تحميل رواية «متى تخضعين لقلبي» PDF
بقلم شيماء يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اليوم هو يوم عطلتها. استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتٍ من خارج غرفتها. تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها إلا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى، فهو مقيم في المنزل ما يقارب ال 24 ساعة. بالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يستطيع جسدها الارتياح قليلًا، إلا أنها تكرهها بسببه. شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا. كانت كل صرخة تخرج منه لتقتحم أذنها تشعر ب...
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الأول 1 - بقلم شيماء يوسف
اليوم هو يوم عطلتها. استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتٍ من خارج غرفتها. تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها إلا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى، فهو مقيم في المنزل ما يقارب الـ 24 ساعة.
بالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يستطيع جسدها الارتياح قليلًا، إلا أنها تكرهها بسببه. شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا. كانت كل صرخة تخرج منه لتقتحم أذنها تشعر بأنها مرت أولًا على قلبها لتترك به ندبة دائمة لا تزول.
تنهدت بألم مرة أخرى تتمنى لو أن لها منزلًا خاصًا، لو تستيقظ ذات يوم فتجد كل تلك التقاليد العقيمة قد اختفت فجأة فتستطيع التحرر والاستقلال بعيدًا عنه.
التقطت أذنها اسمها يُلفظ من قبل والدتها فعلمت أن كل سخطه الآن سيتحول نحوها. تنهدت بألم للمرة الثالثة تستعد لاستقبال ما لا يسرها كالعادة.
تحدثت والدتها برجاء تستجديه:
- ماشي يا عبد السلام، بس وطّي صوتك شوية، ملوش لازمة زعيقك ده. خلينا نتكلم بالراحة وبعدين حياة نايمة جوه، سيبها تنام شوية النهارده إجازتها.
صاح بها بصوت يرج أركان المنزل من قوته:
- متقوليش وطّي صوتك، أنا حر أعمل اللي أنا عايزه. اللي عايز ينام هينام في الطبل. الساعة كام والهانم اللي انتي خايفة منها لسه نايمة.
تنهدت أمنة بيأس تعلم أنه لا سبيل للنقاش معه بهدوء:
- انت عايز منها إيه؟ النهارده أجازتها من الشغل وده اليوم اللي بتنام فيه، سيبها ترتاح شوية.
عقد عبد السلام حاجبيه معًا وهو لا يزال محافظًا على نبرته الساخطه بصراخ:
- أيوه ياختي دلعيها، مانتي عينيكي المحامي بتاعها. وبعدين محدش قالها تشتغل. هو أنا كنت مستفاد إيه من شغلها ده؟ مبتصرفش عليا منه ومش بتحوش، يبقى تقعد أحسن.
هزت أمنة رأسها بحزن قبل أن تجيبه ونبرة الضيق ظاهرة عليها:
- يا حول الله يارب. انت عايز منها إيه؟ ماهي شايلة نفسها بنفسها ومتطلبش منك حاجة وكل اللي عايزاه بتجيبه لنفسها. ده غير دراستها مش مكلفاك حاجة وأي حاجة بتحتاجها بتجيبها على طول. عايز إيه تاني ناقص تحاسبها على اللقمة اللي بتأكلها يا عبد السلام!!!
اهتزت نبرته قليلًا ولكنه عاود الحديث بنفس السخط:
- أنا مش عاوز منها. بس أنا خلاص الحمل تقل عليا. أنا مش هفضل أصرف عليهم طول عمري. وعشان يكون في علمك أنا مش هصرف على جوازة حد تاني. اللي عايز يتجوز يحوش ويجوز نفسه، كفاية عليا قاعدة لدلوقتي. انتي أهلك رموكي عليا من وانتي عندك 18 سنة وبتك أهي عدت الـ 25 ولسه قاعدالي.
أجابته آمنة باستحقار جلي:
- إيه اللي انتي بتقوليه ده!! انت بتعاير بنتك عشان لسه لحد دلوقتي متجوزتش يا عبد السلام!! وبعدين انت بتصرف على مين؟ ما هي شايلة نفسها بنفسها والتانية متجوزة وبعيدة هي وجوزها حتى الولا شايل نفسه وأنا بشتغل!! انت شكلك كبرت وخرفت، عيب عليك لو حد سمع الكلام ده يقول إيه! وبعدين أنا أهلي مرمونيش على حد، انت اللي حفيت ورايا سنين وياريتني ما كنت وافقت.
لم يجد ما يجيبها به بعد تلك الجملة، فتحرك بنفاذ صبر للخارج مدعيًا العصبية، صافقًا الباب خلفه بقوة.
كانت حياة تستمع إلى كل ذلك الحديث، تشعر بأن كل حرف يتفوه به كالرصاص يستقر بقوة داخل قلبها ليحدث به ضرر دائم من أقرب رجل إليها، من بطلها الأول وسندها في تلك الحياة والدها! مسحت دموعها بكف يدها قبل أن تقرر النهوض، فأمامها يوم طويل عليها قضاؤه. تحركت للخارج تلقي تحية الصباح على والدتها بحب. فبرغم كرهها لكل ما يحدث في ذلك المنزل وأكثرهم ضعف والدتها وقلة حيلتها، إلا أنها كانت الأقرب إليها. ابتسمت لها آمنة تسألها بحنان:
- حياة هتفطري ولا زي كل يوم؟
أجابتها حياة بقلب مثقل، فذكرى كلمات والدها لازالت تتردد داخل أذنها بقوة:
- لا يا ماما، مليش نفس. يدوب أستغل اليوم في إني أروح الجامعة أستلم شهادة الماجستير وأقابل محمود وأشتري شوية حاجات ناقصاني وأحضر لاجتماع بكرة. عندي اجتماع مهم جدًا في الشركة وعلى أساسه هتقرر ترقيتي. ادعيلي والنبي يا ماما ربنا يكرميني فيه وأترقى.
عقدت والدتها حاجبيها معًا بقوة بعد دعواتها لها بالتوفيق، فعلمت حياة مصدر قلقها. سألتها بخفوت تعلم الإجابة مسبقًا:
- ها يا ماما، في إيه بس؟
اندفعت آمنة في الحديث فور سؤالها:
- انتي عارفة يا حياة في إيه كويس. والله يا بنتي لو عرف بموضوع محمود هيخرب الدنيا فوق دماغنا كلنا. ما توافقي يا حياة وتريحي قلبي وتريحه.
ثم اقتربت منها تمسح على شعرها بحنان وهي تضيف:
- يابنتي من زمان قالولنا خدي اللي بيحبك، وهو مش بس بيحبك ده بيموت في التراب اللي بتمشي عليه، عايزة إيه تاني بقى؟
حدقتها حياة بنظرة استنكار قبل التعليق على حديثها:
- ماما حب إيه اللي بتتكلمي عليه!! انتي بجد مصدقة؟ ده إنسان اتشال قلبه من مكانه من زمان واتحط بداله حجر. وياريت حجر ده حتى الحجر ممكن يلين، لكن ده لا! وكمان إحنا مش قرأنا فاتحة مع محمود امبارح وخلاص، فاضل إيه تاني بقى؟
أجابتها آمنة بلهفة يشوبها الكثير من القلق:
- باقي إنه مش هيستخبى، هيعرف يعني هيعرف ده جواز، ومفيش جواز بيداري. ووقت ما يعرف هيهد الدنيا علينا. ده كل ده مستنيكي يا حياة، أستناكي تكبري وبعدها أستناكي تتخرجي وآخر حجة تخلصي الماجستير بتاعك وهو صابر علينا وساكت. لو كان الموضوع فيه حد غيرك مكنش سكت كل ده أبدًا ولا كان استحمل دلاله عليه كده. ميغركيش سكوته يا حياة أنا أدرى واحدة بيه. لو صبره خلص هيحرقنا كلنا وأولهم محمود.
ارتعشت حياة داخليًا من حديث والدتها، فهي تعلم جيدًا أنه لا ينتمي لعالم الإنسانية، إنه فقط مخلوق بدون قلب، نسى مصطلح الرحمة منذ زمن طويل ويبدو أنه لا مجال لتذكرها مرة أخرى. ولكنها لن تتزوجه، حتى لو كان آخر شخص على وجه الأرض لن تتزوجه، فالموت أفضل لها من معاشرة إنسان بدون قلب. لن تخرج من سجن والدها لتدخل سجن وحش لا يعرف معنى الرأفة. حاولت طمأنة والدتها بشيء هي شخصيًا تفتقده:
- سيبها على ربنا وربنا يستر، المهم بس ميعرفش حاجة وخلاص.
كانت على وشك توديع والدتها عندما رأتها تلتقط حقيبة يدها وتذهب معها. سألتها حياة مستنكرة:
- ماما! انتي رايحة فين؟
تنهدت أمنة بنفاذ صبر:
- هكون رايحة فين يا حياة يعني، مانتي عارفة.
زفرت حياة بحنق مبدية اعتراضها:
- يا ماما كفاية بقى، الله يخليكي ابعدي عنه واقعدي وكفاية كده.
أجابتها آمنة بحدة:
- أقعد إزاي يا حياة! مانتي عارفة كويس اللي فيها. عايزاني أسيبه الشغل عشان ينفذ تهديده ويسجن أبوكي.
أجابتها حياة والكره يملأ نبرتها:
- أيوه سبيه، انتوا اللي بتدوله الفرصة يتحكم فيكم ويوصل للي هو عايزه لما بتوافقوا على ابتزازه ده. لو كلكم بتقفوا قدامه وتقولوله لأ بعلو صوتكم مكنش عرف يتحكم فيكم بالشكل ده.
قاطعتها آمنة بتأنيب واضح:
- انتي بتقولي كده بس عشان أبوكي ميهمكيش. لو كان بيضغط عليكي بحد مهم كان زمان رأيك اختلف.
أطرقت حياة رأسها للأسفل بخجل، فهي تعلم بصحة حديث والدتها حتى لو لم تعترف بذلك. فمن أكثر الأشياء التي تمنح فريد رسلان قوته هي قدرته على معرفة نقط ضعف من أمامه ثم استخدامها ضده بدون رحمة حتى يخضع لطلباته. وهذا ما فعله مع والدتها، فهو يعلم جيدًا أن حياة لن تهتم بما يصيب والدها لذلك حول تهديده إلى من يهتم لأمره. اللعنة عليه لو فقط يعلم كم تمقته وتحتقره.
*****************
تحركت حياة للخارج بجانب والدتها لترى محمود واقفًا ينتظرها عند مقدمة الشارع. ابتسمت بخجل وهي تراه ينظر لها بإعجاب واضح. كانت حياة فتاة عادية قصيرة القامة ذو جسد ضئيل ولكن متناسق بشكل مغرٍ. ذو بشرة حنطية ناعمة ووجه مستدير تزينه ملامح صغيرة بعيون سوداء فاحمة وأهداب طويلة للغاية وشعر ناعم كثيف يماثلها في السواد. ولكنها أيضًا كانت مثل جميع الفتيات تمتلك جمالها الخاص الذي يميزها. وأهم ما كان يميز حياة إلى جانب شخصيتها الأنثوية الرقيقة للغاية والمتناقضة ما بين القوة والحساسية هي نظرة عينيها. لقد أنعم الله عليها بنظرة عين حالمة تجذب الجميع إليها. وكم سمعت عبارات كثيرة ما بين المتعجبة والحاسدة لتلك النظرة.
تقدم منها محمود يلقي التحية بأدب على والدتها أولًا ثم يخصها بالحديث متسائلًا:
- حياة، جاهزة؟
أومأت له برأسها موافقة قبل أن تودع والدتها ويذهب كلٌ في طريقه.
كان محمود موظف شئون الطلبة في الجامعة التي تدرس بها، يكبرها بـ 4 سنوات وذو شخصية حنونة مستقيمة، وهذا بالضبط ما دفع حياة للقبول به. لم تكن علاقتهما مبنية على قصة حب، فقد اقتصر تعاملها معه على دراستها فقط حتى فوجئت به في إحدى الأيام يطلب منها موعدًا رسميًا لمقابلة والدها وطلب يدها. وبناءً عليه وافقت. لم تدرِ أهو عنادًا بوالدتها التي ارتعدت أوصالها بمجرد سماعها خبر طلب شخص آخر خطبتها، أو تحديًا لذلك المتجبر الذي يخشاه الجميع، أم عنادًا بشخصها؟ كل ذلك ليس مهم. المهم أنها وافقت وأن محمود شخص جيد يعاملها بحنان افتقدته من بطلها الأول.
وصلا إلى حرم الجامعة فالتقت بصديقتها مريم تنتظرها بتأفف:
- إيه يابننتي اتأخرتي لييييه بقالي ساعة مستنيياكي.
التفت إلى محمود، ألقى عليه التحية باقتضاب، فانسحب من بينهم متمتمًا:
- حياة، أنا هروح أخلصلك الشهادة وأرجع على طول، مش هتأخر.
أومأت برأسها له موافقة:
- تمام، وأنا ومريم قاعدين هنا لحد ما تخلص.
تحرك على الفور يصعد الدرج، عندما التفتت حياة تؤنب مريم:
- يا بنتي فيه إيه مالك؟ مش طايقة محمود ليه؟
أجابتها مريم بصدق:
- بصراحة يا حياة دمه تقيل، وبعدين مش حاساه لائق عليكي خالص. يا بنتي ادي لنفسك فرصة تحبي وتتحبي، ليه قافلة على نفسك كده؟ حرام تتجوزي من غير حب ولا مشاعر.
نظرت إليها حياة بجفاء:
- مشاعر إيه وكلام فارغ إيه! الحياة الواقعية مفيهاش الكلام ده، وبعدين مش يمكن أحبه بعد الجواز؟ ما دام هو شخص كويس ومتفاهم مش هحتاج أكتر من كده. وبعدين يا فيلسوفة عصرك أنا مفطرتش لحد دلوقتي، ممكن تسيبك من نصايحك دي وتيجي نشوف أي حاجة آكلها.
هزت مريم رأسها بيأس وهي تدفعها للأمام:
- اتفضلي، أنا مش عارفة انتي إيه! إنسانة معدومة الإحساس.
ثم رفعت رأسها تنظر للسماء متمتمة بطريقة درامية:
- يا رب البت دي تقع على رقبتها وتحب واحد وتيجي تعيطلي وتقولي مقدرش أعيش من غيره يا مريم. وإنك يا مريم كان عندك حق وإن الحب ده أحلى حاجة في الدنيا.
نظرت لها حياة متهكمة:
- في أحلامك.
ثم ركضت أمامها، تتبعها مريم وهي تدب بأرجلها في الأرض من شدة الغيظ.
التقط فريد هاتفه مجيبًا بنفاذ صبر ووقاحة معتادة:
- اتكلم!
صمت قليلًا يستمع باهتمام وعيناه تضيق بتركيز مع كل كلمة تخرج من الطرف الآخر، ثم هب واقفًا يسأل بغضب:
- انت متأكد من الكلام اللي قلته ده؟ أقسم بالله لو طلع مش حقيقي لأدفنك مكاني.
صمت مرة أخرى، ثم سأل وهو يتحرك من مقعده داخل المكتب يلتقط بيده الفارغة معطفه ومفاتيح سيارته:
- يعني هي في الكلية دلوقتي وهو معاها؟
جاءته الإجابة من الطرف الآخر قبل أن يغلق هاتفه دون وداع وينطلق للخارج بوجه غاضب وجسد منتفض.
كانت حياة واقفة مع زميلتها مريم عندما شعرت بقبضة قوية داخل صدرها، لم تدري ما سببها، ولكنها عندما رفعت رأسها علمت جيدًا لماذا شعرت بذلك، فهناك زوج من العيون النارية تحدق بها بقوة. شهقت بفزع وهي تتمسك بيد مريم التي التفتت فورًا على حركة صديقتها لتسألها ماذا أصابها. تمتمت حياة بكلمات غير مفهومة، التقطت منها مريم اسم فريد فسألتها مستفسرة:
- ماله فريد يا بنتي؟
همست حياة برعب وهي غير قادرة على تحريك عينيها من أمامه:
- فريد هنا.
شهقت مريم بدورها قبل أن ترفع رأسها للبحث عنه. بالطبع لم تكن مهمة صعبة، فها هو يقف باسترخاء وتفاخر على مقدمة سيارته يرتدي بدلته الفخمة ونظارته الشمسية، عاقدًا كلتا ذراعيه أمام قفصه الصدري بتأهب. سمعت حياة مريم تتمتم بإعجاب:
- واو.. ده حلو قوي يا حياة، مكنتش متوقعة إن شكله حلو كده.
نهرتها حياة بعنف:
- أنا في إيه وانتي في إيه يا مريم؟ إيه اللي جابه هنا دلوقتي؟
ثم شهقت بفزع:
- ينهار منيل! محمود! ده لو شافه هتبقى ليلتنا مش معدية.
ارتبكت مريم بدورها، فكم سمعت من حياة عن ردود فعله المتسلطة إذا علم بإعجاب شخص آخر بها، فما بالك بخطوبة.
حاولت طمأنة صديقتها بهدوء بدأت تفتقده:
- متخافيش، أنا هروح دلوقتي أعطل محمود ومش هخليه ينزل، وانتي حاولي تخرجي بيه بره الكلية. وأقلعي الخاتم ده بسرعة.
أطاعتها حياة على الفور، وفي حركة آلية منها قامت بخلع محبسها ووضعه داخل جيب ردائها بسرية. أوشكت مريم على تركها، ولكن امتدت يد حياة تتمسك بها بكل قوة وهي تراه يترك سيارته ويتحرك في اتجاهها متمتمة:
- متسبنيش لوحدي، ده جاي علينا.
بدأ الذعر يدب داخل أوصالها بشدة وهي تراه يتقدم نحوها. لم تكن تخشاه لشخصه، ولكن كانت تخشى قوته وجبروته وقدرته على إيلام أي شخص دون أدنى إحساس بالذنب. راقبته وهو يتقدم منها ببطء وهي تلوي فمها بسخرية، فمريم محقة. إنه يبدو وسيم فعلًا، ببدلته الأنيقة وساعته الرولكس وعضلاته البارزة وخطوته الواثقة بحيث تعجب به أي فتاة من الوهلة الأولى. ولكن لا أحد يعلم أن خلف هذا المظهر الرائع إنسان مصنوع من الحجر، لا يتألم ولا يرحم ولا يحب، فقط يمتلك.
وقف أمامها بطوله الفارغ يتفحصها عن قرب. كتمت أنفاسها وهي تعد بداخلها للعشرة في محاولة لاستعادة هدوئها. لوى فمه بابتسامة جانبية قبل أن يوجه حديثه لها بتسلية:
- لو مكنتش أعرفك كويس كنت قلت النظرة اللي في عينيك دي نظرة أرنب مرعوب من مصيبة عملها وخايف حد يكتشفها.
رفعت عينيها تواجهه نظراته بتحدٍ وكره دون حديث، ولكن ما سرعان ما استحوذ على نظرة عينيها شيء آخر. إنه محمود يهبط الدرج في اتجاهها. يا الله، ألا يوجد مخرج من هذا المأزق؟ اتسعت عينيها بصدمة مفكرة: أيعقل أنه لديه علم بخطبتها البارحة؟ دعت ربها داخليًا أن تكون تلك هواجسها الخاصة. وقف محمود أمامها بابتسامة عريضة كعادته وهو يمد يده ليعطيها شهادتها الدراسية متمتمًا بفخر:
- حياة، اتفضلي الشهادة اهي. ولو احتجتي أي حاجة تاني مش محتاجة تيجي بلغيني بس وأنا هتصرف.
بالطبع، من وقت وصوله أمامهم وقد استحوذ على انتباه فريد بالكامل، وها هو الآن ينظر لها شرزًا كأنه قط بري يستعد للهجوم نحو فأرة في أي لحظة. فكرت بيأس: لو تظاهرت الآن بفقدانها للوعي، هل ستتمكن من إنهاء هذا اللقاء؟ أعادها من أفكارها صوت فريد القوي يسأل محمود متأهبًا:
- مين حضرتك بقى؟
أجابه محمود على عجل بتفاخر:
- أنا محمود، خطيب حياة وزاملها.
الآن ستفقد وعيها حقًا، وليس تظاهرًا. التفت فريد ينظر إليها بحاجب مرفوع يهز رأسه لها ببطء قبل أن يعود بنظره إلى محمود مستنكرًا وهو يرفع كلتا يديه يستند بها على كتفه:
- خطيبها! لا مبروك. بس يا خطيبها محدش قالك إنك مينفعش تخطب واحدة مخطوبة؟
كان يضغط بقوة على كل حرف يخرج منه مما جعل حياة ترتجف داخليًا من القادم. أجابه محمود مستنكرًا:
- خطيبها! إزاي الكلام ده؟
ثم وجه حديثه لحياة:
- حياة، الكلام اللي بيقوله الأستاذ ده صحيح؟
فتحت فمها تجيبه ولكنه أوقفها نبرة فريد الهادرة:
- لما أكون بتكلم معاك متوجهلهاش كلام. لا انت أصلًا متتكلمش معاها تاني، لا وأنا موجود ولا مش موجود.
ثم انقض عليه في اللحظة التالية يلكمه بكل ما أوتي من قوة حتى صرعه أرضًا، غير آبهٍ باحتجاجات حياة.
تجمهر حولهم العديد من الطلاب يشاهدون ذلك الصراع الدامي بين زميلهم وهذا الشخص الغريب دون تحرك من أحد منهم للتدخل لفض ذلك الاشتباك، بما في ذلك حرس الجامعة.
كانت حياة تصرخ به بقوة متوسلة من بين دموعها المنهارة ليتركه ولكن دون جدوى. جلست بجواره وهو لا يزال يسدد لكماته لمحمود الذي أوشك على فقدان الوعي تتوسله وهي تمسك بكتفه:
- سيبه، هيموت في إيديك. الله يخليك سيبه، عشان خاطري كفاية.
نظر لها أولًا بغضب قبل أن يتحرك من فوق محمود الذي كانت الدماء تملأ وجهه وثيابه. اعتدل في وقفته وحاول إصلاح هيئته بغرور قبل أن يحدثها محذرًا:
- دي عينة صغيرة من اللي هعمله في أي حد يفكر يقربلك.
ثم تقدم عدة خطوات يقترب منها قبل أن يضيف:
- انتي بتاعتي أنا وبس. حطي ده في دماغك عشان ترتاحي وتريحيني.
دفعته بذراعيها بكل ما أوتيت من قوة صائحة بغضب:
- مش هتجوزك يا فريد! صدقيني لو انت آخر راجل في الدنيا مش هتجوزك! أنا أفضل إني أموت ألف مرة على إني أتجوز واحد زيك معندوش لا قلب ولا إحساس.
التوت فمه بابتسامة تحدٍ ثم أجابها بثقة:
- هنشوف.. كلام مين اللي هيمشي.
ثم تركها واتجه نحو سيارته يصعد بها أولًا ثم يقودها بجنون إلى الخارج. كانت لا تزال ترتجف من هول ما رأته عندما اقتربت منها مريم تحتضنها بقوة وتخبرها أن سيارة الإسعاف في الطريق لنقل محمود لأقرب مستشفى.
وقفت داخل أحد أروقة المشفى بجانب صديقتها مريم تنتظر خروج الطبيب من الداخل بتوتر. وصلت والدة محمود برفقته والده وأخواته تلهث وهي تقف أمام حياة تستفسر منها عما حدث معه. لم تستطع حياة إلا قول الحقيقة كاملة لوالديه دون تحريف. انتفضت والدته تصرخ بها مع صدور آخر الكلمات من فمها:
- وانتي مستنية إيه! لما يموت ابني عشان ترتاحي.
حاولت مريم التدخل للمدافعة عن صديقتها ولكن أوقفتها يد حياة وهي تتمتم بخجل:
- عندك حق. أنا آسفة ويا ريت تبلغي أسفي ده لمحمود وصدقيني مكنش قصدي أبدًا إني أأذيه وبكرر اعتذاري للمرة الثانية.
ثم وضعت يدها داخل جيب ردائها وأخرجت منه محبسها وأعطته لوالدته ثم انصرفت دون كلمة أخرى.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء يوسف
وقفت خارج أبواب المشفى تستنشق بعض الهواء النقي، علّ ذلك يعدل من مزاجها ولو قليلاً. ثم استأذنت مريم في الذهاب إلى منزلها. أصرت مريم على الذهاب معها، ولكنها رفضت بشدة، مصّرة على السير بمفردها لتنقيه أفكارها وإعادة ترتيبها.
تحركت نحو الشاطئ، تجلس على إحدى المقاعد الخشبية الموضوعة هناك. ظلت فترة تنظر إلى مياه البحر وأمواجه المتلاطمة بصمت. أثّر هذا المشهد على نفسيتها بشكل كبير، حتى فاضت جميع مكنونات قلبها ومشاعرها المكبوتة بداخلها. كانت روحها هي التي بحاجة إلى الدموع، لذلك تركتها تنساب بحرية. لم تكن تعلم لم كانت تبكي بكل تلك الحرقة. ربما لأنها غير مستعدة لرد فعل والدتها، التي ما إن تعلم حقيقة ما حدث، ستخبرها كم كانت محقة وكم نبهتها من طيشها وشدة عنادها معه. أو ربما لأن محمود كان يمثل لها الأمل بالهروب من ذلك السجن المسمى منزلها. أو ربما لأنها هيأت نفسها للخروج من تحكم ذلك المسمى والدها، الذي ربما لو اعتنى بحيوان أليف لكان اهتم لمشاعره أكثر من مشاعر ابنته!!! أو لأنها خسرت معركتها أمام ذلك المتجبر، واستطاع في النهاية تنفيذ ما يريده. فريد!! ظل اسمه يتردد في ذهنها بقوة. فكرت بحسرة كم أن الحياة قاسية معها. حتى الشخص الوحيد الذي اعتبرته صديقها المقرب سلبته منها الحياة ليتحول إلى إنسان دون قلب، وتتحول مشاعرها معه ليصبح أكثر الناس بغضاً لقلبها.
عاد هو إلى مكتبه والتقط هاتفه بغضب. عبث به قليلاً، بعنف، قبل أن يخرج اسم شخص ما ويجري معه اتصالاً هاتفياً.
"أنا قلت بما إنك مش بتسأل عليَّ، أسأل أنا."
ارتبك الرجل على الطرف الآخر من نبرته فتحدث مبرراً:
"فريد بيه.. صدقني مفيش حاجة مهمة تعرفها."
أجاب الرجل بهدوء ساخر:
"لأ يا راجل.. أمال ترقية بكرة دي إيه؟ وبعدين أنا هنا اللي بحدد إيه اللي مهم وإيه لأ."
تعلثم الرجل في نبرته قبل أن يجيبه بارتباك:
"هو حضرتك عرفت؟"
أجابه فريد ساخراً:
"لأ قاعد نايم على وداني مستني لما أنت تقرر إيه مهم عشان أعرفه، وإيه مش مهم."
تنحنح الرجل من الطرف الآخر محاولاً تنقية حنجرته، ثم أجابه مبرراً:
"يا فريد بيه، هي مجتهدة وموهوبة وتستحق الترقية، وأنا قلت دي حاجة أكيد هتبسط حضرتك."
قاطعه فريد بحدة:
"أنا عينتها عندك بس عشان تكون تحت عيني، وأنا اللي أقولك تعمل إيه معاها إمتى وفين، مش أنت. وبعدين بكرة قبل الاجتماع، تبلغها إنك استغنيت عن خدماتها."
تذمر الرجل معترضاً:
"بس يا فريد بيه، دي من أكفأ الموظفين عندي!!"
صاح به فريد ناهراً:
"رؤوف!!!! متنساش نفسك. أنا اللي طلبت منك تعينها عندك، وأظن إنك قبضت تمن ده وأكتر كمان. ودلوقتي لما أقولك ارفدها تنفذ وأنت ساكت، يا إما استثمار الشركة الفرنسية هيروح لحد تاني. فاهم؟!"
ارتبك الرجل على الهاتف ثم تمتم بخضوع:
"اللي حضرتك تؤمر بيه."
أغلق هاتفه وألقى به على المكتب دون وداع، ودفن رأسه في إحدى الملفات التي أمامه يحاول إلهاء عقله بها. بعد قليل، اندفع باب مكتبه بقوة، مما أجبره على رفع رأسه ليرى من ذلك المتطفل الذي يقتحم غرفته وخصوصيته دون استئذان. لوى فمه متشدقاً وهو يرى والده يتقدم منه والغضب يملأ نظره. سخر منه فريد:
"غريب بيه.. شكلك شايفاني في كابوس من كوابيسك عشان كده داخل عليا دخلة السينما دي، ولا يمكن جيهان هانم بخت شوية من سمها في ودانك كالعادة؟!"
أجابه والده بحنق:
"بلاش قلة أدب.. وقولي أنت لسه ماشي ورا بت الخدامة دي؟!"
انتفض فريد من مقعده يضرب سطح مكتبه بقوة:
"اسمها حياة، فاهم، ليها اسم تناديها بيه ده أولاً. وبعدين ده شيء ميخصكش ثانياً. وثالثاً، أنت لسه مخلي حد من كلابك يجيب لك أخباري؟!"
لوى والده فمه متشدقاً:
"متهربش من سؤالي."
صمت قليلاً متفكراً، ثم أضاف بتشفٍّ:
"التاريخ بيعيد نفسه.. والابن غصب عنه بيورث من جينات الأب.. واضح إن فيه حاجة في دمنا بتنجذبنا للخادمات.. أنا برضه أمك كانت مجننانى كده وهي مستعصية عليا.. بس عمتا لو عايزها أوي كده، قوللي وأنا هتصرف وأجوزهالك."
أجابه فريد والاشمئزاز بادياً في نظراته ونبرته:
"لأ، أنا مورتتش منك حاجة، وده من حسن حظي، لأني مش ناوي أموتها بأيدي. ثم إن دي حاجة تخصني أنا لوحدي وأنا هتصرف فيها. كفاية أنت بس تبعد أنت والعقربة وبنتها عن حياتي. ولو عرضك خلص، اتفضل روح مكتبك وسيبني أكمل شغلي."
ارتبك والده وبدأ الاحمرار يغزو وجهه، فاستدار للخارج يصفق الباب خلفه، بعد أن ألقى نظرة حانقة على ابنه الذي ارتمى فوق مقعده مرة أخرى يسحب هاتفه بغضب، ثم تحدث إلى شخص ما:
"اسمعني.. اللي اتفقنا عليه يتنفذ بكرة. وأقسم بالله لو حصل أي غلط ولو صغير، هدفنك مكانك. فاهم."
صاح بكلمته الأخيرة قبل أن يغلق هاتفه، ثم تحرك بعصبية يلتقط معطفه ومفاتيحه ويتحرك للخارج كالعاصفة.
دلف بعد فترة إلى منزله بهدوء، يحاول الوصول إليه منذ الصباح. لمح مديرة منزله تمر من أمام الممر المؤدي لمكتبه، فتوقف عن السير يلتفت إليها، ثم أمرها بعجرفته المعتادة:
"خلي داده آمنة تحصلني على مكتبي، دلوقتي حالا."
ثم استدار مرة أخرى مكملاً طريقه حيث يقع مكتبه. قام بخلع معطفه وربطه عنقه، ثم جلس على كرسي مكتبه الفخم بهدوء، يستند بذقنه على يديه المتشابكتين ينتظر وصولها. دلفت آمنة إلى مكتبه بعد أن طرقت باب الغرفة، وسمح لها بالدخول فور سماعه طرق الباب. نظرت إليه، وإذا به يجلس شاردًا، ويداه المتشابكتان تسند رأسه بوقار. لم يرفع رأسه ولم يتكبد عناء النظر إليها. تحدث على الفور وعيناه مازالت تنظر إلى الفراغ. سألها بصوت ناعم كالفحيح:
"آمنة هانم.. تفتكري لو فيه حد كدب عليَّ، المفروض أعمل معاه إيه؟"
بدأت آمنة تتأكد من شكوكها التي تساورها منذ طلبه أن تلحق به إلى غرفة مكتبه. ازدردت ريقها بصعوبة وهي تنظر إليه برعب، ثم تنحت محاولة تنقية حنجرتها قبل أن تجيبه:
"على حسب يا فريد بيه."
رفع عينيه يلتقط نظراتها كالصقر بعدما شعر بتذبذب نبرتها:
"أيوه كملي، على حسب إيه."
"على حسب هو كدب عليك في إيه بالظبط، وهو بالنسبالك إيه."
لوى فمه بابتسامة ساخرة قبل أن يجيب بثبات جعل أوصالها ترتعد خوفاً من القادم:
"لأ، هو من جهة كدب عليا، فهو كدب عليا في حاجة مهمة أوي. تقدري تقولي كده أهم حاجة في حياتي. ومكتفاش بالكدب بس.. ده حاول يستغفلني ويخليني زي العبيط مش حاسس بحاجة. ها، إيه رأيك بقى المفروض أعمل فيه إيه؟"
نظرت إليه، وإذا به يبتسم ابتسامة شرسة. حاولت إخراج نبرتها طبيعية قدر الإمكان:
"على حسب مكانته.. لو مهم عندك أو بتحبه، هتسامحه."
هز رأسه موافقاً، قبل أن يتحرك من مقعده ببطء ويضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله ويسير في الغرفة وحولها ببطء:
"وياترى هو ده اللي اعتمدتي عليه أنتي وحياة لما استغفلتوني واتخطبتوا لغيري؟ ولا فاكرين إني نايم على وداني ومش حاسس بحاجة من اللي بتحصل حواليا؟"
شعرت بقلبها يهبط إلى أرجلها. إذا كل شكوكها كانت صحيحة. إنه يعلم. والله وحد يعلم رد فعله التالي. انتظر فريد خروج رد فعل منها، ولكنها آثرت الصمت، لذلك قاد هو دفة الحديث مرة أخرى:
"حياة لسه صغيرة وطايشة.. بتعاند ومش عارفة الصح من الغلط. لكن المفروض إنكِ ست عاقلة وكبيرة وهتحافظي على عيلتك.. صح ولا إيه؟"
ضغط على جملته الأخيرة بقوة وهو يبتسم لها ابتسامة ذات مغزى. ضيّقت آمنة عينيها عليه تحاول استيعاب ما نطق به للتو. نعم، إنه يهددها بعائلتها. لم تخطئ في فهم رسالته المبطنة. اللعنة على حياة. ستقضي عليهم جميعاً بسبب عنادها. أطرقت برأسها أرضاً، قبل أن تتمتم بخفوت محاولة تدارك الموقف وامتصاص جزء من غضبه:
"اللي أنت عايزه يا فريد بيه هيحصل، متقلقش."
ثم استأذنته في الخروج هاربة منه، تحاول التفكير في حل للخروج من ذلك المأزق قبل فوات الأوان.
لم يستطع المكوث في منزله لأكثر من ذلك، فهو يشعر أن تلك الاثنا عشر ساعة القادمة لا تمضي وعقارب الساعة لا تتحرك. لذلك التقط معطفه ومفاتيح سيارته واتجه نحو الخارج. بعد قليل وصل إلى مكانه المعهود وجلس به، ولكن لن يطلب اليوم شرابه المعتاد. يريد شيئاً يجعله يفقد وعيه بشدة حتى لا يستطيع التفكير بها. التقط الشراب ثم تجرعه مرة واحدة، قبل أن يخفض الكأس ويضعه على طاولة البار ويطلب كأساً جديداً. اللعنة، حتى ذلك الشراب القوي لم يستطع إخراجها من عقله. هذا ما فكر به بألم وهو يخرج صورتها من جيب ردائه. كم أنها جميلة وبريئة!! هل تعلم أنها تمتلك أجمل عيون رآها يوماً؟ كم تبدو بعيدة وطاهرة بقدر ذنوبه وأخطائه. ها هي تقف أمامه في تلك الصورة التي التقطها لها منذ زمن بعيد بنظرتها الحالمة. هل تعلم أنه يحفظ جميع نظراتها عن ظهر قلب؟ لا، ولا يعتقد أن هناك أحد آخر يفعل ذلك، حتى ذلك المدعو محمود!! لا يعلم لماذا تذكر الآن ذلك السؤال الذي رمته به منذ سنوات عديدة عندما أعلنت لأول مرة عن كرهها القوي له مستنكرة. في ذلك الوقت كان يشعر بصدمة شديدة من مشاعر الكره التي أطلقتها نحوه وبقوة غير عابئة بإحساسه أو بما شعر به حينها، لذلك لم يستطع الإجابة على سؤالها، ولكنه تذكره الآن. هل حقاً يحبها، أم أنه فقط يريد تملكها؟ لقد تخطت مشاعره مصطلح الحب منذ أعوام. كان ذلك ما يشعر به في طفولتهم، وكلما كبر عام كلما كبر حبها داخل قلبه حتى أصبح متغلغلاً داخل دمه وكيانه. فكر بألم، هل يؤلمه ذلك الحب؟ إنه يسحق روحه. في كل مرة ترميه بنظرة كره، يشعر وكأن شاحنة كبيرة مرت فوق قلبه لتحولها إلى أشلاء وتترك به عاهة مستديمة لا يستطيع أحد مداواتها غير تلك المتسببة بها. هل يسخط عليها؟ إن انتزاع قلبه بيده أهون عليه من أن يسخط عليها أو يتحول ذلك الحب إلى أي شيء آخر غير الحب. وأيضاً، كيف يستطيع انتزاع قلبه وإخراجه وهي تسكنه؟ سينتظر كما انتظر دائماً. وسيدعو الله كما يدعو دائماً، علّ يوم من الأيام يتغير قلبها لحبه، أليست القلوب بيده يغيرها كيفما يشاء، إذاً سينتظر.
أعاده من أفكاره يد شخص ما حطت على كتفه بحنان. تمتم بأمل ما بين الصحو والغفلة:
"حياة!!!"
لوت نجوى فمها بإحباط قبل أن تجيبه بغيظ:
"لأ، أنا مش ست الحسن بتاعتك. أنا نجوى يا فريد."
رفع رأسه لينظر إليها ثم حرك يده ليزيح كفها من فوق كتفه بضيق قبل أن يتمتم بنفاذ صبر:
- عايزة إيه يا نجوى، أنا مش فايقلك.
أجابته برجاء:
- عايزك تسيب نفسك ليا شوية وتنسى البتاعة بتاعتك دي شوية.
قبض بيده على معصمها بقوة متمتمًا بتهديد:
- قلتلك مية مرة قبل كده متجيبيش سيرتها على لسانك الـ... ده! فاهمة ولا لأ.
شعرت نجوى بأنها تخسر في تلك المعركة للمرة الألف، لذلك حاولت تغيير مجرى الحديث. اقتربت منه تحاول وضع يدها فوق صدره تتحسسه بإغراء متمتمة:
- طب بقولك إيه، الجو هنا خنيق أوي، ما تيجي نكمل السهرة في الفيلا عندي. كده كده بابي ومامي لسه مسافرين.
ابتعد فريد عنها وهو ينظر لها باشمئزاز واضح:
- انتي هتفضلي سهلة كده لحد إمتى؟ حرام عليكي أبوكي يا شيخة! انضفي بقى شوية.
صرخت به بغضب وهي تجيبه:
- انت عارف كويس إني بعمل كل ده ليك انت بس عشان بحبك.
نظر لها فريد باستهزاء قبل أن يضيف:
- انتي مبزهقيش من الأسطوانة دي؟ قلتلك مليون مرة وأنا مبحكيش. خلي عندك كرامة بقى وحلّي عني.
حاولت مسك ذراعه لمنعه من تركها والذهاب. أغضبه ذلك كثيرا، فهو يكره أن يلمسه أحد أو أن يتعدى على مساحته الشخصية، وهي فعلت ذلك الليلة مرتين متتاليتين. قبض على معصمها بقوة جعلتها تصرخ متألمة، ولكنه لم يبالِ بل واصل ضغط يده فوق يدها بقوة أكثر جعل وجهها يشحب من شدة الألم. وعندما أخرج صوته كان هادئًا، ولكن مملوءًا بالغضب:
- قلتلك مية مرة متلمسنيش، زي ما قلتلك برضه قبل كده لعبتك الرخيصة دي تروحي تلعبيها على حد غيري. مش على آخر الزمن واحدة... هتضحك على فريد رسلان؟ ولا انتي مش مكفيكي فلوس أبوكي دي كلها فقلتي أضحك عليه وأهو يبقى زيادة الخير خيرين!!! طلّعيني من دماغك عشان أنا صبري عليكي بدأ يخلص. وانتي مش هتحبي تشوفي الوش التاني مني.
أنهى حديثه بحزم ثم نفض يده من فوقها باشمئزاز قبل أن يترك لها المكان بأكمله ويخرج عائدًا بتفكيره إلى تلك الحياة خاصته.
عاد إلى منزله ثم توجه مباشرة إلى غرفته. ألقى بثقل جسده المتعب فوق الفراش. في الحقيقة لم يكن جسده هو المتعب، بل روحه. أغمض عينيه بإرهاق سامحًا لسيل الذكريات بالتدفق بقوة داخل عقله لتسحبه داخل دوامة من الألم والحسرة والكثير من الشوق للماضي. حاول نزع نفسه منها، ولكن الأوان قد فات، فيبدو أنها ستنتصر عليه كعادتها كل ليلة دون حيلة منه. ظهرت أمامه صورة والدته بوضوح وآثار الضرب المبرح واضحة عليها وهي تمسح على شعره بحب وتحدثه مازحة بنبرتها المليئة بالحنان:
- انت بتحب حياة أكتر مني يا فريد. أول ما بتفتح عينيك بتسألني عليها، حتى قبل ما بتقول لي صباح الخير.
أجابها بثقة وحزم يفتقده جميع أقرانه المماثلين له في العمر:
- لا، أنا بحبكم انتوا الاتنين قد بعض. انتي بابا بيكرهك وهي باباها بيكرهها. وأنا لما أكبر هاخدكم انتوا الاتنين وأهرب بيكم ومحدش هيعرف يضايقكم تاني.
نظرت إليه والدته بانبهار من نظرة الإصرار التي رمقها بها، فهو منذ صغره ورغم ضآلة حجمه في ذلك الوقت إلا أنه كان يتمتع بإرادة قوية. ومع مرور الوقت تعلم كيف يطوع تلك الهبة حتى ينحني كل شيء يريده أمامها ببساطة. ابتسمت والدته إليه بحب قبل أن تقول له بعيون لامعة محاولة إخفاء الألم الكامن بداخلها:
- لو بتحبها أوي كده يا فريد، لازم تحافظ عليها وتحميها من نفسك.
صمتت قليلاً تستجمع كلماتها ثم أضافت كتقرير:
- أنا عارفة إنك لسه صغير على كلامي ده ويمكن متفهموش، بس أنا خايفة مفضلش معاك لحد ما تكبر وتفهم اللي بقولهولك ده.
صمتت مرة أخرى لتزدرد ريقها عدة مرات وتحاول السيطرة على دموعها التي أوشكت بالإعلان عن نفسها:
- اللي بيحب حد يا فريد مبيقدرش يعذبه. ولو حبك ليها زي ما بتقول حقيقي، يبقى عمرها ما هتهون عليك. أوعى يا فريد دم غريب اللي بيجري في شرايينك ده يسيطر عليك وتفكر في يوم من الأيام تأذيها بحجة إنك بتحبها.
هز رأسه لها بقوة كأنه يحاول حفظ كلماتها داخل عقله حتى لو لم يستوعبها الآن.
زفر بقوة ثم مرر يده فوق وجهه قبل أن يفتح عينيه بمرارة. لقد استوعب في اليوم التالي كلمات والدته له بأقسى طريقة ممكنة لطفل في عمره وعلى يد والده أيضًا. ومن ذلك اليوم أقسم على دفع حياته ثمن قبل أن يقوم بإيذائها، فهي كل ما تبقت له من ذلك الماضي السحيق.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء يوسف
استيقظت حياة في الصباح بقلب مثقل. فكرت بيأس أنه لا فرار من تلك المواجهة. فقلبها يحدثها بأن والدتها على علم بكل ما حدث معها بالأمس. فمنذ المساء ووالدتها تحاول الوصول إليها هاتفياً. وبمجرد دخولها للمنزل اقتحمت غرفة حياة على الفور، ولكن الأخيرة تظاهرت بالنوم فور سماعها أقدام والدتها خارج غرفتها.
تحركت حياة على مضض. اتجهت إلى الحمام مباشرة فلم تصادف أحد في طريقها وذلك لحسن حظها. ثم عادت مرة أخرى لغرفتها تستعد لارتداء ملابسها والخروج. بعد قليل كانت قد انتهت من ارتداء جميع ملابسها وتمشيط شعرها. نظرت إلى المرآة بحزن. ففي ظروف أخرى كانت لتبدو سعيدة بأن كل مجهوداتها في الثلاث سنين الأخيرة توجت أخيراً بالنجاح. ولكن الآن كل ما تشعر به هو الحزن مع الكثير والكثير من تأنيب الضمير بسبب ما حدث مع محمود البارحة. وكل ذلك بسبب ذلك المدعو فريد وهوسه في التملك.
أعادتها والدتها من أفكارها باقتحامها غرفتها بحدة. تنهدت حياة بإحباط. إذاً فكل شكوكها صحيحة، فملامح والدتها تبوح بكل ما يعتمر داخل رأسها دون حديث.
لوت حياة فمها بإحباط قبل أن تأخذ مبادرة الحديث:
- واضح إنك عرفتي باللي حصل امبارح..
أجابتها والدتها بجدية:
- مقالش تفاصيل..
تنهدت حياة بحزن قبل أن تقص عليها كل ما حدث معها البارحة وما فعله فريد بمحمود وحالته الصحية وأيضاً تركها له. شهقت والدتها برعب من بطشه، فلم يكفيه ما فعله ولكن أيضاً قام بتهديدها. كانت تريد لوم ابنتها على طيشها وعنادها غير المبرر معه، ولكنها تراجعت فور رؤيتها الدموع المتكونة داخل عيون ابنتها بوضوح.
تحركت حياة للخارج وتبعتها والدتها بصمت. صادفت أخاها يستعد للخروج هو الآخر. ابتسم لها بعذوبة وهو يلقي عليها تحية الصباح. قبل أن يسألها باهتمام:
- مالك؟ في حد قالك حاجة زعلتك؟
ثم أشار برأسه حيث غرفة والدهم. هزت حياة رأسها بالنفي قبل أن تقول:
- أنا اديت محمود المحبس بتاعه..
عبس أخاها قبل أن يسألها مستنكراً:
- انتي لحقتي؟ ده مكملتيش يومين! ايه السبب؟
حاولت حياة تغيير مجرى الحديث فأجابته بنفاذ صبر:
- هحكيلك بعدين بس يلا عشان منتأخرش..
أخاها:
- طب يلا أنا كمان نازل معاكي، تعالي أوصلك..
ثم تحركا معاً للخارج. وفي الطريق سألته حياة باهتمام:
- عامل إيه في الشغل؟ وبعدين انت نازل بدري ليه؟ مش معادك يعني؟
أجابها أخاها بتذمر:
- حياة أنا خلاص قرفت.. ضغط شغل مش بيخلص والراجل المدير ده مش بيرحم كأنه اشترياني.. حتى النهاردة طلب مني أروح بدري عشان آخد فلوس وأوديهاله البنك مع إن ده مش من مهامي وأول مرة يعملها..
عبست حياة قبل أن تفتح فمها لمواساته:
- معلش يا محمد، اصبر عليا شوية كمان، إن شاء الله هلاقي فرصة للسفر وهاخدك معايا، أنا مش ساكتة ويمكن ربنا يكرم في أقرب فرصة..
هز لها أخاها رأسه مطيعاً قبل أن يضيف:
- طب أنا هسيبك هنا عشان متأخرش على الراجل ده والحق معاد البنك، وانتي خلي بالك ولو احتجتي أي حاجة قوليلي..
ابتسمت له حياة بحنان قبل أن تلوح له مودعة وتستمر في طريقها.
كان محمد هو أخاها الأصغر، وبالرغم من ذلك كان يتعامل معها على أنه يكبرها بسنوات. كان حنون معها بطريقته الخاصة. كان دائماً ما يأخذ صفها عند نوبات غضب والدها، وفي المساء أثناء عودته يجلب لها نوع الشيكولاتة المفضل لديها ويحاول دائماً إخراجها من حزنها. بالطبع لم يكن السند الذي تستطيع إخباره بمشاكلها وما يفعله معها فريد، ولكنه كان يحاول حبها بكل ما يملك.
وصلت حياة إلى مكتبها قبل ميعادها الرسمي بعشر دقائق تقريباً. فبدأت في تحضير ملف الاجتماع على الفور. بعد حوالي ساعة تفاجأت برب عملها يدلف إلى غرفة مكتبها بعبوس. حييته باحترام قبل أن تسأله بارتياب وهي ترى ملامح وجهه المتجهمة أمامها:
- في حاجة أقدر أساعد حضرتك فيها يا مستر رؤوف؟
بدأ الارتباك يظهر جلياً على ملامح وجهه. فتح فمه للتحدث ولكنه أغلقه مرة أخرى. ظلت حياة تنظر له وقد انتقل إليها توتره آلياً، فملامح وجهه لا تبشر بخير. تنحنح أخيراً لتنقية حلقه قبل أن يتحدث إليها:
- حياة.. انتي عارفة إنك من أحسن الموظفين اللي عندي.. وأنا فعلاً بعزك وبحترمك وبتمنى كل الموظفين يكونوا في نشاطك وذكائك وخوفك على الشغل.. بس أنا آسف ومضطر أقولك إننا استغنينا عن خدماتك.. وكتعويض ليكي هنصرف لك ٣ شهور مكافأة.
نظرت له حياة بصدمة تحاول استيعاب ما تفوه به للتو. هل هذه مزحة سخيفة؟ لا، فملامح وجهه وارتباكه لا يدل إطلاقاً على أنه مزاح. كما أنها ليست كذبة أبريل فنحن على أعتاب الشتاء! صمتت قليلاً واخفضت رأسها محاولة السيطرة على الدموع التي تجمعت داخل مقلتيها. ثم بعد قليل رفعت رأسها وهي تبتسم له وتقول:
- تمام.. قدر الله وما شاء فعل. مفيش أي مشكلة وأنا أكيد سعيدة إني اتعرفت على حضرتك وأكيد اتعلمت من حضرتك حاجات هتنفعني في سيرتي الذاتية. اسمح لي بس ألم حاجتي وأتحرك.
ارتبك وهو واقف أمامها ولم يدرك ما يجيبها به، فقد أعجب بقوتها ورد فعلها الثابت. فكر متعجباً، لماذا يفعل ذلك الملعون فريد كل ذلك معها. على كل حال هذا ليس من شأنه، يكفيه ما يحصل عليه منه منذ أن قام بتعيينها حتى الآن، وذلك هو المهم. خرج من غرفتها بعد أن وضع مغلفاً أمامها وانصرف دون وداع. انتظرت حياة خروجه بفارغ الصبر حتى تستطيع الارتماء فوق المقعد والتفكير بتلك المفاجأة التي قلبت موازين يومها، ففي أثناء استعدادها لتشغل منصب جديد وجدت نفسها خارج المؤسسة بأكملها. على كلا، حاولت تشجيع نفسها، ففي الأخير كل ذلك رزق من الله وهي لديها من الخبرة والمؤهلات ما يؤهلها للتعيين في أي شركة أخرى بسهولة. بالطبع كانت تلك من أفضل شركات الملاحة في الإسكندرية، ولكنها لن تجزع. ستجد فرصة أفضل إن شاء الله. أخذت حاجياتها وهمت بالانصراف عندما أوقفها رنين هاتفها. نظرت به وإذا بوالدتها هي الطرف الآخر. تجاهلت اتصالها في المرة الأولى ولكن والدتها كانت تعاود المحاولة دون انقطاع. التقطت هاتفها وأجابت بحزن فجاءها صوت والدتها باكياً:
- حياة.. الحقي محمد أخوكي..
كانت تشعر بالأرض تدور بها من شدة الفزع. خرج صوتها هامساً تستفسر:
- ماما! حصله إيه؟ محمد حصله حاجة؟ ماما!
أجابتها والدتها وهي لازالت على بكائها:
- هو كويس بس تعالي على شغله دلوقتي حالا.. حالا! يا حياة.. أخوكي في مصيبة.
تحركت حياة تلقائياً، تركض نحو الخارج كأنها إنسان آلي دون روح. استقلت أول سيارة أجرة صادفتها في طريقها وصوت كلمات والدتها يتردد في أذنها بقوة. ضرب ألف احتمال واحتمال رأسها في تلك المسافة من مقر عملها لعمله. حاولت طمأنة نفسها. المهم أنه لم يصبه مكروه. أي شيء آخر يمكن تفاديه، المهم ألا يصيبه مكروه. هذا ما فكرت به بيأس وهي تركض الدرج للأعلى حيث مقر الشركة التي يعمل بها. دفعت الباب بيد مرتعشة فألتقطت عينيها على الفور والدتها تجلس بعيون منتفخة من كثرة البكاء على إحدى الأرائك الموضوعة في مدخل الاستقبال ويجلس إلى جوارها أخاها بملامح مرتعبه. رفعت رأسها قليلاً وإذا بها ترى شخصاً تعرفه جيداً، يستند بكسل وملامح مسترخية على حافة أحد الأبواب وبجواره يقف مدير أخاها. لم يكن الأمر يحتاج إلى الكثير من الذكاء لمعرفة من المتسبب بكل ذلك الذعر الذي تمر به عائلتها. تمتمت بغضب توجه نظراتها المشتعلة إليه:
- انت!!!
ثم تحركت تركض حتى وصلت إليه وأخذت تُلكمه فوق صدره بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ به كأنها بذلك تفرغ جميع شحنات الغضب المتكونة بداخلها منذ البارحة:
- انطق عملت فيهم إيه تاني! انت إيه مش بتشبع تعذيب في الناس! عملت إيه في أخويا انطقققق..
كان فريد يقف أمامها بثبات كأنها تسدد تلك اللكمات للهواء وتصرخ بشخص آخر وليس هو نفسه. بعد قليل شعرت بقوتها تنهار فتوقفت عن لكمه وهي تلهث فتحدث هو بصوت ثابت وعميق:
- لو خلصتي الدراما اللي عملتيها ياريت تتفضلي معايا جوه..
لم تتحرك من مكانها فأضاف بنفاذ صبر لجذب انتباهها:
- عشان أخوكي..
التفت تنظر إلى والدتها بعيون حائرة فاومأت لها براسها مشجعة. تحرك هو أولاً، وتحركت حياة في أثره دون اعتراض أو حتى سؤال. فتح لها باب غرفة ما وتركها تتقدمه. دلفت حياة إليها أولاً تتفحصها. كانت الغرفة مؤثثة جيداً وواسعة، يبدو أنها غرفة المالك. قاطع أفكارها صوت فريد الذي أغلق الباب فور دخوله يطلب منها الجلوس. رفضت على الفور وهي تفكر بقلق ما الذي يمكن أن يجمعها به ويخص أخيها، ولماذا تشعر بأنها كبش يُجر إلى الذبح. استند فريد على حافة المكتب يراقب تعابير وجهها ونظراتها الحائرة بهيام. يالله كم يعشقها! هل تعلم كم هي جميلة ورقيقة وهي تقف أمامه الآن ترتدي جاكيت بدلة نسائية من اللون الأسود وبنطال من الجينز فتبدو شابة وقوية. وشعرها الفحمي الناعم مرفوع على هيئة ذيل حصان. إنها حقاً تبدو كجوهرة أصيلة متمردة، حتى تلك اللحظة لم يستطع ترويضها. لوى فمه بمرح مفكراً، ومن قال إنه يريدها مروضة!!! إنه يريدها بكل عنفها وكبرياؤها وتمنعها عليه. أعاده من تأملاته صوتها الرقيق تسأله بحدة:
- هنفضل واقفين طول اليوم تبصيلي كده!!!
ابتسم بمرح قبل يجيبها:
- أنا شخصياً معنديش أي مانع أفضل واقف سنين مش بس يوم أتأملك.. بس عندك حق الأيام جاية.. خلينا في المفيد..
نظرت له برعب واضح من تلميحه المبطن ولكنها تجاهلت ما يخبرها به عقلها فقالت بهدوء مصطنع يشوبه التحدي:
- سمعاك..
تنحنح فريد ثم تحدث مباشرة:
- محمد..
سألته حياة بارتياب:
- ماله؟
أجابها ببرود يخرج فقط من إنسان آلي وليس إنسان يمتلك مضخة دم وشرايين:
- ولا حاجة.. بس اختلس من الشركة ٥٠٠ ألف دولار..
نظرت له حياة باستهزاء:
- هزار.. انت حد فاكر إن دمك خفيف فسايب أعماله وأشغاله وجايبني عشان تهزر!!
هز فريد رأسه لها ببطء صادراً صوت من فمه ينم على الاستياء:
- غلط.. إجابة غلط.. المفروض الإجابة اللي أسمعها أنا موافقة إني أتجوزك يا فريد..
نظرت له حياة بصدمة واضحة دون أن تنطق ببنت شفة. انتظر فريد صدور رد فعل منها لمدة دقيقة ولكن لم تفعل. أضاف بنفس بروده المعتاد بعد أن وضع إصبعه فوق فمه متفكراً:
- اعذريني.. يمكن حماسي خلاني أنط للجزء ده قبل ما أسمعك باقي عرضي..
دلوقتي أخوكي محمد اختلس من الشركة اللي شغال فيها ٥٠٠ ألف دولار.
وطبعاً إنتي ما خدتيش بالك إن فيه ناس واقفة بره شهود شافوه وهو بياخد الفلوس من الخزنة ويحطها في شنطة، وبعدين الشنطة بالفلوس اختفوا.
ها، إيه رأيك؟ محمد يتحبس ولا تتجوزيني؟
تمتمت حياة بخفوت، مقرة كأنها تتحدث لنفسها قبل أن تتحدث إليه وتحاول حل تلك الأحجية اللي في راسها:
- المدير اللي بره ده الكلب بتاعك، مش محتاجة تفكير.
صمتت لبرهة، ثم أضافت وهي تضيق عينيها:
- والفخ ده مترتبله من زمان، عشان كده طلب منه إنه يجي قبل ميعاده ويوصله الفلوس للبنك على غير العادة.
ابتسم فريد بعمق، قبل أن يرفع كفي يده يصفق لها بأسلوب درامي:
- ذكائك كل يوم بيزيد، كنت خايف بعدك عني السنين دي كلها يقلل منه، بس بالعكس، طمنتيني عليكي.
نظرت إليه باشمئزاز، قبل أن تقول:
- إنت إزاي كده؟ أنا بقرف منك وبكرهك، فاهم يعني إيه بكرهك؟ والموت أهون عندي من إني اتجوزك.
وضع يده فوق قلبه بتمثيل، قبل أن يجيبها:
- زوجتي المستقبلية، كلامك جرح قلبي، بس مش مهم، هعتبره خجل منك برضه. إحنا دوبنا لسه مخطوبين من ساعة وشوية وهتتعودي عليا.
صرخت به حياة بقوة، وقد بدأت تفقد أعصابها أمامه:
- هلقى حل، السجن أرحملي، هقول إني أنا اللي أخدتهم مش هو.
أجابها بثقة:
- الشهود ضده والكاميرا سجلت وهو بيفتح الخزنة وبياخدها، مش إنتي.
صرخت به مرة أخرى:
- هتصرف وأدفع المبلغ.
هز رأسه لها رافضاً، قبل أن يفتح فمه ويقول:
- ومين قال إننا عايزين المبلغ؟ هو عرض واحد: جوازنا قدام سجنه.
شعرت حياة باللعبة تضيق عليها، وها هي على وشك الخسارة. التفتت حولها تبحث عن شيء ما تجلس عليه. اتجهت إلى الأريكة الموضوعة بعناية، وجلست عليها، ثم انحنت ووضعت كلتا كفيها فوق رأسها وهي مغمضة العينين، تحاول التفكير بهدوء أو إيجاد مخرج ما. فكرت بيأس:
- اللعنة! إلى من ألتجئ؟ ليس لدي أحد ما يحميني منه، فوالدي يلومني على ما أفعله وما لا أفعله، وبالطبع ينتظر اليوم الذي يتخلص به مني. فما بالك بشخص غني كفريد؟ والدتي أيضاً لن تسعفني، فهي لا حول لها ولا قوة. أأترك أخي للسجن وهي تعلم أنه مظلوم؟ هل سيتعفن داخل جدرانه وينتهي مستقبله من أجل حربها مع فريد؟ لا، لن أكون بتلك الأنانية. ثم إنها لا تفرط به.
شعرت بوخز الدموع يزداد داخل مقلتيها وهي تفكر بحزن لو أن لها قوة. حاولت السيطرة على دموعها، فالقرار واضح. ستحمي أخاها حتى لو على حساب ربط ما تبقى من حياتها باسم رجل تبغضه. فكرت بأمل وهي تحرك رأسها يميناً ويساراً:
- سأسايره في خطته حتى أهرب أخي خارج البلاد وأحمي والدتي، ثم أتركه وأهرب. هذا هو الحل الوحيد. لن أستسلم له، ولكن سأنحني للعاصفة. نعم. طمأنت نفسها داخلياً. هذا كل ما سأقوم به. لن أُهزم، فقط سأنحني حتى أتفادى تلك العاصفة غير المتوقعة.
جاءه صوته قريباً منها يحدثها:
- قدامك نص ساعة، وإلا البوليس هيكون جوه الشركة.
انتفضت من مقعدها تصرخ به:
- خلاااااص موافقة، بس بشروط.
عقد حاجبيه معاً، وهو يكتف كلتا ذراعيه فوق صدره ويسألها بتركيز:
- إيه هي شروطك؟
أجابته بثقة مزيفة، وهي تحاول رفع رأسها بكبرياء:
- وصلات الأمانة اللي مضى بابا عليهم وسامح ماما بيهم، يتقطعوا قبل كتب الكتاب. وطبعاً مش محتاجة أقول إن من بكرة ماما توقف شغل عندك.
راقبت رد فعله بهدوء بسيط اكتسبته من نظرته الحانية. حسناً، إن كان يريد المساومة، فهي أيضاً ستساوم وتبدأ في تنفيذ خطتها منذ الآن.
أومأ رأسه لها موافقاً، وهو يتمتم:
- اللي إنتي عايزاه.
أكملت حياة بثقة أكبر:
- الشرط التاني، تكون ليا أوضة لوحدي خاصة بيا، ومحدش معاه مفتاحها غيري، وده من أول يوم جواز. إنت في مكان وأنا في مكان.
نظر لها مطولاً، يتفحصها، قبل أن تضيق عينيه عليها ويسألها:
- يعني إيه؟
أجابته مفسرة:
- يعني اللي فهمته. مفيش حد عنده كرامة ممكن يقرب من واحدة مش طايقاه.
دوت ضحكته عالياً بشراسة داخل أنحاء الغرفة، قبل أن يقول:
- لا، إنتي بتهزري!! أنا استنيت كل ده عشان اتجوزك وملمسكيش؟ لا، ومتوقعة مني إني أقبل كمان. طبعاً شرطك مرفوض.
صرخت به حياة وهي تنظر في اتجاه المكتب الواقف أمامه:
- وأنا قلتلك الموت أهون عليا من إني اتجوز واحد زيك.
ثم تحركت مسرعة تلتقط آلة فتح المظروفات الحادة من فوق المكتب وتضعها فوق شريان رقبتها وتضيف:
- أقسم بالله يا فريد، هموت نفسي قدامك وأريحهم وأرتاح، ومش هتقدر تهددهم بعد موتي.
شعرت في اللحظة التي نطق بها برفضه بأنها فقدت السيطرة على أعصابها تماماً. حتى جسدها خرج عن نطاق سيطرتها، فلم تستطع إيقاف ارتجافه. حاولت التوقف عن الصراخ، ولكن دوى، فكل ما شعرت به في تلك اللحظة أنها تريد الصراخ بكل قوتها حتى تنفس عن كل ما شعرت به منذ البارحة:
- إنت إيه!! إنسان مش بيرحم!! مش كفاية اللي عملته في محمود امبارح، ومش كفاية اللي عملته قبله في أمي!! إنت عمال بتدمر حياة أي حد قريب مني لمجرد إنه يعرفني. أنا بكرهك وبكره اليوم اللي شفتك فيه والساعة اللي قَدَري وقعني فيها في طريقك. أنا عايزة أموت عشان أرتاح من إنك دايماً واقف في طريقي.
ظل فريد يراقبها، وضغط يدها يزداد تدريجياً فوق عنقها دون وعي منها. تقدم خطوة للاقتراب منها، ولكن صراخها الذي ازداد أوقفه:
- اوعى تقرب، لو فكرت في يوم تقرب مني أو تجبرني، هموت نفسي.
كان يرتعد داخلياً، خوفاً عليها. اللعنة عليه، ماذا فعل بصغيرته وحياته؟ إنها على وشك فقدان الوعي من شدة رعبها وتلف أعصابها. هل هذا ما يريده لها؟ ولكن تلك فرصته الأخيرة حتى تصبح زوجته، فمنذ سنوات وهو ينتظر موافقتها، ولكن دون جدوى. حسناً، سيكفيه أن تعيش تحت سقف بيته ويراها يومياً. نظر إليها فوجد يدها تضغط بقوة أكثر على الآلة الحادة حتى بدأت بعض الدماء تزحف نحو عنقها ببطء، فصرخ بفزع:
- تماااام.. خلاص موافق، بس اهدى وسيبلي اللي في إيديك دي.
نظرت إليه بعدم تصديق، بينما يحاول هو الاقتراب منها، ولكنها صرخت به بقوة:
- قلتلك متقربش مني.
توقف فريد عن السير وتراجع خطوة للوراء، وهو يرفع كلتا يديه أمامه في استسلام ويتمتم بحزن:
- مش هقرب، بس إنتي اهدى وسيبلي اللي في إيديك.
تمتمت حياة:
- مش مصدقاك.
أجابها فريد والألم يعتصر قلبه:
- والله ما هقرب منك.
سألته حياة مستنكرة:
- احلف بأغلى حاجة عندك. احلف برحمة ماما رحاب.
ازدرد فريد ريقه بصعوبة، قبل أن يتمتم بحزن وصدق حقيقي:
- ورحمة أمي ما هقرب منك. وحياتك عندي ما هقرب منك غصب عنك أبداً.
أفلتت حياة الآلة من بين يديها، فسقطت على الأرض الخشبية تدوي بقوة، وسقطت حياة بجوارها تشهق وتبكي بكل ما أوتيت من قوة. تحرك فريد يجلس جوارها بصمت، دون محاولة لمسها. ظل يجلس جوارها حتى هدأت تماماً من نوبتها، ثم وقفت فجأة وتحركت في اتجاه المرحاض لتنظيف وجهها وعنقها. خرجت منه إنسانة أخرى بملامح هادئة وقوية، وبمجرد رؤيته يتحرك في اتجاهها، رفعت رأسها بكبرياء، موجهة له نظرات نارية. ابتسم داخلياً لعودة متمردته مرة أخرى. سألها باهتمام:
- محتاجة حاجة؟
هزت رأسها نافية، وهي تنظر إليه بازدراء. لوى فمه بنصف ابتسامة جانبية التقطتها عيناها، فسارعت تقول:
- أنا بكرهك على فكرة.
تمتم فريد بمرح:
- مش مشكلة. تكرهيني وأنتي في بيتي وتحت عيني أحسن من إنك تكرهيني وأنتي بعيد عني.
صمت لبرهة، ثم أضاف:
- شفتي أنا قنوع إزاي؟
لم تعقب حياة على سخريته، فقد كانت تفكر بخبث أن انتصاره ذلك مؤقت، لذلك فلماذا لا تتركه يستمتع به قليلاً. تحركت في اتجاه الباب، تهم بالخروج، عندما أوقفها صوته العميق يضيف:
- الفرح الخميس الجاي. ده المهم إنك تعرفيه، غير كده أنا هتولى باقي الأمور.
كانت على وشك الاعتراض، ولكنها تراجعت، فكلما أسرعت في الزواج منه وبدء خطتها مبكراً، كلما تخلصت منه بشكل أسرع. لاحظ هو الصراع الداخلي الذي تمر به، والبادئ بوضوح على قسمات وجهها، فأبتسم تلقائياً عند تراجعها. فكر بفخر أنه يحفظ تعابير صغيرته عن ظهر قلب.
في الخارج، نظرت حياة إلى والدتها التي استمعت إلى كل ما حدث مع ابنتها بالداخل، ولكنها لم تستطع التدخل، فهذا هو التصرف الصحيح من أجل الجميع. تمتمت حياة بنبرة خالية لجميع من بالغرفة:
- الفرح آخر الأسبوع.
ثم التفتت تلقي نظرة أخيرة تطمئن بها على أخيها، قبل أن تنصرف دون حديث.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء يوسف
مرت الأيام سريعا وجاء موعد عقد القران. لم تقم أو تهتم بأي شيء ولم يتركها فريد تنشغل بشيء، حتى فستان زفافها التي ارتدته بعد توسلات كثيرة من والدتها كان من اختياره. تم عقد القران في الفيلا خاصته وسط حضور عدد بسيط من المدعوين، ولكن في النهاية كان كل شيء مثالي وراقي لأقصى حد تحلم به كل فتاة عداها، هذا ما فكرت به حياة وهي تنظر حولها متأملة.
انتهت الحفلة سريعا ولم يحاول فريد خلالها الاقتراب منها أو لمسها، حتى بعد عقد قرانهم اقترب منها يطبع قبلة بسيطة فوق جبهتها ثم ابتعد فورًا عند شعوره بتململها تحت قبضته. انقضى الحفل وودعت حياة الجميع، ثم جاء وقت توديع والدتها التي بكت من أعماقها قبل أن تتمتم هامسة في أذن حياة:
- أنا آسفة يا بنتي بس مكنش في حل تاني.
شدت حياة من احتضانها لوالدتها وهي تتمتم لها مطمئنة:
- عارفة وصدقيني مش مضايقة.
كانت حياة صادقة فيما تفوهت به، فهي لا تشعر بالضيق نحو أي منهم على الإطلاق. لقد اختارت حماية أخاها دون أدنى ضغط من أي طرف، وقرارها ذلك نابع من قلبها فقط، ولو عاد الزمن لفعلت نفس الشيء مجددًا، من أجله. ثم أنها لا تدري، لعل ذلك هو الخير لها. ربتت آمنة على شعرها وظهرها بحنان قبل أن تقبل جبينها وترحل.
سألها فريد بنبرة خالية بعد رحيل الجميع:
- تحبي تدخلي دلوقتي؟
هزت رأسها له موافقة دون إضافة. دلفت حياة إلى الداخل ثم طلبت منه أن يريها غرفتها فورًا، فهي تريد التخلص من ذلك الرداء بأسرع ما يمكن. تقدمها نحو الدرج ليرشدها ثم توقف أمام غرفة ما يفتحها. دلفت حياة للداخل أولًا، ثم تبعها فريد بهدوء.
كانت غرفة واسعة رائعة الجمال بألوانها الكريمية الهادئة مع أثاثها الخشبي المريح من الطابع الفيكتوري. أول شيء استرعى انتباه حياة هو وجود بابين داخل الغرفة. سألته بتوجس وهي تشير برأسها نحو الباب الآخر:
- إيه الباب ده؟
أجابها فريد بلامبالاة وقد وضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله:
- ده باب أوضتي، أو بمعنى أصح باقي جناحي.
شعرت حياة بالدم يتدفق بقوة داخل عروقها فأجابته بنبرة حادة:
- يعني إيه الكلام ده؟ وبعدين أنت وعدتني.
نظر إليها فريد مطولًا. ظنت أنه لن يجيبها قبل أن يقول:
- وأنا لسه عند وعدي. انتي طلبتي يبقى ليكي أوضة خاصة، أهي أوضة خاصة بباب مقفول ومفتاحه معاكي.
ضربت حياة الأرض بقدمها من شدة الغيظ وهي تصيح به:
- أوضة خاصة إزاي وأنا في نفس جناحك وبيني وبينك باب؟
نظر إليها بتسلية قبل أن يجيبها قائلاً:
- الباب مقفول ومش هيتفتح إلا بإذنك. وبعدين المرة الجاية ابقي حددي طلبك أكتر.
ثم تحرك دون انتظار ردها يدير مقبض الباب بيده ثم اختفى داخل غرفته. نظرت حياة إلى أثره بغضب، وهي التي ظنت أنها ستقطن في طابق غير الذي يقطن به، ولكن كل ما تحصلت عليه هو جناح واحد والفاصل بينهم هو باب مشترك. اللعنة على هفوتها، فالخطأ منها. كيف لم يخطر في عقلها أن فريد سيتلاعب بالكلمات كعادته ويستغلها لصالحه؟
تحركت بغضب نحو المرآة تقف أمامها لبرهة قبل أن تقوم بخلع فستان زفافها. زفافها! يالها من كلمة كبيرة الآن. تأملت نفسها بالمرآة قليلًا. لتكن واقعية، أن ذلك الفستان الذي ترتديه غاية في الروعة تمامًا كالذي حدثت والدتها عنه أيامًا وأيامًا، كأنه خرج من مخيلتها ليتجسد أمامها. رفعت يدها تتأمل ذلك المحبس الموضوع داخل إصبعها بعناية. لوت فمها بسخرية، فأي فتاة أخرى كانت ستقفز فرحًا من فرط سعادتها لتحصل على زوج غني ووسيم كفريد. فالحقيقة أنه كان وسيمًا للغاية ببدلته الأنيقة وابتسامته الهادئة وعيونه العسلية التي تشع إصرارًا وقوة، ولكن ذلك لا يشفع عن طباعه المهلكة. ربما هي أيضًا، إذا حدث ذلك منذ عشر سنوات أو يزيد، كانت لتفقز فرحًا لزواجها من حاميها الأول، ولكن الآن الوضع تغير وها هي متزوجة من صديق طفولتها ونقمة حياتها. حتى أنه لم يعلق على مظهرها كأي عروس. عنفت نفسها بقوة. أتنتظر منه مدحًا أو تعليقًا؟ ليحل البؤس والشقاء على حياتها قبل أن تنتظر منه شيئًا هكذا.
قاطع أفكارها طرقات خفيفة على الباب المشترك، فعلمت أنه هو. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تمسد على ثوبها الناعم وتتحرك لتواجهه. وضعت يدها فوق المقبض ثم حركته ووقفت تنظر إليه بهدوء منتظرة أن يدلو بما في أفكاره.
نظر إليها فريد مطولًا وهو يضع يديه في جيويه مفكرًا: كم أنها صغيرة وجميلة. إنها أميرته الخاصة. هل تعلم كم تبدو فاتنة بذلك الفستان الأبيض؟ بل هل تعلم كم حلم وتمنى تلك اللحظة؟ هل تعلم أنه طوال حياته لم يقترب من أي امرأة أخرى فقط ينتظر إشارتها؟ إن مظهرها الرقيق بنظرة عيونها الحائرة التي تفصح عن أكثر بكثير مما تصمت هي عنه تجعله يفقد السيطرة على أعصابه وتفكيره.
تنحنح محاولًا تنقية حلقه قبل أن يقول بنبرة حانية:
- انتي جميلة أوي النهاردة. انتي جميلة كل يوم وأجمل في عيني يوم عن يوم، بس النهاردة جمالك من نوع تاني.
شعرت حياة بالخجل من تفكيرها، أيعقل أنها علمت ما كانت تفكر به منذ قليل؟ أطرقت عينيها للأسفل تهرب منه حتى لا يرى ارتباك نظرتها. لم يكن بحاجة إلى أن يراها ليعلم رد فعلها. هذا ما فكر به وهو ينظر إلى احمرار وجنتيها. حرك يده داخل جيب بنطاله يلتقط شيئًا ما ثم مد يده في اتجاهها. عبست حياة وهي ترى يده ممدودة أمامها وهو ممسك بورق ما فوق ما يبدو أنها قطعة قماش مطوية بعناية. رفعت رأسها تسأله وهي لا تزال مقطبة الجبين:
- إيه ده؟
أجابها فريد بهدوء:
- ده الورق اللي يخص والدك وطلبتي مني أقطعه.
تمتمت حياة متذكرة:
- آه أنا نسيت حكاية الورق ده خالص.
أجابها فريد مبررًا:
- بس أنا منستش. أنا وعدتك إني هنفذ اللي طلبتيه كله، بس ملقتش فرصة أديهولك قبل كتب الكتاب لأنك كنتي بتتهربي من إنك تشوفيني.
شعرت حياة بالخجل يزحف نحو وجنتيها مجددًا، فهو محق في ملاحظته تلك، فطوال يومها حاولت التهرب من رؤيته أو مصادفته بأي شكل كان. أضاف فريد بثبات وقد تبدلت ملامحه:
- عمتا الورق قدامك أهوه تقدري تعملي فيه اللي انتي عايزاه.
مدت يدها ببطء تأخذ منه الأوراق مع قطعة القماش، تاركة له المجال ليعود إلى غرفته. توقف مرة أخرى عائدًا إليها ومتحدثًا بهدوء:
- حياة، لو حبيتي تاكلي هتلاقي العشا تحت جاهز. أنا مطلبتش منهم يطلعوه هنا عشان متأكد إنك مش هتحبي تتعشي معايا، وطبعًا مش منطقي من أول ليلة أطلب منهم يطلعوا عشا لكل حد فينا لوحده.
أنهى حديثه ولم ينتظر تعقيبها، بل مد يده يلتقط مقبض الباب المشترك بينهم ويغلقه. شعرت حياة بالخجل للمرة الثالثة من حديثه، ولكن لا، لن تنخدع بكل ذلك. ذكرت نفسها أنه هو من ابتزها ليتزوجها. إذا فليتحمل شروطها وأسلوبها مهما كان فظًا. ثم أنه لا يمتلك قلبًا مثل البشر ليشعر أو يتألم.
تحركت نحو المنضدة تضع الورق فوقها ثم منه إلى خزانه الملابس لتبديل ثيابها. فتحت الخزانة قبل أن تشهق بصدمة. إنها تحتوي على الكثير والكثير من الملابس بألوانها وأقمشتها المفضلة لديها. يالله، لقد وقعت في حبهم على الفور. كيف استطاع معرفة ذوقها لذلك الحد؟ ولكن لا، ذكرت نفسها بحزم. لن ترتدي من ملابسه، فها هي أحضرت معها جميع ملابسها التي كانت تدخرها لزواجها. ستستخدمها عوضًا عن تلك الملابس التي ابتاعها لها، فهي لا تريد شيئًا منه. التقطت إحدى البيجامات الناعمة من حقيبتها ثم تحركت نحو الحمام لتبديل ملابسها. فقط للاحتياط.
خرجت بعد قليل وقد بدلت ملابسها وأزالت آثار المكياج الذي غطى وجهها بعدما أخذت دشًا سريعًا تريح به أعصابها، وربطت شعرها على هيئة كعكة بسيطة وجلست على حافة الفراش بجوار المنضدة بصمت تسحب الورق الذي أعطاه لها منذ قليل. فتحته ووجدت توقيع والدها يقبع هناك بهدوء. تنهدت بألم ثم قامت بتمزيقه إلى قصاصات صغيرة ووضعته في سلة المهملات بجوار فراشها. مدت يدها مرة أخرى تلتقط قطعة القماش المطوية لتفتحها باستغراب. شهقت حياة من جمالها. إنه ليس أكثر من منديل عقد قرانهم. لمعت عينيها بانبهار فقد كان تحفة فنية رائعة. زُيّنت أطرافه بالجبير الرائع ونُقش بداخله يدويًا بخيوط من الذهب.
"قلبي يحدثني بأنك متلفي"
في بداية الأمر أرادت إلقاءه مع باقي الأوراق في سلة المهملات، ولكن براعة تنفيذه منعتها من ذلك. لذلك قامت بطيه بعناية مرة أخرى ثم وضعته بحرص داخل أحد أدراج خزانه ملابسها. عادت إلى الفراش لتستلقي عليه في محاولة فاشلة منها للنوم. تأففت بعد فترة تنظر في ساعتها فوجدتها تجاوزت الواحدة صباحًا. حسنًا، لن تستلقي هناك طيلة الليل، فيبدو أن كل محاولاتها البائسة في النوم ذهبت جفاءً. أضاءت مصباح الغرفة قبل أن تقرر استكشاف الشرفة. فتحت النافذة ودلفت إليها وإذا هي تشهق بسعادة. فغرفتها مطلة تمامًا على البحر. ابتسمت بقوة وهي تتقدم إلى الأمام بداخلها حتى استندت على جدارها تستمع بذلك الهواء البارد الذي يلفح وجهها، مغلفًا برائحة الصوديوم المنبعثة بقوة من رذاذ البحر. التفت يمينًا تنظر إلى الضوء المنبعث فتسمرت مكانها. إن شرفتها أيضًا مشتركة معه. لقد قام بعزل الغرفة ولكنه ترك الشرفة مشتركة بينهم. ارتبكت بشدة عندما سمعت وقع خطوات تقترب منها آتية من غرفته، فعادت راكضة إلى غرفتها تغلق نافذة الشرفة خلفها جيدًا وتندس داخل الفراش. فكرت بحنق: اللعنة عليه! إن غضبها يزداد منه مع مرور الوقت، فكيف ستتحمل عشرته كل ذلك الوقت حتى يأتي يوم الخلاص؟
فتحت عينيها في الصباح بثقل بعد نوم ليلة متقطعة. نظرت حولها وهي مستلقية فوق الفراش تحاول إجبار عقلها على تقبل ما مرت به منذ البارحة حتى تستطيع التعامل مع كل تلك التغييرات. زفرت بيأس، فليس هناك أمل في التظاهر بالنوم حتى يصبح كل شيء على ما يرام. حثت نفسها على القيام ومواجهة قدرها، فليست حياة من تتهرب من عقبات حياتها. بعد قليل كانت تقف أمام مرآة غرفتها تصفف شعرها جيدًا، ثم عقدته للأعلى على هيئة كعكة بسيطة أبرزت نعومته. لوت فمها بسخرية وهي تنظر في المرآة تتفحص هيئتها البسيطة وهي ترتدي بنطالًا من الجينز الفاتح مع تي شيرت قطني خفيف، فكان مظهرها أبعد ما يكون عن عروس جديدة. تنهدت بثقل وقد عادت إليها تلك الأفكار التي تحاول الهرب منها منذ البارحة. كيف ستتعامل معه؟
فبرغم تظاهرها بالقوة أمامه، إلا أنها منذ البارحة تخشاه، أو بالأدق تخشى التواجد معه في نفس المنزل. فهي لا تعلم ردود أفعاله عن أي شيء، فعلاقتها معه انقطعت منذ ما يقارب الخمسة عشر عامًا. وما تعلمه عنه في تعامله مع غيره لا يبشر بخير إطلاقًا. هل سيفي بوعده لها أم أنه فقط يجاريها؟ هل سيستخدم العنف معها مثلما كان يفعل والده مع والدته؟ كان هذا أكثر ما تخشاه، فقد أصبحت الآن في عرينه بمفردها، وليس لديها من يدافع عنها أو يحميها من بطشه. تذكرت بأمل أن دائمًا لديها الله، لذلك تضرعت له بقلب مفعم بالرجاء أن يحميها من بطشه وقوته. ثم رفعت رأسها بكبرياء تستعد لاستقبال أول يوم في أسرها، وأول شيء قررت القيام به هو استكشاف سجنها. فتحت باب غرفتها بهدوء، كأنها تخشى إصدار أي صوت قد يعلن عن وجودها فيذكره بها وكأنها تنساه.
التفتت يمينًا ويسارًا تبحث عنه فلم تجد له أثر. تنهدت براحة ثم استأنفت طريقها للأسفل. أول شيء لفت انتباهها بمجرد وصولها للأسفل هو كل تلك الأجسام الضخمة التي تقف متأهبة داخل الحديقة وعلى أعتاب المنزل الداخلية. بالطبع لم يكن الأمر يحتاج لذكاء خارق لتدرك أن كل هؤلاء الرجال للحماية، ولن تتفاجأ إذا علمت أن نصفهم للحرص على إبقائها داخل جدران ذلك القفص. أثناء تفحصها لهم، استرعى انتباهها زوج من العيون يتأملها بحذر. التفتت حياة تتقدم للأمام وهي تدقق النظر، فإذا بها ترى امرأة في منتصف الثلاثينيات على أقصى تقدير، ذات قوام متناسق ووجه أبيض رائع الجمال، ترتدي زيًا رسميًا وتنظر إلى حياة بتفحص من رأسها حتى أخمص قدميها. توقفت حياة عن السير ولم تدرِ لمَ لم يعجبها نظرات تلك المرأة لها. على كل حال، سألتها حياة بفضول:
- مين حضرتك؟
أجابتها المرأة بنبرة رسمية خالية من أي عاطفة:
- أنا عزة.. مديرة البيت هنا.
لوت حياة فمها بيأس، فيبدو أن إقامتها هنا لن تكون سهلة على الإطلاق. على كلا، هزت حياة كتفيها بعدم اهتمام ثم أكملت طريقها عدة خطوات للأمام قبل أن تتوقف فجأة وتعقد حاجبيها معًا بعبوس وهي ترى إحدى زجاجات الخمر موضوعة فوق بار للمشروبات بعشوائية. لم تتخذ الكثير من الوقت قبل أن تقرر ما عليها فعله. التفت خلفها مرة أخرى، توجه حديثها إلى تلك التي لحقت بها:
- مدام عزة لو سمحتي خدي الأزاير دي بالكاسات بتاعتها أرميهم.
أجابتها عزة بكبرياء، محافظة على نبرتها الخالية معها:
- آسفة يا هانم.. دي حاجات فريد بيه ومقدرش أتصرف فيها غير بأمره هو.
رفعت حياة إحدى حاجبيها باندهاش قبل أن تحرك رأسها موافقة، وهي تلوّي طرف فمها بابتسامة سخرية وتقول بإصرار:
- طب تمام.. تقدري تندهيلي حد من الحرس اللي واقف بره دول.. بيتهيألي مش محتاجة إذن فريد بيه في حاجة زي دي صح؟
نظرت إليها عزة بتشكك واضح قبل أن تتحرك نحو الحديقة، ثم اختفت لثوانٍ قبل أن تعود ومعها أحد الأفراد مرتدياً بذلة سوداء ويحمل أحد الأسلحة فوق خصره بوضوح. تشدقت حياة وهي تنظر إلى مظهره المرعب، تشعر وكأنها سقطت في إحدى دور المافيا الإيطالية. ترى هل كل ذلك حلم ستفيق منه بعد قليل؟ كان ذلك أقصى أمانيها في الوقت الحالي. على كلا، أغمضت عينيها لبرهة قبل أن تفتحهما مرة أخرى وتطلب من الحارس بهدوء:
- لو سمحت ممكن تجيبلي صندوق خشب مقفول أو برميل؟.. عايزة أي حاجة متتسربش مياه.
أومأ لها الحارس على الفور باحترام قبل أن يجيبها:
- حالاً يا فندم ويكون عندك.
ثم تحرك للخلف وهو لازال يعطيها وجهه حتى اختفى عن الأنظار. التفتت حياة مرة أخرى بعد ذهابه تسألها بنبرة متحدية:
- عايزة جوانتي.. أكيد عندك.
أومأت عزة لها برأسها قبل أن تختفي هي الأخرى. زفرت حياة بحنق وهي تفكر في تلك المرأة وطريقتها العدائية في التعامل معها.
أعادها من أفكارها عودة الحارس حاملاً برميل أزرق عميق، فابتسمت حياة بسعادة ثم طلبت منه وضعه أمامها والانصراف، فنفذ على الفور دون جدال. ثم بعد ذلك جاءت مدبرة المنزل تحمل لها القفازات، فارتدتها حياة على الفور. همت بإمساك الزجاجة الموضوعة فوق البار عندما شعرت بعيون تحدق بها. التفتت حياة فوجدتها لازالت واقفة مكانها تراقبها. قالت لها حياة بهدوء يشوبه الكثير والكثير من تمردها المعهود:
- على فكرة تقدري تتفضلي أنا مش محتاجة حاجة.
أومأت لها مدبرة المنزل بنفاذ صبر قبل أن تتحرك للداخل بتردد وتتركها بمفردها، وهي تعلم جيدًا ما تنوي فعله.
***
كان فريد يجلس في غرفة مكتبه المطلة مباشرة على البحر، خلف مكتبه الواسع في مقعده الجلدي المريح، يدقق في إحدى الملفات الموضوعة أمامه عندما سمع أصوات تحطم قادمة من الخارج. أرهف سمعه فإذا بها أصوات تحطم زجاج. ركض على الفور نحو الخارج يتبع مصدر الصوت، وقلبه ينتفض رعبًا عليها ظنًا منه أن أحد أعدائه قد تجرأ على مهاجمة منزله. صرخ باسم أحد الحراس بقوة، مما جعل حياة تنتفض قبل أن يتوقف بصدمة وهو يرى صغيرته تقف بتحدٍ وهي تضع يدها فوق خصرها وتزم شفتيها للأمام، ويدها الأخرى تلقي بما تحمله من زجاجات الخمر في وعاء أزرق عميق. جالت عيناه جسدها ونظرات الإعجاب ظاهرة عليه. كم سيسعده ترويضها! هذا إن استطاع التفريط بها أساسًا. رفعت حياة رأسها على صوته العميق الغاضب:
- حياة!!! هتجرحي نفسك!
استعادت هدوءها ثم نظرت إليه بعيون متحدية وهو يقف أمامها يرتدي تيشرت أزرق يبرز عضلاته بقوة ويضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله. رفعت حاجبيها مع نظرة مغيظة له قبل أن تتحرك نحو البار تلتقط آخر زجاجة موضوعة به، ثم رفعتها بتحدٍ أمام عينيه وتحركت بها حتى توقفت أمام البرميل مرة أخرى وقامت بإلقائها من ارتفاع عالٍ، فأصدرت ضجيجًا قويًا من ارتطامها بالزجاج الملقى بداخله. حاول كتم ضحكته أمامها ولم تلاحظ هي بريق التسلية في عينيه. تنحنح لتنقية حلقه وإخراج صوته حازمًا:
- على أساس إنك لما تكسريهم مش هعرف أجيب غيرهم تاني!
عقدت كلتا ذراعيها أمام صدرها ثم تحركت ببطء في خطوات ثابتة نحوه قبل أن تقف أمامه مباشرة وترفع رأسها بكبرياء حتى تصل لعينيه، ثم تحدثت بنبرة ثابتة قوية عكس ما تشعر بداخلها تمامًا وتقول:
- من اللحظة اللي أجبرتني فيها على إني أكون مراتك ودخلتني بيتك وبقي اسمي مرتبط باسمك والبيت ده بقى بيتي أنا كمان.. وأنا معنديش استعداد لحظة واحدة أقعد في بيت بيتعصى فيه ربنا بالشكل ده.. وأوعى في يوم تفكر إن قبولي بيك معناه قبولي لشياطينك دي.. البيت اللي هكون موجودة فيه لازم يكون نضيف.
صمتت قليلاً وهي ترى عرقًا خفيفًا بدأ ينتفض في جانب صدغه، ولكنها كانت تغلي غضبًا من كل ما حدث منذ البارحة ولن تستطيع التوقف الآن. أضافت محافظة على نفس نبرتها وتحديها:
- عايز تشرب هنا اتفضل.. بس ساعتها هتكون ملزم تجيبلي بيت تاني أعيش فيه حتى لو أوضة واحدة.. بس خليك متأكد إني هحارب على طهارتها بروحي.
أنهت حديثها وصدرها يعلو ويهبط أمامها من شدة التوتر والغضب معًا. ظل فريد ينظر إليها مطولاً دون أن ينبس ببنت شفة، وهي أيضًا لم تزيح عينيها من أمام عينيه، فقد كانت مسألة إرادة بالنسبة لها وشعرت أنها لو حركت عينيها بعيدًا عنه معناه إعلان هزيمتها، وهي أبدًا لن تهزم أمامه. ظلا هكذا لمدة دقيقة ينظر إليها بشرر يتطاير من عينيه، قبل أن تلين نظراته أمامها وتتحول إلى شيء آخر يعلم أنه لن يستطيع تحقيقه ولو بعد حين، ولكن ليس بيده حيلة، فوقوفها أمامه الآن بكل ذلك التحدي يثيره إلى أقصى درجة ممكنة. قاطع أفكاره دخول الحارس يسأله بقلق:
- فريد بيه.. في حاجة حصلت؟
صاح به فريد بغضب بعد أن حول نظره عن حياة وقد تبدلت ملامحه ونبرته:
- مين الحيوان اللي دخل البرميل هنا؟
هبت حياة تجيبه بشجاعة وهي تنظر للحارس نظرة ذات مغزى من وراء فريد قائلة:
- محدش جابه.. أنا اللي جبته لوحدي!
التفت فريد ينظر إليها نظرة متشككة قبل أن يعود بغضبه للحارس:
- لما أسألك ترد علياااا!!.. مين اللي دخله هنا انطق!!!
فتح الحارس فمه ليجيب قبل أن يسكته صوت حياة للمرة الثانية:
- أنا قولتلك إني جبته لوحدي.. روحت الجنينة جبته ورجعت.
بالرغم من نبرتها القوية ونظرتها الثابتة فوقه، إلا أنه استطاع أن يرى الخوف في عينيها. لانت نظرته أمام حيرة نظرتها وطول أهدابها فوقهما. قاطع تأمله صوت مدبرة منزله تقول في وقار:
- فريد بيه.. الفطار جاهز.
أجابها فريد دون أن يحول عينيه عن حياة التي التفتت تنظر إلى مصدر الصوت بتركيز بمجرد سماعه:
- تمام.. روحي انتي واحنا هنحصلك.
شدد على حروف جملته الأخيرة بقوة، مما جعل حياة تفكر في الرفض إغاظة له، ولكن كان لمعدتها رأي آخر، فهي لم تتناول شيئًا منذ صباح البارحة. أشار فريد لها بيده نحو غرفة الطعام لتتقدمه، فتحركت أمامه في صمت وكبرياء، منتهزة الفرصة للهروب من الموقف. التفت يحدث حارسه بنبرة متوعدة:
- حسابك معايا مخلصش.. بس خليه لبعدين.
أنهى جملته ثم التفت يكمل طريقه ويتبعها. دلفت حياة للغرفة فتفاجأت بعزة مدبرة منزل تقف خلف الطاولة بهدوء. توقفت حياة تفكر بيأس كيف ستتمكن بتمرير الطعام داخل حلقها في ذلك الجو المتوتر المشحون. كانت غارقة في تلك الفكرة فلم تشعر بتحرك فريد خلفها يسحب لها إحدى مقاعد الطاولة للجلوس. اندهشت من فعلته تلك والحقيقة أنها أعجبت بها، فهي لم تتوقع أبدًا أن يصدر منه مثل ذلك الفعل تجاهها بعد ما حدث بينهم منذ قليل، ولكنها سرعان ما حذرت نفسها، فهو يفعل ذلك فقط من أجل خداعها. تحركت تخفض جسدها قليلاً لتجلس غافلة عن نظرات الحقد التي تخترق ظهرها. بمجرد جلوسهم، أومأ فريد لمديرة منزله برأسه متمتمًا:
- تقدري ترجعي للمطبخ مش محتاجينك معانا.
لم يصدر منها أي رد فعل، ولكنها سألته باهتمام:
- حضرتك تحب تطلب أو تضيف حاجة معينة للغدا النهارده؟
نظر فريد باتجاه حياة ثم أجاب بنبرة حانية:
- لا.. تقدري تسألي حياة هانم.. ومن هنا ورايح تنسقي معاها كل يوم وتشوفي هي هتقولك إيه.
رفعت حياة رأسها لأعلى تنظر إليه باندهاش قبل أن تحول نظرتها نحو مدبرة المنزل. انقبضت معدة حياة من نظرتها القوية الجافة نحوها. اللعنة! ماذا يحدث هنا؟
لماذا توجه إليها تلك المرأة كل تلك النظرات غير المريحة؟ تنهدت حياة بإحباط، فقد ضاع أملها في أنه يصبح لديها صديق في ذلك المنزل. شردت في تلك الأفكار وهي تنظر إلى وجه عزة، قبل أن يلفت انتباهها نظرة أخيرة لفريد. لقد كانت النقيض لنظرتها له. كان هو مستغرقًا في تناول طعامه، ولم يدرِ بتلك النظرة المبهورة الموجهة نحوه من مدبرة منزله.
وضعت حياة كفيها بإحباط فوق وجهها، وهي تعود بظهرها إلى الوراء لتستند على ظهر المقعد.
"حسنًا، ما الذي يحدث هنا الآن؟"
"أي عقل! إنها عشيقته أو أي شيء من هذا القبيل!"
"إنها ليست غبية، وتعرف نظرات الإعجاب جيدًا حين تراها."
جعدت جبينها بحزن وهي تفكر بقلق.
"هذا ما كان ينقصها. لا يكفيه ما سببه لها من تعقيدات حتى الآن، ليجمعها مع عشيقته أو أياً كان مسماها تحت سقف واحد."
هزت حياة رأسها مستنكرة.
"ما هذا الذي أفكر به؟"
"إنها تتهم امرأة مثلها بشيء سيء، فقط من أجل نظرة لاحظتها."
"كيف أفعل ذلك؟!"
"ربما كل ذلك من وحي خيالها، وربما هو مجرد إعجاب من طرف واحد لم يتعدَّ تلك النظرة."
شعرت بالسوء من نفسها وقررت تجاهل الأمر بأكمله، فذلك لا يعنيها.
لاحظ فريد صراع المشاعر المرسوم بدقة على وجهها ونظرتها، ولاحظ أيضًا عدم تناولها للطعام. فتح فمه ليتحدث إليها، ولكنه أغلقه مرة أخرى، فهو يعرفها جيدًا، ويعلم أنه إذا طلب منها تناول طعامها ستعانده.
حاولت حياة دس أي شيء داخل فمها، ولكن كان لحلقها رأي آخر مخالف لها. وضعت شوكتها بإحباط، ثم نظرت له تسأله، فهي لم تستطع جمح ركاب فضولها لأكثر من ذلك. تحدثت بهدوء، محاولة إخفاء فضولها بعد خروج مديرة المنزل:
"هي عزة شغالة هنا من زمان؟"
أجابها بعدم اهتمام، مرتشفًا قهوته دون النظر نحوها:
"مش فاكر.. يمكن 3 سنين."
علمت من نبرته أنه لا يريد الاستمرار في ذلك الحديث، ولكنه لن تتركه حتى تحصل على أجوبتها، فأضافت:
"مع إن شكلها صغير، يمكن قدي أو أكبر شوية."
رفع رأسه ينظر إليها بنظرة متشككة، ثم أجاب بتركيز:
"لما اتوظفت هنا كان عمرها 30."
شهقت حياة بصدمة دون وعي، متمتمة:
"دي قدك تقريبًا؟!"
عقد حاجبيه معًا، وضاقَت عينيه فوقها، يتأملها. فأضافت مبررة بعد أن شعرت أنه يشك بشيء من كثرة أسئلتها:
"أصل أنا مستغربة إنها عرفتني بنفسها على إنها مديرة البيت، في الوقت اللي ماما كانت فيه هنا! يعني ماما كانت لازمتها إيه؟"
نظر لها مطولًا، وهو يعود بظهره ليسترخي فوق المقعد، حتى شعرت أنه لن يجيب عن سؤالها. ثم تحدث باقتضاب:
"كانت جنبي."
هزت رأسها، فقد أدركت معنى إجابته قبل أن تزم شفتيها معًا للأمام في حركة طفولية. تحرك من مقعده ليقف أمامها بنفاذ صبر، ثم حدثها أمرًا:
"متعمليش الحركة تاني."
أساءت فهم مقصده، وظنت أنها تغضبه، فعقدت النية في قرارها نفسه أن تفعلها أمامه كلما أتاحت لها الفرصة عنادًا به.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء يوسف
بعد انتهاء الفطور، انسحب فريد مرة أخرى إلى غرفة مكتبه. وقررت حياة استئناف اكتشافها للمنزل. فقبل مقابلة عزة، كانت تنوي الدخول للمطبخ، فهو من إحدى هواياتها المفضلة. أما الآن، فهي تعلم جيدًا أن وجودها بداخله شيء غير مرحب به.
أكملت جولتها بداخل المنزل ولم تملك إلا الإعجاب به حقيقةً. فكل ركن به مفروش بعناية وذوق رفيع. لم يتبق لها إلا المطبخ لدخوله. كان ينتابها الكثير من الفضول لرؤيته ورؤية تأثيثه وتجهيزاته. لذلك، وقفت مترددة تحاول الوصول لقرار. ثم رفعت رأسها بكبرياء وقررت زيارته، فهو في الأخير منزلها هي.
وما إن خطت بداخله حتى رأت ستة أزواج من العيون تنظر لها، ما بين مهتم ومستنكر. زوجان أصبحت تعرفهما جيدًا، أما الآخرون فغريبان كليًا.
تنحنحت حياة بحرج وهي تقف في مدخله، وعلى الفور تقدمت نحوها سيدة ممتلئة الجسد في منتصف الخمسينات تقريبًا، قصيرة القوام، ذات ابتسامة دافئة. أحبتها حياة على الفور، فبادلتها ابتسامتها بإشراق.
تحدثت السيدة بنبرة أكثر دفئًا وهي تمد يدها في اتجاه حياة لتحتضن كلتا يديها بحب، متسائلة:
- أكيد إنتي بنت آمنة حياة.. قصدي حياة هانم؟
هزت حياة رأسها لها بإيجاب ثم نفي، وهي لازالت تحافظ على ابتسامتها الواسعة:
- لا طبعًا، أنا اسمي حياة بس. وأه، أنا بنت آمنة. حضرتك تعرفيها؟
مسحت المرأة على شعر حياة بحنان ونظرات الإعجاب تملؤها، قائلة:
- ما شاء الله، آمنة عرفت تربي. ليه حق فريد. جميلة خلقًا وخُلقًا.
أخفضت حياة رأسها بخجل والاحمرار يغزو وجنتها، فأضافت السيدة متمتمة:
- صحيح، نسيت أعرفك بنفسي. أنا عفاف، المسؤولة عن الطبخ والمطبخ هنا.
ثم أشارت إلى رجل في مقتبل الستينات من عمره كان يجلس على الطاولة بهدوء يتناول طعامه، ولكنه نهض بمجرد دخول حياة ورؤيتها:
- وده بقى عمك رضا، جوزي والجنايني بتاع الفيلا.
أومأ برأسه لحياة يحييها باحترام ووقار، ولكنه تفاجأ من رد فعلها وهي تتقدم نحوه تمد يدها في اتجاهه متمتمة:
- إزيك حضرتك يا عم رضا؟
أجابها معجبًا بسلوكها:
- بقيت أحسن لما شفتك يا بنتي. ربنا يبارك لك فيكي.
تمتمت حياة بخجل موجهة حديثها للسيدة عفاف:
- لو حضرتك مش هتضايقي، ممكن أقعد معاكم شوية؟
أجابتها عفاف بترحاب لم تعهده حتى من والدتها:
- يا خبر أبيض! إنتي بتسأذنيني عشان تقعدي في بيتك! ده المطبخ كله ينور.
ثم سحبتها بحنان لتجلس على أحد المقاعد الموجودة به، وللحق كان وثيراً وناعماً مثل مقاعد الاستقبال.
لم تعلم كم شعرت حياة بالسعادة من ذلك الاستقبال الحميم، فعلى الأقل شعرت أنها فازت بصديق في ذلك المنزل الكبير الجاف. خرج عم رضا بعد قليل ولم يتبق سوى ثلاثتهم معًا. كانت السيدة عفاف تثرثر مع حياة دون توقف، قبل أن تتوقف لتسألها بعبوس:
- شوفي، أنا أكلت دماغك إزاي ونسيت أسألك! تحبي أعمل لك حاجة مخصوص للغدا النهارده؟ أكيد مش هتحبي تاكلي أكل فريد بيه من أول يوم كده.
ضمت حياة حاجبيها معًا بتركيز، مستفسرة:
- ليه مش هحب أكله؟
أجابتها عفاف مسترسلة في شرحها وهي تجعد أنفها وتهمس كأنه سر حربي خطير:
- ما إنتي أكيد عارفة، فريد بيه بيحافظ على صحته إزاي. مش بياكل غير أنواع أكل محددة، كله خضار ومفيهوش ملح وحاجات غريبة كده. وبعدها بيدخل الجيم ويقفل على نفسه، مبيطلعش قبل ساعتين تقريبًا، كل يوم. وممنوع حد يدخله. تقريبًا، الجيم والمكتب محظورين أي حد يدخلهم وهو فيهم، إلا لو هو طلب.
صمتت قليلاً لتزدرد ريقها وهي تتفحص حياة، قبل أن تضيف بابتسامة واسعة:
- طبعًا، الكلام ده مش ليكي، أكيد فريد بيه هيحب تكوني جنبه على طول.
زمجرت مدبرة المنزل القابعة بهدوء على أحد المقاعد وتستمع لحديثهم دون المشاركة فيه:
- ست عفاف، بيتهيأ لي كفاية كلام كده وتخلصي اللي وراكي، ميعاد الغدا قرب.
حدجتها عفاف بنظرة حنق، قبل أن تجيبها قائلة:
- عزة، أنا بتكلم أنا والهانم وأنا بشتغل وهي مش معطلاني. روحي بس إنتي شوفي وراكي إيه بدل ما إنتي قاعدالنا كده.
ضربت الأخيرة الأرض بقدمها غيظًا، قبل أن تحدج حياة بنظرة غل وتتجه نحو الخارج. أعادت عفاف تركيزها نحو حياة، متسائلة:
- إحنا وقفنا لحد فين؟
- أه، كنت بقولك إن فريد بيه محبش في الدنيا دي حد قدك. أنا من ساعة ما جيت هنا وأنا مش بسمع غير عن حبه ليكي.
أرادت حياة فتح فمها للاعتراض وقول ملاحظة لاذعة، ولكنها عدلت عن ذلك. ففي النهاية، لن تتحدث عنه أمام موظفته.
***
في تلك الأثناء، كان فريد يجلس خلف مكتبه وعروق وجهه بارزة من شدة الغضب وهو يتحدث في الهاتف بعصبية. صاح بمساعده قائلاً:
- يعني إيه يعلوا علينا السعر؟ هو لعب عيال؟
تعلثم المساعد في نبرته قائلاً:
- ما.. ما يا فندم...
قاطعه فريد بغلظة قائلاً:
- إنت لسه هتئمئم؟ اخلص!
أنهى فريد كلمته الأخيرة بصراخ جعل الرجل على الطرف الآخر ينتفض فزعًا، ثم قال مسرعًا:
- يا فريد بيه، هو بيقول إن الشركة بره علت عليه وهو معندوش استعداد يتحمل الخسارة.
جحظت عيونه للخارج بقسوة، قبل أن يصمت قليلاً متفكراً، قبل أن يقول يتوعد:
- الجنيدي ببلوى دراعي صح! أنا عارف كويس إن مفيش حاجة من دي حصلت. هو فاكر كده بيضربني يعني؟ هو كده جاب آخره معايا. بس ورحمة أمي إن ما أفلسه مبقاش فريد.
حك ذقنه بيديه، ثم تابع بصيغة الأمر:
- اسمع، قدامك أسبوع وتكون ظبطلي مع الشركة الألمانية اللي عطياه التوكيل وتبلغني.
أجابه مساعده برعب:
- بس يا فريد بيه، إحنا كده بنعلن الحرب عليهم، وعيلة الجنيدي مش قليلة في السوق.
صاح به فريد بغضب:
- نبيل! اظبط معايا كده، ولو بتخاف روح اقعد في بيتك.
سارع نبيل يجيبه مصححًا:
- يا فندم، أنا خايف على ساعتك مش أكتر.
أجابه فريد وهو يصر على أسنانه بشراسة:
- لسه متخلقش اللي يقف قدامي أو يلوي دراعي.
حرك كفه داخل فروة رأسه مفكراً، ثم تابع بنفس صيغة الأمر:
- ظبطلي بس إنت الشركة، وأنا هقولك بعدها هنعمل إيه.
ثم أغلق الهاتف بنفاد صبر وألقاه بقوة فوق سطح مكتبه، وهو يتوعد لعائلة الجنيدي.
***
مضى الوقت وجاء موعد وجبة الغذاء سريعاً. دلفت حياة غرفة الطعام على مضض، فوجدته يجلس على رأس الطاولة باسترخاء ينتظرها. نظر إليها بتمعن يتأمل ملامحها المتجهمة، فاسترخت تقاسيم وجهه على الفور. حتى وهي في حالتها تلك، تستطيع تبديل بنظرة منها. فكر بحب أنها أصبحت كالمخدر بالنسبة له، ولكن مخدر من نوع آخر. مخدر يجعل الزمن يتوقف عن الحركة وينسى معها ماضيه وما يخشاه من حاضره ومستقبله.
قررت هي تجاهله والتصرف بلامبالاة مثله. لذلك، توجهت مباشرة نحو أحد المقاعد البعيدة عنه نسبياً لتجلس فوقه بهدوء. نظر إليها ملياً، أولاً نظرة خالية، قبل أن ينطق جملته متشدقاً:
- بصي كده كويسة، هتلاقي إني الحمد لله معنديش مرض معدي. ولا إحنا في نص الشهر والقمر بدر، فخايفة أتحول وأقوم أعضك!
نظرت إليه بصدمة، قبل أن تستوعب حديثه. انتظر هو رد فعل منها، ولكن دون فائدة. لذلك، تمتم بنفاذ صبر قائلاً بتهديد:
- هتتفضلي تقعدي جنبي من نفسك، ولا تحبّي أجي أشيلك؟
قفزت من مقعدها على الفور بمجرد سماع جملته، فكلاهما من نبرته ونظرته كانت توحي بجديته التامة. جلست في المقعد المجاور له دون أن ترفع نظرها نحوه، حتى لا ترى نظراته الباردة التي يرمقها بها منذ الصباح.
في تلك الأثناء، دلفت السيدة عفاف داخل الغرفة تحمل الوعاء الخاص بالطعام. وضعته فوق الطاولة وشرعت في بدء عملها، عندما تحركت حياة من مقعدها وهي تتحدث بود:
- متتعبيش نفسك يا دادا، أنا هكمل.
قبض فريد على معصم يدها بقوة يمنعها من الحركة، وهو يرفع نظره إليها بنظرة غاضبة أصابتها بالارتباك، ثم تحدث بنبرة منخفضة ولكن حادة:
- اقعدي مكانك. أنا مش جايبك هنا تشتغلي.
فتحت فمها لتعارضه، ولكنه نظرة التحذيرية التالية التي رمقها بها مع زيادة ضغطه على معصمها جعلتها تتراجع. عادت تجلس فوق مقعدها بغضب، قبل أن توجه نظرة معتذرة في اتجاه السيدة عفاف، فبادلتها الأخيرة نظرتها بإيماءة خفيفة من رأسها وابتسامة متفهمة، قبل أن تشرع في استئناف عملها والخروج بهدوء من الغرفة بعد استئذانه.
أمسكت حياة بملعقتها لتبدأ في تناول طعامها، قبل أن تعقد حاجبيها معًا باشمئزاز! إن الحساء يحتوي على جميع المكونات التي تكرهها فعلاً. دفعت الوعاء بعيداً عنها قليلاً، فهي لن تتناول ذلك الطعام تحت أي ظرف كان. كان فريد يراقب ما تقوم به بتركيز تام، وعندما دفعت الوعاء من أمامها، حدثها بنبرة آمرة:
- حياة، كملي أكلك. إنتي مش طفلة!
حدجته بنظرة غاضبة، قبل أن تجيبه بحنق قائلة وهي تقلد نبرته:
- كويس إنك عارف إني مش طفلة! ولا أقولك، تعالى أكلني غصب عني زي ما اتجوزتني غصب.
شعرت بالانتصار عندما رأت أثر الصدمة واضحاً على ملامحه، ولكن سرعان ما تحولت نظرة انتصارها إلى قلق عندما وجدته يرفع إحدى حاجبيه بتحدٍ ويضع ملعقته فوق الطاولة وهو يستعد للتحرك. شهقت برعب وهي ترفع كفها في اتجاهه لتوقفه وهي تتمتم برعب:
- أوعى تقرب مني. أنا مش هاكل أكل الناس العيانة ده.
اتسع فمه بابتسامة انتصار، ثم تحولت بتسلية وهو ينظر إلى ملامحها الغاضبة. فهو يعلم جيدًا أن مذاق الطعام لم يعجبها، ولكنها أرادت اللعب معه وعدم الاعتراف. زمّت هي شفتيها بحنق وهي تفكر بغيظ، لقد خدعها. إذاً، عليها أن تكون أكثر يقظة عندما تتعامل معه في المستقبل. أعادها من أفكارها صوته العميق يسألها باهتمام ونبرة حانية:
- ليه مطلبتيش من المطبخ حاجة إنتي بتحبيها؟
أجابته بحنق:
- وأنا أعرف منين يعني! كنت بحسبك بتاكل زي الناس.
رمقها بنظرة غير مفهومة، قبل أن تعود إليه نظرته الباردة مرة أخرى:
- الناس هي اللي مش بتاكل زيي!
تمتمت بخفوت:
- مغرور.
فريد:
- سمعتك.
أجابته بحنق:
- ميهمنيش. أنا كده كده بكرُهك.
اهتزت نظرته قليلاً، قبل أن يجيبها بصوت هادئ ونبرة تملؤها التهكم المرير:
- مسمعتهاش من امبارح.
وضع المحرمه فوق الطاوله بعد أن مسح بها فمه وتركها وخرج من الغرفه.
قررت حياة قضاء ما تبقى من يومها داخل غرفتها حتى تتجنب لقائه. وفي المساء عند حلول موعد العشاء رفضت النزول بحجة أنها ليست جائعة. ولكن بعد العاشرة بقليل أعلنت معدتها العصيان الكامل عليها، فهي لم تتناول شيئًا يُذكر منذ صباح البارحة. لذلك قررت التسلل إلى المطبخ بهدوء لعلها تهدئ من احتجاج معدتها قليلًا. صادفت السيدة عفاف التي كانت على وشك إنهاء عملها والذهاب لمخدعها. عندما رأتها فهمت على الفور سبب هبوطها فابتسمت لها بتفهم. تمتمت حياة بخجل تقول:
- دادا.. أنا جعانة.
استجابت السيدة عفاف لطلبها على الفور وقامت بوضع مائدة كاملة أمامها. تناولت حياة طعامها بهدوء ثم جلست تتسامر قليلًا مع السيدة عفاف عندما شعرت بخيال شخص ما يقف عند مدخل المطبخ. علمت من هو من رائحة عطره المميزة. التفتت تنظر إليه فوجدته يرتدي زيًا رياضيًا أسود يتناسب تمامًا مع عضلات جسده ويضع منشفة صغيرة حول عنقه وتبدو على ملامحه الإرهاق، فعلمت أنه قد انتهى للتو من تمارينه. تحدث على الفور بلهجته اللاذعة:
- بيتهيأ لي مش ناويه تقضي الليل كمان في المطبخ.
ثم تحرك في اتجاهها بعد انتهاء جملته، يمسك بذراعها ليجذبها نحوه ويتحرك بها للخارج دون كلمة أخرى. نفضت يدها من قبضته فور خروجهم من المطبخ ورفعت رأسها بكبرياء تسبقه للأعلى. كانت على وشك دخول غرفتها عندما أوقفها صوته يقول باستخفاف:
- ما كنتش أعرف إن القعدة مع الخدم والحرس حلوة كده! الصبح حاولتِ تحمي واحد وباقي اليوم قاعدة مع التانية!
التفتت وعادت بخطواتها للوراء حتى توقفت أمامه مباشرة. ثم وضعت إحدى أصابعها فوق فمها بتفكير قبل أن تميل برأسها نحوه وتقول بثبات وعيناها تطلق شررًا نحوه:
- الخدم دول أمي وأبوك منهم يا فريد بيه يا ابن رحاب هانم.
شعرت بذلك العرق بجانب صدغه قد بدأ في البروز من كثرة ضغطه فوق أسنانه، لذلك قررت الانسحاب على الفور. ولكنه سرعان ما تدارك غضبه فأجابها بسخرية وهي تدير مقبض باب غرفتها:
- حياة هانم طلعت عن شعورها وبتقول أمي وأبوك! واضح إن تعب رحاب هانم معاكِ ما جابش نتيجة.
أنهى جملته الأخيرة وهو يضغط على كلماتها بقوة، فهمت مغزاها جيدًا. توقفت يدها عن تدوير المقبض ثم التفتت تحدقه بنظرات حانقة قائلة له بغيظ:
- بكرهك.
لوى فمه بسخرية مجيبًا وهو ما زال يقف أمام باب غرفته:
- عارفة إيه الناحية التانية للكره؟ خلي بالك تلاقي نفسك واقفة عندها من غير ما تحسي.
أنهى جملته الأخيرة ثم دلفت غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركًا إياها تشعر بالرعب مما هو قادم.
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها برفق، واستندت بثقل جسدها فوق الباب ثم أغلقت جفونها بحزن قبل أن تضع كلتا كفيها فوق وجهها لتخفي ملامحها من شدة خجلها. فكرت بضيق: يالله! ما هذا الذي تفوهت به منذ قليل؟ أيعقل أنها أقحمت أحب إنسانة إلى قلبها في صراعهم العقيم ونقاشهم الملغم؟ شعرت بوخز الدموع داخل مقلتيها بسبب شعورها المتزايد بالذنب. اللعنة على ذلك فريد! إنه يستطيع إثارة غضبها وإخراجها عن شعورها بكلمة واحدة منه. انزلقت بجسدها إلى الأرضية الخشبية لتجلس فوقها وهي تضم ركبتيها إلى قفصها الصدري وتحاوطهما بذراعيها وهي تستند بذقنها عليهما مطلقة لدموعها العنان. فكرت بحزن أن كل ما وصلت إليه حتى الآن يعود فضله بعد الله إلى والدتها الثانية رحاب التي سخرت منها منذ قليل.
ففي الحقيقة كانت تعاملها بحنان أكثر من طفلها الوحيد. حتى عندما قرر السيد غريب والد فريد أن يعهد بتربيته إلى معلمة خاصة لتعليمه كافة أصول الإتيكيت متعللاً أنه لا يثق في خادمه لتنشئة ولي عهده، أصرت أمامه السيدة رحاب أن تتلقى حياة نفس التنشئة وتحضر معه كافة الدروس حتى تتعلم كيفية التصرف كسيدة مجتمع منذ صغرها. وبالطبع لم يكن فريد ليتركها، فوافق والده مجبرًا. وعندما حان موعد دراستها الأكاديمية أصرت على صديقة عمرها ووالده حياة إدخالها مدارس الراهبات لتتلقى أفضل تعليم للفتيات في ذلك الوقت، وبالطبع تكفلت بكل مصاريفها في مراحل تعليمها الأولى. حتى بعد وفاتها علمت حياة أنها آمنت مصاريف دراستها حتى المرحلة الإعدادية. وعندما انتقلت بعد ذلك إلى المدارس الحكومية كانت قد حفر داخل ذاكرتها كل ما تعلمته منذ صغرها، فكان يُعجب بأخلاقها ورقتها وفطنتها في التعامل كل من يراها. والآن هكذا يكون رد الجميل لها؟! السخرية من ذكراها؟! فكرت بضيق وحزن أنها منذ وصولها إلى ذلك المنزل وهي تشعر بالغضب على الدوام، حتى أنها أصبحت لا تعرف نفسها. فالطالما كانت هادئة ذات نفسية متوازنة لا تسمح لأي كان أن يؤثر بسلوكها حتى والدها، ولن تسمح لفريد الآن بأن يحولها إلى شخص فظ مثله. هذا ما قررته وهي تجفف دموعها وتنطلق نحو الباب المشترك بينهم.
طرقت الباب عدة طرقات دون إجابة. طرقته للمرة الأخيرة قبل أن تقرر التوجه نحو الحمام وتبديل ملابسها عندما وجدت الباب يُفتح ويقف فريد قبالتها وهو لا يرتدي سوى منشفة بيضاء على خصره وأخرى صغيرة فوق عنقه وشعره يبدو مبللًا. شهقت بفزع من مظهره والاحمرار يزحف نحو وجنتيها قبل أن تبدأ في مهاجمته متناسية كل ما ذكرت به نفسها منذ قليل:
- إيه ده!!! إيه قلة الأدب دي! أنت إزاي تفتح لي وأنت كده!
نظر لها بحاجب مرفوع متعجبًا من هجومها غير المبرر قبل أن يجيبها متشدقًا:
- حياة.. أنتِ أكيد مخبطيش الباب كل ده عشان تقولي لي إني قليل الأدب؟!
ارتبكت من نبرته ومظهره العاري وعضلاته البارزة وبدأ الاحمرار يزداد فوق وجنتيها، ففي كل الأحوال تلك هي مرتها الأولى التي ترى أمامه رجلًا نصف عارٍ ولديه كل ذلك الكم من العضلات المصقولة. انتظرها لتتحدث ولكن دون فائدة، لذلك تحدث مرة أخرى بعد أن تبدلت ملامحه للاستمتاع وهو يرى ارتباكها، فهتف باسمها:
- حياااااااة!
أجابته مغيظة وهي ترفع رأسها نحوه بتحدٍ وثبات:
- فرييييييد!
التوى جانب فمه بابتسامة صغيرة قبل أن يجيبها بنبرة مشاكسة:
- عيون فريد! أنا معنديش مشكلة أفضل واقف كده للصبح بس أنتِ شوية وهيغمى عليكِ من الكسوف، فقولي عايزة إيه من غير كل التوتر ده؟!
فركت باطن كفيها بتوتر قبل أن تقول بتعلثم وهي تشعر بحرارة جسدها تزداد تلقائيًا من كثرة الضغط:
- أنا بس كنت عايزة أقولك إني...
صمتت قليلًا محاولة استجماع شجاعتها، فأخر ما كانت تتوقعه هو أن تقف أمامه تطلب منه السماح. سألها بنفاد صبر يحثها على تكملة جملتها:
- ها! كنتِ عايزة تقولي إنك...
رفعت نظرها إليه ثم قالت بخجل:
- كنت عايزة أقولك إني آسفة على الكلام اللي قلته من شوية، وآسفة إني جبت سيرة ماما رحاب في كلامنا. أنت أكتر حد عارف أنا بحبها قد ايه ومكنش ينفع أقول كده أبدًا.
هل لمعت عيونه للتو أم أنها كانت تتخيل ذلك؟! لم تتلقى منه أي رد، ولكنها رأت تبدل ملامحه تمامًا، فقد تحولت من التجهم إلى شيء آخر لم تفهمه، ثم سريعًا إلى الاسترخاء، حتى أنه بدا أصغر سنًا وهو يقف أمامها. وقف ينظر إليها مليًا يحاول تفسير ما يراه أمامه وما تفوهت به للتو! هل لذلك السبب يبدو عليها أثر البكاء؟ كم تبدو شهية بأنفها الأحمر ووجنتيها وعينيها الدامعة! إنها تثيره إلى أقصى درجة دون أن تعلم ذلك حتى ودون أي جهد يُذكر منها. انتظرت حياة أي رد فعل منه ولكن دون جدوى، لذلك سألته بتحدٍ وهي تعاود رفع رأسها بكبرياء:
- دورك على فكرة.
أعاده صوتها الرقيق من تأمله فسألها بعدم فهم:
- دوري في إيه بالظبط؟
أجابته بكبرياء:
- إنك تعتذر مني على اللي قلته لي من شوية.
نظر إليها بصدمة كأنها تطلب منه المستحيل. لوت فمها بإحباط قبل أن تتحول نظرتها إلى خيبة الأمل. حسنًا، ما الذي كانت تنتظره منه؟ أن يتخلى عن غروره ويعترف لها بخطئه؟ لو كانت تلك شخصيته ما كان أجبرها منذ الأساس على الزواج منه. التفتت تعود إلى غرفتها تجر معها إحباطها عندما أوقفها صوته العميق يقول بصوت مليء بالعاطفة:
- حياة.. أنتِ أغلى عندي بكتير من إني أزعل على اللي قلتيه من شوية.
تنهد بحرارة قبل أن يكمل حديثه بصوت أجش:
- وصدقيني أنتِ في عيني أكبر من إنك تعتذري حتى لو ليا. وحتى لو غلطتي أنا أعتذر عن غلطي وغلطك بدالك.
فاجأها اعتذاره وحديثه، فالتفت تنظر إليه ودون وعي منها بابتسامة واسعة مشرقة وعيون تلمع بالرضا. بادلها ابتسامتها بابتسامة حقيقة لم تزر شفتيه منذ زمن بعيد، ولم تعلم أن بابتسامتها تلك قد أضاءت له ليلته المظلمة.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السادس 6 - بقلم شيماء يوسف
استيقظت حياة في الصباح والابتسامة تعلو ثغرها، فهي عاقدة النية على بدء خطتها بداية من اليوم. ولكن أول شيء عليها فعله هو إقامة هدنة مع فريد، أو بالأدق، ذلك ما سوف توهمه به. فهي لا تريد الاستمرار في معاملته على ذلك النحو حتى تصرف انتباهه عنها، فالتجربة علمتها جيداً أنه كلما عاندت معه كلما لفتت انتباهه أكثر، وهذا آخر شيء تود فعله في تلك الأيام. فكرت أيضاً في البحث عن عمل حتى تستطيع الهرب من المنزل أكبر وقت ممكن، ولكنها تراجعت، فهي لا تريد شيئاً ما يربطها حتى تستطيع الهرب متى تحين لها الفرصة.
قفزت من فراشها بسعادة بعد ما قررت ما عليها فعله، ورتبت كيفية فعله أيضاً. فقط يبقى التنفيذ. هبطت إلى الأسفل بمزاج مرح نوعاً ما. توجهت مباشرة نحو غرفة الطعام فوجدته جالساً بانتظارها. إنه دقيق في مواعيده حتى أنه لا يتأخر ثانية. هذا ما فكرت به حياة بتعجب وهي تراه يجلس على طاولة الطعام ويرتدي بدلة رسمية سوداء تتناسب جيداً مع تفاصيل جسده، ويعبث بتركيز بأحد هواتفه الموضوعة أمامه. رفع نظره بمجرد وصولها الغرفة، وأومأ لها إيماءة خفيفة برأسه، وظل يتأملها وهي ترتدي بنطالاً من الجينز مع قميص من نفس النوع واللون، عكس جمال بشرتها وأظهر تناسق قوامها. ارتبكت نظرتها أمام نظراته المتفحصة لها. اللعنة على ذلك التوتر الذي ينتابها بحضوره. إنها لا تخشاه في المجمل، ولكن وجوده بجوارها يوترها كثيراً. للحق أن حضوره بهيئته تلك، ونظراته التي تشبه نظرات الصقر ولا يفوتها حركة واحدة، تستطيع إرباك أي شخص وليس هي فقط. على كل حال، حيّت تحية الصباح باقتضاب، ثم جلست على مقعدها لتناول فطورها. بالطبع كانت عزة هي من تشرف على تقديم الطعام. يبدو أن البارحة على الغذاء كان استثناء، وسيحرص فريد جيداً على ألا يتكرر ثانية. قررت حياة تجاهلها وتجاهل نظراتها، فهي لن تسمح لهم بالضغط عليها أو إفساد تعاليمها بسبب سوء معشرهم.
تناولا الطعام بصمت، ففريد كان هادئاً بطبيعته ولا يتحدث كثيراً منذ صغره، وهذا ما أسعد حياة كثيراً. ففي الحقيقة آخر شيء تود فعله هو مشاركته أي حديث مهما كان تافهاً أو بسيطاً. انتهى من تناول فطوره أولاً، ثم حدثها بنبرة منخفضة هادئة وهو يتحرك من مقعده قائلاً:
- حياة، أنا في الشركة النهارده لو احتجتي أي حاجة بلغيني.
ثم اقترب من مقعدها بعد انتهاء جملته، واخفض رأسه نحوها محاولاً تقبيل شعرها، ولكنها انتفضت وابتعدت عنه في حركة تلقائية منها، غير عابئة بوجود مدبرة منزله التي تتابع المشهد بتركيز تام. فابتعد عنها في الحال بضيق وهو يرى نظرة الرعب داخل عينيها واضحة، ثم هم بالخروج من الغرفة وقد بدأت علامات الغضب تظهر عليه. أوقفه صوت مدبرة منزله تحدثه باحترام:
- فريد بيه، لو حضرتك عندك وقت ممكن أتكلم معاك شوية.
أجابها بنبرة غاضبة لم يحاول إخفائها:
- لو حاجة بخصوص البيت، أنا قلتلك بعد كده ترتبيها مع حياة هانم.
هزت له رأسها نافية قبل أن تجيبه بتصميم:
- لا يا فندم، حاجة ملهاش دخل بالبيت. دي حاجة شخصية.
نظر بنفاد صبر إلى ساعة يده، ثم أجابها بهدوء:
- معاكي عشر دقايق تقولي فيهم عايزة إيه.
هزت له رأسه موافقة دون حديث، فأضاف بصوته العميق:
- تقدري تحصِّليني على مكتبي.
ثم تابع سيره دون النظر إلى الخلف.
كانت حياة تتابع ذلك الحديث والفضول يتأكلها. ما هذا الشيء الخاص الذي يجمع بينهم؟ هل شكوكها بشأنهم صحيحة أم ماذا؟ عنفت نفسها بقوة لإخراج تلك الأفكار من رأسها، فذلك ليس من شأنها، فهي لديها أمور أهم تهتم بها، ألا وهي حريتها.
***
في تلك الأثناء، كانت تجلس كل من جيهان، زوجة والده، بجوار والده غريب على طاولة الطعام في فيلتهما الخاصة. سألته جيهان بحقد واضح مع نبرتها المتعالية المعتادة:
- وعلى كده حلوة حبيبة قلب البيه ابنك؟
حدقها غريب بنظرة لوم قبل أن يجيبها بعدم اهتمام:
- مش مهم حلوة ولا وحشة، المهم إنه كان عايزها ووصلها.
أجابته جيهان بغيظ قائلة:
- طبعاً، هو في حد مدلعه هنا غيرك؟ وبعدين مالها نجوى يعني بنت حسب ونسب، بس هقول إيه! طبعاً ذوقه بلدي شبهه أبوه.
سألها غريب باستنكار:
- ولازمته إيه الكلام ده دلوقتي يا جيهان؟
أجابته بحدة كأنها كانت تنتظر جملته لتبدأ بالهجوم عليه:
- لازمته إني عمري ما هنسى إنك في يوم جريت ورا حتة خدامة عشان تتجوزها عليا أنا جيهان هانم السكري.
أنهت جملتها وهي تشير بأصبعها نحو نفسها بغرور وثقة. فقال لها غريب مبرراً فعلته:
- إنتي عارفة كويس إني عملت كده عشان أجيب ولد يحافظ على كل ثروتي دي بعد ما الدكتور أكد إنك استحالة تحملي تاني بعد نيرمين.
هاجمته على الفور بمجرد انتهاء جملته:
- إنت بتضحك عليا ولا على نفسك وعايزني أصدقك؟ أنا عارفة كويس يا غريب إنك اخترت الخدامة بتاعتك عشان احلوت في عينيك، وخصوصاً لما مقدرتش توصلها من غير جواز.
أنهت جملتها وهي ترميه بنظرات حارقة. أما غريب فقد ظهر الارتباك جلياً على ملامحه ونبرته وهو يقاطع حديثها المهاجم له قائلاً:
- جيهان! إنتي بتتكلمي في ماضي عدى عليه أكتر من عشرين سنة؟ دي واحدة ميتة من سنين، فاهمة؟ سنين.
صاحت به وهي تتحرك من مقعدها متأهبة:
- أيوه بتكلم فيه وهفضل أتكلم فيه طول ما إنت مفضل ابن الخدامة دي عليا وعلى بنتك، لحد ما في يوم هيكوش على كل حاجة ويرمينا في الشارع.
صاح بها غريب مهدداً وهو يضرب الطاولة بقبضة يده:
- جيهان! ابني ما يعملش كده، وبعدين هو اللي شايل الشركات كلها فوق كتافه، والفلوس اللي عمالة تدخل حسابك كل أول شهر وتزيد زي الرز دي من تعبه. ومتفكريش إني عشان سكتت على اللي عملتيه زمان أبقى نسيته. ملكيش دعوة بفريد، أنا بحذرك، مش هسمحلك تأذي ابني تاني.
ارتبكت نظرتها قليلاً ولم تعقب، ولكنها توعدت له داخلياً، فهي لن تكون جيهان السكري إن لم تنهِ ما بدأته منذ سنوات مضت.
تركها غريب منتفضاً من مقعده بغضب، وأثناء استعداده للخروج من المنزل صادف فتاتين متقاربتين في العمر، إحداهما تشبه والدتها السيدة جيهان بشعرها البني وبياض بشرتها ونحالة خصرها، والأخرى بشعر أشقر ووجه رفيع. ارتمت نرمين داخل أحضان والدها تقبله، قبل أن تلقي عليه تحية الصباح بدلال. حياهم غريب على عجل، ثم توجه مباشرة نحو الخارج. بمجرد وصولهم إلى المدخل، تحركت جيهان لاستقبالهم وهي تتمتم بحبور مرحبة بضيفة ابنتها:
- نجوى حبيبة قلبي.. إيه الجمال ده كله؟ البيت نور طبعاً.
ثم وجهت حديثها لابنتها:
- ها يا نيرو يا حبيبة مامّي.. قولولي اتبسطتوا في النادي ولا إيه؟
أجابتها نرمين بدلال مصطنع:
- نننبسط إزاي يا مامّي ونجوى عاملة مناحة من أول امبارح. أوف بجد زهقتني.
تحدثت نجوى على الفور مداعبة عن نفسها:
- يعني يرضيكي اللي حصل ده يا طنط؟ خلاص كده فريد اتجوز وراح من إيدي؟
ربتت جيهان على ذراعها بحنان وهي تحثها على الجلوس:
- تعالي بس نقعد هنا ونتكلم بالراحة.
أجابتها نجوى بضيق قائلة:
- أقعد إيه يا طنط، أنا بقولك فريد اتجوز وإنتي تقوليلي أقعد!
ابتسمت لها جيهان مشجعة وهي تقول بلؤم:
- تعالي بس واسمعي مني. فريد مضاعش من إيديك ولا حاجة.
اللمعت عينا نجوى بأمل وهي تسألها مستفسرة:
- قصدك إيه يا طنط؟
أجابتها جيهان بمكر:
- قصدي إننا إحنا التلاتة هنرتب سوا إزاي نطير بنت الخدامة دي من سكتنا. إنتي تتجوزي فريد حب حياتك وإحنا نطلع باللي إحنا عايزينه برضه.
تدخلت ابنتها نرمين قائلة:
- والطالعة الأولى دي بقى سيبوها عليا.
سألتها والدتها مستفسرة:
- هتعملي إيه يعني يا نيرو؟
أجابتها ابنتها بخبث وهي تغمز لهم بعينيها:
- هعمل زيارة لست الحسن وأعرف ميتها إيه بالظبط عشان نعرف إحنا بنلعب مع مين.
وافقت والدتها على الفور على اقتراحها، وهزت نجوى رأسها بحماس موافقة على حديثها وهي عاقدة النية بداخلها بمجرد الحصول على فريد ستقوم بإلقائهم جميعاً بالخارج.
***
انتهزت حياة فرصة جلوسها بمفردها وقررت الحديث مع صديقتها مريم للاطمئنان عليها من جهة، ومعرفة أخبار محمود الصحية من جهة أخرى. فهي لازالت تشعر بالذنب تجاهه بسبب ما حدث معه، وتريد الاطمئنان على أحواله، فهذا أقل ما تستطيع فعله بعدما تركته دون حتى اعتذار. أمسكت بهاتفها وتحدثت قليلاً مع صديقتها التي كانت تمازحها عن زواجها برجل أعمال وعن زفافها الفخم رغم بساطته. مازحت حياة معها قليلاً قبل أن تسألها بقلق قائلة:
- مريم.. متعرفيش محمود عامل إيه دلوقتي؟
أجابتها مريم قائلة بغيظ:
- ما تسيبك منه وخليكي في جوزك! عايزة إيه من سي محمود ده؟ وبعدين أنا معرفش عنه حاجة من ساعة ما كنا سوا.
عنفتها حياة قائلة بحدة:
- مريم أنا مش بهزر!
ثم لانت نبرتها وهي تترجاها قائلة:
- مريم الله يخليكي حاولي تعرفي هو عامل إيه دلوقتي وتطمنّي عليه وترجعي تطمنيني.
- حييااااااااة!!!
صدح صوت فريد خلفها بقوة جعلها تنتفض، وسقط الهاتف من يدها تلقائياً. أرادت الركض من أمامه بكل ما تملك من قوة، ولكن كان لقدميها رأي آخر مخالف كلياً، فقط تسمرت قدماها فوق الأرضية ولا تستطيع التحرك قيد أنملة. التفتت تنظر خلفها برعب، فلا مفر من المواجهة، فوجدته ينظر إليها بوجه لا يمكن تفسيره. حسناً، إن كل تفكيرها الساذج على أنها لا تخشاه أصبح الآن هراء. لقد كان وجهه يكسوه الاحمرار من شدة الغضب، وعيونه تنطق بالشرر، وذلك العرق بجانب صدغه كان ينبض بقوة كأنه على وشك الانفجار. سألها بصوت أشبه بالفحيح وهو يقترب منها:
- مين ده بالظبط اللي عايزة تطمنّي عليه؟
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تنظر إليه برعب. لم يتلقى منها إجابة، فأعاد سؤاله مرة أخرى وهو يضغط على كل حرف يخرج منه:
- أنا سألتك سؤال ومحتاج رد. مين ده اللي عايزة تطمنّي عليه يا حياة؟ انطققققى.
انهى كلمته الأخيرة بصوت هادر جعلها تنتفض من مكانها. وفى تلك اللحظة وهى تراه يتقدم منها بعيون جاحظة، تدفق الأدرينالين داخل جسدها بقوة. تراجعت خطوة للوراء فى محاولة للركض بعيداً عنه، ولكنه فى اللحظة التالية كان يقبض عليها بكل قوته. ذراع واحدة تحاوط خصرها وهى تضغط فوقه بقوة، وأرجله حاوطت قدميها قبل أن تتشابك معاً لتكبيلها. وضعت يدها فوق ذراعيه لفك حصارها، وفى نفس الوقت حاولت دفع نفسها بعيداً عنه، ولكنه كان يضغط بقوة على مؤخرة ظهرها حتى شعرت أنها ستتأذى إذا حاولت أكثر.
حاولت عدم النظر فى وجهه حتى لا ترى نظراته المرعبة لها، فاخفضت رأسها بعيداً عنه وهى تتمتم اسمه بخفوت وتطلب منه أن يتركها، ولكن دون جدوى، فغضبه كان فى قمته. صاح بها قائلاً:
- أنتى عايزه تجننينى صح!! لا وأقولك وأتجنن ليه!.. أنا هريحك من حبيب القلب دلوقتى عشان متعرفيش توصليله أو تطمنى عليه تانى.
أنهى جملته وأخرج هاتفه بيده الفارغة وأخذ يعبث به. شعرت حياة بضغط دمها ينخفض من شدة الرعب. أحقاً سيقدم على قتله؟ ستزهق روح بريئة بسببها؟ هتفت إليه متوسلة وهى تحرك يدها لتمسك يده وتمنعه قائلة بلهفة:
- فريد!! الله يخليك لا.. لا أنت بتعمل إيه.. هتموت إنسان بجد عشان بسأل عليه!!.. أنا غلطانة مش هسأل عليه تانى والله بس سيبه.. فريد..
كان يشعر بكامل جسدها ينتفض تحت قبضته رغم محاولتها أن تبدو ثابتة. توقف عن العبث بهاتفه قبل أن يحدثها بصياح:
- عشان بتحبيه.. عرفتى ليه مش هخليه عايش.. عشان بتحبيه هو.
لم تعرف ما الذى يجب عليها فعله فى تلك اللحظة، فلو عاندته سيقتله وهى أبداً لن تترك شخصاً يلقى حتفه بسبب غضبها منه. هزت رأسها له نافية وهى شبه مغيبة، ثم رفعت كلتا يديها المرتجفتين لتحيط بوجهه وتجبره على النظر إليها وهى تمتم له بتوسل ورعب حقيقي:
- مش بحبه.. والله العظيم مش بحبه.. أنا عمرى ما كدبت عليك ومش بكدب دلوقتى مش بحبه ومش هسأل عليه تانى ومش هعمل أى حاجة بس سيبه عشان خاطرى.
لانت نظراته وهو يرى ارتجاف يدها الناعمة التى تحيط بوجهه ونظرتها المتوسلة وملامحها التى على وشك الإغماء من رعبها. فأنزل يده ووضع هاتفه مرة أخرى داخل ردائه. وبالرغم من أنه أرخى قبضته عليها وترك لها المساحة لتتحرك بحرية، وفى ظروف أخرى كانت لتهرب من لمسته مسرعة، إلا أنها فى تلك اللحظة كانت تشعر أن الشئ الوحيد الذى يحول بينها وبين سقوطها أرضاً هو جسده الذى يحاوطها. فهى تشعر أن قدميها كالهلام لا يقدران على حملها. حاولت تهدئة ضربات قلبها والسيطرة على ارتجافها حتى تستطيع الذهاب من أمامه، ولكنها لم تتجاوز صدمة أنها كانت على وشك وضع محمود فى دائرة الخطر مرة أخرى. لقد اختبرت مرحلة جديدة كلياً من الرعب بالنسبة لها. فهى منذ إصرار والدها على انتقالهم من القصر إلى ذلك الحى المتواضع الذى يقع به منزلهم، قد اعتادت على الصراخ والعنف من جميع قاطنيه إلى جانب عنف والدها وصياحه المعتاد. ولكن غضب فريد كان شيئاً آخر. غضب يحرق معه الأخضر واليابس ويجعلها تشفق كثيراً حتى على أعدائها. رفعت جفونها تنظر إليه حتى تستطيع قراءة ما بداخلهما، وإن كان ذلك مهمة مستحيلة، ولكنها كانت تريد الاطمئنان إذا كان صدق حديثها أم أنه فقط يجاريها.
التقط هو نظرة العتب التى رمقته بها. نعم لم يخطئ تفسير نظرتها، فقد كانت عتاباً خالصاً. زفر بضيق وهو يرى حالتها تلك أمامه وبسببه هو. لعن نفسه سراً، فقد تفوق عليها فقط وأرعبها بسبب تفوق قوته الجسدية لا أكثر. لوى فمه بسخرية وهو يفكر، هل استطاع فعلاً التفوق عليها بأي شيء؟ حتى قوته الجسدية ونفوذه لا تعطى له الأفضلية. فالأفضلية فقط موجودة داخل تلك النظرات التى تصرعه أرضاً بنظرة توسل واحدة ترمقه بها. رفع كفيه يحاوط رأسها ثم طبع قبلة رقيقة فوق جبينها. حاولت هى بكل قوتها تحاشيها قبل أن يتركها وينصرف.
***
حركت قدميها ببطء بعد خروجه، ترتمى على أقرب مقعد يقابلها وتترك لدموعها العنان. لقد تلقت منذ قليل هزيمتها الثانية من فريد رسلان وخضعت له فى أقل من أسبوعين. وفى المرتين تنازلت من أجل أشخاص آخرين غيرها. فكرت بحزن، يبدو أنه علم جيداً نقطة ضعفها وأن أيامها التالية معه أبداً لن تمر بسلام. ظلت هكذا طوال يومها تقبع بهدوء فوق أحد المقاعد فى صالة الاستقبال. لم تتناول شيئاً ولم تتحدث مع أحد، فتلك كانت طبيعتها التى لم يعرفها الكثيرون. كانت شديدة التأثر ومرهفة الحس حتى وإن حاولت إخفاء ذلك عن عيون الجميع وإظهار الصلابة والقوة، ولكنها كانت تتأثر بأقل صراخ أو حركة عنف أمامها، والفضل فى ذلك يعود إلى والدها الذى كان يملأ المنزل يومياً بصراخه عليها بمجرد رؤيتها أمامه. حاولت السيدة عفاف إخراجها من حالتها تلك أو حثها على تناول شيء ما، ولكنها رفضت بشدة. وعند حلول المساء، تفاجئت بامرأة تقارب فريد فى السن بشعر بني ناعم وجسد رشيق طويل وعيون مشابهة للون عينيه تقتحم المنزل دون استئذان وتمشي بخطوات واثقة حتى توقفت أمام حياة تسألها بعجرفة واشمئزاز واضحين وهى تشير إليها بسبابتها:
- ها أنتِ بقى اللي اسمك حياة ولا في شغالة تانية هنا شبهك؟
نفضت حياة رأسها ثم نهضت من فوق مقعدها وهى تعقد حاجبيها معاً وتكتف ذراعيها فوق صدرها فى حركة معتادة منها عند الهجوم، ثم أجابتها قائلة بكبرياء:
- أيوه أنا حياة.. وبيتهيألى البيت ده له احترامه!! مش بندخل بيوت الناس كأننا حيوانات كده؟
أجابتها نيرمين مهاجمة:
- يااااى.. حيوانات!! أيوه طبعاً ما أنا هستنى إيه من واحدة بنت خدامة وتربية خدامين!!
لوت حياة فمها بسخرية قبل أن تجيبها بنبرة هادئة لإثارة غضبها:
- ياما في ناس لابسة كويس بس تربيتها أقل بكتير من تربية الخدامين اللي مش عاجباكي ده وأنا قدامي مثال حي على كلامي أهو.
شهقت نيرمين بصدمة وهى تضرب قدميها فى الأرض بغيظ قبل أن تقول لها:
- أنا مش هرد عليكي عشان أخلاقي متسمحليش.. أنا بس جايه أقولك إنك لو فاكرة إن كده كسبتي بجوازك من فريد وهتاخدي الجمل بما حمل تبقي غلطانة.. صدقيني على جثتي فلوسنا تطلع لابن الخدامة ومراته!!
فتحت حياة فمها لتسألها من أنت، ولكن أوقفها صوت فريد الذى دلف من الخارج يسأل بعبوس وتأهب ناظراً نحو شقيقته:
- نيرمين!! انتي بتعملي إيه هنا في بيتي وأنا مش موجود؟
نظرت له أخته بغل قبل أن تجيبه قائلة بمرح وهي تحاول تبديل ملامحها:
- ولا حاجة.. كنت ببارك الهانم الجديدة على الجوازة الهنا دي.. مانت عارف أنت حتى مسمحت لناش نحضر الفرح فقلت أعرفها بأخت جوزها.
تقدم فريد في اتجاههم وهو يقول لها بعبوس وحدة:
- محدش طلب منك تتعبى نفسك وتعرفي نفسك لحد مش عايز يعرفك أصلاً!! ودلوقتي لو خلصتي كلامك اتفضلي من غير مطرود.
حدقته بنظرة كره قبل أن تجيبه بعدم اهتمام:
- أنا كده كده كنت ماشية واللي عايزة أقوله خلص.
أنهت حملتها ثم وجهت حديثها لحياة تسألها بتهديد:
- عايزة حاجة يا حياة هانم!! متنسيش اللي قلته من شوية.
نظرت حياة إليها مطولاً قبل أن تقول وهي تشير إليها وإلى فريد بإصبعها:
- عايزيكي تاخدي أخوكي في طريقك وتحلوا عني.
ثم تركتهم وتحركت نحو غرفتها دون النظر خلفها.
***
بعد عدة دقائق كانت حياة تجلس على طرف الفراش ويدها تتمسك بالشرشف بقوة من شدة غضبها. تنفست سريعاً عدة مرات متتالية ثم استغفرت قليلاً مثلما اعتادت من والدتها في محاولة منها لتهدئة غضبها المتزايد من تلك العائلة التي يتسم جميع أفرادها بالوقاحة. سمعت طرقات خفيفة فوق الباب المشترك بينهم. أرادت تجاهله وخصوصاً بعد ما حدث بينهم في الصباح، ولكنها خشيت أن يقتحم الغرفة عنوة إذا لم تجبه، لذلك تحركت على مضض من مقعدها واتجهت نحو الباب لتفتحه، ثم وقفت أمامه بهدوء ترفع إحدى حاجبيها بسؤال لم تفصح عنه. التوت شفتيه بنصف ابتسامة جانبية وهو يراها تعقد ذراعيها أمامها، فعلم باستعدادها للهجوم في أي لحظة. كان لا يزال يحتفظ بجزء من غضبه منذ الصباح ورؤيته تلك المسماة أخته قد زاد من حنقه، لذلك سألها مباشرة دون مقدمات:
- كانت هنا ليه وعايزة إيه منك وقالتلك إيه بالظبط؟
أجابته بلامبالاة متعمدة قائلة:
- ولا حاجة.. شوية كلام تافه ملهوش لازمة.
رفع حاجبيه معاً في استنكار ثم كرر حديثها ببطء كأنه أحجية يقوم بحلها:
- شوية كلام تافه ملهوش لازمة!! وإنتي بقى وشك كده عشان كلام تافه ملهوش لازمة؟
أجابته بنبرة متهكمة:
- وأنت تفتكر إني كده عشان كلامها؟
علم جيداً ما ترمي إليه بحديثها. فرعبها وإن حاولت إخفاءه ما زال واضحاً في حركتها ونظرتها. رفع رأسه للأعلى محاولاً الاسترخاء ثم زفر مطولاً بتعب قبل أن يعاود النظر إليها وقد تبدلت ملامحه إلى الرفق، ثم حدثها بنبرة مليئة بالحنان قائلاً:
- حياة خليكي عارفة حاجة واحدة بس.. إني مش هسمح لحد يأذيكي أيّاً كان هو مين حتى لو كان أنا.. عشان كده كنت بسألك وعشان كده بلاش نظرة الخوف اللي في عيونك مني دي.. ده وعد مني.. حياتي قبل أذيتك.
ارتبكت نظرتها قليلاً وتوترة معها حركة جسدها، ولكنها سرعان ما تمالكت وأجابته وهي تراه يلتفت بجسده عائداً إلى داخل غرفته قائلة بصوت هادئ ولكنه مليء بالمرارة:
- فريد أنت إيه مفهومك عن الأذى!!! أنت متخيل إن الأذى يكون بالضرب بس؟
توقف عن السير والتفت ينظر إليها مرة أخرى بملامح وجه مصدومة نوعاً ما، فأضافت هي بعد أن ازدرت ريقها وبدأ صوتها في التحشرج:
- يعني أنت فاكر إني أقعد هنا مقفول عليا باب ورا باب وعلى كل باب حارس مش أذى؟ أو إنك تهددني بأخويا الصغير مش أذى؟ أو إنك تقف في طريق أي حد بيحبني أو يعرفني وتستغله عشان أعملك اللي أنت عايزه ده مش قمة الأذى؟ اللي بيحب حد يا فريد مبيقدرش يأذيه ولا يعذبه!
صمتت بعد أن تغلبت الدموع عليها وتساقطت فوق وجنتيها بكثرة.
هو وقف أمامها مصدوماً، لا يقوى على الحركة من جملتها الأخيرة، لقد اخترقت قلبه مباشرة.
لقد سمع جملتها بصوت والدته وتوسلها، مثل توسل والدته له وهي توصيه بها خيراً.
تراجع خطوات للوراء وهو مازال ينظر إليها كالأشباح التي لا روح فيها، وهو يحل أزرار قميصه كالآلة، ثم ارتدى بنطاله الرياضي بعد أن تركته هي، وأغلقت الباب المشترك بينهم.
توجهه مباشرة نحو صالته الرياضية في الطابق الأرضي.
دلف إلى الصالة الرياضية كالإنسان الآلي.
ارتدى قفازاته وذكريات تلك الليلة المشؤومة بصورتها الكريهة تومض داخل عقله بوضوح.
توجهه نحو الكيس الرملي المعلق الخاص بالملاكمة، ثم صرخ بألم حتى شعر بأحباله الصوتية على وشك الانقطاع، وهو يلكمه بكل ما أوتي من قوة لإفراغ حزنه وغضبه.
ومع كل لكمة يسددها، كانت تظهر صورة أمامه من الماضي.
تذكر وهو ممدد تلك الليلة داخل فراشه برعب يترقب عودة والده، فتلك الليلة هو موعد قضاءها في منزلهم.
أرهف سمعه عند سماعه وقع خطوات تقترب من أمام غرفته، ثم ابتعدت مرة أخرى متوجهة إلى غرفة والدته، فعلم جيداً أنها تعود لوالده.
أغمض عينيه بقوة حتى يستطيع طرد تلك الفكرة التي تسيطر على عقله منذ الصباح، ثم طمأن نفسه داخلياً بعقل طفل لم يتجاوز الثانية عشرة بعد، أنها لن يصيبها مكروه.
بعد فترة من الصمت استعاد فيها هدوئه قليلاً، بدأت بعض الهمهمات غير المفهومة تصل إليه، ولكن لم تلتقط أذنه أي شيء واضح منها.
حدث نفسه مطمئناً، أن تلك الليلة من الممكن أن تمضي على خير، وخصوصاً أن آثار الضرب المبرح من الليلة التي تسبق البارحة مازالت تغطي وجه والدته وعنقها بوضوح، إلى جانب النوبة القلبية التي أصابتها في الصباح، فبالتأكيد سوف يشفق والده على حال والدته ويتركها وشأنها.
بدأت تلك الهمهمات تتصاعد حتى أصبحت صياحاً واضحاً من والده.
قفز فريد من فراشه، ثم توجهه إلى باب غرفته يفتحه بهدوء ويخرج منه، ثم أغلقه خلفه مرة أخرى.
توجهه إلى حيث غرفة والديه يقف أمامها برعب.
رغم أن وجوده لم ولن يفيدها، ولكنه كان يشعر هنا حيث وقف بشيء من الحماية الوهمية.
سمع توسلات والدته الباكية تطلب من والده بضعف:
"غريب الله يخليك، اديني علبة الدوا، خليني آخدها، مش قادرة أتنفس."
صرخ به والده قائلاً بحنق:
"يا سهلة.. عايزة تاخديها وتخفي عشان تسبيني وتروحي جري على عشيقك صح؟!"
هزت رحاب رأسها له عدة مرات بفزع وهي تقول من بين توسلاتها وبكائها:
"مفيش حاجة من اللي في دماغك دي يا غريب، متصدقيش كلام جيهان، أنا عمري ما خنتك ولا هخونك."
ازدردت لعابها في خوف ثم أضافت من بين شهقاتها المتتالية قائلة:
"هخونك إزاي وأنا مش بطلع من البيت ومش بشوف حد خالص."
صرخ بها وقد جحظت عيناه إلى الخارج، ثم قال بشراسة وهو يقترب منها:
"مانا عارف، عشان كده جبته يشتغل هنا مع الحراس بحجة إنه قريبك صح؟ انطقي!"
شهقت بفزع مصدومة من أثر كلماته، ثم قالت وقد بدأت ملامح وجهها في الشحوب من توترها وشدة نغز قلبها:
"كذب، والله كذب. قلتلك المرة اللي فاتت ده راجل قريبي غلبان عنده أولاد ومراته طلبت مني إني أساعده، دي كل الحكاية والله."
هز رأسه نافياً بشراسة وهو يقترب منها وبقول يتوعد:
"أنا هشرب من دمك وبعدين من دمه، أنا غلطت إني اتجوزت واحدة زيك ولازم أصلح غلطي ده دلوقتي."
ثم انقطعت الأصوات إلا من صوت صفع والده لها، وبعدها بدأت والدته في الصراخ بشدة ولطمات غريب تقع فوق جسدها دون رحمة.
ظل فريد واقفاً أمام الباب يضع كفيه فوق أذنه محاولاً منع صراخ والدته من الوصول إليه حتى اختفى الصوت تماماً.
خرج غريب بملامح مرتبكة وهو يلهث من شدة المجهود والفزع.
نظر له فريد بملامح مرتعبه قبل أن يقول له وهو يزدرد ريقه بخوف:
"أنا عايز أشوف مامي."
حدجه غريب بنظرة حانقة أرعبته قبل أن يقول له بتهديد واضح:
"مفيش حاجة اسمها مامي، فاهمممم!!! إنت إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟ يلا على أوضتك ومش عايز أسمعلك صوت أو أشوفك قدامي قبل الصبح، يلااااااا."
لم يطعه فريد بل ركض من خلفه نحو غرفة والدته، ثم قفز على فراشها ليطمئن عليها.
وجدها نائمة فوقه بلا حراك بوجه أبيض شاحب وشفاه زرقاء.
هتف باسمها عدة مرات ولكن دون جدوى.
هزها بقوة حتى تستفيق ولكن أيضاً دون جدوى.
كان جسدها مرتخياً تماماً بين كفيه.
توسل إليها بصوت باكي أن تجيبه ولم يتلق منها أي رد.
حمله غريب عنوة من خصره وذهب به نحوه غرفته وهو يصرخ بـه أن يظل بها وإلا سوف ينال جزاءه هو الآخر.
أدخله إلى غرفته ومنها إلى مخدعه ودثره جيداً بغطاء الفراش حتى أعلى رأسه.
ظل فريد هناك منتظراً بجسد مرتجف حلول الصباح حتى يطمئن على والدته التي لم يصدر منها أي صوت منذ وقت ليس بالقليل.
لم يعلم متى غالبه النوم ولكنه استيقظ في الصباح على هرج ومرج وكثير من الأصوات المتداخلة.
فز من فراشه ركضاً إلى الخارج فوجد طبيب العائلة يقف مع والده وهناك ٣ أشخاص آخرين يحملون على حمالة طبية والدته التي كانت مغطاة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بغطاء أبيض ويتحركون بها نحو الدرج هبوطاً للطابق الأرضي وهم مطأطئون رؤسهم وتبدو على ملامحهم الأسف.
فعلم أن أسوأ ما يخشاه قد تحقق على يد والده.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السابع 7 - بقلم شيماء يوسف
مضت الأيام التالية على كلا من حياة وفريد على نفس المنوال، تجنبت هي لقاءه وتعمد هو الخروج باكراً والعودة بعد منتصف الليل. وبالتالى كانت تتناول هي وجباتها الثلاث يومياً بمفردها وتقضي ما تبقى من يومها بين البحث عن فرصة سفر مناسبة لأخيها لإخراجه من البلاد وما بين اكتشاف شيء جديد في المنزل.
وفي إحدى الأيام عندما لاحظت عفاف حالة الملل التي أصابت حياة نصحتها بالتوجه إلى مكتب السيد فريد إذا كانت من محبي القراءة، فغرفة مكتبه تحتوي على كم هائل من الكتب. أبدت حياة ترحاباً شديداً بتلك الفكرة وقررت اكتشافها على الفور.
دخلت الغرفة بتوجس، فمجرد تفكيرها أنها ملكية خاصة لفريد لا يستخدمها أحد غيره أربكها، ولكن عفاف شجعتها، أنه أبداً لن يعارض على استخدامها لها. ورغم ذلك قررت الدخول فقط للبحث عن شيء ما تقرأه ثم الخروج فوراً.
كانت رائحته المميزة تملأ المكان، هذا أول شيء خطر ببال حياة بمجرد دخولها قبل أن تقع عينيها على محتويات الغرفة. فتحت عينيها بانبهار، فالغرفة تجسيد حي للكمال والدفء بخشبها باهظ الثمن مع مكتب عصري ومقعد جلدي مريح وثير مع الكثير من التحف العتيقة والإكسسوارات الثمينة. أما ما جعل حياة تشهق بإعجاب هي تلك المكتبة التي كانت تحتل أركان الغرفة وتحاوط المكتب بنافذته وتمتد حتى السقف وتحتوي على مئات بل آلاف من الكتب المنظمة على حسب حقبتها الزمنية ونوعها وتراثها.
تحركت حياة أول شيء نحو رف الأدب العالمي فوجدته يحتوي على كثير من الكتب الفرنسية. زمّت شفتيها معاً للأمام بتفكير وهي تلتقط إحدى الكتب بتغليفها الجلدي العتيق بين يديها وتتأمله. إذاً، لقد أتقن الفرنسية فعلاً! لقد كانت تتذكر كم تذمر فريد من كرهه لتلك اللغة وعدم قدرته على استيعابها وكم من خلافات نشبت بينه وبين والده بسبب ذلك الأمر، ولكن غريب كان دائماً يجبره على تلقي الدروس بحجة أن جميع تعاملاتهم مع شركات فرنسية وعلى ولي عهده أن يتقنها تمام الإتقان حتى يستطيع التعامل معهم في المستقبل عند توليه إدارة الشركات.
هل يعلم أنها كرهت اللغة والبلد بأكملها من أجله!! فكم ألمها أن يكون صديقها المفضل مجبراً على فعل شيء ما بالإكراه وبناءً عليه رفضت هي الأخرى تلك اللغة رغم أنها أيضاً اضطرت آسفة بحكم دراستها أن تتعلمها، ولكنها أبداً لم تستغلها في طفولتها من أجله. تنهدت بعمق من أثر تلك الذكرى وأعادت الكتاب القيم إلى موضعه فوق الرف قبل أن يرن هاتفها داخل جيب ردائها. التقطته تنظر به أولاً قبل أن تبتسم بفرح، فيبدو أن مساعيها خلال الأيام الفائتة قد أتت بثماره أخيراً. أجابت بحماس على الطرف الآخر ثم استمعت له قليلاً قبل أن تجيبه بسعادة قائلة:
"أيوه يا فندم تمام.. بالظبط زي ما بعت لحضرتك كده وإن شاء الله الورق هيكون جاهز في أقرب وقت."
صمتت قليلاً ثم أجابته بحرص:
"طبعاً طبعاً.. إن شاء هيسافر لحضرتك قريب."
أنهت المكالمة وأغلقت هاتفها ثم قفزت عدة مرات بسعادة وفرح. فاخيراً استطاعت التحصل على فرصة خارج البلاد لأخيها بمعاونة صديقتها في الخارج التي ما إن علمت بالتحول الذي حدث في حياتها وزواجها من شخص ثري حتى أسرعت في مساعدتها على الفور.
في تلك الأثناء كان فريد يجلس في مكتبه بمقر عمله وشيء وحيد يستحوذ على تفكيره، حياة خاصته. لقد اشتاق إليها كثيراً، فمنذ حديثهم الأخير سوياً وهو يتعمد عدم مواجهتها أو الاحتكاك بها حتى يعيد ترتيب أموره ويمهلها بعض الوقت للاعتياد على فكرة زواجهم ووجوده بجانبها. فقد كان يقضي يومه كاملاً في العمل ويذهب للمنزل فقط في المساء عندما يتأكد من خلودها للنوم وبعد فترة يتسلل إلى غرفتها بهدوء دون علمها ليتأملها قليلاً قبل أن يخلد هو الآخر إلى نوم متقطع يظهر في غالبيته مقتطفات من الماضي الحزين.
قاطع تفكيره دخول والده العاصف لغرفته. لوى فريد فمه متشدقاً قبل أن يقول بسخرية واضحة:
"مادام دخلت عليا دخلة المخبرين دي يبقى في مصيبة. قول اللي عندك."
حدقه والده بنظرة غيظ قبل أن يقول بحنق واضح:
"نفسي تبطل قلة أدب وتحترمني شوية!!!"
لوى فريد فمه متأففاً قبل أن يجيبه بتهكم مرير:
"معلش أصل محدش رباني وانت عارف.. أمي ماتت وأنا صغير ومرات أبويا كان كل همها إزاي أحصلها."
ارتبكت ملامح غريب من تلميحات فريد قبل أن يجيبه بنفاذ صبر هارباً من الصدام مع ابنه الوحيد:
"خلاص خلاص.. مش هي دي مشكلتنا دلوقتي.. إنت إيه اللي عملته ده مع عيلة الجنيدي؟"
أجابه فريد بغرور وهو يعود بجسده إلى ظهر مقعده ليجلس في تعالى واضح ويضع ساقاً فوق الأخرى:
"عملت اللي المفروض يتعمل معاهم من زمان."
هز غريب رأسه عدة مرات بأسف قبل أن يقول بغضب جلي:
"إنت بتستعبط!!! مش هيسبوك بعد اللي عملته فيهم!! إنت مش خايف على نفسك."
أجابه فريد وهو مازال محافظاً على نبرته الواثقة وهدوئه:
"أعلى ما في خيلهم يركبوه.. يبقوا يوروني يقدروا على إيه وروحي في إيدي دلوقتي."
أجابه غريب متوسلاً:
"يا ابني لو إنت مش خايف على نفسك أنا خايف عليك.. بلاش عند مع ناس زي دي!!"
قفز فريد من مقعده بغضب ثم توجّه نحو والده يقف أمامه بشموخ وهو يضع يديه في جيوب بنطاله قائلاً بشراسة:
"خلي خوفك لنفسك. وبعدين أنا حلفت برحمة أغلى حاجة عندي إني أدفعه تمن اللي عمله قديم وجديد.. كفاية إن حسابه اتأخر لدلوقتي بسببك."
أنهى جملته ثم التفت بجسده يتجه نحو النافذة لينظر منها بجسد متصلب. سمع صوت والده يتنهد بيأس قبل أن يقول منتهياً ذلك الحديث:
"خلاص اللي إنت تشوفه اعمله.. بس ع الأقل زود عدد الحراسة معاك شوية.. آه واعمل حسابك الأسبوع الجاي حفلة التجديد السنوي مع الشركة الفرنسية.. والحفلة هتكون على شرفك إنت ومراتك عشان يتعرفوا عليها."
أدار فريد جسده نحو والده بهدوء ثم رفع إحدى حاجبيه مستنكراً قبل أن يجيبه ببرود:
"لا مش عايز."
صاح به غريب وقد سأم من تصرفات ابنه تجاهه المبالية:
"إيه اللي مش عايز!!!! ده شغل ومستقبل شركات إنت المسؤول عنها!! الخميس الجاي الحفلة في الفيلا تكون موجود إنت ومراتك ومش عايز اعتراض."
أنهى جملته ثم تركه وانصرف صافقاً الباب خلفه بقوة.
انتظرت حياة حتى المساء وعودة أخيها للمنزل حتى يكون بكامل تركيزه قبل أن تقرر الاتصال به. جلست في غرفتها وعلى حافة فراشها ثم أمسكت هاتفها وانتظرت أن يأتيها الرد من الطرف الآخر. كانت على وشك خوض كافة التفاصيل معه عندما سمعت وقع خطوات كثيرة في الخارج فلم تود المجازفة بأي حديث قد يفسد مخططها لذلك آثرت الحرص على حماسها فقالت لأخيها بنبرة منخفضة:
"بص الكلام مش هينفع في التليفون أنا لازم أشوفك بكرة.. فضي نفسك وقابلني في البيت."
في تلك اللحظة فتح باب غرفتها بقوة ورأته يقف أمامها يسألها بوجه عابس وعيون مكفهره:
"إنت بتكلمي مين؟!"
انتفضت هي على صوت اقتحامه لغرفتها ثم وضعت يدها فوق قلبها برعب قبل أن تمد يدها الممسكة بالهاتف نحوه وهي تقول برعب:
"محمد أخويا.. خد اتأكد بنفسك."
ارتبكت نظرته قليلاً وظهر التوتر على قسمات جسده قبل أن تلين نظرته ويدير جسده المتصلب لها خارجاً من غرفتها.
تنفست الصعداء بعد خروجه وأغلقت الهاتف مع أخيها بتعجل ثم أخذت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً بتوتر. هزت رأسها عدة مرات بتصميم لتشجع نفسها داخلياً. ستذهب لتخبره ولن تتهاون في حريتها، فعهد تحكم والدها انتهى وأبداً لن تعيد تلك التجربة معه. فوالدها كان يمنعها من الخروج بمفردها إلا من أجل الدراسة والعمل بالطبع بسبب العائد المادي للأخير حتى يرتاح من طلباتها. أما عن خروجها مثل مثيلاتها من الفتيات كان ممنوعاً عليها منعاً باتاً، ففي منطقة أن البنت ذات الدين والخلق الجيد مكانها فقط في المنزل!!!
على كلاً، إنها شاكرة لسماحه لها بإكمال دراستها دون تعنتات، ولكن كل ذلك انتهى الآن ولن تسمح لأحد آخر التحكم في حياتها.
بعد قليل هبطت إلى الطابق الأرضي بعدما استجمعت شجاعتها واستعدت لمواجهته تبحث بعينيها عنه. في الأسفل لمحت بعينيها مدبرة منزله تخرج من غرفة مكتبه ممسكة بفنجان قهوة فارغ فعلمت أنه بداخلها لذلك توجهت على الفور تجاه الغرفة ثم توقفت أمامها تسألها بهدوء قائلة:
"فريد جوه؟!"
أجابتها عزة بجفاء قائلة:
"آه فريد بيه في المكتب."
هزت حياة رأسها عدة مرات وتركيزها منصب على مواجهتهم وهي ترفع رأسها بتحدي ممسكة بقبضة الباب وتهم برفع يدها الأخرى لتطرقه. أوقفها صوت عزة مرة أخرى قائلة بنبرة خالية:
"فريد بيه طلب محدش يزعجه!"
نظرت إليها حياة من فوق كتفها وهي لازالت ممسكة بقبضة الباب ثم رفعت إحدى حاجبيها لها بتحدي قبل أن تدير مقبض الباب وتدخل الغرفة دون استئذان وهي توجه إليها ابتسامة مغيظة قبل أن تصفق الباب في وجهها.
كان فريد يجلس خلف مكتبه عاقداً حاجبيه معاً بشدة وهو ينظر بتركيز في شاشة كمبيوتره المحمول عندما سمع باب غرفته يفتح ويغلق دون استئذان انتفض من مقعده وهو يصيح قائلاً:
"مين اللي بي..."
أنهى جملته بمجرد وقوع نظره على الباب ورؤيته لها تدخل الغرفة بتوجس. لانت ملامحه المتجهمة قبل أن يتحرك في اتجاهها يسألها بقلق:
"حياة!! في حاجة حصلت؟"
أخذت نفساً عميقاً قبل أن تبرر دخولها الهمجي ذلك قائلة:
"مفيش وأنا عارفة إني دخلت من غير ما أخبط ع الباب.. بس هما قالولي بره إنك مش عايز حد يزعجك.. وأنا كنت هقولك حاجة وأطلع على طول."
تبدلت ملامحه على الفور ثم أضاف بنبرة حانية وهو يتأمل نظرتها المرتبكة رغم حركات جسدها المتصلبة:
"حياة.. أنا قصدي محدش يزعجني منهم."
أطرقت برأسها للأسفل في محاولة منها لكتم ابتسامة خفيفة كانت تهدد بالظهور على شفتيها من أثر ذلك الانتصار الصغير ولكنها سيطرت عليها بالاخير ثم تنحنحت عدة مرات قبل أن تقول بنبرة هجومية استعداداً لما هو آت:
"أنا عايزة أروح لماما بكرة أزورها.. وعلى فكرة ده مش...."
قاطعها فريد قبل أن تكمل جملتها بنبرة هادئة:
"مفيش مشكلة شوفي عايزة تنزلي الساعة كام وبلغي السواق قبلها."
فتحت فمها باندهاش فقد كانت تعد نفسها لرفضه فسألته باستنكار:
"إيه ده يعني إنت موافق إني أروح بسهولة كده؟!"
ابتسم لها بإعجاب من سؤالها الطفولي ثم أجابها قائلاً:
- مفيش مشكلة، زي ما قلتلك السواق هيوصلك وقت ما تحبي، وأنا بليل بنفسي هاجي أوصلك.
عقدت حاجبيها معاً ثم أجابته معترضة:
- بس أنا مش عايزة حد يوصلني! أنا بعرف أمشي على فكرة، ولوحدي!
وضع فريد يديه في جيوب بنطاله قائلاً بلا مبالاته المعتادة وهو يرمقها بنظرة محذرة:
- حياة! مش عايز مناقشة كتير، ده آخر كلام عندي! والقرار قرارك، يا حد يكون معاكي يا لأ! اختاري!
التفت بجسدها واتجهت نحو الباب وهي تضرب الأرض بقدمها من شدة الغيظ وتتمتم بكلمات حانقة لم تلتقط أذنه منها شيئ، ولكنه ابتسم لاإرادياً من مظهرها الطفولي الغاضب. تنحنح محاولاً تنقية حلقه والسيطرة على رغبته في احتضانها.
ثم تحدث بنبرة آمرة وهي على أعتاب الخروج قائلاً:
- اعملي حسابك الخميس الجاي في حفلة للشركة على شرفنا، حضري نفسك.
التفت تنظر له بعيون غاضبة قبل أن ترفع رأسها بتحدٍ قائلة:
- مش هروح، اتفضل احضرها مع نفسك!
رأت التسلية واضحة في بريق عينيه قبل أن يجيبها بنبرة تهديد منخفضة:
- تمام براحتك! أهي فرصة برضه ألبسك بإيدي وأشيلك لحد هناك.
شهقت بفزع وفتحت فمها مندهشة من وقاحته معها ثم أضافت بنبرة حادة مرتبكة:
- أنت... أنت إنسان مغرور ووقليل ذوق وأناااااا...
قاطعها بمرح مقلداً نبرتها وهو يلوي فمه بنصف ابتسامة ويتقدم منها حتى أصبح على خطوة واحدة منها قائلاً:
- بتكرهيني، عارف.
تشدقت بحنق قائلة باشمئزاز:
- كويس إنك عارف إني بكرهك وجداً كمان.
ومضت عينيه ببريق غريب وهو ينظر لداخل عينيها مباشرة.
ثم أجابها وهو يمد كلتا ذراعيه يستند بهما فوق الجدار ليحكم حصارها ويمنع يدها من الامتداد لفتح الباب والخروج قائلاً بصوت أجش وعينيه تضيق فوق وجهها:
- عارفة يا حياة إيه اللي مصبرني على كل اللي بتعمليه ده؟
لم تجبه، بل أغمضت عينيها بقوة تضغط عليهما محاولة تجاوز الشعور الذي بدأ يتسلل إليها من أنفاسه الحارة التي تقع عليها، وهي تحرك رأسها نافية ببطء وتبتلع ريقها بصعوبة بالغة. فأضاف وهو يقترب بوجهه أكثر من وجهها:
- عشان العيون دي اللي في كل مرة بتشوفني فيها بتقول لي حاجة واحدة بس... "محتاجالك يا فريد"... وأنا وعدتهم من زمان إني ما عمري ما هتخلى عنهم.
فتحت عينيها بصدمة قبل أن تشرد بنظرها نحو الفراغ ويشحب وجهها. انتهز هو فرصة صمتها واقترب منها يطبع قبلة حانية فوق وجنتها. انتفضت بفزع من أثر قبلته وقد أعادتها لمسته للحياة، ثم دفعته بكلتا يديها وهي تصرخ به بقوة قائلة:
- متلمسنييييييش! أنت فاهم؟ أوعى تقرب مني أو تلمسني تاني!
ثم استدارت برعب لتفتح الباب بيد مرتعشة وركضت إلى الخارج بجسد منتفض، تاركة فريد يشعر بالصدمة من رد فعلها غير المفهوم.
***
في صباح اليوم التالي، كانت آمنة تجلس فوق الطاولة الصغيرة تقوم بتحضير أشهى المأكولات وهي تدندن أغنية قديمة بسعادة. خرج عبد السلام من غرفته ينظر نحوها شزراً قبل أن يتشدق جملته بغيظ:
- أيوه يا أختي، حضري ما هي ست الحسن بتاعتك جاية النهاردة.
حركت آمنة رأسها يميناً ويساراً في حنق ثم استغفرت ربها وآثرت الصمت، ولكنه تعمد استفزازها مضيفاً:
- إيه؟ مش اللي عاجبك الكلام ولا بتكلم غلط؟ ولا يمكن كلامي دلوقتي مبقاش جاي على هواكي بعد ما ناسبتي الباشا؟
زفرت آمنة بضيق وهي تلوي فمها قبل أن تجيبه قائلة:
- يا حول الله يارب! أنا عايزة أعرف أنت إيه؟ عايز تجر الشكل وخلاص؟ ماسيب البت في حالها، مش كفاية من ساعة ما اتجوزت محدش عبرها ولا سأل عليها؟
قاطعها وقد بدأت نوبة صياحه المعتادة قائلاً بصوت يصم الآذان:
- مالها يا أختي؟ ما هي قاعدة في فيلا والخدم تحت رجليها، هتعوز إيه تاني؟ أنا بقول بس بدل ما أنتي مهتمة بيها والأكل الحلو مظهرش غير بقدومها، كنتي تعملي حاجة لابني الغلبان الشقيان ده، هو أولى!
قاطعته آمنة بنفاذ صبر معترضة:
- وهي مش بنتك يا راجل؟ وكمان لو كنت نسيت أفكرك مين اللي أنقذ ابنك الغلبان ده؟
قاطعها بصوته الجهوري قائلاً:
- وهو مين اللي كان هيضيع ابني غير الست بنتك وعمايلها؟
أجابته آمنة بحنق:
- طب والوصلات اللي كانت عليك مين أنقذك منها يا عبد السلام؟ يا أخي اتقي الله بقى وكفاية كده.
مر كفه داخل شعره يحك قرعته بتفكير ثم تمتم بخفوت:
- عندك حق، بس المرة دي البت وقعت واقفة بجد. شكلنا اتسرعنا المرة اللي فاتت، بس الحمد لله إنها باظت.
صاحت به آمنة وهي ترميه بنظرات اشمئزاز واضحة قائلة:
- عبد السلاااااام! اقفل ع السيرة الهباب دي لمصلحتك، وأتوكل على الله شوفلك حاجة تعملها خليني أكمل شغلي.
رمقها بنظرات حانقة قبل أن يقول بغيظ:
- أديني سايبالك وماشي وهروح أقعد ع القهوة.
تمتمت آمنة بخفوت قائلة:
- في ستين...
ثم عادت للتركيز على ما كانت تقوم به قبل مناقشتها معه.
***
انقضى يوم حياة سريعاً مع والدتها التي اهتمت بسؤالها عن أدق تفاصيل حياتها، فحاولت حياة قدر المستطاع إعطائها إجابات منطقية مختصرة دون التطرق لأي مواضيع جانبية. فظنت آمنة أن ابنتها تتجنب الحديث معها في أي شيء يخص زواجها خجلاً منها. أما عن حياة، فقد تنهدت براحة عندما توقفت والدتها عن سيل الأسئلة التي غدقتها بها منذ وصولها. صمتت قليلاً ثم سألتها باستفسار وهي تلزك ابنتها من مرفقها بمرح:
- صحيح، قوليلي؟ عجبتك الهدوم اللي اخترنهالك؟
قطبت حياة حاجبيها معاً بتركيز قبل أن تسألها مستفسرة:
- هدوم إيه؟
أجابتها آمنة بحماس والابتسامة تعلو ثغرها فخراً:
- الهدوم بتاعتك اللي هناك في الفيلا.
ازدردت ريقها بعجالة ثم أضافت قائلة:
- فريد حب يعملها لك مفاجأة. كلمني وقالي أقابله وأختار معاه كل اللي بتحبيه عشان أنا أدرى بذوقك يعني. حتى فستان الفرح سألني لو بتحبي حاجة معينة وافتكرت ساعتها الفستان اللي كنتي كل شوية تدوشيني بشكله وتوريني صور شبهه، وخلاني أقابل واحدة مصممة كده، اسمها... ووصفتهالها على قد ما أقدر. بس الحق يا حياة إن الفستان طلع أحلى من اللي كنتي بتوصفيه. أنا مرضتش أحرقلك المفاجأة ساعتها، بس دلوقتي أقدر أتكلم براحتي بقى.
هزت حياة رأسها ببطء فقد حلت لغز تلك الملابس الرائعة القابعة داخل خزانتها وحتى الآن ترفض ارتدائها بسببه. أعادها من شرود تفكيرها صوت أخيها يدلف إلى المنزل، فقفزت على الفور تستقبله بسعادة وحماس، ثم تمتمت لوالدتها بعجالة:
- أنا هنا إحنا في الأوضة جوه، متخليش حد يدخل علينا.
ثم جذبت أخيها من مرفقه تدفعه نحو الغرفة بحماس. في الداخل قصت على أخيها الذي كان يستمع إليها بتركيز وحماس كافة تفاصيل تلك السفرية المنتظرة، ثم أطرق برأسه في حزن متسائلاً:
- ماشي يا حياة، بس أنا هجيب مصاريف السفر دي منين؟ أنتي عارفة إن الشغل يا دوب...
ربتت على كفه بحنو قبل أن تجيبه بنبرة مطمئنة:
- متشغلش بالك بكل ده، أنت عارف إني كنت محوشة شوية فلوس من شغلي وأنا هتكل بكل حاجة.
ثم مدت يدها داخل إحدى جيوب بنطالها وأخرجت بطاقة إلكترونية وضعتها في كفه قبل أن تضيف:
- دي الفيزا بتاعتي، إن شاء فيها اللي يكفي كل المصاريف. خدها استخدمها وأتوكل على الله. بس بالله عليك يا محمد في أسرع وقت، أنا ما صدقت الفرصة دي تجيلي.
هز رأسه لها متفهماً قبل أن يحتضنها ويطبع قبلة حانية على جبهتها ويقول:
- مش عارف أقولك إيه ع اللي بتعمليه معايا، بس إن شاء الله هردلك كل فلوسك دي وزيادة.
لكزته فوق وجنته برفق قبل أن تجيبه بمرح قائلة:
- يا واد أنت هتكبر عليا، يلا قوم شوف وراك إيه تعمله، معندناش وقت.
قفز أخيها على الفور في حماس وهو يتمتم بسعادة:
- حاضر يا أجدع أخت في الدنيا.
ابتسمت حياة بسعادة لرؤيتها سعادته واضحة فوق ملامحه، ثم أوقفها بصوتها الناعم ترجوه قائلة:
- محمد، متنساش أنت وعدتني. محدش يعرف حاجة لحد ما تسافر.
هز رأسه لها متفهماً قبل أن يخرج من غرفتها ويتركها تزفر براحة وسعادة من تحقيقها أول خطوة في سبيل حريتها.
***
في المساء، هاتف فريد حياة يطلب منها الاستعداد للخروج فهو على وشك الوصول إليها. ودعت والدتها التي اقتربت منها بحزن قائلة:
- ملحقتش أشبع منك يا حياة، كنتي خليكي شوية كمان معانا.
أجابتها حياة وهي تربت على كتف والدتها بحنان مبررة:
- معلش يا ماما، فريد كلمني وقال لي إنه خلاص في الطريق، وإن شاء الله هبقى أجيلك تاني. وأنتي كمان ابقي تعالي زوريني، بلاش تسبيني لوحدي هناك.
كانت آمنة على وشك إجابتها عندما قطع حديثهم صوت والدها الذي كان يقف على عتبة المنزل يستمع لحديثهم قائلاً بسخرية:
- سبيها تروح لجوزها! دلوقتي بقى فريد اللي كانت عاملة دوشة 10 سنين وهي تقول مش عايزاه، مش عايزاه، دلوقتي مش قادرة على بعده.
التفت حياة بحدة تنظر إليه وعلامات الحنق تبدو ظاهرة على ملامحها، قبل أن تقرر إثارة غيظه قائلة بسخرية وهي تتحرك في اتجاهه وتقف على مقربة منه:
- طب وأنت زعلان ليه كده يا بابا؟ يمكن عشان المرة دي معرفتش تطلع غير بوصلات الأمانة، فالموضوع بالنسبة لك خسران؟
صُدم عبد السلام من ردها، فتلك كانت أول مرة تقف حياة في وجه والدها. صدح صوته بقوة يرج أركان المنزل صارخاً فيها بعنف:
- أنتي قليلة أدب بنت... وشكلك افتكرتي إنك اتجوزتي ومحدش هيقدر عليكي.
ثم رفع كفه لأعلى في محاولة لصفعها، ولكن أوقفه صوت فريد الهاادر ممسكاً بيده المرفوعة قائلاً وعلامات الغضب تبدو ظاهرة على وجهه وعينيه:
- عبد السلام بيه! أنا مراتي متربية أحسن تربية.
ثم قام بالضغط بقوة على كف والدها المرفوع حتى شعر بالاحمرار قد بدأ يغزو وجه غريمه من شدة الألم، وأضاف بنبرة غاضبة منخفضة وهو يضغط على شفتيه بقوة:
- ثم إنها مش مرات فريد بيه رسلان اللي حد يفكر يمد إيده عليها، حتى لو كان أبوها، فاهم؟
نفض يده بقوة شعر معها عبد السلام بذراعه على وشك الخروج من مفصله. تحرك فريد من أمام الباب يحتضن يد حياة التي وقفت خلف والدتها متسمّرة مما كان والدها على وشك فعله معها ومن رد فعل فريد. ثم سحبها نحو الخارج وهو يقول بنبرته الآمرة:
- دادا آمنة.. لو عايزة تشوفي حياة هتلاقيها في بيتي.
ثم سحبها للخارج نحو السيارة دون النظر خلفهم.
دَلَفَت حياة داخل السيارة بهدوء دون إبداء أي رد فعل. صفق فريد الباب خلفها بقوة ثم استدار ليحتل المقعد المجاور لها ويأمر سائقه بالتحرك. ولازال ذلك العرق بجانب صدغه ينبض بقوة من شدة الغضب. زفر بقوة عدة مرات في محاولة منه لاستعادة جزء من هدوئه قبل أن يتحدث مع حياة التي لم تبدِ أي رد فعل حتى الآن. هتف باسمها بنبرة حاول قدر الإمكان إخراجها طبيعية وهو يمد يده ليحتضن كفها في توجس متأهبًا لرفضها، ولكنها فاجأته بتقبل يده بهدوء غير معتاد. هتف باسمها مرة أخرى بنفاذ صبر، ولكن أيضًا لم يصدر منها أي رد فعل. فقط ضغطة خفيفة على يده المحتضنة يدها. ثم استندت برأسها على النافذة وسمحت لنفسها بالعودة إلى سن السادسة.
تذكرت ذلك اليوم في قصر غريب عندما كانت تتلوى تحت قبضة والدتها وهي تمشط لها شعرها قائلة بطفولية:
- يا ماما يلا بسرعة عشان ألحق أروح لفريد قبل الدرس ما يبدأ.
ضحكت آمنة بمرح وهي تحاول جاهدة إتمام مهمتها مع قلة صبر طفلتها قائلة بمرح:
- أيوه يا ست حياة.. كأن الدنيا دي مافيهاش غير فريد ليل ونهار عايزة تجري عليه. اتفضلي يا ستي روحيله أديني خلصت.
ركضت حياة على الفور في اتجاه الباب المؤدي إلى الحديقة عندما أوقفتها يد والدها الغليظة تسحبها للداخل مرة أخرى ويجرها خلفه بقسوة قائلاً:
- مفيش حاجة اسمها فريد تاني.
ثم توجه بحديثه لوالدتها:
- إنتي يا ست آمنة معندكيش نخوة ولا إحساس بتشجعي البت على قلة أدب!! عايزها تحط راسنا في الطين!!
سألته آمنة مستنكرة عاقدة حاجبيها معاً:
- قلة أدب إيه دي يا عبد السلام اللي بتتكلم عليها؟
أجابها بصراخ وهو مازال ممسكاً بذراع حياة التي كانت تحاول جاهدة الإفلات من قبضته المؤلمة:
- أيوه قلة أدب.. ليل ونهار سايباها قاعدة لوحدها مع ابن الباشا ومحدش عارف بيعملوا إيه. بت دي مش هترتاح غير لما تجيبلي العار وتخلي ناسى في البلد يعايروني بيها!
شهقت آمنة بفزع وهي تضع يديها فوق فمها تحاول استيعاب حديث زوجها غير المتزن. ثم أجابته باستنكار ممزوج بإشمئزاز قائلة:
- عار إيه يا راجل!!! دول عيال!!! إنت بتتكلم على بنتك اللي مكملتش ٦ سنين!!!! إنت بتقول إيه.
صاح بها بصوت جهوري أفزع كلاً من حياة التي بدأت تبكي من شدة الألم ووالدتها:
- أيوه هو ده اللي عندي واعملي حسابك تلمي هدومك أنا خلاص جبت شقة إيجار ومن بكرة هنتنقل ليها.. وأقسم بالله لو بوقك اتفتح أو اعترضتي لأرمي عليكِ اليمين دلوقتي وأرميكي في الشارع إنتي وعيالك!!
ازدرد ريقه بقوة قبل أن يضيف بتوعد:
- ومن بكرة الحال المايل ده هيتعدل وهشوف البت دي اللي عايشة عيشة البشوات هتتربى إزاي.
ثم نفض ذراع حياة من قبضته وخرج صافقاً باب الملحق خلفه بقوة. انتظرت حياة خروجه ثم ركضت نحو الحديقة وهي لازالت تبكي حتى وجدت فريد يجلس بهدوء تحت شجرته المفضلة. هتفت باسمه بصوت باكي تشتكي له من والدها قائلة من بين شهقاتها المتلاحقة:
- فريد.. بابا زعقلي.. وقالي.. قالي إني هجيبله العار.. وإنه هيخليني أمشي وكمان بكرة.. هنروح.. هنروح بيت جديد.
قاطعها صوت فريد الطفولي يهدئها وهو يمسح فوق شعرها بحنان قائلاً بإصرار:
- متخافيش يا حياة.. أنا هحميكي منه ومش هخليه يعملك حاجة. وبعدين أنا دلوقتي هكبر وهتجوزك وأخليكي تعيشي معايا أنا وإنتي وماما بس بعيد عنه وعن بابا.
هزت رأسها له بحماس موافقة وهي تمسح بكف يدها دموعها المنسابة. فهي تثق به وتعلم أنه بطلها وحاميها الأول. تنهدت بعمق وهي تفكر، فيبدو أن قوة ذلك الصغير لم تكف لردع والدها عما انتوى القيام به. وبالفعل في اليوم التالي انفصلت حياة عن فريد دون حتى وداع.
أفاقت من شرودها على توقف هدير السيارة وصوت فريد العميق يحثها على النزول. دَلَفَت إلى الداخل فوجدت الهدوء يعم أرجاء المنزل فاستنتجت أن ساعات العمل قد انتهت وذهب كل موظفيه إلى مخدعهم. راقب فريد ردود أفعالها الهادئة بقلق فهو يفضل حياة الثائرة عن تلك التي لا يصدر منها أي رد فعل. رفع رأسه للأعلى ثم تنهد بتعب وهو يمرر يده داخل خصلات شعره ويضغط على شفتيه قبل أن يقول آمراً بنبرة خرجت حادة دون وعي منه:
- حياة.. مفيش روح لهناك تاني.. فاهمة!!
التفت تنظر إليه وعيونها تنطق بالشرر قبل أن تنفجر وتصرخ به بقوة وهي تدفعه بكلتا يديه للخلف قائلة:
- ملكش دعوووووووه.. إنت بالذات ملكش دعوه... مش عايزة منك حاجة.. فاهم يعني إيه مش عايزة منك حاجة.. متجيش دلوقتي تديني أوامر.. روح واختفي زي ما اختفيت زمان.. حياة كبرت ومش محتاجالك فاهم!!! أنا قادرة ادافع عن نفسي لوحدي.. متعملش فيها بطل ليا.. كنت فين زمان.. كنت فين وأنا عندي ١٤ سنة!!!! كنت فين وهو...
ابتعلت ما تبقى من الكلمات بداخلها وهي تشهق بقوة وجسدها يرتجف من شدة الغضب. ظل فريد ينظر إليها بصدمة يحاول استيعاب حديثها وسبب ذلك الانهيار الغير مبرر. تقدم خطوة منها يمد كلتا يديه ويحاول احتضانها ولكنه تفاجأ بها تُلَكِمُهُ فوق صدره بقوة وهي تصرخ باستياء:
- متقربش مننننني.. قلتلك مية مرة متقربش مني.. فاهم.. ابعد عني ومتقربش مني.. مش عايزة حد يقرب مني فيكم.. سيبوني في حالي.. وإنت ارجع مكان ما كنت مختفي مش عايزاك في حياتي..
قاوم فريد لكماتها المتتالية وانهيارها وهو يشدد من احتضانه لها حتى استكانت وهدئت بين ذراعيه. ثم قامت بمسح عبراتها المنهمرة بكثرة قبل أن تدفعه برفق وهي تمتم بنبرة منهكة:
- أنا كويسة لو سمحت سيبني.
فك حصارها من بين ذراعيه وتركها لتتجه نحو الدرج وملامح وجهه يكسوها الصدمة يحاول عقله استيعاب كلماتها وما تفوهت به للتو.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء يوسف
مرت الأيام التالية على فريد كالجحيم، فترتيبات عمله من جهة، وكلمات حياة التي كانت تطن داخل أذنه دون توقف من جهة أخرى. أما أسوأهم فهو اضطراره إلى التعامل مع نوبات غضب حياة المتواصلة، التي لم تدخر جهدًا لإثارة غضبه بكل الطرق الممكنة، الأمر الذي تطلب منه أقصى درجات ضبط النفس حتى لا يصب جام غضبه عليها. فهي كانت تتعمد استفزازه ومعاندته في أبسط المواقف والأمور. لذلك قرر أن أفضل حل هو تجاهلها وعدم الاحتكاك بها حتى يتخلص من أعباء عمله وعقوده التي تتطلب التجديد، قبل أن يتفرغ لها. فهو عاقد النية بقوة على اكتشاف ما أشارت إليه من كلمات خلال حديثهم الأخير. أما غضبه ويأسه المتزايد، فكان يتخلص منه من خلال موظفيه المساكين، أو داخل صالته الرياضية، أو الأسوأ من خلال ذلك المشروب الذي أصبح يلازمه بكثرة خلال لياليه.
استيقظ في صباح اليوم السابق لحفلة التجديد بإرهاق. فرك وجهه بقوة، فلديه يوم عمل مملوء وشاق. اتجه أولًا نحو المرحاض ليأخذ دشًا سريعًا يعيد إليه نشاطه، ثم هبط فورًا إلى غرفة مكتبه، مقرراً على غير العادة ترتيب أوراق اجتماعه والذهاب إلى مقر الشركة قبل موعد الاجتماع مباشرة.
أما عن حياة، فقد ندمت على ما تفوهت به تلك الليلة. فهي تعلم فريد، وتعلم أنه لن يمر ما تفوهت به مرور الكرام، لذلك آثرت الهرب. إما عن طريق المكوث داخل غرفتها والخروج بعد التأكد من خروجه للعمل، أو بمهاجمته وإثارة حنقه إذا حدث بالخطأ وصادفته.
بعد منتصف الظهيرة، انتهى فريد من تدقيق أوراق اليوم، ثم تمطى بإرهاق قبل أن يقرر جمع أوراقه والتحرك. في تلك الأثناء، نظرت حياة في ساعة يدها فوجدتها تجاوزت الثانية عشر ظهرًا، والهدوء يعم المكان، وعلى ذلك تستطيع التحرك بحرية في غيابه. ارتدت لباسًا رياضيًا ثم توجهت مباشرة نحو الدرج. صادفت فريد عند مدخل الخروج، الذي تسمرت نظراته ما إن رآها. فقد كانت ترتدي لباسًا رياضيًا رائعًا، مزيجًا من اللونين الأبيض والأسود، يحتضن خصرها ويتناسب تمامًا مع انحناءات جسدها، وترفع شعرها الناعم لأعلى على هيئة ذيل حصان، ثم تتركه ينساب بنعومة فوق كتفيها. شعر بحرارة جسده تزداد من ذلك المظهر العفوي والمثير للغاية. توقفت هي في منتصف الدرج بارتباك، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله، فقد رآها وقضى الأمر، وليس هناك أي سبيل للهروب أو الركض لأعلى مرة أخرى. لذلك قررت استئناف طريقها كأنها لا تراه. رفعت رأسها بكبرياء وهي تمر من جواره دون حديث. زفر مطولًا عدة مرات للتخلص من كم المشاعر الذي اجتاحه دفعة واحدة، فهو مزيج غريب ما بين الغضب والإرهاق والإثارة. أوقفها صوته يسألها بنبرة منخفضة قائلًا بجدية بعدما تجاوزته:
- حياة، انتي رايحة فين؟
توقفت عن سيرها بعنفوان، ثم عادت خطوتين للخلف حتى تقف أمامه قائلة بتحدٍ وهي ترفع إحدى حاجبيها:
- رايحة أتمشى شوية، في مانع؟
ضغط على شفتيه بقوة وأغمض عينيه للحظة قبل أن يفتحها ويجيبها محاولًا الحفاظ على هدوئه النسبي:
- لا مفيش.. بس خدي حد من الحرس معاكي وانتي خارجة.
أنهى جملته وهم بالخروج وهو ينظر في ساعة يده، فلديه يوم مشحون، عندما أوقفه صوتها معترضة:
- أنا مطلبتش حد يجي معايا، أنا عايزة أتمشى لوحدي، مش حاجة عويصة والله!
توقف عن سيره وأطرق رأسه للأسفل قبل أن يهزها عدة مرات بشراسة ويمرر كفه داخل خصلات شعره، ثم استدار لها بجسد متصلب قائلًا بنبرة لا تحمل أي معنى للمزاح:
- حياة، صدقيني الجدال النهاردة بالذات مش في مصلحتك خالص. يا تاخدي حرس معاكي وانتي بره، يا تستخدمي أوضة الجيم جوه! انتهى.
ثم أنهى جملته وتركها تحدق بغضب في أثره. تحرك هو نحو الحديقة، ثم استدعى رئيس الحرس ينبهه بنبرته الآمرة:
- حياة متطلعش من الفيلا لوحدها، سامع! لو عرفت إنها خطت خطوة واحدة بره الفيلا لوحدها، هيكون آخر يوم ليك بكل اللي معاك.
أنهى تهديده ثم تركه واتجه نحو سيارته ليصعد بها ويصفق الباب خلفه بقوة وغضب.
بالطبع انتهزت حياة فرصة خروجه من المنزل قبل أن تقرر الاستمرار في عنادها. كانت على وشك الاقتراب من الباب الخارجي للفيلا عندما أوقفها أحد الحراس بجسده الضخم يسألها مستفسرًا باحترام:
- حياة هانم، حضرتك رايحة فين؟
رمقته حياة بنظرة متشككة قبل أن تجيبه على مهل قائلة:
- رايحة أتمشى!
أومأ الحارس لها بخنوع قبل أن يجيبها قائلاً:
- تمام يا فندم، اتفضلي حضرتك قدامي.
سألته حياة وهي ترفز بنفاذ صبر:
- يلا فين! أنا بقولك عايزه أتمشى.. لوحددددي!
هز الحارس رأسه لها ثانيًا قبل أن يعقب على حديثها قائلاً:
- معلش يا فندم، معندناش أوامر إنك تخرجي لوحدك.
زفرت حياة مرة أخرى مطولًا وهي تضع يديها في منتصف خصرها وتنظر حولها متأملة قبل أن تمتم بتفكير:
- خلاص خلاص، مش عايزة حاجة. هقعد في الجنينة شوية.
اخفض الحارس رأسه للمرة الثالثة لتحيتها بصمت قبل أن يعاود أدراجه إلى موقعه دون أن يستدير بظهره لها.
سارت حياة قليلًا متظاهرة بتأمل الحديقة بأزهارها عندما لمحت سلمًا خشبيًا طويلًا ملقى بإهمال في أحد أركان الحديقة الجانبية. لمعت فكرة ما داخل رأسها وابتسمت بخبث وهي تحدث نفسها داخليًا بتحدٍ قائلة:
- ابقى وريني هتمنعني إزاي.
ثم صفقت يديها معًا بسعادة قبل أن تحاول تحريك ذلك السلم لترفعه نحو السور. أتمت مهمتها ونفضت يديها بزهو قبل أن تبدأ في تسلقه عندما شعرت بيد ما تقبض على قدميها من الأسفل.
في مقر شركته، كان فريد يجلس في مقعده الوثير خلف مكتبه العريض يراجع بتركيز التعديلات الأخيرة قبل توقيع الغد، عندما صدع رنين هاتفه ليملأ الغرفة. التقطه بهدوء ينظر في شاشته قبل أن يعقد حاجبيه معًا ويجيب بجمود قائلاً:
- أتمنى تكون حاجة مهمة عشان تشغلني بيها.
صمت قليلًا يستمع بتركيز إلى الطرف الآخر ووجه يزداد عبوسًا، ثم أردف قائلاً بنبرة آمرة:
- خليها عندك، أوعى تخليها تطلع لحد ما أجلك.
رفع كفه ليفرك جبهته بأصبعه بإرهاق قبل أن يضيف بنبرة تحذير خطيرة:
- امنعها من غير ما حد يلمسها، فاهم! لو عرفت إن حد لمسها، أقسم بالله هيكون آخر يوم في عمره، سامعني!
ثم أنهى مكالمته وانتفض من مقعده ملتقطًا مفاتيح سيارته وهو ينفخ بضيق، وقد بدأ غضبه يتصاعد من أعمالها الطفولية، ثم خطى بخطوات واسعة نحو الخارج وهو يتمتم بعصبية وحنق قائلاً:
- آه يا حياة! هشتغل ناظر مدرسة على آخر الزمن!
وصل فريد بعد دقائق، فمقر عمله لا يبعد كثيرًا عن منزله، وهذا أهم ما يميزه. ثم اندفع بسيارته مسرعًا عبر بوابة الفيلا الرئيسية بعد أن قام بفتحها له متعجلاً الحارس الأمني الخاص بها. ولج إلى الداخل بغضب ساحقًا الممر الحجري تحت إطارات سيارته، ثم أوقفها فجأة فأصدرت فراملها صريرًا قويًا جعل حياة، التي كانت تقف على مقربة من المدخل تحاول الخروج، تنتبه بكامل حواسها لقدومه.
ترجل فريد من سيارته برشاقة وسرعة الفهد، قبل أن يصفق باب السيارة الأمامي خلفه بهدوء، تاركًا محركها لا يزال هادرًا. توجهه نحوها على الفور والغضب يعلو قسمات وجهه وجسده المنتصب. قبض بكفه على مرفقها يجرها نحو الداخل دون أن ينظر في وجهها قائلاً بنبرة عصبية وصوت مكتوم وهو يضغط على شفتيه بقوة:
- تعالي.
تلوت حياة بجسدها بين يديه تحاول الإفلات منه وتحريره وهي تقول بحنق:
- سيب.. ااااه.. بقولك سيب!
استمر في طريقه جاذبًا لها وهو لا يزال يجرها خلفه دون الاهتمام باعتراضها، فـأضافت وهي تزفر بضيق قائلة بعصبية:
- آه فريد، بقولك سيب بتوجعني.
توقف عن السير بمجرد سماعه لجملتها، ثم أبعد قبضته عن ذراعها دون أن تلين ملامحه أو تحيد نظرته عن الطريق أو حتى يحاول النظر إليها. انتهزت هي فرصة تركه لها وركضت من خلفه نحو الخارج مرة أخرى. صدح صوت فريد بحنق وهو يهتف قائلاً بحنق:
- برافو حياة... حقيقي برافو! هجرى وراكي كمان في سننا ده!
وخلال خطوتين له، استطاع القبض عليها، ثم مال بجذعه للأمام نحوها، وحاوط ركبتها بذراعه قبل أن يحملها فوق كتفه بغضب ويتحرك بها نحو الباب الداخلي للمنزل، ثم قام بقرع جرس الباب الداخلي وهو يركله بقدمه بقوة. ركضت مدبرة منزله بخوف تسرع في فتح الباب لمخدومها. اتسعت عينيها بصدمة وهي تراه يحمل زوجته على ذلك النحو دون الاكتراث بوجود أشخاص حولهم. تجاوزها فريد نحو الداخل مباشرة، ومنها إلى الدرج ليتسلقه.
أما عن حياة، فكانت تركل بقدميها في الهواء في محاولة بائسة منها للتخلص منه، ثم صاحت معترضة بحنق وذهول قائلة:
- نزلني.. فرريييييييد بقولك نزلنننى!
صدح صوته الجهوري داخل أرجاء المنزل بنبرة تهديد عالية:
- حياااااااااااة!
أخذ نفسًا عميقًا لم يهدئ من غضبه، ثم أردف بنبرة تهديد منخفضة:
- بلاش النهاردة أحسنلك.. بلاش النهاردة عشان إحنا الاتنين مندامش!
توقفت عن الحركة واستكانت فوق كتفه بهدوء، فنبرة التهديد بصوته لا تحمل أي معنى للمزاح أبدًا. لوى فمه بابتسامة رضا رغماً عنه عندما توقفت عن محاولاتها في مقاومته.
كانت عزة تراقب ما يحدث بينهم بوجه عابس، والغيرة تتأكلها داخليًا. فكرت بحقد، ما الذي ينقصها عنها حتى يكن لها كل ذلك الحب! فعلى العكس، حياة ليست بنصف مقدار جمالها، كما أنها تطيعها منذ قدومها للمنزل وتسعى دائمًا لراحته. وضعت يدها داخل جيب ردائها لتخرج منه هاتفها المحمول بعدما اتخذت قرارها النهائي. طلبت رقمًا ما، ثم تحدثت بمجرد سماعها الطرف الآخر يجيب قائله بتصميم:
- أيوه يا بيه.. أنا موافقة أعمل اللي قلت عليه خلاص.
ثم أغلقت هاتفها وهي توعد لحياة.
وصل فريد إلى الطابق العلوي وتحديدًا أمام غرفتها، ثم دلف لداخلها وهو لا يزال يحمل حياة حتى وصل إلى الفراش، ثم ألقاها فوقه بلا مبالاة، قبل أن يعيد ترتيب ملابسه ويمرر يده داخل خصلات شعره قائلاً لها بتهديد وهو يشير إليها بأصبعه:
- متتحركيش من هنا لحد ما أرجعلك، فاهمة!
انتفضت هي من الفراش بعصبية، ثم تحركت حتى وقفت أمامه قائلة بتحدٍ:
- لا مش فاهمة، أنا من حقي...
حرك كلتا كفيه ليحاصر وجهها ويمنعها من الحركة.
قطع جملتها بطبع قبلة قوية فوق شفتيها، ثم تركها وانصرف على الفور بعد أن أوصد الباب خلفه بالمفتاح من الخارج.
تسمرت حياة في مكانها من رد فعله غير المتوقع. لم يعدها للواقع سوى صوت تكات المفتاح من الخارج.
ركضت في اتجاهه في محاولة بائسة لفتحه، رغم أنها تعلم جيدًا عدم جدوى محاولتها.
قبل أن تطرق عليه بعنف، هاتفته باسم فريد بغضب:
- فريد افتح الباب ده! انت بتهزررررر! انت بجد هتحبسني! فريييييد!!!!!
لم تتلق أي رد فعل منه.
توقفت قليلًا تلتقط أنفاسها المتلاحقة قبل أن تركض نحو الباب المشترك بينهم، ومنه إلى باب غرفته لفتحه والخروج منه.
ولكن هيهات، فقد سبقها بتفكيره وأغلقه هو الآخر.
وقف فريد يبتسم بانتصار، ثم ركض إلى الأسفل مرة أخرى مصادفًا عفاف في طريقه للخارج.
توقف ليقول لها بنبرته الآمرة المعتادة:
- محدش يفتح لحياة لحد ما أرجع، فاهمين!
أومأت له برأسها موافقة على مضض قبل أن يختفي هو من أمامها مستأنفًا طريقه نحو الخارج.
في المساء، عاد فريد إلى المنزل وهو يتنفس الصعداء بعد انتهاء جميع أعماله المتراكمة.
تحرك فورًا نحو غرفته لتبديل ملابسه وأخذ دش سريع قبل أن يتوجه نحو غرفة حياة.
طرق باب الغرفة المشترك بينهم، وكان هو الوحيد الذي يستخدمه، لذلك كانت تعلم حياة هوية الطارق.
تحركت نحو الباب لتفتحه على مصرعيه، تاركة له المجال للدخول.
قبل أن تستدير بجسدها عائدة لتقف بحوار قائم الفراش بغضب.
ظل فريد ينظر إليها متأملًا دون حديث، مما أثار حفيظتها.
فتحدثت قائلة وقد عاهدت نفسها في الصباح على تجاهله تمامًا:
- مفيش حاجة مهمة هنا عشان تفضل واقف باصلها كده!
التوت شفتيه بنصف ابتسامة، ثم تحرك نحو خزانة الأدراج يتكأ بجسده عليها قائلًا بتسلية:
- يمكن بالنسبالك مفيش.. بس بالنسبالي أنا حياتي كلها واقفة قدامي.
لوت فمها باستهزاء قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا وتعقد ذراعيها أمام صدرها في تأهب، قائلة بنبرة عتاب حزينة:
- فعلاً حياتك! وعشان كده حبستني زي القطط من غير ما تفكر مرة واحدة إن ممكن أحتاج أخرج طول الساعات دي! أو الأسوأ إن ممكن يحصلي حاجة جوه ومحدش يعرف عني حاجة أو حتى يوصلي! طبيعي ما هو ده فريد.. حاجة استعصت عليه فحارب لحد ما ضمها لمجموعته وبقت بتاعته! حب امتلاك مش أكتر.
توترت عضلات جسده وارتبكت ملامحه.
استقام في وقفته وأخرج يده من جيوب بنطاله وبدأ يتقدم نحوها في خطوات بطيئة واثقة.
تراجعت هي على أثرها حتى وجدت جسدها يرتطم بالحائط.
اقترب فريد منها ليحاصرها وانحنى برأسه نحوها، فحال دون فرارها.
ثم أردف قائلًا بحنان:
- عارفة المشكلة فين؟ المشكلة هنا.
أنهى جملته ثم مد إحدى يديه ليحتضن كفها بنعومة.
نظرت إليه حياة بتوجس ونظرات حائرة وهو يحتضن يدها ويرفعها بهدوء حيث موضع قلبه.
مستطردًا حديثه بنبرة حانية وهو لا يزال محتفظًا بوضع كفه فوق كفها:
- ده اختارك من ساعة ما وصف حالته وإنتي جنبه باسمك. حياة كاملة بيعيشها بنظرة أو كلمة واحدة تقوليها. عايزة تشوفي ده تملك شوفيه.. بس أنا متأكد إنه حب وحب خالص. وبالنسبالي كل حاجة متاحة في الحب والحرب حتى لو إنتي رفضتي ده.
أنهى جملته وهو يرفع كفها نحو فمه ويقبل باطن يدها عدة قبلات رقيقة ناعمة.
ازدردت حياة لعابها بصعوبة بالغة وفتحت فمها عدة مرات في محاولة للرد عليه، ولكن في كل مرة كانت تهرب منها كلماتها.
فلم تجد الجواب المناسب سوى أنها أخفضت رأسها وضغطت على عينيها بقوة محاولة نفض كلماته من رأسها.
ثم سحبت يدها من يده بهدوء.
أنقذها بضع طرقات فوق الباب.
فتساءل فريد بصوت مكتوم وهو يضغط على شفتيه:
- أيوه.
أجابته مدبرة منزله بهدوء قائلة:
- فريد بيه العشا جاهز.
أجابها وهو يرفع إصبعه ليضعه فوق ذقن حياة رافعًا رأسها إليه حتى يستطيع النظر داخل عينيها مباشرة، قائلًا بصوت أجش:
- تمام، إحنا نازلين.
أوشكت حياة على الاعتراض ولكنها تراجعت، فهي كانت تريد التخلص من وجوده بداخل حجرتها بأسرع وقت ممكن.
تحرك هو أولًا يفتح الباب قبل أن يتكأ بجسده عليه، تاركًا لها حيز صغير للخروج منه.
توقفت هي أمام الباب تسأله بهدوء:
- ممكن تعدي عشان أنزل؟
رفع إحدى حاجبيه مستنكرًا قبل أن يجيبها بمرح قائلًا:
- ما تعدي وأنا مانعك؟
زفرت مطولًا ثم أجابته بنفاذ صبر قائلة:
- هعدي إزاي وأنت واقف كده مافيش مساحة أعدي منها.
التوت فمه بنصف ابتسامة ثم أضاف يمازحها:
- والله المكان واسع وتقدرى تعدي إلا لو إنتي محرجة تقولي إنك طخينة والمكان مش مكفيكي!
نظرت له شرزًا قبل أن ترفع رأسها بتحدٍ وتمر من خلال الباب.
حاولت حياة بكل طاقتها ألا تحتك به أثناء خروجها لتثبت له عدم صحة حديثه.
وقعت في فخه.
انتهز فريد الفرصة وضيق الفراغ أكثر بينهم فأحتك كامل جسدها بجسده.
شهقت بصدمة من تصرفه ورفعت رأسها تنظر إليه شرزًا.
فتفاجئت بابتسامته العريضة العابسة التي استفزتها تملأ وجهه.
تمتمت بحنق واضح قائلة:
- أنت قليل الأدب على فكرة عشان أنت متعمد.
دوت ضحكته حولها بقوة قبل أن يضيف بسعادة قائلاً:
- امممممم في تقدم. على الأقل مسمعتش بكرهك من كام يوم.
ضربت حياة الأرض بقدميها من شدة الغيظ ثم ركضت نحو الدرج للأسفل وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة.
لم تلتقط أذنه منها سوى كلمة مغرور مما جعل ابتسامته تزداد سطوعًا وهو يتحرك في أثرها.
في الصباح التالي، استيقظت حياة وهي تبتسم بانتصار من امتثال فريد لرغبتها.
فاليوم هو ميعاد تلك الحفلة المزعومة ولم يأت على ذكراها مرة أخرى أو يقم بأي تحضيرات استثنائية، لذلك هي بأمان.
تمطت بكسل ثم قفزت من فوق الفراش بسعادة واغتسلت جيدًا بالماء الدافئ لبدء يومها بنشاط قبل أن تهبط إلى الأسفل.
كانت على وشك الخروج عندما سمعت طرقات خفيفة فوق باب غرفتها الخارجي.
أجابت حياة الطارق بنبرة ناعمة قائلة:
- اتفضل، الباب مفتوح.
تفاجأت حياة بعزة تدلف إلى داخل الغرفة بملامح جامدة وهي تحمل بكلتا يديها صندوق كبير مغلف بطريقة رائعة يتوسطه صندوق أصغر منه من نفس التغليف.
توجهت نحو الفراش مباشرة لتضع ما تحمله يدها فوقه بحرص.
ثم تحدثت إلى حياة بنبرة رسمية جافة:
- فريد بيه بعت دول عشان حضرتك وبيفكرك إنه هيتحرك الساعة ٧ فتكوني جاهزة قبلها.
هزت حياة رأسها عدة مرات في تصميم.
فهي لا تكشف لموظفته عن نيتها في عدم الذهاب.
خرجت عزة وظلت حياة داخل غرفتها تجلس بهدوء فوق أحد المقاعد.
مر الوقت سريعًا وحياة لازالت جالسة داخل غرفتها تضع ساق فوق الأخرى بكبرياء وتعبث بخصلات شعرها وهي عاقدة النية تمامًا على مخالفة أمره.
وفي تمام الخامسة سمعت طرق آخر فوق الباب.
فظنت أنها عزة مرة أخرى.
أجابتها بهدوء:
- ادخلي يا عزة.
فتح الباب وتفاجئت بفريد يطل من خلفه ينظر إليها مطولًا.
ثم يقول بفم متقوس:
- اممم.. كنت متوقع.
انتقضت حياة من مجلسها بارتباك ولكن سرعان ما تمالكت نفسها ورفعت رأسها بتحدٍ منتظرة رد فعله التالي.
تقدم فريد نحوها ببطء وهو يبتسم ابتسامة عابثة حتى توقف أمامها.
ثم انحنى بجزعه فجأة أمامها ووضع ذراعه فوق ركبتها والأخرى خلف خصرها ليحملها في أقل من ثانية.
لم تعِ حياة ما قام به إلا بعد أن وجدت نفسها داخل أحضانه.
شهقت مصدومة وهي تحاول التخلص منه وتعترض عن فعلته بذهول قائلة:
- فريد! أنت بتعمل إيه نزلني.
أجابها بمرح وهو يتحرك بها نحو غرفته:
- ولا حاجة، مش أنا قلتلك فرصة ألبسك بإيدي وأنا راجل مبعرفش أفوت فرصة تيجي قدامي وخصوصًا لو زي ده.
ركلت حياة بقدميها في الهواء محاولة التخلص منه.
فحدثها فريد:
- لو فضلتِ تتحركي كده هسيبك تقعي على فكرة.
لم تهتم بتهديده بل ظلت تركل بقدمها.
فأرخى فريد قبضته من حولها فبدأ جسدها ينزلق للأسفل.
شهقت حياة برعب وهي تلف كلتا ذراعيها حول عنقه لتتشبث به وتدفن رأسها داخل تجويف عنقه متمتمة برعب:
- فريد الحقيني هقع.
دوت ضحكته عاليًا ثم أنزلها على قدميها وهي لا تزال متشبثة به.
تنهد بحرارة وهو ينظر إليها مطولًا وقد تبدلت ملامحه كليًا.
ثم أجابها بصوت أجش وعيون داكنة:
- عمري.. طول ما أنا جنبك عمري ما أسيبك تقعي.
شعرت بحرارة جسدها تزداد من شدة توترها.
فهي لا تصدق أنها هي من تمسكت به.
فابتعدت عنه على الفور قائلة بخنوع للهروب من ذلك الموقف المحرج:
- ممكن تسيبني بقى عشان أروح ألبس.
هز رأسه لها موافقًا وهو لا يزال يبتسم لها بعمق.
فمنذ أعوام طويلة يشعر أن هناك أمل.
عادت حياة إلى غرفتها مرة أخرى وقامت بفتح ذلك المغلف الموضوع فوق فراشها بعناية.
ثم شهقت بإعجاب وهي تقوم بإخراج ذلك الفستان الرائع بقماشه المخملي الناعم من اللون الأحمر.
رفعته ووضعته فوق جسدها وظلت تدور به عدة مرات برشاقة وانبهار تام.
ثم سارعت في ارتدائه.
انتهى فريد من ارتداء ملابسه ونزل إلى الأسفل ليقوم بإجراء عدة مكالمات هاتفية أخيرة قبل انطلاقه.
أنهى حديثه وظل ينظر نحو الدرج بتأفف منتظرًا قدومها.
فالساعة أوشكت على السابعة.
بعد قليل شعر برائحتها الخلاّبة تغزو المكان من حوله.
رفع رأسه لأعلى وقد تسمرت نظرته واتسعت عينيه بانبهار وتسارعت أنفاسه بسبب الشعور الذي اجتاحه من رؤيتها.
كانت تهبط الدرج بكل ثقة وهي ترتدي ذلك الفستان الحريري الذي يتلائم تمامًا وبشدة مع تقاسيم جسدها المغرية.
ثم ينساب من فوق خصرها بنعومة واتساع إلى الأسفل وحذاء قطيفي أسود اللون يماثله في النعومة والجمال.
كان كل ذلك من اختيار فريد، ولكنه لم يتوقع أن تهرب منه كلماته عند رؤيتها بتلك الصورة المدمرة أمامه.
إنها تبدو كالفاكهة المحرمة بالنسبة إليه، فقط لا يستطيع سوى النظر إليها ولكن دون لمسها.
تحركت هي حتى وقفت أمامه وتمتمت برقة قائلة:
- أنا جاهزة لو خلاص ممكن نتحرك.
لم يكن ينقصه سوى هذا التحول الكامل في صوتها وسلوكها أيضًا حتى تنهار دفاعاته.
رفع رأسه للأعلى حتى برزت تفاحة آدم خاصته بشكل قوي.
ثم تنهد بحرارة بعد أن ازدرد ريقه بصعوبة بالغة قائلًا بصوت مكتوم من شدة الإثارة:
- طب أعمل إيه دلوقتي؟ ياريتني ما كنت صممت عليه.
سألته حياة مستفسرة:
- فريد في حاجة؟
تنحنح عدة مرات محاولا السيطرة على مشاعره قبل أن يجيبها قائلاً:
- لا مفيش.. يلا نتحرك عشان منتأخرش.
حرك يده ليحتضن كفها ولكنها تراجعت للخلف قليلاً بارتباك، فراجع هو عن حركته وأشار لها بيده لتتقدمه في الخروج، ثم سار بجوارها، كلاهما غارقًا في تفكير مختلف عن الآخر.
بعد قليل كانت السيارة تتوقف أمام فيلا غريب رسلان. ترجلت حياة من السيارة أولاً بعدما قام أحد حراس فريد الخاص بفتح الباب لها. تنفست بضيق، فهي لم تحب فكرة وجودها في ذلك المكان، وخصوصاً بعد المقابلة الوحيدة والأخيرة مع أخت فريد غير الشقيقة.
أفاقت من شرود أفكارها على يد فريد التي تسللت نحو ذراعه، ليتأبطه بتملك واضح. ثم أحنى رأسه في اتجاه أذنها قائلاً بنبرة منخفضة:
- حياة، كل ده عشان مظهر الشركة، فياريت على قد ما نقدر نحافظ عليه.
أومأت برأسها موافقة دون حديث، فهي كانت في مجال الأعمال أيضاً وتعلم أهمية تلك اللحظات لنجاح الشركات الكبرى مثل شركته. أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته ببطء للخارج، قبل أن ترفع رأسها للأعلى بكبرياء وهي تتحرك بجواره نحو الداخل.
تحركت كل العيون تنظر في اتجاههم بمجرد وصولهم إلى الحديقة. لوت حياة فمها بسخرية، فبالطبع السيد فريد هو نجم تلك الأمسية وكل الأمسيات إن صح التعبير. تحرك والده نحوهم فور رؤيته لهم لاستقبالهم، وتحركت بجواره امرأة في الخمسينات من العمر رائعة الجمال، علمت حياة بمجرد رؤيتها أنها زوجة والده جيهان، أو رأس الأفعى كما تلقبها والدتها.
استقبله والدهم بحبور، أما عن زوجة أبيه فقد اكتفت بإيماءة خفيفة برأسها لفريد، ونظرة احتقار جلية لحياة.
أصطحبهما والده على الفور نحو شركائهم الفرنسيين للتعريف بحياة. انتهى التعريف سريعاً بعد العديد من المجاملات التي قيلت بالعبارات الفرنسية في جمال حياة الشرقي الخالص والتغزل قليلاً في عيونها ونظرتها. فهمت حياة ما يقال بينهم، ولكنها أثرت الصمت.
زفر فريد بنفاذ صبر وشتم عدة مرات بخفوت عندما أمسك رجل ما بكف حياة ثم قام بتقبيلها على حين غرة منها. سحبت هي يدها على الفور، ولكن الأوان قد فات، فقد بدأ الغضب يظهر على فريد. تدارك والده الأمر سريعاً، فأضاف موضحاً للجميع أن زوجة ابنه من طبقة محافظة لا تحبذ تلك الأفعال، وبناءً عليه لم يتجرأ أحد على لمس يدها مرة أخرى.
مرت الساعات الأولى على حياة وهي تتحرك برشاقة وتبتسم بمجاملة وترحاب لكل من صادفته، حتى شعرت عضلات وجهها بدأت تتيبس من كثرة الابتسام. الأمر الذي فاجأ فريد كثيراً، فقد كان يتوقع بركاناً ثائراً يمشي على قدمين، وليست زوجة رجل أعمال محنكة تتعامل مع الجميع بفن وذكاء، ولكن في نفس الوقت كان يشعر بالسعادة والفخر نحوها.
خلال الأمسية، كانت كل من زوجة والده وابنتها نيرمين ونجوى يتابعن بحقد تحركات حياة وفريد سوياً، وهمهمات الرضا عن ذلك الكوبل الرائع والسعيد. فتباينت المشاعر بينهم ما بين من يشعر بالرعب على مكانته التي بدأت تتضاءل، ومن يشعر بالحقد لعدم حصوله على فرصة مماثلة، وكلاهما ينتوي التحرك قبل ضياع كل شيء.
في منتصف الحفل، بدأ جميع المدعوين من تلك الطبقة الراقية في التهافت على طاولات المشروب التي كانت تحوي جميع أنواع الخمور الغالية والعتيقة. شعرت حياة بانقباضة قوية داخل صدرها من ذلك المشهد غير المحبب لنفسها. تنفست عدة مرات في محاولة منها لتهدئة ذلك التوتر الذي بدأ يزحف بداخلها من تلك الأجواء.
أطرقت رأسها للأسفل، فالحل الأسلم لتجاوز تلك الأمسية ومواجهة مخاوفها هو عدم التركيز معهم والتفكير بأي شيء سعيد يشتت انتباهها، لذلك أثرت الانسحاب في أحد الأركان حتى تصبح بعيدة عن الأنظار.
في تلك الأثناء، التفت فريد الذي كان يقف بالقرب من طاولة الشراب على يد ما تمسك به من الخلف. لوى فمه باحتقار ثم تشدق بجملته قائلاً:
- أنتِ أبوكي إزاي سايبك كده، وإيه القرف اللي أنتِ لبساه ده؟ روحي شوفي لك كوباية قهوة اشربيها بدل ما أنتِ سكرانة طينة كده!
ترنحت نجوى من شدة ثمالتها ثم أجابته بكلمات متعثرة:
- لابسة كده عشانك.. وشربت كده عشانك برضه! مانا مش قادرة أستحمل أشوفك معاها وأنا لأ.
زفر فريد بضيق جلي قبل أن يجيبها بنبرة حادة وقد بدأت علامات الغضب تغزو ملامحه:
- قلت لك كام مرة متجيبيش سيرتها على لسانك ده!
صرخت نجوى بحقد تسأله:
- تفرق عني في إيه؟ تفضلها عليا ليه؟
تقوس فم فريد بوضوح ثم اقترب منها وهو يرد عليها بتجهم، مشيراً بأصبعه نحو حياة التي تقف مذعورة قائلاً:
- بصي كده عليها.. شايفة هي نضيفة إزاي؟
صمت قليلاً ثم أضاف بنفس نبرته بعد أن حول نظره نحو نجوى يتفحصها بضيق:
- وبصي على نفسك كده.. على قد ما هي نضيفة، على قد ما أنتِ و***.
أنهى جملته ثم تركها وانصرف مبتعداً نحو طاولة حياة.
صرخت بـه نجوى مهددة بحقد قبل أن يبتلع صوتها تلك الموسيقى الصاخبة فلم تصل إلى مسامع فريد:
- أنا هوريها.. وحياة أبويا لأريحك منها عشان تعرف تحب فيها كويس.
أما عن حياة، فقد بدأت الزعر يدب داخل أوصالها بقوة. أغمضت عينيها بيأس وضغطت عليهما بشدة محاولة طرد تلك الصورة التي بدأت تتجمع داخل عقلها بوضوح. بدأت تشعر بوخز الدموع داخل مقلتيها مع ازدياد حاد في ضربات قلبها. فتحت عينيها مسرعة حتى لا تسمح لتلك الصورة في الظهور أمامها. أرمشت بعينيها عدة مرات في محاولة جادة منها لصرف تلك الدموع التي أوشكت بالإفصاح عن نفسها، ثم حدثت نفسها داخلياً:
- متخافيش.. انتِ كبيرة وقوية.. انتِ غير حياة زمان.
جالت بنظرها نحو الخارج في محاولة أخيرة لصرف تفكيرها عن أي شيء مخيف، عندما استحوذ على انتباهها رجل ما في منتصف السبعينات يغزو الشيب ملامحه. كان يترنح بشدة وهو في طريقه نحو حياة.
في تلك اللحظة، كان فريد يتقدم نحوها وهو ممسكاً في يده إحدى كاسات المشروب. سألها فريد بنبرة قلقة وقد لاحظ شحوب وجهها ونظرتها نحو الفراغ:
- حياة.. انتِ كويسة؟
شحب وجهها أكثر وعيناها تتابع ذلك العجوز الذي كان يقترب من طاولتها ببطء. انتفضت حياة من سؤال فريد ومن ذلك العجوز الذي تجاوزها للتو متوجهاً نحو طاولته خلفها. وضعت يدها فوق قلبها برعب ثم تراجعت خطوة للخلف تنظر بخوف نحو فريد، قبل أن تلتقط عينيها ذلك الكأس البغيض داخل كفه. أجابته بنبرة حادة:
- أنا عايزة أمشي.. أنا مش عايزة أقعد هنا.
أنهت جملتها وانحنت للأمام تمسك طرفي ردائها بيدها لترفعه ويحول دون تعثرها، قبل أن تركض نحو الخارج دون انتظار إجابته. ركض فريد خلفها مستنكراً من تلك الحالة الغريبة التي أصابتها، فهي كانت على ما يرام عند بداية الحفل. لحق بها على الفور ثم أشار لأحد حراسه بالتحرك.
بعد عدة ثوان، كانت حياة تستقل السيارة وفريد يجلس بجوارها، قبل أن تشق طريقها نحو الخارج.
جلست حياة في مقعدها بانكماش وزعر وهي تحتضن جسدها بذراعيها، ورائحة الكحول المنبعثة من فريد تغزو أنفها بقوة فتصيبها بالغثيان. أغمضت عينيها مرة أخرى في محاولة منها للبحث عن جزء بسيط من شجاعتها الزائفة. ومضت صورة أخرى بوضوح عن تلك الغرفة الكريهة التي ظلت حبيستها لأيام دون الخروج منها. بدأ جسدها في الارتجاف وهي تتذكر مشهده وهو يحمل تلك الزجاجة اللعينة في يده ويرتشف منها بشراهة، تاركاً ذلك المشروب الرديء ينسكب فوق ردائه وفمه وهو يتقدم باتجاهها. إنها تكرهه وتكره والدها، وأبداً لن تسامحه على ما فعله بها.
كان فريد يراقب كل ردود فعلها عن كثب بعدم استيعاب. سألها بهدوء:
- حياة.. انتِ كويسة؟
لم تجبه، فيبدو جلياً لمن يراها أنها في عالم آخر. عالم لا ينتمي للأحياء. كرر سؤاله مرة أخرى وهو يمد إصبعه ليلتمس بشرتها العارية.
انتفض جسدها من أثر لمسته وانكمشت أكثر على نفسها قبل أن تقول له بنبرة حادة:
- متلمسنيش.. متلمسنيش.. مش عايزة حد يلمسني.
شعر أنها على وشك الإغماء، لذلك لم يستطع الضغط عليها أكثر، فتركها وشأنها، رغم أنه كان داخلياً يحترق لمعرفة ما الذي حدث معها. سيطر الصمت على رحلتهم حتى دلفت السيارة من البوابة الخارجية للفيلا.
صرخت حياة في السائق بحدة طالبة منه أن يتوقف. توقفت السيارة على الفور وخرجت هي منها بعد أن قامت بخلع حذائها لتركض نحو الداخل. لم يستطع فريد السيطرة على أعصابه لأكثر من ذلك، فهو لن يتركها قبل أن يعلم ما الذي حدث لها وما هذا الشيء اللعين الذي تمر به. ركض خلفها وأمسك بذراعها بقوة صارخاً بها بعصبية:
- حياااااااة.. اقفي كلميني.. فهيميني بتعملي كده ليه!!!
حاولت التخلص من قبضته وهي تنظر إليه برعب، وبعد مجهود منها أرخى قبضته عنها تاركاً لها المجال بالعودة إلى داخل المنزل. ألمه مظهرها فقرر اللحاق بها إلى الداخل أيضاً. هتف باسمها مرة أخرى وهو يمسك بخصرها من الخلف ليوقفها ويمنعها من التقدم أكثر. صرخت بـه بقوة وقد بدأت الارتجاف يسيطر على جسدها بالكامل قائلة:
- سيبني.. أنا بكرهك.. سيبني متقربليش.. مش عايزة حد يقربلي.. أنا بكرهك وبكرهه وبكرهكم كلكم.. أنت زيه!! أنت كمان بتغصبني على كل حاجة.. أنت زي بابا و زي غريب.. كلكم عينكم واحدة.. أنت شبهه في كل حاجة!! أنا مش عايزة حد منكم في حياتي.. أنت فاهم.. أنت زي أبوك وأبويا وعشان كده أنا بكرهك.
أنهت صراخها ثم ركضت بكل قوتها نحو الدرج ومنه إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها جيداً من الداخل بالمفتاح.
ظل فريد مكانه يحاول استيعاب ما تفوهت هي به للتو!! لقد قارنته بقاتل والدته!!!
كل محاولاته خلال تلك السنوات في أن لا يصبح مثل والده ذهبت هباءً منثورًا عندما حكمت حياة عليه بجملة واحدة أنه يشبهه. تحرك نحو الخارج وذلك العرق بجانب صدغه ينتفض بشدة من قوة غضبه. استقل سيارته واتجه نحو مكانه المعتاد. جلس في مقعده خلف طاولة البار وطلب من النادل أقوى شراب لديهم. ظل يرتشف بشراهة وكلماتها تطن داخل أذنه حتى شعر بقدميه لا تقدران على حمله. أنهى حسابه وترجل نحو الخارج بجسد مثقل ولكن بعقل يقظ يتذكر كلماتها واشمئزازها منه بوضوح.
دلف إلى المنزل والغضب يتصاعد بداخله من أثر تشبيهها وكرهها له. صعد إلى غرفته بشعر مشعث وعيون مكفهره وتوجه مباشرة نحو خزانته. أخرج منها ذلك المفتاح الاحتياطي لبابهم المشترك الذي كان يخفيه للطوارئ ثم أدار المقبض وفتح الباب على مصراعيه واقتحم غرفتها وهو لا يزال يترنح. كانت حياة تجلس على حافة الفراش ولا تزال ترتدي ذلك الفستان وتستند بمرفقيها على ركبتيها وتضع كفيها فوق أذنها محاولة طرد تلك الذكريات المؤلمة من رأسها. انتفضت على حركة الباب ثم اقتحامه للغرفة التي تأكدت بنفسها من أوصاده بإحكام. نظرت إليه برعب وهي تسأله وحالة السكر تبدو جلية على حركته:
- أنت دخلت هنا إزاي؟
جحظت عينيها للخارج ثم أضافت بتوجس قائلة:
- أنت عامل مفتاح تاني تدخل بيه صح؟ حتى في دي طلعت كداب!! أنت إيه.. عايز مني إيه؟
اقترب منها ثم جذب ذراعها بعنف قائلاً بتهديد وهو يضغط على أسنانه بشراسة:
- هقولك أنا عايز منك إيه.. مش أنا شبهه غريب؟ هوريكي غريب كان بيعمل مع مراته إيه..
أنهى جملته ثم قام بدفعها بقوة نحو الفراش قبل أن يقفز فوقه هو الآخر بعد أن خلع معطفه وبدأ في فك أزرار قميصه. صرخت حياة بقوة وهي تراه يتقدم منها وعيونه تومض بالرغبة والعنف. استعانت بمرفقها وقامت بالزحف إلى آخر الفراش قبل أن يمد يده ليسحبها من قدمها ويعيدها إليه مرة أخرى. صرخت حياة ثانية وهي تركله بقدمها الحرة في محاولة لإصابته والتخلص منه ولكن دون جدوى فقد قبض بكلتا يديه على قدميها ليكبلها ويمنعها تمامًا من الحركة ثم ثبتهما بيد واحدة واستعان بالأخرى في خلع قميصه ثم قفز فوقها بادئًا في تقبيلها بقوة.
صرخت حياة بكل ما أوتيت من قوة وهي تقاومه وتدفع وجهه عنها بكفها ولكن الفارق البدني بينهم جعل التفوق من نصيبه. مد يده وقام بشق ردائها بحيوانية قبل أن يبدأ في تقبيل جسدها برغبة وعنف. بدأت حياة تتوسله بصوت باكي بعدما شعرت بقوتها تنهار تحت ضغط جسده الثقيل قائلة:
- فريد متعملش فينا كده.. فريد أنا حياة.. أنت وعدتني مش هتأذيني وأنا صدقتك.. فوق يا فريد عشان خاطري.. سيبني متعملش فيا كده.
لم يعير لتوسلاتها أي انتباه أو أهمية بل واصل ما كان يقوم به من تقبيل جسدها بعنف. بدأت تشهق بقوة أكثر وهي تضربه بكف مرتعش فوق كتفه وتقول بتوسل من بين شهقاتها:
- فريد فوق.. فريد متموتش كل حاجة باللي بتعمله ده.. أنا عمري ما هسامحك أبداً.
رفع رأسه ينظر إلى دموعها الباكية قبل أن يخفضها مرة أخرى ويبدأ في تقبيل وجنتها وعنقها. شعرت بالأدرينالين يتدفق داخل جسدها بقوة من أثر قبلته وتذكرت ذلك العجوز القذر بلمسته فشعرت بقوتها تعود إليها مرة أخرى. فبدأت تصرخ وتلكمه بكل ما أوتيت من قوة وتركل بقدمها أي الهواء وهي تقول:
- يا ماما الحقيني.. يا ماما تعالي خديني من هنا.. خديني من عند الراجل ده.
بدأ فريد يستوعب حالتها. رفع رأسه لينظر إليها فوجدها تنظر إلى الفراغ بعيون جاحظة وهي لا تزال على صراخها قائلة بتوسل:
- يا ماما إنتي فين.. فريد أنت فين الحقني.. فريد تعالي خدني من هنا.. فرييييد متسبنيش.. فريد انقذني من الراجل ده.
تسمرت حركته وازددرد ريقه بصعوبة وهو يراها تصرخ وتلكم بكل ما أوتيت من قوة ووجهها شاحب كالأموات. بدأ عقله يستوعب أنها ليست بوعيها وأنها بعالم آخر تمامًا. هتفت باسمها متوسلاً:
- حياة أنا هنا.. حبيبتي متخافيش أنا معاكي.. محدش هيقدر يأذيكي أنا آسف.
ظلت تلكمه وهي تضغط على عينيها بشدة رافضة أن تعود للواقع وهي تصرخ حتى بح صوتها:
- فريد تعالي طلعتي من هنا أنا مش عايزااااه.
شعر بالألم ينتزع قلبه من كلماتها فأضاف هو بنبرة باكية وهو لا يزال يتوسلها:
- حياة فوقي انتي هنا.. حبيبتي انتي معايا متخافيش.. مفيش حد معانا افتحي عينيك مش هعملك حاجة صدقيني.. افتحي عينيك وبصيلي أنا هنا.
بدأت شهقاتها في الانخفاض وتوقفت عن لكمه ومقاومته فقد خارت قواها تماماً. ثم فتحت عينيها الحمراء ببطء وهي تنظر إليه برعب جلي. نظر إليها ملياً قبل أن يرتمي بجسده مرة أخرى فوق جسدها ويدفن رأسه في تجويف عنقها. رفعت كفيها المرتجفتين لتدفعه عندما شعرت بجسده يهتز فوق جسدها بقوة ثم بدأت تشعر بدموعه الساخنة تجري فوق عنقها بشدة. تمتم من بين شهقاته وصوته المكتوم قائلاً بندم:
- أنا آسف.. أنا آسف.
سقط كفيها المرفوعين لدفعه فوق ظهره بوهن ثم تحركا بتلقائية نحو عنقه وكتفه تتلمسه برقة وبعد عدة دقائق شعرت بارتخاء جسده فوق جسدها وانتظام أنفاسه التي تقع فوق عنقها. أرادت دفعه من فوق جسدها والهروب من الغرفة بأكملها لكنها خشيت إذا أصدرت أي حركة أن يستيقظ مرة أخرى وهو لا يزال مخموراً. لذلك آثرت الهدوء تاركة لدموعها العنان ولجسده يسحق جسدها. وعلى عكس ما توقعت فقد تسللت حرارة جسده إلى جسدها وسرعان ما ذهبت في نوم عميق ودموعها لا تزال فوق وجهها. مثل حالته.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء يوسف
مضت الأيام الثلاث التالية على فريد في محاولات مميتة للاعتذار من حياة، ولكن ذهبت جميع محاولاته أدراج الرياح. فقد تحولت إلى حياة أخرى لا يعرفها، حياة خاضعة، كانت تشاركه جميع وجباته وتستمع إلى جميع أوامره بصمت. وكان أقصى رد فعل يصدر منها ردًا على اعتذاره أو حديثه هو إيماءة خفيفة من رأسها أو نظرة عتب ممزوجة بالكثير من الحزن، ثم تمضي في طريقها كأنها مغيبة.
شعر كأنه يحارب على ثلاث جبهات. شعوره المضني بالذنب عما بدر منه في تلك الليلة، وحزنه الشديد على حالتها التي أوشكت على دفعه للجنون. أما أسوأهم، فكان ذلك البركان الذي يشتعل بداخله عندما يتذكر ما تفوهت به أثناء رعبها منه. كانت كلماتها واضحة لا تحتاج إلى تفسير. كان يحترق بناره كطائر العنقاء، ويتحول إلى رماد قبل أن ينبعث مرة أخرى من رماده ليعيد الكرة.
مئات الأسئلة التي تدور في عقله يوميًا دون إجابة. ما الذي فعلوه بها أثناء غيابه؟ أقسم لنفسه بكل ما يملك وما لا يملك، إذا كانت شكوكه صحيحة سيقوم بحرق من آذاها حيًا حتى يهدئ تلك النار التي تستعر في صدره. ولكن أولًا، ينتظر خروجها من تلك الحالة اللعينة، ويضع حلاً لذلك اللغز، ثم ليأتي وقت الحساب.
***
في أحد الأيام، كانت حياة، وكعادتها في الأيام السابقة، تستغل فرصة خروج فريد وعودته متأخرًا في استخدام غرفة مكتبه للقراءة. ولم تدرِ سبب شعورها بالراحة بداخلها، ولكنها كانت تفضل المكوث بها عن غرفتها. جلست فوق الأريكة الوثيرة الموضوعة بعناية في جانب الغرفة، وأشعلت ضوء المصباح الخافت، وسرحت داخل تفاصيل تلك القصة التي تتحدث عن بطل يحاول بشتى الطرق اكتشاف نفسه بعد أن قضى نصف حياته مع زوجة لا تفهمه ووظيفة تقتل شغفه. تثاءبت عدة مرات قبل أن تذهب في نوم عميق وهي تحتضن الرواية بين ذراعيها كأنها كنز ثمين.
عاد فريد في وقت متأخر من الليل وتوجه مباشرة نحو غرفة مكتبه ليضع بخزنته بعد الأوراق الهامة. دلف إلى داخل الغرفة وتفاجأ بنور خفيض يأتي من أحد أركانها. رمش بعينيه عدة مرات قبل أن يستوعب وجود حياة تنام منكمشة داخل الأريكة وهي تحتضن كتابًا بين ذراعيها. وضع حافظ أوراقه فوق مكتبه بهدوء، ثم توجه نحوها وانحنى بجذعه فوقها، يزيح إحدى خصلات شعرها حتى يتسنى له رؤية قسمات وجهها الناعم. كانت مستلقية هناك بهدوء تمثل كل ما لديه من أحلام. عدل من وضع جسده، ثم جلس على ركبتيه حتى يصبح في نفس مستواها ويمتع عينيه برؤيتها. زفر طويلًا وهو يفكر كم يتمنى لو كان بديلًا لذلك الكتاب الذي يقبع هناك قريبًا جدًا من قلبها ويستمع إلى دقاته. فليس من العدل أن ينعم ذلك الكتاب بدفء جسدها بينما هو يظل وحيدًا يعصف به الشوق والغيرة من مجرد جماد. تنهد بألم، ثم مد كفه ببطء يتلمس برفق وجنتها، ثم انزلقت يده نحو شفتيها الناعمتين يتحسسها بشغف قبل أن يهتف باسمها هامسًا بنبرة حانية وهو يهز جسدها بنعومة:
"حياة.."
حركت جفونها ببطء تفتحها وهي تنظر إليه بعدم استيعاب، ثم انتفضت من مقعدها برعب وهي تحتضن جسدها بكلتا ذراعيها وتقف في مواجهته بملامح ناعسة. حاول فريد طمأنتها فتحدث مسرعًا وهو يرفع كلتا يديه في وجهها باستسلام قائلًا بصوت أجش ناعم لا يزيد عن الهمس:
"متخافيش.. أنا بس دخلت الأوضة لقيتك نايمة هنا قلت أصحيكى.."
تنهدت براحة، ثم لانت قسمات وجهها قبل أن تتحدث بصوت هادئ مبررة تصرفها:
"أنا كنت قاعدة هنا بقرا كتاب وبعدين محستش بنفسي ومعرفش إزاي نمت.."
هز رأسه لها عدة مرات وهو يحرك جسده بتوتر واضعًا يده داخل جيوب بنطاله. تحركت بجسدها بهدوء في اتجاه الباب عندما أوقفها صوته يسألها قائلًا بحزن:
"حياة!!!"
التفت بجسدها تنظر إليه ببطء، ثم شاحت بنظرها بعيدًا عنه. تنهد هو طويلًا وتقوس فمه، ثم أضاف بإحباط متسائلًا:
"إنتي هتفضلي ساكتة كده لامتي؟!"
لوت فمها بتهكم مرير ولم تعقب على حديثه وهي تحرك رأسها جانبًا وتخفض نظرها. تنهد هو بألم، ثم استطرد حديثه قائلًا بيأس:
"أنا عارف إنك زعلانة مني ومفيش كلام ممكن ادافع بيه عن نفسي، بس على الأقل قولى أي حاجة.. اصرخي.. زعقي.."
رفعت رأسها مرة أخرى تنظر إليه، ثم أبعدتها عنه مرة أخرى. رفع رأسه لأعلى قليلًا وزفر عدة مرات قبل أن يضيف بنبرة شبه حادة مملوءة باليأس قائلًا:
"حياة!! أنا عمري ما شفتك كده!! قولى أي حاجة!! مش دي حياة اللي أنا أعرفها!!!"
اقتربت منه ببطء وهدوء وهي تنظر إليه بعيون لامعة حتى توقفت أمامه، ثم سألته بصوت منكسر:
"إنت عايز حياة إزاي؟!"
أجابها باندفاع وقد بدأت تتجاوب معه:
"عايز حياة اللي أعرفها!! اللي بتعاند معايا!! اللي بتصمم تعمل اللي هي عايزاه.. اللي زي موج البحر قوية وبتاخد أي حاجة في طريقها.."
أصدرت صوتًا من فمها ينم عن السخرية وهي تلوى فمها بسخرية، ثم أجابته بعدما ازدرت لعابها وحاولت السيطرة على ارتجاف شفتها السفلية وصوتها الملئ بالدموع:
"حياة خلاص إنت عرفتها مقامها وقوتها كويس.. عرفت إنها مهما كانت قوية بحركة واحدة منك تقدر تغلبها.."
رفعت كلتا ذراعيها تلوح بهما في الهواء وهي تضيف بمرارة:
"عشان كده أنا قدامك.. بسمع كل الكلام.. باكل زي ما تحب.. وبنام وقت مانت تحب.. ومش بتحرك غير لما إنت تحب.. باختصار كده بعمل كل حاجة زي مانت عايزها!!"
صمتت قليلًا بسبب دموعها التي أوشكت على الانهيار، ثم أضافت بصوت متحشرج:
"فاضل حاجة واحدة بس أعملها عشان أبقى الزوجة المطيعة المثالية.. نكمل اللي إنت بدأته يوم الخميس.. ومتخافش المرة دي مش هيطلعلي حتى صوت.."
أنهت جملتها وبدأت تحل أزرار قميصها وهي تبكي بصمت.
صرخ بها فريد بقوة وهو يمد كفه يغلق أزرار ردائها قائلًا:
"حياة!! حيااااة متعمليش كده!! قلتلك إني أسف!! أعمل إيه عشان تسامحيني!! أنا كنت شارب ومش حاسس بحاجة!! وعد مش هشرب تاني بس متعمليش كده!!.. فوقي بقى حرام عليكي!!.."
ابتلعت لعابها بقوة، ثم أجابته من بين دموعها قائلة:
"عارف المشكلة كلها فين؟! إن كل ما أفرد جناحي عشان أطير يجي حد يقصه.. لحد ما صدقت كرهت الطيران.. فاطمن أنا بقيت هنا تحت طوعك.."
أنهت جملتها، ثم تحركت بخطوات ثقيلة بأكتاف متهدلة نحو الخارج.
***
في الصباح التالي، كانت نجوى تجلس في أحد الكافيهات تتحدث هاتفيًا إلى رجل ما. سألته بترقب قائلة:
"ها خلصت معاها؟!"
أجابها الرجل بثقة:
"أيوه يا هانم اتفقت وكله تمام.."
سألته نجوى مرة أخرى بقلق:
"متأكد إنها هتعرف تنفذ ولا هتلخبط وتبوظ كل ترتيبي؟!"
أجابها الرجل بنبرة فخر:
"اطمني يا سيرين هانم كله تحت السيطرة.. شكلها كده كانت واقعة وما صدقت.."
صمت الرجل قليلًا، ثم أضاف متسائلًا:
"بس حضرتك مقلتليش وقعتي عليها إزاي دي؟!"
أجابتها نجوى بحدة:
"مش شغلك المهم إنك اتفقت معاها وهتعمل اللي أنا عايزاه غير كده ملكش.."
أجابها الرجل مسرعًا:
"خلاص يا هانم ميبقاش خلقك ضيق كده.. أنا مليش فيه المهم إن هقبض.."
لوت نجوى فمها بضيق، ثم أجابته بحنق:
"متخافش هتاخد نص فلوسك قبل ما تنفذ والنص التاني بعد التنفيذ على طول.."
سألها الرجل بتلهف:
"يعني هشوف حضرتك امتى؟!"
أجابته نجوى بخبث:
"لأ يا حلووو متفقناش على كده.. هبعتلك حد يسلمك ولا عايز لو الدنيا خربت رجلي تتجاب؟!"
أجابها الرجل بثقة وثبات:
"متخافيش يا سيرين هانم كل حاجة هتبقى تمام وهشرفك.."
أجابته نجوى بنفاذ صبر:
"لما نشوف.. وزي ما نبهتك مش عايزة موت.. عايزاها قرصة ودن وبس فاهميني؟!"
أجابها الرجل باعتراض:
"لييييه بس يا هانم؟!! ما تخلينا نخلص مرة واحدة.."
اتسعت عين نجوى وهي تجيبه بشراسة قائلة:
"اسمع اللي بقولك عليه وتنفذ وبس.. عايزاها قرصة ودن بس تكون تقيلة.. حاجة حلوة كده.. والباقي هيجي في وقته.."
أجابها الرجل موافقًا على مضض:
"اللي حضرتك تؤمري بيه يمشي.. أنا المهم عندي الفلوس.."
أجابته نجوى بنفاذ صبر:
"مفهوم مفهوم.. اقفل وهكلمك تاني نتفق على ميعاد التسليم والتنفيذ.."
أغلقت الهاتف وهي تبتسم بشراسة وتقول بحقد:
"نبقى نشوف يا فريد بيه هتعمل إيه مع ست الحسن بتاعتك.."
***
في الصباح التالي، ورد إلى فريد اتصال هاتفي متعلق بالعمل يضطره إلى السفر بأقصى سرعة، لذلك طلب من السيدة عفاف تحضير حقيبة سفره من أجله، وكان يعهد إليها دائمًا بتلك المهمة دون غيرها. انتهى سريعًا من جميع الترتيبات، وتبقى لديه مهمة إخبار حياة مع علمه جيدًا بعدم اهتمامها بتلك المعلومة، ولكنه داخليًا كان يتخذها حجة للتحدث معها. لذلك توجه نحو باب غرفتها الرئيسية وطرق فوق الباب طرقًا خفيفًا. جاءه صوتها الناعم يطلبه بالدخول. دلف ببطء وتوجس، فتلك المرة الأولى التي يدخل غرفتها منذ تلك الليلة. تفاجأت هي بوجوده وتعجبت من عدم استخدامه للباب المشترك بينهما، ولكنها آثرت الصمت وعدم التعليق وانتظرت أن يبدأ حديثه. تنحنح هو قائلًا:
"احم.. حياة أنا عندي سفر هغيب فيه كذا يوم.."
صمت قليلًا وتقوس فمه بإحباط، ثم أضاف بتهكم مرير:
"أنا عارف طبعًا إنه مش مهم بالنسبالك، بس كان لازم أبلغك.. وياريت لو سمحتي مش تحكم لو حبيتي تخرجي يكون معاكي الحرس.. ده لأمانك.."
أنهى جملته، ثم توجه نحو المنضدة الموضوعة في أحد أركان الغرفة وانحنى بجذعه يضع شيئًا فضيًا يلمع بخفوت بعدما أخرجه من أحد جيوب بنطاله. رفعت حياة إحدى حاجبيها باستنكار، ثم سألته بنبرة حادة قائلة:
"إيه ده بالظبط؟!"
أجابها بابتسامة خافتة:
"ده مفتاح الاحتياطي اللي كان معايا..."
ابتلع ما تبقى من جملته داخل فمه وأشار بنظره بعيدًا عنها. تحركت هي بعنف نحو المفتاح والتقطته بحدة، ثم توجهت نحو النافذة وقامت بإلقائه من أعلى، ثم عادت تنظر إليه شرزًا وهي تعقد ذراعيها أمام قفصها الصدري وتتقدم نحوه بثبات قائلة بحنق:
"على أساس إنه ده هيمنعك!!! ولا المطلوب مني دلوقتي إني أسقفلك على تضحياتك البطولية دي!!!"
انهت جملتها وصدرها يعلو ويهبط من شده الغضب وترميه بشرر. اتسعت ابتسامته وهو ينظر إليها. لقد عادت فرسته لتمردها. تقدم منها بضع خطوات ورفع كفيه ليحيطا براسها ويمنعها من المقاومه ثم تمتم بسعاده قائلا:
- وحشتينى.
انهى كلمته وهو يطبع قبله حنونه فوق شعرها وانصرف فى طريقه تاركها تشعر بالغضب والارتباك من تصرفه.
مضت الايام التاليه على حياة بسلام وسعاده نسبيه فقد تمت إجراءات سفر اخيها على خير وقامت بتوديعه بمشاعر ممزقه ما بين الراحه من ابعاده عن الحرب القائمه بينها وبين فريد وبين الحزن من حرمانها من حضن كان ينشر بعض الدفء فى حياتها البارده. اما ما تبقى من ايامها فكانت هادئه إلى حد الملل فى بعض الأحيان وفقط من باب الفضول كانت تتسائل عن موعد عودته وهذا فقط بسبب فضولها المتزايد وأخذ احتياطاتها وليس الا ولكنها كانت تتراجع ففى النهايه لن تسأل موظفيه عند موعد عودته.
دلتفت حياة إلى المطبخ فتعثرت فى عزه التى كانت تخرج منه على عجل وتظهرعلى ملامح وجهها الارتباك. نظرت إليها بأستنكار وهى تمد شفتيها من تصرفها الغير مفهوم ثم سألت السيده عفاف بفضول وهى تجلس فوق احد المقاعد قائله:
- هى مالها؟
اجابتها عفاف وتركيزها منصب على ترتيب بعض الصحون امامها وهى تهز كتفيها بعدم اهتمام قائله:
- مش عارفه. تلاقى طليقها عمل حاجه جديده.
سألتها حياة بأندهاش:
- طليقها؟
استحوذت حياة بسؤالها ذلك على انتباه عفاف الكامل فتركت ما كانت تقوم به ورفعت رأسها تنظر إليها بأستنكار مكرره:
- ايوه طليقها. هو فريد بيه مقالكيش؟
حاولت حياة اخفاء ارتباكها وقالت بنبره حاولت قدر الإمكان إظهارها طبيعيه:
- لا فريد مش بيحب يتكلم عن حياة الناس الخاصه كتير.
هزت عفاف رأسها بأستحسان ثم بدءت تسرد حكايتها بحماس كأنه سر من اسرار الدوله:
- اصل طليق عزه اصلا كان شغال عند فريد بيه فى الشركه وكان بيضربها علقه موت لحد ما فى يوم ضربها وبهدل وشها خالص وراحت تزوره فى شغله وعملتله مشكله صادفت خروج فريد بيه ساعتها من الشغل وسمع اللى حصل بينهم. اتجنن ورفده على طول وعالجها على حساب الشركه وجابها هنا تشتغل بعد ما سألها عايزه تكمل معاه ولا تنفصل وصممت تسيبه. ومن ساعتها فريد بيه اصدر قرار فى كل شركاته لو اكتشف ان اى حد بيضرب مراته هيترفد فورا. وكل مستحقاته هتروح للزوجه.
فغر فاه حياة بأندهاش مما سمعته للتو ثم سألتها بأستنكار حسن قائله:
- فريد عمل كده فعلا؟
اجابتها عفاف بأعجاب وحماسه:
- اه والله انتى مش متخيله الستات بتدعيله قد ايه. بس من ساعتها وعزه ماشيه تقول ده عمل كل ده عشانى.
لوت حياة فمها بسخريه وهى تمتم لنفسها قائله:
- لا هو عمل كده عشان ماما رحاب.
سألتها عفاف مستفسره:
- حضرتك بتقولى حاجه مسمعتش؟
اجابتها حياة بعدم تركيز:
- لا مفيش حاجه. بقولك ايه يا دادا بما ان مفيش غيرى خدوا النهارده اجازه كلكم وغيروا جو.
وافقت عفاف على مضض وهى تسالها باهتمام:
- طب هعمل لحضرتك الغدا الاول وامشى.
اجابتها حياة معترضه:
- لا مش مشكله هطلب من عزه تعملى اوردر من بره وبعد كده تروح هى كمان. اتفضلى انتى ومتشغليش بالك.
ابتسمت لها عفاف بحب وهى تتحرك نحو الخارج وتدعوا لها بالسعاده وصلاح البال.
بعد حوالى ساعه خرجت عزه من الباب الخارجى للفيلا وقامت بإخراج هاتفها الجوال بعدما ابتعدت قليلا عن مجال كاميرات المراقبه ثم تحدثت للطرف الاخر مسرعه:
- ايوه يا بيه. اسمعنى حضرتك. النهارده الهانم عطت للبيت كله اجازه وطلبت منى اطلبها اكل جاهز. دى فرصتنا عشان ننفذ.
صمتت قليلا ثم استطردت حديثها قائله بلهفه:
- ايوه انا طلبتلها من مكان ***** اتصرف بقى وخلى بالك الفيلا حواليها كاميرات. انا كده عملت اللى عليا هظبطلك الدنيا وانت عليك تكمل الباقى.
بعد اقل ما يقارب الساعه اقترب عامل التوصيل بأرتباك جلى من احد حراس الفيلا الداخليين وقام بأعطائه اكياس الطعام ثم انهى حسابه وانصرف. ترجل من الفيلا على عجل ثم قام بأتصال هاتفى بعدما قام بتبديل زى المطعم المشهور الذى تنكر به. اجابه الرجل على الطرف الاخر بلهفه قائلا:
- ها خلاص خلصت؟
اجابه الراجل ٢:
- ايوه يا بيه كل حاجه زى ما طلبت بالظبط. استنيت الولد بتاع الدليفرى واتعاملت معاه على انى من عمال الفيلا وحاسبته بزياده وبعدها غيرت هدومى ودخلت سلمتهم الاكل بعد ما حطيت فيه السم زى ما حضرتك طلبت.
أنصت الرجل ١ جيدا يستمع إلى حديثه ثم اجابه بسعاده:
- برافو عليك با واد يا على. تطير بقى علي المكان بتاعنا عشان تستلم باقى حسابك.
ابتسم على بسعاده وهو يجيبه:
- هوا يا باشا وأكون عندك.
انهى الرجل ١ محادثته ثم عبث بهاتفه ليجرى مكالمه اخرى:
- ايوه با سيرين هانم. كل حاجه تمت زى ما طلبتى وزمانها دلوقتى بدءت تاكل منه وربنا يتولاها بقى.
اجابته نجوى بتشفى قائله:
- انت متأكد؟ طب واهم حاجه زى ما نبهت عليك ميكنش بيموت مش دلوقتى عايزه عاهه بس.
اجابها الرجل بثقه:
- ايوه يا هانم متخافيش. انا اخترت حاجه بتاعه فران خفيفه كده تعمل كل اللى قلتى عليه بس من غير ما تموت.
اجابته نجوى بحقد:
- برافو عليك. باقى حسابك هبعتهولك دلوقتى زى المره اللى فاتت وزى ما اتفقنا لا انا اعرفك ولا انت كلمتنى.
اجابها الرجل بحماس:
- مفهوم مفهوم. كل اللى حضرتك تؤمرى بيه.
اغلقت الهاتف معه وهى تبتسم بشراسه ثم اخرجت بطاقه الاتصال من هاتفها وقامت بتحطيمها بعدما أرسلت رساله نصيه اخيره وهى تردد بخبث:
- وكده لو اتكشفت ولا هتعرف توصلى.
انهت حياة تناول طعامها وبعد قليل بدءت تشعر بوخز قوى داخل معدتها ارجعت ذلك إلى بدء تغيير الفصول وبروده الجو لذلك قررت الصعود إلى غرفتها وارتداء ملابس ثقيله نوعا ما. بدلت ملابسها بتيشرت اخر واستلقت فوق الفراش بتعب ولم تدرى متى غلبها النوم.
استيقظت بعد عده ساعات وهى تشعر بصداع نصفى مع دوار شديد وألم مزمن داخل معدتها. حاولت التحرك من الفراش والذهاب إلى المرحاض ولكنها شعرت بتشنج قوى داخل ساقيها يمنعاها من الحركه.
فى تلك الأثناء كان فريد ينهى إجراءات خروجه من المطار. اخذ اوراقه وشنطة ملابسه ثم تحرك نحو الخارج حيث وجد سائقه فى استقباله. ركض السائق نحوه يأخذ منه حقيبته ليضعها بداخل صندوق السياره ثم سأله بأحترام بعدما صعد إلىها مستفسرا:
- فريد بيه حضرتك تحب تروح على البيت ولا الشركه؟
فرك فريد جبهته بأصبعه من شده الارهاق ثم اجابه متمتا بتعب:
- خلينا نطلع على الشركه الاول أمضى الاوراق المتأخرة دى وبعدها نطلع على البيت.
اومأ السائق رأسه موافقا بهدوء ثم شرع فى طريقه.
فى منتصف الطريق تذكر فريد انه لم يعيد تشغيل جواله منذ هبوطه من الطائره لذلك اخرجه من جيب قميصه بنفاذ صبر ثم قام باعاده تشغيله عندها رن هاتفه عده مرات معلنا عن وصول عده رسائل جديده. فتحه فريد ليقرء عدد من الرسائل النصيه قبل ان تقع عينه على رساله قصيره مفادها كالاتى.
"فريد بيه. لما توصل بيتك بالسلامه هتلاقى هديه صغيره عشان جوازاك. معلش هى متأخره شويه بس احسن من مفيش"
ثم انتهت الرساله بوجهه ضاحك بغمزه.
اتقبض صدر فريد بقوه وصاح بسائقه يأمره بالتوجهه إلى منزله بأسرع وقت ممكن. عبث بهاتفه وحاول الاتصال بحياة ولكن دون جدوى. انهى المكالمه بنفاذ صبر وقد بدء قلقه يزداد. حاول الاتصال بمن معها فى المنزل فكان هاتف عزه مغلق وعفاف لا تجيب. قام بأتصال هاتفى اخر لكبير حراسه يسأله بلهفه:
- حياة هانم فين؟
اجابه الحارس بهدوء:
- حياة هانم فى الفيلا جوه.
اجابه فريد بعصبيه قائلا:
- ادخل شوفهالى وانا معاك على الخط.
تحرك الحارس يفعل ما يأمره به رئيسه وظل يطرق على الباب ويقرع الجرس ولكن دون اجابه. كان فريد يستمع إلى محاولاته والرعب يزداد بداخله. صرخ به بيأس متسائلا:
- فين الناس اللى جوه راحوا فين؟
اجابه الحارس بخنوع:
- يا فندم مفيش حد حياة هانم عطتهم كلهم اجازه النهارده ومفيش حد غيرها جوه.
صمت الحارس قليلاً، ثم استطرد حديثه قائلاً، وقد شعر بقلق رئيسه:
- لو حضرتك حابب، أنا ممكن أكسر الباب وأطمنك.
كان هذا أكثر ما يريده فريد في تلك اللحظة، ولكنه خشي أن يقتحم عليها شخص غريب خلوتها إذا كانت بخير، لذلك تراجع قائلاً بعصبية:
- متعملش حاجة، بس خليك مركز، وأنا ربع ساعة وأكون عندك.
أغلق هاتفه، ثم صاح بسائقه بتوتر طالباً منه أن يوصله بأقصى سرعة ممكنة.
شعرت حياة بتشنجات قوية في كافة أنحاء جسدها، وأصبحت الرؤية ضبابية أمامها مع جفاف تام في حلقها. مدت يدها بيأس تتلمس الطاولة الموضوعة بجانب الفراش لتصل لهاتفها وتحاول طلب المساعدة، ولم تجده. تذكرت بعد عدة دقائق من محاولاتها البطيئة لإيجاده أنها تركته في الأسفل فوق طاولة الطعام. إذا لم يكن أمامها حل سوى أن تتحرك للأسفل لإيجاده أو لطلب المساعدة ممن هم في الخارج. حاولت بعد عدة محاولات فاشلة بسبب تشنجات جسدها وساقيها النزول من فوق الفراش والتحرك نحو الخارج. استندت بيدها على أحد الكراسي الموضوع تتلمس طريقها للخارج، فالرؤية مع مرور الوقت تصبح ضبابية أكثر فأكثر وتشعر معها بصعوبة بالغة في الحركة والتنفس. استغرق الوقت منها أكثر من ربع ساعة للوصول إلى خارج الغرفة بسبب تشنجات يدها وساقيها. حاولت دعم ثقل جسدها الذي أوشك على الانهيار بالاستناد على الحائط الخارجي للباب والتحرك ببطء نحو الدرج لتتمسك به. وصلت إلى منتصف درابزين الدرج المقابل لجناحهم بعد عناء كبير وتمسكت به بقوة، عندها شعرت بسائل ما ثقيل ولزج يخرج من فتحة أنفها اليسرى. مدت يدها تتلمسه ثم رفعتها قريب من وجهها لترى سائلاً أحمر اللون يملأ كفها. أغمضت عينيها قليلاً، تحاول السيطرة على دموعها التي كانت تنهمر من شدة ألمها وإحساسها بالعجز. هاجمها دوار آخر أقوى وأشد، لذلك أخذت نفساً عميقاً لمحاربة إحساسها بفقدان الوعي.
وصل فريد إلى داخل الحديقة وترجل من السيارة راكضاً نحو الباب الداخلي للمنزل ومنه إلى الداخل. صرخ باسمها عدة مرات وهو يركض ويبحث عنها بعينيه، قبل أن يرفع رأسه ويقع نظره عليها تقف في الأعلى متمسكة بدرابزين الدرج وجسدها منحني فوقه. اتقبض صدره وتعالت دقات قلبه، فمظهرها لا يبشر بخير. ركض إلى الأعلى وهو لا يزال يهتف باسمها بلهفة وذعر. جاءه صوته بعيداً، فظنت أنها تتخيل رجوعه. هزت رأسها بوهن عدة مرات رافضة، ثم فتحت عينيها مرة أخرى تحاول استكمال طريقها عندما لمحت جسداً ما يتحرك نحوها وهو يهتف باسمها برعب. مدت يدها في محاولة ضعيفة منها للإمساك به وهي تتمتم باسمه هامسة:
- فريد!!!
وصل إليها وأمسك بيدها الممدودة بقوة وهو يسألها برعب جلي:
- حياة!!! حبيبتي، انتي كويسة؟
تركت يدها الدرابزين وحركت جسدها المتعب وهي تترنح بشدة لتقف أمامه، ثم رفعت رأسها تنظر إليه قائلة بخفوت ووجهها شاحب كالأموات:
- فريد، انت هنا؟ انت جيت صح؟
أنهت سؤالها ولم تحظ بفرصة للإجابة، فقد أغمضت عينيها وارتمت بجسدها فوق جسده غائبة عن الوعي وعن العالم.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء يوسف
لم يستوعب فريد ما حدث إلا وجسدها ينزلق من بين يديه. صرخ باسمها برعب ثم حملها، وقد لاحظ بعض الدماء تتساقط من أنفها. تفحص جسدها مسرعًا ليتأكد من عدم وجود أي إصابات خارجية، ثم ركض بها نحو الخارج. كان يصرخ بكل من يقابله وهو يحملها كالأموات بين يديه. صعد بها إلى السيارة وهو لا يزال يحتضنها ويتمتم برعب ويمسح على شعرها ووجهها بحنان:
- حياة، خليكي معايا.. أنا آسف إني سبتك ومشيت.. الله يخليكي فتحي عينيكي.. خليكي معايا حياة، متناميش.
كانت السيارة تسير بأقصى سرعة لها، مخالفًا سائقها كافة الإشارات المرورية للوصول بأسرع وقت ممكن، وهو يرى زوجة مخدومه شبه منتهية. ورغم ذلك، لم يسلم من صرخات فريد الذي كان يوجهها له بقوة.
بعد قليل، وفي وقت قياسي، توقفت السيارة أمام المشفى الخاص الذي كان فريد من أكبر مساهميه. كان كبير الأطباء يقف في انتظاره عند مدخل الطوارئ لاستقبال حياة بعدما هاتفه فريد في الطريق ليخبره بما حدث. بمجرد رؤيتهم للسيارة، ركض كبير الأطباء ومعه المسعفون لأخذها منه، ثم ركضوا بها مباشرة نحو الداخل. ربت الطبيب حازم فوق كتف فريد الذي كان وجهه يبدو كالأشباح من شدة الذعر، مطمئنًا إياه وهو يتمتم له قبل أن يركض هو الآخر مسرعًا نحو الداخل:
- متخافش حضرتك، هعمل كل اللي نقدر عليه وأطمنك لما أخلص.
ظل فريد واقفًا مكانه كالجماد، يحدق في أثرها وهم يركضون بها إلى الداخل، رافضًا عقله تصديق كل ما مر به. ظل هكذا بدون حراك، يقف مصدومًا لمدة لا يعلمها إلا الله، حتى خرج الطبيب حازم من غرفة الاستقبال يركض في اتجاهه قائلًا:
- حالة تسمم.. إحنا دلوقتي بنعملها غسيل معدة.. وبعد كده هنطلعها على غرفة الأشعة نطمن إن مفيش نزيف داخلي.
فاق فريد من صدمته وسأله مستفسرًا بجمود وقد عاد عقله للعمل:
- نزيف!
أجابه حازم بأسف قائلًا:
- فريد بيه، للأسف من التشخيص المبدئي حالة التسمم دي مقصودة.. هنتأكد بالتحليل، بس دلوقتي لازم نطمن إنه معملش نزيف داخلي جوه، وخصوصًا بعد نزيف الأنف اللي حصلها.. وعمومًا، الحمد لله إن الأعراض بانت عليها.. في ناس بيحصلها نزيف داخلي بصمت من غير أي أعراض.. بس من الكشف المبدئي الحمد لله اتلحقت بدري وإن شاء الله مفيش حاجة خطيرة.
أنهى الطبيب جملته ثم استأذنه في الرجوع للداخل مرة أخرى. في تلك اللحظة، وصل كبير الحراس مع باقي موظفيه إلى المشفى. بمجرد لمح فريد له، ركض نحوه ثم قام بتسديد عدة لكمات إلى وجهه وهو يصرخ به بغضب قائلًا:
- كنت فين! كنت فين وهما بيعملوا فيها كده!
اخفض الحارس رأسه للأسفل بخنوع، تاركًا لمديره فعل ما يشاء به، فالخطأ خطأه. ابتعد فريد عنه بعدما امتلأ وجه حارسه بالدماء، ثم قال له بنبرة مهددة وهو يشير إليه بأصبعه:
- لو جرالها حاجة هخليك تحصلها، سامع! أقسم بالله لخليكم كلكم تحصلوها.
بعد قليل، خرج الطبيب وبرفقته حياة المستلقية فوق الناقلة الطبية (الترولي)، وهي لازالت غائبة عن الوعي. ركض فريد نحوها يمسك بيدها ويمسح على شعرها بحنان، وهو يمنع جاهدًا دموعه من التساقط. تحدث إليه الطبيب المساعد قائلًا باهتمام بعدما لاحظ حالة الألم والحزن الذي يمر به فريد:
- لو حضرتك حابب تطلع معانا الأشعة عشان تكون مطمئن، مفيش مشكلة.
هز رأسه موافقًا دون النظر إليه، فهو لم تكن لديه أدنى نية في تركها بعد الآن. انتهت إجراءات الفحص وطمأنه كبير الأطباء باستقرار حالتها وعدم وجود أي مضاعفات أخرى أو نزيف داخلي، ثم قام بنقلها إلى غرفة خاصة.
دلف فريد إلى الغرفة بخطوات بطيئة متثاقلة. وقف أمام الفراش بقلبه المنهك يتأمل شحوب وجهها وتلك الإبرة الطبية المنغرزة داخل كفها الرقيق لتتولى مهمة نقل المحلول إلى سائر جسدها. تحرك ببطء نحو مقدمة الفراش ثم انحنى بجزعه فوقها ليضع كفه بحذر فوق رأسها، ثم مسح على شعرها بنعومة وحنان، قبل أن تتحرك شفتيه نحو جبهتها. طبع قبلة مطولة فوقها، صاحبتها دمعة واحدة سقطت عنوة من بين أهدابه جعلتها تجفل أثناء نومها.
أخذ نفسًا عميقًا يهدئ به بركان المشاعر الذي يموج بداخله، ثم دفن رأسه يستنشق عبير شعرها ببطء وشغف. اعتدل بعدها في جلسته وجر المقعد الموضوع في إحدى أركان الغرفة الأربعة إلى جانب الفراش ليجلس عليه، واتكأ بذراعيه على طرف الفراش، ثم مد يده يتحسس كفها الآخر بحنو، قبل رفعه بحذر أمام وجهه. تأمله مطولًا، ثم أخذ يتحسس بإصبعه ذلك الشريان النابض عند مقدمة معصمها، كأنه يتأكد من قيامه بمهمته على أكمل وجه، فهذا الشريان ينقل الدم لحياته قبل حياتها. طبع قبلة حانية فوقه، ثم قام بطبع عدة قبلات رقيقة متتالية داخل كف يدها، وهو يتمتم بحزن:
- آسف.. آسف إني في كل مرة بوعدك محدش يأذيكي ومش بقدر أوفي بوعدي.
أنهى جملته ثم عاد لتقبيل كفها وأصابع يدها كلا على حدى، وهو يحتضن كفها داخل كفه العريض. بعد قليل، دلف كبير الأطباء إلى الغرفة بعدما قام بالاستئذان منه، ثم تنحنح وهو يقف قبالته قائلًا بحذر:
- فريد بيه.. نتائج التحاليل طلعت وزي ما قلت لحضرتك قبل كده.. شكنا طلع في محله.. حياة هانم تناولت عن طريق الفم سم حيوانات وبالأخص فئران.
جحظت عين فريد للخارج وبدا الاحتقان جليًا على وجهه وعضلات جسده المنتصبة، ولكن لم يعقب. تنحنح الطبيب مرة أخرى مستطردًا حديثه بتوجس:
- احم.. فريد بيه، الموضوع كده فيه شبهة جنائية وأنا لازم أبلغ.
انتفض فريد في وقفته واحتقن وجهه وهو يجيبه بنبرة جامدة، ضاغطًا على حروف كلماته بتحذير قوي:
- محدش هيحقق مع مراتي.. فاهم!
ارتسمت ملامح الطبيب ثم بادر بحروف متعلثمة يبرر طلبه قائلًا:
- بس أنا لازم أخلي مسؤوليتي.. دي مشكلة لو...
قاطعه حديثه نبرة فريد الناهرة قائلًا بحدة:
- ملكش دعوة، أنا هتصرف.
أنهى جملته الأخيرة وأخرج هاتفه وقام بطلب شخص ما، ثم تحدث على الفور قائلًا بنفاذ صبر وحدة:
- اسمعني.. في حد ابن ****** حاول يسمم مراتي والمستشفى مصممة تبلغكم عنه.. خلصلي الموضوع ده دلوقتي من غير ما تتحرك من مكتبك، فاهم!
صمت لبرهة ثم أضاف بنفس نبرته الآمرة:
- وبكرة اللي عمل كده يكون عندي.. تتصرف تشق عليه الأرض وتطلعه وألاقيه قدامي.. بكرة، فاهمممم!
أنهى مكالمته ثم استدار بجسده نحو الطبيب بغضب وشراسة، قائلًا ببرود وهو يرفع إحدى حاجبيه في إشارة للتحدي:
- في حاجة تانية؟
هز الطبيب رأسه نافيًا بصمت ثم تحرك بخطوات مسرعة نحو الباب. أوقفه صوت فريد يسأله بجمود:
- نقدر نطلع امتى؟
أجابه الطبيب بمهنية شديدة وثبات مفتعل:
- مفيش أي خطورة على حياتها تمنعها من الخروج.. بس يفضل إنها تستنى معانا الـ 48 ساعة الجايين عشان تستعيد عافيتها.
أجابه فريد بنفاذ صبر قائلًا:
- شوف هتكون محتاجة إيه وأنا هوفره في البيت، مش عايزها تفضل هنا.
أومأ الطبيب برأسه موافقًا، فهو يعلم جيدًا عدم جدوى النقاش معه، ثم أردف قائلًا بخنوع:
- مفيش مشكلة، هجهز لحضرتك واحدة من أفضل الممرضات عندي تتابع معاها أمور العلاج.. وزي ما قلت لحضرتك الـ 48 ساعة الجايين مهمين.. هتلاقي سخونية وهلاوس، كل ده طبيعي جدًا، وواحدة واحدة هتستعيد وعيها وترجع أحسن من الأول إن شاء الله.
أومأ له فريد بجمود، طالبًا منه الانتهاء من إجراءات الخروج بأسرع وقت ممكن، فهو لا يستطيع تأمينها جيدًا وسط هذا الكم الهائل من الأفراد، حتى لو كان داخل مشفاه الخاص.
في الخارج، حمل فريد حياة التي مازالت غائبة عن الوعي بتملك، رافضًا كل محاولات أو عروض حرسه أو موظفي الإسعاف في مساعدته. صعد بها إلى السيارة بحذر وهو لا يزال يحملها ويضمها إلى صدره بقوة. في الحقيقة، هو من كان بحاجة إلى ذلك العناق، بحاجة إلى قربها، إلى أن يشعر بدقات قلبها قريبة من صدره حتى تستكين روحه المرتجفة ويتسلل الهدوء لخلايا جسده المنتفض.
وصل إلى المنزل ووجد في استقباله عفاف، التي علمت بما حدث، فانتفض قلبها هي الأخرى ذعرًا على تلك الفتاة التي كانت تعاملها بحنان ورأفة.
انتهى فريد من وضعها برفق داخل الفراش في غرفته، وطلب من السيدة عفاف تبديل ثياب المشفى لها ومساعدة الممرضة التي جاءت معه في الاعتناء بها حتى يعود، ثم تحرك نحو الخارج بوجهه مكفهر وعرق نابض منتفض من شدة الغضب. أمر نصف حراسه بالتحرك معه، ثم صعد إلى سيارته وانطلق بها.
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل عندما وصل فريد إلى فيلا والده وأطلق زمور سيارته بقوة ليحث الحارس على فتح الباب الرئيسي ليتسنى له الدخول. انتفض الحارس من مقعده على صوت أبواق السيارات التي كانت تدوي دون توقف، وهرول مسرعًا ينظر في شاشة المراقبة عن هوية ذلك المتطفل، ثم قام بفتح الباب راكضًا بتوجس من مظهر ابن رئيسه الغاضب. اندفع فريد بسيارته للداخل بسرعة ساحقة تتبعه سيارة حراسته، ثم توقف أمام الباب الداخلي. ترجل منها وعيناه ترمي شررًا من شدة الغضب، ثم تحدث إلى رئيس حراسه يأمره باقتضاب:
- خليكم هنا لو احتجتكم.
أنهى جملته وتحرك يركل بقدمه وبكل ما أوتي من قوة الباب وهو يطرق عليه بكفه، فكاد الباب ينكسر تحت وطأة طرقاته وغضبه. آفاق جميع من في البيت على خبطات فريد المتلاحقة، وركضت الخادمة برعب تفتح الباب ثم تنحت جانبًا عندما رأت فريد وهو بتلك الحالة. وقف في منتصف البهو يصرخ بصوته الجهوري هاتفا:
- يا جيهان هانم! انتي يا جيهاااااان انزليلي هنا!
ركض غريب من فوق الدرج حيث مكان فريد، ثم توقف أمامه ينظر له بغضب واضح، ثم نهره بقوة قائلًا:
- إيه ده! في إيه! أنت اتجننت؟ إزاي تعمل كده في بيتي في الوقت ده!
مد فريد إحدى ذراعيه يزيح والده من أمامه بعدما حرك عينيه ينظر إليه شرزًا وهو يقول باهتياج:
- أنت لسه شفت جنان!
ابتسم بشراسة ثم قال بتهديد وهو يضغط على شفتيه بقوة، ثم صاح بوالده قائلًا:
- أنا بقى.. فريد.. هوريكم الجنان اللي على أصله.. انتي يا جيهان يا سكري تعاليلي هنااااااااا..
أنهى جملته بصراخ هز أركان المنزل وجعل والده الواقف بجواره ينتفض. هبطت جيهان إلى الأسفل وهي تغلق رداء نومها الحريري بإحكام، وتتساءل ببرود واشمئزاز:
- إيه ده! في إيه؟ إيه الهمجية دي؟
ركض فريد نحوها وقبض على ذراعها بقوة وغرز أظافره بذراعها قائلاً بعصبية شديدة:
- عملتي إيه في مراتي؟ انطقي!
هدر بسؤاله بقوة جعلها تنتفض من مكانها وتجيبه برعب من بين تأوهاتها قائلة:
- معملتش حاجة.. آآه سيب إيدي دي، قلتلك معملتش حاجة.
أجابها فريد بغضب وهو لا يزال يضغط على ذراعها بقوة مستطرداً حديثه قائلاً بحنق:
- أمال مين اللي عمل؟ مين اللي حط لها السم في الأكل؟ مش ده اللي كنتي بتعمليه معايا زمان؟
حركت رأسها نافية بيأس وقد بدأت تشهق بصوت مسموع من ألم ذراعها وقوة قبضته قائلة بتوسل:
- معملتش حاجة.. والله ما عملت حاجة، أنا معرفش أنت بتتكلم عن إيه.
نفض فريد ذراعها بقوة تاركها تتلمسه بحذر للتأكد من عدم إصابته ثم أجابها بتحذير قائلاً وهو يرميها بنظرات احتقارية:
- أنا بنفسي هعرف مين اللي عمل كده، ولو كان ليكي دخل بالموضوع ده اتشاهدي على روحك. فريد اللي كنت بتأذيه زمان خلاص مبقاش موجود. وأقسم بالله لو عرفت إن ليكي يد في الموضوع هكون مولع في البيت ده بكل اللي فيه. فاهمة؟
أنهى جملته بصراخ قوي وهو ينظر نحوها بشراسة قبل أن يستدير للخارج ويغلق الباب خلفه بعنف رج معه أركان المنزل من شدة قوته. توجه غريب نحوها يسأله بأسف:
- عملتي إيه يا جيهان؟
هزت رأسها نافية بعدم تصديق قائلة:
- معملتش حاجة.. والله ما عملتش حاجة.
عاد فريد إلى منزله ومنه مباشرة إلى غرفته للاطمئنان عليها. دلف إلى الغرفة بهدوء فوجد الممرضة تجلس فوق المقعد الموجود بغرفته في حالة تأهب. انتفضت من مقعدها بمجرد رؤيته ووقفت تنتظر تعليماته. سألها بإرهاق مستفسراً عن حالتها وهو لا يحيد بنظره عن الفراش حيث هي مستلقية:
- في جديد؟
هزت الممرضة رأسها نافية فاستطرد حديثه قائلاً بجمود:
- طب تقدري تروحي أنتِ تقعدي في أي أوضة جنبنا وأنا هكون معاها.
قاطعته الممرضة قائلة:
- بس يا فريد بيه.
قاطعها فريد بحدة متجهماً:
- مفيش بس. نفذي اللي قلت عليه من غير كلام كتير. هتلاقي أوض كتير فاضية استخدمي أي واحدة منهم، بس خليكي قريبة عشان لو احتجتك.
وافقت الممرضة على أوامره بخضوع وتحركت من الغرفة على مضض. انتظر فريد خروجها ثم بدأ في حل أزرار قميصه الملطخ ببعض دمائها وهو يزفر بتعب ثم التقط إحدى ملابسه النظيفة من خزانة الملابس وتوجه نحو المرحاض ليغتسل ويأخذ دشاً دافئاً ليريح به عضلاته المجهدة.
خرج بعد قليل وهو يرتدي تيشرت أبيض وبنطال رياضي من اللون الأسود. ثم تحرك في اتجاه فراشه يتسلقه بحذر بعد أن رمقها بعدة نظرات ناعمة. مد كفه يتحسس حرارتها ثم زفر بضيق. لقد بدأت حرارتها في الارتفاع ولكن ما يطمئنه هو الدواء الموضوع داخل المحلول المعلق بكفها. مد إصبعه يزيح إحدى خصلات شعرها التي تمردت من الجديلة التي قامت بعقدها لها السيدة عفاف. ثم انحنى ليطبع قبلة فوقها قبل أن يعتدل في جلسته ويرجع برأسه للخلف ويستند برأسه على ظهر الفراش ثم أغمض عينيه المجهدتين وهو يتنهد بوجع. ابتلع لعابه بصعوبة وهو يتذكر ما شعر به وهو واقف أمام غرفة الطوارئ منتظراً خروجها. تلك الدقائق شعر كأنها دهر كامل يعيشه. كان قلبه يرتجف بقوة كأنه سيتوقف في أي لحظة عن العمل. لم يجد أمامه سوى التضرع. التضرع لله بكل حواسه. التضرع بقلب طفل نقي لم يتجاوز السابعة تعلمه والدته لأول مرة كيفية الخشوع لله. بصرف النظر عن انتصاب جسده. كانت روحه ساجدة بكل حواسه يطلب منه برجاء العاصي قبل التقي أن يحفظها له.
فتح عينيه مرة أخرى ورمش بجفونه عدة مرات لطرد تلك الدموع الدخيلة التي تجمعت في الداخل دون استئذان. مرر كفيه فوق وجهه بتعب ثم استدار برأسه ينظر إليها كأنه يتأكد من وجودها هنا وبجواره. فبعد اعتياده على فكرة وجودها الدائم معه شعر بعدم أهمية أي شيء آخر. الغضب والانتقام والشراب والسهر. كل شيء يبعده عنها لن يكون له مكان في حياته فقد اختبر اليوم هذا الشعور المزعج ولا يريد تكراره مرة أخرى تحت أي ظرف كان.
شعرت حياة بأنها سقطت بمفردها داخل بئر عميق مظلم وقد تحولت إلى عقلة الإصبع. كانت تتلفت حولها بذعر فكل شيء حولها يبدو عملاق. ما بين صحوتها وغفوتها كانت تتداخل الأحداث في عقلها. كان الفراش الذي تستلقي فوقه يبدو عملاق ويبدو وكأن سقف الغرفة سيسقط فوقها في أي لحظة ليسحقها تحته بعد أن عادت إلى سن التاسعة مجدداً. حاولت التسلق على جدران ذلك البئر في محاولة بائسة منها للخروج. ولكن باءت كل محاولاتها المستميتة بالفشل لذلك تخلت عن الفكرة وعادت إلى قاعه تجلس هناك بخنوع وهي تضم ركبتها نحو قفصها الصدري تنتظر هبوط سقف الغرفة فوق جسدها الضئيل. فجأة لمحت جسداً عريضاً برائحة ما تعرفها جيداً وتميزها من بين مئات الروائح تتجه نحوها. انتظرت وصوله إليها ثم تنهدت بارتياح قبل أن تنتفض من جلستها لتركض نحوه وتشكو إليه ذلك الوخز الذي أصاب كفها. تململت في نومتها ثم همست باسمه بخفوت من بين غفوتها:
- فريد.
كان صوتها لا يزيد عن الهمهمة ولكنه وصل إلى حواسه. وصل إلى قلبه قبل أذنه. انتفض يعتدل في جلسته وهو يجيبها بصوت أجش مملوء بالحنان:
- عيون فريد وروح فريد.
رفعت كفها الموضوع به تلك الإبرة الحادة ثم أجابته بوهن:
- فريد في وجع هنا خليه يروح.
ابتسم بحزن ثم أمسك يدها بحذر يطبع قبلة حانية للغاية فوقها قبل أن يجيبها بحنو كأنه يتحدث إلى طفلته:
- حبيبي مينفعش تتشال دي عشان تخفي بسرعة.
حركت رأسها بتعب شديد رافضة تصديق حديثه ثم أجابته باعتراض طفولي بصوت لا يزيد عن الهمس:
- مليش دعوة، أنت وعدتني. خلي الوجع ده يروح.
مرر إصبعه أسفل جفنه يمسح تلك العبرات التي تجمعت داخل عينيه قبل سقوطها ثم انحنى بجذعه يطبع قبلة حانية فوق جبهتها وهو يتمتم لها قائلاً:
- حاضر. ثواني وهشيلهالك.
أنهى جملته ثم تحرك بجسده للخارج يبحث عن الممرضة التي اصطحبها معه. عاد بها إلى الغرفة ثم طالبها بنبرته الآمرة المعتادة:
- شيلي المحلول ده من إيديها.
نظرت إليه الممرضة بدهشة ثم فتحت فمها معترضة:
- بس يا فريد بيه، ده مش كويس عشانها.
أجابها فريد بحدة ونفاذ صبر:
- قلتلك شيليها. بتوجعها. شوفي أي طريقة تانية تاخد بيها العلاج.
أطرقت الممرضة برأسها مفكرة في حل ما ثم أجابته على مضض قائلة:
- هو الحل الوحيد إني أشيلها دلوقتي وأستبدلها بإبرة عادية، بس الصبح لازم أعلق محلول تاني عشان الجفاف.
وافق فريد على الفور متمتماً براحة:
- ماشي. على الأقل تكون ارتاحت شوية منها.
انتهت الممرضة من عملها وقامت بنزع تلك الإبرة الحادة من يدها وقامت بوضع لاصق طبي فوق أثرها ثم انسحبت من الغرفة بهدوء.
تسلل فريد مرة أخرى إلى جوارها بهدوء ثم قام بطبع قبلة حانية على كف يدها المتألم وموضع اللاصق الطبي قبل أن يستلقي على الفراش بهدوء. تحركت حياة وقد بدأت تشعر بالبرد يتسلل إلى جسدها الضعيف لتندس داخل أحضانه وهي تتمتم بخفوت:
- خليك هنا.. أنا بردانه.
أجابها بصوت أجش عميق:
- أنا دايماً هنا.
رفعت كفها تتلمس وجهه برقة كأنها تتأكد من وجوده. لم يقاوم إغراء النوم بين أحضانها لذلك. اقترب بجسده أكثر يضمها إليه ويحاوطها بذراعيه حتى شعر بدفء أنفاسها يلحف عنقه بقوة. أغمض عينيه ببطء يستمتع بذلك الدفء الذي أحاط قلبه من اقترابها منه ثم اقترب منها أكثر يقبل وجنتها وجبهتها وأنفها ثم تحرك ببطء نحو شفتيها يطبع قبلات خفيفة ناعمة. كان يعلم جيداً أنه يستغل وضعها وعندما تتذكر ما فعله ستقوم بتعنيفه ولكنه فكر بيأس وليكن فهو ليس قديساً ولا تنتظر منه أن تكون بمثل هذا القرب منه ويستطيع السيطرة على مشاعره.
ظنت حياة أنها داخل حلم غريب ولكن جميل. يقوم رجل ما بقناع بإنقاذها من بين براثن وحش مخيف ثم يطلب منها بحب وهو يركع على ركبته واحدة أن تتزوجه. وافقت بفرحة على طلبه فقفز ينتصب في وقفته بسعادة ثم احتضنها بحب وهو يتمتم في أذنها بكلمات حب شغوف ثم بدأ يطبع قبلات خفيفة متفرقة فوق وجهها. مدت حياة كفيها وهي تبتسم له لنزع ذلك القناع الذي يخفي ملامح فارسها عنها فوجدته فريد. ابتسمت بخجل ثم أسندت رأسها فوق كتفه براحة قبل أن تغمض عينيها وتذهب في نوم عميق.
في الصباح استيقظ فريد فوجدها غافية داخل أحضانه بهدوء وتدفن رأسها داخل تجويف عنقه. أغمض عينيه بإستمتاع ثم دفن أنفه داخل شعرها يستنشق عطره المميز فحتى تلك التفصيلة البسيطة لم تغفل عن عفاف أثناء مساعدتها لها بالأمس. فكر بسعادة. ماذا سيحدث إذا توقف العالم الآن وعند تلك اللحظة بالذات؟ ما سيحدث هو أنه سينعم براحة وجودها داخل أحضانه للأبد. ولكن أكثر ما يزعجه هو حرارتها التي تزداد بشكل دائم مع هلاوسها المستمرة. تململت هي بين يديه لفترة قبل أن تبتعد عنه وهي تفتح عينيها بكسل إذا أنها لا تزال داخل حلمها الخاص حتى أنها استيقظت بداخل غرفة بألوان زرقاء زاهية لا تعرفها أبداً. ابتسم لها بحنان ثم طبع قبلة حانية فوق أرنبة أنفها وهو يتمتم بحب:
- صباح الخير.
ابتسمت له بخجل فهي تعلم أنها لا تزال داخل الحلم ولكنها تستمع بكافة تفاصيله. بدأت تتحرك من الفراش فاعتدل على الفور يسألها مستفسراً:
- حبيبي رايحة فين؟
أطرقت رأسها بخجل وقد بدأت وجنتيها تورّد ثم أجابته بتعب شديد وهي لا تزال مطرقة الرأس:
- عايزة أروح الحمام وأغسل وشي. ممكن؟
ابتسم لها بإشراق ثم اقترب منها يضع ذراعه تحت ركبتها ويحملها بين ذراعيه حتى وصل إلى باب الحمام فأوقفاته معترضة:
- لو سمحت نزلني وأنا هكمل.
اقترب برأسه من وجهها ثم سألها بخبث وهو يحك أنفه بوجهها:
- طب مينفعش أكمل للآخر؟
هزت رأسها له معترضة فأنزلها على مضض وبحذر واختفت هي بجسد هزيل ومتعب داخل الحمام. بعد قليل خرجت منه وقد بدأت تترنح من شدة الحرارة والتعب فيبدو أن هذا المشوار القصير قد أضناها. حملها فريد على الفور وضمها بين ذراعيه يقربها أكثر نحو صدره. وصل بها إلى الفراش وجلس فوقه وهي لا تزال داخل أحضانه. سألها بقلق:
- حياة انتي كويسة؟
أصدرت همهمة خفيفة ثم حركت رأسها تحت صدره وهي مغمضة العينين. سألها مرة أخرى بترقب يتمنى بداخله رفضها:
- تحبي أنزلك؟
حركت جسدها لأعلى قليلاً حتى تستطيع الاختباء داخل تجويف عنقه ثم قالت بعدم وعي:
- مش مشكلة. أنا عارفة إنك مش هنا.
أجابها بصوت أجش هامس:
- مش ممكن أكون هنا.
حركت رأسها داخل عنقه ثم تمتمت هامسة:
- ششش.. أنت مسافر وأنا عارفة إن كل ده مش حقيقي.
أنهت جملتها ثم انتظمت أنفاسها دلالة على ذهابها لنوم عميق. أحكم لف ذراعه حول خصرها ثم استلقى فوق الفراش وجسدها يقبع فوقه بهدوء، رافضاً إنزالها أو وضعها في وضع أكثر راحة، فهنا هو مكانها الطبيعي حيث قلبه. لقد خُلقت من هذا الضلع، وهذا الضلع موجود لتستند عليه.