت وغمزت بإحدى عينيها قائلة:
_مش أسلوب يا أبو علي!
قهقه حسن وأمسكها من كتفيها بكلتا يديه مردفًا لها بنبرة صوته المميزة:
_وعشان ده مش أسلوب يا أبو علي هو ده الفخ اللي أنا نصبته نعرف بيه إذا كان اللي قدامنا ده صادق، وفعلًا جاي عشان مسابقة حب وإثبات حبه للتاني ولا جاي عشان الفلوس.
تنهد حسن وعاد ينظر ناحية المرآة وهو يكمل حديثه لها:
_ده ساعات بيبقوا لا مرتبطين ولا بطيخ وجايين يستهبلوا وقابلوا بعض على السلم وعاوزين ينجحوا ويدخلوا المسابقة.
قامت ضحى بلف ذراعيها حول عنقه وهي تنظر إلى عينيه بحب قائلة:
_عيب ده اللجنة فيها شيزوفرينيا، يعني لو حد فكر وحاول يلاوع هيجيبه.
_اسكتِ يا ديدا، أنا الوحيد دونًا عن بقية اللجنة اتشتمت شتيمة!
ضحكت ضحى بشدة وقالت له:
_متعود يا قلبي، الغريب والمريب يطلع منك وكالعادة محدش يفهمك فبتتشتم.
_نحن نختلف عن الآخرون يا حب.
_خالص!
ابتسم حسن وقبّلها بشفتيها قبلة سريعة وهمّ بالرحيل كي يلتحق بيومه، استقل سيارته وفي اتجاه مقر المسابقة.
أما عن زاد.. فكانت تتأنق كعادتها تستعد للرحيل، فدلف عمها ذكي يضغط على زر مقعده المتحرك يدفعه للإمام، ووقف خلفها مردفًا لها:
_جميلة كالعادة يا حبيبة عمو.
استدارت زاد وأردفت له وهي تترجل نحوه:
_عارف يا ذيكو، المسابقة دي خلتني شوفت حاجات وسمعت عن حاجات كنت لاغياها من دماغي، الحب والعشق والارتباط والتماسك.. وإن فيه ناس متعرفش تعيش غير مع بعض، وإن فيه ناس تانية برضه سهل عليها تبيع وتقبل بإن شريك حياتها ده يكون مع حد تاني عادي بمنتهى البساطة.
تنهد ذكي وتحدث بنبراته الحزينة المدفونة كالعادة قائلًا:
_اللي يوافق يبيع حبيبه تحت أي شرط يبقى محبش من الأساس وسهل أوي يبيع مع أول محطة. وكده فقدنا أهم سمات الحب.. الأمان!
ربتت زاد على كتف عمها وعادت ثانية نحو المرآة تلقي نظرة على هندامها النهائي قائلة:
_هو شرط غريب وكان اقتراح دكتور حسن، وإحنا وافقنا.
التفتت نحو عمها وأكملت:
_ساعات بحس إنه شخص مجنون ومش طبيعي.. وسط أسئلتنا المتفق عليها وإجابات المتسابقين يرمي سؤال يفجر بيه الدنيا، يطلع لنا واحد تاني غير اللي قاعد ونشوف اتنين غير اللي داخلين. يبص ناحيتنا بصة ثقة، فعلًا الواحد بيبقى عاوز يرفع له القبعة.. الاستعانة بيه ما كانتش سهلة برضه.
مال ذكي برأسه وسألها بدلاله المعهود عليها:
_وأخبار والي إيه؟
تلعثمت زاد وتحشرج صوتها، لا تعرف بأي شيء تجيبه ولماذا يسأل عنه هو بالتحديد. تصنعت عدم الاهتمام وأردفت:
_ماله والي يا عمو؟
ابتسم ثغر ذكي جانبًا وأردف لها يداعبها بالحديث الملاوع:
_مالوش، بس يعني بسأل عن لجنة التحكيم كلها.
_كويسين بيسلموا عليك.
ضحك ذكي وقبلته زاد وهرولت سريعًا لترحل.
قد بثك الله فيّ...
شعور جميل حينما تستكين في قلب أحدهم، أن تأخذه ملاذك الوحيد.. ملجأ تحتمي به في وقت الشدة والرخاء.
قد بثك الله فيّ..
أي أن روحك التي تهفو إليّ قد امتزجت بروحي، وجسدك بجسدي.. وأسكنك الله بداخلي واستعمرت كواحة تم هجرانها فأتيت أنت بالماء كي تحييها.
يداها مرتعشتان تتناول قلم أحمر الشفاه ذا اللون الهادئ، وتضع على شفتيها.. دقات قلبها تتصارع يكاد صوتها يكون مسموعًا، تحاول أن تهدئ من نفسها قليلًا، ولج قصي إليها ليجد عزة هكذا متوترة أعصابها مشدودة تخشى اللقاء الذي طالما حلمت به منذ أن علمت به.
مسابقة الحلم، العشق الوردي، أثبت لها حبيبها زوجها بأنه يعشقها حد النخاع، أمسك قصي بقلم تهذيب الأهداب _الماسكرا_ وأمسك وجهها برفق يسير مبتسمًا لها يردف لها بحنو عهده:
_القمر متوتر ليه؟ اثبتِ بقى يا جميل عشان نحط الماسكرا.
وضع لها _الماسكرا_ برفق ومن ثم قام بتعديل هندام وشاحها على وجهها فأردفت هي:
_أنا قلقانة أوي، هطلع في التليفزيون وأتكلم وأتصور.. لاء يا قصي خلاص بلاش.
قام قصي بتقليدها بإعادة حديثها ثانية:
_لاء بلاش يا قصي، إيه هو اللي بلاش جمدي قلبك يا زوز.. وبعدين إحنا لو عدت مقابلتنا النهاردة معنى ذلك فيه مقابلة كمان وبعدين بقى إلى الشهرة والتليفزيون والإنترنت والصحافة وحوشي بقى هلم جره.
ضحكت عزة وقامت بصفعه بخفة على كف يده مداعبة إياه وأردفت:
_أنت بتخوفني زيادة يا قصي.
_يا ستي اعتبريها تجربة حلوة فيها شوية إثارة وساسبنس وهنتعرف على ناس جديدة ونعيش أجواء معشنهاش قبل كده.
أمسكت عزة كف يده ووضعته على صدرها الذي يعلو ويهبط وكأنها تلهث بعدما هرولت من فوق جبل عالٍ، وقالت له:
_شايف مش قادرة أخد نفسي.
_لاء نتشجع بقى، يلا أنا هنزل أسخن العربية وأنتِ حصليني.
هبط قصي ينتظرها أسفل البناية ورتلت عزة بعض الآيات القرآنية بسرها وهبطت تلحق به.
بمطبخ منزلها الجديد، كانت وئام تعد طعام الغداء، قامت بغسل الأرز ووضعت الإناء على الموقد وبه القليل من الزبد تقوم بتسييحه على نار هادئة.
وضعت الأرز، وهمت بتقطيع الخضروات تصنع طبق السلطة الخضراء، ولج باسل وتناول قطعة من الخيار والتهمها وبادر بسؤال وئام إثر انشغالها بإعداد الطعام:
_وئام أنتِ كنتِ تعرفي بحوار الشرط بتاع المسابقة ده؟
لم ترفع وئام رأسها عما تفعل وأجابت وهي تعمل بالتقطيع:
_لاء.
_بس أنتِ متابعة دكتور حسن ده وأكيد يعني قال حاجة كده حاجة كده.
تركت وئام السكين ووضعت الخضروات المقطعة بالإناء وهي تردف له:
_بس ما قالش على الشرط وأكيد مش هيقول، أنا اتفاجئت زيي زيك.
اقترب باسل نحوها والتقط قطعة من كبد الدجاج المسلوق الموضوع في الصحن وتناوله ومن ثم ابتلعه وهو يتحدث لها:
_بس أنا لاحظت إنه لما قاله أنتِ سكتِ عكس رد فعلي أنا يعني.
_كنت هقول إيه يا باسل يعني.
_مش حكاية تقولي، يمكن عجبك الشرط.. حاجة جديدة غريبة، أو مثلًا ممكن تقابلي حد جوه المسابقة أحسن وأفضل مني فتطلبي مني إني أطلقك وقتها.
تركت وئام ما كانت تعمل به وحدقت به متعجبة قائلة:
_لاء طبعًا، إيه اللي بتقوله ده يا باسل.. أشوف حد أحسن وأطلب منك الطلاق إيه. هو الجواز لعبة عشان أقعد أتجوز وأطلق اللي يعجبني. هو ده كلام يعقل ده.
شخص باسل نظراته عليها وأردف لها بجدية:
_ما اعرفش يا وئام ده اللي حسيته لما الدكتور المجنون ده قال الشرط الغريب.
تنهدت وئام وترجلت تضع المقلاة وبداخلها الزيت على الموقد وأنزلت بالدجاج المسلوق بها والتفتت إليه:
_أنا سكتت عشان اتفاجئت باللي اتقال، وكمان رد فعلك أنتَ عجبني جدًا وحسيت إنك أفحمتهم. فحسيت إن ده كفاية.
ترجلت خطوات نحوه وربتت على كف يده قائلة:
_أنا ما كنتش عاوزة حاجة غير بيت صغير وأمان وراجل يشتريني، ويحسسني إني بجد مش معيوبة بالابتلاء اللي ربنا خصني بيه.. زي ما أنت عملت يا باسل!
ظل باسل مشخصًا النظر عليها فأكملت وئام:
_الشك وحش وبيموت صاحبه، أنا عاوزاك ما تسلمش نفسك لدماغك.. عشان بس تستريح.
لم تنتظر منه رد، تركته وترجلت ناحية الموقد تكمل إعداد الطعام فصمت هو يراقبها.. كلماتها حقيقية، حقيقية الإحساس حقيقية الدفء حقيقية الشعور.
عليه أن لا يسلم نفسه لأفكاره كي يتخلص من تلك السمة المؤذية، وحتى لا يضيعها هي الأخرى من بين يديه كما فعل مع زوجته الأولى.
من فرط بساطتها تلفت القلب فتفتنه وتفتته، فهي ديانا تهرول هنا وهناك حتى تجد مكانًا لتجلس فيه هي ونبيل تنتظر دورها في الدخول إلى لجنة التحكيم.
صوتها العالي كان يلفت النظر لها ولعفويتها حتى انتبهت لها عزة حينما جلست ديانا بجانبها وكانت تنتظر الأولى زوجها يعود بكوبين من العصير.
_بلبولي، بلبول تعالى هنا فيه مكان.
نظر نبيل ناحية المكان وأردف ممتعضًا اعتراضًا على المساحة الصغيرة التي تركتها له:
_مكان فين هقعد على حجرك، ما خلاص يا كعبول أنتِ خدتي كل الأماكن.
_الأماكن كلها مشتاقة لك، اضحك بقى يا بلبل داخلين مسابقة العمر دلوقتي وهنكسب. يا بابا كيرلس اقف معانا بشفاعتك.
انتهت ديانا من ثرثرتها لتجد عزة تتبعها دون أن تدري، ففتحت كف يدها لتصافحها وتتعرف عليها:
_ديانا رأفت، إزيك.
ابتسمت عزة وصافحتها وأردفت لها:
_أنا عزة، جاية للمسابقة برضه مش كده؟
دست ديانا يدها بحقيبتها لتخرج شطيرة محشوة بلحم _البرجر_ والجبن وبدأت تتناولها بشراهة وتحدثت لها:
_أيوه جايين أنا ونبيل خطيبي، بقالنا سنتين وشوية مخطوبين لما ريحتنا طلعت.
ضحكت عزة بشدة على تعبيرات ديانا العفوية وأكملت ديانا:
_وهوب بقى لقينا المسابقة قولنا باااس هنحقق كل الأحلام واشتركنا عشان نتجوز بقى. وأنتِ جاية مع خطيبك؟
ابتسمت عزة وأردفت لها:
_خطيبي!
ربنا يخليكِ، رفعتِ من روحي المعنوية. أنا جاية مع جوزي بقالنا فوق الـ 16 سنة متجوزين.
رفعت ديانا حاجبيها اندهاشًا وأردفت لها متعجبة:
_16 سنة! انتوا داخلين تحسّرونا على شبابنا ولا إيه؟
دنى قصي نحوهم حاملًا أكواب العصير بيديه وأردف إلى عزة:
_يلا يا عزة دورنا.
أمسكت عزة منه الأكواب وأعطتها إلى ديانا قائلة لها:
_خدي دول مني ليكِ انتِ وخطيبك. إحنا دورنا جه، وإن شاء الله موفقين ونتقابل في الأكاديمية.
تناولت ديانا منها العصير وابتسمت لها مع قولها:
_روحوا رحمة الرب معاكم وتحاوطكم.
دلفا عزة وقصي وجلسا أمام اللجنة، ساقا عزة تتخبط ببعضهما البعض. أينعم هم بشر مثلهم، لكن وضع الاختبار وامتلاك المصير له هيبته أيضًا.
لاحظ حسن توتر عزة فأراد تخفيف الموقف عليهم، فبادر بدردشة بسيطة:
_يا أهلًا وسهلًا، أول حالة فريدة من نوعها من أول يوم بدأنا الاختبارات. اتنين متجوزين، وبقالهم فوق الخمسة عشر سنة سوا.. مفيش أولاد.. بتحبوا بعض جدًا.
لأ دي المسابقة معمولة عشانكم بقى.
هدأت أنفاس عزة قليلًا وأمسك قصي بكف يدها يضغطها بقوة كي يشعرها بالأمان. نظرت زاد لهما نظرة حب وإعجاب وأردفت لهم:
_أنا مبسوطة بيكم أوي من قبل ما نبدأ أسئلة أصلًا.
ضحك قصي، فبادر والي بالسؤال:
_إيشمعنى عزة يا قصي؟
شعر قصي بالتوتر قليلًا وأردف بعدما نظر نحوها بحب وعاد بنظره إلى اللجنة:
_حبيتها، أول مرة شوفتها كدا حبيتها.. حب من أول نظرة زي ما بيقولوا.
قلبي اتكلبش.
تعجب الجميع من وصف قصي الخاص "قلبي اتكلبش". ابتسم حمدي فأردف له:
_أنا آسف بس هسأل سؤال يعني، 15 سنة من غير أطفال، مفيش مرة خيانة من قصي؟
مفيش مشروع جواز مثلًا؟
عدّل قصي المعلومة وأردف بأريحية:
_16 سنة، لأ مفيش الحمد لله.
_إيه السبب يا قصي؟
داهم حسن قصي بهذا السؤال فأردف قصي:
_عشان الستات كلها واحد بالنسبة لي، فيه من بينهم واحدة ملكتني وأدتني كتير ومبخلتش عليا لا بحب ولا مشاعر ولا احتواء وعطاء. فيه ست بقت أنا. كون إني ألعب بديني أو أتجوز، إيه العائد اللي هيعود عليا طيب؟
_تخلف مثلًا، متعة الدنيا كوم.. وإنك تبقى أب دي بالمتع كلها.
قالها حسن ينظر بعين قصي مباشرة فأردف قصي مقلتيه تهتز ولكنه ينظر صوب حسن:
_وأنا مكتفي بعزة وبس.
ابتسمت زاد حتى كاد وجهها ينشق لنصفين من اتساع بسمتها، فقام والي بغمزها كي تسألهم سؤالًا فأردفت:
_إيه أكتر حاجة مخلياكِ متمسكة بقصي يا عزة كل السنين دي ومزهقتيش مثلًا؟
ضحكت عزة بعفوية وأردفت:
_أزهق! أزهق من اللي عمل لي حياة وعمل ليا كيان وبيت، من اللي خلى ليا عيلة وناس وونس.
قصي دا الونس الحقيقي، أنا مش بتخيل يوم أصحى فيه ملاقيش قصي جنبي مثلًا.
ملاقيش ريحته في البيت، ميعملش الحاجات المتعودة عليها منه، تقليبه في كوباية الشاي كتير لحد ما أصدع.
طريقة تصليحه لحاجة باظت في البيت يجيبها من على النت ويتابع الخطوات وأنا ببقى ميتة من الضحك عشان مش عاوز يجيب صنايعي، هو اللي هيعمل كل حاجة.
ركن الصلاة بتاعه، السجادة المفرودة والسبحة والمصحف.. لما يكون رايق ويشغل فيروز أنا وياك ويعمل أحلى مكرونة بالصلصة والسجق والخضروات!
لما أكون تعبانة ويغسل الأطباق ويشطب المطبخ ولا كأنه ست بيت، في أيام الشتا لما الرياح تزيد وياخدني في حضنه أوي ويهدي النور ويدوب نور الدفاية ويحكي لي قصة من القصص اللي بيقراها والروايات عشان يشغلني وما أركزش في صوت الريح.. حضرتك بتقولي أزهق، هو فيه حد يزهق من ونس العمر بعد الوحدة والعطش!
تنهدت زاد بحب بالغ ومالت برأسها على كف يدها بهيام وتناست أمر المسابقة ولجنة التحكيم فدنى حسن من أذنها قائلًا:
_عجبك الفيلم صح، خدي الطلعة دي.
انتبهت زاد لحديث حسن لها الهامس وعدلت رأسها باهتمام، فأردف حسن:
_كان فيه حالة عندي بتتعالج من اكتئاب حاد، كانت ست محترمة وقورة بتحاول تجاهد نفسها أنها لا تُقدم على الانتحار أو أنها تعمل شيء مُشين تندم عليه في يوم، والسبب جوزها.
حب طفولة ومراهقة وأخيرًا اتجوزوا بعد معاناة، وبعدين المدام الموقرة دي للأسف عندها عيب ومش بتخلف.
وفضلوا سوا سنين في تبات ونبات بس للأسف مفيش صبيان ولا بنات، لحد ما في يوم اكتشفت أنه في علاقة بقاله كتير مع بنوتة جارتهم في السر اللي أصغر منها بـ 22 سنة وتقريبًا لو خلفوا كانوا هيخلفوا بنوتة قدها.
البنوتة دي جارتهم من وهي طفلة وكانت بتذاكر لها وبتبات أحيانًا في حضنها، اكتشفت بقى هي العلاقة والرسايل وكلام جوزها للبنت دي، الانهيار اللي كانت فيه مش غيرة هو ألم الغدر مش أكتر من البنت ومنه.
وإن هي السبب لأنها كانت بتشكر فيه كتير قدام كل الناس لحد ما خلت العين عليه.
التفتت عزة ناحية قصي بعبوس بعدما كانت ابتسامتها علامة واضحة على وجهها، فأكمل حسن:
_الشاهد من كلامي، أن مفيش راجل مخلص على طول الخط.. ولا إيه رأيك يا قصي؟!
_لأ فيه.
_إثبتلي.
_أنا كنت ناوي بعد المسابقة سواء اتقبلنا أو لأ كسبنا أو لأ، هعمل دار أيتام كبيرة وتكون عزة المشرفة عليها.
عشان يبقوا كلهم ولادنا وما تتكفلش بطفل واحد زي ما كانت عاوزة، وكنت ناوي بيني وبين نفسي وعاملها ليها مفاجأة.
عادت البسمة والفرحة إلى وجه عزة وقبلته دون انتباه لهم، فأردف والي:
_طيب إحنا عندنا شرط وهو اللي هيحدد قبولكم أو لأ في المسابقة.
وقام والي بقص الشرط عليهما، تعجب قصي قائلًا:
_لأ معلش مش فاهم، يعني إزاي مسابقة بتدعو للحب والتمسك كل طرف بالتاني.
وفي نفس الوقت من شروطها الغدر والخيانة، أعتقد دا فخ مش كدا؟
ضحكت زاد وما زال حسن متجهِمًا، فأردف له بجدية يريه قائمة شروط المسابقة والشرط مدون من بينهم:
_أعتقد صرح كبير زي شركات مطر مش هتضحي بفلوسهم في الهوا عشان ييجوا هنا يلعبوا، الشرط دا صحيح ومن أهم سمات المسابقة، وعدم الموافقة يعني انسحاب.
نهض قصي وسحب كف يد عزة قائلًا بحسم:
_تمام، يبقى أنا ومراتي مُنسحبين.. عن إذنكم!
انصرف قصي ومعه عزة وما إن انغلق الباب خلفهم صفقت زاد فقال حسن وهو يتأرجح بمقعده:
_عندهم ثبات انفعالي ابن لذينة إيه دا (وجه حسن حديثه إلى زاد) طبعًا حضرتك عاوزاهم يكسبوا.
انتشت زاد بطريقة عفوية وقالت:
_جدًا، يا رب يكسبوا المرحلة الجاية بقى بنفس الثبات.
ضحك والي عليهما وأردف بصوت عالٍ:
_Next.
***
واتكأ كل منهما على الآخر وحينها يشهد القمر ونجومه على قصة جديدة تخلد في سماء الحب، أمام القمر كانت تميل روز برأسها على كتف مصعب فوق أعلى قمة لجبل بمنطقة المقطم يتحدثان سويًا:
_أنا ما كنتش فاكرة إنك مش هتوافق على شرط المسابقة يا صعيدي.
عدّل جلسته مصعب وأردف:
_ليه، قالوا لك عنديش دم ياك؟
_لأ مش كدا، بس في الأساس إحنا مش مرتبطين وداخلين المسابقة عشان الفلوس وأنت كنت متحمس جدًا.
معقول تنسحب وتخسر عشان الشرط دا؟
ابتلع مصعب ريقه، شعر أنه تم حبسه في خانة اليك وما يدريه؟ كيف سيشرح لها عن بدء إعجابه بها وانشغاله.
وغيرته عليها من ملابسها من معاملاتها، سيظل حابسًا شعوره به خوفًا من خروجه للنور.. ولها!
نهض من مكانه وترجل بالمكان يسير ذهابًا وإيابًا أمامها وهو يتحدث:
_بُصي يا رزة، الرجولة نخوة وبلادنا علمونا حريمنا نجفلوا عليها ضبة ومفتاح مش تقول لي مسابقة ولو حد عجبك جوه وأنا واحدة عجبتني نبدلوا، لأ كديتي نروح ننادوا على يأجوج ومأجوج ييجوا يخلصونا.
ضحكت روز بشدة وقالت له:
_بس أنا مش من حريمك يا أخ.
أراد مصعب تغيير مجرى الحديث وأردف ممازحًا:
_دا شروط أيا المغفلقة دي، العالم دي بتعبد إيه يا ربي؟! لا والدكتور إياه ديتي مسبسبلي شعرياته.
وفرحان بروحه جوي، جاه حش رقبته ومتجوز ثلاثة الله يكون في عونهم يا بوي من بروده.
نهضت روز وقامت بدفع مصعب أمامها تداعبه قائلة:
_طب يلا بينا يا خويا على أكل عيشنا، سقطتنا من المسابقة كنا هنكسب قد كدا.
يلا هنتأخر على الست.
_يلا يا فقر، ربنا يجيبها جمايل معاكِ.
***
نظرت زاد إلى أوراق نبيل وديانا أمامها المطبوعة من التطبيق، ورفعت حاجبيها متعجبة وقالت:
_نبيل سنك 40 سنة! ولسه ما اتجوزتش لحد دلوقت؟
تنحنح نبيل وأردف بخزي:
_ما هو أنا عقده من الجواز والمتجوزين بصراحة.
صنعت زاد لنبيل إشارة بيدها إنه هكذا على الطريق الصحيح وأردفت:
_أنا كمان زيك على فكرة، برافو.
نظر نبيل ناحية ديانا وأردف:
_لا ما هو أنا خلاص دخلت القفص أهو، بقالي سنتين بروض سيد قشطة.
ضحك الجميع فقال حسن:
_ولا تزعل نفسك يا نيبو، أنا اتجوزت في سنك أو أصغر سنة مثلًا وكنت مضرب عن الجواز أصلًا ومش عاوز.
ابتهج نبيل وأردف متسعة أساريره:
_وعملت إيه حضرتك؟
_لبست في ثلاثة، عقبالك.
قالها حسن ضاحكًا، فامتُعِض وجه نبيل ثانية قائلًا:
_لا ما إحنا عندنا واحدة بس أبدية وأنا حجزت مسرح البالون اللي جنبي دا.
ضحكت ديانا ولوحت لهم بيدها بعفوية مردفة:
_هاي.
أشاروا لها جميعًا بيدهم، فبادر حمدي بسؤالها:
_وأنتِ كمان متعقدة من الجواز يا ديانا؟
اهتزت وجنتيها الممتلئتان وأردفت:
_لا لا أنا مش متعقدة أنا عاوزة أتجوز جدًا، بس بلبولي اللي سُحلته وبطيء خالص وأنا حاطة إيدي على خدي مستنياه.
كان يدون حسن أمامه، فأردف والي متسائلًا متوجهًا إلى نبيل:
_وإيه يخليك متعقد من الجواز يا نبيل؟
_أنا هقول لحضرتك ليه، أنا سمعت في مرة واحد من المتجوزين دول بيقول لمراته اعملي لي كوباية شاي زيادة فقالت له هاعملها لك في كوباية أكبر بتهزر الست عادي راح إداها بالمفك في عينها!
ضحك جميعهم، فأخرجت ديانا إثر انشغالهم بالكف عن الضحك شطيرة أخرى من حقيبتها فقام نبيل بنهرها بصوت هامس:
_أبوس إيدك كفاية اقفلي قلاب الأسمنت، دا خامس سندوتش من ساعة ما جينا.
هي الشنطة دي منفذة على سندوتشات أبو ربيع ولا إيه؟
قضمت ديانا من الشطيرة وقالت بفمها الممتلئ طعامًا:
_جوعت طيب، وبعدين إحنا مش في لجنة إحصاء..
الناس ظريفة أهيه.
ضحكت لهم ضحكة كشفت عن صف أسنانها ببلاهة، فضحكوا لها. فسألهم حسن:
"اخترتوا بعض على أي أساس؟"
أجابت ديانا بالرغم من انشغالها بالطعام قائلة بعفوية:
"هو بيطبخ حلو أوي عشان شيف، وأنا بعشق الأكل موت."
قطعت إجابتها وأخذت تبحث بحقيبتها وهي تقول:
"فين الكاتشب والمايونيز؟"
"معلش حضراتكم لازم تشحنوا التانك وإلا هتقعوا مننا."
رفعت ديانا بصرها لهم وضحكت ثانية ببلاهة وأردفت لهم:
"وبلبولي طيب أوي وسكر كدا، برغم إنه غراب بائس وحزين ومتشائم بس قلبه أبيض. وبس."
هز حسن رأسه متعجبًا منها وأشار إلى نبيل بقلمه أي أن حان دوره فقال:
"أنا ما اخترتش، أنا ليا كذا سابقة كل ما أروح لعروسة اللي تولع في نفسها واللي تشرب سم، واللي توافق وفي أول زيارة ليا عندها تبقى عايزة تفتح راسي بنص إزازة مكسورة. فكعبول كانت أطيبهم، وهبلة برضه في نفس الوقت.. ورضيت بيا على عيبي زي ما بيقولوا. وبس."
صمت الجميع يدونون أمامهم فتوجه والي لهم بالسؤال:
"اشتركتوا ليه في المسابقة؟"
"هقولك أنا استنى يا بلبول."
قالتها ديانا وهي تقوم بوضع ذراعها على صدر نبيل، أي أنها هي المتحدثة في هذه المرحلة.
"إحنا حرفيًا بنكح تراب، ومش عارفين نتجوز في أيامنا دي والمسابقة بصراحة هتخلينا نتجوز بسرعة ونلم نفسنا وأنا متأكدة إننا هنكسب."
ضحك حسن وأردف لها:
"أنتِ مش بس متأكدة وواثقة إنك هتفوزي المرحلة دي، لاء هتفوزي للنهاية قلبك جامد. طب بمناسبة الفلوس اللي هتحل كل مشاكلكم فيه شرط قمر."
سرد حسن لهما نص الشرط، حدق نبيل بهم بعدما فغر فاه دون أن يتحدث فقالت ديانا:
"أنتوا بتصعبوها ليه؟ أنا ما ينفعش أسيب بلبولي قصاد أي حد من الكابلز الثانيين، بس برضه المسابقة والفلوس كدا هتروح، يووه."
صمت الاثنين، فقال نبيل:
"يعني هو رفض الشرط يعني خروجنا من المسابقة؟"
أومأ حسن له إيجابًا، فمط نبيل شفتيه قائلًا:
"يعني هي هتكون متمسكة بيا على كل عيوبي دي ورغم إن المسابقة مغرية جدًا، بس أنا ما ينفعش أسيب كعبول، مش هاضمن إن ييجي حد تاني يستحملني زيها أصلًا ولا يتمسك بيا."
نهضت ديانا ومدت يدها له قائلة:
"سوري إحنا مش موافقين، وخارجين نعيط بره عشان وقعتوا سقف طموحنا. يلا باي."
انصرفا الاثنين، فابتسمت زاد معلقة عليهما:
"سكر ديانا مش ممكن، إن شاء الله تكسبي المرحلة الجاية يا كعبول زي ما بيقولك نبيل عشان تتجوزوا بقى."
التفت والي ناحيتها مستفهمًا:
"أنتِ عايزة كل الناس تكسب بقى؟"
تنهدت زاد وقالت بنبرة هادئة وكأنها تتغنى على أنغام موسيقى:
"أنا عايزة أي حد بيحب حد يفضل معاه للنهاية وما يسيبوش."
نهضت من مكانها، ونهض الجميع خلفها وأغلقت الإضاءة وانتهى اليوم.
ب:
"أقسم بالله أنا ما طايق نفسي، نفسي أرمي حياتي على حد وأجري."