تحميل رواية «مسك الليل» PDF
بقلم سارة طارق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ون طعنه ) _________________________________________كانت تجلس بجانب جثته والدماء يملئ المكان ، ويملاء ثيابها كانت تنظر لدماء من حولها براحه كبيره وشكل جسده الممزق من الطعنات كان يدخل عليها السعادة ، فهذه نهاية كل رجل سولت له غريزته القذره بكسر فتاة أخرى ، وقتل برأتها وعقابه منها كان عشرون طعنه ولكنها استدارت عندما سمعت صراخه ، نظرت له وهى تبتسم وشاورت له باسكين ، ووضعت يديها الأخرى فى الجسد الممزق أمامها واخرجتها وهى ممتلائه بدماء ، وقالت وهى تبكى بفرحه شديدة" كده نبقا خالصين " ******************...
رواية مسك الليل الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة طارق
"أنتم أكيد اتجننتوا، إزاي تعملوا كده وتتصرفوا من دماغكم؟ ليه؟ أنتوا فضحتوا نفسكم وفضحتوا أهلي معايا، وخلّيتوا منظري وسط أهلي زفت لما يعرفوا إن ابنهم اتجوز من وراهم، لا وكمان في الوقت اللي بيجيب فيه حق أخوه. دلوقتي أنتوا هتخلوا البلد كلها تقول إن اتجوزت قبل ما أجيب حق أخويا؟"
أمسك شعره بين يديه يضغط على رأسه من غبائها وتسرعها. وما يؤلمه أنها لم تثق به حتى لتعطيه الفرصة حتى يدافع عنها، ولكنه آفاق من تفكيره على صوتها الساخر.
"قصدك أنا اللي جبت حق أخوك؟"
تابعت بقهر وعيون يملأها الحزن.
"أنا اللي قتلت بلال، أنا اللي مات في حضني بعد ما غرزت سكينه في جَلده، جَلده اللي ما حبش غيري."
نظرت لعينيه قائلة بقهر.
"حاولت أبعدك كتير عني بس أنت اللي رفضت، يبقى استحمل بقى. تفتكر لما خالي يجيبني لحد هنا، جرّني زي البهيمة ويفضل يضرب فيا لحد ما جابني ليك عشان أستحايل عليك عشان تستر عليا وأتجوزك، تبقى بتحلم يا... يا رضوان بيه."
تعجب الآخر من حديثها، يشعر أنها تتهمه بشيء ولكن لم يفهم ما هو، فطلب منها توضيح لحديثها.
"إنتي بتقولي إيه؟ وضحي كلامك معايا واتكلمي عدل."
ضحكت بسخرية لاذعة.
"وأنت مفكر إني هاخاف من الصوت العالي ده ولا من عينيك اللي بقوا شبه الدم دول؟ لا تبقى غلطان، إني خلاص مابقاش ليا حد. أمي ماتت وحبيبي مات. قتلته بأيديا دي رغم قلبي اللي كان عايش بنفسه ووجوده في حياتي. قتلته ودمه هيفضل في إيديا دي. يعني بعد اللي حصل تتوقع مني أي حاجة، لأني خلاص بعد ما قتلته، قتلت كل حاجة حلوة كانت جوايا لحد. وعلى فكرة أنت اللي دخلت نفسك في حياتي غصب، يبقى أشرب بقى من اللي هتشوفه مني أنت وخالي اللي اتفقت معاه يعمل التمثيلية دي قدام الناس وتبهدلوني وتمرمطوني عشان أوافق أتجوزك بعد ما رفضتك."
استدار لها وكان مصدومًا من حديثها. ما هذه التهمة التي تتهمه بها؟ لهذا فعلت كل تلك التمثيلية وقامت بتصغيره هو وعائلته؟ للمرة التي لا يعرف عددها تشعره تلك الفتاة أنها لن تثق به أو تعطيه الأمان مهما حصل.
صرخت به وهي تضربه على صدره تبعده عنها وتبكي بحرقة.
"ابعد عني، اطلع بره! أنا مش عاوزة أشوف خلقتك. انسى إني أكون ليك، أنا عمري ما هبقى ليك أو لغيرك، أنا ملك بلال وبس، مهما عمل هفضل ماسكة بلال العمر كله، لعل ده يخليه يغفر لي ويسامحني على كسرتي ليه قبل ما يموت."
أعادت ضربه وهي تبعده عنها وتحاول أن تخرجه من الغرفة، وهو يتابعها وينظر لها ببرود. أمسك كلتا يديها ونظر لها بغضب وتحدث بصوت جهوري وكانت نبرته مخيفة.
"اسمعي يا بت، أنتي لا انتي ولا غيرك يلزموني. مش عيلة زيك هي اللي هتنزل راسي في الطين. أنا لا عايز أقرب منك ولا حتى أشوف خلقتك بعد اللي عملتيه. بس قسماً بالله لو فكرتي تتصرفي أي تصرف ما يعجبني، هيبقى فيه عقاب شديد. وخليكي فاكرة إني راجل عسكري، يعني لازم يكون فيه ضبط والتزام. مش عشان كنت بتعامل معاكي بهدوء وبراحة وعرفتي إني بحبك، إنك ممكن تمشي كلمتك عليا أو تعملي اللي في دماغك. تبقى غلطانة، أنا هنا الراجل واللي أقوله تمشي عليه زي الألف. ومش معنى كده برده إني هلغيكي، لأ، ليكي رأيك اللي ممكن آخد بيه، بس لو اتقال بأسلوب كويس. وأه، بمناسبة المرحوم، سيرته ماتجيش هنا تاني. أنا مش أهبل قدامك عشان تقولي إني لسه بتحبي راجل تاني غير الراجل اللي انتي متجوزاه."
"أنت مش جوزي ولا عمرك هتكون، ولا حتى هتلمسني."
نظر لها بقرف ونطق بنبرة ساخرة وهو ينظر لها.
"قدام الناس أنا بقيت جوزك، وأنتي قولتيها بلسانك قدام البلد كلها. تاني حاجة، أنا مش هخليكي تقعدي كده معايا في بيت واحد من غير جواز. وأه، حتى لو بقيتي مراتي، هقرف حتى إني ألمسك."
قال آخر كلمة وهو يلقيها على الفراش وتركها ليذهب من أمامها سريعًا حتى لا يقتلها ويرتاح من همها. ولكنها استدارت عندما سمعها تصرخ به.
"أنا مش هتجوزك لو قتلتني حتى، مش هتعرف تجبرني على حاجة."
تهجم وجهه وضغط على أسنانه بغيظ وبادلها الصراخ أيضًا، ولكن خاصته هو مرعبة ونطق بصوت جهوري وهو يشير على الباب.
"يبقى تغوري في ستين داهية وتكذبي كل كلمة قولتيها قدام أهل البلد وعرفيهم مين اللي سلمتيله نفسك في الحرام وجيتي لبستيها ليا أنا وأهلي بطريقة زبالة، حتى مستنتيش حتى تشوفي رد فعلي على اللي قاله خالك. لاء، رحتي رديتي بإي كذبة جت في بالك عشان تحسني صورتك قدام الناس، تشوهيني أنا وعيلتي قدام البلد كلها. دلوقتي مفيش بيت في الصعيد مش هيتكلم عن كبير البلد اللي شال ابنه أمانة إنه يرجع حق أخوه وياخد طاره، وهو راح اتجوز في السر من وراه ونسي عهده لأبوه ونسي حق أخوه اللي مات واتجوز وضرب كلام أبوه وحزن أمه في الحيط. يعني بسببك أنا بقيت ابن عاق لأهلي، وبسببك نزلت راس أبويا قدام الناس وسكت ومفتحتش بوقي بكلمة ومقدرتش حتى أكذبك، حتى بعد ماشوفت عيون أبويا وهو بيبص لي بحسرة وعنيه كلها رجاء ليا إني أكذبك، بس مقدرتش وكملت معاكي التمثيلية الخايبة بتاعتك دي، بس مش عشانك، لاء، عشان عضم تربة أمك اللي وصتني عليكي، بس شكلها ما تعرفش إنها علقت في رقبتي بلوة هتعيش معايا العمر. جهزي نفسك لكتب الكتاب. أنا مش هعيش مع واحدة في بيت واحد من غير أي صفة شرعية، أنتي سامعة؟ ولا أنتي شكلك بتحبي تعيشي مع الراجل من غير جواز عادي؟ بس لو انتي قبلتيها على نفسك، إحنا مش هنقبلها عشان إحنا ناس بنخاف ربنا وبتعمل حساب للحرام والحلال."
نزلت كلماته عليها موجعة لحد كبير، وخصوصًا عندما عايرها. كيف تجرأ وقال لها هذا وأهان شرفها؟ كيف استطاع نطقها من الأساس؟ ولكنها لن تصمت وتفعل ما يريد، بل ستحيا هي لفعل كل ما تريد وستختار نفسها فقط. رفعت رأسها له ونطق بكل جبروت.
"مش هيحصل يا ابن النمر، ليمكن أكون لراجل تاني غير بلال. حتى لو وصلت إني أترهبن هعملها، ولا إني أخلف وصيته وأكون ليك أبداً، حتى لو على موتي."
قالتها وهي تتذكر آخر همسة همسها لها قبل موته وهو بين ذراعيها. انكمش وجهه بغضب جحيمي وكأن الشيطان أصبح في صورته وهيئته، وأصبح شكله مرعبًا، حتى احمر وجهه بشكل كبير مخيف. واقترب منها وأمسكها من شعرها وهو يقول.
"يبقى أنتي اللي جبتيه لنفسك... بس دي غلطتي إني خفت عليكي."
اقترب من شاشة التلفاز وألقاها أمامه وأمسك ريموت التحكم الخاص به وفتح على قناة إخبارية تنقل ما يحدث في أرض فلسطين الغالية. كان يتابع القضية الفلسطينية. أمسك رأسها ووجهها إلى الشاشة لكي ترى ما يحصل لأهل فلسطين العربية. قال وهو ينتظر للأطفال والنساء والشيوخ التي تسيل دماؤهم على الأرض فقال بحسرة ودموع باكية ونطق بقهر.
"بصي شوفي إيه اللي بيحصل في فلسطين، اتفرجي وشوفي الأطفال اللي ميتين، شوفي الأمهات اللي بتجري وهي شايلة عيالها بتهرب من الضرب. اتفرجي وشوفي اللي بيحصل لهم بسبب كلاب إسرائيل اللي جم احتلوا بلدهم وبيطردوهم منها بكل جبروت. اتفرجي على الجبابرة اللي كانوا مشغلين بلال حبيبك اللي ولهانة بيه وعايزة تترهبني عشانه. بصي وشوفي الكلاب اللي كانوا مشغلين بلال بيه عشان يعمل فينا ويهد أمانة زي ما حصل في فلسطين. اتفرجي، بصي كويس لأرض بتغتصب قدام العالم كله ومحدش قادر يعمل حاجة. اهو الكلب بتاعك العاشق الولهان اللي صعبان عليكي أوي ومقهورة إنك قتلته، كان شغال مع إسرائيل اللي مخلية من ضمن خطتهم هو عدم أمان لأهل مصر، يسيره الخوف في قلوب شعبها عشان يقدروا يحتلوها بكل سهولة. مش بلال بس، دا في كتير أوي زيه، بس بإذن واحد أحد هنمحيهم كلهم من الوجود."
كانت في حالة صدمة لما تسمعه. لم تنظر له قط، بل تنظر لشاشة العرض أمامها، تنهمر دموعها لسماعها لتلك الصرخات المستغيثة خوفًا ورعبًا من هؤلاء الكلاب الذئاب الذين احتلوا أرضهم بالغصب. نزف قلبها لما تشاهده وألمها أكثر لمعرفتها أن بلال كان أحد أعوانهم، ولكن في مصر بلده وبلدنا أيضًا.
وضع رضوان يده على وجهه وأجهش ببكاء يملأه القهر والضعف وقلة الحيلة، ناطقًا بقلب ينزف وصارخًا بألم يكاد يفتك به لأشلاء صغيرة.
"صعبان عليكي بلال الخائن العميل... إنما أنا صعبان عليا أسمع صراخهم ده وأنا راجل عسكري ومش قادر أعملهم حاجة. عارفة يعني إيه بلد بأكملها بتموت كل يوم؟ عارفة يعني إيه تكوني عايشة في أمان الله وتلاقي مجموعة ديابة بتنهش أرضك بكل جبروت؟ حتى الصلاة في المسجد الأقصى مانعينك منها. عارفة يعني إيه كل يوم أب يبص ويتملي في عيون أولاده قبل ما يخرجه لمدارسه لا يرجعوش تاني؟ يا أم هو اللي بيخرج لأكل عيشه وميرجعش لبيته يشوفهم تاني. عارفة يعني إيه أم كل يوم تاخد ولادها في حضنها مستنية الموت، يا أما من صاروخ يا من حزام ناري حوالين بيتها. عارفة يعني إيه أم وأب حاضنين عيالهم خايفين يناموا ليحصل لأولادهم حاجة... عارفة يعني إيه ابن يطلب من أبوه بس شوية ميه وأبوه مش عارف حتى يجيب له ميه. الناس دي بتشيل أشلاء عيالها بين إيديهم، أطفال عمرهم أيام بتموت. أمهات بيشوفوا أطفالهم ميتين يا إما من الجو يا إما من القصف والضرب العشوائي في مدن فلسطين، يا إما من الخوف. عارفة يعني إيه تبقى راجل عسكري ونفسك تروح تنسف إسرائيل باللي فيها."
نظر لها باحتقار.
"إنتي عارفة بس تقعدي تعيطي على ديب كان شغال تحت رجلي ديابة بينهشه في أرض المقدس نهش."
لقد شعرت أن هناك دوامة ابتلعتها بعد ما سمعته الآن. كيف تجرأ وفعل كل هذا ولماذا فعلها؟ لما يخون بلده ويتعاون مع أناس ينهشون في إخوتنا الفلسطينيين بكل جبروت؟ ولكن خرجت من تفكيرها على صوت صرخات رضوان التي لا حيلة له، فهو لا يستطيع التحرك بدون أوامر قادته، فتلك سياسة دول لا يفهمها أي أحد.
صرخ رضوان بكل معاني الألم والوجع.
"آه يا فلسطين، لو بإيدي كنت شقيت قلب كل إسرائيلي اعتدى عليكي. آه لو بإيدي كنت دمرتهم وخليت أرضك شربت من دمهم لحد ما ترتوي وتحسي إن حقك جه، بس أنا لوحدي مقدرش. مسيره هيجي اليوم وتشوف إن دم شعبك مش هين علينا أبدا مهما طال اليوم ده، بس مسيره يجي ويارب أكون حي ساعتها وأطفي ناري وأحرقهم هما بنار دي. عن قريب يا فلسطين، عن قريب يا فلسطين، عن قريب بإذن المنتقم الجبار الذي لا يغفل أبدا عما يحصل لكي."
كانت حالته لا يسرى لها، كانت حالته تجعل كل من يراه يتقطع قلبه عليه، فهو غير أي أحد، فهو يصعب عليه أن يكون رجلاً عسكرياً ويترك مجموعة من الكلاب يحتلون بلده الشقية فلسطين، ولكنه لا يستطيع التحرك بدون أوامر عليا حتى لا يتصرف أي تصرف خاطئ يثير غضب هؤلاء الحمقى ويزيدون الضرب في فلسطين أكثر وأكثر، فهو وحده لا يستطيع قتل الكثير منهم، حتى أن فجر نفسه في مجموعة منهم لن يتجاوزون العشرين كأحد أقصى، ولكن هذا سيثير غضبهم أكثر ويقتلون الكثير والكثير من الأبرياء مقابل مجموعة ذئاب محتلين.
انتفض بفزع وشعر للاشمئزاز وابتعد للخلف بعد أن شعر بلمسة يدها على كتفه ونظر لها بحقارة.
"أنا هخرج ساعة واحدة، أجي ما ألاقيكيش هنا، لا في الأوضة ولا البيت كله. هنا أنضف ميت مرة من واحدة زيك تكون موجودة. يلا بره، بره!"
صرخ بها رضوان وبعدها تركها وخرج وتركها تنكمش على نفسها وتبكي بحرقة وقهر كبير وتردد جملة واحدة: "ماذا جنيت على نفسي؟"
كانت صرخاته تملاء البيت كله وجعل الكل يجتمع في بهو المنزل بسبب صرخاته ولا يستطيع أحد أن يتحرك ويذهب له، فهو منع أي أحد من الصعود للأعلى. وجوده ينزل بسرعة كبيرة، كان يطير كالريح، فابتعد عنه الكل ما عدا والده ووالدته. تركهما واتجه للخارج، ولكن توقف عندما سمع والده يناديه، فأغمض عينيه بقوة يحاول الهدوء أمام والده.
"استنى يا رضوان."
نطقها جابر بسرعة ليوقف ابنه.
استدار الآخر باحترام.
"نعم يا بابا."
وقف الأب أمام ابنه ونظر لعينيه، علم بمدى الألم الذي ينهشه في قلبه.
"أنا عارف إن المفروض الكلام ده مش وقته، وإن المفروض تفهمنا إيه علاقتك بالبت اللي فوق دي، بس أنا هأجل الكلام ده لبعدين لحد ما تيجي وتحكي اللي عندك. بس خليك عارف إني موجود في أي وقت عشانك، كتف أبوك موجود ليك في أي وقت تيجي تبكي عليه."
وما أن سمع رضوان هذا وكأنه شعر بجسده يضعف وعينيه تخونه ويرمي نفسه في حضن أبيه يريح رأسه على كتفه ويبكي كطفل وجد الملجأ ليبكي ويخرج كل ذرة ألم بداخله. ربط والده على كتفه يحاول تهدئة ابنه، بينما رجاء تجلس بالقرب منهم تبكي على حال وحيدها. أما رضوان فظل كهذا لفترة لا يعلم عددها، يبكي على كتف أبيه ويردد كلمات غير مفهومة.
"غصب عني يا بابا... ياريت كان بإيدي كنت صفتهم واحد واحد... آه لو بس عندي أوامر كنت روحتلهم وفضلت أقتل فيهم لحد آخر نفسي فيا بس أفش غليلي فيهم، بس دي سياسة دول محدش يقدر يفهمها ولا إحنا نقدر نتكلم فيها، مفيش أوامر بكده."
أخرجه والده من أحضانه ونظر لعينيه قائلاً.
"ويوم ما تيجي الأوامر دي أنا أول واحد هيلبسك بدلتك ويجهزك عشان تروح تنتقم منهم يا رضوان. أنا اللي أخرجك من داري ولو بإيدي أوصلك لحد بابهم وأسيبك وقلبي معاك وعارف إنك مش هترجع تاني، بس كله يهون قصاد إني أضحي بيك لأجل ما يموتوا الكلاب دول."
ضربه على كتفه ضربات خفيفة قائلاً.
"متخافش يا والدي، ربنا عمره ما هيسيبهم طاغيين في الأرض كده، لاه. ليه يوم وهيجي، هيجي وعن قريب قوي. وإن شاء الله نهايتهم هتبقى على إيدنا بس الصبر. كل اللي بيحصل ده ربنا شايفه وعالم بيه من قبل ما يحصل، بس هو ليه في ذلك حكمة ومسترنا كلنا نعرفها في الوقت المناسب. ملناش غير الصلاة والدعاء لأهل فلسطين الغوالي والدعاء على الكلاب الإسرائيليين، وملناش كمان غير حسبنا الله ونعم الوكيل. ادعي لهم يا والدي واقرأ لشهداءهم الفاتحة، وزي ما قولتلك متقلقش، ربك مسيره هينهيهم وقريب."
هز رضوان رأسه، شعر ببعض الراحة بعد حديث أبيه، ولكن من داخله يتمناه اليوم الذي يكون من ضمن الكتيبة التي سوف تنهي هؤلاء الجرزان.
استأذن رضوان من والده وانطلق لخارج البيت واتجه ناحية الإسطبل وأخرج حصانه، وقفز عليه بمهارة وانطلق به بسرعة الريح كأنه يسابق الهواء. فتحت له بوابة القصر لينطلق بحصانه سلطان بكل حرية وهو يزيد من سرعته، لعل هذا الهواء يطفئ النيران الهائجة بداخله، فكل تلك الفترة كانت فترة صعبة عليه جدا، ولكنه يحمد الله أن بعد كل ما رآه في الأشهر الماضية حتى الآن وما زال يستطيع الوقوف على قدمه. كانت دقات قلبه تتسابق أيضًا كما يسابق الريح بسرعته تلك. صرخ بكل أمل نابع من داخل قلبه.
*عن قريب يا فلسطين*
رواية مسك الليل الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة طارق
ابتسم لها بدر بهدوء وقام من مكانه وذهب لها وضمها إليه ليحاول أن يهدأ من روعها قليلا.
"أهدى يا ورد... أنا جولتلك أختك فى أمان وبعدين رضوان هو اللى رفض إنك تجى وكلمنى إني أمنعك عشان خاف لخالك يهلفط بكلام عليكى إنتى كمان، وساعتها أنا مش هعمل أي اعتبار إنه خالك وممكن أروح فيه لعشماوي. فصلي على النبي كده وخلي عندك ثقة في كلامي لما أقولك محدش هيقدر يحافظ على مسك غير رضوان. هو قادر يرجع لها حقها، أديله فرصة يمكن قلب أختك يلين."
نظرت لزوجها بأمل. تمنت أن يكون لرضوان فرصة ما أختها، لأنه عندها ثقة كبيرة أنه الرجل الذي سوف يكون سند لمسك. ليتها فقط تتمسك بتلك الفرصة وتنسى هذا الملعون بلال. تخاف من فقدان مسك لرضوان لأنها على علم بما عشق مسك لبلال.
***
يجلس في غرفته، لم يخرج منذ تلك الحادثة التي خسره فيها أعز الناس على قلبه. عرف ما جعل قلبه ينشق لنصفين، أن أخاه قائد تلك الجماعة الإرهابية كان هو السبب في كل الرعب الذي عاشه طوال تلك الأشهر الماضية، وكان يلومني ويضربني لأني أدخلت نفسي في تلك المجموعة وهو كان السبب في تدمير حياتي وقتلى أكثر من مرة. لقد رأى عذاب طول تلك الفترة ولم يشعر بأي ذنب، أم كان يشعر وخاف أن أعلم الحقيقة وأكتشفها مبكرا؟
ثم ضحك بسخرية وهز رأسه بيأس. "لا تلومه يا حجاج، لو هو كان أخ خائن فأنت خائن مثله أيضا، فأنت كنت أحد أسباب تسليمه للجيش. وموته كان بسببك أيضا، فلا تحزن منه، فأنتم تشبهون بعضكم البعض، خائنون."
فاق من شروده على دخول والدته التي تنظر لهيئته بحزن شديد. هو شاحب الوجه، لم يأكل إلا بعض اللقمات الخفيفة بعد إلحاح شديد منها، وذقنه التي امتلأت بشعر كثيف متفرق حولها.
اقتربت منه، جلست بجواره على الفراش ووضعت يده أسفل ذقنه وأدارت وجهه لها ونطقت بيأس.
"وبعد هالك يا ابن بطني، خلاص اللي راح راح في داهية. الحمد لله إن ربنا نجانا منهم بدل ما تقعد تندب على خبتك في أخوك. روح صلي واحمد ربك إنه خلصك منه هو وأمه. صلي على النبي كده واسمعها من أمي... الدنيا دي فيها الوحش وفيها الحلو، وفيها وحش يبين لك إنه حلو وبعدها تتفاجئ إنه أوحش خلق الله. بس ساعتها أعرف إن مش كل قريب يتأمن له، لأن الضربة مبتجيش غير من القريب. فاهم يا حبيبي؟ يلا قوم اغسل وشك كده عشان في ضيف مستنيك تحت."
"مش قادر أقابل حد يا أمي، خليه يروح."
"لأ هتجوم، دا جايلك مخصوص من مصر وعنده أمانة ولازم يسلمهالك."
استغرب حجاج هذا الضيف الذي أتاهم في منتصف الليل، وأيضا جاء من مصر ولديه أمانة له. في الأسفل في غرفة المعيشة ينتظر هذا الضيف نزول حجاج بفارغ الصبر حتى يعطيه الأمانة ثم يذهب لأنه لديه سكة سفر طويلة. وكل دقيقة ينظر في ساعته لتأخر حجاج عليه.
لم يمر دقائق إلا ووجد حجاج ينزل على الدرج ويتجه له. فرحب به حجاج بحفاوة لأنه يعرف هذا الضيف، فهو يعد من أحد الرجال الذين يأتمنهم بلال أخيه على كل شيء يخص ماله. فهذا الرجل هو محامي بلال ويعتبر هو أهم رجاله. فهذا الرجل يعرف كل كبيرة وصغيرة تخص مال بلال كله وكل ممتلكاته.
رحب به حجاج مرة أخرى.
"أهلاً يا أستاذ عيسى، نورت الصعيد كله."
نطق عيسى بابتسامة صغيرة قائلاً باحترام.
"الصعيد منور بيكم يا أستاذ حجاج أنت ووالدة حضرتك. والبقاء لله، ربنا يصبرك. معلش لأني وقتي ضيق فهدخل في الموضوع على طول، دا لو تسمحلي."
نطق حجاج بفضول قائلاً.
"ياريت والله، لأني أنا آسف يعني، هو البيت بيتك وكل حاجة بس مجيتك في الوقت ده هنا وإصرارك إنك تشوفني في الحال من غير ما نستنى لصبح جِلجِلني."
نطق عيسى باطمئنان.
"لا قلق ولا حاجة، وبعتذر كمان مرة على مجيتي ليكم من غير معاد. مع إني حاولت أكتر من مرة أتواصل مع حضرتك بس تليفونك مقفول، فحبّيت آجي بنفسي وأديك الأمانة."
أمسك عيسى حقيبته وأخرج منها ملف كبير يحتوي على بعض الأوراق ووضعه أمامه. وأخرج بعدها ظرف كبير مكتوب عليه "خاص جداً" وضعه أمام حجاج.
نطق عيسى بعملية.
"أستاذ حجاج، الملف ده فيه وصية أخوك المرحوم الدكتور بلال، ودي تعتبر أول أمانة بلال يسلمها لك."
"وصية بلال ليا أنا؟ وأمانة إيه اللي عاوز يشيلهالي؟"
أمسك عيسى الملف وفتحه وقرأ محتواه المكتوب.
"أقر أنا بلال وأنا بكامل قواي العقلية أن أقسم تركتي على كلا من أخي وشقيقي الصغير ورفيقي الأقرب حجاج المنسي، وأمي نجوان عثمان، ومسك الليل حبيبتي، وبنت خالتي تيا. وهذا لأني كنت أحد أسباب أذيتها وتعويضها عن كل شيء سببته لها سابقاً. أنص على أن تكون القسمة كالأتي: ٣٠٪ لأخي حجاج المنسي، ولأمي مثلهم، و٢٠٪ لمسك الليل، و٢٠٪ لتيا ابنة خالتي. وأريد أن يكون حجاج أخي هو المسؤول لتوصيل الميراث لكل من ذكر اسمه كما كتبت بنسب المطلوبة. في النهاية أتمنى أن أكون قد قسمتُها عليكم بالعدل، وأتمنى أن تغفروا لي كل خطأ قد سببته لكم بقصد أو بدون قصد. فأنا لا أحتاج منكم غير الدعاء لي بالرحمة. بلال المنسي."
"أتفضل، أدي الوصية بتاعته ودي النسخة الأصلية. ودا كمان جواب لحضرتك."
نطق آخر جملة وهو يخرج من الحقيقة. الجواب الخاص بحجاج من أخيه.
تابع عيسى حديثه.
"ودا كمان ظرف بس مش لحضرتك، دا لبنت هو يعرفها اسمها مسك الليل، واللي ليها ٢٠٪ من ورث المرحوم. ودي الأمانة التانية وأهم واحدة. بس مش مطلوب منك غير حاجة واحدة."
كان حجاج يتابع حديث المحامي بدهشة. هو لم يتوقع أن أخيه كتب وصية، وأيضا أعطى مسك وبنت خالته تيا منها. وأيضا يحمله أمانة توصيل إرث كل واحدة منهم. إلا لتلك الدرجة يثق فيه أخيه؟ ولكن ما دام يحمل لي كل تلك الثقة، فماذا وضعني في تلك الكارثة التي نفذت منها بصعوبة بفضل الله ومن بعده رضوان النمر.
قاطع تفكيره صوت عيسى كأنه يعرف بما يفكر.
"الدكتور بلال بيقول لك أي سؤال بيدور في عقلك، هتعرف إجابة من الجواب اللي سابه لك مع الوصية."
هز حجاج رأسه بحزن ونزلت بعض الدمعات من عينه.
"إيه المطلوب مني أعمله يا أستاذ عيسى؟"
***
أتى الصباح وما زالت على حالتها كما تركها بالأمس. تبكي على نفسها، فهي في ليلة وضحاها فقدت أمها وفقدت الخائن الذي أحبته وفقدت معه أغلى ما تملك قلبها الذي فقد معه كل مشاعره الجميلة التي نبعت بداخلها من أجله. مات وأمات معه كل شيء يجعلها تشعر أنها حية وأمامها حياة أخرى. جعلها تشبه الأموات ولكنها ما زالت على قيد الحياة.
تبكي بعد أن تركها وغادر، كأنه رمى عليها قنبلة وركض للخارج لتحترق هي بنارها وتموت بشظاياها. تبكي بقهر، لا تصدق أن بلال الذي كانت تظنه أطهر خلق الله، الذي يتمنا السلام لكل البشر، يعمل تحت أيدي مانعين السلام وهادمين الأمان. يعمل مع هؤلاء الجزارين؟ مجرمي الحرب ضدنا؟ لا تستطيع أن تصدق كيف انخدعت بوجهه البشوش الملائكي؟ كيف استطاع هو الكذب عليها طوال تلك السنوات التي قضوها مع بعضهم؟ كيف لم تستطع كشفه أو إمساك أي حركة غير طبيعية منه؟
شعرت بذنب لما قالته أمام رضوان دون أن تعبئ بمشاعره أو احترمها، ولم أهتم أيضاً بمشاعر والديه بعد سماع كذبتي. فهي تعلم أنها سببت له مشكلة كبيرة مع والديه. كانت تريد كل هذا أن يحصل حتى تبعده عنها. لا تعرف أن ما فعلته سوف يدينها أكثر منه، ولكنها قررت أن تعتذر منه ولكن بطريقتها.
خرجت من الغرفة وهي تمسح وجهها بيدها، تمسح ما تبقى من دموعها، ولكنها فشلت لأنها ليست بمجرد محو الدمعات سوف يخفي أثرها. تنزل من على الدرج بأقدام مرتجفة، تخشى من تلك المصارحة. فهي سوف تتعامل مع أناس لأول مرة تعرفهم وتتحدث معهم. تخشى من ردة فعلهم عليها بعد ما قالته عنها هي ورضوان.
حاولت أن تهدأ من روعها وأخذت نفس عميق وذهبت باتجاههم. ولحسن الحظ أو لسوءه لا تعلم، وجدتهم يجلسون مع بعضهم. ونظرت لهم، ومن ملابسهم ومن عرفت أنهم والدي رضوان. فعلمت أن رجاء والدته من الشبه الكبير بينها وبين رضوان. وأيضا عرفت جابر من هيئته أنه صاحب البيت وأيضا أن جسده وطوله يشبه رضوان، ولكن خاصة رضوان أقوى وشعر رضوان أنعم وأجمل من شعره وأسود، ولكن العيون متشابه بنية، ولكن خاصة رضوان أفتح قليلاً ولون وجهه الذي اكتسب السمراء البسيطة من الشمس فعلته يبدو لونها كما يقولون قمحى مابين الأسمر والأبيض.
نفضت كل تلك الأفكار عن رأسها وسبت نفسها على ما تفكر به. أهى هنا أمامهم لتتحدث أم لتتغزل في جمال رضوان ونظرات عيناه الواثقة؟ ضربت يدها على جبهتها فها هي تتغزل فيه من جديد.
اقتربت منهم حتى وقفت أمامهم تفرك يديها من الخوف. رفع الاثنين رؤوسهم سوياً لتلك الواقفة أمامهم تنظر للأرض وتفرك يديها ببعضهم. نظر جابر لهيئتها، فهي ما زالت ترتدي جلباب رضوان. كان الجلباب متسخاً يملأه الغبار ووجهها الذي به بعض الجروح والتي ألتهبت من آثار التراب عليها ولوثها فزاد من التهابها. كانت حالتها لا يسر لها وشكلها هذا جعل جابر يرق لها. فهي رغم هيئتها تلك رأى الشبه بينها وبين ابنته سندس وأنها أيضا بمثل سنها، وهذا ما جعله يتراجع عن أي تصرف عنيف قد يفعله معها.
فاق من تفكيره على صوت زوجته.
"وجفا ليه يا حبيبتي اجعدي."
نطقتها رجاء بأسف وهي تنظر لحالتها وهيكلها غير النظيف بالمرة.
ترددت مسك في الجلوس، ولكنها حسمت أمرها وجلست وبدأت بالحديث، ولكن صمتت عندما سبقتها رجاء وسألت ببعض العطف والحنان.
"جعانة يا حبيبتي؟ أجبلك تفطري؟"
هزت مسك رأسها بلا رغم جوعها الشديد، فهي لم تأكل لقمات بسيطة جداً بعد موت والدتها ولم تذوق طعم الذات منذ صباح أمس.
"شكراً يا حاجة، أنا مش جعانة."
نظرت لجابر قائلة بهدوء حاولت خلقه في نبرة صوتها حتى لا يظهر خوفها.
"يا حاج جابر، أنا كنت عايزة أقول إن أنا كدبت لما جولت أني مرات أبنك. ا... اااحنا كنا فعلاً هنتجوز بس... بس يعني محصلش نصيب إنها تكمل عشان ساعتها..."
لم تكمل وامتلأت الدموع بعينيها.
"عشان أمي مات."
ابتسم جابر لها واتسعت عين رجاء، فهي لم تعد تفهم شيء. بالأمس كانت تقول زوجته واليوم تقول ليست زوجته. وما زاد من دهشتها أن زوجها يبتسم وينظر لها كأنه يعرف ما تقوله، فنطقت بتساؤل.
"إنت تعرف حاجة عن اللي بتقوله ده يا جابر؟"
هز رأسه للأسفل بمعنى نعم أعرف.
"أيوه يا رجاء، كنت عارف. رضوان حكالي كل حاجة وجالي إن جوازه من مسك هي وصية أمها قبل ما تموت عشان تطمن عليها مع راجل. كأنها كانت حاسة إنها هتفارق الدنيا. الله يرحمها ويغفر لها."
استغربت رجاء من حديثه.
"وإشمعنى اختارت رضوان يكون عريس بنتها؟ ليه رضوان بذات اللي شافته جوز بنتها؟"
كادت مسك أن ترد، ولكن رد جابر قبلها.
"عشان عارفة إن ابنك بيحب بنتها وعنده استعداد يعمل أي حاجة عشان تكون في أمان. وكمان عشان والدك راجل ويعتمد عليه وعاقل وتقدر تضمن لبنتها الراجل اللي بيحبها. الست كانت حاسة إنها هتفارق الدنيا فحبت تفارقها وهي مطمئنة على بنتها مع راجل يصونها. بس أمر الله كان أسرع وملحقتش تحقق آخر أمنية ليها وهي أنها تطمن على بنتها... مش كده يا بنتي؟"
نظرت أرضاً، لم تعرف ماذا تقول. وكادت رجاء تتحدث ولكن وجدت مسك تخفي وجهها بين يديها وتبكي وتشهق بقوة. فرجعت عما كادت تقوله وذهبت لها وجلست بجانبها، فقد رق قلبها لها وخصوصاً بسبب ما تقوله مسك.
"إني خلاص مَعَدش ليا حد. كل حاجة راحت مني في لمح البصر. يوم واحد جلب حياتي. أنا مكنتش يوم أتوقع إن يحصل معايا كده. وليه أنا؟ حتى أمي راحت مني على غفلة وسبتني لوحدي."
قالت آخر كلمة وبعدها أجهشت في البكاء على حالها. رق قلب رجاء لها ولم تعرف ماذا تقول لها، فلم تجد غير أنها تضمها بالأحضانها وتربط عليها، وكأن ضمتها تلك كانت كل ما تحتاجه مسك الآن. فما هي إلا ثواني وبادلتها مسك الضمة وتشبتت بها حتى تفرغ كل ما بداخلها. وجابر يتابعها وفرت دمعة من عينه فمسحها بسرعة. شعر أن تلك الفتاة تحتاج لعون وسند في حياتها فلم يعد لها أحد.
وعلى مسافة بعيدة عنهم كان يقف يتابع كل ما يحصل بقلب مفطور، دون أن يشعر به أحد. ترقرت عيناه ولكن أبى أن تنزل دمعة منهم، ولكن كانت دمعة خائنة نزلت على خده فمسحها بيده ونظر لأثر تلك الدمعة على يده. لا يعرف أيبكي لأجلها أم يبكي على حاله هو. ولكن خرج من شروده على صوت والده وهو يقول.
"تقبلي نكون أهلك وابننا يبقى جوزك، بس بجد بقى المرة دي. واعتبري من النهاردة بقى ليكي عيلة تانية."
لم يصدق رضوان ما قاله والده، فهو ظن أنه لم يوافق على وجودها في البيت بعد ما حصل، وكان يستعد مع مشاجرة مع والده. حتى رجاء وجدها تبتسم وزادت من ضم الفتاة وقبلتها من رأسها تحثها على الموافقة.
ظلوا هكذا لفترة ينتظران رد مسك على ما قاله جابر، ولكنها ما زالت تختبئ في صدر رجاء، لم تنطق. ابتسم رضوان بسخرية على نفسه، فهل كان ينتظر منها الموافقة؟ سب نفسه وذهب باتجاه والده ليخرجها من هذا الموقف المحرج ويرد بنيابة عنها ويرفض طلب والده.
"أبا، مسك مش..."
"إني موافقة."
وبسرعة البرق تحول نظره من والده إليها، يريد أن يعرف هل موافقتها تلك نابعة من داخلها أم أنها وافقت حتى لا تحرج والديه. ولكن لم يعرف أن يقرأ وجهها. فقد ضمتها والدته لها مرة أخرى تبارك لها وتخبرها أنها ستكون أسعد فتاة بينهم وأنها ستكون ابنتهم الثانية وأنهم سيعوضوها عن كل شيء حصل لها. وما جعله يصمت ويتلجم لسانه أن أمه أخبرته أن مسك ستعوضها عن غياب سندس ابنتها. وانتبه لوالده الذي قال.
"رضوان، روح وصل مراتك لأوضة أختك وخليها تلبس من هدومها وتجهز نفسها عشان نروح نكتب الكتاب."
نظر له رضوان باستنكار ورد بغيظ.
"لسه مبقتش مراتى يا بابا."
فتحت مسك فمها ببلاهة ونظرت له بحاجب مرفوع، فهو قد أهانها لتو. وحاولت الرد.
"ولا انت بقيت جوزى؟"
رواية مسك الليل الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة طارق
تلك هي الكلمات التي نطق بها الشيخ قبل ساعة، بعد ساعة من انتهاء كتب كتاب رضوان جابر ومسك الليل.
أبعدت يدها عن يده بعد أن رفع الشيخ المنديل وكشف أيديهم. كان رضوان يمسك بيدها بقوة ويضغط عليها، كأنه يخشى أن تهرب. أما هي، فكانت تحاول أن تتحمل ألم ضغطه على يدها، حتى أصبحت تردد بسرعة وراء الشيخ حتى ينتهي كل هذا بسرعة، وتخرج يدها من بين يديه التي تمسكها، كأنه يتمسك بيد لص وليس فتاة بعد دقيقة ستكون زوجته.
بعد أن رفع المنديل، شدت مسك يدها بقوة من بين يد رضوان وظلت تمسحها بسبب الألم. أما هو، فينظر لها ببرود، كأنه لم يفعل شيئاً. ثم رجع بظهره للخلف وسند على ظهر الأريكة، وظل يتابعها بعينيه. وهي أيضاً تنظر له ولعيونه، فلأول مرة تجده لا يهتم بها كالأسابق.
ولكن قطع تلك اللحظة قدوم ورد، أختها، وهي تحتضنها وتبكي بقوة وتضمها إليها بشدة.
"كان نفسي أمك تكون موجودة اليوم ده يا حبة عيني، مشيت قبل ما أشوفك عروسة."
قالتها وهي تبكي بقوة، جعلت مسك تبكي أيضاً.
نظر لهم رضوان بغيظ قائلاً:
"أقسم بالله عيلة بتشتري النكد ببلاش وبتوزعه على اللي حواليهم، عيلة عاشقة للنكد والدموع."
ضحك بدر بقوة وهو يذهب ليبعد زوجته عن مسك ويحاول أن يجعلها تهدأ.
"خلاص يا ورد، هي حبكت النكد الساعة دي."
حاول إخراجها من أحضان مسك، ولكنها أبت أن تخرج وظلت ملتصقة بها بقوة، كأنهم التصقوا بسمغ قوي.
أمسكها بقوة من كتفيها، حاول إبعادها بكل قوته.
"سيبي البنت يا ورد، سبيها. حرام عليكي، هتموت في حضنك من العياط. سبيها، هتموت في إيدك يا نكدية."
"لأ مش سايباها. سيبوني أفضفض أنا وأختي شوية، ليه عاوزين تحرمونا من بعض؟ ليه؟"
قالتها بطريقة درامية فاشلة.
استنكر رضوان حديثها ونطق:
"ولا تزعلي نفسك يا حاجة، خديها معاكي. ياما أنا أساساً بدأت أتشائم من الجوازة دي، يا عيال الفقر."
كان جابر ورجاء يتابعان هذا المشهد الدرامي بين مسك وورد، ولكن رجاء نظرت لرضوان بتحذير وغضب بسبب آخر ما تفوه به. وقفت وذهبت لهم وحاولت التفريق بينهم.
"سيبيها يابنتي، كفاية كده. يعني يرضيكي تقلبي يوم أختك عياط ونكد؟ استهدي بالله، انتوا كده بتزعلوا المرحومة في تربتها."
أرخت ورد يديها عن مسك وابتعدت عنها قليلاً، ورفعت شالها ومسحت وجه أختها وحاولت الابتسام.
"اخس عليا أكده، خليت العيون السودا اللي شبه اللؤلؤ دي تبكي. والله مليا حج، أكده عريسك هيجي علينا إيه؟"
نطق رضوان بسخرية:
"هو أنا لسه هقول، ما أنا قولت خلاص."
ولكنه رجع في قوله بسبب نظرات والدته الحادة.
أما مسك، فكانت في حالة لا تجعلها تقوى على الرد عليه.
"يلا بينا إحنا يا ورد نروح ونسيب العرسان ترتاح."
قالها بدر وهو يمسك يدها بقوة حتى لا تفلت منه وتركض وتتمسك بأختها كطفلة صغيرة، فهو يعرفها ويعرف تعلقها الشديد بمسك.
"استنى يا والدي، ناكل لقمة مع بعضينا الأول."
نطقها جابر، ولكن رفض بدر وتحجج بأنه يفضل أن يأكل مع أمه وإخوته كل يوم. وبعدها أمسك بيد ورد وكتفها وظل يحاول أن يخرجها من البيت بكل قوته، فهي كانت لا تريد ترك مسك وحدها، كانت تشبه الأم التي تبكي على ترك ابنتها في الروضة (الحضانة) وحدها.
"يلا يا ورد، يلا أبوس إيدك، فضحتيني والله. هجيبك ليها تاني، يلا يا بنت الناس معايا خلينا نمشي من هنا بسرعة، أنا حاسس إن شوية ورضوان هيرمينا في الشارع وفوقينا أختك."
هزت رأسها وأمسكت طرف شالها ووضعته على وجهها تمسح دموعها، وصاحت لمسك:
"هجيلك يا أختي، مش هسيبك أبداً أبداً. هنفضل مع بعض ومحدش هيفرقنا أبداً، أبداً أبداً."
قالتها بدارمية شديدة فاقت العادي.
"أبو أم دي أفورة، هي رايحة تحارب؟ أنا عارف إني مش هخلص من العيال دي. أنا كده عرفت أمهم ماتت بسرعة ليه، أكيد متحملتش بسبب الشلل الدماغي اللي جالها منكم ومن نكدكم. هي جوازة بانّت من أولها."
همس بها رضوان في سره.
ذهبت ورد مع زوجها بعد محاولات كثيرة منه. ودخل رضوان مع والده المكتب كما أمر، فوالده يريد أن يخبره شيئاً مهماً.
أما عن رجاء ومسك، فكانت تجلسان على أريكة متوسطة الحجم تكفي لشخصين.
ربطت رجاء على ظهرها وابتسمت لها وهي تتأمل وجه مسك وعينيها.
وقالت:
"بصي يابنتي، أنا عايزة أطلب منك طلب ولازم تنفذيه لو اعتبرتيني مكان والدتك."
لم ترد عليها مسك، فهي توترت قليلاً. فتابعت رجاء:
"أنا كل اللي عايزاه من الدنيا هي سعادة ابني، لأني مليش غيره خلاص. كان ليا اتنين وراحوا... المهم، انتي بقيتي بنتي دلوقتي وأنا ساعدتك انتي كمان تهمني. فيابنتي، انسى كل اللي راح، ألغيه. أنا عارفة إن صعب الواحد ينسى، بس لازم ننسى عشان نعدي ونبدأ من جديد. الدنيا مش بتقف على حد. عيشي حياتك يا ضنايا، واحمدي ربنا إنه رزقك براجل حق وحقيقي، مفيش منه في الزمن ده، فاهمني؟"
هزت لها مسك رأسها بمعنى أنها تفهمها. وبعدها أرادت رجاء تلطيف الجو والمزاح معها.
"بعدين، انتي تبوسي إيدك وش وظهر إن ربنا رزقك بشاب زي البلسم. العيبة متطلعش من بوقه أبداً ولسانه بينقط عسل نحل كده."
ثم لمحت رضوان يصعد لغرفته فنادت عليه:
"رضوان، استنى يا حبيبي خد عروستك معاك الأوضة."
نظر ببرود ورفع حاجبه:
"متطلع هي، ياما هي اتشلت؟"
نظرت لها رجاء:
"مش قلتلك العيبة متطلعش من بوقه."
حزت مسك على أسنانها ونظرت له بغيظ:
"لأ واضح ونعمة الأدب والأخلاق صراحة."
"اخس، الله يكسفك. تربية ناقصة بصحيح."
قالتها رجاء بصوت منخفض سبب إحراجها مما تفوه به ابنها، فهو النقيض لما قالته.
فحاولت رجاء الهرب منها:
"طب يا حبيبتي، أسيبك مع بلوتك بقا… قصدي جوزك. أسيبك مع جوزك وأنا هبعتلكم الفطار على فوق. معلش أصل نسيت أصلي الظهر."
نطقت مسك بسخرية:
"ظهر إيه يا حاجة، الساعة سبعة ونص الصبح."
توترت رجاء قائلة:
"أصل أنا بحب أصلي بدري."
وتركتها قبل أن تتفوه بكلمة وهربت من أمامها، فهي محرجة منها جداً وظلت تلعن في رضوان وتسبه.
أما مسك، فالتفتت إلى الواقف خلفها ببرود، ولكن صدمت عندما وجدت أنه ذهب وتركها، فأغاظته منه كثيراً. بدت لو تضربه على رأسه هذا وتقطع لسانه الحاد هذا بسكين.
"يا أنا يا أنت يا بن النمر، والله لو طولت لسانك عليا تاني، لكون قطعهولك ومشوحاه في بصلة وعملاه سندوتش."
نطقت بغيظ، ولكن عندما نطقت كلمة سندوتش تذكرت الطعام وشعرت بالجوع الشديد، وسمعت أصوات معدتها وهي تنوح من شدة الجوع.
صعدت إلى الغرفة وابتسمت باتساع عندما وجدت أنه ليس بالغرفة، فزفرت براحة وجلست على السرير وتثاءبت. ولكن لفت نظرها هيئتها في المرآة واقتربت للمرآة وظلت تنظر لانعكاسها. ظلت تدور حول نفسها بهذا الفستان وابتسمت، فهي لأول مرة ترتدي مثل هذا الفستان وترى نفسها فيه. فهي كانت دائماً ترتدي الجلباب والشال الطويل عليه. لم تعتد على ارتداء مثل تلك الفساتين، ولكنها لأول مرة تشعر أنها معجبة بهيئتها كهذا. ولكن لفت نظرها شحوب وجهها هذا، فتراجعت في كلامها وشعرت أنها بشعة، وأصبح هذا الفستان لا يناسبها ولا يناسب بشرتها السمراء، وكأنها أصبحت الآن تمقت لونها.
"ده وش حتى يبقى حلو في أي حاجة، طول عمرك بتحبي تكدبي على نفسك يا مسك."
هكذا حدثت نفسها بصوت عالٍ.
"عندك حق فعلاً، ده وش ما يليق عليه الحاجات اللي زي دي."
قالها وهو يرمي المنشفة وينظر لها. تفاجأت به ونظرت لانعكاسه في المرآة وهي تعطيه ظهرها، وعلمت أنه كان في الحمام من تلك المنشفة التي خرج بها. ولم تستدر له، بل ظلت تتابع انعكاسه ونظراته لها. فنطقت بحزن:
"محدش طلب رأيك على فكرة، خليك في نفسك."
اقترب منها حتى أصبح وراءها ونظر للفستان الذي ترتديه، فكان من الستان ولونه بني فاتح وكان ضيق قليلاً عليها، ولكنه ناسبها جداً ولاق بها.
اقترب من أذنيها ونطق وهو يسند ذقنه على كتفها من الخلف وينظر له في المرآة قائلاً:
"الشكل ده مينسبوش غير الحشمة، لأن حلاوته لازم تداري عن عيون الناس. ولو طولت أخفيها عن عيوني لعملتها. انتي حلوة لدرجة إن أي لبس ضيق ما يليق بيكي، لأنك مش بس حلوة، انتي حورية نزلت على الأرض. بلبسك الواسع وشالك الطويل مش بالفستان اللي يبين أجمل ما فيكي ويخلي كل العيون ترشق فيه، كأن جسمك ده ملكهم هما، مش ملكي أنا زي دلوقتي."
ارتعش قلبها من حديثه، وخصوصاً عندما طبع قبلة على رأسها وذهب للفراش لينام، وتركها تنظر لأثره في المرآة، لا تستطيع حتى أن تنطق أو تستدير له، بل تجمدت في مكانها وظلت عيونها عليه تتابع وجهه. ارتفعت ضربات قلبها بشكل كبير حتى شعرت أنه سيخرج منها. تنظر له بدهشة وتقول: من هذا؟ كيف تبدل كهذا في دقائق؟ هل هذا الذي كاد يقتلها بالأسفل ويتعمد إحراجها؟ أم أنه شبيه فقط؟ أم أنني فقط أحلم؟
وجدته قد غفى وتركها. ابتسمت ببعض الراحة عندما وجدته قد نام وتركها، ولن يطلب منها ما لا تستطيع أن تقدمه له. احترمت هذا كثيراً وقدرت له تلك الفاعلة جداً.
"أمي هتبعت الأكل دلوقتي، كلي ونامي عادي جمبي واتصرفي براحتك جداً كأننا أخوات ومتخافيش من حاجة."
نطق بتلك الكلمات وهو ما زال مغمض عينيه، كأنه شعر بالحيرة والخوف الذي بداخلها.
وبالفعل، أكلت حتى انتفخت بطنها ونامت بجانبه بعد أن بدلت فستانها بجلباب بيتي واسع من ثياب أخته. ونامت بجانبه ولكن حافظت على مسافة كبيرة بينهم. فهو في النهاية أصبح زوجها وقدرها، فعليها أن تتصرف ببعض الحرية لتريح نفسها قليلاً. أغلقت عينيها وذهبت في عالم آخر.
"أنا مش قولتلك إن ولاد أختك دول مش سهلين أصلاً يا خبتي الجوية، رايح تفضحها يا موكوس. مفكر إن بعد الفضيحة إنها هتمضيلك تنازل عن الدار. اهو طلع جوزها وخدها قدام الناس كلها، وأبوه علم عليك قدامهم، ورضوان خلاك تعملها على روحك قدام البلد كلها. يا خبتي الجوية فيك."
أمسك أرجيلته وكسرها على الأرض وسب زوجته.
"ما تحطِ جزمة قديمة في خشمك وتسكتي، وليه ندابة بصحيح؟ كنتي عاوزاني أعمل إيه يا أختي؟ مش دي فكرتك المهببة إني أفضحها يا ولية يا فقر؟ بعد ما سمعتيها مع ابن النمر وقولتي إنها بتخرج معاه آخر الليل؟"
"أنا يا راجل، قولت تفضحها ولا تهددها وتخليها تمضيلك على عقد تنازل هي وأختها عن الأرض والدار. أهي طلعت متجوزاه يا خويا ويتقبله. يلا، أهي نفذت بس من أول ضربة. خليني أتكتك ليها كده ونشوف هنعمل معاهم إيه، ولاد زينات."
نظر لها بسخرية:
"تكتكي يا أختي، بس بسرعة قبل ما الناس يكلمونا."
ينظر لظرف ملقى أمامه على الفراش منذ أمس، لا يعرف كيف يتصرف. أيحرقه ويتخلص منه، أم يفتحه ويرى ما بداخله؟ عقله يخبره أن يحرقه ويتخلص من أي شيء يخص بلال بعد ما فعله به. وقلبه يخبره أن يقرأ، لعل هناك شيء يجعله يغفر له ويسامحه. ولطيبته يفوز قلبه ويمد يده ليفتح الظرف ويخرج ما تركه أخيه له. قرأ أوراق الوصية، وبعدها أمسك رسائله له. أمسك رسالة منهم وفتحها وكانت بها:
"أخي ورفيق دربي،
أتمنى أن تقرأ هذه الرسالة بقلبك. أنا أعلم جيداً ما هو شعورك نحوي الآن، وأن صدمتك فيني كبيرة، ولهذا أنا أعتذر منك. أعتذر عن وقاحتي معك وتصرفاتي السيئة في آخر فترة، وأعتذر عن كل الأيام السودة التي عشتها بسببك. ولكن أقسم لك بمعزتك عندي أنك دخلت هذا العالم القذر ومع هؤلاء الأوغاد دون علمي. وعندما عرفت، كنت قد وقعت في المحظور وشاركت في جريمة ليس لك فيها أي ذنب. أعتذر منك لأنك كنت نقطة الضعف التي ضغطوا علي بها. وقاحتي تلك ومعاملتي السيئة معك كانت نتيجة لخوفي الشديد عليك. فإني أعتذر عن كل شيء صدر مني، وأتمنى أن تكون من بعدي بأمان. والله كنت سأبتعد عن كل شيء خطر لأجلك ولأجل أن أبدأ من جديد، ولكن الظاهر أن لم يكتب لي الله التوبة. ولكن سأفعل أي شيء حتى تكون بأمان، حتى لو كانت روحي هي فداك. أخي، وإذا قرأت تلك الرسالة، سأكون أنا ميت وأنت بأمان، وأريد منك أن تسامحني عن كل وجع سببته لك وعن أي لحظة خوف عشتها بسببى. ولكن أنا أعلم جيداً أنني لم أعرف أنك ستتعرض لكل هذا. فأنت الشخص الوحيد الذي لو تأذى أشعر بضعف وغربة، وأشعر بكسر ظهري. سامحني يا أخي، أرجوك أن تغفر لي. أنا أعلم جيداً أن داخلك طفل بريء سي سامحني من كل قلبه. أحبك أخي، أتمنى لك حياة سعيدة ودنيا جديدة تهنئ بها.
أخيك الكبير الذي يحبك أكثر من أي شيء،
بلال"
ختم تلك الكلمات بدموعه التي بللت وجنتيه، وتلك الورقة التي في يده. كانت دموعه تشبه الشلالات من كثرتها.
"مسامحك يا خويا، مسامحك من قلبي. اتحشتك جوي يا بلال، اتحشتك جوي يا نني عين أخوك. مسامحك، مسامحك يا سندي، مسامحك."
طرقات على بابها جعلتها تستيقظ وتفتح عينيها بتكاسل، كأنها تريد المزيد من النوم ولم يشبع جسدها من تلك الراحة التي أغمرتها منذ أن استلقت على هذا السرير. فركت وجهها بتذمر ووقفت على قدميها لتفتح لهذا المزعج الذي يظل يطرق وكأن الباب أصبح طبلة بين يديه يدق عليها. فتحت الباب وطلت برأسها لطارق، وجدتها فتاة بعمرها تقف أمامها تتأمل فيها كأنها ترى من تلك التي جعلت رضوان النمر يتزوجها. وجدتها مسك تتأمل فيها بطريقة أزعجتها كثيراً، وهذا جعلها تقلب وجهها لها وتحذرها بعينيها. فتوترت الأخرى وأدركت خطأها.
"ست مسك، الست رجاء بتقولك الغدا هيكون جاهز كمان ربع ساعة."
"قوللها نازلة، يا اسمك إيه؟"
ردمت الأخرى ابتسامة صفراء:
"اسمي عايدة يا ست مسك."
قالتها الأخرى وذهبت وهي تبرطم بالحديث:
"شكلها متنكة وأليطة وهتعمل فيها هانم من أولها."
أما مسك، فأغلقت الباب بعد أن ذهبت مباشرة، ولكنها وجدت الفراش فارغ ورضوان ليس به. فهي عندما استيقظت لم تلاحظ عدم وجوده. ظنت أنه في المرحاض، ولكنها طرقت على الباب أكثر من مرة ولم تجده بداخل. ولكنها انتبهت لهذا الصوت، صوت صهيل حصان. ورغم عنها ابتسمت، فهي تعشق هذا الصوت وخصوصاً عندما كانت صغيرة تذهب بصحبة أبيها لتركب على خيل صديقه.
بدون وعي، تحركت باتجاه الصوت حتى فتحت الشرفة ووقفت بداخلها، وبعدها وجدته على يمينها وهو ينطلق بحصانه بكل مهارة. كان كان… فارس. وجدته ينطلق بالحصان بسرعة شديدة وهو يمسك اللجام بيديه ويقفز فوق تلك القضبان الحديدية بمهارة كبيرة. حتى جلوسه فوق الحصان كان رائع، كأنه هو والحصان واحد. فهو لم يتحرك أو يميل أو يفقد اتزانه بسبب تلك السرعة الفائقة التي يركض بها الحصان. وعندما ينتهي من النط على القضبان يلف بالحصان ويعود يقفز عليها من جديد.
"رائع، كم كان رائع."
نطقتها دون شعور منها في تلك اللحظة، فهي لم ترى أحد يركب الخيل بمهارة هكذا مثله… حتى بلال لم يكن عنده تلك المهارة مثل رضوان رغم ركوبه للخيل.
"بلال."
نطقت اسمه وهي تتابع بعينيها رضوان، ولكن ظهرت صورة بلال مشوشة أمامها الآن، وكأن ذاكرتها لم تستطع أن تحدد ملامحه الآن وصورة رضوان هي التي تجتمع بدلاً عنه. فنفضت عن رأسها كل ما تفكر فيه.
"لأ لأ، أكيد بس عشان لسه صاحية من النوم ومش مجمعة. بس هو ده السبب، أكيد. آه، أكيد ده السبب."
ولكنها رفعت عينيه عندما سمعت صوت شخص يسأل عنها، فنظرت لهذا الرجل الذي يقف مع أحد الغفر.
"لو سمحت، مدام مسك موجودة هنا؟"
"أيوة يا بيه، نجولها مين؟"
رد عليه الآخر:
"أحب أنا أعرفها بنفسي أنا مين، بس بلغها إن في حد عايزها."
"طب اتفضل معايا جوا لما أبلغ البيه الأول."
تحرك هذا الضيف ورائه، وأثناء سيره رفع رأسه فوجد تلك التي تقف في الشرفة تنظر له. فنظر لها ول هيئتها ولشعرها الذي يغطي جسدها من كثافته وطوله، فكان شعرها أسود به لمعة جميلة. أعجبته، فرغم عنه ابتسم لها. ولكن الاثنين فاقوا على صوت صراخ حاد.
"مسك!"
لم يكن هذا غير رضوان الذي رآها وهي تقف في الشرفة بدون حجاب وهناك من يتأمل فيها أيضاً. ركض الضيف لداخل خائفاً عندما أدرك خطأه. وأما هي، فنظرت له باستغراب لصراخه القوي هذا باسمها. وجدت الشرار يتطاير من عينيه ويشير بيده لها على رأسها، فوجدت يديها تمتد لا إرادياً على رأسها. فجحظت عينيها عندما سلمت شعرها بيدها وتذكرت عدم ارتدائها لحجابها وابتلعت ريقها بخوف. ولكنها وجدت جسدها يرتعش أكثر عندما سمعته يقول:
"ليلتك سودا يا مسك."
"أنا مش قولتلك إن ولاد أختك دول مش سهلين أصلاً يا خبتي الجوية، رايح تفضحها يا موكوس. مفكر إن بعد الفضيحة إنها هتمضيلك تنازل عن الدار. اهو طلع جوزها وخدها قدام الناس كلها، وأبوه علم عليك قدامهم، ورضوان خلاك تعملها على روحك قدام البلد كلها. يا خبتي الجوية فيك."
أمسك أرجيلته وكسرها على الأرض وسب زوجته.
"ما تحطِ جزمة قديمة في خشمك وتسكتي، وليه ندابة بصحيح؟ كنتي عاوزاني أعمل إيه يا أختي؟ مش دي فكرتك المهببة إني أفضحها يا ولية يا فقر؟ بعد ما سمعتيها مع ابن النمر وقولتي إنها بتخرج معاه آخر الليل؟"
"أنا يا راجل، قولت تفضحها ولا تهددها وتخليها تمضيلك على عقد تنازل هي وأختها عن الأرض والدار. أهي طلعت متجوزاه يا خويا ويتقبله. يلا، أهي نفذت بس من أول ضربة. خليني أتكتك ليها كده ونشوف هنعمل معاهم إيه، ولاد زينات."
نظر لها بسخرية:
"تكتكي يا أختي، بس بسرعة قبل ما الناس يكلمونا."
ينظر لظرف ملقى أمامه على الفراش منذ أمس، لا يعرف كيف يتصرف. أيحرقه ويتخلص منه، أم يفتحه ويرى ما بداخله؟ عقله يخبره أن يحرقه ويتخلص من أي شيء يخص بلال بعد ما فعله به. وقلبه يخبره أن يقرأ، لعل هناك شيء يجعله يغفر له ويسامحه. ولطيبته يفوز قلبه ويمد يده ليفتح الظرف ويخرج ما تركه أخيه له. قرأ أوراق الوصية، وبعدها أمسك رسائله له. أمسك رسالة منهم وفتحها وكانت بها:
"أخي ورفيق دربي،
أتمنى أن تقرأ هذه الرسالة بقلبك. أنا أعلم جيداً ما هو شعورك نحوي الآن، وأن صدمتك فيني كبيرة، ولهذا أنا أعتذر منك. أعتذر عن وقاحتي معك وتصرفاتي السيئة في آخر فترة، وأعتذر عن كل الأيام السودة التي عشتها بسببك. ولكن أقسم لك بمعزتك عندي أنك دخلت هذا العالم القذر ومع هؤلاء الأوغاد دون علمي. وعندما عرفت، كنت قد وقعت في المحظور وشاركت في جريمة ليس لك فيها أي ذنب. أعتذر منك لأنك كنت نقطة الضعف التي ضغطوا علي بها. وقاحتي تلك ومعاملتي السيئة معك كانت نتيجة لخوفي الشديد عليك. فإني أعتذر عن كل شيء صدر مني، وأتمنى أن تكون من بعدي بأمان. والله كنت سأبتعد عن كل شيء خطر لأجلك ولأجل أن أبدأ من جديد، ولكن الظاهر أن لم يكتب لي الله التوبة. ولكن سأفعل أي شيء حتى تكون بأمان، حتى لو كانت روحي هي فداك. أخي، وإذا قرأت تلك الرسالة، سأكون أنا ميت وأنت بأمان، وأريد منك أن تسامحني عن كل وجع سببته لك وعن أي لحظة خوف عشتها بسببى. ولكن أنا أعلم جيداً أنني لم أعرف أنك ستتعرض لكل هذا. فأنت الشخص الوحيد الذي لو تأذى أشعر بضعف وغربة، وأشعر بكسر ظهري. سامحني يا أخي، أرجوك أن تغفر لي. أنا أعلم جيداً أن داخلك طفل بريء سي سامحني من كل قلبه. أحبك أخي، أتمنى لك حياة سعيدة ودنيا جديدة تهنئ بها.
أخيك الكبير الذي يحبك أكثر من أي شيء،
بلال"
ختم تلك الكلمات بدموعه التي بللت وجنتيه، وتلك الورقة التي في يده. كانت دموعه تشبه الشلالات من كثرتها.
"مسامحك يا خويا، مسامحك من قلبي. اتحشتك جوي يا بلال، اتحشتك جوي يا نني عين أخوك. مسامحك، مسامحك يا سندي، مسامحك."
طرقات على بابها جعلتها تستيقظ وتفتح عينيها بتكاسل، كأنها تريد المزيد من النوم ولم يشبع جسدها من تلك الراحة التي أغمرتها منذ أن استلقت على هذا السرير. فركت وجهها بتذمر ووقفت على قدميها لتفتح لهذا المزعج الذي يظل يطرق وكأن الباب أصبح طبلة بين يديه يدق عليها. فتحت الباب وطلت برأسها لطارق، وجدتها فتاة بعمرها تقف أمامها تتأمل فيها كأنها ترى من تلك التي جعلت رضوان النمر يتزوجها. وجدتها مسك تتأمل فيها بطريقة أزعجتها كثيراً، وهذا جعلها تقلب وجهها لها وتحذرها بعينيها. فتوترت الأخرى وأدركت خطأها.
"ست مسك، الست رجاء بتقولك الغدا هيكون جاهز كمان ربع ساعة."
"قوللها نازلة، يا اسمك إيه؟"
ردمت الأخرى ابتسامة صفراء:
"اسمي عايدة يا ست مسك."
قالتها الأخرى وذهبت وهي تبرطم بالحديث:
"شكلها متنكة وأليطة وهتعمل فيها هانم من أولها."
أما مسك، فأغلقت الباب بعد أن ذهبت مباشرة، ولكنها وجدت الفراش فارغ ورضوان ليس به. فهي عندما استيقظت لم تلاحظ عدم وجوده. ظنت أنه في المرحاض، ولكنها طرقت على الباب أكثر من مرة ولم تجده بداخل. ولكنها انتبهت لهذا الصوت، صوت صهيل حصان. ورغم عنها ابتسمت، فهي تعشق هذا الصوت وخصوصاً عندما كانت صغيرة تذهب بصحبة أبيها لتركب على خيل صديقه.
بدون وعي، تحركت باتجاه الصوت حتى فتحت الشرفة ووقفت بداخلها، وبعدها وجدته على يمينها وهو ينطلق بحصانه بكل مهارة. كان كان… فارس. وجدته ينطلق بالحصان بسرعة شديدة وهو يمسك اللجام بيديه ويقفز فوق تلك القضبان الحديدية بمهارة كبيرة. حتى جلوسه فوق الحصان كان رائع، كأنه هو والحصان واحد. فهو لم يتحرك أو يميل أو يفقد اتزانه بسبب تلك السرعة الفائقة التي يركض بها الحصان. وعندما ينتهي من النط على القضبان يلف بالحصان ويعود يقفز عليها من جديد.
"رائع، كم كان رائع."
نطقتها دون شعور منها في تلك اللحظة، فهي لم ترى أحد يركب الخيل بمهارة هكذا مثله… حتى بلال لم يكن عنده تلك المهارة مثل رضوان رغم ركوبه للخيل.
"بلال."
نطقت اسمه وهي تتابع بعينيها رضوان، ولكن ظهرت صورة بلال مشوشة أمامها الآن، وكأن ذاكرتها لم تستطع أن تحدد ملامحه الآن وصورة رضوان هي التي تجتمع بدلاً عنه. فنفضت عن رأسها كل ما تفكر فيه.
"لأ لأ، أكيد بس عشان لسه صاحية من النوم ومش مجمعة. بس هو ده السبب، أكيد. آه، أكيد ده السبب."
ولكنها رفعت عينيه عندما سمعت صوت شخص يسأل عنها، فنظرت لهذا الرجل الذي يقف مع أحد الغفر.
"لو سمحت، مدام مسك موجودة هنا؟"
"أيوة يا بيه، نجولها مين؟"
رد عليه الآخر:
"أحب أنا أعرفها بنفسي أنا مين، بس بلغها إن في حد عايزها."
"طب اتفضل معايا جوا لما أبلغ البيه الأول."
تحرك هذا الضيف ورائه، وأثناء سيره رفع رأسه فوجد تلك التي تقف في الشرفة تنظر له. فنظر لها ول هيئتها ولشعرها الذي يغطي جسدها من كثافته وطوله، فكان شعرها أسود به لمعة جميلة. أعجبته، فرغم عنه ابتسم لها. ولكن الاثنين فاقوا على صوت صراخ حاد.
"مسك!"
لم يكن هذا غير رضوان الذي رآها وهي تقف في الشرفة بدون حجاب وهناك من يتأمل فيها أيضاً. ركض الضيف لداخل خائفاً عندما أدرك خطأه. وأما هي، فنظرت له باستغراب لصراخه القوي هذا باسمها. وجدت الشرار يتطاير من عينيه ويشير بيده لها على رأسها، فوجدت يديها تمتد لا إرادياً على رأسها. فجحظت عينيها عندما سلمت شعرها بيدها وتذكرت عدم ارتدائها لحجابها وابتلعت ريقها بخوف. ولكنها وجدت جسدها يرتعش أكثر عندما سمعته يقول:
"ليلتك سودا يا مسك."
رواية مسك الليل الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة طارق
يجلس جابر أمام هذا الضيف الذي أتى خصيصًا لزوجة ولده ويصر على عدم الحديث إلا أمام مسك.
"أسمع يا... جولتي اسمك إيه؟"
أجاب الآخر: "عيس سليمان يا جابر بيه."
هز الآخر رأسه.
"اسمع يا أستاذ عيس سليمان، إحنا حرمنا مبيجعدوش مع غرب. فياريت تجول عاوز منها إيه وأنا بنفسي هبلغها."
تحدث جابر باحترام رغم عدم الراحة التي يشعر بها لهذا الرجل منذ أن رآه.
أنزل عيس فنجان قهوته الذي يحتسيه وأصر على وجود مسك في تلك الجلسة.
"مش هينفع والله يا جابر بيه، لازم أشوفها، دي أمانة ووصية ميت. وأنت راجل سيد العارفين وبتفهم في الأصول، واكيد هتفهميني وهتقدر طلبي زي ما أنا قدرت وجاي أنفذ الوصية."
رغم أن رده هذا وضع جابر في موقف محرج، وظن عيس نفسه ذكيًا بعد جملته الأخيرة، إلا أن جابر رد عليها بذكاء يفوق ذكاءه لأنه فهم لعبته بالحديث.
"بس هو اللي بيفهم في الأصول ده بيروح لبيوت الناس يسأل عن حرمهم ويطلب إنه يشوفهم ويقعد معاهم قبل ما يسأل عن راجل البيت ويستأذن منه قبلها. مش المفروض تشوف راجلها رأيه إيه، ولا حد جالك إنها زريبة؟"
حمحم عيس وشعر بالحرج الشديد، ولكنه حاول تبرير فعلته بأي حديث.
"معلش يا حاج جابر، العيشة في القاهرة بتنسي الواحد عاداتكم في الصعيد. أصل إحنا عندنا عادي الستات تقابل رجالة طالما في شغل أو مسألة مهمة."
رد عليه جابر بصرامة ولكنها هادئة.
"لأ. معلش يا أستاذ عيسى، مش كل العائلات أكده، في ناس برده عارفة الصح من الغلط رغم إنهم برده عايشين في القاهرة أو في أي بلد أو قرية. عمومًا الحلال باين والحرام باين. ومعرفة إن أي ست يتقابل راجل من ورا راجلها أو بيتقابله بدون علمه أو في أي مكان مقفول يبقى حرام، وخصوصًا لو بدون محرم في وسطيهم."
"بس... أنا..."
أشار له بيده أن يصمت وأكمل.
"إحنا مش في محكمة عشان تبرر موقفك. أنا خابر كيف الحياة عندكم في القاهرة، بس أنت لازم تاخد بالك إنك في الصعيد. وهخليك تشوفها بس مش هنسيبكم لوحدكم. أظن كده كلامي واضح. ووصيتك الغريبة دي نعرفها من مين؟ أمها الله يرحمها كانت على جد حالها، ما حالتها إلا بيتها."
قال جابر ما يدور في عقله لأنه ظن أن هذا المحامي قادم من ناحية والدة مسك وأن الوصية التي معه هي وصية تقسيم البيت بينها وبين ابنتها مثلًا حتى لا يشاركون خالهم فيها، هذا ما توصل له عقله حتى الآن ويتمنى أن يكون هكذا، فهو غير مرتاح لتلك الجلسة.
وأثناء حديثهم دخل رضوان، كاثور الهائج، وأمسك عيس من تلابيب ملابسه وصرخ في وجهه حتى جعل الآخر من كثرة خوفه منه جعله كاد يتبول على نفسه. كاد صوت رضوان يصم أذنيه.
"اسمع يا جدع أنت، أنت تاخد بعضك وتغور منها برجليك الاتنين أحسن. أقسم بالله الواحد الأحد لخليك تخرج على نقالة. يلا غور."
رماه رضوان من يده ناحية الباب ولم يعي رضوان بوجود والده، وكأن الغيرة تأكله لدرجة أنه لم يرى والده من الأساس.
كاد عيس يركض من أمامهم، ولكن وجد والده يصرخ وينادي عيسى ويطلب منه الجلوس. وظل يعتذر وصرخ في ابنه.
"إنت أكيد اتجننت، إزاي تعمل في الراجل كده وهو ضيفك؟ مفيش أي احترام لوجودي."
"أبويا، وجودك على عيني وراسي. بس البني آدم ده لازم يخرج وكلمتي لازم تمشي."
تلك الجملة الأخيرة جعلت غضب جابر يزيد أكثر على رضوان، الذي وقف أمام والده وفي المنتصف كان يقف عيس يرتعش بينهم.
"كلمة مين يا جليل الحية اللي تمشي؟ كلمتك دي تمشيها على مراتك، لكن طالما أنا موجود في البيت ده كلمتي وهي اللي هتمشي على الكبير والصغير هنا. وصوتك ده لو عالي تاني هطردك من البيت كله. يلا روح هات مراتك."
جحظت عين رضوان، لأول مرة يسمع هذا الكلام من أبيه. ورغم حزنه إلا أنه رفض وجود مسك وعاند أبيه.
"وأنا قولت هيخرج يا بابا ومسك مش هتقابل حد، ودا يغور في ستين داهية..."
ولكن لم يكمل كلمته وابتلعها ولم يستطع حتى تكملتها.
"بس إني هجبله يا رضوان..."
التفت لها بصدمة وجز على أسنانه وأردف بغضب.
"اطلعي فوق دلوقتي أحسنلك."
رغم خوفها منه، ولكنها أصرت.
"سيبني بس أشوفه محتاج مني إيه ويعرفني منين."
صرخ بها حتى جعل جسدها كله ينتفض.
"قولتلك غوري على فوق ورجلك متخطيش بره الزفت الأوضة وإلا هكسرهالك. غوري، إنتي هتفرجي عليه."
ينهج بسبب صراخه القوي وكاد الدماء تنفجر من وجهه من كثرة غضبه، وهي تراجعت للخلف بقدميها برعب من هيئته. حتى والده صدم من رد فعله غير الطبيعية. فلأول مرة يرى رضوان بتلك الهيئة، فولده دائمًا هادئ ويتحدث بعقلانية وشخصيته هادئة جدًا وكان نادرًا ما يراه غاضبًا، ولكن حتى لم تصل لتلك الدرجة.
هرولت من أمامه بسرعة خائفة منه، ولكن تجمدت بأرضها عندما سمعت عيس يقول:
"أنا جاي من طرف بلال."
وعندما وجدها توقفت أكمل بسرعة.
"بلال كتبلك 20% من ورثه ليكي."
انتهز عيسى فرصة وجودها وأخبرها بما يريد رغم العواقب التي سيراها من رضوان.
"ارتعش بدنها عند ذكر اسمه، وايضًا اندهشت من تلك المفاجأة الأخرى، هل فعلًا فعل بلال لها هذا؟"
أغمض رضوان عينيه وضغط على يديه، فقد حصل ما أراد أن يخفيه ليس عنها فقط بل عن أبيه أيضًا، الذي استغرب من حديث عيسى والذي وجه حديثه له.
"وأيه دخل بلال بمرات ابني؟ وايه اللي يخليه يكتب جزء من ورثه ليها؟"
هنا توتر رضوان ودب الرعب في قلبه، هو حاول أن يطرد هذا الحقير حتى لا يعرف أبيه أي شيء.
"أبويا... أبويا... أنا هقولك بعدين... بس..."
"أنا مسألتكش أنت." يقولها وهو ينظر باتجاه عيسى ومسك التي كانت اقتربت من رضوان وعيسى، ولكنها لأول مرة تختبئ خلف رضوان من نظرة جابر لها التي كادت تحرقها. تمسكت مسك بقميص رضوان بيد مرتعشة واختبأت خلف ظهره تحتمي فيه.
التفت لها برأسه ونظر لها ليطمئنها قائلًا: "متخافيش."
لم ترد بل هزت رأسها له وظلت متشبثة في قميصه.
هنا نطق عيسى ليهرب من تلك الحرب الصامتة، لكنها بعد قليل ستسوأ. وأراد الهرب قبل أن يسوء الوضع أكثر، فنطق بسرعة وهو يخرج الأوراق من حقيبته.
"مدام مسك، دي أوراق الوصية اللي بتملكك 20% من ورث الدكتور بلال المنسي، وكمان معاها جواب خاصة ليكي من الدكتور بلال، واتمنى تقرأيه لأنه وصاني عليه أكتر من ورق الورق نفسه."
مد يده بالأوراق، فنظرت له ونظرت لرضوان. كانت عيون رضوان كلها أمل أن ترفض أخذه أي شيء يخص بلال، كان عنده أمل أن تختاره هو وليس بلال. ولكن خذلته كالعادة واختارت بلال، فمدت يدها لعيسى وأمسكت الأوراق منه. وبعدها هرول بسرعة للخارج، ولكن وجد من ينتظره أمام الباب وأخذوه كما أمرهم رضوان.
أما هي فظلت خلف رضوان تنظر للأوراق التي بين يديها، وبعدها سمعت صوت رضوان بهدوء عكس صراخه قبل قليل.
"اطلعي فوق يا مسك ومتنزليش غير لما أبعتلك."
كادت تخطو، ولكن منعها جابر بعد أن أمسك بيدها بقوة وصرخ.
"مش هتتحركي من هنا غير لما أعرف إيه صلتها ببلال المنسي."
اقترب رضوان وأمسك بيد والده يحاول أن يبعدها عن مسك ولكن دون أن يضغط عليه بقوة.
"سيبها يا بابا ميصحش كده."
نهره والده.
"اخرس أنت متتكلمش، ليك عين تتكلم بعد ما جبتلنا عجربة (عقربة) كانت مع قاتل أخوك، والله أعلم إيه اللي كان بينهم."
"أبويا..." صرخ بها رضوان وهو ينزع يد والده بقوة من على مسك التي تبكي حتى كاد يغشى عليها من الخوف.
جحظت عين جابر من فعلة رضوان ونظر ليده التي شدها رضوان بقوة لدرجة أن أصابع رضوان طبعت على يده من قوة الشدة.
"اطلعي فوق يلا." قالها لها رضوان حتى يخرجها من تلك اللحظة لأن والده ممكن أن يهينها أكثر من هذا. ركضت الأخرى هاربة من أمامه بسرعة خائفة منه، ولكن تجمدت بأرضها عندما سمعت عيس يقول.
"أنا جاى من طرف بلال."
وعندما وجدها توقفت أكمل بسرعة.
"بلال كتبلك 20% من ورثه ليكي."
انتهز عيسى فرصة وجودها وأخبرها بما يريد رغم العواقب التي سيراها من رضوان.
"اطلعي فوق يلا." قالها لها رضوان حتى يخرجها من تلك اللحظة لأن والده ممكن أن يهينها أكثر من هذا. ركضت الأخرى هاربة من أمامه بسرعة خائفة منه.
تنهد رضوان وحاول أخذ نفس عميق ليستطيع أن يتحدث مع والده ويخبره بكل شيء أخفاه عنه، ولكن...
"اطلع بره... بره بيتي يا عاق، بره بقولك." صاح جابر بآخر كلمة.
ولكن رفض رضوان التحرك.
"يابا اسمعني الأول وبعد كده اعمل اللي انت عاوزه."
ظل جابر يطرده للخارج ويدفعه ناحية الباب.
"بره أنت والتعلبة اللي دخلتها بيتي وخلتها بقت ستة وفى الآخر تطلع مصاحبة بلال اللي قتل أخوك، تلقيها مدبرة العملية معاه، تلقيها دبرت كل حاجة عشان متطلعش خسرانة ولو واحد اتقتل التاني يسد مكانه، مش كده؟"
رد رضوان على والده.
"لأ يا بابا، مسك أشرف من أشرف بنت عرفتها وأطهر من كده بكتير. مش مسك يا بابا اللي تشارك في دم حد بريء ولا حتى شيطان، دي أجبن من كده بكتير يا بابا...."
انخفض ليد والده وحاول تقبيلها وهو يقول: "ورحمة رشاد يا حاج، ورحمة رشا لتمسّعني للآخر، بعد كده مش هتشوف وشي تاني هنا في الدار، بس اسمعني."
بعد حلفانه برحمة أخيه، رضخ جابر ليسمعه، ولكنه وافق ليستمع له، ليس بسبب رشاد فقط، بل لأجل ذلك الغلاف الشفاف الذي ظهر في عين رضوان يوحي بانهياره لو لم يسمعه.
قص له رضوان كل شيء يخص مسك وعلاقتها السابقة ببلال، ولكن لم يذكر أنها أخبرته أنها ليست عذراء حتى لا يزيد الطين بلة. بالفعل كان والده يعرف أنها تريد الزواج من شخص معين ووالدتها ترفضه دائمًا، ولكن لم يذكر لوالده اسمه هذا الشخص خوفًا من ردت فعله وأن يكره مسك قبل أن يراها. ولكن ما جعل جابر يهدأ قليلًا بعد أن عرف أنها هي من تخلصت منه وكان لها جزء كبير من رد حق ابنه وفرحتهم بهذا.
تنهد رضوان.
"بس يا بابا، أدي كل اللي حصل. أنا عارف إنها غلطانة، بس هي اعترفت بغلطها ده والحمد لله إنها فهمت في الوقت المناسب قبل ما الموضوع يطور عن كده. وطالما عرفت غلطها يا بابا تبقى تستحق دنيا جديدة. وأنا كمان يا بابا حابب أعيش حياة ودنيا جديدة ومش هعيشها من غير مسك. فايتختارها وتختارني، يا نمشي. أنا هقعد يبقى هي تقعد قبلي. دي خلاص بقت مراتي يعني كرامتها من كرامتي وراحتها من راحتي."
نظر جابر له يحاول التفكير في حديث رضوان ويقلب الحديث في رأسه. ولكن انتفض عندما وجد رضوان يركض للخارج ويصرخ وينادي مسك.
رأى رضوان النار خلف نافذة المكتب، كانت نيران قوية جدًا تأكل أي شيء يقترب منها. ظل يركض بكل سرعته حتى وجد ما جعله يتوقف، رآها وهي تبكي أمام النار وتمسك بمظروف والأوراق التي أعطاها لها عيسى من بلال، وهي تمسكهم وتقطعهم لقطع صغيرة، وكل قطعة تلقيها بقوة في النيران وكأنها لا تمزق الأوراق بل تمزق ذكرياتها مع بلال وتلقي في النيران لتحرقها، تشعر أنها تمزق كل صفحة في كتاب حياتها كتب فيه اسم بلال وتحرقه لكي تنساه وتعيش من حديد.
اقترب منها ورأى حالتها الحزينة وكأنها تائهة وتريد قشة النجاة، وكأنه هو تلك القشة، لا، ليس قشة، ولن يقبل أن يكون مجرد قشة ضعيفة تريد التعلق بها، بل يريد أن يكون لها مركب النجاة التي تبحر معها وتحميها حتى لا تغرق في بحر الحياة الغدار.
عندما شعرت بلمسته، ارتتمت في أحضانه تبكي وتبكي بكاءً لو أنك حجر كنت لنت وادمعت من بعد سماعها، يكفيك فقط شهقاتها التي تخرج من قلبها، كأنها تكويها لتجدد خلاياه وتجعله يبدأ من جديد. ها هي تعاقب على ما فعلته، ولكن من رحمة الله عليها هونه وأعطاها فرصة جديدة لأن الله يعلم نقاء قلبها وأنها أدركت خطأها وتريد التوبة عنه، ولكن يجب أن تدفع ثمن ما فعلته، وها هي دفعت الثمن.
ركض جابر خلف ابنه للحديقة الخلفية ورأى حالتها تلك، رغم كل غضبه منه وكل الأفكار السيئة التي جمعها شيطانه في عقله من ناحيتها، إلا أن صوت بكائها شق قلبه وجعله يرق لها من جديد. وأخذ وعدًا أنه لن يتدخل في حياة رضوان، وخصوصًا عندما يكون يخص زوجته، فله اختياره ويتحمل نتيجته أين كانت النتيجة لصالحه أم ضده، ولكن يكفيه المحاولة معها، لعل وجوده معها مقدر من عند الله.
وعندما رأى دموع ابنه تهبط على خديه، علم أن ابنه وقع في المحظور وهو (العشق). لم ينطق بكلمة معها، بل تركها تخرج كل ما بداخلها في أحضانه. يضمها بقوة كأنه يريد أن يدخلها في قلبه ويحميها من أي شيء. ضعف هو الآخر وظل يبكي وأخرج كل ما بداخله من ضيق كتمانه وجعه طوال تلك الفترة وأخرج كل معاناته في أحضانها، وهي فعلت مثله وأخرجت كل ما بداخلها وكأنهم يغسلون قلوبهم من كل ألم عاشوه ليعودوا من جديد.
ظلوا على تلك الحالة فترة كبيرة لا يعلمان عددها. وبعدها حملها رضوان بين يديه وسار بها حتى دخل البيت وتخطى والده ولم ينظر له، بل لم يرى أي شيء غير وجهها الذي تخبئه بين أحضانه وصعد بها للأعلى. ودخل غرفته واقترب من الفراش ووضعها عليه وأمسك قدمها وخلع حذاءها، وهي تخبئ وجهها داخل الوسادة. دموعها توقفت عن الهطول، ولكن لم تتوقف شهقاتها عن الخروج، فظلت تشهق حتى شعرت أن روحها سوف تخرج من استمرار شهقاتها تلك.
نام بجانبها بعد أن عدل وضعية نومها ليريح جسدها وجلب لها الماء وجعلها ترتشف منه القليل، ولكن لم تستطع الشرب بسبب شهقاته القاتلة لقلبه تلك. حاول أن يجعلها تشرب القليل وبعدها ضمها له وظل يردد آيات قرآنية حتى تهدأ وهو يضمها ويمسح بيده على رأسها وهو يتلو القرآن والرقي الشرعية أيضًا. ظل يرددها لها حتى شعر بثقل رأسها على صدره، فعرف أنها قد غفت. وعدل من وضعيتها مرة أخرى وبعدها نام وهو أيضًا وهي بين أحضانه ليريح رأسها على صدره. ولكن قبل أن تغفو عيونه قبلها من رأسها ودعا الله لها براحة القلب والنفس والبدن وراحة العقل.
وبعدها غفت عيناه بعد أن أخذ قرارًا أن يبدأ معها حياة جديدة وسيجعلها تعيش معه أجمل أيام حياتها وعاهد نفسه أنه سيجعلها تحبه لدرجة كبيرة وسيكون قلبها ملكه في أقرب وقت ليساعدها على ترميم قلبها من جديد.
رواية مسك الليل الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سارة طارق
ارتفعت أصوات الناس معتذرين له ولزوجته بعد ما شعروا بندم تجاه ما فعلوه من قول أو فعل في انتشار الإشاعات.
"حجك علينا يا رضوان بيك، وحياة حبيبك النبي يا شيخ ماتزعل مننا، دا إحنا بنحبك والله، بس انت عارف الشيطان شاطر لما بيوسوس للبني آدم."
ضحك رضوان بسخرية.
"الشيطان بردو هو اللي شاطر يا بيومي، يا راجل دا الشيطان لما جه البلد لقاكم مش محتاجينه في حاجة، فقام ولف ورجع تاني، خاف على نفسه منكم."
ضحك الجميع على مزحته وظلوا ينهالون عليه بالاعتذارات.
"والمسيح الحي ما تزعل يا رضوان بيه، إحنا ما يهونش علينا زعلك، وعلى استعداد إني وأهل البلد إننا نصلح غلطنا، بس انت قول اللي يرضيك."
قالها جرجس الذي خرج من بيته على أثر صوت الصراخ.
حك رضوان ذقنه وهو يفكر في حديث جرجس، وظل يفكر في عقاب لهم جميعاً يرضيه، فابتسم بخبث عندما نطق:
"فيه حاجة لو عملتوها، هتبقوا كده اشتريتوا رضايا."
نظر لوجوههم، رآهم على أتم الاستعداد لتنفيذ ما سيقوله.
"كلكم تحضروا فرحي على مسك الليل بعد أسبوع في الدوار عندنا، ومجموعة منكم تيجي تساعد في الفرح."
هلل الجميع بتلك المفاجأة التي لم يتوقعوها.
حتى هو لم يتوقع أن يقول هذا، ولكن هو قال ما يتمناه قلبه، هو يريد أن يفرح ويفرحها معه، يتمناه أن تكون سعيدة بذلك الخبر.
نزلت عليه المباركات مثل المطر، واقترب رجل من بين الجميع اسمه حسين ونطق بفرحة:
"ألف مبروك يا رضوان بيه، بمناسبة الخبر الحلو ده، جلبية فرحك هفصلهالك عندي في الدكان."
هز رضوان رأسه بفرض ونطق بسرعة:
"أبوس إيدك ابعد عني يا حسين، كفاية الجلابيتين اللي عملتهم ليا وبوظتهم."
نطق الآخر بصدمة لا تصدق:
"أنا يا بيه بوظتهم؟ والله حرام عليك، دا أنا إيدي تتلف في حرير."
نطق الآخر عليه بسخرية:
"قصدك لوف، إيدك تتلف في لوف.. بقا يا راجل أبقى جيبلك قماش دافع فيه دم قلبي وأقولك عايز جلابيتين يكونوا قصتهم جديدة، تروح عامل لي جلابية يدوبك وصلت لتحت ركبي وبقيت شبه سعيد صالح في العيال كبرت، والتانية عامل لي كوم قصير وكوم طويل، ولما أسألك إيه ده، ترد تقول لي كوم صيفي وكوم شتوي."
"بس ما تنكرش إنها جديدة، محدش عمل كده غيري، حتى ما خطرش على بال ياسمين عز نفسها."
"طب غور يا حسين، أريحك يا حسين مش لابس جلاليب، أريحك أكتر أنا هلغي الفرح، انبسط بقا."
قال رضوان وتركه وذهب، وسمعه وهو يصرخ خلفه:
"برضه جلابية فرحك هتتفصل على إيدي وتبقى هديتي مني ليك، والحلوي أبو جنحات ده خده عندي المحل يروجهولي، أصله وسخ زيه."
ابتسم رضوان وهو يكمل سيره دون أن يلتفت له.
وأكمل سيره حتى وصل للبيت.
دخل البيت حتى وجد غفير البيت يهرول إليه:
"رضوان بيه، ست مسك خرجت من شوية، ولما سألتها انتي راحة فين مردتش عليا، وكان شكلها غضبان وبتجري بسرعة."
ارتعب رضوان وصرخ في وجهه:
"ومرحتش وراها ليه؟"
"متخافش يابيه، أنا بعت مصلحي وراها، وهو لسه مكلمني وجالي أنها في المستوصف."
لم ينتظر رضوان بقية حديثه وانطلق بسرعة للخارج ليعرف ماذا فعلت تلك الفتاة التي تسير المصائب وراها كالمغناطيس.
"أنا لو أعرف إن معرفتي بيكي هتطمرمطني كده كنت... كنت... والله ولا هعمل حاجة، دا أنا قصادها ببقى بوء على الفاضي، حتى الهيبة بتختفي قدامها."
ركب سيارته وانطلق بها، ولحسن حظه كانت أمام البيت.
كانت صرخاتها تهز المستوصف وهي بين يدي مسك التي تمسك شعرها حتى أصبحت خصلاته تتقطع بين يديها.
كانت مسك تمسك تلك الممرضة، تضربها بقوة حتى تشوه شعر تلك الممرضة ووجهها من كثرة الضربات.
كان الجميع يتابع ما يحصل، ولم يتجرأ أحد على الاقتراب خوفاً من تلك المتوحشة، وأيضاً لأنها معروفة زوجة من تلك، ولا يستطيع أحد الاقتراب منها أو لمسها.
كانت تلك الممرضة تستغيث بزملائها ولكن لم يقترب أحد منهم.
ولكن من أنقذها من بين يد مسك؟
وقف بسيارته أمام المستوصف وهرول لداخل عندما سمع صوت صرخات، ومن بينهم صوت مسك.
دخل وتفاجأ بتلك الفتاة التي تنام على الأرض وتحاول أن تغطي وجهها بسبب ضرب مسك التي تجلس فوقها وتبرحها ضرباً في جميع جسدها.
هرول لها بسرعة وحاول أن يبعدها عن تلك التي تحتها، ولكن لم يستطع، فصرخ فيها وهو يبعدها:
"سبيها يا مسك، حرام عليكي، هتموت في إيدك، سبيها."
لم يجد منها أي رد، وظلت تضربها كأنها لا تسمعه.
فصرخ فيها مرة أخرى:
"حرام عليكي يا مفترية، إيه كل اللي عملتيه فيها ده ولسه مشبعتيش من ضربها؟"
قالها وهي يحاول أن يرفعها عن تلك المستلقية تحته.
فرفضت النهوض وردت عليه دون أن تنظر:
"لأ، لسه شوية."
لم يستطع أن يتمالك نفسه وكتف يدها وأجبرها على النهوض بقوة حتى غرزت أصابعه في ذراعها.
ظلت تصرخ تحاول الهرب منه لتكمل على تلك السفاحة كما تلقبها مسك.
هرولت الفتاة بسرعة وابتعدت عنها وهي تبكي وتمسح الدماء من وجهها وتسب مسك:
"منك لله يا شيخة، ربنا ينتقم منك، شوهتيني."
"أهو بص بتدعي عليا، سبيني بجولك سبيني عليها عشان أوريها التشويه على حج."
قالتها وهي تحاول أن تفلت من بين يديه لتضرب تلك الممرضة مرة أخرى لتتطفئ نارها.
كتفها رضوان بقوة:
"اثبتي بقا، فرهدتيني، عايزة تشوهي فيها إيه أكتر من كده، أنتي ما سبتيش حتة في وشها معلمتيش عليها."
"لأ، لسه في حتة جمب ودنها فاضية أهيه، سبيني أروح أملاها."
فتح فمه ببلاهة وصدمة ونطق بسخرية:
"هي كراسة رسم؟ ماتهدي كده وتفهميني ضربتيها ليه."
هنا توقفت مسك عن الحركة وتوترت وابتلعت ريقها عند سؤاله هذا.
"شايفك سكتي يعني."
فنطقت تلك الممرضة التي ضربتها مسك:
"والله يا بيه ما عملت حاجة، هي اللي اتهجمت عليا، حتى اسألوا زمايلي."
صرخت فيها مسك:
"كذابة، أومال الورم اللي في دراعي ده بسبب مين، مش بسببك انتي ياسفاحة."
وكادت تنقض عليها مرة أخرى، ولكن أمسكها رضوان وحملها ونظر للممرضة قائلاً باعتذار:
"أنا بتأسفلك بنيابة عن مراتي، وتكاليف علاجك على حسابي كلها، هي وحق البهدلة اللي تعرضتيلها دي قصاد زمايلك."
قالها وانطلق من المشفى للخارج ومسك التي تصرخ بسبب حديثه عن تعويض تلك الفتاة.
فتح السيارة وأجلسها في المقعد الأمامي وثبتها بحزام الأمان.
"أوعى، سبيني أدخلها السفاحة اللي هتموت الناس دي."
ولكنها ابتلعت باقي حديثها وهي ترى عينيه المثبتة عليها والتي يملأها التحذير.
ابتلعت ريقها بخوف، ولكن زاد توترها بعد أن وجدته يقترب منها أكثر.
رفع حاجبه ونظر لها بغضب مكتوم:
"ضربتيها ليه يا مسك."
لم يجد رد.
"ماهو أكيد أنتي مش مجنونة لدرجة إنك تتضربيها كده من غير سبب، فاحسلك انطقي."
حاولت إرجاع وجهها للخلف ولكن لم تستطع بسبب الكرسي، أم هو فراقه هذا الوضع كثيراً؟ تمنا أن تصمت قليلاً حتى يظل هكذا لبعض الوقت، راقه الوضع، ففي النهاية أصبحت زوجته، وهذا ما يجعل أي شعور معها لطيف وله طعمه الخاص.
وجدها تقول:
"طب بعد عني شوية عشان أتكلم."
"ما تتكلمي، هو أنا ماسك بوقك."
صرخت به:
"بطل قلة أدب وابعد عني."
ضحك بسخرية:
"على فكرة أنتي مراتي، بس ماشي هبعد عنك حاضر."
ابتعد عنها وركب سيارته ولم يتحرك بها، بل ظل ينتظرها تتحدث.
حتى بدأت قائلة:
"أنا أول ما صحيت الصبح حسيت بدوخة، فعرفت إن ورد أختي تعبانة."
نطق بسخرية:
"وإنتي إن شاء الله أول ما تحسي بدوخة تبقى أختك تعبانة؟ وإزاي ده بقا؟"
"عشان إحنا توأم، فلما هي تحس بحاجة وتتعب، أنا كمان بحس بيها والعكس. أنا مش أي دوخة هقول ورد تعبانة، لأ، إحساسي بورد حاجة مختلفة عن أي حاجة، أصل إحنا من يوم ما اتولدنا كده، بنحس ببعض. المهم، جه في بالي أكلمها وأقولها تاكل، أصل ورد دايماً تنشغل في شغل البيت وتنسا أكلها. وفضلت أكلمها مابتتردش عليا، قولت يمكن بتعمل حاجة ومش فاضية. المهم استنيت وجولت ابقى أكلمها، بس نسيت. وبعد ساعة حسيت بنفس الدوخة بس أقوى من الأول، وبعدها على طول حسيت بدراعي بيوجع قوي، ولما كشفت دراعي لقيت وارم قوي لدرجة إني ما كنتش قادرة المسّه."
"أيوه بردو كل الرغي ده وبرضه ما قولتيش بتضربيها ليه وإيه سبب الخناقة؟"
نطق بغضب من ثرثرتها.
ردت عليه بغيظ:
"اصبر عليا، مش بحكيلك.. أنا كده بحب أحكي من الأول، عجبك على كده عجبك، مش عجبك يبقى ما تسألش."
صفط على شفته السفلية بغيظ وسايرها:
"لأ، إزاي عجبني، اتفضلي المايك معاكي وصدعي دماغ أمي."
رغم سخريته ولكن لم تعره أي اهتمام وأكملت قصتها:
"المهم، لقيت دراعي وارم قوي، لدرجة إني جعت أعيط من جوة الوجع، فحسيت بورد إن فيها حاجة وإن الوجع ده بسببها. كلمتها لقيتها بتعيط. ولما سألتها قالت لي إنها حامل."
لم يندهش رضوان كثيراً وسخر:
"حتى وهي حامل بتعيط؟ أنا بقيت أشفق على بدر والله، أختك بتشتري النكد من الهوا اللي بتتنفسه."
"احترم نفسك وملكش دعوة بأختي. ولما أنت فالح قوي كده ولسانك طويل، ما تروح تربي الممرضة دي. أنا أختي تعبت وجابوها المستوصف جامد السفاحة اللي جوا دي، أدتها الحقنة بقوة لدرجة أن ذراع أخته اتصلب في لحظتها وورم وأزرق في ساعتها، ولما ورد زعجت معاها، ما عجبهاش وشتمت أختي وضحكت عليا المستوصف كله حتى بص."
رفعت كم عباءتها وأرته هذا الورم بالفعل، كان ذراعها منتفخ وبه زرقة شديدة. جعله جز على أسنانه من تلك الحمقاء التي في الداخل، التي من الممكن بسبب تهورها هذا أن تقتل شخصاً ما. فراجع عن شعوره بالذنب تجاهها وشعر أنها تستحق ما فعلته مسك معها.
"بس إنتي عرفتيها منين؟ المستوصف فيه كذا ممرضة."
"ورد وصفت لي شكلها، وهي أول ما شفتني افتكرتني ورد ولجحت عليا بالكلام. فأول ما ورد حكت لي وأن دراعها بيوجعها كده، وإن في حد كان السبب في أذيتها وأنها بتعيط، ما حسيتش بنفسي ولا حتى حسيت بوجع دراعي. كل اللي كان في بالي إن في حد أذى ورد، ولازم أجيب حقها."
هز رأسه بتفهم وقدر مشاعر الأخوة تلك، وخصوصاً أنهم توأم، فهذا الشعور في تلك الحالة يكون مضاعفاً.
حرك السيارة وذهب، وظل صامتاً حتى ابتسمت وهي تنظر له بامتنان:
"شكراً على اللي عملته لي، وإني جبت حقي من رجب قدام الناس، وحتى جبت لي حقي من الناس نفسها."
ابتسم لها وفرح لفرحتها وراحتها تلك.
"دا واجبي تجاهك يا مسك، أمانك وسمعتك، وراحتك حتى فرحتك مسؤوليتي، بلاش شكر على واجب أصلاً."
ابتسمت له، فهي فعلاً أصبحت تشعر أن الأمان يغمرها في حضرته، حتى لم تشعر بشعور الأمان هذا مع رجل غير والدها الحبيب.
"إنت عملت في إيه؟ احكي لي."
قصت عليه ما حدث بتفصيل وأخبرها أنها يمكنها التحرك في البلد بكل حرية وأن لن يستطيع أحد حتى رفع عينيه فيها. ولكن لم يذكر لها الآن فكرة الزفاف تلك.
"رضوان، عملت إيه مع مرات خالي."
"متقلقيش، خلتها متسواش بصلة، ومش هتقدر ترفع عينيها فيكي لا إنتي ولا أختك. هما أنا أصلاً طردتهم من البلد، يعني مش هتشوفي وشهم تاني."
"أحسن، في ستين داهية، أنا كل اللي هيجنني إزاي عرفوا إن أنا وإنتي اتقابلنا بعد عزاء أمي."
رد عليها:
"مرات خالك شافتني يوميها بعد العزاء وسمعتك وإنتي بتقولي لي إنك..."
ابتلع غصة مرة في حلقه واشتعلت نيران الغيرة في صدره والخذلان ظهر في ملامحه.
"يعني إنك مش بنت. ولحسن حظك أنها ما كانتش عارفة تسمع الكلام ساعتها بوضوح، بقت تجمع كام كلمة بالعافية لبعد المسافة. افتكرت إنك مش بنت بنوت بسبب أنا. وأحمدي ربنا إن ده حصل."
هربت دمعة من عيونه، يقتله هذا الشعور الذي يحرق صدره ويمزق قلبه كلما تذكر أن هناك من اقترب منها، وحتى أصبحت ملكه. لم يكن يشعر بتلك النيران لو كان هذا دون إرادتها، ولكن ما يقتله أنها أخبرته أنه بإرادتها كانت موافقة على اقترابه منها.
أغمض عينيه وضغط عليها وهو يتذكر تلك المقابلة التي أخبرته بها أنها ليست عذراء.
تنظر له بحيرة وتقول:
"ليه أنا؟ ليه دون عن بنات البلد؟ ليه من ساعة أول مرة شوفتك فيها وأنا بقيت أشوفك دايماً قدامي."
نطق بحزن ولكن جاهد لتغييره:
"أنا طول عمري قدامك، بس إنتي اللي ما كنتيش شايفة غيره.... ولو على سؤالك، ليه أنتي؟ عشان محدش خطفني زيك، حتى اللي أجمل منك معرفش يعمل اللي عملتيه فيا من أول نظرة من عيوني ليك.... مش بالحلاوة يا مسك، فيه حاجات كتير أهم.... وليه دايماً بتشوفيني؟ عشان بتوحشني وببقى خايف من زوال النعمة... بتشوفيني كتير لأني بشتاق لدوام النعمة."
كم كانت حروف كلماته صادقة، تخرج من القلب لها كأسهم المداوي لجراحها.
وهذا ما جعلها تتجمد وتصدم مع دموع عينيها التي ملئت وجهها، ناطقاً برجفة كأنها لا تصدق هذا الوصف الذي وصفه لها:
"أنا نعمة؟ إنت بتتمسخر عليا (بتتريق) يا رضوان."
"مقدرش."
لم ينطق غيرها.
هنا بدأت نبرتها تعلو وأخبرته بغلظة:
"إنت كذاب، كلكم كذابين زيك زي بلال.... أيوه، مفيش راجل بيعرف يحب صح، مفيش، أنا عمري ما هصدق إني نعمة ليك يا رضوان."
نطق بسرعة:
"كذابة يا مسك، كل حرف قولته لمس قلبك، بس المشكلة إنك عمرك ما هتحسيه ولا تعرفي قيمته إلا لما جرحك يطيب."
نطقت وهي ترفع كتفيها وتهز رأسها بيأس:
"عمره ما هيطيب، ما تحاولش عشان ما تعشمونيش وفي الآخر تفشل. وحياة الغوالي عندك، لتبعد عني، إنت مش وش بهدلة يا ابن الناس، صدقني، أنا مش شبهك ولا من مجامك."
لم ينطق غير بجملة واحدة، فهو لم يهتم بأي كلمة نطقتها ورد عليها بثقة:
"هيطيب يا مسك... وبكرة أفكرك."
وبعدها تحرك من أمامها، ولكن تجمد مكانه، وكأنك سكبت دلو ماء مثلج في ليالي الشتاء الباردة على رأسه، وهذا بسبب ذلك الاعتراف التي قالته الذي قلب كل الموازين وجعلته يشعر بتمزق قلبه لأشلاء صغيرة متناثرة على الأرض... لم يتوقعها منها.
نطقت بألم ينبع من داخلها:
"أنا مش بنت بنوت يا رضوان."
يحاول إبعاد تلك الفكرة عن عقله، تلك التخيلات التي تأتيه الآن وهي بين يد رجل آخر تحرقه. ولكن فاق على صرختها وانحدر بسيارته قبل أن يصطدم في عربة الخضار التي كانت قريبة منه جداً، ولكنه تفاداها بمهارة قبل أن يصطدم فيها هي وصاحبها.
نظرت له بخوف، فعند ذكر تلك الجملة الأخيرة انقلب حاله كثيراً. ليتها لم تخبره، ليتها لم تتحامق.
"وجف العربية."
وجدته ذهب بعالم آخر مرة أخرى، من تعبير وجهه تعرف بماذا يفكر ويشعر الآن.
لم تجد غير أن تتجرأ ووضعت يدها على يده التي تمسك بمقود السيارة.
شعر بلمستها فنظر لها نظرة أصابتها في مقتل، جعلت الندم يأكلها.
"وجف العربية يا رضوان."
أمتثل لطلبها وبالفعل أوقف السيارة في ركن ما حتى يصبحوا بمفردهم، فهو قرر عدم الذهاب للبيت والخروج سوياً. ولكن انقلبت تلك الخرجة لحزن.
تفرك يديها وتنظر للأسفل، تشعر بالخوف. ولكن سألته:
"هو أنا لو جلتلك حاجة هتصدقني."
ابتسم لها رغم حالته في تلك اللحظة وأمسك يدها:
"لو الدنيا كلها كذبتك يا مسك، أنا هصدقك."
تأوهت بتأثر، فكلماته تلك جعلت عيونها تلمع بدموع حتى كانت على وشك البكاء.
مد أنامله ومسح دمعاتها وشجعها على ما ستقول وعدم الخوف. فتشجعت ونطقت:
"أنا آسفة على كل لحظة صعبة حسيتها بسببي. وأسفة إني كذبت عليك وعيشتك في الوهم، بس والله العظيم كان غصب عني."
ابتلعت ريقها وقالت برعب:
"أنا لسه زي ما أنا، وبلال ما لمسش مني شعرة واحدة، وكل اللي قولته لك كذب."
ابتعد عنها وصدم من حديثها، لا يعرف أيفرح لهذا الخبر أم يحزن لأنها أخبرته عنها كل هذا حتى تبعده عنها. لتلك الدرجة كانت تكره قربه؟ تلك الفكرة التي ظلت ترن الآن في عقله.
"لو كنتي كارهة وجودي لدرجة دي، ليه ما قولتيش بدل ما كنتي هتبوظي سمعتك كده."
نطقها بخذلان منها.
فردت بسرعة:
"لأ والله مش كده، أنا كنت بعمل وبقول كده عشان تبعد عني صح، بس مش عشان كرهك، لأ، دا عشان حسيت إني مستاهلش واحد زيك في حياتي، وإنك أكبر بكتير من إنك تجوز واحدة زيي بعد كل اللي حصل. رضوان، إنت من أول ما جربت وبدأت تتردد علينا بقيت أحس حاجة معاك في مدة صغيرة عمري ما حسيتها قبل كده، حتى مع الراجل اللي قضيت معاه سنين. إنت عوضتني عن الأمان اللي كنت بحس مع أبوي الله يرحمه. نظرت الراحة اللي بشوفها في عيون أمي كانت بتقلقني، وكنت بحس إني خاينة لما أفكر ليه أحس معاك الإحساس ده وعمري ما حسيته من بلال. ليه لما بشوفك بطمن؟ ولما جربت منك واتجوزنا حسيت إن ربنا بيحبني وسامحني لأنه جابك حياتي. لدرجة إني ندمانة إني معرفتكش من بدري يا رضوان."
تأوه رضوان من جمال حديثها، أحس بقلبه سيخرج من بين ضلوعه من قوة وسرعة ضرباته. تأمل عينيها في كل حرف تقوله حتى شعر بصدقها.
"بتثقي فيا يا مسك."
هزت رأسها بنعم، فكان الخجل يعتلي وجهها حتى أصبح به بعض الحمرة التي تجعلها أجمل.
"أنا بحبك يا مسك."
ابتسمت له، لم تعرف بماذا تقول وردت:
"وأنا بثق فيك يا رضوان."
لم يكن هذا الرد الذي تمناه، ولكن لن يتعجل، فيكفيه ثقتها فيه. يعلم أن الحب لن يأتي بتلك السرعة، ولكنه سينتظر حتى لو لآخر عمره.
تأملها فيها، يشعرها بالحرج الشديد.
"ممكن توديني عند زينة؟ أما رجاء قالت لي أروح أزورها."
لم يهتم بما قالته غير "أمي". هل نادت أمه له؟ بأمي؟ يسعده سماع ذلك، فهكذا عرف أن مسك تأقلمت مع عائلته، وهذا جعله يسعد كثيراً. يكفيه كل هذا، لا يتمنا غير هذا. يكفيه أنها أثلجت تلك النيران التي تأكله وشعر بالراحة الآن تغمره، ليس لأنها عذراء، بل إنها رغم كل الحب التي كانت تحبه لبلال لم تضعف أمامه وحاولت أن تحافظ على عفتها، وأن هذا الباب أصبح ليس له وجود بعد الآن ولم يترك لها أي شيء يذكرها فيه. أصبحت الفرحة تملاء وجهه وشغل السيارة وانطلق إلى بيت زينة كما طلبت، والأبتسامة لم تفارق وجهه.
رواية مسك الليل الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سارة طارق
كان يجلس مع أبيه يرجعان بعض الأوراق. كانت ذبلت عيناه وكان بلكاد يفتحهم بصعوبة شديدة من كثرة التعب، فهو لم ينم منذ يومين إلا بضع ساعات فقط.
رأى جابر رضوان وهو يثائب والأرهاق ظاهر جداً على وجهه. لام نفسه لأنه ضغطه في العمل معه هذا الأسبوع.
"رضوان، قوم يا والدي. اطلع ريح. كفاية شغل النهارده وبكرة خده إجازة وارتاح. يلا، وأنا هخلص بقية الورق الصبح."
مسح رضوان عيونه بأصابعه حتى يستطيع أن يفتحهم ليقرأ الورق الذي بيده ورد عليه: "لا يا بابا. أنا خلاص قربت أخلص أهو، وبعدين إجازة إيه يا بابا اللي هاخدها؟ أنت نسيت اللي ورانا بكرة؟ ده بكرة يوم طويل قوي."
علم جابر أن رضوان لن يتحرك بسهولة، فخطف من بين يديه الورق ليجبره أن يصعد ليرتاح.
"هات الورق ده كده. يلا على فوق. خليني أطلع أنام أنا كمان. أنا تعبان بقالي فترة."
انتفض رضوان من مكانه وذهب لأبيه الذي كان يجلس على الكرسي المقابل له وينظر له بخوف شديد.
"مالك يا بابا؟ فيك إيه؟ أكلم الدكتور؟" قالها برعب على أبيه، فصحته في تلك الفترة أصبحت ضعيفة.
"لا يا والدي أنا بخير، بس أنا قصدي أني تعبان من الشغل ومنهادة الفلاحين." رد رضوان على والده بيأس منه.
"ما أنا قولتلك يا بابا أنا موجود أهو بدالك وهباشر كل شغل بنفسي بس أنت ترتاح وبلاش تجهد نفسك."
وقف جابر وأمسك عكازه واستند عليه وهو يخرج وخلفه رضوان ويقول: "أنا لحد ما أموت هفضل أشتغل وأتعب لحد ما أموت. لازم تبقى الأرض والطينة آخر ريحة أشمها يا ابني. إحنا عمرنا ما قولنا على شغل الأرض ده شغل كده عشان الفلوس. لأ، الأرض دي الفلاحين اللي زي حالتنا أكده بيعتبروا أن الأرض دي هي بنتهم اللي لازم ياخدوا بالهم منها لتتلف أو زرعتها تبوظ منها. دول بيهتموا بيها أكتر ما يهتموا بنفسهم. وفي حد يقدر يستغنى عن بنته؟"
"آه يا حج فيه، في ناس استغنت عن بنتها خلاص." نطقها بحزن وهو ينظر لعين والده، يعلم أن جملته تلك ستصيبه في مقتل.
نظر جابر له بنظرة تحذير توحي بعدم التحدث مرة أخرى حتى لا تكون العواقب سيئة. تركه جابر ليصعد، ولكن تجمد في مكانه عندما سمع رضوان يقول: "مشتاقتش ليها يا بابا لحد دلوقتي؟ لسه قلبك مش عايز يرق ليها بعد كل السنين دي؟"
فرت دمعة من عيون جابر ولكن أزاحها بسرعة ونطق بنبرة حازمة: "اطلع لمراتك يا رضوان."
"يا بابا سندس..."
ضرب جابر بعكازه على السلم ويقول بحزم: "جولت اطلع على أوضتك يا رضوان."
ابتلع الآخر غصته ونظر بحزم لأبيه الذي لن يتخلى عن عناده أبداً ولا حتى لأقرب الناس على قلبه.
"حاضر يا بابا، اللي تؤمر بيه."
صعد رضوان للأعلى وترك أبيه ما زال يقف في مكانه ينظر للبيت يتذكر ذكرياته معها وهو يركض ويلعب معها في كل جزء من هذا البيت. لقد كانت به حياة تلك الفتاة، لقد كانت الشمس الذي ينير قلبه، ولكنها تخلت عنه وهان عليها قلبه وأخذت نورها وأعطته لشخص آخر غيره. وجد زوجته تمسك كف يده بين راحتها وتربط عليه وعينها تدمع وتحسه على الصعود.
نظر لها جابر وهو يدمع ويقول بغصة تألم قلبه: "زي ما هان عليها قلبي تهون عليا يا رجاء."
صعد مع زوجته وهو تتكئ عليها ليصعد لغرفته.
***
دخل غرفته وجدها تضع يدها على خدها تزفر من ضيقها، فهي تكاد تختنق، فهي لم تخرج منذ 3 أسابيع. آخر مرة كانت عندما تشاجرت في المستوصف وقضت اليوم كله عند زينة وأختها ورد.
مسح على وجهه وتنهد بضيق هو الآخر وجلس بجانبها ووضع يده على خده مثلها وقلد جلستها كما تفعل ونظر أمامه مثلها وظل ينزفر في ضيق.
"جايلك يا عبد المعين تعين، لقيتك يا عبد المعين عايز تتعان... اتخرس كده وأدي قاعدة." نطق بسخرية وضيق.
ظل في حالة البؤس تلك لمدة طويلة حتى لم تتحمل مسك وصرخت في وجهه: "لأ، أنا مش قادرة أتحمل. أنا متجوزاك دلوقتي بقالي أكتر من شهرين، ومخرجتش، غير مرتين بس. قوم خرّجني بدل ما أنت قاعد زي خيبتها كده."
"أنا خيبتها؟"
"لأ زيها." نطقتها لتصحح له الجملة.
اتسعت عيناه واتغاظ من لسانها اللي يقذف الكلمات ولا يبالي.
"تصدقي بالله أنا كنت ناوي أخرجك بكرة، بس خسارة فيكي. خليكي قاعدة بقى تكلمي الحيطان."
انتفضت بسرعة من مجلسها واتجهت له: "لأ ونبي يا رضوان بالله عليك أنا بجد زهقانة، ونفسي أشم هوا. بالله ما تلغي الخروجة، عشان خاطري."
ابتسم لها قائلاً بحب: "خاطرك غالي يا مسك."
اتسعت بابتسامتها فرحت كثيراً.
"شكراً قوي. أنت بجد أحلى زوج في الدنيا، ربنا يخليك ليا."
"بجد أنتي شايفاني كده؟" هزت رأسها بمعنى نعم. سعد كثيراً بتصريحها هذا.
"وعشان الكلمتين الحلوين دول تعالي نقعد فوق على السطح شوية، مع بعض ومن بكرة الصبح نخرج ونشتريلك هدوم."
أخذها من يدها وصعد على سطح البيت وكان السطح واسع جداً. كان السطح يحتوي على غرفة صغيرة بها سرير وأمام الغرفة طاولة وركنة صغيرة للجلوس ومن فوق الغرفة عرش صغير يملأه الورود.
فكانت تلك جلست رضوان المفضلة هو وأخيه رحمه الله.
اقتربت من الركنة حتى تجلس ولكنه منعها وأمسك يدها.
"هو أنا ممكن أطلب منك طلب صغير؟" هزت رأسها له فنطق وعيونه تلمع في تلك اللحظة: "هو أنتي ممكن تقعدي وأنا أنام وأسند راسي على رجلك؟" نطقها ببعض الخجل وهو يحك يده في رأسه. ابتسمت له وجلست وأمسك يده تشده.
"تعالى يا رضوان." سعد كثيراً بموافقتها تلك.
نام على قدميها وظل ينظر للسماء ووجدها من تلقاء نفسها تمد يدها داخل خصلات شعره تمسحها له برفق.
"شعرك حلو قوي وناعم عجباني لمعته وكان نفسي أسألك بتحطله إيه عشان يلمع كده."
"ده بس عشان إيدك لمسته." ظلت تضحك بقوة وهي تهز رأسها بيأس.
"هتفضل طول عمرك كلامنجي وبتعرف تثبت اللي قدامك."
أثناء حديثها رفعت يدها عن شعره لأنها كانت تشير بيدها أثناء حديثها. تضايق من هذا وعاتبها قائلاً: "أنتي مش بتكلمي بإيدك يا مسك؟"
نظرت له بعدم فهم، فأمسك يدها ووضعها داخل شعره وقال: "متبعديش إيدك عني، أنتي بتكلمي ببؤك مش بإيدك، حتى لمستك متبعديهاش عني يا مسك."
ظل يتسامران كثيراً حتى أخبرته أن يحكي لها قصة قد سمعها وتعلم منها شيئاً.
فقال: "بصي أنا بحب قصص سيدنا محمد وزوجاته. في كل مرة بقرأ حكاياته مع زوجاته كل ما بيزيد شوقي ليه وبتعلم أن أول ما يبقى عندي زوجة أطبق عليها كل اللي اتعلمته من معاملته لزوجاته."
"أنا كمان بحب حكاياتهم قوي وخصوصاً مع عائشة كنت بحب حبه ليها وأدبه وصبره عليها. تعرف أنه حبها لدرجة أنه كان عنده استعداد يصبر عشانها العمر كله. أنا كنت دايماً بدعي وأقول يا رب ارزقني حب كحب سيدنا محمد لعائشة."
"أحكيلك عنهم؟" هزت رأسها بحماس.
قال هو يتذكر قصة كان يحبها من قصصهم: "طب بصي يا ستي، صلي على النبي. كانت نقطة ضعف آمنة عائشة أنها في شبابها مكانتش بتعرف تطبخ، فا في يوم اتحدت نفسها وطبخت شوربة لحمة. وخدت حبة شوربة وحطتهم في طبق، وجريت بيهم على آمنة سودة وكانت دي زوجة النبي برده بس كانت سيدة عجوز. المهم آمنة عائشة أخدت الشوربة، وراحت بيها لسودة عشان تدوقها عمايل إيديها. لقت عند آمنة سودة حبيبنا وشفيعنا محمد، وبكل حماس أدت آمنة عائشة الشوربة أو المرقة، لآمنة سودة عشان تدوقها وتقولها رأيها. بس آمنة سودة رفضت وخافت قالت أنها خايفة لبطنها توجعها من طبخ عائشة. فآمنة عائشة اتحرجت جدا، وصرخت في آمنة سودة وحلفت أنها لازم تدوق الشوربة غصب عنها وهددتها أنها لو مشربتهاش هاتشيل الشوربة بإيديها وتبهدل بيها وشها. فضحك النبي عليه الصلاة والسلام على غضب عائشة الطفولي، ولكنه وجد آمنة سودة ترفض أن تشرب الشوربة ولقى آمنة عائشة بتنفذ تهديدها ليها ودلقت الشوربة عليها وغرقت وشها بيها.
في اللحظة دي ضحك الرسول بشدة وقام مكتف آمنة عائشة لآمنة سودة وقال: "يا سودة هيّلي بعض المرق في يدك وألقيه عليها مثل ما فعلت معك وهذا حقك." بالفعل ردة ليها سودة عملتها وغرقتها بالشوربة، فا آمنة عائشة فضلت تصرخ وتحاول تهرب من النبي عشان آمنة سودة متلمسهاش بس النبي كان مكتفها لحد ما خلى آمنة سودة متعادلة معها. زعلت آمنة عائشة جدا ومشيت وهي زعلانة جدا شايفة أنها هي المظلومة مع أنها هي اللي بدأت فعلتها مع آمنة سودة ... وخلاهم متعادلين.
أنا بحب الجزء ده من القصص لأنها اتعلمت فيه أكتر من حاجة، بس قبل ما أقولك إيه هما انتي قولي كده استفتي إيه من القصة الصغيرة دي."
"استفدت أن الرسول رغم حبه الكبير لآمنة عائشة، أنها عادل بين زوجاته وأنه خلى آمنة سودة تاخد حقها منها. ومستغلش حبه ليها بطريق غلط وخلى آمنة عائشة تغرق آمنة سودة وتمشي بدون ما آمنة سودة تاخد حقها رغم عشقه لعائشة إلا أنه عادل مع زوجاته كلهم."
ابتسم لها رضوان لفطنتها وصفق لها لتشجيعها.
"راڤو عليكي يا مسك، بس فيه حاجة كمان. الرسول كان بيتعامل مع دلال وغضب وشقاوة زوجته بكل حب وابتسامة. كان بيخلي زوجاته يمارسون أنوثتهم زي ما يحبوا مش زي رجالة تانية بتدمر أنوثة الست وبتلغيها لدرجة أن ممكن الست تنسى أنها ست."
"صح عندك حق، بس دول مش رجالة دول يتقال عليهم أشباه الرجالة. بس أنا فرحانة بالوقت اللي قضيناه ده. الجو على السطح تحفة لدرجة أنه عدل مزاجي جدا، فاليك طلب عندي أنفذهولك."
اعتدل رضوان وقام من على قدميها وأمسك يدها التي كانت تداعب بها خصلات شعره، ونظر له بشوق وأمل كأنه كان ينتظر منها أي شيء.
"هي أمنية مش طلب.... نفسي في عيل منك يا مسك." قالها وهو ينظر في عينيها يتمنى أن توافق. لكن كسر الإحباط على وجهه عندما اصفر لون وجهها ونزعت يدها من يده وارتعش بدنها بخوف وابتعدت عنه قليلاً فشعر هنا أنها لم تحبه بعد.
فعلم أنه أمامه الكثير ولكنه سيتحمل لأجل حبه لها، فهي تستحق أن ينتظر لأجلها سنوات، فغير مجرى الحديث وأخفى حزنه داخل قلبه.
"يلا ننام عشان عندنا يوم طويل، وأنا عارفك لما بتخرجي بره البلد مابترجعيش إلا لما تكوني متكيفة من الخروجة." قالها وهو يسحبها من كتفيها بيده وذهابا لغرفتهم لينام. فهو أكثر شخص يحتاج للنوم، فهو لم ينم منذ مدة طويلة ويحتاج على الأقل يوم كامل لينامه ويعوض به تعب العمل به، ولكنه سيتخلى عن تلك الراحة لأجلها فهي قد ضجرت من الجلوس في البيت، فهو انشغل بالعمل ونسيها.
في الصباح، استيقظت مسك مبكراً وظلت كما هي نائمة على السرير لم تتحرك تتطالع وجه رضوان، ككل يوم.
ودار في عقلها حديث رضوان لها أنه يريد أن ينجب منها. رغم هذا الخوف الذي يتملك منها عندما تشعر أنه يريدها رغم علمها أنه يحبها، ولكنها لا تريد فعل هذا إلا وهي تشعر بحبه في قلبها وهذا صعب في الوقت الحالي لأنها ما زالت تتعافى من أثر حبها الأول. نعم، لم يتبقى غير الأثر فقط، فهي تعافت من تلك العلاقة بنسبة 90%. ولكن هناك شيء هي نسيته. حركت يدها على وجهه وظلت تحركها بهدوء.
وتقول في بالها أنها تجاوزت كل هذا بفضله هو. نعم، لقد كان الدواء لكل جروحها. لم تتوقع يوم أنها تتعافى بهذا الشكل السريع وهذا كان فضله هو. رغم هذا لم يستغلني ولم يفكر أن يستغل مساعدته لي حتى يرضي نفسه، بل انتظرني وأرى في عيونه أنه سينتظر لأخر العمر. لكن هي لم تجعله يشقى معها مجدداً، يكفيه ما فعله لأجلها، يجب عليها هي أن تفعل شيئاً لأجله وترضيه. يكفيها أنه أحبها وانتظرها في الحلال، لقد كانت مطلبه من الله ودعوته. رغم معرفتها منه مقدار حبه لها إلا أنه خسر عليها من أن يعصي الله فيها ويفرقهما، فانتظرها، وكانت النتيجة الآن هي معه على سنة الله ورسوله. رغم كل الصراعات التي مرت بها إلا أنها معه فعلاً. أن الله قادر على كل شيء.
اقتربت منه ونزلت بمستوى رأسها على أذنيه وهمست فيها بشيء ما جعل رضوان يستيقظ وفتح عينيه وتقابلت عيونهما معا وظل ينظر لها مدهوشاً، ولكنها ابتسمت له حتى لا يندهش. نظرة تخبره أن يطمئن وتجعله لا يخشى عليها.
"مسك... أنا..." نطقها بفرحة. رفع يده في الهواء يحتضنها. ولكن قطع تلك الفرحة طرقات الباب وصراخ أمه من الخارج. وفجأة وجد أمه تصرخ في وجهه مباشرة حتى تجمدت حركته وهو أمام وجه مسك.
"الحق يا رضوان زينة مرات أخوك بتولد.... أنتوا بتعملوا إيه؟"
رسم وجه باكٍ على وجهه ونطق بقهر: "لسه ملحقتش يا ماما لسه ملحقتش أعمل حاجة... الله يخربيت زينة وعلى اليوم اللي شفتها فيه. هي حبكت دلوقتي يعني."
لم تتمالك مسك نفسها وضحكت ملا فمها على تعبيره المغتاظ. نظر له بغيظ شديد.
"بتضحكي؟ أقول على حاجة أنتي بنت فقر ولله فقر. يا عيلة يا فقر وأنا أفقركم. ماهو أنا كده دايماً ماليش حظ." قالها وهو يأخذ جلبابه ويركض للخارج حتى يكون مع أرملة أخيه ويقف بجانبها. خرج وترك أمه تنظر لأثره بعدم فهم ومسك كادت تسقط من الفراش على الأرض من كثرة الضحك وتهز رأسها في يأس. فهو أقل الناس حظاً.
انقلب الموقف من لحظة رومانسية للحظة درامية حزينة بنسبة له.
هزت رأسها بيأس منه وانفاسها تكاد تتلاشى من كثرة الضحك.
"طول عمرك فقر يا رضوان." وقامت من مكانها لتستعد لتذهب لزينة لتكون معها في تلك اللحظة الصعبة.
***
في المشفى العام.
تنام على الترولي وتصرخ من الألم وأمها تمسك بيدها وتحاول أن تطمئنها وتهدأ من روعها فالخوف يكاد يقتل زينة مع آلام الولادة الصعبة تلك.
"متخافيش يا ضنايا ربنا يحميكي ويقومك بسلامة، شهلي ونبي... فين الدكتور؟"
ظلوا يركضون بفراشها حتى وصلت لغرفة العمليات فزينة لن تستطع أن تلد طبيعي لأن رحمها لم يفتح ولهذا سيتم فتحه بجراحة (قيصري).
أدخلوها العمليات ودخلت أمها معها حتى أخذت جرعة البنج الكلي وفقدت وعيها وبعدها خرجت وهي تبكي وتخشى على ابنتها من تلك الجراحة.
بعد خمس دقائق من دخول زينة وصل رضوان عند باب الغرفة وهو يلهث. فهو أخذ المسافة كلها ركض لأن سيارته تعطلت في نصف الطريق.
"طمنيني يا خالة بقالها قد إيه جوا... حد طمنك طيب؟"
"لأ يا ابني لسه محدش طمني عليها أصلها لسه داخلها مكملتش العشر دقايج (دقائق). ادعيلها يا ولدي ربنا يجبرها." قالتها وهي تبكي بخوف شديد.
"ادعيلها. القيصرية دي أنا مابحبهاش واصل... ده بيفتحلها سبع طبقات من بطنها يا ابني يعني مش سهلة واصل. يا حظك الجميل يا بنتي يا حظك الجميل يا ضنايا."
ربت على ظهرها يحاول تهدئتها بكل هدوء وحنان.
"أهدي يا أمي إن شاء الله هتقوم بسلامة، متخافيش دا القيصري بقى أسهل من الطبيعي كتير دلوقتي."
صفقت أم زينة بيديها بصدمة. "والله يا ولدي إحنا كنا قاعدين مفيش حاجة ومش حاطين في بالنا موضوع الولادة ده لأن الدكتور محدد لها معاد كمان أسبوعين. بس يشاء ربك أن وجع الولادة يجيلها مرة واحدة أكده من غير إنذار."
نظر له بدهشة. "إنذار يا إيه يا أمي هي حريقة دي ولادة؟ وبعدين ماتستغربيش أوي كده أن جالك الوجع بدري دا عشان حظي الحلو بس النهارده. أصل بعيد عنك مش مكتوبلي أفرح مع بنت الحاجة اللي متجوزها دي... والله كانت جوازة فقر." قالها بعد أن يأس من زيجته من مسك.
"بقى كده مش هي جوازتي فقر؟ طب وأنا بقى خليها فقر على طول يا ابن الحاج جابر وأبقى تف على خلقتي لو فرحتك حتى، وانسى أي حاجة خلاص كان فيه وخلص." قالتها مسك وهي تضع يدها على خصرها وتنظر له والشرار يتطاير من عينيها.
نظر رضوان باتجاه الصوت وجدها هي تقف بتلك الوضعية المستفزة وهي تصرخ في وجهه وتضع يديها على خصرها، فلم يتمالك نفسه ونظر لها بتحذير ونطق بهدوء.
"صوتك علي يا مسك."
"أنا صوتي يعلى براحته و..." ولكنها لم تكمل جملتها وبلعت ريقها بسبب اقترابه منها ونظراته التي احتدمت أكثر. قطعت الحديث خوفاً منه حتى خبأت وجهها بشالها الطويل حتى لا ترى عينيه.
"إحنا في مستشفى وأياكي أسمع حسك. وبعدين مين جالك تخرجي من غير إذن؟ أنا مقولتش ليكي تخرجي، بس هأجل الحساب بعدين احتراماً للمكان والظرف اللي إحنا فيه."
"استهدي بالله يا ولدي محصلش حاجة، هي متقصدش." قالتها أم زينة لتجعله يهدأ. ولكن الجميع صمت عندما لمح قدوم جابر ورجاء.
وبعد نصف ساعة خرجت زينة من العمليات وأنجبت ولدين مثل القمر يشبهان أبيهم كثيراً وتم نقلها لغرفة عادية. وبعد ساعتين كان الجميع يلتف حولها بعد أن اطمئنوا عليها وعلى صحتها هي وأولادها.
أمسكت رجاء حفيدها الأكبر وجابر مسك أخيه الأصغر، فبينهم أربع دقائق. بكت رجاء وهي تحمل حفيدها وتنظر أيضاً لحفيدها الآخر في يد جابر.
"بسم الله ما شاء الله، اللهم لك الحمد. أهو أنا دلوقتي أقدر أقول أن نار فراق ابني قلت كتير عن الأول وأن ربنا عوضني بيه من جديد. بص يا جابر بص كله رشاد الخالق الناطق كأن الزمن رجع بيا وأنا شايلة رشاد بين إيديا بعد والدته. سبحان الله مسابش حاجة من أبوه، هو رشاد." قالتها وهي تبكي بفرحة كبيرة. رد عليها جابر وعيناه تدمع يشاركها الفرحة أيضاً.
"وأنا كمان حاسس أن الزمن رجع بيا بس الواد ده كله رضوان وهو صغير نسخة رضوان حتى بص يا رضوان بص ولاد أخوك شبهك أنت وأخوك كأني شايلكم بين إيديا يا ولدي. وكأن ربنا أراد أن يجمعكم من تاني."
اقترب جابر من سرير زينة التي تحاول أن تتمالك آلام ولادتها. اقترب منها وقبل رأسها ونظر لها نظرة أب نزلت عليه معجزة أعادت له ابنه الذي حرم منه مبكراً. أدمعت عيون زينة بحزن وأخبرته:
"كان نفسي يكون موجود معايا قوي. كان نفسي اللحظة دي متعديش من غيره. وحشني قوي."
حزن الجميع لأجلها وانقلب الفرحة لحزن على ذكر رشاد الشاب الجميل في الشكل والطباع، فهو شخص يستحق أن يحزن الجميع لأجله طول العمر. ولكن أراد الله أمانته فاستردها.
مسح جابر على شعرها.
"أرادت ربنا يا بنتي هنعترض ولا إيه؟ أنتي هتكفري. وبعدين متجلبهاش محزنة بقى. مين جالك أن رشاد مش معاكي؟ رشاد روحه محوطانا كلنا دلوقتي وشايفك وشايف عياله وفرحان بيهم. يا بنتي الميت مبيفارقش أهله وبيبقى موجود معاهم وبيفرح لفرحهم وبيحزن لحزنهم. يعني لو عايزاه يبقى فرحان افرحي بعياله. وبعدين ربك عوضك بحتة منه، لأ حتة أبيه. ربنا كريم وعوضك بعد منه انتين يعني بدل الراجل رجلين أهم يسدوا عين الشمس."
نطقت رجاء: "اسم الله عليهم عرسان زي القمر شبه أبوهم وعموهم. متحزنيش يا بنتي وأرمي حملك على الخالق هو أدرا الناس بحالك وحالنا وهيجبر جلبك بس انتي اصبري."
هزت زينة رأسها ومسحت دموعها ونظرت لجابر ورسمت ابتسامة صغيرة على محياها.
"محدش هيسمي عيالي غيرك يا حاج." نظر الجميع لها وابتسموا لذلك الخبر. حتى أيضاً سعد جابر كثيراً بهذا الاقتراح فهو كان يتمناه أن يسمي أحفاده كثيراً.
"دي وصية رشاد الله يرحمه. دايماً كان بيقول محدش هيسمي ولادي غير أبويا. وأنا دلوقتي مكانه فبطلب منك تسمي أحفادك."
اقتربت رجاء من جابر وضموا الاثنين معاً ونطق جابر بفرحة كبيرة.
"الكبير هيبقى رشا لأني عمري ما أتمنى أن اسم ولدي يتقطع من بيتي. والتاني هيبقى اسم خليل رشاد وحبيبه رضوان لأن الاسمين دول لازم ميتفرقوش مهما حصل."
تفاجأ رضوان لهذا الخبر وفرحت مسك بهذا حتى أبدت زينة رضاها على الأسماء وسعدت بتسمية رشاد مجدداً. وهنا ظل الجميع يهلل بفرحة كبيرة لحضور أول أحفاد عائلة النمر لدنيا.
وهنا أرادت مسك إغاظة رضوان رداً على ما قاله عنها وعن زواجه منها. قالت بحزن مصطنع: "بس أنت مالكش حق يا حاج تسمي رضوان. هو إحنا كنا خلصانين من الأول ولسانه الطويل لما هتجبلنا نسخة تانية منه؟ دا كده الدنيا هتتهد. أصل بعيد عنك الكبير حظه مقندل فشخ. أما الصغير بقى هيبقى حظه عامل إزاي؟ أكيد هيورث حظ عمه الوحش."
اندهش رضوان منها وأشار على نفسه بصدمة. بينما الجميع ضحك لدعابتها.
"بقى أنا اللي حظي مقندل يا بنت الحاجة زينات، وزعلانة أوي أن هيبقى فيه رضوان صغير."
ردت عليه تأكيد ما قالت: "أي نسخة منك للدنيا تاني هتبقى نهاية العالم، ونهايتنا إحنا كمان."
رفع رضوان حاجبه بسخرية. "نهاية العالم؟ أنتي شايفة كده؟"
ردت بتحدي: "آه ومش شايفة غير كده."
ابتسم رضوان بتحفز وشمر ساعديه ونظر إلى والدته.
"أنتي يا ماما كنتي بتقولي على ولاد رشاد إيه من شوية؟"
ردت رجاء: "بقول اسم الله عليهم عرسان زي القمر."
ابتسم بخبث وهو يقترب من مسك التي ظلت ترفع له حاجبيها بعدم فهم وتنظر له بغباء.
"طب وعد مني يا ماما أن عرايس العرسان عندي." قالها وهو يمسك مسك من لياقة عبائتها الخلفية ويجرها أمامه.
هنا نطق جابر بدهشة وعدم فهم: "رايح فين يا ابني بس وسيبنا."
"الله ما قولنا يا حاج رايح أجيب عرايس للعرسان ولاد أخويا و أهو زيتنا يبقى في دقيقنا." قالها وخرج من المشفى بأكمله تحت نظرات الجميع وأيضاً صرخات مسك التي تستنجد بأي أحد تراه حتى يبعدها عنه، ولكن لم يفلح كل هذا فقد أخذها غصباً وذهب بها في سيارة أبيه للمنزل.
لقد أقسم على أن يقطع لسان تلك الفتاة التي بعثها القدر له لتمحي ذنوبه من الحياة.
صرخت فيه: "أنت ماسكني كده ليه؟ هو أنا دكر بط قدامك؟ ابعد عني يا جدع. هو أنت مش بتقول عليا فقر؟ نزلني بقى وروح شوفلك واحدة حظها حلو."
أمسك يدها وقبلها وقال بعشق يذيب ثلوج القطب الجنوبي كله: "أنتي الفقر اللي أتمناه قلبي عمري كله ولا يمكن أبدله بحظوظ الدنيا كلها."
رواية مسك الليل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة طارق
"أبوس يدك يا علون، رجعلي ابني، رجعهولي وأنا أعيش خدامة تحت رجليك العمر كله بس رجعهولي، أحب على جذمتك هاتلي ضنايا."
كانت تبكي بقهر وهي تنحني برأسها عند قدميه تقبلها. وبعدها وجدت جسدها يُلقى على الأرض أثر ركلة زوجها لها.
ارتَمَت على الأرض ووقع شالها من على رأسها وانفرد شعرها الطويل على ظهرها. ولكن وجدته يمسك شعرها ويلفه حول يديه ويجرجرها ورائه، ولا يعي لصرخاتها واستغاثتها تلك بأن يتركها. ولم يعبئ بأنها مازالت في مرحلة النفاس ما بعد الولادة.
صاح علوان وتحدث بغضب:
"ابنك ده تنسيه خالص، ولو مجروحة جوي هات لي غيره."
قالها وهو يلقيها في الغرفة على الأرض الصلبة ويغلق الباب بالمفتاح. وابتسم ابتسامة صفراء برزت منها أسنانه السوداء من أثر التدخين. لم يعبئ بصراخها وتركها وخرج من البيت كله وهو يرقص ويهز كتفيه وجسده بخفة، ويخرج المال من جيبه يرفل به.
"يا وبور يا ولع، دوج الفحم وأنا أجولك ولع، تدوج الفحم."
ظلت تصرخ وتضرب بكل قوتها على الباب حتى يفتح لها، ولكن لا حياة لمن تنادي. وسمعت صوت باب البيت يُقفل وعلمت أنه تركها كالعادة.
وهنا انهارت على الأرض وظلت تلطم على صدرها وتندب حظها.
"هاتولي ابني، هاتولي ابني ياكفره، حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم. آه يابني ياللي ملحقتش أفرح بيك زي ما معرفتش أفرح بنفسي ولا بشبابي. آه ياضنايا خدواك من حضني غصب. يا ولداااااااي، يا حتة من جَلبي، أبوك داس عليا وخدك غصب. يارب رجعلي ابني لحضني يارب."
ظلت هكذا حتى فقدت وعيها كالعادة من شدة التعب. فهي من بعد والدتها وخطف ابنها، وهي تصرخ وتبكي وتستنجد بزوجها ليجلب لها ابنها، ولكن كالعادة لا يهتم لها. ولا يشعر بذنب أبدًا، بل يحبسها ويخرج للهو، ولا كأنها كلبة في البيت وليست زوجته. ويجدها كل يوم ملقاة على الأرض فاقدة الوعي، يحملها ويضعها على الفراش ولا كأن شيئًا حصل من الأساس.
وهنا خرجت تلك الصغيرة التي تخبئ نفسها في زاوية بعيدة حتى لا يراها أبوها خوفًا من أن يبيعها مثل أخيها. فقد أهداها عقلها الصغير لتلك الفكرة، ظنًا منها أنها هكذا تختبئ منه وأنه لن يجدها. وهي تختبئ في زاوية بين أريكتين موجودين في بهو البيت.
كان جسدها الصغير يرتعش وتملك الرعب من قلبها حتى أصبح جسدها عبارة عن قطعة من الثلج المجمّدة من شدة خوفها. تريد أن تذهب لترى أمها ولكن تخشى أن يراها والدها ويبيعها أيضًا.
ولكن لم تتحمل صرخات والدتها وذهبت لتراها. حاولت الخروج من تلك الفتحة الصغيرة بصعوبة لأنها ضيقة بعض الشيء، ولكن في النهاية نجحت وتحركت لغرفة أمها لتراها لأن صوتها هدأ مرة واحدة. وهنا علمت أنها فقدت وعيها مثل كل يوم.
فتحت الغرفة بالمفتاح بالنسخة التي تخبئها معها. ووجدت والدتها ملقاة على الأرض مثل كل يوم. تحركت بعيدًا عنها لتجلب الماء لتوقظها به.
جلبت الماء وجثت أمام والدتها ورشت البعض منه على وجهها لتفيق، ولكن لم تنجح تلك المحاولة. رشت مرة أخرى عليها ولكن زادت الماء بيدها، وقد نجحت وفاقت والدتها.
نظرت تلك السيدة التي تدعى إخلاص، وهي في حالة تتقطع لها الألباب (القلوب) من شدة همها وحزنها على فقيدها. فتحت إخلاص عيونها ونظرت لابنتها بحزن ملأ قلبها لأعوام كثيرة منذ أن تزوجت من هذا الذي يدعى رجل أمام الناس فقط، وهو بالأصل ذكر عديم الشرف والأمانة والمسؤولية.
ووجدت إخلاص ابنتها نجاة التي لا يتعدى عمرها الخامسة عشر عامًا، رغم جسدها الصغير هذا. نطقت إخلاص وهي تلهث بصعوبة وتمسك بابنتها، مأنها طوق نجاة لقلبها:
"نجاة، هاتِ أخوكي لحضنك يابنتي، هاتي أخوكي لحضنك. رجعيه وعرفيه مين أهله ياضنايا. ابعدي عن أبوكي يانجاة، اهربي، دوري على أخوكي، دوري عليه ورجعيه يابنتي متسبيهوش للغريب يربيه."
هزت نجاة رأسها بخوف من حالة والدتها:
"حاضر ياما حاضر، هرجعه حاضر متخافيش."
احتضنت أمها وحاولت أن تهدئها حتى هدأت وسكتت عن وصاياها لها أن تجد أخيها.
أخرجت نجاة أمها من بين أحضانها، وجدتها لا تتحرك وعيونها متجمدة في مكان واحد ولا تتحرك. هزت نجاة أمها ولكن دون فائدة.
"أما، ياما، أما، فُوجي ياما بالله عليكي. مالك بس؟ ياما اصحي، والله هروح لشيخ الجامع وأخليه ينادي عليه في الميكروفون عشان الناس اللي خدوه يرجعوه، متخافيش، بس انتي فُوجي لنفسك أكده. بصي أنا هسيبك وهروح لشيخ أحمد ينادي عليه في الجامع الكبير عشان الناس كلها تسمع وهرجعلك."
"بتعملي إيه يا مزغودة عندكِ؟ وازاي دخلتي هنا وأنا معايا المفتاح؟ انطقي..."
ولكن صمت عندما وجد جسد زوجته ملقى أمامَه ولونه غريب، كأن النور يشع منه. اقترب ولمس وجهها، وجده بارد. وظل يحرك فيها حتى علم أن الروح فارقت الجسد.
جحظت عيناه من هول الصدمة وكأن جسده شُل.
"هي أمي مالها يا بابا عاملة أكده ليه؟"
نطق بصدمة:
"أمك ماتت."
أطلقت تلك الصغيرة صرخة قوية تحتضن أمها:
"لأ، أمي لأ. أمي ممتتش، أمي تعبانة بس وهتفوق تاني. ياما فُوجي ياما، جومي متسبنيش لوحدي، مليش غيرك يامااااا. عيشي عشان خاطري ارجعي تاني، أبوس يدك."
ظلت هكذا تبكي لترجع من أمها أن تعود، ولكن لم تجبها ولم تعود. نظرت لوالدها الذي يتابع ما يحصل بصدمة وصرخت في وجهه:
"انت اللي قتلتها، انت اللي موتها، بجهرتها على نفسها، وعلى أخويا اللي بعته وخدت فلوس مكانه، أنا هفضحك، أنا هخلي الناس كلها تعرف."
أمسك بها وكمم فمها خوفًا أن تنفذ تهديدها له وقال:
"اِجفلي خشمك ده، لأحسن أجتلك مكانك هنا. اياكي أسمع لكِ حس، والا هخليكي تحصلي المرحومة أمك، فاهمة؟"
زاد بكائها بين يديه وأنفاسها بدأت في التقطيع من أثر ضغط يديه على وجهها. ألقاها على الأرض ونظر لها بشر. واقترب لإخلاص وحملها ووضعها في الفراش وغطى جسدها ووجهها. وأمسك ابنتها من خصلات شعرها وألقاها بجانب أمها.
"خليكي جنبيها هنا لحد ما أشوف هجيب مين يغسلها."
ثم نظر لجسد زوجته:
"الله يرحمك يا إخلاص، كنتي مرة تعشق الحزن والبكى."
هنا صرخت نجاة فيه بقهر:
"ماهو من اللي بتشوفه منك، ربنا يرحمها رحمتها دي ومتجيبش اللي يدفنك."
"اخرسي يا تربية المرة." قالها وهو يصفعها على وجهها.
نطقت من بين بكائها:
"أهي تربيتك أنت."
هنا جحظت عيناه من وقاحتها عليه. وأمسك شعرها وظل يضرب فيها ويسبها:
"بجـا أنا مرة يابنت أخلاص، طب أنا بجا هخليكي تروحي لأمك بجد."
وهنا أمسكها من رقبتها وحاول أن يخنقها، وهي بين يديه تجاهد أن تعيش وتحاول الهرب منه، ولكن دون فائدة. كان ملقى على الأرض وهو فوقها يخنقها بكلتا يديه. ولكن وجدت قطعة المرأة الخاصة بوالدتها وأمسكتها وأصابته بجرح كبير في جانبه الأيمن.
وهنا أطلق عاكف صرخة قوية وابتعد عن نجاة ليرعى جرحه، وأن بقوة، فجرحه كبير وعميق. ولكن نظر لمكان ابنته وجدها تمسك بحجر كبير تضربه به في جبهته. وبعدها خر واقعاً والدماء تسيل من جسده.
***
في بيت كبير في الصعيد كما يقولون عنها (فيلا).
كانت تجلس في إحدى غرف هذا البيت وأكبرها فتاة جميلة عمرها لا يتعدى الاثنين وعشرين عامًا. ترسم على محياها ضحكة صغيرة وهي تداعب هذا الطفل الصغير بين يديها وترسم له تعبيرًا مضحكًا على وجهها لتضحكه. بين الحين والآخر تداعب خصلات شعره الطويل الناعم، فهو من الأطفال التي تولد بشعر كثيف. ظلت تداعبها حتى تثاءب وأغلق عينيه للنوم. ظلت تتأمله بحب كبير، فهي تمنت هذه اللحظة حتى أن تأتي. وكان عندها أمل ويقين أن تشفى وتنجب مثل النساء، ولكن كان للقدر رأي آخر. وعلمت أنها لن تصبح أمًا طوال عمرها. كم هو شعور صعب أن تفقد جزءًا مهمًا في حياتها وهي أن تصبح أمًا لطفل واحد، كانت تتمناه طفل واحد ولا تريد أكثر. ولكن انقطع الأمل، ولكن الله كان له رأي آخر عندما أهداها هذا الطفل.
وأثناء انشغالها في ذكرياتها لم تشعر بدخول زوجها عليها الغرفة وهو يستند على الباب، يتأمل كل حركة تفعلها مع الطفل بسعادة كبيرة. فهو في قمة سعادته أنه جعلها تبتسم مرة أخرى بعد أن ظن أنها نسيت الضحك من كثرة حزنها.
"الظاهر إن الباشا جه خدك مني خالص لدرجة إنك محسيتيش بوجودي." يتحدث وهو يقترب منها، يقبلها من رأسها.
استقبلته الأخرى بابتسامة هادئة، وأشارت له بعلامة السكوت حتى يخفض صوته.
"شش، هتصحيه."
اخفض صوته:
"حاضر هوطي صوتي، بس قوليلي الأول مُتيم عامل إيه؟" قالها وهو ينحني للصغير يقبله.
استغربت ما قاله وجعدة حاجبيها قائلًا:
"مُتيم، أنت سميته كده؟"
هز رأسه بنعم وأخرج شهادة ميلاده وهو يفتحها ويريها لها.
أمسكت الورقة وفرحت لحفر اسمها بها في خانة الأم، وأيضًا اسم زوجها يكتب في خانة الأب.
يجثو على ركبتيه أمامها يقول بسعادة وهو يلصق جبهته بجبهتها:
"مُتيم يونس الهواري."
"سعدت كثيرًا بهذا، ولكن نطقت بتساؤل:
"اشمعنى سميته مُتيم؟"
داعب أنفها ليقول:
"حتى يصف ما في قلبي لكِ."
مد يده وأخذ الطفل وتحرك به ناحية الفراش ليضعه عليه. وبعدها تحرك ناحيتها وأمسكها من يدها وتحرك ناحية الوجه المحبب لديهم، وهي الشرفة التي تطل على حديقة زوجته التي تزرع فيها الورود وتعتني بها.
وقفها أمام الشرفة واحتضنها ويبتسم يشاهد جهد زوجته في الحديقة، فهي التي تحب أن تعتني بها وحدها ولا تريد أن يساعدها أحد.
تحدثت هنا وهي تريح رأسها على كتفه:
"عجبك الورد الجديد اللي زرعته؟"
قبل يدها بعشق يملأ قلبه لها:
"جميل يا حبيبتي، شبهك."
مسحت وجهها في كتفه كالقطة تقول:
"لأ، أنا أحلى."
ضحك ملاء فمه على جملتها وهذا جعلها تغضب منه.
"بتضحك على إيه، أنا أحلى ولا الورد يا يونس؟"
أرجعها لمكانها مرة أخرى وأراح رأسها على كتفه وقال:
"عارفة يا نوارة إيه هي أكتر حاجة شدتني ليكي."
نطقت بغرور:
"اكيد حلوتي."
نطق وهو ينظر للحديقة:
"لأ، مش حلوتك اللي شدتني ليكي، لو على الحلاوة فهي ملا الدنيا والبنات في كل حتة، بس مش ده اللي عجبني."
"اومال إيه يا أخ يونس اللي عجبك فيا؟"
نظر لعينيها:
"معنى اسمك يا نوارة، اسمك معناه النور الواحد. وأنا أول ما عرفتك حسيت إنك فعلاً الوحيدة اللي ممكن تكون نور العمر بتاعي يا نوارة. يعني أنا من غيرك عمري مضلم. فبلاش في يوم تفكري تمشي وتسيبيني لأني عمري ما حبيت الضلمة، طول عمري بحب أعيش في النور لأنه بيديني أمل لبكرة. وأنتِ نورى وأملي لبكرة، فهماني يا نوارتي؟ انتِ الحب اللي استودعته عند ربنا بعد ما وكأنه أمرًا، والله بعتك ليا بكل رضا."
هزت رأسها بنعم رغم عدم فهمها. لم يتحدث هكذا وهو يعلم أنها لا يمكنها الرحيل لأن روحها متعلقة به. لم ترد أن تسأله لماذا يقول هذا لأنها تخشى الإجابة. فنطقت لتطمئنه:
"الروح مابتبعدش عن الجسد إلا بإذن ربها يا يونس."
قبل رأسها قائلًا بتمني:
"بعد الشر عليكي، ياخد من قلبي يديكي يا نوارة البيت."
"اسمها من عمري يا يونس."
"تؤ، من قلبي، لأن عمر القلب أكتر من العمر المكتوب."
رواية مسك الليل الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سارة طارق
١٠_ضاعت طفولتى
تحركت من مكانها وذهبت عند جثة أبيها تنظر لدمائه من حوله وتبكى بقهر ليس عليه ولكن على طفتولتها التى ضاعت وهو حي وضاع الباقى حتى بعد موته
الا تلك الدرجة حظها سيئ حتى يرزقها بأب مثل هذا
الجاحد ، كم مرة تمنت له الموت والأن أصبح موته فرحة كبيرة لو كان مات وأمها على قيد الحياة ولكن لقد رحلت وبعدها هى من أرحلته ، ولكن الفرق أنها على يقين أن والدتها فى الجنة ام هو فا فهجنم ال ...."
" اه ، اه دماغى " جحظت عينيها عندما استمعت لتأوه أبيها ، هل مازال على قيد الحياة لا مستحيل
كان هذا ما يتحدث به عقلها عندما رأت وسمعت تأوه ورأسه الذى يتحرك ببطئ
ألتفت بتعب والألم يسيطر عليه وجد نجاة بجانبه تنظر له بصدمه وجسدها يرتعش حاول التحرك ولكن ألمه جانبه الذى طعتنه فيه نجاة بزجاجه وأيضا يشعر بداور بسبب الدماء التى نزفها وضربة الرأس التى تعرض لها لم يكن غيرها هنا ليستنجد بها فحاول استعطافها كأب يحتاج لفتاته لأول مرة
" نجاة الحجينى ، هموت يابتى ، نادى حكيم ولا شوفى حد يساعدني يودينى اى مستشفى ، بسرعة يابتى " لم تتحرك ظلت كماهى تنظر له بعيون جامده لأول مره يرها على تلك الهيئة هز جسدها بضعف لتتحرك وتفعل اى شىء لتنقظه ولكن كانت كماهى جامدة فحاول خلق اى قوة به وأمسك شعرها ولفه على يده ناطقاً بغل وحقد
" أن كنتى فاكره يابنت وفاء أنك بالعملتيه ده هتخلصى منى تبجى بتحلمى أنا هفضل على جلبك العمر كله " كانت فى تلك اللحظة تمدد يدها ببطء دون أن يشعر حتى أمسكت قطعة الزجاج من جديد ورفعتها فى الهواء وانهالت بقوة على رقبته تقطعها له وتشقها نصفين ، ولكن وجدت من يمسك يديها فى الوقت المناسب لأن لم يكن بينها وبين الرقبة غير بضع سنتيمترات ، لم تنظر لمن يمسك يدها ولم تهتم من الأساس ، كل ما كان فى بالها أنت تشق عنقه نصفين وتشرب من دمائه القذر لترتوى ، حاولت كثيرا أن تقرب الزجاجه من عنقه ولكن كان أقوى منها وكتف يدها
هنا صرخ والدها هو يسعل بوهن وألم شديد
" الحجنى يارضوان بيه البت المچنونه دى عاوزه تجتلنى ياباشا حوشها عنى احب على رچليك "
كانت تحاول أن تفلت من بين يد رضوان لنتقض على أبيها ولكن كانت قوتها لاتقارن بنسبة لبنية رضوان القويه وطوله الفارع ، حملها رضوان رغمنا عهنا لم يهتم بصرختها المهينه والمهدده لوالدها
" هجتلك يابا ، هجتلك وهشرب من دمك وهنسر من لمحك نساير أكده ، روحك هتطلع على يدى دى هتطلع على يدى دااى خليك فاكر " ظلت تصرخ وتسب والدها حتى ألقاها رضوان فى السيارة
ظلت تضرب على زجاج السيارة لتخرج منها لوالدها ولكن ضعفت ضرباتها وهلك جسدها وتشوشت الرؤية قليلاً ولكن كان آخر شخص رأته كانت هى
نسيم جارتهم ، وبعدها فقدة وعيها ولم تدرى لما يحصل من حولها
حمل رضوان علون بمساعدة أحد رجاله وأدخله فى سيارة آخره وأمره أن يتحرك إلى مشفى البلد العام بسرعة ويتصل به عندما يحدث أى جديد
_________________________________________
كانوا يجلسون يشاهدونها وهى تيسير ذهاباً وايابان وتمسك بيدها الهاتف تحاول الاتصال عليه ولكن هاتفه مغلق كان جابر ورجاء يجلسون ويتابعون تحركاتها فمسك منذ أن علمت أن رضوان لم يعد معهم وهى ستجن وكان برج من عقلها سيطير أو بلأحره هو طار بالفعل
ظلت تزفر بضيق والقلق ينهشها عليه
" يعنى يابا هو مجالش رايح فين ومين اللى كان هيخبطها دى " رد عليها جابر بقلة حيلة
" والله يابنتى ماعرف حاجه ، ولو عارف هخبيى عليكى ليه ولا هجعد معاكم اصلا ليه وماكنت وصلت الچماعة ورحتله "
جلست مسك بجانبه وقالت " طب معلش يابا، أحكيلى تانى اللى حصل معاكم بظبط "
" احنا كانا رجعين بالعربية فجأة لقينا واحدة جدامنا على الطريق شكلها غريب وعامله زى التايه اللى مش عارف يروح فين ولا يعمل ايه ، ولولا ستر ربنا كان زمان رضوان هرسها تحت العجلة "
أثناء شروده سمع صراخ والده عليه يجعله يفقيق ووجد والده ينقض عليه وحرك السيارة فى اتجاه معاكس وهنا انتبه رضوان بسرعه وأوقفها بسرعه ونزل من السيارة وتبعه والده هرول رضوان بسرعة ناحية الفتاة ليرى ما أصابها ، كانت فتاة صغيرة فى العمر الخامسة عشر ذات جسد ممتلئ ، جث رضوان على ركبتيه ليتفحصها إذا كان حصل لها اى ضرر ولكن لم يجد بها اى شىء ، كان والده يقف خلفه يسأله بتوجث
" حصلها حاجه ياولدى "
اجابه " الحمد لله يابا ، هى بخير ونبضها كويس بس هى اغما عليها من الخضه بس " ظل يضربها ضربات خفيفه على وجهها حتى تفيق ، وبالفعل أفاقت من أغمائتها وما أن وعت لما حولها ورأت من يمسك بها وأمامها وكأنها رأت توق النجاه أمامها
تمسكت برضوان بكلتا يدها بقوة من لياقة قميصه حتى كادت توقعه عليها
نطقت تلك الفتاة نسيم بصدمه مرعبة " ألحج يابيه نجاة ،... جتلوهم ، والدم مغرق كل مكان... نجاة بتعيط وخايفة"
" بس يابنتى هو دا كل الكلام اللى. جالته ومن هنا رضوان ركب البت معانا و ساق العربية بسرعة جدا وجابنا كلنا على هنا ومشىي مع البت دى ونادم على راجل من الرجالة بره وخلاها جرى وراه بعربية كمان "
ماقاله لم يهدأ بالها أبدا بل أشعل به الحريق بسبب ماتفوه به من هى تلك نجاة ودم من ومن قتل عن ماذا يتحدثون أو يقولون وما شأن رضوان بهم
حاولت مره آخرى الاتصال به ولكن مازال مغلق ، رفعت نظرها لسماء تدعوا الله
" جيب العواقب سليمة يارب ، يارب ترجعه بسلامه بس الاول "
_________________________________________
بكائه يملأ البيت كله وهى لا تعرف ماذا تفعل فهى تحمله بين يديها وتهزه حتى يصمت ولكن هو لايقبل اى شئ ولا حتى يقبل أن يكمل الرضاعه
ضجرت منه ونطقت بيأس
" مالك بس يامتيم ، ياحبيبى أهدى شوية حرام عليك حنجرتك كده هتنجرح " حاولت بكل الطرق حتى لم تعد تعرف ماذا تفعل فكل ما فعلته هو البكاء معه ، دخل عليها يونس وجدها على تلك الحالة تحمل الطفل الذى لم يكف عن الصراخ وهى تبكى معه ولا تعرف ماذا تفعل
هز رأسه وتقدم منها وحمل عنها الطفل وظل يهدأ فيه ولكن لم يصمت تلك المرة فجلس على الفراش وأراح الصغير بين قدميه وظل يمسج معدته بحركات دائرية حتى أطلق الطفل الهواء الذى دخل معدته أثناء رضاعته ظل يونس يداعبه حتى ثقل جفن الصغير ونام و ماذال يونس يمسج بطنه حتى غفى وذهب فى ثبات عميق نقله يونس على فراشه الصغير ولم يتركه حتى تأكد من أن نومته مريحة وفراشة أيضا دافئ
نظرت له نوارة بدهشة ، فى أقل من خمس دقائق اسكته يونس بسهولة وأيضا جعله ينام ، هو فعل كل هذا وهو رجل وهى أمراة لم تعرف حتى ما يؤرقه وجعله يتألم ، وهذا جعلها تحزن على نفسها كادت أن تخرج وتتركه ولكن وجدته يمسكها من يدها ويلقيها فى أحضانه ويربط عليها برفق كأنه يربط على طفلة صغير وليس زوجته... قبلها من رأسها
تمسكت به ودفنت رأسها عند قلبه وماهى إلا ثوانى وسمع شهقة مكتومة تخرج منها شهقة شقت قلبه نصفين ونطقت من بين شهقاتها بتلعثم
" ك ك كان نفسي .. ا أ ا أجبلك العيل ال الي بتحلم بـ
بيه ... أنا انا خلاص م مابقتش نفعاك انا ا انا معيوبه ..." اسكتها وظل يمسح على رأسها كالدميه
"هشش ، بس أنا ميلزمنيش غيرك يانوارة ، كل الكلام اللى بتقوليه ده ملوش اى معنى أنتى الروح اللى عايش بيها وعلى استعداد تام أن احارب الدنيا ولادمعة تنزل من عيونك " أخرجها من أحضانه
ونطق بحُسن الحديث وحلاوة لسان صنعوا لأجلها فقط
" تقول ان بها عيب يعيقها على العيش وانا أقول لوتجمعت بك كل عيوب العالم لا يميزها الا أنها بكي"
تعلقت عينيها بخاصته تقول بألم
" عمر العقم مايبقا ميزة يا يونس "
اخفض جبهته لمستوى جبهتها وابتسم وهو يمسح دمعاتها الدافئة ناطقا بصدق
" انتى أجمل من أن يكون عندك عيوب ، اللى بيحب حد بصدق عمره عيونه ماتشوف فيه عيب ، وأنا عمر عينى ملحمت فيكى عيب ، هفضل طول عمرى كده أشوف عيوبك كلها مزايا... كفاية أنك نوارة "
" أنا بس كان نفسي فى حتة منك "
ارجع خصلات شعرها يشتم عبيرهم
" في حتة منى موجودة على الدنيا دى " نظرت له بصدمه وارتعش بدنها ، فوجدته يحرك رأسها ناحية جزء فى الغرفة
فوجدت ما جعل عيونها ترقرق من الحزن وجدته يشير على انعكاس صورتها فى. المرأة ويهمس فى أذنها بصدق أهلك قلبها وقلبه ههههه ذط
". زى ماربنا خلق حواء من ضلع أدم ، خلق نوارة من قلب يونس "
_________________________________________
يقف خارج الغرفة ينتظر خروج الطبيب ، تائه لا يعرف ما الذى يحصل ومن هذه وماذا حصل من الأساس ولكن يخشى أن تكون تلك الفتاة هى من فعلت كل هذا وحدها لا يعرف كيف اتتها الجرأة لقتل أبيها وما هو الدافع الذى يجعلها تريد ذبح والدها
توقف عقله عن التفكير عندما وجد الطبيب يخرج
" هى بقت كويسه "
اجابه الطبيب بعملية
" هى اغمى عليها نتيجة صدمة كبيرة وعقلها غايب تماما عن الوعي ودا بيحصل نتيجة أن الحالة ممكن توصل لمرحلة عقلها ينهار فيها ، فاهنا أغمى عليها ودخلت للاسف فى غيبوبة "
صدم رضوان من حديثه
" غيبوبة ، انهيار ، طب وهى هتفوق امتى ""
"الإجابة دى بقا فى علم الغيب ، ممكن تفوق بعد مده طويله وممكن تفوق على طول محدش يقدر يحدد فى الوقت الحالى عن اذنك "
اغمض رضوان جفنيه من التعب لكن تذكر علون أراد الاطمئنان يتمنا أن يكون بخير فأخرج هاتفه فوجده مغلق لعن نفسه فى تلك اللحظه على تكاسله على شحن هاتفه
سمع نداء جلال عليه
" يابيه يا رضوان بيه ، علون مش لقيه "
_________________________________________
رواية مسك الليل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سارة طارق
تنهد بتعب شديد، وآثار النوم ظاهرة جداً عليه.
"الكاميرات كانت واقفة، بس وأنا خارج لقيت الممرضة أدتني الحاجة اللي كانت في جيب السديري بتاع علوان. وكان من ضمنهم محفظة ولقيت فيها تليفون وكارت تعريف بتاع واحد من أهل البلد."
استغربت مسك حديثه وسألت بسخرية.
"مين يا ابني اللي هيبقى معاه كارت تعريف له من أهل البلد؟ دول آخرهم في الكروت، الكارت الفكة أبو 11 جنيه."
ضحك على مزحتها وقبّل رأسها.
"طب بقولك إيه، تصبحي على خير بقى عشان مش قادر. أنا من امبارح وأنا بره ولسه ورايا يوم طويل قوي بكرة، وعايز أروح أشوف البنت اللي في غيبوبة دي بكرة، وأطمن عليها."
هزت مسك رأسها ونطقت بحرج.
"أنا كمان مانمتش من امبارح، فازيح شوية عشان نعسانة."
غفا الاثنان معاً، فكل منهم كان جسده يشتاق لنوم وراحة في تلك اللحظة، فكلاهما لم ينم يوم وأكثر، لأنهما لم يستطيعا النوم دون بعضهما البعض.
***
يصرخ من الوجع ولا يعرف ما يحصل حوله ومن أتى به إلى هنا. جثّ بيده على مكان جرحه، وجده لا ينزف. بحث برفق، شعر بوجود خيط الجرح وأن أحدًا قد خيطه له، وبيده الأخرى محلول يوصل له الدم لجسده، وأيضًا رأسه قد عولجت.
ظل ينادي بكل ما أوتيه من قوة حتى يستمع له أحد. يشعر ببعض القلق ولا يعرف أين ومتى جاء إلى هنا. هو كان برقة رضوان، وبعدها قد غفا. من المعقول أن رضوان أتى به إلى هنا؟ هل صدق تلك الفتاة؟ ابتلع ريقه، وعقله توقف عن التفكير. كاد يموت خوفًا، فهو يعلم رضوان أنه لا يمزح في الحق، وأن من يستنجد به في شيء يأتي به ولو على رقبته.
ولكن خاب ظنه عندما وجد الباب يفتح ويدخل منه شخص لا يشبه رضوان ولا تلك البنية تشبه بنيته. واستغرب كثيرًا، فهذا الشخص يغطي وجهه والإضاءة أمام الباب ضعيفة، ولكنه وجد هذا المجهول يتقدم حتى وقف في الإضاءة. ابتسم علوان بسخرية وعلم من يقف أمامه، وتحدث بسخرية.
"الظاهر إن الخوف بيخلي الناس اليومين دول يخطفوا خوفًا من الفضيحة، وانتوا طلعتوا مش بس بتشتروا العيال، تؤ طلعتوا خاطفين كمان. بس على العموم شكرًا على إنقاذ حياتي، أصل لو ما كانش ده حصل كان زمان رضوان بيه عارف كل حاجة، وطبعًا ده كان ظابط يعني يعرف يجيب الكلمة من بوق الأسد."
وقف هذا الشخص أمامه ونزع الشال الذي يربطه على وجهه خوفًا من أن يتعرف عليه أحد. ونظر لعلوان بشر، فهو يعلم أنه لولا فعلته تلك لكان قال كل ما حدث معهم وأنه اشترى منه الطفل.
ضحك علوان عندما وجد وجهه يتطاير منه الشر هكذا.
"على مهلك بس ياست هانم، إيه خايفة أوي كده؟ ما أنتي برده حطي نفسك مكاني، لو جت واحدة اتفقت معايا إنها تشتري ابني، وجت بنتك حاولت تقتلك واعترفت عليكي قدام ابن كبير البلد، هيكون رد فعلك إيه؟ ما أكيد هقول على كل حاجة، ما أنا مش هتعك في كل ده لوحدي برده ياست نوارة."
صرخت به هي أيضًا.
"لأ اعترف عليا، وافضحني أنا وجوزي، إننا اشترينا ابنك، يا متخلف! أنا مش قيلاك، إني أنا قايلة ليونس إني متبنية الواد ده من دار أيتام في القاهرة. تيجي إنت تتصرف بغباء وتبوظ لي حياتي كلها وتطلعني حرامية قدام جوزي. اسمع يا كلب، إنت هتفضل هنا لحد ما تتحسن حالتك وبعد كده، تاخد بعضك وتطلع من البلد كلها وما أشوفش وشك تاني. خدت نص الفلوس، قادي النص التاني. أهو احمد ربنا إني كنت بعتلك الفلوس وساعتها عرفت كل اللي حصل وعرفت أهربك. بس قسمًا عظيمًا لو عرفت إنك فضلت في البلد بعد ما تتحسن، لكون أنا بنفسي اللي قتلاك ومطلعة روحك بنفسي."
ثم ألقت في وجهه حقيبة بلاستيكية كبيرة.
"دول بقيت الحساب، كده يبقى وصلك كل اللي إنت عاوزه، وأنا هعرف أهربك بلد تاني غير مصر، وأهو ترحمنا من خلقتك دي لبقية العمر."
"طب وبنتي أسيبها لمين؟"
نطقت بسخرية.
"إنت هتستعبط يا راجل إنت؟ بنت مين دي اللي خايف عليها؟ ده إنت كان عندك استعداد تموتها يا كلب."
"إزاي دي شرفي، دي ضنايا، أنا كنت بخوفها بس."
"طب لو على بنتك متخافش عليها، أنا كده كده لو عليا كنت لميت عيال الدنيا كلها في حضني، متقلقيش عليها في عينيا علوان هي وأخوها."
نظر لها بغرابة، فهو لحد الآن لم يفهم تلك المرأة. هل هي فعلًا فتاة طيبة أم امرأة مستبدة وليس لها قلب؟ اشترت طفلًا لتهدأ بها غريزة الأمومة لديها ولم يهمها من ماتت بسبب ضياع طفلها؟ أم هي تلك العطوفة التي ستتكفل بفتاة لتربيتها ولن ترضى أن تتركها في الشوارع؟
"إنتي إيه؟ أنا لحد دلوقتي مش قادر أفهمك. منين حرمتي ابني من أمه، ومنين صعبان عليكي بنتي لدرجة إنك هتاخديها عندك تربيها؟ إيه مش خايفة تعرف أخوها وتفضحك؟"
بكت بوجع وإحساسها بالذنب يقطعها إلى أشلاء.
"أنا محرمتهاش، إنت ضحكت عليا وقولتلي إن مراتك بنسبة كبيرة هتموت من عملية الولادة لأنها هتبقى صعبة لأن عندها القلب. أنا كانت نيتي خير وأنت ضحكت عليا. جبتلي متيم وقولت إنها بين الحية والموت، وقعدت تتمسح عليا وعرفت إزاي تضغط على جرحي صح يا علوان. أنا كنت والله كنت عاوزة أعيش الإمومة وأحسها. أنا كنت هجيبها والله العظيم أنا كنت جايلها آخدها القصر تعيش مع ابنها وأعالجها. والله ما كان قصدي أموتها، والله نيتي كانت خير. هي اللي ماتت في نفس اليوم اللي كنت جايلها فيه. والله كنت هاخدها عندي والله."
ظلت تهذي بالكلمات حتى أغرقت الدموع وجهها وصوت شهقاتها المتقطعة عالية لدرجة أنها كانت تختنق وتفقد أنفاسها.
"ست هانم، أنا مليش قعدة في البلد دي. إني خلاص مش نافع لأكون زوج ولا حتى نافع أكون أب يحب أولاده ويحابي عليهم. البت نجاة في عينيكِ، وأنا يومين وهامشي من هنا. توكلي على الله وسرك في بير، وعلى رقبتي إن شاء الله عرفت حاجة متخافيش على سمعة جوزك، خلي بالك على الواد والبت دول أمانتك. خلاص معادش ليهم غيرك. يا رب تجدرى بس تعوضيهم عننا. آهو تكفري عن الذنب اللي في رقبتك، وأنا متأكد من إنك هتحافظي عليهم لأن ضميرك صاحي مش ميت."
***
يجلس في غرفة مكتبه يشاهد صور الخيول التي تعرض في مزاد علني في القاهرة، فهو مهنته هو تجارة الخيول، فتلك ليست مهنته فقط بل هواية حبيبة لقلبه. رفع هاتفه يتصل على أحد ما.
"الو، أيوة يا شريف، أنا هشترى الحصان الأسود رقم ٧، وهشترى ٩ أيوة البني، وكنت عاوز كمان الحصان ٦ ودا بالذات تخلص فيه قبل الباقيين. إيه شكله عيان؟"
ضحك بسخرية.
"هات لي انت بس العيان ده وملكش دعوة، وحياتك هخليه رهوان وهيبقى أحسن. والباقيين... يا ابني دا نوعيته نادرة يا ابني. ما يعرفش المهرة غير فارس عربي، ودي مهرة متسابش كل اللي هي عايزاه. شوية اهتمام."
أثناء حديثه مع شريف، وجد زوجته تفتح عليه الباب وحالتها صعبة جدًا. عيونها المنتفخة وملابسها الغريبة غير المهندمة. حتى هو لم يعلم متى خرجت. لم ينتظر إلا ثواني عند رؤيتها حتى أغلق الخط في وجه شريف، وذهب إليه، ولكن هي من تقدمت أسرع منه ورمت نفسها في أحضانه وظلت تبكي وتتشبث به كطفلة مخطئة تخشى عقاب والدها. لا يعلم ماذا جرى لها، ولما كل هذا البكاء. يؤلمه قلبه كثيرًا أن يراها هكذا. أهون عليه أن يبكي العالم كله إلا هي. مسح على شعرها يحاول بث بعض الطمأنينة في قلبها، ولكن ظلت هكذا لفترة تحتضنه، تضمه بطريقة غريبة كأنها ستفقده أو هو من سيفقدها. لا تعلم.
"نوارة، اهدى، اهدى عشاني يا نوارة. إنتي عارفة إني مقدرش أشوفك كده. نوارتي لا تبكي، فظلام يحل على قلبي عندك بكائك. وضحكتك، أرني ابتسامتك حتى يهل النور على قلبي كما يهل علينا هلال العيد."
ظل يغازلها ويقول أجمل كلمات الحب حتى تهدأ، فكل ما تحتاجه الأنثى وقت ضعفها كلمة تشعرها أنها الأفضل والأحسن في قلبك. كلمة تجعل القلب ينبض بسعادة وينسى الهم والحزن.
ظل معها حتى هدأت، وبعدها حملها لغرفتهم، وأراحها على فراشها ودثرها بالغطاء، وتركها ليجلب لها العشاء. هو عرف أنها لم تتناول الطعام منذ الصباح. ذهب للمطبخ وأعد لها كل ما تحب ووضعه على حامل الطعام وصعد به لها ووضعه أمامها. وظل يطعمها بنفسه، ولكن كانت حالتها لا تسرّه، ولكن أراد أن يجعلها تهدأ أولًا وبعدها يسألها ما بها ويتمنى أن تجيبه، لأنها إن رفضت الحديث لن يستطع الضغط عليها أثناء حالتها تلك.
أطعمها لقمتين وهي تتابعه بعينيها وتنهمر دموعها، فهو يفعل كل ما يريح قلبها. أم هي لم تفعل لأجله أي شيء، حتى إحساس الأبوة حرمته منه. وهو لأجلها قتل غريزة الأبوة بداخله لأجلها، واختارها هي وقتل إحساس الأبوة. لقد فعل لها كل جميل، ولكن هي لم ترد له أي شيء من هذا. بل فقط تزيد همه وتجلب له المصائب، وكم أنا سيئة! لا يكفي أنه يعاشر امرأة عقيمة، وليس هذا فقط، بل وجلابة مصائب وقاتلة وسارقة وخاطفة، وكل شيء سيء في تلك الحياة ستكون هي وليس غيرها.
وجدته يمسح دموعها ويبتسم لها ويقطع لقمة أخرى ويضعها في فمها، وهنا جعلت يده تتوقف عند شفتيها وهي تقول:
"أنا قتلت أم متيم."
"عملتي إيه؟"
انهمرت دموعها أكثر وقالت بهستيرية.
"قتلتها، أنا كذابة، أنا مبخلفش عشان كده خدت ابنها ليا. مفكرتش فيها ومفكرتش فيك، كذبت عليك. بس أنا كنت كنت هجيبها تعيش الباقي من حياتها مع ابنها، بس هي ماتت قبل ما أجيبها. بس ذنبها في رقبتي. ومتيم، مش جايباه من ملجأ لاء دا ابن علوان الغفير بتاعنا. هو كان عارف إني مبخلفش وجاب لي ابنه وقال إن أمه هتموت وكان عايزني أخده أربيه عشان هو مش هيقدر يربيه لوحده عشان فقير. هو استغل ضعفي وضغط على جرح جوايا عمره ما هيشفى. وأنا استغليت فقره وأديته فلوس، بس، بس نيتي خير. أنا نيتي خير. أنا مش وحشة. أنا، أنا بحبك، وكنت عاوزاك تكون بابا وأنا أكون ماما. خفت تزهق مني وتتجوز. أمك قالتلي هتجوزك، وهتخليني أشوف بعيني فرحك على غيري وأشوفها حامل منك وأنا لاء أنا لاء. مش هتروح لغيري أنا هموت من غيرك أنا مليش غيرك. أنا أنا نوارة مراتك أنا وبس. صح مش كده؟ مش كده يا يونس؟ مش إنت مش هتتجوز وتسيبني؟ مش إنت بتحبني أنا وبس؟ قول اتكلم ماتسكتش."
قالت وهي تضربه وتصرخ به حتى يرد عليها. لقد فقدت عقلها في تلك اللحظة وكأنها جُنّت، وهو يقف كتمثال لا يتحرك.
رواية مسك الليل الفصل الثلاثون 30 - بقلم سارة طارق
استيقظ من نومه بعد صلاة العصر، فصل الفروض التي فاتته.
أحضرت له مسك الطعام، أكل وذهب يسأل عن والده. أخبروه بمكانه، فذهب إليه وجده يجلس ويتمعن في الأرض الخضراء ويتأمل في نعم الله التي تتلألأ أمامه. اقترب منه وجلس بجانبه.
"إيه ياaba، عامل إيه؟ مسألتش عليا يعني؟"
رد عليه والده وعيونه ما زالت على الأرض: "كنت بشوف الحكاية اللي بلغتني بيها، وعرفنا لك جرارها، بس طلع الموضوع صعب حبتين."
"صعب إزاي يعني؟"
"علوان، شغال عند يونس حمزاوي، غفير. علوان ضحك على واحدة مبتخلفش وجالها إن مراته عندها القلب وحملت في العيل ده غلطة. والدكتور بتاعها كان محذرها إنها تخلف تاني عشان المرض اللي عندها في القلب وإنها لو حملت هتموت. المهم ربنا أراد إن أمانته تيجي على الدنيا."
"وماتت وهي بتولد مش كده؟"
هز جابر رأسه بحزن: "لأ، ربك كان كبير وحصلت المعجزة اللي تخلي الست دي تقوم منها بسلامة. بس كانت تعبانة جوي. المهم علوان كان متفق مع الست دي وضحك عليها، وجالها إنه مش هيعرف يربي العيل ده لوحده وإن مراته هتموت. وعرف يضغط على الست دي ويصحى جرحها من تاني. واتفق معاها إنها تاخد الواد، وتكتبه باسمها لأن كده كده هو مكانش عايز عيال تاني. إنها لو مأخدتوش هيجتله، أو يرميه في أي حتة."
"دهش رضوان."
"إنت بتقول إيه ياaba، أنا مش مصدق كل اللي بتقوله. ولو فرضنا إن ده حصل، مين الهبلة اللي تصدق واحد زي علوان إنه يقتل ابنه؟ علوان مش عبيط عشان يقول قدام حد إنه هيقتل. الحكاية دي مش داخلة في ذمتي بتلات تعريفة. وطبعًا هتقول إن الست اللي علوان اداها ابنها دي مسكينة وخدت العيل خوف عليه ليتقتل، وسمته باسمها."
نظر له والده نظرة جعلت رضوان يبتلع ريقه، فنطق جابر: "مش مصدق كلامي إياك. لما أقولك كلمة اعرف إنها صح، لأن الحرف اللي بيخرج من بوقي ختم ياابن النمر. شايفني صغير؟ إياك وبهلفط بأي كلام، ولا شيب شعري خلاك تقول إن أنا خرفت."
رجع رضوان في حديثه، صحح لوالده: "لا عاش ولا كان اللي يقول عليك صغير أو شايب ياaba، بس الحكاية بس ناقصها حاجة، في حاجة مش مفهومة في الحكاية دي. وإنت بتحكي حاسك متضامن مع الست اللي خدت العيل دي قوي، كأنك عارفه يعني."
"عارفها ومربيها على إيدي كمان. يا ولدي ربنا ما يجعلك تحس إنك زي الأرض البور اللي مينفعهاش لزرع ولا حتى ينفع فيها بوق ميه. فأي حد هيدوس على وجعك ده ويستغله هتصدقوه."
"معنى كلامك إنها خدت العيل طمع وحب في أنها تحس إنها ست وعندها عيل. بس ده يعاقب عليه القانون. وإنت قولت كمان إنها سمت الوالد باسمها ودي جريمة تانية ياaba. أنا معاك إن إحساس الأمومة بتحلم بيه أي بنت أو ست، بس ده ما يديهاش الحق إنها تاخد عيل من أمه وتقهرها عليه لحد ما تموت. ودي جريمة تالتة. وأنا مش هقدر اسكت على حاجة زي دي، وأرجع الواد لأخته. وعلوان ده حسابه مع القانون هو واللي شارك معاه في الجريمة دي. وبعد إذنك ياaba، تقولي مين الست دي؟"
"نوارة مرات يونس حمزاوي، صاحب أخوك رشاد."
"إنت بتقول إيه ياaba، استحالة طبعًا. يونس مش ممكن يعمل حاجة زي دي، ولا نوارة مراته ممكن تعمل كده. نوارة أعقل من إنها تحط نفسها في موقف زي ده. مش نوارة ياaba اللي تكون سبب في قتل حد، دي أرق من كده بكتير."
تنهد والده وهو يقول: "استغلوا نقطة ضعفها ياولدي، استغلوها صح، وضغطوا على جرحها."
"أبا بالله عليك أنا مش فاهم حاجة، براحة عليا واحدة واحدة كده وفهمني."
"خلينا أنا أفهمك يا رضوان، على الأقل لما تسمع من صاحبة الحكاية تفهم أكتر." قالتها نوارة وهي تتقدم منه هو ووالده، وجثّت بجسدها حتى تقبل يده. جابر الذي أجلسها بجانبه قائلاً: "أنا جبتلك صاحبة الحكاية عشان تسمع منها، يمكن ساعتها تعذرها."
شعر رضوان أن والده يضعه تحت الأمر الواقع، وهذا جعله يغضب.
"أبا لو فاكر إنك بتستغل معزتي ليونس ونوارة، في إني أضيع حق ست غلبانة زي مرات علوان وعيالها تبقى غلطان. أنا ما يمكن أعمل حاجة ضد القانون. إنتي مش غبية عشان توقعي نفسك في جريمة زي دي، عشان إيه كل ده؟"
ترقرت دموعها: "عشان أبقى أم. والله العظيم أنا اتضحك عليا. إنت لو كنت مكاني، ولقيت حد جايبلك أكتر حاجة بتتمناها من ربنا، وبيقولك أهي، النعمة اللي كنت عايزها معايا أهي ربنا أنعم عليا بيها بس أنا مش عايزها ويا تاخدها يا أموتها. خوفت وفرحت وقبلت. اديته مبلغ يسعده في ولادة مراته، بس بعد ما مشي فكرت. استغفرت ربنا وقولت يمكن بيعمل كده عشان حالتهم على قدها ومش هيعرف يربي الواد بعد موت مراته. وبعدها بيومين كلمته وقولتله ييجي عشان عايزاه، وجهزتله مبلغ وقولت يمكن ربنا بعته ليه عشان أسعده وإن ده اختبار من ربنا ليه، وإني لو ساعته واديتيه فلوس يعمل مشروع أو أي حاجة وحسنت من حالته المادية، ربنا ممكن يكرمني و يخليني أحمل وأخلف وأحس إني ست زي الستات اللي في البلد وأشيل عيل يكون حتة من يونس ومني. والله العظيم ده اللي كان في نيتي ساعتها. بس لقيته جه قبل المعاد اللي اتفقنا عليه وطلب يقابلني، ويونس مكانش موجود في اليوم ده. ولقيته جاي ومعاه متيم، وبيدهولي ويقول خدي ابنك جه على الدنيا ومحتاج حضنك. وفجأة بعد ما كنت بقوله أنا مش هاخد ابنك، لقيت الواد على دراعي بيعيط. وفجأة سكت وبصلي كده، خلي قلبي بقى من كتر الدق حسيت إن هيقف. أنا لقيت نفسي بضمه لحضني قوي. دموعي نازلة مني زي الشلال وفرحانة قوي كأن فعلاً ابن بطني. وكلامه ليا وهو بيقول ابنك جه على الدنيا وعايز أمه، وكأن الدنيا كلها في اللحظة دي خلت من الناس ومبقاش اللي أنا ومتيم وبس. آه، ما يونس سماه متيم، وكأن الولد ده هو الوصف اللي بيوصف بيه يونس حبه ليا."
هنا نطق رضوان بحزن: "إزاي يونس يقبل حاجة زي دي ويطاوعك فيها؟"
أجهشت في البكاء أكثر: "يونس مكانش يعرف، يونس كان مسافر بيسلم خيول بيعها لواحد في مصر وجه اتفاجئ بالولد عندي. وكدبت عليه ساعتها وقولتله إني اتبنيت طفل من ملجأ. وهو صدق رغم إنه كان رافض التبني. بس زي ما تقول أول ما شاف الولد سكت ومقدرش يعمل أي حاجة وعمل شهادة ميلاد للولد."
هنا نطق رضوان بحيرة: "وأنا مستغرب إزاي علوان جتله الجرأة ويجيلك من الأول ومخافش من يونس؟"
هنا ردت عليه نوارة بكسرة: "علوان لما جه وقال لي افتكرت إنه كان طمعان في قرشين، بس الحقيقة إنه طلع مزنوق عليا." قالت وهي تبكي وتضع يدها على وجهها.
"أصدق مين؟" قالها رضوان.
لتجيبه هي: "رحمة هانم، اللي عمرها مرحمتني وخلتني أعيش يوم واحد حلو. رحمة هانم اللي مفيش يوم بيعدي فيه غير وهي معيراني بقلة خلفيتي ومش بتقولي دايماً غير إني أرض بور، وإني حمل كبيرة وأكبر غلطة غلطها يونس في حق نفسه إنه اتجوز واحدة طلعت ست في الشكل وبس. وإنها لازم تجوزه وأول ما يخلف من التانية وأشوف خلفته من واحدة غيري هترميي في الشارع. بس لازم تذلني وتكسرني الأول. على أساس إنها مش ذلاني وكسراني كل يوم بكلامها. أبوس إيدك يا رضوان هي عملت كل ده عشان يونس يطلقني واستغلتني صح وعرفت إزاي تدخلي. أنا قولت ليونس كل حاجة من يومين، ومن ساعتها وهو مش بيكلمني. أنا اعترفت بكل حاجة."
"وإنتي عرفتي إن حماتك ورا ده كله إزاي؟" قالها رضوان.
"أنا سمعتها بتكلم في التليفون وأنا معدية من قصاد أوضتها الفجر. كانت بتكلم علوان في التليفون، وبيطمنها إن كل حاجة ماشية مظبوط، رغم العكوسات اللي حصلت بس برود حصل اللي إحنا عايزينه. ساعتها معرفتش أعمل إيه وكنت هموت. كان نفسي إنّي أصوت وأفضحها وأجري أقول ليونس بس خوفت لأميصدقنيش وهي ذكية جداً لدرجة إنها ممكن تقلب كل حاجة ضدي، وتستغل كمان إن يونس مقاطعني ومش بيكلمني من ساعتها. ملقتش غير الحاج جابر وإنت تلحقوني. أنا عرفت إنك كنت مع بنته الكام يوم اللي فاتوا دول، بس أبوس إيدك ساعدني بس من غير ما حد يحس بحاجة. أنا خايفة لحد من أهل البلد يعرف ويعاير يونس أو يتقل منه. أنا مش عايزاه يتعاقب على غبائي وأنانتي. والله العظيم أنا مكانش في نيتي أي أذية لحد يا رضوان، وحياة مراتك مسك لتساعدني. أنا عارفة إنها غالية عندك قد إيه، وإنك مش هترفضلي طلب."
انهمرت أكثر في البكاء على تلك الكارثة التي أوقعت نفسها بها والتي ستتسبب في تحقيق أسوأ كوابيسها وهي أن يتزوج عليها يونس ويتركها. رق رضوان قلبه لها وشعر بألمها، هو يعلم نوارة حق المعرفة، فهي رغم أنها ليست فتاة صعيدية، وأنها أتت على الصعيد بعد أن تزوجت من يونس، إلا أنها في تلك الأعوام التي قضتها هنا أحبها الجميع. اعتبروها من أهل البلدة، بسبب معاملتها الحسنة وطيبة قلبها ونقائها وأخلاقها التي يحلف بها أهل البلدة. ربّت عليها جابر ليهدئها ويجعلها تطمئن، لأنه في تلك اللحظة تذكر ابنته التي هجرته وتركته سندس، فهي كانت أقرب صديقة لنوارة.
"اهدّي يا بتي، والله طول ما إني عايش، ماهخلي مخلوق واحد يزعلك واصل."
نطقت نوارة بكسرة: "ما أنا لو كان بابا عايش مكانش كل ده حصلي ولا اتذليت كده، يعم جابر."
"اهدّي يا بتي، ليكي رب اسمه الجبار، وهو قادر يجبر بخاطرك، وينتقم من كل اللي جه عليكي. دا كله اللي الظلم والافترا. يا بنتي."
هنا نطق رضوان: "متخافيش يا نوارة بس، عشان أساعدك ونثبت الكلام اللي قولتي ده على حماتك، لازم نلاقي علوان."
انهمرت دموعها قائلة: "مش هتلاقيه، أنا اديته فلوس عشان يهرب."
هنا نطق جابر: "إنتي اتجننتي إزاي تعملي كده؟"
هنا تنهد رضوان ووضع يده في شعره قائلاً بحيرة: "طب هنعمل إيه دلوقتي ياaba هنثبت الكلام ده إزاي، بعد ما المخفي ده هرب؟ ولو نجاة فاقت الشرطة هتيجي وتحقق معاها وده مش هيكون في مصلحة نوارة خالص، وهتلبس كل حاجة لوحدها بعد ما الكلب ده هرب."
نظر له والده نظرة وأعيد: "أنا اللي هثبت كل ده، بمعرفتي ياابني. سيبها على الله وعليا."
_________________________________________
السواد أحاط عينيه وسحب وجهه. لأول مرة لا يهتم بمظهره. لم يجافيه النوم منذ يومين. لأول مرة بعد أن تزوجها ينام بدونها على سرير غير سريرهم. لأول مرة لا يتحدث معها طول تلك المدة. لم تحصل ولا مرة أن يتركها هكذا، لكنها يجب أن تعلم خطأها.
ولكن لقد اشتاق حقاً لضمها له قبل النوم، فهو لا يعرف النوم دون احتضانها، لقد تعود على ذلك. لكن هو لن يضعف أمامها بعد ما فعلته به. ألم تكتفِ بحبها الذي أصبح كالدماء التي تجري في عروقه حتى جعلته لا يريد تركها أبداً، حتى عمله يديره من البيت حتى لا يتركها ويبعد عيونه عنها.
قام من نومته وذهب لشرفة وفتحها وجلس على سور الشرفة، وضع كلتا قدميه على السور وسند ظهره على الحائط وهو ينظر للسماء يتأمل بها، يرسم صورتها بنجوم ويبتسم بحزن وخيبة أمل. وجد نفسه يدندن:
*لأقعدن على الطريق وأشتكي
وأقول مظلوما وأنت ظلمتني
لأدعونا عليك في غسق الدجى
يبلك ربك مثل ما أبليتني*
كانت تستمع لدندنته تلك وهي تضم قدميها لصدرها وتخفي وجهها بين قدميها وتضم يدها حول ساقيها وتبكي بوجع، خائفة أن يتركها. فكرة أن يونس يطلقها تلك تجعلها ترتعب. وغناؤه هذا جعلها تشعر بأمدا حقارتها وأنانتها تلك. نعم، فهو على حق، لقد ظلمته.
وجدت من يفتح الباب ويدخل عليها. رفعت رأسها وانهمرت دموعها أكثر. فرحت لوجوده أمامها مرة أخرى في غرفتهم.
نطقت بفرحة: "يونس، أنا كنت عارف إني مش هأون عليك. عمر نوارة ما تهون على يونس مش كده؟"
لم ينطق بحرف واحد، بل تقدم من الفراش ونام عليه وسحبها من يدها وجعلها تنام في أحضانه. كادت تتحدث ولكنه منعها وهو يقول بصوت ضعيف يملأه الألم والإرهاق والتعب: "أنا عايز أنام يا نوارة، أرجوكي سبيني أرتاح."
هنا صمتت ولم تتحدث واستكانت هي أيضاً في أحضانه. وبعد فترة قصيرة جداً غفت، فهي أيضاً لم تنم منذ يومين. وعندما علم أنها قد ارتاحت وغفت، هنا استكان جسده وقلبه وعقله أيضاً. ولأول مرة أرى أن العقل والقلب قد اتفقا على شخص واحد، وهي نوارة. ارتاحت عيونه وضمت جفونه ونام كالمغيب الذي لم ينم منذ سنين، وكأن حضنها كان كالمنوم لوجعه منها. لقد أصبحت نوارة، هي الداء والدواء معاً. لقد كانت مثل أقراص المنوم الذي أدمنها حتى جعله لا يعرف النوم إلا بها.
_________________________________________
كانت رحمة والدة يونس تتحدث في الهاتف وتحاول السيطرة على غضبها من تلك المغفلة الغبية التي تتحدث معها.
"بقولك إيه، مش ذنبي إنك معرفتيش تعملي كل اللي قولتهولك عليه، إنتي مش شغّالة دماغك. يلا بقى ابقي وريني شطارتك، ما هو اللي ما يمشيش على كلام رحمة يبقى دي نهايته يبقى زي الكلب اللي صاحبه طفش منه."
ردت الأخرى عليها عبر الهاتف وهي تبكي بحسرة: "يعني ده جزائي إني قبلت إني أتجوز ابنك وهو على ذمته واحدة تانية، في الآخر ألاقي نفسي مرمية ذي الكلبة. ده حتى بعد ما كتب عليا ومن ساعتها ماشفتوش. ده حتى ما استناش يشوفني، ما استناش يشوف العروسة اللي أمه جابتهاله. جه مضى على البيعة ومشي."
هنا ردت عليها رحمة جبروت: "وحياتك عندي لخليكي، تيجي هنا وتاخدي مكانها. بس إنتي اصبري عليا بس استحملي شوية بس."
"لحد إمتى يا ست رحمة هستحمل؟ لحد ما يتجوز؟ قوللي مين يستحمل إن لو جوزها جبلها في الشارع وعينها جت في عينه ميحرفهاش؟ أنا برده ست لحم ودم، واللي بيجرى فيا ده ميتحملهوش بني آدم."
"اجعدي زي خيبتها أكده لحد ما تلاقي بعتلك ورقة طلاقك ويبقي لاطولتي ورد الشام وعنب اليمن."
صرخت في وجهها تلك المسكينة: "حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. منك لله، إنتي اللي جيتي تقوليلي هتعيش عيشة ملوك وهتبقي ست البيت لما تجوزيه وتجبيله حتة العيل اللي محروم منه هتبقي ست البلد. اديه رماني، عشان مراته ورغم إنها مبتحلفش، بس مش بيقدر على بعدها. روحي ربنا ينتقم منك." قالته وأغلقت الخط في وجه رحمة التي أنزلت الهاتف من على أذنها.
ظلت تبكي على خيبة أملها. لقد حلمت أن تطير في السماء وظنت أن بتلك الزيجة سوف تقتلع نفسها من هذا الفقر الذي عاشت فيه طول حياتها. ولكنها وجدت نفسها تلقى من سحابة أحلامها على الأرض كالسلعة التي بيعت، وألقاها صاحبها دون أن يهتم بها، وكأنها ليست لها قيمة عنده.
لن تنسى اليوم الذي قابلته فيه بعد زواجهم بشهر. كانت تحمل على رأسها حقيبة السوق التي ملأتها بكل طلبات والدتها من السوق وظلت تمشي ببطء بسبب ثقل الحقيبة على رأسها حتى توقفت قدميها عندما رأته يركب على خيله ويتمشى به في البلدة كعادته. أنزلت حقيبتها وتركتها في منتصف الشارع دون أن تهتم لها، وهرولت إليه تناديه، تريد معاتبته على تركها، تريد أن تكون أمام عينيه لعله يرق قلبه لها.
"يونس بيه، يا سي يونس."
شعر أن هناك من ينادي عليه، فتوقف بفرسه ونظر خلفه. وجد فتاة لا يتعدى عمرها تسعة عشر عاماً تركض باتجاهه وتنادي عليه بفرحة كبيرة، لكنه لم يعرفها حتى عندما توقفت أمامه. ابتسمت له وهي تقول له: "إزيك يا سي يونس عامل إيه والست هانم عاملة إيه؟" كانت تقصد والدته.
ابتسم لها برسمية: "أنا بخير الحمد لله، والست نوارة كمان بخير، ياشاطرة."
هنا كانت الصدمة لها أنه لم يتعرف عليها. فأشارت على نفسها فنطقت برعشة خفيفة: "إني جهاد، يا يونس بيه. إنت مش عارفني؟"
"لأ معلش مش واخد بالي، إنتي محتاجة أي حاجة يا آنسة؟ أنا تحت أمرك." نطق باحترام جعل قلبها يتهشم لدرجة أنها سمعت صوته انكساره.
"آنسة... لأ، إني مش عندي طلب، إني عندي مظلمة. بابي."
"طب ما تروحي لكبير البلد الحاج جابر وهو يشوفهالك ويجبلك حقك من اللي ظلمك." نطق بكسرة والدمع يتلألأ بعينيها: "ميهونش عليا أجلل منه جدام حد، ولا أخليه يبان صغير جدام الناس."
"هو مين ده؟"
انهمرت دمعة منها ونظرت واحنت رأسها لأسفل وهي تقول: "جوزي يا سعة البيه جوزي. فايتني بجاله شهر من بعد ما كتب عليا ولحد دلوقتي، ماشفتوش. رحل وسابني ولا حتى اهتم بيه. حتى لما لقيته جريت عليه زي الغبية افتكرت نفسي وحشاه بس كسر بخاطري لما وقفت جدامه ومعرفنيش. رغم ظلمه ليا بس مش هاين عليا إني أجلل منه جدام الناس. أصله طول عمره كبير قوي في عيون الناس زي ما هو كبير في عيني أجده. فارس على جواده ولا حد يساوى رمش من عينيه."
كانت تتحدث وعيونها على الأرض بسبب كسرة لخاطرها، ولكن وجدته يرد عليها ما جعلها تشعر بقلة قيمتها: "معلش يا قولتي أمسك إيه، أنا مسمعتش بقيت كلامك. مراتي بعتتلي رسالة على التليفون وخلتني ما ركزتش في بقية كلامك. إنتي قولتي جوزك اللي سافر وسابك ده فين واسمه إيه وأنا هحاول أرجعهولك."
اختنقت في البكاء أكثر: "جوزي... لأ خلاص ماتتعبش نفسك يا بيه. عمره ما هيرجع يا بيه. أصله بعيد عنك جلبه مسحور."
استغرب حديثها: "قلب مسحور إزاي؟"
"بالحب يا بيه، جلبه مسحور بالحب، واللي بيحب بيحس إن الدنيا كلها مبقاش فيها غير اللي بيحبه."
"وإنتي إيه اللي خلاكي ترتبطى بواحد متجوز، وإنتي في السن الصغير ده، لافاتك قطر الجواز ولا عنستي؟ إيه اللي يجبرك على اللي إنتي فيه ده؟"
"نصيبي الأسود يا بيه." رد عليه رد قوي ولم يهتم بمشاعرها: "لأ العيب مش في نصيبك، العيب عليكي إنتي اللي وافقتي من الأول على واحد قلبه متعلق بواحدة تانية وحطيتي نفسك في موقف زي ده. وممكن ييجي عليه وقت ويطلقك ويرميكي وتبقى حكمتي على نفسك بالقب زي ده وإنتي في السن ده. تستاهلي كل اللي بيعمله فيكي عشان إنتي رضيتي إنك تجوزي واحدة في واحدة في حياته، ورضيتي تقهريها بس ربنا قهرك إنتي."
ألقى كلماته كلها مرة واحدة ولم يهتم حتى بمشاعرها، وكأنه ألقى عليها ما كان يحمله في قلبه من تلك الفتاة التي تزوجها بالغصب بسبب أمه، ولا يعلم حتى أن تلك الفتاة هي زوجته الثانية. تركها وركض بحصانه بعيداً عنها وتركها في منتصف الطريق كائة لا مأوى لديها، وكأنه هو المأوى وهاجرها وتركها تتعرى بشوارع.