تحميل رواية «منعطف خطر» PDF
بقلم ملك ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
راجعة من الشغل متبهدلة وتعبانة وشايفة حياتها كلها بتتلخص في سؤال واحد: هاكل إيه دلوقتي؟ قررت تقف عند كشك جنب بيتها تشتري حاجة خفيفة، بس واضح إن حتى طلب الزبادي مش هيعدي على خير. "لو سمحت." رد صاحب الكشك بحماس أكتر من اللازم: "عايزة إيه يا عروسة؟" البنت اتجمدت مكانها: "عروسة؟ إنت عرفت منين؟!" ضحك وقال وهو بيقلب في الحاجات المعروضة قدامه: "يا بنتي دي تحية رسمية، بقولها لأي بنت تيجي تشتري مني!" "ماشي يا عم الحاج، اديني علبة زبادي وكيكة كبيرة عشان ماما ناوية تخليني أنام من غير عشا النهاردة." صاحب ال...
رواية منعطف خطر الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ملك ابراهيم
هو خالد مش موجود؟
مهاب بص لها وهو بيحاول يحافظ على هدوئه، وقال بنبرة رخيمة كده وهو عامل نفسه جامد:
– لا، خالد مش موجود دلوقتي، بس أنا موجود مكانه، تحت أمرك طبعًا.
كارما ابتسمت بخفه وقالت:
– شكرًا، أنا كنت جاية لخالد في موضوع مهم.
هو ممكن يتأخر ولا هيرجع تاني؟
مهاب قرب منها شوية ورد عليها وهو بيحاول يبقى رسمي بس واضح عليه الفضول:
– هو خلاص مش جاي النهارده، بس أنا برضه ظابط والله، مش أي حد يعني.
كارما اتكلمت برقة أكتر وقالت بحسم:
– لا، حضرتك فاهمني غلط، أنا مش جاية علشان ظابط، أنا جايه لخالد نفسه، في موضوع شخصي.
مهاب اتفاجئ وقال بتلقائية وهو بيبص للسقف وكأنه بيحكي لنفسه:
– موضوع شخصي كمان! آاه يا ابن الدريني.
دي لو ياسمين استنت شوية كانت هتفضحك فضيحة بجلاجل هنا!
كارما بصّت له باستغراب خفيف وقالت بهدوء:
– تمام، شكرًا. هبقى أرجع في وقت تاني لما خالد يكون موجود.
وهي لسه بتلف عشان تمشي، صوت مهاب وقفها وهو بيقول بنبرة فضولية ومهتم:
– طب لو خالد رجع، أقوله مين اللي سأل عليه؟
وقفت كارما لحظة، وبصّت له وهي بترد برقة:
– قوله كارما، بنت خالته.
مهاب بص لها بتركيز ودهشة، وعينه فضلت متعلقة بيها لحد ما خرجت من الباب.
وبمجرد ما اختفت، ابتسم وهو بيقعد على كرسي خالد،
ولسه سامع صدى صوتها الرقيق وهي بتنطق اسمها "كارما" بيرن في ودنه.
همس لنفسه باستمتاع:
– كارما… بنت خالته!
***
في المساء.
جوه شقة معتصم.
معتصم كان قاعد على السفرة بياكل، وزينة قاعده قصاده بس مش مركزة خالص، عينيها في طبقها بس عقلها سرحان بعيد. كانت سرحانة في ياسمين، وندمانة إنها قالتلها إن يحيى خرج.
معتصم لاحظ شرودها وبصلها باستغراب وقال:
– في إيه يا زينة؟ مش بتاكلي ليه؟
بصت له بحزن وقالت:
– أنا عملت حاجة غلط أوي يا معتصم، ومش قادرة أسامح نفسي عليها.
قالها بقلق وهو حاسس إن الموضوع كبير:
– غلط إيه اللي عملتيه؟
حكت له زينة على اللي حصل بينها وبين ياسمين، وإنها قالتلها إن يحيى خرج من السجن.
معتصم اتنهد وابتسم لها بحنان وهو بيطمنها:
– حصل خير يا حبيبتي، متزعليش، هي كانت هتعرف كده كده.
ردت بحزن أكتر:
– بس أنا مكنتش عايزاها تزعل كده وتخاف، وخوفت عليها تروح لوحدها لبيت جدها، وبحاول أكلمها من ساعتها بس تليفونها مقفول.
قالها بهدوء:
– ماتقلقيش، أنا هكلم خالد وأطمنك عليها.
زينة ابتسمت له بابتسامة خفيفة فيها امتنان، وبعد لحظة قالت بتردد:
– ماما كلمتني النهاردة، كانت بتطمن عليا، ونفسها تشوفني.
وقفت لحظة وكملت:
– هو إحنا ماينفعش نروح نزورهم؟
معتصم قام واقف وراح ناحية الشباك، وقال وهو مش عايز يبص في عينيها:
– هنروح نزورهم أكيد، بس مش دلوقتي.
زينة فضلت تبص له بحزن. كانت حاسة إنه بيتهرب، عارفة إن هي السبب في توتر علاقته بأخوه ممدوح.
كانت نفسها تصلح العلاقة دي عشان سعادتها مع معتصم تكمل، بس مش عارفة تعمل إيه.
***
في شقة ياسمين وخالد.
ياسمين كانت واقفة في البلكونة، بتبص حوالين العمارة وهي ساكتة.
الهوى بيحرك الطرحة الخفيفة على شعرها، وعقلها مشغول بخالد.
من وقت ما رجعها الشقة، نزل من غير ما يقول كلمة!
الوقت اتأخر، ولسه مرجعش.
كانت بتحاول تفهم: هو نزل عشان عنده شغل؟
ولا سايبها عشان زعلان منها؟
ولا مش عايز يرجع البيت دلوقتي عشان الزعل والخناق بينهم ميكبرش أكتر؟
كل حاجة جواها متلخبطة، وكانت حاسة بوحدة كبيرة من غيره.
***
عند يحيى،
يحيى كان راجع بيت جده، سايق بهدوء بس جواه توتر مش مفهوم.
ورا عربيته ماشيه عربية حراسة من رجالة يحيى، شايفين إن وجودهم مهم عشان يحسسوه إنه دايمًا محمي.
وفجأة، من غير أي مقدمات.
عربية خالد طلعت قدامه وقطعت عليه الطريق بعنف خلاه يضطر يفرمل فجأة!
خالد نزل من عربيته بخطوات ثقيلة وسريعة، كله غضب،
ماسك سلاحه الشخصي – مش الميري –
وعينيه كلها نار.
رجالة يحيى نطوا من العربية بسرعة، سلاحهم في إيديهم وعلى استعداد.
بس خالد ما تهزش،
رفع سلاحه في وشهم وقال بصوت عالي حاد، فيه رهبة خلتهم يتجمدوا في مكانهم:
ــ "ارجع ورا انت وهو."
وبعدها وجه السلاح ليحيى مباشرة، وصوته كان أقوى من الرصاص:
ــ "انزل."
يحيى كان قاعد جوه العربية بيبتسم ببرود ظاهر، بس جواه كان في قلق واضح،
الخوف كان بيقرص قلبه بس مبيحبش يبين ده.
نزل من العربية بهدوء، ومشي خطوتين وهو باصص لخالد بثقة مصطنعة وقال بسخرية:
ــ خير يا حضرة الظابط!! هو في نقطة تفتيش هنا ولا إيه؟ أومال فين رجالتك؟ مش شايف حد غيرك يعني!
خالد صوته عالي، وملامحه كانت متغيرة من الغضب:
ــ أنا هنا مش ظابط يا يحيى، اللي قدامك دلوقتي جوز البنت اللي انت قطعت عليها الطريق وخوفتها.
واللي لو قربت منها تاني، مش هتردد لحظة في قتلك.
التهديد كان واضح وصريح، مش مجرد كلام.
يحيى رد بنفس البرود اللي مغلف بالحقد:
ــ وانت ليه تدخل بيني وبين بنت عمي؟!
أنا وهي في الآخر ملناش غير بعض.
ولو هي ليك النهاردة،
بكره هتبقى ليا.
الكلام خلى الدم يغلي في عروق خالد،
ما استحملش أكتر من كده،
ومد إيده بضربة قوية في وش يحيى،
لكمه خلت جسمه يرجع لورا بخبطة قوية!
رجالة يحيى جريوا بسرعة ناحيته عشان يدافعوا عنه،
لكن خالد كان أسرع منهم كلهم.
كل حركة منه كانت محسوبة، كل ضربة بتقع واحد من رجالة يحيى على الأرض.
يحيى وقف يتفرج على المشهد،
رجالته بيقعوا واحد ورا التاني،
وكله تحت رجل خالد،
وقوعهم تحت رجله مخدش منه غير لحظات.
حركته سريعه وكل ضربه بتطلع منه عارفه هدفها.
في أقل من دقيقة كانوا كلهم مرميين.
متلوين من الألم، مش قادرين يتحركوا.
يحيى لمس الدم الدافي اللي نازل من شفايفه،
ومسحه بإيده، وبص لخالد بنظرة كلها حقد،
وقرب منه وضحك ببرود واستفزاز:
ــ هي طلبت منك الطلاق ولا إيه؟
عرفت أوجعك أوي، صح؟
خالد ساعتها رجع سلاحه ورا ضهره،
وبصله بثبات وعنيه كلها تهديد وقال:
ــ اللي بتفكر فيه مش هيحصل يا يحيى.
ومراتي خط أحمر.
لو فكرت تقرب منها أو تهددها أو تساومها تاني.
المرة الجاية مش هسيبك عايش.
لا انت، ولا العيال اللي حواليك دول.
وأنا هنا دلوقتي مش بصفتي ظابط.
أنا راجل عادي بياخد حق مراته.
وعايزك تبقى راجل وتقف قدامي يا يحيى وتقول اللي انت عايزه.
مش تقطع الطريق على بنت وتفرد عضلاتك وتساومها على أخوها!
كلام خالد كان طالع من قلبه،
صوته كان ثقيل، بيخبط في الهوى حوالين المكان،
كأن كل كلمة منه طعنة ليحيى.
يحيى كان واقف بيتنفس كأن النار طالعة من صدره،
نظراته كلها غل وكره واضح.
خالد لف ومشي بخطوات واثقة،
ركب عربيته وساق ومشي، سايب وراه ساحة معركة كلها هزيمة.
يحيى بص لرجالته اللي مرميين حوالينه،
كلهم بيتألموا على الأرض،
صرخ فيهم وهو مش مصدق:
ــ انتوا فعلًا عيال! وأنا اللي فاكر إن ماشي ورايا رجالة!
ركب عربيته بسرعة،
وهو لسه بيحط إيده على الدم النازل من شفايفه،
بس المرة دي، الألم اللي حاسس بيه مش بس من الضربة.
الألم ده كان من كرامته اللي اتهزت قدام أكتر واحد بيكرهه في حياته.
***
صباح اليوم التالي.
في شقة خالد وياسمين.
خالد كان بيجهز نفسه عشان ينزل الشغل، وياسمين صحيت على صوت حركته جوه الأوضة.
قعدت على السرير وهي بتتكلم بصوت هادي:
– صباح الخير، انت رجعت امتى؟
رد خالد من غير ما يبص لها، بصوت جامد:
– رجعت متأخر شوية.
قامت من على السرير وقربت منه وهي بتسأله بقلق:
– انت لسه زعلان مني عشان اللي حصل امبارح؟
رد وهو بيطلع من الأوضة:
– أنا لازم أنزل دلوقتي، لو ناوية تخرجي النهاردة قوليلي.
مشيت وراه وهي متضايقة من طريقته وقالتله:
– هو انت بتكلمني كده ليه يا خالد؟ أنا مش عسكري عندك على فكرة!
وقف خالد مكانه وتنهد وقال بتعب:
– عايزاني أتكلم ازاي يعني؟ أنا مشغول وعايز أنزل بسرعة.
ردت عليه بحزن واضح:
– ماشي يا خالد، انزل برحتك.
بس متقلقش، هتلاقيني قاعدة زي الكرسي اللي سايبه في البيت، لا بتحرك ولا بتكلم، هو ده اللي بيطمنك، مش كده؟
بص لها بنفاد صبر وقال:
– انتي عايزة إيه دلوقتي يا ياسمين؟ مش كفاية نكد على الصبح؟
قالت وهي حاسة بمرارة في قلبها:
– أنا مش عايزة منك حاجة، اتفضل انزل شغلك.
بص لها خالد، وقلبه اتقبض وهو شايف الحزن في عنيها.
كان نفسه يحضنها، بس جوه عقله بيقول لازم تفهم وتقدر خوفه عليها.
فتح باب الشقة ونزل.
وياسمين قعدت في الصالة، حاطة إيدها على خدها ودموعها مالية عنيها.
بس بعد لحظات، سمعت صوته من وراها:
– مش هقدر أنزل وإحنا زعلانين من بعض.
صوته دخل قلبها زي النسمة.
قامت بسرعة وبصت له، ودموعها نزلت من غير ما تحس، بس المرة دي من الفرحة.
جريت عليه ورمت نفسها في حضنه.
وقفت على أطراف صوابعها، وبصوت دافي كله حب قالت:
– أنا بحبك أوي يا خالد، بحبك.
حضنها خالد بكل قلبه وقال:
– لو تعرفي أنا بحبك قد إيه يا ياسمين، كنتي هتفهمي خوفي عليكي، وإن ميهونش عليا زعلك أبدًا.
ابتسمت بحب وقالتله:
– أنا عارفة إني غلطت، وفعلاً ساعات بتصرف من غير تفكير، بس غصب عني، أنا بخاف على كل اللي بحبهم ومش عايزة حد يتأذى بسببي.
بص في عينيها وقال بهدوء:
– وأنا مش عايزك تضحي بنفسك عشان أي حد، سيبي كل حاجة عليا، وأنا هحلها.
هزت راسها بالموافقة ورجعت لحضنه، حضن دافي وبيطمنها من كل خوف.
خالد كان حاسس إن حضنها ده بيرجعله روحه.
فضلوا كده لحظة من الزمن، لحد ما قال بهدوء:
– أنا لازم أنزل دلوقتي، بس هرجع بدري النهاردة، ونسهر سوا مع بعض.
ياسمين ابتسمت وهزت راسها. عنيها كانت بتلمع من الحب والرضا، وقلبها بينطق بكل حرف بحبه.
خالد خرج من الشقة، وهي واقفة تبص عليه لحد ما الباب اتقفل.
كل دقة في قلبها كانت بتهمس:
"أنا بعشقه."
***
بعد شوية.
ياسمين كانت لسه واقفة مكانها، بتحاول تلملم مشاعرها بعد وداع خالد،
لحد ما سمعت صوت جرس الباب.
افتكرت إنه بعت حاجة مع أمن العمارة أو السوبر ماركت.
لكن لما فتحت الباب، اتفاجئت!
كانت بهيرة، والدة خالد، واقفة قدامها. ومعاها راجل شكله مهم وهيبته واضحة،
كان اللواء وحيد الأسيوطي.
بهيرة كانت ملامحها جامدة، وبصت لياسمين من فوق لتحت وقالت بتكبر:
– خالد مش موجود؟
ياسمين ردت بتوتر وصوتها ضعيف:
– لسه نازل من شوية بس، ممكن أكلمه وأبلغه إن حضرتك هنا.
اللواء وحيد اتدخل بصوته اللي كله قوة:
– لأ، إحنا جايين نتكلم معاكي انتي.
ممكن ندخل؟ ولا تحبي الكلام يبقى عالباب؟
توترت أكتر وقالت بسرعة:
– اتفضلوا طبعًا.
دخلوا الشقة، وهي بتحاول تحافظ على هدوءها بالرغم من رعشة إيديها.
كل ثانية كانت بتفكر تكلم خالد ييجي فورًا.
ياسمين قالت بلطف مرتبك:
– تحبوا تشربوا حاجة؟
اللواء وحيد رد بنبرة قاطعة:
– إحنا جايين نقول كلمتين وهنمشي.
ممكن تقعدي؟
قعدت ياسمين بتوتر واضح، وبهيرة قاعدة تبص لها بنظرات كلها كره وغضب.
اللواء وحيد بدأ الكلام:
– أنا جد خالد.. اللواء وحيد الأسيوطي.
ياسمين ردت بسرعة وارتباك:
– أهلًا بحضرتك.
قال:
– أنا جيت مع بهيرة النهاردة مخصوص عشان أقولك كلمتين.
أنا عارف إنك بنت كويسة..
وأكيد بتخافي على مصلحة خالد..
ده لو بتحبيه فعلًا زي ما سمعنا!
بلعت ريقها بالعافية، وقلبها دقاته سريعة كأنها عارفة الجاي تقيل.
اللواء كمل:
– مش عارف أنتي عارفة ولا لأ، بس الحقيقة إن أبوكي مات وهو بيهرب سلاح.. واتقتل على إيد الشرطة.
وعيلتك معروفين عندنا في الداخلية، لأنهم من كبار تجارة السلاح!
فاهمة يعني إيه ظابط في أول حياته زي خالد.. يبقى متجوز بنت من عيلة كده؟
الملف بتاعه هيكون إزاي؟.. مستقبله كله ممكن ينهار!
وشها احمر من الصدمة، وحست قلبها بيخبط في ضلوعها.
اللواء كمل كلامه بصوت ثابت:
– ده غير يحيى ابن عمك.. اللي واضح إنه ناوي ما يسيبش خالد في حاله.
لسه امبارح بس كان فيه خناقة بينهم، وكان ممكن خالد يموت!
ياسمين شهقت من الصدمة:
– خناقة!؟ إمتى؟ حصل إيه؟
رد اللواء بحزم:
– خالد قطع عليه الطريق ورفع السلاح عليه.. وكان هيقتله.
يعني بسببك حفيدي بيتحول من ظابط محترم لمجرم ممكن يدخل السجن.
الدنيا لفت بيها.. صوتها الداخلي بيصرخ وهي مش قادرة تنطق.
كمل اللواء:
– المشكلة خلصت المرة دي، بس اللي أنا واثق منه إن يحيى مش هيسكت.
هيفضل وراه، لحد ما يخسره شغله.. أو حياته.
بهيرة اتكلمت وهي غضبانة:
– من الآخر.. وجودك في حياة خالد بيخسره كل حاجة.
لحد دلوقتي خسر أمه وعيلته عشانك..
وبكرة هيخسر شغله بسبب عيلتك وسمعتكم.
اللواء رجع يكمل بحزم:
– وممكن، لا قدر الله، يخسر حياته كمان لو الحرب اللي بينه وبين يحيى دي كملت.
وكل ده عشانك.
كانت ياسمين بتحاول تلتقط نفسها.. حاسة إنها بتغرق في حفرة سودة من كلامهم.
قالت بصوت مبحوح متقطع:
– المفروض أعمل إيه؟ أعمل إيه عشان خالد يفضل بخير ويحافظ على مستقبله؟
رد اللواء من غير تردد:
– تخرجي من حياته خالص.. كأنك ما عرفتيهوش.
ياسمين حست قلبها بيقف.
فراقه بالنسبة لها موت.
بهيرة زودت الطين بلة:
– لازم تطلبي الطلاق.. وتقنعيه إنك مش عايزاه.
قالت ياسمين وهي بتعيط بقهر:
– مستحيل يصدقني.. لو بصلي في عيني هيعرف إني بكدب.
بهيرة ردت بثقة:
– هيصدق.. لو لقى إنك بتبعدي بجد.
أنا عارفة ابني، ومجرد إحساسه إنك مش عايزاه، هيبعد.
اللواء قام وقال بنبرة قاسية:
– إحنا عرفناكي خطورة وجودك في حياة خالد..
بس شكلك مش فارق معاكي غير نفسك.
أنانية وبتفكري في مصلحتك أنتي وبس.
وقفت بهيرة وقالت بحرقة:
– عايزة تحرقي قلبي على ابني؟
مش كفاية حرمتيني أشوفه وهو عريس ببدلة فرحه، وجنبه عروسة من عيلة يتشرف بيها قدام الناس كلها..
حرمتيني من فرحة عمري بابني.
ودلوقتي عايزة تحرميني منه للأبد؟
حسبي الله ونعم الوكيل فيكي!
خرجوا وسابوها.
وصوت بهيرة وهي بتدعي عليها كان لسه بيرن في ودانها.
وقفت ياسمين في مكانها متجمدة.. مش قادرة تتحرك.
حاسة إنها أنانية.. شريرة.. زي ما وصفوها بالظبط.
كل كلمة اتقالت نزلت على قلبها زي خنجر.
جرح مفتوح مش هتعرف الأيام تعالجه.
وكانت متأكدة جواها إن العلاج الوحيد..
إنها تختفي من حياة خالد.
تحت العمارة – جوه عربية اللواء وحيد
بهيرة بصت لوالدها وقالت بقلق:
– تفتكر يا بابا الكلام اللي قولناه للبنت دي هيجيب نتيجة؟ يعني هتبعد فعلًا عن خالد؟
ولا ممكن تروح تحكي له كل حاجة.. وساعتها أخسره العمر كله؟
اللواء وحيد رد بثقة وهو بيبص قدامه:
– كلامنا جاب نتيجة فعلًا يا بهيرة.
أنا شفت الخوف في عنيها.. كانت مرعوبة، ومتأكد إنها هتبعد عن ابنك.
بهيرة اتكلمت بقلق واضح وهي بتشد في إيدها:
– والولد التاني اللي اسمه يحيى ابن عمها.. ده لازم يبعد عن طريق خالد هو كمان.
اللواء بص قدامه بنظرة فيها نية متبيّتة وقال بهدوء:
– يحيى؟
أنا ليا كلام تاني خالص معاه.
بعد ساعة – في شركة الشرقاوي
دخل اللواء وحيد مكتب يحيى فجأة.
يحيى كان قاعد،
ووقف أول ما شافه، استقبله بجمود واضح، ملامحه مش بترحب لكن مش بتطرد برضه.
اللواء مد إيده بالسلام، ولما قرب منه لمح الخبطة في وشه وقال بسخرية وهو بيضحك ضحكة خفيفة قاصد بيها يستفز يحيى:
– إيه يا يحيى! مين اللي علم عليك كده؟!
يحيى ضيق عينيه، ونظراته ولعت وقال:
– واحد حفر قبره بإيده.. بس ما تقلقش يا سيادة اللواء..
أنا بعرف آخد حقي كويس.
اللواء رد بنبرة هادية بس وراها نغمة مريبة:
– وعلشان كده أنا جاي أرجعلك حقك النهاردة..
وجاي أتفق معاك بعيد عن جدك.
يحيى قعد تاني وعدل هدومه وقال باهتمام:
– اتفاق بعيد عن جدي؟
إزاي يعني؟
اللواء قال بنبرة فيها نوع من المكر:
– جدك قلبه بقى ضعيف من بعد موت عمك.. وأنا بحب لما أحط إيدي في إيد حد.. يكون قلبه جامد زيك يا يحيى.
يحيى فضل ساكت شوية، وبصله بنظرة فيها شك وتفكير، وقال:
– طب اتكلم.. وأنا أسمع.
اللواء قال بصوت هادي لكن واصل زي الطلقة:
– بنت عمك اللي قلبك مولّع بيها.. حفيدي هيطلقها.
لحظة حماس على وش يحيى.. بس أول ما افتكر اللي حصل من خالد لما عرف إنه هدد ياسمين عشان تطلب منه الطلاق، لمس خده اللي لسه بيوجعه وقال ببرود:
– وحفيدك هيطلقها إزاي؟
يعني أنت متأكد إنه هيعمل كده؟
اللواء رفع حاجبه وقال بثقة:
– والله دي مشكلتها.. وهي اللي لازم تلاقي طريقة.
أنا يهمني دلوقتي إننا نفرقهم.. وأنت ليك دور كبير معايا في الخطة دي.
وأكيد شايف زيي إن الجوازة دي من الأول كانت غلط.
يحيى اتحمس وعيونه لمعت:
– هي غلط فعلًا..
وغلط لازم يتصلّح.
قوللي ناوي تعمل إيه وأنا معاك.
اللواء مد إيده ليه بابتسامة خفيفة:
– على بركة الله يا يحيى..
اللي جاي تقيل.. وعايزين نبقى كتف في كتف.. والكلام اللي بينا هيكون بعيد عن جدك زي ما اتفقنا.
يحيى مسك إيده بقوة، والاتفاق بين الاثنين اتكتب من غير ورقة ولا قلم..
اتكتب بالغل، وبنار الحقد والانتقام اللي في قلب كل واحد فيهم.
رواية منعطف خطر الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ملك ابراهيم
أنا يهمني دلوقتي إننا نفرقهم، وإنت ليك دور كبير معايا في الخطة دي.
وأكيد شايف زيي إن الجوازة دي من الأول كانت غلط.
يحيى اتحمس وعيونه لمعت:
هي غلط فعلًا، وغلط لازم يتصلّح.
قوللي ناوي تعمل إيه وأنا معاك.
اللواء مد إيده ليه بابتسامة خفيفة:
على بركة الله يا يحيى، اللي جاي تقيل، وعايزين نبقى كتف في كتف.
والاتفاق اللي بينا هيكون بعيد عن جدك.
يحيى مسك إيده بقوة، والاتفاق بين الاتنين اتكتب من غير ورقة ولا قلم، اتكتب بالغل وبنار الانتقام اللي في قلب كل واحد فيهم.
***
في المساء، جوه شقة خالد وياسمين.
خالد رجع من شغله وهو قلبه متشوق يشوفها، عينيه بتدور عليها في كل ركن.
لما لقاها قاعدة في البلكونة، قلبه اطمأن، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشه.
قرب منها بهدوء، وطبع قبلة خفيفة على راسها وهو بيهمس بحب:
وحشتيني.
ياسمين ما اتحركتش، ولا حتى بصت له.
خالد قعد قدامها، مسك إيديها بإيدين فيها حنية وخوف وسأل بقلق:
بتفكري في إيه؟
هي رفعت عينيها له، نظرة فيها كلام كتير، وسكتت ثواني كأنها بتوزن الكلام، وبعدين سألته:
بتحبني بجد يا خالد؟
رده طلع من جوا قلبه، صادق وبسيط:
أقولها لك كام مرة عشان تصدقي إني بحبك؟
هزت راسها بـ"لا"، وقالت بجمود خلى قلبه ينقبض:
أنا عايزك تقولّي كلمة تانية خالص.
بص لها باستغراب وقال:
كلمة إيه؟
قامت فجأة كأنها مش قادرة تواجه عينيه، وبصت بعيد وقالت بنبرة حاولت تخليها ثابتة، بس كانت مهزوزة:
كلمة... انتي طالق.
الكلمة دي نزلت عليه زي صاعقة... حسها خنجر دخل قلبه ومش عايز يطلع.
فضل واقف مش قادر يصدق، وبيبص قدامه كأن الزمن وقف للحظة.
قام من مكانه، وقف قصادها وهو مش فاهم، وهي لسه مش قادرة تبص له في عينه.
وقبل ما ينطق، فجأة رن جرس الباب.
ياسمين اتحركت بسرعة، كأنها بتهرب من المواجهة وقالت:
دول أكيد زينة ومعتصم ومهاب... أنا عزمتهم ييجوا يسهروا معانا، وأكدت عليهم محدش يقولك.
فتحت الباب، وكانوا فعلًا هما.
استقبلتهم، ولما قفلت الباب قالت بصوت فيه رجفة:
أنا طلبت من زينة تجيب معتصم ومهاب النهاردة ... عشان زي ما كانوا شهود على جوازنا، يبقوا شهود على طلاقنا.
زينة شهقت من الصدمة، وبصت لياسمين مش مصدقة.
معتصم ومهاب تبادلوا نظرات استغراب، وبصوا على خالد اللي كان واقف متجمد مكانه، عينيه على ياسمين كأنه أول مرة يشوفها.
مهاب حاول يخفف التوتر، وقال بنبرة فيها هزار:
إنتوا عاملين فينا مقلب؟ ولا بتهزروا؟
ردت ياسمين بثبات ظاهر، بس جواها بركان:
لا، مش مقلب. أنا فعلًا طالبة الطلاق. وبعدين مش إنت اللي قلتلي أوافق على الجواز، ولو ما ارتحتش أعمل زيك؟ أطلق وأعيش برحتي؟ أنا سمعت نصيحتك... وافقت على الجواز، ولما لقيت نفسي مش مرتاحة، بطلب الطلاق. مش ده حقي؟
مهاب ومعتصم بصوا لبعض وهما مش مصدقين، وخالد واقف ساكت، الصدمة جوه قلبه أكبر من الكلام.
معتصم قال بهدوء:
طب استهدوا بالله ونتكلم شوية...
وبص لياسمين وسألها:
إيه اللي حصل يا ياسمين عشان توصلي لكده؟
ردت بصوت متوتر، القوة الزايفة بدأت تتهز، ووشها ابتدى يكشف وجعها:
مش مرتاحة... عايزة أطلق وخلاص.
أنتِ طالق!
قالها خالد بصوت عالي، جهوري، نزل زي القنبلة في المكان، الكلمة رجت الحيطان... وجمدت الكل.
الكلمة خبطت في قلبها زي طلقة، سكنت لحظة، وبعدين عينيها دمعت، مش مصدقة إنه نطقها.
زينة حطت إيديها على بقها، مصدومة.
ومعتصم ومهاب بصوا على خالد بذهول، لأنهم عارفين حبه لياسمين قد إيه... بس أي راجل مكانه، كان هيتوجع ويتكسر، خصوصًا لما مراته تقوله كده قدام صحابه، في لحظة بتجرح الرجولة والكرامة.
خالد قرب منها، بص في عينيها بثبات وقال بصوت هادي لكن حاسم:
كده بقيتي مرتاحة؟
هي معرفتش ترد، الدموع سبقت الكلام، والصدمة حبست صوتها.
معتصم ومهاب قربوا منه، ومعتصم قال بهدوء:
مينفعش كده يا خالد... لازم تهدوا وتتكلموا الأول.
خالد رد بنبرة فيها وجع:
دي مش أول مرة تطلبها مني... بس المرة دي غير أي مرة فاتت.
بص لها، ونبرة صوته كانت مجروحة، فيها حنين وانكسار:
شوفي إيه تاني هيريحك، وأنا هعمله... أي حاجة تسعدك، أنا مستعد أعملها.
ياسمين ماقدرتش حتى تبص له... جريت على أوضتها وهي بتبكي بحرقة، وزينة جريت وراها تحاول تهديها.
معتصم ومهاب خدوا خالد وقعدوا معاه يحاولوا يهدوه، وكل واحد فيهم بيحاول يفهم منه إيه اللي حصل بالظبط...
بس خالد نفسه مكانش عارف!
مش قادر يلاقي تفسير يخليه يستوعب ليه ياسمين طلبت الطلاق منه فجأة... وبالطريقة دي؟!
بس اللي كان حاسه جوه قلبه أقوى من أي تفسير... وجع، وجع كبير قوي، وجرح مش بسيط.
اللي عملته فيه قدام صحابه كسر كرامته، خلى قلبه يتقهر وهو واقف قدامها مش عارف يصدق إنها هي اللي طلبت منه يقولها الكلمة دي قدامهم.
وفجأة قام واقف، وقال بصوت حاسم لمعتصم:
خلي زينة تقولها تجهز شنطتها يا معتصم، هوصلها بيت جدها دلوقتي.
معتصم حاول يهديه وقال:
مش كده يا خالد... أكيد في حاجة إحنا مش عارفينها خلتها تطلب الطلاق.
وبصراحة... انت استعجلت، كان لازم تمسك أعصابك.
الكلمة دي مش سهلة... هو أنا اللي هقولك الكلام ده؟!
خالد رد بعصبية، وصوته علي فجأة:
انت مش عارف حاجة يا معتصم!
مش عارف هي كام مرة طلبت مني الطلاق من أول يوم في الجواز!
كام مرة قالتلي عايزة ترجع لبيت جدها؟
هي كل مرة بتختار السكة السهلة... واللي هيريحها.
دلوقتي أنا عملت اللي هي عايزاه.
تروح بيت جدها وتعيش برحتها!
مهاب قرب منه، ونبرته كانت جادة وهادية في نفس الوقت:
التعامل مع البنات محتاج صبر، وبال طويل يا خالد...
كان لازم تصبر، تسألها، تفهم هي ليه قررت تطلب الطلاق دلوقتي؟
وبعدين... إحنا كلنا عارفين إنها بتحبك وانت بتحبها.
وفي كل الأحوال هي لسه مراتك، وتقدر تردها دلوقتي، وكأن مفيش حاجة حصلت.
خالد بص قدامه بنظرة كلها إصرار ووجع وقال:
لأ، في حاجة حصلت يا مهاب...
في إهانة... مفيش راجل يستحملها على كرامته.
أنا مش هطبطب على تصرفاتها تاني.
الموضوع بالنسبالي انتهى.
واقولكم على حاجة...
خليها تقعد هنا في شقتها، أنا اللي همشي.
كلامه كان بصوت عالي، وصوته وصل جوه الأوضة…
وياسمين كانت سامعة كل كلمة…
قلبها بيتقطع، ودموعها نازلة من غير ما تقدر توقفها.
زينة قاعدة جنبها، بتحاول تهديها، تحايلها بالكلام عشان تفهم منها اللي حصل،
بس ياسمين ساكتة... مش قادرة تنطق، كأن الحروف اتحبست في قلبها.
كل اللي طالع منها هو البكا... قلب موجوع، مش مصدقة إن خالد نطق الكلمة فعلًا...
وإنها خلاص لازم تختفي من حياته.
***
برا، معتصم نادى على زينة بهدوء.
زينة خرجتله، وهو قال لها:
باتي معاها الليلة يا زينة... أنا هاخد خالد يبات عندي، لحد ما الدنيا تهدى شوية.
هزت راسها بموافقة، وهي قلبها قلقان على ياسمين.
خالد ومعتصم ومهاب خرجوا من الشقة، وسابوا وراهم وجع كبير وسكون تقيل في المكان.
زينة رجعت وقعدت جنب ياسمين، حاولت تهون، تسأل، تحضنها...
بس ياسمين كانت في حالة تانية خالص...
مش بتتكلم، مش بترد، بس عينيها بتحكي ألف حكاية وجع.
صباح اليوم التالي.
في بيت الشرقاوي الكبير.
يحيى دخل أوضة مكتب جده، وكان شكله مصمم، جواه كلام عايز يطلعه من امبارح.
قعد قدام جده وسأله بنبرة مباشرة:
هو احنا هنرجع أحمد ابن عمي إمتى يا جدي؟
الشرقاوي بص له بنظرة غامضة وهو ساكت لحظة، وبعدين رد عليه:
أنا بفكر إن أحمد يفضل في أمريكا...
هناك أمك وأختك هيراعوه، إنما هنا؟
مين هياخد باله منه؟ مفيش.
يحيى زفر بقوة، وقال بإصرار:
وأخته راحت فين؟!
هيرجع عشان أخته!
جده شد ملامحه وبص له بنظرة غضب وقال بحدة:
أخته في بيت جوزها، ومش هترجع هنا تاني يا يحيى!
وأنا مش هقبل إن حفيدي يتربى في بيت جوز أخته!
لكن يحيى ابتسم بهدوء، وعينيه فيها تحدي، وقال بهمس واضح:
ولو جوز أخته كان أنا؟
برضه مش هتوافق إن حفيدك يتربى في بيتي؟
الشرقاوي اتصدم!
بص له بذهول كأنه مش مصدق اللي سمعه،
بس يحيى ما استناش رد…
قام من مكانه وخرج من الأوضة بخطوات واثقة، وساب جده في حالة قلق وحيرة.
الشرقاوي فضل يبص مكانه، تفكيره مشغول،
ولأول مرة فعلًا بدأ يقلق…
مش من كلام يحيى، لكن من لهجته…
ومن نظرته اللي بقت مش مفهومة…
ومن تصرفاته اللي كل يوم بتخرج عن اللي متعود عليه منه.
***
في الشقة عند ياسمين وزينة.
الليل عدى تقيل على قلب ياسمين، كانت تقريبًا ما غمضتش عينيها لحظة، دموعها ما نشفتش طول الليل.
مع أول ضوء دخل من الشباك، قامت من سريرها وهي حاسة إن عمرها كله اتقلب…
قامت تجهز شنطتها وحاجتها بهدوء، بس جواها عاصفة…
هي عارفة إنها لازم تسيب بيت خالد وتخرج من حياته، بس هتروح فين؟
ترجع لبيت جدها؟ مستحيل…
ترجع شقتهم القديمة؟ لأ، مش قبل ما عمها يرجع لها أحمد زي ما وعدها.
زينة فتحت عينيها على حركة في الأوضة، استغربت لما شافت ياسمين بتجهز هدومها وتحطها في الشنطة.
قامت بسرعة وقربت منها وقالت بقلق:
انتي بتعملي إيه يا ياسمين؟
ردت ياسمين بصوت ضعيف، فيه انكسار كبير:
بجهز شنطتي يا زينة... أنا لازم أسيب لخالد شقته.
وأول ما خلصت الجملة، دموعها نزلت بغزارة، وانهارت في العياط من تاني.
زينة مسكت إيديها بسرعة وقعدتها على السرير، وقعدت قدامها وسألتها بنبرة فيها عتاب:
ليه عملتي كده يا ياسمين؟
إحنا كلنا عارفين إن انتي وخالد بتحبوا بعض…
ليه تطلبي منه الطلاق بالطريقة دي؟!
ياسمين ردت وهي بتحاول تسيطر على بكاها:
خالد مكنش هيطلقني غير بالطريقة دي.
زينة اتخضت:
وليه تطلقوا أصلًا؟!
ياسمين رفعت عينيها المليانة دموع وبصتلها وقالت بصوت مبحوح:
عشان جوازنا كان غلط من الأول…
خالد ظابط، ومينفعش يتجوز بنت كل أهلها تجار سلاح.
الكلمة نزلت على زينة كأنها صدمة.
بصت لياسمين بذهول، بس ياسمين ماقدرتش تمسك نفسها أكتر، وانهارت وهي بتصرخ:
آه، أنا البنت اللي أبوها مات وهو بيتقبض عليه!
أنا اللي جدي وابن عمي تجار سلاح.
أنا اللي هدمر حياة خالد لو فضلت فيها!
أنا الأنانية اللي مش بفكر غير في نفسي!
أنا كل حاجة وحشة في الدنيا دي يا زينة!
وحياة خالد مش هتبقى أحسن غير لما أخرج منها.
زينة كانت بتبص لها بعيون كلها وجع وتعاطف، وقامت حضنتها بقوة.
ياسمين فضلت تبكي في حضنها وقالت بنهيار:
– أنا موجوعة أوي على فراقنا يا زينة…
مش متخيلة أيامي هتعدي من غيره…
أنا بحبه أوي وقلبي بيتقطع عليه…
بس مش هتحمل إنه يخسر شغله ولا حياته عشاني…
أنا لازم أبعد عنه للأبد.
زينة كانت عاجزة… مش قادرة تعمل حاجة،
شايفة صاحبتها بتتكسّر قدامها ومش بإيدها تنقذها.
في الآخر، ياسمين خلت زينة توعدها…
توعدها إنها ما تقولش أي حاجة لمعتصم.
هي عايزة خالد يكرهها… عشان يعرف يعيش من غيرها… ويكمل حياته.
في شقة معتصم.
معتصم صحي من النوم وخرج من أوضته وهو بيبص حواليه بكسل…
بص في الصالة لقى مهاب نايم على الكنبة، متلحف بأي حاجة وقافش فيها كأنه في سبات شتوي.
بص ناحية البلكونة، لقى خالد قاعد على كرسي، رافع رجله على كرسي تاني،
وقدامه طفاية مليانة سجاير، كأنها كانت بتولع طول الليل.
معتصم قرب منه بسرعة وقال بصدمة:
– إيه كل ده يا خالد؟! إنت عمرك ما شربت سجاير!
رد خالد بضيق وهو بيعدل قعدته:
– معلش بقى يا معتصم… لقيت العلبة بتاعتك قدامي… ومحستش غير وأنا بطلع غضبي فيها.
معتصم قعد قدامه وبص له بقلق وقال:
– السجاير مش هتهديك يا خالد…
اللي هيهديك إنك ترجع لمراتك وتفهم منها كانت بتفكر في إيه لما طلبت الطلاق كده قدامنا.
خالد اتنفس بحدة وطفي السجارة اللي في إيده بقوة وقال بعصبية:
– مبقتش مراتي خلاص يا معتصم… الموضوع انتهى.
معتصم ما سكتش، وقال بنبرة جد:
– لسه مراتك يا خالد…
وهتفضل في العدة 3 شهور، تقدر فيهم بكلمة واحدة تردها.
خالد بص قدامه بتعب، وكأن الكلام ده بيزوده وجع، وقال:
– مفيش حد فيكم حاسس بالنار اللي جوا قلبي…
فاكرين إن كلمة الطلاق نطقتها كده في لحظة غضب؟
المفروض إنتوا أكتر ناس عارفين إننا متدربين على ضبط النفس…
وكل كلمة بتخرج مننا بتكون محسوبة.
معتصم سأله بدهشة:
– طب ليه نطقتها؟
كنت تصبر لحد ما نفهم هي ليه عملت كده!
رد خالد وهو بيبص قدامه، وصوته فيه وجع:
– نطقتها عشان تفكر بعقلها شوية وتعرف هي عايزة إيه..
مش هستحمل انها كل يوم والتاني تقولي طلقني..
مفيش راجل يستحمل كده يا معتصم.. لازم احس انها متمسكة بيا زي ما انا متمسك بيها.
معتصم سكت، كان فاهم خالد يقصد إيه…
وحاسس إن جواه حاجة كبيرة، حاجة هو مش قادر يقولها.
خالد قام من مكانه وقال بصوت مرهق:
– عايز آخد شاور وأغيّر الهدوم دي…
هاتلي حاجة من عندك ألبسها عشان أنزل.
معتصم قال بدهشة:
– هتنزل تروح فين؟
رد خالد وهو بيتحرك:
– هروح شغلي.
دخلوا سوا الصالة، لقوا مهاب لسه نايم على الكنبة زي ما هو،
وشكله مرتاح كأنه نايم في الجنة.
خالد بص عليه وقال لمعتصم:
– طلع أكتر واحد عاقل فينا.
معتصم ضحك وقال له:
– يعني ده بقى مثلك الأعلى دلوقتي؟!
رد خالد وهو بيهزر بس جواه وجع:
– كل كلمة قالها عن الجواز كانت صح…
وأنا دلوقتي نفسي أوصل لراحة البال اللي هو فيها.
مهاب فتح عينيه على صوتهم، وفرك عينيه بإيده وقال وهو بيتثاوب:
– أنا سامع حد بيحقد عليا…
وقعد وشاور على قلبه وقال لخالد بنبرة هادية:
– راحة البال دي مش هتوصلها…
غير لما اللي هنا يكون فاضي.
خالد أول ما سمع الكلمة دي وقف فكر لحظة،
واتحرك من قدامهم من غير كلام.
لأنه عارف…
قلبه مش فاضي.
قلبه مليان حب لياسمين، وحزن على اللي بينهم.
رواية منعطف خطر الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ملك ابراهيم
كل كلمة قالها عن الجواز كانت صح...
وأنا دلوقتي نفسي أوصل لراحة البال اللي هو فيها.
مهاب فتح عينيه على صوتهم، وفرك عينيه بإيده وقال وهو بيتثاوب:
- أنا سامع حد بيحقد عليا...
وقعد وشاور على قلبه وقال لخالد بنبرة هادية:
- راحة البال دي مش هتوصلها...
غير لما اللي هنا يكون فاضي.
خالد أول ما سمع الكلمة دي وقف فكر لحظة، واتحرك من قدامهم من غير كلام.
لأنه عارف...
قلبه مش فاضي.
قلبه مليان حب لياسمين، وحزن على اللي بينهم.
معتصم فضل واقف يبص له بحزن...
نفسه يساعده، بس مش عارف يبدأ منين.
ومش قادر يعرف هي ياسمين ليه عملت كده...
إيه اللي ورا قرارها المؤلم ده!
فاق من شروده على صوت رنة موبايله...
بص عليه بسرعة ولقي اسم زينة بيظهر قدامه.
رد وهو بيحاول يظبط نبرة صوته:
"ألو؟"
سمع صوت زينة متوتر:
- أيوه يا معتصم... ياسمين مصممة تسيب شقة خالد دلوقتي!
ومش عارفة أعمل إيه!
معتصم اتحرك بسرعة وخرج على البلكونة عشان خالد ما يسمعهوش وهو بيتكلم، وقال بسرعة:
- ما تخليهاش تتحرك من عندك غير لما أوصل يا زينة... أنا جاي حالًا أتكلم معاها.
زينة قالت وهي بتحاول تسيطر على الموقف:
- حاضر... بس ما تتأخرش، وأنا هحاول أوقفها على قد ما أقدر.
قفل معتصم المكالمة بسرعة ودخل الصالة وقال لمهاب:
- أنا لازم أنزل حالًا... خليك أنت مع خالد، وبلاش تزن عليه، هو مش ناقص!
مهاب بص له وقال بنعاس:
- طب ماشي... بس عايز أفطر الأول.
معتصم وهو داخل أوضته يغير هدومه قال بسرعة:
- المطبخ عندك.
مهاب اتحرك رايح المطبخ،
ومعتصم لبس بسرعة ونزل من غير ما خالد يحس.
بعد كام دقيقة.
خالد غير لبسه وخرج من الحمام، وشه باين عليه التعب.
بص حواليه وسأل:
- هو فين معتصم؟ نزل ولا إيه؟
رد مهاب وهو قاعد على السفرة بياكل بهدوء:
- نزل مستعجل، ما عرفش رايح فين...
تعال أفطر معايا.
خالد هز راسه بضيق وقال:
- أنا نازل رايح شغلي... قوم يلا انزل شغلك أنت كمان.
مهاب بلع لقمة وقال بهدوء:
- أنا إجازة..
ناسي الإصابة اللي في كتفي.
خالد بص له بغيظ وقال بنبرة فيها زهق:
- بتتعب أوي واخد إجازة!
طب يلا قوم ارجع شقتك قبل ما زينة ترجع مع معتصم.
مهاب رد بهدوء شديد:
- لا... أنا جاي معاك القسم.
أنت مجروح عاطفيًا دلوقتي، وأنا خايف تعمل في نفسك حاجة.
خالد ابتسم ابتسامة باهتة رغم القهر اللي جواه،
وسابه ومشي من غير ما يرد.
مهاب خرج وراه على طول،
بيتحرك وراه من غير ما يتكلم،
حاسس إن صاحبه محتاجه حتى لو مش بيطلب ده بصوت عالي.
في شقة ياسمين.
الجرس رن، وزينة جريت على الباب تفتحه...
لقت معتصم واقف.
دخل بسرعة وسألها:
- هي فين؟
ردت زينة وهي بتتنهد:
- جوه... جهزت شنطتها وكانت خلاص هتمشي، بس قعدتها بالعافية.
معتصم قرب منها وقال بهمس وهو بيبص ناحية الباب:
- هي قالتلك ليه طلبت الطلاق من خالد فجأة كده؟
زينة اتوترت، وهزت راسها بـ"لأ"،
بس عينيها فضحتها.
معتصم فهم على طول، وابتسم وهو بيخبطها على أنفها بلطف وقال بمشاكسة:
- بتخبي عليا أنا؟ فاكرة إني مش هعرف؟
زينة قالت بسرعة وهي متوترة:
- هي صاحبتي... ووعدتها إني ما أقولش.. بس أنت لازم تقنع خالد يصالحها.
معتصم هز راسه بتفهم وقال بهدوء:
- ماشي... طب ناديلي على صحبتك، عايز أتكلم معاها.
زينة دخلت تنادي ياسمين، وبعد لحظات خرجت معاها...
ياسمين كانت عينيها حمرا من كتر البكا، ملامحها باين عليها التعب والانهيار.
معتصم لما شافها قلبه وجعه،
وقال بصوت هادي:
- لسه مش عايزة تقولي ليه طلبتي الطلاق من خالد قدامنا بالطريقة دي يا ياسمين؟
أنا لو مش واثق إنك بتحبي خالد، ما كنتش جيت وسألتك.
بس خالد صاحبي... وأكتر حد عارف هو بيحبك قد إيه...
ومش قادر أشوفكم بتتدمروا بالطريقة دي وأسكت.
ردت ياسمين بصوت ضعيف جدًا ومكسور:
- الكلام خلاص ما لوش لازمة... كل حاجة انتهت.
معتصم بص لزينة،
شافها بتشاور له بإيدها من ورا ياسمين كأنها بتقوله:
هدي شوية عليها... سيبيها تهدى.
اتكلم معتصم بهدوء أكتر:
- ما فيش حاجة انتهت يا ياسمين...
إنتي محتاجة تهدي وتفكري، وأنا مش جاي أضغط عليكي،
بس طلبي الوحيد... ما تسيبيش بيتك دلوقتي.
خدي وقتك... فكري كويس...
قبل ما تخسري خالد فعلًا.
ياسمين رفعت عينيها له والدموع مالية وشها وقالت بصوت مخنوق:
- أنا خسرته خلاص...
ومينفعش أفضل في بيته بعد ما طلقني.
معتصم قال بهدوء:
- بالعكس.. ينفع جدًا...
إنتي لسه في العدة، ولسه قدامك 3 شهور...
يعني في وقت إنك تفكري وتقرري.
قام وقف وقال بثبات:
- أنا هكلم خالد، وهقوله يقعد في شقة مهاب الفترة دي...
علشان كل واحد فيكم ياخد مساحته وتهدوا.
بس إنتي ما تسيبيش بيتك دلوقتي.
بص لزينة وكمل:
- أنا رايح الشغل، لو عايزة تقضي اليوم مع ياسمين... هعدي أخدك بالليل.
زينة هزت راسها بـ"أيوه"،
ومعتصم خرج.
زينة بصت لياسمين وقالت لها بلطف:
- كلام معتصم كله صح يا ياسمين...
خليكي هنا...
على الأقل لحد ما تعرفي هتعملي إيه.
أكيد مش هترجعي بيت جدك عند ابن عمك المجنون ده!
ردت ياسمين بصوت حزين:
- عمي وعدني إنه هيجيبلي أحمد أخويا بعد أسبوع...
هستنى الأسبوع ده،
وأول ما أخويا يرجعلي،
هاخده ونبعد عن كل ده...
هارجع شقة ماما القديمة،
وأرجع لشغلي وحياتي اللي كنت عايشاها قبل ما أقابل خالد.
زينة بصتلها بحزن وسكتت...
مش لاقية كلام تقوله.
بس كانت بتدعي من قلبها إن ياسمين وخالد يرجعوا لبعض ويكملوا حياتهم بسعادة.
في قسم الشرطة.
خالد كان قاعد قدام مكتبه،
ووشه باين عليه الإرهاق والتعب...
ومهاب قاعد قدامه، بيفطر للمرة التانية وبيشرب قهوته وهو ولا على باله.
خالد فتح تليفونه، كان محتار وبيحاول يفهم...
إيه اللي حصل لياسمين؟!
إزاي فجأة اتغيرت كده من غير مقدمات بعد ما خرج من البيت؟!
فتح تسجيلات الكاميرا اللي قدام باب شقته، وبدأ يراجع من أول لحظة خرج فيها.
عدت الدقايق ببطء وهو بيركز في الشاشة، وعينيه بتجري مع كل حركة.
وفجأة...
ظهر قدامه مشهد خلى قلبه يدق أسرع.
جده...
ومعاه والدته...
واقفين قدام باب شقته!
عينيه اتسعت، وملامحه اتشدت بذهول، وهو شايفهم بيدخلوا الشقة!
الصدمة كانت واضحة على وشه، وبص قدامه مش مصدق.
إزاي أمن العمارة سمح لهم يطلعوا من غير ما يبلغوه؟!
إزاي ده حصل وهو ما يعرفش حاجة؟!
بس اللي وجعه أكتر...
هو إن ياسمين ما قالتش!
ليه مخبية عليه إنهم زاروها في البيت؟!
أسئلة كتير اتجمعت في دماغه مرة واحدة، ومشاعره كانت متلخبطة بين الغضب، والشك، والحيرة.
العسكري دخل المكتب وقال:
- في آنسة برا عايزة حضرتك... اسمها كارما الشرقاوي.
مهاب انتفض من مكانه فجأة وقال لخالد:
- خد الأكل ده خبّيه تحت مكتبك بسرعة!
خالد بص له بدهشة وقال:
- أكل إيه اللي أخبّيه تحت مكتبي؟!
وبص للعسكري وقال له:
- خليها تدخل.
دخلت كارما...
ولما شافت مهاب واقف، اتكلمت بلطف وقالت:
- خالد... أنت مشغول؟ لو مش فاضي ممكن أجيلك وقت تاني.
خالد قام وقف وقال بابتسامة بسيطة:
- لأ يا كارما، اتفضلي... أنا مش مشغول ولا حاجة.
وشاور على مهاب:
- ده مهاب صاحبي.
مهاب مد إيده بابتسامة واسعة وقال:
- أهلًا آنسة كارما... القسم نور والله.
كارما سلمت عليه وهي بتبتسم بخجل.
خالد بص لمهاب بدهشة، وقال لكارما:
- اتفضلي اقعدي.
قعدت كارما، وقالت وهي باين عليها التوتر:
- أنا كنت جيت قبل كده عشان أشوفك... بس ما كنتش موجود.
مهاب دخل في الحوار وقال وهو بيبتسم:
- بس أنا من حظي الحلو كنت موجود.
كارما بصت له وسكتت...
وخالد استغرب وسأل مهاب:
- كنت موجود هنا بتعمل إيه؟
مهاب بص لكارما وقال بطريقة درامية:
- القدر هو اللي جابني هنا.
خالد هز راسه وقال بسخرية:
- آآآه... القدر.. قولتلي!
كارما رجعت تبص لخالد وقالت:
- في موضوع مهم عايزة أقولهولك يا خالد...
ما عرفتش أقوله في التليفون.
خالد قلبه دق بسرعة... وبص لها باهتمام:
- خير يا كارما؟ قولي.
كارما بصت على مهاب بتوتر،
وخالد فهم،
فبص لمهاب وقال له:
- مهاب... قوم شوية، لف وارجعلي.
مهاب بص لكارما وقال:
- أنسى... أنا مش هتحرك من هنا،
ده أنا لما صدقت لقيتك!
خالد حاول يسيطر على الموقف وقال لكارما:
- سيبك منه... اعتبريه مش موجود.
قولي يا كارما، أنا سامعك.
كارما اتكلمت بصوت هادي ومتوتر:
- في موضوع يخصك أنت وياسمين...
أنا بالصدفة سمعت جدو وهو بيتكلم مع طنط بهيرة،
وكانوا بيتفقوا يروحوا لياسمين في شقتك وأنت مش موجود...
ويهددوها عشان تبعد عنك!.
مهاب بص لخالد بصدمة..
وخالد بص لكارما باهتمام وكأنها الإجابة على كل الأسئلة اللي كان بيسألها لنفسه من لحظات.
كارما كملت وهي بتتكلم بسرعة وبتحاول تبرر:
- أنا ما عرفتش أقولك في التليفون... وعشان كده جيتلك هنا أقولك..
وخايفة يروحوا فعلًا لياسمين ويقولولها كلام يوجعها...
خصوصًا جدو، أنت عارفه، ممكن يخوفها فعلًا.
خالد وشه اتغير...
عيونه اتجمدت، وسكت للحظة طويلة...
وبعدين رفع إيديه على وشه بتعب، وفضل كده ساكت وهو بيحاول يستوعب الكارثة.
ساعتها، فهم...
فهم ليه ياسمين فجأة طلبت الطلاق...
فهم ليه كانت منهارة...
وليه انسحبت من غير ما تبرر.
كارما كانت باصة لخالد بقلق وسألته بصوت متوتر:
- في إيه يا خالد؟
رد خالد، وصوته فيه وجع:
- اللي انتي كنتي خايفة منه حصل فعلًا... هما راحوا لياسمين وهددوها تطلب الطلاق... وهي طلبت، وأنا نفذت طلبها.
كارما اتصدمت من الكلام، وحست بخبطة في قلبها... حزن غريب شدها، حزن ما فهمتش له سبب!
بصت لخالد بنبرة عتاب وسألته:
- ليه عملت كده يا خالد؟
خالد كان عينيه فيها غضب ومرار، وصوته طالع بنبرة مشاعرها متلخبطة بين الغضب والخذلان:
- مكنتش أعرف إن أهلي هما السبب في تدمير حياتي!! أنا كنت براجع الكاميرات اللي قدام شقتي دلوقتي وشوفتهم... ومفهمتش إزاي دخلوا عندي، وأمن العمارة سمح لهم ومبلغونيش!
كلماته خرجت من قلب موجوع... مش مصدق إن اللي هدموا بيته هما أقرب الناس ليه.
هو عارف جده اللوا وحيد كويس... وعارف إن دخوله أي مكان مش صعب عليه.
أكيد دخل العمارة بطريقته الخاصة... وممكن كمان يكون هدد أمن العمارة عشان يوصل لياسمين من غير ما حد يبلغ خالد.
وخالد دلوقتي... حاسس إنهم لعبوا بحياته وعلى أوجاعه، وهو آخر واحد يعرف!
في اللحظة دي دخل معتصم.
بص عليهم أول ما دخل، واستغرب الحالة اللي هما فيها، وفي بنت قاعدة معاهم أول مرة يشوفها.
قال بقلق:
- هو في إيه؟
مهاب رد وهو باين عليه الغضب:
- عرفنا ليه ياسمين طلبت الطلاق من خالد... جده ووالدته راحوا هددوها عشان تبعد عنه.
معتصم بص لهم بصدمة، وقال بقلق وهو لسه متأثر بعد ما شاف حالة ياسمين:
- أنا لسه جاي من عند ياسمين وزينة... وحالتها صعبة أوي.
خالد أول ما سمع اسم ياسمين وسمع إنها حالتها صعبة، رفع عينه وبص له بلهفة حقيقية في عيونه مقدرش يخبيها.
معتصم كمل كلامه وهو بيحاول يوصله اللي حصل:
- زينة كلمتني وقالتلي إن ياسمين عايزة تسيب البيت، وأنا روحتلهم وحاولت أقنعها تستنى الفترة دي... على الأقل تفضل في بيتها خلال الـ 3 شهور بتوع العدة.
خالد حط إيده على وشه، وسكت شوية...
لأول مرة يحس إنه ضايع... زي واحد حياته كلها اتشقلبت وهو واقف بيتفرج، مش قادر يعمل أي حاجة!
كارما قامت وقفت فجأة، وقالت بإصرار غريب وهي باين عليها القلق:
- هو أنا ينفع أقابل ياسمين يا خالد؟ لازم أفهمها اللي حصل.
خالد بص لها بتفكير ومهاب وقف معاها فورًا وقال:
- أنا عارف العنوان... لو تحبي أوصلك.
كارما هزت راسها بالموافقة وخرجت من المكتب ومهاب خرج معاها.
معتصم قرب من خالد وسأله بنبرة جد:
- ناوي تعمل إيه دلوقتي؟ لازم ترد ياسمين قبل أي حاجة. متضيعهاش من إيدك يا خالد... وانتوا الاتنين بتحبوا بعض.
خالد سكت لحظة، وعينه كانت شايلة وجع وكسرة، وبعدين رد بثبات هادي بس موجوع:
- هردها يا معتصم... بس مش دلوقتي.
معتصم رفع حاجبه بشك وقال:
- مش دلوقتي؟ يعني إيه؟ أنت ناوي على إيه يا خالد؟
خالد خد نفس عميق، وعينه اتعلقت في الفراغ كأنه شايف معركة مش واضحة المعالم، وقال بصوت منخفض بس حاسم:
- بفكر أخلص من كل ده... أواجههم كلهم مرة واحدة وأكشف كل الأقنعة. أنا مش بحارب الشرقاوي ويحيى بس... لأ، دي حرب مع اللي من دمي كمان...
سكت لحظة، وبعدين بص له وقال بحدة:
- دي مش حرب عادية... دي معركة على حقي، وحب عمري، وكرامتي. ولازم... كل واحد غلط في حقي يشوف وش خالد اللي عمره ما شافه قبل كده.
في الطريق لشقة ياسمين، كارما كانت قاعدة جنب مهاب في العربية، وسكوتها كان بيحكي أكتر من كلام. توترها باين على وشها، وحزنها مخبي نفسه في عنيها. كانت زعلانة عشان أختها اللي شايفة إنها اتظلمت من الكل... وكانت متأكدة إن جدها، اللواء وحيد، هو السبب... بكلامه القاسي، ونظراته اللي تخوف، وأكيد ما سكتش غير لما هددها.
مهاب، على فترات، كان بيحاول يفتح أي كلام... لكن كارما كانت سرحانة، مشغولة بأفكارها، دماغها مشغولة بياسمين وباللي ممكن يحصل.
وأخيرًا، وصلوا قدام العمارة.
مهاب قالها رقم الشقة، وهي نزلت لوحدها، ومهاب فضل مستنيها تحت في عربيته.
في شقة ياسمين.
زينة فتحت الباب، واتفاجئت بكارما واقفة قدامها. بنت شكلها رقيق وجميلة، واضح إنها في نفس سنها تقريبًا.
كارما اتكلمت برقة:
- مساء الخير... ياسمين موجودة؟
زينة ردت باستغراب بسيط:
- آه موجودة... أقولها مين؟
كارما بصت ناحية الشقة وهي بتقول بهدوء:
- أنا كارما... أختها.
زينة ابتسمت، وملامحها اتحولت لحماس:
- كارما أخت ياسمين! اتفضلي، اتفضلي ادخلي... ياسمين جوه.
دخلت كارما، وزينة ماشية جنبها وهي بتبتسم، لكن اللحظة اتغيرت تمامًا لما ياسمين شافتها... قامت واقفة، ملامحها مصدومة، مش قادرة تصدق إن أختها واقفة قدامها.
كارما قربت منها، ابتسامتها فيها حنية خفيفة:
- إزيك يا ياسمين... أنا كارما... أختك.
ياسمين كانت واقفة، بتبصلها بصمت. وجود كارما قدامها فجأة كان بنفس الإحساس اللي جالها لما دخل عليها اللواء وحيد وبنته... نفس الهالة اللي فيها رهبة وغموض. واضح إن العيلة دي بتعرف تدخل وتسيب أثر.
زينة قالت ببهجة:
- تشربي إيه يا كارما؟
كارما ردت بنفس رقتها:
- أي عصير فريش.
زينة راحت على المطبخ، سايبة الأختين يواجهوا بعض.
كارما قعدت، ونظرتها دايرة في الشقة، ملاحظة كل حاجة...
ياسمين قعدت قدامها، بس لسانها اتربط. الكلام اختفى، والموقف مش سهل.
كارما لمحت الشقة بنظرة سريعة وقالت:
- حلوة الشقة... خالد طول عمره ذوقه حلو وبيعرف يختار صح.
ياسمين فضلت بصلها، بس كان جواها شعور مش مفهوم.
كارما رجعت تبصلها، ونبرتها بقت فيها دفء وصدق:
- تعرفي إن أنا وخالد متربين مع بعض من وإحنا صغيرين؟ وكل العيلة كانوا متفقين إننا لما نكبر هنتجوز.
وضحكت ضحكة خفيفة وقالت:
- طبعًا كنا صغيرين، وكان كله كلام.
نظرات ياسمين فضلت ثابتة، وفيها حذر. كانت حاسة إن كارما مش جاية تزور... دي جاية توصل رسالة بطريقتها.
كارما، وهي بتبص ناحية المطبخ تتأكد إن زينة لسه ما رجعتش، قالت بنبرة أهدى بس فيها نغزة:
- أنا كان عندي فضول رهيب أقابلك وأقعد معاكي... كنت عايزة أعرف، إيه اللي فيكي مختلف عني؟ مش غريبة شوية إن أكتر اتنين رجالة حبيتهم في حياتي... يحبوكي إنتي أكتر مني؟
ياسمين قلبها بدأ يدق بسرعة، وكأن الكلام دخل جواها قبل ما تستوعبه.
كارما، ملامحها بدأت تتحول للحزن وهي بتكمل:
- بابا كان بيحبك أكتر مني... ساعات كان بيغلط في اسمي ويناديني باسمك... وأنا مكنتش متخيلة إن الاسم اللي بيغلط فيه هو اسم بنته التانية اللي مخبيها عنا!!
وقفت لحظة، وبعدين بصتلها بعين فيها وجع سنين:
- وخالد... حب عمري... الشاب اللي الكل كان عارف إن أنا وهو هنكون لبعض... فجأة إنتي تظهري في حياته وتاخديه مني هو كمان!... مش صدفة غريبة؟
الكلام وقع على ياسمين زي الصدمة، حست برجفة في جسمها كله، ولسانها لسه مش قادر يرد.
كارما عينيها لمعت بدموع حاولت تمسكها:
- أنا مش بكرهك يا ياسمين... بس لما عرفت إن خالد طلقك... الأمل رجع لقلبي تاني... أنا كنت بحاول أكسب قلب خالد بأي طريقة... وحاسة إن ده أكتر وقت خالد محتاجني فيه. أنا جيت أترجاكي تسيبي بيته وتبعدي عن خالد... كفاية خدتي حب بابا لوحدك... سيبيلي حب خالد.
وأخيرًا، ياسمين لقت صوتها وسألت بهدوء:
- جدك... ومامت خالد... موافقين إنك تتجوزي خالد؟
كارما ردت بسرعة ولهفة باينة:
- آه طبعًا موافقين... وكانوا متفقين من زمان.
ياسمين بصتلها بتفكير وقالت بنبرة ساكنة:
- والمطلوب مني إيه دلوقتي؟ خالد طلقني خلاص... تقدري تروحيله وتتجوزوا براحتكم.
كارما قالت بحدة هادية:
- مش هينفع طول ما إنتي عايشة في بيته... لازم تخرجي من حياته عشان ينسى اللي كان بينكم ويفتكر حبه ليا من تاني.
ياسمين قامت وقفت، ما كانتش قادرة تفهم إذا كانت متفاجئة ولا مخنوقة، وقالت بهدوء غريب:
- تعرفي أنا مستغربة من إيه؟ إن جدك وخالتك موافقين إن ابنهم يتجوز بنت من عيلة كلهم تجار سلاح!
وبصتلها وقالت بثقة:
- هو إنتي مش من عيلة الشرقاوي؟ وبنت يحيى الشرقاوي تاجر السلاح برضه، ولا لأ؟
كارما اتصدمت، ملامحها اتجمدت للحظة.
ياسمين وقفت قدامها بثبات، وعينيها مليانة وجع بس مفيهاش ضعف:
- أصل جدك وخالتك جم عندي هنا وقالولي لازم أسيب خالد عشان مستقبله! طب إزاي أنا هضيع مستقبله... وإنتي لأ؟
كارما بصت لياسمين بصدمة، الكلام خبطها في أكتر حاجة بتوجعها، ولسانها اتربط للحظة.
مكانتش عارفة ترد... مش متخيلة إن ياسمين هتواجهها كده، بالهدوء ده، وبالثقة دي.
لكن ياسمين كانت ثابتة، دماغها شغالة، والوجع اللي جواها طالع في كلامها وهي بتكمل:
- يعني يرضيهم أنا أضحي بحبي لخالد عشان مستقبله... وهما يوافقوا إنه يتجوز أختي، بنت تاجر السلاح؟
كارما لسه مش مستوعبة الصدمة... كانت متوقعة إن ياسمين تبعد من غير نقاش، تسيب لها الساحة وتمشي.
بس ياسمين طلعت مش سهلة، وردها كان مفاجأة.
كارما شدت نفسها، وحاولت تسترجع ثقتها، وردت بنبرة فيها عناد:
- بس في فرق بيني وبينك!
ياسمين رفعت حواجبها بدهشة، وقعدت تاني مكانها وقالت بهدوء:
- فرق إيه؟ أنا بنت يحيى الشرقاوي...
وإنتِ بنت يحيى الشرقاوي!
كارما صوتها علي وملامحها شدت، وقالت بحدة:
ـ بس أنا جدي أبو مامتي لواء سابق في الداخلية! وإنتِ بقى؟ عيلة مامتك مين؟
الكلام دخل زي السهم، بس ياسمين خدت نفس، وردت بثبات:
ـ بس هما مشكلتهم مع عيلة أبويا.. مش مع عيلة أمي!
قامت ياسمين هي كمان، وقفت قصادها، مش خايفة ولا مترددة، وقالت بنبرة فيها وجع ويقين:
ـ يعني أنا دلوقتي اتأكدت إني كنت غبية لما صدقت جدك وهو بيتهمني إني أنانية.. ولما صدقت خالتك وهي بتقولي إن وجودي في حياة خالد هيضيع مستقبله!
سكتت لحظة، ونظرتها فيها وجع مكبوت، وكملت:
ـ طلعوا بيعملوا كل ده عشان يفرقوا بيني وبين خالد.. وأنا كنت غبية وصدقتهم.
رواية منعطف خطر الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ملك ابراهيم
قامت ياسمين وقفت قصادها، مش خايفة ولا مترددة، وقالت بنبرة فيها وجع ويقين:
ـ يعني أنا دلوقتي اتأكدت إني كنت غبية لما صدقت جدك وهو بيتهمني إني أنانية..
ولما صدقت خالتك وهي بتقولي إن وجودي في حياة خالد هيضيع مستقبله!
سكتت لحظة، ونظرتها فيها وجع مكبوت، وكملت:
ـ طلعوا بيعملوا كل ده عشان يفرقوا بيني وبين خالد.. وأنا كنت غبية وصدقتهم.
كارما بدأت تحس بالقلق…
قوة ياسمين وثباتها كان مفاجأة بالنسبالها، ما كانتش متخيلة إنها هتواجهها بالشكل ده!
اتحركت بسرعة ناحية الباب، عايزة تهرب من المواجهة، لكن فجأة صوت ياسمين ناداها بحدة هادية:
ـ كارمااا.
كارما وقفت مكانها متوترة، قلبها بيخبط، وياسمين قربت منها ووقفت قصادها قبل ما تخرج من الشقة.
قالت ياسمين بنبرة هادية بس جواها وجع قديم:
ـ بابا.. زي ما كان بيغلط في اسمك ويناديكي باسمي… كان بيغلط في اسمي ويناديني باسمك.
كارما بصتلها بدهشة، الكلام دخل قلبها بسرعة.
ياسمين كملت، ونبرتها فيها صدق مالوش وصف:
ـ وخالد.. لو كان بيحبك من الأول… عمره ما كان حبني ولا اتجوزني.
خالد راجل بيحافظ على البنت اللي بيحبها… ومش بيتخلى عنها عشان أي حد!
كلامها لمس حاجة جوه كارما، حاجة كانت دائمًا بتحاول تدفنها.
ياسمين هزت راسها وقالت بنبرة فيها وجع ومواجهة صريحة:
ـ بلاش تعشمي نفسك بسراب يا كارما…
إنتِ مش قليلة عشان تاخدي بواقي قلب راجل بيحب واحدة غيرك…
وتبقي مستنية الفرصة إنهم يتفرقوا عشان تلاقي لنفسك مكان صغير في قلبه.
الكلمات دي خبطت جوه قلب كارما جامد، حست إنها بتتكشف قدام نفسها لأول مرة،
بس ما كانش عندها رد…
ما قدرتش حتى تنطق.
لفت بسرعة، وخرجت من الشقة، وقفلت الباب وراها بقوة، وكأنها بتحاول تهرب من نفسها مش من ياسمين.
في الصالة…
ياسمين وقفت مكانها، واتنهدت تنهيدة طويلة كلها حزن ووجع.
زينة رجعت من المطبخ، قربت منها وسألتها بقلق:
ـ هو إيه اللي حصل؟ أنا سيبتكم تتكلموا براحتكم… بس شكلكم كنتوا بتتخانقوا!
أختك خرجت زعلانة!
ردت ياسمين وهي لسه باصة قدامها بشرود:
ـ هتزعل دلوقتي شوية…
بس الأيام هتثبتلها إن كلامي كان صح.
تحت العمارة
كارما نزلت وهي بتبكي بمرارة، دموعها كانت نازلة من غير ما تحس، ومش شايفة الطريق من قدامها.
مهاب كان واقف مستنيها في عربيته، أول ما شافها بالحالة دي اتصدم.
نزل بسرعة، جري ناحيتها وسألها بقلق:
ـ في إيه يا كارما؟! إيه اللي حصل؟!
ردت ببكاء مكتوم وهي مش قادرة تبصله:
ـ ياسمين طردتني من شقتها…
أول لما جبت سيرة خالد… لقيتها اتغيرت وقالتلي كلام وحش أوي!
مهاب بص لها بدهشة واستغراب:
ـ وليه ياسمين تعمل كده؟!
كارما كانت بتتكلم وهي بتكتم شهقتها:
ـ أنا مصدومة فيها…
ومش قادرة أتكلم…
يا ريتني ما كنت جيت، ولا فكرت أصلح بينهم!
مهاب كان مش فاهم، ومش مستوعب إن ياسمين تتصرف كده.
فتح باب العربية وقالها بهدوء:
ـ طب ممكن تهدي شوية؟
أكيد ياسمين ما كانتش تقصد تطردك ولا تزعلك…
هي يمكن عشان بتمر بظروف صعبة، طريقتها كانت حادة شوية معاكي.
كارما هزت راسها بالنفي، ودموعها مش بتقف:
ـ لا…
هي كانت قاصدة كل كلمة قالتها…
ومش طايقة أي حد يجيب سيرة خالد، أو يتدخل في صلح بينهم.
مهاب بص لها بقلبه قبل عينيه…
كان متأثر بانهيارها، وصعبان عليه وجعها.
حاول يلم شتاتها وسألها بهدوء:
ـ تحبي أوصلك فين دلوقتي؟
ردت بصوت مكسور وهي بتبكي:
ـ وصلني البيت…
أنا مش عايزة حد يشوفني وأنا بالحالة دي.
مهاب هز راسه بالموافقة، وسألها على عنوانها،
ولف العربية وتحرك… وسايب وراه لحظة تقيلة اتفتحت جروحها بصراحة مؤلمة.
في شركة الشرقاوي.
كان يحيى قاعد على مكتبه، مركز في الأوراق اللي قدامه، بيوقع عقود وصفقات استيراد جديدة،
وشكله متجهم كالعادة.
السكرتيرة كانت واقفة جنبه، كل شوية تتمايل عليه بدلع واضح، وهو… ولا كأنها موجودة.
زفرت بملل وقالت بنبرة فيها عتاب ناعم:
ـ هو أنا ما وحشتكش ولا إيه؟
بقالك كتير أوي مشدد كده عليا ومصدر لي الوش الجامد ده.
يحيى ما رفعش عينه عن الورق، ورد بجفاف وهو لسه بيوقع:
ـ أنا مشغول الفترة دي.
قربت منه أكتر، وسندت على كتفه وهي بتلعب في زرار قميصه بدلع ثقيل:
ـ وإيه اللي شاغلك عني؟
أنا بحبك، وأنت مش حاسس بيا خالص.
قعدت على طرف المكتب قدامه، حاوطت رقبته بإيديها بنعومة،
وقالت بصوت رقيق:
ـ تيجي شقتي النهاردة؟
هجهز لك عشا ما حصلش، وأعملك جلسة مساج تخليك تنسى كل المشاكل اللي عندك.
يحيى أخيرًا رفع عينه وبصلها ببرود…
وقال بصوت جامد:
ـ لأ… ما ليش مزاج.
وخدي الأوراق دي، روحي شوفي شغلك.
السكرتيرة بصت له بدهشة وزعل، بس لمت نفسها بسرعة واتحركت بعيد عنه.
وفجأة…
موبايله رن.
بص على الشاشة، كان الرقم باسم اللوا وحيد.
رد بسرعة، ورفع الموبايل لأذنه…
أول ما سمع صوته، وشه اتغير، ودخل على طول في الحوار.
ضحك فجأة وقال بحماس:
ـ طلقها بجد؟!
إمتى؟! وإزاي؟!
رد اللواء بصوت هادي وواثق:
ـ مش مهم إمتى ولا إزاي…
المهم إن ده دورك دلوقتي…
تبدأ تنفذ اللي اتفقنا عليه.
يحيى عدل قعدته وقال بنبرة كلها رضا وثقة:
ـ اعتبره حصل…
ده الشغل معاك طلع تقيل أوي يا سيادة اللوا!
اللواء رد بنبرة كلها غرور وسيطرة:
ـ ولسه يا يحيى…
اللي جاي أتقل بكتير!
يحيى ابتسم، ابتسامة نصر…
مش بس علشان الخطة ماشية زي ما هو عايز،
لكن لأنه مستني اللحظة اللي ياسمين ترجعله وهي مكسورة ومذلولة…
بعد ما خالد طلقها.
في مديرية الأمن.
خالد كان قاعد في مكتب ظابط زميله، عارف إن كل الأخبار بتكون عنده.
سأله بصوت جاد:
ـ أنا عايز أعرف مين الظابط اللي مسك قضية الشرقاوي بعدي؟
الظابط رد وهو بيهز راسه:
ـ القضية بعد ما اتسحبت منك… الملف اتقفل فجأة!
وما فيش أي سبب واضح لده.
خالد رفع حاجبه بدهشة وقال:
ـ يعني إيه اتقفل؟!
اتقفل كده من غير لا تحقيقات ولا تقرير ختامي؟!
الظابط قرب منه شوية، بص حواليه بحذر، ووطى صوته وهو بيقول:
ـ في حاجة مش مفهومة في الموضوع…
بس بصراحة؟
ما حدش حاول يفهم أو يدور!
إحنا بنتصرف زي ما بيتطلب مننا وخلاص.
سكت لحظة، وبعدين كمل وهو مغير نبرة صوته لنبرة أعمق:
ـ بس اللي أنا واثق منه… إن في حد تقيل واقف ورا الشرقاوي،
وكل مرة بنقرب منه، بنلاقي الطريق اتقفل!
خالد سكت شوية، ملامحه اتغيرت…
افتكر جده، وتفكيره رجع للحظة اللي سحب فيها القضية من إيده من غير نقاش.
أفكار كتير كانت بتتصارع في دماغه…
دلوقتي بقى متأكد إن في سر بين جده وبين الشرقاوي.
وقف، وسلم على الظابط بصمت، وخرج من المكتب.
كان ماشي في ممر المديرية ودماغه بتغلي،
خطواته سريعة وتفكيره شغال:
"لازم أعرف الحقيقة…
القضية دي مش هتتقفل كده،
حتى لو مش من اختصاصي دلوقتي،
أنا هكملها للآخر…"
في شقة ياسمين.
كانت زينة قاعدة قدام ياسمين، بتبصلها وهي شايفاها شاردة وساكتة بقالها كتير.
ياسمين كانت بتفكر بقلق… "أصلح اللي حصل إزاي؟ وأبدأ منين؟"
فجأة قطعت الصمت وقالت:
ـ بابا خالد.
زينة بصت لها بدهشة:
ـ مين؟
ردت ياسمين وهي بتبص لها بتركيز:
ـ عمي سالم الدريني… والد خالد…
هو الوحيد اللي ممكن يساعدني أصلح الغلط اللي عملته.
سكتت لحظة، وعيونها كانت باينة فيها حيرة وحزن، وقالت بنبرة ضعيفة:
ـ بس هقوله إيه؟
زينة ضحكت وقالت بهزار:
ـ قوليله اللي أنتِ عملتيه في ابنه عشان يعلقك على باب المصنع.
ياسمين بصتلها بغيظ متصنع وقالت وهي بتضحك:
ـ اتريقي واضحكي براحتك… ما أنا أستاهل أكتر من كده.
زينة كانت لسه مبتسمة وقالت:
ـ طب ما تروحي له في البيت وخلاص، بدل ما تقعدي تفكري كتير…
أنتِ عارفة عنوان بيتهم صح؟
ياسمين شهقت وقالت:
ـ وأقابل بهيرة هانم تاني؟! مستحيل!
زينة ردت بنبرة هادية:
ـ أومال هتعرفي عنوان المصنع إزاي؟
أقولك!
اسألي شات جي بي تي.
ياسمين بصتلها بغيظ ساخر:
ـ والله..
طب ماشي.
هسأله، هاتي تليفونك.
ضحكوا هما الاثنين، وبدأوا يدوروا على اسم المصنع والعنوان.
زينة سألتها وهي مركزة معاها:
ـ دلوقتي عرفتي العنوان، هتعملي إيه؟
ياسمين قامت من مكانها، رايحة على أوضتها وقالت:
ـ هلبس وأنزل أروح أقابله، هتكلم معاه بصراحة، هقوله على كل حاجة حصلت، وآخد بنصيحته، يمكن ألاقي عنده حل.
زينة قالت بقلق:
ـ هو ممكن يساعدك فعلًا؟
ياسمين وقفت لحظة عند باب أوضتها، وبصتلها وقالت بنبرة حزينة لكن فيها أمل:
ـ مش هخسر أكتر من اللي خسرته.
دخلت الأوضة وقفلت الباب وراها، وزينة فضلت واقفة مكانها، قلبها مش مطمن.
طلعت موبايلها بسرعة واتصلت بمعتصم، وقالت له إن ياسمين هتنزل تقابل والد خالد، وإنها ندمانة وبتحاول تصلح اللي حصل.
في بيت اللواء وحيد الأسيوطي.
جوه أوضة كارما.
كارما كانت قاعدة على سريرها، عينيها سرحانة في نقطة في الأرض، وكأنها مش شايفة حاجة.
كان وشها باين عليه الحيرة والكسرة، مشاعرها كانت متلخبطة ومضروبة ببعض.
كانت بتفكر في كلام ياسمين لما قالت لها:
"بلاش تاخدي بواقي قلب راجل بيحب واحدة غيرك..."
الكلمة دي وقعت على قلبها زي السكينة.
هي فعلًا بتعمل كده؟
بتحاول بكل الطرق تكسب قلب خالد، مع إنها عارفة إن قلبه مش ليها، وإن قلبه مع ياسمين.
قامت من على السرير فجأة، وبدأت تمشي رايحة ناحية المراية.
وقفت قدامها وبصت لنفسها بغضب، قربت وشها وقالت بصوت بيترعش من القهر:
ـ إيه اللي فيها أحسن مني؟
ليه أنا دايمًا اللي باخد البواقي؟
ليه أنا دايمًا اللي باخد اللي بيقع منها؟
شافت انعكاس صورتها بترد عليها وبتقول لها:
ـ كلهم بيحبوها أكتر منك، مفيش حد بيحبك. ياسمين خدت منك كل حاجة ولسه هتاخد منك.
صوتها بدأ يعلى، عنيها بقت كلها دموع وكسرة، وفجأة صرخت بكل قوتها وهي بتبص في المرايا:
ـ كفايــــة!
ومسكت أي حاجة في إيديها وبدأت تكسر فيها، رمت الإزاز على الأرض، وقلبت الأباجورة، رمت الكتب والعلب وكل حاجة كانت حواليها على الأرض، كأنها بتحاول تهدّي النار اللي جواها.
صوتها وصل للبيت كله.
عبير، أمها، سمعت الصريخ واتخضت!
طلعت تجري على أوضتها، ولما فتحت الباب، اتصدمت.
كارما كانت في حالة هستيرية!
وشها باين عليه الغضب والانهيار، وعينيها حمرا من كتر البكا.
عبير دخلت بسرعة وقربت منها، بتحاول تمسك إيديها:
ـ كارما! كارما اهدي يا حبيبتي، في إيه؟
ـ كارما، بصيلي، قوليلي مالك؟
كارما كانت بتصرخ، ومش سامعة حاجة.
كانت مش قادرة ترد، كأنها في عالم تاني.
كل اللي طالع منها صوت وجع.
عبير جريت على الدرج وطلّعت علبة الدوا، فتحتها بسرعة وأخدت منها قرص، وقربت منها:
ـ كارما، خدي، خدي الدوا بتاعك، لازم تهدي!
كارما كانت منهارة، بس خدت الدوا بإيد بترتعش، وقعدت على الأرض وهي بتبكي، وبعد شوية، جسمها بدأ يهدى، وعيونها بدأت تقفل.
عبير حضنتها بحنية وهي بتبص لها بخوف، وساعدتها ترجع تنام على السرير.
غطتها، ومسكت وشها بإيدها، وحست بحرارة دموعها.
قامت من جنبها، ومسكت الموبايل واتصلت بأبوها.
وصوتها كان بيرتعش وهي بتقول:
ـ الحقني يا بابا، كارما رجعتلها الحالة تاني.
في مصنع الدريني.
ياسمين وصلت ووقفت على الباب بتسأل على مكتب "الحاج سالم الدريني"، أول ما وصله الخبر إنها موجودة، خرج بنفسه من مكتبه علشان يستقبلها، وشه منور بالفرحة، وكأنه شاف بنته اللي غابت عنه سنين.
ـ يا ألف مرحب بيكِ يا بنتي، نورتينا!
ياسمين وشها احمرّ من الخجل، وحست بإحراج من ترحيبه الكبير.
دخلها مكتبه وقعد قدامها، وبص لها باهتمام وسأل:
ـ أخبار خالد إيه؟ عامل إيه معاكي؟
ردت بتوتر وعينيها بتلمع بالدموع:
ـ أنا جاية لحضرتك عشان خالد، أنا غلطت غلطة كبيرة ومش عارفة أعمل إيه، محتاجة أب حقيقي يسمعني وينصحني. وحضرتك قولتلي إنك بتعتبرني بنتك. وده اللي شجعني أجي النهاردة.
سالم قرب ناحيتها باهتمام أكتر، وقال:
ـ اتكلمي يا ياسمين، أنا سامعك.
بدأت تحكي.
حكت له كل حاجة، من ساعة ما جد خالد ووالدته راحوا لها الشقة، لكلامهم اللي خوّفها، ولما طلبت الطلاق من خالد وهو نفذ طلبها. لزيارة كارما وكلامها اللي وجعها أكتر، وهي بتتكلم كانت بتبكي بحرقة، دموعها نازلة، وصوتها متهدج، حاسة بندم حقيقي ووجع أكبر.
سالم سمعها للآخر، وسابها تطلع كل اللي جواها، كان باين على وشه إنه متأثر، وغاضب من مراته اللي راحت هددت مرات ابنه في بيتها! ومن أبوها اللواء اللي عايز يتحكم في حياة ابنه ويبقى تحت سيطرته!
فجأة قام واقف وقال:
ـ تعالي معايا يا ياسمين.
قالت بتوتر:
ـ هنروح فين؟
رد وهو بيخرج معاها من المكتب:
ـ هقولك وإحنا في الطريق.
خرجوا من المصنع، وركبوا العربية، وأول ما السواق اتحرك، قاله سالم:
ـ خدنا على البيت.
ياسمين شهقت وقالت بصوت مرتجف:
ـ بيت مين؟
سالم بص لها وهو بيطلع تليفونه:
ـ بيت جوزك.
واتصل بخالد، وكلمه بنبرة جامدة تقيلة:
ـ أيوه يا خالد، سيب كل اللي في إيدك وتعال البيت حالًا، سامعني؟ حالًا.
وقفل من غير ولا كلمة زيادة.
ياسمين بصت له بتوتر وسكتت.
بعد شوية، وصلت العربية لبوابة البيت، والسواق دخل بيهم.
ياسمين:
ـ هو إحنا، جينا هنا ليه؟
رد سالم بنبرة مفيهاش هزار:
ـ يلا يا ياسمين، انزلي.
ياسمين:
ـ أنا آسفة بس مش هينفع، مقدرش أدخل هنا.
قالها بنظرة صارمة:
ـ ده بيت جوزك، قولتلك انزلي يا ياسمين.
نزلت وهي قلبها بيرجف، خطواتها بطيئة، كل حواسها متوترة، مش قادرة تتخيل رد فعل بهيرة لما تشوفها.
أول ما دخلوا.
بهيرة كانت في الريسبشن، أول ما شافتهم، اتصدمت.
قامت وقربت منهم وهي بتزعق:
ـ إنتي إيه اللي جابك هنا؟ جاية لحد بيتي كمان!
سالم بص لها بحدة وصوت عالي:
ـ ياسمين جاية بيت جوزها يا بهيرة! والبيت ده بيتي أنا! وأنا اللي أقول مين يدخل ومين لا!
بهيرة اتفاجئت من نبرته، وقالت:
ـ دي مبقتش مراته، ابني طلقها خلاص!
رد وهو بيقرب منها بغضب:
ـ ومين السبب؟
مش إنتي؟
والمحترم أبوكي؟
اللي راح يهدد مرات ابني عشان تطلب الطلاق!
كنتي فاكرة إني مش هعرف؟
بهيرة وشها قلب.
رجعت ورا بخطوة وقالت:
ـ أنا كنت خايفة على مستقبل ابني!
سالم رد بغضب أكبر:
ـ لأ!
إنتي كنتي بترضي أبوكي وأختك، ومفكرتيش ترضي ضميرك ولا قلب ابنك!
من النهاردة، انسي إن ليكي كلمة في بيتي!
مرات ابني خط أحمر، ولو قربتي منها تاني، أنا اللي هقفلك!
ياسمين كانت واقفة زي التمثال.
رجليها مش شايلينها، قلبها بيدق بسرعة، ودموعها نازلة من غير صوت.
سالم بص لها وقال بنبرة أهدى شوية:
ـ تعالي يا ياسمين، اقعدي هنا، لحد ما جوزك يوصل.
بعد دقايق قليلة، خالد دخل.
بص حواليه باستغراب لما شاف ياسمين موجودة وسأل:
ـ هو في إيه؟ إيه اللي بيحصل هنا؟
سالم قام وقف وقال بصرامة:
ـ قرب من مراتك يا خالد، وردّها قدامنا.
خالد بص لوالده بدهشة، وبص لياسمين اللي كانت عينيها في الأرض ومش قادرة تبصله.
قال بتردد:
ـ بس هي اللي طلبت الطلاق، وأنا...
قاطعه سالم بصوت قاطع:
ـ أنا عرفت كل حاجة، وياسمين حكتلي على كل اللي حصل، رجّع مراتك.
خالد وقف ساكت، ووشه فيه علامات صدمة وحيرة.
سالم زعق:
ـ بتفكر في إيه؟ قرب من مراتك، بوس دماغها وردّها.
لو كانت هي غلطت...
في الغلط الأكبر من عندنا.
وبص لبهيرة وهو بيقول الجملة الأخيرة.
بهيرة كانت قاعدة على جنب، ساكتة ومكتومة، مش قادرة تفتح بقها.
خالد قال بهدوء فيه وجع:
ـ بس هي اختارت بإرادتها…
محدش غصبها على حاجة…
قامت ياسمين، وقالت بصوت مكسور بالعياط:
ـ أنا آسفة… بس لازم أمشي.
سالم زعق:
ـ استني!
إنتي مش هتمشي!
مش هتخرجي من البيت ده غير وإنتي مراته.
وبص لخالد وقال بحدة:
ـ رد مراتك يا خالد.
خالد اتنهد… قرب منها،
بص في عينيها اللي مليانة دموع وخوف وندم،
وقال بصوت هادي:
ـ أنا رديتك.
رواية منعطف خطر الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ملك ابراهيم
بتفكر في إيه؟ قرب من مراتك، بوس دماغها وردها.
لو كانت هي غلطت... فالغلط الأكبر من عندنا.
وبص لبهيرة وهو بيقول الجملة الأخيرة.
بهيرة كانت قاعدة على جنب، ساكتة ومكتومة، مش قادرة تفتح بقها.
خالد قال بهدوء فيه وجع:
ـ بس هي اختارت بإرادتها... محدش غصبها على حاجة.
قامت ياسمين، وقالت بصوت مكسور بالعياط:
ـ أنا آسفة... بس لازم أمشي.
سالم زعق:
ـ استني! إنتي مش هتمشي! مش هتخرجي من البيت ده غير وإنتي مراته.
وبص لخالد وقال بحدة:
ـ رد مراتك يا خالد.
خالد اتنهد... قرب منها، بص في عينيها اللي مليانة دموع وخوف وندم، وقال بصوت هادي:
ـ أنا رديتك.
ياسمين بصت له ودموعها نزلت. كانت واقفة قدامه وقلبها بيتقطع من جواها، نفسها يضمها لحضنه ويطمنها زي ما بيعمل دايماً.
وخالد... كان واقف قدامها ساكت بعد ما نطق الكلمة، جواه نار شوق وحنين ليها، بس لسه كرامته مجروحة منها!
سالم الدريني بص لابنه وقال بنبرة واضحة:
ـ خد مراتك على أوضتك فوق يا خالد... ومن النهاردة انتوا هتعيشوا معانا هنا... في نفس البيت.
ياسمين اتفزعت من الكلام، ولفت تبص له بتوتر، كانت لسه هتتكلم وتعترض، لكن سالم قال بنبرة حاسمة قاطعة:
ـ ومش عايز أسمع ولا كلمة... أنا سيبتكم براحتكم في الأول تعيشوا زي ما أنتوا عايزين.. وكانت دي النتيجة.
من النهاردة هتكونوا هنا في بيتي وقدام عيني.
وبص لبهيرة بنظرة فيها تحذير صريح:
ـ وأي حد هيحاول يفرقكم تاني... مش هيلاقي غيري في وشه.
بهيرة كانت ساكتة... عينيها بتغلي، وقلبها بينفجر من الغيظ. ما نطقتش... بس وشها كان بيقول كل حاجة.
أما ياسمين... فكانت واقفة وبتترجف... مش متخيلة إنها ممكن تعيش في بيت واحد مع بهيرة بعد كل اللي حصل.
سالم اتكلم مع خالد بهدوء حاسم:
ـ وصل ياسمين أوضتك... وتعالي لي المكتب عايزك.
ومشي باتجاه مكتبه من غير ما يبص وراه.
بهيرة فضلت قاعدة، بس عينيها ما كانتش بتتحرك من على ياسمين، نظرة كلها حقد... كلها كره... حاسّة إن البنت دي مش بس خدت ابنها، دي كمان خدت جوزها في صفها... ودلوقتي... داخلة تاخد بيتها وسلطتها كمان.
قامت من مكانها واتجهت للأوضة بتاعتها بخطوات غاضبة، ولا بصّت لابنها... ولا نطقت بأي كلمة.
خالد كان واقف، ملامحه جامدة، وصوته خالي من أي حنية:
ـ اتفضلي معايا... أوصلك الأوضة.
ياسمين ما قدرتش تعترض لإن صوت خالد كان جامد ومفيش فيه الحنية اللي هي متعودة عليها. مشيت قدامه وهي ساكتة، كل خطوة كانت زي خنجر بيغرز في قلبها.
طلعوا فوق... خالد فتح باب أوضته، وشاور لها تدخل.
دخلت بتوتر.. وكان قلبها بيدق وهي بتدخل أوضة حبيبها اللي كان بينام فيها قبل ما يتجوزوا. الغرفة كلها ريحته... تصميمها رجالي... كله نظام وترتيب، وفي نصها سرير واحد كبير.
وقفت تبص حواليها بتوتر، حاسّة بدوخة... حزن بقلبها... دموع بعينيها. دي أوضة جوزها... حبيبها... اللي بقت حاسة إنه غريب فجأة.
خالد كان واقف عند الباب، عينه عليها... قلبه بيخبط بعنف، بس بيحاول بكل قوته يفضل متماسك.
قال بنبرة جامدة:
ـ أنا هنزل أشوف بابا عايزني في إيه... وهروح الشقة أجيب حاجتنا. محتاجة حاجة تانية غير شنطة هدومك؟
قالت وهي عينها في الأرض وصوتها بالكاد مسموع:
ـ لأ...
هز راسه وخرج، وقفل الباب وراه بهدوء.
وأول ما الباب اتقفل... اتنهد تنهيدة طويلة... فيها راحة... وفيها لهفة كان كاتمها بقاله كتير.
فرحان... بس بيحارب ظهور فرحته قدامها عشان تعرف إن غلطتها كانت كبيرة.
نزل على السلم بسرعة، وقبل ما يدخل مكتب والده... تليفونه رن. بص على الشاشة... "معتصم".
رد عليه، وكان باين في صوته الفرحة:
ـ أيوه يا معتصم؟
رد عليه معتصم بقلق:
ـ طمني يا خالد... إيه الأخبار؟
خالد ابتسم وهو بيقول بحماس:
ـ رديت ياسمين... شكراً يا معتصم إنك عرفتني إنها رايحة المصنع.
معتصم ضحك وقال من قلبه:
ـ ألف مبروك يا خالد... فرحتني بالخبر ده. زينة أول ما تعرف هتطير من الفرحة!
خالد ابتسم براحة:
ـ سلِّم لي عليها... واشكرها بالنيابة عني.. احنا تعبناها معانا الأيام اللي فاتت.
معتصم رد بسرعة:
ـ ما تقولش كده! احنا مفيش بينا الكلام ده.. هسيبك بقى تفرح برجوع مراتك.. ربنا يسعدكم.
خالد قفل المكالمة وهو مبتسم، وفتح باب مكتب والده... ولسه الفرحة مرسومة على وشه.
أول ما سالم شافه، ضحك وقال:
ـ ضحكتك رجعت تاني؟
خالد قعد قدامه وقال بتنهيدة مريحة:
ـ ضحكتي رجعت بفضلك يا بابا بعد ربنا.. شكراً.
سالم ابتسم وقام من ورا المكتب، وقعد قصاده وقال بنبرة فيها حنية وصرامة في نفس الوقت:
ـ لما كلمتني وقولت لي إن ياسمين جاية تقابلني... وفهمتني اللي حصل بينك وبينها، واللي عملته أمك وجدك... أنا كنت عايز أروح لجدك وأهد البيت على دماغه! بس كان لازم أرجّع لك مراتك الأول.
خالد قال بحزم وهو بيبص في عيون أبوه:
ـ أنا كنت هرجعها من غير ما حد يطلب مني، بس كان لازم تفهم إن الطلاق مش لعبة... والرجوع مش هيكون بكلمة كل مرة.
سالم هز راسه باتفاق:
ـ عندك حق... بس أنا متأكد إنها اتعلمت... ومستحيل تقول الكلمة دي تاني.
خالد اتنهد وقال:
ـ بس قلبي مش مطمن لفكرة إننا نعيش هنا... أنا مش عايز أمي تضايقها، ومش عايز أخسر أي واحدة فيهم.
سالم بص له بثقة وقال:
ـ ما تقلقش من أمك... أنا عارف هي بتفكر إزاي، وهعرف أوقفها عند حدها. أنت كل اللي مطلوب منك... تركز في شغلك، وفي قضيتك، جدك لازم يقف عند حده.
خالد هز راسه وهو بيفكر:
ـ أنا فعلاً بقيت متأكد إن في حاجات غريبة حوالين جدي... خصوصاً في قضية الشرقاوي.
سالم قال له فجأة:
ـ على فكرة... أنا بفكر آخد ياسمين معايا المصنع كل يوم. لو خالتك أو بنتها جم البيت وإحنا مش موجودين، مش هيضيعوا أي فرصة عشان يضايقوها.
خالد بص له وقال باستغراب:
ـ بس في حاجة غريبة في موضوع كارما... هي اللي جت لي القسم وحكت لي إن جدي وأمي راحوا يهددوا ياسمين! وطلبت تقابل ياسمين عشان تصلح بينا!
سالم ضحك وقال وهو بيهز راسه:
ـ آه... وقالت لك إنها بتصلّح بينكم... صح؟
خالد قال باستغراب:
ـ أيوه!
سالم رفع حاجبه وقال بسخرية:
ـ وأنت شايف إن تربية وحيد الأسيوطي ممكن يطلع منها صلح؟
خالد قال وهو متلخبط:
ـ هو ده اللي مش داخل دماغي!
سالم قال بهدوء:
ـ ياسمين حكت لي كل حاجة. كارما ما كانتش رايحة تصلّح... دي راحت قالت لياسمين تبعد عنك... عشان هي بتحبك!
خالد اتصدم وبص لأبوه شوية، وبعدين ضحك بحزن وقال بسخرية:
ـ يعني كانت رايحة تخربها أكتر!
سالم قال بغضب:
ـ وحيد الأسيوطي ما بيجيش منه غير المصايب... ودي تربيته. هتتوقع إيه منها غير كده؟
خالد هز راسه وهو بيقول:
ـ عندك حق يا بابا...
سالم قال بثقة وهو بيبص له:
ـ خليك مطمن... مراتك هتفضل تحت عيني، سواء هنا في البيت أو في المصنع. أنا مش هسمح أي حد يقرب منها أو يضايقها. وأنت خلّي تركيزك في شغلك وقضيتك... وفكر إزاي ترجع حقك وحق مراتك.
خالد بص لأبوه بحب وقال بصدق:
ـ ربنا يخليك لي... يا أحسن أب في الدنيا.
في بيت اللواء وحيد الأسيوطي.
كانوا واقفين في أوضة كارما، والدكتور بيكشف عليها.
عبير واقفة مرعوبة، وضاغطة على إيديها بتوتر، واللواء وحيد بيتابع كل حركة بنظرة فيها قلق وترقّب.
الدكتور خلص الكشف، ورفع عينه ليهم وقال بهدوء:
ـ اتفضلوا نتكلم برا... هي نايمة دلوقتي.
طلعوا من الأوضة، وقبل ما الباب يتقفل كويس، عبير اتكلمت بصوت قلق ومخنوق:
ـ طمّني يا دكتور؟! إيه اللي حصلها؟!
الدكتور رد وهو بيعدل نظارته الطبية:
ـ غالباً اتعرضت لضغط عصبي جديد... أو صدمة شديدة ما قدرتش تستحملها.
عبير بصت له بدهشة:
ـ ضغط عصبي من مين؟! إحنا كلنا بنحاول نراعيها ومحدش بيزعلها في حاجة! وصدمة إيه اللي فجأة تظهر كده؟!
الدكتور قال بحيرة:
ـ ممكن كلمة... ممكن موقف فكرها بصدمة قديمة، اللي زي حالتها أي حاجة بتفكرها، بترجعها تاني.
عبير كانت على وشك الانهيار:
ـ بس أنا كنت فاكراها خفت خلاص! بقالي سنين بعالجها... وسافرنا ولفينا الدنيا عشان تتعالج! إزاي كلمة ترجعها تاني لنقطة الصفر؟!
الدكتور اتنهد وقال:
ـ يا مدام عبير... بنت حضرتك وصلت للحالة دي وهي في فترة صعبة وحساسة جداً في عمرها.. وكانت بتتعرض لسخرية من أصحابها، كلامهم عن شغل أبوها، وعن سبب موته، كان عار بالنسبة لها..
كله أثر في نفسيتها، والسفر والعلاج ساعدوا، بس الندبة النفسية ما بتروحش بسهولة. وواضح إن اللي حصل النهاردة، فكّرها بكل اللي فات!
اللوا وحيد كان واقف ساكت، لكنه جواه كان عارف كويس هي راحت فين، لأنه بيراقب العمارة اللي فيها شقة خالد، وبيوصله تقرير كل ساعتين مين دخل ومين خرج.
عبير بصت له فجأة، وقالت بانهيار:
ـ ساكت ليه يا بابا؟! قول حاجة! مين اللي عمل فيها كده؟!
اللوا بص لها بنظرة جامدة وقال:
ـ لما بنتك تفوق اعرفي منها بنفسك. عشان تهتمي بيها شوية وتعرفي بنتك بتروح فين وتيجي منين!
بعدين بص للدكتور وقال بنبرة حاسمة:
ـ متشكرين يا دكتور، وزي ما اتفقنا، كارما حالتها تفضل سر، محدش يعرف عنها حاجة!
الدكتور هز راسه وقال:
ـ أكيد يا سيادة اللوا، عن إذنكم.
خرج الدكتور. وعبير مسكت دموعها بالعافية وقالت لأبوها:
ـ اللي رجّع بنتي للحالة دي، لازم يتحاسب، لازم يا بابا!
في اللحظة دي، موبايل اللوا رن. بص على الشاشة، "بهيرة". بص لعبير بسرعة، وشاور لها تسكُت وقالها:
ـ اسكتي خالص، دي أختك، مش لازم تعرف أي حاجة عن حالة بنتك.
رد على التليفون، وسمع صوت بهيرة بتزعق:
ـ الحقني يا بابا! خالد رجّع البنت دي تاني! ومش بس رجّعها، دا سالم جابها هنا البيت! وعايزها تعيش معايا تحت سقف واحد!
اللوا اتكلم بصوت غاضب:
ـ اهدي بس يا بهيرة، وفهميني واحدة واحدة، إزاي رجعها؟!
بهيرة كانت مخنوقة وبتعيط من كتر الغضب:
ـ خالد ماكانش عايز يرجعها، بس سالم هو اللي ضغط عليه، وقاله لازم تعيشوا هنا، وهددني قدامهم، أهان كرامتي يا بابا! أنا بجهز شنطتي وهسيب له البيت، خليه يعرف هو غلط مع مين!
اللوا حط إيده على جبينه، وبص لعبير اللي كانت لسه منهارة، وفكر بسرعة، مش هينفع بهيرة تيجي هنا دلوقتي، حالة كارما صعبة، ولازم بهيرة ما تعرفش أي حاجة عن حالتها، عشان تفضل في صفهم، وتكمل خطته لجواز كارما من خالد.
قال بسرعة وبحسم:
ـ لا يا بهيرة، غلط كبير لو سيبتي البيت دلوقتي. ماينفعش تسيبي بيتك للبنت دي. خليكي عندك، وأنا هتصرف مع سالم بطريقتي.
بهيرة ردت وهي بتشهق من الزعل:
ـ بس اللي حصل معايا كبير يا بابا! ولازم يترد عليه.
اللوا قال بصوت قاطع:
ـ قلتلك خليكِ في بيتك وخلاص، أنا هحلّها.
وقفل المكالمة.
بهيرة فضلت تبص في الموبايل مش مصدقة، وقعدت على طرف السرير جنب شنطتها المفتوحة، كان إحساس الخذلان مالي قلبها، كانت مستنية أبوها يثور، يهدد، يتوعد، لكن لا، رد فعله كان أبرد من الجليد. قعدت تفكر، هو مش فارق معاه؟ ولا بيدبّر حاجة من وراها؟ اللي متأكدة منه، إنها مش هتسكت، وهتشوف أبوها هيعمل إيه، ووقتها بس هتقرر تتحرك إزاي.
سمعت دقّات خفيفة على الباب. عرفت من صوتها إنها دقّات خالد. ردّت بصوت مكتوم فيه غضب:
ـ ادخل.
فتح الباب وبص عليها، كانت قاعدة على طرف السرير، وجنبها الشنطة مفتوحة، وشها باين عليه الزعل، ونظرتها مش بتغفر.
قرب منها وهو بيتكلم بهدوء:
ـ بتعملي إيه يا أمي؟
ردّت بحدّة:
ـ زي ما انت شايف، بلم هدومي وهسيب البيت للهانم مراتك!
خالد مدّ إيده على الشنطة، خدها من جنبها وحطها بعيد، وقعد جنبها وقال بهدوء أكتر:
ـ بس البيت ده مينفعش من غيرك يا أمي، حضرتك الأساس، واللي يقدر يهزّ مكانك في البيت لسه ما اتولدش.
بصّت له بنظرة مكسورة وقالت بحدة:
ـ كان زمان يا خالد، قبل ما تشوف البنت دي، وتفضلها على أمك اللي ربتك وكبرتك.
خالد نزل على ركبته قدامها، ومسك إيديها، وبص في عينيها:
ـ أنا بحب البنت دي يا أمي، سعادتي معاها هي وبس. تكرهي تشوفيني مبسوط؟ مرتاح؟ عايش حياتي مع البنت اللي بحبها؟
بهيرة قلبها رقّ، مدّت إيديها ولمست وشه بحنية، الدموع لمعت في عينيها وهي بتهمس:
ـ أنا ما يهمنيش غيرك، سعادتك هي اللي فارقة معايا.
خالد باس إيديها وقال:
ـ طب ليه بتحاولى تفرقيني عن سعادتي؟ ليه تخليني أعيش في صراع بين أمي ومراتي؟!
بصّ في عينيها، ونبرة صوته اتحولت للوجع:
ـ حضرتك مش متخيّلة قد إيه وجعني، لما عرفت إن أمي هي اللي بتحاول تهدّ اللي ببنيه، بتبعدني عن اللي بحبها، بتقف ضدي وعايزة تدمر حياتي.
ردّت بهيرة بصوت مخنوق:
ـ أنا بعمل كده لمصلحتك يا خالد، أنا شايفة إن البنت دي مش مناسبة ليك.
خالد مسك إيديها أكتر وقال بسرعة:
ـ أرجوكي صدقيني، أنا عارف مصلحتي، وجوازي من ياسمين لا هيأثر على شغلي ولا حياتي. اللي بيحاول يقنعك بالعكس، بيضحك عليكي. اللي عايز يبعدني عنها، هدفه مصلحته هو، مش مصلحتي!
بهيرة سكتت شوية، افتكرت مكالمتها مع أبوها، إزاي سابها لوحدها وقت ما احتاجته، وهي اللي دايمًا واقفة جنبهم كلهم.
خالد كمل كلامه وهو صادق:
ـ أنا سعادتي مع ياسمين، وبحبك لأنك أمي، وعمري ما هنسى فضلك، بس بلاش تحطيني في اختيار، ما بين مراتي، وما بينك.
بهيرة بصّت في عينيه، وشافت جوّاهم حب حقيقي، حقيقي لدرجة وجعتها من جوا. ابتسمت بهدوء، وهزت راسها:
ـ حاضر يا خالد، أنا يهمني سعادتك وبس.
وبنبرة فيها قوة رجعت تطلع:
ـ بس مراتك لازم تعرف، إن أنا ست البيت هنا، والكلمة كلمتي.
خالد ضحك وباس دماغها:
ـ طبعًا يا ملكة البيت! دي حاجه معروفة من قبل ما أتجوز. وبعدين لما تعرفي ياسمين أكتر، هتعرفي إنها طيبة، مش البنت اللي في بالك خالص.
بهيرة هزت كتفها وقالت:
ـ هنشوف!
خالد قام، وقال وهو بيقف:
ـ أنا هروح أجيب شوية حاجات من شقتي، محتاجة مني حاجة قبل ما أخرج؟
ردّت بابتسامة دافية:
ـ لا يا حبيبي، ربنا معاك.
خالد خرج، وبهيرة قامت تبص على الشنطة، وبدأت تفضّيها بهدوء، بس عقلها كان مشغول، بكلام خالد، بحنيّته، وبفكرة إن قلب ابنها خلاص اختار.
في المساء، في أوضة خالد.
ياسمين كانت قاعدة متوترة، عنيها بتروح وتيجي على شنطهم اللي الخدم طلعوها.
حاسة إن البيت غريب عنها، رغم إنه بيت جوزها، بس قلبها مش مرتاح، والكلام جواها مكتوم.
مش قادرة تقول لخالد إنها عايزة ترجع شقتهم.
بعد لحظات، الباب اتفتح، ودخل خالد.
بمجرد ما دخل، دقات قلبها زادت، وجسمها كله ارتجف.
كانت حاسة إنه جايب معاه عتاب الدنيا.
قفل الباب من غير ولا كلمة.
قرب من شنطته اللي على الأرض، رفعها وحطها على السرير وفتحها.
ياسمين كانت بتبص عليه، مش عارفة تبدأ منين، ولا تقول إيه عشان يسامحها.
قامت وقربت، وصوتها طالع ضعيف ومكسور:
ـ خالد...
خالد أول ما سمع اسمه بصوتها، قلبه دق، بس كمل كأنه مسمعش.
قربت أكتر، وقفت جنبه وقالت بهدوء:
ـ خالد... أنا آسفة.
كلمة "آسفة" خبطت في قلبه زي طلقة.
هو مش مستني منها آسف.
هو كان محتاجها تبقى جنبه، تحارب عشانه زي ما بيحارب عشانها.
مش كل مرة تغلط، هترجع بكلمة.
مد إيده خد هدوم من الشنطة، واتحرك ناحية الحمام.
وهي فضلت واقفة مكانها، بتاكل في صوابعها من الندم.
حاسة إنها المرة دي كسرت حاجة جواه، يمكن ما تتصلحش.
قعدت على السرير، اتنهدت بحزن، كل حاجة باظت.
مش عارفة تعمل إيه عشان خالد يرجعها لقلبه.
استنت، لحد ما خرج من الحمام، لابس بنطلون قطني وتيشيرت.
واضح إنه ناوي ينام، من غير كلام ولا عتاب.
اتجه ناحية الكنبة، ونام عليها.
ياسمين اتصدمت!
هي كانت فاكراه لما رجّعها ممكن يتعاتبوا ويسامحها ويرجع معاها زي ما كان.
بس دلوقتي فهمت، هو رجّعها لإسمه، مش لقلبه.
خالد من ناحيته، كان قاصد كل حاجة.
كل حركة، كل سُكات.
عايزها تحس قد إيه وجّعته.
بس جواه نار، بيموت عليها، وبيكابر.
غمض عينه ومثّل النوم، وهي كانت بتبص عليه وعيونها مليانة دموع.
وفجأة، الكهربا قطعت.
شهقت بخوف، صوتها خرج تلقائي:
ـ خااالد!
في لحظة، كان واقف قدامها، صوته رجع دافي:
ـ اهدي يا ياسمين، متخافيش، الكهربا قطعت عادي.
مجرد ما سمعته، حضنته، رمت نفسها جوا حضنه وهي بتعيط:
ـ متسبنيش يا خالد... أنا آسفة... والله ما هعمل كده تاني.
ضمها بكل اشتياق، كان محتاج حضنها أكتر منها، حضن فيه غُفران ووجع وحنين.
لحظات قليلة، والكهربا رجعت.
بس هي كانت لسه مغمضة عنيها جوا حضنه، وإيديها متشبثة فيه كأنه الأمان الوحيد في الدنيا.
قال بهدوء:
ـ ياسمين... الكهربا رجعت.
فتحت عنيها، وبعدت عنه بخجل.
هو حاول يرجّع نبرة صوته القاسية، اتحرك ناحية الكنبة وقال:
ـ نامي على السرير، متخافيش، الكهربا مش هتقطع تاني.
وراح نام على الكنبة، ورجع غمض عينه، كأن ولا حاجة حصلت.
ياسمين بصت له، وقعدت على السرير.
حاسة إن حضنه من شوية فضح مشاعره، حست بيه، عارفة إنه بيحبها، مشتاق، بس زعله منها كبير.
قالت بصوت هادي:
ـ خالد... انت هتنام دلوقتي؟
رد من غير ما يفتح عينه، وهو حاطط دراعه فوق وشه:
ـ آه، هنام.
ابتسمت في وسط دموعها، وقامت فتحت شنطتها، خدت بيجاما ناعمة ودخلت الحمام.
خالد أول ما سمع صوت باب الحمام بيتقفل، فتح عينيه، عارف إنه مش هيقدر يكمل تمثيل كتير، قلبه بيغلبه.
حاول يغفل، بس عقله صاحي، وبفكر فيها.
دقايق وخرجت، بتجفف شعرها بالمنشفة، وقفت قدام المرايا، وشغلت الاستشوار.
الصوت عالي ومزعج، وخالد فاهم إنها قاصدة.
كانت بتبص له بطرف عينها، وهي بتحرك الاستشوار على شعرها.
هو ماسك نفسه بالعافية، بيتجاهل كل حركة، مغمض عينيه، بس الحقيقة، هو شايفها بقلبه.
حست إن مفيش أمل إنه يفتح عنيه، وقفت الاستشوار.
الصوت اختفى فجأة، وهو افتكر إنها خلاص فقدت الأمل.
لكن سمع صوتها قريب منه:
ـ خالد... انت نِمت؟
رد وهو مغمض:
ـ آه.
قعدت على الأرض قدام الكنبة وقالت:
ـ طب أنا خايفة.
قال بهدوء جامد:
ـ متخافيش... أنا معاكي في نفس الأوضة.
ردّت برقة:
ـ بس ممكن الكهربا تقطع تاني...
رد بنفس الجمود:
ـ متقلقيش... مش هتقطع.
سكتت.
حاسة إنه مش هيسامح بسهولة.
قامت، ورجعت قعدت على السرير.
هو كان مغمض عينيه، بس قلبه بيضحك.
فرحان بمحاولاتها معاه.
رواية منعطف خطر الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم ملك ابراهيم
سمع صوتها قريب منه:
ـ خالد&; انت ن&;مت&;
رد وهو مغمض:
ـ آه.
قعدت على الأرض قدام الكنبة وقالت:
ـ طب أنا خايفة.
قال بهدوء جامد:
ـ متخافيش&; أنا معاكي في نفس الأوضة.
رد&;ت برقة:
ـ بس ممكن الكهربا تقطع تاني&;
رد بنفس الجمود:
ـ متقلقيش&; مش هتقطع.
سكتت.
حاسه إنه مش هيسامح بسهولة.
قامت&;
ورجعت قعدت على السرير.
هو كان مغمض عينيه&;
بس قلبه بيضحك.
فرحان بمحاولاتها معاه.
مسكت تليفونها&;
وقعدت تقلب فيه&;
ودموعها لسه سايبة أثر على خدها&;
لحد ما غلبها النوم.
خالد فتح عينيه&;
بص عليها&;
ابتسم بحب&;
وغمض عينيه براحة وهو مطمن ان حبيبته رجعتله.
..........
في وقت متأخر من الليل.
صحى مهاب على صوت جرس بيرن بإلحاح&;
وصوت خبط جامد على باب شقته.
قام من على السرير وهو مش فاهم في إيه&;
فتح الباب بسرعة&;
اتفاجئ ببنت واقفة قدامه&;
وشكلها مرهق ومنهارة&;
وعنيها فيها لهفة مش طبيعية.
قالت بسرعة&; وهي بتتنفس بصعوبة:
ـ لو سمحت&; عندك خافض حرارة لطفل صغير&;
مهاب كان بيدعك في عينيه&; بيحاول يفوق:
ـ وأنا هجيب خافض حرارة لطفل صغير ليه&;!
البنت اتكلمت بتوتر&;
صوتها متلخبط من القلق:
ـ أنا كلمت الصيدلية وطلبت الدوا&; بس اتأخروا جد&;ا&; والولد سخن أوي ومش قادرة أسيبه كده!
بدأ يفوق شوية&; وبص لها باستغراب:
ـ وأنا مالي يا أستاذة&;
وبعدين انتي مين&; جايه تخب&;طي على شقتي في وقت زي ده ليه&; ما تبعتي ابوه ينزل يجبله خافض حرارة!
ردت بغيظ ممزوج بالدموع:
ـ أنا جارتك&; لسه ساكنة جديد في الشقة اللي قدامك.
من فضلك&; ممكن تنادي على المدام أكلمها&;
الولد حرارته عالية ومش هعرف أنزل أجيب الدوا في الوقت ده!
قال باستغراب:
ـ مدام إيه&;! أنا معنديش مدام أصلا&;.
بصت له بذهول لحظات&; وبعدين قالت بتوتر:
ـ يعني إيه&;!
قال وهو متضايق:
ـ يعني أنا عايش لوحدي&; ومش متجوز.
هي اتفزعت أول ما فهمت&;
وبعدت عن بابه بسرعة وهي بتقول بإحراج:
ـ أنا آسفة&; مكنتش أعرف. آسفة بجد.
وجريت على شقتها بسرعة&;
دخلت وقفلت الباب وراها بخضة.
مهاب وقف لحظات مكانه&;
عنينه سابتت على الباب اللي اتقفل&;
وكلامها عن حالة الطفل ما سابهوش.
فضل لحظة واقف&;
وبعدين دخل أوضته&;
لبس هدومه بسرعة&;
ونزل على أقرب صيدلية.
اشترى خافض حرارة للأطفال&;
ورجع وهو ماسكه في إيده&;
واقف قدام باب شقتها متردد.
بيكلم نفسه بصوت مش مسموع:
ـ طب لو جوزها رجع&;
ولو شافني واقف كده قدام بابهم&;
أنا ممكن أسبب لها مشكلة من غير ما أقصد.
قرر في الآخر&;
يخبط خبطة خفيفة على الباب&;
وحط الدوا على الأرض&;
وسحب نفسه بسرعة على شقته&;
قفل الباب وراه في هدوء.
في نفس اللحظة.
البنت فتحت الباب&;
شافت علبة الدوا قدامها&;
ولمحت باب شقة مهاب وهو بيتقفل.
خدت الدوا بسرعة&;
وقرأت العلبة&;
خافض حرارة للأطفال.
دخلت الشقة وعيونها كلها امتنان.
دو&;رت على السيرنجة&;
وإدت الطفل الجرعة&;
وقعدت جنبه وهي بتقيس حرارته كل شوية.
وبعد دقايق طويلة من التوتر&;
بدأت الحرارة تنزل&;
والولد بدأ يهدى&; وينام.
أما في شقة مهاب.
كان ممدد على سريره&;
لبسه لسه عليه&;
وعنيه بتبص في السقف.
سأل نفسه بصوت جواه:
ـ يا ترى خدت الدوا&;
والولد بقى كويس&;
ولا لسه تعبان&;...
فضل سابح في أفكاره&;
مش عارف ينام.
بيفكر ويسأل نفسه:
ليه ابو الطفل مش موجود وسايب ابنه تعبان كده&; ومراته مش عارفه تتصرف لوحدها&;
وهمس لنفسه قبل ما يغمض عينيه ويستسلم للنوم: لما هما مش قد الجواز بيتجوزوا ليه!
..........
في الصباح.
مهاب صحي من النوم ولبس هدومه عشان ينزل شغله.
وأول ما قفل ازرار القميص&;
رن جرس الباب.
فتح&;
لقى نفس البنت واقفة قدامه&;
بس المرة دي كانت أهدى بكتير&; وشها فيه ابتسامة خفيفة&;
&;
رواية منعطف خطر الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم ملك ابراهيم
سمعت صوت زهيرة بيرتفع وهي بتتكلم.
وقفت من غير ما تحس وركنت على جنب، بتسمع من ورا حيطة كأنها بتموت في الفضول.
زهيرة فجأة صوتها اتغير، اتحول من قلق لفرحة طاغية وهي بتقول:
ـ حااامل؟!!!
يا حبيبتي يا زينة.. ألف مبروك. ألف مبروك يا معتصم!
يا رب يقومك بالسلامة يا زينة يا بنت بطني، ويفرح قلبك زي ما فرحتي قلبي. خلي بالك منها يا معتصم.
في اللحظة دي كانت زينب واقفة بتتشنج، عينيها وسعت من الصدمة، ووشهها اتقلب، وهمست بغل وغيظ:
ـ زينة حااامل؟!!!
سمعت صوت خطوات حد نازل من على السلم. حاولت تتحرك بسرعة، وتغير طريقة مشيتها كأنها طبيعية، وهي بتحاول تخبي الغِل اللي مالي قلبها.
في نفس اللحظة، كانت زهيرة – والدة زينة – واقفة في نص الصالة، الفرحة ماليه وشها وعينيها بتلمع من السعادة.
دخل الحاج عبد الرحيم – والد معتصم – من باب البيت، وكان ممدوح نازل من فوق، ووقف أول ما سمع الكلام.
الحاج عبد الرحيم قرّب من أخته وسألها بدهشة:
ـ خير يا زهيرة؟ واقفة كده ليه؟
ردت وهي مبتسمة والفرحة مش سايباها:
ـ زينة حامل يا خويا.. هتبقى جد قريب!
ممدوح سمع الكلمة ووقف كأنه اتجمد في مكانه. همس لنفسه بصدمة:
ـ زينة حامل؟ بالسرعة دي؟!
بص على زينب مراته اللي كانت واقفة مش بعيد، هي كمان مصدومة، بس عنيها بتولّع نار، وعارفة جوزها بيفكر في إيه دلوقتي، وعارفة إن الحمل ده هيبقى شماعة جديدة يعلّقها على رقبتها، ويفكرها دايمًا إنها السبب في إنه ما بقاش أب بعد كل السنين دي.
أما الحاج عبد الرحيم، ففرحته كانت واضحة، اتكلم مع أخته بحماس ولهفة:
ـ بجد يا زهيرة؟ عرفتي منين؟
قالت وهي بتحط إيديها على قلبها من كتر الفرحة:
ـ كلموني دلوقتي.. معتصم وزينة كانوا في المستشفى، والدكتورة قالتلهم..
أنا قلبي هيقف من الفرحة، عايزة أروح لهم حالًا.
بص لها وقال بحسم:
ـ مش هتروحي لوحدك.. إحنا كلنا هنروح نبارك.
لكن ممدوح ما استحملش الكلام، وقرب من أبوه بغضب:
ـ نروح فين يا أبويا؟ نروح نبارك بعد اللي عملوه؟!
رد عليه أبوه بنبرة صارمة:
ـ أخوك اتجوز بنت عمتك على سنة الله ورسوله، ودلوقتي حامل في ابنه!
يعني خلاص، مش من نصيبك، وأنا قولتلك مية مرة، اختار أي بنت من البلد وأنا أجوّزهالك..
بس انت اللي مش عايز قلبك يصفى لأخوك!
ممدوح رد بعصبية وغيظ:
ـ بقيت أنا الغلطان دلوقتي؟
عشان حضرة الظابط مراته حامل بعد شهرين جواز، وأنا بقالي سنين بتمنى حتة عيل ومفيش؟!
بقى هو دلوقتي اللي على حق وأنا الغلطان؟
وعايزني إزاي قلبي يصفى له يا أبويا وهو واخد مني كل حاجة؟!
كان الغل جوه قلبه بيغلي، مش زينة اللي وجعاه، زينة كانت بالنسباله مجرد بنت عمته، هيتجوزها عشان يخلف وبس، لكن لما شاف إن أخوه الصغير سبق وهيخلف قبل ما هو يحس حتى بطعم الأبوة، اتولدت جوه قلبه غيرة.. ووجع.. وإحساس بالعجز.
سابهم وخرج من البيت بعصبية ووشه مليان نار.
زهيرة بصت لأخوها بتوتر، بس الحاج عبد الرحيم قالها وهو متضايق:
ـ الأيام هتعلّمه إن ما حدش ليه غير أخوه.
وبعدين بص لها وقال بحسم:
ـ جهّزي نفسك يا زهيرة.. إحنا رايحين نبارك لمعتصم وزينة.
زينب قربت منهم واتكلمت بنعومة:
ـ أنا هاجي معاكم يا أبوي.. عايزة أبارك لزينة ومعتصم بنفسي.
الحاج عبد الرحيم فضل ساكت لحظات، بيفكر، وقال في نفسه يمكن لو زينب راحت معاهم، تساعد في تليين قلب جوزها وتصلّح اللي بينه وبين أخوه. هزّ راسه وقال لها:
ـ ماشي يا زينب.. كلمي جوزك، استأذنيه، وجهّزي نفسك وتعالي.
زهيرة بصتلها بقلق، مش مرتاحة لفكرة إنها تروح معاهم، بس سكتت وما قالتش حاجة.
في مصنع الدريني.
كان في اجتماع مهم لكل رؤساء الأقسام، وسالم الدريني كان قاعد على رأس الترابيزة، وجنبه ياسمين – مرات ابنه – ماسكة ملف فيه الخطة الجديدة لزيادة الإنتاج، وبتتكلم بثقة قدام الكل، وعينيها بتلمع من الحماس.
سالم كان بيبصلها بفخر كبير، حاسس إنه أخيرًا لقى حد يستحق يمسك المصنع من بعده، ومن أول أسبوع شغل بس.. ياسمين أثبتت إنها مش أي حد.
ياسمين رفعت راسها وقالت بصوت ثابت:
ـ لو التزمنا بالخطة دي، هنقدر نضاعف الإنتاج في خلال وقت قليل، وهنسلّم كل الطلبيات قبل ميعادها.
مشرف الإنتاج رفع عينه وقال بتحفظ:
ـ الكلام حلو، بس كده المصنع هيخسر لما ندي العمال مكافآت عالية على زيادة الإنتاج.. هيطمعوا ويطلبوا أكتر.
ردت ياسمين بسرعة وثقة:
ـ بالعكس تمامًا، المصنع هيكسب أكتر.. لما نفس العامل يطلع إنتاج ساعتين في ساعة واحدة، كده إحنا وفرنا وقت وكهربا ومجهود.. وسلمنا شغل أكتر في زمن أقل، وده معناه أرباح أكتر للمصنع.
يعني لما ندي العامل جزء بسيط من الأرباح دي، احنا كده بنكافئه، وفي نفس الوقت بنشجعه يشتغل أكتر.
وكل ما المصنع يكسب.. العمال هتكسب.. ودي عدالة بتخلي الناس تشتغل بحب مش غصب.
اللي قاعدين كلهم بصوا لبعض بابتسامة إعجاب، وكأنهم لأول مرة يسمعوا الكلام ده بالمنطق ده.
سالم هز راسه وقال بفخر واضح:
ـ كل كلمة قالتها الأستاذة ياسمين صح.. ودي الخطة اللي هنشتغل بيها من النهاردة، مش بكرة.
كل واحد فيكم يبلغ الناس اللي تحته، ويبدأوا يجهزوا العمال على النظام الجديد.
رفعت منة مسؤولة الحسابات إيدها وقالت:
ـ بعد إذنكم، أنا محتاجة الأستاذة ياسمين معايا نراجع مع بعض المكافآت اللي هتتعلن.
ياسمين وقفت وهي بتقفل الملف وقالت بابتسامة هادية:
ـ أنا جاهزة.
خرج الكل، وفضل سالم الدريني قاعد مكانه، بيبتسم، وحاسس إن ياسمين هي البنت اللي كان بيتمناها وربنا عوضه بيها.
قرب منه عم صالح – مدير المصنع وصاحب عمره – راجل كبير في السن، طيب وشهم.
قال بابتسامة فيها رضا:
ـ بسم الله ما شاء الله.. ربنا يحفظها مرات ابنك يا سالم.. دي بنت بمية راجل.
كنت دايمًا بتتمنى ابنك يشتغل معاك ويشيل عنك، بس شغله منعه.. أهو ربنا عوضك بمراته.
سالم اتنهد وقال وهو بيحط إيده على قلبه:
ـ آه يا صالح.. ربنا كبير فعلًا. أنا مش عارف أوصف إحساسي، بقيت حاسس إنها بنتي بجد مش مرات ابني. ربنا يسعدها ويكرمها.
عم صالح ابتسم وقال بود:
ـ ربنا يخليك ليهم ويخليهم ليك يا سالم.. إنت راجل طيب ونيّتك دايمًا صافية.. وربنا بيدي الطيبين اللي يستاهلوا.
في مكتب الحسابات.
كانت ياسمين قاعدة قدام منة، وكل واحدة فيهم ماسكة ورق وبيظبطوا تفاصيل ملف المكافآت.
منة رفعت عينيها وبصتلها بابتسامة فيها إعجاب وقالت:
ـ مش قادرة ما قولش إني معجبة جدًا بفكرتك وشخصيتك يا أستاذة ياسمين.. وفرحانة جدًا إن أخيرًا بقى في مديرة بنت وسطنا هنا في المصنع.
ياسمين ابتسمت برقة وقالت بلطافة:
ـ طب ممكن بلاش "أستاذة" دي؟ إحنا تقريبًا في نفس السن.. قولي ياسمين بس.
منة ضحكت وقالت وهي بتحاول تكسر الرسميات:
ـ ماشي يا ياسمين.. بس بجد انتي دخلتي قلوبنا كلنا.
بالمناسبة، انتي دارسة تجارة؟
ياسمين ضحكت وهي بتقلب ورقة قدامها وقالت:
ـ لأ خالص.. أنا مدرسة عربي وفرنساوي لحد ما يجيبوا مدرس فرنساوي.
منة بصتلها بدهشة وضحكت وقالت:
ـ بجد؟! طب إزاي عرفتي كل الحاجات دي عن الإدارة والتطوير؟
أنا شغالة هنا من فترة، ومفكرتش في حاجات زي اللي قولتيها.
ياسمين صوتها هدي وهي بتحكي:
ـ أصلي اشتغلت كتير وأنا بدرس.. بابا مات وكنت مسؤولة عن أمي – الله يرحمها – وعن أخويا أحمد..
فكنت بشتغل في أي حاجة تظهر قدامي.. مكتب، محل، صيدلية، مصنع، درس خصوصي، أي شغل عشان نعيش.
ومن كتر ما اشتغلت في مجالات مختلفة، اتعلمت حاجات كتير عن الشغل والإدارة والتعامل مع الناس.
منة سكتت لحظة وبصتلها بحزن، وقالت بصوت هادي:
ـ أنا كمان بابا مات وأنا صغيرة.. وماما هي اللي ربتني أنا وأختي الكبيرة..
بس للأسف.. ماما وأختي ماتوا ورا بعض، ومبقاش ليا غير آدم ابن أختي.. عنده ٣ سنين دلوقتي، هو اللي باقيلي في الدنيا كلها.
ياسمين بصتلها بعين مليانة تعاطف وقالت برقة:
ـ ربنا يخليهولك ويحفظه ليكي يا منة.
وبعد لحظة صمت، بصت ياسمين قدامها وهمست لنفسها بصوت مخنوق:
ـ ربنا يرجعك ليا يا أحمد.
في المطار.
كان خالد واقف مستني وصول أحمد مع عمه راشد، كان حاسس إنه قلبه بيخبط من التوتر والحماس..
كل شوية يبص على باب الوصول، وهو في دماغه فكرة واحدة: ياسمين هتطير من الفرحة أول لما تشوف أخوها.
راشد قاله على ميعاد الطيارة، بس خالد اختار ما يقولش لياسمين، عايز يفاجئها بأغلى خبر ممكن تسمعه.
وفجأة.. سمع صوت صغير بينده بأعلى صوته:
ـ حسن أبو عليييي!
خالد لف بسرعة، وشاف أحمد بيجري عليه بكل حماس، فتح دراعاته، وأحمد دخل جوه حضنه.
أحمد اتكلم وهو بيضحك من قلبه:
ـ انت وحشتني أوووي.. أنا كمان وحشتك؟
خالد بص له بعين فيها شوق وقال:
ـ طبعًا يا بطل.. حمدلله على السلامة.
قرب منهم راشد وهو مبتسم، ومعاه مراته سهام، وبنته مايا اللي ما كانتش شايلة عينيها من على خالد.
راشد سأل باستغراب:
ـ أومال فين ياسمين؟
خالد مسك إيد أحمد بحنان وقال:
ـ لسه متعرفش.. كنت عايز أعملها مفاجأة.
وبص لمرات راشد وبنته وقال بأدب:
ـ حمدلله على السلامة.. نورتوا مصر.
مايا كانت واقفة تلعب في شعرها وعنيها متثبتة على خالد، وسهام والدتها لمحت ده بسرعة، خبطتها في دراعها وهمست لها بعصبية:
ـ متجوز بنت عمك يا هانم.. حبيت أفكرك بس!
مايا ردت بدلع وهي بتبص على خالد:
ـ وبنت عمي دي حلوة علي كده وتستاهل القمر ده.
سهام قالت بحدة:
ـ حلوة ولا مش حلوة ده ما يخصكيش.. ابعدي عنهم، احنا مش ناقصين مشاكل؟ كفاية علينا أخوكي!
راشد قرب من خالد وهم بيتكلموا على جنب، بعيد عن سمع أحمد:
ـ بص يا خالد.. أنا عارف إن ياسمين نفسها أخوها يعيش معاها، بس جده هو الواصي عليه، ومش هيوافق إنه يعيش معاكم دلوقتي، بس هحاول أقنعه إن من مصلحة الولد يكون جنب أخته.
خالد اتنهد وقال بهدوء:
ـ فاهم حضرتك..
وياسمين بس لما تشوفه بعينيها وتتطمن عليه، أكيد هتقبل إنه يعيش مع جده لحد ما نشوف حل.
راشد وخالد اتفقوا على كل حاجة. وراشد وافق إن أحمد يروح مع خالد ساعتين يشوف ياسمين، وبعدها يرجعه تاني يروح معاهم بيت الشرقاوي.
خالد أخد أحمد في إيده وخرجوا من المطار، ووشه كله شوق للحظة اللي هيدخل فيها على ياسمين وهي تلاقي أخوها قدامها.
راشد رجع لمراته وبنته وقال:
ـ تعالوا نقعد في أي كافيه قريب نتغدى، لحد ما خالد يرجع أحمد.
في المصنع.
مكتب سالم الدريني.
ياسمين خبطت على الباب، وصوت سالم جه من جوه:
ـ ادخل.
أول لما فتحت الباب، لمحت شاب قاعد قدام سالم، اتكلمت بهدوء وهي واقفة:
ـ أجي لحضرتك وقت تاني؟
سالم ابتسم وقال بحماس:
ـ لأ طبعًا، تعالي يا ياسمين.
وشاور على الشاب وقال:
ـ ده الباشمهندس هشام.. المهندس الجديد اللي انضم لينا.
ياسمين دخلت، قربت بخطوات هادية، وبصت لـ هشام وقالت بأدب:
ـ أهلًا بحضرتك.
هشام وقف بابتسامة ترحيب وقال:
ـ أهلًا بيكي يا أستاذة ياسمين.
سالم كمل التعارف وهو مبتسم بفخر:
ـ ياسمين دي بنتي.
(وكان يقصد "بنتي" بمعناها القريب لقلبه.. مش مجرد مرات ابنه)
قعدوا التلاتة، وسالم قال بحماس:
ـ أنا كنت بحكي للبشمهندس على خطتك في تشغيل المصنع، وعجبته الفكرة جدًا، وهيشتغل معاكي الفترة الجاية على تنفيذها، ويجهز المكن للنظام الجديد.
ياسمين ابتسمت وهزت راسها بثقة وقالت:
ـ إن شاء الله نوصل لأعلى معدل إنتاج في تاريخ المصنع.
هشام بص لها وقال بنفس الثقة:
ـ إن شاء الله.
فجأة دخل رئيس العمال بسرعة وقال:
ـ حاج سالم.. المخازن رافضين يسلموا شغل جديد.. ممكن تنزل معايا تحل المشكلة؟
سالم وقف وقال بنفاد صبر:
ـ هو أنت ومسؤول المخازن كل يوم في خناقة!
بعدين بص لـ هشام وياسمين وقال:
ـ هستأذنكم لحظة انزل أشوف إيه الحكاية وراجعلكم.
وخرج بسرعة من المكتب.
ياسمين كانت ماسكة ملف الخطة الإنتاجية وفتحته تقرأ فيه، مشغولة، ومركزة جدًا، مش واخدة بالها إن هشام بيبصلها من أول لحظة، نظراته كانت عليها، نظرة مش بس إعجاب بشغلها، لكن بان كمان إنها شدّت انتباهه شخصيًا.
هشام كان حاسس بتوتر غريب، بس حاول يفتح كلام وهو بيقول بصوت هادي:
ـ أنا بصراحة.. معجب جدًا...
ياسمين رفعت وشها من الملف وبصت لهشام بدهشة.
وفي نفس اللحظة... خالد كان داخل المكتب.
شاف هشام، وسمع الكلمة اللي خرجت منه، وشاف عينيه وهي متثبتة على ياسمين.
هشام ما كانش واخد باله خالص إن حد دخل، لإن كل تركيزه كان على ياسمين بس، وكمل كلامه بنفس الهدوء:
ـ معجب بشغلك وأفكارك.
خالد حس إن الكلام مش مجرد مدح، نظرات هشام كانت كلها إعجاب. مشّي بخطواته جوه المكتب وقال بنبرة حادة:
ـ مساء الخير.
ياسمين لفت بسرعة على صوته، ووشها اتغير لما شافته. أما هشام، فكان باين عليه إنه أول مرة يشوف خالد، وما كانش يعرف إنه جوزها.
خالد قرب ووقف جنب ياسمين، وقال بصوت ناعم وغريب وسط الخلاف اللي بينهم:
ـ إيه يا حبيبتي، عاملة إيه؟
نبرة خالد وطريقته كانت مفاجأة لياسمين، خصوصًا إنهم لسه متخاصمين، وشها كله استغراب وارتباك. أما هشام، فاتصدم لما سمع كلمة حبيبتي!
خالد بص لهشام بنظرة فيها نار، وقال بحدة:
ـ أنا أول مرة أشوف حضرتك في المصنع هنا؟
هشام اتشدّ من التوتر، وعدل قعدته وهو بيرد بتلعثم:
ـ أنا.. أنا المهندس الجديد.
وفجأة، دخل سالم المكتب، ووشه نور لما شاف خالد:
ـ خالد! إيه المفاجأة الحلوة دي؟
رد خالد وهو قاصد يخلي كلامه يوصل لهشام:
ـ جيت آخد منكم مراتي شوية.. وحشتني.
كلامه وطريقته كانت غريبة على ياسمين، وشها اتوتر أكتر، فقامت من مكانها وقفت وهي مش عارفة ترد.
سالم ضحك وقال بهزار وهو بيقعد على مكتبه:
ـ لا.. أنا مقدرش أستغنى عنها خلاص.. المصنع ما بقاش ينفع من غير ياسمين.
اللحظة دي هشام حس بإنه اتلطم على وشه، اتأكد إن ياسمين فعلًا مرات خالد، فوقف بسرعة وهو مش قادر يخبي توتره وقال:
ـ أنا.. هروح أشوف شغلي.. عن إذنكم.
وخرج من المكتب بسرعة، وخالد عينه كانت متثبتة عليه، وبص لأبوه وهو بيكتم غليانه:
ـ هو الباشمهندس جديد ولا إيه؟
سالم رد بهدوء:
ـ أول يوم ليه النهاردة.. بس ولد ممتاز في شغله.
خالد رد بنبرة فيها غيرة واضحة رغم إنه حاول يخفيها:
ـ طب يا ريت تنصحه يركّز في شغله وبس.
سالم بص له بدهشة، وحس إن في حاجة مش مفهومة، أما ياسمين فقررت تنهي الموقف وقالت بسرعة:
ـ أنا عندي شغل كتير.. هروح أخلصه.
لكن خالد مد إيده ومسك إيدها ووقفها مكانها:
ـ لا.. أنتي هتيجي معايا.
وبص لسالم وقال بكل جدية:
ـ بعد إذنك يا بابا.. هاخد ياسمين معايا عشان عندنا مشوار مهم.
ياسمين بصت له باندهاش:
ـ مشوار إيه؟
خالد رد بهدوء:
ـ هتعرفي دلوقتي.
سالم ابتسم وقال بهزار خفيف:
ـ ماشي، بس النهاردة بس.. ياسمين مش هتكون فاضية لك الأيام الجاية، عندنا شغل كتير.
خالد هز راسه بالموافقة وهو باصص لياسمين وقال:
ـ يلا.
ياسمين خدت شنطتها وخرجت معاه من المصنع، وهي مش فاهمة حاجة.
أول ما خرجوا، عينيها وقعت على عربيته، وسألته بفضول مش قادرة تكتمه:
ـ مشوار إيه ده؟
خالد كان ماسك إيدها، وعينيه مركزة في وشها وهو بيقول:
ـ تعالي العربية وأنتي تعرفي.
قربت من العربية وفتحت الباب، وركبت وهي مش واخدة بالها مين اللي قاعد ورا.
وأول ما قفلت الباب، سمعت الصوت اللي خطف قلبها.
ـ مفاجأة!
قالها أحمد بحماس وهو بيحط إيديه على عيون ياسمين بشقاوة.
رواية منعطف خطر الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم ملك ابراهيم
أول ما خرجوا، عينيها وقعت على عربيته، وسألته بفضول مش قادرة تكتمه:
ـ مشوار إيه ده؟
خالد كان ماسك إيدها، وعينيه مركزة في وشها وهو بيقول:
ـ تعالي العربية وانتي تعرفي.
قربت من العربية وفتحت الباب، وهي مش واخدة بالها مين اللي قاعد ورا.
وأول ما قفلت الباب، سمعت الصوت اللي خطف قلبها.
ـ مفاجأة!
قالها أحمد بحماس وهو بيحط إيديه على عيون ياسمين بشقاوة.
ياسمين حست إن قلبها اتخطف في اللحظة دي، لمست إيديه اللي كانت على عينيها بلهفة، ولما لفت بوشها وشافته...
هو أحمد أخوها..
وشه اللي اشتاقتله، وضحكته اللي كانت هتموت ونفسها تشوفها تاني، أخيرًا قدامها!
فتحت باب العربية من جنبها بسرعة، ونزلت وهي مش حاسة برجليها من الفرحة، وفتحت الباب الخلفي وشدت أحمد لحضنها بكل قوتها.
حضنته كأنها مش عايزة يبعد عنها تاني، ودموعها نازلة مغرقة وشها، مش بتقف، ومفيش أي حاجة تقدر توقفها.
خالد كان واقف يبص عليهم، قلبه بيدق بسرعة، حاسس بيها وبكل لحظة بتعيشها.
جواه إحساس غريب بين الفرحة والحزن، نفسه يفرحها على طول، ويحقق لها كل اللي بتتمناه، نفسه يشوف الابتسامة دي على وشها طول العمر.
لحظات عدت، وياسمين لسه حاضنة أخوها، ودموعها مش بتقف، وانهيارها باين في كل نفس بتاخده.
أحمد مد إيده الصغيرة وجفف دموعها وهو بيبص لها باستغراب وقال:
ـ بتعيطي ليه يا ياسمين؟ أنا رجعت أهو... هي ماما فين؟ وحشتني قوي وعايز أشوفها.
الكلام نزل عليها تقيل، وكأن القلب اللي لسه لملمته، اتكسر تاني.
انهارت أكتر، وخالد قرب منها بسرعة، ومسك إيد أحمد وهو بيتكلم معاه بهدوء:
ـ أحمد يا بطل... عجبك اللي أختك بتعمله ده؟ في بنت كبيرة كده تعيط؟
أحمد بص لياسمين وقال ببراءة:
ـ لا مش عاجبني... أنا مش بحب أشوف دموع ياسمين أبدًا.
خالد ساعتها بص لها، وتنهد تنهيدة كلها حنية وقهر في نفس الوقت، وقال وهو عينه مليانة مشاعر:
ـ ولا أنا.
قرب منها، ومد إيده وضم وشها بحنية واهتمام، وقال لها بصوت دافي:
ـ ممكن تهدي؟ عشان خاطر أحمد.
ياسمين هزت راسها بالإيجاب، وهي بتحاول تسيطر على شهقتها، وقالت بصوت متقطع وعيونها لسه على أحمد:
ـ أنا بعيط من الفرحة... مش مصدقة إني شفته.
مدت إيدها ومسكت إيد أحمد وباستها بكل حنان، وقالتله:
ـ وحشتني أوي... أوي.
خالد ابتسم وهو بيشوف المشهد قدامه، وقال:
ـ طب اركبوا العربية عشان نروح مكان هادي نتغدى مع بعض... في موضوع مهم عايز أتكلم معاكي فيه.
ياسمين بصت له بقلق، قلبها رجع يدق بسرعة، وسألته وهي مش فاهمة قصده:
ـ موضوع إيه؟
رد عليها بهدوء وثبات:
ـ هقولك لما نوصل.
ركبت ياسمين ورا جنب أحمد، وحضنته من تاني، وكأنها بتحاول تعوض في حضنه كل الأيام اللي كانت بعيدة عنه.
أما خالد، فركب العربية من قدام، وابتسم وهو بيبص في المراية.
كان شايفهم الاتنين، وهي ماسكة أخوها بكل حنية واشتياق، وحاسس إن الحضن ده بيشفيها، وبيصالحها مع الحياة من تاني.
في مديرية الأمن.
معتصم دخل مكتب مهاب وهو مبتسم وبيقول بنبرة فيها هزار:
ـ إيه يا ابني؟ فينك؟ مختفي بقالك يومين ليه؟
مهاب رفع عينه من الورق اللي في إيده ورد عليه وهو مستغرب الفرحة المرسومة على وشه:
ـ كان عندي حوار كده بخلصه... أنت اللي فين؟ وشكلك جاي مبسوط؟
معتصم قعد على الكرسي براحة، ونفس طويل طلع منه كأنه لسه مش مستوعب اللي حصل، وقال بنبرة فيها فرحة:
ـ زينة كانت تعبانة شوية وخدتها المستشفى.
مهاب نسي كل حاجة في إيده وبص له بسرعة وقلق باين على وشه:
ـ خير؟ تعبانة مالها؟
معتصم ابتسم ابتسامة مليانة سعادة وقال ببساطة فيها حنية:
ـ في ضيف صغير جاي لنا قريب.
مهاب رفع حواجبه بدهشة وسأله باستغراب حقيقي:
ـ ضيف مين اللي مراتك تعبت لما عرفت إنه جاي لكم قريب؟ هي مش الحاجة والدتك متوفية من زمان؟
معتصم بص له بغيظ وقال وهو مش مصدق اللي بيسمعه:
ـ وهي مراتي هتتعب لما تعرف إن أمي الله يرحمها جاية لنا؟!
مهاب رد بعفوية وهو بيضحك:
ـ آه عادي! أي واحدة بتتعب لما تعرف إن حماتها جاية عندها! وخصوصًا بقى لو هتبات كام يوم.
معتصم اتنهد بغيظ واضح وبص له بنظرة مش مصدق تفكيره وقال:
ـ هو انت دماغك دي فيها إيه؟! يا ابني ركز! بقولك "ضيف صغير" وهي كانت في المستشفى... يبقى إيه؟
مهاب بص للسقف وكأنه بيحل لغز، وبعد لحظة قال بنبرة فاهم أخيرًا:
ـ ما تقول إن مراتك حامل من الأول وخلاص! هو سر؟ ولا مكسوف مني؟
معتصم فضل يبص حواليه كأنه بيدور على أي حاجة يرميها عليه وقال بغضب:
ـ هتكسف منك ليه يا متخلف انت؟! أنا فاكر إنك بتفهم زي الناس العاديين!
مهاب ضحك وغمز له وقال بنبرة هزار:
ـ هتبقى أب يا معتصم... وتجيب مهاب صغير يقولك يا بابا!
معتصم بص له بحدة وقال بتهكم:
ـ مهاب في عينك... عايزني أجنن ابني قبل ما يتولد!
مهاب ضحك من قلبه، وبعد لحظة قام وقف، وبنبرة جد وهو بيقرب منه قال:
ـ ألف مبروك يا معتصم... فرحتني بالخبر ده بجد.
معتصم ابتسم له وقال وهو بيهزر:
ـ عقبالك... لما تلاقي بنت الحلال اللي تقفش فيك ومتعرفش تخلع منها.
مهاب قعد قصاده وهو بيضحك وقال:
ـ والله لو جت بالمواصفات اللي في دماغي، مش هخلع منها خالص.
وبعدها سأله بفضول:
ـ أومال ابن الدريني فين؟ مختفي هو كمان بقاله كام يوم؟
معتصم رد بهدوء:
ـ انت عارف.. من يوم ما رجع مراته وعاشوا في بيت أهله، وهو بيخلص شغل ويرجع على بيته على طول... عشان والدته ما تحتكش بمراته وتضايقها.
مهاب قال بحيرة وهو بيحاول يفهم:
ـ أنا مستغرب... ياسمين بعد ده كله رجعت لخالد إزاي؟! يعني تطرد كارما من عندها لما تروحلها عشان تصلح بينهم، وتقولها مش عايزة حد يجيب سيرة خالد ولا يدخل في صلح!
وفي نفس اليوم تقولي إنها رجعت لخالد؟!
معتصم بص له بدهشة وقال بنبرة مصدومة:
ـ كارما مين اللي كانت رايحة تصلح بينهم؟! دي كانت رايحة تطلب من ياسمين تبعد عن خالد! وقالتلها: اخرجي من حياته... عشان أنا بحبه!
مهاب اتجمد مكانه وبص له بصدمة كبيرة وهو بيقول:
ـ إزاي الكلام ده؟! أنا كنت بوصل كارما يومها... ونزلت من عند ياسمين وهي بتعيط! وقالتلي إن ياسمين طردتها!
معتصم رد بثقة وهدوء:
ـ كدابة طبعًا... أنت ناسي إن زينة كانت فوق مع ياسمين؟ وهي اللي حكتلي اللي حصل.
مهاب سكت لحظة، وبص قدامه بتفكير عميق... هو مكنش مصدق إن ياسمين ممكن تعمل كده، بس كان بيحاول يصدق كارما،
الشك اتسلل له شوية، وبان على ملامحه.
معتصم كمل كلامه بهدوء وهو بيهز راسه:
ـ كارما دي أصلًا... شكلها مش طبيعي! فيها حاجة غريبة مش عارف إيه هي!
مهاب رد ببساطة وهو بيحاول يقفل السيرة:
ـ الله يسهل لها!... المهم إن خالد وياسمين رجعوا لبعض... ربنا يصلح حالهم.
معتصم غير الموضوع فجأة وسأله باهتمام:
ـ ما قولتليش... إيه الحوار اللي كان شاغلك اليومين اللي فاتوا؟
مهاب رد وهو بيحاول يخفي كل حاجة بنبرة هادية:
ـ دي مشكلة عند واحدة جارتي وطلبت مني أساعدها.
معتصم ضيق عينه وبص له بتركيز وقال:
ـ جارتك؟ لأاا... ده انت تحكيلي من الأول!
في مطعم راقي.
ياسمين كانت قاعدة جنب أحمد، ماسكة إيده ومش قادرة تشيل عينيها من عليه.. عينيها كانت بتلمع من فرحة عمرها ما حست بيها من ساعة ما بعد عنها. رجوع أحمد ليها رجع لقلبها نبضه.
خالد كان قاعد قصادهم.. عينيه على ياسمين، بيراقبها في صمت وهي بتسأل أحمد عن كل تفصيلة حصلت معاه من يوم ما سافر لحد اللحظة دي.
بس هو كان قلقان.. مش عارف يقولها إزاي إن أحمد لازم يرجع تاني يعيش في بيت جده الشرقاوي.
ياسمين لاحظت شروده، وسألته باستغراب:
ـ خالد؟! كنت عايز تقولي حاجة؟
خالد بص لها وهز راسه بالإيجاب، وبص لأحمد وقال بابتسامة خفيفة:
ـ إيه يا بطل؟ مش هتقوم تغسل إيدك؟!
أحمد قال بحماس وهو بيقوم:
ـ أنا أكلت كتير قوي.. هاغسل إيديا بسرعة عشان نروح عند ماما.
وجرى على الحمام.
ياسمين كانت بتبص عليه، وعينيها فيها غصة.. مش قادرة تتخيل إنها هتضطر تقول لأخوها الصغير إن مامتهم ماتت.
خالد قطع شرودها بصوت هادي:
ـ ياسمين.. عمك رجع أحمد، بس لسه جدك هو الواصي عليه.. وإحنا لو عايزين ناخده منهم، لازم نثبت إن الجد مش مؤهل للوصاية.
الموضوع محتاج وقت وصبر.. وعمك طلب إننا نتصرف بشكل طبيعي لحد ما نعرف نتحرك قانونيًا.. عشان جدك ما يحسش ويبعد أحمد عنك تاني.
ياسمين قلبها اتقبض.. حاسة إن في حاجة أصعب جاية.
خالد كمل وهو بيبصلها بعين فيها طمأنينة:
ـ أحمد لازم يرجع يعيش في بيت الشرقاوي مع عمك راشد.
ياسمين قالت بحدة وصدمة:
ـ مستحيييل! مش هسيبه تاني مهما حصل!
ـ خالد بهدوء:
ـ انتي مش هتسيبيه.. وقت ما تحبي تشوفيه، عمك هيجيبهولك..
وده أحسن من إنهم يبعدوه عنك خالص.
لو جدك حس إننا بنخطط ناخده، ممكن يسفّره لمكان أبعد ومنعرفش نوصله تاني.
الدموع نزلت من عين ياسمين وقالت بصوت مكسور:
ـ يا ريتهم ما ظهروا في حياتنا؟! كنا مرتاحين من غيرهم.
خالد مد إيده، مسك إيديها وقال وهو بيبصلها بصدق:
ـ أحمد هيعيش معاكي قريب، صدقيني. بس لازم نتصرف بعقل.. ومحدش يعرف أي حاجة.
كل خطوة هنمشيها بحساب.. وأخوكي هيبقى معاكي على طول صدقيني.
ياسمين بصّت له.. وشافت في عينيه وعد. زي الوعد اللي وعدها بيه قبل كده ورجع لها أخوها.
هزت راسها بمعنى إنها موافقة.
خالد لمح أحمد جاي من بعيد، قال بسرعة:
ـ خلاص اهدي وبلاش دموع.. أحمد جاي.
أحمد قرّب منهم، وشاف خالد ماسك إيد ياسمين، وقال له ببراءة:
ـ إنت ماسك إيد أختي ليه يا أبو علي؟ هتقبض عليها؟
خالد ضحك وقال:
ـ أختك هي اللي قبضت عليا يا أحمد باشا!
أحمد قعد وقال بدهشة:
ـ هي ياسمين بقت ظابط؟
خالد غمزلّه وقال:
ـ لأ.. بس بقت مرات ظابط!
أحمد بص ليهم وقال باستغراب:
ـ يعني إيه؟
ياسمين ابتسمت ولمست وشه بحنية وقالت له:
ـ أنا وحسن أبو علي اتجوزنا وإنت مسافر.
أحمد قال بحزن:
ـ اتجوزتوا وأنا مسافر ليه؟ كنتوا استنوا لما أرجع عشان أحضر الفرح!
ياسمين بصت لخالد بتوتر، وخالد رد بسرعة:
ـ إحنا قولنا مش هنعمل فرح غير لما أحمد يرجع بالسلامة.
أحمد فرح وقال:
ـ يعني هتعملوا فرح؟ وهلبس بدلة عريس؟
ياسمين ضحكت وخالد رد عليه:
ـ هجيبلك أحلى بدلة عريس!
أحمد ضحك بحماس وبص لياسمين وسألها:
ـ هو أبو علي جاب جاتوه من الغالي وهو جاي يخطبك؟
ياسمين بصت لأحمد بصدمة وخالد ضحك وقال:
ـ لا مجبتش بس ممكن أجيبلك دلوقتي حالا.. أنا عارف إنك بتحب الجاتوه.
أحمد قال ببساطة:
ـ مش مهم.. عمو راشد كان بيجيبلي جاتوه كتير وأنا هناك عشان كنت بعيّط، وكان بيصالحني.
ياسمين قلبها اتقبض وسألته بقلق:
ـ كنت بتعيط ليه يا حبيبي؟
أحمد بحزن:
ـ مايا قالتلي إن ماما ماتت.. وأنا كنت عارف إنها بتكدب.. بس كنت بزعل وعيّط، وعمو راشد كان بيجيبلي الجاتوه.
دموع ياسمين نزلت.. مش قادرة تقوله الحقيقة.
خالد قرب من أحمد، وقعد جنبه، ومسك إيده وقال بحنية:
ـ بص يا أحمد.. إنت بقيت راجل كبير، وفاهم، صح؟
ـ رد أحمد: صح.
ـ خالد:
ـ وعارف إن اللي بيموت بيروح عند ربنا في السما.. وبيشوفونا من فوق، وبيفرحوا لما يشوفونا مبسوطين.
أحمد بص ليه بدهشة، وبص لياسمين اللي كانت بتعيط، وقال:
ـ يعني مايا ما كذبتش؟ ماما فعلًا ماتت؟!
خالد هز راسه بالإيجاب، وأحمد بص لياسمين وقال:
ـ ما تعيطيش يا ياسمين.. عشان ماما ما تزعلش منك.. أنا مش هعيط عشان ماما بتشوفنا دلوقتي.
ياسمين مسحت دموعها بالعافية وقالت:
ـ حاضر يا حبيبي.
خالد قاله:
ـ في حاجة كمان يا بطل بس ده سر بينا..
أنا وياسمين هنشتري بيت كبير.. وهيبقى بيتك معانا، تعيش فيه زي ما بتحب.
أحمد قال بحماس:
ـ بجد؟ بيت كبير؟!
خالد:
ـ هيبقى فيه كل حاجة بتحبها.. بس هنحتاج شوية وقت نجهزه.. وفي الفترة دي تعيش مع عمك في بيت جدك، لحد ما نكون جاهزين.
أحمد بص لياسمين وسأل:
ـ وإنتي هتيجي معايا؟
رد خالد:
ـ لا، ياسمين هتساعدني نجهز البيت، وأول ما نخلصه.. نيجي ناخدك.
أحمد قال بحماس:
ـ موافق!
ياسمين قربت منه وقالت له بصوت هادي:
ـ بس أوعى تقول لجدك أو يحيى أي حاجة عن البيت الجديد.. ده سر بينا.
أحمد قال وهو بيغمز:
ـ سرّي يا ريس!
خالد ابتسم وقام وقال لياسمين:
ـ يلا نقوم.. عمك مستنينا.
ياسمين ضمت أحمد لحضنها بكل الحب.. كانت ماسكة إيده ومش عايزة تسيبه.
.....
بعد وقت،
خالد وياسمين وأحمد دخلوا الكافيه اللي كان فيه راشد ومراته وبنته.
الجو كان هادي بس فيه ترقّب.
مايا كانت قاعدة ووشها مدفون في موبايلها، بتقلب فيه بملل،
لكن أول لما رفعت عينيها وشافت خالد جاي ناحيتهم، وماسك إيد أحمد،
وجنبهم بنت محجبة ملامحها هادية... على طول قلبها قالها: "دي أكيد ياسمين!"
قربوا من الترابيزة، وراشد وقف من مكانه، استقبلهم بابتسامة واسعة،
ومد إيده يعرف ياسمين على عيلته بصوته الهادي:
راشد: سهام مرات عمك.. ومايا بنت عمك.
ياسمين ابتسمت ابتسامة بسيطة فيها احترام ومدت إيديها تسلّم.
سهام ردت السلام بود واضح، ونظرة فيها دفء وألفة.
إنما مايا... سلامها كان ناشف، بارد، وياسمين حست إن قدامها نسخة مصغّرة من يحيى…
نفس النظرة، نفس الجمود، ونفس البرود الغريب!
راشد طلب منهم يقعدوا معاهم شوية.
خالد قعد جنب راشد وانشغل معاه في الكلام،
وياسمين قعدت جنب خالد، لكن كان كل تركيزها مع أخوها أحمد،
بتتكلم معاه، بتحضنه، وتهزر معاه كأنهم لوحدهم في الدنيا.
قصادهم كانت سهام قاعدة، ومايا بنتها جنبها،
مايا بتلعب في شعرها بأطراف صوابعها وعينيها مش سايبة خالد لحظة،
بتراقبه وهو بيتكلم مع والدها،
وهي مش فاهمة إزاي مراته اللي قاعدة جنبه، مش مهتمة، وتركيزها كله مع أخوها الصغير عمالة تضحك معاه وتهزر!
كانت بتبص على ياسمين كأنها عايزة تفهم حاجة مش مفهومة.
همست مايا لمامتها بنبرة فيها استغراب مستفّز:
ـ شايفة قاعدة جنبه ومش مهتمة بيه أبدًا! وعمالة تهزر مع أخوها!
مامتها ردت بنفس الهمس، بس بعصبية حاولت تكتمها:
ـ قولتلك ملكيش دعوة بيهم.. مش عايزين مشاكل.
بس مايا فجأة قطعت الهدوء وسألت ببرود فجأة، وهي بتبص لياسمين وخالد:
ـ هو إنتوا متجوزين بقالكم كتير؟
ياسمين رفعت وشها وبصتلها باستغراب من السؤال،
وخالد كمان انتبه وبصلها،
لكن ياسمين ردت بهدوء:
ـ لا، مش من كتير.
مايا زودت الجرعة، واتكلمت بجراءة:
ـ غريبة!! أصل اللي يشوفكم يحس إنكم أغراب عن بعض.. مش زي اتنين لسه متجوزين جديد!
يعني أنا لو مراته.. مستحيل أبقى مشغولة بأي حد تاني غيره!
الكلام وقع على ياسمين زي الصدمة.
نظراتها بقت مصدومة من الوقاحة الغريبة دي،
وملامح خالد اتشدت فجأة.
راشد بص لبنته بحدة، وسهام قالت بغضب بتحاول تلحق اللي حصل:
ـ الناس هنا غير أمريكا يا مايا.
بصّت لهم بتوتر، وبصوت مرتبك قالت:
ـ معلش.. أصلها قضت نص عمرها في أمريكا ومش متعودة على الناس هنا.
راشد وشه بقى متضايق فعلًا،
واضح إنه متأفف من تصرفات مايا وجرأتها اللي بقت عبء عليه،
كان باين عليه الضيق، وقال وهو بيحاول ينهي الموقف:
ـ إحنا هنقوم نرجع البيت.. وأي وقت تحبي تشوفي أحمد، كلميني يا ياسمين.
ياسمين هزت راسها وهي لسه مش مستوعبة من كمية الوقاحة اللي شافتها في أول مقابلة مع بنت عمها.
وخالد وقف معاها وهو بيكتم غضبه، وسلّموا على أحمد وودّعوهم، لكن نظرات مايا لخالد كانت غريبة ومش مفهومة، وياسمين استغربت كل حاجة فيها.
ركبوا العربية.
وياسمين بصّت لخالد وقالت بنبرة فيها استغراب مش مريح:
ـ البنت دي غريبة شوية؟
خالد وهو بيشغل العربية، رد من غير تردد:
ـ غريبة جدًا.. بس عادي.. هي أخت يحيى.. هننتظر منها إيه!
ياسمين بصت له وقالت وهي متضايقة:
ـ بس نظراتها ليك كانت مش طبيعية.. وطريقتها!
خالد ضحك، وقال:
ـ شكل مخها تعبان.. سيبك منها.
لكن ياسمين ردت بغيظ وغيرة واضحة كانت مولعة في قلبها:
ـ إنت بتضحك على إيه؟ دي كانت تقريبًا بتعاكسك قدامي!
خالد رد وهو بيكتم ضحكته، وبهدوء خبيث:
ـ وأنا هعملها إيه؟ إنتي شوفتيني اتكلمت معاها ولا بصيت ناحيتها؟!
ياسمين انفعلت أكتر، عصبيتها بتزيد كل ثانية:
ـ خالد ما تضحكش.. أنا بجد متضايقة منها.. هي إزاي كده!
يعني إيه تقولّي "أنا لو مراته"؟!.. تبقى مراتك إزاي يعني؟
وكمان هو أنا إمتى كنت مشغولة بحد غيرك؟
خالد ماكانش بيرد، ساكت،
بس كان باين عليه إنه مستمتع بغيرتها، وبيشوفها أجمل لحظة في يومه.
وياسمين كانت قاعدة جنبه بتغلي،
ولحد ما وصلوا البيت، كان صمتها مليان نار.
ياسمين نزلت من العربية وطلعت الأوضة بسرعة،
خالد طلع وراها على طول.
دخل وراها،
لقاها بترمي شنطتها على السرير، وفكت طرحتها وبتتحرك في الأوضة بعصبية، ملامحها مشحونة ومتضايقة.
قرب منها، مسك إيديها،
ووقفها قدامه،
بصّ في عينيها بكل حب وهو بيقول بإحساس طالع من قلبه:
ـ ياسمين.. إنتي مراتي..
وحبيبتي وأجمل بنت شافتها عيني.
كلماته كانت زي السحر، خلت قلبها يهدى فجأة.
بصت له، وعينيها فيها لمعة حب.
رفع إيديه لمس وشها بحنية، وعينيه مليانة عشق وهو بيهمس:
ـ بحبك.
ابتسمت، وخجلها طلع في نبرتها وهي بترد:
ـ أنا كمان بحبك أوي يا خالد.
حضنته بقوة، وخالد ابتسم بسعادة حقيقية، ضمها أكتر لحد ما رفعها عن الأرض وهو بيهمس بحب:
ـ وحشتيني.
صباح اليوم التالي
في بيت الشرقاوي، جوه أوضة يحيى.
الباب كان مقفول، ويحيى طالع من الحمام لابس بيجامته، شعره لسه مبلول من المية، ماكنش متوقع يشوف حد في أوضته... لكنه فجأة وقف في مكانه لما لمح أخته "مايا" قاعدة بكل راحة على سريره، ومسكه الموبايل بتاعها وبتقلب فيه كأنها في أوضتها هي!
اتجمد لحظة، وبعدين مشي ناحيتها بخطوات غاضبة وصوته عالي:
ـ إنتي بتعملي إيه هنا؟ ودخلتي الأوضة إزاي من غير ما تخبطي؟ فاكرة إننا لسه صغيرين يا غبية إنتي؟!
مايا قفلت الموبايل براحة، ووقفت قدامه من غير أي توتر، بصت له وقالت بنبرة هادية جدًا عكس اللي في عينيه:
ـ أنا خبطت، ولما مردتش... دخلت!
رد عليها وهو بيتحرك في الأوضة بعصبية وبنبرة كلها استهزاء:
ـ مش فاهم إيه اللي رجعك تاني! كنا مرتاحين وإنتي في أمريكا.
ابتسمت ابتسامة فيها غموض، وقربت منه وهي بتتكلم:
ـ إنت اللي رجعتنا... جدك قال لبابا إنك اتجننت!
قالت الجملة الأخيرة وهي بتضحك باستفزاز، ضحكة نرفزت يحيى أكتر من أي حاجة، بصت لها بنظرة كلها نار، وزعق فيها وهو بيقرب منها خطوة مفاجئة:
ـ طب اطلعي بره أوضتي بدل ما تشوفي الجنان على حق!
مايا ردت بسخرية وهي لسه بتضحك:
ـ هي صحيح حلوة... بس مش للدرجة اللي تجننك كده!
يحيى رفع حواجبه بدهشة مفاجئة، نبرته اتغيرت وبقى فيها استغراب حقيقي:
ـ تقصدي مين؟!
ردت وهي ثابتة في مكانها، صوتها بارد بس عنيها فيها تحدي:
ـ ياسمين... بنت عمنا اللي ظهرت في حياتنا فجأة!
ابتسم يحيى بسخرية وهو بيقاطعها:
ـ وإنتي شوفتيها فين ياسمين؟!
مايا ردت بثقة وهي بتبص في عينيه من غير ما ترف:
ـ إمبارح... جوزها جه استقبلنا من المطار، واخد أحمد عشان يوديه ليها تشوفه!
الصمت خيم لحظة على الأوضة... ويحيى وشه اتبدل، اللي سمعه صدمه بجد.
قرب منها بخطوات سريعة ومندفعة، ومسك دراعها بعنف وصوته عالي بغضب:
ـ إنتي بتقولي إيه؟!!
مايا اتألمت من قبضته، وسحبت دراعها بسرعة من إيده وهي بتقول بنبرة فيها ألم، بس لسه محافظة على برودها:
ـ بقول اللي سمعته... بابا متفق مع جوز ياسمين إنه يرجع لهم أحمد، قابلناهم إمبارح... وبابا طلب مني ماعرفكش... لا إنت... ولا جدو!
رواية منعطف خطر الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم ملك ابراهيم
إمبارح...
جوزها جه استقبلنا من المطار، واخد أحمد عشان يوديه ليها تشوفه!
الصمت خيّم لحظة على الأوضة...
ويحيى وشه اتبدل، اللي سمعه صدمه بجد.
قرب منها بخطوات سريعة ومندفعة، ومسك دراعها بعنف وصوته عالي بغضب:
ـ إنتي بتقولي إيه؟!
مايا اتألمت من قبضته، وسحبت دراعها بسرعة من إيده وهي بتقول بنبرة فيها ألم، بس لسه محافظة على برودها:
ـ بقول اللي سمعته... بابا متفق مع جوز ياسمين إنه يرجع لهم أحمد، قابلناهم إمبارح... وبابا طلب مني ماعرفكش... لا إنت... ولا جدو!.
يحيى اتجمد مكانه، عينيه بتتحرك عليها ببطء.
وشه كان بيغلي من الغضب، وشفايفه اتحركت بهمس فيه قهر مكتوم:
ـ كمان بابا واقف في صفه... وعايز يساعدهم!
فضل واقف ساكت، سكون مرعب قبل العاصفة.
مايا كانت واقفة بتبص عليه، عينها بترقبه مترقبة منه أي رد فعل... ضربة، صرخة، كسر في أي حاجة حواليه.
لكن يحيى خالف توقعاتها... فجأة ضحك.
ضحكة باردة، كلها شر وغموض، ضحكة تخلي اللي قدامه يتوتر من نبرتها.
قرب منها، وعيونه مليانه مكر، وقال بنبرة هادية بس تقيلة:
ـ انتي ماقولتليش حاجة.
مايا رمشت بدهشة، ما فهمتش قصده في الأول.
بس ملامحه كانت واضحة... راسه بيخطط، بيرتب حاجة، هز راسه باتفاق ضمني وقال:
ـ مش لازم بابا يعرف إنك قولتيلي... عشان يثق فيكي وتفضلي قريبة منهم... وتعرفيني بكل خطتهم.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وش مايا، عينها بقت فيها تحدي، وراحت قايلة بثقة:
ـ والمقابل؟
يحيى بعد عنها شوية بخطوتين، نفسه اتسحب مع الجملة اللي قالها بنبرة مليانة غموض:
ـ اللي انتي عايزاه.
ضحكت مايا، ضحكة ناعمة بس كلها خبث، وقالت:
ـ يبقى اتفقنا.
كانت لسه هتلف وتخرج... لكن صوت يحيى جه وراها فجأة، نبرته كانت جد أكتر من أي وقت:
ـ بس جدك مش لازم يعرف.
مايا هزت كتفها ببرود وهي بتتكلم من غير ما تبص له:
ـ مش من مصلحتنا إنه يعرف.
وخرجت من الأوضة...
ويحيى واقف مكانه، بص للباب اللي قفل وراها، وبصوت همس فيه استغراب حقيقي، كرر كلمتها:
ـ مصلحتنا؟!
في شقة معتصم.
صوت جرس الباب كسر هدوء الصباح...
زينة فتحت عنيها على رنة الجرس وقالت بقلق وهي بتبص لمعتصم:
ـ مين اللي هيجي عندنا الصبح بدري كده؟!
معتصم قام من جمبها وقال وهو بيطمنها:
ـ هشوف مين.. ارتاحي انتي مكانك، متتحركيش.
خرج من الاوضة وزينة ابتسمت بحب، ومدت إيديها على بطنها وهي بتتنهد براحة وسعادة... لسه لحد دلوقتي مش مصدقة إن جواها حتة منه... من معتصم حبيبها.
عند الباب.
أول ما معتصم فتح الباب، اتجمد لحظة من المفاجأة... أبوه واقف قدامه، وراه عمته زهيرة متلحفة بشالها الاسود، وعلى وشها ابتسامة فيها لهفة وفرحة، وجنبها زينب، مرات أخوه، ووشها عليه ابتسامة مزيفة باينة من أول نظرة.
وجودهم مكانش متوقع، خصوصًا أبوه اللي كان زعلان منه ومكلمهوش من يوم ما اتجوز زينة.
معتصم استقبلهم بقلب مفتوح وابتسامة واسعة:
ـ أهلًا يا أبويا.
ونزل على إيد أبوه وباسها بكل احترام.
أبوه فتح دراعه وخده في حضنه وقال بفرحة كبيرة:
ـ ألف مبروك يا بني.
عمته زهيرة من كتر فرحتها بدأت تزغرد وهي بتقول بسعادة:
ـ ألف مبروك يا معتصم!
دخلهم معتصم جوه الشقة، وكانت إيديهم مليانة هدايا، جايبين حاجات كتير من البلد.
في أوضة زينة.
صوت الزغاريد وصلها ولفت انتباهها، عرفت من أول صوت إنها أمها... قامت بسرعة من علي السرير، لبست عباية استقبال رقيقة... وقلبها بيدق بخوف وفرحة في نفس الوقت.
بعد لحظات، دخل عليها معتصم وهو مبتسم وقال بسعادة:
ـ أبويا وعمتي برا.. جايين يباركولنا.
زينة بصت له بتوتر وقالت وهي بتكمل لبسها:
ـ أنا مكسوفة منهم أوي يا معتصم.
معتصم قرب منها، وضحك وهو ماسك خدودها بحنية وقال بمشاكسة:
ـ مكسوفة من إيه يا مجنونة؟ خلصي لبسك بسرعة وتعالي معايا نخرجلهم.
لبست زينة بسرعة وخرجت معاه.
قربت من خالها، وسلّمت عليه، وهو بارك لها بكل حب.
أمها قامت، ولهفتها سبقت خطواتها، حضنتها بقوة ودموع الفرحة مالية عينيها... قلبها كان بيحضن بنتها أكتر من إيديها.
لكن... عيون زينب كانت غير الكل.
وقفت تراقب المشهد، وعنيها مثبتة على بطن زينة بنظرة تقيلة مرعبة...
زينة لما خرجت من حضن أمها وشافتها قدامها، قلبها دق بسرعة... نظرتها كانت غريبة ومش مريحة.
معتصم وهو واقف جنب أبوه، لاحظ كل حاجة... نظرة زينب، ابتسامتها الباردة... وفهم على طول إنها مش جاية تهني... جايه شايلة سم ورا وش متلون.
زينب قربت من زينة فجأة، وابتسمت ابتسامة مزيفة وهي بتقول:
ـ مبروك يا زينة.. متعرفيش أنا فرحتلك قد إيه.
زينة فضلت واقفة متجمدة... مش قادرة ترد بنفس مشاعرها، ولا حتى بابتسامة.
بعدت عنها وهي حاسة بتوتر في قلبها، وقعدت.
زهيرة حاولت تكسر الجو وقالت بحب:
ـ أنا عملتلك يا زينة كل الأكل اللي بتحبيه.. وجبتلك بط وحمام وفراخ بلدي وعسل أبيض عشان تتغذي.
ضحكت زينة وقالت:
ـ إيه كل ده يا ماما!
زينب دخلت في الكلام وقالت بابتسامة مزيفة:
ـ وأنا جبتلك قشطة... عارفة إنك بتحبيها.
زينة بصتلها بتوتر، ومعتصم عينه ما سابتش زينب، بيحلل كل حاجة في تعبير وشها، وكل حركة من حركاتها.
زينة قامت وقالت بتوتر:
ـ تشربوا إيه؟
رد خالها بحزم:
ـ إحنا مش جايين ناكل ولا نشرب.. إحنا جايين نبارك وهنمشي على طول عشان نلحق نرجع البلد.
معتصم اعترض بسرعة:
ـ مينفعش يا أبويا.. دي أول مرة تيجي بيت ابنك.
وبصلها وقال بهدوء:
ـ فطار يا زينة.
هزت راسها، وكانت لسه هتدخل المطبخ، لكن صوت زينب جه فجأة:
ـ أنا هاجي أساعدك يا زينة.
معتصم رد بجدية:
ـ لا يا زينب ميصحش... خليكي مرتاحة.
قامت زهيرة وقالت بحماس:
ـ أنا هقوم أساعد بنتي... تعالي يا حبيبتي.
خدت بنتها ودخلوا المطبخ... وزينب فضلت قاعدة مكانها، نار جواها مولعة، ومعتصم شايف كل حاجة.
أبوه بص له وقال بفرحة:
ـ فرحت قلب أبوك يا معتصم... كان نفسي أشوف حفيد يشيل اسم العيلة قبل ما أموت.
معتصم قال بحب:
ـ العمر الطويل ليك يا أبويا.
وبص لزينب، وسأل:
ـ وممدوح أخويا عامل إيه؟
ملامح الحزن ظهرت على وش أبوه وهو بيرد:
ـ بخير يا بني... كان ناوي ييجي معانا بس انت عارف الأرض وشغلنا مينفعش يسيبه.
هز معتصم راسه بتفهم وقال:
ـ عارف يا بويا.. ربنا يعينه ويقويه.
زينب قامت بتوتر وقالت:
ـ أنا هقوم أشوف عمتي وزينة لو محتاجين مساعدة.
ودخلت المطبخ...
معتصم استغل الفرصة وبص لأبوه وسأله:
ـ ممدوح لسه زعلان مني يا أبويا؟ أقسم بالله العظيم يا أبويا أنا عمري ما كان في حاجة بيني وبين زينة قبل ما اتجوزها.
رد أبوه بحسم:
ـ خلاص يا معتصم، الموضوع ده اتقفل، وزينة بقت مراتك دلوقتي وشايلة ابنك في بطنها.
اتكلم معتصم بصدق:
ـ أنا مش عايز أخسر أخويا يا أبويا... ممدوح أخويا الكبير، وعمري ما أعمل حاجة تزعله. نفسي يصدقني ويعرف الحقيقة.
رد أبوه وهو بيحط إيده على كتفه:
ـ أخوك مش زعلان منك يا معتصم... بكره الأيام تظهر الحقيقة.
معتصم سأله بفضول:
ـ وهو عمل إيه في موضوع الجواز؟
رد أبوه بهدوء:
ـ من بعد جوازك وهو سكت... قولتله يختار أي بنت من بنات البلد وأنا أجوزها له... وهو مش عايز.
اتكلم معتصم بحزن:
ـ ربنا إن شاء الله يرزقه بالذرية الصالحة.
في بيت الدريني.
ياسمين كانت واقفة قدام المراية، بتلف الطرحة بسرعة وهي بتقول لخالد بلهجة فيها عتاب:
ـ عجبك كده؟ أخرتني على المصنع!
خالد قرب منها وهو بيضحك، ولف دراعه حواليها، وبص معاها في المراية وقال بشقاوة:
ـ قولتلك هوصلك المصنع بسرعة متقلقيش.
قالت وهي متضايقة بس بنعومة:
ـ باباك هيقول عليا إيه دلوقتي؟ أكيد سبقني على المصنع وهيفتكر إني بتأخر!
رد خالد وهو بيضحك:
ـ هيقول إن ابنه اتصالح مع مراته ومن حقها تتأخر.
ياسمين بصت له وقالت بحزم رقيق:
ـ طب يلا بقى وصلني، عندي اجتماع مهم ومينفعش أتأخر أكتر من كده.
ضحك وقال بفخر وهو بيعدل هدومه قدام المراية:
ـ سامع إنك عاملة شغل عالي في المصنع.. عرفتي كل ده دي منين؟
ردت عليه وهي بتخبط كتفه بدلع:
ـ هو انت متجوز أي حد ولا إيه؟
ضحك وهو بيضمها:
ـ لا طبعًا، انا متجوز أجمل بنت في الدنيا.
لسه بيقرب منها لكن ياسمين بعدت بهزار وهي بتضحك:
ـ خليك مكانك يا حضرة الظابط.
وجريت على باب الاوضه وخرجت بسرعة وهي بتضحك.
خرج وراها، ونزلوا تحت.
بهيرة كانت قاعدة بتشرب قهوتها، وأول لما شافتهم نازلين وشايفه الضحكة على وش ابنها، ابتسمت من قلبها.
قربوا منها وقالوا بصوت واحد وهم بيضحكوا:
ـ صباح الخير.
ردت بهيرة بابتسامة دافية:
ـ صباح النور .. مش هتفطروا؟
خالد رد بسرعة وهو بيبص على الساعة:
ـ لأ يا ماما، متأخرين..
هوصل ياسمين ع المصنع وبعدين أروح الشغل.
بهيرة هزت راسها بتفهم وسكتت، وسابتهم يخرجوا.
خالد ركب العربية ووصل ياسمين، وبعدها طلع على شغله.
وهو في الطريق، جاله تليفون من المخبر اللي بيراقب يحيى،
قاله بنبرة جد:
ـ الصفقة هتتسلم بكرة قبل الفجر في الجبل، ويحيى هيكون موجود بنفسه.
خالد شد نفسه، وخد منه كل التفاصيل، وساق بسرعة على مديرية الأمن.
عند مهاب.
كان بيقفل باب شقته وهو خارج، ولما لف لقى آدم طالع من شقة منة، ماشي بخطواته الصغيرة في الطرقة.
مهاب ابتسم أول لما شافه، وقرب منه وشاله من على الأرض وهو بيقول بابتسامة:
ـ أنت طالع لوحدك كده ليه يا بطل؟
في نفس اللحظة، منة خرجت بسرعة من شقتها، ووشها كله قلق، وأول ما شافت آدم في حضن مهاب، تنهدت براحة وقالت:
ـ أنا آسفة جدًّا.. نسيت أكل آدم جوه، دخلت أجيبه وسبت الباب مفتوح.
مهاب بص لها بابتسامة خفيفة وقال:
ـ أنا فعلًا استغربت لما لقيته خارج لوحده.
منة قفلت باب شقتها وقالت بسرعة:
ـ أصل اتأخرت على شغلي النهاردة، ومخي مش معايا.. بنسى كل حاجة!
قربت منه علشان تاخد آدم، بس مهاب قال بهدوء:
ـ سيبيه معايا، أنا نازل معاكم.
نزلوا سوا من العمارة، ولما وصلوا تحت، منة وقفت وقالت له بابتسامة بسيطة:
ـ شكرًا يا أستاذ مهاب.
قالها وهو لسه شايل آدم:
ـ تحبي أوصلكم بالعربية؟ عشان متتأخريش أكتر؟
هزت راسها بسرعة وقالت بنبرة حازمة:
ـ لأ.. مش هينفع أركب عربيتك. آسفة.
وخدت آدم من على دراعه وقالت وهي بتهرب من نظراته:
ـ شكرًا.. دايمًا بتتعب معايا.
رد بهدوء وهو واقف مكانه:
ـ ولا تعب ولا حاجة.
منة مشيت بسرعة وهي شايلة ابن أختها، ومهاب فضل واقف يبصلهم..
كان باين على وشه الإعجاب.
واضح إن شخصية منة لفتت نظره،
وعجباه قوي إنها شايلة مسؤولية كبيرة لوحدها.. وبقوة.
...........
في المصنع.
ياسمين كانت ماشية وسط المكن، عينها على كل حاجة، بتتابع حركة العمال وجودة الإنتاج.
هشام كان واقف جنب واحدة من الماكينات، بيظبط حاجة فيها.
وبعد ما خلص، العامل اللي جنبه ابتسم وقال له:
ـ تسلم إيدك يا باشمهندس، المكنة بقت ماشية زي الفل.
في اللحظة دي، ياسمين كانت قريبة منهم، وابتسمت وقالت:
ـ تسلم إيدك فعلًا.. كل العمال مبسوطين بعد الصيانة اللي عملتها امبارح، المكن فرق أدائه واضح.
هشام ابتسم وقال بنبرة فيها حماس:
ـ إن شاء الله أكون عند حسن ظنك، وأقدر أساعدك في تنفيذ الخطة الإنتاجية الجديدة.
ياسمين هزت راسها بابتسامة خفيفة وقالت:
ـ إن شاء الله.
ولفت تمشي، بس سمعته بينادي:
ـ أستاذة ياسمين؟ ممكن أسأل سؤال؟
رجعت له بخطوة، وسط دوشة صوت المكن اللي حواليهم، وقالت:
ـ اتفضل؟
بص على إيديها وسألها بنبرة مترددة:
ـ هو... هو انتي ليه مش لابسة دبلة جواز؟
سؤال فجّئها.
بصت على إيديها للحظة، وبعدين رفعت عينيها عليه، وقالت بنبرة حادة وواضحة:
ـ ياريت تركز في شغلك والمكن أكتر يا باشمهندس.. هو ده سبب وجودك هنا.
وسابته ومشيت من غير ما تستنى رد.
هشام فضل واقف مكانه، وبص في الأرض لحظة وهمس لنفسه وهو بيبصلها من بعيد:
ـ البنت دي فيها حاجة مختلفة.
بعد يوم طويل في المصنع، رجعت ياسمين البيت مع سالم الدريني في عربيته، وهو طول الطريق بيتكلم بحماس وسعادة عن الإنتاج الكبير اللي المصنع حققه النهاردة.
أول ما دخلوا البيت، بهيرة كانت واقفة في الصالة وقالت لياسمين:
ـ خالد فوق.
استغربت ياسمين إن خالد رجع بدري، وطلعت بسرعة على أوضتهم.
فتحت الباب بهدوء، وشافته لابس لبس مختلف عن الصبح، وشكله بيجهز علشان يخرج تاني.
قربت منه وهي بتسأله بقلق:
ـ خالد.. انت خارج تاني؟
بص لها بابتسامة فيها حب وقال:
ـ آه يا حبيبتي.. عندي مأمورية ولازم أنزل دلوقتي.
سألته بقلق:
ـ مأمورية تاني يا خالد؟ هو انت شغلك كله لازم يبقى في الخطر ده؟
رد وهو بيطمنها:
ـ ياحبيبتي ده شغلي، ولازم أكون جاهز في أي وقت.
قرب منها وقال بنبرة هادية:
ـ ممكن تغمضي عينيكي؟
بصتله بدهشة، لكنه كرر الكلام بهدوء أكتر:
ـ غمضي عنيكي بس.
غمضت عينيها، وبعد لحظات سمعته بيهمس:
"افتحي."
فتحت عنيها، لقت في إيده علبة صغيرة شكلها أنيق.
فتحها قدامها، وكانت جواها دبلة جواز ليها ودبلة ليه.
ياسمين اتفاجئت وقالت بدهشة:
ـ إيه ده؟
قال وهو بياخد الدبلة من العلبة:
ـ دي دبلة جوازنا.. علشان كل الدنيا تعرف إنك مراتي، وحبيبتي، وملكي أنا وبس.
لبسها الدبلة في إيديها، وقلبها بيرف من الفرحة.
ولبس دبلته وقال وهو بيهزر:
ـ ودي بقى عشان أرتاح من البنات اللي بيعاكسوني.
ضحكت وضربته في صدره بخفة وقالت:
ـ مين دول بقى؟
قال وهو بيضحك:
ـ كتير يا بنتي.. مش ملاحق.
اتكلمت بغيرة حقيقية:
ـ اسكت بقى، أنا بغير بجد.
قرب منها ومسح على خدها بحنية وقال:
ـ يسلملي اللي بيغير عليا.
بصت على الدبلة وقالت بسعادة:
ـ شكلها حلو أوي... ربنا يخليك ليا.
ضمها لحضنه وقال بهدوء:
ـ ويخليكي ليا يا حبيبتي.
بعد لحظات من السكات بينهم، بص في عنيها وقال بنبرة مختلفة:
ـ أنا لازم أمشي دلوقتي.. خلي بالك من نفسك يا ياسمين. وخليكي فاكرة دايمًا إني عمري ما حبيت غيرك.. إنتِ أول وآخر حب في حياتي.
قلبها وجعها فجأة، ودموع لمعت في عينيها وقالت بخوف:
ـ خالد.. انت ليه بتقول كده؟ متخوفنيش.
حضنته بقوة، كأنها عايزة الوقت يوقف عند اللحظة دي.
هو كمان حضنها بقوة، وتنهد وقال:
ـ حبيبتي لازم أمشي.
سابت أيديه، بس عينيها كانت بتودّعه من غير ما تنطق.
خرج خالد من الأوضة، وهي فضلت واقفة مكانها، إحساس غريب جواها بيكبر.
رفعت عينيها للسما، وقلبها بيردد دعوة واحدة:
"يا رب ترجعلي بالسلامة."
........
في وقت متأخر من الليل.
في قلب الجبل،
الهوى كان بيلف حوالين الصخور، والضلمة محاوطة المكان.
الوادي بين الجبال كان هادي بشكل مريب.. بس الهدوء ده كان بيخبّي وراه نار.
القوات كانت متوزعة كويس، كل فرد متخفي ورا صخرة أو مستوي مع الأرض، لابسين هدوم مموهة ومافيش صوت نفس بيطلع منهم.
خالد واقف في أعلى نقطة، ماسك المنظار الليلي، وعينه مابتتحركش من على الطريق المرسوم قدامه.
كان قائد المأمورية دي، ومابيفكرش في حاجة غير إنه يقفل الملف ده للآخر.. مهما كلفه.
بعد حوالي ساعة،
نقطة نور ظهرت في البُعد.. نور بيكبر واحدة واحدة.
خالد رفع اللاسلكي وقال بصوت هادي لكن حاسم:
ـ "كله في مكانه.. مافيش طلقة تطلع غير بأمر مباشر مني."
ثواني..
والنور بقى واضح.
ست عربيات دخلت منطقة الرصد.
من الشرق: عربيتين ملاكي ووراهم عربية نقل تقيل.
ومن الغرب: تلات عربيات ملاكي بيقابلوهم من الاتجاه المعاكس.
وصلوا لنقطة وسط، النور اتحوّل لإشارات متقطعة من كشافات العربيات.
إشارة متفق عليها.
خالد كان بيراقب بمنتهى التركيز.
شاف يحيى بينزل من عربيته، حواليه 3 من رجالة، كلهم مسلحين.
ومن الاتجاه التاني، نزل الراجل التاني – واضح إنه المهرب الكبير – وراه برضو رجالة، شكله معروف لخالد من ملفات سابقة.
اللحظة اللي خالد كان مستنيها جات.
يحيى مشي ناحية عربية النقل، فتح الباب الخلفي، وبدأ يشيّك على الشحنة.
أسلحة تقيلة، مربوطة بإحكام.. واضح إنهم جاهزين للتسليم.
خالد كان على وشك يدي الإشارة للهجوم،
لكن فجأة..
من ورا الجبل، ظهرت نقطة نور غريبة.
منظار خالد اتنقل بسرعة.
العربية دي كانت واقفة بعيد، طافية النور تقريبًا.. بس انعكاس بسيط من القمر خلاه يلمحها.
مش تبع الفريق، ومش من عربيات الصفقة.
الشخص اللي جواها كان قاعد بيراقب المشهد كله من بعيد..
واضح إنه الدماغ الكبيرة اللي بتتأكد بنفسها إن الصفقة ماشية تمام.
خالد شد اللاسلكي وقال بصوت مفيهوش تردد:
ـ "في طرف تالت بيراقب من بعيد.. ما حدش يتحرك. الهجوم هيبدأ لما أقول ."
رد صوت معتصم في اللاسلكي، ورا الجبل:
ـ "كلنا جاهزين .. ممكن مجموعة تتحرك على الطرف التالت، والهجوم كله يحصل في لحظة واحدة."
خالد بص تاني على العربية اللي بعيد..
عينه كانت بتلمع من التركيز، وقال:
"مش محتاجة مجموعة يا معتصم، أنا اللي هتحرك ناحيته. خليكوا كلكم في أماكنكم، ولما أدي الإشارة، الكل يتحرك في نفس الثانية."
خالد بدأ يتحرك.
هبط من مكانه، وبيجري بحذر وسط الصخور، خطواته محسوبة، وكل ما يقرب، الأرض كانت بتتسحب من تحته.
وصل قريب من العربية اللي مرصود فيها الطرف التالت، وقف ورفع اللاسلكي بصوت منخفض، لكن مليان قرار:
"اضربوا."
وفي نفس اللحظة، اتحرك خالد ناحية العربية وهو بيشهر سلاحه.
وفي الخلف، انفجر المشهد!
أصوات طلقات نار بدأت تدوي في قلب الجبل، ووهج الرصاص كان بيشق الضلمة زي البرق.
رجالة الشرطة هجمت بحرفية مرعبة.
كل مجموعة كانت بتتحرك في اتجاهها بدقة.
مفيش ارتباك.
مفيش تردد.
في اللحظة دي، العربية اللي فيها الطرف التالت ولعت النور فجأة، وحاولت تتحرك بسرعة للهروب، لكن خالد كان واقف قدامهم، وسلاحه سبقهم.
طلق نار راح في كويتش العربية.
صوت الفرقعة كان عنيف، والعربية وقفت مكانها زي تمثال.
عند يحيى، اللي كان لسه بيتفحص الأسلحة، اتصدم وهو شايف الهجوم جاي من كل اتجاه.
شد سلاحه بسرعة، واستخبى ورا واحد من رجالته، لكن الرصاص كان سابقهم، واحد ورا التاني بيقع قدامه.
بقى لوحده.
لف حواليه، لقى نفسه محاصر برجالة الشرطة، ووشه ما بين الخوف والذهول.
أما عند العربية البعيدة...
خالد واقف، وسلاحه مرفوع، وعينه مثبتة على باب العربية اللي قرب يفتح.
لحظة...
الباب اتفتح.
وخرج منه شخص ببطء.
خالد شد نفسه، استعد يضرب لو اضطر.
لكن فجأة...
الصدمة ضربت قلبه.
اللي نزل من العربية هو جده... اللواء وحيد.
الوقت وقف، وسلاح خالد اتهز في إيده للحظة، عينيه كانت بتسأل:
"إزاي؟"
جده اللواء وحيد نزل من العربية... ووقف قدام خالد بكل برود.
وشه ثابت، ملامحه مش بتتحرك، وكأن كل حاجة بتحصل حواليه ما تخصوش.
لسه فيه صفات رجل الشرطة القديم اللي اتعود يواجه أي حاجة من غير ما يرمش.
خالد واقف... وسلاحه بيتهز في إيده.
مش من خوف، من الصدمة.
كل حواسه بتقوله إن اللي قدامه ده خطر... بس قلبه مش قادر يصدق.
اللواء وحيد مشي ناحيته بخطوات ثابتة، وصوته طالع بنبرة غاضبة، لكنها مكتومة:
"مكنتش أعرف إنك غبي للدرجة دي يا خالد... أنا مش بعدتك عن القضية دي؟!"
الكلمات كانت تقيلة.
كل حرف منهم كان بيسقط جوه خالد زي حجر.
خالد ابتلع صدمته، وبدأ يستوعب الحقيقة اللي كانت دايمًا بتخبط جواه، بس كان بيرفض يصدقها.
هو كان شاكك... بس دلوقتي ما فيش شك.
الدليل قدامه، شايفه بعينه... وبيتكلم.
خالد رمق العربية من ورا جده، كان واضح إن فيه حد تاني قاعد ورا.
حد مش باين، لكن موجود.
رجع عينه لجده، ونزل سلاحه لتحت، وصوته طلع قوي... واضح:
"وياترى بعدتني ليه؟ عشان ما أكشفش حقيقتك؟"
اللواء وحيد بصله بنفس البرود، لكن صوته بقى أهدى:
"عشان ما تخسرش حياتك."
ثانية واحدة... كأن الدنيا كلها وقفت.
نظرة خالد لجده اتغيرت.
كأنه بيشوفه لأول مرة في حياته!
وفجأة...
رصاصة واحدة خرجت.
من سلاح شخص واقف ورا جده.
الرصاصة جت من ورا، شقت الهوى بسرعة، وغرزت في صدر خالد.
لحظة صمت مرعبة.
جسم خالد رجع خطوة لورا، وسلاحه وقع من إيده قبل ما يقع هو كمان على الأرض.
عينه مفتوحة، وبتبص على جده.
مش بكراهية، لكن بدهشة... ووجع.
رواية منعطف خطر الفصل الخمسون 50 - بقلم ملك ابراهيم
وياترى بعدتني ليه؟
عشان ما أكشفش حقيقتك؟
اللواء وحيد بص له بنفس البرود، لكن صوته بقى أهدى:
ـ عشان ما تخسرش حياتك.
ثانية واحدة..
كأن الدنيا كلها وقفت.
نظرة خالد لجده اتغيرت.
كأنه بيشوفه لأول مرة في حياته!
وفجأة...
رصاصة واحدة خرجت.
من سلاح شخص واقف ورا جده.
الرصاصة جت من ورا، شقّت الهوى بسرعة، وغرزت في صدر خالد.
لحظة صمت مرعبة.
جسم خالد رجع خطوة لورا، وسلاحه وقع من إيده قبل ما يقع هو كمان على الأرض.
عينه مفتوحة، وبتبص على جده.
مش بكراهية، لكن بدهشة... ووجع.
اللواء وحيد اتجمد في مكانه، وبعدها لف بحدة ناحية اللي واقف ورا – نفس الشخص اللي ضرب النار – وعينيه مليانة صدمة وغضب مكتوم.
صوته انفجر وهو بيزعق فيه بكل قوته:
ـ انت اتجننت؟!
بتقتل حفيدي؟!
الراجل رد ببرود قاتل، وصوته ثابت كأن الرصاصة كانت قرار عادي:
ـ لو ما قتلتوش... كان هو اللي هيقتلنا.
اللواء وحيد ما ردش، جري ناحيه خالد، ونزل على ركبته جنبه على الأرض.
إيده كانت بترتعش وهو بيحاول يهزّه، وعينيه اتملت بدموع خوف حقيقي على حفيده اللي اتربى وكبر قدام عينيه.
صوته طلع مهزوز وهو بيحاول ينقذه:
ـ خالد!
خالد يا ابني... افتح عينك.
خالد فتح عيونه وبص له.
وشه كان هادي، بس متغطي بوجع.
الراجل التاني قرب، وشد اللواء من دراعه بعنف، صوته كان واقعي، بارد، مايعرفش لا دموع ولا ندم:
ـ "قوم!
مفيش وقت للمشاعر دي دلوقتي.
لازم نمشي دلوقتي حالًا."
اللواء وحيد كان متجمد مكانه جنب حفيده.
رجليه رافضه تقوم، بس العقل العسكري اللي جواه كان بيزنّ عليه بصوت عقلاني:
"لو فضلت، زمايله هيمسكوك وهتقضي عمرك كله في السجن."
اللواء وحيد قام واقف، عينه لسه على خالد، اللي كان بيمدّ إيده كأنه بيحاول يتمسك بالحياة...
بس عنيه بدأت تضعف، ورمش ببطء، لحد ما غمّض... واستسلم.
الراجل التاني ما استناش لحظة، مسك وحيد من دراعه بقسوة، وسحبه معاه جوه الجبل، الوقت بيعدي، والساحة لازم تفضى.
عند معتصم وباقي القوة، كانت العملية ناجحة:
قبضوا على يحيى والمهرب التاني، وكل واحد فيهم اتكلبش وإيده ورا ضهره، والمكان حواليهم مليان صوت أنفاس سريعة وصفارات داخل اللاسلكي.
معتصم مسك اللاسلكي، صوته كان سريع:
ـ يا خالد، الوضع عندك ايه؟ ردّ عليا.
لكن الصمت كان مخيف.
مفيش رد.
قلبه دق بسرعة، وفي لحظة، اندفع جاري ناحية العربية اللي كان فيها الطرف التالت.
إيده على سلاحه، وخطواته محسوبة، بس قلبه بيسبق رجليه.
وصل للمكان...
وشاف العربية.
مفيش حركة.
قرب أكتر، وفجأة اتجمد مكانه...
خالد كان مرمي على الأرض.
جري معتصم بأقصى سرعته، ونزل على ركبته جنب صاحبه، عينه اتجمدت وهو بيشوف الدم مغرق هدوم خالد، صوته خرج مكسور:
ـ خالد! خالد!
كان خالد لابس واقي من الرصاص، بس الصدمة...
إن الرصاصة اخترقته.
إيده بسرعة بدأت تفك الواقي من على صدره، وصوته مصدوم:
ـ إزاي؟!
إزاي الرصاصة عدّت؟!
الواقي وقع على الأرض، وتحته... الدم كان بيغرق جسم خالد.
معتصم هزّه.. مرة ورا التانية، لكن خالد ما ردش.
لسه عايش، بس النفس ضعيف، والدم مش بيوقف.
معتصم رفع اللاسلكي، وصوته كان بيصرخ:
ـ اسعاف!
عايز إسعاف فورًا للموقع... إصابة حرجة!
كرر: إصابة حرجة! بسرعة!!.
كان بيحاول يوقف النزيف، ضغط على الجرح بإيديه، وعينه مش سايبة خالد، وصوته بيترجى الحياة:
ـ استحمل.. استحمل يا خالد... الإسعاف جاية.
في قلب الجبل
كان الظلام تقيل، والصمت حوالين اللواء وحيد بيزنّ في ودانه زي لعنة.
هو والشخص اللي معاه اتحركوا بسرعة، ولما بعدوا عن مكان الاشتباك ووصلوا لموقع آمن وسط الصخور، الراجل طلع جهاز لاسلكي غريب الشكل، وضبطه على تردد مش معروف...
صوته كان واطي لكنه حاسم:
ـ هنا (رمز مشفر)... نحتاج دعم فوري وسحب من المنطقة... خلال 10 دقايق، لازم نكون برا.
قفل اللاسلكي، وبص ناحية اللواء اللي كان قاعد على الأرض، عنيه في الأرض، وتنفسه مش منتظم.
الراجل قرب منه وقال بنبرة مطمئنة:
ـ عشر دقايق بالكتير، والمساعدة هتوصل ونبقى في أمان.
والحمد لله إن العربية مستأجرة ومن غير لوحة... مش هيعرفوا يوصلولنا.
اللواء وحيد رفع عينه فجأة، نظرة كلها غضب وقهر:
ـ أمان؟!
أنت بتقولي بقينا في أمان بعد ما قتلت حفيدي قدام عيني؟!
الراجل شد نفسه، وصوته بقى حاد:
ـ من أول يوم دخلت شغلنا... وانت عارف إن مفيش عواطف هنا.
ده قانوننا.
وانت أول واحد طبّقه...
لما قتلت جوز بنتك بإيدك...
عشان عرف حقيقتك، وعرف إنك المسؤول الأول عن دخول السلاح البلد دي.
اللواء بص له بعين مكسورة، فيها وجع مش قادر يخبيه، صوته طالع متقطع من الغيظ:
ـ بس ده كان جوز بنتي... يعني موته ميوجعنيش.
إنما ده...
ده حفيدي!
فاهم يعني ايه؟!
الراجل ما تعاطفش، رد عليه ببرود قاتل، كأن اللي بيقوله ده بديهي:
ـ حفيدك كان هيقبض علينا...
كان هيكشفنا، ويهدم كل اللي بنبنيه من سنين.
وانت عارف كويس لو اتكشفنا، إيه اللي هيحصل...
انت أكتر واحد فاهم التمن.
اللواء سكت.
بص قدامه، العتمة كانت سودة، بس مش أكتر من السواد اللي جواه.
همس بكلمات طلعت من قلبه مش من لسانه:
ـ "ليه يا خالد...
ليه ما فهمتش إني كنت ببعدك عشان أحميك؟"
صدى صوته اتكسر وسط الجبل.
في بيت الدريني.
الهدوء ساكن، والدنيا لسه مظلمة، والفجر بيعلن عن نفسه من بعيد.
ياسمين كانت واقفة في البلكونة، عينها على الجنينة اللي مغسولة بندى الفجر، وقلبها متعلق بالبوابة الرئيسية...
مستنية خالد.
صوت الأذان ارتفع في السماء، هادي، مطمئن، لكن في قلبها قبضة غريبة، حاجة مش مفهومة...
بس تقيلة.
رددت الأذان بصوت هادي، وكل جملة كانت بتخرج من قلبها مش من لسانها.
النوم هرب من عنيها، مش هيرجع، غير لما تشوفه داخل عليها، بخير وبيضحك، زي كل مرة.
دخلت أوضتها على نور خافت، البيت كله ساكن، وصوت الأذان لسه بيرن في قلبها.
اتوضت، وفرشت سجادة الصلاة، ووقفت تصلي، صوت نفسها وهو طالع داخل في الدعاء، وركوعها كان فيه انكسار، وسجودها كان طويل كأنها مش عايزة ترفع راسها من الأرض.
خلصت الصلاة ورفعت إيديها للسماء، ودعت بدعاء خرج من أعماقها.
ـ "يارب...
خليه بخير...
رجّعهولي بالسلامة.
وبنفس الضحكة اللي سابها في قلبي."
قعدت مكانها على السجادة، وحضنت نفسها كأنها بتحاول تطمن قلبها، وشها مرفوع للباب، وعينيها مش عايزه ترمش، مستنية اللحظة اللي يفتح فيها الباب...
وتشوفه واقف قدامها، بس لسه... الباب ما فتحش.
في المستشفى.
الحركة قدام غرفة العمليات كانت مرعبة.
ممرضات بتدخل وتخرج بسرعة، دكاترة بتجري ووشوشهم مش مطمنة.
معتصم كان واقف في ركن، ساند ضهره على الحيطة، وعينه متثبتة على الباب.
بيدعي من قلبه من غير صوت، مش سامع ولا شايف حواليه.
كان حواليه كام ظابط من زمايله، كانوا معاهم في المأمورية، بيحاولوا يطمنوه بكلام شبه هامس:
"هيعدي منها إن شاء الله"، "خالد جامد.. مش هتوقعه رصاصة".
فجأة، دخل مهاب وهو بيجري، قلبه بيخبط في صدره، وقرب منهم بفزع:
ـ خالد عامل إيه؟!
معتصم مردش، بس ظابط تاني قال بصوت مكسور، عينه فيها حزن:
ـ لسه جوه في العمليات...
ادعيله.
مهاب اتجمد مكانه.
هو مكنش معاهم في المأمورية، الخبر وصله وهو في البيت.
كل حاجة حصلت بسرعة، ومخه مش قادر يستوعب.
قرب من الباب ووقف يدعي.
وفجأة، شافوا ممرضة خارجة بتجري، بتزعق وهي بتنده:
"المصاب قلبه وقف!"
وممرضة تانية دخلت بسرعة وهي شايلة حاجة.
الدنيا اتقلبت.
معتصم ومهاب جريوا ناحية الباب، ومعتصم كان بيزعق بخوف ووجع:
ـ إيه اللي بيحصل! حد يقولنا!
خرج دكتور بسرعة، شكله مضغوط ومرهق، ورفع إيده:
ـ يا جماعة مينفعش كده... اهدوا علشان نعرف نشتغل.
مهاب بصله بعين مقهورة وقال بانهيار:
ـ الممرضة قالت قلبه وقف... إحنا عايزين نطمن عليه بس.
الدكتور أخد نفس وقال بصوت هادي بس سريع:
ـ أيوه.. القلب وقف لحظات وقت خروج الرصاصة.
لكن اشتغل تاني بالصدمات الكهربائية... الحالة مستقرة حاليًا.
بس محتاجين نركز... ادعوله.
الظباط قربوا منهم، شدوا مهاب ومعتصم على جنب،
حاولوا يهدوهم بكلمات بسيطة،
بس العيون كلها كانت متعلقة بباب العمليات...
مستنيين اللحظة اللي هيتفتح فيها ويخرج منها أمل.
في بيت الشرقاوي.
راشد صحى على صوت خبط عنيف على باب أوضته.
قام مفزوع، ولسه بيحاول يفهم الصوت جاي منين،
كانت سهام بتقوم من النوم وهي بتسأل بخوف:
ـ في إيه؟!
راشد فتح الباب بسرعة،
ولاقى واحدة من الخدم واقفة على الباب،
عينيها مليانة فزع،
وصوتها بيرتعش وهي بتقول:
ـ الحاج عايز حضرتك تحت في المكتب... بيقول في مصيبة كبيرة حصلت.
نزل وراها بسرعة، وهو لابس بيجامة النوم،
قلبه سبق خطواته،
والممر اللي نازل فيه بيضيق على صدره.
فوق، سهام وقفت لحظات تفكر بقلق، واندفعت بخوف.
أول حاجة فكرت فيها: أولادها.
دخلت أوضة مايا،
كانت نايمة،
اتنهدت براحة وقفلت الباب عليها،
لكن لما دخلت أوضة يحيى... كانت الصدمة.
السرير مترتب، واضح إنه مرجعش البيت من امبارح.
شهقت،
قلبها دق بخوف،
ونزلت تجري ودموعها سبقاها.
........
في مكتب الحاج شرقاوي.
كان واقف ورا مكتبه،
وشه احمر من الغضب،
وبيزعق في التليفون:
ـ اجمعلي كل المحامين فورًا، وعايزكوا عنده قبل طلوع النهار!
راشد دخل وهو مش فاهم حاجة،
ـ في إيه يا أبويا؟
الشرقاوي لف ليه،
ووشه مليان غضب:
ـ ابنك...
الغبي ابنك...
اتفق على صفقة سلاح من ورا ضهري... واتمسك وهو بيستلمها!
سهام دخلت في اللحظة دي، وصرخت بصوت عالي:
ـ ابني!!
راشد اتجمد، عينيه مش مصدقة، وبص لأبوه:
ـ ازاي يحيى يعمل كده؟! وإنت متعرفش؟!
الشرقاوي بصله وقال بعصبية:
ـ ابنك اتجنن، وادي النتيجة!
سهام ما سكتتش، صوتها كان أعلى من أي حد:
ـ انت اللي جننته!
انت اللي ضيعت ابني... منك لله!
قربت من الشرقاوي،
كل خطوة منها كانت مرة،
وهي بتبصله بقهر عمره سنين:
ـ يا ما قولتلك ابعد عنه...
قولتلك هتضيعه زي ما ضيعت اللي قبله...
ودلوقتي حرقت قلبي عليه!
الشرقاوي زعق بأعلى صوته:
ـ ابعد مراتك عن وشي دلوقتي يا راشد... مش ناقصها!
لكن راشد ما اتحركش،
بالعكس،
وقف بين مراته وأبوه،
وصوته طالع من وجع مكتوم:
ـ كل كلمة قالتها صح...
انت فعلًا ظالم.
ضيعت أخويا، وحرمت عياله منه.
ودلوقتي بتضيع ابني.
وجاي تقول اتفق على سلاح من وراك؟!
الشرقاوي حاول يرد، لكن راشد كمل وهو بيقرب:
ـ من إمتى يحيى بيعمل حاجة من وراك؟
ومين اللي فتحله الطريق؟
مين اللي علمه الشغل الهباب ده؟
مش إنت؟!
الشرقاوي سكت، لأول مرة عينيه فيها خوف مش غضب.
راشد قاله وهو بيشد إيد مراته:
ـ لو ابني ما خرجش من المصيبة دي...
أنا اللي هقدم فيك بلاغ بنفسي.. وهقول انك صاحب كل حاجة وابني بينفذ تعليماتك وبس.
خلص كلامه وهو بيبص لأبوه بغضب.
وخرجوا من المكتب هو ومراته،
وسابوا وراهم الشرقاوي،
الشرقاوي وقع على الكرسي،
صدره بيعلو وبيهبط،
مش من الغضب…
من العجز.
عارف إن اللواء وحيد ورا الصفقة دي وهو اللي شجع يحيى يشتغل معاه من وراه.
مد إيده، اتصل بيه...
لكن رقم وحيد خارج الخدمة.
بص للسقف، وهو بيهمس:
ـ هخرجك منها ازاي يا يحيى!!
في المستشفى.
الدكتور خرج من أوضة العمليات بخطوات سريعة،
ومهاب ومعتصم كانوا واقفين مستنيين الكلمة اللي ممكن تهدي قلبهم.
أول ما شافوه، قربوا منه بسرعة.
الدكتور وقف قدامهم وقال بصوت ثابت:
ـ الحمد لله، قدرنا نخرج الرصاصة، والعملية تمت بنجاح.
سكت لحظة، وبص في عينيهم قبل ما يكمل:
ـ بس حصل توقف مفاجئ في عضلة القلب أثناء الجراحة... قدرنا نرجع النبض بسرعة،
لكن بسبب اللي حصل، المصاب دخل في غيبوبة مؤقتة.
معتصم قال بسرعة، وصوته بيرتجف:
ـ يعني هيفوق ويبقى كويس يا دكتور؟
الدكتور رد بهدوء:
ـ مفيش مؤشرات خطر حاليًا... إحنا متابعين حالته عن قرب،
وفي حالات مشابهة، أحيانًا المريض بيفوق خلال ٤٨ ساعة.
بس مقدرش أوعد... كل حاجة واردة، ادعوله.
الدكتور اتحرك من قدامهم بسرعة،
وساب وراه قلق متحجر في العيون.
كل الظباط اللي واقفين بدأوا يطمنوا معتصم ومهاب إن خالد حالته بتتحسن وإنه هيفوق وهيبقى كويس.
مهاب بص لمعتصم وسأله بقلق:
ـ أهل خالد عرفوا؟
رد معتصم بنبرة حزينة:
ـ لا...
مهاب قال بصوت هادي، وعينه فيها حيرة:
ـ وهنعمل إيه؟ مينفعش يفضلوا مش عارفين.. لازم يعرفوا.
معتصم بص على الأرض، وصوته فيه ألم:
ـ أنا مش قادر.. مش قادر أكون أنا اللي يبلغهم بخبر زي ده.
مهاب اتنهد بحزن، وقال وهو بياخد قرار:
ـ مينفعش.. لازم يكونوا جنبه. أنا هروح لهم البيت وأقولهم بنفسي.. لو قولت لهم في التليفون هرعبهم عليه.
معتصم هز رأسه وقال:
ـ وأنا هفضل جنبه هنا، مش هسيبه لحد ما ترجع.
مهاب اتحرك بسرعة، وخرج من المستشفى ووشه عليه علامات القلق والتوتر.
...........
في بيت الدريني.
ياسمين كانت لسه صاحيه، ووشها باين عليه إنها ما نمتش لحظة.
الشمس طلعت والدنيا نورت.. وخالد لسه مرجعش.
الخوف كان واكل قلبها، وحيرتها كانت عاملة زي نار مولعة في صدرها.. مش عارفة تعمل إيه!
تنزل وتبلغ أهله إنه مرجعش؟ طب لو رجع دلوقتي وهي قلقتهم على الفاضي؟ يمكن يزعل منها! بس قلبها مش مطمن.. في حاجة غلط.. هي حاسه!
طول الليل وهي واقفة في البلكونة، كل شوية تدخل وتخرج، عينيها ما بترمش وهي مركزة على البوابة.. نفسها تشوفه داخل، يطمن قلبها اللي بيصرخ جواها.
وفجأة.. البوابة اتفتحت!
قلبها دق بعنف.. اتنفست بسرعة وابتسامة أمل اترسمت على وشها..
لكن الفرحة دي ماتت في لحظة لما شافت إن العربية اللي دخلت مش عربية خالد..
دي عربية تانية..
ونزل منها مهاب.
اللحظة دي كانت زي صفعة على وشها.. قلبها وقع من مكانه.
خلاص.. مبقاش في طاقة للصبر، مش قادرة تستحمل أكتر من كده.
نزلت من أوضتها جري وهي لابسة إسدال الصلاة، جسمها بيترعش من القلق.
سالم وبهيرة كانوا لسه هيقعدوا يفطروا، أول ما شافوها نازله كده ووشها مش طبيعي، اتصدموا.
لكن ياسمين ما وقفتش.. جريت على باب الفيلا وفتحته.
مهاب كان واقف قدامها، شكله مرتبك وبيحاول يلملم أعصابه ويظبط كلامه.
ياسمين وقفت قدامه، عينيها على عينيه، حست إن في مصيبة..
نظرتها كانت كلها رجاء وخوف.. ودموعها بدأت تتجمع بسرعة.
سالم وبهيرة قربوا منهم، ملامحهم كلها قلق واستغراب.
ياسمين بصوتها الضعيف اللي كان بيترعش قالت:
ـ خالد فين؟
مهاب بلع ريقه.. وكأن الكلام تقيل على لسانه، وجواه نار.
سالم أول ما سمع اسم ابنه اتقال بالسؤال ده، فهم على طول إن خالد ما رجعش.
اتحرك بسرعة، قلبه بيدق بقوة ووشه شاحب، وقف جنب ياسمين وسأل مهاب بصوت مخنوق:
ـ ابني فين؟
مهاب حاول يبص لهم بثبات وقال:
ـ هو كويس دلوقتي.. إن شاء الله هيبقى كويس.
بهيرة قلبها اتقبض.. وشها شحب أكتر، وقربت بخطوات سريعة وقالت وهي بتصرخ:
ـ يعني إيه هيبقى كويس؟! ابني فين؟!
ياسمين دموعها كانت خلاص بتغرق وشها، بصت لمهاب بعينين كلها رجاء:
ـ خالد فين يا مهاب؟ أرجوك اتكلم.. أنا هموت من الخوف عليه!
مهاب قالها بصوت هادي:
ـ اتصاب بطلقة في المأمورية.
اللحظة دي..
الزمن وقف.
ياسمين جسمها اتجمد في مكانه، نفسها اتقطع، والدم ساب وشها.
بهيرة صرخت من قلبها وهي بتحط إيديها على صدرها.
سالم رجله خانته، ومهاب لحقه بسرعة وسنده.
مهاب قال بلهفة وهو بيحاول يطمنهم:
– بس هو كويس والله، دخل عمليات وخرج، أنا جيت أبلغكم عشان تكونوا جنبه.
ياسمين كانت حاسه إن الهوا اختفى من حواليها، كأنها بتغرق في بحر خوف.
بس لا، مش هتقع. لازم تصمد، خالد محتاجها.
عقلها بيصارع قلبها عشان تفضل فايقة، بصت له وقالت بصوت خافت جداً:
– خالد كويس بجد؟
مهاب طمّنها وقال:
– آه والله، هو في المستشفى دلوقتي.
سالم بص له بحزن ودموع محبوسة في عنيه وقال:
– خدني عنده، عايز أشوف ابني.
وبهيرة قالت بصوت متهدج من كتر البكاء:
– أنا جاية معاكم، عايزة أشوف ابني بعيني.
مهاب قال بهدوء وهو بيحاول يسيطر على المشهد:
– طب ممكن تهدوا، أنا جيت مخصوص عشان أخدكم أوصلكم المستشفى، ومعتصم هناك، وكل زمايلنا حواليه. اطمنوا.
سالم حاول يتماسك، وبص لياسمين وبهيرة وقال بحزم:
– ادخلوا غيروا بسرعة عشان نروح المستشفى.
ياسمين كانت واقفة مكانها متجمدة، عقلها مش مستوعب.
سالم زعق فيها بصوت عالي عشان يفوقها:
– ياسمين! فوقي! خالد هيبقى كويس إن شاء الله!
ياسمين بصت له وهزت راسها بسرعة، وطلعت تجري على أوضتها.
لبست بسرعة، وهي مش عارفة لبست إزاي أصلاً، حطت الحجاب على شعرها وهي قلبها بيصرخ.
ونزلت جري، ومهاب أخدهم بالعربية على المستشفى.