تحميل رواية «مسك الليل» PDF
بقلم سارة طارق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ون طعنه ) _________________________________________كانت تجلس بجانب جثته والدماء يملئ المكان ، ويملاء ثيابها كانت تنظر لدماء من حولها براحه كبيره وشكل جسده الممزق من الطعنات كان يدخل عليها السعادة ، فهذه نهاية كل رجل سولت له غريزته القذره بكسر فتاة أخرى ، وقتل برأتها وعقابه منها كان عشرون طعنه ولكنها استدارت عندما سمعت صراخه ، نظرت له وهى تبتسم وشاورت له باسكين ، ووضعت يديها الأخرى فى الجسد الممزق أمامها واخرجتها وهى ممتلائه بدماء ، وقالت وهى تبكى بفرحه شديدة" كده نبقا خالصين " ******************...
رواية مسك الليل الفصل الأول 1 - بقلم سارة طارق
الفصل الأول (عشرون طعنه )
_________________________________________
كانت تجلس بجانب جثته والدماء يملئ المكان ، ويملاء ثيابها كانت تنظر لدماء من حولها براحه كبيره
وشكل جسده الممزق من الطعنات كان يدخل عليها السعادة ، فهذه نهاية كل رجل سولت له غريزته القذره بكسر فتاة أخرى ، وقتل برأتها وعقابه منها كان عشرون طعنه
ولكنها استدارت عندما سمعت صراخه ، نظرت له وهى تبتسم وشاورت له باسكين ، ووضعت يديها الأخرى فى الجسد الممزق أمامها واخرجتها وهى ممتلائه بدماء ، وقالت وهى تبكى بفرحه شديدة
" كده نبقا خالصين "
****************************************
كانت تهرول فى الطريق بسرعه فاهى تأخرت فى العمل اليوم ، كانت خائفة من والدتها فاهى تعلم أنها سوف توبخها لتأخرها لهذا الوقت رغم أن الساعة لم تتجاوز التاسعه إلا أن أهل هذه البلد ينامون مبكرا
كانت تنهج من كثرة سرعتها فى المشى ولكنها لم تتوقف ألا عندما سمعت هذا الأنين يأتى من تلك الغرفه الصغيره المصنوعه من الخوص
توقفت قدمها وهى تقترب من مصدر هذا الصوت فقد توقف قلبها من الخوف لأنها ظنت أن هناك أحد يطالع فى الروح
****************************************
فى أحد البيوت البسيط. كانت سيده تجلس بجانب بنتها وكان القلق ظاهر على وجهها لتأخر أبنتها فقد اقتربت الساعه من منتصف الليل
مسك :" أما ، أنا جلجانا (قلقانه) جوى (قوى) على ورد ، الوقت اتأخر أوى ياما ، وهى مش من عوايدها تتأخر أكده ، أنا جلبي (قلبى ) مش مطمن حاسه أن فى حاجه عفشه حصلتلها "
كانت أمها ينهشها القلق هى الآخرى ولكنها حسمت أمرها أن تذهب وتبحث عنها فى الخارج لعلا حصل لها شئ في الطريق يعوقها على العوده
زينات :" بت يامسك ، خلى بالك من نفسك أنا هخرج أدور على اختك لو حد خبط اوعى تفتحى وأنا هاخد المفتاح معايا وما.............. "
ولكنها صرخت عندما وجدت باب البيت يفتح و ابنتها تقف على عتبة الباب وفستانها ممزق وجسدها أيضا والدماء تسيل من بين قدميها وشعرها مبعثر و شفتيها مليئه بالدماء ووجهها مليئ باكدمات
وقعت ورد على الأرض وهنا صرخت اختها مسك وذهبت لها وهى تحاول أن تجعلها تقف على قدميها
ولكن ورد كانت فقط تنظر لوالدتها و هى تبكى كأنها تقول لها لاتنظرى لى
انهارت مسك بالبكاء وهى تحاول أن تساعد أختها على الوقوف :" جومى (قومى) على حيلك ياورد ، جومى ياختى " ظلت ورد على هذا الوضع ونظرت لأختها ونظرت لدموعها وكانت فى حالة لايسرى لها فقط تنظر لهم بنظرات خاليه من الحياة
صرخت مسك فى والدتها التى تقف مكانها لم تتحرك كانت فى حالة صدمه وهى ترى ابنتها بهذا الشكل كانت تبكى وتتمنى. الموت أهون من أن ترى ابنتها فى هذا الوضع
مسك :" ياما تعالى ، مش وجدته (وقته) ياما أبوس يدك تعالى شليها معايا ندخلها الأوضه لاول (الأول) ياما " صرخت بها حتى تتحرك وتساعدها على حمل اختها
ركضت زينات لأبنتها وساعدتها على حمل ورد وأدخلاها على غرفتها ، واجلستها اختها على سريرها حتى ترتاح
نظرت زينات لابنتها وظلت تشهق وتبكى وهى ترى أبنتها تنزف الدماء من بين قدميها دون توقف
هزت مسك أمها وهى تقول لها :" أما جومى روحى هاتى الدكتورة اللي فى المصتوصف بسرعه عشان توجف الدم ده بسرعه ياما جوام (بسرعه) ولا أروح أنى وخليكى معاها "
زينات ببكاء:" لاء انتى لاء أنا. هروح ، مش مستغنيا عنك انتى كمان يابتى ، خليكى معاها "
ركضت زينات من المنزل ، وهى تبكى لاتعرف ماذا حصل لها ولكنها تعلم أن ابنتها ضاعت وقتلوا روحها وأخذوا برائتها ، فكل أنش فى جسد ابنتها وتلك الجروح العميقه التى بها تقول أن ابنتها ضاع شرفها لا محاله
كانت مسك تجلس بجانب اختها ورد التى فى حالة صدمه ولكنها أصرت أن تقص عليها ما حدث معها
مسك :" ورد جوليلى مين اللي عمل فيكى أكده ، جوليلى ياحبيبتى ، ولله لجبلك حجك بس أنتى اتكلمى وجوليلى مين عمل أكده ياورد اليمن مين "
كانت تنظر لها ورد بنظرات خاليه من اى تعبير كأنها جسد بلا روح ولكنها انهارت بين أحضان أختها وهى تتذكر ماحصل معها وهى عائدة من عملها
كانت تركض بسبب تأخرها كانت خائفة من مشاجرة امها معها بسبب هذا التأخير فأهل قريتهم ينامون. مبكرا جدا بسبب استيقاظهم فى وقت الفجر لصلاة والعمل بالحقل
كانت تلهث من كثرة السرعه ولكنها توقفت عندما استمتعت لصوت أنين شخص يأتى من داخل كوخ صغير
ورد:" أيه ده ، دا شكل حد بيطلع فى الروح ، طب أمش واعمل نفسي مسمعتش ولا ادخل "
كانت خائفه من الدخول ، ولكن كأى إنسان طبيعى يسيطر عليه مشاعر الفضول ويريد استكشاف أى شىء مريب بنسبة له
حسمت أمرها وقررت الدخول لتهدأت رغبة الفضول لديها ، بالفعل اقتربت من الكوخ بقدم ترتجف من الخوف وفتحت الباب وهاجمها سحابه كثيفه من الدخان الذى يملئ الغرفه ، ملاء الدخان صدرها مما جعلها تسعل بقوة ، ولكنها توقفت عندما سمعت صوت شخص يطلب المساعدة
دخلت الكوخ وفتحت كشاف هاتفها ليزيد من إضائة الكوخ الخفيفه ، فالم يكن فيها اى مصدر لضوء غير المصباح الزجاجى الذى ينير بشريط قماش يتوسط تلك الزجاجه المليئه بجاز
ظلت تبحث عن مصدر الصوت وهى تنير بكشاف هاتفها جميع أنحاء هذا الكوخ ولكنها انتفضت بفزع عندما وجدت يد تملأها الدماء تتحرك وهى تستند على مقعد منقلب على أحد جانبيه
شهقت عندما رأت الدماء تسيل من يديه ، ولكنها تمالكت نفسها وحاولت استجماع ماتبقى من قوتها
واقتربت من المقعد وأنارت لنفسها وجدت جسد شخص ملقى على الأرض يطالع فى الروح ويغطى جسده بالكامل الدماء التى امتزجت مع الاتربه التى تملاء الأرض
؟؟:" اه اه ....، بموت ، مايه عاوز مايه ، ريقى ناشف اوى م.ا.ي.ه "
انتفضت ورد وهى تسمع لأنينه هذا ويكفى منظر. دمائه التى تقطر من كل ناحيه بجسده ولاكنها ظلت تبحث له عن أى قطرة ماء يشربها ولكن لم تجد فى هذا الكوخ اى شئ لشربه
نظرت له ورد بخوف واقتربت منه بقدم تملكت منها الرجفه من كثرة الخوف وهمست له
ورد :" انا هخرج اچبلك مايه من الترومبه (شئ مصنوعه من الحديد يجلب الماء التى تكون. فى جوف الأرض ) ، اللي بره فى الارض مش هتأخر عليك "
خرجت ورد للبحث عن الماء حتى تبحث عن اى. شىء تجلب فيها الماء لهذا الشخص
ولكنها اتفضت و عادة من ذكرياتها وهى تنظر لدخول والدتها و معها طبيبة المصتوصف الخاص بقريتهم
انتفضت ورد عندما رأت الطبيبه تقترب منها وذادت من ارتعاشة جسدها وظلت تصرخ وتحرك قدميها بهستيريه وظلت تقذف الطبيبه بإي شئ بجانبها
ارتعبت الطبيبه منها وخرجت بسرعه من البيت بسبب حالة الجنون التى إصابة ورد
حاولت مسك و والدتها امساك ورد والسيطرة عليها حتى تهدأ
ظلت ورد تصرخ حتى هدأت صرخاتها ولكن شهقاتها أبت أن تصمت أبدا
ظلت شهقاتها مستمره تخرج منها على شكل أنين داخلى ، أنين من يسمعه بتمزق قلبه من الحزن ، فهذا الأنين يشبه أنين فقدان الشخص لروحه ولكنه مازال على قيد الحياة ويشعر بكل شيء حصل معه ومازال فى ذاكرته وسوف يتكرر أمامه للأبد ، وهذا هو أسوء أنواع القتل أن تقتل شخص دون أن تنهى حياته لأنك تقتل فيه برأته ونقائه وتكسر روحه وتجعله يشبه الأموات
كانت زينات تجلس على الأرض وتسند رأسها على حرف السرير وتضع كلتا يدها على رأسها وتبكى بقهر على فتاتها التى كانت تشبه الورود التى تتفتح مع دخول فصل الربيع كانت أسمًا على مسمه ، ولكن الان أصبحت تشبه ورقة الشجر الصفراء التى تقع على الأرض من كثرة زبلانها
كانت مسك تحتضن أختها وتربط على ظهرها وهى. تبكى على حالة أختها ، أختها التى كانت تشع بهجه وسعاده ، الأن تقع بين أحضانها مكسوره وحالة القهر تملكت منها ، لاتعلم حتى الأن ما حصل مع أختها ولكنها لن تصمت ولن تهدأ حتى تعرف من فعلها من أطفئ لمعة عينيها
****************************************
كان يقف فى شرفته وينفس عن غضبه فى سجارته كان وجهه مقفهر من الغضب فأخيه الأحمق خرج منذ الصباح ولم يعد حتى الأن ، ولا يرد على اتصاله يخش أن يكون حصل معه شئ ، تنهد بضيق على حظه العسر الذى يمنعه من دخول تلك البلد الذى ذهب فيها أخيه لطلب حبيبته لزواج ، كان يتمنا أن يكون معه ليحمه ولكنه رفض خوفاً عليه ورفض أيضا أن يكون هناك أى رجال معه لحمايته فقط طلب الخصوصيه له ولحبيبته
رمى أخر ما تبقا من سجارته ، ومسح وجهه وهو يحاول التفكير فى أى طريقة لتوصله لأخيه
قرر الاتصال برجاله الذى بعثهم للبحث عن أخيه ولكنه تأفف بغضب عندما تذكر أنه نسي هاتفه بلأسفل
نزل ليبحث عن هاتفه وخرج من منزله للحديقه ، وسأل أحد رجاله عن هاتفه وبالفعل دله عليه وأخبره أنه كان سيجلبه له ولكنه هو سبقه وأتى
نظر رضوان حوله بيأس يلعن نفسه أنه وعد أخيه لعدم الذهاب ورأه خرج من البيت وقرر السير قليلا حتى يهدأ ذلك القلق الذى ينهش فيه دون رحمه
رضوان :" افتح البوابه دى يابنى "
خرج من البيت وسار قليلا وهو يضرب تلك الحجاره الملقى على الأرض بقدمه ويفكر فى أخيه ولكنه توقف عندما لمح شئ ملقى بالقرب من سور. منزلهم
أقترب منه وجده كيس كبير من القماش (شوال) لايعلم لما تملكه الخوف وهو يفتح ذلك الكيس
حاول فك ربطة الكيس وفتحه ولكنه تجمد بأرضه عندما وجد جثة أخيه أمامه ، كانت حالته لايثر بها كان يريد الصراخ والبكاء ولكن تلك الصدمه جمدته جعلته لايقوى على فعل أى شئ
رأى أحد الحراس رضوان وهو يجلس على الأرض فذهب إليه ليسأله عن سبب جلوسه بتلك الطريقة
الحارس :" رضوان بيه أنت قاعد كد...، ولكن صدم الحارس وهو يرى رضوان يمسك برأس أخيه بين يده ليست مقطوعه ولكن الرأس هى التى تظهر من الكيس
صرخ الحارس بقوة ودخل وهو ينادى على رب عمله
"حاج جابر ياحاج جابر الحق " هكذا ظل يصيح الحارس
حتى خرج جابر من غرفته ونزل للاسفل ليعرف سبب هذا الصراخ
جابر بخوف :" ف أيه يامنصور ، الدنيا اتهدت والجيامه جامت (القيامه قامت) عشان تصرخ كيف النسوان أكده ليه "
منصور برعب قائلا:". هى فعلا الجيامه قامت ياجابر بيه "
قص منصور كل مارأه وكان يبكى بهستيريه ... ، تيبست أطراف جابر هو يسمع أن ابنه البكرى قتل وملقى فى كيس بجانب بيته ،. اشتعل جسده بنار الفقدان هو يستند على حارسه فقدميه لم تعد تساعده بعدما فقد أحد عكازيه وهو أبنه ، كان يسير وهو يدعوا الله أن يكون كل هذا كابوس ويستيقظ منه قبل أن يري جثة ابنه ملقاه أمامه لانه لايعرف ماذا سوف يحصل له عندما يرى ذلك الجسد الذى طالما عانه فى المرض ملقى أمامه بل روح
كان ممسك برأس أخيه وهو لايري كل هؤلاء الرجال الذين ألتفوا حوله لم يشعر بصراخهم الذى لف المكان كله لا يسمع ولا يرى ولا يشعر بأى شىء غير جسد أخيه الملقى أمامه لا حياة فيه فقط ينظر له من يراه يقول أن رضوان أصبح تمثال لا يتحرك من كثرة تجمده من هول المشهد الذى يراه لم تفر حتى دمعه منه لم يتحرك فقط ينظر لأخيه الوحيد بين يديه
أتى جابر ورأى تجمع الرجال هذا وسمع همهماته وبكائهم أغمض عينيه بقوة يحاول تمالك نفسه ويحاول السيطرة على نفسه ويقول إن كل هذا سيكون حلم وسوف يستيقظ منه على الفور ولكن كيف
هوى جابر على الأرض فالأول مره تخونه قدامه ولا تستطيع حمل جسده ، وكأنها فاقدة الروح عندما رأت ذلك الجسد الذى طلما استندت عليه ملقى أمامها فقد انتهى صاحبها ولم يبقا منه غير جثته الملقاه أمامهم
رفع جابر يديه المرتعشه ووضعها على وجه أبنه ليتأكده أنه ليس هو وأنه مجرد أحد يشبه ولكن هيهات من هذا القدر المؤلم الذى ضربه بقوة فى أحد واهم عكازاته الذى طلما استند عليها، هنا وبالفعل اعترف لنفسه أنه قد كسر ظهره وبقوة
لم يشعر جابر بنفسه فقد انتزع جسد رشاد ابنه من بين يد رضوان وأخذه فى أحضانه وصرخ بكل معاني الوجع والحزن والغضب قائلا :" والدااااااااااى
****************************************
انتفضت بفزع من نومها كان آثار النوم مازال عليها وتلك الرجفه التى سيطرة على جسدها بأكملها
أستعاذت بالله من الشيطان الرجيم ومسحت وجهها بكلتا يدها وحاولت تهدأت نفسها والسيطرة على قلقها وامسكت بكوب الماء الذى بجانبها وكادت ترتشفه منه أول رشفه ولكنه وقع منها وتهشم بالأرضيه إلى قطع صغيرة بعد أن استمعت لصراخ زوجها ، ركضت بقوة وهى تصرخ وتردد كلمة زوجها
رجاء :" والدى ، والدى يارب والدى يارب "
كانت تكرر هذه الكلمات وهى تركض من غرفتها إلى خارج بيتها وهى تركض باتجاه هذا التجمع ولكن توقفت عن قرب ولكن توقفت قدمها وتوقف العالم كله من حولها ، عندما رأت زوجها جابر وهو يحتضن جثة أبنها البكرى رشاد ، انقضت على زوجها وهى تبعده وتأخذ ابنها بين أحضانها وتصرخ وتولول قائلا :
" والدى يارب ، أول فرحتى يارب ، حرمتنى منيه بدرى جوى ، لا يارب متعملش فيا أكده رجهولى ، لاه لاه رشا جوم ياوالدى ، اصحى و رد على أمك ياحبيبى رد عليا وردلى روحى ياوالدى ، جوم ياوالدى متوجعش جلب أمك عليك يا بنى ، جوم يا أول فرحتى جوم ياجلب أمك جوم ، اااااااااه ، أاااااااه يارب اااااااه يا رشااااااااااد يا والداااااى "
كان كل هذا الصراخ لا يسمعها فقط ينظر لجسد أخيه الملقى أمامه دون كلمه ، ولكنه أحس أن الهواء نفذ من حوله وتشوشت الصوره من أمامه واسودت وأغمض عيونه واستسلم لكل شئ أتن وفقد وعيه
جعل والديه ينتفضن عندما سمعوا ، ارتطام جسده على الأرض
صاحت رجاء بكل قوة :" والدى رضوان "
★★★★★★★★★★★★★★★★★★★★
رواية مسك الليل الفصل الثاني 2 - بقلم سارة طارق
بلال بضحك عالٍ: عندك حق، وأنا أخذت حقي. وتمام التمام، يلا سلام يا ممدوح بيه، وأتمنى مشوفكش تاني. وسلامي للمدام، باي.
ركب بلال سيارته، وممدوح أيضًا، وذهب كل منهم في طريق مختلف عن الآخر، بعد أن أخذ كلاهما ما يريده من الآخر. ولكن لم يعبأ أحد بتلك الدموع والصرخات المكتومة لتلك السيدة التي بيع قطعة من روحها لامرأة أخرى تعتني به. آه من هذا الفقر الذي يجعل الأهل يستغنيان عن أحد أولادهم لأجل أن يطعموا إخوته. ولكن فعلاً هل السبب الحقيقي هو الفقر، أم السبب فينا أننا نتعامل مع أنفسنا كأرانب تلد دون أن تهتم بعدد أولادها ومن أين تطعمهم؟
***
كان يسير بسيارته في طريقه لوجهة معينة يعرف طريقها، وكان يبتسم لأنه سوف يراها بعد غياب دام أسبوعًا بسبب عمله. رغم أنه يراقبها من بعيد، تنهد بحب وهو يتخيل أن القدر سيكون حليفه ويكتبها الله زوجة له. وتذكر مقابلتهما في مكانهما المخصص البعيد عن عيون أهل البلدة.
كانت تجلس تحت شجرة التوت تنتظر قدومه وهي تغني لتسلي نفسها قليلاً إلى أن يأتي حبيب طفولتها، بلال.
وأثناء غنائها، انتفضت برعب وهي تنظر ليمينها ووجدته يجلس بجانبها ولم تشعر به.
وضعت مسك يدها على قلبها بسبب تلك الانتفاضة.
مسك بعتاب: اخس عليك يا بلال، بتعمل أكده تخضني. يعني مش هتبطل حركاتك دي غير لما جلبى يقف بسببك في مرة؟
ضحك بلال على شكلها وابتسم بعذوبة وحب كبير: سلامة قلبك من الخضة يا مسك قلبي. هو أنا أقدر برده على فراقك؟ طب أحب مين من بعدك أنا بقى؟ هلاقِي فين واحدة زيك بتخطف قلبي من نظرة واحدة بس منها؟
مسك: أضحك عليا عاد بكلامك ده. من ساعة ما روحت البندر عشان تكمل علامك وأنت اتشقلب حالك. وبقيت أستاذ في الكلام، لأ وبقيت تكلم زيهم كمان. أنا بقيت أقلق منك يا دكتور. كانوا بيعلموك إيه في كلية الطب، الشعر ولا الطب؟
ابتسم لها بلال بعشق ونظر لها في عيونها السمراء التي تخطف قلبه قبل عيونه، وقال بعشق أبدي لن يغيره الزمان مهما طال: ومن لا يتعلم الشعر وهو معه المسك يا مسك؟ يا مسك ليالي وقمر أيامي، يا من سميتِ على اسم عطر رسولنا الكريم، يا من صنعتِ فتنة بين العطور عندما اختاروا المسك لتسميتك به وتركوا باقي العطور، يا من غار منك العنبر والياسمين، كيف لقلبي أن لا يحب مثلك؟ وكيف للسان أن لا ينطق بشعر عند رؤياكِ يا مسك قلبي؟
رغم اهتزاز قلبها من صدق حديثه، ولكنها شعرت ببعض الضيق لحديثه الناعم هذا. أيكفيها ذنوب؟ فحديثه هذا يشعر بالذنب أكثر ويزيدها عليها.
مسك: بلاش الكلام ده يا بلال، عشان أنا مش ناقصة. كفاية إحساسي بالذنب وأنا بقابلك من ورا الناس. كان هتجيب لي كلام حلو وشعر، مش هقدر أستحمل ذنوب أكتر من كده يا ابن الناس. لو حابب فعلاً تطلع اللي في قلبك ليا، يبقى في الحلال على الأقل ضميري ميأنبنيش.
أسند بلال رأسه على الشجرة ونظر لها وقال: عن قريب يا مسك. هانت وهاجي لأبوكي وأخطبك، ونبقى مع بعض العمر كله.
تنهدت مسك بتعب وهي تنظر له: أمتى يا بلال؟ أمتى بس؟ أنا بقالي كتير بسمع منك حديثك ده ومبتعملش حاجة.
بلال: خلاص يا مسك. هانت وهاجي وأتقدم لأبوكي ونتجوز على طول.
مسك: وهتعمل إيه في أهلك لو رفضوا إنك تتجوزني، إني فقيرة ولا...
بلال: بس متكمليش. أنا محدش يمشي عليا رأيه. أنا بعمل اللي أنا عاوزه. ولو إنتي فقيرة دلوقتي، فبعد الجواز هتبقي أغنى ست في الصعيد كلها، والكل هيجي لحدك ويقف لك انتباه. إنتي هتبقي مرات الدكتور بلال المنسي يا مسك الليل. يعني ماحدش هيبقا أغنى منك هنا. إنتي هتبقي ست الكل، هتبقي مسك الصعيد كله، وبكرة تشوفِي.
خرج من أحلامه عندما سمع رنة هاتفه التي أخرجته من خياله الوردي مع عشق قلبه.
ظهرت معالم الضيق على وجهه عندما قرأ اسم غفير بيتهم على الهاتف.
بلال بضيق: عايز إيه يا مصلحي السعادي؟ مكلمتك ليا مش بتريحني خالص.
فتح بلال المكالمة وتحدث قائلاً: ألو، إيه يا مصلحي؟ حصل حاجة عشان تكلمني؟
هنا تغيرت تعابير بلال واصفر لون وجهه وظهر الخوف على وجهه لدرجة أنه أوقف السيارة بقوة بسبب ارتجافة يده التي سيطرت عليه.
صرخ بلال بكل قوته في الهاتف: أنت بتقول إيه؟ جتل مين يا مصلحي؟ انطق! طب تقفل عليه الباب وما يخرجش من البيت، أنا خمس دقائق وجاي فاهم؟ لو خرجت أنت المسؤول قدامي.
قذف بلال هاتفه في السيارة بقوة وظل يلعن ويسب في أخيه بكل الألفاظ التي يعرفها. ضرب الدركسيون الخاص بسيارته وهو يصرخ بشدة قائلاً: غبي، غبي، غباااااااااي! وفتحت على نفسك طاقة جهنم مش هنعرف نقفلها إلا بدمك يا حجاج!
قالها وهو يقود السيارة بسرعة ليتجه لبيته ليجد حلاً لإخراج أخيه من تلك الورطة التي أوقعهم فيها.
***
كانت ترتجف في أحضان أختها وهي تتذكر ما حصل معها. كلما تذكرت رائحة فمه الكريهة، انتفض بدنها. ولكنها زادت انتفاضة جسدها بسبب هجوم والدتها وفتحها لباب غرفتهم بتلك الطريقة المرعبة.
اتجهت زينات لابنتها ورد وانتزعتها عنوة من بين أحضان أختها مسك، وكان معالم وجهها لا تبشر بالخير أبداً.
أمسكتها زينات من كلتا يديها بقوة، ونظرت لها ولحالتها تلك، وهي مطأطئة رأسها ولا تنظر لها.
زينات وهي تجز على أسنانها: بصي في عنيا يا بنت بطني، وجولي مين اللي عمل فيكي أكده؟ انطقي، وإلا والله العظيم لأقتلك، وأشرب من دمك! أوعاكي تكوني مفكرة إني هصدق كلامك الخايب اللي بتقوليه ده، وأنك ماتعرفيش مين اللي ضيع شرفك، لأن الكلام ده تضحكي بيه على أي حد مش أمك يا بنت عوض. انطقي، جولي معاشرة مين في الحرام؟ مين ضحك عليكي وضيع عرضك وشرفك يا بنت زينات؟
كانت زينات تتحدث بصراخ وهي تهز جسد ورد بقوة. وما زاد صراخها هو عدم قدرة ابنتها على النظر في عيونها، وإخبارها بما حدث.
انهارت ورد في البكاء من جديد وهي ما زالت تنظر رافضة النظر لوالدتها. وحاولت مسك تخليص أختها من يد زينات.
مسك بخوف: أما بالله عليكِ، سبيها. سبيها يا ما، وأوعي تظني فيها السوء. دي مهما كانت بتك وتربية إيدك يا ما، على آخر الزمن هتشكي في تربيتك لينا.
رمت زينات ابنتها على فراشها من جديد وهي تصرخ في وجههم: أنا بقيت أشك في كل حاجة حواليه. وطول ما أختك رافضة تقول مين عمل فيها أكده، يبقى وياترى كانت راضية باللي حصلها وحطت راسنا في الطين؟ أختك فرطت في الحاجة الوحيدة اللي لو راحت عمرها ما هترجع تاني وعمر ما حاجة بتعوضها. وقدامها لحد شروق الشمس لو ما حكتش كل اللي عندها، يبقى جهزي الأسود اللي هتلبسيه على روحها.
خرجت زينات من الغرفة وما زالت نيران قلبها لم تهدأ على ابنتها التي ضيعت شرفها كما تظن.
انكمشت ورد على نفسها وهي تبكي وتهمس بكلمات غير مفهومة من شدة خوفها.
انقبض قلب مسك بسبب انكماش أختها وسوء حالتها أكثر. فهي تشعر بنيران أختها، فهما في النهاية توأم وما تشعر به أختها يصلها.
احتضنت مسك أختها وظلت ترتل عليها آيات الله لعلها تهدأ قليلاً، وتفكر كيف تخرج أختها من تلك الورطة قبل أن ينفضح أمرهم. فالو علم خالها بهذا، لن يصمت إلا هو يشرب من دمائها. ولم يعبأ حتى بكونها مظلومة. غير زوجته التي لن تصمت إلا وهي تفضحهم أمام البلدة، ولن تستغني عن بعض الأقاويل الكاذبة التي ستكون من اختراعها وخيالها المريض.
تمسكت مسك بأختها بقوة ونظرت للسماء وهي تستنجد بربها وتدعوه بستره لها ولأختها ووالدتها.
اللهم ما أنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا، اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ظلت هكذا طوال الليل تدعو ربها، فهي تخشى من القادم، فقلبها يخبرها أن الأيام القادمة لن تكون هينة أبداً.
***
أسرع حارس البوابة بفتحها عندما وجد سيارة بلال تأتي بتلك السرعة. ففتح البوابة على مسرعيها ووقف مسرعًا بزاوية ما حتى لا يدهسه بلال بسيارته. هو يعلم أن بلال في تلك اللحظة لا يرى أمامه بعد أن علم بتلك الكارثة التي فعلها أخوه.
وقفت السيارة بطريقة مرعبة من كثرة سرعتها وتوقفها مرة واحدة، مما أدى إلى وجود عاصفة ترابية بسبب احتكاك الإطارات بتلك الأرضية الترابية.
خرج بلال من السيارة ولم يعبأ ببابها المفتوح وتركها وأسرع بكل طاقته في خطوته ودخل المنزل وهو يصيح بكل قوته.
كل الخادمين اللي في البيت يخرجوا بره. مش عاوز أشوف حد خالص، يالا بره.
امتثل الكل لطلبه وخرجوا من المنزل وأخبر البعض زملاءهم حتى يذهبوا أيضًا.
ثم صرخ مرة أخرى وهو ينادي أخاه الصغير صاحب أكبر كارثة ممكن أن تأتي على رؤوسهم.
بلال: أنت فين يا حجاج؟ اطلع لي من أوضة أمك اللي مستخبي لي فيها بدل ما أجي أنا وأطلعك بنفسي يا ابن صفية.
في الأعلى، كان يقف في منتصف الغرفة وينظر لوالدته برعب. فهو يعلم أن أخيه لن يمرر ما فعله مرور الكرام. هو فقط يريد الهرب إلى أي مكان قبل أن يتم أخذه من قبل الشرطة في تلك الجريمة، أو يتم قتله وهو ما زال في ريعان شبابه.
كانت والدته تقف أمامه وهي تنظر له بحسرة. فهو بسبب غبائه أوقع نفسه في النار، ولن يستطيع أحد إنقاذه مهما كان.
صفية وهي تنهره على فعلته: ليه أكده يا حجاج؟ يا ليه يا والدي؟ توقع نفسك في المصيبة دي ليه؟ حرمتك من إيه ولا حتى شاورت على إيه ومجالكش؟ ها قول لي. دا أنت كنت بتتمنى واحنا ننفذ. فبعد دا كله تروح تقتل؟ لا يا ولد بطني، أنا مش هخسرك بسهولة أكده. مش بعد ما حملت وخلفْت وقعدت أربي فيك 26 عشرين سنة وفي الآخر تموت لي مجتول وتحصرني عليك؟ أنت لازم تسافر بره، أيوه لازم تسافر ودلوك.
ولكنها صمتت أو تجمد لسانها عندما سمعت صوت صراخ بلال في الأسفل.
انتفض جسد حجاج وتمسك بأمه بعد أن سمع صراخ أخيه.
حجاج برعب: ألحقيني يا ما. دا جه تحت. والله ممكن يقتلني من غير ما يرمش حتى جفن واحد.
وزادت رجفته وارتعاشة جسده بأكمله عندما سمعه ينادي عليه بتلك الطريقة المرعبة.
لن تنكر صفية أنها ترتعب من صوت بلال الآن، ولكنها سوف تجاهد حتى تخفي ابنها وتحافظ عليه من براثن بلال ابن زوجها. وظلت تجوب الغرفة بأكملها حتى تجد مخبأ لابنها لتحميه فيه. وبالفعل، هداها عقلها لشيء ما.
في الأسفل، ظل بلال ينادي على أخيه. وعندما لم يأتيه الرد، ركض إلى السلم ووصل لطابق الثانية في أقل من ثانية. فقد كان يقفز على الدرجات، كانت كل قفزة يتخطى ثلاث درجات على الأقل. كان غضبه يعميه عن أي شيء، فقط يريد أخيه أمامه والآن. لم يشعر بنفسه وهو يركل باب غرفة زوجة أبيه بقدمه.
انتفضت وتملكها الزعر من فعلته تلك، فقد كانت تقف في منتصف الغرفة وهي تحدق بعينيها بخوف. ولكنها حاولت تمالك نفسها وهي تقف أمامه. كان يشتعل والشر يتطاير من عينيه وهو يجوب الغرفة كلها حتى يرى أي أثر لأخيه، ولكنه لم يجده. لم يتحدث معها، فقط تحرك بسرعة وهو يبحث في الغرفة وفتح خزانتها وبحث فيها ولم يجده. فتح المرحاض أيضًا ولم يجد به أحد. بحث في كل شيء في تلك الغرفة ولم يجده فيها.
ذهب إلى مكان ما تقف وأمسكها من منتصف ذراعها ونظر لها بعيون جامدة بكل علامات الثوران والهيجان.
بلال: ابنك فين يا صفيحة؟
كانت تحاول الثبات وهي تنظر له حتى لا يشك بها: معرفش. أنا مشفتوش من ساعة ما خرج امبارح.
زاد من ضغطه على يدها حتى تألمت: قولت ابنك فين؟ وبلاش ملاوعة معايا. حجاج فين؟ يا صفيه، احسلك. وإلا أنا مش مسؤول عن اللي هعمله معاكي. فانطقي واشتري نفسك احسلك.
صفية: جلت لك معرفش. مشوفتوش من ليلة امبارح. إيه؟ أحلف لك على مصحف عشان تصدقني؟
هكذا تحدثت معه بعد أن حاولت تجميع بعض من قوتها.
بلال: لأ، وتحلفي ليه؟ أنا هخليكي تروحي تحلفي في الآخرة أحسن من هنا. عشان أنا كده كده مش هصدقك.
قالها وهو يرفع سلاحه في وجهها ويضعه في منتصف جبهتها ويعيد عليها سؤاله قائلاً في تلك المرة بصراخ أكبر وأشد قوة: حجاج فين بقولك؟ انطقي، وإلا ورحمة أبويا لأقتلك وأرميكِ لكلاب السكك تنهش في عضمك، لأن اللي زيك حرام فيه الدفن.
صفية: برضه معرفش ابني فين.
قالتها وهي ترتعش من شكله ووضعه مسدسه بتلك الطريقة على رأسها.
جحدها بلال بنظراته وكاد يتهور عليها، ولكنه توقف عند سماعه لصوتها وهي توقفه: أنت اتجننت يا بلال؟ بترفع المسدس على مرات أبوك؟ اخس عليك. هي دي التربية اللي ربتها لك؟ نزل المسدس ده. بقول نزل فورا.
سمع بلال لحديث والدته ونظر لصفية بعيون كلها احتقار وقال: أقسم بالله يا صفيحة، لو حجاج ما جاليش بنفسه، لسلمه بإيدي دي. وانسى أنه أخويا. سامعة؟ وعرفيه إنه مش هيقدر يخرج من البيت ده. وخليه مستخبي مطرح ماهو زي النسوان. ماهي المرة لما تعمل مصيبة بتستخبي زي ماهو مستخبي مني كده.
كاد يقتلها لولا وجود والدته في تلك اللحظة. تمسك بمسدسه بقوة وظل يضغط عليه حتى يخرج بعضًا من تلك الشحنة الغاضبة التي تملكته. وتركهم وذهب من الغرفة بأكملها.
وقعت صفية على الأرض وهي تحاول أن تأخذ أنفاسه بعد أن شعرت أن وجوده في الغرفة سحب كل الأوكسجين الذي بها.
حاولت أن تهدأ نفسها قليلاً ونظرت لنجوان والدة بلال، وأيضًا ضرتها، ونطقت بغيظ: شايفة ابنك وتربيتك الماسخة دي؟ كان رافع عليا طبنجته وعايزة يقتلني. أدي آخرت التربية المصري بتاعك.
اغتاظت نجوان من حديثها وإساءتها لها ولابنها وردت عليها قائلة: التربية المصري بتاعتي دي يا حبيبتي جابت دكتور البلد كلها بتحلف بيه، وشهامته ورجولته، ده غير مصايب ابنك اللي بتخلي الدور والباقي على ابنك اللي ربيته تربية تخليه يقتل الناس ويقصف عمرهم زي ما عمل دلوقتي يا صفيحة أفندي.
كادت تذهب ولكنها توقفت عندما سمعت صراخ صفية: مش هسيب ابني يبقى تحت رحمتكم أبداً. لأ، إني هسفره بره وهخليه يبعد عنك أنتِ وابنك، وما حدش هيحل موضوع ولدي ده إلا إني أنا وبس. وإن شاء الله ربنا ما يحوجني لناس زييكم.
نظرت لها نجوان بتهكم وقالت: ربنا يشفيكي يا صفيحة. ويا ريت تسكتي وتفتكري إن ابنك مستخبي في أوضتي، يعني لو كنت عايزة أؤذيه كنت صوت ولميت عليه البيت كله بعد ما نط من بلكونتك لأوضتي. فا يا ريت تقفلي بقك ده ومسمعش حسك أحسن لك.
قالت جملتها وتركتها وذهبت لتبحث عن ابنها وتحاول تجعله يهدأ ليفكر بشكل صحيح دون أي تهور.
***
كان يجلس في غرفة مكتبه لا يصدق أنه اليوم دفن ابنه البكري. لا يستطيع التصديق أنه هو من قام بدفنه اليوم. كيف لرجل عجوز مثله أن يدفن شابًا في مقتبل العمر مثل ابنه رشاد.
كانت لحظة ليست صعبة بل مميتة بالنسبة له. كان ينظر لصورة ابنه وفرت دموع عينيه التي لم تجف أبدًا إلا إذا أراح قلبه وهو يرى فاعل تلك الجريمة تحت قدمه يلقيه من العذاب ألوانه كلها دون أي رحمة أو شفقة. وها هو أهم عكازاته التي يستند عليها في تلك الحياة قد رحل ولن يعود له مرة أخرى.
لم يشعر بابنه رضوان الذي دخل إلى الغرفة وجلس في الكرسي المقابل له. فقط كان ينظر لصورة ابنه ولا يشعر بأي شيء من حوله. ولكنه انتبه على صوت رضوان وهو يناديه.
رضوان: يا حاج، يا حاج. مينفعش القاعدة دي كده. أنت تعبان من الصبح ولازم ترتاح شوية. أنت مانمتش من امبارح يا با.
جابر: وهتيجي منين الراحة وحق أخوك بايت بره يا رضوان؟ مفيش أي عزة هيتم إلا بعد رجوع حق أخوك رشاد.
تنهد رضوان بحزن وحاول التماسك أمام أبيه وهو يتحدث.
رضوان: من غير ما تقول يا با، أنا أنهيت كل حاجة. وحق أخويا هيرجع. ومين مكان اللي عملها هجيبه وهخليه تشوفه بعينك وهو متعلق على حبل المشنقة عشان ترتاح وتريح قلبك.
ضرب جابر عكازه في الأرض اعتراضًا على حديث رضوان ونظر له بغضب شديد بعد كلماته التي ألقاها على أبيه للتو.
جابر: حبل المشنقة إيه وكلام فاضي إيه اللي بتجوله ده؟ أنا مش مخلف مرة عشان تجيب حق أخوها بقانون. أنا مخلف راجل، سامعني؟ راجل. يعني حق أخوك يجي بدراعك أنت مش بدراع الحكومة. يا واكل ناسك.
أبدى رضوان اعتراضه على حديث والده: يا با، هي مش سايبة البلد في قانون؟ لو كل واحد جاب حقه بدراعه يا با في البلد دي هتبقى مذبحة ومش هنعرف نلموها من كتر الدم اللي هيبقى لركب.
نهره والده وصاح في وجهه: خلي كلامك ده تنصح بيه المجرمين بتوعك. أنا هنا اللي بقول إيه اللي ينفع وإيه اللي ماينفعش. لو مش هتعرف تجيب حق أخوك، قول لي وأنا أجيبه أنا بمعرفتي.
رضوان: يا با، الكلام اللي بتقوله ده عيب في حقي. بس أنا عاوز أفهمك وجهة نظري عاد.
أشار جابر بعكازه في وجه ابنه قائلاً لينهي الحديث: هي كلمة. هتجيب حق أخوك زي ما قلت لك هتبقى راجلي وتربية أبوك وأخوك رشاد. مش هتعرف قول لي وأنا أجيبه بنفسي. على الأقل يكون فينا حد يقدر يريحه في تربته. قدامك لحد بكرة الصبح وتيجي تقول لي الأخبار الزينة. أظن فاهميني، عايز الخبر الزين. سلام يا ابن جابر النمر.
قالها وخرج من غرفة مكتبه وترك رضوان في حالة تخبط شديد بين أن ينفذ القانون ويجعل العدالة تأخذ مجراها القانوني، أو أن يرضي أبيه ويأخذ بثأر أخيه بيده ويفتح سلسلة من الدم لن تنتهي إلا عند اليوم العظيم. جلس رضوان على الأريكة وتنهد بتعب وأخفى وجهه في كف يده ولا يعرف ماذا يفعل.
***
كان ينفس كل غضبه في دخان سيجارته وهو يجلس على تلك الطاولة في حديقة منزله. كان يحاول أن يخرج كل شحنات غضبه مع كل مرة يخرج فيها هذا الدخان السام من صدره، ولكن دون فائدة. فكلما تخيل أن من الممكن أن يقع أخيه بين براثن عائلة النمر، يشعر بالرعب يجتاحه. ولكن ليس خوفًا عليه هو، بل على أخيه الغبي الذي ضيع نفسه بسبب تلك المعتقدات الغبية التي سيطرت على عقله وستكون هي سبب هلاكه بدون حتى سابق إنذار.
فاق من شروده على صوت والدته. نظر لها وجدها تقف أمامه. رمى السيجارة من يده احترامًا لها، ونظر في عيونها علم ماذا تريد.
فرد وهو يفرك وجهه ونطق بضعف قائلاً: معرفش يا ما، هعمل إيه. معرفش. أنتِ متعرفيش جابر وجبروته. مش هيسيبه يا ما. طاقة الشر اتفتحت علينا وأنا مش هقدر لوحدي. لازم يكون معايا عشان أقدر أخفيه قبل ما يعرفوا إنه هو اللي عملها.
ربتت والدته على ظهره ولكنها تفاجأت بمعرفته بشخصية المقتول، لأنهم حتى الآن لم يعرفوا من هو.
والدته: بس أنت عرفت منين أخوك قتل مين واحنا هنا لسه معرفناش؟
أرجع بلال رأسه خلف المقعد وتنهد بخوف جلِي على أخيه.
بلال: اتبعت لي صورة على التليفون وهو ماسك المسدس وبيوجه على رشاد ابن جابر النمر.
قفزت نجوان برعب وشهقت بقوة بعد أن عرفت هوية هذا المقتول. والأسوأ هو والده الذي يعلم الجميع مدى صرامته وقوته بين الجميع. الجميع يعرف من هو جابر النمر الذي يهاب الجميع اسمه عند ذكره فقط. رغم أنه شخص يعرف ربه ويرجع حقوق الناس لها، إلا أنه يصبح نمرًا وحشًا عند يمس أحد شخصًا ما ويسلب منه حقًا من حقوقه. فما بالك بابنه، ابنه البكري الذي كان يتفاخر به في كل مكان. غير الحصانة التي معه والتي زادته قوة وهيبة أكثر من السابق.
لمح بلال ارتجافة والدته وتوترها عند ذكر اسم جابر. فهو يعلم أن والدته تهاب هذا الرجل كثيرًا ولا يعلم حتى الآن لما كل هذا الخوف منه.
وقف بلال وأخذ أمه بين أحضانه وحاول تهدئتها.
بلال: اششش بس متفكريش في حاجة. كل شيء هيبقي كويس. بس إنتِ ادعي لي يا ما، ادعي لي بس.
خرجت نجوان من أحضان بلال ونطقت بفزع قائلاً: أنت أنت مالكش دعوة خالص بالموضوع ده. أنت شيل إيدك. أخوك اللي قتل مش أنت. هو يتصرف ولا أمه تشوف له حل. أنت مالكش فيه، أنت سامع؟
قالتها برعب ظاهر عليها. ومشت بسرعة عندما رأت علامات الاستغراب على وجهه ابنها. هربت قبل أن يسألها عن سبب ردة فعلها.
استغرب بلال كثيرًا ردة فعلها، ولكن لم يكترث. فهو يعلم مدى خوفها عليه وعلى سلامته.
بلال: بلال بيه، الحق حجاج بيه في أوضة الست نجوان هانم فوق.
كانت تلك الكلمات كافية لتجعله ينطلق كالسهم لغرفة والدته ليرى ما يحصل فيها.
***
كانت تتشبث بسريرها وهي تبكي بقهر على حالها وتحدث نفسها. فقد انتهت كل شيء بالنسبة لها بعد أن انتهك عرضها وشرفها بيد غير شريفة. ففي ليلة وضحاها أصبحت بلا روح. فهي الآن تشبه فتيات الليل، نعم هي ترى نفسها تشبههم بعد أن نُهكت براءتها على يد الذئاب البشرية التي لم يرحموا أبدًا ضعفها ولا صراخها. هي الآن لا تستحق هذه الحياة. من مثلها لا ينفعه إلا الموت. يجب أن تنهي حياتها حتى تخلص والدتها وأختها من ذنبها. فهي خاطئة ويجب قتلها. ولكنه لن تسمح لأحد أن يقتلها ثانيةً. يكفيها المرة الأولى. الخطوة الثانية لقتلها ستصبح على يدها هي. هي من ستنهي حياتها بنفسها.
راقها هذا الحل كثيرًا، فهي تظن أن بفعلتها هذه سوف تزيح أي شيء ممكن أن يلوث سمعة عائلتها.
نظرت في اتجاه أختها وجدتها قد غفت من كثرة التعب. فبكت وهي تنظر لها واقتربت منها وقبلتها وهي تحاول أن تمنع شهقاتها. وبعد أن ودعتها، قامت من مكانها وحاولت أن تتحمل آلام جسدها وخرجت من غرفتها وذهبت باتجاه غرفة والدتها ونظرت لها من بعيد. خافت أن تقترب منها فتستيقظ. اكتفت بالنظر لها ملأت عينيها منها، وبعدها أغلقت الباب ونظرت للبيت ودمعت عينيها وخرجت من البيت بأكمله لتنهي هذه الجريمة.
***
كان يقود سيارته وهو يحاول أن يجد حلاً لتلك الكارثة التي وقعت عليهم دون سابق إنذار، غير تهديدات والده له أنه سوف يتبرأ منه إن لم يأت بحق أخيه بيده. لا يعلم ماذا يفعل، ولكن لن يخون مهنته حتى ولو على موته. غير أن الله وضع قوانين لهذه الحياة، فا من هو ليخالف تلك القوانين؟ لم يجد حلاً غير أن يذهب بعيدًا عن بيته ليفكر في حل يعصمه من الخطأ، وفي نفس الوقت يأتي بحق أخيه ويرضي أبيه.
كان يسير بسرعة كبيرة، ففي هذا الوقت المتأخر يصبح الطريق خاليًا من أي شخص، وهذا ما سهل عليه التحرك بتلك السرعة.
وأثناء سيره بسيارته توقف بها وهو ينظر أمامه يحاول أن يهدأ، فهو لم يتعافى بعد من موت أخيه. لا أحد يشعر بالنيران التي تحرقه.
خرج من السيارة وسار على قدميه وهو يفكر في حل ما يرضي أبيه. أثناء سيره توقف بصدمة عندما لمح شيئًا غريبًا ما يحصل أمامه في البحيرة.
انتفض بسرعة عندما لمح شخصًا يغرق في تلك البحيرة الممتلئة. لم يفكر الثانية واحدة وخلع حذاءه وقفز في المياه وحاول السباحة بسرعة ليصل لذلك الغريق. وبالفعل وصل له، ولكنه تفاجأ بأنها فتاة. والأسوأ من هذا أنه لن تموت بالغرق فقط، بل هناك من قطع يدها بنصل حاد وجعل المياه تتلون بدمائها.
رواية مسك الليل الفصل الثالث 3 - بقلم سارة طارق
وأثناء سيرها وبحثها عن أختها لم تشعر بتلك السيارة التي خلفها.
يطلق السائق البوق حتى تنتبه وتبتعد عن الطريق.
"يوه بقا دي لو طرشة كانت سمعت بعد دا كله، دي الأموات صحيت من صوت الكلكس."
زفر بضيق وهو يقول:
"إنتي يا ست ابعدي عن الطريق، أنا مش فاضي لتوهان النسوان ده. بعدي عن الطريق والا والله لأسحقك."
زاد غضبه بعد أن رآها لم ترد عليه ولم تتنحى لأي جانب.
أوقف سيارته ونزل والغضب يعتلي وجهه، اتجه إليها ومسكها من معصمها وأدارها له عنوة ونظر لها بغضب.
ولكن كل هذا تلاشى بعد أن رأى وجهها بوضوح ونظر لها بصدمة.
فاهي تقف أمامه لم يصدق نفسه وابتلع ريقه.
كانت تبادله تلك النظرات أيضًا.
نظرت بتوتر ونظرت لذراعها الذي لم يفلته من بين يديه.
وجاهدت لتتحدث:
"بعد إذنك يا أستاذ سيبني، أنت مالكش أي حجة إنك تلمسني، مش مسك اللي تخلي حد راجل غريب يلمسها."
كان ينظر لها بصدمة كبيرة.
كيف أصبحت قاسية عليه هكذا.
"قولتلك سيبني، أنت مالكش أي حق تقرب مني."
نطق بحزن كبير بعد كلماتها تلك.
وتركها.
هو لم يمسك يدها، بل ملابسها، ولكن هذا أيضًا خطأ.
"أنا أكتر واحد في الدنيا دي كلها له الحق فيكي وفي أي حاجة تخصك، أنا الوحيد اللي ليا الحق فيكي يا مسك. بلاش يا مسك بلاش تبقي قاسية أوي كده، والله كل حاجة حصلت كانت غصب عني أنا..."
"معلش، بأي حق أنت ليك حق فيا؟ أنت غريب عني، دكتور، مفيش أي حاجة تجمعني بيك. اللي في القلوب، خليه القلوب عشان عمره ما هيبقي مبرر لأي حاجة تخالف شر ربنا. لو سمحت يا دكتور إني ما طلبتش منك أي تبرير، لأن كله خلص وانتهى من زمان خلاص. إني ما عدتش فاكرة حاجة أنا..."
"كذابة يا مسك، انتي عمرك ما هتنسيني. انتي لسه بتحبيني وعارفة إني أنا كمان بحبك. ليه بتعمليني بطريقة دي كأني مسخ قدامك."
قالها بحزن على حالهم الذي انقلب رأسًا على عقب بسبب والده.
بكت مسك بقوة عقب جملته الأخيرة ونطقت:
"بعد الشر عليك يا بلال، بس صدقني ملهاش لازمة وقفتنا دي ولا أي كلام هنقوله. سيبني يا بلال، كفاية إني بتعذب كل يوم بسببك وبسبب غبائي اللي مشاني ورا قلبي واتعلقت بيك أكتر. ونسيت إن فيه ربنا شايفني وشاهد على كل حاجة."
رغم طريقتها الجافة معه، كاد يقترب منها ليلمس دموع عينيها التي تنهمر لأجل جملة قالها.
وكادت يده تلامس وجهها، كادت تبعده وهي تتراجع للخلف.
ولكنهم تجمدا عندما سمع هذا الصوت الخشن وهو يقترب منهم.
كان الرجل يركض وهو يلهث بشدة بسبب تلك المسافة التي ركضها حتى يذهب لأهل تلك المسكينة التي غدر بها أحد مجرمي البلد كما ظن.
"يا سنة سودة، الواحد مش قادر يتنفس، شكل الواحد عجز بدري بدري."
قالها من بين أنفاسه السريعة، ولكنه حث نفسه على الركض أكثر حتى يسرع لوجهته.
ولكنه توقف عندما رأى هذا المشهد الغرامي بين طبيب بلدتهم الذي يعد من كبرائها وبين فتاة لم يحدد ملامحها بسبب وقوف بلال أمامها.
ولكنه حسم أمره وذهب باتجاهه ليعرف هوية تلك الفتاة.
"يا دكتور بلال، إنت إيه اللي موقفك أكده في نص الطريق؟ في حاجة؟"
صدم بلال من هذا الصوت الذي يألف صاحبه ونظر باتجاه مسك التي شحب وجهها خوفاً من أن يعرف هذا الرجل هويتها ويفضحها أمام أهل بلدتها.
قرر متولي ممرض المستوصف ندائه على بلال.
ابتلع بلال ريقه وحاول الالتفات له دون أن يظهر وجه مسك أمامه خوفًا عليها وعلى سمعتها.
التفت له بلال وجعل مسك تختبئ ورائه حتى لا يظهر وجهها أمامه.
"في حاجة يا متولي؟ إيه اللي مخرجك السعادي؟ إنت مش عندك نوبتجية دلوقتي؟ إنت متعود تسيب شغلك وتتصرمح؟"
قالها بغضب مزيف حتى يلهي عقله عن أي سؤال عن هوية مسك.
"آآآ أيوة يا دكتور، أنا عندي نوبتجية بس أنا خرجت من المستوصف عشان أدور على أهل البت اللي جُتلت ورموها في البحر."
جحظت عين مسك مما سمعته وسمع بلال شهقتها من خلفه.
وتابع متولي الحديث:
"أصل البت دي تبجى بت الحاجة زينات، أم البنات مسك وورد اليمن. بس أنا رايح لها عشان تيجي تشوف بنتها بسرعة وهي الوحيدة اللي هتتعرف عليها، مانت خابر إن بناتها توأم وماحدش بيقدر يفرق بناتها من بعض غيرها هي."
شهقت مسك بصوت عالٍ وأطلقت صرخة بعد أن عرفت ما جرى لأختها وكادت تركض ولكن أمسك بلال من معصمها وجعلها تصمت.
"إنت لسه واقف يا ابن آدم، اجرِ بسرعة روح لست زينات وعرفها وأنا رايح أشوف إيه اللي جرى لبنتها بسرعة."
انتفض متولي بخوف على أثر صياحه وغضبه وانطلق بسرعة دون أن يضيف أي كلمة أخرى.
نظر بلال لمسك والتي انهارت بعد رحيل متولي وكادت تصرخ بأعلى صوتها.
ولكن كممها بلال وحملها بسرعة وتحكم في حركتها الهستيرية وأدخلها السيارة وأحكم بابها ودخل هو أيضًا وانطلق بها في اتجاه المستوصف.
نظر لها بلال وحاول طمئنتها على أختها بعد أن رأى حالة الرعب التي تملكت منها.
"اطمني إن شاء الله تكون بخير بس انتي أهدي."
"إيه اللي انت عملته ده؟ إنت مش بتفهم ليه؟ إنت مالكش حق فيا يا بلال طول ما إحنا غرب عن بعض، افتح العربية دي خليني أشوف أختي."
لم يستمع لها بلال وانطلق بسرعة، ولكنه بعد فترة سمع كلماتها المعاتبة لأختها كأنها أمامها.
"ليه كده ليه يا ورد؟ بقى كده تهون عليكي نفسك كده؟ هانت عليكي مسك عشان تروحي وتسيبيني؟ أه يا أختي غدروا بيكي مرة ومكفوهمش فجتلوكي؟ استكتروا عليكي العيشة يا أختي؟ أه يا حبيبتي أه يا جلبي أختك، استرها معانا يا رب دا إحنا مالناش غيرك ونبنشغل في رضاك."
لم يفهم بلال ما تقوله، ولكنه لم يعقب على حديثها الآن.
كل ما يهمه هو رؤية ما حصل لأختها.
وقف بلال لمسافة معينة من المستوصف.
"مسك مش هينفع أدخل أكتر من كده، إنتي تخرجي وتروحي لوحدك عشان ماحدش يشوفنا وأنا هروح بس من الباب اللي ورا، يلا بسرعة قبل ما حد يلمحك معايا."
نزلت مسك السيارة وركضت باتجاه المستوصف ودخلت وارتطمت بالعامل.
"مش تحاسبي ولا هو خلاص ما عادش فيه خشوع ولا تربية عشان تضربي راجل عجوز زي أكده؟ وبعدين ما أنتي كويسة وزي الفل أهو، اومال كنا شايلينك ميتة ليه من شوية؟"
قالها بغضب بسبب ألم كتفه الذي أصابه من تلك الضربة.
جعل تلك المسكينة تصرخ وجهها من الصدمة.
أيقول حملها ميتة؟
ترجته وسألته عن أختها.
فنظر لها بغيظ وأشار لها عن العيادة التي بها أختها.
دخلت مسك العيادة دون أن تطرق الباب وتفاجأة بأختها التي تنام بشحوب ودمائها التي أغرقت الفراش الذي تنام عليه.
لم ترى مسك الطبيب الذي ينظر لها بصدمة من دخولها بدون إذن.
فقط كانت ترى أختها التي تنام بهذا السكون المريب.
اقتربت من ورد بقدم مرتعشة وبأنفاسها التي تتلاشى واحدة تلو الأخرى بسبب تلك الانقباضة التي سيطرت على قلبها.
وقعت مسك أمام أختها ونظرت لها وهي تمسك يدها بأمل أن تقوم ورد معها.
"ورد ورد حبيبتي جومي يا أختي جومي يلا بلاش جلع بنات ماسخ. جومي (قومي) مع أختك حبيبتك مش انتي دايماً تقوليلي أنا مقدرش أسيبك يا مسك، فإيه خالفتي وعدك ليا وسيبتيني ليه؟ أكده هونت عليكي؟ بس لا، إنتي هتجومي وهتكوني بخير والله لجبلك حقك من اللي عمل فيكي أكده، بس انتي جومي، ج ج جومي قبل ما زينات تيجي وتصحيكي هي. إنتي عارفة هيتعمل فيكي إيه. يلا يلا تعالي معايا عشان تنامي معايا في البيت."
لم ترى من أختها أي رد فعل كأنها لم تستمع لأي كلمة قالتها.
لتو هنا صرخت وهي تقول:
"جومي يا ورد اليمن يلا جومي معايا والا والله العظيم أقطع أي كلام معاكي. إنتي مش بتردي ليه؟ ورد يا ورد اصحي، لا لا لا إنتي مش هتروحي مني."
قالتها وهي تحتضن رأس أختها وتتحدث بهستيرية.
"لا مش هتموتي إنتي، إنتي هتفضلي معايا، هنفضل سوا. لا جومي يلا. يارب يارب. لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. اللهم لا اعتراض على قضائك يا رب اللهم لا اعتراض."
كانت هذه هي الجملة التي ترددها مسك وهي تحتضن أختها ولم ترى أو تسمع ذلك الطبيب الذي يحاول جاهداً أن يبعدها عن أختها ولكنها كانت متشبثة بها بطريقة غريبة وقوية.
دخل بلال وحاول أن يبعد مسك عن أختها ولكنه لم يستطع فصرخ في الطبيب طلب منه أن يأتيه بحقنة مهدئة حتى يستطيع السيطرة عليها.
كانت مسك مازلت على وضعها وهي تحتضن أختها ولا ترى أو تسمع أي أحد في الغرفة.
فقط كل ما تراه هو ابتسامة ورد وتسمع صوت ضحكاتها يتردد في أذنها وهي تقول لها:
"هو انتي مفكراني لما اتجوز بدر هقدر ابعد عنك؟ تؤ، دا إني هقعد على جلبك أكده ومش هفوتك واصل يا مسك."
كانت تبكي بقهر على أختها تلك المسكينة التي لم ترى في حياتها غير التعب والمشقة حتى لم تفرح بنفسها.
"إنا لله وإنا إليه راجعون، إن لله وإن إليه راجعون، إن لله و و. إاااان إليه رااااج ع ون."
هكذا ختمت جملتها قبل أن يسيطر عليها هذا الظلام بعد أن حقن بلال ذلك المخدر في كتفها لترتخي يدها عن جسد أختها ويرتخي معها جسدها بالكامل.
ويلحقها بلال بين ذراعيه وينظر لها بحزن وهو يحملها ويفرد جسدها على تلك الأريكة الموجودة بجانب الفراش.
ابتلع غصة قوية وهو يرى جسد ورد أمامه بذلك الشحوب واقترب منها وهو ينظر لها بشفقة على ما حصل لتلك المسكينة.
استمع بلال لهذا الصوت الرجولي الذي يناديه وجعله يتجمد بمكانه.
نظر له بلال بصدمة وهو يراه يقف أمامه.
"رضوان."
وفي فجر يوم جديد بدأ على البيت الذي عرف الحزن بابه بعد غياب أحد أفراده وأهمها.
دخل مجموعة من الغفر وحملوا جميع الحقائب الموجودة في منتصف البيت بعد أن أنزلتهم الخادمات كما أمرتهم ربة المنزل بهذا.
تنحنح أحد الغفر ونظر لتلك الحقائب بحزن ونظر لرجاء والدة رشاد ورضوان.
"ليه كده بس يا ست هانم مكانش له لزوم اللي بتعمليه، والله ما يصح، الحاجة دي..."
"اعملي اللي بقولك عليه من غير كلام كتير يا منصور، وخد الحاجة دي على بره يلا."
قالتها وقلبها يعتصر من الألم.
كم كان صعب عليها فعل هذا ولكن هذا هو الحل الأمثل لها ولابنها.
دخل جابر وعلى وجهه معالم الاستغراب لإخراج كل تلك الحقائب من بيتهم مع رجاله.
"واخدين الشنط دي على فين؟"
هنا تحدثت رجاء وهي تشير له أن يتبعها لغرفتهم.
"تعالى نتكلم فوق يا حاج، أنا محتاجالك في حاجة مهمة."
قالتها وهي تحاول التماسك قليلاً وصعدت بعدها على السلم ولكنها توقفت ونظرت لتلك الفتاة رشا التي تساعدها في البيت.
"رشا، روحي جهزي كل حاجة زمان الجزار جايب لحمة الدبيحة وجاي، يلا بسرعة من غير لكاعة جوام. أنا عايزة أحلى وأكل يتعمل النهارده ويتوزع على كل الفقراء والمحتاجين في البلد."
ثم ترقرت عيناها بدموع وتقول بوجع افتك قلبها.
"ابقى اعملي فتة رشاد كان بيحبها ومتكتريش فيها التوم والرز عشان مكانش بيحبهم كتير عليها."
قالت وصعدت مباشرة للغرفة بعد أن عرفت أنها لن تستطيع أن تتحكم في بكائها.
بعد أن صعد جابر خلف زوجته لغرفتهم وقف أمامها ليعرف إجابة عن سؤاله.
"إيه الحاجات اللي كانت في الشنط دي يا أم رضوان؟"
"دي حاجة رشاد ابني يا حاج."
ابتلعت غصة مرة وهي تكمل حديثها.
"بوزعها على الغلابة، لميت كل حاجة تخصه حتى كتبه هوزعهم على الناس اللي محتاجاها."
صدم جابر من تصرف زوجته، فكيف لها أن تستغنى عن متعلقات ابنها الراحل بكل تلك السهولة.
فصاح بها:
"إنتي أكيد مخك ضرب، كيف تفرطي في الحاجة اللي فيها ريحة ابنك بسهولة دي؟ كانك اتجننتي وعقلك خرب يا ولية."
هنا انتحبت رجاء بصوت عالٍ وبكت بشدة ونطقت بقلب عرف معنى القهر والكسرة بعد موت ابنها البكرى.
"وتفيد بإيه الحاجة وصاحبها مش موجود؟ ولو على الريحة فرشادي ريحته فينا ومش هتفارقنا العمر، ريحته بشمها في كل مرة ببص فيها لإيدي اللي كان يوماتي يبوسها ويجولي أدعيلي يا ماما. كنت بقوله بدعيلك يا نضري، روح ربنا يكفيك شر ولاد الحرام."
وهنا انتحبت في البكاء أكثر وهي تقول بكل ألم.
"بس شكل الدعوة ما اتجبلتش مني وشوفتك يا جلب أمك مرمي في شوال لا حول بيك ولا قوة. غدروا بيك يا حبيبي ولاد الحرام، غدروا بيك كلاب السكك وبعدوك عني قبل ما أفرح بيك وأشيل عيالك، وبدل ما أزفك لفرحك وعروستك زفتك لترابك زفتك لآخرتك يا والداااااااى، يا ولدي، آه يا جهرة جلب أمك وحسرتها عليك وعلى شبابك يا رشاد."
رق قلب جابر من أجل زوجته ونزل على قدمه وقربها لأحضانه وهو يشاركها البكاء على ابنه الذي امتلك قلب والده بكل ما فيه.
ونظر لها قائلاً:
"استغفري ربك يا أم رشاد، استغفريبه، دي كانت أمانته وردها عنده تاني، ادعينا بس ربنا يجمعنا بيه في الجنة."
وابتلع غصة مريرة ناطقاً.
"وبدل البكا، زغرتي، أيوه زغرتي، لأن ابنك ربنا هيعوضه وهيزفه في الجنة مع أجمل واحدة من حور العين، واللي ما عرفش يعيشه في الدنيا ربك هيعوضه بالأحسن منه في الجنة ونعمها يا رجاء، ادعيله واحتسبيه عند ربك."
كفكفت رجاء دموعها ونظرت لزوجها وحاولت تغير الحديث.
"الشنط اللي تحت دي في ناس أبر منا عاوزانها، إني عارفة أنها من ريحة الغالي بس مافيش صدقة أحلى من إنك توزع الحاجات اللي كان بيحبها على اللي محتاجها أحسن من ركنها، وكمان بعت حد يدبح عشان نوزع لحمة على روحه، إيه رأيك يا حاج."
ابتسم لها وهز رأسه بعلامة الرضا على حديث زوجته.
"اعملي اللي انتي شيفاه صح، وطالما الحاجة هتتوزع على المحتاج يبجى مقدرش أرفض. ربنا يجعله في ميزان حسناته وحسناتك يا رجاء. أنا جايم أتوضأ وأصلي الفجر."
نظرت رجاء نظرة مطولة على زوجها ثم نقلت بصرها على تلك الصور الموجودة على الطاولة التي أمامها.
كانت الصورة تجمع الأخين رضوان ورشاد وهما يحتضنان بعضهما في يوم تخرج رضوان من كلية القوات الفنية العسكرية وعلى وجههم سعادة كبيرة.
مسحت الصورة بيدها ودعت لابنها الأول بالرحمة والمغفرة.
ثم نقلت نظرها لرضوان.
"ربنا يباركلي فيك يا ابني ويطولي في عمرك ويعوضني فيك خير يا رب ومش أشوف فيك حاجة وحشة واصل، لأن خلاص بعد ربنا ما عادش ليا غيرك."
رفعت الصورة لمستواها وقبلتها ثم احتضنتها وظلت تنهمر العبارات الحزينة على فراق الغالي.
خرج جابر من المرحاض بعد أن توضأ وجد زوجته مازالت على وضعها ومعها الصورة التي تجمع أولاده بين أحضانها.
نظر لها بحزن ولكنه عكف على تركها بمفردها حتى تهدأ لعل تلك الدموع تبرد ولو قليلاً من نار قلبها.
وذهب ليصلي في غرفة أخرى ويتصل برضوان يعرف سبب مبيته في الخارج.
في الاستقبال الخاص بالمستوصف.
ابتلع بلال رشفة من الشاي وهو يحاول أن يتمالك نفسه أمام هذا القابع أمامه يحدثه.
"والله زمان يا بلال، إيه يا راجل لا بتسأل ولا حتى بتعدي تقعد مع الواحد شوية، إيه يا دكتور هتعلى علينا ولا إيه؟"
قالها رضوان.
ابتسم بلال عقب جملته الأخيرة قائلاً:
"لا أبداً والله بس إنت عارف الشغل مش بيخلص ولا حتى الستات بتبطل تولد، بس إن شاء الله أجيك في أقرب وقت وكمان آجي أشرب مع الحاج جابر القهوة وأعزي في رشاد."
"مبنقبلش العزاء يادكتور، بس عندنا بن عادي نضيفك بيه بس ده لو جاي زيارة، إنما لو جي في حاجة تانية يبقى أشربها في بيتكم أحسن."
هكذا نطق رضوان بكل صراحة وجدية وهدوء وهو يرتشف آخر ما تبقى في كوبه من الشاي.
ابتلع بلال ريقه وهو يحاول أن يجاهد ليخفي توتره أمام رضوان.
فالكل يعرف ماكر رضوان وفراسته التي ورثها عن والده وزاد ذكائه ومكره بعد عمله في الجيش وممارسة المهنة لأكثر من خمس سنوات.
لم يعلق بلال على حديثه واكتفى فقط بهز رأسه.
"هي البنت اللي جوه دي مين وإيه اللي عمل فيها كده؟"
خرج بلال من تفكيره على سؤال رضوان.
"دي تبقى ورد اليمن بنت الست زينات مرات الحاج عوض فتح الله، الله يرحمه، بس الدكتور كشف عليها وقال إن هي اللي عملت في نفسها كده مش حد تاني."
استغرب رضوان كثيراً من حديثه وظل يفكر.
ماذا يوجد في حياة تلك الشابة حتى يجعلها تنهي حياتها بتلك الطريقة المشينة وبكل سهولة ويسر.
وما زاد استغرابه هو نظراتها وابتسامتها له وهو يمسك ذراعها ويحاول أن ينقذها قبل أن تغرق.
"بس إنت بتسأل ليه عن كل ده؟"
نظر له رضوان بسخرية ونطق:
"على أساس إن اللي قاعد معاك دلوقتي ده بياع كنافة. جرى إيه يا دكتور، إن ظابط وفي جريمة قتل أو انتحار حصلت في بلدي، فأكيد لازم أسأل عن سبب الجريمة دي ولو فيه حد سبب في اللي حصل للبنت دي، فلازم أعرف هو مين ومين اللي باعته، أو عمل إيه عشان يوصل البنت دي لانتحار."
نظر له بلال ببعض الإحراج وهز رأسه باقتناع.
"تمام، لما تفوق من اللي هي فيه هبلغك وتيجي تستجوبها، دا لو حالتها تسمح."
"تمام يا بلال أشوفك على خير ومنتظرك عشان تشرب معانا القهوة في البيت ده بعد ما أدوق أكل الحاجة الأول."
"إن شاء الله، طالما فيها أكل من إيد الست رجاء يبقى جي وش."
هكذا تحدث بلال بمزاح.
ابتسم له رضوان وهو يصافحه.
"أكيد تنورنا في أي وقت يا دكتور، سلام عليكم."
بادله بلال المصافحة وهو ما زال على وضعية الابتسامة المزيفة التي يرسمها.
ولكن نطق بسؤال ما.
"بس إنت اتعلمت تتكلم مصراوي أهو."
"إنت عارف بقى قعدت في الكلية أربع سنين غير شغلي اللي هناك، فبقيت أتكلم مع المصري مصري، والصعيدي صعيدي، وأهو مندا على قد الدنيا بتمشي. يلا أشوفك على خير."
قالها وخرج من المكان وهو يمسك هاتفه الذي لم يكف عن الرنين.
فكانت بعض المكالمات من والده والبعض الآخر من رجاله الذي كلفهم بمهمة معينة.
وكاد يتصل بوالده ولكن وجد الهاتف يرن مرة أخرى.
وضع رضوان الهاتف على أذنه ولم ينطق بكلمة.
ظل ينصت للطرف الآخر حتى ينهي حديثه ولكن انتفخت عروقه واحمر وجهه وظل يضغط على كف يده حتى كادت عروقها تنفجر من قوة الضغط عليها.
اعصر عينيه بقوة وهو يكاد يقدم على خطوة كان يتمناها ألا يفعلها حتى في أسوأ كوابيسه.
"خليه معاكم لحد ما أجيله بنفسي، اياك حد يقرب منه أو يمسه بس، الواد ده بتاعي أنا."
لم ينتظر كثيرا وأغلق الخط وهو مقدم على خطوة يعرف أنها سوف تأتي بنتائج عكسية له ولبذلته العسكرية التي لم يتمناها يوماً أن يخالف قانونها.
ولكن لن يكون هذا بالهين أو بسيطاً كما ظن هو.
ركب سيارته بعد وانطلق بها بأقصى سرعة وهو يتذكر وجه أخيه الذي كان يملأه الدماء والكدمات.
يكاد يجن بسبب ما حصل له، لكن كل هذا لن يمر مرور الكرام.
في المستوصف تابع بلال من النافذة خروج رضوان واستغرب كثيرا ردة فعله بعد تلك المكالمة التي أتت له وجعلت سرعته التي تكاد تنافس الهواء من كثرة سرعته.
ولكن أخرجه من شروده هاتفه الذي كان يعلن عن اتصال من والدته.
تنهد وحاول الهدوء وهو يتحدث معها.
"ألو، أيوه يا أمي...."
كاد يكمل حديثه ولكنه استمع لصراخ والدته وصراخ زوجة أبيه من الطرف الآخر من المكالمة.
توجس بلال كثيرا بسبب هذا الصراخ وتملكه الخوف.
"إيه، وإيه النواح ده....."
اتسعت عين بلال بصدمة بعد حديث والدته وصرخ بصوت جهوري.
"يعني هيكون فين، وإنتوا كنتوا نايمين على ودانكم والبهايم اللي أنا عينها في البيت دي عشان تاخد بالها منه كانت فين."
لم ينتظر بلال كثيرا وركض للخارج وهو يكاد قلبه يخرج من الخوف على أخيه المتهور الذي وبسبب غبائه رمى نفسه في التهلكة والآن سلم نفسه لمن لا يرحم أحداً.
رواية مسك الليل الفصل الرابع 4 - بقلم سارة طارق
الفصل الرابع (المواجهة)
بسم الله الرحمن الرحيم
_____________________
تململت فى نومتها بعد أن غفت لفترة طويلة بسبب ذلك المهدأ الذى جعل جسدها وعقلها فى حالة خمول ، حاولت أن ترفع جسدها عن ذلك الفراش ولكنها فشلت أحست بثقل جسدها وتنميله
عندما رأتها والدتها ذهبت إليها لمساعدتها لتقوم و تجلس على الفراش حتى تستعيد توازنها
" اطمنى يابتى شويه بس وهتبقى بخير "
نظرت مسك لوالدتها بصعوبه بسبب ذلك الصداع الذى اجتاح رأسها بقوة بعد استيقاظها ولكنها كادت تتحدث ، لكن توقف لسانها عندما تذكرت اختها وما حصل لها أنتفضت برعب ونظرت حولها ونتطقت إسم اختها بطريقه مبعثره بسبب عدم اتذانها
" و وورد ، ووررد اخ ت ى "
أمسكتها والدتها من زراعها ، لكنها قاومت بكل ما أوتيت من قوة وهى تحاول أن تصل للباب لتخرج وتبحث عن أختها ولكن لم تتركها زينات
" أهدى يابتى اختك ورد ماحصلهاش حاجه عفشه بفضل ربنا ، هى بس اخدت بنج عشان خياطة الجرح بتاعها أصله كان عميق ونزفة دم كتير ، عشان أكده لما وصلتى اهنى جه الضاكتور يفهمك بس انتى ماسمعتيش ودخلتى فحالة هستيرية زى ماجالوا "
نظرت لها مسك بأمل كبير وهى تؤكد على حديثها
" صح بجد ياما ورد اختى زينه وماحصلهاش حاچه، يعنى هى عايشه ، يعنى ورد ماسبتنيش"
ابتسمت لها والدتها وربطت على ظهرها وهى تبكى على لهفة ابنتها تلك على اختها
" نحمد ربنا يابتى ، الحمدلله ربنا دايماً مع الولايا اللي زيينه ، ومارديش يوچعنا تانى عليها رغم اللي عملته فى روحها "
استغربت مسك من حديث والدتها الاخير
" اصدق ايه ياما ، أنا مفهماش حاچه ، وضح كلامك "
" أرتاحى الاول وانا هحكيلك على اللي قاله الضاكتور اللي لحجها ( لحقها) بس الأول انا عاوز اقولك على حاچه أكده ،. أنا مش هسألك انتى چيتى هنا ازاى عشان بعد ماشفت بلال فهمت كل حاچه .."
" أما أنا بس "
" أنا مش عاوز أسمع اى حديد (حديث أو كلام ) أنا بس عاوز أفكرك أنتى مين وعيشه فين وأنك من أهل الصعيد يابت بطنى يعنى فى عوايد وتجاليد ماينفعش نتخطاها أظن سامعانى كويس
وبعدين لولا الاختك فيه كنت عرفته غلطه لولا أنك تربيتى كنت شكيت فى انك فرطى فى اللى محالتناش غيره يامسك "
أحست مسك بغلطتها ولكن كان كل هما هى أختها لا أكثر ، تنهدت مسك وهى تتذكر علاقتها مع بلال التى لم تفقد الأمل فيها أبدا ، مهما يكون لن تكون لغيره أبدا ياهو يا لا ، ولكن هل سنظل كهذا ؟
_________________________________________
كانت السيارة تسير كأنها صاروخ يسير على الأرض من كثرة سرعتها لم يعبئ ،لتلك العاصفة الترابيه التى سببتها سيارته من قوة احتكاكها فى الارضيه الترابيه
ولم يكترث لصرخات الناس عليه لتعبئة ملابسهم النظيفه بلأتربه أو نظرة الهلع التى اجتاحت نظراتهم بسبب سرعتهم وابتعادهم عن طريقه
صرخ بصوت جهورى وهو يتذكر ما قالته والدته عن هروب أخيه وذهابه إلى جابر حتى يخبرهم بما حصل معه
" هقتلك ياحجاج نهايتك على أيدى ونهاية أى حد يحاول بس يقرب من شعرة واحدة بس من شعرك "
كان وجهه متهجم من كثرة الغضب كان يشبه قطعة اللهيب وهو يمسك هاتفه ويحاول أن يتصل بأخيه ولكن هاتفه كان مغلق ولم يعرف حتى الوصول له أو أين ذهب فقط كل ما كان يشغل باله هو أن يذهب إلى بيت لجابر لعله يصل قبل أخيه المعروف دائماً بأفعاله المتهوره
_________________________________________
كان يقف أمام تلك الغرفه الصغيره التى صنعت من الخوص التى قتل فيها أخيه بأبشع الطرق يكاد يصرخ هو يتذكر جسد أخيه الملقى أمامه ، تحامل على نفسه وقاوم رغبته العارمه فى الانهيار وحاول الصمود ، واقترب من باب تلك الغرفه وفتحها بقلب يكاد ينفطر من الوجع ، كان عقله يخبره أن يصمد حتى يأتى بحق أخيه من فاعل تلك الفاعلة الشنيعه وقلبه يترجاه أن يرحمه من هول المنظر الذى لن يتحمله مطلقا وان يتعد
ولكنه حسم أمره وفتح الباب وجد المكان معتم وبه بعض من نور الشمس البسيط الذى دخل من الباب
دخل للمكان وهو يشتم تلك الرائحة الكريهة التى جعلته ينفر بقوة من عفنتها ، اقترب من نافذه صغيره وفتحها ونافذه أخرى كانت أمامها فتحها مما جعل نور الشمس أضائ المكان كله و ليته لم يضئ ، ليته فقد البصر قبل أن يرى دماء أخيه التى ملأت المكان وشربت الأرض وترابها منه حتى أصبحوا نسيج واحد
لم يقدر على الصمود أكثر من هذا هو يتخيل أخيه ملقى أمامه وجروح جسده التى تنزف وتلك الأرض الملعونه ترتوى من دمائه أى عقل هذا يمكنه التحمل اى بشرى يمكنه تحمل ذلك المشهد الذى لن يقال عنه أنه أسوء انواع الكوابيس التى لا يتمنا أى احد أن يراها ، ولكنه ليس كابوس أنه حقيقه مؤلمه حقيقه ينفطر لها القلب حقيقه لا يريد اى عقل تصديقها
لم يخرج منه اى شئ أراد الصراخ أراد البكاء حاول بكل ما أتى من قوة أن يصرخ ولكن لم تسعفه أحباله الصوتيه ولم يستوعب عقله ما يراه الأن أراد أن يبكى فقط ولكنه حرم من تلك النعمه كما حرم من أخيه ، فقط كل ماصدر منه هو اسم أخيه الذى خرج بطريقه مرتعشه تهتز لها الأبدان شفقه على حال هذا المقهور على أخيه الوحيد رشاد
_________________________________________
تلك الأرتعاشه والعرق و الحزن والخوف من القادم كل هذا كان يدل على شعور غريب شعور قتله بعض الناس داخلهم ولكن يبقا من يحافظ عليه الشعور هذا هو الضمير ، الضمير الذى فكر أنه انتصر عليه وقتله ولكنه كان مجرد وهم أوهمه لنفسه حتى يستطيع السير على ذلك الطريق الموحش مع مجموعه من الرجال همهم الوحيد هو السيطره على كل شيء ، وحتى ينالو مرادهم يمكنهم فعل ما لايتخيله عقل
اعترف لنفسه أنه مخطئ فى حق نفسه وحق تلك العائلة التى خسرة ابنها بسببه ، نعم هو السبب فى تلك الجريمه هو كان شريكهم فى قتله
لم يستطع النوم ولو لدقيقة واحدة بسبب مافعله كيف سلم نفسه لهم بتلك الطريقة ، كيف أعطاهم الفرصه حتى يقوموا بعمل غسيل لعقله حتى أصبح يقتنع بكل معتقداتهم الوهمية
"يارب ، هموت ضميرى معذبنى جوى (قوى) خلاص ماعنتش جادر (قادر) أنا مش مصدق ولا جادر استوعب أنى ازاى جدرت اسلم نفسى ليهم لحد ما عملوا غسيل لدماغى و اقنعونى بمعتقداتهم الوهميه اللي كلها جبروت وتملك ، ازاى صدقتهم ومشيت معاهم فى نفس السكه دى ، دول ناس ماتعرفش غير أن هما يوصله للعاوزينه تحت اى ظرف حتى لو هيجتلوا مفرجاش معاهم اى حاچه ، وأنى خلاص ضميرى معذبنى جوى وهروح اسلم نفسى لجابر وهو يعمل فيا ما بداله عشان أبقا ريحت ضميرى ، حتى لو جتلنى يبقا عمل فيا معروف كبير وريحنى من الدنيا دى ...."
ولكنه صدم وانحدر بسيارته على جانب الطريق قبل اصتدام تلك السيارة التى كانت تقصده هو كأن سائقها تعمد الاصتدام به
توقف بسيارة بسبب انحرافه المفاجئ ونظر خلفه وجد تلك السيارة الأخرى توقفت وترجل منها رجلا يعرفهم حق معرفه ، اتسعت عينيه بعدما رأهم لقد كادو يقتلوه
بكل دم بارد
_________________________________________
كان يقف ببدلته العسكرية الخاص بالجيش العسكرى أمام البيت وظل يطرق الباب ولكن لارد ولكن أخذ يطرق بقوة لعلا أهل المنزل نائمون
زفر بضيق وهو لايجد أى رد على كل تلك الطرقات
" أيه ده لو ميت كان صحى ، والله ياخاله زينات شكلك أنتي اللي مش عاوزه تفتحى ليا .. طب أروح أشوفهم فى السوق كده يمكن راحوا على هناك "
قالها وكاد يرحل ولكنه توقف عندما سمع صوت جارتهم هناء
" بدر ، واد يا بدر أنت چيت متا يا واد طولت الغيبه والله لك وحشه كبيره جوى ياولدى "
نظر بدر تلك السيدة البشوشه والجميله كحديثها
" والله انتى اكتر ياخاله هناء وحشانى انتى والبت زينه والواد جرجس عامل ايه فى الشهاده بتعته "
امتعض وجه الست هناء عند ذكر اسم ابنها الذى لا يعي عن أى شئ في هذه الحياة غير هاتفه المحمول
" كته خيبه عليه وعلى المخروب بتاعه ده عمال يلعبلى عليه فى الزفت النت ده ، هو دا هامه شهادة ولا غيره بس هعمل ايه يابنى أدى الله وأدى حكمتها اهو ابتلاء من ربنا وادينى صبرا عليه "
" معلش ياخاله ربنا هيهديه وبكره تشوفى "
اشارة له بعدم اقتناع لحديثه قائلا " يالا قطعوا النت وسنينه ياولدى. ، صحيح لو كنت بدور على خالتك زينات فاهى فى المستوصف بتاع البلد روحلها على هناك دى هى من الفجريه هناك "
انقبض قلب بدر ونظر له بخوف :" ليه هى تعبانه ولا حاچه ولا حد من بنتها تعب "
هنا نطقت هناء بحزن قائلا " حسره عليها البت ورد بيجوله حد ضربها وأخدوها على المستوصف عشان ..."
قطع حديثها وهو يصرخ عليها :" أنتى بجولى أيه مين ده اللي هجم على ورد اليمن ، ولسه جايه تجوليلى دلوك ، الله يسامحك يا ست هناء الله يسامحك " قالها وهو يركض على المستوصف ليطمئن على ورد ويعرف ما الذى حصل لها كان يدعوا الله أن تكون بخير ولم يصيبها أى شئ
أمتعض وجه هناء قائلا :" الله مش كنت بسلام عليك يالا چيل مهبب والله ،. اما أروح اشوف الموكوس ابنى بيهبب أيه فى البيت وربنا يسهل للمنيله أخته وترجع من السوق بدرى "
_________________________________________
دخل إلى المستوصف بأقص سرعه وهو يلهث من كثرة الركض ووقف أمام ممرضه ما وسألها عن مكان ورد
" لو سمحتى ، خطيبتى هنا مع أمها أسمها زينات هنا ومعها بنتها إسمها ورد ال"
لم تدعه الممرضه يكمل حديثه قائلا له بكل قرف
" اه جاصدك البت اللي اغتصبوها أهى متلجحا عندك جوا مع أمها واختها ، خشلها ، بلا خيبه بنات عاوز الحرج (الحرق)"
قالتها بلا شفقه لهذا الواقف أمامها وكلماتها تلك اصابته بسهم حارق فى قلبه، ولكن سمعت صراخ الطبيب عليها قائلا
" سناء أنا لو سمعتك بتكلمى بطريقه دى ساعتها هتصرف معاكى تصرف مش هيعجبك ، وساعتها هطلعك بره ، انتى ايه مفيش اى شفقه على الغلبانه اللي جوه دى يعنى هو كان بخطرها اللي حصل لو كنتى مكانها هتحبى يتقال عليكى كده اخصى بجد دا المفرود انتى بنت زيها يعنى تحسي بيها وبوجعها لا أنتى ازاى كده بجد ، مقرفة "
" الله وأنا مالى يا ضاكتور ، هى دلوقتى كده فى حكم الخاطيه هو دا سلو بلدنا هنا ، انت بس عشان لسه جاى جديد أهنه متعرفش حاجه ، الصعيد غير مصر ياضاكتور " قالت تبريرا على حديثها عن ورد
هز رأسه برفض لحديثها :" لاء يا سناء المشكله مش فى مصر ولا الصعيد ، المشكله فى عقولكم المتخلفه والرجعيه المشكله هنا فى عدم الوعى العقلى لبعض الناس هنا زيك كده ياسناء انتى و اللي زيك عاوزين الحرق عشان ماتكسروش وترموا الناس بالباطل " كاد يذهب لكنه نظر لها بقرف قائلا
" وعلى فكره مش هى الخاطيه ، انتى وكل اللي زيك اللى بيرمه الناس بالمحصنات هما الخطايه فى حقهم قبل مايبقوا خطايا فى حق الناس ، بجد ربنا يشفيكى عشان أنتى بتسوقى سمعت بلدك وأهلها واكيد فى ناس كتير فى الصعيد عندها وعى أنها تقف مع بنت زى دى وتجبلها حقها مش زيك على فكرة الدكتور بلال قال أى حد هيفتح بوقه عن البنت دى يعنى لوحد عرف هو هيتصرف معاه بنفسه "
تركها وذهب خلف بدر حتى يخبره بحالة ورد الحقيقة ، بشكل راقى أكثر وبطريقه يجعله لا ينفر منها أو يشك فيها أو يحملها ذنب ماحصل لها
كان يقف أمام غرفتها وهو يراها تنام بهذا الوجه الشاحب وكان لونه أصفر مثل قطعة الليمون
هو الأن يرى الورده الحمراء التى يعشقها أثر عليها الخريف مبكراً وأصفرت ووقعت على الأرض ودهستها الأقدام بلا شفقه أو رحمه بها
دهسوهاحتى أصبحت هى والتراب واحد ، حتى رائحةعبيرها أختفت كما اتخفى منها أهم شئ كأنثى
وهو شرفها
لم يشعر بتلك الدموع الحارقه التى تنهال على وجهه
فاليس من السهل عليه أن يرها بتلك الحالة
" لا ياورد لا ، فوقى وقولى انك بتهزرى ، أنا كنت جاى اكمل فرحتنا سوا ''
دخل الطبيب الغرفه وجد بدر بحاله لا يسرى لها تنهد بقوه وحاول التصرف بشكل عقلاني حتى يساعده
" يا استاذ ، ممكن اتكلم مع حضرتك شويه فى حاجه مهمه فى حالة الأنسه ورد ، بعد اذنك اتفضل معايا "
سمع بدر كل ما قاله الطبيب ولكن لم يقدر على حمل عيونه عن ورد
امسكه الطبيب من زراعه وأخرجه عنوه من الغرفه
وأدخله إلى غرفة مكتبه ليتحدثا
جلس بدر أمام الطبيب وهو مازال ينظر فى الاشئ وهو يتخيل مشهد ورد وهى نائمه بهذا الشكل جعله يشعر بشلل كلى فى جميع اجزاء جسده
أشفق الطبيب عليه وعلى حالته وهنا أخذ نفس عميق وأخرجه ببطئ
" ممكن اعرفك حضرتك مين وتقرب للانسه أيه "
تحدث بدر وهو يشاور على نفسه ويتحدث بوجع من تلك الغصه المؤلمه
" أنا بدر بدر خطيبها وكنت لسه چاى من الجيش ووبدل ما لقيها مستنيانى وهى فرحنا ومبسوطه ومشتاجه لرچوعى ، لقتها مجبلانى بس وهى روح ميته وبدل ماكان شكلها يشبه الورد زى إسمها دلوقتى بقت شبه الأموات بعد ما أغتصبوا شرفها ، أستغلوها فى غيابى ، ليه ورد ليه لاء لاء هى ملهاش ذنب أنا السبب أنا اللي سبتها وسفرت انا اللي مشيت وسبتها من غير راچل ، أنا مش راچل أيوه مش راچل عشان عشان مجدرتش أحميها ، أه أااااه ياوردة جلبى "
أدمعت عين الطبيب بسبب حالته وحديثه الذى يملأه الألم ، ودموع عينيه التى تشبه الشلالات من كثرة انهمارها من عينى التى أصبحت هى اللون الاحمر واحد
" انا عاوزك تهدى يا بدر ، ومتحملش نفسك ذنب حاجه ملكش يد فيها ، ولا تحملها هى كمان ، حضرتك كنت بعيد لتؤدى عملك الوطنى كاعسكرى فى الجيش ، وهى كمان ملهاش ذنب أن فى ديابه أتكترو عليها وأغتصبوها "
نظر له بظر بصدمه قائلا :" أغتصبوها ، هما كانوا "
" ايوه كانوا اكتر من واحد ، ودا اللي قاله الدكتور بلال بعد ماكشف عليها ، للاسف اللي قاله أنه أثناء الاغتصاب فى حد ضربها على دماغها لأننا لقينا جرح فرسها ،وبعدها تم اغتصابه لاكتر من مره بعد مافقدة الوعي من الضربه ، أنا لما لقيت الجرح فى دماغها انا و الدكتور بلال قولنا اكيد حد خبطها على دماغها بعد كده عمل اللي عمله لكن هى كانت بتكلم بطريقه غريبه كأنها كانت حضره موقف الاغتصاب فاهنا شكينا أن فى حد اغتصبها وهى صاحيه وبعد كده خبطها من مقاومتها ليه وبعد ما فقدة الوعى أتكترو عليها وبعد كده رموها "
جحظت عين بدر بعد ما سمع حديث الطبيب وعرف ماحصل مع خطيبته ، شعر أن الغرفه أضيقت به وبدأت أنفاسه تخرج بشكل عشوائي وضئيل جدا
احس ببرودة تسرى فى جسده بالكامل كأن الكون
كله ضاق عليه هو فقط
رأى الطبيب التغيير الملحوظ على وجهه بدر نظر. له بقلق قائلا :" استاذ بدر أنت كويس ......"
لم يستمع بدر لأى كلمه من حديث الطبيب كان فى عالم أخر لم يشعر بقدمه التى كانت تجره للخارج لم يشعر. بإى شئ نهائيا حتى أنه ارتطم فى كتف فتاه لم يشعر بها
خرجت من الغرفه التى كانت فيها بعد أن رحلت والدتها لتجلب بعض الملابس والطعام لها ولاختها ، أحست أنها تريد أن تذهب لها لتجلس بجانبها وتطمئن عليها
ذهبت بأتجاه غرفة أختها ولكنها ارتطمت بكتف احد ما لفت نظرها لباسه الميرى
صدمت عندما رأت أنه بدر خطيب اختها ورد اليمن
وجدته يسير بطريقه غريبه كأنه تائه شعرت مسك ببعض الخوف أن يكون عرف ما حصل لأختها ، كادت تنادى عليه ولكنها تراجعت ونظرت له نظره اخيره وذهبت لأختها وهى تدعى الله أن يهونها على اختها المسكينه ، فحالة خطيبها لا تبشر بالخير أبدا
_________________________________________
وقف بلال السياره أمام منزل جابر ودخل للبيت بعد أن عرف بوجود جابر هنا
أدخلته الخادمه غرفة الصالون وذهبت لتخبر رب عملها بوجود بلال
كان يفرك يده من التوتر فهو يحاول أن يكون على طبيعته حتى لا يشك فيه احد ، هو جاء إلى هنا حتى يرى أنهم عرفوا بموضوع أخيه ام لا وكل هذا سوف يظهر من استقبالهم له أو حديث جابر معه هو ما سيشعره أما أن كان اتى أخيه ألا هنا أن لاء
ولكنه خرج من شروده على صوت الترحيب به ولكن ليس من جابر ولكنه من هذا البارد برود الثلج رضوان
وقف بلال بصدمه وهو يراه أمامه فهو قد ظن أنه بالخارج الأن ولكنه أمامه ونظراته له ليست مبشره بأى خير أطلاقا ، وسمع منه تلك الكلمه الصفراء مثله
نظر له رضوان بتفرس لتعبيره المتوترة وقلقه وابتسم بسخريه وهو يراه بهذا الشكل ولكنه أراد اللعب معه قليلا
"أيه يا غالى ، مبتعرفش ترد السلام ولا أيه ، أنا أعرف أن لما حد يتقاله نورت ، يرد يقوله بنورك ، بس الظاهر أن أنا مش نور بيتى باين ، ولا هى كلمة نورت بتقلق وتخلى الواحد يعرق كده"
حاول بلال التحدث بطريقه عاقله وهائده فخصمه ليس بالهين أبدا
" لا ابدا بس استغربت انك نسيت أنى قولتلك انى هاجى للحاج جابر أعزبه واشرب معاه القهوه "
رد عليه رضوان بمكر قائلا " واظن انك فاكر كلامى ليك كويس ساعتها ، بس انت مستعجل على شرب القهوة ليه عندنا ، ما أنا والحاج كنا هنجيلك نشربها عندك ولا أنتوا بخله ، بس متقلقش احنا هيجى نشربها سادة مش هنكلفكم سكر "
ابتلع بلال ريقه وهو ينظر له بعدم فهم كاد يسأله عن مغزى حديثه ولكن هربت الكلمات وهرب كل شئ معها وهو يرى أخيه فى يد جابر كان أخيه منتكس الرأس ويقف زليل بين يد جابر
شعر أن كل شئ قد هدم وأن أخيه الوحيد سيكون ضحية تلك الجريمه ، شعر. أن كل حلول العالم لم تعد تنفع فى تلك اللحظه حتى قدمه لم تسعفه وهو يقع على المقعد و ينظر لأخيه كأنها آخر نظره له
جاء صوت صراخ من الخارج وكان أحد رجال رضوان
" ألحجنا ياحاج جابر بيه الحجنا يارضوان بيه ، الشيخ عبدالله ماسك البنت زينه بنت عم حنا فى السوق هى وأمها ومبهدلهم على اخر ، وحالف يمين أنهم لازم ينطقوا الشهاده ويعلنوا إسلامهم يا أما هيقتلهم جدام السوق كله "
________
رواية مسك الليل الفصل الخامس 5 - بقلم سارة طارق
احتشد جميع من في القرية حول السيدة المسكينة هي وابنتها، اللذين أوقعهما حظهما العسير مع من لا يرحم. أوقعهم مع أناس يفكرون أنهم أنبياء الله على الأرض، ويمكنهم أن يحركوا الناس كما يريدون، وأنهم يملكون حتى قرار الحياة لكل من يعيش معهم في مكان واحد.
كانت صرخاتها هي وابنتها تضوي في المكان. كانت الفتاة تبكي وتصرخ وتحاول أن تفلت نفسها من قبضته التي تمسك بشعرها، وصوت صراخه عليها كاد يصم أذنيها.
"اصمتي يا كافرة، هل تظنين نفسك على الطريقة الصحيحة؟ أنتِ وأمك التي تخرج دون حجاب يغطي شعرها. تصرخون لأنني أريد مساعدتكم، وإخراجكم من تلك الغفلة التي تعيشون فيها. يا لكم من كافرة نصرانية! جزاؤكم جهنم وبئس المصير. ولكن لن يكون في قرية الشيخ عبد الله أي أحد نصراني، كل من يجلس هنا هو مسلم، وكل فتاة أو سيدة عذراء ترتدي النقاب إجباري وتصبح من جوارينا، ولها ثواب عظيم وجزاؤها الجنة ونعيمها و..."
"طب مش عاوز ديفيدي بأمرك، ده لسه العرض مخلص، أي جارية هتاخدها من هنا عليها واحدة هدية. وفقها نص سوداني للتسلية يا فندم."
تهجم وجه الشيخ عبد الله غضباً ونظر لهذا الصوت الساخر من حديثه.
التفت لمصدر الصوت.
وجد رضوان يقف ورائه ويبتسم له ويميل برأسه ناحيته، قائلاً:
"أهلاً يا غالي، عاش من شافك يا راجل."
قالها وهو يصدم جبهته بجبهة عبد الله بقوة حتى جعل جسده يرتد للخلف، ولكمه في وجهه.
سقط على الأرض.
كادت زينة تقع معه، ولكن أمسكها رضوان من معصمها ونظر له بتفحص، وهو يعطيها لوالدتها.
"خدي بنتك يا ست هناء."
وصاح في أحد الغفر:
"خد الست هناء وبنتها المستوصف، وتفضل معاهم لحد ما يخلصوا وتوصلهم لحد البيت وتقف عليهم عند الدرج، يلا."
قال آخر كلمة بصوت جهوري.
انحنت هناء لتقبل يده.
"روح ربنا يكفيك شر أولاد الحرام ويسترها وياك زي ما سترتنا."
سحب رضوان يده قبل أن تصل لها وابتسم لها.
"يلا يا ست هناء روحي شوفي بنتك وسيبيني أنا بقى أولاد الحرام دول، أنا أقدر عليهم بنفسي."
ثم نقل نظره لشيخ عبد الله قائلاً بسخرية وبرود:
"ولا إنت إيه رأيك يا غالي، أنفع أخلص عليكم لوحدي؟"
نظر له عبد الله باستهزاء له ولغفر أبيه الذين حاوطوه هو وجماعته من كل جهة.
"ولكن أنت لست وحدك، أنت معك رجالك. دعهم يرحلون وأرنا أنا ورجالي قوتك التي تتباهى بها أمام الناس. أعطينا فقط الفرصة لنجعلك عبرة لمن لا يعتبر."
فلت من رضوان ضحكة ساخرة وشمله بنظرة مستهزئة.
جز عبد الله على أسنانه واغتظ منه وكاد يهجم عليه، ولكن سبقه رضوان ضربه بقدمه وأوقعه على الأرض مرة أخرى ونظر له بقرف.
"بقى أنت وشوية الشمامين بتوعك دول تخليني أنا عبرة، أنت نسيت نفسك يا عبد الله ولا إيه؟ أصحى يالا، أنا بنفسي قبضت عليك أكتر من مرة بتشم أنت وشوية الجربيع دول اللي فرحان بلمتهم حواليك. أصحى يالا وفوق أحسن لك. أوعى أكون مفكر إن الدقن اللي مربيها دي هتنسينا ماضيك."
"هذا كان في الماضي، الآن نحن نمشي على منهج الله، ونجاهد في سبيل الله، وننفذ قوانينه على أرضه."
"واللي بينفذ قوانين ربنا ده، بيرمي أمه في الشارع ويضربها قدام الناس كلها لحد ما... مارسوها. اتفتحت، والناس لحقوها وخدوها على المستشفى، وكل ده ليه عشان عاوزة تنفذ شرع ربنا وتتجوز. ولولا أنها اتنزلت عن المحضر كان زمانك مرمي زي الكلب في السجن لحد ما تعفن هناك."
"هي من عاصتني، وكان علي أن أعرفها عقوبة عصيان الشيخ عبد الله...."
لم يستطع رضوان سماع أكثر من هذا، وهجم عليه وظل يضربه بقوة. ولضعف بنية عبد الله لم يستطع حماية نفسه. لم يشعر رضوان بنفسه أبداً، كل ما كان يراه هو تلك السيدة التي كانت تنزف دماؤها أمام عينيه في المشفى بسبب ذلك الحقير ابنها.
"عصيان مين يا كلب؟ ليه مفكر نفسك إله وكل الناس عبيد عندك؟ أنت ولا تسوى يالا، أنت شمام يا وسخ، أنا بقى هنا هعرفك عصيان الوالدين بقا عقابه إيه."
صرخ الجميع في رضوان عندما وجد الدماء أغرقت وجه هذا الكلب، ليس خوفاً عليه ولكن خوفاً على رضوان أن يموت في يده.
لم يستمع رضوان لأحد، كل ما كان يراه هو دموع والدة عبد الله في أحضانه ورجائها أن لا يفعل شيئاً لابنها أو يؤذيه، وأنها سامحته رغم ما فعل بها.
"سامحتك، سامحتك رغم اللي عملته فيها. أنت واللي زيك ماينفعش تعيشوا..."
"سيبه يا رضوان."
كان صوته جابر صارم ليبتعد ابنه عن عبد الله.
توقف رضوان عن الضرب ووقف على قدمه وبصق على عبد الله ونظر بقرف.
"احمد ربنا إن في حد نجدك من إيدي تاني. أول مرة كانت أمك اللي فرجت عليها البلد بحالها، ودلوقتي الحاج جابر النمر كبير البلد دي كلها وكبيرك أنت كمان أنت وشوية الخرفان دول."
أتى صوت من خلف.
"خلاص يا رضوان بيه ابعد خلينا نشوف شغلنا."
التفت له رضوان ونظر له باستخفاف.
"أنت لسه جاي يا باشا تشوف شغلك بعد ما المولد اتفضى، يعني لولا إني هنا كان زمان البت ماتت يا أما خطفوها..."
"سيب الناس تشوف شغلها يا رضوان، وكفاية لحد كده."
قالها جابر بحزم حتى يصمت ابنه.
"شغل إيه ده بس يا بابا اللي بيعملوه بعد ما المشكلة بتخلص."
ثم ضحك بسخرية.
"والله ليهم حق بتوع السيما يتريقوا علينا ويخلوا البوليس دايماً يجي في الآخر بعد ما المصيبة بتخلص."
ضرب جابر عكازه في الأرض وصرخ في ابنه:
"جرى إيه يا رضوان؟ ماحدش قادر يسكتك، ولا معادش ليا كلمة عليك عاد؟"
اقترب رضوان من أبيه قبل يده ورأسه.
"لا عاش ولا كان يا حاج اللي ينزل كلمة ليك الأرض، حجك على راسي يا بوي."
وقف جابر في منتصف السوق وأشار بعكازه للناس التي تملأ السوق وتشاهد ما يحصل دون أن يتحرك أحد للمساعدة.
"أخس على كل راجل شاف وليه زي هناء وبنتها وما جربش حتى يساعدهم. سكتوا ليه يا رجالة البلد على المرمطة والمسخرة اللي حصلت دي؟ لو كانت واحدة من حريمكم ولا بناتكم كنتم هتفضلوا تتفرجوا كيف الحريم كده. الجيامة هتهجم ولا إيه لما نخوة الصعايدة تروح منهم كده؟ خفتم من حتة سلاح ماسكه عيل ببريال كيف عبد الله وصحبته؟ أخس."
نطقت سيدة من وسط الحشد وهي تذم شفتيها بلامبالاة.
"يعني كان هو عمل إيه لدا كله؟ مش كان بيعمل شرع ربنا، وبيعلّمه للولية دي وبتها اللي ماشيين على حل شعرهم كده من غير لا ضابط ولا رابط يعلمهم الحشمة."
كاد رضوان يرد عليها ولكن سبقه والده وهو يشير بعكازه عليها.
"وهي الحشمة بنسبالك بس هي حتة الطرحة اللي بتحطيها على شعرك ولا الجلابية الواسعة اللي بتلبسيها؟ الحشمة مش بالبس والحجاب بس، الحشمة كمان إني أحجب لساني إنه يتكلم على الناس بالباطل وردد الكلام زي البغبغان من غير ما أفهم معناه. وإيه يعني لو مش لابسة طرحة على دماغها؟ لا هي مجبرة على ده ولا في حكم في دينهم إنهم يلبسوه، وطول عمرهم ناس في حلهم ومسمعناش منهم أي حاجة. تعبهم كل ده عشان دينهم غير دينكم؟ وفيها إيه يا بلد؟ إنتوا نسيتوا كلام ربكم *لكم دينكم ولي دين*؟ مش الست هناء دي يا عزة اللي لحقت بتك جبل (قبل) ما الجاموسة تدهسها تحت رجليها؟ مش دي هناء اللي لقيتيه واقفة في فرح بتك وفرحنالها زي بتها وأكتر وكانت واقفة تخدم على الناس يوم الفرح كأنه فرحها هي مش فرحكم. بقى دي آخرة معروفها معاكي؟ بس اللوم مش عليكي، اللوم على رجالك اللي مرجعكيش عن الحديد بتاعك ده وخلاكي تنسي الأصول."
ارتبك زوج عزة ونظر في الأرض واعتذر من جابر وبخ زوجته وجعلها تعتذر هي الأخرى.
"حجك علينا يا جابر بيه، والله دي ولية خرفانة ومعندهاش عقل تفكر بيه."
"عمرنا يا بلد ما فرقنا ما بين مسلم ومسيحي. ماتا يا بلد لقينا واحد مسيحي هنا هان راجل أو ست مسلمة أو اتعدى عليها. طول عمرنا فرحنا واحد وحزننا واحد، حتى بيوتنا واحدة ولقمتنا واحدة، حتى في الحرب واقف جنب المسلم بيدافع عن بلده زيه زي أي حد وبيحافظ على ظهره ساعة الحرب. ماتا لقمة العيش فرقت بين المسلم والمسيحي؟ يا خسارة ويا ميت خسارة عليكم."
قالها وذهب لابنه وأخذه معه ليعودوا للبيت مرة أخرى.
هنا نطق جابر بحزن.
"رضوان يا ابني، تروح لست هناء النهارده، وتديها قرشين وتشوف طلباتها هي وعيالها، وجولها لو أي حد اتعرض لها بس ولو بحرف تجيلي على الدار."
"ربنا يخليك للغلابة يا بابا."
قالها وهو ينظر أمامه ولم يلتفت لأبيه حتى، ولكن نبرة صوته لم تعجب والده.
"مش هو اللي عملها يا رضوان، الواد ده أجبن من إنه يمسك سلاح ويضرب بيه نملة حتى أو يمسك سكينة يدبح بيها فروجه."
"عارف يا بابا عارف، بس أنا مش مرتاح وحاسس إن العملية دي كبيرة جوي. حاسس إن موت رشاد ده هيفتح ببان ريحها أقوى من أي حد."
قالها وهو يتنهد بحيرة وحاول تهدئة عقله من كثرة التفكير.
نظر للسماء وقال برجاء:
"ألطف بينا في اللي جاي يا رب."
---
جمع جميع متعلقاته في حقيبة كبيرة وهو يبكي كلما تذكر شكلها وهي نائمة بهذا الشكل. نزلت دموعه بوجع. لقد ذبلت وردته التي طالما راعاها وحافظ عليها ولم يدع أحد حتى يلمسها. الآن وفي غيابه عنها، استغلوا أن من يحميها دائماً قد ذهب وتركها ليقطفوها ويأخذوا عبيرها ويلقوها في الأرض لتدهسها الأقدام.
مسح دموعه وهو يستمع لصوت الدقات المتواصلة على باب غرفته.
"قلتلكم مش عاوز أشوف حد."
"ولا حتى عايز تشوفني أنا."
اتسعت عيناه بعد سماع صوتها. نعم إنها هي، وردته.
أتت إليه.
أدار رأسه ناحية صوتها ونظر لعيونها التي مازالت لها تأثيرها عليه رغم ذبولها واختفاء لمعتها.
أخفض نظره عنها ونكس رأسه بخجل منها.
رفعت يدها على وجهه ورفعته ونظر في عيونه وتحدثت رغم آلام جسدها التي تفتك بها قائلاً:
"أنا جاية لحد هنا مش عشان تنزل عينك عني للأرض، لأ. أنا جاية عشان أشوف نفسي، لسه صورتي موجودة في عينيك، ولا اختفت هي كمان."
ثم تابعت هي تبتسم براحة.
"بس الحمد لله لسه شايفه نفسي فيك يا بدر، أنا لسه موجودة جواك."
كادت تقع ولكن أمسكها بدر وأجلسها على فراشه الصغير، وجلس على الأرض أمامها ونطق بأسف.
"طول عمرك جوايا يا ورد، حتى مهما حصل فيكي هتفضلي جوايا، هتفضلي الوردة الوحيدة اللي بتزين بستان قلبي. بس بس إني ماقدرش أحوط عيني في عينك بعد اللي حصل، ماقدرش أبص لنفسي في انعكاس المرايا وأطل عليا وأشوفني راجل. أنا مستهلكيش. إنتِ عاوزة راجل يحافظ عليكي ويكون قد الأمانة، بس أنا لا كنت قد الأمانة ولا قادر حتى أطل في عيونك الجاية. صورتي اتشوهت فيها."
"آه يا بدري، لو تعرف إن عمر صورتك حتى ما تهتز في عيني. أوعى تشيل نفسك الذنب، لا ده مش ذنبك، ده اختبار من ربنا ليا ولك. لو عاوز تبقى راجل قدامي، فا أحب أقولك إنك هتفضل راجلي طول العمر. ولو عاوز تمشي أمشي يا بدر، إني مش همنعك، لأني عارفة إنك هترجع تاني، وأنا هستناك... هستناك تجيبلي حقي من الذيابة اللي نهشوا في لحمي."
"واه قبل ما أنسى، الديب يا بدر هو اللي يخاف يهجم على فريسته وحارسها موجودة. ده بيستناه لحد ما يبعد وبعد كده يهجم لأنه عارف إنه مهما كان قوته عمرها ما تضاهي قوة الحارس. فهمتني يا بدر؟ يعني اللي حاول يقطف وردتك استناك تغفل عشان يقطفها لأنه عارف إنك أقوى منه، فعمرو ما هيقدر يقف قصادك مهما حصل. دول ناس ما تعرفش غير الضرب في الظهر وبس يا بدر، وما يعرفوش غير الخيانة."
قالتها وهي تحاول أن تستند على أي شيء حتى تقوم. وجدته يمد يده ليساعدها ولكنها رفضت.
"لأ، لازم أتعود أساعد نفسي لحد ما أرجع. وأنا عارفة إنك راجع يا بدر، لأن عمر البدر ما يطلع من غير ما يشوف وردته، مش أنت دايماً بتقولي كده. أنا هسيبك تفكر... تعال، عاوزة أعمل حاجة وعايزاك تساعدني قبل ما تمشي."
اقترب منها بسرعة وحاول إسنادها.
اعتدلت ورد في وقفتها وحاولت قدر المستطاع رفع جسدها ثم ارتمت في أحضان بدر وضمته بقوة وتشبتت به كأنها صغيرة اشتاقت لرجوع والدها بعد غياب دام طويلاً في الجيش.
"كنت منتظراك عشان أدهولك أول ما ترجع. أنا عارفة إنك جوزي وإننا كتبنا الكتاب عند أمي، طالما ما عملناش فرح تجيب خطيبي، لكن أنت جوزي يا بدر، أنا خلاص اتكتبت على اسمك. ولو ندمان ممكن تسب..."
"هشششش، ماتكمليش، اسكتي يا ورد، اسكتي. إنتِ خابرة زين إن عمري ما هسيبك حتى لو بموتي."
بكى الاثنان في أحضان بعضهما وكانت ورد أكثرهن بكاءً لأنها كادت تنهي حياتها وتحرم نفسها من العيش مع محبوبها وزوجها الغالي نعمة الله لها، وكأن الله يعاقبها بطريقة تجعلها تشعر فيها بمدى غبائها لترك حبيب وزوج مثل بدر واهتمامها لحديث الناس وإنهاء حياتها وتركه.
لم يشعران بوقوف مسك والدتها على الباب.
تحمحت زينات لكن لم يستمع لها أي أحد منهم، ومسك تنظر لهم بسعادة كبيرة. رغم فرحتها برجوع أختها لعقلها مرة أخرى، ولكنها شعرت بالحرج من مشاهدة هذا المشهد الرومانسي بين أختها وزوجها.
اغتظت زينات من فعلتهم تلك وصرخت بهم حتى يبتعد عن ابنتها.
"جرى إيه يا ولاد الهرمة؟ ماتحترموا نفسكم، عيب كده. ده أنا حتى واقفة ما يصحش."
ضحكت مسك وهي تنظر لهم.
"ما تسبيهمش يا ماما شوية كمان ونبي، ده حتى والله حضنهم أحسن من المسلسلات التركي."
"أقعدي أحسن لك، لسه دورك جاي يا بتاعت بلال."
قالتها بهمس وتحذير لابنتها.
ابتعد بدر عن ورد ولكنه أعادها لأحضانها مرة أخرى عندما لف ذراعه حول جسدها وضمها له، ونظر لزينات التي تشتعل أمامهم.
"روحي يا ست زينات، بتك خلاص بقت في بيت جوزها ومش هتخرج منه إلا على جثتي. أنا عارف إنك اتجبرتي على كتب كتابي منها وإنك مانعاني عنها ومتعتبراني لسه خطيبها، وإني كنت محترم رأيك في الأول لحد ما عملت الفرح اللي نفسك فيه، بس بعد اللي حصل ليها ده لو اتخليت عنها أبقى مرة ومستحقش جوهرة زي بتك دي. روحي واطمئني. ونامي واعرفي إن حق بتك هيرجع على يدي دي."
نظرت له مسك بسعادة كبيرة ولكنها اختفت عندما تذكرت شيئاً ما.
"بس كده يا بدر إنت هتعمل مشكلة كبيرة جوي. إنت عارف إن ماحدش يعرف بجوازك من ورد غيري أنا وأمي وشيخ الجامع اللي كتب كتابكم. كده إنت هتعمل لأمي مشكلة كبيرة مع خالي، وإنت عارف إنه ما كانش موافق عليك، وأمي ضربت بكلمته الأرض وجوزتك ليها..."
"اسكتي يا مسك."
قالتها والدتها بحزم واقتربت من بدر حتى وقفت أمامه ونظرت له بكل قوة.
"إنت لما جيتلي عشان ورد واشتكتلي إن أخويا رفضك، وإن إنت بتحبها ورايدها في الحلال، إني حسيت بعشقك ليها. وكمان حسيت إن بتي ميالة ليك وريداك. ساعتها ضربت بحديد أخويا الأرض وخطبتك ليها من وراه. ولما جيت وجبت مأذون الجامع معاك الدار وجولتيلي إنك عاوزها مراتك وإنك خايف لتخسرها، أنا يمكن عارضت في الأول خوفت على بتي ولسه الخوف ده مستمر معايا، خايفة إني أكون اتسرعت وغامرت بالبت دي وأديتها لواحد ما يقدرش يحميها ويكون راجلها. بس دلوقتي إني عرفت إن ربنا مارزقش ورد بيك لوحدها، لا يا ولدي دا رزقنا معاها كمان. إنت رزق ربنا لينا، إنت راجل وحمايتنا كمان. كتر خيرك يا ابني إنك سترت عرضي."
"ده عرضي أنا كمان يا خالة، ورد في عينيا، ماتخافيش عليها. ومسك أختي وربنا يعلم معزتها عندي كيف أخواتي البنات وأكتر والله."
ابتسمت له بعيون تلمع فيها الدموع قائلاً:
"ودا العشم يا ابني."
نظر بدر للخارج الغرفة وجد والدته وإخوته الفتيات يتابعن الموقف بكل تأثر. ابتسم لهم وعندما وجد يقبلون زوجته بكل سهولة.
اقتربت والدته منه وقبلت رأسه قائلاً بفخر.
"طول عمرك راجل يا ضنايا، ويالا ارتاح أنت وعروستك وأني وأخواتك هنحضرلكم لقمة تاكلوها. يالا يا ورد يا بنتي ناميلك ساعة لحد ما الغدا يخلص."
"آه ونبي يا خالة سعاد لأحسن عصافير بطني بتنهج من الجوع."
قالتها مسك وهي تتحسس موضع بطنها.
نظرت له والدتها شرراً.
"هتفضلي طول عمرك جعانة مهما كليتي، يالا يا أختي على البيت هناك المش مستنيكي."
نظرت لها مسك بتذمر ونظرت باتجاه أختها قائلة.
"يعني هي تاكل حمام وأني أقضيها مش؟ والله دا حرام وافتراء."
"ماتزعليش يا مسك هبعتلك العضم تمصمصي فيه براحتك."
قالتها ورد وهي تدعي الحزن على أختها.
"أخس عليكي ما هي دي آخرتها، طب اتكسفي على دمك دا إحنا توأم، أخس على الأخوات لما يبقوا بيذلوا في بعض."
ضربت زينات فخذها بكلتا يديها قائلة.
"إني عارفة إني مش هخلص منك ومن رغيك عاد قدامي يا آخرت صبري، قدامي على الدار."
نظرت لها سعاد بعتاب.
"ملكيش حق والله يا زينات، أخذ على خاطري منك والله. لازم تقعدي وتتغدي معانا، ده إني حتى دابحة دكر بط النهارده إيه سمين وهيستاهل بوجك إنتي وبناتك والله."
لمعت عين مسك شعرت بفرحة عارمة عندما وجدت والدتها توافق بعد إلحاح كبير من حمى أختها.
"ونبي يا خالة سعاد متنسيش الورق العنب والرز الأبيض اللي بيبقى عليه صلصة الفته من على الوش ده عشان بيبقى عسل جوي، وورق العنب زوديله شوربة البط شوية عشان يبقى طري كده ويتسف بسرعة، وما تنسيش السلطة عشان ما تخونش."
ضحك الجميع عليها وعلى طريقتها في الحديث عن الأكل وأمسكت والدتها رأسها من ابنتها وتصرفاتها الغير عاقلة ولا رزينة أبداً.
---
كل شيء في هذه الحياة يعوض، مثل الحب والزواج وأشياء كثيرة من الممكن أن تخسرها وتعوضها من جديد مهما كانت الخسارة مؤلمة. تعوض، الشيء الواحد فقط لا يعوض أن رحل وهو إخوتنا.
كان يسير بسيارته بعد أن استطاع الهرب من بيت جابر وأخذ أخيه، والآن يريد أن يبعده عن أي عيون تحاول إيذيته.
أوقف السيارة بمكان بعيد عن الأعين. لقد بعد مسافة كبيرة عن قريته، ولكنه هو الحل الوحيد ليختفي أخيه لبضعة أيام حتى يستطيع أن يجعله يسافر بعيداً عن أي خطر ممكن أن يطاله.
"أنزل."
قالها بلال بكل صرامة وهو ينظر أمامه.
امتثل أخيه لطلبه وخرج من السيارة.
أمسكه بلال من ياقته ورجه بقوة وصرخ فيه وهو يلعنه أكثر من مرة على غبائه وذهابه إلى بيت جابر بنفسه.
"إنت إيه اللي جرى لعقلك بقا بتروح لحد عنده برجلك؟ إنت اتجننت يالا، مش خايف على نفسك؟"
أبعد حجاج يد أخيه عنه وصرخ به هو الآخر، ولكن صرخته كانت مؤلمة، صرخة خرجت من قلبه بسبب تعذيب ضميره.
"آه روحت لحد هناك، عشان ماقدرتش، ماقدرتش أكون سبب في موت الناس. إني كنت مفكر إن كل اللي بعمله ده حب في الله وحب في الدين، بس بس بعد ما شفتهم وهما بينهشوا فيها زي الكلاب الضالة وهي بتصرخ وتستنجد بيا وأني واقف مابعملش حاجة حسيت قد إيه إني كنت غبي لما سلمت نفسي ليهم، وقلت لازم أكفر عن ذنبي وأروح لجابر بنفسي أحسن ما توديني أنت ليه بنفسك."
لم يفهم بلال حديث أخيه، ولكن ما أثار فضوله هو تلك الكلمة الأخيرة التي نطقها أخيه قائلاً بصدمة.
"أنا أسلمك ليهم بعد كل اللي بعمله معاك؟ شاكك إني ممكن أعرضك للموت لدرجة دي؟ مش واثق فيا؟"
بكى حجاج وهو ينظر لأخيه.
"لأ، أنت أكتر حد في الدنيا دي أسلمه روحي وأني مطمئن، بس، بس أنت مت... ماتعرفش حاجة، ماتعرفش أي حاجة. آه يا ورد، حجك عليا ما عرفت أحميكي منهم."
حجظت عين بلال حتى كادت تخرج من مقلتيه.
لا يستطيع التصديق أن أخيه وجماعته هم سبب في قتل رشاد وورد أيضاً بعد اغتصابهم لها.
"إنت، إنت بتقول إيه يا حجاج؟ يعني إنت السبب في اللي حصل لورد؟ يعني إنتوا اللي اغتصبتوها؟ إنت اللي نهشت في لحمها؟ إنت، دا إنت الوحيد اللي تعرف بعلاقتي بمسك تقوم تسلمها ليهم؟"
انحنى حجاج ليد أخيه قائلاً بكل ذعر.
"حب على يدك يا خويا تسامحني وتحميني منهم. أنا لما كنت بين إيدين جابر حسيت إن الموت مش سهل. أبوس رجلك ماتغدرش بيا، أنا عارف إن ما أستاهلش إنك تضحي بحبيبتك عشان. بس ونبي يا خويا إني مليش غيرك، أبوسك رجلك ماتبيعنيش ليهم."
أشفق بلال على أخيه وجلس على الأرض مثله ونطق بألم قائلاً.
"أنا لو قررت أخسر الدنيا دي كلها عشان أكسبك أنت هخسرها من غير ما يغمضلي جفن."
نظر له حجاج بأمل كبير.
"يعني مش هتسلمني ليهم، عشان ما تخسرش مسك؟"
بكى بلال بحزن ونظر بألم.
"يا حجاج، الحب بيتعوض والضنى كمان يتعوض، إنما الأخ عمره ما بيتعوض، وأنا لو خسرتك يا حجاج عمري ما هعرف أعوضك تاني."
بكى حجاج حتى انبح صوته وجد أخيه يساعده ليقف على قدمه من جديد.
"متخافش يالا، أنا مش هخلي حد يقدر يقرب منك، لو على جثتي، متخافش واطمن، ودا وعد مني."
ساعد بلال أخيه حتى يهدأ وركبا السيارة وذهب لوجهة معينة يعرفها بلال لتخبئة أخيه فيها.
---
في قسم الشرطة وتحديداً في الزنزانة التي يحتجزون فيها المجرمين لحين عرضهم على النيابة.
كان يجلس عبد الله في زاوية بعيدة عن الجميع وينظر لتلك النافذة الصغيرة ويبتسم بسخرية وهو يتحسس جروح وجهه قائلاً بكل كره.
"الظاهر يا رضوان إن موت أخوك فرعنك، بس لاه مش أنا اللي أسيب حقي، وبكرة هتشوف أخوك الخاين وعلى يدي دي يا ابن جابر النمر."
"بماذا تفكر يا عبد الله؟ إياك أن تفعل أي شيء من رأسك دون أن نتشاور مع أميرنا. يكفينا ما حصل لنا من وراء أفكارك."
قالها أحد أصدقائه بغضب شديد من أفكار عبد الله المتهورة دائماً.
نظر له عبد الله بسخرية.
"الآن أفكاري أصبحت تجلب لكم المصائب، ولكن ارح نفسك، ما أفكر فيه لن ينفذه أحد غيري، فأرح بالك أنت والآن اتركني هيا."
صاح فيه صديقه بسبب جحوده واستخفافه بهذه المصيبة التي ورطهم بها.
"اسمع يا عبد الله، أنا لن أتركك ترتكب أي حماقات ممكن أن تودي بحياتنا، وتذكر أنك لست وحدك، وبدلاً من أن تفكر في رضوان، فكر ماذا ستفعل غداً عندما يتم ترحيلنا على النيابة."
ثم جلس بجانبه وهو يضع يده على رأسه وامتلأت عيونه بدموع وقال بحزن.
"يا عبد الله، إني خلاص ضعت وضيعت معايا ولادي ومراتي عشان شوية فلوس بتيجي للواحد عشان كلمتين حفظوهم يملأ بيهم دماغ الناس باسم الدين عشان جماعتنا تكبر ونكسب فلوس أكتر. بس دلوقتي إحنا هنا من صباح ربنا ولا في حد جالنا حتى يطمنا إنهم معانا. مش هيسيبونا، غدروا بينا وسابونا وجت الشدة. أنا لو ما لقيتش منهم أي حد يوقف معانا أنا هقول على كل حاجة وزي ما ترسي دنجولها بقى."
"وأنت تعرف إيه يا غلبان عشان تقوله؟ ولو تعرف حاجة فين دليلك؟ واسمع يا متولي إياك تجيب سيرة الجماعة في حاجة. الأمير لا يمكن يسيبنا، الأمير لا يتخلى عن رجاله وتذكر أنت هذا، وسوف نخرج منها بكل سهولة. نحن لنا رجالنا في الداخلية وسيهتموا بقضيتنا لا تقلق، وإن سُجنا فأعلم أنك وأولادك وزوجتك في أمان معهم. هيا اذهب ونم واتركني حتى أرتاح قبل أن تصل عربة الترحيلات غداً."
تركه متولي على مضض، وقلبه ينذر بشيء خطير.
فهذا الأمير لا يعلمون عنه شيء، هو حتى يتواصل معهم عن طريق عبد الله. وأيضاً هو عبد الله يتواصل معه عن طريق شخص تبع الأمير.
نظر متولي من نافذة الزنزانة ونظر للسماء وهو يبكي ويترجى الله بكل خوف وقلق ينهش فيه على عائلته.
"يا رب إني عارف إني عصيتك كتير، بس لأجل حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم تنجدني من اللي أنا فيه يا رب. أنجدني لأجل عيالي ومرتي ما يتبهدلوش ويبقوا عايشين من غير راجل. والله تبت وهتوب أكتر بس أنجدني وارحمني يا رحيم."
---
اهتز البيت كله من صوت صياح رضوان وغضب الذي أعماه وجعله ينسى أنه يصرخ على والده.
"إنت إزاي تعمل كده يا بابا، إزاي تهرب بلال وأخوه من غير ما تعرفني؟ أنت خليت واحد زي بلال يختمني على قفايه يا بابا. أخوه ده كان ديته قلمين وهيقول على كل حاجة وهيقول من اللي كانوا معاه ساعة قتله لأخويا..."
"أنت بتعلي حسك على أبوك؟ خلاص معادش ليه لازمة قدامك عشان تقف قدامي وتعلي حسك؟ لأ، أصحى يا رضوان، إني ممكن أجيب لك لسانك اللي فرحانالي بيه ده قدام عينيك دلوقتي. أوعاك تكون فكرت إنك كبرت عليا عشان بقيت ضابط في الجيش؟ لأ يا ابن جابر، أصحى أبوك لسه بصحته وهيقدر عليك وعلى عشرة زيك."
تحدث بكل غضب وتحذير لرضوان حتى يفيق لنفسه.
هدأت نبرة رضوان قليلاً بعد حديث والده ولكنه جن جنونه بعد أن عرف بمساعدته لبلال حتى يهرب بأخيه.
"يا بابا أنا مقدرش أكبر عليك مهما كنت، بس ما تبقاش أنت اللي ساعدت بلال إنه يهرب وعاوزني أضحك في وشك؟ إنت ضيعت عليا فرصة إني أعرف مين اللي قتل أخويا وأخد حقي منه. مش دا برضو كان كلامك إيه اللي اتغير وخلاك تعمل أكده؟"
"أنا يا رضوان اللي خليت والدك يعمل كده."
نظر لرضوان ورائه مكان مصدر الصوت وجحظت عيناه عندما رآه أمامه يقف بكل هيبة وشموخ وجعل لسانه يقف عن الحديث ولا يستطيع الكلام.
نقل رضوان نظره لوالده ولصاحب الصوت، ولكن تشتت ذهنه عما كان يدور به على صوت أحد غفر البلدة وهو يصرخ وينادي على والده.
"الحقنا يا جابر بيه، الحقنا مصيبة وحطت على رؤوسنا كليتنا."
انتفض جابر على مصدر الصوت وركض باتجاه الخارج.
"حصل إيه ومصيبة إيه اللي بتقول عليها دي يا جدع إنت؟ إيه اللي حصل في البلد؟"
حاول الغفير أخذ أنفاسه بسرعة بسبب ركضه السريع قائلاً.
"عبد الله وجماعته لقوهم مذبوحين في الزنزانة ومعاد واحد فيهم بس هو اللي عايش، وبيقول إنه عاوزك أنت والباشا رضوان."
كانت هذه الكلمات التي خرجت من فم الغفير التي جعلت قلب رضوان يخرج من مكانه وشعر أن الخطر أوشك على الوصول منهم أكثر وأن موت أخيه هذا كان مجرد إنذار بسيط جداً للقادم.
رواية مسك الليل الفصل السادس 6 - بقلم سارة طارق
كان يجلس على سطح البيت وهو يعيد حديث زوجته عليه وحالتها الصعبة وانهيارها لسردها لأحداث تلك الليلة مجدداً. لا يعلم من أين أتاه الصبر حتى حكت له كل ما حدث في تلك الليلة المشؤومة لها. ولكن ما جعله يصبر على نيران صدره التي كانت تتزايد من كل حرف تحكيه هو أن شعورها هي أعصب منه مهما كان وجعه، فوجعها هي أكبر.
تنهد هو ينظر أمامه، يحاول أن يعرف من هو هذا الشخص الذي قتل أثناء اغتصابها وكيف كان يطالع في الروح ويغطي الدماء وجهه عندما رأته، ودخل عليها أناس كتفوها وقتلوه. لما لم يقتلوه من أول مرة؟ لما رجعوا له مرة أخرى؟ هناك شيء ناقص في تلك القصة ويجب عليه تكملته حتى يعرف من هذا الوغد الذي نهش لحمها.
خرجت منه نبرة تملأها الضعف: "يا معين أعني، اللهم برحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله. اللهم إنك قلت ادعوني أستجب لكم وأنا عبدك دعوتك فاستجب لي. اللهم آمين آمين آمين، وصلى الله وسلم على نبينا الكريم."
ختم دعاءه وهو ينظر للسماء بعيون راجية، وأغمض عينيه كأنه يستمد القوة ويطرد أي شعور بضعف داخله.
***
كانت تضع الطعام أمامها هي ووالدتها، وكان بالها مشغولاً ولم تدرك أنها بدلت طعامها مع طعام والدتها.
نظرت لها زينات بتركيز، فهي منذ يومين على تلك الحالة ولا تعرف سبب كل هذا التوهان.
"بت يا مسك، انتي يابت فُوقي يابهيمة انتي بدل ما أخلع اللي في رجلي وأديكِ بيه على دماغك." قالتها وهي تهز جسد ابنتها بقوة حتى استفاقت من شرودها.
"بتقولي حاجة يا ماما؟" قالتها بتوتر قليلاً، فهي لا تريد مصارحة والدتها بما تفكر فيه.
هنا نطقت زينات بصرامة: "هي كلمة، مخك مشغول في إيه بقالك فترة؟ إيه اللي شاغل عقلك؟ أوعاكي يكون الدكتور يا نور عين أمك؟ ولا مفكرة بجد إنه ممكن يتجوزك ويكسر وصية أبوه؟ انتي خلاص يا بنتي بقيتي مالكيش لازمة، زي الجاموسة اللي نشف منها لبنها وبتحش برسيم على الفاضي."
استنكرت مسك تشبيه والدتها لها.
"أنا زي الجاموسة يا ماما؟"
"أيوه وناشفة كمان، يعني مالكيش غير الدبح كمان."
ولوت مسك شفتيها بضيق.
"كتر خيرك يا ماما والله، إنك عرفتيني قيمتي عندك، وعند..."
قاطعتها زينات وأمسكت يدها ونظرت لها بعيون أم تخشى على ابنتها من عقلها وتفكيرها.
"بصي يا بنتي هما كلمتين حطيهم حلقة في ودنك، اللي يبيعك في أول الطريق ويسيبك، دا تنسيه وتمحيه من دماغك حتى لو رجع يتندم تاني، حتى لو حط تحت رجليكي مال الدنيا كله أوعي تأمنيله عشان زي ما قدر يبيع حبك في الأول هيبيعه في الآخر مهما طالت السنين هيبيعك من غير ما يحس بندم لأنه عارف إنه زي ما رماكي ورجعتيله، فلو عملها تاني برضه هترجعي. يعني رخيصة مالكيش تمن في عيونه. عززي نفسك عشان هي تستاهل، ارفعي كرامتك لفوق قوي عشان هي برضه تستاهل قوي، أوعي ترمي نفسك في حضن راجل باعك عشان حضنك مش رخيص. قولي دايما لنفسك أنا أستاهل سيد الرجالة عشان أنا ست البنات."
ثم تنهدت وقالت: "فهمتي يا بت بطني؟"
هزت مسك رأسها وأنزلت عيونها للأسفل.
"فهمت يا ماما، فهمت، كسفتيني يا ماما قدام نفسي بكلامك ده."
رفعت زينات عينيها لأعلى ونظرت لعيونها.
"أوعي يا بنتي تنزلي راسك عشان حد أبداً، أوعي تخلي حد يكون سبب إنك تكسفي ترفعي عينك في حد، لأ يا بنتي بطني ارفعيها لفوق قوي طالما محافظة على نفسك ومحافظة على شرف أهلك."
هزت مسك رأسها، فقد ألجم لسانها لم تعرف بماذا ترد على والدتها، فهي محقة في كل كلمة تقولها.
أرادت زينات تغيير الموضوع. نطقت بسخرية مزيفة.
"ماتا يعني بقيتي تحبي الخبيزة؟"
نظرت مسك أمامها وجدت أنها وضعت طبقها هي أمام والدتها.
ابتسمت وقالت: "شكلي اتلخبطت." ثم نطقت بقرف: "خذي يا ماما البتاعة بتاعتك دي، أنا عارفة انتي بتاكليها كيف دي، دا حتى طعمها ماسخ."
تشنجت ملامح زينات وردت عليها قائلة: "بقى الخبيزة ماسخة، ولا البتاع اللي قدامك ده اللي مفهوش طعم من أساسه؟"
"يا ماما دي مكرونة بسمنة والسكر حلوة قوي بس انتي طوعيني وجربيها وهى هتعجبك."
نظرت زينات للطبق بقرف.
"لا شيلي البتاع ده من قدامي وهاتي رغيف ملدن خلينا ناكل."
سمعت دقات على الباب، وقامت مسك.
فتحت الباب ونظرت للواقف أمامها بإستغراب بسبب نظراته لها.
"في حاجة يا أخ؟ أنت عايز مين؟"
ابتسم لها بتهذيب قائلاً: "سلام عليكم، أنا رضوان جابر، ممكن أقابل الست زينات؟"
"اتفضل يا والدي الشاي." قام من مكانه وأخذ منها الشاي وشكرها.
نظرت له مسك بريبة، فمنذ أن أدخلته والدتها البيت وهي تشعر بعدم الراحة له، نظراته لها التي كادت تخترقها من رأسها لأسفلها.
وضع كوب الشاي أمامه بعد أن ارتشف منه القليل.
"تسلم إيدك يا ست زينات."
"بالهنا يا والدي، ها قول لي أخبار الست والدتك إيه؟ والله كان بودي آجي أعزيها بس والله غصب إن الواحد المشاكل مش بتسيب حاله والله."
أجابها باقتضاب: "كان الله في العون، بس أنا كنت محتاج أتكلم مع الآنسة ورد ده بعد إذنك." قالها وهو يشاور بيده على مسك.
استغربت زينات طلبه هذا، ولكنه سبقتها مسك وسألته.
"وأنت عايز من أختي إيه عاد؟ إيه اللي بينك وبينها عشان تطلب إنك تكلمها وتجعد معاك إن شاء الله؟"
زينات ببعض القلق: "استني يا مسك، خلينا نفهم منه الأول."
استغرب بلال حديثهم.
"أنا بس عايز أسأل سؤال، هو مش انتي البنت اللي انتحرت في البحيرة؟"
ردت عليه مسك بغضب: "لأ مش أنا دي أختي، وبرضه هقولك أنت مين وعايز منها إيه."
لم يهتم رضوان بها ولا بحديثها ونظر لزينات.
"أنا يا حاجة زينات اللي أنقذت بنت حضرتك ووديتها المستوصف يوميها."
نظرت له زينات بابتسامة كبيرة.
"والله يا والدي ما عرفة أقولك إيه غير ربنا يباركلك في صحتك وينصرك على من عاديك يا والدي زي ما ردتلي روحي تاني ولحقت بتي."
ولكن قاطعها رضوان قائلاً بمكر: "بنتك غالية عليكي يا ست زينات؟"
"لأ رخيصة، أصلها لقيتها في الشارع، ما طبيعي غالية عليها يا جدع انت، أخلص قول اللي بعد الجملة دي عشان هو ده المهم."
لم يهتم رضوان بها ولا بحديثها وكان مصوب كامل تركيزه على زينات.
"ما جاوبتشني يا حاجة."
بدأ قلق زينات يزيد أكثر.
"أيوه غالية يا ابني بس إني عايزة اللي بعد الكلمة دي زي ما بنتي قالتلك."
"وأنا هقولك يا حاجة على كل حاجة بس برضه أنا عايز ورد تكون معايا هنا الأول."
"يا ولدي ورد في بيت جوزها."
صدم رضوان من حديثها.
"متجوزها؟ طب إزاي؟ ورغم اللي حصلها جوزها باقي عليها؟"
صاحت فيه مسك بقوة: "اسمع يا جدع انت هتجيب أدبك يبقى تمشي من هنه وتورينا عرض كتافك."
مرة أخرى لم يهتم رضوان بها ولا بحديثها جعلها تغضب ولكن زاد غضبها الضعف بعد حديثه عنها.
"حاجة زينات أنا عايز أتكلم معاكي لوحدنا الأول بعيد عن الديك الشركسي اللي واقف على راسي ده." قالها وكان يقصد بها مسك لإهانتها.
زمجر وجه مسك من اللقب الذي أطلقه عليها ولكنها صدمت عندما وافقت والدتها على هذا وأمرتها بدخول إلى غرفتها.
دخلت مسك غرفتها على مضض ولكنها لم تقفل بابها تماماً حتى تستطيع استراق السمع وتعرف ماذا يريد هذا الرجل من أختها وأمها.
"حاجة زينات أنا عارف باللي حصل لبنتك وأنها كانت بتحاول تنتحر عشان في ناس اغتصبوها.. وقبل ما تردي عليا أو تقلقي مني فأحب أقولك إن مصلحتنا واحد أو بمعنى أصح طرنا واحد، رشاد أخويا هو الشاب اللي اتقتل في نفس الليلة اللي اغتصبوا فيها بنتك يعني اللي قتل أخويا هو اللي اغتصب بنتك........."
***
في غرفة مظلمة، كان يجلس وهو يرتدي ذلك الوشاح الذي غطى وجهه بالكامل ورؤيته عدا عينيه، وهو يتحدث مع زعيمهم عبر الإنترنت.
ابتسم بمكر وهو يتحدث بالعبرية: "لا تقلق سيدي كل شيء يسير كما طلبت، ولكن نحتاج إلى بعض الوقت حتى نضع أيدينا على تلك البلد."
تحدث الآخر بوجه يعلوه الضيق: "أمامك فقط بضع أشهر، أنا أريد الصعيد كله وليس تلك البلد فقط، الصعيد من أهم البلاد في مصر وإذا وضعنا أيدينا عليها سيكون باقي البلاد أسهل مما تتخيل وستكون مصر كلها بين يدينا ولكن أنتم من ستصبحوا في الصورة حتى يأتي الوقت المناسب لظهورنا."
"لا تقلق سيدي بالتأكيد رسالتنا وصلت له، وسوف يتنازل عن منصبه، ولن يعاد ترشيحه مرة أخرى، وسيكون أحد من رجالنا هو المرشح بدلاً منه، سوف يخاف على ابنه الآخر، كل شيء تحت السيطرة لا تقلق أنت فقط اترك لي كل شيء أفعله بحرية مطلقة وسوف أفاجئك."
ضحك الآخر بسخرية: "اترك على حريتك، اسمع يا هذا أنت فقط مجرد مأجور أنت ورجالك عندي بالمال حتى تحصل على ما أريد ليس حتى تنتقم من عدوك على حساب عملي، انصت لي جيداً لا تستعمل عقلك هذا في أي شيء دون إخباري حتى لا تهدم كل ما حاولنا بنيانه طوال تلك السنوات. لن أستغني عن جهود بلادي بكل تلك السهولة لأجل انتقامك الغبي، أنت تلعب مع حكومة وجيش من أقوى وأذكى الجيوش على الإطلاق بمجرد أي خطوة تخطوها من رأسك ممكن أن تضيع كل آمالنا التي طالما حلمنا بها لدخول تلك البلد مرة أخرى. اسمعت؟ هيا أقفل وأعلمني عندما تعلم أنه تنازل."
نطق بلهفة: "انتظر سيدي أريد فقط أن أسألك عن عملية الاغتيال التي سوف تتم في سيناء، كل شيء بخير هل علم أحد من هؤلاء الطاغوت عن رجالنا هناك؟ أريد الاطمئنان فقط."
"ليس من شأنك السؤال عن حدود ليست من ضمن حدودك أنت، فقط ضع تركيزك على حدودك الصعيدية التي كلفتك بها، وانتظر مني عملية سوف تتم عن قريب عندك، ولكن سوف أعلمك عنها قريباً حتى يتم التخطيط لها لأنها ستكون عملية تزلزل أرض مصر والعالم كله لن يكون هناك سيرة غير عن تلك العملية." قال بابتسامة تملأها المكر الشر وأغلق الخط دون أن ينتظر رد الآخر عليه.
أغلق الآخر الجهاز الذي أمامه وابتسم وهو ينظر من أعلى هذا الجبل.
"قريباً جداً ستكون بين يدي يا صعيد بلادي، وبعدها أتخلص منك أنت ولكن بعد أن أراك تزل أمام قدمي، وسوف ترى من منا يستحق أن يكون مكان الآخر."
***
اتسعت عينيها من الصدمة بعد أن سمعت كل ما قاله، هزت رأسها يميناً ويساراً بعدم تصديق، لا تصدق ما سمعته أذنيها، لم تشعر بنفسها إلا وهي تخرج وتقف أمامه وتصرخ فيه.
"أنت أكيد كذاب، بلال لا يمكن يعمل أكده، بلال حجانى (حقاني) وبيخاف ربنا، ومش ممكن يهرب أخوه، دا بلال يسلمه بنفسه، انت أكيد مجنون يا جدع انت، روح يلا ارمي بلاويك على حد تاني."
حاول رضوان الرد عليها ولكن بهدوء.
"لو هو حقاني زي ما بتقولي ما كانش هرب أخوه، أنا مش عايز منكم حاجة كل اللي عايزه إنكم تقعدوني مع ورد يمكن أعرف منها مواصفات أي حد فيهم، أو حتى أي علامة أو دليل في كلامها معايا أقدر بيه أوصل للقاتل أخويا وأخد حقه وحق بنتك ياست زينات."
كانت زينات مصفرة الوجه ولكنها قاومت ونظرت له قائلة: "روح يا ولدي، إحنا مالناش حق عند حد ولو لينا إحنا نجيبوا بنفسينا، وبعدين بتي محدش جرب منها دا حرامي هددها وسرق كل اللي معاه وضربها ورميها في الماية بس أكده، لكن محدش جرب من شرفها، بنتي شرفها متصان مع جوزها."
صاح فيها رضوان بعد حديثها هذا: "بصي بقا يا ست زينات، انتي لو مجتيش معايا دغري، أنا هضطر أعمل استدعاء لبنتك في القسم وهي هتقول كل حاجة، فكري كويس بس خليكي فاكرة إن لحد دلوقتي بتعامل بالحسنة، إني كان همي حق بنتك زي ما هممني حق أخويا، وانتظري مني زيارة تانية ونصيحة مني بلاش تضيعي حق بنتك."
أدارت ظهرها له قائلة: "شرفت يا والدي، معلش بجا إحنا اتنين ولايا ومينفعش جلستك هنا معنا كتير."
نظر له ببرود ونطق: "براحتك يا ست زينات بس، خليكي فاكرة أنا كده كده هجيب حق أخويا، بس انتي بتفكيرك ده هتضيعي حق بنتك وهتضيعي دي كمان." كان يقصد بها مسك.
وتركهم وخرج.
أغلقت مسك ورآه ورجعت لأمها ونظرت لها بصدمة وعدم فهم.
"إيه اللي قولتي ده يا ماما؟"
كممت أمها فمها قائلة: "هس اقفلي خشمك ده، أياكي تطلعي أي نفس عن مجية الواد ده قدام أختك وجوزها إحنا مصدقنا إن جوزها وعيلته ستروا عليها وعرفوا يداروا على الموضوع، والدكتور نبه على الممرضة بتاعته متطلعش أي كلمة عنها بره، والحمد لله ربنا ستر علينا ومحدش عرف حاجة غير إنها حادثة سرقة بس، عايز إنتي بعد كل ده أسمع كلامه وأكشف المستور اللي ربنا أراد إنه يخفيه."
أدمعت عين مسك من تفكير أمها ونظرت لها ونطقت بعد أن انتزعت يدها عنها: "يعني عشان خايفة من الناس هتضيعي حق بتك، هان عليكي شرفها اللي راح بين إيدين الديابة دول يا ماما، هان عليكي حسرتها على نفسها." ثم صاحت بقوة: "كل ده عشان الناس، خايفة من الناس، ماتا يا ماما وإحنا بنهتم لناس وكلامها."
ابتلعت زينات غصة مؤلمة ونظرت لابنتها.
"كلامي خلص خلاص، ولو عرفت إنك جبتي سيرة لأختك أنا هتبرى منك العمر كله، وساعتها مش هتبقي بتي ولا أعرفك." قالتها بكل قوة مزيفة وتركتها ودخلت غرفتها وأغلقت على نفسها بابها وبعدها انهارت في البكاء وهي تهمس: "حقك عليا يا ضنايا بس والله غصب عني، كل ده عشان خايفة عليكي خايفة تسمعي كلمة من حد تخليكي تعملي في روحك حاجة من الفضيحة، وأخسرك."
***
في المقابر.
كان يجلس أمام قبر ابنه يبكي على حاله وعلى ما وصل له الآن، لم ينفع أي شيء لا مال ولا سلطة.
الآن هو يجلس أمام قبر ابنه البكرى ومهدد بخسارة ابنه الثاني، وجميع عائلته ولا يستطيع أن يفعل أي شيء. كل ما عليه فقط هو تنفيذ ما طلبوه منه حتى يحافظ على أهل بلدته من أي خطر، فهؤلاء معروفون بالغدر. ولكن يصعب عليه أن يتنازل بكل سهولة ويسلمهم بلدته وأهلها ويظهر هو بمظهر الضعف والخيانة في أعين الناس.
وجد من وضع يده على كتفه، عرف أنه رضوان ابنه كل ما تبقى له في هذه الحياة.
"متخافش عليا يا بابا، واعمل اللي أنت شايفه صح، بس نصيحة مني يا بابا أوعى تعمل حاجة أو تاخد خطوة مش مقتنع بيها أو تعملها غصب عنك عشان اللي بيروح مابيرجعش تاني." قال آخر جملة وهو ينظر لقبر أخيه وهو لم يتعافى من فراقه حتى الآن.
"بس لو منفذتش اللي جاله عليه هخسرك أنت كمان يا ولدي وأني خلاص معدش ليا غيرك أتعكز عليه، خلاص هانت وهقابل رب كريم."
نزل رضوان على ركبته وقبل يمين والده.
"بعد الشر عليك يا بابا، بس أنا جلتلك متخافش عليا ولا على نفسك ولا حتى على البلد يابا أنت مخلف راجل مش مرة، غير كده ولاد الكلب دول مش هيطولوا شبر واحد من أرضنا ولو على جثتي، أنا كده كده كل مرة بخرج فيها لمهمة ببقى عارف إني ممكن مرجعش تاني، بس ولاد الكلب دول مش بيخلصوا بالعكس بيزيدوا وعمالين ينتشروا في كل حتة زي الجراد، بس والله ماهسيبهم في حالهم، وإن شاء الله ربنا هيخلصنا منهم على خير."
نظر لقبر أخيه وهربت منه دمعة ناطقاً.
"مبقاش النقيب رضوان جابر النمر نقيب القوات المسلحة المصرية أما جبت حق أخويا وحق كل واحد دمه سال على إيد الخنازير دول، خد وعد مني يا بابا أنا خلاص يا قاتل يا مقتول، بس ساعتها أعرف إن ابنك مات وهو بيقاومهم على قد ما يقدر." قالها وهو يتجه للخارج.
هب جابر من مكانه ونطق برعب: "على فين يا ابني، استنى يا ابني متوجعش قلبي أنا وأمك عليك أنت كمان بكفيانا وجع."
رد عليه دون أن ينظر له: "متخافش عليا يا بابا أنا زميلي في كل حتة، إحنا في كل مكان في البلد دي يابا إحنا لو مكانتش عيونا في كل مكان، كان زمان البلد دي بقت خرابة ومستعمرة كنا هنبقى ضيوف في بلدنا، بس ربنا حمانا وحارس البلد دي عشان كده لازم نقاوم لحد آخر نفس فينا عشان نحافظ عليها، على الأقل نخلي أي أب أو أم أو أخ، يتوجع على حد من أهله زي ما اتوجعنا كده على رشاد." ثم نظر لقبر أخيه: "بس هو اللي جابه لنفسه، سلام يا حج خلي بالك من بلدك ومتسبهاش بسهولة لأي حد وبعدين أنا كده كده ميت ميت طالما قررت إني أدخل الجيش، بس أرجع وأطمنك برضه الأعمار بيد الله عشان بس متوجعش في قلبك، سلام."
قالها وخرج من المقابر وهو ينوي أن لا يرتاح حتى يجد هؤلاء الأوغاد الذين ظن أنهم ممكن أن يتحكموا فينا أو يأخذوا أرضنا من بين يدينا بسهولة وأراد أن يعرف من هو الأمير الذي تجرأ وجاء لصعيد مصنع الرجال والنساء والأطفال الأقوياء والأشداء فهنا السيدات تصبح رجال وقت الخطر.
***
بعد يومين.
في مكان يجمع كل رؤساء القوات المسلحة والشرطة.
كان اجتماع يجمع بين كل أفراد البلد ذوي الرتب والسلطة العسكرية في مصر، كانت وجوههم تدل الهيبة والقوة والصمود، أيضاً كان من يراهم فقط بهذا الشكل فقط من الممكن أن يغشى عليه من فرط هيبتهم، يكفي فقط زيهم العسكري وهيبته.
"يا فندم حضرتك إحنا مراقبينهم بقالنا فترة، والحمد لله أنقذنا بلاد كتيرة من حوادث الانفجار والاغتيالات اللي كانوا بيخططوا ليها، أنا بس عايز أعرف إحنا مستنين إيه عشان نمسكهم، إحنا حتى الجماعة اللي في سينا قربنا نوصل لموقعهم بس حضرتك مانع الهجوم عليهم هل تسمح لي أعرف السبب من حضرتك." قال بكل أدب واحترام لتلك الرتبة العالية التي أمامه.
أخذ الآخر نفس بعد أن استمع لسؤاله بكل اهتمام ونظر له حتى يبدأ بالشرح.
"إحنا يا سيادة الرائد مش همننا الجماعة أكتر ما همننا اللي بيمون للجماعة ومين هي الدولة اللي ماشياهم وبتديلهم المعونات من الأسلحة والفلوس ومكونات المتفجرات اللي بتبقى على أعلى مستوى، إنما العيال مجرد دروبيه بتمشي بأوامر، يعني سهل جداً يتقبض عليهم إحنا عايزين الأمر مش المأمور."
شخص آخر: "تمام يا فندم وبالفعل إحنا قربنا نوصل، وجتلنا معلومات إن في عملية كبيرة هتقوم في الصعيد، وإحنا شاكين إن الأمير موجود هناك."
قائد آخر برتبة مشير: "مفيش حاجة اسمها شاكين يا سيادة المقدم، إحنا عايزين تأكيد، بعدين إحنا عيونا في كل حتة في الصعيد."
أحد الضباط: "حضرتك متأكد إن رضوان هيتصرف صح، أنا مقصدش حاجة بس أنا خايف ثأر أخوه ينسيه كل حاجة خططنا ليها ويتصرف من دماغه."
هنا رد أحد أصدقاء رضوان مدافعاً: "رضوان مش الشخصية المتهورة اللي ممكن تتصرف غلط أو يعمل حاجة خارجة عن القانون حتى لو عنده حق، كل تصرفاته قانونية، وبعدين سيادة المشير كان عنده من كام يوم، وبالفعل رضوان اطلع على كل الأوراق، وعرف بالخطة وجاري تنفيذها كما أمر سيادة الأركان."
"تمام كده نبدأ بسم الله في عملية تفشيل مخطط الإرهاب في الصعيد."
***
أخبرت أختها عن مجيء رضوان لبيتهم وعن الجدال الذي حصل بينه وبين والدتها.
"أنا بس جايه أتأكد منك هل فعلاً لمحتِ حجاج في اليوم المنيل ده." كانت تنظر إجابة أختها بلهفة وهي تدعو الله أن يكون بلال وأخيه ليس لهم أي صلة بما حصل لأختها.
كانت ورد تجلس أمامها ولون وجهها أصبح أصفر للغاية وسحب لونه، كلما تذكرت ما حصل لها، ولكن عصرت رأسها وهي تحاول تذكر أي شيء ولكن كان يصعب عليها رؤيتهم بوضوح بسبب الإضاءة الضعيفة ليلتها، لكنها هبت واقفة عندما لمحت في عقلها صورة لشخص الذي اغتصبها أولاً وكان ذو وشم كبير على يده وشم غريب لأول مرة تراه، كأنه كلمة مكتوبة ولكن بلغة غريبة جداً عنها.
"ها افتكرتي حاجة، أكيد مش حجاج صح قوليلي يلا خليني أرتاح." قالتها مسك بلهفة كبيرة.
"هو اللي اغتصبني الأول هو اللي شفته، كان فيه وشم كبير على دراعه كأنه كلمة مكتوبة بلغة غريبة، كلمة كبيرة بس هو ده اللي شفته منه وإنما رجالتهم كانوا كلهم مغطيين وشهم بهباب أسود مش مبين ملامحهم زين."
ظهر الإحباط على وجه مسك ولكنها اقتربت من أختها ومسكت يدها لدعمها.
"ورد، انتي أختي وتوأم عمري كله عايزكِ تعرفي إني مش هرضالك غير الخير وبس، أوعي تسمعي كلام أمك وتمشي وراها وتخافي من الناس أو من نظرتهم انتي لازم تقوي عشان حقك يرجعلك."
ابتلعت ورد ريقها.
"قصدك إيه وحقي هيرجعلي إزاي؟"
"إحنا لازم نروح لرضوان وتحكيله اللي حصل لأخوه الأول بعدها أنا هتصرف معاه وهعرف منه مين اللي عمل أكده وعد مني مش هسيبه يتهنى بعمره أبداً."
فتح باب الغرفة بقوة ونظروا لبدر الذي شملهم بنظرة لا تبشر بأي خير.
***
كل لحظة تمر عليه ينظر لساعة هاتفه وكان يأكله القلق يخشى ألا تنفذ وعدها له وتأتي، كان ينظر للطريق كل ثانية ينتظر وجودها بفارغ الصبر.
ظهر على وجهه تلك الابتسامة المطمئنة عندما وجدها تتجه إليه وتنظر خلفها مع كل خطوة تخطوها باتجاهه.
"وحشتني يا بلال." قالتها بكل شوق لهذا الرجل الذي تملك قلبها بكل ما فيه.
اقترب منها وهو ينظر لعيونها بلهفة عاشق لها، اقترب ليضع يده على وجهها ولكنها ابتعدت عنه بخجل.
"لسة بتكسفي مني؟" قالها بلال بابتسامة لطيفة زينت وجهه.
فركت يديها ببعضهم بخجل ولكنها رفعت عينيها لتقابل خاصته بعد أن ناداها باسمها ولكن بطريقته هو.
"مسكي، اشتاقت عيناي لطلتك، واشتاق قلبي لدقاته عند رؤياكي."
"بتحبني لدرجة دي يا بلال؟" باغتته بذلك السؤال لتطمئن قلبها أكثر أو بمعنى أصح ضميرها.
تنهد بحرارة قائلاً: "آه يا مسك ليكي في القلب ماليس لغيريك."
بكت وهي تنظر له، انهارت أكثر بين يديه عندما اقترب منها بسبب دموعها الغير منطقية في تلك اللحظة الرومانسية.
"مسك هو أنا قولتلك حاجة زعلتك، اهدى طيب متعيطيش عشان خاطري وفهميني إيه اللي زعلك."
حاولت تهدئة نفسها ولكن لم تستطع فخرجت الكلمات منها متقطعة.
"خ خايفة ت سيبيني تاني، وتبعد." قالها بتلعثم بسبب بكائه.
أشفق عليها فهو سبب حزنها طوال تلك المدة التي تركها فيها ولم ينفذ وعده لها وتزوجها ولكن الآن لم يمنع نفسه من وجودها في حياته وتجرأ ونطق.
"مسك تقبلي تجوزيني وبكرة؟"
اتسعت عين مسك بسبب طلبه، لم تتوقع أن يكون جريئاً لتلك الدرجة ويريد أن يتزوج بها وغداً، هلت أسارير وجهها وفرحت كثيراً.
"أكيد مواف..." لكنها قطعت حديثها عندما تذكرت رفض أمها لبلال مسبقاً، والآن بسبب حديث هذا الأحمق رضوان لن توافق عليه.
استغرب بلال من تبدل حالها من الفرحة للعبوس.
"مالك تاني أنا آهو بنفذلك وعدي وعايز أتجوزك، إيه اللي قالبك كده؟"
جلست مسك أمام شجرتهم التي اعتادوا على الجلوس أمامها ونطقت بحزن.
"أمي مش هترضى، مش هتوافق على الجوازة دي." ثم نزلت دموعها مرة أخرى. "الأول كان أبوك سبب إننا نفترق ودلوقتي أمي هتبقى السبب، بس إني مش هقدر أبعد عنك تاني يا بلال أنا بحبك ومش هقدر أعيش من غيرك ولو أقدر أشوف راجل تاني غيرك في حضني."
ربت بلال على يدها قائلاً: "متقلقيش لو على أمك فأنا هخليها توافق، ولو حتى هتجوزك غصب عنها، بس في الآخر برضه أو غصب عنها هتبقى مراتي وده قرار نهائي، بس الأول هتقدري على ده؟"
نظرت له بقلق وخوف كبير لكنها قاومت قائلة: "أنا أقدر على أي حاجة طالما هبقى معاك ومش هنبعد عن بعض تاني."
هز بلال رأسه لها وبدأ يفكر في شيء يجعل والدتها توافق على تلك الزيجة منها حتى لو استعمل معها طرق ملتوية لا يهم أهم شيء أن توافق فهو يريد موافقتها لا يريد أن يحزن مسك ويجعلها تتزوج دون رضاها فهو يعلم أن رضا والدتها أهم شيء عندها وخصوصاً بعد وفاة والدها.
ولكن مهما حصل لن يتنازل عنها.
فأحمق من الذي يبتعد وهو بين يديه المسك.
رواية مسك الليل الفصل السابع 7 - بقلم سارة طارق
كانت تنظر له بقلب يرتجف من نظرة عيونه لها. همست بداخلها: "لو قالولي إن الدنيا كله بتحبني زيك عمري ما صدقت. عارفك يا بلال عاشق، والعاشق معلش له عتاب مهما عمل. طول عمرك محافظ عليا. كل مرة كنت بتخاف تلمسني فيها كنت ببقى غالي قوي في نظري. عشان كده مش أنت يا بلال الراجل اللي يتساب. أنا أبقى غبية لو سبتك من إيدي تاني."
"إيه يابنتي روحتي فين، سرحانة فيا كل ده؟ طب سيبي حبه لبعد الجواز طيب." قالها هو يمازحها.
ابتسمت: "ربنا ما يحرمني منك يا راجلي وعمري الجاي كله. عمري ماشفتك غير أبو عيالي يا بلال."
"وأنتي عمري كله يا مسك، أنتي العمر اللي فات والعمر الجاي. أنتي الأمنية اللي طالما اتمنيتها من صغري، وخلاص هانت وهتكوني معايا. هانت يا مسك خلاص."
ابتسمت وتحدثت بنبرة يملأها الرجاء: "أنا سلمتلك قلبي وقريب هتبقي جوزي وهبقى ملكك. أوعى في يوم تكسرني ولا تكون سبب إني أحس بالأمان بعيد عنك. أنا عايزة حضنك يبقى هو الأمان، يبقى الحصن اللي أتحامى فيه من أي حاجة توجعني. أوعى تكون سبب في وجعي ولو لساعة واحدة يا بلال."
ابتلع غصة مرة في حلقه وحاول الابتسام لها حتى لا تشك بأمره. نعم، يؤلمه قلبه لفكرة أن تبتعد عنه بمعرفتها بحقيقة أخيه، لكنه تلاشى تلك الفكرة. فهو أبعد أخيه عن كل العيون ولا أحد يعرف طريقه، ويحمد الله أن لا أحد كان يعلم بتقربه لتلك الجماعة. ومهما حدث لن يسمح لها بالابتعاد عنه مهما حصل.
"بلال." نطقتها مسك وهي تعلق عينيها على عينيه. "أوعوا بعد ما هديتك قلبي ترجعهم لي مكسور."
"أنتي ليا بتكلمي كده؟ هو فيه حاجة؟ قصدي فيه سبب معين لكلامك ده؟" قالها وابتلع لعابه من شدة خوفه.
أشاحت مسك وجهها عنه ناطقة: "لا مفيش، بس بحاول أطمن قلبي مش أكتر."
***
"يعني هيكون راح فين؟ الأرض تتشق وتخرجوا منها؟ يا أغبية المتفجرات لازم تكون جاهزة قبل العملية بيوم. لو المعاد جه والمتفجرات مش موجودة هنشوف جهنم حمرا على الأرض. اسموا انتوا تقبوا وتغتصوا وتجبولي حجاج بأي طريقة قبل ماسيدنا يحس بحاجة." كان صياحه يهز المكان ونبرته تحول الوعيد لهم إن لم يجدوا بلال قبل تنفيذ أول عملية لهم في الصعيد.
ابتلعوا لعابهم ونظروا لبعضهم، وحاول أحدهم التكلم مع أميرهم الذي يخرج الدخان من أنفه كالثور الهائج من كثرة غضبه. "يا أمير، نحن سمعنا من أحد غفير بيتهم إن من تسبب في اختفاء حجاج هو أخيه الطبيب بلال، لأنه علم أن حجاج ينتمي لجماعة سرية لهذا أخفاه عن الأعين بعد معرفته بوجوده أثناء قتل رشاد النمر أيضاً."
نظر له الأمير بتركيز فيما قاله ورفع أحد حاجبيه ناطقًا: "ومن أين عرفت تلك المعلومات يا أحمد؟"
"لقد تفوه هذا الغفير بتلك الكلمات أثناء تواجده مع بعض أصدقائه الفاسدين مثله وهم يشربون وكان عقله مغيب وهو يتحدث فلم يدرك بما يقول. أنا كنت متواجد معهم كما أمرتني. أقسم لك يا أمير أننا منتشرون في كل البلدة وعلى علاقة بجميع الرجال هنا ونسائنا أيضا أصبحوا على علاقة كبيرة بنساء البلدة. فلا تقلق لن يقدر حجاج على التخفي كثيرا، سوف نجده ولكن أمهلنا بعض الوقت فقط وسوف نأتي به لك ونرميه تحت قدميك."
هز رأسه وهو يفكر في شيء ما، وقد لمع عقله بخطة خبيثة سوف تجعل بلال يأتي له بأخيه بنفسه. "أريد أن أعرف جميع تحركات بلال من أول خروجه من بيته حتى لرجوعه له."
"كما تأمر يا أمير، سوف نأتي لك بكل ما تريد."
"اللهم أعني على الجهاد في سبيلك." قالها ليرددو ورائه: "آمين."
***
بكت بألم وهي أمام قبر زوجها تشتكي له عن مصاعب الدنيا. تعاتبه على بعده عنها ثم تستغفر لتفوهها بذلك العتاب، فمهما كان هذا قضاء الله وأمانته التي استردها له مرة أخرى.
"آه يا عوض، سبتني وحدي لبناتك. سبتهم أمانة في رقبتي وياريتني كنت قد الأمانة. سامحني أوعى تشيل مني. والله حاولت إني أحافظ عليهم وأحرسهم من كل ناحية، بس غصب عني. إحنا بقينا عايشين في دنيا البشر فيها بتنهش في لحم وعرض الولايا ويدوسوهم تحت رجليهم من غير حتى ما يرمشلهم جفن. بيهينوا شرف الناس كأنه حتة لحمة حيوان بياكلوا فيها. حتى سيرة الناس بقت عندهم زي الميه والهوا، ويمكن أهم كمان. خلاص يا عوض كل واحد بقى عاوز يدوس على أخوه عشان يذله. وإحنا بقينا من ضمن اللي انداس عليهم. دسوا عليا في بتي، ذلوني وكسروني بيها. آه يا وجع قلبي عليكي يا بتي. نفسي آخد حقك بس خايفة على أختك تدوق من نفس اللي دقتي منه."
لم تقدر على إكمال الحديث بسبب بكائها الذي زاد عليها وجعلها تنهار أمام قبر زوجها الذي تلجأ إليه كلما أحست أنها تحتاجه في كل وقت صعب تمر به ولا تجده بجانبها. فتكرر هي أن تذهب إليه وتشكو له همها كأنه حي أمامها. ولكن هذا لم يجعلها تنسى أن رب العالمين خالقها وخالق زوجها معها وجوارها دائما، وهي على يقين أن كل هذا هو اختيار صعب من الله ويجب عليها تجاوزه وبتفوق.
***
دخل بيته وظل يبحث عن أمه بكل مكان في البيت. وقابل في طريقه زوجة أبيه، فامتعض وجهه بضيق لمجرد رؤية وجهها أمامه. وقفت أمامه وهي تنظر له بشر.
"وديت ابني فين يا ابن نجوان؟ أوعاك تفكر إنك أكده بتحميه ولا هتعرف تبعده عني. لأ يبقى متعرفنيش. دا أنت لو مخبيه في بطن الحوت هغطس وأجيبه. وساعتها ابقى ألمحه بطرف عينك تاني عشان هو اللي هيبقى الكبير غصب عنك وعن وصية المرحوم أبوك. وبكرة تشوف مين فينا اللي هيمسك إيد التاني عشان بس يسامحه."
ثم نظرت له نظرة يملأها الاستهزاء، قائلة: "زي ماقولتلك لو في بطن الحوت هغطس وأجيبه."
قالتها وتركته وذهب. ونظر له بقرف قائلاً: "الله يغطس ما تقبي يا شيخة عشان نرتاح من سحنتك المهببة دي. الله يرزقك بقرش أحول ياكلك ونخلص بقى. الله يسامحك يا بابا أنت اللي بلبلتنا بالبلوة دي. بقى تضحك على أمي وتجوز دي؟ يعني بضحي برغيف الفينو عشان حتة الجبنة القديمة المعفنة دي."
"هنقول إيه طول عمر أبوك يحب العك." قالتها نجوان وهي تنزل من الأعلى باتجاه ابنها بعدما سمعت حديثه عن أبيه.
طقت بلال كفها وقبلها وسأل عن أحوالها.
جلس بلال في غرفة أمه واقترب منها ليبدأ في الحديث: "أمي، أنا كنت عاوز أقولك على قرار أخدته. أنا عاوز أتزوج."
تهللت أسارير نجوان بهذا الخبر السعيد، فهي سترى ابنها متزوجًا ويكون له أسرة صغيرة كما تمنت.
***
تمسكت بصورة ابنتها التي تركتهم وهربت من أجل الزواج من رجل قد رفضه والده أكثر من مرة. تركتهم وفضلته عليهم. حتى عزاء أخيها قد حضرته كأنها غريبة تؤدي الواجب فقط، وكأن الذي رحل ليس شقيقها وأخوها الكبير. لقد عاشت ابنتها سندس متمردة دائما حتى كبرت وتمردت على قرار والدها وإخواتها وهربت وتزوجت، مما جعل والدها يعلن أمام الناس أنها ماتت. ولكن هذا لم يجعل الجميع يتكلم حتى لو في الخفاء، حتى وصل حديثهم لأذن زوجها أثناء الصلاة في مسجد البلدة. لم يستطع ساعتها الرد عليهم وابتلع غصته في قلبه وتركهم. حتى زاد قهره ومرضه من فقدان أعز مكان يملك وهي سندس بيته، كما كان يحب أن يلقبها هو، فهي كانت قطعة قلبه الوحيدة.
لمست وجه ابنتها في تلك الصورة التي خبأتها من زوجها حتى لا يحرقها كما أحرق جميع أغراضها بعد هروبها.
"وحشتيني يا نضري، هانت عليكي أمك مبتسأليش عليها طول الفترة دي؟ هانت عليكي أبوكي تبعدي عنه ولا تفكري حتى تتصلي بيه؟ ميتا جلبك بقى حجر علينا لدرجة دي؟ نستينا ولا جوزك جوه جلبك علينا وعوضك عن أهلك..."
سمعت طرقات على الباب. طلبت من الطارق الدخول. دخل رضوان وهو يبتسم لها وقبلها من رأسها كعادته دائمًا. ومد كف يده مسح دموعها.
كان يعلم أنها تختبئ وتبكي عندما تشتاق لشقيقتها. "كنت عارف إن هاجي ألاقيكي بتبكي. بس ياما إيه لزمته البكا؟ ما خلاص اللي حصل حصل. عمر البكا ما يرجع الأيام القديمة ياما."
اقترب منها وقبل عينيها قائلاً برجاء: "لو البكا بيرجع اللي راح، كان زمان العالم كله نظره راح عشان الغايب يرجع تاني."
أمسك بصورة أخته ونظر لها. نعم، لقد اشتاق لها كثيرا ولكنه تغاضى عن المشاعر التي تجعله يريد أن يذهب لها ويحتضنها ويوبخها ويخفيها بين ضلوعه ويلومها ويعاتبها على بعدها عنه. مشاعر مختلفة، لكنها في النهاية ستقوده لرؤيتها وملء عينيه منها.
"لسه مش ناوي تسامحها يا ولدي؟"
مسح دمعة فرت من عينها وهو يتذكر أخته الصغيرة التي كانت كل شيء له وسره ونصفه الآخر كأنها توأمه وليست أخته.
"عمري ما هسمحها ياما. خلاص سندس قررت إنها تبعد ولازم تتحمل نتيجة بعدها ده. وأنا خلاص نستها." قال وهو يدير وجهه بعيدًا عن أمه.
"طب عيني في عينك كده، وجول إنك نستها." قالتها وهي تدير وجه ابنها لها لتنظر في عينيه، رغم أنها تعلم أنه يكذب.
تعلق رضوان بعيون والدته ولم يستطع الصمود أكثر. فقد تعب قلبه من كل شيء: هروب أخته، وموت أخيه، التهديدات التي تأتي لأبيه وخوفه على أهل بلدته وحمايتهم كلهم. رغم تعاون قادته معه، لكن تلك هي بلدته وهو يشعر أنه أولى بحمايتها.
كل ما فعله هو أنه ارتمى على قدم والدته وتخفى وجهه بين أحضانها وظل يبكي كالأطفال بين يديها كأنه هو من يحتمي فيها وليس العكس، وأنه هو من يحميهم.
أشفقت رجاء على ابنها ورتلت الكثير من آيات الله عليه ليطمئن قلبه. فهي تعلم أن ولدها يتحمل الكثير بداخله وقليلاً ما ينفث عن وجعه بالبكاء بين أحضانها. وقررت التخفيف عنه قليلاً ببعض الحكايات القديمة.
"عارف يا ولدي لما ولدت أخوك رشاد، كنت مفكرة إنه ميت. لما نزل كان ساكت. بصيت ليه كده وكنت خلاص رغم تعب الولادة كنت هرجع بصوت بس لقيت الداية كتمت بقي وجالت إنه حي عينه مفتوحة بس ساكت. ومرتحتش ولا هديني بال إلا لما جبته ليا في حضني واتأكدت إنه صاحي. ساعتها حمدت ربنا وجدك ساعتها وزع الدبايح على أهل البلد كلها." ثم تنهدت بحزن. "من يومه وهو هادي، حتى ملامح وشه كانت هادية."
ابتلع غصة قائلاً: "حتى يا ضنايا موته برده كانت هادية زيه ومحدش حس بيه ولا حتى لحاجة."
شعرت برعشة رضوان بين أحضانها. علمت على الفور خطأها. فهي تريد تهدئته وليس الضغط عليه. فعادت لتحدث وحاولت الضحك.
"أنت بقى يوم ولادتك، كان يوم أسود. حتى طلق ولادتك كان حامي قوي فضلت طول اليوم لا أعرف أقعد ولا أعرف أقف. حتى الداية مابقتش عارفة تولدني. راح أبوك جاب لي دكتورة مخصوص زي ما يكون أنت حالف ماتخرج من بطني يوميها. خليت البيت كله بقى واقف على رجل واحدة ومش عارفين نعمل إيه ولا نروح فين آخر الليل. وبعدها نزلت على خير بس فضلت أعيط وأصوت ومش راضي تسكت أبدا لا معايا ولا مع أبوك. وبقيت تتنقل بين إيدين كل اللي في البيت ومسكتش إلا مع جدك الله يرحمه. ما كنتش بشيلك إلا لما كنت برضعك بس وبعدها أوديك لجدك عشان تسكت. حتى يوم الولادة بتاعتك كان فيه أربع محازن في البلد وجوزتين اتفركشت والفرح جلب خناقة كبيرة. حتى أبوك كان في فرح منهم هناك وجاب له عركة كبيرة جدا وكانت ليلة ما يعلم بها إلا ربنا. حتى لما كبرت شوية وجدك مات كان وقتها عندك ١٠ سنين. يوميها حلفت إنك لازم تخش تغسل جدك مع أبوك وعمك. رغم إن أبوك هددك إن يحرمك أن تحضر العزا بس كالعادة محدش قدر يمشي كلمته عليك. ودخلت معاهم وشاركتهم في الغسل. ساعتها أنا قولت إنك هتخاف وتخرج بس أنت لأ مخرجتش وفضلت جوا معاهم لحد ما الغسل انتهى ومشيت في عزي جدك ونزلت كمان التربة بجدك مع عمك ودفنته. كل الناس بقت تستغرب إن إزاي عيل صغير زيك مخافش، لأ وكمان دخل التربة بنفسه."
"ساعتها أبوك بقى واقف رفع رأسه قدام الناس إن ابنه جريء ومخافش. كان رشاد أخوك وجتها كان في مصر بيخلص مصالح لأبوك. وعلى ما جه كانت الدفنة خلصت. كان وجدتها رشاد عنده ١٧ سنة بس كان راجل يعتمد عليه." تنهد قائلاً: "الله يرحمه."
"بس تعرف إن من يومها وأنت بتعيط كل ليلة بالليل. غصب عنك كان يجي عليك الليل وتبكي. كنت بحس بيك وأجي آخدك في حضني لحد ما تخرج كل اللي جواك وتنام. من ساعتها وبقت عادة عندك إنك تبكي في حضني وتنام. بس عمرك ما جيت في حضني إلا لما يفيض بيك... رضوان رضوان، أنت نمت يا ولدي."
ابتسمت عندما رأته نام مجدداً بين أحضانها. عدلت من وضعية نومه وخلعت حذائه ودثرته بغطاء خفيف، وجلست بجانبه وظلت تلمس شعره. فهي تعرف أن رضوان عندما يفقد عقله من التفكير ينام.
"طول عمرك جبل يا ولدي صامد رغم الحمل اللي على كتفك."
رفعت يدها للسماء قائلاً برجاء لربها: "يارب معادش ليا غيره، احميه ليا حافظ عليه من كل شر، ورجع الغايب وابعد عنا ولاد الحرام."
"اللهم آمين آمين آمين وصلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين."
ختمت دعاءه ونامت بجانب ابنها واغمضت عيونها لترتاح قبل رحلة الغد التي نوت أن تذهب إليها مهما كلفها الأمر.
بعد ساعة دخل جابر البيت وهو في حالة لا يرثى بها من كثرة التفكير. ذهب لغرفته بتثاقل، ولكن تفاجأ بنوم رضوان في غرفته، فهو لم يفعلها منذ كان صغيرا.
ابتسم واقترب من ابنه وقبل رأسه وخلع حذائه وجلس على الأريكة وظل يطالع ابنه طوال الليل حتى غلبه النوم وأرهق عقله من التفكير.
***
"لسه برده ناوية تسافري يا ورد؟ بالله خليكي معايا. دي أول مرة تسافري من غيري. ولا هو سي بدر نساكي أختك؟ أنا من الأول مش مرتاحة لزواجه ده. اطلقي منه." قالتها مسك بغيره شديدة على أختها.
ضحكت ورد على حديث أختها وتذمرها مثل الفتاة التي تريد والدتها تركها وحدها لتسكع بدونها.
"والله لو كان عليا كنت جبتك معايا، بس أنتي خابرة محتاجة أبقى مع بدر لوحدينا عشان نقدر نعدي اللي حصلي وننساه سوا." ثم تنهدت بحزن. "مع إني عارفة إني عمري ما هعرف أعدي منه مهما حصل."
"متجوليش كده، ربنا بكرة هيعوضك في بيتك وجوزك وبكرة تخلفي عيل واتنين يملوا عليكي البيت وينسوكى كل الدنيا وما فيها. بكرة الورد يفتح ويرجع أحسن من الأول كمان. يلا بطلي نكد، أنتي شبه أمك تعشق النكد جد عنيها." وضكت أختها لمزحها. ابتسمت لها.
"يلا خلينا نشوف هتلبسي إيه وإنتي مسافرة بكرة وأبقى حطي قطرة عيون على الحباية اللي في وشك دي عشان تختفي على بكرة."
عبس وجه ورد قائلاً: "يعني هلبس إيه يا حسرة، غير الجلابية والطرحة والشال الطويل على دماغي."
نظرت مسك لها بمكر قائلة: "لأ ما أحنا هنغير الجلابية."
بعد دقائق معدودة، وقفت ورد أمام المرآة تنظر لنفسها ولطلتها الجديدة. فكانت ترتدي فستان من اللون السكري طويل وواسع يتوسطه حزام من نفس قماش الفستان رفيع، وفوقه طرحة من اللون السكري وعليه شال طويل من نفس لون الطرحة. ونظرت لنفسها بفرحة كبيرة، فكان شكلها جميل في تلك الملابس البسيطة. أحست أنها عروس وغداً زفافها ومختلفة قليلاً، لأول مرة سوف تخرج بفستان بدلاً من تلك العباءة التي دائما ترتديها.
مسك بفخر: "ها إيه رأيك بقى في تنقية أختك؟ عشان بس تعرفي إن أنا ماليش زي في البلد. والله إني مكاني مش هنا."
"اومال فين يا ست مسك الليل؟" قالت ورد.
نطقت مسك بثقة: "مكاني هناك جنب الست أميرة شلبايه نقدم برنامج سوا عن جمال المرأة العربية، ونسميه 'جمالك مع مسك الليل'."
نظرت لها أختها بسخرية: "ولما هو اسم البرنامج هيبقى على اسمك، أميرة شلبايه هتبقى لازمتها إيه؟"
"يا بت أميرة دي وجودها لوحده ترند، دي أول واحدة تقول إن العيش بيتاكل الأول قبل الملوخية."
ظل يتمازحان قليلاً حتى هدأت ورد واحتضنت أختها بقوة وقبلتها من كتفها واستنشقت رائحتها. ثم ابتعدت بعد مدة طويلة ونظرت لمسك وقالت: "خلي بالك على نفسك يا مسك وحافظي عليها. أوعي تفرطي فيها. وحافظي على جلبك للي يستاهل." ثم تأملتها وكأنها تملأ عينيها منها قائلة ببكاء: "هتوحشك قوي، سلميلي على أمي وجوليلها إني مسامحاها ومش هممني حاجة في الدنيا دي غير رضاها عليا."
مسحت مسك دموع أختها بقلق، ولكنها تعلم أنها تفعل كل هذا لأنها لأول مرة سوف تبتعد عنهم. حاولت تهدئتها ونجحت في هذا.
نظرت مسك لساعة الحائط وجدت أن الوقت قد تأخر كثيراً وعليها الذهاب بسرعة لأن لا يصح وجودها الآن في بيت أختها لوقت متأخر.
قبلت مسك رأس أختها وتحركت للخارج، ولكنها توقفت عندما سمعت نداء أختها. "مسك خلي بالك على روحك." قالت ورد. ابتسمت لها مسك وهزت رأسها وذهبت بعد وداعها لورد وحماتها.
***
صرخت في وجه ابنها بعد معرفتها بهوية عروسه التي يريد الزواج منها. "أنت أكيد اتجننت! دا لو السما انطبقت على الأرض مش هتخالف وصية أبوك وتجوز البت دي. أنت رفضت بنت الدكتور مصطفى زي ما أبوك طلب منك قبل ما يموت. فأوعى تفكر إنك عشان أبوك مات هتعمل اللي أنت عاوزه. لأ يا حبيبي، أنا اللي هقف في وشك ووصية أبوك هتتنفذ غصب عنك. والبت دي رجليها مش هتعتب البيت ده طول ما أنا عايشة فيه."
ثم أردفت بسخرية: "ابقى استناني بقى لما أموت وابقى اتجوزها."
وقف أمامها وهو يغلق زر بدلته قائلاً: "أوكي يا ماما زي ما تحبي، مسك مش هتخش البيت ده أبدا."
لم تشعر براحة من حديثه، فهي تعلم أن ابنها ليس من النوع الذي يتنازل عن شيء يريده بتلك السهولة. ولكنها صدمت عندما سمعت تكملة حديثه. "أنا هجبلها بيت بره، أحسن بيت في البلد كلها، حتى لو هبنيه ليها من أول وجديد. وهيبقى باسمها وهتبقى سرايا مسك الليل. وخليكي انتي قاعدة في السرايا هنا مع ضرتك صفية، اهو تونسه بعض، ماهي هتفضل وشها في وشك كده على طول عشان أنا مش هعتب البيت هنا بعد اللي قولتي. ومسك هتبقى مراتي لو الدنيا كلها انطبقت مش هسيبها."
قال وبعده خرج من الغرفة بل من البيت بأكمله. كان يسمع صراخ أمه عليه أنها لا تريد رؤيته بعد تفضيله لتلك المسك عليها هي أمه.
وقعت على أقرب أريكة وظلت تبكي وهي تنظر في أثر ابنها بحسرة. فهو قد تغير كثيرا منذ موت أبيه، وكأن لم يعد هناك له أي رابط أو كبير يخشى منه.
لعنت مسك في سرها، فهي من تسببت بكل ما جرى لابنها منذ أن تعرف عليها. حتى مشاكله مع أبيه كانت بسببها هي. لقد ترك أجمل الفتيات وينظر لتلك السمراء الفقيرة المعدومة. ولكنها عزمت على أن تبعد تلك الفتاة بأي طريقة عن ابنها مهما كلفها الأمر، حتى لو كسر قلب ابنها. فالأيام كفيلة بتجميع قلبه من جديد مع فتاة من اختيارها هي، وستكون آية في الجمال.
***
دخلت بيتها لم تجد والدتها، فعلمت أنها بغرفتها. قررت تبديل ثيابها. خلعت شالها الطويل من على رأسها وبدلت عباءتها بعباءة بيتيه مريحة وفردت شعرها على ظهرها.
دخلت غرفة زينات وجدتها تنام على سريرها ولكنها مازالت مستيقظة. اقتربت منها مسك ونامت بجانبها.
ونظرت لسقف الغرفة قائلة: "ورد مسافرة ونفسها تشوفك بكرة."
لم ترد عليها زينات ومازالت على وضعية الصمت تلك.
اعتدلت مسك لها وحاولت التكلم بهدوء: "أما، خلاص بقى متأسيش على نفسك أكتر من كده. والله ياما إحنا فهمنا إن سكوتك ده عشان مصلحتي أنا وورد. وبصراحة كده عندك حق، إحنا مش قد أي حد. إحنا ولاية وملناش ضهر نسند عليه."
تنهدت بتهكم: "الاسم عندنا خال، وهو مش شايفنا ولا حاسس بوجودنا أصلا. وأديه سافر من غير حتى ما يسلم. نبي في حد في الدنيا دي حظه وحش كده غيرنا." قالت مسك آخر جملة بحزن لشعورها بعدم الأمان لعدم وجود أي سند لها ولأمها. فاورد الآن أصبح لها زوج يعتمد عليه، أما هي فلا ليس لها غير بلال، ولكنها لا تقدر أن تعتبره السند لها قبل أن تكون زوجته وعما قريب جدا. ولكن قطع تفكيرها سؤال والدتها الذي جعلها تبتلع لعابها وتتوتر.
"لسه بتجيبي بلال يا مسك؟"
"أيوه ياما بجيبه." قالتها ببعض القوة.
هزت زينات رأسها ببطء. لم ترى مسك أي ردة فعل من والدتها عقب حديثها، حتى لم يظهر على وجهها معالم الضيق أو أي شيء. فقط تعبيرها جامد وصامت تماماً. هذا جعلها تقلق، فوالدتها ليست من النوع الصامت هكذا، فهي دائما صوتها يعلو عليها عندما تخالف أوامرها، ولكن الآن صامتة فقط لم تبدِ أي ردة فعل لها.
"اخرجي عاوزه أنام." قالتها زينات ببرود حاد ولم تلتفت أو تنظر لها.
"أما بس اسمعيني، بلال عمره ما يرضى بالغلط، هو ما يعرفش مكان حجاج، أنا متأكدة من ده..."
"قولتلك اخرجي عاوزة أنام، وأنتي حرة اعملي اللي كيفك فيه. أنتِ معدش ليكي كاسر، يالا ورجلك ماتخطيش الأوضة دي تاني." قالت زينات وهي تغمض عينها. ولم تشعر بدموع ابنتها التي بللت وجنتيها وخرجت كما أمرتها ولم تنبس بأي كلمة.
رواية مسك الليل الفصل الثامن 8 - بقلم سارة طارق
استيقظت بعد نومها المتأخر بسبب حزن أمها منها، حزنها على نفسها وتفكيرها كيف ستكون الأيام القادمة. فهي لا تريد أن تتزوج بدون رضاها أو تذهب من هذا البيت وبينهم مشاكل. تعلم أنها مخطئة، ولكنه بلال الرجل الذي لم تعرف غيره ولا تريد معرفة أي رجل غيره.
تنهدت بعتب وقامت من فراشها بتثاقل، تقدم قدم وتأخر الأخرى. فهي على يقين من انتظار والدتها لها لتكمل الحديث الذي أنهته البارحة. ابتلعت لعابها، أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء وفتحت الباب وخرجت.
ولكنها تصنمت مكانها عندما وجدت والدتها تجلس وتبكي بطريقة غريبة وتجهش بالبكاء. هرولت لوالدتها تحسها على الحديث معها لتعرف ما سبب بكائها، وكانت تتمنى في قرار نفسها أن تكون بعيدًا تمام البعد عن سبب انهيارها.
"أما، أما ردي مالك بس؟ إيه لزمته البكا طيب! ... طب مين اللي عمل فيكي أكده؟ ياما."
رفعت زينات عيونها التي تشبه لون الدماء من كثرة بكائها. كانت نظرة لو تحولت لنيران لاحترقت مسك في لحظتها.
صرخت مسك بقوة ودب الرعب في أوصالها عندما قبضت على شعرها وجذبتها تحت قدمها وظلت تضربها بكل قوتها. ومسك من تحتها تصرخ وتستنجد بها وتحاول أن تستعطفها لتعفو عنها وتبتعد.
ظلت زينات على حالة الهياج تلك لمدة لا تعرف عددها حتى أصبحت مسك تئن من الوجع لدرجة أنها لم تستطع حتى الصراخ، فقط تبكي وتتكور على نفسها.
وقعت زينات على الأرض وهي تلهث، فقد تراخت كل قوتها في الشجار والبكاء، وآخر ما تبقى عندها أنهته على مسك وضربتها.
أخذت تبكي وتولول على حالها ولا تعرف بمن تستنجد به، ليس لها أي أحد. بينما مسك تكورت على الأرض وهي تضم قدمها عند معدتها وتضم يدها معًا حول قدمها وترتعش وتئن من الوجع، فهي تشعر بأن كل قطعة في جسدها تصرخ من الألم.
كانت زينات تضرب على فخذها وهي تردد: "آه ياميلت بختك في بتك يازينات، ياخبتك الجوية في بنتك اللي هتجيبلك العار والفضيحة لحد عندك وتشمت فينا اللي مايسووش، يارب خدها جبل ما تيجبه ياتخدني أني وريحني..."
كانت تهذي زينات بتلك الكلمات بينما مسك متكورة كما هي تستمع لها وترتعش وتبكي. فهي حتى الآن لا تعرف ماذا فعلت ليحدث معها كل هذا، لأنها أحبت لدرجة أنها فعلت خطئًا فادحًا تعاقب عليه، لأن قلبها قد نبض للحب.
أفاقت زينات من ولولتها وندبها لحظتها، وأفاقت مسك من شرودها على صوت دقات الباب التي كادت أن تكسره وتجعله ينهار على الأرض.
سندت زينات على يدها ووقفت لتفتح الباب، ولكن مسحت دموعها ولكن تبقى الأثر.
فتحت الباب ولكن صدمت واكتسى وجهها بحمرة الغضب حتى كاد الدخان الوهمي يخرج من أذنها.
ولكن ما فعلته لتجنب أي شجار، فأغلقت الباب في وجه الطارق الذي لم يكن غير بلال.
طرق بعنف ويصرخ في زينات أن تفتح له، ولكنه لم يجد أي رد فعل، فأخذ يهدد فيها حتى تفتح ولكن لم تفعل. كاد يجن.
كانت مسك في الداخل تبكي بضعف، تريد أن تركض الآن عنده وترتمي في أحضانه ليأخذها ويبتعد عن البلدة بأكملها.
"ياست زينات، الله يهديكِ افتحي هنتفاهم والله، طب حقك عليا أنا بالله افتحي، ياست زينات افتحي الباب والا هكسره."
ختم جملته بصراخ جعل المارة يتوقفون يشاهدون ما يحدث.
وما هي إلا لحظات حتى كسر بلال الباب دون أن يعبئ بأي شيء ولم يهتم حتى بنظرات الناس المدهوشة بسبب فعلته تلك.
صرخت زينات من فعلته تلك فيه، لم تتوقع أن ينفذ تهديده هذا ويكسر لها الباب فعلاً ويقتحم منزلها.
دخل بلال وعيونه تتفحص المنزل بأكمله يبحث عنها حتى وقع قلبه بين قدميه عندما رآها منكمشة على نفسها وترتجف وتنظر أمامها وآثار الضرب على وجهها وأنفها ينزف.
لم يأخذ لحظات حتى هرول إليها ليطمئن عليها، ولكن وقفت زينات حائل بينهم وضربته في صدره ليبتعد. ولكن لم تؤثر الضربة فيه.
كادت تدفعه مرة أخرى، ولكن أمسك يدها واقترب ونظر لها نظرة يملؤها الغضب على ما تسببت به من جروح وأذى لحبيبته.
"نزل يدك يا ابن نجوان، ولا أنت وارث جلت الحيا منها، جاى تفضحني أهنه كمان ولا بتنفذ وعدها ليا وجاى توسخ شرف بتي باسم العشج."
جز على أسنانه ونطق بصعوبة: "هي كلمة واحدة، أمي جت هنا قالت إيه خلاكي تموتي الغلبانة دي من الضرب."
انتزعت زينات يدها من يده بقوة وهي تصرخ في وجهه: "ما تروح تسألها هي، جايلى أنا ليه، بس يكون في علمك أنت وأمك، لو هتبقا على موتي عمرك ماهتلمس شعرة منها حتى لو أمك جت تبوس الأيادي، مش هطولها ولا عمرها هتبقا بتعتك. يابلال، يالا من هنا طريقك أخضر بره وابجى قول لأمك إننا اللي مايشرفناش نسبكم، وابجى فهما إنك أنت اللي بتجري ورا بتي مش العكس، يالا من هنا بره."
لم يهتم بلال بأي كلام قالته، ولكنه استشفى الحوار الذي حصل مع زينات ونجوان، فأمه لن تهدأ حتى تخرب عليه تلك الزيجة مادام ليست على هواها.
قضم بلال على شفتيه ونظر لها بتحذير وكاد يتحدث.
ولكن ما منعه هو صوت مسك المبوح من كثرة البكاء: "بلال، أم ش ي عش ان خاطري اامشي، الناس بتتفرج علينا."
نظر لها بلال بحزن يؤلمه قلبه لرؤيتها كهذا، ولكنه رضخ لأمرها. ونظر لزينات نظرة مرعبة قائلاً:
"همشي بس خليكي فاكرة أن مهما عملتي أنتي أو غيرك أني مش هبعد عن مسك وهتجوزها غصب عن أي حد سامعه."
ثم ابتعد عنها حتى وصل أمام عتبة البيت وأدار رأسه لمسك مرة أخرى وذهب. خطوتين فقط ولم يطاوعه قلبه أن يتركها كهذا ويرحل. ضرب بحديث أمها عرض الحائط وتغاضى عن أي تقاليد وعادات بلده وركض إليها وحملها عنوة رغم محاولات زينات الفاشلة بأخذ ابنتها، إلا أنه أخذها وحملها أمام كل الجيران الذين يتابعون ذلك الشجار من البداية.
وقف بها في الخارج في منتصف الناس وضَمَّها إليه أكثر كأنه يعلمهم أنها ملكيته الخاصة وصرخ قائلاً:
"اسمعوا يا أهل البلد، مسك الليل بنت عم عوض هتبقى مراتى وأي حد أي حد هيحاول يقرب منها أو يأذيها بكلمة واحدة مين ما كان هيشوف مني وش عمره ما يتمناه في يوم يشوفه. ومن هنا ورايح هيبقى اسمها الست مسك حرم الدكتور بلال سعد المنسي، يعني أي حد شطانة هيلعب بيه ويخليه يفكر فيها حتى مجرد تفكير إذا كان حلو أو وحش مش هخليه يعرف يمينه من شماله سامعين."
كانت مسك بين أحضانه لا تقوى حتى على الرفض أو القبول بما يحصل، فهي من كثرة ضرب أمها لها أصبح جسدها كله يئن ولا تقدر حتى على قول كلمة واحدة.
وعلى بعد مسافة قليلة من بلال يقف رضوان ومع أبيه ويتابعون ما يحدث. كاد جابر يتدخل ولكن منعه رضوان، ولكن لم يتسمع له جابر وذهب باتجاه بلال لينهره على فعلته تلك وحمله لفتاة ليس له أي حق بالاقتراب منها حتى، لو أرادها زوجة له، فهي ليست زوجته ليحملها بتلك الطريقة.
"نزل البت يابلال واديها لأمها، وعيب يا ابن سعد تحضن بنات الناس بشكل ده ولا هو المرحوم أبوك علّمكش العيب." صاح فيه.
نظر له بلال الذي كان على وشك الذهاب ونطق بغضب مكتوم: "ياريت تخليك في حالك، ومتدخلش بيني وبين مراتي."
ثم صاح في الناس: "كل واحد يروح لـ..." ولكن لم يكمل جملته حتى أتاه صوت رضوان الذي كاد يضربه لولا أن أباه الذي منعه ورده للخلف، ولكن هذا لم يمنع رضوان من الرد عليه:
"لما تتكلم مع كبير البلد تتكلم كويس، بس الظاهر إن الست الولادة معرفتش تربيك صح وتعلمك إزاي تتكلم مع اللي أكبر منك، والظاهر إن أخلاقك كدكتور منفعتكش. بس قسماً بالله الواحد الأحد، لو فكرت تتكلم مع أبويا بشكل ده لهندمك وأعرفك مقامك كويس قدام الناس دي كلها."
نظر له بلال بثقة ونطق باستهزاء قائلاً: "ولا أنت ولا أبوك تعرفوا تعملوا حاجة وخدها مني نصيحة يا ابن جابر ابعد عن سكتي وسكت اللي يخصني عشان مندمكش."
اقترب منه رضوان ورفع كفيه باستفزاز قائلاً: "وأنا نفسي أجرب الندم ده، أصلي عمري ما حسيت بيه وأنا بحسسه للي بيجي على سكتي أو بحطه في دماغي، فانت اللي خلي بالك مني يا دكتور أصل أنا ما بندمش بندم بس."
ثم نظر لمسك التي بين أحضانه وهمس له: "للي ما يحافظش على عرض الناس وينهش فيه زي الصعرانين."
كانت كلماته الأخيرة ذات مغزى معين.
جملته الأخيرة تلك جعلت بلال يبتلع ريقه ويتراجع في الحديث والرد عليه ونظر له ببعض الغضب كأنه يرسل له أن حديثه لا يفرق معه، ولكنه عجزه أمامه وشعر رضوان أيضاً بذلك العجز وعرف أن لتلك الفتاة تأثير قوي وتركه يذهب معها وهو يظهر ابتسامة خبيثة بعض الشيء وهو يريد تلقين هذا بلال درساً لن ينساه في حياته أبداً. سمع صوت والده من خلفه يسأل الناس عن هوية تلك الفتاة، لكنه أوقفه واتاه سؤاله وأخذه وذهب قبل معرفة هوية مسك.
طار عقله من مكانه بسبب تلك الحبسِة التي حبسه له أخوه بعد آخر ليلة جلبه في تلك الشقة الكئيبة والمهجورة بسبب موقعها الصحراوي، فقط ما يحيطه به من كل ناحية هو الفراغ التام من أي مبانٍ أو عمارات، فقط رمال من كل ناحية. فهو يراها كل يوم من ذلك الشباك الصغير الذي في الغرفة لأنه أخيه أغلق كل النوافذ ولم يترك له سوى هذا حتى منعه من الوقوف فيها كثيراً، فقط لبضع دقائق حتى لا يختنق.
تنهد بملل، فهو قد اشتاق لحياته القديمة، كان يسهر ويلعب وكل ليلة كان يقضيها في أي مولد شعبي يقام في البلدان التي بالجوار. ولكنه هو من تسبب في تلك الحبسِة، هو مسؤول عن تلك الكارثة التي أتى بها لنفسه ولأخيه أيضاً لانضمامه لتلك الجماعة والاستماع لهم وتسليم عقله لهم دون الفهم أو النقاش معهم في أي أمر ما يفعلونه. فقط يهزون رؤوسهم مثل الدمية الخشبية التي بها خيط ويتحكم بها الآخرون. كان يشعر أنه جماد حي لتنفيذ المهام وقول حاضر فقط، غير ذلك هو جماد لا يسمع لا يرى لا يتكلم. ومن الممكن أنه لو منعهم من التنفس كان فعلها وأصبح في خبر كان.
أغمض عينيه بقوة ويهز رأسه بصعوبة ويضع كلتا يديه على أذنه يمنع صوت صراخها ويحاول أن يتلاشى صورتها وهي تستنجد به، ولكنه لم يلبِ رجائها وكسرها. بل أذلها، لا لا بل قتلها وجعلها بلا روح لأنه قتل روحها وأصبحت مثل الإنسان الآلي الذي يتحرك دون مشاعر أو حتى قلب. لقد دمروها كلياً.
ضرب الطاولة التي أمامه بقوة حتى كسرت أحد أرجلها وصرخ بألم بسبب ضميره الذي يؤنبه وفي كل لحظة يذكره بضعفه.
"هي السبب، هي اللي دخلت، هي اللي فضولها خلاها تدخل مكان مهجور زي ده عشان ترضي فضولها وتعرف مين اللي جوه. يارتها كانت مشيت، يارتها مشيت وما كانش حصل اللي حصل. انتي السبب يا ورد، انتي السبب. آآآه."
صرخ بتلك الكلمة، فصوت صراخها يكاد يصم أذنيه كأنها تصرخ أمامه الآن. يضغط بيده بقوة على أذنيه يحاول منع صوتها وهي تستنجد به، يضغط على عينيه بقوة كأنه يمنع صورتها من الظهور أمامه، فهو لا يعرف للنوم طعم منذ تلك الليلة وكأن الراحة خاصمته وإلى الأبد.
يمسك بذلك المفتاح الخاص بتصليح المعدات الزراعية، ويصلح تلك الآلة الزراعية التي توقفت أثناء عمله. كان منهمكاً في عمله، وشعر بمن يجلس خلفه، لمحه بطرف عينه وعرف هويته. هو كان ينتظره، ولكن الحرس واجب كما يقولون.
تحدث وهو ما زال يعمل على تصليح تلك الآلة: "اتأخرت، ودا مش في صالحنا، كل دقيقة هضيعها في التأخير شغلنا أولى بيها."
نطق الآخر وهو يتابع المارة بهدوء تام ويهمس: "غصب عني كان فيه حوار كده هبقى أقولك عليه. إيه الجديد؟ وصلت لحاجة؟"
قالها وهو يتمدد على ظهره للخلف لتمويه فقط حتى لا يشعر به أحد، رغم ابتعادهم عن البلدة.
"عرفنا إن الجماعة بيدوروا على حجاج وقلبين عليه الدنيا والأمير طالب إنه يجي من تحت الأرض، بس هو اختفى ومحدش قادر يعرف مكانه منهم لحد دلوقتي."
جحظت عين رضوان وأنيبه بعض القلق: "كده يبقى بيجهزوا عملية جديدة وعاوزين حجاج عشان يصنعولهم المتفجرات اللي محتاجينها."
"بالظبط، بس هما لحد دلوقتي محدش عارف يجيبه، فأكيد إنهم ممكن يستعينوا بمهندس تاني غير حجاج، بس المشكلة إن حجاج كان مخلص كل الشغل بس."
"بس إيه؟ ماتتكلم على طول."
"المشكلة إن حجاج لما صنع عدد المتفجرات كان فيه قنبلة متواصلة برقم معين ميعرفهوش غير حجاج، والقنبلة دي من غير الرقم ملهاش لازمة ومش هتشتغل."
"طب ماهو ممكن يجيبوا مهندس تاني يعمل قنبلة من أول جديد والتانية ملهاش أي لازمة يرموها؟"
"لأ، القنبلة التانية هتاخد وقت كبير لحد ما تتعمل. فإحنا دورنا إن حجاج يختفي عن العين تماماً لحد ما نشوف وقت ونوصلهم."
"بس أنا مش معاك في الفكرة دي، إحنا ممكن نخليهم يوصلوا لحجاج ويقولوا له إن هينفذ وعده لحد ما نكسب وقت ونوصلهم عن طريق حجاج، بيتهيألي كده هيبقى أحسن وأسهل."
رد الآخر بجفاء: "ملكش دعوة يا حضرة الظابط، انت وافق وبس، إحنا عارفين بنعمل إيه كويس."
وقف رضوان وهو ينظر أمامه كأن الآخر لم يحذره: "وأنا كمان عارف أنا بعمل إيه. ولو أنتوا صح شايفين شغلكم كويس كنتوا عرفتوا العملية هتم فين. وأنا مش هستنى لما أشوف البلد بتولع قدامي وأنا متكتف مش عارف أعمل حاجة عشان الأوامر."
التفت له الآخر، رغم أن التعامل يبقى في السر، إلا أنه لم يعير تلك الأوامر أي شيء بعد ما فهم مغزى حديثه.
"قصدك إنك تـ..."
"أنا هستقيل وأتعامل براحتي، الأقل من غير قيود."
تجرأ الآخر وامسكه من تلابيب ملابسه: "انت أكيد اتجننت، انت مفكر إنك بعد ما تستقيل هتعرف تعمل اللي انت عاوزه؟ تبقى بتحلم يا حضرة الظابط."
"أنا أبقى مجنون بجد لو سبت البلد تضيع. أنا، أنا خايف، خايف لحد يخسر عزيز عليه ويتوجع زيي، خايف أشوف كسرة أم وهي شايفة ابنها غرقان في دمه زي ما أمي شافت رشاد. أمي من بعدها انحنى ظهرها. خايف أشوف عجزي في شاب عايز يجيب حق أخوه بس مش عارف عشان القانون والأوامر أو أي بنت هنا تتعرض للاغتصاب كمان مرة عشان معندهاش اللي يحميها زي ورد. أنا ابن كبير البلد دي قبل ما أبقى ظابط في الجيش، يعني بشوف في عيون الناس شكواها قبل ما أتكلم. أنا دلوقتي كأني شايفهم بيستنجدوا بيا الحقهم بس أنا متكتف مستني الأوامر تجيلي."
نطق من كثرة الضغط والخوف الذي يتعايش معه.
حاول الآخر الهدوء لأنه علم أن رضوان ليس في حالته الطبيعية الآن وحاول الحديث بتعقل.
"رضوان، إحنا كلنا حاسين بيك وعارفين النار اللي مشعللة جواك على فراق أخوك، بس صدقني إحنا بنتعامل مع كل حاجة بحذر تام وعمرنا ما هنسمح لحد من أهل البلد يجراله حاجة على رقبتينا يا صاحبي. بس لازم تكون عارف إن أي حرب ليها ضحايا، إن شاء الله نبقى إحنا الضحية عشان أهل البلد. اجمد يا رضوان ومتخليش خسارتك لأخوك تغلبك وتسيطر عليك. إحنا مش متعودين على كده منك، طول عمرك العاقل فينا. عايز أقولك على حاجة إن حق رشاد مسؤوليتنا كلنا."
"قبل ما تقول، كنت لسه هكمل، بس محدش هيجيبه غيرك بس مش هتجيبه إلا ببدلتك الميري."
هز رضوان رأسه ونظر أمامه يحاول تهدئة عقله من تلك الأفكار الجنونية التي يود أن يفعلها، فهو من الممكن تجعله يعرض حياة الأبرياء للخطر. فهو بالكاد يحترق بنار الفراق التي لو أخرجها لاحترق الأخضر واليابس. فهو لم يتعافى حتى اليوم من فقدان شقيقه الأكبر ومن الواضح أنه لن يتعافى أبداً.
تجلس بكل هدوء في غرفتها تحتسي فنجان القهوة بعد أن هدأت قلبها كأم، وأبعدت تلك مسك عن طريق ابنها، هو يستحق فتاة أكثر جمالاً وجاذبية عن تلك السمراء. رغم اقتناعها أن سمار مسك مميز، إلا أنها تحاول إرضاء غرورها من بنت زينات التي امتلكت عن والدتها تلك البشرة السمراء التي تجعله لها جاذبية تجذب الرجل كما فعلت أمها في السابق.
ولكن وقع فنجانها عليها واتسخ فستانها على أثر تلك الركلة التي تلقاها باب غرفتها من قدم بلال.
صرخت فيه: "انت اتجننت، إزاي تعمل كده؟ دي طريقة دخول حيوانات مش بني آدمين." قالت وهي تنظف فستانها من القهوة التي ملأته.
رفعت نظرها له، فهو كان يقف وينظر لها فقط، كأنه يستكشفها من جديد كأنه لاول مرة يراها.
ارتبكت قليلاً: "انت بتبصلي كده ليه؟ آه هي السنيورة لحقت تحكيلك وتبلغك باللي حصل."
ولكنه لا يرد عليها، فقط يتطلع عليها بنظرة تجعلها لا تستطيع الوقوف أمام عينيه تلك، فأصبحت لا تشعر براحة من تلك النظرات.
جاهدت لتصرخ به وتبعد عينيها عنه: "متبصليش كده ورد عليا زي ما بكلمك، أنت مش هتقف زي الأخرس كده."
هنا نطق بلال بأسف من أفعال أمه التي يراها لأول مرة تظهر منها قائلاً: "للأسف لازم أبقى أخرس بعد الفضيحة اللي عملتيها لبنت ملهاش أي ذنب غير أنها حبت ابنك، ابنك اللي حفي وراها عشان بس تديله نظرة واحدة تريح قلبه. مش عارف أعمل فيكي إيه بعد ما فضحتيه هي وأمها، لاء وأنا بغبائي رايح أكمل عليهم. أنت بسببك مسك مرمية في المستشفى بسبب ضرب أمها ليها وكلامك اللي ملوش أي أساس من الصحة أصلاً. أنا كنت حتى وناوي على حاجات وتصرفات ماكنتش هتعجبك أبداً، بس لما وقفت قدامك حاسس إني متقيد ومش عارف أعمل حاجة لأنك للأسف أمي."
بكت نجوان من كلمة ابنها ونطقت بارتعاشة: "للأسف."
"أيوه يا أمي للأسف، لأني بقيت شايفك زيك زي صفية ضرتك مفرقتيش عنها حاجة وطلعت أذية الناس وفضحتهم سهلين بنسبالك، وكأن النهش في عرض الولاية سهل يا نجوان هانم مش كده." صاح في آخر جملة نطقها.
تبادلت معه الصياح أيضاً قائلة: "وطي صوتك، وإياك تصرخ في وشي كده تاني. ولما هو شرف الناس مهم بنسبالك كده مهرب أخوك ليه؟ ليه مسلمتوش وجبت حق أختها ورد؟ ها قول لي ضيعت حق الولاية اللي بتقول عليه ده ليه؟ ضيعته ليه وخفيت على أخوك؟ لاء وكمان ضيعت حق راجل ميت بسبب أخوك برده. ماترد ساكت ليه تحب أقولك أنا ليه."
هنا لانت نبرة صوتها قليلاً كأنها تستعطفه بنبرتها تلك: "لأن ده أخوك مسؤول منك أنت، وعشان انت الكبير بتاعه، فأنت على دراية بالصح والغلط، وعشان كده خفيته بعيد عنهم عشان عارف إن اللي عمله واللي هيعمله كان غلطه كبيرة أوي في حقه وحق نفسه وانت اتصرفت بفطرتك كأخ، زي ما أنا عملت كده اتصرفت فطرتي كأم خايفة على ابنها ومصلحته. كان لازم تشوفي مني وشي تاني، كان لازم يظهر لما أشوف ابني بيضيع عمره مع بنت مش هتقدر توصل لعقليتك كدكتور ولا حتى هتعرف تذاكر لولادك أو تربيهم. منظرك قصاد الناس إيه لما تبقى دكتور محترم ملو هدومك ومراتك مجرد فلاحة معاها دبلوم دي مش هتعرف حتى تتناقش معاك في أي موضوع تفتحه سوا."
نظر لها بلال بسخط ونطق مدافعاً عنها: "مسك اللي بتقللي منها دي وبتقولي أنها معاها دبلوم دي عندها معلومات مش عندك انتي بكل شهاداتك وتعليمك اللي كان على أعلى مستوى. مسك اللي بتقولي عليها مش هتقدر تتناقش معايا فاحب أصدمك، وأقولك إن أنا اللي مش هقدر أتناقش معاها لأنها صاحبة رأي وجهة نظرها دائمًا اللي صح. هي آه يمكن معاها دبلوم بس دماغها توزن بلد، وعندها معلومات تكفيها وتغنيها عن أي شهادة جامعية من أكبر الجامعات، غير أنها بتحب تقرأ وتتعلم نفسها. الثقافة والتفكير ملهاش دعوة بشهادة الجامعة رغم أهميتها، بس ملهاش علاقة. ياما ناس معاها شهادات بس مبتفهمش ولا بتقدر، وفضيحة الناس عندها سهلة."
رمى بكلامه الجارح لها وذهب وتركها بمفردها مجددًا. ولكن تبكي على طريقة إهانة ابنها لها، الأ لدرجة لم تعد تعنيه. وأصبح يقلل من شأنها بسهولة، بلال الذي لا يتحمل عليها حتى الهواء الطائر، أصبح إهانة أمه والتقليل منها شيء سهل بنسبة له، لمجرد أنها تحاول أن تبعده عن تلك الفتاة. أراد له حياة سعيدة مع غيرها فقط، ألهذا أذنبت هي.
كانت داخل تلك الحفرة العميقة جدًا، تحاول إنقاذ نفسها ولكن يدها اليسرى مكبلة بسوار حديدي، يجعلها تفشل في إنقاذ نفسها. ظلت تصرخ وتستنجد بأي أحد ينقذها قبل أن تموت هنا وحدها ولا يشعر بها بوجودها أحد.
وتظهر يد شخص من فوقها يمد لها يده يحاول إنقاذها. ابتلعت ريقها عندما اتضح لها وجهه، كان آخر شخص تظن أنه يمكن أن ينقذها.
همست: "رضوان." ولكن تلاشت دهشتها عندما استمعت لصوته الدافئ الذي جعلها تشعر ببعض الراحة واستدارت له، وهمست بفرحة: "بلال."
ولكن صرخ فيها رضوان: "لأ يامسك بلاش، هاتي إيدك في إيدي أنا، تعالي يا مسك ليا، متخافيش."
صاح بلال أيضًا: "لأ يامسك متسمعيش كلامه، انتي مش هتيجي غير ليا أنا صح، مش هتروحي لغيري يامسك، يلا مدي إيدك في إيدي يلا يامسك."
هزت رأسها له كأنه يعرف نقطة ضعفها، وبفطرتها مدت يدها لبلال، ومجرد أن لامسته أصابتها صعقة كهربائية جعلتها ترتد للخلف لأنها ألمتها بشدة بسبب تلك الأسورة الحديدة المربوطة في يدها.
"تعالي ليا أنا يا مسك، بلاش تروحي معاه، وعد مني هحميكي." قالها رضوان وهو يمد يده لها ثانياً.
كانت تنظر له، فصدق يخرج من عينيه كأنه يلامس قلبها ويجعله يطمئن. ولكن تلاشت تفكيرها على صوت بلال الذي أصبح أقوى من السابق يدعوها له من جديد، فستجيب له كدمية وتمد له يدها من جديد.
وبمجرد اقتراب يدها من يده أبعدتها بسرعة كبيرة، لتحول يد بلال لنيران وكأنها تشبه الجمر.
وعلت صرخاتها وهي ترى الأتربة تنهال عليها من جديد لردم تلك الحفرة التي بها. جائها صوته من جديد ويمد لها يده، لم يكل أبداً من إنقاذها.
صرخ رضوان بها لتستفيق: "بسرعة يامسك، بسرعة هاتى إيدك، ومتخافيش، كل شيء هيبقى بخير، وعد مني."
كأنه يعيد لها الحياة بتلك الكلمات البسيطة وتمد له يده لينقذها. وبمجرد تلامس يدها مع يده انفكت تلك الأسورة الحديدة، وأمسكها كأنها شيء ثمين يخشى الضياع منه.
أغمضت عيونها تلك بعد أن أمسكت يد رضوان، كلماته ترن في أذنها من جديد: "متخافيش، كل شيء هيبقى بخير." كأنها كانت تحتاج لأحد في حياتها يخبرها أن كل شيء سيكون على ما يرام دائمًا.
فتحت عينها ونظرت حولها لم تجد أي شيء. نظرت ليدها اليسرى لم تجد أي علامة لتلك الأسورة رغم أنها كانت ضيقة عليها جدًا، ولكن لم تجد أي أثر على يدها ولا حتى مجرد احمرار بسيط. حتى الدنيا من أمامها ساكنة هادئة كأنها لم تجدها تنهار بها منذ قليل.
وجدت نفسها بين أحضانه، كانت تنظر حولها تبحث عن بلال ولم تجده بجانبها. أرادت النداء عليه ولكن لم تنطق اسمه بل قالت: "رضوان."
صدمت عندما نطقت اسمه، هو كانت تريد قول بلال، قالت رضوان، كيف هذا؟ وكأن الآخر لبى طلبها وأخرجها من أحضانه وهو ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة صافية جدًا. ظلت على حالة جمودها هذا.
هز رضوان بخفة وهو ينادي عليها: "مسك، مسك، اصحي مسك." لم يجد منها إلا شهقة عنيفة أخرجتها.
انتفضت بقوة وهي تنظر حولها برعب شديد. انتفضت أكثر عندما أحست بشيء ما يوضع عليها. نظرت بجانبها وقالت بصدمة: "ورد."
رواية مسك الليل الفصل التاسع 9 - بقلم سارة طارق
ابتسمت زينات بسخرية وهي تجلس أمام ابنتها لتوقظ ضميرها الذي أعطته إجازة قصيرة حتى لا يؤنبها على أفعالها مع بلال.
"أوعاكي يانن عين أمك مفكرة أن الحرمانية في اللمس بس. لأ، الحرمانية في الكلمة اللي بتخرج من جلبك لجلبه، الحرمانية في النظرة اللي تخليه يتأمل فيكي وتتأملي فيه كأنك تخصيه. الحرمانية لخروجك زي الحرامية وأنتي رايحة تجابليه من ورا أهلك ومن ورا الناس كلها عشان محدش يشوفك. الحرمانية إنك تبقي عارفة إن اللي بتعمليه ده غلط وتستمرى فيه ومكملاه باسم الحب. حب إيه ده اللي يخلي راجل زي ده يخلى اللي بيحبها عرض لأي كلمة ممكن تتقال عليها بعد ما حد يشوفها معاه ويدمر سمعتها وسمعة أهلها في التراب ويخلي اللي رايح واللي جاي ينسعليهم كأنه بيدوسهم تحت رجليه؟"
ثم بدأت تجهش مجددًا في البكاء وقالت بنبرة تملأها المرارة والضعف والخوف: "لأول مرة في حياتي بعد موت أبوكي أكون مبسوطة فعلاً إنه مات عشان ما يجيش عليه اليوم اللي يشوف بنته فيه بتحني دهره قدام الناس."
قالتها وهي تخرج مبتعدة عن ورد ومسك التي تبكي بندم، فحديث أمها جعلها تشعر بمدى حقارتها ووضاعتها. لأول مرة تشعر أنها صغيرة جداً لدرجة لا توصف في عين نفسها وأمها أيضاً. وهل هي صغيرة هكذا في عين بلال بسبب حديثها السري معه؟
***
يركض بسرعة كبيرة يتجه للغرفة التي يجلس بها أمير. لم ينتظر حتى يدق الباب ويطلب الاستئذان، بل فتح الباب بقوة لدرجة أنه جعل صاحب الغرفة ينتفض من مكانه. كاد يوبخه ولكن سبقه الآخر ونطق هو يكاد يأخذ أنفاسه بصعوبة: "أميرنا، لقد عرفت كلمة السر الخاصة بتشغيل القنبلة التي صنعها حجاج."
اتسعت عين الآخر وهلت أسارير وجهه كأنه علم لتوه أنه فاز في مسابقة ما، وليس أنه علم كيف يتم تفعيل قنبلة لقتل الآلاف من الأبرياء. وقف أمامه ينظر له بأمل كبير: "هل أنت متأكد من حديثك هذا؟"
هز الآخر رأسه بثقة كبيرة: "نعم يا أمير، لقد عرفت كلمة السر، وعلمت كيف يتم تفعيلها. كل ما عليك هو ضبط الوقت الذي تريد الانفجار فيه."
ابتسم الآخر بفرحة كبيرة، فعند تنفيذ تلك العملية الصغيرة سوف يطلب معونة كبيرة من المال ما يجعله يرضي طمعه، ولكن مهما أخذ لن يرضيه ابدًا.
فاق من شروده على صوت جمال قائلاً: "يا أمير، أريد طلب صغير أتمنى أن تحققه لي."
نطق الآخر بسعادة قائلاً: "لقد بشرتني بشرة خير الآن، فلك كل ما تريد. فقط احلم واطلب وأنا سوف أجلب لك كل ما تريد."
ابتسم جمال قائلاً بتمني: "ما أريده لا تستطيع جلبه لي يا أمير. ما أريده صعب جداً عليك أو من المستحيل أن تجلبه لي. بل أنا من يجب أن أذهب إليه حتى لو كلفني هذا عمري كله."
استغرب الأمير كثيراً من حديثه، ولكن فهم بعد أن أكمل جمال باقي كلامه: "أنا أريد الجنة، والجنة لا تأتي إلينا، بل نحن من نعافر من أجلها حتى نذهب لبابها."
"لم أفهم بعد مقصدك، كيف تريد الذهاب للجنة وأنت مازلت حي؟"
"أنا أريد أن أنفذ هذه العملية بنفسي حتى أحصل على الشهادة وأذهب إلى الجنة ونعيمها مباشرةً."
ربت الأمير على كتفيه برضى وهو يقول بفخر له: "لقد أرضاني الله برجل مثلك يا جمال. فإن أردت الشهادة فهي لك، ولا تخف على أولادك وزوجتك فهم سوف يكونون في حمايتي وتحت رعايتي للأبد. سوف أجهز ابنك جواد حتى يكون مكان أبيه لتفتخر بك وتفتخر أنت به أيضًا."
فرح الآخر وقد أنار وجهه واحتضن الأمير من فرحته، كأنه سوف ينال الشهادة في الجهاد في سبيل الله وليس في قتل البشر والأطفال. آه كم يؤلم قلبي لرؤية شباب مثله يضيعون عمرهم وهم يظنون أنه في سبيل لربه وليس ضد الله وحكمه ودينه.
خرج وهو يحمد الله على نيله هذا الحلم الذي طالما تمنى أن يحققه منذ أن دخل الجماعة هنا. تابعه الآخر بابتسامة ماكرة كأنه يريد الضحك على غباء جمال، ولكن تماسك حتى لا يفضح أمره أمام أحد. فهذا الأحمق يظن أنه هكذا يدافع عن دين الله وعقيدته، ولا يعلم أن ما سوف يفعله هو ضد العقيدة الإسلامية لا محالة. ولكنه لم يهتم كثيرًا، فكل ما شغل باله كم سيطلب من المال بعملته التي يريدها، أم يطلب أكثر من عملة واحدة، أم يأخذ حقه ذهب ويرسلها لخزانته التي في خارج مصر.
***
ظلت تضرب كفًا بكف من عناد ابنها معها، فهي سوف تفعل ما تريده مهما فعل، فهو يتعب نفسه على الفاضي.
"يابني جلتلك هروح بكرة يعني هروحلها بكرة خلاص، كلمة جلتها ومش راجعة فيها أبدًا، فماتتعبش نفسك وريح راسك ولسانك اللي عايز قطعه من لغلوغه ده." قالتها بغيظ شديد من رضوان.
مما جعل الآخر يستاء من عنادها: "ياما جلتلك مش هينفع تروحي، أنتي خابرة لو أبويا عرف أنك هتروحلها من وراه هيمل مننا مفروم ويعبينا في كياس ويفرزنا. استهدي بالله كده وكلميها في التليفون أحسن، أنا ممكن أخليكي تشوفيها كمان وأنتي في مكانك هنا وتشوفي عيالها كمان من غير ما تسافري وتتعبي نفسك."
تنهدت رجاء بتعب وأدمعت عيناها قائلة بحزن: "وهي يا ابني شوفتها على التليفون دي اللي هتخليني أطمن عليها ولا هتريح بالي عليها؟ لأ، عمر الصورة اللي بتتحرك على التليفون دي ما تشبعني منها أبداً ولا تخلي شوقي ليها يقل أبداً، بل بالعكس هيزيد ويخليني عايزة أجري عليها وأرميها في حضني وأبص في عينيها وأتأمل منها لحد ما أشبع."
وضعت يدها على وجه رضوان قائلة برجاء: "سبني يا ولدي أروحلها، ومتجلجش عليا من أبوك. أنت خابر إنه بيعمل كده من ورا قلبه بس هو من جواه بيكون فرحان إن حد راحلها واطمن عليها. منتا خابر روحه فيها طول عمره بس بيكابر."
"هي اللي عملت في نفسها كده لما بعدت عنا وراحت تهرب مع واحد لمجرد أن أبوها رفضه." قالها وهو يبعد يد أمه عن وجهه.
ربتت عليه رجاء بحنان: "معلش يا ولد، العشق كده بيخلي الواحد يعمل حاجات عمره ما يفكر أنه ممكن يعملها أبدًا. العاشق معلش له عتاب ولا لوم يا ولدي."
هز رضوان رأسه برفض: "لأ يا ماما، يبقى عليه عتاب لو مشى ورا شيطانه واتصرف بطريقة مترضيش ربنا، يبقى عليا عتاب. بس إحنا للأسف أي غلط بنعمله مع الحبيب بنلزقه في الحب، وكأن الحب ده هو الشيطان اللي بيوسوس لك عشان تغلط وتعدي الخطوط الحمرا اللي ربنا حذرنا منها، زي ما بنتك عملت كده وعدت الخطوط من غير حتى ما تندم ولو لمرة. وأهي هربت واتجوزت وخلفت من ورانا باسم الحب. اللي متعرفوش بقى يا ماما إن الحب نفسه متبرى من الناس دي لأنه ربنا خلق الحب له حدود، واللي يتعداها يبقى ما يعرفش يعني إيه حب، ولا الحب نفسه يعرفلهم سكة. مجرد ما يتجوزوا هوب تلاقي المشاكل الكره أولد في قلبهم مكان الحب، وهوب طلاق ومحاكم وأطفال تتشرد. بس اللي بيحب بجد وعارف حدوده ربنا بيبعت له حاجة اسمها بركة. بيبقى عنده في حياته بركة، بركة في الحب، العمر، الصحة، والأطفال كمان بركة، حتى في حبهم لبعض عشان يفضل يزيد طول العمر. هو ده يا ماما العشق، هو ده الحب الطاهر الصافي اللي ربنا خلقه وقالنا عليه سيدنا رسول الله."
قبل رأس أمه قائلاً: "خلاص يا ماما، بكرة الصبح هوصلك بنفسي لمحطة القطر، وهبعت معاكي عم حسن عشان لو احتاجتي حاجة. وخذي سعاد كمان عشان تونسك في السكة وأنتي رايحة."
كم كان يريد أن يقول لها أن تسلم عليها وتتصل به ليطمئن عليها.
"هأطمنك عليها وأبعتلها السلام منك كمان."
كأنها قرأت أفكاره مما جعله يبتسم بسخرية ويتركها ليصعد غرفته قائلاً بعناد: "وأنا ما طلبتش منك كده، أنا مش عايز أسمع سيرتها بالصدفة حتى."
هزت رأسها بقلة حيلة، هو ورث العناد من أبيه ومن الصعب أن يبوح بما يشعر به. يكفيها أنها أمه تقرأ أفكاره وتشعر بكل ما يريد قوله دون أن يتحدث، فهذه ميزة كل أم مع أبنائها.
***
"يامسك ماتتعبنيش معاكي بقى، واسمعي كلامي وتعالي باتي عندي الليلة دي وبدر هيبات مع أمه، وأنتي هتباتي معايا في أوضتي." قالتها بتعب، فأختها مصرة على عنادها وتريد أن تذهب للبيت، وهي تخشى أن تتشاجر هي وأمها مجددًا.
نطقت مسك بتعب: "جلتلك هروح يعني هروح خلاص، متتعبيش نفسك وبعدين ما يصحش آجي أجيب لكم نومكم كده، عيب. خلي جوزك ينام على سريره وأنا كمان مش برتاح غير على فرشتي."
"طب خلاص هاجي أبات معاكي النهارده، إيه رأيك؟" قالت ورد.
"لأ، أنتي هتنامي في بيت جوزك وبعدين أنا ما صدقت إنك اتجوزتي وبجيتي ليكي بيت لوحدك وسبتيلي الأوضة ليا وحدي وبجيت أنام على السرير لوحدي براحتي من غير ما ألاقي نفسي في النهار مزنوقة تحت رجليكي وأنتي نايمة على الفرشة كلها لوحدك وأنا في آخر السرير نايمة ورجلك في بقي."
ضحكت ورد وهي تتذكر طريقتها في النوم، فعلاً هي تنام بطريقة غريبة جداً تجعل كل من ينام معها يقسم أن نومه على الأرض الرطبة والصلبة أهون بكثير من نومه معها على ريش نعام.
"طب والله بدر جوزي له الجنة، لأنه ساكت ومش بيتكلم لما بيلاقي نفسه في الآخر نايم على الأرض بعد ما وقع وهو نايم جمبي."
"أنا سمعت حد جايب سيرتي." قالها بدر وهو يدخل عليهم.
"آه مراتك لسه بتشكر فيك قوي لأنك لحد دلوقتي صابر على نومتك اللي بتبقى على الأرض في آخر الليل." قالتها وهي تضحك تحاول أن تتناسى ألم جسدها.
برطم بدر باستنكار: "هعمل إيه يعني، أدي الله وأدي حكمته، نصيبي اللي ربنا بعتهولي لازم أصبر وأحتسب." قالها وهو يرفع يده للسماء بنبرة يملأها المزاح.
رفعت ورد حاجبها الأيسر له: "بجى كده، ماشي يا بدر بس خليك فاكر بقى إنك لما نروح هننام على الأرض على طول ومش هتجرب من السرير تاني، أنا اللي هنام عليه لوحدي."
"واهون عليكي يا وردتي أنام على الأرض من غير رفسك ليا على الأرض آخر الليل؟" قالها بسخرية منها.
مما جعل مسك تنفجر من الضحك وهي ترى الشرار يتطاير من عينيها، مما جعل بدر يبتلع ريقه خوفًا منها.
"أنا بهزر معاكي يا حبيبتي، بقى أنا أقدر أستغنى عنك ولا عن رفسك، أنتي كل حاجة فيكي بحلوها بمرها عجبتني وحابب الوحش قبل الحلو كمان."
لفت رأسها الاتجاه الآخر حتى لا تضعف من جمال حديثه كل مرة، وتحكمت في تعبير وجهها حتى لا تلين بسرعة من حلوة حديثه.
ضرب كتفه بكتفها عندما وجدها تخبئ وجهها عنه: "يا بت خلاص بقى، متزعليش، كنت بهزر والله، أنتي أي حاجة منك على قلبي زي الشربات، الورد يا وردة قلبي. وبعدين أنتي هتفضلي طول عمرك الوردة الوحيدة اللي بتزين بستان قلبي." قالها وهو يغمز لها حتى تلين.
ابتسمت رغمًا عنها عندما سمعت لجملته التي تعشقها منه، فهي عندما تسمعها تشعر أنها هي الوحيدة في هذا العالم المتملكة لقلبه دائمًا.
صدح صوت مسك من بينهم وهي تحمحم: "إيه يا بابا أنت وهي في عينيا هنا في وسطكم؟ ارحمونا من المشاهد العفنة بتاعتكم دي، راعوا مشاعر طيب، ده أنا حتى لسه سنجل."
"بجولك إيه يا وردتي، ماتيجي نودي أختك بقى لأمها وتبجي نروح نرتاح شوية قبل ما نسافر بكرة."
"خلاص ماشي، اللي تؤمر بيه يا سي بدر." قالتها برقة وصوت ناعم.
صدمت مسك من جواب أختها وندالتها، فهي كانت منذ دقائق تتحايل عليها أن تأتي وتبات معها ولأجل زوجها باعتها.
"آه يا واطية، ده أنتي لسه طالبة مني أبات معاكي، فجأة كده بعتيني عشان خاطر جوزك وكمان عايزة تسبيني وتسافري معاه."
تشنج بدر من حديثها: "أنتي كمان بصيلي في السفرية، مش كفاية اتأجلت بسببك النهارده وضاع عليا حجز التذاكر."
ربطت ورد عليه قائلة: "معلش يا حبيبي، ربنا يعوض عليك."
دفعت مسك جسد أختها وهي تقوم بطردها: "امشي يا بت خدي جوزك وغوري من هنا يلا، جبر يلم العفش كله بلاهم، إني هروح لحالي. يلا دا الواحد يعتمد على جوز شربات ولا يعتمدش عليكم يا جوز جزم."
أمسك بدر يد زوجته متعمدًا لإغاظة مسك قائلاً: "يالا يا وردتي من هنا عشان شكلها كده اتجننت."
أمسكت مسك بعلبة الدواء التي على الطاولة بجانبها: "طب والله لأوريك الجنان على أصوله."
بعد أن أوصلوها على باب البيت ابتسمت لهم مسك وشكرتهم على مساعدتها، وبعدها أصرت أن تذهب أختها مع زوجها ووعدتها أنها سوف تكون معها عندها غدًا لتوديعها.
تنهدت قليلاً قبل أن تدخل للبيت، وجدت والدتها تجلس أمامها كأنها تعلم أنها سوف تأتي. لم تقف مسك لحظات وحدها، بل وجدت نفسها بين أحضان والدتها التي تبكي وتعتذر منها وتطلب السماح، وتبرر فعلتها بأنها كانت خائفة عليها من الفضيحة، يكفي أن الله ستر على أختها، خافت أن تنفضح هي وتأتي لهم بالعار كما يقولون أهل الصعيد.
***
أوقف سيارته ونزل منها وظل يبحث بعينه عن صديقه الذي أصر عليه الحضور، والآن فقد أصبح الوقت متأخرًا جدًا من الليل ولا يوجد أي أحد مستيقظ الآن والظلام يحيط بالبلدة من كل اتجاه.
وجد صديقه يظهر أمامه ومن خلفه يجد آخر شخص كان يتوقع أن يكون معه ويراه الآن.
نطق رضوان بدهشة: "بلال."
وبعد دقائق من الحديث الذي انقلب لشجار، صرخ فيهم بلال قائلاً: "جولت لكم أنا معرفش حجاج فين، وبعدين أخويا عمره ما انضم لجماعة اللي بتقولوا عليها دي. ملقتوش إلا حجاج وتلبسوه التهمة دي."
تحدث صديق رضوان الضابط صادق: "اسمع يا دكتور بلال، أنا حابب بس أعرفك إن إحنا عارفين كل حاجة أخوك عملها، إذا كان هو أو جماعته. إحنا مش عيال صغيرة قدام منك عشان نتهم أخوك زور. أنا جايبك هنا عشان نقدر نساعدك ونساعد أخوك."
"وإحنا مش محتاجين مساعدة من حد، وللمرة الألف أنا مش عارف مكان حجاج فين."
هنا رضوان نطق بسخرية وبرود: "أوعى تكون مفكر إن الشقة اللي أنت مقعده فيها دي بعيدة عننا. لأ، إحنا لو عايزين نجيبه هنجيبه بسهولة جداً. بس إحنا هدفنا مش حجاج أصلًا ولا يلزمنا منه حاجة."
ابتلع بلال ريقه وهربت الدماء من وجهه وهو يحاول خلق أي كذبة، ولكن توقف الحديث في حلقه ولم يستطع إخراجه.
اقترب منه صادق مؤكدًا حديث رضوان: "زي ما قالك رضوان، حجاج مش هدفنا."
"اومال هدف إيه؟" هكذا نطق بلال بصعوبة.
"الجماعة محتاجين أخوك عشان يقدروا يشغلوه القنبلة اللي صنعها ليهم لأنه عاملها بكلمة سر خاصة بيه هو ومحدش عارفها غيره، وهو أكيد عارف المكان اللي هتتزرع فيه القنبلة دي." قال صادق.
"فأكيد هما قالبين على أخوك البلد كلها، لأ دا مش أكيد دا فعلاً قالبين البلد على أخوك، حتى أنت مراقب شخصياً ولولا صادق كان زمانك مراقب لحد دلوقتي لأنه أكيد اتخلص من اللي كان بيراقبك عشان يجيبك هنا." قال رضوان.
هنا دب الرعب في قلب بلال على أخيه: "طب والعمل إيه؟ هما ممكن يعرفوا مكان حجاج وياخدوه ولما بشغلهم الزفتة دي ممكن يعملوا فيه حاجة؟"
"عشان كده يا دكتور لازم تتعاون معانا عشان نقدر نساعد أخوك. ولو ساعتنا ده هيخلي موقف أخوك أحسن بكتير أثناء التحقيق معاه."
"وأنا إيه اللي يضمن لي إنكم متغدروش بأخويا، أو تعرضوا حياته للخطر؟"
مسح رضوان وجهه بيده ونظره لصادق نظرة فهمها الآخر فورًا.
صادق: "إحنا محتاجين أخوك يرجع لجماعته تاني، بس بطريقتنا إحنا."
بلال: "انت أكيد اتجننت، يرجع لمين؟ بقى أنا بحافظ عليه وبخبيه كل ده منهم عشان انتوا ترجعوا؟"
رضوان: "يا بلال افهم، أخوك هو الوحيد اللي يقدر يكون قريب من الجماعة دي لأنه أهم واحد فيهم، عشان واثقين فيه ويخلوه يصنع ليهم المتفجرات دي. يعني أكيد عارف شكل الأمير بتاعهم وبطريقتنا إحنا هنخليه يقدر يقرب منه لدرجة أنه يثق، يمكن نعرف نحدد أي دولة بالظبط اللي بتمولهم. بلال، أنت قرار واحد منك بس هينقذ بلد بحالها، أو ممكن يدمرها على حسب ضميرك أنت."
نطق صادق متعمدًا الضغط عليه: "يا دكتور بلال، أنت لازم توافق. إحنا ممكن في ثواني نلاقي البلد بتولع بدل ما كنت خايف على أخوك. بس صدقني لو سيبنا الناس دي مش هتخاف على أخوك بس، هتخاف على أهل بيتك كلهم، حتى أهل القرية كمان ممكن في ثانية نخسرهم. فلازم تجمد قلبك وتسلمنا أنت أخوك، وأوعدك أنه طول ما هو ماشي زي ما خططنا عمره ما هيتأذى أبداً ولا هيتشك فيه. إحنا كان ممكن نتعامل مع أخوك على طول من غير الرجوع ليك، بس إحنا قرارنا إنك أنت أقرب واحد لأخوك ممكن تقنعه يكون معانا برضاه."
صمت بلال وهو يفكر، ولكن قلقه وخوفه الشديد على أخيه جعل عقله يتوقف. نظر لهم وحاول الثبات والتحدث بهدوء قائلاً: "طب سيبوني أفكر وهرد عليكم بكرة، بس لازم أدورها في دماغي عشان أتأكد فعلاً إن أخويا مش هيجراله حاجة. معلش اعذروني أنا مليش غيره في الدنيا دي، ده أخويا الصغير ومسؤول مني أنا، فلازم أضمن حياته."
صادق بهدوء: "يا دكتور بلال، الأعمار بيد الله وحده."
هز بلال رأسه وتركهم وذهب.
نظر صادق لرضوان بشك: "تفتكر هيوافق؟"
ضحك رضوان بسخرية ونظر له: "بلال أوطي من أنه يسلم أخوه بسهولة دي. هو كل ده بياخدنا على قد عقلنا ومفكرنا مش فاهمين. ربنا يستر لأن قلبي مش مرتاح له بعد مجيته دي. أنا همشي لأني مش قادر أفتح عيني وبكرة نتقابل."
"تمام، تصبح على خير. متقلقش، البلد محاصرة يعني في أي وقت أي حد هيقل عقله هنلاقيه في وشه. اطمن أنت ونام."
كسر الغضب وجه رضوان قائلاً: "عمري ما هقدر أطمن غير وولاد... دول في السجن ويتعدموا على إيدي دي."
ضحك صادق بقوة: "ولما هما يتعدموا على إيدك، عشماوي هيعمل إيه؟ يتفرج عليك؟"
ضحك رضوان: "معلش هبقى أعوضهاله في عملية تانية وأجيب له حبة حلوين يعدم فيهم براحته تعوض عن اللي عدمتهم أنا."
ذهب رضوان وترك صادق في مكانه وذهب بمفرده لأنه لا يجب رؤيتهما معًا، فهم يختارون أكثر الأماكن بعدًا عن البلد ويلتقون فيها.
***
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
رواية مسك الليل الفصل العاشر 10 - بقلم سارة طارق
نسمات الهواء الباردة كانت تداعب شالها وتجعله يتطاير في الهواء، ولكنه تعيده لرأسها مرة أخرى.
تغمض عينيها، تستمتع بتلك اللمسة الباردة التي لمسها الهواء لجسدها، فهي كانت بحاجة لبرودة مثل هذه تجتاح جسدها، لعلها تهدأ عقلها الذي يكاد يجن من عدم التفكير فيما يحصل بعد ذلك.
ولكنها أبت أن تحرك عقلها لو لثانية للتفكير، فقط تريد الهدوء ولا شيء آخر غيره.
ولكن تهجم وجهها وظهر ابتسامة سخرية على وجهها وهي تتذكر ما قالته نجوان لوالدتها عنها، وأنها تعيب في لونها كفتاة، وأنها تريد فتاة ذات بشرة فاتحة تناسب ابنها لتحسين السلالة، وأنها تريد أحفادها شبه أبيهم في جماله وأمهم أيضاً، لأنها سوف تختار فتاة يحكى عن جمالها لسنوات، وليس فتاة سوداء مثلها كما قالت هي عنها.
ابتسمت بسخرية وتنهدت ونامت على ظهرها على أرضية سطح بيتهم، ونظرت للسماء وهي تدندِن قائلة:
دول عايروني وقالولي يا اسمر اللون يا لالالي
صحيح أنا اسمر وكل البيض يحبوني يا لالالي
يا عود قرنفل ما بين الفل حطوني يا لالالي
يا عيني يا لالالي يا روحي يا لالالي يا سيدي يا لالالي
آه آه آه آه آه آه يا لالي يا لالي يا لالي يا أبو العيون السود يا خالي
يا لالي يا لالي يا لالي خليك على كيفك تملي
يا عيني يا لالالي يا روحي يا لالالي يا سيدي يا لالالي
آه آه آه آه آه آه
ول دخولنا الجنينة عيط الياسمين يا لالالي
والسيسبان اشتكى الورد قال ده مين يا لالالي
قال العنب افتحوا ده العاشق المسكين يا لا لا لي
يا عيني يا لالالي يا روحي يا لالالي يا سيدي يا لالالي
آه آه آه آه آه آه
دول عايروني وقالولي يا اسمر اللون يا لالالي
صحيح أنا اسمر وكل البيض يحبوني يا لالالي
يا عود قرنفل ما بين الفل حطوني يا لالالي
يا عيني يا لالالي يا روحي يا لالالي يا سيدي يا لالالي
آه آه آه آه آه آه
يا رايحين الحلب حبي معاكم راح يا لالالي
يا مدوقينا العنب العنب تفاح يا لالالي
يا مين يجيبلي حبيبي والفؤاد يرتاح يالالالي
يا عيني يا لالالي يا روحي يا لالالي يا سيدي يا لالالي
آه آه آه آه آه آه
فتحت عينيها التي كانت تغمضها وهي تغني، وانتفض جسدها عند سماع صوت رجولي قريب منها.
وقفت بسرعة على قدميها وهي تنظر باتجاه الصوت، وجدته يجلس على سور بيتهم وينظر لها ويبتسم ابتسامة جانبية، وظل يطالعها ببرود كأنه لم يقتحم خلوتها أو بيتها الآن.
"أيه بتبصلي كده ليه... عجبك شكلي؟" قال بمراوغة حتى يستفزها.
وبالفعل نجح، وكادت تصرخ في وجهه لفعلته هذه، ولكنها تداركت أنهم في آخر الليل، حتى أن أذان الفجر اقترب.
فحاولت تهدئة نبرة صوتها، ولكن هذا لم يهدأ غضبها إطلاقاً.
"أنت اتجننت يا جدع انت، كيف تسمح لنفسك إنك تخش عليا كده من غير لا أحم ولا دستور حتى."
نطق رضوان بسخرية:
"معلش، المرة الجاية هبقى أخبط قبل ما أطلعلك السطح بتاعكم."
انفعلت في وجهه ولكن بصوت منخفض:
"انت بجح يا جدع انت، انت لا تخبط ولا حتى تعدي من قدام بيتنا حتى، ويلا زي ما طلعت تنزل، وما أشوف خلقت أهلك قدامي واصل، فاهم ولا آه؟"
رفع أحد حاجبيه ناطقاً:
"وليه الغلط طيب يا بنت الناس، بتجيبي سيرة أهلي ليه، ترضي أجيب سيرة أهلك دلوقتي؟ شوفتي ما ترضاهوش يبقي ما تجبيش سيرتهم على لسانك لأحسن أقطعهولك، ولا أنا هزعل عليه شوية بعد ما سمعت الصوت الحلو ده. طب ماتغنيلى كده أغنية 'يا عراف' بتاعة أحمد سعد اللي بقول فيها يا طيب داويني احتار الطب فيا حبيبي يغيب عن عيني الدنيا تلف بيا صور..."
"بس اجفل البلاعة دي ومسمعش صوتك، وجول عايز إيه مني." قالتها بغضب، وكانت على وشك ضربه، فهو يتحدث معها كأنهم أصدقاء منذ الطفولة، وليس أنه لص هجم على بيتها في منتصف الليل.
وجدت ينظر له وهو صامت ولم يرد على سؤالها.
"انت أطرش يا چدع انت، ما تجول عايز إيه مني خلاك تهجم على بيتنا بالشكل ده." لم يرد عليها أيضاً، مما جعل غضبها يعلو أكثر وعيونها كادت تخرج نيران منها.
فرأت حجر بجانبها فألتقطته وهي تنظر له بمكر، وفي ثانية كانت تقذفه بالحجر، والغريب أنه لم يتحرك من مكانه، وقبل أن يصل الحجر له، رفع يده والتقطه الحجر بمهارة كبيرة، ونظر له ورماه، وما زال ينظر إليها بتلك النظرات الباردة التي يملأها الامبالاة.
ولكنه نطق عندما وجدها على وشك الصراخ:
"على فكرة أنا مردتش أتكلم عشان..." قام بتقليدها: "بس اجفل البلاعة دي ومسمعش صوتك خالص... مش انتي قولتي كده بردو؟"
جزت على أسنانها لدرجة أنها كادت تنكسر من كثرة ضغطها عليه، ولكنها فكرت أن تأخذه على قد عقله وتعرف منه سبب مجيئه لها.
"ياسيدي حقك عليا، أمي، ممكن أعرف سبب مجيتك المهببة على دماغي اللي بسببها ممكن أتفضح قدام الناس دي لو حد شافك بس."
تنهد وظل صامت لمدة دقيقة، كأنه يعيد ترتيب حديثه من جديد، فهو كان على دراية بما سيقوله، ولكن الآن وهو أمامها هربت كل الحروف من على لسانه.
تأففت بملل وهي تضرب مقدمة قدمها في الأرض بصورة مستمرة:
"يارب نخلص ونتكلم جبل ما نتفضح، دا لو انت مش حاسس إنك على سطحنا ومعايا..." ولكن صمتت وقطعت حديثها عندما استمعت لما قاله.
"لازم تبعدي عن بلال يا مسك." قال جملته تلك بسرعة، قالها ويعرف رد فعلها بعد سماعها منه، ولكنه سبقها ليكمل.
"أو على الأقل الفترة دي، أنا جيت من نفسي عشان أنصحك، عارف إن الوقت متأخر وعارف إن مجيتي من الأول غلط، بس دا من حسن حظي إنك صاحية وسمعت صوتك وإنت بتغني، فاطلعت على السطح هنا، أنا كنت هكلمك في التليفون عشان تخرجي تقابليني هنا، بس جيت لقيتك."
"وانت ليه جاي تمنعني عن بلال؟ واشمعنى بلال اللي حاطه في دماغك جوي كده، دهيه لتكون مصدق إن حجاج الأبل ده يقتل أخوك بجد تبقي لامؤاخذة يعني، متستهلش البدلة بتاعتك."
استنكر حديثها ولكنه رد ببرود:
"ساعات الناس اللي بنقول عليها هبلة دي، ونبقى بنعرفهم طول عمرنا إنهم مالهمش في أي حاجة، دول أول ما ربنا يرفع سترهم بتعرفي في الآخر إنك إنتي اللي كنتي هبلة مش هما، لأنك بتشوفي فيهم خبث الدنيا كلها. فانصيحة منى، متعشميش أوي وتدافعي عن حد، عشان في الآخر هتاخدي على قفاكي."
لم ترد عليه وظلت تحدق فيه، فهو فعلاً محق في كل كلمة قالها، وهذا جعلها تشعر بالخوف الشديد، وابتلعت ريقها خوفاً أن يكون حجاج هو من تسبب في اغتصاب أختها بكل سهولة.
كادت تسأله، ولكنه بادر للإجابة كأنه قرأ أفكارها.
"حجاج ملمسش أختك، بس كان موجود ساعتها وشافها بعنيه، واستنجدت بيه، بس هو ما لحقهاش الكلب وفضل يتفرج، بس ده عمره ما يشيل عليه الذنب، بالعكس دا هيشيل ذنبها زيهم بالظبط، حتى لو مقربش منها، طالما ممنعهمش ولا نجدها منهم."
"انت عرفت كل ده منين؟ وطلما حجاج عمل كده مجبتهوش عليه ليه لحد دلوك (دلوقتي)؟"
"كل اللي أقدر أقولهولك، خليكي بعيدة عن بلال، عشان ممكن تتأذي بسببه. أنا حبيت أحذرك عشان أمك الغلبانة دي متتقهرش عليكي إنت كمان، كفاية أختك."
أصرت على استماع إجابته على سؤالها:
"بردو، ليه مجبتهوش على حجاج لحد دلوك، أصل استحالة متعرفوش طريقه فين."
سخر منها وقال:
"بلاش ترضي فضولك وتعرفي اللي ملكيش فيه، ياريت تستغني عن فضولك في اللي ميخصكيش وتفتكري إن الفضول كان هو سبب في اللي حصل لأختك، جت ترضي فضولها مرضهاش، هو اتراضي عليها."
تركها لكي يعود من حيث أتى وهو يهز رأسه من ردة فعلها الساخرة من حديثه معها.
"استنى يارضوان." قالتها بنبرة يملأها الرجاء، وهذا جعل قدم رضوان تتوقف، لأول مرة يسمعها تنادي عليه باسمه، لا بل لأول مرة تنادي عليه من الأساس، وهذا جعل شبح ابتسامته تظهر على ثغره، ولكنه أخفاها حتى لا تظهر أمامها وينكشف أمره.
أدار جسده لها ونظر لعيناها، وجدها على وشك البكاء.
"انت عايز تبعدني عن بلال عشان إيه رضوان؟ ومتجوليش خطر عليكي، لأني مستعدة أغامر بحياتي معاه، وايه هو الخطر اللي ممكن يأذيني ويأذي بلال؟ أرجوك جولي عشان أنجده من اللي هو فيه، وأنا والله مستعدة أعمل أي حاجة تؤمرها مقابل إنك تقولي."
نظر لها رضوان بحزن قد ظهر على تعبير وجهه، وتحدث بنبرة يملأها الخذلان:
"خايفة عليه لدرجة دي؟"
انهمرت دموع مسك وهي ترد على سؤاله:
"مليش حبيب غيره ولا ليه راجل غيره في حياتي، فطبيعي أخاف عليه، ده الوحيد اللي سلمتله قلبي."
"ابعدي عن بلال يا مسك، صدقيني قربك من بلال مش هينوبك منه غير وجع القلب. بلال أنا اتكلمت معاه عشان يسلمني أخوه بطرادي من غير مشاكل، لأني بجد عايز أساعد حجاج، لأني عارف إنه مظلوم، مع إن دي حاجة ممكن تأذيني، بس حجاج أنا بعتبره أخويا الصغير وأنا متأكد إن فيه حاجة غلط. بس أخوه الغبي رفض إنه يجيبه، وافتكر إننا بنضحك عليه، مفكر إننا مش هنعرف نوصل لأخوه بنفسنا. هو خد وقت يفكر، بس أنا عارف إنه كل اللي شاغل تفكيره دلوقتي هو إزاي يبعد أخوه عن المكان اللي هو فيه، بس لو بيعمل كده فعلاً، أنا مقدميش غير إني أقبض عليه، والنيابة بقا هي اللي تقرر هتعمل معاه إيه هو وأخوه."
اتسعت عين مسك بعد آخر جملة قالها:
"ليه هو بلال ماله؟ توديه النيابة ليه؟ هو معملش حاجة، بلال ملوش دعوة."
ابتلع غصة في حلقه من الزعر الذي تملكه عليه:
"أنا مليش دعوة، دا قانون، وبلال اتستر على مجرم، لا ومش أي مجرم، أخوه دخل من ضمن جم...." صمت وتماسك قبل أن يتفوه بكامل الحقيقة.
"مسك ابعدي عنه، صدقيني أنا عمري ما هاجي هنا وأقولك إلا عشان إنتي غالية عندي يا مسك." قالها بقلب ينبض بعنف ونظرة تكاد تخترق وجهها ليعرف تأثير كلمته عليها، ولكن ظهر عليه الاستياء الشديد عندما وجدها لم تستمع لما قاله حتى، فهذا بلال مسيطر على عقلها بشكل كبير.
"طب أنا عندي فكرة، لو خليت بلال يجبلك أخوه لحد عندك هتسعده فعلاً ولا هتبقي بتضحك علينا فعلاً." انتظرت رده بأمل كبير، ولكن تحطم عندما وجدته يضحك على حديثها، وهذا جعلها تستغرب من ضحكه الغير مبرر بالمرة.
"والله ضحكتيني، بقا انتي متوقعة إن بلال ممكن يجبلي أخوه عشانك؟ تبقي بتحلمي، بلال عنده استعداد يبيعك إنتي شخصياً عشان أخوه."
"أي حد في الدنيا ممكن يبيع أي حد عشان خاطر أخوه، حتى أنا عندي استعداد أضحي بكل حاجة عشان ورد حتى لو هضحي ببلال بس أختي تبقي راضية عني."
"بس نصيحة منى، مضحيش بحياتك في الغلط، لأنك طول ما إنتي مكملة في الغلط رجلك هتغرز في مستنقع عمرك ما هتعرفي تطلعي منه، وحياتك اللي كنتي على استعداد تخسريها عشان البني آدم ده، هو أول واحد هتلاقيه باعك وسابك تغرقي لوحدك في حاجة مكانش ليكي يد فيها."
حاولت مسك تتمالك نفسها حتى لا تغضب عليه وتسمع أسوأ الألفاظ لحديثه السيئ عن بلال، ولكنها تمالكت وحاولت أن تهدأ أمامه حتى لا يفعل أي شيء خطر في بلال كما أخبرها.
"لو قدرت أخلي بلال يجبلك حجاج هتساعدهم فعلاً، محتاجة رد دلوقتي."
جز على أسنانه ونظر لها بسخرية وقد أعطاها ظهره قائلاً:
"لما يبقي يجيبه هبقى أقولك. سلام يا... مسك الليل."
رحل، ولكن قبل أن يذهب نظر إليها نظرة أخيرة وهو يراقب خصلة شعرها التي تحررت من تحت شالها وهي تراقص نسمات الهواء. ابتسم بحزن.
ذهب وتركها في حيرة كبيرة جداً، هل سوف يساعدهم حقاً؟ وهل سيوافق بلال على طلبها ويسلم حجاج؟ هل سيكون حجاج بريئاً فعلاً من الحادثة التي حصلت لورد أختها؟ أسئلة كثيرة تريد إجابة لها، ولكن لم يكن لها أي إجابة إلا بعد مقابلة بلال، يجب أن تقابله حتى ولو ثانية من وراء أمها.
يحزنها الأمر، ولكن تلك المقابلة سوف تحدد مصيرها مع بلال، هل ستكمل ما بدأه في صغرهم أو سينتهي كل شيء.
أتمنى أن يكون رضوان مخطئاً، وأن بلال لن يستغني عنها أبداً.
لا تعلم لما شعرت بالخوف بعد جملته تلك، لأول مرة تشعر أن ثقتها في بلال اهتزت، وأتمنى ألا يهتز كيانها معه، يكفيها تعب، يكفيها ألم قلبها، يكفيها غضب والدتها عليها بسبب خذلانها منها.
"يارب."
كلمة واحدة أخرجتها مسك بصعوبة من فمها، ولكنها حملت كل معاني الحيرة والوجع والخوف من القادم. فإن القادم لن يكون هيناً عليها أبداً.
***
كان ينظر لذلك الرجل الذي يتحدث معه عبر الحاسوب الخاص به في محادثة إلكترونية.
نطق بكل احترام قائلاً:
"يا قائد، لقد أتممنا نصف المهمة والنصف الآخر سوف يتم عند التنفيذ، لقد عرفنا هذا الرقم السري الذي فعله حجاج لتلك القنبلة. أريد معرفة الميعاد لتلك العملية حتى أرتب لها بشكل صحيح."
نظر له الآخر وهو يهز رأسه ويستمع لحديثه حتى انتهى أمير الجماعة من الحديث.
نطق بغرور:
"هذا رائع، أريدك أن تتمم العملية في الغد قبل صلاة الظهر."
ابتسم الآخر بفرحة قائلاً:
"كما تأمر، سوف نفعل كل ما تريده مولانا. هل من شيء آخر قبل أن أغلق المكالمة؟"
"نعم، أريد منك قتل حجاج، وتفعل به كما فعلت في رشاد ابن جابر، وترميه عند بيته كما فعلت مع رشاد دون أن يشعر أحد، أو من الممكن أن تأتي به عند مكان العملية ويقتل ويبقى من ضحايا تلك العملية، نصبح في أمان حتى لا يشك أحد بنا."
"ولكن يا قائد حجاج من رجالنا، ونحن لحد علمنا أن رضوان لم يبحث عليه حتى الآن، لما نبادر نحن ونقتله."
نطق الآخر بآلية وهو يتحدث عن القتل بتلك السهولة والسخرية:
"لقد قلت ما أريد، فعلاً، ولو حجاج سوف يحزنك قتله، اقتل نفسك معه حتى لا تشعر بذنب تجاهه، أو تتركه بمفرده يتعذب. اذهب وتعذب معه. إلى اللقاء يا أمير، فأنا لن أضحي بتلك المؤسسة وأسلمها للجيش المصري بكل سهولة بعد أن كلفت جمع أموال لتلك المؤسسة."
ظل الأمير صامت تماماً بعد تلك المكالمة، تنهد بتعب بعد أن رجع ظهره للخلف، فهو لا يحب أن يغدر برجاله في تلك المشاحنة الرخيصة.
***
ما ذنبي أنا في كل هذه المصائب؟ أيحدث لي كل هذا لأن قلبي أحب؟ أو لأني اخترتك أنت؟ فهل اختياري لك خطأ أم الزمن الذي نحن به هو الخطأ؟ أتمنى أن تكون أنت الصواب وكل هذه الأحداث هي الخطأ وليس أنت. أتمنى أن أكون أول اختياراتك وليس آخرها. أتمنى أن تشعر بنيران قلبي التي تأكله، فكلما ابتعدت عن الشر وجئت اختبئ فيك أجدك أنت من تجلبه لي، حتى لو لم تكن أنت سببه ولكنه يلازمك. فقط كل ما أريده منك هو الأمان، الأمان الذي لم أشعر به معك رغم حبي الشديد لك، ولم تستطع أن تعطيه لي رغم عشقك لي، ولكن كيف ستعطيه وأنت من تريده.
هكذا خطت مسك في دفترها، فهي كلما ضاقت عليها توضأت وركعت لربها، وبعدها تمسك دفترها وتكتب أي شيء تشعر به، لا يهم أن كان حديثها غير مرتب، يكفيها أنها تخرج ما في قلبها وترتاح ولو قليلاً، فهي في أمس الحاجة لراحة، ويكفيها الراحة التي اتخذتها من صلاتها وكتابتها في دفترها العزيز.