تحميل رواية «مملكة سفيد» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
َ قد كساكَ بُحزنهِما ذنبُ صُبحِكَ أن يراكَ حزينا؟!”.صلوا على نبي الرحمة_________________تسير والحذر رفيقها، تشعر أنها تود لو تطير متجاوزة تلك المنطقة، لا ترغب أن تمر بها وتعرض آذانها العزيزة لصيحات النساء، وتهكمات الثرثارات منهن، الأمر وما فيه أنها ملت كل ذلك، والأصح أنها ملت الحياة في تلك المنطقة، ولولا كسرة الخبز الجافة التي تتناولها كل يوم في غرفتها الرطبة العفنة، لكانت رحلت عن المكان بأكمله، لكن ماذا تفعل وحياة التقشف تناديها وتغريها .وقع بصرها فجأة على عربة فواكهة بها اطباق جاهزة من فواكهة...
رواية مملكة سفيد الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم رحمة نبيل
مساء الخير .
الحق واضح وضوح الشمس في كبد السماء؛ لذا لا تتعب نفسك في وصف تلك الشمس لصاحب النظارة القاتمة، فلا هو سيخلع نظارته ليبصر تلك الشمس ولا أنت ستمتلك وقتك لتنتبه لتلك الشمس.
الظلم بيّن، والجميع يبصر، هم لا يحتاجون منك صرخات ولوم وعتاب، فكافكم تضييعًا لوقتكم في خطابات وجمل حماسية لا فائدة ترجى منها، وادعوا لهم ما استطعتم .
والأهم لا تغلقوا القلوب، ولا تتوقفوا عن الدعاء .
ولا تملوا الحديث عنهم والتذكير بمصابهم، فهذا الشيء الوحيد الذي نمتلكه الآن.
ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا .
فقدم لهم ما استطعت ولو كانت بكلمة واحدة، أو بدعوة بينك وبين نفسك ......
صلوا على نبي الرحمة
________________
تحرك الجميع في ظلام الليل وقد غابت ملامحهم بين سواد الليل، وكأن سواد القلوب انعكس عليهم ليخفي كامل ملامحهم فأحسنوا الاختلاط بالليل .
أشار شخص يتقدم هذا الجمع لهم بالتحرك، وقد زادت هرولة الاقدام صوب نقطة محددة، والأيدي ترتعش والقلب يرجف، فهم في هذه اللحظة ليسوا أصحاب الحق كما اعتادوا قديمًا .
فالحق قوة، والباطل خزي .
توقف الجمع على بُعد صغير من الحدود الفاصلة بين سفيد وصحراء مشكى، توقفوا يراقبون الجنود يتحركون يمينًا ويسارًا بتيقظ لأي حركة قد تأتيهم غدرًا من خارج البلاد..
ونسوا أن الغدر لا وطن له، وأنه يتسرب من جميع الاتجاهات، حتى وإن كان من داخل أرضهم نفسها، فما هي إلا ثواني وارتفعت الصرخات وأصوات التكبير وعلى الاستنفار أجساد الرجال على الحدود وقد رفعوا أسلحتهم يتلفتون حول أنفسهم يبحثون عن مصدر السهام التي تساقطت عليهم كالمطر ..
لكن كان الأوان قد فات وتساقط نصفهم بالفعل وقد أُخذوا غدرًا .
ثواني وسيطر رجال الجمع على رجال الحدود وقيدوهم ارضًا .
تحرك أحد رجال الجمع صوب الحدود يرفع سيفه مبتسمًا حتى توقف أمام من تبقى حيًا من الرجال ينظر له من أعلى لاسفل هامسًا :
" انتهى دوركم يا رجال، واحسنتم الحراسة، نحن من سيتسلم الحدود الآن"
رفع أحد جنود سالار رأسه للمتحدث يبتسم له بسمة مستفزة وقد أدرك أنه هالك لا محالة، إذن ليمت بشرف ورأس مرفوعة :
" لا بأس ستتسلمها منا ويأتي غدًا من يتسلمها منك، هي الحياة، لا تدوم لأحدهم، اليوم أنا هنا وغدًا أرحل وتأتي أنت، لكن أنت وحينما ترحل يا مسكين، إلى أين مستقرك يا ترى ؟؟"
اشتعلت أعين الرجل والتي كان يخفيها خلف غطاء اسود كي يخفي ملامحه، بينما الآخر لم يتوقف عن الحديث يهمس بفحيح :
" جهنم وبئس المصير .."
وبعد هذه الكلمات تناثرت دماء الرجل الطاهرة على الأجساد النجسة حوله، تناثرت وقد جُزت عنقه وتدحرجت رأسه ارضًا حتى استقرت أسفل أقدامهم، ليبتسم قائد الجمع وهو ينحني يحدق بأعين حارس الحدود يدقق النظر بها :
" انظر أين أنا الآن وأين أنت ؟؟"
رفع عيونه صوب من تبقى من رجال الحدود وقد أعطاهم درسًا منذ ثواني عن مصير من يعارضه :
" إذن تخضعون لي أم تلحقون بصديقكم ؟!"
وكان من تبقى منهم فقط خمسة رجال، نظروا لبعضهم البعض بنظرات سريعة قبل أن يبتلع أحدهم ريقه هامسًا :
" نحن ...نحن طوع أوامرك سيدي ..."
ابتسم الرجل بسمة واسعة لم تظهر من أسفل لثامه والتمعت عيونه في الظلام يهمس :
" هذا ما كنت أتوقعه منكم، الآن ستسمعون ما اقول وتنفذونه ..."
___________________
الصدمة كانت هي الكلمة المشتركة والتي تصف ملامح جميع من يقف في الغرفة، مظهر زمرد التي كانت تحدق ارضًا بجسد شهرزاد الغارقة في دمائها جعلت الجميع يتصنم دون القدرة على التحرك .
ابتلع إيفان ريقه وهو يحرك رأسه في المكان قبل أن يقول بصوت ما يزال يحمل صدمة كبيرة :
" أغلقوا ...أغلقوا ابواب الغرفة سريعًا.."
نظر الجميع له بتعجب، ليصدح صوته مرتفعًا صارخًا:
" سالار اغلق باب الغرفة بسرعة .."
تحرك سالار بسرعة صوب الباب يغلقه بقوة وصوته رن صداه في المكان بأكمله، يغلقه في وجه كل من اقترب لرؤية ما يحدث، ورغم تعجبه عدم وجود حراسه في هذا الوقت أمام غرفة زمرد إلا أنه شكر ربه لعدم وجودهم .
تحرك بعيدًا عن الباب وبخطوات سريعة شبه مهرولة، صوب جسد تبارك التي كانت تحدق فيما حدث دون ردة فعل، يجذب جسدها بسرعة مغلقًا عيونها يخفي رأسها فيه وهو يربت عليها دون شعور وعيونه تحدق فيما يحدث أمامه إذ جُنّ جنون إيفان وهو يهتف بصوت مصدوم مشيرًا لجسد شهرزاد :
" ما الذي فعلتيه ؟؟ ما الذي فعلتيه ؟!"
كان يهزي بسؤاله وهو يشعر بنفسه على وشك الجنون، وسالار الذي يعلم إيفان أكثر من أي شخص في هذا المكان، رأى نفس النظرة التي تعلو وجه إيفان عادة حينما يخطأ هو ويصرخ به، تلك النظرة التي تكون خوفًا عليه مما سيحدث له بسبب خطأه، وليس خوفًا من الخطأ.
وإيفان في هذه اللحظة صرخ بصوت مرتفع يطيح ما أمامه:
" ما الذي فعلتيه بالله عليكِ؟؟ هل جننتي ؟؟"
تحرك دانيار بسرعة يقف بين إيفان وبين زمرد التي كانت تنظر للجميع حولها بصمت ولا تهتم لكل هذا الصراخ .
رفع إيفان عيونه له يصيح بجنون :
" ابتعد عن وجهي دانيار ولا تدعني اصب جام غضبي في وجهك "
" بل افعل، يمكنك صب كل غضبك في وجهي مولاي، عاقبني بما يناسبك، لكنني أبدًا لن ادعك تواجهها بهذا الغضب الذي يعلو وجهك "
اتسعت أعين إيفان بصدمة لحظية قبل أن يبتسم بسمة مخيفة، ومن ثم اندفع فجأة صوب دانيار يجذبه من ثيابه متحدثًا بغضب جحيمي :
" أيها الحقير القذر هل تحاول أن تفرض أوامرك عليّ، تظن أنك ستستطيع إبعادها عني إن أردت بها سوءًا ؟؟"
اتسعت عين دانيار بشدة مما يسمع وإيفان في هذه اللحظة كان قاب قوسين من الجنون وهو يصرخ في المكان بأكمله يحرك جسد دانيار بقوة :
" تبًا لكم اجمعين، لا أحد يستطيع منعي عما أريد، ابتعد عن عيوني قبل أن أحرق القصر على رؤوس من به "
صمت يتنفس قبل أن يكمل صراخه :
" لماذا ؟؟ الجميع يجبرني على الوقوف أمامه بشكل لا احبذه "
وقبل أن يكمل كلمته تحرك سالار بسرعة صوب إيفان يجذبه بعيدًا وقد كان مصدومًا من حالته غير المتزنة، يجذبه وهو يهمس له بعدم تصديق :
" إيفان ما بك ؟؟ تعقل، هل جننت لتتحدث بهذا الشكل ؟!"
نظر له إيفان نظرة جعلت قلب سالار يهتز يهمس بصوت منخفض :
" ستكون بخير، لن...لن يحدث لأختك شيئًا فقط اهدأ، ستكون بخير، لن نسمح بحدوث شيئًا لها، حسنًا ؟!"
وكأن هذه الكلمات التي كان يحتاج إيفان لسماعها، لقد تخطى قوانينه مرة وهو يسمح لزمرد بأخذ موري من المحاكمة أمام الجميع وهو الذي لم يسمح بذلك طوال سنوات عمره بالكامل، وما كان ليفعل لولا رؤيته نظرات زمرد حينها، فتخلى للمرة الأولى عن قيمه وجعلها تفعل ما تريد .
والآن قتلها لـ ... للمرأة التي من المفترض أنها كانت والدته وربته يومًا، امرأة مسلمة ليست من الأعداء ليتهاون في الأمر، على الأقل أمام الجميع، هي وضعته في مأزق بين واجبه كملك لا يستطيع ترك أحدهم يأخذ ثأره بيده كي لا تعم الفوضى، وبين رجل كان يتمنى أن يقتلها هو بيده اليوم قبل الغد .
تنفس بصوت مرتفع يشعر بقبضة سالار تتركه يتحرر شيئًا فشيء، وقد علم سالار في هذه اللحظة أن عقل إيفان بدأ يبتعد عن دوره كحامي لجميع من يعنيه الأمر، ذلك الدور الذي قد يوقف عقله لثواني قبل أن يعود للعمل .
ابتلع إيفان ريقه يحرك عيونه صوب زمرد والتي كانت ترتعش خلف دانيار بأعين دامعة رافضة أن تدع لدموعها حرية السقوط، تحدق ارضًا دون أن تحيد بنظراتها عن شهرزاد وكأنها تتوعدها بأنها لم تنتهي بعد، وأن موتها لم يكفها .
تنفس إيفان يبتعد عن سالار متحركًا صوبها، لكن دانيار تحرك بسرعة يمد يده لمنعه وقد علت نظرات إصرار مرعبة عيونه، وقد أدرك إيفان أن دانيار في هذه اللحظة يستطيع قتاله وقتال جميع من بالغرفة دون أن يهتز له جفن .
ابتسم له يبعد يده :
" هذه أختي دانيار، لن تحمها مني "
ختم حديثه ولم يكد يتحرك حتى امسك دانيار مرفقه ينظر في عيونه :
" أنت لن تتحدث معها الآن، هي لا ..."
جذب إيفان مرفقه بغضب من بين أنامل دانيار :
" التزم حدودك دانيار أنا ملكك هنا ويمكنني أن انزع منك مكانتك ولقبك وازج بك في السجون "
نظر له دانيار بتحدي رغم نظراته التي اهتزت لثواني :
" أفعل ما شئت، لكنني لن ادعك تزيدها عليها، بالله عليك انظر إليها، أنها ترتجف "
تحركت أعين إيفان صوب جسد زمرد التي كادت تسقط أرضًا بانهيار، ومن ثم عاد صوب دانيار يقول ببرود دون أن ينزع عيونه عنه :
" سالار... ألقي بدانيار في السجن "
نظر لهم سالار وقد شعر أن الأمور حوله تزداد سوءًا، بينما دانيار لم يفعل سوى أن ابتسم :
" بكل سرور، لكنني لن أذهب إلا بعدما اطمئن أنك لن تتعرض لها بكلمة واحدة "
ابتسم له إيفان يتجاهله متحركًا صوب زمرد التي كانت تضم السكين بين قبضتها بقوة حتى كادت تجرح يدها، تشرد أمامها في الجسد الغارق في الدماء، وجسدها بأكمله يرتجف، يظنه البعض خوفًا، لكنه كان غضبًا .
كانت تشعر أنها لم تكتفي منها بعد، ولو كان بيدها أن تجبرها على الاستيقاظ لتقتلها مجددًا، لفعلتها .
فجأة انتفض جسدها بمفاجأة وهي تشعر بالسكين يُسحب بحرص من بين قبضتيها، رفعت عيونها المفزوعة لتبصر وجه إيفان الذي ألقى بالسكين أرضًا، ثم نظر باهتمام لكفها يرى إن أُصيبت بجرحٍ أو لا .
بينما زمرد فقط كانت متعجبة من وجوده، متى جاء وكيف، وكل هؤلاء الأشخاص في غرفتها، ما الذي حدث؟ آخر ما تتذكره هو الغضب الذي تحكم بها لتسحب سكينها الذي تحتفظ به في غرفتها طوال الوقت تطعن به شهرزاد دون مقدمات .
شعرت بأن رأسها تؤلمها لتهمس بصوت منخفض :
" ما ...ما الذي حدث ؟؟"
نظر الجميع لبعضهم البعض بتعجب من كلماتها تلك ليقول إيفان بجدية :
" هذا ما اريد أنا سؤالك إياه زمرد، ما الذي حدث هنا ؟؟؟"
______________________
زفر بصوت مرتفع وهو ما يزال يقف أمام الغرفة لا تستطيع التقدم خطوة أو التراجع، ليس وهناك حديث عالق بينهما، تنهد بصوت مرتفع قبل أن يرفع كفه طارقًا لباب الغرفة متحدثًا بصوت شبه خافت :
" برلنت الهروب من الحديث معي ليس سبيلًا لحل تلك المشاكل العالقة، افتحي الباب "
ولا رد من الداخل رغم معرفته أنها لم تنم بعد، يدرك ذلك فهو يعلمها ويعلم عاداتها جيدًا :
" برلنت حبيبتي توقفي عن هذه الأفعال ودعينا نتحدث بهدوء كأي شخصين ناضجين "
ولم يصل له رد اخر فاستند بجبهته على الباب يتحدث بتعب :
" برلنت افتحي هذا الباب، ودعينا نتحدث، أنا لا أستطيع النوم وأنا أعلم أنكِ غاضبة مني، وأدرك أنكِ كذلك "
سمع صوت خطوات داخل الغرفة ليبتسم :
" حسنًا أنا آسف إن كان هذا يرضيكِ فقط افتحي الباب رجاءً "
وصوت الخطوات التي كانت تقترب من الباب توقفت لثواني وكأنها ترددت في فتح الباب وإفساد غضبها منه، لذا عادت أدراجها مجددًا لينفخ تميم بغضب شديد متحدثًا بحنق :
" يا ويلي برلنت توقفي عن هذه التصرفات الصبيانية وافتحي هذا الباب، يا امرأة ما بالك تعاندين في أمرٍ كلانا يدرك أنكِ مخطئة به ؟!"
فجأة فُتح الباب ليتنفس الصعداء وهو يدفعه بسرعة دافعًا إياها للداخل دون كلمة، ثم اغلق الباب يقول بجدية :
" كنت أعلم أنكِ لن تستطيعي النو....."
وتوقفت باقي الكلمة على حدود فمه وهو يبصر أمامه فراش برلنت تعلوه براحة وتنام بعشوائية كما اعتادت طوال الوقت، رمش تميم يحاول فهم ما يحدث أمامه، وكيف تنام هكذا بكل راحة بال وهدوء، بل كيف فتحت له الباب وتحركت بهذه السرعة لتتوسط الفراش ؟!
وفي غمرة تفكيره سمع صوتًا جواره يهمس :
" لقد نامت منذ فترة قصيرة بعد ساعات قضتها بالبكاء "
انتفض جسد تميم بشكل تلقائي ودون إرادة منه بسبب الصوت جواره، استدار نصف استدارة صوب صاحب الصوت وقد شحب وجهه بخوف قبل أن يدرك أنها والدة برلنت .
" اوه...مـ ..مرحبًا يا خالة كيف حالك اليوم ؟؟"
ابتسمت والدة برلنت تكتم ضحكتها على ملامحه وعلى ردة فعله :
" أنا بخير يا بني، كيف حالك أنت ؟!"
" الحمدلله بخير، لكن ابنتك تقسو عليّ يا خالة، اوصيها بي خيرًا"
ابتسمت والدة برلنت وهي تتحرك صوب الباب :
" من يوصي بمن تميم، الفتاة متعلقة بك أكثر مني ووالدها، اوصيها أنت بنا خيرًا، واستوصى بها كذلك خيرًا، فالفتاة لا تمتلك سواك في هذه الحياة الآن "
تحرك تميم يقول بلهفة :
" ما الذي تتحدثين به يا خالة، اطال الله بعمرك "
" هذه الحقيقة يا بني، يومًا ما سأرحل وتبقى صغيرتي وحيد، فارحم وحدتها وضعفها تميم ولا تقسو عليها، يكفيها ما نالت بهذه الحياة، أما آن أن تبتسم لها الدنيا ؟!"
نظر تميم صوب فراش برلنت ليسمع صوت والدتها يهمس بجدية :
" أنا سأرحل بعض ايام لاستقر في منزلي، فقد اشتقت لجدرانه وأتمنى أن اقضي ايامي الأخيرة بينها، فاعتني بصغيرتي كما اعتدت تميم "
امسك تميم يدها وقبلها بهدوء :
" في قلبي وعيني يا خالة، سوف نأتي لزيارتك كل اسبوع و..."
توقف ثم أكمل بهدوء :
" ما رأيك أن تعودي للعيش في حينا القديم فوالدي هناك ويمكنكم الاستئناس ببعضكم البعض ؟؟"
ضحكت بخفة وهي تربت على يده :
" يعلم الله أن والديك أقرب لي من إخوتي رحمة الله عليهم، لكنها الحياة يا ولدي، وذلك الشرخ الذي أصاب علاقتنا سابقًا لن يبرأ بهذه السهولة، سامح الله عبدالله جعلني أخجل من رفع عيوني في وجوههم .."
فتح تميم فمه ليرفض كل تلك الكلمات لكنها أوقفته :
" اعلم أن والديك من الكرم والنبل الذي يجعلهما يتناسيان كل ما حدث، وربما هذا أكثر ما يوجعني، أنهما كانا افضل منا، ادامهما الله لك يا بني، اوصل سلامي لهما، لعل الله يكتب لنا لقاء قريب ."
ختمت حديثها تتحرك للخارج بجسد مرهق متعب وقد اضنتها الحياة واشبعتها لطمًا، حتى انحنى ظهرها وتحطمت هامتها، راقبها تميم ترحل وتغلق الباب خلفها ليشعر بالشفقة عليها، يرغب في رفض ذهابها لأجلها واجل برلنت، لكنه لا يريد أيضًا أن يجبرها على البقاء في مكان لا تفضله .
وعلى ذكر برلنت تحركت عيونه صوب تلك المستكينة التي كان يراهن على لوعتها، ويكاد يقسم على أن النوم خاصمها مثله .
" يا ويلي وأنا من جئت كي أخبرك أنني اسامحك فقط لتنامي قريرة الأعين ؟! أيتها الـ "
صمت يتحرك صوبها يجلس القرفصاء جوار فراشها ارضًا بالقرب من رأسها، يطيل التحديق بها، يقترب منها شيئًا فشيء، ثم همس بصوت منخفض :
" أنتِ غبية بيرلي الصغيرة، تنامين قريرة العين وأنا قد جافني النوم لعيونك ؟!"
همهمت برلنت في نومها بانزعاج وكأن كلماته قد وصلت لها بين أحلامها، ليبتسم هو بسخرية لاذعة :
" وتنزعجين أيضًا من كلماتي ؟؟ اعتذر لسموك برلنت أن ازعجت كلماتي الحقيرة نومك الهانئ جلالتك، يا لي من حقير حقًا "
زفرت برلنت وهي تتقلب في نومتها ليكمل تميم حديثه بغيظ :
" نعم ازفري ازفري، لا ينقصني سوى أن تنهضي وتجذبين اذني ملقية بي للخارج بعدما أفسدت نومتك وأنتِ من افسدتي حياتي يا امرأة "
زفر بضيق ينزع حذاءه ثم تحرك صوب الفراش يجذب الغطاء بعيدًا وبعدها استقر على الفراش جوارها يجذب رأسها لصدره يضمها له بحنان مربتًا عليها :
" لكن أوتعلمين شيئًا، أنا اسامحك، فقط لأنك بيرلي"
ابتسمت برلنت بسمة واسعة وهي تشعر بالدفء قد أحاط بها، وتميم نظر لها ببسمة، ثم عاد بنظراته للشقق فوقه يشرد فيه ثواني يفكر في القادم وهو يدرك أن والد برلنت لن يصمت فهو يحاول الزحف لحياتها مجددّا مستغلًا سذاجتها واحساسها بالذنب لأجله وهو من أخطأ بها .
ومن بين افكار تسللت قبلة صغيرة خبيثة صوب صدره جعلت عيونه تتسع وهو يحركها صوب برلنت ينظر لها بترقب، وهي فقط ومن بين أحلامها كانت تهمس باسمه وتشدد من صمته وتقبل صدره .
ابتسم بسمة صغيرة وهو يضمها له :
" يسعدني أن ارافقك في احلامك صغيرتي، هذا يجعل بعض الامل يملئ صدري، أنه حتى وإن تجافينا في الواقع، فهناك في مكانٍ ما عالم سيجمعنا سويًا رغم كل ما يعيق ذلك "
نظر لها بحب يبعد خصلاتها عن عيونها مرددًا :
" وأنا سأعمل فقط خلال المتبقي من حياتي على جذب هذا العالم لواقعنا ولو كان رغم انف الجميع واولهم والدك بيرلي...."
________________________
يتحرك على خيله بسرعة كبيرة وقد اختلط سواد ثوبه بسواد الليل حوله ولم يظهر له ملامح سوى عيونه التي تشتعل بنظرات مريبة، وذلك الشعار الذي يحتفظ به منذ طفولته على جميع ثيابه، شعار ذهبي صغير يحتل ياقة ثوبه متمثلًا في هيئة اسد .
كان يجلس في القاعة يتناقش في بعض الأمور المتعلقة بجيشه قبل أن يأتيه أحد رجال البلاد يطالب برؤيته على وجه السرعة، انتفض جسد أرسلان يستمع لكلام الرجل الذي كان يتنفس بصوت مرتفع يردد بكلمات جادة..
" مولاي، مولاي لقد ...لقد رأيتهم، اقسم أنني رأيتهم جميعًا "
نظر له أرسلان بترقب ينتظر أن يكمل الرجل حديثه بعدما يأخذ أنفاسه، وقد كان، فقد تحدث الرجل بسرعة :
" بعدما أغلقت المحل الخاص بي وأثناء عودتي للمنزل أبصرت عدد من الرجال يتحركون بشكل غريب يتلفتون حولهم كل ثانية فشعرت بالشك صوبهم ولحقت بهم، وحين ابتعدوا عن الشوارع المركزية للبلاد أدركت يا مولاي ...لقد كانوا من المنبوذين، اقسم أنني رأيت السواد يعلو ملامحهم، لقد كانوا يحيون بيننا، سمعت أحدهم يخبرهم أن يتوجهوا صوب الحدود الخاصة بسفيد ويبدو أنهم ينتون بهم شرًا "
اسرع أرسلان من خيله وهو يبصر الطريق أمامه ورغم ظلمته إلا أنه يحفظه عن ظهر قلب، خلفه يأتي رجاله، لكنه لم يستطع الانتظار وقد شعر بالغضب يغلي داخل أوردته .
واخيرًا بعد فترة من حديث الرجل له عبر الصحراء الفاصلة بين مشكى وحدود سفيد، توقف أرسلان بسرعة وهو يحرك نظراته على الحدود وقد شعر أن كل شيء طبيعي أكثر من اللازم، كل شيء هادئ اكثر من اللازم .
ترجل عن فرسه يخرج سيفه مستعدًا لأي حركة قد تصدر حوله، وحواسه بالكامل تنبهت يتحرك صوب حدود سفيد متعجبًا أن لا حارس واحد يقف عليها، ابتسم بسخرية وريبته تزداد :
" لا يعقل أن إيفان انتزع جميع جنوده عن الحدود، هل يثق بي لهذه الدرجة ؟؟"
كان حديثه ساخرًا وهو يبحث بعيونه عن شيء مريب في المكان، وقد كان عدم وجود الجنود الآن أكثر الأمور ريبة .
بحثت عيون أرسلان كثيرًا حوله، لكن لا شيء، ارتاب وهو يتحرك عائًدا صوب خيله وقد قرر الاستمرار حتى سفيد ليرى ما يحدث في هذا المكان .
لكن وأثناء عودته شعر بما لم يشعر به أثناء تحركه في البداية، شيء لزج أسفل قدمه، تحركت عيونه قليلًا للاسفل يحاول أن يعلم ما هذا الشيء، لكن ما أبصرت عيونه سوى بقعة سوداء تنافس سواد المكان حوله.
انحنى قليلًا يتلمس تلك البقعة وقد علم من لزوجة السائل نوعية ما دهسه دون الحاجة للتأكد أكثر، لكنه بالفعل قرب أصابعه منه ليتأكد ظنه ...دماء .
تحركت عيونه في المكان وقد تشددت قبضته على السيف، يبحث عن مصدر الدماء، لتقع عيونه على شيء يختفي خلف أحد الأشجار، شيء جعل أعينه تتسع، جسد أحد الرجال يرتدي ثياب جنود سفيد لكن بلا رأس....
" سيدي ...هل أنت بخير ؟؟ لقد أبصرت دماء و..."
توقف المعتصم عن الحديث حين أبصر ما يقف أمامه أرسلان، ابتلع ريقه يهمس بصدمة :
" ما معنى ذلك ؟؟"
أجابه أرسلان بصوت حاد شارد :
" هو لن يتوقف حتى ينال سفيد، ويبدو أنه بدأ للتو"
نظر حوله قبل أن يتحرك بسرعة صوب حيله يقول :
" عليّ الذهاب هناك بسرعة، ارجع مع باقي الجنود يا المعتصم، احرس البلاد علينا ألا نتركها جميعًا "
نظر له المعتصم باعتراض، لكن أرسلان بنظرة واحدة اخبره أن الرفض غير مقبول لديه في هذه اللحظة، ومن ثم تحرك سريعًا دون كلمة، وخيله قد سابق ذرات الهواء حوله سرعة يدعو في صدره أن تكون جميع الأمور بخير في سفيد .
" يا الله اكفنا شر هؤلاء الخنازير، لن يتوقفوا حتى أحرقهم على بكرة أبيهم ...."
_______________________
استيقظت بعد مواجهتها لتلك الراقصة الفاسقة في المحاكمة، لتجد نفسها تتوسط فراش غريب وشعرت بالريبة والخجل من الأمر لتقرر العودة صوب غرفتها، وبالفعل نهضت ترتدي حجابها متحركة صوب الغرفة وحينما اقتربت منها تعجبت لأول مرة أنها لم تر أي حارس يقف أمام الباب، ليس الأمر أنها تفتقد وجودهم فهي لا تحب أن تشعر أن هناك من يقف أمام بابها طوال الوقت، لكنها فقط متعجبة .
فتحت الباب تخطو للغرفة وهي تتنفس بصوت مرتفع وتعب تحاول أن تخرج من الحالة السيئة التي دفعتها لها موري ..
لكن يبدو أن ليلتها لم تنتهي بعد فقد كان أول ما قابلت حين دخولها للغرفة رؤيتها للمرأة التي لا تطيق رؤيتها هكذا ودون أسباب محددة، منذ كانت تزعج تبارك وكهرمان وهي لا تحب هذه المرأة، لكن هل يجب أن تكون ممتنة لها أن اعتنت بأخيها ؟!
لماذا إذن لا تشعر بذلك ؟!
رفعت شهرزاد عيونها صوب زمرد تقول ببسمة جانبية :
" واخيرًا جاءت سمو الأمير لغرفتها ؟؟"
" أنتِ من صرفتي الجنود في الخارج !!"
رفعت شهرزاد حاجبها تقول :
" لماذا هل تخافين مقابلتي دون وجود حراسة في الخارج ؟؟"
ابتسمت لها زمرد بسمة جانبية :
" صدقيني إن كان هناك من يحتاج للخوف هنا من عدم وجود حراسة فهو أنتِ "
نهضت شهرزاد عن المقعد تتحرك حول زمرد وهي تردد بجدية :
" يحق لكِ قول ذلك، فأيًا كان من يقف أمامك عليه أن يأخذ احتياطاته منكِ ومن شعبك القذر "
اسود وجه زمرد ولم تتحدث بكلمة بينما شهرزاد بدأت تدور حولها بشكل مستفز لجميع حواس زمرد تقول :
" أتعلمين، أنتِ تشبهينها أكثر من شقيقتها الوضيعة حتى "
نظرت لها زمرد بملامح مقتضبة ولم تتحدث بكلمة حتى توقفت شهرزاد عن الدوران واخيرًا أمامها :
" لكن هناك شيء بكِ مختلف تمامًا عنها...عن آمنة "
ابتسمت لها زمرد تهمس بصوت مسموع لشهرزاد :
" هو نفسه الشيء الذي سيجعلك تندمين إن اقتربتي مني خطوة إضافية "
نظرت شهرزاد لخطواتها، ثم رفعت عيونها لها تقول بحاجب مرفوع :
" لو علمت أن ذلك الهجوم وقتها سينتج عنه أخذ والدتك لهؤلاء القوم، صدقيني ما كنت دبرت له"
نظرت لها زمرد بعدم فهم، تحاول معرفة ما تقصده وشهرزاد أكملت بكل جدية :
" ليس لأنني أمانع أن ينتهك ذلك القذر والدتك مئات المرات ويريها الجحيم، بل على العكس هذا يسعدني وبشدة وافضله أكثر من موتها بكل بساطة، لكن لانه نتج عنه طفلة تماثل والدتها قذارة "
شعرت زمرد بدمائها تغلي داخل جسدها وجسدها يرتجف غضبًا تجيب شهرزاد بغضب :
" هذه القذارة داخلك، لا ذنب لي أو لوالدتي أن قذارتك تنعكس على الجميع "
" أوه وتستطيعين الرد كذلك ؟؟ كانت والدتك مثلك، لكن أقل حدة منك، تجيب كل كلمة لكن بتردد ورقة، رقة كانت ورقتي للتخلص منها "
اتسعت أعين زمرد لتتسع بسمة شهرزاد والتي جاءت هنا لغرضٍ ولن ترحل سوى به، هي ستخرج اسوء ما فيها وتجعل الجميع يرى أي نوع من الأشخاص هي، وايضًا كي تخمد نيران كبريائها الثائرة مما حدث لها في المرة الأخيرة داخل القاعة على مرأى ومسمع الجميع .
ستسقطها ببساطة في المكيدة لتطيح بها أمام الجميع وتجعلها مذنبة في أعينهم.
ويبدو أنها أخطأت تقدير ما سيحدث، فهي وإن ظنت أن شياطين زمرد تقل خطورة عن شياطينها فقد أساءت التقدير، إذ اشتغل غضب زمرد وهي تسمع صوت شهرزاد تردد لها كيف اخذت إيفان من والدتها وكيف أحالت أيامها الأخيرة في القصر لجحيم قبل أن تجهز بنفسها للهجوم الذي نتج عنه عذاب ابدي لوالدتها حتى رحلت على يد والد بافل .
زمرد الوحيدة التي كانت تسمع أصوات بكاء والدتها وترى بعيونها ما عانته من عذاب لأجلها، علمت مقدار الضرر الذي تسببت به هذه المرأة لوالدتها، تنفست بصوت مرتفع وشهرزاد لم تكف عن سرد كل ما فعلته بآمنة على مسامع زمرد وقد ظنت بكل غباء أنها بمثل رقة آمنة، أو بمثل حكمة وهدوء إيفان لتسمع ما تقول وتصمت .
انتهت تقذف جملتها الأخيرة في وجه زمرد :
" ذلك فقط كي تدركي حدودك في القصر، واستمعي لنصيحتي فآخر من تجاهلها كان والدتك وانظري أين هي الآن ؟!"
في هذه اللحظة سيطر الشيطان على عقل زمرد وزين لها قتل شهرزاد، تحكم بها بامتياز وهو يحركها بسرعة مخيفة صوب الفراش الخاص بها تخرج من أسفل الوسادة السكين الذي تحفظه فقط لتشعر بالأمان ومن ثم عادت صوب شهرزاد وهي تنظر لها بشر جعل شهرزاد تتراجع بريبة :
" أنتِ ما الذي تفعلينه ؟؟ تراجعي للخلف "
" أخبرتك أنك من يحتاج للخوف هنا من عدم وجود حراسة "
وبعد هذه الكلمات وقبل أن تطلق شهرزاد صرختها المستنجدة شعرت بالسكين يخترق جسدها بقوة لتختنق صرختها، واعين زمرد قد ازدادت حدة وهي تبتسم بسمة مرعبة :
" سألتيني أين والدتي الآن صحيح ؟؟ حسنًا استطيع أن اضمن لكِ أنها في مكان افضل من ذلك الذي ستذهبين إليه أنتِ، رحلة سعيدة "
سحبت السكين لتخرج شهقة مرتفعة من فم شهرزاد وهي تحاول الحديث تضع يدها على جرحها وقد رأت حياتها بالكامل تمر أمامها، هي والتي لم تكن تجهز نفسها للرحيل الآن أو أبدًا، ظنت أنها ناجية من مصير الآخرة، عاثت بالأرض فسادًا والآن انتهت رحلتها لتبدأ رحلة أخرى أشد قسوة من قسوتها هي في هذه الحياة .
ابتلعت ريقها تستند على الفراش تحاول الحديث، لكن شيطان زمرد لم يخمد حريق غضبها بعد، بل جمع المزيد من احطاب السنين السابقة يزيد من اشتعالها فمدت يدها تمدها بالطعنة الثانية متسببة في ارتفاع شهقاتها تنهار ارضًا وهي تتمسك بالفراش، حتى سلمت واخيرًا للموت .
وزمرد تقف جوارها تنظر لها بأعين حمراء لا ترى سوى عذاب والدتها طوال هذه السنوات بسبب هذه المرأة ..
عودة للواقع والجميع حول زمرد يستمع منها عما حدث لها، وقد اشتد غضب إيفان يحاول أن يرتب أفكاره، لكن ذلك لم يكن سهلًا حين سماع الجميع صوت أحد الرجال في الخارج يهتف وقد علم بوجوده هنا من الحراس الذين أبصروا ركضه :
" مولاي ...مولاي لقد قُتلت تلك المرأة في السجون"
اتسعت أعين إيفان وهو يستدير ببطء صوب زمرد يتساءل بعيونه إن كانت هي الفاعل ؟؟
لكن زمرد نفت برأسها تجيب على سؤاله غير المنطوق :
" اقسم أنني لم اقترب منها خطوة واحدة، أنا منذ خرجت من غرفتك لم اتحرك سوى لهنا و... أنتم تعلمون ما حدث "
ابتلع ريقه يشعر بكل شيء يضغط عليه ليقول وهو يحاول التفكير :
" سمو الأميرة تبارك "
كانت تبارك كل ذلك ما تزال شبه ملتصقة بسالار تسمع ما يحدث بصدمة كبيرة حتى سمعت ذكر اسمها فانتفضت تقول :
" ماذا ؟؟ نعم ؟!"
" هل يمكنك أخذ زمرد لغرفتكِ رجاءً، ستقضي هذه الليلة معكِ إذا لم تمانعي "
نفت تبارك بسرعة وهي تتحرك صوب زمرد تجذب يدها برفق :
" لا لا أنا من الأساس كنت سأعرض ذلك "
جذبت زمرد للخارج بلطف وخوف عليها، وحين مرورها بسالار ابتسم الاخير لها بسمة مطمئنة بعثت في نفسها راحة كبيرة.
تنهدت تبارك وهي تتحرك مع زمرد للخارج، وحين خرجوا من الباب وضع إيفان يد في خصره والثانية أزاح بها خصلات شعره وهو يحدق في جثة شهرزاد بملامح باردة لا يجد في نفسه أي مشاعر لها البتة، تنفس بصوت مرتفع يرفع عيونه للجميع وقبل الحديث أبصر دخول تميم له بملامح ناعسة ومعه أرسلان بعدما ارشده الجنود لمكان الملك، يشير صوب أرسلان بجدية ونبرة حادة بعض الشيء :
" الملك أرسلان جاء يمتلك اخبارًا سيئة "
ابتسم إيفان يحرك يديه في الهواء بغضب وسخرية :
" وهل هناك اخبار جيدة في هذه الليلة، أما لهذه الليلة من فجرٍ ؟!"
__________________________
الساعة الثالثة فجرًا :
والجميع ما يزالون جالسين في قاعة الاجتماعات، وقد حاولوا جمع الخطوط، يتحدثون ويتناقشون في كل ما يحدث حولهم .
ساعات قضوها ولم يصلوا للكثير، سالار يقف أمام الطاولة يضع أمامه خارطة البلاد :
" إذن جثة واحدة التي عثرت عليها أرسلان ؟! وباقي الجنود ؟؟ "
هز أرسلان كتفه دون علم :
" لا اعلم حقًا بمجرد رؤيتي تلك الجثة جئت هنا كي أخبركم بما حدث "
نظر سالار لإيفان في عيونه ثم قال :
" هناك احتمالين فيما يخص اختفاء باقي الجنود، الاول أنهم قُتلوا وأُخذت جثثهم لمكان بعيد عن الحدود وتركوا واحدة منهم لتوصل لنا رسالة واضحة بعودتهم، والثاني والذي لا احب أن أفكر فيه وهو أن الجنود استسلموا لهم، وربما انضموا لصفوفهم لهذا لا جثث أخرى ولا دماء تدل على ذلك "
استند إيفان على ظهر المقعد يحدق أمامه بشرود :
" مقتل الراقصة ومقتل جنود الحدود ....هناك حلقة بينهما، يبدو أنها كانت محقة فيما قالت، الراقصة لم تأت هنا لتفسد اسم سالار، بل جاءت لتفسد البلاد بأكملها "
نظر لها الجميع بعدم فهم ليعدل إيفان من وضعيته ينظر في وجوه الجميع ثم توقف على وجه سالار مرددًا:
" زوجتك .."
اعتدل جسد سالار وتحفز لذكرها يضيق عيونه فأكمل إيفان :
" لقد كانت محقة، الراقصة لم تأتي هنا سوى لتوصل رسالة ويبدو أنها وبعد أن اوصلتها لم يجدوا لها حاجة، وايًا كان من تسلم هذه الرسالة فهو على علاقة وثيقة بمن تخلص من الجنود على الحدود "
نظر له الجميع بانتباه :
" بالتفكير في هذا فهناك احتمالين، أما أن الهجوم تم من الخارج من طرف هؤلاء المنبوذين الذين تحركوا من بلاد أرسلان كما قال، أو ... أنه كان من داخل بلادنا "
تحدث أرسلان وهو يستند بذراعيه على الطاولة يشبك كفيه معًا:
" نعم بخصوص هذا فيؤسفني القول أنه كان من الداخل "
نظر له الجميع بانتباه فأكمل بجدية :
" حسنًا في البداية الوقت الذي أبصر فيه العم تحرك الرجال صوب الحدود كان الساعة التاسعة تقريبًا حسب قوله، والطريق من البلاد إلى الحدود يأخذ ساعات، وبما أنني تبعتهم بعد رحيلهم بسرعة، إذن فموعد وصولهم للحدود كان قبلي بساعة تقريبًا، وقت غير كافي لتتجمد الجثة ويجف الدماء بهذه السرعة، إذا قدرنا وقت استشهاد ذلك الحارس على الحدود فهو كان قبل وصولي بساعتين أو ثلاث ساعات "
صمت يرى نظرات إيفان، ثم أضاف :
" هذه مجرد تقديرات ولا أحد يستطيع التخمين "
شارك دانيار للمرة الأولى منذ مجيئه :
" هل تعتقدون أن الملكة شهرزاد كان لها علاقة بالأمر؟!"
ابتسم إيفان بسخرية لاذعة :
" لا استبعد ذلك الأمر، فهي فعلتها مرة وربما كانت تدبر للثانية، لكن الله اراد ألا تبصر نورًا للشمس بعد اليوم، لا رحمها الله ولا غفر لها "
كانت كلماته مظلمة والجميع صمت، لا يعلمون مع من يتعاملون، الرأي الأرجح أنهم يتعاملون مع المنبوذين، لكن المنبوذين ومن ؟؟ هذا ما يحتاج للتفكير به قبل أن يدركهم الخطر دون شعور منهم ..
تحدث تميم وهو يحاول التريث في أفكاره :
" هو....لو كان هناك من يدعم بافل داخل اراضينا، فأنا أكاد أجزم أنه ليس جنديًا عاديًا، ما احتمالية أن يستطع مجرد جندي في الجيش القيام بكل ذلك وبهذه المهارة"
نظر إيفان صوب سالار يبتسم بسخرية :
" ما كان عليك تدريبهم بهذه المهارة سالار، كان يكفيك تعليمهم اساسيات القتال، انظر إلى ما اضطررتنا لمواجهته ؟؟ قاتل محترف نشأ على يديك"
ابتسم سالار بيأس وهو يجلس على المقعد المجاور لإيفان:
" لندع الله ألا تصل الأمور بنا لهذه النقطة "
فجأة تحدث أرسلان دون مقدمات يشاركهم ما يفكر به :
" نزار ؟؟ هل يعقل أنه نزار من يشاركهم الأمر مجددًا؟!"
نفى سالار الأمر بكلمات مقتضبة :
" ليس وهو بين جدران سجون آبى، وليس في ارضنا على الأقل "
حسنًا الخيوط تتشابك والحقائق تتداخل ويبدو أن المنبوذين حدود موعد الحرب الأخيرة، لكنهم أبوا أن يشاركوهم بها تاركين إياهم يتنازعون بينهم على معرفة من منهم الخائن .
ضربة أجاد بافل توجيهها بمهارة هذه المرة، هو وايًا كان من معه فقد أحسنوا اللعبة .
____________________
في الصباح التالي .
تحركت بين ممرات القصر تستنشق عبير الصباح داعية الله أن يكون خيرًا للجميع هنا، تحركت وهي تبصر النور الخافت الذي يتسلل من بين النوافذ ليضيء القصر والذي كان في هذه اللحظة مظلم بشكل كئيب وبشدة .
تنهدت تبارك بصوت شبه مرتفع وهي تبحث بعيونها عن سالار، تود الجلوس معه في هذا الوقت من الصباح قبل أن يزدحم يومه بالمشاكل.
لكن كل ما ابصرته أثناء التحرك هو صمت وفراغ جعل قلبها ينقبض، وقد تذكرت أيامها السابقة في منزلها حين كانت تشعر بنفس الفراغ وقت استيقاظها، لا أعاد الله هذه الأيام مجددًا .
فجأة توقفت اقدام تبارك حين سمعت همسات في الجوار، تحركت عيونها تبحث عن مصدر الهمسات في الممر ولم اصل لشيء مما جعلها تكمل طريقها وهي ما تزال تفكر في الأمر .
توقفت أمام قاعة العرش تبحث بعيونها عن سالار حتى رأت أن تسأل الحراس :
" هل القائد سالار بالداخل ؟؟"
ولم يحرك أحدهم عيونه لها وقد اجابوها :
" لا مولاتي، جميع القادة في قاعة الاجتماعات الخاصة بالملك "
شكرته تبارك بخفوت وتحركت صوب القاعة تشعر بحركة غريبة في القصر حولها، الهواء أصبح ثقيلًا فجأة وقد شعرت بالريبة، لكنها لم تهتم وهي تكمل الطريق حتى وصلت لقاعة الاجتماعات وقبل طرقها سمعت صوتًا يتحدث خلفها :
" سمو الأميرة ..."
استدارت تبارك نصف استدارة تنظر لذلك الجندي بثيابه الرثة المريبة والتي جعلتها تتراجع بترقب تهمس :
" نعم ؟!"
" أنا ...أنا فقط ...هل يمكنني التحدث معكِ"
اتسعت أعين تبارك بصدمة كبيرة فمنذ متى يأتي رجال هذا القصر لها ويطلبون الحديث هكذا، ولأي سبب قد يفعلون ؟؟
" عفوًا ؟؟ "
ابتلع الجندي ريقه والذي كان يبدو شابًا في بداية العشرينات :
" أنا أرجوكِ هذه مسألة حياة أو موت اترجاكِ "
رفعت تبارك حاجبه من وقد كانت عيونها تظهر من خلف اللثام الذي تضعه :
"لا اعتقد أن هذه الأمور قد تعتمد عليّ، ربما يمكنك الحديث مع الملك أو ..."
فجأة سقطت دموع الشاب وهو يجلس على ركبتيه في الأرضية لتشهق تبارك وتعود للخلف بريبة تنظر حولها لترى أن بعض الحراس قد بدأوا يتحفزون لما يحدث واحدهم تحرك صوبهم، لكن الجندي الجاثي ارضًا تحدث بسرعة ورجاء :
" أرجوكِ أنا اقسم أن الأمر لن يستغرق ثواني فقط اسمعيني، أرجوكِ "
وتبارك لم تكن معتادة أن يترجاها أحدهم بهذا الشكل، نبض قلبها بعنف وهي تشير له أن ينهض :
" فقط انهض رجاءً، انهض ولا تفعل ما تفعل، لا تركع لأحد، لا اعتقد أن سالار سيسره أن يرى جنوده يجثون بهذا الشكل لأحد "
رفع الشاب عيونه لها وقد غرق وجهه في الدموع :
" أنا واقعٌ في ورطة، اغيثيني "
في هذا الوقت وصل لها الجنود يتحدث أحدهم بصوت قوي :
" ما الذي تفعله هنا، انهض "
نظرت له تبارك بتردد ومن ثم نظرت للشاب لتقول وهي توجه كلماتها للحراس :
" لا ....لا بأس، أنا ...أنا سأتولى أمره "
ولم ينظر لها أحدهم بل اخفض الجندي عيونه ارضًا يهتف :
" سمو الأميرة هذا لا ..."
قاطعته تبارك وهي تشعر بالضغط مما يحدث ونبرة الشاب تضغط على جميع اوتار شفقتها :
" أخبرتك أنني سأتدبر الأمر رجاءً"
هز رأسه ولم يملك سوى الامتثال لها، بينما تبارك تنفست تراقب تحركه حيث موضعه تقول بصوت خافت :
" انتظرني أمام القصر في الحديقة الجانبية "
رفع الشاب عيونه لها بلهفة شديد ثم هرع يشكرها بمبالغة لم تفهم لها تبارك معنى، ما حاجة أحد الجنود هنا لها ؟؟ وكيف يطالبها بالمساعدة وهي أضعف منه حتى .
نظرت صوب الباب الخاص بالقاعة، ومن ثم قالت لأحد الحراس :
" حينما ينتهي القائد والملك من هذا الاجتماع، رجاءً أخبر القائد سالار أنني جئت لرؤيته، وأنني ذاهبة للحديقة الجانبية في القصر "
ختمت حديثها تتحرك بتردد صوب تلك الحديقة وما يطمئنها قليلًا أنه حتى وإن أراد بها سوء، فلن يفعله في الصباح على مرأى ومسمع من جميع الحراس في المكان .
" ترى ما الذي يريده مني ؟!"
ورغم شعورها أن ما تفعله خاطئ، إلا أنها لم تستطع أن تتغلب على شعورها بالرغبة في مساعدته، وقد انتوت أن تخبر سالار بكل شيء .
__________________
" أنا لا افهم ما يحدث هنا زمرد، هل هذا يعني أنه ستتم محاكمتك ؟!"
ابتلعت زمرد ريقها تهز رأسها بعدم فهم :
" هذا ما اخمنه، فهذه المرأة لم تكن ذو شأن قليل هنا، والجميع لن يتوقف عن الحديث بالأمر و...أنا لا أستطيع أن اتسيب في مشاكل لأخي يكفيه ما ناله طوال هذه السنوات "
تنهدت بصوت مرتفع تمسح وجهها، ثم قررت النهوض تتحرك خارج الغرفة مع برلنت وقد ملت الانتظار حتى تعلم مصيرها، بينما برلنت لحقت بها وهي تردد :
" ما بال المصائب تسقط على رؤوس الجميع هنا ؟!"
نظرت لها زمرد يفضول :
" أي مصائب تلك ؟؟ هل حدث شيء معكِ وتميم ؟؟"
هزت برلنت رأسها وقد استيقظت في الصباح لتجد نفسها وحدها في الفراش وهي من ظنت أنه لن يهون عليه تركها وحيدة كما اعتادوا :
" نعم يبدو أننا على وشك الدخول في منعطف سيقلب كل شيء رأسًا على عقب "
توقفت زمرد وهي تنظر لها بفضول :
" ما الذي حدث لكل هذا برلنت ؟؟ هل خانك ذلك الرجل ؟!"
ضحكت برلنت ضحكة صغيرة من أفكار زمرد :
" لا لم يفعل بعد، لو كان تميم يفكر في الخيانة لما انتظر كل هذه السنوات ليفعل حينما يلتقي بي "
" لا اعلم أنا لا اثق في أي رجل في هذه الحياة "
" هل هذا يتضمن دانيار ؟!"
ابتسمت زمرد تهمس لها وهي تتذكر من بين أفكارها الضبابية عن ليلة أمس صوت دانيار وهو يتحدي ايفان :
" لا، دانيار استثناء، وكذلك إيفان"
تشنجت برلنت بحنق :
" أيتها الحقيرة تستثنين كل من يخصك من الأمر، هذا مـ "
وقبل أن تكمل كلماتها كانا قد وصلا لغرفة الاجتماعات التي ارشدهم لها الحراس في طريقهم للبحث عن الرجال، لكن حين وصلا شعرتا بحالة استنفار غريبة في المكان ..
وإيفان يمسك بمرفق سالار يهمس له بكلمات يبدو أنها لا تجدي نفعًا مع ذلك الثائر هناك بخصلاته التي تميل للاحمر والتي كانت في هذه اللحظة تعبر وبشكل وافي عن حالته المشتعلة .
فجأة ارتفعت عين سالار صوب بداية الممر حيث كانتا تقفان، فتراجعت برلنت بسرعة وهي تهمس باسم تميم في فزع :
" يا ويلي ..تميم "
أمسكت زمرد بيدها تحاول أن تبعدها عنها هامسة بحنق شديد :
" أيتها الجبانة اخرجي من خلفي هو لن يتجرأ ويمسك بسوء "
وحين أبصرت تقدم سالار منهم تراجعت زمرد وهي تقول بصوت منخفض مستغيث :
" إيفان، ليمسك أحدكم هذا الرجل، أين تبارك لتتحكم برجل الكهف هذا ؟؟"
توقف أرسلان أمام سالار وهو يتحدث بغيظ :
" سالار بالله عليك توقف عن هذه الأفعال، مرة الذي تفعله أنت ؟! هي بخير لقد أخبرك الحارس أنه رحل وتركها "
نظر له سالار باعتراض مبعدًا يده :
" وما الذي جعله من الأساس يقترب منها بل ويتحدث لها؟! واين هي الآن، ثم ...كيف ...كيف تجرأ و.."
توقف عن التحدث حين رأى أحد الحراس يهرول صوبه متحدثًا باحترام شديد :
" سيدي مرحبًا لقد تركت لك سمو الأميرة رسالة "
نظر له سالار بشر وهو يتساءل أين كان هذا الاحمق وهو يشتعل منذ ثواني بعد كلمات الحارس الآخر بأنه رآها تقف مع أحد الجنود والذي كان يبدو مظهره مريبًا بعض الشيء .
" وأين كنت أنت كل هذا الوقت !!"
" لقد ...لقد كنت في استراحتي سيدي، أنا آسف"
نظر إيفان للحارس وهو يدفع سالار للخلف وقد كان وكأنه على وشك الهجوم على الجميع، حسنًا هو لن يلومه، فهو البارحة كاد يهدم القصر فوق رؤوس الجميع لأجل زمرد.
" حسنًا لا بأس، سالار تحرك مع الرجل بهدوء واسمع منه رسالة زوجتك والجميع ليعد كل لعمله انتهينا للان "
بدأ الجميع ينفض من حول سالار والذي كان بملامح جامدة غاضبة مخيفة كعادته وكأن اثر وجود تبارك في حياته تلاشى مع ابتعادها .
تحرك إيفان صوب زمرد يقول بجدية :
" زمرد الحقي بي ..."
شعرت زمرد بالريبة والتردد ورغم ذلك تحركت خلفه، بعدما ألقت دانيار بنظرة ممتلئة بالمشاعر لم يفهم منها سوى أنها بالفعل تحتاجه لذلك تحرك خلفهم مصممًا على الالتصاق بها ليرى ما سيحدث، وكأنه اقسم ألا ينتهي يومه سوى وهو مسجون كما تعهد له إيفان .
وتميم تحرك بكل بساطة يجذب مرفق برلنت دون مقدمات ودون أن ينظر لها حتى يتحرك بهدوء في طريقه وهي تنظر له بصدمة :
" ما هذه الوقاحة ؟؟ تستمر في تجاهلي منذ البارحة والآن تأتي لجذبي بهذا الشكل ؟! لا يا سيد أنت لم تخمن، دع ذراعي وإلا صرخت واخبرت الجميع أنكِ تختطفني الآن و..."
توقف تميم في منتصف الممر يقول بصوت مرتفع وهو يحدق في الجميع حوله :
" مرحبًا جميعًا هذه زوجتي وأنا الآن على وشك اختطافها "
ختم حديثه يتحرك مجددًا دون الاهتمام لنظرات برلنت المصدومة وعيونها المتسعة، بينما ابتسم يكمل طريقه دون أن يهتم بكل ما يحدث حوله "
بينما أرسلان كان يراقب الجميع ببسمة جانبية يردد في نفسه :
" أي عالم للمجانين ستلقي به شقيقتك ارسلان؟! والادهى أنك ستمنحها لملك المجانين "
تنهد بصوت مرتفع يتحرك صوب الشرفة الخاصة بهذا الممر يجلس بها بهدوء ينتظر أن ينتهي إيفان مما يفعل ليعلم ليلتقي به وينهي معه الحديث المعلق ويرحل لشقيقته .
لكن يبدو أن شقيقته تعجبت لقاءه إذ فجأة أبصر فتح البوابة وتحرك قافلة يدركها جيدًا للداخل، وهذا درس له كي لا يرسل لاحقًا أي رسالة تحمل أي أخبار لشقيقته، هو فقط أرسل لها سبب بقائه ليلة إضافية، ليجدها تقفز له في الصباح ..
" هذا لن يكون جيدًا أبدًا..."
__________________
كان يتحرك بسرعة وخطوات قوية كعادته في طريقه صوب الحديقة الجانبية وهو يتوعد لتبارك بالويل، كان غضبه في هذه اللحظة كبيرًا على ذلك الرجل الذي تجرأ واقترب من تبارك، وعلى تبارك نفسها التي توقفت للتحدث معه حتى، بل وتحركت خلفه كما أخبره الحارس .
كان يحث الخطى صوب الحديقة دون أن يحيد بعيونه للجانبين، لكن فجأة توقفت أقدامه بسرعة قبل أن يصطدم في ذلك الجسد الذي يكاد يهرول في الجهة المقابلة منه .
رمش سالار ثواني يبصرها وقد توقفت أمامه تتنفس بصوت مرتفع، ثم ابتسمت بسمة واسعة بسيطة جدًا وهي تقول :
" مرحبًا"
رفع سالار حاجبه يقول بسخرية :
" مرحبًا ؟؟؟؟"
صمت ثواني ثم قال :
" أوه نعم، مرحبًا "
تعجبت تبارك ردة فعله، لتقوم بتوسيع بسمتها أكثر بغرض إذابة الغضب الواضح أمامها في عيون سالار :
" تبدو ....مشرقًا في الحقيقة "
" أنتِ كاذبة "
كانت جملة مباشرة منه دون مواراة أو شيء من هذا القبيل، فقد ألقاها في وجهها دون كلمات إضافية .
وتبارك تراجعت للخلف خطوات بصدمة تهمس له :
" هذا كان جارحًا حقًا "
" هذه كانت الحقيقة حقًا، فأي إشراق هذا وأنا لم أنم ليلتي وعيوني تبدو ذابلة بهذا الشكل بالله عليكِ ؟؟ "
نظرت له تبارك بتشنج تهمس :
" عمرك ما سمعت عن المجاملة ؟؟"
" لا، ولا احب السماع عن شيء به كذب "
زفرت تبارك بصوت مرتفع تمسح وجهها :
" حسنًا أنا لست كاذبة أنا فقط أخبرك ما أراه، أنت الآن في عيوني في قمة الاشراق والوسامة "
نظر لها سالار طويلًا قبل أن يبتسم بسمة صغيرة جلبت بسمة مقابلة على فم تبارك، وهو فقط قال :
" إذن أنا أنتظر منكِ تفسيرًا عما حدث "
" ما حدث ؟؟ ما الذي حدث "
ضحك سالار بسخرية أبعد ما تكون عن الضحك :
" ها، وتقولين أنكِ لستِ كاذبة ؟؟"
نظرت تبارك لاعينه باعتراض شديد :
" أنت لا يمكنك أن تحكم على شيء بهذه الطريقة المباشرة، فهذا نسميه نحن مراوغة، أن اراوغك وادعي الجهل، هذا ليس كذبًا "
رفع سالار يده يشير لها بإصبعه في وجهها وهي فقط اخذت تحدق في ذلك الاصبع وهو يتحرك أمام عيونها :
" توقفي عن اختراع ألفاظ مقابلة لكل شيء، هذا كذب لا يوجد شيء اسمه مراوغة ولا مجاملة، الكذب هو كذب دون الحاجة لصياغته في تلك الألفاظ "
ابتعدت بصعوبة عيونها عن إصبعه تتنفس بحنق :
" أنت شخص صعب والله "
" وما معنى أنني شخص صعب هذه ؟؟ هل أنا مسألة يصعب حلها "
تحركت تبارك مبتعدة عنه وهي تتحرك صوب الحديقة مجددًا:
" بل شخص يصعب فهمه "
نظر لها سالار بحنق وهو يراها تتحرك بعيدًا عنه، وهذا ازعجه لبحث الخطى خلفها بسرعة كي لا يفقد إثرها مرة أخرى، يتعجب سرعة خطواتها .
واخيرًا وصل صوب الحديقة الجانبية بوجه مشتعل يبحث عنها في الإرجاء، حتى ابصرها تتوسط أحد المقاعد في ركن الحديقة.
عجبًا متى وصلت واختارت مقعد لنفسها بهذه السرعة، بل واستقرت به هكذا ؟؟
تحرك لها سالار بخطوات بطيئة وهو يهمس باسمها متعجبًا ساخطًا من هدوئها هذا وهو من كاد يشتعل في الاعلى لأجلها، ومنذ ثواني كذلك .
" تبارك ؟؟"
رفعت تبارك عيونها صوبه لتبصر اشتعال خصلاته بقوة وذلك بسبب تركز اشعة الشمس عليها، وفي ثواني تناست كل ما حدث تطيل التحديق فيه بشرود، هذا الرجل الذي سلبها من نفسها منذ اللحظة الاولى، حتى وهي في المشفى مرتعبة منه لم تستطع كتم إعجابها به.
ولم تتمكن تبارك من كبت بسمتها وهي تقول بكلمات أظهرت بها كل صدقها، ليس مجاملة وليس مراوغة :
" اقترب يا وسيم "
ابتسم لها سالار وكأنه تناسى وصلة التوعد التي ألقاها في طريقه هنا، ولم يبصر سوى بسمتها ونظراتها الصادقة له، كل هذا ساهم بشكل كبير في محو أي غضب أو قلق تراكم على قلبه منذ البارحة بخصوص ما يحدث .
وفي هذه اللحظة أدرك سالار تأثير تبارك الخطير على نفسه، هذه المرأة تمتلك تأثيرًا مرعبًا عليه، وهذا ليس شيئًا جيدًا، لكن هل يعترض ؟! لا والله لا يفعل .
امسك يدها التي مدتها له تقول بصوت حنون ربت على قلبه بكل حنان :
" تبدو مرهقًا "
رفع سالار حاجبه بتعجب وهو ينظر للخارج يحاول الوصول بعيونه صوب المكان الذي كانوا يقفون به منذ ثواني :
" أليس أنتِ من أخبرني أنني مشرق منذ ثواني تقريبًا "
" حسنًا أحدهم أخبرني أن أتوقف عن المجاملة، لذا دعنا نبدأ الحوار من أوله حسنًا "
جلس سالار أمامها يحدق في عيونها ثواني وهي فقط ابتسمت له بسمة صغيرة ترفع يده صوب صدرها تهمس :
" هل كل شيء على ما يرام سالار ؟؟"
نظر لها سالار قبل أن تتحرك نظراته في المكان حوله يشعر أنه يحلم :
" أنا فقط أشعر بالريبة، أعني منذ ثواني كنا نتحدث وفجأة اختفيتي وجئتِ هنا تجلسين في الحديقة بهذه البسمات الصافية و ....يبدو الأمر كما لو أنني داخل حلم الحقيقة "
ابتسمت له تبارك تقول :
" أوه، أنا بالطبع سيسعدني أنني لست الوحيدة التي تغرق في الاحلام هنا، هناك أنت أيضًا تحلم بي "
" وأنا سيسعدني أن أعلم ما حدث في الأعلى مع ذلك الجندي، مثلًا من هو ولماذا أنتِ، وما الذي يريده، وكيف تقبلين الوقوف معه، وهل قابلتيه و...."
قاطعته تبارك بسرعة قبل أن يسترسل في كل هذا الحوار تقول :
" حسنًا قبل أن نندمج في هذا الحوار ما رأيك أن نطلب فطورًا الآن كي تتغذى إذ تبدو لي شاحبًا بعض الشيء "
ابتسم سالار بسخرية لاذعة :
" هذه مراوغة أخرى ؟؟"
" بل تهرب إن أحسنت اختيار اللفظ "
مسح سالار وجهه يهمس بحنق :
" تبارك، يا الله أنتِ لا تنتوين أن تريحيني قريبًا، أنا اشتعل هنا "
" حسنًا سأخبرك كل شيء أنا فقط احتاج إليك لتهدأ، رجاءً"
نظر لها يشعر أن القادم لن يسعده البتة :
" حسنًا، أنتِ لا تساعدين في هذا بكلماتك تلك تبارك"
" سالار رجاءً...."
قاطعها تبارك بأعين صارمة مشتعلة وقد بدأ جسده يفقد صبره لمعرفة ما كان يريده ذلك الرجل من زوجته :
" بل رجاءً أنتِ تبارك، لا تختبري صبري، ليس بكِ على الأقل، أخبريني ما الذي كان يريده ذلك الرجل من زوجتي، ما الذي يجعله يطالبك بالحديث، ما الذي كان يريده منكِ تبارك أنا أكاد أفقد صبري، اقسم أنني اتماسك بصعوبة فأنا لم اعتد الحلم في اموري، فما بالك لو كانت تلك الأمور هي زوجتي ؟؟؟"
شعرت تبارك أن تأخرها في الرد يزيد الأمور سوءًا، لكن بالنظر للمكان حولها احتاجت لمكان خاص تتحدث به، لذا همست له بصوت منخفض :
" نذهب لغرفتنا ؟؟"
رفع حاجبه :
" غرفتنا ؟؟"
" غرفتك أو غرفتي "
ابتسم بسخرية يجيب :
" من الآن الذي يحاول سحب الآخر للغرفة تبارك، هل تريدين أن افترض بكِ سوء النية كما تفعلين معي ؟؟"
نظرت له تبارك ثواني تحاول فهم حديثه قبل أن تشهق بصدمة كبيرة تهمس له :
" ماذا ؟؟ لا، يا الله لا، ليس ما فكرت به للتو اقسم لك "
" ولماذا ليس ما فكرت به ؟؟ هل سوء النية حصرًا لكِ فقط يا امرأة ؟؟"
نظرت تبارك لعيونه لتدرك أنه يتحدث بجدية، هذا الرجل ما الذي يفعله معها حقًا، هل يتحدث بجدية، هل هو برئ لهذه الدرجة ام هي القذرة لهذه الدرجة ؟؟
" أنا فقط أريد التحدث معك بخصوصية "
اتسعت بسمة سالار لتعقد هي حاجبيها بسخرية :
" انظر ها أنت تبتسم بخبث، أنت تفكر في جهة أنا لم اقترب منها في أفكاري حتى "
" ومن أخبرك أنني افكر في تلك الجهة التي تعتقدين أنني افكر بها ؟؟"
نظرت له ثواني تحاول تجميع ما قال والإجابة :
" أنت ... أنت لا ...ماذا تحاول القول ؟؟ أنا ..."
ضحك سالار عليها وهو ينهض عن المقعد يجذبها له، ثم رتب حجابها والذي كان مرتب من الأساس، لكن يبدو أن تلك عادة أنامله وهي التأكد أنها باحسن حال كل ثانية، ثم سحبها خلفه بهدوء شديد صوب غرفته، والجميع يبصره يتحرك بتريث وهدوء ينافي تمامًا الاعصار الذي خرج به .
وحقًا إن للنساء تأثيرًا مميتًا على أعتى الرجال ....
توقف سالار أمام غرفته يفتح بابها بالمفتاح الخاص بها، وهذا يذكر تبارك أن سالار هو الشخص الوحيد الذي يغلق غرفته بمفتاح ولا يضع حراس أمامها، ربما تسأله في وقت لاحق عن الأمر بعدما ينتهي استجواب سالار لها في الداخل وكل املها أن ينتهي هذا الاستجواب على خير .
دخل وادخلها، ثم اغلق الباب بهدوء يجذبها بهدوء أكثر من هدوءه الطبيعي، يجلسها على الفراش بكل رقي، ثم تحرك يفك لها حجابها تحت نظراتها المتعجبة، ومن ثم جذب أحد المقاعد يدفعه أمامها ليجلس عليه يميل صوبها باهتمام شديد وقد أعد العدة بالكامل للاستماع إلى الاسباب الخطيرة التي قد تدفع بزوجته لتقف مع رجل آخر غيره ..
" نعم أنا استمع .."
ابتسمت تبارك تحاول كسر ذاك التوتر داخلها:
" أنت تبدو وسيمًا "
ابتسم لها يتنفس بصوت مرتفع :
" نعم علمت منكِ ذلك منذ دقائق، أنا وسيم ومشرق، كفاكِ مراوغة تبارك "
صححت له تبارك :
" هذه مجاملة "
" نعم كفاكِ ...ماذا مجاملة ؟؟"
رمشت بسرعة تستوعب ما قالت، ثم أسرعت واضافت :
" لا لا اقسم أنني لا اجاملك أنا فقط كنت اصحح الكلمة و...سالار أنت وسيم اقسم لك هذه ليست مجاملة، أعني أنت لا تحتاج لكلمتي فأنت بالفعل تعلم هذا، المرايا خير دليل على وسامتك و...."
ابتسم سالار لها وهو يمسك يدها، ينظر في عيونها :
" وأنتِ جميلة تبارك، كملاك لطيف اقتحم حياتي البائسة، ملاكي الخاص الحبيب الذي إن لم اعلم سبب تحدثه مع رجل آخر غيري اقسم أنني لن اتحكم في اعصابي أكثر من هذا .."
نظرت له تبارك وليده :
" هل تعدني أنك لن تغضب !!"
" هذا يعتمد على الأمر فأنا لا أعد بالمجهول "
نظرت له وهو تنهد وقد بدأ يفقد صبره :
" تبارك تحدثي قبل أن أفقد صبري رجاءً، ما الذي كان يريده منكِ هذه الجندي ؟؟"
نظرت له ثواني قبل أن تلقي قنبلتها في وجهه :
" اختطافي، هو يريد اختطافي إذا كان هذا ممكنًا ......"
_________________
اقتربنا ؟؟ ربما ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق على الفصل برأيكم.
صلوا على نبي الرحمة.
______________
هي جملة ألقت بها واختارت الصمت رفيقًا، في وقت ما كان عليها أن تتوقف عن الحديث ولو سقطت السماء على الأرض، ليس وعقل سالار بدأ يعمل بسرعة مخيفة بعد سماعه لتلك الجملة الغريبة المريبة و...ماذا ؟؟
" يريد اختطافك ؟؟ هل ...هل تحاولين المراوغة مجددًا تبارك ؟؟"
ابتلعت ريقها ترى نظراته، ثم أمسكت يده بسرعة وكأنها بهذه الطريقة تضمن ألا يتحرك ليحطم الغرفة فوق رأسها:
" لا اقسم لك، هذا ما حدث، لقد جاءني يطالبني بالاذن لاختطافي و..."
صمتت وهي تشعر بغباء جملتها الغير منطقية بالمرة، وحقًا هي لا تدري الوسيلة الصحيحة لتشرح له الأمر فهذه المرة الأولى لها التي يعرض عليهم أحدهم اختطافها، أو ربما ستكون الوحيدة في الحقيقة .
وسالار فقط ابتسم وهو ينظر حوله يبحث عن شيء مريب يدل أنه ربما في حلم غبي أو ماشابه :
" يريد اختطافك ؟!"
" نعم ...إذا كان هذا ممكنًا "
ابتسم لها سالار بسمة واسعة جعلتها تبتسم بسمة مقابلة قبل أن ينفجر في موجة ضحك صاخبة وقد كاد يسقط عن مقعده لشدة ضحكه، بينما تبارك وبعدما كانت مبتسمة لأجل ضحكاته بدأت تشعر بالريبة وابتسمت بسمة متوترة :
" لن يستمر الأمر طويلًا، اسمع سأخبرك ما سيحدث فقط اسمعني رجاءً "
نظر لها سالار بعدما تمالك ذاته يهتف بعدم فهم :
" تخبرينني ماذا ؟؟ أن أحد الرجال جاء يطلب أذنك لخطفك ؟؟ حسنًا الأمر مرفوض لأنه لم يأتني ويطلب مني أنا أن يخطتف زوجتي، لقد تخطاني وتحدث معكِ مباشرة وهذا أمر مرفوض تمامًا "
كان يتحدث بملامح جادة وكلمات بسيطة حتى أن من يستمع إليه دون أن يبصر ملامح السخرية التي تعلو وجهه لكان قد صدقه، زفرت تبارك ولا تعلم مدخلًا لتخبره ما حدث بالتحديد، هي لا تجد الكلمات المناسبة للوضع .
" سالار أنا لا امزح "
وسالار تنهد يقول وقد بدأ يدعي الجدية :
" حسنًا، أنا حقًا لا ادرك إن كنت استطيع الموافقة على هذا الأمر في الوقت الحالي، فكما ترين الحرب تقترب والأمور مشتعلة في المملكة هذه الأيام ولا أدرك إن كنت امتلك وقتًا لاشاهد أحدهم يختطف زوجتي، لِمَ لا تخبرينني اسمه لذلك الجندي وأنا سأتحدث معه بنفسي ونصل سويًا لشيء يرضينا ؟؟"
نظرت له تبارك تقول :
" سالار أنا لا امزح حقًا توقف عن السخرية "
تشنجت ملامح سالار يهتف من بين أنفاسه :
" أتوقف عن ماذا يا امرأة!؟ هل جننتي ؟! أحدهم يستئذن لخطفك !!؟ وأنتِ تعرضين الأمر عليّ؟ هل تريدين دفعي للجنون تبارك؟؟ "
نهضت تبارك تحاول الاقتراب منه لكنه أشار لها بيده أن تتوقف يقول بصوت جاد مرعب ذكرها بسالار القديم الجامد والذي كانت تتخيله في وقت من الأوقات وحش اسطوري ينفث النيران _ حسب أقاويل صامد وصمود _ والآن ها هو نفس الوحش الاسطوري يعود مجددًا ..
" توقفي، فقط توقفي عن استفزاز كل خلية داخلي واخبريني دون الحاجة لكل ذلك الهراء، من ذا القذر الذي تجرأ وتحدث معكِ بل ويعرض عليكِ خطفك، فقط أخبريني الاسم إن كنتِ تعلمينه او صفيه "
نظرت له بخوف تتراجع بعض الخطوات تحاول أن تخبره ما حدث وتقنعه بما سمعت :
" سالار أرجوك فقط اسمع مني ما حدث و..."
قاطعها بصرخة مرتفعه وقد فقد صبره كما حذرها :
" الاســـــــــــم "
شعرت تبارك بقلبها يتوقف للحظات بسبب الخوف وهي تغمض عيونها تحمي وجهها تقول بارتجاف :
" لم يخبرني، لا اعلم الاسم "
" إذن تدركين مظهره، لا يعقل أنه حدثك من وراء حجاب صحيح ؟؟ أخبريني مواصفاته "
ابتلعت ريقها وهي ترتجف تهمس بخوف منه :
" سالار أرجوك فقط اسمعني، لقد أخبرني أن الأمر لن يكون كما تظن أنت، لقد اخبروه أن يختطفني ويقودني لهم وهو فقط خشي الأمر وجاء يخبرني الحقيقة كي أذهب معه فقط ويمكنكم تتبعي حتى تصلوا لهم، هذا ...هذا ..."
توقفت وهي ترى جسده بدأ يسترخى بعض الشيء وقد بدا أنه يستمع لما يحدث ويوليه اهتمامه، وهي تشجعت لتكمل :
" لقد أخبرني أنهم اسروه وبعض الجنود و...يجبرونهم على فعل أشياء عديدة وإلا فقدوا حياتهم وهم فقط يسايرونهم، وينفذون ما يريدون حتى يسقطوهم، وأخبرني كذلك أنه يريد التواصل معك والملك، لكن الجنود رفضوا لانكم كنتم مشغولين في اجتماع هام فراقب جناحي حتى رآني وأخبرني كل ذلك لاوصل لكم حديثه، أنا إن ذهبت معه أنتم ستلحقون بنا وبهذا الشكل نسقطهم، حسنًا "
ختمت حديثها برجاء أن يتفهم ما تقصد وهي تدرك أن نصف حديثها غير مرتب من الأساس وغير مفهوم لكن هذا ما خرج من عقلها بتوتر تحت نظراته المخيفة، يا الله هي في هذه اللحظة تخافه ولأول مرة منذ وقت طويل، ترتعب من بقائها جوار سالار .
هدأ سالار ثواني وكأنه أدرك ما يحدث حوله :
" طُعم تقصدين ؟؟"
هزت رأسها بسرعة وبلهفة وقد ابتسمت وارتاحت أن أدرك ما تريد قوله من كل ذلك الهراء الذي نطقت به، وهو فقط مرر لسانه على شفتيه يبللهمها مبتسمًا :
" يريدونني أن استخدمك كطعم لأصل لهم ؟؟"
ورغم الريبة التي شعرت بها من نبرته إلا أنها هزت رأسها بنعم، فمال عليها سالار ينظر لعيونها ثواني يقول بصوت هامس كالفحيح والغضب يلون نبرته :
" هل أخبرك أحدهم أنكِ تزوجتي رجل عديم نخوة، يسلمك لرجلٍ غريب كي يجرك صوب جماعة من الذكور الفاسقين فقط ليصل هو لغايته ؟!"
نظرت له تبارك في عيونه بفزع من ذلك التحليل الذي خرج به في هذه اللحظة، هي فقط تريد المساعدة ولم تفكر أبدًا في ذلك، لكن سالار والذي كان في هذه اللحظة مشتعلًا بكل ما فيه ردد:
" اللعنة عليّ إن سمحت لوسخٍ منهم بمسّ زوجتي، لن يحدث هذا ولو على جثتي حتى "
اعتدل يبتعد عنها وهو يصيح بصوت مرتفع جعل جسد تبارك ينتفض وهي تتراجع للخلف بخوف شديد :
" هذا ما ينقصني أن أستخدم النساء في الفوز بحروبي، أي عار تريدنني أن أحمل وأنا اوافقهم على استخدامك كطعم، والله لو قطعوني لمئة قطعة لن أسمح لكِ أن تخطي خارج جدران هذا القصر ولو كان خروجك يضمن لي حتمية انتصارنا الابدي تبارك "
ختم حديثه يتحرك بجنون صوب الخارج يتحدث دون أن ينظر لها في الخلف :
" وهذا عديم الرجولة الذي استحل لنفسه أخذ امرأة من شعبه صوب هؤلاء القذرين أنا سأجده بنفسي، وأنتِ إياكِ والتحرك خطوة خارج جناحي "
ختم حديثه وخرج من المكان يغلق الباب بقوة تاركًا جسد تبارك ينتفض بصدمة كبيرة، وعيونها متسعة مما سمعت ومما قاله سالار، تقسم أنها لم تفكر في كل هذا حين عرضت عليه الأمر، هي ظنت ... ظنت أنها بهذا الشكل تساعده ..
لكن يبدو أن تفكيرها البسيط الذي بُني على مواقف كانت تعاصرها في حياتها، أبعد ما يكون عن عقلية سالار الذي نشأ في بيئة تختلف تمامًا عن خاصتها .
ابتلعت ريقها وهي تنظر حولها تتنفس بصوت مرتفع وغضب، لا تعلم غاضبة مِن مَن، لكنها في النهاية غاضبة وبشدة، تحركت صوب الباب تريد الخروج من هنا والتنفيس عن غضبها، لكن فجأة ابتسمت بسمة مصدومة، غير مصدقة لما يحدث ...
" قفل عليا الباب ؟؟ حبسني في اوضته؟؟ حبسني ؟!"
______________________
كانت تنظر ارضًا وهي تشعر بالخجل من نظراته، ولأول مرة هناك أحد يستطيع أن يشعرها بالخزي، وهي التي لم تنحني يومًا لأحد، لكن نظراته لها في هذه اللحظة كانت أقصى من قدرتها على التحمل .
" أنا آسفة "
ابتسم إيفان بسمة صغيرة يميل مستندًا على ركبتيه :
" آسفة على ماذا بالتحديد !!"
رفعت عيونها له بتردد تهمس بعدم فهم لنفسها :
" لا ادري لكن نظراتك تشعرني أنني يجب أن أعتذر عن شيء لا أدرك ما هو "
اتسعت بسمة إيفان، لكنها أبدًا لم تكن بالسعيدة، تنفس بصوت مرتفع وهو يطيل النظر بها ليزيد من توترها :
" أنا لست نادمة، لقد أخذت قصاص والدتي منها "
رفع إيفان حاجبه وهو يرى بساطة حديثها وكأنها تحيا في غابة كأن لا قوانين تحكم الحياة في هذه المملكة .
" القصاص حق، لكن ليس بهذه العشوائية، قصاصك وقصاصي وقصاص أمي والجميع كنت سآخذه منها دون أن تتلوث أيدينا بالدماء زمرد، انظري الآن إلى ما نحن مضطرين لمواجهته ؟!"
ابتلعت ريقها تهمس :
" ماذا ؟!"
" ماذا ؟؟ حقًا تتسائلين ؟! الآن الملكة قُتلت، و...هناك محاكمة يجب أن تحدث "
صمت ثواني يحاول أن يفكر في شيء، وهي تنظر له بعدم فهم، ليكمل هو حديثه :
" ما فعلتيه كان خاطئًا زمرد، ولا يمكنك إنكار ذلك، لقد قتلتي شخصًا دون أن ترتجف يداكِ حتى، انسان ورغم كل قذارته، استطعتي طعنه بكل سهولة و...هذا ليس جيدًا أبدًا، العنف سيؤثر سلبًا عليكِ، سيعطي المزيد من القوة والسيطرة لشيطانك زمرد، إياكِ وإن تتبعيه أختي"
نظرت له زمرد بأعين بدأت تغطيها سحابة من دموعها تهمس بصوت منخفض :
" أشعر أن حديثك متأخر بعض الشيء إيفان، لقد فات الأوان على مثل تلك الكلمات صدقني "
نهض إيفان عن مقعده يتحرك لها يجذب رأسها يضمه لصدره يربت عليها مشفقًا على ما عاشته وما تضطر لعيشه، مرتعبًا أن يتسلم الشيطان نفسها شيئًا فشيء بعدما تترك له القيادة بالكامل، فكم من صاحب حق خانته نفسه واتبعت من تعهد بألا يهنأ له بال إلا والقاه في الجحيم .
" الحياة لا تأتي بالغضب، ولن تطيعك بالقوة زمرد، في بعض الأحيان نحتاج للجلوس معها جلسة ودية والتحدث معها عن بنود السلام لنحيا عزيزتي "
سقطت دموع زمرد بعنف وهي تهتف من بين شهقتتها :
" أي سلام وأنا عشت في عقر دار أهل الباطل يا إيفان؟! لقد احالوا حياتي لجحيم، والله لو أنني اتبعت السلام ما كنت حية بين يديك، ولأُنتهكت أكثر من عدد انفاسي في هذه الحياة، أنا عشت في قرية موبوءة بالمعاصي "
ارتجفت يد إيفان وهو يضمها له يقبل رأسها كل ثانية بحنان يهمس بكلماته الداعمة والمهدئة :
" والآن كل شيء انتهى وكل معاناتك تلاشت زمرد، دعي كل ذلك التحفظ وانبذي شيطانك حبيبتي "
" كيف انبذ شيطاني وهو ما يزال حيٌ يرزق أخي ؟؟"
نظر لها إيفان نظرة متسائلة لتهمس بصوت خافت :
" بافل، اقوى الشياطين واشدهم، لن يهنأ لي بالٌ ولن احيا بسلام إلا حينما اقتله على يديّ، هو سيموت بين كفيّ أنا، أنا أحق الناس بقتله، لي عنده من القصاص ما يكفي لاقطعه اربًا "
نظرت لعيون أخيها تهتف برجاء وتوسل تلمس الجزء الحنون بقلبه :
" عدني أنك ستسمح لي بأخذ ثأري منه بنفسي، أنا... أنا أريد أن انفذ وعدي الذي أخذته على نفسي وأمي قديمًا إيفان، بافل لن يكون لغيري، أنا فقط من سأتخلص منه، وحينها اعدك أنني سأتطهر من كافة آثام القوم، واكون كما تتمنى "
نظر لها إيفان يحاول أن يفكر في طريقة ملائمة لعلاج كل تلك التقرحات التي نتجت لديها مع مرور الوقت، زمرد لم تكن متزنة في هذه اللحظة التي تتحدث بها، وكان هذا أكثر من واضح على نظراتها وكلماتها، ابتلع ريقه يشعر في هذه اللحظة تحديدًا أنه ليس مستاءً لأنها قتلت شهرزاد، هو وإن كان غاضبًا الآن على قتلها، فهذا لأنه وللاسف الشديد لم يفعلها بنفسه، لا ينكر أن جزء صغير داخله كان يتمنى ذلك وبشدة .
نزلت بعض الدموع من أعين إيفان وهو يضم رأس زمرد لصدره أكثر يحاول التنفس بشكل سليم، وشعوره بدموعه التي تتحرك على وجنتيه ذكرته أنها للمرة الثانية التي يبكي فيها أمام أحد، والمرتين كانوا لأجلها .
" سيحدث حبيبتي، كل ما تريدنه سيحدث زمرد، أي شيء تتمنيه سيحدث، أنا سأحيا فقط لأحقق لكِ كل ما تتمنينه زمرد، فقط ...فقط تمني "
تهدجت احرفه في كلماته الأخيرة وشعر أنه لم يعد يقوي على التحمل أكثر، لكنه سيفعل لأجلها ولأجل الجميع لا يستطيع الانهيار، ليس الآن على الأقل، هو ليس مسؤولًا عن نفسه فقط ليحصل على تلك الرفاهية البعيدة، هو مسؤول عن شعب وأسرة وحياة بأكملها .
ابتلع ريقه يترك قبلة أخيرة على رأسها، ثم ابتعد قليلًا يقول :
" أنا فقط سأرتب لأمر المحاكمة كي ننتهي من كل ذلك قبل الحرب و..."
صمت وهو لا يستطيع أن يجد كلمات في عقله :
" لا اعتقد أنني سأكون القاضي في تلك المحاكمة"
نظرت له زمرد بعدم فهم ليبتلع ريقه مكملًا :
" لا يمكنني أن أكون القاضي والشاهد في نفس الوقت "
لم تفقه زمرد ما يقصد لذا تحدثت بصوت منخفض :
" لا افهم ما تقول، لا افهم "
" أنا سأكون شاهدًا في هذه المحاكمة، عليّ فعل هذا، لن استطيع أن اخرجك من ذلك المأزق إلا حينما أخرج جميع الاسرار التي حفظتها لسنوات، وهذا يستلزم أن اكون شاهدًا، لذا الشاهد لا يستطع أن يكون هو نفسه الحاكم، سوف ...اقف معك في المحاكمة، وسيكون سالار بموجب سلطته هو القاضي "
نظرت له زمرد بصدمة فهذه المرة الأولى التي ترى الملك يتخلى عن دوره في الحكم على أحدهم ولاجلها هي؟؟
" أنت لا يمكنك فعل هذا، أنا لا يمكنني القبول أن تقف معي وهناك من يقف أمامك ليصدر حكمه في أمور لا أحد أحق منك بالتحدث بها، أنت...أنت الملك إيفان"
ابتسم إيفان بقهر وقد عزّ عليه أن يتخلى عن مكانته تلك، لكنها الحياة لا تسير وفقًا لهواك دائمًا :
" لا يمكنني أن اساعدك وأنا ملك، أنا لا أستطيع أن أجلس على عرشي اراقبك تقفين أمامي موضع المذنبة وانا امتلك الحل لاخرجك، ولو فعلت لن احكم عليكِ بعقلي، وسأكره نفسي وأشعر بالحقارة لأجل ذلك، لذا هذا الحل الافضل للجميع "
تأوهت زمرد تمسك يده بسرعة وهي تقول باكية دون شعور :
" لكن أنت لا تحب هذا، أنا أرى هذا في عيونك، أنت لم تفعل هذا حينما كان سالار في موضع اتهام، لقد مارست دورك بشكل طبيعي ما الذي حدث "
قال إيفان وقد شعر أنه لا يستطيع مواصلة الأمر أكثر، يصرخ دون القدرة على التحكم في أعصابه وقد كان على حافة الانهيار وهو يتخيل فشل الأمر في النهاية :
" هذا لأن سالار لم يقتل، ولأن الأمر كان يخصني كذلك، ولأن برائته لم تكن متعلقة بكلمتي، هو كان يمتلك كلمته التي ستخرجه من كل ذلك زمرد، بينما أنتِ تحتاجين لشاهدتي، وشهادة العريف كذلك، نحن نحتاج لكل كلمة لعينة قد تخرجك من هذا المأزق تفهمي الوضع "
توقفت زمرد بصدمة بسبب وقع كلماته وابتلعت ريقها وهي تتراجع للخلف، ثم هزت رأسها ببطء، وهو فقط نظر لها ثواني يشعر بالعالم قد صمت فجأة من حوله، ليهمس لها كلمات أخيرة قبل أن يتلاشى من أمامها يختلي بنفسه :
" لن ادع شيء يمسك بسوء، حتى لو اضطررت للتخلي عن مكانتي لأجل ذلك، لا تقلقي ...."
تركها يرحل بسرعة كبيرة وهي فقط نظرت لاثره بدموع تحاول الحديث لولا غصتها التي جعلتها تخرج كلمات خافتة متوجعة:
" لكنني لست قلقة، أنا خائفة عليك إيفان...."
انهارت من بعد تلك الكلمات تجلس ارضًا وهي تنظر أمامها تحاول أن تدرك ما يحدث في عالمها.
الآن وفي هذه اللحظة فقط شعرت أنها ندمت، ندمت وبشدة على ما فعلت، يا الله لو أنها فكرت لثانية أو رأت ما سيحدث لإيفان جراء كل هذا، لو أنها علمت ما سيحدث تقسم ما كانت فعلت كل هذا، لكانت قسمت ظهر شيطانها وكظمت غضبها .
بدأت اصوات شهقات زمرد تعلو في المكان، هي لعنة، صدق والدها، تدرك في كل لحظة تمر على حياتها أن أي كلمة نطق بها ذلك الحقير كانت حقيقة .
ودانيار الذي شهد كل ما حدث كان يقف يراقبها بعجز وقد شعر أنه يومًا، لن يستطع أن يسكن اوجاعها، شعر في هذه اللحظة أنه لا يستطيع فعل أي شيء لها، فقط كلمات هي كل ما يمكنه تقديمه لها .
اقترب بخطوات مترددة ينظر حوله وقد كان يقف في أحد الغرف الجانبية لغرفة الاجتماعات، تنفس بصوت منخفض مخافة أن تزعجها اصوات انفاسه، تقدم خطوات قليلة، ثم وعلى بعد مناسب توقف يجلس على ركبتيه يراقبها دون كلمة واحدة، يبحث في رأسه عن شيء يفعله قد يخفف عنها كل ذلك ولم يخرج عقله سوى بفكرة واحدة شاركها إياها دون تردد :
" استطيع تحمل كل ذلك "
توقفت زمرد عن البكاء ترفع عيونها بصدمة صوب ذلك الصوت لتبصر الاصرار الذي يعلو ملامح دانيار ليكمل هو حديثه :
" يمكنني الاعتراف أنني من قتلها، والملك يمكنه أن يكون القاضي ويحكم عليّ أنا، يمكنني تحمل ذلك "
تساقطت دموع زمرد أكثر، وهي تنظر لعيون دانيار المصممة لتدرك أنه كان في هذه اللحظة يتحدث بتصميم كبير، شعرت بالجرح يكبر في قلبها وهي تقول بصوت خافت :
" أنا أشعر أنني لا اتسبب إلا في أذية من يحيطون بي، أولًا إيفان والآن أنت دانيار، يا ويلي أنا ابتلاء للجميع، أنا اورط الجميع في مصائب "
تأوه دانيار يقترب خطوات صغيرة منها رافضًا كل ما تقول :
" لا ليس صحيحًا أنتِ لستِ كذلك، بل أنتِ رقيقة للحد الذي يجعل الجميع يتورطون في المصائب لاجلك وبطيب نفس "
نظرت له زمرد ثواني تضحك من بين دموعها دون شعور وهو ابتسم كذلك دون شعور وكأن مشاعرهم في هذه اللحظة لم تكن في أيديهم .
" هذا لا ينفي أنني اتسبب في المصائب في كلا الحالتين، لا فرق "
" بل هناك فرق وفرق كبير أيضًا "
نظرت له بعدم فهم، ليسترح هو في جلسته يضم قديمه له ينظر لها وقد شعرت أن الجلسة تحولت فجأة دون شعور منها وهو يشرح لها الفرق بين أن تلقيهم هم في المصائب أو أن يلقوا هم أنفسهم فيها لأجلها .
" الاولى تعني أنكِ تلقينا دون إرادة منا في المصائب وهذا يسبب عبء علينا، والثانية تعني أننا نستطيع تحمل هذه المصائب بطيب خاطر دون أي تأفف لاجلك "
ابتسمت زمرد دون وعي وهي تراقبه يتحرك يديه أثناء الحديث لتنتبه لتلك النقطة تقول :
" أنت تتحدث بيدك ؟؟"
نظر دانيار لها بتعجب، ثم نظر ليديه ثواني قبل أن يبتسم قائلًا :
" ربما لهذا احترفت مهنة تعتمد على يدي، فهي أطلق من لساني "
ابتسمت له زمرد بسمة صغيرة من بين ملامحها الشاحبة وعيونها المحمرة، لتتسع بسمته أكثر يقول :
" أنتِ لم تسأليني يومًا أن أعلمك الرماية زمرد "
ولم تعلم زمرد سبب تحول الحديث بهذا الشكل الكبير، إلا أنها ردت وهي تنظر له مبتسمة :
" ربما لأنني استطيع ذلك بالفعل، انا استطيع الرماية"
رفع حاجبه بسخرية مصطنعة :
" لم يكن هذا واضحًا حين هزمتك تلك المرة في المسابقة التي أُقيمت في السوق "
نظرت له ثواني قبل أن تضربها تلك الذكرى لذلك الرامي الذي اقتحم عليهم المسابقة يسحب منها جائزتها ثم تحرك مبتعدًا بكل تكبر .
ابتسمت بعدم تصديق ليضحك هو لها ضحكة سحرتها في هذه اللحظة وقد سعد أنه استطاع صرف نظرها عن كل ما يؤلمها :
" استطيع التنازل عن وقتي الثمين واتعهد لكِ بالصبر التام عليكِ أثناء التدريب لكن لذلك مقابل بالفعل، وستوقعين عقود قبل أن اشرف بنفسي على تدريبك"
" أي عقود تلك ؟!"
" عقود زواجنا "
نظرت له بصدمة ليبتسم هو :
" تزوجيني زمرد وكفى ما حدث، ارجوكِ، اريد أن تصبحي زوجتي وحلالي قبل تلك المحاكمة أنا أشعر بنفسي مقيدًا "
تنفست زمرد بصوت مرتفع وهي تشعر أنها لا تستطيع التفكير :
" أنا لا اعلم، ربما الوقت غير مناسب وإيفان يحمل ما يكفيه من الهموم بالفعل، لا استطيع الذهاب إليه وفي وسط كل مايحدث الآن وأخبره أنني أريد الزواج "
رفع دانيار حاجبه يقول ببسمة جانبية :
" يسعدني معرفة أنكِ تصنفين زواجنا همًا سيحمله شقيقك "
نظرت له بصدمة وهي ترى مهارته في التقاط الكلمات من بين جملها :
" هل تمزح معي ؟؟"
" لا أنا لا أفعل، أنا فقط لا أطالب بالمستحيل، أنا أطالب بحقي فيكِ زمرد، أنا أعلم قبل الجميع هنا، قبل إيفان حتى، أنا الأحق بكِ من الجميع، أنا الأحق بمواساتك ومشاركتك كل هذا "
ابتسمت تحاول تهوين الأمور عليه :
" أنت تتعجل مصائبك دانيار "
" إن كان امتلاكي لكِ مصائب فأنا ارحب بكل المصائب من هذا النوع "
شعرت زمرد أنها لا تستطيع الرد عليه في هذه اللحظة فقد الجمها الخجل، تبتسم دون شعور وهو ابتسم لها ينهض لينفض ثيابه بهدوء :
" هيا انهضي "
نظرت له بعدم فهم :
" إلى أين؟!"
قال بكل بساطة :
" إلى مكان لا يستطيع حزنك الوصول لكِ به سمو الأميرة "
لم تفهم زمرد ما يقصد، لكنها نهضت بالفعل تعدل من وضعية ثيابها وحجابها، تتحرك بهدوء وهو ابتسم لها يميل نصف ميلة واضعًا كفه على صدره مشيرًا بكفه الآخر للطريق في علامة على احترامه لمكانتها كأميرة .
تحركت خلفه وهي لا تعلم أين يقودها حتى وجدت نفسها تتوقف أمام البوابة الصغيرة التي كانت تستخدمها للهرب صوب الأسواق، نظرت لها بتعجب، ثم حدقت خلفها في دانيار الذي ابتسم لها يشير لأحد الحراس بالاقتراب يقول برسمية شديدة وهو ينظر لعيونها بنظرات لا تمت لرسميته بشيء :
" سوف تأتي معي باصطحاب الأميرة إلى السوق الشعبية فهي تود التبضع لبعض الوقت، أحضر الأحصنة"
رمشت زمرد دون فهم وهي تدير رأسها لتبصر تحرك الحارس مجددًا بعيدًا ليحضر الأحصنة وهي تنظر لدانيار:
" ما الذي يحدث هنا ؟!"
أبصر دانيار اقتراب الرجل بالحصان ليبتسم يمسك منه اللجام يجذبه صوبها هامسًا :
" سأصطحبك لمكان تتغلب ضوضائه على ضوضاء عقلك سمو الأميرة ..."
ختم حديثه ينظر لها ببسمة مشيرًا بعيونه أن تصعد فوق ظهر الخيل، وهي نظرت له ثواني تقول :
" لكن إيفان...."
" سأرسل له من يخبره وأعتقد أنه لا يمانع الأمر طالما أن هناك حراسة معكِ "
ختم حديثه يشير لنفسه مبتسمًا، ثم أشار للحارس الذي أخذه كي يصطحبهم في حراسة الأميرة فقط كي لا يتحدث أحدهم أنه خرج معها وحدهم، أو يستغل شيطانه الموقف بأي شكل من الأشكال .
" إذن مولاتي هل نتحرك ؟!"
ابتسمت زمرد تشعر لأول مرة منذ فترة طويلة بالحماس يندفع لاوردتها :
" نعم ارجوك .."
انحنى لها نصف انحناءة غامزًا :
" نحن طوع أوامر سموك ...."
________________________
" أنتِ عنيدة كهرمان "
" نعم مثلك أخي، لا أظن أن الأمر موروث لي من والديّ، فلا تبتأس من صفة أنت سيدها أرسلان "
ختمت حديثها تنتزع الحجاب الذي كان يقيد خصلاتها داخل الجناح الذي يجلس به أرسلان في العادة، بينما الاخير رفع حاجبه :
" إذن هل لي أن اعلم سبب مجيئك هنا، رغم أنني أكدت على عدمه ؟!"
نظرت له باستنكار شديد :
" بالله عليك أرسلان، أنت لم تربني على نكران الجميل، وهذا ليس جميل، بل دين في رقبتي، هذه زمرد التي انقذتني اخي ولولاها من بعد الله لكنت ميتة الآن تبكيني مع أمي"
تحرك لها أرسلان بسرعة يقول مقاطعًا إياها:
" لا حرمني الله منكِ كهرمان، توقفي عن هذا الحديث"
شعرت كهرمان أنها تضغط على جروح أخيها والتي لم تبرأ بعد، لذا تنهدت تقول بصوت هادئ وهي تقترب منه :
" أرسلان، حبيبي هذه الفتاة أدين لها بحياتي، الآن وهي تواجه مشاكل ومصائب لا تعد ولا تحصى اتركها؟! علمتني الكثير لا أذكر أن التخاذل كان جزءًا منه أرسلان "
ابتسم لها أرسلان يربت على خصلاتها بحنان شديد، ثم جذبها لاحضانه :
" لا لم يكن، لكن أنا لدي الكثير خلفي في البلاد ولا يمكنني البقاء هنا طويلًا ليس وهناك من يتربص بالجميع، كما لا يمكنني تركك كذلك والعودة "
" لماذا أرسلان؟! ألا تثق بي ؟!"
" بل لا اثق بمن يحيطك حبيبتي "
قلبت كهرمان عيونها في ملل وهي ترى نظرات الحنق تعلو وجه أخيها :
" يا الله أرسلان الرجل به ما يكفيه من المصائب"
تشنج أرسلان بحنق شديد :
" أتعتقدين أن هذا قد يحول بينه وبين استفزازي بكِ ؟!"
" يستفزك بي ؟؟"
" نعم هو يريد الزواج منكِ وهذا يستفزني "
ابتسمت له كهرمان ليزفر هو بضيق :
" أنتِ تبتسمين، إذن أنتِ توافقين عليه كهرمان ؟!"
" بل اوافق على ما توافق أنت عليه اخي، وأدرك أنك توافق عليه "
رفع أرسلان حاجبه بضيق فابتسمت له ليبتسم هو يقول بصوت منخفض :
" أنا فقط اتبع اسلوبه، ما يأتي بسهولة يسهل الاستغناء عنه عزيزتي، وانا شقيقتي ليس الوصول لها كشربة ماء، بل هو اصعب من عبور الصحراء في الصيف سيرًا على الأقدام ودون قطرة مياه بينما يطاردك قطيع من الذئاب الجائعة الشرسة "
فغرت كهرمان فاهها بصدمة من وصفه :
" يا الله ما بك أرسلان؟! لتقتل الرجل بسيفك وننتهي سيكون أكثر رحمة من وصفك هذا "
" نعم الموت اهون من أخذ شقيقتي "
هزت رأسها بيأس، ثم تحركت تفتح الحقيبة التي احضرتها معها لتخرج ثياب أخرى غير تلك التي فسدت من الطريق، وهو لم يتجاهل ذلك يقول :
" لقد جهزتي حقيبة، هذا إن دل على شيء يدل على أنكِ تنتوين البقاء كثيرًا هنا تاركة إياي وحدي، وهذه ليست بداية مبشرة "
نظرت له كهرمان بصدمة:
" يا أرسلان بالطبع سأحضر ثيابي، أنت لا تريد أن أبقى بهذه الثياب لأيام هنا صحيح ؟!"
" ايام ؟!"
كانت صرخة منفعلة منه لتهرول هي صوبه تبرر بسرعة :
" هذا تحسبًا فقط أن تستمر مشكلة زمرد لأكثر من يوم أخي، ما بك أهدأ اقسم أنني سأعود ولن اقضي المتبقي من عمري هنا "
نظر لها أرسلان بحزن شديد وقد شعر بالمرارة لوحدته الوشيكة :
" بلى، ستفعلين كهرمان "
تأوهت كهرمان وهي تقترب منه تضمه بحب :
" يا ويلي أرسلان لا تنظر لي بهذا الشكل الذي يجعلني اترك كل شيء لاجلك اقسم سأفعلها "
ضمها أرسلان منه يقول بصوت خافت :
" أنا فقط لم اشبع من قربك كهرمان، وهذا لا يعني أن أكون انانيًا فأنا لن احب أن أفسد حياتك، إيفان هو الانسان الوحيد الذي يستطيع العناية بكِ، ورغم عنادي معه إلا أنني أدرك أنه أكثر الرجال حنانًا وتفهمًا ولن يحزنك يومًا، أو يدع لغضبه العنان، أي إنسان تحملني في غضبي ولم يخرج عن طور هدوئه، يستطيع التعامل مع اقسى الأمور دون أن يهتز له جفن، وإيفان كان الانسان الوحيد الذي استطاع هذا"
نظرت له كهرمان لتبتسم له وهو ابتسم بسمة واسعة يقبل رأسها بحنان :
" وهذا لا يعني أنني سأمنحه موافقتي بسهولة "
زفرت كهرمان وهي تقول بغيظ شديد :
" يا الله يا أرسلان "
ضحك أرسلان بصوت مرتفع وهو يجذبها له يقبل رأسها بحنان وحب :
" انسي أن ينال جوهرتي بهذه السهولة....."
_________________________
ابتعد للخلف وهو يرى المزهرية تتحطم بالقرب من قدمه، كانت هذه الثالثة التي تحطمها منذ جاءت بها لهنا، رفع عيونه لها وهي ضمت ذراعيها لصدرها بعناد :
" تخطها إن استطعت .."
تشنج وجه تميم بسخرية مشيرًا صوب الخزف المحطم أمامه :
" حقًا ؟! هل تصنعين سور حماية من الخزف المحطم ؟؟ برلنت بالله عليكِ لا تثيري شياطيني "
" تميم إياك والاقتراب مني انا حذرتك، مازال غضبي منك في أوجه، لذا حاول أن تتخطاني "
دفع تميم بقدمه الخزف جانبًا ثم اقترب منها يقول بحنق :
" عليكِ أن تجربي التفكير قبل الحديث برلنت هذا سيفيدك ويوفر علينا الكثير من المشاكل صدقيني"
" وهل تحاول القول الآن أن كل المشاكل التي تحدث بيننا أنا السبب فيها ؟؟"
" ربما نصفها، نحن الآن لا نحصي عدد المشاكل التي يتسبب فيها أحدنا للآخر، نحن هنا فقط كي نحل تلك المشاكل "
رفعت عيونها له بتحدي :
" أي مشاكل تلك ؟؟ تصغيرك لحديثي، ورؤيتك لكل ما يصدر مني حماقة، أم منعك لي أن اقابل والدي، ام تركي أنام باكية ليلة أمس دون حتى التفكير في مساعدتي "
أطلق تميم ضحكة مرتفعة ساخرة :
" باكية ؟؟ كل هذا وكنتِ باكية ؟! يا الله لقد كنتِ تنامين قريرة العين برلنت، كنتِ أشبه بطفل حاز وجبة دسمة منذ ثواني، ينام بسعادة شديد "
رفعت حاجبها تنظر له بعدم فهم :
" وما ادراك أنت ؟! يمكنك أن تسأل والدتي فهي من شهدت انهياري ونومي المتقلب "
" وهي نفسها من أكدت لي أنك نمتي مبكرًا بكل راحة، واخبرتني ألا اصطنع الضوضاء أثناء نومتك المتقلبة، ورغم هذا أكاد أجزم أنني لو أقمت اختبارًا لقنابلي داخل غرفتك ما كنتِ شعرتي بي حتى "
زفرت برلنت وهي تشعر بالخجل من حديثه تصرف عيونها عنه، تضم يديها لصدرها مدعية الغضب :
" ألم تقرأ سابقًا أن كثرة النوم من علامات الحزن الشديد ؟؟"
" وأين قد اقرأ هذه المعلومة يا ترى ؟!"
" لا ادري أخبرني أنت ؟! أين لامثالك من عديمي الثقافة أن يمتلكوا مثل هذه المعلومات ؟!"
ابتسم لها بسخرية :
" نعم صدقتِ، أين أنا من الأفاعي السامة التي تستمد معلوماتها الثقافية من الروايات الرومانسية"
نظرت له بغضب تهتف في وجهه :
" على الاقل امرن عضلات خيالي وعقلي، ولا اتركه يصدأ كالبعض "
ختمت حديثها تتحرك بسرعة صوب المرحاض وهي تجذب الثياب عن الفراش غاضبة ثم أغلقت الباب بقوة في وجهه وهو فقط نظر لها بعدم فهم يهمس :
" هل تمزحين معي ؟؟ عقلي أنا صدأ ؟؟"
هزت رأسها في إشارة لنعم، وهو اتسعت عيونه يحاول كظم غيظه عنها، لكنها لم تقدر له محاولاته للهدوء تلك، تنفس بصوت مرتفع يحاول إنهاء هذه الأحاديث المتعلقة قبل بداية الحرب :
" بيرلي .."
" بل برلنت "
نظر لها باستنكار وهي أكملت :
" لا تناديني بلقب كان يحمل ذكرى جيدة بيننا في لحظات كهذه تميم "
" برلنت ما الذي ..."
قاطعته بجدية وهي تقترب منه بإصرار تشير له أن يصمت حتة تكمل ما يقف في حلقها :
" أنت تسخر من كل ما احب، تقلل من كل ما اهتم تميم، أنت شخص ..."
توقفت فجأة تحاول أن تجد كلمة تصفه وتميم اتسعت عيونه بصدمة من اتهاماتها له، هو يتفه ويقلل منها ؟! هو من سعى ليسعدها في حياتها، هو من كاد يموت كمدًا لأجلها ؟!
" كل هذا ؟! أنا كل هذا برلنت ؟! أنا بمثل هذا السوء في عيونك ؟! إذن ما الذي يدفعك لتحملي طالبي بالخلاص مني برلنت ؟! "
نظرت له برلنت بصدمة كبيرة وهي تقول بتردد وقد أدمعت عيونها من كلماته :
" أنا أحبك تميم "
نظر لها وهو يبتسم بغضب شديد :
" وأنا أحبك، لذلك لا ارتضي لكِ العيش مع شخص مؤذي مثلي برلنت، هذا ليس حبًا، أن تري جميع تصرفاتي لاحميكِ عبارة عن تحكم وتقليل من شأن أفعالك، هذا لن ينجح "
شعرت برلنت بالخطر يقترب من علاقتها بتميم، تنفست بصوت مرتفع وهي تتراجع للخلفء ثم جلست على الفراش دون كلمة واحدة، لم تستطع التحدث بشيء، اكتفت بصمت وهي تنظر له تهمس بصوت منخفض :
" لا أريده أن ينجح، إن كان الفشل يعني بقائي جوارك، فأنا ارتضي بالفشل مصيرًا لعلاقتي "
اقترب منها تميم يجلس ارضًا جوارها يتنفس بصوت مرتفع وهو يحاول التفكير في رد :
" برلنت، ما الذي يريحك لأفعله ؟!"
" أن تبقى جواري تميم "
نظر لها ثواني ثم استقام يقول بجدية :
" إذن علينا أن نحاول إنجاح كل هذا "
رفعت عيونها له تقول ببسمة وامل:
" ستسمح لي بزيارة أبي ؟؟"
نظر لها طويلًا يرفض عقله أن يتقبل هذا الأمر بأي شكل من من الأشكال، لكن نظراتها المتوسلة له وكأنها تترجاه ألا يخذلها، وكلماتها السابقة له أنه يقلل من كل ما تفعل منعوه الرفض، وكبلوه ..
وهي أبصرت كل هذا لكن أبت التراجع عما تريد، هذا والدها وهي لن تتخلى عن فكرة رؤيته، هو يحتاجها كما أكد عليها في خطابه الاخير، لربما ...لربما كان على أعتاب الموت ويريد وداعها .
شعر تميم أنها تجبره بنظراتها على تنفيذ ما تريد لذا نهض يمسح وجهه وهو يقول بجدية :
" سنفعل ما تريدين برلنت، كل ما تريدنه سأفعله، فقط كي لا أصبح شرير روايتك في النهاية، واكون الشخص الذي يقف في وجه ما تحلمين به ويقلل من اهتماماتك، فآخر ما أريده أن أكون ظالمًا لزوجتي"
ختم حديثه ينظر لها نظرات صغيرة دون أن يبتسم ولو بسمة صغيرة، ثم اقترب منها يقبل رأسها بحنان، وبعدها رحل عنها دون كلمة، في اعلان منه لانتهاء النقاش وبداية التصدع بينهما .
وهي تجلس على الفراش بصدمة تحاول التنفس بشكل صحيح، تشعر أنها تائهة لا تعلم ما يجب فعله، هل هي محقة في المطالبة برؤية والدها، ام اخطأت في الحديث مع زوجها بهذا الشكل ؟!"
ابتلعت ريقها تلقي بجسدها على الفراش تنظر للسقف ثواني دون أن ترمش حتى، وقد بدأت دموعها تتساقط بهدوء وقلبها يؤلمها، هي تبعد تميم عنها، تبعده عنها بكل ما تفعل ..
_____________________
" توقف عن الدوران بالله عليك، أنا امتلك ما يكفيني من المصائب "
توقف عن الدوران يتحرك بشر صوب المتحدث وعيونه تطلق شرارًا يميل على مقعده يتمسك بذراعي المقعد وهو يردد من أسفل أسنانه :
" وجدت مصائبك كثيرة فألقيت لي بواحدة، بل ألقيت لي بأثقلهم، وكأنني لا امتلك ما يكفيني إيفان"
" كل هذا لأنني اطالبك بالحكم في جريمة أختي ؟! أنت مستشاري الاول والسلطة الثانية بعدي في البلاد، من تريد مني أن اوكله بالأمر إن لم يكن أنت"
نهض عن مقعده يتحرك صوبه وهو يرى ملامحه واجمة بشكل غريب :
" ما الذي حدث لك سالار ؟؟ هل حدث شيء لزوجتك ؟!"
نظر له سالار ثواني قبل أن يتنهد ويقص عليه حكاية ذاك الجندي الذي تحدث مع تبارك وهو ما يزال يحترق كلما تذكر ما حصل، ختم حديثه بصراخ وغضب :
" والقذر يستحل لنفسه أن يطالب زوجتي بذلك، أيًا كان من هو فأنا اتبرأ أنه من رجالي "
دخل في ذلك الوقت أرسلان يبصر اشتعال سالار ليبتسم قائلًا :
" يا ويلي من تسبب في اغضاب الرجل الاحمر !!"
استدار له سالار بشر يرفع إصبعه محذرًا :
" أرسلان ..."
" ماذا ؟؟ انزل اصبعك يا عزيزي فأنت تعلم أنني لا أحب أن يرفع أحدهم إصبعه في وجهه، هذا يشعرني كما لو أنه يأمرني "
ابتسم سالار بسخرية :
" جيد فأنا بالفعل كنت على وشك أمرك بالتوقف عن استفزازك هذا "
نظر أرسلان لإصبعه ثواني قبل أن يضربه بيده مبعدًا إياه على وجهه يهتف ببرود شديد ونبرة جادة :
" خسئت، لم يُولد بعد من يأمرني "
اشتعلت أعين سالار وهو بعض شفتيه وينظر له بغضب صارخًا :
" إيفان لتبعد هذا الشخص المستفز من أمام وجهي، أبعده قبل أن اقتله بيدي واضيع اعوامي التي قضيتها في طاعة الله لأجل قتل قذر مثله "
ابتسم له أرسلان ثم قال ببرود أشد :
" خسئت مليون مرة سالار "
صرخ سالار بغضب شديد :
" لعنة الله على الكافرين "
رفع إيفان يديه يصيح بصوت مرتفع :
" ليرحمني الله، يا الله رحمتك بي، لقد اكتفيت اقسم بالله أنني اكتفيت، يا الله متى الخلاص من كل هذا ؟!"
كان إيفان يتحدث وهو يتحرك في القاعة يمينًا ويسارًا وكأنه يطالب أجساد وهمية حوله بإنقاذه، والإثنان يراقبانه بعدم فهم .
وفجأة وقف إيفان ينظر لهما دون أن يتحدث بكلمة وطال الصمت، قبل أن يتحرك صوبها يرفع إصبعه في وجوه الاثنين آمرًا بغضب :
" لا ينقصني تُراهاتكم، لا ينقصني أن أحمل سخافاتكم، أنا بي ما يكفيني "
فتح أرسلان فمه بحنق وهو يشير لاصبعه بغضب :
" لا ترفع اصـ "
لكن إيفان لم يمنحه فرصة التحدث :
" اصمت، ولا كلمة، يغضبك إصبعي ؟؟ إذن تفضل "
ختم حديثه يرفع أصابعه العشرة في وجه أرسلان بعناد وهو يصرخ :
" كلمة أخرى واضعهم في عيونك أرسلان "
نظر أرسلان ليده قبل أن ينقض عليه فجأة لاكمًا إياه في وجهه يدفعه للخلف بغضب :
" خسئت أنت واشباهك الاربعين، لا ترفع صوتك عليّ، ولا توجه لي أوامر أنت لست ملكًا عليّ ولو كنت فلعنة الله على الملك الذي يجعل انسان يظن أنه قد يأمرني بكلمة واصمت "
نظر له إيفان بصدمة قبل أن ينقض عليه يرد له الضربة اثنين وتشتعل المعركة بينهما وسالار يراقب ما يحدث بتعب شديد وقد شعر فجأة أنه سينفجر، يقسم أنه سينفجر، فقط ليتوقفوا، وحين طال الشجار دون توقف تحرك يبعدهما عن بعضهما البعض كالعادة يلقي كل واحد منهما بلكمة في وجهه، ثم صرخ فيهما بغضب :
" توقفا أنتما الاثنين، لعنة الله على الكافرين، أنا لا ينقصني كل هذا الهراء، أخبركم أن الأوساخ يريدون خطف زوجتي وأنتم تتشاجرون ؟!"
توقف الاثنان بسرعة ونظروا له باهتمام ليتنفس سالار بصوت مرتفع، وارسلان مسح وجهه يقول باهتمام شديد وقد ركن عناده جانبًا:
" ما الذي تقصده بخطف زوجتك سالار ؟! ألم تجدها ؟؟"
نظر سالار صوب إيفان الذي تحرك لأحد المقاعد يلقي جسده عليه بتعب شديد يمسح وجهه وقد بدأ سالار يقص عليهم ما علمه من تبارك عن ذلك الرجل .
وارسلان اشتعلت عيونه يهمس بغضب :
" وصلت بهم القذارة للنساء ؟؟ يا الله على هؤلاء الأوساخ "
تنفس إيفان وهو يمسح وجهه يحاول التفكير في القادم :
" إذن لنبدأ التفكير في كل مصيبة على حدة يا رجال، نبدأ بمصيبتي التي ستحدث غدًا ومن ثم نرى مصيبة زوجة سالار ..."
كان سالار يستمع لحديثه وهو يضم يديه مستندًا على ركبتيه بذراعه وقد انفصل للحظات من الزمن عن جميع الأحاديث حوله قبل أن ينتفض فجأة وقد خطرت على باله فكرة واحدة جعلت عيونه تتسع وهو يهمس بصدمة متذكرًا أنه اغلق الباب عليها ونسي فتحه مجددًا .
ابتلع ريقه يهمس :
" تبارك ..."
__________________
حسنًا هي تستسلم، الآن وبعد الدوران في القصر بأكمله لم تجد أي أثر لفتاة واحدة، لا تبارك ولا زمرد ولا حتى برلنت التي كانت تدور حول معمل تميم طوال الوقت، الجميع تبخر من القصر، هل جاءت هنا لتجلس وحدها ؟؟
أين تلك الفتاة المنهارة الواقعة في ورطة ؟؟ لقد تخيلت طوال الطريق انهيار زمرد بين أحضانها وهي تعدها أنها لن تتركها إلا عندما تعود الأمور لنصابها الصحيح .
تنهدت بصوت مرتفع وهي تتحرك في المكان بملل حتى شعرت أنها جابت أركان القصر بأكملها دون أن تغفل عن ركن واحد به، وللحق كي لا تخدع ذاتها كما تخدع الجميع، فجزء خبيث قذر داخلها كان يضعه ضمن قائمة الأشخاص الذين تبحث عنهم .
وها هي تصل لأحد أهدافها المحددة، والهدف الذي كانت تدعو ألا تعثر عليه، لكنها ومن بين الجميع وجدته يقف في أحد الممرات الذي يطل على حديقة تنتصف المكان يضم كفيه خلف ظهره يشرد في المكان أمامها .
شعرت برغبة كبيرة في الاقتراب منه والتحدث، لكن جزء داخلها ما يزال واعيًا على ما تفعله زجرحها مانعًا إياها من ذلك، بالإضافة لحيائها الذي تسيد مشاعرها في هذه اللحظة، لذلك فقط وضعت يدها على حجابها تتأكد منه بشكل عفوي، ثم تراجعت للخلف بظهرها وهي ما تزال تنظر لظهره .
واخيرًا ابتسمت بسمة صغيرة تستدير مبعدة عيونها عنه، ثم تحركت بهدوء بعيدًا عن مكان وقوفه.
في اللحظة التي شعر إيفان بشخص يتحرك بالقرب منه، استدار ببطء وهو يضم حاجبيه بتعجب يراقب ذلك الجسد الذي يتحرك مبتعدًا عنه، وما هي إلا ثواني استغرقها ليتعرف عليها وتتسع عيونه :
" هل احلم أم أنها تتحرك أمام عيوني بالفعل ؟؟"
فجأة استدارت كهرمان نصف استدارة وهي ترحل، وحين رأته ينظر لها ابتسمت بسمة صغيرة خطفت أنفاسه، ثم هزت رأسها في تحية صامتة تكمل طريقها مبتعدة وإيفان ما يزال يحدق في أثرها ببلاهة كبيرة لا يصدق أنها تتحرك، وكل تفكيره أنها مجرد طيف خرج من خياله .
لكن حتى ذلك الطيف ما كان له أن يتركه يرحل بهذه السهولة، لذا هرول بخطوات واسعة في الممر ينادي دون وعي :
" سمو الاميرة ؟؟ كهرمان ؟!"
توقفت اقدام كهرمان عن التحرك بصدمة لسماعها اسمها مجردًا منه للمرة الأولى منذ معرفتها به، وهو تحرك صوبها بأعين متسعة بعض الشيء يهمس مجددًا وكأنه لا يصدق أنها تقف أمامه.
" كهرمان ؟!"
ابتسمت كهرمان بسمة صغيرة تهز رأسها وهي تمسك طرف ثوبها بكل رقي كعادتها تميل بعض الشيء :
" مولاي .."
" أنتِ هنا ؟؟ منذ متى ؟؟"
ابتسمت له تقول :
" في العادة يبدأ الأشخاص حديثهم بالتحية مولاي"
ابتسم لها إيفان بسمة ساخرة :
" اعذري قلة لباقتي سمو الأميرة "
هز رأسه يضع يده صوب صدره :
" العين تمتن لرؤيتك بعد هذه الغيبة سمو الأميرة، انرتي سفيد، عسى أن ينيرها وجودك طوال الوقت "
شعرت كهرمان بالخجل الشديد من كلماته تخفض وجهها ارضًا متراجعة أكثر رغم أن المسافة بينهما لم تكن بالقصيرة، إلا أنها شعرت بها قصيرة لدرجة لا تمكنها من التنفس بشكل جيد .
" كان هذا ترحيبًا حارًا أكثر مما طلبت في الحقيقة جلالة الملك "
ابتسم لها إيفان بسمة واسعة :
" تستحقينه وأكثر "
رفعت عيونها له بتردد تقول وهي تحاول الابتعاد عن الحديث عنهما بأي شكل من الأشكال :
" إذن كيف حال زمرد ؟!"
هز رأسه بهدوء يدرك نيتها في الابتعاد عن مجال الحديث عنهما، ورغم هذا احترم رغبتها واكتفى بما ألقى لها منذ ثواني يبتسم بسمة واسعة قائلًا :
" ستكون بخير .."
" وأنت ؟!"
كلمة صغيرة خرجت دون إرادة منها حين أبصرت مرور شرارة حزن سريعة على عيونه حين حديثه، لقد كان ذابلًا عكس عادته، رغم أن ذبوله هذا لم يمنعه التحدث بنفس الطريقة المسيطرة المعروفة منه، إلا أنها شعرت أنه ليس هو الذي تعلمه .
ابتسم لها إيفان بسمة أوسع وهو يهمس لها :
" اصبحت بخير ."
هزت رأسها تشعر أن وقت التراجع والهروب كعادتها حينما تحتدم مشاعرها تجاه هذا الرجل أمامها، قد حان.
" إذن أنا سأتحرك لأرى اخي ومن ثم أعود لأجل زمرد "
رفع حاجبه يبتسم بسمة جانبية :
" مالي أراكِ وقد احترفتي الهروب سمو الأميرة ؟؟ "
رفعت كهرمان حاجبها في المقابل مثله تقول :
" احيانًا نضطر للانسحاب كرمًا منا ورأفة بالخصم مولاي "
" إذن ألا يستحق ذلك الخصم كرمًا مضاعفة منكِ ومن أخيكِ، لقد مللت الانتظار "
تراجعت بظهرها وهي تهمس له بصوت منخفض متوازن مبتسمة :
" معاذ الله أن تنال ما تريده كرمًا مولاي وأنت الكريم، ما عهدتك تنتظر ما تريده "
كان يراقبها تتحرك للخلف، ثم نظر لعيونها يتساءل بجدية :
" إذن إلى متى ستظلين هنا ؟؟"
هزت رأسها بجهل قبل أن تستدير مبتسمة :
" لا ادري، حينما ينتهي كل ذلك سأعود مع أخي لمنزلي "
ختمت حديثها تهز رأسها بهدوء :
" إلى اللقاء مولاي .."
راقبها تتحرك بهدوء ليبتسم دون وعي :
" إلى لقاء قريب سمو الأميرة، لقاء قريب أكثر مما تتوقعين ..."
__________________
هرول بخطواته صوب باب غرفته وهو يتضرع الله في قلبه ألا يكون قد تسبب لها في قلق أو خوف، ابتلع ريقه يفتح الباب بسرعة ينادي اسمها :
" تبارك ؟؟"
بحث عنها بعيونها في المكان بأكمله، حتى توقفت على الفراش يراها تنام بعمق هناك دون الشعور بشيء حولها .
ابتسم بهدوء يتحرك صوبها، ثم تنهد بصوت مرتفع يجلس على طرف الفراش يمد يده ليتحسس رأسها بحنان شديد وهو يميل عليها ليطبع قبلة على رأسها ورغم غضبه الشديد منها إلا أنه لا يهو....
ولم يكد يكمل طريقه صوب رأسها ليضع قبلته على رأسها، حتى شعر بانتفاضة كبيرة في جسدها تسببت في تراجعه للخلف بعدم فهم، وقبل التحدث بكلمة واحدة اتسعت أعين سالار وهو يسمع صرخات تبارك التي رنت في المكان بفزع ورعب وكأن هناك من يقطعها اربًا.....
تراجع سالار بسرعة كبيرة للخلف ينظر لها بأعين متسعة هلعًا من حالتها، كانت متعرفة بوجه احمر ترتجف كورقة ذابلة في وجه عاصفة خريفية، بعيون زائغة تدور في المكان وكأنها تبحث عن شيء ما .
حتى في النهاية سقطت عيونها على سالار ليترخي جسدها شيئًا فشيء، ثم تهدأ أنفاسها ببطء وفي النهاية عادت مجددًا تضع رأسها على الوسادة مغمضة عيونها مستسلمة بشبه راحة تولدت لرؤيته .
وهو فقط راقب كل ذلك بعدم فهم، ابتلع ريقه يمد لها يد مرتجفة وهو يحاول الحديث بهدوء خوفًا أن يروّع نومتها :
" تبارك .....تبارك "
لكن تبارك لم تتحدث أو تجبه بكلمة إلا بعد خمس دقائق حين همست بصوت متقطع :
" أنا خايفة، الاصوات كلها عالية و...الدنيا ضلمة "
نظر سالار حوله للغرفة المضيئة والهدوء الذي يعم المكان، ثم نظر لها مجددًا يهمس بصوت مرتجف بعض الشيء، صوت لم يعهده لنفسه سوى في موضعين والعجيب أن كلاهما متعلق بها، واحد يوم الاحتفال الوطني، والثاني الآن..
" تبارك لا تخيفنني حبًا بالله، إن ازعجتك اغضبي ولا تحزني، أنا آسف، اقسم أن غضبي كان نابعًا من رعبي أن تمس يدٌ نجسة طرف ثوبك عزيزتي "
لكن من طرف تبارك ما وجد منها رد، فقط انفاس تخرج وتدخل بهدوء شديد وهي تنظر لوجهه، مد يده ببطء مبتسمًا بسمة مترددة مرتجفة يتلمس وجنتها:
" لكِ مني قصاصك إن كان هذا يرضيكِ مُهجتي "
رمقته تبارك طويلًا بصمت قبل أن تهمس له :
" متسبنيش تاني لوحدي لأني بسمع صوتهم حواليا"
نظر سالار حوله بسرعة كبيرة وبملامح متحفزة، حتى أنه كان على وشك الانتفاض مخرجًا أسلحته :
" اصوات لمن ؟؟ من هنا ؟؟"
" الفيران "
توقفت يد سالار في الهواء بتعجب، ثم نظر لها بعدم فهم وهي أكملت توضح له :
" كانوا بيحبسوني في اوضة ضلمة فيها فيران كل ما اغلط، زي ما انت حبستني هنا "
اتسعت أعين سالار بقوة وهو يرتد للخلف قليلا مبتلعًا ريقه بصدمة، وتبارك استمرت في الحديث :
" أنا عارفة إن مكانش فيه فيران في الأوضة دي وأنهم كانوا بيكدبوا عليا، بس أنا...كنت بسمع صوتهم في المكان رغم أنهم مش موجودين، كنت ...كنت بخاف منهم والضلمة كانت بتخليني ارسم صور ليهم وهما في الأوضة حواليا، مش عايزة ارجع للاحساس ده تاني "
تحرك سالار صوبها بسرعة كبيرة يجذب لها جسده بعدما كان مبتعدًا عنها بصدمة، يجذبها صوب أحضانه بقوة وهو يهمس لها :
" لم اقصد، لم اقصد تبارك، اقسم أنني ما قصدت أن أعيد لكِ كل تلك الذكريات بحبسي لكِ هنا، أنا فقط كنت أخشى أن يأتيكِ أحدهم مستغلًا غيابي و...."
نظرت له تقاطعه عن الحديث مقتربة منه تحتضنه أكثر تغمض عيونها تنام قريرة الأعين وهي تردد بصوت هامس:
" لا أحتاج لكلمات تبرر ما فعلته معي سالار، فأنا لن اسامحك على اجباري العيش تلك اللحظات المريعة مرة أخرى بسهولة ."
ورغم أن كلماتها تنافت بالكامل مع أفعالها إذ كانت تحتضنه بقوة وهي ترفض مسامحته، إلا أن سالار ارتعب من تلك الفكرة :
" تبارك أنا لم اقصد، أنا لا امتلك حراسة على باب غرفتي لذا خشيت أن يقترب أحدهم ويأخذكِ مني، اختفائك لساعة أو اقل قادني للجنون فجعل فكرة فقدانك تقتلني "
كان يتحدث وهو يضمها أكثر _ إن كان ممكنًا _ يربت على كتفها بحنان شديد :
" تبارك ؟!"
لكن لا شيء سوى صوت انفاس هادئة أخبرته أنها غرقت في نومة عميقة ...
قبل رأسها بحب يرفع يديه لينتزع حجابها يحرر خصلاتها مستاء من نومها بهذه السرعة دون أن تسمعه أو يبرر لها أنه لم يتعمد أن يجرحها بهذا الشكل وهو من كان يسعى ليضمد جراحها الأيام السابقة .
لكن رغم ذلك ابتلع كلماتها يمنحها الهدوء لتنام إن كان هذا ما سيريحها، وفي رأسه تدور طواحين وفكرة واحدة تؤرقه، تبارك غاضبة منه ولن تسامحه بسهولة ....
__________________
أن يسير معها بهذا الشكل في الأسواق حتى وإن كان خلفها لحمايتها لهو أقصى ما يمكنه الحلم به هذه الأيام وحتى تصبح له .
ابتسم يراقبها تتلفت حولها باهتمام شديد لكل ما يحيط بها، وهو فقط يركز جميع حواسه معها هي فقط .
هذا وحتى توقفت زمرد وأخيرًا أمام أحد المحال الذي نجح دون غيره في جذب انتباهها، فبعدما كانت ملامحها تضج بالملل، اشرقت بسعادة كبيرة حين أبصرت ذلك المحل أمامها، وخمنوا نوعية المنتجات التي يبيعها ذاك المكان يا ترى ؟؟
نعم، أسلحة .
تحسست زمرد الأسلحة وهي تبتسم بسعادة بينما هو يرمقها بضيق وغيظ شديد يتحرك ليقف جوارها هامسًا :
" سمو الأميرة، هلّا نكمل الطريق رجاءً ؟؟"
استدارت له زمرد تقول ببسمة :
" ما رأيك بهذا الخنجر ؟؟"
ابتسم لها بسخرية يجيب بصوت هامس :
" لدينا الكثير منها في القصر، اعتقد أنكِ لا تحتاجين لشراء الخناجر فلديكِ طرقك الخاصة لإنهاء مخزوننا من الخناجر "
رفعت زمرد عيونها في وجهه تبتسم بخبث تدرك مقصده :
" حسنًا يبدو أن تلك الطريقة على وشك التغير، فأنا الآن أميرة يمكنني الحصول على ما اشاء من الخناجر، دون الحاجة لسرقتها "
كانت تتحدث وهي تتحرك بعيدًا عنه مبتسمة بسخرية بينما هو لحق بها يجيب بكل ضيق :
" وكأن كونكِ أميرة يؤهلك لأخذ الخناجر ؟؟ منذ متى تحمل الاميرات الخناجر؟؟؟ "
نظرت له من خلف كتفها تجيب بكل كبرياء :
" منذ أصبحت واحدة منهن ..."
ختمت حديثها تتحرك في المكان لتبصر الجميع يتحرك حولها في حيوية كبيرة، السوق الشعبي للعاصمة يشعرها بالحياة، الحماس، هذا كل ما تشعر به الآن .
نظرت خلفها صوب دانيار تراه يتحرك خلفها يتمتم بضيق لتبتسم بسعادة :
" أولست أنت من عرض الأمر دانيار ؟! تحمل ما عرضت إذن "
وهو فقط لوى ثغره بضيق يكمل طريقه خلفها، وهي فقط تراقب الجميع، كان كل شيء حولها طبيعيًا، تمامًا كما كانت تتخيل قديمًا حينما حلمت بنفسها تحيا مع والدتها في قرية صغيرة طبيعية بسوق شعبي .
فجأة أبصرت زمرد سيدة تحاول أن تساعد عجوز للنهوض وهي تصرخ في أحد الرجال الذي أسقطها وتحرك دون اهتمام .
رفعت حاجبها تنتظر أن يمر بها الرجل ثم وقفت في وجهه تقول بصوت بارد مخيف بعض الشيء :
" عد وساعد تلك السيدة للنهوض واعتذر لها، هذا من شيم الرجال يا سيد "
رفع لها الرجل عيونه بسخرية :
" وماذا إن لم أفعل ؟؟"
فتحت زمرد فمها للتحدث لكن فجأة صمتت وقد اتسعت عيونها بقوة وهي تحدق في نقطة معينة جمدتها في أرضها، ولم تشعر إلا بدانيار الذي جاء ووقف أمامها يدفع الرجل بعيدًا بشر :
" سمعت ما قالت الأميرة، عد واعتذر من السيدة وتحلى ببعض الاخلاق "
كاد الرجل يعترض على حديثه، لكن نظرات الشر ومظهر دانيار منعوه العناد ليعود متأففًا صوب السيدة وهو يتمتم بغضب، ودانيار يراقبه باهتمام حتى ساعد السيدة واعتذر باقتضاب ورحل كل ذلك وزمرد صامتة بصدمة كبيرة تراقبه يتحرك، لكن وقبل أن يتخطاها صرخت بعنف :
" أنت أيها القذر توقف .."
توقف الرجل بصدمة واستدار دانيار صوب زمرد بتعجب ليرى اشتعال عيونها، وزمرد تحركت صوب الرجل الذي وحينما أبصرها تقترب شعر بالخوف والريبة وهو يبتعد عنها بخطوات سريعة تحولت لركض جنوني من شيء لا يدركه، لكن كانت هذه عادته فهو يومًا لم يناديه أحدهم لخير ..
ركض لتركض خلفه زمرد دون تفكير وهي تصرخ بجنون وقد سقط لثامها تصرخ بصوت مرتفع :
" أمسكوا ذلك الحقير امسكوه"
كان الرجل يركض وهي تركض خلفه بإصرار مخيف بينما دانيار والذي لم يكن يفهم ما يحدث ركض خلفهما بسرعة كبيرة وقد أخرج سهامه يرفعها صوب الرجل، لكنه لم يفلته خوفًا أن يصيبه وهو لم يخطأ، فقط يتوقف ليعلم ما فعل لزمرد ..
تحرك الرجل في بعض الأزقة الضيقة وزمرد خلفه لا تيأس، تركض يمينًا ويسارًا دون توقف، حتى توقف هو في زقاق يكاد يظلم لشدة تلاصق المنازل به، توقف ولم يكن وحده، بل امتلك رفقة .
فجأة ودون معرفة كيف وجدت زمرد نفسها محاطة بالعديد من الرجال، أو معذرة العديدة من ذكور قريتها، وهذا يجعلها تفكر، ما الذي يفعله كل هؤلاء هنا في سفيد ؟؟؟؟
ما الذي جاء بهذا العدد من المنبوذين لأسواق سفيد، وإلى ماذا يخططون ؟؟؟!
" مرحبًا يا قوم "
__________________________
ربما حرب أخيرة تكفي بالغرض ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق على الفصل.
صلوا على نبي الرحمة.
____________________
تحركت داخل القاعة وهي تخطو بهدوء شديد لا ينتبه لها أحد الحضور وقد استحوذ وجود زمرد في منتصف الساحة جوار إيفان على حواس الجميع&; عداه هو الذي كان لا يهتم لأي&; كان داخل هذا المكان عداها هي&; ابتسم بسمة صغيرة يراقبها تتلفت حولها حتى وقعت عيونها عليه&; لتتفاجئ أنه يتابعها&; وسرعان ما اتسعت بسمتها ترفع يدها له تلوح بها بسعادة كبيرة &;
تلويحة وبسمة ذكرته قديم&;ا حينما كانت تتحرك داخل القاعة ولمحته لتلوح له كما لو كان رفيق&;ا قديم&;ا لها&; ازدادت بسمة سالار اتساع&;ا وهو يرفع لها يده هذه المرة يلوح لها بحب&; لتلتمع أعين تبارك بقوة من بادرته&; وهو الذي لم يهتم لأحدهم يهز رأسه لها صوب أحد المقاعد جوار العريف لتستقر تبارك بالفعل وهي ترمقه وتهمس في نفسها :
&; حبيبي عايز يتبخر&; زي القمر وهو قاضي &;
نظر العريف جواره صوبها يقول بعدم فهم :
&; هل تتحدثين معي &;!&;
نظرت تبارك صوب سالار تقول بجدية :
&; أوليس رائع&;ا &;&;&;
والعريف الذي لم يكن هناك على قلبه احب من مدح سالار والثناء عليه&; خاصة بعدما اتضح للجميع مكانته عنده :
&; بلى هو أكثر من رائع&; هذا ولدي ربيب يدي&; أنا من اعتنيت به حتى أصبح رجل&;ا رائع&;ا ي&;عتمد عليه &;
نظرت له تبارك ثواني تقول ببسمة :
&; أحسنت ايها العريف&; لقد احسنت التربية بالفعل &;
ابتسم العريف بفخر شديد وهو يحدق بسالار الذي استقر على مقعد إيفان يقول بصوت هادئ بعض الشيء :
&; اشكر الجميع للحضور و&;.&;
صمت ولم يدرك ما يجب قوله&; فهو لا يعلم من الحديث سوى تلك الخطب الحماسية التي يلقيها قبيل التحرك في أي غارة أو حرب&; لذا تحدث بملل شديد :
&; لندخل في صلب الموضوع&; نحن هنا اليوم للحكم في أمر موت الملكة شهرزاد &;
&; بل قتلها قائد سالار&; الملكة لم تمت بل ق&;تلت غدر&;ا &;
كانت تلك الجملة المعترضة صادرة من صفوف المستشارين حيث أحد التابعين المخلصين للملكة شهرزاد&; وهذا ما كان يتوقعه إيفان بالفعل&; فبعد أعوام قضتها تلك المرأة هنا&; لا يعقل ألا تبني شهرزاد العديد من الحلفاء .
تحركت عيون سالار صوب صاحب الصوت ليتشنج وجهه وهو يتحدث بصوت جامد وهو الذي لم يعتد أن يناقشه أحدهم في الجيش أو يقاطع خطبته&; والأمر ليس استثناء&; هنا :
&; أنا لم اسمح لك بالتحدث&; لذا احتفظ بكلماتك حتى اطلبها منك &;
اتسعت عين الرجل&; بينما إيفان ابتسم بسمة سعيدة وقد أعجبه سالار&; يدرك في هذه اللحظة أنه أحسن الاختيار بالفعل .
عاد سالار بعيونه للجميع يقول بهدوء وشبه عناد :
&; نحن هنا للبث في أمر مـــــوت الملكة شهرزاد &;
ختم حديثه ينظر حوله بهدوء قبل أن يقول بكل هدوء :
&; وفي هذه القضية هناك متهم واحد جاء يسلم نفسه&; يعترف بكل صراحة أنه هو من ارتكب تلك الجريمة في حق الملكة&; وهذا الشخص هو نفسه أميرة البلاد سمو الأميرة زمرد&; وقد تخلى الملك عن مكانته كقاضي ليصبح شاهد&;ا جوار أخته&; وترك لي الحكم بنفسي&; وليشهد الله أنني سأحقق العدل ولو على رقاب جميع من بالقاعة هنا &;
ختم حديثه ينظر في أعين الجميع بقوة وكأنه يوصل لهم رسالة أن التشكيك في حكمه أمر غير مقبول البتة&; وحين رأى أن رسالته وصلت واضحة تنهد يكمل حديثه :
&; والآن وبعدما علم الجميع سبب وجودنا هنا&; أطالب الأميرة بالتحدث بكل ما حدث معها يوم مقتل الملكة شهرزاد &;
رفعت زمرد عيونها له ومن ثم نظرت صوب إيفان الذي هز رأسه لها وهي ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض :
&; لقد كنت في ذلك اليوم في غرفة اخي نائمة بعدما مرضت وهو أخذني ليعتني بي جواره&; ومن ثم حين استيقظت ذهبت لجناحي لأجد أن لا حراس هناك &;&;
ومن ثم أخذت زمرد تقص على الجميع ما حدث بالتحديد ذلك اليوم مع تجنب بعض التفاصيل التي لن تكون ذات معنى إلا بعدما يقص العريف قصته وكذلك إيفان لذا اكتفت بالقول أن الملكة أساءت لها ولوالدتها وأنها أرادت بها سوء&;ا كما فعلت بوالدتها .
ليهب رجل آخر من حلفاء الملكة شهرزاد يصرخ معترض&;ا :
&; من تخدعين يا فتاة &;&; أي استفزاز وأي عقل قد يصدق ما تتدعينه &;&; هل تحاولين الابتلاء على امرأة بين يدي الله &;!&;
نظر له سالار بشر كبير يتحدث بصوت حاد :
&; كلمة أخرى وستقضي باقي يومك تدور حول القصر ركض&;ا &;
اتسعت أعين الرجل وتراجع للخلف بعدم فهم يقول :
&; ماذا &;&;&;
&; كما سمعت&; من يقاطع حديثه أنا من سأشرف على قضاء يومه القادم &;
صمت ثم عاد بعيونه صوب زمرد يقول بجدية :
&; هل لديك&; شهود على حديثك &;&;&;
ص&;دمت زمرد من كلماته وابتلعت ريقها وهي تنظر صوب إيفان&; ومن ثم نفت برأسها تقول :
&; لا لم يبصر أحد ما حدث&; لكن &;لكن اخي يشهد على حديثي &;
نظر سالار صوب إيفان وقال :
&; قص علينا ما تعلمه بخصوص كل ذلك جلالة الملك&;&;
تقدم إيفان خطوات يخفي زمرد عن الأعين خلفه وقد كانت زمرد شاكرة لذلك بالفعل&; فهي لا تتحمل الأعين التي تحلق حولها&; بينما إيفان بدأ الحديث بهدوء :
&; الأمر بدأ منذ كنت رضيع&;ا حينما اختطفتني الملكة شهرزاد من والدتي الملكة آمنة ..&;
ارتفعت الشهقات وعلى الاستنكار ملامح الجميع&; لكن إيفان لم يهتم لكل ذلك وهو يكمل قصته بالكامل يفضح اعمال شهرزاد أمام الجميع&; ولولا أن المعني بالأمر أخته&; لما كان تحدث بكلمة ولكان تجاهل كل ما فعلته حتى يجتمع بها أمام الله ويقتص منها&; لكن إن كان ثمن براءة أخته هو افتضاح تلك المرأة فليكن .
ختم حديثه يقول بجدية :
&; والعريف يشهد على كل كلمة تحدثت بها للتو وهو آخر من تحدث مع المرأة التي ساعدت امي في الولادة&; كان آخر من حدثته قبل أن تموت أو بالأحرى ت&;قتل على يد الملكة شهرزاد والتي خشيت أن تفتضح سرها&; لتمحي بموت المرأة كل دليل قد يدينها أمام الجميع &;
واخير&;ا صمت يتنفس بصوت مرتفع بينما أعين الجميع تدور حوله مصدومة من كل ما يحدث&; لا أحد يصدق ما فعلته شهرزاد في حياتها&; لم يتخيل أحدهم يوم&;ا أن هذه المرأة قد يصدر منها كل هذا.
تنهد سالار يقول بصوت هادئ وهو يطرق الحديد الساخن&; لا يعطي لأحدهم فرصة الاستيعاب ليهبط فوق رأسه بالضربة التالية :
&; ايها العريف&; قل ما عندك &;
تحرك العريف عن مقعده يتنفس بحنق ونزق وكأنه جاء مجبر&;ا&; وفي الحقيقة هو كان كذلك&; لكن لا داعي لذكر هذا أمام الجميع .
توقف أمام سالار يقول :
&; ما الذي تريدون سماعه مني &;&;&;
&; كل ما تعلمه عن الملكة شهرزاد&; وهل ما قاله الملك إيفان صحيح&; تحدث بالحقيقة التي ست&;سأل أمام الله عنها&; ولا تحيد بقولك عن الحق ايها العريف&;
التوى ثغر العريف يجيب بهدوء :
&; هذا ما ينقصني أن أحمل وزر شهادة زور لأجل &;&;
صمت فجأة يستوعب ما كاد ينطق به ليستغفر الله :
&; استغفر الله كدت أخطأ في حق امرأة بين يدي الله&;
استنكرت تبارك ما سمعت تقول بتشنج :
&; يعني هي لو عايشة عادي تغلط فيها &;&;&;
أشار سالار صوب العريف يقول :
&; أخبرني أيها العريف كل ما تعرفه عما قيل &;
نظر له العريف يتنهد بصوت حانق مصطنع :
&; حسن&;ا كما قلت هذه امرأة بين يدي الله ولا استطيع التحدث عنها بسوء&; لكن إن كان حديثي ضروري&; إذن ليسمع الجميع ما فعلته تلك المشعوذة &;&;
ومن ثم لم يوفر العريف كلمة لم يتحدث بها عن شهرزاد&; أخرج كل ما كان يضمره طوال هذه السنوات وكأنه لم يصدق أن أحدهم منحه إذن التحدث&; وبعد ربع ساعة كاملة من الحديث عن كل ما فعلته شهرزاد طوال حياتها تحت صدمات كبيرة على وجوه الجميع .
وحينما انتهى تنهد العريف يقول بصوت جاد هادئ :
&; في النهاية هذه امرأة ميتة&; بين يدي الله الآن&; لذا لا اريد أن أطيل في الحديث عنها&; لها ما لها وعليها ما عليها &;
ارتفع طرف شفاة تبارك متشنجة مما سمعت لتهمس بسخرية لاذعة :
&; بقاله ساعة بيقطع في فروتها وفي الاخير يقولك لها ما لها وعليها ما عليها&; يا اخي والله اخلاق العريف ده &;
تنهد العريف وهو ينظر صوب زمرد التي كانت متسعة الأعين وهي تسمع الحكاية من هذا الجانب&; الآن شعرت أنها على استعداد لقتل شهرزاد مرة ثانية&; وإيفان ورغم معرفته كل ما قيل&; لكن سماعه مرة ثانية يدفع بداخله رغبة القتل والانتقام&; لكن ممن ومن فعلها رحل &;!
دار سالار بعيونه بين الجميع ثم قال بكل هدوء وصوت جاد :
&; هذه شهادة اثنين من طرف الأميرة&; إن كان هناك من يمتلك بها كلمة يرد بها الحديث عن الملكة شهرزاد أو يبرأها فليتحدث الآن&;
لكن أحدهم لم يتجرأ على التحدث بكلمة بعد سماعه لما حدث&; كيف يتحدثون وشهادة الملك والعريف تكفلت بكل ما قد يقال&; لذا تحدث سالار بكل جدية :
&; العين بالعين والحرمات قصاص&; فيما يخص الجريمة التي حدثت في حق المدعوة شهرزاد&; فهي جريمة لا نكران لذلك&; لكن تلك الجريمة تقع تحت بند القصاص&; تلك المرأة لعنة الله على أمثالها تعاونت مع أعداء الله ونتج عما فعلته مئات الشهداء يوم الهجوم&; ولم تكتف بذلك&; بل بسببها وبسبب فسادها وقعت امرأة مسلمة منا بين يدي أعداء الله لينتهكوها مرات ومرات&;
كانت يتحدث دون أن يحيد بنظراته صوب إيفان الذي يعلم أنه الآن على شفا جرف من الانفجار في المكان من شدة غضبه&; لكنه رغم ذلك لم يتوقف يكمل الحديث :
&; امرأة مثلها لا تقل فساد عن المنبوذين&; بل تتغلب عليهم&; كانت عون&;ا للشيطان جمعها الله به في جهنم&; لذا قتل تلك المرأة لم يكن جريمة&; وإلا سيصبح قتلنا أعداء الله في الحروب جريمة&; فقتلها لا يختلف عن مقاتلتنا الكفار&; لذا وعليه يتم تبرأه ساحة الأميرة زمرد من تهمة القتل &;
صمت يبصر ملامح الجميع المشجعة على قراره&; وقد اشتعلت الأعين بالغصب ليدرك أنه حتى لو كانت شهرزاد حية لكانت ماتت على أيديهم&; بينما البعض الآخر _ حلفائها _ كانوا مصدومين شاحبي الأوجه .
لم يهتم وهو يكمل :
&; لكن ولأن سياسة المملكة لا تسمح لأحدهم بأخذ قصاصه دون العودة للملك وأخذ حكم منه بذلك&; لحقن الدماء ومنع انتشار الفساد بين النفوس&; فسوف يتم سحب جميع امتيازت الآنسة زمرد كأميرة لسفيد ولاسبوع&; والزامها بمخدعها اجباري&;ا&; ذلك لتتعلم كيف تتحكم في غضبها ولا تترك القيادة لشيطانها&; مع دفع مبلغ ثلاثة آلاف قطعة ذهبية لخزينة الدولة الخاصة بالمحتاجين&;
اشتعلت أعين زمرد&; بينما إيفان ورغم تأييده وموافقته حكم سالار&; إلا أنه لم يمتلك إلا أن يشتعل بغضب وهو ينظر لسالار الذي ابتسم بكل برود يكمل :
&; القصاص حق&; لكن إن تركنا لكل شخص حرية أخذ قصاصه ستعم الفوضى&; نحن لا نسلب الحق في أخذ القصاص&; لكنه لا يتم إلا بعدما يحكم الملك بالأمر ويعطي إذن&;ا بذلك وفق&;ا لقوانين المملكة&; الآن وقد انتهينا ألدى أحدكم اعتراض على حديثي &;!&;
نهض أحد أعوان شهرزاد يعترض بقوة وقد تجاهل كل ما قيل يرفض هذا الحكم :
&; نعم قائد سالار&; أنا أرفض أن يتم مرور الأمر بهذه السهولة من ق&;تلت كانت ملكة لها الكثير من الأفضال على الجميع هنا&; هذه جريمة قتل وأنت تهاونت في الحكم&; وما قيل في حقها كان&;&;
تحرك سالار ينهض عن المقعد يتحرك بهدوء وخطوات قوية للخارج :
&; جيد إذن&; انتهينا لليوم&; من يمتلك اعتراض&;ا يرفعه للملك&; فأنا لست الملك لامتلك من الصبر ما يكفيني لسماع تبجح البعض في الدفاع عن القتلى&; انتهت الجلسة يا سادة &;
ختم حديثه يتحرك بكل هيبة وقوة للخارج ولم يتجرأ أحدهم في الاعتراض بكلمة واحدة أو إيقافه بأي همسة&; فالجميع يدرك أن مبادئ سالار في القصاص واضحة&; ولو أن أحدهم طلب رأيه في تلك القضية بعيد&;ا عن منصبه كقاضي لكانت إجابته ( القصاص ) قول&;ا واحد&;ا ودون تفكير .
ابتسمت تبارك وهي تنهض تقول بفخر :
&; بسم الله ماشاء الله عليك قاضي قد الدنيا والله &;
تحركت بسرعة للخارج خلف سالار وهي تريد اللحاق به&; وقبل الخروج نظرت لزمرد تهمس لها :
&; حمد&;ا لله على سلامتك عزيزتي&; الحمدلله أنها مرت بسلام&; لقد سبق واوصيت سالار ألا يقسو عليك&;&;
رمقتها زمرد بحنق وسخرية :
&; هذا وأنت&; اوصيتيه&; اتسائل ما الذي كان سيحدث إن لم تفعلي &;&;&;
ضحكت تبارك بصوت منخفض وهي تتحرك تاركة الجميع يقترب من زمرد للأطمئنان عليها وهي تحركت لتلحق بزوجها العزيز .
وبالفعل زادت من خطواتها في الممرات تبحث عن أثره لتبصره يتحرك صوب الممر الخاص بغرفته&; فابتسم تركض صوبه .
دخل سالار غرفته يغلق الباب خلفه بهدوء ثم تحرك ليتجهز للنزهة الخاصة به والملك&; وقبل أن يخلع ثيابه سمع صوت فتح الباب تبعه صوت تبارك التي قالت ببسمة :
&; كنت رائع&;ا !&;
ابتسم سالار بسمة واسعة وهو يعطيها ظهره&; ثم خلع ثيابه يجيبها بهدوء :
&; شكر&;ا لك&; &;
توترت تبارك من مظهره وهي تقول بصوت منخفض متردد :
&; إذن سأ&;سأخرج واعود لك لاحق&;ا تكون انتهيت من ارتداء ثيابك&; سيكون هذا افضل للحديث بحرية أكبر &;
ختمت حديثها وهي تفتح الباب بسرعة للهرب&; لولا يد سالار التي أغلقت الباب بقوة&; ثم جذبها للخلف يقول :
&; أو&;.ربما يمكنك الاعتياد على رؤيتي بهذا الشكل&; هذا سيوفر علينا وقت&;ا طويل&;ا &;
نظرت له تبارك بتوتر اكبر وهي تحاول الابتعاد للخلف :
&; هذا وأنت لم تتعامل مع نساء من قبل&; ماذا إن فعلت &;&;&;
رمقها سالار ثواني قبل أن ينفجر في الضحك يقول بصوت خافت من بين ضحكاته وهو يتحرك يخرج ثيابه من الخزانة :
&; حسن&;ا&; للعلم فقط&; عدم تعامل الرجل مع النساء لا يعني جهله في الأمور الذكورية الفطرية كالغزل والوقاحة وغيرها من الأمور التي تستائين منها&; الفرق بيني وبين الرجال الذين تعاملوا مع النساء سابق&;ا&; أنهم اختبروا بالفعل تلك الوقاحة ويدركون ردات الفعل عليها وما يجب فعله&; لكن أنا اجرب الأمر معك&; للمرة الأولى وأدرك ردة الفعل عليه للمرة الأولى&; وللحق أنا يعجبني هذا &;
ختم حديثه يغمز لها ببسمة&; ثم تحرك صوب مرحاضه الصغير الذي يقبع داخل الغرفة وهي ظلت في الخارج تحاول أن تستوعب ما قاله سالار&; ما الذي يعنيه من تلك الكلمات .
وقبل أن تصل لحل شعرت بيد توضع على رأسها من الخلف يجذبها وسالار يجذب رأسها له&; ثم قبلها بحنان شديد يهمس :
&; إذن عزيزتي هل لي أن أنال منك&; وعد&;ا بأن تحسني التصرف في غيابي !!&;
رفعت تبارك عيونها له بتعجب وقد نست للحظات أنه عاري الجذع أمامها تهمس بعدم فهم :
&; غيابك &;&; أنت&; أنت رايح فين &;&;&;
&; نزهة صغيرة مع اصدقائي &;
&; وأنا &;&;&;
ابتسم لها سالار بحنان يمد لها يده وهو يقول ببساطة وصوت هادئ:
&; اعطني يدك &;
نظرت له تبارك ثواني وكأنها تفكر في الأمر&; قبل أن تضع كفها بين كفه بكل بساطة&; وهو ابتسم يجذب كفها صوب قلبه لترتجف يد تبارك تحاول جذبها بعيد&;ا&; لكنه لن يسمح لها يقول ببسمة واسعة والحنان شديد :
&; أنت&; هنا طوال الوقت&; سواء كنت&; في الجوار أو بعيدة&; مسكنك في القلب ثابت&;ا م&;هجتي الغالية &;
نظرت تبارك ليدها التي تعلو قلبه&; ثم تحركت صوب عيونه تشعر بالتشتت من كلماته ونظراته&; حتى أنها رمشت وهي تردد بتوتر شديد :
&; ما الذي يجب قوله في هذه الحالة &;&; كيف اجيب على كلماتك &;!&;
اتسعت بسمة سالار حتى تحولت لضحكة صاخبة وهو يميل برأسه نحوها يقبل رأسها بحنان شديد متحدث&;ا من بين ضحكاته بحب :
&; ببسمة&; تكفيني بسمتك إجابة لكل سؤال&; إن شعرتي يوم&;ا بالعجز عن الإجابة عن شيء&; فقط امنحيني بسمة وسأكون أكثر من راضي&;ا &;
نظرت له تبارك ثواني قبل أن تبتسم له أكثر بسمة صادقة عاشقة في الحياة&; وهو لم يتمكن من الرد سوى بميلة صغيرة يطبع قبله لطيفة على جبهتها مرة أخرى هامس&;ا بالقرب من أذنها :
&; لا حرمني الله من البسمة وصاحبة البسمة &;
وهذه المرة لم تستطع الرد ببسمة وهي تمسك كفه تقول بحب :
&; ولا حرمني الله منك يا قائد&; اعتني بنفسك لأجلي سالار&; فمالي من عائلة سواك &;
رمقها سالار ثواني يبتسم بسمة واسعة ثم ابتعد قليل&;ا يكمل تجهيز حقيبته مردد&;ا بصوت هادئ:
&; صدقيني لا أعز على قلبي من أن أكون عائلتك الوحيدة&; الشخص الوحيد الذي تسكنين إليه&; والذي يتفرد بحبك واهتمامك عزيزتي&; لكن &;&;
توقف يستدير لها يقول بجدية :
&; لن ارتضي لك&; الوحدة والي&;تم في ب&;عدي تبارك&; أنا لا ادري بأي وقت&; أو بأي ارض&; اموت&; حياتي تحفها المخاطر&; ولن اموت بسلام وأنا اعلم أنني اتركك وحدك في هذه الحياة&; لن اكون سعيد&;ا وأنا أدرك أنني سأسلب روحك معي واتركك شبه حية&; هذا لن يسعدني تبارك&; لذا &;أنا أحب أن تمتلكي الكثير من الرفقة هنا &;
تحركت صوبه تبارك تقول بصوت حزين ترفض تلك الافتراضات التي يضعها من الآن:
&; يا الله يا سالار ما الذي تتحدث بشأنه&; لا حرمني الله منك&; أنا لم استوعب بعد فكرة أنك أصبحت لي ومعي لتأتي وتتحدث بهذا الشكل &;
ضم سالار وجهها بين كفيه يقول ببسمة :
&; لا تقلقي مهجتي الله خير حافظ&; حتى وإن مت فلعلي ارحل شهيد&;ا &;
صمت ثم قال ببسمة وكأنه يمازحها :
&; سأطالب بك&; في الجنة تبارك&; امرأتي الوحيدة وزوجتي العزيزة &;
نزلت دموع تبارك وهي تتحرك صوبه تضمه بقوة باكية&; تقول بصوت منخفض :
&;&; عسى الله أن يجمعنا بها سالار ..&;
قبل سالار رأسها يقول بحنان :
&; إن شاء الله غاليتي&; والآن ما رأيك أن تساعديني في تجهيز حقيبتي للنزهة &;&;&;
ابتعدت عنه تبارك تدرك أنه يحاول صرف انتباهها عن كل ما قيل&; مسحت دموعها تقول ببسمة واسعة :
&; نعم&; بالطبع ..&;
________________
&; فقط اصمتي&; اصمتي برلنت فلا ق&;بل لي بقضاء نهاري كامل&;ا اسمع به مشاكلك مع صانع الأسلحة &;
نظرت برلنت والتي كانت تجلس جوار كهرمان على الأريكة&; بينما زمرد تتوسط الفراش بكل كسل&; مرت عيونها على زمرد من أعلى لاسفل تقول ببسمة جانبية مستفزة لكهرمان :
&; أتساءل عن نوع الوقاحة التي يتمتع بها عاملي هذا القصر&; أنظري ها هي مجرد فتاة عادية تتحدث مع ع&;لية القوم بهذا الشكل&; عجب&;ا لوقاحة القوم &;
نظرت صوبها زمرد بشر لتكمل برلنت باستفزاز :
&; لا تنظري لي هكذا حبيبتي فأنت&; ولمدة اسبوع كامل ستحتلين مكانة أدنى من مكانتي كزوجة لصانع الأسلحة في المملكة وأحد قادة الجيش المباشرين&; أنت&; الآن لا شيء حق&;ا&; أنت&; حتى لست&; بعاملة&; نكرة هو أقرب وصف لك&; الآن&;
ابتسمت كهرمان وهي تراقب ما يحدث وقد اشتاقت حق&;ا لكل تلك المناوشات التي تحدث بين الجميع هنا .
وزمرد فقط رمت برلنت بنظرة قاتلة قبل أن تنتفض عن الفراش بشكل أفزع برلنت التي أطلقت صرخة مرتعبة تركض بعيد&;ا عن الأريكة صوب الباب تحسب&;ا لاقتراب زمرد منها&; أمسكت المقبض تجهز عملية الهروب إن اقتربت زمرد .
لكن زمرد فقط ابتسمت بسخرية لاذعة وهي تتحرك صوب الطاولة تمسك كوب الماء ترتشف منه بعض القطرات :
&; لا تخافي عزيزتي&; فالنكرة لم تجف يدها من الدماء لتلوثها بدمائك&; ليس الآن على الأقل&; حينما ننتهي من عقاب الجريمة الأولى&; افكر في الثانية &;
تحركت برلنت صوب المقعد تهتف وهي تتنفس الصعد :
&; عسى أن تقضي المتبقى من حياتك في ذلك العقاب إن كان قتلي هو نتيجة انتهائه &;
جلست جوار كهرمان تنظر لها بجدية :
&; كهرمان ما الذي تشردين به &;&; منذ جئنا وأنت&; لم تتحدثي بكلمة واحدة &;
نظرت زمرد صوب كهرمان لتتحرك في المقعد الذي يقابلهم وهي تقول :
&; في اخي بالطبع ومن غيره &;&;&;
استدارت لها كهرمان بعنف&; لكن ذلك لم يهز شعرة واحدة من زمرد التي أكملت بكل بساطة وهي تشير لها :
&; انظري إليها الفتاة غارقة حتى أذنيها في حب الرجل &;
اتسعت أعين كهرمان تهتف بغضب شديد :
&; زمرد &;&;
&; ماذا هل كذبت &;!&;
&; فقط توقفي عن هذا الحديث السخيف ودعك&; مني واشغلي عقلك برامي السهام خاصتك &;
ابتسمت لها زمرد بسخرية :
&; يا فتاة هذا اخي وهذا مستقبله&; ثم دانيار لـ &;
فجأة توقفت عن الحديث وكأنها للتو أدركت حقيقة ما&; نظرت حولها وكأنه سيظهر لها في أحد أركان الغرفة دون مقدمات تقول بعدم فهم واستيعاب متأخر :
&; هل لاحظ أحدكم دانيار اليوم &;&; لقد &;أنا لم ابصره منذ الصباح&; أين هو &;!&;
هزت برلنت كتفها بجهل بينما زمرد نهضت تكمل بصدمة كبيرة :
&; ياالله للتو أدركت أنني لم أره منذ الصباح&; انشغلت في المحاكمة ولم ابصره&; ترى أين هو &;&; لا يعقل أنه قد يفوت محاكمتي بهذا الشكل &;&;&;
صمتت تنظر للفتيات اللواتي كن يتابعن حالتها بتعجب ثم قالت بريبة :
&; أين ذهب دانيار &;&;&;&;
________________________
&; تريد بعض التوت &;&;&;
ارتفعت عيون دانيار لتميم بغيظ شديد وغضب وهو يندفع صوب القضبان يضربها بعنف :
&; اقسم إن لم ترحل الآن تميم سوف أخرج واعصرك عصر التوت أيها الـ ..&;
قاطع تميم حديثه وهو يتناول حبة توت باستمتاع شديد :
&; لا لا&; انتبه للسانك&; ثم كيف ستعصرني وأنت تقضي يومك خلف القضبان &;! &;
صمت ثم أكمل بضحكة عالية :
&; يا الله لا أصدق أن الملك فعلها حق&;ا وسجنك &;
رمقه دانيار بغيظ شديد يتذكر غضب إيفان منه بسبب أخذه زمرد للسوق وتعريضها للخطر&; وبعد مشاداة كلامية وشجار بينهما انتهى به الأمر سجين&;ا ليوم&; كامل .
&; هذا الملك الـ ..&;
كظم غيظه وهو يتنفس بصوت مرتفع يحاول الهدوء&; لكنه فشل ليضرب القضبان بقوة علها تساعد وايض&;ا فشلت&; في النهاية صرخ بجنون :
&; ذلك الملك المتعجرف&; حتى أنه منعني حضور محاكمة زمرد ودعمها&; هذا المتسلط &;
صمت يحاول التنفس بصوت مرتفع بينما صدره يعلو ويهبط بقوة.
نظر تميم حوله ثواني وكأنه يبحث عن شيء ما&; ليتحدث دانيار بغيظ :
&; ما الذي تبحث عنه &;!&;
&; ابحث عن الملك فهو يأتي كلما ذكرته بالسوء &;
التوى وجه دانيار بغضب شديد وهو يتمتم كلمات غير مفهومة لتميم&; ثم تحرك ليجلس على الفراش في أحد أركان السجن يقول بحنق :
&; ارحل تميم ما الذي تفعله هنا &;!&;
جلس تميم ارض&;ا يستند على الجدار المقابل للقضبان وهو يقول بجدية :
&; اجلس معك دانيار&; لن اتركك وحدك الآن هنا&; سأبقى إلى أن تنتهي مدة سجنك ونخرج سوي&;ا&;
رفع له دانيار رأسه يبتسم له بسمة امتنان هامس&;ا بحب اخوي :
&; شكر&;ا لك تميم ليس لي في هذه الحياة سواك أنت ومهيار&;
صمت فجأة ليستوعب شيئ&;ا :
&; مهل&;ا اين هو ذلك الحقير مهيار بالمناسبة &;&; هل تركني هنا وحدي دون أن يأتي لزيارتي &;!&;
صمت وهو يرى ملامح تميم التي انفرجت ببسمة قبل أن تتحول لضحكات صاخبة وهو يتذكر ما كان مهيار يفعله منذ ساعات قليلة وهو يحلق حول الملك لا يتركه يتنفس حتى يخرج دانيار .
كان مهيار يتحرك بسرعة في الممر وهو يقول :
&; مولاي&; بالله عليك هذا دانيار&; من في هذا العالم يضع عقله بعقل دانيار &;&; حسن&;ا أنا أعتذر لك بالنيابة عنه&; لكن فقط أخرجه &;
توقف إيفان يتأفف بصوت مرتفع وهو يهمس يمسح وجهه :
&; يا الله على هذين الشقيقين&; العناد والإصرار خ&;لق لهم&;
استدار صوب مهيار يقول بجدية :
&; اسمع مهيار&; منذ متى تراجعت في حكم لي !!&;
&; لكن مولاي&; اخي لم يخطأ لقد كاد ي&;قتل دفاع&;ا عن الأميرة&; كيف تفعل به هذا &;!&;
رفع إيفان حاجبه يجيب بحنق شديد ونبرة شبه غاضبة :
&; وشقيقك كان يعلم جيد&;ا ما الذي قد يحدث إن خرج بها للأسواق&; لذا من البداية هذا خطأه ولا تحاول التبرير له مهيار لأن قراري لا رجعة به&; ودانيار لن يخرج من السجن الآن&; انس هذا &;
ختم حديثه يتحرك تارك&;ا مهيار ينظر له بغضب شديد&; حسن&;ا هو يحترم الملك أكثر من أي شخص في هذه الحياة ويقدره&; لكن عند دانيار يتناسى مهيار احترامه وأي شيء عدا شقيقه&; كان يتابع أثر إيفان بغضب وكره شديد تمكن منه في هذه اللحظة :
&; إذن عليك أن تضعني معه في السجن إلى أن تعفو عنه مولاي&; يمكنك سجني أنا كذلك &;
توقف إيفان يستدير ببطء صوب مهيار&; قبل أن يبتسم له ببرود :
&; وهل تراني متجبر&;ا ظالم&;ا لاسجنك دون سبب &;&; شقيقك أخطأ وعوقب&; حينما تخطأ سأضعك معه مهيار &;
ختم حديثه يتحرك مبتعد&;ا وكاد مهيار يلحق به&; لولا يد تميم التي امسكته يقول :
&; مهيار ما الذي تفعله &;&; دانيار لن يعجبه أن تتصرف بهذا الشكل &;
نظر له مهيار بغضب يقول مشير&;ا صوب الاتجاه الذي سلكه الملك :
&; لقد سجن اخي &;
&; لأنه أخطأ مهيار&; دانيار كان يعلم أن الأسواق زاخرة بهؤلاء القذرين واحتمالية مصادفتهم كبيرة&; لذا أخطأ حينما اصطحب الأميرة لهم وهي كادت ت&;قتل على يدهم من قبل &;
جذب مهيار مرفقه من بين يد تميم يقول :
&; وهو واجههم وحده وتعرض لجرح&; عميق لأجل شقيقته&; ألا يشفع هذا له&;&; &;
زفر تميم يمسح وجهه بملل:
&; حسن&;ا الأمر سيستغرق ساعات ويخرج مهيار لذا لا تصعب الأمر على نفسك بهذا الشكل&; هو يجلس على الفراش في السجن بكل راحة ولا يهتم لكل ذلك&;
أشار مهيار لنفسه يقول بعناد :
&; أنا اهتم لكل ذلك&; ولن اصمت حتى يخرجه الملك من ذلك المكان&; ليس اخي وبعد كل ما فعله لأجل المملكة يوضع في مكان كان يسكنه مجرمين&; وحده &;&;
أفاق تميم من أفكاره على صوت دانيار الذي قال :
&; ما المضحك في سؤالي تميم &;&; أين مهيار &;!&;
نظر له تميم يقول ببسمة :
&; لنقل أن مهيار في مهمة فدائية الآن لتحريرك &;&;
____________________
&; مهيار اقسم بالذي خلقني إن لم تتوقف عن التحليق حولي لسوف أخرجن شقيقك واسجنك أنت &;
توقف مهيار أمام إيفان يقول بجدية :
&; نعم افعلها&; أخرج دانيار الآن رجاء&;&; يمكنك سجني لا بأس أنا متفرغ اليوم &;
زفر إيفان بضيق وهو يتحرك من أمامه يلوح بيديه في الهواء صارخ&;ا بغيظ :
&; ليرحمني الله من جميع ساكني هذا القصر&;&;
فجأة توقفت أقدامه وهو يبصرها تتقدم صوبه ليبتسم دون وعي يكمل جملته بضحكة جانبية :
&; عداها &;&;
نظر إيفان للخلف صوب مهيار يقول :
&; مهيار اذهب الآن وتجهز لأجل النزهة&; سوف نخرج دانيار ليذهب معنا &;
رفع له مهيار حاجبه بشك ليرمقه إيفان ببرود وجدية جعلته يتنهد وهو يتحرك بعيد&;ا وقد قرر أن يصدقه الآن&; بينما إيفان أبصرها تتقدم منه لتقول :
&; مرحب&;ا مولاي .&;
&; مرحب&;ا سمو الأميرة &;
ابتسمت بسمة لم تظهر سوى في عيونها التي تظهر من خلف اللثام :
&; جئت أخبرك أنني سأرحل&; واشكرك على استضافتي هذه الفترة هنا في قصرك &;
رفع إيفان حاجبه يبتسم لها بسمة متعجبة وكأنها تحدثت للتو بأمر غريب :
&; معذرة &;!&;
&; ماذا &;!&;
ضم إيفان كفيه خلف ظهره يقول بجدية :
&; ومن سيسمح لك&; بالرحيل سمو الأميرة &;&;&;
&; عفو&;ا &;&;&;
&; عفو&;ا أنت&;&; فما لم يأت بالسلام&; ي&;سلب بالحرب &;
ارتفع حاجب كهرمان تقول بنبرة شبه حادة :
&; أتحسبني أحد غنائم حربك مولاي &;&;&;
هز إيفان رأسه بهدوء ولباقة لا تليق لا بالموقف أو الكلمات التي ينطقها :
&; أثمن غنائمي سمو الأميرة &;
نظرت له كهرمان برفض للخضوع وهي تتحرك بعيد&;ا تأبى اكمال هذا الحوار الذي كان بلا هدف من وجهة نظرها :
&; عفو&;ا منك&; سوف اذهب لاتجهز للرحيل&; شكر&;ا لاستقبالي هذه الفترة في قصرك مولاي &; ونصيحة جد لك غنائم أخرى فأنا لست بواحدة &;
وقبل أن ترحل أوقفها إيفان يقول بجدية وهو يستدير صوبها :
&;حسن&;ا إليك&; ما سيحدث مولاتي&; أنت&; لن تخرجي من هذا القصر الآن&; ليس في الوقت الحالي على الأقل &;
&; عفو&;ا منك وما الذي سيمنعني لفعل ذلك !!&;
&; لا شيء&; أنا فقط أعطيت أوامر بعدم خروج أحد هذه الفترة فالحرب على الابواب &;
&; وأنا لي وطن احتمي به&; اشكرك على عرضك &;
ولم تكد تخطو بعيد&;ا عنه حتى ارتفع صوته يقول مجدد&;ا :
&; أنت&; لن تخرجي من هنا بهذه السهولة&; المرة السابقة رحلتي وتعهدت حينها أنك&; لن تفعليها مجدد&;ا&; ليس بهذه السهولة كما أخبرتك&; ربما ننتظر حتى يأتيني شقيقك بجيوشه ليحاصر البلاد&; وحينها لن اعطيك&; له كذلك &;
كان يستخدم نفس اسلوب أرسلان&; وهي استدارت له بصدمة كبيرة لا تصدق ما قاله&; توقفت في سيرها تستدير له ببسمة غير مصدقة وهو لم يحيد عن موقفه أو يهتز وهي تقول بصوت شبه حاد :
&; عفو&;ا منك &;! ومن أخبرك أنك قادر على ردعي عن الذهاب &;&; أنا لست سجينة هنا مولاي&; ثم لست أنا من تؤخذ بهذه الطريقة&; أنا لست سبية أو غنيمة حرب&; بل أنا جائزة تنالها بعدما تلفظ انفاسك في سبيلها&; والآن شاهدني وأنا ارحل من قصرك وليتجرأ رجل من رجالك على الاقتراب مني ومنعي &;
ختمت حديثها بتحدي وعيون ملتمعة بالأصرار&; وهو فقط ابتسم لها يراقبها تتحرك دون أن يوقفها بكلمة واحدة&; وقد رأى أمامه نسخة أنثوية من أرسلان&; وهذا للحق أعجبه&; هو لم يكن ليأخذها بهذا الشكل على أية حال&; لكنه يحب وبشدة رؤية تلك اللمعة الخطرة في عيونها تذكره بأيام كانت تبارزه ..
&; لا بأس فلن يتجرأ أحد رجالي على الاقتراب منك&; على أية حال سمو الأميرة &;
رفع صوته يقول بنبرة وصلت لها مستفزة :
&; ثم أنا سأحب مشاهدتك ترحلين عن قصري ومن ثم تعودين له بموكب الزفاف سمو الاميرة&; في رعاية الله وحفظه &;
ختم حديثه يتحرك ببسمة ساخرة يتركها واقفة مصدومة في منتصف الممر&; وحينما استدارت كان هو قد رحل لتشعر بجسدها يشتعل من الغضب :
&; يا ويلي من هذا الرجل&; كان أرسلان محق&;ا في كل ما وصفه به يصفه&; ليرحمنا الله منه &;.&;
__________________________
بعد ساعتين من المحاكمة ..
ف&;تحت ابواب القصر ليخرج منها العديد من الخيول تحمل فوق ظهورها الملك وقادة المملكة والطبيب الملكي&; مشهد لم يره سكان القصر منذ سنوات طويلة&; فقد اعتاد الملك ورفاقه الخروج في رحلات ونزهات طويلة لأيام ومن ثم العودة&; لكن كل ذلك توقف منذ عاد خطر المنبوذين يحلق حولهم .
والآن في مظهر مهيب وبمجرد أن خطى الجميع خارج عتبات القصر بدأت المنافسة المعروفة&; لينطلق تميم بسرعة مهولة بحصانه وهو يطلق ضحكات صاخبة&; يلحق به إيفان بسرعة كبيرة .
وسالار ابتسم بسمة واسعة ينغز حصانه برفق يطلق صيحة مرتفعة لتتسابق جميع الأحصنة بشراسة في المقدمة&; بينما حصان مهيار كان يتحرك ببطء شديد وهدوء تام ومهيار فوق ظهره يتنفس بصوت مرتفع يغمض عيونه متأمل&;ا الأشجار حوله إذ سلك الجميع الطريق الخلفي للقصر والذي يؤدي للغابات الشرقية:
&; يا الله ما اجمل الطبيعة والهواء النقي. .&;
فجأة شعر بعاصفة غبار تمليء رئتيه ليفتح عيونه بصدمة ينظر حوله يرى الجميع يركض بحصانه وقد نتج عن ذلك عواصف غبار أحاطت به :
&; يا الله متى الخلاص من كل هذا&; متفرغون لللعب والمزاح وحين أخبرهم أنني أود الزواج تعلو أصواتهم أن الحرب على الابواب ..&;
التوى ثغره بحنق شديد وهو يشرد بعيد&;ا عنهم في المرأة الوحيدة التي جعلت يغادر منطقته الهادئة الدافئة لأجلها ..
&; مرحب&;ا ليلا .&;
رفعت ليلا عيونها بسرعة صوب باب المحل لتتسع بسمتها بقوة تقول وهي ترفع كفها دون شعور تلوح له :
&; مرحب&;ا مهيار &;
اقترب منها مهيار وهو يردد في نفسه بصوت خافت :
&; عسى ألا ينطقه من بعدك أحد&;..&;
فرك ذقنه بهدوء يقول :
&; أين هو العم&; لم أره منذ فترة ليست بالقصيرة &;! ألا يأتي للمحل &;!&;
&; ابي ذهب لإحضار بعض النباتات من سبز وسيعود نهاية هذا الأسبوع&; إن كنت تريد منه شيئ&;ا يمكنني مساعدتك&;
ابتسم لها يميل على الطاولة التي تفصل بينهما لتتوتر هي وتتراجع بعض الشيء مبتسمة بسمة مهتزة ومازال قربه يؤثر بها أكثر مما يتخيل هو :
&; فقط اشتقت له واردت إلقاء التحية عليه&;
كانت كلمات عادية&; لكن الطريقة التي نطقها بها ونظراته تلك لها لم تكن أبد&;ا بالعادية لتصدقها وهي وتحسن النية به&; لكنها رغم ذلك قالت بكل بساطة :
&; لا بأس هو سيعود نهاية الأسبوع كما أخبرتك&; لذا يمكنك المجئ والقاء التحية&;
ابتسم لها يدرك أنها تفهم مقصده لذا قال :
&; جيد إذن سأتيه مرة ثانية نهاية الأسبوع وحتى يعود أريد الحصول على بعض النباتات اذا سمحتي لي آنستي &;
نظرت له ببسمة :
&; نعم لا بأس&; أي نباتات تريد !!&;
أعطاها مهيار ورقة بها اسماء لبعض النباتات .
لتقول هي بتسائل وهي تتحرك لتحضر له ما يريد :
&; هذه فقط ما تحتاج &;!&;
اجاب هو بكلمات بسيطة وبكل تلقائية عليها :
&; في الحقيقة لا احتاج هذه النباتات بقدر ما كنت احتاج رؤيتك &;
توقفت ليلا في سيرها ولم تجرأ على الاستدارة له كي لا يبصر خجلها الواضح في ملامحها&; هي فقط ابتلعت ريقها بهدوء ثم اخفضت رأسها تهرول للداخل تحت أنظاره المستمتعه وهو فقط ابتسم يتحرك داخل المحل&; ثم بدأ يلتقط بعض الازهار&; وحين عادت ليلا تحمل له الاعشاب المطلوبة له :
&; ها نحن ذا&; هذه جميع الاعشاب التي طلبتها سيدي الطبيب &;
ابتسم مهيار يقترب من الطاولة يضع عليها الزهور التي انتقاها وقد كانت من عادته أنه في بعض الأحيان يأتي لينتقي بعض الزهور لمشفاه .
&; حسن&;ا وضعي هذه معهم رجاء&;&;
هزت رأسها تمسك الزهور تضمهم في عقدة واحدة تحت نظراته الشغوفة بكل ما تفعل&; حتى أبصرها تضع كل النباتات والزهور في الحقيبة :
&; إذن كم الحساب &;!&;
رفعت عيونها له بتعجب :
&; الحساب &;! هذا يكون بنهاية الشهر يدفعه الملك صحيح !!&;
هز رأسه لها يقول بهدوء :
&; قصدت الزهور فهذه استخدام شخصي وليس للمشفى &;
نظرت صوب الزهور ثواني قبل أن تبتسم له بلطف :
&; لا بأس إذن&; اعتبرها هدية المحل فأنت عميل مميز كما تعلم &;
&; لا صدقيني أنا أصر &;
تنهدت تقول بجدية :
&; سيدي الطبيب &;&;
قاطعها دون أن يعطيها فرصة التحدث بكلمة :
&; أنت&; لن تفوزي بهذا فلا تبدأي ليلا &;
زفرت بغيظ تخبره السعر وهو أخرجه لها يضعه على الطاولة أمامها&; ثم حمل النباتات بالكامل ومن ثم حمل باقة الزهور بيده الأخرى يمدها لها مبتسم&;ا :
&; تفضلي ..&;
نظرت ليلا للباقة بتعجب :
&; ماذا &;!&;
&; هذه لك&; ليلا&; حسن&;ا هي ليست بجمالك&; لكن لا بأس يمكنك الاحتفاظ بها تواضع&;ا منك &;
اتسعت أعين ليلا بصدمة كبيرة وهي تلتقط منه الزهور&; وحسن&;ا هي اعمل بهذا المجال وتشاهد من الزهور أفضلها ومنذ نعومة أظافرها&; لكن هذه الزهور في هذه اللحظة كانت اجمل زهور ابصرتها في حياتها .
وكانت بسمتها في هذه اللحظة اجمل مكافأة قد يحملها معه مهيار في رحلته المملة هذه .
أفاق من ذكريات القريبة يعود بعيونه صوب الجميع وقد ابتعدوا عنه بالكثير ليشعر أنه سيضل عن الجمع&; لذا زاد من سرعة حصانه ليلحق بهم&; وعند نقطة ما أبصر اقتراب حصانين منهم يحملان فوق ظهورهم أرسلان والمعتصم الذي أضحى يرافق أرسلان في كل خطواته في الآونة الأخيرة .
توقف أرسلان أمام الجميع يردد ببسمة :
&; مرحب&;ا بكم&; هل تأخرت عليكم &;!&;
ابتسم له إيفان يردد بجدية وهو ينظر لمن حوله :
&; في وقتك تمام&;ا&; هكذا تبقى اثنين فقط و&;.&;
فجأة توقف عن الحديث يبصر اقتراب حصانين ليبتسم هو بسمة واسعة مكمل&;ا :
&; ها نحن قد اكتملنا يا رجال &;
تحركت جميع الانظار صوب القادمين ليبصروا الملك ازار وبرفقته الملك بارق يقتربان منهما&; وحين توقف الجميع تحركت أنظار سالار عليهم يقول ببسمة واسعة :
&; مر وقت طويل منذ اجتمعنا في نزهة&; الأمر سيكون ممتع&;ا كثير&;ا &;
ابتسم له ازار يحرك رأسه له بترحيب وبسمة حنونة&; ليعلن أرسلان في هذه اللحظة وهو يقول بصوت مرتفع :
&; إذن هل نتحرك &;&;&;
نظر له الجميع ومن ثم تحركوا في ثواني صوب وجهتهم للتخييم&; وخلف ظهورهم يحمل البعض الاشياء اللازمة لتلك النزهة&; كل&; أتى بما يحب لقضاء وقت&; ممتع بعيد&;ا عن ضوضاء القصور والجنود والمشاكل في الممالك&; واخير&;ا وقت مستقطع وسط أيامهم&; وقت لأنفسهم &;..
_____________________
&; بالله عليك&; زمرد توقفي عن سحبي خلفك&; ثم تبارك أنت&; ما الذي حدث لك&;&;! هل توافقين هذه المجنونة على كل شيء &;&;&;
نظرت تبارك لكهرمان بتعجب :
&; كل هذا لأجل قتال &;! هي تريد التدرب &;
&; بل تريد المشاكل تبارك&; زمرد تسعى للمصائب حبيبتي&; الآنسة م&;نعت من الخروج ورغم ذلك تهرب من الغرفة &;
زفرت زمرد بصوت مرتفع وهي تتوقف مع الفتيات في ساحة التدريب تشير حولها للمكان الهادئ :
&; بالله عليك&; انظري حولك لهذا الهدوء &;! ألا يستفزك لتملئيه بأصوات السيوف &;&;&;
رفعت لها كهرمان حاجبها بحنق وهي تدور بعيونها في ذلك الجزء المهجور من القصر :
&; بالطبع سيكون هادئ&;ا عزيزتي فأي انسان طبيعي قد يفكر بالمجئ لهذا الجانب&; من أين عرفتيه &;&;&;
ابتسمت زمرد وهي تتذكر أن جميع لقائاتها بدانيار كانت في هذه الساحة :
&; عرفته بالصدفة البحتة &;
&; نعم تلك الصدفة التي تسير حاملة سهام خلف ظهرها &;
كانت تلك برلنت التي ختمت حديثها تغمز لهن&; بينما ابتسمت كهرمان بخبث تنظر لزمرد التي التوى ثغرها بحنق .
&; برلنت بالله عليك&; تجنبي اغضابي كي لا يتحول قتالي من تبارك لك&; &;
&; وماذا قلت أنا الآن &;!&;
فتحت زمرد فمها تقول بغيظ شديد :
&; أنت&; حق&;ا لا &;.&;
اوقفتها كهرمان بسرعة وهي تشير لها بيدها أن تصمت&; لكن زمرد عاندتها برأس يابسة :
&; لا تصمتيني&; ألا تسمعين ما تقول تلك الـ &;
زجرتها كهرمان وهي ترهف السمع لما يحيطهم :
&; اششش اصمتي زمرد&; انا اسمع صوت خطوات تقترب&; هناك أحد الحراس يأتي من هذه الجهة &;
ختمت حديثها تشير لمكان ما وهي تتحدث&; لتتحرك جميع الأعين صوب تلك الجهة&; حتى أن زمرد تحركت بهدوء ودون اهتمام لترى من يأتي :
&; وما الذي سيحدث إن شاهدونا &;! نحن لا نرتكب جريمة هنا &;
تحدثت برلنت باستفزاز تعشقه :
&; نعم بالفعل لا ينقصنا جريمة أخرى &;
نظرت لها زمرد بحنق شديد :
&; أنت&; يا امرأة لن تتوقفي حتى اجعل زوجك يبكيك&; صحيح &;&;&;
التوى ثغر برلنت وقبل التحدث بكلمة اقتربت تبارك خطوات وهي تضيق عيونها صوب الجهة التي يأتي منها الصوت :
&; لا اعتقد أن هذا وقت مناسب للجدال&; ولا أعتقد أن هذا الصوت القادم يعود للجنود كذلك &;.&;
تقدمت كهرمان بسرعة الجميع وهي تحاول رؤية ما يحدث&; وفجأة اتسعت عيونها تهتف بصوت منخفض وهمسات شبه مسموعة وهي تجذب الفتيات خلف الجدار :
&; يبدو أن أمنيتك في ملئ الساحة بأصوات السيوف ستتحقق زمرد&; لكنها لن تكون سيوفنا كما أرى&;
رفعت زمرد حاجبها وهي تتعجب همسها :
&; لماذا تهمسين بهذا الشكل&; ابتعدي لأرى من هؤلاء &;!&;
اتسعت أعين كهرمان بصدمة من لا مبالاة زمرد تحاول جذبها&; لكن زمرد أبعدت يدها تتحرك صوب الخارج وهي تبحث بعيونها عن هؤلاء المتسللين الذين تتحدث عنهم كهرمان&; وحينما ابصرتهن ضيقت عيونها إذ كانت المسافة بعيدة بعض الشيء بينهم&; قالت تشير لأنفها :
&; أنا أعرف هؤلاء القوم&; هذه الرائحة القذرة مألوفة لي &;
ثواني فقط حتى صرخت بصوت شبه مرتفع وهي تقول بإدراك :
&;مهل&;ا &;هؤلاء الأوساخ قومي &;&;&;
ركضت كهرمان بسرعة تجذب زمرد بعيد&;ا عن مرمى البصر وهي تكتم فاهها تقول بصوت منخفض :
&; يا ويلي زمرد هل أنت&; بلهاء &;!&;
حاولت زمرد الإفلات منها والتحدث&; لكن كهرمان شددت قبضتها بينما تحركت تبارك لتراقب الوضع&; أخرجت رأسها من خلف الجدار ببطء شديد تنظر صوب الرجال وهي تهمس بعدما وجدت أحدهم يتحرك صوبها :
&; يبدو أن أحدهم انتبه لنا للتو &;
كانت تتحدث وهي تتراجع مما جعل برلنت تقول بسرعة وهي تفكر في الركض :
&; إذن كل ما عليكن فعله هو حمل تلك السيوف والذهاب لقتالهم &;
نظرت لها زمرد بحنق بعدما أبعدت يد كهرمان عنها :
&; وماذا عنك&;&; هل ستتركينا &;&;&;
ابتسمت لهن برلنت تقول وهي ما تزال تتراجع للخلف:
&; لا بالطبع&; أنا سأمارس دوري كأي امرأة طبيعية في هذه الحياة &;
نظر لها الجميع بفضول&; لتردد برلنت بخوف&; وهي تركض بسرعة كبيرة بعيد&;ا عن الجميع :
&; سأصرخ طلب&;ا للنجدة &;&;
ومن بعد هذه الكلمات لم تبصر واحدة منهن سوى بقايا أثر برلنت قبل الهروب&; ونظرت القوم الذين حلقوا حولهم .
وصدى صوت برلنت يتردد في الفضاء حولهم من بعيد وهي تصرخ طلب&;ا للمساعدة&; تراجعت الثلاث فتيات للخلف وهن يحدقن في الأعين التي تكاد تحرقهن..
همست كهرمان بصوت منخفض :
&; أي اقتراحات !!&;
اجابتها تبارك وهي تبتلع ريقها بتفكير تنظر صوب سيفها الذي وضعته جانب&;ا لأجل قتال زمرد&; وقد كان هو نفسه سيف سالار لذا لم تفكر سوى في النجاة به :
&; نركض كبرلنت &;&;&;
ابتسمت زمرد بسمة مرعبة وهي تتحرك بخطوات بطيئة للخلف تتحدث بصوت مرتفع دون أن تضطر للهمس مثلهن :
&; بل نقاتل كالرجال &;&;
وبعد هذه الكلمة لم يبصر أحد زمرد سوى وهي تركض بسرعة كبيرة تلتقط سيفها وسيوف أخرى تلقي بها للفتيات :
&; ما رأيكن مبارزة فعلية مع بعض الخنازير &;!&;
أمسكت كهرمان السيف بقبضة من حديد وهي تتخذ وضع الهجوم تتراجع خطوات للخلف كي تشملهم جميع&;ا بعيونها&; بينما تبارك نظرت للسيف في يدها وهي تقول بصوت متذمر :
&; مهل&;ا هذا ليس سيفي ..&;
ومن ثم لم يمهلها أحد الرجال الوقت لتتحدث بكلمة ثانية إذ هبط عليها بسيفه بسرعة كبيرة ومن الخلف&; لكن تبارك وفي اللحظة المناسبة استدارت بسرعة أكبر من سرعته تصد ضربته وهي تنظر السيف بصدمة لقد كاد يقسمها نصفين .
ابتسم زمرد وهي تحرك السيف بين أصابعها بمهارة :
&; لا اعتقد أن القوم هنا سيمانعون تقطيعك بسيف غير سيفك .&;
رفعت تبارك عيونها لهم تهمس :
&; نعم رأيت هذا &;&;&;
ومن بعد هذه الكلمة لم يسمع أحدهم سوى اصوات السيوف التي علت في المكان بأكمله لتصم الآذان&;.
____________________
&; إذن هذا هو المكان الذي اخترته &;!&;
نظر الجميع صوب أرسلان الذي ابتسم بفخر :
&; ما رأيكم &;&; لا اعتقد أن هناك مكان مناسب أكثر من هذا المكان ..&;
هز سالار رأسه وهو يحرك عيونه في المكان الفارغ حولهم والذي كان عبارة عن واحة صغيرة تختفي بين الأشجار جوار إحدى البحيرات في الصحراء الفاصلة بين مشكى وسفيد..
وخلف أحد الجبال الذي يغطي الواحة من الأساس .
نظر الجميع لبعضهم البعض نظرات غامضة قبل أن يبتسم ازار وهو يردد :
&; إذن هل نخرج ادوات النزهة للاستقرار &;&;&;
أجابه إيفان وهو يهز رأسه:
&; نعم تجهزوا&; حان وقت الصيد &;&;
وفي الداخل ..
في تلك الواحة التي كانت المكان الاخير لهم&; كان يجلس داخل منزله الصغير يجلس وحوله بعض الرجال يكمل حديثه :
&; اليوم من المفترض أن تكتمل الخطة وننتهي من كل ذلك &;
ابتسم الرجال حول بافل الذي استند بظهره للخلف وقد كان المكان حوله ضيق&;ا يتسع لاجسادهم بصعوبة شديدة&; لكن كان هذا آخر ما تبقى لهم بعدما ه&;دمت جميع مخابئهم&; وبالطبع الفضل يعود لذلك القذر الذي عاد من موته فقط لينغص عليه حياته .
&; هل تثق بتلك المرأة بافل &;&; &;
تحركت أعين بافل صوب الرجل لينفخ باستهزاء :
&; بالطبع لا أفعل&; لكنها تسهل علي&; مهمتي&; لذا لا ريب أن استخدمها حتى نتنهي ومن ثم نتخلص منها &;
ابتسم أحدهم بخبث هامس&;ا :
&; تمام&;ا كما فعلت مع موري &;!&;
نظر له بافل ثواني وقد اشتد فكه بعض الشيء وصمت&; فمقتل موري كان الشيء الذي لم يتفق عليه معهم&; كان صادق&;ا حين أخبرها أنه سيخرجها فيما بعد وحينما ينتهوا&; لكن أعوانه هناك كان لهم رأي آخر&; ليس الأمر أنه احب موري أو شيء من هذا القبيل&; لكنها كانت المرأة الوحيدة التي تبقت له هنا&; وقد انتوى الزواج بها بعد كل شيء ..
أفاق من أفكاره على صوت أحد الرجال يقول :
&; إذن ما الخطوة الثانية &;&; هل ننتظر إشارة الرجال لنتدخل &;!&;
نظر له بافل ثواني وهو يفكر في القادم&; ما الذي سيفعله في القادم &;&; هو وضع خطة لا يدرك نهايتها&; لكنه وللمرة الأولى قرر المجازفة&; فقط لينتقم&; لا يهمه النتيجة&; هو فقط يهمه الانتقام وهذا ما سيحصل عليها بمساعدة أعوانه &;
____________________
في قصر سفيد وفي إحدى الغرف النائية في مساكن الجنود ..
كان يجتمع بالرجال وهو يتلو عليهم التعليمات القادمة&; نفسه الرجل الذي قتل الجنود على الحدود&; كان يجلس وحوله مجموعة من الرجال الذين راودتهم النفس الإمارة بالسوء عن الحق وحادت بهم عن الطريق المستقيم&; بالإضافة للباقيين من جنود الحدود الذين استسلموا لهم .
&; نحن الآن سنتحرك صوب الجزء الخلفي من القصر مع بعض الثياب الخاصة بالجنود سنعطيها إياهم ومن ثم ندخلهم للمساكن هنا حتى ننفذ الـ ..&;
وقبل أن يكمل كلمته ف&;تح باب الغرفة بسرعة كبيرة جعلت الجميع ينتفض وهو يحاول التظاهر بأنه تجمع عادي لكن كل ذلك تلاشى وهم يبصرون جسد أحد القادة الذين مم فاهها متحدث&;ا:
&; انظروا من كاد يشي بنا يا رجال ..&;
تحركت جميع الأعين صوب تلك المرأة التي يمسك بها القائد الخاص بهم وقد على صوت أحد الرجال من بينهم :
&; اشعر أنني رأيتها لهذه المرأة سابق&;ا &;
ابتسم القائد يجر المرأة للداخل مغلق&;ا الباب شاكر&;ا لعدم وجود أي جنود مستيقظين في السكن في هذه اللحظة .
&; زوجة القائد تميم&; المسكينة جائتني تبكي وجود بعض المنبوذين الوقحين في الجوار وأنهم يقاتلون باقي زوجات القادة &;
نظرت له برلنت بغضب شديد وهي تحاول الحديث&; لم تكن تدري أن البلاد بها قذرين كذلك&; وهذا الرجل هي كانت تراه كثير&;ا&; كان يسير مع سالار طوال الوقت تقريب&;ا .
فقد كان هو نفسه الشاب الذي كان يتدرب مع سالار تحت مرأى ومسمع من الجنود&; أحد القادة ذوي الرتب الأقل من سالار&; لكنه أبد&;ا لم يكن بالشخص الهين ..
&; قيدوا تلك المرأة هنا وتحركوا صوب الجزء الخلفي واحضروا لي باقية النساء&; لا أريد أن يفسد أحدهم خطتي&; اريد أن يكون القصر بين قبضتي بحلول مساء هذا اليوم &;&;&;
_____________________________
تحرك الجميع بخطوات غير مسموعة داخل تلك الواحة&; سالار يتقدمهم والجميع يسير خلفه بتنظيم&; الأسلحة متخفية داخل الثياب .
توقف سالار ثواني يدرس الوضع حوله ثم أشار لهم يقسمهم :
&; تميم والمعتصم ودانيار من جهة الغرب&; أرسلان والملك ازار والملك بارق جهة الشرق و &;&;
قاطع أرسلان كل ذلك الحديث وهو يهمس له بصوت معترض على كل تلك الكلمات :
&; مهل&;ا مهل&;ا&; ل&;م&; تصف الجميع بالملك وأنا ناديتني باسمي مجرد&;ا &;&; ومن ثم تأمرني &;&; أنت تتخطى جميع حدودك &;
رمقه سالار ببسمة مستفزة :
&; هذا لأنني احترم الملك بارق وكذلك خالي لعمرهم الذي يفوقني ومكانتهم العالية&; لذا اناديهم بالملك&; أما أنت فبالله عليك أخبرني ما الذي يضطرني لاحترامك أرسلان !!&;
رفع أرسلان قبضته وهو يجر سالار من تلابيبه :
&; يمكنني أن أعطيك سبب&;ا لتفعل سالار &;
تدخل إيفان في المنتصف وهو يهمس بغضب شديد :
&; اقسم إن لم تتوقفا عن هذه الأفعال لأكون أنا من سيعطي الجميع اسباب للبكاء حزن&;ا عليكما &;
نظر الاثنان باعتراض لإيفان&; قبل أن يترك أرسلان تلابيب سالار هامس&;ا وهو يشير له :
&; لم ننتهي بعد ..&;
أشار له سالار وهو يحرك شفاهه دون الحديث :
&;أنتظرك..&;
دفعهم إيفان أمامه بحنق شديد وغضب :
&; تحركوا قبل أن أفقد ما تبقى من صبري عليكم جميع&;ا..&;
أشار له سالار وهو يكمل كلماته بغضب :
&; أنت ستكون معي جهة الجنوب&; لننتهي من هذا الان وسنلتقي في حجرة بافل ..&;
تحرك مع إيفان وتفرق الجميع كل&; صوب الجهة التي أخبرهم عنها سالار حسب خطته التي وضعها هو سابق&;ا وأخبر بها الجميع بشكل سري .
همس إيفان بصوت منخفض وهو يمسك سيفه :
&; إذن يسكنون في هذه الجحور &;! مكان مناسب لامثالهم من الخنازير&;
ابتسم سالار بسخرية لاذعة :
&; فقط ينقصه بعض الوحل الإضافي هنا وهناك &;
توقف فجأة في طريقه حين أبصر بعض الرجال يقفون في أحد الأركان متحدثين بجدية&; ابتسم يشير لإيفان:
&; أنت واحد وأنا اثنان &;
نظر له إيفان بحنق&; لكنه لم يتجادل يتحرك في المكان مردد&;ا بجدية شديدة وهو يحرك سيفه بهدوء :
&; بل ليأخذ كل&; من تقع يده عليه &;
وفي اللحظة الثانية كان إيفان ينقض بسيفه على أحد الرجال&; وقبل أن يستوعب الباقيين ما يحدث كان سيف سالار يصمتهم المتبقى من عمرهم&; وقد افادهم عنصر المفاجأة ليباغتوهم بهذا الشكل .
نظر إيفان لهم وهو يدقق النظر بالرجال الذين اسقطهم ثم قال بهدوء :
&; عجب&;ا اشعر أنني قتلت هذا الرجل من قبل &;
ابتسم له سالار يتحرك بهدوء بين الممرات وقد كان المكان كالجحر حق&;ا دون مبالغة :
&; هذا لأن الخنازير تتشابه&; مهما اختلف منشأهم وطريقتهم&; يظلون في النهاية خنازير يا عزيزي &;
ابتسم له إيفان يتحرك معه&; وقد بدأ سالار يصفر باستمتاع صفارته المعهودة&; صفيره الذي كان أشبه بصفير الموت&; يتحرك بين الممرات يبحث بعيونه عنهم .
بينما وفي الجهة الخاصة بتميم ودانيار والمعتصم&; كان الثلاثة يتحركون بحرص شديد&; دانيار يحمل سهامه&; والمعتصم يجهز سيفه&; وتميم يجر سلسلته المعدنية خلفه .
وبمجرد أن سمعوا صوت&;ا يأتي من أحد الغرف توقف الثلاثة ونظروا لبعضهم البعض لثواني .
همس دانيار بصوت منخفض :
&; سأعد لثلاثه ومن ثم نقتحم المكان&; أي شخص تبصرونه منهم تخلصوا منه لا نريد ترك واحد&;ا فقط منهم&;
نظر له تميم ثواني وهو يهز رأسه بموافقة قبل أن يتوقف فجأة عن هز رأسه ليقول :
&; مهل&;ا&; ل&;م&; أنت من تلقي الأوامر هنا !!&;
همس له دانيار بعناد :
&; هذا لأنني القائد هنا &;
حابهه تميم وهو يزجرة بحدة :
&; ومن نصبك قائد علينا&; لا اذكر أنني صوتت للأمر أو أن المعتصم فعلها&; صحيح يا المعتصم &;&;&;
نظر الاثنان صوب المعتصم ليتوتر وهو يعود للخلف يحاول معرفة ما يحدث :
&; أنا لم &;.&;
وقبل أن يجيب تحدث دانيار بعناد :
&; انظر تميم&; القائد هنا سيكون باسبقية الالتحاق بالجيش&; وانا الأقدم منك &;
ابتسم له تميم بسخرية :
&; وأنا ورغم أنني انضممت للجيش بعدك إلا أنني بنفس رتبتك وهذا إن دل على شيء فيدل على أنني افوقك مهارة وخبرة &;
تحدث المعتصم وهو ينظر للخلف حيث باب الغرفة التي يقبع بها المنبوذون :
&; حسن&;ا لا اعتقد أن هذا الوقت المناسب لمناقشة أمر الخبرات ..&;
رفع تميم يده بصمته :
&; انتظر أنت يا المعتصم&; فأنت ما تزال بريئ&;ا&; أنا أعلم هذه النفوس جيد&;ا&; هو يود تنصيب نفسه قائد&;ا علينا ليملئ ذلك النقص داخله هذا &;&;
قاطعه المعتصم يشير خلفهم :
&; حسن&;ا يمكنني الانتظار&; لكن لا اعتقد أنهم سيكونون بنفس تفهمي وينتظرون انتهاء حديثكم &;
نظر الاثنان له بعدم فهم فابتسم يشير خلفه :
&; هناك رفقة هنا&; يبدو أنهم لن يصبروا حتى نحدد من القائد هنا &;
نظر تميم خلفه وكذلك فعل دانيار&; ومن ثم نظر الاثنان لبعضهم البعض ليبتسم دانيار بسمة فهمها تميم الذي قال :
&; قبلت التحدي ..&;
وهكذا بدأ التحدي الصامت بينهما على إعطاء شارة القيادة لمن يسقط أكبر عدد من الرجال تاركين المعتصم يحاول فهم شيء مما يحدث&; لكن حين بدأ القتال تجاهل كل ذلك وهو يرفع سيفه يبتسم ويهز كتفه ببساطة :
&; لا بأس ربما لاحق&;ا&;..&;
واخير&;ا في الجانب الموجود به أرسلان مع ازار وبارق&; كان الاول يتحدث بكل هدوء وهو يظهر للاثنين بكل هدوء يتقدمهما في السير :
&; وهكذا تعرفت على هذين القذرين&; وقد قللت معرفتي بهذه الامثال السيئة من مكانتي في عيني&; أعني أنا ملك لي اسم ومكانة بين الجميع&; تخيلوا أن اصادق سالار وإيفان &;&;&;
توقف ينظر لآزار وبارق يبحث في نظراتهم عن شفقة عليه أو ما شابه&; لكن كل ما رآه هو تعجب ودهشة&; فزفر يقول مبتسم&;ا بسخرية :
&; نعم والآن هذا ما استحقه&; لقد فقدت حتى حقي في الشفقة علي&; بسبب هذين الإثنين&; لكن &;&;
توقف عن الحديث فجأة وهو يستدير لهما متحدث&;ا بصدمة :
&; مهل&;ا الشفقة علي&; &;&; من قال أنه يمكن لأحدهم أن ينظر لي بشفقة &;!&;
احدث ازار وهو يشير لبارق :
&; بارق فعل &;
فتح بارق عيونه بصدمة كبيرة وهو ينظر صوب الاثنين ثم همس لآزار :
&; ازار هل تمزح مع هذا المختل !! الآن سيصدقك &;
كتم ازار ضحكته وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة توقف فجأة أرسلان يشير لهم بالتريث&; ومن ثم أشار على أحد الأبواب المفتوحة والتي يصدر منها صوت&;ا صاخب&;ا&; يتحرك بهدوء شديد صوب تلك الغرفة حتى توقف أمام الباب ودون مقدمات دفعه بقدمه بعنف شديد تسبب في سقوط أحد الرجال ارض&;ا بعنف عن فراشه .
رمش أرسلان طويل&;ا وهو يجد ثلاثة أشخاص في المكان الذي كان يبدو غرفة للنوم وقد أفزع هو نومتهم.
&; أوه يبدو أنني جئت في وقت غير مناسب&; هل افزعتكم في نومتكم &;!&;
نظر له الرجال بأعين متسعة وكأنهم لم يستوعبوا بعض أن كوابيسهم تقف أمامهم في في الواقع .
وارسلان ابتسم يحمل وهو يخرج سيفه :
&; لكن لا بأس أنتم كذلك افزعتم قومي من قبل ولم تهتز لكم شعرة واحدة&; والآن أنا لن يكفيني فقط افزاعكم &;.&;
_______________________
كانت المعركة في القصر على أوجها&; تبارك تحاول تدارك ذلك القتال أمامهم والذي يفوقهم من كل شيء&; قوة وعدد&; لكن هي لم تستسلم&; بل ظلت تقاتل بكل قوتها وكلمات سالار وتعليماته تتردد في أذنها.
بينما زمرد كانت في تلك اللحظة تمارس هوايتها المفضلة&; ألا وهي إبادة قومها .
وكهرمان جوارها تقاتل كل من يقع في طريقها واستمر القتال لدقائق كادت كفة القوم ترجح به&; لولا أن أبصرت كهرمان بعض الجنود يتقدمون منهم التنفس الصعداء وقد ظنت بهم النجاة .
&; حمد&;ا لله يبدو أن برلنت أحضرت المساعدة &;
تحركت أعين تبارك وزمرد صوب الجنود الذين تقدموا منهم&; وقبل أن تبتسم تبارك بسمة راحة أنهم نجوا شعرت بالريبة وهي ترى أعين هؤلاء الجنود التي تحدق بهن بشر ونظرات مريبة&; ما كان لجنود الملك أن يرفعوا أعينهم في النساء أبد&;ا .
&; هل هم بالفعل جنود الملك &;&; أشعر بالريبة من وجوههم..&;
نظرت لها زمرد بعدم فهم ترى تراجع تبارك للخلف وهي تقول بريبة :
&; حسن&;ا لا اعتقد انهم جاءوا للمساعدة &;
كانت تتحدث وهي تراهم يخرجون السيوف يبتسمون بشر واضح&; بينما زمرد تشعر بعدم الفهم :
&; ما الذي تقصدينـ &;
وقبل أن تكمل كلماتها كان أحد الجنود قد باغتوه وانطلق يمسكها من رقبتها يكمم فمها جاذب&;ا إياها بقوة صوبه هامس&;ا :
&; يبدو أن زوجة القائد هي أكثركم فطنة هنا .&;
تحركت عين زمرد بسرعة صوب ذلك الوجه تحاول الإفلات من بين يديه&; لكنها فشلت .
بينما كهرمان كانت تراها للمرة الثانية&; نفسها المؤامرة التي أسقطت أرسلان من قبل&; هل هي ت&;عاد هنا في أراضي سفيد .
سمع الجميع صوت ذلك الجندي يردد بجدية وبصوت مرعب :
&; الآن ستضعون سيوفكم ارض&;ا وإلا تخلصت منكم اجمعين ..&;
نظرت كهرمان لتبارك التي كانت تتشبث بالسيف في قوة وكأنها تحتمي بها&; لكن وبعد ثواني ألقت كهرمان سيفها ارض&;ا لئلا يتسبب عنادها في أذية زمرد .
بينما تبارك رفضت الأمر تقول :
&; أنت لن تنجو بفعلتك &;
أطلق الرجل ضحكته :
&; يا الله أرى نفس تجبر زوجك في عيونك&; هيا اتركي السيوف ارض&;ا سيدتي ودعينا نسي&;ر الأمور بسلام &;
ابتسمت له تبارك تقول بغيظ ولا تعلم من أي مصدر استمدت قوتها تلك فهي تدرك أنها لا قبل لها بمقاتلتهم وحدها ولا حتى مع الفتيات&; هم أضعف من الدخول في هذا القتال وبهذا الشكل&; لكن صوت داخلها يمنعها الاستسلام&; وهذا الصوت كان هو نفسه صوت سالار .
&; جيد إذن أنك تعلم زوجي فهو لن يفوت لك فعلتك تلك ولا &;&;
وقبل أن تكمل كلمتها شعرت بمن ينقض عليها من الخلف يكمم فمها بقوة وهي تتحرك بصخب وقد اتسعت عيونها بصدمة&; بينما الرجل ابتسم يقول بصوت خبيث :
&; هذا إن عاد ووجدك حية &;سيدتي الجميلة &;
صمت ثم حرك عيونه صوب أحد الرجال ليمسكوا بكهرمان كذلك&; والتي كانت ترفض المقاومة كي لا يتأذى أحدهم&; لكن حينما امسكها أحد الرجال من يدها جذبت يدها منه وصفعته بقوة محذرة إياه :
&; إياك والاقتراب مني &;
نظرت صوب القائد الذي كان يراقب كل ما يحدث ببسمة واسعة :
&; اسمع أيها القذر لقد ذهبت رفيقتنا لإحضار المساعدة وحينها سوف &;&;
قاطعها الجندي يقول :
&; أوه&; أولم أخبركم &;&; أنا هي المساعدة التي ارسلتها لأجلكم رفيقتكم &;
اتسعت أعين كهرمان تهمس بصدمة استغلها أحد الرجال لسحبها :
&; برلنت &;&; ما الذي فعلته بها !!&;
ابتسم لها بخبث :
&; لا تقلقي لم أفعل بعد&; لكن سيحدث&; سينالها نفس ما سينالكم&; ما أسعدني من شخص الان تحت قبضتي جميع النساء اللواتي يهتم بهن القادة والملوك في الأربع ممالك&; هذا يوم حظي &;
ابتسمت زمرد بسمة جعلت الرجل يتعجب وهي تنظر لعيونه بشر ورغم أنه يكمم فمها إلا أنه تراجع يقول بصوت منخفض :
&; خذوهن بعيد&;ا حتى أخبركم بما سنفعله بهن ..&;
وقبل أن يتحرك الرجال بالفتيات&; نزعت زمرد يد الجندي الذي يكممها وبصقت في وجه قائدهم وهي تقول مشيرة على عيونها :
&; سأحضرك أيها الوسخ وحينها &;.&;
صممت&; ثم أشارت لأفراد قومها الذين يقفون حولهم يحاولون الاختباء في الجنود :
&; أسأل صغار الخنازير خلفك عما سأفعله بكم .&;
ختمت حديثها تتحرك مع الرجل وهي تنظر لهم ببسمة لم تنزعها حتى اختفت عن أبصارهم&; بينما تبارك تحركت وهي تبتهل لربها أن يعود سالار سريع&;ا&; وكهرمان فقط تسير مرفوعة الرأس كلما دفعها أحدهم زجرتها بنظراتها ويبدو أنها قررت إن كانت ستسير معهم فلتفعلها بكل كبرياء &;
تمتمت تبارك وهي تسير معهم في طرقات شعرت لوهلة أنها تعلمها&; هي تعلم هذه الطرقات&; سبق ورأتها&; فجأة ضربتها ذكرى الهجوم على القصر حين أحضرها سالار ليخفيها في هذه الممرات التي تقبع أسفل القصر&; شعرت بحلقها يجف وضربات قلبها تزداد&; شعرت بالخوف الشديد&; الخوف من القادم&; وهذا لم يساعد البتة في تحسين مستوى السكر في دمها وقد شعرت أنها ستسقط في أي لحظة ارض&;ا ..
&; أين أنت سالار &;&;&;
___________________
ينام قرير الأعين على فراشه يتقلب كل ثانية بقلق بحث&;ا عن الراحة&; زفر بقوة منتفض&;ا يدفع الغطاء جانب&;ا وقد قرر أن ينهض ويحتسي أي شراب قد يساعده على النوم .
نهض يزفر بغضب ويفرك عيونه&; ثم وضع قدمه على الأرض&; يتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة&; ثم فتح عيونه وهم&; لينهض&; لكن فجأة أبصر اقدام&;ا تحيط به في غرفته&; تعجب بافل ورفع عيونه ببطء صوب الأجساد التي تحيط به ليجد كوابيسه قد تمثلت على أرض الواقع&; جميع أعداءه مجتمعين في غرفة واحدة&; وهو في المنتصف.
ابتسم أرسلان الذي كان يجلس على المقعد المقابل للفراش&; يهمس بصوت خافت كالفحيح :
&; يبدو أن نومتك كانت سيئة ها &;!&;
أجابه إيفان ببسمة واسعة :
&; ومن أين لامثاله بنيمة هانئة &;&;&;
دخل معهم سالار في الحديث وهو يقترب منه بخطوات جعلت ضربات قلب بافل تتسارع وهو يمد يده للفراش يحاول البحث عن شيء ينقذ به نفسه :
&; مرحب&;ا بك في أحلك كوابيسك&; يا سلالة الانجاس &;&;&;
______________________
المعركة الأخيرة على وشك الانتهاء &;..
فيما يخصادة باخد العشر ايام دول إجازة عشان بتفرغ للعبادات&; وزاد إني السنة دي بشتغل طول اليوم تقريب&;ا&; لكن وبسبب اني لغيت; بمجرد ما ينتهي هينزل إن شاء الله .
وخلاص اقتربت النهاية أكثر مما تتوقعون&; هي خطوات نخطوها معهم&; ونصحبهم في رحلتهم الأخيرة .
فتجهزوا &;..
رواية مملكة سفيد الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق على الفصل.
صلوا على نبي الرحمة.
____________________
تحركت داخل القاعة وهي تخطو بهدوء شديد لا ينتبه لها أحد الحضور وقد استحوذ وجود زمرد في منتصف الساحة جوار إيفان على حواس الجميع، عداه هو الذي كان لا يهتم لأيٍ كان داخل هذا المكان عداها هي، ابتسم بسمة صغيرة يراقبها تتلفت حولها حتى وقعت عيونها عليه، لتتفاجئ أنه يتابعها، وسرعان ما اتسعت بسمتها ترفع يدها له تلوح بها بسعادة كبيرة ...
تلويحة وبسمة ذكرته قديمًا حينما كانت تتحرك داخل القاعة ولمحته لتلوح له كما لو كان رفيقًا قديمًا لها، ازدادت بسمة سالار اتساعًا وهو يرفع لها يده هذه المرة يلوح لها بحب، لتلتمع أعين تبارك بقوة من بادرته، وهو الذي لم يهتم لأحدهم يهز رأسه لها صوب أحد المقاعد جوار العريف لتستقر تبارك بالفعل وهي ترمقه وتهمس في نفسها :
" حبيبي عايز يتبخر، زي القمر وهو قاضي "
نظر العريف جواره صوبها يقول بعدم فهم :
" هل تتحدثين معي ؟!"
نظرت تبارك صوب سالار تقول بجدية :
" أوليس رائعًا ؟؟"
والعريف الذي لم يكن هناك على قلبه احب من مدح سالار والثناء عليه، خاصة بعدما اتضح للجميع مكانته عنده :
" بلى هو أكثر من رائع، هذا ولدي ربيب يدي، أنا من اعتنيت به حتى أصبح رجلًا رائعًا يُعتمد عليه "
نظرت له تبارك ثواني تقول ببسمة :
" أحسنت ايها العريف، لقد احسنت التربية بالفعل "
ابتسم العريف بفخر شديد وهو يحدق بسالار الذي استقر على مقعد إيفان يقول بصوت هادئ بعض الشيء :
" اشكر الجميع للحضور و...."
صمت ولم يدرك ما يجب قوله، فهو لا يعلم من الحديث سوى تلك الخطب الحماسية التي يلقيها قبيل التحرك في أي غارة أو حرب، لذا تحدث بملل شديد :
" لندخل في صلب الموضوع، نحن هنا اليوم للحكم في أمر موت الملكة شهرزاد "
" بل قتلها قائد سالار، الملكة لم تمت بل قُتلت غدرًا "
كانت تلك الجملة المعترضة صادرة من صفوف المستشارين حيث أحد التابعين المخلصين للملكة شهرزاد، وهذا ما كان يتوقعه إيفان بالفعل، فبعد أعوام قضتها تلك المرأة هنا، لا يعقل ألا تبني شهرزاد العديد من الحلفاء .
تحركت عيون سالار صوب صاحب الصوت ليتشنج وجهه وهو يتحدث بصوت جامد وهو الذي لم يعتد أن يناقشه أحدهم في الجيش أو يقاطع خطبته، والأمر ليس استثناءً هنا :
" أنا لم اسمح لك بالتحدث، لذا احتفظ بكلماتك حتى اطلبها منك "
اتسعت عين الرجل، بينما إيفان ابتسم بسمة سعيدة وقد أعجبه سالار، يدرك في هذه اللحظة أنه أحسن الاختيار بالفعل .
عاد سالار بعيونه للجميع يقول بهدوء وشبه عناد :
" نحن هنا للبث في أمر مـــــوت الملكة شهرزاد "
ختم حديثه ينظر حوله بهدوء قبل أن يقول بكل هدوء :
" وفي هذه القضية هناك متهم واحد جاء يسلم نفسه، يعترف بكل صراحة أنه هو من ارتكب تلك الجريمة في حق الملكة، وهذا الشخص هو نفسه أميرة البلاد سمو الأميرة زمرد، وقد تخلى الملك عن مكانته كقاضي ليصبح شاهدًا جوار أخته، وترك لي الحكم بنفسي، وليشهد الله أنني سأحقق العدل ولو على رقاب جميع من بالقاعة هنا "
ختم حديثه ينظر في أعين الجميع بقوة وكأنه يوصل لهم رسالة أن التشكيك في حكمه أمر غير مقبول البتة، وحين رأى أن رسالته وصلت واضحة تنهد يكمل حديثه :
" والآن وبعدما علم الجميع سبب وجودنا هنا، أطالب الأميرة بالتحدث بكل ما حدث معها يوم مقتل الملكة شهرزاد "
رفعت زمرد عيونها له ومن ثم نظرت صوب إيفان الذي هز رأسه لها وهي ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض :
" لقد كنت في ذلك اليوم في غرفة اخي نائمة بعدما مرضت وهو أخذني ليعتني بي جواره، ومن ثم حين استيقظت ذهبت لجناحي لأجد أن لا حراس هناك ..."
ومن ثم أخذت زمرد تقص على الجميع ما حدث بالتحديد ذلك اليوم مع تجنب بعض التفاصيل التي لن تكون ذات معنى إلا بعدما يقص العريف قصته وكذلك إيفان لذا اكتفت بالقول أن الملكة أساءت لها ولوالدتها وأنها أرادت بها سوءًا كما فعلت بوالدتها .
ليهب رجل آخر من حلفاء الملكة شهرزاد يصرخ معترضًا :
" من تخدعين يا فتاة ؟؟ أي استفزاز وأي عقل قد يصدق ما تتدعينه ؟؟ هل تحاولين الابتلاء على امرأة بين يدي الله ؟!"
نظر له سالار بشر كبير يتحدث بصوت حاد :
" كلمة أخرى وستقضي باقي يومك تدور حول القصر ركضًا "
اتسعت أعين الرجل وتراجع للخلف بعدم فهم يقول :
" ماذا ؟؟"
" كما سمعت، من يقاطع حديثه أنا من سأشرف على قضاء يومه القادم "
صمت ثم عاد بعيونه صوب زمرد يقول بجدية :
" هل لديكِ شهود على حديثك ؟؟"
صُدمت زمرد من كلماته وابتلعت ريقها وهي تنظر صوب إيفان، ومن ثم نفت برأسها تقول :
" لا لم يبصر أحد ما حدث، لكن ...لكن اخي يشهد على حديثي "
نظر سالار صوب إيفان وقال :
" قص علينا ما تعلمه بخصوص كل ذلك جلالة الملك؟"
تقدم إيفان خطوات يخفي زمرد عن الأعين خلفه وقد كانت زمرد شاكرة لذلك بالفعل، فهي لا تتحمل الأعين التي تحلق حولها، بينما إيفان بدأ الحديث بهدوء :
" الأمر بدأ منذ كنت رضيعًا حينما اختطفتني الملكة شهرزاد من والدتي الملكة آمنة .."
ارتفعت الشهقات وعلى الاستنكار ملامح الجميع، لكن إيفان لم يهتم لكل ذلك وهو يكمل قصته بالكامل يفضح اعمال شهرزاد أمام الجميع، ولولا أن المعني بالأمر أخته، لما كان تحدث بكلمة ولكان تجاهل كل ما فعلته حتى يجتمع بها أمام الله ويقتص منها، لكن إن كان ثمن براءة أخته هو افتضاح تلك المرأة فليكن .
ختم حديثه يقول بجدية :
" والعريف يشهد على كل كلمة تحدثت بها للتو وهو آخر من تحدث مع المرأة التي ساعدت امي في الولادة، كان آخر من حدثته قبل أن تموت أو بالأحرى تُقتل على يد الملكة شهرزاد والتي خشيت أن تفتضح سرها، لتمحي بموت المرأة كل دليل قد يدينها أمام الجميع "
واخيرًا صمت يتنفس بصوت مرتفع بينما أعين الجميع تدور حوله مصدومة من كل ما يحدث، لا أحد يصدق ما فعلته شهرزاد في حياتها، لم يتخيل أحدهم يومًا أن هذه المرأة قد يصدر منها كل هذا.
تنهد سالار يقول بصوت هادئ وهو يطرق الحديد الساخن، لا يعطي لأحدهم فرصة الاستيعاب ليهبط فوق رأسه بالضربة التالية :
" ايها العريف، قل ما عندك "
تحرك العريف عن مقعده يتنفس بحنق ونزق وكأنه جاء مجبرًا، وفي الحقيقة هو كان كذلك، لكن لا داعي لذكر هذا أمام الجميع .
توقف أمام سالار يقول :
" ما الذي تريدون سماعه مني ؟؟"
" كل ما تعلمه عن الملكة شهرزاد، وهل ما قاله الملك إيفان صحيح، تحدث بالحقيقة التي ستُسأل أمام الله عنها، ولا تحيد بقولك عن الحق ايها العريف"
التوى ثغر العريف يجيب بهدوء :
" هذا ما ينقصني أن أحمل وزر شهادة زور لأجل ..."
صمت فجأة يستوعب ما كاد ينطق به ليستغفر الله :
" استغفر الله كدت أخطأ في حق امرأة بين يدي الله"
استنكرت تبارك ما سمعت تقول بتشنج :
" يعني هي لو عايشة عادي تغلط فيها ؟؟"
أشار سالار صوب العريف يقول :
" أخبرني أيها العريف كل ما تعرفه عما قيل "
نظر له العريف يتنهد بصوت حانق مصطنع :
" حسنًا كما قلت هذه امرأة بين يدي الله ولا استطيع التحدث عنها بسوء، لكن إن كان حديثي ضروري، إذن ليسمع الجميع ما فعلته تلك المشعوذة ..."
ومن ثم لم يوفر العريف كلمة لم يتحدث بها عن شهرزاد، أخرج كل ما كان يضمره طوال هذه السنوات وكأنه لم يصدق أن أحدهم منحه إذن التحدث، وبعد ربع ساعة كاملة من الحديث عن كل ما فعلته شهرزاد طوال حياتها تحت صدمات كبيرة على وجوه الجميع .
وحينما انتهى تنهد العريف يقول بصوت جاد هادئ :
" في النهاية هذه امرأة ميتة، بين يدي الله الآن؛ لذا لا اريد أن أطيل في الحديث عنها، لها ما لها وعليها ما عليها "
ارتفع طرف شفاة تبارك متشنجة مما سمعت لتهمس بسخرية لاذعة :
" بقاله ساعة بيقطع في فروتها وفي الاخير يقولك لها ما لها وعليها ما عليها، يا اخي والله اخلاق العريف ده "
تنهد العريف وهو ينظر صوب زمرد التي كانت متسعة الأعين وهي تسمع الحكاية من هذا الجانب، الآن شعرت أنها على استعداد لقتل شهرزاد مرة ثانية، وإيفان ورغم معرفته كل ما قيل، لكن سماعه مرة ثانية يدفع بداخله رغبة القتل والانتقام، لكن ممن ومن فعلها رحل ؟!
دار سالار بعيونه بين الجميع ثم قال بكل هدوء وصوت جاد :
" هذه شهادة اثنين من طرف الأميرة، إن كان هناك من يمتلك بها كلمة يرد بها الحديث عن الملكة شهرزاد أو يبرأها فليتحدث الآن"
لكن أحدهم لم يتجرأ على التحدث بكلمة بعد سماعه لما حدث، كيف يتحدثون وشهادة الملك والعريف تكفلت بكل ما قد يقال، لذا تحدث سالار بكل جدية :
" العين بالعين والحرمات قصاص، فيما يخص الجريمة التي حدثت في حق المدعوة شهرزاد، فهي جريمة لا نكران لذلك، لكن تلك الجريمة تقع تحت بند القصاص، تلك المرأة لعنة الله على أمثالها تعاونت مع أعداء الله ونتج عما فعلته مئات الشهداء يوم الهجوم، ولم تكتف بذلك، بل بسببها وبسبب فسادها وقعت امرأة مسلمة منا بين يدي أعداء الله لينتهكوها مرات ومرات"
كانت يتحدث دون أن يحيد بنظراته صوب إيفان الذي يعلم أنه الآن على شفا جرف من الانفجار في المكان من شدة غضبه، لكنه رغم ذلك لم يتوقف يكمل الحديث :
" امرأة مثلها لا تقل فساد عن المنبوذين، بل تتغلب عليهم، كانت عونًا للشيطان جمعها الله به في جهنم، لذا قتل تلك المرأة لم يكن جريمة، وإلا سيصبح قتلنا أعداء الله في الحروب جريمة، فقتلها لا يختلف عن مقاتلتنا الكفار، لذا وعليه يتم تبرأه ساحة الأميرة زمرد من تهمة القتل "
صمت يبصر ملامح الجميع المشجعة على قراره، وقد اشتعلت الأعين بالغصب ليدرك أنه حتى لو كانت شهرزاد حية لكانت ماتت على أيديهم، بينما البعض الآخر _ حلفائها _ كانوا مصدومين شاحبي الأوجه .
لم يهتم وهو يكمل :
" لكن ولأن سياسة المملكة لا تسمح لأحدهم بأخذ قصاصه دون العودة للملك وأخذ حكم منه بذلك؛ لحقن الدماء ومنع انتشار الفساد بين النفوس، فسوف يتم سحب جميع امتيازت الآنسة زمرد كأميرة لسفيد ولاسبوع، والزامها بمخدعها اجباريّا، ذلك لتتعلم كيف تتحكم في غضبها ولا تترك القيادة لشيطانها، مع دفع مبلغ ثلاثة آلاف قطعة ذهبية لخزينة الدولة الخاصة بالمحتاجين"
اشتعلت أعين زمرد، بينما إيفان ورغم تأييده وموافقته حكم سالار، إلا أنه لم يمتلك إلا أن يشتعل بغضب وهو ينظر لسالار الذي ابتسم بكل برود يكمل :
" القصاص حق، لكن إن تركنا لكل شخص حرية أخذ قصاصه ستعم الفوضى، نحن لا نسلب الحق في أخذ القصاص، لكنه لا يتم إلا بعدما يحكم الملك بالأمر ويعطي إذنًا بذلك وفقًا لقوانين المملكة، الآن وقد انتهينا ألدى أحدكم اعتراض على حديثي ؟!"
نهض أحد أعوان شهرزاد يعترض بقوة وقد تجاهل كل ما قيل يرفض هذا الحكم :
" نعم قائد سالار، أنا أرفض أن يتم مرور الأمر بهذه السهولة من قُتلت كانت ملكة لها الكثير من الأفضال على الجميع هنا، هذه جريمة قتل وأنت تهاونت في الحكم، وما قيل في حقها كان..."
تحرك سالار ينهض عن المقعد يتحرك بهدوء وخطوات قوية للخارج :
" جيد إذن، انتهينا لليوم، من يمتلك اعتراضًا يرفعه للملك، فأنا لست الملك لامتلك من الصبر ما يكفيني لسماع تبجح البعض في الدفاع عن القتلى، انتهت الجلسة يا سادة "
ختم حديثه يتحرك بكل هيبة وقوة للخارج ولم يتجرأ أحدهم في الاعتراض بكلمة واحدة أو إيقافه بأي همسة، فالجميع يدرك أن مبادئ سالار في القصاص واضحة، ولو أن أحدهم طلب رأيه في تلك القضية بعيدًا عن منصبه كقاضي لكانت إجابته ( القصاص ) قولًا واحدًا ودون تفكير .
ابتسمت تبارك وهي تنهض تقول بفخر :
" بسم الله ماشاء الله عليك قاضي قد الدنيا والله "
تحركت بسرعة للخارج خلف سالار وهي تريد اللحاق به، وقبل الخروج نظرت لزمرد تهمس لها :
" حمدًا لله على سلامتك عزيزتي، الحمدلله أنها مرت بسلام، لقد سبق واوصيت سالار ألا يقسو عليكِ"
رمقتها زمرد بحنق وسخرية :
" هذا وأنتِ اوصيتيه، اتسائل ما الذي كان سيحدث إن لم تفعلي ؟؟"
ضحكت تبارك بصوت منخفض وهي تتحرك تاركة الجميع يقترب من زمرد للأطمئنان عليها وهي تحركت لتلحق بزوجها العزيز .
وبالفعل زادت من خطواتها في الممرات تبحث عن أثره لتبصره يتحرك صوب الممر الخاص بغرفته، فابتسم تركض صوبه .
دخل سالار غرفته يغلق الباب خلفه بهدوء ثم تحرك ليتجهز للنزهة الخاصة به والملك، وقبل أن يخلع ثيابه سمع صوت فتح الباب تبعه صوت تبارك التي قالت ببسمة :
" كنت رائعًا !"
ابتسم سالار بسمة واسعة وهو يعطيها ظهره، ثم خلع ثيابه يجيبها بهدوء :
" شكرًا لكِ "
توترت تبارك من مظهره وهي تقول بصوت منخفض متردد :
" إذن سأ...سأخرج واعود لك لاحقًا تكون انتهيت من ارتداء ثيابك، سيكون هذا افضل للحديث بحرية أكبر "
ختمت حديثها وهي تفتح الباب بسرعة للهرب، لولا يد سالار التي أغلقت الباب بقوة، ثم جذبها للخلف يقول :
" أو....ربما يمكنك الاعتياد على رؤيتي بهذا الشكل، هذا سيوفر علينا وقتّا طويلًا "
نظرت له تبارك بتوتر اكبر وهي تحاول الابتعاد للخلف :
" هذا وأنت لم تتعامل مع نساء من قبل، ماذا إن فعلت ؟؟"
رمقها سالار ثواني قبل أن ينفجر في الضحك يقول بصوت خافت من بين ضحكاته وهو يتحرك يخرج ثيابه من الخزانة :
" حسنًا، للعلم فقط، عدم تعامل الرجل مع النساء لا يعني جهله في الأمور الذكورية الفطرية كالغزل والوقاحة وغيرها من الأمور التي تستائين منها، الفرق بيني وبين الرجال الذين تعاملوا مع النساء سابقًا، أنهم اختبروا بالفعل تلك الوقاحة ويدركون ردات الفعل عليها وما يجب فعله، لكن أنا اجرب الأمر معكِ للمرة الأولى وأدرك ردة الفعل عليه للمرة الأولى، وللحق أنا يعجبني هذا "
ختم حديثه يغمز لها ببسمة، ثم تحرك صوب مرحاضه الصغير الذي يقبع داخل الغرفة وهي ظلت في الخارج تحاول أن تستوعب ما قاله سالار، ما الذي يعنيه من تلك الكلمات .
وقبل أن تصل لحل شعرت بيد توضع على رأسها من الخلف يجذبها وسالار يجذب رأسها له، ثم قبلها بحنان شديد يهمس :
" إذن عزيزتي هل لي أن أنال منكِ وعدًا بأن تحسني التصرف في غيابي !!"
رفعت تبارك عيونها له بتعجب وقد نست للحظات أنه عاري الجذع أمامها تهمس بعدم فهم :
" غيابك ؟؟ أنت... أنت رايح فين ؟؟"
" نزهة صغيرة مع اصدقائي "
" وأنا ؟؟"
ابتسم لها سالار بحنان يمد لها يده وهو يقول ببساطة وصوت هادئ:
" اعطني يدك "
نظرت له تبارك ثواني وكأنها تفكر في الأمر، قبل أن تضع كفها بين كفه بكل بساطة، وهو ابتسم يجذب كفها صوب قلبه لترتجف يد تبارك تحاول جذبها بعيدًا، لكنه لن يسمح لها يقول ببسمة واسعة والحنان شديد :
" أنتِ هنا طوال الوقت، سواء كنتِ في الجوار أو بعيدة، مسكنك في القلب ثابتًا مُهجتي الغالية "
نظرت تبارك ليدها التي تعلو قلبه، ثم تحركت صوب عيونه تشعر بالتشتت من كلماته ونظراته، حتى أنها رمشت وهي تردد بتوتر شديد :
" ما الذي يجب قوله في هذه الحالة ؟؟ كيف اجيب على كلماتك ؟!"
اتسعت بسمة سالار حتى تحولت لضحكة صاخبة وهو يميل برأسه نحوها يقبل رأسها بحنان شديد متحدثًا من بين ضحكاته بحب :
" ببسمة، تكفيني بسمتك إجابة لكل سؤال، إن شعرتي يومًا بالعجز عن الإجابة عن شيء، فقط امنحيني بسمة وسأكون أكثر من راضيًا "
نظرت له تبارك ثواني قبل أن تبتسم له أكثر بسمة صادقة عاشقة في الحياة، وهو لم يتمكن من الرد سوى بميلة صغيرة يطبع قبله لطيفة على جبهتها مرة أخرى هامسًا بالقرب من أذنها :
" لا حرمني الله من البسمة وصاحبة البسمة "
وهذه المرة لم تستطع الرد ببسمة وهي تمسك كفه تقول بحب :
" ولا حرمني الله منك يا قائد، اعتني بنفسك لأجلي سالار، فمالي من عائلة سواك "
رمقها سالار ثواني يبتسم بسمة واسعة ثم ابتعد قليلًا يكمل تجهيز حقيبته مرددًا بصوت هادئ:
" صدقيني لا أعز على قلبي من أن أكون عائلتك الوحيدة، الشخص الوحيد الذي تسكنين إليه، والذي يتفرد بحبك واهتمامك عزيزتي، لكن ..."
توقف يستدير لها يقول بجدية :
" لن ارتضي لكِ الوحدة واليُتم في بُعدي تبارك، أنا لا ادري بأي وقتٍ أو بأي ارضٍ اموت، حياتي تحفها المخاطر، ولن اموت بسلام وأنا اعلم أنني اتركك وحدك في هذه الحياة، لن اكون سعيدًا وأنا أدرك أنني سأسلب روحك معي واتركك شبه حية، هذا لن يسعدني تبارك، لذا ...أنا أحب أن تمتلكي الكثير من الرفقة هنا "
تحركت صوبه تبارك تقول بصوت حزين ترفض تلك الافتراضات التي يضعها من الآن:
" يا الله يا سالار ما الذي تتحدث بشأنه، لا حرمني الله منك، أنا لم استوعب بعد فكرة أنك أصبحت لي ومعي لتأتي وتتحدث بهذا الشكل "
ضم سالار وجهها بين كفيه يقول ببسمة :
" لا تقلقي مهجتي الله خير حافظ، حتى وإن مت فلعلي ارحل شهيدًا "
صمت ثم قال ببسمة وكأنه يمازحها :
" سأطالب بكِ في الجنة تبارك، امرأتي الوحيدة وزوجتي العزيزة "
نزلت دموع تبارك وهي تتحرك صوبه تضمه بقوة باكية، تقول بصوت منخفض :
،" عسى الله أن يجمعنا بها سالار .."
قبل سالار رأسها يقول بحنان :
" إن شاء الله غاليتي، والآن ما رأيك أن تساعديني في تجهيز حقيبتي للنزهة ؟؟"
ابتعدت عنه تبارك تدرك أنه يحاول صرف انتباهها عن كل ما قيل، مسحت دموعها تقول ببسمة واسعة :
" نعم، بالطبع .."
________________
" فقط اصمتي، اصمتي برلنت فلا قِبل لي بقضاء نهاري كاملًا اسمع به مشاكلك مع صانع الأسلحة "
نظرت برلنت والتي كانت تجلس جوار كهرمان على الأريكة، بينما زمرد تتوسط الفراش بكل كسل، مرت عيونها على زمرد من أعلى لاسفل تقول ببسمة جانبية مستفزة لكهرمان :
" أتساءل عن نوع الوقاحة التي يتمتع بها عاملي هذا القصر، أنظري ها هي مجرد فتاة عادية تتحدث مع عُلية القوم بهذا الشكل، عجبًا لوقاحة القوم "
نظرت صوبها زمرد بشر لتكمل برلنت باستفزاز :
" لا تنظري لي هكذا حبيبتي فأنتِ ولمدة اسبوع كامل ستحتلين مكانة أدنى من مكانتي كزوجة لصانع الأسلحة في المملكة وأحد قادة الجيش المباشرين، أنتِ الآن لا شيء حقًا، أنتِ حتى لستِ بعاملة، نكرة هو أقرب وصف لكِ الآن"
ابتسمت كهرمان وهي تراقب ما يحدث وقد اشتاقت حقًا لكل تلك المناوشات التي تحدث بين الجميع هنا .
وزمرد فقط رمت برلنت بنظرة قاتلة قبل أن تنتفض عن الفراش بشكل أفزع برلنت التي أطلقت صرخة مرتعبة تركض بعيدًا عن الأريكة صوب الباب تحسبًا لاقتراب زمرد منها، أمسكت المقبض تجهز عملية الهروب إن اقتربت زمرد .
لكن زمرد فقط ابتسمت بسخرية لاذعة وهي تتحرك صوب الطاولة تمسك كوب الماء ترتشف منه بعض القطرات :
" لا تخافي عزيزتي، فالنكرة لم تجف يدها من الدماء لتلوثها بدمائك، ليس الآن على الأقل، حينما ننتهي من عقاب الجريمة الأولى، افكر في الثانية "
تحركت برلنت صوب المقعد تهتف وهي تتنفس الصعد :
" عسى أن تقضي المتبقى من حياتك في ذلك العقاب إن كان قتلي هو نتيجة انتهائه "
جلست جوار كهرمان تنظر لها بجدية :
" كهرمان ما الذي تشردين به ؟؟ منذ جئنا وأنتِ لم تتحدثي بكلمة واحدة "
نظرت زمرد صوب كهرمان لتتحرك في المقعد الذي يقابلهم وهي تقول :
" في اخي بالطبع ومن غيره ؟؟"
استدارت لها كهرمان بعنف، لكن ذلك لم يهز شعرة واحدة من زمرد التي أكملت بكل بساطة وهي تشير لها :
" انظري إليها الفتاة غارقة حتى أذنيها في حب الرجل "
اتسعت أعين كهرمان تهتف بغضب شديد :
" زمرد ..."
" ماذا هل كذبت ؟!"
" فقط توقفي عن هذا الحديث السخيف ودعكِ مني واشغلي عقلك برامي السهام خاصتك "
ابتسمت لها زمرد بسخرية :
" يا فتاة هذا اخي وهذا مستقبله، ثم دانيار لـ '
فجأة توقفت عن الحديث وكأنها للتو أدركت حقيقة ما، نظرت حولها وكأنه سيظهر لها في أحد أركان الغرفة دون مقدمات تقول بعدم فهم واستيعاب متأخر :
" هل لاحظ أحدكم دانيار اليوم ؟؟ لقد ...أنا لم ابصره منذ الصباح، أين هو ؟!"
هزت برلنت كتفها بجهل بينما زمرد نهضت تكمل بصدمة كبيرة :
" ياالله للتو أدركت أنني لم أره منذ الصباح، انشغلت في المحاكمة ولم ابصره، ترى أين هو ؟؟ لا يعقل أنه قد يفوت محاكمتي بهذا الشكل ؟؟"
صمتت تنظر للفتيات اللواتي كن يتابعن حالتها بتعجب ثم قالت بريبة :
" أين ذهب دانيار ؟؟؟"
________________________
" تريد بعض التوت ؟؟"
ارتفعت عيون دانيار لتميم بغيظ شديد وغضب وهو يندفع صوب القضبان يضربها بعنف :
" اقسم إن لم ترحل الآن تميم سوف أخرج واعصرك عصر التوت أيها الـ .."
قاطع تميم حديثه وهو يتناول حبة توت باستمتاع شديد :
" لا لا، انتبه للسانك، ثم كيف ستعصرني وأنت تقضي يومك خلف القضبان ؟! "
صمت ثم أكمل بضحكة عالية :
" يا الله لا أصدق أن الملك فعلها حقًا وسجنك "
رمقه دانيار بغيظ شديد يتذكر غضب إيفان منه بسبب أخذه زمرد للسوق وتعريضها للخطر، وبعد مشاداة كلامية وشجار بينهما انتهى به الأمر سجينًا ليومٍ كامل .
" هذا الملك الـ .."
كظم غيظه وهو يتنفس بصوت مرتفع يحاول الهدوء، لكنه فشل ليضرب القضبان بقوة علها تساعد وايضًا فشلت، في النهاية صرخ بجنون :
" ذلك الملك المتعجرف، حتى أنه منعني حضور محاكمة زمرد ودعمها، هذا المتسلط "
صمت يحاول التنفس بصوت مرتفع بينما صدره يعلو ويهبط بقوة.
نظر تميم حوله ثواني وكأنه يبحث عن شيء ما، ليتحدث دانيار بغيظ :
" ما الذي تبحث عنه ؟!"
" ابحث عن الملك فهو يأتي كلما ذكرته بالسوء "
التوى وجه دانيار بغضب شديد وهو يتمتم كلمات غير مفهومة لتميم، ثم تحرك ليجلس على الفراش في أحد أركان السجن يقول بحنق :
" ارحل تميم ما الذي تفعله هنا ؟!"
جلس تميم ارضًا يستند على الجدار المقابل للقضبان وهو يقول بجدية :
" اجلس معك دانيار، لن اتركك وحدك الآن هنا، سأبقى إلى أن تنتهي مدة سجنك ونخرج سويًا"
رفع له دانيار رأسه يبتسم له بسمة امتنان هامسًا بحب اخوي :
" شكرًا لك تميم ليس لي في هذه الحياة سواك أنت ومهيار"
صمت فجأة ليستوعب شيئًا :
" مهلًا اين هو ذلك الحقير مهيار بالمناسبة ؟؟ هل تركني هنا وحدي دون أن يأتي لزيارتي ؟!"
صمت وهو يرى ملامح تميم التي انفرجت ببسمة قبل أن تتحول لضحكات صاخبة وهو يتذكر ما كان مهيار يفعله منذ ساعات قليلة وهو يحلق حول الملك لا يتركه يتنفس حتى يخرج دانيار .
كان مهيار يتحرك بسرعة في الممر وهو يقول :
" مولاي، بالله عليك هذا دانيار، من في هذا العالم يضع عقله بعقل دانيار ؟؟ حسنًا أنا أعتذر لك بالنيابة عنه، لكن فقط أخرجه "
توقف إيفان يتأفف بصوت مرتفع وهو يهمس يمسح وجهه :
" يا الله على هذين الشقيقين، العناد والإصرار خُلق لهم"
استدار صوب مهيار يقول بجدية :
" اسمع مهيار، منذ متى تراجعت في حكم لي !!"
" لكن مولاي، اخي لم يخطأ لقد كاد يُقتل دفاعًا عن الأميرة، كيف تفعل به هذا ؟!"
رفع إيفان حاجبه يجيب بحنق شديد ونبرة شبه غاضبة :
" وشقيقك كان يعلم جيدًا ما الذي قد يحدث إن خرج بها للأسواق، لذا من البداية هذا خطأه ولا تحاول التبرير له مهيار لأن قراري لا رجعة به، ودانيار لن يخرج من السجن الآن، انس هذا "
ختم حديثه يتحرك تاركًا مهيار ينظر له بغضب شديد، حسنًا هو يحترم الملك أكثر من أي شخص في هذه الحياة ويقدره، لكن عند دانيار يتناسى مهيار احترامه وأي شيء عدا شقيقه، كان يتابع أثر إيفان بغضب وكره شديد تمكن منه في هذه اللحظة :
" إذن عليك أن تضعني معه في السجن إلى أن تعفو عنه مولاي، يمكنك سجني أنا كذلك "
توقف إيفان يستدير ببطء صوب مهيار، قبل أن يبتسم له ببرود :
" وهل تراني متجبرًا ظالمًا لاسجنك دون سبب ؟؟ شقيقك أخطأ وعوقب، حينما تخطأ سأضعك معه مهيار "
ختم حديثه يتحرك مبتعدًا وكاد مهيار يلحق به، لولا يد تميم التي امسكته يقول :
" مهيار ما الذي تفعله ؟؟ دانيار لن يعجبه أن تتصرف بهذا الشكل "
نظر له مهيار بغضب يقول مشيرًا صوب الاتجاه الذي سلكه الملك :
" لقد سجن اخي "
" لأنه أخطأ مهيار، دانيار كان يعلم أن الأسواق زاخرة بهؤلاء القذرين واحتمالية مصادفتهم كبيرة، لذا أخطأ حينما اصطحب الأميرة لهم وهي كادت تُقتل على يدهم من قبل "
جذب مهيار مرفقه من بين يد تميم يقول :
" وهو واجههم وحده وتعرض لجرحٍ عميق لأجل شقيقته، ألا يشفع هذا له؟؟ "
زفر تميم يمسح وجهه بملل:
" حسنًا الأمر سيستغرق ساعات ويخرج مهيار لذا لا تصعب الأمر على نفسك بهذا الشكل، هو يجلس على الفراش في السجن بكل راحة ولا يهتم لكل ذلك"
أشار مهيار لنفسه يقول بعناد :
" أنا اهتم لكل ذلك، ولن اصمت حتى يخرجه الملك من ذلك المكان، ليس اخي وبعد كل ما فعله لأجل المملكة يوضع في مكان كان يسكنه مجرمين، وحده ..."
أفاق تميم من أفكاره على صوت دانيار الذي قال :
" ما المضحك في سؤالي تميم ؟؟ أين مهيار ؟!"
نظر له تميم يقول ببسمة :
" لنقل أن مهيار في مهمة فدائية الآن لتحريرك ..."
____________________
" مهيار اقسم بالذي خلقني إن لم تتوقف عن التحليق حولي لسوف أخرجن شقيقك واسجنك أنت "
توقف مهيار أمام إيفان يقول بجدية :
" نعم افعلها، أخرج دانيار الآن رجاءً، يمكنك سجني لا بأس أنا متفرغ اليوم "
زفر إيفان بضيق وهو يتحرك من أمامه يلوح بيديه في الهواء صارخًا بغيظ :
" ليرحمني الله من جميع ساكني هذا القصر..."
فجأة توقفت أقدامه وهو يبصرها تتقدم صوبه ليبتسم دون وعي يكمل جملته بضحكة جانبية :
" عداها ..."
نظر إيفان للخلف صوب مهيار يقول :
" مهيار اذهب الآن وتجهز لأجل النزهة، سوف نخرج دانيار ليذهب معنا "
رفع له مهيار حاجبه بشك ليرمقه إيفان ببرود وجدية جعلته يتنهد وهو يتحرك بعيدًا وقد قرر أن يصدقه الآن، بينما إيفان أبصرها تتقدم منه لتقول :
" مرحبًا مولاي ."
" مرحبًا سمو الأميرة "
ابتسمت بسمة لم تظهر سوى في عيونها التي تظهر من خلف اللثام :
" جئت أخبرك أنني سأرحل، واشكرك على استضافتي هذه الفترة هنا في قصرك "
رفع إيفان حاجبه يبتسم لها بسمة متعجبة وكأنها تحدثت للتو بأمر غريب :
" معذرة ؟!"
" ماذا ؟!"
ضم إيفان كفيه خلف ظهره يقول بجدية :
" ومن سيسمح لكِ بالرحيل سمو الأميرة ؟؟"
" عفوًا ؟؟"
" عفوًا أنتِ، فما لم يأت بالسلام، يُسلب بالحرب "
ارتفع حاجب كهرمان تقول بنبرة شبه حادة :
" أتحسبني أحد غنائم حربك مولاي ؟؟"
هز إيفان رأسه بهدوء ولباقة لا تليق لا بالموقف أو الكلمات التي ينطقها :
" أثمن غنائمي سمو الأميرة "
نظرت له كهرمان برفض للخضوع وهي تتحرك بعيدًا تأبى اكمال هذا الحوار الذي كان بلا هدف من وجهة نظرها :
" عفوًا منك، سوف اذهب لاتجهز للرحيل، شكرًا لاستقبالي هذه الفترة في قصرك مولاي ، ونصيحة جد لك غنائم أخرى فأنا لست بواحدة "
وقبل أن ترحل أوقفها إيفان يقول بجدية وهو يستدير صوبها :
"حسنًا إليكِ ما سيحدث مولاتي، أنتِ لن تخرجي من هذا القصر الآن، ليس في الوقت الحالي على الأقل "
" عفوًا منك وما الذي سيمنعني لفعل ذلك !!"
" لا شيء، أنا فقط أعطيت أوامر بعدم خروج أحد هذه الفترة فالحرب على الابواب "
" وأنا لي وطن احتمي به، اشكرك على عرضك "
ولم تكد تخطو بعيدًا عنه حتى ارتفع صوته يقول مجددًا :
" أنتِ لن تخرجي من هنا بهذه السهولة، المرة السابقة رحلتي وتعهدت حينها أنكِ لن تفعليها مجددًا، ليس بهذه السهولة كما أخبرتك، ربما ننتظر حتى يأتيني شقيقك بجيوشه ليحاصر البلاد، وحينها لن اعطيكِ له كذلك "
كان يستخدم نفس اسلوب أرسلان، وهي استدارت له بصدمة كبيرة لا تصدق ما قاله، توقفت في سيرها تستدير له ببسمة غير مصدقة وهو لم يحيد عن موقفه أو يهتز وهي تقول بصوت شبه حاد :
" عفوًا منك ؟! ومن أخبرك أنك قادر على ردعي عن الذهاب ؟؟ أنا لست سجينة هنا مولاي، ثم لست أنا من تؤخذ بهذه الطريقة، أنا لست سبية أو غنيمة حرب، بل أنا جائزة تنالها بعدما تلفظ انفاسك في سبيلها، والآن شاهدني وأنا ارحل من قصرك وليتجرأ رجل من رجالك على الاقتراب مني ومنعي "
ختمت حديثها بتحدي وعيون ملتمعة بالأصرار، وهو فقط ابتسم لها يراقبها تتحرك دون أن يوقفها بكلمة واحدة، وقد رأى أمامه نسخة أنثوية من أرسلان، وهذا للحق أعجبه، هو لم يكن ليأخذها بهذا الشكل على أية حال، لكنه يحب وبشدة رؤية تلك اللمعة الخطرة في عيونها تذكره بأيام كانت تبارزه ..
" لا بأس فلن يتجرأ أحد رجالي على الاقتراب منكِ على أية حال سمو الأميرة "
رفع صوته يقول بنبرة وصلت لها مستفزة :
" ثم أنا سأحب مشاهدتك ترحلين عن قصري ومن ثم تعودين له بموكب الزفاف سمو الاميرة، في رعاية الله وحفظه "
ختم حديثه يتحرك ببسمة ساخرة يتركها واقفة مصدومة في منتصف الممر، وحينما استدارت كان هو قد رحل لتشعر بجسدها يشتعل من الغضب :
" يا ويلي من هذا الرجل، كان أرسلان محقًا في كل ما وصفه به يصفه، ليرحمنا الله منه ...."
__________________________
بعد ساعتين من المحاكمة ..
فُتحت ابواب القصر ليخرج منها العديد من الخيول تحمل فوق ظهورها الملك وقادة المملكة والطبيب الملكي، مشهد لم يره سكان القصر منذ سنوات طويلة، فقد اعتاد الملك ورفاقه الخروج في رحلات ونزهات طويلة لأيام ومن ثم العودة، لكن كل ذلك توقف منذ عاد خطر المنبوذين يحلق حولهم .
والآن في مظهر مهيب وبمجرد أن خطى الجميع خارج عتبات القصر بدأت المنافسة المعروفة، لينطلق تميم بسرعة مهولة بحصانه وهو يطلق ضحكات صاخبة، يلحق به إيفان بسرعة كبيرة .
وسالار ابتسم بسمة واسعة ينغز حصانه برفق يطلق صيحة مرتفعة لتتسابق جميع الأحصنة بشراسة في المقدمة، بينما حصان مهيار كان يتحرك ببطء شديد وهدوء تام ومهيار فوق ظهره يتنفس بصوت مرتفع يغمض عيونه متأملًا الأشجار حوله إذ سلك الجميع الطريق الخلفي للقصر والذي يؤدي للغابات الشرقية:
" يا الله ما اجمل الطبيعة والهواء النقي. ."
فجأة شعر بعاصفة غبار تمليء رئتيه ليفتح عيونه بصدمة ينظر حوله يرى الجميع يركض بحصانه وقد نتج عن ذلك عواصف غبار أحاطت به :
" يا الله متى الخلاص من كل هذا، متفرغون لللعب والمزاح وحين أخبرهم أنني أود الزواج تعلو أصواتهم أن الحرب على الابواب .."
التوى ثغره بحنق شديد وهو يشرد بعيدًا عنهم في المرأة الوحيدة التي جعلت يغادر منطقته الهادئة الدافئة لأجلها ..
" مرحبًا ليلا ."
رفعت ليلا عيونها بسرعة صوب باب المحل لتتسع بسمتها بقوة تقول وهي ترفع كفها دون شعور تلوح له :
" مرحبًا مهيار "
اقترب منها مهيار وهو يردد في نفسه بصوت خافت :
" عسى ألا ينطقه من بعدك أحدٌ.."
فرك ذقنه بهدوء يقول :
" أين هو العم، لم أره منذ فترة ليست بالقصيرة ؟! ألا يأتي للمحل ؟!"
" ابي ذهب لإحضار بعض النباتات من سبز وسيعود نهاية هذا الأسبوع، إن كنت تريد منه شيئًا يمكنني مساعدتك"
ابتسم لها يميل على الطاولة التي تفصل بينهما لتتوتر هي وتتراجع بعض الشيء مبتسمة بسمة مهتزة ومازال قربه يؤثر بها أكثر مما يتخيل هو :
" فقط اشتقت له واردت إلقاء التحية عليه"
كانت كلمات عادية، لكن الطريقة التي نطقها بها ونظراته تلك لها لم تكن أبدًا بالعادية لتصدقها وهي وتحسن النية به، لكنها رغم ذلك قالت بكل بساطة :
" لا بأس هو سيعود نهاية الأسبوع كما أخبرتك؛ لذا يمكنك المجئ والقاء التحية"
ابتسم لها يدرك أنها تفهم مقصده لذا قال :
" جيد إذن سأتيه مرة ثانية نهاية الأسبوع وحتى يعود أريد الحصول على بعض النباتات اذا سمحتي لي آنستي "
نظرت له ببسمة :
" نعم لا بأس، أي نباتات تريد !!"
أعطاها مهيار ورقة بها اسماء لبعض النباتات .
لتقول هي بتسائل وهي تتحرك لتحضر له ما يريد :
" هذه فقط ما تحتاج ؟!"
اجاب هو بكلمات بسيطة وبكل تلقائية عليها :
" في الحقيقة لا احتاج هذه النباتات بقدر ما كنت احتاج رؤيتك "
توقفت ليلا في سيرها ولم تجرأ على الاستدارة له كي لا يبصر خجلها الواضح في ملامحها، هي فقط ابتلعت ريقها بهدوء ثم اخفضت رأسها تهرول للداخل تحت أنظاره المستمتعه وهو فقط ابتسم يتحرك داخل المحل، ثم بدأ يلتقط بعض الازهار، وحين عادت ليلا تحمل له الاعشاب المطلوبة له :
" ها نحن ذا، هذه جميع الاعشاب التي طلبتها سيدي الطبيب "
ابتسم مهيار يقترب من الطاولة يضع عليها الزهور التي انتقاها وقد كانت من عادته أنه في بعض الأحيان يأتي لينتقي بعض الزهور لمشفاه .
" حسنًا وضعي هذه معهم رجاءً"
هزت رأسها تمسك الزهور تضمهم في عقدة واحدة تحت نظراته الشغوفة بكل ما تفعل، حتى أبصرها تضع كل النباتات والزهور في الحقيبة :
" إذن كم الحساب ؟!"
رفعت عيونها له بتعجب :
" الحساب ؟! هذا يكون بنهاية الشهر يدفعه الملك صحيح !!"
هز رأسه لها يقول بهدوء :
" قصدت الزهور فهذه استخدام شخصي وليس للمشفى "
نظرت صوب الزهور ثواني قبل أن تبتسم له بلطف :
" لا بأس إذن، اعتبرها هدية المحل فأنت عميل مميز كما تعلم "
" لا صدقيني أنا أصر "
تنهدت تقول بجدية :
" سيدي الطبيب ..."
قاطعها دون أن يعطيها فرصة التحدث بكلمة :
' أنتِ لن تفوزي بهذا فلا تبدأي ليلا "
زفرت بغيظ تخبره السعر وهو أخرجه لها يضعه على الطاولة أمامها، ثم حمل النباتات بالكامل ومن ثم حمل باقة الزهور بيده الأخرى يمدها لها مبتسمًا :
" تفضلي .."
نظرت ليلا للباقة بتعجب :
' ماذا ؟!"
" هذه لكِ ليلا، حسنًا هي ليست بجمالك، لكن لا بأس يمكنك الاحتفاظ بها تواضعًا منك "
اتسعت أعين ليلا بصدمة كبيرة وهي تلتقط منه الزهور، وحسنًا هي اعمل بهذا المجال وتشاهد من الزهور أفضلها ومنذ نعومة أظافرها، لكن هذه الزهور في هذه اللحظة كانت اجمل زهور ابصرتها في حياتها .
وكانت بسمتها في هذه اللحظة اجمل مكافأة قد يحملها معه مهيار في رحلته المملة هذه .
أفاق من ذكريات القريبة يعود بعيونه صوب الجميع وقد ابتعدوا عنه بالكثير ليشعر أنه سيضل عن الجمع، لذا زاد من سرعة حصانه ليلحق بهم، وعند نقطة ما أبصر اقتراب حصانين منهم يحملان فوق ظهورهم أرسلان والمعتصم الذي أضحى يرافق أرسلان في كل خطواته في الآونة الأخيرة .
توقف أرسلان أمام الجميع يردد ببسمة :
" مرحبًا بكم، هل تأخرت عليكم ؟!"
ابتسم له إيفان يردد بجدية وهو ينظر لمن حوله :
" في وقتك تمامًا، هكذا تبقى اثنين فقط و...."
فجأة توقف عن الحديث يبصر اقتراب حصانين ليبتسم هو بسمة واسعة مكملًا :
" ها نحن قد اكتملنا يا رجال "
تحركت جميع الانظار صوب القادمين ليبصروا الملك ازار وبرفقته الملك بارق يقتربان منهما، وحين توقف الجميع تحركت أنظار سالار عليهم يقول ببسمة واسعة :
" مر وقت طويل منذ اجتمعنا في نزهة، الأمر سيكون ممتعًا كثيرًا "
ابتسم له ازار يحرك رأسه له بترحيب وبسمة حنونة، ليعلن أرسلان في هذه اللحظة وهو يقول بصوت مرتفع :
" إذن هل نتحرك ؟؟"
نظر له الجميع ومن ثم تحركوا في ثواني صوب وجهتهم للتخييم، وخلف ظهورهم يحمل البعض الاشياء اللازمة لتلك النزهة، كلٌ أتى بما يحب لقضاء وقتٍ ممتع بعيدًا عن ضوضاء القصور والجنود والمشاكل في الممالك، واخيرًا وقت مستقطع وسط أيامهم، وقت لأنفسهم .....
_____________________
" بالله عليكِ زمرد توقفي عن سحبي خلفك، ثم تبارك أنتِ ما الذي حدث لكِ؟! هل توافقين هذه المجنونة على كل شيء ؟؟"
نظرت تبارك لكهرمان بتعجب :
" كل هذا لأجل قتال ؟! هي تريد التدرب "
" بل تريد المشاكل تبارك، زمرد تسعى للمصائب حبيبتي، الآنسة مُنعت من الخروج ورغم ذلك تهرب من الغرفة "
زفرت زمرد بصوت مرتفع وهي تتوقف مع الفتيات في ساحة التدريب تشير حولها للمكان الهادئ :
" بالله عليكِ انظري حولك لهذا الهدوء ؟! ألا يستفزك لتملئيه بأصوات السيوف ؟؟"
رفعت لها كهرمان حاجبها بحنق وهي تدور بعيونها في ذلك الجزء المهجور من القصر :
" بالطبع سيكون هادئًا عزيزتي فأي انسان طبيعي قد يفكر بالمجئ لهذا الجانب، من أين عرفتيه ؟؟"
ابتسمت زمرد وهي تتذكر أن جميع لقائاتها بدانيار كانت في هذه الساحة :
" عرفته بالصدفة البحتة "
" نعم تلك الصدفة التي تسير حاملة سهام خلف ظهرها "
كانت تلك برلنت التي ختمت حديثها تغمز لهن، بينما ابتسمت كهرمان بخبث تنظر لزمرد التي التوى ثغرها بحنق .
" برلنت بالله عليكِ تجنبي اغضابي كي لا يتحول قتالي من تبارك لكِ "
" وماذا قلت أنا الآن ؟!"
فتحت زمرد فمها تقول بغيظ شديد :
" أنتِ حقًا لا ...."
اوقفتها كهرمان بسرعة وهي تشير لها بيدها أن تصمت، لكن زمرد عاندتها برأس يابسة :
" لا تصمتيني، ألا تسمعين ما تقول تلك الـ "
زجرتها كهرمان وهي ترهف السمع لما يحيطهم :
" اششش اصمتي زمرد، انا اسمع صوت خطوات تقترب، هناك أحد الحراس يأتي من هذه الجهة "
ختمت حديثها تشير لمكان ما وهي تتحدث، لتتحرك جميع الأعين صوب تلك الجهة، حتى أن زمرد تحركت بهدوء ودون اهتمام لترى من يأتي :
" وما الذي سيحدث إن شاهدونا ؟! نحن لا نرتكب جريمة هنا "
تحدثت برلنت باستفزاز تعشقه :
" نعم بالفعل لا ينقصنا جريمة أخرى "
نظرت لها زمرد بحنق شديد :
" أنتِ يا امرأة لن تتوقفي حتى اجعل زوجك يبكيكِ صحيح ؟؟"
التوى ثغر برلنت وقبل التحدث بكلمة اقتربت تبارك خطوات وهي تضيق عيونها صوب الجهة التي يأتي منها الصوت :
" لا اعتقد أن هذا وقت مناسب للجدال، ولا أعتقد أن هذا الصوت القادم يعود للجنود كذلك ...."
تقدمت كهرمان بسرعة الجميع وهي تحاول رؤية ما يحدث، وفجأة اتسعت عيونها تهتف بصوت منخفض وهمسات شبه مسموعة وهي تجذب الفتيات خلف الجدار :
" يبدو أن أمنيتك في ملئ الساحة بأصوات السيوف ستتحقق زمرد، لكنها لن تكون سيوفنا كما أرى"
رفعت زمرد حاجبها وهي تتعجب همسها :
" لماذا تهمسين بهذا الشكل، ابتعدي لأرى من هؤلاء ؟!"
اتسعت أعين كهرمان بصدمة من لا مبالاة زمرد تحاول جذبها، لكن زمرد أبعدت يدها تتحرك صوب الخارج وهي تبحث بعيونها عن هؤلاء المتسللين الذين تتحدث عنهم كهرمان، وحينما ابصرتهن ضيقت عيونها إذ كانت المسافة بعيدة بعض الشيء بينهم، قالت تشير لأنفها :
" أنا أعرف هؤلاء القوم، هذه الرائحة القذرة مألوفة لي "
ثواني فقط حتى صرخت بصوت شبه مرتفع وهي تقول بإدراك :
"مهلًا ...هؤلاء الأوساخ قومي ؟؟"
ركضت كهرمان بسرعة تجذب زمرد بعيدًا عن مرمى البصر وهي تكتم فاهها تقول بصوت منخفض :
" يا ويلي زمرد هل أنتِ بلهاء ؟!"
حاولت زمرد الإفلات منها والتحدث، لكن كهرمان شددت قبضتها بينما تحركت تبارك لتراقب الوضع، أخرجت رأسها من خلف الجدار ببطء شديد تنظر صوب الرجال وهي تهمس بعدما وجدت أحدهم يتحرك صوبها :
" يبدو أن أحدهم انتبه لنا للتو "
كانت تتحدث وهي تتراجع مما جعل برلنت تقول بسرعة وهي تفكر في الركض :
" إذن كل ما عليكن فعله هو حمل تلك السيوف والذهاب لقتالهم "
نظرت لها زمرد بحنق بعدما أبعدت يد كهرمان عنها :
" وماذا عنكِ، هل ستتركينا ؟؟"
ابتسمت لهن برلنت تقول وهي ما تزال تتراجع للخلف:
" لا بالطبع، أنا سأمارس دوري كأي امرأة طبيعية في هذه الحياة "
نظر لها الجميع بفضول، لتردد برلنت بخوف، وهي تركض بسرعة كبيرة بعيدًا عن الجميع :
" سأصرخ طلبًا للنجدة ..."
ومن بعد هذه الكلمات لم تبصر واحدة منهن سوى بقايا أثر برلنت قبل الهروب، ونظرت القوم الذين حلقوا حولهم .
وصدى صوت برلنت يتردد في الفضاء حولهم من بعيد وهي تصرخ طلبًا للمساعدة، تراجعت الثلاث فتيات للخلف وهن يحدقن في الأعين التي تكاد تحرقهن..
همست كهرمان بصوت منخفض :
" أي اقتراحات !!"
اجابتها تبارك وهي تبتلع ريقها بتفكير تنظر صوب سيفها الذي وضعته جانبًا لأجل قتال زمرد، وقد كان هو نفسه سيف سالار لذا لم تفكر سوى في النجاة به :
" نركض كبرلنت ؟؟"
ابتسمت زمرد بسمة مرعبة وهي تتحرك بخطوات بطيئة للخلف تتحدث بصوت مرتفع دون أن تضطر للهمس مثلهن :
" بل نقاتل كالرجال ..."
وبعد هذه الكلمة لم يبصر أحد زمرد سوى وهي تركض بسرعة كبيرة تلتقط سيفها وسيوف أخرى تلقي بها للفتيات :
" ما رأيكن مبارزة فعلية مع بعض الخنازير ؟!"
أمسكت كهرمان السيف بقبضة من حديد وهي تتخذ وضع الهجوم تتراجع خطوات للخلف كي تشملهم جميعًا بعيونها، بينما تبارك نظرت للسيف في يدها وهي تقول بصوت متذمر :
" مهلًا هذا ليس سيفي .."
ومن ثم لم يمهلها أحد الرجال الوقت لتتحدث بكلمة ثانية إذ هبط عليها بسيفه بسرعة كبيرة ومن الخلف، لكن تبارك وفي اللحظة المناسبة استدارت بسرعة أكبر من سرعته تصد ضربته وهي تنظر السيف بصدمة لقد كاد يقسمها نصفين .
ابتسم زمرد وهي تحرك السيف بين أصابعها بمهارة :
" لا اعتقد أن القوم هنا سيمانعون تقطيعك بسيف غير سيفك ."
رفعت تبارك عيونها لهم تهمس :
" نعم رأيت هذا ......"
ومن بعد هذه الكلمة لم يسمع أحدهم سوى اصوات السيوف التي علت في المكان بأكمله لتصم الآذان....
____________________
" إذن هذا هو المكان الذي اخترته ؟!"
نظر الجميع صوب أرسلان الذي ابتسم بفخر :
" ما رأيكم ؟؟ لا اعتقد أن هناك مكان مناسب أكثر من هذا المكان .."
هز سالار رأسه وهو يحرك عيونه في المكان الفارغ حولهم والذي كان عبارة عن واحة صغيرة تختفي بين الأشجار جوار إحدى البحيرات في الصحراء الفاصلة بين مشكى وسفيد..
وخلف أحد الجبال الذي يغطي الواحة من الأساس .
نظر الجميع لبعضهم البعض نظرات غامضة قبل أن يبتسم ازار وهو يردد :
" إذن هل نخرج ادوات النزهة للاستقرار ؟؟"
أجابه إيفان وهو يهز رأسه:
' نعم تجهزوا، حان وقت الصيد ..."
وفي الداخل ..
في تلك الواحة التي كانت المكان الاخير لهم، كان يجلس داخل منزله الصغير يجلس وحوله بعض الرجال يكمل حديثه :
" اليوم من المفترض أن تكتمل الخطة وننتهي من كل ذلك "
ابتسم الرجال حول بافل الذي استند بظهره للخلف وقد كان المكان حوله ضيقًا يتسع لاجسادهم بصعوبة شديدة، لكن كان هذا آخر ما تبقى لهم بعدما هُدمت جميع مخابئهم، وبالطبع الفضل يعود لذلك القذر الذي عاد من موته فقط لينغص عليه حياته .
" هل تثق بتلك المرأة بافل ؟؟ "
تحركت أعين بافل صوب الرجل لينفخ باستهزاء :
" بالطبع لا أفعل، لكنها تسهل عليّ مهمتي، لذا لا ريب أن استخدمها حتى نتنهي ومن ثم نتخلص منها "
ابتسم أحدهم بخبث هامسًا :
" تمامًا كما فعلت مع موري ؟!"
نظر له بافل ثواني وقد اشتد فكه بعض الشيء وصمت، فمقتل موري كان الشيء الذي لم يتفق عليه معهم، كان صادقًا حين أخبرها أنه سيخرجها فيما بعد وحينما ينتهوا، لكن أعوانه هناك كان لهم رأي آخر، ليس الأمر أنه احب موري أو شيء من هذا القبيل، لكنها كانت المرأة الوحيدة التي تبقت له هنا، وقد انتوى الزواج بها بعد كل شيء ..
أفاق من أفكاره على صوت أحد الرجال يقول :
" إذن ما الخطوة الثانية ؟؟ هل ننتظر إشارة الرجال لنتدخل ؟!"
نظر له بافل ثواني وهو يفكر في القادم، ما الذي سيفعله في القادم ؟؟ هو وضع خطة لا يدرك نهايتها، لكنه وللمرة الأولى قرر المجازفة، فقط لينتقم، لا يهمه النتيجة، هو فقط يهمه الانتقام وهذا ما سيحصل عليها بمساعدة أعوانه ...
____________________
في قصر سفيد وفي إحدى الغرف النائية في مساكن الجنود ..
كان يجتمع بالرجال وهو يتلو عليهم التعليمات القادمة، نفسه الرجل الذي قتل الجنود على الحدود، كان يجلس وحوله مجموعة من الرجال الذين راودتهم النفس الإمارة بالسوء عن الحق وحادت بهم عن الطريق المستقيم، بالإضافة للباقيين من جنود الحدود الذين استسلموا لهم .
" نحن الآن سنتحرك صوب الجزء الخلفي من القصر مع بعض الثياب الخاصة بالجنود سنعطيها إياهم ومن ثم ندخلهم للمساكن هنا حتى ننفذ الـ .."
وقبل أن يكمل كلمته فُتح باب الغرفة بسرعة كبيرة جعلت الجميع ينتفض وهو يحاول التظاهر بأنه تجمع عادي لكن كل ذلك تلاشى وهم يبصرون جسد أحد القادة الذين يتبعون سالار في الجيش يمسك بين يديه امرأة وهو يجرها للداخل وقد كمم فاهها متحدثًا:
" انظروا من كاد يشي بنا يا رجال .."
تحركت جميع الأعين صوب تلك المرأة التي يمسك بها القائد الخاص بهم وقد على صوت أحد الرجال من بينهم :
" اشعر أنني رأيتها لهذه المرأة سابقّا "
ابتسم القائد يجر المرأة للداخل مغلقًا الباب شاكرًا لعدم وجود أي جنود مستيقظين في السكن في هذه اللحظة .
" زوجة القائد تميم، المسكينة جائتني تبكي وجود بعض المنبوذين الوقحين في الجوار وأنهم يقاتلون باقي زوجات القادة "
نظرت له برلنت بغضب شديد وهي تحاول الحديث، لم تكن تدري أن البلاد بها قذرين كذلك، وهذا الرجل هي كانت تراه كثيرًا، كان يسير مع سالار طوال الوقت تقريبًا .
فقد كان هو نفسه الشاب الذي كان يتدرب مع سالار تحت مرأى ومسمع من الجنود، أحد القادة ذوي الرتب الأقل من سالار، لكنه أبدًا لم يكن بالشخص الهين ..
" قيدوا تلك المرأة هنا وتحركوا صوب الجزء الخلفي واحضروا لي باقية النساء، لا أريد أن يفسد أحدهم خطتي، اريد أن يكون القصر بين قبضتي بحلول مساء هذا اليوم ......"
_____________________________
تحرك الجميع بخطوات غير مسموعة داخل تلك الواحة، سالار يتقدمهم والجميع يسير خلفه بتنظيم، الأسلحة متخفية داخل الثياب .
توقف سالار ثواني يدرس الوضع حوله ثم أشار لهم يقسمهم :
" تميم والمعتصم ودانيار من جهة الغرب، أرسلان والملك ازار والملك بارق جهة الشرق و ..."
قاطع أرسلان كل ذلك الحديث وهو يهمس له بصوت معترض على كل تلك الكلمات :
" مهلًا مهلًا، لِمَ تصف الجميع بالملك وأنا ناديتني باسمي مجردًا ؟؟ ومن ثم تأمرني ؟؟ أنت تتخطى جميع حدودك "
رمقه سالار ببسمة مستفزة :
" هذا لأنني احترم الملك بارق وكذلك خالي لعمرهم الذي يفوقني ومكانتهم العالية، لذا اناديهم بالملك، أما أنت فبالله عليك أخبرني ما الذي يضطرني لاحترامك أرسلان !!"
رفع أرسلان قبضته وهو يجر سالار من تلابيبه :
" يمكنني أن أعطيك سببًا لتفعل سالار "
تدخل إيفان في المنتصف وهو يهمس بغضب شديد :
' اقسم إن لم تتوقفا عن هذه الأفعال لأكون أنا من سيعطي الجميع اسباب للبكاء حزنًا عليكما "
نظر الاثنان باعتراض لإيفان، قبل أن يترك أرسلان تلابيب سالار هامسًا وهو يشير له :
" لم ننتهي بعد .."
أشار له سالار وهو يحرك شفاهه دون الحديث :
"أنتظرك.."
دفعهم إيفان أمامه بحنق شديد وغضب :
" تحركوا قبل أن أفقد ما تبقى من صبري عليكم جميعًا.."
أشار له سالار وهو يكمل كلماته بغضب :
" أنت ستكون معي جهة الجنوب، لننتهي من هذا الان وسنلتقي في حجرة بافل .."
تحرك مع إيفان وتفرق الجميع كلٌ صوب الجهة التي أخبرهم عنها سالار حسب خطته التي وضعها هو سابقًا وأخبر بها الجميع بشكل سري .
همس إيفان بصوت منخفض وهو يمسك سيفه :
" إذن يسكنون في هذه الجحور ؟! مكان مناسب لامثالهم من الخنازير"
ابتسم سالار بسخرية لاذعة :
" فقط ينقصه بعض الوحل الإضافي هنا وهناك "
توقف فجأة في طريقه حين أبصر بعض الرجال يقفون في أحد الأركان متحدثين بجدية، ابتسم يشير لإيفان:
" أنت واحد وأنا اثنان "
نظر له إيفان بحنق، لكنه لم يتجادل يتحرك في المكان مرددًا بجدية شديدة وهو يحرك سيفه بهدوء :
" بل ليأخذ كلٌ من تقع يده عليه "
وفي اللحظة الثانية كان إيفان ينقض بسيفه على أحد الرجال، وقبل أن يستوعب الباقيين ما يحدث كان سيف سالار يصمتهم المتبقى من عمرهم، وقد افادهم عنصر المفاجأة ليباغتوهم بهذا الشكل .
نظر إيفان لهم وهو يدقق النظر بالرجال الذين اسقطهم ثم قال بهدوء :
" عجبًا اشعر أنني قتلت هذا الرجل من قبل "
ابتسم له سالار يتحرك بهدوء بين الممرات وقد كان المكان كالجحر حقًا دون مبالغة :
" هذا لأن الخنازير تتشابه، مهما اختلف منشأهم وطريقتهم، يظلون في النهاية خنازير يا عزيزي "
ابتسم له إيفان يتحرك معه، وقد بدأ سالار يصفر باستمتاع صفارته المعهودة، صفيره الذي كان أشبه بصفير الموت، يتحرك بين الممرات يبحث بعيونه عنهم .
بينما وفي الجهة الخاصة بتميم ودانيار والمعتصم، كان الثلاثة يتحركون بحرص شديد، دانيار يحمل سهامه، والمعتصم يجهز سيفه، وتميم يجر سلسلته المعدنية خلفه .
وبمجرد أن سمعوا صوتًا يأتي من أحد الغرف توقف الثلاثة ونظروا لبعضهم البعض لثواني .
همس دانيار بصوت منخفض :
" سأعد لثلاثه ومن ثم نقتحم المكان، أي شخص تبصرونه منهم تخلصوا منه لا نريد ترك واحدًا فقط منهم"
نظر له تميم ثواني وهو يهز رأسه بموافقة قبل أن يتوقف فجأة عن هز رأسه ليقول :
" مهلًا، لِمَ أنت من تلقي الأوامر هنا !!"
همس له دانيار بعناد :
" هذا لأنني القائد هنا "
حابهه تميم وهو يزجرة بحدة :
" ومن نصبك قائد علينا، لا اذكر أنني صوتت للأمر أو أن المعتصم فعلها، صحيح يا المعتصم ؟؟"
نظر الاثنان صوب المعتصم ليتوتر وهو يعود للخلف يحاول معرفة ما يحدث :
" أنا لم ...."
وقبل أن يجيب تحدث دانيار بعناد :
" انظر تميم، القائد هنا سيكون باسبقية الالتحاق بالجيش، وانا الأقدم منك "
ابتسم له تميم بسخرية :
" وأنا ورغم أنني انضممت للجيش بعدك إلا أنني بنفس رتبتك وهذا إن دل على شيء فيدل على أنني افوقك مهارة وخبرة "
تحدث المعتصم وهو ينظر للخلف حيث باب الغرفة التي يقبع بها المنبوذون :
" حسنًا لا اعتقد أن هذا الوقت المناسب لمناقشة أمر الخبرات .."
رفع تميم يده بصمته :
" انتظر أنت يا المعتصم، فأنت ما تزال بريئًا، أنا أعلم هذه النفوس جيدًا، هو يود تنصيب نفسه قائدًا علينا ليملئ ذلك النقص داخله هذا ..."
قاطعه المعتصم يشير خلفهم :
" حسنًا يمكنني الانتظار، لكن لا اعتقد أنهم سيكونون بنفس تفهمي وينتظرون انتهاء حديثكم "
نظر الاثنان له بعدم فهم فابتسم يشير خلفه :
" هناك رفقة هنا، يبدو أنهم لن يصبروا حتى نحدد من القائد هنا "
نظر تميم خلفه وكذلك فعل دانيار، ومن ثم نظر الاثنان لبعضهم البعض ليبتسم دانيار بسمة فهمها تميم الذي قال :
" قبلت التحدي .."
وهكذا بدأ التحدي الصامت بينهما على إعطاء شارة القيادة لمن يسقط أكبر عدد من الرجال تاركين المعتصم يحاول فهم شيء مما يحدث، لكن حين بدأ القتال تجاهل كل ذلك وهو يرفع سيفه يبتسم ويهز كتفه ببساطة :
" لا بأس ربما لاحقًا....."
واخيرًا في الجانب الموجود به أرسلان مع ازار وبارق، كان الاول يتحدث بكل هدوء وهو يظهر للاثنين بكل هدوء يتقدمهما في السير :
" وهكذا تعرفت على هذين القذرين، وقد قللت معرفتي بهذه الامثال السيئة من مكانتي في عيني، أعني أنا ملك لي اسم ومكانة بين الجميع، تخيلوا أن اصادق سالار وإيفان ؟؟"
توقف ينظر لآزار وبارق يبحث في نظراتهم عن شفقة عليه أو ما شابه، لكن كل ما رآه هو تعجب ودهشة، فزفر يقول مبتسمًا بسخرية :
" نعم والآن هذا ما استحقه، لقد فقدت حتى حقي في الشفقة عليّ بسبب هذين الإثنين، لكن ..."
توقف عن الحديث فجأة وهو يستدير لهما متحدثًا بصدمة :
" مهلًا الشفقة عليّ ؟؟ من قال أنه يمكن لأحدهم أن ينظر لي بشفقة ؟!"
احدث ازار وهو يشير لبارق :
" بارق فعل "
فتح بارق عيونه بصدمة كبيرة وهو ينظر صوب الاثنين ثم همس لآزار :
" ازار هل تمزح مع هذا المختل !! الآن سيصدقك "
كتم ازار ضحكته وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة توقف فجأة أرسلان يشير لهم بالتريث، ومن ثم أشار على أحد الأبواب المفتوحة والتي يصدر منها صوتًا صاخبًا، يتحرك بهدوء شديد صوب تلك الغرفة حتى توقف أمام الباب ودون مقدمات دفعه بقدمه بعنف شديد تسبب في سقوط أحد الرجال ارضًا بعنف عن فراشه .
رمش أرسلان طويلًا وهو يجد ثلاثة أشخاص في المكان الذي كان يبدو غرفة للنوم وقد أفزع هو نومتهم.
" أوه يبدو أنني جئت في وقت غير مناسب، هل افزعتكم في نومتكم ؟!"
نظر له الرجال بأعين متسعة وكأنهم لم يستوعبوا بعض أن كوابيسهم تقف أمامهم في في الواقع .
وارسلان ابتسم يحمل وهو يخرج سيفه :
" لكن لا بأس أنتم كذلك افزعتم قومي من قبل ولم تهتز لكم شعرة واحدة، والآن أنا لن يكفيني فقط افزاعكم ...."
_______________________
كانت المعركة في القصر على أوجها، تبارك تحاول تدارك ذلك القتال أمامهم والذي يفوقهم من كل شيء، قوة وعدد، لكن هي لم تستسلم، بل ظلت تقاتل بكل قوتها وكلمات سالار وتعليماته تتردد في أذنها.
بينما زمرد كانت في تلك اللحظة تمارس هوايتها المفضلة، ألا وهي إبادة قومها .
وكهرمان جوارها تقاتل كل من يقع في طريقها واستمر القتال لدقائق كادت كفة القوم ترجح به، لولا أن أبصرت كهرمان بعض الجنود يتقدمون منهم التنفس الصعداء وقد ظنت بهم النجاة .
" حمدًا لله يبدو أن برلنت أحضرت المساعدة "
تحركت أعين تبارك وزمرد صوب الجنود الذين تقدموا منهم، وقبل أن تبتسم تبارك بسمة راحة أنهم نجوا شعرت بالريبة وهي ترى أعين هؤلاء الجنود التي تحدق بهن بشر ونظرات مريبة، ما كان لجنود الملك أن يرفعوا أعينهم في النساء أبدًا .
" هل هم بالفعل جنود الملك ؟؟ أشعر بالريبة من وجوههم.."
نظرت لها زمرد بعدم فهم ترى تراجع تبارك للخلف وهي تقول بريبة :
" حسنًا لا اعتقد انهم جاءوا للمساعدة "
كانت تتحدث وهي تراهم يخرجون السيوف يبتسمون بشر واضح، بينما زمرد تشعر بعدم الفهم :
" ما الذي تقصدينـ "
وقبل أن تكمل كلماتها كان أحد الجنود قد باغتوه وانطلق يمسكها من رقبتها يكمم فمها جاذبًا إياها بقوة صوبه هامسًا :
" يبدو أن زوجة القائد هي أكثركم فطنة هنا ."
تحركت عين زمرد بسرعة صوب ذلك الوجه تحاول الإفلات من بين يديه، لكنها فشلت .
بينما كهرمان كانت تراها للمرة الثانية، نفسها المؤامرة التي أسقطت أرسلان من قبل، هل هي تُعاد هنا في أراضي سفيد .
سمع الجميع صوت ذلك الجندي يردد بجدية وبصوت مرعب :
" الآن ستضعون سيوفكم ارضًا وإلا تخلصت منكم اجمعين .."
نظرت كهرمان لتبارك التي كانت تتشبث بالسيف في قوة وكأنها تحتمي بها، لكن وبعد ثواني ألقت كهرمان سيفها ارضًا لئلا يتسبب عنادها في أذية زمرد .
بينما تبارك رفضت الأمر تقول :
" أنت لن تنجو بفعلتك "
أطلق الرجل ضحكته :
" يا الله أرى نفس تجبر زوجك في عيونك، هيا اتركي السيوف ارضًا سيدتي ودعينا نسيّر الأمور بسلام "
ابتسمت له تبارك تقول بغيظ ولا تعلم من أي مصدر استمدت قوتها تلك فهي تدرك أنها لا قبل لها بمقاتلتهم وحدها ولا حتى مع الفتيات، هم أضعف من الدخول في هذا القتال وبهذا الشكل، لكن صوت داخلها يمنعها الاستسلام، وهذا الصوت كان هو نفسه صوت سالار .
" جيد إذن أنك تعلم زوجي فهو لن يفوت لك فعلتك تلك ولا ..."
وقبل أن تكمل كلمتها شعرت بمن ينقض عليها من الخلف يكمم فمها بقوة وهي تتحرك بصخب وقد اتسعت عيونها بصدمة، بينما الرجل ابتسم يقول بصوت خبيث :
" هذا إن عاد ووجدك حية ...سيدتي الجميلة "
صمت ثم حرك عيونه صوب أحد الرجال ليمسكوا بكهرمان كذلك، والتي كانت ترفض المقاومة كي لا يتأذى أحدهم، لكن حينما امسكها أحد الرجال من يدها جذبت يدها منه وصفعته بقوة محذرة إياه :
" إياك والاقتراب مني "
نظرت صوب القائد الذي كان يراقب كل ما يحدث ببسمة واسعة :
" اسمع أيها القذر لقد ذهبت رفيقتنا لإحضار المساعدة وحينها سوف ..."
قاطعها الجندي يقول :
" أوه... أولم أخبركم ؟؟ أنا هي المساعدة التي ارسلتها لأجلكم رفيقتكم "
اتسعت أعين كهرمان تهمس بصدمة استغلها أحد الرجال لسحبها :
" برلنت ؟؟ ما الذي فعلته بها !!"
ابتسم لها بخبث :
" لا تقلقي لم أفعل بعد، لكن سيحدث، سينالها نفس ما سينالكم، ما أسعدني من شخص الان تحت قبضتي جميع النساء اللواتي يهتم بهن القادة والملوك في الأربع ممالك، هذا يوم حظي "
ابتسمت زمرد بسمة جعلت الرجل يتعجب وهي تنظر لعيونه بشر ورغم أنه يكمم فمها إلا أنه تراجع يقول بصوت منخفض :
" خذوهن بعيدًا حتى أخبركم بما سنفعله بهن .."
وقبل أن يتحرك الرجال بالفتيات، نزعت زمرد يد الجندي الذي يكممها وبصقت في وجه قائدهم وهي تقول مشيرة على عيونها :
" سأحضرك أيها الوسخ وحينها ...."
صممت، ثم أشارت لأفراد قومها الذين يقفون حولهم يحاولون الاختباء في الجنود :
" أسأل صغار الخنازير خلفك عما سأفعله بكم ."
ختمت حديثها تتحرك مع الرجل وهي تنظر لهم ببسمة لم تنزعها حتى اختفت عن أبصارهم، بينما تبارك تحركت وهي تبتهل لربها أن يعود سالار سريعًا، وكهرمان فقط تسير مرفوعة الرأس كلما دفعها أحدهم زجرتها بنظراتها ويبدو أنها قررت إن كانت ستسير معهم فلتفعلها بكل كبرياء ...
تمتمت تبارك وهي تسير معهم في طرقات شعرت لوهلة أنها تعلمها، هي تعلم هذه الطرقات، سبق ورأتها، فجأة ضربتها ذكرى الهجوم على القصر حين أحضرها سالار ليخفيها في هذه الممرات التي تقبع أسفل القصر، شعرت بحلقها يجف وضربات قلبها تزداد، شعرت بالخوف الشديد، الخوف من القادم، وهذا لم يساعد البتة في تحسين مستوى السكر في دمها وقد شعرت أنها ستسقط في أي لحظة ارضًا ..
" أين أنت سالار ؟؟"
___________________
ينام قرير الأعين على فراشه يتقلب كل ثانية بقلق بحثًا عن الراحة، زفر بقوة منتفضًا يدفع الغطاء جانبًا وقد قرر أن ينهض ويحتسي أي شراب قد يساعده على النوم .
نهض يزفر بغضب ويفرك عيونه، ثم وضع قدمه على الأرض، يتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة، ثم فتح عيونه وهمّ لينهض، لكن فجأة أبصر اقدامًا تحيط به في غرفته، تعجب بافل ورفع عيونه ببطء صوب الأجساد التي تحيط به ليجد كوابيسه قد تمثلت على أرض الواقع، جميع أعداءه مجتمعين في غرفة واحدة، وهو في المنتصف.
ابتسم أرسلان الذي كان يجلس على المقعد المقابل للفراش، يهمس بصوت خافت كالفحيح :
" يبدو أن نومتك كانت سيئة ها ؟!"
أجابه إيفان ببسمة واسعة :
" ومن أين لامثاله بنيمة هانئة ؟؟"
دخل معهم سالار في الحديث وهو يقترب منه بخطوات جعلت ضربات قلب بافل تتسارع وهو يمد يده للفراش يحاول البحث عن شيء ينقذ به نفسه :
" مرحبًا بك في أحلك كوابيسك، يا سلالة الانجاس ......"
______________________
المعركة الأخيرة على وشك الانتهاء .....
فيما يخص، ففي الحقيقة أنا في العادة باخد العشر ايام دول إجازة عشان بتفرغ للعبادات، وزاد إني السنة دي بشتغل طول اليوم تقريبًا، لكن وبسبب اني لغيتفأنا هنزل فصل كمان قبل العيد، بمجرد ما ينتهي هينزل إن شاء الله .
وخلاص اقتربت النهاية أكثر مما تتوقعون، هي خطوات نخطوها معهم، ونصحبهم في رحلتهم الأخيرة .
فتجهزوا .....
معرفش موعده بس خلال أيام قليلة باذن الله هنزله، وبعدها إجازة العيد، وبعد العيد نرجع تاني مع باقي الفصول .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم رحمة نبيل
فصل اليوم إهداء للجميلة " رحاب ياسر إبراهيم" من طرف شخصٍ تعنين له الكثير هو من طالبني بتهنئة خاصة لأجلك، وبمناسبة تخرجك جميلتي، جعل الله اعوامك المقبلة كلها سعيدة وهانئة، وادام الله لكِ أحبابك .
واهداء للجميع عيدكم مبارك وينعاد عليكم بالصحة والعافية والخير يارب .
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم.
صلوا على نبي الرحمة .
وكل عام وأنتم بخير ...
___________________
تحركت أعين بافل في المكان حوله يحاول إدراك ما يرى، شعر لوهلة أنه يحلم، ابتلع ريقه يتساقط جالسًا على الفراش مرة ثانية بعدما كاد ينهض، واستدار نصف استدارة للخلف عله يجد منفذًا له من هذا الكابوس ..
لكن ما رأى سوى تكملة ذلك الكابوس وهو يلمح باقي الرجال الذين لا يعلم هويتهم بالتحديد، لكنه يدرك أنهم تابعين لسالار وإيفان وارسلان.
كان يتحرك بعيونه على الجميع حوله، يحاول تحريك يده صوب السكين الخاص به التي يحتفظ بها أسفل وسادته، لكن وقبل أن يفعل سمع صوتًا يقول :
" صدقني لو كنت مكانك لما فكرت في فعلها "
رفع عيونه صوب أرسلان الذي ابتسم له يقول :
" أنت تتذكر وعدي لك صحيح ؟؟"
حاول بافل أن يجد كلماته العالقة في حلقه :
" أنتم، أنتم لن تفلتوا بفعلتكم تلك، أنا... أنا لست هنا وحدي، بل ..."
مال عليه إيفان بسرعة جعلته يتراجع للخلف بريبة وهو يحرك يده بسرعة بحثًا عن السكين، كي ينقذ نفسه، بينما كلمات إيفان تتردد في المكان وهو يهمس له بصوت منخفض :
" في الحقيقة بافل، أنت لست وحدك، هذه حقيقة، فنحن كلنا هنا نحيط بك ونؤنس وحدتك بعدما تخلصنا من بقايا الذكور الذين كانوا يختبئون معك في جحرك وها هو وقتك قد حان عزيزي .."
اتسعت أعين بافل وهو يتراجع بعيدًا عن أعين إيفان التي كانت تلتمع بشكل مريب، حتى أنه سقط على الفراش بالكامل وهو يدور بعيونه وقد بدأ المكان نفسه يدور به :
" أنتم...لا ...لا تعتقدوا أنكم انتصرتم عليّ أنتم لم تفعلوا ذلك، أنا لم ...أنا لست وحدي في هذا، إن حدث لي شيء فأعواني سيكملون كل ما بدأته، أنتم لن تنجوا من هذا في جميع الأحوال '
أخرج سالار سيفه بقوة حتى أن صوته تردد في المكان يطلق ضحكات صاخبة :
" أي أعوان تقصد ؟؟ تلك المرأة شهرزاد وحلفائها ؟؟"
اتسعت عين بافل بقوة ليبتسم له إيفان غامزًا :
" من أين تعتقد أننا وصلنا لمكانك ؟؟"
نظر له بافل يحاول التنفس، بينما أرسلان يقول وهو ينظر له بتشفي وبسمة واسعة :
" المسكين فقد الأمل في ذكوره الذين يحيطون به فلجأ للنساء كي يتخلص منا، أولًا تلك الراقصة التي ألقاها فوق رأس سالار، ومن ثم شهرزاد، لكن ماذا حصل وأين الاثنتان الآن ؟؟"
ابتسم بسمة جانبية يضرب كفيه في الهواء بقوة :
" رحلوا ..."
صُدم بافل وشعر بالمكان يدور به بكل ما للكلمة من معنى، ابتلع ريقه لا يصدق أن شهرزاد كذلك رحلت، فجأة أبصر سالار يخرج من جيبه ورقة وهو يمسكها بتقزز وكأنه يمسك بقايا جثة متعفنة :
" أليس هذا خطابك الذي ارسلته مع تلك الراقصة لتسلمه إلى رجال شهرزاد ؟؟"
ابتلع بافل ريقه وهو يرى سالار يمده صوب إيفان يقول :
" اقرأه إيفان لنرى ما كان يريد بافل وخجل من طلبه منا، ليجعل النساء وسيط بيننا "
انتزع منه إيفان يمسك الخطاب بطرف إصبعه بتقزز، ثم رفعه أمام عيونه يحدق به ثواني قبل أن يهز رأسه قائلًا ببرود :
" لا افهم لغة الخنازير .."
ألقى الخطاب ارضًا يدهسه بعدم اهتمام :
" أيًا يكن، نحن هنا وبافل هنا، يمكنه اخبارنا بما يريد دون وسيط، أليس كذلك عزيزي ؟؟"
نظر لهم بافل يتحرك على الفراش بخوف شديد وهو يرتجف لأول مرة يحاول اخراج سلاحه من أسفل الوسادة :
"أنتم كيف ...كيف وصلتم لهذا الأخطاب ؟؟"
ابتسم له سالار يقول بسخرية :
" لست الوحيد الذي يمتلك حلفاء بين رجالنا "
ابتسم إيفان بسمة جانبية وهو يعود بذاكرته صوب يوم محاكمة موري وبعدما سحبها رجاله خارج القاعة للسجن، قال بهدوء شديد وهو يأمر من أمامه :
" ارسلوا لي في إحضار مهيار .."
وبالفعل بعد دقائق قليلة كان مهيار يقف أمامه، ابتسم له إيفان يقول بجدية ودون مقدمات :
" مرحبًا مهيار، احتاجك في مهمة صغيرة "
رمقه مهيار بعدم فهم :
" بالطبع مولاي، ما الذي يمكنني فعله لأجلك؟؟"
حدق به إيفان ثواني قليلة قبل أن يقول بجدية :
" أريد منك الذهاب لإحضار رسالة ما مهيار "
" رسالة ما ؟؟ ممن ؟؟ ولماذا أنا بالتحديد ؟؟"
تحرك إيفان وهو يجلس على المقعد الذي قابله يتنهد بصوت مرتفع :
" ممن فهو من تلك الفتاة التي ذهبت للسجن منذ ثواني، ولماذا أنت بالتحديد، لأن تلك المرأة تقريبًا تحدثت مع الجميع هنا، وعلمت نبرتهم، أنا دانيار سالار والجميع، عداك أنت وتميم تقريبًا، وتميم ليس متفرغًا الآن، لذا أنا أريد تفادي أي شكوك، لا اعلم إن كانت ستتعرف على أي صوت سمعته سابقًا، لكن هذا تحسبًا إن كانت ذكية فقط .."
ختم حديثه وهو ينظر بجدية لمهيار الذي صمت يحاول استيعاب ما قيل، ثم رفع عيونه لإيفان يقول :
" ما المطلوب مني تحديدًا مولاي ؟؟"
عاد إيفان من تلك الذكرى وهو يرى نظرات بافل والذي شحب وجه بقوة وهو يسمع حديث أرسلان له :
" أنت كنت تعمل على خطتك، وكذلك نحن فعلنا، لكنها حرب العقول يا عزيزي وفاز بها من يفكر، والذي لم يكن أنت بالطبع بافل .."
ابتلع بافل ريقه يقول بتشفي وبسمة واسعة مهتزة :
" أنا ... أنت لست وحدي، أنا لي أعوان بكل مكان، وحتى بالقصر الخاص بسفيد، حلفاء دون شهرزاد، في اللحظة التي تتحدث بها الآن، هم يحتلون القصر"
مال عليه سالار يهمس بصوت منخفض قوي مرعب :
" تقصد هؤلاء القذرين الذي انضموا لصفك؟؟ لا تقلق، في اللحظة التي نتحدث بها الآن، هم يُبادون على بكرة أبيهم....."
____________________
كانت الفتيات يتحركن أمام الرجال، ونظرات تبارك التي تتحرك في المكان مريبة، كانت تعلم أنها جاءت هنا سابقًا مع سالار، نظرت جوارها ترى كهرمان تسير بكل كبرياء، جوارها زمرد التي كان ثلاثة رجال يحاولون السيطرة عليها .
وفجأة وصلوا صوب باب غرفة حديدي، يبدو أنه يستخدم كملجأ للهروب في حالات الهجوم أو ما شابه .
توقف الجميع أمام ذاك الباب، وطالت النظرات له، حتى استدارت كهرمان للخلف ببطء تقول :
" ماذا الآن ؟! تريدون منا الدخول في هذا المكان المظلم القذر ؟؟"
" هذا إن لم يكن الأمر يزعج سموك "
ابتسمت له بسمة ساخطة :
" بلى يفعل، ما الذي ستفعله لي الآن ؟؟"
رفع الرجل حاجبه يقول بسخرية :
" وما الذي تتوقعين مني فعله !! "
" لا شيء "
صمتت ثم نظرت لتبارك نظرة جانبية تقول :
" دع الفعل لنا .."
ومن بعد هذه الكلمات رفعت تبارك يدها الحرة تدفعها في عين الرجل خلفها بقوة مخيفة لترتفع صرخات الرجل والتي ساهمت بدورها في تشتيت تركيز الباقيين، فاستغلت زمرد الأمر وهي تفلت من الرجل بسرعة كبيرة تنقض على أحدهم تجذب رأسه بعنف مخيف وهي تصرخ بجنون :
' لعنة الله عليكم اجمعين "
ومن بعد هذه الكلمات فلت عقال صبر زمرد التي اندفعت تجذب رأس كل من تراه تضربها في الجدار، بينما كهرمان والتي كانت متمرسة في قتال الأيدي بدأت تحاول التخلص ممن يقابلها .
وتبارك فقط تراجعت للخلف تراقب، وهي لا تحسن التعامل باليد، تخشى أن تصاب إصابة تودي بحياتها، حتى أبصرت أحد السيوف ملقى ارضًا لتركض وتمسكه وحينما أخيرًا أحكمت قبضتها عليه نهضت مبتسمة تصرخ :
" الآن تعالوا لي و..."
فجأة قاطع حديثه صوت يأتي من بداية النفق جهوري وهو يصرخ :
" أمسكوا بهؤلاء الحثالة "
تحركت أعين الجميع صوب بداية النفق ليبصروا عدد مخيف من الجنود يحملون أسلحة كثيرة جعلت تبارك تتراجع وهي تختفي خلف زمرد التي حاولت إخراجها :
" أيتها الغبية أنتِ من تمتلكين سلاح وتحتبئين خلفي وانا عزلاء ؟؟"
مدت لها تبارك السيف تعطيه لها تقول :
" اتفضلي السيف اهو مش خسارة فيكِ "
نظرت زمرد للسيف بتعجب قبل أن تعود بنظراتها للرجال الذي يتحركون صوبهم، وقد اقتربت منها كهرمان تنظر لهم بتحفز شديد، ينتظرون اقتراب هذا الجيش منهم وقد عقدوا العزم على القتال حتى النفس الاخير .
لكن العجيب أن الرجال تحركوا صوب الخاطفين ينتزعوهم بقوة مخيفة وخشونة وهو يسحبونهم صوب الخارج تحت نظرات الفتيات المتعجبة والتي لانت حين سمعوا صوت أحد الرجال يقول باحترام شديد :
" أنتن بخير سيداتي ؟؟؟
نظرت الفتيات لبعضهن البعض بصدمة كبيرة قبل أن يبصروا العريف يتحرك صوبهم مهرولًا من بداية الممر، يهمس بقلق :
" هل انتن بخير ؟؟ يا ويلي سيقتلني الرجال ...."
_________________
" أنتم تكذبون، لا يعقل أن كل شيء ضاع هباءً وبهذه الطريقة، هذا غير معقول، أنتم تكذبون عليّ"
ابتسم له أرسلان يقول بكل جدية:
" هل ترانا قد نحمل ذنب كذبة لأجل وسخ مثلك ؟؟ استغفر الله "
نظر له إيفان بسخرية لاذعة يهمس بحنق :
" فقط اكمل جملة دون أن تلوثها بسباتك أرسلان "
نظر له أرسلان بسخرية أكثر لذوعة من خاصته يقول بصوت عالي مشيرًا لبافل:
" لماذا تهمس لي؟ هل تخشى هذا الوسخ، لعنة الله عليه وعلى اشباهه الاربعين، هذه ليست سبات بل صفات تتمثل فيه بكل وضوح إيفان، هناك فرق هنا، ثم من قال لك إني قد احمل ذنب سب هذا الوسخ القذر الحقير الذي يجلس على فراشه كالخنزير لحظة ذبحه"
قلب إيفان عيونه بحنق، بينما ازار تحرك صوب بافل يقول ببسمة جانبية :
" مرحبًا يا صغير هل تتذكرني ؟؟"
نظر له بافل بأعين زائعة لا يستطيع الحديث والصدمة ما تزال تؤثر على عقله، يحاول استيعاب ما يحدث هنا في هذه اللحظة، لا يُعقل أنه هُزم بهذه البساطة، ليس بهذه البساطة، ليس بهذه البساطة، ليس بعد كل هذا تكون هذه نهايته ...
وازار فقط نظر لعيونه يشاهد انعاكس مقتل شقيقته وزوجها على أيديهم، يهمس بكل شر وحقد اسود :
" لي ثأر مع والدك رحل قبل أن أخذه، سلّم الله يد من فعلها بذلك الوسخ، لكن ثأري لم ينتهي بعد، لن يشفي صدري سوى رؤيتك امامي تسبح في دمائك الملوثة وأنت تلفظ انفاسك الأخيرة تطلب الرحمة، نفسه ما حدث مع شقيقتي، نفسه ما فعلتموه معها، لن يهنأ لي بال، إلا حينما أراك تطالبني بالرحمة، سأكون سعيدًا بمراقبة روحك تخرج من جسدك "
كانت يتحدث بصوت أجش قوي مخيف ممتلئ بالكره والغضب، وقد بدأت عروقه تنفر وجسده يتشنج بغضب، وهو يتذكر تلك اللحظة التي ضم بها جثمان شقيقته يبكي ويصرخ ويولول كالصغار يستند بالسكون حوله، يناجي ربه لينقذها، لحظات الجحيم التي عاشها وهو يشاهدها جثة شاحبة بين نفس الذراعين التي حملتها في طفولتها وشبابها، نفسها الذراع التي كانت تضمها لها بحب، ضمتها بعزاء .
بينما أرسلان اندفع يقول معترضًا على حديثه :
" وثأري ملك آزار؟ والده هو من أذى شقيقتك؟؟ ماذا عن امي وشعبي ؟؟ هل تعلم عدد الشهداء في بلادي ؟؟ عدد الأسر التي فقدت ابن أو أب أو أم، دعك من هذا، هل تعلم عدد الأسر التي ضاعت كاملة دون أن يبقى لهم أثر في هذه الحياة؟؟ بلادي دُمرت، أبناء شعبي قُتلوا غدرًا، اطفال بلادي رأوا ما لا يتحمله انسان بالغ، لذا لا اعتقد أن أحدًا هنا يحق له الثأر من هذا الخسيس أكثر مني، أنا الأحق هنا بكل هذا "
كان بافل يراقبهم وهم يتصارعون بشراسة مخيفة على من يتخلص منه، وهذا جعل قلبه يرتجف برعب يرى بكل وضوح ما ينتظره، ابتلع ريقه ينتزع السكين من أسفل الوسادة وفي غفلة عن أعين الجميع رفع السكين ليقتل بها نفسه ويتخلص من كل ما ينتظره، لولا اليد التي انقذته في الثانية الأخيرة ..
تحركت عيونه بفزع، ولأول مرة يكره بافل أن ينقذه أحدهم من الموت، لاول مرة يتمنى الموت، لو أنه قُتل على يد زمرد أو يد أحدهم في حرب، لو أن أحد رجاله قتله غدرًا وهو نائمًا، لأول مرة يتمنى الموت، ليتذكر في هذه اللحظة صوت زمرد في إحدى الليالي التي كان يعكف على تعذيبها بعد تخريبها الاحتفال الخاص بهم وهي تهتف بصوت مذبوح ملقية ارضًا في بركة دماء مع جسد مثخن بالجراح تهمس له من بين دموعها وبصوت خافت :
" الله يمهل ولا يهمل بافل، يومًا ما ...يومًا ما ستتمنى لو أنني قتلتك مع والدك، يومًا ما ستتمنى لو أن طعنتي اصابتك ولم تصبه هو "
اتسعت أعين بافل بصدمة وهو يتأكد من ظنه، إذن هي من قتلت والده وليس والدتها، اقتربت منها بهدوء خطير، وهي فقط أكملت ببكاء تصرخ بصوت مرتفع :
" ستتمنى الموت، ستتمنى الموت ولن تناله، لن تناله ولو سعيت له راغبًا بافل، ليلعنك الله حياتك ومماتك، ليلعنك في كل خطوة من حياتك، لعنة الله عليك، لعنة الله عليك "
ختمت حديثها تنهار في بكاء متوجع وهي تصرخ باسم والدتها، بينما هو كان يراقبها يبتسم لها بشر قبل أن ينحني، بجذب رأسها عن الأرض، يشدد قبضته على شعرها وهو يقربها منه ينظر في عيونها بقوة قائلًا :
" في احلامك يا قذرة ..."
وها هي أحلامها لزمرد تتحقق، وبنفس الأعين، كانت أعين إيفان مشتعلة وهو ينظر له بشر يهمس :
" ليس بهذه السهولة عزيزي، ليس هكذا، ليس قبل أن اشفي صدر اختي وتراك أمامها تنازع للنجاة "
اتسعت أعين بافل بصدمة كبيرة، يدرك أن إيفان يعلم الآن هوية زمرد الحقيقية، ابتلع ريقه بصعوبة يحاول الحديث، لكن إيفان استقام فجأة يرفع يده هابطًا عليه بلكمة عنيفة تسببت في اصطدام رأسه بالجدار خلفه ففقد بافل الوعي في نفس اللحظة لقوة الضربة .
ومن بين شجار أرسلان وازار على من ينال شرف التخلص من بافل، أبصر الاثنان سقوط بافل على الفراش في اغماءة، تحركت الأعين صوب إيفان ليهمس أرسلان بحنق :
" ما لك تقتل المتعة إيفان ؟؟ الآن سنضطر للانتظار حتى يستيقظ هذا الحقير، بل وسنضطر لحمله حتى المملكة "
ابتسم لهم إيفان يهز كتفه :
" نعم أنا لست في مزاج يسمح لي بالبقاء في هذه البركة طويلًا، أشعر أنني غير قادر على التنفس بشكل جيد، دعونا نرحل وهناك نقيم حربًا من ينتصر بها ينال بافل جائزة "
تحركت جميع الأعين صوب بافل الذي كان ملقى على الفراش قبل أن تتسع بسمات الجميع بشكل مخيف وكأنهم وافقوا ضمنيًا على هذه الحرب والتي ستحدد من ينال شرف قتل بافل ...
تحركوا للخارج بعد دقائق قليلة حيث كان ينتظرهم مهيار والذي حضر خصيصًا معهم تحسبًا لإصابة أي أحد فيهم، لكن بمجرد أن أبصرهم تحركت عيونه بسرعة صوب دانيار بشكل تلقائي يتأكد أن شيئًا لم يمسه :
" أنت بخير؟؟"
ربت دانيار على ظهره بحب يهمس له :
" أنا بخير يا صغير .."
رمقه مهيار بحنق شديد جعل دانيار يبتسم، وقد ارتفع صوت إيفان يقول بجدية وسخرية يتخطاهم صوب حصانه وهو يحمل حقيبة أعلى ظهره :
" ونحن كذلك بخير يا صغير شكرًا لك "
تحركت أعين مهيار صوب الملك باستنكار شديد :
" معذرة ؟؟ أنا في نهاية العشرينات من عمري أي صغير هذا الذي تتحدثون عنه ؟!"
تحركت عيونه بغيظ صوب دانيار يقول بغضب شديد :
" أرأيت، لقد جعلته يسخر مني بسبب دانيار "
ابتسم له دانيار وقبل التحدث رأى الجميع سالار يلقي جسد بافل أعلى حصانه وهو يحضر حبلًا كي يربطه متحدثًا بحنق شديد :
" سوف يدنس لي حصاني، ما ذنبه لهذا المسكين، كي يحمل كل هذا النجس فوق ظهره ؟؟"
ختم حديثه يصعد أمام جسد بافل الشبه معلق بالحصان وكله حسرة أنه هو من اضطر لحمله معه، لكنه لن يدعه لهم كي يتشاجرون عليه .
نظر أمامه يشكر الله أن المرة الوحيدة التي جلست بها تبارك معه على حصانه كانت أمامه، وأن بافل لم يمس مكان احتلته زوجته سابقًا .
خرج من أفكار يردد بجدية :
" إذن هل نتحرك الآن ؟؟ علينا العودة للمملكة لنرى ما وصل له جنودنا .."
ابتسم الجميع له بخبث وقد انتهت النزهة بالفعل، ليعلوا صوت إيفان :
" لنعد يا رجال "
زفر أرسلان وهو يضم يديه لصدره :
" أنت لن تأمرني ."
رمقه إيفان بغيظ شديد، ليبتسم أرسلان قائلًا بعناد ومزاح خشن :
" لنعد يا رجال "
ختم حديثه يتحرك صوب الحصان ليحدق به إيفان بغضب شديد، سرعان ما تحول لبسمة وهو يدرك عناد أرسلان، تحرك الجميع صوب الحصان، قبل أن يخطوا بعيدًا عن تلك المساكن وقد شيعها إيفان بنظرات مظلمة منتويًا في صدره على أرسلان جنوده لهدم تلك الجحور ..
الآن وقد قضى على هذا الشعب يمكنه القول، أنه يستطيع التنفس بحرية، لكن وكي يتأكد من نظافة الهواء الذي يتنفسه حوله، كل ما عليه فعله هو التخلص من آخر آفات القوم ..
____________________
" إذن أنت قد كلفك الملك بمراقبة الجنود في غيابه لأجل كشف الخائن ؟؟"
هز العريف رأسه يجيب ببسمة واسعة فخورة يضع قدم على الأخرى :
" وأين كان سيجد هذا المدلل افضل مني لتولي هذا الدور يا ترى ؟؟"
انحنت شفاة كهرمان ساخرة من كل ذلك تقول :
" ألا تعتقد أنك تأخرت بعض الشيء ايها العريف ؟؟ نحن كنا قاب قوسين أو أدنى من الموت "
اعتدل العريف في جلسته يقول بحنق شديد :
" بل أنا سرعت من عملية الهجوم، بسببكم فسدت خطتي التي أخذت الليلة الماضية بالكامل لوضعها، لقد خططت لظهوري بشكل تشويقي غامض، فقط تخيلوا صفين من الجنود وأنا اتحرك بينهم بكل كبرياء وقوة وغموض وثوبي يتطاير خلفي بشكل مثير، ثم اتقدم منهم اتحدث لذلك النذل بصوت أجش قوي مخبرًا إياه أنه سقط في شر أعماله "
صمت يقول بغضب شديد وهو يشير على عباءة معلقة على أحد المقاعد جوارهم :
" حتى أنني كنت اجهز عباءتي التي ستتطاير خلفي، ولم استطع ارتدائها بسبب صراخ البعض أن القذرين أمسكوا بنساء القصر "
كانت نظرات الفتيات مثبتة على العريف وهو يخبرهن ما كان سيحدث لولا تدخلهن، وقد نهض يريهن العباءة الخاصة بها، يدور في المكان :
" فقط انظرن كيف كنت سأبدو؟! خربتن كل شيء يا نساء، يا الله هذه كانت فرصتي الوحيدة لاقود الجميع هنا في غياب المدلل إيفان والمستبد سالار ورجالهم "
كانت الفتيات يراقبن ما يفعل شهدان ببلاهة شديدة، قبل أن تهمس كهرمان بجدية كبيرة :
" الآن فقط أدركت السبب الذي جعل اخي لا يختار عريفًا لبلادنا، لا اعتقد أنه كان سيتحمل شخصًا كالعريف، ربما كان تخلص منه في اليوم التالي "
نظر لها العريف بحنق شديد ينتزع العباءة عنه ملقيًا إياها على المقعد :
" بل لأنه ما كان له أن يجد عريفًا مثلي لبلاده، أنا جوهرة اقتنصها الملك تقي الدين، من سوء حظكم أنني ولدت بسفيد "
همسات كهرمان بصوت منخفض :
" نشكر الله على فضله "
فجأة سمع الجميع صوت باب المكتبة يُفتح بقوة ويتحرك داخل المكان مرجان وهو يرتدي ثياب سوداء يقول ببسمة واسعة :
،" أنا جاهز أيها العريف، هل نتحرك الآن ؟!"
نظر له العريف ثم أشار له يقول بحنق :
" انظرن، الفتى المسكين تجهز وتكبد الكثير ليأتي ويباغت الخائن معي بهذه الهيئة الـ...مريبة العجيبة، وأنتن افسدتن كل شيء، لا أدري حقًا سبب تدخلكن في أمور الرجال هنا "
زفرت كهرمان وهي تردد تمسح وجهها بغضب :
" أنا حقًا سيحدث لي شيء بسبب هذا الرجل، البلاد كادت تضيع من بيت ايدينا وهو حزين لأنه لم يطل علينا بعبائته الجديدة، ليرحمني الله منه ومن الجميع هنا، اريد العودة لبلادي "
قالت برلنت وهي تجلس على أحد المقاعد وهي لم تزل في صدمتها مما حدث، فقد اقتحم الرجال الغرفة التي كانت بها وهي كادت تنهار ارضًا من الخوف .
" أنا فقط اريد العودة لغرفتي والنوم في انتظار تميم حتى يعود ويخبرني أن كل شيء بخير "
نظرت لها زمرد بسخرية وقالت :
",يمكنني اخبارك بذلك أيضًا "
" لا، اريد سماعها من تميم فقط "
التوى ثغر زمرد بحنق وهي تفتح فمها للرد، لكن فجأة قاطعتها كهرمان وهي تتساءل ملتفتة حولها بجدية وريبة :
' مهلًا أين هي تبارك ؟!"
تحركت أعين الجميع في الجوار حتى قال العريف وهو يجلس على المقعد بهدوء يراقب مرجان يتحرك في المكان يبحث عن كتاب ( كيف تصبح غامضًا مخيفًا في خمس خطوات ) .
" لا ادري لكنني لمحتها تتحرك صوب مبنى الغرف، ربما عادت لغرفتها، تلك الفتاة بها شيء من الحكمة، ليست مثلكن، تفسدن الأمور وتجادلن "
توقف عن الحديث ينظر صوب مرجان مرددًا بحنق :
" مرجان توقف عن الدوران، لقد انتهى كل شيء يا فتى اذهب وانزع رداءك هذا فقد أفسدت النساء هنا خطتنا التي عكفنا على وضعها طوال الليلة الماضية"
همسات زمرد وهي تشعر بغضبها يتصاعد:
' هذا الرجل يستمر في استفزازي بشكل كبير، أشعر برغبة عميقة في الإمساك به واذيته في هذه اللحظة"
ابتسم لها العريف بسخرية وقد سمع كل ما نطقت به :
" إن كان الأمر سهلًا، هل تعتقدين أن شقيقك كان سينتظر كل ذلك ليفعل الأمر نفسه ؟؟ أتعلمين عدد الأشخاص الذي راودهم نفس الاحساس هذا هنا ؟! لكن هل حدث وفعل أحدهم شيئًا؟!"
رفعت حاجبها وهو ابتسم وقبل أن يكمل كلماته، سمع الجميع صوت الحارس على البوابات يهتف بصوت جهوري معلنًا عودة الملك والقادة .
انتفض جسد كهرمان تتحرك بسرعة صوب النافذة تحت نظرات زمرد التي قالت :
" يا امرأة فقط ادعي بعض الثقل "
توترت كهرمان تقول بنصف حقيقة :
" ما الذي تقولينه أنتِ يا هذه ؟؟ أنا فقط أردت استنشاق بعض الهواء بعيدًا عن هذا العجوز "
تمتم العريف بحنق وهو يقلب بعض الكتب أمامه على الطاولة :
" ذات لسان لاذع كشقيقها، ليرحمني الله منكم اجمعين، أنا بدأت أفكر في الانعزال بأحد الكهوف الشمالية وحدي "
" إذن سترحل وتترك لي مكانتك ايها العريف ؟!"
رفع العريف عيونه صوب مرجان يقول :
" استمر في احلامك أيها الشاب، أنت لن تنالها طالما كانت هناك انفاس في صدري "
تمتم مرجان بصوت خافت :
" إذن سأنتظر حتى تتلاشى انفاسك "
نظر له العريف باستنكار قبل أن ينتفض صارخًا في وجهه بحنق وغضب متهمًا إياه أنه يتآمر على قتله .
كل تلك الكلمات لم تصل لاذن كهرمان التي تعلقت عيونها ببوابة القصر تتساءل عن سر عودة الرجال من النزهة بهذه السرعة، شعرت فجأة بضربات قلبها تزداد بقوة حين ابصرته يدخل بكل هيبة على حصانه يشير لجنوده ببعض التعليمات، تبتسم دون شعور قبل أن تتفاجئ بارسلان يتحرك الداخل خلف إيفان ومعهم باقي الملوك ورجال الجيش .
همست بتعجب :
" هل كانت هذه نزهة حقًا أم أن الأمر ليس كما يظهر الآن ؟؟"
___________________
بمجرد دخولهم القصر سلم سالار بافل للرجال وهو يأمرهم بعيونه أن يحملوه صوب سجنه حتى ينظروا في أمره، ومن ثم قال بهدوء :
" خذوا جميع الخائنين صوب السجن ريثما أبدل ثيابي والحق بكم "
ختم حديثه يستأذن بعيونه من إيفان، ومن ثم واصل خطواته صوب غرفته وهو يحث الخطى للوصول وكله أمل أن زوجته الحبيبة تنتظره هناك، إذ أن لا مكان معين تذهب به في العادة وهذا يذكره أنه يدين لها بنزهة لطيفة خارج القصر حينما تستقر الأمور، عهدًا أخذه على نفسه ..
وصل لغرفته يمد يده ليفتح الباب والذي كان مفتوح بالفعل، تعجب سالار لثواني يخطو للداخل مناديًا اسمها بترقب :
" تبارك ...أنتِ هنا ؟!"
لكن الهدوء الذي قابله أخبره أن لا أحد هنا، غرفته كانت كما تركها لم يتغير موضع قشة واحدة بها وهذا جعله يدرك أن تبارك لم تطأها في غيابه .
رفع حاجبه متعجبًا يفكر في المكان الذي ربما تتواجد به، قرر في البداية تبديل ثيابه بسرعة، ثم تحرك صوب غرفة زمرد، لكنه توقف يشعر بالحرج من الذهاب هناك للبحث عن زوجته بين النساء، لذا فكر أن يرسل أي عاملة لها .
وبالفعل ما هي إلا ثواني حتى اوقف واحدة من العاملات يطلب منها الذهاب واخبار تبارك أنه ينتظرها، وهو بالفعل كان ينتظرها على احر من الجمر، يود الاطمئنان عليها وأخبارها بعودته قبل الانشغال في القادم .
لكن بعد دقائق قليلة عادت العاملة تخبره ببساطة :
' لا يوجد أحد في غرفة سمو الأمير سيدي "
وهذا الكلمات كانت أكثر من كافية له ليدرك أن هناك شيء لن يعجبه، ربما تسببت النساء في مصيبة فهن لا يجتمعن إلا لواحدة، واخيرًا قرر التحرك صوب غرفتها ربما يتجمعن لديها .
لكن أثناء سيره صوب الغرفة توقفت أقدامه يبصر زمرد و كهرمان وبرلنت يتحركن صوبه، الجميع عداها هي، عدا الانثى المنشودة .
توقف يضيق ما بين حاجبيه وقد بدأ صدره يضطرب من كل الأفكار التي تدافعت لعقله :
" سمو الأميرة "
توقفت كهرمان وكذلك فعلت زمرد، بينما برلنت نظرت صوب سالار تقول بهدوء :
" نعم ؟؟"
نظرت لها زمرد بحنق تهتف :
"لقد قال سمو الأميرة، ما لكِ والاميرات أنتِ برلنت؟!"
رفعت برلنت حاجبها تقول مذكرة إياها بحكم سالار :
" نفس السؤال لكِ حبيبتي "
تشنجت ملامح زمرد وهي تفتح فمها للحديث لولا كلمات سالار الذي تساءل وقد نفذ صبره للوقوف وسماع أي اعتراضات هنا :
' أين هي تبارك ؟! هل رآها أحد منكم اليوم ؟!"
هزت كهرمان رأسها تجيب بهدوء شديد محاولة عدم إثارة فزعه :
" نعم اعتقد أنها ترتاح في غرفتها "
أضافت زمرد ببسمة واسعة وهي تقص عليه ما حدث دون أن تهتم لأي شيء :
" نعم فالمسكينة كادت تفقد وعيها بعد ما حدث اليوم "
شعر سالار بتوقف قلبه للحظات يبلل شفاهه بقلق شديد هامسًا :
" ما حدث اليوم ؟؟"
نظرت كهرمان لزمرد بغضب شديد وهي تهتف :
" لا تقلق يا سيد فتبارك بخير الآن هي فقط أرادت النوم قليلًا "
وهذه الكلمات لم تساهم ولو بدرجة صغيرة في إراحة قلب سالار، إذ تحدث بقلق شديد يقاطع كل تلك التبريرات التي كانت هي على وشك التحدث بها :
" ما الذي حدث ؟؟ ما الذي حدث لزوجتي ؟؟"
بعد ثواني كان جسد سالار يندفع في الممرات بقوة مرعبة والجميع حوله ينظر له بريبة وتحفز وقد شعروا أن هناك هجوم أو ما شابه لذا اتخذوا وضعية الاستعداد ظنًا أن هناك خطرًا يحوم في الأفق حول القائد، ولم يدركوا أن القائد في هذه اللحظة كان هو نفسه الخطر .
توقف أمام غرفتها يفتح الباب بسرعة مندفعًا للداخل يغلقه خلقه متحدثًا بجدية ورعب جلي :
" تبارك .."
وانتظر منها اسمه بفارغ الصبر لكن كل ما قابله هو الهدوء فقط، هدوء جعله يتقدم بحذر صوب الفراش وهو يهمس باسمها مجددًا :
" تبارك ؟!"
وحدها نائمة بكل سلام على الفراش، لكن ذلك لم يطمئنه، ليس وهي مغلقة الأعين شاحبة الوجه لا تجيبه .
جلس ارضًا على ركبتيه يهمس بصوت منخفض :
" تبارك ؟؟ لقد ...لقد عدت مُهجتي، لك أتأخر لاجلك"
لكن لا رد منها ولا حتى رمشة واحدة تخبره أنها حية، ولولا تلك الأنفاس التي تخرج وتدخل لصدرها، لكان قلبه هو من توقف في الحال .
مد يده يتحسس بشرتها بلطف شديد ليستشعر برودة نسبية أسفل أصابعه :
" حبيبتي، ما بكِ ؟؟"
ولا رد منها، الأمر الذي جعل سالار ينهض عن جلسته يقترب من الفراش يتحدث بجدية وهو يهز جسدها :
" تبارك ؟؟ تبارك ما بكِ اجيبيني ؟؟"
وعدم ردها هذه المرة مع هزات يده المتتالية جلبت رعبًا خالصًا لجسد سالار الذي انتفض يصرخ برعب وهو يزيد من هزه لها :
" يا الله ليس هي، تبارك بالله عليكِ اجيبيني، تبارك بالله عليكِ قلبي سيتوقف "
ارتجفت يده وهو يتحرك بسرعة يسحب جسدها عن الفراش يضمها لها هامسًا اسمها بصوت خافت خرج منه متوسلًا :
" تبارك أرجوكِ "
وكان صمتها هذه المرة هو القشة التي قسمت ظهر البعير، فبعد رؤيته يتحرك بتحفز في الممرات منذ دقائق قليلة، ابصره الجميع يحمل بين يديه زوجته يجري بهلع بين الممرات يضم رأسها فلا يظهر منها سوى القليل فقط وهو يهزي بكلمات عديدة، لم يفهم منها البعض سوى كلمات كانت عبارة عن بعض " الأدعية " كان يدعو لها دون شعور منه :
" بسم الله عليكِ، بسم الله عليكِ تبارك، لا أراني الله بكِ مكروه عزيزتي "
وصل صوب المشفى الخاصة بالقصر وهو يبحث عن الطبيبة بعيونه، وبمجرد أن ابصرها تحرك لها يتحدث بهلع دون شعور منه :
" زوجتي ...زوجتي ليست بخير هي... هي لا تجيبني، مهيار يعلم هي ليست ...بخير، مهيار يعلم ما بها "
وعند هذه النقطة تحرك دون أن يشعر ينتزع تبارك عن الفراش مجددًا يركض خارج القصر صوب المشفى وقد أعطاه عقله إشارة التحرك صوب مهيار الذي يدرك جيدًا مرضها وسيساعده بسرعة أكبر .
وبمجرد أن وصل للمشفى اقتحم عيادة مهيار يهمس بصوت حاول جعله ثابتًا قدر الإمكان :
" أدركني مهيار، تبارك لا تجيبني بكلمة ...."
_____________________
يجلس في القاعة وهو يضع قدم فوق الأخرى مبتسمًا وأمامه يجلس الآخر وفي المنتصف يجلس ازار وبارق اللذين حاولا فهم سر تلك النظرات التي نشبت بين الاثنين .
تحدث بارق بجدية :
" حسنًا على الأقل أخبرانا إن كنتما ستعلنان حربًا لأرى إلى أي جانب سأنضم "
ابتسم ازار بسمة ساخرة وهو يجيب :
' أما أنا فسأجلس واشاهد، لن اضيع جيوشي في حروبكما الغبية تلك "
نظر له إيفان ببرود وارسلان بغضب، قبل أن ينهض أرسلان يقول بجدية :
" حسنًا أنا سأعود للبلاد كي أرى ما وصلت له الأمور في غيابي، ومن ثم سأنتظر مجيئكم مع هذا الحقير بافل "
أوقفه إيفان يقول بجدية :
" بافل سيُحاكم هنا في سفيد "
توقف أرسلان ينظر له بجدية متحدثًا :
" بافل لم يتسبب في ضرر لسفيد بقدر ما فعل بمشكى، لم يحرق صدور شعب سفيد بقدر ما فعل بشعب مشكى، لذا شعبي الأحق أن نشفي صدره برؤيتهم مصيره إيفان، هذا ثأري وثأر شعبي"
نظر له إيفان ثواني وهو يرى أمامه صورة زمرد الباكية التي كانت تترجاه لتأخذ هي قصاصها بنفسها، والآن يدرك أن أرسلان محق .
نظر صوب ازار والذي رغم رغبته في أخذ ثأر شقيقته إلا أنه احترم حقيقة أن أرسلان أكثر من تضرر من الأمر؛ لذا هز رأسه بهدوء .
تنهد إيفان بصوت منخفض ثم قال بهدوء :
" موافق لكن بشرط ...."
نظر له أرسلان بترقب قبل أن يقول بهدوء شديد :
" من سيحكم عليه لن يكون أيًا منا، من سيحكم عليه سيكون أكثر من ناله أذى من ذلك الحقير، أكثر منك حتى أرسلان "
نظر له أرسلان باستنكار ولم يكد يتحدث حتى قاطعه إيفان بجدية :
" أختي ستفعل، أنت لا تريد أن تضيع سنوات حياتها التي عاشتها على أمل الانتقام هباءً"
نظر لعيونه بجدية كبيرة، ثم قال ببسمة مصممة جعلت أرسلان يصمت مطيعًا على عكس عادته :
" أنت تدين لها بواحدة أرسلان، أختي أنقذت أختك، إذن أنت تدين لها بالكثير .."
همس في نفسه وقد سرها :
" كما أدين لها بحياتي ."
صمت أرسلان وهو يتذكر ما فعلته زمرد لأجل أخته كما أخبرته كهرمان ليقول بهدوء وبعد تنهيدة صغيرة :
" حسنًا، لك ما تريد، في مملكتي سيتم الحكم عليه وبكلمة من أختك إيفان"
ابتسم إيفان يقول بجدية :
" إذن اتفقنا .."
ومن بعد هذه الكلمات بدأ الجميع يتفرق وقد تحرك أرسلان للخارج يردد بجدية :
" إذن نلتقي حين تأتي مع اختك لمملكتي، والآن أنا سأرحل من هنا مع كهرمان و..."
" لماذا ؟؟"
توقف أرسلان عن السير ينظر خلفه بعدم فهم :
' عفوًا ؟؟"
" لماذا ؟؟ لماذا سترحل الآن ؟!"
رفع أرسلان حاجبه يقول بسخرية لاذعة :
" والله إيفان لا يعجبني الطقس في مملكتك لذا رأيت أن أذهب واستمتع بهواء بلادي، ثم في الحقيقة ودون أن تغضب، طعامكم لا يعجبني "
" لا بأس إذن نغيره لاجلك، كم أرسلان نمتلك نحن ؟؟"
" هل تمزح معي إيفان ؟؟ ما الذي سيجعلني انتظر هنا ؟؟ انتهى كل شيء للان وسأرحل مع شقيقتي "
وكاد يتحرك لولا يد إيفان التي أمسكت به وهو يجذب انتباهه كي يواجهه ثم قال بجدية :
" إذن أنت لم تغير رأيك بعد ؟؟ "
" بشأن ؟؟"
ابتسم له إيفان يقول ببسمة حاول جعلها عادية، لكنها خرجت مستفزة وبشكل كبير لارسلان الذي استمع له يقول :
" بشأن زواجي من شقيقتك، ما رأيك أنت هنا الآن وكذلك هي وانا وشيخ سفيد، لا ينقصنا سوى كلمة بالرفاء والبنين "
أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا من حنجرته :
" اقسم أنك إن لم تترك يدي الآن سينقصك الكثير، أكثر من مجرد بالرفاء والبنين "
رفع إيفان حاجبه يسخر منه :
" تهددني ؟؟"
جذب أرسلان يده يقول بجدية :
' بل أحذرك الاقتراب من جوهرتي أيها الحقير "
" يا ويلي منك، هذه الجوهرة التي تحاول طمسها بعيدًا عن عيوني، ستكون لي يومًا ما، وهذا قريب للغاية، لذا وفّر عليك وعلى نفسي وامنحني إياها بطيب نفسك "
اقترب منه أرسلان يهمس من أسفل أسنانه :
" في احلامك الوردية "
ابتسم له إيفان باستفزاز وقد ظهرت أسنانه من بين بسمته :
" بل البيضاء مع خيوط ذهبية عزيزي، فالابيض يليق بي "
رفع له أرسلان حاجبه مبتسمًا بسخرية اكبر :
" من ذلك الكاذب الذي أخبرك بهذا ؟!"
" مرآتي تخبرني بهذا كل يوم، وهي لا تكذب عليّ، ثم أنا أخبرك الآن أنني اخترت فستان الزفاف لشقيقتك، سترتدي اللون الذهبي والابيض مثلي، سيكون الأمر لطيفًا أن نرتدي ثياب متقاربة "
جابهه أرسلان بقوة وهو يقترب منه برأسه وكأنهما على وشك التناطح كالثيران :
" الكفن أيضًا ابيض إيفان"
" اشكرك، أنا أفضل ثياب الزفاف أكثر"
" الخيار لا يعود لك "
فتح إيفان فمه كي يجيب عليه، لكن فجأة توقفت الكلمات في حلقه حين سمع صوت يأتيهم من باب لقاعة، وقد كان هذا الصوت الملائكي يمثل نقطة ضعف لهذين الثورين ..
تحركت الأعين صوب البوابة حيث تقف كهرمان جوار زمرد تحدقان بما يحدث في تعجب كبير .
همست كهرمان بعدم فهم :
' ما الذي يحدث هنا ؟؟؟"
استدار الإثنان صوب الباب وقد عم الهدوء على الجميع فجأة والتزموا الصمت .
تحركت كهرمان لداخل القاعة ترفض أطراف ثوبها بهدوء وتلقائية ورقة جعلت إيفان يبتسم دون وعي وهو يشيح نظراته عنها صوب زمرد يمد يده لها قائلًا :
" اقتربي حبيبتي وتعالي اشكري العم أرسلان، فهو وافق على استقبالنا الايام القادمة في قصره "
كان حديث إيفان مبهمًا يحمل أكثر من معنى في الواقع، إذ كان يقصد ظاهريًا أنه سيذهب لأجل محاكمة بافل، وباطنيًا كان حديثه يدور في ذلك النطاق الذي لا يعجب أرسلان البتة .
وزمرد حبيبة أخيها اختارت الجانب الخفي لتحتفل به وهي تهم صوب إيفان تبارك له وتهنئه على قرب زفافه على كهرمان التي تقف جوار شقيقها يراقبان ما يحدث بين هذين الثنائي بتعجب .
" واخيرًا ستتزوج يا أخي، كنت أعلم أن الأمر لن يدوم طويلًا حتى يرضخ لك شقيق كهرمان "
رفع أرسلان حاجبه يقول بحنق :
' أنا لم ولن ارضخ لأحد "
نظرت له زمرد ثواني قبل أن تعود مجددًا لإيفان تكمل بنفس البسمة :
" إذن متى الزفاف !!"
ابتسم لها إيفان بحنان وهو يربت على كتفها يهز رأسه ينفي كل أفكارها تلك :
" لا ادري، نحن لم نحدد الموعد بعد، لكنه لن يكون بعد هذا الشهر على أية حال حبيبتي، لذا منذ الآن تجهزي واختاري القماش الذي تحبينه أو ..."
صمت ثم قال بجدية كبيرة وزمرد تتابعه بانتباه كبير :
" أو ربما تشترين ثياب جاهزة لا اعتقد أن الوقت الذي نمتلكه يكفينا لنصمم الفستان، فقط اشيري لفستان تحبينه وسأحضر لكِ "
شعرت زمرد بقلبها يرتجف تأثرًا بما قيل الان، رفعت يدها تمسك يد إيفان التي يربت بها أعلى كتفها تقول بأعين دامعة :
" لا حرمني الله منك ...اخي "
وهذه الاخي عنت لإيفان الدنيا وما فيها في هذه اللحظة إذ اقترب منه يجذب رأسها له يقبلها بحنان .
كل ذلك تحت أعين أرسلان وكهرمان المصدومة، كلاهما متشنج مصدوم من بساطة الحديث الذي يدور أمامهما وكأن لا وجود لهما أو لرأيهما، لقد حدد إيفان كل شيء ولا ينقصه سوى تحديد موعد استلام طفله الاولى، ونسي أو تناسى أخذ رأي العروس وشقيقها اللذين يشاهدان كل شيء باستنكار .
نظرت كهرمان لارسلان تهمس بعدم فهم :
" ما الذي يحدث هنا ؟؟"
هز أرسلان كتفه بجهل :
" لا ادري، لكن يبدو لي أن إيفان يمر بفترة نفسية سيئة، عسى الله أن يخرجه منها سالمًا "
صمت ينظر لكهرمان التي كانت تحدق بهما بشرود ثم قال ببسمة :
" إذن نعود للمنزل ؟؟"
ابتسمت له كهرمان بكل بساطة تجيب بتعمد أن يسمعها إيفان والذي كان يتبجح بمنعها الرحيل :
" نعم رجاءً، اعدني لبلادي اخي، فقد طالت الغيبة "
وإيفان الذي كان يضم له زمرد ارتسمت بسمة خبيثة على فمه وهو ينظر لها بطرف عيونه، بينما هي تلاشت النظر له تقول بجدية كبيرة :
" سأذهب لاحضر حقائبي "
هز لها أرسلان رأسه بينما إيفان قال مستفزًا كل ذرة داخل جسد أرسلان :
" نعم رجاءً سريعًا، فنحن نريد القدوم لمشكى كي نحدد الزفاف حسب الاعراف، وانتبهي وأنتِ تحزمين امتعتك "
لئلا يعلق قلبي داخلها بالخطأ، جملة لو كانت كهرمان تنتمي له في هذه اللحظة ما سرها في نفسه، لكن ليس وهي لا تحل له، وليس وارسلان موجود وسيفه متدلي بهذا الشكل من ثيابه .
نظرت له كهرمان بحاجب مرفوع، قبل أن تبتسم له بسمة صغيرة مستفزة تمسك طرف ثيابها تنحني نصف انحناءة :
" شكرًا لاستضافتي هذه الفترة مولاي "
" لا بأس يسعدني أن أفعل، فبعض الضيوف نشعر بالراحة لاستضافتهم ونتمنى بقائهم اطول، عكس البعض الآخر الذي يكون وجودهم منفرًا ثقيلًا ننتظر رحيلهم بفارغ الصبر "
ختم حديثه ينظر صوب أرسلان الذي ابتسم له بسمة مماثلة يجيب :
" إذن أنصحك ألا تطأ مشكى، فأنت بالنسبة لي تمثل النوع الثاني عزيزي "
ختم حديثه يربت على كتفه وهو يطيل النظر داخل عيون إيفان الذي أبى الانحناء لكلماته :
" لا بأس أنت كذلك في سفيد، لكن هل سمعتني اشكو وجودك؟ لا صحيح ؟؟ إذن عليك تحملي بالمثل، فأنا لن أبرح مشكى إلا بما سأذهب لأجله ولو قطعتني قطع صغيرة أرسلان "
ربت أرسلان مرة ثانية على كتفه :
" إذن احضر معك حقائب تكفي اشلائك الصغيرة بعد تقطيعك "
ختم حديثه يتحرك مبتسمًا باستفزاز له، بينما إيفان ابتسم له نفس البسمة المستفزة، وزمرد تتابعهما بتعجب شديد بينما كهرمان تقلب عيونها بحنق من كل تلك الامور، زفرت بتعب وهي تمسح وجهها، لكن فجأة توقفت يدها عن الحركة حين أبصرت عيون إيفان التي تحركت نحوها بشكل جعلها تتجمد، نظر لها نظرة صغيرة، ثم هز رأسه بكل هدوء:
" في رعاية الله سمو الأميرة "
تحركت رأسه صوب أرسلان الذي فجأة لكمه لكمة عنيفة يقول بصوت حانق وهو يتحرك صوب كهرمان :
" هذه لتحسن التحكم بنظراتك في وجودي أيها الحقير ..."
وبعد هذه الكلمات تحرك من القاعة مع كهرمان التي من شدة رعبها مما رأت استدارت لترى إن كان تأذى من لكمة أرسلان الذي يجذبها للخارج، لكنها على العكس أبصرت بسمة إيفان وهو يمسك موضع اللكمة، بسمة جانبية عادية جعلتها تتنفس الصعداء وهي تهز رأسها هزة خفيفة، أجابها هو الآخر بهزة مثلها...
لينتهي اللقاء بنظرة وهزة...ووعد .......
________________
اقتحم المشفى يحمل بين يديها جسدها الشاحب الفاقد لكل الوان الحياة، زوجته التي كانت تضج بكل الحياة قبل تركها، ليته لم يفعل، لو كان التخلف عن تلك الغارة يعني سلامتها، والله لكان تخلف عنها ولو وصفوه جبانًا، لكن أن يعيش هذه اللحظات من الرعب لهو الموت بعينه .
" مهيار ساعدني، مهيار ساعدني تبارك لا تتنفس بشكل طبيعي، وجهها شاحب ولا تجيبني، مهيار ارجوك ساعدني "
انتفض مهيار عن المقعد برعب شديد حين أبصر دخول سالار بهذا الشكل وهو يشير له على الفراش :
" ضعها هنا بسرعة سيدي "
وضعها سالار بيد مرتجفة على الفراش يهمس بصوت غير ثابت :
" افحصـ ...افحصها رجاءً، اجعلها تستيقظ أعطها تلك الأعشاب أي شيء ارجوك "
نظر له مهيار بشفقة وهو يشير له بالجلوس :
" فقط أجلس وأنا...."
" مهيار لا تتحدث فقط انظر إليها وأخبرني أنها بخير"
أبصر مهيار التوسل والرجاء في نظرات سالار ليتحرك ويحضر أدواته، ثم اقترب من الفراش كي يبدأ بفحص تبارك والتي كانت ضربات قلبها وانفاسها غير منتظمة ..
امسك بعض الأعشاب يطحنها بشكل سريع وهو يقترب من سالار يخبره :
" ضع هذه الأعشاب في فمها رجاءً"
ختم حديثه يترك له الاعشاب ثم تحرك صوب المكتب يحضر ورقة يخط عليها بعض الاشياء .
تاركًا سالار ينظر بحيرة وخوف للاعشاب، قبل أن يتحرك صوب فراشها يجلس عليه بهدوء، يمد يده يحمل بعض الأعشاب، ثم نظر لمهيار الذي كان منشغلًا بكتابة بعض الاشياء، قبل أن يتحرك خارج المكان .
وهو فقط مد يده لفمها قبل أن يتراجع مجددًا بتردد شديد لا يفهم ما يجب فعله، مال عليها يهمس بصوت منخفض :
" تبارك، هل تسمعينني ؟؟"
لكن ردًا واحدًا لم يتلقى منها، وهذا ما جعله يستقيم، يضع بعض الأعشاب بين شفاهها، يحاول أن يدخلهم لفهما، حتى رضخت له دون وعي تحت إصرار يده وفتحت فمها وهو أخذ يضع لها الاعشاب وكل ثانية ينظر للباب وكأنه طفل صغير تائه ينتظر عودة والدته لتخبره ما الخطوة القادمة .
ثواني وسمع صوت مهيار يقول :
" من المفترض أن هذه الأعشاب ستساعد بعض الشيء في تنظيم مستوى السكر في الدم، أنا لا ادري لكن مظهرها يبدو كالمرة السابقة إذ يبدو أنها تعرضت لغيبوبة سكر"
نظر له سالار يقول وهو يحاول الهدوء :
" وما الذي سيحدث لها، هي ستفيق صحيح !!"
هز مهيار رأسه بحيرة :
" أنا لا ادري، ارسلت لاحضر بعض الأعشاب التي اخمن أنها ستكون ذات نفع لها، لكن لا اعتقد أن جسدها والذي اعتاد على الأدوية الكيميائية كما أخبرتني سابقًا سيتأقلم بسهولة مع اعشابنا التي تعالج كل شيء ببطء، تأثير الاعشاب مجزي على المدى البعيد فهي تعالج الأمراض بتروي، بينما تلك الأدوية التي كانت تأخذها حادة تهاجم المرض بضراوة دون الاهتمام لتأثير ذلك على باقي الجسد"
نظر له سالار لا يفهم كل ما يقول :
" أنا ...أنا لا أستطيع استيعاب ما تقول، هل تحاول القول أن الاعشاب هنا لا تؤتي ثمارها مع زوجتي ؟؟ كل هذا الوقت كانت تعاني بصمت مهيار ؟؟"
نفى مهيار برأسه يقول بجدية :
" ليس هذا سيدي القائد، هي ليست مجدية بهذه السرعة كالادوية الخاصة بعالمها، خاصة أنها اعتادت عليها "
نظر سالار حوله يشعر بالخواء في قلبه قبل أن يهمس بجدية وبكل تلقائية :
" إذن أذهب لعالمها وأحضر لها الأدوية ؟؟ هل تظن أن هذا سيجدي نفعًا ؟!"
اتسعت أعين مهيار بصدمة من اقتراح سالار، فهو والجميع هنا يعلم صعوبة الخروج والدخول من عالمهم، الأمر يستغرق الكثير دون ذكر المخاطر التي قد يقع بها البعض :
" لا اعتقد أن المخاطرة والخروج لأجل بعض الأدوية ستكون بهذه الأهمية و...."
توقف عن حديثه بسبب كلمات سالار الحادة وهو يهمس بجدية جمدته ارضًا :
" بل ستكون، أنا سألقي نفسي بالجحيم إن كان هذا يعني سلامتها، فقط أخبرني هل هذه الأدوية هي ما ستجعلها بخير مهيار ؟؟"
نظر له مهيار مصدومًا قليلًا قبل أن يبتلع ريقه يهز كتفه :
" اعتقد هذا لقد عاشت عليها حياتها بأكملها، لذا اخمن أنها هي المطلوبة "
نظر سالار لجسد تبارك وهو يقول بصوت منخفض :
" إذن أنا سأذهب، سأذهب واحضر لها كل ما استطيع من هذه الأدوية، وإن اضطررت لتكرار رحلتي هذه كل يوم لاحضر لها المزيد سأفعل "
شعر مهيار بالتقدير لسالار، فابتسم يقول بهدوء :
" هي ستكون بخير، تلك الأعشاب التي تناولتها ستكون ذات فائدة إن شاء الله، هي فقط تحتاج بعض الوقت ليستعيد جسدها مستوى السكر الطبيعي له، يبدو أنها تعرضت لشيء اوصلها لهذه المرحلة فالغيبوبة تلك لن تأتي بهذه البساطة وهي تعكف على تناول ادويتها بانتظام، فالاعشاب تساعد على تنظيم السكر ولو بمقدار بسيط لا يسمح بحدوث هذا "
نظر له سالار بتعجب يفكر في حديثه :
" إذن ما الذي قد يؤدي لحدوث هذا برأيك عدا اهمالها في أخذ ادويتها؟؟"
" لا ادري، لكن يبدو أن هناك شيء اوصلها لهذه المرحلة، مريض السكر تتحكم مشاعره بصحته، ربما الحزن أو الخوف هو ما قد يوصله لهذه المرحلة إن لم يتدارك مستوى السكر "
نظر له سالار يردد بهمس وكأنه تناسى ما حدث في غمرة خوفه :
" الخوف ؟؟؟"
_________________________
توقفت في الممر المؤدي لغرفتها وهي تبصره يقف أمامها مرابطًا وكأنه تعهد لنفسه ألا يتحرك حتى يراها، وها هو يوفي عهده لنفسه حين أبصر قدومها، لكن الفرق هو أن ما تحرك لم يكن هو، بل كان قلبه الذي ارتجف لوجودها.
" زمرد "
ابتسمت زمرد بسمة صغيرة وهي تقترب من الغرفة الخاصة بها تردد بصوت منخفض :
" مرحبًا دانيار، طال غيابك هذه المرة "
" والفضل لأخيكِ"
نظرت له بعدم فهم، لكنه لم يشأ التوضيح أكثر فهو لا يريد في النهاية التسبب بأي مشاكل كانت، تنهد بصوت مرتفع :
" كيف حالك ؟؟ هل مرت المحاكمة على خير ؟!"
" انتظرت أن ترى هذا بنفسك دانيار "
نظر دانيار ارضًا ثواني قبل أن يرفع عيونه لها :
" اعتذر منكِ، لم أكن هنا في وقت المحاكمة، هناك ما جعلني اضطر للابتعاد، لم يكن الأمر بإرادتي اقسم"
" هل الأمر أكثر أهمية مني "
" والله لم يكن، لكنه ما كان بإرادتي زمرد "
ابتسمت له زمرد بسمة صغيرة وهي تتحرك صوب الغرفة :
" إذن وقد عدت سيدي رامي السهام، ما الذي جعلك ترابط أمام جناحي بهذا الشكل !!"
" وما سيكون عدا رؤيتك "
ابتسم تقول مجددًا :
" وها أنت رأيتني، الآن اعذرني عليّ التجهز للرحيل "
كانت جملة مستفزة من زمرد التي سئمت هذه الحرب الباردة بين شقيقها ودانيار ففكرت بدفع دانيار أكثر ليأخذ خطوة أكثر جدية، فها هو إيفان يفعلها ويتحدى أرسلان لأجل كهرمان، وهي تغبطهم وتريد أن يحارب دانيار لأجلها، ولم تعلم أن الحرب كانت مشتعلة بالفعل بقلب دانيار الذي ابتسم بصدمة يقول :
" عفوًا منكِ ؟؟ ما الذي تفضلتي به ؟!"
استدارت له زمرد تمثل الجهل :
" عفوًا منك أنت يا سيد، تعلم أن تلتزم حدودك معي فأنا أميرة هنا و..."
لكن يبدو أنه خلال إشعال نيران الحرب بين دانيار واخيها زادت من الأحطاب، إذ تقدم منها دانيار بقوة جعلها تتراجع بفزع ملتصقة بباب غرفتها تنظر حولها تبحث عن أحدهم يحميها من هذا الهمجي، وهذا يذكرها أن تطالب بعودة حراس غرفتها مجددًا .
ودانيار في هذه اللحظة لم يكن يرى أيًا مما تفكر به :
" لعنة الله على المُلك وأي طبقات اجتماعية في هذا المكان، ما الذي تتحدثين به، وأي رحيل هذا يا امرأة ؟؟"
نظرت له زمرد رافضة أن يتحدث معها بهذا الشكل، لتنتفض كالقطة الشرسة في وجهه :
" أنت التزم حدودك وأنت تتحدث معي، ليس لأنني..."
فجأة توقفت عن الحديث وهي تراه ينتزع سهمًا من حافظة سهامه يرشقه في الجدار جوارها بمسافة صغيرة، وهي متسعة الأعين ما تزال ترفع إصبعها في وجهه تحاول أن تتدارك ما حدث منذ ثواني .
ابتلعت ريقها تحرك عيونها ببطء صوب السهم، ومن ثم عادت له، وهو فقط قال بغضب :
" لا تختبري صبري كي لا يكون التالي في منتصف رأس أخيكِ، أين سترحلين وتتركيني ؟!"
" أنت مجنون ؟!"
" نعم مجنون زمرد، هيا أخبريني كل ما يحدث من خلف ظهري في هذا المكان "
فتحت فمها للاعتراض وقد ظهر العناد على ملامحها واضحًا لولا دانيار الذي سحب سهمًا آخر على وشك القاؤه ليس ليخيفها بقدر ما كان ذلك يخفف عنه غضبه الداخلي، وسيلة لينفث بها عن عصبيته .
وهي فقط نظرت للسهم في وجهها لتقول ببسمة ساخرة تتذكر كل الايام التي لم يكن يتحدث معها بها إلا بالسهام :
" مرحبًا بعودتك دانيار .."
نظر لها بشر يتجاوز كل ذلك صوب ما يريد:
" أين سترحلين ؟!"
بعد ثانية واحدة من هذه الجملة كانت زمرد تخبره بكل ما يحدث وما سيحدث في القصر، هذا بالطبع لتفادي أن يلقيها بسهم يخترق منتصف رأسها دون أن يدري من شدة غضبه، ومن بعد كلماتها كان جسد دانيار يتحرك بين طرقات القصر بقوة مخيفة وقد ظن جميع من رأوه أنه ذاهب ليعلن حربًا ما، وقد كان الأمر كذلك بالفعل .
اقتحم ساحة العرش بقوة يبحث بعيونه عن إيفان، لكنه لم يبصر فخرج مجددًا يتحرك صوب غرفته وبمجرد أن وصل ابتسم بسمة صغيرة لا معنى لها :
" أخبروا الملك بوجودي "
وكذلك فعل الحراس، فخرج له أحدهم بعد ثواني من طلبه يخبره أن الملك يسمح له بالدخول .
دخل الغرفة يبصر الملك يحزم بعض الحقائب :
" ماذا دانيار ؟! هل حدث شيء ما ؟؟"
نظر له دانيار بحنق شديد وهو يقول :
" تحزم امتعتك وتذهب للزواج وتتركني هنا معلقًا؟؟"
نظر له إيفان ثواني قبل أن يقول ببسمة مستفزة :
" يمكنك الحضور لن أمانع وجودك في حفل زفافي صدقًا "
رفع دانيار له حاجبه يقول بحزم شديد في اللحظة التي دخلت بها زمرد والتي خشيت أن تحتدم الأمور بينهما :
" إذن كما تفعل سأفعل "
" ستأتي لمشكى معي ؟؟"
" لا بل سأتزوج شقيقتك "
اعتدل إيفان في وقفته ينظر له ثواني قبل أن يقول :
" هل تمزح معي ؟؟"
" لا أفعل وأنت تعلم، لا تجبرني على التمرد مولاي، اقسم أنني لن اهتم لشيء في هذه الحياة، زوجني شقيقتك وأنا سأتعهد لك أنني لن اطالبك بشيء آخر ولو عني ذلك موتي "
تحركت أعين إيفان منه ثم استقرت على زمرد التي كانت تنظر له نظرة رجاء تحاول اخفائها خلف نظرات التردد، حاول اخفاء بسمته وهو يتحرك صوب الحقيبة يعود ليحزم أمتعته مجددًا :
" أختي لا تُطلب بهذه الطريقة دانيار "
تقدم منه دانيار بلهفة شديد يهمس :
" إذن أخبرني الطريقة التي تريحك وأقسم أنني سأفعلها، كيف تريدني أن أطلب وصال شقيقتك؟؟"
رفع له إيفان عيونه، ثم نظر لزمرد ثواني قبل أن يبتسم بحنان يقول :
" تمامًا كالاميرات دانيار، فأميرتي ليست أقل من أي أميرة في هذه الممالك......."
_______________________
" افتحوا هذه الأبواب .."
نظر الحراس لبعضهم البعض بخوف قبل أن يندفعوا صوب الابواب يفتحونها بسرعة دون التفكير لثانية واحدة في أوامر سالار، بينما سالار راقب ابواب السجون تُفتح بأعين مظلمة، يتقدم للداخل وهو يقول :
" أغلقوا الابواب ومهما سمعتم لا يتقدم أحدكم "
وبهذه الكلمات ختم أوامر يتحرك بكل قوة بين الجميع داخل تلك الحجرة التي جمع بها إيفان رجاله الخونة، ابتسم سالار وهو يتوقف في منتصف الغرفة يفتح ذراعيه لهم قائلًا :
" مرحبًا بذكور الخنازير، اتمنى أن تكون الإقامة في سجوننا لاقت استحسانكم بقدر الإقامة أسفل سقف قصرنا قبل أن تعضوا أيدينا، وتطعنوا ظهورنا.."
نظر الجميع لبعضهم بخوف شديد وقد تحقق ما دعوا ألا يحدث، فمواجهة مع سالار كانت اسوء كوابيس رجال يعلمون جيدًا كيف يكون حين يغضب، ومن افضل منهم ليعلم ؟!
فتح أحد الرجال فمه يحاول الحديث :
" سيدي ..."
قاطعه سالار بهدوء تام وجدية:
" لا رجاءً، أنا لا اتسيد سوى الرجال، وهذه الصفة لا تشملكم بالطبع، لذا لا تهين مكانتي بوصفك لي بسيدي يا هذا، فالرجال لا يطعنون بالظهر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ووالله ما كان قتلكم لزملائكم حق، ليس هذا وفقط، إذ لم تكتفوا بما فعلتم، وروعتم نسائنا، امرأتي وزوجتي التي كدت اخسرها لأجلكم"
صمت يهمس بصوت مرعب وهو يقترب منهم خطة تراجعوها هم خطوات :
" وهذا لم يكن سيكفيني رؤية رؤوسكم معلقة على أبواب سفيد إن حدث "
ختم جملته ولم يمنح أحدهم فرصة التفكير في كلمات إذ انقض عليهم في ثواني يأخذ حق جنوده الذين قُتلوا خلال هجومهم، وجنود الحدود الذي قتلوا، والباقيين الذين سلموا أنفسهم وسلموهم على طبق من ذهب للملك، والأهم حق امرأته...
كان الحراس يقفون خارج السجن يسمعون اصوات الصرخات بالداخل والتردد يعلو وجوههم البعض يفكر في التدخل والبعض الآخر يخشى التدخل .
ابتلعوا ريقهم بتردد وقد تحدث أحدهم بجدية :
" اعتقد أنه علينا اخبار الملك بما يحدث "
" أنت لا تريد زيادة غضب القائد، ثم هم يستحقون، بعد كل هذه السنوات يتعاهدون مع هؤلاء الأوساخ لإسقاط مملكتهم ؟؟ لعنة الله عليهم "
ازدادت اصوات الصراخ والتوسلات بالداخل ليهمس أحدهم :
" آن لهم أن يبصروا الوجه الاخر الذي كان القائد يحذرنا منه ...."
وبعد دقائق طويلة خرج سالار من السجن بأكمله بملامح جامدة وكأنه لم يفعل شيئًا، خصلاته مبعثرة وثيابه غير مهندمة، يتحرك بين الجميع بملامح تحذرهم أن يقتربوا في هذه اللحظة، فسالار الآن كان يسير بنسخته التي يتعامل بها مع أعدائه في الحروب .
وصل لغرفة إيفان يطلب إذن الدخول والذي جاءه بعد ثواني قليلة، وبمجرد أن دخل ابتسم إيفان يقول :
" جيد أنك اتيت فأنا كنت سأستدعيك لاخبرك برحيلي لمشـ ...يا ويلي سالار هل كنت في حربٍ للتو ؟!"
ابعد سالار خصلاته عن عيونه يقول بجدية :
" أنا أيضًا سأرحل لفترة عن المملكة، وجئت اطلب أذنك لي ولزوجتي بالرحيل لبعض الوقت ولأجل أمرٍ هام مولاي "
نظر له إيفان باهتمام ولم يقاطعه بكلمة واحدة، ينتظر منه اكمال حديثه، وقد كان إذ تحدث سالار بعدها بجدية كبيرة وإصرار وهو ينظر في عيون إيفان يخبره أنه لن يقبل بالرفض إجابة :
" اريدك أن ترسل في طلب صامد وصمود فلدينا رحلة لعالم المفسدين ....."
______________________
و... ها نحن على وشك العودة للمحطة التي بدأ من عندها كل شيء ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
*للعلم كان هذا آخر الفصول قبل العيد ، والعودة باذن الله بعد العيد بأيام قليلة، فقط ارتاح قليلًا من كل هذه الضغوطات ومن ثم لنا عودة مع مغامرات جديدة، مغامرات اروع من السابقة .
مغامرات إيفان في قصر مشكى، وسالار في عالم المفسدين، وما خفي كان اعظم .....*
فانتظروا عودتنا بعد العيد باذن الله هعلن وقتها وأن شاء الله ميكونش فيه تأخير، اخد نفسي من كل الضغط ده ونرجع، خاصة اني اول ثلاث ايام عيد هكون بشتغل، ومش هاخد اجازتي غير من اليوم الرابع للسادس، ومن بعدها نعود للعمل والكتابة مجددًا .
وفي النهاية ...عيدكم مباركم، ينعاد عليكم بالخير واليمن والبركات يا شباب ❤️.
رواية مملكة سفيد الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم رحمة نبيل
متنسوش قبل القراءة تصويت وتعليق على الفصل برأيكم .
ومتنسوش الدعوات لكل الطلاب اللي بتمتحن حاليا سواء ثانوية عامة أو أزهرية أو دبلومات ..
ومتنسوش الدعاء لأهلنا في غزة والسودان وكل الدور العربية ...
واخيرًا الفصل بمناسبة اكمال الرواية ٢ مليون قراءة على واتباد، بشكركم ...
صلوا على نبي الرحمة .
قراءة ممتعة
______________________
أسفل شمس الظهيرة الحارقة كانوا، التأفف هو السمة التي تعلو وجوه الاثنين، هذا يتذمر والآخر يجيبه بكلمات مشابهة .
" ماذا كان سيحدث لو أننا ذهبنا في المساء ؟؟ لا اعلم ما حب القائد في هذا التعذيب ؟!"
ابتسم صمود بسمة جانبية ساخرة على حديث صامد يقول بجدية :
" عزيزي، بل الأحرى أن القائد يهوى تعذيبنا نحن تحديدًا "
صمت صمود ثواني قبل أن يستدير صوب صامد يقول بجدية محركًا إصبعه في الهواء :
" أوتعلم، بدأت اصدق ذلك الهاجس داخلي والذي يخبرني أن الجميع في هذه المملكة يحقد علينا، الجميع يظن أننا مرفهمان فقط لأننا نتحرك بين العالمين بكل حرية ونحضر ما نريد، لكن لا أحد يرى ما نعانيه نحن، ليرحمنا الله منهم "
زفر صامد يوافق صمود الحديث :
" نعم صدقت يا أخي، والله لقد تعبت من هذه المملكة، من بها سيدفعني يومًا للعيش مع المفسدين "
صمت ثواني قبل أن يحرك عيونه على منطقة الحدود بين سفيد والجبل الذي يقودهم خارج هذا العالم، يتأفف :
" والآن أين هذا القائد الآن ؟؟ لِمَ يخبرنا بسرعة الحضور وهو حتى لم يأتي ؟؟"
" أخبرتك أنني لا ارتاح لهذه الرحلة مع هذا الرجل المتجبر المرعب .."
" وهل لنا خيار آخر يا اخي، ليرحمنا الله منه ومن شعبه .."
وعند الرجل المتجبر المرعب .
كان يتحرك بسرعة كبيرة صوب الحدود يمسك لجام حصانه، وأمامه تجلس تبارك على الحصان، تميل برأسها على صدره وهو كل ثانية يوقف الحصان يطمئن أنها بخير، ثم يكمل المسير .
" أنا بخير سالار، لست بحاجة لتوقف الحصان كل ثانية "
كانت تتحدث وهي ما تزال مغمضة الأعين، ليميل سالار يقبل رأسها قبلة سريعة، ثم اعتدل يقول بهدوء يراقب عن كثب ملامحها التي بدأت تستعيد لونها بعد شحوب كاد يودي به للجنون:
" حمدًا لله على ذلك تبارك، ستكونين بخير عزيزتي "
" أنا بخير، لا اعتقد أننا كنا بحاجة لتكبد كل هذا الإرهاق لأجل بعض الأدوية التي يمكن الاستغناء عنها بالاعشاب "
استنكر سالار حديثها بالكامل يهتف بصوت شبه حاد :
" ما الذي لا نحتاجه ؟؟ هذه صحتك تبارك، ووالله الذي لا إله إلا هو، لو اضطررت للذهاب يوميًا لما تأخرت لحظة في ذلك، ثم مهيار أخبرني أن تلك الأعشاب لا تجدي نفعها مع جسدك"
صمت وهي نظرت له تشعر بالذنب الشديد لما تفعله به، مدت يدها بهدوء تلفها حول خصره وهو ارتجف لثانية من التفاجئ، لكنها لم تهتم تقول ببسمة صغيرة :
" إذن هل ستذهب كلما انتهت ادويتي ؟؟"
" لا بأس، يمكنني فعلها، أو يمكننا أن نخبر صامد وصمود نوع تلك الأدوية ونعرفهما ما يجب فعله، وهم مع كل زيارة لعالمك، يحضران لنا ما يكفينا حتى زيارتهما التالية "
ابتسمت تبارك تغمض عيونها ولم تجبه بكلمة، بل فقط صمتت تستمتع بهذه اللحظة، حتى شعرت بتوقف الحصان لتفتح عيونها معتدلة :
"وصلنا ؟!"
" نعم عزيزتي "
ختم حديثه يبعدها بهدوء، ومن ثم هبط من فوق حصانه، يمد يده لخصرها يجذبها للاسفل، ثم أشار على نقطة بعيدة بعض الشيء عنهما حيث أجساد صامد وصمود :
" سأطلق الحصان ليعود، تحركي صوب هذين الاحمقين اخبريهما أنني قادم لأنني اعلمهما بعد ثواني سيهربان "
نظرت تبارك صوب صامد وصمود لتبتسم بسمة واسعة تقول :
" والله زمان ..."
عند صامد وصمود كان التذمر ما يزال مشتعلًا بينهما حتى توقف صمود فجأة يشير لتبارك التي كانت تتحرك صوبهم قائلًا بتعجب :
" أليست هذه هي نفسها الفتاة التي ارهقنا القائد لأجل إحضارها لتصبح ملكة ؟؟"
حاول صامد أن يرى تلك النقطة التي يشير لها صمود قبل أن تتسع عيونه بصدمة يقول :
" نعم إنها هي نفسها، ترى ما الذي أحضرها هنا ؟!"
" هل هذه هي المهمة التي سنذهب بها للعالم الآخر ؟! سنعيدها لعالمها ؟؟"
ابتسم صامد بعدم تصديق، ثم قال فجأة :
" نعم انت محق "
توقفت تبارك أمامهما واخيرًا ترفع يدها في الهواء تقول ببسمة صغيرة :
" مرحبًا بـ "
قاطعها صوت صمود الذي قال فجأة :
" والله كنت اعلم، علمت أن الملك لن يتحملك وسوف بعيدك لعالمك"
نظرت لهما تبارك بتعجب ليتساءل صمود مجددًا :
"إذن أنتِ لم تصبحي الملكة صحيح ؟؟"
نفت تبارك برأسها ولم تكد تضيف كلمة حتى ابتسم صامد وصمود بسمة متسعة وقد رفع صامد يده يحتفل بصدق تحمينه :
" ها رأيت ؟؟ والله أخبرتك أن هذه المرأة لن تصلح لأن تكون ملكة، أعني بالله عليك انظر إليها ؟؟ هي هزيلة ضعيفة "
صمت ثم اقترب من صمود يهمس بصوت منخفض كي لا تسمعه تبارك والتي سمعته بالفعل يقول بجدية :
" وايضًا غبية بعض الشيء كما ترى "
تشنجت ملامح تبارك بسخرية لاذعة وهي ترفع طرف شفتيها في حركة شعبية تناستها لطول مدة بقائها بين الملوك والأمراء، لكن يبدو أن هذه الزجاجة والكأس كان لهما رأي آخر.
وقبل أن تهم بالاعتراض وإيضاح ما حدث لهما، قاطع كل ذلك اخراج صامد سيفه يضع جزءه الخلفي في ظهر تبارك يأمرها بحدة رغم طوله الذي يصل تقريبًا لمنتصف ظهر تبارك، يدفعها قائلًا بتكبر غبي :
" هيا يا امرأة تحركي امامنا، وانسي كل ما رأيته بهذا العالم وإلا جعلناكِ تندمين عليه "
هز صمود رأسه في موافقة صامتة منه على حديث صامد، يدفعان تبارك كالاسير أمامهما وهي لا تفهم ما يحدث، وقبل أن تقول كلمة واحدة سمع الجميع صوت خلفهم يردد بنبرة جامدة قوية :
،" ما الذي تفعلانه انتما ؟؟"
نظر صامد للخلف يلوح بكفه في الهواء متحدثًا بنبرة جادة :
" لا بأس يا قائد نحن سنتولى الأمر من هنا ونعيد تلك المرأة حيث عالمها والمفسدين امثالها، أنت لا تتكبد العناء ونحن سنكمل الطريق "
ختم حديثه يدفع تبارك بالسيف والذي لم يؤثر بها مقدار شعرة وهي تقف متشنجة مما تسمع :
" هيا أيتها المرأة تحركي ولا داعي للمقاومة "
هز صمود رأسه يوافق صامد كعادته :
" نعم، لا داعي للمقاومة "
وفجأة شعر صامد بجسده يتدحرج للخلف بقوة حتى أن صمود تلقفه بسرعة وكادا يسقطان سويًا حين دفع سالار صامد بقوة يهتف بصوت جهوري غاضب :
" سيفك عن امرأتي، هل جننتما ؟؟؟"
اتسعت أعين الاثنين بقوة وقد كرر صمود الكلمة ببهوت وهو ينظر لملامح صامد :
" امرأتك ؟؟"
هز صامد رأسه وكأنه يؤكد على ما سمع :
" نعم لقد قال امرأته، ما الذي يعنيه بامرأته تلك ؟؟ يا ويلي هل ما فهمته صحيح ؟؟"
ابتلع الاثنان ريقهما وقد تحركت عيونها ببطء شديد صوب سالار الذي جذب يد تبارك يقربها منه يقف أمامها بشكل مرعب وتحفز خطير وكأن صامد أو صمود يستحقان منه هذا التحفز، لكن هو فقط يكون بهذا التحفز مع كل من تسول له نفسه الاقتراب من زوجته ولو كانت ورقة شجر .
همس صامد وهو ينظر لما يرى أمامه بصدمة، فهذا المشهد خير دليل على حديث سالار، فالقائد ما كان له أن يقترب من امرأة بهذا الشكل إلا أن كانت... امرأته حقًا .
" يبدو أن الكثير فاتنا هنا صمود...."
____________________
" سمعت بعض الأحاديث في القصر أن هناك جماعة كبيرة من سفيد وصلت لمشكى ومن بينهم الملك الخاص بهم وبعض قادته "
كانت تلك الكلمات المبهورة المتحمسة تنطلق من أفواه النساء داخل مطبخ القصر العملاق، حيث تقف كهرمان لتشرف على تحضير الطعام الذي يتم توزيعه بشكل يومي على غير المقتدرين ممن فقدوا ذويهم وكبار السن والأطفال الذين تكفل بهم أرسلان شخصيًا .
رفعت كهرمان حاجبها تتحرك بكل هدوء لا تعلم من أين لها به صوب نافذة المطبخ والتي كانت تطل على جزء من مدخل القصر ترى ابواب القلعة تُفتح والعديد من الأحصنة تتحرك للداخل، وكل ذلك لم يكن يعنيها منه سوى رؤيته ..
يجلس فوق خيله بكل هيبة وكبرياء يرفع رأسه كعادته، خيله يتحرك بقوة تليق بقوته وخلفه حصان زمرد ومن ثم دانيار وبعض الجنود، هذا يعني أنهم تركوا البلاد لكارثتهم " تميم " .
وهذا ما لم يطمئن إيفان الذي التوى ثغره يتذكر توديعه لتميم في نفس لحظة توديع سالار لهم مع زوجته .
" تميم أنا سأذهب لأجل الانتهاء من محاكمة بافل وسالار سيذهب لمهمة في العالم الاخر لأجل زوجته، وهذا القذر دانيار يصر على المجئ معي، إذن يؤسفني اخبارك أنه لم يتبقى من القادة غيرك هنا لتتولى أمور البلاد حتى عودتنا "
وضع تميم يده جهة صدره مبتسمًا بهدوء :
" لا تحمل همًا مولاي أنا سـ ..."
فجأة توقف بصدمة وقد استوعب لتوه الكلمة، تشنجت ملامح وجهه لا يفهم ما يحدث، نظر صوب سالار الذي كان يتأكد من وضع أسلحته الصغيرة داخل ثيابه وهو يجلس على أحد المقاعد :
" هل سمعت يا قائد ؟؟ بالله عليك أخبره أنني اجيد القيادة، أنا اقود وحدتي في كل الحروب بذكاء وهدوء ولم يحدث أن فشلت يومًا، أخبره يا قائد "
انتهى سالار مما ينهض، ثم تحرك صوب صوب تميم يربت على كتفه بحركات واثقة وبسمة هادئة جعلت تميم ينظر لإيفان بكبرياء، لكن ذلك الكبرياء تحطم لقطع صغيرة حين وصل له صوت سالار :
" فقط حاول ألا تفجر القصر حتى نعود تميم "
استدار له تميم بصدمة يهتف بعدم تصديق أن ذلك الحديث خرج منه :
" بالله عليكم ماذا دهاكم، منذ متى كنت بهذه اللامسؤولية ؟؟ متى كان آخر مرة سمعتم بها صوت انفجار في هذا القصر ؟؟"
انطلق صوت إيفان وسالار ودانيار سويًا وبنبرة واحدة :
" بالأمس"
بُهت وجه تميم يقول وهو يتراجع للخلف :
" حسنًا هذه كانت حادثة استثنائية ليس إلا، لكن أنا ومنذ أيام طويلة لم أعد افجر شيء، هذا ...هذا فقط ...كل هذا لأنني احاول التطوير من أسلحة الجيش ؟؟ هل تريدون العيش والموت بهذه البدائية يا قوم ؟؟ العيب عيبي أنني اعرض نفسي للخطر لأجلكم "
انفجر دانيار في الضحك بصوت مرتفع، بينما إيفان ابتسم بسخرية :
" أي قوم تميم، ذلك القوم الذي تعمل لأجله سيفنى يومًا بسببك ولن يكون هناك من يستخدم تلك الأسلحة سواك "
ضحك سالار على نظرات تميم الحانقة وقد انتفض جسد الاخير يتحرك صوب الخارج بغضب شديد :
" هكذا إذن ؟؟ إذن جدوا من يتولى أمر المملكة ويحميها من الأعداء ومني إن كنت أمثل لكم كل هذا الخطر "
ولم يكد يتحرك خطوة حتى سمع الجميع صوت العريف يقول :
" يمكنني أنا تولي حكم البلاد حتى يعود الملك إيفان "
كان يتحدث بنظرات مبتسمة خبيثة بعض الشيء وهو ينظر بطرف عيونه صوب إيفان وفي رأسه تدور افكار عديدة له وهو يلتصق بالعرش ويرفض النهوض عنه، حتى أنه فكر في طريقة لبدء انقلاب ينتزع به إيفان عن الحكم .
كل تلك الأفكار كانت ترتسم بوضوح على وجه العريف على هيئة نظرات وبسمات مريبة، جعلت إيفان يرفع حاجبه متمتمًا بحنق :
" على الاقل اكبت نظراتك تلك عني وأنت تتحدث عن تولي البلاد يا عريف، يا ويلي أشعر أنك على وشك اخراج خنجر وطعني به لتتفرد بحكم البلاد "
انتفض العريف من أفكاره على صوت إيفان يقول بسرعة :
" ماذا ؟؟ لا يا بني أنا فقط كنت افكر في بعض أمور المكتبة نحن نحتاج لتجديد الارفف الخشبية "
ابتسم له إيفان بسخرية لاذعة :
" نعم تجديد الارفف الخشبية يحتاج لتلك النظرة الإجرامية فعلًا، هيا لنتحرك من هنا قبل أن أفقد هدوئي على جميع الموجودين .."
نظر نظرة أخيرة لسالار يتساءل بجدية :
" كل شيء بخير اخي ؟؟ هل تحتاج شيئًا ؟؟"
نفى سالار برأسه بهدوء :
" نعم، كل شيء بخير، توكل على الله إيفان ونلتقي حين عودتي في زفافك يا اخي ...."
وها هو إيفان يتقدم من باب القصر الذي يتوسط قلعة مشكى كي يحقق رغبة سالار ويجهز لزفافه، منذ متى رفض رغبة لسالار هو ؟؟
وصل ليجد أرسلان يتوسط مدخل القصر مع المعتصم وبعض الرجال من جنوده، ابتسم بسمة جانبية يرى تحفز أرسلان له وكأنه جاءه في حرب، توقف بحصانه يقول وهو يرفع يده لارسلان الذي كان يواجهه بملامح صلبة :
" السلام عليكم يا قوم جئتكم بالخير والسلام "
ابتسم أرسلان بسمة جانبية :
" أي سلام تسألني وأنت جئت كي تنتزع مني جوهرتي يا رجل ؟!"
هبط إيفان عن حصانه يتحرك صوب أرسلان حتى وقف أمامه ببسمة واسعة مستفزة يقول :
" هل تعتبر أخذي شقيقتك إعلانًا للحرب أرسلان ؟؟"
أجابه أرسلان بكلمة واحدة :
" نعم ."
نظر له إيفان في عيونه بقوة يجيبه بنفس البسمة :
" إذن فلتكن حربًا ......"
_________________
يتحركون خارج حدود البلاد والأعيان متربصة لتلك المرأة التي يعاملها القائد كالقوارير، سبحان مغير الاحوال، أليست هذه هي المرأة نفسها التي كان يتعامل معها بخشونة تنافس خشونته مع رجاله منذ عدة أشهر ؟؟
هذا ما يفعله الحب بالرجال ؟؟ يا ويلي .
كان سالار يمسك كف تبارك بين كفه ينتبه لكل خطوة تخطوها، يراقبها بحرص وكل ثانية يميل هامسًا بصوت منخفض :
" تريدين مني حملك تبارك ؟!"
نظرت له تبارك بتذمر:
" أنا بخير سالار "
" إذن أخبريني حين تشعرين بالارهاق حسنًا ؟!"
ابتسمت له تهز رأسها وهو ابتسم لها بلطف يكمل طريقه، تاركًا خلفه أجساد صامد وصمود متجمدة بارضها فارغي الفاه متسعي الأعين بصدمة كبيرة لا يصدقون ما يحدث على مرأى ومسمع منهم ..
" يا الله لقد سحرته تلك المرأة "
أجابه صمود بموافقة :
" نعم، فلا يمكن أن يلين القائد لامرأة بهذا الشكل "
فجأة انتفضت أجسادهم بقوة حين سماع صرخة سالار الجهورية :
" ما سبب توقفكم ؟؟"
تحرك الاثنان بسرعة خلفه ببسمة واسعة كي لا يصب القائد غضبه عليهم، بينما سالار ابتسم وهو يبعد عيونه عليهم يسير مع تبارك صوب المنحدر الخاص بنهاية العالم والذي كانت تبارك تنزل له بعدم فهم :
" واحنا نازلين نطينا، دلوقتي هنطير ؟!"
ابتسم لها يجذب يدها صوب بعض الأشجار التي تظلل البحيرة أسفل الحافة يكشف لها طريق وعر صوب الاعلى :
" بل سنتسلق "
نظرت تبارك أمامها للمنحدر لتشعر فجأة بوجع في قدمها قبل حتى أن تتحرك خطوة، اطالت النظر قبل أن تعود له بنظراتها معترضة :
" مش ملاحظ اني كل ما اتخطى تحدي واحس نفسي بقيت زي الفل معاكم تعلوا بالمستوى ؟؟ مش كده عايزين نعيش "
ضحك لها سالار يتحرك أمامها، ثم جلس على ركبتيه يشير على ظهره:
" لم أكن سأدعك تصعدينه وحدك فهو وعر ملئ بالنتوء التي قد تجرحك إن لم تنتبهي، وانا لن اراهن على حرصك الآن تقارك؛ لذا اصعدي "
نظرت له تبارك باعتراض شديد :
" هل تمزح معي ؟! بعد كل ما ذكرته هل تظن أنني سأدعك تسير كل هذه المسافة حاملًا إياه على ظهرك ؟؟ هذا مستحيل، أنا سأرهقك "
" ما احب على قلبي من إرهاق منكِ، ثم لا تحملي همي لقد كنت احمل أجساد جرحانا وأسير بهم مسافات طويلة لأيام، بالطبع لن اواجه مشكلة في حملك تبارك، هيا لا نريد أن تطيل من رحلتنا "
كان الرفض يعلو وجه تبارك، لذا تحركت تستدير لتواجهه، ثم جذبته ليقف تنظف له ثيابه ترفض رفضًا تامًا أن تعرضه لهذه المشقة:
" هيا أنا بخير، ثق بتلميذتك يا قائد "
ابتسم لها سالار رغم توتره من تكبدها مشقة صعود المنحدر :
' لطالما فعلت "
نظر خلفه صوب صامد وصمود اللذين كانا يحدقان بهما بصدمة لا يعتقدان أنهما قد يتخطونها قريبًا .
وحين ابصروا تحرك سالار حثّوا الخطى بسرعة خلفه وبدأت رحلتهم في صعود المنحدر، وكل ثانية كان سالار يتوقف بهم يطمئن على تبارك ...
وكل نصف ساعة يجبرهم على أخذ راحة أسفل أي نتوء في المنحدر قد يمنح تبارك ظلًا يريحها من حرارة الشمس، لم يكن يود اخذها منذ البداية لكنها من أصرت أنها تود العودة لبلادها تتنفس هواءها مجددًا، وهو لم يمتلك سبيلًا للرفض .
اجلسها على إحدى الصخور يخرج قارورة مياه من حقيبته التي يحملها خلف ظهره يمنحها إياها لتشرب وهو ينظر لها بكل الاهتمام الذي يمتلكه.
بينما صامد وصمود كعادتهما منذ بداية الرحلة يقفان في الجوار يراقبان بصدمة حتى همس صمود لصامد :
" أتذكر في طريق الذهاب المرة السابقة، كان يجرنا خلفه بألسن متدلية من العطش، وحين طالبناه براحة لشرب المياه رمقنا بتلك النظرة ما قبل تحوله لوحش "
تشنج وجه صامد بحنق :
" ما الذي يحدث هنا الآن ؟؟"
" القائد يتحول، هذا ما يحدث هنا "
وبعد هذه الكلمات وصلتهم نظرة من سالار جعلتهم يتحركون خلفه بصمت ورعب شديد، وهو فقط اكمل الطريق كل ثانية يمنح تبارك نظرة جانبية يرى بها حالتها وإن كانت بخير .
حتى فجأة أبصر شحوب وتعب يعلو وجهها ليتحرك ويجلس أمامها يجذب يدها بالاجبار يجعلها تميل على ظهره، ثم نهض يتحرك بهدوء وهي متسعة الأعين فوق ظهره لا تصدق ما يحدث :
" سالار ما الذي ..."
" اششش فقط استكيني تبارك، كدنا نصل "
ختم حديثه يمنحها بسمة حنونة، يكمل الطريق مبتسمًا لها نفس البسمة المؤازرة وهو يبذل كل ما يمتلك لقاء راحتها، يدعو الله في صدره أن تكون بخير وألا يرى بها سوءًا يومًا، تلاشت بسمته وهو يسمع صوت صمود يقول :
" سيدي مهلًا لقد أُصيبت قدم صامد بجرح "
تحدث سالار بعدم اهتمام وجدية وهو يكمل السير :
" لكن قدمه الأخرى ما تزال جيدة، لذا يمكنه السير على قدم واحدة، أكملوا الطريق وتوقفوا عن التدلل بهذا الشكل "
نظر له صمود بصدمة كبيرة، ثم عاد بنظراته صوب صامد الذي كان يجلس ارضًا يمسك قدمه الجريحة يحدق بظهره سالار الذي يحمل فوقه زوجته فقط لأنها تصببت بعض قطرات العرق الإضافية .
تحدث صمود بصوت لا ولن يصدق ما يبصره :
" أخبرتك أنها ساحرة ..."
__________________
في منتصف ساحة مشكى يقفان بتحفز وكأنها حرب حقيقية، الأعين تتصارع والنظرات تقاتل، والبسمات تستفز .
حرب باردة مارسها كل من إيفان وارسلان في هذه اللحظة قبل أن تدخل كهرمان بسرعة بعدما هبطت من الاعلى تقول بجدية :
" أخي، ما الذي يحدث هنا ؟؟"
أجابها أرسلان بهدوء وبكل برود :
" سنقيم حربًا"
" هل تمزح معي ؟؟"
تحدث إيفان وهو يحرك نظراته من وجه أرسلان لوجهها البهي يبتسم بسمة صغيرة :
" لا تهتمي بكل هذا سمو الأميرة، فقط اصطحبي زمرد بعيدًا عن هنا رجاءً وانا سأتولى الأمر من هنا "
تشنجت ملامح كهرمان تقول بعدم تصديق :
" هل تمزح معي أنت الآخر ؟! حرب ؟؟ تمزحون ؟؟"
اعترضت زمرد على كلمات إيفان وهي تقف بتحفز خلفه :
" لا أنا سأشارك بهذه الحرب "
تحركت لها أعين كهرمان تقول بصياح وجنون :
" هل أنتِ مجنونة زمرد ؟؟ أي حرب تلك يا امرأة ؟؟
لكن زمرد فقط تحفزت بكل خلية بها لولا نظرات دانيار المحذرة لها والتي جعلتها تعانده لثواني قبل أن ترضخ له ولنظرات إيفان وتقرر التحرك مع كهرمان للداخل، لكن كهرمان نفسها كانت ترفض أن تتحرك خطوة واحدة دون أن تتأكد أن كل شيء سيكون بخير .
همسات بصوت منخفض :
" أرسلان ..."
نظر لها ببسمة :
" هيا كهرمان أنا لن اقتله لا تخافي "
أضاف إيفان بنفس بسمة أرسلان :
" نعم كهرمان لا تخافي هو لن يستطيع قتلي "
استدار أرسلان صوب إيفان بسرعة كبيرة وملامح بدأت تزداد حدة :
" لا تناديها باسمها "
ابتسم له إيفان بسمة صغيرة ولم يجب، بينما أرسلان أشار لكهرمان بصرامة أن تتحرك بعيدًا صوب القصر وهي فقط كل ما استطاعت فعله أنها جذبت يد زمرد والقت له بنظرة متوسلة، ثم تحركت مع زمرد للداخل .
وبعدما اختفت عن الأنظار تحركت أعين أرسلان صوب إيفان الذي قال دون أن يمنحه أي فرصة للحديث :
" قبل بدء أي حرب حالية أرسلان، استدعي الملك بارق والملك ازار لننتهي من أمر بافل اولًا "
هز أرسلان رأسه يشير له بالتقدم :
" إذن تحرك معي إيفان لننتهي من هذه المناقشة "
وبالفعل فعل إيفان الأمر تاركًا خلفه الجنود يتحركون ليتخذوا أماكنهم، ودانيار يقف في منتصف الساحة يراقبهم حتى اختفوا، ثم ابتسم بخبث وهو يتحرك بهدوء شديد صوب جهة يعلمها جيدًا ...
وعند تلك الجهة تركتها كهرمان وهي تقول بكلمات قليلة متحركة خارج الجناح الذي حصلت عليه زمرد لأجل إقامتها في مشكى :
" تصرفي كأنك في منزلك زمرد، أنا سأتفقد الفتيات في المطبخ واعود لكِ "
ابتسمت لها زمرد تهز رأسها تراقب المكان حولها باستمتاع فنظام ونقوش الجدران في مشكى تختلف تمامًا عن تلك في سفيد، كان لكل مملكة طبعها الذي يميزها، ورغم كل ما مرت به مشكى من دمار، إلا أنها لا تزال جميلة بحق..
اقتربت من النافذة تستند على حافتها تستنشق بعض الهواء، قبل أن تسمع صوت طرقات على باب الغرفة لتسمح للطارق بالدخول ظنًا منها أن كهرمان عادت لشيء نسته أو أن العاملات أتوا لنقل امتعتها .
لكن حين فتح الباب سمعت صوتًا رجوليًا مميزًا يهتف :
" لا اعتقد أن سماحك لأيٍ كان الطارق بالدخول، أمر يسرني سمو الأميرة، ماذا إن كان رجلًا ما ودخل ليرى هذا المشهد البديع الذي تبصره عيناي الآن ؟؟"
استدارت زمرد بسرعة صوب الباب بنظرات متعجبة، ليبتسم لها دانيار الذي لم يخطو خطوة واحدة للداخل ما يزال يقف على باب غرفتها رافضًا الدخول والاختلاء بها، ليس وهي بهذه الوداعة النادرة .
ابتسمت له زمرد دون وعي تقول ببساطة :
" لا اعتقد أن الجميع يمتلك عيونك ليبصروا المشهد بنفس الطريقة التي تبصره بها سيدي الرامي "
" أنتِ تقللين من شأنك سمو الأميرة، من ذا المسكين الذي لا يبصر هذا البهاء في مثل هكذا مشهد؟؟ الاعمى فقط من لا يبصره"
ولأول مرة تشعر زمرد بالخجل لدرجة أنها عجزت عن الرد، فتحت فمها للتحدث، لكنها صمتت فجأة تحاول أن تتخطى تلك الكلمات منه، وهو ابتسم يبصر تضجر وجنتيها بالاحمر ونظراتها التي بدأت تتحرك في جميع الاتجاهات عداه .
ودانيار ابتسم فقط بسمة صغيرة يضم كفيه خلفه يبعد عيونه عنها قائلًا بهدوء :
" يسعدني أن أبصر هذا الجانب منك سمو الاميرة، وسأكون أكثر سعادة في المستقبل إن رأيته أكثر، لكن حين يجمعنا رباط واحد "
نظرت له بتردد وهو أكمل ببسمة صغيرة :
" حسنًا، أنا فقط جئت أخبرك أنني سأقيم في الغرفة المجاورة لكِ هذا إن احتجتي لي في أية لحظة، تأكدي أنني في الجوار طوال الوقت "
نظرت له زمرد ثواني قبل أن تقول :
" انت... أنت ستقيم معنا كامل المدة هنا ام ستعود للبلاد لاحقًا ؟!"
ابتسم لها يرفع عيونه بنظرة سريعة لها :
" هذا يعتمد على فترة بقائك هنا، فأنا وجودي هنا يرتبط بوجودك ، إن بقيتي بقيت، وإن رحلتي فلا مكان لي أسفل سماء لا تجمعني بكِ "
ختم حديثه يضع يده أعلى صدره وقد رأي أن يرحل ويكتفي بكل ذلك الآن، يميل نصف ميلة بهدوء :
" الآن اعذريني سمو الأميرة، سوف أذهب للتجهز لاجتماع الملوك، و...."
رفع عيونه لها مبتسمًا وهو ما يزال يميل بنصفه العلوي :
" أعتني بنفسك حتى ألقاكِ سموك "
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن الباب تاركًا ولأول مرة زمرد تتجرع كلماته بثماله، تستشعر للمرة الأولى حلاوة أن يخبرها أحدهم بكلمات معسولة، تستشعر للمرة الأولى حلاوة أن تُعامل كفتاة، أن تشعر كأنثى.
ابتسمت دون وعي تراقب الباب هامسة :
" إلى اللقاء دانيار ....."
____________
بعد مرور النهار وحلول الليل على الجميع .
انتهى سالار من تسلق المنحدر بعدما قضى نصفه حاملًا لتبارك والنصف الآخر يمسك يدها كي يضمن تحركها بشكل سليم دون أن تتعرقل بأي نتوء في المنحدر .
واخيرًا وصلوا صوب بداية الغابة ليتنفس سالار بصوت مرتفع يعيد خصلاته للخلف في حركات تدل على إصابته ببعض الإرهاق، بينما تبارك تتابعه بأسف وشفقة .
لكن يبدو أن مشاعر تبارك تلك لم تكن هي نفسها مشاعر صامد وصمود الذين ابتسموا فورما لمحوا تعب سالار على وجهه وانتعش في صدورهم أمل كبير، وصوت صامد يهمس بسعادة طاغية وهو ينغز شقيقه في خصره مشيرًا بعيونه صوب سالار :
"انظر يا اخي، يبدو أنه تعب واخيرًا، اعتقد أنه سيعطينا راحة الآن"
لكن صوت سالار اكمل بكل هدوء بعدما التقط أنفاسه:
" حسنًا لنكمل، كدنا ننتهي "
تدلى فك صامد وصمود بصدمة كبيرة وعلى الاعتراض وجوههما ولم يكد أحدهما يتحدث حتى كان الاعتراض من تبارك التي أمسكت يد سالار تمنعه التحرك :
" ليس الآن، ليس وأنت مرهق بهذا الشكل سالار، دعنا نستريح رجاءً"
هز صامد وصمود رؤوسهما بسرعة وتأييد لحديث تبارك وهم ينظرون بنظرات بريئة متوسلة صوب سالار :
" نعم سيدي السا...زوجتك محقة، انظر اليك أنت تبدو شاحبًا يا ويلي، عليك الراحة "
لكن سالار أجاب بهدوء ورفض :
" أنا بخير، لنكمل "
وقبل أن يتحرك وحينما أدركت تبارك أنه لن يرضخ لحديثها إلا بهذه الطريقة وضعت يدها على رأسها تتظاهر بأنها على وشك السقوط ارضًا :
" فقط دعني التقط انفاسي أنا سالار، أشعر بدوار شديد أصاب رأسي بعد صعود هذا المنحدر "
توقف سالار بسرعة ينظر لها بقلق وهو يمسك يدها يتحرك بها صوب أحد الأشجار يجعلها تجلس أسفلها بهدوء :
" هل تشعرين بالجوع ؟؟ تريدين أخذ ادويتك ؟؟"
جذبت تبارك يده تجبره على الجلوس جوارها :
" لا فقط اريد الراحة رجاءً، دعني التقط انفاسي وبعدها نكمل "
هز سالار رأسه بحيرة وهو يراقب ملامحها :
" حسنًا لا بأس، سنستريح هنا لبعض الوقت حتى تصبحي بخير "
اتسعت أعين صامد وصمود وكل ثانية تتجدد صدمتهم مما يحدث أمامهما .
ويبدو أن عليهما التأقلم قريبًا على هذه النسخة المريبة من سالار ..
أما عن سالار فهو فقط أشار لهما أن يجلسها بهدوء، وكذلك فعلا بسرعة قبل أن يغير رأيه وبدئا الإثنان يخرجان الطعام ليتناولاه بشهية مفتوحة متغافلين عن سالار الذي رفع رأسه يناظر نجوم السماء فوقه، مد يده بهدوء يجذب رأس تبارك يضعها على كتفه ثم ربت عليها بحنان :
" استريحي مهجتي "
ابتسمت تبارك تتعجب أن مفهوم الراحة في قاموسها تغير من مجرد وجبة دسمة ونومة هانئة دون مشاكل من جيرانها، إلا تربيته من يده وبسمة من فمه ونظره من عيونه وهمسة منه .
عجبًا لحياة تتغير بنظرة من رجلٍ، وأي رجل كان هو ؟؟
سيد الرجال في عيونها .
ابتسمت تبارك تستكين لكتفه تشعر بالراحة لتربيتاته، ورغم أنها ما جلست هذه الجلسة سوى لتريحه هو من مشقة الصعود، إلا أنها شعرت فجأة أنها كانت تحتاج هذه اللحظات أكثر منه .
" تريدين تناول الطعام ؟؟"
نظرت له تبارك تنفي برأسها:
" فقط أريد الجلوس هكذا أكبر وقت ممكن "
قبل رأسها قبلة صغيرة مستغلًا انشغال الأخوين المزعجين في تناول الطعام يجيبها ببسمة وكلمات ما كان لينطقها يومًا لأحدهم :
" سمعًا وطاعةً مولاتي .."
" ما زلت مصرًا على مولاتي تلك، حسنًا دعني اصارحك أنني كنت ابغضها لهذه الكلمة، فأنت ما كنت تنطقها لي يومًا سوى سخرية مني "
نظر لها سالار ثواني قبل أن يطلق ضحكات صاخبة يتذكر كل تلك المرات التي نطقها بالفعل سخرية منها، ازدادت ضحكاته لتتسبب في توقف الطعام في منتصف حلق صمود الذي شعر بقرب انقطاع أنفاسه وهو يسعل بشدة وصامد يناوله المياه بسرعة وصدمة، هل هو يضحك ؟؟ القائد يضحك ؟؟
وفي هذه اللحظة تأكدت شكوك الأخوين ...
" قضي الأمر، هذه المرأة ساحرة وعلينا حرقها ليتلاشى تأثيرها..."
أما عند الساحرة والمسحور ..
كان سالار كذلك بالفعل، مسحور بكل ما يصدر منها سواء كانت همسة أو نظرة أو بسمة، كل ما يخرج منها يسحره وبكل بساطة .
" ربما في ذلك الوقت كنت اصارع نفسي لأجل ألا اميل لهوى لن يزيدني إلا عذابًا، لكن الآن وبعدما صرتي زوجتي فثقي أن كلمة مولاتي تخرج من اعماق قلبي محملة بكل الحب والاحترام لكِ مهجتي"
نظرت له ثواني، ثم ابتسمت وابعدت عيونها تقول بهدوء وبسمة واسعة وبنبرة حالمة وعيون ملتمعة بقوة :
" هذا يبدو رائعًا تمامًا كما حلمت، أنا والنجوم وزوجي وفقط....."
فجأة ارتفعت أصوات الصراخ من جهة الأخوين بعدما زاد أحدهم في الطعام عن الآخر لتشتعل مناقشة حادة بينهما جعلت تبارك تضيف على جملتها السابقة :
" والأخين تيمون وبومبة.."
__________________
الليلة الأولى في مشكى مرت بهدوء غريب، هدوء غريب عن تلك الحالة من الاستنفار التي كانت مشتعلة بين الملكين ...
واخيرًا حلّ الصباح وأتى معه اليوم المنتظر، يوم المحاكمة التي ارتقبها جميع سكان الممالك، فترى القوافل المحملة بالشعوب آتية من سبز وأبى وسفيد ..
الجميع أتى ليشهد نهاية الظالم، والقلوب عامرة بالحقد والغضب .
تحرك إيفان في ممرات مشكى يرتدي ثياب عادية قماشية، لكن رغم ذلك تنطق بالثراء، وصل واخيرًا صوب قاعة الاجتماعات ليجد الجميع في انتظاره .
" ها هو الملك العزيز الذي جعلنا جميعًا ننتظره قد وصل، أنرت القاعة مولاي، ما كان عليك تكبد العناء والمجئ الآن، كنا نستطيع انتظارك ساعات إضافية إن أردت ؟؟"
ابتسم إيفان لارسلان يهز رأسه بهدوء :
" لا بأس، لا يهون عليّ ترككم كل هذا الوقت، ثم أنا الآن أخذت كفايتي من النوم، والآن هل نبدأ ؟!"
لم يتحدث أرسلان ولم ينهض له مع الجنود ليستقبله، بل ظل جالسًا بكل برود حتى تحرك إيفان وجلس كذلك يقول :
" إذن هل نبدأ ؟؟"
سخر منه أرسلان ببسمة باردة :
" إذا تكرمت مولاي "
أجابه إيفان بنفس البسمة :
" سأفعل عزيزي"
التفت إيفان صوب الجميع عقب هذه الكلمات يقول بجدية أجبرت الجميع على الاستماع له بكل انتباه :
" الآن وبعدما توافد جميع ساكني الممالك ليشهدوا خلاص ذلك الحقير، سوف يتم تنفيذ حكم القصاص منه علنيًا ليشفي الله بذلك صدور القوم الذين عانوا على يد ذلك الخسيس وشعبه الويل، وليبرد قلب شقيقتي التي حيت بجحيم لأجل ما فعله بها .."
ختم حديثه يبصر نظرات الموافقة من الجميع، حتى أرسلان الذي قال :
' هذا ما سيحدث بالفعل، وأنا لم أنس كملتي لك بأن تكون شقيقتك هي الحاكم عليه، لكن المنفذ سيكون أنا وشعبي، هذا شرطي إيفان "
هز إيفان رأسه وهو منذ البداية لم يكن ينتوي بأي شكل من الأشكال أن يجعل شقيقته تلوث يدها بدماء هذا النجس ..
تحرك خارج المكان بعد دخوله له بدقائق يفكر في طريقة لاخبار زمرد بما يحدث هنا، فهي حتى الآن تعيش على فكرة أنهم جاءوا هنا فقط لأجل زفافه من كهرمان .
وصل للغرفة التي تقطنها وأطلق نفسًا عميقًا، ثم رفع يده ليطرق الباب، لولا ذلك الجسد الذي فتحه بشكل مفاجئ ليطل عليه ملاكه الذي تألق باللون الابيض منذ الصباح .
توترت كهرمان من وجود إيفان هنا تقول بصوت منخفض :
" أوه مرحبًا مولاي "
" مرحبًا سمو الأميرة، عسى أن يسعد الله صباحك كمل فعلتي معي للتو "
نظرت له كهرمان بعدم فهم لثواني ولم يستوعب عقلها بعض مقصده من تلك الجملة، وهو فقط ابتسم لها يتنحى عن الطريق مشيرًا بكفه وبكل رقي قال :
" تفضلي .."
نظرت له كهرمان وامسكت طرف ثيابها برقي تميل له، ثم تحركت بهدوء شديد بعيدًا عن الغرفة، شاردة بكلماته وبسماته، لكن فجأة توقفت على صوته وهو يقول :
" سمو الأميرة .."
استدارت له كهرمان ببطء ونظرات الترقب تعلو ملامحها، وهو فقط ابتسم يقول بهدوء :
" فقط أردت تذكيرك أن الأمر مسألة أيام فقط وامنحك لقبًا آخر عدا ذلك اللقب "
وهذا ما كان ينقصها لكهرمان، لغز آخر يتحدث به هذا الرجل، ألا يمكنه ببساطة إلقاء الكلمات في وجهها وبكل صراحة، وهذه البسمة التي يرسمها عقب حديثه تثبت لها صحة تفكيرها أن تلك الجمل تحمل الكثير خلفها، وهي في العادة ليست غبية كي لا تلتقط الاحرف المتوارية خلف الكلمات، لكن معه تصبح كذلك لشدة توترها، حتى أنها فقط هزت رأسها وتحركت ببساطة وكأنها تعطيه موافقة ضمنية على جملته .
وهذا ما جعل ضحكة تفلت من فم إيفان وهو يقول طارقًا باب أخته:
" سأعتبر هذه الهزة نعم "
وبعد هذه الكلمات اختفى داخل الغرفة الخاصة بزمرد بعد سماعه أذنها، تاركًا خلفه كهرمان تحاول استيعاب ما يحدث حولها الآن....
وبمجرد دخوله ابتسم بحنان لزمرد التي كانت تجلس على أحد المقاعد تتناول فطورًا يبدو أن كهرمان هي من أحضرته .
" إيفان ؟؟ تعال لتشاركني الطعام ."
اقترب إيفان من مقعدها يقبل رأسها بحنان، ثم جلس على مقعد مقابل لها يقول بهدوء وهو يستند بيديه على قدمه :
" لا حبيبتي تناوليه أنتِ بالهناء والشفاء لست جائعًا، أنا سأنتظر حتى تنتهين "
نظرت له باعتراض :
" إن لم تكن ستشاركني إذن أخبرني ما جئت لأجله على الأقل فلا داعي لتنتظرني حتى انتهي هذا سيضيع المزيد من وقتك، أنا في الأساس شبعت "
فركت يديها في حركة أنها انتهت من الاكل، لكن إيفان لم يقبل بذلك يردد بجدية :
" اكملي طعامك زمرد ولا تعاندي، أنا سأنتظر هنا حتى تنتهين، ثم لا شيء أثمن منكِ هنا لاضيع به وقتي ؟؟"
ابتسمت له زمرد وشعرت بقلبها يرقص فرحًا لما تسمع، هل هذه مكافأة الله لها بعد سنوات طويلة من الصبر، بعدما كانت تسمع من الألفاظ الذعها من بافل وترى من التصرفات اوقحها، رزقها الله بأخٍ كإيفان، تشعر أنها مقصر في شكر الله .
شعرت بدموعها تلتمع وهي تنظر للطعام تحاول شغل نفسها به وقد بدأت دموعها تتساقط متذكرة والدتها، تتخيل لو كانت حية حتى هذه اللحظة كانت لتسعد بوجود إيفان وترحل مرتاحة البال .
زادت دموعها أكثر وهي تحاول اخفاء وجهها تخفضه على الطعام بشكل ملحوظ لإيفان، الذي لم يشأ أن يتدخل في هذه اللحظة وقد تركها تخرج من يعتمر بصدرها، وهي فقط تكتم تأوهاتها بلقيمات الطعام .
فجأة وجدت كوب يُمد لها، رفعت عيونها ببطء لإيفان الذي ابتسم لها بحنان، وهي فقط تناولته منه ترتشف القليل لربما تبتلع برشفة الماء تلك غصاتها التي تقف في منتصف حلقها ..
وإيفان فقط تحرك من مقعده وتوجه لها يحمل منها الكأس بعدما انتهت منه يضم رأسها لصدره مقبلًا إياها بحنان :
" هل انتهيتي ؟!"
هزت رأسها بنعم وهو نظر للطعام فهو لم يشأ أن يخبرها بشيء قد يجعلها تنفر الطعام، لذا تنهد يقول :
" أنتِ لم تنتهي من الطعام بعد، هيا سأساعدك واتناول بعضه "
نظرت له تقول وهي تجفف دموعها :
" لكنك قلت أنك لست جائعًا "
" أنا كاذب حبيبتي ليسامحني الله "
ابتسمت زمرد شيئًا فشيء قبل أن تطلق ضحكة خافتة تراه يتحرك ليجلس جوارها يشاركها الفطور وهي تناولته بسعادة كبيرة حتى أنها لم تشعر أن معدتها امتلئت، بل أكملت تناول الطعام طالما هو يتناول معها .
وحين فرغ الاثنان من الأمر استدار لها إيفان ينفض يده وهو يحمد الله بخفوت، يقول ببسمة :
" انتهينا من الطعام وحان وقت الحديث "
نظرت له باهتمام شديد وهو فقط دفع الطاولة بعيدًا بعض الشيء كي يعتدل في جلسته يمسك يديها يردد بحنان :
" هل تتذكرين تلك الأمنية التي تحلمين بها ؟؟"
" زواجك ؟!"
ابتسم لها بحنان وسعادة لتلك الكلمة البسيطة، اشعرته بمدى اهتمام زمرد بكل ما يخصه، ربما لم يحظى بأم يومًا، لكن ها هي أخته الحبيبة جاءت تعوضه كل ما فقده، وفي الحقيقة لم تكن زمرد هي المستفيدة فقط من وجود إيفان، بل كان إيفان أيضًا يرتشف من اهتمامها بقدر ما يستطيع :
" هل زواجي أمنيتك زمرد ؟!"
" بل سعادتك أخي، وكهرمان هي سعادتك لذلك اتمنى لو تحقق ما تريده "
رفع إيفان كفها يقبله بحنان :
" سيحدث حبيبتي، لكن قبل تحقيق تلك الأمنية سأحقق لكِ أمنيتك الاولى في هذه الحياة "
رمقته بعدم فهم وهي تتذكر أول أمنية في حياتها، وللحقيقة هي لا تتذكر، لكن ربما كان أمنيتها الاولى هي توقف والدتها عن البكاء كل ليلة وهي معتقدة أن زمرد غافية لا تسمع صوت نحيبها ..
" بافل "
انتفض جسد زمرد فجأة ولم تكد تبتعد حتى امسك إيفان يدها وهو ينظر في عيونها بقوة يدعمها بكل ما يمتلك :
" لقد اسرناه وهو هنا ذليل ينتظر كلمتك لتحكمي عليه عزيزتي، وعدتك أن يكون لكِ وها أنا افي بوعدي، لن يحكم عليه غيرك وهذا قصاصك "
ارتجفت شفاة زمرد وشعرت أن صورة إيفان اختفت خلف سحابة الدموع التي ملئت عيونها، وقد اهتز صدرها من كل ما يحدث :
" أنا ؟؟"
" نعم أنتِ، الجميع يقف في الاسفل، شعوب من جميع الممالك، وجميع الملوك والأمراء وقادة الأربعة ممالك، الجميع ينتظر وصول أميرة سفيد لتدلي بحكمها على بافل، الكلمة الآن كلمتك زمرد وأنتِ المتحكم الوحيد في الأمر، اليد العليا لكِ أنتِ فقط وستسري على رقاب الجميع بمن فيهم أنا عزيزتي ...."
كانت تسمع حديثه ودموعها تتساقط بقوة تشعر أنها تحلم، بالطبع تحلم، فمن أين لفتاة تجرعت الذل كؤوسًا وتلقت من المهانة اطنانًا، أن تنال شرف قول كلمة تعلو كلمات ملوك وأمراء، من أين لها بهذا الشرف .
والإجابة كانت نظرة من إيفان الذي رأت في عيونه فخرًا بها، إيفان الذي حولها من فتاة نكرة تقريبًا لاميرة يحترمها الجميع، أجبر الكل على الانحناء لها .
امسك يدها يجذبها يعدل من ثيابها مشيرًا على ذراعه يطالبها أن تتأبطه كي يتحرك بها للخارج وهي فعلت ما طلب وقد كانت يدها ترتعش، ابتسم لها يتحرك صوب الباب يصحبها بفخر شديد، لكن زمرد ما خطت خطوتين حتى انهارت باكية في الثالثة وهي تجهش في البكاء بصوت قطع قلب إيفان الذي التفت بسرعة كبيرة يلتقط جسدها بين ذراعيه يضمها له يجلس بها على الأرضية، وهي فقط انهارت في بكاء عنيف لا تعلم سببه، لكنها حاجة في صدرها أخبرتها أنها الآن فقط تستطيع أن تبكي والدتها وذاتها بكل حرية.....
________________________
" قولتلي بقى أنت جيت الغابة دي كام مرة ؟؟"
استدار سالار والذي كان يسبق الجميع في سيره كي يبعد أي شيء قد يعيق سيرهم، أو بالتحديد سيرها هي، وليحترق صامد وصمود هو لا يهتم .
تحدث بصوت هادئ جامد بعض الشيء :
" فقط عندما ذهبت لاحضرك والآن"
كان صوت سالار يبدو هادئًا جامدًا بعض الشيء وذلك لأنه يعطي كامل انتباهه للطريق أمامه خوفًا أن يهمل شيء قد يتسبب لها في الضرر وهي تسير بهذا الحمق وكأنها تتحرك داخل غرفتها أو ما شابه .
" يعني عملت كده مخصوص عشاني، قلبك كان حاسس ولا ايه يا قائد ؟؟"
توقف سالار ثواني ثم استدار لها يجيب بعد تفكير قصير :
" حسنًا لأكون صريحًا أنا أُجبرت على الأمر، ولو كان الأمر بيدي ما كنت وافقت "
ختم حديثه يتحرك ببساطة ليس وكأنه للتو حطم احلام المسكينة الوردية التي رددت بخيبة أمل وهي تسير خلفه :
" ليس عليك أن تكون بهذه الصراحة سالار "
ابتسم سالار وهو يكمل سيره بكل هدوء وعيونه تدور حوله :
" الصراحة راحة يا ابنتي "
التوى ثغر تبارك وهي تقول :
" لكن الكذب يريح أكثر خاصة إن عني ذلك ألا تخيب امالي "
ابتسم سالار وهو يقول ببساطة أكبر :
" اعتقد أن فكرة تحولي من شخص غير مهتم لشخص أكثر من مهتم افضل من معرفتك أنني كنت مشتاق لرؤيتك منذ البداية "
توقفت تبارك ثواني تحاول فهم معنى جملته التي دخلت عقلها عطلته، وهو فقط يكمل طريقه بهدوء حتى تجاوزها وهي واقفة وكذلك صامد وصمود اللذين مرا بها، وقال صامد بتشفي وهو يشير لها سعيدًا يرفع يديه في الهواء :
" ها هو تأثير سحرك بدأ يتلاشى أيتها المشعوذة، تكبير "
بدأ صمود يكبر وهو يتحرك بعيدًا عنها :
" الله أكبر "
وتبارك ترمقهما بعدم فهم :
" سحر ومشعوذة؟؟"
لحقت بهم بسرعة حين شعرت أنها بدأت تبتعد عنهم، تردد بصوت مرتفع :
" مهلًا أي ساحرة تلك التي تقصدها ؟؟"
لكن أحدًا لم يجيبها وهي زفرت بغضب تبحث بعيونها عن سالار كي تلتصق به وتبعتد عن هذين الغبيين، لكن فجأة وحين خطت فوق أحد الأغصان سمعت أصوات عديدة حولها، اصوات حبال تتحرك بسرعة كبيرة جعلتها تغمض عيونها وهي تردد :
" أوه لا، ليس مجددًا "
رفعت رأسها تنادي بصوت مرتفع وقلق :
" يا قائد ...يا قائد "
توقف سالار والذي كان يسير ويتحدث مع تبارك ظنًا أنها هي من تتحرك خلفه وهو يبتعد كل الأغصان عن طريقها، نظر خلفه ليتفاجئ أن من يتبعه هما صامد وصمود، وايضًا تلك الصرخات باسمه ..
" مهلًا أين زوجتي ؟؟"
هز الاثنان كتفيهما بجهل مصطنع وهما ينظران بعيدًا عنه، بينما سالار ازداد غضبه وهو يصرخ بهما :
" ايها الغبيان اقسم إن حدث لها شيء لن يكفيني أن اجعلكما بنفس الطول، كعقلة الاصبع "
تحرك تاركًا إياهم ينظران في أثره قبل أن يقول صامد وهو ينظر لطول صمود مفكرًا بجدية:
" هذا سيستلزم الكثير من الجهد للقائد حتى يجعلك بطول عقلة الاصبع "
تشنج وجه صمود بحنق، ليتحرك الأثنان بسرعة خلف سالار الذي كان يتحرك في الغابة حوله يصرخ باسمها :
" تبارك ...تبارك، تبارك أين أنتِ ؟!"
فجأة توقف حين سمع صوتًا يأتيه من الاعلى ينادي عليه :
" أنا هنا يا قائد، الله يكرمك نزلني دمي بدأ يتجمع في راسي "
رفع سالار عيونه ببطء صوب تلك الشجرة التي كانت زوجته معلقة بها، يتنفس بصوت مرتفع يمسح وجهه بضيق وهو يهمس متحركًا صوب طرف ذلك الفخ ليقطعه :
" يا الله لا يعقل أن تقع في كل فخ يقابلها بهذا الشكل، الأمر يبدو كما لو أن الصيادين وضعوا هذه الفخاخ لها تحديدًا"
توقف طوار الحبال الموضوع على أحد جزوع الشجرة يفكر ثواني متذكرًا آخر مرة سقطت، قبل أن يعود ليقف أسفل النقطة التي تعلوها تبارك وهو يلقي بخنجرة صوب صمود :
" أذهب وأقطع طرف الفخ وأنا سألتقطها"
ختم حديثه يرفع رأسه صوبها وهي فقط ابتسمت تقول :
" يبدو هذا مناسبًا الآن انزلوني رجاءً."
ابتسم سالار بقلة حيلة، ثم تنفس بصوت مرتفع يشير صوب صمود يقول :
" مع ثلاثة، واحد.... إثنان...ثلاثة "
وبمجرد نطقه لتلك الكلمة قطع صمود الحبل بسرعة ليندفع جسد تبارك صوب الاسفل بعنف شديد جعل سالار يهرع محاولًا معرفة المكان الذي ستسقط فيه وفي خلال ثواني فقط كان سالار ساقطًا ارضًا وتبارك بين أحضانه تتنفس بصوت مرتفع وضربات قلبها يرن صداها على صدر سالار الذي رفع رأسه يطمئن أنها بخير، ومن ثم ألقى رأسه ارضًا يتنفس الصعداء .
وهي فقط ابتسمت تقول :
" ها نحن نتقدم سالار، المرة السابقة تركتني أسقط، وهذه المرة التقطتني ببراعة، المرة القادمة انتظر أن تطير لتحضرني من الفخ بنفسك "
ابتسم سالار بسمة واسعة وهو ما يزال مغمض الأعين يحاول التماسك وتجاهل ذلك الشعور بالدوار الذي أصابه بسبب اصطدام رأسه بالأرض في عنف شديد، ويبدو أن تبارك أدركت ما يدور به سريعًا إذ قالت بريبة :
" سالار هل أنت بخير ؟؟"
" نعم عزيزتي أنا بخير حال، كنت فقط افكر في اعلم الطيران منذ الآن، أنتِ لم يصبك شيء صحيح ؟؟"
" لا أنا بخير، لكن أنت من لا يبدو عليه الخير سالار "
حاول سالار النهوض وهو يضمها بحنان شديد، ثم زفر بصوت منخفض يقول :
" بل أنا بخير "
دفعها ببطء لتنهض وتساعده على النهوض، نفضت ثيابه وهو ابتسم لها بحنان يمسك يدها بقوة ثم تحرك بها يقول :
" لنكمل الطريق، علينا الانتهاء من الغابة قبل حلول الظلام "
نظرت تبارك صوب صامد وصمود اللذين لحقا بهما متأففين وبشدة، كاد يُقتل للتو ولم يتوقف للراحة، ليعينهم الله على هذا الرجل، ولتنتهي هذه الرحلة بسلام ...
______________________
في ساحة القلعة حيث كان الجميع يزاحم بعضهم البعض ليشهدوا نهاية هذا الطاغية الجالس على ركبتيه ارضًا في المنتصف يحيطه الجنود مبعدين الجميع عنه، ليس حماية له بقدر ما هو حقن للدماء وتنظيم لما سيحدث ...
الملوك جميعهم يقفون مقابل الشعوب بكل هدوء، الجميع في انتظار الكلمة التي ستشفي صدورهم، ثواني وأعلن أحد الجنود بصوت جهوري وصول ملك سفيد والأميرة .
التفت جميع الرؤوس صوب بوابة القصر حيث تحرك إيفان بقوة وهيبة كعادته وقد جعل زمرد تتأبط يده، والثانية تسير جواره تشعر أن المكان يضيق عليها، لولا تربيتات إيفان على يديها، ونظرات دانيار الذي كان يتحرك معها من بعيد ينظر لها بمؤازرة، يبتسم لها بحنان وهو يسير خلف الصفوف يرفع كفه لها يطمئنها.
ابتسمت من بين دموعها العالقة في عيونها له، ثم تحركت عيونها صوب الجميع، هي حين كانت تصرخ في وجه بافل وتخبره أن نهايته على يديها كان هناك جزء خبيث يخبرها أن ذلك أبعد من أحلامها، لكن ربها رب المعجزات معاذه أن يخذلها وهي تضرعت له ودعت له .
واخيرًا شاهدت المشهد الذي عاشت عمرها تحلم به، شاهدته في واقعها، ووالله لو سقطت ميتة في هذه اللحظة ستكون أكثر من سعيدة وقد نالت ما أرادت .
بافل يجلس ذليلًا في منتصف الساحة منكس الرأس، جلسة اعتادت أن تجلسها حين تخطأ معهم منتظرة عقابهم، الآن والآن فقط انتقم الله لها، هي الآن نالت قصاصها ..
ابتسمت تقول بصوت منخفض وصل له واضحًا إذ عم الصمت في الساحة حتى أنه وإن ألقى أحدهم قشة لسمعوا صدى ارتطامها بالأرض :
" مرحبًا بافل .."
وبافل منكس الرأس استدار ببطء صوب ذلك الصوت، لم يكلف نفسه عناء فتح عيونه التي كانت منتفخة من الضربات التي تلقاها، هو تعرف على صوتها دون الحاجة لرؤية وجهها، ابتسم بسمة صغيرة جعلت زمرد تقترب من ببطء تحت نظرات الجميع المترقبة لحكمها، وبمجرد أن توقفت أمامه نظرت له طويلًا وهو رفع رأسه بصعوبة لها يهمس :
" مرحبًا اختي العزيزة ..."
اطالت زمرد التحديق في وجهه وفي ثواني قليلة مر عليها كل ما عاشته على يديه، ولم تكن تسمع في هذه اللحظة سوى صوت صرخاتها وهي تتلقى منه التعذيب كل يوم تقريبًا .
كل ما تلقته على يديه مر أمامها في ثواني لتقول :
" أتعلم عدد المرات التي نمت بها باكية احلم بهذه اللحظة، اتدرك كم مرة تخيلت أنك تركع بهذا الشكل أسفل قدمي تنظر لي بتوسل كما تفعل الآن ؟! أوتعلم عدد الطرق المريعة التي تخيلت نفسي اعاقبك بها، حتى أنني تخيلت نفسي اقطعك أشلاء، ومن ثم أحرق تلك الأشلاء وارقص حول النيران التي تلتهمك كما فعلت بذكرى قتل أمي، افكار سوداء كثيرة كانت تأتيني كلما تخيلت وجهك، لكن الآن وقد عشت تلك اللحظة، لم أعد ارغب بأي شيء "
نظر لها بافل بصدمة وقد التمع الأمل بعيونه وهي فقط سقطت دموعها تقول بصوت كاره حاقد :
" أنا نلت قصاصي برؤيتك ذليلًا بهذا الشكل بافل، نلت قصاصي ناقصًا ووالله لن يكتمل إلا أمام رب العالمين، يوم تجتمع الخصوم، لن اقتص منك الآن ولن الوث يدي بك، لن أطالب بقصاصي الآن ففي النهاية هذه الحياة الدنيا فانية، مهما نلت من قصاص منك فلن يكفيني مُر سنوات عشتها معكم، لذا سأنتظر حتى نقف أمام الله لآخذ قصاصي كاملًا، وحينها سيكون الحاكم هو الله، والله أنني خصيمتك وقومك يوم القيامة"
ختمت حديثها ترفع يدها تصفعه بقوة ليسقط ارضًا بسبب شدة هزالته، وهي تحركت برأس مرفوع الجميع تقول بصوت مرتفع :
" طلبتم أن أحكم، وحكمي هو أن يناله كل ما نال شعب مشكى، اشفوا صدور القوم والقوا به لمن فقد عائلته بسببه، قصاصي سأناله يوم تجتمع الخصوم، سلموه لشعب مشكى هم أحق به مني.."
ختمت حديثها ليمنحها إيفان بسمة واسعة فخور وقد تنفس الصعداء يغمض عيونه يحمد الله في صدره أنها لم تنهار وتتصرف بشكل تندم عليه فيما بعد .
وزمرد تحركت صوب إيفان مبتسمة، وكلمات دانيار الذي التقى بها لثواني بعد انهيارها في احضان إيفان وابتعاده عنها ليجهز كل شيء، تترد في أذنها...
" الكلمة كلمتك اميرتي، خذي قصاصك بالشكل الذي يريحك، لكن حذاري أن تفقدي روحك في القصاص زمرد، وتذكري اميرتي أنه مهما نال بافل من أذى فلن يقلل هذا من شعورك بالقهر، فدعي القصاص ليوم القصاص ولا تجعليني أفقدك في هذا الأمر، وأي قرار تأخذينه سأساندك به بحياتي، أنا جوارك طوال الوقت، فقط استديري برأسك وستلمحينني اساندك بقلبي قبل جسدي "
استدارت زمرد بالفعل يمينًا ليكون وجهه المبتسم اول ما يقابلها، انتزع دانيار خوذته يضعها على صدره مغمضًا عيونه ينحني نصف انحناءة، ثم رفع رأسه يبتسم لها بحب، وهي هزت رأسها هزة خفيفة، تسير بهدوء حتى وصلت صوب إيفان الذي فتح ذراعيه لها يتلقفها مقبلًا رأسها بحنان :
" كيف حال قلبك الآن حبيبتي ؟!"
" بخير طالما أنت تسكنه أخي، شكرًا لك "
تأوه إيفان مبتسمًا وقد كانت هناك دموع تلتمع بعيونه ينعي والدته داخل صدره يضم له زمرد التي تحركت عيونها تراقب أرسلان الذي تقدم من منتصف الساحة يقول :
" أميرة سفيد أصدرت حكمها ومنحت شعب مشكى حقه في القصاص لذويه، لذا اليوم مساءً سيُسلم لكم هذا الخسيس لتأخذوا منه قصاصكم "
ختم حديثه يشير للجنود بسحبه للداخل حيث السجن ثم تحرك بأعين سوداء يشمر اكمامه يلقي معطفه الملكي لبعض الجنود وقد بدا في هيئة مرعبة، يقول وهو يمر جوار ازار دون توقف :
" تعال معي وخذ قصاصك ملك آزار، والله لن يرحل أحد اليوم دون أن يشفي صدره بإذلال ذلك الحقير، لن يبيت طفل صغير في الممالك الأربعة إلا وأخذ حقه من ذلك الخنزير "
ختم حديثه يصرخ بصوت جهوري :
" خذوا ذلك الوسخ للسجن واجمعوا لي باقية قومه الانجاس، حان وقت القصاص ..."
وفورًا تحرك خلف الجنود وازار ابتسم بسمة ميتة وهو يلحق بهم وقد اشتد جسده بقوة يهتف :
" دع لي البعض منه ملك ارسلان، فثأري معه ثقيل لهذا الحقير ..."
أبعدت زمرد عيونها عما، يحدث تقول بصوت مرتجف مما عاشته، لكن السعادة كانت واضحة في نبرتها وهي تقول :
" الآن ماذا أخي ؟؟"
نظر لها إيفان ثواني ثم حرك عيونه صوب أحد الاتجاهات يقول ببسمة واسعة :
" الآن سنعود للمملكة حبيبتي .."
" ماذا ؟؟ ماذا عن زفافك ؟؟"
ابتسم لها يقول بحنان :
" سيحدث لكن بعد عودته لسالار، لا يمكنني الاحتفال به دونه، وحتى ذلك الحين ننتهي من بعض الأمور العالقة لاتفرغ بالكامل لزفافي "
" وما تلك الأمور العالقة التي قد تعيقك عن زواجك من كهرمان إيفان ؟؟"
ابتسم إيفان وهو ينظر صوب دانيار الذي كان يراقبها باهتمام شديد وكأن لا أحد في المكان غيرها، هو لم يغفل عن نظراته التي كانت تحرس شقيقته في كل خطوة تخطوها ..
" عقد قرآنك من دانيار عزيزتي ..."
_____________________
وبعد هذا اليوم وبعد مرور أيام قضاها سالار في التنقل هنا وهناك، واخيرًا وصلوا لآخر مرحلة لهم، المرحلة التي يليها محطتهم المنشودة ...
وقفت تبارك في المركب التي ستأخذهم صوب الحدود المصرية، كان يمكنهم الحصول على هذه الأدوية من بلاد كثيرة، لكنها رفضت إلا أن تزور بلادها التي اشتاقت لها وبشدة .
استنشقت رائحة البحر والتي أعادت لها ذكرى قديمة أو قريبة لا تدري، ذكرى وجودها مع سالار في رحلة الذهاب، سبحان مقلب القلوب، كانت في تلك اللحظات تشعر بانقباضة صدرها والرعب من القادم، الآن فقط تشعر بالأمان يحيط بها، طالما أنها في محيطه .
" ما الذي تفكرين به ؟؟"
" بك "
" هذا يسعدني "
استدارت له تبارك تبتسم قائلة :
" فقط اتذكر المرة السابقة التي كنا بها على متن هذه السفينة، شتان بين مشاعري وقتها ومشاعري الأن "
ابتسم سالار يتحرك ليستند على سور السفينة الحديدي يشرد بعقله محاولًا معرفة ما الذي كان يشعر به وقتها؟؟ هو لا يتذكر شعوره وكأن مشاعره كانت ضبابية ذلك الوقت، ليست مشاعر حنق وغيظ كما ظن يومها، بل كان حذر وحرص من الاقتراب، وكأنه يعلم ما سيناله إن فعل، أو ربما كانت تلك المشاعر التي جعلته يشعر بالمسؤولية تجاهها، ذلك اليوم حين كانت تصرخ من بين أحلامها ..
" أنتِ لن تخبريني ما تتضمنه احلامك عني صحيح ؟؟"
أحمر وجه تبارك خجلًا وهي تنظر بعيدًا ليجعل هذا سالار ينظر لها بريبة :
" هل هو أمر مخجل لهذه الدرجة ؟؟"
ضحكت ضحكة خافتة :
" بل جنوني، أنت في احلامي كنت مناقضًا لهيئتك في الواقع وقتها، تخيل أن احلم طوال الوقت أنك تضمني بين أحضانك وتدللني بأميرتك، وفي الصباح تصرخ في وجهي وتوبخني وتسخر مني بمولاتي ؟؟"
اتسعت أعين سالار يقترب منها بفضول :
" ادللك ؟؟"
نظرت لوجهه قبل أن تقول :
" نعم كنت تفعل كل ليلة، تقترب مني وتحتضنني بحنان وتخبرني أنك ستأتي لاجلك، وأنك اشتقت لي"
كانت تتحدث وهي تخفض رأسها لا تود النظر لوجهه، وهو فقط ينظر لها بصدمة فكيف تحلم بكل ذلك منذ البداية، كيف استطاعت النظر في وجهه بعد ذلك، لو كان هو لكان تجنبها من ريبة تلك الأحلام ..
ولم يشعر سالار أن السؤال الذي يفكر به نطقه دون وعي، لتجيب هي ببساطة :
" لم أكن أعلم أنه أنت فملامح الرجل لم تكن واضحة في احلامي "
وفورًا تلاشت الحيرة ليعلو الجمود والحنق ملامحه :
" وما الذي أخبرك أنه أنا؟! لربما كان رجلًا آخر ؟!"
" لقد أبصرت وجهك لاحقًا في احلامي و....صوتك في الاحلام كان هو نفسه حينما تهمس لي بصوت منخفض "
ابتسم سالار دون وعي وهو يمد يده لها يقول ممازحًا :
" اقتربي عزيزتي دعيني احقق احلامك "
ضحكت تبارك بصوت خافت تقترب منه وهو ضمها له يقول :
" مرحبًا اميرتي لقد اتيت لأجلك وصدقت وعدي، اشتقت لكِ .."
اطلقت تبارك ضحكات مرتفعة على همساته وقد بدا حقًا شبيهًا لتلك الاحلام، وعلى ذكر الاحلام لا تدري سبب توقفها منذ تزوجت به، ألأنه رافقها في الواقع سيحرمها لذة وجوده جوارها في الاحلام ؟؟
تنهدت تستند على صدره تهمس بصوت منخفض :
" يبدو العالم مثاليًا في هذه اللحظة سالار، تلك اللحظة التي اسكن بين أحضانك أشعر أن العالم أكثر من مثالي "
" حتى وإن لم يكن عزيزتي سيكون لاجلك ...."
ابتسمت تنظر له، ثم نظرت أمامها تقول :
" كم تبقى لنصل صوب منزلي، لا اصدق أنني اقول هذا لكنني اشتقت لكل ركن به .."
" يوم ونصف تقريبًا، وتكونين في منزلك "
تنهدت تقول بسعادة وهي تضم يديه لها تهمس :
" لا اصدق أنني سأعود لحارتي العزيزة للمرة الأولى مع زوجي وبعد غياب طويل، ترى كيف اصبح الجميع هناك؟؟ هل تغيروا ؟؟ أم أن الحياة بأكملها قد تتغير وهم لن يفعلوا ؟؟؟"
قبل رأسها بحنان يهمس :
" هذا ما سنكتشفه حين نصل ..."
__________________
بعد أيام قليلة ...
توقفت في منتصف الحارة وفي بداية المساء سيارة أجرة جذبت انتباه بعض المارة الفضوليين وكأنهم دخلوا المكان بمرسيدس أو ليموزين، وليس سيارة أجرة .
كانت تبارك أول من نزل من السيارة وهي تتنفس بصوت مرتفع تقول :
" نفس ريحة الصرف الصحي متغيرتش "
استدارت حولها ترمق المكان حولها، نعم لم يتغير أي شيء في المكان نفس المنازل نفس الوجوه، ونفس النساء اللواتي يقضين نهارهن وليلهن في الثرثرة أمام المنازل ..
بدأت الأعين تتحرك صوب تبارك التي هبطت من السيارة واتسعت مندهشة متسائلة عن مكان تواجدها وعودتها بهذه الطريقة ودون مقدمات .
بدأت الهمسات تعلو بين النساء :
" مش دي البت تبارك ؟؟ هي كانت فين الحزينة دي ورجعت كده ؟؟"
تحدثت فتاة كانت تندس بين النساء تحاول الارتشاف من خبرتهن الكبيرة في الثرثرة تقول بحنق :
" أنا عارفة كانت سارحة في أي مصيبة ولسة راجعة، اقطع دراعي أما كانت البنت دي وراها حاجة "
ختمت كلماتها ولم تكد ثالثة تضيف جملة حتة توقفت الكلمات وتوقفت الهمسات وتوقفت الأنفاس حتى حين ابصروا رجل يهبط من السيارة بجسده الضخم وملامحه الشاذة عنهم بتلك الأعين الخضراء والخصلات الصهباء والثياب القماشية البنية، ولم تكن ملامح ذلك الرجل ما أثار انتباه النساء بقدر ما فعلت تصرفاته، فبمجرد أن هبط من السيارة جذب له يد تبارك يشدها جواره، ثم أشار لرجلين غريبي الأطوار خلفه باللحاق بهم وتحرك بكل قوة في المكان لا ينظر يمينًا أو يسارًا فقط يضع عينه على البناية الخاصة بتبارك حتى صعد لها ...
واختفت صورة سالار مع تبارك لتنطلق شهقات النساء بصدمة كبيرة .
" أنتم شوفتوا اللي أنا شوفتوا ده ؟؟"
" يا مصيبة هي البت تبارك كانت ماشية بطال ولا ايه؟؟"
" لا ومن غير خشى وحيا جاية بيه لغاية هنا "
فجأة فزعت النساء بسبب فتح النافذة التي تعلو رؤوسهن وارتفاع صوت امرأة من داخل المنزل وهي تقول :
" والله انتم اللي معندكمش خشا ولا حيا ولا حياة عشان تفضلوا قاعدين كده تحللوا في حياة غيركم وتخوضوا في عرض اللي رايح واللي جاي يا ولية يا ناقصة منك ليها، امشوا بعيد عن المصطبة " عتبة" بتاعتي بدل والله اجيب ماية مسيح البيت اغرقكم بيها اياكش المسحوق فيها ينضفكم منك ليها "
ارتفعت شهقات النساء والاعتراضات :
" أنتِ اتجنيتي يا نرمين ؟؟ ايه الكلام اللي بتقوليه ده ؟؟ "
أجابت نرمين بغضب وهي تلوح بأصابعها عليهم :
" ايه!! مش عاجبكم الكلام وهو فيكم، فما بالكم بالكلام اللي بترموه بالكذب على الناس ؟؟"
ابتسمت الفتاة التي كانت تتوسط جلسة النساء والتي كانت هي نفسها من تحدثت سابقًا بالسوء عن تبارك يوم عرفت النساء عن أحلامها :
" ايه يا خالتي نيرمين هو الكلام وجعك اوي كده ليه ؟؟ ولا عشان بنتك يعني زيها ودايرة على حل شعرها داخلة خارجة و..."
وقبل أن تكمل كلماتها كان نعل نيرمين يسقط عليها وهي تتحرك خارج المنزل صارخة بجنون :
" اه يا قليلة التربية، قطع لسانك أنتِ وأي واحدة تجيب سيرة بنتي في المكان ده، طب والله لاكون خارجة ومربياكِ أنتِ واللي خلفتك"
ومن بعد هذه الجملة اشتعلت الحرب بين الجميع في الحارة وعلى الاستنفار والغضب الملامح ..
كل ذلك الصراخ والضوضاء وصل لتبارك في الاعلى والتي كانت ما تزال تقف أمام المنزل تحاول فتحه حتى قالت بتعجب :
" ايه الصوت اللي جاي من تحت ده ؟؟ "
نظر لها سالار ينزع منها المفتاح يقول بجدية :
" لا اعلم ولا اهتم، فقط ادخلي المنزل واغلقي على نفسك "
كان يحاول فتح الباب لكن خابت مساعيه، نظر للمفتاح يقول بتفكير :
" يبدو أنه ليس مفتاح المنزل، هل أنتِ متأكدة أنه هو تبارك ؟؟"
" أيوة متأكدة طبعًا أنا كنت وخداه في شنطتي قبل ما اجي معاك، حاول تاني "
نظر سالار للباب مرة ثانية وحاول دس المفتاح به لولا أن الباب فُتح فجأة وطل عليهم شاب لا يرتدي سوى بنطال قصر فقط يفرك وجهه بكسل متحدثًا بعدم فهم :
" ايه فيه ايه عمالين تلعبوا في الكالون ليه ؟؟"
اتسعت أعين تبارك بصدمة كبيرة وهي ترى ذلك الشاب يخرج بهذا الشكل من شقتها، بينما سالار جذب فجأة جسدها ليختفي خلف جسده وهو يصيح بصدمة :
" يا الله يا مغيث ...."
وقبل أن يصدر كلمة واحدة من أحدهم سمعوا اصوات الضوضاء تقترب من المنزل والأشجار يعلو في الاسفل، ولم يكن سالار ليهتم بذاك الشجار أبدًا ويتغافل عن ذلك العاري الذي يقف أمامه وأمام زوجته دون خجل، لكن كلمات مترامية من أصوات بعض النسوة في الاسفل جعلت انتباهه يتوجه بالكامل للشجار ..
" هي اللي اسمها تبارك اللي قدمها شوم على الحارة السبب في الخناقة دي، جاية وساحبة معاها واحد اجنبي من غير اي حساب وتيجي الست التانية دي تدافع عنها بكل بجاحة، أنا مش فاهمة مستنيين ايه لما الحارة تتبلي بالمناظر دي واحنا عندنا ولايا ؟؟"
نظر سالار صوب تبارك يحاول التأكد مما وصل له، وقد تعسر عليه فهم بعض الألفاظ التي وصلت لمسامعه، لكن المضمون لم يخفى عن الاحمق، هؤلاء النسوة في الاسفل يتحدثن ويخضن في عرض زوجته، في عرضه وشرفه هو ؟؟؟؟؟؟؟
__________________
اقتربت النهاية تبقى فقط وضع النقاط الأخيرة، فترقبوا ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش فوت وتعليق برأيكم..
الفصل اهداء للجميلة "ياسمينا أشرف" و "زينب محمود " بمناسبة يوم مولدهم .
صلوا على نبي الرحمة
_________________
شعرت بالخطر يقترب، تصلب جسده والوقفة التي اتخذها في هذه اللحظة وهو يرهف السمع للخارج، كل تلك إشارات جعلت تبارك تشعر بالخطر اصبح على اعتاب حارتها، أو بالأحرى أصبح في منتصف حارتها.
وقد صدق ظنها وهي ترى تحفز جسد سالار للتحرك، لكنها أمسكت يده بسرعة تصرخ برعب مما سيفعل، فهو هنا مجرد شخص عادي، هناك سلطات تعلوه، لا تريد أن تنتهي تلك الزيارة بسجن زوجها، وأي اوراق ثبوتية يحمل لتخرجه ؟؟
قالت برعب تتمسك بمرفقه :
" لا لا سالار، لا تفعل ارجوك، دعهم "
استدار لها سالار نصف استدارة يرمقها باستنكار شديد يجذب ذراعه من بين يديها، قبل أن ينظر صوب ذلك الشاب الذي لم يفرق بين منزله والخارج واستحل لنفسه عرض عوراته على مرأى الجميع دون خجل، مد سالار يده يدفع جسد ذلك الشاب بقوة لداخل المنزلؤ ثم جذب الباب بحدة جعلت تبارك تشعر أنها حطمت الجدار حتى كاد يتشقق .
امسك يدها يسحبها خلفه بقوة لم يشعر بها ومعه صامد وصمود بنفس تحفزه حتى وصل لمدخل البناية يتوقف به، ترك يد تبارك التي كانت ترتجف بكل ما للكلمة من معنى مرتعبة مما سيحدث، تراه يشير صوب صامد وصمود :
" لا تتحركا من هنا ولا تسمحا لها بالتحرك كذلك "
ختم حديثه وهو يتحرك صوب خارج المنزل ليرى ما يحدث هناك وما الذي جعل اسم زوجته يتناقل على الألسنة لولا يد تبارك التي أمسكته تقول بفزع :
" لا لا، سالار ارجوك لا تفعل الجميع بالخارج ليسوا بذلك التحضر أو التفهم الذي تظنه، لا بأس لا تهتم لما يقال، هم لا يتوقفون عن الحديث مهما فعلت و..."
وإن ظنت أنها بهذه الكلمات كانت تحاول تخفيف الأمر عليه، فقد زادت الأمر سوءًا في الحقيقة وهو يمنحها جُلّ اهتمامه قائلًا :
" لا يتوقفون عن الحديث؟ هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث بها أحدهم عنك؟"
صمت وهو يتذكر في ثواني معدودة ما حدث حين جاء هنا من قبل ليبتسم بسمة غاضبة يهتف لها وهو يشير لنفسه :
"يخوضون في شرفي وعرضي على مرأى ومسمع مني، وتردين مني الصمت والتعامل بكل رقي وتحضر ؟؟ ألا لعنة الله عليّ إن صمت عن كلمة واحدة في حق زوجتي "
" لكن هم ..."
قاطعها سالار وهو يندفع للخارج تحت عيونها المصدومة، تبتلع ريقها بخوف تهتف بصوت مرتجف :
' سالار ارجوك "
استدارت صوب صامد وصمود :
" ليساعده أحدكم، الحقوا به وساعدوه "
أجابها صامد بعدم فهم :
" نساعد من ؟؟ المفترض هنا أن نساعد قومك وليس القائد، ليعينهم الله عليه، سوف يحيل هذه القرية لرماد "
تنفست تبارك بصوت مرتفع وهي تركض فجأة خلف سالار تقول بحنق وغضب :
" إذن أنا سأفعل ذلك بنفسي "
اتسعت أعين صامد وصمود وقد هتف الاخير برعب يراها تخرج من البناية :
" يا ويلي سيعلق القائد رؤوسنا على بوابة سفيد "
في الخارج كان الشجار بين نيرمين ونسوة الحارة محتدم، وبعض الرجال تدخلوا ليوقفوا ما يحدث ومنهم زوج إحدى النساء فيهم يقول :
' يا جماعة مش كده أنتم أهل، ميصحش نمسك في بعض كده ده شيطان ودخل بينكم "
نظرت له نيرمين بشر تقول بصوت جهوري وقد تناست كافة تعقلها وحدودها التي وضعتها لنفسها، غضبها اعماها عن التصرف الصحيح وهي تضرب كفيها في بعضها البعض :
" يا خويا لما أنت تعرف اللي يصح واللي ميصحش كده، طالق مراتك على خلق الله ليه ما تلمها في البيت، بدل ما هي مش لاقية ليها وظيفة غير أنها تخوض في عرض اللي رايح واللي جاي "
استنكرت السيدة كلمتها الكبيرة تلك :
" اخوض في عرض اللي رايح واللي جاي؟ أنتِ هتتبلي عليا ولا ايه ؟؟"
نظرت لها نيرمين مبتسمة تدعي الصدمة :
" يووه لهو أنتِ متعرفيش أن الكلمتين اللي بترميهم أنتِ وشوية النسوان خوض في الأعراض ؟! "
بُهت وجه السيدة والنسوة اجمعين حين تحولت جميع الانظار لهن باستنكار، فحتى في هذه الحارة الصغيرة حيث الفقر والجهل، كان هناك الكثيرين ممن يدرك حدوده ويعلم دينه، بصيص أمل بين كل ذلك اليأس ..
والسيدة التي شعرت بخطأها أبت أن تتحمل كل تلك النظرات لتجادل بعناد شديد مع نيرمين :
" أنتم بتتكلموا كأني جبت حاجة من عندي، أنتم يعني مش شايفين اللي داخلة علينا براجل بعد ما اختفت من غير حس ولا خبر ؟؟"
ضرب أحد الرجال كف بالثاني يستغفر ربه بخفوت :
" لا حول ولا قوة إلا بالله أنت يا ست أنتِ مش بتتعظي؟! ما تشوف مراتك يا ...."
فجأة توقف حديثه وتوقفت جميع الاصوات بسبب اختراق مسامعهم صوت قوي جهوري يتحدث بجمود :
" من ذا الذي استحل لنفسه الخوض في شرف وعرض زوجتي؟؟"
تحركت جميع الانظار صوب المتحدث ولولا جدية الموقف لكانوا سخروا من طريقته في الحديث، وسالار لم يهتم بنظرات أي أحد بهم وهو يتقدم من الجميع يتحدث بكل هدوء حاول استدعائه :
" سألت سؤالًا، انتظر جوابه، من ذلك الذي ذكر امرأتي بالسوء ؟؟"
رفعت السيدة حاجبها تقول بسخرية لاذعة :
" اتفضلوا اهو جايبة خواجة نازل يبجح فينا ومش عاجبة أننا معترضين على قلة ادبهم والقرف ده، اصل لو الحارة فيها رجالة مكانش ده كله حصل "
نظر لها سالار ثواني قبل أن يقول مبعدًا عيونه عنها بشكل متعمد اشعرها بالاهانة الشديدة :
" أنا لن اتناقش مع النساء، أين زوجك يا امرأة لأتحدث له رجلًا لرجلٍ؟؟"
شهقت السيدة وقد اعتبرت حديثه إهانة لها :
" نعم يا حبيبي ؟؟ بيقول ايه الجدع ده وبيتكلم كده ليه اساسا ؟؟ هي السنيورة لما جابتك مقالتلكش هي عايشة فين؟؟ "
تحركت أعين سالار صوبها وقد على الجمود وجهه يجيب بكل هدوء وبرود :
" أنا لست حبيبك يا امرأة والتزمي حدودك في الحديث معي ولا ترفعي صوتك، ثم أين زوجك أنتِ ؟؟"
" وتطلع مين أنت يا خويا عشان تتكلم معايا بالشكل ده، وبعدين عايز جوزي ليه ؟! مفيش فيا لسان ارد عليك؟؟ "
رفع سالار حاجبه وتجاهلها مرة ثانية جعلتها تشعر أنها على وشك الانفجار، وهو يقول بجدية وهو يدور بنظراته بين الرجال :
" أما من رجلٍ هنا لاحدثه بعيدًا عن النساء ؟؟"
أجابته نيرمين بسخرية وهي تحدق بأعين جميع النساء حولها وقد فاض بها الكيل من نساء هذه الحارة :
' لو كان فيه رجالة يا خواجة مكناش وقفنا الوقفة دي "
طعنة وجهتها بكل مهارة لجميع الواقفين، تختم حديثها جاذبة يد ابنتها التي كانت تقف جانبًا تحاول أن تبتعد عن كل هذه الأحاديث بنظرة من امها، والآن ابتعدت عن المكان، لكن قبل أن تفعل أبصرت اندفاع تبارك للشجار لتهمس لوالدتها :
' ماما استني تبارك نزلت، هتسبيها للنسوان دول لوحدها؟! "
توقفت نيرمين ونظرت خلفها صوب تبارك التي اندفعت لذلك الرجل الغريب تقف أمامه تجذب يده بعيدًا عن الجميع وهي تقول بصوت شبه مرتفع :
" أنا...أنا بعتذر يـ ..."
لكن كلماتها توقفت حين نظر لها سالار بشر يهمس لها مانعًا إياها من الحديث :
" لاي ذنب تعتذرين منهم وهم من يجب أن يعتذروا؟؟ لقد أساؤوا إليكِ ولا أجد بهم الشجاعة ليواجهني أحدهم ويفسر لي سبب كل هذا الحديث، لا يعقل أن لا أحد هنا يدرك الحق من الباطل "
تحدث أحد الرجال وهو يدور بعيونه على تبارك من أعلى لاسفل وكأنه يثبت صحة كلمات سالار السابقة :
" وهي يعني ست البنات متعرفش أنها في حارة ميمشيش معاها شغل الخواجات والصحاب ده والمرافقة دي؟؟ ولا هو نغمة الشرف مش بتمشي غير علينا احنا يا ست الترمجية ؟!"
استدارت تبارك بسرعة صوب ذلك الرجل لتشتعل عيونها بغضب وقبل أن تنطق كلمة شعرت بتصلب جسد سالار جوارها .
ها هي فرصته الذهبية تلمع أمام عيونه، ذكر واخيرًا يتحدث ليستطيع الوقوف أمامه والرد عليه كلمة بأخرى دون أن يُعاب، لكن مهلًا ما الذي تدور عيون هذا المتصابي عليه ؟؟
استدار سالار نصف استدارة ليرى هدف نظرات ذلك الرجل والتي لم تكن سوى زوجته، وفي ثواني وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث كان جسد الرجل يلتصق بالجدار خلفه وقد ارتفعت أقدامه عن الأرض وكف سالار تكاد تخرج روحه وهو يضعها على رقبته صارخًا بصوت جهوري :
" عيونك عن زوجتي..... "
___________________
" برلنت والله وتالله وبالله لو لم تتوقفي عن الحديث الكثير سأسحبك من ثيابك كالفأر ونعود للغرفة وانسي أن اسمح لكِ بالمجئ مرة ثانية، اصمتي يا امرأة"
توقفت برلنت عن السير خلف تميم وتوقفت أيضًا عن الحديث تقول :
" تميم أنت تغيرت، لم تعد تهتم بي وتدللني "
توقف تميم عن سيره هو الآخر، يعض شفتيه ثم استدار صوبها ببطء يضيق عيونه مبتسمًا بسمة واسعة مصدومة :
" ماذا تفضلتي الآن!! لم اعد ماذا حبيبتي ؟؟ لم أعد ادللك ؟؟ اقسم أن هذا الحديث لم يخرج منك إلا لشدة تدليلي لكِ، من اليوم وصاعدًا سوف أقنن من دلالك، لقد افسدك الدلال هذه الأيام سيدة برلنت "
ختم حديثه يشير لأحد الجنود دون كلمة واحدة ليفتح ذلك الرجل الباب الخاص بالسجون، ونعم هو جاء معها لزيارة والدها الثانية، وقد بدا أن ذلك العجوز قد أحب إرسال الخطابات لزوجته كل اسبوع لرؤيتها، وهو لا يلومه فهي ابنته، لكنه لا يحب تلك النظرات التي يرمقه بها كلما ذهب مع برلنت ليجلس بينهما، فهو ما يزال لا يثق به .
سارت خلفه برلنت تقترب منه بسرعة تلتصق بذراعه تحاول عدم الالتفات صوب أحد في المكان :
" تميم أنهم ينظرون لي "
استدار تميم بسرعة صوب السجون يبحث عن ذلك الذي ينظر لزوجته، وقد استاء من إحضارها هنا ليفكر جديًا أن يستأذن الملك لتكون الزيارة القادمة في الخارج تحت حراسة :
" حبيبتي لا أحد ينظر لكِ، الجميع نائم من الأساس، لا اعلم ما سبب طلب والدك لرؤيتك في مثل هذا الوقت المتأخر "
أمسكت يده تربت على ذراعه بلطف :
"شكرًا لك تميم أنت افضل تميم بهذا العالم، افضل تميم في الحياة بأكملها "
استدارت لها تميم يقول بحاجب مرفوع :
" من الأساس كم تميم تمتلكين أنتِ عزيزتي ؟؟"
فتحت فمها لتجيب، لكن غرور تميم سبق كلمتها ليجيب ببسمة واسعة مستفزة :
" واحد فقط "
ختم حديثه يكمل سيره بكل بساطة بين ممرات السجن المظلم لا يهتز له شعرة واحدة بينما هي تشعر أن الجميع ينظر لها فترتجف وتلتصق به، وتميم ما يزال يحلق فوق غيمة غروره :
" يا ابنتي أنتِ أصبح لحياتك قيمة منذ أصبحت أنا جزء منها "
هتفت برلنت وهي تنظر حولها بخوف شديد :
" نعم أنت محق، سأسايرك في الحديث فقط حتى نخرج من هنا فلا قدرة لي على التفكير في رد يلائم حديثك الآن تميم، فقط أوصلني لابي رجاءً"
توقف تميم فجأة قبل أن يستدير لها يجذب جسدها يضعها أمامه، ثم دفعها كي تسبقه معاندًا :
" عليكِ التجلد ببعض القوة عزيزتي، وإلا ستدهسك الحياة أسفل عجلات مصائبها "
ابتلعت برلنت ريقها بريبة وهي تهمس :
" أنا أفضل أن تدهسني الحياة أسفل عجلاتها، على أن تدفعني أنت بهذه الطريقة تميم"
" كفاكِ جبنًا، أنتِ زوجة صانع الأسلحة والقائد الثالث هنا"
" حسنًا كل هذه الرتب ستكون مفيدة إن أردت الالتحاق بالجيش وليس مواجهة مجموعة من أخطر مجرمي البلاد تميم، لذا اشكرك، كلماتك لم تساهم في إبعاد الخوف عني بقدر شعرة واحدة "
ختمت حديثه تبعد يده التي تدفعها ثم تحركت تلتصق في ذراعه وهي تحدق حولها، بينما هو زفر بحنق يهتف بإصرار :
" حسنًا هذا يعني أننا سنباشر تدريبات قتال جدية منذ الغد برلنت، ولن ادعكِ تفلتين هذه المرة، هذا وإلا سجنتك في غرفة واحدة مع سمو الأميرة زمرد واخبرتها أن تعلمك هي "
اتسعت أعين برلنت بصدمة تردد ببهوت :
" ألا ترى أن قلبك بدأ يقسو عليّ بكثرة في الآونة الأخيرة ؟؟"
" هذا لاجلك عزيزتي، والآن تحركي أمامي فقد وصلنا لغرفة والدك "
تنفست بصوت مرتفع تهمس له وهي تراه يخرج مفتاح الغرفة :
" لنا حديث مطول حول هذا سيدي صانع الأسلحة "
بمجرد انتهاء كلماتها فتح تميم الباب يدفعه مبتسمًا:
" بكل سرور عزيزتي ...."
توقف فجأة حين سمع صوت والدها يردد بحنق :
" لقد تأخرتم ..."
" عذرًا منك سيد عبدالله فالخادم الذي استأجرته لا يرى عمله بشكل صحيح "
نظرت له برلنت بحنق وهي تنغزه في خصره بهدوء وهو ابتسم بسخرية :
" ماذا ؟! ألا تسمعين ما يقوله والدك ؟!"
تنفست بقوة تستدير له تقول بصوت منخفض وملامح شبه منقبضة فهي منذ قررت التحدث معه المرة السابقة وهذه المرة لم تظهر له أي استجابة أو أي تقبل، لا تريده أن يظن أنها قد تغفر له كل ما فعله بها وبتميم، ولولا أن والدتها اوصتها ألا تقطع وصالها بوالدها وأن قلبها لا يطيعها حين تقرر العصيان ما فكرت بالمجئ هنا أبدًا .
" نعم أبي لقد طلبتني "
نظر عبدالله صوب تميم نظرات واضحة تخبره أن يتحرك للخارج ويتركه مع ابنته وحدهما، لكن تميم ابتسم يتحرك صوب الفراش الخاص بعبدالله يجلس عليه ويضم قدميه لجسده :
" أنا لن اتحرك من هنا، رجاءً تظاهروا أنني خرجت لن تشعروا بي "
زفر عبدالله بقوة وهو يهتف بصوت وصل لتميم :
" والله لو علمت منذ البداية ما ستفعله، ما زوجتك اياها في مراهقتها "
أجابه تميم بكل بساطة :
" لا بأس كنت اخطط لاختطافها على أية حال "
اتسعت عين برلنت وهي تنظر له وكذلك عبدالله الذي تشنج بحنق وتميم فقط هز كتفه بكل بساطة :
" هذا ما كان سيحدث سيد عبدالله، والآن رجاءً انتهي مما تريده من ابنتك فأنا أريد النوم لأنني امتلك مناسبة هامة غدًا "
تنهد عبدالله بصوت مرتفع بينما برلنت في ذلك الوقت كانت تنظر لتميم مبتسمة بسمة واسعة يائسة من تصرفاته، ووالدها يراقب نظراتها له يدرك جيدًا لأي مرحلة وصلت مشاعر ابنته لهذا الشاب .
تنهد يقول :
" مرحبًا بيرلي ..."
قاطعه تميم بسرعة يشير له بالتوقف عن التحدث :
" معذرة سيد عبدالله هذا التدليل خاص وحصري لي وحدي، رجاءً لا تشاركني به "
نظرت له برلنت بعدم فهم وهو رفض أي اعتراض من جهتها يتحدث بجدية تامة دون أي ذرة مزاح في حديثه :
" أنا الوحيد الذي يحق له تدليلها بهذا اللقب، أنا من اوجدته لأجلها خصيصًا، لذا إن أردت تدليل زوجتي فجد لك لقبًا آخر رجاءً "
نظر له عبدالله باستنكار شديد، ثم نظر صوب برلنت التي كانت تبتسم بتأثر وحب شديد جعله يقول بحنق وصدمة :
" هل يعجبك هذا الجنون ؟؟"
أجابته برلنت ببسمة دون شعور وهي ما تزال تحدق بحب كبير في وجه زوجها :
' أنا أحب المجنون نفسه وكل ما يصدر منه أبي "
كانت كلمتها الأخيرة تلقائية دون شعور منها، كلمة جعلت عيون عبدالله تدمع، ينظر لهما بهدوء شديد وقد أدرك أنه حارب بمعركة من طرفه فقط، معركة صنعها وخاضها وحده في حين أن خصمه من البداية كان لا يلقي له بالًا من الأساس، دخل معركة من طرفه وخسرها وخسر معها ابنته وزوجته ومنزله ومكانته وكل ما يملك، وكل ذلك لأجل ماذا ؟؟
بعض القطع الذهبية التي لم يعلم حتى بأي طريقٍ ألقاها، بعض الأموال الزائلة التي كانت متعتها اللحظية مجرد نقطة في بحر آلامه اللاحقة، والسؤال هنا هل ما فعله كان يستحق ؟؟؟؟؟
__________________
لم يستوعب احد ما حدث، فقط تبارك هي التي تراجعت للخلف تشعر بأن الأمور تتأزم وروح ذلك الحقير تكاد تخرج بين يدي زوجها .
" صامد صمود ..ليوقفه أحدكم بالله عليكم ؟؟"
التزم صامد وصمود أماكنهما دون حراك ولم يتدخل أحدهم، يعرفون جيدًا ما قد ينال من يتدخل في أمور القائد وفي حالة الغضب تلك قد يقتلهم .
بينما سالار فقط يشدد قبضته على رقبة ذلك الرجل يتحدث من أسفل أسنانه :
" مال اعينك لا تجد مكانها في وجهك يا هذا ؟؟ نظرة ثانية لزوجتي اقتلع عينيك بالمعنى الحرفي وليس مجازيًا، اقسم أنني سأفعلها، وأنا لم احنث بقسمي يومًا "
شعر الرجل أنه على وشك لفظ أنفاسه الأخيرة، لولا ترك سالار له بعنف كبير جعل صوت اصطدام جسده بالأرض يفزع الجميع حوله .
وهو فقط يترك جسده ليتهاوى ارضًا، ثم استدار صوب أهالي الحارة الذين تراجعوا بصدمة مما يحدث وقد بدأ أحدهم يخرج هاتفه مهددًا أنه سيبلغ الشرطة لولا نيرمين التي انتزعت هاتفه تقول بشر:
" تو أما افتكرت يا حيلتها؟؟ ولا هو عشان على حق مش عارف تسقفله ؟؟ جاتكم البلا "
ختمت حديثها تسمع صوت سالار الذي مرر إصبعه على جميع من يحيط به :
" هذه المرأة هناك زوجتي، كلمة واحدة في حقها ستكون بمثابة فرمان حربٍ منكم، ووالله الذي لا إله إلا هو لأحيلن حياة الجميع هنا لجحيم، ولتصبحن دياركم رماد، إن استحللتم لأنفسكم التحدث بعرضي وشرفي استحللت دماءكم دفاعًا عنه "
ختم حديثه بملامح وجه بدأت تحمر لتشكل هيئة مرعبة جعلت البعض يتراجع وقد تحدثت إحدى النساء برفض رغم نبرتها المرتجفة :
" انت فاكر البلد دي بلد ابوك ولا ايه ؟؟ البلد فيها قانون و..."
قاطعها سالار وهو يرفع كفه في وجهها بتحذير :
" لا اجادل النساء يا امرأة، خاصة صاحبات الألسنة اللاذعة، فابتلعي لسانك واصمتي، وإن أراد أحدكم الاعتراض على حديثي فليتقدم رجل يحدثني، وإن لم يكن فلا اسمعن منكم كلمة واحدة، زوجتي اشرف نساء هذه الارض، فلا تلوثوا اسمها بذكره على ألسنة القذرين منكم "
تدخل أحد الرجال وهو يقول بهدوء شديد وقد على واخيرًا صوتٌ للحق بين هدير الباطل :
" يا ابني محدش جاب سيرة مراتك بكلمة دي بنتنا اللي عاشت معانا عمرها كله وإن كان على الكلام اللي اتقال فده كلام حريم متاخدش عليه، دول عمرهم ما بيسكتوا "
استدار له سالار يجيب بجمود :
" ما معنى كلماتك يا عم ؟؟ هل يحق للنساء قذف المحصنات بدعوى أنهن نساء وأن حديثهن مجرد حديث نساء لا معنى له ؟؟ أبهذه البساطة نتعدى حدود الله ؟! هذا قذف محصنات، من السبع الموبقات، وهذا ذنب يظل ذنبًا سواء قامت به امرأة أو رجل، وهذه زوجتي وعرضي، لا أحلل لأحدهم ذكرها بالسوء"
صمت، ثم نظر للجميع بعدما اصمتهم لا بيده، بل بلسانه، شيء قدرته تبارك وهي تشعر بالراحة أنه كان من الحُلم الذي جعله يتصرف بشكل متعقل، وتغافلت أن سالار إلى جانب كونه رجل حرب، فهو قائد ورجل سلام، يلتزم بكل كلمة ذكرها دينه، والاسلام حاشاه أن يكون دين عنف ورسالة تخويف .
" هذه المرأة هناك عقدت عليها، وأصبحت زوجتي بشهادة جميع شعب بلادي، أي أن جميع أركان العقد كاملة، فلا يحق لأيٍ كان أن يمسها بكلمة واحدة "
شعر أحد الرجال بالصغر ورفض أن يعلمه شاب صغير ابسط أمور دينه، وقد كان ممن يجادل في الحق :
" وأنت مين عشان تكلمنا بالشكل ده ولا كأنك ولي أمرنا ؟! مفكرنا جهلة ؟؟"
استدار له سالار ينفي الحديث برأسه، لولا تدخل أحد الرجال يدافع بشراسة عن الحديث :
" أنت بتجادل في ايه يا حمدي ؟؟ بتجادل في إيه أنت الراجل مغلطش، مراتك واللي معاها واقفين يجيبوا في سيرة مراته وهو لولا أنه عاقل كان قعدكم في قعدة وبيعكم بيوتكم فتتكتم احسن والله كلنا نشهد باللي حصل ونخربها فوق دماغكم "
ابتسم سالار وتنفس براحة واخيرًا سمع صوتًا للحق، تحركت عيونه صوب ذلك الرجل المسمى حمدي يجيب بكل هدوء :
" سألتني من أنا يا عم واخبرك أنني عبد فقير إلى الله رزقني بزوجة لا اقبل أن تُمس بكلمة واحدة، وإلا اعتذر لكم لن يكون لساني هو من يجيبكم المرة القادمة "
صمت لتعلو نظرات البعض المشجعة لكلماته ونظرات الاخرين الحانقة، وفجأة من بين هذا وذاك ارتفعت صيحة أحد الشباب والذي كان يقف جانبًا يهلل مشجعًا :
" يسلم لسانك يا شيخنا، والله العظيم جدع، اديهم اياكش كل واحد يلم أهل بيته ويحترم نفسه، قرفتونا "
نظر له سالار ليبتسم له الشاب مشجعًا أكثر بشكل جعل سالار يرمقه بتعجب :
"اديهم مترحمش، كام مرة اتكلم ومحدش يسمع، الظاهر عايزين اللي يديهم على دماغهم عشان يسمعوا "
بدأ بعض الرجال يوافقونه الحديث ويهزون رؤوسهم بتأييد، ليبتسم سالار بسمة لا معنى لها وهو يرى بعض الرجال يجذبون نساءهم بعيدًا عن الدائرة وقد اشتعلت اعينهن فابتسم بسخرية يتجاهل الجميع وهو يتحرك ليأخذ يد تبارك يتحرك بها بعيدًا صوب البناية يهتف بهدوء لا ينبأ بالخير :
" الآن لنرى ذلك الرجل الذي يجلس في منزل زوجتي عاريًا ..."
____________________
خرج من منزل والد ليلا وهو مبتسم بعدما ترك شقيقه في الداخل يجلس مع مخطوبته بعض الوقت، يتنهد بصوت مرتفع، ثم تحرك صوب خيله يمتطيه متحركًا للقصر، سعيد وبشدة، وكيف لا يكون والغد موعده مع اسعد لحظات حياته.
يوم تُكتب اميرته تحت اسمه، يوم يشهد جميع سكان سفيد أن زمرد أصبحت وبشكل رسمي وبعد معاناة زوجته، يا الله قلبه يرقص طربًا، لا يصدق أنه وصل سالمًا لهذه النقطة .
تنفس بصوت مرتفع يهمس بكل شوق :
" ما بال الليل وقد طال ؟؟"
بعد دقائق وصل القصر ليتحرك داخله بسرعة يهبط عن فرسه يقوده صوب الاسطبل، وحين بدأ يربت عليه وقبل أن يتحرك للخارج سمع صوتًا قريبًا من قلبه بعيد عن مسامعه بعض الشيء .
ودون تفكير ترك الحصان بسرعة يحث الخطى صوب ذلك الصوت الذي يدرك جيدًا هوية صاحبه، ويدرك مكانه، وصل واخيرًا لنفس المكان حيث كان اللقاء الأول بينهما وبنفس الشكل ..
اتسعت عين دانيار ببسمة غير واعية أنه يراقبها تردد نفس انشودة الحرب القديمة، نفسها مع نفس الحركات التي كانت تقوم بها قديمة، وكأن الزمن يُعاد، هو وهي والليل يحيطهما وصوتها يطربهما .
ما بين تلك اللحظة وهذه مشوار طويل قطعه، مشوار كاد يُزهق انفاسه، لكن هل يعترض ؟؟ لا والله لم ولن يفعل إن كان مقابل هذا التعب بسمة منها .
وفي منتصف الحديقة كانت هي تتحرك بخفة، لا ترقص، فقط تتحرك حركات معينة مع ترديد تلك الانشودة التي تعلمتها من والدتها، انشودة حرب قديمة، ربما كانت تلك الانشودة واحدة من الأشياء التي تجعلها تشعر بالأمل في القادم، كانت نفسها الانشودة التي ترددها على مسامعها والدتها وقد احتارت أين تعلمها والدتها، لكن مؤخرًا علمت من إيفان أنها انشودة قديمة وقد كان والده يحبها لتلك الانشودة، إذن والدتها لم تكن تنشدها لأنها كانت تشعرها بالأمل، بل لأن صاحب تلك الانشودة هو من كان يشعرها بالأمل ......
فجأة توقفت عن الحركة وهي تتنفس بعنف مبتسمة بسمة واسعة تشعر لأول مرة بالسعادة وهي تردد تلك الكلمات، لأول مرة تستشعر حلاوتها .
فجأة سمعت صوت تصفيق يأتيها من الظلام وصوت يهتف بجدية وتشجيع :
" يا امرأة اعدتي لي ذكريات الحرب قديمًا .."
توقفت زمرد عما تفعل تنظر صوب دانيار الذي خرج من الظلام بنفس الطريقة التي فعلها اول لقاء بينهما، ابتسم لها بسمة واسعة ردتها له بنفس الطريقة وهو نظر لعيونها يقول بتلميح لذلك اللقاء البعيد :
" مهلًا هل يجب عليّ العودة للخلف تحت وطأة نظراتك تلك ؟!"
رفعت حاجبها بتعجب لا تفهم ما يقصد حتى ضربتها جملة بعيدة له في أول لقاء لهما حين سخر منها وقتما دفعته للخلف ولم يتحرك خطوة واحدة :
" مهلًا هل يجب عليّ العودة للخلف ؟!"
فجأة انطلقت ضحكات زمرد وهي تشعر أن تلك الذكرى كانت بالأمس يوم نظرت له بشر وأخرجت خنجرها محاولة أن تهدده قبل أن ينقلب الأمر لتهديده هو لها وهروبها منه ..
اقترب منها دانيار ووقف على بعد مناسب منها يضع يده على قلبه، ثم تظاهر أنه ينتزعه ومد يده لها به يقول بجدية :
"أمسكي هذا عني رجاءً "
وهي فعلت ما يطلب تمسك ذلك القلب بين كفيها وما تزال تضحك بصوت خافت على أفعاله لا تتمالك نفسها وهو فقط عاد بقوة للخلف كما المرة الأولى يلتصق بالعمود يقول بنفس ذات النبرة لكن بمعاني أخرى، معاني مختلفة :
" ارجوكِ الرحمة ؟؟ أنا فقط كنت اشجعكِ أقسم، النجدة يا رجال امرأة خطرة طليقة "
ازدادت ضحكات زمرد حتى شعرت أن عيونها بدأت تدمع وهي ما تزال تمسك بين يديها قلبه الوهمي وهو فقط يشاهدها ببسمة عاشقة، وقبل أن يتحدث بكلمة أو يخبرها بسعادته وانتظاره ليوم الغد حتى تصبح زوجته سمع صوتًا من خلفه يقول :
" هل انتهيت من عرضك الهزلي دانيار ؟!"
اتسعت أعين دانيار وقد اشتد جسده يستدير صوب إيفان الذي كان يستند على أحد الأعمدة يضم يديه لصدره، ابتسم له يقول :
" مرحبًا مولاي "
ابتسم له إيفان بسمة باردة :
" غادر دانيار الآن قبل أن أغير خطتي للغد "
اتسعت عين ذلك المسكين بفزع يردد :
" ماذا ؟؟ لا، أنا من الأساس كنت ذاهب للنوم الآن "
نظر صوب زمرد التي كانت تضحك دون توقف على نظراته فهي أبصرت إيفان منذ جاء من ثواني قليلة، تحرك دانيار بحنق، لكن قبل أن يرحل توقف جوار زمرد يقول مشيرًا ليدها التي ما تزال تحمل قلبه يقول ببسمة :
" احتفظي به رجاءً حتى الغد سمو الأميرة "
هتف ايفان بتحذير :
" دانيار "
رحل دانيار يردد بغيظ :
" حسنًا حسنًا، ليأتي الغد بسرعة يا الله ..."
رحل تاركًا إيفان ينظر بحاجب مرفوع صوب زمرد يقول :
" وأنتِ آنستي ما الذي تفعلينه في هذا الوقت في الخارج ؟!"
ابتسمت تقول بهدوء :
" فقط شعرت بالسعادة لدرجة أنني لم استطع النوم ففكرت بالخروج "
" حسنًا توجهي لغرفتك وحاولي النوم فلدينا يوم طويل غدا "
ختم حديثه ينتزع منها ذلك القلب الوهمي بين كفها يلقيه جانبًا زمن ثم نفض يديه :
" اعطني هذا، هيا اذهبي للنوم "
اتسعت عيون زمرد بصدمة بعدما ألقى بقلب دانيار الذي سلمه لها ارضًا تهتف بحنق :
" أخي...."
أطلق إيفان ضحكات على ملامحها وهو يضع يده على قلبه، ثم وضعه بين كفها بضمها من كتفها وهو يتحرك بها للداخل :
" دعك من قلب دانيار وهاك قلبي أنا "
نظرت زمرد تجاريه في حديثه مبتسمة :
" هل أنت متأكد أنك منحتني قلبك بالكامل كما فعل دانيار ؟؟"
نظر لها بطرف عيونه يجيب بهدوء :
" حسنًا هذا جزء منه والآخر احتفظ به لملكتي "
اطلقت زمرد ضحكاتها على ملامحه :
" على ذكر ملكتك، هي ستأتي غدًا ."
" نعم لهذا أخبرك أننا علينا النوم للاستيقاظ مبكرًا واستقبال ملكة البلاد يا فتاة، ثم أنا أعلم أنها قادمة غدًا وقد جهزت كل شيء لاستقبالها ."
ختم حديثه بنبرة لم ترح زمرد :
" أشعر بالريبة من حديثك ليمرر الله زفافي على خير غدًا ....."
________________
صعد درجات المنزل بسرعة كبيرة وتبارك تهرول خلفه وهي تردد برعب :
" كان يوم ما يعلم بيه إلا المولى يوم ما طلبت منك نيجي هنا، يارب سترك هرجع بيك متكلبش "
أمسكت مرفقه بسرعة حينما وصل أمام باب الشقة، وبما أنها لا يمكنها الاعتماد على الكأس والكوب اللذين يتحركان خلفها قررت الاعتماد على نفسها وقدراتها :
" سالار مهلًا توقف أشعر أنني... أنا لا أستطيع التنفس أنا أشعر بالتعب الشديد الآن، خذني للمشفى رجاءً"
توقف سالار ثواني ونظر لها ثم قال بخوف وهو يمسك يدها يجلسها على الدرج المؤدي للأعلى مقابل شقتها يقول بهدوء :
" اجلس هنا عزيزتي ارتاحي "
تنفست الصعداء تقول تدعي التعب أكثر كي ترحل من المكان وهو معها دون أي ضرر :
" فقط دعنا ....دعنا نرحل رجاءً "
" حسنًا سنفعل، فقط تنفسي وارتاحي عزيزتي حتى انتهي مما اريد وحينها سنرحل "
وقبل أن تستفسر عما يقصد بحديثه، وجدته يندفع صوب باب شقتها بتحفز مرعب، وقبل أن يطرق ويحطم الباب فوق رؤوس من بالداخل تنفس بصوت مرتفع يتذكر أنه ربما كان هنا نساء وأطفال في الداخل فيروعهم، لذا رفع كفه وطرق بشكل طبيعي ينتظر الرد .
وتبارك تراقب بحرص حتى إذا تأزمت الأمور تستطيع أن تدعي الموت ربما...
ثواني قليلة وطل عليهم نفس الشاب بنفس الهيئة لتبعد عيونها بسرعة في الوقت الذي وقف أمامه جسد سالار بضخامته يخفي خلفه ذلك الجسد النحيل بعض الشيء يقول بحنق :
' ألا تمتلك ثياب داخل خزانتك يا هذا ؟؟"
رفع الشاب عيونه لسالار بعدم فهم ليتذكر أنه هو نفسه الشاب الذي دفعه قبل بعض الوقت للداخل :
" نعم اتفضل عايز ايه ؟؟ كل شوية تخبط ليه وبعدين أنت ازاي تزقني المرة اللي فاتت و..."
" ما الذي تفعله هنا في منزل زوجتي ؟؟"
نظر له الشاب ثواني يحاول معرفة ما يقصد، اطال النظر به طويلًا قبل أن يقول :
" أنت بتتكلم كده ليه ؟!"
" اتحدث بشكل طبيعي، وأعتقد أن حديثي واضح لك أيها الشاب، ما الذي تفعله بهذه الهيئة في منزل زوجتي ؟؟"
نظر له الشاب ثواني قبل أن يقول بصوت مرتفع وهو ما يزال يعلق أنظاره على سالار بريبة :
" أما....يا اما، فيه واحد واقف على الباب هنا بيقول أن ده بيت مراته، أنتِ جوزتي سما لاجنبي ؟؟ مش قولتلك حمودة صاحبي عايزها يا اما برضو عملتي اللي في دماغك وخطبتيها لتركي ؟؟ ولا هو عشان أنا في الجيش مليش كلمة هنا ؟؟"
كان الشاب يتحدث وهو يتحرك داخل المنزل بحنق شديد تاركًا سالار يقف على باب المنزل يحدق في أثر الشاب بعدم فهم، وتبارك تقف في الخلف تحاول فهم ما يحدث، ثواني واستمع الاثنان لصوت الشاب يصرخ من الداخل :
" يعني عايزة تصغريني قدام حمودة يا ما ؟؟ قولتلك الواد هيموت عليها، بالله عليكِ يفرق ايه حمودة عن ابو شعر احمر اللي برة ده ؟؟"
وصل لهما صوت جدال امرأة معه ليرتفع صوت الشاب :
" على فكرة حمودة وسيم اكتر منه ولو على الشعر الأحمر هخليه يصبغه "
تشنجت ملامح سالار بقوة، بينما تبارك وضعت يدها على فمها تحاول كتم ضحكتها وهو نظر لها بحنق :
" علام الضحك ؟؟"
هزت رأسها برفض، بينما تحدث صامد بهمس وهو يهمس لصمود بجدية :
' انظر صمود يبدو أن القائد تزوج امرأة أخرى هنا، ما بال القائد يفضل النساء من المفسدين ؟؟ "
وافقه صمود بهزة رأس يكمل حديثه بنفس الهمس :
" يبدو أن آخر ذرات هذا السحر تلاشت بالفعل ."
أما عن سالار الذي ظل واقفًا في الخارج يحدق في الباب بصدمة لا يدرك ما يجب فعله، فهو بالطبع لا يستطيع التعدي على حرمة أي منزل حتى لو كان هذا المنزل من الأساس يعود لزوجته، ثواني وسمع الجميع صوت باب خلفهم يُفتح .
استدار سالار وتبارك صوب باب المنزل لتخرج منه سيدة تحمل حقيبة بلاستيكية سوداء، والتي تجمدت في أرضها تهتف بصدمة :
" تبارك ؟! رجعتي امتى يا منيلة أنتِ ؟!"
تنهدت تبارك بحنق تقول :
" اهلا يا خالة، لسه راجعة من شوية، المهم بقولك متعرفيش مين ده اللي جه قعد في بيتي ؟؟"
نظرت لها السيدة ثواني ثم قالت وهي تنظر بفضول لسالار خلفها تحاول تذكر أين رأته:
" أيوة ده الحاج صاحب البيت هو اللي أجر الشقة لعيلة تانية لسه ناقلة هنا، ألا مين ده يا تبارك ؟!"
ضيقت تبارك عيونها تهتف بحنق :
" أجرها ؟؟"
رفع سالار حاجبه لا يعجبه نظرات الضيق التي علت وجه زوجته تلك :
" أين ذلك الرجل ؟!"
لكن السيدة تجاهلت سؤاله تقول بجدية :
" حاسة اني شوفتك قبل كده ؟؟ مش هو ده يا بت يا تبارك التي قعدتي تصرخي آخر مرة أنه خاطفك ؟؟"
تنهدت تبارك تدرك أنها لن تنتهي من كل هذا وقد قررت الرحيل من هنا مكتفية من كل ما حدث، أمسكت يد سالار تجذبه خلفها :
" أيوة يا خالة ده يبقى جوزي، عن اذنك "
تحركت مع سالار للخارج بحزن شديد وهي تنظر صوب المنزل، ليس وكأنها تعشقه أو قضت به ذكريات سعيدة، لكنه يمثل لها الركن الوحيد الذي كانت تنعزل به قديمًا عن الجميع، والآن فقدت هذا الجزء، وسالار لم يتجاهل تلك النظرة، بل خزنها في عقله باهتمام شديد ..
تحركوا خارج المكان بأكمله وقد ندمت تبارك أشد الندم لقدومها، فهي لم تنل سوى الآلام فقط، وزيادة للندم، شعرت بتوقف سالار الذي قال بجدية وهو ينظر صوب إحدى الجهات :
" تبارك من هذا الرجل ؟؟ هو نفسه ذلك المتصابي الذي كان ينظر لكِ هل تعرفينه ؟!"
نظرت تبارك جوارها لتبصر ذلك الرجل الذي يمتلك محل خضراوات وفواكه في حارتها والذي سبق وتقدم لخطبتها بعدم وفاة زوجته مقنعًا إياها أنه فرصة لا تُعوض، وتدرك في هذه اللحظة أنها إن أخبرت سالار ما كان يفعله، سوف يتخلص منه، وهي لا أحب على قلبها من هذا، لكن ليس وحرية سالار المقابل .
" أنه لا أحد سالار، فقط دعنا نرحل رجاءً، سوف أذهب للمشفى التي كنت اعمل بها اسحب اوراقي واعتذر عن غيابي المفاجئ ويمكننا إحضار الأدوية من هناك "
وسالار فقط تحرك خلفها وهو يفكر في ذلك الحزن الذي استقر على وجهها يحاول التفكير في شيء قد يسعدها، يا الله ذلك المكان كان كما لو أنه خطف منها روحها ..
" إذن دعينا نبحث عن مكان آخر للمبيت حتى الغد، ومن ثم نكمل التحرك حسنًا ؟؟"
نظرت له تبتسم بسمة صغيرة ثم هزت رأسها، وسالار قرر الانتهاء من هذه الرحلة باسرع ما يمكن ويغادر هذا المكان مع زوجته صوب بلادهم حيث يتحكم بكل شيء وهناك يبحث عن سبيل لاسعادها .
وفي الحقيقة هذه الحيرة التي يشعر بها في المكان وشعور أنه ضل الطريق، كل ذلك جعله يقدر ما كابدته تبارك لتتأقلم على عالمه، هي حقًا أكثر من شجاعة، لا بأس فقط ينتهي من هذه المغامرة ويقسم على نفسه أنه لن يمنحها فرصة واحدة لتشعر بالوحدة أو الغربة .
" هيا مهجتي، دعينا نحصل على مكان يناسبك مولاتي لترتاحي به، لكن في البداية دعينا نحصل لكِ على وجبة دسمة كي تتناولي ادويتك بعدها "
ابتسمت له تبارك بسمة واسعة أعادت مسار نبضاته لطبيعته .
مد يده يجذبها صوبه ثم مال عليها يهمس :
" عسى الله ألا يمحو لكِ بسمة عزيزتي، إن كان ذلك العالم سبب محو بسمتك، فليفنى وتدوم بسمتك "
اتسعت بسمة تبارك له أكثر:
" ستدوم طالما أنت جواري سالار "
" دائمًا وابدًا "
ختم حديثه يحث الخطى معها خارج هذا المكان، وخلفهما صامد وصمود يسيران بنفس الصدمة التي يبدو أنها ستستمر معهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..
" حسنًا لم يتلاشى السحر بشكل كامل، علينا أن نحصن القائد أكثر..."
وقبل أن يطأ أحدهم خارج المكان فجأة ظهر واخيرًا رئيس جمهورية العالم الموازي وهو يهتف بصدمة وبسمة واسعة :
" القائد ؟؟"
نظر سالار أمامه يردد بريبة :
" أوه ليس هذا العجوز مجددًا "
هتفت تبارك بنفس الريبة وهي تنظر صوب الرجل الذي يتقدم منهم والذي كان يقف بعيدًا يراقب الشجار بانتباه حتى تعرف عليهما :
" عم متولي ؟؟"
" كده يا تبارك ؟! كده تروحي معاه وتسيبي عمك متولي لوحده ؟! وأنت يا قائد مش قولت اني العريف ؟؟ وقولت هتاخدني معاك ؟؟"
مسح سالار وجهه وهو يهمس لنفسه :
" يا الله وكأنه ينقصنا عريف آخر "
ابتسمت تبارك بتوتر وهي تنظر لسالار مجيبة :
" ناخدك فين بس يا عم متولي، هو أنت صدقت اللي سالار قاله ليك ؟! ده ده ...ده كان وقتها بيهزر وبيقول أي قصص وخلاص زي ما أنت بتعمل وتقول أنك شاركت في المقاومة وأنت ولا شاركت ولا نيلة، أي كلام يعني "
نظر لها سالار باعتراض يهمس :
" هل تحاولين القول إنني مخادع الآن ؟!"
همست له من أسفل أسنانها تشير بطرف عيونها لمتولي الذي يرمقهما بشك كبير :
" تكن مخادعًا أم نأخذه معنا للمملكة ؟!"
انتفض جسد سالار بشكل طفيف يولي جميع حواسه صوب متولي يقول باعتراف وبسرعة كبيرة :
" نعم أنا مخادع كاذب، لقد كنت اكذب عليك "
نظر لهما متولي بشك يقول :
" أنت كداب "
" نعم هذا ما أخبرك به يا عريف، أنا كاذب "
" لا أنت مش كداب عشان كلامك، أنت كداب عشان بتقول على نفسك كداب وأنت مكنتش كداب، أنا عارف ومتأكد إن كل اللي قولته ده حقيقة وإن فيه مملكة أنت جاي منها بعيدة عن كل الناس، ومعايا الدليل "
تعجب وجه سالار دون فهم :
'
" تمتلك دليلًا ؟؟"
" أيوة"
شعر سالار أنه وقع في شر أعماله، هل أدرك العجوز حقيقته من ثيابه أو طريقة تحدثه أو ربما الأسلحة التي أظهرها المرة السابقة له، كل هذه أدلة لا تدع مجالًا للشك أنه محارب، نظر صوب تبارك يسألها المساعدة ليهربا من هذا العجوز الآن قبل أن يتحدث بشيء قد يعطل من مهمتهما، بينما متولي فقط نظر صوب صامد وصمود يشير لها :
' الاتنين اللي معاكم دول لا يمكن يكونوا بشر طبيعيين زينا، دول اكيد من مملكة الاقزام والعمالقة في العالم اللي أنت جاي منه "
نظر سالار خلفه صوب صامد وصمود اللذين نظرا لمتولي بتشنج، بينما متولي أخذ يدور حولهما يفحصهما بانتباه :
" من وقت ما شوفتهم وانا شاكك فيهم وقولت مفيش بشر بالشكل ده "
ابتسم له سالار بسمة صغيرة يقول بصوت هادئ يحاول إنهاء كل هذا :
" حسنًا يمكنك اخذهما وإجراء أبحاثك عليهما وحين تنتهي منهما اطلقهما للعودة، الآن نستأذنك نحن بالرحيل"
اعترض متولي طريق التحرك يرفض السماح لهم بالرحيل دونه :
" وانا ؟؟ مش هتاخدني معاكم ؟؟ مش انا العريف ؟؟"
همست تبارك في أذن سالار :
" حرام عليك يا سالار ناخده معانا ويبقى عريف مع العريف، اعتبره استبن يا اخي وانا اضمنلك أنه نفس القطعية والله بالضبط "
رمقها سالار بحنق :
" نأخذ من ؟؟ أنا لم افهم نصف حديثك، لكن على أية حال، إيفان من الأساس يتحمل العريف بصعوبة وكل ما يمنعه من نفيه وصية عمي رحمة الله عليه، تخبرينني الآن أن آخذ له عريف آخر يماثله ؟؟ والله لو أنكِ تنتوين دفع إيفان لحرق المملكة فوق رؤوسنا ما اقترحتي هكذا اقتراح "
زفر ثم نظر لمتولي يقول :
" انظر يا عم، نعم نحن من عالم آخر، لكن للأسف لا يمكننا اخذك معنا، لأنك ستكون عيننا في هذا العالم، أنت رجلنا في هذا المكان "
نظر له متولي ثواني يحاول ايجاد كذبته، حتى ابتسم فجأة يقول :
" بجد ؟؟"
نظرت له تبارك تهمس بصدمة :
" ده صدق .."
ابتسم له سالار يهز رأسه بنعم، ثم دس يده داخل جيبه يخرج بعض العملات الذهبية يمدها لمتولي ببسمة حقيقية يقول :
" نعم وهذه المقدمة عن عملك يا عم، وكل شهر سأرسل لك مثلهم وأنت كل ما عليك فعله تسلمنا أي أخبار هامة هنا، حسنًا "
نظر له متولي ولم يهتم كثيرًا بالعملات الذهبية بقدر اهتمامه بالمنصب الذي حازه، لكنه ابتسم يتقبلها ويعد سالار بالاخلاص في العمل، ومن ثم تحرك الجميع بعيدًا عنه وتبارك تهمس لسالار بشفقة على العم متولي :
" ليه قولت كده وأنت عارف أننا مش راجعين ؟؟"
ابتسم لها سالار بحنان يقول :
" أنا لا احنث وعدي أو أسقط كلمتي تبارك، كل شهر سأرسل له صامد وصمود بالقطع الذهبية، ثم أنا كان يمكنني أخذه بسهولة معي، لكن هذا ليس عالمه وهذه ليست حياته تبارك، هو ولد وعاش هنا، وعليه أن يُدفن بأرضه حبيبتي "
" لكن ... أنا أيضًا ...هذا ليس عالمي سالار، إذن لا مكان لي به ؟؟"
توقف سالار يقول بتعجب :
" كيف ذلك !! هذا عالمي وأنتِ ضلعي، كيف للضلع أن ينفصل عن الجسد تبارك، سفيد موطنك وعالمك، عالمك حيث يكون خاصتي "
وكلماته هذه كانت أكثر من كافية لها لتبتسم وتشعر أنه أقنعها أو كما يقولون هنا " تم تثبيتها بنجاح " ليس سهلًا هذا السالار ....
" أوه أشعر أنك اقنعتني "
ابتسم لها يغمز بخفة ومزاح غريب عليه :
" أنا مقنع في كل شيء حبيبتي، كيف برأيك افوز بالحروب ؟؟"
" بالاقناع ؟!"
" لا بل بالاقتناع "
ختم حديثه بهذه الكلمة التي قصد بها قناعته الشخصية وثقته التامة بربه ومن معه، واقتناعه بكل ما يفعل، سحب يدها وهو يتحرك بها يبحث عن مكان للمبيت، وهي فقط تحاول فهم الفرق بين الكلمتين ومقصده بهما، هل ستفهمه يومًا على أية حال ؟؟
يا الله أشواط كثيرة تفصل بينها وبين سالار، ففي النهاية من وُلد وترعرع بين متحدثي الفصحى ومن أبدع فيها، ليس كمن تلقى كامل معرفته للفصحى من افلام الكرتون...
وفي هذه اللحظة ترددت كلمة سالار المميزة في رأسها بصوته حين كان يقول لها دائمًا ببسمة جانبية :
" لا يستوون..."
ونعم لا يستوون حقًا ....
______________________
بعد ساعتين تقريبًا وصل الجميع صوب أحد الفنادق الفخمة وقد فتحوا أفواههم بصدمة وانبهار شديد .
قالت تبارك بتعجب :
" كيف علمت عن هذا الفندق سالار ؟؟"
نظر لها سالار بعدم فهم :
' ماذا ؟! ما الذي تقصدينه ؟! أنا لا ادري لكن هذين الأخوين اقترحاه عليّ وأنا احببته، يبدو جميلًا لذا قررت تأجيره لليوم "
تحركت عين تبارك صوبه بعدم فهم :
" تأجره ؟؟ تأجر ايه؟! الفندق ؟؟"
" نعم، أوليس للإيجار ؟؟"
" سالار هذا فندق "
هز كتفه دون اهتمام وهو يحدق في الفندق بأعين غير مهتمة يضم كفيه خلف ظهره، غافلًا عن بعض النظرات المنبهرة التي تحلق حوله لأجل هيئته الجاذبة للأنظار بخصلاته ولونها النادر في البلاد وكذلك طوله وبنيته القوية :
" ومن ثم ؟؟ "
صمت ثم نظر لها بانتباه يقول يتساءل :
" ما معنى فندق من الأساس ؟؟"
نظرت له ثواني قبل أن تقول :
" هذا...اممم ...حسنًا منزل كبير ممتلئ بالعديد من الغرفة القابلة للتأجير لمدة أيام معدودة "
هز كتفه يقول بتقرير :
" نعم، هذا ما قلته أنا سأستأجره "
" ليس كله سالار"
" إذن ؟؟"
" هناك أشخاص غيرنا يسكنون باقي الغرف في هذا المكان، لذا ربما يمكننا أخذ غرف لنا لكن ليس كلها"
نظر لها ثواني، ثم عاد بنظره للفندق يحاول إدراك ما تقصد، قبل أن يقول بأعين ضيقة وقد خطرت له فكرة جعلته يتجاهل أي شيء آخر :
" تقصدين أنني سأجعلك تبيتين في غرفة وحدك وهناك أشخاص غرباء بالقرب من غرفتك ومنهم رجال ؟!"
نظرت له ثواني لا تفهم مقصده، أو أنها في الحقيقة لم تفكر في الأمر سابقًا، مهلًا هل ما يقوله منطقي حتى ؟؟
" ماذا ؟؟ أنا... أنا لا اعلم، هو كل شخص له غرفة منفصلة، ما علاقتي بباقي الأشخاص أو الرجال حتى ؟! "
نظر لها سالار باستنكار، ثم ابتسم بسمة أخبرتها أن دخولها لهذا الفندق في هذه اللحظة ستكون من سابع المستحيلات، وقد كان إذ أمسك سالار يدها بقوة يقول بصرامة لا تدري أتضحكها أم تخيفها :
" سأكون ملعونًا إن سمحت لزوجتي بالنوم في غرفة مجاورة لغرفة قد تحتوي رجلًا غريبًا، الأمر أشبه بأن ادعو أحدهم ليسكن منزلي في وجود زوجتي واجعله يبيت في غرفة مجاوره لها وهي تنام وحدها، مرفوض "
" سالار بالله عليك .."
منعها بصرامة :
" ولا كلمة "
نظر خلفه صوب صامد وصمود اللذين كانا يحدقان في المكان حولهما وكأنهما يبحثان عن شيء ما، يصرخ في وجههما بغيظ شديد :
" وانتما ذكراني ما الفائدة التي احضرتكما لاجلهما إن لم تساعداني لأجد مكانًا مناسبًا للمبيت ؟؟ ما فائدتكما في هذه الحياة عمومًا؟؟"
نظر صامد وصمود لبعضهما البعض ثواني قبل أن يُعيدا النظر له ببسمة واسعة غبية يتحدثان بنبرة واحدة :
" لأن رفقتنا تعجبك ؟!"
نفخ سالار ببسمة ساخرة :
" هذا أكثر سبب احمق مضحك في الحياة، أفضل رفقة جماعة من القرود عن رفقتكما أيها الـ "
صمت ولم يكمل يزفر بقوة مستغفرًا :
" يا الله يومًا ما سألوث صحيفتي لأجل هذين الاثنين، إذن أخبراني بمكان ننام به لليوم ؟!"
نظر الاثنان لبعضهما البعض ثم هزا كتفيهما بجهل مرددين :
" لا ندري "
اشتد غضب سالار يلوح بيده تحت انظار تبارك التي كانت تكتم ضحكاتها على حركاته الغاضبة، رغم كل شيء غضبه في هذه اللحظة كان يضحكها، إذ بدأ يتشاجر مع صامد وصمود بعصبية كبيرة والحيرة تبدو على وجهه واضحة، والجميع بدأ ينتبه له :
" ومن يدري إذن ؟؟ أنا ؟؟"
تحدثت تبارك وهي تحاول حل الأمر ربما لتلملم ما يحدث، أو لتبعد الإنتباه عن الرجل الأحمر الذي يقف في منتصف الطريق يصرخ بلهجة فصيحة سليمة وبملامح غاضبة جعلته أكثر جاذبية :
"سالار اهدأ رجاءً واخبرني ما مشكلتك مع الفندق ؟!"
" أخبرتك بالفعل "
تنهدت بصوت مرتفع تقول :
" لا اعتقد أن هناك مكان آخر للمبيت اليوم، لذا ما رأيك أن نستأجر جناحًا كاملًا بعدة غرف لي ولك إن أحببت وهكذا تكون أنت من تجاورني في الغرفة"
نظر لها سالار ثواني، بينما هي حاولت إقناعه إذ بدأ جسدها يتذمر من الارهاق الذي تعانيه في هذه اللحظة .
وسالار اشفق عليها يقول بعد تنهيدة صغيرة :
" إذن ما الذي سنفعله الآن ؟؟؟"
ابتسمت تقول بسعادة :
" كم من الأموال تمتلك !!"
" لا امتلك اموالًا، بل عملات ذهبية فقط، كيف يمكنني الحصول على الأموال هنا ؟؟"
قال صامد مقترحًا عليه :
" يمكننا البحث عن عمل اعتقد هنا يتلقون اموالًا مقابل العمل، ستكفينا لنقضي بضعة أيام في هذا المكان ربما "
وافقة صمود بكل بلاهة :
" نعم، لقد سمعت أن العملات هنا تختلف عن عملاتنا، لذا نحتاج لإيجاد عمل والحصول على أموالهم "
هز سالار رأسه يفكر في حديثهما، هو لا يدرك إذا كان صحيحًا أو لا، لكن هم يأتون لهذا العالم كثيرًا لذا يدركون أكثر منه .
نظر صوب تبارك بحيرة وقد كانت أعين تبارك متسعة بصدمة وفمها مفتوح بدهشة، لا يدرك السبب، لكنه فقط قال :
" هل هذا صحيح ؟! احتاج لإيجاد عمل لاحصل على أموالكم ؟! وكم ساعة احتاج للعمل لاحصل على مبلغ يكفي للمبيت بضعة أيام هنا؟!"
في هذه اللحظة أدركت تبارك أنها تتعامل مع جانب آخر جديد من سالار، جانب أكثر لطفًا من جانبه العاشق، جانب الطفل الصغير الذي يتعرف على محيطه للمرة الأولى، وهذا للحق اعجبها...
يريد إيجاد عمل في دقائق يمنحه خلال ساعات مبلغًا يسمح له بقضاء بعض ايام في افخم فنادق القاهرة وفي جناح كبير لأربعة أفراد، يا الله أين رأت هذه الطموحات الخيالية من قبل ؟؟
أوه، نعم في احلام جميع شباب مصر أثناء طفولتهم .
ابتسمت تقترب منه تقول بمزاح وهي تمسك وجنته ببسمة :
" أوه كم أنت لطيف وظريف سالار .."
نظر سالار ليدها باستنكار ونظرات جعلتها تنتزع يدها بسرعة وهو هتف لها بجدية دون أن يبتسم حتى :
" لا تفعلي هذا مجددًا"
عادت تبارك للخلف بخوف من نظراته، ثم حاولت الحديث، وهو امسك يدها يجذبها له :
" هيا سنبحث عن عمل لننتهي من هذا "
أوقفته تبارك تحاول الحديث :
" مهلًا أي عمل هذا؟؟ هل تمزح معي ؟؟ أنت تحتاج للعمل سنوات طويلة لتحصل على ليلة واحدة داخل هكذا فندق "
توقفت اقدام سالار فجأة يقول ببهوت:
" سنوات ؟؟"
" هزت رأسها تزفر بصوت خافض :
" حسنًا سالار، كم قطعة ذهبية تمتلك ؟؟"
نظر لها ثواني قبل أن يخفض حقيبته ارضًا يخرج منها بعض الاكياس القماشية المليئة بالقطع الذهبية :
" احضرت الكثير منها، ظنًا أنها ذات فائدة فالمرة السابقة اخذها مني ذلك الرجل مقابل الاشياء الفاسدة التي اشتريتيها في طريق العودة "
اتسعت عيون تبارك وهي تشهق تندفع صوبه تدفع بيده ليعيد الاكياس للحقيبة وهي تهتف :
" يا نهار ابيض أنت بتعمل ايه ؟؟ خبي بسرعة، بتطلع الدهب كده عادي ؟؟"
" ماذا ؟؟ "
" ماذا ايه أنت شكلك مش هتستريح غير لما يطلع علينا واحد ينفضنا من كل اللي معانا"
نظر لها سالار بعدم فهم وهي نظرت لهم جميعًا، ثم قالت بعد ثواني :
" سوف نذهب لبيع بعض العملات الذهبية وندخل للفندق حسنًا ؟؟"
ابتسم سالار بأمل:
" يمكننا فعل ذلك ؟؟؟ هل ستفي بالغرض؟!"
ابتسمت بسخرية تقول بصوت خافض :
" تفي بالغرض ؟؟ دي هي الغرض نفسه يا حبيبي ....."
رفعت صوتها تقول ببسمة وهي تنظر لهم كما لو كانت والدتهم تصطحب بعض الصغار في جولة كي تعرفهم على العالم المحيط لهم، وقد أضحت هي مرشدتهم هنا :
" إذن يا رجال هل نتحرك ؟!"
__________________
صباح جديد أتى على سفيد، لكن هذا الصباح تحديدًا كانت البهجة المنتشرة بين الطرقات مختلفة عن باقية الأيام، كيف لا واليوم عقد قرآن أميرة سفيد على قائد الرماة، واحتفالًا بشقيقته، فقد أمر الملك بتوزيع الحلوى والطعام على جميع أفراد المملكة، بل وفتح ابواب القصر لاستقبال كل من أراد مشاركتهم فرحتهم هذه ...
وفي القصر أعلن الحارس بصوت جهوري وصول قافلة مشكى وقوافل أخرى من سبز وأبى، قوافل محملة بالهدايا مصحوبة بالامراء وبعض القادة من هذه الممالك، وعلى رأسهم ارسلان الذي قاد قافلة مشكى رفقة شقيقته التي دُعيت لعقد القرآن، فما كان له أن يتأخر يومًا على سعادة صديقه وأخيه ..
استقبل إيفان الجميع ببسمات يوزعها دون بخل، وقد كان في قمة سعادته، وها هو يترك تلك القمة ويحلق من السعادة حين أبصر اقترابها مع شقيقها مبتسمة ببشاشة سلبت لبه .
تنفس بصوت مرتفع حين وصل له أرسلان يفتح ذراعيه :
" مبارك إيفان"
ابتسم إيفان يولي كامل انتباهه لارسلان، يضمه بحنان يربت على ظهره بخفه :
" شكرًا لك عزيزي، العقبى لي إن شاء الرحمن "
ابتعد عنه أرسلان يردد بصوت متعجب :
" مهلًا ألا تُقال العقبة لك ؟!"
ابتسم له إيفان بسمة واسعة مستفزة :
" لا عزيزي، العقبى لي، ومن ثم نفكر بك، فأنت شخص ميؤوس منك، والآن رجاءً رافقاني كي ارشدكما للغرف الخاصة بكما "
ختم حديثه يوجه انتباهه صوب كهرمان التي كانت تقف بهدوء خلف أرسلان تنظر ارضًا، لا ترفع عيونها لأحد وهذا ما جعله يبتسم وهو يردد بخفوت وصل لها :
" جلالة الملكة...."
واخيرًا رفعت عيونها تنظر له بعدم فهم وتعجب، وهو ابتسم بخبث يضع على جبهته مدعيًا الصدمة :
" آه معذرة، اقصد سمو الأميرة، مرحبًا بكِ في سفيد والآن تقدمي رجاءً لارشدك حيث غرفتك ..."
صمت وهو ينظر صوب أرسلان الذي كان يرمقه بحاجب مرفوع، يضغط على قبضته ليكمل إيفان سريعًا :
" وايضًا غرفتك هيا اتبعوني..."
وبالفعل تحرك بسرعة يحبط خطط أرسلان في لكمه، مبتسمًا بخبث، يتقدمهم واضعًا يديه خلف ظهره وهناك بسمة واسعة ترتسم على فمه، واخيرًا وصل للممر الذي يحوي العديد من الغرف والتي تعرف أرسلان على واحدة منهم، وقد كانت الجناح الخاص لإيفان، يبصر العمال يتحركون بحقائب شقيقته صوب الجناح المجاور له، ليبتسم بعدم فهم وهو يشير لهم :
" ما هذا ؟؟ ما الذي يحدث هنا ؟؟ هذه حقائب كهرمان ؟؟ ما الذي أتى بها لهذا الجناح ؟؟"
مال إيفان بنصف جسده ينظر لباب الجناح خلف ظهر أرسلان، يضيق ما بين حاجبيه مظهرًا تعجبًا :
" أوه صحيح ما الذي يحدث هنا ؟؟"
اوقف إيفان أحد العاملين يقول :
" ما الذي تفعله يا بني ؟؟ هذه اغراض الأميرة التي تضعها في الجناح هنا ؟؟ "
توقف العامل ينظر صوب إيفان بتعجب، ثم قال باحترام :
" نعم مولاي، أولم تأمرنا بوضع اغراض أميرة مشكى في الجناح المجاور لك ؟!"
ابتسم إيفان بسمة واسعة مستفزة :
" آه صحيح لقد فعلت ذلك، حسنًا لا بأس هيا اكمل "
نظر إيفان صوب أرسلان يقول وهو بضم كفيه خلف ظهره يفرد صدره بكل فخر لما فعل، بينما كهرمان تتابع ما يحدث بأعين متسعة من الصدمة دون كلمة منذ جاءت ..
وإيفان قال بكل بساطة :
" نعم أنا أخبرتهم أن يفعلوا فالغرف أصبحت محدودة بسبب كثرة الضيوف كما تعلم، ولا تقلق بخصوص جناحك فهو المجاور لي من الجهة الأخرى فلا غنى لي عنك عزيزي "
رفع أرسلان حاجبه يرمقه بشر قبل أن يتلاشى فجأة قائلًا وهو يمد يده يجذب له كهرمان بهدوء وبسمة يضمها له من كتفها :
" لا بأس عزيزي، أدرك أن الغرف محدودة لذا سأوفر عليك واجلس بنفس الغرفة مع كهرمان، أليس كذلك حبيبتي ؟؟"
نظرت له كهرمان بتعجب :
" ها ؟؟ ماذا ؟؟ أوه نعم، لا بأس... أعني...لا بأس اخي "
ابتسم أرسلان بسمة واسعة :
" إذن قضي الأمر، أخبر العاملين أن يضعوا أغراضي مع شقيقتي الحبيبة إيفان، اتعبناك معنا عزيزي "
ختم حديثه يسحب كهرمان بعيدًا عنه صوب الجناح ليطمئن عليها ثم يخرج ليرى ما سيفعل، تاركًا إيفان مبتسمًا بغيظ وقد تلظى لتوه بنيرانه التي أشعلها بنفسه :
" حسنًا ربحت جوله ولم تفز بالحرب أيها الحقير ..."
___________________
تسير معه بين طرقات تلك المنطقة الحيوية التي تتوسط العاصمة والتي يرتادها الكثير والكثير من السياح يوميًا، فأصبح مظهر زوجها مألوفًا أكثر للبعض، وبالحديث عن زوجها، كانت تسير خلفه بعدم فهم، فهو منذ استيقظ في الصباح طلب منها الذهاب لأحد الاماكن في طريقهم للمشفى، وحسنًا منذ متى كانت تضطر هي للمرور بمنطقة " وسط البلد " لتصل إلى المشفى التي تعمل بها ؟؟ المشفى التي كانت تجاور حارتها ببعض الشوارع فقط .
ولم تدرك تبارك أن هذه هي الطريقة التي وصل بها سالار لها، لذا في اعتقاده الشخصي أن لا طريق يقوده للمشفى سوى هذا الطريق الذي يجعله يدور في نصف القاهرة تقريبًا ليصل إلى مشفى كانت تبعد عنه خمس دقائق بالسيارة، وايضًا هو يفعل هذا لأجل شيء آخر..
اتسعت بسمته حين سمع صوت ارشده صوب غايته، تحرك بأقدام شبه مهرولة وهو يحث خطاه صوب مصدر آيات القرآن، نفسه محل التذكارات القديمة الذي قابل به ذلك الرجل الطيب سابقًا .
وقف أمامه ينظر لتبارك التي كانت متعجبة :
" عايز تشتري التذكارات ؟؟ أنت فكرت نفسك سايح بجد ولا ايه ؟!"
ورغم أنه لم يفهم مقصدها أشار ببسمة صوب باب المحل الزجاجي :
" جئت لاقابل أحد الأصدقاء القدامى هنا، هيا سأعرفك عليه "
يعرفها عليه ؟؟ سالار سيعرفها على رجل ؟؟
وقبل أن تفكر في شيء وجدت الحماس يعلو وجه صامد وصمود بشدة يتهماسان بسعادة ولم تستطع التقاط شيء من حديثهما سوى كلمة ( شاي ) .
شاي ؟؟؟ ما الذي يحدث هنا ؟؟
ثواني وسمعت صوت الاجراس حين عبروا الباب الزجاجي لداخل المحل، ودون أن تسأل شيء شعرت براحة كبيرة من رائحة البخور وذلك الصوت الشجي في تلاوة القرآن بصوت الشيخ ( المنشاوي)، يا الله شعرت أنها ترغب في إحضار وسادة والنوم هنا، أجواء هذا المكان تعيد لها ذكرياتها حين كانت تسير للمشفى تسمع أصوات المذياع كل صباح وتشتم رائحة الطعام المصري يخرج من المنزل، عالمها لم يكن بالسييء كليًا، الكثير هنا صالحين، الخير ما يزال يسير بين الجميع .
بلادها وعالمها ليسوا عالم مفسدين، لكن الفكرة كلها أن الباطل يعلن عن نفسه بقوة، بينما الحق يتوارى بين أهله .
اتسعت بسمة سالار يلتفت في المكان وهو يقول بصوت هادئ مسترخي :
" السلام عليكم .."
بحث بعيونه عن العم في المكان حتى وجد جسد يخرج من أحد الأبواب الصغيرة في ركن المكان، ابتسم بسعادة كبيرة سرعان ما تلاشت ببطء حين أبصر شابًا هو من يقبل عليهم :
" عليكم السلام اتفضلوا، بتدوروا على حاجة ؟!"
نظر سالار حوله يبحث عن ذلك العم، بينما الشاب يتابعه ظنًا أنه اجنبي لم يفهم كلماته فتحدث بلهجة إنجليزية جيدة للغاية ليس لدراسته تلك اللغة، بل لاحتكاكه بأهل اللغة لوقت طويل :
" تفضل هل اساعدك في شيء معين ؟؟"
نظرت تبارك صوب سالار بتعجب ليتحدث سالار وهو ما يزال يبحث عن العم :
" أين العم ؟؟"
نظر له الشاب بعدم فهم وتعجب أنه يتحدث العربية بل الفصحى كذلك :
" العم ؟؟"
هز سالار رأسه يقول :
" نعم، ذلك الرجل الطيب البشوش، لقد قابلته هنا منذ عدة أشهر، أنا متأكد أنني قابلته في هذا المحل، كان رجلًا في متوسط عمره بخصلات بيضاء وبعض التجاعيد في وجهه، صحيح ؟؟"
نظر خلفه صوب صامد وصمود اللذين هزا رأسيهما بموافقة كلية على حديثه يقول صامد :
" نعم حتى أنه منحنا شايًا لذيذًا وقتها "
ابتسم الشاب لهما بسمة واسعة يشير صوب صورة تتوسط المكان يقول :
"قصدكم والدي ؟؟"
حدق سالار بالصورة ثواني قبل أن يهز رأسه ببسمة :
" نعم هو، هل هو هنا ؟!"
همس له الشاب بحزن ظهر واضحًا في نبرة صوته :
" توفاه الله من شهرين "
بُهتت ملامح سالار، وهو ينظر لصورة ذلك الرجل الصالح يردد له الأدعية ويترحم عليه في نفسه، ثم قال لولده :
" لا حول ولا قوة إلا بالله، رحمه الله وغفر له وجمعه مع نبيه بالفردوس الاعلى، كان والدك صالحًا يا فتى"
امتلئت عين الفتى ببعض الدموع يهز رأسه:
" ربنا يرحمه يارب "
ابتسم له سالار يربت على كتفه يقول بتشجيع :
" ترحم عليه ولا تحزن فقد انتقل والدك جوار ربه، غدًا نلحق به كلنا، لكن يا صديقي احسن إلى والدك وأكمل سيرته الطيبة في الدنيا وكن عمله الصالح الذي يستمر لبعد مماته، اكمل طريقًا سار به والدك"
هز الشاب رأسه يمحو دمعة فرت منه يتنهد بحزن وهم مكبوت :
" إن شاء الله "
رفع رأسه له يقول بإدراك :
" متواخذنيش أنا نسيت اضايفكم، اتفضلوا هعملكم حاجة تشربوها "
اتسعت البسمة على وجه صامد وصمود سرعان ما اختفت حين سمعوا صوت سالار يقول :
" لا تتعب نفسك، أنا فقط جئت أرد ديني لوالدك "
نظر له الشاب بعدم فهم، دين ؟؟ أي دين هذا ؟؟ منذ متى كان والده هو من يُداين؟؟ والده رحل وترك لهم بعض الديون في رقبتهم، سد الكثير منهم قبل موته ببعض الأموال التي رزقه الله بها، والباقية لم يستطع، والده الذي تحمل ما يفوق الجبال بسبب إصابة والدته بالمرض الخبيث حتى رحلت وسبقته بعام كامل ..
الآن ترك له شقيقة تدرس وأخرى على وشك الزواج وهو ....هو حتى لا يمتلك ثمن ايجار هذا المحل الذي يأبى أن يغلقه ويمحو ذكرى والده .
" دينك لوالدي ؟؟ بس انا والدي مداينش حد مش فاكر أنه قالي حاجة زي دي "
ابتسم له سالار يخرج من حقيبته سرة مليئة بالقطع الذهبية وهو يضعها في يد الشاب يقول ببساطة :
" ربما نسي والدك ذلك، لكنني لا انسى ديوني، أنا مدين لوالدك بالكثير يا فتى "
ختم حديثه ثم ربت على كتفه يقول :
" أحسن لوالدك في مماته كما احسن إليك في حياته، استودعك الله "
ختم حديثه يسحب يد تبارك التي كانت تنظر للجميع بتأثر شديد، ومن ثم هزت رأسها للشاب هزة صغيرة ورحلت معهم، تاركة الشاب خلفها ينظر لاثرهم بصدمة كبيرة، ينظر صوب القطع الذهبية لا يفهم ما يحدث، وفجأة ضربت رأسه جملة لوالده وهو يقول ( واحد ابن حلال ربنا بعته عشان يساعدنا في محنتنا يا بني، ربنا يسعده يارب ويكرمه في حياته) .
سقطت دموع الشاب بعدما استوعب فجأة، هذه السرة وهذا الرجل الصالح، هو نفسه من ساعد والده منذ شهور ؟؟
تحرك بسرعة لبوابة المحل وهو ينادي بصوت مرتفع :
" يا استاذ..يا استاذ "
لكن وحين خرج كان قد فقد أثره لينظر صوب يده لا يدري ما يفعل، وفجأة ابتسم بسمة واسعة مرتاحة يهتف :
" الحمدلله، الحمدلله "
أما عند تبارك التي كانت تسير جوار سالار مدت يدها تمسك خاصته وهي تضغط عليها بقوة، لينتبه لها ويستدير مبتسمًا بحنان وهي فقط زادت من بسمتها اتساعًا، وعلى غرار بسمتها ازدادت نظراته هو حنانًا، يجذب يدها وجسدها صوبه أكثر، حتى اضحت تسير شبه ملتصقة به تراه يوقف سيارة أجرة لتأخذهم صوب المشفى ..
ابتسمت تقول :
" أرى أنك بدأت تصبح خبيرًا في هذا ؟!"
ابتسم وهو يشرد في الطريق :
" في النهاية لم يكن هذا العالم مرعبًا بالقدر الذي تخيلته، لذا لا اظن أنني أمانع معرفة ما يحتويه، على الأقل لأجد مكانًا لي بعالم كنتِ تنتمين له تبارك "
نظرت تبارك من النافذة التي يحدق منها لتبصر العديد من الأوجه منها المبتسم ومنها المقتضب منها الذي يظهر بشاشة وخير ومنها من يضمر شرًا، هذا صديق يعين صديقه وهذه ام تضم طفلها، وهذا زوج يوبخ زوجته، ورجل يصرخ في طفل، ببساطة عالمها ليس فاسدًا بالكامل، وايضًا ليس صالحًا بالكامل، عالمها ممتلئ بكل انواع البشر ..
" هذا وطني سالار، بلادي التي ورغم كل سييء بها، لم يستطع أن يمحو الجيد بين طرقاتها "
صمتت ثم ابتسمت تقول بنبرة حنين :
" أوتعلم، العم متولي كان يردد دائمًا كلمات مازحة، كان طوال الوقت يقول أن مصر جميلة، بل في غاية الجمال، لكن دون بشر، وأنا كنت اوافقه في الحقيقة لأنني تلقيت الكثير من بعض الأشخاص، لكن بالتفكير في الأمر، بلادي جميلة بكل ما فيها، الأمر يعتمد على زاوية رؤيتك لها ..."
ابتسم لها سالار يمسك كفها مرددًا :
" أي مكان أنتِ به جنة لي تبارك "
تنهد ينظر أمامه :
" الآن علينا زيارة المشفى صحيح ؟؟؟"
هزت رأسها وهي تنظر تردد بريبة من القادم :
" نعم، علينا ذلك ....."
__________________________
توافد الكثير من شعب المملكة وبعض التجار من الممالك الأخرى الذين كانوا في سفيد صوب القصر للاحتفال بعقد قرآن الأميرة، البهجة كانت تنتشر على وجوه الجميع وهم ينتشرون في الحديقة التي تجاور المسجد، جزء للنساء والجزء الآخر للرجال، وقد تولى الحراس التنظيم والاهتمام براحة الشعب ..
في اللحظة التي كان الجميع يستعد لبدء عقد القرآن، كان هو جاء لغرض آخر، غرض لا يشاركه به أحد الموجودين .
تحرك بخفة بين الجميع وبسمته تلتمع بسعادة كبيرة، يتناول الحلوى والمشروبات من العاملين، حتى توقف يشعر برغبة في الذهاب للمرحاض يسأل بعض المارة عن، فارشده أحد الحراس له، وهو تحرك بهدوء صوب المبنى الصغير الذي يقبع في جوار مبنى الحراس .
وهناك تلاشت بسمته ينحرف في طريق آخر غير ذلك الذي جاء منه، تحرك بسرعة دون أن يبصره أحدهم ينصهر بين الجميع مستغلًا الزحام وانشغال الكل في تنظيم عقد القرآن حتى دخل مبنى الغرف الملكية، يتحرك بين ممراته بانبهار شديد، لكن فجأة دفع كل ذلك الانبهار جانبًا وهو يبحث عن وجهته، حتى ابصرها واضحة، غرفة مزينة والعديد من النساء تخرج منها بوجوه سعيد، إذن هذه هي غرفتها للعروس ؟؟
العروس التي كانت تفترش الحصير مع والدتها كالعبيد له ولشقيقه، الآن تسكن القصور ويقام لها احتفالات ؟؟
ابتسم بسمة غاضبة وقد غلى الحقد في صدره، الغضب أكله، هذه الحقيرة هي سبب كل تعاسته وتشرده بين الممالك هاربًا، كان هو من ضمن الرجال الذين دخلوا سفيد متخفيين في الأسواق وقد أبصر بعيونه ذات يوم زمرد تسير بين الجميع في الأسواق فاشتعلت عيونه بالانتقام وقبل أن يقترب منها بخنجره أبصر اصطدامها في أحد رجالهم لتشتعل الحرب بينها وبينهم ..
الأمر الذي جعله يتراجع بسرعة يتخفى بعيدًا عن أنظار الحراس وقد وصله أن الحراس وبمساعدة الأميرة أمسكوا جماعة من المنبوذين بين الأسواق، هرب وانصهر بين شعب سفيد متخفيًا لأيام طويلة يبحث له عن مدخل ليتخلص منها ويعود منتصرًا لبافل، لكن وصله خبر سقوط بافل، بل وحكم تلك الحقيرة عليه، لذا اشتعل الانتقام أكثر في صدره وأقسم على قتلها، حتى وإن قُتل بعدها بثانية واحدة فلن يهتم، هو خسر كل ما يملك وانتهى الأمر .
توقف أمام الجناح الخاص بزمرد يسمع العديد من الأصوات بالداخل ففكر بالانتظار بعض الوقت حتى يخرجون وتبقى وحدها .
وبالفعل تخفى الأخ الأصغر لها في أحد الممرات ينتظر لدقائق ودقائق طويلة حتى وجد بعد بعض الوقت الكثير من النساء يخرجن من الغرفة فخمن أنها ظلت وحدها، ولا حراس هنا؛ لذا هذه فرصته الوحيدة .
اندفع بسرعة صوب غرفتها يفتح الباب بقوة، يدخل لها مغلقًا الباب خلفه بعنف وهو يردد مبتسمًا بشر :
" مرحبًا اختي العزيزة ......."
______________________
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم رحمة نبيل
متنسوش التصويت على الفصل والتعليق برأيكم.
صلوا على نبي الرحمة.
الفصل اهداء للجميلة " نجلاء محمد " و " روان بدران " بمناسبة يوم ميلادهم ...
_____________________
كان الجميع مجتمع داخل ساحة القصر ينتظرون أن تطل عليهم العروس، ودانيار ذلك المسكن الذي يقف أمام باب المسجد يضم يديه أمامه وكأنه يمنع نفسه الركض صوب غرفتها وسحبها للمجئ في اسرع وقت.
" ما الذي يؤخرها حتى هذه اللحظة ؟! "
نظر له تميم يقول ببسمة صغيرة :
" تمالك نفسك عزيزي ثواني وتكون هنا "
" أي نفس تلك التي سأتمالكها تميم، سبق وفقدتها في حب هذه المرأة، يا الله لا اصدق أنني هنا انتظر مجيئها وهي فقط داخل غرفتها لا تشعر بتلك النيران التي تحرقني لترقبي "
ابتسم تميم يقول وهو يرى إيفان يتحرك بعيدًا عنهم :
" لا تقلق يبدو أن الملك استشعر تأخرها وذهب ليحضرها، والآن تنفس؛ كي لا تنتبه المرأة على لهفتك الواضحة هذه، ادعي بعض الثقل يا بني "
ابتسم له دانيار بسخرية يعدل من وضعية ثيابه السوداء يجيبه بعدم اهتمام :
" تركنا لك الثقل سيد تميم "
وعند إيفان كان ينظر حوله بتعجب ينتظر أن تصل له كلمة من أحد العاملات أن زمرد قد أصبحت جاهزة للتحرك، لكن لا شيء، نظر حوله ليبصر ملاكه يتحرك صوبه مما جعله يبتسم بسمة صغيرة وهو يهم بالتحرك نحوها لولا ذلك الجسد الذي سد الرؤية أمامه..
زفر بحنق شديد وهو يتحدث بصوت حاد يبتعد عن جسد أرسلان :
" سمو الأميرة .."
انتبهت له كهرمان لترد بصوت خافت :
" مولاي ؟؟"
" هل انتهت زمرد لاحضرها ؟؟"
نظرت له ثواني قبل أن تهز كتفها بعدم معرفة :
" لقد تركتها لاتجهز وعندما ذهبت وطرقت على الغرفة الخاصة بها لم يصل لي صوتًا فظننت أنها خرجت وتعجبت حين لم اجدها هنا "
ضيق إيفان ما بين حاجبيه بتفكير :
" ماذا تعنين ؟؟ كيف لا تجيب ؟؟"
ختم حديثه ولم يترك لها فرصة لتجيب على كلماته، يتحرك بشبه هرولة بعيدًا عن الجميع، يعدل من ثيابه أثناء التحرك، يشمر أكمامه لا ينتبه لمن يبتسم له أو من يوجه له المباراكات، بل فقط توجه مباشرة صوب غرفتها التي زينها لأجلها بخوف شديد .
ابتلع ريقه وهو يتحدث بصوت جاد للحراس الذين قابلوه :
" هل ابصرتم شيء مريب في القصر ؟؟"
وكانت الإجابة لا، وهذا ما جعله يطمئن بعض الشيء، وهو الذي يشعر بالخوف على شقيقته من أي شيء، يتمنى، فقط يتمنى أن يمر هذا اليوم بخير عليها، هي تستحق ذلك ..
وصل واخيرًا لغرفتها يتنفس بصوت مرتفع، ثم رفع يده على استعداد تام لطرق الباب، وقد فعل، إذ طرقه بخفة شديدة ينتظر منها ردًا، لكن لم يصل له سوى صوت صمت ما كان له أن يسكن غرفة عروس يوم عقد قرانها .
تعجب وازدادت ريبته وهو يرفع يده ليعيد الكرة ويطرق الباب، ومرة ثانية لا إجابة، هنا وتحركت يده يتحسس سيفه المستقر على حزام خصره وقد رفع يده لكن هذه المرة لفتح الباب، وقبل أن تصل للمقبض وجد باب الغرفة يفتح بسرعة ويطل عليه وجهها مبتسمًا بسمة واسعة تقول بكل بساطة :
" أوه مرحبًا أخي..."
ثواني استغرقتها ضربات قلب إيفان حتى تعود لمسارها الطبيعي وينتظم تنفسه وهو يبعد يده عن السيف يقول ببسمة :
" صباح البهاء حبيبتي، من أي جنة اطللتي علينا زمرد ؟؟"
اتسعت بسمة زمرد بشدة وهي ما تزال تسد الباب بجسدها تقول :
" هذا الدلال سيفسدني "
" لكِ كل الدلال وكل الفساد إن اردتي "
صمت ينظر لها تمسك بيديها البوابة الخاصة بغرفتها وتسد بجسدها الرؤية، لكنه لم يهتم وهو يقول :
" إذن هل نذهب ؟؟ دانيار يكاد يحطم المكان فوق رؤوس من به من شدة لهفته "
اتسعت بسمتها بقوة وهي تنظر للداخل بلمحة خاطفة، ثم خرجت تجذب الباب خلفها تقول :
" نعم، لقد انتهيت على أية حال "
كانت كلماتها تحمل العديد من المعاني، لكن إيفان قرر أخذ المعنى الظاهري يقول ببسمة :
" هذا جيد للغاية، إذن نتحرك "
ختم حديثه وهو يمد لها ذراعه كي تتأبطه، وهي ابتسمت له بسمة واسعة تتحرك معه صوب الخارج، وبمجرد أن خرجت من مبنى الغرف وجدت الكثير من الورود تتساقط أعلى رأسها من أعلى المبنى وقد أمر إيفان بكل ذلك، فمن أغلى من شقيقته لتُزف بالورود ؟؟
وزمرد شعرت بقلبها يكاد يتوقف من الموقف بأكمله، تنفست بصوت مرتفع وهي تحاول الهدوء، يا الله تشعر أنها على وشك السقوط ارضًا من هول الموقف .
أشار إيفان بطرف عيونه صوب أحد الجنود في إشارة متفق عليها، ثم ابتسم يسحب معه شقيقته في طريقهم صوب مسجد القصر وقد تعالت أصوات المباركات والتهليل، وهي فقط شعرت بالدموع تملئ عيونها تضم نفسها صوب إيفان لا تتخيل أن كل هذا لأجلها، إيفان جعل جميع أفراد المملكة يحتفلون بها ..
واخيرًا وصلت للمسجد حيث الجزء المخصص للنساء خلف الستار، دون أن تبصر دانيار في طريقها وقد كان هذا بأمر من إيفان الذي أراد أن تكون نظرة دانيار الأولى لها اليوم بعد عقد القرآن..
وكم كانت هي شاكرة لذلك، فعلى الأقل تحاول تمالك نفسها، جلست ارضًا وقد أحاط بها قماش فستانها الأبيض المرصع باللون الذهبي تشعر بضربات قلبها تتصارع وصوت الشيخ يصدح في المكان بكلمات جعلتها ترتجف ..
قد بدأ الشيخ يخطب في الجميع كعادته بكلمات عن الزواج يختمها بقوله :
" لذا نحن اليوم تجمعنا هنا لنشهد عقد قرآن أميرة البلاد الأميرة زمرد، على القائد دانيار صفي الدين "
كلمات قليلة جعلت ضربات قلب دانيار تتعالى وقد شعر أن الجميع حوله يدرك الآن ما يدور بداخله، حتى أنه دار بعيونه عليهم يتأكد أن صوت قلبه لم يخرج للملأ ..
دقائق ووصل صوته المألوف لاذن زمرد وهو يقول :
" اقبل "
تحرك إيفان رفقة تميم وارسلان صوب منطقة النساء لأخذ موافقة شقيقته التي تحدثت بصوت بالكاد خرج لشدة خجلها :
" موافقة "
ومن بعد هذه الكلمات صدح صوت الشيخ في المكان بأكمله يعلن واخيرًا على مرأى ومسمع من الجميع أن الحلم الذي انتظره دانيار طوال كل هذه الأيام الطويلة قد أضحى واقعًا واخيرًا، ليكون أول ما يفعله دانيار هو أن خر ساجدًا يشعر بأنه يحلم، يشكر ربه أن اطال عمره ليشهد هذه اللحظة .
بينما إيفان يراقب سعادة دانيار يتنفس بصوت مرتفع سعيدًا أن رزق الله شقيقته بمن يحبها بقدر حب دانيار لها، الأمر الذي سيجعله يحيا حياته براحة .
فجأة سمع صوتًا جواره يهتف :
" حسنًا، لا اعتقد أنني قد أقبل أقل من هذا إيفان، إن لم تسجد لله شكرًا على شقيقتي، بل وتبكي تلك النعمة التي ستحصل عليها، فلن اوافق "
نظر إيفان جواره صوب أرسلان لترتفع ضحكاته وهو يمد يده يجذب له أرسلان يهتف بسعادة لتلك الموافقة الغير مباشرة :
" يا رجل سأقيم الليل يومها إن أردت ولن اكتفي بسجدة واحدة"
صمت يقول :
" إذن هذه موافقة صحيح ؟؟"
" لا ليس تمامًا، هذه نصف موافقة انتظر النصف الثاني "
ضحك إيفان بصوت مرتفع يقول :
" لا بأس سأحصل على النصف الآخر مع قدوم ولي العهد الأول بإذن الله "
نظر له أرسلان ثواني بحنق، وقد انفجرت ضحكات إيفان وهو يتحرك بعيدًا عنه ليحضر شقيقته لدانيار قبل أن ينهض ويرمي الجميع حوله بسهامه، ثم يتحرك ليخطفها من بينهم .
ودانيار ظل واقفًا يتلقى المباركات وخلفه تميم يبتسم بسعادة لأجله، وما هي إلا ثواني حتى طلت عليهم زمرد التي كانت تنظر ارضًا بخجل وإيفان يقودها صوب المكان الذي يقف به دانيار .
شعر دانيار بيد تميم الذي همس له :
"دانيار، ارفع عيونك يا أخي "
نظر له دانيار بعدم فهم قبل أن يرفع عيونه ببطء صوب الاتجاه الذي يشير له تميم، ليصدم بهيئة ملائكية لزمرد، هيئة جعلته يشهق وهو يتراجع للخلف خطوات وقد كاد جسده يتهاوى ارضًا، لولا يد تميم الذي امسكه يقول ببسمة على ردة فعله :
" يا ويلي تماسك يا رجل ما بك "
همس دانيار ببسمة غير مصدقة، وهو يحدق في وجهها :
" أنا مسحور يا صديقي ..."
نظر له تميم ببسمة واسعة لسعادته الواضحة تلك يقول :
" نعم، اعتقد أن الجميع أضحى يدرك ذلك الآن، دانيار "
ختم تميم كلماته يدفع جسده دانيار صوب زمرد التي توقفت على بُعد صغير منه، ببسمة صغيرة وهي ترفع عيونها له تبحث عن كلمات في عقلها ولم تجد سوى كلمة واحدة لتقولها:
" مرحبًا .."
ابتسم لها يحرك رأسه رافضًا تلك الكلمة العادية الآن:
" أوه، بل أكثر من مرحبًا يا امرأة، أنا الآن أشعر برغبة عارمة في فعل ما قد يدفع بأخيكِ لقتلي على مرأى ومسمع الجميع، عقلي لا يساعدني لتصفية أفكاري في هذه اللحظة "
اتسعت أعين زمرد بصدمة كلماته، بينما هو ابتسم،
ينظر صوب إيفان ثواني قبل أن يختطف يد زمرد منه يقول دون مقدمات :
" الآن اعطني هذه اليد، سوف أخذ زوجتي لأتحدث معها قليلًا و...."
صمت ثواني وكأنه يحاول تذوق كلمة " زوجتي " باستمتاع كبير، ثم ابتسم يرددها مجددًا :
" زوجتي؟؟ حقًا؟! "
هز رأسه بعدها يجيب نفسه تحت ضحكات زمرد الخافتة عليه :
" أوه نعم زوجتي، أنتِ الآن زوجتي وامرأتي زمرد "
همس إيفان بيأس وهو يرى دانيار يأخذ زمرد الخجلة من بينهم جميعًا وقد علت ملامحه عدم التصديق :
" يا الله، جُن الفتى "
وقبل اختفاء الاثنين، نظرت زمرد صوب إيفان تقول بسرعة :
" صحيح أخي لقد تركت لك هدية صغيرة في غرفتي، هدية شكر عما فعلته وتفعله لأجلي اتمنى أن تعجبك "
ختم حديثها تتحدث بكل بساطة مع دانيار تاركة إيفان يتحدث بعدم فهم :
" هدية ؟؟؟؟"
____________________
" ذكريني بالسبب الذي جعلني اوافق على مثل هذه السخافة تبارك ؟؟"
توقفت تبارك في سيرها، ثم استدارت تحدق بوجه سالار، أو ما تبقى من وجه سالار بعدما غطته بالكامل إذ أجبرته على ارتداء قناع طبي ونظارة شمس كبيرة تخفي عيونه، وفي النهاية جاهدت لجمع خصلاته الصهباء الكثيفة داخل قبعة وقد هربت بعضها منها بكل مهارة .
" امممم فقط ...أخشى عليك الحسد عزيزي "
رفع سالار حاجبه وهو يشعر بالاختناق من كل هذه الأشياء على رأسه:
" لقد قرأت اذكاري في الصباح وانتهيت من وردي عزيزتي، لذا لا تخافي فالله خير حافظ، لن يمسني سوء "
كان يتحدث بجدية وهو يحرك كفه صوب القبعة وقبل أن ينزعها وجد يد تبارك تسبقه وهي تردد بسرعة :
" لا، لا تفعل ارجوك "
نظر لها سالار بعدم فهم وهو يحاول معرفة ما يدور داخل عقلها، وهي فقط ابتلعت ريقها تحاول أن تقنعه بالبقاء على هذه الحالة فقط لتضمن ابتعاد أعين الجميع عنه خاصة زميلاتها اللواتي لن يرحمنه أو يرحمنها من اعينهن والسنتهن، بالإضافة إلى أن الزيارة الأخيرة له حين جاء لأخذها من المشفى لم تكن بالجيدة أبدًا وقد أثار البلبلة في المكان وتسبب في العديد من الاصابات للجميع .
تنهدت بصوت عالي تقول ببسمة واسعة :
" أنت تبدو وسيمًا هكذا سالار "
" وأنتِ لا تحسنين الكذب تبارك، لكن على أية حال لا بأس، لنتحرك وننتهي من كل هذا رجاءً"
تنفست الصعداء بشكل واضح لاعين سالار، ثم نظرت صوب صامد وصمود اللذين كانا يراقبانهما بحرص شديد وكأنهما يبحثان عن مدخل لتبارك لكسر لعنتها التي تحوم حول القائد .
وتبارك فقط تنظر لهما ببسمة صغيرة :
" إذن هل نتحرك ؟؟"
أشار صمود صوب سالار، ثم أشار لهما يقول :
" نحن لم نحظى بتنكر كالقائد، ماذا إن اصابتنا عين حاسدة بالداخل؟؟ سمعت أن أعين المفسدين ذات حسد قاتل "
وافقه صامد وهو يتمتم :
" أوه نعم هذا صحيح، ليحفظنا الله منهم ومن أعينهم"
نظرت لهما تبارك ثواني باستنكار وتشنج، قبل أن تقول ببساطة وبسمة صغيرة :
" لا بأس اذكرا الله واقرئا المعوذتين ولن يمسكما سوء إن شاء الله، والآن لنتحرك"
ختمت حديثها تسير أمام الجميع وهي تنظر لاسم المشفى الذي يعلو بوابة الدخول وقد بدأ الغبار يمحوه، تسير أمامهم مشيرة بكفها وهي تحركه في الهواء :
" الحقوا بي يا رجال "
وقبل أن تتبع حديثها بخطوة إضافية، شعرت بقبضة تمسك طرف ثوبها من الخلف وجسدها يعود ما تقدمته من خطوات، حتى أصطدمت بجسد سالار الذي ردد بهدوء وهو يميل بالقرب منها :
" لا تسبقيني ولا تتخطيني في السير تبارك، ولا تتحركي من جواري، لا أريد لكِ أن تشردي بعيدًا عني، فقط تحركي واحضري ما تريدين وانتهي لنرحل، حسنًا ؟!"
كان يتحدث بتحذير وهو ينظر لعيونها، بينما هي فقط تحاول معرفة سبب تلك النظرات المحذرة القوية التي يرميها بها :
" أنت تتحدث كما لو أننا على وشك دخول وكر افاعي"
" أنا سأتبع نفس التعليمات في أي مكان تبارك "
" أوه، حسنًا إذن "
ابتسم لها يمد يده ليمسك يدها بقوة، ثم تحرك معها صوب الداخل وخلفهما صامد وصمود، وسالار الذي كان يتصرف بشكل غريب كانت عيونه تتحرك في المكان يمينًا ويسارًا يبحث عن أي أحد قد يقترب من زوجته، وقد جعلته نظرات ذلك الرجل في الحارة يتحفز لأي رجل قد يمر بشكل عابر جوار زوجته، فإن كانوا هم لا يستطيعون غض ابصارهم، يستطيع هو أن يسلبها بالكامل .
وتبارك فقط تحركت بين طرقات المشفى وهي تدعو الله في صدرها ألا تقابل أحدًا يعلمها، وفي هذه اللحظة تمنت لو أنها تنكرت كسالار .
واخيرًا وصلت لغرفة تبديل الثياب الخاصة بها تتنفس الصعداء، ثم ابتسمت تقول :
" وصلنا بأمان، قف هنا سأعود سريعًا "
" سأرافقك "
توقفت اقدام تبارك تنظر له ثواني بتردد وهي تقول بجدية :
" أوه حسنًا بخصوص هذا سالار، هذه غرفة تبديل ثياب خاصة بالنساء عزيزي، لذا لا اعتقد أنه يمكنك مرافقتي "
تراجع سالار ببهوت وقد أدركت تبارك دون الحاجة لرؤية ملامحه أنه خجل من كلماتها، ابتسمت له تقول :
" فقط سأحضر أغراضي الخاصة واعود "
هز رأسه لها وهي فقط تنفست بصوت عالي ودخلت الغرفة بسرعة تغلق الباب خلفها، بينما سالار كان بالفعل قد تحرك جانبًا كي لا يبصر بالخطأ ما لا يجب عليه رؤيته، وجواره صامد وصمود ..
فقط ضم ذراعيه لصدره يفكر في السبب الذي جعل تبارك تصر على المجئ لهذه المشفى تحديدًا، رغم أنهم في طريقهم قابلوا الكثير من المشافي .
وما لم يعلمه سالار، أن سبب حضور تبارك هنا ليس لأجل إحضار علاجها، بل لأخذ آخر ما احتفظت به من طفولتها ..
اخرجت تبارك المفاتيح الخاصة بها والتي كانت تحتفظ فيها بمفتاحها، تفتح الخزانة وهي تتنفس بهدوء قبل أن تبصر ما جاءت خصيصًا لأجله.
اطلال ماضيها وبقايا ذكرياتها المحترقة ...
صورة لطفلة صغير تقف جوار امرأة غليظة الملامح تضم لصدرها دمية شبه مدمرة، تنظر صوب المصور ببراءة وحيرة، صورة هي آخر ما يربطها بتبارك الصغيرة التي تركتها مختبئة أسفل فراش الملجأ، تلك الصورة التي كانت تصطحبها معها في كل مكان ونستها يوم خرجت للمرة الأخيرة من المشفى في الخزانة .
شكرت ربها أن العاملين هنا كانوا من الاحترام الذي يجعلهم يتركون امتعتها كما هي، وضعت الصورة داخل حقيبتها بسرعة تخفيها، ثم أخرجت بعض الأغراض الخاصة بها تأخذ المهم والباقي تتركه، ومن ثم تركت القفل والمفتاح في الخزانة وتركتها مفتوحة وتحركت بسرعة لتخرج، لولا سماعها صوت الباب يُفتح، رفعت عيونها بهدوء صوب الباب لتُصدم حين أبصرت القادم .......
_________________________
فتح إيفان باب الغرفة التي كانت تقبع بها زمرد وهو يفكر في تلك الهدية التي أخبرته عنها، فضول كبير اعتراه ورغم أنه لم يكن معتاد عليه، إلا أن فكرة اهداء أخته هدية له جعلته يتحـ ....
فجأة توقف عن التفكير حين وقعت عينه على الهدية أمامه، اتسعت عيونه وفغر فاهه يراقب تلك الهدية والتي اجادت زمرد تغليفها للحق، رمش ثواني قبل أن يتراجع بكل هدوء شديد صوب الخارج وتحرك في الطرقات يبحث بينهم عن الجميع وحين أبصر تميم مجتمع واقفًا مع أرسلان والعريف ابتسم يشير لهم بالاقتراب وهو يقول بضحكة خرجت دون إرادته:
" تميم احضر أرسلان وتعالى، وأحضر معك الجنود والجميع "
رفع العريف حاجبه وهو ينظر حوله ليرى أنه ذكر الجميع عداه :
" لطالما أخبرت الجميع أنك ملك وقح ايفان، تنادي الجميع وتتركني؟!"
نظر له إيفان يقول ببسمة :
" لا بأس ايها العريف تعال معهم، ليأتي الجميع "
لكن العريف التوى ثغره بحنق يتحرك بعيدًا عنهم جميعًا :
" لا، افضل الذهاب للنوم أو قراءة أي كتاب في مكتبتي على المجئ معكم، هذه مضيعة للوقت أكثر من قراءة تلك الكتب السخيفة التي تعكف عليها زوجة تميم "
ختم حديثه يتحرك بكل بساطة بعيدًا عن الجميع، بينما تميم نظر له باستنكار شديد يردد في أثره مدافعًا عما يهاجمه هو من الأساس، لكنه لا يسمح لغيره أن يهاجم ما تفعل زوجته بأي حال من الأحوال يرفع إصبعه في الهواء بحنق :
" مهلًا هذه ثقافة وليست سخافة أيها العريف، وزوجتي أفعى تزداد سمًا فأحذر منها، عليكم جميعًا أن تحذروا منها فزوجتي اخطر مما يعتقد الجميع"
ختم حديثه بحنق، ثم استدار صوب إيفان بملامح مقتضبة جعلت إيفان يبتسم له :
" احسنت الدفاع عن زوجتك تميم، لو سمعتك كانت لتسعد بشدة "
ابتسم تميم وهو يتحرك صوب إيفان يغمز له بخفة، يشير بطرف عيونه لأحد الأركان هامسًا بصوت وصل لإيفان:
" من الأساس أنا أقول كل هذا لأنها تسمعني عزيزي"
ختم حديثه ببسمة جانبية وقد أبصر إيفان بطرف عيونه كذلك برلنت تقف على بعد جعلها تسمع صوت تميم المرتفع وهو يدافع عنها وعما تحب، وقد علت نظرات الحب عيونها وحلقت الفراشات فوق رأسها.
ابتسم إيفان وهو يتحرك مع تميم وارسلان ببسمة واسعة يشير لبعض الحرس باتباعه :
" أنت لست سهلًا تميم، وأنا من ظننتك لا تفقه في هذه الامور يا فتى "
تحدث تميم بسخرية :
" تعاملك مع امرأة لأربعٍ وعشرين ساعة يمنحك خبرة أربع وعشرين عامًا مولاي ..."
ضحك إيفان بخفة وهو يتحرك مع الجميع صوب غرفة زمرد تحت أنظار برلنت الفخورة بزوجها وكهرمان المتعجبة لما يحدث ..
" هل اتوهم أم أن زوجك للتو صرخ في العريف لأجل كتبك ؟؟"
ابتسمت برلنت بفخر :
" نعم يبدو أنه يسير بخطى ثابتة لارضائي عزيزتي ...."
وعند ذلك الذي يسير بخطى ثابتة، توقف الجميع أمام غرفة زمرد وهم ينظرون صوب إيفان بعدم فهم، بينما إيفان توقف كذلك يقول ببسمة فخورة :
" حسنًا دعوني اشاركم هدية الشكر التي أهدتها لي شقيقتي اليوم .."
نظر الجميع له بفضول وتعجب، فما شأنهم ليشاركهم إيفان هدية اهدتها له شقيقته، والإجابة جاءتهم حين فتح إيفان باب غرفة زمرد على مصراعيه يشير لهما صوب الهدية المغلفة الموضوعة على أحد المقاعد في منتصف الغرفة .
تحركت الأعين بهدوء صوب تلك الهدية قبل أن تتسع شيئًا فشيء، يبصرون أحد الذكور في مقتبل العمر مُقيد بمقعده وحول رقبته هناك شرائط ملونة خاصة بالهدايا وقد أحسنت زمرد تغليفه، وفوق جبينه ورقة خطتها بيدها بها بعض الكلمات ( هدية شكر وعرفان عما فعلته لأجلي أخي، كان يمكنني التخلص منه بنفسي، لكنني لم أرد أن أكون بهذه الانانية، لذا تقبلها مني مع كامل الحب، ملحوظة صغيرة هناك بعض الخدوش والاصابات، هذه فقط بعض العيوب التي أصابت الهدية أثناء التغليف، زمرد )
كان أرسلان يقرأ تلك الكلمات باهتمام شديد قبل أن تصدح ضحكاته في المكان بأكمله تحت أنظار الجميع المصدومة مما يرون ويسمعون، بينما أرسلان رفع يده يعيد لصق الرسالة مرة أخرى بقوة على جبين ذلك الشاب وهو يردد بمزاح :
" لو لم تتزوج أختك بدانيار، كنت لأكون سعيدًا أن تكون زوجتي امرأة بمثل تجبرها "
تمتم إيفان بصوت قصد جعله مرتفعًا ليصل له :
" الحمد لله والشكر له أن دانيار أنقذها قبل الوقوع في فخك"
استدار له أرسلان باستنكار :
" أنت أيها القذر، إنه لفخر لك أن يكون الملك أرسلان زوج شقيقتك، فقط تخيل لو حدث، يا الله من أين قد تحصلون على رجل بمثل مواصفاتي "
ازاحه إيفان ببسمة جانبية :
" لن نفعل، والحمدلله أننا لا نفعل، فمن أين لنا في هذا العالم بارسلان آخر عداك، حمدًا لله أن اصدارك محدود "
ختم حديثه ببسمة وهو يشير صوب الجنود متجهاهلًا تعابير وجه أرسلان :
" هيا يا رجال احملوا هدية أختي برفق صوب السجن حيث أمثاله، وانتظروا ليتم استدعائه والحكم عليه "
ختم حديثه يراقب الرجال يفعلون ما أمرهم، ومن ثم استدار بهدوء صوب أرسلان يقول بعد نفس عميق :
" واخيرًا قضينا على آخر آفات القوم يا صديقي "
ابتسم له أرسلان ولم يكد يشاركه تلك الراحة والسعادة قبل أن يعكرها إيفان وهو يمد يده يضعها على كتف أرسلان مرددًا :
" والآن حان وقت الحديث بكل تعقل كالناضجين أرسلان؟؟؟؟"
____________________
صُدمت تبارك من وجود تلك المرأة هنا بالتحديد وبهذا الوقت، نظرت حولها ولم تفهم سبب وجودها، لكنها لم تهتم وهي تتحرك خارج الغرفة بسرعة، فقط لتنتهي مما جاءت لأجله وترحل مع زوجها .
لكن وقبل أن تخطو خارج الغرفة سمعت صوت تلك المرأة يردد :
" تبارك ؟؟"
توقفت اقدام تبارك عن التحرك واستدارت ببطء شديد تحدق في أعين تلك المرأة التي سبق ورأتها مرة واحدة، مرة واحدة كانت كفيلة أن تحطم كل ما بها لاشلاء وهي تأمرها بتعنت أن تبتعد عن ابنها الوحيد وتقيه شر الوقوع بشباك فتاة يتيمة لا أصل لها، وترحم احفادها القادمين من أصل قد لا يسرهم مستقبلًا .
نعم هي نفسها والدة عليّ المصونة .
" نعم سيدتي، تفضلي ؟؟"
كانت كلمة تلقائية خرجت من فم تبارك والتي اعتادت ومنذ أشهر طويلة على الحديث بالفصحى، لذا خرجت منها الكلمة بكل عفوية جعلت ملامح المرأة تتشنج وهي تنظر حولها بعدم فهم، وكأنها تبحث عمن توجه لها تبارك الحديث، بينما تبارك اخذت ثواني فقط لتستوعب أين هي ومع من تتحدث :
" ايه ؟!"
" قـ..قصدي، أيوة اتفضلي فيه حاجة ؟؟"
" أنا... أنا بس كنت حابة اعتذرلك "
تشنجت ملامح تبارك بعدم فهم :
" تعتذري ؟؟"
" أيوة، اسمعي يابنتي أنا مفيش ليا عداوة شخصية معاكِ أنا بس أم كانت خايفة على ابنها مش اكتر "
" لا حقك تخافي خصوصًا أنه كان هيتجوز زومبي، محدش برضو هيحب يشوف ابنه متجوز واحدة بتاكل لحوم بشر "
رمقتها السيدة بعدم فهم، وتبارك تجاوزت كل السخرية تلك تقول ببسمة باردة :
" على العموم ولا يهمك، صدقيني أنا مش زعلانة بالعكس، أنتِ برفضك ده عطتيني فرصة حياتي اني اقابل الشخص اللي يستاهلني بجد، وربنا يوفق ابنك إن شاء الله مع بنت الحلال "
هزت السيدة رأسها تتجاوز عن باقية الحديث وقد استكفت باعتذار طفيف اراحت به بقايا ضميرها دون اهتمام للتأكد أن تبارك بالفعل تسامحها :
" طب الحمدلله أن ربنا رزقك باللي يسعدك ويريحك"
صمتت ثم أضافت بسرعة كي تخبرها بشكل غير مباشر أن ولدها كذلك ليس بالقليل ليعجز عن إيجاد زوجة مناسبة له :
" على كمان ربنا كرمه ببنت الحلال، واحدة من عيلة محترمة ومعروفة هنا "
صمتت ثم أضافت بتلميح :
" عبير صاحبتك ما أنتِ أكيد عارفاها "
صُدمت تبارك لثواني وهي تحاول أن تستوعب أن عبير أخيرًا حققت حلمها وفازت بالطبيب الذي كانت تتنافس عليه جميع نساء المشفى، وهي لم تكن افضل منهن، بل كانت أول المنافسين، لكن هل تحزن الان لأجل خسارتها المنافسة ؟؟
لا والله، بل تسعد لفوزها مسابقة أكبر، فإن خسرت أحد الرجال فقد فازت بسيدهم _ في عيونها _
ابتسمت بكل بساطة تردد :
" ربنا يسعدهم يارب، عن أذنك عشان جوزي مستني برة ومش حابة اتأخر عليه "
ختمت حديثها تخرج مبتسمة براحة شديد، يا الله ما اجمل الحياة حيت لا تهتم بمن حولك وأحاديثهم، حين لا يعنيك أي أحد في الحياة سوى القليل، وهذا القليل كان زوجها، إن اعتبرنا أن زوجها قليل، فوالله كان سالار كل شيء وأكثر من الكثير .
وعلى ذكر زوجها العزيز، هي تتذكر أنها تركته يقف أمام باب الغرفة رفقة الأخوين تيمون وبومبة، لكن الآن لم يتبقى غير الاثنين ..
" أين سالار صامد ؟!"
رفع صامد حاجبه يجيب بهدوء :
" لا أدري اسألي صمود "
تحولت نظراتها صوب صمود تتساءل بجدية :
" أين سالار صمود ؟!"
" لا اعلم اسألي صامد "
اشتعلت أعين تبارك وهي تنظر حولها تحاول إيجاده بنفسها دون الاتكاء على هذين الاثنين :
" يا الله ألا فائدة لكما بهذه الحياة يا رجال...اقسم أنني سوف اااا...."
توقفت فجأة عن الحديث وهي تتعجب شيء ما :
" مهلًا هل اتوهم أم أن ممرات المشفى فارغة بشكل مريب؟! أين الممرضين والأطباء ؟؟"
نظر صامد وصمود لبعضهما البعض قبل أن يتولى صمود الحديث ببسمة مستفزة :
" لا أدري سوى أن القائد يتخلص الآن من أحد هؤلاء الأطباء "
هزت تبارك رأسها تقول ببساطة :
" حسنًا، وأين الباقيين ا...."
فجأة توقفت عن الحديث بأعين متسعة :
" هو ماذا ؟؟؟؟؟"
قبل كل هذا بدقائق قليلة ...
كان سالار يستند على أحد الجدران بعيدًا بعض الشيء عن الغرفة التي دخلت له زوجته، وقد رأى أن يبتعد عن بابها بعدما علم أنها غرفة خاصة بالنساء، فلا يجب أن ينتظرها أمامها ليتسبب بهذا في إزعاج النساء والحرج لهن .
ومرت أول دقيقة انتظار بشكل طبيعي، أو شبه طبيعي، فقد كان الجميع يمر جواره يحدق فيه بفضول شديد، ليس لشدة وسامته أو ماشابه فهو لم يكن يظهر أي ملامح، بل لتنكره الغريب هذا، فقد كان يبدو كمن يهرب من ثأرٍ، من يرتدي نظارة شمس داخل المباني على أية حال؟
وسالار لاحظ نظراتهم المستنكرة لكل ذلك وهو يزفر، ولم يكد يمد يده لينزع كل ذلك، حتى تذكر نظرات تبارك المتوسلة له ألا يفعل، لذا تراجع بحنق شديد يتمتم :
" والله إن خوذة الحرب والدروع أفضل من كل تلك الأشياء السخيفة التي احملها فوق وجهي الآن"
كان يتمتم وهو يضم ذراعيه لصدره وجواره صامد وصمود يزفران بضيق كل ثانية قبل أن يقول صمود مقترحًا ببساطة :
" إذن يا قائد، ما رأيك بالعودة للبلاد وترك السيدة تنهي ما تريد كما تشاء، ثم نعود لاحقًا لأخذها ؟!"
هز صامد رأسه كعادته يوافق اقتراح شقيقه العبقري _ بالنسبة له _ في حين أن سالار استدار لهما ينظر لها ببرود شديد وحمود :
" احمدا ربكما أن تلك الأشياء السخيفة تمنع عنكما نظراتي في هذه اللحظة "
ردد الاثنان بسرعة كبيرة :
" الحمدلله ..."
صمت سالار ولم يهتم بإضافة كلمة أخرى، بينما صامد قال مقترحًا :
" إذن ربما يمكننا الذهاب لتناول بعض الطعام والعودة بعد بعض الوقت ؟؟"
ومجددًا استدار لهما سالار ببطء شديد فردد صامد بخفوت متساءلًا :
" نفس النظرات ؟!"
هز سالار رأسه مبتسمًا بسمة مرعبة لم تظهر لهما، وقبل أن يضيف كلمة واحدة سمع اصوات جدال قوية بالقرب منه، في ممر فرعي بالتحديد .
اصوات جدال لم تكن لتعنيه لولا أن محور ذلك الجدال لم يكن زوجته، وهذا جعله يتساءل بجدية :
" مال العالم بزوجتي؟؟ ألا يجد هؤلاء المفسدين غير زوجته للتحدث بشأنها ؟؟
تحرك سالار صوب ذلك الممر تاركًا صامد وصمود مكانهما :
" ابقيا هنا حتى تعود تبارك، دقائق واعود "
تحرك دون انتظار رد منهما، وهما فقط حدقا ببعضهما البعض، ثم راقبا سالار باهتمام شديد .
في حين أن سالار تحرك صوب هذين الاثنين اللذين كاد صوت جدالهما يحرك الجدران من حولهما .
توقف الرجل يزفر بقوة وهو يصرخ بصوت لم يستطع التحكم به :
" عبير ..مش ناقص حوارات، أنا مش فاهم أنتِ مالك من الصبح كده ؟؟ قولتلك متدخليش الحوارات في بعضها، ومش كل مشكلة بينا تحشري فيها موضوع انتهى اساسا "
توقفت أمامه عبير تقول بغيظ وغضب وقد بدأت دموعها تهبط :
" موضوع انتهى ؟؟ عايز تفهمني أنك لسه مش بتفكر في تبارك ؟؟ يعني خلاص مبقتش تحبها "
نظر لها علي بغضب شديد يهمس لها بصوت ظنه منخفضًا، ولم ينتبه أنه كان مرتفع بالقدر الكافي ليصل لذلك المنصت الذي يراقبهما :
" أحنا هنفضل نعيد في القديم، كل ما تضيق بيكِ تقولي تبارك ؟؟ "
صمت ثواني يراقب ملامح عبير التي كانت حادة وبقوة، ليس بعد كل ما بذلته لتصل له تتراجع بهذا الشكل .
وهو أكمل دون أن يهتم بشيء وقد فاض به الكيل:
" اه يا عبير لسه بحب تبارك، وانتِ عارفة كويس اوي أنا خطبتك ليه، فأنا يا بنت الحلال بحلك من الجوازة الفاشلة دي ويرفع عنك الحرج وبحررك منها "
ختم حديثه وهو يتنفس براحة وكأنه كان يحمل صخرة فوق صدره، ولم ينتبه في غمرة غضبه أن صوته المرتفع جذب أنظار الكثير حوله وجعل الهمسات تتعالى فيما بينهم، ومن بين الكثير كان هو، ولم يكد يخرج علي ذلك النفس الذي سحبه، حتى شعر بجسده يتحرك بقوة نتيجة جذب للخلف .
استدار برعب وهو يصرخ ليقابله وجه لا ملامح له وصوت خرج مرعبًا :
" ما الذي تفضلت به منذ ثواني يا هذا ؟؟"
نظر علي بصدمة صوب ذلك الجسد الذي شعر أنه ابصره من قبل بالإضافة للصوت، وسالار لم يحرمه رفاهية النظر لوجهه الغاضب إذ نزع كل ما يضع على وجهه بغضب يهمس ببسمة :
" هيا عد عليّ ما قلته منذ ثواني بكل تفاخر ووقاحة، ما الذي تفضلت به ؟!"
حاول عليّ تذكر أين رأى تلك الملامح المألوفة، فليس كل يوم تقابل رجل اصهب بهذا الشكل، هذا الرجل يتذكره وبشكل جيد، لكن يبدو أن سالار لم يكن بهذا الكرم ليمنحه فرصة الرد او حتى التذكر إذ رفع قبضته يهبط بها فوق وجهه وقد رنّ صوته في الممر بأكمله :
" لقد سبق وحذرتك مرة، وهذه المرة لن اكتفي بالتحذير ..."
كانت تبارك تتحرك بسرعة في الممرات وهي تسير خلف صوت الصراخ والضوضاء لتصل إلى أحد الممرات المؤدية لمخزن الادوات، وجدت جميع رواد المشفى من أطباء وممرضين وبعض المرضى مجتمعين حول دائرة يشاهدون ما يحدث بصدمة، وبالطبع لم تكن بحاجة للتسائل عن هوية مركز تلك الدائرة ..
تحركت بسرعة وهي تدفع الجميع وقد بدأ صوت سالار يعلو بشكل مرعب لم تسمعه منه سوى في الغارات التي كان يشنها المنبوذين على القصر :
" يا منجي من المهالك يارب..."
وسالار في هذه اللحظة وبعدما كان يحاول كبت شياطينه على هؤلاء المفسدين نجحوا ا في تحريرها وهو يسمع كلمات ذلك الحقير الذي لم يوفر كلمة عن زوجته إلا وقالها وهذا ما زاده جنونًا ..
" أنت ستكون نهايتك بين يديّ هاتين أيها الحقير عديم الرجولة "
ختم حديثه والجميع حوله يحاولون جعله يترك الطبيب عليّ والذي ازداد جنونه بقدر سالار، فبعد هجومه عليه فهم أن هذا هو غريمه الذي اختطف منه المرأة الوحيدة التي احبها، أخذ منه تبارك، نجح فيما فشل هو، وهذا جرح العاشق الذي كان يحيا على أمل عودتها وإقناع والدته بالزواج منها.
ابعد يد سالار عنه وهو يصرخ في وجهه :
" أنت مين اساسا عشان تتكلم معايا كده؟! تبارك دي أنا اللي حبيتها الأول وانا الأحق بيها من الكل هنا "
كان يصرخ بجنون بين الجميع وقد بدأت الهمسات تعلو وبشدة وتبارك تقف جانبًا تتنفس بسرعة، الكلمة التي كانت تحلم بها طوال الوقت قديمًا أضحت الآن لعنة وسقطت فوق رأسها.
فجأة انتفضت للخلف كما الجميع حين ابصروا جسد علي يتمدد ارضًا دون مقدمات، ومن ثم وقبل أن يستوعبوا ما يحدث انقض عليه سالار يجذب ثيابه وهو يهمس له من بين أسنانه بصوت جعل عظامه ترتد :
" حذاري أن ينطق لسانك اسم زوجتي مجردًا، هذه زوجتي أنا، امرأتي أنا، ولا يحق لأيٍ كان فقط أن يفكر بها مجرد تفكير ولو كان بريئًا، سمعت ؟؟"
ارتجف جسد علي لثواني، ليس خوفًا بقدر الرهبة التي ملئت صدره من نظرات ذلك الرجل والتي كانت توضح له أنه على استعداد تام للقتل دون تردد .
فجأة شعر سالار بمن يسحبه للخلف بقوة، أبى التحرك وهو ما يزال يحدق بأعين علي في تحدي وكأنه إن ابعد عيونه خسر هذه المعركة .
وتبارك فقط تحاول سحبه قبل أن يقتل علي ويحدث له شيء سييء هنا بسبب ذلك .
" سالار توقف، سالار ابتعد عنه رجاءً، سالار "
وسالار فقط رفع عيونه لها ينظر لها بشر غير موّجه لها :
" ابتعدي عن هنا "
" سالار، لا تفعل، ارجوك دعه "
وعلي الذي بدا أن فكرة الانتحار تروق له نطق اسمها بكل مشاعر الاشتياق التي اعتمرت صدره في غيابها :
" تبارك ؟؟ أنتِ هنا ولا أنا بحلم ؟؟"
اتسعت عيون تبارك بصدمة من كلمات علي، ما الذي حدث له؟؟ هل جن الرجل ؟؟ لم يكن هذا علي أبدًا بل كان كالطاووس يتحرك دون الاهتمام لمن حوله، ما الذي حدث في غيابها هنا ؟!
وقبل أن تصل لاجابات كان صوت سالار يرن في المكان بجنون وهو يكاد يقتل علي بكل ما للكلمة من معنى :
" أي احلام هذه أيها الحقير ؟! دع زوجتي خارج عقلك المريض هذا "
تقدمت والدة علي وهي تصرخ في الجميع أن يطلب أحدهم الشرطة لينقذوا ابنها، تصرخ في وجه تبارك بقوة :
" كله بسببك أنتِ يا جلابة المصايب، رجعتي ليه ؟؟ كنا مرتاحين في غيابك "
نظرت لها تبارك بصدمة، ما ذنبها هي، ثم أوليست هي نفسها من كانت تعتذر لها منذ ثواني عن معاملتها .
ترك سالار علي مسطح ارضًا ثم وقف يمسك يد تبارك يجذبها صوبه مخفيًا إياها خلف ظهره ليواجه هو والدة علي وهو يقول بقوة جعلتها تتراجع :
" لومي ليس على ولدك عديم النخوة الذي يستحل لنفسه التفكير في امرأة متزوجة، بل والتحدث عنها بهذا الشكل، اللوم كل اللوم عليكِ ووالده إذ لم تحسنوا تنشئة رجل يحسب لكلمته مائة حساب "
نظر حوله صوب الجميع ويشعر أن مواجهته مع أهالي الحارة تُعاد مجددًا، لِمَ على العالم بكل شروره أن يتكاتف ضد زوجته الرقيقة؟! هو يشعر أن هذا العالم لا يجد له ضحية سوى زوجته، ووالله لن يحدث مادام حيًا .
إن اختار الجميع زوجته لتكون ضحية ظلمهم، فهو سيجعلهم جميعًا ضحايا تجبره .
نظر في أوجه الجميع يقول ببساطة دون الحاجة للتبرير أو كلمات كثيرة :
" لعنة الله على عالمٍ لا يجد سوى زوجتي ليجور عليها، فوالله كل من تحدث بكلمة سوء في حق زوجتي، فأنا خصيمه أمام الله والجميع يوم القيامة، ولو كان بينه وبين الجنة مسامحتي ما سامحته"
نظر نظرة جانبية صوب علي الذي كانت والدته تسنده لينهض، ثم قال بهدوء :
" تبارك زوجتي أمام الله والناس اجمعين، فمن استحل الحديث في شرفي استحللت دماءه "
ختم حديثه يسحب تبارك بيده من بين الجميع وهي فقط نظرت لهم ولأول مرة تسير من بينهم مرفوعة الرأس، بنظرات قوية، مرت جوار عبير وسميرة ترمقهم بشر جعل الاثنتين تتراجعان للخلف بريبة .
بينما الجميع فقط يحدقون في المكان الذي كان يحتله سالار منذ ثواني، لا يفهمون من هذا ولماذا يتحدث بهذه اللهجة، وكيف ومتى أصبح زوج تبارك .
نظر صامد صوب الجميع من أعلى لاسفل وهو يردد بسخرية :
" حفنة من المفسدين الاغبياء، لنرحل من هنا صمود"
تبعه صمود وهو يلقي لهم بنظرة هو الآخر مرددًا بسعادة إذ سنحت له الفرصة قول تلك الكلمة لغيرهم :
" اغبياء "
تحرك الجميع خلف سالار والذي وبمجرد أن خرج من المشفى تنفس بصوت مرتفع وبشكل ملحوظ، ثم استدار صوب تبارك التي كانت تتابعه بصمت وترقب وفجأة انفجرت تبارك في موجة ضحك ..
وسالار يتابعها بعدم فهم، فقط يراقب ضحكاتها ببسمة سعيدة، وهو من ظن أنها ستكون منهارة بعد كل ذلك .
قال من بين بسماته :
" ما بال عالمك لا يجد سواكِ ليلقي لكِ بالمصائب تبارك ؟؟
وتبارك فقط اقتربت منه ومن بين موجة ضحكها ضمته تقول بسعادة كبيرة :
" لقد بردت نيران صدري سالار، لا أشعل الله لك نارًا في صدرك "
نظر لها سالار بتعجب، قبل أن يربت على ظهرها بحي :
" هل كان هذا الأمر يعني لكِ الكثير ؟!"
" أكثر مما تتخيل "
ابتسم يقول لها :
" إذن يمكننا العودة وإكمال ما فعلته"
رفعت عيونها له وهي تقول ببسمة :
" لا هذا يكفينا لليوم، دعنا نذهب لشراء الأدوية ونعود، اشتقت لسفيد "
ابتسم سالار بسمة واسعة لا يصدق أنها تعبر عن شوقها لبلاده، هذا يسعده وبشدة، أن تتعامل تبارك مع سفيد كبلادها، هذا يسعده ويخفف شعور الذنب الذي يملئ صدره تجاهها بعدما سحبها من عالمها الذي نشأت به .
وبعد رؤيته ما كانت تحيا به تبارك، هو حقًا يقدر لها شجاعتها وبسالتها في الصمود بين كل هذا العدد من أصحاب الألسنة اللاذعة .
" إذن لنتحرك عزيزتي ..."
_____________________
توقفت واخيرًا في منتصف غرفته، حيث تطأها للمرة الثانية، ثواني وتدافعت ذكرى وجودها الأول هنا لعقلها، حين جاءت لأخذ سيفها الذي سلبه منها .
وبينما هي تغوص في تلك الذكرى مبتسمة، تنهد واخيرًا براحة شديدة، وكأنه كان يغوص في أعماق المحيط، ولتوه خرج منه، نظر لها يترك يدها، ثم ابتسم بسمة مريبة جعلتها تتراجع للخلف وهي تردد :
" أنت لن تتهور صحيح؟! إيفان إن علم ...."
ابتسم دانيار بحنان وهو يقترب منها مقاطعًا كلماتها، يمد يده يداعب وجنتها بحب شديد :
" لا بأس زمردتي، سأتخلص من أخيكِ ونرتاح جميعًا حبيبتي "
نظرت له زمرد بصدمة وهو ابتسم على نظراتها المصدقة، ثم تنفس بصوت مرتفع يحاول إدراك أنه واخيرًا تزوجها، مد يده يجذبها خلفه صوب أحد المقاعد، يجلسها هناك بهدوء شديد، ثم جلس هو على ركبتيه أمامها وهي فقط لا تفهم ما الذي يحدث، لكنها تراقب بهدوء ما يفعل دانيار .
وهذا المسكين كان يحيا في هذه اللحظة أحلامه بكاملها، يعلم الله كم ليلة قضاها في تخيل ما قد يفعل في هذه اللحظة، افكار وخطط كثيرة وضعها ليستقيل زمردته ويرحب بها ساكنة أبدية في حياته وقلبه.
لكن الآن كل ما استطاع فعله هو أن جلس ارضًا جوارها ووضع رأسه على قدمها تحت نظراتها المدهشة، يتنفس براحة كبيرة .
وزمرد فقط تحدق فيه بدون فهم لما يفعل :
" دا...دانيار، ما الذي تفعله ؟؟"
" اتنفس واخيرًا زمرد "
ابتلعت ريقها وهي تنظر له بتردد وهو فقط مد يده يمسك يدها واضعًا إياها على خصلاته السوداء مرددًا ببسمة حنونة مغتاظة :
" اظهري بعض الحنان يا امرأة "
وزمرد لم تفهم ما يقصد لكنها بدأت تحرك أصابعها بشكل عفوي في خصلاته، كما كانت تفعل معها والدتها.
ودانيار فقط اغلق عيونه براحة كبيرة لدقائق طويلة حتى ظنت زمرد أنه سقط في النوم، نظرت له تبتسم بسمة حنونة، تبعد يدها عن خصلاته تداعب ملامحه ولأول مرة، ارتجف جسدها رجفة صغيرة تتأمله بحب شديد، وفجأة انتفضت للخلف بفزع حين فتح هو عيونه يقول ببسمة :
" حسنًا انتهينا من هذا الجزء "
نظرت له زمرد بفزع لا تفهم ما يحدث إذ نهض فجأة يجذب يدها لتقف أمامه وهو يقول :
" الآن ننتقل للجزء الثاني "
" جزء ثاني ؟؟"
" نعم، فأنا قررت تنفيذ جميع الأفكار التي وضعتها لليوم، والجزء الاول بها كان النوم على قدمك براحة"
ختم حديثه وهو يمد يده بجدية كبيرة صوب حجابها، لتتراجع زمرد للخلف تخرج حنجرها من ثيابها محذرة :
" تراجع للخلف "
رفع دانيار حاجبه بتفاجئ :
" تحملين خنجرًا؟! يوم عقد قرآنك ؟! هل تمزحين معي ؟؟"
هزت كتفها ببساطة شديدة وهي تجيبه :
" تحسبًا فقط "
" تحسبًا لماذا يا امرأة ؟؟ ثم ابعدي هذا عن وجهي "
تراجعت زمرد للخلف وهي تحذره الاقتراب منها وقد بلغ منها الخجل مبلغه:
" إن تقدمت خطوة سأ ..."
ابتسم لها دانيار وهو يتقدم منها دون اهتمام لما تقول أو تفعل :
" سـ ماذا عزيزتي ؟! تضربين الخنجر في صدري ؟؟"
ضحك ضحكة صغيرة :
" حسنًا افعليها لا اهتم"
" دانيار أنا أحذرك الاقتراب"
" وأنا أحذرك تدمير خططي لليوم، نحن لم نقم سوى بجزء واحد وتبقى لنا تسعة وتسعون جزءًا لنقوم بهم"
" تسعة وتسعون ؟؟"
ابتسم دانيار يشرح لها :
" نعم كتاب مائة فكرة لقضاء ليلة عقد القرآن، وبما أنني احترت في تنفيذ أي جزء منهم قررت أنني سأنفذ المائة فكرة واليوم "
ختم حديثه في الثانية التي كان قد وصل فيها إليها وانتزع منها الخنجر بكل بساطة يلقيه بعيدًا، ثم ابتسم يقول :
" الآن ننتقل للجزء الثاني "
نظرت له زمرد بتردد وريبة :
" الجزء الثاني ؟!"
" نعم، اريني خصلات شعرك، أريد رؤيتها "
تراجعت زمرد للخلف وهي تنظر له بتعجب وهو ابتسم يتقدم الخطوات التي تراجعتها يقول :
" اتخيلها مثلك تمامًا "
صمت ينظر لعيونها ثم بدأ يتحدث بحنان وهو يمد يده لوجهها يحرك إصبعه عليه بهدوء جعلها تنظر له بتخدر :
" ثائر كثيف لكنه ورغم كل ذلك مسترسل ناعم في رقة بتلات الزهور "
نظرت لعيونه وهي شاردة في كلماته ولم تشعر بيده التي استطاعت فك حجابها بسرعة كبيرة، ثم حرر خصلاتها لتتساقط على ظهرها ويشهق دانيار بخفوت هامسًا دون وعي :
" سبحان من خلق فأبدع "
شعرت زمرد بوجهها يكاد يشتعل من نظراتها، ابتلعت ريقها تبحث لها عن مهرب من أعين دانيار، لكن أين الفرار وهو حاصرها بالفعل، مد دانيار يده يهمس بصوت مخدر :
" هل تسمحين لي بلمسه "
نظرت له بترقب دون الرد بكلمة وهو فقط تلمس خصلاتها يهمس ببسمة :
" تبدين ....تبدين ...في غاية الجمال، هذا أكثر مما توقعت، لم يكن هذا ما خططت له، أشعر أنني لا أقوى على تخطي هذا الجزء، ولن أفعل"
همسات زمرد بصوت خافت وقد اذابت كلماته عظامها:
" دانيار .."
" ليس الآن زمرد، ليس الآن أرجوكِ، دعيني اتنعم في جنتك لبعض الوقت حبيبتي "
رفع عيونه لها يقول برجاء :
" هل يمكنني أن اعانقك ؟؟"
رمشت زمرد بقوة وهي تنظر له بعدم فهم، وهو فقط ابتسم يقترب منها لتجد نفسها في أحضانه تتنعم بدفئه، أغمضت عيونها تستشعر لاول مرة هدوء وسكينة داخل قلبها دائم الصخب، للمرة الأولى تتوقف الضوضاء داخلها، وكأن جسدها وكل ما بها أعلنوا حالة من الصمت والترقب للقادم.
ودانيار كان ينتوي _ والله يشهد _ على ضمها ضمة صغيرة، ثم يمنحها قبلة لطيفة ويبتعد مخبرًا إياها أنه يحبها ويهيم بها عشقًا، لكن إرادته خانته، ولم يتجاوز الجزء الاول من تلك الخطة المرتبة، إذ أنه ظل أسير أحضانها، بل وشدد احتضانها يدفن رأسه في خصلاتها الثائرة، لا يصدق أنه وصل لهذه النقطة واخيرًا .
" اعتقد أنني على استعداد تام للبقاء هكذا ما تبقى من حياتي "
ابتسمت زمرد دون وعي وهي ترفع يديه تحط بها على ظهره، تبادله العناق براحة واخيرًا :
" والثمانية والتسعون جزءًا المتبقيين ؟؟"
" يا امرأة أنا رفعت رايتي البيضاء في الجزء الثاني فقط واكتفيت به، ما عادت جيوشي قادرة على المواصلة أكثر، سنكتفي بما حققنا حتى الآن من إنجازات "
اتسعت بسمة زمرد تقول بصوت خافت :
" دانيار .."
همهم دانيار بصوت منخفض، لتهمس هي له بصوت خافت أكثر:
" أنا أحبك "
ودانيار الذي كان يرفرف برايته البيضاء منذ ثواني مستسلمًا، ألقى الآن الراية ارضًا وخرّ على ركبتيه يعلن استسلام تام لكامل قواته .
ابتعد عنها ببطء يهمس بصوت مصدوم :
" ماذا ؟؟"
ابتسمت له زمرد تردد الكلمة مرة ثانية :
" أنا أحبك دانيار "
" يا ويل دانيار وقلب دانيار "
ابتسمت تضمه لها تقول :
"ألا تريد اخباري بشيء دانيار ؟؟"
رفع دانيار عيونه لها يردد بهيام :
" اشياء، وليس شيء، فقط ارأفي بي ودعيني الملم شتات نفسي، وسأسمعك من الكلمات احلاها يا امرأة "
ضحكت عليه بصوت مرتفع ليبتسم وهو يجذب يدها يجلسها على الفراش، ثم مال يخلع حذائه وهي رمقته بعدم فهم :
" ما الذي تفعله ؟!"
رفع عيونه لها يقول ببسمة عاشقة :
" سننتقل الجزء المائة مباشرة "
نظرت له باستفسار ليصعد هو على الفراش يجاورها ثم جذبها لاحضانه يستكين للخلف يشرح لها ذلك الجزء المائة:
" التنعم بنومة هادئة بين احضان زوجتي الحبيبة ....."
____________________
تحركت للداخل تنزع حجابها بارهاق، لكنه إرهاق يستحق إن كان لأجل أعين رفيقتها الحبيبة.
ابتسمت تتذكر السعادة التي استوطنت قلب زمرد اليوم، يا الله عسى أن تدوم سعادتها دائمًا .
تحركت تمسك بعض الثياب تدخل المرحاض لتستحم لكن فجأة توقفت على باب المرحاض تحدق فيه، كان نسخة طبق الأصل من مرحاض آخر تعلمه تمام العلم .
نفسه مرحاض الملك الذي رأته به للمرة الأولى، ابتسمت كهرمان دون وعي وهي تحدق في المرحاض وعادت ذكرياتها لذلك اليوم لتشعر بجسدها يرتجف بخجل تهمس بصدمة من أفعالها ذلك الوقت :
" يا الله ما الذي كنت افعله حقًا ؟؟ ما الذي كنت افعله ؟!"
هذه حالتها وهي تتذكر ما فعلته، ماذا عن الملك، يا الله ليفقد الذاكرة ولا يتذكر ذلك اليوم أبدًا، حاولت التحكم في نفسها وهي تبدل ثيابها وتستحم سريعًا، ثم خرجت تجفف شعرها لتسمع صوت طرق على الباب، ابتسمت لعادة أرسلان وهي تجيب :
" ادخل أرسلان "
تركت المنشفة في صندوق الثياب المتسخة، ثم تحركت كي تمشط خصلاتها تنتظر دخول أرسلان، لكنه فقط تحدث من الخارج يدرك أن شقيقته ربما في وضع يجوز له رؤيتها به، لكنه قطًا لن يكون وضعًا يحب أن يراها به ذلك الحقير الذي يقف جواره يبتسم بكل برود وهو يضم كفيه خلف ظهره، ولم يدرك أرسلان المسكين أن ذلك الحقير الذي يتحدث عنه في عقله الآن، رأى وللاسف مواقف اسوء مما قد يرى الآن، لكن هل يتحدث إيفان ؟!
لا والله وإن قُطعت رأسه، هو حتى لا يسمح لشيطانه باستعادة تلك الصور لها، ليس وهي لم تصبح زوجته حتى الآن.
" كهرمان أنا لست وحدي "
توقفت كهرمان عما تفعل تنظر صوب باب غرفتها بتعجب، ما الذي يعنيه أنه ليس وحده ؟! هل أحضر شقيقها غريبًا لغرفتها ؟؟
وجاءتها الإجابة من أرسلان والذي يرفض رفضًا قاطعًا ادخال رجل غريب غرفة شقيقته وإن كان معهم :
" فقط اتيت لاخبرك أن تلحقي بي في الشرفة الأمامية في القصر، حسنًا ؟؟"
حاولت كهرمان اخراج صوتها وهي تخمن بسهولة هوية الشخص الذي يرافق أخيها :
" حسـ ...حسنًا أخي، سألحق بك، فقط دقائق رجاءً"
هز أرسلان رأسه يتحرك صوب الشرفة، وإيفان فقط يحدق بباب غرفتها وكأنه يسأله متى يسمح له بالدخول لها، أو متى يحل له أن يفتحه دون تردد ؟
ابتلع ريقه يلحق أرسلان الذي جلس في الشرفة ينظر للسماء بشرود خرقه إيفان بسؤاله :
" ما الذي تفكر به أرسلان ؟! "
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يقول بجدية ودون مقدمات :
" غدًا تتزوج بكهرمان وتحرمني الشيء الرقيق الوحيد في حياتي الصلبة البائسة إيفان، أنا أحقد عليك لحصولك في حياتك على امرأة بمثل مواصفات شقيقتي "
اتسعت عيون إيفان بصدمة من كلماته، يبتسم بعدم تصديق، بينما أرسلان كان كعادته يتحدث دون مواراة أو تردد :
" دعنا نتحدث بكل صراحة إيفان، أنت ورغم كل عيوبك التي اكرهها، وتسلطك هذا، إلا أنني لن اجد يومًا رجل يستحق أن امنحه شقيقتي مثلك، لذا أنا لا أريد المغامرة بمستقبل شقيقتي لأجل انانيتي"
وإيفان كان يقدر كل ذلك، يدرك مقدار تعلق أرسلان بشقيقته خاصة بعد رحيل والدته وسلب كل شيء رقيق من حياته كما يقول، يقدر له قدرته على التخلي لشقيقته له .
" لا أخفيك سرًا إيفان، أنا كنت اماطل معك في هذا الزواج كل ذلك الوقت ليس لغيرتي على شقيقتي، بل لأنني خلال هذا الوقت كنت ابحث لها عن رجل قريب مني يستحقها ومن ثم أتخلص منك واجعلها توافق عليه لتكون جواري، لكن والله ما وجدت مثلك"
اتسعت أعين إيفان بصدمة من اعتراف أرسلان والذي كان يتحدث بجدية كبيرة، يا الله هل هذا الرجل جاد في حديثه، وارسلان كان يبتسم ببساطة يظهر له جدية وبساطة كلماته .
وكل ما استطاع إيفان قوله في هذه اللحظة هو :
" عسى الله أن يرزقك بمن يذيقك ما اذقتني إياه أيها الحقير "
كان يتحدث بعدما انتفض يجذب تلابيب ثياب أرسلان الذي ابتسم يجيبه ببرود واستفزاز وهو يبعد يده عن ثيابه :
" وهل تظن أنني ساسمح لأحدهم بالتصرف معي كما اتصرف أنا معك لأجل الحصول على المرأة التي أحب ؟؟ والله لو حدث لأخذها رغمًا عن أخيها وعنها وعن العالم أجمع واحبسها في غرفتها حتى تدرك أنها لن تجد افضل مني في هذا العالم للزواج منه "
ختم حديثه بكل بساطة ليدرك إيفان في هذه اللحظة أي نوع من الأشخاص سيكون أرسلان إن أحب حقًا :
" أنت ستكون مختلًا مجنونًا، اعانها الله تلك التي سيدق قلبها لك "
بينما أرسلان أبصر صدمة إيفان ليطلق ضحكات مرتفعة، لا يصدق أنه صدقه بهذه البساطة، هل يظن أنه قد يختطف امرأة يومًا ويجبرها على حبه؟؟ والله ما كان ليقبل ذلك على كهرمان وامرأته التي تحب ليست أقل من شقيقته ابدًا، لكن هذا لا يمنع أنه لن يسمح لها بالتفكير في غيره لحظة واحدة، سيختصر عالمها به وفقط، وهو ينتوي أن يكون هذا قريبًا، فوقت رحيل جوهرته عنه اقترب ....
وعلى ذكر جوهرته سمع الإثنان صوتها تهتف :
" حقًا، كل ما تأخرته كان دقائق قليلة "
نظر الاثنان لما تحدق به، ليجدوا أن يد إيفان ما تزال تمسك تلابيب أرسلان الجالس وارسلان يضغط على يد إيفان بقوة، ليترك كلاهما يد الآخر بسرعة واستقام إيفان مبتسمًا بسمة واسعة يجذب لها المقعد مشيرًا بهدوء :
" نحن فقط كنا نجري حوارًا هادئًا لحين وصولك سمو الأميرة، تفضلي "
نظرت لهما كهرمان بشك وهي تتحرك لتجلس جوار أرسلان وأمام إيفان :
" لا اعتقد أن الهدوء يمكنه أن يصف جلسة بينكما جلالة الملك "
جلس إيفان براحة شديدة أمامها يحدق بها دون خجل هذه المرة وقد أتاح له أرسلان الفرصة، بعدما اقنعه أنه يحق له الجلوس مع المرأة التي يتزوج لأجل الحديث معها، وهو سيستغبل وجودها هنا في المملكة ليفعل ذلك .
" إذن كهرمان عزيزتي، هذا الحقيـ ... أعني هذا الإيفان، أخذ يتوسلني منذ الصباح لأجل الجلوس معك والتحدث قليلًا قبل أن يتم الزفاف، وأنا رفضت الأمر، لكنه توسلني ..."
" أنا لم أفعل "
" إن لم تصمت سأجبرك على توسلي حقًا بعدما آخذها وارحل الآن صوب مشكى "
رمقه إيفان بغيظ شديد، ورغم ذلك ابتسم بسمة صغيرة يضغط على نفسه للقبول بهذا الهراء هنا .
أكمل أرسلان حديثه وهو يبصر خجل كهرمان الشديد، مبتسمًا بحنان لها، يفكر أنه حتى وإن وجد من وجهة نظره من يستحق كهرمان غير إيفان _ وما كان سيفعل _ فلن يحرم شقيقته من الرجل الذي يتسبب لها في تلك الاشراقة التي تعلو وجهها .
" لقد طلب إيفان الزواج منكِ، وأنا وافقت لاجلك جوهرتي، فوالله لن أجد لكِ افضل من إيفان، ولأنه يحق لكما التحدث قليلًا ولو لمرة قبل عقد القرآن، طلبت منكِ المجئ، سأنهض لأجلس في ركن الشرفة هنا واراقبه حتى إذا تجاوز حده انقض عليه واقتله واخذك ونعود للبلاد، حسنًا ؟؟"
ابتسمت له كهرمان بحب، تمد يدها تمسك خاصته تقبلها بتقدير وحب لذلك الرجل الذي لم ولن يحتل أحدهم مكانته في صدرها :
" حسنًا أخي"
وبهذه الكلمات نهض أرسلان يرمي بنظرة صوب إيفان الذي لم يكن يعي لما يحدث حوله، بل فقط يحدق بوجهها مبتسمًا بسمة واسعة :
" هل أعجبتك ؟؟"
نظرت كهرمان بانتباه صوب إيفان تحدق في وجهه بتسائل، ليعيد هو السؤال بشكل أوضح:
" سفيد، هل أعجبتك ؟؟"
نظرت في عيونه ثواني قبل أن تقول ببسمة ودبلوماسية عالية جعلته يتأكد أن لا امرأة في هذه الحياة قد تصلح لمنصب زوجته وملكة لسفيد عدا هذه المرأة :
" حبي لأي مكان نابعٍ من حبي لأهله، وسفيد هي موطن الكثير ممن احب مولاي "
كانت تتحدث بكلمات غير مباشرة، وهو فقط ابتسم يستند على كفه يتابعها بشرود ولم ينطق لسانه بسؤاله الذي يدور في خلده ( عساني أحدهم ؟!) لكن لا ليس الآن وليس هنا، ليس والشيطان يحوم حولهم لإيجاد مدخل له .
فقط اكتفى بالقول :
" محظوظة سفيد ومحظوظون أهلها "
رفعت كهرمان عيونها له ليبتسم وهو يتجاوز تلك النقطة، يعتدل في جلسته :
" إذن سمو الأميرة، اعتقد أنك تعلمين سبب جلستنا هذه صحيح ؟!"
هزت رأسها ببطء وهي تمنع بسمتها من الظهور، ليكمل إيفان:
" إذن هل أجد لديكِ ممانعة أو رفض ؟؟"
نظرت له ثواني وهي تتأمل ملامحه ولأول مرة دون أن تشعر بالحرج أو أنها ترتكب فعلًا خاطئ، لأول مرة تنتبه لعيونه الخضراء الجميلة :
" لا اعتقد أنك تنتظر ردي الآن صحيح ؟!"
نفى إيفان ببساطة وهو يحرك يده في الهواء أمامها وبسمة هادئة ترتسم على فمه :
" لا، لا أفعل، أنا امنحك كامل الدلال والثقل الذي تستحقينه سمو الأميرة، لذا يمكنك التفكير لأيام والتدلل كما تشائين "
اتسعت بسمة كهرمان وهي تنظر له ليقول هو بهدوء :
" ليس شقيقك فقط من يمكنه التدليل، أنا كذلك استطيع التدليل إن أردت"
ضحكت ضحكة صغيرة خافتة، ثم شردت في السماء وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي جواره، تقول بصوت خافت :
" لو أن أحدهم أخبرني يومًا أنني سأجلس مثل هذه الجلسة معك كنت سأضحك بملئ فاهي، فكيف لي بمجالسة عدو اخي كما كنت اظن والتحدث معه بهذه البساطة ؟!"
رمقها إيفان ثواني قبل أن يطلق ضحكات قصيرة يقول بهدوء :
" لا اعلم كيف اعتقدتي أنني قد أكون عدوًا لارسلان ؟؟"
" أنا لم اعلم ابعاد الشجار بينكما، كل ما كنت أعلمه هو نفسه ما علم به شعب المملكتين، لذا ظننت أنك عدو له، وهذا جعلني ا..."
توقفت عن الحديث ترفع عيونها له ترفض الاعتراف، ليس الآن، ترفض الاعتراف أنها كانت تشعر بالغضب من نفسها لأنها أحبت الشخص الذي ظلم أخاها.
وإيفان قرأ كل نظراتها تلك ليميل مستندًا بذراعيه على قدمه ينظر لعيونها بجدية مرددًا :
" كانت لحظات غضب من جهة اخيكِ، وثأر من جهتي "
" وهل أخذت ثأرك ؟؟ أو دعني اصيغ سؤالي بشكل صحيح، هل كنت لتفكر بالزواج بي لو أنك امتلكت عداوة مع أخي، أو أنك تمتلك ثأر وحقد له !!"
صمت يهمس لها بجدية ونظرات يرفض أن تحيد عن عيونها، وقد شعرت كهرمان أن صوته وكلماته تتخلل جسدها دون أي مقاومة من جهتها :
" إن افترضنا ما تقولينه فلا حاجة لي بالثأر "
رفعت حاجبها بتعجب ليكمل ببسمة :
" إن كان ثأري يمنعني قربكِ، فلا رغبة لي بأخذه، وإن كانت عداوتي حائلٌ بيني وبينك، فلا عداوة لي مع أحد، وإن كان حقدي قديمًا يمثل عائقًا بيننا، فأنا أكثر الأشخاص تسامحًا، لأجلك سأفعل أي شيء تريدينه، حتى وإن اضطررت لتغيير تاريخ سفيد بأكمله لأجلك سأفعل، فقط لأجلك ....."
______________________
" أريد الكثير منه، أي جزء من حديثي لا تفهم !!"
نظر الطبيب الذي يقف داخل صيدلية صوب تبارك التي تحاول جذب سالار للخلف :
" يا مدام ما تشوفي الراجل اللي أنتِ داخلة بيه ده، يعني ايه اديله كل حقن الانسولين اللي هنا ؟؟ "
نظرت تبارك صوب سالار الذي لم يكن يهتم بكل ذلك وهو يطالب الطبيب بمنحه كل الأدوية التي تحتاجها وبكميات كبيرة، وهي فقط تحاول إقناعه بالعدول عن رأيه .
" أنا حقًا لا اهتم بكل هذا، فقط اعطني ما أريد لأجل زوجتي لأرحل "
استغفر الطبيب ربه وهو ينظر له بهدوء :
" يا سيد الله يكرمك مش هقدر اعمل كده، دي مش لعبة ولا حلويات، دي جرعات وبياخدها المريض، وزي ما زوجتك مريضة فيه غيرها مريض كتير بيدور على علاجه، اكيد حضرتك مش اناني بالشكل اللي يخليك تاخد أدوية تكفي أكثر من فرد لزوجتك بس "
نظر له سالار يدرك أنه محق، محق في حديثه ومحق في وصفه بالاناني، لكنه لا يود أن يرى حالة تبارك التي كادت تقتله مجددًا .
" أنا فقط اريد كمية تكفي زوجتي لمدة شهر، وسأرسل لأخذ المزيد كل شهر، فنحن لا نمتلك في عالمي مثل هذه السموم الكميائية التي تتاجر بها "
اتسعت عين الطبيب يهمس بصدمة :
" سموم كميائية ؟!"
نظر صوب تبارك وكأنه يسألها تفسيرًا بينما تبارك ابتسمت له بسمة صغيرة تربت على صدرها وكأنها تراضيه تحرك شفتيها بصوت منخفض :
" معلش "
مسح الطبيب وجهه وهو ينظر صوب سالار الذي كان يمر بعيونه على الأدوية حوله يقول بجدية مشيرًا للأرفف :
" هل يمكنني شراء هذه الأشياء أيضًا ؟! أريد هذه العلبة الزرقاء هناك تبدو جيدة، اعطني منها كذلك"
تحدث الطبيب بيأس وهو يعلم أن كل هذا ذنب والدته التي ترجته أن يصبح طبيب علاج طبيعي وهو عاند واشاح بيديه أنه سيصبح طبيبًا صيدليًا يشارك في صناعة العلاج وينقذ البشرية وبلا بلا بلا .
" يا عم الله يكرمك مش حلويات هي، أنت عارف العلبة الزرقا دي بتاعة ايه اساسا ؟؟ يا ست الله يكرمك شوفي جوزك ده مش ناقصين "
ومجددًا كررت تبارك نفس الحركة وهي تربت على صدرها تهمس بنفس الكلمة، وسالار ينظر صوب الطبيب بجمود وملامح باردة يهمس بنبرته الخافتة التي يستخدمها غالبًا مع أعدائه:
" تحدث مع زوجتي باحترام أنت تتحدث مع أميرة سفيد "
صمت الطبيب ثواني قبل أن يقول بجدية محركًا كفيه في الهواء :
" والله أنا قولت انكم مجانين، داخلين عليا دخلة صلاح الدين وقاعدين تتكلموا بشكل عجيب، والاتنين اللي قاعدين يسفوا في شريط الريڤو وراكم دول، اكيد مش ناس طبيعية "
استدارت تبارك صوب الخلف لتبصر صامد وصمود يمسكان بعض البرشام يتناولانه بفضول شديد، لكنها لم تهتم وهي تعود بنظرها صوب الطبيب تقول :
" بص يا دكتور أنا بس عايزة اخد جرعة الأنسولين اللي تكفيني شهر لأن أنا عايشة في ...قرية بعيدة في الأرياف مفيش فيها صيدليات وبتعب لغاية ما اوصل لأقرب صيديلة، فأنا بس عايزة أدوية تكفيني شهر مش اكتر "
نظر لها سالار يتحدث بجدية :
" لِمَ تكذبين ؟؟"
رفع الطبيب حاجبه وهو ينظر لها، ومن ثم نظر صوب سالار يقول مشيرًا له :
" من الارياف ؟! عايزة تفهميني إن ده فلاح ؟؟"
نظرت تبارك صوب سالار الذي رفع حاجبه بعدم فهم، بينما هي ابتسمت تقول :
" لا ده ...ده واحد روسي اتجوزنا وجه يعيش معايا في مصر عادي "
نظر لها سالار باستنكار :
" أي روسي هذا ؟! أنا لست روسيًا، أنا من سفيد "
نظر لهما الطبيب بتعجب فابتسم تبارك وهي تحاول أن تصمت سالار :
" سفيد، دي قرية فلاحين برضو بس في روسيا "
فتح سالار فمه للحديث، لكنه همست له توقفه :
" سالار توقف عن الحديث، الرجل سيلقي بنا في مشفى المجانين بسببك بعد ثواني "
رمقها باستنكار أشد :
"هذه ليست حجة للكذب، عزيزتي الصدق هو اقصر الطرق لتحصلي على ما تريدين"
نظر صوب الطبيب يضيف بجدية :
" نعم كما أخبرتك أنا من مملكة سفيد، وهذه المرأة هي زوجتي، والآن اعطني هذه الأدوية المكتوبة بخط ردئ في هذه الورقة هنا "
ختم حديثه يشير صوب ورقة بها اسماء الأدوية التي تحتاجها تبارك، بينما الطبيب ضاقت نظراته عليهم وأخرج هاتفه، ثم امسك الورقة وهو يتحرك متحججًا باحضار الأدوية، ومن ثم يتحدث مع مشفى المجانين يقول :
" ماشي بس هتحاسبوا على كل البرشام اللي بلبعوه الاتنين اللي ورا دول برضو "
نظر له سالار بعدم فهم يردد تلك الكلمة الغريبة :
" بعلبوه ؟؟ ماذا يعني ؟! هل يسبني ؟!"
أمسكت تبارك مرفقه تقول بسرعة دون أن تنتبه أن سالار ليس مدركًا لما تقول من الاساس، بل فقط جذب انتباهه شيء خلفها، جعله يحدق فيه بانتباه شديد وبأعين متسعة مصدومة وهي تتحدث بنبرة عادية :
" لا، هو لا يسبك، هو فقط ...."
توقفت تبارك فجأة بانتباه لملامح سالار التي شحبت بشكل مرعب، تعجبت وهي تحاول فهم ما يحدث تستدير ببطء لترى ما ينظر له، وبمجرد أن لمحت ما يحدق به أدركت ما الذي جعله يشحب بهذا الشكل، فتحت فمها للحديث، لكن قاطعتها صرخة سالار وهو يشير بصدمة لتلك النقطة :
" ما الذي ...ما الذي يحدث هنا، ما هـــــــــــــذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟"
____________________
خطوتين أو ثلاثة، ونصل لخط النهاية .
لكن ماذا بعد تلك النهاية ؟؟
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم رحمة نبيل
مع كل خطوة نخطوها للنهاية يتولد لدي شعور بالحزن، لكنها الحياة، لكل شيء نهايته ....
فقط خطوات قليلة ونبلغ النهاية .
قبل القراءة لا تنسوا التصويت والتعليق برأيكم، فهو يهمني وأكثر..
صلوا على نبي الرحمة.
الفصل اهداء لكل إنسان بيسعى في حياته رغم كل المعوقات ...
______________________
شعر سالار بأطرافه تتجمد وهو يرى تلك المشاهد التي تتابع خلف ظهر زوجته، مشاهد ومناظر لا يدرك لها تفسيرًا هل هذه خيالات حرب أم حقيقة أم ماذا ؟!
" ما هذا ؟؟ ما الذي يحدث هناك ؟!"
صمت وقد بدأت حدقتيه تتسع أكثر أكثر بشكل مرعب، يشاهد مشاهد مروعة لأشخاص تصرخ ومنازل مدمرة، اطفال مشردة، ونساء تولول، بشر مبتوري الأطراف وغيرهم من مشاهد الحروب التي شاهدها من قبل، لكن الآن يبصرها بشكل أكثر قسوة ..
وتبارك صمتت ولم تدرك ما يجب قوله وهي ترى أعين زوجها معلقة بالتلفاز خلفها والذي كان يعرض القليل فقط من المشاهد اليومية لشعبٍ تلقى من الحياة ما تشيب له الرؤوس .
" هذا؟! هذا واقعنا الذي نحياها هنا سالار "
نظر لها سالار بانتباه يردد الكلمة كأنه يحاول استيعاب ما تقصد :
" واقعكم ؟؟ هذا واقعكم ؟! أنتم أيضًا ؟؟"
هزت رأسها تراقب الطبيب الذي عاد بالأدوية تهمس له بصوت منخفض وقد ارتعش جسدها من نظرة سالار التي وجهها لها، وكأنه يسألها وماذا بعد ؟؟ ماذا بعد هذا ؟؟ لكن وهل تمتلك إجابة ؟؟
ابتلعت ريقها تنظر صوب الطبيب الذي انتبه لنظرات سالار لينتهد بحزن وهو يخرج علب الدواء يدون عليها الأوقات الخاصة بالجرعات:
" حاجة تحزن، كل يوم حصار اكبر من اللي قبله وكل يوم مجازر ابشع من اللي قبلها، الموضوع إبادة عرقية ومحدش عارف يوقف اللي بيحصل"
استدار له سالار بقوة يحدق فيه بعدم فهم، ما الذي يقصده أن لا أحد يستطيع إيقاف مايحدث ؟؟ ونظراته لتبارك كانت مليئة بالاسئلة وهي لا تمتلك إجابة لها فقط قالت بصوت منخفض :
" ربنا ينصرهم يارب "
" من هؤلاء ؟؟"
وكان هذا السؤال المريب خارج من فم سالار الذي لم يدرك حتى ما الذي يحدث، من هؤلاء وما سبب هذه المشاهد المرعبة التي يراها، يا الله لتكن فقط مجرد تخيلات أو تقنية حديثة يعرضون بها صور خيالية ليس إلا، فما يراه الآن، هو صورة لما حدث مع اهل مشكى، لكن بشكل أكثر حداثة، وأكثر إيلامًا .
رمقه الطبيب باستنكار، ثم نظر صوب تبارك يقول بجدية يهز رأسه مقتنعًا :
" أنا بدأت اصدق أنه من ريف روسيا، بس معقولة روسيا مش عندهم تلفزيون يعرفوا الاخبار منها ؟!"
نظرت له تبارك، ثم نظرت صوب سالار الذي كانت عيونه معلقة بالتلفاز خلفه، وهو لا يفهم الكثير، يريد فقط معرفة من هذا الشعب المُعذب وما جرمه ؟؟ لا يُعقل أن هذه الإبادة التي يشهدها دون أن يرى اي تدخل للدفاع لأجل لا شيء .
" دول يا خواجة أهل فلسطين، أنت مش متابع ولا ايه ؟؟ الدنيا بقالها فترة صعبة اوي معاهم "
نظر له سالار بعدم فهم وقد ازدادت حيرته :
" فلسطين؟؟ القدس ؟؟ أي أنهم مسلمون ؟؟"
" امال طبعًا مسلمين وعرب "
رفع سالار حاجبه بعدم فهم :
" وما الذي يحدث لهم ؟! هذا ...هذه المجازر ما سببها ؟؟"
نظرت له تبارك وبدأت تجمع الأدوية داخل الحقيبة البلاستيكية تجيب بكل بساطة واختصار :
" لنقل أنها مشكى هذا العالم سالار، نفسه ما حدث مع مشكى يحدث هنا معهم، لكن الفرق بينهما أن مشكى وجدت سفيد وأبى وسبز تساعدها، وهذه لا ناصر لها سوى الله "
تتحدث وتتحدث وهو فقط يراقب ما يحدث، لا يصدق ما يرى، ازداد العالم تطورًا وزاد التطور من قسوة الإبادة، مشاهد مخيفة، وإصابات غريبة لا يمكن أن تكون ناتجة عن مجرد ضربة سيف أو ما شابه .
وتبارك التي كانت تراقب تباين ملامح سالار تدرك الآن ما يعيش .
المؤلم في الأمر والمثير للسخرية في الوقت ذاته، أن هذه كانت ملامح رجل حرب قضى ثلثي عمره، بل عمره بأكمله إلا أيام قليلة بين الحروب والجثث، رجل حرب يستنكر كل ما يرى، وقد بُهتت ملامحه، فما بالك بصغار يحيون هذه المشاهد يوميًا ؟!
انتهت تبارك مما تفعل وهي تنظر لسالار بشفقة عليه من نظراته، كان فقط يحدق أمامه في شاشة التلفاز دون ردة فعل، تحدثت بصوت منخفض:
" سالار ..سالار هل يمكنك اعطائي بعض الأموال ؟؟"
لكن لا رد من سالار الذي كان محبوسًا في المشاهد أمامه، تتباين ملامحه مع كل حدث، وكأنه يحياه معهم، ولا عجب، رجل تربى على الدفاع عن الضعفاء، يقاتل لأجل الحقوق، لا شك أن يستنكر كل ما يرى، لكن أباليد حيلة ؟؟
حتى وإن امتلكت اليد حيلة، فاليد قُطعت والافواه كُممت وانتهى الأمر ....
تنهدت تنظر صوب صامد وصمود اللذين كانا ينتهيان من تناول نصف الأدوية المعروضة أمامهما ظنًا أنها حلوى، وحقًا لا تدري أتبكي ما يحدث أم تضحك من هذين الغبيين ؟
" هم يبكي وهم يضحك صحيح "
تنهدت تقول تاركة زوجها في صدمته يتجرعها ببطء وهي تقول :
" صامد، اعطني بعض الأموال التي أعطاك إياها سالار "
رفع صامد رأسه عن علبة الدواء ينظر لها باستنكار :
" ماذا ؟؟ هذه أموالي "
" بل أموال زوجي، اعطني بعض الأموال كي ادفع ثمن ادويتي، وتلك الأدوية التي تناولتموها"
صمتت ثم أضافت :
" وكمان اشتري ليكم أي مطهر معوي لأجل البلاوي اللي سفتوها دي "
وملامح الرفض والتعنت علت وجه صامد الذي أبى أن يترك تلك الأموال لها يشير صوب صمود قائلًا :
" لا امتلك أموالًا كافية خذي من صمود "
تشنجت ملامح تبارك وهي تنظر صوب صمود تقول بعد تنهيدة قصيرة :
" صمود اعطني أنت بعض الأموال "
رفض صمود بشكل واضح :
" لماذا أنا ؟؟ خذي من صامد "
زفرت تبارك بصوت مرتفع وهي تستدير صوب سالار، ترى أنه أملها الوحيد، اقتربت منه تهمس بصوت منخفض :
" سالار ...سالار اعطني أنت بعض الأموال "
وسالار كان ما يزال يحاول ابتلاع ما يرى وجسده بأكمله يرتجف لا تدري تبارك أكانت رجفة غضب أم صدمة ..
تحرك بعيونه صوبها ينظر بشرود وكأنه لا يعي ما يحدث، وهي فقط مدت يدها للحقيبة التي يحملها :
" اعطني الحقيبة سالار "
وهو فعل بكل بساطة لا يعي حتى ما تريد، فقط أعطاها الحقيبة كما أخبرته، وهي أخرجت منها بعض الأموال تقول بجدية :
" كده الحساب كام لو سمحت ؟!"
والطبيب كان شاردًا مع ملامح سالار، يقول بجدية :
"٥٧٦ جنيه، هو جوزك ماله كده ؟؟ هو بجد مكانش يعرف ؟؟ أنا اسمع إن الغرب ميعرفش اللي بيحصل فعلا بس مكنتش بصدق، اصل مين اللي ميعرفش اللي بيحصل بقاله سنين ؟!"
سنين ؟؟؟ رنت تلك الكلمة برأس سالار ليشعر بالصدمة تتمكن أكثر منه .
رمقت تبارك سالار نظرة صغيرة قبل أن تقول وهي تعد الأموال المطلوبة له :
" صدقني محدش يعرف قده مرارة اللي بيمروا بيه، هو بس مستغرب أن البشاعة وصلت للدرجة دي "
ختمت حديثها تضع له الأموال على الطاولة أمامه، ثم أخذت حقيبة الأدوية الخاصة بها تمسك يد سالار، ثم جذبته للخارج وهو ينظر لها بشرود لتبتسم هي له بسمة صغيرة :
" هيا عزيزي "
تحركت صوب الخارج وهي تسحب يد سالار الذي كان شبه واعي لما يحدث، وحينما مرت بصامد وصمود رفعت حقيقة سالار تضربهما بها بحنق :
" الحقا بنا أيها الحمقى، والله لو أننا احضرنا ارنبين لأفادونا أكثر منكما...."
وبالفعل تركا كل ما كانا يعبثان به وتحركا خلف القائد وزوجته بسرعة، وتبارك فقط تقود سالار صوب مكان تجلس به معه للتحدث بهدوء، فحالته هذه كانت غير مطمئنة الأمر بدا كما لو أنه تلقى للتو خبر احتلال مشكى للمرة الثانية .
وللعلم، كان الواقع أشد مرارة من هذه الحقيقة، على الأقل إن حدث وأُحتلت مشكى مجددًا ما كانت لتحزن أو تحمل همًا، فعلى الأقل مشكى تمتلك من يدافع عنها، لكن ماذا عن مشكى عالمها ؟! وحيدة في ساحة المعركة، عزلاء وسط مسلحين....
____________________
" مهيار، هيا انهض وعد لمنزلك لترتح قليلًا، مهيار، مهيار "
انتفض جسد مهيار بقوة وهو ينظر حوله بفزع شديد يحاول معرفة أين هو وما الذي يفعله، تنفس يحاول إدراك محيطه، حتى أبصر وجه والد ليلا، ليتنفس بشكل طبيعي وهو يردد يمسح وجهه ببطء :
" هل هي بخير ؟؟"
هز له والدها رأسه، ليشعر مهيار بأنه واخيرًا يتنفس الصعداء، تنهد بصوت مرتفع وهو يميل دافنًا وجهه بين كفيه :
" لا تقلق يا عم دقائق وارحل "
" يا بني وهل أخبرتك أنني استثقل وجودك هنا، أنا فقط أشفق عليك، اضطررت لترك عقد قرآن شقيقك وجئت مفزوعًا، والآن هي بخير، عد صوب شقيقك وشاركه سعادته فهو له عليك حق كذلك "
ابتسم له مهيار ولم يجادله، فقط نهض يستأذن بصوت منخفض :
" هل يمكنني غسل وجهي فقط قبل الرحيل ؟"
ابتسم له الرجل يشير صوب طريق المرحاض يعلم أن جميع نساء المنزل في غرفهن في هذه اللحظة :
" بالطبع خذ راحتك فالمنزل منزلك "
شكره مهيار يسير خلفه ببطء يخفض رأسه يحترم حرمة المنزل، حتى تركه الرجل أمام المرحاض يردد بحنان :
" هيا اغتسل ريثما أعد لكَ مشروب اعشاب سيفيدك"
هز له مهيار رأسه وهو في الحقيقة فقط يود الاختلاء بنفسه بعيدًا عن الاعين، فقط يود إفراغ كل المشاعر التي تعتمر صدره.
وبمجرد تحرك الرجل اغلق الباب بهدوء ثم تحرك لينهار جانبًا وهو يدفن وجهه بين يديه، ثواني وبدأت دموعه تهبط ببطء، صوت شهقاته بدأ يعلو شيئًا فشيء حتى كبته بسرعة قبل أن يخرج للجميع.
يا الله مر منذ ساعة تقريبًا باسوء كابوس قد يحياه، في يومٍ ظنه سيكون اسعد أيام حياته لأجل شقيقه ..
عاد برأسه للخلف وهو يتنفس بصوت مرتفع من بين دموعه وذكرى الساعات الماضية تعود له ليترجف صدره ..
بعد رحلة استغرقت ايام طويلة لمملكة سبز، إذ أوصى به إيفان لدى الملك بارق لأجل بعض الأعشاب النادرة التي لا تنبت إلا في بيئة جبلية في سبز، ذهب هو بنفسه للحصول عليها لأجل علاج ليلا ..
وبعد رحلة استغرقت منه وقتًا ومجهودًا، عاد بسرعة يوم عقد قرآن دانيار ليشاركه سعادته، وقد كان تجهز ورافقه حتى بدأ توافد الشعب للقصر، وهو فقط يشارك دانيار سعادته، قبل أن يبصر توتر مرجان الملحوظ بعد تحدث أحد الأشخاص له، وهرولته للخارج .
شعر مهيار بريبة وهو يميل على دانيار هامسًا :
" دانيار أنا سأذهب لاحضر ليلا حسنًا ؟! لقد أخبرت العم أنني سآتي لاصطحبهم "
ابتسم له دانيار وقد كان في هذه اللحظة لا يطيق صبرًا ليرى زمرد، لذا هو يقدر حالة شوق شقيقه :
" أذهب، لكن لا تتأخر اريدك جواري اليوم مهيار "
ابتسم له مهيار بحب، ثم ضمه سريعًا يهمس له مربتًا :
" بالطبع لن افوت مشاهدتي لك تحيا احلامك دانيار، ما أحب على قلبي من رؤيتي لك سعيدًا أخي"
ربت دانيار على ظهره يستشعر نبرة القلق التي ظهرت في صوت مهيار، لكنه رغم ذلك ابتسم يقول :
" انتبه لنفسك، ولا تتأخر سأنتظرك حتى تعود ونبدأ الـ "
" لا، فقط دع كل شيء يسير كما هو مخطط له، أنا سأنتهى واعود سريعًا، لا تؤجل ولا توقف شيء، نحن لا نصدق أن الملك وافق بالفعل، دع كل شيء يسير بشكل طبيعي وأنا لن اتأخر "
ابتسم له دانيار يهز رأسه، وفقط تحرك مهيار يحضر أحد الخيول يمتطيها مسابقًا للزمن، وقلبه يطرق بقوة، هو منذ الصباح يشعر بالريبة لتأخر ليلا رغم أنه أكد عليها المجئ لتشارك النساء التحضيرات، يود دفعها لتندمج مع الجميع وتخرج من وحدتها التي تحياها وسط زهور والدها.
بعد دقائق وصل المنزل ليهبط عن الحصان في اللحظة التي توقفت عربة أمام المنزل يهبط منها مرجان والذي تأخر حتى وجد عربة تحضره .
تحدث مهيار بلهفة :
" مرجان ما الذي حدث ؟؟"
نظر له مرجان بخوف هامسًا :
" لا أدري، أحد الرجال أخبرني أنه سمع صرخات تخرج من منزلنا و..."
قبل إكمال كلمته سمع نفس الصرخات تترد ليندفع برعب شديد تاركًا دانيار يقف أمام الباب وهو يفكر هل يقتحم المنزل ؟؟ ماذا إن كان أحدهم في وضع غير مناسب ؟؟
ابتلع ريقه وقلبه يقرع بقوة، ولم يحركه سوى صرخة مرجان باسمه :
" مهيار ساعدنا .."
اندفع كالقذيفة بسرعة مخيفة صوب الغرفة التي يصدر منها الصرخات والتي كانت للاسف الشديد نفسها غرفة ليلا .
دخل ليبصر أكثر مشهد مؤلم قد يشاهده يومًا، ليلا مسطحة على فراشها متعرقة، تتشنج تشنجات مرعبة أدت بها لاذية نفسها وهي تطلق صرخات مخيفة، اتسعت أعين مهيار لثواني وهو يشعر بعدم قدرته على التنفس، لم يفق سوى على صرخة مرجان الباكية الذي حاول أن يتحكم بتشنجات شقيقته :
" مهيار ساعدها ارجوك، ساعدها هي ستؤذي نفسها"
ومهيار فقط حدق بهم، ثواني بأعين امتلئت دموعًا قبل أن يتدارك نفسه وهو يتحرك بسرعة صوب جسد ليلا يصرخ بصوت مرتعب :
" ما الذي حدث، لقد ...مرجان ارسل أحدهم لعيادتي في القصر، حقيبتي على المكتب هناك، أحضرها هناك عشبة ستساعدها، بسرعة، وعمي احضر لي أي اعشاب مخدرة "
نظر له العم باكيًا :
" لكن يا بني ...هل هذا آمنًا ؟؟"
" لا تقلق فقط سأعطيها جرعة صغيرة تكفي لترتخي اعصابها، فقط اسرع قبل أن تضر نفسها "
تحرك الرجل بسرعة في نفس اللحظة التي انطلق بها مرجان للخارج، ليخبره مهيار :
" خذ حصاني واسرع مرجان، اسرع ارجوك "
اسرع مرجان للخارج وكذلك والده، ولم يتبقى سوى والدة ليلى التي أخذت تنوح وتبكي ابنتها الصغيرة التي لم ترى من الحياة شيئًا لتعاني بهذا الشكل، ومهيار شعر بيده ترتجف وهو يمسك يدي ليلا يحاول التحكم بحالتها وهو يتمالك دموعه بصعوبة .
يضغط على يديها مانعًا إياها إيذاء نفسها وهو يميل هامسًا لها بكلمات، علها تخترق كل ذلك وتصل لها :
" تحملي ليلا، تحملي، أنا آسف لأنني تأخرت، اقسم أنني كنت سآتيك بمجرد انتهاء عقد قرآن أخي، أنا آسف، أنا آسف ليلا "
وليلا فقط كانت تشعر بالوجع يتملك كامل أنحاء جسدها، وكأنها سقطت من فوق بناية عالية، تساقطت دموعها ومهيار يتابعها بوجع..
ثواني ودخل والدها يحمل بعض الأعشاب، اخذها مهيار بسرعة وهو يضغط على فكها برفق يجبرها على ابتلاع البعض، القليل فقط، بالقدر الكافي الذي يسمح لها بالاسترخاء للحظات.
وهذا ما حدث حيث بدأ جسدها يرتخي قليلًا وتقل التشنجات، وهو لم يكثر من الاعشاب كي لا تتضرر أعصابها، وانتظر عودة مرجان، يهمس لها بكلمات كثيرة علها تسمعه :
" أنا هنا ليلا، لا تقلقي، ستكونين بخير، والله ستكونين بمشيئة الله، فقط اهدأي "
نظرت له ليلا دامعة وقد أدرك ما تحمله نظراتها من مشاعر أخرى، كانت ببساطة تتوسله، تتوسله مساعدتها، تتوسله الرحيل، لكن هل يحقق لها رغبتها الثانية ؟!
والله لن يفعل ....
بعد دقائق طويلة اندفع مرجان للغرفة مع حقيبة مهيار لينتزعها منه الاخير ويسارع لتحضير الاعشاب التي يأمل أن تشفيها بقدرة الله .
وقد حدث إذ ارتخى جسدها بشكل كامل لتسقط في نومة عميقة جعلت مهيار واخيرًا يتنفس الصعداء بعد ساعة كامل من الرعب .
واخيراً أنهار ارضًا في غرفتها يحدق فيها بتعب نفسي أكثر منه جسدي، يراقب أسرتها تطمئن عليها، وهو فقط يحدق بها بهدوء .
افاق مهيار على صوت طرق الباب يتبعه صوت والدها الذي قال :
" بني هل أنت بخير ؟؟"
مسح مهيار دموعه بسرعة كبيرة يتحدث بصوت خرج يحمل نبرة بكاء :
" بخير يا عم، فقط ثواني وأخرج "
" لا بأس بني خذ كامل وقتك، أنا فقط قلقت من تأخرك، وكذلك ليلا أفاقت الآن"
ارتفعت دقات قلب مهيار وهو يغسل وجهه بسرعة ثم تحرك للخارج بلهفة خلف الرجل يقول :
" أفاقت ؟؟ هل هي بخير ؟!"
" نعم بخير وتسأل عنك، تعال"
توقف مهيار بتردد ليبتسم له الرجل :
" تقدم يا بني الجميع بالداخل ينتظرك "
كانت إشارة واضحة منه أنه يستطيع الدخول وأن ليلا في وضع يسمح له برؤيتها .
دخل مهيار يخفض عيونه ارضًا يتنحنح، ثم رفع عيونه بعد كلمات الأب له أن يفحص ابنته .
اقترب من الفراش يبصر وجه ليلا الذي كان الذنب يملؤه وبشدة، تحدق فيه باعتذار وندم، وهو فقط اقترب منها يسحب حقيبته مرددًا بنبرته الحنونة التي لطالما سلبت لبها سابقًا، بنفس بسمته التي كانت تترقبها كل صباح حين يطل عليها في المحل الخاص بوالدها :
" مرحبًا آنستي .."
ابتسمت ليلا بسمة صغيرة تقول :
" مرحبًا سيدي الطبيب "
اتسعت بسمة مهيار أكثر وأكثر يقول وهو يجلس على أحد المقاعد أمام الفراش يمازحها :
" تسمحين لي بفحصك آنسة ليلا ؟!"
ضحكت ليلا بخفوت :
" يمكنك سيدي الطبيب "
ابتسم لها مهيار بسعادة وحب كبير وقد بدأت دقات قلبه تعود لرتمها الطبيعي واخيرًا بعد ساعات قضاها على شفا جرفٍ من الانهيار .
واخيرًا ليلته مضيئة صافية .....
________________________
" هل وصلتي لها؟! "
" لا، ليس بعد، ارفعني أكثر، كدت اصل لها "
زفر بصوت مرتفع وهو يرفع جسده أكثر وأكثر حتى اصبع يقف على أطراف أصابعه، وهي تتوسط أكتافه واقفة تمد يدها محاولة الوصول لتلك القنبلة المزعجة التي اختبئ فوق خزانة ضخمة داخل مخزن تميم تتمتم بغضب وحنق شديد :
" يا الله الرحمة، لقد سئمت هذه الحياة "
تحرك تميم بغضب تسبب في تحرك جسد برلنت التي تعلو جسدت وهو يتحدث بنزق :
" سمئتِ ماذا يا امرأة ؟؟ سمئتِ ماذا أيتها الكارثة ؟؟ بل أنا من سئم مصائبك، إن لم تحضري قنبلتي العزيزة كما القيتها بهذا الشكل لاحضرها بطريقتي واطعمك إياها "
نظرت برلنت للاسفل صوب تميم ثواني قبل أن تبعد يدها عن الخزانة تقول وقد قررت التمرد واخيرًا :
" إذن انزلني وتعال واحضرها بنفسك، فلن أرهق نفسي لأجل شيء لن أنال ثناءً عليه "
" هل تساوميني ؟؟ وأي ثناء هذا ؟؟ هذا خطأك أنتِ"
" نعم اساومك، وثناء لأجل ارهاقي بهذه الوقفة المتعبة "
صرخ تميم من أسفل بصوت مستنكر :
" هذا خطأك أنتِ يا امرأة .."
" لا يعنيني "
تحرك تميم بعنف في الاسفل، مما جعل برلنت تصرخ وهي تحاول التمسك برأسه :
" توقف، توقف والله لو سقطت لاشكونك للملك تميم، سأخبره أنك تمارس عليّ العنف "
تحرك تميم صوب الفراش وهو يهم برمي جسدها عليه يصيح بحنق :
" عنف ؟؟ بالله وتالله ووالله أن العنف يُمارس عليّ أنا "
ختم حديثه يلقي بجسدها على الفراش لتصرخ برلنت برعب، تتراجع بسرعة للخلف تشير له بتحذير :
" أنا أحذرك الاقتراب "
وتميم الذي كان على وشك التحرك بعيدًا عنها بالفعل توقف ليعود لها بسرعة كبيرة جعلتها تتراجع على الفراش بخوف اكبر، لكن لم يسمح لها بالابتعاد أكثر إذ جذبها من ثيابها يقول من أسفل أسنانه :
" وتعودين تشكين أنني اخفتك وارعبتك، لا تجبريني على جعلك تختفين عشر سنوات أخرى بعد ما سأفعله بكِ يا ابنتي، لذا تلاشي غضبي ودعينا ننعم بما تبقى من حياتنا في سلام ووئام، حسنًا ؟؟"
هزت برلنت رأسها بقوة وهي تنظر في عيونه بريبة، بينما هو تنفس بعنف يقبل وجنتها بحنان، ثم ترك ثيابها يربت على كتفها بحنان ليس وكأنه كاد يتناولها منذ ثواني :
" أبقي هنا لحين اجد طريقة احضر بها قنبلتي العزيزة التي ألقيتي بها "
هزت برلنت رأسها بريبة من تصرفاته متسعة الأعين، لكنها فقط تركته يبتعد وهي تفكر أن زوجها جُن أكيد، أو أنه كان هكذا بالفعل منذ البداية، وهي من تعمدت تجاهل هذا الجزء منه وتتمسك بالجزء العاشق الحنون .
تحركت عن الفراش تعدل من ثيابها تراه يقف على مقعد يحاول الوصول لما يريد وهي فقط تتابعه من الاسفل يحاول ويحاول حتى يأس ونزل عن المقعد يتنفس بصوت مرتفع :
" لقد يأست اعتقد أن صناعتي لواحدة أخرى سيكون اسهل من الوصول لهذه "
نظرت له برلنت بشفقة تعتذر بخفوت عن فعلتها، فهي من شدة غضبها منه ألقت القنبلة بعيدًا لينتهي بها الحال فوق قمة عالية .
" آسفة تميم، رجاءً لا تغضب مني "
رفع تميم وجهه لها يمسحه بهدوء وهو يقول بعد تنهيدة :
" لا عزيزتي أنا لست غاضبًا، بل مشتعل الغضب، لذلك فقط اختفي من أمام عيوني الآن كي لا احشوكِ بالقنابل "
فتحت عيونها بصدمة، لكنها رغم ذلك لم تتحدث وهي تتحرك بعيدًا عنه بتردد تنتظر أن يوقفها، ثم يخبرها أنه لا يمكنه الاستغناء عنها، لكن ذلك لم يحدث حتى وصلت لباب المعمل تتوقف قائلة بأمل أن يتراجع عن طردها :
" ماذا قلت ؟!"
رفع تميم عيونه لها، لتتساءل ببسمة مترددة :
" ناديتني تميم ؟؟"
وتميم الذي لم ينبث بكلمة واحدة حتى رفع حاجبه، قبل أن يزفر بصوت مرتفع وهو يفتح ذراعيه لها :
" أوه نعم ناديتك بيرلي، هيا تعالي هنا "
وهي التي تعلم يقينًا أنه لم يناديها، يكفيها تلك البسمة والكلمات، لتتحرك صوبه بسرعة يتلقفها هو بين أحضانه يقبل رأسها قائلًا :
" لا تحزني حبيبتي، أنا فقط أشعر بالخيبة لأجل ما حدث "
" آسفة"
" لا تأسفي، سأصنع مثلها إن أردت، لكن بسمتك هذه أين أجد لها مثيل أنا؟!"
اتسعت بسمة برلنت ليبتسم هو لها بسمة واسعة، يمسك يدها مقتربًا من الفراش، ثم جذبها بين أحضانه يربت على كتفها بهدوء :
" بيرلي ..."
" نعم ؟؟"
" إن عاد بكِ الزمن وخُيرت الزواج بي، هل كنتِ ستوافقين ؟؟"
رفعت برلنت عيونها له تقول ببسمة :
" لا اعتقد أنني كنت سأنتظر أن تتخذ خطوة وتطالب بي تميم، بل كنت أنا من سأسارع للزواج بك "
نظر لها تميم في عيونها بحب كبير وقد التمعت عيونه بكل الحب الذي يكنه لها، يقرب له رأسها مبتسمًا، بينما هي رددت حين رأت حنانه وحبه :
" يسعدني معرفة أنني لست الوحيدة الهائمة في هذه العلاقة"
ابتسم تميم بسخرية وهو يشدد من احتضانها مرددًا بكل جدية وحب يمتلكه في صدره لهذه المرأة، سعيد بهذه اللحظة وبعد كل شيء هي بين أحضانه، هل يطمع ويطلب المزيد ؟؟
والله لن يكون وقحًا ويفعل .....
" الوحيدة؟! يا ابنتي عشت نصف عمري اهيم بحثًا عنكِ، والنصف الآخر أهيم حبًا بكِ..."
____________________
تجلس أمام النيل على أحد المقاعد جوار زوجها، مشهد لطالما تخيلته في أحلامها، متسائلة عن شعورها إن حدث، لكن وفي أكثر أحلامها جموحًا لم تتخيل يومًا أن تجالس رجلًا كسالار، هي حتى هذه اللحظة تحاول معرفة السبب الذي جذب رجل بمثل مواصفات سالار لها، ليس تقليلًا من شأنها، لكن ...رحم الله امرئ عرف قدر نفسه، وسالار في عيونها كان مثاليًا، وهي لنقل متواضعة القدرات، ليس ذات مقام رفيع كالأميرات، وجمالها مقارنة بجمال البعض متواضع كذلك ...
لكن هل تتعجب وتفكر في الأمر ؟؟ لا والله بل تشكر الله وأحمد فضله وتكتفي به نعمة، ثم هي لـ...
قاطع صوت أفكارها الشاردة في زوجها وتأملها في نعم الله المتمثلة به، صوت مزعج صادر من المقعد المجاور لهما، حيث استقر الأخوان يرتشفات بعض " حمص الشام" مصدرين اصوات مزعجة لها ولأفكارها .
مالت تنظر لهما بحنق :
" إذا سمحتما، هناك من يحاول الشرود هنا، هلّا ارتشفتما المشروب بهدوء قليلًا ؟!"
رمقها صامد يتحدث مشيرًا صوب مشروبه:
" هذا العصير حار، كيف يعقل هذا ؟؟ "
أجابه صمود وهو يرفع الكوب أمامه:
" يبدو طعمه غريبًا، مالحًا وحارًا وساخنًا، الأمر في غاية الغرابة يا اخي "
نظر له صامد يفكر معه وقد شردا في اكواب المشروب يفكران بعمق حول هوية هذا المشروب المريب .
بينما تبارك تجاهلتهما وشردت بزوجها الشارد بدوره في المياه أمامه، وهي تدرك أنه لا يشرد اعجابًا بها، بل ربما هي صدمة لما شاهد .
" سالار .."
نظر لها سالار بانتباه، ثم قال بعد صمت ثواني :
" أنا لم افهم شيء، ما الذي يحدث هنا، وما الذي شاهدته منذ دقائق ؟؟ من هؤلاء المُعذبين وما جرمهم ؟؟"
ابتسمت تبارك بحزن تقول :
" وهل كان لاهل مشكى جرم ليُعذبوا ؟! "
صمت سالار وفهم ما تريد قوله، ليتساءل :
" إذن المنبوذون في كل مكان "
ابتسمت تبارك بحزن تشرد أمامها هامسة:
" المنبوذون فقط في عالمك سالار، هنا هم المستضعفون المساكين الذين يسارع الجميع للمطالبة بحقوقهم وامدادهم بالزخائر التي تعينهم على الدفاع عن أنفسهم ضد الأطفال المتوحشين والنساء المتجبرات، والعجائز الأشداء، هنا هم ليسوا بمنبوذين، بل هم أشبه بالضحايا الذين يسارعون لتلبية احتياجاتهم شفقة عليهم من المجهود المبذول في إبادة شعب "
اتسعت عين سالار يحاول استيعاب ما تقول وهي هزت رأسها تقول بسخرية :
" يا الله فقط تخيل حجم معاناتهم، أن تقضي عمرك بأكمله لا عمل لك سوى قتل البشر وتشريد الاطفال وتدمير المنازل، بؤس "
كان يستمع لها وهو يحاول تخيل ما يحدث، يحاول جمع الصورة المشتتة التي يراها، هل يلعب الجاني دور الضحية هنا !!
" والجميع يصدقونهم ؟؟"
" رغم كل ما يرونه من مشاهد دامية، فالاجابة للاسف نعم، هم يصدقون رؤيتهم حول أن كل ما يبدر منهم مجرد دفاع عن النفس وأنهم الضحايا هنا، أو بالأحرى هم يريدون تصدقة ذلك، لأن ذلك يخدم مصالح البعض "
" و....و... أنتم ؟؟ لقد أخبرني الرجل أنهم عرب أمثالكم، أو على الأقل هم مسلمون، لا ردة فعل منكم ؟!"
رمقته تبارك باستنكار شديد، ثم أجابت بمنتهى التلقائية :
" كيف يعقل ذلك سالار، بالفعل وصلهم الرد عنيفًا من جهتنا، وكّلنا بعض النساء والرجال للشكوى في المجالس العالمية والتنديد بالقرارات الصادرة، صرخنا ورفعنا الاصوات وبكينا "
" ثم ؟؟"
" لا شيء"
وهذه كانت إجابة أكثر من وافية لسالار حتى يبعد عيونه عنها، يحاول تجميع ما سمع في عقله، يحاول ايجاد سبب لما يحدث، إيجاد مبرر لما سمع، لكن كما قالت تبارك ...
لا شيء .
وستظل الإجابة" لا شيء " حتى يستطيعوا بذل " كل شيء " للدفاع عن قضيتهم، لكن هل يفعلون ؟؟
وجاءته الإجابة من تبارك التي كانت كما لو أنها سمعت صوته الداخلي :
" نحن فقط ...لسنا قادرين على أخذ الخطوة التي اتخذتموها لتحرير مشكى، أياليت لهم نصف حظ مشكى ."
خرجت من شرودها تنظر صوب سالار تحاول سحبه من تلك النقطة وهي ترى الصراع يدور فوق صفحة وجهه، وكأنه يفكر في النهوض وسحب سيفه والتحرك ليحارب وحده، أمسكت كفه مبتسمة تحاول إخراجه من تلك الغيمة التي أحاطت به :
" إذن هل تريد زيارة مكانٍ ما قبل العودة !!"
نظر لها سالار ثواني قبل أن ينفي برأسه وهو يحركها في المكان حوله :
" لا، أنا فقط كـ ...."
صمت فجأة وقد اتسعت عيونه بصدمة يرى أمامه مشهد جعل أعينه اتسع بقوة، فتى يميل على فتاة وقد اختطف قبلة سريعة قبل أن ينتبه له أحدهم، وسالار الذي بالفعل انتبه لهم، ابعد وجهه بسرعة يتمتم بصوت مسموع لتبارك :
" يا الله يا مغيث، ما هذه الوقاحة ؟؟ كيف يفعل مع زوجته هذا على الملأ ؟؟ "
وتبارك ابتسمت بقلة حيلة ولم تشأ أن تخبره أنه من الممكن أنهما ليسا متزوجان من الأساس، لكنها صمتت ثواني .
ثم تسائلت بجدية تريد سؤاله عن رأيه في عالمها تخشى أن يرى الجانب الاسود منه فقط، وهو الذي لم تسمح له الظروف برؤية جانبهم الجيد :
" إذن سالار، أنت تقريبًا لم ينل إعجابك شيء واحد منذ وطأت هذا العالم، ألا يوجد شيء اعجبك هنا البتة ؟؟"
نظر لها سالار ثواني ثم قال :
" من قال أن لا شيء اعجبني، ثم هل تظنين أن عالمي يخلو من المفسدين ؟؟ لقد كان لدينا الآلاف من المنبوذين تبارك، غير أننا في العام الواحد هناك مئات الجرائم ما بين سرقة وقتل وزنا وغيرهم، لا مكان يخلو من المعاصي ولا من الفساد "
قاطع حديثه صوت صمود وهو يردد :
" هذا العصير مريع، لقد جعل حلقي يتآكل "
أشار سالار عليهما يكمل حديثه السابق :
" وهذان الاثنان أكبر دليل على تواجد الفساد في عالمنا "
أطلقت تبارك ضحكات خافتة وهي ترى نظرات صامد وصمود وهم يحدقون في اكواب المشروب بشك وملامح غريبة جعلت ضحكاتها تتزايد، بينما سالار يكمل:
" وعالمك ليس سيئًا، والدليل على ذلك، أنتِ ..."
توقفت تبارك عن الضحك تنظر له بلهفة ليكمل ببسمة :
" إن لم يمتلك عالم من الصالحين عداكِ، لكان ذلك كافيًا لأراه جنة تبارك، يكفيني وجودك"
ابتسمت ليبادلها البسمة مكملًا :
" ثم أنا قابلت الكثير من الصالحين هنا، العم صاحب المحل رحمة الله عليه، السيدة التي دافعت عنك في منطقتك، والرجال الذين يدركون الحق من الباطل وغيرهم الكثيرين، وإن لم يكونوا، فكفى بعالمٍ أنكِ منه "
" أوه سالار هذا ....هذا رائع "
ابتسم لها سالار يمسك يدها بحنان :
" الرائع حقًا هو وجودك تبارك، أنا لا أتخـ ...."
قاطع كلماته تلك ولحظات الرومانسية التي طالما تخيلتها تبارك على ضفاف النيل مع زوجها وحبيبها، صوت صراخ صامد وهو يشهق بعنف ومن ثم ردد برعب وهو يحدق في وجه صمود الذي سقط ارضًا كالحوت النافق على الشاطئ :
" يا ويلي يا قائد لقد سمم ذلك العصير الحار صمود، اخي يموت، المفسدون سمموا أخــــــي "
بعد دقائق...
كان الجميع داخل سيارة الأجرة التي تتحرك بهم صوب أقرب مشفى ليعلموا ما حدث لصمود، وصامد ينوح على شقيقه :
" يا ويلي يا أخي، لقد قتلوه هؤلاء المفسدين، ألا لعنة الله على ذلك العصير الحار، والله لقد شعرت بالريبة مع بداية الكوب الثالث، شعرت بشيء غريب يحدث لكنني كذبت شعوري "
نظرت تبارك صوب سالار الذي كان يجلس جوارها وجواره على الجانب الآخر صمود، وفي الامام جوار السائق يجلس صامد، هذا ليضمن سالار ألا تجاور زوجته رجلًا غريبًا، حتى لو كان صامد أو صمود .
" كم كوبًا ارتشفتم صامد ؟؟"
نظر لها صامد يردد باكيًا بهلع :
" والله لم نكمل الخامس بعد، ووجدت أخي شاحبًا كالاموات، والله أنني شعرت بالريبة "
" شعرت ايه ؟؟ ده أنت الاحساس معدوم عندكم، خمس كوبيات حمص الشام ومزودين شطة ده غير البرشام اللي سفتوه ؟؟ ده أنتم تحمدوا ربكم وتسجدوا له لو الموضوع جه على قد تسمم بس، ربنا يعينكم على نفسكم والله "
توقفت السيارة بعد ثواني أمام مشفى ضخم، جعل رأس تبارك يدور وهي تردد بصدمة :
" مستشفى استثماري ؟! ايه يا اسطا أنت راكب مع وزراء دول ولا ايه ؟! خدنا أي مستشفى عادية أو حتى خـ ....."
قاطعها سالار وهو ينظر لها باستنكار :
" مهلًا هل تقللين من شأننا الآن ؟!"
نظرت له بعدم فهم ولم تكد تخبره أن الليلة في هذه المشفى قد تكلفهم بيع أعضاء صمود نفسه، حتى سبقها صامد وهو يهبط من السيارة يفتح الباب المجاور لصمود، يجذب جسده بصعوبة :
" اخي سيتعالج في هذا القصر الملكي، هذا اقل ما يستحقه من الأساس، ليساعدني أحدكم لانزاله "
نظرت تبارك صوب سالار :
" سالار اسمعني البقاء في هذه المشفى مكلف و نحن بعنا قدر كبير من العملات الذهبية و..."
أوقفها سالار وهو ينظر لها متحدثًا بهدوء :
" لدينا المزيد بعد، ثم حتى وإن نفذ ما احمل فالاخوين لديهما ذهبهما الخاص، لا تقلقي تبارك وتعاملي مع كل ما يقابلك بواقع أنك أميرة، حسنًا ؟!"
نظرت له ثم ابتسمت بسمة صغيرة تهز رأسها له وهو تحرك يدفع جسد صمود المجاور له للخارج حيث كان يسحبه صامد، وفجأة وجد صامد جسد شقيقه يتدحرج خارج السيارة ليسقط عليه محطمًا عظامه .
وسالار لم يهتم لا بيصياح صامد أو حالة صمود، تخطاهما دون اهتمام، يتحرك سريعًا صوب باب تبارك يفتحه لها بسرعة كبيرة مبتسمًا لها بلطف يمد يده لها :
" هيا تعالي عزيزتي "
نظرت له تبارك بأعين متسعة مصدومة لما فعل، تضع كفها بين يده ليجذبها سالار بلطف يغلق الباب كأي شخص نبيل، تتعجب ما فعل مبتسمة :
" سالار، كيف تعلمت هذا ؟!"
نظر لها سالار بعدم فهم وهو يتأكد من أن حجابها وجميع ثيابها في وضعها الطبيعي ولم تنحصر بسبب جلوسها في السيارة أو ما شابه :
" ماذا ؟؟ تعلمت ماذا ؟؟"
أشارت تبارك صوب السيارة وهي تقول ببسمة غير مصدقة :
" تفتح لي باب السيارة بهذا النبل، كيف تعلمت هذه اللفتة ؟؟ عادة الأشخاص النبلاء والراقيين فقط من ينتبهون لهذه الأمور "
رفع لها سالار حاجبه يقول وهو يسحبها من يدها ببساطة :
" تعلمت ماذا عزيزتي ؟! أنا أفعل هذا لكِ طوال الوقت تبارك إن لم تنتبهي، اساعدك للترجل عن ظهر الخيل كما يفعل الجميع في عالمي، هذه ليست لفتة راقية، وليس نبل أو شيء نادر الحدوث، هذه رجوله متأصلة بنا، وللعلم منبعها ليس رجال هذا العالم، نحن توارثناها منذ القديم تحديدًا منذ بداية الفتح الإسلامي وادراكنا مكانة المرأة"
ختم حديثه يغلق باب السيارة يسحب يدها ببسمة لطيفة وهي سارت خلفه متسعة الأعين تفكر في الأمر للمرة الأولى، صحيح في حياتها لم ترى رجل يتجاهل من يخصه من النساء هناك، طوال الوقت يعتنون بهن بكل حرص كأنهن قوارير، تعامل أرسلان وكهرمان، إيفان مع زمرد، تميم وبرلنت، تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تكون عادية وتلقائية لهم، كانت تُصنف في عالمها رقي وتحضر ونبل، إلى أي مستوى وصلوا هم ؟؟
سارت خلف سالار الذي مال يحمل جسد صمود عن صامد، ثم ألقاه على كتفه يتحرك به بكل قوة للداخل، ابتسمت تبارك تراه يقف بعد خطوتين، ثم نظر لها يشير لها بعيونه أن تأتي جواره ..
حسنًا هل أطلقت عليه سابقًا رجل كهف ؟؟ إن كان كذلك، فهذا أكثر رجال الكهف رقيًا، وهي تحبه بكل شخصية يمتلكها ....
______________________
" أنا فقط قلقت عليك البارحة حينما لم ابصرك جواري "
خرج مهيار من المرحاض يجفف خصلات شعره براحة افتقدها لساعات طويلة كانت كالجحيم عليه :
" أنا بخير أخي فقط ...تعرضت ليلا لوعكة صحية شديدة، ولم استطع التأخر، لا تحزن اقسم أنه لا أحب على قلبي من أن أشهد سعادتك دانيار، لكن أنت فقط ..."
قاطعه مهيار باهتمام وهو يقترب منه بسرعة قلقًا :
" ماذا ؟؟ ولم تخبرني ؟؟ كيف حالها الآن ؟!"
" الحمدلله بأفضل حال، لم اتحرك إلا بعدما اطمئننت أنها بخير، و...."
صمت يرفع عيونه لعيون دانيار القلقة والمهتمة :
" أنا اكتفيت من هذا الوضع أخي، اريد عقد قرآني أنا البارحة كنت...."
صمت ولم يفضي بأفكاره الخاصة تجاه المرأة التي يحب لأحد، ولا حتى لشقيقه، أبت رجولته وحميته أن يعترف الآن أمام شقيقه أنه شعر بالعجز وكم ود لو يعانقها البارحة ويحتفظ بها داخل أحضانه ولو تأذى، فقط يحتفظ بها بين اضلعها، حيث مكانها الذي خُلقت منه، لكن هل يعترف بكل هذا ؟!
استغفر ربه يمسح وجهه وهو يجلس على طرف فراشه بجذع عاري :
" أنا فقط اريد عقد قرآني، هذا ليس عدلًا كنت اول من اتخذ القرار منكم وآخر من ينفذه "
ابتسم له دانيار يشعر بكل ما يرد شقيقه قوله، لذا تنهد يقول :
" ما رأيك أن تذهب غدًا لابا مرجان تخبره أن نعقد القرآن ؟؟ "
رفع مهيار رأسه بصدمة كبيرة منتفضًا عن الفراش :
" تعقد القرآن غدًا ؟؟"
ضحك دانيار بصوت مرتفع يقول :
" كنت افكر في بعد يومين، لكن إن أردت غدًا والله لن أرد لك طلبًا يا اخي، غدًا نعقد قرآنك إن وافق والدها "
وفي ثواني وجد دانيار نفسه يُطحن بين أحضان مهيار الذي ضمه له يردد بسعادة كبيرة :
" يا ويلي دانيار أنا حقًا أحبك، أنت ستأتي معي غدًا لتقنع والدها صحيح ؟؟ ستفعل لأجلي أخي ؟!"
" سأفعل عزيزي، فقط دعني اتنفس وسأفعل لك ما تريد، كم مهيار امتلك أنا ؟!"
ابتعد عنه مهيار بسرعة كبيرة ينظر له باعتذار، بينما دانيار ابتسم بحب يفتح ذراعيه :
" هيا تعال يا صغيري "
وعلى عكس كل مرة لك يبتأس أو يعترض مهيار على تلك الكلمة، والتي كان في أعماق أعماقه يحبها للحقيقة، أن يظل دانيار يعامله بحب ولطف كما كان يفعل وهم أطفال، أن يظل معتبرًا نفسه مسؤولًا عنها، رغم أنه أضحى رجلًا على مشارف الثلاثين، كل ذلك كان يداعب الجزء الطفولي داخل مهيار .
ودانيار الذي لم يمتلك في حياته بأكملها أغلى من مهيار، كان على استعداد لخوض حرب ضارية في الغد مع والد ليلا فقط كي لا تُمحى سعادته شقيقه هذه، وقد قرر بمجرد الخروج من هنا أن يحضر كل شيء لأجل عقد القرآن، فهو لن يجعل يومًا كهذا يمر ببساطة ...
______________________
غدًا ترحل مع شقيقها عن هنا، شعور بالوحشة يصيبها كلما جاءت ورحلت، ليس لافتقادها سفيد التي قضت بها فترة لا بأس بها _ كما تخبر أخاها طوال الوقت _ بل لأنها ستفتقد أهل سفيد، بالتحديد ملكهم .
أغمضت عيونها تستمتع بنسمات الهواء التي تمر حولها وهي تجلس في شرفة الغرفة التي اختارتها، أو بالأحرى اختارها هو لأجلها ..
ابتلعت ريقها تسمع صوت تحرك في الجناح المجاور لها والذي كانت شرفته ملتصقة بخاصة جناحها، أمر لا تعتقد أنه فعله بحسن نية، فمتى ارتبطت حسن النية بالرجال خاصة إن كانوا كالملك أو شقيقها مثلًا ؟؟
" سفيد جميلة صحيح ؟؟"
فتحت عيونها بفزع تستدير جوارها تبصره يقف بكل راحة واسترخاء في الشرفة الخاصة به، كيف ومتى وصل هنا ؟؟ هي للتو كانت ترهف السمع لكل حركة تصدر من جناحه .
وإيفان ابتسم على صدمتها، يبعد عيونه عنها سريعًا يشرد أمامه، وهي حاولت تخطي صدمتها تقول بصوت خافت :
" أوه نعم، جميلة كثيرًا "
" نعم، فما بالك لو رأيتي هذا الجمال يوميًا، بل وعشتِ داخله؟!"
صمت ثم رفع عيونه ينظر لها نظرة سريعة يقول :
" أو اصبحتي ملكة عليه ؟؟"
انتفض قلب كهرمان وقد باغتها بضربات غير متوقعة، هي من كانت ردودها حاضرة وبكل ثقة تطلقها في وجهه، الآن تعجز عن رد صغير عليه .
ابعدت عيونها صوب الفضاء أمامها تقول بهدوء :
" نعم تبدو هذه فكرة مغرية حقًا مولاي "
" يمكننا جعلها أكثر من مجرد فكرة إن أردتي سمو الأميرة "
ابتسمت بسمة صغيرة تهمس وهي ما تزال تنظر أمامها، وهو كذلك ينظر أمامه، من يراهما لن يتخيل أنهما يتحدثان لبعضهما البعض .
" لو كان الأمر بهذه السهولة واليسر مولاي لأصبحت جميع النساء اللواتي تخيلن أنفسهن ملكات على سفيد، هكذا بالفعل "
رفع إيفان حاجبه يبتسم بسمة جانبية، ثم قال بكل بساطة :
" الخيال وحده ليس كافيًا، يحتاجون لشيء اضافي ليصبحن كذلك سمو الأميرة "
استدارت له وأخيرًا تتساءل بفضول :
" ما هو يا ترى ذلك الشيء الإضافي ؟؟"
ابتسم يتحدث وهو يحدق في عمق عيونها وكأنه يبحث عن طوق نجاة يتعلق به ينجده من بحارها :
" أن يكونوا أنتِ "
وهذه الكلمة اختصرت كل ما شحن إيفان بداخله، فهو لن يجلس هنا طوال الليل يصف لها ما تحتاجه الفتاة لتصبح زوجته، ليس لأنه سيمل وصفها لنفسها مثلًا، بل لأنه يدرك أنها تعلم نفسها جيدًا، لذا اقصر وصف وادقهم كان " أنتِ " .
" ينقصهن أن يكن كهرمان .."
صمت ثم ابتسم بهدوء يتابع ردة فعلها على كلماته وهي تحاول انتقاء كلماتها، وهو اكتفى من الوقوف هنا محدقًا في الفراغ وهي جانبه، الأمر أكبر من قدرته على التحمل :
" إذن سمو الأميرة انصحك بالذهاب للنوم فالبرودة أصبحت شديدة هنا "
ختم حديثه وهو يهز رأسه لها بهدوء مودعًا، يتحرك للداخل وهي فقط ما تزال تنظر أمامها بأعين متسعة وانفاس مسلوبة تردد بهمس :
" هذا الرجل ...هل هناك من ينافسه في انتقاء الكلمات حتى ؟؟"
________________________
" أنا مش فاهم أنتم عايزين ايه؟؟ وعصير حار ايه اللي عمل في العملاق ده كده ؟؟ ده لو شرب خلاصة سم الافعى التايبان مش هيحصل فيه كده"
تدخلت تبارك تحاول شرح الأمر بطريقة سهلة مبسطة بعيدًا عن وصف صامد والذي منذ دخل المشفى أخذ يهاجم الجميع وهو يردد أن عصيرهم الفاسد الحار قتل شقيقه، وأنه لن يتوانى عن تدمير عالمهم ليقتص منهم إن حدث له شيئًا، كلمات كانت كافية لتجعل الجميع يخرج هواتفه للتحدث إلى قسم الامراض النفسية .
يبدو أن مشفى الأمراض العقلية هنا ستكتظ بالكثير من البلاغات اليوم .
" هو شرب حمص شام كتير وكان حاطط فيه شطة كتير اوي، ومعدته اساسا مش متعودة على الحاجات دي، فعشان كده تقريبًا حصله تسمم غذائي "
نظر الطبيب صوب الفراش المسطح عليه صمود بحيرة:
" كل ده عشان حمص الشام ؟؟"
تحدث صامد وهو يربت على كتف شيقيقه بشفقة :
" المسكين لم تتحمل معدته عصائر المفسدين، أخبرتك يا اخي يكفينا ثلاثة أكواب وأنت لم تستمع لي، أنظر ما الذي حدث لك الآن "
نظر الطبيب صوب تبارك يقول بعدم فهم :
" أنا مش فاهم أنتم مين وعاوزيني اعمل ايه طيب ؟؟"
وقبل أن تفتح تبارك فمها شعرت بجدار يحول بينها وبين الطبيب، وبالطبع لم تكن بحاجة للتسائل عن هوية صاحب الظل الاصهب .
أما عن سالار فهو اكتفى أن يوجه هذا الرجل كلماته لزوجته متخطيًا وجوده هو :
" عفوًا يمكنك الحديث معي سيكون أفضل، لقد أخبرتك زوجتي ما حدث، القادم تحدث به معي "
والطبيب المسكين لم يكن يفهم ما يحدث، ولِمَ يتحدث هؤلاء القوم بالفصحى ؟؟ ربما هم اجانب كما يتضح عليهم، تجاوز هذه النقطة يقول بجدية :
" تمام تمام، بصوا احنا هنعمل ليه غسيل معدة ونشوف اللي ...."
توقف عن الحديث فجأة حين انتفض صامد عن الفراش يتحدث بعدم فهم :
" ماذا !! ما الذي قلته ؟! معدة اخي نظيفة لا يشوبها شائبة، اذهب وقم بغسل تلك الاكواب التي ارتشف منها العصير الحار ولا تتحدث بهذه النبرة عن معدة اخي "
رمش الطبيب دون فهم :
" هو ايه اللي معدة اخي نظيفة دي ؟! هو أنا بشمته ؟! ده غسيل معدة يعني ..."
رفع صامد إصبعه في وجه الطبيب أو بالأحرى في خصر الطبيب فهذا ما كان يصل له بطوله في الواقع :
" أخبرتك ألا تتحدث بهذا الشكل عن أخي، أخي في غاية النظافة ولا يحتاج لأي غسيل "
رفع الطبيب عيونه عن صامد، ثم نظر لسالار الذي كان يقف أمامه يضم ذراعيه لصدره بشكل جعل شكله خطرًا، يحول بين أي نظرة من الطبيب لزوجته الحبيبة .
دار الطبيب بعيونه بينهم، ثم نظر لذلك المسطح على الفراش يقول بجدية :
" ومين قال المشكلة في الأكل أي اجنبي في بيسافر لأي مكان بيتعرض لحالة تسمم اسمها التسمم الغذائي أثناء السفر، ودي حالة متعارف عليها في جميع الدول، لأن البكتريا والهواء بيختلف عن البكتريا المنتشرة في بيئته الأصلية فغصب عنه حتى لو الأكل نضيف معرض أنه يتسمم لأنه معدته بتواجه ظروف غريبة عليها "
رمش صامد بعدم فهم ينظر صوب تبارك التي كانت لا ترى سوى ظهر سالار فقط، والذي تدخل أخيرًا يقول :
" إذن صمود توفي نتيجة تسمم ؟؟"
شهق صامد برعب وهو ينظر صوب جسد صمود الذي كان لا يعي بشيء حوله، بينما الطبيب نظر له يقول :
" لا مين قال كده، ده مش قصدي أنا بس كنت برد على الـ "
ولم يمنحه صامد فرصة لإكمال جملته إذ أخرج خنجره بسرعة وهو يصيح بصوت مرتفع :
" اللعنة على هذا العالم، والله لأعلنن الحرب عليكم جميعًا، واولهم هذا الطبيب "
ختم حديثه وهو يحرك خنجره أمام الطبيب الذي تشنج وجهه وهو يراه يلوح بالخنجر أمامه بتهديد، لينتزعه منه بشكل لم يتوقعه صامد وبكل سهولة وهو يقول :
" ولآ بقولك ايه انا ساكتلك من الصبح، أنت هتخوفني بمبرد الاضافر اللي معاك ده؟؟ إياك تكونوا مفكرني محترم عشان مستشفى استثماري بقى وكده، لا ده انا داخلها واسطة اساسا "
حرك الخنجر أمام عيونهم يقول :
" اخلصوا قولوا عايزين ايه من امي خلوني اغور، عايز اخلص المناوبة وانام "
نظر سالار للخنجر الذي كان يحركه أمام عيونه بتهديد، ثم رفع عيونه له يقول بهدوء :
" ابعد هذا الخنجر عن وجهي، وتحدث بفمك فقط "
تشنج وجه الطبيب يردد :
" ما أنا كنت بتحدث بفمي يا خويا، لكن ابن اخوك اللي جايبه معاك ده الواضح مش بيفهم غير بالأيدي"
نظر سالار صوب صامد الذي كان ينظر للطبيب بشر، ثم رفع عيونه يقول بكل بساطة :
" ليس لي إخوة، وهذا ليس ابن أخي، إن أردت قتله فافعل وادفنه جوار أخيه عقابًا له على ترويع مسلم وتهديدك أنا لا أهتم، لكن أن ترفع خنجرك عليّ وأنا أعزل ولم أتوجه لك بأي تهديد فهذا جبن ولا يعفيك من نفس حكم ذلك الاحمق صامد "
اتسعت أعين الطبيب بصدمة، ثم نظر للخنجر وهو يتساءل هل فعل هذا الخنجر كل هذا ؟؟ تركه فجأة ارضًا ينفض كفيه من كل تلك الكلمات التي أصابته بالارتجاف ثم قال بجدية وهو ينظر لجسد صمود :
" هنعمل غسيل معدة للعملاق ده، وبعد كده هنشوف هنعمل ايه "
فتح صامد فمه للاعتراض على كل ذلك، لكن نظرة من سالار اصمتته وهو يقول :
" أفعل ما تراه صحيحًا، وإن استطعت غسل عقله هو وأخاه سأكون شاكرًا لك يا طبيب "
ختم حديثه يرمق صامد الذي اتسعت عيونه بغيظ شديد، بينما تبارك كانت تتابع كل ذلك صوت فقط وقد قطع عليها جسد سالار الصورة، لكنها لم تبتأس فقط كانت تتتمسك بسترته من الخلف تتخيل صورة تلائم الحوار الذي تسمعه .
ابتسمت تنظر لظهر سالار بفخر شديد، فكل كلمة ينطق بها هذا الرجل تنطق بالحكمة والتعقل، وهذا ما يعجبها به بالإضافة إلى أنه سالار .....
__________________
يقف في منتصف الساحة يحمل سيفه وهو يدور به حولها، بينما هي متوقفة في منتصف الساحة تنظر له بترقب بينما هو ابتسم يقول :
" مر وقت طويل ها ؟! "
ابتسمت ترفع متحفزة لقتال وهو ابتسم لها يقول :
" ما هذا الحماس الذي يشع من عيونك يا امرأة، أهذه فكرتك عن الموعد الاول بعد عقد القرآن ؟؟"
أطلقت زمرد ضحكة مرتفع وهي تتحرك بعيدًا عن عيونه تتأكد من وضع لثامها، ثم غمزت له تقول :
" صدقني هذه الفكرة افضل من أفكارك المائة لقضاء ليلة عقد القرآن زوجي العزيز، سماعي لتصادم السيوف يفوق كلمات الغزل جمالًا "
" تزوجت بسفاحة "
ومع انتهاء كلماته كان سيف زمرد يتحرك صوبه بسرعة مخيفة وكأنها تنتوي شقه لنصفين، وهو ابتسم يصدها بكل بساطة بعدما مال نصف ميلة للخلف وهي نظرت في عيونه بتحدي :
" اشتم رائحة اعتراض في حديثك "
نظر هو لعيونها ببسمة واسعة ثم قال بكل بساطة :
" معاذ الله أن اعترض، أبعد كل ما تكبدته لأجل ارتباط اسمي بك اعترض ؟؟ "
ومع اخر كلماته كان يعتدل بسرعة يدفعها للخلف وهي تراجعت خطوات وقبل أن تتجهز للضربة التالية، كان هو يهجم عليها بسرعة كبيرة يسقط سيفها ارضًا بشكل جعل أعين زمرد تتسع بصدمة، فمتى أسقط هو سيفها بهذه السرعة ؟؟
حسنًا هو لطالما فعل، لكن ليس بهذه السرعة .
ابتسم دانيار بسمة واسعة يقول :
" يبدو أن الزواج روّضك قليلًا سمو الأميرة "
تنفست زمرد وهي تشير لسيفها الساقط ارضًا :
" كيف ...كيف فعلت، لقد ....لقد "
صمتت لا تستوعب ما حدث وهو فقط انفجر ضاحكًا بقوة عليها، وهي فقط تشير للسيف تحسب عدد الضربات التي قامت بها قبل أن تخسر، يا الله هي لم تضربه سوى ضربة واحدة وصدها ومن ثم اسقط السيف ؟؟ ما الذي حدث لها ؟؟
اقترب دانيار يطلق ضحكات مرتفعة عليها يلقي سيفه ارضًا، ثم حمل سيفها يضعه بين قبضتها يقول من بين ضحكاته بصعوبة :
" لا تنظري لي هكذا، هاكِ سيفك، أنا من خسرت، يا الله تكاد عيونك تخرج من محاجرها "
وهي نظرت له يضع سيفها بين يديها تهمس بصدمة :
" هل اسقطت سيفي للتو ؟!"
ابتسم لها يقول وهو يجذبها لاحضانه:
" لا حبيبتي بل سيفي أنا من سقط انظري، سيفك ما يزال بقبضتك، لا عاش من يسقط لكِ سيفًا ويهزمك زمردتي "
نظرت له زمرد ثواني قبل أن تتلاشى صدمتها وتبتسم بخبث وهي تغمز له :
" وهذا يعلمك ألا تتحداني دانيار، هذه المرة أسقطت سيفك بنظرة، تخيل ما أنا قادرة على فعله المرة القادمة بك ؟؟"
ابتسم لها دانيار ولم يحنق أو يغتاظ من تعليقها، بل ردد بكل بساطة :
" في الأساس نظرة منك تسقطني أنا ارضًا، فكيف يصمد سيفي المسكين أمامها يا امرأة، أنت تطالبين المسكين بما لا يقدر عليه حامله "
تراجعت رأس زمرد للخلف مبتسمة بسمة واسعة غير مصدقة لكلماته :
" منذ متى أصبح حامل السهام شاعرًا دانيار ؟!"
اتسعت بسمة دانيار يردد بكل جدية :
" منذ اصطدم بسارقة الخناجر زمردتي ..."
اتسعت بسمة زمرد أسفل لثامها ليمد هو يده ينتزع طرفه كاشفًا عن ملامحها مرددًا :
" لا حرمني الله رؤية بسمتك، لا تخفيها عني بلثامك مجددًا، هذا يذكرني بتلك الايام التي كان عقلي يجاهد ليرسم لي ملامحك كاملة قديمًا "
تحدثت زمرد وقد انتشر الخجل في كامل أنحاء وجهها، مهما كانت جريئة وقحة كما وصفها البعض فهي أبدًا لن تتحمل أمام كلماته تلك أبدًا ...
شعرت برغبة عنيفة في أن تعبر له عن حبها كما يفعل هو بالكلمات تلك، لكن ماذا تخبره وأقصى ما استطاعت قوله هو " أحبك" وهذه الكلمة الفقيرة من وجهة نظرها لا تعبر عن نصف المشاعر التي تمتلكها له ..
" هل تأتي لغرفتي اليوم مساءً دانيار ؟؟"
كانت جملة عفوية خرجت منها وهي تفكر في أمر ما، لكن يبدو أن عفويتها تلك لم تكن شفيعًا لها في عقل دانيار الذي اتسعت عيونه بقوة، قبل أن ترتسم بسمة خبيثة على فمه، جعلتها تنتبه وهي تقول :
" ماذا ؟؟ ما الذي تفكر به ؟؟ أنا فقط أردت..."
قاطعها يغمز لها بوقاحة :
" سأنتهي من عملي وستجدينني احتل غرفتك "
ختم حديثه ولم يكد يضيف كلمة حتى أبصر أحد رجاله يتقدم من الساحة، فاخفى ملامحها باللثام بسرعة يقول بجدية وبسمة واسعة :
" إذن نلتقي في غرفتك مساءً زمردتي "
ختم حديثه بغمزة أخرى مريبة، ثم تحرك بسرعة صوب ذلك الرجل وقد تلاشت ملامح العبث التي كانت تعلو وجهه يهتف بجدية :
" ما الذي حدث ؟؟؟"
وهي فقط ظلت واقفة مكانها بصدمة كبيرة تحاول أن تستوعب ما وصل لعقله، تستدير نصف استدارة تنظر له بصدمة بينما هو استدار لها أثناء تحركه مع الجندي يشير لها بيده ويحرك فمه بكلمات وصلت لها واضحة :
" في المساء ..."
ضحكت زمرد بصوت مرتفع بمجرد رحيلهم وهي لا تصدق ما حدث، ازدادت ضحكاتها صخبًا وهي تردد :
" كنت فقط اريد قضاء ليلة في الشرفة لنتسامر والله يشهد أن نيتي حسنة...."
لكن يبدو أن دانيار لم يهتم برؤية نيتها الحسنة وصوب بمهارة رامي سهام محترف صوب المعاني المبطنة التي لا تقصدها هي من الأساس ...
________________
" حمدًا لله على سلامتك يا أخي، لقد نجوت من الموت "
صمت صامد ثواني ثم همس بصوت منخفض وريبة يتذكر أمر غسيل المعدة :
" لقد اخرجوا معدتك وقاموا بغسلها صمود "
شهق صمود شاحب الوجه بصدمة وهو يتحسس بطنه برعب :
" ماذا ؟؟ وهل تأكدت أنهم أعادوا معدتي الأصلية ؟؟ لربما استبدلوها بمعدة أحد المفسدين "
لوى صامد شفتيه بحنق شديد :
" لم يسمحوا لي بالدخول يا أخي "
كانت تبارك تتابعهم بصدمة من طريقة تفكيرهم، وسالار يتابع الحوار دون اهتمام ينظر حوله بفضول شديد :
" إذن هل انتهينا هنا تبارك أم تريدين فعل شيء آخر ؟؟"
هزت تبارك رأسها برفض :
" لا انتهيت، الحمدلله أننا نسير احرارًا حتى الآن بعدما اعتقدت أن هذه الزيارة ستنتهي بنا لمكانين، إما السجن أو مشفى المجانين "
سمعت صوت صامد يقول لصمود بجدية :
" وهذا يعلمنا درسًا ثمينًا يا أخي، إياك وطعام المفسدين فهو ...."
وقبل أن يكمل كلماته أبصر شيئًا جعله يتحدث بفضول شديد وهو يشير له :
" هل هذا طعام وردي فاسد هناك ؟؟ "
استدار صمود صوب ما يشير له شقيقه قبل أن يتحرك الاثنان لتجربة الطعام الوردي الذي يبيعه أحد الرجال في الطريق .
وتبارك تتابعهما بيأس وحنق وملل، التقطه سالار ليظنها حزينة قائلًا :
" هل أنتِ بخير تبارك !! تريدين بعض السحب الوردية مثلهم ؟!"
نظرت له تبارك قليلًا قبل أن تضحك، سالار لديه بعض المسميات اللطيفة على كل شيء في عالمها، يطلق على المقرمشات والحلوى اشياء فاسدة، ويسمي الأدوية سموم كيميائية، ويخبرها أن غزل البنات سحب وردية، كان الأمر أشبه بطفل صغير يطلق مسمياته الخاصة على كل ما تقع عيونه عليه ليسهل تذكره .
" لا، أنا لا احبها لتلك السحب الوردية سالار، إن تناولت قطعة صغيرة منها قد تتسبب بموتي "
اسرع سالار يجيب بلهفة ورغب يزجرها بكلماته ونظراته :
" لا أراني الله بكِ خدشًا واحدًا تبارك، انتبهي لكلماتك تلك "
تعجبت تبارك من حدته، ثم تنهدت تقول :
" لم اقصد، فقط كان تعبيرًا مبالغًا بعض الشيء، هذه الحلوى مصنوعة من السكر الخالص سالار ونحن هنا بسبب ما اعاني منه من الأساس"
امسك سالار يدها يجذبها صوبه ولولا أنه في الطرقات تحت أعين الجميع لكان الآن ضمها له يرتشف وجودها :
" شفاكِ الله وعفاكِ حبيبتي، أمر المسلم كله خير، سيجازيكِ الله لصبرك على هذا، لا أراني الله بكِ سوءًا "
ابتسمت له وكم اراحتها كلماته، استدارت لترى صامد وصمود وهي تنتوي التحرك معهم لشراء شيء اخير قبل الرحيل، شيء تذكرته الآن فقط، لتتحدث بجدية :
" إذن لنتحرك اريد إحضار شيء اخير قبل أن نر..."
وقبل إكمال كلماتها اتسعت عيونها وهي ترى مشهد جعلها تفتح عيونها مرددة :
" يا الله يا مغيث .."
نظر لها سالار بصدمة من ذكرها كلمته، ولم يكد يستفسر عما يحدث ليجدها تقف امامه تحاول اخفاء ما يحدث عنه، لكن كيف وهي اساسًا أقل منه طولًا :
" ما الذي تفعلينه تبارك ابعدي يدك هذه "
حاولت أن تدفعه بعيدًا، وهو فقط يريد معرفة ما يحدث حتى سمع صوت موسيقى مزعج، تحركت عيونه صوب ذلك الصوت ليرى مجموعة من الشباب يتراقصون أمام جهاز صغير .
الأمر كان غريبًا على سالار الذي حاول فهم السبب الذي يجعل بعض الرجال يدهسون رجولتهم على مرأى ومسمع من الجميع والرقص بهذا الشكل وأمام شيء مربع اسود اللون .
وتبارك التي تفهم ما يحدث، إذ كان هؤلاء الشباب يصنعون بعض الفيديوهات لنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي والتربح منها .
" اتمنى اللي بيحصل ده ميغيرش من صورتنا المهببة في العالم بتاعك، صدقني حتى المفسدين نفسهم مش بيطيقوا النوع ده"
وهناك عند الشباب كان صامد وصمود كلٌ منهما يمسك سحابته الوردية يتناولها وهو ينظر صوب ما يحدث أمامهما بعيون متسعة مترقبة لتلك الحركات التي يرونها .
همس صمود بانتباه وعدم فهم :
" هل هذه حركات قتالية ؟؟"
" لا ادري، لكن يبدو أن الأمر خطير، انظر لحركاتهم تلك "
ختم حديثه يحرك يده في الهواء يحاول تقليدهم، لكن وأثناء مراقبة ما يحدث بدأ الشباب يهبطون ارضًا ويصعدون في إحدى الحركات الشبابية المعروفة باسم " التعقيب " .
و هذا ما لم يدركه صامد أو صمود، فبمجرد أن هبط الشاب ارضًا بسرعة حتى أطلق صامد صرخة مرتفعة وألقى بجسده على صمود الذي حمله يعود للخلف ظنًا أن هناك قنبلة ستسقط عليهم من السماء .
" يا ويلي اركض صمود "
وتبارك التي كانت تتابع من بعيد أطلقت ضحكة مرتفعة عليهم، وسالار يراقب متشنجًا دون فهم.
حتى اقترب أحد الرجال من الشباب يوبخهم ببعض الكلمات العنيفة مبعدًا إياهم عن المكان، وسالار فقط امسك يد تبارك يسير مبتعدًا لا يفهم ولا يريد الفهم في الحقيقة، هو فقط تنهد مدركًا، أنه حتى وإن كان عالمك بأكمله من المفسدين، فهناك الكثير من الصالحين به، وهذا ما أخبرنا به رسول الله " الخير في امتي ..."
نظر صوب زوجته التي كانت ما تزال تحدق في صامد وصمود ضاحكة :
" إذن عزيزتي ما الذي ينقصك قبل الرحيل ؟؟"
حدقت به تبارك مبتسمة تقول بجدية :
" شيء اخير قبل توديع عالمي سالار، شيء هام انتظرت سنوات لأفعله ...."
_______________________
مرت أيام وجاء اليوم المرتقب في جميع الممالك...
منذ الصباح وجميع سكان مشكى لا حديث لهم، سوى عن موكب سفيد الذي دخل البلاد منذ فجر اليوم، موكب مهيب لم يبصر سكان الممالك مثله يومًا ..
موكب فخم جاء محملًا بخيرات سفيد يتقدمه الملك على ظهر فرسه وخلفه العديد من الجنود يحملون صناديق ذهب ومجوهرات وحرير وهدايا كثيرة، ولم يكتفي بهذا، بل جلب جميع رجال مملكته ذوي الشأن .
قائد جيوشه كلها (سالار) الذي عاد من رحلته منذ يومين فقط، وصانع الأسلحة في جميع الممالك ( تميم )، وقائد الرماة ( تميم)، طبيبه الملكي ( مهيار ) العريف ومساعده ( مرجان)، ملك آبى (آزار)، ملك سبز ( بارق )، جميع مستشاريه ذوي الرتب الهامة، ساق كل من له شأن في بلاده وجميع البلدان لأجلها، احضر كل ما تمكن من حمله لاجلها، جاء بالغالي والثمين لأجل الاثمن...
فكما يردد سالار دائمًا " الغالي يُساق للغالي "
أخبره أرسلان أن شقيقته أميرة ولن يقبل بالقليل لأجلها، ووالله أنه بذل ما استطاع وأحضر كل ما تمكن وقاد لها مهرًا ما قُدم يومًا لأميرة في الممالك الأربع، ويشعر أنه قليل لأجلها .
وفي شرفة القصر كان هو يقف يراقب موكب سفيد الذي يتقدم من جدران القلعة، يبتسم بسمة واسعة يرى أن كلماته لإيفان لقت صداها لديه ..
عاد برأسه صوب ذلك اليوم الذي ترك به سفيد آخر مرة منذ اسابيع قليلة، مال يودع إيفان ثم همس له يقول :
" إن أردت شقيقتي كما تقول إيفان فلن اقبل بالقليل لأجلها، اختي يُساق لها الغالي والنفيس، لن اقبل لها بأقل مما جاء به الملك تقي الدين لوالدتك "
ختم حديثه يبتعد عنه ليبتسم إيفان الذي رأى تحديًا في عيون أرسلان، والده الذي منح والدته نصف خزائنه الخاصة من الذهب وقاد لها حرير يكفي لكسوة نصف نساء شعبه، كل ذلك ليشعرها أنها لا تقل عن أي أميرة، بل أنه سيقدم لها مهرًا لم يُقدم يومًا لاميرة نكاية في من سخر منها وقلل من شأنها، بعد نشر أخبار في المملكة أن خادمة اغوت الملك تقي الدين، قاد لها كبار رجال الممالك الأربعة لطلب يدها من والدها، وهذا في عرفهم يدل على تقديره لها .
والآن تفوق الابن على الاب وقاد أكثر مما قاد والده .
اتسعت بسمة أرسلان الذي لم يكن يهتم لكل ذلك الذهب او أيًا مما احضر إيفان، فخزائن بلاده ممتلئه بالاموال والذهب، وبلاده ورغم ما مرت به بدأت تنهض وتمتلئ بالخيرات، كل ما اهتم به هو أن إيفان بذل كل ما استطاع بذله لأجل شقيقته، لم يفكر مرتين في الأمر، بل فقط جاء بكل ما استطاع ليثبت استحقاقيته لنيل جوهرته، تحداه وفاز إيفان بالتحدي للأسف ...
بينما وعند جوهرته كانت كهرمان تقف في شرفة غرفتها وهي تراقب ما يحدث بأعين متسعة وصدمة وجسدها بالكامل يرتجف مما ترى، تهمس بعدم تصديق ولم تتخيل أن يُساق لها يومًا نصف ما ترى الآن :
" يا ويلي ما هذا ؟؟ كل هذا ...هذا لأجلي ؟؟؟"
هي لا تغفل عن المهور التي تُقدم للاميرات ومبالغة البعض احيانًا، لكن ما ترى أمامها كان ...غير مُصدق .
همست بانشداه وصدمة كبيرة :
" يا ويلي إيفان...."
وعند إيفان كان يتحرك بين شعب مشكى يهز رأسه لهم بترحيب وبسمة واسعة وهو يشير لنصف موكبه بتوزيع ما جاء به لأجل شعب مشكى، ثم تحرك يرى نظرات سالار له ليقول :
" هيا قلها ولا تكتمها في صدرك سالار "
أطلق سالار ضحكة صاخبة يقول :
" لا أصدق أن أرسلان جعلك تفعلها، أنت من كنت تتغنى أنك لن تنجرف في تلك الموجة من المهور المبالغ بها، ولن تتفاخر كما يفعل البعض وتحضر الكثير "
نظر له إيفان يقول ببسمة ظهرت دون إرادته وعيونه تحركت صوب القصر يبحث بين جدرانه عن طيفها :
" ماذا افعل وهي تستحق يا أخي؟!"
صمت ثم نظر له يقول :
' ثم انظروا من يتحدث، وأنت أهديت سيفك الغالي يوم عقد قرآنك، بل وسُقت لها مهرًا لم يُهدى لسواها سالار .."
نظر سالار سريعًا صوب العربة التي يجرها بعض الأحصنة والتي تحوي نساءهم يقول ببسمة غامضة :
" لم أفعل بعد "
" ماذا ؟؟ "
نظر له يقول ببسمة واسعة :
" لم اهدها بعد مهرها، قررت أن أفعل يوم زفافي عليها، سأهديها مهرها يوم تُزف لي بثوبها الابيض "
ابتسم له إيفان وهو يحرك نظراته أمامه، يا الله عما فعل العشق بهم، سالار أهدى اغلى ما يملك بحياته لزوجته.
ودانيار وهب لشقيقته كل ما يملك بكل ما للكلمة من معنى وقد ساق لها مهرًا جمع به حياته بأكملها قائلًا بكل فخر " أختك اميرة، تُهدى مهرًا يليق بأميرة، بل ولا يكفيها، ولو كنت أملك أكثر لاهديتها"
و تميم ذلك العاشق الذي أبى إلا أن يمنح زوجته مهرًا لا يشابه غيرها، منحها إحدى الجواهر النادرة التي عثر عليها يومًا أثناء التنقيب عن مواد في باطن الأرض، جوهرة صنع منها عقدًا لا يقدر بثمن لا ترتدي امرأة في الممالك مثله.
ومهيار الذي وهب كل ما يمتلكه لليلا يوم عقد قرآنهما، بل ووهب نفسه لها ليكون جوارها طوال الوقت وكان على أتم الاستعداد ليصبح طبيبها هي وحدها دون الجميع فقط لتكون بخير.
وهو...انظروا إليه وإلى ما يفعل، ساق جميع ما يمتلك من ماله الخاص وارثه بعيدًا عن مال شعبه لها،
ساق لها مهرًا تفوق على مهر والده لوالدته، بل وأحضر لها جميع الرجال ذوي الشأن في الأربعة ممالك ليحضروا عقد قرآنهما، ويتوسطوا لها عند شقيقها، ورغم كل هذا يشعر أن جميع ما احضره قليلًا لأجلها...
توقف موكب إيفان أمام باب قلعة مشكى ينتظر أن تُفتح الابواب، ليسمع صوتًا قادمًا من فوق أسوار القلعة، صوتًا يعلمه جيدًا، رفع عيونه ليبصر أرسلان يقف بهيبته كالعادة فوق اسوار القلعة يراقب ما احضر ببسمة صغيرة ثم صاح بصوت جهوري قوي:
" افتحوا ابواب قلعة مشكى لرجال سفيد"
انحنى نصف انحناءة وهو يهز رأسه لإيفان:
"أنرت مشكى مولاي...."
صمت يرى نظرات إيفان المبتسم له، ليهتف بصوت مرتفع وهو ينظر في عنق عيونه :
" انصبوا الاحتفالات في ربوع المملكة، مشكى على أبواب احتفال ضخم بضخامة موكب الملك إيفان......"
_____________________
انصبوا الاحتفالات وتجهزوا فالممالك الأربعة على أبواب احتفال ضخم بضخامة ما ساق رجالها لنسائهم ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الخمسون 50 - بقلم رحمة نبيل
#ماقبل الاخير
بعتذر لو كان فيه تأخير في الفصول عن العادة، لكني بحاول التزم بفصل اسبوعيًا بعدما فشلت في اثنين كل اسبوع بسبب ظروف عملي التي تحتم عليّ ساعات تستهلك مني جهدًا، وبمجرد شعوري بأي لحظة راحة وشيكة، اسارع واستغلها للكتابة، كي لا أطيل عليكم، اعلموا أن أي تقصير مني غير مقصود، وبعوضكم بفصل كبير بحجم فصلين من أي رواية أخرى .
صلوا على نبي الرحمة
الفصل اهداء للجميلة ( manar saad ) بمناسبة تخرجها بتفوق ونجاح، مبارك لها والعقبى للجميع .
واخيرًا تفاعلكم على الفصول تقدير منه أنا بقدره، فبشكركم .....
_______________________
تحركت بين ممرات قصر أخيها وهي ترى نظرات الجميع حولها، فمن يخفى عليه في هذه اللحظة، ما فعل ملك سفيد لأجل أميرة مشكى .
وأميرة مشكى تلك المسكينة التي لا تدرك بعد ما حدث منذ ثواني، فعندما أخبرها أرسلان أنه ينتظر ردًا من إيفان على طلبه ليرى بشأن زواجهما، هل كان هذا ما يقصد ؟؟
ورغم إدراكها أن أرسلان لا يهتم لكل هذه المظاهر التي كان يسخر منها يوميًا، إلا أنها تقدر ما فعل ليُعلي من قيمتها بين الجميع .
ضربات قلبها التي كانت تنافس خطواتها اضطرابًا، وصلت واخيرًا صوب الشرفة الأمامية للقصر، لمكان يسمح لها برؤية افضل من شرفة غرفتها، تمسكت بالسور وهي تحدق بأعين مشتاقة على موكب أتى من بلاد رجلٍ ما تخيلت يومًا أن تجمعهما مشاعر .
بالله من يتخيل ؟؟ إيفان ؟! ملك سفيد الذي كان يزورهما أكثر من عدد أنفاسها شهريًا، ويجلس مطولًا مع أخيها ؟! الرجل الذي كانت تقابله في الشهر أكثر من ثلاث مرات تقريبًا، وتكتفي فقط بانحناءة بسيطة وتكمل سيرها دون أن تتوقف لتنظر له ولو بفضول، الآن جاء هذا الغريب سابقًا، الحبيب حاليًا، يطلب ودها ؟؟
اتسعت بسمتها وهي تتذكر قديمًا الحوار الوحيد الذي جمعهما من خلف حجاب، كانت وقتها تعبر أمام قاعة القصر بعد اجتماع جميع الملوك بها بكل هدوء، وكادت تصطدم به وهي تحمل سلال الفاكهة مع بعض العاملات تخفي وجهها ..
" أنا...اعتذر منك جلالة الملك "
توقفت اقدام إيفان، وهو يتراجع للخلف بسرعة شديدة، يقول بهدوء شديد مبتسمًا بسمة راقية يبعد عيونه ارضًا :
" لا بأس آنستي، هذا خطاي فأنا لم أكن منتبهًا "
ختم كلماته ينحني للجانب آمرًا رجاله بعيونه بالانحناء بعيدًا عن الطريق كذلك، يشير لها بيده في هدوء شديد مبتسمًا :
" تفضلي "
هزت له كهرمان رأسها تبتسم بسمة لم تظهر له، لكنها ظهرت في صوتها وهي تمسك طرف ثوبها بيدها الحرة تضم السلة لخصرها مرددة بصوت لطيف ونبرة رقيقة :
" شكرًا لك مولاي، يومًا سعيدًا "
ختمت ترحل بعيدًا عن إيفان الذي نظر لظهرها بتعجب شديد مبتسمًا:
" هل اتخيل أم أن تصرفات هذه العاملة اقرب للأميرات ؟؟"
لكنه لم يتوقف عند هذا اللقاء القصير، وهي لم تتوقف لتفكر ثانية فيه بعد هذا اللقاء، لكن الله كان قد قدر لهما منذ مولدهما، ألا يكون هذا اللقاء القصير آخر ما يجمعهما، بل كان مجرد مشهد افتتاحي لقصة طويلة بين الإثنين، قصة بدأت باغرب الطرق، فهي لم تبدأ كما هو متوقع بين جدران قصر مشكى في أحد الزيارات مثلًا .
بل بدأ بين جدران قصر سفيد في أحد المبارزات...
فاقت من شرودها على صوت هتاف أرسلان الذي رنّ في القصر بجملته الأخيرة معلنًا قدوم احتفال وشيك، كلمات جعلت ضربات قلب كهرمان تتضاعف وبشدة حتى شعرت أن من حولها يسمع صوتها، ابتلعت ريقها وهي تتحرك بسرعة بعيدًا عن المكان بأكمله تود الاختفاء خجلًا من نظرات الجميع ...
لكن وقبل أن تحتمي بغرفتها سمعت صوتًا يقول بهدوء :
" سمو الأميرة، كنت أبحث عنك، لقد طلب الملك وجودك لاستقبال نساء سفيد في الاسفل "
توقفت مع بدء تباطؤ ضربات قلبها وهي تهز رأسها بهدوء شديد خارجي فقط على الأقل، ثم تحركت بهدوء صوب بوابة القصر الداخلية تخرج بهدوء وثوبها يتطاير خلفها وكذلك حجابها وهي تشعر ببرودة مفاجئة تصيب اوصالها، ولم تدري إن كانت تلك برودة بسبب الأجواء، أم هي البرودة التي أصابتها بسبب نظراته الموجهة لها .
رفعت عيونها ببطء تبصر وقوف أخيها أمام رجال سفيد، ثم قال بهدوء وهو يرى وصولها :
" كهرمان، قودي النساء صوب الداخل رجاءً "
هزت كهرمان رأسها وهي تشعر باوصالها ترتعش من هول الموقف، وشعور داخلها يخبرها أن الجميع الآن ينظر لها الأن ..
وفي الحقيقة ربما كان الجميع ..هو فقط .
تحركت بهدوء تستقبل النساء بكلمات غير مرتبة تقودهن صوب الداخل تشغل نفسها بهن عن وجوده جوارها، لكن وبمجرد أن خرجت النساء من العربة حتى سارعت زمرد تحتضن كهرمان وهي تهتف بصوت مسموع :
" زوجة أخي الحبيبة، اشتقت لكِ "
اتسعت أعين كهرمان تستقبل أحضان زمرد بصدمة وهي تشعر برغبة عارمة في قتل تلك القذرة التي لا نختلف في خبثها عن شقيقها الذي عض شفتيه يبتسم وهو ما يزال ينظر ارضًا، فقط كبت ضحكته بصعوبة على كلمات زمرد، وتعليق أرسلان :
" يا ويلي من هذه العائلة، هيا كهرمان خذي النساء للداخل "
هزت كهرمان رأسها بوجه أحمر من الخجل وفي داخلها تتوعد بالويل لزمرد التي انستها الترحيب بالباقيات .
وأثناء تحركهم نظر سالار بطرف عيونه صوب تبارك التي كانت تتحرك مع النساء مرتدية ثوب مثلهن، كانت كما لو أنها ولدت وعاشت حياتها بين الممالك، ابتسم حين تذكره أنه هو من اختار لها الثوب، في الحقيقة هو من يختاره لها طوال الوقت وحتى تعتاد هي ما يجب ارتداؤه..
" أيها الرجل الأحمر، أين شردت ؟؟"
استدار سالار بسرعة صوب أرسلان يقول بانتباه :
" ماذا ؟؟ هل قلت شيئًا ؟؟"
" نعم عزيزي، أخبرتك أن تتحرك معي للداخل لتتلقى ضيافتك "
تنحنح سالار وهو يقول بصوت خافت بعض الشيء :
" لا بأس فقط اسبقوني أرسلان سأطمئن على أوضاع زوجتي واعود لكم "
" ألا تثق بضيافة الأميرة، سالار ؟؟"
نظر له سالار ينفي برأسه، يحاول القول أن الأمر لا يعتمد على ضيافته أو ضيافة شقيقته، هو فقط ...لا يطمئن في مكان إلا بعدما يطمئن أن تبارك بخير وكل أوضاعها بخير، ربما هو شعور لا ارادي داخله، فقط يطمئن أنها بخير وكل أمورها بخير، ثم حينها يبدأ التنفس والتفكير بشكل طبيعي .
" معاذ الله أن أفعل وانتم أهل كرم أرسلان، لكن الأمر أنني لن اطمئن إلا بعدما أرى أوضاع زوجتي بنفسي، لنصنف الأمر مرضًا إن أردت "
رفع أرسلان حاجبه بتعجب من كلمات سالار، ثم قال وهو يشير صوب أحد الحراس :
" قد القائد سالار صوب الجناح الغربي الخاص به يا فتى "
ابتسم له سالار بسمة صغيرة، ثم تحرك بسرعة تحت نظرات الجميع، ليبتسم دانيار بخبث شديد وهو يردد متحركًا :
" وأنا أيضًا سأذهب لاطمئن على زوجتي و..."
وقبل أن يتحرك امسكه إيفان يعيده جواره وهو يقول ببسمة :
" تطمئن على من يا بني ؟؟ امثال زوجتك لا نطمئن عليهن ممن حولهن، بل نطمئن على من حولهن منهن "
نظر له دانيار ينزع يده وهو يردد ببسمة :
" إذن اسمح لي مولاي، سأذهب للاطمئنان على من حولها منها "
وختم حديثه بالتحرك بسرعة دون أن يدع لإيفان فرصة للحديث، بينما مهيار انسحب بهدوء دون أن يشعر به أحدهم، وقد استغل ميزة هدوءه المعتادة والتي تجعل الجميع ينسون وجوده حتى، ليهرب ويذهب ليطمئن على صحة زوجته التي كانت هذه أول رحلة لهما سويًا بعد الزواج ...
ولم يتبقى سوى تميم الذي نظر له إيفان يقول وهو يشير بكفه صوب الداخل :
" أذهب واطمئن على زوجتك تميم "
ابتسم له تميم يجيب بجدية كاذبة وشوقه لبرلنت يظهر في عيونه واضحًا :
" حسنًا الأمر أنني فقط لا أود أن تنتبه زوجتي أن الجميع ذهب يطمئن على زوجته عداي، والله لتحيلن المتبقي من حياتي لجحيم، لذا أنا مضطر للذهاب وتقليد الجميع، وداعًا "
تحرك سريعًا بعد كلماته ولم يتبقى سوى الأربعة ملوك، استدار أرسلان صوب إيفان يقول ببسمة واسعة :
" ما كان عليك تكبد كل هذا العناء إيفان .."
نظر له إيفان باستنكار وهو يتحدث حانقًا :
" هذا ليس عناءً إن كان المقابل زوا...."
وقبل أن يكمل كلماته قاطعه أرسلان بصوت مستفز وبسمة أكثر استفزازًا :
" لم يكن عليك تكبد العناء وإحضار كل هذه الهدايا لأجل زيارة ودية فقط إيفان، لكن ماذا نقول وانتم يا أهل سفيد أهل كرم "
ابتسم إيفان بسمة غير مصدقة وكأنه لم يسمع ما قيل، يقترب خطوات متحفزة من أرسلان مرددًا كلماته باستنكار :
" زيارة ودية ؟؟"
" صحيح، أوتطمح لأكثر من هذا ؟!"
اتسعت أعين بارق وازار الذي ردد وهو يسحب يد بارق بعيدًا:
" تعال بارق سوف نذهب لنترتاح قليلًا حتى ينتهون من هذا الهراء، فأنا أعلمه جيدًا وجربته من قبل، في النهاية سينتهي الأمر بخروج إيفان من القصر ومعه الأميرة "
ختم حديثه ببسمة ساخرة يتجاوز الجميع مع بارق وهو يتذكر موقف مشابه للقائد جوبان الذي جاء وسرق منه عائش الصغيرة وخرج بكل وقاحة من قصره بها فقط لأنه تزوجها ..
بينما إيفان ما يزال يقف يشير على الجميع حوله قائلًا بهدوء مصطنع :
" وهذا الاحتفال حولنا ؟!"
" اه هذا ؟؟ نعم هذا احتفال بذكرى نطقي اولى كلماتي حين كنت طفلًا صغيرًا، في مثل هذا اليوم منذ أكثر من ثلاث عقود نطقت كلمتي الاولى "
صمت ثم قال ببسمة واسعة يوضح بها كلمته الاولى فخورًا :
" حقير .."
هز إيفان رأسه وهو يقول :
" أوه نعم، حقير، حقًا حقير أرسلان "
ختم كلماته ينقض على أرسلان الذي تراجع للخلف مبتسمًا بسمة مستفزة وإيفان فقط يصرخ في وجهه :
" والله إن لم تزوجني إياها لاجعلن ذكرى اولى كلماتك آخرها أرسلان "
نظر أرسلان ليده التي تمسك بتلابيبه، ثم انفجر في الضحك يقول :
" هذه نقطة تُحسب لي، أن استفزك كلك ببرودك لهي نقطة تُحسب لصالحي، مرحى لي "
دفعه إيفان للخلف يشير بإصبعه في وجهه بتحذير مدركًا كم تغضبه هذه الحركة وبشدة :
" سوف أريك الويل إن لم اخرج من هذا القصر بما جئت لأجله"
نظر أرسلان لاصبعه بغضب شديد، ثم رفع يده يصفع يد إيفان مرددًا :
" خسئت أنت واشباهك الأربعين إيفان، لا تهددني وإلا اقسم بالله أحيلن ليلتك لجحيم "
نظر له إيفان يدرك أي مختل هو لينفذ تهديده، لكن هل يخضع هو له ويصمت ؟؟ بل فقط ابتسم بسمة واسعة يردد :
" إذن كن أرسلان لطيفًا ودع ليلتي وليلتك وقبلهم ليلة شقيقتك تمر على خير "
رفع أرسلان حاجبه وقبل أن يتحدث بكلمة، وضع إيفان يده على كتف أرسلان يسحبه له بود و مشاكسة، ثم تحرك به صوب الداخل مبتسمًا :
" والآن تعال نتناقش في الداخل حول تجهيزات الزفاف يا خال ولي عهدي .."
_____________________
تقف أمام المرآة تتأمل تلك الغرفة البسيطة التي تتنافى تمامًا مع أجواء القصر التي تنبض بالبزخ، تتذكر كلمات كهرمان لها وهي ترشدها صوب الغرفة التي يحتلها سالار في كل زياراته لهم :
" حسنًا قد تبدو غرفة صغيرة متواضعة بعض الشيء، لكن ماذا نفعل وزوجك زاهدٌ لا يحب سوى هذا المكان لانعزاله التام عن جميع الغرف "
صمتت كهرمان وهي تميل هامسة بصوت منخفض :
" لا اخفيكِ سرًا فالجميع هنا يلقب زوجك بالوحش، معتقدين أنه يفضل غرفة بعيدة لأنه يتحول مساءً ولا يود أن تُكشف حقيقته "
خرجت تبارك من أفكارها وهي تحدق في الغرفة ضاحكة :
" تبدو غرفة صالحة لتحول أحدهم "
صمتت فجأة تستوعب ما قالت منذ ثواني :
" ايه ده ؟! أنا بكلم نفسي بالفصحى ليه ؟؟"
نظرت حولها بسرعة تشعر بالغباء من الأمر وبشدة، ثم ابتسمت وهي تفكر أن كثرة جلستها معهم جعلتها تتقن الفصحى كما لو أنها وُلدت وترعرعت على أيدي شعراء مخضرمين، حسنًا في أغلب الأحيان على الأقل، فهي يأتي عليها لحظات لا تُحسن انتقاء كلماتها.
فجأة سمعت صوت طرق على باب الغرفة تحدثت بانتباه :
" من ؟؟"
" هذا أنا تبارك "
تعجبت تبارك حين سماعها صوت سالار لتتحرك صوب الباب تفتحته بسرعة سامحة له بالدخول :
" سالار ؟! بتخبط ليه ؟؟"
نظر لها سالار يتحرك داخل الغرفة يغلق الباب خلفه مجيبًا بهدوء وبسمة صغيرة :
" لم اود افزاعك بدخولي دون مقدمات عليكِ، لكلٍ خصوصياته حتى على الزوج تبارك "
ختم حديثه يميل مقبلًا وجنتها بحب هامسًا :
" عسى طريقك كان مُيسّرًا عزيزتي "
رفعت تبارك عيونها له تقول ببسمة :
" كان في غاية اليسر، قضيناه في الحديث ولم نشعر بطوله "
ابتسم لها بحنان ثم تحرك ينزع عنه سترته الخارجية وهي فقط تنظر له ثواني قبل أن تقول بفضول :
" سالار ؟؟"
استدار لها سالار منتبهًا لتتساءل بما كانت تفكر به طوال الوقت :
" لماذا تناديني دائمًا عزيزتي ؟؟"
ابتسم سالار متعجبًا وهو يكمل خلع ثيابه مجيبًا ببساطة :
" لأنكِ عزيزتي، ألا تعجبك تلك الكلمة ؟؟"
ابتسمت له تقول بجدية :
" لا، لكن لِمَ هذه الكلمة تحديدًا، أعني أنت لم تناديني يومًا حبيبتي أو شيء من هذا القبيل "
ابتسم يترك ثيابه جانبًا، ثم تحرك لها عاري الجذع وهناك نظرات غامضة لم تفسرها بشكل صحيح تلوح على وجهه، أو أنها بالفعل فسرتها، لكنها خشيت أن تصرح له أنه يبدو في هذه اللحظة خبيثًا وقحًا، فيخبرها أنه ليس هكذا وأنه برئ كما يقول دائمًا .
" إذا أردتِ أن اناديكِ حبيبتي سأفعل، لكنني أرى أن عزيزتي أفضل، فأنتِ لستِ مجرد حبيبة، هذا اللقب الذي قد نطلقه على أيٍ كان، بل أنتِ عزيزة على القلب ولا عزيز له سواكِ "
" أوه، هذا يبدو رومانسيًا للغاية، و..."
توقف حين أبصرت اقترابه منها لتقول بشك :
" سالار أنت ستتواقح ؟؟ لا أريد ظلمك ككل مرة واخبارك أنك وقح ."
ابتسم سالار بسمة صغيرة يجذبها صوبه بسرعة من خصرها وهي اتسعت عيونها بصدمة من حركته المفاجئة، ليصارحها هو بكل براءة لا تليق أبدًا بكلماته التي أخرجها من فمه :
" حسنًا هذه كانت المرة الوحيدة التي يمكنك وصفي فيها بالوقح وستصدُقين "
نظرت له تبارك ثواني وكأنها تحاول موازنة الكلمات في رأسها، أخذ منها الأمر دقيقة ترقبها فيها سالار بصبر حتى تصل لمغزاه، وبمجرد أن اتسعت عيونها بصدمة كبيرة ابتسم يقول :
" نعم بالضبط "
شهقت تبارك تصرخ بصدمة :
" سالار ... أنت منهم ؟؟"
نظر لها سالار بعدم فهم :
" مِن مَن ؟؟"
" من الرجالة اللي هما مش صافيين ؟؟"
" ماذا تعنين ؟؟ أنا صافٍ خالٍ من الشوائب تمامًا "
رفعت حاجبها وهي تحاول دفعه :
" التصاقك بي بهذه الوقاحة وهذه الكلمات لا تخبرني هذا سالار، أنت وقح "
تأوه سالار باستنكار :
" ماذا؟ اقسم أنني لا اتواقح أنا اتصرف بشكل طبيعي، أنتِ امرأتي، وهذه غرفتنا وحدنا، أي تصرف تودين أن اتخذ في هذه الحالات إن لم التصق بكِ ؟؟"
نظرت له تبارك ثواني وكأنها تبحث عن إجابة لسؤاله في رأسها، ثم نفت دليلًا أنها لا تمتلك إجابة، وهذا منح سالار نصرًا يقول :
" ها رأيتِ ؟؟ كنت محقًا، والآن هيا ادخلي لاحضاني الدافئة، سأمنحك بعضًا من قوى الحب عزيزتي "
ابتسمت تبارك تلقي نفسها بين أحضانه وهي تضحك بخفوت على كلماته، وذلك اللقب الذي أضحى يطلقه على أحضانه منذ ما حدث منذ ايام، في زيارتهم الأخيرة قبل أن يعودوا هنا، تلك الزيارة التي أجلتها سنوات بحثًا عن الوقت المناسب، حتى وجدته برفقته، برفقة زوجها ...
عادت بذاكرتها لذلك اليوم، إذ توقفت جوار سالار في الطريق، لينظر لها سالار بفضول :
" إذن ما الذي نفعله هنا ؟؟ "
ابتسمت بسمة صغيرة تشير صوب أحد المنازل مرددة :
" هناك من أوصاني بأن أوصل رسالته، وأنا أردت أن أفعل بما أننا عدنا لهنا، لا أود أن اخلف وعدي، فقد وعدته أن رسالته ستصل، وانتظرت وقتًا مناسبًا ولا أجد انسب من وقتٌ أنت معي به"
لم يفهم سالار مقصدها بالكامل، لكنه رغم ذلك هز رأسه يتحرك معها صوب أحد المنازل، توقفت تسمع صوت سالار يتساءل بفضول لم يكن يصيبه البتة إلا عندما يتعلق الأمر بها هي .
" من صاحب الرسالة ؟؟"
نظرت له تبارك تقول ببسمة :
" فتاة صغيرة كانت رفيقة لي في الملجأ الذي تربيت به، وقد ...اوصتني أن أوصل الرسالة هذه نيابة عنها"
ختمت حديثها تطرق الباب وهي تنتظر أي رد، ثواني هي حتى فتح لها أحد المراهقين الباب ينظر لها بفضول قبل أن يبتسم يقول :
" أنتِ الكوافيرة اللي هتمكيج صابرين ؟!"
نظرت له تبارك بعدم فهم :
" كوافيرة ؟؟"
ولم تكد تتبع تلك الكلمة بثانية حتى توقف سالار أمامها يشكل حاجزًا بينها وبين هذا المراهق الفارع الطول يقول بهدوء :
" لا اسمح لك بسب زوجتي يا هذا، فالتزم حدودك كي لا ينالك مني ما لا يسرك "
رمقه الفتى بعدم فهم يفتح فمه باتساع مرددًا :
" ها ؟؟ نعم ؟؟"
" نعم ماذا ألا تفهم حديثي ؟؟ تلك السبة التي القيتها على مسامع زوجتي لا تكررها وإلا كانت كلمتك الأخيرة "
نظر الفتى خلفه صوب المنزل وهو يتحدث بصوت مرتفع :
" ماما، فيه واحد بشعر احمر واقف بيكلمني زي الناس بتوع النشرة الجوية "
جذبت تبارك طرف كم سالار وهي تحاول إجباره على الانحناء صوبها لتهمس بصوت منخفض :
" سالار، كوافيرة هذه ليست سبة عزيزي، هذه وظيفة"
" وظيفة سيئة ؟؟"
" لا وظيفة عادية، تزيين النساء عزيزي، كما رأيت في الطرقات هذه الزينة على الوجه، هذه هي الوظيفة "
" إذن هي سيئة.."
صمت ثم عقب بصوت منخفض :
" ثم أنا لم أرى أي نساء، لا أسير محدقًا بالنساء"
ختم حديثه في الوقت الذي خرجت به سيدة في منتصف سنوات عمرها تقول بتعجب وهي تدفع ابنها صوب الداخل :
" ادخل خد من اختك الفستان وروح اكويه، خلاص المغرب هيأذن وأهل العريس هيجوا، خلينا نخلص قبل الخطوبة "
ابتسمت تبارك بسمة صغيرة وهي تنظر لوجه تلك المرأة التي انتبهت تقول :
" أيوة، عايزين حد ؟؟"
صمتت ثم قالت وهي تحدق في تبارك :
" أنتِ جاية عشان خطوبة صابرين يا حبيبتي ؟؟"
نفت تبارك برأسها وهي تقول ببساطة تخرج ورقة كانت تحتفظ بها في خزانة العمل لتسلمها إلى صاحبها، مدتها للمرأة تقول :
" لا يا طنط هو أنا بس كنت جاية اوصل رسالة ليكِ من شخص معين "
نظرت لها السيدة ثواني، ثم حركت عيونها صوب يد تبارك تمسك الورقة بعدم فهم :
" رسالة ؟؟ ليا أنا ؟؟"
هزت تبارك رأسها تقول :
" مش حضرتك مدام فرح ؟؟"
هزت فرح رأسها وهي تقلب الرسالة بين أناملها بفضول شديد :
" أيوة، أنا "
" تمام الرسالة دي ليكِ، فيه شخص سلمها ليا وطلب مني اسلمها ليكِ شخصيًا واقولك أنه كان نفسه يسلمها ليكِ بس مقدرش "
نظرت السيدة للورقة وسارعت بفتحها بفضول ولهفة، تمر عيونها على الكلمات ليشحب وجهها فجأة ويهتز جسدها بقوة وهي تتراجع للخلف لولا الجدار خلفها لكانت سقطت ارضًا وقد اتسعت عيونها بصدمة وهي تهمس بصوت جاء من بئر سحيق :
" ده ...ده ...هي ...هي فين ؟؟ اللي عطيتك الرسالة دي فين ؟!"
نظرت لها تبارك ببسمة صغيرة تقول بهدوء وشفقة على تلك السيدة :
" هي ...ماتت، ماتت وكان آخر حاجة وصتني بيها إني اسلمك الرسالة دي واقولك أنها كانت بتحبك اوي، ورغم كل اللي حصل فضلت تحبك لغاية آخر يوم في حياتها، وماتت وهي لسه بتحبك، وكانت ...كانت مستنياكِ لغاية آخر لحظة "
سقطت دموع السيدة وهي تشهق بعنف وقد بدأت دموعها تهبط بقوة تراقب رسالة خطتها بيدها منذ سنوات طويلة توصي فيها الملجأ على الاعتناء بابنتها الرضيعة وهي تتركها أمام أبوابه وتهرب، الآن تحمل بيدها رسالتها تحتوي كلماتها وكلمات إضافية ردًا من ابنتها كلمات حطمتها وهي تقرأها .
كتبت هي منذ ثواني ( خدوا بالكم منها كويس )
وردت طفلتها بخط طفلة شبه متعرج ( محدش أخد باله مني، كنت مستنياكِ ترجعي عشان تاخدي أنتِ بالك مني )
لكن هل عادت ؟؟
بل تناست أنها تركت خلفها طفلة، كادت تنسى الأمر برمته بعد الزواج وانجابها ثلاث اطفال آخرين أكبرهم ستُخطب اليوم .
شهقت السيدة بعنف مما رأت، لتسقط ارضًا تحت أنظار سالار المفزوعة، وقبل أن يتحرك خطوة شعر بيد تبارك تمسك كفه وهي تجذبه للرحيل :
" البقاء لله يا مدام فرح، بنتك كانت بتحبك ...تقدري تكملي حياتك عادي وبعتذر لو نكدت عليكِ في يوم زي ده، بس مكنش عندي علم أنك عندك مناسبة ومكانش ينفع امشي من غير ما اسلم الأمانة، عن أذنك "
ختمت حديثها تستدير بسرعة وهي تتحرك بسالار بعيدًا وقد بدأ جسدها يهتز وعيونها تمتلئ دموع تسمع صوت سالار يردد بصدمة مما يرى :
" ما الذي يحدث ومن هذه تبارك ؟؟"
سقطت دموع تبارك بقوة تهتف من بين شهقاتها :
" امي ..."
اتسعت أعين سالار بصدمة يستدير صوب تلك المرأة التي التف حولها البعض يحاولون أن يفيقوها يهمس بصدمة كبيرة :
" والدتك ؟؟ كيف ...كيف ...أنتِ أخبرتها أن صاحبة الرسالة ماتت "
نظرت تبارك لعيونه باكية :
" نعم هذا صحيح، تلك الطفلة التي كانت تحتفظ برسالة والدتها ماتت منذ سنوات طويلة سالار، تلك الرسالة الاخيرة التي تركتها مع رضيعة بعمر ايام توصي عليها غرباء وهي والدتها ونبذتها، لقد ...لقد نبذتني ونستني، عاشت حياتها وكأن شيئًا لم يكن"
توقفت تقول بصوت مذبوح تصرخ بوجع مشيرة لنفسها :
" كان عندي امل، كان عندي امل غبي إن اجي الاقيها فاكراني أو على الأقل في لمحة حزن في عيونها على بنتها اللي رمتها، أنا لغاية آخر لحظة كنت مستنياها يا سالار، كنت مستنياها تيجي تقولي أنا آسفة وأنا والله العظيم كنت هسامحها "
ختمت حديثها تنفجر في بكاء عنيف ليجذبها سالار صوب أحضانه بقوة يهمس لها بصوت حنون :
" لا بأس، لا بأس، أنا هنا، أنا هنا، إن نبذك العالم، فلعنة الله على ذلك العالم ولارحب أنا بكِ بين احضاني، ولتكتفي بها عالمًا عزيزتي "
استمر بكائها دقائق، حتى تمتمت تبارك بكلمات غير مفهومة بسبب دفنها وجهها بين احضان سالار، ليبعدها الاخير يتساءل بعدم فهم وهو يمسح دموعها:
" ماذا قلتي ؟؟"
نظرت له تقول بصوت خافت من شدة بكائها :
" كان ...كان نفسي تحضني زي أي أم ما بتحضن عيالها، كان نفسي اعرف يعني ايه حضن الام سالار "
تأوه سالار يجذبها لاحضانه مرددًا :
" لا بأس يمكنك الاستغناء عن الجميع وأنا سأعوضك عزيزتي، استغني عن العالم بي، أما عن الاحضان فأنا كفيل بجعلك تكتفين ذاتيًا من الاحضان، سأمنحك ما تشائين منها"
ابتسمت تبارك تهمس له باستكانة :
" أنا بالفعل اكتفي باحضانك عن العالم سالار، احضانك تنسيني كل ما يدور "
ابتسم يهمس لها بمزاح :
" نعم هذه تسمى قوى الحب عزيزتي "
أطلقت تبارك ضحكات خافتة ليقبلها بلطف يفكر أنه سيتحدث معها لاحقًا عن كل شيء، لكن ليس الآن، ليس وهي بهذه الحالة .
تنهد ينظر حوله، ها هي مهتهم في هذا العالم انتهت، وقد حان واخيرًا وقت العودة، فقط ليبتعد بزوجته عن جميع من يبكيها، وعلى ذكر العودة .
" أين هما هذين الاحمقين ؟؟"
أفاقت تبارك من أفكارها على هزة من يد سالار الذي ابتسم قائلًا :
" الم أخبرك أن أحضاني كالسحر، انظري لنفسك، لقد سُحرتي داخلها بالكامل "
ابتسمت تبارك بسمة واسعة :
" كل ما بك يسحرني سالار "
اتسعت بسمة سالار يقول بجدية :
" هذا اطراء مستعد أن اسمعه كل يوم دون أن أمل، يسعدني أنني افعل مولاتي .."
مدت تبارك يدها بتردد قبل أن تتحسس وجه سالار الذي اشتد جسده بترقب يستشعر لمساتها له وقد كاد يذوب منها، وهي فقط ابتسمت تقول :
" لطالما فعلت يا قائد ....."
____________________
أن تأتي لمشكى وتقطن بقصر الملكي، شيء لم تعتاده بعد ولا تظن أنها ستفعل، هي في الحقيقة لم تستوعب بعد أنها زُفت لمهيار من الأساس .
ابتسمت بسمة واسعة، تتذكر ما حدث ...
خرجت من منزل والدها وزُفت حتى القصر حين أصر مهيار أن يتم عقد القرآن هناك، زُفت في عربة جميلة استأجرها مرجان لها خصيصًا، مرجان العزيز الذي كان سيبكي ذلك اليوم وهو ينظر لها كل ثانية بأعين دامعة يصارع نفسه كي لا ينفجر بالبكاء أمام الجميع .
وصلت عربة العروس صوب القصر لتتسع أعين ليلا بصدمة هي وعائلتها _ عدا والدها _ من رؤية ما حدث ليستوعب الجميع فجأة أن هذا لم يكن عقد قرآن، بل كان زفافًا ؟؟
خدعهم الطبيب وفعلها، باتفاق مع شقيقه ووالدها خططوا لزفافها مباشرة دون المرور بمرحلة عقد القرآن.
وحين توقفت أمامه مصدومة تتساءل عما يحدث، ابتسم لها أكثر بسمة بريئة في هذه الحياة وهو يقول بلطف :
" حسنًا آنستي، في الحقيقة رأيت أن الجميع حولي يعقد قرآنه دون الوصول لمرحلة الزفاف، حتى بدأت اعتقد أنها ربما لعنة أصابت رجال هذا القصر؛ لذا فكرت أن أكون أول من يكسر هذه اللعنة ويبدأ مباشرة بمرحلة الزفاف و......"
صمت ثم أشار خلفه للاحتفالات التي أقامها دانيار لأجله :
" مرحبًا بكِ في زفافك، بالله لقد انرتيه وانرتي القصر"
وكان هذا أكثر شيء عبثي سمعته ليلا في حياتها، لكن عبث محبب جعلها تبتسم دون وعي، ودون انتباه لنظرات مرجان الذي كان يقف جوارها يعقد ذراعيه باعتراض على ما يحدث جواره بينما والده يحاول التحدث له وإقناعه، وهو فقط لا يفكر سوى أن الطبيب سلبه شقيقته .
في تلك اللحظة سمع الجميع صوت ضرب الدفوف وصوت غناء مرتفع، والنساء تحركن صوب ليلا لجرها صوب غرفة للتجهز لعقد القرآن في البداية .
ومهيار فقط يتابعها ببسمة واسعة وسعادة طاغية قبل أن يشعر بيد تجذبه وسط بعض الرجال يغني ويراقصه، وبالطبع لم تكن تلك اليد سوى لشقيقه الحبيب الذي كان سعيدًا أكثر منه حتى، وعده دانيار وأوفى بوعده ....
وبعد دقائق استطاع الجميع الإفلات واخيرًا من حصار دانيار لهم بالغناء والتصفيق، تحركوا صوب المسجد لعقد القرآن .
وأثناء ذلك كان مرجان يقف جانبًا وهو يراقب والده يردد خلف الشيخ مع مهيار كلمات موافقته على الزواج .
وهو فقط يضم ذراعيه لصدره يكتم دموعه بصعوبة، يرفع كفه كل ثانية يمسح دمعه، ومن ثم يتنفس بعمق يسمع بأذنه كلمات منح شقيقته لرجل ليسلبها منه .
وبمجرد أن سمع صوت المأذون يتمم عقد القرآن، سقطت دموعه ليشعر بيد تربت على كتفه :
" ما بك يا مرجان، أليست هذه ليلا التي كنت تتشاجر معها كل ليلة وصباح، تماسك يارجل وانظر للجانب الإيجابي هي ستصبح معك هنا في القصر وقت أطول "
استدار مرجان يرمق العريف بحزن شديد يهمس :
" لقد أخذ مني شقيقتي "
وقبل أن يجيبه العريف سمع صوت والده يناديه ليسلم ليلا لمهيار .
مسح مرجان دموعه، ثم تحرك بسرعة صوب شقيقته كي لا يتأخر عليها، وبمجرد أن ابصرها تقف بين الجميع تتلقى التهاني ابتسم لها بحنان، وهي استدارت له مبتسمة واقتربت منه لتعانقه، وبمجرد أن ضمته حتى انفجر مرجان بالبكاء يضمها بقوة، وليلا تشعر بالدموع تلسعها وهي تربت على كتفه، ومرجان يبكي .
كان لا يمر يوم دون أن يتشاجرا، بل ويتضاربا، لكن في النهاية هي شقيقته التي شاركته عمره بأكمله، شاركته لحظات حزنه وفرحه، الأن حين يعود حزينًا للمنزل لن تقفز له لغرفته بالطعام لتسعده، لن تظل تقفز كل ثانية لتزعجه .
كل تلك الذكريات سويًا مرت على مرجان ليزداد بكاؤه، وليلا تردد بحب :
" والله لن ابتعد مرجان، سوف اظل كما أنا وسأقفز لك كل ثانية في المكتبة حتى يطردنا العريف سويًا "
ضحك مرجان من بين دموعه يبتعد عنها يمسح دموعها مرددًا بحب :
" أنتِ تبدين جميلة، هذا ما نسيت اخبارك به منذ الصباح، مبارك جميلتي "
ابتسمت له ليلا بسعادة، ليمد هو يده يطلب منها أن تتأبط ذراعه، ثم تحرك بها .
البارحة فقط كان يمسك يدها ليساعدها على تعلم أولى خطواتها، واليوم يمسك يدها ليزفها لعريسها، الحياة اسرع مما نتخيل .
وقف مهيار في منتصف ساحة المسجد يضم كفيه خلفه منتظرًا أن تطل عليه رفقة والدها، وقد حدث لتتسع بسمته دون تصديق يهتف وكأنه مسحور :
" يا ويلي أبالفردوس أنا ؟؟"
نظر له دانيار مبتسمًا بسمة واسعة يقول بهمس :
" شعور جميل ها ؟؟ أدرك ما تشعر به في هذه اللحظة "
وبمجرد أن توقفت ليلا أمام مهيار ظل يحدق فيها بانبهار شديد وكأنه لا يصدق أنها أضحت زوجته، فقط يراقبها ببسمة واسعة، وكل ما استطاع فعله هو أن مد كفه لها بتوتر يقول :
" مرحبًا "
تشنجت ملامح دانيار وهو يجذب له مهيار يهمس بحنق :
" مرحبًا من أيها الاحمق، هل تقابل رفيقًا لك بعد عودته من السفر ؟؟ هذه زوجتك يا بني "
نظر له مهيار بتوتر يشعر أنه نسي جميع أساليب التعامل في مثل هذه المواقف، ليهز رأسه بسرعة وهو يقترب يفتح ذراعيه ليعانقها، لولا يد دانيار التي جذبته بسرعة وهو يقول بتدارك :
" تعال هنا يا مصيبة، ما الذي تفعله مهيار ؟؟ ليس هنا يا بني، خذ زوجتك وانعزل بها في الغرفة الملحقة "
زاد توتر مهيار الذي لم يكن يستوعب ما يحدث ليشير صوب ليلا أن تسبقه يقول بصوت خافت :
" حسنًا اسبقيني آنستي "
نظر له دانيار يمسح وجهه يهتف :
"يبدو أنني تسرعت بالزفاف، الفتى أصبح احمقًا من صدمته "
ربت على كتف مهيار يردد وهو يوفر بضيق :
" أذهب يا بني، اذهب لزوجتك "
ابتسم له مهيار بسمة واسعة ثم تحرك بسرعة صوبها، لكنه توقف فجأة وعاد يضم دانيار بقوة :
" احبك كثيرًا أخي "
اتسعت بسمة دانيار وزادت سعادته وهو يربت على كتفه، ثم دفعه صوب زوجته، ليمسك مهيار بكفها يستشعر ارتجافتها، وفي الحقيقة هو لم يكن أقل منها، لكنه تماسك أكثر يميل عليها هامسًا :
" مرحبًا بكِ في حياتي آنستي. ..."
" بما أنتِ شاردة ليلتي المضيئة ؟؟"
خرجت ليلا من أفكارها على صوت خلفها ويد امتدت تحتضن خصرها، ابتسمت تقول ببسمة صغيرة :
" كنت شاردة بيوم الزفاف، أنا حتى هذه اللحظة لا استوعب أنني أصبحت زوجتك مهيار، وربما لن افعل قريبًا "
ابتسم مهيار يقبل كتفها ثم استند عليه بذقنه يردد :
" سيسعدني أن أقدم لكِ كامل الإثباتات لتصدقي أنكِ الآن اضحيتي زوجتي رسميًا ليلتي الجميلة ."
ابتسمت تقول بمزاح :
" لا بأس لك كامل الوقت لتقدم اثباتاتك سيدي الطبيب ...."
_____________________
" أنت لن تجعل هذا يمر بالطريقة السهلة صحيح ؟!"
رفع أرسلان عيونه صوب إيفان الذي كان يجلس أمامه على طاولة الطعام ما جميع الرجال بعدما جمعهم لتناول الغداء .
عاد ونظر صوب طبق الطعام أمامه:
" ماذا ألم تعجبك اطباقنا ملك إيفان ؟!"
ابتسم له إيفان ينظر له بشر وهو يستند بظهره على ظهر المقعد يضم ذراعيه لصدره يتحفز، بينما سالار يتناول الطعام بكل هدوء وكأن لا شيء يحدث حوله، بل فقط أخذ يلتقط ما يريد ويتناوله بشهية مفتوحة يراقب باستمتاع ما سيحدث وكأنه يشاهد فيلمًا .
" أرسلان لا تتلاعب معي، متى الزفاف ؟!"
ابتسم أرسلان وهو يشير له على الطعام :
" تناول طعامك إيفان، لا تجعلني أشعر أن طعامنا لا يعجبك، هذه وقاحة "
نظر له إيفان ثواني، قبل أن يذكر اسم الله ويحمل ملعقته وبدأ يأكل، ليس لأن أرسلان أمره بذلك، بل لأنه من الوقاحة _ كما ذكر أرسلان _ أن يتجاهل الطعام وينشغل بالحديث .
وازار بمجرد أن رأى الحرب تهدأ تنفس الصعداء يشير صوب بارق قائلًا :
" مُدّ ذلك الدجاج الحار بارق، والله ما جئت إلا لأجل طعام مشكى الحار، هذا الزواج كله لا يهمني من الاساس، هذا وجع قلب ليس زواجًا "
ختم حديثه ينظر صوب أرسلان وهو يبتلع ما بفمه متحدثًا بهدوء :
" انظر يا بني كل ما تعيشه الآن عشته أنا، عاندت واستفززت واخّرت في الزفاف، لكن هل أثر هذا على ما حدث؟؟"
صمت ثم أشار على سالار الذي كان مندمجًا في الطعام :
"لو كان فعل ما كان ذلك الرجل الأحمر يجلس معنا يتناول طعامه باستمتاع وكأن لا شيء يحدث أمامه، لذا أرضخ للأمر وهونها على نفسك "
توقف سالار عن تناول الطعام حين شعر أن الحديث يدور حوله، رفع عيونه لهم يقول :
" عفوًا ؟؟ "
ابتسم له ازار يقول بحنان :
" لكن رغم ذلك هل ابتأس ؟؟ لا والله لا أفعل، هذا الرجل الأحمر هو آخر ما تبقى لي من شقيقتي وذكراها وأنا اقدر هذه النعمة، صحيح أنه يذكرني بجوبان كلما أبصرته، لكن لا بأس طالما أنه يحمل الكثير من عائش "
استنكر أرسلان حديثه :
" ماذا؟ الأميرة عائشة كانت تشبه هذا الوجه، استغفر الله، امي تقول أنها كانت رقيقة رحمة الله عليها "
ابتسم سالار يرفع حاجبه ضاربًا الطاولة بيده لتهتز الاطباق هزة صغيرة وهو يهمس من أسفل ضروسه :
" هل سيصبح الحديث حول تحديد نسبة التشابه بيني وبين والديّ، ألم يكن منذ ثواني عن طريقة مراوغة أرسلان لعدم إتمام زواج إيفان ؟؟ "
صمت يدور بعيونه بين الجميع يقول ببسمة خطيرة :
" إذن تبقوني خارج الحوار أم أقلب هذه الطاولة أعلى رؤوس الجميع الآن ؟؟"
ولم يتحدث أحدهم بكلمة واحدة ليبتسم ببساطة :
" هذا ما ظننته أنا أيضًا "
صمت ليعود إلى طعامه، قبل أن يتذكر شيئًا فيرفع عيونه صوب آزار وبارق يقول باحترام :
" طبعًا هذا الحديث غير موجه لكما خالي وملك بارق"
ابتسم له بارق يهز رأسه بهدوء واستفزاز لجنون أرسلان :
" ندري بني أنت لست أرسلان في النهاية "
اتسعت عين أرسلان بصدمة يشير على نفسه، هل يقصد أنه وقح ؟؟ والله لم يفعلها يومًا ويتخطى حدوده مع أي إنسان في هذه الحياة سوى إيفان وسالار ومائة وأربعين آخرين...
" عذرًا متى اسأت للعجائز ملك بارق ؟؟"
كاد بارق يبتلع طعام قبل أن يتوقف وهو ينظر له بصدمة على كلماته ليقول :
" الآن فعلت أرسلان ؟!"
" فعلت ماذا ؟؟ هل تقصد عجائز ؟؟ يا الله هذه صفة ملك بارق وليست إهانة، أخبرهم يا عريف أنني حينما اصفكم بالعجائز ثلاثتكم لا اتقصد أي إهانة "
توقف العريف عن الطعام فجأة وقد حدث ما كان يخشاه منذ بداية الطعام، تذكروا أنه يجلس معهم .
رفع عيونه لارسلان يقول بحنق وضيق :
" رجاءً لا تقحمني في كل هذا الهراء، أنا من الأساس اتحمل هذا العدد من الأشخاص حولي بصعوبة، لقد جمعتني في غرفة واحدة وعلى طاولة واحدة مع أكثر رجال العالم استفزازًا لي، فلا تكن واحدًا منهم لـ ...أو لحظة أنت بالفعل واحد منهم، أنا لا يمنعني شيء عن النهوض الآن وترككم سوى ذلك الرز مع هذه البهارات اللذيذة، لذا دعني خارج هذا الحوار أيها الملك الوقح "
ختم حديثه وهو ينظر للجميع يهتف بحنق :
" ملك متسلط واخر وقح وقائد جيوش مستبد وقائد رماة مستفز، وصانع أسلحة مختل، في أي عالم احيا أنا "
تشنجت ملامح تميم يردد بعدم فهم :
" وماذا فعلت أنا الآن ؟؟ أنا حتى لم انطق بكلمة "
همس له دانيار بسخرية وهو يرتشف بعض المياه :
" الأمر ليس شخصيًا تميم، لكن العريف يعز عليه ذكر جملة يزم فيها أحدهم دون أن يشمل الباقيين بها "
تنفس العريف يشير صوب مهيار الذي كان يراقب الأمر بهدوء :
" أنا فقط اجلس معكم إكرامًا لهذا المحترم، وإلا والله لاعتزلتكم جميعًا "
ابتسم له مهيار بسمة واسعة يرى أن العريف عاد لعادته القديمة .
ضرب إيفان على الطاولة يقول بجدية :
" أنا لا أرى فائدة من هذا الحديث، نحن لم نتفق بعد على موعد زفافي ؟؟"
نظر له أرسلان ثم تنهد يقول :
" عجبًا أنت لم تنس الأمر، يبدو أن لا مفر من هذا، ألا مجال لتتجاهل الأمر وأعطيك ضعف ما أتيت به وترحل !!"
ابتسم له إيفان يقول ببرود شديد :
" بل أنا أعطيك ضعفين ما أتيتُ به وعليهم العريف، ما رأيك ؟؟"
نظر له العريف باستنكار، بينما أرسلان رمق العريف بغيظ يقول :
" بل اعطيك خزينة البلاد بأكملها وتحتفظ بعريفك "
اعترض العريف على كل ما يحدث :
" مهلًا من قال أنني سأقبل بترك بلادي ومكتبتي ؟؟"
همس له مرجان :
" ما رأيك بالبقاء هنا أيها العريف وتأكل كل يوم من هذا الارز مع البهارات اللذيذة "
" تود التخلص مني لأجل تنصيبك عريفًا ؟؟ على جثتي "
ابتسم إيفان يتجاهل كل ذلك يقول بجدية :
" إذن متى ننصب زينة الزفاف عزيزي أرسلان ؟!"
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يقول :
" بعد اسبوعين "
" اسبوع "
" ثلاثة أسابيع "
" خمسة أيام "
رفع أرسلان حاجبه يزداد عناده :
" ثلاثون يومًا "
نظر له إيفان وهو يبادله تحدي الكلمات :
" ثلاثة أيام، وإن زدت كلمة واحدة والله لاقيمنه اليوم وخلال ساعة واحدة انصب خيمة الزواج واعلنها بين طرقات مملكتك أن شقيقتك أضحت بشرع الله زوجتي "
ابتسم له أرسلان يعجبه أن يصر إيفان على شقيقته بهذه الاستماتة، هذا يجعله يتناسى بعضًا من وجعه لرحيلها، أن الله سيعوضها من يحنو عليها كما يفعل هو، حتى إذا ما رحل عن هذه الحياة لا يتركها تعاني صعوبات المعيشة او يموت خائفًا ويجرب شعور عاشه سابقًا وهو يشعر بنصل السيف يخترق جسده، ومن بعد لا حامي لشقيقته ..
صمته جعل إيفان يدرك أنه لن يرضخ بهذه السهولة لذا تنهد يقول :
" أرسلان...."
قاطعه أرسلان بما جعل أعين الجميع تتسع والافواه تتدلى بصدمة مما قيل :
" بعد خمسة أيام سنقيم الزفاف في ساحة مشكى ....."
______________________
وما اسرع الايام، فها هي الخمسة أيام التي وضعها أرسلان قبل الزفاف مضت وانقضت ساعاتها بسرعة لم يتوقعها أرسلان...
وها هو يقف في شرفة القصر يتابع بعيونه الزينة المنصوبة لأجل شقيقته، شيء جعل صدره ينقبض حزنًا، لكن جزء داخله كان مرتاحًا، سعيدًا لأن شقيقته نالت من تحب، هو ليس احمقًا ليتجاهل التماع عيونها حين ذكر اسم إيفان ..
اليوم واحد من أضخم حفلات الزفاف التي ستقام في الممالك بأكملها، تحالف وتعاون كبير بين مملكتين بحجم سفيد ومشكى، رغم الصداقة التي كانت تجمع الملكين ببعضهما البعض، إلا أن ذلك الشرخ الذي أصابها لشهور جعل الجميع يعتقد أن لا عودة لهما، ليأتيا هما ويشددا من قوة هذا التحالف بين المملكتين بزواج أميرة مشكى من ملك سفيد ...
في أحد جهات القصر كانت تتحرك بسرعة وهي تحمل على ذراعيها ثوب مخفي أسفل غطاء، تتحرك بسرعة قبل أن تصطدم بأحدهم يمسكها بجدية .
" مهلًا على رسلك زمرد ما الذي حدث لتركضي بهذا الشكل في الممرات ؟!"
توقفت زمرد تنظر له نظرات متعجبة قبل أن تدرك أنها تقف الأن أمام دانيار، لترتسم بسمة واسعة مشرقة وهي تردد بسعادة كبيرة ترفع يدها بفستان اخضر اللون :
" كنت ذاهبة لابحث عنك، هيا تعال سوف اجعلك تراني وأنا ارتدي ثياب مشكى، لقد أهدتني كهرمان هذا الثوب مخبرة إياي أنه الثوب التقليدي هنا "
أمسكت يده تجذبه خلفها وهي تتوجه صوب الغرفة التي كانت تجلس بها، بينما دانيار يتحرك معها دون فهم لكن هناك بسمة ارتسمت على وجهه يتابع حماستها بسعادة .
وزمرد التي كانت في هذه اللحظة لا تفكر في أيٍ مما يدور بعقل زوجها، كانت فقط متحمسة لتريه كيف تبدو بالثوب التقليدي لمشكى، كطفلة تجرب ثياب العيد لوالديها .
وصلت الغرفة تشير لدانيار أن ينتظر حتى تبدل ثيابها، ثم تحركت صوب المرحاض، لكن دانيار كان يتحرك خلفها ببسمة واسعة، حتى دخلت هي المرحاض وجاءت لتغلق الباب فتفاجئت بتحركه خلفها :
" ماذا ؟! "
رفع دانيار حاجبه بعدم فهم :
" ماذا ؟!"
" إلى أين، أخبرتك أن تنتظر لتشاهدني وانا ارتدي الثوب "
تراجع دانيار للخلف سريعًا وقد ابتسم ببلاهة يحك رقبته بحرج من اندفاعه بسبب لهفته عليها مشيرًا للرمحاض :
" معذرة، نعم تفضلي رجاءً وخذي كامل الوقت "
نظرت له تضيق عيونها قبل أن تهز رأسها تهتف له بهدوء :
" إذن انتظرني هنا، واستعد لتبصر أجمل ما سترى عيونك خلال سنوات حياتك البائسة هذه "
ختمت حديثها وهي تغلق الباب ليزفر هو بضيق من تسرعه وغبائه، يتحرك صوب المقعد يجلس عليه يضم ذراعيه لصدره يتمتم بكلمات غير مفهومة لمدة دقائق قبل أن ينفجر بغيظ شديد من نفسه، ينتظر وينتظر حتى مرت دقائق طويلة أوصلته للملل، لذا تحرك عن المقعد يحرك يديه في الهواء باعتراض على كل هذا مرددًا بصوت مرتفع :
" أنا اترك الرجال الآن وافوت مشاهدة أخيكِ يتلظى من نيران الانتظار، فقط لأنني ظننت أنني سأقضي جلسة لطيفة معك لا مع جدران غرفتك و....."
فجأة توقفت الكلمات في حلقه يشاهد زمرد تخرج من المرحاض يضم جسدها فستان من اللون الاخضر مع بعض الاشغال اليدوية التي تمتاز بها مشكى، كانت جميلة بشكل جعله يكاد ينهار على مقعده مرة أخرى، وابتسم بكل بلاهة يتناسى كل ما قاله منذ ثواني :
" يا ويل قلبي .."
اقتربت منه زمرد بخجل من نظراته :
" ما رأيك ؟؟"
" فاتنة "
" إذن هل يناسبني ؟! "
" بل لا يناسب سواكِ "
اتسعت بسمة زمرد تقول وهي تدور حول نفسها :
" إذن جيد، سوف احضر به الزفاف "
نظر لها دانيار ثواني ببلاهة مبتسمًا قبل أن يقول فجأة :
" ماذا ؟؟ لا بالطبع لن تفعلي، أنتِ لن تخرجي بهذا الشكل و...أنتِ تبدين فاتنة زمرد، هذا قاسٍ"
ختم حديثه بخفوت لتقترب منه زمرد تتعجب كلماته الغير مرتبة :
" ما الذي تقصده دانيار، أنا احببت هذا الثوب وأريد أن أحضر زفاف أخي به "
" سأحضر لكِ اخر إن اردتي، سوف اتحرك الآن للسوق وا..."
عاندت برجاء وهي ترى الرفض يلوح في عيونه واضحًا، وقد أدركت أنها مهما قالت من مبررات أو عاندت فهو سيرفض، لذا لجئت لآخر شيء قد تستخدمه ضده، حبه لها ..
" لا دانيار أنا أريد هذا تحديدًا، ارجوك لا تكسر سعادتي يوم زفاف أخي "
ولم تكن بحاجة للتوسل أو الرجاء، والله كان يكفيها نظرتها هذه فقط ليرضخ لها دانيار يقول بصوت خافت :
" حسنًا لكن زمرد ...لا تتركي منطقة النساء رجاءً "
ابتسمت زمرد بسمة واسعة تقترب منه :
" هل تغار دانيار ؟؟"
" بل اشتغل غيرة زمردتي "
ابتسمت له، تقترب أكثر وقد رأت أنه يستحق مكافأة لطيفة على كلماته هذه، لكن فجأة توقفت تقول باعتراض :
" زمردتي ؟؟"
هز رأسه بنعم لا يفهم اعتراضها هذا، وهي فقط قالت متذمرة على تلك الكلمة :
" تناديني زمردتي وأنا الزمرد كله ؟؟"
" وما شأني بالزمرد كله يا امرأة؟! وأنا لا يعنيني منه سوى زمردة واحدة "
رفعت حاجبها تقول ببسمة جانبية :
" هل هذه قناعة في حبي دانيار "
جذبها دانيار صوب أحضانه يهمس لها بحب :
" بل اكتفاءً بكِ زمردتي ...."
______________________
" حسنًا إيفان فقط تمالك نفسك، وإلا أخرج أرسلان سيفه وطعنك به الآن "
نظر إيفان صوب أرسلان الذي كان يقف مع بعض الرجال لترتيب الزفاف، وهو كل ثانية يرمقه بتحذير الاقتراب، وقد أخذ إيفان يقفز له كل ثانية يتساءل عن وقت خروج كهرمان لعقد القرآن..
" محظوظ أنت سالار؛ لأن زوجتك لا تمتلك اخًا حقيرًا كأرسلان أو مثلي "
ابتسم سالار، قبل أن يضحك بصوت مرتفع على حالة إيفان الذي كان يقف كما لو أنه يقف على جمرٍ ملتهب .
ثواني وتنفس الصعداء حين أبصر أرسلان يتحرك للقصر، إذن حانت اللحظة لتطل عليه، ذهب أرسلان ليحضرها، مرحى .
كان يردد تلك الجملة داخله يتخيل جميع أعضائه تصيح بسعادة وتنثر الورورد الملونة داخله احتفالًا بقربها...
وارسلان تحرك بين الممرات صوب جناح صغيرته، مهما أخّر تلك اللحظة ففي النهاية ستحين، حاول قدر الإمكان أن يحتفظ بها لنفسه اطول وقت، توقف في الممرات في ركن لا يظهر جسده، ثم مال يستند بيديه على ركبتيه يتنفس بصوت مرتفع، الأمر أصعب مما يتخيل، يشعر بفراغ مخيف يملء صدره، كهرمان ستغادره .
ثواني استغرقها يلملم انهياره الداخلي، فعلى عكس إيفان كانت جميع دواخل أرسلان تعلن حالة حداد وسواد داخله، ليس الأمر أنه يكره سعادة شقيقته، بل والله يشهد أنه لم يكن يومًا بمثل هذه السعادة لأنه يدرك يقينًا أنه سيسلم شقيقته لمن يحبها ويدللها فوق الدلال دلالًا، لكنه شعور غير ارادي منه، شعور أن إيفان يسلب منه شقيقته .
" صعب هذا الشعور ها ؟؟"
ارتفعت رأس أرسلان بسرعة صوب صاحب تلك الكلمات ليبصر آزار الذي كان جاء ليتحدث معه حينما رأى ملامحه في الخارج .
" هو صعب في البداية، لكن صدقني كل تلك المشاعر السيئة داخلك ستتلاشى حينما تبصر بسمتها الواسعة مع من اختارها واخترته، ستنسى كل حزنك وهذا الانقباض في صدرك سينّفك شيئًا فشيء حينما تبصر جزء صغير من شقيقتك يناديك بخالي، سعادتها تستحق صدقني "
تنفس أرسلان بصوت مرتفع يمسح وجهه يهز رأسه، يدرك أن آزار يشعر بما يشعر به، فآزار كان أكثر منه تعليقًا بعائشة، حتى أن البعض كان يشفق عليها ظنًا أنها لن تتزوج يومًا بسبب شقيقها، بينما هو كان يفتح الباب أمام من يستحق ليتقدم إلى اميرته، لكنه لم يدرك أن الأمر سيكون بمثل هذه الصعوبة .
ربت آزار على كتفه مبتسمًا :
" هيا اذهب وأحضر العروس، فالجميع ينتظرها "
ابتسم له أرسلان يهمس :
" نعم سأفعل، شكرًا عم آزار، اقدر كلماتك هذه "
رفع آزار حاجبه يقول بمزاح :
" الملك أرسلان يتواضح ويشكر ؟؟"
ضحك أرسلان يتحرك صوب جناح كهرمان :
" لنعتبر أنها لحظة لا وعي ليس إلا مولاي "
ختم حديثه يطلق نفسًا لخارج رئتيه يتوقف أمام الغرفة وهو يطرقها متحدثًا بصوت مسموع لمن بالداخل :
" انتهيتي كهرمان ؟؟"
دقائق مرت بعدما سمع اصوات متداخلة، قبل أن يُفتح الباب وتطل عليه كهرمان التي جعلت قلبه يتوقف لثواني يبصرها ترتدي فستانًا ابيضًا مع اللون الذهبي، تمامًا كما خطط إيفان سابقًا .
ردد أرسلان دون وعي منه :
" ماشاء الله .."
تقدمت صوبه كهرمان تقول بخجل وبسمة مشرقة :
" نعم انتهيت أخي"
امسك أرسلان يدها، يجذب رأسها لفمه يقبلها هامسًا :
" لو سألوني عن أكثر الرجال حظًا في هذا العالم، والله ما ترددت وأنا اجيبهم أنه إيفان لا شك "
صمت ينظر في عيونها ثم قبل كفها بحب :
"محظوظ هذا الإيفان "
التمعت أعين كهرمان بدموع كادت تهبط منها وهو فقط سار بها يضم يدها لذراعه، ثم تحرك صوب الخارج حيث ينتظرهم الجميع، وخلفهم الفتيات، ومن بينهن تبارك التي كانت عيونها ملتمعة بدموع التأثر، سعيدة لكهرمان وبشدة، تحمد الله أن كل شيء سار بخير ..
أغلقت باب الغرفة خلفها وهي تكتم آهة عزاء ورثاء لوحدتها، هي لن تحيا يومًا هذه اللحظات، لا شقيق ولا أب يزفها لسالار، لن تعيش هذا الشعور يومًا، وكم اوجعتها هذه الحقيقة .
مسحت دمعة كادت تفر منها وهي ترفع أطراف فستانها الازرق _ لون سالار المفضل _ تتحرك خلف الجميع .
بمجرد أن خطى أرسلان للخارج مع كهرمان، ارتفعت أصوات التهليل والسعادة وهي فقط لا تبصر من بين الجميع فقط تخفض رأسها، حتى وصلت في النهاية لمسجد القصر ..
ذلك المسجد الذي كان شبه مُدمر، فهو كان أول ضحية لهؤلاء الملاعنين، بعض جدرانه مليئة بالشروخ وسقفه كان شبه مدمر، مشكى اجمل الممالك كانت مليئة بالجروح تمامًا كشعبها.
لم تكن حريتها نهاية القصة، بل كانت بداية ...
أرسلان بدأ يحاول إعادة بناء بلاده، وبدأ بالمنازل الخاصة بشعبه قبل قصره، أبى أن يقف أمام الله ويُسأل عن صبي نام في برد الشتاء لأنه انشغل عنهم بإعادة إعمار قصره .
ورغم كل ذلك التدمير، إلا أن المسجد كان ما يزال شامخًا بجدرانه التي أبت الانحناء أمامهم كما شعبه.
جلست كهرمان بين الفتيات وهي تشعر بقلبها ينبض، كم مرة عاشت هذه اللحظة لغيرها، الآن تحياها لنفسها .
ثواني حتى صدح صوت الشيخ في أرجاء القصر يردد كلماته المعتادة، يردد مع الجميع دعوات للزوجين حتى بدأ يعلن ..
" نحن اليوم مجتمعين لنشهد زواج ملك سفيد الملك إيفان تقيّ الدين، على أميرة مشكى الأميرة كهرمان بيجان...."
أن يُذكر اسمها جوار اسمه في مجرد جملة عادية كان أكثر ما يحلم به، فما بالكم أن يُذكر مقترنًا باسمه في جملة ؟؟
كان إيفان في هذه اللحظة لا يعي لما يحدث حوله، كان فقط يطوف على سحابه سعادته، سقط من عليها حين سمع جملة الشيخ :
" بالرفاء والبنين إن شاء الله "
وهنا أخذ إيفان نفسًا طويلًا كأن كان يغوص، ولم يشعر سوى بسالار الذي ضمه له يردد بسعادة كبيرة :
" مبارك لك يا أخي، عسى أن يجعل الله جميع أيامك سعادة وخير "
ربت عليه إيفان مبتسمًا وقد فقد قدرته على الرد والحديث، أكثر ما كان يستطيع فعله هو الحديث والردود الودودة، الآن أفقده ما يحدث النطق، ويبدو أن أرسلان لم يكتفي بذلك، بل زاده عليه وهو يتحرك مع كهرمان صوبه .
وإيفان لا يؤتي بأي حركة هو فقط اخفض رأسه يغمض عيونه، يضع يده جهة صدره يحاول تحسس أي نبض، هل هو حي حتى؟؟
أخذ يتنفس بوتيرة سريعة وهو فقط يغمض عيونه قبل أن يسمع صوت سالار خلفه يهمس :
" إيفان، افتح عيونك، الأميرة أضحت على بُعد خطوة واحدة منك "
فتح إيفان عيونه يقول بتصحيح وبسمة :
" بل ملكة سالار، هي ملكة "
ملكة بلادي وملكة قلبي ..كلمات أسرها في نفسه وهو يستدير صوبها يرى عيونها مُخفضة ارضًا وأرسلان يسلمه يدها يردد بصوت خافت وعيون لامعة لا يدري إيفان أكانت دموع أم هُيأ له :
" اعتني بجوهرتي إيفان، والله إن احزنتها ثانية، احزنت شعبك عليك عمرًا "
ابتسم له إيفان يجيب وهو يتسلم يد كهرمان يقاوم رجفته :
" أتوصيني بنفسي أرسلان ؟؟"
ربت أرسلان على كتفه ثم قال بصوت خافت :
" يمكنك الجلوس مع زوجتك في الغرفة الملحقة بالمسجد، حتى ننتهي من تجهيزات الزفاف في الساحة في الخارج"
ابتسم له إيفان بامتنان ولم يكد يشكره، حتى أبصر عودة أرسلان الحقير مجددًا :
" أمامك خمس دقائق فقط "
ختم أرسلان حديثه يشير للجميع بالخروج، ليضحك سالار بصوت مرتفع وهو يقول :
" ألقاك في الخارج يا أخي.."
أوقفها إيفان يقول بجدية :
" أنت لم تنس وعدك لي سالار صحيح ؟؟"
توقف سالار في خطواته، ثم نظر له ثواني بغموض وقال ببسمة قبل أن يتحرك :
" وهل حنثت بوعدٍ لي يومًا إيفان ؟؟ "
ابتسم إيفان يعود بعيونه وكله صوب كهرمان التي كانت في هذه اللحظة تحاول تمالك نفسها والتعامل بشكل طبيعي، لكن كل تلك اللحظات التي قضتها لتتماسك ضاعت هباءً حين شعرت بقبلة تسقط على رأسها وصوت إيفان يردد بنبرة أسرت المتبقي من ضربات قلبها المقاومة لأسره :
" مرحبًا بكِ في قلبي ساكنة ومالكة مولاتي ...."
________________________
خرجت مع الجميع صوب الساحة لتحضر الزفاف، وقد كان ثاني زفاف لها بعد حضورها زفاف مهيار وليلا، لكن هذا الزفاف كان مختلفًا، مختلفًا كليًا ..
فهذا ليس زفافًا عاديًا، زفاف يحمل به زوجها دف ويقرعه بقوة مغنيًا كلمات غير مفهومة لها لكنها قوية جهورية، بالطبع ليس زفافًا عاديًا .
وعند سالار كان يقف في منتصف الساحة يجمع حوله الرجال يطرقون الدف بقوة وهو ينفذ وعده لإيفان، لم يكن يومًا ليغني أو يعرض موهبته الخفية في قرع الدف إلا لأجل وعده الذي قطعه يومًا لإيفان وهو يردد بثقة :
" فقط تزوج إيفان، والله يوم زفاف لاطرقن الدف حتى تتكسر عظامي إن أردت، وسأغني حتى يتلاشى صوتي سعادة بك، فقط تزوج ودع الزهود لمن هم مثلي "
وأين هو الآن وأين إيفان وأين الزهود ؟؟ كلاهما متزوج بامرأة استطاعت بكل مهارة عجز عنها أعتى الرجال في جعلهم ينحنون ....
ومن بين كلماته لبعض الانشودات التقليدية التي كانت تردد قديمًا في الزفاف، ابصرها ..
المرأة التي غلبت جميع أعداءه وهزمته شر هزيمة، ابتسم دون وعي وهو يكمل غناء بكلماته شعرت تبارك الجاهلة لمعناها أنه يوجهها لها ..
وقد صدق شعورها، إذ كانت كل كلمة تخرج من فم سالار موجهة لها بالفعل، يكمل غناء بقوة، قبل أن يشير لها بعيونه خفية وهناك بسمة حنونة على فمه أن تتحرك مع النساء .
وتبارك التي شردت به أدركت فجأة أنها تقف مقابل منطقة الرجال في الساحة وتتابعه، وحين وعت لما تفعل خجلت تتحرك بسرعة .
وسالار اتسعت بسمة أكثر حتى ملئت فمه وهو يكمل غناءه مع الرجال وطرق الدفوف الذي شاركه به تميم ومهيار، بينما دانيار كان يكتفي بالتصفيق لهم ومشاركتهم الغناء، وارسلان يقف بعيدًا يراقب ما يحدث ببسمة واسعة، يراقب شعبه المصدوم من سالار في هذه اللحظة .
في النهاية اكتشف أهل مشكى وخاصة ساكني قصره أن سالار، ربما ...ربما كان إنسانًا طبيعيًا، وليس بوحش أو مستذئب، ربما .....
___________________
وعند النساء كانت تبارك تراقب الجميع يرقص ويتحرك بشكل مبهر، نساء من جميع الممالك وكلٌ بهوية مختلفة عن الآخر، كل رقص وكل ثوب يختلف من مملكة لأخرى.
أمر مبهر آخر تكتشفه تبارك في هذه الحياة التي اختارتها بعد عناد معها ..
بعد دقائق طويلة فجأة سمعت التهليلات بوجود العروس، رفعت عيونها لترى كهرمان تتحرك داخل المكان بفستان من اللون الاحمر بعدما بدلت الاول وارتدت اخر أكثر خفة في التحرك، تحركت لمنتصف الساحة لتبدأ النساء في غناء انشودة، جعلت برلنت تنتفض وهي تجذب يده كهرمان لمنتصف الساحة وكذلك فعلت مع زمرد، فقد كانت تدرك مقدار عشق كهرمان لهذه الانشودة التي تذكرها بوالدتها ودورس الرقص والغناء الخاصة بها .
كادت تجذب تبارك معهن، لكن تبارك اتسعت عيونها تتمسك بأحد العمدان جوارها بفزع :
" ايه؟؟ أنا عملت ايه ؟!"
ضحكت برلنت تحاول جذبها :
" هيا شاركينا الرقص سوف يعجبك الأمر "
" برلنت حبيبتي انا مفسدة هل تتذكرين ؟؟ أي رقص هذا أنا لا ادرك شيء "
ولم تهتم لها برلنت تجذبها بالاجبار :
" حركات هذه الرقصة سهلة، هيا سأعلمك "
وبالفعل جذبتها لمنتصف القاعة التي تحتفل بها النساء وقد بدأت اصوات الغناء تعلو، وبدأت كهرمان الرقص قبل الجميع وهي تبتسم بسمة واسعة تحرك يديها، ثم هزت رأسها لزمرد التي بدأت تباريها في الحركات وبقوة شديدة .
بينما برلنت بدأت تتحرك بهدوء شديد وهي تشير بعيونها لتبارك لتقلدهم، وتبارك فقط تفتح فمها بصدمة وانبهار مما رأت، ويبدو أن هذه الرقصة اتفق عليها جميع نساء الممالك، وللحق كن يتقنها بشكل مرعب ..
وقد علمت لاحقًا أنهم يسمونها ( رقصة الأغصان) .
كانت كهرمان تغني وهي تحرك خصرها ويديها وكتفها بحركات مرنة، تنظر مبتسمة لزمرد التي ترد لها الحركة بالمثل، ومن ثم تستدير صوب برلنت تقوم بحركة ثالثة في سلاسة مبهرة، جعلت تبارك تتنحى جانبًا فقط تراقبهم وقد أخذت عهدًا أن تطالبهم بتعلميها تلك الانشودة وهذه الحركات .
توسطت كهرمان برلنت وزمرد وبدأت حركات الثلاثة تزداد حماسًا وهن يدرن حول بعضهن، واعين تبارك تزداد اتساعًا وكذا بسمتها تردد :
" أكاد اتخيل مظهر سالار إن شاهدني ارقص بهذه الحركات "
بعد دقائق..
دخلت إحدى العاملات تقول ببسمة واسعة وسعادة :
" الملك أرسلان يخبركن أنه حان وقت تقديم المباركة للعروسين "
وفي ثواني رأت تبارك النساء ينتفضن ويجهزن كهرمان للخروج، قبل أن تخفض غطاء الوجه وتتحرك وخلفها النساء يقرعن الدفوف لأجلها دون الغناء بكلمة واحدة، إشارة لجميع الرجال بالخارج أن النساء قادمات، حتى وصلوا لمنتصف ساحة القصر حيث استقر هناك مقعدين كبيرين حولهما الزينة من كل مكان والجميع مصطف في انتظار حضورها، مشاهد تحياها تبارك للمرة الأولى.
وبمجرد أن وصلت حتى كان أول من استقبلها هو أرسلان يقدم لها الهدية الأولى، أخرج من جيب ثوبه اسورة من الذهب الابيض وبعض الاحجار الكريمة يضعها في كفها ثم قبل رأسها بحنان، ومن ثم تحركت صوب الزوج والذي كان صاحب الهدية الثانية، إذ أخرج سلسال ذهبية يلبسه إياها من أسفل الغطاء ومن ثم مال يقبل رأسها بالمثل، يمسك يدها متحركًا صوب المقاعد ليبدأ الاثنان في تقبل المباركات والهدايا التي أحضرها الجميع لاجلهما .
وتبارك فقط تتابع باهتمام شديد حتى شعرت بيد تضم كتفها، لم تفزع ولم تخف، فما لأحد القوة ليمسكها بهذه الطريقة عداه .
نظرت له تهتم بانبهار :
" هذا ...هذا يبدو مذهلًا، أتساءل ما الذي ستفعله كهرمان بكل هذه الهدايا "
ابتسم لها سالار يشرح لها بهدوء :
" ستخرجهم صدقة "
نظرت له تبارك بصدمة وعدم فهم ليوضح الأمر بهدوء :
" الزوجة لا تحتفظ بأي هدايا عدا مهرها، وهدية الاب والزوج، وفي حالة كهرمان ستحتفظ بهدية أرسلان وإيفان فقط، والباقي كله يخرج لوجه الله، كصدقة من الزوجين، لبدء حياة جديدة بطاعة، لذا فالجميع هنا يسارع لبذل افضل ما عنده فهو لله قبل المحتاجين، يمكنك القول أنها طريقة للتعبير عن تقدرينا، وتصدق في الوقت ذاته، هذه أعراف هنا "
ولم تجب تبارك بكلمة، بل فقط نظرت صوب كهرمان وإيفان، هي في حياتها لن تكتشف كل ما يخفيه هذا العالم .
ورغم نفي سالار للأمر سابقًا، إلا أنها الآن أضحت تشعر أنها تحيا في المدينة الفاضلة حقًا ....
ولم تفق من شرودها سوى على صوت سالار يهمس لها بحب :
" العقبى لكِ بركة حياتي "
نظرت له بعدم فهم ليقبل رأسها بحنان شديد يهمس لها قائلًا وقد انتبه لنظراتها لارسلان وكهرمان :
" لقد فكرت بشيء ما، لن اجعل أحدهم يزفك لي، أنا سأزفك لنفسي، سأقدم لنفسي أكبر هدية، فنفسي تستحق أن ادللها بقربك، ما رأيك؟!"
نظرت له تبارك في عيونه بعيون متأثرة لامعة وقد شعرت برغبة في البكاء، فهذا الأمر يؤلمها وبشدة، خاصة حين رأت اهتمام والدتها بخطبة أختها .
وسالار فقط أبى أن يبصر أحدهم ضعف زوجته، يشتغل انشغال الجميع بتقديم الهدايا والزوجين، يجذب رأسها لصدره هامسًا :
" لا أبكى الله لكِ عينًا حبيبتي، ليبكي العالم بأكمله ولتسعدي أنتِ بركتي"
كان يتحدث وهو يضم رأسها لصدره ويده تمسك يدها بقوة يتحسس نبضها بحنان وكل ثانية يقبل رأسها هامسًا :
" والله سيجازيكِ الله خيرًا لصبرك ومصابك حبيبتي، محظوظة أنتِ تبارك "
صمت ثم همس لها :
" ألا يكفيكِ وجودي عزيزتي، رزقني الله بكِ، وما أجمل الرزق إن كان تبارك !"
زادت دموع تبارك تأثرًا من محاولاته المستميتة ليسعدها، وكلماته التي جعلتها تدرك أن الله بالفعل رزقها بسالار، ربما أخذ منها الكثير، لكن الله حشاه أن يظلم عبدًا، فمقابل ما فقدته، رُزقت به .
وابتسمت وهي تمسح وجهه في ثوبه ليبتسم لها يقول وهو يمد لها يده ممازحًا :
" هاكِ كُمي تمسحي به إن امتلئت ثيابي بدموعك "
ضحكت تبارك من بين دموعها وهي تبتعد عنه، ثم نظرت له تقول :
" لا خلاص أنا خلصت "
ابتسم لضحكتها يمسح المتبقي من دموعها:
" جيد، الآن عزيزتي استمتعي بالزفاف، وحين ننتهي سنتحرك لنصب الولائم، عادة نبدأ بالنساء، سآتي لاخذك لتجلسي وتأكلي سأحضّر لكِ طبقك بيدي هاتين "
وكم كان سالار في هذه اللحظة أشبه بالام وقت الزفاف، تركض خلف ابنائها لتتأكد أنهم تناولوا الطعام، ودون أن يشعر استطاع سالار أن يمثل لها عائلة بأكملها..
" اوافق على هذا الأمر فأنا اتضور جوعًا"
كانت كلمات نطقتها بكل عفوية، قبل أن ترى حاجبي سالار يلتقيان في المنتصف حين انتبه لما قالت :
" أنتِ لم تتناولي الفطور ؟؟"
نظرت له لثواني ولم تكد تتحدث، حتى امسك يدها يقول بجدية :
" حسنًا لا أظن أن أرسلان أو إيفان سيمانعان افتتاح الوليمة مبكرًا لأجل زوجتي، هيا سأطعمك "
ابتسمت تبارك وهي تسير خلفه دون مقاومة أو ممانعة، فهي كانت سعيدة باهتمامه بها، وايضًا جائعة .
ونعم كان سالار في هذه اللحظة كالام تمامًا، و...لحظة فقط أوليس هذا الدور الذي لعبه منذ وطأت البلاد، لحظة استيعاب صغيرة منها أن سالار كان يلعب دور الراعي والمسؤول عليها طوال الوقت منذ جاءت هنا، كان طوال الوقت يأخذها صوب المطبخ لتتناول الطعام رغم إظهاره التأفف، يرشدها إن ضلت، ويؤدبها إن اخطأت، ويعتني بها إن مرضت..
سالار منذ اللحظة الأولى كان ملاكها الحارس .
حامي حمى سفيد، أضحى حامي حماها ....
_____________________
كان أرسلان يقف جوار الجميع يتلقى التهاني ولم ينس بالطبع أن يمارس هوايته المفضلة في إزعاج إيفان، كل ثانية حتى صرخ به إيفان بغضب :
" اقسم أنني الآن سأخرج سيفي واجز عنقك إن لم تتوقف أرسلان "
" وتحرم ابناءك من خالهم الحنون الذي سيربيهم بنفسه "
رفع إيفان حاجبه متشنجًا :
" وهل أخبرك أحدهم أنني من الغباء الذي يجعلني اترك ابنائي بين قبضتك ؟؟ يا اللهي الأمر أشبه بالقاء صغاري بالجحيم "
" وهل تظن تواضعي وتربيتي أبناء أنت والدهم جحيم ؟؟ خسئت أنت واشباهك الأربعين "
مسحت كهرمان وجهها بتعب ويأس من كل هذا .
بينما إيفان ابتسم يقول :
" ابتعد عن وجهي الآن أرسلان فلا أريد أن أفسد مزاجي يوم زفافي بالتعامل مع أشخاص مثلك "
نظر له أرسلان بحنق ولم يكد يتحدث :
" هذا الزفاف، زفاف شقيقتي و..."
قبل أن يكمل أحدهم كلمة واحدة فجأة سمع الجميع صوت صاخب في الإرجاء تبعته صيحة أحد الرجال وهو يهتف بصوت مرتفع :
" اصوات الرعد تعلو، ويبدو أن الأمطار ستهطل وبـ"
وقبل أن يتم الرجل جملته فجأة هطلت أمطار كثيفة أطاحت كل ما حولها ليشاهد إيفان بأعين متسعة الجميع يركض يحتمي بالقلعة والمباني حولهم والزينة تسقط بسبب الامطار ..
ولم يفيقه سوى صوت أرسلان الذي كان يكبت ضحكاته بصعوبة على مظهر إيفان:
" جئت وجاء الخير معك إيفان، جاء وفيرًا في الحقيقة ."
صمت قبل أن يتحرك بسرعة لينقل كل شيء للداخل بسرعة تاركًا إيفان يقف وحده أسفل الأمطار مع كهرمان التي أمسكت يده تقول :
" اركض إيفان، تحرك معي للداخل "
وإيفان تناسى ما يحدث حوله ولم يهتم سوى لأنها للمرة الأولى تنطق اسمه مجردًا وهذا سبب كافي ليحتفل .
ولم تدرك كهرمان ما يحدث إذ فجأة وجدت نفسها تنتقل من برد الأمطار لدفء أحضانه .
أوليس هذا بكافٍ لتستكين وتقضي آخر لحظات زفافها السعيد مرتاحة ؟؟؟
_____________________
ما يزال هناك حفل زفاف لم نشهده، وما زال هناك فصل في هذه الحكاية لم ينتهي، مازال هناك فصلٌ لنقرأه .
حكايتنا لم تنتهي بعد .......
دمتم سالمين .
رحمة نبيل .