تحميل رواية «منك وإليك اهتديت» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خرجت تنهيدة مُثقلة من فم "زيدان" حين كان يتابع المارة من خلف زجاج سيارته، شكلت الحيرة خطوطها في عينيه الضائعة وامتزجت بلمحة حزينة في ظل التفاف حِبال غليظة حول عنقه رويدًا من فرط مشاعره المُبعثرة، سقطت يديه بجانبه وخارت قواه بعد أن استسلم لنداء ضميره في إنقاذها! ولكن من سيقوم بإنقاذه من وحل أفكاره وجلد ذاته؟! انتبه على صوت طرقات خفيفة فوق الزجاج الأخر ونبرة أنثوية ضعيفة تهتف بأسمه في رقة، حول بصره بعد أن استقرت يداه حول المقود وأخرج سعال خفيف ينظف به حنجرته المبحوحة، ضاغطًا على نفسه بالتركيز مع "...
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الأول 1 - بقلم زيزي محمد
خرجت تنهيدة مُثقلة من فم "زيدان" حين كان يتابع المارة من خلف زجاج سيارته، شكلت الحيرة خطوطها في عينيه الضائعة وامتزجت بلمحة حزينة في ظل التفاف حِبال غليظة حول عنقه رويدًا من فرط مشاعره المُبعثرة، سقطت يديه بجانبه وخارت قواه بعد أن استسلم لنداء ضميره في إنقاذها!
ولكن من سيقوم بإنقاذه من وحل أفكاره وجلد ذاته؟!
انتبه على صوت طرقات خفيفة فوق الزجاج الأخر ونبرة أنثوية ضعيفة تهتف بأسمه في رقة، حول بصره بعد أن استقرت يداه حول المقود وأخرج سعال خفيف ينظف به حنجرته المبحوحة، ضاغطًا على نفسه بالتركيز مع "نهى" ابنة عمته والتي كانت تنحني بجذعها العلوى ترمقه بابتسامة واسعة، زلزلت من ثباته الواهن.
دخلت " نهى " بعد أن فتح لها الباب وجلست بخجل ولكن مع صمته المستمر قررت كسره بقولها الرقيق:
- مالك يا زيدان؟ أنت كويس.
حرك رأسه بإيماءة بسيطة وبدأ في القيادة مخرجًا حروفه بصعوبة بالغة من جوفه المحترق بنيران الكذب:
- اه كويس يا نهى.
لم تنتظر هذا الرد بتاتًا ولا تلك النبرة السخيفة التي ألقاها بوجهها وكأنه عاد التو لشخصه البشع والتي اصطدمت فيه من قبل، تحاملت على نفسها وحاولت ترك أفكارها السلبية جانبًا، مقررةً الاستمتاع بكل لحظة معه بعد أن تمت خطبتهما منذ يومين.
- عايزة تروحي فين؟
سألها ببرود وهو يتابع الطريق، فردت ببساطة وهي تحرك كتفيها:
- أي مكان المهم أكون معاك.
مجددًا تضربه بسوط لعين ليسقط فوق ضميره الملتهب، ود لو يصرخ عاليًا أو يهرب بعيدًا عن العالم بأجمعه وألا يظل في تلك الدائرة والتي باتت تزهق روحه.
***
تحركت "ميرڤت " في منزلها وهي تضع الهاتف فوق أذنها تتحدث للطرف الأخر بامتعاض:
- خلاص يا ابراهيم قولتلك سيب الموضوع ده عليا.
استمعت بنفاذ صبر لكلماته المحتدة:
- يا أخويا خليك في اللي أنتي فيه، وارحمني شوية، مش كفاية المصايب اللي نازلة ترف فوق دماغي.
توقفت عن حركتها وشهقت شهقة كبيرة تعبر عن مدى غضبها منه ومن بعدها اندفعت الكلمات اللاذعة من فمها:
- اه طول عمري شايلة القرف والهم، وقعت المحلات أنت وابنك وسافرتوا وسيبتوني لسليم يدبح فيا.
قطعت كلماتها حينما استمعت لاعتراضه ولكنها عقبت بحدة:
- يعني كنت عايزني اسيبكوا تتحبسوا ولا أتصرف واسفركوا، تصدق أنا غلطانة كان زماني بجهز عيش وحلاوة.
استمعت لكلمات زوجها الغاضبة ومن بعدها انقطع الاتصال، ألقت الهاتف فورًا بعصبية وبصقت عليه باشمئزاز:
- رجالة تجيب الغم، الراجل مش عاجبه بعد كل اللي عملته.
تحركت صوب مقعدها المفضل وحاولت جذب نفس عميق والتذمر يملئ حروفها الغليظة:
- ولا جوز نافع ولا ابن طالع ناصح حتى البت كانت هتودي نفسها في داهية.
جذبت هاتفها مرة أخرى تجري اتصالاً بـ "نهى"، في ظل محاولات عديدة للضغط على أعصابها كي تتحمل أخطاء ابنتها الفادحة في الفترة الأخيرة، والتي جعلتها ذليلة لـزيدان.
***
تركت " نهى" الملعقة جانبًا والتفتت تجذب هاتفها، وعندما قرأت أسم المتصل ردت على الفور بهدوء بينما كانت عيناها تجول فوق ملامح زيدان الحاضر الغائب، عبثه في طعامه، تنهيداته المتتالية، ملامح وجهه الباهتة جميعها سرق انتباهها من حديث والدتها، ولكن مع صوت تذمر اخترق مسامعها انتبهت فخرج صوتها مهتزًا ضعيفًا:
- اه حلوة يا ماما.
حركت رأسها بإيجاب تستمع لتنبيهات والدتها التي لم تنقطع ومن أهمها ألا تصبح خرقاء وتترك الفرصة من يدها، فقالت بحيرة من أمر زيدان المضطرب أحيانًا ووحدة والدتها وكأنها تُقدم على اختبار وليس مقابلة بسيطة مع خطيبها:
- حاضر يا ماما فهمت.
انتظرت ثوان ومن بعدها حولت الهاتف لـ"زيدان" تعطيه إياه:
- زيدان، ماما عايزة تكلمك.
لم ينتبه، كان في عالم آخر يجرب به مرارة الضياع ما بين أفكاره ومشاعره، عالم من الصعب إيجاد به حلاً لإرضاء ذاته، تبًا للإنسانية..تبًا لحبيب قرر الهجر وترك القلب يتلوى بنيران الاشتياق.
استفاق أخيرًا وحمحم مردفًا بصوت شاحب:
- معلش، قولتي إيه؟
ضمت شفتيها بضيق ولكن اندفعت حروفها في هدوء:
- ماما عايزة تكلمك.
حركت الهاتف أمامه، فالتقطه بوجوم مانعًا نفسه من التفوه بلفظ بذيء لعمته الحرباء والتي بدأت في التلون، كي تجذب تعاطفه بأي شكل:
- عامل إيه يا روح قلب عمتك.
"زفت طول ما أنا بكلمك" تمنى إخراجها علنًا ولكن عاندته كلماته كالعادة وهتف ببرود:
- الحمد لله زي الفل.
- خلي بالك من نهى يا حبيبي وفرحها كده، ده أنتم لسه في أول الخطوبة.
- تمام.
عقبت على حديثه بسعادة:
- تمام وأنت متقلقش اتفاقنا ماشي زي ما هو، سلام.
أنهى الاتصال واضعًا الهاتف بإهمال فوق الطاولة، حرك بصره بفتور نحو طفلين كانا يلهوان في المكان من حولهما.
- هي ماما ضايقتك يا زيدان، لو عملت حاجة أنا أسفة بالنيابة...
قاطعها بعصبية خافتة بعد أن فقد قدرته في السيطرة على نفسه:
- مش طبيعي يا نهى كل دقيقة اعتذارات في إيه.
تلألأت الدموع بعينيها حينما هاجمها كالوحش فجأة مقتلعًا سكينتها، ملقيًا إياها في غابة موحشة تقابل وجهه الحقيقي.
أما هو زفر بحنق ونهض متمتمًا في غيظ:
- هروح الحمام.
تركها وحدها تصارع دموع لعينة ظنت منذ بداية خطبتهما أنها لن تعود ولكنها عادت وفرضت هيمنة على عينيها الذابلة، بينما كان العقل يجاهد الغرق في ذكرى سوداء حطمت قلبها وحولت حياتها الوردية لأخرى سوداء تفتقد الشغف بها.
مسكت منديلاً ورقيًا وجففت عينيها، محاولة تهدئة نفسها بكلمات بسيطة:
- متعيطيش أكيد مضغوط من شغله بس.
ان لم تتجرع من كأس الشفقة على ذاتك المنكسرة، فأنت في أمان.
عاد "زيدان " بعد فترة بسيطة وجلس أمامها وكأن شيئًا لم يكن، قررت الانشغال بطعامها عن مراقبته، فـ بسبب أسلوبه الجاف أصبحت كورقة خريف هشة ان قام بالضغط عليها ستتحول لفتات.
***
أبعدت "مليكة" المنشفة عنها بعد أن جففت خصلات شعرها وارتدت ثيابها المكونة من تنورة سوداء اللون وبلوزة وردية تتناثر فوقها فراشات بيضاء صغيرة، ابتسمت لنفسها في المرآة بدلال وعبرت عن إعجابها بجمالها فبدأت تُلقي قبلات لنفسها وصوت ضحكة صغيرة تخرج من جوفها تعبر عن صفائها في هذا اليوم.
- يا صباح الخير ياللي معانا...
بدأت تدندن بعذوبة ولكنها قطعت وصلة غنائها متهكمة:
- صباح إيه، إحنا بعد العصر يا كوكي.
رمقت ساعة يدها في تركيز ومن بعدها أحكمت حجابها فوق رأسها منتظرة دخول حبيب القلب وسند الحياة، وبالفعل بعد دقيقة استمعت لطرق الباب وصوته يستأذنها قبل الدخول، فركضت تفتح له الباب:
- يا صباح الفل يا أحلى كوكي في الدنيا.
ألقت قبلة صغيرة له في الهواء وابتسمت ابتسامة واسعة وهي تقول:
- صباح إيه بقى، إحنا العصر.
دلف خلفها وهو يقول بصدق:
- والله اليوم مبيدأش معايا إلا لما بشوف ضحكتك.
خصته بنظرة حب والتفتت للمرآة تمرر بصرها على ثيابها:
- حبيبي يا بابا ربنا يخليك ليا يا رب.
اقترب منها وقبل جبينها وهو يرفع يده بأموال مطوية بشكل مرتب:
- خدي يا حبيبتي، خلي دول معاكي.
توسعت عينيها البُنية وهتفت بنفي وحرج طفيف:
- يا بابا أنا معايا والله، أساسًا مبصرفش كتير.
أمسك يدها بين كفيه وقال بصوت حنون:
- أنا اه ربيتك على عزة النفس بس مش عليا يا ست مليكة.
انحنت بنصف جسدها وقبلت يده كحركة ملازمة لها منذ الصغر، ولو كان ذلك الفعل البسيط كافي لإخباره بمدى امتنانها له لفعلت ذلك كل ثانية.
اكتفت فقط في هز رأسها كدليل على موافقتها، فتركها تستكمل ما تفعله وخرج في هدوء، وكعادته حينما يتركها تشعر بفراغ كبير، لطالما كان السند والحماية...الأب الحنون، الصديق الوفي، حتى حنان والدتها رحمة الله عليها لم يبخل أبدًا في تعويضها به، والغريب في الأمر أنه ليس والدها.
فمنذ أن كانت طفلة في الثانية من عمرها فقدت والدها وعاشت ثلاث سنوات مع والدتها ولم تذق معنى الأبوة فيهم، حتى قررت والدتها كسر حاجز الحزن بعد أن عرض عليها السيد "مصطفى" الزواج بها، فهو لم يكن شخصًا غريبًا أبدًا عليهما، بل كان أبن عم والدها، لذا كان يغدقها بالحب والاهتمام كلما يلقاها، فصارت تتعلق به رويدًا رويدًا، خطف قلب والدتها بتعلقه بها، ومع أول عرض منه وافقت على الفور وذلك من أجل صغيرتها فقط.
تنقلت "مليكة" بين سنوات عمرها دون أن تشعر بغياب الأب، حيث لعب "مصطفى" دورًا هامًا في حياتها، لم يحرمها من شيء، حاوطها وكأنها ملكة صغيرة يخشى فقدانها، لم يطالب والدتها بالإنجاب، واكتفى بها وحدها وكأنها ابنته بالفعل، شجعها على مراحل تعليمها، وحثها على التفوق منذ صغرها، دفعها بالعديد من الكلمات الحماسية فصارت تجتهد لأجله فقط، لأجل نظرة الفخر الذي كان يقابلها بها كلما عادت بشهادتها، مرت بذكرى تفوقها في الثانوية وفرحته العارمة بها، حتى أنه قرر ذبح "خروف" معبرًا عن سعادته بالمنطقة، فتجسدت كلماته بنبرته السعيدة أمامها، شعرت ببهجة تخالط ملامحه وهو يمسك بالشهادة بين يديه وكأنه حصل على جائزة ثمينة، فنزل للأسف وبدأ في استعراض شهادتها في المنطقة بين الرجال وهتف بفخر وعزة:
- بنتي هتبقى الدكتورة مليكة.
التحقت بكلية الطب واجتهدت مع اهتمامه بها في السنة الأولى، ومع بداية العام الثاني فقدت والدتها فجأة وتوفت، مرت بمحنة قوية وتخبطت بين جدران الوحدة والألم وبين استكمال مستقبلها، حتى هو ذبل وشابت خصلات شعره من شدة حزنه، ولكنه نهض مجددًا كالأسد الذي يتفقد عرينه بعد نكبة قوية أثرت فيه، استطاع بكل صلابة الأخذ بيدها وتخطا معًا تلك المحنة، ولكن لا زال أثر فقدان والدتها محفور في قلبها، أحيانًا يشتعل لهيب الاشتياق ببعض الذكريات حنينًا لوالدتها فيأتي هو بدفيء قلبه يطفئ لهيبه باحتوائه الدائم لها.
خرجت من عمق ذكرياتها بصعوبة وجذبت حقيبتها تضعها على كتفيها استعدادًا ليوم طويل بالمشفى التي تستكمل به سنة الامتياز خاصتها.
***
وقفت سيارة "زيدان" أمام معرض السيارات الخاص بأخيه "يزن" ذلك الوقح الذي لم يهدأ قط من الفتيات مستمتع بكل لحظة بين أيديهن، يلقى كل الدلال والاهتمام، حتى أن الهدايا تتراشق فوق رأسه والوقح أصبح ناقمًا من كثرتها وهذا أكثر ما يغيظ "زيدان" فبينما أخيه غارق مع الفتيات مستمتع بالحب على حد قوله، هو يتجرع خيبات الحب مرارًا وتكرارًا، بل أنه أوقع نفسه في خديعة بعد أن لعبت العاطفة دورًا في مشاعره الصلدة.
تحرك للداخل وهو يرسم ابتسامة ساخرة فوق شفتيه يتابع أخيه المنهمك في الحديث مع إحدى الفتيات من خلال زجاج مكتبه، فتمتم بحقد:
- طيب يقفل الازاز ده، ويداري فضايحه.
لمح إشارة يزن له وترحيبه به، ففتح الباب المغلق و الذي لم يرى له فائدة فالزجاج كان كالنافذة لجميع العاملين.
خرجت الفتاة بعد أن دخل وتوردت وجنتيها خجلاً، فرمقه زيدان باندهاش وعبر عما جال بخاطره:
- دي طلعت مكسوفة، أنت بتحبها بجد ولا إيه؟
- لا متاخدش في بالك كلهم بيتكسفوا مني.
قالها في غرور وهو يتكئ بظهره على مقعده، فجلس زيدان فوق المقعد المقابل له وتمتم بحيرة:
- يا ابني أنا توهت منك ومن عدد البنات اللي بتكلمهم.
حرك "يزن" يده بأصابعه الخمسة في وجهه أخيه كناية عن خوفه من الحسد، فأغمض الأخر جفنيه بنفاذ صبر وهتف من بين أسنانه:
- هي دي حاجة حلوة هحسدك عليها يا بارد.
طرق" يزن" فوق المكتب بأصابعه وهتف في تكبر:
- محدش فيكوا مقدر نعمة اللي في ايديا.
امتعض وجه "زيدان" وسأله في استنكار:
- ويا ترى إيه هي؟
- بخطف قلوب البنات خطف.
قالها ببسمة واسعة فأمسك "زيدان" عدة أوراق وألقاها بوجه "يزن" الذي يصر على استفزازه مستعرضًا عضلاته في سرقة قلوب الفتيات حتى أنه لم يخطأ مرة في أسم واحدة، وكأنه يملك ميزة قوية في تذكر اسم كل فتاة وما تحب وما تكره.
- سليم لسه مكلمني واطمن على الشغل.
رفع زيدان بصره إليه وهز رأسه بتفهم وهو يقول:
- وكلمني أنا كمان، اطمن عليا.
- الواد أنس واحشني اوي، البيت من غيرهم ولا حاجة.
- ربنا يجيبهم بالسلامة.
طرق "يزن" فوق الطاولة بقوة كي يجذب انتباه أخيه حيث بدا مؤخرًا فاقد للتركيز:
- جاي ليه، ما أنا لسه شايفك الصبح.
حتى هو لا يعلم سبب مجيئه، سوى أن هناك رغبة مُلحة في الاستنجاد بمزاح يزن كي يخرج من حالته المزاجية السيئة ولكن حتى يزن فشل في ذلك، أو ربما سبب الفشل هو الألم النفسي الغارق به بعد أن أُلقى فوقه ثوب الخيانة.
اختلق كذبة صغيرة ونهض يخرج من المكتب وهو يشير نحو إحدى السيارات في العرض:
- عاجبني العربية اللي هناك دي وعايزاها.
- المعرض كله تحت أمرك يا حبيبي، بس دي بالذات محجوزة لمدام فري.
التفت "زيدان" له يحدج به في قوة، فردد يزن بتأكيد:
- مــدام والله.
- مش عايزين عك.
قالها زيدان في تحذير قاسٍ، فضغط يزن فوق شفتيه السفلية وقال بعتاب خالطه المزاح:
- عيب عليك هو أخوك كده بردو.
***
خرجت "مليكة" من غرف أحد المرضى وتحركت صوب الغرفة الصغيرة المخصصة للراحة، دخلت وأغلقت الباب خلفها وداخلها يرتاح لقرارها في الهروب من أحد الأطباء، بعد أن شكل خطرًا عليها، وأصبح يصيبها بالارتباك بسبب نظراته وكلماته البذيئة، كان ميعاد مروره عليهم ونجحت في الاختباء من نظراته الجريئة المخترقة لجسدها كالسهام.
نظرت في ساعتها تعد الدقائق حتى تعود وتستكمل عملها بكل سلاسة، فقد قررت اللجوء لتلك الفكرة دومًا أفضل من اللقاء به.
فُتح الباب بقوة، فظهرت ملامح الذعر على وجه "مليكة" وأردفت بتوبيخ:
- كدة يا فرح تخضيني بالشكل ده.
أغلقت" فرح" الباب خلفها وقالت بأسف:
- معلش يا مليكة، أصل كنت بدور عليكي.
ارتبكت "مليكة" ونهضت تسألها:
- بتدوري ليه؟
- دكتور ماجد كان بيدور عليكي.
كورت قبضتيها الصغيرة بغضب وجاهدت إخراج نبرة صوتها طبيعية:
- خير عايزاني في إيه؟
ضحكت "فرح" ضحكات متقطعة لعبت بأعصاب "مليكة" المذابة خوفًا من أن يلاحظ أحد ما تمر به على يد "ماجد"، وبعد ثواني عادت الطمأنينة لقلبها بعد أن تفوهت فرح بجدية:
- متقلقيش اوي كده، أنا قولتله انك كنتي في الحمام وهو سكت.
تنفست أخيرًا وحمدت الله أن الأمر لم يصل لاستدعاء في مكتبه وينفرد بها وحدها، فتابعت "فرح" كلماتها وهي تتجه صوب حقيبتها:
- كلنا عارفين انك مبتحبهوش.
ضحكت "مليكة" بخفوت وقالت بهودء بعد أن عادت الحياة لوجهها:
- هو أنا باين عليا أوي كده.
ضربت "فرح" قدمها أرضًا وعبرت بسخط ينافي مجرى حديثهما:
- هو ده وقته تليفوني يفصل، لازم أكلم حمادة.
اقتربت "مليكة" منها وحاولت تهدءتها:
- طيب خدي كلميه من معايا، واهدي محصلش حاجة.
عادت البسمة لوجه" فرح" وأخذت منها الهاتف بعد أن قامت "مليكة" بكتابة الرمز الخاص بها وفُتح الهاتف.
كتبت "فرح" الرقم وأجرت اتصالاً بخطيبها والذي أجاب على الفور:
- أيوا يا حبيبي.
ابتعدت "مليكة" عنها وقررت الخروج لإعطائها مساحتها الكاملة في التحدث مع خطيبها لذا قالت:
- فرح أنا هخرج هتلاقيني في أول اوضة على إيدك اليمين.
أومات "فرح" لها بصمت وانتظرت خروجها حتى قالت لخطيبها بنبرة سريعة:
- خليك معايا بس يا حمادة ثواني.
أجرت كتم للاتصال وبدأت العبث في هاتف" مليكة" بسرعة وخاصةً مخزن الصور الخاص بها وفي يدها الثانية قامت بتشغيل هاتفها والذي أغلقته عمدًا من قبل.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الثاني 2 - بقلم زيزي محمد
دلفت إحدى الممرضات لغرفة الاستراحة وبدأت في إيقاظ "مليكة" التي غرقت في السبات لدقائق بسيطة.
هتفت بصوت حاني لطيف بينما حركت أصابعها بلطف فوق ذراع مليكة:
- دكتورة اصحي.
فتحت "مليكة" جفنيها بصعوبة وقد أصابها الإرهاق من ضغط المرضى اليوم، فخرجت حروفها خافتة:
- أيوة يا كوثر.
- دكتور ماجد طلبك في مكتبه.
انتفضت "مليكة" من مكانها وكأنها لُدغت من ثعبان، وبهت وجهها وهي تردد خلفها بتساؤل يشوبه القلق:
- عايزني ليه؟
- والله ما عارفة يا دكتورة.
أشفقت "كوثر" على حالتها المذعورة، وتلبسها ثوب الشجاعة وهي تردد عليها خطة بسيطة في محاولة منها لإنقاذها من ذلك الذئب:
- بصي إيه رأيك، أقف برة لو حسيت انك طولتي اخبط واقول إن في أي حالة تعبانة.
أغمضت "مليكة" جفنيها بصعوبة، وبدأت بالتفكير في عرضها البسيط، فردت بحزم:
- ماشي يا كوثر، يلا.
تحركت مع كوثر نحو الطابق المنشود، جرت ساقيها جرًا وكأن عقلها يأبى دخولها إليه، خاشية من نظراته جريئة، والمسافات التي يأكلها بينهما أحيانًا، حتى يلعب القدر دورًا هامًا في فرارها فتنسل من أمامه في لمح البصر.
وقفت أمام الغرفة وتيبست قدمها فجأة متسائلة في توتر هل ستنجح في الفرار من براثنه؟، فحثتها الممرضة على الدخول وهمست لها:
- ربنا معاكي يا دكتورة، متخفيش أنا هقف هنا.
دخلت بعد أن طرقت الباب، ووقفت بجانب الباب مباشرة، لم تستطع التقدم خطوة، ولا النظر لعينيه الفاسقة، ارتبكت من بسمته الخبيثة التي اعتلت شفتيه فور رؤيتها، وكأنه يتلذذ بقلقها، بينما هي كانت تسعى أن تقف ثابتة، شامخة، كي لا تعطي له مجالاً في استغلال ضعفها.
- مختفية فين يا مليكة طول اليوم؟
سألها ببرود وكأنه لا يعلم حقيقة الإجابة، حيث تجسد الكره في عينيها كوضوح الشمس، ومن فرط خصاله الماجنة أصابه العمى ولم يرى مدى كرهها له، وعكس ما هو متوقع نظرات الكره المنبثقة من عدستيها تزيده إصرارًا عليها، بعدما تشجعت وعارضت كلماته البذيئة وحذرته دومًا من التمادي معها، وأعلنت صراحة أنها لن تسمح أبدًا بلمساته القذرة مثل بعض الطبيبات، ولن تسعد بنظرة وقحة منه، بل صرحت له ذات مرة بأنه يصيبها الاشمئزاز منه وأحيانًا أخرى كانت حالتها تسوء لدرجة الغثيان.
فكرت مرارًا باللجوء لزوج والدتها، ولكنه رجل بسيط لن يقوَ على مواجهة هذا البغيض، ربما يصيبه مكروه بسببها، وتندب هي حظها فيما بعد، لن تكون خطوة في إيذائه من رجل مستبد ذو نفوذ يتباهى بها دومًا، وأكثر ما يخيفاها هو الأقاويل المتناثرة هنا وهناك على لسان الأطباء والممرضات، عن مدى وقاحته وجبروته، وأن من يتجرأ بالوقوف ضده ستكون نهايته مأسوية.
أخفت مضايقاته لها، وكان ذلك السر الوحيد الذي استطاعت إخفاءه عن زوج والدتها بعدما كانت تشاركه كل شيء بحياتها البسيطة، لن تنكر أن محاولاتها العديدة في انتقالها للمشفى آخر باءت بالفشل بسبب ذلك الوقح وقد صرح ذلك لها علنًا، تذوقت الإرغام على يده وكان مذاقه مُر كالعلقم، فحتى وجودها معه الآن يدفعها لقتله والتخلص منه.
أخرجتها طرقاته المتتالية فوق مكتبه من عمق تفكيرها العدواني، وتجمدت ملامحها تخفي خلفها ذعرًا يصيب قلبها، فواجهت كلماته المستنكرة لشرودها أمامه:
- ما شاء الله سرحانة في إيه، اوعي يكون فيا؟
- خير يا دكتور طلبتني ليه؟ في حاجة مهمة!
غيرت مجرى الحديث بعملية وصرامة، فتجاهلها ونهض من مقعده متقدمًا نحوها في خطوات واثقة، تراجعت خطوة واحدة ومن بعدها وقفت بثبات، وبجرأة غير متوقعة منها ثبتت بصرها عليه، تحذره من التقدم أكثر، وقد أعجبه أسلوبها هذه المرة ووقف على بُعد خطوة منها يسألها بصوت ماكر:
- ليه بتصري تبعديني عنك؟
استغفرت ربها بصوت عالي، وخالط الهجوم الشرس كلماتها التي حاولت بقدر الامكان تقليل حدتها:
- لو سمحت يا دكتور ماجد، أنا حذرتك كتير من طريقتك دي، يا ريت نتكلم في إطار شغلنا، وتبطل طريقتك دي.
ضحك ضحكات مستنكرة، وهتف بعدها بتساؤل امتزج به التهكم والتهديد معًا:
- ولو مبطلتش طريقتي هتعملي إيه؟
كورت قبضتيها بغيظ بجانبها، وهتفت بتحدٍ:
- هطلع على الإدارة واشتكي.
- لو جدعة أعملي كده ووريني شطارتك.
اختصر المسافة بينهما فورًا بتبجح حين نطق بكلامه المستفز، وتجرأ في لمس ذراعيها معًا، فنفضت يده بعيدًا عنها وهددته بصرامة وقد على صوتها:
- قولتلك حافظ على حدودك معايا.
وقبل أن يرد، طرقت "كوثر" الباب ودخلت فورًا دون أن يأذن لها، فكان صوت "مليكة" الغاضب إشارة كي تنقذها من تعدٍ واضح من قبل "ماجد".
- أنا أسفة يا دكتور، بس دكتورة فايزة طالبة الدكتورة مليكة تحت ضروري.
استغلت "مليكة" صمته وجذبت كوثر خلفها دون أن تعطيه اهتمام، فأغلق الباب بقوة افزعتهما.
انهمرت الدموع فوق وجه "مليكة" الغاضب في ظل ثوران مشاعرها كلما نخر الضعف لقواها أمامه.
اتجهت سريعًا صوب المرحاض واندفعت بقوة لداخل نحو الحوض تسمح للغثيان المتأجج بالانفجار بعد أن منعت نفسها من شدة اشمئزازها منه.
ضربت "كوثر" كف فوق الأخر تعاطفًا مع "مليكة" وودت لو تمتلك جرأة في اقتلاع أعين "ماجد" للتخلص من نزواته التي بدأت تشمل كل من هب ودب في المشفى ولا يفرق بين ممرضة أو طبيبة، ولوهلة حمدت الله أنها لا تمتلك قدر كافي من الجمال كي لا تتلألأ بعينيه، إلا وكانت الآن تتذوق من نفس الكأس الذي تجرع منه البقية، منهن من سكت وارتضى بالوضع وأحيانًا تمادت اللمسات لعلاقات فجة ومنهن من اعترض و ُأرغم فيما بعد، ومنهن من أعترض بقوة كـ "مليكة".
تبدلت ملامحها فور رؤيتها لـ " فرح" التي كانت تراقب حالة مليكة من بعيد منذ دخولها لغرفة "ماجد" حتى اندفاعها باكية نحو المرحاض، تضع يدها فوق فمها.
- مالها دكتورة مليكة يا كوثر، كانت بترجع ليه؟
رفعت "كوثر" حاجبها الأيسر وردت بسخرية:
- من القرف اللي موجود حوالينا يا دكتورة، ربنا يحميها أصلها نضيفة، فأكيد مش هتستحمل.
كان حديثها غامض لدرجة أقلقتها، ولكن خروج "مليكة" قطع تساؤلاها، اهتمت "كوثر" بخروجها ومدت يدها تحيط ذراعي "مليكة" وهي تلقى ببعض الكلمات قاصدة بها إغاظة الأخرى:
- تعالي يا ست البنات يا محترمة، تعالي ربنا يحفظك ويصونك.
استندت "مليكة" على يدها وتحركت معها دون أن تعير الانتباه للواقفة بجانبها تغلي كالماء الساخن فوق سطح الجليد، بينما احتدت نظراتها وفتحت للشيطان مجالاً لدخول لها.
في إحدى دول الخليج وتحديدًا في قطر، صعد "خالد" درجات السلم في إنهاك واضح وقد طغى الاجهاد على ملامحه المُرهقة اثر عمله المتواصل دون أن يأخذ قسط من الراحة رافضًا العودة لبيته الذي أصبح يعج بـ خاله وابنه اللذين قررا المكوث معه بعد أن خسرا أموالهما في عدة مشاريع خائبة من تفكير ابن خاله " سمير" الساذج البارد ولو ترك نفسه لنعته أكثر من ذلك سينعته بألفاظ لن تليق أبدًا برجولته.
زفر بحنق شديد وهو يخرج مفاتيح شقته من جيب سرواله، مستعدًا لمقابلة العديد من الطلبات المستفزة الخارجة من فاههما دون أن يعلما أنهما يفوقان طاقته وقدرته في تحملهما.
وقبل أن يفتح الباب ظهر صوت صديقه وجاره بالبناية من خلفه يطلب منه الوقوف قليلاً قبل أن يدخل، وبالفعل التفت "خالد" بابتسامة هادئة يستجمع تركيزه مع صديقه الذي بدأ في التحدث بحرج:
- معلش يا خالد، هعطلك شوية بس أنا يعني بطلب منك..
توقف صديقه قليلاً قبل أن يعود وينطلق يخرج طلبه مرة واحدة:
- ياريت توطي صوت الأغاني بليل، أنا ببقى راجع تعبان من الشغل...
قاطعه خالد مستفسرًا في تعجب:
- أغاني إيه، أنا بشتغل بليل..
كانت المقاطعة من نصيب صديقه الذي أكد بإصرار:
- لا الأغاني صوتها جاي من شقتك.
حينها أدرك خالد أن ذلك التصرف السيء خرج من أقاربه، فرد والحرج يرسم خطوطه فوق ملامحه:
- أنا بعتذرلك بس أكيد ابن خالي اللي بيشغلها.
- مفيش أي مشكلة بس ياريت تقوله وتفهمه الوضع.
هز خالد رأسه متفهمًا دون أن ينطق وانطلق صديقه من حيث أتى، فدخل خالد وعلى وجهه علامات الازعاج بينما تتشاحن ذرات الغضب لديه مقررًا توبيخ سمير، كي لا يقف يتلقى الشكاوي هكذا كالأبله.
قابله الهدوء التام وهذه عادة بحث عنها مؤخرًا في شقته التي أصبح يشتاق إليها بسبب غيابه المستمر في عمله هربًا من ذلك الوضع المذري الذي يسير فيه حاليًا بشقته، أوراق ملقاه في الأرض والوسادات في كل مكان، حتى الثياب مبعثرة في أرضية المطبخ، والحوض يمتلئ عن أخره بالأطباق والملاعق.
زفر بقوة وقرر امتثال الهدوء قليلاً ويردد تعليمات استضافة الضيف بداخله كالطفل الصغير حتى لا ينطلق كالثور يوبخهما ويقوم بطردهما أشر طرده.
جلس فوق الأريكة وأغمض جفونه المتعبة والطالبة بغفوة يرتاح بها جسده، ولكن أين وخاله يرقد غافيًا في غرفته وابنه يغفو في الغرفة الأخرى.
قطع تفكيره اللحظي رنين متواصل منبعث من جانبه، فحول بصره جانبًا ببطء ووجد هاتف خاله يضيء باسم "نهى" ابنة خاله الغائبة عن عينيه لمدة ثماني سنوات منذ أن قرر ترك مصر والسفر لقطر للعمل بها، كانت هي حينها في السابعة عشرة من عمرها، حقًا لم يتذكر ملامحها جيدًا حيث كانت مختفية دائمًا تفضل الانضمام لعائلة والدتها دومًا، لم يرها سوى في المناسبات وإن رآها واستطاع التحدث معها كانت تقابله بالتجاهل، حتى في وفاة والده لم تأتي لتقدم التعازي له هي ووالدتها.
عاد وأغلق عينيه بعدما هاجمته ذكريات مريرة مر بها بعد موت والده ومروره بضائقة مالية خسر فيها تجارة والده، انتظر وقوف خاله" سمير" بجانبه ولكنه لم يقدم أي عرض حتى لو كان بسيطًا خوفًا من زوجته.
حتى عندما قرر السفر للعمل بالخارج احتاج المال فاضطر لعرض منزله للبيع وتجميع الأموال للسفر ومنذ تلك اللحظة اقسم على نفسه ألا يعود لمصر فلا توجد عائلة حقيقية بعد موت والديه.
أخرجه رنين الهاتف من ذكرياته المتدفقة بغزارة وقرر الرد لإنهاء إزعاجه، فرد بصوت خامل:
- الو.
جاءه صوتها الرقيق وهي تجيب بتعجب:
- مين معايا؟
التوى فمه ساخرًا متوقعًا منها أي شيء، لقد نست صوته بالتأكيد لعدم التواصل بينهما، بل أنها محته من ذاكرتها، حتى أنه ذات مرة تصرف بغباء وأرسل لها طلب صداقة على "الفيس بوك" وردت عليه بحذف الطلب، تحامل على نفسه وعرف بشخصه:
- أنا خالد.
ردت بعدم فهم وسألته:
- خالد مين؟
اغتاظ منها ومن طريقتها المتعجرفة، ولكنه تحامل أكثر على نفسه والقى بكلماته المستنكرة:
- خالد ابن عمتك يا نهى.
انتظرت ثوان تدرك الوضع ومن بعدما انطلقت ترحب به بحفاوة:
- خالد ازيك، اخبارك إيه؟
ببرود تام أجاب:
- الحمد لله.
- هو أنت عند بابا؟
وقبل أن يجيب التقط "إبراهيم" الهاتف منه وأجاب في ثبات تعجب له "خالد":
- أيوا يا نهى خالد جاي يزورني فيه الخير والله.
ابتعد "خالد" عنه بضيق وهز رأسه متبرمًا منه تصرفات خاله المستفزة واختلاقه للكذب على أملٍ ألا تعلم زوجته بحقيقة خسارته لأمواله، لذا طلب من خالد من إبقاء السر بينهما حتى يجد هو وابنه عمل وشقة مناسبة لهما، وحتى هذا الوقت لم يتحرك ساكنًا هو وابنه الفظ.
أنهت "نهى" اتصالها مع والدها، حيث شعرت بحاجتها في سماع صوته، بعدما زحفت الوحدة لقلبها مجددًا وطغت على مشاعرها رغم وجود والدتها، ولكنه كان وجود سلبي لا تجد به نفع لنفسها الضائعة في أمورٍ قاسية شعرت بإهدار لكرامتها بها.
ماذا لو تركت نفسها لأفكارها السلبية من جديد؟
ماذا لو مرت بنفس تلك المحنة والتي انتهت بأمر بشع، تلقت فيه اللوم من الجميع؟
لِمَ تفشل في لم شتات نفسها؟ لِمَ يبقى الفشل هو سيد موقفها؟
هل الحب ضعف أم أنه اختيار سيء لها قررت اللجوء له بعد إهمال عائلتها لها؟
أسئلة كانت تغزو عقلها كعدو خفي يقتنص منها سكينتها، راحتها، سعادتها، حتى مشاعر الحب أصبحت خائنة لا تحدد ماهيتها هل كانت مجرد أداة في هزيمتها، أم هي العصا السحرية التي ستنجو من خلالها من وحدة بشعة وإهمال قاسي تعانيه دومًا.
نهضت عن فراشها بعصبية تملكت منها، واتجهت صوب الشرفة، حيث شعرت بحاجتها لاستنشاق الهواء العليل تنظف من خلاله صدرها المشحون بمشاعر جمة تدفعها لنفس النقطة التي تلوح لها بين حين وآخر، تناديها وكأنها النجاة من آلامها النفسية، ترسم لها نهاية الخلاص من اضطراب نفسي تعاني منه حتى بعد خطبتها من زيدان.
حيث كان هو الأمل الأوحد لها، السلام النفسي الذي تبحث عنه في ظل العناء المحيط بها، لم تكذب بقولها أنها كانت تعيش لأجل دقات قلبها له، ولأجل العش الذي رسمته بخيالها ولحياة وردية سعت لأجلها.
غزا الضعف أوصالها، وكلما حاولت الهرب من نفس النهاية تعود لها محبطة، وذلك بسبب جمل قاسية من زيدان تراشقت بعقلها الساذج تصفعه كي يستفيق من غفوة كانت تنعم بها كالأميرة النائمة تنتظر قُبلة من أميرها حتى يحيي بها الأمل والحياة من جديد، ولكنها وجدت السم يغزو عروقها، يدمر شغفها، وقلبها الغض الغارق في حبه ينتفض ثائرًا بعد أن تلقى هجوم بشع لم تتوقعه منه هو تحديدًا بعد أن قررت الاعتراف بحبها له في لحظة ضعف على أملٍ إنقاذ فؤادها من ضياع أصبح يخنقها.
استسلمت لذكرى بشعة تحمل كل اللحظات المُحبطة التي مهما حاولت الفرار منها تفشل كعادتها.
تألقت "نهى" في اختيار ثيابها واهتمت كثيرًا بمظهرها وخاصة ملامحها التي قضت الليل بأكمله في العناية ببشرتها كي تبدو صافية بقدر ما تشعر به الآن من سعادة مميزة بعد أن طلب منها زيدان لقائها وهذا كان أمرًا غير عادي بالنسبة له.
شعرت بتغيير طفيف طغى عليه بعد وفاة والده، وأصبحت حاجته لها تزداد أكثر من خلال محادثتهما ولقائتهما، لمست انهيار جزء منه بعد فقدانه لوالده، وقد أقسمت على مساعدته كي يتخطى تلك المرحلة، فأصبحت تهتم به كثيرًا، مُلمة بجميع احتياجاته، وفي لحظة فارقة تقرب منها بود وتغيرت فظاظته بل تبددت وبات أكثر لطفًا ورقة.
تحركت كالفراشة بفستان نبيذي اللون لداخل الكافية تبحث عنه بلهفة لمعت بعينيها وأفضت على ملامحها الجميلة وهي تقابل عينيه الشاردة كعادته.
اقتربت منه في بطء حتى توقفت أمامه وبدأت في إخراج كلماتها العذبة ترحب به رغم أن واجب الترحيب يقع عليه أولاً:
- أخبارك إيه؟
أشار إليها بالجلوس ورد عقب جلوسها بنبرة فاترة:
- تمام، أنتي عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامة واسعة تنافي ذلك الفتور البادي على وجهه وقالت:
- لو أنت كويس فأنا أكيد كويسة، أما أنت لو زعلان...
قاطعها ساخرًا:
- إيه هتكوني زعلانة بردو؟
ردت بتأكيد أصابه بالتعجب منها:
- أكيد، أنا وأنت واحد.
رمقها بنظرة مطولة شعرت حينها بالخجل، وأدركت مدى تماديها في الحديث، ربما عليها إمساك رابطة لسانها وتحجيم مشاعرها التي تتكدس بطريقة أصبحت من خلالها خرقاء تفيض بما تشعر به علنًا.
ومع استمرار صمته لعب التوتر دورًا قويًا في إرباكها وذلك حين قال بصوت غليظ:
- بس أنا وأنتي مش واحد يا نهى.
كانت كلماته صريحة تتسم بالقسوة، حيث بددت من سعادتها وأصابها تشوش من حدة كلماته فاهتزت ملامحها بحيرة وبدت في لحظة كفتاة خرقاء قررت الاستمتاع فوق أرجوحة مهترئة غير مثبتة كافية أعلى حافة مدببة.
- أنا أكيد مكنتش اقصد المعنى ده، يعني أنا بتكلم بحكم أننا قرايب.
كانت تندفع بكلمات متلعثمة لحفظ ماء وجهها من إحراج قوي.
راقبت أنفاسه التي خرجت براحة وكأنه أزاح ثقلاً عنه:
- صح يا نهى احنا قرايب... قرايب وبس.
ردد الكلمة بنبرة قوية، مؤكدًا على كلامها بطريقة ألمتها وشعرت بفقدان الأمل في أمنيتها الوحيدة بعد تأكيده على طبيعة علاقتهما، ابتلعت لعابها بصعوبة وحاولت التمسك بقناع الهدوء عدة مرات أثناء محاولاتها لكسر حاجز الصمت بينهما ولكن توقفت الكلمات على طرف لسانها وتعرقلت أمام حاجتها في التعبير عن حبها الذي أصبح كالقنبلة الموقوتة تنتظر انفجارها في أي وقت.
شعرت برهبة تجتاح صدرها وهي تنظر لشروده الدائم معها ربما أخطأت منذ البداية معه ولم تستطع التعبير عنها بالقدر الذي تستطيع من خلاله جذبه لها، ربما اهتمامها واحتوائها أعطى له صورة خاطئة عما تريد إيصاله، لِمَ لا تختار طريق أسهل وأسرع في الوصول لقلبه، لِمَ لا تضع حدًا لطبيعة علاقتهما.
بحثت عن قدرتها في سؤاله بطريقة صريحة ولكنها وجدت نفسها تنحرف عن مسارها وتسأله بطريقة غير مباشرة:
- هو أنا بنسبالك قريبتك بس يا زيدان؟
- لا.
تنهد قبل أن يجيب بإجابة بسيطة غير كافية لمشاعرها المضطربة في تلك اللحظة الحاسمة لها، فعادت وسألته بصوت مهتز مختنق:
- بنسبالك إيه؟
صمت طويل لعب فوق أوتار تماسكها، حيث شعرت بانهيار جبل الصمت لديها، وفي لحظة كانت ستعبر عما تشعر به، ولكنه قطع عليها محاولاتها في التحدث وهتف ببرود:
- صاحبتي.
عقدت ما بين حاجبيها وأحست أن تلك الكلمة معضلة يصعب عليها فك شفراتها، فقالت بعدم فهم تحاول استخراج الكلمات من بئر جوفه:
- يعني إيه صاحبتك؟
- صاحبتي يا نهى.. صديقتي، يعني صحاب.
بترت حديثه الذي خالط السخرية بعدما فشلت فهم كلماته، وقالت بشيء من العصبية:
- فهمت يا زيدان، بس أحنا مش كده، ولا عمرنا هنكون كده.
رفع حاجبيه معًا من عصبيتها، وقال بوضوح غير عابئ بتاتًا لمشاعرها:
- لا احنا أصدقاء وقرايب.
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تردد بصوت ضعيف خافت:
- أنا بحبك.
ورغم خفوته وضعفه إلا أنه أصابه بهزة قوية جعلت من قوته تتصدع أمام بكائها وانهيارها الذي حاول امتصاصه ولكنه فشل:
- اهدي يا نهى... اهدي عشان نتكلم.
رفعت عينيها تسأله في صمت "ماذا ستقول؟ هل يوجد بيننا كلمات بعد أن قضيت على مشاعري المتهالكة في حبٍ كنت أظنه الخلاص؟ "
حرك جفنيه بتوتر حينما لمس واقع صدمتها القوية، ولكنه منذ البداية كان واضحًا معها، حريصًا في التعامل معها.
- زيدان بصلي، زيدان.
كررت اسمه كي ينظر في عمق عينيها الشغوفة بحبه منذ أن كانت فتاة مراهقة وقعت في حبه كالمجنونة فأصبح حبيبها وصديقها في مخيلاتها وسعت لتحقيق ذلك بكل طاقتها التي أحيانًا كانت تُهدم بسبب معاملته الجافة.
- زيدان بصلي، لازم تفهم إن أنا بحبك... بحبك جدًا.
- وأنتي لازم تفهمي انك نهى قريبتي، قريبتي وبس.
رد عليها في جمود لعلها تستفيق، فتراجعت بصدمة وسألته بصوت مهزوز وخافت:
- يعني إيه قريبتك، أنت أكيد بتحبني بس مش عايز تقول.
- مش عايز اقول ليه؟ مفيش حد مانعني أنتي اللي مُصرة تحطيني في خانة مش لايقه عليا.
تساقطت دموعها أكثر وشعرت بغليان في مشاعرها:
- وأنا عمري ما شوفتك غير حبيبي، صدقني أنا عمري ما هشوفك غير كده.
تمسك بأخر حبال الجمود والقسوة وخرجت حروفه غليظة:
- ومن بعد ما عرفتي إن أنا مش بحبك هتشوفيني كده بردو.
- هشوفك كده، عشان أكيد أنت هتجرب وتحبني صح؟
ردد باستهجان خلفها:
- أجرب؟! نهى احنا مش بنلعب الحب مبيتجربش.
لم يعطيها فرصة للتحدث وألقى بما جال في خاطره ولم يراعي حالتها النفسية المحطمة:
- أنتي كأنك بتعرضي نفسك عليا، نهى أنتى أغلى من كده.
أردفت عكس توقعه وتمسكت بحبها أكثر:
- حبك اغلى حاجة عندي وهفضل متمسكة بيه.
طرق بيده فوق الطاولة في غيظ:
- مفيش حد أغلى من نفسك فوقي، وبعدين كرامتك...
بتر حديثه حين شعر بقسوة كلماته التي كاد يخرجها في لحظة غاضبة، ولكنها فاجأته بردها الباهت:
- مفيش كرامة في الحب.
رمقها بنظرة نارية غاضبة:
- ده لو كان متبادل، بس ده من طرف واحد.
- ومفيش أمل يكون من طرفين؟
سألته وهي تتمسك بأخر طرف أمل لديها في كسب عاطفته وذلك عن طريق إظهار مدى إصرارها عليه، فبالتأكيد سيرق قلبه لها، وقد أرجعت سبب جفائه معها لطبيعة عمله القاسية.
- لا مفيش، لإن استحالة احبك زي ما أنتي عايزة، أنتي أختي وقريبتي وبس.
رغم أن جزء منه استنكر كلماته القاسية معها، إلا أنه يخشى أن يُظهر لها بعضًا من اللين فترسم به خيالات توحله معها في علاقة هو ليس بقادر أن يكن طرف فيها، لذا قرر المغادرة دون أن يفتح مجالاً أخر للحديث معها فتركها تنهار وحدها بعد أن طعنها في كرامتها وتجرعت منه الإهانة بكأس القهر عندما لمحت نظرة اشمئزاز انبثقت منه حين أصرت على حبها ورأى ذلك هو إهدار لكبريائها.
مسحت عبراتها المتساقطة فوق صفحات وجهها وجذبت أنفاس متتالية بعدما شعرت باختناق حاد بصدرها، فبدا وجهها متوهج حينما استعادت قساوة كلماته وجحود مشاعره نحوها.
لن تستطع استكمال رحلة العذاب خاصتها وأجبرت نفسها عن الوقوف عند هذا الحد من ذكرى بشعة ألهبت فؤادها المنكسر.
استدارت بصمت نحو غرفتها وجذبت هاتفها كي ترى المتصل، تفاجئت بكونه زيدان، فردت على الفور بلهفة:
- ايوا يا حبيبي.
بعد صمت دقيقة كاملة جاءها رده بصوت مجهد مختنق:
- عاملة إيه يا حبيبتي؟
ابتسمت برضا وسعادة وهي تستمع له، مقررة أن تمحي أثار تلك الذكرى البشعة من ذهنها، لتنعم بلحظات فريدة معه كفيلة بمداوة ندوبها.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الثالث 3 - بقلم زيزي محمد
توقفت "فرح" قبل أن تدخل لغرفة "ماجد" لدقائق حاولت فيهم تنظيم وتيرة أنفاسها المتسارعة من فرط حالتها المضطربة. شعرت وكأنها تقف على أعتاب طريق وعر لا تجيد العودة وتخشى التقدم خطوة للأمام. ولكن أيًا يكن مقدار المعاناة النفسية التي ستشعر بها بعد أن تُقدم ما حصلت عليه لـ "ماجد" سيكون أهون من فضيحة تلاحق شرفها، وخاصةً مع اقتراب موعد زفافها.
أخرجت "هاتفها" من جيب سروالها ودققت النظر به، تمرر بأصابعها صور "مليكة" الخاصة والتي استطاعت الحصول عليها في سرية تامة.
للحظة انتابها الندم لِمَ ستفعله، ولكنها تراجعت وفكرت بأنانية. لذا وضعت الهاتف في جيب سروالها مرة أخرى ودخلت للغرفة في ثبات تام.
رفع "ماجد" أنظاره بعيدًا عن الأوراق التي كان يطالعها بتركيز. وما أن رأى "فرح" تدخل للغرفة بهدوء، تجهمت ملامحه ونهض واقفًا في غيظ.
"لسه بدري يا دكتورة."
رمشت بأهدابها للحظات وقد داهمها القلق من رد فعله الهجومي، فقالت بصوت حاولت إخراجه طبيعي بقدر الإمكان:
"لما طلبتني جيت على طول."
رفع أحد حاجبيه من نبرتها الباردة، فدق بأصابعه فوق مكتبه عدة مرات قبل أن يعود قائلاً بنبرة تحمل بين طياتها التهديد:
"منفذتيش اتفاقنا ليه يا فرح؟"
هزت رأسها بإيجاب وتحركت للأمام خطوتين في ثقة، بينما رفعت أصابعها تشير لرقم اثنين وابتسامة نصر تحلق فوق شفتيها:
"نفذته من يومين."
لمع وميض الشر بعينيه وثبت بصره عليها يطالعها من أعلاها لأسفلها في استهزاء:
"ومجتيش اديتيني الصور ليه زي ما أنا طلبت منك يا حلوة."
"هنغير تغير بسيط في الاتفاق قبل ما تاخد الصور."
قالتها في هدوء بينما كان الضجيج يغزو عقله، فهتف ساخرًا:
"اتفاق! اتفاق إيه، أنا طلبت منك حاجة ونفذتيها مفيش اتفاقات ما بينا."
جزت فوق أسنانها قبل أن تجيب بنبرة حاسمة:
"لا فيه، هتاخد الصور بمقابل."
عقد ذراعيه أمامه مستنكرًا قولها، ولكنه أشار إليها في استكمال حديثها، فاندفعت تتفوه بما تريده بكل جرأة:
"من بعد ما تاخد الصور متحاولش تقرب مني تاني أبدًا، وكمان تحولني أكون تحت إشراف دكتور تاني."
اقترب منها يختصر المسافة بينهما بغرور، تراجعت بخوف من لمساته التي باتت تتجرأ بوقاحة فوق منحنيات جسدها، فهمست بصوت خافت ترجوه ألا يستكمل ما يفعله:
"أرجوك سيبني بقى في حالي أنا تعبت."
همس أمام وجهها والحقد يتقاذف من عينيه:
"تعبتي مني أنا، ما أنتي كنتي بتسكتي والموضوع كان عاجبك."
صرخت بصوت مكتوم خوفًا ألا يسمعها أحد خارج الغرفة:
"عمره ما كان عاجبني، كنت بسكت غصب عني، ارحمني وابعد عني."
تراجع خطوة للخلف ومد يده صفعها عدة صفعات خفيفة فوق وجنتيها كنوع من التحذير والتهديد:
"حاسبي على كلامك معايا عشان متزعليش، وبعد كده اوعي تفكري تساوميني."
احتدت نظراتها وقد رأى العناد يطغى على ملامحها، فتراجع سريعًا يقول بلامبالاة:
"أنا اللي زهقت منك ومبقتش عايزك خلاص، عشان كده موافق على كلامك."
أغمضت عينيها في راحة لم تكن كاملة، بسبب صوته الذي اخترق كيانها وبث الرعب بقلبها:
"اخلصي هاتي الصور، ويا ويلك متكنش زي ما أنا عايز."
أخرجت هاتفها بحذر وبدأت في إرسال الصور. حينما تفحصهم بكل تركيز ورأت لمعة السعادة الممزوجة بالشر تضيء عدستيه، أدركت أن "مليكة" ستكون ضحيته التالية.
أبعد "ماجد" بصره عن الصور بصعوبة وأرسل لها قبلة في الهواء متمتمًا بنبرة قاسية:
"بالسلامة أنتي يا فرح."
خرجت "فرح" فورًا من غرفته وبدأت دموعها تنهمر بغزارة وضميرها يطرق أبوابه العالية في بدأ تعذيبها عما فعلته، فاتجهت نحو إحدى الغرف تسمح لنفسها بالانهيار بعيدًا عن مرمى بصر بعض الأطباء والممرضات.
لم تلاحظ دخول "مليكة" خلفها محاولة تهدئتها بشتى الطرق. ومع كل كلمة كانت تتفوه بها "مليكة" كانت تزيد الوضع سوءًا لديها، ورغم بساطة كلماتها ورقة صوتها إلا أنه كان كالوقود المسكوب فوق نيرانها المستعرة.
"خلاص يا فرح، مالك بس عمل فيكي الزفت ده."
حاولت اختلاق كذبة تخرجها من تلك الورطة ولكنها فشلت وخرجت كلماتها مبعثرة لم تفهم منها "مليكة" أي شيء:
"أنا... مبقت.. مش عارفة.."
"يا حبيبتي طيب اهدي، أروح اتخانق معاه الكلب ده على اللي عمله فيكي."
كانت تتحدث باندفاع وحماس وكأنها هي من تعرضت للأذى، فصاح ضمير "فرح" بصراخ عما فعلته بإنسانة تريد الدفاع عنها وفي المقابل هي كانت تسعى لأذيتها.
"طيب اهدي خالص هروح اجبلك ميه."
نهضت "مليكة" وتوجهت للخارج، تحت أنظار "فرح" المصعوقة من طيبتها، وبالمقابل تعاملت هي بكل وقاحة وأنانية، فاندفعت خلفها في لحظة حماسية كانت ستعترف بها بكل شيء. وقبل أن تحرك مقبض الباب استمعت لصوت "مليكة" مع "كوثر":
"سيبك منها يا ست البنات عصير إيه ده اللي اجيبه ليها، هي اللي رضيت بالمعاملة دي من الأول يبقى تشرب."
دافعت "مليكة" بقوة:
"لا يا كوثر متقوليش كده، فرح إنسانة محترمة و..."
قاطعتها "كوثر" بسخرية:
"والله ما حد محترم إلا أنتي، ربنا يحفظك ويصونك يا حبيبتي، معلش أنا مش هتعاطف معاها أبدًا."
"ليه بس يا كوثر هزعل منك متتكلميش عليها كده."
زمت كوثر شفتيها وقالت بضيق:
"إحنا الممرضات بنشوف اللي محدش فيكوا انتوا الدكاترة بتشوفوه، وأنا كنت بشوفها بتهزر معاه وبيمسك إيدها، وحاجات تانية ربنا يستر على ولايانا."
للحظة سيطر الصمت على "مليكة" غير مصدقة حديث "كوثر" وبالأخص أن ميعاد زواجها اقترب فكيف لها أن تخون خطيبها وتسمح لنفسها بخوض أمور محرمة كهذه. انتشلتها من عمق تفكيرها حينما تابعت الأخرى حديثها:
"بلاش تتعاطفي معاها، وأحسنلك ابعدي عنها خالص."
بالداخل تيبست يد "فرح" فوق المقبض بكل عصبية وغضب وللحظات كانت ستخرج وتوبخ بها "كوثر" ولكنها تراجعت خوفًا من الفضيحة، والتزمت الصمت واستكمال نفس الطريق الذي خططت له لإبعاد تلك الشبهات عنها، فبالتأكيد ستكون "مليكة" هي حديث المشفى الفترة المقبلة بما سيفعله بها "ماجد" ولن تتعامل بعد الآن كالملكة المصون بل ستلوث بوحل لمسات "ماجد" مثلهن جميعًا.
***
تابعت "نهى" البخار المتصاعد من كوب القهوة الساخن الموضوع بين كفيها في حين كانت تستمع لأغاني رومانسية في أجواء هادئة لطيفة تبعث السكينة بقلبها. ابتسمت بدلال وهي تغلق عيناها تردد بعض المقاطع الواصفة لحالتها مع زيدان ومدى حبها له، كالعادة لم يتركها عقلها وعزز من حالة الحب المسيطرة عليها ببعض الصور لـ زيدان التي حفظتها عن ظهر قلب.
لم تستمر تلك الأجواء كثيرًا، حيث ظهرت والدتها من العدم، بصوتها الغاضب من هيام ابنتها المفرط، فقامت بإغلاق التلفاز واندفعت بكلماتها الحادة توبخ بها نهى المفزوعة من غضبها غير المبرر:
"يا اختي فوقي حرام عليكي الوهم اللي أنتي فيه ده."
تركت "نهى" الكوب وهتفت بتوتر ظهر جليًا بنبرة صوتها:
"وهم إيه يا ماما؟"
حركت "ميرفت" ثغرها يمينًا ويسارًا وبدأت في تلويح يدها بغيظ شديد:
"الأغاني اللي بتسمعيها يا اختي دي وهم."
زفرت" نهى" بحنق طفيف ولم تبدي أي اعتراض لوالدتها التي تحفز جسدها وكأنها على وشك العراك معها، فقررت الصمت تمامًا معها، على أملٍ أن تتركها كعادتها بعد كل وصلة توبيخ تصفها بها بالهائمة، الحمقاء، الخرقاء.
كانت في بادئ الأمر تشعر بالحزن الشديد لنعتها بمثل تلك الألقاب، إلا أنها الآن وتحديدًا بعد خطبتها من زيدان، شعرت بلامبالاة تجاه والدتها، حتى أن أي تصرف سيء يخرج من والدتها يُمحى في ذات اللحظة.
ولكن المفاجأة أن والدتها لم تتحرك ساكنًا بل ظلت واقفة، تتخصر رافعة أحد حاجبيها في تحدِ، فنهضت "نهى" وهي تنظر لها باستفهام صامت، ولم تدم نظراتها طويلاً حتى أجابت "ميرفت" بصوت غليظ مشحون بالغضب:
"كلمتي زيدان في قضية أبوكي وأخوكي."
زمت شفتيها بضيق وردت بنفي كانت على علم بإثارة الغضب أكثر لدى والدتها:
"لا.. ومبكلمهوش يا ماما."
جزت "ميرفت" فوق شفتيها وسألتها بنبرة حادة:
"وليه يا حبيبتي مش هتكلميه."
"زيدان هيرفض، وبعدين ممكن كلامي معاه يأثر على علاقتنا."
انفجرت "ميرڤت" ضاحكة، والسخرية لوحت لـ "نهى" من ملامحها القاسية، فلم تصمت عند هذا الحد بل اندفعت تلكزها بيدها في ذراعها بقسوة:
"خايفة يا بت يسيبك، مش قادرة تتكلمي معاه يا خايبة، بس أنا اللي غلطانة، بكلم مين واحدة معدومة الشخصية."
وضعت" نهى" يدها فوق ذراعها الأخر بألم، تحاول السيطرة على نفسها المنكسرة من البكاء، حيث شعرت مؤخرًا أن والدتها تسعد لإذلالها.
"خليكي ساكتة، بس أنا اللي هتصرف."
دفعتها والدتها بعنف، فوقعت فوق الأريكة خلفها، باكية، متخوفة من إفساد خطبتها بسبب تصرفات والدتها السيئة.
***
خرج "زيدان" من الغرفة وهو يحمل هاتفه متذمرًا على المتصل، منتظرًا خروج شخص أخر من الغرفة. وحينما صدح صوته خلفه، التفت زيدان يأمره بصوت قوي:
"قفل المحضر وتعال ورايا وجيب معاك أبوه وعمه."
هز الضابط المسئول رأسه في صمت وعاد مرة أخرى للغرفة يستجوب المريض، بينما تحرك زيدان في الردهة خطوتين للأمام مستندًا على باب إحدى الغرف، وهو ينظر للهاتف المضيء أمامه باسم عمته وقد أعطاه الهاتف إشارة حول اتصال عمته ما يقرب للعشرين مرة. رفع حاجبه الأيسر بتحدٍ من إصرارها في الوصول إليه رغم رفضه للعديد من الاتصالات ولكنها لم تأبى وقد أعلنت ذلك بكثرة اتصالاتها فقرر أخيرًا الرد بنبرة حادة:
"في إيه، دي كلها اتصالات."
"وأنت لسه فاكر ترد."
قالتها بحنق شديد، فرد عليها ببرود قاصدًا إغاظتها:
"اه، وبعد كده لو مردتش متتصليش تاني."
"لا هتصل تاني وتالت، عملت إيه في موضوع عمك إبراهيم وسمير."
خرجت حروفها المندفعة بعناد متأصل بنبرتها، فرد عليها بضيق:
"معملتش ومش هعمل، حاجة متخصنيش."
شهقت باستنكار:
"وده إزاي، مش أخوك هو السبب في القضية دي."
"السبب إزاي يعني، هو اللي قالهم روحوا اشتروا دهب مسروق!"
أجابت بتبجح ووقاحة:
"لا بس هو اللي بلغ عليهم."
"يشربوا، عشان يمشوا شمال تاني."
انفلت لجام هدوئه، فتابع حديثه بتهديد لاذع:
"متفتحيش معايا الموضوع ده تاني، وإلا..."
قاطعته بصوت هادئ ينافي ذلك القوي الغليظ الذي كانت تلوح به بكل ثقة:
"وإلا إيه يا حبيب قلبي، هتكسر بقلب البت اللي حيلتي."
تمتم بصوت خافت لم يصل إليها:
"يارب يتكسر قلبك أنتي يا شيخة."
حمحم بعدها بقوة وقال بنفاذ صبر:
"أنا هقفل ورايا شغل، واللي قولتيه ميتكررش."
***
تحركت" مليكة" في ردهة المشفى بخطوات بطيئة، وهي تتحدث بالهاتف مع والدها السيد" مصطفى":
"حاضر يا بابا مش هتأخر، دعواتك يا حبيبي."
استمعت لصوته المردد ببعض الأدعية فابتسمت برضا وهي تكمل سيرها للأمام وعندما وصلت للغرفة المنشودة توقفت على بعد خطوات بسيطة تغلق هاتفها وتضعه في جيب ثوبها الطبي، ومن بعدها استعادت شخصية الطبيبة الوقورة وعند هذا الحد كادت تنفجر ضاحكة على نفسها وعلى حماقتها التي تسيطر عليها حين تضطر للتعامل مع الغرباء في مواقف محرجة كهذه مثلاً:
"لو سمحت ممكن أعدي وأدخل الاوضة."
انتظرت ثوان كي يتحرك ولكنه يبدو أنه كان منشغلًا في أمر ما يجعله شاردًا لهذا الحد، فقررت أن تكرر جملتها بنبرة مرتفعة ولكنها باءت بالفشل، فاضطرت أن تستخدم القلم الخاص بها فوق كتف الشارد عله يستفق، وبالفعل التفت سريعًا بوجهه الجامد الخالي من أي مشاعر، وبطوله الفارع وعضلات جسده المتناسقة تمامًا مع طوله، أما عن ملامحه يا ليتها لم تراها، حتى أنها تمنت أن تنشق الأرض تبتلعها بعدما رأت من أرق العقل بالتفكير وعذب القلب بغيابه الطويل، وجمد المشاعر من أخر لقاء قيل فيه كلمة الوداع، ولكن لِمَ الآن تتحرك مشاعرها من معقلها وتذوب قطع الجليد في ظل انصهار عينيه بالسعادة وكأنه حصل أخيرًا على ترياق الحياة بعد رحلة طويلة وشاقة في غابة مظلمة.
عاندتها ساقيها، حتى وجهها تخلى عن أوامرها ورسم بسمة صغيرة فوق محياها عبرت عن مدى اضطرابها في وجوده المفاجئ، آه كم اشتاقت لملامحه الجامدة ولصوته الناقم دومًا، اشتاقت لأبسط عيوبه قبل مميزاته، اشتاقت لمزاح تافه كان يدخلها في نوبة ضحك لساعات معه، تتوقت للحظات لم ولن تتكرر بعدما اتخذا كلاً منهما قراره في الابتعاد.
***
أخيرًا قررت الحياة مكافأته بعد أيام تعسة قضاها متعذبًا في غيابها، ست سنوات غابت عن عينيه لم يراها ولو مرة واحدة، اختارت من البعاد طريقًا مريحًا لهما، أو لها بالأخص وتركته يصارع عناده وكبريائه وحده. لم تشفق عليه في مرة وتظهر أمامه يخطف منها نظرة أو بسمة تثلج صدره الملتاع بعد آخر لقاء بينهما، حتى منامه غابت عنه وكأنها تريد معاقبته!
ولكن أي عقاب هذا وأنا لم اقترف أي خطأ في حقك، بل أنتِ من كنتي السبب في الهجر يا حبيبة استوطنت القلب كمحتل لعين رافضًا التخلي عنه حتى بعد تدميره!
لم يستطع السيطرة على مشاعره المتأججة وظهرت ابتسامته كوضوح الشمس، وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة في أي وقت لذا عند رؤيتها قابلها بكل مشاعر صافية، عكسها هي تحركت من أمامه كالسراب، واختفت بين الأشخاص المتحركين في الردهة، فرك عينيه وقد ظن أنه وهم واختفى، تحرك سريعًا يبعد الأشخاص عنه طريقه حتى أخيرًا رآها تقف مع إحدى الطبيبات تتحدث معها. هنا شعر بحقيقة وجودها، فابتسم أكثر كالأحمق وهو يجلس على أحد المقاعد يتابعها في صمت وهي تباشر عملها، يدقق بأصغر تفصيلية بها، ما الجديد الذي طرق عليها؟ سوى أنها أصبحت أكثر أنوثة وجمالاً ورقة داعبت قلبه في حنين لذكريات ماضية تمسك بها رافضًا دفنها في بئر النسيان كمعظم ذكرياته.
فمرت ذكرى لقائهما الأول في ومضة سريعة جذبته لأفضل أيام حياته...
***
هبطت" مليكة" من سيارة الأجرة وهي تحمل كتب كثيرة وكبيرة بين كفيها، إلى جانب حملها لحقيبة فوق ظهرها، فبدت وكأنها تحمل ثقلاً لا يناسب حجمها ووزنها.
تحركت بخطوات ثابتة رغم الهواء المشتد من حولها، فصارعته وهي تتجاهل نظرات أفراد الأمن لها، حيث تمركز العساكر بطول سور الجامعة، بينما بجانب البوابة الكبيرة يجلس دومًا ضابط وسيم كلما يراها يرسل لها بسمة صغيرة تربكها، حتى عند مرورها بالحاجز الأمني يركز ببصره عليها فيصيبها بالتوتر الشديد وأحيانًا تصبح كالخرقاء أمامه.
اشتد الهواء ورفع تنورتها الواسعة قليلاً، فهبطت بجذعها العلوي تعدل من وضعية تنورتها للأسفل، والحرج يكسو ملامحها، فتلونت وجنتيها بحمرة طفيفة وهي تخرج كلماتها الحانقة:
"ما تتعدلي بقى، ده أنتي جيبة كلبة بصحيح."
أخيرًا اعتدلت التنورة، فرفعت نفسها للأعلى بسرعة كبيرة كادت تفقد بها توازنها بسبب رؤيته أمامها مباشرةً، واقف كالجبل شامخ الرأس، يطالعها بصمت وملامح وجهه جامدة، يمرر بصره فوق ملامحها بحرية، مما جعلها تهمس بصوت قلق:
"في إيه؟"
استمرت نظراته لها وشعرت وكأنه يستكشف أمرًا ما من خلال ملامحها، ولوهلة شكت أنها مجرمة وقد أمسك بها في الجرم المشهود، فهمست مجددًا:
"نعم؟"
"بطاقتك."
كلمة واحدة خرجت من فمه بجدية صارمة، فأشارت نحو نفسها بتوتر جلي:
"بطاقتي أنا."
هز رأسه في صمت وتركها تلفتت حول نفسها، حتى عادت تنظر له في صمت، ومن بعدها أشارت بالكتب نحوه، فخصها بتساؤل ممزوج بالتعجب:
"نعم أعمل إيه؟!"
أجابت بخجل:
"شيلهم عشان أطلع البطاقة."
تناول منها الكتب بعد ثوان من التحديق بها، والدهشة تغزو عينيه من بساطتها معه، أخرجت بطاقتها أخيرًا بعد عناء مع حقيبتها الكبيرة، ومدت يدها له، فالتقطها ينظر بها في صمت مريب، تركت حينها لعينيها حرية التجول فوق ملامحه لمراقبة ردود أفعاله علها تستشف أمر طلبه هذا، فشلت في إيجاد إجابة تريح بها عقلها المضطرب، فسألته بنبرة متلعثمة خفيفة:
"في حاجة حضرتك؟"
"إجراءات أمنية."
أجابها ببساطة، فاستدارت يمينًا ويسارًا تتابع دخول زملائها بكل يسر عدا هي تقف أمامه كالمذنبة:
"إجراءات أمنية عليا أنا بس؟"
رمقه بنظرة خبيثة ساءت من حالتها المضطربة ورد بنبرة ذات مغزى:
"عشان أكيد أنتي حد مش عادي."
"نعم، مفهمتش!"
ضيق عينيه وهو يتجاهل حديثها، مردفًا بنبرة لاذعة:
"مشكوك في أمرك."
فسر لها ببساطة جعلت من وتيرة الخوف لديها تتسارع، فسألته بصوت متهدج:
"مشكوك في أمري ليه؟"
"من امتى الشعب بيسأل الشرطة عادي كده."
رفعت أنفها وردت بثقة:
"هي الشرطة مش في خدمة الشعب بردو."
ابتسم ساخرًا وهو يقول:
"شكلك بتتفرجي على أفلام كتير."
أجابت بثقة وحدة من سخريته:
"حضرتك أنا الوحيدة اللي واقفه بتشوف بطاقتها."
"انت شكلك متوترة، اوعي تكوني..."
ضيق عينيه وهو ينظر داخل عينيها فارتبكت وهي تردف:
"لا لغاية واوعي تكوني وتقف، أنا طالبة جامعية لا بيا ولا عليا.."
بترت حديثها وهي تمد يدها نحوه في جدية، نظر لها لثوان بسيطة ومن بعدها مد يده هو الأخر وصافحها ببسمة واسعة، سحقت الدهشة من خلالها ملامحها واحمرت وجنتيها لملمس كفه القابض فوق كفها بقوة وكأن الفرصة أتت على طبق من ذهب، حاولت سحب يدها ولكنه أبى وتمسك بها أكثر، فقالت بنبرة يخالطها الخجل:
"انت بتعمل إيه؟"
"بسلم عليكي."
قالها ببراءة زائفة زحفت لعدستيه المضيئة بلمعة غامضة، فهتفت باستنكار:
"هو أنت ابن خالتي وراجع من الحج، ايدي لو سمحت."
ترك يدها على مضض وحمحم بصوت عالي، عادت كالبلهاء تضع يدها أمامه، مما جعله يضحك بخفة:
"هنسلم تاني."
وقبل أن يمد يده أبعدت يدها وأردفت بغيظ:
"عايزة البطاقة حضرتك."
"بطاقة إيه؟"
خرجت حروفه في ذهول مصطنع، فردت بضيق:
"بطاقتي حضرتك اللي بين ايديك دي."
صاح متذكرًا وهو يشير بها أمامه في ذات الوقت مبتسمًا:
"اه بطاقتك."
وقبل أن يكمل حديثه، سألها بعبوس استطاع رسمه ببراعة فوق وجهه:
"استني يعني ده كله مكنتيش بتسلمي عليا."
"لا خالص تصور، كنت عايزة البطاقة."
استنكرت حديثه بنبرتها المتعجبة الحانقة، وراقبته وهو يضع بطاقتها في جيب سرواله بكل استفزاز، ملوحًا لها بيده الأخرى:
"بكرة ابقي خديها لما أكشف عليكي الأول."
"بس أنا مش تعبانة؟"
سيطر المزاح الساخر على كلماتها، فنهرها بصوت قوي ثقيل:
"أحنا هنهزر ولا إيه، يلا يا أنسة على محاضراتك."
تركها وعاد لموقعه مرة أخرى وسط زملائه محاولاً كتم ابتسامته وسعادته بالحديث معها، أما هي ظلت واقفة مكانها كالحمقاء تتعجب من موقفه، واستحواذه على بطاقتها بكل سهولة.
***
عاد من شروده على صوت رجولي قطع عليه أفضل ذكرياته والذي إن استمر في تكرار استرجاعها لن يصيبه الملل إطلاقًا:
"يلا يا زيدان باشا على القسم."
رمقه "زيدان" بنصف عين وتحرك خلفه بصعوبة حيث رفضت ساقيه التحرك، وتمنى في الاستمرار مكانه يراقبها ليعوض قلبه عن أعوام مضت حاوطه الجفاء بسبب ابتعادهما مما جعله متعطشًا كمحارب ضل طريقه في صحراء جدباء.
وقبل أن يخرج نهائيًا من المشفى عاد مرة أخرى بعد أن ترك زميله وتحجج بإنهاء بعض الأمور، مقررًا العودة لها والتحدث معها، ربما كان خطئًا منذ البداية بتركها، بحث عنها بلهفة شقت قلبه لرؤيتها مرة أخرى وحين وجدها تقف بجانب نافذة ما تراقب شيء، اختصر المسافة بينهما بسرعة وعندما اقترب استعاد شخصيته الحازمة وتوقف خلفها يناديها بصوت حاول أن يكون ثابتًا ورغم عنه خالطت نبرته رجفة قوية عندما نطق لسانه مرة أخرى أسمها بعد غياب طال لست سنوات:
"مليكة."
راقب أصابع يدها وهي تقبض فوق حديد النافذة وكأنها تجاهد مقابلته، يبدو أن مشاعرهما متبادلة ولا زال الحب مرتبط بأوتار قلبيهما، وبعد فترة من الصمت التفتت ببطء تنظر له بعيون صرخت بالحنين.
"عاملة إيه؟"
أخيرًا قررت الأفراج عن صوتها الأسير بين حلقها وخرجت نبرتها مهتزة ضعيفة:
"الحمد لله بخير."
توقف الزمن من حولهما بعدما استمع لصوتها الذي جذبه لذكريات دافئة أيقظت مشاعر الحب والغرام بصدره وذلك بعد هجره، لم يبعد بصره بل ثبته عليها يحاول استكشاف هل جديد طرق عليها في غيابه، هل يوجد حلقة تتوسط إصبعها؟، لِمَ تخفيه بين كفها، هل تريد عذابه أكثر، ألم يكفي ما مر به بعد فراقهما؟ وللعجيب أن لسانه لم يتجرأ في التحدث معها، يخشى أن يتفوه بكلمة تدمر لحظتهما رغم الارتباك المسيطر عليهما.
انسلت من أمامه في لمح البصر، فرفع صوته يسألها والحزن يتوغل صوته:
"ماشيه ليه؟"
لم تلتفت، ردت دون أن تنظر له وهذا أكثر ما أوجعه:
"ورايا شغل عن إذنك."
لقد اشتكت عيناه من مراقبتها السريعة، ورفع قلبه صياحه عاليًا يتمنى بقائها، لِمَ تزيد من أوجاعه، وتضغط فوق ندباته رغم مرور كل هذا الزمن.
***
بعيدًا عن مصر وتحديدًا في الولايات المتحدة الامريكية، خرج سليم من المطبخ الصغير يحمل أكواب العصير متجهًا إلى صالة صغيرة تجلس بها شمس وطفله أنس، وقد قرر المكوث في شقة صغيرة لمدة ثلاثة أشهر على الأقل حتى يطمئن على "شمس" وإنجاب طفلهما في سلامة، فلن يترك نفسه للأحاديث القلقة وخاصة بعدما جرب معها قبل ذلك فقدان جنينهما في الشهر الخامس، ومر حينها بحالة نفسية حزينة، قضى الحزن بها على سعادتهما، والسبب في ذلك حالة شمس المرضية والتي تفاجأ بها بعد وفاة الجنين في بطنها، لن ينسى قط مشاعرها الحزينة وعيناها الباكية الرافضة للتخلي عن طفليهما، حيث لم تصدق الأطباء وقد شعرت بالخزي من نفسها حين قررت التمسك بالعناد والعمل بالمحل والمنزل معًا وكان ذلك إجهادًا كبيرًا عليها رغم تحذيرات الأطباء وزوجها.
حارب "سليم" معها الأيام وبث السعادة لقلبها بشتى الطرق، ولكنها كانت دومًا تشعر بالندم، فقررت أن تكافئه بطفل آخر رغم تحذيرات الأطباء، وقد سعت لذلك كثيرًا، حتى أتمت مرادها بعد خمسة أشهر فقط من فقدانها لجنينها في رحمها، وها هي الآن في الشهر الثامن تنتظر قدوم طفلتهما على أحر من الجمر، على عكس "سليم" الذي كان يعيش قلقًا جعله غير قادر على التركيز مع أي شيء سواها.
بعد جلوسه بجانبها، مد لها كوب العصير في صمت، فأخذته منه وقبلت كفه في حب وامتنان على كل لحظة أثبت بها مقدار حبه لها.
"تسلم إيدك."
ربت فوق يدها بحنو وخصها بنظرة حنونه، قبل أن تتجه عيناه على أنس الغارق في حاسوبه لمدة ساعة كاملة، يلعب بها بعد أن سمح له "سليم" بذلك.
"أنا شايفة أن الساعة عدت يا سليم."
عقد "سليم" ما بين حاجبيه متسائلاً بذهول زائف:
"بجد، امال أنا حاسس ليه عدى نص ساعة بس."
زمت شفتيها بضيق وهتفت بإصرار على اتفاقهما:
"سليم احنا اتفاقنا على إيه؟"
"وترجعي تزعلي، لما اخليه يعمل كل اللي نفسه فيه من وراكي."
أردف كلماته في عدم رضا جعلها تندهش منه فارتفع صوتها رغمًا عنها:
"ودي حاجة صح؟"
مرر بصره عليها لثوان واندفع بعدها يقول في أمر:
"متعليش صوتك عشان متتعبيش."
"أيوا يعني خايف عليا، ولا مضايق مني عشان صوتي العالي."
"وهتفرق في إيه؟"
سألها متوجسًا، فقالت بحنق يحمل التهديد:
"هتفرق طبعًا، عشان لو خايف هسكت وهحبك، لكن بقى لو مضايق مني هتخانق معاك."
حمحم بصوت قوي قبل أن يختصر المسافة بينهما، محتضنًا إياها بقوة، هامسًا بجانب أذنها في حب:
"أكيد عشان خايف عليكي طبعًا."
ابتسمت في دلال ورفعت وجهها تطالعه بحب وهيام بعد تغيره الجذري معها، فأكمل حديثه بنبرة قوية رغم ابتسامته المحلقة فوق شفتيه:
"متعليش صوتك تاني عليا، عشان مزعلش يا حبيبتي وأنتي عارفة زعلي وحش ازاي."
اختفت البسمة من فوق ثغرها وضمته في ضيق بينما توهجت عيناها بوميض العراك معه، فقاطعه وهو يرفع يديه لأعلى:
"أنا قولت حبيبتي."
عارضت بصوت متذمر:
"بعد إيه..."
التفت بوجه نحو "أنس" يأمره بجدية:
"على اوضتك يلا بسرعة، معاد الشاور بتاعك."
نهض سليم يحمله، تاركًا إياها تنظر في أثره بصدمة حيث تجاهلها وكأنها لم تكن على مشارف الحديث معه.
***
مساءًا...
جلس زيدان برفقة يزن ووالدته أمام التلفاز بعد أن أنهوا اتصالاً ممتلئ بالعاطفة والحنين لسليم وعائلته الصغيرة.
انتهى الاتصال بالعديد من الأدعية لشمس الحامل في شهرها الثامن حيث لا تزال تعاني من بعض المضاعفات الشديدة، وقد توقع بعض الأطباء سوء حالتها أكثر بسبب إجهاد الرحم الذي يهدد بحدوث نزيف حاد أثناء ولادتها، لذا قرر سليم السفر بها إلى الولايات المتحدة بعد اختياره لطبيب مختص في حالتها، ورغم رفضها الشديد لقراره إلا أنه أصر وسافر بها هي وأنس خوفًا عليها من أقل الإصابات.
ورغم أنهما تركا البيت لمدة شهر إلا أنه مر بطيئًا ممل عليهم جميعًا.
ارتفع رنين هاتف والدة زيدان باتصال من "ميرڤت" تحفز جسدها وتجهمت ملامحها مردفة:
"وهي العقربة دي عايزة مني إيه!"
رفع يزن عينيه متسائلاً:
"مين دي؟"
"عمتك الحرباية."
قالتها بغيظ وانفعال شق قلب زيدان وأصابه بهلع رغم مقدرته في إظهار عكس ذلك، تابع يد والدته وهي تضغط على زر الرد وأصبح متمنيًا من عدم ردها فقال بلهفة:
"مترديش عليها أفضل."
"ده من وقت وفاة ابوك متصلتش، ردي شوفي عايزة إيه."
ود أن يصرخ بوجه يزن وإسكاته بعد أن لمح التحفز يرتسم فوق ملامح والدته التي قالت:
"لا هرد هتفتكر ان خايفة ارد عليها."
جف حلقه وهو يفكر في سبب اتصال "ميرڤت" المفاجئ وراح عقله ينير له سوء نيتها، والإشارة في ذلك هو صوت والدته الحانق:
"خير إيه يا حبيبتي اللي متصلة عليا فيه، هو أنتي بيجي منك الخير أصلاً."
أغمض جفونه في قلق وتخيل رد فعل عائلته على خطبته السرية، حتمًا ستصيبهم صاعقة من فرط حماقته.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الرابع 4 - بقلم زيزي محمد
جف حلق "زيدان" مفكرًا في سبب اتصال "ميرفت" المفاجئ. راح عقله ينير له سوء نيتها، والإشارة في ذلك هو صوت والدته الحانق:
"خير إيه يا حبيبتي اللي متصلة عليا فيه، هو أنتي هيجي منك خير أصلاً."
أغمض جفونه في قلق وتخيل رد فعل عائلته على خطبته السرية، حتمًا ستصيبهم صاعقة من فرط حماقته.
"صوتك عمره كان خير يا ميرفت."
قالتها "منال" في عصبية، بينما تحفز جسد "يزن" وهو يتابع والدته الغاضبة من عمته، التي بالتأكيد لم تصمت حتى الآن وما زالت تبث سمومها لوالدته. فأشار إليها بإغلاق الهاتف ولكنها أبت واستكملت الاتصال وهي تتوهج بشرارة الغضب والكره:
"لا متتصليش ولا تسألي اللي كان رابطنا بيكي مات خلاص."
نهض "زيدان" حينها وجذب الهاتف من يدها القابضة عليه، وأغلق الاتصال. فصاحت والدته بضيق عارم:
"كنت سيبني أربي الحرباية دي."
وضع الهاتف وهو يتمتم بضيق مماثل:
"مالوش لزمة يا ماما خلاص، احنا قطعنا معاها من زمان."
أكد "يزن" على حديثه بجدية:
"صح، وبعدين تلاقيها هتموت من اللي عملوا فيها سليم بس."
عادت البسمة تحلق فوق شفتيها وردت في فخر وانتصار:
"والله ما حد ريحني إلا هو، زمانها محروقة منه، هو طول عمره سليم ابني مجننها."
انسحب "زيدان" من محادثتهما ودخل غرفته ينفث عن غضبه الشديد من ضغط "ميرفت" عليه في مساعدته لحل قضية زوجها وابنها، وهذا بالطبع لن يحدث أبدًا، ولن يخون مهنته حتى لو كان آخر نفس لديه. فليذهبا إلى الجحيم وعلى رأسهم رأس الأفعى المدمر لحياته عمته. أما نهى فلا ذنب لها في كل ذلك، سوى أن العاطفة لغت عقلها.
دفع نفسه نحو فراشه، يتوسط الوسائد المرصوصة، يدفن وجهه بها متنهدًا بقلة حيلة بعدما فشل في الإفلات من عقبة نهى وأصبح متورطًا بشكل أثر على حياته بطريقة سلبية.
حاول نفض الأفكار السلبية بعيدًا عنه، والعودة إلى الصباح حين التقى بحب حياته بعد غياب لسنوات أرهقت بها عقله من كثرة التفكير بها وأشعلت نيران الاشتياق بقلبه الطالب بعودتها.
قضى الليل بأكمله في التفكير بها وتذكر لحظة لقائهما، وبالطبع لن ينسى صورهما معًا التي احتفظ بها في حاسوبه في سرية تامة، كلما شعر بالاشتياق يعود إليها كالشريد.
***
صباحًا بشقة "خالد"
فرق "خالد" جفنيه بصعوبة باحثًا عن أي ذرة نشاط للقيام بمهامه قبل الذهاب لعمله، ولكن لا زالت آثار النوم متعلقة بعينيه، وجسده يقاوم الاستيقاظ متشبثًا بفراشه لأخذ قسط آخر لعله يفيده لو بقليل.
أخيرًا نفض الكسل عنه ونهض بوجوم يتحرك بصعوبة نحو المرحاض لأخذ حمامًا باردًا ينعش به جسده قبل انطلاق معركة التنظيف اليومية.
وبالفعل بعد مرور عدة دقائق خرج من المرحاض متوجهًا نحو المطبخ يلملم قطع الثياب الملقاة أرضًا ويضعها في آلة التنظيف. ومن بعدها اتجه نحو إبريق الشاي يصنع له كوب شاي ساخن يهدأ به نفسه الثائرة والطالبة بقتل خاله وابنه على قلة نظافتهما.
التقطت أذنيه صوت "سمير" الخامل:
"اعملي كوباية شاي معاك يا خالد."
ومن بعدها دخل المرحاض دون أن ينتظر رده وكأنه أصبح مجبرًا على القيام بأمورٍ ليست من اختصاصه. والغريب أن ذلك المستفز يطلبها بكل وقاحة. فتمتم بكره:
"تنزل في زورك تحرقك وتموت فيها..."
لم يكمل جملته بسبب صوت صياح عال انطلق من الصالة ليخترق أذنيه، وكان واضحًا فيه كالعادة شجار خاله مع زوجته:
"يعني إيه يا ميرفت البت مش راضية تطلب منه، امال هي مخطوبة له ليه."
تحرك "إبراهيم" نحو المطبخ وهو يزفر ويطلق الألفاظ البذيئة لابنته. ومن بعدها قال:
"هدديها لو مطلبتش منه كده وهو ساعدها هنفسخ الخطوبة واسيبها تموت بحرقتها."
توسعت أعين خالد من وقاحة خاله، ولكنه التزم الصمت. في حين خرج "سمير" من المرحاض يقول في حدة ونبرة عالية كي تصل لوالدته:
"خليها تنجز، احنا مش عارفين ننزل مصر."
أغلق "إبراهيم" الهاتف وهو يزفر بحنق شديد متمتمًا بضيق:
"بت خايبة مفيش منها فايدة."
تشجع "خالد" بحماس وتدخل قائلاً:
"يا خالي لو محتاج تنزلوا مصر أنا عندي استعداد أخلص الإجراءات كلها، متقلقش ومش هدفعك أي فلوس."
رفع "سمير" عينيه ساخرًا:
"ننزل بس إزاي يا عم واحنا علينا قضية في مصر."
ترسب الذهول لجزء كبير من ملامح "خالد". وحول بصره نحو خاله الذي كذب عليه من قبل واختلق حجة حول سبب تركه لمصر وهو شغفه في إقامة عدة مشاريع في قطر لكسب الكثير من المال. وهو صدقه بالفعل حين صدق على كلامه بخسارته لأمواله، لذلك لجأ إليه للمكوث في شقته.
تدارك "إبراهيم" الوضع سريعًا بعد أن خص ابنه بنظرة حادة متوعدة بعد زلة لسانه تلك، وسارع في التحدث مبررًا:
"مكناش نعرف، عرفنا بعد ما سافرنا إن في قضية علينا، ربنا يجازيه اللي كان السبب فيها، احنا مظلومين يا بني والله."
بدأ "سمير" في مساندة والده بنبرة ظهر بها التوتر:
"وعشان كده كنا بنطلب من نهى إنها تكلم ابن خالي زيدان يشوف لنا حل."
فابتسم "إبراهيم" بتوتر هو الآخر وأكمل:
"أصل نهى اتخطبت لزيدان، مش عارف فاكر أنت ولا لأ."
حرك رأسه بإيجاب والتزم الصمت، بينما تحركت عدستيه تشملهما في نظرات قوية، محاولاً استكشاف سرهما. فواصل "إبراهيم" في قلق من رد فعله:
"شوفت خالك المصايب نازلة ترف عليه إزاي."
أخيرًا خرج صوته متسائلاً بنبرة غامضة أقلقت كليهما:
"هي مراتك يا خالي مبتشوفش محامي ليه؟ ولو أنتوا مظلومين أكيد هتطلعوا براءة بسرعة."
"بـ... بتشوف يا ابني بس الفلوس مقصرة، امال أنا مخبي عليها ليه إننا قاعدين عندك."
وقبل أن يرد، جاءه صوت "سمير" الحانق الساخر:
"دي تقيم علينا الحد ولو عرفت إننا خسرنا آخر فلوس معانا."
لم يعجب الوضع "خالد" وأحس بالارتياب من وجودهما، ولكنه لم يمتلك قدرة على طردهما. لذا قرر الصمت لفترة قبل أن يفتح خاله في عدم قدرته على تحمل ذلك الوضع.
خرج "إبراهيم" وهو يطرق كف على الأخر بغضب وفي ذات الوقت صوته الغاضب يملئ المكان:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا نهى."
انتظر خروج خاله ودخوله غرفته. فاقترب من سمير في مكر واستغل حالة التيه التي تلبسته وسأله بنبرة عادية:
"وهي نهى رافضة تقول لخطيبها ليه؟"
"أصلها خايفة تخسره، بت خايبة دماغها لسعت من كتر حبها فيه، أنت عارف عملت إيه أصلاً عشان الخطوبة دي تتم."
سأله بعينيه في صمت. فاقترب "سمير" بعد إشارة الفضول التي غزت عيون "خالد" ومال بجسده نحو أذنه هامسًا بكلمة واحدة، فجرت الصدمة على وجه "خالد" غير مصدقٍ جرأة ابنة خاله، وتخليها عن كرامتها. تابع "سمير" حديثه وكأن صنبور حياتهم كسر وصب ما بداخله في حذر على هيئة ثرثرة ببعض الأمور الخاصة بهم وبـ نهى تحديدًا، فكانت تلك هي أول مرة يصيبه الفضول حولهم. واستمع باهتمام وتركيز حتى انتهى "سمير" قائلاً بحقد:
"وبس سليم ابن خالي هو اللي عمل فينا كده، الله يجحمه.. أنا رايح أغير هدومي."
غادر "سمير" تحت نظرات الاستياء المنبثقة من عدستي "خالد". فقال بصوت خافت يشوبه الامتعاض:
"الله يجحمكم أنتوا يا ولاد...، إيه العيلة دي."
***
بمعرض السيارات الخاص بـ يزن..
دخل "زيدان" في خطوات بطيئة يراقب أولاً الوضع بمكتب أخيه قبل الدخول. ولأول مرة لم يجد فتاة معه. فهمس بتعجب:
"معقولة!"
دخل "زيدان" غرفة المكتب فوجده ينظر في هاتفه والضيق يرسم إماراته على وجهه. تحرك "زيدان" أكثر ناحيته ونظر في هاتفه، وجد مقطع مصور عادي لبعض الفتيات يتفاعلن مع مغنٍ شهير في أغنية حزينة. لم يستطع الصمت كثيرًا وسأل أخيه بقلق:
"مالك يا يزن، مضايق ليه كدا."
"مش عارف ولاد الكلب بيعملوا ليه كدا في نعمة ربنا، دي كلها بنات حلوة معقدة."
قالها يزن في سخط شديد. فرفع زيدان يده وحثه شعور قوي بضرب أخيه كي يستفيق ولكنه تراجع وسأله باستنكار:
"أنت زعلان بجد عشان كدا."
أغلق الهاتف وهو يؤكد بإصرار:
"طبعًا يا ابني دول نعمة ربنا، ينفع نزعلهم بذمتك."
رسم "زيدان" علامات البرود على وجهه ووافق على حديث أخيه:
"تصدق فعلاً، أكتر حاجة بتعجبني فيك إنك مقدر النعمة."
"أبقى غبي لو مقدرتهاش."
تحرك "زيدان" نحو الكرسي المقابل للمكتب وجلس عليه بينما خرج صوته يتساءل في خبث:
"أنا حابب أستفيد من خبرتك، بتعمل إيه مع واحدة مزنقة معاك؟"
"بزنق عليها أنا."
"ازاي؟"
سأله زيدان بفضول وحماس، فأشار يزن نحو الباب وهمس بمزاح:
"بزنقها ورا الباب ده وببوسها."
كان حديثه يغلب عليه المزاح لعلمه أن عائلته لن تراه سوى الفاشل حبيب الفتيات، فإن كانت سمعته سيئة سيجعلها أكثر سوءًا. وقد ظهر ذلك جليًا على "زيدان" المصدوم والذي قال بصرامة مفرطة:
"تصدق بالله أنا هبيتك في القسم النهار ده."
حرك "يزن" يده بلامبالاة وأردف:
"خلاص يا عم أنت زعلان من خبراتي مش هقولك حاجة تاني."
"دي خبرات وقحة، اخلص يا عم قول بتعمل إيه مع واحدة معصلجة معاك."
"غير إن أنا ببوسها."
أمسك "زيدان" مجموعة أقلام ودفعها بوجهه مرة واحدة والامتعاض يخالط نبرته:
"تصدق أنا راجل مهزأ عشان أجي وأسألك على حاجة."
نهض على الفور وكاد أن يخرج تحت نظرات "يزن" المتعجبة من عصبيته، فسأل بصوت عالٍ جعله يقف على أعتاب الباب في حرج:
"مش عيب على طولك وهيبتك لما في واحدة تعصلج معاك."
التفت "زيدان" يرمقه بنصف عين قبل أن يقول ببرود:
"لا طبعًا أنا مفيش واحدة تقدر تقولي لا."
فضحك "يزن" وتحرك بكرسيه في فخر:
"لو عايز أي مساعدة قولي مين هي وأنا هخلص الموضوع في ثواني."
تمتم "زيدان" بسخرية بصوت لم يصل لأخيه:
"دا أنا أبقى راجل عبيط لو عملت كدا."
أكمل خطواته للخارج وترك يزن ينظر في أثره بتسلية والابتسامة على ثغره:
"شكل الجلنف بيحب."
***
أشارت "مليكة" لأتوبيس النقل العام كي يقف، واستطاعت الجلوس أخيرًا في آخر مقعد بعد عناء في الصعود والابتعاد عن الزحام. وبذلك أمنت لنفسها طريق سهل وادخرت مالاً يكفيها لغد. حيث قررت ألا تزيد العبء فوق زوج والدتها السيد "مصطفى" فيكفي شهامته حتى الآن معها، ومشاعره الصافية النبيلة، وكرمه اللامتناهي عليها خصيصًا. لن تنسى قط مشاعرها حين توفت والدتها واستمعت لبعض الجيران يسألونه بفضول حول وضعها معه، وتذكرت جيدًا كيف رفض حديثهم، وصاح مستنكرًا لجحود قلوبهم. فكيف يطالبونه بتركها وحدها تصارع الحياة دون مأوى، دون سند يحميها إلى جانب مشاعر الأبوة التي تملكت منه وعززها بفرض حماية خاصة حولها، فارضًا أسواره العالية عليها في ظل أوقات كانت كالهرة الأليفة تخشى الناس والعالم بأجمعه.
تنهدت "مليكة" بحزن وعادت ذكرياتها الأليمة تتربع عرش ذاكرتها، فحاولت الفرار منها قبل أن تسلم نفسها وتنهار باكية وسط الركاب تتلقى الشفقة من نظراتهم.
فتحت حقيبتها بتروٍ، تخرج خبزًا شهيًا، أصر السيد "مصطفى" على تجهيزه ووضعه بحقيبتها كي تستكمل طعامها بوسيلة النقل. رفعته لثغرها وقضمت قطعة صغيرة تأكلها في صمت، تتابع الطرق بفقدان شغف أصابها في تلك اللحظة، ولكنه لم يدم طويلاً بسبب رؤيتها لبعض سيارات الشرطة الواقفة في أحد جوانب الطريق. تذكرت على الفور "زيدان" وتوردت وجنتيها خجلًا واشتاقت لرؤيته مرة ثانية، حيث كان لقاؤها به من الأحلام التي كانت تهاجمهما من حين لآخر، تشعل قلبها الغض بنيران فراقه، وتوحش صدرها بظلمة بعد أن انفصلا في لحظة عصبية لم تتوقع تركه لها بهذه السهولة.
زفرت بهدوء وهي تريح رأسها على المقعد الأمامي، وتوجه بصرها نحو الزجاج المطل على الطرق المليئة بسيارات الشرطة، يبدو أنه لا فرار من ذكرياتهما معًا ومن أهم ذكرى لها مرت في ومضة سريعة حين قابلته للمرة الثانية...
**
تحركت "مليكة" بخطوات واسعة نحو بوابة الأمن وتحديدًا نحو الضابط الذي أصر على احتفاظه ببطاقتها مبررًا لها بأنها ليست سوى إجراءات أمنية فقط.
توقفت على بُعد منه هو وزملائه وأشارت بيدها بخفة تنتظر قدومه. في البداية تجاهلها ورسم اللامبالاة فوق ملامحه، فاستفزها وعادت تشير مرة أخرى والحدة تقسو ملامحها.
نهض "زيدان" بتكاسل شديد، وتوجه نحوها في خطوات بطيئة جعلتها ترفع أحد حاجبيها لأسلوبه وكأنها تسعى للقائه. توقف بمقابلها مثبتًا عينيه عليها وهو يقول في برود مصطنع:
"نعم؟ عايزاني أنا."
ظهرت البلاهة على وجهها بسبب حديثه البارد وكأنه لا يعرفها، ولكنها ردت بعفوية:
"حضرتك أنا اللي أخدت منها البطاقة امبارح."
"مش فاكر."
رد ببساطة، جعلت من عينيها تتوسع بشكل كبير غير مصدقة ما يقوله، فقالت سريعًا:
"لحقت تنسى دا كان امبارح، بإمارة ما كنت الوحيدة اللي أخدت منها البطاقة."
ضيق عينيه محاولاً التذكر وقد بدا لها ذلك أمر غريب:
"كمان الوحيدة، دا أنتي شكلك حد خطير جدًا."
تمتمت بالاستغفار وهي تحاول كظم غيظها كي لا تنفجر في وجهه، فعادت تخرج نبرتها هادئة تخفي خلفها غضبًا يهدد بالانفجار:
"لو سمحت هات البطاقة."
ما زالت نبرة البرود تسيطر على صوته فأغاظها كثيرًا وهو يضع يده في جيبه يخرج عدة بطاقات:
"اسمك إيه؟"
"يفرق إيه اسمي والجثة موجودة قدامك."
قالتها في حنق شديد ظهر جليًا لزيدان الذي رفع عينيه المستنكرة مزاحها الشرس:
"ما هو أوقات الشكل اللي في الحقيقة غير اللي في البطاقة، يعني مثلاً يا مليكة عينك في البطاقة لونها أسود..."
صمت لبرهة قبل أن تتحول نبرته الجامدة لأخرى عابثة تصاحبها نظرة إعجاب فجرت الخجل بوجنتيها:
"واللي قدامي دي عيون غزال."
جذبت البطاقة من بين أصابعه بعدما غرق كالأحمق في شهد العسل النابع من عينيها، فقد كان يقسم على أنهما يمتلكان سحرًا خاصًا يأسر الناظر بهما للأبد.
انتبه على اقترابه منه حيث مالت برأسها للأمام قليلاً وهتفت بنبرة يغزوها الشر:
"طب حاسب أحسن أصل الغزال أوقات بيبقى خطر."
أنهت حديثها وتحركت نحو البوابة قبل أن يتحدث فتحرك خلفها ورمى بكلماته قبل أن تدخل وسط تجمع الطلاب:
"غزال آه بس شرس."
كتمت ابتسامتها في ظل التأمين وبعدما خطت لداخل الجامعة، سمحت لبسمة تحتل محياها إعجابًا بشخصيته الغريبة، وفكرت أن سبب استحواذه على بطاقتها هو لغرض خاص به. وحين آل عقلها لذلك ابتسمت بخجل وإعجاب لم يدم طويلاً حيث نهرت نفسها موبخة:
"اتلمي يا مليكة عيب."
تحرت خطوة لأمام ولكنها توقفت عندما صدح صوت داخلها يعرض لعبة سخيفة وبذات الوقت أعجبتها. إن استدارت ورأته ينظر لها بالفعل يصدق حدسها وأن كان غير متواجد ستكون مجرد تهيئات ساذجة. شجعت نفسها قائلة بهمس:
"وماله ما جرب."
جذبت نفسًا طويلًا تهدأ به نفسها قبل أن تلتفت وحركت جسدها ببطء وكأنها عروس خشبي تتحرك بحذر. بالفعل، وجدته يقف على بُعد مسافة يراقبها باهتمام، فتقابلت أعينهما في لحظة جعلت كلًا منهما يبتسم للآخر، وتلك كانت شرارة حبهما، رغم سذاجة الوضع بينهما.
**
عادت "مليكة" من شرودها على صوت السائق ينادي بصوت عالٍ باسم المحطة. لملمت أشياءها سريعًا وتركت مشاعرها المبعثرة لوقت آخر، فكانت تعلم جيدًا أن عادت ذكرياتهما معًا لن تعود لطبيعتها أبدًا.
سارت في طريق قصير تختصر المسافة كي تصل للمشفى، تستقبل يومًا جديدًا مليئًا بالأحداث التي حتمًا ستكون لها أثر كبير في نسيانه وعودتها لِمَ أقلمت نفسها عليها لأعوام.
يبدو أن قلبها أعلن عصيانه وتشبث بالنور الذي ظهر بعد لقائه في المشفى، لذا خيل لها صوت بجانبها، فضحكت بحماقة على نفسها. ولكن نفس الصوت تكرر بنبرة أقوى جعلتها تقف وتستدير ببطء، فرأته هو بكامل هيبته في سيارته الواقفة بجانبها يشير لها بالصعود:
"مليكة، تعالي اركبي."
ابتلعت لعابها عندما اصطدمت بواقع وجوده بالفعل، وهتفت في نبرة مرتجفة:
"لا مش هركب معاك."
أوقف السيارة نهائيًا وهبط منها سريعًا قبل أن تهرب منه، فقال وهو يقف أمامها مباشرةً:
"ليه ما أنتي كنتي بتركبي معايا زمان."
ظهر الندم في كلماتها الخافتة:
"غلطة ومش هكررها تاني."
ضاقت عيناه باستنكار، فخرجت حروفه تحوي على غلظة:
"أنتي ليه محسساني إن أنا اللي غدرت بيكي، مع إنك أنتي اللي سبتيني."
رمشت بأهدابها تحافظ على وجود دموعها داخل مقلتيها الحزينة:
"بلاش تفتح في الماضي يا زيدان، عشان لو النقاش ده اتفتح هتطلع أنت الوحيد الخسران فيه."
فتح فمه وكاد يفتح في جراحٍ حاولت هي معالجتها بمرور الزمن، فرفضت بإصرار:
"قولتلك بلاش."
تركته وأكملت خطاها للأمام في خطوات سريعة متمنية ألا يلاحقها.
وهو بالفعل لن يلاحقها خاصةً بعد حزن عينيها، فقرر ترك مساحة كافية تستعيد بها رابطة جأشها قبل أن يعود لها غدًا ويحاول معها من جديد.
***
مسحت "مليكة" دموعها قبل أن تدخل للمشفى وارتدت قناع الهدوء رغم غليان مشاعرها بسبب جراح حفرت بروحها المنكسرة.
استمعت لصوت إحدى الممرضات تركض نحوها وهي تردف:
"دكتورة مليكة، دكتور ماجد عايزك."
ظهر الاشمئزاز بكلماتها وهي تقول:
"قوليله مش فاضية."
ومن بعدها تحركت صوب غرفة تبديل الثياب، دخلت وهي تزفر بحنق وتمتم ببعض الكلمات النارية:
"هو يوم أسود، إيه القرف ده."
ألقت الحقيبة بكل قوة فوق المكتب، ولكنها صاحت بفزع عندما استمعت لصوت "ماجد" من خلفها:
"اهدي بس يا دكتورة متعصبة ليه."
انتفضت بغضب وصاحت به في صوت عالٍ حيث تخطى جميع حدوده ولن تصمت على أفعاله بعد ذلك:
"انت إزاي تدخل هنا، إيه الجنان دا، اتفضل اطلع برة."
عقد ذراعيه وبسمة شيطانية ارتفعت لشفتيه:
"وان مطلعتش هتعملي إيه؟"
"أنا هعملك فضيحة فوق في الإدارة."
تركته وحده بالغرفة وخرجت. وقبل أن تغلق الباب قال بنبرة ساخرة يخالطها التشفي:
"بصي بس الأول على الواتس بتاعك، عشان الفضيحة مش هتكون لوحدي."
تركت الباب مواربًا ورفعت هاتفها في قلق من نظرة التهديد الملوحة لها، فتحت التطبيق ويا ليتها لم تفتحه، أي كارثة تراها الآن، أي مصيبة ستلاحق شرفها وسمعتها حتى الممات، هوى قلبها لسابع أرض، وتحطمت بعد أن رأت صورًا مفبركة لمحادثات لها معه بكلام بذيء. والأقوى أن المحادثات تحوي على بعض الصور لها بشعرها ولكنه على جسد امرأة أخرى شبه عارية.
تسربت الدماء من جسدها وترنح عقلها يمينًا ويسارًا وهي ترى فضيحتها أمامها، رفعت عينيها تنظر له في صدمة لم تتوقع وقاحته لهذا الحد. وقد ضاق بها المكان حيث شعرت وكأنه جدرانه تنطبق عليها تزهق روحها بعد أن زُجت في وحل دائرته في لحظة لم ولن تتوقعها.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الخامس 5 - بقلم زيزي محمد
لقد سُحب البساط من أسفلها وبقيت في الهواء بلا أمان.
هوت كطير شُل جناحاه فجأة، وفقد القدرة على التحليق.
اصطدمت بواقع مرير لم تكن تتوقعه حتى في أحلامها.
لم تتخيل قط أن هناك نفوس بهذا الشر والبغض.
سرت رجفة قوية في جسدها فحاولت أن تتمسك بالحائط على أمل بأن تستمد القوة في مواجهة هذا الخناس الذي تجرد من كل معاني الرحمة.
دارت عيناها هنا وهناك بضياع أهلك عقلها في التفكير.
لقد كان كل شيء حقيقي، ابتسامتها، نظراتها، ملامحها الصافية، حتى خصلات شعرها بلونها الأسود.
عدا ذلك الجسد العاري، لم يكن لجسدها، ولكن من سيصدق؟!
غلى شعور بالانتقام داخلها في تلك اللحظة.
وحثتها أفكارها المضطربة على قتله والتخلص منه قبل أن تظهر تلك الفضائح علنًا وتصبح علكة في أفواه الأخرين.
حولت "مليكة" بصرها نحوه والشر يتطاير من مقلتيها.
رغم الضعف المتوغل لروحها، إلا أنها استطاعت إظهار قوتها حتى لو كانت مصطنعة.
ستحاول أن تتشبث بها في سبيل الخلاص منه.
فتحت الباب على مصراعيه وانطلقت في لحظة نحوه تمسك بمقدمة قميصه بعنف.
ورغم أنها لم تكن سوى شراسة أنثوية ضعيفة، إلا أنها أصابته بالتوتر.
وذلك بعد أن همست بصوت خافت:
"أنا هقتلك وأشرب من دمك يا ماجد، فاهم هقتلك."
ورغم زعزعة الثقة لديه أمام القسوة المتأصلة بحروفها، إلا أنه رد بكل ثبات ممزوج بالسخرية:
"وهتقتليني بالسكينة ولا بالمسدس، عشان أجهز نفسي بس للموت."
اشتدت قبضتيها فوق قميصه حتى أنها كادت تقطعه من ضراوة مشاعرها.
فبدأت في هزه بعنف وهي تردف بصوت مبحوح أثر صدمتها:
"أنت إيه مبتحسش، حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
حاول إبعاد يدها عن ثيابه ولكنها أبت وتمسكت به في ظل انهيارها العصبي.
فقرر رفض هجومها فارضًا طغيانه عليها وابتعد خطوة يهندم ثيابه والسخط ينزلق من كلماته:
"اهدي بس يا دكتورة، أصل الحكاية لو اتنشرت محدش هيخسر غيرك صدقيني، أنا مظبطها على مقاسك."
أغمضت جفونها وقد ظهر الضعف على ملامحها بعد تهديده المبطن.
فاستغل ذلك وواصل ما يقوله بنبرة فاح منها الخبث والكره:
"أنتي فاكرة أن بحبك، لا خالص."
فتحت عيناها وظهر بها التيه من واقع كلماته الغريب.
فما الفائدة من فعلته الوقحة طالما لم يكن الحب؟
"أنتي مجرد جسم عاجبني، وشكل جديد عليا مجربتوش، واللي عاجبني فيكي شراستك، زهقت من الصنف العادي، نجرب الجديد."
شملها بنظرات عابثة وركز ببصره فوق مناطق معينة.
فشعرت وكأنه جردها من ثيابها.
مدت يدها تلقائيًا تشد فوق ثيابها، والامتعاض يقسو فوق ملامحها وهي تقابل نظراته باشمئزاز من وقاحة خصاله.
فاندفعت كلماتها بصوت متقطع:
"أنت إيه معندكش أم أو أخت، ازاي قادر تعيش بالوقاحة دي."
"قادر ومستمتع كمان."
قالها ببسمة تعلو فوق شفتيه الغليظة قاصدًا إرباكها.
فاستكمل بثقة وهو يسألها بنبرة عادية وكأنه يسألها على طقس اليوم:
"إيه هتيجي امتى الشقة، ولو مكسوفة ممكن نقضيها فوق الاوضة."
أمسكت قطعة حديدية صغيرة ودفعتها نحوه بكل قسوة.
فلم تصب سوى يده بعدما تصدى لها.
وارتفعت نبرتها بصوت أشبه للصراخ:
"أنت واحد قليل الأدب وعايز تتربي."
وضع القطعة مكانها واستعد للخروج خوفًا أن يأتي أحدهم ويراها على تلك الهيئة المزرية.
فاللعبة لا زالت في بدايتها ونهايتها لم تأتي بعد:
"أنا همشي قبل ما حد يجي والفضيحة لو حصلت هتزعلي أوي، قدامك خيارين يا تسمعي كلامي وتكوني ذكية وصدقيني هتتبسطي، يا أما هتطلعي من هنا بفضيحة وفي الأخر هتبقى غبية."
تسربت كلماته البشعة لها فبدا وكأنه شيطان متجسد في صورة إنسان.
ألم تصب الرحمة قلبه من قبل، ألا يخشى الله من أفعاله المتجردة من الدين والأصول.
لم تتوقع أن تتلطخ بسواد مستنقعه حتى لو من بعيد.
لن تسمح له باستغلالها لمجرد تهديدات دنيئة يتلاعب بها تحت مسمى الحفاظ على سمعتها.
غادر دون أن يرمش له جفن من صوتها الباكي، واغلق الباب خلفه معطيًا لها المساحة الكاملة في التفكير الذي أصبح شبه متأكدًا أنه سيصب في صالحه الآن.
تركها وحدها تصارع قسوة الحاضر بكل ما يحمله من مفاجآت مدوية.
فما حدث أشبه بانفجار قنبلة موقوتة، وأثارها طالت روحها الصافية.
خارت قواها فألقت بجسدها فوق المقعد تبكي على قلة حيلتها في إيجاد حل لإبعاد تلك المصيبة عنها دون أن تتنازل لذلك الوقح.
لن تسمح بلمساته ولن تصمت على تماديه.
ولكن كيف وأين السبيل للخروج من ذلك المأزق؟
لا تعلم.
كل ما تعلمه هو أنها لو بقيت في المشفى دقيقة واحدة ستقطعه إربًا وتظهر في الساحة برأسه في يدها.
حتمًا حينها ستكون سعيدة بجريمتها.
***
قاد "زيدان" سيارته متجهًا صوب عمله.
استقبل الهواء بصدر رحب والابتسامة تزين وجهه، بينما تصدح الأغاني الهادئة من المذياع.
كانت أفضل لحظات حياته لذا قرر عدم الرد على نهى مطلقًا اليوم.
لن يعكر صفو مزاجه بخطأ ارتكبه في لحظة ضعف.
دندن مع الكلمات حتى أنه على صوت.
والابتسامة تزداد اتساعًا أكثر وأكثر وكأن مليكة تجلس بجانبه.
تدفقت الذكريات الجميلة وانتفض قلبه صارخًا بحب لن ينتهى إلا بمماته.
على صوت رنين الهاتف مجددًا، فمد يده بتلقائية كي ينهي الاتصال ولكنه لمح أسم والدته، فرد على الفور واستمع لصياح والدته.
أوقف السيارة سريعًا وهتف بنبرة قلقة:
"في إيه يا أمي."
"شوفت الكلبة ميرفت بتقولي إيه."
اختفى خفق قلبه، وحبست أنفاسه رهن كلمات والدته التي توقفت فجأة.
حتى أنه لم يتجرأ ويسألها، اكتفى بالصمت الذي لم تتحمله والدته كثيرًا.
وأخرجت ما في جعبتها بعصبية:
"بتدعي على سليم ابني."
زفر مرتاحًا وسألها بنبرة مثقلة:
"هي متصلة ليه تاني؟"
"عشان تتضايقني وتحرق دمي."
أجابته بغضب عارم، فرد بهدوء محاولاً امتصاص غضبها:
"متقدرش تحرق دمك."
"لا حرقته لما دعت على سليم وهو في غربة."
أجهشت في البكاء واندفعت الأدعية من فمها لحفظ ابنها.
فقال ساخرًا من قلق والدته:
"هي شيخة اوي عشان ربنا يتقبل منها."
"بس دعت على أخوك المجرمة، والله لو فكرت تتصل تاني لأروحلها بيتها وابهدلها."
زم "زيدان" شفتيه بضيق وقد تمادى الوضع من يديه وأصبح غير مسيطر بالمرة.
لا على والدته ولا على عمته التي أصبحت تضغط عليه في الآونة الأخيرة بتهديدات أحيانًا مبطنة وأخرى صريحة.
أغلق الاتصال مع والدته بعد أن استطاع تهدئتها واقناعها أنه لن يصيب "سليم" شيء.
عاد تشغيل سيارته مغيرًا وجهته صوب منزل عمته، مقررًا مواجهتها وتأديبها والحد من تصرفاتها التي أصبحت تفوق قدرته.
فكان دائمًا صبور معها لأجل نهى فقط.
***
وصل "زيدان" أمام شقة عمته، وبدأ في طرق الباب بقوة وعنف.
بينما توهجت عيناه بنيران الغضب، وظهر ذلك حين فتحت الخادمة الباب وابتسامتها المهتزة تعبر عن فرط توترها من وجوده بهذا الشكل الغاضب:
"أهلاً يا زيدان بيه نورت."
تخطاها وهو يبحث عن عمته في أروقة الشقة، وصوته الجهور يصدح في أرجاء المكان بغلظة:
"ميرڤت أنتي فين؟"
خرجت "ميرفت" بعد دقيقة تضع يدها في خصرها والحدة تغزو عيناها:
"ميرفت كده من غير عمتك يا زيدان يا متربي."
صاح مستنكرًا في وجهها:
"متنسيش أنتي بتتكلمي مين؟"
ابتسمت بسخرية وعقدت ذراعيها أمامه تسأله:
"هتهددني امال يا سيادة الظابط."
"ظابط غصب عنك وتحترميني، وكلمة زيادة مش هعمل حساب لأي حاجة فاهمة ولا لأ."
اندفعت كلماته في قساوة شديدة وعروق وجهه تنتفض غضبًا منها.
فتراجعت عن سخريتها وأخفضت بصرها أرضًا تستجمع تركيزها بعد أن فقدت خيوط اللعبة منها.
لانت ملامحها وهي ترمقه بنظرات ضعيفة أدهشت بها "زيدان" وخاصةً من تحولها السريع، فالأمر أشبه بمسرح أشعل فيه الضوء الأخضر وانطلقت هي تؤدي دورها بكل حرافية:
"طبعًا يا حبيبي غصب عني وعن أي حد، أنا بس صعبان عليا انك بتهددني."
"لا تعودي على كدا."
قالها في تحدٍ فجر الغيظ على ملامحها.
فسألته بنبرة غامضة:
"يعني إيه؟"
"يعني من هنا ورايح لو اتصلتي على أمي أو حاولتي تجيبي سيرة سليم بحرف واحد، أو تفكري انك تتصلي تجبيلي سيرة ابنك وجوزك هتلاقي مني تصرف مش هيعجبك."
"هتلغي خطوبتك بنهى؟"
سألته بعد ثوان من التفكير.
فرد بما فاق توقعها:
"دي حاجة بسيطة من اللي هعملها، محلات الدهب وهقفلها و..."
قاطعته وهي تشير بيدها محاولة إثارة الشفقة لديه:
"محدش حاسس بيا أبدًا، حتى أنت اللي مفروض جوز بنتي بتهددني."
صاح متذمرًا والاعتراض يلوح من عينيه:
"حاسبي جواز إيه، اللي بيني وبين بنتك لعبة وأنتي السبب فيها، فاهدي كده وبطلي تمثيل."
"أنا بمثل؟"
أشارت نحو نفسها والصدمة ترسم إمارات زائفة فوق ملامحها.
فهز رأسه بإيجاب مبتسمًا بتهكم على تحولها السريع.
"المرة الجاية صدقيني لو جيت مش هيعجبك اللي هيحصل."
انطلق مغادرًا وقد تحلى بالصبر معها لأجل "نهى" فقط.
هبط درجات السلم ومن سوء حظه قابلها.
وحين رأته انطلقت تتأسف بندم:
"أسفة يا حبيبي متزعلش عشان خرجت من غير اذنك."
لم يكن في حالة تسمح له باستكمال الحديث معها.
فوجد نفسه يقول بضيق:
"طيب يا نهى."
أمسكت بيده قبل أن يغادر والحزن يطفو فوق ملامحها:
" لا أنت زعلان مني، حقك عليا."
بتر حديثها بعصبية مفرطة وأبعد يدها بعنف:
"ابعدي عني بقا."
نزل الدرج تاركًا إياها في صدمة من تصرفه العدائي رغم أنها لم تخطأ في شيء وأبدت ندمها على تصرفها الذي كان من وجهة نظرها خطأ.
صعدت الدرج سريعًا وقابلت والدتها تتحرك في الصالة ذهابًا وإيابًا والسخط يسيطر على كلماتها.
فاتجهت صوبها تسألها بقلق:
"ماما أنتي زعلتي زيدان ولا إيه؟"
التفتت والدتها فجأة وهبطت بكفها فوق وجنتها في قسوة.
فارتدت نهى للخلف خطوة بسبب صفعة غليظة كان أثرها النفسي أكبر من أثرها الجسدي.
رفعت عيناها الباكية لوالدتها بضعف تشكو من سوء معاملتها وقسوتها غير المبررة لمجرد سؤالاً عابرًا خرج منها.
لم تكتفي والدتها عند هذا الحد بل ثارت بهجوم شرس:
"اللي همك هو زيدان الزفت وبس، غير كده لا، فوقي واصحي من الوهم ده."
بكت "نهى" بانهيار وقالت من بين شهقاتها:
"وهم إيه؟ كفاية كلامك ليا، أنتي مبتزهقيش."
اندفعت "ميرفت" نحوها فركضت لغرفتها قبل أن تهبط صفعة أخرى أو يمتد الأمر لضربٍ في مفترق جسدها.
أغلقت الباب خلفها وهي تستمع لصوت صراخ والدتها من الخارج:
"الكلام ده ليا يا بت يا ضايعة، أنتي يا اختي مزهقتيش منه، ده يا بت بيـمـ..."
وضعت الخادمة يدها فوق فمها وقد تجرأت لأول مرة في حياتها على أخذ خطوة كهذه وتحديدًا أن كانت مع شخصية عدائية مثل ميرفت.
وبدأت في التوسل قبل أن تفقد الأخرى أعصابها:
"ابوس ايدك يا هانم بلاش، كفاية اللي حصلها المرة اللي فاتت."
رفعت ميرفت حاجبيها من جرأتها.
فأخفضت الخادمة يدها ووضعتها فوق صدرها في توسل أكبر:
"المرة دي مش هتعدي على خير عليها."
بصقت نحو غرفة ابنتها وارتفع صوتها في غيظ:
"خليها تشرب بس متجيش تعيط من معاملته، طول ما هي غبية كده."
هزت الخادمة رأسها كناية عن موافقتها.
وفي الواقع هي كانت تمتص شرارة الغضب لأجل نهى الهائمة في حبٍ يعلم الله وحده أنه الملاذ الأخير للخروج من هذا البيت على خير.
***
استمعت "نهى" لحديث والدتها الذي فجر ينابيع البكاء من مقلتيها.
أخفت صوت شهقاتها بيدها كي لا تبدو البلهاء الحمقاء وتستمر والدتها في ايذائها أكثر.
فضغطت باليد الأخرى فوق صدرها تحاول تجحيم الانكسار الذي طال روحها المصابة بالإحباط والخذلان.
جلست أرضًا تضم ركبتيها لصدرها، وغاصت في محاكاة مشاعرها تحاول إيجاد سبب لنعتها بالهائمة.
ما نفع العين بلا بصر؟
هل جرَّبتَ الحياة بلا تنفس؟
أجل، لقد جربت كل هذا بدون زيدان.
عاشت في تلك العتمة الكاحلة التي حاوطتها في بيتها من قِبل عائلتها الغير سوية والغير إنسانية على الإطلاق.
لقد فقدت رئتيها عقب تأكدها من خسارتها لزيدان.
فحاولت إنهاء تلك الحياة البائسة في لحظة فقدت فيها العقل كذلك.
فقدت قدرتها على التركيز وأغلقت عيناها الباكية لثوان تحاول فيها معالجة جروح عادت تنزف من جديد وكأن ذلك اليوم يفرض هيمنته عليها يذكرها كم ذاقت ويلات من الخذلان على يد والدتها حينما ركضت باكية ترتمي داخل أحضانها تستنجد بها ولكنها وجدت....
صعدت "نهى" السلم بإنهاك طال جسدها وكأنها فقدت قوتها إثر ضربة قوية.
حتى أنفاسها باتت ضعيفة والرؤية أمامها مشوشة.
لم تعرف من أثر الصدمة التي تلقتها على يد زيدان حينما اعترفت بحبها له وقابلها هو بكلماته القاسية ولم يراعي مشاعرها المنكسرة.
فالأمر أشبه بحيوان أليف يركض باحثًا عن الأمان وفجأة جاءت سيارة مسرعة ودهسته بلا رحمة.
انسابت دموعها بغزارة فوق صفحات وجهها وأصبحت الحياة بلا مذاق وكأنه أُلقى فوقها غلالة سوداء.
لم تعد قادرة على معالجة جراحها، وشعرت بحاجتها الشديدة لوالدتها.
ولكن هل يحق لها طلب الحنان والاحتواء؟
أم أنها ستقابل عراك كالعادة سيزيد من جراحها؟!
دفعها شعور قوي بإلقاء نفسها تحت أقدام والدتها، تُلقي ما في داخلها دفعة واحدة دون انقطاع.
تسعى لشعور دافئ يحتويها بعدما فقدت روحها وضاعت في فلك حب هائم على حد قوله.
فأكثر ما أوجعها هو عدم تقديره للحب الكامن داخلها، وكأن فؤادها لعبة واعتادت على الكسر!
دخلت من باب شقتها والدموع تعيق حركاتها.
رأت والدتها تجلس فوق مقعدها المفضل والهاتف في يدها.
اتجهت نحوها دون تفكير، فقط انساقت خلف ذلك الشعور، وتركت كل مخاوفها جانبًا.
ارتمت بجسدها أسفل قدم والدتها واضعة رأسها فوق ساقيها وأطلقت العنان لنفسها في البكاء.
كان أحيانًا بكاء صامت وأحيانًا أخرى يصاحبه ما قاله زيدان.
لم تجد يد والدتها تربت عليها كما اعتقدت، حتى أن صوتها اختفى فجأة.
وقد أصيبت حينها بالهذيان من فرط اضطرابها.
لِمَ كل شيء يخالف آمالها البسيطة.
رفعت رأسها ببطء وقابلت نفس نظرة السخرية من والدتها.
رباه، كانت تخشى تلك النظرة تحديدًا.
تخبطت بين جنبات عقلها وسألت نفسها بتيه هل بالفعل هي ابنة والدتها أم أنها ابنة بالتبني؟
لقد داهمها الشك بسبب جسور الجفاء المقيمة بينهما.
أغمضت جفونها تحتفظ بنظرة التهكم المطلة من والدتها، واعتقدت أن الأمر سيصبح الآن سوء.
ولم يدم توقعها كثيرًا حيث اندفعت والدتها بكل قساوة تردف:
"له حق يا حبيبتي يعمل فيكي أكتر من كدا."
ابتعدت بجسدها ولكنها ما زالت فوق الأرضية تنظر لوالدتها بنظرات زائغة.
فبدت كجارية تتلقى التوبيخ من ملكة فظة قررت معاقبتها بأسوأ الألفاظ.
حتى أنها تمادت في إهانتها:
"حب إيه يا موكوسة اللي بتتكلمي عنه، هو الحب ده بيأكل عيش في الزمن دا."
اكتفت بالصمت وتابعت حديثها بضعف في ظل اندفاع ميرفت بحدة:
"طول عمرك خايبة وفاشلة ومتبصيش الا لزيدان وبس، أهو قالك مش بيحبك والصراحة عنده حق، في واحد يحب واحدة معندهاش كرامة."
ربما كانت "ميرفت" تقصد إفاقتها ولكنها اختارت طريق القسوة والجفاء ولم تراعي مشاعر ابنتها التي كانت تبحث عن الرفق ليس إلا.
وقد ظهر ذلك في صراخ "نهى" تزامنًا مع إشارتها بيدها:
"بس كفاية حرام عليكي، كفاية."
نهضت عقب حديثها وركضت صوب غرفتها.
وقبل أن تدخل تلقت ضربة حذاء من قبل والدتها التي عقبت فيما بعد بسخط عارم:
"ادخلي يا بت اوضتك وعيطي من هنا لبكرة وفي الأخر محدش هيعبرك."
دخلت غرفتها تجر أذيال الخيبة خلفها.
أغلقت الباب خلفها بإحكام ومن بعدها توقفت في منتصف الغرفة تنظر يمنيًا تارة ويسارًا تارة أخرى.
زحف الاكتئاب فوق ملامحها وأصبحت كعجوز فقدت معاني الحياة وزهق جسدها بسبب المرض.
فقررت إنهاء حياتها كي تتخلص من كل العناء المتربص بها.
هي أيضًا لقد تعب جسدها من الضرب والصفعات القاسية، وأرهقت نفسيتها من الإهانة المتلاصقة بها دومًا.
حتى قلبها بات كالنبتة الضعيفة التي أصابها الجفاف.
لقد زهدت الحياة بعينيها بعد فظاظة والدتها ونفور زيدان منها.
تحركت بخطوات ثقيلة للغاية، نحو مكتبة صغيرة وسحبت منها أقراص طبية كثيرة.
بدأت في تناولها واحد تلو الأخر دون انقطاع والدموع تتسابق فوق وجنتيها وكأنها هي الأخرى تودع الحياة.
فقد أدركت أن الانتحار أسهل من الانغماس في دروب الهوى!
***
فتحت عينيها بعد أن رفعت رايتها البيضاء لذكرى مهما حاولت الفرار منها تجذبها لأسفل القاع.
للحظة الضعف التي باتت تركها حينما قررت إنهاء حياتها في سبيل التخلص من كل ما يؤرقها.
ولكنها كانت خاطئة ساذجة.
حينها فقط ستكون الخاسرة الوحيدة بعد أن علمت بحب زيدان لها وأن ما قاله ليس سوى كلمات خرجت دون إرادة منه كي يمنعها من الارتباط به خوفًا على مستقبلها فيما بعد بسبب مهنته الشاقة، وتعرضه للموت في كل لحظة.
ولكنه لم يدرك أن الموت هو سبيلها الوحيد بعد تركه لها.
***
في شقة "سليم"
جلس فوق الأرضية الصلبة بعد يوم طويل ومرهق مع شمس وأنس.
ارتدى نظارته الطبية وتابع قراءة الأوراق ومتابعة أخر مجريات المحلات من خلال حاسوبه.
غاص في التركيز لدقائق كثيرة وعادت جديته المفرطة تحتل خصاله بعد أن تخلص من دلاله لشمس ومرافقة أنس في كل ألعابه.
وبعد أن وضع قائمة ينظم بها أولوياته وأعماله واعتقد حينها أنه قادرً على إنجازها وفقًا لقواعده.
فشل بجدارة بسبب تقلب مزاج شمس وطلبات أنس الكثيرة.
أحيانًا يظهر التذمر داخل مقلتيه لكليهما ولكنه يخفيه سريعًا خوفًا أن يحزنا ويبدأ كلاً منهما في إقامة مناحة يصفانه بها بالأب القاسي.
حينها ترك الورقة والقلم وأشار على نفسه ساخرًا:
"دا أنا أب تافه على كدا."
قالها بحنق من تصرفاتهما المتقلبة فأصبح كالمجنون بينهما.
رفع يداه لأعلى وأردف بصوت عال:
"يا رب أنا زهقت."
غرقت عيناه في الملل وعاد مجددًا لقراءة الأوراق.
ولكن قاطعه اتصال هاتفي من قبل يزن فأجاب على الفور:
"خير."
"أهلاً يا أخويا يا حبيبي."
زفر متذمرًا:
"اخلص."
"إيه يا عم الكلام ده، هو أنا كنت نايم في حضنك."
صاح "سليم" موبخًا:
"اتلم يا يزن واعرف انت بتكلم مين؟"
"يا سليم ليه بتعاملني كأني حرامي وسارق حاجة منك، فين الحنان فين الأخوة."
صمت سليم برهة يخفي بسمته التي نبتت فوق شفتيه اشتياقًا له ولمزاحه.
وكعادته رد باستهجان:
"يزن بيطلب الحنان، أنا كده بدأت اقلق عليك."
"لا يا عم أنت فهمت إيه، الحنان إياه أنا غرقان فيه واحتمال أعمل سد أخزن لسنين جاية، أما الحنان الأخوي فـ حقيقي أنت واحشني وغيابك فارق معانا."
ضحك سليم بخفة ورد بعفوية:
"يلا عشان تعرفوا قيمتي لما أموت."
استمع لصوت بكاء انبعث من جانب يزن ويبدو أنها كانت والدته.
فسارع يزن بالحديث لها موضحًا:
"بيهزر يا ماما بيهزر اهدي، خد يا عم كلمها."
جذب "سليم" أنفاسه واستجمع هدوئه بعدما أحس بخوفها عليه لمجرد كلمات عادية قالها في لحظة مزاح.
لن ينكر بالطبع سعادته لبكائها وقد ظهر مدى اشتياقه لأبسط الأمور من قبل والدته.
فلا زالت ندوبه تحتاج لمعالجة خاصة تركها هو للزمن رغم مرارة وجودها بعد كل هذه التغيرات.
"خلاص اهدي يا أمي، أنا كنت بهزر."
"بعد الشر عنك يا حبيبي، يجعل يومي قبل يومك."
نال التعجب من ملامحه بسبب قدرة والدته على التعبير تجاهه تحديدًا.
وكأن القيود المفروضة عليها ذابت بعد أخر مواجهة بينهما وأصبحت أكثر سلسة رغم عدم تقبله للوضع.
لذا استغفر بخفوت وصاح بعدها بحدة:
"أنا مش عايز كلام زي ده وأنا مش موجود معاكوا، انتوا متصلين تعكننوا عليا."
"حقك عليا يا حبيبي، خد زيدان معاك اهو."
رفع سليم رأسه وزفر بقوة من كم الضغط الواقع فوق رأسه، متمنيًا ألا يحزنه زيدان.
فبالرغم من اختلافهما إلا أنهما يمتلكان نفس الحدة وبشاعة الكلمات والردود.
"الحمد لله يا زيدان، أنت أخبارك إيه؟"
"زي الفل محتاجينك وسطنا."
هل تغيرت عائلته عندما غاب عن أعينهم، ولأول مرة شعر بفائدة ابتعاده.
لقد اشتعلت شرارة الاشتياق بينهما ولن تنطفئ إلا بلقائهم الذي أصبح باغضًا له بعد أن تلقى منهم كل هذا الحب والاحتواء!
"سليـــم."
انتبه على صوت شمس المنادي له فزفر بضيق وأبعد الاوراق عنه بتذمر متمتمًا:
"هو باين من الاول مفيش شغل."
رواية منك وإليك اهتديت الفصل السادس 6 - بقلم زيزي محمد
فتح "زيدان" جفنيه بعد أن قرر إغلاقهما لخمس دقائق يريح بهم نظره المشوش من إرهاق متزايد في عمله لمدة يومين كان يختطف النوم بهما كمن يقتنص ثمرة شهية من أعلى شجرة بعد أن عزفت بطنه أناشيد الجوع.
مد أصابعه يدلك جبينه برفق في حركات دائرية ربما يصمت هذا الألم الطارق في جانبي رأسه بصورة متواصلة جعلت من ملامحه الوسيمة مكفهره وكأنه انتهى التو من نقاش سَافِر.
صعد رنين هاتفه بموسيقى هادئة، فحول رأسه جانبًا يرى المتصل وما كانه منه سوى الاعتدال في مقعده، منظفًا حلقه عدة مرات قبل أن يرد بنبرة جادة للغاية:
- أهلاً يا باشا.
استمع لصوت الأخر باهتمام بالغ وحين وصل لمبتغاه عادت ملامحه تتجهم بعدما تأجلت غايته التي كان يسعى من خلالها الهرب بعيدًا، لذا قال بنبرة ثابتة خشنة:
- يعني إيه الموضوع ممكن يطول.
استمع لرئيسه الغاضب من استعجاله في الأمر:
- في إيه يا زيدان مش عادتك الاستعجال، قولتلك الموضوع حاليًا مش سهل.
مد يده يضغط بها على فمه في غيظ، وظل يحرك رأسه في تفهم مع حديث رئيسه المتواصل، وحينما انتهى أغلق الهاتف واضعًا إياه بنزق فوق المكتب، وشياطين الدنيا تتلاعب برأسه الآن دافعة إياه بتكسير كل قطعة أثاث في مكتبه كي يهدأ من غليان مشاعره وتدهور أفكاره لمنحدر لا يعجبه.
تقلب بين جنبات دواخله كالمجنون الذي فقد هويته، لا يعلم السبيل في الخلاص مما يؤرقه، طرق كل أبواب الصبر لديه ونفذ مخزونه في تحمل الترهات التي تتقاذف خلف بعضها وهو يقف مكتوف الأيدي وأخرهم ظهور "مليكة" في حياته من جديد.
تلك التي سرقت روحه وجذبته مسلوب الإرادة نحو عالم كان يخشى الدخول به، متمسكًا بغروره وشخصه الفريد في اختياره للفتيات، فأتت هي وخالفت كل توقعاته، هادمة كل أسواره ومعتقداته بنظرات متبادلة بددت من مشاعره الصلدة لأخرى يغمرها الشوق لرؤيتها والتشبع من ملامحها وحركاتها الأنثوية غير المقصودة، والتي كانت تزيده اشتعالاً، جارفة عينيه الراغبة لها في تتوق يتفاقم كل يوم عن سابقه.
كانت ولا زالت أفضل أيام حياته حينما كانا يعيشان قصة حب سرية بعيدًا عن زملائه وأصدقائها قصة حب بدأت بشيء ربما يكون تقليدي ولكن المشاعر المتبادلة بينهما كانت تسمو لارتباط أكبر فيما بعد لولا رغبتها المحققة بما أرادته فخالف هو بعنفوان شبابي شرس وما كان منها سوى الضغط عليه حتى استفزته وقررا الابتعاد بعد أن أصرت ولم تُبدي أي عواطف للعلاقة التي تصدعت في لحظة لم يكن يتوقعها، حرك رأسه نافضًا طاقة سلبية تحيط به أصبحت مؤخرًا كنقمة تسلبه لحضيض أفكاره.
قاوم عواطفه الفياضة المتبلورة في صورة حنين مولع بها متمنيًا في قرارة نفسه عودة علاقتهما كما كانت ولكن تلك القيود عادت تلتف حوله تمنعه من القيام بذلك، والاكتفاء بجلوسه كشريد قرر التمسك ببعض ذكريات رطبة تلطف من حالته البائسة.
لانت ملامحه بسخرية قاسية لحالته المزاجية المتقلبة، فمد يده بتلقائية يلتقط كوب العصير يرتشف منه القليل، فهاجمته ذكرى لقاء مُحبب لقلبه بعد أن شعر بمذاقه السُكري في فمه، كمثل ذاك اليوم الذي رآها تتهادى في خطواتها خارج الجامعة، تمسح حبيبات العرق عن جبينها بعد أن ارتفعت حرارة الجو كحال انصهار مشاعره وهو يسير خلفها كالمراهق.
**
أنزل "زيدان" نظارته الشمسية بعد أن لمح طيفها يعبر من بين الطلاب، سالكة طريق جانبي تختار الظل لتسير فيه بعد أن ارتفعت درجة الحرارة وانصهرت هي غير قادرة على تحمل اليوم فقررت الهرع لمنزلها.
كانت "مليكة" غافلة عنه وهو يتحرك خلفها كاللص منتظرًا فرصة الإيقاع بها بعيدًا عن الجمع، وعندما اقتربت من الانحراف لطريق أخر، سارع في خطواته حتى أصبح خلفها مباشرة، مقررًا إنهاء مراقبتها الخفية بأخذ خطوة أخرى تختلف عن سابقتها ليعبر من مشاعر الإعجاب التي تحوم حوله، معتقدًا كمثل باقي الشباب أن وصل إلى مبتغاه سيقل شغفه ويعود باحثًا عن هدف أخر.
نعم هي كانت هدف يغزو أفكاره ليلاً حتى الصباح وهو ينتظرها بشغف أحرق جوفه كلما يراه برقتها المعهودة ونظراتها الشغوفة ووجنتاها المتلونة بحمرة خفيفة كمثل تلك الحمرة تمامًا حين نطق بصوت أجش أرعبها:
- بطاقتك يا أنسة.
التفتت "مليكة" بذعر وهي تقبض فوق أجندتها البيضاء تنظر له في عدم فهم لوجوده خلفها، فما كان منها سوى أن تنطق بنبرة متلعثمة:
- نعم!
هز رأسه مستنكرًا إمارات الخوف المرتسمة فوق وجهها، سألها بجدية أرعبتها منه:
- بطلب حاجة غريبة؟
بدأت تشعر بالتيه أمام عيناه المثبتة فوق ملامحها تشمل كل تفصيلية بها في جرأة لمست قلبها الغض وحركت مشاعرها من معقلها فبدت كالطفلة وهي تحاول تجميع كلمات لتكوين جملة مناسبة تكشف بها سر مراقبته لها بعد تأكدها من ذلك خلال الأيام السابقة:
- بس حضرتك شفتها قبل كده.
ردت ببساطة والتزمت الصمت، فتقبضت يدها بعد أن لاحظت غرور غزا عينيه المشعة بوميض أربكها أضعاف ما هي عليه:
- اه يعني بترفضي تنفذي أوامري.
أخفت الاضطراب الكامن داخلها، وردت في ثبات:
- اه برفض ومن حقي.
ضيق عينيه وهو يقترب منها في خطوات مدروسة متلاعبًا بأعصابها لكم كان بارعًا في ذلك وخاصةً مع الفتيات العنيدات مثلها، إلا أنه مدركًا أن العناد المُنير في عدستيها غريب عليه، لذا قرر الاستمتاع به:
- لا مش من حقك وكده ممكن أعاقبك.
- تعاقبني!
ردت في دهشة سيطرت على ملامحها الجميلة، وزادت من حمرة خديها، فحرك رأسه بإيجاب مستكملاً في جدية استطاع تصديرها ولم تستطع كشف حقيقتها بأنها ليست سوى مداعبة جافة:
- اه هعاقبك ومش أي عقاب، أولاً هركبك البوكس وبعدها تروحي القسم وهناك هعمل...
أشارت له بالصمت والصدمة تطفو فوق ملامحها لا تصدق كلامه، فما أخطأت حتى يأخذها... هي حتى تخشى التخيل، فقد جف حلقها وارتعب داخلها كالفرخ الصغير:
- أنا معملتش حاجة لكل ده، أنا أصلاً معرفش ليه عايز بطاقتي تاني.
وضع يده في جيب سرواله مررًا بصره عليها وهي ترمقه بخوف حقيقي من جديته المفرطة، فضحك ملئ شدقيه وقال بعدها:
- مالك خايفة كده ليه؟
استشعرت سخريته منها، فرفعت ذقنها لأعلى تقول بضيق محتدم:
- أنت اللي بالغت في كلامك ليا.
مال رأسه جانبًا وهو يرمقها بنظرات ذات مغزى وبنبرة غامضة قال:
- مكنتش ببالغ، بس ممكن الغيها بشرط واحد.
- إيه الشرط.
ردت بتسرع عضت عليه لسانها فورًا، فسارع بإخراج ما يصبو إليه قبل أن تتراجع:
- تيجي معايا اعزمك على عصير.
لم تحتاج لوقت كي تفكر فالرفض ظهر في عينيها وضوح الشمس وهذا ما أحرقه وزاده إصرار عليها، لم تكتفي بالرفض الصامت بل عقبت بصراحة:
- لا طبعًا.
انخفضت نبرته وهو يسألها بهدوء خالط كلماته:
- لا ليه؟
لم تفكر كثيرًا وهي تجيب بصدق امتزج في حروفه نسيج البراءة:
- بابا ممكن يزعل مني.
قسى ثغره بسبب ابتسامة ساخرة وهو يعقب عليها:
- يعني مش هيزعل لو راح وجابك من القسم.
زحف القلق لجوفها وهي تنظر له تحاول التأكد من سلامة حديثه، والخوف يطرق أبواب قلبها المسكين أن حدث ذلك... وباتت تنظر له باستعطاف للحظات حتى يتركها وشأنها ولكن ابتسامة الاستهجان المُحلقة فوق شفتيه دفعتها لتسبل أهدابها وصمتت ثواني قبل أن تحتد ملامحها وهي ترفع وجهها تطالعه بتحدٍ:
- بقولك إيه أنا عصير مش هشرب وقسم مش هروح ولو سمحت ابعد عني.
أطرق للحظات قبل أن يقول بنبرة عابثة:
- متأكدة.
هزت رأسها بتعنت والتفتت تستمكل خطاها ولكن... ولكن هي لا تعرف كيف رافقته لإحدى الكافيهات القريبة للجامعة وكيف أثر عليها كالمحتال وضعفت أمامه وهي ترتشف أخر قطرة في العصير، فظهر صوته بعدها يسألها بابتسامة جذابة واثقة:
- اجبلك عصير تاني.
**
فتح جفنيه على واقعه الأليم من دونها، فلم يدرك أنه يضغط بقسوة على الكوب وكأنه يحارب شعور خالط الجنون يدعوه الآن برؤيتها حتى لو لم يكن هناك سبب واضحًا لذلك، ناقمًا عليها معتقد أن تلك النيران المستعرة تطاله وحده أما هي تنعم في جنة الهدوء، لن يتركها وحدها في جنانها ولن يرضى بنيران غيابها، هب بطوله الفارع وجسده المتشنج يجتاز مكتبه ومبنى عمله في خطوات سريعة يقسو بها على حاله كي لا يتراجع عن قراره.
***
قضت مليكة اليوم بأكمله في فراشها تتجرع ويلات الألم النفسي حتى قررت الذهاب لعملها بعد أن انتبه زوج والدتها السيد "مصطفى" لها وقد سألها مرارًا وتكرارًا عن سوء نفسيتها فلم تكن تعقب سوى بجملة واحدة.
"حادثة جت المستشفى أثرت فيا"
اختلقت حُجة كي تهرب من أسئلته المحاصرة لها والتي ظهر بها عدم تصديقه ولكنه كالعادة التزم الصمت معطيًا إياها مساحتها الشخصية الكاملة، ورغم محاولاتها في كشف سرها اللعين إلا أنها لم تقوَ.. لم تجرأ على تخطي باب غرفتها وإخراج ما جعبتها، سجنت نفسها في غرفتها الصغيرة تبحث جاهدة لحل تلك المعضلة دون المساس بشرفها، فمجرد اظهار تلك الصور للعلن يُعني هلاكها، تدمير مستقبلها، أحيانًا تشعر بالإحباط فتعود للبكاء بقلة حيلة وكأنه سيعالج آلامها النفسية، وأحيانًا يصيبها الحماس دافعًا إياه للبحث عن مساعدة من أي شخص للتخلص من وطأة تشتد حولها كلما مر الوقت.. ولكن أي مساعدة ستجدها ومَن هو منقذها مِن وحل ماجد؟ فمن الأساس مَن سيصدقها ويشعر بها ويقدم تضحية الوقوف في وجه ذلك الخناس؟
فزوج والدتها رجل بسيط، ليس له علاقات كبيرة كي يمتلك القوة في مواجهة رجل كماجد يحظى بكل القوى في يده والمساندة من الجميع، بالإضافة أنها لن تستطع تحمل الخذلان حينها، حقًا لن تصمد، ستنهار ربما ستشعر بمرارة تفوق مرارتها الآن إن سدد زوج والدتها لها أي عتاب يؤلمها.. هي تدرك جيدًا طبيعية العلاقة بينهما، تتفهم حماسه لأخذ شهادتها وتصبح طبيبة يفتخر بها وسط أصدقائه وجيرانه، تحترم سعيه كي يتأكد الجميع أنه لم يكن مخطئًا أبدًا عندما لم يتخلى عنها مثلما كان ينصحه البعض، فبدلاً من إسعاده ستوحله في مصائب الله يعلم وحده كيف ستنتهي.
إذن من الثاني يا مليكة؟ سألت نفسها وهي تستكمل خطاها الضعيفة نحو المشفى، بحثت وبحثت لم تجد أحدًا، يبدو أنها فعلاً كانت ستعاني إن استمع زوج والدتها للجيران وتركها تواجه وحشة الشارع، للأسف لا تمتلك عائلة كبيرة مثل باقي صديقاتها، فلم تجد الأخ أو ابن العم أو ابن الخال.. لا أحد حولها سوى زوج والدتها و...
تقطعت أنفاسها للحظات عندما وصلت للمكان الذي قابلت فيه "زيدان"، اختلجت عواطفها حين ذكرت اسمه في همس وكأنه طوق نجاة طاف أمامها دفعها للابتسام ولكنه اختفى كالسراب فجأة حين ذكرها عقلها بكونه رجل غريب عنها، ومن المحتمل رفضه، ربما يزيد الأمر سوءًا بفهمه الخاطئ لها وخاصةً أنها تعرف شخصه حق المعرفة.
هزت رأسها برفض تحارب تلك الفكرة، لن تشوه صورتها لديه، وان كانت بقايا صورة بعد مرور كل تلك السنين في فراقهما.
توقفت للحظات تسبل أهدابها تشعر بالخزي يتسلل لصدرها ليعتلي ساحة مشاعرها وذلك بعد أن آل تفكيرها أن ما يحدث لها على يد ماجد ليس سوى عقاب إلهي بسبب خطأ اقترفته زمان عندما تجرأت وخاضت علاقة عاطفية ضد مبادئها.
ترقرقت الدموع في عينيها وارتفعت أنفاسها بهياج مفرط، وهي تهمس بما يجول في خاطرها:
- بس عقاب شديد اوي.
تقطعت أنفاسها وهي ترفع بصرها الفاقد للحياة تناجي ربها بأسف مزق قلبها المنكسر، تستغفر ومن بين كل ثانية وأخرى تدعو ربها بأن يمدها بالقوة والصبر كي تتخطى تلك المحنة.
مسحت دموعها وأخرجت أنفاسها بهدوء، وبدأت في تشجيع نفسها للدخول للمشفى أصبحت تشابه القبر في ظلمته ووحشته.
كانت تحرك رأسها بسلام صامت للأطباء والممرضين وبعض المرضى وهي تمر من الأبواب حتى وصلت لغرفة تبديل الثياب، دخلت وهي ترسم قناع الهدوء لطالما كانت بارعة في إخفاء باطنها، ولكن تلك المرة تحديدًا سيسقط ذلك القناع بالتأكيد لن تصمد هكذا طويلاً.
فتحت خزانتها وبدأت في ارتداء ثوبها الطبي وحينما انتهت استمعت لصوت الباب من خلفها يُفتح، ظنت أنها إحدى الطبيبات، فلم تلتفت واستكملت ما تفعله في وضع حقيبتها داخل الخزانة، حتى اسود كل شيء من حولها، وشعرت بالغثيان يضغط على جوفها عندما استمعت لصوت ماجد يهمس من خلفها:
- اتأخرتي يا مليكة.
استدارت برعب جلي وأبعدته عنها بكفيها ومن بعدها مسحت كفيها في ثوبها وكأنه خارج التو من مستنقع وسيلوثها، أغضبه ما فعلته ورفع أنفه بتعالي رغم نظرة الكره المنبعثة منه:
- إيه حد قالك عليا مش نضيف، دا مفيش حد في حلاوتي..
دفعته مرة أخرى والاشمئزاز يعتلي وجهها:
- حلاوة لما تقرفك.
لم تعرف كيف وجدت تلك القوة للرد عليه، ورغم حدة نظراته لها إلا أنها تشعر بالفخر لمواجهته.
- أكيد عارفة إنك بتلعبي بالنار صح؟
سألها بتهديد مبطن للتراجع عما تفعله، فردت بشراسة:
- ميفرقش.
لمعت عينيه بشر وهو يختصر كل المسافات بينهما مهددًا إياها بقسوة:
- يعني هيفرق لما أطلع حالاً وافضحك.
لم تأبى لاقترابه وردت بكلمات بها شيء من الثقة رغم الخوف المتعلق بقلبها:
- كلهم عارفين مين هي دكتورة مليكة؟
ضحك ضحكات متقطعة يشوب بها السماجة محركًا رأسه عدة مرات بإيجاب قبل أن يقول بوقاحة:
- ما هو عشان عارفين مين هي الدكتورة مليكة، هيهتموا أوي بالصور بتاعتها...
فاجأته حين تمسكت بمقدمة قميصه بقوة والقسوة تغزو كلماتها رغم بحة صوتها:
- أنت عايز مني إيه يا أخي؟
رد في قساوة مماثلة ونبرة حاقدة:
- تيجي بإرادتك، مستسلمة والباقي احب انك تجربيه بنفسك أحسن من الكلام.
لمعت عيناها بالشر وخرج صوتها يستنكر وقاحته بضراوة اهتز داخله من قوتها في دفعه للخلف بشراسة:
- مش هيحصل لو على جثتي.
تراجع للخلف عدة خطوات بعد أن فقد اتزانه وتبعثر قميصه المرتب حتى أنه خرج من سرواله من الأمام بسبب تمسكها الغليظ به.. فبدا كالأخرق أمام وهج عينيها ونارية حديثها.
- براحتك يا مليكة، بس لسه ليكي عندي شوية صبر ما نشوف أخرتها..
تقدم من الباب وخرج وهو يرتب ثيابه واضعًا قميصه في سرواله في ذات الوقت كان يقف "زيدان" على بُعد خطوات من الغرفة بعد أن غازل ممرضة ما واوصلته لمكان "مليكة".. تعجب من خروج هذا الطبيب بشكله غير المفهوم ولكن ما أشعل لهيب الغيرة داخله هو خروج "مليكة" خلفه وملامحها شاحبة عجز عن تفسير.
تسمرت في مكانها غير قادرة على تفسير وجوده أمامها، وقبل أن تتحدث، كان صوته المعنف يسألها في قساوة جارحة:
- إيه اللي بيحصل هنا دا؟
ردت بعدم فهم:
- إيه؟
أشار بيده في أثر ماجد سائلاً إياها بصمت ولكنها لم تحتاج لخروج صوته بالغيرة فكادت تقفز من مقلتيه:
- بتسأل في حاجة متخصكش ليه؟
واجهته بسؤال حاد فرد بإجابة فجة:
- مالكيش فيه، أنت تجاوبي وبس.
غروره استفزها، أوقد نيران الغضب لديها، لم تنقصه حتى يظهر أمامها بعجرفته في الرد وهي تعاني من ثقل لا تقدر على إزاحته.
- مش هجاوب، ثم أنت جاي ليه أصلاً؟
- أجاي في أي وقت أنا عايزه، وحابب أشوفك فيه كمان.
لم تكن أبدًا سلعة كي يحادثها بهذا الشكل المهين ذلك الفظ الغليظ لم يتغير دومًا، نفس غبائه يتمسك به بل أنه يتفاخر به، لقد فشلت في التعامل معه، حتى أنها فاشلة في الابتعاد عنه الآن بعد محاصرته لها ونفس السؤال يتردد داخل عينيه المظلمة، فباتت تتأكد أن الشك سيداهم عقله من ناحيتها، ولكنها لم تأبى لذلك فيكفيها ما تمر به.
لقد كانت ناجحة في قراءة عينيه، فحقًا رواده الشك قليلاً، ناعتًا نفسه بالأحمق، حيث كان هو يتلوى بنيران الشوق والحنين، بينما هي كانت تغدو في علاقة أخرى تاركة إياه في قاع الحضيض.
دأبت على التحرك من أمامه ولكنه منعها وقال بحدة طفيفة:
- أنتي رايحة فين؟
- ماشية عشان مش مقتنعة بكلامك، أنت بتكلمني وكأن كل حاجة رجعت زي الأول مع أنها عمرها ما ترجع، وعن اذنك عايزة اشوف شغلي.
برزت أسنانه بابتسامة مستفزة وهو يقول:
- مش مهم تقتنعي أو لا المهم...
احتفظ بالجزء الأهم داخله قاصدًا إثارة الغيظ على وجهها الجميل الذي أصبح لا يقوَ على التحمل صبرًا أمامه دون التهامه واعتصرها بين يديه كي تشعر بعشقه لها تلك جامدة المشاعر... قاسية الفؤاد.
تركها تتحرك من أمامه وقد أقسم على زيارة جنتها كما يحلو له، مقتطفًا من شهدها ما يعطيه طاقة كي يصمد في ظل ما يعانيه دونها.
***
استند "سليم" بظهره على صدرها، عندما أبدت مبادرة لطيفة منها باحتوائه هي هذه المرة، فلم يتردد ثانية واعتدل سريعًا يرمي بنفسه بين أحضانها التي دومًا تفيض بحنان يرق له قلبه بل وينتظر تلك اللحظة على أحر من الجمر، هنا مأوى يخصه وحده، لا يشاركه أحد، يسعه بكامل همومه ومشاكله النفسية، بل يجد دومًا الترحيب وكأنها أمورًا بسيطة يصلح حلها ليست ندبات يصعب عالجها.
تنهد بثقل وهو يضغط برفق على صدرها وكأنه يقول أريد أكثر احتواء أيتها الصغيرة، فما منها سوى أنها عصفته بعناق محمل بالمشاعر الجياشة، قد يصفه بأنه أجمل عناق قد يتلقاه المرء.
لم تصمت شمسه عند هذا الحد، يبدو أن مزاجية الحمل اليوم تدفعها لعاطفة ليست مثيل لها، فقد استمرت في تقبيله في جانب وجهه وهو مغمض العينين، فقط يستمتع بها وبجرأتها، فكلما كبرت في عمرها نضجت وأدركت هوية مشاعرها نحو، إلى جانب شقاوتها في الوصول لِمَ تريد وقتما تريد.
انتبه على همسها بجانب أذنيه، وسألها الذي أصبحت تتفوه به بلا تبرير سوى أنها تريد ذلك:
- سليم... بتحبني؟
همهم بصوت خافت ولم يجب، فطبعت قبلة رقيقة عفوية في عنقه وقالت بصوت دافئ:
- بحب أسمع صوتك.
فهمس بها فورًا وكأنها وحدها تملك مفاتيحه:
- بحبك.
تمهل في نطقها، فابتسمت وكأنه يطرب في غنائها، وبابتسامة شقية زادتها جمال فوق جمالها:
- كنت عارفة.
إجابة أصبح معتاد عليها مؤخرًا، حتى أنه يرددها معها بداخله، هنا ستنتقل لسبر أغواره، صغيرته لن تكف حتى تجعله يفيض بما يخفيه عنها:
- حساك مبسوط هنا أكتر من مصر؟
فتح عينيه ورمقها بنصف عين قبل أن يجيب بخبث:
- وأنت عرفتي ازاي؟
مال بجانب وجهها حتى يطالعها وهي تلقي عليه همسات كانت كنفحات الربيع الرائعة:
- بالك مرتاح، وقلبك بيدق كتير وده أكيد عشان عيلتك وحشتك، ملامحك صافية وعيونك...
ركز ببصره عليها واعتدل قليلاً ينظر في عمق عينيها وهي تردف:
- اتغيرت، بقت هادية أكتر.
نعم هدير أمواجه قد هدأ بمجرد ابتعاده عن عائلته، ولا يجد تفسير لذلك، فقال بتخبط ظهر جليًا على نبرته:
- يمكن عشان بعدت عن المشاكل.
مدت أناملها الرقيقة تمررها فوق ملامحه الرجولية الوسيمة تواصل بذكاء:
- يمكن عشان حسيت دلوقتي قد أيه هما بيحبوك وأنت بتحبهم.
- يمكن.
كررها خلفها بخفوت، وتابعها بسخرية حانقة:
- يعني هنا مستنين لما أسافر ويظهروا قد إيه بيحبوني، دا أثبتلي ان عندهم إعاقة في مشاعرهم.
كادت تهمس وتخبره أن تلك الإعاقة هي سمة عائلتهم، لديهم صعوبة في التعبير عن مشاعرهم وإن أطلقوا لها السراح تظهر بشكل غير لائق، لقد قضت سنوات في فهم مكنوناتهم الغريبة، جميعهم متشابهين حتى يزن المرح يملك جزء صغير داخله منهم.
طالت نظراتهما المتبادلة في صمت، فأحست بضرورة كسرها قبل أن يفقد أعصابه معلنًا عصيانه على تنبيهات الطبيب بتروي قليلاً في علاقتهما الزوجية وذلك لضعفها، فقالت ببسمة بشوشة وهي تعلم تمامًا أنها ستثير أعصابه:
- بتحبني؟
رفع جانب شفتاه وقد رأت تحول ملامحه للضيق وهو يتمتم بغيظ أثناء استقامته:
- لا.
تابعت بضحكة خفيفة تثير أغاظته أكثر:
- كنت عارفة.
تكونت كلماته الوقحة على طرف شفتيه ومنعها بصعوبة وهو يكمل مغادرته للبحث عن طفله، بعدما استطاعت سلب ما في أعماقه بعناق محمل بالعواطف.
***
أخيرًا وافق على مقابلتها، فقد احتاجت ذلك اللقاء بعد أن تركت نفسها تغوص في ذكريات أليمة، ذكريات لم تقتصر على زيدان بل ايضًا على طفولتها، منذ أن تعلم عقلها ينقش آلامها النفسية فوق جدران قلبها.
لقد سئمت من محاولاتها في مساعدة ذاتها، هي تحتاج فقط لشخص يكن كالبئر لها، يدفن مخاوفها وأسرارها، وتكون هي مطمئنه أنه لن يقوم بإذلالها ولم تجد سوى "زيدان" خطيبها وحبيب طفولتها.
ورغم كل التشجيع المنطلق من عينيه، ومحاولاتها في إخراج ما تريد أن تلقيه بعيدًا عن صدرها الذي أصبح مشحونًا على آخره، فشلت كالعادة فاستمرت بالصمت حتى أصابته بالملل وخافت هي بجنون من إنهاء لقاؤهما.
ولكنه خالف مخاوفها بسؤاله لها:
- نهى أنتي كويسة؟
ردت بإيجاب وعيناها نطقت بعكس ذلك:
- اه كويسة.
- عينك بتقول غير كدا.
قالها وهو يرتكز ببصره عليها، فشحب وجهها فجأة وكأنه نطق بكلمة في غير محلها، وتبدلت ملامحها في الثانية التالية بحزن عندما فاضت عينيها بالدموع، لقد ارتبك من مراقبة حالتها الغريبة من شحوب لبكاء لـ... ابتسامة! ما بها؟ ما الذي أصابها؟ كي ينشق محياها ببسمة واسعة!
لم تتركه يبحث عن إجابة كثير حيث قالت بعفوية صادقة:
- أول مرة حد يحس بيا.
ألمته جملتها البسيطة متفهمًا أنها تحمل بين طياتها آلام نفسية يصعب مداواتها بالكلمات.
- أنا يئست.
تابعت بكلمتين لا ثالث لهما، شددت الصدمة خيوطها فوق وجهه ولكنه تدارك حالتها النفسية وسألها بفطنه:
- من إيه؟ وليه؟
ارتعشت يدها الموضوعة أمامها، وبدأ تلعثمها يلعب دور في حديثها المغلف بالانكسار والاحباط:
- من ماما، وليه؟ فـ دي محتاجة كلام كتير، يمكن تزهق منه.
- منتظرة منها إيه؟
رفعت عينيها الذابلة مجيبة بصدق:
- مبقتش منتظرة، كنت زمان بتمنى.. بتمنى.
صمتت بعجز طال روحها الضائعة بين تشتت عائلتها ووحدتها وسذاجة مشاعرها.
رد هو بالنيابة عنها وقد أدهشها أنه يفهمها ويفهم احتياجاتها:
- بتتمني تعاملك كويس.
انفجرت ينابيع البكاء تغرق وجهها وهي تقول بانهيار:
- بقت أسوء، كل مرة بتكون أسوء.
لانت الشفقة من ملامحه وأدرك أن شخصيتها تعاني من أمورٍ غير سوية غرستها بها والدتها، فمد يده بمنديل ورقي وقال بعقلانية:
- اهدي يا نهى.
التقطت المنديل وجففت دموعها في ظل استماعها له:
- مشكلتك أنك لسه بتستني من والدتك انها تتغير، أنا من رأي تتجاهليها.
- مش قادرة.. يمكن مش عارفة ازاي، بس هي أمي ومن حقي انها تتغير علشاني.
قالتها بنبرة يغلب عليها الأمل رغم مرارة واقع والدتها، فهتف زيدان بلطف:
- هتفضل طول عمرها كدا، حاولي تدوري على نفسك أنتي.
حاول مساعدتها للوصول إلى بر الأمان، فبدت كسفينة أكلها الصدأ على شاطئ مهجور.
- زيدان هو أنا وحشة؟
سألته بعد تردد كبير منها، وأخفت رعشة يدها أسفل الطاولة الصغيرة في حركة غير مقصودة لإخفاء توترها من إجابته.
- لا جميلة.. جميلة جدًا..
اتسعت ابتسامتها المهزوزة تحاول إيجاد صدق مشاعره في حديثه، فردت بحيرة انفجرت من كتمان طال لسنين:
- امال ليه كل حاجة نفسي فيها مبتجيش بسرعة.
ضم شفتيه مفكرًا محاولاً في انتقاء الفاظ حتى لا تؤلم نفسيتها أكثر، جاهدًا في وضع يده على مشكلتها الأساسية:
- يمكن عشان بتجري وراها.
أسبلت أهدابها وهي تسأله في ارتباك:
- قصدك إيه؟
تنهد قبل أن يجيب بهدوء:
- قصدي انك تسيبي كل حاجة نفسك فيها تيجي لوحدها.
حركت رأسها بتفهم، ولانت ملامحها من حزن لعب بريشته فوق ملامحها التي تبدلت للابتسام مرة أخرى وهي تقول برقة:
- صح، ووقتها بيبقى احساسها أحلى، أنا عمري ما أنسى اللحظة اللي اعترفت فيها بـ حبك ليا.
لا ينقصه أن يتذكر تلك اللحظة المشؤومة حين لعبت العاطفة دور كبير في قرارته ودفعته للحفاظ عليها بنطقه لكلمة رغم أنها أثارت سعادتها إلا أنها كانت مُثقلة وهو يخرجها من ثغره..
زفر بهدوء وهو يستجمع بقايا ثباته ولم يجد التظاهر سوى في سيجارته التي التقطها سريعًا يشعلها متجاهلاً ابتسامتها المصوبة نحوه وكأنها حصدت على جائزة بعد عناء طويل.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل السابع 7 - بقلم زيزي محمد
وضع زيدان قدحه الخاص فوق رخام المطبخ ينتظر نضوج القهوة بعد أن قام بإعدادها في تروٍ بسبب صداع حاد لازمه منذ الأمس حتى الصباح.
رغم تناوله لبعض الأدوية إلا أنه كان بشعًا لدرجة أنه حظي بساعات قليلة من النوم بسبب أحلامه المتراقصة ما بين عاطفة جياشة منحصرة في بعض اللقطات لمليكة وظهور غامض لنهى أمامه من العدم.
لن يتوارى عن مشاعره الثقيلة في الصباح عندما فتح عينيه يستقبل نور الصباح والشغف يتسلل منه كـ كهل ينتظر الموت كل يوم ولا يأتيه.
أعاد بصره للقهوة ينتظرها بملل، وتفكيره المضني يرفض تركه حتى في أبسط الأمور. قلب رأسه يمينًا ويسارًا عله ينسى أمر مليكة ونهى.
وهنا توقف مبتسمًا معترفًا بداخله أن أمر نهى يمكن التغاضي عنه مؤقتًا، ولكن مليكة كيف ومتى وهي حبيسة أفكاره، سجينة قلبه حتى في غيابها.
أقلقه حالة الشحوب التي رآها بها في الأمس حينما خرجت خلف الطبيب الذي لم يعجبه هيئته إطلاقًا. وبسببه طرق الشك أبواب قلبه بعنف، ولكن لمعرفته بشخصيتها وخصالها القوية الشريفة التي تجعلها مختلفة عن بقية الفتيات، يكاد يقسم أنها أكبر من أي انحدار أخلاقي قد تقع فيه.
"مليكة لا يمكن تعمل كدا أبدًا، دي غير أي بنت."
همس بها لنفسه وتوسعت ابتسامته برضا حتى في فراقهما لا يزال يراها ملكة فريدة في عصرها. ورغم تجاربه العاطفية التي أغرق نفسه بها بعد ابتعادهما، إلا أنه دومًا يراها الأنسب والأفضل والأجمل. ورغم أن تلك التجارب لم تكن سوى إلهاء له للخروج من شرنقتها، لكنه فشل وبجدارة وكأنها ألقت عليه سحر أمازيغي كي تبقى في قلبه كل تلك السنين.
"ست سنين ومش عارف أهرب من حبك."
عاد مجددًا ليحاكي نفسه الملتاعة بنيران الهوى، وكأنه اعتاد على محاكاة قلبه ليواسيه في غيابها. قبض فوق حافة المطبخ بعنف يحارب مشاعره التي تدفعه للجنون بسبب اشتياقه الدائم لها، تدفعه للحاق بها في كل مكان دون سبب أو رابط بينهما. أصبح كالمراهق من جديد بمجرد ظهورها وكأن قلبه كُتب عليه الشقاء في عشقها.
فارت القهوة وفاضت بسخاء كحال مشاعره التي تفيض حنينًا لها. فأجفل من شروده على صوت ساخر خلفه يعلق بشفقة:
"حرام حالتك صعبة خالص."
التفت زيدان يرمق أخاه المستند بجانب جسده على المبرد يمرر بصره عليه في سخرية أزعجته، فصاح بنزق وهو يبتعد:
"ابعد عني أحسنلك."
ترك زيدان كل شيء خلفه مبعثرًا كحال مشاعره الآن بعد نظرة الشفقة المصوبة نحوه. دخل غرفته يهرب من أي حديث قد يتطرق لقلبه المجروح، يبحث عن أي شيء يُلهي به نفسه حتى لو كانت ملابسه التي بدأ في شدها بعنف ثم إعادة طيها وترتيبها دون هدف. الأهم أنه لا يعود لذكرى قسمت قلبه لشطرين وكانت هي نقطة الوداع.
وبعد عدة دقائق خارت يداه بجانبه تزامنًا مع إخراجه لعدة أنفاس ملتهبة وهو يعلن استسلامه، سامحًا لنفسه بخوض ذكرى كانت الدافع لفراقهما.
***
دخل زيدان مكتبه بعد أن قضى ليلة أمس في مهمة كبيرة أفضت بنتائج عظيمة وقد يسمو إلى ترقية مبكرة. من المفترض أن يسعد لأمر كهذا، ولكن الحزن خيم عليه منذ صباح الأمس حينما حاول الاتصال بها مرارًا وتكرارًا وهاتفها مغلق. لقد تلفظ حينها بأقذر الألفاظ، وفقد أعصابه محترقًا بسبب غيابها ليلة كاملة عنه لا تجيب على اتصالاته وبالأخير أغلقت الهاتف بكل تبجح.
لقد أطلق وعودًا بعدم مسامحتها بعد ما مر به من قلق في حين أن مشاعره المضطربة تقابلت مع غضب عصف بذاته لتعلقه الزائد بها واهتمامه المبالغ فيه، بينما في المقابل هو لا يحظى بربع ذلك الاهتمام وكأن العلاقة أصبحت بعد سبعة أشهر من طرف واحد. لقد سئم من تحفظها في مشاعرها، وبرودها الدائم نحوه، وكأنه شحاذ يطلب جرعات من الغرام والحب ليس من حقه وإن تكرمت ومنت عليه تكون بخيلة.
جلس فوق أريكة جلدية مريحة وأراح جسده المنهك بينما يده كانت تفتح صندوقًا يخرج منه هاتف جديد بعد أن فقد أعصابه بالأمس وكسر هاتفه بعصبية مفرطة. وضع شريحته بالهاتف الجديد ثم قام بتشغيله منتظرًا اتصالات عائلته للاطمئنان عليه. وقد أصابه اليأس منها، معترفًا أنها لن تتنازل من برجها العالي وتتكرم للاطمئنان عليه!
رن هاتفه بأرقام يعرفها جيدًا، لقد خدعت ظنه هذه المرة وأجرت اتصالًا به قبل عائلته. مد أنامله للرد ولكنه تراجع بغضب سافر متذكرًا ما عانى به بالأمس. رفض الرد وغضبه يتفاقم بشراسة قاصدًا إثارة قلقها عليه هو الآخر.
انتهى اتصالها وقد شعر براحة تعتلي صدره الملتاع شوقًا، مقررًا ألا يرد عليها اليوم وأن يعاملها مثل ما تعامله. ترك هاتفه فوق الطاولة ناظرًا إليه بتحدٍ وابتسامة شرسة تلتصق بفمه. مرت الدقائق وهو على نفس الحالة لا يصدق ما تفعله. لقد اكتفت باتصال واحد.. واحد فقط لتطمئن عليه. ربما لا يكون اطمئنانًا وكانت مجاملة عابرة لكثرة اتصالاته بها بالأمس.
تهدجت أنفاسه بلهيب مستعر وأمسك الهاتف بقبضته القوية، مقررًا هدم قراراته من أجل مواجهتها لمعرفة سبب جسور الجفاء بينهما.
قفز بغيظ مجريًا اتصالًا بها حتى انقطع الرنين وجاء ردها الناعم أخيرًا:
"زيدان أنت كويس."
"وليكي عين تسألي عن حالة زفت دلوقتي."
قالها بغضب ناري، جعلها تندهش وهي تخفض صوتها سائلة إياه بقلق:
"مالك في إيه؟"
"إيه قلقتي عليا من اتصال واحد عقيم اتصلتي عليا فيه وياريتك كررتيه، أومال أنا اعمل إيه دا أنا على كدا جبل."
اندفعت حروفه بغيظ، والانشداه يغزو كلماتها من جديد:
"جبل ليه؟ أنا بجد مش فاهمة أي حاجة، تليفونك مقفول ولما فتحته اتصلت ومردتش وفي الآخر أنت متعصب."
اختلجت نبرته بحدة وهو يسألها:
"مليكة أنتي كنتي فين إمبارح من الصبح لغاية بالليل؟"
توقعت سؤاله بالفعل ولكن ليست بطريقته الحادة تلك وكأنها أجرمت في حقه. نفضت كل ما تفكر به وامتثلت الهدوء مؤقتًا وهي تجيب:
"خرجت من الساعة ٦ وكنت مشغولة في الكلية والكورسات ومخلصتش إلا بالليل، رجعت اتقتلت نوم."
هنا ظهرت القسوة في صوته وهو يسألها:
"أنا فين من دا كله؟، اتصل مترديش وفي الآخر تليفونك يتقفل."
ردت بنفس البساطة التي أشعلت فتيل غضبه:
"ما أنا نمت وهو كان فصل شحن، وحقيقي كنت تعبانة مركزتش."
"فـ نمتي وارتحتي وجاية تدوري عليا صح من اتصال واحد بس؟"
سألها بتهكم، فردت بضيق عارم:
"أنت عايز تتخانق صح؟"
"بمزاجي أعمل اللي أنا عايزه."
تجسد البرود في صوته وهو يجيب عليها، قسى صوتها وهي تقول:
"لا مش بمزاجك أنت المفروض تحفظ أدبك معايا."
"لا مش هحفظ أدبي وأرد زي ما أنا عايز."
ركب العناد كليهما وأردفت في تهديد صريح:
"زيدان اتكلم بأسلوب أحسن من كدا، يا إما.."
"إما إيه؟"
سألها بترقب وصوت أنفاسه تهتاج بشراسة.
"هقفل ومش هتشوف وشي تاني."
"ماشي اقفلي."
قالها بتحدٍ بالغ فأغلقت الاتصال فعلاً مما زاد من اندهاشه من ردة فعلها السريعة. لم تحاول مراضاته حتى أنها أغلقت الهاتف ببساطة لمجرد التخلص منه، وكأنه عقبة تعيق حياتها. هو من قام بتدليلها، هو من ألقى كامل محبته دون مراعاة أن العلاقة بينهما أخذ وعطاء. لقد تعود على العطاء دون أن يُرضي قلبه بشيء منها، فأصبح كالمحموم يتوهم مشاعرها نحوه، وبالأخير تفاجئ بمشاعر عقيمة مغلفة بالبرود. ألقى هاتفه الجديد أرضًا بغيظٍ شديدٍ وأقسم على تأديبها.
***
عاد من شروده رافضًا استكمال ما حدث بينهما. لن يعود لتلك الذكريات البشعة، لن يترك نفسه للضياع. ها هي قد انبثقت كالنور من ظلمات حياته، سيتمسك بشعاعها حتى تعود حياته لمجراها الطبيعي. ورغم خوفه المتكرر من معاملتها الجافة إلا أنه يدرك خلف هذا القناع الصوري عشق كبير تكنه له وقد تأكد من ذلك منذ أن رأى عينيها تكاد تأكله أكلاً في أول لقاء بينهما بعد غياب دام لسنين.
غرق في جنبات عقله يضع خطوط عريضة لإيقاعها من جديد في غرامه، ولكن كيف؟، ومتى؟، والسؤال الأكبر كيف سيحدث ذلك دون أن يهدر كرامته معها؟، لن يتحمل عذاب جديد، لن يتحمل قساوة منبعثة منها. يريد ذوبانها مثلما هو يذوب بهيام حتى لو لم يظهر ذلك. لم يكن أمامه سوى حبيب الفتيات، سارق قلوب العذارى "يزن" الوقح.
***
في ذات الوقت كان يزن يتمعن بالنظر لثيابه الموضوعة فوق فراشه بعد أن اختارها بعناية فائقة مستعدًا للقاء فتاة جميلة تعرف عليها في إحدى النوادي وها هو اللقاء الثاني بينهما، متأكدًا أنه لن يعود تلك المرة سوى وأن ملامح الإعجاب تتحول لحب مطلق. كعادته تبسم فخرًا لنفسه ولذكائه الشديد في اقتناص قلوبهن بكل بساطة، مستمتعًا بحياته المرحة والتي لم يقيدها أغلال الزواج أو خطبة مملة، متنقلاً بين مراحل الإعجاب والحب ببساطة عهدها منذ أن كان مراهقًا.
لم يتأثر بواحدة منهن ولكنه لم يمنع غريزته الفطرية بالإعجاب بكل ما هو أنثى. فقد تمتع بالطويلة والقصيرة، النحيفة وذات القوام الممشوق، والقوام الممتلئ، العصبية، الهادئة، كلهن تمتع بهن. فـ لِمَ الزواج من الأساس والارتباط كل شهر بواحدة له متعة خاصة سيكون مختل إن تخلى عنها من أجل علاقة رسمية قد تهدد بالفشل.
مد أصابعه نحو عطر مميز يختاره في اللقاءات ذات المهام الصعبة ينثره بكثرة فوق قميصه الأسود ولكنه تفاجئ بهجوم شرس على الباب دون استئذان، ومن يكون غيره، الهمجي المستفز ذو الطباع الحادة القاسية "زيدان" أخيه الأكبر.
التفت ببرود اكتسح تقاسيم وجهه وهتف:
"مفيش باب تخبط عليه زي الخلق."
كالعادة الحدة تملأ ملامحه وأنفاسه، تجاهل كلماته ودخل الغرفة ثم تقدم نحو الفراش يزيح الملابس جانبًا بعشوائية دفعت الدماء لوجه يزن بعد عنايته بها تفوق ساعة كاملة. جحظت عيناه بغيظ وشر:
"أنت إزاي تعمل كدا في هدومي يا عديم الإحساس والمسئولية."
استنكر زيدان كلمات أخيه المغتاظة ومد يده يدعي ترتيب الثياب، وقد نجح في إخفاء سخريته من عناية أخيه الفائقة، متبعًا مقولة شهيرة: "إن كان ليك عند الكلب حاجة قوله يا سيدي".
يبدو أنه همس بتلك الكلمات الأخيرة بصوت مسموع جعل يزن يعقد حاجبيه بترقب وتساؤل صامت، فسارع بالتبسم مشيرًا له بالجلوس:
"اقعد يا يزن.. اقعد عشان أنا خلقي ضيق."
لن تتغير طريقته في التعامل لا يفرق بين أخ ومجرم كليهما واحد، نفس نظرة التهديد والجحود. اضطر للجلوس أمامه متشبثًا بالهدوء:
"سيب هدومي، وقول عايز إيه؟"
كان يمسك بقطع ملابس يزن بين قبضته وحين نطق يزن بذلك، ألقاها فوق الأرضية في لا مبالاة أيقظت الغضب لدى يزن فهب صائحًا:
"إيه يا عم قلة الذوق دي."
ضرب "زيدان" كفًا فوق الآخر والضيق بدأ في اجتياح ملامحه، فلم يتحكم بنفسه وهو يقول بغيظ امتزج بالحدة:
"أنت هتقعد ساكت وتسمعني ولا أقوم أولع في هدومك كلها وأخلص، بقولك خلقي ضيق."
كور يزن يده في ضيق وهتف بكلمات مثقلة:
"قول عايز إيه؟"
تنهد زيدان يجذب أنفاسًا كثيرة يدخلها لصدره المشحون بمشاعر جمة، محاولاً التمسك بطرف الشجاعة للانطلاق في ما يريده رغم أنه يشعر بالحرج من أخيه الأصغر وهو يطلب نصائحه في علاقة سابقة يسعى لإحياء العاطفة بها.
"في واحدة كنت بحبها زمان، حصل بينا خلاف وانفصلنا..."
"قد إيه؟"
سأله يزن ببرود، فارتبك زيدان قائلاً بحنق:
"وأنت مالك؟"
"عايز تاخد عصير خبرتي؟، لما أسأل تجاوب."
هدده يزن بصورة مباشرة فلم يتحمل ذلك المتهور تلك المعاملة وقال بأسلوب فظ:
"تصدق بالله يا يزن البت لو ما رجعتلي بعد ثقتك دي، أنا هقتلك وأشرب من دمك."
"ربنا نجدها منك أقسم بالله، أكيد أمها بتحبها، يا بني أنت عندك خلل عاطفي صدقني."
قبض يديه في غيظ وهدر بصوت عنيف:
"بعدنا عن بعض ومالكش دعوة كام سنة، المهم عايزها ترجعلي بس..."
ضيق يزن عينيه بمكر وقد تفهم ما يرمي إليه ذلك المتعجرف، فاقتصر محادثتهما الشرسة وقرر مساعدته، فزيدان يبقى زيدان في محاورته وأحاديثه الهجومية.
"رغم إني مش عارف أنت عملت إيه بالظبط خلاها تبعد، بس أنت يا معلم لازم تسحرلها عشان ترجعلك تاني."
حاول ترجمة ما يقوله يزن بتفكير استغرق لثوان ولكنه فشل، فشمل أخاه بنظرات غير مفهومة. ولكن ما جعله متوترًا هو تأكيد يزن القوي:
"أيوة صدقني لازم تسحرلها ومش أي سحر.. سحر من نوع خاص اللي خليها تقولك شبيك لبيك في ثواني."
لا زال عقله يرفض ما استطاع فهمه، لن يدخل في تلك الأمور السخيفة، لن يركض خلف دجالين لإيقاعها في شباكه بسحر مشعوذ، وقد تيقن أن أخاه متعدد العلاقات له سابقة في تلك الأمور المشعوذة، فحقًا سرعة إيقاع الفتيات في حبه يتعجب لها وها هو قد وضع يده على سر جاذبيته.
تابع نهوض يزن المتكاسل وكلماته المترددة في ثقة:
"عشان بس أنت أخويا، هجبلك حاجة خطيرة وببلاش.."
تعلق بصره المتحفز بيد يزن الممدودة داخل خزانته يعبث بصناديق كبيرة جميعهم على علم أنها من هدايا فتياته. أخرج صندوقًا صغيرًا مغلفًا بقماش فاخر، ثم اتجه نحوه وهو يفتحه يلتقط خاتم فضي أنيق للغاية، ثم مد به نحو زيدان وقد توسعت عيناه غير مصدقٍ ما توصل إليه أخوه، حتى أنه هتف بصياح واستمتاع:
"يا ابن الإيه يا يزن، جبته ازاي دا يا ياله."
تعجب في بداية الأمر ولكنه وجد الأمر ممتعًا في كسب انبهار جديد من أخيه:
"شوف مش أي حد يقدر يجيب خاتم زي دا."
أمسكه زيدان والابتسامة الممزوجة بالاندهاش تغزو ثغره:
"يعني دا اللي هسحرلها بيه."
أومأ يزن دون أن يتكلم فتابع زيدان حديثه بلهفة:
"وأنا أقول بتوقع كل البنات دي إزاي يا ظالم، وأنت ليك في شغل الأعمال والسحر."
في بادئ الأمر تيبست ملامحه من شدة الصدمة، لم يتوقع أبدًا أنه سيفهمه خطأ أي أعمال وسحر يقوله هذا المعتوه، ولكنه بعدها انفجر ضاحكًا وهو يقول من بين ضحكاته:
"أنت متأكد إنك ظابط يا ابني."
لم يعجبه سخريته فدفع الخاتم بوجهه وقال بتحذير:
"الزم حدودك أحسنلك، مش أنت بتقول أسحرلها بيه."
"أنا أقصد تسحر دماغها توقعها في غرامك من جديد وأكيد مش بالخاتم بس دا هيكون حاجة من حاجات كتير."
نهض زيدان يدعي العصبية متمتمًا:
"ما تبقى توضح كلامك، وبعدين أنا غلطان أصلًا إني فكرت أستعين بواحد زيك."
نظر إليه يزن في استمتاع متوقعًا رد فعله الأخير الذي سيعقبه خروج غاضب من الغرفة:
"عيل بق ولا عندك عصير خبرة ولا زفت."
غادر بالفعل وترك يزن يستند بمرفقه فوق فراشه وهو ينظر في أثره وحدسه يؤكد له أنه سيعود مرة أخرى، فيبدو أن العشق وصل لذروته حتى يتلبسه الضياع بهذا الشكل.
هز رأسه باستنكار وهو ينهض يلملم ثيابه:
"الحب إهانة وأنا لا يمكن أتهان."
***
دخل "خالد" لشقته والإرهاق يشكل خطوطه العريضة فوق ملامحه، بعد قضائه ساعات طويلة في عمله دون راحة، فقد كاد يقسم أنه سيقع فريسة مرض ما بسبب إقامة خاله وابنه معه.
لقد تغاضى عن سوء تصرفاتهما، وأحاديثهما التافهة عن التجارة والأسواق، وأصواتهما العالية ليلاً غير مراعين أنه يرقد غافيًا للاستيقاظ صباحًا من أجل عمله الذي يجني منه المال فيعود ليصرف عليهما دون حياء منهما وكأنه أصبح حق مكتسب لهما.
لقد كره العائلة ونقم على الأصول، مغتاظًا من تلك الـ "نهى" عديمة الإحساس لتأخرها في مساعدة أبيها وأخيها طالما حل القضية يكمن في خطيبها.
"كنتي خلصيني من قرفهم، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي."
قالها بصوت خفيض وهو يفكر بحقد نحوها. لقد كانت ستنقذه من مستنقعهما إن وافقت على التدخل بإخبار خطيبها كما يدعون. امتزجت ملامحه الحاقدة بالتهكم بسبب تفكيره الأحمق تجاه فرد من عائلة خاله فبالتأكيد هي تحمل نفس الجينات الوقحة. صحيح أنه لم يرها ولم تعد تشغل له بال سواء كانت ابنة خاله أو أي صلة أخرى ولكنه توقع شخصيتها الدنيئة المشابهة لخاله وابنه.
شعر بالهدوء يعم الشقة فقد توقع ذهابهما للتسوق أو ما شابه ذلك، إلا أنه وصله أصوات خافتة ضاحكة من غرفة خاله. في بادئ الأمر تجاهل ذلك مثلما يفعل ولكنه تسمر حين استمع لصوت رجولي آخر يبغضه. تقدم ناحية الغرفة مقررًا تسديد هجوم قوي عليهم إلا أنهم كانوا الأسرع حين خرج رجل في سن الستين مواطن يحمل الجنسية القطرية يسكن في شقة بالطابق الرابع. متعدد الصفات السيئة حيث جميع من بالبناية يكنون له الكره والبغض من معاملته السيئة وأسلوبه المتعجرف الساخر.
غير أنه يملك سمعة غير طيبة بالمرة، فهو مشهور بزيجاته المتعددة وخاصة صغار السن، كما يسمع دومًا من أحاديث الجيران أنه رجل سادي يقسو على نسائه بالعنف ويتمتع بإذلالهن. والغريب أنه يجهر بذلك علنًا، متفاخرًا بنفسه لثروته وأمواله الطائلة التي يستغلها في الزواج لبضعة أيام ويطلق ثم يعيد الكارة مرة أخرى وجمعيهن مجرد وسيلة ليكسب أهلهن المال بسخاء منه.
توقف خالد بشموخ يقابل الشيخ بابتسامته الكريهة، دافنًا الاشمئزاز خلف هدوئه وهو يستقبل كلمات الشيخ الساخرة بلكنته المصرية الضعيفة:
"ازيك يا خالد، أخبارك إيه؟"
راقب اتساع ابتسامته الممزوجة بالفخر وهو يوزع نظراته يمينًا ويسارًا حيث يقبع سمير وإبراهيم:
"بسببكم بقيت أتكلم مصري لبلب."
انفجر ضاحكًا بعدها وهو يشير نحو نفسه، فبدا وكأنه الممثل الوحيد على خشبة المسرح:
"شوفت اتكلمت إزاي."
مد سمير يده وضغط بها فوق كتف الشيخ يخصه بنظرات يملئها الطمع:
"ولسه يا شيخ لما تقعد معانا أكتر هتبقى أشطر من كدا."
تمتم الشيخ وهو يتجه نحو باب الشقة متجاهلاً صمت خالد:
"أكيد.. أكيد."
ودع كلاً من سمير وإبراهيم الشيخ والاتفاق يلوح لخالد بتكرار اللقاء مجددًا. أغلق سمير الباب وهو يوجه حديثه لوالده:
"شوفت مش قولتلك شوال فلوس."
ابتسم إبراهيم باستهزاء على ذلك الرجل:
"ونقطة ضعفه الستات."
أجفل كلاهما على صوت صفيق متردد خلفهما، فالتفتا والتعجب ينبثق منهما. وأول من لمح ملامح خالد المستنفرة هو إبراهيم ولكنه تمسك بالبرود ليقول:
"في إيه يا خالد مالك؟"
أجاب خالد بكلمات غاضبة عبرت عن استنفاذه لطاقته في تحملهما:
"لا ماليش هو أنا ليا حق أتكلم وأقول إزاي راجل زيه يدخل بيتي."
تمسك سمير بطرف اللعبة كما فعل أبيه ورسم البرود فوق وجهه:
"وماله الراجل ما هو زي الفل."
لم يعجبه ما يحاولان فعله، فرد بهجوم شرس:
"لا مش زي الفل ودا بيتي يعني قبل ما حد يدخل تستأذنوني."
دأب سمير بالتحدث إلا أن خالد لم يعطه الفرصة وهب موضحًا بتحذير:
"أنا بعدي أي حاجة أنتم بتعملوها إلا إنكوا تخلوا بيتي لقعدات قذرة."
رمقه إبراهيم بنظرة مطولة ثم سأله بغموض:
"اعتبره تهديد؟"
ترك خالد الأصول جانبًا مع هذين الحمقى ورد بوضوح أشعل الكره في عيني سمير:
"آه اعتبره، إقامتكم هنا قصاد إن الراجل دا يدخل بيتي تاني."
أنهى حديثه بقول واحد ثم دخل غرفته تاركًا إياهما يشتعلان بالحقد لإحراجهما بهذا الشكل الصريح، وقد تيقن إبراهيم أن رحيلهما قد أصبح قيد المحك. لزم عليه الأمر استعادة زمام أمور ابن أخته كما في السابق، محاولًا كسب تعاطفه بأي شكل. ماذا سيفعل دون مال وفي بلد غريب وعلاقته بهذا الشيخ لم تتوطد بعد، سيلعب على الجانبين حتى يختار أيهما أكثر أمان.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل الثامن 8 - بقلم زيزي محمد
تمسكت مليكة بيد زوج والدتها السيد مصطفى، حيث أصر على إيصالها للمشفى بنفسه بعدما شعر بشحوب ملامحها. حتى أنه جادلها في الصباح بضرورة غيابها اليوم، فجسدها بدا ضعيفًا وعيناها يغزوها الإرهاق. ولكنها أبت وتمسكت بضرورة ذهابها، وبالمقابل تمسك برأيه وأصر على إيصالها بنفسه.
شعرت باحتوائه يحاوطها بهالة تقدرها جيدًا في ظروفها تلك، بل وأنها كانت تتوق لأبسط اللمسات الأبوية منه بعدما كانت تبتعد عنه بقدر ما يمكنها إخفاء عينيها عنه حتى لا تبوح بما يؤرق عقلها.
وصلت سيارة الأجرة أمام المشفى وترجلت معه بعد أن أعطى السائق حسابه. انتظرت انتهائه وعودته لها مبتسمًا ببشاشة بعثت الطمأنينة في قلبها.
"لسه مُصرة على رأيك."
مدت أناملها الرقيقة تتمسك بيده وهمست بلطف ونبرة تخلو منها الحياة:
"مينفعش يا بابا لازم احضر."
رفع كفه الآخر ومسح به فوق ذراعها يهتف بقلق حقيقي:
"بس أنتي تعبانة حتى لو بتتجاهلي دا، أنا لا يمكن أتجاهل أبدًا."
"شوية برد عادي وهيروح."
قالتها بخفوت وهي تبعد بصرها المضطرب بعيدًا عنه، فلم يكن جسدها مريضًا بقدر قلبها المنكسر بفعل خيبات الحياة.
انتبهت على صوته الأبوي اللطيف:
"طيب يا حبيبتي هروح اقابل صديق ليا، ولو تعبتي وعايزة تروحي كلميني."
"حاضر."
همست بكلمة واحدة، تخفي عيناها المتأججة بدموع لا حصر لها، واستدارت بخفة نحو باب المشفى الكبير تعبر البوابة الأمنية، بينما هو ظل واقفًا يعاني من صمتها المفجر للقلق في صدره كلما يراها على هذا النحو.
مسحت دموعها بحرص ورسمت ملامح البرود وبعض من الشراسة المصطنعة وهي تدخل من باب المشفى تحسبًا لرؤية ذلك الفظ برؤيته القابضة لقلبها. وكما توقعت رأته يهرول نحو الباب بخطوات سريعة للغاية يركز ببصره على هدفٍ ما وفمه يرسل الأحاديث الغاضبة عبر هاتفه.
توقفت في زاوية ما بعيدًا عنه تجنبًا لتقابلهما، ولم تمنع فضولها من التلفتة بسيطة للخلف لتراه وهو يصعد لسيارته ثم غادر وكأن هناك كارثة. علت إمارات الكره الممزوج بالشراسة فوق تقاسيم وجهها الجميل وهمست لنفسها:
"كارثة تاخده وتخلصني منه."
أجفلت بذعر على يد كوثر المبتسمة بسعادة كأن راتبها زاد الضعف:
"في إيه يا كوثر؟"
سألتها بصوت مضطرب.
ردت الأخرى بابتسامة عميقة:
"معلش يا ست البنات، خضيتك."
بللت طرف شفتيها قبل أن تجيب بهدوء بعدما استعادت البعض منه عندما تأكدت أنها لم تسمع أي شيء قالته:
"لا عادي في حاجة، مبتسمة ليه كدا؟"
سألتها وهي تخطو نحو المكاتب السفلية وتحديدًا نحو السيد عطية بابتسامته البشوشة الطيبة، كي توقع في دفتر الحضور والانصراف كما هو معتاد كل يوم.
"النهاردة اعتبري المستشفى كلها فرحانة."
توقفت لحظة وهي تنظر لها بتساؤل صامت، فلم تبخل الأخرى وفاضت بما تخفيه:
"دكتور ماجد سافر البلد لأبوه شكله تعبان أوي واخد إجازة كمان."
هل ابتسمت الدنيا لها أم أن عقلها المضني خيل لها ذلك؟ أيًا يكن الإجابة بما تحويها من صعاب، الأهم هو أنها شعرت بأن الأدعية التي لم ينقطع بها صوتها في الأيام الأخيرة عادت بنفع، وكأن ربها استمع لها ولمناجاتها اليومية.
اضمحلت ابتسامتها وهي تقول بصوت يعتمل فيه مشاعر جمة:
"أكيد إجازة مش طويلة يعني يومين ولا حاجة..."
قطعتها كوثر وهي تؤكد بثقة:
"لا شكلها إجازة طويلة."
أكملت خطواتها نحو مكتب السيد عطية ودخلت تبحث بعينيها عنه، فوجدته يجلس موظفًا آخر ويضحك بصدر رحب. ابتسمت متهكمة، يبدو أن أثر تلك الإجازة كان مفيدًا للجميع ليس لها فقط.
مضت بجانب اسمها وتركت كوثر تغدو نحو عملها، بينما هي انطلقت لتلك الغرفة البسيطة التي تنزوي بها بعيدًا عن أنظار الجميع، تستجمع بها قواها قبل أن تخرج تباشر عملها.
وضعت هاتفها فوق المنضدة الصغيرة، ومدت يدها تلتقط ثوبها الطبي. وقبل أن تخلع سترتها الجلدية القصيرة وصلتها رسالة عبر هاتفها. قرأتها بصوت مسموع بينما تخيل عقلها نبرته المدغدغة وهو يتفوه بها:
"حلوة الجيبة اللي أنتي لابساها، بس.."
تقلصت ملامحها تمرر أناملها صعودًا وهبوطًا فوق شاشة هاتفها. ما هذا؟ هل اقتطع الرسالة هنا؟ هل يريد إرباكها؟ لكن مهلاً، من أين له برقم هاتفها الجديد؟ عادت بسمتها الساخرة تعتلي ثغرها الباهت من سذاجتها المفرطة، والإجابة تلوح لها بإمكانيته الحصول على شيء طالما يريد.
اهتز هاتفها برسالة أخرى وأكمل فيها كلمة واحدة كانت تعبس بسببها منذ قليل لعدم اكتمالها ضمن الرسالة الأولى...
"ضيقة."
أحست بالسعادة تغزو قلبها لغيرته عليها، وكأن لحظة سُقياها بعاطفة الحب أتت الآن.
"زيدان."
تلفظت باسمه في همس شديد تزامنًا مع خفقان ضربات قلبها بقوة. ما زال له تلك الهيبة في فرض سيطرته عليها، وكأنه يملك خيوط الجاذبية في يده حتى في أبسط كلماته وردود أفعاله، يسلب إرادتها دومًا حتى في ظل ابتعادهما، فتبقى أسيرة لظله. ظنت أن البُعاد يجمد من عاطفتها ويمدها بالصبر لتحظى بحياة أفضل دونه، ولكنها كانت خاطئة. عاشت تلك السنين في جفاف وكأنها أرض بور، تروي أحيانًا ظمأها ببعض الذكريات المتعطشة، تطبطب على قلبها ببعض من كلماته ذات الدفء المميز. لقد خلع فؤادها من مكانه حين شقت كلمة الوداع بينهما لتجد لنفسها مكانًا بسبب عدم قدرته في مجاراته أبسط أمانيها كفتاة.
نشطت ذاكرتها بآخر لقاء بينهما، ورغم أنه كان موجعًا وقاسيًا، إلا أنها لا زالت تتذكر ملامحه.. ملابسه.. نوع سيارته.. أبسط وأتفه الأمور عنه. تنهدت باستسلام وارتمت بجسدها نحو مقعد صغير تستند برأسها على حافة مكتب صغير، متذكرة ما حدث بينهما...
***
تقلبت مليكة في فراشها الصغير يمينًا ويسارًا تحاول السبات بسلام دون أن تقع فريسة لصراع شرس قائم ما بين قلبها المتلهف لسماع صوته وعقلها العاصي عندما فرض هيمنته ودفعها لخصامه لمدة يومين كاملين لا تسمع فيهم صوته ولا تعرف عنه شيئًا. لن تنكر أن صوتًا داخلها دفعها للإغلاق في وجهه، متأكدة أنه سيحاول الوصول إليها لعودة وضعهما كما كان عليه، ولكنه فاجأها ببرود صقيعي أصابها برجفة الخوف مما هو قادم. انتهى اتصالهما ببساطة لم تعتمل في حروفهما النارية، لقد تركا نفسيهما للضياع وكلاهما تشبث برأيه.
هبت فوق فراشها تعقد ساقيها في وضعية الجلوس، وعيناها تحتد شراسة وضيق، هامسة من بين شفتيها:
"ماشي يا زيدان."
أمسكت الهاتف وقررت كسر قرارها المنيع بعدم الاتصال به، ولكنها تراجعت مفكرة كعادتها. وماذا بعد؟ هل سترسم نهايتهما كما تتمناها؟ هل سيفرق الزمن بينهما؟ تدفقت الأسئلة كتدفق حبات المطر الفجائية. حاولت الهرب منها مرارًا وتكرارًا، ولكنها تعود إليها والعجز يحيط بها. يحزنها اتهامه لها ببرود المشاعر حتى لو لم ينطقها صراحةً، ولكن عينيه دومًا تبوح بها بطريقة فجة تضايقها. لا يفهم مقدار ما تعانيه من آلام وهي تحاول أن تخفي عاطفتها نحوه. هي تخشى أن تظهرها كاملة فيصبح التمادي طريقًا سهلاً بينهما. تحافظ على علاقتهما من أي شوائب قد تعكرها في يومٍ ما. وفي المقابل هو يفيض بغزارة بعاطفته الجياشة وهي لا تملك سوى الصمت القاتل لمشاعره. بل وأحيانًا كانت تتجاهل عاطفته تلك بكلمات باردة مصطنعة. هي لا تعلم سبب ما تفعله معه، ربما شعورها الدائم بالخطأ يلتف حولها فيخنقها، ربما ثقة زوج والدتها السيد مصطفى تحوم حولها فتخشى كسرها، ربما هي لم تتعود بعد على طبيعة علاقتهما المستمرة نحو سبعة شهور. تاهت بين الإجابات المنصبة حول شيء واحد هو أنها لم تعتاد أن تفعل أمورًا كهذه في الخفاء، تحتاج فقط للنور كي يضيء حياتهما، يزين مجرى قصتهما برابط رسمي، وبالتأكيد هو لن يمانع طالما الحب بينهما.
عزمت على تنفيذ ما تؤل إليه نفسها في الأيام الأخيرة، وأقسمت على تنفيذ مطالب عقلها الراجح بأن رابط الخطبة سيكون هو نهاية آلامها النفسية، وحينها سيعرف زيدان كم تحبه؟ بل كم تعشقه بجنون؟
أمسكت هاتفها وكتبت رسالة نصية سريعة تخبره بضرورة لقائهما.
"لازم أشوفك ضروري لو سمحت هنزل استناك في *** لو فاضي رد عليا."
وضعت الهاتف وعيناها تزداد حدة وشراسة حينما أضاء برسالة مرسلة منه.
"أوكي هشوفك."
نهضت بعزم وارتدت ثيابها ثم خرجت للطريق بعد أن أقنعت زوج والدتها بأنها تذكرت أشياء بسيطة تساعدها في دراستها بالكلية. عبرت الطرق المختصرة لتصل للمكان المنشود، وعندما خطت فيه رأت سيارته تقف في أحد جوانبه، فسارعت في خطاها رغم مخاوفها وخجلها المتمثل في عدم رؤيته ليومين. رباه كم اشتاقت له بجنون! حاولت رسم العبوس إلا أنها فشلت، فاكتفت بملامحها الهادئة وهي تدخل لسيارة تجلس بالمقعد المجاور له.
"إزيك؟"
سألته بهمس اخترق حواسه، وهو ينظر أمامه يتجاهل دخولها الهادئ المحبب لقلبه. كاد أن يعصي قراره ويحول بصره نحوها يغدقها بمشاعر فياضة كانت سجينة قلبه ليومين، ولكنه تراجع حينما ساد الصمت بينهما لفترة بسيطة وجاء بعدها رده الصلد:
"الحمد لله."
أجاب ببساطة أشعلت فتيل غضبها عندما لوح لها بالبرود، وهي لم تعتد منه على ذلك. وما يغيظها هو علمها بأن ذلك البرود ليس سوى ادعاء منه كعقاب لها! ولكن بحق حبهما ما الذي أخطأت فيه كي تنال عقابه؟ فاندفعت تسأله بفظاظة:
"مالكش أي حق تعاملني كدا، أنت أصلا زعلان ليه؟"
ثانية.. بل دقيقة ولم يلتفت نحوها، فهدرت فيه بضيق عارم:
"زيدان بصلي ورد عليا؟"
هنا التفت ورمقها بجمود أقلقها متلفظًا ببعض الكلمات الحانقة:
"أرد على إيه وأنتي مش شايفة نفسك غلطانة!"
زفرت بحنق وعادت تعقد ذراعيها في ضجر شديد قائلة من بين أسنانها:
"عايز تطلعني غلطانة بأي شكل، وأنا قولتلك مكنتش أقصد أنا رجعت تعبانة ونمت وتليفوني فصل، ولما اتصلت مرة واحدة كنت هتصل تاني بس بابا مصطفى نادى عليا فخرجتله."
انتهت من كلماتها المندفعة بحرقة تمتزج بالتوسل كي يصدقها فيما تقصه عليه، حتى أنها واصلت بصدق:
"الموضوع مكنش إهمال مني أبدًا."
ضرب المقود بقبضتيه في غيظ شديد مردفًا:
"لا أنتي مهملة... مهملة فيا جدًا، بس في المقابل أنا بعمل كل حاجة علشانك."
تجمعت الدموع في مقلتيها وهي ترى غضبه يتفاقم، فحاولت امتصاصه بهمس خافت خرج من معقله سهوًا:
"والله بحبك."
استدار إليها بنصف جسده وهو يطالع اعترافها المدغدغ لمشاعره وقد أطرب أذنيه وكأنه سيمفونية رومانسية كان يتوق لسماعها:
"وليه بتعامليني كدا؟ هو أنتي مش حاسة بحبي؟"
سألها والحزن يغزو حروفه، فحركت رأسها بإيجاب وهي تقول بحسرة غصت في قلبها:
"حاسة بس... بس في حاجة منعناني."
انتابه الاضطراب وهو يسألها بهدوء زائف:
"إيه هي؟"
رفعت وجهها المبلل بالدموع وهي تجيب عليه في نبرة مهتزة:
"علاقتي بيك غلط ومينفعش تحصل."
"وأنتي لسة عارفة أنها غلط بعد سبع شهور!"
كم تكره كلماته الجارحة حين تتمكن منه قسوته، لم تشفق دموعها عنده، بل ظل على نفس الصلابة وهو يحادثها:
"مليكة قولي في إيه بصراحة ومن غير لف ودوران."
أغاظها طريقته الفجة في التعبير عنها، فردت بعنفوان شرس يناقض تمامًا دموع الضعف المتسلقة فوق وجهها:
"اللف والدوران هو اللي إحنا فيه بقالنا سبع شهور يا زيدان.."
صمت لبرهة تحدق فيه بقوة رغم خجلها المتواري خلف قوتها التي تنظر بها إليه:
"زيدان لازم علاقتنا تظهر للنور."
"يعني إيه؟"
جذبت أنفاسًا عميقة تهدئ به ثوران مشاعرها وقالت ببساطة جعلت من حاجبيها ينعقدان:
"يعني تخطبني وتتقدم رسمي."
انعقاد حاجبيها استفزها لدرجة أنها أخرجت ما تكنه طول فترة سبعة أشهر دفعة واحدة:
"أنا مش عارفة أكمل معاك وأنا حاسة إن بعمل حاجة غلط، اللي بينا حرام وكمان مينفعش، أنا بهز ثقة بابا مصطفى فيا."
"جوز أمك."
هتف باستنكار، فهدرت بعنف:
"زيدان دا أبويا مينفعش أبدًا تقلل من شأنه عندي لمجرد إنك مش مقتنع باللي بقوله."
هز رأسه بعنف هو الآخر:
"أيوا مش مقتنع، هو إيه اللي بينا غلط وميصحش أنا حتى مبقدرش أمسك إيدك، وبعدين خطوبة إيه وإحنا لسه مش عارفين هنكمل مع بعض ولا لا."
رمشت بأهدابها غير مصدقة، فكررت حديثه بنبرة يملأها الغل والغضب:
"مش عارفين نكمل مع بعض ولا لا، على أساس إن اللي بينا كان تحت تجربة سيادتك."
عاود لنفس التبجح وهو يجيب بحماقة وقد أعماه غضبه أو ربما قناعاته الشخصية أثرت فيه ومنعته من تفهم موقفها:
"اه تحت التجربة، أصحابي وبيحبوا بالسنة واتنين وبعدين..."
همست بغضب ناري:
"وبعدين كل شيء قسمة ونصيب وربنا أكيد هيبعتلك حد أحسن مني صح، وأنا بقى خسرت نفسي وقلبي وكل حاجة."
"أنتي ليه عايزة تضغطي عليا، أنا لسه مش جاهز، لسه حتى مش متأكد إن كان حبنا دا..."
بتر حديثه بعدما فشل في إيجاد كلمات مناسبة يعبر بها عن حاله المختلج بأفكار لا زالت تترسخ داخله بل وشكلت هيكلًا رئيسيًا لتصوره عن الحب ومراحل تطوره، فتردد داخل أذنيه كلمات أصدقائه المعبرة عن الزواج بأنه ليس إلا مقبرة الحياة، وتعقيدات الخطبة التي لا حصر لها. هو لم يكن جاهزًا بالمرة لخوض تلك الأمور، ما زال في ريعان شبابه يريد أن يحظى بكامل عنفوانه بطريقته هو ليست مفروضة عليه كما تفعل.
أجفل من شروده اللحظي على صوت أنينها وجسدها المتشنج لتقول بحزن:
"مكنتش عايزة كدا من الأول."
"كنتي عايزاني أقولك يلا هخطبك يبقى بضحك عليكي، أنا لسه في بداية شبابي يا مليكة، هروح أقول لأبويا وأخويا الكبير إيه، اتعرفت على واحدة من سبع شهور.."
أخرسه بصوتها الهادر بينما ارتفع صدرها وهبط في وتيرة سريعة:
"أنا آسفة على كل لحظة كنت بتخيل إنك بتحبني فيها، آسفة على غبائي عشان أتوهم حبك."
هدر بها بالمقابل وجسده ينتفض بغضب:
"أنتي ليه بتحكمي عليا، حاولي تفهميني."
جففت دموعها بهدوء أربكه، وقالت بتحدٍ ضارٍ وعيناها تثبتها بقوة فوق عينيه المحاولة لفهم تغيرها السريع:
"مبقاش في وقت عشان أفهمك، زيدان هتخطبني ولا كل واحد يروح لحاله."
وقبل أن يجيب عادت تهمس بتوعد أيقظ خلايا العناد الأحمق داخله:
"اختيارك وانت حر فيه، بس تأكد إن لو كان قرارك بالرفض صدقني مش هتشوف وشي تاني طول حياتك."
حارب حروفه المتقدة بلهيب مستعر بعد أن اتسعت الفجوة بينهما، وذلك بعد أن تشبثت برأيها في ظل محاولاته بالتزام الهدوء، إلا أنه انفجر بتحدٍ مماثل متمسكًا بقناعاته، ولاح أمامه شعورًا أن ما بينهما ما هو إلا حب وهمي كالسراب الذي يلاحق ضالًا في ليلة مظلمة بأحدي الصحاري القاحلة:
"وأنا مقتنع برأيي وكلامي.."
"اللي هو؟"
سألته بصرامة بددت من قوته أمام ارتجاف شفتيها، فتمسك بالصمت كحل أخير، ولكنها رفضت حين رفعت ذقنها وقالت بخفوت امتزج ببحة حزينة مجروحة:
"أنت اللي اخترت، مع السلامة."
ظل يتابع طيفها بندم أكله، وكاد يدفعه بالركض خلفها منفذًا لرغبتها، وأفكار أخرى تقسو عليه بالعناد لتعمدها في إجباره على شيء لم يريده حاليًا. يسعى لتحقيق حياة مليئة بتجارب الحب في ظل محاولاته لتحقيق مراكز أعلى في عمله. الزواج سيعيق كل هذا ولن يقع مجبورًا لأحلامها.
أما هي بعد مغادرتها له ورغم كل البكاء المتحجر في عينيها، إلا أنها شعرت باعتدال مسارها في طريقها الصحيح. لقد جُرح قلبها أضعاف مما هي تخيلت، وكانت حمقاء حينما ظنت أن تلك العاطفة المتأججة نابعة من قلبه، ولكنها اكتشفت بأنها عاطفة مغلفة بتمرد شبابي لإيقاع بها في شباكه، والخسارة كانت من حقها وحدها لتتحمل أوجاعها وتعتاد على ذنبها مما اقترفته بحقها.
"مش هتشوف وشي أبدًا يا زيدان."
***
عادت من ذكرى فراقهما وهي تقول بتهكم صريح:
"اهو شافك تاني يا هبلة."
زفرت بضيق ونهضت بشموخ ينافي ما تشعر به بكل ما تحمله من ضجيج بعث في أفكارها واشتياق يغلف أحاسيسها تجاهه.
خرجت من غرفتها تستقبل طلبات المرضى بصدر رحب في محاولة منها للهرب من كل شيء، والأهم الهرب من طيفه المرافق لها في كل مكان.
***
في المساء..
أخذت مليكة الملفات من الممرضة العابسة وكأن طاقتها أوشكت على النفاذ في تحمل الساعات المتبقية في اليوم. وضعت إمضاءها بسلاسة داخل الملفات ثم أغلقتها وأعطتها إياها بابتسامة واسعة تقلصت حين قالت الممرضة ذات الوجه العابس:
"في واحد مُصر إنك تكشفي عليه، بيقول إنك عالجتيه كويس قبل كدا."
أومأت مليكة بتفهم وأشارت نحو الغرف الموجودة في الممر بتساؤل:
"في أنهي أوضة؟"
"في أخر واحدة، عايزني أجي معاكي."
هزت رأسها برفض واتجهت صوب الغرفة على الفور، ممتنة لصلابتها في استكمال يوم طويل كهذا دون أن تخر واقعة أرضًا من شدة الإرهاق والتعب الجسدي.
طرقت الباب بخفة ثم دخلت تجتاز الممر الصغير ومنه إلى غرفة واسعة بها سرير يستخدم في الكشف وأجهزة طبية. رفعت أنظارها نحو السرير ووجدت عليه..
***
حرك زيدان الخاتم الفضي في إصبعه بتفكير عميق بينما كان جالسًا بأريحية فوق سرير يستخدمه الأطباء للكشف ينتظر قدومها وذلك بعد أن فر هاربًا من عمله، تاركًا مخاوفه على جنب مقررًا الاستماع لقواعد يزن حينما فاضت به محاولاته في التحدث معها بالتجاهل المرير من ناحيتها، ولم تدرك أنها تضاعف من عذابه. حاول كثيرًا إلهاء نفسه ولكنه فشل، فقرر اللجوء لأخيه الأصغر لقدرته الفائقة في سلب لب الفتيات دون عناء منه. وللحظة بدا حاقدًا عليه بينما يلهو بين الفتيات يستمتع بحبهن، هو يتذوق مرارة العذاب بسبب حب ظن أنه سيموت مع الزمن، ولكن ما مات هو ظنونه الحمقاء.
تقلبت عيناه في ملل يرفض خوض ذكريات ظلت سجينة عقله لتذكره دومًا أنها بداخله، فمع ظهورها من جديد لن يظل تابعًا لماضيهما ويترك الحاضر والمستقبل كالأحمق دون تدخل منه لاسترجاعها من جديد. ولكن كيف؟ وهي تغلق جميع الأبواب في وجهه. يأمل بأن أعيب يزن تعود بفائدة بدلًا من قتله، فلم يكن صبورًا قط مثلما كان صبورًا معه وهو يستمع لبعض الخطط الخبيثة في إيقاعها من جديد. شعر بغصة في حلقه وهو يود الاعتراف لأخيه بأن علاقتهما ليست بهذا اللؤم، وإنما كانت واضحة وجميلة، إلا أن الحظ أعاقه وعرقله في استكمالها ففقد حبال الوصل بينهما.
ولكن ما بيده سوى الاستماع له وتنفيذ خطته الخبيثة كي يعود ينبوع الحب ويضخ في أوردتهما من جديد. أغلق عينيه مفكرًا بهدوء عن الخطوة التالية بعد أن امتهن الألم بسهولة في استقبال المشفى وطلبها خصيصًا تطمئنه على حالته، ولسلطته نفذت أوامره فورًا دون عناء مزيد منه.
وفي ظل تفكيره العميق دخلت وهي تتهادى في خطواتها، فحول بصره نحوها يستمتع بالصدمة المرسومة فوق وجهها من فكرة وجوده:
"زيدان؟"
هل تلك النظرة كانت قلقة أم أنها مجرد صدمة عابرة لوجوده؟ لا يجد إجابة مريحة له طالما كانت بارعة في إخفاء باطنها، حيث أسدلت أهدابها للحظات وبعدها رفعت عيناها تسأله بجمود استفزه:
"مالك، خير؟"
اعتدل في جلسته وهو يجيب بغيظ:
"زي ما أنتي شايفة تعبان."
اقتربت وهي تضع يدها في جيب ثوبها الطبي، فحانت منه نظرة لتنورتها مرر بصره عليها بإعجاب سافر، ولكنها أفاقته بوحشية عندما طرقت بعنف فوق المكتب سائلة إياه بوجوم:
"تعبان مالك، بتشتكي من إيه؟"
خصها بنظرة حاقدة بسبب ثباتها الانفعالي أمامه وقال بحنق:
"ما تكشفي، هو انتي مش دكتورة؟"
اقتربت منه خطوة وأشارت بيدها في استهزاء كانت تتعمد إظهاره لاستفزازه كي يتركها ويفل دون تعذيب أكثر لها:
"إيه اللي بتشتكي منه بالظبط؟"
"قلبي."
قالها ببساطة جعلتها تندهش وهي تقول:
"نعم؟"
"مبتعرفيش تكشفي عليه؟"
سألها بتهكم واضح، فاكتفت بالاقتراب منه وجديتها امتزجت بالعناد في ظل متابعتها لعملها حيث وضعت سماعتها الطبية فوق قميصه، إلا أنه فاجأها بوقاحة حين أبعدها وفك أزرار قميصه العلوية، فظهر صدره العريض أمامها وبكل وقاحة أعاد موضوع السماعة فوق قلبه، ولمست أصابعه أناملها الرقيقة دون قصد منه، فسرت رجفة قوية في جسدها وكأن هبات هواء بارد اجتاحتها في ليلة شتاء قارس.
"المفروض تكشفي كدا يا دكتورة."
هل تقتله أم تقتل نفسها؟ ماذا يريد أن يفعل بها وهو نائمًا بهذا الشكل وابتسامته الوقحة تزين ثغره وكأنه نجح في إثارة مشاعرها؟ هل ذابت قراراتها المنيعة في الابتعاد؟ هل انصهرت أحاسيسهما المتقابلة وخاصةً وهو ينظر لها بهذا الشكل له أثر على تسمرها أمامه دون حراك؟ فقد أطلقت الحرية لعينيها للعبث بملامحه كما يحلو لها، ولكنها استفاقت من غفوتها الرقيقة بعد لحظات كانت الأجمل بينهما على الإطلاق. جذبت السماعة بعنف زائف بينما كانت تحارب لإخراج جمل واضحة وقوية:
"أنا هبعتلك دكتور تاني."
وقبل أن تدير مقبض الباب كانت يده تعيق حركتها قابضًا فوق كفها الرقيق بقوة، وبذات الوقت كان يخشى عليها، فكانت قبضته قوية بها قدر كافٍ من الحنو اللطيف، ولكن... ولكن تخبط تفكيرها بخجل وهو يقف خلفها مباشرةً يحتجزها بينه وبين الباب. ونبرته الملتاعة تهدم آخر أسوارها:
"رايحة فين وسيباني تاني."
كان صوته معذبًا لقلبها فقد لاحت لها اتهامه بتركها له من جديد، فهمست بضعف تحاول السيطرة على مشاعرها:
"سيبني أخرج."
لان قلبه لصوتها المبحوح حيث اختلطت حروفها بالتوسل الطفيف، فهمس بجانب أذنها سائلًا إياها ولوعة العشق تتملك من صوته:
"لسه بتحبيني؟"
همست باسمه في توسل أكبر:
"زيدان."
خارت قواه وهو يستمع لاسمه تلفظه بهذا الضعف، فكاد الشوق يدفعه بجنون لاعتصارها بين يديه، أو أبسط أمانيه التهام شفتيها الوردية المتلفظة باسمه بتلك الطريقة. هل خيل لها أنه قديس كي يتحمل ذلك العذاب دون أن يروي قلبه النابض بعنف وهي قريبة منه بهذا الشكل؟ غامت عيناه بعاطفة ملتهبة وهمس بتروٍ جعلها تغلق عيناها بقوة وصوت أنفاسها يتسارع وكأنها تقبل على الموت:
"مليكة."
شعر برجفتها.. أحس بقوتها تتصدع بين يديه، وبدأت تخيلاته عن أول قبلة بينهما تدفعه بحرص نحوها، فمال بجانب وجهه وأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها الرقيقة. أغمضت عيناها بقوة أكبر وهمست باستعطاف:
"عشان خاطري بلاش."
تراجع عما كان يريد فعله في آخر لحظة بهدوء عجيب، كاسرًا قواعد يزن بل ضاربًا إياها بعرض الحائط. همس بحنق اختلجت فيه مشاعره الثائرة:
"الله يخربيتك يا يزن."
فتح عينيه على برود يحاوطه عقب مغادرتها بعدما كان ينصهر أثر اقتراب بسيط حدث بينهما، فماذا سيحدث إن تزوجها مثلًا وهو يحمل كل تلك العواطف الفياضة؟ ابتسم ببلاهة مردفًا:
"بلاش أفكر أحسن."
رواية منك وإليك اهتديت الفصل التاسع 9 - بقلم زيزي محمد
وضع "السيد مصطفى" أطباق الجبن المختلفة فوق طاولة صغيرة في المطبخ وبدأ في اعداد وجبة الافطار لـ "مليكة" كعادته دومًا والبسمة لا تفارق وجهه انتظارًا لرأيها الثمين في طعامه متلذذًا برؤيتها التي لم ينقطع عنها البراءة رغم أنها أصبحت أكثر نضج إلا أن نظرة السعادة ذاتها تُلقيها نحوه بكل امتنان وحب لتقديره الدائم لها.
ورغم أن تلك الأيام يشعر بقلق ما يحوم حولها حيث بدت عيناها غائمة بشكل يخيفه عليها ولكنه لا زال يتمسك بمساحتها الشخصية منتظرًا إياها حين تُقدم عليه كطفلة صغيرة تفيض بما يسبب لها الأرق.
ارتفع رنين هاتفه فخرج من عمق تفكيره الغارق بها وبتصرفاتها الغريبة مؤخرًا والتفت نحوه يجذبه تزامنًا مع تنهيدة صغيرة كانت تحاول الانفلات من صدره إلا أنها سجنت بين ضلوعه حين رأى أسمها يتلألأ ويزين شاشته لأول مرة منذ سنين.
أسبل أهدابه مفكرًا للحظات في ظل خضم مشاعره وشعوره بالسعادة لمجرد سماع صوتها مرة أخرى، لذا اقتنص بعض ذرات الهواء قبل أن يجيب بنبرة ظاهريًا كانت هادئة:
- الو، ازيك يا نادية؟
علت ضربات قلبه وكأنه شاب في العشرينات وغزت الحيوية ملامحه مستمعًا لصوتها الأنثوي ذي البحة المميزة التي لم تتغير بمرور الزمن:
- مصطفى اللي بتعمله مينفعش وميصحش.
قالتها بحزم قاس لم يعير له أي اهتمام طالما نبرتها تغزو خلايا قلبه المظلم لتعيد فيه الحياة من جديد، استمر في حالة التيه تلك تاركًا ثرثرتها حول العادات والأصول ولم يأبى لنبرة الحدة الملازمة لها إلا حين نادته عدة مرات قائلة:
- مصطفى أنت معايا، لو سمحت رد عليا، مينفعش تيجي عند بيتي تاني.
كان يريد الاعتذار ولكن لسانه أعلن العصيان وتمرد بعنفوان ناطقًا بكلمة خرجت من معقل مشاعره المتأججة:
- وحشتيني يا نادية.
نطقها وترك جلد الذات جانبًا، لقد أراد التلذذ بحلاوة لحظة ربما لن تتكر ثانيًا، ومع استمرار الصمت بينهما حول الهاتف أمامه للتأكد من جودة الاتصال وجدها قد أغلقت الاتصال محتفظة برد فعلها لنفسها، وبقي هو كعاداته يتلوى بنيران الفراق والوجع منذ أن تعلم قلبه قراءة سطور العشق والغرام.
تمالك أعصابه حين نادته "مليكة" من خلفه بنبرة متعجبة:
- بابا... بابا مصطفى.
التفت بنصف جسده والهاتف لا زال يمسكه بقوة وكأن تلك اللحظة الفريدة يخشى أن تكون من أوهام هاجمت واقعه بين حين وآخر:
- أيوا يا مليكة، في حاجة يا حبيبتي؟
- أنت كويس؟
سألته والقلق يسيطر على صوتها الرقيق، فأجاب بهمس هادئ:
- أنا كويس جدًا الحمد لله يا حبيبتي.
صحيح من أسمى صفاته الهدوء دومًا ولكن ليس بتلك الطريقة، كانت تريد الاستفسار أكثر عن حالته ولكنها ابتلعت أسئلتها حينما لاحظت عودته واندماجه في تحضير الطعام، فاكتفت بهز رأسها ومساعدته دون أن تفتح مجالاً أكثر للحديث بينهما فيعود ويسألها عنها وكالعادة تهرب كالجرو الصغير نحو غرفتها تنزوي بها تفكر في إيجاد حل لمصيبة تأجلت قليلاً بسبب سفر" ماجد" المفاجئ.
***
تابع "يزن" تأفف زيدان المتواصل منذ الصباح والتزم الصمت محاولاً ضبط ابتسامته كي لا يهجم عليه ذلك الثور حيث كان على وشك الانفجار بالجميع الآن، عاد بظهره للخلف وركز أكثر بكلمات "زيدان" المتناثرة في غضب:
- وقولت أن الخاتم هيرجعها تاني وهي ولا أخدت بالها منه.
- جبلة يعني مبتحسش؟
تسأل "يزن" بمزاح، فاستدار الأخر المواصل لاستكمال ثيابه وأمسك بوساده صغيرة وألقاها في وجه أخيه بكل عنف متمتمًا بضيق:
- ما يمكن أنت مبتفهمش وأنا أهبل عشان ماشي وراك.
رفع "يزن"حاجبيه في غيظ مردفًا:
- طيب ما أنا قولت أجي معاك وأخلص الحوار أنت مرضتش، عرضت مساعدتي ولا معرضتش.
- مستغني عنها يا سي روميو.
انتهى من ارتداء ثيابه، ووضع الخاتم فوق السراحة بإهمال وقبل خروجه أوقفه يزن بصياح:
- أنت رايح فين البس الخاتم.
- لا أنا همشي بدماغي بعد كدا.
توسعت أعين "يزن" بقلق وأردف:
- لا أنت اوعى تمشي بدماغك، دا البت تهاجر وتسيب البلد.
عبس بملامحه وخرجت حروفه غليظة قوية:
- مش معنى أن باخد رأيك أنك تتعدى حدودك معايا فاهم ولا لأ.
تمتم يزن بصوت هامس لنفسه والاشمئزاز يطفو فوق ملامحه:
- ليها البت تهرب منك.
لكزه زيدان بذراعه قائلاً بخشونة:
- ها انجز عايز ايه؟
- يا زيدان افهمني البس الخاتم وامشي زي تعليماتي والبت هتبقى زي الخاتم في صباعك.
انفجر زيدان في غيظ:
- يا بني ادم افهم بقولك بقالي يومين بروحلها وهي بتصدني.
عقد يزن ذراعيه وعينيه تظهر مدى استشاطته:
- عشان بتروحلها في شغلها، استني يا قبل يا بعد ولو فلتت منك ازنقها بقى حتى لو غصب.
رسم اللامبالاة فوق وجهه ليقول:
- هو أنا فاضي للحوارات دي.
عض يزن فوق شفتيه بقسوة وكور يده بعصبية:
- تصدق أنا اللي غلطان، أنا اللي غلطان..
عقد زيدان حاجبيه بتعجب وهو يتابع حالته المستاءة بينما استمر الأخر بحديثه حتى خارج الغرفة:
- أنا اللي غلطان... يا ماما أنا اللي غلطان.
تقدمت "منال" صوبه في قلق متسائلة:
- مالك يا حبيبي.
- أنا حاشر نفسي ليه المفروض اخاف على نفسي من الجلطة.
شهقت بنعومة وهي تمسد فوق ذراعيه:
- بعيد الشر عنك يا روحي.
حول يزن عينيه صوب زيدان الواقف بجانب غرفته والقسوة الممزوجة بالتحذير تعلو وجهه:
- هي ليها الجنة اقسم بالله.
- هي مين دي؟
تنقلت بنظراتها بينهما منتظرة إجابتهما بفضول فتقدم زيدان منهما ودفع يزن بقوة داخل غرفته، واستكمل احتضانه لوالدته واضعًا ذراعيه حولها:
- الساعة... الساعة كام دلوقتي فين الفطار يا ست الكل؟
***
في المساء..
خرجت "مليكة" من المشفى تتابع خطواتها في تمهل وفي ذات الوقت تحظى ببعض الهدوء مستغلة الصمت المطبق من حولها في الطريق المؤدي للطريق العام..
غاصت بتفكير في إيجاد حل مناسب لتواجه ذلك اللعين "ماجد" دون المساس بشرفها أو الافصاح عن تلك الصور والمحادثات المشينة، وكلما توصلت لتلك النقطة تحديدًا يملأها مشاعر جمة تتشاحن في جنون ما بين الغضب والخوف وفي نهاية المطاف تبقى مُعلقة حتى إشعار آخر.
خرجت من دائرة التفكير خاصتها على صوت أقدام من خلفها وقد أحست حينها بالتوتر فكلما سارعت بخطواتها تشعر بأن المسافة تتقلص أكثر، بدأت في السير بطريقة أشبه للجنون ولكن التنورة التي كانت ترتديها أعاقتها قليلاً فعلى التذمر تقاسيم وجهها تزامنًا مع احمرار طغى بقوة فوق وجنتيها.
لم تدري أي قوة هاجمتها حتى تستدير بهذا الشكل المفاجئ وتحرك حقيبتها الجلدية بطريقة دافعية أمامها تنوي ضرب هذا المتحرش بكل قسوة ولكنها تراجعت في أخر خطوة حين رأت "زيدان" يبتعد للخلف ممسكًا بالحقيبة بين يديه ضاحكًا:
- أيه حاسبي هتفقعي عيني.
أطرقت بعينيها أرضًا قليلاً قبل أن ترفع بصرها إليه تحدجه بقوة ومن بين أسنانها قالت:
- لو ينفع كنت عملتها.
وضع يده فوق صدره مشاكسًا إياها بلطف وبنظرة استعطاف اتقنها جيدًا أردف:
- وأهون عليكي.
كسا الخجل ملامحها وعجز عقلها عن الرد بعد نظراته تلك ولكن شيء ما جذب أنظارها وجعلها تركز ببصرها عليه حتى أنه انفلت لسانها بسؤال نهرت نفسها عليه فيما بعد:
- من امتى وأنت بتحب الخواتم؟، ما أنا جبتلك واحد وأنت...
انقطع صوتها فجأة وعم الصمت بينهما بعدها، فتشابكت أنظارهما في لحظات انفردت بها لغة العيون وأباحت بما يجيش بصدورهما.
قرر "زيدان" قطعها بقوله الهادئ المصاحب لبسمة شعرت بالارتباك منها وهو ينظر نحو الخاتم بتنهيدة قصيرة:
- الخاتم دا عزيز عندي شوية.
كاد أن ينفجر الفضول من مقلتيها وبذات الوقت ودت أن تلكمه على تنهيدته تلك، بالطبع هي حمقاء ساذجة تغرق في أوهام الحب حتى بعدما جسد الفراق جسر بينهما، أما هو ينعم بين فتياته ويتلقى منهن كل الاهتمام والحب، حقير، متكبر، غبي...
اتسعت عيناه بصدمة وتراجع برأسه متسائلاً:
- قولتي إيه؟
يبدو أنه ارتفع صوتها قليلاً وهي لم تشعر كعادتها:
- قولت عايزة امشي.
أجابت بضيق وقررت الابتعاد واستكمال خطواتها إلا أنه اعترض طريقها مرة أخرى ليقول بخشونة:
- هو أنا مش واقف معاكي ازاي تمشي وتسيبني!
رفعت حاجبيها في استهجان متسائلة بصوت يبدو عليه الحنق:
- تقربلي إيه أنت عشان تقف معايا ولا تكلمني.
تجاهل كلماتها عن قصد مررًا ببصره فوق ملابسها في تمهل أحرجها وأصابها بالخجل الشديد وخاصةً حين قال بهمس قاصدًا التلاعب بمشاعرها:
- مش ملاحظة الجيبة ضيقة، مش هعلق كتير عن كدا.
تشدقت بخبث قبل أن تواجهه بحماقة:
- المرة الجاية هخليها ضيقة أكتر من كدا.
عقد ذراعيه أمامه بتحدٍ:
- ودا اسمه؟
- رخامة.. غتاتة أي حاجة وابعد عني.
قالتها في حنق شديد، شاعرة بالحزن من نفسها لتجاوب عاطفتها معه وبالأخير ستصطدم بقلبه الصلد وتبقى هي الخاسرة الوحيدة بينما هو يحظى بهدايا يرتديها بكل حب من فتيات حمقاوات مثله.
- وأنا مش هبعد يا مليكة واعتبريه تحدي.
ردت بعناد امتزج فيه التذمر:
- هتبعد يا زيدان، ومينفعش كل شوية تيجلي في مكان شغلي.
- طيب تيجلي أنا عادي يعني.
رمشت بأهدابها بعدم فهم متسائلة في صمت عن مقصد حديثه، فتابع حديثه بخبث:
- موافقة يعني تمام براحتك.
زفرت في ضيق وهزت رأسها كمحاولة منها لإخراجه من تفكيرها، لن يعود تأثيره عليها كما كان سابقًا، فـ بعد الآن ستلجم عاطفتها في غيابه قبل وجوده.
التفتت بجسدها والتزمت الصمت وتابعت خطواتها دون أن تعير له أي انتباه، وفي ظل حركتها شعرت بالخجل والتوتر وهو خلفها يسير بكل هدوء وفي داخلها كانت تدرك تمامًا أين مستقر عيناه الآن، فتوقفت فجأة بعصبية:
- روح اركب عربيتك لو سمحت وسيبني.
تجاهل نبرة صوتها المرتفعة الغاضبة ورد في برود:
- عربيتي برة على الطريق وبعدين استحالة اخليكي تمشي لوحدك..
كادت أن تفتح فمها للرد عليه ولكنه اقتصر عليها بقوله الحازم:
- متجادليش كتير وسيبني امشي وراكي.
أنهى حديثه ببسمة واسعة قاصدًا إثارة غضبها وخجلها لطالما تحظى بجمال فريد يعشقه حين تثور وتعترض بغضب.
خفضت نبرتها بعدما فقدت جزء من قواها في مجادلته، وأشارت له بأن يتقدم أمامها ولكنه تظاهر بالغباء حتى فقدت هدوئها الزائف وقالت:
- امشي أنت قدامي وأنا وراك.
تقدم بخطواته حتى وصل بجانبها وأمال عليها قليلاً هامسًا:
- يا خسارة الجيبة هتفوتني.
وما أن أعطاها ظهره حتى رفعت حقيبتها وضربته في كتفه بغيظ:
- قليل الأدب.
نظر إليها بطرف عينيه قائلاً بتحذير مصطنع:
- متتكررش عشان متزعليش.
لم تمنع نفسها من نبرة العناد وردت:
- هتعمل إيه يعني؟
التفت بكامل جسده مشيرًا بيده في توعد:
- هقبض عليكي ووقتها لو مين جه عشان يطلعك محدش هيقدر.
- ليه رئيس جمهورية وأنا معرفش.
ردت عليه في استهزاء، فخالف توقعاتها بغمزة من عينيه وبوقاحة أجاب:
- هتبقي ممتلكات خاصة ودي طبعًا صعب افرط فيها.
تلعثمت في حديثها من فرط خجلها وقالت بصوت غلب عليه الارتباك المخالط للحرج من وقاحته على غير عادته:
- أنا بكلمك ليه.. أنا بتكلم مع واحد زيك ليه.
تحرك من أمامها بعدما دفعته بحقيبتها فتمتم بضحك:
- طب والله الشنطة دي متمرطة معانا.
ردت في نزق تخفي به عاطفته المتأججة:
- مالكش دعوة ويلا خلصنا من الشارع دا.
ارتفع صوته في ضحكة صغيرة مستمتعًا بأطول حديث بينهما منذ أن التقيا بعد فراق دام لسنين:
- بس افتكري انك وافقتي.
***
حاولت "نهى" فتح جفنيها ولكنها وجدت صعوبة فعادت إغلاقهما ولكنها انتبهت ليد تمسد فوق ذراعيها بحنان بالغ سرقتها من أحلام خالطها كوابيس مزعجة رغم إصرار عقلها الباطن الغرق في أوهام علاقة عاطفية مع زيدان، فكانت تتمنى أن يحالفها الحظ ولو مرة واحدة وتستمع لصوته يغازلها بأرق الكلمات ولكن يبدو أن تلك الكوابيس تزعجها في نومها بعد أن قررت الهرب إليه للخروج من شرنقة الواقع بآلامه الصعبة وتجاهل زيدان المستمر لها، وكلما عجز عقلها عن تفسير معاملته الجافة لها يعود متقهقر لفكرة الانتحار فيبدو أنها نهاية مطاف علاقتها معه وفكرة الشروع في حياة جديدة على وشك الانهيار.
عادت تلك اللمسات من جديد فداعبت قلبها المتشوق لمثل هذه المشاعر، ولوهلة ظنت أن تلك اللمسات من قبل والدتها فارتسمت بسمة صغيرة فوق ثغرها الباهت ورافقته دمعة ساخنة سقطت من عينيها المغلقة، لم يدم ظنها طويلاً وذلك عندما تبعثر كحال كل مرة فأول من رأت حين فتحت عيناها، كانت الخادمة تجلس بجوارها بابتسامتها المعهودة.
- إيه يا ست الكل هتفضلي طول اليوم نايمة كدا.
خرج صوتها المتحشرج ليقول:
- مفيش حاجة اعملها، خليني نايمة أحسن.
انطفت معالم الحياة من وجهها الجميل وبدت كعجوز على فراش الموت، وبدأت تشعر بشفقة منبثقة من نظرات الخادمة حتى أنها لم تكف عن محاولتها البسيطة في التخفيف عنها:
- قومي يا ست نهى واشغلي نفسك بأي حاجة، ما تدوري على شغل ولا وتقعدي مع صحابك.
أسبلت أهدابها بحزن شديد وهي تقول بصوت يغلب عليه البكاء:
- ماليش نفس أعمل حاجة، وماليش أصحاب.
اختفت بسمة الخادمة للحظات ثم عادت تقول بحماس:
- قومي اتكلمي معايا أو اتصلي على سي زيدان.
هنا فقدت القدرة تمامًا وانهمرت دموعها كالأطفال تقول بقلة حيلة وفقدان للشغف:
- حتى هو بدأ يتهرب مني، هو أنا وحشة عشان يعاملني كدا؟، طيب ليه طلب يخطبني من الاول؟، لما ساعة يعاملني حلو وطول اليوم زي الزفت، عايز يوصل لإيه أنا مبقتش عارفة.
لم تكن الخادمة تدرك أن بمحاولاتها البريئة ضغطت عليها فالأمر يشبه وكأن جاء أحدهم وقام بالضغط على بالون، تلك كانت حالتها تمامًا عندما أفضت بما لا تقوَ على قوله، حاولت الخادمة تهدئتها بكل الطرق ولكن نهى كانت في عالم آخر تسعى لإيجاد سبب ترضي به انكسار قلبها من تصرفات زيدان معها.
- خلاص يا ست نهى، يا ستي أنا غلطانة ان صحيتك.
- ولا غلطانة ولا حاجة، خليها تصحى وتفوق من الوهم اللي هي فيه.
انتبهت "نهى" على صوت والدتها فرفعت بصرها في حزن وهمست:
- تاني هتقولي وهم.
نهضت الخادمة تحاول جذب ميرفت للخارج مراعاة لظروف الفتاة ولكن الأخرى أبت بل وقالت بتهديد:
- حسك عينك تقربي مني، هو أنتي هتعيشي الدور كأنك واحدة من البيت ولا إيه، دي بنتي وأنا حرة فيها.
عادت الخادمة للخلف بحرج شديد وقالت بصوت خفيض وعيناها تلازم الأرض:
- أسفة يا هانم.
حولت ميرفت بصرها بعد أن هدأت قليلاً والزمت الخادمة مكانتها، ثم قالت بصوت قوي وهي تتقدم من نهى الغارقة في البكاء:
- اقولك أنا يا حبيبتي سبب معاملته ليكي.
- لا مش عايزة أعرف، اطلعي وسيبني في حالي.
قالتها نهى في لحظة اندفاع وكأنها تخشى صعوبة الوضع المتمثل في أعين والدتها، حتى أنها وضعت يدها فوق أذنيها، فثارت ميرفت بغضب وتقدمت من ابنتها المعلنة تجاهلها لها وهذا ما أغضبها بل وأشعل فتيل الانتقام من ابنتها حتى تتجرأ وتُقدم على مثل هذا الفعل أمام الخادمة:
- فوقي يا بت.. أصل والله ألطشك قلم من بتوع زمان.
ضغطت نهى اكثر فوق أذنيها واشتدت ملامحها وهي تنكمش فوق فراشها، فتقدمت والدتها أكثر وجذبت الغطاء وألقته أرضًا ومن ثم ابعدت يدها واقتربت بوجهها منها عندما مالت بنصف جسدها العلوي تقول بكل جرأة ممزوجة بالوقاحة:
- عارفة ليه بيعاملك كدا، عشان أنا طلبت منه كدا، قعدت اترجاه واطلب منه يمثل عليكي دور انه بيحبك وبيموت فيكي لما عملتي العملة المنيلة بتاعتك وانتحرتي.
حركت نهى رأسها بجنون ترفض التصديق، لم يكن زيدان كاذبًا من قبل، لقد أقسم على حبه ومشاعره في المشفى وحين رفضت الخطبة عندما أرادت تعزيز نفسها، أصر هو على ذلك معلنًا سبب جرحه لها في البداية، كانت عيناه صادقة، مشاعره لامست قلبها، هل كان يتوهم عقلها ذلك؟ هل وصلت بها السذاجة لذلك الأمر؟ أم أن الشفقة دفعته لتمثيل دوره بإتقان؟
- بتفكري في أيه؟ كل اللي بقوله حقيقي، واسأليها اهي وهي واقفة ولو تقدر تكدب.
استدارت للخادمة التي أخفضت بصرها أرضًا تهرب من نهى والحزن يكسو وجهها، فتابعت ميرفت حديثها:
- هتكدب ازاي وهي اللي قالتلي على الفكرة دي، قال إيه عشان ننقذك، بس متعرفش ان النكد والنحس هيفضل ملازمك عمرك كله طول ما أنتي حاطة سي زيدان في دماغك.
انفجرت مشاعرها كالبركان وصرخت بصوت يغلب عليه الوجع والخذلان بينما كانت عدستيها تختفي خلف غلاف رقيق من الدموع:
- بس كفاية اطلعي برة، مش عايزة اسمع منك كلمة تاني، أنا هخلصكم مني، ارحموني.
كانت تدفع والدتها بيدها وقد فقدت كل ذرة هدوء واستكانة وباتت تتحرك بجنون تدفعهما معًا خارج غرفتها، بينما كان صدرها يضيق بها وكأن جدران الغرفة تنقبض عليها، فاختفت أنفاسها وأصبحت ثقيلة مع خروج الخادمة واغلاقها للباب بقوة من خلفهما.
ومن بعدها سقطت أرضًا تبكي بصوت عال وعادت فكرة إنهاء حياتها تسيطر عليها من جديد، فلم تكن تريد التفكير لو للحظة بحديث والدتها المؤذي.. نعم مؤذي جدًا لها وأصبحت لا تطيق التنفس والاستمرار في تلك الحياة المخزية فالموت أهون مئة مرة مما تمر به حاليًا.
***
في مساء اليوم التالي..
وقفت "مليكة" أمام دكان صغير بجوار المشفى هي وإحدى زميلاتها، تختار الحلوى المفضلة قبل الذهاب للحافلة الكبيرة الموجودة دائمًا بالطريق الرئيسي..
انتهت أخيرًا وبدأت في وضع الحلوى في حقيبتها ما عدا واحدة قررت أكلها لتساعدها قليلاً في القضاء على الجوع المسيطر عليها طيلة اليوم.
- بس أنتي متغيرة اوي يا مليكة اليومين دول.
انتبهت لصوت صديقتها المجاورة لها وتدعى "أمل"، فجذبت نفس قصير قبل أن تجيب بهدوء يخفي خلفه آلام تحاول دفنها عن الجميع بابتسامات مصطنعة:
- لا أنا متغيرتش ولا حاجة.
هزت "أمل" كتفيها لتقول بصوت يشوبه عدم الاقتناع:
- يمكن، بس..
بترت حديثها فجأة وقررت الصمت كي لا تزعجها بأقوال قد تثير غضبها، ولكن "مليكة" أصرت على التحدث بقولها:
- كملي يا أمل، متكتميش حاجة في قلبك.
ضحكت الأخرى قبل أن تثرثر كعادتها بطيبة قلب:
- يا بنتي مقصدش، الايام اللي فاتت كنت بحس دكتور ماجد بيرخم جامد عليكي، قولت يمكن دا سبب معاملتك للكل وزعلك طول الوقت بس حتى بعد ما سافر واتنيل اخد اجازة متغيرتيش ولسه زعلانة.
وقف الطعام بفم مليكة فلم تجد طريقًا للخروج من ذلك المأزق أو التبرير بشكل لا يثير شك صديقتها أو أي فرد بالمشفى خاصةً أن أمل كثيرة الثرثرة.
وقبل أن تفتح فمها مبرر وقفت سيارة شرطة أمامهما وهبط منها ضابط يبدو عليه صغر السن، ملامحه مشدودة وكأنه يُقدم على إمساك بمجرم خطير..
- أنتي مليكة.
جف حقلها من التوتر وحولت بصرها لصديقتها التي ردت بالنيابة عنها قائلة بقلق عارم:
- ايوا يا فندم.. في حاجة؟
تجاهل فضولها الممزوج بالقلق وأشار لمليكة بالصعود لسيارة الشرطة بنبرة حاسمة غليظة حولت قلب مليكة المتماسك لورقة هشة فكاد يتوقف عن النبض حين جذبها الضابط وحركها نحو السيارة:
- يلا اطلعي.. بسرعة.
اختفى صوتها كحال اختفاء أنفاسها وهى تصعد في السيارة بالخلف فواجهها ظلام بالداخل مما جعلها تحول بصرها سريعًا للجهة الأخرى وقد قابلها أضواء الطريق الخافتة وأمل صديقتها المحدقة بها بقلق وخوف حقيقي:
- في إيه يا مليكة؟
كانت أخر جملة تصل إليها قبل أن تتحرك السيارة ببطء في البداية فتداركت مليكة موقفها بالإضافة إلي هاتفها الفاصل فقالت بصوت مرتفع:
- تليفوني فاصل، كلمي بابا مصطفى يلحقني.
- يلحقك فين؟
قالتها "أمل" سريعًا وهي تركض خلف السيارة ولكنها فشلت بسبب سرعة السيارة بينما أحست مليكة بفقدان الأمل وحاولت فتح الهاتف مرارًا وتكرارًا ولكن قد نفذ مخزون الشحن وبقيت هي في تلك الكارثة وحدها.
***
قبل قليل..
حرك "زيدان" قلمه بعشوائية فوق مكتبه، مفكرًا بجدية حول تعليمات يزن الجنونية، لم يتوقع أن يصل به الأمر لتلك الوقاحة في التعامل مع مليكة، ولكنها هي من أجربته على ذلك، فقد حاول مرارًا وتكرارًا التعامل بشكل لطيف ولكنها دائمًا تضع مائة حاجز بينهما، فشعر باليأس من الوصول لقلبها من جديد، وبذات الوقت يشعر برغبة جامحة في مزج عاطفتهما كما كان سابقًا، لقد كان ساذج وأحمق حين تمسك بأفكاره وتخلى عنها بكل بساطة أوجعتهما فيما بعد، بالإضافة أنه حاول كثيرًا الوصول إليها ولكنها كانت دومًا تقف بالمرصاد له، تترفع عنه بكل كبرياء، فأحس بإهدار كرامته وخاصةً حين أخبره أحد أصدقائه عن سوء نيتها وأنه ليس سوى صيد ثمين تحاول اقتناصه، فـ أصدر فرمان ضد قلبه معلنًا فيه العصيان على مشاعره.
- ما كنت اتنيل واتجوزها كان عيالي دلوقتي بيلعبوا حواليا، بدل الهم اللي أنا فيه.
قالها بحنق قابضًا فوق قلمه بعنفوان شديد، متراجعًا عن ذكريات الماضي محاولاً التركيز في حاضره فأولى اهتماماته حاليًا تتمثل في عودتها له.
ترك قلمه جانبًا، جاذبًا نفس عميق قبل أن يمسك هاتفه مقررًا الاتصال بأحد زملائه وأصدقائه بالقسم وبعد محاولات عديدة رد صديقه أخيرًا:
- محمود... أنت سامعني.
جاءت أصوات متداخلة في البداية مما جعله يفقد السيطرة على نفسه وقال بعصبية مفرطة:
- ما تقف في مكان في شبكة يا عم.
وبعد عدة ثواني قال محمود:
- أيوا انت كدا سامعني.
- اه اه سامعك، بص بعتلك معلومات واحدة على واتس عايزك تجبلي البنت دي هنا على القسم، بس خد بالك في معاملتك معها يا محمود دي حد مهم بالنسبالي.
صمت مطبق اثار حفيظة زيدان حتى قال عدة مرات:
- أنت يابني سامعني، محمود.
- اه.. سامعك، خلاص ماشي سلام.
اغلق الاتصال أخيرًا وملامحه واجمة مفكرًا في رد فعلها، قد يكون غضب جنوني أو صدمة مثلاً بالتأكيد لن تكون سعيدة أبدًا، وسيحظى ببعض المشاحنات ولكن يكفي رؤيتها والحديث معها في فترة أطول دون الهروب منه.
***
بعد قليل..
وقفت "مليكة" قبال مكتبه والشر يتصاعد من عينيها المتوهجة بنيران الانتقام لِمَ فعله بها فقالت بصوت متهدج تحارب رغبة متوحشة في الانقضاض عليه تنهي حياته بيديها ذلك المستفز:
- أنت عارف ومدرك اللي عملته فيا؟
سألته بتهديد وبصرها مثبت فوق عدستيه الهادئة فكان ينقاضها تمامًا بجلسته الهادئة وابتسامته الوقحة:
- اه.
تقدمت "مليكة" خطوة لإمام وسألته بنبرة مرتفعة ووجهها يتوهج باحمرار أعجبه فمالت نظراته للهيام غير مدركٍ ما تمر به:
- ياعني عادي عندك تجبني القسم واتفضح؟
- مين جاب سيرة الفضيحة، هو انتي اخر مرة زعقتي وشوحتي بايدك الحلوة دي عشان مجيش شغلك تاني.
أخفت يدها خلف ظهرها بحرج وأومأت بقوة ونبرة معنفة:
- اه، عملت كدا.
حرك كتفيه بلامبالاة ممزوجة بالبساطة:
- بس خلاص جبتك شغلي أنا، بسيطة ومش محتاجة تعقيد.
دارت حول مكتبه في عصبية وغضب عارم تزامنًا مع توسع حدقتيها بصدمة من وقاحته في استغلال ذلك الأمر، وهتفت بحنق:
- تجبني في البوكس.. أنا اركب البوكس و تدخلني قسم يا مجنون.
مالت بنصف جسدها نحوه وكورت قبضتيها في غيظ:
- اقتلك على اللي عملته فيا.
- تقتليني عشان بحبك وعايز اشوفك.
خرج اعترافه سهوًا عنه وكأن مشاعره فاضت ولم تعتد تحتمل كتمانه أكثر من ذلك، فكان وقع اعترافه عليها كوقع زلزال قوي دك حصون فؤادها فرمشت بأهدابها عدة مرات تستوعب ما يفعله ذلك المجنون من بداية اصطحابها للقسم بسيارة الشرطة حتى اعترافه بتجديد ميثاق الغرام بينهما.
نهض زيدان مستغلاً حالة التيه التي تلبستها واقترب خطوة هامسًا بحب:
- بذمتك مش مبسوطة انك شوفتيني، بلاش دور انك مش طايقني دا عشان مبقاش لايق عليكي.
أطرقت برأسها ثوان قبل أن تجيب بنبرة معنفة تخفي خلفها ارتباك أصاب تماسكها:
- زيدان لو اللي أنت بتقوله دا صح، فبعد اللي انت عملته دلوقتي مخليني مش طايقك فعلاً.
تسأل ببراءة زائفة:
- أنا عملت إيه، دا كله عشان قولتلك بحبك.
استدارت سريعّا تخفي أثار اعترافه عليها، تحاول التمسك بأوجاع الماضي في محاولة ضعيفة لتجاهله، دارت حول المكتب وهي تقول بنبرة تأرجحت بين الغضب والضعف:
- انت عارف كويس اقصد إيه، ومفيش حاجة هتغفر انك جبتني في البوكس.
- لا دي أنا مظلوم فيها، محمود اللي فهم غلط.
رد اثار صدمتها فأردفت بضيق:
- وأنت تجبني ليه أصلاً هنا؟
- عشان اشوفك.
أجاب ببساطة أدهشتها فدفعتها لتقول بتعجب:
- تقوم تبعت ظابط يجبني.
- ما أنا لو كنت جيت بنفسي كنت هترفضي، فقولت اجيبك بطريقة رسمية.
كانت إجابته صادقة هادئة ظنت بها بعض البرود فثارت بجنون:
- دا حب دا... أنت كدا يعني بتحبني.
- والله الحب عندي كدا، عاجبك تمام.. مش عاجبك...
صمت قليلاً قبل أن يقول ببسمة واسعة:
- هيعجبك بردو، مليكة أنا حقيقي ببذل مجهود في حياتي معاكي مجربتش اعمله مع حد تاني.
حولت بصرها تلقائيًا نحو الخاتم باتهام واضح لم تصرح به علنًا، ولوهلة بدأ يشعر بواقع خطة يزن، وقبل أن يردف بكلمة، طرق العسكري الباب عدة مرات، فعاد زيدان لمقعده مشيرًا له بالجلوس، فامتثلت له على مضض، وقبل أن يدلف العسكري خاصها بنظرة محملة بمشاعر الحب امتزج فيها الأسف، فارتبكت وأخفضت بصرها تحاول الافلات منه.
دخل العسكري قائلاً برسمية:
- والدها برة يا افندم.
- والد مين؟
تسأل زيدان بتعجب، فرد العسكري سريعّا:
- والد الدكتورة يا افندم.
نهضت مليكة تهتف بهمس:
- بابا مصطفى.
رواية منك وإليك اهتديت الفصل العاشر 10 - بقلم زيزي محمد
"انت مدخلتش بابا مصطفى ليه؟"
تساءلت في قلق امتزج بالضيق من بروده في وقت لا يحتمل فيه تصرفاته الجنونية، فرد بتساؤل مقابل والتعجب يغزو حروفه:
"مين عرفه انك هنا؟"
تحاملت على نفسها وردت في هدوء:
"أنا كلمته قبل ما ادخل من تليفون واحد."
أسبلت اهدابها لحظات قبل أن ترفع بصرها وترمقه بحنق والاحمرار يغزو وجهها من جديد:
"عشان كنت مفكرة رايحة في مصيبة."
خرجت نبرتها مكتومة فابتسم لها مردفًا بهمس:
"وأنتي ينفع تروحي في مصيبة وأنا موجود."
ابتعدت ببصرها بعيدًا عنه تخفي خجلها في قولها الصارم:
"بابا مصطفى كدا هيقلق، دخله."
خصها بنظرة حانقة قبل أن يتمتم:
"مالكيش في الرومانسية."
رفعت أحد حاجبيها له في غيظ وقبل أن تتحدث قطع عليها فرصتها وسمح بدخول السيد "مصطفى"، وما هي إلا ثوان قليلة حتى دخل ووجه يعبر عن مدى قلقه وتوتره وما أن وقعت عيناه عليها بكامل صحتها حتى تنفس صاعدًا متمتمًا:
"الحمد لله، انتي كويسة يا حبيبتي."
وقبل أن تنهض اندفع نحوها يحتضنها بعناق أبوي هدأ من الارتباك المسيطر عليها، فتركت نفسها تستمتع بتلك اللحظات، بينما زيدان كان يشعر بغليان وهو يتابع عناقهما، شاعرًا بالغيرة تنخر عقله وخاصةً أنه ليس والدها بل زوج والدتها المتوفية، فقرر قطع لحظتهما بصوته الخشن والحازم:
"اتفضل حضرتك."
ابتعد "مصطفى" عن مليكة وبدأت الحياة ترسم معالمها فوق ملامحه بعد أن كانت باهتة:
"هو في حاجة حضرتك، بنتي دكتورة وكانت في شغلها..."
بتر زيدان حديثه وهو يشير له بالجلوس متظاهرًا بالجدية:
"حضرتك والدها؟"
"ايوا يا افندم.."
أجاب "مصطفى" بتلقائية، فقرر زيدان التلاعب بأعصاب مليكة مستمتعًا بمشاعرها المشحونة بالغضب والارتباك فقال بخبث كان على علم بإثارة عصبيتها:
"بطاقتك لو سمحت."
أخرج "مصطفى" إثبات شخصيته على الفور واضعًا إياها فوق المكتب بينما كانت مليكة تتابع ما يحدث بصدمة من وقاحته المتزايدة، فتعمدت النظر إليه وتثبيت بصرها في جرأة تحمل التهديد اللاذع.
"بس أنت مش والدها..."
خرجت حشرجة منها قاصدة بها جذب انتباهه، وقد نجحت في ذلك حين حول بصره نحوها متسائلاً بنبرة هادئة لطيفة أشعلت فتيل غضبها من استفزازه له باستمرار:
"اجبلك مايه؟"
"لا."
قالتها بانفعال ممزوجًا بالتحذير مما يفعله، فتجاهلها عن قصد وأردف:
"نكمل شغلنا..اه..أصل أنا لازم اشوف شغلي."
تابع حديثه وهو يثبت بصره فوق مصطفى المتابع لهما بعدم فهم:
"نكمل؟"
تسأل زيدان في رسمية مصطنعة، فهز مصطفى رأسه بإيجاب بينما كانت مليكة تحارب شعور يدفعها بجذب أي قطعة حديدية والصاقها بوجهه عمدًا عما يفعله بكل وقاحة، وخاصةً هي تعلم أنه يعشق التلاعب بأعصاب الأخرين وتحديدًا إن كانت هي.
بعد قليل..
خرجت مليكة من الغرفة هي ومصطفى ووقفا معًا يستكملان حديثهما مع زيدان المودع لهما بكل لطف اثار إعجاب مصطفى:
"احنا متشكرين جدًا لزوقك يا باشا."
"انا معملتش حاجة وان شاء الله يا دكتورة مليكة الظابط اللي ركبك البوكس دا هيتكدر متقلقيش."
رفعت حاجبيها معًا من لطفه الزائد وشعرت بمحاولته لإتمام شيء ما بداخله وبالطبع هي تجهله ولكن لم يمنعها تفكيرها في الرد عليه بطريقة ذكية جعلت الابتسامة تعلو ثغره:
"والله أنا شايفة ان المفروض اللي يتكدر هو الظابط التاني..بجد قليل الذوق بشكل مش طبيعي، حقيقي لازم توصله أن أنا مكرهتش حد في حياتي قده."
ضغط مصطفى فوق يدها بتحذير محاولاً استدراك الأمر خوفًا عليها من الوقوع في خطأ ما ولكن رد زيدان ادهشه:
"هقوله حاضر."
حمحم مصطفى محاولاً إنهاء وقفتهما تلك فقال:
"فرصة سعيدة يا باشا، يلا يا مليكة."
اومأ زيدان برأسه وتركهما يسيران باتجاه ممر الخروج، بينما كان مصطفى يسير بجانب مليكة معاتبًا إياها بهدوء:
"ليه كدا يا مليكة، الراجل كان زوق جدًا معانا."
"اه فعلاً زوق جدًا."
قالتها بانفعال خرج سهوًا منها، يبدو أن ما تمر به فاق طاقتها فلم تعد مسيطرة على أي رد فعل أبدًا لذا التزمت الصمت تمامًا في ظل إعجاب مصطفى بزيدان وقبل أن يخرجا نهائيًا أوقفهما عسكري يخبرها بضرورة عودتها لغرفة التحقيق مجددًا لاستكمال أوراق مهمة..مشددًا على وجودها وحدها، فاضطر مصطفى للجلوس بالخارج بينما دخلت مليكة للغرفة وقد بدا وجهها هادئًا أو أنها اعتادت على الوضع:
"خير يا زيدان؟"
نهض من مقعده متجهًا نحوها حتى وصل أمامها مباشرةً محركًا يده في جيب سرواله وهو يمرر بصره فوق ملامحها في تروٍ أشعل أحاسيسها المحاطة بجبل جليدي تحاول حمايته كي لا ينصهر ويبقى قلبها بلا حماية في مواجهة عنفوان مشاعره وبالنهاية ستجد نفسها رهينة مستقبل مجهول تخشى معظم معالمه.
أمسك أخيرًا ببصرها الهارب دومًا منه قائلاً بنبرة هادئة:
"اللي قولتيه من شوية كان بجد؟"
رمقته بنظرة مطولة تدرك تمامًا ما يحاول الابتعاد عنه والهائها بأمورٍ يعلم تمامًا أنها ليست سوى عناد نابع منها له عما فعله من قبل، فردت بنبرة صريحة حازمة وكأنها لاعب متمرس يعلم تمامًا دواخل خصمه:
"قول اللي انت عايزه من غير لف ودوران."
زفر بخفة ومن بعدها زحفت ابتسامة فوق ثغره مردفًا بنبرة حانية خرجت من أعماق قلبه:
"متزعليش، أنا كنت عايز اشوفك بس."
عادت تبحث بين وجهه ونظراته عن أي خداع تستطيع من خلاله الابتعاد عنه، ولكن كالعادة لم تجد سوى مشاعر صادقة خارجة من بركان متأجج بالعاطفة، دومًا تدرك حقيقة مشاعره وصفائه نحوها ولكن لحظة فراقهما وسرعة تخليه عنها تؤلمها كثيرًا، فقالت بجفاء:
"ماشي، في حاجة تانية ولا امشي."
كانت تظن أن نبرتها الجافة والحادة ستحطمه ولكن هي من تحطمت وتحديدًا عقب نظراته الهائمة في ملامحها، فزادت نبضات قلبها بجنون وكأنها أوشكت على كسر صدرها من شدة سعادتها لمحاولته المستمرة في استرضائها حتى من خلال التقاء عيونهما في لحظات كانت تسمح بها لعدستيها باختطاف لمحة بسيطة لتقاسيم وجهه الوسيمة تروي بها ظمأ قلبها.
"اه في حاجة تانية، مينفعش الاحضان اللي حصلت دي تتكرر."
عبست بوجهها متسائلة بعدما استطاعت السيطرة على ذاتها المنساقة خلفه:
"أحضان إيه؟"
"أنا عارف ومقدر أنه أبوكي اللي رابكي، بس مهما كان بردوا دا مينفعش ولازم تعرفي أنه..."
بترت حديثه بعدم فهم وكأن عقلها يخشى ما يحاول إيصاله لها، وحين ادركت ذلك منه سارعت بإسكاته في انفعال قاسٍ بينما انهمرت دموعها من مقلتيها في لحظة فقدت السيطرة عليهما، وشقت طريقًا في خديها، فظهرت بحة حزينة التصقت بصوتها الباكي وهي تقول:
"علاقتي بـ بابا مصطفى مالكش دعوة بيها نهائيًا، أنا محرومة من كل حاجة متجيش وتقف على أكتر حاجة بتحسسني بالأمان، انت مستكتر عليا أحس أني انسانة طبيعية ليها أب يخاف عليها؟"
حرك رأسه بنفي يبعد عنه ذلك الاتهام، فكل ما يقصده هو تسليط الضوء على فعل ربما هي لم تدرك أنه خطأ بالإضافة إلى شعوره بالغيرة وكان ذلك أمر طبيعيًا يشعر به كلما تتحدث عن مدى حبها لزوج والدتها في السابق، ورغم مرور أعوام على فراقهما لم تتغير مشاعره نحوها بل كانت تتضخم في صمت حتى أنه كاد يظن أنه سيموت صريعًا لعشق لم يتهنى به ووصف نفسه حينها بالأحمق.
انتبه على تحركها نحو الباب، فسارع بالتقدم منها متجاهلاً شعور قوي بطبع قبلة عميقة في كفها الصغير القابض فوق مقبض الباب، فهمس باسمها كي تتوقف وبذات الوقت رفض بصره التخلي عن دموعها المتسابقة في جنون وكأنه ضغط فوق جرح غائر وهو لا يدرك، تنهد بعمق قبل أن يحاول توضيح وجهه نظره حيث أعلنت عاطفته تضامنها الصريح مع دموعها متغاضيًا عن عقله المتمسك برأيه في تنبيهها:
"مليكة أنا مقصدتش كل اللي أنتي فهمتيه، أنتي عارفة كويس..."
مجددًا تصر على قطع حديثه حين قالت بإجهاد واضح في نبرتها:
"مش عايزة اعرف حاجة يا زيدان، كل اللي انا عايزاه حاليًا أمشي."
سمح لنفسه بالانسياق خلف مشاعره وقرر ملامسة يدها الموضوعة فوق المقبض، فسحبتها سريعًا بخجل استطاع اثبات نفسه وسط اجهاد تقاسيم وجهها والحزن البادي بعينيها.
سمح لها بالخروج بعدما ابتعد وأفرج أخيرًا عن قلبيهما، ورغم مرارة نهاية لقاؤهما إلا انه سعيد جدًا بالتطور الذي حدث بينهما، وبعد جدال طويل مع نفسه قرر متابعة خطة يزن فمن الواضح أنه لديه خبرة طويلة بالفعل مع النساء.
***
لا زالت نهى تتأخذ فراشها موضوعًا في الانزواء عن العالم بأجمعه بعد صدمة زلزلت كيانها..لقد تعكر صفواها التي كانت تسعى لأجله، وأصبحت تمقت عاطفتها المتمثلة فيه..حتى قلبها أصبحت لا تطيق نبضاته وتتمنى لو تصمت نهائيًا، وعندما قررت اللجوء لفكرة الانتحار مجددًا لم تجد قوى تساعدها في ذلك، فبقيت كجسد مريض يتوسط فراش لعين وسط غيمة فارقت بها روحها التي لم تتذوق طعم السعادة قط بل كانت تعيش لتتمنى حتى التمني فشلت في تحقيقه!
شعرت بدخول أحدهم للغرفة ولكنها لم تبدي أي رد فعل، حتى مع هدوء الخطوات نحوها التزمت الصمت..صمت قد تعودت عليه وأصبحت لا تطيقه لو تملك فقط صلاحية الصراخ علنًا للتنفيس عن مشاعرها حتمًا ستهدأ وتشعر حتى لو بقليل من الراحة.
اغمضت جفونها بقوة ترفض الاستماع لصوت الخادمة الحاني:
"يا ست البنات قومي كلي أي حاجة تسندك."
ألم تشعر بالملل من محاولاتها تلك؟، تسألت نهى بتعجب وقد اختلط عليها الأمر في تفسير ما تسعى إليه تلك المرأة؟ فاندفعت بجسدها المنهمك في وصلة بكاء وتشنجات متواصلة منذ ليلة أمس تهاجم مشاعر الأخرى بشراسة:
"أنتي عايزة مني إيه، انتي متخيلة ان مصدقة انك بتحبيني؟"
توسعت أعين الخادمة بذعر من اتهامات متراشقة نحوها، فسارعت بالدفاع ونبرتها تتأرجح بين الحزن والشفقة:
"والله يا ست البنات بحبك وما عايزة منك أي حاجة غير أنك تبقى كويسة."
ضحكت نهى بسخرية وعدم التصديق يلوح من عينيها المنتفخة وواصلت هجومها بشراسة أكبر:
"انتي متخيلة اني مصدقة حبك دا، ليه أنتي بس اللي بتحبيني؟ ليه كلهم بيكرهوني وأنتي غيرهم؟ لازم تكوني معاهم."
أحست الخادمة أن ذلك الهجوم السافر لم يكن موجهًا نحوها اطلاقًا بل كان مصوبًا نحو نهى ذاتها....وكأنها اصبحت مرآة تواجه فيها مشاكلها مع الأخرين.
ومع استمرار صمت الخادمة وارتفاع صدر نهى وهبوطه في وتيرة سريعة بعدما فقدت القدرة على التمييز وأصبحت غير قادرة على تقبل مشاعر الحنان والحب..وكأن قلبها تعود على الصدمات، عادت نهى بوهن تستلقى للخلف، تغمض جفونها بتعب وإرهاق لازم روحها مؤخرًا، فتابعت الخادمة انكماشها في الفراش وكأن لحظة الشجاعة التي تملكتها اضمحلت بعدما نجحت في الهرب من ضعف فارض طغيانه عليها، فبدت كـ لوحة امتزجت فيها ألوان الحزن لتعبر عن أميرة ترقد في فراش الموت بعد فقدانها لحبيبها.
"يا ست هانم انتي جميلة وألف مين يتمناكي ليه تدفني نفسك مع واحد تستاهلي أحسن منه."
صمت مطبق من ناحيتها ولكن الجيد في الأمر أنها لم تعود بكامل جسدها للنوم، فقد استندت بظهرها على ظهر السرير تتابع حديث الخادمة بعيون فاقدة للشغف فاستمرت الأخرى في متابعة ما تقوله ومحاولة إظهار حسن خصال نهى بكل صدق وحب:
"انتي طيبة وبنت أصول ولو هو مش عايزك يبقى مع السلامة، والله بكرة لما تتجوزي غيره هتقعدي تضحكي على نفسك."
ابتسمت نصف ابتسامة باردة وهمست بصوت مبحوح:
"تعرفي أنا زعلانة من نفسي اوي."
عقدت الخادمة ما بين حاجبيها بتساؤل صامت، فجاءها الرد من قبل نهى الباكية بانهيار:
"مقدرتش اواجهه ....حاولت اكلمه اقوله ليه عملت فيا كدا، مقدرتش..."
صمتت قليلاً عندما تحشرج صوتها واختنق بفعل اضطرابات تصيب صدرها المشحون بمشاعر الخذلان والضعف:
"خفت اسمع كلام يوجعني، نفسي اوجعه بس مش عارفة، أنا فيا إيه ناقص عشان يعمل فيا كدا؟"
صرخت في أواخر حديثها فسارعت الخادمة بتهدئتها من خلال تربيتات خفيفة فوق ساقيها مردفة بحنو:
"الحب مش بإيدينا يا ست البنات، ينفع تضغطي على قلبك وتقوليله يحب مين وميحبش مين أصله مش ريموت، دي حاجة كدا ربنا بيزرعها فينا."
لم تكن الخادمة تدرك بأن واقع كلماتها كانت مجرد دفاع عن زيدان، فبساطتها جعلتها تفيض بما داخلها دون توخي الحذر من نهى المحطمة التي كانت تعاني من اضطراب نفسي فمعظم ما قالته الخادمة لم يصل بمفهومه الصحيح لنهى، وكأن عقلها يعاني من حواجز منيعة لتقبل الواقع كما هو، فما زالت تدور حول نفسها في إيجاد سبب لرفض زيدان لها.
"وليه محاولش معايا؟"
"ان شالله عنه ما حاول، المهم أنتي تحاولي عشان نفسك."
مسحت نهى دموعها بطرف أصابعها وتمتمت بعتاب:
"اللي عملتيه أنتي وماما فيا كسرني، خلاني ولا قادرة اواجه ولا حتى أرمي الدبلة في وشه."
كانت مجرد كلمات خائبة تخفي خلفها ضعف شخصيتها، لم يكن ذلك السبب الحقيقي في إنهاء قصتها معه، فكان السبب يتمثل في عدم قدرتها على الوقوف أمامه ولا النظر في عينيه، حتى أنها تساءلت بحيرة متى ستستطيع دفن حبه نهائيًا؟ متى ستتخطى فكرة زواجها منه؟ هل ستصبح أسيرة لعلاقة اتسمت بالعقم؟ هل ستظل تتلقى الصدمات هنا وهناك دون مأوى يحميها من هلاك مُحتم؟ كانت مجرد أسئلة ترفض البحث عن إجابتها لعلمها بمرارة واقعها وأن الذنب يحوم حولها لتشبثها الزائد به وكأنه تعلق مرضي غير قادرة إنهائه.
انتبهت على حديث الخادمة الذي يبدو أنها تتحدث منذ فترة وتدافع عن نفسها بينما هي كانت تغرق في عمق وجدانها:
"أنا لما قولتلها الفكرة دي عشان بس نحاول ننقذك يا ست الكل، حرام شابة جميلة زيك تموت كدا وتنهي حياتها بإيدها..الحياة جميلة ونعمة كبيرة."
أثار حديث الخادمة التهكم في عيون نهى حتى أنها قالت:
"مش حاسة بأي نعمة فيها."
"لا ازاي، وصوتك الجميل اللي بسمعه دا نعمة، يا ست الكل معنى انك بتسمعي وبتاكلي وبتتكلمي وعايشة حياتك من غير مرض دا في حد ذاته نعمة."
وماذا عن ابتلاء القلب، هل جربتي قساوته من قبل؟
كانت تريد نهى البوح بذلك ولكنها اكتفت بالحمد في همس مصاحب لتنهيدة عميقة خرجت من صدرها أخيرًا وكأن هناك جزء ثقيل قد أُزيح من فوق صدرها وسمح للهواء بالدخول لصدرها المرهق من ليلة قضاها في التشنجات والانقباضات.
"انتي عارفة يا هانم، انتي عايزة إيه؟"
لم تجيب نهى بل ظلت صامتة تتابع حماس الخادمة البريء دون إبداء أي اهتمام، حتى أن الأخرى شعرت قليلاً بالحرج من صمت نهى المتعمد ولكنها لم تعير لذلك اهتمامًا وتابعت بنفس نبرة الحماس:
"إيه رأيك لو تسافري معايا البلد تعيشي كدا يومين في روقان وراحة من غير حاجة تنكد عليكي، تشوفي ناس جديدة وتشغلي نفسك بحاجة غير اللي بيوجعك."
يا ليت علاجها يتمثل في تلك البساطة ولكنها تعلم مرارة ألمها جيدًا، فمن الصعب مداوة جراح تأصلت بقلبٍ أصبح مشوهًا من كثرة ندباته.
"إيه رأيك اتحايل على ست هانم واقولها تسافري يومين؟"
نهضت نهى من الجهة الأخرى للفراش وتابعت بخطواتها الهادئة نحو النافذة تفتحها على مصراعيها تستنشق بعض ذرات الهواء في محاولة منها للتفكير للخروج من شرنقة آلامها، وتردد بداخلها فكرة اللجوء للسفر وكأنها هي الحل الوحيد للابتعاد عن كل ما يسبب لها الألم! محاولة ساذجة ولكنها دعوة للأمل والتمسك بالحياة والبحث عن الذات.
ارتفع رنين هاتفها فالتفتت للخلف تسأل الخادمة الجالسة فوق الفراش وبحانبها الهاتف:
"مين؟"
"استاذ ابراهيم بابكي."
جذبت نفس طويل قبل أن تقول بنبرة هادئة غلب عليها الوهن:
"هاتيه واطلعي انتي."
***
في صباح اليوم التالي..
خرجت "مليكة" من غرفتها تتابع استكمال ارتدائها لحجابها ووجهها المرهق يزداد في شحوبه أكثر حيث قضت الليل بأكمله في التفكير ولم تأخذ سوى قسط بسيط انقطع بسبب حلم كانت تركض فيه خلف والدتها وحينما اختفت نهضت مليكة تتنفس بسرعة كبيرة وكأنها تعاني من أثار الركض.
شعرت بحاجتها لزيارة قبر والدتها والتحدث معها في كل ما لم تستطع البوح به، ربما تشعر حينها براحة بسيطة تستطيع من خلالها استكمال رحلة إنقاذها من وحل ماجد والذي اصبحت على بُعد مسافة قريبة منه إما تنجو دون المساس بسمعتها إما يلوث شرفها ظلم وقهر ...أما زيدان فبكل الضغط الذي يمارسه عليها لم تشعر أبدًا بالخوف منه بل دومًا تتلذذ بفكرة وجوده حولها رغم أنها لا تظهر ذلك له.
تناولت وجبة الافطار مع زوج والدتها كعادتهما كل صباح ومن بعدها ودعته أمام الباب:
"زي ما قولتلك يا بابا..هروح لماما ازورها وبعدها أروح اقعد مع واحدة صاحبتي شوية."
أومأ مصطفى برأسه مبتسمًا وهو يعود بجسده نحو الطاولة:
"حطتلك فلوس في الشنطة عشان لو عايزة تشتري حاجة."
ابتسمت بامتنان وأغلقت الباب خلفها بينما اتجه مصطفى يتابع رفع الاطباق من فوق الطاولة واتمام مهمة تنظيفها بعد كل وجبة، ولكنه توقف في منتصف عمله ينظر أمامه حين غلب عليه شعور متمرد بسماع صوتها في تلك اللحظة أو الذهاب أسفل منزلها ينتظرها كعادته ليسرق منها نظرات خجولة ممزوجة بالغضب بالرغم تقدمها في السن إلا انها تملك حمرة قانية تكتسح وجهها حين تغضب أو تخجل.
زفر بتفكير وقرر اختيار أبسط الحلول وأقلهما ضررًا لها وجرب الاتصال بها وهو يعلم أنه حظه لن يحالفه أبدًا ولكنه تفاجأ بصدمة حين وجدها تجيب بنبرة حادة:
"الو..في إيه يا مصطفى بتتصل ليه؟"
رباه لو تظل تكرر اسمه هكذا لن يمل أبدًا، فكان صوتها يملك نغمة خاصة بها تلازمها حين تنطق باسمه، فاندفع نحو غرفته يجذب صورها في مختلف مراحل عمرها من صندوق خشبي صغير يحرص على إخفاءه عن مليكة، ولم يكن يعلم بأن الاستماع لصوتها ورؤية صورها حفز لديه رغبة في رؤيتها وجهًا لوجه.
"نادية، ممكن أشوفك؟"
اندفع بسؤالٍ لم يكن يفكر به اطلاقًا لصعوبة تحقيقه فكان أكبر احلامه سماع صوته أما رؤيتها والجلوس معها أبعد ما يكون عن تحقيقها وخاصةً وهما في ذلك السن.
"لا مش ممكن، مصطفى لازم تفوق وتراعي سننا."
أجابت بحدة أخفت خلفها سعادة ورغبة حقيقية في الامتثال له.
"وهنفضل لغاية امتى نراعي كل حاجة غير حبنا؟"
خالط سؤاله الألم المعبر عن الفراق المحتوم حولهما، متى سيشفق عليه قدره ويجمعهما في بيت واحد؟ حقّا لا يعلم حتى أنه بدأ يفقد الأمل تدريجيّا..لذا وضع الهاتف على مكبر الصوت وأمسك بصورها بين قبضتيه وكأنه يوجه لها كل مشاعره المدفونة، فوصله صوتها المتأثر بذكريات الماضي وأصرت على حصر حبهما في نطاق المراهقة كي لا تفتح في جراحٍ هي أضعف من مواجهتها.
"دا كان حب مراهقة و خلاص كبرنا.."
رفض حديثها وقاطعها بانفعال مدافعًا عن حبه لها:
"عمرك ما كنتي حب مراهقة أبدًا يا نادية، أنتي حب حياتي اللي بتمنى يجمعني بيها بيت واحد."
ضحكت بتهكم ظهر فيه وجع فراقهما:
"بعد إيه..كانت فين الامنية دي زمان؟"
شارع في إلقاء اللوم عليها من خلال قوله:
"أنتي اللي بعدتي عنه ومتمسكتيش بيا، مشيتي ورا أهلك واتجوزتي اللي هما عايزينه مع أنك عارفة أن كنت اتمنالك الرضا ترضي بس مكنش في ايدي حاجة وقتها."
"وأنت اتجوزت بردو ونسيتني..اتجوزت حتى بعد ما عرفت أن جوزي اتوفى."
"كنت بعاقب نفسي على حبك وفاكر أن لو رجعتلك ابقى بضيع كرامتي، مكنتش عارف أن روحي اللي ضاعت."
رد في صدق وأخبرها بجزء من معاناته النفسية في محاولة تدمير كل ذكرى تعلقت بها ولكنه فشل حتى في حرق صورها بل أنه حفظها بعناية فائقة وكلما زاده الشوق لها يركض إليها في حنين.
"وفايدة الكلام دا دلوقتي؟"
"فايدته نرجع زي زمان على الاقل محتاجين تعويض حتى لو بسيط عن عمرنا اللي ضاع."
أجابها بصدق نابع منه، مما جعلها تسأله في ترقب تخشى سعادة لن تدوم طويلاً طالما يوجد طرف من الممكن لن يتقبلها:
"متأكد من اللي بتقوله؟، طب وبنت مراتك هتعمل فيها ايه؟"
"مليكة!...تقصدي أيه؟"
هبطت يداه بالصور وغرق عقله في تصور رأيها حول زواجه.
"هي هتوافق على جوازنا يا مصطفى ولا هتسببلك مشاكل."
انبثقت الحيرة من حروفه فبدا وكأنه يقدم على حقل ألغام وهو لا يدرك حجم مصائبه.
"مفكرتش ومش عارف ان كنت اقدر اقولها على جوازي."
"يعني هنفضل رهن موافقتها؟"
ساد الصمت من ناحيته فأثار تحفظها منه مما دفعها لإنهاء الاتصال سريعًا:
"سلام يا مصطفى..سلام ومتفتحش معايا موضوع الجواز تاني طالما بنت مراتك موجودة معاك."
أغلقت الاتصال وتركت مصطفى وحده يعاني من آلام فراقها ثانية بعدما شعر بموافقتها المبدئية على فكرة زواجهما حتى وإن كانا في ذلك العمر، ولأول مرة منذ أخذ عهد على نفسه بتربية مليكة يصطدم بصراع ما بين قلبه وعقله.
لم يكن مصطفى على علم بأن هناك شخص آخر يسمعه وقد تلقى صدمة جديدة لم يكن يتوقعها.