تحميل رواية «منعطف خطر» PDF
بقلم ملك ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
راجعة من الشغل متبهدلة وتعبانة وشايفة حياتها كلها بتتلخص في سؤال واحد: هاكل إيه دلوقتي؟ قررت تقف عند كشك جنب بيتها تشتري حاجة خفيفة، بس واضح إن حتى طلب الزبادي مش هيعدي على خير. "لو سمحت." رد صاحب الكشك بحماس أكتر من اللازم: "عايزة إيه يا عروسة؟" البنت اتجمدت مكانها: "عروسة؟ إنت عرفت منين؟!" ضحك وقال وهو بيقلب في الحاجات المعروضة قدامه: "يا بنتي دي تحية رسمية، بقولها لأي بنت تيجي تشتري مني!" "ماشي يا عم الحاج، اديني علبة زبادي وكيكة كبيرة عشان ماما ناوية تخليني أنام من غير عشا النهاردة." صاحب ال...
رواية منعطف خطر الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم ملك ابراهيم
ادخلوا غيروا بسرعة عشان نروح المستشفى.
ياسمين كانت واقفة مكانها متجمدة، عقلها مش مستوعب.
سالم زعق فيها بصوت عالي عشان يفوقها:
- ياسمين! فوقي! خالد هيبقى كويس إن شاء الله!
ياسمين بصت له وهزت راسها بسرعة، وطلعت تجري على أوضتها.
لبست بسرعة، وهي مش عارفة لبست إزاي أصلاً، حطت الحجاب على شعرها وهي قلبها بيصرخ، ونزلت جري، ومهاب أخدهم بالعربية على المستشفى.
.........
بعد وقت في المستشفى.
ياسمين دخلت مع سالم وبهيرة، وقلبها بيجري قبل رجليها، سابقها على غرفة العناية.
خطوتها كانت سريعة، بس تقيلة، وكأن كل نفس بتاخده بيكلفها عمر.
أول لما قربت، شافت معتصم واقف ومعاه زمايلهم، ملامحهم باهتة وعنيهم فيها تعب وخوف.
جريت على باب العناية، وهي منهارة، دموعها مغرقة وشها.
الممرضة وقفتها بهدوء وقالت:
- ممنوع الدخول.
ياسمين قالت لها برجاء بيخرج من قلبها قبل لسانها:
- عايزة أشوفه بس من بعيد، أرجوكي.
سالم قرب منها، بيحاول يتمالك نفسه، صوته ساكت بس عينيه كانت بتنهار.
معتصم وزمايله قربوا منهم، حسوا بحرقة المشهد.
بهيرة ماقدرتش تسكت، صوتها خرج من قلب موجوع بيصرخ:
- أنا عايزة أشوف ابني!! فين مدير المستشفى دي؟!
معتصم بص لها وحاول يطمنها بصوت هادي بيحاول يكون عقلاني وسط كل الانهيار اللي جواه:
- خالد بخير الحمد لله، الدكتور طمنا عليه، بس ممنوع عنه الزيارة لمدة ٢٤ ساعة بعد العملية.
بهيرة صوتها اتكسر، واتكلمت بنهيار الأم اللي قلبها بيتقطع:
- مين اللي منع الزيارة!! أنا هدخل لابني غصب عنهم كلهم!
اتحركت في جنب وهي بتسحب تليفونها بإيد بترتعش، كأنها بتتشبث بأي أمل.
اتصلت بأبوها عشان ييجي ويكون جنبها في اللحظة دي، بس الخط كان خارج الخدمة، اتصلت بأختها عبير وقالتلها وهي مش قادرة توصل الكلام من كتر البكا.
ياسمين وقفت قدام باب العناية، دموعها بتنزل بهدوء قاتل.
حطت إيديها على الباب، كانت حاسة إن قلبها ساب مكانه ودخل جوه، كأن في حتة منها اتحبست ورا الباب ده، وبتتنفس بالعافية من غيرها.
سالم كان بيكتم انهياره بصعوبة، شايل في قلبه نار عشان يقدر يسند بهيرة وياسمين.
وقف مع معتصم وزمايل خالد، وسألهم بصوت مليان قلق ورجفة:
- إيه اللي حصل؟
وفي اللحظة دي، الممرضة قربت من ياسمين، وهي واقفة بتبكي، ملامحها مصدومة والعبرات مخنوقة في حلقها.
الممرضة كانت ماسكة كيس شفاف فيه لبس خالد، كله غرقان دم.
وفي إيدها التانية، كانت ماسكة الدبلة اللي كانت في أيديه وعليها نقط دم لسه منشفتش.
قالت لها:
- دي المتعلقات الشخصية اللي كانت مع المصاب.
ياسمين بصت على اللبس بعيون متجمدة.
ثواني بسيطة كانت كفاية تخطفها من اللحظة وترجعها لورا.
افتكرت لما دخلت الأوضة لقيته لابس نفس اللبس ده، وقالها إنه نازل عنده مأمورية.
خدت منها اللبس والدبلة بإيدين بترتعش، وكأنها بتلمس جرح مفتوح.
بصت على الدبلة.
دم حبيبها كان لسه عليها، والدموع اتحجرت في عنيها، وعقلها بيفتش جواها على صوته، على ضحكته، على آخر كلمة قالها قبل ما يخرج.
"دي دبلة جوازنا، علشان كل الدنيا تعرف إنك مراتي، وحبيبتي، وملكي أنا وبس."
لبسها الدبلة في إيديها، وقلبها بيرف من الفرحة.
ولبس دبلته وقال وهو بيهزر:
- ودي بقى عشان أرتاح من البنات اللي بيعاكسوني.
ضحكت وضربته في صدره بخفة وقالت:
- مين دول بقى؟
قال وهو بيضحك:
- كتير يا بنتي، مش ملاحق.
اتكلمت بغيرة حقيقية:
- اسكت بقى، أنا بغير بجد.
قرب منها ومسح على خدها بحنية وقال:
- يسلملي اللي بيغير عليا.
فجأة انهارت ياسمين على الأرض، وكأن رجليها ماعدتش شايلة حزنها.
قعدت تبكي بصوت عالي، شهقاتها كانت طالعة من قلب مكسور، وضمت لبس خالد والدبلة المليانة بدمه لحضنها، كأنها بتحاول تحتضن ريحته، صوته، وجوده، تحميه في حضنها من أي أذى.
صرخت باسمه من جوه وجعها:
- يا خاااالد!!
صوتها شق سكون المستشفى، وملأ المكان برعب.
سالم، ومعتصم، ومهاب، وكل الظباط اللي واقفين اتصدموا.
الانهيار جه مفاجئ، بس لما شافوها ضامة هدومه الغرقانة في دمه، فهموا.
فهموا إن الجرح اتفتح، وإن الوجع بقى أقوى من طاقة احتمالها.
سالم جري عليها، صوته كان بيحاول يفضل هادي، بس نبرته كانت فيها رعشة:
- ياسمين، قومي يا بنتي، عشان خاطر خالد، مينفعش كده.
ياسمين رفعت وشها، ودموعها مغرقة وشها، وردت بصراخ ووجع بيشق القلب:
- خالد هنا، ده دم خااالد!!
صوتها كان بينزف:
- ده دم حبيبي!!
- ياريت كانت الطلقة دي جت في قلبي أنااااا!
قامت فجأة، وجريت على باب العناية، خبطت عليه بإيدين بترتعش وبتنزف ألم، وصوتها اتكسر في صرخة:
- يا خااالد، رد عليا!
بهيرة كانت واقفة تبص عليها بقهرة، قلبها محروق على ابنها، مش قادرة تعمل أي حاجة توقف وجع مرات ابنها ولا وجعها.
الممرضة قربت من ياسمين، وقالت بهدوء مهني:
- يا مدام، مينفعش كده، حضرتك في مستشفى.
لكن ياسمين ردت بصوت مبحوح، بين البكا والرجاء:
- أبوس إيدك خليني أشوفه، مش هعمل صوت، والله هشوفه من بعيد بس!
معتصم قرب منها، صوته كان مكسور، بيحاول يمسك خيط من عقلها وسط الغرق:
- ياسمين، ياسمين اسمعيني، أنا هكلم الدكتور عشان تشوفيه، بس اهدي، اهدي عشان خاطر خالد.
ياسمين بصت له والدموع نازلة من غير توقف، وضمت لبس خالد والدبلة لقلبها كأنها بتستغيث بيهم وهي بتنزل على الأرض بنهيار:
- مفيش حد فيكم هيحس بيا، خالد ودعني قبل ما يمشي، كان قلبه حاسس.
معتصم حس بكلامها، قلبه اتقطع، هو كمان مش ناسي منظر صاحبه وهو واقع على الأرض، ولا صراخه في اللاسلكي وهو بيطلب إسعاف عشان ينقذه، ولا الرعب اللي شافه في عيون زمايله.
كان واقف وسطهم بس عقله لسه هناك، في مكان الحادث.
مهاب قرب، اتكلم معاها، صوته كان أهدى من أي وقت:
- طب ممكن تهدي؟ وإحنا هنروح للدكتور دلوقتي نطلب منه يدخلك تشوفيه بسرعة وتخرجي، بس لازم تهدي، تمام؟
ياسمين هزت راسها، دموعها نازلة، بس جواها كان بركان، مفيش حاجة هتهدي قلبها غير لما تشوفه.
سالم ماقدرش يفضل متماسك اكتر من كده، دموعه نزلت رغمًا عنه، من وجعه وخوفه على ابنه الوحيد، ومن قهره وهو شايف ياسمين مكسورة بالشكل ده.
مد إيده ليها وقال بصوت هادي، بس من جوه موجوع:
- قومي من على الأرض يا ياسمين، خالد هيزعل منك لما يعرف اللي إنتي بتعمليه ده.
لكن ياسمين كانت في عالم تاني، عالم مفيهوش غير ريحة خالد، ودمه، وألمه.
كانت حضناه في هدومه، شايفاه في الدبلة، وكأنها بتحاول تثبت روحه في حضنها، عشان ما يضيعش منها.
في مكان تاني.
كانت فيلا فخمة وفيها صمت مريب.
اللوا وحيد قاعد على كرسي جلد، بيحاول يخبي توتره، بس كل حاجة حواليه كانت بتشد أعصابه.
بص في ساعة إيده للمرة العشرين، صوته خرج قلقان، وكأنه بيستعجل الطمئنينة:
- مفيش أخبار عن خالد من المستشفى؟
الشخص اللي قاعد قدامه، كان هادي بشكل يزود القلق، رد عليه بنبرة فيها لا مبالاة مرعبة:
- الأخبار اللي وصلت إن العملية نجحت، لكنه دخل في غيبوبة. ادعي يموت، لأنه لو فضل عايش، إنت اللي هتموت.
الكلمات دي خبطت في ودن وحيد زي رصاص.
بصله بصدمة، وعينيه وسعت من الرعب، لكن الراجل كمل بثقة مرعبة، وكأنه بيحكي عن إجراء روتيني:
- أيوه، جالي أوامر إن لو حفيدك عاش بعد ما كشفك، إنت لازم تموت. يا إما هو يموت قبل ما يتكلم ويجيب سيرتك مع أي حد.
وحيد بلع ريقه بصعوبة، إيده اللي كانت لسه ماسكة الساعة بدأت ترتعش.
الصدمة كانت أكبر من إنه يخبيها، رد بصوت مبحوح ومتلخبط:
- يعني، يا إما أنا أموت، يا إما حفيدي يموت؟
الراجل رد بنفس البرود:
- إنت عارف نظامنا، اللي بيتكشف، بيموت. بس لو اللي كشفك مات، يبقى فداك بعمره.
سكت، ووش وحيد اتغير، وش كان دايمًا ثابت ومسيطر، دلوقتي كله توتر وخوف، عينيه كانت بتدور في الفراغ وكأنها بتدور على مخرج.
الشخص التاني قال بنبرة محسوبة:
- اطمن.
واضح إن حفيدك هيموت.
التقارير اللي جت من المستشفى بتقول إن حالته صعبة.
والقلب وقف أثناء العملية، ودخل في غيبوبة.
يعني احتمال إنه يعيش ضعيف جدًا.
بس لحد ما يموت أو يفوق من الغيبوبة دي..
مش مسموح لك تتحرك من هنا.
الكلمات الأخيرة خبطت في قلب وحيد زي قيد حديد اتقفل على عنقه.
كان عارف إن رجله اتحبست في دايرة مالهاش مخرج..
والاختيار دلوقتي ما بقاش بينه وبين غيره،
بقى بين حياته.. وحياة حفيده.
في النيابة.
راشد كان واقف ووشه شاحب، جنبه مراته سهام اللي عنيها كانت حمرا من كتر البُكا، ومايا بنتهم كانت ساكتة بس عنيها مليانة خوف وقلق.
التلاتة واقفين مستنيين المحامين اللي دخلوا مع يحيى، قلبهم متعلق في الهوا.
بعد دقايق تقيلة كأنها ساعات، خرجوا المحامين.
خطواتهم كانت بطيئة، ووشوشهم مكسورة وكلهم باصين في الأرض..
ووراهم طلع يحيى، متكلبش، متبهدل، هدومه مش مظبوطة وشعره مبهدل، وعنيه مفيهاش أي بصيص أمل.
كان باين عليه إنه مهزوز ومكسور بشكل أول مرة يشوفوه بيه.
سهام قلبها وقع، جريت على ابنها بلهفة، بس وقفت مكانها لما شافته بالشكل ده.
راشد سابهم واتجه ناحية المحامين وسأل بصوت مضطرب:
- طمنوني.. إيه الأخبار؟
المحامي الأكبر فيهم رفع عينه بالعافية وقال بنبرة حزينة:
- للأسف الشديد.. المرة دي اتمسك متلبس.
وكل إجراءات الضبط سليمة 100%، مفيش غلطة نعرف ندخل منها.
راشد اتجمد مكانه، حس كأن حد خبطه على راسه،
رد بصدمة مش مصدّق:
- يعني إيه؟!
المحامين سكتوا، ماحدش فيهم قادر يواجهه..
كل واحد فيهم رجّع عينه في الأرض تاني، والسكوت كان أبلغ من أي كلام.
راشد بص لابنه اللي واقف بعيد، والكلبشات في إيده بتلمع، وشه باهت، والدموع على وشه مش باينه إذا كانت ندم ولا غضب ولا انهيار.
قرب منه بصوت مخنوق بالزعل:
- ليه كده يا يحيى؟
ليه تعمل في نفسك كده يابني؟
شوفت آخر طريق جدك وصلك فين؟
رد يحيى وهو مهدود من جواه، صوته باين فيه التكسير واللاوعي:
- قول لجدي يطلعني منها زي كل مرة..
أنا مش هتسجن.
وهنا العسكري شدّه من دراعه وسحبه وهو بيحاول يقاوم،
ويحيى لف وشه وهو ماشي وبص لراشد وقال بصوت مليان تحدي وخوف في نفس الوقت:
- عرف جدي إن أنا لازم أخرج..
لو ما خرجتش، مش هتسجن لوحدي.
الكلمة دي خبطت في قلب راشد زي سكينة،
كان بيبص لابنه وهو بيتسحب من قدامه ومش عارف ينقذه ولا يرد عليه.
سهام بدأت تنهار وتعيط وهي مش قادرة تبص في وش ابنها،
ومايا كانت باصة عليه بصدمة وكأنها أول مرة تشوفه بالشكل ده،
سألت أبوها بصوت مرتعش:
- هو يحيى مش هيخرج ولا إيه يا بابا؟
سهام بصت لراشد والدموع مغطية وشها، وقالت بصوت كله وجع:
- إحنا السبب يا راشد..
إحنا اللي ضيعنا ابننا بإيدينا.
خوفنا من أبوك هو اللي وصلنا لده.
ياريتنا كنا بعدنا عيالنا عنه زي ما يحيى أخوك عمل مع ولاده.
أبوك دمر عيالنا يا راشد!
راشد وقف يسمعها وصدره بيطلع وينزل بسرعة من كتر الضغط اللي جواه.
حاسس إن قلبه بيتفرم، وحاسس بالذنب والخذلان..
هو اللي ساب عقل يحيى يتملى بكلام جده ويصدق إن الدنيا بتمشي بالغرور والسلطة،
وسابه يمشي نفس الطريق اللي أخوه مشي فيه، واللي انتهى بيه لدم وندم وسواد.
في المستشفى.
عبير دخلت وهي ماسكة إيد بنتها كارما، وشها باين عليه القلق، وعيونها بتدور على أختها.
أول لما بهيرة شافتها، قامت من على الكرسي بسرعة، وسألتها بلهفة صوتها فيه رجفة:
- بابا فين يا عبير؟!
عبير قربت منها وقالت بحزن وهدوء:
- بابا مسافر يا بهيرة.
طمنيني.. خالد عامل إيه؟
بهيرة بصتلها بصدمة، عنيها بتلمع من الدموع اللي مش طايقة تستنى:
- مسافر فين؟! وإمتى؟!.. وأنا معرفش؟!
عبير حاولت تهديها وقالت بهدوء:
- سافر امبارح.. والمفروض كان راجع النهاردة، بس معرفش ليه مرجعش، وتليفونه لسه خارج الخدمة.
متقلقيش، أنا بعتله رسالة وعرفته كل حاجة.. أول لما يفتح تليفونه هيكون هنا على طول.
المهم طمنيني على خالد.
بهيرة ردت وهي بتحاول تمسك دموعها:
- بيقولوا إنه كويس.. بس مش راضيين يدخلونا نشوفه.
كارما كانت واقفة جنب مامتها، بس عنيها كانت بتبص على ياسمين اللي قاعدة ساكته، تبان من بعيد هادية جدًا، بس دموعها بتنزل في صمت تقيل.
جنبها سالم الدريني، قاعد متجمد، عينيه على باب العناية المركزة.
كل الظباط مشيوا بعد ما اطمنوا، ومبقاش غير مهاب ومعتصم.
مهاب بص لمعتصم وقال بصوت هادي:
- معتصم.. لازم ترجع بيتك شوية ترتاح.
معتصم رد بسرعة وبحزم:
- مش هتحرك من هنا غير لما خالد يفوق.
مهاب حاول يقنعه بهدوء:
- إن شاء الله هيفوق يا معتصم..
بس مش هتعرف تساعده ولا تبقى جنبه وإنت مرهق كده..
ارجع بيتك.. طمّن مراتك، وغيّر هدومك اللي كلها دم دي.
معتصم رد وهو باين عليه الألم والتعب:
- أنا كلمت زينة وطمنتها.. وهي عارفة إن مش هرجع دلوقتي.
مهاب قال له بصبر:
- مش كفاية. لازم تشوفها بعينك وتطمنها، وتاخد لو ساعتين راحة وتنام شوية..
وأنا هنا متقلقش.. لو حصل أي حاجة هكلمك فورًا.
معتصم بصله شوية، وبعدين هز راسه بتردد، لكنه قام، ومشي ناحية والد خالد وقال له إنه رايح يغيّر هدومه ويرجع، ومهاب هيكون موجود لو حصل أي حاجة.
بعد شوية، معتصم مشي..
وكارما قربت من مهاب وقعدت جنبه، قالت له برقة:
- هاي.
مهاب رد بهزّة راس بسيطة من غير ما يبص لها.
كانت واضحة عليه حالة الحزن والتركيز.
كارما اتكلمت بهدوء بتحاول تفتح معاه كلام:
- انت كنت مع خالد وقت اللي حصل له؟
رد وهو بيحاول يخفي حزنه:
- للأسف لا.. ماطلعتش معاه المهمة دي..
كنت لسه مصاب من آخر مأمورية.
كارما رفعت حواجبها وابتسمت باهتمام مصطنع:
- كنت مصاب برصاصة برضه؟
قال بإيجاز:
- أيوه، بس إصابة بسيطة.
كارما رجعت تبص على ياسمين اللي كانت لسه قاعدة بنفس الوضع،
وبنبرة فيها غل خفي، سألت:
- هي ياسمين هنا من بدري؟
مهاب بص على ياسمين، وبعدين قال بصوت كله وجع:
- ربنا يصبرها.. وجوزها يقوم بالسلامة.
كارما عضت شفايفها من الغيظ، وقالت ببرود مفاجئ:
- انت مصدق إنها زعلانة عشانه؟
كله إللي بتعمله ده تمثيل على فكرة.
مهاب بص لها بصدمة ماكنش متوقعها،
عيونه بدأت تلمح ورا رقتها حاجات مش مريحة،
حس إنها مش طبيعية.. البنت دي فيها حاجة غلط.
قام وهو بيقول بهدوء متحفظ:
- أنا رايح الكافتيريا أجيب حاجة نشربها.. حد عايز حاجة؟
كارما بصت له بضيق، وما ردتش،
قامت ومشيت بعيد، ورجعت تقعد جنب مامتها وخالتها،
وسابته يروح لوحده.. وعيونها من وقت للتاني كانت بتيجي على ياسمين.
في شقة معتصم.
أول ما دخل الشقة، كان باين عليه الإرهاق والتعب في كل خطوة.
زينة أول ما شافته قربت منه بلهفة، لكن فجأة شهقت بصوت عالي لما شافت الدم اللي مغطّي هدومه.
قربت منه وهي بتترعش:
- معتصم! إيه الدم ده؟! انت كويس؟!
رد بهدوء وحزن في صوته:
- آه يا زينة.. كويس.. بس من فضلك هاتيلي لبس نضيف على الحمام.
زينة عنيها كانت بتجري عليه من فوق لتحت بقلق، بس سكتت وهزت راسها بتفهم، ودخلت بسرعة تجهزله لبس.
بعد شوية، خرج من الحمام وهو لابس بيجامة بسيطة، وقعد على السرير، وبص في موبايله شوية واتصل على مهاب.
كان صوته حزين وهو بيكلم مهاب، وزينة وقفت تتابع تعبير وشه وتفهمت اللي وراه.
بعد ما قفل، قربت منه وسألته بقلق وهي بتقعد جنبه:
- خالد ماله يا معتصم؟ إيه اللي حصل؟
معتصم قال بصوت باين فيه الحزن والتعب:
- خالد اتصاب في المهمة.. الإصابة كانت خطيرة.
زينة شهقت بصوت مكتوم، وحطت إيدها على بُقها:
- وحالته ايه دلوقتي؟ وياسمين عرفت؟
رد وهو بيبص للأرض:
- الدكتور قال إنه كويس.. بس لسه في غيبوبة.
وياسمين حالتها صعبة جدًا.. ربنا يصبرها ويقويها على اللي هي فيه.
زينة قالت بنبرة فيها عتاب:
- وليه ما قولتليش يا معتصم؟ كنت جيت المستشفى أكون جنبها.. ياسمين ملهاش حد هنا.
معتصم رد وهو بيحاول يهدّيها:
- تيجي فين بس يا زينة؟ المستشفى كانت زحمة جدًا، وإنتِ حامل ومكنتيش هتستحملي اليوم ده.
وبعدين ياسمين معاها والد خالد ووالدته ومهاب معاهم.. وأنا بس رجعت أغير هدومي وارتاح ساعتين وهرجعلهم.
قرب منها ولمس خدها بحنية وسألها باهتمام:
- طمنيني..
ما كلتيش حاجة من الأكل اللي جابوه من البلد، صح؟
زينة استغربت وسألته بدهشة:
لا، لما قولتلي ما أقربش من الأكل ولا أي حاجة لحد ما ترجع.. سمعت كلامك. بس ليه؟ إيه في الأكل يا معتصم؟
قال بصوت هادي وتعبان:
هقولك بعدين يا زينة.. المهم دلوقتي، أي حاجة جت من هناك، ارميها. وأي حاجة تحتاجيها هنجيبها من هنا.
زينة فضلت باصة له بدهشة، بس قررت ما تسألش عن حاجة دلوقتي، لأن التعب كان باين عليه جدًا. سكتت وهي بتحس إنه محتاج يرتاح، وقامت تطفي النور، وسابته ينام شوية.
بعد مرور يومين.
جوه المستشفى.
كانت ياسمين قاعدة ساكنة، صوتها منخفض وهي بتقرأ من المصحف، دموعها كانت نشفت من كتر البُكا، وبقت بتحاول تلاقي في قراءة القرآن وذكر الله سكينة لقلبها اللي بيخبط من القلق.
سالم كان باين عليه الإرهاق، بس عينه كانت متعلقة بالسماء، وقلبه مليان يقين برحمة ربنا.
وبهيرة كانت شاردة في ركن تاني، مش بس خايفة على خالد... لكن وجعها أعمق. بتفكر في أبوها اللي كل مرة تحتاج له فيها... يختفي. وسؤالها المتكرر لعبير عن مكانه دايمًا بيترد عليه بنفس الجملة:
"هو كده دايمًا يسافر من غير ما يقول، وبيرجع لوحده."
عبير كانت قاعدة مع كارما، بيحاولوا يلهوا نفسهم بالكلام مع بعض.
معتصم ومهاب، كانوا دايمًا موجودين. رغم شغلهم اللي كان بيشدهم كل شوية، لكن قلبهم كان متعلق هنا... مع خالد.
وفجأة، الدكتور خرج من العناية المركزة، وابتسامة خفيفة على وشه.
قال بصوت هادي، فيه أمل:
الحمد لله... المريض فاق، وابتدى يستجيب. دلوقتي نقدر نقول إن مرحلة الخطر عدّت. حمد لله على سلامته.
الكلمات دي كانت زي النور اللي دخل القلوب فجأة. ياسمين دموعها نزلت وهي بتضم المصحف على صدرها، وهمست بفرحة:
شكرًا يا رب... الحمد لله.
وسالم رفع إيده للسماء وقال بإيمان:
الحمد لله يا رب.
وبهيرة قامت بسرعة وسألته بلهفة:
ممكن نشوفه؟
الدكتور رد بابتسامة:
آه، بس مش دلوقتي. لسه دكتور القلب ودكتور المخ والأعصاب لازم يراجعوا الحالة بالكامل ويتأكدوا إن مفيش أي مضاعفات حصلت بعد توقف القلب أثناء الجراحة.
ياسمين قربت، صوتها مليان رجاء:
بس هنشوفه النهاردة... صح؟
الدكتور ابتسم:
إن شاء الله.
اتحرك بهدوء، وبعد شوية دخل مجموعة من الأطباء على خالد. وكل اللي برا قاعدين مستنيين اللحظة اللي يسمحوا ليهم فيها يدخلوا.
الدقايق كانت تقيلة، الوقت بيعدّي بالثواني، وكل واحد فيهم قلبه مربوط بجوه.
وبعد شوية، الأطباء خرجوا، وقرب منهم دكتور الجراحة، ومعاه دكتور المخ والأعصاب.
سالم قرب منهم وسأل بلهفة:
خير يا دكتور؟ طمنونا عليه؟
دكتور الجراحة ابتسم وقال:
الحالة مستقرة، والتنفس والنبض وكل المؤشرات كويسة جدًا الحمد لله.
سكت لحظة وبص للدكتور اللي جنبه وقال:
لكن فيه حاجة بسيطة هنوضحها لحضراتكم.
دكتور المخ والأعصاب اتكلم بنبرة هادية لكنها جدية:
وقت الجراحة... القلب وقف لبضع ثواني. والدم اتأخر يوصل للمخ للحظات بسيطة. الوضع اتحسّن بسرعة الحمد لله، بس حصل تأثير بسيط على الذاكرة.
كل العيون اتعلقت بكلامه، وساد الصمت.
كمل الدكتور بهدوء:
المريض فاكر كل حاجة لحد من سنة فاتت. آخر سنة من حياته، مش واضحة في ذهنه. يعني الأحداث اللي حصلت من سنة لحد يوم الحادث... مش موجودة في ذاكرته دلوقتي.
كلهم بصوا لبعض بصدمة، وياسمين حسّت إن الأرض بتتهز تحتها... قلبها خفق بعنف، ووشها شحب فجأة. بصّت للدكتور بصوت مخنوق بالكاد طالع، وسألته:
إحنا اتقابلنا في السنة دي... واتجوزنا... يعني ممكن... يكون ناسيّني أنا كمان؟
الدكتور هز راسه بهدوء وقال بنبرة واضحة:
هو فعلًا مش فاكر إنه متجوز... لحد دلوقتي على الأقل.
السكوت خيّم، وكل اللي واقفين اتبدل في وشوشهم الصدمة والأسى.
وفجأة، خرج صوت ضحكة صغيرة... من كارما، وهي بتبص لياسمين من فوق لتحت بنبرة مكر:
الحاجات اللي نسيها مش مهمة أوي.
معتصم ومهاب بصوا لكارما بضيق. وسالم حاول يكسر التوتر وسأل الدكتور بسرعة:
بس أكيد هيفتكر مع الوقت... صح يا دكتور؟
الدكتور تنهد وقال:
آه طبعًا، وارد جدًا. بس ما أقدرش أحدد وقت معين. الأفضل نسيبه يتذكّر على راحته... من غير ضغط أو تلميحات مباشرة. الذكريات ممكن ترجع فجأة... أو على مراحل.
بهيرة قطعت الكلام وقالت بإصرار:
مش مهم السنة اللي راحت. المهم إن ابني عايش وبخير ... وفاكرني أنا وباباه.
كارما علّقت بنبرة مصطنعة فيها نغمة واضحة:
وأكيد فاكرني أنا كمان يا طنط... خالد مستحيل ينساني.
معتصم ومهاب تبادلوا نظرة ضيق، وتنهد مهاب وهو بيبص بعيد، بينما معتصم عض على شفايفه علشان ما يردش.
عبير اتكلمت:
طب يا دكتور... نقدر نشوفه دلوقتي؟
رد الدكتور:
آه، بس على دفعات. كل اتنين يدخلوا مع بعض، ويفضل نبدأ بالأب والأم. بلاش ضغط عليه بالكلام أو الأسئلة الكتير. خلوه يرتاح.
بهيرة اتحركت بسرعة، عينيها مليانة لهفة:
أنا هدخل أول واحدة.
سالم اتحرك معاها، ودخلوا.
أما ياسمين... رجعت بخطوات بطيئة لورا، رجليها بتسحبها كأنها مش قادرة تشيل قلبها. كل خطوة كانت تقيلة... تقيلة بالحزن، بالوجع، بالحيرة. مش مصدّقة إن في لحظة... بقت غريبة في قلب حبيبها. اللي كان بيحضن خوفها من غير ما تتكلم. دلوقتي مش فاكرها، ما يعرفهاش. ناسِية كل حاجة بينهم... كل لحظة، كل كلمة، كل وعد..
رواية منعطف خطر الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم ملك ابراهيم
كل اتنين يدخلوا مع بعض، ويفضل نبدأ بالأب والأم.
بلاش ضغط عليه بالكلام أو الأسئلة الكتير.
خلوه يرتاح.
بهيرة اتحركت بسرعة، عينيها مليانة لهفة:
"أنا هدخل أول واحدة."
سالم اتحرك معاها، ودخلوا.
أما ياسمين...
رجعت بخطوات بطيئة لورا،
رجليها بتسحبها كأنها مش قادرة تشيل قلبها.
كل خطوة كانت تقيلة...
تقيلة بالحزن، بالوجع، بالحيرة.
مش مصدّقة إن في لحظة...
بقت غريبة في قلب حبيبها.
اللي كان بيحضن خوفها من غير ما تتكلم.
دلوقتي مش فاكرها،
ميعرفهاش.
ناسية كل حاجة بينهم...
كل لحظة، كل كلمة، كل وعد.
وقفت ياسمين بعيد.
عيونها مثبتة على باب أوضة خالد،
نفس الباب اللي ورا منه حبيب قلبها، وبيتنفس على الأجهزة.
بعد دقيقتين شافت بهيرة خارجة من الأوضة، ووشها منور من الفرحة،
بتتكلم بحماس مع عبير:
– الحمد لله يا عبير.. خالد فاق وعرفني وعرف باباه.
سالم أول لما خرج من عند خالد لمح ياسمين واقفة بعيد، قرب منها بابتسامة هادية وقال:
– يلا يا ياسمين.. ادخلي اطمني على جوزك.
ياسمين كانت واقفة مكانها مش قادرة تتحرك،
الخوف ماسكها من إيدها ورجليها،
خايفة عيون حبيبها متعرفهاش.
يفتح عيونه ويبص لها ويسألها:
"انتي مين؟"
كارما قاطعت اللحظة بصوت عالي، كأنها بتتعمد تلفت الانتباه ليها:
– يلا يا ماما ندخل نطمن على خالد.
ودخلت مع عبير.
وكأنها عايزة تثبت إنها الأقرب...
وإن خالد فاكرها قبل أي حد.
ياسمين عيونها كانت مليانة دموع،
بصت لسالم وقالت بقهرة:
– خايفة أدخل... وميفتكرنيش.
سالم حاول يطمنها:
– لو مفتكرش دلوقتي... بكره هيفتكر،
خالد بيحبك يا بنتي، ومستحيل ينساكي.
معتصم ومهاب كانوا واقفين ساكتين،
نظرتهم ليها كلها وجع وتعاطف.
وبهيرة كانت باصّة من بعيد،
فرحانة بابنها وسلامته،
مش مهتمة باللي بيحصل لياسمين...
ولا عايزة فرحتها تتعكر.
دقايق وخرجت كارما بصوت أعلى من الطبيعي،
بتتكلم بصوت مفتعل وهي قاصده تقهر قلب ياسمين:
– خالد فاكرني يا طنط... أنا كنت متأكدة إنه مستحيل ينساني.
مهاب زفر بغضب، وراح لياسمين وقال:
– يلا يا ياسمين ادخلي اطمني عليه... هو أكيد مستني يشوفك.
معتصم قرب منها وقال بنفس الإصرار:
– ادخلي واحنا هندخل وراكي.
قالت وهي بتبكي بحرقة:
– خايفة أدخل... مش هستحمل ميعرفنيش.
سالم مسك إيدها وقال بحنان:
– تعالي... أنا هدخل معاكي.
دخل معاها...
أول ما فتح الباب،
عيونها وقعت على خالد.
كان نايم على السرير،
صدره ملفوف بالشاش،
الأجهزة متوصلة بجسمه...
عيونه مفتوحة بس مجهدة،
وشه شاحب كأنه مرّ بعمر من العذاب.
بكت،
بكت بصوتها، بنَفَسها، بروحها.
وجعها طالع من قلبها بدون إذن.
خالد حس بوجودهم،
بص على سالم وقال بصوت ضعيف:
– انت جيت تاني يا بابا؟
رد سالم وهو بيشدها جنبه:
– في حد معايا جاي يطمن عليك.
مسكها من إيديها وقرب بيها.
عيون خالد اتحركت ببطء عليها،
وبص لها،
وسأل بصوت ضعيف:
– انتي مين؟
شهقت،
شهقت وكأن السؤال دا طعنة في قلبها،
مستحملتش،
خرجت تجري من الأوضة وهي بتبكي...
مش شايفة قدامها من الدموع.
سالم بص لابنه وسأله بحزن:
– انت مش فاكر دي مين يا خالد؟
رد خالد بصوت أضعف من الأول:
– هو أنا شوفتها قبل كده يا بابا؟
سالم سكت...
وساب خالد وهو بيغمض عينه تاني من التعب.
خرج سالم يدور على ياسمين،
ملقهاش.
سأل عليها،
وبهيرة قالتله:
– طلعت تجري وهي بتعيط، شكلها راحت الحمام.
معتصم ومهاب قربوا منه،
سأله مهاب:
– افتكرها؟
رد سالم بصوت مخنوق:
– للأسف... لا.
مهاب بص لمعتصم وقال:
– خلينا ندخل نطمن عليه احنا كمان.
دخلوا،
وسالم فضل واقف يفكر في ياسمين...
وصورتها وهي بتجري من جوه بتقطع قلبه،
حاسس إنها اتكسرت قدام اللي بتحبه،
وقلبه مش فاكرها.
في الفيلا اللي مستخبي فيها اللواء وحيد، كانت الدنيا هادية بشكل مريب، بس جواه العاصفة ما بتهداش.
كان قاعد لوحده بيفكر، لحد ما الشخص اللي طلق الرصاصة على خالد قرب منه بنظرة باردة.
قرب منه بهدوء وقال بصوت فيه خبث:
– عندي خبرين.. واحد حلو، وواحد وحش.
هبدأ بالوحش الأول.
اللواء وحيد رفع عينه له بانتباه، قلبه دق بخوف غصب عنه.
اتكلم التاني بنبرة ما فيهاش أي تعاطف:
– حفيدك... فاق من الغيبوبة.
وحيد ابتسم ابتسامة باهتة، مش عارف يفرح ولا يخاف.
الرجل التاني كمل وهو بيقلب الموقف بلحظة:
– الخبر الحلو؟
إن حفيدك حصله فقدان مؤقت في الذاكرة.. آخر سنة من حياته، بيوم الحادثة، اتحذفوا من دماغه.. مش فاكر أي حاجة.
اللواء وحيد عينه اتسعت بدهشة، ما صدقش اللي سمعه في البداية.
لسانه انعقد، بس اللي قدامه ضحك وقال بنبرة ساخرة:
– وكأن القدر بيديك فرصة تصلح كل الأخطاء اللي عملتها عشان تنقذ حياتك.
وحيد بلع ريقه بتوتر، سأل بصوت مبحوح:
– هأنقذ حياتي إزاي؟
رد الرجل التاني بثقة ما تهزش:
– بموت تلاتة.
وحيد بصله بدهشة، عينه فيها خوف مش قادر يخبيه.
الرجل التاني كمل بنفس البرود:
– جلال الشرقاوي في بيته، وحفيده يحيى في السجن.. وخالد، حفيدك، في المستشفى.
وحيد انتفض من مكانه، صوته خرج من بين أسنانه:
– انت بتقول إيه؟ عايزني أقتل حفيدي بإيدي؟!
رد الشخص ببرود قاتل:
– مش أنا اللي عايز.. دي أوامر ولازم تتنفذ.
يا إما التلاتة دول يموتوا، ويموت معاهم سرك،
يا إما انت تموت.. وسرّنا يموت معاك.
اختار بسرعة.. مفيش وقت.
اللواء وحيد ساب نفسه للصدمة.
بصله بعين تاه فيها كل التعب والخوف وقال بصوت مكتوم:
– همشي من هنا إمتى؟
رد التاني ببرود أكتر:
– تقدر تمشي دلوقتي حالًا.
بس خليك عارف، مفيش وقت كتير.
يحيى ممكن يتجنن ويقول اسمك في التحقيق،
والشرقاوي مش هيسكت طول ما حفيده محبوس،
وخالد.. ممكن في أي لحظة ترجع له الذاكرة.
اللواء وحيد بلع ريقه ببطء، قام من مكانه وهو مش شايف قدامه، مخنوق من كمية التهديد اللي بتحاصره.
خرج من الفيلا، ومشي بخطوات متوترة.. عقله شغال مليون تفكير في الثانية.
وفي اللحظة اللي خرج فيها،
الشخص التاني قعد على الكرسي بهدوء، طلع موبايله وكلم حد بصوت هادي بس واثق:
– وافق طبعًا يقتلهم.
هو الوحيد اللي يقدر يخلصنا منهم من غير أي شبهة جنائية.
أيوه، فاهم..
أول ما يخلص عليهم...
أنا هخلص عليه بنفسي، ونقفل ملف وحيد الأسيوطي للأبد.
عدّى أسبوع كامل،
وكل يوم فيه كان بيمر ببطء وتقيل على قلب كل واحد فيهم.
جلال الشرقاوي من ساعة ما عرف إن حفيده هيتسجن ومفيش طريقة للخروج، وهو بيحاول يوصل للواء وحيد، بس كل الأبواب اللي كانت بتتفتح له زمان، بقت مقفولة قدامه دلوقتي. مش لاقي له أي أثر.
يحيى اتجدد له الحبس في النيابة ١٥ يوم على ذمة التحقيق،
وراشد مش سايب له باب غير لما بيخبط عليه، بيحاول يخرّجه بأي طريقة، بس كله مقفول.
أما اللواء وحيد، فحبس نفسه جوه بيته كأنه بيدفن روحه بإيده.
مش قادر يتخلّى عن خوفه، ولا يواجه القرار اللي اتحط فيه، قرار مميت لأي قلب فيه ذرة رحمة.
قاعد بين أربع حيطان، بيفكر في الأوامر اللي جتله، ومخه مش قادر يستوعب إنه يتطلب منه يقتل حفيده بإيده.
قال لعبير ما تقولش لبهيرة إنه رجع.
عايز يفضل بعيد عن الصورة لحد ما ياخد القرار الأخير.
عبير وكارما قضوا الأسبوع كله بين البيت والمستشفى، بيحاولوا يكونوا سند لبهيرة، حتى لو وجودهم مش بيخفف كتير، بس بيريحها.
أما بهيرة وسالم، فمكانهم معروف..
في المستشفى، طول اليوم قاعدين جنب خالد، والدكتور كان بيسمح بوقت زيارة قصير، بس كفاية عليهم إنهم يشوفوه ويفرحوا بأي تحسن بسيط.
كل مرة بيفتح عينه، قلب بهيرة بيطير، وسالم بيشكر ربنا إنه لسه فيه أمل.
أما ياسمين..
ياسمين مكانتش بتتحرك من مكانها.
قاعدة برا أوضته، كل يوم، من غير ما تزهق أو تشتكي.
بتسمع كلام الدكاترة عن حالته اللي بتتحسن يوم بعد يوم، وتشكر الممرضات لما يدوها فرصة تدخل تشوفه وهو نايم.
تقعد جنبه وتبكي في صمت،
تشتكيله،
تحكيله وجعها منه،
تحكيله عن قلبها اللي لسه بيحبه رغم إنه نسيها،
تحكيله عن عينها اللي مش قادرة تستوعب إنه يبصلها ويسألها:
"انتي مين؟"
معتصم ومهاب كانوا بيحاولوا يوازنوا بين الشغل وبين التواجد في المستشفى.
معتصم أوقات كان بياخد زينة معاه، عشان تبقى جمب ياسمين.
عدّى الأسبوع، وحالة خالد اتحسنت.
الدكتور قرر ينقله غرفة عادية،
وبقى مسموح بالزيارة أكتر.
خالد بقى قادر يقعد على السرير، ويتكلم.
صوته رجع له قوته، ونبضه بقى أهدى.
وياسمين؟
لسه قاعدة برا،
كلها أمل صغير..
يمكن لما يشوفها المرة دي،
يفتكر.
سالم وبهيرة خرجوا من عنده، والفرحة باينة في عينيهم.
"حالته اتحسنت كتير."
سالم قرّب من ياسمين وقالها بهدوء:
"مش هتدخليله وهو صاحي برضه؟"
ياسمين ردّت بحزن ونبرة مخنوقة:
"دخولى وهو صاحي مش هيغير حاجة.. هو ناسي كل حاجة عني.. أنا بدخل أطمن عليه وهو نايم."
سالم ابتسم لها بحنية أب وقالها:
"إن شاء الله هيفتكرك يا ياسمين.. أنا متأكد."
بهيرة بصّت لياسمين وقالت بنبرة فيها شوية برود:
"طب طالما وجودك هنا مالوش لازمة دلوقتي، تعالي ارجعي البيت معانا."
ردّت ياسمين وهي عينيها بتلمع بالدموع:
"عايزة أكون قريبة منه.. يمكن يحتاجني."
بهيرة هزت راسها بعدم اهتمام، وسالم بص لها تاني وقال بحنية:
"ربنا يبارك فيكي يا بنتي."
خرجوا من المستشفى، وياسمين فضلت قاعدة لوحدها..
كأن الوحدة مكتوبة عليها تبقى صاحبتها في كل وقت.
بعد شوية جه مهاب، وبعده معتصم وزينة.
قعدوا جنبها، وكانوا بيحاولوا يقنعوها تدخل تشوف خالد وهو صاحي، يمكن يشوفها ويفتكر.
بس ياسمين كانت موجوعة..
فكرة إنه نسيها كانت عاملة زي سكينة في قلبها،
وكانت بتهرب من اللحظة دي، من نظرته وهو مش عارفها.
فجأة دخلت بنت شايلة بوكيه ورد، لابسة فستان قصير، وماشية بنعومة لفتت كل العيون.
وقفت قدام مهاب ومعتصم وقالت بصوت رقيق:
"هااي يا مهاب.. معتصم.. ازيكم؟ وحشتوني!"
مهاب ومعتصم اتجمدوا في مكانهم.
وياسمين وزينة بصّوا للبنت بذهول من لبسها وطريقتها.
معتصم بص لمهاب وقال بصدمة:
"نانسي!!!"
نانسي ضحكت وقالت:
"إيه اللي حصل لخالد؟ أنا زعلت عليه أوي."
ياسمين كانت لسه مش مستوعبة، ومعتصم اتوتر لما شاف نظرات زينة اللي كانت مولعة.
نانسي بصّت لياسمين وزينة وابتسمت، ورجعت تبص لمهاب ومعتصم وقالت بهزار:
"إيه ده؟ أوعوا تكونوا اتجوزتوا!"
مهاب قال بسرعة:
"أنا اتجوزت وطلقت الحمد لله."
نانسي ضحكت وقالت له:
"زيي بالظبط.. أنا كمان اتجوزت واتطلقت!"
بصّت لمعتصم وسألته:
"وانت يا معتصم؟"
زينة اتكلمت بغيرة باينة:
"ما ترد يا معتصم؟ قولها اتجوزت ولا لسه؟"
معتصم بص لزينة وبعدين لنانسي وقال:
"اتجوزت.. وزينة مراتي."
نانسي بصّت لزينة وقالت وهي بتضحك:
"مراتك كتكوتة خالص يا معتصم!
أنا نانسي.. صحبتهم من زمان."
ياسمين ردّت بدهشة:
"صحبتهم؟!"
معتصم حاول يقطع الحوار بسرعة وقال:
"قوليلي يا نانسي.. عرفتي إزاي اللي حصل لخالد؟"
نانسي بصّت لمهاب وقالت وهي بتبتسم له:
"شوفت البوست اللي مهاب نزله إمبارح على الأكونت بتاعه.. وعملتله لاف."
معتصم بص لمهاب بغيظ مكتوم وقال:
"عملتلك لاف؟!"
مهاب همس له بتوتر:
"والله ما كنت أعرف إنها لسه عندي على الأكونت!"
معتصم بص له بغيظ وقال:
"منك لله."
نانسي قالت برقة مصطنعة:
"قولولي بقى.. خالد في أنهي أوضة؟"
ردت ياسمين بغيظ:
"الدكتور مانع الزيارة للأسف."
نانسي رفعت حواجبها بثقة وقالت وهي بتبص لياسمين:
"الزيارة ممنوعة على الناس التانية.. إنما أنا؟ لأ.. متأكدة إنه هيفرح أوي لما يشوفني، وهيقوم من ع السرير كمان!"
وبصت لمهاب ومعتصم بنعومة:
"هي دي أوضته ولا التانية؟"
مهاب بص لها وقال وهو بيشاور على أوضة خالد:
"دي."
نانسي ابتسمت له ابتسامة كلها دلال، ودخلت الأوضة من غير ما تستأذن.
مهاب بص لمعتصم وقال بهزار خفيف:
"البت نانسي بقت مزة عن زمان، صح؟"
معتصم ردّ وهو بيضحك:
"اتغيّرت خالص.. دي كانت شبه الرجالة الأول!"
ضحكوا هما الاتنين، وسكتوا فجأة لما شافوا ياسمين وزينة واقفين قدامهم، عينيهم كلها شر.
مهاب همس بقلق:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. رايا وسكينة رجعوا للحياة تاني ولا إيه؟"
ياسمين قالت وهي بتكتم غضبها:
"مين دي؟ وجاية تتطمن على خالد بصفتها إيه؟"
زينة وقفت جنبها وقالت بغيظ:
"شكلها واخدة عليكم أوي يا معتصم.. تعرفوها منين؟"
معتصم ومهاب تبادلوا النظرات، وقال مهاب وهو بيحاول يهرب من السؤال:
"نانسي أصلًا كانت تبع خالد."
ياسمين شهقت:
"تبع مين؟!"
معتصم اتدخل بسرعة عشان يصلّح:
"قصده إنها كانت حاطه عينها عليه زمان.. يعني مفيش بينهم حاجة."
ياسمين قالت بغيرة وغضب:
"وكان امتى بقى الكلام ده؟"
مهاب ردّ:
"من أيام الكلية.. كنا لسه طلبة في الشرطة، وأخوها كان صاحبنا. بس وقتها ما كانتش كده خالص."
بصّ لمعتصم وقاله وهو بيهزر:
"فاكر كانت عاملة إزاي؟ لو كانت كده زمان، ما كانتش عدت من إيدينا."
معتصم وسّع عينيه وقال بسرعة وهو بيضغط على أسنانه:
"اسكت الله يخربيتك.. هتودينا في داهية!"
ياسمين زعقت فيهم:
"من أيام الكلية؟ يعني الباشا اللي جوه أكيد فاكرها!"
مهاب قال بمنتهى الغباء:
"أكيد.. نانسي ما تتنسيش بصراحة."
معتصم بص لمهاب:
"انت بتقول إيه يا بني! الله يخربيتك."
الغيرة ولعت في قلب ياسمين واتحركت بسرعة، واتجهت ناحية أوضة خالد.
فتحت الباب بعنف،
وشافت خالد قاعد على سريره، ونانسي جنبه بتضحك.
اندفعت جوه وقالت لخالد بغضب:
"دي فاكرها طبعًا، صح؟"
خالد بص لها باستغراب وقال:
"أنتي مين؟"
قربت منه وقالت وهي بتكتم الغليان:
"أنا مين دي هتعرفها بعدين، بس دلوقتي لازم نفوق،
نحط حد للمهزلة دي.
ما شاء الله عليك فاكر كل الناس وأنا الوحيدة اللي نسيتها؟!
قولت ماشي،
أصبر لحد ما تفتكر..
بس توصل إنك تفتكر دي... وتضحك معاها كمان؟!
لأ، آسفة... مش هسكت."
بصت لنانسي وقالت بحدة:
"ثانية واحدة يا روحي... قومي من هنا."
نانسي قامت بسرعة وهي بتبص لها بدهشة.
ياسمين شدت إيد خالد، اللي كان بيبصلها باستغراب.
طلعت الدبلة بتاعته من جيبها،
ومسكت إيده ولبسته الدبلة.
وبصت لنانسي وقالت:
"أظن كده فهمتي أنا مين؟"
خالد بص للدبلة وقال بدهشة:
"إيه اللي أنتي بتعمليه ده يا آنسة؟"
ردّت عليه وهي بتصرخ في وشه:
"كمان آنسة؟!"
وضربته في صدره:
"ماشي يا خالد.. بس لما ترجع تفتكر، شوف أنا هعمل فيك إيه."
بعدت عنه، وقبل ما تخرج قالت:
"وخلي بالك.. الدبلة اللي في إيدك دي لو اتشالت،
أنا هشيل الأجهزة اللي هنا دي كلها وأنزلها على دماغك، عشان تنسى كل حاجة خالص ونرتاح كلنا."
خرجت من الأوضة منهارة،
وخالد لسه بيبصلها بصدمة وباصص على الدبلة في إيده.
زينة بصّت لمعتصم ومهاب وقالت بحدة:
"بصراحة، معاها حق.
ونانسي دي.. يلا طلعوها بره قبل ما نعملكم جريمة هنا!"
وخرجت ورا ياسمين.
مهاب بص لمعتصم وقال بقلق:
"إيه يا بني ده.. هو أنتوا متجوزين رايا وسكينة بجد؟ دا أنا مرعوب!"
معتصم ردّ بخضة:
"والله حتى أنا خوفت من زينة.."
الستات لما بيقلبوا بيخوفوا بجد.
مهاب بص على خالد وقال:
"المهم.. لازم نقنعه ما يخلعش الدبلة دي من إيده، عشان ياسمين ما تنفذش تهديدها وتضربه بحاجة تنسيه اسمه!"
برا قدام غرفة خالد، كانت ياسمين قاعدة بتحارب نزول دموعها، وزينة جنبها ماسكة إيدها وبتطبطب عليها.
زينة قالت بهدوء وهي بتحاول تهديها:
"اللي عملتيه ده هو الصح يا ياسمين... حتى لو هو ناسي، لازم يعرف إنه متجوز. مفيش واحدة تستحمل اللي انتي فيه ده."
ردت ياسمين بغيظ وقهر، وهي بتجفف دموعها بعصبية:
"بس لما يفتكر... نفسي يفتكر ويشوف أنا هعمل فيه إيه. بقى ينساني؟! أنا مراته! ويفتكر دي؟!"
وقبل ما زينة ترد، قربت منهم منة، وشايلة ورد جميل، وفي إيدها التانية ماسكة آدم ابن أختها الصغير، وشه منور، وبيضحك ضحكة بريئة.
منة قالت برقة:
"ياسمين... حمد الله على سلامة أستاذ خالد."
ياسمين قامت من مكانها بسرعة، ومسحت وشها، وحاولت ترسم ابتسامة:
"الله يسلمك يا منة... ليه التعب ده بس؟"
منة ابتسمت وقالت بود:
"ولا تعب ولا حاجة، أنا كان نفسي أجي من أول يوم، بس الحاج سالم قال إن الدكتور مانع الزيارة، وأول ما قالي إن الزيارة بقت مسموحة، قلت لازم أجيلك."
ياسمين بصت لزينة وقالت بابتسامة خفيفة وهي بتعرفها على منة:
"زينة صاحبتي... ومنة مديرة الحسابات في المصنع يا زينة."
زينة مدت إيدها بلطف وسلموا على بعض:
"أهلًا وسهلًا."
منة ابتسمت وهي بتقدم الورد لياسمين:
"اتفضلي يا ياسمين."
ياسمين خدت الورد، وزينة بصت على آدم اللي كان بيشاور على لعبة في إيده، وسألت منة بابتسامة:
"ده ابنك؟"
منة هزت راسها وقالت بابتسامة فيها وجع دافي:
"لأ... ده ابن أختي الله يرحمها."
زينة عينيها لمعت بحزن، وقربت منه وقالت بحنية:
"طب ممكن أشيله؟"
منة ابتسمت:
"آه طبعًا."
زينة شالته في حضنها، وبدأت تلاعبه وهي بتضحك:
"تعرفي أنا بحب الأطفال أوي."
ياسمين ضحكت وقالتلها:
"كلها كام شهر وهتحبي فيهم زي ما انتي عايزة."
منة فتحت عينيها بدهشة خفيفة وقالت:
"انتي حامل؟"
زينة ردت بخجل بسيط:
"آه... بس لسه في الأول."
منة قالت وهي بتضحك بهزار خفيف:
"طب اجهزي من دلوقتي، تربية الأطفال مش سهلة خالص... دي عايزة جيش مش أم."
ضحكوا التلاتة، والجو اتغير شوية، رجع فيه نفس.
آدم قاعد يضحك على صوت اللعبة بتاعه، وياسمين كانت بتحاول تضحك، بس الضحكة كانت بتيجي وتوقف، كأن جواها لسه في حاجة وجعاها... بس بتحاول تلهي نفسها، ولو لحظة.
باب أوضة خالد اتفتح بهدوء... وخرج منها معتصم، وراه مهاب، وبينهم نانسي.
ياسمين وزينة ومنة كلهم لفوا نظرهم ناحية الباب في لحظة واحدة. لكن منة... اتفاجئت. عينها اتسعت أول لما شافت مهاب، والصدمة الأكبر... لما شافت بنت خارجة معاه.
مهاب اتجمد في مكانه، كأن رجله اتربطت في الأرض. مش مستوعب منة جت هنا إزاي؟ وعرفت ياسمين إزاي؟ وايه اللي جمعهم في نفس اللحظة؟!
معتصم لمح توتره، وقرب منه وهمس وهو بيحاول يسيطر على الوضع:
"هتروح توصل نانسي وتتأكد إنها خرجت من المستشفى... مش ناقصين مشاكل تاني."
مهاب رد من غير ما يبص له، عينه لسه على منة:
"لا... وصلها انت. أنا مش هينفع."
معتصم بص له بغيظ، وقال بتوتر مكتوم:
"أوصلها أنا إزاي يا بني آدم؟! وأسيب زينة هنا؟"
مهاب رد ببرود وهو لسه مش فاهم مشاعره:
"وأنا أعمل إيه يعني!"
نانسي قطعت الحوار وهى بتتكلم بدلعها المعتاد، متجاهلة كل اللي بيحصل حواليها:
"أنا ماشية يا شباب... وابقوا طمنوني على خالد لما يخرج."
ومشت بخطوات بطيئة، فيها دلال مقصود. عدت قدام ياسمين اللي كانت هتنفجر من الغيظ.
مهاب قرب ناحية منة، وشاف آدم في حضن زينة، وقال بصوت متلخبط وهو بيحاول يفهم:
"إزيك يا آنسة منة؟ بتعملي إيه هنا؟ آدم كويس؟"
منة ردت بخجل، صوتها ضعيف شوية:
"الحمد لله... كويس."
معتصم قرب، وياسمين بصت لمهاب وقالت باستغراب:
"إيه ده؟ انتوا تعرفوا بعض؟"
منة ردت بخجل وهي بتبص في الأرض:
"آه... أستاذ مهاب جاري."
مهاب استغرب أكتر وسأل:
"انتي تعرفي ياسمين وزينة؟"
ردت ياسمين بسرعة:
"منة مديرة الحسابات في المصنع، وأنا وهي بنشتغل سوا."
مهاب هز راسه بذهول وقال:
"معقول؟! الدنيا صغيرة أوي كده؟!"
معتصم ضحك وقاله:
"جارتك؟!"
مهاب رد بغيظ، وهو فاهم قصد معتصم:
"آه... آنسة منة جارتي. اللي حكيت لك عنها... اللي كان عندها مشكلة مع جوز أختها."
معتصم قال وهو بيهز راسه:
"آه فاكر... فاكر."
وبص لـ منة بلطف وقال:
"ولسه جوز أختك بيضايقك يا آنسة منة؟"
ردت منة بخجل وهدوء:
"لأ... الحمد لله، بعد عني خالص."
معتصم قال وهو بيضحك:
"أصل مهاب شد عليه جامد وقتها، شكلك غالية عنده!"
منة ابتسمت بخجل واضح، وياسمين لمحت اللمعة دي في عينيها، حست إن في حاجة... يمكن لسه مش واضحة حتى ليهم.
مهاب بص لمعتصم بغيظ وهمس:
"هو إيه اللي انت بتقوله ده؟!"
معتصم رد بنفس الهمس، وعينه فيها شقاوة:
"فرصتي آخد حقي منك أنا والغلبان اللي جوه ده."
قطعتهم ياسمين وهي بتسأل بقلق:
"هو خالد صاحي؟ ولا نام؟"
معتصم رد:
"صاحي... هندخل نسلم عليه قبل ما نمشي."
منة وقفت وقالت:
"أنا كمان اتأخرت ولازم أمشي."
مهاب قال بهدوء:
"طب تعالي سلمي عليه معانا... ونخرج كلنا سوا."
منة بصت له بخجل خفيف، وياسمين لمحت الارتباك في عيونها، حاجة في قلبها قالتلها إن في رابط بيتخلق بين الاتنين، حتى لو هما لسه مش شايفينه.
اتكلمت ياسمين بود:
"آه يا منة... مش معقول تيجي لحد هنا وتمشي من غير ما تسلمي عليه."
معتصم ابتسم وقال:
"يلا كلنا ندخل نسلم عليه."
دخلوا كلهم... وياسمين دخلت في الآخر، خطواتها بطيئة، مترددة، عينها على خالد من اللحظة الأولى.
كان نايم على السرير، ووشه شاحب. بس عيونه مفتوحة، بتدور فيهم.
سلموا عليه واحد ورا التاني، هو بيرد بابتسامة ضعيفة... لكن عيونه كانت بتدور على ياسمين.
كانت واقفة ورا، قلبها بيخبط في صدرها، مش عايزة تبص له... خايفة من نظرة نسيان تاني.
وهي بتلف تمشي، صوته طلع ضعيف... لكنه مسموع قوي:
"ياسمين..."
كلهم وقفوا. وهي... اتجمدت في مكانها...
رواية منعطف خطر الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم ملك ابراهيم
كان نايم على السرير، ووشه شاحب.
بس عيونه مفتوحة، بتدور فيهم.
سلموا عليه واحد ورا التاني،
هو بيرد بابتسامة ضعيفة... لكن عيونه كانت بتدور على ياسمين.
كانت واقفة ورا،
قلبها بيخبط في صدرها،
مش عايزة تبص له... خايفة من نظرة نسيان تاني.
وهي بتلف تمشي،
صوته طلع ضعيف... لكنه مسموع قوي:
"ياسمين..."
كلهم وقفوا.
وهي... اتجمدت في مكانها.
صوته خرج مرة تانية، أضعف من المرة اللي قبلها:
"خليكي من فضلك... عايز أتكلم معاكي."
رغم إن قلبها خفق بقوة أول لما سمعت اسمها بصوته اللي وحشها،
بس الرسمية اللي في نبرته وجعت قلبها أكتر من أي حاجة.
معتصم ومهاب وزينة ومنة خرجوا وسابوهم لوحدهم،
وهي فضلت واقفة مكانها،
عينها عليه...
وقلبها بيرجف.
خايفة يدخل الأمل لقلبها... وياخده منها تاني.
هو لاحظ خوفها وترددها، بص لها وقال بنبرة هادية:
"ممكن تقعدي نتكلم؟"
قربت بخطوات بطيئة، وقعدت على الكرسي اللي جنب سريره.
عينه كانت بتراقبها في صمت، وقال:
"معتصم ومهاب قالولي إن أنا وانتي كنا متجوزين... قبل الإصابة."
رفعت عنيها وبصت له بصدمة، صوتها طلع بهمس:
"كنا؟!"
أدرك كلامه بسرعة:
"قصدي... إننا متجوزين. هما قالولي كده لما حطيتي الدبلة في إيدي، قالولي إنك مراتي، وإن الغيبوبة خلتني أنسى."
هزت راسها،
كانت بتسمعه،
والدموع بتتجمع في عنيها،
وقلبها بيتكسر واحدة واحدة.
هو كمل وهو حاسس بالارتباك والضياع:
"الغريب إني مش قادر أفتكر أي حاجة بينا... حاسس كأني بشوفك لأول مرة. مفيش ذكرى واحدة... ولا مشهد... ولا إحساس جوايا ناحيتك!"
دموعها نزلت،
وجففتها بسرعة بإيديها،
بس وجع الكلام كان أسرع من دموعها.
بص على الدبلة اللي في إيده، وقال بصوت ضعيف:
"للأسف مش قادر أفتكر أي حاجة..."
وبص لها تاني وسألها:
"يعني... أنا حبيتك إمتى؟ وإزاي؟ واتقابلنا فين؟ وإزاي اتجوزنا؟ وفرحنا كان عامل إزاي؟ أسئلة كتير... مش لاقي ليها أي إجابة. يمكن لو تحكيلي، أفتكر."
بصت له، ودموعها زادت وهي بترد بصوت مكسور:
"للأسف... مش هينفع أحكيلك."
هو بص لها باندهاش:
"يعني إيه؟"
ردت وهي بتقاوم شهقة في صدرها:
"يعني... التفاصيل اللي بتسأل عنها دي... دي مش مجرد أحداث، دي ذكريات بيني وبين الراجل اللي حبيته واتجوزته... مقدرش أحكيهالك وإنت بتسمعني كإنك غريب."
قال بحيرة:
"بس أنا المفروض الراجل ده!"
هزت راسها بـ"لا"، وقالت وهي بتنهار:
"لأ... مش أنت.
خالد اللي أنا حبيته واتجوزته... كان واحد تاني.
كان بيقرا قلبي من غير ما أتكلم...
كان بيمسك إيدي قبل ما أقع،
ماكنش بيستحمل يشوف دموعي اللي انت شايفها دلوقتي،
اللي قدامي ده... مش هو.
وأنا مش عايزة أبدل اللي كان بيني وبينه بكلام باهت مع حد مش فاكرني.
هفضل محتفظة بيه جوا قلبي... زي ما هو،
لحد ما يرجع هو لوحده، من غير ما حد يفكره بيا."
مقدرتش تستحمل أكتر من كده.
قامت بسرعة...
خرجت من الأوضة وهي بتنهار في بكاها.
وأول ما قفلت الباب وراها،
سندت على الحيطة، حطت إيديها على قلبها...
وصرخة وجعها خرجت في بكاها المكبوت.
جوا الأوضة.
خالد كان لسه عينه على الباب،
وصدره بيعلى وينزل،
وفي قلبه وجع غريب مش فاهم له تفسير...
بس موجع عليها بجد.
بعد يومين
في بيت اللوا وحيد.
كان قاعد في مكتبه وباب المكتب مفتوح.
بيتكلم في التليفون ومطمن ان البيت فاضي وكارما وعبير راحوا عند بهيرة.
"أنا متأخرتش في التنفيذ ولا حاجة.. بس اللي مطلوب مني مش سهل.. ومحتاج وقت وترتيب."
"إنتوا عايزيني أقتل واحد جوه بيته، وواحد جوه السجن، وواحد جوه المستشفى!!"
"وكل ده بدون شبهة جنائية.. يبقى على الأقل آخد وقتي عشان أرتّب أموري صح."
كارما وقفت ورا الباب على صوت جدها وسمعت كلامه في التليفون.
كانت راجعة من المستشفى عشان تغير لبسها بعد ما عرفت ان خالد خارج النهاردة وراجع بيته.
اتصدمت وهي بتكتم صوتها وأنفاسها بإيديها..
اللي سمعته ده كأنها سمعته قبل كده من سنين..
بس جدها وقتها كان بيتفق على قتل باباها..
كان عمرها 12 سنة وسمعته بيتكلم في التليفون وبيوعد إنه هيتخلص من جوز بنته.
كارما كانت لسه صغيرة، وكانت فاكرة إن جدها بيهزر..
بس بعد يومين باباها اتقتل فعلاً..
وقتها كارما خافت وقفلت على نفسها أيام كتير..
كانت مرعوبة من جدها وخايفة تتكلم عشان ما يقتلهاش هي كمان.
كانت بتقنع نفسها إنها سمعت الكلام غلط، وإن ده مش حقيقي،
وإن جدها راجل شرطة شريف مستحيل يعمل كده.
طول السنين دي وهي بتكدّب نفسها وسمعها.
بس دلوقتي لا..
هي سامعة صح..
جدها بيتفق على موت 3 أشخاص تاني.
في بيت الدريني.
خالد خرج من المستشفى ورجع بيته.
مهاب ساعده يطلع أوضته عشان يرتاح على سريره.
عبير وبهيرة دخلوا وقعدوا في الريسبشن مع بعض يتكلموا.
ياسمين كانت واقفة وحاسة إنها بقت غريبة في البيت، مش بس غريبة في قلب حبيبها.
سالم قرب منها واتكلم بابتسامة:
"واقفة ليه يا ياسمين؟ اطلعي ارتاحي، إنتي تعبتي في المستشفى طول الأيام اللي فاتت."
اتكلمت ياسمين بحزن:
"هو ليه حضرتك ما سبتنيش أروح أعيش في شقة خالد لحد ما يفتكر؟ أنا مش هينفع أعيش معاه في نفس البيت وهو ناسيني."
رد سالم بحزم وهدوء:
"إزاي يعني تروحي تعيشي في شقة لوحدك وجوزك هنا؟!
مش كفاية طلبتي تسيبي أوضته وننقل حاجتك لأوضة تانية؟
مش معنى إنه ناسي بسبب اللي حصله.. إنك تنسي إنك مراته!"
ردت ياسمين والوجع باين في نبرتها:
"ماكنش ينفع أكون معاه في نفس الأوضة وهو مش فاكر إنه متجوزني أصلاً..
هنكون مع بعض زي الأغراب، وهو مش هيكون مرتاح، وأنا كمان مش هكون مرتاحة."
سالم قال بحسم وحنان:
"وأنا عملتلك اللي يريحك، وقلت للخدم ينقلوا حاجتك للأوضة اللي جنبه.
لكن أكتر من كده؟ لا.. لازم تكوني جنب جوزك لحد ما يفتكر ويرجعلك تاني."
ياسمين هزت راسها بالإيجاب وقالت بهدوء:
"حضرتك عندك حق.. عن إذنك هطلع فوق."
سالم ابتسم لها ومشي ناحية الريسبشن، وكانت عبير بتتكلم مع بهيرة بتوتر:
"بابا راجع النهاردة.. هو كلمني وقال لي "طمني بهيرة"."
"كان مسافر، عنده شغل بيخلصه، وتليفونه والباسبور بتاعه اتسرقوا، وأخد كل الوقت ده عشان يعمل باسبور تاني ويرجع."
بهيرة صدقتها وقالت بحزن:
"كنت محتاجاه جنبي أوي الفترة اللي فاتت..
بس الحمد لله، المهم خالد قام بالسلامة ورجع بيته."
سالم كان سامع وبيتابع بصمت.
بص لعبير بنظرة فيها شك، وسألها بغموض:
"وفين كارما؟ كانت في المستشفى وفجأة اختفت؟"
ردت عبير بسرعة:
"رجعت البيت تغير لبسها.. قالتلي هتيجي على هنا."
سالم هز راسه وسابهم ودخل أوضة مكتبه.
وعبير وبهيرة كملوا كلامهم مع بعض.
.........
في المساء.
ياسمين صحيت من النوم.
فتحت عنيها ببطء، وبصّت للسقف شوية قبل ما تقوم تقعد على السرير.
الأوضة جديدة عليها.. حتى ريحتها مش مألوفة، خالد في الاوضة اللي جنبها، بس بينهم دلوقتي حواجز مش بس حيطان.
سكتت لحظة، وبعدين اتنهّدت تنهيدة طويلة فيها وجع مخنوق وهي بتفكر في أحمد.
وحشها.
وحشها أوي.
من ساعة ما خالد دخل المستشفى، وهي نسيت نفسها ونسيت الدنيا كلها، حتى أخوها اللي كان كل حاجة ليها، اختفى من تفكيرها وسط دوّامة التعب والخوف والقلق.
مدت إيدها بهدوء للتليفون واتصلت بعمّها.. كانت محتاجة تطمن على أحمد، وتطلب تشوفه..
خرجت للبلكونة وهي بتتكلم، والهوا الرقيق بيعدّي على وشها كأنه بيواسيها.
شعرها اتحرك بخفة ووشها كان باين عليه الحزن والتعب.
عمّها رد بصوته الهادي:
"ألو، إزيك يا ياسمين.. ألف سلامة على جوزك.. معلش، معرفتش أجي أزوره في المستشفى، الدنيا عندنا ملخبطة."
كانت عارفة الأزمة اللي هما فيها .. معتصم ومهاب حكو لها، عرفت منهم إن خالد اتصاب وهما بيقبضوا على يحيى ابن عمها.
كلام عمها زاد الوجع جواها، اتكلمت بصوت هادي بس مليان اعتذار:
"اعذرني يا عمي.. مقدرتش أكون جنبكم في اللي حصل.. بس أكيد حضرتك مقدّر أنا كنت في إيه.. أنا كنت عايزة أطّمن على أحمد، بعد إذنك."
عمها:
"حاضر، هبعتله التليفون يكلمك.. خليكي فاتحة الخط."
سكتت، ووقفت تستنى.
نظرتها كانت تاهية، وتنفسها بقى أعمق، وكأنها بتحاول تلمّ جروحها.
مكانتش حاسه إن في حد واقف جنبها، ساكت وشارد، عينه على السما وقلبه مش هنا.
لكن هو سمع صوتها، وسمع المكالمة مع عمها، وصوتها لما اتغيّر فجأة..
وبقى فيه حياة وهي بتكمل مكالمتها وبتقول بابتسامة ممزوجة بالشوق:
- إزيك يا حبيبي؟ عامل إيه؟ وحشتني.
رد عليها أحمد بصوته الطفولي الدافي:
- إنتي كمان وحشتيني أوي يا ياسمين.. ليه اتأخرتي عليا؟ أنا مستنيكي تيجي تاخديني.. إنتي وحسن أبو علي.
خفض صوته وقال بسر:
- عشان أجي معاكم بيتكم الجديد.. أنا مقولتش لحد.
ابتسمت، بس ابتسامتها كانت حزينة.
جواها وجع، بس بتحاول تطمنه وتطمن نفسها:
- معلش يا حبيبي، إن شاء الله أول لما نجهز البيت هنيجي ناخدك. المهم طمني عليك؟ إنت كويس؟
أحمد:
- آه الحمد لله.. أنا كويس، بس زهقان هنا وأنا لوحدي.
قالت بصوت فيه وجع:
- متقلقش.. إن شاء الله هاجي أخدك في أقرب وقت.. وهنقضي يوم حلو مع بعض، اتفقنا؟
قال بحماس بسيط:
- اتفقنا.
المكالمة خلصت.
قفلت التليفون وهي بتتنهد من قلبها.
مش عارفة ليه حاسة إن الدنيا بتحضرلها حاجة تانية، حاجة مش مفهومة.
بصت جنبها من غير وعي، واتخضت!
خالد كان واقف في البلكونة، ساكت، وعينه عليها.
قلبها دق بسرعة، وسألته بتوتر:
- إنت واقف كده ليه؟ إنت كويس؟
هز راسه وقال بهدوء:
- آه، كويس.
اتكلمت باستغراب وهي بتحاول تفهم:
- طب واقف ليه كده؟ ادخل ارتاح على سريرك عشان متتعبش.
بصلها، ونبرة صوته كانت غريبة، مفيهاش وجع، بس مفيهاش راحة:
- أنا مرتاح هنا.
نظراته كانت تقيلة عليها.. وجواها حاجة بدأت تتوتر.
سألته بسرعة:
- محتاج حاجة أعملهالك؟
رد بكلمة واحدة بس:
- شكرًا.
بصت له لحظات، مش عارفة ترد بإيه، وبعدين بهدوء رجعت أوضتها وقفلت باب البلكونة وراها.
قعدت على السرير، وعنيها تاهت في الفراغ.
مش قادرة تصدق إن علاقتها بخالد بقت بالشكل ده.
البرود اللي بينهم بقى زي التلج، ومش عارفة التلج ده هيفضل ما بينهم لحد إمتى.
في بيت اللوا وحيد.
عبير رجعت من عند أختها بهيرة، وهي قلقانه على كارما لأنها مرجعتش عند خالتها زي ما اتفقت معاها.
وقفت قدام باب اوضتها، حاولت تفتحه بلطف، بس اتفاجئت إنه مقفول من جوه.
خبطت عليها بخوف:
- كارما؟ قافله على نفسك ليه؟ افتحي يا حبيبتي.
كارما مردتش.
لحظات، وبعدها الباب اتفتح ببطء.
كارما كانت واقفة ورا الباب، وشها أبيض زي التلج، وعينيها فيها رعب ساكن.
جسمها كله بيرتعش، كأنها خارجة من كابوس.
عبير قربت منها بسرعة، ومدت إيدها على وشها،
إيد كارما كانت ساقعة كأنها كانت ماسكة تلج.
- مالك يا كارما؟ في إيه؟
إنتي قولتيلي هتروحي تغيري وتيجي عند خالتك.. ليه مجتيش؟ حصل إيه؟
كارما بصتلها، وعينيها بتدمع، وقالت بصوت مخنوق بالخوف:
- أنا خايفة يا ماما.. عايزة أمشي من هنا.
الكلام وقع على قلب عبير زي الحجر،
ولسه هترد، فجأة دخل اللوا وحيد بصوته اللي بيملأ البيت كله:
- عبير.. تعالي، عايزك.
كارما اتخشبت مكانها، ارتجفت أكتر أول ما شافت جدها،
عنيها اتسمرت عليه بخوف بيقلب في معدتها.
هو بص لها باستغراب وقال ببرود:
- مالها كارما؟ هي الحالة رجعتلها تاني ولا إيه؟
عبير بصت له بقلق وقالت:
- شكلها كده يا بابا.
بصلها وحيد وقال بنبرة آمر كأنه بيخاطب جماد مش إنسانه:
- خدي الدوا بتاعك وارتاحي يا كارما.
كارما هزت راسها بحركة خفيفة، بس جسمها متجمد مكانه،
مش قادرة حتى تنطق قدامه.
اللوا وحيد كان ذهنه في حتة تانية.
رغم شكل حفيدته المذعور، عقله مشغول بحسابات تانية خالص.
بص لعبير وسألها وهو بيعدل نبرة صوته:
- قولتي لأختك الكلام اللي قولتهولك؟
عبير:
- آه يا بابا، قولتلها.
بس مش فاهمة ليه حضرتك طلبت مني أقولها إنك مسافر وإنت موجود هنا؟
رد وحيد بنبرة هادية، فيها خبث متغطي بالعقل:
- علشان بهيرة بتكبر المواضيع، وكانت هتتعب لي أعصابي.
استنيت لما ابنها يخرج من المستشفى.
قرب منها شوية، وبص لها باهتمام:
- هو لسه مش فاكر برضه؟
عبير:
- لأ.. لسه مش فاكر أي حاجة.
اللوا وحيد:
- ومراته؟ عامل إيه معاها؟
عبير:
- مش فاكرها خالص.
وكانت عايزة تسيب البيت لحد ما يفتكر، بس سالم مرداش وقعدها في أوضة لوحدها.
اللوا وحيد ابتسم بخفة،
كأن قلبه ارتاح لما اتأكد إن خالد ناسي فعلًا.
قال بنبرة فيها ترتيب للخطوة الجاية:
- بكره إن شاء الله نروح نزوره أنا وانتي وكارما.
بص لكارما، ونظرتها فيها هلع بيزيد،
شفايفها عايزة تقول حاجة بس مش قادرة.
هو ماخدش باله، أو خد ومهتمش، وقال وهو بيبصلها:
- إديها الدوا بتاعها، عشان متبقاش حالتها كده قدام أختك.
عبير:
- حاضر يا بابا.
خرج وحيد.
عبير طلعت الدوا من درج الكومودينو، وادته لكارما وهي قاعدة جنبها على السرير.
كانت بتراقبها بعين أم مش فاهمة بنتها دي رجعت للحالة دي ليه تاني؟
إيه اللي حصل؟
إيه اللي رجع كل الرعب اللي كان بدأ يهدى؟
سؤال فضل معلق في دماغها، وإجابته كانت ساكتة زي كارما.
صباح اليوم التالي في بيت الدريني.
الشمس كانت لسه طالعة بدفاها الخفيف، والبيت هادي غير صوت المعالق اللي بتخبط في الأطباق على السفرة.
ياسمين نزلت من فوق، لابسة وجاهزة، وباين عليها إنها صاحيه من بدري ومستعدة.
قربت من السفرة اللي قاعد عليها سالم وبهيرة، وابتسمت بهدوء:
- صباح الخير.
سالم رفع عينه ورد بابتسامة فيها ود:
- صباح النور يا بنتي.
لكن بهيرة رفعت نظرها لياسمين، ووشها اتشد بدهشة ممزوجة باستغراب:
- لابسة كده ورايحة فين ع الصبح؟
ياسمين قالت بهدوء وصوت ثابت:
- رايحة شغلي في المصنع.
بهيرة ضحكت بسخرية خفيفة وهي بتحط كباية الشاي على السفرة:
- شغل إيه اللي تروحيه وجوزك بالحالة دي؟!
ياسمين وقفت بهدوء، وقالت من غير أي انفعال:
- حضرتك قولتي قبل كده إن وجودي ملوش أهمية بما إنه ناسيني..
يبقى هقعد أعمل إيه؟
سالم اتدخل بسرعة قبل ما الحوار يسخن، وقال بحزم بسيط:
- أنا محتاج ياسمين معايا في المصنع يا بهيرة.
وخالد لو احتاج حاجة، انتي موجودة.
وفجأة وقف سالم بسرعة وهو بيبص ناحية السلم.
خالد كان نازل بخطوات بطيئة وتعب باين على وشه.
سالم مشي ناحيته بسرعة وقلق في عينيه:
- نزلت ليه من أوضتك يا حبيبي؟ خليك مستريح.. كنا هنطلعلك الفطار فوق.
خالد قال بصوت ضعيف، مرهق ومش طايق نفسه:
- مش عايز أفطر يا بابا..
زهقت من الأوضة فوق.
ياسمين بصت له من بعيد،
شافت تعبه في ملامحه، وشها اتشدت ووجع قلبها على حاله،
بس مفيش في إيديها حاجة.. مجرد نظرة وسكوت.
خالد رفع عينه فجأة،
لمحها وهي واقفة،
وبص لها بنظرة قصيرة مش مفهومة،
وبعدين مشي ناحية السفرة وقعد بتقل كأنه شايل جبل على ضهره.
سالم رجع يبص لياسمين وقال بلطف أبوي:
- اقعدي يا ياسمين، يلا افطري، ونروح المصنع مع بعض.
ياسمين اتوترت، قلبها دق بسرعة، وقالت وهي بتاخد نفسها بالعافية:
- لا يا عمي، أنا مش عايزة أفطر.. هستناك برا في العربية.
سالم قال بصوت فيه حزم أب:
- اقعدي يا ياسمين جنب جوزك، وافطري معانا..
اسمعي الكلام.
كلمة "جنب جوزك" وجعت قلبها،
بصت لخالد وهي بتحاول تسيطر على توترها،
قلبها بيخبط في صدرها وهي بتقرب تقعد جنبه على السفرة.
حركاتها محسوبة، ونظرتها ليه كلها تساؤلات مكتومة.
قعدت جنبه...
بس هو بص لها من غير ما ينطق،
نظرة سريعة، ساكتة، كأنها مش موجودة.
بهيرة بصت عليه بحنان أم خايفة على ابنها:
- افطر يا حبيبي عشان تتغذى شوية.. انت ضعفت أوي الفترة دي.
وبصت لياسمين، وقالت بلوم صريح:
- المفروض مراتك هي اللي تهتم بيك وبأكلك...
بس هقول إيه! خليني ساكته!
كلامها دخل قلب ياسمين زي سهم، ردت بغيظ مكتوم وهي بتحاول تمسك نفسها:
- لا اتكلمي حضرتك ومتقلقيش هو مش فاكر إنه متجوز أصلًا؟ ده بيقولي "يا آنسة"!
ضحكة سالم طلعت من قلبه فجأة على كلام ياسمين، وبص لخالد وقال وهو لسه بيضحك:
- معلش يا ياسمين، بكره يفتكر.
لكن خالد رد بصوت تعبان ومنهك، نبرة مكسورة أكتر من كونها هادية:
- أنا مش عايز أفتكر حاجة..
أنا نازل أقعد معاكم شوية عشان زهقان من فوق.
الكلمة وجعت ياسمين أكتر من اللي قبلها،
بصت له بعين مليانة قهر وغيظ وقالت بعصبية مكسورة:
- هو إيه اللي مش عايز أفتكر حاجة؟!
آه ما إنت شكلك لما صدقت تنساني، صح؟
بهيرة اتدخلت بسرعة، وهي متضايقة:
- متزعقيش في ابني كده، هو لسه تعبان!
ياسمين ردت وهي ماسكة نفسها بالعافية:
- ده أنا اللي تعبانة، وهيجيلي جلطة بسببه!
سالم حاول يهدي الجو بصوته اللي فيه حنية وعقل:
- معلش يا ياسمين.. الصبر يا بنتي.
نظرات ياسمين فضلت ثابتة، نظرة زعل بجد،
زعل من جواها، مش مجرد لحظة غضب.
سالم حاول يغيّر الموضوع وقال لها بهدوء:
- الباشمهندس هشام كان كلمني عن نوع مكن جديد، بيقول إنه كويس، وكنت عايز أجيب واحدة نجربها في المصنع...
إنتي إيه رأيك يا ياسمين؟
ردت بصوت حزين، صوت فيه طيف من الانكسار:
- آه هو كلمني النهاردة، وقالي على المكن ده،
وطلب مني أروح معاه مصنع فيه المكن عشان أشوفه وأقول لحضرتك رأيي...
هروح معاه النهاردة إن شاء الله.
وهنا... خالد فجأة خبط بإيده على السفرة!
الصوت كان عالي وصادم، خلى الكل يسكت لحظة.
ياسمين بصت له بدهشة، قلبها اتخض،
وشه كان متغير، ملامحه اتقلبت...
كل عضلة في وشه كانت مشدودة،
وكان باين عليه إنه بيضغط على أسنانه بقوة وهو بيحاول يبلع غضبه.
هي عرفاه...
عرفاه أوي...
دي مش أول مرة تشوفه بالشكل ده.
ده خالد حبيبها اللي بيغير.
وخالد من أول لحظة بيغير عليها من هشام.
خد كباية الميه بسرعة وشرب منها،
كأنها محاولة منه يهدي نفسه...
بس كانت إيده ماسكة الكباية وبيضغط عليها كأنها هتتكسر في ايده.
ياسمين فضلت ساكتة لحظة،
تفكيرها سريع،
بدأت تشك في خالد.
غيرته عليها كشفته!
جاتلها فكرة.
بصت قدامها وهي بتمسك تليفونها وقالت بصوت رقيق متعمد:
- ده هشام بعتلي رسالة كمان.
وفي اللحظة دي...
خالد مد إيده،
شد التليفون من إيدها ورماه على الأرض بكل قوته،
وقال بصوت مليان غضب:
- ارمي الزفت ده!
مفيش شغل في المصنع تاني،
واللي اسمه هشام ده... مش عايز أسمعك بتنطقي اسمه!
المفاجأة كانت كبيرة،
لكن ياسمين... بصت له وابتسمت فجأة.
ابتسامة خفيفة، بس مش ساذجة.
ابتسامة واحدة ست عارفة جوزها كويس... بقلمي ملك إبراهيم.
رواية منعطف خطر الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم ملك ابراهيم
ياسمين فضلت ساكتة لحظة&;
تفكيرها سريع&;
بدأت تشك في خالد.
غيرته عليها كشفته!
جاتلها فكرة.
بص&;ت قدامها وهي بتمسك تليفونها وقالت بصوت رقيق متعمد:
&; ده هشام بعتلي رسالة كمان.
وفي اللحظة دي&;
خالد مد إيده&;
شد التليفون من إيدها ورماه على الأرض بكل قوته&;
وقال بصوت مليان غضب:
&; ارمي الزفت ده!
مفيش شغل في المصنع تاني&;
واللي اسمه هشام ده&; مش عايز أسمعك بتنطقي اسمه!
المفاجأة كانت كبيرة&;
لكن ياسمين&; بص&;ت له وابتسمت فجأة.
ابتسامة خفيفة&; بس مش ساذجة.
ابتسامة واحدة ست عارفة جوزها كويس.
خالد كمل كلامه والغضب باين في صوته ونبرته:
&; الكل بيقول إنك مراتي! ومفيش واحدة تسيب جوزها في الحالة دي وتروح شغلها!
كلامه كان زي الطلقة&; جه مفاجئ وقاطع.
وصوت بهيرة دخل على الخط بسرعة&; مستغلة اللحظة&; وقالت بشماتة وهي بص&;ة لياسمين:
&; والله يا حبيبي أنا قولت نفس الكلام ده&;
بس باباك بيفضل يدافع عنها!
ياسمين ما ردتش&;
حتى ما بص&;تش ل بهيرة&;
عينها كانت متس&;مرة على خالد&;
بتتفرج عليه&; بتحاول تفهمه&;
بتحاول تمسك أي خيط يوصلها ل كشف كدبته.
خالد قام واقف بتعب&;
نفسه تقيل وخطوته بطيئة&; بس نبرته كانت مليانة ضيق:
&; أنا كنت نازل أقعد معاكم شوية عشان زهقان&;
ماكنتش أعرف إنكم هتصد&;عوني كده!
بهيرة قامت بسرعة من مكانها&; لهفتها باينة في حركتها:
&; طب اقعد يا حبيبي&; إفطر الأول.
بس خالد ما ردش&;
طلع على فوق بخطوات تقيلة&;
وبهيرة طلعت وراه بسرعة عشان تساعده.
في اللحظة دي&;
سالم كان قاعد مكانه مش مصدق اللي حصل&;
اللي شافه ماكانش بسيط&;
خالد&; غار على مراته&;
ده لأنه فاكرها فعلا&;&;
ولا لأنه بس سمع منهم إنها مراته وبدأ يتعامل على الأساس ده&;
الموقف لخبطه&; عقله مش قادر يرتب المشاعر دي كلها&;
بص&; لياسمين&; كانت قاعدة مكانها&; ساكتة&;
وفي على وشها ابتسامة صغيرة&; خفيفة&; بس فيها ألف معنى.
سالم سألها بدهشة مش قادر يخبيها:
&; إنتي فهمتي حاجة من اللي حصل ده يا ياسمين&;
بص&;ت له ياسمين&; عقلها بيجري أسرع من كلامها&;
وقالت بصوت هادي فيه حيرة:
&; مش عارفة!
سالم هز دماغه وقال بحنية وهدوء:
&; خلاص يا بنتي&; خليكي جنبه&;
وبلاش شغل في المصنع الفترة دي&; لحد ما يخف&;
يمكن هو محتاجك فعلا&;&; حتى لو هو ناسي&;
إنتي برضه مراته.
سكتت ياسمين لحظة&;
بعدين بص&;ت قدامها وهي بتفكر&; وقالت بنبرة فيها اقتناع:
&; حضرتك معاك حق.
وقامت&; خطواتها كانت تقيلة&;
مش بس من التفكير&;
من الحمل اللي على قلبها&; من كل حاجة حاسة بيها ومش قادرة تحكيها.
قالت وهي واقفة:
&; أنا هطلع أشوفه&; يمكن محتاج حاجة.
وطلعت بهدوء&;
كل درجة على السلم كانت بتفكر فيها&;
بتفتكر اللي حصل من شوية&; نظرته&; عصبيته&; غيرته&;
كلهم كانوا بيكشفوه.
ده خالد الدريني اللي هي اتجوزته.
كانت طالعال&;ه بهدوء&; خطواتها ساكنة وقلبها مش ساكت.
وقفت عند باب أوضته&;
كانت واقفة من بعيد بتسمع وبتشوف&;
وبهيرة جوا بتساعد خالد ينام&; وهي بتتكلم بنبرة فيها ضيق&; مش واخدة بالها إن ياسمين واقفة وراها:
&; صح اللي انت عملته تحت ده يا حبيبي&;
كان لازم توقفها عند حدها وتفهمها إنها متجوزة راجل&; والمفروض تهتم بيه هو&;
شغل إيه اللي هي عايزة تروحه&;
هو احنا محتاجين شغلها ده!
الكلام دخل في قلب ياسمين ووجعها من حماتها&;
بس وشها ما اتحركش&;
فضلت واقفة بنفس الهدوء&; بس جواها نار.
نار من القهر&; ومن العجز&; ومن الحزن اللي مابقاش له ملامح.
خالد رد بتعب&; صوته كان ضعيف ومرهق:
&; خلاص يا ماما&; لو سمحتي&; أنا تعبان وعايز أنام.
بهيرة قربت منه ولمسته بحنان:
&; نام يا حبيبي وارتاح.
ولسه بتلف علشان تخرج&;
اتفاجئت بياسمين واقفة عند الباب.
بهيرة وقفت لحظة&; بلعت ريقها وسألتها بارتباك خفيف:
&; انتي واقفة هنا من إمتى&;
ردت ياسمين بنبرة هادية&; بس وراها وجع كبير:
&; مش مهم&;
حضرتك عندك حق&;
مكنش ينفع أروح شغلي واسيب جوزي تعبان كده&;
أنا جيت أقعد معاه&; لو احتاج حاجة.
بهيرة بصت لها كام ثانية&;
مكنش فيها شماتة المرة دي&;
بس برضو قالت بنبرة جافة:
&; كويس إنك عرفتي غلطك.
وعد&;ت من جنبها وخرجت من الأوضة من غير ما تبص وراها.
خالد غم&;ض عنيه&;
ما قالش حاجة&;
حتى بص&;ش لها&;
وكأنه فعلا&; هينام.
بس ياسمين كانت شايفة&;
شايفة الهروب في حركة عينه&;
اللي كانت بتتجن&;بها&;
والضهر اللي اتسل&;م للراحة عشان يبعد عن المواجهة.
كانت واقفة في مكانها مش عارفة تعمل إيه&;
جزء منها عايز يقرب&;
وجزء تاني مش عارف هو أصل&;ا عايزها ولا لأ.
بس اللي متأكدة منه&;
إن ده خالد&;
حتى لو قال انه مش فاكر.
دخلت وقفلت الباب وراها بهدوء&;
كأنها بتفصل العالم كله عن اللحظة دي&;
وقربت منه بخطوات حذرة&; عينيها عليه&; وقلبها مليان كلام.
قالت بصوت هادي:
&; هتنام&;
رد وهو مغمض عنيه ونبرته فيها برود وتعب:
&; آه&; عايز أرتاح بعد الصداع اللي عملتوهولي تحت.
ما تهز&;تش&;
قربت أكتر&;
والابتسامة اللي على وشها كانت باهتة&; فيها كسرة:
&; هتنام كده على طول&; ولا ممكن أحكيلك حكاية تسليك قبل ما تنام&;
رد بجفاء وهو لسه مغمض:
&; قلتلك عندي صداع&; مش عايز أسمع حاجة.
بس هي ما استسلمتش&;
قعدت جنبه على السرير&; جسمها قريب منه بس المسافة بينهم كانت كبيرة جد&;ا من جوه.
قالت بنبرة خفيفة وهي بتحاول تخبي رجفة صوتها:
&; معلش&; تعالى على نفسك شوية&;
وبعدين دي حكاية مسلية جد&;ا.
هو ما ردش&;
عينه فضلت مغمضة&;
بس هي قررت تكمل كأنها بتحكي لنفسها.
بص&;ت قدامها&;
صوتها كان هادي بس فيه وجع متكتم&;
الكلمات كانت طالعة من جوه قلبها&; من ج&;رح مش بيلتئم:
&; دي حكاية بنت حبت واحد&;
وكانت فاكرة إنه كمان بيحبها&;
لا&;
دي كانت متأكدة إنه بيحبها حب مش عادي&;
كان مستعد يضحي بعمره&; بحياته&; وبمستقبله عشانها.
سكتت لحظة&; النفس اتخنق في صدرها&;
بس كملت وهي بتحاول تبتلع الغصة:
&; كانت دايم&;ا شايفه إن حبه كبير عليها&;
كانت بتخاف عليه أكتر ما بتخاف على نفسها&;
كانت مستعدة تكسر قلبها وتعيش عمرها كله مقهورة على حبه&;
بس أهم حاجة إنه ميخسرش مستقبله بسببها&;
سكتت لحظة&;
وبعدين قالت بصوت أهدى&;
بس مليان وجع وحنين:
&; بس هو&;
هو أخد إيديها وقالها:
&;متصدقيش أي حد يقول إن وجودك في حياتي ممكن يضر مستقبلي&;
أنا بحبك.&;
كملت الجملة بصوت شبه هامس&;
وكانت بتبص له&; مستنية أي رد فعل&;
حتى لو كانت طرف عين بيتحرك&;
بس هو لسه ساكت.
دموعها بدأت تنزل بهدوء وهي بتحكي&;
زي سيل مش قادر يتوقف&;
والكلام بقى يخرج من جواها مبحوح&; كل كلمة فيها وجع سنين:
&; البنت صدقته&;
وثقت فيه&; وافتكرت إنه فعلا&; بيحبها بجد.
بس في يوم&; اتحط في اختبار حقيقي&;
اختبار ماينفعش يتهرب منه&;
صوتها ارتعش وهي بتكمل:
&; هو بنفسه قبض على ابن عمها&;
ولما بقت قضية كبيرة&;
وكل الدلائل قالت إن عيلتها مجرمين&;
فجأة هو كمان شاف الحقيقة اللي الكل كان شايفها من زمان&;
حضرة الظابط ماينفعش يتجوز بنت من عيلة بالشكل ده&;
سكتت لحظة&;
وبعدين شهقتها خرجت غصب عنها&; والبكاء علا في صوتها وهي بتقول:
&; فـ قرر&;
قرر يمثل عليها&;
قال لنفسه يعمل إنه فقد الذاكرة&;
وناسيها هي بس&;
فاكر كل الناس&;
كأنه بيقولها من غير ما ينطق:
&;اخرجي من حياتي زي ما دخلتي&;
وجودك بقى خطر على مستقبلي&;
بس أنا مقدرش أقولك كده في وشك&;
فهكدب&; وأبعدك بالكذبة.&;
ضحكت ضحكة حزينة وهي بتبكي&;
الدموع مغرقة وشها&; وصوتها بقى أضعف ومكسور:
&; بس هي كانت غبية&;
مقدرتش تفهم الحكاية من الأول&;
وصد&;قته&;
وعاشت على أمل إنه هيفتكرها&;
بس&; من دقايق بس&;
اكتشفت الحقيقة.
فتح عنيه فجأة&;
بص لها بنظرة صاحية&;
وسألها بصوت ثابت:
&; واكتشفت إنه بيكدب عليها إزاي&;
بصت له&;
وعيونها كانت مليانة دموع وصدق&;
وقالت بهمس حزين:
&; غيرته عليها&; هي اللي كشفته.
سكت لحظة&;
وبص للسقف&; كأنه بيفكر بصوت عالي وقال:
&; وغيرته دي&;
في الحكاية اللي حكيتيها&;
في صالحه&; ولا ضده&;
هي ما فهمتش قصده&;
بصت له باستغراب وعيونها بتسأله&;
بس هو لف وشه ناحيتها وبص لها&;
وصوته بقى أوضح وهو بيكمل:
&; يعني&; لو هو مش بيحبها أكتر من حياته&;
كان هيغير عليها كده&;
فضلت باصة له&;
وعقلها بيدور&;
بتفكر في الإجابة&;
في معناها&;
وفي اللي سمعته منه دلوقتي.
رفع جسمه وسند ضهره على السرير&;
كان باين عليه التعب&;
اتنهد تنهيدة تقيلة كأنها خارجة من جواه من سنين&;
وبص لها وهو مستني رد&;
بس هي سكتت&;
ولا كلمة طلعت منها.
هو حس بالسكوت&;
وسمعه أعلى من الكلام&;
اتكلم بصوت حزين فيه كسرة:
&; هحكيلك أنا حكاية&;
متأكد إنها هتكون مسلية أكتر من حكايتك.
سكت لحظة&;
وبدأ يحكي&;
وصوته كان متغي&;ر&;
فيه حزن&;
وفيه شجن&;
وفيه حاجة كانت محبوسة جواه بقالها كتير:
&; كان في واحد زمان&;
مكانش يعرف يعني إيه خوف.
كان بيعيش يومه بيومه&;
وحياته نفسها مكانتش تفرق معاه&;
لحد ما في يوم&;
قابل بنت&; صدفة&;
ومن اللحظة دي&;
عرف يعني إيه خوف!
خوف إنه يفقدها&;
خوف إن يحصلها حاجة&;
خوف إنه يكون سبب في ألمها.
ومع كل صدفة جمعتهم&;
حبها&;
حبها أكتر من نفسه&;
كانت هي أغلى من الدنيا&;
كان بيكتفي بنظرة منها&;
وبيتمنى رضاها أكتر من أي حاجة&;
وكان ممكن يضحي بعمره كله&;
بس عشان يشوفها بتضحك.
سكت شوية&;
وبعدين صوته وطي أكتر:
&; وفي يوم&;
في شغله&;
وهو بيقبض على ابن عمها&;
ياسمين بصت له&;
مستنية يكمل الحكاية&;
لمحت حاجة في عنيه لأول مرة تشوفها&;
حزن تقيل&;
مش بس حزن&;
ده وجع&;
كأنه شايل حاجة كبيرة من زمان ومخنوق بيها.
بص في عنيها&;
وهو بيكمل الكلام بصوت هادي&;
لكن كل كلمة كانت سكينة في قلبه:
&; اكتشف إن جده&;
أبو أمه&;
الراجل اللي كان بيعتبره قدوة&;
اللي كان شايفه دايم&;ا الراجل المحترم اللي رب&;اه علي القيم والمبادئ والاخلاق.
هو نفسه اللي بيسه&;ل دخول وتوزيع السلاح لجدها&;
ولابن عمها&;
ياسمين فتحت عنيها بصدمة&;
كانت قاعدة جنبه بس فجأة جسمها كله ل&;ف ناحيته&;
عد&;لت قعدتها كأنها بتحاول تقرب من الحقيقة اللي اتقالت فجأة قدامها.
خالد هز راسه بحزن&;
وهو بيكلمها بصوت كله وجع:
&; يعني لو هي فاكرة&;
فاكرة إنه كدب عليها&;
وإنه عمل نفسه ناسيها&;
عشان يهرب من الجوازة&;
عشان أهلها مجرمين&;
طمنيها&;
قوليلها إن مش بس أهلها هما اللي مجرمين.
هو كمان&;
بس الفرق&;
إن وجعه كان أكبر بكتير&;
بص قدامه&;
وصوته كان مجروح وهو بيكمل:
&; اتصاب برصاصة في قلبه&;
قدام عين جده&;
وجده سابه&;
سابه مرمي على الأرض بيموت&;
وهرب عشان ينقذ نفسه.
ياسمين كانت مصدومة&;
عن&;يها بتلمع من كتر الدموع اللي اتحبست&;
مش قادرة تستوعب اللي بتسمعه&;
مش مصدقة!
بص لها وقال بحدة هادية:
&; لو هي فاكرة إنه كان بيكدب&;
وكان بيمثل انه ناسي عشان يحمي نفسه&;
الحقيقة إنه عمل كده&;
عشان يحميها هي.
جده&;
المجرم الكبير&;
واللي معاه&;
كانوا هيفكروا يخلصوا منه أول ما يفوق&;
عشان ميتكلمش.
بس يخلصوا منه إزاي&;
وهو في مستشفى الشرطة وتحت حماية&;
سكت لحظة&;
وبص في الأرض&;
كأنه بيحاول يلم جرحه وهو بيقول:
&; يبقى مفيش غير إنهم يوجعوه&;
يضغطوا عليه من أضعف نقطة&;
مراته&;
اللي جده عارف&;
قد إيه بيحبها&;
وقد إيه ممكن يضحي بحياته عشانها.
سكت.. الحزن كان تقيل على قلبه.
ياسمين كانت بتبص له&;
قلبها بيتكسر عليه&;
دموعها نازلة&;
مش بس على نفسها&;
على وجعه.
خالد غمض عنيه&;
واتنهد تنهيدة تقيلة من جوه روحه:
&; ممكن تسيبيني لوحدي شوية&;
هزت راسها برفض&;
صوتها متكسر وهي بتعيط:
&; لا&;
مش هسيبك تاني أبدا.
ورمت نفسها في حضنه وهي بتبكي&;
حضنته كأنها بتحاول تعو&;ض كل لحظة وجع&;
وهو ضمها لقلبه&;
وباس دماغها بحنان وهو بيهمس بصوت مكسور:
&; أنا آسف&;
عارف إني كنت قاسي عليكي&;
بس كان لازم أعمل كده.
ردت وهي بتبكي جوه حضنه&;
كلامها طالع من جوه وجعها:
&; ليه خبيت عليا&;
ليه مقلتش&;
كنت قولي&;
وأنا كنت هعمل أي حاجة تطلبها مني.
اتنهد وهو بيقربها لقلبه&;
صوته كله وجع:
&; كان لازم كل حاجة تبان طبيعية&;
لو كنت عرفتك إن&;ي فاكرك&;
ماكنتش هقدر أكون قاسي كده&;
كان لازم أقنع الكل إني نسيتك&;
عشان متتعرضيش لخطر.
بعدت عنه شوية&;
وبص&;ت له&;
عن&;يها كلها دموع وحنين وعتاب:
&; أنا كنت بموت عليك يا خالد&;
والله الموت كان أهون عندي
من إنك تبصلي وتقول مش فاكرني.
هو مسح دموعها بإيده بل&;طف&;
وهمس وكأنه بيكلم قلبه:
&; لازم أفضل مش فاكر&;
وأقرب الناس ليا يصدقوا&;
عشان جدي واللي معاه يصدقوا&;
ويطمنوا&;
وساعتها بس&;
أقدر أحميكي بجد.
ياسمين سألته بفضول وقلق واضح في صوتها:
&; وهتعمل إيه دلوقتي&; بعد ما الكل صدق إنك ناسي&;
رد بهدوء&; وصوته فيه نبرة حذر:
&; مش مطلوب مني أعمل أكتر من كده.
خالد مقدرش يقول لياسمين كل حاجة&;
في أسرار عن شغله وعن اللي اكتشفوه عن جده لازم تفضل في قلبه.
لأن في جهات أمنية أكبر منه بكتير شغالة على القضية دي دلوقتي&;
مخابرات&; وأمن دولة&;
لأن اللي جده متور&;ط معاهم طلعوا أخطر من مجرد تجار Sـلاح.
ناس تقيلة&; ليهم نفوذ&; وبيقتلوا بدم بارد.
هو فاكر كويس أول لحظة فاق فيها جوه المستشفى&;
عينه كانت شايفة الدكتور&; لكن عقله سبق كلامه.
طلب منه يقول إن عنده فقدان ذاكرة&;
وإنه مش فاكر آخر فترة في حياته&;
خطة اضطر يعملها في ثواني عشان يكسب وقت ويبعد الخطر .
أول لما دخل عليه معتصم ومهاب&;
قالهم كل حاجة&;
عن اللي حصل&; وعن الرصاصة اللي كانت هتموته&;
وعن الجد اللي سابه ينزف وهرب كأنه ولا يعرفه.
ومعتصم ومهاب بلغوا المعلومات اللي قالها&;
ومن ساعتها&; التحقيقات اشتغلت بصمت وسرية&;
وبدأت تتكشف خيوط شبكة كبيرة&;
وبالتحريات والتتبع عرفوا إن جده متور&;ط مع Mافيا كبيرة&;
ناس بيشتغلوا في الــSـلاح&; تـHـريب&; قـTـل&;
اللي كان شايفه مجرد تجارة Sـلاح طلع شبكة إجرا مية دو لية.
صوت ياسمين خرجه من شروده وهي بتسأل:
ـ يعني هنفضل مكملين كده.. وانت مش فاكر&;
هز راسه بهدوء وقال بنبرة فيها إصرار:
ـ لازم نفضل مكملين.
بعدت عن حضنه وهي بتقول بنبرة فيها كسرة قلب:
ـ خلاص.. خليني بعيد شوية&; عشان لو مامتك دخلت تاني.
شدها عليه بل&;طف&; وابتسم وهو بيهمس بحب:
ـ خليكي في حضني شوية.. إنتي وحشتيني أوي.
ابتسمت بخجل وهي بتقول:
ـ ولو مامتك دخلت ولقتني في حضنك.. هتقولها إيه&;
ضحك وقال وهو بيغمز لها:
ـ هقولها إنك بتحاولي تخنقيني وأنا نايم.
بص&;ت له بغيظ مصحوب بابتسامة:
ـ تعرف&; هتصدق! والله هتصدق وتفكرني كنت بعمل كده فعلا&;.. إنت متعرفش مامتك بتحبني قد إيه!
ضحك من قلبه&; وضمها أكتر وهو بيقول:
ـ المهم إن ابنها بيحبك وبيموت فيكي.
رغم فرحتها&; بعدت عنه بخجل&; وقالت بارتباك:
ـ خالد.. مش هينفع&; انت لسه تعبان.
قعدت قصاده&; وبص&;ت له بحنية:
ـ أنا هسيبك ترتاح شوية.. شكلك تعبان بجد&; وكمان عشان مامتك متستغربش إني اتأخرت عندك.
ابتسم وهز راسه:
ـ طب خليكي معايا شوية.. إنتي وحشتيني.
وقفت وهي بترد وبتضحك:
ـ لا مش هينفع.
كانت هتخرج من الأوضة&; بس وقفت فجأة ولفت تبص له وسألته:
ـ آه صحيح.. إيه حكاية نانسي اللي جت تزورك في المستشفى دي&;
خالد كح فجأة وقال وهو بيعمل نفسه موجوع:
ـ آه.. حاسس بوجع جامد في صدري مكان العملية.. معلش يا حبيبتي&; اطفي النور وانتي خارجة&; عشان أعرف أنام.
وغمض عنيه وهو بيمثل النوم بسرعة.
ياسمين كتمت ضحكتها وقالت:
ـ حاضر يا حبيبي.. هطفي النور من عيوني.
بس احنا لسه مخلصناش كلامنا في الموضوع ده!
وخرجت وهي حاسة إن قلبها بيرقص من الفرحة.. حبيبها لسه فاكرها&; ولسه بيحبها.
وخالد فضل مغمض عنيه&; وابتسامة دافية على وشه&; وهو بيهمس جواه:
ـ لو تعرفي أنا بحبك قد إيه يا ياسمين.
رواية منعطف خطر بقلمي ملك إبراهيم.
ياسمين نزلت تحت ولسه الابتسامة مرسومة على وشها&;
بس جواها كان في مزيج غريب من الراحة والخوف.
شافت بهيرة قاعدة في الصالون بتشرب قهوتها&; وسالم مش باين في المكان.
قربت منها&; وبهيرة سألتها وهي بتحط فنجان القهوة على التربيزة:
&; خالد نام&;
ردت ياسمين بهدوء&; ونبرة صوتها فيها حذر بسيط:
&; آه&; نام أول ما حضرتك خرجتي على طول.
بهيرة رفعت عينيها لياسمين وقالت بنبرة فيها صراحة:
&; أنا مش عايزاكي تزعلي مني يا ياسمين.. بس خالد ده ابني الوحيد&; وأنا زي أي أم.. كل اللي يهمني سعادته وراحته.
ياسمين هزت راسها بشوية تأثر وقالت بصوت هادي:
&; أنا مقد&;رة اللي حضرتك بتقوليه&; وبطلب بس تحطي نفسك مكاني..
تخيلي لو عمي سالم فجأة نساكي&; وفاكر كل الناس إلا إنتي.. هتحسي بإيه&;
بهيرة سكتت لحظة&; وكأن السؤال لمس حاجة جواها&;
وبعدين قالت بعد تفكير:
&; هزعل طبع&;ا.. بس خالد منساش بمزاجه&;
إنتي عارفة كويس اللي حصله&; ولازم تصبري وتقد&;ري ظروفه.. لحد ما يفتكر برحته.
ردت ياسمين بهدوء&; ونظرة حزن رقيقة في عينيها:
&; حضرتك عندك حق.
وأثناء ما هم قاعدين بيتكلموا&;
الخدم فتحوا باب الفيلا&; ودخل اللواء وحيد&; ووراه عبير وكارما.
دخلوا على الريسيبشن&; وبهيرة وياسمين كانوا لسه قاعدين.
أول ما بهيرة شافت أبوها&; قامت بسرعة&; وملامحها اتبدلت من الهدوء للقلق الممزوج بالفرحة:
&; بابا.. حمدلله على السلامة.
ضمها اللواء وحيد بهدوء وهو بيرد بنبرة فيها تحفظ:
&; الله يسلمك يا بنتي.. طمنيني&; عاملة إيه&; وخالد عامل إيه دلوقتي&;
ياسمين قامت&; وجسمها اتشد لا إرادي&;
أول ما عينيها وقعت على اللواء وحيد&;
بس اللي شد انتباهها أكتر كانت كارما.
كانت باينة مرهقة بشكل واضح&;
لبسها غامق&; وشعرها مربوط بسرعة كأنها حتى ما بصتش في المرايا قبل ما تنزل&;
مفيش أثر لأي مكياج أو اهتمام..
كأنها اتحرمت من النوم&; أو فيه حاجة كبيرة جواها مش قادرة تطلعها.
اللواء وحيد بصلها بنظرة فيها غموض وسألها بنبرة هادية بس مش بريئة:
&; إزيك يا بنتي.. مش انتي مرات خالد برضه&;
ياسمين هزت راسها وهي بتحاول تسيطر على ارتباكها:
&; الحمدلله.
عبير دخلت وقعدت على الكنبة&;
وكارما كانت لسه واقفة&; متجمدة في مكانها&;
عن&;يها مش ثابتة&; وملامحها شاردة&; كأنها مش شايفة حد.
بهيرة استغربت حالها وسألتها بقلق:
&; مالك يا كارما&; انتي تعبانة ولا إيه يا حبيبتي&;
عبير ردت بسرعة وعصبية خفيفة وهي بتحاول تدارى:
&; آه&; تعبت امبارح شوية&; بس الحمدلله دلوقتي أحسن.
وبص&;ت لكارما بنظرة فيها توتر وقالت وهي بتضغط على أسنانها:
&; اقعدي يا كارما.
كارما بصتلها لحظة&; وبعدين قعدت من غير ولا كلمة&;
كأنها آلة بتتنقل بأمر غيرها&;
مافيش روح.. مافيش حياة&;
وياسمين كانت مركزة معاها&;
حس&;ت إنها مش طبيعية&; وإن في حاجة مش مفهومة في تصرفاتها.
اللواء وحيد كان قاعد وسكوته فيه تركيز&; ملامحه باينه هادية&;
بس الحقيقة إنه كان مشغول بحاجة واحدة بس..
عايز يتأكد إن خالد فعلا&; لسه ناسي.
سأل وهو بيبص لياسمين بنظرة فيها اهتمام مغل&;ف بمرح مزيف:
&; خالد أخباره إيه&; لسه ناسي برضه&; معقول زمانه نسي جده كمان&;
آخر جملة قالها بنبرة خفيفة&; كأنه بيهزر&;
بس اللي سامع كويس&; هيعرف إن الضحكة دي مجرد ستار بيخبي بيه قلقه الحقيقي.
بهيرة ردت:
&; هو الحمد لله فاكرنا كلنا&; إلا مراته..
الدكتور بيقول انه نسي آخر فترة في حياته&; حتى اليوم اللي اتصاب فيه.
كنت لسه بتكلم مع ياسمين في الموضوع ده وبقولها تصبر لحد ما يفتكر برحته.
اللواء وحيد بص لياسمين وسألها بنبرة مهتمة:
&; معقول مش فاكر أي حاجة بينكم خالص&;
ياسمين هزت راسها بـ&;لا&;&; بعينين فيها توتر&;
بس قبل ما تقول أي رد&; بهيرة دخلت في الكلام وهي بتضحك ضحكة فيها خفة مخلوطة بسخرية:
&; يفتكر حاجة بينهم إيه يا بابا! ده بيقولها &;يا آنسة&;.
ضحكة عبير طلعت بصوت عالي&; وكانت زي صفعة في ودن ياسمين.
حست انهم هيتسلوا عليها&; الضيق اتجمع جواها بسرعة&; قامت من مكانها وقالت وهي بتحاول تمسك أعصابها:
&; عن إذنكم.
خرجت للجنينة&; تمشي بخطوات مش سريعة لكن كل خطوة فيها خنقة&;
وهي مش قادرة تبين إنها متضايقة رغم إن جواها نار.
عبير كانت لسه بتضحك&; وبص&;ت على ياسمين وهي خارجة وهمست لأختها بصوت واضح ومقصود توصله:
&; معقول يا بهيرة&; مش فاكر أي حاجة بينهم خالص&;
بهيرة ردت عليها بضيق:
&; مش فاكر أي حاجة&; وهي زي ما انتي شايفة كده..
قالبة وشها&; ومش طايقة كلمة من حد&; ومش بتعمل حاجة غير إنها تحرق دم ابني وبس.
اللواء وحيد كان ساكت&; بس مركز جد&;ا&; كل كلمة بتدخل ودنه وتقعد.
وبهيرة كملت بنفس النبرة اللي مليانة غيظ مقموع:
&; نزل يا حبيبي عشان يفطر معانا&;
فضلت تضايق فيه وتستفزه عشان يفتكرها&;
وهو مش فاكر&; يعمل إيه يعني غصب عنه&;
قولتلها تصبر لحد ما يفتكر&; بس مفيش فايدة فيها.
الكلام ده ري&;ح قلب وحيد&;
ابتدى يطمن إن توتر العلاقة ما بينهم نتيجة للنسيان&;
ولما بهيرة زودت وقالت:
&; حتى نقلت حاجتها في أوضة تانية&;
وقالت مش هتنام معاه في نفس الأوضة وهو ناسيها&;
عملنا اللي هي عايزاه&; وبقت هي في أوضة&; وهو في أوضة.
وحيد حس براحة أكتر.
بص لها وقال بنبرة رسمية:
&; طب أنا عايز أشوفه يا بهيرة وأطمن عليه.
بهيرة قامت على طول:
&; طبع&;ا يا بابا&; اتفضل.
عبير قامت هي كمان:
&; أنا كمان هاجي معاكم أطمن عليه.
بهيرة لمحت كارما اللي كانت قاعدة من أول لحظة&;
ساكتة&; ما بتتحركش&; كأنها مش موجودة.
بص&;ت لها وسألتها بنبرة خفيفة فيها حنية واضحة:
&; وانتي يا كارما&; مش هتيجي معانا&;
عبير ردت بسرعة&; ونبرة صوتها فيها توتر خفيف وهي بتبص على بنتها:
&; لا.. سيبي كارما يا بهيرة&; هي تعبانة شوية.
بهيرة هزت راسها وطلعت معاهم&;
وحيد كان عقله كله عند خالد&;
ولا التفت حتى لحالة كارما اللي كانت ملفتة لأي عين شايفة بجد.
كارما فضلت قاعدة&; ثابتة مكانها&;
لحد ما صوت خطواتهم اختفى فوق&;
ساعتها قامت&; وبهدوء دخلت الجنينة عند ياسمين.
ياسمين كانت قاعدة لوحدها&;
مخنوقة من الكلام اللي سمعته&;
وتفكيرها سرحان بين اللي خالد قاله&;
وحقيقة جده اللي عمرها ما ارتاحت له.
فجأة حس&;ت بوجود حد جنبها&;
بص&;ت&; لقت كارما واقفة قدامها زي التمثال&;
عيونها مش بتتحرك&; وشها شاحب&;
ونظرتها فيها رعب مكتوم.
ياسمين اتخض&;ت&; قامت تبص حواليها بسرعة&;
مافيش حد من أهل كارما قريب&;
سألتها بقلق وهي بتحاول تستوعب الموقف:
&; كارما&; في حاجة&; إنتي كويسة&;
كارما هز&;ت راسها بـ&;لا&;&;
وعيونها كانوا متجمدين&;
بس بيلمعوا بدموع محبوسة&;
ونطقت بصوت ضعيف&; لكنه واضح&;
سكن قلب ياسمين زي صدمة كهربائية:
&; جدو جاي يقتل خالد&;
&;
رواية منعطف خطر الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم ملك ابراهيم
لقت كارما واقفة قدامها زي التمثال،
عيونها مش بتتحرك، وشها شاحب،
ونظرتها فيها رعب مكتوم.
ياسمين اتخضّت، قامت تبص حواليها بسرعة،
مافيش حد من أهل كارما قريب،
سألتها بقلق وهي بتحاول تستوعب الموقف:
– كارما؟ في حاجة؟ إنتي كويسة؟
كارما هزّت راسها بـ"لا"،
وعيونها كانوا متجمدين،
بس بيلمعوا بدموع محبوسة،
ونطقت بصوت ضعيف، لكنه واضح،
سكن قلب ياسمين زي صدمة كهربائية:
– جدو جاي يقتل خالد.
ياسمين حسّت وكأن الأرض اتسحبت من تحتها وهي بتبص لكارما، قلبها بيخبط في صدرها بعنف، وكأن في أي لحظة ممكن يقف.
كارما كملت كلامها بنفس النبرة، وصوتها بيتهز وضعيف مع كل كلمة:
– أنا سمعت جدو وهو بيتكلم في التليفون، وقال هيقتل تلاتة… واحد في بيته، وواحد في السجن، وواحد في المستشفى.
الكلمات وقعت على قلب ياسمين تقيلة، لكن عقلها ربط الخيوط بسرعة. خالد قالها إن جده هو اللي كان بيسهّل دخول السلاح لجدها ويحيى… يبقى المعنى واضح: جدها الشرقاوي هيتقتل في بيته، ويحيى في السجن، وخالد… وقتها كان في المستشفى.
بصت لكارما بدهشة، عينيها فيها خليط بين الزهول والرجاء:
– متأكدة من كلامك ده؟
كارما دموعها اللي كانت متحجرة سنين بدأت تنزل، صوتها مكسور لكنه حاسم:
– المرة دي متأكدة… سمعته ومش هكدب نفسي تاني… وسمعته زمان لما كان بيتفق على قتل بابا.
السكاكين غرزت في قلب ياسمين وهي بتسمعها.
كارما كملت بصوت بيتكسر أكتر:
– كنت صغيرة… كدبت نفسي… بعدها بابا اتقتل… وأنا خوفت، خوفت أتكلم… يقتلني أنا كمان.
وكأنها فتحت باب كان مقفول جواها من سنين، والسر اللي كان خانقها خرج فجأة، فانهارت أكتر، دموعها بتغسل وشها، وجسمها بيرتعش.
ياسمين ما استحملتش، مدّت إيديها وخدتها في حضنها بعفوية، كارما اتشبثت بيها كأنها ماسكة في أمل أخير، وقالت بصوت متقطع مليان رجفة:
– أنا خايفة أوي يا ياسمين… خايفة أتكلم… لو قولت لماما مش هتصدقني… وجدي هيقتلني زيهم.
النار ولعت جوا ياسمين، الإحساس بالقهر والغضب بيخنقها… الراجل ده قتل أبوها، ودلوقتي عايز يقتل جدها وابن عمها وجوزها.
عقلها اشتغل بسرعة… لازم تتحرك، لازم خالد يعرف كل حاجة قبل ما يفوت الأوان.
خرجت كارما من حضنها، وبصت في عينيها بنبرة قوية وقاطعة، كأنها بترجعها لوعيها:
– كارما… اهدي واسمعيني… إحنا لازم ننقذهم، وجدك عمره ما هيعرف إنك سمعتيه أو قولتيلي حاجة.
نظرة كارما بدأت تتغير، وصوت ياسمين بيخترق ضباب الخوف اللي محاوط عقلها.
ياسمين كملت بثقة وهي ماسكة إيديها:
– أنتي مقدرتيش تعملي حاجة لما قتل بابا عشان كنتي صغيرة… لكن المرة دي تقدري… وأنا هكون معاكي… لازم نمنعه قبل ما ينفذ اللي في دماغه.
كارما مسحت دموعها بإيديها المرتعشة، وبصوت مليان تردد قالت:
– هنعمل إيه؟
ياسمين بصت على شباك أوضة خالد من الجنينة، وعينيها فيها عزيمة:
– هقولك نعمل إيه.
فوق في أوضة خالد.
بهيرة دخلت وهي بتنور الغرفة بإيدها وبتقول بنبرة حنونة:
– خالد حبيبي، جدك رجع من السفر وجاي يطمن عليك.
خالد فتح عنيه بصعوبة، التعب باين في كل ملامحه، وعبير دخلت ورا بهيرة، وأبوها ماشي وراهم.
اللواء وحيد كان أول ما دخل، عينه ما سابتش وش خالد لحظة. مركز مع كل نفس بيطلعه، جاي مخصوص عشان يشوفه ويعرف الحقيقة، ويتأكد بنفسه إذا حفيده فعلًا ناسي ولا بيمثل.
قال بنبرة فيها مرح متصنع يخفي بيه جدّية الموقف:
– حمد الله على السلامة يا بطل، دايمًا رافع راس جدك في الداخلية كلها.
الكلمة خرجت منه وهو مترقب رد الفعل، عينه بتقرأ كل حركة في وش خالد.
خالد اتحرك ببطء وسند ضهره على السرير، ملامحه مرهقة بس حاول يبتسم بهدوء:
– الله يسلمك يا جدي.
عبير قربت شوية، ابتسامتها فيها مزيج من القلق والراحة:
– ألف سلامة عليك يا خالد.. احنا كنا هنموت من القلق عليك.
رد خالد بنبرة هادية:
– الحمد لله، أنا دلوقتي بقيت أحسن.
وحيد ما ضيعش وقت، سأله وهو بيراقب حتى حركة رموشه:
– هو انت برضه مش فاكر مين اللي ضرب عليك الرصاصة دي؟
خالد رفع عينه لجده، نظرته عادية جدًا، وفيها حيرة صافية:
– مش عارف يا جدي.
رفع إيده لشعره، مسح على راسه بحركة بطيئة وقال بصدق متعمد:
– هتجنن ونفسي أفتكر أي حاجة.. حاسس إن آخر فترة في حياتي دي كإني ما عشتهاش!
كل حاجة في خالد، صوته، عينيه، إيماءاته، كانت طبيعية لدرجة تخلي أصعب العقول خبرة في كشف الكذب ما تلاقيش غلطة تمسكه بيها.
وحيد ضيق عينه شوية وسأله بترقب أكتر:
– ومراتك؟ مش فاكرها خالص؟ دا انت اتحديت الكل عشان تتجوزها!
خالد اتنهد، عينه نزلت لحظة قبل ما يرفعها تاني:
– أهي دي أكتر حاجة هتجنني. الكل بيقول إني كنت بحبها أوي، ودلوقتي لما بشوفها بحس إنها غريبة عني.. كأني عمري ما شوفتها في حياتي!
وحيد حس إن قدامه حد ما بيتهزش، بس جواه قلق ما بينطفيش. عارف إن حفيده مش شخص عادي، متدرب كويس جدًا على الثبات، ويوصل الرسالة اللي عايزها من غير ما حد يكشفه، حتى أحدث أجهزة كشف الكذب في العالم مش هتعرف تمسكه.
(بس ياسمين كشفته عادي، الستات مبيهزروش😂)
قرر يلعب آخر كارت في إيده:
– أنا عرفت إن المهمة اللي اتصبت فيها اتقبض على يحيى الشرقاوي متلبس، وإنت اللي كنت عامل التحريات بنفسك وكنت قائد المهمة. مش يمكن اللي طلق عليك الرصاصة ده جلال الشرقاوي؟ بما إن حفيده كان موجود وقت التسليم، يبقى جلال هو كمان كان موجود وهو اللي طلق عليك الرصاصة وهرب!
خالد هز راسه بتفكير وقال:
– معتصم قالي نفس الكلام، وأنا الحقيقة مش فاكر أي حاجة.. وما عنديش دليل واحد يثبت إن جلال الشرقاوي كان موجود يوم المهمة، لأني مش فاكر المهمة ولا إزاي جمعت التحريات دي عنهم!
بهيرة قطعت كلامهم بعصبية وهي تبص لأبنها:
– كلام بابا صح، أكيد جلال الشرقاوي المجرم هو اللي عمل فيك كده.
قطع كلامهم صوت صريخ جاي من تحت، ولحقته واحدة من الخدم طالعة تجري لفوق وهي بتقول لبهيرة بسرعة:
– الأنسة كارما وقعت فجأة، ومدام ياسمين بتحاول تفوقها ومش عارفة.
عبير اتنفضت من مكانها وقالت بصوت عالي:
– بنتي يا بابا!
جريت من أوضة خالد، وبهيرة بصت لأبوها بقلق:
– كارما شكلها مش مظبوط يا بابا، لازم نكلم الدكتور ممكن تكون تعبانة!
اللواء وحيد قام من مكانه وهو متضايق:
– ولا تعبانة ولا حاجة، البنت دي مدلعة زيادة عن اللزوم، ولازم يتشد عليها شوية.
خالد حاول يقوم من على السرير بتعب:
– هنزل أشوفها.
بهيرة قربت منه وقالت بقلق:
– لأ يا حبيبي، إنت متتعبش نفسك، أنا وجدك هننزل نشوفها.
جده بص له وقال:
– خليك مكانك يا خالد، أنا هنزل أشوفها وأطلع، لسه مخلصناش كلامنا.
خالد هز راسه ووشه هادي، واللواء وحيد لسه مش قادر يقراه، شايف ردوده ونظراته عادية جدا.
أول ما خرجوا من الأوضة، ملامح خالد اتغيرت فجأة وبقت كلها غضب.. مش مصدق انه كان مخدوع في جده طول السنين!
تحت عند كارما، كانت واقعة على الأرض وياسمين جنبها بتمثل إنها بتحاول تفوقها، وكارما بتمثل إنها فاقدة الوعي بعد ما اتفقوا هما الاتنين يعملوا الحركة دي عشان يخرجوا الجد من عند خالد بسرعة.
عبير جريت عليهم ملهوفة، بتحاول تفوق بنتها وهي بتصرخ:
– إيه اللي حصل؟!
بهيرة وأبوها نزلوا من عند خالد، وعبير قلبها هيقف من الخوف، بتقول بصوت عالي:
– كلم الدكتور بتاعها بسرعة يا بابا!
اللواء وحيد بص لها بحدة عشان مش عايز حد يعرف إن كارما بتتعالج، وقرب منهم وقال بصرامة:
– دكتور إيه يا عبير؟!
بنتك ضعيفة وما بتاكلش كويس، طبيعي يحصلها كده.
نزل على الأرض جنبها وهو بيحاول يفوقها، وكارما بعد كام محاولة منهم فتحت عنيها ببطء وقالت بصوت ضعيف:
- هو إيه اللي حصل؟
عبير وهي بتعيط من الخوف:
- إيه اللي جرى لك يا كارما؟ إزاي وقعتي كده؟
كارما ردت بصوت تعبان:
- أنا مش قادرة يا ماما... عايزة أرجع البيت أرتاح.
عبير حاولت تقومها، لكن اللواء وحيد وقف يبصلها بغضب:
- كفاية دلع في البنت دي، لازم يتشد عليها شوية.
عبير ضمت كارما لحضنها وقالت بغضب مكبوت:
- مش وقته الكلام ده يا بابا، بنتي تعبانة ومحتاجة ترتاح، من فضلك رجعنا البيت.
اللواء وحيد بص حواليه بغضب، حاسس إن كارما شتته عن هدفه، وقال بصوت حاد:
- اتفضلوا قدامي... إنتي وبنتك.
عبير مسكت كارما وهي خارجة بيها، وكارما وهي ماشية بصت لياسمين نظرة متفقين عليها، وياسمين طمنتها بعينيها.
بهيرة قالت بقلق:
- طب خليها ترتاح هنا يا عبير ونجيب الدكتور يطمنا عليها.
أبوها رد بنفاد صبر:
- لأ يا بهيرة، هي مش محتاجة دكتور... ده دلع بنات مش أكتر.
وخرج ورا عبير وكارما، وبهيرة وصلتهم لحد باب الفيلا.
ياسمين كانت واقفة تراقب كل حاجة بصمت، مستنية يخرجوا عشان تطلع تطمن على خالد.
بهيرة رجعت من الباب وبصت لياسمين وسألتها:
- هو إيه اللي حصل لكارما فجأة؟
ياسمين ردت بهدوء مصطنع:
- معرفش... أنا كنت في الجنينة، دخلت لقيتها واقعة على الأرض.
بهيرة فضلت واقفة لحظة، بتبص حواليها بحيرة، وبعدين اتحركت على أوضتها من غير كلام.
ياسمين طلعت بسرعة على فوق، جريت على أوضة خالد، وفتحت الباب بسرعة وهي بتتنفس بصعوبة، اتنهدت براحة لما شافته قاعد على السرير بيغير التيشيرت بتاعه.
قربت منه بلهفة:
- حبيبي، إنت كويس؟
بص لها باستغراب:
- آه يا حبيبتي، كويس الحمد لله... هو في إيه؟
قعدت جنبه على السرير، إيدها على قلبها اللي كان بيدق بسرعة، وقالت وهي بتتنهد:
- الحمد لله يا رب.
سألها بفضول:
- هو إيه اللي حصل تحت؟ كارما مالها؟
ياسمين بصت له بجدية:
- كارما قالت لي حاجة خوفتني يا خالد... قالت إنها سمعت جدك بيتكلم في التليفون، وبيخطط لموت تلاتة... واحد في بيته، واحد في السجن، وواحد في المستشفى.
خالد رفع حاجبه وهو بيعيد الكلام:
- واحد في بيته... واحد في السجن... واحد في المستشفى؟
ياسمين قالت بثقة:
- يعني جدي الشرقاوي في بيته... ويحيى في السجن... و...
سكتت فجأة، مش قادرة تنطق، خالد ضحك وقال:
- وأنا طبعًا!
قالت بسرعة بلهفة:
- بعد الشر عنك... بس آه، ده اللي جه في بالي.
خالد سألها:
- كارما قالت حاجة تانية؟
ياسمين بصت للأرض وصوتها بقى حزين:
- آه... قالت إنها من زمان سمعت جدها بيتفق على قتل بابا... بس كدبت نفسها، وكانت خايفة تتكلم.
وبصت لخالد وقالت بصوت ضعيف:
- خالد.. هو ممكن يكون جدك اللي قتل بابا فعلًا؟
خالد هز راسه وهو بيتنهد وقال:
- ممكن..
هو مستعد يقتل حفيده، أكيد مش هيصعب عليه جوز بنته!
سكت لحظة، وبعدين سألها:
- وإنتي قولتي إيه لكارما؟
ياسمين ردت وهي حزينة على كل اللي بيحصل معاهم:
- مقولتش طبعًا إنك فاكر... قلتلها أنا وهي لازم نساعد بعض عشان نمنع جدها إنه يأذي حد. وهي مثلت إنها فاقدة الوعي تحت، عشان نجبره ينزل من عندك ويمشي.
خالد ابتسم بخفة:
- كويس إنك مقولتيش لكارما إني فاكر... ماينفعش تثقي فيها، كارما شخصيتها ضعيفة ومهزوزة.
ياسمين اتكلمت بحزن:
- كارما تعبانة بجد يا خالد... عايشة في بيتها مرعوبة من جدها، وهي عارفة إنه الراجل اللي قتل أبوها، وعايز يقتل جدها وابن عمها وابن خالتها... مفيش حد يقدر يستحمل كده.
خالد رد بهدوء عشان يطمنها:
- ماتقلقيش يا حبيبتي... إحنا كنا عارفين إنه هيخطط لقتلنا. أو بالأصح... عنده أوامر بقتل التلاتة اللي كارما قالت لك عليهم، وأنا واحد منهم.
ياسمين بصت له بعنيها القلقانة وقالت بخوف:
- أنا بقيت خايفة عليك أوي يا خالد.
وبصت قدامها بحزن:
- وخايفة على أحمد أخويا... وهو في بيت جدي!
خالد شدها عليه، واخدها في حضنه وقال بحنان:
- متخافيش يا حبيبتي... أخوكي في أمان، اطمني... مفيش حد هيتأذي.
ياسمين اتنهدت جوه حضنه براحة، لكن فجأة افتكرت بهيرة، فبعدت بسرعة وقالت بقلق:
- إنت بتعمل إيه يا خالد... مامتك ممكن تشوفنا!
خالد ضحك بغيظ خفيف:
- هي أمي مش بتعمل حاجة في البيت ده غير إنها تشوفنا! وبعدين إنتي مراتي... ولا إنتي اللي نسيتي؟!
ياسمين ضحكت وهي بتقول:
- لا، مانستش... بس أنا خايفة عليك.
هو شدها أكتر وقال بهدوء:
- لا متخافيش... خليكي في حضني واطمني.
فجأة الباب خبط، وسمعوا صوت بهيرة، ياسمين بسرعة زقته بعيد عنها وهي بتقول بقلق:
- شوفت! مامتك جت.
خالد ضحك وهو بيتألم من صدره:
- فتحتيلي الجرح... حرام عليكي.
ياسمين وشها اتبدل للقلق، قربت منه بسرعة، وفي نفس اللحظة بهيرة فتحت الباب ودخلت، وقالت بنبرة صارمة وهي باصة لياسمين:
- إنتي بتعملي إيه في ابني؟
ياسمين ردت بتوتر وهي حاسة قلبها هيقف:
- مش بعمل حاجة والله... كنت بشوف الجرح بتاعه، حتى اسأليه.
خالد كتم ضحكته بصعوبة وهو شايفها مرعوبة من مامته، وبهيرة قربت منه بقلق:
- في إيه يا حبيبي؟ مالك؟
خالد قال بهدوء:
- مفيش يا ماما... كنت بغير التيشيرت وفلة كانت بتساعدني.
بهيرة رفعت حاجبها:
- فلة مين؟
خالد مثل الوجع وقال:
- قصدي وردة... اسمها إيه بقى اللي أنا متجوزها... نسيت اسمها.
ياسمين رفعت حاجبها بغيظ وبصت له بنظرة معناها "أنا هخليك تنسى اسمي بجد".
بهيرة فهمت قصده وقالت:
- آه... قصدك ياسمين.
خالد اتكلم وهو عامل نفسه بيتألم:
- أيوه هي دي... الاسم ده بنساه كل شوية.
بهيرة قعدت جنبه على السرير، ومسحت على إيده:
- ولا يهمك يا حبيبي... افتكر براحتك، أو حتى لو مفتكرتش خالص، إحنا راضيين... المهم تخف وتقوم بالسلامة.
خالد كان بيحاول يكتم ضحكته، وياسمين واقفة قدامه بتغلي.
بهيرة بصتلها وقالت لخالد:
- أنا عايزة أروح لخالتك أطمن على كارما، قلبي واكلني عليها... بس مش عايزة أسيبك لوحدك.
ردت ياسمين بنبرة فيها توعد لخالد:
- ماتقلقيش عليه... أنا موجودة هنا لو احتاج أي حاجة.
خالد فهم النبرة وضحك، وبهيرة فضلت تبص لياسمين بشوية تفكير.
خالد قال لأمه بنبرة هادية:
- روحي يا ماما اطمني عليها... أنا كنت هنام دلوقتي، ولو احتجت حاجة... وردة موجودة.
بهيرة وهي بتقوم:
- وردة مين يا خالد؟ ماتلخبطنيش أنا كمان.
واتحركت ناحية الباب وهي بتقول:
- أنا مش هتأخر... هطمن على كارما وارجع على طول.
وبصتلها:
- خلي بالك منه.
ياسمين هزت راسها وهي بتكتم غيظها، وأول ما بهيرة خرجت وقفلت الباب... خالد انفجر ضحك.
ياسمين قربت منه:
- فلة ووردة... صح؟!
خالد ضحك أكتر:
- خلي بالك... أمي لسه واقفة على الباب، والمرة دي هقولها إنك كنتي بتخلعيني التيشيرت.
ياسمين بغيظ:
- ماشي يا خالد... هتشوف أنا هعمل فيك إيه.
ومشت ناحية الباب عشان تخرج، لكن خالد قام بسرعة، وقفها قبل ما تفتح الباب، وقرب منها وهو بيبصلها بعينين كلها حب، وهمس:
- هتعملي فيا إيه؟
ياسمين اتوترت:
- خالد... ابعد، مامتك ممكن ترجع.
خالد قفل الباب بالمفتاح وقال بهدوء:
- ترجع براحتها بقى.
ياسمين اتلخبطت أكتر:
- خالد، إنت تعبان.
غمز لها وقال:
- إنتي مصدقة إني تعبان؟
وفجأة شالها من على الأرض، ياسمين شهقت:
- خالد! الجرح اللي في صدرك!
بص لها بعشق وقال:
- إنتي دوا جروحي كلها ياسمين.
ابتسمت له بحب، وقالت بزعل مزيف:
- بس أنا زعلانة منك على فكرة.
رد وهو بيبتسم:
- يبقى لازم أُصالحك دلوقتي حالًا.
في مديرية الأمن.
معتصم ومهاب كانوا طالعين مع بعض من مكتب مدير الأمن بعد اجتماع كبير جمعهم بكبار الضباط من المخابرات وأمن الدولة. الاجتماع كان مليان تفاصيل جديدة عن المافيا اللي اللواء وحيد متورط معاهم.
مهاب بص لمعتصم وقال:
– هتعمل إيه يا معتصم؟
معتصم رد بحيرة وتفكير:
– إنت عارف… لو كنت لوحدي مكنش هيفرق معايا يستهدفوني أو لأ، بس أنا بفكر في زينة.
مهاب هز راسه وقال:
– طبعًا لازم تفكر، وكويس كمان. دول مافيا، يعني مابيهزروش. ولسه دلوقتي عرفنا إن أمن الدولة رصدوا مكالمة خطيرة… المافيا بيخططوا يقتلوا وحيد الأسيوطي، وجلال الشرقاوي، ويحيى، وخالد… وبعض الضباط اللي كانوا في المهمة، وأنت اسمك وسطهم!
معتصم وقف مكانه وبص قدامه وهو بيتنهد:
– أنا مش شايف غير زينة قدامي… مش هينفع تفضل هنا معايا وأعرض حياتها للخطر.
مهاب فكر شوية وقال:
– طب ما تبعتها البلد عند أبوك وعمتك، تقعد معاهم كام يوم لحد ما القضية دي تخلص.
معتصم قال وهو بيبص للأرض:
– بفكر في كده… بس برضه هكون قلقان عليها. زينب مرات أخويا مش سهلة، ولما جت تزورنا أنا شوفت في عينيها حقد وغدر ناحية زينة.
مهاب بص له بثقة وقال:
– ساعتها نبّه زينة تخلي بالها وخلي أبوك وعمتك يفتحوا عينهم عليها، ومرات أخوك هتخاف تقرب منها. المهم، فكّر وقرر بسرعة… مفيش وقت.
معتصم رفع راسه وقال بجدية:
– عندك حق… لازم أبعد زينة عن هنا فورًا.
مهاب رجع شقته، وهو ماشي في الطرقة لمّح باب شقة منة مفتوح وصوت دوشة عالي جاي من جوه. أصوات زعيق وخناقة، وصوت رجالة كبار.
قلبه وقع، لأنه عارف إنها عايشة لوحدها بعد ما أمها وأختها ماتوا، وملهاش حد.
وقف عند الباب محتار، يدخل على طول ولا يرن الجرس الأول، بس فجأة سمع صوت منة بتزعق بأعلى صوتها:
– مستحييييل يا خالي أتجوز الصايع ده! ده هو اللي خلى أختي تموت بحسرتها، خسرها كل حاجة لحد ما خسرت روحها! أجي أنا دلوقتي أتجوزه؟! وتقولي عشان خاطر ابن أختي؟! وماله ابن أختي؟! ما هو عايش معايا ومرتاح!
خالها الكبير رد عليها بصوت تقيل وحاسم:
– الكلام اللي قولناه هو اللي هيمشي يا بت انتي! إزاي نسيبك عايشة في شقة عازبة لوحدك كده؟! وكلام جوز أختك اللي شافك عاشقة واحد هنا وداخل خارج عليكي! فاكرة إن أمك ماتت خلاص مبقاش في حد يوقفك عند حدك! جوز أختك طلبك للجواز عشان ابنه يتربى قدام عينه، وإحنا وافقنا، وقرينا معاه الفاتحة...
رواية منعطف خطر الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم ملك ابراهيم
ماله ابن أختي؟ ما هو عايش معايا ومرتاح!
خالها الكبير رد عليها بصوت تقيل وحاسم:
- الكلام اللي قولناه هو اللي هيمشي يا بت انتي! إزاي نسيبك عايشة في شقة عازبة لوحدك كده؟! وكلام جوز أختك اللي شافك عاشقه واحد هنا وداخل خارج عليكي! فاكره إن امك ماتت خلاص مبقاش في حد يوقفك عند حدك! جوز أختك طلبك للجواز عشان ابنه يتربى قدام عينه، وإحنا وافقنا، وقرينا معاه الفاتحة.
مهاب اتجمد مكانه، قلبه دق بسرعة وهو سامع الصوت الجاي من جوه. صوت منة كان مليان قهر وهي بتعيط:
- يعني إيه قريتوا معاه الفاتحة؟! هو أنا قاصر عشان تقروا الفاتحة من ورايا! أنا مش موافقة... ومستحيل أتجوز الزفت ده!!
صوت خالها جه حاد وغاضب:
- يعني هتعصي كلامنا وتصغرينا قدام الناس؟!
منة مسحت دموعها بسرعة، وصوتها طلع قوي رغم الرجفة اللي فيه:
- انتوا خايفين من الناس ومش خايفين من ربنا؟! وبعدين معلش... ناس مين اللي مش عايزين تصغروا نفسكم قدامهم؟ كانوا فين الناس دي يوم ما أبويا مات وأنا وأختي صغيرين؟! أمي هي اللي اتمرمطت في الشغل ليل ونهار عشان تربينا لوحدها... بعد ما كل واحد فيكم قال "يلا نفسي" ومفكرتوش حتى تسألوا علينا بكلمة! ساعتها كنتوا كبار في عيون الناس وإنتوا واخدين ورث أختكم وسايبنها تشتغل عند الغريب عشان تربي عيالها الأيتام! ولما أمي وأختي ماتوا... ما فكرتوش حتى تسألوا عليا لو محتاجة حاجة... وجايين دلوقتي عايزين تجوزوني لواحد صايع... وتقولي هتصغرينا قدام الناس! لا يا خالي... إنتوا صغار أوي... ومن زمان.
صفعة قوية فجرت الموقف، إيد خالها نزلت على وشها بكل غل.
مهاب حس الدم بيغلي في عروقه، اندفع جوه من غير ما يفكر، وعينه وقعت على منة وهي حاطة إيدها على خدها ووشها بيحمر من قوة الضربة، وخالها لسه بيقرب منها أكتر وهو بيزعق:
- إنتي عيلة قليلة الرباية... وأنا هربيكي!
مهاب اتحرك بسرعة، مسك منة وسحبها ووقفها وراه، صوته طالع غاضب:
- مش عيب تبقى راجل كبير كده... وتمد إيدك على بنت؟!
خالها الكبير قام واقف، عينه بتلمع غضب، وبص لمهاب ومنة واقفة بتبكي وراه وفي حمايته:
- إنت بقى عشيقها اللي جوز أختها قالنا عليه؟!
مهاب شد نفسه، وبصّ له من غير ما يرمش:
- عيب الكلمة دي يا حاج... ميصحش تطلع من راجل كبير في سنك! وجوز أختها ده... عيل مترباش... تقوم تردد كلامه!
خالها التاني بص لمهاب بحدة وصوته علي:
- وانت مين بقى عشان تقولنا اللي يصح واللي ميصحش؟! ودخلت هنا إزاي؟! شكلك متعود تدخل هنا على طول؟! والكلام اللي وصلنا شكله كله صح!
لف ببصته لمنة اللي واقفة ورا مهاب بتبكي، وقالها بلهجة تهديد:
- وانتي.. بعد اللي شوفناه بعنينا هنا، قدامك حلّين... يا تتجوزي جوز أختك وتربي ابن أختك معاه... يا إمّا إحنا بنفسنا هنشهد مع جوز أختك باللي شوفناه، وياخد ابنه يربيه لحاله... وانتي الله يسهل لك في السكة الشمال اللي ماشيه فيها!
مهاب اتنفض من مكانه وصوته طلع حاد:
- إيه يا حاج الكلام ده؟! إنت شوفت إيه عشان تقول سكة شمال وسكة يمين؟! إنت شغال في المرور؟!
رمى كلماته بسرعة:
- دي أول مرة أدخل الشقة دي، والباب كان مفتوح... سمعت صوت رجالة بتزعق وأنا عارف إن أستاذة منة عايشة لوحدها مع ابن أختها الصغير... فكرت إنها في مشكلة ودخلت أساعدها.
خالها الكبير اتدخل ببرود:
- وانت مين عشان تساعدها؟
مهاب بص له بثبات:
- أنا جارها... ساكن قصادها، والآنسة منة محترمة ومفيش حد يقدر يتكلم عليها نص كلمة.
خالها التاني ضحك بسخرية:
- وبتشتغل إيه يا جارها؟ شغال تساعد آنسة منة المحترمة؟
مهاب شد كتافه، وصوته طلع واثق:
- لا... أنا ظابط... وبساعد الناس كلها. هو الحاج ميعرفش إن الشرطة في خدمة الشعب ولا إيه؟
الخالين اتبادلوا نظرة سريعة وهمس بينهم كلمة وحدة:
- ظابط!
مهاب كمّل بنفس الثقة:
- أيوه ظابط... وأنا اللي وقفت لجوز أختها لما جه هنا وكان بيضايقها... وأي حد هيفكر يقرب منها أنا هقف له.
خالها الكبير بص له بعمق وسأله:
- وبصفتك إيه بالظبط؟
مهاب سكت لحظة... قلبه دق أسرع... لف ببصته على منة اللي عينها مليانة دموع ورجاء، بتترجاها بعينيها إنه يحميها... رجع يبص لخالها وقال بصوت فيه تردد:
- بصفتي... إني عايز أتجوزها.
الوقت وقف لثانية... منة اتجمدت مكانها والصدمة مرسومة على وشها... حتى مهاب نفسه حس الكلمة تقيلة، متسرعة... قلبه بيقول اتسرعت.
لكن خالها الكبير قطع عليه أي مجال للتراجع، وقال بسرعة:
- واحنا موافقين... تتجوزها وتحل مشاكلك مع جوز أختها بعيد عننا... ونقفل الحكاية دي خالص.
مهاب بص له، لسانه مش قادر ينطق... عقله بيصرخ إنه دخل في طريق مفيش رجوع منه.
خالها التاني دخل على الخط:
- لو انت راجل وقد كلامك... ننزل للمأذون دلوقتي وتكتب عليها رسمي.
مهاب رد بذهول، النبرة طالعة من غير ما يفكر:
- هو إيه لو أنا راجل؟! طبعًا راجل... وقد كلامي.
خالها الكبير حسمها:
- يبقى تنزل معانا دلوقتي للمأذون... وتكتب عليها... وإحنا وعد رجالة هنبعد جوز أختها ده عنكم خالص.
مهاب ثبت عينه قدامه، قلبه بيخبط، متردد... بس خلاص، مفيش رجوع.
عند معتصم وزينة.
زينة كانت واقفة قدام الشنطة الصغيرة، بتحط فيها هدومها، وإيديها بترتعش وهي بتحاول تخفي دموعها... بس الحزن كان واضح على وشها، وعينيها مليانة دموع واقفة على الحافة.
معتصم قرب منها بهدوء، مد إيديه وضمها لحضنه بقوة، صوته طالع هادي ودافي:
- متقلقيش... كام يوم بس... وهاجي أخدك.
زينة نزلت دموعها من غير ما تحاول تمسحها، وصوتها كان بيرتعش وهي بتقول:
- أنا خايفة عليك إنت يا معتصم... إنت كده حياتك في خطر.
هو بص لها وابتسم ابتسامة صغيرة، فيها طمأنينة أكتر من الكلام:
- متخافيش يا حبيبتي... إن شاء الله مش هيحصل حاجة... المهم عندي إنك تكوني في أمان.
مد إيده بحنية على بطنها، وصوته اتغير وبقى أرق:
- وتخلي بالك على ابننا.
زينة ما قدرتش تمسك نفسها... دموعها نزلت أكتر وهي بتشده ليها، حضنته بقلبها قبل إيديها، كأنها بتحاول تخزن في اللحظة دي كل الأمان اللي محتاجاه.
بعد ساعتين...
عند مهاب.
رجع العمارة بخطوات تقيلة، وزينة ماشية وراه وهي ماسكة إيد أدم، ابن أختها.
دموعها كانت بتلمع في عنيها... مش بس من التعب، لكن من إحساسها إن مهاب اتسرع لما قال قدام خالها إنه عايز يتجوزها... وإن خالها مسكها فرصة ودبسه في الجوازة.
كانت شايفة في عينه الحيرة... الصدمة... والتردد الواضح حتى وهو بيوقّع على عقد الجواز. شافته بياخد لحظة قبل ما يمد إيده يكتب اسمه... والمشهد كله وجع قلبها.
مكانتش تحلم ولا حتى تتمنى إنها تتجوز بالطريقة دي... ولا إنها تكون صفحة جديدة في حياة حد وهو مش جاهز يفتحها.
مهاب وقف ما بين شقته وشقتها، واقف متلخبط... الكلام واقف في حلقه.
منة بصت له، دموعها على وشك إنها تنزل، وصوتها طلع مهزوز لكنه واضح:
- أنا فاهمة كل حاجة من غير ما تتكلم... الجوازة دي اعتبرها محصلتش... ووعد مني مش هتحس بوجودي أبدًا... وبعد كام يوم لما الموضوع يهدى، روح للمأذون وطلقني... ومفيش أي حد هيعرف حاجة.
مهاب فضل ساكت لحظة، عينه عليها، وبعدين قال بهدوء:
- ادخلي شقتك دلوقتي... ونتكلم بعدين.
هزت راسها بحزن، وأخدت أدم من إيده، ودخلت شقتها... قبل ما تقفل الباب، بصت له بنظرة كلها وجع ودموع، كأنها بتودّعه من غير ما تقول الكلمة.
مهاب حس ساعتها بوجع غريب في قلبه... أول مرة يحس بيه بالشكل ده.
اتحرك بخطوات تقيلة ناحية شقته، حط المفتاح في الباب... بس قبل ما يفتحه، عينه راحت على باب شقة منة.
وقف لحظة... سحب المفتاح من الباب، ومفتحش.
نزل السلم ببطء، وخرج من العمارة كلها، ركب عربيته، والمشهد كله بيلف في دماغه... بيحاول يستوعب إنه بقى متجوز للمرة التانية... وبطريقة عمره ما تخيلها.
في بيت الدريني.
ياسمين كانت قاعدة في المكتب مع سالم، بيتكلم معاها عن المصنع وبيشرح بحماس عن المكن الجديد اللي شافه وبيفكر يشتريه.
بهيرة دخلت المكتب وهي لسه راجعة من بيت والدها، شكلها مرهق شوية.
سالم رفع عينه وسألها بهدوء:
– كارما عاملة إيه دلوقتي يا بهيرة؟
بهيرة قعدت على الكرسي وقالت وهي بتحاول ترتاح:
– كويسة... شكل اللي حصلها هنا ضعف بسبب قلة الأكل، زي ما بابا قال.
وبصت لياسمين وسألتها:
– خالد أكل وخد الأدوية بتاعته؟
ياسمين ردت بسرعة، وفي صوتها شوية توتر:
– آه... اتغدينا كلنا مع بعض لما عمي سالم رجع من المصنع، وخالد خد الدوا وطلع فوق يرتاح شوية.
بهيرة هزت دماغها وهي بتقوم:
– أنا كمان هروح أرتاح في أوضتي... النهاردة كان يوم طويل.
خرجت من المكتب، وسالم بص لياسمين وضحك بخفة:
– خلي بالك على خالد... بهيرة مستنية عليكي غلطة.
ياسمين ضحكت وقالت بهزار:
– بتحبني أوي.
سالم ابتسم وقال:
– مش مهم هي تحبك... المهم إن ابنها بيحبك.
ياسمين فجأة بصت له بدهشة، افتكرت لما خالد قال لها نفس الجملة دي قبل كده.
سالم استغرب:
– مالك مستغربة كده ليه؟
ياسمين ردت:
– أصل خالد قالي نفس الجملة دي قبل كده.
سالم ضحك بثقة:
– ابني... وطالع لي.
ياسمين همست بصوت مسموع شوية:
– الحمد لله إنه مطلعش لمامته.
سالم سمعها وضحك من قلبه، ضحكة نادرة وقوية.
ياسمين اتكسفت وقالت بسرعة:
– آسفة.
لكن سالم كان بيضحك بجد.
وفجأة دخل خالد، استغرب المشهد... مش معتاد يشوف أبوه بيضحك بالشكل ده، ومش مع أي حد.
بص لهم بدهشة وسأل:
– هو في إيه؟
ياسمين اتوترت، وسالم رد وهو لسه بيضحك:
– مفيش يا حبيبي... تعال اقعد معانا. أنت مش عارف تنام ولا إيه؟
خالد هز رأسه:
– لا... أنا كنت هنام، بس مهاب كلمني وقال إنه جاي في الطريق يقعد معايا شوية... هطلع أستناه في الجنينة.
سالم بص لياسمين وقال بفخر:
– شايفة ابني طيب إزاي؟ طالع لي.
ياسمين ضحكت وقالت:
– آه طبعًا، الحمد لله.
خالد وقف محتار، مش فاهم بيضحكوا على إيه، وقال:
– واضح إن في بينكم شغل غريب كده بيضحك ومش مفهوم... هروح أنا أستنى مهاب.
وخرج على الجنينة... ولسه صوت ضحك ياسمين وسالم مالي المكتب.
.........
بعد شوية، جه مهاب.
دخل الجنينة على طول، قعد قدام خالد من غير ما ينطق ولا كلمة... ملامحه كانت واضحة عليها الصدمة، وعينيه شاردة كأنه لسه مش مصدق اللي حصل.
خالد بص له باستغراب وقال:
– إيه يا بني؟! مش تقول سلام عليكم، مساء الخير... أي حاجة؟!
مهاب رفع عينه وبص له، وصوته طالع ثابت لكن فيه رعشة خفية، كأنه بيقول الكلمة لنفسه قبل ما يقولها لخالد:
– أنا... اتجوزت.
خالد فضل ساكت لحظة، ملامحه متجمدة، كأنه مستني باقي الجملة عشان يفهم:
– مين اللي اتجوز؟
مهاب ابتلع ريقه وقال بتوتر واضح:
– أنا.
خالد عينه اتسعت بدهشة:
– إنت بتتكلم بجد؟ ولا جاي تهزر... أنا مش فايقلك دلوقتي!
مهاب بص له جد:
– أنا اتجوزت بجد... ولسه راجع من عند المأذون.
خالد حس إن الموضوع حقيقي وقال بسرعة:
– لسه راجع من عند المأذون إزاي؟! ومين دي اللي فجأة كده اتجوزتها؟!
مهاب رد من غير ما يبص في عينه:
– منة.
خالد عقد حواجبه:
– منة مين؟!
مهاب:
– منة... مديرة حسابات أبوك.
خالد زاد استغرابه:
– مديرة حسابات أبويا؟ يعني إيه الكلام ده؟
مهاب حاول يوضح:
– قصدي مديرة حسابات مصنع الدريني... وصاحبة مراتك كمان.
خالد بص له بدهشة أكبر:
– وإنت شوفتها وعرفتها إمتى وفين دي؟
مهاب:
– هي جارتي... وبتربي أدم، ابن أختها.
خالد لسه ملامحه مش مستوعبة، فمهاب قال بسرعة:
– بص... الموضوع ملخبط، ومش وقته دلوقتي... المهم إني اتجوزتها، والمشكلة إني حاسس إني اتسرعت... وفي نفس الوقت كان لازم أعمل كده.
خالد اتكلم بهدوء، وهو بيحاول يهديه:
– لا... إنت تهدى كده، وتحكيلي الحكاية من الأول خالص.
في محافظة سوهاج
معتصم وصل بعربيته ووقف قدام بيت أبوه.
زينة كانت قاعدة جنبه طول الطريق، ساكتة وحزنها باين في عينيها، إيدها متشابكة وكأنها ماسكة نفسها بالعافية.
معتصم مد إيده ولمس إيدها بحنية وقال بصوت دافي:
– زينة، مش هينفع تفضلي زعلانة كده. هما كام يوم، وهرجع آخدك إن شاء الله.
زينة رفعت عينيها له، والدموع متجمعة، وقالت وهي بتحاول تثبت صوتها:
– أوعدني إنك تخلي بالك من نفسك يا معتصم.
هو ابتسم لها بحب:
– إن شاء الله يا حبيبتي. بس إنتي ما تقلقنيش عليكي. اعتبريهم كام يوم أجازة هتقضيهم مع عمتي. مش هي وحشتك؟
هزت رأسها بالإيجاب، ولسه ما بينهم الكلام، فجأة سمعوا صوت زغاريد عمته جاي من بعيد، بتقرب من العربية بابتسامة واسعة.
معتصم نزل من العربية، وهو بيضحك، وسلم على عمته.
زينة فتحت باب العربية، ولقت أمها جاية عليها بلهفة وحضن كبير.
الحاج عبد الرحيم، أبو معتصم، خرج من البيت ووشه منور بابتسامة استقبال.
دخلوا البيت،
في الصالة،
ممدوح، أخو معتصم، كان قاعد. أول ما شافه، قام واقف بسرعة وكأنه بيهرب من قدامه.
صوت معتصم وقفه:
– ممدوح... أخويا.
ممدوح وقف،
معتصم قرب منه، بص في عينيه وقال بصوت فيه شوق:
– وحشتني يا أخويا.
ممدوح رد بجمود، من غير ما يبين مشاعره:
– نورت دارك يا معتصم.
وبعدين مشي وخرج من البيت وهو متجاهل وجود أخوه وزينة.
معتصم وقف مكانه، قلبه حزين من المعاملة الباردة من أخوه.
أبوه قرب منه وقال بهدوء:
– ما تزعلش يا معتصم. هيجي يوم وأخوك يروق، انتوا مالكوش غير بعض.
معتصم همس جواه:
– يمكن اليوم ده يجي وأنا مش موجود.
وقال:
– عن إذنك يا أبويا.
وخرج ورا أخوه بسرعة.
زينة كانت واقفة جنب أمها، ملامحها متوترة وهي بتبص حواليها.
زينب نزلت من فوق، وأول ما شافت زينة، ملامحها اتغيرت والشر ظهر في عينيها قبل ما ترسم ابتسامة مصطنعة:
– يا دي النور، يا دي النور... نورتي البلد يا زينة.
زينة ردت بتوتر:
– البلد منورة بأهلها يا زينب.
أم زينة، زهيرة، دخلت في الكلام بفرحة:
– من ساعة ما معتصم كلم أبوه وقال إنكم جايين، وأنا الفرحة منورة قلبي.
زينة ابتسمت بخفة:
– أنا هقعد معاكم كام يوم، معتصم مسافر وقالي ماينفعش أكون في الشقة لوحدي.
زينب بصت لها بصدمة، لكن أبو معتصم قطع اللحظة:
– بيتك وبيت جوزك، تنوريه في أي وقت يا زينة يا بنتي.
وبص لزينب:
– جهزي العشا يا زينب، معتصم هيتعشى معانا قبل ما يمشي.
زينب ردت وهي بتكتم غضبها:
– أمرك يا أبويا.
...........
بره، معتصم كان لحق أخوه في الشارع الترابي اللي قدام البيت.
معتصم:
– لسه مصدق إن أخوك الصغير يعمل معاك كده يا ممدوح؟
ممدوح رد بحدة:
– ملوش لازمة الكلام ده خلاص.
معتصم وقف قدامه وأصر:
– لا، له لازمة. أنا حلفت لك بالله العظيم إن عمري ما كان بيني وبين زينة حاجة قبل ما اتجوزها، وأنا ما بكدبش عليك يا ممدوح. كنت ناوي أسيب الأيام تثبت لك، بس الوضع اتغير... مش عايز لو جرالي حاجة، أموت وإنت فاكر عني كده.
كلمة "الموت" خلت قلب ممدوح يدق بسرعة، بص لأخوه بقلق.
معتصم كمل:
– ربنا شاهد على اللي في قلبي ناحيتك، إنت أغلى عندي من الدنيا. عمري ما خنتك ولا بصيت للي ليك.
ممدوح سأل بخوف:
– في إيه يا معتصم؟ قلقتني عليك.
معتصم اتنهد:
– اسمي من ضمن قائمة أسماء مستهدفين من المافيا وبيستعدوا لقتلنا، أنا وكام ظابط من زمايلي. كنا شغالين على قضية وفيها ناس كبيرة متورطين فيها وقرروا إنهم يتخلصوا من كل الظباط اللي كانوا شغالين في القضية وبيشكلوا خطر عليهم.
ما نعرفش لسه هيتحركوا إزاي أو هينفذوا إمتى وفين.
أنا سايب زينة عندكم أمانة، ما ينفعش أعرض حياتها للخطر.
لو جرالي حاجة… زينة واللي في بطنها أمانة في رقبتك.
ممدوح عينه لمعت بالحزن وهو بيهز راسه:
– بعد الشر عنك يا أخويا، إن شاء الله أنت اللي هتربي ابنك اللي جاي وتفرح بيه.
معتصم حس براحة وقال:
– نفسي تصدقني وتعرف الحقيقة… مش عايز أسيب الدنيا وإنت شايل مني.
ممدوح قطع كلامه بحِدة:
– بس يا واد انت اسكت، بعد الشر عنك، طب خلي حد يفكر يقرب منك وأنا أكلهم بسناني، لا مافيا ولا غيرهم يقدروا يقربوا منك.
معتصم ابتسم بحب:
– ربنا يخليك ليا يا أخويا.
ممدوح لسه فيه قلق:
– خليك هنا وسطنا وبلاش ترجع، خد إجازة من شغلك ولا حتى سيب شغلك ده خالص ومتعرضش حياتك للخطر.
معتصم هز راسه بإصرار:
– مش هينفع يا أخويا، متعودتش أهرب، وإن شاء الله ربنا يقدرنا ونقبض عليهم وننضف الدنيا من أمثالهم.
ممدوح قال بثقة:
– ربنا هينصركم عليهم إن شاء الله.
معتصم بص له بجدية:
– أبوك ميعرفش حاجة يا ممدوح. أنا فهمته إني مسافر ومأكد على زينة متقولش حاجة.
ممدوح هز راسه بتفهم، معتصم اتكلم بتردد:
– وفي حاجة عايز أوصيك عليها قبل ما أمشي.
ممدوح بص له.
معتصم:
– خلي بالك من زينة، وخلي عينك على زينب مراتك، زينب جواها شر، أنا شوفته في عينيها وخايف تأذي زينة وهي هنا.
ممدوح بص لأخوه وكان لسه هيتكلم يدافع عن زينب مراته بس معتصم قال بسرعة:
– أنا عارف إن أنت شايفها كويسة، بس أنا بحكم شغلي بيكون ليا نظرة تانية وفهمت اللي هي مخبياه ورا وشها الطيب قدامكم، مش بطلب منك غير إنك تخلي عينك عليها وتبعدها عن زينة على قد ما تقدر.
رد ممدوح بثقة:
– متقلقش يا معتصم، بس أنت خلي بالك من نفسك.
معتصم ابتسم براحة وقاله:
– ربنا يريح قلبك يا أخويا زي ما ريحت قلبي. أنا دلوقتي همشي وأنا مطمن.
في بيت الدريني
عند مهاب وخالد.
خالد كان قاعد لسه بيضحك بعد ما مهاب خلص حكايته، وهو بيشرحله إزاي فجأة لقى نفسه قدام المأذون وبيمضي على عقد جوازه من منة. ضحكة خالد كانت طالعة من القلب، وكأن الموقف بالنسبة له فيلم كوميدي مش حقيقي.
خالد:
– وناوي تعمل إيه دلوقتي؟
مهاب تنهد، وملامحه كلها كانت محتارة ومتلخبطة، وقال بصوت فيه قلق:
– مش عارف يا خالد! دي أول مرة أحس إني تايه كده. البنت كويسة... بس أنا حاسس إني مش جاهز أتجوز تاني، مش مستعد خالص.
وهو بيتكلم، فجأة سكت، وبص لخالد بتركيز غريب، كأنه بيقيس رد فعله، وسأله فجأة:
– خالد... هي ياسمين كشفتك؟ وعرفت إنك فاكرها؟
خالد باندهاش:
– عرفت إزاي؟
مهاب ابتسم ابتسامة جانبية وقال:
– من أول ما دخلت، وأنا شايف شعرك بيلمع... وكنت بكدب نفسي!
خالد ضيق عينه وقال بغيظ:
– يخربيت دماغك! شعري إيه اللي مركز فيه وسايب المصيبة اللي أنت وقعت نفسك فيها!
مهاب بصله بنظرة كلها غموض وكأنه فاهم أكتر ما بيقول:
– متغيرش الموضوع.
اللمعة دي أنا عارفها كويس... بس إزاي؟ وأنت لسه خارج من المستشفى!
خالد اتنرفز، وصوته ارتفع:
– تصدق أنت حلال فيك اللي بيحصلك ده! قوم يلا امشي من هنا!
مهاب عمل نفسه مش سامع، وقعد يتكلم ببرود:
– أمشي أروح فين؟ أنا ما ليش غيرك أشكيله همي دلوقتي. معتصم خد مراته وسافر بيها البلد... هيسيبها أمانة عند أهله!
خالد حرك حاجبه بدهشة:
– هيسيبها أمانة عندهم ليه؟
مهاب رد وكأنه بيقول خبر عادي رغم خطورته:
– كان في اجتماع في المديرية النهاردة، وبلغونا إنهم رصدوا مكالمة لواحد من المافيا، بيبلغوه قايمة بأسماء اللي هيقتلوهم خلال 48 ساعة. واسمك كان فيهم طبعًا... واسم معتصم كمان، لأنه كان من الظباط اللي بيجمعوا تحريات في القضية. شكلهم شاكين إنكم عرفتوا حاجة عنهم وعايزين يخلصوا منكم.
خالد اتكلم بصوت هادي:
– طب وأنت؟ اسمك مش مكتوب معانا؟
مهاب هز كتفه ببرود:
– وأنا مالي!
صوت خالد ارتفع فجأة بعصبية مخنوقة:
– يا بني آدم! قاعد قدامي بقالك ساعة، إزاي ما تقوليش حاجة زي كده؟!
مهاب رد ببرود وكأنه مش شايف خطورة الكلام:
– ما أنا كنت بحكيلك حاجة أهم!
خالد حس الدم بيغلي في عروقه، وعينيه وسعت:
– حاجة إيه اللي أهم من حياتي ومن حياة صاحبك؟! أنت بتقولي إننا ممكن نتقتل بعد 48 ساعة، وقاعد بترغي بقالك ساعة!
مهاب أشار بإيده وكأنه بيهدي الموقف:
– هو أنا بقولك إنهم هيقتلوك بكرة الصبح؟ قدامكم 48 ساعة يعني يومين لسه! قولي بقى يا خالد أعمل إيه مع منة... مفيش وقت!
خالد ضرب كف على كف، ووشه مليان غيظ، وكأنه بيكلم نفسه:
– أنا هتجنن!
في اللحظة دي، ياسمين قربت منهم بخطوات هادية، وعلى وشها ابتسامة بسيطة، وبصت لمهاب:
– مساء الخير، إزيك يا مهاب؟
مهاب ابتسم ابتسامة باهتة:
– الحمد لله يا ياسمين.
ياسمين سألت وهي بتبص ما بين الاتنين:
– تشربوا حاجة؟
مهاب، وعينه فيها لمعة حزن:
– قهوة سادة.
خالد بصله بنظرة غاضبة وقال بسخرية عصبية:
– أنت بتجهز نفسك لاستقبال العزا من دلوقتي؟
مهاب رفع حاجبه وقال:
– يعني عايزني أشرب إيه في الظروف دي؟ خلاص يا ياسمين، هاتيلي شربات... مبسوط كده؟
ياسمين بصت لهم بدهشة وهي مش فاهمة:
– هو في إيه؟ مالكم؟
مهاب رمى الكرة لخالد وهو بيشير له:
– اسألي جوزك.
وش ياسمين اتوتر فجأة، قلبها دق أسرع، لأنها متفقة مع خالد إن محدش يعرف إنه فاكرها، فقالت بسرعة وبصوت فيه ارتباك:
– جوزي إيه! هو مش فاكر حاجة!
مهاب رد بسرعة وبثقة:
– ياسمين... ياسمين، متمثليش وتتعبي نفسك، أنا عارف إنك عرفتي كل حاجة.
ياسمين فتحت عينيها بدهشة حقيقية:
– عرفت إزاي؟ هو أنا باين عليا؟
مهاب أشار على خالد وهو بيبص على شعره:
– لا... باين عليه هو.
خالد بدأ يبص حواليه بيدور على أي حاجة يرميها على مهاب، وقال وهو بيكتم عصبيته:
– قوم يا زفت، امشي من هنا!
رواية منعطف خطر الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم ملك ابراهيم
ياسمين بصت لهم بدهشة وهي مش فاهمة:
هو في إيه؟ مالكم؟
مهاب رمى الكرة لخالد وهو بيشير له:
اسألي جوزك.
وش ياسمين اتوتر فجأة، قلبها دق أسرع، لأنها متفقة مع خالد إن محدش يعرف إنه فاكرها، فقالت بسرعة وبصوت فيه ارتباك:
جوزي إيه! هو مش فاكر حاجة!
مهاب رد بسرعة وبثقة:
ياسمين... ياسمين، متمثليش وتتعبي نفسك، أنا عارف إنك عرفتي كل حاجة.
ياسمين فتحت عينيها بدهشة حقيقية:
عرفت إزاي؟ هو أنا باين عليا؟
مهاب أشار على خالد وهو بيبص علي شعره:
لا... باين عليه هو.
خالد بدأ يبص حواليه بيدور على أي حاجة يرميها على مهاب، وقال وهو بيكتم عصبيته:
قوم يا زفت، امشي من هنا!
مهاب رفع حاجبه وقال بإصرار:
أمشي فين؟ أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أعرف هعمل إيه مع منة.
ياسمين اتفاجئت وبصت له بدهشة:
مالها منة؟
مهاب رد وكأنه بيحكي حاجة عادية جدًا، رغم إن كلامه كان قنبلة:
اتجوزتها النهاردة.
ياسمين شهقت وهي فاتحة عينيها على الآخر، وبعدين فجأة ضحكت من الصدمة:
بجد؟؟ طب إمتى وإزاي؟ أنا كنت حاسة إن في حاجة بينكم، بس متخيلتش إنكم تتجوزوا بالسرعة دي!
مهاب هز راسه:
لا… هو الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة. بصي، مش مهم أشرحلك دلوقتي، بس أنا عايزك تنصحيني يا ياسمين… رأيك أنا ومنة ممكن نكون مناسبين مع بعض؟
ياسمين قعدت تفكر، لكن قبل ما تقول حاجة، مهاب قرب شوية وقال برجاء واضح:
ساعديني يا ياسمين… مش أنا ساعدتك ونصحتك لما كنتي بتتجوزي؟
خالد، اللي كان متابع الكلام بنظرة غيظ، قاطعهم بسخرية:
نصحتها بإيه؟ قولتلها جربي، ولو معجبكيش اتطلقي وعيشي مرتاحة زيي! هي دي النصيحة اللي إنت نصحتها بيها!
مهاب رد باختصار:
المهم إني نصحتها.
وبص لياسمين برجاء حقيقي:
ياسمين، قوليلي بجد… أنا ومنة… مناسبين لبعض؟
ياسمين خدت نفس عميق، وعينيها بتلمع بتفكير، وقالت بهدوء:
من رأيي آه… مناسبين لبعض جدًا.
بس في النهاية،
إنتوا اللي تقرروا.
منة بنت كويسة جدًا ومؤدبة، وشاطرة في شغلها، وكمان قادرة تشيل مسؤولية كبيرة لوحدها. رأيي الشخصي فيها إنها ممتازة، ومش هتلاقي بنت أفضل منها!
خالد رد بسرعة على كلامها وهو مش مستوعب:
ولما هي بنت بالمواصفات دي، تبقى مناسبة للكائن ده إزاي؟
وبص لمهاب بغيظ أكتر:
ده ماينفعش معاه غير واحدة تكهربه وهو نايم!
ياسمين ما قدرتش تمسك ضحكتها، وبصت لمهاب بخفة دم.
فجأة، تليفون خالد اللي كان على الترابيزة رن. خالد مد إيده وخده، وبمجرد ما رد، قام واقف وابتعد عنهم شوية عشان يتكلم بعيد، ووشه بقى جاد.
ياسمين رفعت حاجبها وهي مستغربة تصرفه، وقلبها فيه فضول تعرف مين اللي بيكلمه. بصت لمهاب وسألته بنبرة فضولية:
هو خالد بيكلم مين؟
مهاب رمق خالد بنظرة خاطفة وبعدين رجع يبص لها:
ماتقلقيش، هو معندوش وقت يخونك. المهم ركزي دلوقتي في مشكلتي… يعني رأيك أدي لنفسي فرصة مع منة، صح؟
ياسمين ردت وهي بتبتسم بخفة:
أكيد، هي دلوقتي مراتك، وهتقدر تتعرف عليها من قريب وتفهموا بعض أكتر.
وبصت له بفضول وهي مايلة شوية لقدامه:
بس إنتوا اتجوزتوا إزاي وامتى؟ أنا ما توقعتش تتجوزوا بالسرعة دي!
قبل ما مهاب يرد، خالد خلص مكالمته وقرب منهم بخطوات سريعة، وصوته حاسم:
قوم.
مهاب رفع حاجبه بدهشة:
أقوم فين؟
خالد قال وهو بيبصله بجدية:
عندك شغل.
مهاب لمحه وهو بيتجنب يبص لياسمين، وفهم على طول إن في حاجة مش هينفع تتقال قدامها. قام من مكانه فورًا، وقال لياسمين وهو بيبتسم ابتسامة هادية:
معلش يا ياسمين، هنكمل كلامنا بعدين.
خرج مع خالد لحد ما وصلوا عند عربية مهاب، ووقفوا يتكلموا كام دقيقة بصوت واطي مع بعض، ملامح خالد فيها توتر واضح. بعد شوية، مهاب ركب عربيته ومشي، وخالد رجع عند ياسمين.
ياسمين كانت واقفة، فضولها بيقتلها، وعينيها مليانة قلق. أول ما قرب خالد، بصت له وسألته بنبرة حازمة:
خالد، هو في إيه؟
خالد كان بيبص على تليفونه، ووشه متوتر، وقال وهو بيحاول يخفي قلقه:
مفيش يا حبيبتي… اطلعي يلا ارتاحي فوق، أنا لسه قاعد شوية.
ياسمين ضيقت عينيها وهي بتحاول تقرأ وشه:
في إيه يا خالد؟ مين اللي كلمك ومن بعدها بقيت قلقان كده؟
خالد رفع عينه من على التليفون، وبص لها وهو بيتنهد، صوته حاول يكون هادي:
أنا مش قلقان ولا حاجة… واللي كلمني ده واحد صاحبنا عنده مشكلة، وطلب مساعدتي، فبعتله مهاب.
ياسمين هزت راسها ببطء، وملامحها بتقول إنها مش مقتنعة:
ماشي يا خالد، هصدقك… رغم إني مش مقتنعة.
اتحركت من قدامه ودخلت جوه الفيلا، وخالد فضل واقف مكانه يتابعها بنظره لحد ما اختفت.
أول ما اختفت من قدامه، عينه رجعت تاني للتليفون، وبإيده ضغط على رقم، وحط الموبايل على ودنه… كان بيتصل بعمها راشد.
بعد نص ساعة قدام بيت الشرقاوي،
الشارع كان مليان عربيات شرطة صفوف ورا بعض، أنوارهم الزرقا والحمرا مولعة الدنيا. الحركة كانت سريعة ومكثفة، قوات الشرطة داخلين وخارجين من البيت، أصوات اللاسلكي، وخطوات العساكر على الأرض عاملة دوشة تقطع هدوء الليل.
مهاب وصل بعربيته، ركن على جنب ونزل بسرعة، خطواته سريعة وعينه بتمسح المكان. دخل الفيلا بخطوات حاسمة، وعينه وقعت على جلال الشرقاوي وهو خارج، إيديه متكلبشة، ووشه شاحب.
العساكر شغالين يفتشوا البيت كله، الأوض بتتفتح واحدة ورا التانية، وصوت الأوامر بيعلى وسط الجو المكهرب.
راشد كان واقف ثابت مكانه، بيبص على أبوه بنظرة كلها حسرة ووجع، كأن الدنيا تقفلت في وشه. قدامه مراته واقفة محتضنة بنتها بخوف. وأحمد، أخو ياسمين، كان واقف قريب منهم، ملامحه مرعوبه ومش فاهم إيه اللي بيحصل حواليه.
مهاب اتقدم ناحية مجموعة من الظباط اللي كانوا واقفين بيتكلموا، اتبادل معاهم الكلام بسرعة، وبعدين عينه راحت على أحمد، وبعدها اتحرك من مكانه ووقف قدام راشد وقال بجدية:
لازم تسيبوا البيت ده بسرعة.
راشد هز راسه وقال بصوت فيه تعب وإصرار:
أنا كلمت أوتيل، هنروح نقعد فيه للصبح، وهحجز لمراتي وبنتي على أول طيارة. بس أنا مش هينفع أسافر وأسيب أبويا وابني هنا!
مهاب بص لراشد، وصوته كان جاد وحاسم:
يحيى اعترف على جده، والاتنين هيدخلوا حبس مشدد، ومتأمن عشان نحميهم. وجود حضرتك هنا هيكون خطر عليك… الأفضل تسافر مع مراتك وبنتك.
بعدها لف وشه ناحية أحمد وقال بنبرة واضحة:
وأحمد هيجي معايا.
أحمد، اللي كان واقف متجمد مكانه، بص لمهاب وبعدين لعمه، وعيونه مليانة أسئلة مش فاهم لها جواب. راشد تنهد، وقرب من أحمد وقال بنبرة فيها حنية وإصرار:
روح مع حضرة الظابط يا أحمد… هو هيوصلك عند أختك ياسمين.
أحمد بص له مرة تانية، وصوته كان فيه قلق:
هما خدوا جدي فين؟
راشد اتسمر مكانه، معرفش يرد يقوله إيه، وكأنه مش قادر ينطق بالكلام. مهاب تدخل بسرعة، وبص لأحمد بنظرة هادية يحاول يطمنه:
يلا يا أحمد عشان نمشي… هنروح عند ياسمين أختك.
لكن أحمد رفع عينه له، والخوف باين على ملامحه:
هو حسن أبو علي فين؟
قبل ما مهاب يرد، سمعوا صوت مألوف جاي من ورا مهاب:
أنا هنا يا أحمد باشا.
أحمد أول ما شاف خالد، عينيه نورت فجأة، وجري عليه بكل قوته، وخالد فتح دراعاته بسرعة واحتضنه بقوة، كأنه بيحاول يمسح عنه كل الخوف اللي مر بيه.
مهاب وقف لحظة، وبص لخالد بدهشة، وخطى ناحيته بقلق:
إنت جيت إزاي هنا؟ ناسي إن حياتك في خطر إنت كمان؟
خالد عدل وقفته، وصوته نزل لطبقة هادية ومنخفضة وهو بيكلم مهاب:
أول لما ياسمين طلعت أوضتها، خرجت على طول. كنت عارف إن أحمد هيكون خايف وسط اللي بيحصل ده… كان لازم أجي عشان أطمنه.
وهو ماسك إيد أحمد، رفع عينه وبص لراشد، وقرب منه بخطوات واثقة، والجو حواليهم لسه مليان أنوار الشرطة وأصواتها.
راشد بص لخالد بقلق وهو صوته مخنوق:
يحيى ابني كويس؟
خالد حاول يطمنه، وبصله بثبات:
متقلقش عليه، هو كويس… واعترافه جه في الوقت المناسب.
حياته وحياة جده كانت في خطر، ووجودهم في السجن دلوقتي أأمن لهم من بره.
راشد نزل عينه للأرض وقال بحزن واضح في نبرته:
ـ وهيتحكم عليهم؟
خالد أخد نفس عميق وقال:
ـ دي إجراءات محكمة... المهم دلوقتي إنكم تبعدوا عن هنا، وجودكم هنا مبقاش أمان.
راشد هز راسه بتفهم، وبص لمراته وبنته بنظرة جدية:
ـ جهزوا شنطكم بسرعة.
خالد بص لأحمد، ابتسم وقال له بلطف:
ـ يلا بينا إحنا يا بطل؟
أحمد رد بهزة راس حماسية وابتسامة واسعة. خالد مد إيده، مسكه وخرجوا سوا من بيت الشرقاوي.
مهاب كان ماشي وراهم وهو متوتر، أول ما وقفوا قدام البيت بره، انفجر فيه:
ـ إنت كده بتعرض حياتك للخطر يا خالد! المفروض متخرجش من بيتك وإنت عارف كده كويس.
خالد رد بهدوء لكن فيه قوة:
ـ أنا مش هتحبس في البيت يا مهاب... هما اللي لازم يخافوا مننا مش العكس.
مهاب لف وشه حواليه كأنه بيتأكد إن مفيش حد سامعهم، وبص لخالد:
ـ وهنعمل إيه دلوقتي؟
خالد قال وهو عينه راكزة عليه:
ـ هتاخد أحمد عندك في شقتك للصبح... كلها كام ساعة ووحيد الأسيوطي هيتقبض عليه هو كمان.
والبيت هيتقلب عندنا، أمي وخالتي مش هيسكتوا وأحمد مينفعش يتعرض لكل التوتر ده.
مهاب فتح عينه بصدمة:
ـ أخده عندي فين! أنا مش بعرف أتعامل مع أطفال!
خالد اتنرفز:
ـ هو طفل بيرضع يا بني؟! ده كبير ومش هيحتاج منك حاجة!
مهاب هز راسه بعناد:
ـ لا برضه... ده مسئولية وأنا مقدرش عليها.
فكر لحظة وقال:
ـ طب ممكن نوديه لمنة، أهو يبقى مع آدم ابن أختها ويتسلوا مع بعض.
خالد قال بنبرة زهقانة:
ـ كلمها... اسألها لو ينفع... زهقتني!
مهاب رفع حواجبه:
ـ أكلمها إزاي وأنا مش معايا رقمها؟
خالد انفعل:
ـ مش معاك رقم مراتك إزاي يا بني آدم!
مهاب رفع إيده كأنه بيدافع عن نفسه:
ـ ما أنا اتجوزتها بسرعة ملحقتش آخد رقمها... عمومًا، خلينا نروح لها ونقولها وأكيد مش هترفض.
في بيت الدريني.
بعد ساعة.
ياسمين فتحت باب أوضة خالد بهدوء وهي متوقعة تلاقيه جوه، لكن الأوضة كانت فاضية. قلبها دق بسرعة وهي بتبص حوالين المكان، يمكن يكون في الحمام أو البلكونة، لكن مفيش أي أثر له.
اتسندت على الحيطة وهي بتفكر: "يمكن لسه قاعد في الجنينه."
خطواتها كانت بطيئة وهي رايحة ناحية البلكونة، فتحت الباب وخرجت تبص لتحت... لكن حتى الجنينه كانت فاضية، مفيش أي علامة تدل إنه موجود.
القلق بدأ يزيد في عينيها، مسكت طرف طرحتها بتوتر، وخطت بسرعة ناحية السلم وهي بتحط الطرحة على شعرها، نازلة تدور عليه في الدور اللي تحت وقلبها بيقولها إن في خطر.
.......
في العمارة عند مهاب.
كان واقف مع خالد وأحمد واقف بينهم، عينه رايحة مرة على خالد ومرة على مهاب كأنه بيحاول يفهم إيه اللي بيحصل.
مهاب قال بتوتر:
– بس مش عيب أخبط عليها في وقت متأخر زي ده؟
خالد رفع حواجبه بدهشة وقال:
– عيب ليه؟ مش هي مراتك دلوقتي؟
مهاب رد بتردد:
– أيوه... بس مش لدرجة إني أخبط عليها دلوقتي! حاسس إنها ممكن تفهمني غلط.
خالد مد إيده له:
– هات مفتاح شقتك.
مهاب أداله المفتاح وهو مش فاهم، لكن خالد أخده على طول، ومسك إيد أحمد وقال وهو بيتحرك ناحية شقة مهاب:
– إحنا هندخل شقتك... وإنت بقى اتصرف شوف هتخبط عليها وتقولها إيه.
دخل خالد وأحمد شقة مهاب، ومهاب وقف قدام شقة منة ياخد نفس عميق كأنه بيشجع نفسه قبل المعركة. مد إيده وضغط على الجرس، وبعد ثواني سمع صوتها من جوه، فيه قلق واضح:
– مين؟
حاول يطلع صوته هادي وطبيعي:
– أنا مهاب.
الباب اتفتح على طول من غير تردد، ومنة واقفة قدامه، عينيها فيها قلق وهي بتقول:
– مهاب!!! في حاجة؟
هو أول ما شافها اتجمد في مكانه، عينيه اتحركت عليها من فوق لتحت من غير ما يحس، كانت بشعرها من غير الحجاب لأول مرة يشوفها كده، ولابسة بيجامة ستان لونها فاتح، ملامحها مرهقة بس زي القمر.
لحظة صمت غريبة سيطرت على الموقف قبل ما تنطق هي بقلق:
– في إيه؟
حرك راسه وهو بيقول بصوت مسموع شوية:
– إنتي كنتي نايمة؟
ردت بسرعة، صوتها فيه توتر ودهشة:
– كنت لسه هنام... آدم كان صاحي ولسه نايم من شوية.
مهاب حس دماغه اتلخبطت من رقتها وجمالها، وكأنه نسي هو جاي يقول إيه، واقف قدامها ساكت، ومنة بدأت تتوتر أكتر من وقفته قدام الباب كده وسألته:
– كنت عايز تقول حاجة؟
رد وهو بيبصلها بعينين مش قادر يشيلها عنها، صوته طالع بهدوء كأنه بيبوح بسر:
– كنت عايز أقولك... إنك زي القمر.
الكلمة وقعت على منة فجأة، قلبها دق أسرع وخدودها احمرت من الخجل، وبصت للأرض وهي بتحاول تخفي ابتسامتها.
وقبل ما الموقف يطول، سمع صوت خالد بينادي عليه من جوه شقته، فافتكر فجأة هو جاي ليه. مسح على وشه كأنه بيرجع لنفسه وقال:
– هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟
بصت له بتوتر، عينيها فيها فضول وقلق:
– اتفضل.
قال بصوت هادي جدًا، فيه رجاء:
– في طفل معايا هنا... ممكن أجيبه عندك للصبح؟
اتسعت عينيها بدهشة:
– طفل مين؟ هو إنت عندك أطفال؟
رد بسرعة وهو بيهز راسه:
– لأ... ده أحمد أخو ياسمين، خالد جايبه يبات عندي النهاردة، علشان مش هينفع يروح البيت عند ياسمين دلوقتي... وأنا بصراحة مش بعرف أتعامل مع أطفال، ففكرت أجيبه عندك.
ابتسمت منة ابتسامة بسيطة وقالت:
– أخو ياسمين؟... هاته طبعًا.
مهاب هز راسه وهو لسه بيبصلها، النظرة معلقة فيها كأنه مش عايز يسيبها، وقال بهدوء:
– ثواني... هجيبه من شقتي.
اتحرك ناحية شقته، لكن حتى وهو ماشي كان بيبص عليها، وبعد ما دخل وأخد أحمد، رجع عندها وقال وهو بيسلمها الولد:
– هيبات معاكي للصبح بس.
منة هزت راسها بابتسامة وهي بتسلم على أحمد:
– إزيك يا أحمد، أنا منة.
أحمد ابتسم لها بخجل وسلم عليها.
دخلت منة مع أحمد جوه وهي بتقول لمهاب:
– تصبح على خير.
مهاب رد بحنية، صوته دافي وهو بيبصلها، وبعد ما اتأكد إنها قفلت الباب، رجع شقته.
أول ما دخل، حس كأنه شايل في عيونه صورة منة، ملامحها الرقيقة، ابتسامتها الهادية، والخجل اللي كان في عينيها. كان سرحان فيها لدرجة إنه مش واخد باله من اللي حواليه.
قعد جنب خالد، وابتسامة بلاهة باينة على وشه، كأنه في عالم تاني غير اللي قاعد فيه دلوقتي.
خالد بص لمهاب بدهشة، رفع حاجبه وقال:
– في إيه؟
مهاب رد بصوت هادي، فيه نغمة دافية كأنها موسيقى رومانسية ماشية في الخلفية:
– الجواز... شكله حلو أوي.
خالد ما قدرش يمسك ضحكته:
– جواز إيه؟! ده إنت لسه ماضي على عقد الجواز بالتهديد من خالها!
مهاب سرح بنظره بعيد، عينيه بتلمع وفيها لمعة خيال:
– ده أحلى عقد أنا مضيت عليه في حياتي.
خالد هز راسه بابتسامة جانبية وقال:
– آه... ده إنت وصلت فوق خالص.
وفجأة، رن جرس الباب.
خالد قام وهو بيقول:
– ده معتصم... كلمني دلوقتي وقلتله إني هنا.
فتح الباب، وكان فعلًا معتصم واقف، دخل وسلّم على خالد، وبمجرد ما عينه وقعت على مهاب، شافه قاعد مبتسم ببلاهة، عينيه بتلمع كأنها بترسم قلوب في الهوا.
معتصم بص لخالد باستغراب:
– ماله ده؟
خالد رجع يقعد وقال بنبرة فكاهة:
– بيقولك الجواز شكله حلو.
معتصم رفع حاجبه بدهشة وهو بيقعد:
– جواز إيه؟ هو فاضي يفكر في الجواز دلوقتي؟!
خالد ضحك:
– هو ملحقش يفكر أصلًا... الباشا اتجوز النهاردة وكتب كتابه على جارته.
معتصم اتسعت عينيه بصدمة:
– منة!!!
خالد بصله بدهشة ممزوجة بسخرية:
– إيه ده؟ كلكم عارفين حكاية منة إلا أنا!
معتصم هز راسه باستغراب:
– هو كان حكالي عنها... بس ما توقعتش الموضوع يوصل لجواز بالسرعة دي!
بص لمهاب وقاله مباشرة:
– إنت يا بني، بص هنا واحكيلي... اتجوزت إزاي فجأة كده؟
لكن مهاب ما ردش، لسه غارق في ابتسامته وسارح في عالمه الخاص مع منة.
خالد ضحك وقال لمعتصم:
– مش بمزاجه... بيقولك خالها كتفه بحبل، وخالها التاني حط السلاح في دماغه، وأخدوه على المأذون وخلّوه يمضي على العقد تحت التهديد.
معتصم انفجر من الضحك وهو متخيل المشهد، بينما مهاب ولا كأنه سامعهم، عايش جوه حلمه، وكل اللي في دماغه صورة منة وابتسامتها.
مع أول خيوط الفجر اللي بدأت تنور السما بلون رمادي فاتح، كانت شقة مهاب هادية إلا من صوت أنفاسه وهو نايم على الكنبة، ملامحه مرتاحة ولسه أثر الابتسامة باين على وشه، كأنه في حلم جميل مش عايز يصحى منه.
على السفرة، قدام بواقي فنجانين قهوة، خالد ومعتصم قاعدين قدام بعض، ملامحهم مرهقة من طول السهرة، وعينيهم فيها مزيج من القلق والتفكير. بيكملوا كلامهم عن القضية وخطواتهم الجاية لتأمين أهل خالد ومراته، خصوصًا بعد ما معتصم اطمن إن مراته دلوقتي في أمان جوه بيت أهله.
معتصم قال وهو ماسك رأسه بإيده، صوته فيه تعب واضح:
- بس هما ليه قبضوا على الشرقاوي فجأة؟ هو يحيى فعلاً اعترف عليه؟
خالد هز راسه بثقة، لكن في عينيه لمعة حزن:
- لا... يحيى لسه ما اعترفش، لسه عنده أمل إن جده يطلعه... بمساعدة سيادة اللواء طبعًا.
كلمة "سيادة اللواء" خرجت من خالد وفيها نبرة ضيق مكتومة، وكأنها بتلسعه.
معتصم سأل بهدوء، لكن السؤال كان تقيل على قلب خالد:
- وهيقبضوا على اللوا وحيد النهاردة برضه؟
خالد بص في ساعته، ملامحه جدية وعينه فيها تركيز:
- زمانهم وصلوا بيته دلوقتي. هما قبضوا على جلال الشرقاوي قبله بكام ساعة، عشان لما يقبضوا عليه، المافيا يفهموا إن جلال الشرقاوي اعترف على وحيد الأسيوطي بعد ما يحيى اعترف على جده. ساعتها توصلهم فكرة إن الخيط بدأ يكر معانا، والخطوة الجاية هتكون القبض على اللي فوق وحيد الأسيوطي. كده التوتر هيزيد بينهم، والكل هيخاف على نفسه، والتواصل بينهم هيبقى أكتر عشان يطلبوا الحماية. وبعد ما أمن الدولة والمخابرات فكوا شفرات التواصل بتاعهم، هيقدروا يحددوا أماكنهم... وهجومنا عليهم هيسبق هجومهم علينا.
معتصم هز راسه بتفهم، صوته واطي لكن فيه يقين:
- عرفت إن في اجتماع في المديرية الساعة 10 الصبح.. واضح إن خطة الهجوم جهزت ولازم نستعد.
خالد:
- آه، عرفت... وهحضر الاجتماع ده معاك.
شعاع الشمس بدأ يدخل من الشبابيك، لون الدفا لامس وشوشهم بعد ليلة طويلة. خالد بص لمعتصم وقال بنبرة هادية:
- أنا هقوم أرجع البيت... وانت حاول ترتاح شوية.
معتصم تنهد بتعب وإرهاق، وقال:
- هنزل معاك أرجع شقتي.
خالد بص له بقلق واضح:
- بلاش تروح شقتك... خليك هنا أحسن. هما ساعتين هترتاحهم، مش مستاهلة تروح.
التعب كان غالب على معتصم، عينه تقيلة وجسمه مكسر، فهز راسه وقال:
- خلاص... هنام هنا ساعتين، وأنزل أروح المديرية.
خالد قام من مكانه وهو بيقول بحزن مكتوم جواه:
- وأنا هروح أشوف الحريقة اللي هتحصل في بيتنا بعد ما أمي تعرف إن جدي اتقبض عليه.
معتصم بص له بجدية، نبرته أهدى:
- المهم خلي بالك من نفسك.
خالد هز راسه وخرج، ونزل من عمارة مهاب، وهواء الصبح البارد بيقابله، قبل ما يركب عربيته ويرجع على بيته.
بعد وقت قصير، خالد رجع البيت.
فتح الباب وهو حاسس بتقل في قلبه، أول ما دخل، لقى ياسمين قاعدة في الريسبشن لوحدها، ساكتة، حاطة إيديها على خدها، وعينيها حمرا ومنتفخة من كتر البكا، ملامحها تعبانة وواضح ما نامتش طول الليل.
أول ما شافته، قامت بسرعة، قلبها سابق خطواتها، وجريت ناحيته. رمت نفسها في حضنه وهي بتبكي بحرقة:
- كنت فين كل ده يا خالد؟... كنت هموت من الخوف عليك.
خالد حس بدفا حضنها ودموعها على كتفه، ضمها لقلبه بقوة وكأنه بيطمنها من غير ما يتكلم.
لكن قبل ما يرد، قطع اللحظة صوت صراخ عبير وهي داخلة من الباب، صوتها مهزوز من الفزع:
- الحقيني يا بهيرة... بابا اتقبض عليه!
شافت خالد قدامها وجنبه ياسمين.
قربت من خالد بلهفة:
- الحق جدك يا خالد.. جم قبضوا عليه من البيت.
أول ما عين عبير وقعت على ياسمين، وشها قلب وتغير، الغضب مسيطر عليها. قربت منها بخطوات سريعة وهي بتصرخ وصوتها مليان هجوم:
- جدك الشرقاوي المجرم! بيتهم بابا إنه شريكه... عايز يشوه سمعة الراجل المحترم اللي كل الناس بتحلف بأخلاقه!
خطوات بهيرة وسالم كانت نازلة بسرعة على صوت الصريخ، وبهيرة وقفت متسمرة أول ما سمعت كلام عبير، قلبها اتقبض، قربت من ياسمين والذهول باين في عينيها:
- بابا اتقبض عليه إزاي يا عبير؟! إنتي بتقولي إيه؟!
عبير ردت بصوت مبحوح من كتر البكا، ودموعها مغرقة وشها:
- اسألي الهانم مرات ابنك... خليها تقولك جدها عمل إيه!
وفجأة، صوت كارما جه من وراهم، واضح وقوي، كله تحدي:
- اسأليني أنا يا ماما... وأنا هقولك جدي عمل إيه.
دخلت عليهم بخطوات واثقة، كتفها مرفوع، وعينيها ثابتة لقدام، شكلها كان مختلف بعد ما شافت جدها بيتقبض عليه قدام عنيها. كانت حاسة إنها أقوى، وإن اللحظة دي وقتها تقول كل اللي تعرفه.
كل العيون اتثبتت عليها... كارما وقفت قدامهم، بصت في عين أمها مباشرة وقالت بصوت ثابت:
- جدي... اللوا وحيد الأسيوطي... هو اللي قتل بابا.
شهقة قوية خرجت من عبير، إيديها اترعشت وعينيها اتسعت من الصدمة.
كارما حركت عينيها على خالتها بهيرة وقالت بنفس النبرة الثابتة:
- ومكتفاش إنه قتل جوز بنته وأبو حفيدته... ده كان ناوي يقتل حفيده كمان.
وبكل وضوح، بصت على خالد، نظرتها كانت رسالة واضحة إنها بتقصده هو.
رواية منعطف خطر الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم ملك ابراهيم
كل العيون اتثبتت عليها… كارما وقفت قدامهم، بصت في عين أمها مباشرة وقالت بصوت ثابت:
– جدي… اللوا وحيد الأسيوطي… هو اللي قتل بابا.
شهقة قوية خرجت من عبير، إيديها اترعشت وعينيها اتسعت من الصدمة.
كارما حركت عينيها على خالتها بهيرة وقالت بنفس النبرة الثابتة:
– ومكتفاش إنه قتل جوز بنته وأبو حفيدته… ده كان ناوي يقتل حفيده كمان.
وبكل وضوح، بصت على خالد، نظرتها كانت رسالة واضحة انها بتقصده هو.
الصدمة جمدت عبير وبهيرة في مكانهم، عينيهم متسمره على كارما وكأنهم بيحاولوا يستوعبوا الكلام اللي لسه سامعينه.
عبير بدأت تهز راسها يمين وشمال بعصبية، وصوتها بيقطع من الخضة:
– انتي بتقولي ايه؟ الكلام ده مش صح! مين اللي لعب في دماغك وقالك الكلام ده عن جدك؟!
وفجأة صرخت فيها بجنون وعينيها بتلمع من الغضب:
– انتي مجنونه يا كارما! مش عارفه بتقولي ايه!
كارما أخدت خطوة لقدام، عينيها مولعه وغضبها باين في كل حركة:
– أنا بقول الحقيقة اللي انتي مش عايزة تصدقيها! أنا سمعت جدي وهو بيتفق على قتل بابا، كنت صغيرة وخفت أتكلم، وكنت متأكدة إنك كنت هتعملي زي دلوقتي ومش هتصدقيني!
شهقت وهي بتفتكر:
– ويوم ما خالد خرج من المستشفى، وأنا رجعت البيت أغير هدومي، سمعته بنفسه وهو بيتفق على قتل 3… وخالد واحد منهم!
بهيرة وسالم اتبادلوا نظرات، وبهيرة بصت لابنها بصدمة وهي بتهز راسها برفض:
– انتي أكيد سمعتي غلط! مستحيل! جدك هو اللي ربى خالد وروحه فيه! إزاي يفكر يقتله؟!
خالد ابتسم ابتسامة بسخرية مريرة:
– لا يا أمي… كارما بتقول الحقيقة، واللي سمعته صح.
بهيرة وعبير وسالم اتصدموا أكتر وبصوا عليه منتظرين يكمل،
فخالد اتكلم بصوت مليان قهر وغضب مكتوم:
– الرصاصة اللي كانت هتموتني يوم المهمة… خرجت من سلاح واحد كان مع جدي! ضربها عليا قبل ما أقبض عليهم، وجدي سابني واقع على الأرض بنزف وبموت… وهرب عشان ينقذ نفسه.
بهيرة عينيها غرقت دموع وهي بتهز راسها، قلبها وعقلها مش قادرين يصدقوا، إحساس الخيانة بيخنقها.. إزاي أبوها يفكر يقتل ابنها ويحرق قلبها عليه؟
كارما بصت لها بعين متحدية وكملت كلام خالد وهي بتحاول توصل لعقلها:
– لسه مش عايزين تصدقوا؟ طب قوليلي.. جدي كان فين لما خالد اتصاب ودخل المستشفى؟ ليه ما ظهرش غير بعد ما فاق من الغيبوبة؟
وبصت على عبير بسخرية موجوعة:
– وليه لما رجع طلب من ماما تخبي رجوعه عنكم؟ ليه ما خرجش من البيت طول الفترة دي غير يوم ما خالد خرج من المستشفى؟
بهيرة اتلفتت لأختها بصدمة، والدهشة باينة في وشها، وعبير ما قدرتش تبص في عينيها، نزلت وشها للأرض والدموع بتغرقها.
قربت بهيرة من عبير وسألتها بصوت مرتعش:
– كلام كارما ده صح؟ بابا كان هنا وانتي قولتيلي إنه مسافر؟
عبير بصت لها والدموع بتنزل أكتر:
– هو اللي طلب مني أقولك كده!
بهيرة حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها، همست بصدمة:
– يعني الكلام ده حقيقي؟ أبويا كان عايز يقتل ابني؟!
عبير هزت راسها وهي بتبكي:
– والله ما كنت أعرف! أنا زيك أول مرة أسمع ده من كارما! لو كنت أعرف إن بابا قتل جوزي أو كان ناوي يقتل ابنك، كنت عمري ما سكت!
قلب بهيرة ضعف أكتر، أنفاسها بقت متقطعة، مش قادرة تتحمل الصدمة.
خالد شافها على وشك تقع، جري عليها وسندها بإيده وهو بيقول بقلق:
– ماما، إنتي كويسة؟ حاسة بإيه؟
بهيرة لفّت عينيها حواليها وكأنها تايهة:
– وصلني أوضتي يا خالد.. رجلي مش شايلاني.
خالد مسكها بحنان وسندها لحد ما وصلها أوضتها، وعبير لسه واقفة مكانها تبكي، وسالم واقف ساكت، الصدمة رابطاه عن الكلام.
كارما خطت ناحية ياسمين، وقفت قدامها بعينين مليانة امتنان وقالت بنبرة هادية بس جواها مشاعر حقيقيه:
– شكرا يا ياسمين، كلامك آخر مرة هو اللي شجعني.. لما شوفتهم بياخدوا جدي وهيتعاقب على كل اللي عمله، عرفت إني كان لازم أتكلم من زمان.
ياسمين ابتسمت لها ابتسامة دافية، ومدت إيدها تمسك إيد كارما وكأنها بتطمنها.
كارما فجأة دخلت في حضنها، ضامة نفسها ليها بقوة وهمست بصوت مرتعش لكن مليان حب صادق:
– شكرا.
ياسمين ضمتها أكتر، وابتسمتها فضلت على وشها، قلبها كان بيقولها إن كارما بتتكلم من قلبها بجد.
سالم وقف بيتابع المشهد، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشه وهو شايف البنتين أخيرًا بيتجمعوا كأخوات.
على الناحية التانية، عبير كانت واقفة بتبكي، دموعها مش بتقف، وصدمتها في أبوها مخليها مش قادرة تلتقط أنفاسها. كل لحظة بتفتكر إنه قتل جوزها وحرم بنتها منه، قلبها بيتقبض أكتر.
في اللحظة دي، خالد رجع من فوق بعد ما وصل أمه أوضتها، ودخل بخطوات سريعة ونبرة صوته جدية:
– البيت هنا مش أمان حاليًا.. لازم كلكم تخرجوا. جدي متورط مع ناس خطيرة وهدفهم دلوقتي يخلصوا علينا كلنا.
سالم بص له باندهاش وحيرة:
– نخرج نروح فين؟
خالد رد بسرعة:
– ممكن تروحوا البلد عند عمي، هناك هيكون أمان أكتر.
ياسمين بصت له، قلبها بيخبط بسرعة وهمست بقلق:
– وانت؟
خالد هز راسه وقال بنبرة ثابتة:
– أنا لسه قضيتي مكملة هنا، مش هينفع أروح أي مكان قبل ما أقفلها ونقبض عليهم كلهم.
ياسمين قربت منه خطوة، صوتها كان فيه رفض وخوف:
– لا يا خالد.. أنا مش هروح أي مكان وأسيبك هنا.
هو تنهد، عينه فيها قلق وخوف عليها:
– مش هينفع يا ياسمين.. لازم تبعدوا عن هنا، وكمان عشان خاطر أحمد أخوكي. جدك اتقبض عليه امبارح بالليل، وعمك هيسافر النهاردة هو ومراته وبنته لأن حياتهم هنا في خطر.
ياسمين شهقت من الصدمة:
– وأحمد فين؟
خالد رد وهو بيحاول يطمنها:
– متقلقيش.. أحمد عند مهاب، أنا خدته امبارح من بيت جدك ووصلته هناك بنفسي. هو مع مرات مهاب دلوقتي ومستنيين نروح ناخده.
ياسمين وقفت مش قادرة تصدق حجم اللي بيحصل، دموعها بدأت تتسابق وتنزل.
خالد بص لوالده وقال بحسم:
– لازم تتحركوا دلوقتي كلكم، خالتي وكارما هييجوا معاكم.
رجع بص لياسمين، قرب منها، وضم وشها بين إيديه، عينيه بتلمع بإصرار وحنان:
– متخافيش.. ربنا هينصرنا عليهم إن شاء الله.
***
في محافظة سوهاج، عند أهل معتصم.
الليل كان طويل على زينب، عينها ما غمضتش لحظة، كل ما تبص تلاقي ضلمة الأوضة أوسع من صدرها. وجود زينة في البيت كان زي حجر تقيل على قلبها، وكل ما تفكر إنها حامل، الغيرة تولع جواها أكتر، نار مش بتطفي.
بصت على ممدوح جوزها وهو نايم جنبها، نفسه رايح جاي بهدوء، وشه مرتاح. هي بقى قلبها كان عمال يعصر. همست جوا نفسها:
"أكيد دلوقتي بيتمنى لو كان هو اللي اتجوز زينة، وكانت حامل منه، حامل في ابنه هو!"
الإحساس ولعها أكتر، حسّت صدرها بيتخنق. قامت واقفة وهي بتزفر زفرة طالعة من جوة وجعها. خرجت من الأوضة وقفلت الباب بالراحة، البيت كان ساكن وكله لسه نايم.
خطواتها كانت بطيئة، صوتها يكاد ما يتسمعش وهي ماشية ناحية أوضة زينة. وقفت قدام الباب لحظة، عينها ثابتة، فتحت الباب بهدوء وبصت جوه.
زينة كانت نايمة على ضهرها، إيديها الاتنين فوق بطنها بعفوية، كأنها بتحضن الجنين وتحميه. عيون زينب وقعت على بطنها، والغِلّ مالي قلبها.
قفلت الباب تاني، قلبها بيقرصها والنار مولّعة أكتر. نزلت تحت وهي مش طايقة نفسها، كلامها طالع من بين شفايفها بصوت واطي:
"هي إزاي ما سقطتش بعد ما كلت القشطة اللي وديتهالها؟"
بصت حواليها بعينين قلقانين، دخلت المطبخ، مدّت إيدها وفتحت درج مخبية فيه علبة. فتحتها وبصت جوه، تهمس بغضب:
"هو الدوا ده طلع أي كلام ولا إيه؟"
وقفت لحظة، بتفكر، وعيونها فيها لمعة شر:
"اللي في بطنها لازم ينزل عشان الكفة تتساوى… لو الدوا مش نافع، يبقى لازم ألاقي طريقة تانية!"
كانت زينب محتفظة بالباقي من الدوا، شايلاه زي ورقة أخيرة في جيبها، عشان لو ممدوح اتجوز عليها في يوم وعرفت إن مراته حامل، تستخدمه وتخلصها من الحمل. لكن بعد ما جربته مع زينة ومجابش نتيجة، فهمت إنه ملوش لازمة، وإنها لازم تتخلص منه قبل ما حد يشوفه أو يشك.
مدّت إيدها وفتحت علبة الدوا، فرغت اللي فيها في الحوض تحت ميّة سايلة، بتتفرج على الحبوب وهي بتختفي قدامها ، وكأنها بتمسح أثر جريمة.
في الوقت ده، ممدوح كان صحي، مدّ إيده على السرير ملقاش زينب جنبه، قلبه دق بسرعة. افتكر وصية معتصم له: "خلي عينك عليها طول الوقت". قام نازل، خطواته على السلم سريعة لكن حذرة.
أول ما نزل، سمع صوت الميّة جاي من ناحية المطبخ. قرب بخطوات بطيئة، وحط عينه من فتحة الباب.
زينب كانت واقفة، شارده في أفكارها المظلمة، مش حاسة بيه وهو بيقرب. في إيدها علبة دوا غريبة، وبتفضّي اللي فيها تحت الميّة.
ممدوح وقف لحظة مكانه، عينه اتسعت، ورجع بجسمه لورا بسرعة أول ما حس إنها هتتحرك. اتخفي في جنب الحيطة، يراقبها من بعيد.
شافها وهي بتاخد كيس أسود صغير من درج، تحط فيه العلبة الفاضية، وبإيد ثابتة ترميه جوه صندوق القمامة اللي في المطبخ.
هو فضل واقف، عينه عليها من بعيد ، عقله بيجمع خيوط، وكلام معتصم بيرن في ودانه. الشك بدأ يزحف لقلبه، والريبة من تصرفاتها خلت صورة زينب قدامه تتغير… وبقى حاسس إن نيتها تجاه زينة مش سليمة.
***
بعد ساعتين داخل مديرية الأمن.
خالد كان قاعد بيفكر في مراته واهله اللي راحوا البلد عند عمه، المسافه بينه وبينهم حوالي ساعتين بس حاسس انهم مسافرين اخر الدنيا.
قدامه كان قاعد معتصم، نفس الشرود باين في وشه، بس قلبه وعقله عند زينة مراته. القلق آكل روحه، مش مطمّن لزينب مرات أخوه، وشعور غريب بيخليه مش مرتاح.
صوت رنة الموبايل قطع الصمت التقيل، خالد شاف رقم والده على الشاشة. قام واقف واتجه ناحية الشباك، رد بصوت هادي:
– طمّني يا بابا… وصلتوا بالسلامة؟
سالم رد وهو بيحاول يطمنه:
– وصلنا الحمد لله. طمّني عليك انت، كويس؟
خالد تنهد، صوته خرج دافي رغم الحزن:
– طول ما انتوا بخير، أنا كويس… طمّني على أمي، عاملة إيه دلوقتي؟
سالم رد بنبرة حزينة:
– لسه مصدومة في أبوها… بس متقلقش، مع الوقت هتفهم وتتعود.
خالد بص بعيد من الشباك، صوته واطي أكتر:
– وياسمين؟
سالم قال بصدق:
– موقفتش عياط لحظة من ساعة ما اتحركنا من عندك لحد ما وصلنا.
خالد حس قلبه بيتقبض:
– طب ممكن تخليها تكلمني من فضلك يا بابا، بعد إذنك.
سالم نادى على ياسمين،
خالد كان لسه واقف قدام الشباك، سمع صوتها المبحوح بيطلع ضعيف:
– ألو.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
– عرفت إنك بتعيطي طول الطريق! ينفع كده؟
هي ردت ببكاء ملهوف:
– خلّيني أرجع عندك يا خالد… أنا خايفة عليك أوي.
هو رد عليها بصوت هادي، فيه حنية:
– هترجعي عندي تعملي إيه؟ أنا نفسي مش في البيت… أنا في مكتب معتصم في المديرية، وقاعدين مع بعض عادي، ومفيش أي حاجة تقلق، اطمني.
ياسمين قالت بحزن عميق:
– أنا قلبي وجعني يا خالد… مش قادرة أكون في مكان بعيد عنك كده، أرجوك خلي بالك من نفسك، عشان خاطري.
هو حاول يطمنها، صوته دافي أكتر:
– حاضر يا حبيبتي… وخلي بالك انتي كمان من نفسك ومن أحمد.
***
اما عند معتصم.
كان بيبص قدامه بشرود وبيفكر في زينة، غيابها عنه أثر فيه جدا واول مرة يحس بالمشاعر اللي جواه دي! واضح انه حبها من كل قلبه ولما بعدت عنه اتأكد من مشاعره اتجاهها، اول مرة يحس بالخوف قبل ما يطلع مهمة! خايفه على زينة والطفل اللي في بطنها، خايف يجراله حاجة ويسيبهم في الدنيا لوحدهم!
خالد قفل المكالمة مع ياسمين وحس بتقل في صدره، رجع قعد قدام معتصم. الاتنين كانوا ساكتين، وكل واحد شايل جبل من الهموم على قلبه. نظراتهم كانت تايهة، وكأنهم شايفين حاجة مش قدامهم.
خالد بص في ساعة إيده واتنفَس بعمق، وبص لمعتصم وقال بهدوء:
– يلا يا معتصم.
معتصم رفع عينه له، هز راسه من غير كلام، وقف معاه وخرجوا سوا.
وأول ما خرجوا ، شافوا مهاب جاي بخطوات سريعة ووشه فيه جدية:
– في اجتماع دلوقتي، كل القيادات هتحضره!؟
معتصم رد وهو بيعدل هدومه:
– آه، احنا كنا رايحين دلوقتي! هو انت جاي معانا؟
مهاب ابتسم بثقة:
– آه.. جاتلي أوامر دلوقتي أحضر.
وبنبرة كلها حماس قال:
– متقلقوش يا رجالة.. أنا معاكم، ورغم إن اسمي مش ضمن القايمة المستهدفة من المافيا، بس مينفعش مقفش في ضهر إخواتي.
معتصم بص له بغيظ، حاجبه مرفوع:
– هو انت هتذلنا عشان اسمك مش من ضمن الأسماء المستهدفة!!؟
مهاب فرد كتافه وقال بنبرة درامية:
– لا، بعرفكم إني مستعد أضحي من أجلكم.. عشان تحفظوا الجميل ده.
خالد هز راسه بنفاد صبر وهو بيقول:
– ماشي يا سيدي. إن شاء الله نردهالك.
مهاب اتخض وبص له:
– بعد الشر عليا! ده بدل ما تشكرني يا ابن الدريني!
خالد سابه ومشي، ومعتصم قرب من مهاب وقال وهو نص بيضحك ونص قلقان:
– تصدق.. أنا بدأت أقلق لما عرفت إنك ممكن تطلع معانا المهمة دي!
مهاب ابتسم بخبث:
– هيبقى من حظكم لو طلعت معاكم المهمة دي.
معتصم تمتم وهو ماشي:
– ربنا يستر.
***
بعد وقت، في غرفة عمليات كبيرة، فيها كبار القادة قاعدين حوالين الترابيزة المستديرة، عيونهم كلها مركزة. الجو كان تقيل، وكل واحد ماسك نفسه من التوتر.
أحد ضباط أمن الدولة بدأ الكلام بصوت ثابت لكن حازم:
– في شخص خطير جدًا تبع المافيا دخل البلد من كام ساعة… واضح إنه هو اللي هينفذ قايمة الاغتيالات اللي المافيا عايزين ينفذوها هنا. إحنا قدرنا نحدد مكانه، وكمان عدد الأشخاص اللي هيساعدوه في المهمة.
القائد وقف، وبدأ يشرح خطة الهجوم خطوة خطوة، صوته مسموع بوضوح وسط الصمت، والكل عينه عليه بيتابع التفاصيل. العيون كانت بتتنقل بين الخرائط والشاشات، وكل واحد عارف إن أي خطأ هيكلف غالي.
بعد وقت، الاجتماع انتهى، والكل قام بسرعة عشان يستعد. أصوات الأحذية العسكرية على الأرض كانت بتملأ الممرات.
معتصم كان بيلبس الواقي، وبيلتفت ناحية خالد، يقول له بنبرة جدية:
– كنت تسمع كلام القائد، وبلاش تطلع معانا المهمة دي يا خالد… أنت لسه في الإصابة!
خالد، وعينه فيها إصرار، وهو بيلبس الواقي هو كمان:
– دي قضيتنا كلنا يا معتصم… ولازم نقفلها مع بعض.
مهاب قال بضيق وهو بيشد في الواقي:
– الواقي بتاعي ده ضيق… ماسك على بطني، حد فيكم يبدّل معايا.
خالد ومعتصم بصوا له وضحكوا، وخالد رد عليه بسخرية:
– هنبدل معاك إزاي!!؟
معتصم قال وهو بيهزر:
– نفتح الاتنين على بعض!
ضحك خالد بصوت أعلى، لكن مهاب اتكلم بنبرة متضايقة:
– على فكرة أنا تخنت شوية من الإصابة اللي كانت في كتفي.
معتصم هز راسه وقال له:
– آه صح… أنت تخنت من الرصاصة مش من أكل المحشي والبشاميل!
مهاب رفع حاجبه وقال:
– طب متجوعنيش بقى… هو في حد يطلع مهمة زي دي من غير فطار الأول؟!
خالد قال بجدية مصطنعة:
– لا طبعًا ميصحش… إحنا نقول للقائد يوقف المدرعة عند أول عربية فول تقابلنا، ومهاب ينزل يفطر وبعدين نكمل!
معتصم كان بيضحك من قلبه مع خالد، الاتنين عمالين يهزروا، لكن مهاب رد وهو متضايق:
– اضحكوا… اضحكوا… بس على فكرة يا ابن الدريني، الفكرة اللي بتقولها بهزار دي المفروض تحصل، شوف كام ظابط وعسكري طالعين المهمة دلوقتي وهما جعانين!
معتصم بص له وقال بغيظ:
– جعانين إيه يا بني آدم! إحنا طالعين مهمة خطيرة وممكن نموت فيها!
مهاب اتنهد وقال:
– سديتوا نفسي… أنا هسبقكم، يمكن ألاقي عسكري معاه سندوتش جبنة ولا حاجة اصبر بيه جوعي.
معتصم انفجر ضحك وقال:
– أيوه… انزل اسأل العساكر جايبين سندوتشات إيه معاهم في اللانش بوكس… أصلنا طالعين رحلة!
مهاب خرج وهو بيهز راسه، وخالد واقف بيضحك من قلبه بجد:
– هينزل يسأل العساكر بجد على فكرة!
معتصم قال وهو بيضحك:
– يعملها!
خرجوا الاتنين بعدها مع بعض، والجو اتبدل فجأة من الهزار للجدية، الكل بيجهز سلاحه وبيستعد للمهمة.
***
بعد وقت، وصلوا للمكان المحدد.
الخطوات كانت محسوبة بدقة، وأصوات اللاسلكي بتقطع الصمت بإشارات واضحة وحادة. كل واحد وقف في مكانه منتظر اللحظة الحاسمة، وصوت قائد المهمة جه قوي في السماعات:
"كل مجموعة جاهزة… ابدأوا!"
فجأة، الجو انفجر بأصوات الطلقات. الرصاص بيخترق الهوا بسرعة، وصوت المعدن وهو بيرتطم بالحوايط بيعكس حدة المعركة. تبادل نار عنيف بين الشرطة ورجال المافيا، الشرر طاير، وصوت الصراخ ممزوج بدوي الطلقات.
معتصم كان في مجموعة الاقتحام اللي دخلت الفيلا من الداخل. بيتحرك مع فريقه بخطوات ثابتة، عينه ماسكة كل زاوية، وهو في المقدمة. تبادل الطلقات كان سريع، أي غلطة صغيرة كانت كفيلة تكتب النهاية لأي حد.
وفجأة لمح الشخص المطلوب بيجري ناحية سطح الفيلا. رفع صوته في اللاسلكي وهو بيأمر:
"أمّنوا خطي، أنا طالع وراه!"
اندفع ناحية السلالم، قلبه بيخبط في صدره لكنه حافظ على هدوءه. الشخص ده مش أي حد… محترف وخطير، وده باين من حركاته السريعة.
على السطح، كان الجو متوتر لدرجة أن النفس مسموع. معتصم بيتحرك بحذر، ماسك سلاحه، عينه بتمسح المكان. فجأة، من غير مقدمات، الشخص ده انقض عليه، برجله ضرب السلاح فطار من إيده ووقع بعيد.
بدأت معركة جسدية عنيفة، ضربات سريعة وقوية بين اتنين محترفين، كل ضربة كان فيها نية القتل. لكن فجأة، الخصم وقع على الأرض، وإيده لمست سلاح معتصم اللي كان واقع منه. رفعه بسرعة، وفي عينه بريق غدر، وابتسامة باردة رسمت النهاية.
معتصم حس إن اللحظة دي الأخيرة. هو واقف لوحده من غير سلاح، والخصم في ايديه سلاح بيصوبه عليه، عقله اتوقف عن التفكير، نطق الشهادة في سره وغمض عينه مع صوت الرصاصة اللي دوّى جوا قلبه قبل ما يوصل ودنه.
لكن… في حاجة غريبه!
مفيش ألم.
مش حاسس بحاجة!
فتح عينه ببطء، وشاف الخصم واقع قدامه… ميت. الدم بينزف من دماغه، والسلاح لسه في إيده. قلب معتصم كان بيدق بسرعة جنونية، رفع نظره، وهناك… شاف مهاب واقف بثبات، ماسك سلاحه، وعينه كلها ثقة.
فهم ان مهاب هو اللي أنقذه.
وسط أصوات الرصاص والصراخ، مهاب صرخ له بابتسامة خفيفة:
– مراتك لو خلفت ولد… هتسميه إيه؟
معتصم رد بابتسامة فيها امتنان:
– مهاب طبعًا!
ضحك مهاب بثقة وهو بيرجع يركّز على المعركة:
– يبقى كده مش خسارة فيك الرصاصة اللي أنقذتك!
رواية منعطف خطر الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم ملك ابراهيم
في حاجة غريبه! مفيش ألم. مش حاسس بحاجة!
فتح عينه ببطء، وشاف الخصم واقع قدامه… ميت.
الدم بينزف من دماغه، والسلاح لسه في إيده.
قلب معتصم كان بيدق بسرعة جنونية، رفع نظره، وهناك… شاف مهاب واقف بثبات، ماسك سلاحه، وعينه كلها ثقة.
فهم ان مهاب هو اللي أنقذه.
وسط أصوات الرصاص والصراخ، مهاب صرخ له بابتسامة خفيفة:
– مراتك لو خلفت ولد… هتسميه إيه؟
معتصم رد بابتسامة فيها امتنان:
– مهاب طبعًا!
ضحك مهاب بثقة وهو بيرجع يركّز على المعركة:
– يبقى كده مش خسارة فيك الرصاصة اللي أنقذتك!
معتصم ضحك وبص للسما وهمس:
شكرا يارب.
قرب من جثة الشخص اللي واقع على الأرض عشان ياخد سلاحه، وهو بياخد السلاح لفت انتباهه سلسلة غريبة في رقبته، أخدها معتصم ومسكها في ايديه وهو بيتأملها، فجأة اتفتحت في ايده ولقى جواها فلاشه صغيرة.
تحت، كانت المهمة لسه مشتعلة، أصوات الرصاص بتتقطع مع صرخات وتبادل أوامر بين قوات الشرطة ورجال المافيا. الجو مليان دخان وريحة بارود، والخطوات بتجري في كل اتجاه.
لكن بعد دقايق معدودة، صوت الطلقات بدأ يهدى، ورجال الشرطة قدروا يسيطروا على الموقف. كل اللي كان لسه عايش من رجال المافيا اتقبض عليه.
الصوت جه واضح في اللاسلكي:
– المهمة نجحت… الكل يوقف إطلاق النار.
خالد كان نازل على ركبته جنب واحد من العساكر، العسكري كان مصاب والدم مالي الأرض تحته.
كان واقف قريب من خالد وقت ما اتصاب برصاصة في رجله، ولما وقع، خالد سحبه بسرعة لغطاء جانبي، وابتدى يضغط على الجرح بكل قوته عشان يوقف النزيف. أنفاسه كانت سريعة ووشه متوتر، لكنه مركز لآخر لحظة.
رجال الإسعاف جريوا عليهم، رفعوا المصاب على النقالة وأخدوه معاهم.
معتصم قرب من خالد، ووقتها لمح بقع دم على صدره بعد ما خلع الواقي:
– خالد… إنت كويس؟
خالد مسك صدره بألم، وصوته طلع متقطع:
– كويس… بس شكل الجرح بتاع العملية اتفتح تاني وبينزف.
معتصم بسرعة بيشوف مكان النزيف، صوته ارتفع وسط الزحمة:
– مسعف!… حد ييجي هنا بسرعة!
لكن خالد رفع إيده يطمنه بابتسامة هادية رغم الألم:
– متقلقش يا معتصم… مفيش حاجة.
وبص حواليه بقلق:
– هو… مهاب فين؟
معتصم لف حواليه بسرعة، صوته مليان قلق:
– أنا بدور عليه… مش لاقيه! ده هو اللي أنقذني فوق… كنت خلاص نطقت الشهادة!
كلمات معتصم خلّت القلق يتسلل أكتر لقلوبهم. لحظات تقيلة عدّت، والرعب بدأ يسيطر عليهم وهما فعلاً مش شايفينه في أي مكان.
معتصم بقى يتحرك وسط الزحمة، يسأل أي ظابط أو عسكري يقابله:
– شفتوا الرائد مهاب؟! كان فوق معايا!
وخالد، رغم الألم اللي بيخبط في صدره والنزيف اللي مش بيقف، بدأ هو كمان يدور، عينه بتتحرك بسرعة من غير ما يقدر يوقف نفسه.
الاتنين وقفوا لحظة، يبصوا لبعض، والنظرة بينهم بتقول نفس الجملة من غير ما تتقال:
– يا رب يكون بخير.
دخلوا جوه الفيلا، أصوات خطواتهم بتدوس على فوارغ الطلقات المنتشرة على الأرض. الجدران عليها آثار الرصاص، والخراب مالي المكان بعد المعركة العنيفة. ريحة البارود لسه معلقة في الجو، والجثث مرمية في زوايا مختلفة.
خالد كان بيتحرك بحذر، عينه بتمسح المكان، وفجأة… وقف مكانه، جسمه اتجمد، وعينه اتسعت من الصدمة.
صوته خرج واهتز وهو بينادي:
– "معتصم…"
عينه كانت متثبتة على حاجة قدامه، حاجة خلت دقات قلبه تسرع، ومش قادر ياخد خطوة لقدام.
معتصم قرب من خالد بخطوات سريعة، قلبه بيدق بعنف من الخوف على مهاب. وقف جنبه وبص قدامه… وفي نفس اللحظة، هو كمان اتجمد من الصدمة.
لحظات معدودة وهما بيحاولوا يستوعبوا المشهد، قبل ما يتحركوا بخطوات تقيلة ناحية المكان اللي عنيهم اتثبتت عليه.
في نص المطبخ، مهاب كان قاعد على تربيزة صغيرة، فاتح رغيف عيش بلدي، وحاطط جبنة ولانشون، بياكل فطور كامل كأنه في بيته، مفيش في وشه أي أثر للمعركة اللي لسه مخلصتش من دماغهم.
خالد ومعتصم وقفوا قدامه مش قادرين ينطقوا من الصدمة. أخيرًا، صوت معتصم خرج مهزوز:
– مهاب… إنت بتعمل إيه؟
مهاب رفع عينه وهو بياكل من السندوتش بكل هدوء:
– بفطر… مش المهمة خلصت؟ أسيب نفسي أموت من الجوع ولا إيه؟
خالد اتنرفز، مسك طبق فاضي من قدامه ورماه عليه بعصبية:
– إحنا اللي كنا هنموت من الخوف عليك يا متخلف! وانت قاعد هنا بتفطر؟!
معتصم تدخل بسرعة، ماسك خالد من كتفه وهو بيبعده عنه بالعافية:
– "اهدى يا خالد…"
في اللحظة دي، صوت خطوات القائد دخل ووقف قدامهم، وصوته القوي ملأ المكان:
"إيه اللي بيحصل هنا؟"
مهاب قام واقف بسرعة، مؤدي التحية العسكرية بكل جدية.
معتصم اتدخل بسرعة قبل ما الموضوع يكبر:
– مفيش يا فندم… بس خالد الجرح اللي في صدره اتفتح، وأنا كنت بدور على حاجة أوقف بيها النزيف.
القائد كان واقف عند باب المطبخ، عينه بتلمح مهاب اللي كان بيحرك بقه ببطء شديد، بيحاول يبلع اللقمة من غير ما القائد يلاحظ. قدامه طبق فيه عيش وجبنة ولانشون.
القائد رفع حاجبه وسأله بصرامة:
– وأنت… كنت بتعمل إيه هنا يا مهاب؟
مهاب رد بسرعة:
– كنت بعمله سندوتش يا فندم… أصل خالد حاسس بهبوط بسبب النزيف.
القائد بص له لحظة، وبعدين ابتسم وهو بيهز راسه:
– خالد برضه اللي حاسس بهبوط؟!
خالد بص لمهاب بنظرة غيظ، الغيظ اللي فيه خوف حقيقي كان جواه من لحظات.
أما معتصم، فحاول بكل قوته يكتم ضحكته بعد ما قلبه ارتاح واطمن على مهاب.
القائد حول نظره لخالد:
– الإسعاف برّه يا خالد، خليهم يشوفوا الجرح بتاعك.
واتحرك القائد للخروج، وصوت خطواته اختفى.
مهاب وقتها أخد نفس عميق وكأنه فلت من كمين، بلع الأكل، وقعد بارتياح وهو بيكمل فطاره.
معتصم بص له بابتسامة ساخرة:
– انت جبت الأكل ده منين؟
مهاب أشار للجبنة وهو بياكل:
– التلاجة بتاعهم مليانة أكل، ولاد الإيه دول جايبين جبنة طعمها حلو أوي… شكلها مستوردة.. جايبينها معاهم وهما جاين!
معتصم هز راسه بقلة حيلة، وبص على خالد اللي كان واقف على وشك ينفجر من عمايل مهاب.
في بيت أخو سالم الدريني…
ياسمين كانت في أوضة واحدة مع كارما، ومعاهم أحمد.
وأخيرًا… الأخوات اتجمعوا. اللحظة اللي كانت ياسمين بتتمناها من اول ما عرفت ان لهم اخت.
بابتسامة مليانة دفء، عرفت أحمد إن كارما تبقى أختهم. ملامحه اتبدلت بدهشة وفرحة، وكارما ما ضيعتش وقت، قعدت تتكلم معاه وتضحك وهي بتلاعبه، وهو بيرد عليها بضحكة طفولية بريئة.
لكن ياسمين… كانت في عالم تاني خالص. واقفة في البلكونة، عينها شارده لبعيد وقلبها مشغول على حبيبها.
جواها لهفة تسمع صوته، او كلمة واحدة منه تكفي… تسمع منه إنه بخير، وساعتها قلبها يهدى.
في أوضة جنبهم…
بهيرة وعبير كانوا قاعدين، والجو بينهم تقيل لدرجة تخنق.
دموع عبير ما وقفتش لحظة، عينيها حمرا وهي بتبص لبهيرة بنظرة ندم، بتحاول بأي طريقة تطلب منها تسامحها.
لكن بهيرة كانت متجمدة مكانها، وشها ثابت لكن جواها عاصفة. قلبها مجروح باللي عرفته… أبوها، السند والضهر اللي طول عمرها متكأة عليه، كان ناوي يحرق قلبها على ابنها.
وأختها الوحيدة، اللي كانت بتعتبرها حياتها… طلعت بتخدعها، وتكدب عليها وتقول إن أبوها مسافر، وهو في الحقيقة عايش في بيته وبيخطط يقتل ابنها!
كل واحدة فيهم شايلة جرح عميق وإحساس بالخذلان، لكن ما فيش ولا واحدة قادرة تبوح للتانية اللي جواها.
الثقة اللي كانت بينهم اتكسرت… وكسرها كان تقيل، صعب يتلحم تاني.
أما عند سالم…
كان قاعد تحت مع أخوه، ساكت وعينه مركزه علي نقطه ثابته قدامه بشرود. القلق كان واكل قلبه، والخوف مسيطر عليه… خايف يخسر ابنه.
كل ساعة بتمر عليه كانت تقيلة كأنها يوم كامل، وكل دقيقة بتزود وجعه.
مستني مكالمة من خالد تطمّنه… مستني يسمع صوت ابنه الوحيد، اللحظة اللي يشوفه فيها وتقرّ عينه برؤيته.
الإحساس ده كان خانقه، كأن أنفاسه مش كاملة لحد ما يتأكد إن ابنه بخير.
في سوهاج…
عند أهل معتصم.
ممدوح ما خرجش من البيت طول اليوم، قاعد زي الحارس، عينه ما بتفارق زينب مراته، بيراقب كل تحركاتها وكأنه مستني منها غلطة.
هي التوتر باين عليها، ملامحها مش ثابتة، وكأنها شايلة في دماغها مصيبة بتفكر فيها.
الشر اللي جواها كان عامي عينها عن نظرات جوزها اللي بتلاحقها في كل خطوة وتقرأها من غير ما تنطق.
أما زينة… كانت في أوضتها طول اليوم، ما خرجتش.
قلبها مشغول وملهوف على معتصم، إحساس القلق مسيطر عليها.
قاعدة مستنية منه مكالمة تطمّنها، وكل ما تبص علي الموبايل، تدعي في سرها ربنا يحميه ويرجّعها له بالسلامة.
في مديرية الأمن، كان الجو مشحون بالترقب.
معتصم سلّم الفلاشة اللي انتزعها من سلسلة رجل المافيا اللي مهاب قتله.
بعد الفحص، ظهرت الحقيقة… ملفات بأسماء تقيلة، شخصيات لها نفوذ، متورطة لسنين في شغل مشبوه مع المافيا.
واضح إن الراجل ده كان مخزن الأسرار دي كدرع يحميه من غدرهم، لكن الدرع وقع في إيد الشرطة.
أوامر صدرت فورًا بخروج مأمورية خاصة للقبض على الأسماء اللي ظهرت.
وفي وسط ده، خالد طلب يقابل جده، وحيد الأسيوطي.
الباب اتفتح، وحيد دخل مكبل بالكلبشات، ملامحه متماسكة ظاهريًا، لكن عنيه فيها لمعة غريبة ما بين التحدي والانكسار.
خالد كان قاعد، قام واقف أول ما شافه، نظره هابط للأرض وكأنه بيجمع شجاعته.
وحيد رفع راسه، وبص لخالد، صوته خرج مهزوز لكنه مغلف ببرود متعمد:
– جاي تشمت في جدك؟ ولا جاي تعرض المساعدة يا حضرة الظابط؟
خالد رفع نظره عليه، صوته هادئ لكن فيه حدة وقهر مكتوم:
– جاي أسألك… ليه؟
ضحكة قصيرة خرجت من وحيد، متبوعة بثقة مصطنعة:
– هو إيه اللي ليه؟! انت هتصدق كلام الشرقاوي والمجنون حفيده!؟ أنا طول عمري راجل شريف. وهما ما عندهمش دليل واحد يثبت كلامهم… وهطلع في أول عرض ليا على النيابة!
خالد هز راسه، ابتسامة ساخرة رسمت نفسها على وشه، لكنها مكسورة بحزن حقيقي:
– لا… المرادي ما حسبتهاش صح يا جدي. انت هنا مش عشان اعتراف الشرقاوي ولا حفيده… انت هنا… عشان تورطك في أعمال إجرامية أخطر بكتير منهم.
وحيد الأسيوطي بلع ريقه بصعوبة، عينيه بدأت تزوغ، وصوته طلع هامس كأنه بيختبر رد فعل خالد:
– انت… مكنتش فاقد الذاكرة… صح؟
خالد رفع عينيه، نبرة صوته ثابتة لكن وراها مرارة موجعة:
– صدقني… جت عليا لحظات، اتمنيت فيها أفقد الذاكرة بجد… وأمسح كل ذكريات عمري اللي كنت عايشها وانا فاكر إن جدي راجل شريف.
ملامح وحيد شدّت، وحاول يرجّع هدوءه:
– انت معندكش أي دليل تمسكني بيه!
خالد ابتسم ابتسامة حزينة، هز راسه:
– فعلا مكنش عندي دليل… لكن دلوقتي، معانا دليل قوي ضدك، وضد كل واحد خان البلد دي وهو قدام الناس بيبان إنه بيدافع عنها.
نفسي ألاقي سبب واحد… أو حتى عذر… يخلي إنسان في مكانتك… تبقى دي نهايته.
وجه وحيد اتغير، الذهول سيطر عليه:
– يعني إيه معاكم دليل؟
خالد رد بثقة وهدوء قاتل:
– هتعرف في النيابة… اللي كنت متأكد إنها هتخرجك.
الأفضل تبدأ تتعود على حياة السجن… لأن أقل حكم عليك، هيكون مؤبد.
ساعتها، وحيد فهم… دي كانت النهاية.
خالد وقف، عينيه مليانة خذلان أكتر من الغضب، ونادى بصوت هادي:
– خده يا عسكري… رجّعه الحبس تاني.
الكلمة كانت تقيلة على قلب خالد… تقيلة لدرجة حس بيها وهي بتغرس جوا صدره.
عمره ما تخيل إنه ييجي يوم وينطقها، ويكون جده هو المقصود بيها.
قعد على المكتب، ضهره مكسور من الحزن، وعينيه اتعلقت في الفراغ… قلبه بيصرخ، بس خلاص، مفيش فايدة. الحزن مش هيرجع حاجة.
جده غلط… وغلطته كانت كبيرة، والنتيجة طبيعية.
لازم يتعاقب… ويدفع تمن خيانته لبلده.
صوت معتصم قطع شروده وهو داخل بحماس:
– هتعمل إيه يا خالد؟ هترجع بيتك ولا هتروح لأهلك في بيت عمك؟ إحنا خدنا أجازة أسبوع… مش عايزين نضيعها.
خالد وقف، وكأنه بيحاول يقفل الصفحة دي من حياته.
أبوه، أمه، مراته… هما الأهم دلوقتي.
اتكلم بهدوء:
– انت هتعمل إيه؟
معتصم ابتسم وقال:
– هروح البلد حالاً… مراتي وحشاني.
خالد ابتسم، وسأل وهو بيحاول يخفف الجو:
– والأستاذ التاني راح فين؟
معتصم ضحك:
– لما عرف إن في أجازة… جري من المديرية.. بيقول تعب وعايز ينام.
خالد ضحك:
– بيتعب هو أوي.
خرجوا مع بعض، وخالد قال وهو ماشي:
– أنا كمان هروح عند أهلي، أكيد قلقانين عليا.
رد معتصم وهو ماشي جنبه:
– ماشي وابقي طمني عليك لما توصل.
في سوهاج.
جوه بيت أبو معتصم، الجو كان هادي، صوت عقارب الساعة واضح وسط السكون.
زينب كانت قاعدة على الكنبة، أصابعها بتفرك في بعض بسرعة، وعينيها شارده في الأرض، كأنها بتحارب أفكارها جوا دماغها.
أبو معتصم قام من مكانه وقال بصوت هادي:
– أنا هطلع أنام… تصبحوا على خير.
طلع على السلم بهدوء، وبعده زهيرة وقفت وقالت وهي بتتحرك:
– وأنا هطلع أطمن على زينة وأنام… تصبحوا على خير.
فضلت زينب قاعدة، وممدوح كان بيراقبها بعينه، صوته فيه لمحة غموض:
– يلا يا زينب نطلع ننام إحنا كمان.
زينب ردت بسرعة، صوتها فيه توتر:
– لا، اطلع انت… أنا هدخل المطبخ أغسل شوية أطباق من بواقي العشا.
ممدوح فضّل باصص لها لحظة، وكأنه بيحاول يقرأ اللي جواها، وبعدين قام طالع على أوضتهم من غير ما يقول كلمة تانية.
زينب فضلت قاعدة مكانها كام دقيقة، بتسمع حركة البيت وهي بتهدى تدريجيًا لحد ما السكون غطى المكان. قامت ودخلت المطبخ، فتحت المية، بدأت تغسل الأطباق بهدوء، لكنها كانت بتطوّل، كأنها مستنية اللحظة المناسبة.
لما خلصت، مسحت إيديها وبصت حواليها، تتأكد إن الكل نام. قلبها بدأ يدق أسرع وهي بتاخد إزازة سائل غسيل المواعين من جنب الحوض.
طلعت على السلم بخطوات حذرة، وقفت على أعلى درجة وبصت حواليها… البيت غرقان في الضلمة، وكل حاجة ساكنة. فتحت الإزازة بإيد مرتعشة، وكبت السائل كله على السلم، ريحته النفاذة مالية الجو.
وبخطوات سريعة، راحت على أوضة زينة وخبطت على الباب بهدوء.
من جوه، سمعت صوت زينة.
زينب حطت أيديها علي بطنها، وعملت نفسها تعبانة وعندها مغص، وهي بتفتح الباب دخلت بصوت متقطع وكأنها بتلهث:
– الحقيني يا زينة… بطني بتتقطع.
زينة قامت بسرعة، القلق باين على وشها، وقربت من زينب وهي بتسألها:
– مالك يا زينب؟ في إيه؟
زينب ردت بصوت متقطع، ماسكة بطنها وكأن الألم بيقطعها:
– تعبانة أوي يا زينة… بطني بتتقطع… مش قادرة أنزل أعمل حاجة دافية أشربها. معلش يا زينة، تنزلي تعمليلي كوباية نعناع دافية… هي اللي هتريحني. أنا كنت هخبط على عمتي، بس مش عايزة أتعبها.
زينة ردت من غير تفكير:
– حاضر هنزل أعملك… اقعدي ارتاحي هنا.
زينب قعدت على السرير، تمثل التعب بعينين مغمضة ونَفَس تقيل، وزينة صدقتها وخرجت بسرعة من الأوضة.
جسم زينب كان بيرتعش، عينيها مفتوحة نص فتحة وهي منتظرة اللحظة… منتظرة تسمع صوت صراخ زينة وهو بيملي البيت كله.
لكن… عدت ثواني… بقت دقيقة… دقيقتين… تلاتة… خمسة!
مفيش صوت… ولا حتى خبطة… ولا حتى همسة!
الحيرة كسرت تمثيلها، فقامَت بحذر من على السرير. خرجت من أوضة زينة، خطواتها بطيئة ومرعوبة، قلبها بيخبط في ضلوعها. قربت من السلم وبصت لتحت… مفيش أثر لزينة! ولا حتى ظلها.
وقفت على طرف السلم، عينيها رايحة جاية على الدرج… كانت بتدقق لو فيه أثر خطوات فوق سائل الغسيل.
لكن فجأة، صوت ممدوح جوزها جه من وراها، هادي بس حاد:
– بتبصي على إيه يا زينب؟
زينب اتخضت، قلبها طار من مكانه، ورجليها خانتها.
خطت خطوة مش مقصوده ونزلت على أول درجة، وأول ما لمسَت السائل… رجلها راحت من تحتها!
اتزحلقت، وصوت صراخها شق سكون البيت وهي بتتقلب على الدرج… لحد ما ارتطمت بالأرض تحت، جسمها واقع وكأنه كله اتكسر.
زينة كانت واقفة ورا ممدوح، قلبها بيخبط من الخضة.
افتكرت اللحظة اللي خرجت فيها من أوضتها عشان تنزل تعمل حاجة دافية لزينب… لكن قبل ما تخطي أول درجة على السلم، لقت ممدوح ابن خالها بيشدها من إيدها فجأة، نظرته جدية وعينيه فيها تحذير، وهو بيشاور لها ما تطلعش صوت، وتتحرك معاه في سكات.
رعب تسلل لقلبها وهي مش فاهمة إيه اللي بيحصل… بس دلوقتي فهمت: لو ممدوح ما لحقهاش، كانت هي دلوقتي اللي مرمية مكان زينب تحت!
صوت صراخ زينب، خلى الحاج عبد الرحيم يخرج من أوضته بسرعة، وزهيرة كمان خرجت بخضة، صوتها عالي وهي بتسأل:
– في إيه؟
ممدوح كان واقف، عينه معلقة بمراته وهي مرمية على الأرض، مش قادرة حتى تطلع صوت من الوجع، وزينة واقفة جنبه، حاطة إيديها على بوقها وكاتمة شهقتها.
ممدوح شاور لأبوه وعمته، صوته ثابت:
– محدش ينزل في حاجة بتزحلق علي السلم… هاتي فوطة ناشفة من عندك يا عمتي.
زهيرة جرت على أوضتها ورجعت بسرعة ومعاها منشفة، وممدوح بدأ يجفف سائل الغسيل من على السلم بحذر، كل حركة منه محسوبة.
زينة فضلت واقفة في مكانها، جسدها متجمد وعينيها متسعة، مش قادرة تصدق المشهد.
ممدوح نزل بخطوات تقيلة، وأبوه وعمته وراه بحذر.
زينب كانت ملقاة على الأرض، وشها شاحب وصوتها طالع ضعيف:
– الحقني يا ممدوح…
زهيرة قربت منها، وحطت إيدها على وشها بتحاول تطمن عليها، لكن عينيها اتسعت فجأة لما لمحت الدم بينزف من تحت زينب.
بصت لممدوح بصدمة، صوتها طالع بهمس لكنه مليان رعب:
– هي زينب… كانت حامل!؟
ممدوح بص لعمته بصدمة، وبعدين عينه راحت لزينب اللي كانت بتغيب عن الوعي، وشها شاحب ونفسها متقطع.
صوت أبوه جه ملهوف وقلق واضح فيه:
– شيل مراتك، ناخدها المستوصف بسرعة يا ممدوح.
زهيرة قربت أكتر، ملامحها مضطربة وهي بتقول:
– مراتك شكلها كانت حامل وبتسقط… لازم دكتور يشوفها بسرعه.
ممدوح وقف لحظات مكانه، عينه مثبتة على الدم اللي بيغمر الأرض حوالين زينب، ودماغه مش قادر يستوعب إنها كانت حامل فعلًا… الصدمة كانت قافلة على أي رد فعل تاني.
ببطء، انحنى وشالها من على الأرض، رفعها بإيدين ثابتة رغم رعشة قلبه، وطلع بيها برا البيت بخطوات سريعة، وأبوه وراه بيجري.
زينة كانت واقفة فوق، بتتابع المشهد بعينين متسعة وخطواتها متسمّرة، الخوف مسيطر عليها، ومخها بيصرخ بأسئلة مش لاقية لها إجابة.
في ساعة متأخرة من الليل،
في بيت اخو سالم الدريني، الدنيا كانت ساكنة والهدوء مغطي كل ركن.
الكل نايم، ماعدا ياسمين اللي كانت واقفة في البلكونة، نفس وقفت خالد المفضلة.
قلبها ملهوف عليه، عينيها سارحه في السماء وكأنها بتسأل النجوم: هو فين؟ ليه مكلمهاش ولا طمّنها؟ ليه مفيش أي خبر عنه، ولا حتى كلمة تخفف القلق اللي بيخنقها!
فجأة، اخترق هدوء الليل صوت صفير خفيف من تحت البلكونة.
عرفته فورًا… النغمة كانت إشارته ليها.
بصت بسرعة لتحت، وقلبها دق بقوة… هو خالد، واقف يبتسم لها ابتسامة دافية.
قال بهدوء وصوته فيه حنية:
– فاضية تيجي معايا مشوار؟
ابتسمت ودموعها لمعت في عينيها، هزت راسها بسرعة ونزلت تجري على السلم.
فتحت باب البيت، وأول ما شافته واقف قدامها، رمت نفسها في حضنه.
ضمها لقلبه، متجاهل الألم اللي حس بيه من الجرح لما ضغطت عليه.
تنهد بحب وهمس:
– وحشتيني.
رفع وشها بين إيديه، وعينيه غرقانين في عيونها اللي لسه الدموع بتلمع فيهم، سألها:
– في حد صاحي؟
هزت راسها بـ "لا".
مسك إيديها وقال:
– طب تعالي معايا.
أخدها معاه، وهي ماشية جنبه وقلبها مليان أسئلة، لحد ما وقفت وقالت:
– هنروح فين دلوقتي؟ وبعدين طمّني عليك الأول… إيه اللي حصل؟
وقف وبص في عينيها، صوته ثابت:
– خلاص، مبقاش في خطر تاني.
هي بفضول وقلق:
– مبقاش في خطر إزاي؟ احكيلي! وبعدين إنت مكلمتنيش تطمني ليه… أنا كنت هموت من الخوف عليك!
مسك إيديها بإحكام وقال:
– هقولك كل حاجة… تعالي.
خدها وقعدوا في جنينة بيت عمه، ريحة الورد حواليهم، والليل شاهد على لحظة اللقاء اللي كانت مستنياها.
ياسمين، قلبها بيخبط، بصت له بفضول أكتر وسألته:
– إيه اللي حصل يا خالد؟ طمّني.
خالد بدأ يحكيلها كل اللي مر بيه، عن المهمة الصعبة، وعن مقابلته مع جده والكلام اللي دار بينهم، لحد ما ختم كلامه بصوت فيه راحة:
– خلاص… إحنا بقينا في أمان، وكل المتورطين اتقبض عليهم.
ياسمين كانت قاعدة قدامه، عينيها مثبتة عليه وبتسمع بكل تركيز، قلبها بيهدى مع كل كلمة. وفجأة، لمعت عينيها بسؤال غريب وهي بتبص له:
– خالد… هو إنت شعرك بيلمع ليه؟
خالد اتجمد لحظة من المفاجأة، وبص لها باستغراب:
– انتي جبتي الجملة دي منين؟ مهاب اللي قالك عليها؟
ردت ياسمين بدهشة بريئة:
– مهاب قالي على إيه؟ مش فاهمة! اللمعة دي أنا عرفاها كويس… إنت روحت البيت، أخدت شاور، وحطيت من كريم الشعر بتاعك… صح؟
خالد سابها لحظة وبص لها وكأنه بيحاول يستوعب:
– انتي قصدك على كريم الشعر؟
ياسمين رفعت حواجبها وقالت بنبرة عتاب:
– لا طبعًا… أنا قصدي إن حضرتك روحت البيت، غيرت لبسك، أخدت شاور، وحطيت كريم شعر وبرفيوم… وأنا قاعدة هنا هموت من الخوف عليك!
ابتسم خالد وضحك بخفة:
– ده قصدك؟
ردت ياسمين بثقة وهي شايلة جواها شوية زعل:
– آه طبعًا… المفروض كنت تطمني قبل كل ده!
خالد هز راسه وهو بيضحك:
– طب مبدئيًا كده، موضوع لمعان الشعر متتكلميش فيه تاني… وخصوصًا قصاد المجنون اللي اسمه مهاب. عارفة لو لقيتي شامبو مكتوب عليه "لمعان الشعر"؟ ارميه.
ياسمين فضلت تبص له بدهشة ممزوجة بفضول، وهو كان بيضحك وكأنه نسي كل التعب اللي عاشه الساعات اللي فاتت.
في سوهاج.
جوه مستوصف طبي صغير على طرف البلد، ريحته خليط من المطهرات وصوت مروحة سقف بتلف ببطء.
ممدوح كان واقف جنب السرير، عينيه معلقة بحركة الدكتور وهو بيركب الكانيولا في إيد زينب.
ملامحه كانت جامدة، لكن جواه كان في دوشة مشاعر ما بين صدمة ووجع.
زينب بدأت تفوق، جفنها بيتقل ويفتح، وبتحاول تركز في الأصوات حواليها.
الدكتور بص لممدوح وهو بيقول بهدوء:
– مش هتحتاج عملية تنظيف رحم، الحمل كان لسه في أوله… هتاخد الأدوية دي وترتاح وهتبقى كويسة.
زهيرة قربت خطوة وسألت بصوت كله لهفة، لدرجة إن الكلام وصل لودان زينب وهي لسه بتفوق:
– يعني هي كانت حامل يا دكتور؟
الدكتور أومأ براسه وقال:
– آه… كانت حامل في شهرها الأول، لكن للأسف الواقعة كانت قوية ومستحملتش.
زهيرة بصت لممدوح بعينين حزينة، أما الدكتور فكمّل كلامه قبل ما يخرج:
– أول لما المحلول يخلص، تقدروا ترجعوا البيت… بس ضروري ترتاح وتاخد الدوا.
لما الباب اتقفل وهدأ المكان، زينب رفعت إيديها الضعيفة لبطنها، وصوتها خرج بضعف:
– هو الدكتور بيقول إني كنت حامل؟ يعني أنا بخلف؟
ممدوح وقف قدامها، عينيه مليانة وجع، قلبه بيتقطع على الطفل اللي كان بيتمناه طول عمره، واللي ضاع منه في لحظة… لكن وجعه كان ممزوج بغضب عميق:
– كنتي حامل بعد السنين دي كلها… بس شوفي حكمة ربنا، رتبتي الواقعة دي لزينة عشان تحرميها من الخلفة… بس جت فيكي انتي، ودوقتي اللي كنتي هتعمليه فيها…
سكت لحظة، نبرة صوته اتحولت لجمود وقسوة، وعينيه ما اهتزتش وهو بيقول:
– انتي طالق يا زينب.
رواية منعطف خطر الفصل الستون 60 - بقلم ملك ابراهيم
وقف ممدوح أمامها، عيناه مليئة بالوجع. قلبه كان يتقطع على الطفل الذي كان يتمناه طوال عمره، وضاع منه في لحظة. لكن وجعه كان ممزوجاً بغضب عميق.
"كنتي حامل بعد السنين دي كلها... بس شوفي حكمة ربنا، رتبتي الواقعة دي لزينة عشان تحرميها من الخلفة... بس جت فيكي انتي، ودوقتي اللي كنتي هتعمليه فيها."
سكت لحظة، نبرة صوته تحولت إلى جمود وقسوة، وعيناه لم تهتز وهو يقول:
"انتي طالق يا زينب."
في البيت عند زينة.
كلهم كانوا مع زينب والبيت فاضي إلا زينة. كانت قافلة على نفسها في أوضتها، قلبها مقبوض وخوف يملأها، لم تستطع استيعاب كيف كانت زينب تنوي فعل ذلك بها.
معتصم ركن سيارته أمام البيت.
زينة أول ما سمعت صوت السيارة، قلبها دق بسرعة وفكرت أنهم رجعوا.
خرجت من غرفتها، ولسه هتنزل السلم، لكن تذكرت مشهد زينب وهي تقع. رجلاها تجمدت من الخوف، لم تعرف كيف تتحرك.
معتصم دخل البيت، الحيرة واضحة على وجهه وهو يرى كل أنوار البيت مضاءة.
أول خطوة له في الداخل، وقعت عينه على نقط دم متناثرة على الأرض. النقط كانت تسير في خط حتى بقعة دم كبيرة أمام السلم. رفع عينه بصدمة، ورأى زينة واقفة في الأعلى، عيناها حمرا ودموعها تنزل.
أول ما رأته، نطقت اسمه وهي تبكي:
"معتصم..."
قلبه وقع من مكانه، وعقله ربط على الفور الدم الذي على الأرض بزينة. جرى عليها بخطوات سريعة، لم يشعر بنفسه ولا عرف كيف وصل أمامها.
أمسكها بلهفة وصوته مليء بالرعب:
"زينة... إنتي كويسة؟ إيه اللي حصل؟"
زينة وهي تشهق من البكاء:
"مش عارفة يا معتصم... مش قادرة أحرك رجلي."
نظر بسرعة إلى بطنها، وسألها بلهفة وخوف:
"الدم ده بينزف منك؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تبكي:
"لأ... الدم ده من زينب. وقعت من على السلم... أنا اللي كنت هقع مكانها، بس ممدوح منعني أنزل."
كلامها كان متقطعاً من البكاء، ومعتصم لم يستطع فهم التفاصيل. لكن أول ما استوعب أن الدم ليس منها، ارتاح قلبه قليلاً. انحنى ورفعها من الأرض بحرص، وشالها وهو يكلمها بصوت حنون:
"خلاص... اهدي، تعالي أوضتي نتكلم."
دخل بها غرفته، ووضعها على السرير بهدوء:
"ارتاحي هنا."
جلس على طرف السرير، أمسك يديها بحنان وقال:
"المهم إنتي كويسة؟ الدم ده مش منك صح؟"
هزت رأسها بالإيجاب وهي لا تزال تبكي:
"أيوه."
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يهز رأسه براحة:
"طب اهدي... واحكيلي بالراحة إيه اللي حصل."
مع شروق شمس يوم جديد، خالد أخذ عائلته ورجعوا كلهم إلى البيت.
بهيرة لم تستطع مسامحة عبير، لم ترد حتى النظر إليها. بداخلها وجع وغضب لم يستطيعا الخروج بكلام أو عتاب.
عبير قلبها مكسور، تشعر أن حياتها تلخبطت فجأة، كل شيء تدمر في لحظة دون أي إنذار.
أمسكت كارما، ابنتها، بيدها، ورجعت بها إلى بيتهم. دماغها مشغولة بخطة حياة جديدة. تأخذ كارما وتسافر بعيداً. لم تستطع تخيل نفسها تعيش هنا وأبوها في السجن، وأختها لا تسامحها. وكارما تحتاج أن تكمل علاجها وتبدأ حياة جديدة بعيداً عن كل الذكريات المؤلمة التي عاشتها هنا.
ياسمين جهزت لأخيها أحمد الغرفة التي كانت تنام فيها الفترة الأخيرة، ونقلت حاجتها إلى غرفة خالد مرة أخرى.
بهيرة طوال الوقت ساكتة، لا تطاق الكلام. الإحساس بالعار والخيانة يسيطر عليها، وصدمتها في أبيها وأختها ثقيلة على قلبها. تحتاج وقتاً طويلاً لتستوعب وتلملم نفسها.
سالم كان كل تركيزه على عائلته... زوجته، ابنه خالد، وضحكته التي عادت مع ياسمين. وأحمد، أخو ياسمين، الذي يحاول أن يعوضه غياب الأب الذي حُرم منه.
البيت كله كان يستعد لبداية صفحة جديدة... حياة هادئة، بدون كذب، بدون خيانة، وبدون صراعات تكسرهم مرة أخرى.
عند مهاب ومنة.
منة كانت تشعر بالقلق على مهاب، منذ آخر مرة رأته وهو يأخذ أحمد منها، اختفى ولم يعد له أي أثر.
وقفت أمام باب شقته، قلبها يدق بسرعة وهي تحمل آدم في يديها. يداها ترتجف وهي تضغط على زر الجرس، مترددة كأنها لا تعرف إن كان ما تفعله صحيحاً أم خاطئاً.
مهاب كان غارقاً في النوم، واستيقظ على صوت الجرس المزعج. قام بكسل، فتح الباب، واتسعت عيناه بدهشة أول ما رآها.
منة كانت واقفة أمامه، ملامحها فيها حياء وتوتر، وقالت بخجل وهي تعدل طرحة شعرها:
"صباح الخير."
ابتسم ابتسامة دافئة وقال:
"صباح النور."
قالت بخجل:
"أنا جيت أطمن عليك، من آخر مرة لما أخذت أحمد أخو ياسمين من عندي وانت مختفي!"
رد بهدوء وصوته فيه راحة:
"كنت طالع مأمورية صعبة شوية... بس الحمد لله عدت على خير."
نظر إلى آدم بابتسامة، وانحنى على الأرض ليحمله بين يديه وهو يكلمه بمرح:
"إزيك يا بطل؟ وحشتني أوي."
منة ابتسمت من قلبها وهي تراه يتعامل مع ابن أختها بحنية. عيناها ثبتت عليه دون أن تنتبه، وفي نظرة إعجاب واضحة خرجت منها غصب عنها.
مهاب رفع عينه فجأة، وعندما رأى تلك النظرة، شعر بشيء يلمسه من الداخل.
منة كسفت بسرعة، أنزلت عينيها للأرض وقالت بتوتر:
"أنا لازم أمشي."
مدت يدها لتأخذ آدم، لكن مهاب أمسك يدها فجأة، لمسته كانت دافئة، ونظر إليها وقال بهدوء:
"هتروحي فين؟"
توترت أكثر من لمسته، وقالت بخجل وهي تسحب نفساً:
"هروح الشغل... أنا اتأخرت."
رد بثبات ونبرة فيها جدية:
"منة... أنا عايز أكمل في جوازنا... إنتي إيه رأيك؟"
فتحت عينيها بصدمة، وسحبت يدها من يده بسرعة:
"تكمل في جوازنا إزاي؟ مش فاهمة!"
قال بصوت واضح وصريح:
"يعني نجرب نقرب من بعض ونعرف بعض أكتر... حاسس إننا ممكن نكون زوجين ناجحين في حياتنا مع بعض."
منة ردت بحزن وبصوت مهزوز:
"مش عارفة! خايفة ييجي يوم وتقولي أنا اتجوزتك عشان أنقذك من جوازة تانية... في لحظة معينة شوفت الحيرة والتردد في عينيك بعد ما قولت قدام خالي إنك عايز تتجوزني!"
أخذ نفساً عميقاً وقال بهدوء:
"طبيعي أكون محتار ومتردد... أنا مكنتش جاهز ولا مستعد لفكرة الجواز مرة تانية."
هي تفاجأت وقالت:
"إنت كنت متجوز قبل كده؟"
نظر إليها بصدق وقال:
"اتجوزت وطلقت بعد كام شهر... مقدرناش نتفق مع بعض."
ملامحها تبدلت لقلق:
"يعني ممكن بعد فترة تسيبني برضه وتقول مقدرناش نتفق مع بعض؟"
هو رد بثقة وعيناه مثبتة عليها:
"تجربتي في جوازتي الأول بتأكد إننا هنتفق... لأني أول مرة اتجوزت بعقلي، المرة دي بتجوز بقلبي."
منة تلخبطت وقالت بحيرة:
"طب إحنا ممكن نعمل فترة خطوبة الأول... نتعرف على بعض من قريب، ولو اتأكدنا إننا نقدر نكمل... نتجوز بجد."
مهاب هز رأسه بابتسامة فيها رضا:
"موافق... يعني من دلوقتي هتكوني خطيبتي؟"
هي ابتسمت بخفة وهي تأخذ آدم من يده:
"لما تجيب أهلك وتيجي تخطبني الأول... وأخد وقتي وأفكر."
نظر إليها بصدمة:
"أجيب أهلي واجي اخطبك ازاي وانا قولتلهم إني اتجوزت؟ طب أجيبهم يتعرفوا عليكي ماشي."
ردت بثقة وهي تتحرك ناحية الأسانسير:
"لأ... لازم يجيوا يطلبوني للجواز عشان أتأكد إنك واخد الموضوع جد... ياسمين نصحتني بكده."
مهاب نطق باستغراب وصدمة:
"يااااااسميييين!"
في سوهاج.
البيت كان هادئاً، لكن الهدوء كان مليئاً بالحزن.
معتصم كان جالساً بجانب زينة على الكنبة، يده تمسك يدها بحنان وكأنه يحاول طمأنتها دون كلام.
عمته زهيرة وأبوه جالسان أمامهما، نظراتهما على الأرض، والحزن يملأ وجوههم.
أما ممدوح فكان في غرفته في الأعلى، قافلاً على نفسه منذ عودته.
أبو معتصم كسر الصمت وهو يتنهد بحرقة:
"سبحان الله، لما ربنا يرزقهم بالعيل اللي بيتمنوه بقالهم سنين، يروح منهم بالطريقة دي."
زهيرة ردت بنبرة فيها ضيق مكتوم:
"حكمة ربنا يا أخويا، هي كانت ناوية تأذي بنتي، أهو ربنا جابها فيها، وقلبها اتحرق على ضناها زي ما كانت عايزة تحرق قلبي وقلب بنتي على اللي في بطنها."
معتصم شد يد زينة بحنان زائد، ونظر في وجهها لحظة قبل أن يقوم ويقف:
"أنا هطلع أشوف ممدوح."
صعد السلم بهدوء، وقف أمام باب غرفة أخيه وخبط بخفة، وعندما لم يسمع رداً فتح الباب.
ممدوح كان ممدداً على السرير، عيناه معلقتان في السقف كأنه يكلم نفسه بداخله.
معتصم قرب منه وجلس على طرف السرير، صوته فيه قلق:
"شكلك تعبان يا ممدوح؟ مش قولت هتطلع تنام شوية؟"
ممدوح عدل جلسته، مسح وجهه بيده وقال بصوت مكسور:
"أنام إزاي بعد ما اتأكدت النهاردة إني كنت بنام جنب حية! إزاي مشوفتش الحقد والغل ده في عنيها قبل كده! أنا دلوقتي بحمد ربنا إنه حرمني من الخلفة طول السنين دي! إزاي كانت هتبقى أم لعيالي!؟ كانت هتعلمهم إيه؟"
معتصم نظر إليه بثبات وقال:
"ربنا محرمكش من الخلفة يا ممدوح، ربنا كان رؤوف بيك، إن شاء الله هتتجوز تاني وهتخلف وعيالك هيملوا الدار."
ممدوح هز رأسه بأسى:
"لا جواز تاني إيه بقى! لا تاني ولا تالت. أنا شكلي مليش حظ لا في حريم ولا عيال!"
معتصم وضع يده على كتف أخيه وضغط عليه بحزم:
"لا يا ممدوح، إنت عمرك ما كنت كده ولا إيمانك ضعيف بربنا. كلنا بنقع ونقف تاني، وكلنا أمل بالله. الحياة هتكمل، وهتتجوز واحدة بنت حلال، بتتقي ربنا، وربنا هيرزقك معاها بالذرية الصالحة إن شاء الله."
في بيت الدريني.
مهاب دخل البيت وصوته عالٍ وهو ينادي: "خااالد!.. يا خاااالد!.. متحاولش تخبيها مني."
خالد كان في غرفة والدته يطمئن عليها، وأول ما سمع الصوت خرج بسرعة، ملامحه فيها قلق واستغراب، وقرب من مهاب وهو يقول بدهشة:
"في إيه يابني؟ داخل بتزعق كده ليه؟"
مهاب واقف متوتر ويتكلم بغيظ واضح:
"ياسمين فين؟ متحاولش تخبيها أو تهربها."
خالد عقد حاجبيه وقال بجدية:
"وأخبيها وأهربها من مين؟ انت اتجننت ولا إيه؟"
في اللحظة دي، ياسمين نزلت على السلم بعد ما سمعت صوت مهاب العالي، ملامحها فيها استغراب.
مهاب أول ما رآها، خطى خطوات سريعة نحو السلم وصوته مليء بالغيظ:
"كده يا ياسمين؟ تعملي فيا أنا كده؟ طب اعملي حساب إن أنا اللي جوزتك ابن الدريني، دا أنا حتى شاهد على جوازكم!"
ياسمين ردت بابتسامة هادئة، وكأنها تستفزه أكثر:
"أنا معملتش حاجة! هي سألتني عن رأيي وأنا نصحتها."
خالد واقف بينهم مش فاهم حاجة، وصوته فيه حيرة:
"أنا مش فاهم حاجة... حد فيكم يفهمني؟"
مهاب لف له وقال بانفعال:
"الهانم مراتك بتنصح منة إني لازم أجيب أهلي يخطبوها، وأنا أصلاً قولتلهم إني اتجوزت... إزاي هقولهم عايز أخطب مراتي؟!"
ياسمين نزلت خطوتين كمان، عيناها ثابتة عليه وهي ترد:
"حقها... لازم تطمن إن أهلك موافقين وكمان تتأكد إنك واخد الموضوع بجد، مش تجربة! عجبتك تكمل، معجبتكش تقولها 'متفقناش'."
مهاب نظر إلى خالد كأنه يستنجد:
"عجبك كلامها ده؟"
وبعدين رجع ينظر لياسمين بحدة:
"مين قال إني واخدها تجربة؟!"
ياسمين ردت بثقة وهي تواجهه:
"انت قولت كده لمنة... مش قولتلها 'خلينا نجرب'؟"
مهاب فتح عينيه بصدمة:
"هي لحقت تحكيلك؟!"
ياسمين ردت بنفس الثقة:
"البنت ملهاش حد، ومن حقها تخاف وتبقى عايزة تطمن."
مهاب رجع ينظر إلى خالد بصوت فيه رجاء:
"خالد... اتدخل في الموضوع ده... أنا صاحب عمرك."
خالد، ومن الواضح عليه نفاد الصبر، قال:
"انت عايز إيه دلوقتي؟"
مهاب رد بسرعة:
"عايز أكمل جوازي من منة، بس بعيد عن أفكار ياسمين."
خالد وجه كلامه لياسمين:
"وانتي عايزة إيه؟"
ياسمين بتحدي:
"عايزة منة تطمن إنه عايز يكمل بجد، مش واخدها تجربة ولا هزار... مشاعر البنت مش لعبة."
خالد وقف بينهم ونبرته حاسمة:
"يبقى نتكلم في أرض محايدة، ونوصل لحل يناسب الكل."
في المساء.
داخل كافيه راقٍ، كلهم كانوا متجمعين.
ياسمين وزينة ومنة كانوا جالسين جنب بعض، متقاربين وكأنهم فريق واحد، يتكلمون بصوت همس بينهم. الكلام لم يكن واضحاً، لكن النظرات بينهم كانت تقول إنهم يخططون لشيء.
قصادهم، خالد ومعتصم ومهاب جالسين جنب بعض، وكل واحد منهم تظهر عليه علامات القلق والترقب.
خالد كان جالساً وعيناه تذهب وتأتي على ياسمين وهي تهمس للبنات... شكلها هي العقل المدبر والبنات يستمعون إليها بتركيز.
معتصم جالس متماسك لكن يده تخبط بخفة على الطاولة أمامه. أما مهاب فكان ينظر إلى البنات بتركيز كأنه يحاول قراءة كلامهم من حركة الشفاه.
خالد كسر الصمت وقال بنبرة هادئة:
"خلونا نتكلم يا جماعة ونتناقش بهدوء وتحضر."
رد مهاب عليه:
"انت هتقول خطاب تنحي الرئيس! اختصر."
خالد تكلم:
"دلوقتي منة طلبت إن أهل مهاب ييجوا يتقدموا لخطبتها... وده طبعاً حقها، بس المشكلة عند مهاب إنه بلغ أهله إنه اتجوز... ومش هينفع يقولهم تعالوا اخطبوا البنت اللي اتجوزتها!"
ردت ياسمين على خالد بتحدي:
"والله دي مشكلته هو! يعني هي توافق دلوقتي وييجوا أهله بعد كده يقولولها إحنا مش موافقين عليكي وانتي مش مناسبة لابننا!"
خالد فهم أن الكلام موجه له ورفع حاجبه لياسمين.
تكلم معتصم وهو يرد على كلام ياسمين:
"ما هي لازم تبقى فاهمة إن كفاية هو شايف إنها مناسبة له واختارها بإرادته."
زينة رفعت حاجبها وردت على كلام معتصم:
"ولو هو متجوزهاش بإرادته وكان مجبور في الأول!؟ مش من حقها تحس زي أي بنت إنه بيحبها واختارها بإرادته! مش طول الوقت تفضل تفكر نفسها إنه مكنش في دماغه يتجوزها أصلاً!"
معتصم فهم أنها تقصده هو وهمس:
"الله يخربيتك يا مهاب! قلبوا علينا احنا!"
مهاب نظر لهم وقال:
"لا أنا مليش دعوة بكل العقد بتاع جوازكم دي... انتوا هتطلعوها عليا أنا مالي! هو أنا اللي هحقق لكم أحلامكم!"
وشاور على خالد ومعتصم وقال:
"هما يحققوا أحلامكم برحتهم، أنا اللي عليا هعمله."
وبص لمنة وقام وقف قدامها وخرج علبة قطيفة من الجاكيت بتاعه ونزل على ركبته قدامها وفتح العلبة وكان فيها خاتم زواج:
"تتجوزيني؟"
كل اللي في المكان سقفوا بانبهار وشجعوهم.
منة عيونها دمعت من الفرحة، عمرها ما تخيلت إنه يعرض عليها الزواج بالطريقة الرومانسية دي.
معتصم ضحك وهمس لخالد:
"الحق... مهاب بطيخة عامل فيها رومانسي."
رد عليه خالد بنفس الهمس:
"دا احنا هنشوف أيام سودة بعد الحركة."
ياسمين وزينة عيونهما لمعت من جمال الحركة الرومانسية اللي مهاب عملها.
منة هزت رأسها بالموافقة وكل الموجودين في المكان شجعوهم أكتر ومهاب بيلبسها الخاتم.
خالد همس لمعتصم وهما بيضحكوا جنب بعض:
"قوم اسنده مش هيقدر يقوم يقف وهيفضل مريح على الأرض كده."
رد معتصم بنفس الهمس:
"أنا شايف مارك أنطونيو بيتقدم لكليوباترا."
خالد وهو بيضحك:
"مارك أنطونيو إيه دا واكل محشي قبل ما يجي."
معتصم ضحك من قلبه والاتنين كانوا بيضحكوا وهما بيتهامسوا.
مهاب لبس الخاتم لمنة وقام وقف قدامها وهو يمد يديه لها، منة كانت هتموت من الخجل وهي شايفاها كل العيون عليهم.
قامت وقفت معاه.
معتصم همس لخالد:
"هو هياخدها ويرقصوا سلو ولا إيه؟"
رد عليه خالد بنفس الهمس:
"يرقصوا إيه دا هياخدها المطبخ تجهزله حاجة ياكلها بعد المجهود اللي عمله ده."
معتصم وخالد كانوا بيضحكوا من قلبهم بجد لدرجة إن عيون معتصم بدأت تدمع.
مهاب أخذ منة ومشوا مع بعض.
وياسمين وزينة كانوا بيبصوا عليهم وعيونهم بتطلع قلوب، الطريقة الرومانسية اللي مهاب اتقدم بيها لمنة قدام الناس عجبتهم وكأنهم بيتفرجوا على فيلم رومانسي.
عيونهم رجعت على معتصم وخالد وهما جالسين جنب بعض بيتهامسوا وهيموتوا من الضحك.
فجأة معتصم وخالد بصوا قدامهم وهم بيضحكوا ولقوا ياسمين وزينة بيبصوا لهم بغيظ وعيونهم بتطلع نار.
الضحك وقف بينهم ومعتصم همس:
"شكلنا هنشوف ليلة نكد زي الفل."
خالد:
"هما طبعاً فاكرين إن صحبتهم هتقضي ليلة رومانسية على الورد والشموع."
رد معتصم:
"ما يعرفوش إنها هتروح تولع البوتاجاز وتعمله صنية مسقعة بالبشاميل."
الاتنين ضحكوا أكتر وخالد من كتر الضحك سند رأسه على الطاولة وهو مش قادر.
زينة سألتهم بدهشة:
"نفسي أعرف بتضحكوا على إيه؟"
ردت ياسمين عليها:
"عشان عارفين إنهم ميقدروش يعملوا زي مهاب."
خالد رفع رأسه وقالها:
"أنا عن نفسي مبحبش المسقعة بالبشاميل... أنت بتحبها؟"
وبص لمعتصم:
"أنت بتحبها؟"
رد معتصم بسرعة:
"والله أبداً حتى اسألها."
ياسمين وزينة بصوا لبعض وقالوا:
"مسقعة إيه!؟"
معتصم قال لخالد وهو بيضحك:
"أنا بقول كفاية كده ونروح واحنا وحظنا."
رد خالد:
"أنا بقول كده برضه."
بعد مرور شهر.
داخل قاعة المحكمة، الجو كان مشحون بالصمت والترقب. كل العيون على المنصة في انتظار لحظة النطق بالحكم.
خالد كان جالساً، عيناه على جده وحيد الأسيوطي وهو واقف جوه قفص الاتهام، ملامحه منكسرة وحزينة، وكل لحظة يسأل نفسه في سره: ليه عمل كده؟ ليه خسر نفسه وبلده؟
راشد جالس وعيونه وقلبه في قفص الاتهام، ابنه يحيى واقف بضعف، ملامحه كلها تغيرت، وجهه شاحب وساكن وعيونه شارده كأنه فقد الأمل في الحياة خلاص.
جنب يحيى، كان جلال الشرقاوي واقف، ملامحه متجمدة ما بين الندم والخذلان، مش عارف يلوم نفسه على اللي ضيعه من عمره، ولا على اللي عمله في حق ابنه وحفيده.
فجأة، ارتفع صوت الحاجب: "محكمة!"
الكل وقف في لحظة واحدة، العيون على القاضي وهو يجلس على مقعده، الجو كان ثقيلاً لدرجة أن النفس أصبح صعباً أن يُؤخذ.
القاضي نظر أمامه، صوته جاء ثابتاً وحاسماً:
"حكمت المحكمة حضورياً، على كلٍّا من... جلال الشرقاوي... ويحيى راشد الشرقاوي، بالسجن المؤبد مع الشغل والنفاذ."
سقطت الكلمات على القاعة كأنها حكم على الوقت نفسه بالتوقف، والأنفاس احتبست بين جدران المحكمة.
القاضي:
"وحكمت المحكمة حضورياً على المتهم وحيد الأسيوطي والمذكور أسماؤهم في القضية المعروفة إعلامياً بـ'قضية استغلال السلطة والتعاون مع العدو الخارجي'، والمتهمين فيها بارتكاب جرائم الاشتراك في جماعة إجرامية منظمة بغرض تهريب السلاح، واستعمال النفوذ في تسهيل الأعمال الإجرامية التي من شأنها المساس بأمن وسلامة البلاد، وذلك بالسجن المشدد لمدة خمسة وعشرين عاماً لكل منهم، ومصادرة كافة الأموال والممتلكات، ووضعهم تحت المراقبة لمدة خمس سنوات بعد انتهاء العقوبة، مع إلزامهم بالمصروفات الجنائية."
جلال الشرقاوي سقط مكانه بسكتة قلبية أول ما سمع الحكم.
نفس السكتة القلبية التي ماتت بها سماح، مامت ياسمين، عندما حرمها من ابنها.
اللي معاه في القفص قربوا منه ليشوه، لكن كان خلاص، مات.
يحيى كان واقف متجمداً، خلاص حياته انتهت، سيقضي عمره كله في السجن! موت جده كان رحمة له، لكن هو لا يزال يعيش وأمامه سنين طويلة لا نهاية لها سيقضيها في السجن.
أما وحيد الأسيوطي، فالكبرياء لا يزال يسيطر على قلبه "أنا، سأكون سجيناً؟ بعد كل السنين دي؟ مستحيل."
أخذوهم من القفص ليرحلوهم إلى السجن.
أمام المحكمة، استغل وحيد الزحمة وسحب سلاحاً من العسكري الذي كان متكلباً معه، وقبل أن يلحق أحد بالاستيعاب، وضع السلاح في رأسه وضغط الزناد... الطلقة دوت في المكان، وصوت الصرخة خرج من أكثر من حنجرة في نفس اللحظة.
خالد تجمد في مكانه. ومشهد انتحار جده أمام المحكمة، كان آخر مشهد ليقفل به ملف وحيد الأسيوطي. وتكون نهايته عبرة لكل خائن.