تحميل رواية «مملكة سفيد» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
َ قد كساكَ بُحزنهِما ذنبُ صُبحِكَ أن يراكَ حزينا؟!”.صلوا على نبي الرحمة_________________تسير والحذر رفيقها، تشعر أنها تود لو تطير متجاوزة تلك المنطقة، لا ترغب أن تمر بها وتعرض آذانها العزيزة لصيحات النساء، وتهكمات الثرثارات منهن، الأمر وما فيه أنها ملت كل ذلك، والأصح أنها ملت الحياة في تلك المنطقة، ولولا كسرة الخبز الجافة التي تتناولها كل يوم في غرفتها الرطبة العفنة، لكانت رحلت عن المكان بأكمله، لكن ماذا تفعل وحياة التقشف تناديها وتغريها .وقع بصرها فجأة على عربة فواكهة بها اطباق جاهزة من فواكهة...
رواية مملكة سفيد الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رحمة نبيل
عودة بعد غياب اسبوع ..
عساكم بخير جميعًا .
لا تنسوا التصويت للفصل قبل القراءة والتعليق برأيكم على الأحداث ..
صلوا على نبي الرحمة .
قراءة ممتعة يا شباب، ورحلة أكثر امتاعًا في مملكة سفيد رفقة أول الاثمين....
_______________
كانت تراقبهم من مكان بعيد حيث لا يمكنها أن تسمع شيئًا مما يقال، لكن تلك النظرات التي علت وجه الملكة بعد همسة سالار كانت أكثر من كافية لتدرك أن ما قيل ليس بالشيء العادي ..
وهذا ما جعل حيرتها تزداد، ما الذي قد يجعل ملامح الملكة الأم _ التي تصنف في مكانة أعلى من قائد الجيوش_ تشحب بخوف من كلمات الاخير ؟! ما الذي بين قائد الجيوش والملكة الأم ليتحدث معها بهذا الشكل دون أن يخفض عيونه باحترام ؟؟
اسئلة واسئلة ولا احد يمتلك لها إجابة، عداها هي والتي تراجعت للخوف بخوف من تهديد سالا الواضح تهمس بشكل مصدوم :
" أنت...هل ..هل تخون ولدي ؟؟ تنظر لزوجته وتخونه معها وهذه الفاسقـ "
فجأة صمتت برعب حين وجدت سالار يخرج سيفه بسرعة كبيرة يضعه على رقبة شهرزاد لتتراجع تبارك للخلف وكأنه على رقبتها هي وقد أصبحت عيونها متسعة بشكل مخيف .
هو يهدد الملكة الأم ؟! يا الله لقد جُن، سوف يُعاقب .
بينما سالار أجاب بملامح حادة وعيون خاوية، لا نظرات توضح ما يفكر به، وقال بصوت في غاية العملية والجدية :
" حسب القانون فالملكة منزلتها تعلو منزلة الملكة الأم، وبما أنها تسبقك في التصنيف الذي وُضع قديمًا، فهذا يعني أن اهانتك لها جريمة لا تُغفر، ويمكنني أن اقودك الآن حتى المحكمة للحكم في أمرك، وحينها سنترك للملك الحكم على والدته التي اتهمت زوجته والملكة المستقبلية للبلاد بالفاسقة، واتهمت قائد الجنود بالخيانة دون أن تمتلك دليلًا واحدًا "
نظرت له شهرزاد برعب شديد وهي تحاول الحديث :
" أنت تعلم جيدًا أنني محقة سالار "
" دليلك ؟؟"
ارتجف جسدها وهو فقط راقبها ببرود شديد، ولم يتحدث بكلمة، في الوقت الذي كانت تبارك تقف في الخارج تحاول استيعاب ما يحدث أمامها، فهذا أكثر مشهد عبثي قد تراه عيونها يومًا .
وشهرزاد التي كانت عيونها مثبتة على عيون سالار ابتسمت بسمة غريبة عكس ملامح خوفها السابقة تقول بصوت ساخر :
" دليلي ؟؟ دليلي سأحضره وأريه للجميع سالار، وحينها لنرى إن كنت ستثبت أمام الجميع برائتك أم لا "
نظر لها سالار ثواني قبل أن يقول بلا مقدمات :
" غادري من هنا "
نظرت له بتشفي وشعرت وكأنها انتصرت عليه حقًا، وهو فقط قال بصوت مخيف رغم نبرته المنخفضة :
" قلت غادري "
انتفض جسد شهرزاد تتحرك بسرعة بعيدًا عنه ولم تكد تخطو للخارج حتى اختفى جسد تبارك بسرعة كبيرة وخوف اكبر، لكن فجأة تناهى لمسامعها صوت سالار الذي خرج صلبًا صارمًا :
" ولا تنسي حديثي معك، إياكِ أن تقتربي منها بأذى فلن تجدي غيري أمامك"
نظرت له شهرزاد بشر ليكمل هو مبتسمًا باستفزاز :
" وسيكون ذلك بعلم الملك، فأنا لا اخطو خطوة دون إخباره، حتى لو كانت تلك الخطوة هي إسقاط عقاب رادع على والدته العزيزة "
وكان الرد الوحيد من شهرزاد هو نظرة كارهة غاضبة، ثم رحلت بكل بساطة عن المكان بأكمله، في حين أن تبارك اختفت عن الأنظار خوفًا أن تراها .
ابتلعت ريقها حين اطمئنت أنها رحلت، نظرت مرة أخيرة صوب الاسطبل لتجد أن سالار يحدق في إتجاه الباب، حاولت التواري عن نظراته ليتحرك الاخير في المكان وهو يسحب بعض الطعام الخاص بالاحصنة يعطي خاصته، ثم قال بصوت جامد :
" انتهى العرض لِمَ مازلتي مختبئة ؟؟"
اتسعت أعين تبارك تنظر حولها تبحث عمن يحدثه، ليترك سالار ما بيده ناظرًا صوب الباب يقول بصوت حانق :
" هل ترين أحدًا هنا غيرك ؟؟ "
نظرت له تبارك بتعجب لمعرفته وجودها :
" أنت شوفتني ازاي ؟؟"
ابتسم ساخرًا يستدير صوب حصانه :
" حركتك وخطواتك مسموعة، ذكريني أن أعلمك كيفية التسلل دون إصدار صوت و...صوت انفاسك كان عاليًا، أتسائل كيف لم تسمعه الملكة "
نظرت له تبارك وهي تتحرك داخل المكان :
" وهو أنت عطيتها فرصة تتنفس عشان تسمع صوت انفاسي أنا ؟؟"
نظر لها نظرات غامضة، هو رآها منذ جاء وعلم بتتبعها له، ووجود الملكة هنا وحديثها عنها جعله يغضب، لقد قللت من شأنها، وهو عمد لجعل الحوار بالهمس فقط كي لا يصل لها شيء يشفق عليها من سماعه .
لكن يبدو أن تبارك ليست بالغبية كما يظن البعض إذ ابتسمت تقول بصوت خافت :
" هي كانت تقصد مين بكلامها ؟؟ الملك بيحب عاملة هنا ؟؟"
نظر لها سالار بصدمة يقول بصوت حاد :
" إياكِ وترديد هذا الحديث على مسامع أحد، ولا تهتمي بما قالته تلك المرأة، أنتِ هي الملكة هنا و..."
" لكنني لا أريد ذلك"
نظر لها سالار بعدم فهم لتبتلع ريقها ببطء تعود للخلف تقف على البوابة مثلما كانت وقد شعرت أن نظراته تلك ووجودها في هذا المكان يضعفونها، ويتركون القيادة لنفسها الإمارة بالسوء تحت إشراف الشيطان وأعوانه.
" أنا لا أريد أن أكون ملكة أو....."
صمتت وقد كانت على وشك نطق ( زوجة الملك ) كانت تريد أخباره أنها، لا تحب الملك ولا تتقبل أنه سيكون زوجًا لها، الملك شخص جيد، بل رائع وحنون وكامل لأي امرأة، عدا امرأة سقطت في عشقه هو ..
رفعت عيونها له تقول بصوت منخفض :
" اشعر أنني لست مستعدة بعد لهذا الأمر، أنا لا أريد أن أكون الملكة، ولا أشعر أنني الملكة، أنا أي شيء غير ملكة هنا "
سقطت دمعة من عيونها تقول بصوت خافت أكثر:
" هل يعقل أنهم اخطئوا بإرسالك لي ؟! هل ارسلوك لفتاة أخرى تليق بالملكة وأنت اخطئت بإحضاري "
نظر لها سالار نظرات طويلة دون قول كلمة واحدة، وهي وكأنها لم تصدق أنه واخيرًا صمت يسمعها، ستكون صريحة واخيرًا :
" أنا لا أريد أن أُتوج أو ...اتزوج بهذه الطريقة "
نظرت لعيونه بأعين دامعة متوسلة :
" قائد ..."
أبعد سالار عيونه بسرعة عنها يأبى أن يواجهها في هذه اللحظة التي تحيا هي بها أضعف حالاتها النفسية، لكنها لم تتوقف وهي تتقدم منه خطوات تقول بصوت منخفض :
" قائد..ارجوك ساعدني "
رفع سالار يده بسرعة وهو من يمنعها هذه المرة من اقترابها، ينظر لها ألا تفعل، ألا تجبره لتخطي حدود خطها لنفسه يومًا، دهس كامل مشاعره وهو يقول بصوت منخفض :
" لا يمكنني تقديم شيء لكِ، احضرتك لتكوني الملكة، وستكونين، لا اعتقد أنني امتلك ما يمكنه مساعدتك الآن، لذا عليكِ تقبل الأمر و..."
ابتلع ريقه بصعوبة يهمس وكأنه ينطق كلمات إعدامه:
" الملك ليس شخصًا سيئًا البتة، وهو لن يظلمك، إيفان على استعداد لينحر رقبته قبل أن يظلم أحدهم يومًا فتخيلي أن يكون هذا الاحدهم هو زوجته المستقبلية !!"
شهقت تبارك بقوة تقول بصوت متقطع من البكاء :
" لكنني لا أريد ذلك، لا اريد أن أكون زوجته أنا أريد أن..."
توقفت عن الحديث حين شعرت أنها كادت تتجاوز حدودها لتزداد دموعها وهي تعود للخلف ببطء تقول بصوت خافت :
" أنا... أنا آسفة يا قائد، لم يكن عليّ التحدث معك في هذا الأمر و..."
صمتت فجأة تنهار في البكاء وهي تقول من بين شهقاتها :
" اشعر فقط أنني تائهة، لا أرى لي مستقبل في هذه الحياة، مستقبلي ضبابي "
نظر لها يضغط على قبضته وهو يهمس وكأنه يمنح نفسه رصاصة الرحمة من كل ذلك ويقطع أي خيط قد تخزله نفسه الواهمة :
" زواجك من الملك سيكون بعد يومين في الاحتفال الوطني، حاولي تقبل الأمر، وإن لم تفعلي فنحن هنا لا نجبر النساء على زواج، يكفي أن تقولي لا و..سأكون أول الداعمين لكِ، لكن ...لا اعتقد أن الأمر بهذه البساطة خاصة أن تعلمك كل تلك المهارات كانت بمثابة موافقة ضمنية منكِ على الأمر في البداية، والآن سيكون من الصعب إلغاء كل ذلك "
ختم حديثه يتنفس بصوت مرتفع وهو ينظر لها بحزن وغضب من نفسه، لكن الأمر فوق احتماله يقسم، أصبح صدره الآن على شفا جرف من الانفجار بكل ما يكبت، وهذا خطأ كبير يشعر أنه ينتظره للوقوع به والأمر مسألة وقت..
لكن في الوقت الحالي عليه فقط أن يطمئنها ويُهدأ قلبها ولو كان على حساب قلبه، لذا تشدق في هدوء يحاول أن يساعدها في تخطي حالتها تلك :
" مولاتي، هوني على قلبك، الأمر ابسط من كل هذا، الملك سيكون زوجًا رائعًا لكِ، سيمنحك كامل الرعاية والاهتمام وهذا ما تحتاجينه أنتِ .."
ختم حديثه ثم نظر حوله وكأنه يفكر في الأمر، لكن في النهاية تحرك بعيدًا عنها بعدما تمتم بكلمات وداع غير مفهومة بعض الشيء ..
وهي راقبته يرحل بأعين مليئة بالدموع تهمس بصوت مختنق :
" ما احتاجه هو أنت سالار ...."
__________________
اتسعت أعين كهرمان بصدمة كبيرة تحاول أن تستوعب ما قيل منذ ثواني، أبعدت عيونها عنه تقول بصوت منخفض :
" أي أميرة تلك مولاي ؟؟ أنا العاملة كهرمان "
ابتسم إيفان بسخرية لاذعة :
" نعم، كان أرسلان ليفخر بشقيقته الحبيبة التي نبذت حياة الملوك وفضلت حياة العاملين "
شعرت كهرمان بقلبها يكاد يتوقف من الصدمة التي تعانيها، ورغم أنها في نقطة داخلها كانت تشك أو شبه تأكدت من معرفته لهويتها بسبب تلميحاته التي تجاهلتها عمدًا، إلا أن سماع الحديث منه مباشرة كان له وقع الصدمة على أذنها...
بلعت ريقها تبعد عيونها تقول بصوت خافت :
" مولاي ..."
لكن إيفان تجاهلها يقول بصوت حاد :
" خذوا هؤلاء الرجال لسجن القصر حتى يتم احضارهم للمحاكمة، وليحضر أحدكم خيل للأميرة كي تعود به للقصر ."
ختم حديثه يتحرك بكل هدوء صوب فرسه تاركًا إياها ما تزال تتجرع صدمتها، رفعت عيونه له تراه يصعد على الحصان خاصته وهو ابتسم لها يقول بصوت وصل لها واضحًا :
" هوني عليكِ الأمر سمو الأميرة، فجميع من بالقصر يعلم تلك الحقيقة ليس أنا فقط، أنتِ فقط من لا تعلمين أن الجميع يعلمون "
صمت ثم قال بصوت ساخر ضمنيًا :
" إن أردتي يمكنني أن ادعي أنني لم اعلم بعد "
تنفست كهرمان بصوت مرتفع تبعد عيونها عنه حين سمعت صوت خطوات حصان يقترب منهم وقد كان يخص أحد حراس الحدود، أمسكت منه اللجام تشكره بصوت خافت، ثم نظرت للملك تقول :
" إذن كنت تعلم ؟!"
" هل هذا يثير تعجبك ؟ ليس الأمر وكأنكِ كنتِ بارعة في التنكر، يا الله لقد كنتِ مريعة بحق، كل كلمة تصدر منكِ تصرخ بأنكِ أميرة "
تنفست كهرمان بصوت مرتفع :
" وطالما كانت حقيقتي واضحة لك، إذن لِمَ لم تنتقم ؟؟"
ردد إيفان بصوت متعجب من تلك الكلمة :
" انتقم ؟؟"
" أولست عدو لأخي ؟؟"
اشتعلت أعين إيفان بشكل مخيف وهو يضغط على اللجام يقول بصوت حاد :
" عدو ؟؟ كيف تصفين علاقتي بأرسلان بهذه الكلمة المقيتة ؟؟ هل هذا ما هداكِ له عقلك ؟؟ يبدو أنكِ لم ترثي من إيفان سوى صفاته المزعجة كالعناد والكبرياء الغبي، لم ترثي منه ولو ذرة حكمة وتفكير واحدة، هيا اصعدي لنعد إلى القصر ."
نظرت له ولم تعلم سبب غضبه، لكنها رغم ذلك هزت رأسها ولم تكد تصعد حتى أبعد إيفان عيونه عنها ينظر للجنود آمرًا إياهم بالتحرك ..
وبالفعل صعدت كهرمان على حصانها، تستقر أعلى ظهره، ثم أمسكت اللجام، ولم تكد تتحدث بكلمة حتى قال إيفان بصوت مرتفع :
" لنتحرك..."
وبعد هذه الكلمة لم تبصر كهرمان سوى الغبار الذي خلفه حصانه وقد بدأ الجنود يلحقون به وتجهز بعض حراس الحدود للعودة معهم بالسجناء .
وهي فغرت فاهها بصدمة، ثم تحركت بسرعة كبيرة خلفه تزيد من سرعة حصانها كي تسبقه بكل عناد وغضب ورفض لأن ينتصر عليها في هذا أيضًا، والجنود تعجبوا الأمر فليس من المعتاد أن يسبق أحدهم الملك أو أن يتقدمه.
لكن قوانين إيفان تسري على الجميع عداها .
ابتسمت وهي تتخطى إيفان بسرعة كبيرة، ولم تنظر حتى له أو للخلف وهي تكمل طريقها والحصان يتحرك بسرعة كبيرة جعلت ثيابها ترفرف خلفها..
كل هذا وإيفان يراقب ما يحدث بصدمة كبيرة، قبل أن ترتسم بسمة صغيرة على ثغره يتذكر تلك الأيام التي كان أرسلان يسابقه بها ..
" يبدو أنها أخذت المزيد من صفات أرسلان ..."
اسرع ايفان خلفها بسرعة كي يسبقها وحين أصبح جوارها صُدمت هي وهو ابتسم بسمة جانبية يقول بصوت مرتفع كي يصل لها وهو يسابقها بسرعة مخيفة :
" هل تعلمين أكثر ما كان يمقته أرسلان في صُحبتي ؟؟"
نظرت له بفضول ثم عادت بنظرها سريعًا صوب الطريق، ومجددًا عادت له :
" ماذا ؟؟"
قال ببرود شديد واستفزاز أشد :
" ظهري، لأنه لم يكن يرى سواه في سباقاتنا "
وبهذه الكلمات ختم إيفان حديثه ووجوده جوارها وهو يسبقها بسرعة مخيفة يطلق ضحكات مرتفعة جعلت أعين كهرمان تتسع بصدمة كبيرة :
" يا ويلي من هذا الرجل الـ .."
صمتت وكأنها أبت أن تضيف له لقب غير محمود وهو القريب من القلب، ابتسمت بسمة جانبية، تخبر نفسها أن كل هذا ما هو إلا لحظات مؤقتة يعاملها فيها ببعض الود فقط لأنها شقيقة أرسلان، وحينما يعود للقصر سيعود الملك البارد الصامت اغلب الوقت، وسيعود الزوج المستقبلي لتبارك ..
وعند هذه الفكرة صمتت وتراجعت تترك له السباق يقوده وحده، تقهقرت للخلف وهي تفكر في الأمر وشعرت أنها تود لو ...تستسلم فقط وقد انهكتها المقاومة الطويلة، فقط ليتزوج حتى يقتنع قلبها أنه ليس لها، تترجاه أن يتزوج و يمنحها رصاصة الرحمة .
كانت تراقبه يتحرك بسرعة كبيرة بمهارة عالية، ابتسمت وهي تهمس :
" يليق به كونه ملك ..."
واستمرت الرحلة على هذا الحال ما بين تسابق وتفرد بالصدارة، نظرات وعناد، لكن في النهاية انتهت الرحلة وعاد إيفان يتلبس ثوبه كملك هادئ بعيدًا كل البعد عما كان يفعل منذ قليل .
بمجرد أن وصلت الأحصنة لبوابة القصر هبط هو عن حصانه، ثم نظر لكهرمان التي هبطت بكل سلاسة .
تحركت صوبه وقبل أن تتحدث بكلمة سمعت صوت إيفان يقول بنبرة آمرة للجنود حوله دون أن ينزع عيونه عنها :
" أظهروا بعض الاحترام لأميرة مشكى يا رجال .."
اتسعت أعين الجميع بصدمة كبيرة، وقد بدأت الهمسات حول كيفية وجودها حية حتى هذه اللحظة، لكنهم في النهاية اخفضوا رؤوسهم باحترام لها وهي نظرت لايفان نظرات صغيرة ثم قالت بتقرير :
" لا اعتقد أنني احتاج لهذا الأمر مولاي، اشكرك فأنا أود الاستمرار في حياتي هنا حتى اعود لبلادي، افضل العيش كخادمة بكل شرف على أن أعيش أميرة دون استحقاق وبلادي مسلوبة "
نظر لها إيفان ثواني قبل أن يقول متجاهلًا أمر بلادها في هذه اللحظة فقط :
" هل تعتقدين أن جميع العاملين لديّ، لديهم كامل الصلاحيات التي تمتلكينها أنتِ أو أنني مثلًا اسمح للعاملات بالتحرك بكامل الحرية في القصر دون محاسبتهم على ترك العمل ؟!"
نظرت له بعدم فهم وقد بدأت تدرك ما يدور حولها، وهي التي ظنت أن كل ذلك ذكاء منها لانها تهرب من العمل بمهارة ؟؟
" اسمعي سمو الأميرة، لا شيء في هذا القصر يحدث دون إرادة أو علم مني، تمامًا كزيارتك لمهران قائد جيوش مشكى السابق .."
ختم حديثه ببسمة صغيرة ثم قال :
" والآن هل نتقدم لداخل القصر فأنا في الحقيقة لست متفرغًا لكثير من الوقت؟؟"
ختم حديثه تاركًا إياها تعاني ويلات الصدمة مما قال، ابتلعت ريقها تفكر في كل ما حدث وتنظر للزوايا التي تعمدت التغاضي عنها سابقًا .
كل ذلك وأبواب القصر تُفتح على مصراعيها أمام أعينها ...
________________________
" ألم تخبر أبي أنك لن تعالجني حتى نتزوج؟؟"
كانت تلك كلمات ليلا التي ارتفعت في المكان وهي متسطحة على الفراش الخاص بعيادة مهيار وهناك على أحد المقاعد يجلس مرجان بعدما أبى أن يترك شقيقته معها وحده، خاصة بعد تلك الكلمات التي جعلته يزجرها بغيظ شديد يميل عليها هامسًا :
" أنتِ يا فتاة تحلي ببعض الخجل قليلًا "
نظرت له ليلا معترضة على تلك الكلمات وهي التي لم تتحرك من جاءت حتى :
" خجل ؟؟ أي خجل هذا ؟؟ ما الذي فعلته !! أنا فقط أتساءل "
صمتت تنظر لمهيار الذي كان يعبث بصندوق خشبي أمامه وهو مبتسم بشكل أخبرها أنه أساء فهمها تمامًا كمرجان، لذا سارعت تقول وهي تنظر له بغيظ شديد :
" أنا أود معرفة إن كان غير رأيه كي لا ..."
استدار مهيار ينظر لها بشكل جدي وهو يضم ذراعيه لصدره منتظرًا منها أن تكمل جملتها المقطوعة، لكنها لم تفعل، ليس لأنها توترت بسبب نظراته تلك، أو لأنها مثلًا شعرت بقلبها يكاد يفر من ضلوعها، بل لأنها من البداية لم تمتلك أي شيء تقوله .
صمتت وهي تبعد عيونها عن أعين مهيار المستمتعة والذي قال ببساطة شديدة :
" ومازلت عند حديثي، أنا لن أعالجك حتى نتزوج "
تمتم مرجان بضيق شديد :
" أنا لا يعجبني هذا الحوار حقًا، لذا أما أن تغيره أو أن انتزع أنا تلك الحمقاء التي تتوسط الفراش وارحل من هنا "
نظر له مهيار بعض الوقت قبل أن يقول :
" كم هو عمرك مرجان ؟؟"
صُدم مرجان من السؤال الذي لم يكن يتوقعه، لكنه رغم ذلك أجاب بصوت منخفض :
" بالكاد أكملت الرابعة والعشرين منذ ايام قليلة، لكن لماذا تسأل ؟؟"
مال مهيار على المقعد الخاص به يقول بجدية :
" أنت في الرابعة والعشرين بالكاد، وأنا رجل كبير على مشارف التاسعة والعشرين، لذا ألا تظن أنني استحق منك احترامًا اجباريًا لفرق العمر بيننا ؟؟"
نظر له مرجان بعدم فهم ليستقيم مهيار وهو يتجاهل كل ذلك، ثم نظر صوب ليلا يقول ببسمة صغيرة :
" سوف افحصك فقط، لن ابدأ العلاج الآن، لكنني انتظر قدوم أحدهم "
نظرت له ليلا بفضول شديد وهي تتساءل عن هوية هذا الاحدهم الذي سيشاركهم الغرفة، وجاءها الرد بسرعة كبيرة حين أبصرت تبارك تستأذن الدخول .
تعجبت ليلا قدومها، فهي في الفترة الأخيرة تعرفت عليها وعلمت أنها الملكة، إذن ما الذي تفعله الملكة هنا ؟؟
ابتسم مهيار وهو ينظر باحترام شديد لتبارك التي كانت في تلك اللحظة حائرة الملامح، شاحبة الوجه تشعر أن المكان بأكمله يتحرك من أسفل أقدامها، ورغم ذلك مبتسمة بسمة صغيرة وهي تقول :
" مرحبًا، آمل أنني لم اتأخر "
" لا ليس فعليًا، لقد كنا نجري حوارًا شيقًا أنا ومرجان، بالطبع تعرفينه "
ابتسمت بسمة واسعة تقول مرحبة بمرجان:
" بالطبع مرجان رفيقي، أليس كذلك مرجان ؟؟"
ابتسم لها مرجان بلطف وسعادة من كلماتها تلك وهو يهز رأسه بقوة مجيبًا :
" بالطبع أنا وتبارك صرنا رفاق منذ اسابيع طويلة "
ضحكت تبارك ضحكة صغيرة وهي تكمل :
" منذ بدأ العريف يطردني ليسارع هو ويعوضني "
ابتسم لهما مهيار، بينما بدت ليلا متعجبة بعض الشيء من قرب العلاقة بين شقيقها والملكة، فهذه هي ...الملكة، هي ليست معتادة أن تكون الملكة بهذا القرب من بعض العاملين بالقصر أو أيًا كان، فقط الأمر مريب، خاصة قربها وتلك الاريحية التي تتعامل بها مع مهيار، ليس الأمر وكأنها تغار عليه بشكل مبالغ، لكنها فقط تتعجب الأمر .
" مرحبًا مولاتي، إنه لشرف لي مقابلتك "
نظرت لها تبارك ببسمة واسعة ثم قالت :
" الشرف لي عزيزتي "
نظرت صوب مرجان تقول بمزاح :
" شقيقتك تفوقك جمالًا مرجان "
خجلت ليلا ونظرت بعيدًا عنهما، بينما هي ابتسمت بلطف وهي تتحرك صوب مهيار الذي وضع صندوق غريب الشكل أمامها يقول :
" تسائلتي من قبل عن كيفية معرفتي للإصابات الداخلية وغيرها من الأمور "
نظرت له بفضول كبير ليبتسم هو يفتح الصندوق مرددًا :
" حسنًا ربما كنا أقل منكم تقدمًا، لكننا حتمًا لسنا أقل منكم ذكاءً، وطبيعتنا المحيطة بنا ساعدتنا كثيرًا على التقدم في شتى المجالات "
كان الفضول يأكل في جسد تبارك والتي حاولت في هذه اللحظة تناسي ما حدث في الاسطبل مع سالار وهي تقول بفضول :
" كيف ذلك ؟! "
ابتسم يكشف الغطاء عن الحقيبة مظهرًا علبة تحتوي مادة بيضاء وجوارها حجر غريب الشكل واللون يضيء بشكل لا تدري سببه .
" ما هذا ؟؟"
ابتسم لها مهيار يقول بجدية :
" تريدين التعلم ؟؟ سوف نبدأ بعمل فحص داخلي باستخدام تلك الاحجار التي تعمل نفس عمل اجهزتكم "
اتسعت أعين تبارك تحاول فهم ما يقصده وقبل أن تتحدث بكلمة اتسعت أعين الجميع حين تشنج جسد ليلا بشكل غير محسوس لولا أنها انتفضت بسرعة عن المقعد تقول دون مقدمات :
" هل يمكننا أن نؤجل هذا الأمر لاحقًا، احتاج للرحيل الآن لإتمام بعض العمل، سوف ارحل الآن ونتحدث لاحقًا، تشرفت بمعرفتك مولاتي "
رمت نظرة أخيرة صوب مهيار تهرول للخارج، بينما مرجان انتفض وكاد يلحق بها لولا يد مهيار التي امسكته يقول بجدية :
" ما بها ؟؟"
" لا ادري، ربما شعرت بقرب حالة اضطراب أو غيرها "
تحدثت تبارك بعدم فهم :
" شعرت بقرب حالة اضطراب ؟؟ هل هذا ممكن حتى ؟!"
هز مرجان كتفه يقول بهدوء شديد :
" يبدأ الأمر بتشنجات خفيفة يمكن تحملها "
كانت تبارك مندمجة في الحديث مع مرجان ولم يبصر أحدهم مهيار الذي التقط شيئًا عن مكتبه وركض خلف ليلا بسرعة وهو يدعو الله ألا تكون قد ابتعدت، وحينما كادت تخطو بعيدًا عن المشفى أوقفها بصوت مرتفع :
" ليلا انتظري .."
تحرك صوبها وهي توقفت تقول بصوت متعجل :
" أنا آسفة سيدي الطبيب عليّ الرحيل لأمر مهم "
وقبل التحرك قال مهيار :
" ليلا، على الأقل تناولي هذه الأعشاب ستساعد على مرور تلك الحالة بسلام أو على الأقل ستخفف من اعراضها "
استدارت ليلا تنظر له بأعين دامعة وهي تهمس :
" أنا بخير "
اقترب منها مهيار بخطوات صارمة :
" لا لستي كذلك، وإلا ما كنا لنكون هنا ؟؟ ليلا اسمعيني جيدًا .."
نظرت له بحزن تخفي خلفه خزي وخجل وكأن ما يحدث لها كان نتيجة اختيارها ..
" اسمعيني ليلا، أنتِ حينما وافقتي على معالجتي لكِ، لم يقتصر الأمر على فعل ذلك في الأوقات التي لا تأتيك بها حالة اضطراب، بل أنا أفعل ذلك لاتدارك تلك الحالات "
نظرت له ليلا بدموع وهو تنهد بصوت مرتفع :
" ليلا، انظري إليّ، هل يبدو لكِ أنني طبيب يفقه بتلك الأمور الداخلية كالجهاز العصبي أو المخ أو غيرها من هذه التخصصات الدقيقة ؟!"
لم تفهم هي سبب سؤاله ورغم ذلك هزت كتفها بالتزامن مع تحريك رأسها في إجابة واضحة أنها لا تدرك، فابتسم مهيار يقول بغيظ شديد :
" لا لست كذلك، أنا أعمل بالجراحة العامة، وفقط لتطبيب الجراح العادية والخطيرة، إذن تُرى ما الذي يجبرني على قضاء ليالي كاملة في البحث عن تلك الأمور ؟؟"
هزت كتفها بجهل ليصرخ في وجهها بغضب شديد :
" لأنني افعل هذا خصيصًا لاجلك ليلا، لاجلك أيتها المعتوهة، أنا فقط اريد مساعدتك فلا تصعبينها عليّ، ودعي هذا الخجل أو الغباء جانبًا "
كانت ليلا متعجبة، بل مصدومة من رؤية هذا الوجه من مهيار مجددًا، والذي ابتسم لها بسمة واسعة يقول :
" إذن هل نعود يا صغيرة ؟؟"
ابتلعت ريقها وفتحت فمها للرفض، لكن هو قاطعها يقول بصوت حاد :
" اتبعيني رجاءً "
نظرت لظهره بصدمة فهو القى بالكلمة ورحل وكأنه يضمن موافقتها، وقد كان فها هي تتبعه بترقب، وسعادة مجهولة المصدر، أو معلومة فأي مصدر ذلك في وجوده ؟!
في العيادة كان مرجان يقول بحزن شديد :
" هي كلما أحست باضطرابات حتى وإن كانت عادية ركضت لتسجن نفسها بعيدًا عن الجميع، ولا تقبل بأي شكل من الأشكال أن يراها أحد أو تتحدث مع أحد في تلك الحالة، فقط تكتفي بسجن نفسها وعدم الخروج ولو سقطت السماء على الأرض"
ختم حديثه يبصر عودة مهيار من الخارج تتبعه ليلا التي كانت تنظر ارضًا بخجل وصوت مهيار يصدح بجدية :
" هيا تسطحي على هذا الفراش "
كان يشير صوب فراش وهي تحركت بكل بساطة وطاعة وجلست عليه وهو فقط ابتسم بسمة واسعة يقول :
" إذن لنبدأ الفحص "
كل ذلك كان يحدث تحت أعين مرجان المصعوق منا يحدث وتبارك التي تراقب ما يتم أمام عيونها مرددة باستنكار :
" هذه هي الفتاة المكلومة التي لم تكن تسمح لأحدهم أن يشهد انهيارها !!"
ردد مرجان وهو يراقب شقيقته التي تكاد تتبخر من الخجل الشديد :
" كانت ...كانت مكلومة، الآن أصبحت مسحورة، لقد ألقى عليها مهيار تعويذة، أكاد أجزم بذلك "
ابتسمت تبارك تراقب ليلا :
" نعم تعويذة حب يا مرجان "
نظر لها مرجان بعدم فهم، لكنه لم يهتم حقًا بكل ذلك وهو يضع جل اهتمامه على ما يحدث لشقيقته ...
وعند ليلا كانت تنظر له وهو يبتسم لها بحنان يمد يده لها بعلبة قائلًا :
" ضعي هذا بحرص شديد على مقدمة الجبهة رجاءً"
تسلمت منه ليلا العلبة تقول بصوت خافت :
" هل هذا مؤلم ؟؟"
" لا، ليس مؤلمًا بأي شكل من الأشكال، لا تقلقي ليلا فلن اعطيكِ ما يوجعك "
نظرت ليلا في اعينه ببسمة واسعة، ثم قالت بصوت خافت :
" أنا أثق بك سيدي الطـ "
وقبل أن تنتهي من كلماتها أُنتزعت العلبة من يده بشكل مفاجئ وقال مرجان بغيرة وحنق شديد :
" لننتهي فقط من كل ذلك "
نظر له مهيار بغضب لافساده تلك اللحظات ومرجان لم يهتم وهو ينظر لليلا بغيظ والتي كانت تنظر لها بدورها في حنق وغضب شديدين .
انتبه لها مرجان يقول بصوت غاضب وهو يضع لها تلك المادة البيضاء :
" ماذا ؟! لماذا تنظرين لي بهذا الشكل ؟!"
رفعت ليلا يدها تنخز جانبه بغضب شديد وهو ابتسم باستفزاز لتزفر بصوت مرتفع تحت أعين مهيار المتعجبة ونظرات تبارك المستمتعة والتي تراقب ما يفعل مهيار بتلك الادوات ....
__________________
فُتحت ابواب القصر أمام الأحصنة ليكون إيفان اول من يدخل يتبعه حصان كهرمان التي كانت تجلس عليه مرفوعة الرأس كعادتها، مشهد بدا كما لو أن الملك عائد من رحلة ما مع زوجته وهذا ما جعل العاملات اللواتي توقفن في الطريق يراقبن ما يحدث، يستنكرن ما يرون، أوليست هذه عاملة مثلهم ؟؟
هي ترتدي ثيابهم، إذن هي منهم، كيف لها أن تجاور الملك بهذه الطريقة ؟؟
تناقلت الكلمات وتناثرت الأقاويل في ارجاء القصر حتى وصلت لها، أمام باب جناحها بمساعدة من إحدى خادماتها المخلصات، وهذا ما تسبب في اندفاع جسد شهرزاد بشكل مخيف وهي تركض صوب الشرفة كي تبصر الحقيقة من الزيف .
وحين وصلت كانت الصدمة لها، إيفان يتوسط ساحة القصر على حصان وتجاوره تلك الخادمة التي ...حاولت هي التخلص منها، ياللسخرية .
وفي الخارج كانت تبارك تقف بعيدًا تتابع كل ذلك بعدما خرجت من المشفى، كانت عيونها تدور باهتمام شديد على الجميع، فقط تبحث عنه فهو حتمًا كان مع الملك صحيح ؟؟
لكن خاب ظنها حين هبط الملك عن حصانه ونظر في المكان المحيط به وبعدها عاد بنظره لكهرمان ينظر لها نظرات غريبة، نظرات جعلت وفي ثواني كلمات شهرزاد ترن داخل أذنها .
"الملك يدور حول تلك العاملة بشكل واضح للجميع، وأنت تدور حول تلك الفتاة التي أحضرتها لنا من ذاك العالم "
العاملة؟؟ العاملة؟؟ العاملة ؟! كهرمان ؟! هي كهرمان ؟؟ العاملة هي كهرمان ؟؟
ابتسمت تبارك بسمة واسعة هي أبعد ما يكون عن السعادة، ابتسمت بسمة غير مصدقة وهي تضع يدها على فمها تراقب ما يحدث أمامها بصدمة كبيرة، تراقب ترجل كهرمان عن الحصان تحت أعين الجميع ثم ارتفاع صوت إيفان الجهوري في المكان وهو يهتف بصوت صارم :
" هناك من تجرأ على أحد رعاياي وأمر بخطف إحدى العاملات هنا، جريمة لا نتهاون في عقابها، فما بالك لو كانت تلك الجريمة ضد أميرة ؟؟"
اتسعت الأعين حوله وتكاثرت النظرات المتعجبة بينما تبارك تراقب ما يحدث ببسمة صغيرة وافكار غير مُعلنة تدور داخل رأسها .
وشهرزاد تقف بعيدًا أعلى النافذة تراقب ما يحدث بأعين مخيفة تحاول فهم ما سمعته ..
حتى اخترقت بعض الكلمات أذنها بشكل مخيف :
" هذه هي كهرمان، أميرة مشكى وآخر من تبقى من العائلة الملكية هناك، وتهديدها يعتبر تهديد لمشكى ونظام الحكم بها حسب القوانين المتعارف عليها في جميع الممالك، لذا وعليه سيتم معاقبة أيًا كان من فعلها عقابًا عسيرًا "
ختم حديثه ينظر صوب كهرمان التي كانت تحاول تجرع صدمتها وهو ابتسم لها بسمة صغيرة يميل برأسه في هدوء شديد :
" اعتذر عما تلقيته من معاملة داخل قصري أميرة كهرمان، لكن صدقيني ستحصلين على قصاصك العادل، فما من أحد يُظلم أسفل سماء بلادي دون أن ينال حقه، ولو كان طفلًا رضيعًا"
ختم حديثه ينظر لها وهي تراقبه من خلف الغطاء، حتى أبصرت انحناءة صغيرة منه تبعها رحيله بكل هدوء دون أن يعبأ أنه للتو حوّل جميع الأعين والالسنة صوبها هي ..
اتسعت الأعين وبدأت الهمسات تكثر حول كهرمان التي ابتلعت ريقها وهي تحاول تجنب كل ذلك، فكرت بالتحرك صوب المشفى لرؤية برلنت، لكن وقبل أن تفعل أبصرت تبارك تراقبها بنظرات غريبة من مكان قريب بعض الشيء .
شعرت كهرمان بالصدمة من وجودها، وتحسست بسرعة غطاء الوجه تتأكد أنه كان يخفي خلفه ملامحها وتعابير وجهها، ثم ابتلعت ريقها تقترب منها بهدوء :
" مرحبًا تبارك، كيف حالك ؟؟"
ابتسمت لها بسمة صغيرة :
" حمدًا لله على سلامتك كهرمان "
وبتلك الكلمات أعلنت تبارك انتهاء الحوار القصير مع كهرمان، وداخلها تعم فوضى .
احتاجت هي لمكان بعيد عن الجميع كي ترتب كل ما يدور داخلها، بينما كهرمان تلقت ضربة في منتصف صدرها من رد تبارك المقتضب تهمس لنفسها برعب من تلك الفكرة ورغبة في البكاء :
" هل ...هل اغضبتها ؟؟"
___________________
في الخارج وبعدما تحرك تميم للداخل حتى يجلس جوار زوجته، كان يستطيع هو الرحيل للانتهاء من أموره خاصة أن القائد ارسل لهم في اجتماع هام بشأن المعركة القادمة، لكن ها هو يجلس ارضًا حيث كان يجاور تميم يراقبها بهدوء دون أن ينبث بكلمة واحدة، وهي تنظر لباب الغرفة تحاول تلاشي النظر له .
وللمرة الأولى منذ عرفته يجلس الاثنان قبالة بعضهم البعض بهذه السلمية وهذا الهدوء، هدوء مريب كما لو أنه ينبأ ببوادر عاصفة ..
" إذن ؟! ما سر هذا الهدوء ؟؟"
نظرت له زمرد، ثم عادت تحدق في يديها تفركهما بتوتر ملحوظ، تحاول أن تتلاشى أي كلمة معه، وهو لاحظ محاولتها التهرب من الحديث معه، فابتسم بسخرية وصمت ينظر بعيدًا عنها .
وزمرد التي شعرت برغبة عارمة في الحديث معه، وقد تعبت وملت كل ما يحدث ذلك، حتى أنها فكرت في أحد الأيام أنها ستخبره بمشاعرها وموافقتها وتتجاهل حياتها السابقة، لكن هل تستطيع ؟؟
ابتسم دانيار حين انتبه لكل تلك الحيرة التي تعلو وجهها، وقبل أن يتحدث بكلمة سمع صوتها يقول :
" هل ... أخبرت الملك ما أخبرتك به ؟؟"
نظر لها بعدم فهم لثواني قليلة قبل أن يدرك ما تقصد هي، فجأة اتسعت عيونه حين تذكر كلماتها :
" أوه تلك الأخبار التي جاءت لكِ بشكل مجهول غريب ؟؟ حقًا، كيف تريدين مني اخبار الملك بما تحدثتي به عندما يسألني عن مصدر تلك الأخبار ؟!"
نظر لها بسخرية وهو يردد :
" هل أخبره، عذرًا مولاي فإحدى عاملات القصر مجهولات الهوية والتي تستمر في الكذب عليّ بخصوص هويتها هي من أخبرتني بتلك المعلومة متحججة أنها أحد المنبوذين ؟!"
نظرت له نظرات مريبة، ثم ابتسمت بسمة صغيرة تقول بصوت غريب وكأنها تنطق أمرًا لا يجب أن تنبث به بينها وبين نفسها حتى :
" يبدو هذا خيارًا جيدًا لي "
تشنجت جميع ملامح و دانيار والذي لم يعجبه ما سمع ليقول بصوت حاد :
" توقفي عن المزاح بهذا الشكل زمرد، إياكِ وتشبيه نفسك بهؤلاء الأشخاص ولو على سبيل السخرية أو المزاح، هذا ليس مزاحًا البتة، هؤلاء القذرون لا تذكري نفسك معهم في الجملة ذاتها لئلا تتلوثي بذكرهم "
وترافق مع صوت دانيار ذلك صوت والدها مجددًا وهو ينظر لها هامسًا بصوت خافت :
" لا أحد سيرى أنكِ إنسانة صالحة، هم فقط سيرون أنكِ منبوذة فاسدة بنيتي "
والحمدلله أن والدها رحل قبل أن يرى بعيونه صدق حديثه، لا أحد يهتم بأي شكل تربت أو أنها تخجل وتتبرأ من اصل والدها، الجميع فقط يرى جزءها السييء، حتى دانيار ..
ودانيار الذي قال تلك الكلمات فقط لأنها رفض في نفسه أن تتشبه فتاة شجاعة رائعة وقوية كزمرد بهؤلاء القذرين، ونفس بصوت مرتفع :
" أنا لم أقصد أن أتحدث معكِ بشكل حاد، لكن فقط كنت أريد أن..."
قاطعته زمرد تقول بصوت خافت ووجع كبير، وفي صدرها حاجة كبيرة للصراخ في وجهه أنها ليست كما يقول، تود أن تتخلص من هذا الحمل الذي يجثم فوق صدرها .
" لا، لا بأس، أنت محق، ما كان عليّ أن أشبه نفسي بهذا النوع من الأشخاص، فإن فعلت سأتلوث مثلهم"
صمتت ثم رفعت عيونها له تقول بجدية :
" يبدو أنك تمقتهم بشكل خاص "
رفع دانيار حاجبه يتساءل بعدم فهم :
" أي شكل خاص هذا ؟؟ هؤلاء الأشخاص دمروا بلاد وقتلوا اخوتي وشردوا نساءنا، تتحدثين كما لو أنكِ لا تدركين ما يفعلون "
" بلى، افعل، صدقني لا احد يدرك ما يفعلون بقدري"
ولم يفقه دانيار الجملة الأخيرة لها ولا ما تحاول إيصاله منها وهو يتساءل بجدية :
" ما الذي تقصدينه ؟؟"
ابتسمت له بسمة تقول بصوت خافت :
" لا ..."
قطع جملتها التي لم تكن تعلم لها من تكملة صوت اقتحام كهرمان للمكان بخوف شديد :
" كيف هي حالة برلنت ؟؟؟"
نظرت زمرد صوبها بلهفة شديد وقد شعرت أن أنفاسها عادت للانتظام، لتنهض وتتحرك صوبها بصدمة وهي تهتف باسمها :
" كهرمان، لقد عدتي، يا الله أنا لا اصدق، هل أنتِ بخير؟ هل تعرض لكِ أحدهم ؟! يا الله سأقتلهم بيديّ هاتين "
نظرت لها كهرمان بحب تضمها مجددًا لها تطمئن بوجودها وهي تحاول أخذ أنفاسها براحة، بينما دانيار تحرك صوب الغرفة يطرق الباب يقول بصوت خافت :
" تميم يحتاجوننا في اجتماع هام "
دقيقة وخرج تميم يشير له بالتحرك، ودانيار بالفعل تحرك معه دون أن يلقي نظرة أخيرة حتى على زمرد التي اختفتت بأحضان كهرمان منه، اتخذتها درعًا لتقي قلبها شر نظراته، لكن هل سيطول هروبها؟! هي تشعر أن لحظة معرفته الحقيقة اقتربت، اقتربت أكثر مما تتخيل ...
__________________
" لقد علمت أنه يمكنني العثور على إجابات لديك أيها العريف "
ترك العريف ما يحمل من يده ثم قال بصوت حانق وهو حقًا يشعر بالملل :
" ومن أخبرك بهذا يا ترى؟! صدقيني من فعل كان يكذب عليكِ "
تنهدت تبارك بصوت مرتفع تنظر داخل عيونه بقوة وكأنها تستجوبه :
" حسنًا اسمعني، أنت تعلم شيئًا ما وتخفيه، لا يعقل أن تكون ارسلت سالار لاحضاري لأجل لا شيء، اخبرتني سابقًا أن وجودي هنا ليس خطأ البتة، مالي أرى نفسي عديمة الفائدة ؟؟"
نظر العريف داخل عيونه يجيب سؤالها بسؤال خاص :
" ما الذي تشاهدينه في احلامك ؟!"
بُهت وجه تبارك وهي تهمس بصوت غير واعي :
" ماذا ؟؟"
" لقد أخبرتني سابقًا أنكِ تشاهدين احلامًا غريبة، هل يمكنكِ اخباري بها؟؟"
لم تعلم تبارك ما يجب قوله لكنها فقط تحدثت بشك :
" لماذا ؟؟ "
لم يتحدث العريف بشكل مباشر، بل فقط فعل ما يبرع به طوال الوقت ويتقنه وبشدة، ألا وهو الدوران حول الموضوع :
" فقط لأنني أدرك أن الاحلام هي بوابتنا على العقل الباطن، وأنه ليست جميع الاحلام أضغاث وليست جميع الاضغاث رؤى، كل شيء لسبب وكل همسة تخفي خلفها احاديث يا ابنتي "
نظرت له تبارك بشك كبير وهي تشعر أن هذا الرجل مريب بعض الشيء :
" حسنًا أنت الآن تخيفني أكثر مما كنت تفعل سابقًا "
انضم لهم مرجان الذي وضع كتابه أعلى الطاولة التي يجتمع عليها الاثنين وقال بهدوء وهو يحلق بنظراته عليهما :
" فعليًا الاحلام تحمل لأصحابها العديد من الرسائل، فأنا مثلا في أحد الأيام رأيت أنني اركض خلف قلم ولم استطع اللحاق به، وانظري إليّ تحقق حلمي "
ونظرات تبارك الموجهة له أخبرته أن رسالته لها لم تصل لها واضحة فقال بكل بساطة :
" أعني القلم هذا هو مكانة العريف وأنا اركض خلف هذه المكانة ولا استطيع الوصول لها "
صمت يميل عليها هامسًا تحت أعين العريف الحانقة:
" هذا لأن العريف يتمسك بالحياة تمسك الأرنب بجزرة، ولكي احصل على مكانته يجب أن يرحل هو عن عالمنا أولًا "
فجأة أطلق تأوهًا عاليًا حين شعر بالكتاب يسقط على رأسه وصوت العريف خرج حانقًا مغتاظًا :
" أيها الغبي الحقير تود التخلص مني لأجل مصالحك الشخصية ؟؟ لا ينقصك سوى أن تسمني لتصل لغرضك "
فرك مرجان رأسه يحاول أن يردعه عن ضربة أخرى، لكنه فشل حين هبط العريف بضربته أعلى رأسه قائلًا :
" هذا فقط لتفكر قبل حديثك، فأنا إن أردت سأخبر الجميع أنك لا تليق بدور العريف لهذه المملكة وأقطع عليك احلامك بالكامل "
صرخ مرجان وهو يمسك يد العريف برجاء :
" لا لا اعتذر لك، اقسم أنني لم اقصد كل ذلك، أنا فقط أخبرها بالأمر كمعلومة، فهي لم تفهم الحلم الخاص بي و..."
قاطعه العريف بملل شديد :
" هيا انهض من هنا يا فتى وأكمل دراستك، هيا هيا"
دفعه وهو يجبره على الرحيل إذ ود الاختلاء بتبارك، وفعل مرجان ذلك سريعًا وهو يعتذر منه، وحين رحل ابتسم العريف بسمة لم تعجبها لتبارك وهو يقول :
" إذن ما الذي كنا نتحدث به ؟؟ نعم احلامك، قصي عليّ احلامك يا ابنتي "
ورغم أن لهجته الحنونة المهتمة الغريبة لم ترح تبارك إلا أنها فكرت في الأمر بشكل سريع، فإن كان هناك من يستطيع مساعدتها في هذا الأمر هنا فهو العريف .
تنهدت تقول بصوت منخفض وخجل بعض الشيء :
" حسنًا الأمر أنني قبل أن آتي إلى هنا ببعض الوقت بدأت الاحلام تراودني بشكل غريب، احلام مريبة و...تبدو كما لو كانت حقيقية "
ومن بعد تلك الكلمات أخبرت تبارك العريف بكل شيء وهو يستمع لها بهدوء شديد، دون لمحة استنكار أو دهشة أو غيرها وكأنه كان يتوقع حديثها هذا، حتى انتهت ورأت على وجهه بسمة مريبة وسمعت همسة لا تدري إن كانت كما سمعت أم هي أخطأ السمع :
" إذن ما رأيته صحيحًا "
" ماذا ؟؟"
نظر لها العريف بلهفة يردد :
" اصدقيني القول يا ابنتي، هل ...هل تعرفين ذلك الرجل الذي يظهر لكِ في احلامك ؟؟ "
ترددت تبارك في القول لكنها اكتفت بهزة رأس صغيرة ولم تزد عليها فأدرك العريف ما تضمر وقال لها بصوت خافت :
" ما ترينه في احلامك ما هي إلا رؤى يا ابنتي، الله يرسل لكِ إشارات بما يجب فعله فأحسني التصرف "
" ماذا تقصد ؟! ما أراه لا يمكن أن يتحقق فهو ..."
قاطعها العريف بغموض :
" ما كان لحلم أن يتحقق إلا بإرادة الله، ما ترينه حقيقة مؤجلة، فقط آمني بها ودعي الأيام تريكِ إياها.."
شردت تبارك بعيدًا عنه وهي تفكر في احتمالية أن يكون سالار هو زوجها ؟؟ هل يعقل؟! لكنها وعلى حسب ما سمعت ستتزوج الملك بعد أيام قليلة و...
انتفضت حين وردت لها تلك الفكرة تشعر بنفورها الشديد من هذا الزواج، ليس نفورًا من إيفان كشخصية بقدر نفورها من فكرة الزواج نفسها بغير سالار، يا الله هي أحبته ولا تستطيع تخيل نفسها تُزف لآخر، لكن ماذا عنه هو ؟؟؟ هل يراها ملكته فقط ؟؟؟
خرجت من المكتبة وهي تحاول أن تفكر في الأمر، العريف أخبرها أن ما تراه صحيحًا وحقيقيًا، لكن كيف وهي بعد أيام فقط سـ .، لا لحظة هي لن تخوض هذا النقاش الآن وفي هذه اللحظة، لتعود أولًا لغرفتها ثم تفكر في سالار الذي يتحرك أمامها الآن بكل قوة والجميع حوله ينظر له باحترام، يسير وكأنه يمتلك المكان ولا يأبه بمن حوله، وما كانت تبارك لتطيل النظر به هكذا لولا أنها لمحت بطرف عيونها توقف بعض النساء على مسافة منه يتهامسون وهم يشيرون صوبه .
اتسعت عيونها تنظر لهن بصدمة تتساءل عن شجاعة النساء في النظر له، فعلى حد معرفتها الجميع هنا يكره مروره بهن ويهابونه، وهي بالفعل لم تكن استثنائًا، كانت كذلك حتى آلفته .
مر بها سالار وابصر حيرتها وكاد يكمل سيره، لولا أنه رأى نظراتها على شيء خلفه، فنظر بفضول شديد يبحث عمن تنظر له ليبصر نساء في ثياب ملونة مميزة ليرفع حاجبه :
" ما الذي تنظرين له ؟!"
نظرت له تبارك بصدمة تتعجب كيف وصل لها دون شعورها ؟!
" أنا فقط ...أنا ...من هؤلاء النساء ؟؟"
كانت تسأل بغضب شديد غير ظاهر، وهو قابلها بغضب أشد غير مفهوم :
" وما شأنك بهم ؟؟ "
اتسعت أعينها لا تصدق كم الوقاحة به :
" ما الذي تعنيه أنت ؟؟ أنا فقط أسألك لأنني... لأنني تعجبت ثيابهم هذه و..."
" إياكِ "
نظرت له بعدم فهم ليكرر هو كلماته بشر كبير يرفض أن تفكر حتى مجرد تفكير في الاعجاب بهن أو الذهاب معهن، فهو يدرك أنها تنجذب لكن شيء حولها وتحب تجربته دون الاهتمام بكينونته :
" هؤلاء النسوة لهن عمل في القصر لا تتدخلي به، لا من قريب أو بعيد، إياكِ أن تقتربي منهن، دعيهم ينتهون من عملهن ويرحلن بسلام حسنًا ؟؟"
وبهذه الكلمات أثار فضول تبارك أكثر وهي تتساءل بجدية :
" وما هو عملهن هذا يا ترى ؟؟"
لم يحب سالار أن يخوض هذا الحديث معها وقال :
" هن نساء لإحياء حفلات النساء ولا أعتقد أن هذه معلومة قد تفيدك في شيء أو تلزمك في شيء، لذا رجاءً لا أود رؤيتك تحاولين الاقتراب من النسوة "
نظرت له تبارك بصدمة هامسة :
" هل تستحقر النسوة أم أنني اتوهم ؟؟"
اتسعت أعين سالار بقوة رافضًا لهذا التحليل وهو يدافع عن نفسه :
" ماذا ؟؟ أنا لا أفعل، هن لا يفعلن شيء خاطئ لاحتقرهن البتة، بل لا افكر حتى فيما يخصهن، لكن أنتِ ..."
" أنا ماذا ؟؟"
لا أحب رؤيتك تفعلين مثل النساء ولو أمام نساء مثلك، هكذا أراد أن يقول، لكنه كبت كل هذا يبعد عيونه عنها :
" لا شيء فقط ...يمكنك الاهتمام بتدريباتك التي اهملتيها بشكل ملحوظ منذ أيام، خيرًا من كل هذا، والآن استأذنك الرحيل مولاتي "
وبهذه الكلمات ختم وجوده وهو يتحرك بعيدًا عنها بسرعة كبيرة وهي تنظر له بتفكير لا تفهم سبب ما فعل، قبل أن تعود للنساء بعيونها تراهن يتحركن بعيدًا:
" هذا الرجل معقد بشكل لا يمكن فهمه حقًا ...."
_______________
يجلس أعلى عرشه وهي واقفة أمامه وحوله جميع رجاله وبحضور والدته، لم يغفل عن أحدهم، تنفس بصوت مرتفع :
" داخل جدران قصري وبين اسوار مملكتي تم خطف امرأة، ومن العائلة المالكية في مشكى، وهذه الجريمة لا يمكن التغاضي عنها، بالإضافة إلى إصابة امرأة أخرى والتي تكون هي نفسها زوجة صانع الأسلحة، جريمة أخرى تضاف لسجلكم، والآن إن كانت لديكم حجة تنقذون بها أنفسكم فأسمعوني إياها"
تبادل الرجال النظرات فيما بينهم، قبل أن تتحرك أعين أحدهم صوب شهرزاد التي كانت تجلس شاحبة الوجه تحاول أن تتغافل عن نظراتهم التي التقطها إيفان بكل سهولة فأسرها في نفسه يقول بصوت جامد قوي :
" قلتم أن أمر أخذ الأميرة كهرمان لسبز كان أمرًا ملكيًا، ولا أتذكر أنني أعطيت الأمر بذلك، فممن أخذتم ذلك الأمر؟؟"
ابتلعت شهرزاد ريقها وقد أدركت في هذه اللحظة أنها هالكة لا محالة، وحينما نظرت لأحدهم رأت نظراته الكارهة لها فشعرت بقرب نهايتها، كاد ذلك الرجل يتحدث :
" مولاي إنـ "
لكن يد رفيقه أمسكت مرفقه وقاطعته عن الحديث قائلًا بجدية كبيرة :
" لا احد مولاي "
رفع إيفان حاجبه وهو ينظر بطرف عيونه صوب الملكة ليقول :
" لم يكن هذا حديثكم حين أمسكت بكم "
" لقد أخطأنا وقتها، نحن لم نأخذ أوامر من أحد "
ابتسم إيفان بسخرية لاذعة :
" إذن ما سبب اخذكم للأميرة صوب حدود سبز ؟؟"
نظرت لهم كهرمان بجدية كبيرة تنتظر منه ردًا، لكن جاءها الرد قاتلًا، إذ ابتسم الرجل الذي يقف أسفل عرش إيفان وهو يقول بصوت هادئ وكأن ما يقوله أمر مسلم به مشيرًا صوب أحد الرجال معهم والذي كان صامتًا منذ بداية المحاكمة :
" مولاي نحن لم نعلم أنها أميرة مشكى سوى منك، هي كانت تعمل هنا عاملة وقد أوقعت رفيقي في شباكها واتفقت معه على الهرب لسبز والزواج هناك ، وهي تحركت معنا بهدوء ورضى، لم نجبرها "
اتسعت أعين كهرمان بشدة وكذلك زمرد التي انتفضت عن مكانها تصرخ بصوت مرتفع متجاهلة كل من حولها في المكان أو أنها حتى في حضرة الملك ولا تقف أمام والدها في قريتها التي لا يحكمها قوانين :
" أنت أيها الوسخ تتهم الأميرة بمرافقة هذا الرجل جوارك، بل وتتهمها بمرافقته والهرب معه للزواج ؟! "
كانت تتحدث وهي تتحرك بنية اخراج خنجر من ثيابها بغضب شديد وقد اغضبها أن يتهم أحدهم كهرمان التي تقف هكذا صامتة دون أن تبدي ردة فعل، وما لم تدركه زمرد أو تجاهلته، أن كهرمان لم تصمت حزنًا أو ضعفًا منها، بل لأنها تدرك أن الصراخ والتدخل في حكم الملك لن يزيد الأمور إلا سوءًا .
وبنظرة سريعة صوب دانيار الذي حذرها بعيونه حين رأى الخنجر الذي ستخرجه في قاعة الحكم وأمام الملك ورجاله، أعادت زمرد الخنجر مجددًا بملامح غاضبة وهي تضيف على حديثها السابق :
" هذا الرجل كاذ..."
قاطعها إيفان بصوت قوي صارم :
" كلمة إضافية وتُطردين من المكان، وإن تجرأتي وتدخلتي في شؤون الحكم ستقضين ليلتك في سجن القصر "
نظرت له زمرد بسخرية لاذعة ولم تكد تخبره أنها لا تهتم حتى قاطعتها كهرمان بسرعة :
" اعتذر منك مولاي، لكن صديقتي فقط سريعة الغضب ولم تقصد أي إهانة أو تخطي لجميع الموجودين "
ونظرة زمرد غير الراضية أخبرتها جيدًا أنها لا تهتم بكل ذلك .
تنفس إيفان بقوة، ثم تجاهل كل ذلك يعود بعيونه صوب الرجل يمنحه بسمة صغيرة :
" نعم اكمل ما كنت تقوله، قلت أن الأميرة هربت مع رفيقك للزواج في سبز صحيح ؟؟"
ابتلع الرجل ريقه يهز رأسه بنعم :
" صحيح مولاي، لكنه لم يكن يعرف أنها أميرة اقسم لك "
اومأ له إيفان يقول بجدية :
" لا بأس، أدرك أن لا أحد كان يعلم أنها أميرة، لكنني لا أتذكر أنني أصدرت اوامري من قبل بإلغاء الزواج في المملكة "
نظر صوب إمام القصر والشيخ يقول بجدية ساخرة وجهل مصطنع :
" هل سبق واصدرنا قوانين تُحرم الزواج هنا يا عم ؟؟"
نفى الإمام يحرك مسبحته بين أصابعه:
" لم يحدث يا مولاي "
ابتسم إيفان يعود بنظراته صوب الرجل يقول بجدية :
" وايضًا منذ متى نزف نساءنا في عربات خشبية مغلقة كالسجن ونغلق عليهن ؟؟ "
ابتسم له بسخرية :
" أقدر مروءتك وغيرتك ودماءك الحارة يا رجل، لكن ليس لهذه الدرجة، هي سلمت لك ووافقت على مرافقتك والزواج بك في سبز لماذا السجن إذن ؟؟"
ابتلع الرجل ريقه وشعر أنه حوصر، وتغافل عن أن شيئًا غبيًا كالذي ذكره ما كان ليمر على إيفان بسهولة، اكمل إيفان بكل هدوء لا يظهر أي انفعال يدور داخله كعادته :
" لنفترض أن تلك هي إحدى طرقك في التعبير عن حبك العنيف لها، وهي وضعها في سجن أثناء الذهاب لعقد قرانكم في سبز بعدما منعت الزواج داخل حدود مملكتي، ما ذنب تلك المسكينة رفيقتها ليصيبها أذى أثناء تحرك الملكة معكم في هدوء شديد ورضى ؟؟"
ختم حديثه يبصر بطرف عيونه تحرك جسد تميم بشكل مستاء وكأنه يود النهوض والانقضاض عليهم، وعلى التوتر الأجواء وشعرت شهرزاد بالخطر يزداد، لكنها طمئنت نفسها أنهم لن يعترفوا عليها بعد كل تلك الأموال التي عرضتها عليهم مع مرسول لها داخل القصر .
وبعد صمت قصير أضاف إيفان:
" إذن وبما أن لا رد على حديثي فهذا يثبت ادانتكم بخطف امرأة، لذا سريعًا نحصر سويًا التهم الموجهة لكم، اولًا خطف امرأة، ثانيًا ضرب واذية امرأة أخرى بشكل بالغ تسبب في دخولها في حالة سبات غير محددة، ثالثًا تعديتم على قوانيني، رابعًا تعديتم على حرمة نساء القصر وامسكتم بها بشكل غير لائق، خامسًا خرجتم من القصر دون أمر مني، سادسًا حبستم الأميرة بشكل مهين في إحدى العربات وهذا من شأنه أن يتسبب في حروب بين ممالك، سابعًا تبجحتم وقصفتم محصنات امامي وأمام الجميع واتهمتم امرأة شريفة بأنها ترافق رجلًا وهربت معه، و أخذتم أوامر من غيري داخل هذا القصر "
اتسعت أعين الرجال وشعروا بالصدمة من كل تلك التهم التي وُجهت لهم، يا الله لن يكفيهم عمرهم لدفع كل ذلك، سيفنى عمرهم وهم يحاولون التكفير عن كل تلك التهم ..
و يبدو أن الخوف يتغلب احيانًا على الطمع فقد تقدم أحدهم يجلس ارضًا على قدمه برعب شديد :
" مولاي أتوسل إليك اغفر لي، اقسم أنني لم أفعل ذلك إلا لحاجتي للمال "
نظر له إيفان بجدية يقول :
" منذ متى قصدني أحد الرجال في مساعدة ورددته خائبًا؟؟ هل طلبت مالًا من صندوق المساعدات في المسجد ورفض الشيخ اعطائك ؟؟"
نكس الرجل رأسه ولم يتحدث وإيفان قال بهدوء يخفي خلفه عاصفته :
" من الذي امرك بفعل ذلك ؟؟"
صمت الكل وشعر الرجل بالخطر يقترب منه :
" مولاي أنا ارجوك ا..."
" من ؟؟"
كلمة نبثها ببرود وملامح لا تعابير فيها، ليرفع الرجل وجهه صوب شهرزاد التي هربت خفقة مرتعبة منها وهي تحاول أن تنسحب من المكان لولا همسة الرجل الذي قال :
" الملكة الأم، هي ...هي من أمرتنا بأخذ الخادمة صوب سبز واخبرتنا أنها ستهديها لزوجة الملك بارق لتعمل لديها "
سقطت الكلمات على رؤوس الجميع بصدمة كبيرة وكهرمان التي رمقت الملكة بازدراء واستنكار شديد، لم تظن أن كرهها سيصل بها لهذه المرحلة .
وإيفان لم ينظر لها نظرة واحدة وهو يحدق أمامه بكل هدوء ورباطة جأش يُحسد عليها وهو يصدر حكمه :
" عشرة أعوام هي المدة التي ستقضونها خلف قضبان سجوني مع ارسال باقي مستحقاتكم لعائلاتكم، ومن يعيل منكم أسرة مالها سواه فسوف يتم إرسال لها مبلغًا شهريًا، يسدده رب الأسرة بعد خروجه من السجن والعمل، هذا لخطفكم أميرة وتجرأكم على قوانيني، وسيتم جلد ذلك الذي تجرأ ورمى المحصنات ثمانين جلدة جراء تعديه على حرمة العرض وقذف امرأة شريفة بالباطل، وسيكون للأميرة حق تقرير التعويض الذي يرضيها لما عانته، أما فيما يخص عقوبة التعدي على امرأة بالضرب فهذا سيتحدد حين تتحدد حالتها الصحية وحينها يُترك القصاص لصاحب الحق وهو القائد تميم "
صمت ثم أخذ نفس طويل يتجاهل أي نظرات تحدق به وخاصة كهرمان :
" أما عن الملكة الأم تُجرد من جميع الامتيازات التي مُنحت لها وتُعزل تحت حراسة مشددة في المنزل الجنوبي وفي إقامة جبرية إلى أجل غير مسمى، وسيتم منح عائلات الرجال الذين اغوتهم عن الحق باتباعها، اموالًا من أموالها الخاصة، وتُمنع من التحرك داخل البلاد إلا بأمر مني، هذا كل شيء من يرى منكم إني ظلمت أحدهم بالحكم فليتقدم ويعترض "
وعم الصمت إلا من بعض الهمسات المنخفضة ليهز إيفان رأسه، ثم وقف يقول بهدوء شديد :
" جيد إذن، انتهت المحاكمة يا سادة "
تحرك خارج المكان بقوة متجاهلًا نظرات والدته المصدومة وعيونها الدامعة، تجاهل كل ذلك ولم يفكر فيه حتى، يكفيه ما يعانيه الآن جراء ما قال، لكنه لن يظلم أحدهم لأجل والدته، ولو كان هذا الاحدهم طفل صغير .
تنفس بصوت مرتفع يتحرك صوب الجناح الخاص به ليقابل في طريقه سالار الذي لم يحضر المحاكمة :
" مولاي هل أجهز للاجتماع و ..."
قاطعه إيفان وهو يتحرك بعيدًا بتعب وإرهاق نفسي :
" نعم سالار بعد ساعة نجتمع "
نظر له سالار بعدم فهم وود لو يلحق به، لكنه لم يفعل إذ شعر أنه بحاجة للانفراد بنفسه في هذه اللحظة ...
___________________
بعد ساعة تقريبًا..
" اقترب العيد الوطني واقترب معه الكثير والكثير، بعد يومين سيكون هناك الكثير من الأمور لنحتفل بها يا رجال"
ختم إيفان حديثه ببسمة يراقب أمامه جميع رجال قصره أصحاب المكانة العالية وبلا استثناء، الجميع كان حاضرًا سواء قادة جيوشه أو العريف ومساعده، وكذلك المستشارين الخاصين به ..
دار بعينه بينهم يقول بسعادة طاغية :
" لذا أريد من الجميع أن يعمل على خروج الاحتفال بأفضل شكل ممكن، انشروا البهجة في المملكة، زينوا جميع الطرقات، أريد أن تصل اصوات الاحتفالات الخاصة بنا للجميع، فاليوم الوطني لا يأتي كل يوم "
كان الجميع يراقبه بهدوء وملامح حاد، وإيفان يقول ببساطة شديد :
" اليوم مساءً سأرسل لكل واحدٍ منكم دوره خلال هذا اليوم، كلٌ على حدة سينال مهمته وليس هنا "
تعجب الجميع الأمر فهذه المرة الأولى التي يتبع بها الملك هذه السياسة في التخطيط، بينما إيفان لم يهتم وهو يضع العديد من الاحتمالات لوجود خائن بينهم، هو لن يترك الأمر للحظ، لذلك هو سيوزع المهام بشكل منفصل حتى لا يدرك أحدهم ما يحدث حوله، هو فقط سيهتم بدوره، هذا بالطبع باستثناء سالار الذي وضع معه تخطيط لهذا اليوم .
" كل شيء واضح يا رجال ؟؟"
هز الجميع رؤوسهم بهدوء ولم يجرؤ أحدهم على الاعتراض، ليهز إيفان رأسه:
" إذن لينتظر كلٌ دوره في المساء كي يأتي لجناحي، والآن يمكنكم الرحيل "
تحرك الجميع عن مقعده صوب الخارج والهمسات تدور بينهم عما يخطط له الملك، والبعض ممن لم يفهم مقصد إيفان ظل يتحدث عن العيد بحماس .
وبمجرد خروجهم نظر إيفان صوب سالار الذي تبقى من بين الجميع يقول :
" إذن هل تعلم دورك سالار ؟؟"
" احفظه مولاي "
ابتسم له إيفان بسمة واسعة وقبل أن يتحدث بكلمة اقتحم القاعة الفارغة إلا منه ومن سالار جسد يهجم عليهم وكأنه جاء يعلن حربًا، وقد كان بالفعل ..
كان القادم هو نفسه آزار الذي هتف بصوت حاد وملامح غاضبة وهو يصرخ بغضب شديد :
" أنت يا إيفان لن يهدأ لك بال حتى اهدم مملكتي أعلى رأسك ورأس من بها "
ختم حديثه ينظر بطرف عيونه صوب سالار وكأنه يلمح له ليبتسم سالار بسمة واسعة وكأن ازار للتو مدحه أو ما شابه .
اقتحم حراس إيفان المكان بسرعة كبيرة لإحباط أي هجوم أو خطر قد يصدر عن ازار، بينما آزار ابتسم بسخرية يهتف فيهم :
" حتى وأنا وحدي دون جنودي تخشونني ؟؟ يبدو أنني أثير رعبًا في قلوبكم "
أطلق سالار ضحكات صاخبة رنت في المكان بأكمله، ليرمقه آزار بشر في حين هتف إيفان ببرود شديد وبسمة لا معنى لها وهو يشير صوب حراسه للخروج :
" للخارج .."
نظروا له بتردد ليهتم هو بجدية وغضب :
" للخارج واغلقوا ابواب القاعة فيبدو أن هناك حساب سيتم تصفيته مع ملك آبى "
ارتفع حاجب آزار بشكل ساخر وهو يحرك كفه صوب السيف الخاص به، بينما إيفان يراقبه بهدوء شديد حتى ارتفع صوت غلق الباب في المكان .
وبمجرد أن أغلق الجنود الباب تحرك إيفان بخطوات قوية بطيئة صوب آزار وهو ينظر لعيونه بهدوء :
" إذن ملك آزار، ها أنا صرفت الجنود ولم يتبق سوانا في المكان، هيا افض بما جئت لأجله "
اسودت نظرات ازار وهو يحرك عيونه بين سالار وإيفان ثم قال :
" حدودك جميعها تخطيتها معي إيفان "
" أوه حقًا، يبدو أنني لم انتبه لها ملك آزار ارجو المعذرة "
ابتسم له ازار بسخرية لاذعة قبل أن ينظر له ولسالار :
" لا اعتقد أن ما فعلته أنت ورجالك معي ملك إيفان يصلحه مجرد اعتذار واهي كما فعلت "
سايره إيفان في الحديث وكأنه بالفعل يسعى لهذا الصلح معه :
" وكيف نصلح ما ارتكبناه ملك آزار يا ترى ؟؟"
ابتسم آزار بسمة وصمت فترة طويلة يحرك نظراته بينهم، ثم رفع حاجبه بشكل غريب حين توقفت أنظاره فترة لا بأس بها على وجه سالار الذي كان يضم ذراعيه في انتظار حديثه .
واخيرًا قال آزار بعد صمته :
" أن يُقبل سالار يدي ويعتذر مني "
اتسعت أعين إيفان بقوة وكذلك سالار الذي ابتسم بسمة لا معنى لها، وبعد لحظات معدودة ارتفعت ضحكات إيفان بقوة على كلمات آزار :
" أوه هذا فقط ؟؟ حسنًا لا بأس، هيا سالار أذهب وقبل يد الملك آزار واعتذر منه على وقاحتك معه الفترة السابقة "
نظر له سالار ثم عاد بنظراته صوب آزار يبتسم له، تحرك صوبه حتى توقف أمامه وفجأة امسك سالار كف آزار يرفعه صوب فمه مقبلًا إياه وبعدها قبل رأسه يهمس له بكل احترام وتقدير :
" آسف ..."
اتسعت بسمة آزار بقوة، ثم فتح ذراعيه يجذب سالار بينهما بقوة، وقد كان طوله المساوي لطول سالار مساعدًا له حتى يستطيع أن يضمه له بسهولة، خاصة مع جسد آزار القوي والصلب .
ربت على سالار يهمس له بحب شديد :
" لا تعتذر بني، افديكِ بحياتي سالار "
ابتسم سالار بسمة واسعة يضم له آزار، ثم قال بصوت خافت يعتذر عن كل ما فعله سابقًا :
" بخصوص ذلك اليوم في اجتماع مملكتك أنا فقط كنت ..."
ضحك آزار بصوت قوي وهو يتذكر اخراج سالار للسيوف الخاصة به على الطاولة :
" لا لا، لا تعتذر، لقد اعجبني ما حدث "
ابتسم إيفان بسمة واسعة وهو يردد بسخرية :
" لقد كنت مؤديًا رائعًا للدور مولاي "
ابتسم له ازار بسمة صغيرة، ثم ابتعد عن سالار الذي كانت نظراته له مختلفة عن العادة، كانت نظراته تضج بالاحترام قبل أن يقول بجدية :
" إذن هل أنت مستعد للخطوة القادمة.... خالي ؟؟؟؟؟؟؟"
_____________________
سحبة خيط تخبرك بكامل الحقائق، فترقبها ....
واعلم أنها ( حرب إما أن تنتصر أو تنتصر، لا خيار ثالث أمامك...)
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رحمة نبيل
قويًا كعادته رغم تلك الجروح البارزة في وجهه، بأعين تفيض حنانًا رغم ذلك الخوف والقلق الذي يملؤها، كان كما هو لا شيء تغير به سوى أن الزمان أبى إلا أن يذيقه مرارته ويترك أثره على وجهه، عدا ذلك كان هو، كان أرسلان الحبيب..
شقيقها الحنون يجلس هنا على فراشها يربت على خصلات شعرها ويحدق في ملامحها بحب، حلم تتمنى ألا ينتهي يومًا، لا تصدق أن الاحلام قد تبدو حقيقية يومًا بهذا الشكل.
تلك اللمسات كما لو أنها واقعًا بالفعل.
أغمضت كهرمان عيونها ببطء تتساقط منها الدموع وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي تهمس لنفسها:
"أنتِ بخير كهرمان، لن ينال منك الضعف الآن، ليس الآن."
"وليس أبدًا حبيبتي لن ينال منكِ الضعف طالما حييت وكانت هناك أنفاس بصدري."
سقطت دموع كهرمان أكثر وبدأت اصوات البكاء تخرج منها وهي تهتف دون وعي وكأنها بحلم:
"آه يا أرسلان، لقد... لقد اشتقت لك يا أخي، لقد تعبت، لقد تعبت اقسم لك، أنا لا أريد أن اخذلك أرسلان، لكنني تعبت يا اخي، تعبت في بعدكم."
ختمت حديثها تنفجر في بكاء عنيف بصوت مرتفع وهي تنهض عن الفراش تلقى برأسها على قدم أرسلان، تضمها لها وهي تقول كلمات غير مفهومة تكتمها في قدمه.
وهو يشعر بقلبه يرتجف وجعًا لأجل دموعها، أين كانت مدللته الحبيبة وعلى أي حال أصبحت؟
اغمض عيونه وهو يهتف بصوت هامس:
"ياالله رحمتك."
رفع أرسلان يده يربت على شعرها وهي تهتز في أحضانه تبكي بعنف شديد تهتف بكلمات مختلطة بشهقات باكية غير مفهومة.
دقائق مرت على هذا الوضع قبل أن ترفع هي رأسها تهتف بجدية:
"أريد الرحيل معك أرسلان، لقد... لقد سئمت من هذه الحياة أخي، خذني معك أتوسل إليك."
ابتسم لها أرسلان بسمة صغيرة يهتف وهو يداعب وجنتها بحنان:
"سوف نرحل سويًا جميلتي، سوف نعود للوطن، قريبًا جدًا وهذا وعدٌ قطعته على نفسي جوهرتي الغالية."
سقطت دموع كهرمان تهمس بصوت منخفض موجوع:
"لقد اشتقت لبلادي، اشتقت لحياتي القديمة أرسلان، مللت تلك الحياة، اشتقت لك ولامي، لا اريد العودة لتلك الحياة التي أحيا بها كعاملة، لا اريد العودة لتلك الحياة الباهتة دونكما، خذني معك ارجوك."
كان أرسلان يستمع لها وهو يحاول فهم تلك الكلمة التي نطقتها:
"عاملة!! أي عاملة تلك!!"
هزت رأسها تقول بصوت منخفض وعقلها لم يستوعب بعد أنها لا تحلم وأن كل ما يحدث حولها حقيقة وواقع:
"لقد ذهبت لسفيد وعشت هناك كعاملة في القصر اخي و..."
صمتت فجأة حينما اندفعت العديد من الصور لعيونها، صور كثيرة لايامها في القصر، وجميع تلك الصور كانت تحتويه هو، بنظراته الجادة القوية، وبسماته وهدوءه وجديته وكل لفتة كانت تصدر منه، أغمضت عيونها بقوة وهي تفتحها مجددًا ولم تكد تتحدث بكلمة حتى انتفض جسد أرسلان بقوة عن الفراش يهتف بشر وصوت مرتفع:
"إيفان أيها الحـــقيــر."
تحرك بسرعة خارج الغرفة صارخًا بجنون:
"ايها القذر هل تركت شقيقتي تعمل خادمة في قصرك ايها النذل؟?"
فتح الباب بشر وهو يبحث بعيونه عن إيفان الذي تركه مع سالار وآزار وتبارك التي رأت أن تتركه مع شقيقته وحدهما.
كل ذلك تحت نظرات كهرمان المصدومة مما يحدث، تنظر حولها تحاول أن تستوعب أين هي؟! هل نادى إيفان منذ ثواني؟
انتفضت تلحق به وهي تراه يمسك بثياب إيفان بشر وسالار يحاول أبعاده صارخًا، هل...هل هو حي؟ هل أرسلان حي حقًا؟
لحظة إدراك متأخرة ضربتها وهي تحدق بشقيقها لا ترى في المكان سواه ولا تبصر ما يفعل ولا تدرك ما يحدث، كل ما تراه وتدركه الآن أنه حي...
كان الغضب في تلك اللحظة هو ما يسيطر على صوت أرسلان الذي يصرخ بجنون:
"أنت تركت شقيقتي تعمل خادمة لديك أيها النذل الحقير؟؟ كان آخر من تبقي لي من عائلتي ولم ترعها؟؟ هل تلك امانتي التي تركتها في عصمتك يومًا إيفان؟?"
تنفس بصوت مرتفع واعين حمراء والقهر يملئ صدره، مدللته الأغلى سُحب منها دلالها وعملت كخادمة في قصر رفيقه؟
"لقد أخبرتك يومًا، إن حدث لي شيئًا، فكهرمان وصيتي لك، اوصيتك بها أنت وذلك القذر الآخر، تحدث."
ختم حديثه ينظر بشر لسالار الذي كان يحاول إبعاده عن إيفان، حتى سمع سبته فتركه يقول بتهكم:
"لعنة الله على الكافرين."
بينما إيفان يترك له نفسه بهدوء شديد ويهتف ببرود أشد:
"فقط تحدث معي بلسانك وسأتحدث."
رمقه أرسلان بشر يشدد من جذبه له تحت أعين كهرمان المتسعة بصدمة كبيرة والدنيا تدور حولها حتى أنها كادت تسقط في اغماء آخر...
"يبدو أن شقيقتك عزيزي أرسلان لم تخبرك أنها أحبت ذلك الدور الذي لعبته أسفل سقف قصري؟! هل أخبرتك أنها لجئت لحمايتي وأنا نبذتها واجبرتها على العمل كعاملة؟?"
نظر له أرسلان بعدم فهم فابعد إيفان يده يهتف بضيق:
"شقيقتك لم ترث منك عنادك وغباءك فقط أرسلان، بل ورثت منك نفس الكبرياء اللعين الذي جعلها تدخل القصر كعاملة وتحيا به كعاملة وترفض حتى أن تخبرني أنها شقيقتك."
ختم حديثه ليستدير أرسلان ببطء صوب كهرمان التي لم تكن تعي ما يحدث حولها، ابتلع أرسلان ريقه يهتف لها بتسائل:
"هل هذا صحيح كهرمان؟!"
حرّكت كهرمان عيونها له تهتف بصدمة كبيرة:
"أنت....حقيقة؟?"
نظر لها أرسلان بعدم فهم لتقترب منه كهرمان تنظر له بحرص خوفًا أن يتلاشى، ثم حدثت في إيفان تسأله برجاء:
"هل ما يحدث حلم؟؟ أخبرني أنها حقيقة ارجوك؟!"
سقطت دموعها ليتوجع إيفان لأجلها، يكفيه اصوات بكائها التي أصابته في مقتل منذ دقائق حين كانت بالغرفة مع أرسلان.
تنهد بصوت مرتفع يخفف غصته هاتفًا:
"أرسلان حي سمو الأميرة.."
ارتعشت كهرمان ليمسكها أرسلان وهو يضمها له يهمس بحب شديد وخوف:
"كهرمان عزيزتي، أنا هنا غاليتي، أنا جوارك حبيبتي."
نظرت له كهرمان تهمس بدموع:
"أرسلان؟?"
"نعم حبيبتي، هذا أنا أرسلان."
فجأة ودون مقدمات وللمرة الثانية تنفجر كهرمان في البكاء ليجذب أرسلان رأسها لصدره وهو يقبلها هامسًا:
"لقد انتهى كل شيء، انتهى كل شيء حبيبتي، كل شيء سيصبح بخير الآن."
بكت كهرمان أكثر وهي تهتف بوجع:
"أرسلان، لقد عدت، الحمدلله.. الحمدلله."
سقطت دموع تبارك التي كانت تراقب كل ذلك واعين سالار الذي تحرك لأحد الأركان تراقبها. انعزل عن الجميع يراقب هذا المشهد بهدوء شديد دون أن يبادر بقول كلمة.
جسده كان هنا، وعقله غدًا في الاحتفال الوطني.
حيث من المفترض أن يكون يوم نحر قلبه.....
كان يتحرك بعيدًا عن السجن وهو لا يرى أمامه، الحياة بدأت تتحول الاسود أمام عيونه في تلك اللحظة.
من المنبوذين؟؟ واحدة منهم؟ لا لا ليست واحدة منهم، بل ابنة زعيمهم وشقيقة بافل؟
توقفت اقدام دانيار عن التحرك وشعر فجأة بعدم قدرته على أخذ ذرة اكسجين واحدة، قبض على صدره جهة قلبه تحديدًا وهو يحاول التنفس.
"كيف؟؟ كيف حدث كل ذلك؟?"
تحرك بشرود لا يشعر بقدمه أين تتحرك أو بعقله فيما يفكر.
كان ما يزال مأسورًا في تلك اللحظة التي سمع بها صوت ذلك الرجل ينطق تلك الكلمات.
ودون أن يشعر وجد نفسه يتوقف في الحديقة التي كان يقابلها فيها يحرك عيونه في المكان بحثًا عن طيفها القديم، طيف تلك الشرسة التي رآها هنا منذ أشهر تتحرك بكل قوة، والتي استمرت على مدار الأيام السابقة في تحديه بشجاعة أعجبته وبشدة.
أين هي الآن من تلك الصورة التي اقتحمت عقله لفتاة تربت وترعرعت بين فئة لا يستحسن أن يمسهم نعاله...
مسح وجهه يدفن وجهه بين قدمية بعدما ارتكن لإحدى الأشجار يهتف بينه وبين نفسه بكلمات خرجت منه يائسة:
"ربما اخطأت الفهم، ربما... هي... ليست مثلهم، تلك الفتاة التي.. التي علمتها منذ اشهر ليست مثلهم، ولا يمكن أن تكون بمثل تلك الخسة والوضاعة التي يسبح بها هؤلاء الأشخاص القذرين."
انتفض جسده بأمل كبير وقد انتعش داخل صدره شعور أنه ربما أخطأ الفهم، هو سيذهب لها ويعلم منها ما حدث وما يقصد، لن يتركها هذه المرة إلا بعدما تخبره كل ما يتعلق بها وبماضيها....
وعندها هي...
وبعد انهيار لحظات وسماعها لأصوات الضحكات الخاصة برجال شقيقها:
"يبدو أنني زدت الأمور سوءًا زمرد صحيح؟?"
تحدث آخر بسخرية لاذعة:
"ألم يكن ذلك الرجل يعلم حقيقتك القذرة زمرد؟! هل أتوهم أم أنكِ بتِ تخجلين من حقيقتك؟!"
ضحك الاول بصوت أكثر ارتفاعًا وهو يجيب:
"ومنذ متى افتخرت تلك الناكرة للجميل بنا يا صديقي؟! لكن انظر اليها الأن؟؟ خسرت كل شيء، خسرت صفنا وصفهم وأضحت منبوذة حقًا ليس اسمًا فقط."
نهضت زمرد ببطء تحاول أن تتماسك لتغادر ذلك المكان، لكن وقبل تحركها ازدادت الضحكات بشكل جعل عقال صبرها يفلت من بين أناملها لتنقض على القضبان تخرج الخنجر الخاص بها تمسك ثياب الرجل تمنعه من الإبتعاد عن القضبان، تغرز خنجرها في معدته تضغط على أسنانها بقوة هامسة بصوت مرعب:
"ربما انحدر منكم بالفعل، لكنني يومًا لن أصبح مثلكم أبدًا مهما وصلت بوضاعتي وحقارتي، فما لكم من منافس يا رجال.."
ختمت حديثها تسحب خنجرها من معدته تسلب من فمه صرخات هزت جدران السجن، ثم دفعته بقوة ترمي الباقيين بنظرات مرعبة، ومن بعدها تحركت ركضًا خارج المكان.
وقبل أن تنهي السلم، ابصرته يقف على بدايته وهو ينظر لها بصدمة، بينما هي ابتسمت بسمة صغيرة موجوعة له وقد أدركت أنه رأى ما فعلت منذ ثواني:
"أمل أن يكون ذلك العرض اعجبك سيدي القائد، عرض مبتذل لشجار بعض المنبوذين بين بعضهم البعض."
صمتت ثم رفعت عيونها له تقول بعدم اهتمام ظاهري:
"على كلٍ لقد انتهيت مما جئت لأجله بالفعل، والآن اعذرني عليّ الرحيل من هنا قبل عودة الجنود لئلا ينتهي بي الأمر في أحد سجون المملكة مع باقي قبيلتي وقومي."
ابتسمت تتحرك ببساطة من أمام عيونه تاركة إياه يحدق في الفراغ الذي خلفته خلفها بصدمة ولم تعطه حتى فرصة نطق كلمة واحدة.
أما عنها فبمجرد أن خطت الممر الخارجي حتى أطلقت لساقيها الريح وهي تركض بشكل جنوني تشعر بعدم قدرتها على التنفس وقد بدأت الدموع تتجمع في عيونها مجددًا.
لحظات هي حتى وجدت نفسها أمام فراشها تلقي جسدها عليه لتنفجر في بكاء عنيف وهي تكتم صرخاتها.
تضغط على العقد الذي تخفيه أسفل ثيابها تهتف بوجع:
"امي.. أين أنتِ؟؟ ليتك ما رحلتي وتركتني وحيدة."
سقطت دموعها أكثر وهي تزداد في البكاء وصوت والدتها يرن في أذنها وهي تردد لها بعض الآيات لتنام.
وها هي ليلة مرت على الجميع بكآبة للبعض وترقب للآخر، ليأتي اليوم المرتقب للجميع والذي سيقرر شأن الكثير منهم.
تقف أمام المرآة لا تصدق ما تراه أمامها في هذه اللحظة، كيف وصلت لهنا؟ هي ترى أمامها فتاة تشبهها بكل شيء، لكن للعجب تلك الفتاة كانت ترتدي ثوب زفاف وتضع على وجهها حجاب يخفي ملامحها المزينة، هيئة كانت ستحبها تبارك في حياة أخرى.
ابتسمت تبارك بعدم تصديق وهي تنظر حولها للجميع تطلب منهم تأكيد لما تراه، هل هذه نهايتها؟ تُزف لمن لا تحب؟
ربما في الحياة الأخرى كانت ستحب الزواج من شخص كإيفان، لكن ليس في هذه الحياة، ليس الآن وهي بالفعل تحبه هو، هو دون غيره من يسكن قلبها.
شعرت أن نبضات قلبها تزداد وهي تستدير حولها صوب جميع الفتيات اللواتي كن يساعدنها في التجهز، ودون مقدمات تحركت بسرعة بعيدًا عنهم صوب الباب الخاص بالجناح دون الاهتمام بأي نداء يعلو خلفها وامامها لا ترى طريق سوى طريق غرفته هو.
تتحرك دون توقف وفي عيونها إصرار شديد، هي لن تتزوج إيفان اليوم لن يحدث كل هذا، لن يتم شيء دون إرادتها.
ألم يعلمها سالار طوال تلك الشهور أن تصبح صاحبة قرار وجادة، وها هي ستطبق اول قراراته عليهم.
توقفت أمام جناحه تتنفس بصوت عالي، رفعت يدها تطرق بجنون على باب الجناح، وبعد ثواني من الطرق المستمر فتح هو الباب بغضب شديد، هو منذ الصباح لا يطيق همسة جوار أذنه.
فجأة اتسعت عيونه بصدمة حين أبصرها بفستان زفافها على اعتاب غرفته، ابتلع ريقه يشعر أنه جُنّ لشدة تفكيره بها منذ الأمس.
فتح فمه ينطق بصوت هامس:
"مولاتي..."
"لا أريد الزواج."
كانت كلمات قاطعة نطقت بها وهي تستند به مستخدمة عيونها، وهو يحدق في وجهها بصدمة وشحوب، الآن وفي هذه اللحظة تعترض؟
قال باستنكار شديد رغم ضربات قلبه التي هللت بسعادة كبيرة وعقله الذي بدأ يرسم خطط عديدة عن كيفية اخذها والهرب بها من المكان بأكمله والاختفاء عن الجميع معها:
"ماذا؟! ما الذي تقولينه؟! هل تعلمين ما..."
"نعم أعلم ما اقول، أنا بكل بساطة اود الرحيل من هنا قبل الزواج، لا اريد أن يتم هذا الزواج."
اشتد جنون سالار من كلماتها تلك رغم حديث قلبه وعقله له الآن:
"أنتِ بالطبع تمزحين معي؟!"
نظرت له بقوة في عيونه:
"لا أفعل، أنا أتحدث بجدية، هل ستساعدني في التملص من هذا الزواج ام أفعل أنا ما قررت له؟!"
"وما الذي قررتيه يا ترى؟!"
نظرت له بإصرار تكرر كلماتها:
"لن تساعدني!!"
"مولاتي..."
"لن تساعدني؟!"
ابتلع ريقه وهو يحدق بعيونها طويلًا وشعور قوي بالخيانة ملئ حلقه، هو الآن داخل صدره قد اتخذ قراره، ليُصنف خائنًا لهم، ولا يخونها هي.
وتبارك التي فهمت صمته الطويل بشكل خاطئ هزت رأسها بكل جمود وقوة تتراجع للخلف بظهرها مرددة:
"جيد إذن، سترى بعينيك ما سأفعل، أراك في الزفاف يا... قائد."
ختمت حديثها تتحرك من أمام عيونه تحت نظرات مدهوشة من سالار الذي صُدم مما فعلت، هل تركته للتو قبل أن يخبرها أنه سيساعدها؟ بل هل نظرت له بتحدي منذ ثواني؟ تبارك بدأت تتغير بشكل... مخيف.
الكثير من أفراد الشعب كانوا يجتمعون بساحة القصر يهللون ويحتفلون باليوم الوطني للمملكة، مثلهم كباقي الممالك.
ومن النافذة فوق كان يقف إيفان يحدق بهم بأعين ضبابية قليلًا قبل أن يتحرك صوب المرآة يحمل تاجه يرتديه بكل رقي، ومن ثم فتح الابواب يتحرك للخارج وخلفه تحرك بعض الحراس في ممرات القصر يقابل في طريقه العريف الذي ابتسم له بسمة صغيرة ينحني له نصف انحناءة وكذلك فعل مرجان.
هز لهم إيفان رأسه ببسمة صغيرة شبه جامدة، يقابل دانيار الذي كانت ملامحه غير مُفسرة، لكنه أجل الحديث حتى ينتهوا من اليوم الطويل ذاك.
ودانيار فقط ارتدى ثياب الاحتفال الخاصة به يتحرك خلف الملك بهدوء شديد صوب الشرفة التي تطل على الجميع.
في الوقت الذي خرج عليهم تميم والذي ترك برلنت مع مهيار وبعض الحراس لحين انتهاء هذا الاحتفال، وقد بدأت حالتها تثير رعبه، وجنونه يشعر أنه سيُجن إن لم تستيقظ، وقد قرر أنه وبعد انتهاء هذا اليوم سيذهب ليترجاها أن تستيقظ ولن يتحرك حتى تفيق.
وقف إيفان يراقب المكان الذي زُين خصيصًا لأجل زفافه من تبارك والجميع يرتقب، كان المكان أشبه بخيمة من القماش الابيض المطرز بالخيوط الذهبية بها طاولة واريكة وكل ما يلزم لعقد قرآن الملك.
استند ايفان على سور الشرفة وهو يحدق في المكان أمامه يقول بهدوء شديد:
"أين هو سالار؟?"
سمع صوت من خلفه يهتف بهدوء شديد:
"هنا مولاي.."
ابتسم إيفان يستدير له ثم قال بجدية:
"إذن هل نبدأ؟!"
ورغم ضربات قلبه التي تزايدت مع تلك الكلمة نطق سالار بالتزامن مع اقتراب خطوات تبارك منهم وخلفها زمرد التي اخرجتها بصعوبة من غرفتها وكهرمان التي لا تدرك سبب إصرار تبارك على حضورها وتركها شقيقها، رغم كل ذلك إلا أن سالار نطق بجمود نسبي وصوت واضح للجميع:
"لنبدأ مولاي فالجميع ينتظر وصولكم في الاسفل."
عيونها تراقب الانوار الواضحة من بعيد، حيث القصر الخاص بولدها أو بالأحرى الملك الذي تسبب في عزلها عن قصرها.
ابتسمت شهرزاد بسمة غير مستوعبة بعد لما حدث، طفلها الذي ضحت لأجله بالكثيرين يلقي بها بهذا الشكل المخزي؟ لقد... لقد خسرت كل شيء لأجله هو، باعت الجميع واشترته.
عند هذه النقطة أطلقت شهرزاد صرخة مرتفع وهي تدفع طاولة زجاجية أمامها تسقطها ارضًا لتتهشم جزيئاتها مصدرة صوتًا صاخبًا ذكرها بصوت مشابه نابع من ماضيها.
كانت تسير بين طرقات القصر حتى سمعت صوت تحطم جعل رأسها تستدير وهي تنظر لتلك الفتاة التي تساويها عمرًا أو تكبرها بعام لتصرخ في وجهها بجنون:
"أيتها الغبية ما لكِ تتحركين دون وعي؟! هل تدركين ثمن ما حطمتي الآن؟!"
نظرت لها الخادمة برعب وهي تحاول الحديث:
"أنا... أنا لم اقصد، اقسم لكِ لم اقصد أن..."
ولأن شهرزاد في هذه اللحظة كانت في أشد حالاتها غضبًا قاطعت كلمات الخادمة بصرخة غاضبة أشد من السابقة:
"وتجادلين أيضًا؟؟ هل جننتي أيتها الوضيعة؟?"
"شهــــرزاد."
توقفت شهرزاد عن الحديث بصدمة حين سمعت تلك الصرخة الجهورية والتي جعلت جسدها يرتجف كجميع الأجساد الاخرى استدارت ببطء صوب الخلف وهي تنظر جهة زوجها برعب، بينما الأخير رمى بنظرة للعاملة يأمرها أن ترحل، ثم أشار لها أن تلحق به دون كلمة واحدة ورحل.
هكذا كان " تقيّ الدين " يتميز بالجمود والتجبر، رجل مخيف لا يمتلك ذرة لين ومشاعر واحدة في صدره.
أو هي من فشلت في إخراج كل ذلك منه، حتى جاءت أخرى ونجحت فيما فشلت هي به.
تقدمت شهرزاد من جناحهما بارتجاف وهي تهمس بصوت منخفض:
"تقيّ الـ"
قاطعها صوته الهادئ المخيف بحق وهو يردد:
"كم مرة عليّ أخبارك أن تنتبهي لتصرفاتك مع الجميع؟! أنتِ هنا الملكة فانتبهي لنفسك وتصرفاتك."
"لقد... لقد فقط كنت... أنا.."
كانت تبكي مرتجفة تردد بصوت منخفض وهي تفرك كفيها معًا:
"لقد مررت فقط بوقت سييء و... هي... والدتك لقد كانت..."
صمتت وهي تنظر لملامحه الباردة وهو ينتظر أن تكمل باقي حديثها وبالفعل كان حين قالت:
"لقد كانت تتحدث معي عن الإنجاب و..."
تحرك تقيّ عن مقعده بشكل جعلها تنتفض للخلف رغم أنه فقط نهض ليواجهها، رفع حاجبه بتعجب ولا يدرك حقًا سبب رعبها الكبير منه رغم تلك الأشهر التي مرت على زواجهما ولم يعاملها خلالهما يومًا بشكل سييء.
"لا تتراجعي حين اتقدم لكِ، وتوقفي عن التفكير بأمور هي في الأساس بإرادة الله، الانجاب والأطفال رزق من الله، يرزق به من يشاء ويحرمه من يشاء لحكمة لا يعلمها إلا هو، فلا تسلمي أذنك لأمي."
كاد يتحرك صوب المرحاض لولا كلماتها التي نطقت بها وهي تقول بصوت مرتجف باكي:
"لقد... لقد أخبرتني أنني سأكون السبب في ضياع الحكم منك ومن ذريتك وسينتقل لعائلة ابن عمك، فهو بالفعل رُزق بصبي منذ أشهر وبهذا يصبح الوريث، وأنت لم..."
نظر لها تقيّ بشر وهو يهمس من بين أسنانه:
"وإن كان؟! ما دخل النساء بأمور الحكم؟! إن أردت أنا تخليت عن الحكم لعائلة ابن عمي ولا شأن لكم بما افعل، ثم أنا بالفعل انتوي أن أجعل الحكم لسالار حتى إن رزقني الله بطفل، فحسب القوانين هو الأكبر في الجيل القادم من رجال العائلة وهو من يحب أن يتولى الحكم كما حدث وتوليته أنا لأنني اسبق ابن عمي في العمر، الحكم هنا ليس وراثة، بل استحقاق وقوة، وسالار إن استحقه، اخذه."
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها تاركًا إياها تراقب ظهره وقلبها ينتفض رعبًا من تلك الفكرة، ليس بعدما عانت كل ذلك يأتي طفلها ليصبح مجرد تابع لابن جوبان، هي لن تأتي بطفلها ليتجرع الذل، الحكم سيكون له ولو رغم أنف زوجها...
استفاقت شهرزاد على حقيقة واقعها، الطفل الذي حاربت القوانين لأجله جاء هو ليحاربها لأجل فتاة، لكن ليس هذه المرة، لن تهدأ حتى تعود لمكانتها ولو كلفها ذلك أن تتحد مع الشيطان... مجددًا.
كان يقف عند سفح الجبل الذي يقبع أعلاه قصر سفيد يقود خلفه جيوش مختلطة ما بين رجاله ورجال حليفه العزيز، يراقب الجبل ببسمة واسعة وهو يهتف:
"هل انتم جاهزون يا رجال؟!"
ارتفعت الأصوات خلف بافل بتهليل وسعادة وقد قرروا استغلال الاحتفال ليحيلوا المتبقي من ايام شعب سفيد لجحيم:
"جاهزون يا سيدي..."
وفي الاعلى حيث قصر سفيد وفي المكان المخصص للاحتفال بالزواج كانت تتحرك هي بقوة تخفض رأسها ارضًا وخلفها صديقاتها صوب الجزء المخصص لعقد القرآن، وفي عيونها إصرار مخيف.
وسالار يقف خلف مقعد إيفان يراقبها تتهادى صوبهم لتُزف لرجل غيره، شعور جعل يده تتحرك دون شعور صوب السيف الخاص به، وفي هذه اللحظة تحديدًا كان على استعداد تام لاعلانها حرب على الجميع.
وإيفان كان شاردًا لا يبصر في الجميع سواها، تزف له عروسه بيدها، ياللسخرية... بينما دانيار اختفى الجميع من حوله وهو يراقبها تتجنب النظر له، وفي هذه اللحظة كان لا يدرك شعوره نحوها، شعور مبهم بالفقد والكره لذاته لما فعل، أحب أحدهم.
نطق الشيخ بصوت مرتفع:
"اجتمعنا اليوم جميعًا لنحتفل بعقد قرآن الملك إيفان."
كلمات كان ينطق بها الشيخ وهو يخطب بينهم عن أسس الزواج وغيرها من الأمور التي لم تصل لعقل سالار وهو يراها قد اقتربت بالفعل لتأخذ مكانها مقابل إيفان، الشيء الذي جعله ينتفض وقد فاض صبره وعقد العزم على سلبها من بين الجميع الآن ولو حدثت حرب في هذه اللحظة.
لكن وقبل أن يتحرك خطوة شعر بمن يجذبه بسرعة للخلف مكبلًا إياه بقوة.
نظر بصدمة ليبصر تميم الذي نظر له بدهشة لما سيفعل بينما دانيار جذب يده الأخرى بعيدًا عن الجميع، وسالار يقاومهم بشر:
"ما بكما دعاني، اتركني تميم هذا أمر."
تحدث دانيار برعب من تلك الكارثة الوشيكة وهو يجذب سالار بعيدًا عن المكان لأحد اركان الساحة:
"لا تفعل تميم، يا ويلي ستحدث كارثة، لنبعده من هنا."
وعند هذه الكلمات شعر سالار بروحه تُسحب، كان يظن أنه يستطيع فعلها والتحمل، لكن لا والله الأمر اصعب من قدرته على التحمل.
المرأة الوحيدة التي أحبها اضاعها بكل غباء.
في هذه اللحظة أزاح سالار العقل جانبًا وهو يندفع بجنون يحاول العودة صوب الجميع لينتزعها من بينهم، لولا دانيار الذي كان ينظر له برجاء:
"ما بك يا قائد، أفق أنا ارجوك، سوف تدمر كل شيء، توقف عن هذا الجنون يا قائد."
ختم حديثه بصرخة جعلت سالار ينظر له بأعين حمراء بعدما كان يراقب من بعيد موكب الزفاف ليهتف بصوت مرعوب:
"سوف يأخذونها مني، ابتعد عني دانيار، اقسم إن خسرت تبارك لاحطمن البلاد فوق رؤوس من بها، ابتعد عن طريقي."
صرخ به دانيار بجنون وهو يدفع للجدار يمنعه عن أي فعل قد يدمر حياته ويؤدي به إلى حتفه:
"الآن وقد ضاعت منك، أفقت الآن؟؟ هل تمازحني؟!"
نظر له سالار وهو يردد بلهفة ورعب من تلك الفكرة:
"ستضيع مني دانيار، اتركني، ابتعد، ابتعد تميم، دعاني ارحل."
وللعجب ابتعد عنه تميم بشكل جعل أعين دانيار تتسع وهو يصرخ فيه:
"ما الذي تفعله أنت تميم؟! هل جننت؟!"
"دعه يذهب دانيار لا يمكنك أن تكون انانيًا بهذا الشكل وتحرم القائد من المرأة الوحيدة التي أحب."
صرخ به دانيار بجنون وهو يحاول السيطرة على سالار الذي كان يود الاندفاع صوب الجميع كرجل كهف يختطف امرأته من بينهم.
"اناني؟؟ أيها الغبي إن فعل القائد ما يريده سيكون بمثابة خيانة وسيُحاكم عليها وقد تضيع حياته."
كانت يتحدث وهو يحاول أن يعيد لتميم عقله، لكن الأخير كان يدرك شعور أن تفقد الشخص الذي تحب:
"حينها سيكون مرتاحًا على الأقل، لا تجبره على الموت حيًا دانيار، توقف عن الأنانية."
نظر له دانيار بصدمة وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة ارتفعت أصوات صرخات قوية آتية من الساحة جعلت جميع الأعين تتحرك صوبها لتتسع بصدمة حين أبصروا النيران التي بدأت تلتهم المكان بمن فيه وخاصة..موكب الزفاف الذي تقبع هي به.
وصرخته الهلعة تلاشت بين الصرخات الأخرى وهو ينادي اسمها كالمجنون.
"تـــــبــارك."
عند تبارك كانت تسمع كلمات الشيخ وهي تنظر حولها تتحسس ذلك الخنجر الذي أخذته من زمرد وهي ترى تحفز جسد زمرد التي تخفي بين ثيابها سيفها.
زمرد العزيزة التي أبت أن تُسجن تبارك وحدها لمخالفة القوانين فاقسمت على المحاربة معها لأجل حبها، وكهرمان التي لا تدرك شيئًا كانت تحاول التحلي بالجمود والصبر.
قررت الاعتراض وإن فشلت ستنتفض.
نظرت تبارك لزمرد نظرة جانبية لتبتسم الأخيرة وهي تردد داخل صدرها (إن لم أستطع أنا الفوز بحبي، فلأساعد تبارك وكهرمان على الأقل لفعل ذلك).
وفي ثواني كانت تبارك تصرخ بصوت مرتفع:
"توقف يا عم لـ..."
وقبل أن تكمل كلماتها التي جذبت جميع الأنظار لها، أبصر الجميع قذائف نارية تسقط فوق رؤوسهم بشكل مرعب جعل الصرخات تعلو بشكل مخيف والجميع يتفرق هلعين.
فتحت زمرد فمها بصدمة وهي تعود للخلف بريبة قبل أن تركض صارخة:
"اركضوا جميعـــًا."
انتشر الجميع وتفرقوا، بينما أنتفض جسد إيفان يلقي عن اكتافه العباءة وهو يستل سيفه صارخًا بصوت جهوري:
"كلٌ لمكانه...احملوا الأسلحة."
ختم حديثه وهو يرى بالفعل أفراد شعبه حوله وقد اخرجوا أسلحتهم، والذين كانوا في الأساس من جنوده حسب خطته.
أشار للجميع وهو يركض بين الطرقات صارخًا بهم أن يتخذوا ساترًا لهم:
"ليتحرك كلٌ لمكانه، أمنوا النساء، الملكة والجميع أمنوا النساء."
كان يصرخ وهو يحرك نظراته بين الجميع ليبصر فجأة قذيفة تتحرك صوب الموكب بشكل مرعب جعله يصرخ بصوت مرتفع وهو يرى تبارك التي تجاهد للتحرك بفستانها.
لحظات هي علت بها صرخات زمرد و كهرمان باسم تبارك وصدمة إيفان الذي ما كاد يتقدم خطوة واحدة صوبها حتى أبصر سالار يركض لها بلهفة ارعبته، ينطق اسمها بنبرة جمدته ارضًا.
وسالار الذي كان يركض صوب تبارك التقط جسدها بسرعة كبيرة يجذبها بعيدًا عن الأعمدة التي تحمل أفرع الزينة المحترقة والتي بدأت تتساقط على الجميع، جذبها بسرعة قبل انهيار أحد الأعمدة عليها وهي التي ظلت مصدومة لا تستطيع التحرك خطوة بعدما شلها الفزع.
شعرت بيد تلتف حول خصرها تجذبها للخلف بلهفة، حتى أنهما سقطا ارضًا يزحف ذلك الشخص بها للخلف..وصوت يردد كلمات غير مفهومة لها في هذه اللحظات، فقط كل ما تراه هو العمود الخشبي المشتعل الذي كاد يسقط فوقها وأصوات الصرخات حولها وتلك اليد التي تجذبها لصدر صلب والرائحة التي تألفها، والصوت الهامس لها.
"أنتِ بخير، أنتِ بخير، لن أتركك، لن أفعل، أنتِ بخير عزيزتي، لا تقلقي."
كانت تبارك في هذه اللحظة لا تعي سوى أنها بين أحضانه يضمها له بحنان، وبعد تلك اللحظات التي كانت قاسية على اعصابها، وما رأته الآن، شعرت واخيرًا بالراحة تتسرب لها وهي تهمس دون وعي:
"سالار."
هتف سالار بصوت مرتجف وهو يحاول أن يطمئن قلبه أنه لم يفقدها ويده ترتعش بعدم استقرار لما عاشه:
"حياتي أنتِ تبارك."
وهذه الكلمات كانت أكثر من كافية لها لتبتسم وهي تترك لعقلها واخيرًا حرية التوقف عن العمل وتسقط في اغماءة سريعة جعلت أعين سالار تتسع برعب وهو يهزها:
"يا ويلي تبارك، تبارك ما بكِ، هل أنتِ بخير؟؟ ارجوكِ لا تفعلي هذا بي، تبارك أنا آسف، اقسم أنني ما كنت لاسمح لهم باخذك مني، أنا آسف ارجوكِ."
كان يهزها برفق يترجاها أن تستيقظ، ولم يشعر سوى بمن يسحبها منه، وقبل أن يصرخ معترضًا حدجه إيفان بنظرة قوية صارخًا في وجهه:
"قم وأحمل سيفك سالار ودع تبارك لهم ليعالجوها."
نظر سالار صوب كهرمان وزمرد اللتين حملتا تبارك متحركتين صوب المشفى، بينما هو يجلس ارضًا بصدمة مما حدث كان كمن تجمد، ولم ير سوى سيف أُلقي أمامه وصوت إيفان خرج منه غاضبًا ساخرًا:
"أحمل سيفك وقم يا قائد، الحرب لن تنتظر أن تلملم شتات نفسك."
رفع له سالار عيونه بصدمة مما حدث منذ ثواني، كيف حدث كل هذا له، اغمض عيونه بقوة يحاول تمالك نفسه، يستغفر ربه يحتقر ذاته، قبل أن يمد يده ويمسك السيف بقوة يفتح عيونه بشكل مرعب ينهض وهو ينفض ثيابه يتحرك لصفوف الجيش المجهزة مسبقًا يهتف بصوت قوي مرتفع بينهم:
"هذه حربـكم، وارضكم، وانتم هنا اليد العليا، اروهم كيف يحارب الرجال يا قوم، لا أريد أن يبصر هؤلاء القذرين شيئًا عدا الجحيم، اجعلوا سفيد مقبرة تضم أجسادهم العفنة، ولا تأخذكم بهم رأفة...."
ختم تلك الكلمات وهو يقف أمام بوابة سفيد وقد تجمع خلفه الكتيبة الاولى بقيادته يصرخ في حراس الابواب:
"افتحــوا الابـــواب."
وبالفعل فُتحت الابواب الخاصة بقلعة سفيد ليظهر من خلفها بافل ورجاله والذي ابتسم يقول بشكل مقزز:
"مرحبًا بسالار العزيز."
بادله سالار البسمة يرفعه سيفه عاليًا معلنًا بذلك بدء الحرب وهو يردد بصوت ساخر:
"أخبرتك أنه القائد سالار بالنسبة لك، يبدو أنك من ذلك النوع الغبي بافل، لا تفهم الحديث إلا حينما يتبعه صفعة، وهذه الصفعة أنا من سيرميك بها...."
كانت تحمل تبارك بمساعدة كهرمان والتي كانت ترتجف برعب مما يحدث في الخارج تناجي ربها وتنادي شقيقها..وصل الجميع للمشفى وبمجرد أن وضعوا تبارك على الفراش تحركت زمرد بسرعة مرعبة للخارج جعلت كهرمان تمسك يدها وهي تصرخ باكية:
"إلى أين؟؟ لا تتحركي من هنا، لقد... لقد سمعت الجنود المرابطين في الابراج يقولون أن بافل هو من يقود الجيوش في الخارج، لا تتحركي زمرد ابقي هنا."
نظرت لها زمرد بأعين حمراء وغضب تغلب على قهرها تصرخ بصوت هائج وهي تبعد يد كهرمان عنها دون اهتمام:
"لهذا بالتحديد سأخرج، لن اقف هنا مقيدة بينما أحدهم في الخارج يقتل ذلك القذر، بافل لي أنا، أنا فقط من يحق له قتله، ليس بعد كل تلك السنوات يموت بهذا الشكل، ليس دون أن انتقم لروح والدتي."
ختمت حديثها تركض بسرعة كبيرة تاركة كهرمان تحدق في أثرها بصدمة جعلت جسدها ينتفض راكضة خلفها وهي تصرخ بصوت مرتفع:
"لا زمرد، لا تفعلي، ارجوك لا تفعليها زمرد."
لكن زمرد في تلك اللحظة كانت بالفعل في طريقها للخارج تنتزع سيفها تتحرك بين الجميع دون الاهتمام بإمكانية موتها والتي كانت كبيرة للحق، فهذا ليس شجار بين أفراد عشيرتها والذي كانت تخرج منه مدمرة بالمناسبة، بل هذه حرب رجال فقط، وهي لا مكان لها بها، لكنها أخذت على نفسها عهدًا قديمًا، والآن فقط ستنفذه، موت بافل على يديها.
في الساحة تحول أفراد الشعب الذين جاءوا لحضور زفاف الملك والعيد الوطني، لجنود مسلحين في ثواني معدودة حسب خطة إيفان.
فبعدما نشروا في المملكة اكملها أن العيد في موعده وتأكدوا أن الأخبار وصلت لبافل، نشر إيفان جنود لأسر المتبقي من المنبوذين بين الشعب وأعلن بشكل طارئ توقف تجهيزات العيد بشكل ظاهري، وفي الداخل رتب هو لاحتفال خاص به وبجنوده كمصيدة لهم.
وها هم يحتفلون به مع رجال بافل، وأعوانه.
كان بافل يرابط أمام باب القصر وخلفه الآلاف الرجال الذين يحملون أسلحة حازوا عليها بالسرقة والخديعة، وخلف هؤلاء الرجال الذين سيستخدمهم كمجرد إلهاء حتى يفسح الطريق، رجال آخرون أشداء مُدربون على تلك الحروب ينتظرون أن تنتشر الفوضى ليفرضوا سيطرتهم على المكان، خطة استخدمها بافل سابقًا مع مشكى والآن مع سفيد، والوقت واحد، في مشكى داهمهم في صلاة الفجر وفي سفيد ها هو يدق أبوابهم يوم عيدهم الوطني.
وبالفعل بمجرد أن فُتحت الابواب كان هو مبتسمًا ينتظر أن يرى الدمار يعم المكان والتشتت عنوانهم، لكن ما حدث هو أنه لم يقابل سوى جيش يقوده سالار.
ورغم صدمة بافل الكبرى في هذه اللحظة إلا أنه تداركها يقول ببسمة واسعة:
"مرحبًا بسالار العزيز."
فوق القصر كان يقف دانيار وهو ينظر صوب بافل ورجاله بأعين مخيفة يحمل سهامه وخلفه جزء من جيش الرماة الخاص به، وعلى المبنى المقابل له باقي الجيش.
يحدق بوجه بافل الذي يظهر له ضبابي لبعد المسافة بينهما، لكنه كان يراه بشكل جيد، وسؤال يدور داخل عقله، ترى هل تشبهه هي؟
كان يبحث دون إرادة في ذلك الرجل المقيت عن أي علاقة بينهما والنتيجة لا شيء، لا شيء في هذا الخسيس يمت لزمردته بصلة.
في الاسفل تحرك بخطوات هادئة يتقدم من مقدمة الجيش يقف جوار سالار الذي كانت ملامحه لا توحي بشيء، وبافل ينتظر منهم إشارة البداية.
ابتسم إيفان يقول بهدوء:
"أوه هذا بافل هنا في قصري؟؟ يا ويلي ما هذه المفاجأة؟؟ غير متوقعة بالمرة."
رفع بافل حاجبه بسخرية وهو يرمق الرجال الذين احاطوا به والجيوش التي تتوسط المباني في الأعلى ثم قال:
"حقًا، كل هذا وغير متوقع؟؟ ماذا إن توقعت مجيئ؟!"
ابتسم له إيفان يجيب بهدوء شديد وهو يحرك سيفه بين قبضته:
"ما هذا السؤال بافل؟؟ إن توقعت ما كنت لادع قدمك تلك تلوث تراب سفيد."
شعر بافل بالغضب من حديث إيفان، لكنه لم يعلق عليه وقال دون مقدمات:
"لا بأس في المستقبل ستعتاد سفيد على تلك الاقدام التي ستخطوها يوميًا بعدما تصبح لي."
أطلق إيفان ضحكات صاخبة رنت في المكان بأكمله وهو ينظر حوله لجنوده الذين كانوا ينتظرون كلمة واحدة منه:
"أنت ومن يا ترى؟؟ جيش الخراف الذي تقوده؟!"
"لا تستهن بعدوك إيفان فهذا العدو هو نفسه من أسقط رفيقك ودهسه أسفل أقدامه وكان ذلك مجرد فرقة إصبع فقط."
ابتسم له إيفان بسمة جانبية وهو يقول بصوت متسائل:
"أتلمح بحديثك هذا لارسلان؟?"
ابتسم له بافل بسمة مقيتة، بينما إيفان نظر صوب سالار يقول بتسائل:
"ما هذا الحديث سالار؟؟ هل أخبرك أرسلان بشيء من هذا القبيل؟؟ أي اقدام تلك التي دهسه الحقير أسفلها؟!"
ابتسم له سالار يقول بهدوء شديد:
"لا مولاي لم يذكر المرحوم أرسلان أي شيء بخصوص اقدام بافل عدا أنه ترك له ذكرى لا تُمحى على مقدمة ساقه اليسرى."
ختم سالار حديثه يميل بعض الشيء وهو ينظر لساق بافل وكأنه يبحث عن ذلك الأثر بالفعل، و بافل يسمع هذا الحديث وهو لا يفهم شيئًا، احاديث تدور حوله لا يدرك مقصدهم بها:
"وكيف سيخبركم رفيقكم ما حدث له على يدي وهو قد تبخرت عظامه؟!"
اتسعت بسمة إيفان بشكل جعل بافل يخشى القادم، وقد كان محقًا في خوفه ذلك إذ قال إيفان بصوت قوي:
"أتقصد الملك أرسلان الذي يتوسط عرش مشكى في اللحظة التي اتحدث أنا بها لك الآن؟!"
انتفض جسد بافل بشكل قوي ورجاله حوله قد بدأوا يتهامسون بعدم فهم ولا أحد في الواقفين يدرك ما يحدث في هذه اللحظة.
بينما إيفان لم يوضح لهم شيئًا وهو يخرج سيفه من غمده بقوة جعلت جميع الرجال خلفه يفعلون المثل وهم يخرجون سيوفهم كذلك وصوت سالار يهتف بينهم بصوت جهوري:
"هذا الحقير جاء بلادكم مُغير تسبقه نيته السيئة، فماذا أنتم فاعلون يا رجال؟!"
ارتفعت أصوات الرجال الجهورية والصيحات القوية التي تسببت في تراجع اقدام بافل بشكل تلقائي للخلف وهو يرمقهم بريبة يهتف لهم محاولًا الثبات:
"إن ظننتم أنني سأكون لقمة سائغة في افواهكم، فاللعنة عليكم أجمعين، أنا جئتكم اليوم قاتلًا أو مقتولًا."
أخرج سالار سيفه بسرعة وهو يقول بسخرية:
"الخيار الثاني سيكون مناسبًا لي اكثر."
ابتسم لهم بافل وهو يقول بصوت ساخر قوي ولم يتنحى كبرياؤه بعد عن الساحة:
"إن ظننتم أنني جئتكم اليوم دون تخطيط فأنتم مخطئون، أنا جئت اليوم لسفيد ولن أرحل عنها إلا عندما تكون لي ولرجالي."
صحح له إيفان بهدوء وهو يحرك إصبعه في الهواء ببساطة:
"تصحيح، تقصد رجال الملك آزار وبعض الذكور من جانبك."
وبمجرد أن ختم إيفان حديثه بدأ الرجال الحلفاء لبافل والذين كانوا يحتلون مؤخرة جيشه يرفعون أسلحتهم على بافل ورجاله، ليصبحوا بين المطرقة والسندان.
اتسعت أعين بافل بصدمة وهو يرى انقلاب الجنود عليه وقد بدأت ضربات قلبه تتباطؤ بشكل مخيف حين سمع صوتًا يهتف من الخلف:
"مالك ورجالي بافل؟؟ إن أردت أخذ شيء فخذه بنفسك وتوقف عن الزج برجال مملكتي في مشاكلك كما فعلت سابقًا بموافقة ذلك الحقير الذي وضع يده في يدك."
نظر بافل صوب آزار والذي كان يتقدم منهم بهامته المرتفعة وهو يرتدي ثوب الحرب يحمل سيوفه في حزامه يحيط به رجاله.
وحين وصل صوب إيفان ابتسم يقول:
"عيبٌ عليك بافل، تستغل سذاجة بني وتسحبه لصفك؟؟ هل ظننت من كل عقلك أن نزار يمتلك سيطرة على جيشي أكثر مني؟?"
كان بافل في هذه اللحظات لا يعي ما يقال أمامه لتعلو صرخة آزار الذي تلقى ضربته الموجعة حين اكتشف أن من وضع يده في يد بافل ودمر مملكة مشكى واسقطها هو نفسه نزار ابنه وبعضٌ من جنوده القذرين.
"هل تعتقد أنني سأسمح لكم أن تلوثوا اسم آبى بقذارتكما تلك؟؟ تبًا لك وله واللعنة عليكما سويًا، ليس آزار من يرتبط حرف من أحرف اسمه بكما، حتى وإن كان ذلك الرابط هو ولي عهده الوحيد."
ختم حديثه بملامح محتدة ودماؤه تتحرك داخل أوردته بشراسة لا يرى أمامه، منذ اكتشافه لما حدث وللفساد الذي كان يعم مملكته بسبب ولده وهو يشعر بالغضب، ولده الذي كان يفرض على الشعب ضرائب ويصعب عليهم حياتهم تحت اسمه، بل وطعنه في ظهره وتعاون مع ذلك الحقير لإسقاط مملكة رفيقه وحاول قتل ابن رفيقه.
أخرج آزار سيفه وهو يصرخ:
"أنت وذلك القذر ستنالون نفس المصير."
تراجع بافل للخلف وهو يشعر بأن نهايته اقتربت وبشدة، الرجال خلفه لن يحمونه في هذه اللحظة، هو يدرك جيدًا أنهم الآن يرتجفون أكثر منه.
"وهل تظن أنني اخافك أنت ومن معك آزار؟؟ لم يولد بعد من يتحدى بافل."
ختم بافل حديثه يسحب السيف لتشتعل الحرب في لحظات حتى أن الجميع لم يبصروا ما حدث، فجأة التحم الجيشان بشكل مخيف، وذلك كان فرصة له لينفذ خطته المتبعة في مثل هذه الحروب منذ قديم الزمان، خطة اعتمدها بافل هو ووالده حينما كانت جيوشهم الضعيفة تلتحم في حرب خاسرة مع جيوش الممالك، ألا وهي محاولة التلاشي بين الجميع والهرب، ونجح ذلك مئات المرات، لكن كيف الآن وجميع الأعين كانت تحلق حوله هو تحديدًا، خاصة عيونها هي والتي كانت تنتظر فرصتها لتشفي صدرها......
ابتسم وهو يتحرك يقف أمام القصر وخلفه عدد الرجال الذين جمعهم منذ أيام.
المعتصم يتقدم رجال مشكى يتحركون صوب القصر بكل قوة، يحملون السيوف التي دخلت لهم عن طريق حدودهم مع سفيد، الجميع يلتمع في عيونه الاصرار والغضب.
وأخيرًا وصلوا لبوابة القصر ليتوقفوا خلف المعتصم الذي هتف بصوت قوي:
"ها هي بوابتكم للتحرر من هؤلاء القذرين يا رجال، إن فاقوكم عددًا، فقتوهم قوة وإيمانًا، الله أكبر."
وبهذه الكلمة أشعل المعتصم النيران داخل صدور الشعب ليندفع الجميع صوب القصر كالسيل الجارف يزيحون من أمامهم، والذين كانوا اعدادًا لا يُستهان بهم، تركهم بافل ليحموا عرشه الذي سلبه بصعوبة من فك أرسلان.
والآن جاءوا هم ليعيدوا العرش.
كان رجال بافل يقفون أمام البوابة يحمونها وهم ينتظرون عودة جيش بافل منتصرًا يتضاحكون ويسخرون، لكن فجأة علت أصوات صاخبة مهللة تقترب منهم، نظر الجميع صوب تلك الأصوات لتتسع الأعين صدمة مما رأوا حتى أن أحدهم همس بارتجاف:
"يا ويلي، هل هذه القيامة؟!"
انطلقت الصيحات رجال مشكى بالتكبير وهم يركضون صوبهم بشكل جعل أحد الرجال يلقي السيف ارضًا وهو يراقبهم بأعين متسعة.
كان مظهر الرجال ورغم أنهم مجرد رجال مسالمون وليسوا رجال حرب، إلا أن ركضهم بهذا الشكل جعل عقيدتهم الواهنة تهتز واحدهم يهتف برعب:
"حرب، الحرب... هذه حرب، جيوش الممالك الأخرى تهجم علينا، احتموا بالقعلة بسرعة."
كان الغضب يحرك رجال مشكى، جثث ذويهم ورماد منازل، صرخات الصغار ونحيب النساء وقلة حيلة الكبار كانت تلوح أمامهم.
حتى أن دموع أحد الرجال سقطت وهو يهبط في رأس أحدهم بالسيف صارخًا بقهر:
"هذه لأجل زوجتي ورضيعي."
والصغير تاج الدين الذي أبصر استشهاد والده وشقيقته أمام عيونه، كان يحمل سيفًا يفوقه حجمًا يصيب به من تصل له يده دون أن يهتم باحتمالية موته، طالما سينال قصاص عائلته.
كان الحقد والغضب في أعين الرجال مرعب، مرعب بحق، كان الأمر أشبه بحبسك لعشيرة اسود في أقفاص وقتلك اشبالهم على مرأى ومسمع منهم لاطمئنانك أن القضبان تحميك، وفجأة وعلى حين غرة منك تُفتح الابواب لينقضوا عليك..والخوف يا عزيزي كان المايسترو الاول للأخطاء، فها هو الرعب يحرك رجال بافل صوب الخطأ، إذ فتحوا الابواب ليحتموا بالقلعة وأعطوا لشعب مشكى الفرصة لدخول القلعة كذلك واندفعوا للداخل بشكل جعل بعض الرجال يحاولون تدارك الأمر، سارعوا يغلقون الابواب، لكن وقبل أن تنغلق اتسعت أعين أحدهم وهو يصرخ بهاع متراجعًا للخلف صارخًا:
"شبح... شبح."
نظر له رفاقه برعب واحدهم يصرخ به:
"أيها الحقير تعال واغلق معنا الباب، أي شبح هذا الذي تتحدث عنه، نحن من سنصبح اشباحًا إن لم تسارع وتساعدنا."
لكن الرجل كانت عيونه معلقة بتلك الفتحة الصغيرة في بوابة القصر والتي كانت تظهر له من خلف أجساد الرجال فرس يهرول صوبهم يحمل فوق ظهره فارسًا مشهرًا سيفه وفي عيونه تلتمع قوة جعلته يرتجف وهو يهمس:
"هذا... هذا أرسلان."
كان يتحدث مشيرًا للخارج لتلتفت جميع الأعين صوب المكان الذي أشار إليه، وعلت الصدمة أعين جميع الرجال وخاصة رجال مشكى الذين صرخوا باسمه وقد ظن البعض منهم أن روح الملك جاءت لتساندهم في القتال..إذ كان ملكهم يتقدم جيش ضخم من الرجال الأشداء، جيش سبز الذي يقودهم بارق خلف أرسلان، بعدما ذهب آزار بجيشه لمساندة سفيد.
صرخ بارق بصوت جهوري:
"خذوا قصاصكم من هؤلاء القذرين يا رجال."
و أرسلان رفع سيفه يهتف لهم بصوت مرعب رنّ صداه في المكان:
"مرحبًا بكم في جحيمي يا أوساخ..."
كانت فكرة هروبه ممكنة بالفعل وقد كاد ينجح ويتسلل من بين جنوده لينجو بجسده وروحه، لولا صوتها الذي اخترق مسامعه وهي تمسك به على أطراف القلعة قبل الهروب تجذبه بعيدًا عن حصانه مسقطة إياه ارضًا بغضب شديد صارخة:
"مرحبًا يا أخي، هل اشتقت لي؟?"
تجمد جسد بافل وهو يستدير ببطء صوب الخلف ليراها تقف وهي تحمل سيفها، كما هي لم تتغير مقدار شعرة واحدة، نفس وقفتها ونفس طريقة حملها للسيف، ابتسم بسمة جانبية يقول:
"لا تخبريني أنكِ جئتِ هنا لتنقذي شقيقك المسكين من هذا العالم؟!"
"بل جئت لانقذ العالم من شقيقي المسكين بافل."
رفع بافل حاجبه يقول بسخرية لاذعة:
"فشل الجميع في مسي بخدشٍ وأنتِ هي من ستفعل؟! حقًا زمرد؟!"
"ما رأيك أن نجرب؟!"
نظر لها بافل طويلًا قبل أن يبتسم باستهانة يستدير ليكمل هروبه صوب أي حصان قد يحمله بعيدًا عن تلك المعمعة:
"لا لست متفرغًا لالعابك تلك زمرد، اذهبي واكملي اختبائك عند هؤلاء القوم، واحرصي ألا تظهري في وجهي مجددًا فالمرة القادمة لن تنجي من بين قبضتي."
وما كاد يخطو خطوة إضافية حتى شعر فجأة بضربة تصيب ظهره، أطلق صرخة مرتفعة يستدير صوبها بصدمة ليرى في عيونها إصرار مخيف جعله يخرج سيفه وهو يصرخ بجنون:
"سأقتلك... سأقتلك أيتها الوسخة يا ابنة الساقطة."
ختم حديثه يتحرك صوبها بقوة مرعبة، يصرخ بصوت مرتفع وهي رفعت سيفها تصد ضرباته تهتف من أسفل أسنانها:
"هذه المرأة كانت أشرف من عشيرتك بأكملها يا حقير، اقسم أن نهايتك على يدي."
ابتسم لها بافل وهو يقول بصوت خافت يقترب منها:
"كنت أود أن ارحمك مني اليوم، لكن يبدو أنكِ تتعجلين نهايتك زمرد."
انتهى يرفع قدمه فجأة يضربها بها في معدتها بشكل جعل جسدها يندفع بقوة للخلف مصطدمًا في جدار القلعة لتعلو صرخة زمرد التي لم تتوقع ما فعل.
رفعت رأسها بسرعة لتتحدث لكن توقفت كلماتها حين هبط هو بقبضة السيف على رأسها متسببًا في سقوطها ارضًا.
غدّار، وما يليق الغدر بسواه، المرة الأولى التي تتغافل هي عن الغدر مع سيد الغدر وها هي تلقت عقابها، سقطت دموع زمرد مختلطة بدمائها وصوت بافل جوارها يهمس بشر:
"قذرة تمامًا كوالدتك، لولا أن والدي كان يحب ترويض المهور الشرسة ما جئتِ أنتِ لهذه الحياة، أنتِ الخطأ الأكبر الذي ارتكبه أبي، ليتني قتلتك منذ لحظة ولادتك الاولى واتبعت والدتك الفاسقة بكِ يا وسخة."
سقطت دموع زمرد وهي ترى نهايتها ووالدتها تضمها وهي تهمس لها أنها اطهر من الجميع هنا، هي اطهرهم وانقاهم، هي أفضلهم واكثرهم طيبة، هي اقواهم.
"ربما هم اليد العليا هنا يا ابنتي، ربما تعالى ذاك القذر الذي يسمى والدك، لكن فوق كل كبير هناك من هو أكبر وفوق الجميع الله أكبر، فلا تظني يومًا أنهم قد يتعالون في هذه الأرض دون رد من الله إنما يؤخرهم ليوم تشخص به الأبصار، ويل للمنبوذين من يوم تجتمع فيه الخصوم، والله لأكونن خصيمة هذا الشعب فرد فرد، موعدنا يوم المحشر، الله حسبي ووكيلي."
سقطت دموع زمرد بقوة وهي تشعر أن القصاص الوحيد الذي قد تناله سيكون يوم تنال والدتها القصاص من الله، لن تناله في هذه الحياة، لقد غرتها الحياة واقنعتها قوتها الواهية أنها قد تنافس الرجال قوة.
فجأة سمعت صوت ضحكات بافل المرتفعة وهو ينهض يقف على قدميه يهمس لها.
"أتدرين الشيء الوحيد الذي ورثتيه عن والدتك كان جمالك الشرس هذا، لكن القوة هي تفوقك بها، يا ويلي كانت جميلة بشكل يغوي القديس لا عجب أن والدي سقط لها وأبى قتلها يوم مقتل زوجها."
رفعت زمرد عيونها له بصدمة من تلك الكلمات القذرة وهو فقط رفع سيفه لا يهتم لتلك النظرات، يريها مقدار الشر في عيونه والحقد ولم يكد يهبط بضربته فوق ظهرها حتى ارتفع صوت قنابل مرعب في المكان جعل جسده يتدحرج للخلف بشكل أعطاها الفرصة لتمسك سيفها وتنهض بسرعة.
كان السقوط هذه المرة من نصيب بافل، نظرت له زمرد من الاعلى وهي تهمس بصوت منخفض:
"أتدري أن الشيء الوحيد الذي أصاب به أقذر والدك هو تسميتك ببافل؟؟ نعم أنت حقًا بافل ولايليق بسواك أن يكون بافل أنت الوحيد الذي يليق به أن يكون صغير حقير قذر."
وبهذه الكلمات ختمت زمرد حديثها لتهبط بالسيف فوق جسد بافل مصيبة إياه بجرح انطلقت على إثره صرخة تلاشت بين اصوات القنابل.
ابتسمت بسعادة وقد انتفض صدرها احتفالًا بما يحدث ولم تكد تهبط بالضرب الثانية حتى شعرت هي بتلقي ضربة من الخلف اتسعت على إثرها عيونها، استدارت ببطء تبصر الصغير شقيق بافل والذي تسلل خلف شقيقه للهرب فابصر ما يحدث.
تحركت عيون زمرد للاسفل تحاول أن تتماسك لكن ذلك الوجع الذي أصابها لم تتحمله ليسقط جسدها ارضًا بقوة وكان آخر ما ابصرته هروب بافل بمساعدة شقيقه.
في طرف القصر الآخر كان تميم يقف يراقب ما يحدث مبتسمًا فدوره في هذه الحروب كان زرع القنابل في أماكن الخروج الجانبية لمنع هروب أي قذر منهم، وقد نجحت تلك الخطوة فبمجرد اقتراب أحدهم من باب جانبي كانت القنابل تنفجر بهم أجمعين..الأمر كان أشبه بمذبحة وتطهير عرقي لهؤلاء القذرين اجمعين.
حرك تميم القنبلة بين أنامله وهو يبتسم بسمة متسعة، ثم تحرك بعيدًا عن الجميع يطمئن أن كل شيء أصبح بخير، لكن وقبل تحركه عن مكانه جوار البوابات الجانبية تفاجئ لرؤيته جسد متكوم ارضًا، رفع حاجبه محاولًا رؤية ما يقبع في ذلك الركن، تحرك ببطء يخرج سيفه بتحفز شديد قبل أن يتوقف أمام ذلك الجسد متسع الأعين هامسًا بصدمة:
"أليست هذه هي نفسها صديقة برلنت؟?"
صمت يحاول تذكر اسمها، لكن حالتها التي ابصرها منعته من مواصلة التفكير وهو ينحني بسرعة يحمل جسدها بعدما وضع السيف في الغمد، يركض بها بين الطرقات صوب المشفى وهو يصرخ باسم مهيار:
"مهيار... مهيار ساعدني، مهيار النجدة الفتاة تكاد تلفظ أنفاسها."
استدار له مهيار والذي كان يستقبل الجرحى ليعالجهم، يتعجب صراخ تميم، لكن فجأة وحين وصل له تميم وابصر تلك الفتاة التي تتوسط ذراعيه والتي تعرف عليها من نظرة واحدة، وكيف لا وهي نفسها الفتاة التي يعشقها شقيقه.
همس دون وعي في اللحظة التي اقترب بها دانيار ليطمئن عليه:
"هل هذه..."
قاطعه صوت دانيار الصارخ والمرتعب:
"زمرد....."
فتحت عيونها منتفضة عن الفراش بسبب اصوات القنابل في الخارج لتجد نفسها في الغرفة وحدها، أبعدت تبارك الغطاء عنها وهي تتذكر ما حدث، ارتجف جسدها وهي تركض للخارج بسرعة تهمس باسمه في رعب شديد متذكرة ذلك المشهد في الهجوم الأخير حين تكالبوا على سالار للإطاحة به:
"سالار.... سالار."
خرجت من المشفى ليقابلها مشهد خرج من الجحيم بالخطأ، ساحة القصر كانت أشبه بقطعة من الجحيم، ابتلعت ريقها تركض بين الأجساد تبحث عنه برعب شديد وقد انقبض صدرها بشكل مخيف تمسك اول سيف أبصرته ارضًا وهي تبكي مرتعبة عليه:
"يا قائد."
تناديه باكية خائفة وقد نست أن الخوف المستحق الآن عليها هي وليس هو، وأن هذا الذي تبكي رعبًا على مكروهًا قد يصيبه، هو نفسه قائد الجيوش الذي خاض في حياته معارك وخرج منها منتصرًا بفضل الله.
فجأة وأثناء بحثها بعيونها وسط هذه المعمعة عن سالار أبصرت الكثيرون يتكالبون حول إيفان لتركض بصعوبة صوبه وهي تصرخ:
"مولاي... خلفك."
استدار إيفان بسرعة كبيرة يشق من يقف خلفه لنصفين دون الوقوف متعجبًا وجود الملكة بين كل هذا، وحين تأكد أنه بخير نظر لها بصدمة وشر يهتف في وجهها صارخًا للمرة الأولى:
"ما الذي تفعلينه في هذه الحرب؟؟ هل جننتي يا امرأة؟!"
وهي لم تتوقف عن صراخه، ولم تهتم به حقًا بل قالت برجاء بخوف:
"سالار... أين سالار، هو... هو بخير؟؟ هم يريدون قتله، الهجوم السابق كان هو هدفهم الوحيد، أين هو؟!"
اهتز جسد إيفان لوهلة بسبب تلك المشاعر التي انبثقت من عيون تبارك، كانت مرعبة، كان يرى أمامه امرأة قد تقتل الجميع لأجل سالار، وهذه الحقيقة صفعته لا يصدق أنه اغفلها طوال هذا الوقت.
ابتلع ريقه يقول بصوت حاول جعله جامدًا:
"عودي للقصر سمو الأميرة، والقائد ليس طفلًا تخشين عليه الإصابة."
اتسعت أعين تبارك لا تستوعب ما يقول، وإن كان يعتقد أنها ستمسك طرف فستانها المزعج الان وتنحني نصف انحناءة وتقول له ( أمرك مولاي ) فهو مخطئ، ابتسمت له بسمة شرسة وهي تهتف:
"آسفة مولاي، لكنني الآن لست في مزاج يسمح لي بتنفيذ أوامرك، وبما أنك لن تساعدني في الوصول لسالار، فسأجده وحدي."
ختمت حديثها تركض بعيدًا عنه تاركة فم إيفان مفتوح بصدمة يراقب تصرفات تبارك التي كانت تخجل النظر في عيونه ثواني، ولم يستطع منع بسمته وهو يردد بذهول:
"سالار آخر؟?"
وعند هذا السالار الآخر، كانت تتحرك بين الجميع تضرب بسيفها من يعترض طريقها تبحث عنه بين الجميع، وقد هداها عقلها أن تبحث عن اكبر تجمع وستجده في المنتصف، وقد كان.
ها هو تجمع من الضباع المتشردة حول أسد بغية إسقاطه للتغذي عليه، لكن ليس وهي تتنفس.
انطلقت لهم تصرخ بصوت مرتفع مسقطة اول من قابلها ارضًا دون اهتزاز أو ارتجاف.
وسالار الذي كان في المنتصف اتسعت عيونه بصدمة وهو يراها تهجم على الرجال بشراسة ليهتز قلبه خوفًا للمرة الأولى وهو يرفع سيوفه يقاتل بها:
"ما الذي تفعلينه هنا؟؟ عودي للقصر والآن، اذهبي أيتها الغبية."
نظرت له تبارك برفض ولم تكد تتشدق بكلمة واحدة حتى شعرت بيد سالار تجذبها صوب ظهره بسرعة كبيرة وهو يمثل لها جدار وعيونه تطلق شرارًا صوب الجميع:
"سأؤمن لكِ طريق العودة وأنتِ غادري للقصر."
كان يتحدث وهو يقاتل من أمامه والإعداد تتزايد ينتظر منها إشارة الموافقة على حديثه، لكن اعينه اتسعت حين سمع همستها له من الخلف:
"لا."
الذهول الذي ملئ نفسه في هذه اللحظة جعله يتناسى أنه في حرب ولا يجب عليه أن يبعد عيونه عن خصمه، استدار لها يحدجها بأعين مصدومة متسائلة عن هوية تلك الـ ( لا ) التي نطقت بها.
وهي لم تهتم تخرج من حمايته ترفع سيفها قائلة بنبرة ثابتة قوية:
"إما أن اساعدك ونخرج من هذه الحرب سويًا، أو أموت واسبقك أنا، وصدقني لن اقبل بخيار ثالث."
ختمت حديثها تندفع صوب أحد الرجال تقاتلهم بشراسة جعلت سالار يخشى عليها، لكن في الحرب لا فرصة أمامه للتفكير فيما تفعله هي، لا يجب عليه أن يتوقف عن القتال لئلا يتكالبون عليه.
كان يقاتل، عين على العدو، وعين على الحبيب.
مشاعر الحماية التي تلبست سالار في هذه اللحظة جعلته يدق الأعناق بقوة دون اهتمام وهو يضرب الرجال أمامه ويبعدهم من أمام تبارك، والتي على عكس مرتها الأولى كانت تقتل من يقابلها دون أن تتردد، إن كان الهدف سالار، فاللعنة عليهم أجمعين.
مرت دقائق والحرب مستمرة، انتفض سالار وهو يبعد عنه اخر الرجال ثم انطلق صوب تبارك يجذب الرجل الذي يقاتلها من ثيابه وقبل أن ينطق الرجل بكلمة كان سيف سالار يصمته للأبد.
نظر لها تتنفس بصوت مرتفع، ليبتسم هو لها يقول:
"ربما أخبرتك بهذا مرات معدودة فقط، لكنني يومًا لم افخر بتلميذ لي كما أفعل معكِ، وفي الحقيقة ليست مشاعر الفخر هي ما تملئ صدري فقط في هذه اللحظة."
رفعت تبارك رأسها له بصدمة من كلماته تحاول أن تقنع نفسها أنه لا يقصد ما تريد هي سماعه، وهو شرد بملامحها يبتسم وصوته حين أخبر أرسلان أنه لا يريد أميرة مدللة، بل يريدها مقاتلة قوية، يرن في أذنه.
وفي الحقيقة في هذه اللحظة أدرك سالار أنه حتى لو كانت تبارك أميرة مدللة كان سيسقط لها بنفس الشكل ولن يهتم.
دار بعيونه حوله يبصر جنوده يتوسطون الساحة بعدما أسقطوا من أسقطوا وبدأت نيران الحرب تهدأ.
"لست ذلك الرجل الذي قد يغير رأيه في شيء بسهولة أو يتنازل عن شيء لأجل أحد، لكن في الحقيقة، هذا المشهد الذي أراه امامي قد يدفعني لتغيير التاريخ، فما بالك بتغيير رأيي؟!"
"لا افهم ما تقوله سالار."
تبارك التي كانت تتنفس بصوت مرتفع لم تكن تفهم ما يقول هو، بينما سالار ابتسم لها وقد لمعت عيونه بتصميم يقترب منها يطيل النظر لعيونها يخبرها بصوت خافت:
"هل تعلمين عدد الحروب التي خضتها سابقًا مولاتي؟?"
نظرت له بشرود ولم تاتي بأي ردة فعل من صدمتها لتلك النبرة وتلك الكلمات وهو ابتسم لها يقول ببساطة ضاربًا بكل ما يحدث عرض الحائط إن كانت هي الهدف:
"خضت في حياتي مائة واثنين وعشرين معركة، خسرت بهما ثلاث معارك فقط، واحدة يوم رأيتك للمرة الأولى، والثانية عندما أبصرت عيونك عن قرب، والثالثة تتجدد خسارتها مع كل مرة اسمع اسمي منكِ...."
فقدت تبارك الشعور بما حولها ليزيد سالار طينتها بلًا بكلماته الأخيرة:
"فما رأيك بإعلان الحرب الم
رواية مملكة سفيد الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رحمة نبيل
اليوم البارت اهداء لسمسمة العزيزة رفيقة كل معرض وكل حفلة وكل خطوة في حياتي، وأكثر شخص قلبه ابيض ورقيق وحنون، اجمل اخت في الدنيا بمناسبة يوم مولدها، ربنا يجعل جميع اعوامها خير وسعادة ...
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق على الفصل
صلوا على نبي الرحمة
قراءة ممتعة .
____________
ما بين اليقظة والحلم كان .
قويًا كعادته رغم تلك الجروح البارزة في وجهه، بأعين تفيض حنانًا رغم ذلك الخوف والقلق الذي يملؤها، كان كما هو لا شيء تغير به سوى أن الزمان أبى إلا أن يذيقه مرارته ويترك أثره على وجهه، عدا ذلك كان هو، كان أرسلان الحبيب ..
شقيقها الحنون يجلس هنا على فراشها يربت على خصلات شعرها ويحدق في ملامحها بحب، حلم تتمنى ألا ينتهي يومًا، لا تصدق أن الاحلام قد تبدو حقيقية يومًا بهذا الشكل .
تلك اللمسات كما لو أنها واقعًا بالفعل .
أغمضت كهرمان عيونها ببطء تتساقط منها الدموع وهي تحاول التنفس بشكل طبيعي تهمس لنفسها :
" أنتِ بخير كهرمان، لن ينال منك الضعف الآن، ليس الآن"
" وليس أبدًا حبيبتي لن ينال منكِ الضعف طالما حييت وكانت هناك أنفاس بصدري "
سقطت دموع كهرمان أكثر وبدأت اصوات البكاء تخرج منها وهي تهتف دون وعي وكأنها بحلم :
" آه يا أرسلان، لقد ...لقد اشتقت لك يا أخي، لقد تعبت، لقد تعبت اقسم لك، أنا لا أريد أن اخذلك أرسلان، لكنني تعبت يا اخي، تعبت في بعدكم "
ختمت حديثها تنفجر في بكاء عنيف بصوت مرتفع وهي تنهض عن الفراش تلقى برأسها على قدم أرسلان، تضمها لها وهي تقول كلمات غير مفهومة تكتمها في قدمة .
وهو يشعر بقلبه يرتجف وجعًا لأجل دموعها، أين كانت مدللته الحبيبة وعلى أي حال أصبحت !؟
اغمض عيونه وهو يهتف بصوت هامس :
" ياالله رحمتك "
رفع أرسلان يده يربت على شعرها وهي تهتز في أحضانه تبكي بعنف شديد تهتف بكلمات مختلطة بشهقات باكية غير مفهومة .
دقائق مرت على هذا الوضع قبل أن ترفع هي رأسها تهتف بجدية :
" أريد الرحيل معك أرسلان، لقد ...لقد سئمت من هذه الحياة أخي، خذني معك أتوسل إليك"
ابتسم لها أرسلان بسمة صغيرة يهتف وهو يداعب وجنتها بحنان :
" سوف نرحل سويًا جميلتي، سوف نعود للوطن، قريبًا جدًا وهذا وعدٌ قطعته على نفسي جوهرتي الغالية"
سقطت دموع كهرمان تهمس بصوت منخفض موجوع :
" لقد اشتقت لبلادي، اشتقت لحياتي القديمة أرسلان، مللت تلك الحياة، اشتقت لك ولامي، لا اريد العودة لتلك الحياة التي أحيا بها كعاملة، لا اريد العودة لتلك الحياة الباهتة دونكما، خذني معك ارجوك "
كان أرسلان يستمع لها وهو يحاول فهم تلك الكلمة التي نطقتها :
" عاملة !! أي عاملة تلك !!"
هزت رأسها تقول بصوت منخفض وعقلها لم يستوعب بعد أنها لا تحلم وأن كل ما يحدث حولها حقيقة وواقع :
" لقد ذهبت لسفيد وعشت هناك كعاملة في القصر اخي و..."
صمتت فجأة حينما اندفعت العديد من الصور لعيونها، صور كثيرة لايامها في القصر، وجميع تلك الصور كانت تحتويه هو، بنظراته الجادة القوية، وبسماته وهدوءه وجديته وكل لفتة كانت تصدر منه، أغمضت عيونها بقوة وهي تفتحها مجددًا ولم تكد تتحدث بكلمة حتى انتفض جسد أرسلان بقوة عن الفراش يهتف بشر وصوت مرتفع :
" إيفان أيها الحـــقيــر "
تحرك بسرعة خارج الغرفة صارخًا بجنون :
" ايها القذر هل تركت شقيقتي تعمل خادمة في قصرك ايها النذل ؟؟"
فتح الباب بشر وهو يبحث بعيونه عن إيفان الذي تركه مع سالار وآزار وتبارك التي رأت أن تتركه مع شقيقته وحدهما .
كل ذلك تحت نظرات كهرمان المصدومة مما يحدث، تنظر حولها تحاول أن تستوعب أين هي ؟! هل نادى إيفان منذ ثواني ؟؟
انتفضت تلحق به وهي تراه يمسك بثياب إيفان بشر وسالار يحاول أبعاده صارخًا، هل ...هل هو حي ؟؟ هل أرسلان حي حقًا ؟؟
لحظة إدراك متأخرة ضربتها وهي تحدق بشقيقها لا ترى في المكان سواه ولا تبصر ما يفعل ولا تدرك ما يحدث، كل ما تراه وتدركه الآن أنه حي ...
كان الغضب في تلك اللحظة هو ما يسيطر على صوت أرسلان الذي يصرخ بجنون :
" أنت تركت شقيقتي تعمل خادمة لديك أيها النذل الحقير ؟؟ كان آخر من تبقي لي من عائلتي ولم ترعها ؟؟ هل تلك امانتي التي تركتها في عصمتك يومًا إيفان ؟! "
تنفس بصوت مرتفع واعين حمراء والقهر يملئ صدره، مدللته الأغلى سُحب منها دلالها وعملت كخادمة في قصر رفيقه ؟!
" لقد أخبرتك يومًا، إن حدث لي شيئًا، فكهرمان وصيتي لك، اوصيتك بها أنت وذلك القذر الآخر، تحدث "
ختم حديثه ينظر بشر لسالار الذي كان يحاول إبعاده عن إيفان، حتى سمع سبته فتركه يقول بتهكم :
" لعنة الله على الكافرين "
بينما إيفان يترك له نفسه بهدوء شديد ويهتف ببرود أشد :
" فقط تحدث معي بلسانك وسأتحدث "
رمقه أرسلان بشر يشدد من جذبه له تحت أعين كهرمان المتسعة بصدمة كبيرة والدنيا تدور حولها حتى أنها كادت تسقط في اغماء آخر...
" يبدو أن شقيقتك عزيزي أرسلان لم تخبرك أنها أحبت ذلك الدور الذي لعبته أسفل سقف قصري ؟! هل أخبرتك أنها لجئت لحمايتي وأنا نبذتها واجبرتها على العمل كعاملة ؟؟"
نظر له أرسلان بعدم فهم فابعد إيفان يده يهتف بضيق :
" شقيقتك لم ترث منك عنادك وغباءك فقط أرسلان، بل ورثت منك نفس الكبرياء اللعين الذي جعلها تدخل القصر كعاملة وتحيا به كعاملة وترفض حتى أن تخبرني أنها شقيقتك "
ختم حديثه ليستدير أرسلان ببطء صوب كهرمان التي لم تكن تعي ما يحدث حولها، ابتلع أرسلان ريقه يهتف لها بتسائل :
" هل هذا صحيح كهرمان ؟!"
حرّكت كهرمان عيونها له تهتف بصدمة كبيرة :
" أنت....حقيقة ؟؟"
نظر لها أرسلان بعدم فهم لتقترب منه كهرمان تنظر له بحرص خوفًا أن يتلاشى، ثم حدثت في إيفان تسأله برجاء :
" هل ما يحدث حلم ؟؟ أخبرني أنها حقيقة ارجوك ؟!"
سقطت دموعها ليتوجع إيفان لأجلها، يكفيه اصوات بكائها التي أصابته في مقتل منذ دقائق حين كانت بالغرفة مع أرسلان .
تنهد بصوت مرتفع يخفف غصته هاتفًا :
" أرسلان حي سمو الأميرة.."
ارتعشت كهرمان ليمسكها أرسلان وهو يضمها له يهمس بحب شديد وخوف :
" كهرمان عزيزتي، أنا هنا غاليتي، أنا جوارك حبيبتي"
نظرت له كهرمان تهمس بدموع :
" أرسلان ؟؟"
" نعم حبيبتي، هذا أنا أرسلان "
فجأة ودون مقدمات وللمرة الثانية تنفجر كهرمان في البكاء ليجذب أرسلان رأسها لصدره وهو يقبلها هامسًا :
" لقد انتهى كل شيء، انتهى كل شيء حبيبتي، كل شيء سيصبح بخير الآن"
بكت كهرمان أكثر وهي تهتف بوجع :
" أرسلان، لقد عدت، الحمدلله .. الحمدلله"
سقطت دموع تبارك التي كانت تراقب كل ذلك واعين سالار الذي تحرك لأحد الأركان تراقبها، انعزل عن الجميع يراقب هذا المشهد بهدوء شديد دون أن يبادر بقول كلمة .
جسده كان هنا، وعقله غدًا في الاحتفال الوطني.حيث من المفترض أن يكون يوم نحر قلبه.....
___________________________
كان يتحرك بعيدًا عن السجن وهو لا يرى أمامه، الحياة بدأت تتحول الاسود أمام عيونه في تلك اللحظة .
من المنبوذين ؟؟ واحدة منهم ؟! لا لا ليست واحدة منهم، بل ابنة زعيمهم وشقيقة بافل ؟!
توقفت اقدام دانيار عن التحرك وشعر فجأة بعدم قدرته على أخذ ذرة اكسجين واحدة، قبض على صدره جهة قلبه تحديدًا وهو يحاول التنفس .
" كيف؟؟ كيف حدث كل ذلك ؟؟"
تحرك بشرود لا يشعر بقدمه أين تتحرك أو بعقله فيما يفكر .
كان ما يزال مأسورًا في تلك اللحظة التي سمع بها صوت ذلك الرجل ينطق تلك الكلمات .
ودون أن يشعر وجد نفسه يتوقف في الحديقة التي كان يقابلها فيها يحرك عيونه في المكان بحثًا عن طيفها القديم، طيف تلك الشرسة التي رآها هنا منذ أشهر تتحرك بكل قوة، والتي استمرت على مدار الأيام السابقة في تحديه بشجاعة أعجبته وبشدة ..
أين هي الآن من تلك الصورة التي اقتحمت عقله لفتاة تربت وترعرعت بين فئة لا يستحسن أن يمسهم نعاله...
مسح وجهه يدفن وجهه بين قدمية بعدما ارتكن لإحدى الأشجار يهتف بينه وبين نفسه بكلمات خرجت منه يائسة :
" ربما اخطأت الفهم، ربما ...هي ...ليست مثلهم، تلك الفتاة التي ..التي علمتها منذ اشهر ليست مثلهم، ولا يمكن أن تكون بمثل تلك الخسة والوضاعة التي يسبح بها هؤلاء الأشخاص القذرين"
انتفض جسده بأمل كبير وقد انتعش داخل صدره شعور أنه ربما أخطأ الفهم، هو سيذهب لها ويعلم منها ما حدث وما يقصد، لن يتركها هذه المرة إلا بعدما تخبره كل ما يتعلق بها وبماضيها ....
وعندها هي ..
وبعد انهيار لحظات وسماعها لأصوات الضحكات الخاصة برجال شقيقها :
" يبدو أنني زدت الأمور سوءًا زمرد صحيح ؟؟"
تحدث آخر بسخرية لاذعة :
" ألم يكن ذلك الرجل يعلم حقيقتك القذرة زمرد ؟! هل أتوهم أم أنكِ بتِ تخجلين من حقيقتك ؟!"
ضحك الاول بصوت أكثر ارتفاعًا وهو يجيب :
" ومنذ متى افتخرت تلك الناكرة للجميل بنا يا صديقي ؟! لكن انظر اليها الأن ؟؟ خسرت كل شيء، خسرت صفنا وصفهم وأضحت منبوذة حقًا ليس اسمًا فقط "
نهضت زمرد ببطء تحاول أن تتماسك لتغادر ذلك المكان، لكن وقبل تحركها ازدادت الضحكات بشكل جعل عقال صبرها يفلت من بين أناملها لتنقض على القضبان تخرج الخنجر الخاص بها تمسك ثياب الرجل تمنعه من الإبتعاد عن القضبان، تغرز خنجرها في معدته تضغط على أسنانها بقوة هامسة بصوت مرعب :
" ربما انحدر منكم بالفعل، لكنني يومًا لن أصبح مثلكم أبدًا مهما وصلت بوضاعتي وحقارتي، فما لكم من منافس يا رجال .."
ختمت حديثها تسحب خنجرها من معدته تسلب من فمه صرخات هزت جدران السجن، ثم دفعته بقوة ترمي الباقيين بنظرات مرعبة، ومن بعدها تحركت ركضًا خارج المكان .
وقبل أن تنهي السلم، ابصرته يقف على بدايته وهو ينظر لها بصدمة، بينما هي ابتسمت بسمة صغيرة موجوعة له وقد أدركت أنه رأى ما فعلت منذ ثواني :
" أمل أن يكون ذلك العرض اعجبك سيدي القائد، عرض مبتذل لشجار بعض المنبوذين بين بعضهم البعض "
صمتت ثم رفعت عيونها له تقول بعدم اهتمام ظاهري :
" على كلٍ لقد انتهيت مما جئت لأجله بالفعل، والآن اعذرني عليّ الرحيل من هنا قبل عودة الجنود لئلا ينتهي بي الأمر في أحد سجون المملكة مع باقي قبيلتي وقومي ."
ابتسمت تتحرك ببساطة من أمام عيونه تاركة إياه يحدق في الفراغ الذي خلفته خلفها بصدمة ولم تعطه حتى فرصة نطق كلمة واحدة ..
أما عنها فبمجرد أن خطت الممر الخارجي حتى أطلقت لساقيها الريح وهي تركض بشكل جنوني تشعر بعدم قدرتها على التنفس وقد بدأت الدموع تتجمع في عيونها مجددًا ..
لحظات هي حتى وجدت نفسها أمام فراشها تلقي جسدها عليه لتنفجر في بكاء عنيف وهي تكتم صرخاتها .
تضغط على العقد الذي تخفيه أسفل ثيابها تهتف بوجع :
" امي.. أين أنتِ ؟؟ ليتك ما رحلتي وتركتني وحيدة"
سقطت دموعها أكثر وهي تزداد في البكاء وصوت والدتها يرن في أذنها وهي تردد لها بعض الآيات لتنام ..
________________
وها هي ليلة مرت على الجميع بكآبة للبعض وترقب للآخر، ليأتي اليوم المرتقب للجميع والذي سيقرر شأن الكثير منهم .
تقف أمام المرآة لا تصدق ما تراه أمامها في هذه اللحظة، كيف وصلت لهنا ؟؟ هي ترى أمامها فتاة تشبهها بكل شيء، لكن للعجب تلك الفتاة كانت ترتدي ثوب زفاف وتضع على وجهها حجاب يخفي ملامحها المزينة، هيئة كانت ستحبها تبارك في حياة أخرى..
ابتسمت تبارك بعدم تصديق وهي تنظر حولها للجميع تطلب منهم تأكيد لما تراه، هل هذه نهايتها ؟! تُزف لمن لا تحب ؟!
ربما في الحياة الأخرى كانت ستحب الزواج من شخص كإيفان، لكن ليس في هذه الحياة، ليس الآن وهي بالفعل تحبه هو، هو دون غيره من يسكن قلبها .
شعرت أن نبضات قلبها تزداد وهي تستدير حولها صوب جميع الفتيات اللواتي كن يساعدنها في التجهز، ودون مقدمات تحركت بسرعة بعيدًا عنهم صوب الباب الخاص بالجناح دون الاهتمام بأي نداء يعلو خلفها وامامها لا ترى طريق سوى طريق غرفته هو .
تتحرك دون توقف وفي عيونها إصرار شديد، هي لن تتزوج إيفان اليوم لن يحدث كل هذا، لن يتم شيء دون إرادتها .
ألم يعلمها سالار طوال تلك الشهور أن تصبح صاحبة قرار وجادة، وها هي ستطبق اول قراراته عليهم .
توقفت أمام جناحه تتنفس بصوت عالي، رفعت يدها تطرق بجنون على باب الجناح، وبعد ثواني من الطرق المستمر فتح هو الباب بغضب شديد، هو منذ الصباح لا يطيق همسة جوار أذنه.
فجأة اتسعت عيونه بصدمة حين أبصرها بفستان زفافها على اعتاب غرفته، ابتلع ريقه يشعر أنه جُنّ لشدة تفكيره بها منذ الأمس .
فتح فمه ينطق بصوت هامس :
" مولاتي ..."
" لا أريد الزواج "
كانت كلمات قاطعة نطقت بها وهي تستند به مستخدمة عيونها، وهو يحدق في وجهها بصدمة وشحوب، الآن وفي هذه اللحظة تعترض ؟؟
قال باستنكار شديد رغم ضربات قلبه التي هللت بسعادة كبيرة وعقله الذي بدأ يرسم خطط عديدة عن كيفية اخذها والهرب بها من المكان بأكمله والاختفاء عن الجميع معها :
" ماذا ؟! ما الذي تقولينه ؟! هل تعلمين ما ..."
" نعم أعلم ما اقول، أنا بكل بساطة اود الرحيل من هنا قبل الزواج، لا اريد أن يتم هذا الزواج "
اشتد جنون سالار من كلماتها تلك رغم حديث قلبه وعقله له الآن:
" أنتِ بالطبع تمزحين معي؟!"
نظرت له بقوة في عيونه :
" لا أفعل، أنا أتحدث بجدية، هل ستساعدني في التملص من هذا الزواج ام أفعل أنا ما قررت له ؟!"
" وما الذي قررتيه يا ترى ؟! "
نظرت له بإصرار تكرر كلماتها :
" لن تساعدني !!"
" مولاتي .."
" لن تساعدني ؟!"
ابتلع ريقه وهو يحدق بعيونها طويلًا وشعور قوي بالخيانة ملئ حلقه، هو الآن داخل صدره قد اتخذ قراره، ليُصنف خائنًا لهم، ولا يخونها هي .
وتبارك التي فهمت صمته الطويل بشكل خاطئ هزت رأسها بكل جمود وقوة تتراجع للخلف بظهرها مرددة :
" جيد إذن، سترى بعينيك ما سأفعل، أراك في الزفاف يا ...قائد "
ختمت حديثها تتحرك من أمام عيونه تحت نظرات مدهوشة من سالار الذي صُدم مما فعلت، هل تركته للتو قبل أن يخبرها أنه سيساعدها ؟؟
بل هل نظرت له بتحدي منذ ثواني ؟! تبارك بدأت تتغير بشكل ...مخيف .
________________
الكثير من أفراد الشعب كانوا يجتمعون بساحة القصر يهللون ويحتفلون باليوم الوطني للمملكة، مثلهم كباقي الممالك .
ومن النافذة فوق كان يقف إيفان يحدق بهم بأعين ضبابية قليلًا قبل أن يتحرك صوب المرآة يحمل تاجه يرتديه بكل رقي، ومن ثم فتح الابواب يتحرك للخارج وخلفه تحرك بعض الحراس في ممرات القصر يقابل في طريقه العريف الذي ابتسم له بسمة صغيرة ينحني له نصف انحناءة وكذلك فعل مرجان.
هز لهم إيفان رأسه ببسمة صغيرة شبه جامدة، يقابل دانيار الذي كانت ملامحه غير مُفسرة، لكنه أجل الحديث حتى ينتهوا من اليوم الطويل ذاك .
ودانيار فقط ارتدى ثياب الاحتفال الخاصة به يتحرك خلف الملك بهدوء شديد صوب الشرفة التي تطل على الجميع .
في الوقت الذي خرج عليهم تميم والذي ترك برلنت مع مهيار وبعض الحراس لحين انتهاء هذا الاحتفال، وقد بدأت حالتها تثير رعبه، وجنونه يشعر أنه سيُجن إن لم تستيقظ، وقد قرر أنه وبعد انتهاء هذا اليوم سيذهب ليترجاها أن تستيقظ ولن يتحرك حتى تفيق.
وقف إيفان يراقب المكان الذي زُين خصيصًا لأجل زفافه من تبارك والجميع يرتقب، كان المكان أشبه بخيمة من القماش الابيض المطرز بالخيوط الذهبية بها طاولة واريكة وكل ما يلزم لعقد قرآن الملك .
استند ايفان على سور الشرفة وهو يحدق في المكان أمامه يقول بهدوء شديد :
" أين هو سالار ؟؟"
سمع صوت من خلفه يهتف بهدوء شديد :
" هنا مولاي .."
ابتسم إيفان يستدير له ثم قال بجدية :
" إذن هل نبدأ ؟!"
ورغم ضربات قلبه التي تزايدت مع تلك الكلمة نطق سالار بالتزامن مع اقتراب خطوات تبارك منهم وخلفها زمرد التي اخرجتها بصعوبة من غرفتها وكهرمان التي لا تدرك سبب إصرار تبارك على حضورها وتركها شقيقها، رغم كل ذلك إلا أن سالار نطق بجمود نسبي وصوت واضح للجميع :
" لنبدأ مولاي فالجميع ينتظر وصولكم في الاسفل ."
__________________
عيونها تراقب الانوار الواضحة من بعيد، حيث القصر الخاص بولدها أو بالأحرى الملك الذي تسبب في عزلها عن قصرها .
ابتسمت شهرزاد بسمة غير مستوعبة بعد لما حدث، طفلها الذي ضحت لأجله بالكثيرين يلقي بها بهذا الشكل المخزي ؟! لقد ..لقد خسرت كل شيء لأجله هو، باعت الجميع واشترته .
عند هذه النقطة أطلقت شهرزاد صرخة مرتفع وهي تدفع طاولة زجاجية أمامها تسقطها ارضًا لتتهشم جزيئاتها مصدرة صوتًا صاخبًا ذكرها بصوت مشابه نابع من ماضيها ..
كانت تسير بين طرقات القصر حتى سمعت صوت تحطم جعل رأسها تستدير وهي تنظر لتلك الفتاة التي تساويها عمرًا أو تكبرها بعام لتصرخ في وجهها بجنون :
" أيتها الغبية ما لكِ تتحركين دون وعي ؟! هل تدركين ثمن ما حطمتي الآن ؟!"
نظرت لها الخادمة برعب وهي تحاول الحديث :
" أنا... أنا لم اقصد، اقسم لكِ لم اقصد أن.."
ولأن شهرزاد في هذه اللحظة كانت في أشد حالاتها غضبًا قاطعت كلمات الخادمة بصرخة غاضبة أشد من السابقة :
" وتجادلين أيضًا ؟؟ هل جننتي أيتها الوضيعة؟؟" "
" شهــــرزاد "
توقفت شهرزاد عن الحديث بصدمة حين سمعت تلك الصرخة الجهورية والتي جعلت جسدها يرتجف كجميع الأجساد الاخرى استدارت ببطء صوب الخلف وهي تنظر جهة زوجها برعب، بينما الأخير رمى بنظرة للعاملة يأمرها أن ترحل، ثم أشار لها أن تلحق به دون كلمة واحدة ورحل .
هكذا كان " تقيّ الدين " يتميز بالجمود والتجبر، رجل مخيف لا يمتلك ذرة لين ومشاعر واحدة في صدره .
أو هي من فشلت في إخراج كل ذلك منه، حتى جاءت أخرى ونجحت فيما فشلت هي به .
تقدمت شهرزاد من جناحهما بارتجاف وهي تهمس بصوت منخفض :
" تقيّ الـ "
قاطعها صوته الهادئ المخيف بحق وهو يردد :
" كم مرة عليّ أخبارك أن تنتبهي لتصرفاتك مع الجميع ؟! أنتِ هنا الملكة فانتبهي لنفسك وتصرفاتك"
" لقد ...لقد فقط كنت ...أنا .."
كانت تبكي مرتجفة تردد بصوت منخفض وهي تفرك كفيها معًا :
" لقد مررت فقط بوقت سييء و...هي ...والدتك لقد كانت .."
صمتت وهي تنظر لملامحه الباردة وهو ينتظر أن تكمل باقي حديثها وبالفعل كان حين قالت :
" لقد كانت تتحدث معي عن الإنجاب و..."
تحرك تقيّ عن مقعده بشكل جعلها تنتفض للخلف رغم أنه فقط نهض ليواجهها، رفع حاجبه بتعجب ولا يدرك حقًا سبب رعبها الكبير منه رغم تلك الأشهر التي مرت على زواجهما ولم يعاملها خلالهما يومًا بشكل سييء .
" لا تتراجعي حين اتقدم لكِ، وتوقفي عن التفكير بأمور هي في الأساس بإرادة الله، الانجاب والأطفال رزق من الله، يرزق به من يشاء ويحرمه من يشاء لحكمة لا يعلمها إلا هو، فلا تسلمي أذنك لأمي "
كاد يتحرك صوب المرحاض لولا كلماتها التي نطقت بها وهي تقول بصوت مرتجف باكي :
" لقد ...لقد أخبرتني أنني سأكون السبب في ضياع الحكم منك ومن ذريتك وسينتقل لعائلة ابن عمك، فهو بالفعل رُزق بصبي منذ أشهر وبهذا يصبح الوريث، وأنت لم ..."
نظر لها تقيّ بشر وهو يهمس من بين أسنانه:
" وإن كان ؟! ما دخل النساء بأمور الحكم ؟! إن أردت أنا تخليت عن الحكم لعائلة ابن عمي ولا شأن لكم بما افعل، ثم أنا بالفعل انتوي أن أجعل الحكم لسالار حتى إن رزقني الله بطفل، فحسب القوانين هو الأكبر في الجيل القادم من رجال العائلة وهو من يحب أن يتولى الحكم كما حدث وتوليته أنا لأنني اسبق ابن عمي في العمر، الحكم هنا ليس وراثة، بل استحقاق وقوة، وسالار إن استحقه، اخذه"
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها تاركًا إياها تراقب ظهره وقلبها ينتفض رعبًا من تلك الفكرة، ليس بعدما عانت كل ذلك يأتي طفلها ليصبح مجرد تابع لابن جوبان، هي لن تأتي بطفلها ليتجرع الذل، الحكم سيكون له ولو رغم أنف زوجها ...
استفاقت شهرزاد على حقيقة واقعها، الطفل الذي حاربت القوانين لأجله جاء هو ليحاربها لأجل فتاة، لكن ليس هذه المرة، لن تهدأ حتى تعود لمكانتها ولو كلفها ذلك أن تتحد مع الشيطان ...مجددًا .
________________
كان يقف عند سفح الجبل الذي يقبع أعلاه قصر سفيد يقود خلفه جيوش مختلطة ما بين رجاله ورجال حليفه العزيز، يراقب الجبل ببسمة واسعة وهو يهتف :
" هل انتم جاهزون يا رجال ؟!"
ارتفعت الأصوات خلف بافل بتهليل وسعادة وقد قرروا استغلال الاحتفال ليحيلوا المتبقي من ايام شعب سفيد لجحيم :
" جاهزون يا سيدي ..."
وفي الاعلى حيث قصر سفيد وفي المكان المخصص للاحتفال بالزواج كانت تتحرك هي بقوة تخفض رأسها ارضًا وخلفها صديقاتها صوب الجزء المخصص لعقد القرآن، وفي عيونها إصرار مخيف .
وسالار يقف خلف مقعد إيفان يراقبها تتهادى صوبهم لتُزف لرجل غيره، شعور جعل يده تتحرك دون شعور صوب السيف الخاص به، وفي هذه اللحظة تحديدًا كان على استعداد تام لاعلانها حرب على الجميع .
وإيفان كان شاردًا لا يبصر في الجميع سواها، تزف له عروسه بيدها، ياللسخرية ...
بينما دانيار اختفى الجميع من حوله وهو يراقبها تتجنب النظر له، وفي هذه اللحظة كان لا يدرك شعوره نحوها، شعور مبهم بالفقد والكره لذاته لما فعل، أحب أحدهم .
نطق الشيخ بصوت مرتفع :
" اجتمعنا اليوم جميعًا لنحتفل بعقد قرآن الملك إيفان"
كلمات كان ينطق بها الشيخ وهو يخطب بينهم عن أسس الزواج وغيرها من الأمور التي لم تصل لعقل سالار وهو يراها قد اقتربت بالفعل لتأخذ مكانها مقابل إيفان، الشيء الذي جعله ينتفض وقد فاض صبره وعقد العزم على سلبها من بين الجميع الآن ولو حدثت حرب في هذه اللحظة .
لكن وقبل أن يتحرك خطوة شعر بمن يجذبه بسرعة للخلف مكبلًا إياه بقوة .
نظر بصدمة ليبصر تميم الذي نظر له بدهشة لما سيفعل بينما دانيار جذب يده الأخرى بعيدًا عن الجميع، وسالار يقاومهم بشر :
" ما بكما دعاني، اتركني تميم هذا أمر"
تحدث دانيار برعب من تلك الكارثة الوشيكة وهو يجذب سالار بعيدًا عن المكان لأحد اركان الساحة :
" لا تفعل تميم، يا ويلي ستحدث كارثة، لنبعده من هنا "
وعند هذه الكلمات شعر سالار بروحه تُسحب، كان يظن أنه يستطيع فعلها والتحمل، لكن لا والله الأمر اصعب من قدرته على التحمل .
المرأة الوحيدة التي أحبها اضاعها بكل غباء .
في هذه اللحظة أزاح سالار العقل جانبًا وهو يندفع بجنون يحاول العودة صوب الجميع لينتزعها من بينهم، لولا دانيار الذي كان ينظر له برجاء :
" ما بك يا قائد، أفق أنا ارجوك، سوف تدمر كل شيء، توقف عن هذا الجنون يا قائد "
ختم حديثه بصرخة جعلت سالار ينظر له بأعين حمراء بعدما كان يراقب من بعيد موكب الزفاف ليهتف بصوت مرعوب :
" سوف يأخذونها مني، ابتعد عني دانيار، اقسم إن خسرت تبارك لاحطمن البلاد فوق رؤوس من بها، ابتعد عن طريقي "
صرخ به دانيار بجنون وهو يدفع للجدار يمنعه عن أي فعل قد يدمر حياته ويؤدي به إلى حتفه :
" الآن وقد ضاعت منك، أفقت الآن ؟؟ هل تمازحني ؟!"
نظر له سالار وهو يردد بلهفة ورعب من تلك الفكرة :
" ستضيع مني دانيار، اتركني، ابتعد، ابتعد تميم، دعاني ارحل "
وللعجب ابتعد عنه تميم بشكل جعل أعين دانيار تتسع وهو يصرخ فيه :
" ما الذي تفعله أنت تميم؟! هل جننت ؟!"
دعه يذهب دانيار لا يمكنك أن تكون انانيًا بهذا الشكل وتحرم القائد من المرأة الوحيدة التي أحب"
صرخ به دانيار بجنون وهو يحاول السيطرة على سالار الذي كان يود الاندفاع صوب الجميع كرجل كهف يختطف امرأته من بينهم .
" اناني ؟؟ أيها الغبي إن فعل القائد ما يريده سيكون بمثابة خيانة وسيُحاكم عليها وقد تضيع حياته "
كانت يتحدث وهو يحاول أن يعيد لتميم عقله، لكن الأخير كان يدرك شعور أن تفقد الشخص الذي تحب:
" حينها سيكون مرتاحًا على الأقل، لا تجبره على الموت حيًا دانيار، توقف عن الأنانية "
نظر له دانيار بصدمة وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة ارتفعت أصوات صرخات قوية آتية من الساحة جعلت جميع الأعين تتحرك صوبها لتتسع بصدمة حين أبصروا النيران التي بدأت تلتهم المكان بمن فيه وخاصة..موكب الزفاف الذي تقبع هي به .
وصرخته الهلعة تلاشت بين الصرخات الأخرى وهو ينادي اسمها كالمجنون .
" تـــــبــارك "
عند تبارك كانت تسمع كلمات الشيخ وهي تنظر حولها تتحسس ذلك الخنجر الذي أخذته من زمرد وهي ترى تحفز جسد زمرد التي تخفي بين ثيابها سيفها .
زمرد العزيزة التي أبت أن تُسجن تبارك وحدها لمخالفة القوانين فاقسمت على المحاربة معها لأجل حبها، وكهرمان التي لا تدرك شيئًا كانت تحاول التحلي بالجمود والصبر .
قررت الاعتراض وإن فشلت ستنتفض .
نظرت تبارك لزمرد نظرة جانبية لتبتسم الأخيرة وهي تردد داخل صدرها ( إن لم أستطع أنا الفوز بحبي، فلأساعد تبارك وكهرمان على الأقل لفعل ذلك )
وفي ثواني كانت تبارك تصرخ بصوت مرتفع :
" توقف يا عم لـ ..."
وقبل أن تكمل كلماتها التي جذبت جميع الأنظار لها، أبصر الجميع قذائف نارية تسقط فوق رؤوسهم بشكل مرعب جعل الصرخات تعلو بشكل مخيف والجميع يتفرق هلعين .
فتحت زمرد فمها بصدمة وهي تعود للخلف بريبة قبل أن تركض صارخة :
" اركضوا جميعـــًا "
انتشر الجميع وتفرقوا، بينما أنتفض جسد إيفان يلقي عن اكتافه العباءة وهو يستل سيفه صارخًا بصوت جهوري :
" كلٌ لمكانه ...احملوا الأسلحة ."
ختم حديثه وهو يرى بالفعل أفراد شعبه حوله وقد اخرجوا أسلحتهم، والذين كانوا في الأساس من جنوده حسب خطته ..
أشار للجميع وهو يركض بين الطرقات صارخًا بهم أن يتخذوا ساترًا لهم :
" ليتحرك كلٌ لمكانه، أمنوا النساء، الملكة والجميع أمنوا النساء "
كان يصرخ وهو يحرك نظراته بين الجميع ليبصر فجأة قذيفة تتحرك صوب الموكب بشكل مرعب جعله يصرخ بصوت مرتفع وهو يرى تبارك التي تجاهد للتحرك بفستانها .
لحظات هي علت بها صرخات زمرد و كهرمان باسم تبارك وصدمة إيفان الذي ما كاد يتقدم خطوة واحدة صوبها حتى أبصر سالار يركض لها بلهفة ارعبته، ينطق اسمها بنبرة جمدته ارضًا ..
وسالار الذي كان يركض صوب تبارك التقط جسدها بسرعة كبيرة يجذبها بعيدًا عن الأعمدة التي تحمل أفرع الزينة المحترقة والتي بدأت تتساقط على الجميع، جذبها بسرعة قبل انهيار أحد الأعمدة عليها وهي التي ظلت مصدومة لا تستطيع التحرك خطوة بعدما شلها الفزع .
شعرت بيد تلتف حول خصرها تجذبها للخلف بلهفة، حتى أنهما سقطا ارضًا يزحف ذلك الشخص بها للخلف..
وصوت يردد كلمات غير مفهومة لها في هذه اللحظات، فقط كل ما تراه هو العمود الخشبي المشتعل الذي كاد يسقط فوقها وأصوات الصرخات حولها وتلك اليد التي تجذبها لصدر صلب والرائحة التي تألفها، والصوت الهامس لها .
" أنتِ بخير، أنتِ بخير، لن أتركك، لن أفعل، أنتِ بخير عزيزتي، لا تقلقي "
كانت تبارك في هذه اللحظة لا تعي سوى أنها بين أحضانه يضمها له بحنان، وبعد تلك اللحظات التي كانت قاسية على اعصابها، وما رأته الآن، شعرت واخيرًا بالراحة تتسرب لها وهي تهمس دون وعي :
" سالار "
هتف سالار بصوت مرتجف وهو يحاول أن يطمئن قلبه أنه لم يفقدها ويده ترتعش بعدم استقرار لما عاشه :
" حياته أنتِ تبارك "
وهذه الكلمات كانت أكثر من كافية لها لتبتسم وهي تترك لعقلها واخيرًا حرية التوقف عن العمل وتسقط في اغماءة سريعة جعلت أعين سالار تتسع برعب وهو يهزها :
" يا ويلي تبارك، تبارك ما بكِ، هل أنتِ بخير ؟؟ ارجوكِ لا تفعلي هذا بي، تبارك أنا آسف، اقسم أنني ما كنت لاسمح لهم باخذك مني، أنا آسف ارجوكِ "
كان يهزها برفق يترجاها أن تستيقظ، ولم يشعر سوى بمن يسحبها منه، وقبل أن يصرخ معترضًا حدجه إيفان بنظرة قوية صارخًا في وجهه :
" قم وأحمل سيفك سالار ودع تبارك لهم ليعالجوها "
نظر سالار صوب كهرمان وزمرد اللتين حملتا تبارك متحركتين صوب المشفى، بينما هو يجلس ارضًا بصدمة مما حدث كان كمن تجمد، ولم ير سوى سيف أُلقي أمامه وصوت إيفان خرج منه غاضبًا ساخرًا :
" أحمل سيفك وقم يا قائد، الحرب لن تنتظر أن تلملم شتات نفسك "
رفع له سالار عيونه بصدمة مما حدث منذ ثواني، كيف حدث كل هذا له، اغمض عيونه بقوة يحاول تمالك نفسه، يستغفر ربه يحتقر ذاته، قبل أن يمد يده ويمسك السيف بقوة يفتح عيونه بشكل مرعب ينهض وهو ينفض ثيابه يتحرك لصفوف الجيش المجهزة مسبقًا يهتف بصوت قوي مرتفع بينهم :
" هذه حربـكم، وارضكم، وانتم هنا اليد العليا، اروهم كيف يحارب الرجال يا قوم، لا أريد أن يبصر هؤلاء القذرين شيئًا عدا الجحيم، اجعلوا سفيد مقبرة تضم أجسادهم العفنة، ولا تأخذكم بهم رأفة...."
ختم تلك الكلمات وهو يقف أمام بوابة سفيد وقد تجمع خلفه الكتيبة الاولى بقيادته يصرخ في حراس الابواب :
" افتحــوا الابـــواب .."
وبالفعل فُتحت الابواب الخاصة بقلعة سفيد ليظهر من خلفها بافل ورجاله والذي ابتسم يقول بشكل مقزز :
" مرحبًا بسالار العزيز .."
بادله سالار البسمة يرفعه سيفه عاليًا معلنًا بذلك بدء الحرب وهو يردد بصوت ساخر :
" أخبرتك أنه القائد سالار بالنسبة لك، يبدو أنك من ذلك النوع الغبي بافل، لا تفهم الحديث إلا حينما يتبعه صفعة، وهذه الصفعة أنا من سيرميك بها ...."
_____________________
كانت تحمل تبارك بمساعدة كهرمان والتي كانت ترتجف برعب مما يحدث في الخارج تناجي ربها وتنادي شقيقها..
وصل الجميع للمشفى وبمجرد أن وضعوا تبارك على الفراش تحركت زمرد بسرعة مرعبة للخارج جعلت كهرمان تمسك يدها وهي تصرخ باكية :
" إلى أين ؟! لا تتحركي من هنا، لقد ...لقد سمعت الجنود المرابطين في الابراج يقولون أن بافل هو من يقود الجيوش في الخارج، لا تتحركي زمرد ابقي هنا"
نظرت لها زمرد بأعين حمراء وغضب تغلب على قهرها تصرخ بصوت هائج وهي تبعد يد كهرمان عنها دون اهتمام :
" لهذا بالتحديد سأخرج، لن اقف هنا مقيدة بينما أحدهم في الخارج يقتل ذلك القذر، بافل لي أنا، أنا فقط من يحق له قتله، ليس بعد كل تلك السنوات يموت بهذا الشكل، ليس دون أن انتقم لروح والدتي"
ختمت حديثها تركض بسرعة كبيرة تاركة كهرمان تحدق في أثرها بصدمة جعلت جسدها ينتفض راكضة خلفها وهي تصرخ بصوت مرتفع :
" لا زمرد، لا تفعلي، ارجوكِ لا تفعليها زمرد "
لكن زمرد في تلك اللحظة كانت بالفعل في طريقها للخارج تنتزع سيفها تتحرك بين الجميع دون الاهتمام بإمكانية موتها والتي كانت كبيرة للحق، فهذا ليس شجار بين أفراد عشيرتها والذي كانت تخرج منه مدمرة بالمناسبة، بل هذه حرب رجال فقط، وهي لا مكان لها بها، لكنها أخذت على نفسها عهدًا قديمًا، والآن فقط ستنفذه، موت بافل على يديها ..
في الساحة تحول أفراد الشعب الذين جاءوا لحضور زفاف الملك والعيد الوطني، لجنود مسلحين في ثواني معدودة حسب خطة إيفان.
فبعدما نشروا في المملكة اكملها أن العيد في موعده وتأكدوا أن الأخبار وصلت لبافل، نشر إيفان جنود لأسر المتبقي من المنبوذين بين الشعب وأعلن بشكل طارئ توقف تجهيزات العيد بشكل ظاهري، وفي الداخل رتب هو لاحتفال خاص به وبجنوده كمصيدة لهم .
وها هم يحتفلون به مع رجال بافل، وأعوانه .
كان بافل يرابط أمام باب القصر وخلفه الآلاف الرجال الذين يحملون أسلحة حازوا عليها بالسرقة والخديعة، وخلف هؤلاء الرجال الذين سيستخدمهم كمجرد إلهاء حتى يفسح الطريق، رجال آخرون أشداء مُدربون على تلك الحروب ينتظرون أن تنتشر الفوضى ليفرضوا سيطرتهم على المكان، خطة استخدمها بافل سابقًا مع مشكى والآن مع سفيد، والوقت واحد، في مشكى داهمهم في صلاة الفجر وفي سفيد ها هو يدق أبوابهم يوم عيدهم الوطني .
وبالفعل بمجرد أن فُتحت الابواب كان هو مبتسمًا ينتظر أن يرى الدمار يعم المكان والتشتت عنوانهم، لكن ما حدث هو أنه لم يقابل سوى جيش يقوده سالار .
ورغم صدمة بافل الكبرى في هذه اللحظة إلا أنه تداركها يقول ببسمة واسعة :
" مرحبًا بسالار العزيز .."
فوق القصر كان يقف دانيار وهو ينظر صوب بافل ورجاله بأعين مخيفة يحمل سهامه وخلفه جزء من جيش الرماة الخاص به، وعلى المبنى المقابل له باقي الجيش .
يحدق بوجه بافل الذي يظهر له ضبابي لبعد المسافة بينهما، لكنه كان يراه بشكل جيد، وسؤال يدور داخل عقله، ترى هل تشبهه هي ؟؟
كان يبحث دون إرادة في ذلك الرجل المقيت عن أي علاقة بينهما والنتيجة لا شيء، لا شيء في هذا الخسيس يمت لزمردته بصلة ..
في الاسفل تحرك بخطوات هادئة يتقدم من مقدمة الجيش يقف جوار سالار الذي كانت ملامحه لا توحي بشيء، وبافل ينتظر منهم إشارة البداية .
ابتسم إيفان يقول بهدوء :
" أوه هذا بافل هنا في قصري ؟؟ يا ويلي ما هذه المفاجأة ؟! غير متوقعة بالمرة "
رفع بافل حاجبه بسخرية وهو يرمق الرجال الذين احاطوا به والجيوش التي تتوسط المباني في الأعلى ثم قال :
" حقًا، كل هذا وغير متوقع ؟! ماذا إن توقعت مجيئ ؟!"
ابتسم له إيفان يجيب بهدوء شديد وهو يحرك سيفه بين قبضته :
" ما هذا السؤال بافل ؟؟ إن توقعت ما كنت لادع قدمك تلك تلوث تراب سفيد "
شعر بافل بالغضب من حديث إيفان، لكنه لم يعلق عليه وقال دون مقدمات :
" لا بأس في المستقبل ستعتاد سفيد على تلك الاقدام التي ستخطوها يوميًا بعدما تصبح لي "
أطلق إيفان ضحكات صاخبة رنت في المكان بأكمله وهو ينظر حوله لجنوده الذين كانوا ينتظرون كلمة واحدة منه :
" أنت ومن يا ترى ؟! جيش الخراف الذي تقوده ؟!"
" لا تستهن بعدوك إيفان فهذا العدو هو نفسه من أسقط رفيقك ودهسه أسفل أقدامه وكان ذلك مجرد فرقة إصبع فقط "
ابتسم له إيفان بسمة جانبية وهو يقول بصوت متسائل :
" أتلمح بحديثك هذا لارسلان ؟؟"
ابتسم له بافل بسمة مقيتة، بينما إيفان نظر صوب سالار يقول بتسائل :
" ما هذا الحديث سالار ؟؟ هل أخبرك أرسلان بشيء من هذا القبيل ؟؟ أي اقدام تلك التي دهسه الحقير أسفلها ؟!"
ابتسم له سالار يقول بهدوء شديد :
" لا مولاي لم يذكر المرحوم أرسلان أي شيء بخصوص اقدام بافل عدا أنه ترك له ذكرى لا تُمحى على مقدمة ساقه اليسرى "
ختم سالار حديثه يميل بعض الشيء وهو ينظر لساق بافل وكأنه يبحث عن ذلك الأثر بالفعل، و بافل يسمع هذا الحديث وهو لا يفهم شيئًا، احاديث تدور حوله لا يدرك مقصدهم بها :
" وكيف سيخبركم رفيقكم ما حدث له على يدي وهو قد تبخرت عظامه ؟!"
اتسعت بسمة إيفان بشكل جعل بافل يخشى القادم، وقد كان محقًا في خوفه ذلك إذ قال إيفان بصوت قوي :
" أتقصد الملك أرسلان الذي يتوسط عرش مشكى في اللحظة التي اتحدث أنا بها لك الآن ؟! "
انتفض جسد بافل بشكل قوي ورجاله حوله قد بدأوا يتهامسون بعدم فهم ولا أحد في الواقفين يدرك ما يحدث في هذه اللحظة .
بينما إيفان لم يوضح لهم شيئًا وهو يخرج سيفه من غمده بقوة جعلت جميع الرجال خلفه يفعلون المثل وهم يخرجون سيوفهم كذلك وصوت سالار يهتف بينهم بصوت جهوري :
" هذا الحقير جاء بلادكم مُغير تسبقه نيته السيئة، فماذا أنتم فاعلون يا رجال ؟!"
ارتفعت أصوات الرجال الجهورية والصيحات القوية التي تسببت في تراجع اقدام بافل بشكل تلقائي للخلف وهو يرمقهم بريبة يهتف لهم محاولًا الثبات :
" إن ظننتم أنني سأكون لقمة سائغة في افواهكم، فاللعنة عليكم أجمعين، أنا جئتكم اليوم قاتلًا أو مقتولًا "
أخرج سالار سيفه بسرعة وهو يقول بسخرية :
" الخيار الثاني سيكون مناسبًا لي اكثر"
ابتسم لهم بافل وهو يقول بصوت ساخر قوي ولم يتنحى كبرياؤه بعد عن الساحة :
" إن ظننتم أنني جئتكم اليوم دون تخطيط فأنتم مخطئون، أنا جئت اليوم لسفيد ولن أرحل عنها إلا عندما تكون لي ولرجالي "
صحح له إيفان بهدوء وهو يحرك إصبعه في الهواء ببساطة :
" تصحيح، تقصد رجال الملك آزار وبعض الذكور من جانبك "
وبمجرد أن ختم إيفان حديثه بدأ الرجال الحلفاء لبافل والذين كانوا يحتلون مؤخرة جيشه يرفعون أسلحتهم على بافل ورجاله، ليصبحوا بين المطرقة والسندان .
اتسعت أعين بافل بصدمة وهو يرى انقلاب الجنود عليه وقد بدأت ضربات قلبه تتباطؤ بشكل مخيف حين سمع صوتًا يهتف من الخلف :
" مالك ورجالي بافل ؟؟ إن أردت أخذ شيء فخذه بنفسك وتوقف عن الزج برجال مملكتي في مشاكلك كما فعلت سابقًا بموافقة ذلك الحقير الذي وضع يده في يدك "
نظر بافل صوب آزار والذي كان يتقدم منهم بهامته المرتفعة وهو يرتدي ثوب الحرب يحمل سيوفه في حزامه يحيط به رجاله .
وحين وصل صوب إيفان ابتسم يقول :
" عيبٌ عليك بافل، تستغل سذاجة بني وتسحبه لصفك ؟؟ هل ظننت من كل عقلك أن نزار يمتلك سيطرة على جيشي أكثر مني ؟؟ "
كان بافل في هذه اللحظات لا يعي ما يقال أمامه لتعلو صرخة آزار الذي تلقى ضربته الموجعة حين اكتشف أن من وضع يده في يد بافل ودمر مملكة مشكى واسقطها هو نفسه نزار ابنه وبعضٌ من جنوده القذرين .
" هل تعتقد أنني سأسمح لكم أن تلوثوا اسم آبى بقذارتكما تلك ؟! تبًا لك وله واللعنة عليكما سويًا، ليس آزار من يرتبط حرف من أحرف اسمه بكما، حتى وإن كان ذلك الرابط هو ولي عهده الوحيد "
ختم حديثه بملامح محتدة ودماؤه تتحرك داخل أوردته بشراسة لا يرى أمامه، منذ اكتشافه لما حدث وللفساد الذي كان يعم مملكته بسبب ولده وهو يشعر بالغضب، ولده الذي كان يفرض على الشعب ضرائب ويصعب عليهم حياتهم تحت اسمه، بل وطعنه في ظهره وتعاون مع ذلك الحقير لإسقاط مملكة رفيقه وحاول قتل ابن رفيقه .
أخرج آزار سيفه وهو يصرخ :
" أنت وذلك القذر ستنالون نفس المصير "
تراجع بافل للخلف وهو يشعر بأن نهايته اقتربت وبشدة، الرجال خلفه لن يحمونه في هذه اللحظة، هو يدرك جيدًا أنهم الآن يرتجفون أكثر منه .
" وهل تظن أنني اخافك أنت ومن معك آزار ؟؟ لم يولد بعد من يتحدى بافل "
ختم بافل حديثه يسحب السيف لتشتعل الحرب في لحظات حتى أن الجميع لم يبصروا ما حدث، فجأة التحم الجيشان بشكل مخيف، وذلك كان فرصة له لينفذ خطته المتبعة في مثل هذه الحروب منذ قديم الزمان، خطة اعتمدها بافل هو ووالده حينما كانت جيوشهم الضعيفة تلتحم في حرب خاسرة مع جيوش الممالك، ألا وهي محاولة التلاشي بين الجميع والهرب، ونجح ذلك مئات المرات، لكن كيف الآن وجميع الأعين كانت تحلق حوله هو تحديدًا، خاصة عيونها هي والتي كانت تنتظر فرصتها لتشفي صدرها ......
________________________
ابتسم وهو يتحرك يقف أمام القصر وخلفه عدد الرجال الذين جمعهم منذ أيام .
المعتصم يتقدم رجال مشكى يتحركون صوب القصر بكل قوة، يحملون السيوف التي دخلت لهم عن طريق حدودهم مع سفيد، الجميع يلتمع في عيونه الاصرار والغضب .
واخيرًا وصلوا لبوابة القصر ليتوقفوا خلف المعتصم الذي هتف بصوت قوي :
" ها هي بوابتكم للتحرر من هؤلاء القذرين يا رجال، إن فاقوكم عددًا، فقتوهم قوة وإيمانًا، الله أكبر"
وبهذه الكلمة أشعل المعتصم النيران داخل صدور الشعب ليندفع الجميع صوب القصر كالسيل الجارف يزيحون من أمامهم، والذين كانوا اعدادًا لا يُستهان بهم، تركهم بافل ليحموا عرشه الذي سلبه بصعوبة من فك أرسلان.
والآن جاءوا هم ليعيدوا العرش .
كان رجال بافل يقفون أمام البوابة يحمونها وهم ينتظرون عودة جيش بافل منتصرًا يتضاحكون ويسخرون، لكن فجأة علت أصوات صاخبة مهللة تقترب منهم، نظر الجميع صوب تلك الأصوات لتتسع الأعين صدمة مما رأوا حتى أن أحدهم همس بارتجاف :
" يا ويلي، هل هذه القيامة ؟!"
انطلقت الصيحات رجال مشكى بالتكبير وهم يركضون صوبهم بشكل جعل أحد الرجال يلقي السيف ارضًا وهو يراقبهم بأعين متسعة .
كان مظهر الرجال ورغم أنهم مجرد رجال مسالمون وليسوا رجال حرب، إلا أن ركضهم بهذا الشكل جعل عقيدتهم الواهنة تهتز واحدهم يهتف برعب :
" حرب، الحرب ...هذه حرب، جيوش الممالك الأخرى تهجم علينا، احتموا بالقعلة بسرعة "
كان الغضب يحرك رجال مشكى، جثث ذويهم ورماد منازل، صرخات الصغار ونحيب النساء وقلة حيلة الكبار كانت تلوح أمامهم .
حتى أن دموع أحد الرجال سقطت وهو يهبط في رأس أحدهم بالسيف صارخًا بقهر :
" هذه لأجل زوجتي ورضيعي "
والصغير تاج الدين الذي أبصر استشهاد والده وشقيقته أمام عيونه، كان يحمل سيفًا يفوقه حجمًا يصيب به من تصل له يده دون أن يهتم باحتمالية موته، طالما سينال قصاص عائلته .
كان الحقد والغضب في أعين الرجال مرعب، مرعب بحق، كان الأمر أشبه بحبسك لعشيرة اسود في أقفاص وقتلك اشبالهم على مرأى ومسمع منهم لاطمئنانك أن القضبان تحميك، وفجأة وعلى حين غرة منك تُفتح الابواب لينقضوا عليك ..
والخوف يا عزيزي كان المايسترو الاول للأخطاء، فها هو الرعب يحرك رجال بافل صوب الخطأ، إذ فتحوا الابواب ليحتموا بالقلعة وأعطوا لشعب مشكى الفرصة لدخول القلعة كذلك واندفعوا للداخل بشكل جعل بعض الرجال يحاولون تدارك الأمر، سارعوا يغلقون الابواب، لكن وقبل أن تنغلق اتسعت أعين أحدهم وهو يصرخ بهاع متراجعًا للخلف صارخًا :
" شبح ...شبح ."
نظر له رفاقه برعب واحدهم يصرخ به :
" أيها الحقير تعال واغلق معنا الباب، أي شبح هذا الذي تتحدث عنه، نحن من سنصبح اشباحًا إن لم تسارع وتساعدنا "
لكن الرجل كانت عيونه معلقة بتلك الفتحة الصغيرة في بوابة القصر والتي كانت تظهر له من خلف أجساد الرجال فرس يهرول صوبهم يحمل فوق ظهره فارسًا مشهرًا سيفه وفي عيونه تلتمع قوة جعلته يرتجف وهو يهمس :
" هذا ...هذا أرسلان "
كان يتحدث مشيرًا للخارج لتلتفت جميع الأعين صوب المكان الذي أشار إليه، وعلت الصدمة أعين جميع الرجال وخاصة رجال مشكى الذين صرخوا باسمه وقد ظن البعض منهم أن روح الملك جاءت لتساندهم في القتال..
إذ كان ملكهم يتقدم جيش ضخم من الرجال الأشداء، جيش سبز الذي يقودهم بارق خلف أرسلان، بعدما ذهب آزار بجيشه لمساندة سفيد .
صرخ بارق بصوت جهوري :
" خذوا قصاصكم من هؤلاء القذرين يا رجال "
و أرسلان رفع سيفه يهتف لهم بصوت مرعب رنّ صداه في المكان :
" مرحبًا بكم في جحيمي يا أوساخ..."
___________________
كانت فكرة هروبه ممكنة بالفعل وقد كاد ينجح ويتسلل من بين جنوده لينجو بجسده وروحه، لولا صوتها الذي اخترق مسامعه وهي تمسك به على أطراف القلعة قبل الهروب تجذبه بعيدًا عن حصانه مسقطة إياه ارضًا بغضب شديد صارخة :
" مرحبًا يا أخي، هل اشتقت لي ؟؟"
تجمد جسد بافل وهو يستدير ببطء صوب الخلف ليراها تقف وهي تحمل سيفها، كما هي لم تتغير مقدار شعرة واحدة، نفس وقفتها ونفس طريقة حملها للسيف، ابتسم بسمة جانبية يقول :
" لا تخبريني أنكِ جئتِ هنا لتنقذي شقيقك المسكين من هذا العالم؟!"
" بل جئت لانقذ العالم من شقيقي المسكين بافل "
رفع بافل حاجبه يقول بسخرية لاذعة :
" فشل الجميع في مسي بخدشٍ وأنتِ هي من ستفعل ؟! حقًا زمرد ؟! "
" ما رأيك أن نجرب ؟! "
نظر لها بافل طويلًا قبل أن يبتسم باستهانة يستدير ليكمل هروبه صوب أي حصان قد يحمله بعيدًا عن تلك المعمعة :
" لا لست متفرغًا لالعابك تلك زمرد، اذهبي واكملي اختبائك عند هؤلاء القوم، واحرصي ألا تظهري في وجهي مجددًا فالمرة القادمة لن تنجي من بين قبضتي "
وما كاد يخطو خطوة إضافية حتى شعر فجأة بضربة تصيب ظهره، أطلق صرخة مرتفعة يستدير صوبها بصدمة ليرى في عيونها إصرار مخيف جعله يخرج سيفه وهو يصرخ بجنون :
" سأقتلك ... سأقتلك أيتها الوسخة يا ابنة الساقطة"
ختم حديثه يتحرك صوبها بقوة مرعبة، يصرخ بصوت مرتفع وهي رفعت سيفها تصد ضرباته تهتف من أسفل أسنانها :
" هذه المرأة كانت أشرف من عشيرتك بأكملها يا حقير، اقسم أن نهايتك على يدي "
ابتسم لها بافل وهو يقول بصوت خافت يقترب منها :
" كنت أود أن ارحمك مني اليوم، لكن يبدو أنكِ تتعجلين نهايتك زمرد "
انتهى يرفع قدمه فجأة يضربها بها في معدتها بشكل جعل جسدها يندفع بقوة للخلف مصطدمًا في جدار القلعة لتعلو صرخة زمرد التي لم تتوقع ما فعل .
رفعت رأسها بسرعة لتتحدث لكن توقفت كلماتها حين هبط هو بقبضة السيف على رأسها متسببًا في سقوطها ارضًا .
غدّار، وما يليق الغدر بسواه، المرة الأولى التي تتغافل هي عن الغدر مع سيد الغدر وها هي تلقت عقابها، سقطت دموع زمرد مختلطة بدمائها وصوت بافل جوارها يهمس بشر :
" قذرة تمامًا كوالدتك، لولا أن والدي كان يحب ترويض المهور الشرسة ما جئتِ أنتِ لهذه الحياة، أنتِ الخطأ الأكبر الذي ارتكبه أبي، ليتني قتلتك منذ لحظة ولادتك الاولى واتبعت والدتك الفاسقة بكِ يا وسخة "
سقطت دموع زمرد وهي ترى نهايتها ووالدتها تضمها وهي تهمس لها أنها اطهر من الجميع هنا، هي اطهرهم وانقاهم، هي أفضلهم واكثرهم طيبة، هي اقواهم .
" ربما هم اليد العليا هنا يا ابنتي، ربما تعالى ذاك القذر الذي يسمى والدك، لكن فوق كل كبير هناك من هو أكبر وفوق الجميع الله أكبر، فلا تظني يومًا أنهم قد يتعالون في هذه الأرض دون رد من الله إنما يؤخرهم ليوم تشخص به الأبصار، ويل للمنبوذين من يوم تجتمع فيه الخصوم، والله لأكونن خصيمة هذا الشعب فرد فرد، موعدنا يوم المحشر، الله حسبي ووكيلي "
سقطت دموع زمرد بقوة وهي تشعر أن القصاص الوحيد الذي قد تناله سيكون يوم تنال والدتها القصاص من الله، لن تناله في هذه الحياة، لقد غرتها الحياة واقنعتها قوتها الواهية أنها قد تنافس الرجال قوة .
فجأة سمعت صوت ضحكات بافل المرتفعة وهو ينهض يقف على قدميه يهمس لها. :
" أتدرين الشيء الوحيد الذي ورثتيه عن والدتك كان جمالك الشرس هذا، لكن القوة هي تفوقك بها، يا ويلي كانت جميلة بشكل يغوي القديس لا عجب أن والدي سقط لها وأبى قتلها يوم مقتل زوجها "
رفعت زمرد عيونها له بصدمة من تلك الكلمات القذرة وهو فقط رفع سيفه لا يهتم لتلك النظرات، يريها مقدار الشر في عيونه والحقد ولم يكد يهبط بضربته فوق ظهرها حتى ارتفع صوت قنابل مرعب في المكان جعل جسده يتدحرج للخلف بشكل أعطاها الفرصة لتمسك سيفها وتنهض بسرعة .
كان السقوط هذه المرة من نصيب بافل، نظرت له زمرد من الاعلى وهي تهمس بصوت منخفض :
" أتدري أن الشيء الوحيد الذي أصاب به أقذر والدك هو تسميتك ببافل ؟؟ نعم أنت حقًا بافل ولايليق بسواك أن يكون بافل أنت الوحيد الذي يليق به أن يكون صغير حقير قذر "
وبهذه الكلمات ختمت زمرد حديثها لتهبط بالسيف فوق جسد بافل مصيبة إياه بجرح انطلقت على إثره صرخة تلاشت بين اصوات القنابل .
ابتسمت بسعادة وقد انتفض صدرها احتفالًا بما يحدث ولم تكد تهبط بالضرب الثانية حتى شعرت هي بتلقي ضربة من الخلف اتسعت على إثرها عيونها، استدارت ببطء تبصر الصغير شقيق بافل والذي تسلل خلف شقيقه للهرب فابصر ما يحدث .
تحركت عيون زمرد للاسفل تحاول أن تتماسك لكن ذلك الوجع الذي أصابها لم تتحمله ليسقط جسدها ارضًا بقوة وكان آخر ما ابصرته هروب بافل بمساعدة شقيقه ....
_______________________
في طرف القصر الآخر كان تميم يقف يراقب ما يحدث مبتسمًا فدوره في هذه الحروب كان زرع القنابل في أماكن الخروج الجانبية لمنع هروب أي قذر منهم، وقد نجحت تلك الخطوة فبمجرد اقتراب أحدهم من باب جانبي كانت القنابل تنفجر بهم أجمعين..
الأمر كان أشبه بمذبحة وتطهير عرقي لهؤلاء القذرين اجمعين .
حرك تميم القنبلة بين أنامله وهو يبتسم بسمة متسعة، ثم تحرك بعيدًا عن الجميع يطمئن أن كل شيء أصبح بخير، لكن وقبل تحركه عن مكانه جوار البوابات الجانبية تفاجئ لرؤيته جسد متكوم ارضًا، رفع حاجبه محاولًا رؤية ما يقبع في ذلك الركن، تحرك ببطء يخرج سيفه بتحفز شديد قبل أن يتوقف أمام ذلك الجسد متسع الأعين هامسًا بصدمة :
" أليست هذه هي نفسها صديقة برلنت ؟؟ "
صمت يحاول تذكر اسمها، لكن حالتها التي ابصرها منعته من مواصلة التفكير وهو ينحني بسرعة يحمل جسدها بعدما وضع السيف في الغمد، يركض بها بين الطرقات صوب المشفى وهو يصرخ باسم مهيار :
" مهيار ...مهيار ساعدني، مهيار النجدة الفتاة تكاد تلفظ أنفاسها ."
استدار له مهيار والذي كان يستقبل الجرحى ليعالجهم، يتعجب صراخ تميم، لكن فجأة وحين وصل له تميم وابصر تلك الفتاة التي تتوسط ذراعيه والتي تعرف عليها من نظرة واحدة، وكيف لا وهي نفسها الفتاة التي يعشقها شقيقه .
همس دون وعي في اللحظة التي اقترب بها دانيار ليطمئن عليه :
" هل هذه ..."
قاطعه صوت دانيار الصارخ والمرتعب :
" زمرد ....."
______________________
فتحت عيونها منتفضة عن الفراش بسبب اصوات القنابل في الخارج لتجد نفسها في الغرفة وحدها، أبعدت تبارك الغطاء عنها وهي تتذكر ما حدث، ارتجف جسدها وهي تركض للخارج بسرعة تهمس باسمه في رعب شديد متذكرة ذلك المشهد في الهجوم الأخير حين تكالبوا على سالار للإطاحة به :
" سالار ....سالار "
خرجت من المشفى ليقابلها مشهد خرج من الجحيم بالخطأ، ساحة القصر كانت أشبه بقطعة من الجحيم، ابتلعت ريقها تركض بين الأجساد تبحث عنه برعب شديد وقد انقبض صدرها بشكل مخيف تمسك اول سيف أبصرته ارضًا وهي تبكي مرتعبة عليه :
" يا قائد"
تناديه باكية خائفة وقد نست أن الخوف المستحق الآن عليها هي وليس هو، وأن هذا الذي تبكي رعبًا على مكروهًا قد يصيبه، هو نفسه قائد الجيوش الذي خاض في حياته معارك وخرج منها منتصرًا بفضل الله .
فجأة وأثناء بحثها بعيونها وسط هذه المعمعة عن سالار أبصرت الكثيرون يتكالبون حول إيفان لتركض بصعوبة صوبه وهي تصرخ :
" مولاي ...خلفك "
استدار إيفان بسرعة كبيرة يشق من يقف خلفه لنصفين دون الوقوف متعجبًا وجود الملكة بين كل هذا، وحين تأكد أنه بخير نظر لها بصدمة وشر يهتف في وجهها صارخًا للمرة الأولى :
" ما الذي تفعلينه في هذه الحرب ؟! هل جننتي يا امرأة ؟!"
وهي لم تتوقف عن صراخه، ولم تهتم به حقًا بل قالت برجاء بخوف :
" سالار ... أين سالار، هو ...هو بخير ؟! هم يريدون قتله، الهجوم السابق كان هو هدفهم الوحيد، أين هو ؟!"
اهتز جسد إيفان لوهلة بسبب تلك المشاعر التي انبثقت من عيون تبارك، كانت مرعبة، كان يرى أمامه امرأة قد تقتل الجميع لأجل سالار، وهذه الحقيقة صفعته لا يصدق أنه اغفلها طوال هذا الوقت ...
ابتلع ريقه يقول بصوت حاول جعله جامدًا :
" عودي للقصر سمو الأميرة، والقائد ليس طفلًا تخشين عليه الإصابة "
اتسعت أعين تبارك لا تستوعب ما يقول، وإن كان يعتقد أنها ستمسك طرف فستانها المزعج الان وتنحني نصف انحناءة وتقول له ( أمرك مولاي ) فهو مخطئ، ابتسمت له بسمة شرسة وهي تهتف :
" آسفة مولاي، لكنني الآن لست في مزاج يسمح لي بتنفيذ أوامرك، وبما أنك لن تساعدني في الوصول لسالار، فسأجده وحدي "
ختمت حديثها تركض بعيدًا عنه تاركة فم إيفان مفتوح بصدمة يراقب تصرفات تبارك التي كانت تخجل النظر في عيونه ثواني، ولم يستطع منع بسمته وهو يردد بذهول :
" سالار آخر ؟؟"
وعند هذا السالار الآخر، كانت تتحرك بين الجميع تضرب بسيفها من يعترض طريقها تبحث عنه بين الجميع، وقد هداها عقلها أن تبحث عن اكبر تجمع وستجده في المنتصف، وقد كان ....
ها هو تجمع من الضباع المتشردة حول أسد بغية إسقاطه للتغذي عليه، لكن ليس وهي تتنفس .
انطلقت لهم تصرخ بصوت مرتفع مسقطة اول من قابلها ارضًا دون اهتزاز أو ارتجاف .
وسالار الذي كان في المنتصف اتسعت عيونه بصدمة وهو يراها تهجم على الرجال بشراسة ليهتز قلبه خوفًا للمرة الأولى وهو يرفع سيوفه يقاتل بها :
" ما الذي تفعلينه هنا ؟! عودي للقصر والآن، اذهبي أيتها الغبية "
نظرت له تبارك برفض ولم تكد تتشدق بكلمة واحدة حتى شعرت بيد سالار تجذبها صوب ظهره بسرعة كبيرة وهو يمثل لها جدار وعيونه تطلق شرارًا صوب الجميع :
" سأؤمن لكِ طريق العودة وأنتِ غادري للقصر "
كان يتحدث وهو يقاتل من أمامه والإعداد تتزايد ينتظر منها إشارة الموافقة على حديثه، لكن اعينه اتسعت حين سمع همستها له من الخلف :
" لا "
الذهول الذي ملئ نفسه في هذه اللحظة جعله يتناسى أنه في حرب ولا يجب عليه أن يبعد عيونه عن خصمه، استدار لها يحدجها بأعين مصدومة متسائلة عن هوية تلك الـ ( لا ) التي نطقت بها .
وهي لم تهتم تخرج من حمايته ترفع سيفها قائلة بنبرة ثابتة قوية :
" إما أن اساعدك ونخرج من هذه الحرب سويًا، أو أموت واسبقك أنا، وصدقني لن اقبل بخيار ثالث "
ختمت حديثها تندفع صوب أحد الرجال تقاتلهم بشراسة جعلت سالار يخشى عليها، لكن في الحرب لا فرصة أمامه للتفكير فيما تفعله هي، لا يجب عليه أن يتوقف عن القتال لئلا يتكالبون عليه .
كان يقاتل، عين على العدو، وعين على الحبيب ....
مشاعر الحماية التي تلبست سالار في هذه اللحظة جعلته يدق الأعناق بقوة دون اهتمام وهو يضرب الرجال أمامه ويبعدهم من أمام تبارك، والتي على عكس مرتها الأولى كانت تقتل من يقابلها دون أن تتردد، إن كان الهدف سالار، فاللعنة عليهم أجمعين .
مرت دقائق والحرب مستمرة، انتفض سالار وهو يبعد عنه اخر الرجال ثم انطلق صوب تبارك يجذب الرجل الذي يقاتلها من ثيابه وقبل أن ينطق الرجل بكلمة كان سيف سالار يصمته للأبد..
نظر لها تتنفس بصوت مرتفع، ليبتسم هو لها يقول :
" ربما أخبرتك بهذا مرات معدودة فقط، لكنني يومًا لم افخر بتلميذ لي كما أفعل معكِ، وفي الحقيقة ليست مشاعر الفخر هي ما تملئ صدري فقط في هذه اللحظة "
رفعت تبارك رأسها له بصدمة من كلماته تحاول أن تقنع نفسها أنه لا يقصد ما تريد هي سماعه، وهو شرد بملامحها يبتسم وصوته حين أخبر أرسلان أنه لا يريد أميرة مدللة، بل يريدها مقاتلة قوية، يرن في أذنه .
وفي الحقيقة في هذه اللحظة أدرك سالار أنه حتى لو كانت تبارك أميرة مدللة كان سيسقط لها بنفس الشكل ولن يهتم .
دار بعيونه حوله يبصر جنوده يتوسطون الساحة بعدما أسقطوا من أسقطوا وبدأت نيران الحرب تهدأ.
" لست ذلك الرجل الذي قد يغير رأيه في شيء بسهولة أو يتنازل عن شيء لأجل أحد، لكن في الحقيقة، هذا المشهد الذي أراه امامي قد يدفعني لتغيير التاريخ، فما بالك بتغيير رأيي ؟!"
" لا افهم ما تقوله سالار "
تبارك التي كانت تتنفس بصوت مرتفع لم تكن تفهم ما يقول هو، بينما سالار ابتسم لها وقد التمعت عيونه بتصميم يقترب منها يطيل النظر لعيونها يخبرها بصوت خافت :
" هل تعلمين عدد الحروب التي خضتها سابقًا مولاتي ؟؟"
نظرت له بشرود ولم تاتي بأي ردة فعل من صدمتها لتلك النبرة وتلك الكلمات وهو ابتسم لها يقول ببساطة ضاربًا بكل ما يحدث عرض الحائط إن كانت هي الهدف:
" خضت في حياتي مائة واثنين وعشرين معركة، خسرت بهما ثلاث معارك فقط، واحدة يوم رأيتك للمرة الأولى، والثانية عندما أبصرت عيونك عن قرب، والثالثة تتجدد خسارتها مع كل مرة اسمع اسمي منكِ...."
فقدت تبارك الشعور بما حولها ليزيد سالار طينتها بلًا بكلماته الأخيرة :
" فما رأيك بإعلان الحرب المائة وثلاثة وعشرين ؟!"
______________________
إذن الحرب المائة وثلاثة وعشرين ؟؟
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم.
صلوا على نبي الرحمة.
قراءة ممتعة .
______________________
كانت الجملة التي نطق بها سالار في هذه اللحظة أعلى من مستوى تفكير تبارك التي ازداد تنفسها بشكل مريب تحت أعين سالار الذي ابتسم لها، يحرك كتفه بهدوء :
" نعم ستكون حربًا "
ختم جملته المعقدة تلك وتحرك بعيدًا عن تبارك تاركًا إياها تقف في منتصف الساحة وحدها، وحولها تنتشر العديد من الجثث لكثير من الأشخاص، نظرت في محيطها تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي، قبل أن تبصر من مكانها إيفان الذي قطع طريق سالار .
وأصبح الإثنان في مواجهة بعضهما البعض في تلك اللحظة، وهذا ما جعلها تبتلع ريقها بخوف شديد وهي تقترب بتأني وقلق شديد، هل يعقل أنها قد تتسبب بغبائها في شقاق بينهما .
اقتربت أكثر ليصل لها صوت إيفان الذي كان يضم ذراعيه لصدره مبتسمًا بسمة مريبة :
" احسنت يا قائد، أتممت دورك كقائد للجيش، وفشلت في دورك كصديق، وبالطبع أخفقت في دورك كشقيق لي سالار"
اتسعت أعين سالار بقوة من قوة تلك الكلمات، يمسك مرفق إيفان بسرعة قبل أن يتحرك الاخير :
" لا لا مهلا إيفان، ما ...ما الذي ... أنا.....ليس بهذا الشكل، أنت لا تعلم شيئًا لقد .."
جذب منه إيفان مرفقه بقوة يقول بملامح متكدرة ووجه مقتضب واعين حادة :
" هذا هو مربط الفرس سالار، أنا بالفعل لا اعلم شيئًا فأنت لم تتكرم وتخبرني بشيء، اسررتها بنفسك، ورأيت أنني لا استحق معرفة مشاعرك تجاه ..."
صمت ينظر للخلف حيث تبارك التي كانت شاحبة الوجه :
" تجاه المرأة التي كادت تصبح زوجتي "
ختم حديثه ينظر في محيطه، ثم رأى أن يتحرك قبل أن يتجاوز أحدهما في حق الأخر على مرأى ومسمع من الجميع:
" لا اعتقد أن الوقت أو المكان مناسبين لمناقشة مثل هذه الأمور يا قائد، هيا لنكمل العمل "
صمت ينظر صوب تبارك مرة أخرى يقول بصوت مسموع وواضح لها :
" تحركي صوب القصر سمو الأميرة، فساحة الحرب لا تناسب النساء "
ختم حديثه يتحرك من المكان بأكمله تاركًا الجميع خلفه يحدقون في أثره، وقد شعر سالار في هذه اللحظة بفداحة ما حدث، استدار نصف استدارة يبصر أعين تبارك التي بدأت تمتلئ دموع، فابتلع ريقه يردد بصوت خافت :
" سمعتي أمر الملك مولاتي، عودي للقصر رجاءً"
فتحت فمها بغية التحدث، لكنه في هذه اللحظة لم يكن حقًا في مزاج يسمح له بالحديث مع أحد :
" رجاءً نفذي ما اقول دون نقاش "
سقطت واخيرًا دموعها التي حبستها طوال هذا الوقت، تهز رأسها بهدوء وهي تتحرك بخطوات بطيئة ميتة صوب القصر وسيفها مهدل يقطر دماءً وقد كانت أشبه بجندي عاد من حربه خاسرًا وحيدًا بعدما فقد فيها كل عزيز، وكذلك فقد نفسه، وتبارك التي لم تكن شيئًا في الوقت الحالي كان ذلك اقرب وصف لها ..فقدت نفسها .
وسالار الذي كان يتابع كل ذلك تألم من اعماق قلبه لنظرتها، لكن في الوقت الحالي لا شيء ليفعله بشأن ذلك، ابتلع ريقه ينظر حوله في الساحة وقد خمدت الحرب، وهرب بافل، جذر الفساد لم يُقطع بعد ...
تنفس بصوت عالي وهو يبصر جنوده ينتشلون أجساد شهدائهم الطاهرة من الأرض لدفنهم في مكان استشهادهم، ويبدو أن ارض سفيد ستحفظ الكثير من الجثث الطاهرة اليوم .
تحرك سالار ببطء يراقب الأجساد حوله، هذا كان تلميذه، وهذا تحدث معه بالأمس، وهذا جاء له يومًا يطالبه بإجازة لأجل ولادة طفله، آباء وأبناء وأخوة رحلوا اليوم، عائلات كثيرة ستبيت ليلتها باكية، فقدوا الكثير ومازالوا يفقدون .
جلس سالار ارضًا جوار أحد الأجساد والذي كان يعود لشاب في التاسعة عشر من عمره انضم لهم قبل عام واحد آنفًا كارهًا، مازالت صدى كلماته ترن في أذنه..
" ابي هو من أراد أن انضم لجيش المملكة، لكنني لا أريد ذلك، أبي شيخ واخي طفل، من يتكفل بهم إن حدث لي مكروه ؟!"
وبعد مرور اشهر على وجوده تعلق قلب الفتى بالجهاد وأبى إلا أن يستمر في الجيش، ورغم أن إيفان كان رافضًا أن يكون المعيل الوحيد لأسرته في الجيش إلا أن إصرار الفتى منعه من الاعتراض .
ابتسم سالار بسمة صغيرة وهو يتأمل الشاب بأعين ملتمعة بعدة مشاعر هامسًا وكأنه يجيب سؤاله بعد مرور عام كامل :
" يتكفل بهم الله يا فتى، وأنت هنيئًا لك الشهادة يا بني .."
تنفس بصوت مرتفع وهو ينهض حين وصل الجنود لانتشال جسد الشاب من أمامه، وسالار يحرك عيونه في المكان يدرك أن إيفان يتكفل بشكل كامل بجميع أسر الشهداء والسجناء، لكن أي كفالة تلك تعوضهم غياب احبائهم .
" رحمة الله عليكم .."
___________________
كان في هذه اللحظة لا يستوعب ما يحدث، مظهر زمرد مضجرة في دمائها بين ذراعي تميم قتله، ليقترب منهم يصرخ باسمها دون وعي وقبل أن يأخذ خطوة إضافية لها سمع صوت مهيار يركض في الممرات وهو يشير لتميم أن يتبعه :
" من هنا تميم بسرعة "
كان يركض وتمتم يركض خلفه بجسد زمرد وهو ما يزال يقف أمام المشفى كالجماد لا يأتي بأية حركة، لكن حالته تلك لم تستمر إلا ثواني معدودة قبل أن ينتفض يركض بسرعة كبيرة خلفهم وهو يصرخ باسمها في جنون تام، يهذي بكلمات غير مفهومة :
" ماذا فعلتم لها، من ...من أصابها ؟! كيف ...خرجت لماذا؟! تميم ما الذي فعلته ؟؟"
وضع تميم جسد زمرد على الفراش تاركًا إياها لمهيار وهو يدفع بدانيار للخارج تحت كلمات مهيار الذي قال بسرعة :
" ليرسل أحدكم في إحضار المزيد من المساعدة فالجرحى كُثر، أرسلوا أيضًا في احضار الملكة "
ختم حديثه تزامنًا مع غلق باب الغرفة من قبل تميم الذي نظر بغضب لدانيار والذي كان يحاول الإفلات منه ودخول الغرفة مجددًا :
" دانيار توقف بالله عليك، دع شقيقك ينتهي من عمله في الداخل "
نظر له دانيار بانهيار وهو يشير للداخل برعب :
" لقد كانت ...لقد ...كيف حدث هذا؟! أين كانت ؟! لِمَ خرجت و.."
فجأة ودون سابق إنذار توقف هزيان دانيار عند نقطة أضاءت في عقله وهو يحاول تخيل ما يحدث، فما حدث منذ دقائق كان مع قومها و...شقيقها، أيعقل ؟؟
كانت تلك الفكرة في حد ذاتها سبب ليشعر دانيار بقرب جنونه، يستند على الجدار خلفه وهو يحاول التماسك من هول ما يحدث، قبل أن يسمع صوت تميم الذي جاء من بعيد :
" لقد وجدتها جوار أحد الأبواب الجانبية ملقاة ارضًا في دمائها جوار سيفٍ ما بهذه الحالة "
كلمات وكلمات وكلمات لكنها تصل مشوشة له، وهو الذي انهار شيئًا فشيء حتى سقط ارضًا يمسك رأسه بين يديه وقد شعر في تلك اللحظة بالرعب، بل كان الرعب كلمة لا تصل لمقدار المشاعر التي يختزنها دانيار داخله .
" ياالله، يا الله "
كانت همسات تخرج منه دون وعي، كيف تجاهل هذه النقطة ؟! كيف تجاهل طبيعة زمرد المتهورة والتي لا تنفك تجد حرب فتقفز بها، فما بالكم بحرب تخصها ؟؟
ابتلع ريقه وهو متأكد أن السبب في حالتها تلك هو أحد أفراد ذلك الشعب النجس إن لم يكن شقيقها، فما كان لرجالهم أن يرفعوا سيفًا على امرأة.
ساعات قضاها في الخارج وهو يتجاهل كل ما يحدث حوله، فقط يهيم في ذكرياته معه، ويجلد روحه بسياط الندم لتركها تتحرك ذلك اليوم دون أن يخبرها أنه يريد معرفة الحقيقة بالكامل .
طال الوقت أو هذا ما شعر به، ولم يشعر بتميم الذي تحرك ليطمئن على زوجته، ثم يعود، كل ذلك وهو يجلس دون أن يبدي أي ردة فعل ..
كان هذا حتى سمع صوت مهيار يخرج ومعه تبارك التي لم يعلم متى جاءت بالتحديد وهو هنا لم يتحرك، هز رأسه دون اهتمام يتساءل بلهفة ورعب :
" مهيار كيف هي ؟! هي بخير ..صحيح ؟؟"
نظر له مهيار بشفقة، يشفق عليه من نفسه وعقله، تنهد يربت على كتفه :
" ستكون بخير لا تقلق، السيف لم يصب أنسجة حيوية، لكن الجرح ليس بالصغير أو البسيط، بل هو عميق بعض الشيء سيستلزم وقت لشفائه "
هز رأسه وهو ينظر له بلهفة ورجاء :
" يمكنني الدخول لها صحيح ؟؟"
صُدم مهيار من كلمات شقيقه والذي لا يبدو في وعيه :
" الدخول إلى أين دانيار ؟! هذه امرأة أجنبية عنك يا أخي، أفق لا يمكنك الدخول عليها بالطبع "
شعر دانيار بعالمه يتهشم هامسًا بصوت خافت متوسل :
" إذن يمكنني الزواج بها إن كان ذلك سيتيح لي رؤيتها "
" حسنًا عندما تستيقظ أخبرها بذلك، فنحن لن نزوجها إياك وهي لا حول لها ولا قوة "
شعر دانيار أنه لن يتحمل كل ذلك الوقت حاول البحث عن شيء في عقله يساعده، وخابت جميع آماله وهو يستند على الجدار بتعب يسمع صوت تبارك له :
" لا تقلق دانيار هي ستكون بخير، فقط تحتاج وقت لتلتئم الجروح ومن نعمة الله عليها أنها الآن لا تعي ما يحدث حولها كي لا تتوجع لجرحها الذي ما يزال حيًا، دعواتك لها وستصبح بخير، أنا سأذهب لاطمئن على برلنت ومن ثم سأعود لها مجددًا "
هز دانيار رأسه هزة صغيرة يقول بصوت خافت موجوع:
" حسنًا لا بأس، شكرًا لكِ مولاتي "
ابتسمت له تبارك بسمة صغيرة وهي تتحرك لترى برلنت ومن ثم ستباشر معالجة الجنود، كل ذلك وقلبها يمتلئ بالعديد من المشاعر المشوشة، لكن لربما كان كل ذلك فضل من الله لتنشغل عن أفكارها بالعمل.
رحلت ومازال دانيار يقف محدقًا بباب غرفتها لا يسمع كلمات مهيار الذي يتحدث له منذ رحلت تبارك، كل ما يراه هو جسدها المصاب وعقله يعرض له صورتها التي وصفها تميم وهي في وسط بركة دمائها وسيفها مـ
فجأة توقفت أفكاره وانتفض يهمس بإدراك لأهمية السيف لها والذي كادت تفقد روحها لأجله، السيف نفسه الذي قربه منها :
" سيفها ؟؟؟ السيف أين هو ؟!"
____________________
صوت اقتحام المكتبة تسبب في انتفاضة جسد العريف بقوة وهو يلتقط السيف الذي كان مستقرًا على الطاولة للدفاع عن نفسه، تحرك ببطء صوب الباب صارخًا بصوت جهوري :
" اظهر نفسك، هل تظن أنني عجوز أعجز عن قتالك يا هذا ؟؟ "
ختم حديثه ينظر صوب الباب بشر كبير وتحفز اكبر وقد اتخذ وضع الهجوم ممسكًا بالسيف، لكن شيئًا فشيء تهدلت كتفه وهو يبصر ذلك الجسد الذي يتوسط مدخل المكتبة بملامح كئيبة متعبة .
انزل العريف السيف وهو يحدق في صاحب الجسد بخوف هامسًا :
" ما بك؟! هل حدث شيء في الخارج ؟!"
رفع صاحب الجسد رأسه يهمس بصوت متعب :
" نعم، لقد خسرت "
فزع العريف من تلك الكلمة يركض بسرعة صوب ابواب المكتبة وقد ظن في رأسه أنهم خسروا الحرب وجسده بأكمله يرتجف :
" يا الله رحمتك بنا، خسرنا ؟؟ كيف لقد كان الملك يخطط لكل شيء بدقة و..."
" لا لا ليس الملك، أنا فقط من خسرت، أنا الخاسر الوحيد اليوم يا عم "
شعر العريف بضربة قوية توجه لصدره وهو يغلق أبواب المكتبة بسرعة كبيرة بعدما تأكد أن لا أحد يتبعه، يجذب يده صوب الداخل يهتف بخوف من تلك الملامح والجسد المرهق بشكل مريب :
" بني، ما الذي حدث لك ؟؟ لا أراك الله خسارة يا عزيزي، ما الذي تسبب لك في كل ذلك الوجع الذي أراه!!"
رفع سالار رأسه يهمس له بصوت موجوع يجاهد كل تلك الصراعات داخله :
" ألم اكن وصية ابي وابنك لك يا عم ؟؟ "
هز العريف رأسه وقد بدأ صدره يرتجف على ذكرى والد سالار وولده هو، يرفع كفه يمسك وجه سالار بحنان :
" أنت اغلى ما امتلك سالار "
" إذن لِمَ ارتضيت لي الوجع يا أبا دارا ؟؟"
كانت تلك الكلمات هي اقسى ضربة تلقاها العريف، كلمات سالار بهذا الشكل وهذه الطريقة جعلت يتراجع بصدمة ووجه شاحب يهز رأسه رافضًا مرتجفًا :
" ماذا ؟؟ أنا ؟؟ أنا لم أفعل يومًا معك بني، يا ويلي ليقبض الله روحي قبل أن أمسك بسوء أنت لست فقط وصية جوبان ودارا لي، بل أنت رفيق حياتي وبني الذي عوضني فقدان أحبتي سالار "
سقطت دموع سالار يهتف بوجع :
" لماذا إذن يا عم شهدان ؟؟ لماذا إذن فعلت كل هذا بي ؟؟"
ابتلع ريقه يهتف بصوت متألم متقطع :
" لماذا ارسلتني أنا لاحضرها، لماذا ألقيت بي في دهاليز لا علم لي بها، مالي أنا ومال تلك المشاعر ؟! أخبرتك أنني فقط هنا كي انتقم لوالدي، وأنت..."
صمت ثواني بقهر قبل أن يضرب طاولة جانبية بقدمة في عنف مخيف يصرخ بصوت مرتفع :
" وأنت فقط ألقيت بي بين غياهب الحب، ارسلتني متعمدًا في رحلة لن ينالني منها سوى الوجع، كنت تعلم، كنت تعلم أنني سأفعلها، كنت تدرك أنني سأسقط في حبها ورغم ذلك ارسلتني، كنت تعلم أنني سأأثم ورغم ذلك أقنعت الملك بأرسالي، لقد دمرتني، دمرتني، والآن أنا هنا بين شقيّ الرحى، إما أن اتنحى جانبًا واترك المرأة الوحيدة التي احببت لآخر، أو احارب ذلك الآخر والذي للصدفة هو نفسه أخي الذي كنت على استعداد للتخلي عن حياتي لأجله، لكن ليس هي ..."
صرخ بجنون وهو يضرب ما أمامه:
" ليس هي أيها العريف، أنت السبب في كل ذلك، لو أنك لم تقترح عليه أن يرسلني أنا لها، لو أنني لم أرها ذاك اليوم تبكي كالطفلة، لو أنني لم اقترب منها، يا الله ما الذي فعلته بي، لقد أصبحت آثمًا، جعلتني آثمًا لأجل حب يا عم "
كان العريف يتابع كل ذلك بملامح متغضنة يرى أمامه الشخص الوحيد الذي حارب لأجله منهارًا وعلى وشك السقوط، عادت ذاكرته في لحظة لذلك اليوم الذي أبصر ولده دارا والذي كان قائدًا للرماة في الجيش سابقًا، يدخل عليه المنزل وهو يمسك بيد سالار باكيًا بصوت موجوع وهو يصرخ :
" لقد فقدت جوبان يا أبي، فقدت قائدي وصديقي، لقد قتلوه هؤلاء الملاعين، قتلوه وقتلوا الأميرة عائشة "
منذ تلك اللحظة التي أبصر بها العريف ولده مدمرًا لأجل رفيقه وابصر ارتجاف الصغير سالار بين يده، وضمه لصدره وقد تعهد لنفسه ألا يدع مكروهًا يصيبه، وأقنع الجميع بمن فيهم تلك الحرباء شهرزاد أنه ابعد طفل جوبان عن المملكة مقابل أن تدعه هي جانبًا، وهذا بعدما اكتشفت هي أنه الناجي الوحيد من تلك المعركة، لكن هل فعل وأبعده حقًا ؟؟
بل أحضره والقاه بين الصبية الذين جاءوا لتعلم القتال وجعله يلتحق بالجيش مثله كأي طفل صغير ولم يقترب منه يومًا إلا في الخفاء، وسالار لم يخيب آمال والده ودون تدخل من أحد حاز مكانة والده السابقة عن جدارة واستحقاق ليصبح خليفة له في ساحات القتال، يقتص لوالديه ولولده دارا الذي قُتل غدرًا ولحق بهما .
اقترب العريف من سالار الذي لم يكن يبصر أمامه سوى سواد وإثم سيطيح به، ضم وجنتيه بين يديه بحنان شديد :
" لم أكن أعلم، اقسم بالله أنني في البداية لم أكن أعلم أنها هي المقدرة لك يا بني، لو علمت لاخبرتك وارسلتك لتحضرها لكن كزوجتك أنت، لم اعلم إلا بعدما جاءت ورأيتها و...ابصرتها تُزف لك في أحد الاحلام، عندما تذكرت تلك الرؤية بخصوص الملكة من عالم المفسدين، خانني عقلي وظننتها تقصد إيفان، ونسيت أنك الملك المقدر هنا وليس إيفان، إذن هي لك أنت يا سالار منذ البداية وليست لايفان "
عض سالار شفتيه يهمس :
" من سيخبر الجميع بذلك يا أبا دارا، فأنا سأصبح في أعين الجميع مجرد حقير خان ملكه واحب زوجته المقدرة، سأصبح مجرد قذر خائن نظر لمن لا تخصه، و..."
صمت يهتف ببسمة موجوعة :
" أوتعلم، سيكون لهم كامل الحق في هذا الاعتقاد، فأنا بالفعل اخطأت وبشدة، لو أنني فقط تعاملت معها كما تعاملت مع الجميع، لو أنني ما سلمت نفسي للشيطان واحببتها، أيا ليتني قُتلت في إحدى المعارك التي اتفاخر بها وما وقعت في هذا الإثم "
أضاف باكثر نبرة متألمة سمعها العريف :
" لقد ...لقد ...لقد تجاوزت الكثير في حبها، يا ويلي لقد عانقتها في الخارج مرتجفًا على مرأى ومسمع من الجميع، كنت ا..."
صمت يدفن وجهه بخزي بين ذراعيه، أيًا كانت المشاعر اللعينة التي يمتلكها تجاهها ما كان عليه التجاوز لهذه النقطة، كان يمكنه إنقاذها دون أن يظهر ضعفه تجاهها للجميع، دون أن يظهر ذلك الخزي أمام الجميع وخاصة إيفان الذي أبصر نظرة خذلان تعتلي عيونه قبل أن يقذف له بسيفه ..
" ما الذي سأفعله الأن ؟! أنا لا أستطيع أن أرفع وجهي في وجه أحدهم بعد الآن، لقد خذلت الجميع وقبلهم نفسي، خذلت إيفان وأخذت منه زوجته "
" هي زوجتك أنت بـ "
قاطعه سالار صارخًا بجنون :
" لكنها كانت أمام الجميع وأمامي زوجته المستقبلية، حتى لو أنها المقدرة لي ما كان على ذلك أن يدفعني صوب الوقوع في حبها وأنا أدرك داخلي أنها للملك "
ابتلع العريف ريقه يقول :
" ملك غير الملك وملكة لا تمت للملكة بصلة، المقصود بهذه الكلمات هو إيفان وكهرمان "
نظر له سالار بعدم فهم ليتابع العريف بصوت منخفض :
" ملك غير الملك هو إيفان، وملكة لا تمت للملكة بصلة يُقصد بها كهرمان، فالملك الحقيقي هو أنت والملكة هي تبارك "
ابتسم سالار بعدم تصديق لما يُقال أمامه:
" هل كنت تستمتع بمشاهدتي أعاني يا أبا دارا ؟؟ هل كانت أوجاعي وصراعاتي الداخلية تستهويك لدرجة أنك لم تفكر يومًا في مصارحتي بكل ذلك ؟؟"
رفع العريف عيونه الدامعة لسالار :
" ما كان لي أن أتدخل في علم الغيب يا بني، كل تلك كانت مجرد احلام ورؤى والغيب بيد الله، كلها مصائر ما كان لي أن أتدخل بها، ثم إن أخبرتك أو أخبرت أحدهم بما رأيته لأجله كان سيسارع ليحارب مصيره، وهذه إرادة الله فوق كل شيء، لذلك كان من المفترض للحياة أن تسير دون أي تغيير في الأقدار "
انهار سالار ارضًا بقوة وهو يشعر بالمكان يدور به، يهتف دون شعور منه :
" ليتني رفضت الذهاب وإحضارها، ليتني لم أرها، ما كان عليّ أن آثم بهذا الشكل "
" إثم ؟؟ هل تسمي معرفتك لي إثم سالار ؟!"
تجمد جسد سالار للحظة يستمع لصوتها وهو يبتلع ريقه، يغمض عيونه بقوة يستند برأسه على أحد ارفف الكتب خلفه :
" هل سيسعدك العلم أنني بالفعل آثم وهذا الإثم كان حبك ؟؟"
تأوهت تبارك تبتسم بعدم تصديق، هي من كانت تبكي بخوف عليه، قبل أن تقرر المجئ للعريف واللجوء له وأخذ نصيحته، لتكتشف أنها إثم.
" لا، لن يسعدني معرفة أن قائد جيوش سفيد أصبح آثمًا في حبي، لن يسعدني أن أصبح إثم لمن لا إثم له"
ابتلعت ريقها تحاول الحديث :
" لكن في النهاية أنت بشري والجميع يخطأ سالار، الجميع يأثم نحن لسنا في المدينة الفاضلة "
ضحك سالار بقهر يهمس لها وهو يحرك يديه أمامه :
" وأنا يا سيدتي عشت في مملكة؛ حيث لا آثام ولا آثمين، فكنت أول الآثمين وكان إثمي الحب "
سقطت دموع تبارك بقوة تشعر بشدة القهر في نبرته، والوجع المتمثل في حركات يده، كل ذلك قتلها ببساطة، لقد دمرت بمجيئها هذه المملكة وقلبتها رأسًا على عقب .
رفعت عيونها صوب العريف الذي كان يراقب كل ذلك بوجع شديد لا يملك شيء يساعدهم به :
" هل هذا كان قصدك ؟؟"
رفع العريف عيونه لتبارك بعدم فهم، لتقول بوجع مقتربة منه :
" حين أخبرتني أنني سأغير تاريخ سفيد، هل هذا ما كنت تقصده ؟! لم تخبرني أنني سأدمر البلاد يا عريف بوجودي ؟؟ "
ابتسم العريف بسمة صغيرة من بين نظراته الموجوعة:
" ما حدث كان بداية التغيير يا ابنتي "
هزت تبارك رأسها ببطء تقول :
" أنا..لا اريد أن أفعل هذا، لا أريد تغيير تاريخ سفيد، أريد فقط أن... أرحل، اعدني لمنزلي يا قائد وليعد كل شيء لما كان عليه "
رفع سالار رأسه التي كانت مستندة على قدمه في صدمة شديدة يهتف :
" ماذا ؟؟"
" كما سمعت، أريد الابتعاد قبل أن تسوء الأمور بسببي أكثر، كل شيء سيصبح بخير حينما أغادر "
نهض سالار من مكانه كالملسوع يصرخ بجنون في وجهها :
" ما الذي تهزين به يا امرأة ؟! هل تظنين أن رحيلك سيصلح كل ما فسد ؟؟ لقد حدث وفسد وانتهينا، ورحيلك لن يغير شيء فيما حدث، لن يفعل شيء "
نظرت له بدموع تتراجع للخلف بعيدًا عن امواج غضبه وهو ما يزال يتحدث بجدية من أسفل أسنانه بغضب شديد :
" ذهابك لن يؤثر بشيء، هو لن يفعل شيء سوى أنه
....سيقتلني أنا، هذا ما سيفعله رحيلك "
رفعت تبارك عيونها له بصدمة ليقول سالار وهو يشعر أنه يتمادى في اثمه، لكن إن كانت هي إثم، فهو يتقبله بصدر رحب ولتصبح هي أول آثامه، وهو أول الآثمين .
" أنا لن احارب هنا واقاتل لأجل لا شيء، أنتِ لن ترحلي وتتركيني في هذه الحرب وحدي، لا اطالبك بالقتال، لكن على الأقل اريدك أن تنتظريني حين العودة من تلك الحرب بأدويتك لتعالجي جروحي، أوليست هذه مهنتك ؟؟ تعالجين الجرحى ؟؟ وأنا بعد هذه المعركة سأكون ملئ بالجراح تبارك "
انهارت تبارك في هذه اللحظة وقد شعرت بالوجع في صدرها، لا تدري ما الذي يجب فعله، يقتلها رؤيته بهذا الشكل، وتلك الكلمات التي خرجت منه بهذا الشكل اوجعتها واصابتها في مقتل ..
" أنا لا..."
" هل ستنتظرين عودتي تبارك ؟؟ "
رفعت عيونها له موجوعة تشفق عليه كل هذه المعارك التي يخوضها لأجلها :
" بل أريد خوضها معك إن استطعت يا قائد ......"
ابتسم لها سالار بسمة صغيرة باهتة يفرك وجهه :
" هذه الحرب الوحيدة التي لن أسمح لكِ أن تشاركيني فيها ...مولاتي ."
__________________
يتحرك بين الممرات وهو ينظر أمامه نظرات جامدة بين الجنود من حوله يتجنبون الاحتكاك به ولو دون قصد وهو فقط لا يبصر أمامه سوى مشهد سالار الذي يضم تبارك لصدره وكأنها ستتلاشى .
ابتسم يتذكر كلمات والدته التي بدأت ترن في أذنه نزع سترته الخاصة بالحروب يلقيها دون اهتمام أين تسقط وسيفه يقطر دمًا لا يعلم لمن يعود، لكنه يعلم أنه ملوث بالفعل .
وفجأة وفي وسط موجة الأفكار التي عصفت بإيفان ابصرها تسير أمامه لتذكره بأن سالار لم يكن الآثم الوحيد في هذا القصر .
وعند هذه النقطة أطلق إيفان ضحكة صاخبة رنت بين جدران قصره تسببت في جعل الجميع ينظر له بذهول وخاصة هي التي شعرت أن هناك شيء خاطئ يحدث، نظرت حولها بريبة تقول :
" مولاي، هل أنت بخير ؟؟"
رفع إيفان عيونه لها يقول بنبرة بها أثر لضحك :
" في الحقيقة هذا سبب ضحكاتي، هل أنا بخير ؟؟ هل تسير الأمور على ما يرام ؟! "
لم تفهم كهرمان ما يقول وقد شعرت أن هناك شيء مريب به :
" مولاي هل ....هل تلقيت ضربة على رأسك خلال الحرب ؟!"
نظر لها إيفان بصدمة كبيرة سرعان ما انقلبت لضحكات أعلى وأكثر صخبًا من السابقة، وهي تتابعه بعدم فهم وقد بدأت تتراجع بخوف من ضحكاته ونظراته تلك، لكن قبل الرحيل بشكل كامل أوقفها إيفان بسرعة يقول :
" لا لا، مهلًا مهلًا أنا فقط آسف، يبدو أنني فقط مرهق مما حدث و.."
صمت يتنحنح ليعود إلى وجهه الراقي والهادئ والجاد، لكنه لم يستطع التحمل لأكثر من ثواني لينفجر مجددًا في الضحك وهو يستند على الجدار خلفه :
" أنا فقط ....فقط أشعر أنني كنت اركض في دوامة و .."
رفع عيونه لكهرمان يقول دون مقدمات أو حاجة لقول ذلك :
" هل أبدو مريبًا الآن لكِ ؟؟"
ورغم أنها لا يجب أن تفعل ذلك إلا أنها اومأت له بنعم، وهو ابتسم يقول براحة وكأنه كان ينتظر اجابتها تلك :
" جيد إذن، واستغلالًا لتلك الحالة التي تجعلني أبدو لكِ كالمجنون في هذه اللحظة، دعيني أخبرك أنني كنت اعاني كثيرًا في التحدث معكِ دون القول أنكِ رقيقة للغاية سمو الاميرة، هذا حقيقة عانيت كثيرًا في كتمها عنك رغبة مني ألا اتجاوز حدود ديني وحدود لباقتي، لكن الآن ليس على المجنون حرج، و...اعتقد أنه يحق لي قول ذلك للفتاة التي ارغبها ولو لمرة واحدة صحيح ؟؟"
كانت نظرات كهرمان له مريبة وكأنه للتو أخبرها أن السماء تمطر زهور أو أن الجبال تحولت لحلوى، وفي الحقيقة ما نطق به إيفان للتو فاق كل ذلك جنونًا، لكن إيفان في هذه اللحظة لم يشعر بنفسه سوى وهو يعبر لها عما يضمر .
" أنا الآن وقح حقير تعديت على حرمة صديقي وغازلت شقيقته، و...هذا أكبر خطأ أنا آسف حقًا، سوف اتحدث لارسلان واعتذر منه عن ذلك وأخبره أنني أخطأت وغازلتك"
كانت كلمات إيفان في هذه اللحظة مريبة غريبة لكهرمان بشكل غير طبيعي، هذا الرجل الذي يهزي بكلمات غير متزنة أمامها، ليس هو نفسه الملك الذي كان يجعل الجميع يفغر فاهه من مقدار حكمته وخبثه .
وإيفان في هذه اللحظة لم يكن حقًا يدرك ما يخرج من فمه، فقط هز رأسه وتحرك صوب مخدعه وهو يردد كلمات لم تصل لها واضحة، تاركًا إياها تعاني الحيرة جراء ما قال، لكنها لم تتوقف كثيرًا وهي تتحرك بعيدًا عن المكان بخجل شديد تشكر لثامها الذي أخفى احمرار وجنتيها عن الأعين حولها .
بينما الجنود في الممر كانوا مصدومين مما يحدث، في البداية قائد الجيوش والآن الملك، ما الذي أصاب رجال هذا القصر يا ترى ؟؟
_______________________
تحرك داخل غرفتها يستشعر هدوء كبير ليبتسم بحنان وهو يهمس :
" الحرب في الخارج والسلام في غرفتك برلنت "
اقترب من الفراش يميل عليها مقبلًا رأسها يهتف بصوت خافت وصل لها واضحًا، إذ كانت تدعي النوم لترى ما يفعل :
" كيف حال صغيرتي اليوم، يبدو أنكِ كنتِ تشتاقين النوم كثيرًا، أنتِ هكذا منذ أيام طويلة، تنامين دون شعور لمن جافاه النوم لأجلك "
شعرت برلنت بالصدمة وهي تستمع لكلماته، رددت بصوت هامس دون شعور و بصدمة كبيرة :
" أيام ؟؟"
ربت تميم على شعرها بلطف:
" تحبين رؤية خوفي عليكِ، لذلك تستمرين في النوم تاركة إياي اعاني بعدك هنا ؟؟"
حاولت برلنت كبت بسمتها على كلماته التي جعلتها تسعد، وهو مال عليها يقبل رأسها بحنان :
" لكن لا بأس صغيرتي، يمكنك النوم كما تريدين إن كان ذلك يريحك ولاذهب أنا للجحيم "
صمت ثم قال مجددًا :
" أنا فقط أخشى أن انشغل يومًا عنكِ واهملك بيرلي، لذا اتخذت قراري صغيرتي، لو كان عملي سيمنعني عنكِ.. سأتزوج بأخرى تعتني بكِ لأجلي ريثما انتهي من عملي "
في هذه اللحظة أبصر تميم اهتزاز جسد برلنت بقوة ليبتسم ساخرًا :
" ومن يعلم، ربما تكون من اللطف لتعتني بي كذلك، وأنا بالفعل قد وجدت تلك الزوجة الصالحة التي سـ "
فجأة فتحت برلنت عيونها بقوة وكأنها لم تغلقها يومًا تقول بصوت خرج منها غاضبًا رغم ضعفه :
" ما الذي قلته ؟؟ تريد الزواج بأخرى فقط لأنني تعبت لأيام ؟؟ ماذا إن مت؟؟ ستتزوجها لتقوم بواجب العزاء تميم ؟؟"
ابتسم تميم بسمة واسعة لها يقول وهو يميل ليقبل وجنتها بحنان :
" مرحبًا بعودتك بيرلي "
نظرت له برلنت بغضب تبعده عنها وهي تحاول الاعتدال في جلستها، لكن فجأة شعرت بدوار كبير يصيبها لتسقط مجددًا على الفراش بشكل جعل تميم يزجرها هاتفًا :
" هل جننتي أنتِ ؟؟ مازال جرحك حيًا "
رمقته برلنت بتعب شديد وقد ازداد دوار رأسها تمسك رأسها بشكل جعل تميم ينتفض بخوف وهو ينادي :
" ما بك بيرلي ؟؟ مهيار ...مهيار ساعدني "
أمسكت برلنت يده وهي تقول بصوت منخفض :
" أنا بخير لا تقلق، فقط شعرت بدوار وتعب شديد يصيب رأسي، لا تقلق "
نظر لها بتردد وهي ابتسمت له تقول :
" تخاف وتريد إحضار زوجة أخرى لك تميم ؟! كم أنت خائن حنون "
نظر لها تميم ثواني قبل أن يضحك ضحكة صغيرة يقترب منها يجاورها على الفراش يضم جسدها له :
" فقط كي تعتني بكِ "
نظرت له بحنق تردد :
" إن رأيتني انازع الموت وزواجك من أخرى هو ما سيحييني، فلتجهز لي قبري افضل تميم "
حدجها تميم بشر مانعًا إياها من نطق تلك الكلمات :
" أطال الله في عمرك بيرلي، لا أراني الله بكِ سوءًا، لقد كدت أموت رعبًا حين أبصرت ما حدث لكِ "
تنهدت برلنت ترتاح برأسها ببطء شديد على صدره، ثم قالت بصوت منخفض هامس:
" هل غبت كثيرًا عن القصر ؟؟ أين الفتيات ؟؟ لا أحد هنا سواك "
نظر لها بشفقة ولم يرد أن يخبرها عما حدث خلال تلك الأيام كي لا يسبب لها وجعًا أو إرهاقًا :
" كانوا هنا منذ ساعات قليلة وأنا من طلبت منهم أن ينالوا قسطًا من الراحة، فهم يرابطون عند غرفتك منذ ما اصابك"
ابتسمت برلنت بحب شديد تستكين قبل أن تهتف بصوت منخفض :
" وابي وامي ؟! هل ...هل جاء أحدهم ليراني تميم ؟؟"
توقفت يد تميم عن مداعبة وجنتها فجأة وكأنها باغتته بهذا السؤال، ابتلع ريقه يجيب على نصفه متجنبًا النصف الآخر :
" لا اعتقد أن أحدهم أخبر والدتك بما حدث لكِ، وهذا يذكرنا أننا اغفلنا جزء والدتك ولم يتحدث لها أحد بعدما جاء والدك ولا بد أنها وحيدة قلقة خائفة"
ضربت برلنت تلك الفكرة بعنف لترتجف بإدراك:
" أمي، يا ويلي لقد كان والدي انيسها الوحيد، ترى ما حالتها الآن ؟! لا بد أنها مرتعبة مما يمكن أن يحدث "
هز لها تميم رأسه بحنان :
" لا بأس بيرلي أنا سأذهب لها بنفسي واحضرها هنا إن اردتي و..."
توقف ثواني لا يدرك وقع ما سيقوله عليها خاصة أنه حين قاله للمرة الأولى لم تكن هي واعية :
" وكذلك سأحضر ابي وأمي لرؤيتك "
كلمات بسيطة خرجت منه لتترك برلنت شاحبة وهي تشعر أنها أخطأت السمع ربما، فوالد تميم مات و..والدته من المفترض أنها تأثرت بموته ولحقت به، أو هذا على الأقل ما علمته من والدها :
" و...والديك ؟؟؟؟"
____________________
يتوسط عرشه الذي صُنع خصيصًا ليحتوي جسده وأمامه يركع الجميع بكل خزي وجبن، ترتجف أجسادهم مما ينتظرهم على يد ذلك المتجبر الذي يحدق بهم .
ابتسم أرسلان بسمة واسعة وجواره يجلس الملك بارق ينظر لهم بتشفي، هؤلاء الذين هاجموا بلاده مرارًا وتكرارًا ليضعفوه وقد كادوا ينجحون لولا دعم إيفان له بالعديد من جنوده ليدافعوا عن بلاده لحين يسترد جيشه قوته وقد كان .
صدح صوت أرسلان يهز جدران القاعة التي تلوثت بمعاصي وآثام القوم :
" يا ويلي من قذارتكم، سلبتم مني قصرًا واعدتموه لي حظيرة، لكن على من العتب ومن سكنه كان حفنة من الحيوانات اعاذنا الله، وعذرًا للحيوانات لتشبيهها بقومٍ امثالكم، والآن أين هو قائدكم الهمام الشجاع الذي قادكم نحو مملكتي ؟؟"
لم ينطق أحدهم بكلمة واحدة فابتسم لهم أرسلان بسمة واسعة يهتف :
" تدور الدنيا ويعود كلٌ لمكانه، أنا لعرشي، وأنتم أسفل النعال، والآن للمرة الأخيرة سأكون رحيمًا مع امثالكم"
صمت يطيل النظر في عيونهم المرتقبة :
" أين يمكن أن يختبأ ذلك الحشرة بافل؟؟ أخبروني بمكانه ولكم مني وعد بالرحمة "
ولم يتحدث أحدهم، بل فقط اخفضوا رؤوسهم لتشتعل أعين أرسلان يقول بكل هدوء وتجبر :
" لا بأس كانت تلك فرصة أخيرة مني لكم، على كلٍ لا ثأر لي معكم في الحقيقة، ثأري مع بافل فقط، أما أنتم فلا شأن لي بكم ولن امسكم بسوء "
تعجب الرجال الجالسين ارضًا من حديثه وتعجب جنود أرسلان مما سمعوا وكذلك جنود بارق، عدا بارق الذي نظر نظرة غامضة صوب أرسلان يدرك جيدًا أنه يخفي شيئًا داخل صدره .
رفع أرسلان رأسه يقول :
" أطلقوا سراحهم يا رجال، لا ثأر لنا معهم "
علت الهمهمات بين الجميع وقد ازدادت الاصوات، وارسلان لم يضف كلمة أخرى، حتى تحرك المعتصم قبل الجميع يفك وثاق الرجال اجمعين والذين لم يصدقوا أنه تركهم، أرسلان الذي سمعوا عن تجبره يتركهم وشأنهم ؟؟
نظر لهم أرسلان يشير لهم بالخروج، وهم شعروا بالغدر فتحدث أحدهم بشك :
" وما ادرانا أنك لا تنصب لنا فخًا أنت أو رجالك ؟!"
ابتسم له أرسلان ببساطة :
" لك كلمتي ألا يمسك سوءًا مني أو رجالي حتى تخرج من المملكة "
وهذا كان أكثر من كافيًا لتنتفض أجساد الرجال راكضين بسرعة مخيفة خارج القصر غير مصدقين لما سمعوا، لكن حتى ولو كان فخًا فسوف يحاولون الفكاك منه، كانوا من اليأس الذي جعلهم يفتحون ابواب القصر الداخلية وينطلقون للساحة دون أن يمسهم أحد رجال أرسلان كما وعدهم .
كل ذلك وارسلان يراقبهم من نفس الشرفة التي كان يتخذها بافل نقطة ليراقب بعيونه معاناة شعبه، ها هو يقف يراقب بها نهاية قومه .
اتسعت افواه الرجال بسعادة كبيرة يبصرون باب القصر الخارجي يقترب منهم، وأصوات الحرية تناديهم من خلفه، لكن لم يكادوا يصلوا صوب تلك البوابات حتى وجدوها فُتحت فجأة، وكأن ابواب الجحيم فُتحت عليهم ليروا سيل من شعب مشكى ينتظرونهم أمام بوابات القصر بنظرات قاتلة وعيون متقدة بالكره والغضب والمقت، أجساد مشتدة وعروق نافرة وثأر يلتمع بالاعين، الآن وقد حان وقت القصاص، جاء كل من فقد عزيز ليأخذ بثأره، الصدور كانت ممتلئة بغضب لا مثيل له ..
صدح صوت أرسلان الجهوري في المكان وهو يتمسك بإطار الشرفة :
" اخبرتكم أن ثأري ليس معكم، ولا أنا أو أحد رجالي سيمسكم بسوءٍ، لكن هم ....هم ثأرهم معكم وهم شعبي وليسوا جنودي، لذا لعنة الله عليكم جميعًا إن ظننتم أنني سأسلب شعبي حق القصاص لذويهم، لتحترقوا في الجحيم مع امثالكم من الكفار "
صمت ثم أطلق صرخة غاضبة :
" خذوا ثأركم، لا تدعوا تضحية ذويكم تذهب هدر "
وبهذه الكلمات أعلن أرسلان بداية طوفان شعب مشكى، الذين عانوا لشهور طويلة، حتى فاضت كؤوس صبرهم.
بكاء الليالي ودعوات القهر وصرخات الوجع ومشاهد الموت كلها مرت أمام أعين شعب مشكى الذين فاضوا كالسيل على من تبقى من رجال بافل .
صرخاتهم التي كانت تصل لارسلان في الاعلى جعلت ملامحه تزداد تجمدًا حتى سمع صوت بارق خلفه يقول :
" والآن ماذا أرسلان ؟؟"
طالت نظرات أرسلان لبلاده التي تحولت لخراب، دمار ومنازل مهدمة، لقد جعلوا البلدة كبلدة اشباح، بلاده التي كانت عنوان الرخاء أضحت مقابر جماعية لساكنيها ..
استدار أرسلان ينظر خلفه لرجال شعبه الذين تحولوا لجنود ومقاتلين بتدريب من المعتصم والذي كان أحد قادة جيش سفيد الأقوياء، ابتسم له أرسلان يقول بنبرة ابعد ما تكون عن بسمته :
" الآن سنعيد بناء مشكى على أنقاض رجال بافل..."
___________________
" قائد الجيوش يطلب الأذن في رؤيتك مولاي "
ابتسم إيفان بسمة لا معنى لها وهو يهتف :
" مرحبًا بقائد الجيوش دعه يدخل "
فجأة فُتحت الابواب تكشف عن سالار خلفها والذي رفع عيونه صوب إيفان يرسم بسمة أخرى مماثلة لخاصة إيفان قائلًا :
" مولاي .."
" مرحبًا بابن العم، انتظرت مجيئك منذ انتهاء الحرب، تعال"
تقدم سالار داخل الجناح حتى توقفت أقدامه أمام المقعد الذي يتوسطه إيفان، ثم جلس دون كلمة واحدة أو دون أن ينتظر أمر من إيفان، ليرتفع حاجب إيفان، ليس استنكارًا لما فعل فهو بالفعل يمنح سالار امتيازات لا يمنحها لأحد، بل لأن سالار الذي يعلمه ما كان ليتجاوزه بهذا الشكل .
بينما سالار نظر لها بهدوء ثواني قبل أن يقول :
" إذن هل يمكننا التحدث كأشقاء وليس كملك وقائد جيوشه ؟؟"
ابتسم له إيفان يجيب بسخرية :
" جيد أنك مازلت تتذكر أننا أشقاء سالار "
" ما تفكر به داخل عقلك ليس صحيحًا إيفان، دعني أوضح لك ما رأيته"
رفع إيفان حاجبه بسخرية :
" وهل هناك شيء غير واضح فيما رأيت ؟؟ هل هناك صورة أخرى تختبأ حول احتضان قائد جيوشي لزوجتي المستقبلية في منتصف الساحة على مرأى ومسمع من الجميع، بل ونظراتك لها بكل حب ؟؟"
بُهت وجه سالار بخزي مما فعل، هو بالفعل لن يسامح نفسه على هذه الذلة أبدًا :
" أنا...أنا لم أكن بوعيي حين فعلت هذا إيفان و..."
صمت ولم يحسن اختيار كلماته بينما إيفان كان يراقبه بهدوء شديد قبل أن يقول بجدية شديد :
" منذ متى سالار ؟؟"
رفع سالار عيونه له يبصر شك يلوح بعيونه ليسارع منتفضًا وهو يصرخ دون وعي :
" إياك إيفان، إياك وأن يدفعك شيطانك صوب تلك النقطة، والله الذي لا إله إلا هو، ما أذنبت يومًا في حق نفسي قبلًا متعمدًا، وأنني يومًا لم أبح لها بما اضمره، وحتى اللحظة الأخيرة كنت بعيدًا عن المشهد، والله ما خنتك متعمدًا إيفان، فلا تسولن لك نفسك بمثل هذه الاتهامات "
نهض إيفان يواجهه بقوة وقد كان ينافس سالار طولًا ينظر في عيونه بترقب:
" إذن أخبرني منذ متى تضمر كل هذا في نفسك ؟؟"
شحبت ملامح سالار بقوة يتراجع للخلف بينما إيفان ينظر له بقوة منتظرًا منه إجابة تشفي نيران صدره :
" منذ متى اضمرت كل ذلك في نفسك سالار ؟؟ هل لهذه الدرجة أصبحت بعيدًا عنك، لتكتم عني مثل هذا الأمر الخطر ؟؟"
ابتلع سالار ريقه وهو يبعد عيونه عن إيفان رافضًا أن يواجهه في هذه اللحظة، ابتلع ريقه يغير هذا الحديث :
" إيفان اسمعني أنا.."
وإيفان لم يكن في حالة تسمح له بسماع شيء، بل اندفع بقوة يجذب سالار من تلابيبه صارخًا بجنون :
" اسمع ماذا ؟؟ اسمع ماذا ؟؟ اسمع كيف أخفى شقيقي عني حقيقة حبه للمرأة التي كانت ستصبح زوجتي ؟؟ اسمع ماذا سالار ؟؟ لقد كدت تلقي بنا في الهاوية أيها الحقير"
ازدادت صرخاته جنونًا :
"أيها الحقير كيف كنت سأنظر في عيونك وعيونها إذا اكتشفت هذا بعد زواجي بها ؟؟ ماذا كان سيحدث لي حين اكتشف أن المرأة التي تزوجت وتسكن أسفل سقف غرفتي تسكن كذلك في قلب قائد جيوشي وشقيقي؟؟ كيف كنت سأنظر لنفسي حين أدرك أنني تزوجت المرأة التي أحببت أنت، وأنت..."
صمت ثواني يرى نظرات سالار تتسع بقوة وكأنه للتو استوعب ما كان سيحدث إذا تم هذا الزواج، هو بالفعل لم يكن سيستطيع النظر في عيونه، بل ربما كان سيترك القصر بأكمله للجميع ويعتزل على الحدود مع جيشه .
ارتجف جسده لهذه الفكرة وصوت إيفان يهدر بصوت مرعب :
" وأنت كيف كنت ستنظر لي وقتها سالار ها ؟؟ هل كنت ستراني الملك الخاص بك وشقيقك، أم كنت ستنظر لي نظرة كره وحقد لسرقة المرأة الوحيدة التي احببت ؟!"
تنفس سالار بصوت مرتفع :
" أنا فقط لم ...لم أرد أن أصبح خائنًا في عيونك إيفان ؟؟"
هدر إيفان بجنون وهو يلقيه للخلف صارخًا :
" فاخترت أن تجعلني مغفلًا في عيون نفسي، وحقيرًا في عيونك بعدما اسلبك إياها ؟؟ ما الذي فعلته بنا سالار ؟؟ ما الذي كان سيحدث لو أنك جئت لي واخبرتني أنك تحبها وهي تبادلك المشاعر ؟؟ هل كنت سأقتلكما ؟؟ يا ويلي ما الذي فعلته بنا، كيف اوصلتنا لهذه النقطة ؟؟ لقد شاهدك الجميع في الساحة تضمها لك مرتجفًا ومشاعرك تنعكس في عيونك .."
نظر سالار أمامه وللمرة الأولى يعترف أنه أذنب وأخطأ في حق نفسه قبل الجميع، ضم يديه يواجهه خطأه بكل قوة وهو ينتظر حكم إيفان :
" أنا جاهز لأي حكم تصدره مولاي "
نظر له إيفان وهو يمسح وجهه بقوة وقد شعر في هذه اللحظة برغبة عارمة في ضربه، لذا هو لم يتأخر في تنفيذ رغبته إذ رفع يده بلكمة قوية على وجه سالار صارخًا :
" لقد اسقطتنا في مشكلة كبيرة بعدما ابصرك الجميع، لقد سمعت بأذني الجنود يتحدثون في الأمر، لو أنني علمت مسبقًا لكنت تدبرت الأمر سالار، أنت الآن في أعين الجميع مذنب بالنظر لزوجة الملك أيها الحقير "
كان غضب إيفان من سالار في هذه اللحظة نابعًا من خوفه عليه، يا الله هو لا يود أن تتبدل نظرات الجميع لسالار بعد كل تلك السنوات التي افناها في بناء مكانته .
ابتلع ريقه يقول بصوت منخفض :
" أوتعلم سالار، جميعنا آثمين، لا الومك أن خنتني وقد خنت بالفعل نفسي وتبارك، احببت غيرها وخنتها، ربما نحن متعادلان الآن "
نظر له سالار ولم يبدي أي ردة فعل، بل فقط قال بهدوء ينذر أن القادم لن يكون هينًا بأي شكل من الأشكال :
" والآن ماذا ؟؟"
نظر له إيفان ولم يغفر له بعد ذلته تلك التي كادت تودي بعلاقتهما للجحيم :
" الآن ستتعرض للمحاكمة الملكية أمام الجميع لنصمت جميع الألسنة سالار، وستنال حكمًا عادلًا ..."
_______________________
تحركت داخل المشفى بسرعة تحمل العديد من الاعشاب بين يديها وهي تبحث عنه بين الجميع حتى أبصرته يخرج من إحدى الحجرات فانطلقت تعدو صوبه متحدثة بسرعة ولهفة :
" سيدي الطبيب "
رفع مهيار عيونه بسرعة صوب ذاك الصوت الذي يدرك صاحبته جيدًا لكنه لا يدرك سبب وجودها في مثل هذه الظروف هنا :
" ليلا ؟! ما الذي تفعلينه هنا ؟؟"
ابتلعت ليلا ريقها تشير للجندي الذي يحمل الاعشاب خلفها :
" لقد جئت أوصل لك الاعشاب التي تحتاجها و...ربما اساعدك إن احتجت لذلك "
نظر لها مهيار برفض ولم يكد يتحدث بكلمة حتى أبصر الفوضى التي تعم حوله فقال بسرعة :
" تستطيعين ؟!"
ابتسمت له ليلا بسمة واسعة تهز رأسها بسرعة :
" نعم، استطيع لا تقلق "
تنهد مهيار بصوت مرتفع يشير صوب إحدى الغرف :
" في هذه الغرفة مريضة تعرضت لضربة سيف قوية، وقد أصيبت على إثرها بحمى عنيفة، يمكنك الاعتناء بها واعطاءها الاعشاب اللازمة ؟؟"
هزت ليلا رأسها بسرعة وهي تتحرك صوب غرفة زمرد تضم الاعشاب لصدرها، وفي عيونها يلتمع حماس كبير لمساندة مهيار الذي ابتسم لها بسمة صغيرة، ثم هرول يكمل ما كان يفعل .
وليلا دخلت الغرفة بسرعة تضع الاعشاب على الطاولة، ثم انتقت من بينهم الوعاء المخصص لحالة زمرد وشرعت تطحن تلك الأعشاب وتضعها بالشكل الصحيح لزمرد والذي كان يستلزم أن تفرد جزء منها على مقدمة رقبتها لتنزع ليلا العقد وتنظر حولها بحثًا عن مكان تضعه به حتى استقرت أن تضعه في ثوبها، ثم تسلمه لذويها .
وبالفعل اندمجت ليلا في وضع الاعشاب لزمرد التي كانت قد بدأت تهذي بكلمات غير مفهومة وتردد كلمة معينة بشكل متكرر ( منبوذة ).
نظرت لها ليلا بعدم فهم، لكنها لم تعبأ فقط استمرت في وضع الاعشاب لها بسرعة كبيرة، ثم حينما انتهت حملت باقي الاعشاب وخرجت تبحث عن مهيار تسأله ما يمكن فعله ..
وهكذا استمرت ليلا لساعات طويلة تساعد مهيار في معالجة بعض المرضى، وهي تدور يمينًا ويسارًا، حتى شعرت بالتعب الشديد لترتكن لأحد الجدران تلتقط أنفاسها، حتى فجأة أبصرت مهيار يخرج من إحدى الغرف يحاول هو كذلك التقاط أنفاسه، كان الأمر صعبًا كونه المسؤول الأول في مثل تلك الحالات، وربما كان الوقت غير مناسبًا لقول ذلك، لكنه بهذه الحالة وهذه النظرات كان أكثر من وسيم في عيونها و...عيون تلك المرأة التي تقترب منه مبتسمة يشكل مستفز تتحدث بكلمات وصلت بها إذ كانت تجلس بالقرب منهما:
" أحسنت سيد مهيار، لقد تداركنا الوضع تقريبا وبعد ساعة يمكننا المرور مرة إضافية على الحالات أجمع و...."
" مهيار لقد انتهيت للتو مما وكلتني به "
ورغم أنها لم تكن معتادة على نطق اسمه مجردًا بهذا الشكل، إلا أن الغيرة المندفعة لصدرها في هذه اللحظة قاسية لتتحمل تلك النظرات .
ابتسم مهيار بارهاق شديد دون أن يبصر نظراتها التي توجهها صوب طبيبة القصر :
" احسنتي ليلا، لقد ساعدتيني اليوم أكثر مما كنت اتوقع، أنا حقًا مدين لكِ بالكثير "
نظرت له ليلا ثم تحركت عيونها صوب الطبيبة تقول دون شعور وبلا مقدمات :
" لا بأس مهيار فهذا واجبي كزوجة لك، لا شكر بيننا صحيح ؟؟"
صُدم مهيار تلك الكلمات التي تخرجها للمرة الأولى صراحة، بينما الطبيبة شعرت بالذهول لتقول :
" زوجة ؟؟"
" نعم زوجته، ألم يخبرك مهيار أننا سنعقد القرآن قريبًا جدًا؟! لقد كان من المفترض فعل ذلك منذ أيام مضت، لكنكِ تعلمين أن الحرب حالت ما دون ذلك، لكن لا بأس ها نحن انتهينا منها وانتصرنا بفضل الله والآن نحن سنتزوج وأنتِ بالطبع مدعوة، أليس كذلك مهيار ؟؟"
هز مهيار رأسه ببسمة يتحدث للطبيية :
" نعم صحيح، سأكون سعيدًا إن أنرتنا بوجودك "
شحب وجه الطبيبة، لكنها رغم ذلك ابتسمت تقول كلمات مقتضبة قبل أن تتحرك بعيدًا عنهما تاركة ليلا ترمقها بشر وبمجرد أن اختفت عن الأنظار استدار لها مهيار مبتسمًا :
" لقد فاجئتني برغبتك في تعجيل الزواج، ما رأيك بعدما تفيق زوجة أخي نـ "
لكن ليلا نظرت له بشر تقول :
" تعلم أن تضع حدودًا بينك وبين النساء سيدي الطبيب، وتوقف عن حديثك المعسول هذا مع أي امرأة تقابلها كي لا ترتفع طموحاتهن "
اتسعت عين مهيار لا يفهم ما تقصد وقبل أن يطالبها بتوضيح تركته ليلا تتحرك بسرعة مبتعدة عنه بغضب، وهو فقط تساءل بصوت مرتفع :
" مهلًا إلى أين ليلا ؟؟"
" إلى مرجان فقد انتهيت هنا، لقد كان على حق بأنك شخص عابث "
اتسعت أعين مهيار بعدم فهم، بينما هي تجاهلت كل ذلك تخرج صوب المكتبة وقد كان صدرها مشتعلًا بالغيرة ...
___________________
بعد ساعة من انتهاء كل تلك الفوضى بالقصر وأخيرًا تماسكت لتتحرك صوب كهرمان تخبرها ما حدث، وها هي كهرمان تركض بين طرقات القصر مرتعبة بعدما قضت الساعة السابقة تبحث عنها في كل مكان .
كانت تركض باكية وهي تلوم نفسها :
" يا ويلي كل هذا بسببي، ما كان عليّ أن اسمح لها بالرحيل، أنا السبب في كل ما حدث لها، لن اسامح نفسي إن أصابها سوء "
توقفت أمام غرفة زمرد التي كان يرابط عندها دانيار يضم سيفها منتظرًا أي إشارة تدل على أنها بخير، حتى تفاجئ باندفاع جسد كهرمان للغرفة تصرخ باسمها :
" زمرد عزيزتي، أنا آسفة، يا ويلي ما كان عليّ تركك ترحلين، سامحيني زمرد، سامحيني حبيبتي "
كانت تميل على رأس زمرد تقبلها باكية تهمس لها بالعديد من الكلمات، وتبارك تقف أمام الباب تراقب كل ذلك بأعين دامعة، حتى رأت أن ترحل تاركة الاثنتين وحدهما ..
وبالفعل خرجت وتحركت بعيدًا عن المكان بأكمله وهي تشعر بضيق شديد يجثم أعلى صدرها، تشعر أنها لا تستطيع التنفس الاحزان تراكمت والخوف حُشد على أبواب قلبها والمستقبل مجهول، لكنها تثق به، تثق أن كل شيء سيكون بخير .
أو ربما لا ......
تلك النظرات التي يرميها البعض بها جعلتها مرتابة، فالبعض يحدق بها ويهمس، والآخر يطيل النظر بها دون سبب وجيه، أسرعت تبارك من خطواتها في المكان وهي تحاول تلاشي كل تلك النظرات .
ومن بين خطواتها تلك سمعت صوتًا يخترق أذنها بكلمات زلزت كيانها ( لقد ابصر الجميع القائد يعانقها في الساحة دون خجل، ربما كانت تربطهما علاقة أو ما شابه، لا أحد يدرك الحقيقة و..)
و..لا شيء، لم تقف لتسمع باقية الحديث وهي تركض بضيق وقد عادت لها ذكريات الحارة المجيدة حين كانت النسوة تتهامس على اخبارها، لكنها ما كانت تهتم وقتها وقد اعتادت الحديث، لكن الآن وهو في هذه الحسبة، تغيرت جميع الأمور وأصبحت تهتم، فإن لم يكن لأجلها، فلاجله .
سقطت دموعها تركض بسرعة بين الممرات تبحث بعيونها عن غرفة الملك تدعو الله أن تجده هذه المرة وليس كالمرة السابقة حين جاءت تخبره بعدم رغبتها في الزواج .
تذكرت حين تحركت من أمام جناح سالار مسرعة صوب القاعة وجناح الملك لتتفقده وتخبره بقرارها، لكنها لم تجده وقد أخبرها الجنود أنه تحرك بالفعل صوب مكان الاحتفال، لو أنها فقط لحقت به حينها، ابتلعت ريقها تمسح دموعها وهي تشعر باهتزاز صدرها بالخوف، هي لم تكن ستدع الزواج يتم وكانت ستقاطعه وتطالب الملك بحديث خاص بعيدًا عن الجميع وترفض، كانت سترفض بعيدًا عن سالار كي لا يتأذى، لكن فات الأوان لذلك .
________________________
كان يجلس مع العريف في المكتبة وقد ثارت ثائرة الاخير ينتفض عن مقعده بغضب شديد تسبب في طيران بومته بعيدًا بخوف :
" هل جُن إيفان ؟؟ يعرضك لمحاكمة ملكية ؟! لقد جن بالطبع "
ابتلع سالار ريقه يحاول أن يُهدأ العريف :
" إيفان لا يفعل ذلك سوى ليساعدني، فقد تأزمت الأمور في القصر، والاخبار تنتشر كالنار في الهشيم، ولكي يدفن الأقاويل في أرضها عليه أن يصدر حكمه على مرأى ومسمع من الجميع ."
رفض العريف وشعر بأن الأمور قد بدأت تزداد سوءًا :
" لكن الجميع سوف ... أنا لا اقبل بهذا الشيء وسوف اعترض في المحاكمة بموجب السلطة المخولة لي كعريف لهذه المملكة، سوف اعترض عن المحاكمة بأكملها و..."
" وماذا أيها العريف ؟؟ هل ستستطيع أن تصمت جميع الأفواه في هذه المملكة ؟؟"
رفع العريف رأسه بسرعة صوب إيفان الذي ظهر في منتصف المكتبة فجأة، ينظر لهما بترقب بينما العريف اشتعل غضبًا يضرب الطاولة :
" سأفعل كل ما استطيع لأبعد أي شر عن بني إيفان"
نظر له إيفان ثواني دون ردة فعل ليتدخل سالار بسرعة كارهًا ذلك الحديث :
" ما بك يا عم، إيفان لا يطمح لاذيتي، لا تنس أنه يفعل كل ذلك لأجل مصلحتي "
صرخ العريف وقد جُن جنونه لا يعي لما يحدث حوله سوى أن سالار سيتحول لمحاكمة قد تؤدي إلى تدمير اسمه ومكانته التي عكف على بنائها طوال سنوات عمره عملًا بوصية والده :
" لا، أنا لن أهدأ حتى يتعهد الملك امامي في هذه اللحظة أنه لن يمسك بسوء وأن هذه المحاكمة مجرد أمر صوري لن يمس مكانتك واسمك في المملكة"
نظر له إيفان مطولًا يهمس :
" يبدو أن ثقتك بي كانت أقل مما توقعت أيها العريف "
" أنا لا اثق بأحد ولا اطمئن لأحد في هذا القصر عدا ولدي أيها الملك، وخاصة أحد أفراد العائلة الملكية الذين لا يضمرون لسالار سوى الشر، وأنت سيد العالمين "
انتفض جسد سالار بقوة وقد شعر أن العريف تجاوز حدوده صوب نقطة محذورة بالفعل :
" يا عم، رجاءً توقف، إيفان اخي وأنا أثق به أكثر من نفسي، وهو لن يؤذني يومًا، فوالله الذي لا إله إلا هو لو طلب مني إلقاء نفسي في بركان لادركت أن نيران تلك البركان ستكون بردًا وسلامًا عليّ أكثر من بحيرة باردة"
شعر إيفان بالوجع يوجه لمنتصف صدره لكلمات العريف، فابتسم بسمة صغيرة يقول :
" لا بأس سالار أنا أدرك جيدًا ما يقصد العريف، دعه يتحدث بما يريد فلربما ساهم ذاك في إطفاء نيران غضبه "
تنفس العريف بصوت مرتفع وهو يبعد عيونه عن إيفان، وقد ازدادت بسمة إيفان في هذه اللحظة سوداوية .
وفي هذه الثانية التي كان الجميع يتحدث بها اقتحمت ليلا المكان دون أن يشعر بها أحد، وحين رأت أن الساحة مشتعلة بالفعل بين الجميع تراجعت بشكل تلقائي تتنفس بصعوبة وقد رأت أن تعود لاحقًا .
لكن ما كادت تخطو للخارج حتى سمعت صوت الملك يهتف بنبرة خالية من أي مشاعر :
" أنا أقدر خوفك على سالار من جميع أفراد الأسرة الملكية أيها العريف، لكنك تدرك جيدًا في نفسك أنني يومًا لن اتسبب في أذية سالار ولو كان المقابل حياتي، كما تدرك أفضل من الجميع هنا ما يحدث لست أنا المتسبب به ولم اختره بملء إرادتي، ولو كان الخيار لي لاخترت ضرري على أذية سالار "
انتفض سالار يقترب منه بسرعة هامسًا :
" إيفان..."
قاطعه إيفان يرفع في وجهه قبضة يده :
" لا بأس سالار، أنا بالفعل أدرك كل ما يحدث حولي، والعريف يدرك ذلك، هو يعلم، يعلم أنني ما اخترت أن ما اخترت أيًا مما أعيشه الآن، وانما أجبرت على ذلك "
نظر له العريف وقد شعر بالوجع لأجله، وشعر أنه تجاوز حدوده فقال بصوت خفيض، فهذا إيفان طفله كذلك وهو يدرك جيدًا كيف هو، لقد تجاوز واعماه خوفه على سالار :
" إيفان أنا...."
قاطع كل الكلمات التي كانت على وشك الخروج من العريف صوت تحطيم قوي جاء من الخلف جعل الرؤوس بأكملها تستدر بقوة .
نظر الجميع لبعضهم البعض قبل أن تحلق الأعين حول ليلا التي نهضت بسرعة تعتذر بخجل بعدما أصم في الطاولة أثناء خروجها :
" اعتذر منكم، أنا فقط جئت لرؤية اخي، لكن يبدو أنه ليس هنا، أنا...أنا آسفة سوف...سوف ارحل "
ختمت حديثها تركض بسرعة تحت أعين الجميع التي كانت مصدومة من سماعها لما حدث، ولم يكد إيفان يعود لحديثه، حتى أبصرت عيونه شيئًا ساقطًا جذب أنظاره ..
تحرك ببطء يلتقط ذلك الشيء الساقط يطيل النظر به في شرود، ثواني أو دقائق لا يدرك كم كان عددها يطيل النظر لذلك الشيء وهو يحاول معرفة أين أبصره من قبل، هو يدركه جيدًا، وكيف ينساه وهو آخر ذكرى من بقايا حب والده الاسطوري ؟!
فجأة وعند هذه اللحظة، لمع الإدراك في عقل إيفان وسقطت صاعقة أعلى رأسه وصوت قوي يضرب رأسه ينتفض بشكل مخيف وهو يصرخ صرخة هزت جدران المكان بأكمله:
" أنـــــــــتِ توقــفـــي "
انتفض جسد ليلا التي كانت تهرول في الممرات وقد شعرت فجأة بقرب توقف ضربات صدرها حين سمعت هدير الملك خلفها، استدارت ببطء تبصر ركض الملك لها وهو يرفع شيء في الهواء متسائلًا بشراسة :
" من أين احضرته ؟؟ من أين احضرتي هذا العقد؟؟"
نظرت ليلا للعقد بيده قبل أن تتحسس جيب ثوبها لتشهق وهي تقول بسرعة :
" اقسم أنني احضرته من مريضة في مشفى القصر، أنا لم اسرقه أنا فقط احتفظت به حتى تستيقظ "
ردد إيفان بشحوب :
" مريضة ؟؟ أي مريضة تلك ؟؟"
في هذه اللحظة اقترب منه سالار وهو يتساءل عما يحدث ليسمع صوت ليلا تقول بارتجاف :
" هذه فتاة أُصيبت بطعنة وكنت اساعدها في وضع الاعشاب، احتفظت بهذا العقد فقط حتى تستيقظ و....."
وقبل أن تكمل كلماتها تركها إيفان وهرول بجنون في طرقات القصر كما لو أن شبحًا يلحق به، كان يركض وهو لا يرى أمامه حتى وصل صوب المشفى يتخبط بين الغرفة يبحث عمن يرشده، يرى مهيار ليمسك به يتحدث وهو يرفع العقد في وجهه :
" أين صاحبة هذا العقد مهيار ؟!"
نظر مهيار للعقد بجهل :
" اي عقد هذا ؟؟ أنا لا اعلم عما تتحدث مولاي و..."
"تلك الفتاة شقيقة مرجان أخبرتني أنها أخذته وهي نعالج فتاة مصابة بطعنة هنا "
فكر مهيار ثواني قبل أن يتساءل بجدية :
" زمرد ؟؟"
" اسمها زمرد ؟؟ أين هي ؟؟"
أشارت مهيار على غرفة زمرد بعدم فهم لينطلق لها إيفان غير عابئًا بأحد حوله وسالار يلحق به بعدم فهم، اقترب من الغرفة بتردد شديد وهو يشعر بالجنون قد أصابه منذ أبصر ذلك العقد الذي يعلمه تمام العلم، توقف أمام الغرفة يبصر جسد دانيار الذي كان يضم بين ذراعيه سيف لم يبصره بسبب ضبابية الرؤية .
وقبل أن يتحدث بكلمة سمع صوت سالار خلفه يقول بتسائل :
" إيفان ما الذي يحدث معك هنا؟؟ ما هذا العقد وما سبب جنونك حين رأيته بهذا الشكل ؟!"
استدار له إيفان ببطء وهو يرفع العقد له يقول بصوت خافت وجسد مرتجف:
" هذا ...هذا العقد ...هذا العقد صنعه والدي خصيصًا لأمي سالار "
هتف سالار وهو يقترب منه بهمس وريبة :
" الملكة شهرزاد ؟؟"
سقطت دمعة من عيون إيفان يقول بصوت مرتجف وهو يهمس لسالار بصوت لم يصل لغيره وعيونه مثبتة على العقد يضم قبضته عليه بقوة :
" لا بل آمنة، أمي الحقيقية سالار، هذا عقد والدتي......."
_____________________
الكل آثم ...والاثم واحد .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم على الأحداث.
صلوا على نبي الرحمة.
_______________________
" حتى في المدينة الفاضلة، حيث لا ذنوب ولا عصيان، ستراودك نفسك الامارة بالسوء أن تغادر أسوار المدينة وتجرب المتعة اللحظية التي تمنحك إياها المعصية "
وهي كانت من اوائل من عبروا تلك الأسوار، أبت أن تلعب دور المسكينة طويلًا واستهوت نفسها دور الشرير في هذه الحكاية .
تستند على فراشها تحدق في المكان أمامها بشرود لا تسمع سوى اصوات الماضي ولا ترى إلا صور عذابها، عذابها الذي بدأ على يد تلك الخادمة التي استطاعت سلب ما لم تستطع هي أخذه...قلب تقيّ الدين .
انهارت ارضًا وهي تترجاه ألا يفعل بها هذا :
" ارجوك تقيّ الدين أنا ارجوك، لقد ...أنا فقط سأفعل كل ما تريده فقط لا تفعل هذا بي "
تألم تقيّ الدين من نظراتها وتنهد وهو ينحني يرفعها من كتفيها بود :
" شهرزاد، اقسم بالله أنني سأعدل بينكما ما استطعت، فلا تعتقدي أنني يومًا قد اظلمك، والله لن أفعل، لكن فقط ... إن اردتي التحرر مني سأتفهم هذا شهرزاد و..."
نفت ورفضت شهرزاد بقوة صارخة :
" لا، لن أفعل ولن اتحرر منك، أنت لن تتخلص مني بهذه السهولة تقي الدين"
فزع تقي الدين من نظراتها المريبة وهو يردد بعد تنهيدة قصيرة :
" إذن شهرزاد أنتِ ستتقبلين أن تصبحي زوجتي الأولى، وآمنة ستصبح زوجتي الثانية "
وقد كان، تزوج بها تقي الدين، وأصبحت تلك الخادمة التي لم ترتقي يومًا لتجاورها في السير، ندًا لها وزوجة للملك، الملك الذي عكف على تعليمها كل ما يؤهلها لتصبح ملكة كالقتال والفروسية وغيرها، ورغم أنه يومًا لم ينتقص من حق شهرزاد أو يظلمها، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لها.
شهرزاد التي دفنت جميع شياطينها في أعمق نقطة في ابارها قبل الزواج منه، ها هي تستخرج كل تلك الشياطين الآن، وخاصة بعد أن علمت أن تلك الخادمة تحمل وريث الملك الاول .
وما هي إلا أيام مرت لتكتشف شهرزاد أنها تحمل كذلك بطفلها، فسارعت تنشر الخبر بين الجميع أنها تحمل الطفل قبل آمنة ولكنها أسرتها في نفسها حتى تتأكد، أخبار نشرتها بين الجميع فقط ليعلموا أن البكر سيكون ولدها هي .
وتمر الشهور وشهرزاد تدفن نوايها في أعمق مناطق بئرها، حتى جاء اليوم المنتظر وحان موعد ولادتها المبكرة بسبب تناولها لبعض الاعشاب التي سهلت الأمر، لتعتزل بنفسها في المنزل الجنوبي حتى بعد ولادتها لطفلها الاول واعلنت أنها حصلت للملك على ولي عهد، مستغلة غياب الملك في أحد الحروب .
حتى وصلتها اخبار مولد آمنة لطفلها فعادت متخفية للقصر وقد جهزت كل شيء لهذه اللحظات .
ابتسمت آمنة بتعب تسمع صوت المرأة التي ساعدتها في وضع ولدها :
" مبارك مولاتي لقد رزقك الله بفتاة "
نظرت لها آمنة نظرات شبه واعية تردد من بين ضباب عيونه :
" فتاة ؟؟"
وقبل أن تتساءل عما تقصد سقطت في غفوة غير معلومة السبب، غفوة لم تمنحها حتى فرصة التأكد مما سمعت .
في تلك اللحظة تحركت مرأة داخل الجناح تحمل بين ذراعيها فتاة صغيرة عمرها يومين تقريبا تضعها في الفراش الخاص بالصغير، وخرجت بالفتى الذي انجبته آمنة وتحركت بهدوء دون أن يوقفها أحدهم أو يوجه لها كلمة .
وقد أبصر ما حدث العريف والذي كان في طريقه صوب مكتبته وتعجب دخول الخادمة بطفل وخروجها بطفل كذلك من غرفة الملكة، لكنه لم يفكر في الأمر كثيرًا وتحرك صوب وجهته .
بينما الخادمة وصلت صوب جناح شهرزاد التي اتسعت بسمتها بمجرد أن أبصرت الصغير يتوسط ذراع الخادمة لتهتف بلهفة :
" الصبي ؟؟"
" نعم مولاتي هذا هو طفل الملكة آمنة "
حدجتها شهرزاد بنظرات غاضبة مريضة وهي تنتزع منها الصغير صارخة :
" هذه الحقيرة ليست ملكة، وهذا ليس طفلها، من هذه اللحظة هذا ولدي أنا، طفلي أنا سمعتي ؟؟"
هزت الخادمة رأسها في رعب شديد، فالمرأة التي دبرت لكل هذا بدقة مخيفة، لا يجب أن يعارضها أحد وإلا ناله منها ما لا يسره .
وشهرزاد لم تهتم بنظرات الخادمة لها تضم الصغير لصدرها وهي تهتف له ببسمة مريضة :
" مرحبًا بك يا صغيري في أحضان والدتك، سوف تكون ولي عهد هذه المملكة وصغيري العزيز ."
فتح الطفل عيونه ببطء ينظر لها دون إصدار أي صوت وهي اخذت تدور به فرحة لا تصدق أن القدر ابتسم لها، فبعدما انعزلت في المنزل الجنوبي لتلد قبل آمنة وتحصل على طفلها أولًا، اكتشفت أنها فتاة فازداد سخطها وقررت ترقب مولد طفل آمنة، وحين علمت أنها أحضرت فتى سارعت للخطة البديلة وها هي، حازت طفلها الصغير لم يتبقى أمامها سوى التخلص من غريمتها وهذا تعلم جيدًا كيف تفعله ....
كل شيء كان مخطط له، رحيل الملك في هذا الوقت تحديدًا، وحصولها على الصغير، وما تبقى كالتخلص من آمنة لن يكون صعبًا .
أفاقت شهرزاد من أفكارها وهي ما تزال تحدق أمامها، تحاول أن تخرج من حالة الحنون التي اصابتها، تعقد أصابعها على مفرش السرير وهي تهتز بجسدها :
" فعلت كل هذا لأجل لا شيء ؟؟ ضحيت بكل ما امتلك، نبذت ابنتي وفقدت زوجي لأجل أن ينبذني بهذا الشكل ؟؟ لن أسمح له، لن أسمح لك يا ابن آمنة أن تفعل "
انتفضت عن الفراش تتحرك بسرعة خارج الجناح بأكمله وهي تتحرك بغضب مخيف تهتف بصوت مرتفع في الجميع :
" ليجهز لي أحدهم موكبي سأعود للقصر "
تحدث أحد الحراس في الممر الخاص بالمنزل الجنوبي :
" لكن مولاتي لقد أمرنا الملك ..."
قاطعته بجنون وهي تصرخ في وجهه :
" اخبرتكم أن تجهزوا لي موكبي، أي كلمة مما قلت لم تفهموا ؟؟ اسرع قبل أن أصدر أوامري بحرقكم احياء، أنا هنا الملكة الأم"
نظر لها الجندي باعتراض ولم يشأ اخبارها أنها بالفعل فقدت كل تلك الامتيازات التي تتغنى بها، لكنه فقط اكتفى يقول :
" حسنًا مولاتي، لكن الملك بالفعل أمر بعدم تحركك إلا بأمر شخصي منه هو، لذا نحن نعتذر حقًا لا يمكننا تنفيذ أوامرك في الوقت الحالي "
وهذه الكلمات كانت أكثر من كافية لتشتعل شهرزاد وهي تتراجع ببطء لا يعكس ما تضمر في صدرها :
" أنت محق، لا بأس إذن نفذ أوامر ملكك "
تحركت بعيدًا عنه صوب الغرفة تحت نظرات الجندي المتعجبة رضوخها بهذا الشكل، لكنه لم يهتم كثيرًا وهو يعود لعمله.
بينما شهرزاد عادت للجناح تقول بنظرات مخيفة :
" يبدو أن الطرق الملتوية هي ما تجبركم على الطاعة أيها القذرين، سأريكم ....."
_____________________
صدمة سالار في هذه اللحظات تركته مشلولًا لا يقدر على النطق، عُقد الملكة آمنة ؟!
ابتلع ريقه يهمس لايفان بصوت خافت وبشدة وهو يجذبه بعيدًا عن باب غرفة زمرد بصعوبة :
" إيفان رجاءً تريث، ربما هو عقد مشابه لخاصة والدتك، ما الذي سيأتي بعقد والدتك لهذه الفتاة في الداخل "
قال إيفان بصوت مرتعش متوتر لاول مرة وقد فقد اتزانه:
" هذا ما اريد معرفته، ربما ...ربما تعلم مكان والدتي، ربما وجدت هذا العقد في مكان يمكنني الوصول لوالدتي فيه، ربما أخذته منها، أنا فقط ..."
امسك سالار إيفان من كتفه يحدثه بصوت جاد وهو ينظر في عيونه بشكل صارم :
" إيفان عزيزي والدتك رحمة الله عليها ماتت وأنت طفل رضيع في إحدى الغارات، لقد قُتلت أمام أعين والدك ولولا رحمة الله به لكان رحل هو كذلك في اليوم ذاته "
ارتجف إيفان وهو يهمس له :
" لكن هذا العقد ..."
" ربما هو مجرد عقد مماثل لخاصة والدتك و..."
" مستحيل، مستحيل أن يكون، سالار انظر "
ختم حديثه يشير صوب الجزء الخلفي في العقد مرددًا :
" هذا نقش بأحرف والدي، النقش الذي اعتاد وضعه على سيوفه الخاصة وما يصنع، اقسم بالله أن هذا العقد يعود لوالدتي ولا يوجد أحد قد يصنع مثله، أنا أعلمه من كل تلك الرسومات التي تظهر والدتي بها رفقة أبي "
صمت ثم أشار للداخل يقول بصوت مرتفع :
" هذه الفتاة بالداخل بالتأكيد تعرف ما حدث لها، ربما ...ربما هي حية، هم لم يجدوا جثتها، ربما لم تمت بعد"
في هذه اللحظة أفاق دانيار على حديثهم يحاول أن يفهم ما يقال والذي كان يتعلق بزمرد:
" ما الذي تتحدثون عنه، وما علاقة زمرد بما تقولونه و ..هذا العقد، هذا العقد خاص بها، كيف جاء لكم ؟!"
استدار إيفان صوب المتحدث بسرعة وهو يستوعب الآن أنه دانيار ليقول بترقب :
" هل تعلم ..هل تعلم هوية الفتاة بالداخل ؟!"
شعر دانيار بالخوف يملئ صدره وقد خشي للحظات أن يكون الملك قد جاء ليوقع عقاب عليها، فقط مرتاب من نظرات إيفان تلك التي لا يدرك لها سببًا .
ابتلع ريقه يهز رأسه بهدوء شديد :
" هي ...هي ...ما الذي فعلته لتتساءل عن هويتها مولاي ؟!"
رفع إيفان العقد أمام أعين دانيار دون مقدمات لتشتعل أعين الاخير بنظرات التقطها إيفان :
" هل هذا العقد يخصها ؟؟"
مد دانيار يدها ليلتقطه منه، لكن إيفان أبعده بسرعة وكأنه يأبى أن يفارق كفه :
" نعم هو لها، و...هل يمكنك اعطاءه لي مولاي ؟؟ فهي متعلقة بهذا العقد أكثر من أي شيء وستحزن إن فقدته، رجاءً"
أضاءت أعين إيفان بنظرات غامضة :
" ترى ما سبب تعلقها بهذا العقد ؟! ومن أين لفتاة عادية كتلك الفتاة بالداخل أن تحصل على مثل هذا العقد الثمين، وما سبب إصابة تلك الفتاة بطعنة يا ترى ؟؟"
اسئلة كثيرة سقطت فوق رأس دانيار الذي هز رأسه وهو يحاول أن يخرج بإجابة ترضي إيفان وفي الوقت ذاته لا تضر بزمرد:
" هذا ...هذا العقد متوارث من والدتها، وهي فقط متعلقة به لأنه آخر ما تمتلك منها، وهي في الداخل لأنها فقط أُصيبت بطعنة طائشة و...."
كلمات كثيرة نطق بها دانيار وهو يحاول التبرير لإيفان الذي لم يكن يعي من حديثه سوى الجملة الأولى، هل قال والدتها ؟؟ كيف ذلك ؟! هذا العقد يعود لوالدته هو .
نظر صوب سالار وكأنه يطلب منه الدعم، كأنه يترجاه المساعدة فيما يحدث له، وسالار كان عاجزًا عن فعل شيء سوى فقط التساؤل بشك :
" هل الفتاة بالداخل هي نفسها رفيقة الأميرة كهرمان ؟؟"
هز دانيار رأسها بهدوء شديد وتردد لتتسع أعين إيفان وهو يهمس بشحوب :
" أي واحدة تقصد ؟! هل هي نفسها زوجة تميم و...."
قاطعه دانيار نافيًا برأسه:
" بل الأخرى، نفسها الفتاة التي كانت تعترض أثناء محاكمة خاطفي الأميرة كهرمان "
ضربت ذكرى ذلك اليوم إيفان وهو يحاول تذكر تلك الفتاة التي يتحدث عنها، حتى سمع صوتها يتردد في أذنه وهي تعترض بكل تبجح وتصرخ في وجه الرجال، نفسها الفتاة التي تبجحت سابقًا في حادثة السرقة لزوجة تميم .
عند هذه النقطة تحرك إيفان بسرعة عن باب الغرفة وهو يهتف بأمر قوي اللهجة :
" اعلموني حين تفيق الفتاة "
ودون انتظار رد انطلق يعدو في القصر بشكل مخيف جعل سالار يلحق به بسرعة خوفًا أن يتسبب لنفسه في ضرر، لكن إيفان لم يكن يهتم بكل هذا وهو يتحرك صوب المكتبة يقتحمها بقوة دون أن يهتم بجسد تبارك الباكية التي انتفضت عن موضعها جوار مرجان والذي كان يحاول مراضاتها..
اقتحم إيفان المكتبة يصرخ باسم العريف والذي خرج له سريعًا متعجبًا :
" ما الذي يحدث هنا ؟! هل قررت العودة للانتقام من كلماتي التي ..."
لكن إيفان قاطعه وهو يتحرك له بسرعة يجذبه صوب أحد الأركان تاركًا خلفه سالار الذي توقف ينظر لتبارك بشر هامسًا :
" ما الذي تفعلينه خارج جناحك مولاتي في هذا الوقت ؟!"
رفعت تبارك عيونها له بعدم فهم ليهتف هو بغضب وقد كان لا ينقصها حقًا في هذه اللحظة أن تسمع صرخاته :
" عفواً ؟؟"
" عفواً أنتِ مولاتي، لكن وجودك الآن خارج الجناح أمر مرفوض بالمرة"
نهضت تبارك عن مقعدها تجابهه صارخة بوجع مما تتعرض له :
" ومن يا ترى الذي أصدر هذا الأمر ؟!"
أجابها سالار بقوة :
" أنا"
ابتسم له بسمة صغيرة تبادله العناد بالمثل :
" حين يتخلى الملك عن الحكم لاجلك، وقتها سأنفذ أوامرك يا قائد "
ختمت حديثها تتحرك عائدة صوب مرجان الذي لم يكن يفهم أيًا مما يحدث حتى سمع صوت سالار يقول :
" وكلمة الزوج تعلو كلمة الملك، تبارك "
توقفت اقدام تبارك بصدمة كبيرة لتلك الكلمات تستدير له بملامح متشنجة متسائلة، وهو منحها بسمة صغيرة :
" وانا في مكانة زوجك المستقلبي في الوقت الحالي، لذا رجاءً توجهي لغرفتك دون التسبب في مشاكل آنسة تبارك"
ابتسمت له تبارك بسمة واسعة مغتاظة :
" أرى أنك تمنح نفسك العديد من الحقوق التي لم امنحها أنا لك يا قائد "
" يحق لي، تبارك "
" حق أخذته دون شورى أو وجه حق لا يُعد حق"
اقترب منها سالار يجيب بجدية كبيرة وهو ينظر لعيونها متحديًا :
" هذا لم يكن حديثك حين عرضتي عليّ مشاركتي الحرب تبارك "
" وهل الزواج حرب يا قائد ؟!"
ابتسم لها بغضب مما يحدث الآن في هذه اللحظة وهو لم ينتهي بعد من اتفاقه مع إيفان، هتف ببساطة قبل أن يلقي مرجان بنظرة تحذيرية تعني الكثير وتخفي الكثير :
" سيكون كذلك إن كان منكِ "
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنهما تاركًا مرجان يحاول الهرب من المكان بأسره ليتجنب أي مخاطر على تفسه، وما كاد يتحرك حتى أوقفته تبارك وهي تقول :
" إلى أين مرجان، لم انتهي من شكوتي بعد ؟!"
" أنا...أنا فقط تذكرت فجأة أن ابي طلب عودتي اليوم للمنزل سالمًا، فأردت أن اطمئنه أنني مازلت حيًا، لذا استأذنك بالرحيل مولاتي "
ركض سريعًا عقب كلماته وتبارك تنظر في أثره بعدم فهم، ثم استدارت صوب الجهة التي تحرك لها الجميع تفكر في الرحيل لئلا تتطفل عليهم، لذا تحركت خارج المكتبة تقرر الذهاب لتفحص حالة زمرد وكذلك برلنت .
_____________________
" والآن ماذا سيدي ؟؟"
ارتشف بافل ما تبقى في كأسه يجيب والنيران تملئ صدره :
" الآن سننتظر حتى تتحول نيران غضبهم لرماد، وحينها نهجم ونضربهم ضربتنا "
اعترض أحد الرجال الذين فروا من مشكى لمخبئهم :
" نضرب ماذا ؟؟ نضربهم ضربتنا ؟؟ تقصد نريهم خيبتنا"
ختم حديثه يضحك بسخرية ثم أكمل :
" نحن وكنا كاملي الصفوف هُزمنا على الجانبين، الآن وقد اصبحنا كالقطيع المشرد تود أن نهجم عليهم ؟؟ معذرة يا بافل أنت في هذا وحدك يا عزيزي "
وبمجرد أن نطق تلك الكلمة حتى ارتفعت الصيحات المؤيدة والجميع يؤكد رفضه التام لأخذ أي خطوة إضافية صوب الممالك، يعبرون جميعهم عن غضبهم باستياء شديد :
" نعم هذا ما سيحدث لا قبل لنا في الاقتراب من الممالك، لنتعايش كما كنا وننسى ما حدث، فغضبنا لن يفيدنا على أية حال "
علت الهمهمات المؤكدة لحديثه والجميع يوافق، بينما بافل ينظر لهم بأعين حمراء وقلبه ينتفض غضبًا وذلًا لن يخمد إلا بالانتقام .
دار بعيونه بين الجميع قبل أن يبصق ارضًا هامسًا :
" حفنة من الجبناء الضعفاء الوسخين، وتتعجبون أن هُزمنا ؟؟ حمدًا لله أننا لم نفنى بعد ايها القذرين "
صمت يتنهد بصدر يجيش بالكثير :
" لكن أنا، أنا لست مثلكم، ولن أكون، وثأري سآخذه وبيدي هذه ....."
____________________
" هل قصدت ما سمعته للتو تميم ؟؟"
نظر لها تميم لحظات قبل أن يهز رأسه بهدوء وفي عقله أفكار كثيرة تتقاذفه ظنونه، وحين أبصر نظرات الصدمة تعلو وجه برلنت سارع للقول :
" أبي بخير ولم يُعدم بيرلي، هو بخير لقد عفى عنه الملك حين علم أنه مظلوم و.."
" وعشت حياتي اجلد نفسي بسياط الندم لأجل شيء لم يحدث ؟؟"
كانت كلمات برلنت خافتة مكسورة النبرة ودموعها التمعت بحسرة داخل عيونها، حسرة على ايام ضاعت من حياتها بين دوامات الندم والحزن والقهر، يا الله لقد عانت لشهرين كاملين من كوابيس قاتلة كادت تودي بصحتها النفسية .
ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض :
" لقد كدت أموت حسرة في أحد الأيام لولا أن اغاثتني والدتي و...."
صمتت برلنت فجأة وهي تدفن وجهها بين يديها ليتحرك تميم يجاورها بتردد يجذب رأسها لصدره هامسًا :
" بيرلي، صغيرتي لا تبكي رجاءً "
صرخت برلنت باكية دافعة إياه بعيدًا :
" لا تطالبني بالتوقف تميم، فهذه حياتي التي تدمرت هنا وليست خاصتك "
تنفست بصوت مرتفع وهي تهتف :
" هنت وهانت حسرتي عليك تميم لتخفي عني كل هذا ؟؟ أنا فقط أشعر بالـ "
توقفت ثواني تحاول أن تتوازن وتدرك ما تشعر حقًا في تلك اللحظة، ليراودها شعور مبهم من السعادة بالتحرر من ذاك الذنب الذي كبلها، مختلطًا بشعور الحسرة على سنوات ضاعت بسبب ذلك الذنب نفسه، هي فقط تشعر دون إرادة منها أنها حزينة ومقهورة، حتى وإن ظن البعض في تلك اللحظة أن مشاعرها سخيفة مبالغ بها .
" تميم أنا ....أنا فقط سعيدة لأجل والدك، وكذلك والدتك، أنا سعيدة لأجل عائلتك"
وتعيسة لما أصاب عائلتي، لكن هل تلومه على ما أصاب عائلتها ووالدها هو من تسبب في كل ذلك ؟! لا فهو عانى وعائلته جراء مكر والدها، لكن الله يمهل ولا يهمل، وها هي عائلة والدها تدمرت، وعائلة تميم نجت .
سقطت دموعها بحزن وقهر تحت أعين تميم المتفهمة لكل الأفكار التي قد تمر في عقلها الآن، يدرك التخبط والحسرة التي تملئ نفسها، وهو ابدًا لم يكن على استعداد ليتحمل كل ذلك ..
اجبرها تميم على الخضوع لاحضانه وهو يهمس لها :
" ارجوكِ بيرلي اسمعيني وتوقفي عن البكاء، انى أرجوكِ اقسم أنني سأخبرك كل شيء لكن فقط توقفي عن هذا البكاء فهذا ليس بالشيء الجيد وقد استيقظتي للتو بعد أيام مرض "
بكت برلنت أكثر وكأنه أمرها بذلك تتحدث بتقطع من بين نبرتها :
" أنا لا يمكنني تخيل أنني طوال هذه السنوات عشت بشعور الخزي والقهر لأجل لا شيء، تحملت رؤيتك أمامي دون التقدم والتحدث بكلمة لأجل لا شيء، اضعت حياتي هباءً لأجل لا شيء، تميم لقد ...لقد توقفت حياتي منذ ذلك اليوم الذي أدركت ما فعلت بالعم مؤمن "
ضمها تميم وهو يشعر بالغضب يستحوذ عليه من أجل ما تعاني، ولم يتحدث بكلمة قد تثقل من مشاعرها، ولم يخبرها أن والدها كان يعلم الأمر واستمر بإخفائه :
" أنا آسف حقًا بيرلي "
بكت برلنت أكثر وهي تهمس :
" لِمَ أخفيت عني تميم، لماذا لم ترحم حالتي السيئة وتخبرني ؟؟"
ابتلع تميم ريقه يقول :
" ظننتك تعرفين و..."
" من أين لي بتلك المعرفة وانا غادرت القرية قبل أن نسمع الحكم على والدك، أنا بالكاد علمت ما حدث من أبي و...."
صمتت فجأة وقد ضربها الإدراك فجأة لتتأوه بصوت موجوع مجروح :
" اوه، ابي ...لا بد أنه كان ...كان يعلم صحيح ؟؟"
أبعد تميم عيونه عنها ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت طرقات على الباب قاطعت حديثهم، تنهد تميم براحة أن تخلص مؤقتًا من حصارها يتحرك صوب الباب ليفتح، وتفاجئ بوجود تبارك التي ابتسمت له بسمة صغيرة تقول بصوت منخفض :
" مرحبًا تميم، هل يمكنني فحص برلنت ؟؟"
نظر لها تميم ثواني قبل أن يبتعد عن المدخل مشيرًا صوب الفراش :
" نعم رجاءً كنت سأستدعي أحدهم ليفعل "
ابتسمت تبارك تخطو للغرفة ولم تكد تتحدث حتى سمعت صوتًا افتقدته يقول بلهفة :
"تبارك "
نظرت تبارك جهة الفراش لتتسع بسمة هاتفة :
" برلنت ؟؟ يا ويلي أنتِ بخير ؟؟ أنا لا اصدق، متى استيقظتي ؟؟"
أجاب تميم براحة وقد فرح أن شغلتها تبارك عن التفكير في ما حدث :
" للتو فعلت، هل يمكنك فحصها ؟؟"
" نعم بالطبع سأفعل، الحمدلله على سلامتك والعقبى لزمرد إن شاء الله "
كانت تتحدث بعفوية كبيرة وهي تتحرك صوب الفراش قبل أن ينتفض جسدها للخلف بقوة كبيرة على إثر صرخات برلنت الهادرة :
" مهلًا ماذا ؟؟ ما الذي قلته للتو ؟! زمرد ؟؟ ما الذي أصاب زمرد ؟؟"
أبصرت تبارك نظرات تميم الذي اغمض عينه بقوة وكأنه بذلك يتجنب صراخها، لتعض شفتيها وهي تكرر بصوت منخفض وقد تعزز عندها شعور أنها تسبب المشاكل للجميع حولها حتى وإن لم تتعمد ذلك :
" هل قلت شيئًا لا يجب قوله !؟"
نظر لها تميم بيأس فتمتعت بصوت منخفض خجل :
" آسفة ..."
_______________________
في أحد أركان المكتبة كان يدفع جسده صوب الجدار يحاصره بعيونه غاضبًا ثائرًا يبحث عن الحقيقة بين نظراته وكأنه سيستطيع استخلاصها منه بالفعل:
" أخبرني إذن.."
" أخبرك ماذا أيها الـ "
صمت العريف حين أبصر نظرات إيفان له ليبتلع ريقه مدركًا أنه الآن ليس واعيًا وأنه يمر بحالة جنون نادرة في الوقت الحالي :
" مولاي، إن كان غضبك بشأن ما حدث وما قلت لك منذ وقت قصير، فأنا فقط كنت غاضبًا، اقسم لك إيفان أنني أثق بك ثقة عمياء، أرجوك ألا تحزن من غبائي، أنت بني مثلك كسالار اقسم بالله و..."
" توقف عن الحديث الكثير أيها العريف ليس هذا ما عدت لأجله فكلماتك تلك لم أتوقف عندها لكثير من الوقت لمعرفتي أنك أضحيت عجوز خرف في أواخر حياته لا يدرك ما يتفوه به، فلا بأس بما قلت "
تغضنت ملامح العريف وقبل أن يتحدث اقترب سالار منهم يقول بصوت جاد :
" إيفان ما الذي تفعله ؟؟ دع العم شهدان وشأنه "
نظر له إيفان بشر ومن ثم نظر لشهدان يقول:
" ليس قبل أن يتحدث بكل ما يعلم "
اجابه سالار وهو يقترب منهم يحرر العريف من بين أنامل إيفان بجدية كبيرة :
" دعه فقط رجاءً وهو سيتحدث بكل شيء دون حاجتك للتعامل بهذا الشكل الغير لائق بالمرة "
كان العريف يحرك عيونه بينهما وهو يحاول معرفة ما يتحدثون به :
" هل يمكنني فقط أن أعلم ما الذي يدور الآن حولي حتى أدرك ما يجب قوله "
استدار له إيفان بسرعة كبيرة ليتراجع العريف بريبة :
" أنت أيها الشاب أضحيت خطيرًا منذ تلك الحرب، ليهدك الله يا بني "
تحدث إيفان يقترب من العريف الذي ظل واقفًا ثابتًا دون حركة، ينظر له ينتظر حركته، وإيفان فقط همس له بصوت منخفض :
" هل كان لي شقيقة ؟!"
نظر له العريف ثواني وكأنه لم يستوعب ما قيل حتى الآن، ومن ثم تساءل بسرعة :
" تقصد تلك الفتاة التي انجبتها شهرزاد وبدلتك بها و..."
" لا، لا ليس هذه، أنا فقط أتساءل إن أنجبت والدتي فتاة، هل لي شقيقة من أمي ؟؟"
نظر له العريف ثواني قبل أن يقول بصوت خافت :
" هل تقصد الملكة آمنة؟!"
" نعم، هل كانت تحمل طفلًا بعدي ؟؟"
غامت أعين العريف بمشاعر حزن عميقة هامسًا :
" لقد كانت تحمل طفلًا وقت الهجوم على المملكة حين فقدناها، لم نعلم إن كان هذا الطفل صبي أم فتاة، لكنه قُتل مع والدتك "
تراجع إيفان يحاول أن يستوعب ما سمع للتو، وعقله يدور في داوئر مفرغة، ولحظات الحقيقة تُعاد أمام عيونه، حين تولى العرش في عمر المراهقة بعد موت والده، تلك اللحظة كان في نظر العريف مؤهلًا ليتحمل الحقيقة التي دفنها ..
" أخبروني أنك تريد رؤيتي أيها الملك ؟!"
رفع إيفان والذي كان في تلك اللحظة في بداية حكمه للبلاد مجرد مراهق يشعر بالحيرة مما يدور حوله :
" نعم رجاءً يا عم اجلس، أود الحديث معك في عدة أشياء بخصوص الحكم و لقد علمت أنك كنت تود مقابلتي منذ أيام ولم تكن هناك فرصة لذلك و..."
قاطعه العريف جالسًا على مقعد في جناح إيفان يقول بجدية :
" أسمع يا بني، اعلم من نظراتك الآن أنك كالغريق، تحتاج لقشة تتعلق بها كطوق نجاة، لكن صدقني إن كنت تعتقد أن هذا الطوق هو أنا فأنت مخطأ، أنا عريف هذه المملكة ولست ملكًا لاساعدك، ولا أدري شيء بخصوص كل هذه الأمور، لكنني أعتقد أنني اعلم من يمكنه مساعدتك "
كام إيفان يسمع كلماته وهو يحاول فهم ما يريد الوصول له حتى قال بجدية :
" من تقصد ؟؟ امي ؟؟"
اشتعل غضب العريف لتلك النظرة التي خص بها والدته عند ذكرها:
" لا ليست الملكة شهرزاد وصدقني هذه آخر شخص قد تود الاعتماد عليه أو طلب مساعدته بشيء "
نظر له إيفان برفض لكل ذلك الكره الذي انبثق من نظراته يدافع عن والدته:
"أيها العريف من تتحدث عنها هي أمي والملكة الأم هنا و...."
" لا "
همس إيفان بعدم فهم لتلك الكلمة الاعتراضية التي لم تكن في موضعها الآن:
" لا ؟؟"
" نعم، لا، هذه المرأة ليست ملكة أم وليست والدتك حتى "
ارتجف جسد إيفان بصدمة كبيرة حين سمع تلك الكلمات لينتفض صارخًا بصوت هز المكان وغضب كبير :
" ما الذي تهزي به أيها العجوز ؟! يبدو أنك بدأت تشيخ وتتحدث بما ليس له معنى، وأنا لن أسمح لك أن تمس والدتي بكلمة واحدة تسيئ لمكانتها هنا "
ابتسم العريف وظهر التصميم في عيونه :
" اعتقد أنه حان الوقت لتأخذ صفعتك التي ستفيقك أيها الشاب، انتظرت سنوات الوقت المناسب ولا أعتقد أنني سأستطيع مواصلة الصبر حتى تغرقك تلك المرأة القذرة "
هنا وكفى اندفع جسد إيفان صوب العريف يجذب ثيابه بغضب حتى كاد يخنقه :
" هذه المرأة التي ذكرتها بالسوء للتو هي ..."
" لصة "
كلمة نطقها العريف بأعين معاندة مصرة دون أن يخشى شر إيفان المرعب الذي يلتمع في عيونه، يبتسم له مكملًا :
" هذه المرأة مجرد مجرمة لصة سرقت طفل من والدته ومن بعدها تخلصت منها، أي أنك الآن تنادي امي للمرأة التي قتلت والدتك بدم بارد ."
شحب وجه إيفان وقد بدأت يده تترك ثياب العريف ببطء، يشعر أن المكان يدور حوله، هو يكذب عليه ؟؟ لكن كيف والعريف لم يفعلها يومًا هو ليس ذلك الغر أو المخادع و...هي أمه ؟؟ هو يتهم والدته الآن بأنها لصة وقاتلة ؟؟
دارت الغرفة بإيفان حتى أنه كاد يسقط ارضًا لولا يد العريف الذي امسكه بسرعة وهو يهمس له برعب :
" مولاي .."
نظر له إيفان يحاول إبعاده عنه بعناد :
" أنت فقط تحاول خداعي؟؟ أنت فقط تلفق تهم لا يتقبلها أي عقل فقط لتصل لهدفك "
نظر له العريف بشفقة وقد أبصر في عيونه نظرات توسل ورجاء، يترجاه بصمت أن يجيب بالموافقة ويخبره أنه محق وأن كل تلك الكلمات لا تعني شيئًا .
لكن العريف في هذه اللحظة كان مصرًا على تحطيم ذلك السور من الأوهام الذي احاطته به شهرزاد .
" كل كلمة قلتها هي حقيقة مولاي، والدتك ليست شهرزاد اللعينة، بل هي الملكة آمنة "
شحب وجه إيفان أكثر يستدير صوب العريف يهمس بصدمة أخرى:
" آمنة ؟! زوجة أبي الثانية !!"
" ووالدتك، الملكة آمنة هي نفسها والدتك الحقيقية "
شعر إيفان أنه عاش عمرًا طويلًا كالمغيب، المرأة التي كان يسمع كل ليلة شهرزاد تبكي وتلعن بها، وتتهمها أنها سرقت منها زوجها وحتى بعد موتها لم ينسها وصنع لها محراب لعشقها، كانت دائمًا تردد أنها فقدت تقيّ الدين يوم فقد هو آمنة، تلك المرأة التي مقتها لأنها سلبت سعادة شهرزاد هي نفسها والدته ؟!
المرأة التي كان يسمع والده يصف حبها ليل نهار والدته ؟؟ المرأة التي رحل والده مبتسمًا فقط لأنه علم أنه سيلقاها في الحياة الأخرى والدته ؟؟
سقطت دموع إيفان واخيرًا ينهار ارضًا ببطء وقد جاءت كلمات العريف التالية من بعيد وكأنه يتحدث له على بعد أميال كثيرة :
" إن لم تصدقني سآخذك للمرأة التي بدلت بينك وبين شقيقتك من شهرزاد، هي ستخبرك بكل ما خططت له شهرزاد، تلك القذرة وضعت ابنتها المريضة والتي ولدتها مبكرًا عن قصد في فراشك لتقنع والدتك أنها أنجبت فتاة، واخذتك هي لتربيتك، ومن ثم تخلصت من والدتك ولم تهتم أن ابنتها الحقيقية قُتلت ذلك اليوم أيضًا وكاد والدك يُقتل في نفس اليوم كذلك "
كانت كلمات كثيرة تحدث بها العريف وهو يرى إيفان الساقط ارضًا مستند على الفراش ينظر أمامه بنظرات غريبة، يحدق أمامه بشكل بدا له كما لو أنه انفصل عن الواقع .
ولم يشعر إيفان بالوقت الذي جلس به هكذا حتى وجد أحد الأجساد تجذبه صوب صدر حنون وصوت هامس يخبره :
" عزيزي هل أنت بخير ؟!"
رفع إيفان عيونه ببطء صوب ذاك الصوت ليبصر سالار، صديقه المقرب والذي كان يرمقه بشفقة وحنان، في هذه اللحظة لم يجد إيفان أنسب من صدر سالار لينفجر في البكاء عليه بحسرة وقد رنت اصوات بكائه في المكان بأكمله ...
وكأن ما حدث بالماضي داخل عقل إيفان، انعكس في الحاضر، إذ تحرك سالار بسرعة يجذبه لصدره وهو يشعر بما يمر به فهو منذ طفولته لم يهنأ بحياة عادية هادئة، جذبه له يقول بصوت منخفض :
" إيفان يا عزيزي "
رفع إيفان عيونه لسالار يهتف بنبرة امتلئت بوجع يكاد سالار يقسم أنه لم يسمعه بصوت إنسان من قبل، نبرة من أدرك للتو ما حدث حوله وما يدور، عقل إيفان حسبها بشكل سريع وهو يجمع كل الخيوط يتحدث بوجع متمنيًا أن يكون ما فهمه خاطئًا :
" لو أن ما افكر فيه صحيح، إذن والدتي كانت حية بين أيديهم كل تلك السنوات، و...تلك الفتاة إن كانت هي نفسها الطفل الذي كانت تحمله وقت الهجوم إذن هي تماثلني بالعمر تقريبا، لكنها ...لكنها تبدو أصغر من ذلك، هي اصغر من أن تكون في عمر الثلاثين، و...هي إن لم تكن شقيقتي من أبي إذن هي شقيقتي من والدتي و........."
ازداد احمرار وجهه ليهتف قبل أن ينهار باكيًا بإدراك لفكرة كونها عقله في ثواني :
" كانت بين أيديهم وانتهكوها، يا ويلي "
انهار إيفان ارضًا بعنف بينما سالار انهار معه يضمه له بقوة وصوت صرخات إيفان وبكائه ترن في المكان وهو فقط يضمه كما الماضي، صورتان متجاورتان لنفس المشهد، لكن الوجع اختلف، الوجع أضحى اسوء أعمق .
وصوت بكاء إيفان اختلف بكلماته المكسورة :
" انتهكوها وكسروني، يا ويلي "
ضمه له سالار بقوة وهو يربت على ظهره بصمت وقد شعر بالوجع والدموع تحرق عيونه، يبصر قهر الرجال قولًا وفعلًا، صديقه الشامخ الذي كان يأبى طوال حياته منذ نضج أن يظهر فقط نظرة ضعف لأحدهم، ها هو ينتحب بين أحضانه بقهر ووجع .
فاللهم نعوذ بك من قهر الرجال .
تنفس وهو يحاول أن يهدأ إيفان بكلمات هو نفسه غير مقتنع بها :
" إيفان، هل سنفترض افتراضات الآن ونتوجع منها ؟؟ علينا التأكد في البداية من كل ذلك، أنت لم تستبق حكم شيء من قبل فما لك تفعلها الآن ؟؟ "
رفع إيفان عيونه له يقول :
" كل شيء يقود لتلك الحقيقة، يا ويلي لو صدقت سأتحطم لاشلاء "
رفض سالار تلك الكلمات وهو يضمه أكثر:
" الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولو حدث وصدقت كل تلك التكهنات، فهذا لأن الله اعلم مني ومنك وكلفك ما تستطيع تحمله، والآن انهض لنفهم ما يحدث هنا "
كان العريف يراقب ما يحدث بحسرة على ما أصاب الجميع، فالأمر أشبه باعصار دمر كل شيء، ابتلع ريقه يقول بصوت منخفض وهو ينحني يربت على رأس إيفان بحنان وكأنه يعتذر له ضمنيًا عن كلماته:
" ربما يستطيع دانيار مساعدتكم في هذا .."
نظر له الاثنان وكأنهما نسيا للحظات وجوده قبل أن يهز سالار رأسه بإصرار، ينهض وهو يجذب معه إيفان يهندم له ثيابه ويرتب له هيئته رافضًا أن يخرج بهذا الشكل المذري أمام الجميع :
" هيا سنذهب ونعلم كل شيء من دانيار، تعال معي"
تحرك يجذب خلفه إيفان الذي كان يسير كالجثة وكل عقله في أن ما سيعلمه لن يزيده إلا كسرة .
وصل سالار به لباب المكتبة ليتوقف فجأة، ثم استدار له يتراجع للخلف وهو يدفعه يقول بصوت قوي :
" الملك دائمًا في المقدمة إيفان"
نظر له إيفان بملامح باهتة قبل أن يتقدمه يفتح باب المكتبة يحاول أن يصلب هامته وهو يتحرك بين الممرات أسفل نظرات الجنود الذين اعتدلوا في وقفتهم يستقبلون الملك وقائد الجيوش الذي يلحق به بكل قوة ..
وإيفان يسير بينهم مرفوع الرأس كعادته، بقوة وهيبة كما اعتاد الجميع منه، لكن في داخله كان كل ذلك مجرد غطاء واهي يخفي خلفه قهره وكسرته ...
_________________
كان دانيار وبعد رحيل الجميع لا يفهم ما يحدث فقط يقف أمام الغرفة بهدوء يحدق بالباب بانتظار أي همسة تصدر منها .
فجأة أبصر اقتراب تميم منه وهو يسند زوجته التي كانت تبكي بصوت مرتفع مطالبة بوجود زمرد وتبارك تسير جوارهم وملامح الذنب تملئ وجهها .
وبمجرد أن وصل الجميع للغرفة حتى ابتعدت برلنت عن تميم تتمسك بيد تبارك باكية :
" ساعديني للوصول لها تبارك، ارجوكِ اريد رؤيتها "
أمسكتها تبارك تتأسف على حالتها وحالة كهرمان وحالة زمرد وحالتها وحالة الجميع، وكأن سحابة سوداء اصطدمت بالقصر .
استغفرت ربها تتحرك مع برلنت صوب الداخل تحت أعين تميم الحزينة، وبمجرد أن اختفوا داخل الغرفة حتى أبصر تميم ملامح دانيار التي بدأت تتحول للشحوب، مظهره كان مروّعًا :
" دانيار لا اعتقد أن ما تفعله بنفسك شيء جيد، تحتاج للراحة "
استدار له دانيار يحدق في وجهه، ثم نظر للباب مرة أخرى يقول بصوت منخفض :
" أنا سبب كل ما يحدث، لو أنني فقط لم أنبذها، لو أنني فقط تفهمت كل شيء واخبرتها ألا تتحرك، لو أنني كبحت جماحها في اليوم الأول الذي ابصرتها تقاتل كالرجال، لو أنني ما أغفلت عنها خلال تلك الحرب، لو أن كل ذلك حدث ما كنا هنا الآن، لكانت الآن في طريقها لتصبح زوجتي "
تنهد تميم بصوت مرتفع :
" ما الذي يحدث هنا دانيار، ما سبب نبذك لتلك الفتاة؟! لا اعتقد أن كونها عاملة في القصر هو ما تسبب في ذلك النبذ الذي تتحدث عنه، خاصة أنك كنت في البداية تتحدث معها بفخر، إذن ما الجديد الذي جعلك تقول هذه الكلمات عن نبذها ؟!"
نظر له دانيار ثواني قبل أن يبتسم بسمة لا تليق بالموقف حقًا :
،" يبدو أن رؤية العريف تتحقق يا اخي، فأنا احببت أحد القراصنة، وها هي نهايتي تقترب على يدها، لم أكن اعرف أنها منهم، ولا اعتقد أن معرفتي كانت ستغير شيئًا فها أنا بعد معرفتي حقيقتها مازلت غارقًا حتى أذنيّ بهوسي بها "
نظر له تميم بعدم فهم ولم يكد يتحدث حتى سمع الجميع صوت إيفان القوي يصدر :
" نعم هذا بالتحديد ما أريد معرفته، ما هي حقيقتها تلك دانيار ؟؟؟"
في الداخل .
بمجرد أن أبصرت برلنت ما يحدث حتى انفجرت في بكاء حاد وهي تقترب بسرعة من فراش زمرد تهتف باسمها في لهفة ولوعة :
" حبيبتي، ما الذي حدث لك زمرد؟! من ذا الذي اطفأ شعلتك، اطفأ الله نيران حياته "
أستدارت كهرمان والتي كانت تقرأ في أحد المصاحف جوار فراش زمرد، تبصر تقدم برلنت منها لتترك المصحف بهدوء جوار جسد زمرد تهم لبرلنت تفتح أحضانها بسعادة وخوف :
" برلنت عزيزتي، أنتِ بخير ؟؟ متى استفقتي ؟؟"
نظرت لها برلنت باكية :
" للتو فعلت ولم يخبرني أحدهم بما حدث لزمرد لولا تبارك "
ابتسمت تبارك بخجل شديد هامسة :
" لست فخورة بهذا في الحقيقة "
صمت كهرمان برلنت لها بقوة وهي تهمس لها :
" حمدًا لله على سلامتك حبيبتي، العقبى لزمرد إن شاء الله، الأن هدأ جزء من قلبي وتبقى الجزء الآخر"
نظرت لها تبارك تقول بصوت خافت وقد شعرت أنها إن لم تنتهي من أمر كهرمان والملك ستنفجر، وها هو المكان هادئ مؤهل لذلك :
هذا الجزء متعلق بزمرد أم الملك ؟!"
اتسعت أعين كهرمان بقوة مخيفة لتتحرك برلنت تستريح على مقعد كهرمان الذي كانت تتوسطه سابقًا تمسك يده زمرد وتقبلها بحب، ثم مسدت خصلاتها بحنان شديد .
تراقب ما يدور بين كهرمان وتبارك .
" تبارك ما الذي ...ما الذي تقولينه أنتِ هذا ليس مـ .."
" هو كذلك يحبك كهرمان، لطالما فعل، لكنه كان يشعر بالمسؤولية تجاهي وأنا احرره واحررك من كل هذا "
شحب وجه كهرمان مما تسمع:
" تبارك، يا ويلي لا ...اقسم أنني لست كما تظنيني، أنا لست خائنة لاقع في حب زو..."
" ليس زوجي ولن يكون كهرمان، فلا أنا أراه زوجًا لي، ولا هو يتقبل سواكِ زوجة له، لذا لنوفر الوجع على الجميع ونتقبل هذه الحقيقة "
شهقت كهرمان وهي تضع يدها على رأسها تحاول الاستيعاب :
" ما الذي تقصدينه أنتِ ؟؟ أنتِ المقدرة له و..."
" هراء، كل هذا هراء في الأساس، أنا لست مقدرة له، الله سبحانه وتعالى يقدرنا لمن يشبهنا ويليق بنا، وانا لا اليق بإيفان، أنا لا يليق بي أن أكون ملكة لسفيد بأي شكل من الاشكال، ربما الكثيرون قالوا هذا، ورغم حزني في البداية إلا أنني الآن اتقبل هذا ببسمة وسعادة، أنا لا يليق بي أن أكون ملكة، أنتِ فقط من تستحقين أن تصبحي ملكة، وزوجة له "
" يا ويلي هل غفر الله كامل ذنوبي وذهبت للنعيم حيث النفوس الصافية والاحباء جميعهم متجمعين ؟؟"
كانت هذه الكلمات الصادرة بخفوت صادرة من جهة الفراش لتتحرك جميع الأعين صوب برلنت التي كانت تحدق بهما بعدم فهم :
" ماذا ؟!"
قالت كهرمان بريبة :
" هل قلتِ شيئًا برلنت ؟!"
هزت برلنت رأسها برفض ليعلو صوت زمرد مرة أخرى بينما تجاهد لفتح عيونها :
" هل نومي لساعات على هذا الفراش جعلكِ تجهلين صوتي ؟؟ هل ظننتم أنكم تخلصتم مني أيها الاوغاد ؟؟"
اتسعت الأعين وارتفعت الأصوات المصدومة وهم يهجومون عليها بسرعة وكهرمان تصيح بعدم تصديق باكية :
" يا ويلي زمردة العزيزة "
عانقت زمرد بقوة بينما ارتفع طرف شفاة زمرد بحنق وتشنج :
" تكلفت والدتي الكثير لتسميني زمرد، وتأتين أنتِ لتجعليني زمردة واحدة فقط ؟! أنتِ تحطين من قيمتي بهذا الشكل "
ضحكت تبارك ضحكة سعيدة وهي تقترب منها بسرعة تدفع كهرمان بعيدًا :
" ابتعدي لاطمئن أن كل شيء بخير كهرمان "
نظرت لها زمرد بحنق ورغم أنها تشعر بالجحيم يشتعل في جسدها من الوجع :
" هل تقللين من شأني أيتها الملكة المدللة، هذه الطعنة أقل ما تلقيت في حياتي، جسدي هذا تربى على الاوجاع لتعلمي فقط "
وكلماتها تلك التي تحدثت بها لتقنع الجميع أنها قوية لم تتسبب إلا في جلب الوجع لهم، وانفجار برلنت في البكاء :
" عسى أن تُشل يده لذلك القذر الذي اصابك يا زمرد، يا ويلي لقد كدنا نفقدك بسبب حقير "
نظرت لها زمرد بسعادة تمسك كفها بحب لأنها بخير :
" سعيدة أيضًا لرؤيتك سالمة بيرلي، لقد انتقمت لكِ ممن مسك، والآن حان وقت رد الدين، فماذا أنتِ فاعلة بمن أصابني يا امرأة ؟؟"
نظرت لها برلنت باكية :
" والله لو رأيته لانتزعن أصابعه لذلك الحقير "
نفخت كهرمان بقوة وهي تقترب من زمرد في الوقت الذي بدأت تبارك تحاول أن تطمئن عليها وعلى حرارتها التي كانت مشتعلة في الساعات السابقة :
" من هذا الذي فعل بكِ هذا زمرد ؟؟"
نظرت لهم زمرد قبل أن تقول بنبرة سوداوية :
" أنه ذلك الصغير القذر اخي الصغير، والله لاقطعنه اربًا على مرأى ومسمع من بافل ومن ثم سأتبع الاخير به، صبرًا فحربي لم تنتهي معهم بعد "
صرخت بها كهرمان بغضب شديد رافضة أن تقحم نفسها في هذه الامور مرة أخرى :
" لا رجاءً اكتفينا من كل ذلك، دعي هذا لرجال المملكة فأظن أنهم جميعهم يمتلكون الكثير معه بالفعل"
" أبدًا لن اتركه لأحد، هو لي، بافل موته على يدي أنا"
كانت تتحدث بغضب رغم ملامح الوجع التي تعلو وجهها، والتعرق الذي بدأ يظهر على وجهها، لتتحرك تبارك بسرعة للخارج وهي تردد بلهفة :
" سأذهب لأرى أي شيء قد يسكن اوجاعها "
وبالفعل تحركت بينما اقتربت كهرمان منها تجفف قطرات عرقها بطرف حجابها، ثم مالت تقبل رأسها هامسة :
" إن فعلتيها سأكون معكِ المرة القادمة زمرد "
ابتسمت لها زمرد بسمة صغيرة متعبة وهي تحاول التحدث، لكنها بالفعل كانت مستنزفة بعدما تلاشى مفعول الاعشاب المهدئة من دمها بالكامل ...
في الخارج عند الرجال ..
كان إيفان يستمع بصدمة من دانيار كل شيء يخص زمرد، شعر بقلبه يتضخم بالوجع .
شقيقة بافل ؟؟ من في الداخل والتي من المحتمل أنها شقيقة له أو تربطها بوالدته علاقة غير مباشرة هي نفسها شقيقة أكثر أهل الأرض فساد ؟؟ شقيقة عدوه الوحيد، وابنة عدوه السابق الذي حرمه من والدته ؟؟
كاد إيفان ينهار متراجعًا للخلف لولا يد سالار الذي امسكه جيدًا يحاول أن يدعمه ببعض القوة، ودانيار الذي ظن أن الملك يتساءل لأجل معاقبتها، تعجب ملامح الشحوب التي علت نظراته إيفان.
ما الذي تخفيه له الحياة من مصائب أخرى ؟؟
ابتسم دون شعور وهو يحاول التنفس :
" هل أخبرتك شيئًا عن والدتها دانيار ؟؟"
نظر له دانيار بشك وقد بدأ عقله يعمل في أكثر من اتجاه :
" شيء كماذا مولاي ؟!"
" أي شيء عنها، اسم والدتها أو أصلها، هل هي منهم كذلك ؟؟ "
كان يتحدث بصوت منخفض به نبرة بكاء مستترة خلف جنوده الظاهر، حتى سمع صوت دانيار الذي أجاب عليه بالحقيقة كاملة بعدما شعر بنظراته التائهة :
" لا شيء عن والدتها سوى عقدها و...سيفها "
نظر له إيفان وقد بدأ قلبه ينبض بعنف :
" سيفها ؟! هل لدى والدتها سيف ؟؟"
هز دانيار رأسه بريبة من ملامحه، يتحرك صوب الجدار يحضر السيف الذي تركه مستندًا هناك يقول :
" نعم هذا هو السيف، أخبرتني مسبقًا أنه يخص والدتها ويعني لها الكثير، لذلك كانت متعلقة به نفس تعلقها بالقلادة "
امسك إيفان من يده السيف وقد كانت ترتجف وهو يدعو الله في صدره أن تخيب ظنونه، فهذا الوجع هو لم يستعد له .
وبمجرد أن أمسك السيف وابصره شعر إيفان بالأرض أسفل تتحرك لاسفل وكأنها تبتلعه، شعور غريب أصابه وهو يهمس بصوت منخفض :
" هذا....هذا سيف ...سيف جدي الذي اورثه لأبي وفقده يوم الهجوم "
نظر صوب سالار يقول بصوت منخفض :
" سيف أبي وعائلتي المتوارث ما الذي يفعله معها ؟؟ كيف ...كيف وصل لها و..."
وقبل أن يكمل باقي سؤاله اندفعت تبارك من داخل الغرفة بشكل قوي لتتوقف فجأة بشحوب حين وجدتهم يسدون المخرج، تراجعت بسرعة للخلف تقول مبتلعة ريقها :
" أنا...أنا آسفة فقط، فقط لم اعلم أنكم تقفون أمام باب الخروج مباشرة و..."
كانت تتحدث وهي تعدل من وضعية حجابها بتوتر ودون شعور منها، بينما سالار يراقبها باهتمام شديد هاتفًا :
" هل تحتاجين لشيء ؟!"
رفعت انظارها له تتذكر مواجهتهم في المكتبة، يا الله لا تدرك ما الذي حدث وقتها لتتحدث معه بهذا الشكل :
" أنا فقط أردت سؤال مهيار عن بعض الأعشاب المهدئة لأن زمرد عادت للتوجع"
بمجرد ذكرها لاسم زمرد حتى اندفع إيفان بشكل مخيف صوبها :
" مابها ؟! هل استيقظت ؟!"
تراجعت تبارك للخلف بسرعة وصدمة، بينما مد سالار يده بسرعة لتكون حائلًا بينهما، يهتف في أذن إيفان بكلمات غير مسموعة لغيره .
ابتلعت تبارك ريقها تبدل نظراتها بينهما :
" هي استيقظت منذ دقائق قليلة ويبدو أن مفعول المهدأ يتلاشى من دمها ."
تنفست تبارك تحاول الهدوء والثبات :
" فقط احتاج لمساعدة من مهيار في إحضار الاعشاب رجاءً، لأنه إن استمر الوجع سيكون هذا أكثر من قدرتها على التحمل "
شعر إيفان بالحيرة وهو ينظر حوله بلهفة غريبة يصرخ بصوت هائج :
" أين مهيار ؟؟ أين ذلك الرجل ؟؟"
ودانيار الذي كان في حالة يُرثى لها تحرك حول نفسه يبحث عنه بعيونه تحت صرخات إيفان له :
" أين شقيقك دانيار، أين ذلك الغبي ؟؟"
ركض دانيار بين ممرات المشفى وهو يهتف من أسفل أسنانه :
" ذلك الطبيب الفاشل الوغد يظل يقفز أمام عيوني دون الحاجة له، وحين يتطلب الموقف وجوده يختفي كالزئبق، سأقتله بيدي هاتين .."
___________________
ابتعد مهيار بعض الشيء عن الرجل الذي كان متسطحًا على أحد الأسرة يقول بجدية تحت أعين ليلا المنبهرة به، واعين مرجان الحانقة :
" لا بأس يا عم أنت بخير حال، تحتاج فقط للتأكد من تناولك الاعشاب المناسبة كل يوم "
ابتسمت ليلا بسمة واسعة وهي تهتف بصوت منخفض :
" هل ترى ما يفعل مرجان ؟!"
نظر مرجان صوب مهيار الذي كان ينتقي بعض الأعشاب للرجل بجدية، وقد التوى ثغره بغيظ شديد:
" أرى ماذا عزيزتي ؟؟ طبيب يقوم بعمله "
نظرت له ليلا بحنق شديد :
" هل حقًا هذا كل ما تراه ؟! يبدو أن العمى اصابك مرجان، انظر إليه الرجل تبارك الله هيبة وجاد في عمله يبدو كما لو أنه يؤدي مهمة وطنية "
خرج صوت حانق من فم مرجان :
" هذا ما ترينه أنتِ فقط عزيزتي، أما أنا أراه طبيب كأي طبيب في هذه المملكة "
" بل هو افضل الأطباء، هو هيبة وشموخ على قدمين مرجان "
فجأة اقتحم العيادة دانيار الذي كان محمر الوجه غاضب الملامح يصرخ بجنون :
" مهيار أيها الفاشل، أين تذهب، تعال لتفحص زمرد أنها تتألم "
ختم حديثه يجذب شقيقه خلفه من ثيابه بقوة خارج المكان ومهيار يسير معه بصدمة ولم يستوعب بعد ما يحدث، بينما ليلا تنظر أمامها بعدم فهم :
" ما الذي حدث للتو ؟!"
قال مرجان ببسمة واسعة :
" أحدهم اقتحم المكان جارًا الشموخ الذي يسير على قدمين خلفه "
انطلقت ضحكات صاخبة بعد تلك الكلمات وصوت مرجان رن في المكان بأكمله، بينما ليلا رمته بنظرة مشتعلة تصرخ في وجهه بغضب أنه يقصد أعضابها، ليصرخ هو بالمثل في وجهها، وفي ثواني اندلع شجار معتاد بين الاثنين ليجذب كلٌ منهم الآخر بغضب تحت أعين المريض الذي ما يزال متسطحًا على الفراش دون فهم لما يحدث .
" إذن هل سيعطيني أحدكم الاعشاب المطلوبة أم ماذا؟!"
___________________
يتحرك في بلاده فوق حصانه وأصوات الشعب حوله المبتهجة تطرب أذنه وتشعره برجفة سعادة تمر بين أوردته، شعب وفيّ صامد أبيّ، ابتسم أرسلان لشعبه يهز رأسه لهم، ثم وعندما وصل لمنتصف السوق توقف ليهبط عن حصانه دون أن يهتم بشيء، يتحرك بينهم وقد بدأ الشعب يهتفون باسمه ويهللون لعودته وقد ظنوا أن الظلام سيبتلعهم بالكامل، لكن ها هو فجرهم يشرق بعد ليلة طويلة ظلماء ..
ابتسم إيفان لهم يهز رأسه لهم باحترام وتقدير يهتف بينهم :
" شكرًا لكم أجمعين، أنا ممتن أنكم لم تنحنوا يومًا أو ترضخوا له، ممتن أنكم أبيتم الخضوع، شكرًا لكم "
صمت يدير عيونه بين المنازل المهدمة والاجساد الجائعة الضعيفة والمساجد المدمرة وكل الخراب من حوله وكأنه في مدينة أشباح، ليبتلع غصته يقول بصوت مرتفع كي يصل للجميع :
" ستعود مشكى يا قوم، من بناها مرة يستطيع إعادة بنائها الآلاف المرات، سنبنيها وتعود افضل مما سبق، وفيما يخص السلع الغذائية فستتوفر بوفرة للجميع ولمدة شهرين وحتى نعود للتجارة، سوف يتم توزيع السلع الغذائية مجانًا على جميع سكان المملكة، وكل من يواجه تعسرًا في شيء يأتي لي فقصري سيكون مفتوحًا طوال الأيام لسماع طلباتكم وتنفيذها، وحتى تمر تلك النكبة ونعود لما كنا عليه سنتعاون جميعًا بما نقدر عليه "
ختم حديثه ليعلو هتاف الشعب في المكان باسمه وهو فقط ينظر أمامه بشرود يبتسم لهم وفي عقله تدور حسابات كثيرة عن الطريقة التي سيعيد لها بناء كل ذلك، تحرك في المكان وخلفه بعض الرجال الذين تطوعوا ليصبحوا جنودًا له بعد مقتل رجاله المخلصين اجمعين، همس للمعتصم وبارق بصوت منخفض :
" سوف اتحرك بشكل سري مساءً صوب سفيد، سأتحدث لايفان بخصوص تمويل البلاد بسلع غذائية وأسلحة لشهرين كاملين، سأعقد معه صفقة، افرغوا خزائن البلاد من الذهب واحضروه، سنشتري ما استطعنا من غذاء الممالك حولنا حتى يعود الفلاحين للزراعة "
توقف ينظر جواره لبارق الذي كان يجاوره حتى يتأكد أنه أتم دوره معه :
" و..ملك بارق "
ابتسم له بارق دون أن يسمع باقي جملته يربت على كتفه :
" خير الله يكفينا جميعًا ملك أرسلان، ارسل قوافلك لأخذ ما تريد من مزروعات سبز ولا تحمل همًا، ولا ترسل معهم أموال أو ذهب، سأنتظر لتنهض وحينها يكون لنا حديث آخر"
كانت الجملة الأخيرة التي قالها بارق هي البطاقة الذهبية التي سيقنع بها أرسلان ذو الكبرياء المتورم على قبول مساعدته دون دفع أموال في الوقت الحالي .
وارسلان قدر له هذا وبشدة فهو بالفعل لديه الكثير ليحضره وهذا يوفر عليه الكثير، في وقت آخر لم يكن ليقبل ولو قبّلوا يده، لكن هذا شعبه وهم الآن في كارثة حقيقية :
" أقدر لك هذا ملك بارق، هذا سيكون دينًا في رقبتي"
ابتسم له بارق يدرك أن أرسلان لن ينسى الأمر، لكن لحين يتذكر مجددًا تكون تلك النكبة قد مرت .
أبعد أرسلان عيونه صوب المدينة يتأملها، ثم قال بكلمات مقتضبة :
" لا يلحقن بي أحد رجاءً "
ختم حديثه يتحرر من عبائته الملكية يتركها لأحد الرجال، ثم سار بعيدًا عن الجميع، يخرج من السوق دون أن يهتم لشيء، يتحرك في المكان حتى وصل واخيرًا لطرق المدينة حيث السهول الخضراء، أو هذا ما كانت عليه قبل أن تتحول لرماد عقب نيران يبدو أنها نشبت بها .
طالت عيونه يبصر المكان حوله يتفقد بقاياه القديمة، يستدعي صورته التي كانت تريحه بعد تعبٍ طويل، لكن لا شيء فقط سواد ورماد، بافل ورجاله لم يتمكنوا من تدمير الحاضر فقط، لكنهم دمروا الماضي كذلك .
ضغط على كفه يهمس بصوت منخفض ملئ بالاصرار :
" لكن المستقبل لنا، ستعود مشكى لسابق عهدها، وهذا وعدي ...."
_______________________
بمجرد عودة دانيار ساحبًا مهيار خلفه، انتفض جسد إيفان وهو يصرخ :
" أين كنت مهيار كل هذا الوقت ؟!"
تعجب مهيار تجمع الكل أمام غرفة زمرد، وملامح الملك وسؤاله :
" هل يمكن أن يتشرف أحدكم ويخبرني ما يحدث رجاءً ؟؟"
تحدث إيفان وهو يدفعه بخشونة صوب الغرفة :
" هيا اذهب لترى كيف حالها للفتاة في الداخل، هي تتألم، هيا ادخل بسرعة "
نظر له مهيار بتعجب، ومن ثم نظر لدانيار ينتظر منه تفسيرًا على ما يحدث، لكنه فقط ساعد الملك في دفعه صوب الغرفة التي تقف تبارك على بابها:
" سمعت ما قال الملك هيا تقدم "
وما كاد يتقدم لينتهي من كل هذا حتى سمع صوت إيفان يقول فجأة :
" انتظر إلي أين ؟!"
توقف مهيار يحدجه بنظرات غاضبة كبتها لعلمه أنه أمام الملك :
" انفذ أوامرك مولاي "
" نعم، لكن انتظر لنتأكد أنها بحجابها، سمو الأميرة رجاءً تفقدي الفتاة في الداخل اذا كانت تضع حجابها ام لا ؟؟"
كانت كلماته موجهة لتبارك التي ما تزال تراقب ما يحدث بانتباه شديد دون أن تنتبه أن حديث إيفان كان لها، فهي غير معتادة على سمو الأميرة تلك، فقط تنتظر أن يعود مهيار ليدخلوا لغرفة زمرد، وإيفان يحدق بها في عدم فهم :
" سمو الأميرة ...سمو الأميرة ؟!"
زفر سالار بغضب شديد وهو لا يعجبه أن تظل واقفة بهذا الشكل تحدق في الجميع هكذا ليقول دون السيطرة على نفسه :
' مولاتي ..."
انتفض جسد تبارك تنظر له بانتباه :
" ماذا ؟؟"
رفع سالار حاجبه يقول بصوت هادئ ظاهريًا فقط :
" رجاءً مولاتي اذهبي للداخل وتفقدي إن كانت المريضة تضع حجابها أو لا ؟!"
هزت تبارك رأسها بسرعة ثم تحركت للغرفة وغابت بها ثواني، استغلها إيفان في النظر لسالار بحيرة، نظرات جعلت سالار يهتم بغيظ :
" ماذا !!"
ابتسم له إيفان بسخرية لا تليق حقًا بوضعه في هذه اللحظة :
" يبدو أنك تمتلك طرقك مع الأميرة تبارك ها !!"
رمقه سالار بشر يهمس له بصوت منخفض :
" ليس الآن إيفان، ليس وأنا لا امتلك حقي فيها لاضربك، وبالطبع ليس وأنت بهذه الحالة ...مولاي "
رمقه إيفان بنفس النظرات الجانبية الساخرة حتى عادت تبارك تقول بصوت منخفض خجل مما حدث :
" يمكنك الدخول مهيار "
" الطبيب مـ "
توقف سالار عن التحدث بسرعة قبل أن ينتبه له أحد مدركًا أن اللحظة غير مناسبة ليوضح لها حدودها مع رجال المملكة، صمت وتراجع لكن إيفان ابتسم بسمة صغيرة بعدما التقط ما كان على وشك النطق به، فقط ينتهي من كل ذلك ومن ثم يتفرغ لأمر سالار وتبارك .
غاب مهيار واخيرًا خلف الأبواب المغلقة والتي تخفي لإيفان الكثير والكثير ....
_____________________
بعد ساعات قليلة ..
كان يقف أمام المقابر يحدق بها، انحنى على ركبتيه يجلس أمامهما، ثم ابتسم بسمة صغيرة يلقي على قاطنيها التحية :
" مساء الخير أبي، كيف حالك أنت وأمي ؟؟ اشتقت لكما بشدة، لكن عسى الله أن يجمعني بكم في جنات النعيم"
صمت يتنفس بصوت مرتفع بعض الشيء ورغم برودة الأجواء التي بدأت تزداد في هذا الوقت من العام قال ببسمة:
" لقد دارت الدنيا وتحقق ما تنبأت به يا أبي، ها أنا أقيم حربًا لأجل الفوز بمن احب، تمامًا كما فعلت مع أمي، لكن اعتقد أن حربي أشد شراسة من خاصتك "
صمت يهمس بصوت منخفض وخجل وكأنه أمام والده حقًا :
" لستُ فخورًا بما أوصلني لهذه المرحلة وسأعيش حياتي استغفر ربي على ما أذنبت به في حق نفسي، كانت لحظة ضعف استغلها الشيطان بمهارة، لكن والله لاقسمن ظهره بتوتبي "
تنهد بصوت مرتفع يبتسم مجددًا :
" على كلٍ أنا فقط جئت أخبركم أنني اشتاق لكما، وأنني الآن رغم كل ما يحدث معي لأول مرة سعيد، سعيد أنني وجدت من يمكنه مشاركتي وحدتي المقيتة تلك "
سقطت دمعة من عيون سالار يبتسم لمرأى اسماء والديه منقوشة أمامه، اغمض عيونه يدعو لهما في قلبه وهو يتذكر كل ما مر به بعد وفاتهما ومن ثم مقتل العم دارا وانتقاله لعناية العريف.
حتى جاءه العريف يومًا يخبره أنه عليه الذهاب للقاء خاله، وقتها شعر بالتعجب من ذلك اللقب وقد كاد عقله الصغير ينسى وجود آزار نهائيًا، خرج متخفيًا من المملكة مع العريف وتحركا صوب آبى .
وبمجرد أن خطى لهناك شعر أن جميع الأماكن مألوفة بشكل كبير، سنتين فقط منذ كان هنا آخر مرة مع والديه لزيارة خاله..
ثواني حتى امسك العريف يده وتحرك داخل حجرة الملك آزار بعدما انبأه منذ يومين أنه يود الانفراد به بعيدًا عن الأعين..
وها هو يقف في منتصف غرفته يراقب نظرات آزار المتعجبة له :
" خير يا شهدان هل حدث شيء في المملكة ؟؟"
نظر له العريف ثواني قبل أن يقول بجدية :
" لا كل شيء بخير، لكنني جئت امنحك أمانة شقيقتك."
انتفض جسد آزار بقوة وهو ينظر له بصدمة وقد سحب وجهه وارتجف ومازال مظهر شقيقته المضجرة في دمائها لا يُمحى من عقله :
" عائش ؟!"
" نعم، في الحقيقة شقيقتك رحلت وكذلك زوجها، وتركوا لك أمانة معي، وحان الوقت لتتسلمها "
نظر له آزار بلهفة ليلمح في هذه اللحظة صغير في الثامنة من عمره تقريبًا يخرج من خلف العريف على استحياء، كان تمامًا كعائشة ملامحها ونظراتها التي جعلت آزار يسقط على ركبتيه ارضًا سريعًا وهو يمد يده يتحسس الصغير الذي قلب البلاد رأسًا على عقب بعد دفن شقيقته وزوجها وقام بغارات على المنبوذين بحثًا عنه كالمجنون حتى يأس، لكن والله لم يستسلم ..
سقطت دموع آزار يهتم بحب :
" سالار ؟؟"
نظر سالار للعريف مترددًا قبل أن يقترب من آزار ويعانقه وهو يقول :
" مرحبًا خالي "
انفجرت مشاعر آزار كلها في ثواني وهو يبكي بصوت مرتفع يضم الصغير له يقبله ويتلمس به طيف شقيقته وقد بدأ قلبه يهدأ واخيرًا بعد عامين .
وكان هذا اللقاء العاصف بداية تحول سالار من طفل لرجل على يد آزار الذي تولى تدريبه بشراسة ليصبح مقاتلًا، مع الاحتفاظ بحقيقته لنفسه دون معرفة أحد، مستغلًا أن لا أحد بالفعل يعلمه بشكل شخصي داخل المملكة عدا زوجته والتي توفاها الله بعد عامين من مجيئه، ونزار الذي كان طفلًا لا يتذكر شيئًا عنه.
وهكذا ظل سالار يتدرب مع خاله ويحيا بآبى لأعوام طويلة حتى أصبح في سن يسمح له بالتطوع في جيوش سفيد فتقدم لها لينال مكانته .
ابتسم يخرج من شروده ينهض عن الأرض يلقي السلام على والديه مودعًا إياهم بحب :
" المرة القادمة سأعود لكما بزوجتي، تمنيا لي الحظ الجيد في القادم "
تحرك صوب حصانه يعود للقصر ليرى أين وصل إيفان، فهو وبعدما أخبرهم مهيار أنها نامت بتأثير بعض الأعشاب، رحل الجميع عدا إيفان ودانيار اللذين اصرا على البقاء أمام غرفتها .
توقف بعد نصف ساعة تقريبًا أمام القصر ليبصر حصان يقترب منه يحمل جسدًا يتشح بالسواد مخفيًا وجهه خلف قلنسوة سوداء كذلك، ابتسم سالار يتعرف على صاحب الجسد من العلامة الذهبية التي تعلو طرف معطفه الاسود .
" مرحبًا بأسد مشكى "
توقف أرسلان أمام سالار بقوة ينتزع القلنسوة الخاصة به مبتسمًا بسمة واسعة :
" مرحبًا بحامي حمى سفيد، ما الذي تفعله خارج القصر في هذا الوقت ؟!"
تحرك سالار داخل القصر بعدما أصدر أمره بفتح الأبواب وهو يجيب أرسلان :
" كنت في زيارة لوالديّ "
هز أرسلان رأسه :
" رحمة الله عليهما، إذن وصلتني اخبار انتصاركم، نفع الله بكم الأمة رجال سفيد "
" وبك جلالة الملك، فقد وصلتنا كذلك اخبار انتصارك وتسلمك عرشك مجددًا "
صمت ثم تساءل :
" جئت لأخذ الأميرة ؟!"
" نعم لهذا، ولسبب آخر، اريد مقابلة إيفان"
صمت سالار ثواني يفكر في حالة إيفان في هذا الوقت، يحاول التفكير في شيء يجيب به أرسلان دوو أن يخوض في أمور إيفان الخاصة :
' هو في الحقيقة ..لا اعتقد أن إيفان سيكون متفرغًا هذه الأيام لأيٍ مما يحدث حوله، حتى أنه غير متفرغ لمحاكمتي "
فجأة توقف حصان أرسلان بقوة وبشكل مخيف يهتف مصدومًا :
' ماذا ؟! محاكمة من ؟؟ من سيحاكمك ؟؟ هل تمزح معي ؟؟"
ابتسم له سالار يتنهد بصوت مرتفع :
" فاتك الكثير مولاي، هذه حكاية طويلة، اقصها عليك لاحقًا "
" سالار هل تتلاعب بي ؟؟ جننت أنت وإيفان ؟! من سيحاكم من ولماذا ؟؟"
لم يجبه سالار بل نظر أمامه بجمود قبل أن يتوقف بحصانه يسلمه لعامل الاسطبل وكذلك فعل أرسلان :
" يمكنك القول أنني اخطئت ولاكفر عن خطأي احتاج لهذا "
قال كلماته وهو يتحرك صوب المشفى وخلفه أرسلان الذي يزيد من خطواته صارخًا :
" أيًا كان ما فعلته، لا يحق لإيفان أن يعرضك لمثل هذه المحاكمة، أنت بهذا الشكل ستعرض نفسك للقيل والقال هذا لا يمكن أن يحدث سالار "
" صدقني حين أخبرك أن سبب هذه المحاكمة هي القيل والقال "
" ما الذي حدث لأجل هذا، أي إثم قد يجعل الملك يحاكمك سالار ؟؟"
توقف سالار ثواني ثم استدار له وقال :
" أحببت.."
تفاجئ أرسلان من كلماته وتراجع للخلف :
" أحببت ؟؟ أنت ؟؟ وهل ...هل هذا إثم يستحق المحاكمة ؟!"
هز سالار رأسه يجيبه ببساطة لا تمت للموضوع بصلة :
" حينما تكون الملكة المستقبلية للبلاد هي المعنية من الامر فنعم هذا إثم يستحق المحاكمة "
انتهى من كلماته يتحرك داخل المشفى وخلفه أرسلان الذي سار بحيرة لا يفهم ما سمع يحاول أن يوازن الكلمات داخل عقله .
" الملكة المستقبلية للبلاد ؟؟ أنت تحب الكلمة المستقبلية للبلاد ؟؟ تلك التي احضرتها لمساعدتي صحيح ؟؟ يا ويلي كيف لم انتبه ؟؟ كيف فعلت هذا سالار ؟؟ ما الذي ألقاك في مثل هذا الإثم يا أخي، كيف تفعل بإيفان هذا ؟؟ احببت المرأة التي يحب ؟!"
كانت كلمات أرسلان مستنكرة بشكل كبير ليتوقف سالار فجأة في منتصف الممر بالمشفى، واستدار نصف استدارة لارسلان يقول ببسمة صغيرة :
" لا، لا تقلق، فإيفان لم يحب تبارك يومًا، هو يحب امرأة أخرى وكان سيتزوج تبارك لاحساسه بالذنب تجاهها، لكنه في الأساس لا يمتلك لها أي مشاعر، فجميع مشاعره بالفعل تمتلكها أمرأة أخرى وهو قرر الزواج منها بمجرد انتهاء كل ما يحدث أسفل سقف هذا القصر "
شعر أرسلان برأسه يدور بسبب كل ما سمع :
" أنا لا افهم ما تردد، أنت تحب امرأة وهذه المرأة الأولى هي نفسها زوجة إيفان المقدرة، وإيفان لا يحب هذه المرأة وانما فقط يشعر بالذنب تجاهها، وهو يحب امرأة أخرى ؟؟ ما هذا الذي يحدث هنا؟! لِمَ لل يحب كلٌ منكما الفتاة التي يريد ببساطة ؟؟"
ابتسم له سالار يجيب :
" هذا لأننا نعشق المصائب ونهوى المشاكل ارسلان، فقط انتظر حتى تعلم هوية المرأة التي يحب إيفان"
لحق به أرسلان حتى وصل أمام الغرفة ليبصر إيفان بملامح لا تفسر ويهمس بعدم فهم :
" من يا ترى ؟! لا تخبرني أنه يحب زوجة رجل آخر ؟؟"
غامت عيون سالار بنظرات غير مفسرة يهمس وهو يرى قرب معركة أخرى في الطريق :
" لا تتعجل، فأنت في النهاية ستعلم بها ..."
تمتم أرسلان بتعجب وهو يسير خلفه :
" وأين كنت أنا من كل هذا ؟؟"
" حسنًا لنقل أنك تصبح اعمى حين يتعلق الأمر بالمشاعر "
نفخ أرسلان بحنق :
" هذه سخافة "
ابتسم سالار يهز رأسه:
" صبرًا حتى تسقط في هذه السخافة "
" نعم، حتى وإن فعلت لن ينفي هذا أنها سخافة "
في هذه اللحظة فُتح باب الغرفة بقوة لتخرج تبارك تقول ببسمة واسعة للجميع بعد انتظار ساعات لتفيق زمرد :
" لقد استفاقت زمرد ..."
ودون أن يمنح إيفان أحدهم الفرصة للتنفس بعد كلمات تبارك كان ينطلق صوب الغرفة بسرعة وهو يقول بصوت قاطع وملامح قاتمة :
" الجميع للخارج ..."
ارتفعت عيون زمرد صوب الباب تنظر صوب الملك بتعجب لاقتحامه غرفتها وطرده الجميع، ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى قاطعها إيفان بكلمات حادة لاذعة صارخًا فيهم بجنون ولم يعد يستطيع الانتظار أكثر ليعلم الحقيقة ويقطع الشك باليقين :
" ألم تسمعوا ما قلت، كلٌ للخارج "
تعجب الجميع أوامره وصراخه ورغم ذلك خرجوا دون قول كلمة تاركين الباب مفتوح لئلا يُقفل على رجل وامرأة باب واحد دون رابطة بينهما .
وحين خرجت كهرمان وابصرت أرسلان ابتسمت بسعادة تهتف باسمه :
" أرسلان ؟؟"
رفع أرسلان عيونه لها ليقول بصدمة :
" مهلًا هل كانت شقيقتي واحدة ممن طرد إيفان ؟! ايها القذر "
قال كلماته يهم بالتحرك صوب الغرفة ليحصل على قصاصه من إيفان ويريه كيف يرفع صوته ويطرد شقيقته من مكان، لكن سالار امسك يده يهمس له :
" دعه يكفيه ما يعيشه في هذه اللحظة .."
نظر له أرسلان بجهل .
بينما دانيار كان يقف مشتعلًا كالجمر أمام الباب يود فقط لو يراها، منزعجًا من بقاء الملك معها وهو هنا بالخارج ..
بينما في الداخل نظر إيفان لها ولأول مرة يبصر وجهها دون غطاء ليتوقف عن التنفس لثواني، فهذه هي نفسها الملامح التي يحتفظ والده برسومات كثيرة لها، ابتلع ريقه يقترب منها بشكل جعل زمرد تشعر بالريبة وهي تنظر حولها بحثًا عما تحمي به نفسها وكل ما يدور في عقلها هو أنه اكتشف حقيقتها .
فتحت فمها لتصرخ في وجهه بالخروج والابتعاد عنها وتردد لبعض التهديدات الغبية، لكن قطع كل ذلك صوت إيفان يسألها أكثر سؤال مريب في هذه الحياة :
" ما اسم والدتك ؟!"
نظرت له زمرد وشعرت بالخوف من نظراته تهمس بصوت مهتز :
" أنت... أنت...ما شأنك لها و..."
" ما اسم والدتك، تحدثي دون جدال يا امرأة"
نظرت له زمرد برفض ولم يعجبها أن يأمرها أو أن يأتي على ذكر والدتها، فتحت فمها لتلقي باعتراضها في وجهه لولا صوت صراخ إيفان الجنوني وقد فاض كيله وهو يود معرفة إن كان ما يشك فيه صحيح او لا، صراخه ليس غضبًا منها أو بقصد اخافتها بقدر ما كان نفاذ صبر وقلة حيلة.
" ما اسم والدتك تحدثي قبل أن يجن جنوني"
ودون شعور نطقت زمرد بارتجاف وخوف وهي تتمسك بالغطاء، نطقت بكلمة لا يدري إيفان أتحييه أم قتلته ..
" آمنة ... اسمها آمنة "
_____________________
اسرار ...وكُشفت .
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل السادس و الثلاثون 36 - بقلم رحمة نبيل
صلوا على نبي الرحمة .
_______________________
نفس الوقفة ونفس نظرات الصدمة وعدم التصديق، نفس كل شيء يُعاد وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة وظل يعيد نفسه مرات ومرات .
لكن هل حقًا تتشابه المرتان ؟!
شتان بين مرة قضتها بقلبٍ وجل قلق انتهت بحرب وكارثة كبرى، ومرة تقضيها بقلبٍ مضطرب متلهف ستنتهي بانتمائها له هو، الرجل الوحيد الذي شعرت أنها لا تنتمي لسواه .
نظرت تبارك لنفسها في المرآة تتأمل ثوبها الابيض الذي أحضرته لأجلها كهرمان، لا تصدق ما تبصره، الأن فقط يمكنها القول إنها سعيدة، من اعماق قلبها سعيدة .
ابتسمت تبصر شريط حياتها منذ قابلت سالار يمر في المرآة امامها، منذ تلك اللحظة التي كانت تجلس في الاستقبال حتى تعود صديقتها وابصرت جسدًا يخيم عليها، وملامح صهباء مبهرة تطل أمام عيونها، ورجل ينظر لها بشكل لا تفهمه، ومن ثم أخرج من فمه اغرب جملة قد تسمعها في حياتها ..
” جلالة الملكة، بحثنا عنكِ في كل مكان حتى كدنا نفقد الأمل في العثور عليكِ، والآن وحينما علمنا من الكرة أنكِ بهذا العالم، جئنا على وجه السرعة لأخذك لملكنا ”
أطلقت تبارك ضحكات صاخبة غير مفهومة لمن حولها، وهي تشعر أن الزمن مر سريعًا منذ تلك الجملة الاولى منه وحتى الجملة الأخيرة له وهو يخبرها بشأن زواجهما، يا الله لا تصدق أنها ذلك الوقت كانت ستدفع أي شيء لتهرب منه، الآن هي على استعداد لدفع عمرها بالكامل لأجل كل ثانية جواره .
نظرت كهرمان صوب تبارك تبتسم وقد ادمعت عيونها بتأثر لتلك النظرات السعيدة في عيون تبارك، هي حتى الثانية السابقة كانت تشعر بالخوف مما يحدث حولها والتردد، لكن تلك النظرات في أعين تبارك جعلتها تتنفس الصعداء مبتسمة واخيرًا .
استدارت لها تبارك تقول ببسمة واسعة :
” كيف أبدو ؟؟”
ابتسمت لها كهرمان تجيبها بحنان شديد وكأنها تراقب ابنتها تُزف ورغم معرفتها القصيرة لتبارك، إلا أنها تدرك أي نوع من الأشخاص الأنقياء هي :
” وكأنكِ خُلقتي لتكوني عروس تبارك ”
اتسعت بسمة تبارك أكثر وكأن بسمتها يمكن أن تكون أكبر، فجأة سمع الاثنان صوت الحارس المخصص لغرفة تبارك والتي لم تتغير منذ جاءت يطلب الأذن بدخول بعض النساء لها .
أذنت له تبارك رغم أنها أخبرت الجميع أنها تستطيع تولي أمرها بمساعدة كهرمان فقط ..
فُتح الباب ليطل عليها برلنت التي كانت تسند زمرد والتي تسير بصعوبة كبيرة تقول بحنق :
” برلنت هل أنتِ حمقاء ؟؟ ابعدي يدك عن معدتي يا امرأة، يا ويلي لا ينقصك سوى أن تضغطي على جرحي مباشرة ”
زفرت برلنت وهي تبعد كفها قدر الإمكان عن جرحها تمسك بها بغيظ :
” أقسم إن سمعت منكِ كلمة تذمر واحدة إضافية سألقي بكِ ارضًا ”
اتسعت أعين كهرمان مما ترى :
” ما الذي جاء بكما هنا ؟!”
رفعت زمرد عيونها صوب كهرمان بحنق وغضب :
” ماذا ؟! تريدين حضور الزفاف وحدك، ونحن ملقيات على فراش المرضى في المشفى ؟! أنتِ حقيرة كهرمان ”
صُدمت كهرمان من كلمات زمرد تقول :
” ماذا قلت أنا ؟! أنا فقط متعجبة أنكم تركتم الفراش بهذه الحالة، يالله ستحضرون الزفاف بهذه الهيئة ؟!”
نظرت زمرد لنفسها إذ كانت ترتدي ثوب من اللون الاخضر الباهت مع بعض الاشغال اليدوية البيضاء فقد كان ثوبًا بسيطًا، لكنه جميل، ومن ثم نظرت لبرلنت التي ترتدي فستان من اللون الأزرق الباهر والذي اشتراه لها تميم سابقًا تقول بحنق :
” معها حق، بالله عليكِ برلنت ما هذا الثوب البشع الذي ترتدينة ؟!”
اتسعت أعين برلنت وهي تنظر صوب الثوب الذي ترتديه تصرخ بحنق :
” اياكِ، بل إياكم جميعًا أن يوجه أحدكم كلمة واحدة لثوبي العزيز والذي أحضره لي تميم بنفسه ”
” لهذا أخبرك أنه بشع، يا امرأة كيف ترتدين ثوب بذوق رجالي؟؟”
حدجتها برلنت محذرة إياها أن تتمادى، لكن زمرد لم تهتم، وهي تتحرك ببطء صوب الفراش كي تتمدد عليه وتريح جسدها قبل أن ينهار مطالبًا بالراحة .
وبرلنت تقف في منتصف الغرفة مصدومة من كلمات زمرد التي اصلحتها كهرمان بسرعة :
” يا ويلي ليس هذا ما قصدت حين أشرت لهيئتكما، كنت اقصد الشحوب والتعب الواضح على ملامحكما، وبرلنت لا تهتمي لكلمات زمرد هي تستفزك فقط، ثوبك في غاية الجمال والرقة، اتضح أن تميم يمتلك ذوقًا رفيعًا ”
ابتسمت برلنت بسمة واسعة وهي تستدر صوب تبارك تهم عليها بالمباركة والقبلات وتبعتها زمرد بذلك تهمس لها بلطف لا يناسب الشخصية التي تدعيها أمام الجميع :
” أنتِ تبدين في غاية الرقة تبارك، مبارك لكِ ”
” اشكرك حقًا زمرد، وجودك في عقد قرآني رغم جروحك يعني لي أكثر مما تظنين حقًا ”
ابتسمت لها زمرد بسمة واسعة وقد بدأت كهرمان تعود لعملها في تجهيز تبارك وهي تردد :
” حسنًا كفانا تلكئًا يا نساء ودعونا نكمل تجهيز العروس قبل أن يفرغ الجميع من صلاة الظهر ”
___________________
في المسجد الخاص بالقصر .
كان الجميع مصطف لأداء الصلاة بنفسٍ خاشعة مستقرة مطمئنة لجوار ربها، وبعدما فرغوا دار سالار بعيونه في المكان بأكمله يتأمل المصليين براحة شديدة، ثم خر ساجدًا لربه يشكر نعمه التي أنعم بها عليهم، وأن ابدلهم خوفهم امنًا .
فجأة شعر بيد تربت على كتفه :
” مرحبًا بالعريس ”
رفع سالار رأسه صوب المتحدث ليبصر آزار الذي استقبله بالاحضان والبسمات، يضمه له بحب شديد وهو يربت أعلى ظهره مرددًا :
” مبارك يا بني، الحمدلله الذي أحياني ليوم أراك به وقد كوّنت اسرتك ”
ضمه سالار بحب شديد يهمس بصوت خافت :
” خالي العزيز، اشكر وجودك اليوم جواري ”
” وكيف لي أن افوت يومًا كهذا اليوم، بالله لو كانت حربٌ لأجلتها لأجل زواجك”
ابتسم له سالار يبتعد قليلًا مرددًا :
” وأنا ما كنت لانعم بزواجي وأنت تُحيي حروبك ملك آزار، لشاركتك بها بروحي ”
ابتسم له آزار بتأثر يهمس من بين دموعها المتلألئة :
“عوضني الله بك عن بذرتي الفاسدة سالار، ادامك الله لي وقر عيني برؤية صغارك يا بني ”
ابتسم له سالار بحزن شاب نظراته وقد علم أن آزار ما يزال يستثقل ما فعل نزار، وهو يقدر كل ذلك، ففي النهاية هذا ولده الذي رباه واعتنى به، لذا قرر في نفسه الانتهاء من الزفاف، ومن ثم سيتدخل ليساعد خاله بكل ما يملك لتمر تلك الفترة الصعبة عليه .
أبصر سالار أرسلان الذي خطى للمسجد يخلع نعله، ثم وضعه في مكانه المخصص يتحرك صوب سالار مبتسمًا فاتحًا ذراعيه :
” لو أخبرني أحدهم أنك ستكون أول من يتزوج بنا، لكذبته وسخرت منه ”
أطلق سالار ضحكات صاخبة يستقبل احضان أرسلان بالمثل :
” العقبى لك أرسلان، عسى أن تجد من تجرك جرًا صوب الزواج يا اخي ”
ابتسم أرسلان يربت على ظهره متحدثًا بنبرة ممازحة :
” خسئت، لم تُولد بعد من تجر أرسلان صوب مصيرٍ لا يرتضيه، بل أنا وإن اردتها جررتها صوب ما ابتغيه”
ابتعد عنه سالار ضاحكًا :
” في النهاية النتيجة واحدة ”
هز أرسلان رأسه:
” ربما، لكن لا اعتقد أن هذا قريب ما يزال عليّ الانتهاء من الكثير من الأمور قبل التفكير والانشغال بذاتي ”
صمت يتنهد بصوت منخفض، ثم نظر حوله يقول :
” سأذهب لأرى أين هو إيفان واعود لك ”
هز سالار رأسه وقبل رحيل أرسلان تساءل :
” هل قضيت صلاة الظهر، إذا أردت يمكنك الصلاة بالغرفة الجانبية بعيدًا عن الضوضاء ”
” اقمتها بطريقي مع الرجال سالار ”
هز له سالار رأسه يراه يتحرك صوب إيفان يدرك في قرارة نفسه أنها مسألة وقت وتشتعل الحرب بينهما على الأميرة .
هز كتفيه ببسمة يتحرك غير مهتمًا لكل ذلك :
” الاهم أن يحدث هذا بعد عقد قرآني..”
نظر حوله يبحث عن أحدهم، حتى وقعت عيونه عليه ليقول بصوت عالي يرفع يده مناديًا ذلك الشخص :
” عم شهدان…”
توقف العريف والذي كان على وشك التحرك صوب شيخ المسجد للتحدث معه، ثم غير طريقه صوب سالار مبتسمًا:
” تبدو وسيمًا بهذا الثوب سالار ”
نظر سالار لنفسه إذ كان يرتدي ثياب من اللون البني الغامق، ثم رفع عيونه لشهدان يقول بجدية وبسمة :
” شكرًا لك يا عم، احتاجك في خدمة ”
نظر له العريف بفضول ليقترب منه سالار هامسًا ببعض الكلمات له في أذنه، وهو يشعر أنه لم يعد قادرًا على التحمل أكثر، ليحضروها وينتهوا من كل ذلك ..
_________________
كان إيفان يقف على أحد الجوانب يضم يده لصدره يراقب كل شيء حوله بأعين متفحصة منتظرًا بدء مراسم عقد القرآن، وفجاة سمع صوتًا جواره يهتف :
” مولاي .”
زفر إيفان بحنق مصطنع، ثم استدار لدانيار يقول :
” ماذا دانيار ؟! ”
ضغط دانيار على شفتيه بغضب شديد يمنع نفسه الرد القاسي لعدة أسباب أهمها أنه الملك وشقيقها والذي لا يصدق حتى الآن كيف نال تلك المكانة .
” كنت فقط أود التحدث معك بشأني أنا وزمر….”
” الأميرة زمرد دانيار، ولا تجمع أختي معك في جملة واحدة رجاءً، فهي امرأة غريبة عنك ولا يجوز لك أن تحل لنفسك ذكرها دون حدود بهذا الشكل ”
ضيق دانيار عيونه بسخرية وغضب شديد ولم يكد يتحدث كلمة حتى قال إيفان متعمدًا استفزازه :
” والآن أخبرني ما تريده من أختي لأن الزفاف سيبدأ ”
همس دانيار في نفسه بعدة سبات لا يعلم لمن يوجهها؟! لنفسه التي نبذت زمرد دون وعي وقد كان من الممكن الزواج منها قبل كل ذلك، ام يسب زمرد التي كانت في غاية سعادتها منذ ساعات حين واجه الملك، أم الملك نفسه الذي يلعب دور والد العروس ويعرقل كل محاولاته لها .
” مولاي أنت تعلم ما اريد من اختك، اريدها هي لتصبح زوجتي ”
نظر له إيفان ثواني قبل أن يقول بجدية :
” لا اعتقد أن الموقف والمكان مناسبين لمثل هذه الأحاديث دانيار، لكن اختصارًا لجهودك فأختي ليست فتاة عادية، ولا اقصد بهذا أنها أميرة أو غيره فأنا لا انظر لمثل تلك الأمور الغبية، وأنت في النهاية لست بمكانة متدنية، أنت بالفعل قائد الرماة، أي تمتلك مكانة كبيرة داخل القصر، لكن كل ما في الأمر …”
صمت ينظر لاعين دانيار الذي انتبه بكل حواسه له، ثم قال ببساطة شديدة وبكلمات ينهي بها هذا النقاش في الوقت الحالي :
” أختي أميرة لن ازوجها سوى لمن يحنو عليها، ويدللها كما ادللها أنا، وبما أنه لا يوجد أحدهم قد يحنو عليها مثلي أو يدللها كما أفعل، فلن تتزوج على أية حال، انتهى النقاش دانيار ”
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن دانيار الذي اتسعت عيونه وفغر فاهه بصدمة كبيرة مما سمع، وشعر بنيران تشتغل في صدره هامسًا لشدة غضبه :
” اللعنة عـ …استغفر الله العظيم، الآن صدقت أنها شقيقتك فلا أحد يستطيع إثارة جنوني كما تفعلون، ليخرجني الله سالمًا من بينكما ”
بينما إيفان تحرك في المسجد صوب سالار ليطمئن أن كل شيء يسير على ما يرام، لكنه خلال ذلك قابل أرسلان الذي أوقفه يقول بجدية :
” جيد أنني وجدتك قبل انشغالك إيفان، أردت فقط اعلامك أنني سآخذ كهرمان معي اليوم بعد نهاية عقد القرآن، هذا في حالة لم استطع اخبارك قبل رحيلي، للعلم فقط ”
نظر له إيفان بأعين متسعة وقلب مضطرب وكأنه لم يكن يعتقد أن هذا اليوم سيأتي أبدًا، وكأنه آمن أنها ستظل جواره للنهاية، ابتلع ريقه يرفع عيونه صوب أرسلان الذي كان يتحدث بكلمات مشوشة لم تصل له وكأنه كان يتحدث من على بعد أميال، فقط لا يرى سواها وهي تبتعد عن القصر تاركة إياه يتلمس أثرها بعد رحيلها..
نطق فجأة من بين أفكاره:
” لا ”
توقف أرسلان عن الحديث يقول بعدم فهم :
” لا ؟؟ لن تعطيني صفقة الأسلحة ؟!”
نظر له إيفان بأعين محتارة لا يفهم ما يقول :
” ماذا ؟؟ أسلحة ماذا ؟!”
” أنت ما الذي تقوله إيفان، هل أنت واعي لما قلت منذ ثواني ؟؟ كنت أخبرك أنني أريد شراء صفقة أسلحة لتمويل جيشي بها وأنت فجأة قلت لي لا، ما معنى لا هذه أيها القذر ؟!”
رمقه إيفان بحيرة لا يدرك ما يحدث حوله في اللحظة التي تقدم منهم دانيار يقول ببسمة متسعة وقد وصل له ما قيل :
” مرحبًا ملك أرسلان، أنرت سفيد بوجودك ”
ابتسم أرسلان يرحب بدانيار الذي رمى إيفان بنظرة جانبية يقول وقد أدرك سبب حالته فجأة :
” إذن سترحل مع الأميرة كهرمان ؟!”
” نعم أنا فقط تركتها لأجل البقاء مع رفيقتها المريضة، والآن عليها العودة لبلادها والاستقرار بها ”
اشتعلت أعين إيفان وازدادت سعادة دانيار بهذه النظرات وكأنه سعيد أن انكوى إيفان بنفس النيران التي اشعله بها منذ ثواني .
” خيرًا ما ستفعل ملك أرسلان، تصحبكم السلامة ”
نظر له إيفان بشر فابتسم دانيار يقول :
” هذا القائد يشير لي هناك ؟! اعذروني عليّ الرحيل”
تحرك مبتعدًا بينما عاد أرسلان لإيفان يقول بحاجب مرتفع وصوت جاد أجش :
” ستعطني الأسلحة أم لا إيفان ؟!”
نظر له إيفان وكم ود لو يخبره أن يأخذ أسلحته كلها ويترك له الأميرة …
_____________________
طرقات صغيرة على الباب أدت لانتفاضة جسد تبارك خاصة أنها كانت متحفزة بشكل كبير بعدما سمعت اصوات انتهاء الصلاة في الخارج .
تحركت كهرمان لفتح الباب فقابلت العريف الذي ابتسم لها يقول :
” مرحبًا بسمو الأميرة ”
نظرت له كهرمان ببسمة اختفت خلف لثامها ترحب به :
” مرحبًا بك أيها العريف ”
” إذن هل العروس جاهزة ؟؟”
نظرت له كهرمان بحيرة لثواني قبل أن تومأ بإيجاب :
” نعم هي كذلك في الداخل ”
تنحنح العريف يقول :
” إذن هل لكِ أن تناديها ؟! فأنا من سيقودها صوب زوجها ”
ورغم تعجب كهرمان إلا أنها تحركت للداخل صوب تبارك المرتعبة تقول بصوت حنون مساند :
” تبارك، هيا عزيزتي حان الوقت .”
انتفض جسد تبارك تقول بتوتر شديد :
” هل سالار بالخارج ؟!”
رمقتها زمرد بتعجب تقول :
” يا ويلي الفتاة مرتعبة، هل تُقاد لذبحها أم ماذا ؟؟ هل اجبرك ذلك الرجل على زواجه ؟؟”
نظرت لها تبارك برفض ولم تكد تتحدث حتى قاطعتهما كهرمان بتأفف :
” دعكِ منها تبارك واهدأي الأمر ابسط مما يكون سوف تتحركين صوب المسجد وهناك سيعقد الشيخ قرآنكما وانتهينا، ولا ليس سالار من بالخارج بل هو العريف من جاء لاخذك”
رددت تبارك وهي تتحرك صوب الباب بتعجب :
” العريف ؟؟”
ابتسم العريف حين رآها تطل عليه ليقول مبتسمًا :
” مرحبًا يا ابنتي، تبدين في غاية الجمال ”
رمقته تبارك بنظرات متعجبة، فمن أمامها ليس نفسه العريف الذي يمقت جميع البشر، بل يبدو انسانًا طبيعيًا، ثواني قبل أن تتلاشى تقضيبتها وتتحول لبسمة واسعة .
” شكرًا لك يا عم ”
اتسعت بسمة العريف بشكل جعل تبارك تتعجبها، فهي المرة الأولى لها التي تبصر بها هذه البسمة على وجه العريف، وهو تقدم منها يقول :
” الشخص الوحيد الذي يناديني عم هو سالار، والآن سأتقبلها منه، فأنتِ خليلته ونصفه الآخر في النهاية، صحيح ؟!”
ارتجف جسد تبارك جراء تلك الكلمات التي خرجت من العريف بتلقائية، وابتلعت ريقها تراه يقف جوارها على بُعد مناسب يشير للطريق قائلًا :
” هل تمنحيني شرف اصطحابك صوب المسجد وازفك بنفسي لولدي ؟!”
اتسعت أعين تبارك وشعرت بقلبها يرتجف وعيونها تمتلئ دموع دون شعور، تنظر صوب الفتيات وقد ابتسم الجميع لها بتشجيع، ابتلعت غصة استحكمت حلقها دون شعور تقول بصوت خافت :
” لي الشرف يا عم ”
ابتسم العريف يشير لها بالتحرك جواره، وبمجرد خروجهم من الجناح وجدوا صفين من النساء بسلات الزهور التي بدأت تتناثر فوق رأس تبارك والتي كانت تلتفت يمينًا ويسارًا بذهول لتسمع صوت العريف يقول :
” لم يستطع سالار أن يصنع لكِ زفة ملكية من الجنود وهو ليس بزوجك بعد، لذا اقترح عليه الملك فعل هذا و….”
صمت يقول بمزحة صغيرة :
” اعتقد أن إيفان يمتلك بعض الذوق في النهاية ”
ضحكت زمرد في الخلف وهي تسير مع الفتيات خلف تبارك والعريف، تغمز لكهرمان :
” نعم انت محق الملك يمتلك الكثير من الذوق، لكن البعض مصر على التعامي عن الأمر ”
اشتعلت وجنتي كهرمان تحدق في وجه زمرد بتعجب شديد، فهي بالأمس كانت تلعن بجميع الرجال واليوم تكاد تطلق اشعارًا في حق الملك .
وزمرد التقطت حيرتها تلك وقالت :
” سأخبركم بكل شيء بعد عقد القرآن، الآن لنهتم بتبارك فقط ”
وبالفعل سار الجميع خلف تبارك والتي كانت تشعر أنها تعيش أحلام اليقظة الخاصة بها، بل إن الواقع تجاوز بكثير أحلامها، فمتى رأت هي أحلامًا بهذه الروعة إذا استثنينا أحلامها بسالار، فنعم هذا اجمل من جميع احلام يقظتها وتخيلاتها ليوم زفاف .
كانت أقصى أحلامها أن تنال فارسًا يصنع لها زفاف صغير بينهما بعيدًا عن نساء حارتها والتي لم تكن لتسلم لسانهم حتى يوم زفافها .
في هذه اللحظة وصلت تبارك للساحة أمام المسجد، تحركت بقلب وجل صوب الداخل تتذكر الآن فقط ما شعرت به برلنت وهي تحاول طمئنتها .
وبمجرد أن رأته يقف يتوسط الجميع في المسجد حيث افرغوا لهم المكان بأكمله واختفت النساء خلف الستار شعرت بقلبها يسقط في قدمها وهي تدرك في هذه اللحظة، أنها لم تنل فارس أحلامها المعهود …
بل نالت قائد جميع الفرسان .
ابتسم لها سالار بسمة حنونة لطيفة وهو يشعر أن خطواتها تلك، تخطوها فوق قلبه، رفع عيونه ببطء لها يحاول التنفس بشكل طبيعي، يحاول الاحتفاظ بصورته المعهودة أمام الجميع، حاول وحاول حتى أدرك أنه فشل، فابعد عيونه ببطء عنها صوب الجميع يبتسم لهم يتلقى بسمتهم بطيب نفس، ونظرات إيفان له كانت تعني له الكثير، فقد كان يبدو كمن يشاهد زفاف ولده ..
وفي نفسه كان سالار يدين بسعادته هذه لله ومن ثم إيفان الذي غفر له كل شيء، بل وسارع لمساعدته حتى ولو على حساب نفسه، وهذا يذكره أنه يدين بالكثير لإيفان.
تحرك واخيرًا بعيونه عن العالم حوله صوب عالمه الخاص الذي توقف واخيرًا أمامه برأس منخفضة، ابتسم ولم يتحدث بكلمة حين بدأ صوت الشيخ يصدح لينتبه له الجميع وهو هز رأسه بتحية صغيرة يتركها تتحرك مع النساء خلف الستار، ثم تحرك ليجلس مع الرجال ليتم عقد القرآن..
تحرك العريف يقول بصوت هادئ ردًا على تسائل الشيخ :
” أنا وكيل العروس يا شيخ ..”
وتحرك آزار ليساند ابن شقيقته وكذلك أرسلان وإيفان وتميم ودانيار ومهيار، تحرك الجميع صوب سالار الذي جلس على ركبتيه ارضًا أمام العريف والذي كان يعيش في هذه اللحظة اسعد لحظات حياته .
بدأت كلمات الشيخ تعلو في المسجد حول الزواج وخطبته المعهود، وتبارك تجلس خلف الستار تسمع نفس الكلمات التي ترددت منذ يوم فقط، لكن في هذه اللحظة كانت تشعر بها تلامس قلبها من الداخل، دقائق حتى بدأ الشيخ يبدأ مراسم عقد القرآن وحين بدأ صوت سالار الاجش والذي كان قديمًا يخيفها، يصدح في المكان بكلمات ستربطهما البقية من عمرهما شعرت بنبضات صدرها تنتفض على وقع كلماته حتى وجدت العريف يقترب منها مع أرسلان وإيفان يسألونها الموافقة .
وهي ما استطاعت سوى نطق كلمة خافتة تنظر ارضًا بخجل شديد :
” موافقة ”
ومن بعد هذه الكلمة اختفى الجميع مجددًا واختفت جميع الاصوات من أذن تبارك عدا صوت ضربات قلبها المرتفعة، وصوت الشيخ الذي أعلنها أمام الجميع :
” بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير ”
وبعد هذه الكلمات لم تسمع تبارك سوى صوت المباركات حولها ولم ترى سوى كهرمان التي سحبتها بهدوء شديد لا تدري إلى أين، لكنها سارت خلفها تتقبل التهاني ببسمة واسعة، ترى الجميع ينظر لها بسعادة وحب، نظرات كانت تحتاجها أكثر من أي شيء في حياتها .
وبعد خطوات لا تدري عددها وجدت تبارك نفسها في إحدى الغرف التي لا تدرك هويتها ولم تمر ثواني حتى سمعت صوت الباب يُفتح وهو يطل عليها بهيئته التي سحرتها طوال الوقت، يتقدم منها خطوات جعلتها تشعر أنها ستنهار إن اقترب خطوة إضافية .
وسالار وكأنه تفهم نظراتها تلك فتوقف مبتسمًا يقول بصوت منخفض :
” مرحبًا مولاتي ”
وصوته في هذه اللحظة كان أقرب ما يكون لاحلامها، بل هذا المشهد بأكمله وهذه النظرات والبسمات وكأنها تحيا أحلامها..
” أنت… أنت..هل أنا مازلت احلم ؟!”
رفع سالار حاجبه بتعجب لتهمس دون وعي :
” أنت كما …..تمامًا كما كنت في أحلامي”
اتسعت أعين سالار بصدمة كبيرة لهذه الكلمات قبل أن تتلاشى الصدمة ويحل الإدراك ويتذكر كلمات جارتها تلك عن رجل أحلامها وكلماتها هي سابقًا، فابتسم دون وعي يهمس لها بصوت جعلها ترتجف مستوعبة ما قالت :
” يسعدني الآن معرفة أن زائر احلام امرأتي لم يكن غريبًا عنها، بل كان أنا….”
_______________________
انفض الجميع عن المسجد وذهب كلٌ لعمله سعيد مبتهج بهذه الأحداث التي تدور في المملكة بعد حربٍ كادت تودي بالجميع ..
وهناك حيث كان يتوسط طاولة الاجتماعات مع الجميع عدا سالار بالطبع والذي استثناه هذا اليوم من مهامه، سمع إيفان صوت الحارس يعلن وصول الملك بارق ..
تقدم بارق من الجميع ببسمته المعهودة ونظرات هادئة :
” مرحبًا بالجميع، إنه لمن السار رؤيتكم هكذا دون قتال كعادتكم”
أطلق آزار ضحكات مرتفعة يقول :
” ربما لأن الشخص الذي كان يشعل الشجارات كل مرة مشغول الآن مع عروسه ”
هز بارق رأسه يجلس على مقعده الذي تركه إيفان فارغًا لأجله :
” نعم وبخصوص هذا، مبارك لسالار واعتذر أنني تأخرت، لكن ابنتي كانت مريضة بعض الشيء واضطررت للبقاء جوارها حتى اطمئن ”
ردد أرسلان بصوت خافت مؤازر :
” شفاها الله وغفاها ملك بارق، عسى ألا يريك الله سوءًا في أحبتك ”
” اشكرك أرسلان ولك بالمثل إن شاء الله ”
ابتسم إيفان لحالة الود تلك يقول :
” إذن بما أن الجميع هنا في هذه اللحظة، دعوني ابدأ حديثي بشكركم لتكبدكم عناء المجيء لمملكتي وتشريفكم لي بالحضور ”
صمت ينظر في الوجوه ثم استرسل في حديثه :
” لكن الأمر جد مهم ليعلمه الجميع ”
انتبهت جميع الحوار ودار إيفان بعيونه بين رجاله والعريف وجميع من حضر من طرفه يقول :
” تميم ارسل أوامره بالفعل لتكثيف العمل في مصانع الاسلحة، وسنرسل لارسلان وجميع الممالك ما يكفيهم من الأسلحة بعدما أُستهلكت القديمة في الحرب بالفعل، أما فيما يخص الحرب الأخيرة فلا اعتقد أن هناك حديث يُقال بشأنها وقد وفقنا الله بها، لكن …”
صمت يتنفس بصوت مرتفع ليقاطع أرسلان ما يود قوله هو ويضيف :
” بافل …”
ابتسم له إيفان وقد كان سعيدًا أن أرسلان أدرك ما يريد دون الحاجة للحديث :
” بالضبط، بافل هذا الحقير ما يزال حيًا وأكاد أجزم أنه لن يصمت عما حدث له ولقومه في المعركة الأخيرة وسيعود، والخوف كل الخوف أن يعود دون شعورٍ منا، لذا نحن لن نرخي دفاعاتنا البتة وسنظل في حالة تحفز ليل نهار حتى نتخلص منه ونتأكد أنه لم يعد موجودًا ”
اشتعلت أعين أرسلان بقوة يهمس من أسفل أسنانه :
” ومن أخبرك أنه قد يهنأ لي بالٌ أو يرف لي جفنٌ وهذا القذر حيٌ يرزق؟! لقد دمر بلادي وقتل أبناء شعبي وخرب حياة الاحياء منهم و…قتل أمي وجميع نساء العائلة، ولولا فضل الله عليّ وتلك الفتاة التي ساعدت كهرمان لكنت فقدت اخر من تبقى لي من عائلتي ”
ارتجف جسد إيفان لثانية يبتلع ريقه لهذه الخاطرة البشعة التي مرت به، لولا رحمة الله به لكان عاش هائمًا المتبقي من عمره يبحث عن نصفه المفقود دون أن يعي أنه بالفعل خسره .
انتفض على هذه الخاطرة وهو يسمع صوت أرسلان يقول :
” اقسم أنني لن اصمت حتى أحضره أسفل أقدامي، سأريه من جحيمي ألوانًا لذلك القذر ”
ختم حديثه يضرب الطاولة بشدة، حتى أن إيفان ظن أنها تحطمت، لولا أنه لم يبصر شقوقها بعيونه .
تنهد يقول :
” نجده ثم نرى من سيتخلص منه، فأنا كذلك امتلك ثأري الخاص معه ”
نظر له أرسلان بغضب ورفض أن يشاركه أحدهم ثأره، قبل أن يقول مقترحًا :
” نقسمه بيننا ”
رمقه إيفان ثواني يبحث عن لمحة مزاح تعلو وجهه، لكنه كان جادًا بشكل مرعب جعل إيفان يطلق ضحكات صاخبة :
” يا الله أنت حقًا مختل ”
تنهد بصوت مرتفع ثم مسح وجهه يقول وهو يوجه حديثه لبارق تحديدًا :
” حسنًا سنعتمد فكرة تقسيمه حتى نجده، والآن الجزء الآخر من الاجتماع ”
شعر بارق من نظرات إيفان أن هناك شيء لن يعجبه سيحدث، وقد كان .
” الملكة شهرزاد ”
اشتدت ملامح بارق التي كانت طوال الوقت هادئة، واستحال لون وجهه للأحمر حين سمع اسمها .
انتبه آزار لنظراته تلك يقول بصوت هامس في أذن أرسلان :
” يا ويلي تلك الحرباء هي الشخص الوحيد الذي يستطيع اخراج بارق عن طور هدوءه ”
ابتسم ارسلان يردد بصوت خافت :
” النقطة السوداء في صفحة بارق ناصعة البياض ”
تنفس بارق بصوت مرتفع يقول دون أن يبتسم كعادته :
” ما الذي فعلته هذه المرة ؟!”
نظر له إيفان ثواني لا يدرك أيجب قول ما يريده أمام الجميع هكذا ؟! لكن ما سيقوله مهم للجميع، وسيمهد لهم قراره التالي :
” لقد …لقد قتلت والدتي وأنا اطالبك الآن بالتخلي عن حماية سبز لها لاسقط عقابًا في حقها ”
كلمات كثيرة نطق بها إيفان على مسامع الجميع والتي علت الحيرة رؤوسهم دون فهم لما يُقال والجميع ينتظر تفسير لتلك الكلمات الغامضة، عدا العريف الذي ضم كفيه يتابع ما يحدث بهدوء ينتظر نهاية هذا الحديث .
وبارق انتفض عن الطاولة يصرخ بعدم فهم :
” ماذا قلت أنت ؟! قتلت من ؟! إيفان هل تمزح معي ؟! تتهم والدتك بقتل والدتك !! أي عقل هذا الذي تتحدث به أنت ؟!”
انتفض إيفان في المقابل يتحدث بكلمات هادئة رغم الغضب الكامن بها، لكنه لا يريد أن يجابه الملك بارق والذي يدرك أن هذه المرأة في النهاية من عائلته، وحسب قوانين الممالك لا يمكن أخذ قرار في حق مواطن من مملكة أخرى إلا بعد أن ترفع المملكة الأخرى حمايتها عنه وتتركه لصالح المملكة التي أساء لها وهي من تعاقبه، وشهرزاد ليست مواطن عادي في سبز، بل أميرة من الأسرة الحاكمة .
” هذه المرأة ليست والدتي ولا يشرفني أن أحمل اسمها بأي شكل من الأشكال ”
اشتعلت الأعين بالجهل وبارق نظر حوله بوجه احمر وقد اتقدت عيونه يحاول أن يهدأ :
” أنت لا تحسن الأمور بتحدثك هكذا وبهذه الالغاز إيفان، تحدث بشكل مباشر كي لا يتولى الشيطان الأمور في عقلي ”
تنهد إيفان يقول بصوت جامد وكأن لا مشاعر به :
” ابنة عمك ليست والدتي ملك بارق، بل كانت الملكة آمنة رحمة الله عليها ”
اعتدل أرسلان في جلسته وقد تحفز جسده لما يسمع بينما عم صمت قاتل على الجميع وبارق يحاول معرفة ما يقصد إيفان، والذي ابتسم يكمل دون الحاجة لطلب أحدهم لذلك :
” الأميرة شهرزاد هي من استبدلت ابنتها الرضيعة بي حين ولدتني أمي، وادعت أنها أمي، وهي نفسها من دبرت للهجوم الذي قُتلت به أمي وأختي من أبي وكاد أبي يُقتل به، كل ذلك لتتخلص من آخر شيء يربطني بوالدتي ”
اتسعت أعين بارق وهو لا يصدق مقدار الحقارة الذي وصلت لها ابنة عمه، يهمس بملامح مصدومة :
” أنت… أنت هل …هل أنت متأكد مما تقول ؟!”
هز رأسه يضيف ببسمة كارهة مشمئزة :
” ليس ذلك فقط بل تحالفها مع المنبوذين ذلك الوقت ودخولهم للملكة أتاح لهم الهجوم على كوخ الأمير جوبان وقتله هو وزوجته، ولولا رحمة الله لكان الأمير سالار ضحية لهم، أي أنها بشكل غير مباشر تسببت في مقتل فردين آخرين غير والدتي وأختي وأخي الجنين الذي رحل مع والدتي ”
انهار بارق على المقعد يحاول ابتلاع كل تلك الصدمات، هو سبق وتبرأ منها، لكنها في النهاية كانت وصية عمه له، ولولا أنه ولرحمة الله به لم يكن نوعها المفضل من الرجال لكانت أصبحت زوجته هو، الحمدلله أن أبعدها عنه، لكن ما ذنب الملك تقي الدين ليقع في شرك تلك الشيطانة ؟؟
‘ أنا لا ..لا أصدق أن الحقارة وصلت بها لهذه الدرجة، يا الله هذه المرأة…مخيفة بحق، أنت كيف سمحت لها بالعيش كل ذلك الوقت تحت سقف القصر هنا ؟؟:”
تنفس إيفان بصوت مرتفع :
” للاسف منذ معرفتي بالأمر كنت احاول الإيقاع بها، لكنها كانت حقيرة لدرجة أن أخفت كل الأدلة التي يمكنني إدانتها بها أمام الجميع، لقد أغلقت في وجهي جميع الحجج التي تسمح لي بمعاقبتها، لا استطيع الوقوف أمام شعبي وتوجيه اتهامات فارغة دون دليل، فهي لن تصمت وسترد كلمتي بعشرة ولن استفاد سوى أنها ستصبح أكثر حذرًا ”
تحدث أرسلان بصوت غاضب يضرب الطاولة وكأن الغدر اصابه هو لا إيفان :
” بالله عليك إيفان، دع التعقل جانبًا، بالله لو كنت أنا لاخذت قصاصي منها بأسوء الطرق التي قد تطرأ على رأس إنسان ”
نظر له إيفان بأعين شبه ميتة :
” لكلٍ طريقته في الانتقام أرسلان ”
همس بارق بصوت يحمل خزيًا وعارًا لارتباط تلك المرأة به ولو بالاسم :
” إذن ما الذي جعلك تغير رأيك وتخبرنا بكل ذلك بعد هذه الفترة ؟!”
وكانت الإجابة من إيفان كلمة واحدة :
” أمي آمنة ”
نظر له الجميع بجهل ليوضح لهم بصوت خافت مكسور :
” لقد اكتشفت أنها كانت طوال هذه الوقت حية وتُعذب و…اكتشفت أن لي أخت من أمي نالها من العذاب ما يطيح بالجبال وكل ذلك بسبب تلك القذرة التي تسمى نفسها ظلمًا ملكة أم، لذا قصاصي من شهرزاد سيبدأ…”
____________________
لا السيف يفعلُ بي ما أنت فاعلهٌ
ولا لقاءُ عدوّي مثل لُقياك
لو باتَ سهمٌ من الاعداءِ في كَبدي
ما نالَ مِنَيَ ما نالتْه عيناك…..
«المتنبي»
تراجعت تبارك للخلف بصدمة كبيرة تضع يدها على فمه تحاول إدراك ما تحدثت به، كيف خرج كل ذلك من فمها، ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض :
” أنا لم … أنا فقط ..”
صمتت ولم تجد ما تقوله بعدما اوقعها لسانها في هذا الموقف وسالار ابتسم يقترب منها ببطء للتراجع هي الخطوات السابقة بالمثل وقد نسيت للحظات أنها الآن تقف أمام زوجها ..
” توقفي عن العودة للخلف ”
توقفت تبارك بالفعل وكأنها كانت تنتظر أمره، ليضحك عليها سالار ضحكة قصيرة يقترب منها خطوات إضافية تقربه من حلمه المستحيل الذي تحقق .
” تبدين … في غاية الـ …”
توقف عن الحديث مجددًا وكأنه يعاني مشاكل في اختيار كلماته، قبل أن يبتسم قائلًا ببساطة :
” تبدين تبارك ..”
رفرفت تبارك برموشها تحاول فهم ما يقصد، وقد تلاشى فجأة الخجل الذي كان يحيطها تقول :
” معذرة ؟! ما الذي تقصده بأنني أبدو تبارك ؟؟ وهل كنت أبدو لك سابقًا العريف !!”
حدث بها سالار ثواني قبل أن ينفجر في الضحك بصوت مرتفع جعلها تبتسم دون شعور منها وهو حاول التحدث، لكن بالنظر مجددًا لوجهها المبتسم بشرود وسعادة جعل ضحكاته تزداد وهو يقترب منها يمسك بيدها وقبل أن تفهم ما يحدث جذبها سالار لاحضانه يردد بعد هدوءه من تلك الموجة التي أصابته :
” أنا فقط لا أجد تصنيفًا للجمال افضل منكِ، لذلك أنتِ تبدين تبارك ”
صمت يضمها أكثر هامسًا، دون انتباهه لصدمتها من جملته :
” مرحبًا بكِ في مملكتك مولاي ”
ارتعش جسد تبارك لثواني قبل أن تستكين بين أحضانه هامسة:
” أنا لست ملكـ …”
” ربما لستِ ملكة في سفيد، لكنكِ كذلك في قلبي ”
ختم حديثه يطبع قبلة صغيرة أعلى وجنتها جعلتها تنتفض للخلف وهو ابتسم لها بحنان يمد يده لها مجددًا يدعوها للعودة إلى أحضانه، وهي نظرت له بصدمة :
” أنا آسفة، فقط شعرت بالـ ..”
قاطعها مجددًا :
” اقتربي تبارك، هل ما تزالين تخشيني ؟؟”
نظرت تبارك ليده، ومن ثم لعيونه قبل أن تمسك يده تطيل النظر به هامسة دون وعي :
” ربما كنت أفعل في البداية، فما احتمال أن يقفز رجل ضخم ذو خصلات حمراء وبأعين خضراء ووجه وسيم أمام عيونك في حياتك المملة البائسة يخبرك أن الجميع ينتظرونك في المملكة ؟؟”
ابتسم سالار يقول بصوت حنون :
” ربما حينها كنت اقصد بالجميع، أنا وقلبي ”
نظرت تبارك لعيونه لا تصدق أن من ينطق تلك الكلمات هو نفسه سالار، يالله ذلك الرجل كان جبلًا لا يخفض عيونه ولا يتحرك ولا يبتسم، كان جامدًا بشكل غريب، وإن تحدث كان حديثه مقتضبًا وبشدة .
” لكن لا اعتقد أن الأمر أصبح كما السابق، فإن كان البقاء جوارك مرعبًا بالأمس، فاليوم الرعب الحقيقي هو غيابك عن ناظري ”
تأوه سالار وهو يبتسم لها، يرفع يده بتردد وكأنه لم يستوعب بعد أن كل ذلك أضحى حقه، يتلمس وجنتها بحنان :
” يبدو أنني لست الوحيد الذي تحول هنا، ها أنتِ تخرجين كلمات ما ظننت يومًا أنني قد اسمعها منك”
” صدقني مهما وصلت غرابة كلماتي لك، لن تصل لمقدار غرابة الكلمات التي كنت اسمعها منك في احلامي لاستيقظ على واقعك وأنت تصرخ في وجهي ”
شعر سالار بالفضول يملئه وبشدة :
” ما الذي كنت أفعله بالضبط في احلامك ؟!”
ابتسمت تبارك وقالت بصوت منخفض وخجل جعل سالار يرمقها بأعين متسعة مترقبة :
” ربما لاحقًا أخبرك بالأمر ”
نظر سالار حوله ثم ابتسم لها :
” لا بأس لدي حياة بأكملها لاحياها رفقتك ”
شعرت تبارك أن تلك الكلمات تسقط على قلبها وقع الموسيقى وكم أسعدها أن تسمع هذا منه، وهو نظر لعيونها ثواني قبل أن يبتعد خطوات قليلة يخرج سيفه من غمده بشكل فاجئ تبارك، ثم رأته يطيل النظر لها قبل أن يجلس على ركبته أمامها بشكل جعلها ترمقه بحيرة وهو فقط رفع سيفه لها يقول بكلمات بسيطة ونظرات صادقة :
” تستحقينه وعن جدارة مولاتي ”
هل سمعتم يومًا أو شعرتم أن موجة كهرباء أصابت جسدك بالكامل، لأن هذا ما تشعره تبارك في هذه اللحظة وهي تنظر لاعين ذلك الرجل الذي ما انحنى لاعتى العواصف يومًا، والآن يجلس على ركبتيه يقدم لها سيفه الخاص الذي خاض به كل حروبه …
في هذه اللحظة شعرت أن موجة ذكريات اجتاحتها واعادت لها ذكرى بعيدة عن العقل، قريبة من القلب حين كانوا في طريقهم للمملكة، حين كانوا في بداية الحكاية .
” وأنت بتنتصر في حروبك ؟!”
توقف سالار ونظر لها ببسمة صغيرة يقول بثقة كبيرة وفخر أكبر بذاته وما حققه وهو بالكاد بلغ الثالثة والثلاثين من عمره :
” لم أخسر حربًا في سنوات عمري الثالثة والثلاثين”
” ولا واحدة ؟؟”
” ولا واحدة”
نظرت لعيونه بقوة، ثم همست دون وعي تفكر في عقلية ذلك الرجل الذي يستطيع خوض حروبًا ضارية في ظروف قاتلة دون خسارة واحدة حتى :
” ولو حصل وخسرت في يوم حرب، هيحصل ايه ؟؟ يعني ممكن تعيدوا الحرب تاني ولا كده خلاص ؟؟”
حدق بها سالار ثواني قبل أن يطلق ضحكات صاخبة جعلت أعين تبارك تتسع فهذه هي المرة الأولى التي تراه يضحك بهذه الطريقة، هو فقط كان يمن عليها ببسمات محسوبة جامدة أو ساخرة ..
” حسنًا، لا يوجد شيء يُسمى إعادة حرب، هي ليست باللعبة، لكن إن حدث وخسرت حربًا …”
نظر لعيونها بجدية وقال :
” سأقف بكل شجاعة أمام عدوي وانظر لعيونه و أحييه على مهاراته العالية التي حطمت عزيمتي، سأمنحه سيفي والذي هو شرفي وكبريائي وأخبره أنه كان الأول الذي هزمني، ثم انهض واحارب مرة أخرى، أنا رجل واواجه خسارتي بكل جسارة ولا يضيرني هزيمة مفردة، فبعده نصر بأمر الله سبحانه وتعالى ”
التمعت أعين تبارك بالدموع ليهمس هو لها ببسمة واسعة معيدًا إياها لواقعها :
” فعلتيها وهزمتيني مرات عديدة، فعلتِ ما خسر به أعتى الرجال، نجحتي فيما فشلت به اقسى الحروب، والغريب أنني سعيد بهذه الخسارة إن كان الفائز بها أنتِ، لذا هذا سيفي لكِ، احتفظي به ذكرى فوزك لأنني لن أسمح لكِ بالفوز على قلبي مرة ثانية، يكفيني خيانة واحدة من جسدي ”
همست تبارك وهي تجلس ارضًا مقابله ترفض أن يظل هو منحنيًا ارضًا وهي تقف أمامه :
” سالار ..”
ابتسم لها يهمس :
” نعم ها هي خسارتي تتجدد ولم أكد اقطع وعدًا بالصمود أمامك منذ ثواني ”
صمت ينظر لعيونها هامسًا :
” ما هُزمت يومًا في حربٍ، سوى في تلك التي خضتها أمام عيونك، لطالما كان عقلي قائدًا مخضرمًا لجسدي، لكن العجب كل العجب أنه وحينما بدأت المعركة ضدك ألقى السلاح وانقلب عليّ محرضًا باقي جسدي للانحياز لكِ، وفي النهاية … ألقيت سيوفي، أسقط على ركبتيّ اعزلًا أمام عيونك ارتجي منهم رحمة .”
هنا ولم تتمكن تبارك من التحمل، إذ ألقت بجسدها بين أحضانه، وللمرة الأولى تكون هي المبادرة بالاقتراب منه تهمس له :
” كفاك الله شر الهزيمة يا قائد وإن كانت على يدي، فأنا اتخلى عن مكسبي وارتضي بخسارتي لاجلك ”
ابتسم سالار يضمها له وقد كانت هذه اللحظات أكثر مما تخيل سابقًا، هذا أكثر مما قد يتحمل، يا الله رجل عاش حياته منعزلًا الجميع والنساء، وحين يسقط لامرأة يسقط لسيدة النساء في عيونه …
فاز في حروب السيوف، وخسر في حروب القلوب، كان هذا عادلًا بما يكفي له .
رجل وما استسلمْتُ قَبلُ لفارسٍ
مالي أمام عيونها مستسلِمُ !؟
أأعودُ منتصِرا بكل معاركي
وأمام عَيْنيها البريئة أُهْزَمُ !؟
أنا شاعرٌ ما أسعفتْه حروفه
الحبُّ من لغة المشاعر أعظمُ
لي ألف بيتٍ بالفصيح أجدْتُها
لكنني في حبها أتلعثمُ !
«امرؤ القيس »
__________________________
خرج الجميع من غرفة الاجتماعات بوجوه واجمة وملامح غامضة تخفي الكثير خلفها، تحرك إيفان بهدوء شديد صوب غرفته وخلفه أرسلان الذي أراد الحديث معه ليطمئن فقط أنه بخير بسبب كل ما علم منذ ثواني، يشعر بالذنب أنه كان بعيدًا الفترة السابقة عن رفيقه حتى لو كان ذلك البعد دون إرادته .
تحرك خلفه ولم يكد الإثنان يصلا لغرفة إيفان حتى توقفا على صوت شهرزاد الذي ارتفع في المكان بصوت أخرجته طبيعيًا حنونًا مما جذب دهشة أرسلان وهو يستدير ببطء صوبها يهمس بصوت وصل واضحًا لإيفان:
” لكم لون تستطيع تلك الحرباء التلون !!”
أجابه إيفان بصوت منخفض :
” سيدهشك العدد حقًا ”
وحينما توقفت شهرزاد أمامهما قال إيفان ببسمة صغيرة :
” مولاتي …”
” مرحبًا بني اشتقت لك، ألم تفعل ؟!”
” وكيف لا أفعل مولاتي؟! لقد كدت أموت اشتياقًا لأمي بالطبع، لكنها الحياة كما تعلمين ”
نظرت له شهرزاد ليقول هو وقد برع في إخراج كلمات برسائل مختلطة :
” إذن كيف حالك، وكيف قضيتي الفترة السابقة في منزل الجبل ؟؟ اتمنى ألا يكون أحدهم قد ازعجك”
رمت شهرزاد نظرة جانبية صوب أرسلان تقول بصوت منخفض جاد ورسمي للغاية :
” مرحبًا ملك أرسلان”
هز أرسلان رأسه هزة بسيطة ولم يزعج نفسه بالرد عليها قائلًا :
” سأذهب لاخبر كهرمان أن تتجهز لحين تنتهي إيفان، بالاذن منك ”
ختم حديثه يتجاهل وجود شهرزاد بالكامل وهي فقط حدقت في ظهره بغضب متمتمة بضيق شديد :
” أنا حقًا لا اطيقه لهذا الشاب، أخبرتك مئات المرات منذ طفولتك ألا تصادقه، هو حقًا غليظ فظ لا يبتسم، يا الله لا اصدق أنني سأقول هذا، لكنه متجبر أكثر من والدك ”
رفع إيفان حاجبه يقول مدافعًا عن الاثنين :
” لا أبي كان متجبرًا ولا حتى أرسلان كذلك، الأمر يعتمد على مع من يتعاملان ”
نظرت له بعدم فهم :
” ما الذي تقصده ؟! أن والدك وهذا الشاب يتعمدان التعامل معي بهذا الأسلوب الصخري المستفز !! ولماذا يا ترى ما الذي فعلته لهما ؟!”
” لا شيء مولاتي، أخبريني فقط ما الذي تحتاجينه مني حتى اعود لارسلان ”
تنهدت شهرزاد بصوت مرتفع تنظر حولها بحنق :
” ليس هنا إيفان، الحق بي لغرفتي كي نتحدث بشكل لائق ”
أنهت جملتها تتحرك مبتعدة عنه، مفترضة أنه سيلحق بها للحديث، لكن إيفان لم يبرح مكانه يقول بتأفف حاول قد الإمكان كتمه عنها :
” عفواً مولاتي لكنني لستُ متفرغًا في الوقت الحالي، لذا لِمَ لا نختصر كل ذلك وتخبرينني مرة تريدين هنا والآن ؟؟”
اتسعت أعين شهرزاد بشدة وهي تحدق في إيفان وكأنها تبحث به عن ولدها المتعقل الهادئ :
” ما الذي تقصده !!”
” ما سمعتيه مولاتي، أنا حقًا منشغل كثيرًا عقب انتهاء الحرب و…”
قاطعته شهرزاد بقوة وهي ترفض أن يتخطى حدوده معها، ليس وكأنها هي من تفعل ذلك بالفعل :
” عفواً، أولم تتذكر انشغالك هذا حين زوجت قائد جيوشك في هذا الوقت من زوجتك الـ ”
” مولاتي ..”
قاطعها بتحذير شديد اللحظة واعين متقدة بالشر :
” لا تقحمي سالار في حديثنا، ولا تأتي على ذكر زوجته بالسوء أو تجمعيني بها في جملة واحدة، فهي زوجة سالار وعرضه الآن، فلا تفعلي، ثم هذه أمور المملكة لا يحق لأيٍ كان التدخل بها حتى ولو كان الملكة الأم، فما بالك وأنتِ بالفعل فقدتي هذا الحق؟!”
صدمات متتالية تلقتها شهرزاد، صدمة ابو الأخرى حتى كادت تنهار ارضًا، هل هذا ولدها الذي يتحدث لها ؟! هو نفسه من يتبجح أمامها بهذا الشكل ؟!
” إيفان أنت….ما الذي ….كيف تقول هذا لي ؟؟ أنت لم تتحدث معي بهذا الشكل من قبل ”
نظر لها إيفان بهدوء شديد وبسمة :
” أي شكل مولاتي؟! تعلمين أنني طوال الوقت اتحدث بهذا الشكل مع الجميع، أنتِ فقط من اصبحتي حساسة بعض الشيء منذ انتزاع امتيازاتك منكِ وعزلك بالمنزل الجنوبي، والآن يمكنك الذهاب والراحة في غرفتك لأنني في المساء أعقد اجتماعًا مهمًا لجميع من بالقصر سأخبرهم به ما سيحدث في الفترة المقبلة عقب الحرب ”
ختم حديثه يستأذن منها بصوت منخفض ثم تحرك للبحث عن أرسلان وقد قرر أن الوقت قد حان ليقضي لرفيقه بما يريد .
_______________________
بعد بحث قصير واخيرًا وصل لها ..
في غرفة رفيقتها مع جميع الفتيات .
استدعى أرسلان شقيقته لتخرج له وهو يبتسم لها بحب :
” مرحبًا بأميرتي الجميلة ”
” مرحبًا أرسلان، اشتقت لك يا وسيم ”
ضحك أرسلان يميل عليها مقبلًا رأسها بحنان شديد :
” وأنا اشتقت لكِ أكثر مما تتوقعين؛ لذا جئت اعيدك لبلادك كهرمان ”
شعرت كهرمان بارتجافة في قلبها ورغم أنها بالفعل اشتاقت لهواء بلادها وغرفتها، وحياتها السابقة إلا أنها وبشكلٍ ما اعتادت حياتها في هذا المكان مع الجميع، وستشعر بالوحدة إن عادت وتركت زمرد وبرلنت وتبارك و…. إيفان.
وعلى ذكر إيفان سمعت صوته يصدح وهو يقول :
” أرسلان ”
استدار أرسلان صوب الخلف يقول بتعجب :
” إيفان ؟؟ لقد كنت سأنتهي وآتي لغرفتك ”
هز إيفان رأسه وهو يقترب منه في الوقت ذاته الذي اقترب كلٌ من دانيار وتميم من غرفة زمرد والفتيات ليبصروا وقفة إيفان المتحفزة في وجه أرسلان وكأنه جاء يطالبه بحياته .
مال دانيار والذي يدرك كل شيء يحدث بطريقة ما يهمس لتميم :
” أركض وأحضر القائد سالار حالًا، أخبره أن حربًا على وشك الإطاحة بالمشفى فوق رؤوس الجميع، وإن قابلت مهيار في طريقك أخبره أن يخرج مرضاه من المشفى ”
نظر له تميم بعدم فهم لكن دانيار لم يكن يمزح وهو يهتف بجدية :
” ما الذي تنتظره تميم ؟؟ تحرك وأحضر القائد بسرعة يا رجل .”
وتميم الذي أبصر ما يحدث تحرك بالفعل وهو يحاول تذكر آخر مكان أبصر به سالار .
خرج راكضًا بين الممرات صوب غرفة سالار تحت نظرات الجنود المتعجبين، وحين اقترب من غرفة أرسلان ابصره يمسك بيد زوجته يجذبها خلفه بحنان صوب جناحه لكنه أوقفه يقول بجدية :
” سيدي القائد نحتاجك في المشفى ”
تحدث سالار بعدم فهم وفزع :
” المشفى ؟؟ لماذا؟؟ هل أصاب أحدهم سوءًا ؟؟”
” لا، لكنه سيحدث .”
وفي المشفى .
تقدم إيفان من أرسلان يقول له بجدية :
” أرسلان أنت تعلمني جيدًا صحيح ؟! تدرك أنني رجل لا أحيد عن الحق واتقي الله في جميع افعالي صحيح ؟؟”
تعجب أرسلان حديثه لكنه رغم ذلك قال :
” حشاك أن تفعل إيفان، ما الذي يحدث هنا ؟! هل فعلت مصيبة وتريد أن اساعدك بها ؟؟”
” لا لكنني سأفعل ”
” وما هي يا ترى ؟!”
ألقى إيفان الكلمات في وجه أرسلان دون أي مواراة أو تلميحات، فقط ألقاها بكل هدوء وبساطة :
” سأتزوج شقيقتك ….”
أطلقت كهرمان شهقة مرتفعة تتراجع بسرعة خلف جسد أرسلان تتخذ منه حماية لها من نظرات إيفان التي صوبها نحوها بسرعة كبيرة حين سماع شهقتها، بينما أرسلان كان كمن تضاعف حجمه بالنسبة لها في هذه اللحظة وهو يرمق رفيقه بريبة :
” ماذا قلت منذ ثواني ؟؟”
فتح إيفان فمه ليعيد جملته مجددًا، لكن تدخل سالار في اللحظة الحاسمة اوقف كل شيء، إذ اقتحم المعركة بينهما يجذب إيفان بعيدًا وهو يقول :
” مرحبًا أرسلان، رجاءً تجاهل ما قاله إيفان فهو هذه الآونة يعاني من مزاجٍ غير مستقرٍ ”
نظر له إيفان بسخرية وهو يحاول إبعاده عنه:
” ابتعد سالار ما بك ؟ أنا لا اطالبه بحرب لتخاف بهذا الشكل، أنا فقط اطالبه بشقيقته زوجة لي ”
فجأة اندفع أرسلان يجذب جسد إيفان من بين يديّ سالار بغضب مرعب وهو يصيح في وجهه :
” أيا ليتها كانت حربًا لكنت غفرت لك طيشك إيفان”
نظر إيفان ليد أرسلان بهدوء شديد يحاول إبعادها وهو يتشدق بصوت متماسك متعقل :
” يا ويلي تفضل الحرب معي على اعطائي شقيقتك ؟!”
” أنت…. أنت أيها القذر توقف عن ترديد تلك الكلمات، مالك وشقيقتي إيفان ؟؟ ”
تدخل سالار كعادته في المنتصف وهو يدفع أرسلان للخلف بصعوبة :
” وقت مستقطع رجاءً، فقط امنحه فرصة التحدث وهو سيخبرك كيف فعل هذا ؟!’
” امنحه ماذا ؟! لا أنا لن اقف هنا لاشاهده يكرر حديثه عليّ، كانت لديه فقط حتى يحافظ عليها لا أن يأتي ويطالبني الزواج بها ”
تحدث إيفان من خلف سالار وهو يحاول إبعاده عن وجهه زافرًا بضيق شديد :
” أنت يا رجل كثير للأستفزاز، تشعرني أنني اطالبك بشيء خاطئ”
” وهل هذا مكان مناسب لتطالبني بشيء صحيح إيفان ؟!”
نظر إيفان حوله، ثم عاد بنظراته لارسلان يقول ببساطة :
” أنا فقط أردت إعلامك قبل التقدم بخطوة رسمية”
صمت ثواني ثم قال بجدية :
” إذن ما رأيك بغرفتي ؟!”
صرخ أرسلان بغضب شديد يندفع صوب إيفان يصرخ بجنون وهو يجذبه من ثيابه وسالار في المنتصف يحاول دفعهما بعيدًا عن بعضهما البعض :
” توقفا، فقط توقفا عن هذه الأفعال بالله عليكما ”
كان كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع من الجميع، حيث الفتيات مرتعبات مما يحدث والخوف يعلو وجوههن دون فهم أو إدراك أن ذلك يحدث دائمًا بينهم.
وتبارك فقط تراقب بأعين فزعة تخشى أن يُصاب سالار بضربة طائشة من أحدهما .
بينما دانيار وتميم ومهيار الذي جاء لتوه مصطحبًا ليلا كي يفحصها يشاهدون بأعين مترقبة لما سيحدث ..
وفي النهاية استطاع سالار وبخبرته الواسعة في فض الشباك بينهما، أن يبعد أرسلان عن إيفان وهو يصرخ بهما :
” فقط توقفا، الله ابتلى المملكتين بملكين مثلكما، يا الله يا مغيث ”
زفر إيفان وهو يحاول أن يدافع عن نفسه :
” أنا ما عرضت هذا الأمر بهذه الطريقة سوى لأنني علمت أنك ستأخذها وترحل فقط أخبرك قبل الرحيل وبعدها سآتي لمملكتك أطالب بها حسب المتعارف عليه ”
اعترض أرسلان بأعين متعجبة :
” وماذا في ذلك ؟! هذه شقيقتي ستعود لبلادها، هي كانت هنا ضيفة حتى تتحسن الأوضاع وانتهى كل شيء والحمدلله ”
” هي ليست ضيفة أرسلان هي ستكون ملكة هذه البلاد ”
استدار سالار صوبه يرمقه بغضب شديد :
” حقًا ؟؟ هل تحاول أن تثير غضبه أكثر إيفان ؟! توقف عن كلماتك هذه ”
ولم يكد إيفان يخبره أن كلماته هذه فقط ليوضح ما يحدث وما سيحدث لارسلان والذي كان كالثور الهائج بنظراته وتشنجات جسده .
فجأة توقف أرسلان عن كل ما يفعل وهو يتنفس بصوت مرتفع يجذب له كهرمان التي كانت تنظر ارضًا بخجل .
” إذا أردت أن تتقدم لشقيقتي، الأميرة كهرمان ستأتي إلى مملكتي تترجاني القبول وتتوسلني، ومن ثم تعود لمملكتك بعدما ارفضك وألقي طلبك في وجهك ”
اشتعلت ملامح إيفان يقول ببسمة غاضبة :
” تحلم، ليس الملك إيفان من يُرفض وخاصة منك أرسلان”
” وخاصة مني ؟؟”
ابتسم يقول باستفزاز وعناد يسير باوردته مجرى الدم :
” يبدو أنك ستحتاج أكثر من مجرد توسل احمق لتنال شقيقتي ولن تفعل إيفان ”
تقدم إيفان وقد أصبح في هذه اللحظة نسخة أخرى من أرسلان وقد بدا في الحقيقة أكثر عنادًا منه يقول من أسفل أسنانه:
” إذن نعلنها حربًا ؟!”
” لك ذلك أيها القذر الـ ”
” توقفا …فقط توقفـــا، لعنة الله على الكافرين ”
كانت تلك صرخة سالار الذي حال بينهما يصرخ في وجه كلٍ منهما :
” هل جننتما ؟؟ تعلنان حربًا لأجل شيء يُمكن أن يُحل في جلسة نقاش ودية ؟!”
نظر له إيفان ساخرًا، لكن سالار لم يهتم وهو يصرخ بهما وقد جن جنونه أن يتم مناقشة أمر كهذا بهذا الشكل وفي هذا المكان :
” ألم تتعظا أم يجب أن يُقتل أحدكما مجددا ليبكي الآخر على اطلاله ”
نظر إيفان وارسلان لبعضهما البعض بحنق وسخرية، قبل أن يسحب أرسلان يد كهرمان صوبه يقول بجدية :
” من يبتغي وصال شقيقتي، عليه أن يبذل أكثر من مجرد طلب في طرقات المشفى إيفان، أختي تُقطع بحار لأجلها عزيزي، لذا فقط كلف نفسك وتعال إلى مملكتي لتطلب ودها، حينها لنرى بأي الطرق سأرفضك ”
ختم حديثه ببسمة خبيثة مستفزة لإيفان الذي بادله البسمة بأخرى مشابه يقول بجدية :
” أوه حقًا، يبدو هذا مناسبًا لي، حسنًا لك ما تريد، كم أرسلان امتلك أنا ؟!”
أجابه أرسلان ببسمة مثيرة للاستفزاز:
” واحد فقط فالعالم بأسره يمتلك أرسلان واحد ”
ختم حديثه يتحرك بكهرمان بعيدًا عن الأعين وخلفه صوت إيفان الذي قال بعناد وسخرية :
” هذا من حسن حظه للعالم ”
فجأة وقبل رحيل واختفاء أرسلان أبصر النظرة الأخيرة لكهرمان، نظراته وعيونها جعلته يلين ويتناسى كل ما صدر من شقيقها في لحظات، يبتسم لها بسمة صغيرة وهو يهز رأسه وكأنه يعدها ضمنيًا أن الحرب الباردة التي أعلنها لم تنتهي، فهي لم تبدأ بعد …
__________________
مستغل وهذا ما يبرع به، فعندما أبصر الجميع يرحل منذ ساعة تقريبًا وانتهى هو من عمله في الجيش عاد مجددًا ليرى أين وصل حوارهما الاخير قبل أن يقتطعه الملك .
توقف أمام الباب يطرقه بهدوء منتظرًا ردًا من الداخل، وجاءه الرد من برلنت التي فتحت الباب تقول ببسمة :
” نعم تفضل ؟؟”
” مرحبًا برلنت، عسى كل امورك بخير، فقط كنت أتساءل إن كانت زمرد مستيقظة فأنا أريد التحدث معها ”
نظرت برلنت خلفها صوب زمرد التي انتفض جسدها بحذر حينما وصلها صوت دانيار، لتبتسم باتساع فهي أحبت أنه لم يستسلم لكلمات إيفان يتوقف عن المجئ .
هزت رأسها في إشارة منها أنها ترغب في رؤيته وكذلك فعلت برلنت التي تأكدت من وضع زمرد حجابها، ثم تنحت قليلًا تقول :
” تفضل ..”
دخل دانيار للمكان يتأمل ملامحها الحبيبة بشرود، ثم تأكد أن الباب مفتوح وبرلنت تجلس على مقعد جواره رفقتهما، اقترب من الفراش يقول :
” مرحبًا”
ابتسمت له زمرد بسمة صغيرة :
” مرحبًا ”
صمت ينظر حوله وهو يحاول البحث عن مدخل لحديثه، وقد بدأ اليأس يملئ صدره حقًا :
” إذن زمرد للمرة الأخيرة، هل توافقين على الزواج بي ؟؟”
نظرت له زمرد وقد شعرت بأنقباض صدرها من كلماته تلك، هل يأس من المحاولة معها بهذه السهولة ؟؟
والرد جاءها من عقلها هي موبخًا إياها بسخرية، أي سهولة تلك، لقد سلك الرجل كل طريق يؤدي لكِ وأنتِ لم تفعلي سوى أنكِ اغلقتي جميع هذه الطرق بوجهه .
” هل تخبرني أنني إن رفضت هذه المرة لن تحاول مجددًا ؟؟”
ابتسم لها دانيار يجيب ببساطة :
” وما نفع المحاولة في شيء لن احصل على نتيجة ترجى منه ؟؟ أعني، هل عرضي مرة أخرى سيغير شيئًا من رأيك ؟؟ ”
تنفس ببسمة لا معنى لها حقًا :
” يا ويلي زمرد أنا تلقيت عدد مرات رفض منكِ لم اتلقاها في حياتي بأكملها وهذا رقم قياسي لو تعلمين، أنا فقط لا أريد المحاولة في شيء ميئوس منه، لذا إن لم نكن سنحرز تقدمًا في هذا، فلنتوقف، فقط لنتوقف ”
نزلت دموع زمرد دون شعور منها وهي تهمس بصوت موجوع :
” لكنني اريدك أن تحاول من اجلي دانيار، اريد فقط الشعور أنني… أنني مرغوبة من أحدهم ليحاول من اجلي مرات ومرات دون يأس، ألا استحق ذلك !!”
نظر لها دانيار بحزن لدموعها تلك يقول بجدية :
” بلى، تستحقين، تستحقين أن افني حياتي في طلبك لي زمرد، لكنني فقط …. أنا فقط اريد كلمة تخبرني أنني بعد كل هذا الركض سأصل لخط النهاية واجدك ”
ختم حديثه وهو يقترب ليجلس على ركبتيه جوار الفراش يقول بصوت خافت :
” أريد فقط إشارة واحدة أنكِ لن تتخلي عني أو ترفضيني بشكل نهائي، وأنا سأعيد الكرة مرات ومرات دون يأس زمرد ”
نظرت دموع زمرد تقول بصوت خافت :
” أنا لا انتظرك في خط النهاية دانيار، أنا بالفعل أركض معك ”
ابتسم لها دانيار يتحدث بصوت هامس حنون :
” هل اعتبر هذا الرد نعم ؟؟”
ضحكت زمرد من بيت دموعها تقول :
” نعم ”
شعر دانيار بقلبه يكاد يتوقف من الصدمة، لا يصدق أنها قالت نعم حقًا، ابتلع ريقه يقول بصوت خافت :
‘ مجددًا زمرد رجاءً، هل قلتي نعم ؟! ”
ابتسم زمرد ترددها لأجله مرة أخرى:
” نعم، إن وافق أخي، فنعم دانيار ”
انتفض جسد دانيار بسعادة كبيرة وهو يتحرك بعيدًا عنها بعض الشيء هامسًا بحماس شديد يتحرك صوب الباب :
” لا تفكري بهذا الأمر، هو سيقبل شاء أو ابى، يكفيه أنه يتذوق الآن ما أمر به، الله يمهل ولا يهمل ”
رمقته زمرد بحنق شديد وقد كرهت داخلها أن يتحدث بهذا الشكل على إيفان والذي رغم فترة تقربها القصيرة، إلا أنه نجح بامتياز في دوره كأخ لها .
” لا تتحدث بهذا الشكل عن أخي دانيار ”
” بالله عليكِ لا توصيني على شقيقك، بل اوصيه بي خيرًا”
ابتسمت له تقول :
” هو يحاول اسعادي وإن علم أن ذلك يسعدني فلن يقف في طريقك دانيار ”
التوى ثغر دانيار بسخرية :
” يا ويلي لم أكن أدري أنكِ بريئة وحمقاء بهذا القدر زمرد، شقيقك سيتفنن بإذلالي، لكن لا بأس طالما أنكِ تسانديني بالفعل ”
ابتسمت له زمرد بسمة واسعة وهي تراقبه يتحرك للخلف بعدما القى لها نظرة أخيرة توحي بالكثير ورحل هكذا بكل بساطة آخذًا قلبها معه .
____________________
” حينما يأمن عدوك ويستكين، يكون ذلك أكثر وقتٍ مناسب لتضرب ضربتك ”
ابتسم أحد الرجال الذين يجاورون بافل وقد نالت تلك الخطة دعمه هو والقليل من الرجال معهم ممن وافقوا على الانضمام لهم، رغبة في إطفاء نيران ثأرهم .
وبافل تحرك صوب المرأة التي كانت تتمد على إحدى الارائك تراقب ما يحدث بانتباه متسائلًا :
” هل يمكنك أن تتولي هذا الأمر موري ؟!”
ابتسمت له موري تقول بصوت خافت :
” هذا يعتمد على ما ستمنحني بافل ”
امتدت يد بافل صوب وجهها يتلمسه بلطف شديد :
” حياتي إن أردتِ ”
” احتفظ بحياتك فما لي من حاجة بها، أنا فقط أريد ألف قطعة ذهبية و….”
صمتت تقترب منه هامسة بصوت منخفض :
” رأس اختك القذرة تحت قدمي ”
ابتسم لها بافل بسمة خبيثة يقول بصوت مريب مرعب لمن يعلمه :
” القطع الذهبية سهل أمرها، أعطيكِ إياها قبل أن تتحركِ خطوة واحدة، أما فيما يخص رأس زمرد، فلا أظن أنني يمكنني إحضارها، فآخر مرة رأيتها كانت حينما تخلص شقيقي منها ”
رمقته موري بسخرية لاذعة :
” هل رأيت روحها تخرج أمام عيونك ؟؟”
ضيق بافل عيونه يرمقها بريبة لتكمل هي له :
” هذه الفتاة لن اصدق أنها رحلت إلا حينما أراها بعيوني تلفظ أنفاسها الأخيرة ”
زفر بافل وقد كان لا يهتم بكل ذلك، هو فقط لا يهتم سوى بقصاصه :
” لا بأس إذن، اعدك إن وقعت أمام عيوني قتلتها واحضرت رأسها لكِ أسفل قدمك، حسنًا ؟؟”
نظرت له موري ثواني قبل أن تبتسم فجأة :
” اتفقنا إذن بافل ….”
___________________
فرغت من صلاتها ترتكن صوب الفراش مبتسمة براحة شديد وهي تحمل مصحفها تقرأ به براحة شديدة، راحة استشعرتها في كل حرف تنطق به .
حتى سمعت صوت طرق على باب غرفتها، وحينما نهضت تأذن للطارق بالدخول، ابصرته يدخل غرفتها بكل قوة كعادته، ولأول مرة يدخل غرفتها وحده ويغلق الباب خلفه .
ابتسم لها سالار يقول بصوت هادئ :
” السلام عليكم مولاتي ”
” عليكم السلام يا قائد ”
صمتت ثواني قبل أن تقول :
” لعل خيرًا ما جاء بك هنا !!”
ابتسم لها سالار يتقدم منها ببطء شديد قبل أن يبصر نظراتها الشاردة به وبمظهره العبثي بعض الشيء، فهذه المرة الأولى له التي يخرج عليها أو على أحد بمظهره المبعثرة هذا، انتهى لتوه من الاستحمام وقرر بشكل متهور أن يأتي يستغل امتيازاته الجديدة كزوجها .
وهذا لم يساعد تبارك على التركيز أبدًا، خصلاته الصهباء الرطبة وثيابه العادية بعيدًا عن ثياب الحروب وثيابه الرسمية كانت أكثر مما يمكنها التحمل بالفعل .
وهو فقط توقف أمامها ينظر لحجابها:
” هل يمكنني ؟؟”
نظرت له ثواني بعدم فهم وهو ابتسم يمد يده صوب رأسها بغية نزع الحجاب لتتراجع تبارك دون شعور بسرعة للخلف، وهو رفرف برموشه يقول بكلمات جادة :
” لا تقلقي سأنظر لخصلاتك فقط ”
نظرت له تبارك بريبة:
” فقط ؟؟ أنت كنت عايز تعمل ايه اكتر من أنك تشوفها ؟؟”
” هل تخجلين مني تبارك ؟؟”
هزت تبارك رأسها دون تردد ليبتسم لها بطلف :
” لا تقلقي، لن يسوءني رؤية خصلات شعرك بأي حالة كانت، أنا فقط أريد رؤية كيف تبدين دون حجاب .”
صمت ثم قال بتفكير :
” ستكون هذه المرة الأولى لي في حياتي أن أرى امرأة دون حجاب غير والدتي .. أو ربما الثانية ”
ضيقت تبارك عيونها بشك :
” المرة الثانية ؟؟ أنت شوفت مين غير والدتك !!”
أجابها سالار بهدوء وهو ما يزال يحدق بحجابها بشرود وكأنه يفكر في طريقة لنزعه عن رأسها، لا ينتبه بنظراتها المرتابة في أمره:
” أنتِ، تلك المرة حينما كنتِ بحديقة القصر في جزء النساء ووقع عنك حجابك رأيتك بخصلاتك الهائجة تلك ”
أبعد عيونه عن رأسها يتحدث بجدية غير منتبهًا لنظراتها المصدومة تلك :
” هل تلك هي طبيعة خصلاتك أم أنها كانت حالة استثنيائية ؟؟”
وتبارك شعرت كما لو أن أحدهم ربط لسانها بالفعل، تحاول الحديث مرات عديدة وتفشل، حاولت وحاولت حتى خرج منها كلمات مختنقة بخجلها :
” أنت…هذا ليس …هذا محرج ما قلته ”
نظر لها سالار بعدم فهم :
” لماذا ؟؟ ”
صمت ثم قال بصوت خافت وكأن هناك من يتلصص عليهم :
” أخبرك شيئًا ؟؟ أنا احببت خصلاتك الهائجة لا بأس”
وهذا لم يزد تبارك إلا ريبة منه تهمس في نفسها بقلق :
” هو ماله عامل زي رجل الكهف اللي عمره ما شاف ست في حياته ؟؟”
وسالار لم يكن يهتم بكل تلك الأفكار في رأسها وهو يركز على أهدافه الواضحة أمامه، ألا وهي نزع حجابها، ودون أن يشعر أو يعطي لها إشارة كانت أصابعه تتحرك لفك حجابها وتبارك حتى لم تستوعب الأمر لتعترض أو توافق فقط وجدت أنامله تخلع حجابها وهي فقط نظرت له متسعة الأعين ترفع يدها لترتيب خصلاتها شاكرة الله أنها مشطتها منذ ساعات فقط، ولولا خصلاتها الأمامية الهائجة لكان شعرها في هذه اللحظة مثاليًا .
لكن يبدو أن خصلاتها شبه المثالية تلك لم ترق سالار الذي نظر لها بتفكير يقول :
” كان أجمل في المرة السابقة ”
حسنًا هذا الرجل مريب أكثر مما كانت تتخيل، مريب بشكل مريب في الحقيقة .
وسالار لم يهتم وهو يقول ببسمة لها محاولًا أن يصلح جملته السابقة :
” لكنكِ تبدين جميلة دون حجاب”
ختم حديثه يربت على رأسها وكأنه يتحدث مع ابنته الصغيرة، وتبارك تنظر ليده دون كلمة، بينما هو نزع يده يقول ينظر لغرفتها :
” إذن هذه هي غرفتك ؟؟”
هزت تبارك رأسها وهي تحدق بوجهه شاردة في ملامحه في انتظار الخطوة الثانية منه والتي جاءت سريعة وهو يبتسم لها بسمة صغيرة يقول بلطف :
” تبدو جميلة، هل تريدين رؤية غرفتي ؟؟؟؟؟”
_________________
وعملًا بمقولة ضرب الحديد وهو ساخن ..
وعلى بُعد خطوات كان إيفان يتوسط عرشه وقد جمع كل من بالقصر ليخبرهم بآخر التطورات، مستبعدًا سالار لأجل عقد قرآنه الذي حدث اليوم، يكفيه معاناته معه وارسلان الحقير الذي أخذ اميرته ورحل، لكن صبرًا لينتهي ويريه.
ابتسم يدور بعيونه بين الجميع يتأكد أنهم موجودين، حتى أبصر شهرزاد تتحرك داخل القاعة بكل كبرياء وهي ترفع رأسها تتحرك صوب مقعدها تقول ببسمة مقيتة :
” اعتقد أن مقعدي قد نظفه أحدهم بالفعل ؟؟”
ابتسم لها إيفان يهز رأسه ثم قال بكل بساطة وهدوء شديد :
” نعم مولاتي، لقد نُظف بالفعل ”
تحركت شهرزاد بتكبر صوب المقعد ترفع طرف ثوبها كي تتوسطه، لكن وقبل أن تفعل أوقفها إيفان يقول :
” ليس هنا مولاتي، فهذا المقعد بالفعل مشغول”
” مشغول ؟! مشغول لمن ؟! هذا مقعدي أنا”
منحها إيفان بسمة أوسع من السابقة يهمس لها بكل جدية :
” ليس بعد اليوم ”
وقبل أن تعرب شهرزاد عن حيرتها التي علت ملامحها بالفعل، أبصرت إيفان يبعد عيونه عنها يقول بصوت جهوري .
” نحن لم ننتهي من الأخبار الجيدة اليوم، فبالإضافة لزواج القائد سالار لدينا المزيد ….”
صمت ثواني يتأكد أنه حاز اهتمام الجميع يقول بغموض وبسمة واسعة ونظراته تتحرك صوبها هي تحديدًا :
” لدينا فرد جديد في العائلة الملكية عليكم مقابلته …”
صمت ينظر حوله لنظرات الجميع والذين توقعوا القادم، الملك الآن سيعلن زواجه أو ربما حديثه هذا يخص انضمام سالار وتبارك لعائلة سفيد الملكية، لكن إن ظن البعض أن إيفان يمكن توقعه يومًا، فليعيدوا التفكير مئات، بل ملايين المرات .
ابتسم لهم إيفان يقول بصوت جهوري وهو يشير صوب بوابة القاعة وعيونه لا تترك أعين شهرزاد المترقبة :
” رحبوا معي بالاميرة زمرد، شقيقتي ….”
_____________________
ضربة ستصيب من تصيب، وتسقط من تسقط، والغلبة في النهاية، للأقوى ….
رواية مملكة سفيد الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم رحمة نبيل
جملة خرجت منه بكل عفوية وهو يحدق في وجهها، لكن تبارك، والتي قضت عمرها بالكامل وسط أسوأ فئات الرجال المتحرشين وسييء الخلق، فشلت في فصل نية سالار المبهمة عن النية السيئة لجميع الرجال الذين تعرفهم.
"تريد مني الذهاب لرؤية غرفتك؟!"
هز سالار رأسه، ممسكًا بيدها وكأنه يزداد إصرارًا على سحبها صوب غرفته.
"نعم، هيا تعالي لأريكِ إياها."
توقفت تبارك بريبة، تحاول جذب يدها منه.
"فقط... فقط تمهل، أنا... أنا فقط..."
"ماذا؟ لا تريدين مشاركتي الغرفة؟!"
تراجعت تبارك أكثر، تحاول الابتسام بسمة صغيرة.
"ما تقوله لا يُحسن الأمر صدقني، هذا لا يساعدني في تحسين الظن بك، أقسم."
تعجب سالار كلماتها، يقول:
"ماذا؟! ما الذي فعلته لأجل هذا؟! فقط أريد أن أريكِ غرفتي."
صمت، ثم قال بجدية وهو ينظر بحنان شديد، يمسك كفيها بين يديه ويضمهما بالقرب منه:
"فقط كنت أنتظر هذه اللحظة التي أجد بها من تشاركني كل ما يخصني، أحب أن تكون أول امرأة تطأ غرفتي هي أنتِ يا تبارك."
اتسعت عيون تبارك بذهول من كلماته، وقد شعرت بقلبها يرتجف إن أساءت الظن بنواياه. لكن أنى لها العكس، وكل ما رأته في أعين الرجال قبله كان الخبث والمكر بها. ابتسمت بسمة واسعة له، تقول بتأثر لتلك الكلمات:
"هذا... هذا يعني لي الكثير حقًا، أنا فقط... أنا آسفة، لست معتادة بعد على هذه الأمور، أنا لم أعتد على أن يشاركني أحدهم شيئًا بملء إرادته وعن طيب نفس لأنه يريد ذلك."
كانت تتحدث بلهفة وحماس، وقد أعجبت كلمات سالار نفسها الكسيرة. وهي تقترب منه، تقول بحماس نافس حماسه ولهفته السابقة، تمسك كفه:
"نعم، هيا لأرى غرفتك..."
ابتسم لها سالار ونظر ليدها بحب شديد، يجذبها معه خارج الغرفة. لكن فجأة توقف وخرج من غيمة حماسه وهو يعقد حاجبيه وينظر لها بهدوء. هي تعجبت نظراته، حتى وجدته يمد يده يرفع الحجاب الذي سقط على كتفها، يضعه جيدًا على رأسها يحاول أن يثبته. وهي تراه منهمكًا في الأمر بشكل جعلها تطلق ضحكات مرتفعة، تبعد يده:
"اتركه، أنا سأعقده، أرجوك أنت بهذا الشكل ستتسبب في اختناقي."
وبالفعل ابتعد سالار عنها يراها تعدل من وضعية حجابها وتخفي جميع خصلاتها. ثم رفعت عيونها له مبتسمة متحمسة:
"إذن هل نرحل؟!"
هز رأسه لها، يجذب طرف الحجاب الطويل يخفي به نصف وجهها، ثم سحبها خلفه يقول بجدية كبيرة:
"أفضل أن تسيري فيما بعد بغطاء الوجه يا تبارك، هذا يجعلني أكثر هدوءًا لفكرة تحركك بين طرقات القصر وكل هؤلاء الحراس المنتشرين في الأرجاء."
لم تفكر تبارك في الجدال كثيرًا، فهي تدرك طبيعته. هو من كان يمنعها من السير دون غطاء وجه سابقًا قبل الزواج. لم تتوقع أن يتوقف عن ذلك بعد زواجهما. زواجهما؟!
بالله تتعجب، كيف يمكن لكلمة من سبعة أحرف أن تدخل كل تلك السعادة والحماس على قلب إنسان. كيف تمتلك تلك الكلمة السيطرة على مشاعرها، تسعدها في ثوانٍ كلما طرأت على رأسها؟!
ابتسمت تتذكر تعليماته وكلماته السابقة لها وهو يتذمر من سيره دون غطاء وجه.
استفاقت تبارك وخرجت من أفكارها حين توقفت أمام باب تعرفه جيدًا، باب لطالما كان هو غايتها حين تضيق بها الحياة داخل هذا القصر وتشعر أنها قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، الباب الذي كانت تلجئ لصاحبه كي يغيثها بعد الله عز وجل.
باب لم ترى ما يقبع خلفه، لكنها تشعر بالحماس الشديد لتفعل. وفي ثوانٍ عادت لها الكثير من الذكريات التي تخص هذا الباب والممر الذي تقف به... ذكرى يوم أتت له تبكي أمام الباب وتترجاه أن يساعد أهل مشكى، ويوم تحركت خلفه دون وعي حين ضلت الطريقة ووصلت معه لهنا، وحين جاءت تطالبه بمساعدة للفكاك من أسر الزواج الغير مرغوب، مرات ومرات تتكرر أمام عيونها لتبتسم دون وعي.
وللمرة الأولى تطأ تبارك الغرفة وهي تبتسم بقلب خافق، تشعر بيده تسحبها معه بحنان شديد. وأخيرًا توقفت في غرفته لتتسع عيونها وهي تراقب غرفة أشبه بمخبأ سحري في أحد الكهوف، غرفة لو تحدثت لنطقت أنها تنتمي لسالار ولا يمكن أن تنتمي لغيره. كانت تبصر سالار في كل ركن بالغرفة.
ابتسمت وهي تقول دون وعي:
"هذه الغرفة... تشبهك."
ابتسم سالار بسمة واسعة يتقبل ذلك الحديث منها بنفس راضية مجيبًا:
"أتمنى أن يكون هذا معناه أنها جيدة."
نظرت له تردد نفس كلمته لها:
"إنها... جميلة."
ابتسم لها، ثم أشار أن تتحرك وتجلس على أحد المقاعد. ومن ثم تحرك خلفها يتوسط المقعد أمامها يستند على ركبتيه وقد أطال النظر بها حتى شعرت تبارك أن هناك شيئًا خاطئًا بها.
"هل هناك شيئًا ما بوجهي؟!"
ابتسم لها سالار بسمة صغيرة يتحرك عن مقعده مقتربًا منها بشكل جعلها تعود بسرعة للخلف بريبة وقد ضيقت عيونها تقول بإدراك:
"والله كنت عارفة، النية الصافية دي في جنة الخلد بإذن الله، أكيد جايبني هنا عشان حوار تاني، أنا كان قلبي حاسس."
رمقها سالار دون فهم لكل تلك الكلمات التي نطقت بها دون توقف، يقول بجدية:
"ما الذي تتحدثين عنه؟! أنا فقط أردت الاقتراب منك للتحدث براحة."
رفعت تبارك حاجبها تشير صوب مقعده الأول:
"أولن تستطيع التحدث من مقعدك السابق؟!"
نظر سالار صوب المقعد ثوانٍ قبل أن يعود لها متسائلًا ببسمة على أفكارها تلك ونظراتها له:
"تبارك، إن كنتِ تعتقدين أنني أتيت بكِ لغرفتي لأجل غرض سيء فاطمئني، غرفتك لم تكن لتمنعني من فعل شيء سيء إن أردت فعله، لم يكن عليّ إحضارك لغرفتي، حسنًا؟!"
اتسعت أعين تبارك من كلماته وشعرت بالصدمة من طريقة حديثه التي تسمعها منه للمرة الأولى.
"أنت... أنت وقح بعض الشيء صحيح؟!"
لكن سالار لم يفعل سوى أن اقترب منها بهدوء يهمس بصوت جاد وكأنه يقنعها بالأمر:
"لِمَ لا نسمي الأمر مجرد منطقية وصراحة؟! النية السيئة لن تنتظر الوقت المناسب والمكان المناسب لتخرج عزيزتي تبارك؟! هي تخرج في أي مكان، ثم الوقاحة هي كلمة نطلقها نحن على من يتعامل بشكل غير لائق مع النساء الأجنبيات، وأنتِ عزيزتي زوجتي، أستطيع التأكيد لكِ أنني تحدثت بحسن نية تامة، والآن، هل نتحدث بجدية؟!"
وتبارك فقط اشتعل وجهها بالخجل تهز رأسها ببطء. بينما هو ابتسم لها يمد يده ليمسك خاصتها، يداعب باطنها ثوانٍ قبل أن يهمس بصوت خافض حنون، بعدما رفع عيونه لها:
"أنا فقط كنت أريد التعرف على كل ما يخصك يا تبارك، حياتك قبل وجودي، طفولتك وكل شيء، باختصار أريد الشعور أنني أقرب إليكِ من نفسك."
صمت، يضم قبضتيه على خاصتها بشكل جعلها تبتسم دون وعي. وهو ابتسم لرؤيته تلك البسمة فقط يكمل:
"أريد الشعور أنني نفسك يا تبارك، امنحيني مكانة لا تمنحيها لغيري عزيزتي."
ابتلعت تبارك ريقها تحاول إيجاد كلماتها وهي تحدق في عيونه التي سحرتها بلونها، ولم تستطع كتم سؤالها الذي راودها منذ علمت أنها ستصبح زوجته، سؤال لا تدرك تأثيره أو ما يعنيه لها، هي فقط سألته بعفوية شديدة:
"هل سأحضر أبناء يشبهونك بنفس الخصلات تلك والأعين؟!"
وسالار لم ينفجر ضحكًا أو يسخر أو يخجلها بسبب سؤالها، بل فقط ابتسم وأجابها بكل بساطة:
"ما الذي تريدنه أنتِ؟!"
وهي ما تزال داخل نشوتها بقربه أجابت:
"أريده نسخة صغيرة منك."
ابتسم لها بسمة واسعة وهو يطيل التحديق في عيونها:
"عسى الله أن يقر عيونك بما تتمنيه يا تبارك.."
ابتسمت له تبارك بحب. وهو نظر ليدها ثوانٍ قبل أن يرفع رأسه لها متسائلًا بجدية وبسمة:
"هل يمكنكِ إخباري عن أحلامك يا تبارك؟!"
"أحلامي؟! أخبرتك أنني سأخبرك لـ"
قاطعها بجدية يتذكر ذاك اليوم الذي لا يُمحى من عقله:
"ليس تلك الأحلام المتعلقة بي."
خجلت تبارك من الأمر وبشدة. وهو ابتسم يكمل:
"أريد معرفة تلك الأحلام الأخرى... الأحلام التي تؤرق منامك، ما الذي تضطرين لمواجهته في أحلامك يا تبارك، أشركيني مشاكلك عزيزتي..."
***
جملة ختمها إيفان لهدف في نفسه سرعان ما ناله وهو يلمح نظرات شهرزاد التي اتسعت والشحوب الذي ملأ وجهها والاستنكار الذي تسيد تعبيراتها. تنتظر منه بسمة ساخرة ثم يقترب يقبل يدها ويخبرها أنه فقط يمزح. لكن إيفان لم يفعل من كل ذلك سوى أنه ابتسم، لكنها لم تكن ساخرة، بل كانت... مرعبة.
ثوانٍ وارتفع صوت صاخب هز جوانب القاعة من أحد الحراس وهو يقول بصوت مرتفع:
"الأميرة زمرد تطلب الإذن بالدخول مولاي!"
ابتسم إيفان يقول بصوت ونظرات أصابت شهرزاد بالخرس:
"لا تحتاج الأميرة لأذني."
وبعد هذه الكلمات عم صمت خانق مترقب بين الجميع. ولم تستطع شهرزاد الاعتراض حتى وهي تستدير مثلها مثل الجميع صوب بوابة القاعة تبصر جسد فتاة تدخل المكان برأس مرفوعة وملامح حادة، تتحرك صوبهم شامخة وكأنها لا تهتم لمن بالمكان. كل ذلك لم يكن يعني شهرزاد بشيء عدا رؤيتها لشبح آمنة يتمثل في تلك الفتاة، كانت أشبه بروح آمنة تقترب منها.
خطوات زمرد البطيئة وهي تسير صوبهم مرتدية ثوبًا من اللون الأسود المختلط بالذهبي، ونظرات عيونها وملامحها الحادة، كل ذلك مثّل كابوسًا حيًا لشهرزاد التي تراجعت للخلف تشهق بصوت منخفض لم يصل سوى لإيفان الذي ابتسم بسمة واسعة يمد يده لزمرد يمسك بيدها وهو يقول بهدوء:
"مرحبًا بأميرتي."
ابتسمت له زمرد بسمة صغيرة تخفي خلفها تلال توتر، هي لم تعتد أن تكون محاطة بكل هذا القدر من البشر عدا قومها، إن اعتبرت قومها من البشر.
سحب إيفان يدها صوب المقعد كي تستقر عليه تحت نظرات الدهشة في أعين الجميع ونظرات الصدمة في عين شهرزاد التي لم تستطع التحمل وهي تصرخ:
"ما هذا الهراء الذي تفعله يا إيفان؟! هل جننت؟! أي شقيقة تلك التي تتحدث عنها؟! أنت الطفل الوحيد لتقي الدين ولا أذكر أنك تمتلك إخوة آخرين!"
كانت تتحدث وهي تخفي رجفة يدها في ثوبها وقد لاحت أمامها صورة ابنتها التي رحلت يوم رحلت آمنة، ترتعب من تلك الفكرة. هل... هل هذه ابنتها هي وما تزال حية؟! لكن... لكن إن كان ذلك صحيحًا، كيف تشبه آمنة بهذه الطريقة المرعبة؟!
نظرت لها زمرد نظرات حادة مع رفعة حاجب جعلت شهرزاد تبتلع ريقها، وقد شعرت أن هذه روح آمنة عادت أقوى وأشرس لتنتقم منها. هتفت بصوت مختنق وبصعوبة شديدة:
"هذه... من هذه الفتاة التي تدعي أنها شقيقتك؟! هي لا أصل لها و... ما أعلمه أن لا إخوة لك من تقي الدين، إذن هي ليست ابنة ملك ولا زوجة ملك لتطلق عليها أميرة. من أعطاك الحق لتحضر عامة الشعب وتعطيهم مثل هذه الألقاب الكبيرة، بل وتدخلهم العائلة الحاكمة!"
ختمت حديثها وقد بدأ الجمع حولها ينتبهون للحديث بجدية وترقب لرد إيفان الذي توقع اعتراضها، لكنه لم يتوقع عدم خوضها في حقيقة أن زمرد شقيقته ولم تتساءل عن هويتها بالتحديد وكأنها تخشى نبش الأمر أمام الجميع وأمامه.
"كيف علمتي أنها ليست ابنة الملك تقي الدين؟! ما هذه الثقة التي تتحدثين بها!"
شحب وجهها أكثر وأكثر وهي تحاول البحث عن تبرير عدا ذكر أنها متيقنة من ذلك لأنها تخلصت منهم بنفسها سابقًا.
"أنا... هو في..."
قاطعها إيفان هذه المرة موفرًا عليها جهدًا مضنيًا في البحث عن رد على جملته وهو يقول ببسمة واسعة يجذب له زمرد:
"أنتِ محقة على أية حال، هي ليست ابنة ملك ولا زوجة ملك، هي أخت الملك وهذا كافٍ لتصبح أميرة."
تنفست بصوت مرتفع تقول بعدما تملكت نفسها:
"وهذا لا يمنحك الحق لتعطيها لقب أميرة، من أعطاك الصلاحية لتنصيبها أميرة في سفيد؟!"
اهتز جسد زمرد بقوة وهي تتأهب للهجوم على شهرزاد، لولا يد إيفان الذي نظر لها نظرة تحذيرية يدرك جيدًا أي نوع من الأشخاص هي، وأنه إن ترك لها القيادة ستنبش أظافرها في وجه شهرزاد. لكنه فقط تحكم بها يوجه حديثه لشهرزاد قائلًا:
"ما أعطاني الصلاحية لأجعلها أميرة سفيد، هو نفسه ما أعطاني الصلاحية لنزع جميع امتيازاتك منك وتجريدك من لقبك كملكة أم، وهو ما يعطيني الصلاحيات لإسقاط العقاب على كل من تسول له نفسه أن يلقي أختي بنظرة استصغار لا تعجبها... منصبي كملك هو ما يفعل ذلك."
ختم حديثه الذي ترك شهرزاد تنازع أنفاسها وقد شعرت أن الأرض تتحرك من أسفلها وتمنت لو أنها لم تولد، أو تمنت الموت قبل أن تحيا هذه اللحظة.
بينما إيفان تجاهلها وهو يتحرك بعيونه للجميع يقول بصوت جاد:
"الأميرة زمرد هي ابنة الملك آمنة وهذا يجعلها أميرة لأنها ابنة الملكة السابقة للبلاد، وأختي كذلك."
ختم حديثه ثم نظر صوب شهرزاد يراها بمظهر مزرٍ وقد كادت تسقط أرضًا ليطعنها إيفان الطعنة الأخيرة وهو يقول ببساطة:
"فما لا يعرفه الجميع هنا أن والدتي الحقيقية التي أنجبتني هي نفسها الملكة آمنة وبعد موتها تولت الملكة شهرزاد تربيتي، ليرزقها الله على قدر نيتها، ربت طفل يتيم الأم، وهذه حقيقة لا يدركها الكثيرون."
رفعت شهرزاد وجهها كالقذيفة صوب إيفان الذي أطال النظر لعيونها بشكل جعلها ترتعش وهي تحاول تصديق ما سمعته منذ ثوانٍ.
بينما في هذه اللحظة وهذا الصمت المريب بين الجميع انطلقت ضحكة شبه صاخبة بين الجميع جعلت الأعين تتحرك صوب اتجاهها ليجدوا العريف يكتم فمه بصعوبة وقد بدأ وجهه يحمر.
هو حقًا لم يتمكن من تحمل نظرات شهرزاد تلك. يا الله، هو في حالة انتشاء كبيرة، كان يشعر بنشوة مخيفة تسير بين أوردته. ولولا أنه لا يحب تفويت أي كارثة تسقط فوق رأس شهرزاد لكان هرول ضاحكًا من القاعة.
تماسك بصعوبة وهو يهتف بوجه محمر:
"أنا... أعتذر يا سادة، فقط..."
ضحك بشكل مزرٍ وهو يحاول التماسك، بينما إيفان يراقبه بوجه بارد منتظر وداخله يكبت بسمته.
ومرجان ينظر حوله وهو يحاول أن يوقف العريف عما يفعل هامسًا له يجذبه صوب ليصمته:
"ما بك أيها العريف، يا ويلي لا تخيفني عليك، توقف الجميع الآن سيتأكد من صحة المقولة التي تقول أن كثرة العلم تؤدي للجنون، توقف بالله عليك يا عريف."
والعريف فقط كان يضحك ويضحك وهو ينظر لوجه شهرزاد التي شعرت في هذه اللحظة بالغضب يندفع بين أوردتها. وأدركت أن بقاءها لثانية واحدة إضافية قد يدفعها لسحب سيف إيفان والتحرك لطعن العريف وزمرد وإيفان نفسه.
لذا وفي ثوانٍ هرولت خارج القاعة بشكل مرعب تلاحقها ضحكات العريف الذي نهض يقول وهو يرفع يده للجميع:
"أعتذر من الجميع، أنا فقط تذكرت شيئًا و... يبدو أن كثرة العلم تؤدي للجنون، عقلي أصبح يفكر بأشياء غريبة."
كانت حجة مرجان التي يحاول إسكاته بها، سببًا جيدًا ليبرر العريف ما فعل بينهم أكثر من إخبارهم أنه ضحك تشفيًا في شهرزاد.
راقب إيفان رحيل شهرزاد وهو يدرك أنها الآن علمت أن اللعبة أضحت في جولتها الأخيرة.
***
حسنًا، كانت محاكمة نارية كما قالت عليها برلنت، والتي كادت تطير من السعادة لأجل زمرد. بل وحضرت معها للقاعة ولم تتركها. لكن بعد كل هذا فجأة ودون سابق إنذار خفت حماسها وتلاشت فرحتها وحلت محلها الصدمة والقلق وهي تبصر تميم يسحبها صوب أحد الغرف في القصر يخبرها ببساطة أمام باب تلك الغرفة أن والدتها مستقرة داخلها.
ابتلعت برلنت ريقها برعب من تلك اللحظة. هي لا تخشى والدتها، لكنها تخشى النظر في عيونها ورؤية أي نظرة لوم أو خذلان.
كانت تشعر بعدم قدرتها على الوقوف، تود الاستناد على الجدار والبكاء قبل مواجهة والدتها حتى. ودون سابق إنذار شعرت بجدار يقترب منها وكأنه سمع نداءها، لكنه كان دافئًا، ضمها بحنان يقبل رأسها بلطف شديد هامسًا:
"أنا هنا معكِ يا صغيرتي."
وهذا ما كانت تحتاج برلنت لسماعه في هذه اللحظات تحديدًا، أنه معها. أغمضت عيونها تحاول أن تتجاوز كل المشاعر السلبية التي تولدت داخل قلبها.
تهمس له وكأنها تطمئنه هو لا نفسها:
"سيكون كل شيء بخير."
"نعم، سيكون..."
تنفست بعمق وهي تطرق الباب بعدما نأت عن دفء صدره، تحاول أن تنبذ أي أفكار سلبية قد تعكر صفو بحيرة أشواقها. فُتح الباب لتبصرها وهي تنظر لها نظرات مصدومة وكأنها لم تتوقع مجيئها.
نظرات صدم، ثم لوم، وعتاب، وحب، واشتياق، وأخيرًا دموع. كان ذلك ترتيب ما مر على أعين والدتها في ثوانٍ.
"مرحبًا أمي، اشتقت لكِ."
انفجرت والدتها في البكاء وهي تجذبها صوب أحضانها بسرعة تقبل ملامحها ووجهها وكل ما بها. وبرلنت انغمست في بكاء حار معها، بينما تميم ابتسم يتحرك دون أن يشعر أحدهما به يجذب الباب بهدوء وقد قرر تركهما وحدهما، ومن ثم يعود إن احتاج له أحدهما.
تحرك بين الممرات وهو يبعد خصلات شعره عنه بتعب شديد. دخل المعمل الخاص به يحاول أن يفكر في القادم من حياته العملية والشخصية.
لكن يبدو أن ذلك الجسد الذي يتوسط فراشه في المعمل لن يمنحه رفاهية التفكير في مستقبله.
"ماذا؟! لا تخبرني أن الملك حرمك غرفتك كما فعل مع شقيقته."
اشتعل غضب دانيار يصرخ في وجهه:
"تميم، إياك أن تحدثني بهذا الأمر الذي يشعل غضبي، فأنا من الأساس لا أعلم ما الذي يجعلني أصبر على الملك، لا أدرك ما الذي يجبرني على عدم الذهاب وخطفها من بين ذراعيه تلك؟!"
ضحك تميم يسحب أحد المقاعد يجلس أمامه:
"لا تغضب يا دانيار، أنت تعلم أنها أخته وعلم هذا بعد سنوات بأقسى الطرق الممكنة، دعه يستمتع بقربها بعض الوقت ومن ثم فاتحه في الأمر بشكل لائق وتوقف عن تسرعك الغبي هذا."
انتفض جسد دانيار عن الفراش يصرخ مدافعًا عن نفسه:
"أي تسرع هذا!! أنا أخبرته بكل هدوء وبكافة الطرق، لكنه حقير لا يقبل، يا الله أنا الآن أصدق حديث العريف عن كم هو ملك مستبد متجبر..."
"حقا؟! يبدو الأمر ممتعًا أن أسمع تلك الكلمات عني من شخصٍ آخر عدا العريف."
اتسعت أعين دانيار بصدمة وهو يرفع رأسه صوب الدرج الخاص بالمعمل، وقد كبت تميم ضحكته على ما حدث.
"مرحبًا مولاي، أنرت المعمل بوجودك."
ابتسم إيفان بسمة مستفزة لدانيار الذي كتم غضبه داخل صدره مدركًا أنه لا يستطيع تحطيم أسنان إيفان الذي يستفزه بإظهارها كلما ابتسم في وجهه، فقط لأنه الملك.
"فقط شعرت بالملل وسالار ليس متفرغًا لي، ففكرت بالمجيء للجلوس معكم، أم تمانعان؟!"
قال تميم بسرعة:
"ماذا؟! لا بالطبع مولاي، هذا شرف لنا..."
تقدم منهما إيفان وجلس على أحد المقاعد ونظرات دانيار اغتالته مئات المرات، يذكره بما فعله معه منذ ساعة تقريبًا عقب إعلان زمرد للجميع.
تقدم دانيار يستغل بدأ توافد الجميع لخارج القاعة يبتسم لزمرد متحدثًا بصوت جاد لإيفان:
"مبارك لعثورك على الأميرة مولاي."
"أشكرك يا دانيار."
ابتسم دانيار يحرك عيونه صوب زمرد بخفة قبل أن يعود لإيفان متحدثًا بجدية:
"إذن ألم يحن الوقت لتتنازل قليلًا... مولاي؟!"
ارتفع حاجب إيفان بسخرية وادعاء للجهل:
"أتنازل عن ماذا يا دانيار؟!"
عض دانيار شفتيه ليمنع كلمة كادت تخرج منه، ولكنها غلبته وخرجت بالفعل رغم نظرات زمرد المحذرة له أن يكف لسانه عن إيفان:
"عن عنادك السخيف مولاي..."
رمقه إيفان ثوانٍ وزمرد متسعة الأعين تشعر الآن نفس شعور دانيار السابق تجاهها حين كان يحذرها من التهور وهي تلقي بتحذيره في وجهه دون اهتمام. ها هو يفعل المثل ويلقي بتحذيرها في وجهه ويقف ندًا لشقيقها الذي، ومن خلال معرفتها له طوال الوقت كملك، تدرك يقينًا أن كلمات دانيار تلك سيدفع ثمنها غاليًا.
ابتسم إيفان بسمة بدأت تتسع شيئًا فشيئًا حتى تحولت لضحكة صاخبة جعلت بعض الأعين حوله تتحرك صوبه، وهو لم يهتم ومد يده صوب دانيار يربت على كتفه:
"عنادي الأحمق؟! سأفتقدك الأيام القادمة يا دانيار حقًا..."
ختم حديثه يمسك يد زمرد التي حدقت به بعدم فهم تحاول معرفة ما يقصده من خلف كلماته تلك. لكن إيفان جذبها خلفه وهو يستدير عن وجه دانيار بملامح صخرية. ودانيار حقًا كان كالمختل لا يهمه ما سيقع به من عقاب إن لم يكن يمس حياته مع زمرد.
ابتسم إيفان يخرج من تلك الذكرى القريبة:
"ماذا يا دانيار؟! هل حقًا تحمل لي الضغينة لأجل ذلك؟! كل هذا واجبك عزيزي."
"واجبي؟! واجبي أن أقضي أسبوعًا كاملًا خارج القصر أدور بين الطرقات أنشل الباقيين من المنبوذين؟! وظيفة يستطيع الرجال القيام بها بمنتهى السهولة لكنك اخترت أن تخرج ضغائنك وانتقامك مني بها مولاي."
هز إيفان رأسه وهو يستدير عنه ينظر صوب تميم دون اهتمام:
"إذن يا تميم أرني أين وصل سلاحك يا فتى."
ودانيار ما زاده ذلك إلا جنونًا لينتزع سلاحه ويخرج كالقذيفة خارج المعمل تحت أعين تميم المشفقة والذي تحرك صوب إيفان من فوره يتلمس به الملك الحكيم الذي يعلمه:
"مولاي رجاءً لا تقس عليه، أقسم أنك لن تجد من يحب ويحمي شقيقتك بقدر دانيار، الرجل يكاد يهيم على وجهه لأجلها، ألا ترى؟!"
رفع إيفان عيونه لتميم يهز رأسه ببساطة:
"أرى، وأرى أيضًا ما فعله نبذه لها فيها، أرى كل ذلك يا تميم، أنا لن ألقي أختي لأيٍ كان، على من سيحصل عليها أن يقدر كل ثانية يقضيها رفقتها، عليه أن يعوضها كل ما عاشته والذي لم أعلم عنه الكثير لكنني أدرك جيدًا أنها تفتقد للكثير، وهذا رفيقك لن يحسن التعامل معها بهذا الشكل، عليه أن يبذل المزيد حتى يليق بها، ما يأتي بيسر، يسهل التخلي عنه يا تميم..."
نظر تميم لإيفان ثوانٍ قبل أن يبتسم مضيفًا:
"يليق بك أن تكون أخًا مولاي."
ابتسم إيفان بسمة حزينة مكسورة يهمس وهو يشرد أمامه دون شعور يشعر بالكون بأكمله يتآمر عليه من جميع الجوانب، أخته وما حدث لها، ثأره لوالدته، أرسلان الحقير الذي يرفض إعطاءه كهرمان، وبقايا المنبوذين في البلاد، كل ذلك يثقل كاهله بالتفكير:
"حتى هذا الدور استكثروه عليّ وحرموني منه يا تميم، لعنة الله على من تسبب بكل هذا لي ولعائلتي..."
***
"لا أعتقد أن هناك من يرغب في الجلوس لساعات يستمع لهراء وذكريات عالقة بعقل امرأة لم تستطع نسيان طفولتها."
كانت تلك الكلمات هي كل ما استطاعت تبارك إخراجها قبل أن يختنق صوتها بغصة بكاء، كان كل ما استطاعت قوله قبل أن تمتلئ عيونها دموعًا، ويمتلئ عقلها ذكريات جعلتها تشفق على نفسها.
كان الأمر أشبه بطفل أصيب بسقطة عنيفة وحاول ادعاء القوة، لكنه حينما سأله أحدهم عن حاله انفجر باكيًا يريه جروحه.
وسالار الذي كان يجلس أمامها يمسك كفها يتحسس نبضها، شعر ببدء ضربات قلبها في التباطؤ، ليبتسم لها بسمة حنونة مطمئنة:
"أنا أرغب، طالما أن تلك الساعات رفقتك، فأنا أكثر من راغب، لماذا برأيك أترك كل حياتي وكل شيء وأجلس معكِ هنا دون أن يزعجنا أحد؟! لأستمع لكل ما يخرج منكِ، حتى وإن صُنّف هراء على حد قولك يا تبارك."
تنفست تبارك بصعوبة بسبب كلماته تحاول أن تتحدث، لكن صوتها خانها وهي تقول بنبرة خافتة:
"أنا فقط لا أريد..."
وفي هذه اللحظة رأى عقل تبارك أنه ليس هناك وقت أفضل من الانهيار بشكل مزرٍ، من هذا الوقت وأمامه تحديدًا.
وهذا ما حدث وهي تبكي بصوت مرتفع جعل سالار ينهض عن مقعده بسرعة يتحرك صوبها جالسًا على ركبتيه أمام أريكتها يرفع هامته حتى وصل لها يجذب رأسها لاحتضانه هامسًا:
"لا أراكِ الله حزنًا عزيزتي، لا بأس، أنا هنا الآن، لطالما كنت هنا أنتظر مجيئك."
بكت تبارك وهي تهتف من بين شهقاتها بصوت غير مفهوم وبشكوى طفولية لم تستطع إخراجها في الصغر بسبب خوفها من العقاب:
"ما عملتش حاجة، هما اللي كانوا بيضربوني وياخدوا كل حاجة مني، وكانوا بياخدوا مني الأكل قبل ما أشبع، و... كلهم كانوا بيكرهوني، محدش كان بيحبني خالص، عمر ما حد حبني، عمري ما شوفت حد منهم بيحبني، حتى اللي في الحارة."
ختمت حديثها بنبرة أصابت سالار بالوجع يمسح لها دموعها:
"ليعطهم الله على قدر أفعالهم وقلوبهم عزيزتي، أنا هنا اختزنت لكِ كل الحب لأمنحه لكِ أنتِ فقط."
نظرت تبارك لعيونه وهي ترى حنانه الذي لم تبصره يومًا. وفي ثوانٍ مرت أمام عيونها صور لسالار وهو يحمل سيفه ويقاتل، نظراته الشرسة القاتلة، صوته الجهوري والصرخات. وكل ذلك يخفي خلفه قلبه اللين الحنون لرجل ربما لم يتعامل مع النساء في حياته بشكل مباشر وهذا ما سبب مشاكل بينهما في البداية، لكنها ترى الأمر الآن ميزة كبيرة ونقطة لصالح سالار صاحب القلب النقي.
"أنت... أنت مثالي يا سالار."
ابتسم لها سالار فبعد دقائق تحديق في وجهه خرجت بهذه الجملة. ربت على وجنتها بلطف شديد:
"ما كامل إلا وجهه سبحانه وتعالى، نحن بشر نخطئ ونصيب، أنا لست مثاليًا أنا فقط أتنعم بستر الله، أنا أخطأت الكثير من المرات، لكن الله سلم ومرت على خير، نحن جميعًا بشر نخطئ ونصيب، نفرح ونحزن، هذه أمور لا يد لنا بها ولا نحكم بها."
مدت تبارك يدها تقول بصوت خافت وهي تتحسس وجنته:
"هل سبق وحزنت؟!"
ابتسم لها يجيب:
"أنا لم أخرج من الحزن إلا عندما رأيتك يا تبارك."
شعرت تبارك أنها على وشك الانهيار. بينما سالار استمر في الحديث دون أن يدرك نظراتها له:
"الحياة بأكملها تتآمر على أحزاني، لكنني برحمة الله أنجو من تلك المؤامرة."
نظرت له ثم قالت وقد شعرت بقلبها يهدأ لقربه:
"هل تريد... تريد سماع حكايتي؟!"
"كلي آذان صاغية مولاتي..."
وكأنه بجملته تلك طلب منها الصمت إذ شعرت تبارك فجأة بتلاشي أحرفها أمام نظراته. شعرت أن جميع الأحزان التي كانت تجثو فوق صدرها مانعة إياها من التنفس، أضحت الآن ضئيلة لدرجة أنها لا تريد تعكير صفو جلستهما بذكرها.
صمتت وصمتت وطال صمتها حتى تحدث سالار بعدما ابتسم لها:
"رغم أن شرودك بوجهي يمنحني زهوًا، لكنني أنتظر حديثك."
"أنا فقط... أشعر في هذه اللحظة أن كل ما بقلبي أقل من أن يعكر صفو هذه اللحظة."
تنفّس سالار بصوت مرتفع يقول:
"لا بأس، ربما يومًا ما تتحدثين بالأمر، وحتى ذلك الوقت أنا سأظل هنا لأجلك."
وهذا كان أكثر من كافٍ لتبارك التي قررت في نفسها أنها لن تسمح لماضي تمقته أن يُفسد حاضرًا كانت تترقبه.
وسالار نهض عن مكانه يقول بجدية وبسمة وهو يمد يده لها:
"ما رأيك أن نعيد أيام الخوالي... مولاتي؟!"
نظرت تبارك ليده دون فهم ليبتسم أكثر معربًا عما يضمر:
"بارزيني مولاتي..."
***
خرج الجميع تاركين إياه يجلس في البهو رفقتها وهي فقط تنظر حولها وكم تمنت أن يمارس مرجان هوايته المفضلة ويقفز لهما يفسد هذا الصمت القاتل بينهما. لكن يبدو أن والدها تولى أمر مرجان بالفعل، إذ اختفى فجأة دون سابق إنذار من المنزل. وهذا بالطبع كان تبعًا لتعليمات الطبيب المبجل، والذي يجلس هناك يحدق بها ببسمة غريبة.
"إذن هل توافقين؟!"
أفاقت ليلا من أفكارها تلك تنظر حولها بتعجب. ثم أشارت لنفسها، وهو فقط أومأ برأسه:
"نعم أنتِ، موافقة؟!"
هزت ليلا رأسها بنعم دون فهم لما يقول. لكن يكفيها أن تظهر أمامه حمقاء لمرة هذه الليلة. وهو فقط ابتسم يقول:
"أنتِ لم تسمعي ما قلت صحيح؟!"
"ماذا؟! لا لقد فعلت، وأنا... لا أمانع في الحقيقة، إن كان أبي يوافق على الأمر فلا بأس أنا أيضًا أوافق."
فتح عيونه يهز رأسه مدعيًا الاقتناع:
"حسنًا لا بأس إذن، لكن أنا لم أتحدث مع والدك في الأمر بعد فلا أظن أنه من المتعارف عليه التحدث مع والد العروس حول ما سترتدينه في الزفاف، لكنكِ وافقتي ولا بأس إذن."
انتفض جسد ليلا بسرعة تقول:
"ماذا؟! ثوب زفافي؟!"
"نعم لقد وافقتي للتو عليه أليس كذلك؟!"
"ماذا؟! أعني نعم لكن... أنا فقط... أعني..."
قاطعها مهيار ببسمة لطيفة:
"لا تقلقي، بالرغم أن جدتي عاشت منذ عقود طويلة، إلا أنني أعتقد أن ثوبها كان جيدًا يلائم جميع الحقب الزمنية، هذا الثوب الذي سترتدينه أثري أكثر من مسجد العاصمة القديم."
اتسعت أعين ليلا بصدمة تهمس دون تصديق:
"جدتك؟! أنت... أنت ستلبسني ثوب جدتك؟!"
"نعم، في الحقيقة هذه كانت وصيتها، لقد أوصت أن يرتديه الجميع من بعدها لإحياء ذكراها، وأنا شعرت بالتردد من عرض الأمر عليكِ، لكنك وافقتي وكم أنا شاكر لهذا حقًا."
اتسعت عيون ليلا بصدمة كبيرة تهمس:
"أنت... هل أنت جاد؟!"
"نعم، هل تحسبني أمزح؟! هذا الثوب الذي سأزفك به يحمل العديد من الأمجاد بين طياته، يوم زفاف جدتي قامت حرب المنبوذين الأولى وهربت به مع جدي، أعتقد أن به أثرًا لأحد سهام المنبوذين، أنتِ ستتحركين يوم زفافك حاملة أعلى جسدك ثوبًا يحكي أمجادًا."
فغرت ليلا فمها بصدمة تشعر أن لسانها انعقد عن الحديث وهي ترى نظرات مهيار السعيدة المتحمسة للأمر. وقد ختم الأخير الحوار ينهض عن المقعد:
"إذن أراكِ في الزفاف نهاية الأسبوع."
اتسعت أعين ليلا أكثر بشكل جعل مهيار يبتسم:
"هذا ما وافقتي عليه أليس كذلك؟! وافقتي أن نقيم زفافنا نهاية الأسبوع."
أشارت لنفسها باستنكار:
"أنا وافقت على الأمر!!"
"نعم فعلتي، ألا تتذكرين؟! حتى أنكِ وافقتِ على العيش معي بعيادتي داخل المشفى بعدما أخبرتك أنني لا أحب المبيت في منزلي بعيدًا عن المشفى."
انتفض جسد ليلا تهتف باعتراض:
"أنا وافقت على كل هذا؟! والله لو أنك خدرتني وأسكرتني بعشبة ما كنت وافقت على نصف القرارات التي وافقت عليها في لحظة شرود. هل تمزح معي يا مهيار؟! كانت لحظات معدودة فقط."
كبت مهيار ضحكاته بصعوبة يقول:
"هذه الحقيقة يا ليلا جميلتي، لقد وافقتي وانتهى الأمر. غدًا أحضر أخي ونحضر معنا كل ما يلزمك لحفل الزفاف. السلام عليكم."
وبهذه الجملة ختم مهيار حديثه وانهى وجوده في منزل ليلا التي ألقت جسدها على الأريكة مصدومة:
"كل هذا حدث في لحظة شرود؟! هل كانت لحظة أم أنني لم أشعر بالوقت؟!"
***
تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك بين طرقات القصر يشعر بأنه على وشك إشعال النيران بالقصر ومن فيه خاصة الملك. يا الله، هو لم يتخيل أن يمتلك كل ذلك الشر يومًا للملك. هو فقط يشعر برغبة عارمة في التخلص منه.
كان يتنفس بصوت مرتفع حتى سمع صوتًا خلفه يتحدث بهدوء:
"يبدو أن أخي قد زاد من حديثه هذه المرة، ها؟!"
انتفض جسد دانيار بقوة صوب الخلف ليبصرها تقف هناك في مكانها المعتاد حين كانت تقفز له لتزعجه، في منتصف ساحة الرماية تحمل سيفها ترتدي نفس ثيابها السوداء المتنكرة.
رفع حاجبه من هيئتها تلك:
"هل أنتِ ذاهبة لحربٍ ما؟!"
ابتسمت زمرد تقترب منه بخطوات بطيئة ونظرات خبيثة جعلت ذكريات كثيرة لها تندفع في عقله. وتلك الذكرى حين تحدثت بوقاحة وجرأة له جعلته يبتسم بسخرية وهو يهتف في نفسه: "يا الله، لو علم الملك ما تفعلينه، لمات من حسرته."
قالت زمرد بجدية وهي تتوقف أمامه تحرك سيفها بمهارة:
"فقط فكرت في الخروج للتدرب فقد اشتقت للسيف والقتال منذ..."
"منذ كدتِ تُقتلين على يد أحد المنبوذين؟!"
رفعت عيونها له بشر وقد بدا كما لو أنها نست الأمر تمامًا وحديثه ذكرها، حتى أنها بدأت تشعر بالوجع في جرحها الذي كان ما يزال حيًا لم يبرأ بعد.
"هل تعتقد أنني كنت ضعيفة؟! لقد... لقد غدروا بي، هؤلاء الأوساخ القذرين لعنة الله عليهم، ذلك الوسخ القذر الحقير الصغير الذي جاء من خلفي طاعنًا إياي أقسم أن أخرج حنجرته بيدي وأدهسها أسفل أقدامي، فقط لينتظر ما سأفعله به!"
اتسعت أعين دانيار مما سمع يهمس بغضب وحنق شديد:
"أنتِ يا امرأة تحكمي بلسانك هذا وتوقفي عن النطق بتلك الكلمات البذيئة التي لا تليق بامرأة."
رفعت زمرد حاجبها تجيب بسخرية:
"حقًا؟! وهل الرجال فقط من يحق لهم إطلاق ألفاظ بذيئة؟! ألا يحق لي التعبير عن غضبي بلعني وشتمي لسلالة القرود هؤلاء؟!"
تنفس دانيار بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه يدير وجهه عنها يهمس:
"يا ويلي مما ينتظر إيفان في رحلته لجعلك أميرة راقية، أعتقد أن الله سينتقم لي منه بكِ، أعانه الله وأعانني."
"مهلًا، ما الذي تقصده بحديثك؟! لطالما أخبرتني والدتي أنني أميرة بالفطرة."
ضحك دانيار بسخرية لاذعة وهو ينزع معطفه يلقيه أرضًا. ثم أخرج سيفه، وعاد بنظره لها يقول بعد تنهيدة قوية:
"إذن ما الذي تريدنه الآن لتعودي صوب غرفتك بهدوء شديد قبل أن يقلب أخوكِ القصر فوق رؤوس من به؟!"
نظرت له ثوانٍ قبل أن ترفع سيفها تقول ببسمة صغيرة:
"اشتاق للقتال، بارزني..."
رفع دانيار حاجبه وقال:
"بهذه الحالة؟! هل تبحثين عن سبب قوي يدفع بأخيكِ لقتلي؟! إن كنتِ تفعلين فحري بي أن أخبرك ألا ترهقي نفسك، فهو سيفعل دون الحاجة لتكبدك عناء قتالي بحالتك هذه."
زفرت زمرد دون اهتمام وهي ترفع سيفها في الهواء:
"إن كنت خائفًا، فاستسلم ولا داعي لكل تلك الحجج كي تهرب من مواجهتي."
أطلق دانيار ضحكة ساخرة يرفع سيفه في الهواء بقوة قائلًا:
"تحلمين..."
***
يتحرك في ممرات القصر يسحب يدها خلفه وهي تسير ناعسة مغلقة العينين لا تُحسن رؤية أي شيء أمامها. وهو فقط مستمر في التحرك بها مبتسمًا وهي خلفه تتمتم كلمات غير مفهومة له، حتى وصل بها صوب مكان لا تعلمه فهي كانت تسير مغلقة العينين لشدة رغبتها في النوم، لكن تلك الرائحة التي تسربت لأنفها وذلك الصوت الذي وصل لأذنها أخبرها أين هي بالتحديد.
"الاسطبل؟!"
"ألم تتحدثي يومًا عن رغبتك بالتعلم؟! أردتِ أن أعلمك الفروسية؟!"
نظرت برلنت حولها وهي تحاول تحديد ما يحدث:
"نعم أردت، لكن... الآن؟! في هذا الوقت وبهذه الطريقة؟!"
"ليس هناك أفضل من هذا الوقت، هيا سأعلمك كيف تصعدين أعلى ظهر الخيل وتتحركين به، وأيضًا سأعلمك المبارزة بالسيف والقتال باليد لتدافعي عن نفسك حين الحاجة."
أجابته برلنت بصوت خافت وبسمة واسعة:
"هذا شيء رائع يا تميم، سأحب تعلمه حين أستيقظ غدًا إن شاء الله."
ولم تكد تضع كلماتها قيد التنفيذ وتتحرك صوب الخارج، حتى جذبها تميم من ثيابها رافضًا رحيلها هذا:
"بل الآن يا برلنت، هيا تحركي واصعدي فوق ظهر الخيل لنخرج به وأعلمك امتطاءه."
كان يتحدث وهو يدفع برلنت صوب الخيل حتى توقفت أمامه وهي تنظر له بريبة والخيل بادلها النظرة بالمثل. ومن ثم عادت بنظرها صوب تميم تتحدث:
"يبدو أنه لا يرغب في العمل الآن، لِمَ لا نعود لاحقًا يا تميم؟!"
زفر تميم وهو يتركها ثم تحرك ليجذب الخيل للخارج. لكن برلنت فقط انتفضت للخلف تطلق صرخة مرتفعة افزعت تميم والخيل نفسه.
"ما الذي تفعلينه بالله عليكِ يا برلنت؟!"
وضعت برلنت يدها أعلى صدرها تتنفس بصوت منخفض:
"أنا آسفة، فقط افزعني تحركك المفاجئ، أنا فقط أريد... أريد النوم يا تميم، لقد تخلت عن فكرة تعلمي للفروسية، كانت فكرة سيئة على أية حال."
كانت تتحدث وهي تتحرك للخارج ظنًا منها أن تميم استمع لها وسيلحق بها بالفعل لتعود هي لنومٍ هانئ. لكن فجأة شعرت بجسدها يتطاير في الهواء وهناك من يمسك به من المنتصف. ولم تكد تستوعب ما يحدث حتى وجدت نفسها تجلس أمام تميم فوق خيل يسير بها بسرعة مرعبة، وهي ما تزال تحدق أمامها لا تستوعب ما يحدث، حتى شعرت بيد تميم تشتد حولها يجذبها للخلف أكثر صوبه هامسًا بصوت حنون:
"لا تبتغين التعلم، لا بأس، سنسير قليلًا سويًا."
كل ذلك الحديث وبرلنت لا تؤتي بحركة واحدة وهو فقط ابتسم يهمس لها بحنان وهو يستند على كتفها:
"تنفسي يا بيرلي..."
وأخيرًا تنفست برلنت بصوت مرتفع وكأنها كانت تنتظر إذنه لتفعل:
"ما الذي... ما الذي يحدث؟!"
"لا شيء، فقط أنا وأنتِ فوق صهوة أحد الخيول نقضي ليلة لطيفة سويًا، هل هناك ما هو أروع من هذا برأيك؟!"
نظرت له برلنت تهز رأسها:
"نعم، النوم."
أطلق تميم ضحكات مرتفعة وهو يجذبه صوبه أكثر هامسًا:
"إذن يبدو أن المتعة لم تصل لكِ بالكامل، هيا تمسكي جيدًا."
"لما..."
وتلاشت باقي حروف سؤالها غير المكتمل بصرخة انطلقت من فمها حين شعرت بالخيل يكاد يطير بها وصوت تميم يهدر خلفها بنبرة متحمسة وكأن اندفاع الأدرينالين لجسده تسبب له في لهفة غير مبررة ليعيش ليلة أحلامه مع صغيرته بيرلي:
"فقط أغمضي عيونك واستمتعي يا بيرلي، تنفسي صغيرتي وانسي كل ما يؤرقك ويزعجك، فقط أنا وأنتِ والخيل وسماء ليلة صافية ممتلئة بالنجوم صغيرتي..."
كانت آخر جملة له هامسة جوار أذن برلنت وهو مبتسم بسمة واسعة. وهي فقط أغلقت عيونها وبدأت تبتسم شيئًا فشيئًا حتى أنارت بسمتها كامل وجهها بشكل جلب بسمة لتميم كذلك.
***
في الساحة هو وهي وصوت السيوف... لا تظن أن هناك من قد يحصل على مثل هذا الموعد الغاية في الرومانسية. هي فقط من كانت من الحظ لتنال مثل هذا الموعد مع هذا الرجل الذي يتحرك حولها في الساحة وكأنه أسد يراقب فريسته يستعد للانقضاض عليها. وما هي إلا ثوانٍ وكان سالار يرفع سيفه بقوة يهبط به عليها وكأنه يبارز عدوًا حقيقيًا.
وهي تراجعت بسرعة ترفع سيفها أو بمعنى أصح سيفه الخاص الذي منحها إياه، تصد ضربته بمهارة جعلته يبتسم وقد أعجبه ما يرى. وقبل أن يفكر في شيء إضافي شعر بها تدفعه بقوة كبيرة للخلف ولم يكد يرفع عيونه لها حتى وجدها تنقض عليه بضربات متتالية لا تأخذ نفسًا واحدًا بينهم.
تضرب بقوة شديدة وهي تنظر في عيونه من خلف لثامها وقد شعر بعيونها تبتسم. وهو لم يحرمها بسمته التي ظهرت في عيونه يهمس لها:
"أنا الآن في طريقي للوقوع بحبك للمرة التي أجهل عددها."
وهذه الكلمات كانت أشد من ضربة السيف على تبارك التي توقفت فجأة تحاول أن تستوعبها. ليستغل هو ذلك يهجم عليها بسرعة كبيرة تداركتها تبارك وهي تصيح بحنق شديد:
"هل تغش؟!"
"كل شيء مباح في الحب والحرب، تذكري هذا جيدًا."
صدت تبارك ضربته وهي تسحب السيف بقوة ثم توقفت أمامه تتنفس بقوة:
"هذه ليست بحرب يا قائد."
"نعم، هذا حب مولاتي..."
ابتلعت تبارك ريقها تهمس له بصوت وصل واضحًا:
"أعتقد أنني الآن أفضل كونك خشنًا متجبرًا في التدريبات أكثر من تلك النسخة الـ... معسولة الحديث، أعان الله جنودك إن رأوا منك هذا الجانب يومًا، جانبك القاسي المزعج أفضل في مثل هذه المواقف."
نظر لها سالار تبارك ثوانٍ ليطلق ضحكات مرتفعة عليها، ثم استقام يحاول الحديث من بين ضحكاته، بينما تبارك مجددًا تغرق بين ضحكاته وكأنها تسمعها للمرة الأولى.
"أنتِ... هل... هل تعتقدين أنني... أنني سأتغزل في أحد رجالي أثناء قتالي معه؟!"
توقف عن الحديث ينفجر مجددًا في الضحك، وهي فقط ابتسمت تقول بمزاح:
"لا بالطبع لن أحب أن تفعل الأمر مع أحد غيري سواء كانوا رجالًا أو نساء، أنا شديدة التملك فيما يتعلق بهذه الأمور يا قائد."
ألقى سالار سيفه أرضًا ضاحكًا:
"حسنًا أنا أستسلم، لكن توقفي عن الحديث بهذه الطريقة."
نظرت تبارك للسيف أرضًا بصدمة، ثم رفعت عيونها له تقول:
"هل... هل استسلمت للتو؟! أنا انتصرت عليك؟!"
"نعم لقد فعل لسانك ما لم يستطع سيفك فعله، وهو دفعي للاستسلام في قتال."
لم تهتم تبارك بكل ذلك وهي تبتسم بسمة واسعة سعيدة ترفع سيفها تهتف بسعادة كبيرة وتدور حول سالار:
"ها ليسجل التاريخ أنني هزمت القائد سالار في قتالٍ، لقد أخبرتك، أخبرتك أنني سأهزمك يومًا، أخبرتك يا قائد أنه سيأتي يومٌ وأهزمك شر هزيمة."
كانت تركض في الساحة سعيدة وهي ترفع سيف سالار في الهواء تحتفل بانتصارها على سالار الذي كان ما يزال يقف في منتصف الساحة ينتظر أن تنتهي من احتفالها ذلك ليخبرها. أنه حتى حينما أخبرها أنها لا تستطيع هزيمته، كان مهزومًا في الأساس يتوارى خلف كلماته له كي لا تبصر هزيمته.
لكن انظروا إليه الآن؟! يقف هنا يبتسم سعيدًا بخسارته. فإن كانت خسارته ستسعدها بهذا الشكل، إذن لا مانع أن يستيقظ كل يوم ويخسر معركة معها إن كانت الجائزة بسمة منها.
ابتسم يتحرك لها بعدما حمل سيفه يمسك يدها وهو يجذبها صوبه بهدوء ثم نظر لها يقول ببسمة:
"هل نتحرك؟! أعتقد أنه بعد هذا اليوم الطويل يحتاج كلانا لقسطِ من الراحة، فأنا بالفعل لدي الكثير لأفعله غدًا."
"هل أرهقتك يا سالار؟!"
"لم تفعلي وإن فعلتِ، لا بأس، ما أحب على قلبي من إرهاق لاجلك يا تبارك."
ختم حديثه وهو يتحرك معها يقودها صوب غرفتها. وكعادتها هذا اليوم اندلعت الذكريات في عقلها بقوة شديدة وهي تتذكر كم المرات التي كان يقودها صوب غرفتها غاضبًا ثم يدخلها يأمر الحراس بعدم جعلها تتحرك وحدها، والآن على النقيض تمامًا. أوقفها أمام الغرفة ونظر لها ببسمة يقول:
"خذي ما يكفيكِ من الراحة مولاتي، ليلة سعيدة."
ابتسمت له ولم تجد في عقلها ردًا يوفيه حق ما فعل معها اليوم، ولم تجد أكثر من بسمتها لتقديمها له. ولو تعلم أن تلك البسمة التي تراها قليلة، كانت تعني له الكثير والكثير.
***
صباح جديد حل على الجميع، بعد ليلة طويلة لا يدرك البعض كيف مرت، والبعض الآخر لا يصدق أنها مرت.
تحرك إيفان بين الممرات بهدوء شديد وهو يرى وجوه الجنود يوجهون له التحية وهو يردها لهم برأسه وبسمة صغيرة حتى وصل لساحة القصر وثوبه الملكي يتطاير خلفه ليقابله أول وجه في اليوم:
"مرحبًا بالعريس، اشتقت لك ساعات غيابك يا سالار."
رفع سالار رأسه صوب إيفان يتأمله مبتسمًا وقد كان يقف جوار خيله لينطلق في مهمته لتطهير الحدود من بقايا المنبوذين.
"تبدو مشرقًا منذ الصباح مولاي، ما سر سعادتك تلك؟!"
ابتسم إيفان بسمة جانبية بدت في غاية الخبث لسالار والذي شعر أن ما سيأتي خلفها سيكون مثيرًا للاهتمام. وقد كان:
"أنا أتجهم لزيارة صديقنا العزيز."
زفر سالار يهتف وهو يمسح وجهه بارهاق من القادم:
"بالله عليك يا إيفان لا تبدأ الآن، ما الذي دهاك يا رجل؟! كنت أنت الفرع المتعقل في هذه الأمور، مالي أراك أضحت تنافس أرسلان عنادًا وتهورًا؟! ألا يمكن أن تتأجل تلك الزيارة لحين عودتي، فصدقًا أنا لا آمن عليكما سويًا دون وجود حائل بينكما."
أجاب إيفان بتصميم مخيف وعيونه تلتمع بوميض غامض:
"أرسلان لن يحقق لي ما أريد بالعقل يا سالار، هو لن يلين سوى بالقوة وكلانا يعلم هذا جيدًا."
فرك سالار وجهه، بينما إيفان ابتسم يحاول إبعاده عن التفكير في معركة لم تبدأ بعد:
"دعك مني ومن أرسلان وأخبرني بشأنك، هل كل شيء على ما يرام مع زفافك؟! أينقصك شيئًا؟!"
وعلى ذكر زواجه ابتسم سالار بسمة صغيرة يهز رأسه هزة مقتضبة دون إضافة كلمة في الأمر، فقط هزة أخبر بها إيفان أن الأمور بخير، فهو وإيفان يعلمان أن مثل تلك الأحاديث لا يتم الخوض بها الآن أو أبدًا ربما.
ابتسم إيفان وربت على كتف سالار يهمس:
"ليسعدك الله يا أخي..."
ومن بعد هذه الكلمات أبصر الجميع العريف وهو يقترب منهما بملامح وجه سعيدة، جعلت إيفان يتنفس بصوت مرتفع جذب انتباه سالار متسائلًا عما حدث بينهما.
وبالفعل لم يبخل عليه إيفان وبدأ يشكو العريف وما فعل في القاعة أمس أمام سالار، بينما العريف استرخى باستمتاع شديد يستمع لما يحدث حتى أطلق ضحكات صاخبة جعلت جنون إيفان يزداد وهو يصرخ:
"أرأيت هذا ما عنيت بالتحديد، لقد جن العريف!"
وصلا تميم ودانيار في ذلك الوقت يسمعان صوت سالار المتعجب:
"ما الذي حدث لك يا أبا دارا؟! لم تكن هذه طبيعتك."
ابتسم العريف يقول:
"فقط تذكرت شيئًا ما وضحكت، لم أدري أن الملك أصدر قوانينه بمنع الضحك."
فجأة ومن بين كل تلك الأحاديث أبصرها سالار تقف من بعيد تقترب منه وهي تنظر صوبه. ابتسم بسمة صغيرة يتذكر أنه لم يمر عليها حين استيقظ بسبب رغبته في الانتهاء من تجهيزات جيشه والتحرك به. لكن ها هي الآن قد اتخذت موضعها بعيدًا عن الجميع تنظر له ببسمة أسعدته وجعلت نهاره يزداد إشراقًا عن المعتاد، ليدرك سالار في هذه اللحظة أنه بدأ يربط سعادته وإشراقة يومه بحضورها هي.
انتبه إيفان لنظرات سالار الملتمعة رغم أن ملامحها ما تزال جامدة كما هي، لم يتغير أي شيء بملامح وجهه الصخرية عدا عيونه. ولم يكد يستدير ليرى ما يشاهد سالار حتى أبصر انتفاضة جسده وتشده واشتعال عيونه، وهمسة سالار التي انطلقت منه وهو يزيد من خطواته بشكل مخيف بعيدًا عن الجميع هامسًا:
"لعنة الله على الكافرين."
تعجب إيفان تحول سالار بهذه السرعة ونظر خلفه بسرعة صوب الجهة التي هرول لها وأبصر ما جعل عيونه تتسع وهو يهمس بغضب شديد:
"يا الله ما بالها منذ الصباح هذه المرأة؟!"
وعند تبارك... وقبل دقائق خرجت من جناحها وتحركت صوب الخارج بعدما سألت الجميع عن مكان سالار وأرshدوها أنه ذهب ليقود الجيش صوب حملة تطهير للحدود.
تحركت بسرعة وهي تدعو الله أن تدركه قبل الذهاب. وبمجرد أن خطت للساحة حيث هو ابتسمت تراقبه يقف بكل قوته أمامها، وتقارن بشكل سريع بين هذا الرجل الذي يتقدم جيشه بالأسود وبكل قوة تظهر في عيونه لها على بعد أميال بينهما، وبين الرجل الذي كان يجلس على ركبتيه أمامها في الأمس يربت على قلبها وينظر لها بحنان العالم.
شعور بالسعادة ملأ صدرها وهي تشعر بالتميز على الجميع، فهي الوحيدة التي لها الحق في هذه اللحظة لرؤية ذلك الجانب من هذا الرجل... زوجها.
كلمة جعلت بسمتها تتسع وتتسع أكثر وأكثر. وفي اللحظة التي استدار سالار لها وجدت فجأة من يقطع عنها رؤيته. رفعت عيونها صوب الشخص والذي لم يكن سواها، بومة القصر التي تتمختر في الأنحاء مثيرة حنق الجميع.
رفعت تبارك حاجبها تتعجب وجود شهرزاد، ولم تكد تبتعد عنها حتى سمعت صوت شهرزاد يهتف باستفزاز لكل خلية في جسدها مستدعيًا تبارك الشرسة التي تدفنها أسفل رماد الهدوء حتى تبصر اقتراب إحدى نساء حارتها، ويبدو أنها ستضع تلك المرأة في القائمة مع نساء حارتها، ولو أنها لا ترتقي أن تجاور أم عبد الله في القائمة، لكن لا بأس.
"يبدو أن هدفك الذي جئتِ لأجله تحقق ها؟! أخبرتك أن لا شيء يحدث في هذا المكان دون علمي، كانت مشاعرك للقائد واضحة ونظراتك له واضحة، وفقط ولدي من خسر في هذه الحرب."
توقفت تبارك أمامها ترفع حاجبها تقول بعدم فهم:
"عفوًا منك يا خالة، ولد من الذي خسر؟! الملك؟! يبدو أنكِ لست بالقرب المناسب من ولدك لتدركي ما يحدث حولك في هذا المكان."
شهقت شهرزاد بصوت مرتفع جعل تبارك تكاد تنتفض رعبًا ظنًا أن وحش طروادة يقف خلفها أو أن أسدًا على وشك الهجوم عليها، فهذه الشهقة التي صدرت منها لا يمكن أن تكون بسبب جملتها.
لكنها كانت، إذ أمسكت شهرزاد يد تبارك بقوة وهي تنظر في عيونها بشر تهتف بصوت خافت:
"خالة؟! ما الذي تقصدينه بحديثك؟! إلاما تلمحين أنتِ؟!"
نظرت تبارك ليدها التي كانت تضغط على مرفقها بقوة دون شعور من شهرزاد، أو ربما كانت تعلم وتعمدت إيلامها. ابتسمت لها تبارك وصوت سالار يرن في أذنها يخبرها ألا تخطئ وتظهر وجعها خاصة لهذه المرأة.
"يمكنك سؤال الملك عن ذلك، فهو ولدك في النهاية وليس ولدي أنا... جلالتك."
وقبل أن تتحدث شهرزاد بكلمة إضافية بينما تزيد من ضغطها على ذراع تبارك، شعرت بالأخيرة تُسحب من بين يديها بعنف ومن ثم بدلًا من جسد تبارك الصغير وجدت جسدًا ضخمًا يهيمن عليها بشكل مخيف وصوت قوي يهمس:
"نعم؟! هل تواجهين مشكلة معها... جلالة الملكة؟!"
توقفت تبارك خلف ظهر سالار والذي لم تدرك حتى كيف ومتى تحرك ليصل لها، لكنها أحبت شعور الاحتماء بظهره والذي حجب عنها رؤية الملكة أو ملامح وجهها. ابتسمت دون شعور وهي تسمع كلمة الأخيرة التي خرجت منه ساخرة لتقول في نفسها: "شكله بيحب يضيف اللقب بعد ما يهزق الكل مش معايا بس."
رفعت شهرزاد عيونها صوب سالار وللحظة شعرت بقلبها يرتجف وهي ترى نظراته المخيفة. ابتلعت ريقها تجيب:
"لا أعتقد أن ما يدور بيننا قد يهمك في شيء يا سالار، لذا تنحى جانبًا ودع هذا الحديث للنساء و..."
قاطعها سالار بصرامة:
"يهمني، هذا الحديث يهمني جلالة الملكة، فهذه المرأة التي كنتِ تمسكين بمرفقها على وشك غرز أصابعك داخل لحمها، هي امرأتي وزوجتي، وكل ما يتعلق بها يخصني أكثر منها هي نفسها، والآن أخبريني ما الذي جعلكِ تمسكين ذراع زوجتي بهذه الطريقة التي صدقيني إن وجدت لها أثرًا على ذراعها فلن أصمت."
تراجعت شهرزاد للخلف وقد شعرت أنها لا يمكنها الرد خاصة بعد ما حدث الليلة السابقة في القاعة على مرأى ومسمع من الجميع، مكانتها اهتزت، هذا في حالة أنها لم تخسر مكانتها بالكامل.
"أنت لا تعلم حقًا مع من تتحدث."
ابتسم سالار يهمس بصوت مرعب تسبب في ارتعاشة تبارك في الخلف وهي تحمد الله في نفسها أنه لا يحدثها هي في هذه اللحظة وبهذه النبرة:
"لكنكِ تعلمين مع من تتحدثين الآن يا شهرزاد، وهذا يكفيكِ لتبتعدي أميالًا عن طريقي وطريق زوجتي، حذرتك مرة وهذه الثانية، وأنا لستُ كثير الحديث، المرة الثالثة لن أوجه لكِ كلمة واحدة، بل سأتخذ ردة فعل لن تعجبك أو تعجبني، معذرة منكِ... جلالة الملكة."
ختم حديثه يستدير صوب تبارك وملامحه ما تزال مظلمة لتتراجع تبارك للخلف خطوة وقد شعرت بالخوف منه في هذه اللحظة حقًا. لكنه لم يهتم وهو يسحب تبارك خلفه وتعابير وجهه لم تلين ولو بمقدار شعرة واحدة، وكل ما يدور في رأسه هو أنه لم ولن يسمح أن يكون مصير تبارك كوالدته وبسبب نفس الشخص، فما حدث لهم كان بدايته مواجهات كتلك بين والدته وشهرزاد وهو لن ينتظر نفس النتيجة.
وشهرزاد تراقب سالار وقد أدركت في هذه اللحظة أنها فقدت كل شيء. مكانتها وكلمتها وكل شيء.
"هل كان عليكِ حقًا أن تثيري غضبه جلالة الملكة؟!"
استدارت شهرزاد فزعة على ذلك الصوت لتبصر إيفان يرمقها ببرود. فتحت فمها لتندفع بالحديث وتشكوه ما يحدث:
"إيفان هل رأيت بعيونك ما حدث؟! لقد كان يتحدث معي بشكل سيء و..."
توقفت عن الحديث فجأة وهي ترى نظرات إيفان التي اشتعلت في عيونه وبسمته الجانبية وهو يراقبها لتدرك أنها تناست ما حدث البارحة بالفعل وأنها خسرت حقها في إيفان وأنه علم الحقيقة، أو أنه كان يعلمها سابقًا؟!
"لقد رأيت ما حدث صحيح؟! شاهدت ما فعل بي سالار واكتفيت بالمشاهدة؟!"
ابتسم لها إيفان بسمة صغيرة يقول بكل بساطة وهو يتحرك بعيدًا عنها:
"صدقيني من مصلحتنا جميعًا أنني اكتفيت بالمشاهدة فقط يا جلالة الملكة، اشكري ربك أنني اكتفيت بكلمات سالار لكِ ولن أزيد عليها، والآن معذرة منكِ."
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها لتدرك شهرزاد أن كل شيء أصبح واضحًا وأن اللعب أضحى دون أسرار.
ارتسمت بسمة مخيفة على وجهها وهي تبعد عيونها عن إيفان صوب تلك الفتاة التي تقف أمام القصر تبتسم له لتهمس بشر وغضب شديد:
"ابنة آمنة ها؟! لا بأس ستلحق بوالدتها."
تحركت عيونها صوب إيفان الذي كان يبتسم لزمرد بحنان شديد وأكملت حديثها:
"كلاكما سيفعل، كلاكما سيلحق بها، فإن لم يكن لي السيادة هنا، فلا أحد سيكون له..."
***
تحرك يقود جيشه خارج القصر بعدما ترك تبارك بهدوء بعدما أوصلها لغرفتها تاركًا قبلته على جبهتها هامسًا لها بكلمات وداع قليلة، ثم تحرك دون كلمة وغضبه يكاد يفتك به.
ولم ينس قبل التحرك من أمام الغرفة أن يهمس للرجال أمامها:
"لا أود أن يقترب أحدهم منها عدا زوجة القائد تميم والأميرة زمرد فقط، إن رأيتما امرأة أو رجلًا عداهما يقتربان من هذه الغرفة امنعاه، مهما وصلت رتبة هذا الرجل أو المرأة سمعتم؟!"
وها هو يتقدم جيشه صوب الحدود والتي وصلت لهم أخبار البارحة أنهم أبصروا بعض المنبوذين بالقرب منها. هؤلاء الحشرات لن يهدأ لهم بالٌ حتى يفنوا بيديه.
الآن وهو في طريقه للحدود كان إيفان في طريقه لمشكى تاركين البلاد تحت أنظار دانيار وتميم.
توقف سالار بحصانه حينما وصل لمنطقة الحدود بعد ساعات، ليهبط من فوقه يدور بعيونه في المكان هاتفًا بصوته الجهوري:
"إن أبصرتم منهم حيًا فلا تأخذكم به رحمة، لا أريد أي أثر لهؤلاء الملاعين في أرضي."
هبط رجاله من فوق الخيول والمشاة تحركوا بقوة كالسيل ينتشرون في المكان بأكمله تحت أعين سالار الذي انتزع سيوفه وتحرك خلفهم لينقب عنهم.
انتشر جميع الرجال في الحدود. لتمر ساعات طويلة أو قصيرة لا أحد يدرك كم مر من الوقت أثناء التنقيب عن أي شخص قد يكون اخترق الحدود، وحل الظلام عليهم وقد عثروا بالفعل على ثلاثة منهم كانوا يحاولون الاختباء بين الأشجار وبين أيديهم بقايا أسلحة استعملوها في حربهم الأخيرة معهم.
نظر لهم سالار وهو يخيم عليهم ورؤوسهم منكسة أرضًا يقول بصوت هادئ ظاهريًا:
"أنا أقدر إصراركم، لو أنكم وظفتم هذا الإصرار في شيءٍ آخر، لكنتم تسدتم قرى وبلدان حقًا، لكن ماذا أقول وأقصى طموح الخنازير بركة وحل؟!"
رفع أحد الرجال عيونه لسالار الذي ابتسم له يرى التحدي في عيونه وهو يقول:
"أنت فقط تستمر في الحديث والشعارات، ولا تقدم شيئًا عدا كلمات وكلمات."
ابتسم له سالار يجيبه بكل هدوء:
"عليك إذن بشكر الله أنني أكتفي بشعارات وكلمات، كل ما حدث لكم في الحروب نتيجة بعض الكلمات مني، تخيل لو كانت أفعال ما الذي كان سيحدث لكم أكثر مما حدث بالفعل؟!"
صمت الرجل وأطال النظر في وجه سالار، حتى بصق أرضًا في إهانة واضحة منه لسالار، لكن سالار لم يفعل سوى أن ابتسم وقال:
"هذا أقصى ما تملكه، مجرد كبرياء أحمق يدفعك للبصق أرضًا وكأنك بذلك تتسبب في إذلالي؟! لكن هل فعلت!! أنت حتى لا تمتلك الشجاعة لتبصق بالقرب من قدمي..."
صمت ثم مال عليه قليلًا يهمس له بصوت خافت وبسمة لم يمحها للحظة واحدة:
"أما أنا فأملك الكثير لإذلالك."
وبمجرد أن ختم كلمته كانت قبض
رواية مملكة سفيد الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الثامن و الثلاثون 38 - بقلم رحمة نبيل
رغم أن ما تبقى من قصرها مجرد رماد خلفه احتراق، وبقايا بناء كان شامخًا، إلا أن الوقوف ومشاهدة شروق شمس جديدة على بلادها بعد كل تلك الأشهر التي حرمت من رؤية شمس بلادها، كان يمثل لها أكثر من مجرد مشهد .
شعرت بالدموع تلسع عيونها وهي تبتسم تستنشق هواء الصباح، ثم اغمضت عيونها تتنفس أكثر وأكثر، لكن إن ظنت أن عقلها سيرحمها في تلك اللحظة، ويشفع لها حنينها، فقد اخطأت فبمجرد أن أغلقت عيونها رأته يبتسم عيونها بسمته، رأته يتحرك بكل هيبة بين ممرات قصره، رأته يحمل سيفه وهو يحركه بمهارة مبتسمًا بسخرية، رأته يتوسط عرشه بكل كبرياء وقوة …
مشاهد عديدة له اندفعت لعقل كهرمان التي فتحت عيونها بسرعة تتنفس بشكل مبالغ به وكأنها كانت تركض في ماراثون، مسحت وجهها تستغفر الله، ثم قررت التحرك بعيدًا عن وحدتها والانضمام لشقيقها علّه يصرف عقلها عن التفكير في كل ذلك ..
وبالفعل تحرك خارج غرفتها تسير مرفوعة الرأس كعادتها وهي التي لم تنحني يومًا ولو في أكثر حالتها سوءًا ..
وبمجرد أن وصلت للقاعة الخاصة بعرش شقيقتها سمعت صوت ضحكات أرسلان من الداخل .
فإن كنت أحد المارة العاديين وسمعت ضحكته لفُتنت بسحرها ولرسم لك عقلك صورة جميلة له وهو سعيد، لكن كونها تعلم أرسلان جيدًا وتدركه كراحة يدها علمت أن هذه الضحكة ليست كما تظهر .
تحركت داخل القاعة لتبصر أرسلان يتوسطها بثياب عادية وقد تخلى عن ثوبه كملك، كان يرتدي بنطال اسود وسترة بيضاء بأزرار خشبية وخصلاته السوداء مبعثرة بقوة وقد كانت عيونه ترسل رسالات تحذيرية لكل من يفكر الاقتراب منه، ألا يفعل .
وأمامه يقف بعض الرجال يراقبونه بخوف شديد .
ابتلعت ريقها وقد علمت أن صباح شقيقها لم يكن مشرقًا بقدر خاصتها، إذ تحرك أرسلان يمينًا ويسارًا وهو يبعد خصلاته بعنف عن عيونه :
” ما يزال يمتلك من الحماقة التي تجعله يواجهني ؟!”
توقف فجأة قد دفع بكل ما قابله صارخًا بجنون :
” اللعنة عليه وعلى أمثاله، والله ما خُلق بعد من يتحداني وينجو، وذلك النتن سأريه من جحيمي ألوانًا ”
توقف عن الحديث يتنفس بصوت مرتفع، ثم رفع عيونه صوب الرجال الذين يتوسطهم المعتصم يقول بصوت خافت :
” المعتصم، أنت الآن المسؤول أمامي عن الجيش، رتب كل شيء واستعد سنهدم جميع مساكنهم القديمة الشمالية والغربية، لا اريد لهم أي كهف أو مخبأ واحد، سنضيق الخناق عليهم، ولن نمس المساكن الشرقية دعها لهم كما هي، فنحن لا نريد أن نشرد مئات الخنازير صحيح ؟!”
ابتسم المعتصم بسمة جانبية، ثم هو رأسه هزة صغيرة يقول بصوت خافت :
” معاذ الله أن نفعل مولاي، لك ما تريد ”
وبنظرة سريعة للرجال أدرك الجميع ما يجب فعله وتحركوا للخارج، وتبقى فقط المعتصم مع أرسلان وكذلك كهرمان التي تراقب ما يحدث من بعيد .
” مولاي أنا كنت فقط اريد أخذ أذنك في أمرٍ ما ”
نظر له أرسلان يقول دون تفكير :
” لك موافقة مني على كل ما تريده، تصرف حسبما ترى ”
ابتسم المعتصم بسمة واسعة يقول بصوت خافت وهو يحني رأسه:
” معاذ الله أن اتخطاك مولاي، هذه مملكتك ونحن هنا نسير بشورتك ”
نظر له أرسلان بجدية يجيب دون تردد لثانية :
” وأنا أقدر لك ذلك يا المعتصم، أقدر لك وجودك هنا لمساندة البلاد، كان سالار كعادته محقًا حين اختارك تحديدًا لهذه المهمة ”
نظر المعتصم في عيونه يقول بصدق :
” القائد اختارني لأنه يعلم أنني سأفني عمري فداءً لبلاد ابائي واجدادي مولاي، فأنا من أهل مشكى في النهاية وإن ترعرعت في سفيد ”
ابتسم له أرسلان يربت على كتفه :
” بارك الله فيك وفي رجال سفيد ومشكى اجمعين، قل ما كنت تريد ”
شعر المعتصم بالسعادة لكلمات أرسلان الواثقة تلك وقد أنعش كل ذلك ولاءه أكثر وأكثر، فرغم أن المعتصم كان والده من مشكى، إلا أنه هاجر منذ عقود لسفيد وتزوج بامرأة هناك وانجبه، لكنه يظل من أهل مشكى رغم تدربه على يد رجال سفيد وسالار، إلا أنه لم ينسى بلاده يومًا .
وحين أراد سالار أن يوكل مهمة قيادة رجال مشكى لأحدهم، كان ذكيًا بالقدر الكافي ليقع اختياره على المعتصم والذي يعلم يقينًا أنه يحمل بين دمائه الحارة غضب يوازي غضب أهل مشكى، غضب سيدفعه للتضحية بنفسه لأجل بلاد والده وبلاده، المعتصم والذي لم يكد يبلغ الخامسة والعشرين من عمره حتى، كان قائدًا بالفطرة، كان شابًا يافعًا في جسد ناضج وعقل ذكي .
” فقط أريد أن أعلن في البلاد حاجة الجيش لرجال ونفتح لهم باب التطوع هناك الكثير من الرجال والشباب سيسدون حاجتنا من الأيدي”
ابتسم له أرسلان بسمة واسعة ثم ضحك بصوت مرتفع وقد كانت ضحكته في هذه اللحظة ضحكة حقيقية يقول بجدية :
” يا الله أشعر أنني اتحدث مع رجل حرب مخضرم، هذا بالفعل ما قمت بفعله يا المعتصم، لقد نشرت منذ البارحة رجال تحمل هذا الخبر بين طرقات مشكى بأكملها وكذلك المدن الحدودية.”
ابتسم له المعتصم يجيبه بمزاح :
” يبدو أنني لست رجل الحرب المخضرم الوحيد هنا”
رفع له أرسلان حاجبه يقول ببسمة ساخرة :
” يا بني لقد خضت من الحروب ما تشيب لها الرؤوس، لقد خضت حروبًا تخطت عدد حروب سالار بخمسة وثلاثين حربًا”
اتسعت أعين المعتصم بقوة وصدمة وفغر فاهه ليبتسم له أرسلان يتذكر مشاكسته لسالار طوال الوقت أنه يفوقه بعدد الحروب وذلك لأنه شارك والده الحروب منذ سن صغيرة، الوقت الذي لم يكن سالار حتى جاء لسفيد وكان ما يزال تحت تدريب الملك آزار، وحين جاء لسفيد أخذ بعض الوقت ليثبت كفاءته ويشاركهم الحروب، أثناء ذلك كان هو قد ألف الحروب وارض المعارك، هذا دون ذكر أنه كان يهوى الحروب، أو كما يقول سالار مختل كلما وجد نفسه متفرغًا أخذ جيشه وذهب ليهجم على أوكار المنبوذين، لذا كان هو الهدف الاول لهم ..
أطلق أرسلان ضحكات صاخبة وصوت سالار يتردد في أذنه ساخطًا متهكمًا :
” أنت مجرد متهور لا تهتم لحياتك، أشعر برغبة عارمة في سحب جيوشك منك وتركك هكذا، حينها أثق أنك ستجن لعدم خوضك حربًا قبل النوم وحرب بعد الاستيقاظ ”
رمقه أرسلان بسخرية لاذعة مستفزًا إياه:
” لا بأس، خذ الجيوش ودع لي سيفي، سأحارب بمفردي، ثم هذه هوايتي المفضلة، تحطيم منازل الخنازير أعلى رؤوسهم ..”
أفاق أرسلان على صوت المعتصم وهو يتحرك بعيدًا عنه مستأذنًا، ثم اقتراب كهرمان منه والتي حيته مبتسمة، لتشرق شمس أرسلان وهو يتحرك لها يضمها بحب :
” مرحبًا بأميرتي الجميلة، هل ازددتي جمالًا منذ الأمس كهرمان ؟؟”
ابتسم له كهرمان تضمه بحب :
” مرحبًا يا وسيم، مالك مبعثرًا بهذا الشكل، هكذا تزداد فتنتك أخي، رفقًا على قلوب النساء هنا، لا نريد لزوجة أخي أن تمتلك العديد من الأعداء هنا ”
أطلق أرسلان ضحكات مرتفعة يسمع منها نفس الجمل التي كانت تكررها منذ طفولتهم وهو يجيبها نفس الإجابة :
” يا ويلي من تلك المرأة التي يحمل الجميع همها قبل المجئ، فقط لتأتي ونرى كيف ستكون، من يعلم ربما أصبح حارسًا خاصًا لها إن كانت برقتك ”
ابتسمت له كهرمان تهز رأسها، ثم قالت تأبى التدخل في أمور البلاد، لكنها تخشى أكثر عليه، تخشى أن يتكرر التاريخ ويتلقى طعنات أخرى :
” ألا ترى أرسلان أنك تعطي صلاحيات أكثر مما يجب للمعتصم ؟؟ اعتقد أنه يجب عليك التريث بعض الشيء ”
ابتسم لها أرسلان يدرك فيما تفكر ثم قال بمرارة :
” لا تقلقي عزيزتي فالمعتصم رجل مخلص ليس كرجالي القذرين، سالار وثق به لدرجة إرساله هنا لقيادة الرجال وهذا ما يجعلني أثق به دون تفكير، سالار لا يثق بأحدهم بسهولة ”
نظرت له كهرمان تبتلع سؤالها الذي كاد يخرج منها، وهو رآه واضحًا في عيونها ليجيب بهدوء :
” لم اكن اثق في رجالي كهرمان، أو لنقل رجال عمي العزيز الذين دسهم بين الجيش فترة حكم أبي، لم أكن اثق بهم، وكنت اضع عيوني عليهم أجمعين، وحين اكتشفت خيانتهم وكنت على وشك ردعهم فعلوا فعلتهم، هذا الهجوم وفي هذه اللحظات لم يكن وليد اللحظة، بل علموا ما سيحدث لهم وفعلوا كل ذلك لردعي، أنا لست احمقًا لاغفل عن نظراتهم لهؤلاء الأوساخ ”
صمت ثم أضاف ببسمة وهو يرى نظرات الحزن في عيونها والدموع التي ملئتها :
” بالإضافة أن المعتصم ليس مجرد جندي في جيش الملك بل هو ابن خالته لذلك الحقيرايفان، والدته هي شقيقة الملكة آمنة والدة إيفان..”
” نعم هذا صحيح، ويكفي أنه تربطني به علاقة لتثق به يا عزيزي، والآن ما رأيك أن نوطد العلاقات بيننا أكثر ؟؟”
اتسعت أعين كهرمان لسماع صوته، أو أنه خرج من رأسها ؟؟ استدارت ببطء مع أرسلان الذي تيبس جسده وهو يحدق بإيفان الذي يتوسط مدخل القاعة بثياب عادية بعدما تخلى عن ثوبه الملكي يبتسم بسمته الساحرة والتي جعلت دقات قلب كهرمان تزداد بشكل مرعب ..
” مرحبًا أرسلان، جئتك حتى مملكتك لنتفاهم بشكل ودي ”
ختم إيفان حديثه يخرج سيفه يريه مقدار السلام الذي جاء محملًا به …..
________________________
ذلك المشهد الذي ابصره بمجرد فتح عيونه جعل موجة غثيان تداهمة بقوة وقد احترقت عيونه من المشهد، أبعدها بسرعة وهو يصرخ بجنون يلتقط ثيابه ليرتديها :
” الويل لكِ ما الذي تفعلينه هنا يا امرأة؟؟ ”
كانت يده وجسده بأكمله يرتجف أثناء ارتدائه للثياب، لا يدري أصدمة كانت أم اشمئزاز، هو فقط يشعر بضغط شديد يكاد يتسبب في انفجاره في هذه اللحظة، والمرأة أمامه لا تتوقف عن البكاء والنحيب وهي تهمس بكلمات غير مفهومة .
وبمجرد أن ارتدى ثيابه اندفع خارج الخيمة بسرعة مخيفة، يحدق حوله يبحث عن رجاله، ليبصر البعض منهم يقف أمام الخيمة الخاصة به يحاولون معرفة ما حدث .
لكن سالار لم يهتم وهو يصرخ بجنون :
” ما الذي يحدث هنا ؟! من هذه المرأة داخل خيمتي ؟؟ كيف عبرت منكم ودخلت ؟؟”
نظر له الجميع بصدمة، هم سمعوا صوت صراخ امرأة بالفعل، لكن لم يفهم أحدهم ما يحدث، تقدم أحد الرجال يتحدث بتعجب :
” امرأة في خيمتك ؟! لقد …لقد سهرنا طوال الليل ولم نغفل إلا لثواني وقد كانت جميع حواسنا متيقظة”
أطلق سالار ضحكة ساخرة يقول وهو يقترب منهم :
” متيقظة ؟؟ يا ويلي متيقظة ماذا ؟؟ هذه امرأة في خيمتي كيف …كيف عبرت من كل هؤلاء الرجال. و…”
” اللعنة عليك يا حقير، اقسم أن اقتلك بيديّ هاتين، لقد دمرتني، لجأت لك وانتهكت عرضي، وتسمي نفسك حامي حمى سفيد أيها الوسخ ”
اتسعت أعين الرجال بصدمة شديدة وعلت الهمسات المستنكرة وهم يرون المرأة تخرج بهيئة مدمرة من الخيمة بعدما سترت ما استطاعت من جسدها، وهجمت على سالار تكيل له الضربات والسباب.
لكن أيًا كانت صدمتهم تلك فلم تكن تمثل جزء ضئيل من صدمة سالار الذي تيبس جسده وهو يستقبل منها الضربات والسباب والاتهامات بوجه احمر من شدة الضغط الذي يمارسه على نفسه للهدوء .
” لقد جئتك استغيث بك من محاولة الاعتداء عليّ وأنت استغليت نوم جنودك وقدتني لخيمتك وانتهكتني، اقسم أنني سأقتص منك أمام الجميع، سأشكوك واقتص منك وافضح أفعالك التي تخفيها أسفل غطاء عفتك هذا، سأطالب بمحاكمتك أمام الجميع ”
اغمض سالار عيونه وقد وصلت بعض الهمسات لاذنه، لكنه لم يهتم، بل فقط فتح عيونه ونظر للفتاة نظرة واحدة فقط صاحبتها بسمة مخيفة جعلتها تتراجع للخلف مرتعبة وقد شعرت أنها هالكة لا محالة .
وسالار لم يتحدث بكلمة واحدة، بل تولت نظراته لها كل ما أراد قوله، نظرة جمع بها كافة مشاعره الغاضبة والساخطة والمحترقة.
واهتزاز جسده وتصلبه في هذه اللحظة كان أكبر إشارة ليتجنبه الجميع كان يستطيع الصراخ، الانهيار غضبًا، ضربها أو الدفاع عن نفسه، لكنه لم يفعل كل ذلك هو فقط اكتفى بهزة رأس صغيرة وكلمات مقتضبة .
” حسنًا، أنتِ محظوظة فملكنا ملك عادل، لكِ قصاصك لا ينقص مقدار حبة خردل، موعدنا في المحكمة ”
وبهذه الكلمات ختم سالار حديثه ووجوده أمام الجميع تاركًا إياهم مصدومين من ردة فعله، فشخصٍ آخر مكانه، كان حطم المكان أعلى رؤوسهم، لكن ردة فعل سالار غير متوقعة بالمرة .
بينما سالار تحرك بعيدًا عن الجميع وعن الخيم المنصوبة يحاول التنفس ومعرفة ما حدث، هو فقط يشعر أن جسده سينفجر إن لم يصرخ، كان عليه الصراخ في وجهها وزجرها، بل وقد سول له شيطانه أن يصفعها ويخبرها أن تذهب للجحيم بكل هذا الهراء الذي نطقته .
لكنه وبصعوبة كبيرة كبت كل تلك الأفكار السوداء، نظر حوله يحاول التنفس بشكل صحيح، وفجأة ضربت رأسه فكرة وذكرى من البارحة، حين كان يجلس في خيمته على وشك السقوط في النوم .
وقتها أبصر تبارك وهي تبتسم له وتقترب منه و…..
انتفض جسد سالار كالملسوع وهو يشعر بارتجافه جسده بأكمله وقد بدأت موجة الاشمئزاز تعلو داخله، هذا مستحيل، لا يمكن أن يكون هذا قد حدث، هل حقًا فعل معها شيء خاطئ معتقدًا أنها زوجته ؟!
عند هذه الفكرة انتفض جسد سالار يتقيأ بعنف، وقد شعر بالنفور من جسده والتقزز، يتقيأ من فكرة أنه ربما في غفلة منه لمس امرأة لا تحل له، امرأة غير زوجته، ازدادت موجة اشمئزازه عنفًا، حتى كاد يتقيأ معدته، وعقله لا يدور سوى في نقطة واحدة، هل فعلها حقًا ؟؟؟؟
______________________
كانت متسطحة على الفراش تشعر بالتعب الشديد يصيبها، وقد ذكرها هذا التعب أنها لم تتناول ادويتها، تحركت بنصف جسدها تلتقط بعض الأعشاب تذيبها في ماء، ثم تناولتها وقد بدأت مرارة العشبة تسير في جسدها لينتفض جسدها بتقزز جعل زمرد التي كانت تجلس جوارها تنتفض بدورها فزعة ظنًا أن شيئًا حدث .
انفجرت تبارك في الضحك على ردة فعل زمرد تضع الكوب على الطاولة :
” أنتِ جبانة زمرد ”
رمقته زمرد بحنق شديد :
” جبانة ماذا أيتها الحقيرة؟! لقد ظننت أن قنبلة سقطت أعلى الفراش ”
ابتسمت لها تبارك تريح جسدها مجددًا وهي تنظر للسقف تتنهد براحة وقد بدأ جسدها يتأقلم شيئًا فشيء على الأعشاب بدلًا من الأدوية، ورغم أن مفعول الأدوية اقوى، إلا أن الاعشاب ليست بهذا السوء، هي تقضي الغرض وتساعدها للعيش أيام إضافية رفقة زوجها والتنعم بحبه .
ارتسمت بسمة واسعة على فمها حين تذكرته ليلتوي ثغر زمرد بسخرية تقول :
” ها هي بدأت تسقط في احلام يقظتها والتي أكاد أجزم أن سالار يترأسها ”
دارت تبارك بعيونها صوبها تجيب بكل هدوء :
” وما الذي يزعجك في الأمر عزيزتي ؟! هل لأنك لا تمتلكين زوجًا ؟؟”
ضحكت برلنت والتي كانت تتناول بعض الفاكهة على طرف الفراش الآخر :
” المسكينة ستشيب خصلاتها وتتساقط أسنانها قبل أن نزفها ”
زفرت زمرد تنتفض عن الفراش بغيظ :
” أنا تركت القصر بأكمله وجئت لاضاعة وقتي معكما، اقسم أنني استحق ما تفعلونه بي، ليت كهرمان ما عادت لقصرها لكانت….”
قاطعتها برلنت ببسمة مستفزة :
” شاركتنا السخرية منكِ ”
ضحكت تبارك بقوة على كلمات برلنت وهي تضيف :
” هي محقة، فحالتك مثيرة للضحك والشفقة ايضًا، انظروا لها اكتشفت أنها أميرة بين ليلة وضحاها، وفي الوقت ذاته حُرمت المسكينة من الرجل الذي تحبه لأن اخاها يغار منه ”
قلبت زمرد عيونها تقول بجدية :
” إيفان لا يغار من دانيار، هو فقط يشعر بالسخط لأن دانيار نبذني حين علم بحقيقتي ”
تناولت برلنت بعض حبات العنب تتحدث بجدية :
” نبذك ماذا يا عزيزتي ؟! الرجل صُدم ولم يكد يستوعب أنكِ من هؤلاء القذرين حتى عاد ليجدك تطعنين أحدهم بخنجرك، والله لو كنت مكانه لفررت منكِ لآخر البلاد”
صمتت برلنت، ثم همست وكأنها تخشى نطق الكلمة بصوت مرتفع :
” أنت امرأة خطيرة مخيفة ”
وما كادت تنهي كلماتها حتى نالت ضربة على كتفها من زمرد لتضيف برلنت صفة أخرى وهي ترمقها بغضب تفرك كتفها :
” وحقيرة، أنتِ حقًا امرأة حقيرة زمرد ”
ابتسمت لها زمرد، ثم استدارت صوب تبارك التي كانت تضحك بصوت مرتفع عليهما، لكنها خنقت الضحكات بسرعة حين أبصرت نظرات زمرد لها .
فابتسمت زمرد بانتصار وهي تردد :
” أرأيتِ يا ابنتي هذا ما تمنحك إياه أمتيازاتك كامرأة خطيرة حقيرة”
صرخت برلنت غاضبة :
” ها أنتِ تعترفين أنكِ حقيرة ”
” أنا فقط من اصف نفسي بالحقير، لا أحد آخر عزيزتي ”
التوى ثغر برلنت وهي تنهض عن مقعدها تقول بملل شديد :
” حسنًا أنا أشعر بالملل لجلوسي معكم هنا، لذا سوف اذهب لازعج تميم، وداعًا ”
وبالفعل ما هي إلا ثواني وكانت تتحرك بعيدًا تاركة الاثنتين تنظران في أثرها بحنق شديد، جلست زمرد على الفراش تضم يديها لصدرها جوار تبارك :
” لم يتبقى لي سواكِ تبارك، أنتِ أكثرهن اخلاصًا ”
هزت تبارك رأسها تقول ببساطة :
” لا أنا فقط لا أجد مكانًا أذهب إليه بعيدًا عنكِ، فسالار خرج منذ البارحة، لذا أنا مضطرة أن أجلس معكِ هنا ”
ابتسمت زمرد أكثر تسترخي على الفراش :
” أقدر صراحتك حقًا، لكن هذا لن يدفعني للرحيل، فأنا لا أريد الخروج من هنا والجلوس وحدي، واعتقد أنكِ أنتِ كذلك لا تحبين الجلوس وحدك ”
نظرت لها تبارك ثواني قبل أن تقول بجدية وبسمة صغيرة مهتزة :
” أنتِ محقة أنا لا أحب البقاء وحيدة، اكتفيت من الوحدة زمرد ”
تنهدت زمرد وهي تنظر للسقف فوقها وجوارها تتسطح تبارك، لتقول دون شعور منها :
” ألا تعلمين من هم عائلتك تبارك ؟؟”
سؤال زمرد جعل جسد تبارك ينتفض بخفة قبل أن تقول بصوت خافت موجوع :
” بلى اعلم، سالار هو عائلتي”
نظرت لها زمرد ترى الوجع يسكن عيونها :
” أشعر أنني احدق بانعكاس نظراتي تبارك، لقد عشت حياتي وحيدة رغم الجميع حوله، وازدادت وحدتي بعد رحيل أمي عن الحياة، عشت بالجحيم ”
ابتسمت تبارك بسمة موجوعة وقد بدأت عيونها تمتلئ دموعًا :
” أشعر بالحقارة لقول ذلك زمرد، لكن حياتي بين جدران الملجأ لا تقارن بحياتك بين شعبٍ وسخ كشعبك ”
ابتسمت زمرد بسمة أوسع :
” نعم، لا يوجد جحيم قد يقارن بجحيمي، لذلك أيًا كان وجعك فلا تعتقدي أنه سيكون مخزيًا أو مثير للشفقة كخاصتي ”
نظرت تبارك للسقف مجددًا وقد بدأت دمعة تتدحرج على وجهها حتى لامست غطاء الفراش أسفلها تهمس بصوت متهدج :
” لقد جئت نتيجة اعتداء، لقد …كانت والدتي طفلة في الخامسة عشر من عمرها و….رفضت عائلتها الاحتفاظ بطفلٍ جاء بهذه الطريقة ولأن الشخص الذي من المفترض أنه والدي لم يكن حرًا ليعتني بي_ والحمدلله على ذلك _ تركوني في الملجأ وعلمت بذلك حين أصبحت بالعاشرة ”
ابتسمت زمرد بسمة لا تمت للموقف بصلة تهمس :
” يبدو أن هناك شيء مشترك بيننا، أنا كذلك جئت نتيجة انتهاك لوالدتي، لكن الفرق بيننا أنني لم املك رفاهية الابتعاد عن الشخص الذي من المفترض أن يكون والدي، احسدك حقًا ”
نظرت لها تبارك ثواني قبل أن تنفجر في الضحك من بين دموعها الغزيرة تهمس بصوت متقطع :
” اللي يشوف بلاوي الناس صحيح …”
ابتسمت زمرد بسمة واسعة تضم لها تبارك وهي تربت عليها بحنان، تساندها وهي الأكثر توجعًا، تربت عليها وهي من تحتاج أن يربت عليها احدهم .
زمرد وتبارك وجهان لعملة واحدة، كل واحدة منهما واجهت مصيرها الذي شابه الأخرى مع اختلاف صغير، أن زمرد اضطرت لعيش نصف حياتها تقريبًا في نفس البيئة الموبوئة التي خُلقت فيها، بينما تبارك كانت أشد حظًا أن أُنتزعت من تلك البيئة لبيئة أقل قذارة، لكنها تظل قذرة في النهاية .
الفرق في ردود الأفعال اعتمد على النشأة، فتبارك التي نشأت هشة منطوية على ذاتها، تتجنب المشاكل قدر استطاعتها تضع خطط نجاة أكثر مما تخطط لمستقبلها، ولا تغضب إلا في مواقف قليلة حين يضيق صبرها، لم تكن بنفس قوة زمرد التي اضطرت للنشأة بين مجرمين وقطاع طرق وظلم وانتهاك، ولو أنها سارت بنفس منهج تبارك لكانت دُهست وأنتُهكت أكثر من عدد أنفاسها، كلٌ تعايش بالطريقة التي تسببت في نجاته حيًا من بيئته، كل كان على قدر الابتلاء، فسبحان الذي لا يكلف نفسًا إلا وسعها ..
همستت زمرد بصوت منخفض وهي تربت على ظهر تبارك التي أبصرت وجعها منذ اللحظة الأولى، وجعها حين ذكر العائلة، حين تبصر كهرمان مع شقيقها، كل ذلك تعلمه هي :
” الحمدلله أنك لم تعاني مما عانيته تبارك، الحمدلله عزيزتي، عسى ألا يرى أحدهم ما رأيته…..”
______________________
يقف في ساحة الرماية يحمل سهامه أعلى ظهره وخلفه يقف صف طويل من المتدربين الجدد، ضيق دانيار عيونه ينتزع أحد السهام من حاملته، ثم وضعه في القوس وفي ثواني كان السهم يتوسط الهدف بدقة شديد .
ولم يكد أحد الوافدين الجدد يلتقط أنفاسه من الانبهار، حتى اتبع دانيار السهم الاول بثاني وثالث ورابع وبسرعة كبيرة مخيفة جعلت الجميع يدرك في هذه اللحظة، كيف أن هذا الشاب وفي هذا العمر أصبح قائدًا لجيش الرماة بأكمله ….
” هل الأمر صعب؟؟”
كانت هذه هي الجملة الوحيدة التي نطق بها دانيار بمجرد انتهاءه من التصويب وهو ينظر لهم، ليتبادل الجميع النظرات يفكرون في اجابه، لكن دانيار تجاهل كل ذلك يقول :
” لا انتظر إجابة الآن، سأحصل عليها في النهاية وحينما تنتهي اشهر التدريب، جميعكم جاء بإرادته الحرة ليتدرب في جيوش سفيد، لذا عليكم الإدراك أن الأمر ليس مجرد لقب سيسبق اسمك للتفاخر بل هو مسؤولية ”
انتبه الجميع لكلماته وهو أكمل يستمع لصوت سالار يتردد في أذنه بنفس الكلمات يوم انضم للجيش قديمًا :
” شعرة واحدة بين الفخر والتكبر، شعرة إن انقطعت فلا مكان لك بيننا، هذا ما يحب وضعه أمام عيونكم جميعًا، نحن هنا لنخدم للشعب، لسنا هنا لنتكبر عليهم .”
ختم حديثه يترك السهام جانبًا، ثم نظر لأحد رجاله القدام نظرة يعلمها ليهرول الاخير ويأتي ليتسلم منه التدريبات وهو تحرك في طريقه ليشرف على باقي كتائب الجيش ويطمئن على باقية الأمور .
وبمجرد أن وصل لوحدة القتال أبصر تميم يقف جانبًا يراقبهم بأعين صقر وملامح جامدة ليتنفس براحة، يبدو أن تميم تولى الأمر بالفعل؛ لذا فكر بالذهاب للراحة قليلًا والاستحمام، ومن ثم العودة .
وهذا ما حدث إذ تحرك في طريقة صوب منطقة الغرف ولم يكد يصل لها أو يخرج من نطاق التدريبات حتى أبصر بوابة القصر تُفتح ليبتسم بسمة واسعة يستقبل بها سالار، لكن ما حدث هو أن سالار لم يتوقف بخيله لثانية واحدة يتحرك به بسرعة مخيفة صوب الاسطبل ووجه جامدًا صخريًا لا ينظر لأحد حوله .
تعجب دانيار ما يحدث ونظر للجنود الذين توقفوا بوجوه شاحبة ولا يدرك ما حدث، فتح فمه للتحدث والتساؤل لكن كل ذلك تلاشى حين أبصر امرأة تهبط من فوق أحد الخيول ..
” ماذا ؟؟ من هذه ؟!”
في ذلك الوقت كانت تبارك تجلس على الفراش مع زمرد وقد انتقلت بحديثها صوب اماكن بعيدة عن ماضيها، تبتسم تارة وتزفر تارة بغيظ حتى انتفض جسدها فجأة عن الفراش بشكل مفزع حين سمعت صوت الحراس يهتفون بصوت صاخب :
” عاد الجيش بقيادة القائد سالار منتصرًا يا رجال ”
ومن ثم اصوات تهليل مرتفعة تسببت في تحرك جسد تبارك عن الفراش تحمل حجابها وهي تضعه بسرعة :
” لقد عاد، عاد سالار يا زمرد ”
رفعت زمرد حاجبها تبتسم من لهفة تبارك الواضحة :
” نعم لقد عاد، وأنتِ ستركضين لاحضانه دون تفكير”
” هو زوجي ”
” نعم، لكن لا بأس ببعض الثقل ”
ابتسمت لها تبارك تقول بجدية وهي تجذب طرف الحجاب تغطي به وجهها :
” هذا الثقل تمارسينه أنتِ على دانيار المسكين الذي راح ضحيتك أنتِ وشقيقك، أما أنا وسالار يكفينا بُعدًا طوال تلك الفترة لامارس عليه ثقلًا لا احتاج له على أية حال ”
وبهذه الكلمات ختمت تبارك وجودها في غرفتها تحت ضحكات وبسمات زمرد، تتحرك بلهفة حاولت كبتها، ليس ثُقلًا كما نصحتها زمرد، لكن محاولة بائسة منها لتمنع لهفتها من الظهور للجميع، عليها أن تتقلد بهيبة تناسب مكانة زوجها في المكان .
خرجت من القصر تتحرك بعيونها في الانحاء بحثًا عنه، حتى أبصرت دانيار لتتساءل بلهفة :
” دانيار أين هو سالار ؟!”
أجابها بحيرة شديدة :
” لا اعلم لقد تحرك بسرعة كبيرة بخيله، لكن الاحتمال الأكبر أنه في الاسطبل الآن”
شكرته بإمائة صغيرة تتحرك بسرعة كبيرة صوب الاسطبل دون أن تبصر سوى وجهه البهي وبسمته الحنونة، اتسعت بسمتها وباب الاسطبل يلوح لها .
وبمجرد أن وصلت له توقفت لتتنفس وقد أضحت ضربات قلبها صاخبة بشكل كبير، تحركت داخله تبحث عنه بعيونها، لتبصره يقف في أقصى اركان الاسطبل أمام أحد الخيول بجسد مشتد لم تبصره، تحركت صوبه بخطوات حذرة تقول بصوت خافت وشفاة مبتسمة :
” مرحبًا يا قائد…”
اشتد جسد سالار أكثر وهو يغمض عيونه وقد كان صوتها الخافت في هذه اللحظة، كالمياه الحارقة على الجروح، نفس الصوت الهامس الذي سمعه البارحة في خيمته قبل أن…
توقف عن هذه الأفكار يدفن وجهه بين يديه، بينما تبارك لم تفهم سبب تشدد جسده، بل فقط اقتربت تقول بصوت متردد :
” سالار أنت بخير ؟!”
” فقط ارحلي الآن تبارك رجاءً ”
تعجبت تبارك هذه الكلمات ولم تفهم غرضه منها تقول بريبة وبسمة مترددة :
” ماذا ؟! هل …هل حدث شيء أثناء رحلتك !! أنت بخير صحيح ؟؟ تريد مني فحصك ؟؟ استطيع المساعدة و…”
” فــقـــط ارحــــلــي، أي جزء من حديثي لا تفهمين تبارك ؟!”
اتسعت أعين تبارك بصدمة تتراجع للخلف برعب، ليس من صراخه، ولا كلماته التي بصقها في وجهها ولا غضبه الواضح للاعمى، بل لهيئته وعيونه الحمراء وبشدة وكأنه يصارع نفسه .
ابتلعت ريقها تحاول الابتسام كي لا تزيد وجعه الظاهر في وجهه :
” هل…هل اغضبتك سالار ؟! أنا آسفة ”
وسالار في هذه اللحظة كان يشعر أنه يحارب نفسه، هو الآن لا يعلم ما عليه فعله، هل ينحني ويطلب منها أن تسامحه على شيء لا يعلمه، هل يبكي ويخبرها أنه لم يفعل شيء ؟؟ هل هو بالفعل أخطأ ؟؟
وتبارك التي كانت على وشك الرحيل حزينة باكية، اوقفتها تلك النظرة المتوسلة في عيونه، رأت في عيونه حيرة ووجع ورجاء، هل يترجاها الان ؟؟ لماذا يفعل ؟!
ابتلعت ريقها وهي تتحرك للخلف وكادت ترحل، لولا رؤيتها له يغمض عينه متراجًا للخلف متوجعًا، الرجل الذي لطالما وقف معها في أحلك لحظاتها، يقف هناك يبحث عن ركنٍ ينأى فيه بنفسه ويلعق جروحه .
استدار سالار عنها كي لا ترى نظراته، فقط تحرك صوب الخيل يلامس رأسه بشرود كبيرة يشعر بوجع ينتشر بأنحاء جسده بأكمله، كان ليقسم بالله أنه ما كان ليده أن تمس امرأة يومًا لا تحل له، لو أن الأمر لم يتضمن تبارك، لو أن آخر ذكرى له أمس لم تكن عن تبارك..
شعر بموجة اشمئزاز أخرى تضرب جسده، وما كاد يطلق صرخة مقهورة حتى انتفض جسده على لمسة من الخلف جعلته يستدير بعنف يدفع ذلك الشخص بتقزز :
” ابتعدي …”
اتسعت أعين تبارك التي اندفع جسدها للخلف بقوة حتى أنها سقطت ارضًا، ورغم الجروح التي أصابت ذراعها، إلا أنها لم تهتم وهي تنظر في عيون سالار بصدمة كبيرة، وصدمة سالار في هذه اللحظة كانت أكبر وأعظم .
إذ اندفع بسرعة مخيفة صوبها يرفع جسدها ليتلقفه بين أحضانه يتفحص يدها بخوف ولسانه لا يتوقف عن ترديد جميع عبارات الاعتذار والذنب يملئ وجهه :
” أنا آسف، اقسم بالله أنني لم اقصد، لم تكوني المقصودة تبارك، هل أنتِ بخير ؟! أريني يدك، هل جُرحت ؟؟”
كان يتحدث بسرعة وهو يرفع أكمام ثوبها، ثم جلس على ركبتيه ارضًا دون اهتمام لشيء، ثوبه الذي كان يمنحه تجبرًا في ارض المعركة ويهيمن به على اعداءه ها هو يلوثه دون اهتمام فقط ليمسح لها جروحها .
أعين سالار مثبتة على يدها وهو ينظر للجرح يخرج محرمة من جيبه يمسحها بلطف ولم يتوقف عن الاعتذار وأخبارها أنها لم تكن المقصودة ..
وهي ابتسمت بوجع تقول :
” إذن من المقصودة سالار ؟؟؟؟”
توقفت يد سالار عما تفعل ورفع عيونه ببطء صوبها، ليرى في عيونها نظرات فضول ورغبة بمعرفة ما حدث، وهو فقط ابتلع ريقه يهمس باسمها في رجاء الا تدفعه لتلك النقطة :
” تبارك أنا….”
” ما الذي حدث لك سالار ؟؟ ومن هي تلك المرأة التي كانت مقصودة بحديثك ؟؟ ”
ختمت حديثها تضيف بمزاح لتخفف من حدة الأجواء ولم تدرك أنها تزيد منها دون وعي :
” لا يُعقل أنك قمت بخيانتي بهذه السرعة ها ؟؟؟”
وسالار لم ينفي أو يضحك أو يستنكر حديثها، بل فقط شحب وجهه وترك يدها ببطء وتراجع للخلف وقد على وجهه نظرات ذنب تائهة، جعلت كلمات تبارك تتوقف في حلقها وهي تهمس بصوت متهدج رغم بسمتها التي حاربت لتظهرها :
” لم تفعل صحيح ؟؟؟”
________________________
الأعين تستطيع المحاربة كذلك، تجند الرموش للدفاع والنظرات للهجوم، وفي هذه القاعة كانت النظرات تقاتل وتهاجم، حتى أنها كادت تحرق المكان من قوتها .
” أنت عنيد أرسلان، وهذا لن يفيدك معي، فأنت تعلم جيدًا أنني لن ارحل من هنا إلا بموافقتك، وإن رحلت فلن أتوقف عن المجئ، ولن استسلم لرغبتك الغبية في ابعادي عن شقيقتك ”
ابتسم أرسلان بسمة واسعة يقول :
” الأميرة زمرد …”
رفع إيفان حاجبه وقد تحفز جسده تحت أعين أرسلان الذي أكمل بخبث :
” زوّجها لي وامنحك شقيقتي، لنقوي العلاقة بيننا أكثر”
نظر له إيفان ثواني وعلم أنه يحاول اللعب على اوتار ثباته لذلك قال :
” بغض النظر عن أنني لا ارتضي لشقيقتي شخص عنيد متجبر احمق ذو رأس صلبة لا مثلك، إلا أنني بالفعل لا استطيع الموافقة فهناك بالفعل من سبقك وحصل عليها والحمدلله أنه ليس أنت”
أطلق أرسلان ضحكات صاخبة :
” أنت أكبر حقير في هذه الحياة، انظر هذه هي مشكلتنا إيفان، نحن نعلم بعضنا البعض أكثر مما يجب، ولهذا أنا لا أريد أن امنح شقيقتي لمتملك متحذلق قذر مثلك ”
” صدقني لو امتلكت شقيقة ثانية اقسم أنني لم أكن لامنحها لشخص متجبر قاسٍ مثلك أرسلان ”
” إذن نحن متفقان ”
هز إيفان رأسه يجيبه بكل بساطة :
” نعم، هذه هي الحقيقة، كما قلت نحن نعلم بعضنا البعض أكثر مما يجب لنوافق على مثل هذه الامور، لكنها الحياة يا صديقي ليس شرطًا أن تخضع لرغباتك ”
تنهد أرسلان بصوت مرتفع يقلب عيونه بملل شديد :
” أنت لن تستسلم قريبًا صحيح ؟!”
” أبدًا ”
” هذا يصعب عليّ وعليك الأمر ”
” يمكننا أن نجعله اسهل علينا جميعًا وتوافق على تزويج شقيقتك لي ”
” أحلم كما شئت ”
أجابه إيفان ببسمة واسعة :
” لطالما حققت احلامي وأنت أكثر من يعلم هذا ”
صمت ليصمت أرسلان الذي كان يستضيفه في غرفة جانبية لقاعة العرش يجلس أمامه بتحفز وقد أتخذ الاثنان وضع الهجوم، مال إيفان بعض الشيء على ركبتيه يقول بجدية :
” إذن نجعلها معركة فعلية في ساحة الحرب ؟؟”
ابتسم إيفان يدرك أن أرسلان في أحلك نزاعاتهم لم يكن ليرفع إبرة في وجهه، وارسلان يعلم أن إيفان وفي أكثر حالات غضبه ما كان له أن يعلن كلمة حرب أمامه هو، لكن الإثنان فقط نظرا لبعضهما البعض واجاب أرسلان :
” جهز جيوشك يا فتى والحقني لأرض المعركة ”
نظر له إيفان ثواني قبل أن ينفجر في الضحك، ما الذي كان يتوقعه ؟! أن يرفض الحرب معه ويتراجع ؟! هذا الرجل ذو رأس صلب كالصوان .
” ما رأيك أن تكون حرب فردية ؟؟ لا عدة ولا عداد، أنا وأنت فقط ”
أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا وهو يعتدل في جلسته :
” أنت تريد مبارزتي على الفوز بشقيقتي ؟! خسئت أنت واشباهك الاربعين، هل أخبرك أحدهم أنها ميدالية إيفان ؟؟”
نعم ها هو رجل الكهف يقفز خارج ثياب أرسلان الملكية الراقية ليتسيد الجلسة .
” أنت احمق أرسلان ”
” وأنت غبي إن ظننت أن مجيئك وتوسلك لي يكفي لامنحك جوهرتي ”
أجابه إيفان بملامح باردة :
” أنا لم اتوسلك ”
” يمكنك أن تفعل ولن امنحك إياها كذلك ”
زفر إيفان بضيق شديد :
” أنت لن تسهل الأمر علينا صحيح ؟؟”
” صحيح ”
نهض إيفان عن المقعد ثم رمقه بشر يقول :
” تبًا لعنادك الغبي أرسلان، أنا لن اتحرك من هنا سوى بموافقة شفهية وكتابية منك أنك توافق على تزويجي شقيقتك ”
ختم حديثه يتحرك خارج القاعة صوب الغرفة التي يحتلها عادة في قصر أرسلان، لكن الأخير أبى أن تكون الكلمة الختامية في هذا الحوار لإيفان فقال بهدوء :
” لقد تقدم أحد الرجال في جيشي لكهرمان، وأنا اوافق عليه يكفي أنها ستظل جواري هنا ”
ولم يكد يلفظ آخر كلماته حتى وجد جسد يندفع على مقعده مجددًا بعدما هجم عليه إيفان بشراسة يجذب ثيابه صارخًا بجنون ووجع غاضب لم يبصره منه سوى يوم تشاجرا وانفصلا قبل سنوات :
” لعنة الله على كل من سولت له نفسه النظر لكهرمان مثل هذه النظرات، شقيقتك ستصبح زوجتي أمام الله والناس أجمعين، ولن تكون لغيري، أنا لم أصبر كل هذه السنوات ليأتي أحدهم وينتزع مني امرأتي أرسلان، سأقتلك واقتله ”
وعلى عكس المعتاد منه استرخى أرسلان في المقعد رغم قبضة إيفان المشتدة حول ثيابه :
” أنت تعلم أن تهديدك الاحمق هذا لا يخيفني صحيح ؟؟ ”
” يجب أن يفعل وإلا لن يظل مجرد تهديد ”
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يهمس بفضول :
” أنا فقط أتساءل عن اول مرة أبصرت بها شقيقتي وما الذي قادك للرغبة في الزواج منها وهي كانت مجرد عاملة لديك في القصر، لا اعتقد أن الملك يهتم بجميع العاملات ويرغب في الزواج منهن ؟!”
اطال إيفان النظر في عيونه وفي ثواني عادت له ذكرى اول لقاء مع كهرمان في جناح قصره، خصلاتها وثوبها الخفيف وعيونها الفزعة وهو يوجه سيفه على رقبتها داخل مرحاضه .
استغفر ربه يبعد المشهد عن عيونه، ورغم ذلك لم يستطع كبت البسمة التي علت وجهه وهو يستعيد ذكرى قتالهما سويًا، وتلك البسمة التي ارتسمت على وجهه لم تساعد البتة على تهدئة فضول أرسلان الذي همس بأعين ضيقة :
” ما معنى هذه البسمة التي تعلو وجهك ؟!”
ازدادت البسمة اتساعًا قبل أن تتحول لضحكة صاخبة وارسلان قد بدأ جسده يزداد تحفزًا وغضبًا بالإضافة لهمسة إيفان له التي اشعلته أكثر :
” لتشكر ربك أنك تمتلك نفس أعين شقيقتك وإلا كنت نزعتهما لك بعد هذه النظرات التي وجهتها لي ”
ختم حديثه يتركه راحلًا وجسد أرسلان ما يزال على المقعد بصدمة كبيرة يهمس :
” أعين شقيقتي ؟؟ وأين أبصرت أنت شقيقتي ”
انتفض بجنون يصرخ بصوت هز أركان القصر :
” ايفـــان أيــهـا الحقيــر ”
______________________
كانت تبحث عنه في كل مكان وبالصدفة عثرت عليه في أحد الممرات يتحدث مع بعض الرجال الذين يحرسون غرفة ما لا تدرك لكن تعود .
لكنها انتظرت حتى تحرك من أمامها لتقول بصوت هادئ:
” تسير اعزلًا دون سهامك ؟؟ ماذا إن قابلتني صدفة في الممرات ؟؟ كيف ستخرج سهامك لتهديدي دانيار ؟؟”
توقف دانيار في سيره ينظر لها بانتباه قبل أن يبتسم وهو يقول :
” تكفيكِ عيوني زمرد ”
نظرت له زمرد ثواني قبل أن تضحك بصوت مرتفع جعل أعين دانيار تشتد وهو يزجرها بنظراته لتتوقف عن الضحك وهي فقط توقفت تقول بصعوبة بسبب ضحكاتها :
” آسفة، لكنك فاشل في هذه الأمور ”
اقترب منها دانيار يقول بأعين محذرة :
” أي أمور يا ترى ؟!”
” أمور الغزل وما شابه ذلك دانيار، أنت لست بارعًا سوى في الحديث المستفز الساخر وفقط”
رفع دانيار حاجبه، يبتسم بسمة جانبية :
” ومن اين لك بهذه الثقة وأنا لم أوجه لكِ يومًا كلمة غزل واحدة زمرد ؟!”
رفعت زمرد عيونها له تقول باعتراض :
” هذا ببساطة لأنك لا تستطيع ”
” بل لأنني لم أكن امتلك وقتًا لفعل ذلك عزيزتي، أنتِ وخلال جميع مقابلاتنا لم تمنحيني فرصة واحدة للتنفس دون الدفاع عن نفسي أمام ضربات سيفك وليس لاخبرك كلمات غزل، ثم أنا لا ألقي بكلمات غزلي الثمينة في وجه أيٍ كان، هذه الكلمات احتفظ بها لزوجتي ”
اشتعلت أعين زمرد وهي تقول بتحفز :
” ما الذي تقصده بحديثك دانيار ؟؟”
” أنتِ حقًا لا تريدين سماع توضيحي ”
” بل أريد ”
” وأنا لا أستطيع التوضيح أكثر، ليس الآن على الأقل وليس في هذا المكان ”
نظرت له بفضول وعظم فهم وهو هز رأسه يقول :
” على كلٍ ما الذي كنتِ تفعلينه هنا ؟؟”
نفت زمرد ما كانت تفعله سريعًا ساخرة :
” بالطبع لم أكن اتتبعك أو ابحث عنك، أنا فقط كنت أسير بملل في القصر وابصرتك تقف أمام هذه الغرفة”
صمتت وفشلت في كبت فضولها :
” غرفة من هذه ؟؟”
وهو ابتسم يجيب بكل براءة وبنصف حقيقة :
” امرأة ”
تشنجات ملامح زمرد :
” عفوًا ؟؟”
” سألتي عن الغرفة أخبرتك أنها تعود لامرأة وكنت اطمئن انها تنال الراحة التامة، وأخبر الحراس أن يعتنوا بها بشكل مناسب ”
ازداد تشنج وجه تبارك وهي تنظر حولها صوب الغرفة مرة أخرى :
” ومن اين سقطت تلك المرأة على رؤوسنا ؟! هل اكتشفت أنك تمتلك شقيقة فجأة !!”
” لا يكفيني مهيار في الحقيقة لاتحمل شقيق آخر، لكن من يعلم ربما تربطنا علاقة أخرى بمسمى أخرى غير شقيقة ”
” ماذا والدتك ؟!”
كانت كلمات مندفعة لم تستطع كبتها وهو اشتعلت ملامحه بتحذير :
” زمرد الزمي حدودك وإلا…”
” أنت هل تحاول إثارة غضبي؟؟ لأنك نجحت بالفعل دانيار ”
ابتسم دانيار بسمة واسعة يهمس لها بتسائل :
” هل تغارين ؟!”
نظرت له ثواني بأعين مشتعلة، ثم تحركت بعيدًا عنه بهدوء شديد تهمس قبل تحركها :
” إيفان محق في إبعادك عني دانيار، أنت لئيم خبيث، وأنا لا أحب التعامل مع هذا النوع ”
اتسعت أعين دانيار بصدمة يهمس في اعقابها :
” حقّا ؟؟ حري بكِ إذن أن تتجنبي التعامل مع شقيقك فهو أكثر سكان سفيد والممالك خبثًا ولئمًا ”
توقفت زمرد أن السير تجيب بغيظ مشتغل :
” دع اخي خارج الحوار ولا تزج به في كل شجار دانيار ”
صرخ دانيار في المقابل غاضبًا :
” الحقيقة تؤلم، لكن شقيقك خبيث أكثر مني ومن الجميع، اقسم أنه أكثر انسان مستفز خبيث، هو …يشبهك تمامًا زمرد ”
نظرت له زمرد ثواني بغضب شديد قبل أن تضرب الأرض أسفلها بغضب صارخة :
” للجحيم ايها الخائن ”
ركضت بعيدًا عنه وهو وقف يتنفس بصوت مرتفع وغضب مشتعل، بينما جميع الحراس حوله متعجبون ما يحدث، ليهتف هو بغضب :
” ماذا ؟؟ ليعد كلٌ لعمله ”
زفر يتحرك بعيدًا وهو يحاول فصل عقله عما يحدث الآن والتفكير في تلك الفتاة والتي تسلمها من الجنود العائدين وأخبروه بالاحتفاظ بها تحت حراسة بأمر من القائد سالار وحتى عودة الملك إيفان وأن يرسل مرسال لإيفان يطالبه بعودة سريعة للبلاد..
” ما الذي يحدث هنا الآن ؟؟ ألن ينتهي كل هذا ؟؟”
زفر يتحرك بعيدًا ليوصل رسالة سالار بسرعة عودة الملك ..
__________________
” أنت لم تفعل سالار صحيح ؟؟”
نكس سالار رأسه ارضًا يهمس بصوت مختنق ونبرة قتلت تبارك :
” أنا…أنا حقًا لا ادري ”
ابتلعت تبارك ريقها بصدمة كبيرة تنظر حولها تبحث عن شيء عجيب قد يكون دليلها لاكتشاف أنها تحلم، وأن مظهر سالار هذا ليس سوى حلم يقظة تراه لشدة اشتياقها له، لكن يبدو أن الحلم بدأ يتحول لكابوس .
نهضت تنفض ثيابها وهي تتحرك صوب سالار تجذبه لينهض وهو متعجب ردة فعله :
” انهض هيا، انهض تعالى معي نحن لن نتحدث هنا، أنت تبدو مرهقًا، هيا تعال ”
كانت تتحدث وهي تنفض له ثيابه ثم تحركت تجذبه معها، وهو فقط لم يفعل سوى أن مد يده يعدل لها من وضعية حجابها ومن ثم يخفض الغطاء على وجهها، لتبتسم هي من أسفل الغطاء .
تحركت معه بين الطرقات تمسك يده بإصرار وكأنها تخشى أن يتلاشى من بين أصابعها إن تركته، تحركت معه حتى وصلت لغرفته بعدما فكرت أن غرفتها ربما لن تكون مناسبة في حالة أن إحدى الفتيات قد تأتي لها على حين غرة .
وقفت أمام غرفته واستدارت له تنظر له باهتمام :
” افتح الباب رجاءً”
أخرج سالار مفاتيح غرفته من جيب ثوبه وفتح الباب، ثم دفعه ودفعها هي برفق ودخل ليغلق الباب خلفه .
وبمجرد أن دخل وقبل التحدث بكلمة واحدة قاطعته هي تجذب يده بإصرار تجلسه على المقعد، ثم استقرت أمامها تضم قبضتيه بين يديها وقد انقلبت الأدوار فجأة تهمس له برجاء تلمسه هو في صوتها :
” أخبرني ما يحدث معك سالار ؟؟ هل كل شيء بخير ؟؟ ما الذي كنت تقصده في الاسطبل ؟؟ خانك التعبير صحيح ؟!”
شرد سالار في يدها التي تضم يده وقال دون شعور :
” أنا… أنا لا اعلم شيئًا تبارك، كان …كان يمكنني القسم أنني ما كان لي أن المس امرأة سواكِ لولا …”
توقف عن الحديث وهو ما يزال يمسك يدها بين قبضته بقوة رافضًا أن يدعها تسحبها بعدما أرادت ذلك منذ ثواني .
ولولا أنه ثبت عيونه على يدها لكان أبصر شحوب وجهها واتساع عيونها ودموعها التي ملئت مقلتيها:
” لولا …لولا ماذا سالار ؟؟ هل …هل فعلتها ولمست امرأة أخرى ؟؟”
رفض أن يرفع عيونه بعدما سمع نبرة البكاء في صوتها، ليس الآن، لن يستطيع مواجهتها الآن.
” لا، اقسم أنني لم أفعل، ليس بإرادتي على الأقل لقد …لقد ظننتها ..أنا حتى لا اعلم إن حدث شيء أو لا أنا فقط لا اتذكر شيئًا تبارك ”
حاولت تبارك جذب يديها من بين كفيه ليشدد هو الضغط عليها يهمس بصوت مختنق وقد شعر بقلبه يرتجف بخوف من ابتعادها مما ستسمع، لكنه لا يستطيع أن يخفي عليها شيء قد تعلمه بطريقة اسوء :
” أنا…اقسم أنني يومًا لم أفكر في امرأة، او المس امرأة لا تحل لي عن قصد، وأنتِ تعلمين ذلك، والآن حين وجدت امرأتي ومسكني، هل تظنين أنني قد افعلها بإرادتي ؟؟”
سقطت دموع تبارك بقوة تهمس له :
” أنا لا افهم شيئًا مما تقول سالار، ارجوك تحدث بطريقة واضحة، هل …هل خنتني مع امرأة ؟؟ تحدث سالار ولا توجعني أكثر ارجوك ليس بهذا الشكل، وليس بك أتوسل إليك ”
كانت تتحدث باكية وهي تميل على يديهما المتعانقة تبكي اكثر وهو نظر لها بوجع يهمس وقد آلمه قلبه مما يرى :
” لقد رأيتك، ظننتها أنتِ وهذا …هذا ما يخيفني، هل فعلت لها شيئًا ظنًا مني أنها أنتِ ؟؟ ”
رفعت تبارك عيونها بصدمة كبيرة له تهمس دون فهم لتلك الكلمات التي خرجت من فمه :
” ظننتها أنا ؟؟ وما الذي قد أفعله على الحدود، بل ما الذي قد تفعله أي امرأة في هذا المكان ؟؟”
واخيرًا قرر أن يرفع عيونه لها بعدما شعر أنها محت نظرة الخذلان من عيونها وقد ظهر هذا واضحًا في نبرتها المتعجبة، ابتلع ريقه يجيب بصوت خافت وهاجس مرعب يراوده أنها قد تنبذه :
” سأخبرك كل ما حدث، لكن حري بكِ العلم أن هذه المرأة سـ … أنها تريد أن نقف أمام الملك وأُحاكم ”
ودون شعور من تبارك خرجت سبة من بين أسنانها بغضب مرعب جعل أعين سالار تتسع بصدمة من سبتها وهي انتفضت تصرخ بجنون :
” تطلب محاكمة مين ؟؟ هي مين دي اساسا ؟؟ هي فين ؟؟”
نهض سالار يقف أمامها يحاول التحدث بينما تبارك كان جنونها قد ازداد، لا تنكر رعبها من احتمالية لمس سالار لامرأة أخرى، وفي المقابل لا تصدق أن الشخص الذي كان يتعامل معها بخنجره وسيفه مخافة أن يلمسها لمسة خاطئة قد يمس امرأة أخرى ..
وكيف رآها هي ؟؟ كيف يقول إنه ظنها هي ؟!
” هي مين دي ؟؟ وايه اللي وصلها للحدود وايه اللي حصل بالضبط ؟! احكيلي كل حاجة لأن اقسم بالله لو اللي في بالي صح ما هسيب فيها حتة سليمة، وهخليها عبرة لكل واحدة تفكر بس ترفع عيونها عليك …..”
____________________
خرج من الغرفة بعدما انتهى من استحمامه يبتسم بسعادة وقد تمكن واخيرًا من الهدوء والتفكير بشكل جيد، بحث بعيونه عنها بين الطرقات ..
واخيرًا عثر عليها يراقبها من نافذة تقبع في جانب أحد الممرات تتحرك بين الحدائق تساعد بعض النساء في تشذيب الزهور .
ابتسم دون وعي وقد شعر برغبة عارمة في المبارزة معها، تعجب إيفان شعوره هذا، وارتباط اشتياقه لها بالمبارزة.
تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك بعيدًا عن النافذة، ثم هبط الدرج يتحرك صوب تلك المنطقة بتردد شديد، يخشى الاقتراب والتعدي على حرمة منطقة النساء، قمع شيطانه في اللحظة الأخيرة، يتراجع للخلف وقد لغى هذه الفكرة المجنونة من عقله .
ابتعد يتوسط ظلال إحدى الأشجار ينتظر أن تطل عليه بهيئتها التي تساهم في إسراع وتيرة ضربات قلبه وتنفسه بشكل خطير .
وبالفعل ما هي إلا دقائق انتظرها حتى أبصرت تخرج ضاحكة الثغر من تلك المنطقة تحمل بين يديها سلة زهور تنافسهم رقة .
” مرحبًا ..”
فزعت كهرمان للحظات تنظر صوب الصوت لتتفاجئ بإيفان فاشتعلت خجلًا وهي تنظر ارضًا متحدثة برقة غير معهودة منها أمام إيفان، فهي في السابق كانت تتحدث معه إما بتحدي كونها المبارزة الغامضة، أو بكبرياء كونها العاملة الثائرة .
والآن يبصر إيفان منها الأميرة الرقيقة :
” مرحبًا ملك إيفان ”
رفع إيفان حاجبه يردد كلمتها :
” ملك إيفان ؟؟ هذا مثير للاهتمام، كانت هذه الكلمات لتسعدني لو سمعتها منكِ يوم كنتِ تقفين أمامي دون أي خوف وكأنكِ تمتلكين نصف سفيد وحدكِ ”
اتسعت أعين كهرمان وشعرت بالخجل مما كانت تفعل سابقًا، ورغم ذلك قالت بعدما ابتلعت ريقها بهدوء :
” كيف اساعدك ؟!”
” نعم رجاءً يمكنك مساعدتي وأخبار شقيقك أن يتنازل عن عناده الغبي ويزوجني اياكِ ”
مجددًا صدمها بحديثه، فقد كان يتحدث بكل هدوء وبراءة، ليس وكأنه يعرض عليها الزواج مباشرة الآن، نظرت له بتوتر تقول:
” ملك إيفان..”
” ليس الآن رجاءً، تستمرين في مناداتي مولاي مولاي نكاية بي وبكل عناد، وحين يأتي الوقت الذي انتظر به سماع القاب أخرى غير مولاي، تعاندين رغبتي مجددًا وتطلقين عليّ ملك إيفان ”
رفعت كهرمان حاجبها تقول محاولة إخفاء بسمتها :
” أولست ملكًا ”
” لكنني الآن لست في سفيد ولا ارتدي ثياب الملك”
نظر لثيابه البسيطة المريحة يقول باسترخاء شديد :
” هذه ثياب شاب مسكين وقع بين براثن رجل متجبر فقط لأنه يطالبه بالزواج من شقيقته”
لم تستطع كهرمان أن تكبت بسمتها وهي تتساءل مدعية الجهل :
” وما الذي يجعل هذا الشاب المسكين يتقدم للزواج بكل هذه الثقة وهو لم ينل حتى موافقة العروس ”
ضحك إيفان بصوت صاخب يقول :
” يا ويلي هذه الخطوة هي حلم من احلامي، صدقيني أنا مازلت لا استطيع تخطي الخطوة الأولى بالمرور من الوحش كي اصل للأميرة ”
أجابته كهرمان بهدوء شديد ونبرة راقية كعادتها التي سبق وكانت لها الفضل في كشفها أمامه:
” ألا ترى أن احلامك تستحق كل هذه المعاناة ملك إيفان ؟؟”
” بلى، تستحق وأكثر مما تتخيلين أميرة كهرمان ”
رفعت رأسها بكبرياء تقول :
” إذن، عليك بإكمال معاركك حتى النهاية، فالطريق شائك أمامك ”
” أنا اسير به رغم كل الأشواك سمو الاميرة، ولا يضيرني كل ما تتحدثين عنه إن أدركت يقينًا أن حلمي ينتظرني في نهاية الطريق ”
نظرت لعيونه ثواني قبل أن تبتسم ببساطة تجيب :
” عليك إذن بإكمال الطريق للنهاية والتأكد بنفسك إن كان ينتظرك أو لا، بالاذن منك مولاي ”
ختمت حديثها ترفع طرف ثوبها وتميل ميلة صغيرة، ثم رفعت رأسها له تمنحه بسمة أخيرة متحركة بعيدًا عنه لولا أنه أوقفها يقول ببسمة :
” كنت أود دعوتك لقتال، لكني أدرك أن الأمر شبه مستحيل الآن خاصة بعدما اتخذت عهدًا ألا أفعل قبل أن أصل لحلمي ويصبح ملكي أمام الجميع، لذا ما أن أصل لنهاية الطريق فأنتِ تدينين لي بقتالٍ كأيام الخوالي ”
استدارت له كهرمان نصف استدار تحييه بهدوء :
” الجميع يقابل أحلامه بالبسمات، أتعجب أن تقابله أنت بالقتال مولاي؟! ”
” هذا أمر بيني وبين حلمي، لا يفهمه سوانا، فالقتال بيننا يحمل ذكريات أكثر مما تحمل البسمات لنا ”
” لا عجب إذن أن حلمك يماثلك غرابة ”
ابتسم بجيبها بغموض :
” بل ينافس الزهور رقةً سمو الأميرة ”
ابتسمت تنظر لسلة الزهور بيديها، ثم هزت رأسها تتحرك بهدوء شديد وهي تردد :
” حظًا موفقًا مع حلمك إذن، اتمنى لك رحلة سعيدة مولاي ”
همس إيفان يجيبها في ظهرها :
” ستكون …ستكون كهرمان ”
ختم حديثه يتنفس بصوت مرتفع، ثم تحرك صوب القاعة الخاصة بارسلان ليكمل المعركة العالقة بينهما، لكنه لم يكد يصل للقصر حتى أبصر صقر يتحرك في السماء فوقه مصدرًا صوتًا قويًا، رفع رأسه صوبه يضيق عيونه قبل أن يتعرف عليه هامسًا :
” صقر من سفيد ؟؟”
أطلق إيفان صفيرًا عاليًا انتبه له الصقر ليتحرك بسرعة صوبه، وإيفان رفع له ذراعه يستقبله عليه، ثم تحسس ريشه مبتسمًا :
” مرحبًا بالمرسول العزيز، من أرسلك ؟؟”
حمل منه الرسالة يفتحها وهو ما يزال يحمله على ذراعه ليتعجب أنها لا تحتوي سوى على كلمات مقتضبة تطالب بعودته على وجه السرعة وفي النهاية هناك توقيع باسم سالار .
نظر إيفان للصقر بتعجب وكأنه سيجيبه :
” ما الذي حدث ؟؟؟؟”
_______________
وما هي إلا ساعات استغرقها إيفان في طريقه من مشكى وحتى سفيد، دخل القصر بخطوات قوية وهو يجد بعض الحراس ينتفضون لرؤيته، هز رأسه لهم يقول بجدية كبيرة :
” أين القائد سالار ؟!”
أجابه أحد الرجال بجدية كبيرة وهدوء اكبر :
” في غرفته مولاي ”
أشار له إيفان بيده يشمر أكمام ثيابه، وهو يتحرك بعيونه قبل أقدامه صوب غرفة سالار وقد اضطرب قلبه من السبب المحتمل لاستدعاء سالار له بهذه الطريقة والتي لم يفعلها سوى في الكوارث التي لا تحتمل التأخير أو القرارات التي لا يمكن اتخاذها دونه، وهذا اسوء بكثير فمع صلاحيات سالار في غيابه، لا يوجد قرار لا يستطيع أخذه إلا شيئين أن تكون حرب على وشك النشوب، أو قرار يتعلق بسالار نفسه، وإن سألتموه، سيخبركم أنه يفضل الخيار الاول .
توقف أمام غرفة سالار يتنفس بصوت مرتفع قبل أن يطرق الباب يتحدث بصوت عالي مسموع :
” سالار …”
وفي الداخل وعلى فراش سالار كانت تتسطح تبارك نائمة بعمق شديد لا تشعر بشيء فقط اصوات هامسة حولها، اصوات شجية تعلم مصدرها جيدًا، ولا تود فتح عيونها مخافة أن تتلاشى تلك الأصوات .
وتلك الاصوات لم تكن سوى صوت سالار الذي كان يستند برأسه على الوسادة رغم أنه يجلس على مقعد جوار الفراش يتلو عليها بعض آيات القرآن، قبل أن ينتفض على صوت طرق الباب وصوت إيفان يناديه ….
نظر لتبارك نظرة صغيرة يطمئن أنها لم تستيقظ وتحرك سريعًا صوب الباب يفتحه فتحة صغيرة متحدثًا بصوت هامس:
” مرحبًا إيفان”
” أي مرحبًا هذه ؟؟ ما الذي حدث سالار ؟! لقد ارسلت في عودتي على وجه السرعة ”
تنهد سالار بصوت مرتفع يقول ببسمة صغيرة لا تمت للمزاح بصلة :
” اعتقد أنك على وشك عقد جلسة محاكمة أخرى اكون فيها المدان إيفان”
نظر له إيفان ثواني بتشنج قبل أن يهمس له :
” عفوًا ؟؟ ما الذي تقصده أنت ؟؟ أي جلسة حكم تلك ولماذا سأحاكمك سالار، وبأي تهمة ؟؟”
نظر له سالار ثواني قبل أن يلقي في وجهه كلماته دون أي مقدمات أو تحذير فقط نطق جملته بهدوء استمده من تبارك للتو :
” تهمة انتهاك شرف إحدى النساء ”
ختم حديثه بهدوء شديد وهو ينظر لإيفان الذي كان يحدق فيه بنفس الملامح المترقبة وكأنه لم يقل شيئًا، ينظر لسالار بملامح بلهاء لأول مرة يبصرها، ووالله لو أن سالار في موقف آخر غير موقفه هذا لكان ضحك بصوت مرتفع بين الطرقات الآن.
وإيفان نظر حوله في الممر، ثم عاد بنظراته لسالار يقول :
” ماذا ؟؟ هل حدثت جريمة شرف خلال غيابي ؟؟ امسكتم بالفاعل ؟؟”
ابتسم له سالار بسمة مقهورة يدرك صدمته :
” لا لم نمسك به، ما يزال حرًا حتى وقت محاكمته وها أنت تتحدث معه في هذه اللحظة ”
ومجددًا نظر إيفان حوله يبحث عن ذلك الشخص الذي يتحدث عنه سالار :
” حسنًا يبدو أنني أصبحت بطئ الفهم، اعذرني سالار فأنت تعلم أن الحديث مع أرسلان يستلزم الكثير من التفكير، ما الذي كنت تخبرني به للتو ؟؟”
تنهد سالار بصوت مرتفع :
” هناك فتاة تتهمني في جريمة تعدي وتطالب بمحاكمتي ”
اتسعت عيون إيفان بصدمة كبيرة وهو يهمس بعدم تصديق :
” تتهم من ؟؟”
” أنا ”
” أنا …أنا لا افهم ما تريد قوله سالار، وضح لي ما حدث ببطء رجاءً، فأنا أشعر بالغباء الشديد الآن ”
هنا ولم يتمكن سالار من كبت ضحكاته التي خرجت منه بقلة حيلة وهو يقول :
” صدق او لا تصدق، هذه جريمة وأنا الجاني ”
اشتعلت أعين إيفان يهمس بعدم فهم :
” كيف ومتى ولماذا و…أخبرني كل ما حدث ببطء سالار كي اعلم ما الذي سيحدث الآن…”
__________________
كانت تجلس على الفراش في الغرفة التي من المفترض أنها سجنها حتى تخرج للمحاكمة، ابتسمت بسمة واسعة تهمس بسخرية لاذعة :
” حتى سجونهم افضل من افخم الغرف لدينا، هل هذا العدل ؟؟”
تحركت صوب المرآة تراقب نفسها فيها مبتسمة تعدل من وضعية خصلاتها وثيابها وهي تنظر متفاخرة بملامحها وفتنتها :
” ليس عدلًا أن يكون مصيري لذلك المشوه بافل، جمالي وفتنتي تستحق ذلك الوسيم ”
فجأة غامت عيونها بالعديد من المشاعر تتذكر الساعات التي قضتها في دفء أحضان سالار تهمس باستمتاع شديد :
” رجل فريد من نوعه، قوي وسيم، شخص يليق بي وبجمالي و….”
فجأة قطع حوارها مع نفسها صوت طرقات يتبعها صوت أحد الحراس يطالبها بالخروج لأجل المحاكمة، رفعت حاجبها بتعجب شديد تهمس :
” كان هذا اسرع مما تخيلت، يبدو أن الحقوق هنا تؤخذ ساخنة ”
أطلقت ضحكة خفية عقب كلماتها تضع قطعة قماشية بالكاد تخفي خصلاتها، ثم تحركت بملامح واجمة مترددة صوب الباب لتجد أحد الحراس يقف منتظرًا إياها ..
” هل ….هل ستتم محاكمة ذلك المجرم حقًا ؟؟”
نظر لها الحارس ثواني بجمود قبل أن يقول بكل بساطة :
” اتبعيني ”
تحركت خلفه بغيظ شديد وهي تراه يتجاهلها، بل ويرميها بنظرات متقززة، لكن لا بأس طالما أنها ستحقق ما تريد وتنتهي، الأن ستحطم الصورة النمطية للقائد أمام الجميع وتتسبب في إحراز هدفها الأول .
وصل صوب بوابة ضخمة لتتنفس بصوت مرتفع تتجهز لمقابلة الأشخاص بالداخل، لكن بمجرد فتح الباب لم يقابلها سوى أشخاص معدودين فقط، نظرت حولها بتعجب تبحث عن الشعب الذين جاءوا لحضور المحاكمة .
ولم تكد تكمل بحث حتى سمعت صوت جهوري يقول :
” تقدمي .”
رفعت عيونها بسرعة صوب ذلك الصوت لتبصر رجل يتوسط أحد المقاعد بكل كبرياء وهيبة، رفعت حاجبها ببطء تتقدم وهي تقول :
” جلالة الملك ؟!”
” نعم، تفضلي …”
تقدمت موري تقف في منتصف الساحة وهي تنظر حولها تبحث عن المحاكمة التي طالبت بها، ولم تجد سوى الملك والقائد ورجاله الذين شهدوا الواقعة على الحدود فقط ..
رفعت عيونها للملك تقول بتسائل واعين مشتعلة :
” لقد طالبت بمحاكمة يعود حقي فيها جلالة الملك، ولا أرى أن هذه محاكمة، هل تحاول أن تغطي على أفعال قائد جيوشك ؟؟”
رفع إيفان حاجبه يبصر ذلك التبجح منها، يبتسم بسمة جانبية مرددًا :
” معاذ الله أن أصفق للباطل سيدتي، لكن جرائم الشرف تتم بهذا الشكل لا يحضرها إلا من شهد الواقعة، وهذا ليس لتغطية أفعال قائد جيوشي، بل لستر عرض المرأة التي من المفترض أنها…مظلومة سيدتي ”
بهتت تعابيرها من كلماته وقد شعرت أن خطتها في طريقها للفشل، لتعترض بقوة فهي لا تبتغي من كل ذلك معاقبة سالار، بل فقط تطمح لهز صورته ليس إلا .
فهي وقومها إن لم يستطيعوا هزيمتهم في ارض المعركة وجهًا لوجه، فما لهم سوى هزيمتهم في أعراضهم وأفكارهم، إن فشلوا في حرب الأجساد عليهم خوض حروب أخرى تضمن لهم تشتيت صفوفهم ولو لثواني بالافكار المسمومة..
” لكنني طالبت بمحاكمة ليعلم الجميع أي الرجال هو قائدك مولاي ”
ابتسم لها إيفان بسمة واسعة يحييها بكل بساطة يحاول ألا يظهر اتخاذه لصف سالار :
” لكِ ما تردين، نثبت فقط إدانته وحينها نعرض جرائمه الشنيعة على الملئ ”
بللت موري شفتيها وهي ترى الجميع حولها ينظر لها وكأنها هي المذنبة هنا، رفعت عيونها للملك تحاول التماسك تسمعه يردد :
” آنسة ….”
صمت إيفان ثواني يردد بعدها :
” ما اسمك سيدتي ؟؟”
رفعت موري عيونها له تقول بصوت متردد خافت ليس وكأنها هي من كانت تصرخ منذ ثواني :
” موراديما مولاي ”
تعجب إيفان الاسم لثواني، لكنه تجاوز الأمر يقول :
” آنسة موراديما لقد القيتي تهمة على قائد الجنود أمام رجاله في المخيم أنه انتهك عرضك، صحيح ؟؟”
هزت موري رأسها بنعم وهي تقول بصوت خافت :
” نعم مولاي ”
اعتدل إيفان في جلسته وقد أبصر بطرف عيونه انقباض ملامح سالار وتشدد قبضته وتصلب جسده الذي يوحي بمقدار الإرادة التي يبذلها للتحكم بذاته .
هز إيفان رأسه يجيب بهدوء :
” إذن أخبريني من البداية، ما الذي ذهب بكِ للحدود حيث الرجال، وخاصة لخيمة قائد الجنود ؟؟”
رفعت موري عيونها ولم تكد تتحدث بكلمة حتى تفاجئ الجميع بالباب يُفتح وتبارك تقتحم المكان على الجميع دون مقدمات تنظر لهم بأعين مشتعلة، وقد تحفز جسد سالار يكره تواجدها هنا بين الجميع .
وتبارك لم تصمت، بل تحركت صوب موري بحركات عدائية تقول بصوت غاضب ساخر :
” من بين جميع الرجال بهذه المملكة لم تجدي غير زوجي لتلقي قذارتك في وجهه يا امرأة ؟؟”
اتسعت أعين موري بصدمة وهي ترى امرأة تقف أمامها بتحدي وكأنها ستناطحها وتقتلها، وتبارك بالفعل كانت تفكر في كل ذلك وهي تهمس :
” اقسم أن حسابك سيكون على يديّ هاتين ”
نظر إيفان صوب سالار الذي تحفز جسده بغضب وهو ينظر صوب تبارك يرفض وجودها في هذا المكان، ليصدح صوت إيفان يقول بجدية :
” سمو الأميرة، رجاءً لا يمكنك توجيه أي كلمات مسيئة لأي أحد هنا، فحتى هذه اللحظة سالار متهم في هذه الجريمة ما لم تثبت براءته، كما لا يمكنك توجيه إساءة لاحد ما لم تثبت عليه الجريمة أو سوء النية. ”
اشتعلت القاعة حولها وعم الهرج والمرج بين الجميع، وهي لا تهتم بكل ذلك، بل كانت تتوسط القاعة بكل شموخ ترفع رأسها بقوة وشراسة لم تعتقد أنها قد تمتلكها يومًا، تنطق بصوت مرتفع صاخب دون أن تعبأ بأحد حولها، فقط لا ترى أبعد من نظراته ولا تبصر سوى النيران التي تشتعل بقلبها في هذه اللحظة مشيرة صوب نقطة في القاعة :
” أنا لن افترض حسن النية في أي شخص قد يفترض سوء النية في زوجي، وإن كان ملكًا بجناحين ابيضين وحلقة ذهبية تعلو رأسه، فيكفيني كلمة سوء واحدة في حق زوجي لاراه شيطانًا اسودًا بقرون حمراء، وانتهينا …”
تنفس سالار بصوت مرتفع وهو يقول بصوت حاد يتحرك صوب تبارك محذرًا :
” تبارك توقفي …”
لكن تبارك لم تكن ترى أمامها سوى نظرات سالار التائهة الضائعة والمتوجعة، تلك النظرات التي قتلتها :
” من بين جميع رجال المملكة اختارت الرجل الوحيد الذي يُقبل أن تُبتر يداه ولا يمس امرأة لا تحل له”
نظرت لها موري تقول بصوت خرج بصعوبة بسبب غضبها المكبوت من تلك المرأة :
” ليس ذنبي أنكِ لا تبصرين قذارة زوجك سيدتي ”
ابتسمت تبارك تنزع يدها من يد سالار مرددة بصوت حاد كالفحيح :
” من يرى بسالار قذارة، فما هي إلا انعاكس لقذارته ..سيدتي، لا شأن لزوجي بقذارتك الداخلية”
ختمت حديثها ليعم صمت قاتل في المكان، وإيفان ورغم أنه لا يحب أن يتجاوزه أحدهم في قاعة الحكم، إلا أن كلمات تبارك ارضته نوعًا ما، فهذه امرأة لا يمكنه التعدي عليها ولو كان متأكدًا أنها تكذب، لكن تبارك في النهاية امرأة مثلها .
جابهت موري تبارك التي كانت تقف في وجهها دون خوف تبتسم لها بسمة كما لو كانت على وشك ابتلاعها، وسالار اكتفى من كل ذلك يجذب تبارك بعيدًا عن موري يهمس لها :
” تبارك يكفي، هي ستحاسب على ما فعلت، لا يمكنك أن تتعاملي بهذا الشكل معها، ما فعلته لن يسوءني، لكن تحدثك بهذا الشكل بين الجميع وصوتك المرتفع بين الرجال هو ما يسوءني ”
نظرت له تبارك تقول ببسمة غاضبة :
” هذا وأنا لم افعل كل ما افكر به يا قائد، أنا ما زلت امتلك الكثير من الأمور التي لم اعبر عنها بصوت مرتفع ”
نظر لها سالار ثواني قبل أن يبتسم لها بسمة صغيرة هامسًا بصوت منخفض وهو يميل قليلًا تحت أعين الجميع :
” فقط اصبري عزيزتي إن تأكدت مما يدور في عقلي، لكِ مني كلمة أن أترك لكِ حرية فعل كل ما تفكرين به ..”
ابتسمت له تبارك تهمس بصوت منخفض :
” كل ما افكر به !!”
تعجب سالار نبرتها وهي ابتسمت بسمة واسعة، وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة سمعوا صوت إيفان يقول بتنبيه :
” إذن نكمل المحاكمة ؟؟”
وقبل أن يتفوه أحدهم بكلمة قاطعهم صوت أنثوي يقول :
” ليس بدوني، أخبرتك أن تنتظري تبارك …”
وعلى هذا الصوت وهذه النبرة اهتز جسد موري بعنف وهي ترتجف هامسة برعب شديد لأول مرة تشعر به عند سماع هذا الصوت وهي من اعتادت الغضب لسماعه، تهمس بصدمة وقد شحبت ملامحها تبصر عدوتها اللدودة تخطو للمكان بثياب تبدو ثمينة ومظهر مرتب غريب :
” زمرد ؟؟؟؟”
_______________________
لا الاسرار تظل الاسرار…ولا الماضي يظل ماضيًا
رواية مملكة سفيد الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق على الفصل.
صلوا على نبي الرحمة .
________________
رغم أن ما تبقى من قصرها مجرد رماد خلفه احتراق، وبقايا بناء كان شامخًا، إلا أن الوقوف ومشاهدة شروق شمس جديدة على بلادها بعد كل تلك الأشهر التي حرمت من رؤية شمس بلادها، كان يمثل لها أكثر من مجرد مشهد .
شعرت بالدموع تلسع عيونها وهي تبتسم تستنشق هواء الصباح، ثم اغمضت عيونها تتنفس أكثر وأكثر، لكن إن ظنت أن عقلها سيرحمها في تلك اللحظة، ويشفع لها حنينها، فقد اخطأت فبمجرد أن أغلقت عيونها رأته يبتسم عيونها بسمته، رأته يتحرك بكل هيبة بين ممرات قصره، رأته يحمل سيفه وهو يحركه بمهارة مبتسمًا بسخرية، رأته يتوسط عرشه بكل كبرياء وقوة ...
مشاهد عديدة له اندفعت لعقل كهرمان التي فتحت عيونها بسرعة تتنفس بشكل مبالغ به وكأنها كانت تركض في ماراثون، مسحت وجهها تستغفر الله، ثم قررت التحرك بعيدًا عن وحدتها والانضمام لشقيقها علّه يصرف عقلها عن التفكير في كل ذلك ..
وبالفعل تحرك خارج غرفتها تسير مرفوعة الرأس كعادتها وهي التي لم تنحني يومًا ولو في أكثر حالتها سوءًا ..
وبمجرد أن وصلت للقاعة الخاصة بعرش شقيقتها سمعت صوت ضحكات أرسلان من الداخل .
فإن كنت أحد المارة العاديين وسمعت ضحكته لفُتنت بسحرها ولرسم لك عقلك صورة جميلة له وهو سعيد، لكن كونها تعلم أرسلان جيدًا وتدركه كراحة يدها علمت أن هذه الضحكة ليست كما تظهر .
تحركت داخل القاعة لتبصر أرسلان يتوسطها بثياب عادية وقد تخلى عن ثوبه كملك، كان يرتدي بنطال اسود وسترة بيضاء بأزرار خشبية وخصلاته السوداء مبعثرة بقوة وقد كانت عيونه ترسل رسالات تحذيرية لكل من يفكر الاقتراب منه، ألا يفعل .
وأمامه يقف بعض الرجال يراقبونه بخوف شديد .
ابتلعت ريقها وقد علمت أن صباح شقيقها لم يكن مشرقًا بقدر خاصتها، إذ تحرك أرسلان يمينًا ويسارًا وهو يبعد خصلاته بعنف عن عيونه :
" ما يزال يمتلك من الحماقة التي تجعله يواجهني ؟!"
توقف فجأة قد دفع بكل ما قابله صارخًا بجنون :
" اللعنة عليه وعلى أمثاله، والله ما خُلق بعد من يتحداني وينجو، وذلك النتن سأريه من جحيمي ألوانًا "
توقف عن الحديث يتنفس بصوت مرتفع، ثم رفع عيونه صوب الرجال الذين يتوسطهم المعتصم يقول بصوت خافت :
" المعتصم، أنت الآن المسؤول أمامي عن الجيش، رتب كل شيء واستعد سنهدم جميع مساكنهم القديمة الشمالية والغربية، لا اريد لهم أي كهف أو مخبأ واحد، سنضيق الخناق عليهم، ولن نمس المساكن الشرقية دعها لهم كما هي، فنحن لا نريد أن نشرد مئات الخنازير صحيح ؟!"
ابتسم المعتصم بسمة جانبية، ثم هو رأسه هزة صغيرة يقول بصوت خافت :
" معاذ الله أن نفعل مولاي، لك ما تريد "
وبنظرة سريعة للرجال أدرك الجميع ما يجب فعله وتحركوا للخارج، وتبقى فقط المعتصم مع أرسلان وكذلك كهرمان التي تراقب ما يحدث من بعيد .
" مولاي أنا كنت فقط اريد أخذ أذنك في أمرٍ ما "
نظر له أرسلان يقول دون تفكير :
" لك موافقة مني على كل ما تريده، تصرف حسبما ترى "
ابتسم المعتصم بسمة واسعة يقول بصوت خافت وهو يحني رأسه:
" معاذ الله أن اتخطاك مولاي، هذه مملكتك ونحن هنا نسير بشورتك "
نظر له أرسلان بجدية يجيب دون تردد لثانية :
" وأنا أقدر لك ذلك يا المعتصم، أقدر لك وجودك هنا لمساندة البلاد، كان سالار كعادته محقًا حين اختارك تحديدًا لهذه المهمة "
نظر المعتصم في عيونه يقول بصدق :
" القائد اختارني لأنه يعلم أنني سأفني عمري فداءً لبلاد ابائي واجدادي مولاي، فأنا من أهل مشكى في النهاية وإن ترعرعت في سفيد "
ابتسم له أرسلان يربت على كتفه :
" بارك الله فيك وفي رجال سفيد ومشكى اجمعين، قل ما كنت تريد "
شعر المعتصم بالسعادة لكلمات أرسلان الواثقة تلك وقد أنعش كل ذلك ولاءه أكثر وأكثر، فرغم أن المعتصم كان والده من مشكى، إلا أنه هاجر منذ عقود لسفيد وتزوج بامرأة هناك وانجبه، لكنه يظل من أهل مشكى رغم تدربه على يد رجال سفيد وسالار، إلا أنه لم ينسى بلاده يومًا .
وحين أراد سالار أن يوكل مهمة قيادة رجال مشكى لأحدهم، كان ذكيًا بالقدر الكافي ليقع اختياره على المعتصم والذي يعلم يقينًا أنه يحمل بين دمائه الحارة غضب يوازي غضب أهل مشكى، غضب سيدفعه للتضحية بنفسه لأجل بلاد والده وبلاده، المعتصم والذي لم يكد يبلغ الخامسة والعشرين من عمره حتى، كان قائدًا بالفطرة، كان شابًا يافعًا في جسد ناضج وعقل ذكي .
" فقط أريد أن أعلن في البلاد حاجة الجيش لرجال ونفتح لهم باب التطوع هناك الكثير من الرجال والشباب سيسدون حاجتنا من الأيدي"
ابتسم له أرسلان بسمة واسعة ثم ضحك بصوت مرتفع وقد كانت ضحكته في هذه اللحظة ضحكة حقيقية يقول بجدية :
" يا الله أشعر أنني اتحدث مع رجل حرب مخضرم، هذا بالفعل ما قمت بفعله يا المعتصم، لقد نشرت منذ البارحة رجال تحمل هذا الخبر بين طرقات مشكى بأكملها وكذلك المدن الحدودية."
ابتسم له المعتصم يجيبه بمزاح :
" يبدو أنني لست رجل الحرب المخضرم الوحيد هنا"
رفع له أرسلان حاجبه يقول ببسمة ساخرة :
" يا بني لقد خضت من الحروب ما تشيب لها الرؤوس، لقد خضت حروبًا تخطت عدد حروب سالار بخمسة وثلاثين حربًا"
اتسعت أعين المعتصم بقوة وصدمة وفغر فاهه ليبتسم له أرسلان يتذكر مشاكسته لسالار طوال الوقت أنه يفوقه بعدد الحروب وذلك لأنه شارك والده الحروب منذ سن صغيرة، الوقت الذي لم يكن سالار حتى جاء لسفيد وكان ما يزال تحت تدريب الملك آزار، وحين جاء لسفيد أخذ بعض الوقت ليثبت كفاءته ويشاركهم الحروب، أثناء ذلك كان هو قد ألف الحروب وارض المعارك، هذا دون ذكر أنه كان يهوى الحروب، أو كما يقول سالار مختل كلما وجد نفسه متفرغًا أخذ جيشه وذهب ليهجم على أوكار المنبوذين، لذا كان هو الهدف الاول لهم ..
أطلق أرسلان ضحكات صاخبة وصوت سالار يتردد في أذنه ساخطًا متهكمًا :
" أنت مجرد متهور لا تهتم لحياتك، أشعر برغبة عارمة في سحب جيوشك منك وتركك هكذا، حينها أثق أنك ستجن لعدم خوضك حربًا قبل النوم وحرب بعد الاستيقاظ "
رمقه أرسلان بسخرية لاذعة مستفزًا إياه:
" لا بأس، خذ الجيوش ودع لي سيفي، سأحارب بمفردي، ثم هذه هوايتي المفضلة، تحطيم منازل الخنازير أعلى رؤوسهم .."
أفاق أرسلان على صوت المعتصم وهو يتحرك بعيدًا عنه مستأذنًا، ثم اقتراب كهرمان منه والتي حيته مبتسمة، لتشرق شمس أرسلان وهو يتحرك لها يضمها بحب :
" مرحبًا بأميرتي الجميلة، هل ازددتي جمالًا منذ الأمس كهرمان ؟؟"
ابتسم له كهرمان تضمه بحب :
" مرحبًا يا وسيم، مالك مبعثرًا بهذا الشكل، هكذا تزداد فتنتك أخي، رفقًا على قلوب النساء هنا، لا نريد لزوجة أخي أن تمتلك العديد من الأعداء هنا "
أطلق أرسلان ضحكات مرتفعة يسمع منها نفس الجمل التي كانت تكررها منذ طفولتهم وهو يجيبها نفس الإجابة :
" يا ويلي من تلك المرأة التي يحمل الجميع همها قبل المجئ، فقط لتأتي ونرى كيف ستكون، من يعلم ربما أصبح حارسًا خاصًا لها إن كانت برقتك "
ابتسمت له كهرمان تهز رأسها، ثم قالت تأبى التدخل في أمور البلاد، لكنها تخشى أكثر عليه، تخشى أن يتكرر التاريخ ويتلقى طعنات أخرى :
" ألا ترى أرسلان أنك تعطي صلاحيات أكثر مما يجب للمعتصم ؟؟ اعتقد أنه يجب عليك التريث بعض الشيء "
ابتسم لها أرسلان يدرك فيما تفكر ثم قال بمرارة :
" لا تقلقي عزيزتي فالمعتصم رجل مخلص ليس كرجالي القذرين، سالار وثق به لدرجة إرساله هنا لقيادة الرجال وهذا ما يجعلني أثق به دون تفكير، سالار لا يثق بأحدهم بسهولة "
نظرت له كهرمان تبتلع سؤالها الذي كاد يخرج منها، وهو رآه واضحًا في عيونها ليجيب بهدوء :
" لم اكن اثق في رجالي كهرمان، أو لنقل رجال عمي العزيز الذين دسهم بين الجيش فترة حكم أبي، لم أكن اثق بهم، وكنت اضع عيوني عليهم أجمعين، وحين اكتشفت خيانتهم وكنت على وشك ردعهم فعلوا فعلتهم، هذا الهجوم وفي هذه اللحظات لم يكن وليد اللحظة، بل علموا ما سيحدث لهم وفعلوا كل ذلك لردعي، أنا لست احمقًا لاغفل عن نظراتهم لهؤلاء الأوساخ "
صمت ثم أضاف ببسمة وهو يرى نظرات الحزن في عيونها والدموع التي ملئتها :
" بالإضافة أن المعتصم ليس مجرد جندي في جيش الملك بل هو ابن خالته لذلك الحقيرايفان، والدته هي شقيقة الملكة آمنة والدة إيفان.."
" نعم هذا صحيح، ويكفي أنه تربطني به علاقة لتثق به يا عزيزي، والآن ما رأيك أن نوطد العلاقات بيننا أكثر ؟؟"
اتسعت أعين كهرمان لسماع صوته، أو أنه خرج من رأسها ؟؟ استدارت ببطء مع أرسلان الذي تيبس جسده وهو يحدق بإيفان الذي يتوسط مدخل القاعة بثياب عادية بعدما تخلى عن ثوبه الملكي يبتسم بسمته الساحرة والتي جعلت دقات قلب كهرمان تزداد بشكل مرعب ..
" مرحبًا أرسلان، جئتك حتى مملكتك لنتفاهم بشكل ودي "
ختم إيفان حديثه يخرج سيفه يريه مقدار السلام الذي جاء محملًا به .....
________________________
ذلك المشهد الذي ابصره بمجرد فتح عيونه جعل موجة غثيان تداهمة بقوة وقد احترقت عيونه من المشهد، أبعدها بسرعة وهو يصرخ بجنون يلتقط ثيابه ليرتديها :
" الويل لكِ ما الذي تفعلينه هنا يا امرأة؟؟ "
كانت يده وجسده بأكمله يرتجف أثناء ارتدائه للثياب، لا يدري أصدمة كانت أم اشمئزاز، هو فقط يشعر بضغط شديد يكاد يتسبب في انفجاره في هذه اللحظة، والمرأة أمامه لا تتوقف عن البكاء والنحيب وهي تهمس بكلمات غير مفهومة .
وبمجرد أن ارتدى ثيابه اندفع خارج الخيمة بسرعة مخيفة، يحدق حوله يبحث عن رجاله، ليبصر البعض منهم يقف أمام الخيمة الخاصة به يحاولون معرفة ما حدث .
لكن سالار لم يهتم وهو يصرخ بجنون :
" ما الذي يحدث هنا ؟! من هذه المرأة داخل خيمتي ؟؟ كيف عبرت منكم ودخلت ؟؟"
نظر له الجميع بصدمة، هم سمعوا صوت صراخ امرأة بالفعل، لكن لم يفهم أحدهم ما يحدث، تقدم أحد الرجال يتحدث بتعجب :
" امرأة في خيمتك ؟! لقد ...لقد سهرنا طوال الليل ولم نغفل إلا لثواني وقد كانت جميع حواسنا متيقظة"
أطلق سالار ضحكة ساخرة يقول وهو يقترب منهم :
" متيقظة ؟؟ يا ويلي متيقظة ماذا ؟؟ هذه امرأة في خيمتي كيف ...كيف عبرت من كل هؤلاء الرجال. و..."
" اللعنة عليك يا حقير، اقسم أن اقتلك بيديّ هاتين، لقد دمرتني، لجأت لك وانتهكت عرضي، وتسمي نفسك حامي حمى سفيد أيها الوسخ "
اتسعت أعين الرجال بصدمة شديدة وعلت الهمسات المستنكرة وهم يرون المرأة تخرج بهيئة مدمرة من الخيمة بعدما سترت ما استطاعت من جسدها، وهجمت على سالار تكيل له الضربات والسباب.
لكن أيًا كانت صدمتهم تلك فلم تكن تمثل جزء ضئيل من صدمة سالار الذي تيبس جسده وهو يستقبل منها الضربات والسباب والاتهامات بوجه احمر من شدة الضغط الذي يمارسه على نفسه للهدوء .
" لقد جئتك استغيث بك من محاولة الاعتداء عليّ وأنت استغليت نوم جنودك وقدتني لخيمتك وانتهكتني، اقسم أنني سأقتص منك أمام الجميع، سأشكوك واقتص منك وافضح أفعالك التي تخفيها أسفل غطاء عفتك هذا، سأطالب بمحاكمتك أمام الجميع "
اغمض سالار عيونه وقد وصلت بعض الهمسات لاذنه، لكنه لم يهتم، بل فقط فتح عيونه ونظر للفتاة نظرة واحدة فقط صاحبتها بسمة مخيفة جعلتها تتراجع للخلف مرتعبة وقد شعرت أنها هالكة لا محالة .
وسالار لم يتحدث بكلمة واحدة، بل تولت نظراته لها كل ما أراد قوله، نظرة جمع بها كافة مشاعره الغاضبة والساخطة والمحترقة.
واهتزاز جسده وتصلبه في هذه اللحظة كان أكبر إشارة ليتجنبه الجميع كان يستطيع الصراخ، الانهيار غضبًا، ضربها أو الدفاع عن نفسه، لكنه لم يفعل كل ذلك هو فقط اكتفى بهزة رأس صغيرة وكلمات مقتضبة .
" حسنًا، أنتِ محظوظة فملكنا ملك عادل، لكِ قصاصك لا ينقص مقدار حبة خردل، موعدنا في المحكمة "
وبهذه الكلمات ختم سالار حديثه ووجوده أمام الجميع تاركًا إياهم مصدومين من ردة فعله، فشخصٍ آخر مكانه، كان حطم المكان أعلى رؤوسهم، لكن ردة فعل سالار غير متوقعة بالمرة .
بينما سالار تحرك بعيدًا عن الجميع وعن الخيم المنصوبة يحاول التنفس ومعرفة ما حدث، هو فقط يشعر أن جسده سينفجر إن لم يصرخ، كان عليه الصراخ في وجهها وزجرها، بل وقد سول له شيطانه أن يصفعها ويخبرها أن تذهب للجحيم بكل هذا الهراء الذي نطقته .
لكنه وبصعوبة كبيرة كبت كل تلك الأفكار السوداء، نظر حوله يحاول التنفس بشكل صحيح، وفجأة ضربت رأسه فكرة وذكرى من البارحة، حين كان يجلس في خيمته على وشك السقوط في النوم .
وقتها أبصر تبارك وهي تبتسم له وتقترب منه و.....
انتفض جسد سالار كالملسوع وهو يشعر بارتجافه جسده بأكمله وقد بدأت موجة الاشمئزاز تعلو داخله، هذا مستحيل، لا يمكن أن يكون هذا قد حدث، هل حقًا فعل معها شيء خاطئ معتقدًا أنها زوجته ؟!
عند هذه الفكرة انتفض جسد سالار يتقيأ بعنف، وقد شعر بالنفور من جسده والتقزز، يتقيأ من فكرة أنه ربما في غفلة منه لمس امرأة لا تحل له، امرأة غير زوجته، ازدادت موجة اشمئزازه عنفًا، حتى كاد يتقيأ معدته، وعقله لا يدور سوى في نقطة واحدة، هل فعلها حقًا ؟؟؟؟
______________________
كانت متسطحة على الفراش تشعر بالتعب الشديد يصيبها، وقد ذكرها هذا التعب أنها لم تتناول ادويتها، تحركت بنصف جسدها تلتقط بعض الأعشاب تذيبها في ماء، ثم تناولتها وقد بدأت مرارة العشبة تسير في جسدها لينتفض جسدها بتقزز جعل زمرد التي كانت تجلس جوارها تنتفض بدورها فزعة ظنًا أن شيئًا حدث .
انفجرت تبارك في الضحك على ردة فعل زمرد تضع الكوب على الطاولة :
" أنتِ جبانة زمرد "
رمقته زمرد بحنق شديد :
" جبانة ماذا أيتها الحقيرة؟! لقد ظننت أن قنبلة سقطت أعلى الفراش "
ابتسمت لها تبارك تريح جسدها مجددًا وهي تنظر للسقف تتنهد براحة وقد بدأ جسدها يتأقلم شيئًا فشيء على الأعشاب بدلًا من الأدوية، ورغم أن مفعول الأدوية اقوى، إلا أن الاعشاب ليست بهذا السوء، هي تقضي الغرض وتساعدها للعيش أيام إضافية رفقة زوجها والتنعم بحبه .
ارتسمت بسمة واسعة على فمها حين تذكرته ليلتوي ثغر زمرد بسخرية تقول :
" ها هي بدأت تسقط في احلام يقظتها والتي أكاد أجزم أن سالار يترأسها "
دارت تبارك بعيونها صوبها تجيب بكل هدوء :
" وما الذي يزعجك في الأمر عزيزتي ؟! هل لأنك لا تمتلكين زوجًا ؟؟"
ضحكت برلنت والتي كانت تتناول بعض الفاكهة على طرف الفراش الآخر :
" المسكينة ستشيب خصلاتها وتتساقط أسنانها قبل أن نزفها "
زفرت زمرد تنتفض عن الفراش بغيظ :
" أنا تركت القصر بأكمله وجئت لاضاعة وقتي معكما، اقسم أنني استحق ما تفعلونه بي، ليت كهرمان ما عادت لقصرها لكانت...."
قاطعتها برلنت ببسمة مستفزة :
" شاركتنا السخرية منكِ "
ضحكت تبارك بقوة على كلمات برلنت وهي تضيف :
" هي محقة، فحالتك مثيرة للضحك والشفقة ايضًا، انظروا لها اكتشفت أنها أميرة بين ليلة وضحاها، وفي الوقت ذاته حُرمت المسكينة من الرجل الذي تحبه لأن اخاها يغار منه "
قلبت زمرد عيونها تقول بجدية :
" إيفان لا يغار من دانيار، هو فقط يشعر بالسخط لأن دانيار نبذني حين علم بحقيقتي "
تناولت برلنت بعض حبات العنب تتحدث بجدية :
" نبذك ماذا يا عزيزتي ؟! الرجل صُدم ولم يكد يستوعب أنكِ من هؤلاء القذرين حتى عاد ليجدك تطعنين أحدهم بخنجرك، والله لو كنت مكانه لفررت منكِ لآخر البلاد"
صمتت برلنت، ثم همست وكأنها تخشى نطق الكلمة بصوت مرتفع :
" أنت امرأة خطيرة مخيفة "
وما كادت تنهي كلماتها حتى نالت ضربة على كتفها من زمرد لتضيف برلنت صفة أخرى وهي ترمقها بغضب تفرك كتفها :
" وحقيرة، أنتِ حقًا امرأة حقيرة زمرد "
ابتسمت لها زمرد، ثم استدارت صوب تبارك التي كانت تضحك بصوت مرتفع عليهما، لكنها خنقت الضحكات بسرعة حين أبصرت نظرات زمرد لها .
فابتسمت زمرد بانتصار وهي تردد :
" أرأيتِ يا ابنتي هذا ما تمنحك إياه أمتيازاتك كامرأة خطيرة حقيرة"
صرخت برلنت غاضبة :
" ها أنتِ تعترفين أنكِ حقيرة "
" أنا فقط من اصف نفسي بالحقير، لا أحد آخر عزيزتي "
التوى ثغر برلنت وهي تنهض عن مقعدها تقول بملل شديد :
" حسنًا أنا أشعر بالملل لجلوسي معكم هنا، لذا سوف اذهب لازعج تميم، وداعًا "
وبالفعل ما هي إلا ثواني وكانت تتحرك بعيدًا تاركة الاثنتين تنظران في أثرها بحنق شديد، جلست زمرد على الفراش تضم يديها لصدرها جوار تبارك :
" لم يتبقى لي سواكِ تبارك، أنتِ أكثرهن اخلاصًا "
هزت تبارك رأسها تقول ببساطة :
" لا أنا فقط لا أجد مكانًا أذهب إليه بعيدًا عنكِ، فسالار خرج منذ البارحة، لذا أنا مضطرة أن أجلس معكِ هنا "
ابتسمت زمرد أكثر تسترخي على الفراش :
" أقدر صراحتك حقًا، لكن هذا لن يدفعني للرحيل، فأنا لا أريد الخروج من هنا والجلوس وحدي، واعتقد أنكِ أنتِ كذلك لا تحبين الجلوس وحدك "
نظرت لها تبارك ثواني قبل أن تقول بجدية وبسمة صغيرة مهتزة :
" أنتِ محقة أنا لا أحب البقاء وحيدة، اكتفيت من الوحدة زمرد "
تنهدت زمرد وهي تنظر للسقف فوقها وجوارها تتسطح تبارك، لتقول دون شعور منها :
" ألا تعلمين من هم عائلتك تبارك ؟؟"
سؤال زمرد جعل جسد تبارك ينتفض بخفة قبل أن تقول بصوت خافت موجوع :
" بلى اعلم، سالار هو عائلتي"
نظرت لها زمرد ترى الوجع يسكن عيونها :
" أشعر أنني احدق بانعكاس نظراتي تبارك، لقد عشت حياتي وحيدة رغم الجميع حوله، وازدادت وحدتي بعد رحيل أمي عن الحياة، عشت بالجحيم "
ابتسمت تبارك بسمة موجوعة وقد بدأت عيونها تمتلئ دموعًا :
" أشعر بالحقارة لقول ذلك زمرد، لكن حياتي بين جدران الملجأ لا تقارن بحياتك بين شعبٍ وسخ كشعبك "
ابتسمت زمرد بسمة أوسع :
" نعم، لا يوجد جحيم قد يقارن بجحيمي، لذلك أيًا كان وجعك فلا تعتقدي أنه سيكون مخزيًا أو مثير للشفقة كخاصتي "
نظرت تبارك للسقف مجددًا وقد بدأت دمعة تتدحرج على وجهها حتى لامست غطاء الفراش أسفلها تهمس بصوت متهدج :
" لقد جئت نتيجة اعتداء، لقد ...كانت والدتي طفلة في الخامسة عشر من عمرها و....رفضت عائلتها الاحتفاظ بطفلٍ جاء بهذه الطريقة ولأن الشخص الذي من المفترض أنه والدي لم يكن حرًا ليعتني بي_ والحمدلله على ذلك _ تركوني في الملجأ وعلمت بذلك حين أصبحت بالعاشرة "
ابتسمت زمرد بسمة لا تمت للموقف بصلة تهمس :
" يبدو أن هناك شيء مشترك بيننا، أنا كذلك جئت نتيجة انتهاك لوالدتي، لكن الفرق بيننا أنني لم املك رفاهية الابتعاد عن الشخص الذي من المفترض أن يكون والدي، احسدك حقًا "
نظرت لها تبارك ثواني قبل أن تنفجر في الضحك من بين دموعها الغزيرة تهمس بصوت متقطع :
" اللي يشوف بلاوي الناس صحيح ..."
ابتسمت زمرد بسمة واسعة تضم لها تبارك وهي تربت عليها بحنان، تساندها وهي الأكثر توجعًا، تربت عليها وهي من تحتاج أن يربت عليها احدهم .
زمرد وتبارك وجهان لعملة واحدة، كل واحدة منهما واجهت مصيرها الذي شابه الأخرى مع اختلاف صغير، أن زمرد اضطرت لعيش نصف حياتها تقريبًا في نفس البيئة الموبوئة التي خُلقت فيها، بينما تبارك كانت أشد حظًا أن أُنتزعت من تلك البيئة لبيئة أقل قذارة، لكنها تظل قذرة في النهاية .
الفرق في ردود الأفعال اعتمد على النشأة، فتبارك التي نشأت هشة منطوية على ذاتها، تتجنب المشاكل قدر استطاعتها تضع خطط نجاة أكثر مما تخطط لمستقبلها، ولا تغضب إلا في مواقف قليلة حين يضيق صبرها، لم تكن بنفس قوة زمرد التي اضطرت للنشأة بين مجرمين وقطاع طرق وظلم وانتهاك، ولو أنها سارت بنفس منهج تبارك لكانت دُهست وأنتُهكت أكثر من عدد أنفاسها، كلٌ تعايش بالطريقة التي تسببت في نجاته حيًا من بيئته، كل كان على قدر الابتلاء، فسبحان الذي لا يكلف نفسًا إلا وسعها ..
همستت زمرد بصوت منخفض وهي تربت على ظهر تبارك التي أبصرت وجعها منذ اللحظة الأولى، وجعها حين ذكر العائلة، حين تبصر كهرمان مع شقيقها، كل ذلك تعلمه هي :
" الحمدلله أنك لم تعاني مما عانيته تبارك، الحمدلله عزيزتي، عسى ألا يرى أحدهم ما رأيته....."
______________________
يقف في ساحة الرماية يحمل سهامه أعلى ظهره وخلفه يقف صف طويل من المتدربين الجدد، ضيق دانيار عيونه ينتزع أحد السهام من حاملته، ثم وضعه في القوس وفي ثواني كان السهم يتوسط الهدف بدقة شديد .
ولم يكد أحد الوافدين الجدد يلتقط أنفاسه من الانبهار، حتى اتبع دانيار السهم الاول بثاني وثالث ورابع وبسرعة كبيرة مخيفة جعلت الجميع يدرك في هذه اللحظة، كيف أن هذا الشاب وفي هذا العمر أصبح قائدًا لجيش الرماة بأكمله ....
" هل الأمر صعب؟؟"
كانت هذه هي الجملة الوحيدة التي نطق بها دانيار بمجرد انتهاءه من التصويب وهو ينظر لهم، ليتبادل الجميع النظرات يفكرون في اجابه، لكن دانيار تجاهل كل ذلك يقول :
" لا انتظر إجابة الآن، سأحصل عليها في النهاية وحينما تنتهي اشهر التدريب، جميعكم جاء بإرادته الحرة ليتدرب في جيوش سفيد، لذا عليكم الإدراك أن الأمر ليس مجرد لقب سيسبق اسمك للتفاخر بل هو مسؤولية "
انتبه الجميع لكلماته وهو أكمل يستمع لصوت سالار يتردد في أذنه بنفس الكلمات يوم انضم للجيش قديمًا :
" شعرة واحدة بين الفخر والتكبر، شعرة إن انقطعت فلا مكان لك بيننا، هذا ما يحب وضعه أمام عيونكم جميعًا، نحن هنا لنخدم للشعب، لسنا هنا لنتكبر عليهم ."
ختم حديثه يترك السهام جانبًا، ثم نظر لأحد رجاله القدام نظرة يعلمها ليهرول الاخير ويأتي ليتسلم منه التدريبات وهو تحرك في طريقه ليشرف على باقي كتائب الجيش ويطمئن على باقية الأمور .
وبمجرد أن وصل لوحدة القتال أبصر تميم يقف جانبًا يراقبهم بأعين صقر وملامح جامدة ليتنفس براحة، يبدو أن تميم تولى الأمر بالفعل؛ لذا فكر بالذهاب للراحة قليلًا والاستحمام، ومن ثم العودة .
وهذا ما حدث إذ تحرك في طريقة صوب منطقة الغرف ولم يكد يصل لها أو يخرج من نطاق التدريبات حتى أبصر بوابة القصر تُفتح ليبتسم بسمة واسعة يستقبل بها سالار، لكن ما حدث هو أن سالار لم يتوقف بخيله لثانية واحدة يتحرك به بسرعة مخيفة صوب الاسطبل ووجه جامدًا صخريًا لا ينظر لأحد حوله .
تعجب دانيار ما يحدث ونظر للجنود الذين توقفوا بوجوه شاحبة ولا يدرك ما حدث، فتح فمه للتحدث والتساؤل لكن كل ذلك تلاشى حين أبصر امرأة تهبط من فوق أحد الخيول ..
" ماذا ؟؟ من هذه ؟!"
في ذلك الوقت كانت تبارك تجلس على الفراش مع زمرد وقد انتقلت بحديثها صوب اماكن بعيدة عن ماضيها، تبتسم تارة وتزفر تارة بغيظ حتى انتفض جسدها فجأة عن الفراش بشكل مفزع حين سمعت صوت الحراس يهتفون بصوت صاخب :
" عاد الجيش بقيادة القائد سالار منتصرًا يا رجال "
ومن ثم اصوات تهليل مرتفعة تسببت في تحرك جسد تبارك عن الفراش تحمل حجابها وهي تضعه بسرعة :
" لقد عاد، عاد سالار يا زمرد "
رفعت زمرد حاجبها تبتسم من لهفة تبارك الواضحة :
" نعم لقد عاد، وأنتِ ستركضين لاحضانه دون تفكير"
" هو زوجي "
" نعم، لكن لا بأس ببعض الثقل "
ابتسمت لها تبارك تقول بجدية وهي تجذب طرف الحجاب تغطي به وجهها :
" هذا الثقل تمارسينه أنتِ على دانيار المسكين الذي راح ضحيتك أنتِ وشقيقك، أما أنا وسالار يكفينا بُعدًا طوال تلك الفترة لامارس عليه ثقلًا لا احتاج له على أية حال "
وبهذه الكلمات ختمت تبارك وجودها في غرفتها تحت ضحكات وبسمات زمرد، تتحرك بلهفة حاولت كبتها، ليس ثُقلًا كما نصحتها زمرد، لكن محاولة بائسة منها لتمنع لهفتها من الظهور للجميع، عليها أن تتقلد بهيبة تناسب مكانة زوجها في المكان .
خرجت من القصر تتحرك بعيونها في الانحاء بحثًا عنه، حتى أبصرت دانيار لتتساءل بلهفة :
" دانيار أين هو سالار ؟!"
أجابها بحيرة شديدة :
" لا اعلم لقد تحرك بسرعة كبيرة بخيله، لكن الاحتمال الأكبر أنه في الاسطبل الآن"
شكرته بإمائة صغيرة تتحرك بسرعة كبيرة صوب الاسطبل دون أن تبصر سوى وجهه البهي وبسمته الحنونة، اتسعت بسمتها وباب الاسطبل يلوح لها .
وبمجرد أن وصلت له توقفت لتتنفس وقد أضحت ضربات قلبها صاخبة بشكل كبير، تحركت داخله تبحث عنه بعيونها، لتبصره يقف في أقصى اركان الاسطبل أمام أحد الخيول بجسد مشتد لم تبصره، تحركت صوبه بخطوات حذرة تقول بصوت خافت وشفاة مبتسمة :
" مرحبًا يا قائد..."
اشتد جسد سالار أكثر وهو يغمض عيونه وقد كان صوتها الخافت في هذه اللحظة، كالمياه الحارقة على الجروح، نفس الصوت الهامس الذي سمعه البارحة في خيمته قبل أن...
توقف عن هذه الأفكار يدفن وجهه بين يديه، بينما تبارك لم تفهم سبب تشدد جسده، بل فقط اقتربت تقول بصوت متردد :
" سالار أنت بخير ؟!"
" فقط ارحلي الآن تبارك رجاءً "
تعجبت تبارك هذه الكلمات ولم تفهم غرضه منها تقول بريبة وبسمة مترددة :
" ماذا ؟! هل ...هل حدث شيء أثناء رحلتك !! أنت بخير صحيح ؟؟ تريد مني فحصك ؟؟ استطيع المساعدة و..."
" فــقـــط ارحــــلــي، أي جزء من حديثي لا تفهمين تبارك ؟!"
اتسعت أعين تبارك بصدمة تتراجع للخلف برعب، ليس من صراخه، ولا كلماته التي بصقها في وجهها ولا غضبه الواضح للاعمى، بل لهيئته وعيونه الحمراء وبشدة وكأنه يصارع نفسه .
ابتلعت ريقها تحاول الابتسام كي لا تزيد وجعه الظاهر في وجهه :
" هل...هل اغضبتك سالار ؟! أنا آسفة "
وسالار في هذه اللحظة كان يشعر أنه يحارب نفسه، هو الآن لا يعلم ما عليه فعله، هل ينحني ويطلب منها أن تسامحه على شيء لا يعلمه، هل يبكي ويخبرها أنه لم يفعل شيء ؟؟ هل هو بالفعل أخطأ ؟؟
وتبارك التي كانت على وشك الرحيل حزينة باكية، اوقفتها تلك النظرة المتوسلة في عيونه، رأت في عيونه حيرة ووجع ورجاء، هل يترجاها الان ؟؟ لماذا يفعل ؟!
ابتلعت ريقها وهي تتحرك للخلف وكادت ترحل، لولا رؤيتها له يغمض عينه متراجًا للخلف متوجعًا، الرجل الذي لطالما وقف معها في أحلك لحظاتها، يقف هناك يبحث عن ركنٍ ينأى فيه بنفسه ويلعق جروحه .
استدار سالار عنها كي لا ترى نظراته، فقط تحرك صوب الخيل يلامس رأسه بشرود كبيرة يشعر بوجع ينتشر بأنحاء جسده بأكمله، كان ليقسم بالله أنه ما كان ليده أن تمس امرأة يومًا لا تحل له، لو أن الأمر لم يتضمن تبارك، لو أن آخر ذكرى له أمس لم تكن عن تبارك..
شعر بموجة اشمئزاز أخرى تضرب جسده، وما كاد يطلق صرخة مقهورة حتى انتفض جسده على لمسة من الخلف جعلته يستدير بعنف يدفع ذلك الشخص بتقزز :
" ابتعدي ..."
اتسعت أعين تبارك التي اندفع جسدها للخلف بقوة حتى أنها سقطت ارضًا، ورغم الجروح التي أصابت ذراعها، إلا أنها لم تهتم وهي تنظر في عيون سالار بصدمة كبيرة، وصدمة سالار في هذه اللحظة كانت أكبر وأعظم .
إذ اندفع بسرعة مخيفة صوبها يرفع جسدها ليتلقفه بين أحضانه يتفحص يدها بخوف ولسانه لا يتوقف عن ترديد جميع عبارات الاعتذار والذنب يملئ وجهه :
" أنا آسف، اقسم بالله أنني لم اقصد، لم تكوني المقصودة تبارك، هل أنتِ بخير ؟! أريني يدك، هل جُرحت ؟؟"
كان يتحدث بسرعة وهو يرفع أكمام ثوبها، ثم جلس على ركبتيه ارضًا دون اهتمام لشيء، ثوبه الذي كان يمنحه تجبرًا في ارض المعركة ويهيمن به على اعداءه ها هو يلوثه دون اهتمام فقط ليمسح لها جروحها .
أعين سالار مثبتة على يدها وهو ينظر للجرح يخرج محرمة من جيبه يمسحها بلطف ولم يتوقف عن الاعتذار وأخبارها أنها لم تكن المقصودة ..
وهي ابتسمت بوجع تقول :
" إذن من المقصودة سالار ؟؟؟؟"
توقفت يد سالار عما تفعل ورفع عيونه ببطء صوبها، ليرى في عيونها نظرات فضول ورغبة بمعرفة ما حدث، وهو فقط ابتلع ريقه يهمس باسمها في رجاء الا تدفعه لتلك النقطة :
" تبارك أنا...."
" ما الذي حدث لك سالار ؟؟ ومن هي تلك المرأة التي كانت مقصودة بحديثك ؟؟ "
ختمت حديثها تضيف بمزاح لتخفف من حدة الأجواء ولم تدرك أنها تزيد منها دون وعي :
" لا يُعقل أنك قمت بخيانتي بهذه السرعة ها ؟؟؟"
وسالار لم ينفي أو يضحك أو يستنكر حديثها، بل فقط شحب وجهه وترك يدها ببطء وتراجع للخلف وقد على وجهه نظرات ذنب تائهة، جعلت كلمات تبارك تتوقف في حلقها وهي تهمس بصوت متهدج رغم بسمتها التي حاربت لتظهرها :
" لم تفعل صحيح ؟؟؟"
________________________
الأعين تستطيع المحاربة كذلك، تجند الرموش للدفاع والنظرات للهجوم، وفي هذه القاعة كانت النظرات تقاتل وتهاجم، حتى أنها كادت تحرق المكان من قوتها .
" أنت عنيد أرسلان، وهذا لن يفيدك معي، فأنت تعلم جيدًا أنني لن ارحل من هنا إلا بموافقتك، وإن رحلت فلن أتوقف عن المجئ، ولن استسلم لرغبتك الغبية في ابعادي عن شقيقتك "
ابتسم أرسلان بسمة واسعة يقول :
" الأميرة زمرد ..."
رفع إيفان حاجبه وقد تحفز جسده تحت أعين أرسلان الذي أكمل بخبث :
" زوّجها لي وامنحك شقيقتي، لنقوي العلاقة بيننا أكثر"
نظر له إيفان ثواني وعلم أنه يحاول اللعب على اوتار ثباته لذلك قال :
" بغض النظر عن أنني لا ارتضي لشقيقتي شخص عنيد متجبر احمق ذو رأس صلبة لا مثلك، إلا أنني بالفعل لا استطيع الموافقة فهناك بالفعل من سبقك وحصل عليها والحمدلله أنه ليس أنت"
أطلق أرسلان ضحكات صاخبة :
" أنت أكبر حقير في هذه الحياة، انظر هذه هي مشكلتنا إيفان، نحن نعلم بعضنا البعض أكثر مما يجب، ولهذا أنا لا أريد أن امنح شقيقتي لمتملك متحذلق قذر مثلك "
" صدقني لو امتلكت شقيقة ثانية اقسم أنني لم أكن لامنحها لشخص متجبر قاسٍ مثلك أرسلان "
" إذن نحن متفقان "
هز إيفان رأسه يجيبه بكل بساطة :
" نعم، هذه هي الحقيقة، كما قلت نحن نعلم بعضنا البعض أكثر مما يجب لنوافق على مثل هذه الامور، لكنها الحياة يا صديقي ليس شرطًا أن تخضع لرغباتك "
تنهد أرسلان بصوت مرتفع يقلب عيونه بملل شديد :
" أنت لن تستسلم قريبًا صحيح ؟!"
" أبدًا "
" هذا يصعب عليّ وعليك الأمر "
" يمكننا أن نجعله اسهل علينا جميعًا وتوافق على تزويج شقيقتك لي "
" أحلم كما شئت "
أجابه إيفان ببسمة واسعة :
" لطالما حققت احلامي وأنت أكثر من يعلم هذا "
صمت ليصمت أرسلان الذي كان يستضيفه في غرفة جانبية لقاعة العرش يجلس أمامه بتحفز وقد أتخذ الاثنان وضع الهجوم، مال إيفان بعض الشيء على ركبتيه يقول بجدية :
" إذن نجعلها معركة فعلية في ساحة الحرب ؟؟"
ابتسم إيفان يدرك أن أرسلان في أحلك نزاعاتهم لم يكن ليرفع إبرة في وجهه، وارسلان يعلم أن إيفان وفي أكثر حالات غضبه ما كان له أن يعلن كلمة حرب أمامه هو، لكن الإثنان فقط نظرا لبعضهما البعض واجاب أرسلان :
" جهز جيوشك يا فتى والحقني لأرض المعركة "
نظر له إيفان ثواني قبل أن ينفجر في الضحك، ما الذي كان يتوقعه ؟! أن يرفض الحرب معه ويتراجع ؟! هذا الرجل ذو رأس صلب كالصوان .
" ما رأيك أن تكون حرب فردية ؟؟ لا عدة ولا عداد، أنا وأنت فقط "
أطلق أرسلان صوتًا ساخرًا وهو يعتدل في جلسته :
" أنت تريد مبارزتي على الفوز بشقيقتي ؟! خسئت أنت واشباهك الاربعين، هل أخبرك أحدهم أنها ميدالية إيفان ؟؟"
نعم ها هو رجل الكهف يقفز خارج ثياب أرسلان الملكية الراقية ليتسيد الجلسة .
" أنت احمق أرسلان "
" وأنت غبي إن ظننت أن مجيئك وتوسلك لي يكفي لامنحك جوهرتي "
أجابه إيفان بملامح باردة :
" أنا لم اتوسلك "
" يمكنك أن تفعل ولن امنحك إياها كذلك "
زفر إيفان بضيق شديد :
" أنت لن تسهل الأمر علينا صحيح ؟؟"
" صحيح "
نهض إيفان عن المقعد ثم رمقه بشر يقول :
" تبًا لعنادك الغبي أرسلان، أنا لن اتحرك من هنا سوى بموافقة شفهية وكتابية منك أنك توافق على تزويجي شقيقتك "
ختم حديثه يتحرك خارج القاعة صوب الغرفة التي يحتلها عادة في قصر أرسلان، لكن الأخير أبى أن تكون الكلمة الختامية في هذا الحوار لإيفان فقال بهدوء :
" لقد تقدم أحد الرجال في جيشي لكهرمان، وأنا اوافق عليه يكفي أنها ستظل جواري هنا "
ولم يكد يلفظ آخر كلماته حتى وجد جسد يندفع على مقعده مجددًا بعدما هجم عليه إيفان بشراسة يجذب ثيابه صارخًا بجنون ووجع غاضب لم يبصره منه سوى يوم تشاجرا وانفصلا قبل سنوات :
" لعنة الله على كل من سولت له نفسه النظر لكهرمان مثل هذه النظرات، شقيقتك ستصبح زوجتي أمام الله والناس أجمعين، ولن تكون لغيري، أنا لم أصبر كل هذه السنوات ليأتي أحدهم وينتزع مني امرأتي أرسلان، سأقتلك واقتله "
وعلى عكس المعتاد منه استرخى أرسلان في المقعد رغم قبضة إيفان المشتدة حول ثيابه :
" أنت تعلم أن تهديدك الاحمق هذا لا يخيفني صحيح ؟؟ "
" يجب أن يفعل وإلا لن يظل مجرد تهديد "
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يهمس بفضول :
" أنا فقط أتساءل عن اول مرة أبصرت بها شقيقتي وما الذي قادك للرغبة في الزواج منها وهي كانت مجرد عاملة لديك في القصر، لا اعتقد أن الملك يهتم بجميع العاملات ويرغب في الزواج منهن ؟!"
اطال إيفان النظر في عيونه وفي ثواني عادت له ذكرى اول لقاء مع كهرمان في جناح قصره، خصلاتها وثوبها الخفيف وعيونها الفزعة وهو يوجه سيفه على رقبتها داخل مرحاضه .
استغفر ربه يبعد المشهد عن عيونه، ورغم ذلك لم يستطع كبت البسمة التي علت وجهه وهو يستعيد ذكرى قتالهما سويًا، وتلك البسمة التي ارتسمت على وجهه لم تساعد البتة على تهدئة فضول أرسلان الذي همس بأعين ضيقة :
" ما معنى هذه البسمة التي تعلو وجهك ؟!"
ازدادت البسمة اتساعًا قبل أن تتحول لضحكة صاخبة وارسلان قد بدأ جسده يزداد تحفزًا وغضبًا بالإضافة لهمسة إيفان له التي اشعلته أكثر :
" لتشكر ربك أنك تمتلك نفس أعين شقيقتك وإلا كنت نزعتهما لك بعد هذه النظرات التي وجهتها لي "
ختم حديثه يتركه راحلًا وجسد أرسلان ما يزال على المقعد بصدمة كبيرة يهمس :
" أعين شقيقتي ؟؟ وأين أبصرت أنت شقيقتي "
انتفض بجنون يصرخ بصوت هز أركان القصر :
" ايفـــان أيــهـا الحقيــر "
______________________
كانت تبحث عنه في كل مكان وبالصدفة عثرت عليه في أحد الممرات يتحدث مع بعض الرجال الذين يحرسون غرفة ما لا تدرك لكن تعود .
لكنها انتظرت حتى تحرك من أمامها لتقول بصوت هادئ:
" تسير اعزلًا دون سهامك ؟؟ ماذا إن قابلتني صدفة في الممرات ؟؟ كيف ستخرج سهامك لتهديدي دانيار ؟؟"
توقف دانيار في سيره ينظر لها بانتباه قبل أن يبتسم وهو يقول :
" تكفيكِ عيوني زمرد "
نظرت له زمرد ثواني قبل أن تضحك بصوت مرتفع جعل أعين دانيار تشتد وهو يزجرها بنظراته لتتوقف عن الضحك وهي فقط توقفت تقول بصعوبة بسبب ضحكاتها :
" آسفة، لكنك فاشل في هذه الأمور "
اقترب منها دانيار يقول بأعين محذرة :
" أي أمور يا ترى ؟!"
" أمور الغزل وما شابه ذلك دانيار، أنت لست بارعًا سوى في الحديث المستفز الساخر وفقط"
رفع دانيار حاجبه، يبتسم بسمة جانبية :
" ومن اين لك بهذه الثقة وأنا لم أوجه لكِ يومًا كلمة غزل واحدة زمرد ؟!"
رفعت زمرد عيونها له تقول باعتراض :
" هذا ببساطة لأنك لا تستطيع "
" بل لأنني لم أكن امتلك وقتًا لفعل ذلك عزيزتي، أنتِ وخلال جميع مقابلاتنا لم تمنحيني فرصة واحدة للتنفس دون الدفاع عن نفسي أمام ضربات سيفك وليس لاخبرك كلمات غزل، ثم أنا لا ألقي بكلمات غزلي الثمينة في وجه أيٍ كان، هذه الكلمات احتفظ بها لزوجتي "
اشتعلت أعين زمرد وهي تقول بتحفز :
" ما الذي تقصده بحديثك دانيار ؟؟"
" أنتِ حقًا لا تريدين سماع توضيحي "
" بل أريد "
" وأنا لا أستطيع التوضيح أكثر، ليس الآن على الأقل وليس في هذا المكان "
نظرت له بفضول وعظم فهم وهو هز رأسه يقول :
" على كلٍ ما الذي كنتِ تفعلينه هنا ؟؟"
نفت زمرد ما كانت تفعله سريعًا ساخرة :
" بالطبع لم أكن اتتبعك أو ابحث عنك، أنا فقط كنت أسير بملل في القصر وابصرتك تقف أمام هذه الغرفة"
صمتت وفشلت في كبت فضولها :
" غرفة من هذه ؟؟"
وهو ابتسم يجيب بكل براءة وبنصف حقيقة :
" امرأة "
تشنجات ملامح زمرد :
" عفوًا ؟؟"
" سألتي عن الغرفة أخبرتك أنها تعود لامرأة وكنت اطمئن انها تنال الراحة التامة، وأخبر الحراس أن يعتنوا بها بشكل مناسب "
ازداد تشنج وجه تبارك وهي تنظر حولها صوب الغرفة مرة أخرى :
" ومن اين سقطت تلك المرأة على رؤوسنا ؟! هل اكتشفت أنك تمتلك شقيقة فجأة !!"
" لا يكفيني مهيار في الحقيقة لاتحمل شقيق آخر، لكن من يعلم ربما تربطنا علاقة أخرى بمسمى أخرى غير شقيقة "
" ماذا والدتك ؟!"
كانت كلمات مندفعة لم تستطع كبتها وهو اشتعلت ملامحه بتحذير :
" زمرد الزمي حدودك وإلا..."
" أنت هل تحاول إثارة غضبي؟؟ لأنك نجحت بالفعل دانيار "
ابتسم دانيار بسمة واسعة يهمس لها بتسائل :
" هل تغارين ؟!"
نظرت له ثواني بأعين مشتعلة، ثم تحركت بعيدًا عنه بهدوء شديد تهمس قبل تحركها :
" إيفان محق في إبعادك عني دانيار، أنت لئيم خبيث، وأنا لا أحب التعامل مع هذا النوع "
اتسعت أعين دانيار بصدمة يهمس في اعقابها :
" حقّا ؟؟ حري بكِ إذن أن تتجنبي التعامل مع شقيقك فهو أكثر سكان سفيد والممالك خبثًا ولئمًا "
توقفت زمرد أن السير تجيب بغيظ مشتغل :
" دع اخي خارج الحوار ولا تزج به في كل شجار دانيار "
صرخ دانيار في المقابل غاضبًا :
" الحقيقة تؤلم، لكن شقيقك خبيث أكثر مني ومن الجميع، اقسم أنه أكثر انسان مستفز خبيث، هو ...يشبهك تمامًا زمرد "
نظرت له زمرد ثواني بغضب شديد قبل أن تضرب الأرض أسفلها بغضب صارخة :
" للجحيم ايها الخائن "
ركضت بعيدًا عنه وهو وقف يتنفس بصوت مرتفع وغضب مشتعل، بينما جميع الحراس حوله متعجبون ما يحدث، ليهتف هو بغضب :
" ماذا ؟؟ ليعد كلٌ لعمله "
زفر يتحرك بعيدًا وهو يحاول فصل عقله عما يحدث الآن والتفكير في تلك الفتاة والتي تسلمها من الجنود العائدين وأخبروه بالاحتفاظ بها تحت حراسة بأمر من القائد سالار وحتى عودة الملك إيفان وأن يرسل مرسال لإيفان يطالبه بعودة سريعة للبلاد..
" ما الذي يحدث هنا الآن ؟؟ ألن ينتهي كل هذا ؟؟"
زفر يتحرك بعيدًا ليوصل رسالة سالار بسرعة عودة الملك ..
__________________
" أنت لم تفعل سالار صحيح ؟؟"
نكس سالار رأسه ارضًا يهمس بصوت مختنق ونبرة قتلت تبارك :
" أنا...أنا حقًا لا ادري "
ابتلعت تبارك ريقها بصدمة كبيرة تنظر حولها تبحث عن شيء عجيب قد يكون دليلها لاكتشاف أنها تحلم، وأن مظهر سالار هذا ليس سوى حلم يقظة تراه لشدة اشتياقها له، لكن يبدو أن الحلم بدأ يتحول لكابوس .
نهضت تنفض ثيابها وهي تتحرك صوب سالار تجذبه لينهض وهو متعجب ردة فعله :
" انهض هيا، انهض تعالى معي نحن لن نتحدث هنا، أنت تبدو مرهقًا، هيا تعال "
كانت تتحدث وهي تنفض له ثيابه ثم تحركت تجذبه معها، وهو فقط لم يفعل سوى أن مد يده يعدل لها من وضعية حجابها ومن ثم يخفض الغطاء على وجهها، لتبتسم هي من أسفل الغطاء .
تحركت معه بين الطرقات تمسك يده بإصرار وكأنها تخشى أن يتلاشى من بين أصابعها إن تركته، تحركت معه حتى وصلت لغرفته بعدما فكرت أن غرفتها ربما لن تكون مناسبة في حالة أن إحدى الفتيات قد تأتي لها على حين غرة .
وقفت أمام غرفته واستدارت له تنظر له باهتمام :
" افتح الباب رجاءً"
أخرج سالار مفاتيح غرفته من جيب ثوبه وفتح الباب، ثم دفعه ودفعها هي برفق ودخل ليغلق الباب خلفه .
وبمجرد أن دخل وقبل التحدث بكلمة واحدة قاطعته هي تجذب يده بإصرار تجلسه على المقعد، ثم استقرت أمامها تضم قبضتيه بين يديها وقد انقلبت الأدوار فجأة تهمس له برجاء تلمسه هو في صوتها :
" أخبرني ما يحدث معك سالار ؟؟ هل كل شيء بخير ؟؟ ما الذي كنت تقصده في الاسطبل ؟؟ خانك التعبير صحيح ؟!"
شرد سالار في يدها التي تضم يده وقال دون شعور :
" أنا... أنا لا اعلم شيئًا تبارك، كان ...كان يمكنني القسم أنني ما كان لي أن المس امرأة سواكِ لولا ..."
توقف عن الحديث وهو ما يزال يمسك يدها بين قبضته بقوة رافضًا أن يدعها تسحبها بعدما أرادت ذلك منذ ثواني .
ولولا أنه ثبت عيونه على يدها لكان أبصر شحوب وجهها واتساع عيونها ودموعها التي ملئت مقلتيها:
" لولا ...لولا ماذا سالار ؟؟ هل ...هل فعلتها ولمست امرأة أخرى ؟؟"
رفض أن يرفع عيونه بعدما سمع نبرة البكاء في صوتها، ليس الآن، لن يستطيع مواجهتها الآن.
" لا، اقسم أنني لم أفعل، ليس بإرادتي على الأقل لقد ...لقد ظننتها ..أنا حتى لا اعلم إن حدث شيء أو لا أنا فقط لا اتذكر شيئًا تبارك "
حاولت تبارك جذب يديها من بين كفيه ليشدد هو الضغط عليها يهمس بصوت مختنق وقد شعر بقلبه يرتجف بخوف من ابتعادها مما ستسمع، لكنه لا يستطيع أن يخفي عليها شيء قد تعلمه بطريقة اسوء :
" أنا...اقسم أنني يومًا لم أفكر في امرأة، او المس امرأة لا تحل لي عن قصد، وأنتِ تعلمين ذلك، والآن حين وجدت امرأتي ومسكني، هل تظنين أنني قد افعلها بإرادتي ؟؟"
سقطت دموع تبارك بقوة تهمس له :
" أنا لا افهم شيئًا مما تقول سالار، ارجوك تحدث بطريقة واضحة، هل ...هل خنتني مع امرأة ؟؟ تحدث سالار ولا توجعني أكثر ارجوك ليس بهذا الشكل، وليس بك أتوسل إليك "
كانت تتحدث باكية وهي تميل على يديهما المتعانقة تبكي اكثر وهو نظر لها بوجع يهمس وقد آلمه قلبه مما يرى :
" لقد رأيتك، ظننتها أنتِ وهذا ...هذا ما يخيفني، هل فعلت لها شيئًا ظنًا مني أنها أنتِ ؟؟ "
رفعت تبارك عيونها بصدمة كبيرة له تهمس دون فهم لتلك الكلمات التي خرجت من فمه :
" ظننتها أنا ؟؟ وما الذي قد أفعله على الحدود، بل ما الذي قد تفعله أي امرأة في هذا المكان ؟؟"
واخيرًا قرر أن يرفع عيونه لها بعدما شعر أنها محت نظرة الخذلان من عيونها وقد ظهر هذا واضحًا في نبرتها المتعجبة، ابتلع ريقه يجيب بصوت خافت وهاجس مرعب يراوده أنها قد تنبذه :
" سأخبرك كل ما حدث، لكن حري بكِ العلم أن هذه المرأة سـ ... أنها تريد أن نقف أمام الملك وأُحاكم "
ودون شعور من تبارك خرجت سبة من بين أسنانها بغضب مرعب جعل أعين سالار تتسع بصدمة من سبتها وهي انتفضت تصرخ بجنون :
" تطلب محاكمة مين ؟؟ هي مين دي اساسا ؟؟ هي فين ؟؟"
نهض سالار يقف أمامها يحاول التحدث بينما تبارك كان جنونها قد ازداد، لا تنكر رعبها من احتمالية لمس سالار لامرأة أخرى، وفي المقابل لا تصدق أن الشخص الذي كان يتعامل معها بخنجره وسيفه مخافة أن يلمسها لمسة خاطئة قد يمس امرأة أخرى ..
وكيف رآها هي ؟؟ كيف يقول إنه ظنها هي ؟!
" هي مين دي ؟؟ وايه اللي وصلها للحدود وايه اللي حصل بالضبط ؟! احكيلي كل حاجة لأن اقسم بالله لو اللي في بالي صح ما هسيب فيها حتة سليمة، وهخليها عبرة لكل واحدة تفكر بس ترفع عيونها عليك ....."
____________________
خرج من الغرفة بعدما انتهى من استحمامه يبتسم بسعادة وقد تمكن واخيرًا من الهدوء والتفكير بشكل جيد، بحث بعيونه عنها بين الطرقات ..
واخيرًا عثر عليها يراقبها من نافذة تقبع في جانب أحد الممرات تتحرك بين الحدائق تساعد بعض النساء في تشذيب الزهور .
ابتسم دون وعي وقد شعر برغبة عارمة في المبارزة معها، تعجب إيفان شعوره هذا، وارتباط اشتياقه لها بالمبارزة.
تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك بعيدًا عن النافذة، ثم هبط الدرج يتحرك صوب تلك المنطقة بتردد شديد، يخشى الاقتراب والتعدي على حرمة منطقة النساء، قمع شيطانه في اللحظة الأخيرة، يتراجع للخلف وقد لغى هذه الفكرة المجنونة من عقله .
ابتعد يتوسط ظلال إحدى الأشجار ينتظر أن تطل عليه بهيئتها التي تساهم في إسراع وتيرة ضربات قلبه وتنفسه بشكل خطير .
وبالفعل ما هي إلا دقائق انتظرها حتى أبصرت تخرج ضاحكة الثغر من تلك المنطقة تحمل بين يديها سلة زهور تنافسهم رقة .
" مرحبًا .."
فزعت كهرمان للحظات تنظر صوب الصوت لتتفاجئ بإيفان فاشتعلت خجلًا وهي تنظر ارضًا متحدثة برقة غير معهودة منها أمام إيفان، فهي في السابق كانت تتحدث معه إما بتحدي كونها المبارزة الغامضة، أو بكبرياء كونها العاملة الثائرة .
والآن يبصر إيفان منها الأميرة الرقيقة :
" مرحبًا ملك إيفان "
رفع إيفان حاجبه يردد كلمتها :
" ملك إيفان ؟؟ هذا مثير للاهتمام، كانت هذه الكلمات لتسعدني لو سمعتها منكِ يوم كنتِ تقفين أمامي دون أي خوف وكأنكِ تمتلكين نصف سفيد وحدكِ "
اتسعت أعين كهرمان وشعرت بالخجل مما كانت تفعل سابقًا، ورغم ذلك قالت بعدما ابتلعت ريقها بهدوء :
" كيف اساعدك ؟!"
" نعم رجاءً يمكنك مساعدتي وأخبار شقيقك أن يتنازل عن عناده الغبي ويزوجني اياكِ "
مجددًا صدمها بحديثه، فقد كان يتحدث بكل هدوء وبراءة، ليس وكأنه يعرض عليها الزواج مباشرة الآن، نظرت له بتوتر تقول:
" ملك إيفان.."
" ليس الآن رجاءً، تستمرين في مناداتي مولاي مولاي نكاية بي وبكل عناد، وحين يأتي الوقت الذي انتظر به سماع القاب أخرى غير مولاي، تعاندين رغبتي مجددًا وتطلقين عليّ ملك إيفان "
رفعت كهرمان حاجبها تقول محاولة إخفاء بسمتها :
" أولست ملكًا "
" لكنني الآن لست في سفيد ولا ارتدي ثياب الملك"
نظر لثيابه البسيطة المريحة يقول باسترخاء شديد :
" هذه ثياب شاب مسكين وقع بين براثن رجل متجبر فقط لأنه يطالبه بالزواج من شقيقته"
لم تستطع كهرمان أن تكبت بسمتها وهي تتساءل مدعية الجهل :
" وما الذي يجعل هذا الشاب المسكين يتقدم للزواج بكل هذه الثقة وهو لم ينل حتى موافقة العروس "
ضحك إيفان بصوت صاخب يقول :
" يا ويلي هذه الخطوة هي حلم من احلامي، صدقيني أنا مازلت لا استطيع تخطي الخطوة الأولى بالمرور من الوحش كي اصل للأميرة "
أجابته كهرمان بهدوء شديد ونبرة راقية كعادتها التي سبق وكانت لها الفضل في كشفها أمامه:
" ألا ترى أن احلامك تستحق كل هذه المعاناة ملك إيفان ؟؟"
" بلى، تستحق وأكثر مما تتخيلين أميرة كهرمان "
رفعت رأسها بكبرياء تقول :
" إذن، عليك بإكمال معاركك حتى النهاية، فالطريق شائك أمامك "
" أنا اسير به رغم كل الأشواك سمو الاميرة، ولا يضيرني كل ما تتحدثين عنه إن أدركت يقينًا أن حلمي ينتظرني في نهاية الطريق "
نظرت لعيونه ثواني قبل أن تبتسم ببساطة تجيب :
" عليك إذن بإكمال الطريق للنهاية والتأكد بنفسك إن كان ينتظرك أو لا، بالاذن منك مولاي "
ختمت حديثها ترفع طرف ثوبها وتميل ميلة صغيرة، ثم رفعت رأسها له تمنحه بسمة أخيرة متحركة بعيدًا عنه لولا أنه أوقفها يقول ببسمة :
" كنت أود دعوتك لقتال، لكني أدرك أن الأمر شبه مستحيل الآن خاصة بعدما اتخذت عهدًا ألا أفعل قبل أن أصل لحلمي ويصبح ملكي أمام الجميع، لذا ما أن أصل لنهاية الطريق فأنتِ تدينين لي بقتالٍ كأيام الخوالي "
استدارت له كهرمان نصف استدار تحييه بهدوء :
" الجميع يقابل أحلامه بالبسمات، أتعجب أن تقابله أنت بالقتال مولاي؟! "
" هذا أمر بيني وبين حلمي، لا يفهمه سوانا، فالقتال بيننا يحمل ذكريات أكثر مما تحمل البسمات لنا "
" لا عجب إذن أن حلمك يماثلك غرابة "
ابتسم بجيبها بغموض :
" بل ينافس الزهور رقةً سمو الأميرة "
ابتسمت تنظر لسلة الزهور بيديها، ثم هزت رأسها تتحرك بهدوء شديد وهي تردد :
" حظًا موفقًا مع حلمك إذن، اتمنى لك رحلة سعيدة مولاي "
همس إيفان يجيبها في ظهرها :
" ستكون ...ستكون كهرمان "
ختم حديثه يتنفس بصوت مرتفع، ثم تحرك صوب القاعة الخاصة بارسلان ليكمل المعركة العالقة بينهما، لكنه لم يكد يصل للقصر حتى أبصر صقر يتحرك في السماء فوقه مصدرًا صوتًا قويًا، رفع رأسه صوبه يضيق عيونه قبل أن يتعرف عليه هامسًا :
" صقر من سفيد ؟؟"
أطلق إيفان صفيرًا عاليًا انتبه له الصقر ليتحرك بسرعة صوبه، وإيفان رفع له ذراعه يستقبله عليه، ثم تحسس ريشه مبتسمًا :
" مرحبًا بالمرسول العزيز، من أرسلك ؟؟"
حمل منه الرسالة يفتحها وهو ما يزال يحمله على ذراعه ليتعجب أنها لا تحتوي سوى على كلمات مقتضبة تطالب بعودته على وجه السرعة وفي النهاية هناك توقيع باسم سالار .
نظر إيفان للصقر بتعجب وكأنه سيجيبه :
" ما الذي حدث ؟؟؟؟"
_______________
وما هي إلا ساعات استغرقها إيفان في طريقه من مشكى وحتى سفيد، دخل القصر بخطوات قوية وهو يجد بعض الحراس ينتفضون لرؤيته، هز رأسه لهم يقول بجدية كبيرة :
" أين القائد سالار ؟!"
أجابه أحد الرجال بجدية كبيرة وهدوء اكبر :
" في غرفته مولاي "
أشار له إيفان بيده يشمر أكمام ثيابه، وهو يتحرك بعيونه قبل أقدامه صوب غرفة سالار وقد اضطرب قلبه من السبب المحتمل لاستدعاء سالار له بهذه الطريقة والتي لم يفعلها سوى في الكوارث التي لا تحتمل التأخير أو القرارات التي لا يمكن اتخاذها دونه، وهذا اسوء بكثير فمع صلاحيات سالار في غيابه، لا يوجد قرار لا يستطيع أخذه إلا شيئين أن تكون حرب على وشك النشوب، أو قرار يتعلق بسالار نفسه، وإن سألتموه، سيخبركم أنه يفضل الخيار الاول .
توقف أمام غرفة سالار يتنفس بصوت مرتفع قبل أن يطرق الباب يتحدث بصوت عالي مسموع :
" سالار ..."
وفي الداخل وعلى فراش سالار كانت تتسطح تبارك نائمة بعمق شديد لا تشعر بشيء فقط اصوات هامسة حولها، اصوات شجية تعلم مصدرها جيدًا، ولا تود فتح عيونها مخافة أن تتلاشى تلك الأصوات .
وتلك الاصوات لم تكن سوى صوت سالار الذي كان يستند برأسه على الوسادة رغم أنه يجلس على مقعد جوار الفراش يتلو عليها بعض آيات القرآن، قبل أن ينتفض على صوت طرق الباب وصوت إيفان يناديه ....
نظر لتبارك نظرة صغيرة يطمئن أنها لم تستيقظ وتحرك سريعًا صوب الباب يفتحه فتحة صغيرة متحدثًا بصوت هامس:
" مرحبًا إيفان"
" أي مرحبًا هذه ؟؟ ما الذي حدث سالار ؟! لقد ارسلت في عودتي على وجه السرعة "
تنهد سالار بصوت مرتفع يقول ببسمة صغيرة لا تمت للمزاح بصلة :
" اعتقد أنك على وشك عقد جلسة محاكمة أخرى اكون فيها المدان إيفان"
نظر له إيفان ثواني بتشنج قبل أن يهمس له :
" عفوًا ؟؟ ما الذي تقصده أنت ؟؟ أي جلسة حكم تلك ولماذا سأحاكمك سالار، وبأي تهمة ؟؟"
نظر له سالار ثواني قبل أن يلقي في وجهه كلماته دون أي مقدمات أو تحذير فقط نطق جملته بهدوء استمده من تبارك للتو :
" تهمة انتهاك شرف إحدى النساء "
ختم حديثه بهدوء شديد وهو ينظر لإيفان الذي كان يحدق فيه بنفس الملامح المترقبة وكأنه لم يقل شيئًا، ينظر لسالار بملامح بلهاء لأول مرة يبصرها، ووالله لو أن سالار في موقف آخر غير موقفه هذا لكان ضحك بصوت مرتفع بين الطرقات الآن.
وإيفان نظر حوله في الممر، ثم عاد بنظراته لسالار يقول :
" ماذا ؟؟ هل حدثت جريمة شرف خلال غيابي ؟؟ امسكتم بالفاعل ؟؟"
ابتسم له سالار بسمة مقهورة يدرك صدمته :
" لا لم نمسك به، ما يزال حرًا حتى وقت محاكمته وها أنت تتحدث معه في هذه اللحظة "
ومجددًا نظر إيفان حوله يبحث عن ذلك الشخص الذي يتحدث عنه سالار :
" حسنًا يبدو أنني أصبحت بطئ الفهم، اعذرني سالار فأنت تعلم أن الحديث مع أرسلان يستلزم الكثير من التفكير، ما الذي كنت تخبرني به للتو ؟؟"
تنهد سالار بصوت مرتفع :
" هناك فتاة تتهمني في جريمة تعدي وتطالب بمحاكمتي "
اتسعت عيون إيفان بصدمة كبيرة وهو يهمس بعدم تصديق :
" تتهم من ؟؟"
" أنا "
" أنا ...أنا لا افهم ما تريد قوله سالار، وضح لي ما حدث ببطء رجاءً، فأنا أشعر بالغباء الشديد الآن "
هنا ولم يتمكن سالار من كبت ضحكاته التي خرجت منه بقلة حيلة وهو يقول :
" صدق او لا تصدق، هذه جريمة وأنا الجاني "
اشتعلت أعين إيفان يهمس بعدم فهم :
" كيف ومتى ولماذا و...أخبرني كل ما حدث ببطء سالار كي اعلم ما الذي سيحدث الآن..."
__________________
كانت تجلس على الفراش في الغرفة التي من المفترض أنها سجنها حتى تخرج للمحاكمة، ابتسمت بسمة واسعة تهمس بسخرية لاذعة :
" حتى سجونهم افضل من افخم الغرف لدينا، هل هذا العدل ؟؟"
تحركت صوب المرآة تراقب نفسها فيها مبتسمة تعدل من وضعية خصلاتها وثيابها وهي تنظر متفاخرة بملامحها وفتنتها :
" ليس عدلًا أن يكون مصيري لذلك المشوه بافل، جمالي وفتنتي تستحق ذلك الوسيم "
فجأة غامت عيونها بالعديد من المشاعر تتذكر الساعات التي قضتها في دفء أحضان سالار تهمس باستمتاع شديد :
" رجل فريد من نوعه، قوي وسيم، شخص يليق بي وبجمالي و...."
فجأة قطع حوارها مع نفسها صوت طرقات يتبعها صوت أحد الحراس يطالبها بالخروج لأجل المحاكمة، رفعت حاجبها بتعجب شديد تهمس :
" كان هذا اسرع مما تخيلت، يبدو أن الحقوق هنا تؤخذ ساخنة "
أطلقت ضحكة خفية عقب كلماتها تضع قطعة قماشية بالكاد تخفي خصلاتها، ثم تحركت بملامح واجمة مترددة صوب الباب لتجد أحد الحراس يقف منتظرًا إياها ..
" هل ....هل ستتم محاكمة ذلك المجرم حقًا ؟؟"
نظر لها الحارس ثواني بجمود قبل أن يقول بكل بساطة :
" اتبعيني "
تحركت خلفه بغيظ شديد وهي تراه يتجاهلها، بل ويرميها بنظرات متقززة، لكن لا بأس طالما أنها ستحقق ما تريد وتنتهي، الأن ستحطم الصورة النمطية للقائد أمام الجميع وتتسبب في إحراز هدفها الأول .
وصل صوب بوابة ضخمة لتتنفس بصوت مرتفع تتجهز لمقابلة الأشخاص بالداخل، لكن بمجرد فتح الباب لم يقابلها سوى أشخاص معدودين فقط، نظرت حولها بتعجب تبحث عن الشعب الذين جاءوا لحضور المحاكمة .
ولم تكد تكمل بحث حتى سمعت صوت جهوري يقول :
" تقدمي ."
رفعت عيونها بسرعة صوب ذلك الصوت لتبصر رجل يتوسط أحد المقاعد بكل كبرياء وهيبة، رفعت حاجبها ببطء تتقدم وهي تقول :
" جلالة الملك ؟!"
" نعم، تفضلي ..."
تقدمت موري تقف في منتصف الساحة وهي تنظر حولها تبحث عن المحاكمة التي طالبت بها، ولم تجد سوى الملك والقائد ورجاله الذين شهدوا الواقعة على الحدود فقط ..
رفعت عيونها للملك تقول بتسائل واعين مشتعلة :
" لقد طالبت بمحاكمة يعود حقي فيها جلالة الملك، ولا أرى أن هذه محاكمة، هل تحاول أن تغطي على أفعال قائد جيوشك ؟؟"
رفع إيفان حاجبه يبصر ذلك التبجح منها، يبتسم بسمة جانبية مرددًا :
" معاذ الله أن أصفق للباطل سيدتي، لكن جرائم الشرف تتم بهذا الشكل لا يحضرها إلا من شهد الواقعة، وهذا ليس لتغطية أفعال قائد جيوشي، بل لستر عرض المرأة التي من المفترض أنها...مظلومة سيدتي "
بهتت تعابيرها من كلماته وقد شعرت أن خطتها في طريقها للفشل، لتعترض بقوة فهي لا تبتغي من كل ذلك معاقبة سالار، بل فقط تطمح لهز صورته ليس إلا .
فهي وقومها إن لم يستطيعوا هزيمتهم في ارض المعركة وجهًا لوجه، فما لهم سوى هزيمتهم في أعراضهم وأفكارهم، إن فشلوا في حرب الأجساد عليهم خوض حروب أخرى تضمن لهم تشتيت صفوفهم ولو لثواني بالافكار المسمومة..
" لكنني طالبت بمحاكمة ليعلم الجميع أي الرجال هو قائدك مولاي "
ابتسم لها إيفان بسمة واسعة يحييها بكل بساطة يحاول ألا يظهر اتخاذه لصف سالار :
" لكِ ما تردين، نثبت فقط إدانته وحينها نعرض جرائمه الشنيعة على الملئ "
بللت موري شفتيها وهي ترى الجميع حولها ينظر لها وكأنها هي المذنبة هنا، رفعت عيونها للملك تحاول التماسك تسمعه يردد :
" آنسة ...."
صمت إيفان ثواني يردد بعدها :
" ما اسمك سيدتي ؟؟"
رفعت موري عيونها له تقول بصوت متردد خافت ليس وكأنها هي من كانت تصرخ منذ ثواني :
" موراديما مولاي "
تعجب إيفان الاسم لثواني، لكنه تجاوز الأمر يقول :
" آنسة موراديما لقد القيتي تهمة على قائد الجنود أمام رجاله في المخيم أنه انتهك عرضك، صحيح ؟؟"
هزت موري رأسها بنعم وهي تقول بصوت خافت :
" نعم مولاي "
اعتدل إيفان في جلسته وقد أبصر بطرف عيونه انقباض ملامح سالار وتشدد قبضته وتصلب جسده الذي يوحي بمقدار الإرادة التي يبذلها للتحكم بذاته .
هز إيفان رأسه يجيب بهدوء :
" إذن أخبريني من البداية، ما الذي ذهب بكِ للحدود حيث الرجال، وخاصة لخيمة قائد الجنود ؟؟"
رفعت موري عيونها ولم تكد تتحدث بكلمة حتى تفاجئ الجميع بالباب يُفتح وتبارك تقتحم المكان على الجميع دون مقدمات تنظر لهم بأعين مشتعلة، وقد تحفز جسد سالار يكره تواجدها هنا بين الجميع .
وتبارك لم تصمت، بل تحركت صوب موري بحركات عدائية تقول بصوت غاضب ساخر :
" من بين جميع الرجال بهذه المملكة لم تجدي غير زوجي لتلقي قذارتك في وجهه يا امرأة ؟؟"
اتسعت أعين موري بصدمة وهي ترى امرأة تقف أمامها بتحدي وكأنها ستناطحها وتقتلها، وتبارك بالفعل كانت تفكر في كل ذلك وهي تهمس :
" اقسم أن حسابك سيكون على يديّ هاتين "
نظر إيفان صوب سالار الذي تحفز جسده بغضب وهو ينظر صوب تبارك يرفض وجودها في هذا المكان، ليصدح صوت إيفان يقول بجدية :
" سمو الأميرة، رجاءً لا يمكنك توجيه أي كلمات مسيئة لأي أحد هنا، فحتى هذه اللحظة سالار متهم في هذه الجريمة ما لم تثبت براءته، كما لا يمكنك توجيه إساءة لاحد ما لم تثبت عليه الجريمة أو سوء النية. "
اشتعلت القاعة حولها وعم الهرج والمرج بين الجميع، وهي لا تهتم بكل ذلك، بل كانت تتوسط القاعة بكل شموخ ترفع رأسها بقوة وشراسة لم تعتقد أنها قد تمتلكها يومًا، تنطق بصوت مرتفع صاخب دون أن تعبأ بأحد حولها، فقط لا ترى أبعد من نظراته ولا تبصر سوى النيران التي تشتعل بقلبها في هذه اللحظة مشيرة صوب نقطة في القاعة :
" أنا لن افترض حسن النية في أي شخص قد يفترض سوء النية في زوجي، وإن كان ملكًا بجناحين ابيضين وحلقة ذهبية تعلو رأسه، فيكفيني كلمة سوء واحدة في حق زوجي لاراه شيطانًا اسودًا بقرون حمراء، وانتهينا ..."
تنفس سالار بصوت مرتفع وهو يقول بصوت حاد يتحرك صوب تبارك محذرًا :
" تبارك توقفي ..."
لكن تبارك لم تكن ترى أمامها سوى نظرات سالار التائهة الضائعة والمتوجعة، تلك النظرات التي قتلتها :
" من بين جميع رجال المملكة اختارت الرجل الوحيد الذي يُقبل أن تُبتر يداه ولا يمس امرأة لا تحل له"
نظرت لها موري تقول بصوت خرج بصعوبة بسبب غضبها المكبوت من تلك المرأة :
" ليس ذنبي أنكِ لا تبصرين قذارة زوجك سيدتي "
ابتسمت تبارك تنزع يدها من يد سالار مرددة بصوت حاد كالفحيح :
" من يرى بسالار قذارة، فما هي إلا انعاكس لقذارته ..سيدتي، لا شأن لزوجي بقذارتك الداخلية"
ختمت حديثها ليعم صمت قاتل في المكان، وإيفان ورغم أنه لا يحب أن يتجاوزه أحدهم في قاعة الحكم، إلا أن كلمات تبارك ارضته نوعًا ما، فهذه امرأة لا يمكنه التعدي عليها ولو كان متأكدًا أنها تكذب، لكن تبارك في النهاية امرأة مثلها .
جابهت موري تبارك التي كانت تقف في وجهها دون خوف تبتسم لها بسمة كما لو كانت على وشك ابتلاعها، وسالار اكتفى من كل ذلك يجذب تبارك بعيدًا عن موري يهمس لها :
" تبارك يكفي، هي ستحاسب على ما فعلت، لا يمكنك أن تتعاملي بهذا الشكل معها، ما فعلته لن يسوءني، لكن تحدثك بهذا الشكل بين الجميع وصوتك المرتفع بين الرجال هو ما يسوءني "
نظرت له تبارك تقول ببسمة غاضبة :
" هذا وأنا لم افعل كل ما افكر به يا قائد، أنا ما زلت امتلك الكثير من الأمور التي لم اعبر عنها بصوت مرتفع "
نظر لها سالار ثواني قبل أن يبتسم لها بسمة صغيرة هامسًا بصوت منخفض وهو يميل قليلًا تحت أعين الجميع :
" فقط اصبري عزيزتي إن تأكدت مما يدور في عقلي، لكِ مني كلمة أن أترك لكِ حرية فعل كل ما تفكرين به .."
ابتسمت له تبارك تهمس بصوت منخفض :
" كل ما افكر به !!"
تعجب سالار نبرتها وهي ابتسمت بسمة واسعة، وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة سمعوا صوت إيفان يقول بتنبيه :
" إذن نكمل المحاكمة ؟؟"
وقبل أن يتفوه أحدهم بكلمة قاطعهم صوت أنثوي يقول :
" ليس بدوني، أخبرتك أن تنتظري تبارك ..."
وعلى هذا الصوت وهذه النبرة اهتز جسد موري بعنف وهي ترتجف هامسة برعب شديد لأول مرة تشعر به عند سماع هذا الصوت وهي من اعتادت الغضب لسماعه، تهمس بصدمة وقد شحبت ملامحها تبصر عدوتها اللدودة تخطو للمكان بثياب تبدو ثمينة ومظهر مرتب غريب :
" زمرد ؟؟؟؟"
_______________________
لا الاسرار تظل الاسرار...ولا الماضي يظل ماضيًا .
دمتم سالمين .
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الأربعون 40 - بقلم رحمة نبيل
الفصل اهداء لبسنت بمناسبة عيد ميلادها، يارب جميع اعوامها بخير وسعادة وصحة يارب ..
متنسوش التصويت والتعليق برأيكم على الفصل .
صلوا على نبي الرحمة
______________
تقف خلف الباب الخشبي الضعيف الذي يحميها ووالدتها من كل الفجور والقذارة التي تحيط بهما، لكن الآن وبعد رحيل والدتها لم يعد هذا الباب يمثل لها حماية، وقد أدركت زمرد وباسوء الطرق الممكنة أن مصدر راحتها وأمنها كانت والدتها وليس ذلك الباب أبدًا ..
ارتفعت أصوات المعارف والغناء والالفاظ البذيئة التي تأتيها من الخارج وقد قرر بافل العزيز أن يقيم حفلة على شرف ذكرى مقتل والدتها .
سقطت دموعها تنهار ارضًا تأن وجعًا لكل الرضوض في جسدها، اليوم صباحًا حين علمت ما ينتوي ذهبت له تتشاجر معه لينتهي بها الأمر ملقاة ارضًا تنزف جروحها فقط لأنها اعترضت على تلويث ذكرى وفاة والدتها .
ابتلعت ريقها وقد ازدادت اصوات الموسيقى صخبًا، مما جعلها تضع يدها على أذنها وهي تصرخ بجنون :
" لعنة الله عليكم أجمعين، لعنة الله عليكم اجمعين ."
كان جسدها يرتجف بقوة وهي تحاول النهوض من خلف الباب والذهاب لغرفة والدتها للاحتماء بها تتلمس أي دفء قد ينقذها من كل ما يحيط بها هنا، لكن ما أن نهضت وما كادت تخطو خطوة واحدة حتى سمعت صوتًا يهتف بالخارج من بين اصوات المعازف :
" الزعيم يستدعيكِ للاحتفال، هيا لتشاركينا الحفل زمرد "
ختم حديثه بنعيق مزعج أشبه بصوت الحمير والعياذ بالله، لم يكن ضحكًا بأي شكل من الأشكال، فقط صوت مزعج جعل قوة غريبة تتلبس جسدها وهي تندفع للباب تفتحه بعنف واعين متسعة غاضبة :
" احتفل معكم ؟؟ لماذا ؟؟ بذكرى رحيل أمي ؟؟ تبًا لكم أجمعين، والله لو خرجت الأن لأحطمن كل شيء أعلى رؤوسكم يا قوم، ارحل من وجهي، ارحل يا وسخ "
ختمت حديثها تبصق في وجهه متقززة من النظر له، ولم تكد تغلق الباب حتى ابصرتها ( فاسقة المنبوذين الاولى ) جاءت تتمختر بشكل قذر أمامها وهي تحرك خصلاتها وجسدها بشكل جعل جسد زمرد يرتجف على وشك التقيأ، تتحدث بصوت أشبه بفحيح افعى وجدت لتوها وليمة .
" ماذا كل هذا لتحضرها ؟؟ الزعيم أرسلني لاستعجلك "
رفعت زمرد حاجبها تقول :
" فقط ابتعدي عن أعتاب منزلي لئلا يتلوث بفسقك، واذهبي لاخبار الفاسق الآخر أنني إن جئت لن اجعل أحدهم ينظر له نظرة احترام أخرى بعدما افعل به ما افكر فيه "
ابتسمت لها موري تقول بصوت خبيث :
" أنتِ حقًا لا تريدين اغضاب بافل خاصة أنه بمزاج جيد اليوم، حتى أنه لم يرفض طلبي لاحضارك للحفلة، كان من الكرم الذي جعله يوافق دون تفكير على مشاركتك لنا "
وقبل أن تغلق زمرد الباب اتسعت عيونها بصدمة كبيرة وهي ترمقها لموري تهمس بصوت حاد :
" أنتِ من اقترح عليه احضاري ؟؟"
ابتسمت موري وقد اعجبتها نظرات زمرد المصدومة تلك تقول بجدية :
" وايضًا أنا من اقترح عليه عمل هذه الحفلة، فالرجال هذه الأيام يحتاجون لمن يرفه عنهم، لذا لم اجد مناسبة افضل من هذه لإقامة حفلة لهم "
اشتعلت أعين زمرد وهي ترى مقدار الحقد الذي تسرب من نظرات وكلمات موري، تلك الحقيرة اللقيطة التي لا يدري أحدهم أي رحمٍ بصقها خارجه ليتخلص منها، ومن أي مملكة انحدرت، هي فقط ظهرت لهم وكأن الحياة لفظتها باصقة إياها خارجها، وبالطبع لم تجد افضل من مكب النفايات لتبصق بها أمثال هذه القذرة، فأين ستجد موري شعب يماثلها قذارة كشعبها ؟!
ومنذ مجيئها وهي لا تحب وجودها وابتعدت عنها لتتخذ موري الأمر بشكل شخصي، وتبدأ في ازعاجها وبشدة حتى تخطى الأمر مع الوقت مجرد ازعاج وبدأت تؤذها بشكل سييء، بل وتستمتع بهذا .
وفي غمرة انتشاء موري بانتصارها لرؤية تلك النظرات تعلو وجه زمرد شعرت فجأة بصفعة تسقط على وجهها جعلتها تصطدم في الجدار القريب، ومن ثم اندفاع جسد زمرد تجذبها من خصلات شعرها صوب الخارج تحت صرخات موري التي بدأت تنافس المعازف صخبًا .
تتحرك بين ممرات القرية وهي تجذبها من شعرها بغضب حارق، حتى وصلت بها صوب الساحة المركزية في القرية تمر بها بين الأجساد المتعرقة والتي للصدق كان العرق أقل الروائح قذارة في هذا التجمع، فالفسق الذي ينبثق من الأجساد المتلاحمة كاد يتسبب لها مشاكل في التنفس.
واخيرًا وصلت لمنتصف الساحة حيث الراقصات وبؤرة الفساد، ثم ألقت جسد موري والذي رغم أن صوت اصطدامه بالأرض لم يكن قويًا إلا أنه تسبب في توقف اصوات الموسيقى وجلب انتباه الجميع لها .
ابتسمت تقول بصوت مرتفع :
" اعتذر منكم على قطع وصلة الفجور هذه، لكن أنتم من اصررتم على مشاركتي لكم الاحتفال، صحيح ؟؟"
ختمت حديثها تضرب معدة موري بقدمها وهي تقول بصوت مرتفع :
" والشكر لصاحبة الأفكار القذرة موري، والآن دعونا نكمل الحفل "
وبعد تلك الكلمات لم يبصر أحدهم سوى جسد زمرد التي تحركت بين الجميع يجنون تنتزع منهم ادوات العزف تحطمها صارخة وتدفع الراقصات جانبًا، تحطم زجاجات الشراب والاكواب وتنتزع الخيام التي تحيط بها وهي تصرخ بجنون، تدمر الزينة وتفسد أي مظهر احتفال تراه أمامها بشكل هستيري، وبعدما انتهت تنفست بصوت مرتفع وتحركت صوب بافل الذي كان يراقب كل ذلك بأعين متسعة مما يرى، ولم يبصر سوى جسد زمرد تقف أمامه ودون حديث رفعت يدها وهبطت على وجهه بصفعة تهمس له بغضب :
" اللعنة عليك وعلى قومك الوسخ بافل، اللعنة عليكم يا سلالة الخنازير يا قمامة الممالك وبقايا الأوساخ في هذا العالم "
ولم تكتفي بصفعة بل بصقت في وجهه :
" سأنتظر اليوم الذي أراك تنازع للحياة أمامي وحينها ستراني ابتسم واغني واتراقص حول جسدك أخي، بل سأقيم حفلة اضخم من هذه "
نظر لها بافل بأعين حمراء وكانت هذه آخر نظرة تراها زمرد منه، قبل أن تتحول الايام العشر اللاحقة لجحيم .
كان جحيمًا بكل ما للكلمة من معنى، كانت القرية تنام ليلتها على صوت صرخاتها وتستيقظ على صوت نحيبها، وبالطبع المشرف الاول على ذلك الجحيم كان بافل والمساعد الثاني كان هي ...موري .
الفاسقة التي تقف أمامها الآن في قاعة سفيد، وأمام شقيقها والجميع، لقد جاءت لها وبقدمها، ارتسمت بسمة غير مصدقة على فم زمرد وهي تنظر حولها لتبارك والجميع، ثم عادت بنظرها لموري التي كانت ما تزال في صدمتها لم تخرج منها بعد .
تحركت زمرد صوبها ببسمة واسعة جعلت إيفان يتحفز وهو يضيق عيونه محاولًا معرفة ما يحدث، وازداد تعجبه حين وجد زمرد تقف أمام موري التي تخفض وجهها تحدق فيها طويلًا، ومن ثم قالت بصوت غير مصدق تتبعه بسمة وقد رنّ صدى صوتها في المكان :
" فاسقة في قصرنا ؟؟؟؟"
_________________________
نفس الصوت ونفس الأنشودة ونفس الحركات ونفس البسمة ونفس الذكريات، المشهد نفسه، لكن المكان مختلف والمُشاهد ليس نفسه ..
في المرة السابقة كانت تفعل هذا أمام الحظيرة على مرأى ومسمع من الملك، وهذه المرة تفعلها بغرفة التدريبات الخاصة بوالدتها، على مرأى ومسمع من شقيقها والذي لا تعلم حتى بوجوده في المكان ..
دارت كهرمان حول نفسها وهي تحرك كتفها وتميل للخلف، وهذه المرة كانت شاكرة للغرفة الآمنة التي صنعها لأجلها أرسلان والتي تمنحها راحة وإمكانية التحرر من حجابها لبعض الوقت .
خصلاتها تتحرك يمينًا ويسارًا، واعين أرسلان تتحرك معها مبتسمًا، وقد أعاد له هذا المشهد والذي كان يمقته قديمًا، راحة فقدها خلال تلك الأشهر، هذا المشهد الذي يؤكد له أنه وإن فقد الكثير ومنهم والدته الغالية، فالله جلّ وعلى لم يحرمه آخر شيء قد يسعده في هذه الحياة ..صغيرته وطفلته الحبيبة، وربيبة يده .
ورغم سعادة المشهد أمامه، إلا أنه لم يستطع إلا أن يتذكر والدته، والدته التي كانت الحضن الدافئ الوحيد الذي يلجأ له حين تضيق به الحياة .
شعر بالدموع تملئ عيونه وتسبب في ضباب الصورة أمامه لكهرمان .
صوتها وحركاتها وكل ما تفعله كهرمان كان انعاكس لكل ما تفعله والدته، كانت تقلدها بحرفية بارعة، تنفس أرسلان بصوت مرتفع يتلاشى كل تلك المشاعر الآن، ليس هنا وهو الذي من المفترض أن يكون الداعم لكهرمان .
ابتلع ريقه يقول بصوت أراد جعله طبيعيًا لكنه خرج منه دون شعور أجش متهدج يحمل غصة حزنه .
" أخبرتك أن هذه الأمور لن تفيدك، تعالي لتتعلمي القتال فهو أكثر إفادة من كل تلك الأمور السخيفة التي تخص الفتيات كهرمان "
أطلقت كهرمان ضحكات صاخبة وهي تنتبه له، وعلى العادة لم تهلع أو تتوقف، بل تحركت صوب أرسلان وهي تدور حوله ومازال صوتها يردد نفس كلمات الأنشودة، تدعوه باستفزاز أن ينضم إليها، وهو فقط رمقها بسخرية رافضًا أن يفعل ..
تدور حوله وتحرك كتفها ويدها في الهواء تظهر له يمينًا ومن ثم تتحرك يسارًا وهي تتراقص بحركات رشيقة جعلته يبتسم دون إرادة منه ..
وحين بدأت تدور حوله ظلت عيون أرسلان تتحرك معها، حتى انتهت ترفع يدها وهي تتنفس بصوت مرتفع، وكل ما استطاع هو نطقه كان :
" عجبًا كل هذا الدوران ولم تفقدي الوعي بعد ؟؟"
ضحكت كهرمان بصوت مرتفع وهي تتحرك تستند عليه تلتقط أنفاسها وهو بردة فعل طبيعية مد يده يربت أعلى ظهرها بلطف .
" أوتدري أرسلان، أنت محق، القتال أكثر أهمية، وقد أدركت هذا الفترة السابقة "
ابتسم أرسلان يقول لها بقهر وخوف من اجابتها :
" أخبريني أنكِ لم تمنحي أحد القذرين فرصة لمسك كهرمان "
" الوحيد الذي فعلها أخي، فقد يده ضحية ذلك "
اتسعت بسمة أرسلان بفخر وقد تنفس الصعداء يربت على كتفها بفخر شديد :
" احسنتي عزيزتي، هذا ما أتوقعه "
" أنا تلميذة نجيبة لمعلم جيد أرسلان "
ابتسم أرسلان بسمة أكثر اتساعًا يقول :
" إذن تريدين أن نراجع بعض الدروس ؟؟"
أمسكت كهرمان بطرف ثوبها تميل نصف ميلة :
" أنه لشرف لي جلالة الملك "
اتسعت ابتسامة أرسلان أكثر وهو يشير بعيونه على حجابها :
" سأنتظرك في الساحة الخلفية إذن، سأذهب لافرغها من الجميع، الحقي بي يا فتاة"
ختم حديثه يتحرك تاركًا كهرمان تقف مكانها تبتسم براحة شديدة، تشعر أن تلك الأحاديث تعيد لها ولو جزء صغير من ماضي فقدته بضربة غدر .
تحركت صوب حجابها تلتقطه لتغطي خصلاتها، وأثناء ذلك عادت لرأسها ذكرى بعيدة بعض الشيء لصوت يردد بسخرية :
" كان شقيقك مبارز رائع، لكنه حتمًا معلم فاشل "
ابتسمت بسخرية وهي تتلمس قماش الحجاب هامسة:
" ترى ماذا سيكون رد أرسلان إن علم الأمر ؟؟ "
أطلقت ضحكة صاخبة وهي تتحرك بعيدًا عن المكان تعدل من وضعية حجابها، ثم خطت صوب الباحة الخلفية للقصر حيث اعتادت التدرب من أرسلان، وحينما وصلت ابصرته كما جرت العادة، ينتظرها ويحمل سيفًا لأجلها ...
ابتسم يرفع عيونه لها مرددًا :
" جاهزة للقتال ؟!"
اخذت منه كهرمان السيف تحدق به وقد أعاد لها لمسته شعور قديم وحماس شديد كان يصيبها كلما جابهته في ساحة القتال :
" لم أكن يومًا جاهزة كالآن .."
_____________________
" تميم رجاءً تحدث معي كما اتحدث معك، لا تلقي في وجهي بكلمة وترحل "
توقف تميم عن التحرك في المعمل وهو يلقي ما بيده غاضبًا على الطاولة يصرخ بجنون وقد مل الإلحاح الذي تمارسه عليه منذ جاءت له :
" ماذا برلنت ؟؟ ماذا، أخبرتك أن الأمر مرفوض، إذن انتهينا "
اتسعت أعين برلنت تجذبه صوبها لتمنعه التحرك بعيدًا عنها ببساطة هكذا بعدما ألقى بحديثه في وجهها :
" تميم أنت لا تفهم ما يعنيه هذا الأمر لي، هذا ...."
" مرفوض، هذا مرفوض برلنت ولن اكرر كلمتي مرة ثانية "
كانت جملته حادة محذرة جعلتها تتراجع مصدومة من هذا الشخص أمامها، فهذا لا يمت لتميم الذي تعلمه بأي شكل من الأشكال، ابتلعت ريقها متراجعة بعض الخطوات :
" أنت لا يمكنك فعل ذلك "
نظر لها تميم بتحفز يترك كل ما كان يوليه انتباهه مرددًا :
" لا يمكنني فعل ماذا برلنت !! منع زوجتي من ارتكاب الحماقات ؟!"
" وهل تسمي رغبتي في زيارة والدي حماقة تميم ؟؟"
كانت تتحدث بقهر لا ترى نظرات تميم لها :
" نعم حماقة، رغبتك في رؤية الرجل الذي كاد يدمر حياتي اكثر من مرة ويحرمني عائلتي وإياكِ، لهي اكبر حماقة برلنت "
تأوهت برلنت بصدمة من كلماته :
" أوه، أرى احتقارًا كبيرًا في نظراتك لوالدي تميم، لن الومك عليها، لكن انتبه لئلا يتحول ذلك الاحتقار لي في أحد الأيام، أنت وافقت على إكمال الزواج رغم ما حدث لا أريد أن أرى نظرة ندم مستقبلية في عيونك وإلا لننهي هذا كله "
ختمت حديثها وهي تنطلق الخارج تحت نظرات تميم المصدومة من كلماتها، ليستوعب ما حدث قبل خروجها من الغرفة يلحق بها ممسكًا يدها :
" أنتِ لا تدركين ما تحدثتي به برلنت، لا يمكنكِ إلقاء تلك الحماقات بكل بساطة والرحيل هكذا دون أن نتناقش سويًا "
ابتسمت له برلنت بسخرية تجذب يدها من بين قبضته وهي تقول بغيظ وغضب :
" كيف تريد مني النقاش مع شخصٍ يرى كل ما يصدر مني حماقات تميم ؟؟ أنت تعلم مكان غرفتي حين تدرك ما فعلت "
ورحلت هكذا ببساطة تاركة تميم يقف بصدمة وهو يحاول استيعاب ما حدث، بينما هي ترحل دامعة لا تصدق أنه يتحدث معها بهذا الشكل .
وتميم فقط ينظر لظهرها لا يفهم كيف تحول حديثهما الودي لهذا القتال فجأة ..
الأمر بدأ بمجيئها له مبتسمة ومن ثم ....لا شيء سوى غضب وعناد .
كان يعمل على الانتهاء من السلاح الجديد الذي كلفه به الملك ليسمع صوتها تهمس له بحب :
" مرحبًا تميم "
استدار نصف استدارة لها يبتسم بسمة صغيرة داعيّا إياها بعيونه أن تقترب :
" اقتربي بيرلي "
تحركت برلنت تتجنب الاقتراب منه، ليس وهذه الأشياء بين يديه يتلاعب بها :
" حسنًا افضل الابتعاد إلى أن تفرغ مما تفعل "
رفع تميم حاجبه باعتراض شديد :
" إذن ستبتعدين كثيرًا صغيرتي فأنا لن انتهي قريبًا"
تنحنحت برلنت وهي تحاول ايجاد وسيلة لبدء حوارها معه فيما جاءت لأجله :
" لقد ..لقد وصلني خطاب منذ ساعة تقريبًا "
أولى تميم انتباهه لها، يحاول معرفة ما حدث معها من خلال نظراتها، لكنها يبدو أن أدركت خطته فابعدت عيونها بسرعة تقول بصوت هامس :
" أنه خطاب من ... أبي "
ترك واخيرًا تميم كل ما كان يفعل بالكامل يستدير لها استدارة كاملة وهو يضيق عيونه في انتظار القادم :
" وماذا يريد والدك منكِ ؟؟"
" ها أنت قلتها تميم، والدي "
" نعم والدك، وأنا لم أنكر هذه الحقيقة برلنت، لكنني استنكر أن يحاول التواصل معكِ بعد كل هذا "
تنفست برلنت وهي تنظر له تقول دون مقدمات :
" هو فقط يريد مقابلتي، لا اعتقد أن هذا مطلب غريب من أب لابنته، هذا حقه "
تحدث تميم بنبرة هادئة رغم أنه داخليًة كان يدرك أن طلب عبدالله لم يكن بريئًا أو لشدة اشتياقه لها، بل يخفي خلفه الكثير بالفعل :
" نعم حقه برلنت، لكن أنا وأنتِ نعلم أن طلب والدك هذا ليس من فراغ عزيزتي "
" ما الذي تقصده ؟؟ هو أب يود رؤية ابنته، أي الاغراض تعتقد أنه قد يضمر لي بين جدران السجون"
" لا اعلم ولن اغامر بكِ لأعلم برلنت "
اقتربت منه برلنت بتحفز وقد اشتد جسدها بانتباه لكل ما ينطق به، حتى توقفت أمامه تنظر في عيونه :
" وماذا يعني هذا تميم ؟!"
وكانت إجابته هي بداية المشكلة بأكملها :
" أنتِ لن تذهبي لرؤيته بدوني برلنت، إما هذا أو لا ...."
وكانت الإجابة هي لا، وهذا ما اوصلهما لهذه المرحلة، ألقى تميم جسده على الفراش جواره وهو يشرد بالسقف يفكر في برلنت وما يحدث في حياته، أما آن الأوان ليستقرا ويجمعهما سقفٍ واحد؟!
زوجة مع وقف التنفيذ، إلى متى سيستمر الأمر ؟! عليه أن يسارع ويتمم زواجه منها .
على الاقل حينها لن يستطع غضبها أبعادها عنه ...
___________________
اتسعت أعين جميع من بالقاعة حين سماعهم لكلمات زمرد التي ألقتها دون اهتمام، وزمرد استدارت حولها تنظر لهم بضحكة غير مصدقة :
" بالله عليكم لا يخبرني أحدكم أن هذه العاهرة هي نفسها التي تتهم القائد بأنه انتهك شرفها "
صمتت تطلق ضحكة صاخبة مرددة :
" ومن أين لكِ الشرف موري ؟؟ يا ويلي اخر مرة تركتك كنتِ تركعين على أقدامك أمام بافل تمسحين حذاءه بشرفك "
على الاستنكار وجوه الجميع حول زمرد، ولا أحد يصدق كل تلك الكلمات والسبات التي خرجت منها، كانت زمرد تلقي بلسانها ما لا تدرك ولا تعلم إن كان صحيحًا أو لا، هي فقط تتحدث دون اهتمام لأحد.
وموري فقط تحدق في وجهها بشر كبير وتحدي وكأنها ستخيفها بنظراتها .
كل ذلك وإيفان يجلس فوق مقعده يرمق زمرد بشر وغضب كبير، تحرك من مكانه يمسك يدها جاذبًا إياها بعيدًا عن موري، متحدثًا بغضب لكن بصوت هامس :
" ما الذي تقولينه أنتِ زمرد ؟! هل جننتي لتتحدثي بمثل هذه الكلمات القذرة ؟؟"
نظرت له زمرد وهي تشعر بالغضب يشتعل بين أوردتها :
" أنا فقط اذكرها بما كانت عليه فيبدو أن الفاسقة نست كيف كانت تلقي بجسدها على رجال القوم "
اتسعت أعين إيفان أكثر مما تقول أخته هامسًا بغضب من كل ما يسمع وليس منها تحديدًا :
" يا ويلي زمرد .."
تنفس بصوت مرتفع ولم يكد يتحدث حتى سمع صوت موري تتحدث في المكان :
" هذه ...هذه الفتاة الحقيرة ما الذي تفعله هنا ؟! هذه المرأة الفاسـ ..."
وقبل أن تختم كلمتها اهتز جسدها برعب تتراجع للخلف على صوت صرخة إيفان الذي جذب جسد زمرد في ثواني يخفيها خلفه وكأنه يرفض أن تصطدم تلك الكلمات القذرة بأخته، وكأن أخته ستتلوث بها، ليس وكأنها ألقت بدزرينة سباب منذ ثواني على مسامع الجميع :
" احفظي لسانك يا امرأة ولا تتجرأي وترفع عيونك في وجه أختي، لا تزيدي من جرائمك واحدة إضافية"
ارتعبت موري مما يحدث، ورغم أنها كانت تتوقع كل ذلك وتتوقع فشلها في الاطاحة بالقائد، إلا أن الخطة الأساسية لم تكن تهدف لذلك، بل كانت فقط تهدف للإطاحة باسمه وتحطيم صورته أمام الجميع وتفريق الجمع من حوله لتسهل مهمتهم أكثر .
" مـ ...ماذا ؟؟ اختك ؟؟"
شعرت بضربة توجه لرأسها هامسة ببسمة غير مصدقة :
" ثم أنت كيف تحكم عليّ أنني المذنبة فيما يخص القائد ؟؟ هو من سحبني على الحدود صوب خيمته مستغلًا استغراق جنوده في نومهم "
" وهل ظننتي أن تلك القصة الغبية ستقنعني؟! تحتاجين اعوامًا طويلة لتصلي إلى حبكة ترضيني وتجعلني اتبرع بثواني من وقتي الثمين وافكر بها"
نظر لها من الاعلى للاسفل يقول بكل جدية وسخرية :
" اتهمتي سالار أنه انتهكك، بينما لا يوجد خدش واحد على جسدك يرني أنكِ أُنتهكتي أو قاومتي الانتهاك حتى، وهذا يدفعنا لاختيارين، إما أن الأمر تم برضى تام منك أو أن الأمر لم يحدث من الأساس"
ارتجفت موري تتراجع للخلف وهي تحاول الحديث بأي كلمة تأتي على عقلها قد تنقذها منه، لكن إيفان لم يمنح عقلها الفرصة حتى للتفكير في مخرج لها من شِركه :
" وبتحليل الخيارين نجد أن الخيار الاول غير منطقي، ولو تحدثنا بجدية فوجودك في الحدود من الأساس غير منطقي، ما الذي تفعله امرأة شابة مثلك هناك ؟!"
" أنا .... أنا كنت ...لقد حاول بعض الرجال خطفي واخذي خارج البلاد و...لقد هربت منهم وتحركت بحثًا عمن يساعدني وحين كنت أسير في الغابة أبصرت نيرانًا تأتي من المخيمات وحين وصلت هناك كان المكان فارغًا إلا من القائد الذي كان يجاور النيران وحينها هو ...هو ...حاول مساعدتي في البداية ومن ثم حاول اغوائي بالذهاب معه للخيمة و..."
وقبل أن تكمل كلماتها أطلقت صرخة بسبب اندفاع تبارك لها لولا سالار الذي امسكها يتحكم بها معيدًا إياها للخلف وهي فقط تشعر بالحسرة من تحدث هذه المرأة عن زوجها بهذا الشكل أمام الجميع .
بينما إيفان تنفس بصوت مرتفع :
" إن استمر الأمر بهذا الشكل سوف أخرج الجميع من المكان، سمعتم ؟؟"
صمت الجميع، حتى أن البعض حاول التحكم في صوت أنفاسه كي لا يغضب الملك به، وإيفان رفع عيونه صوب موري يقول :
" قلتِ ابصرتي نيرانًا في المخيمات ؟! هل اشعلتم النيران يا رجال ؟؟"
نفى الجنود الأمر بالكامل وتحدث أحدهم :
" الليلة كانت حارة بما يكفي لنشغل النيران، لقد اعتمدنا ضوء القمر فقط"
صمت ليعلو صوت إيفان مجددًا :
" قلتِ أنكِ لم تبصري في العراء سوى سالار فقط والذي حاول اغوائك صحيح ؟؟"
هزت رأسها بتوتر ليبتسم إيفان متسائلًا :
" منذ متى ونحن نترك منطقة التخييم دون حراسة يا رجال ؟؟ "
نفى الرجال بسرعة هذه التهمة واندفع أحدهم يصيح بسرعة وغضب من تلك الكاذبة أمامهم :
" لم يحدث مولاي، اقسم أننا لم نتحرك من أمام المكان، لقد بقيت مع ثلاثة رجال، والباقون ذهبوا للراحة وتناوبنا بالدور على الحراسة كما هو متعارف عليه "
نظر لها إيفان ثواني ثم قال :
" وهل سمعتم أي صوت او ابصرتم أحد خلال مراقبتكم ؟؟"
" لم يحدث "
" هل سمحتم لأنفسكم بالنوم خلال الحراسة ؟؟"
نظر الرجال لبعضهم البعض ليتحدث آخر بصوت خافت :
" نحن يا مولاي ما كان لنا أن نرخي دفاعاتنا يومًا، لكن ...لا نعلم فقط لم نشعر بأنفسنا حتى استيقظنا في أماكننا في اليوم التالي على صراخ امرأة "
" هل سمعتم صوتًا لسالار قبل تلك الاغماءة ؟؟"
نفى الرجال بسرعة ليبتسم إيفان يقول :
" إذن اعتقد أن الأمر انتهى بالفعل، وجميعنا نعلم الآن من الجاني هنا تحديدًا ؟؟ إن كنت فهمت شيء بشكل خاطئ فتقدمي للدفاع عن نفسك "
تحركت أعين الجميع بغضب صوب موري التي شعرت في هذه اللحظة بشعور الفأر الذي وقع في غرفة قطط ..
لم تتحدث كلمة ولم تستطع أن ترفع عيونها في أحد.
لكن إيفان لم يصمت عند هذا الحد، بل تساءل بجدية :
" أنا فقط متعجب من شيء كيف استطعتي الدخول بهذه السهولة دون شعور أحد بكِ ؟؟"
" ربما وضعت لهم شيئًا بالطعام "
وكان هذا التفسير صادرًا من تبارك التي قضت فترة لا بأس بها من حياتها بين الأفلام القديمة والحديثة، وحبكات الجرائم التي يتنافس المخرجون في وضعها :
" بالتأكيد وضعت لهم اعشاب تسببت لهم في النوم دون شعور كما قال البعض منهم "
تحدث أحد الرجال ينفي الحديث :
" لكننا لم نتناول أي طعام وقتها .."
ابتسم سالار يردد بصوت خافت لكن سمعه الجميع:
" البئر ..."
نظر الجميع صوب سالار بانتباه شديد ليكمل هو محدقًا في موري بشر :
" البئر، جميعنا شربنا منه البارحة "
رفع إيفان حاجبه ينظر صوب موري مبتسمًا بسمة غامضة وهو يقول :
" البئر ؟؟ قمتم بتسميم بئر بالكامل لأجل خطة في منتهى الغباء كهذه ؟؟ هل ظننتم أن هذه الخطة قد تؤثر بنا مقدار ذرة ؟؟"
قالت تبارك بصوت حاد غاضب وبلهجتها التي لم تستطع كتبها في مثل هذه المواقف حين يشتد بها الغضب :
" العيار اللي ميصبش بيدوش، اللي عملته مش غرضه يأذي سالار، اللي بتعمله غرضه الغلوشة، هي عارفة أنها لما تتهم سالار مش هتوصل لحاجة غير أنها هتهز صورته في عيون الكل وتشغلهم عن حاجة في دماغهم، يعني كل ده مجرد رصاصة صوت بس عشان تبعد عيونكم عن حاجة تانية "
والنظرات التي حلقت فوق رأس تبارك في هذه اللحظة كانت غريبة مريبة، البعض منها جاهلة لنصف المصطلحات التي نطقت بها والبعض الآخر ينتظر الترجمة .
وهي شعرت بالخجل لكل تلك النظرات وتراجعت بعض الشيء للخلف، بينما إيفان يتساءل :
" أشعر أنكِ قلتي حديث هام لكنني لم افهم نصف حديثك، هناك بعض المصطلحات التي نطقتِ بها ولم افهمها، لذا هلا توضحين رجاءً "
نظرت تبارك بخجل صوب سالار الذي كان يرمقها بنظرات غريبة لم تفهم مقصده منها :
" أنا فقط أخبركم أن الضربة التي لا تصيب، تكون لإبعاد الإنتباه عن شيء آخر مهم و..."
حسنًا الأمر كان صعبًا أن تحول كل هذه الأمثال الشعبية للفصحى، بل وتشرحها للجميع، لذا صمتت حين عجزت عن الاكمال تقول باقتضاب :
" هذا فقط، كل ما فعلته كان لشغلكم عن شيء أكبر"
ابتسم إيفان بسمة واسعة وهو يحرك نظراته بين الجميع قبل أن يقول بكل جدية لسالار :
" لقد أخبرت زوجتك سابقًا وسأخبرها الآن، هي تشبهك وتمتلك نفس التفكير احيانًا، ربما في المستقبل تضع معك خطط للحروب ها ؟!"
ابتسم سالار بسمة صغيرة باردة يجذب تبارك بعيدًا عن الأعين المعجبة بما قالت، هو في الحقيقة لا يكره أن يُعجب البعض بحديثها، بل ويقدرها الجميع، لكن ليس من الرجال .
ابتسمت زمرد والتي صمتت كل هذه الفترة فقط تحت أوامر إيفان تقول :
" أنا حقًا أتعجب أنك تسألها من الأساس عما حدث، يا ويلي هذه المرأة راقصة فاسقة، كيف بالله تأتي بتهمة كهذه ويصدقها البعض ؟! منتهى السخرية "
نظر لها إيفان برفض أن تتحدث بتلك الكلمات هكذا دون حرص فيما تنطقه :
" لا بأس زمرد أنا سأتصرف مع هذا الأمر، رجاءً لا تتدخلي مع هؤلاء الأشخاص، أنتِ أميرة و..."
قاطع حديثه نظرات زمرد التي اشتدت وهي تهمس له برفض شديد :
" أوه لا أنت لم تخمن أخي، هذه المرأة الحقيرة التي تقف هناك على بعد خطوات مني، لن تكون لسواي فلي ثأر قديم لم ينتهي معها، أنا لم انتهي منها بعد"
تعجب إيفان حديثها يتساءل بعدم فهم :
" ما الذي فعلته لكِ ؟"
على الوجع نظرات زمرد بشكل واضح وقبل أن تتحدث كانت تبصر تراجع جسد موري رغبة منها في الانسحاب من المكان، وكادت تفعل لعدم انتباه أحدهم لها، لولا اندفاع جسد زمرد تمسك خصلات شعرها من أسفل الحجاب كما فعلت سابقًا تجذب رأسها لها وهي تهمس بفحيح :
" مرحبًا يا فاسقة، جئتِ بأقدامك عندي، ولن تغادري عليها، اعدك"
أطلقت موري صرخات مرتعبة وهي تحاول الفكاك من يد زمرد، بينما الأخيرة ترفض حتى أن تخفف قبضتها على خصلات موري، ترفض الاستماع لأحد حولها وهي تجذبها خلفها خارج القاعة بأعين تلتمع بالشر، بينما باقي الجنود تحركوا لجذب موري بعيدًا عنها، لكن ما حدث هو أن إيفان رفع يده يقول :
" لا يمنعها أحد، فقط راقبوها لئلا تُصاب بأذى وحينما تنتهي من تلك الفتاة تحضروها لي لاسقط عليها عقابي "
صمت، ثم نظر للجميع المتفاجئ حوله وقد علت الدهشة وجوههم فلم يعتد أحدهم يومًا أن يتعامل الملك بهذا الشكل مع من يتجاوزه في المحاكمات .
بينما إيفان لم يكن يرى سوى أن أخته لها ثأر مع هذه الفتاة هو لا يعلمه، سيدعها تأخذ ثأرها وتطفئ نيرانها كما تعهد لها سابقًا وبعدها يرى ما يفعله، والويل كل الويل لتلك المرأة إن صدق حدسه أنها أذت أحدًا يخصه قديمًا .
نظر إيفان صوب سالار ليجده ما يزال يهيمن على جسد زوجته وعيونه معلقة بالباب متعجبًا ما حدث، فهذه الفتاة مرعبة بحق، استفاق على صوت إيفان يقول :
" خذ زوجتك واذهب للراحة سالار، يكفيك ما عانيته خلال هذه الأيام "
نظر له سالار برفض شديد وهو لم يتأكد بعد مما حدث تلك الليلة بعدما تسللت المرأة لخيمته، ما الذي حدث، هل اقترب منها ظنًا أنها زوجته، أم سقط في النوم كجنوده ؟!
وإيفان التقط كل هذه الاسئلة ليبتسم له برفق :
" ترفق بنفسك سالار، سنعلم كل ما حدث "
نظر حوله يأمر بعض رجاله بهدوء :
" أرسلوا لي في إحضار مهيار ..."
ومجددًا نظر لسالار :
" ارتح سالار "
ختم حديثه يتحرك خارج القاعة، بينما سالار يتابعه لثواني قبل أن يمسك يد زوجته بقوة يجذبها بالقرب منه ومن ثم تحرك بها بهدوء تحت أعين الجميع .
وهي فقط سارت خلفه مرتاحة البال أن كل شيء انتهى والحمدلله ..
______________________
يقف في منتصف الساحة يراقب الجميع بأعين متيقظة قبل أن يقرر أنه حان الوقت ليرتح قليلًا، وكأن الله اراده أن يتحرك في هذه اللحظة بالتحديد ليكون أول شيء يبصره بمجرد أن خطى صوب الممرات الخاصة بالغرف هو صورة شرسة لزمرد وهي تجذب امرأة من حجابها بقوة تكاد تضرب رأسها في أي جدار يقابلها.
اتسعت أعين دانيار بصدمة وهو يتحرك راكضًا صوبها يبتلع ريقه وهو يهمس باسمها :
" زمرد، ما الذي تفعلينه ؟؟"
توقفت زمرد فجأة ونظرت له بأعين مشتعلة قبل أن تبتسم تقول بكل بساطة :
" أوه مرحبًا دانيار، ما بالك أصبحت تقفز امامي كلما قررت أن ألقن أحد أفراد قومي درسًا لا يُنسى ؟؟"
كانت تتحدث وهي تشدد قبضتها على خصلات موري من أسفل الحجاب والأخيرة تصرخ باستجداء :
" ساعدني رجاءً سيدي، هذه المرأة مجنونة، لقد ...لقد سحبتني من المحاكمة وتريد ضربي "
نظر دانيار صوب زمرد باستنكار :
" زمرد ما الذي تفعلينه الآن ؟!"
" كما أخبرتك، سأضربها "
اقترب منها ينظر في عيونها بجدية هامسًا :
" هذا ليس جيدًا البتة زمرد، لماذا تفعلين كل هذا، دعي المرأة لا تدفعي بنفسك لتلك الأفعال السيئة رجاءً"
نظرت زمرد لعيونه تجيب:
" أنا لن ادع أحدًا وشأنه دانيار، وسأقوم بتلك الأفعال السيئة، أتعلم لماذا ؟! لانني للاسف الشديد سيئة كسوء تلك الافعال، بل اسوء، وعليك أنت أن تتأقلم مع الأمر إن قررت أنك تريد الاستمرار مع أحد بسوئي "
ازدادت حدة نظرات دانيار وهو يهمس بالقرب منها :
" توقفي عن اقحام استمرارنا سويًا في جميع حواراتنا زمرد، لا تلوي ذراعي بكِ "
نظرت له زمرد تهمس بشر :
" وأنت تقبلني كما أنا دانيار، فهذا أنا ولن اتغير، والآن بالاذن منك فهناك فاسقة على وشك أن أعيد تشكيلها"
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا وهي تجذب موري معها من شعرها، مشهد يتكرر، تمامًا كما فعلت في ذكرى وفاة والدتها وهي تجذب موري من منزلها وحتى الساحة، لكن هي هنا لن تحطم الاحتفال، بل ستحطم عظام موري، ولن تفسد سعادة قومها بذكرى وفاة والدتها، بل ستفسد المتبقي من حياة موري، والأهم، أنه ليس هناك بافل ليعاقبها، وليس هناك موري لتساعده، فهي ستكون ضحيتها لباقية اليوم ...
وموري كانت فقط تحاول الإفلات منها وهي تطلق صرخات عالية وسباب في الممرات، لكن كل ذلك لم ينقذها من براثن زمرد التي فتحت غرفتها تلقي بها داخلها ومن ثم لحقت بها تغلق الغرفة وهي تبتسم لها بخبث هامسة :
" مرحبًا بالشريفة التي أُغتليت براءتها على يد ذئب بشري "
حاولت موري أن تقف على قدميها ونظرات زمرد تكاد تحرقها حية، لكنها لا تهتم، كل ما تهتم له هو استكمال خطتها :
" أخته للملك ها ؟؟ أيتها اللعينة من بافل للملك، ما هذا التطور المرعب ؟؟ "
ختمت حديثها تبتسم لها، ثم همست بصوت خافت وكأنها تأبى أن يسمعها أحدهم :
" لقد عثرتي على عائلتك ها ؟! كان بافل طوال الوقت يحكي لي عن والدتك العزيزة التي سلبها والده من زوجها الملك وتخلص من جنينها ليزرع مكانه بذرتها الفاسدة، وخمني من تلك البذرة الفاسدة يا ترى ؟!"
اشتعلت أعين زمرد لتنطلق ضحكات موري صاخبة وهي تتمايل أمامها بدلال لا يليق بالموقف حولهم :
" لقد كان مع كل ضربة يوجهها لكِ يتذكر أخاكِ، كان يشعر بالنشوة كلما اذاكِ، يشعر بشعور غبي من الانتصار على الملك، ينتهك عرض أخيكِ بكِ، كان هذا يجعله في قمة الانتشاء "
كانت تتحدث واعين زمرد تزداد حدتها تهمس بسخرية لاذعة :
" ينتهك عرض اخي بي ؟؟ وعرضه !! أولست أخته لهذا النتن ؟؟"
صمتت زمرد فجأة ثم وضعت يدها على رأسها وكأنها تذكرت فجأة الأمر :
" أوه نسيت أن لا عرض لذلك الخسيس، وجيد أنه كلما رآني أبصر بي أخي ولم يبصر بي والده فهذه كانت لتكون اكبر إهانة توجه في حقي "
" أنتِ محظوظة لعينة زمرد، في القرية كنتِ أخته للزعيم، وهنا أخته للملك، أي حظ لعين تمتلكينه "
ضحكت زمرد بصوت مرتفع وهي تقول :
" صدقيني حياتي في القرية كانت ابعد ما يمكن وصفه بالحظ، كانت قذارة ليس إلا، ولا أعتقد أنني تمتعت لثانية واحدة بامتيازات أن أكون أخته للزعيم الخاص بكم، والحمدلله أنني لم أفعل "
رمقتها موري بسخرية لاذعة :
" انظري أين أنتِ الآن ؟! أميرة لسفيد في غرفة تتجاوز مساحتها مساحة القرية بأكملها، بينما أنا، انظري أين أنا..."
وبعد هذه الكلمات لم تبصر موري سوى الأرض تقترب منها حينما أصابتها ضربة زمرد مسقطة إياها ارضًا تميل عليها هامسة :
" أسفل أقدامي، تمامًا حيث ينتمي جميع أفراد قومك موري ..."
ومن بعد هذه الكلمات لم تبصر موري من أي جانب تتساقط الضربات عليها وقد شعرت زمرد في هذه اللحظة أنها قادرة على قتلها، بل تود قتلها، تتذكر كل ما حدث بها من تحت رأسها، لا تنسى تلك الأيام التي عاشت تحت رحمتها هي وبافل، تتوسل رشفة ماء وتبكي من الوجع، وكل ما كانت تفعله موري هي أنها تأتي لتزيد من اوجاعها .
ازدادت الدموع في أعين زمرد وهي تزيد من حدة ضرباتها صارخة :
" لعنة الله عليكم جميعًا، والله لن يهدأ لي بال إلا بعدما اتخلص منكم وتخرج أرواحكم القذرة بين يديّ، تبًا تبًا لكم اجمعين، تبًا لكم يا أنجاس، لتحترقوا في جحيمكم عسى ألا يريكم الله لحظة هناء واحدة بحق كل دمعة سقطت من أعيني واعين والدتي "
كانت حالة زمرد في هذه اللحظة مرعبة بوجه احمر وعيون حمراء وهيئة مدمرة، بالكاد تستطيع التنفس من بين كلماتها .
اندفع الجميع لغرفتها حين سمعوا صوت صرخاتها المنهارة، وقد اقتحم إيفان المكان يصرخ في رجاله بغضب:
" تراجعوا، لا يقتربن أحدكم "
تراجع جميع الرجال للخارج، عدا دانيار الذي تصنم مكانه يراقب زمرد تواجه اشباح ماضيها لأول مرة، هنا وأدرك أن جروحها أعمق مما تخيل بملايين المرات .
كانت زمرد تكاد تقتل موري والتي أعادت لها اسوء ايام حياتها في ثواني، ولا تشعر سوى بيد تكبلها يعنف وصوت يهمس لها أن تهدأ، صوت يعيد لم يصل وهي تصرخ يوجع وبكاء وكلمات لا يعي أحدهم معناها :
" كانت ذكرى وفاتها، كانت ذكرى وفاتها، لعنة الله عليكم، كان يوم فقدتها، كله بسببكم، كله بسببكم، لينتقم الله منكم اجمعين "
لم يشعر دانيار في هذه اللحظة بدموعه التي بدأت تتساقط بقوة ووجه الذي شحب وهو يراقبها، كان فقط يراقبها بنظرات مفزوعة، لا يشعر ولا يسمع سواها، وبكاءه يزداد تباعًا لبكاء زمرد التي بدأت تنهار بين ذراعي إيفان.
وإيفان فقط ضمها له بقوة، قبل أن يميل ويحملها بسرعة يتحرك من المكان بأكمله، مبعدًا إياه عن الجميع هنا، وأثناء خروجه أبصر مظهر دانيار الذي افزعه ليتحدث بجدية :
" دانيار ...دانيار، دانيــــــار "
انتفض جسد دانيار ينظر جواره بتعجب لإيفان ليدرك أنه يحمل زمرد وهو الذي لم يعي شيئًا حوله، تحرك ركضًت صوبهم يهمس بفزع:
" زمرد .."
ابتعد إيفان خطوات قليلة بزمرد يهمس لدنيار :
" عد لغرفتك دانيار فأنت لست بحال جيدة "
" لكن هي ..."
همس له مجددًا بأمر:
" عد لغرفتك وأنا سأحضر لك حينما ينتهي كل شيء، لا تقلق هي ستكون بخير "
تحرك بعدها يأمر الحراس بصوت قاسٍ وغضب جعل جسده يرتجف :
" القوا بتلك المرأة في السجون حتى تنال عقابها الذي تستحقه "
ومن بعدها اختفى جسده بزمرد التي كانت ما تزال تهزي بكلماتها باكية، ولم تعي بشيء سوى بجسدها يلامس شيء ناعم مريح، لم تهتم له كثيرًا وهي تشعر بشخص يجذبها لاحضانه وصوت خافت يهمس لها بكلمات لم تصل لها، فهي ما شعرت بالدفء يحيط بها حتى ثقلت رأسها وسقطت في النوم دون شعور ..
وإيفان فقط نظر لها يميل عليها مقبلًا رأسها بحنان شديد، وسقطت دمعة منه دون شعور يهمس بصوت مختنق بالدموع :
" ارتاحي صغيرتي، وأنا من سيتكفل بالباقي ...."
____________________
" هل هذا يعني أنك تستغنى عني الآن ؟؟ بعد كل ما فعلته لاجلك ؟!"
زفر الآخر وهو يتحرك بين الممرات يلتقط بعض الكتب له يضعها بين أحضانه مرددًا بنقم :
" أنت يا فتى لا تشعرني أنني اتحدث مع زوجتي التي انبأها بخبر طلاقها، أخبرتك أنني استغنى عن خدماتك في المكتبة وسأحضر متدرب آخر"
توقفت اقدام مرجان عن التحرك يقول بصدمة من كلمات العريف :
" متدرب آخر ؟! بعد كل هذه السنوات التي افنيتها من حياتي في التعلم وخدمة المملكة أيها العريف، وكل هذا لأجل ماذا ؟؟ لأجل تلك البومة الغبية ؟"
نظر له العريف ثواني بغيظ قبل أن يقول بشر :
" لقد تركتها تخرج دون رقابة أيها الاحمق وهي منذ يومين لم تعد، لقد اضعت بومتي العزيزة والكائن الحي الوحيد الذي كنت اتقبله في هذه الحياة، والآن هيا ارحل من أمامي فأنا لا أريد التحدث مع أحد الآن "
توقف أمامه مرجان بإصرار :
" لا هذا الأمر ليس بيدك ايها العريف لقد احضرني الملك لأكون العريف المستقبلي لهذه البلاد وسأفعل ذلك "
فجأة أطلق صرخة مرتفعة بعد ضربة العريف له بالكتاب يصيح في وجهه :
" تنحى عن طريقي أيها الغبي، أي عريف هذا، أنا لم أمت بعد لتكون "
تمتم مرجان بحنق وهو يفرك رأسه مراقبًا تحرك العريف :
" لكن عاجلًا أو آجلًا ستفعل، أنت لست من الخالدين كما تعلم "
توقف العريف عن التحرك بين ممرات الكتب يقول باستفزاز :
" حينها سأتأكد من وضع وصية توضح للجميع أنك لا تصلح لتكون عريفًا من بعدي "
صاح مرجان باعتراض وغيظ :
" سأحرق تلك الوصية قبل أن يصل لها أحد"
توقف العريف عن الحركة فجأة، وتشدد جسده بشكل غريب جعل مرجان يتراجع وهو يهمس بجدية:
" أنا امزح بالطبع ايها العريف، اقسم أنني...."
لكن العريف لم ينتبه لكل ذلك وهو يعلق نظراته بباب المكتبة وقد علت ملامحه تعابير ناقمة حانقة :
" ما الذي جاء بهذه المرأة لمكتبتي ؟! ألم يعد هناك مكان تذهب له لتقفز في وجهي كل ثانية ؟؟"
تحركت شهرزاد داخل المكتبة ببسمة صغيرة :
" مرحبًا أيها الواشي الكاذب "
ابتسم العريف لها :
" مرحبًا أيتها اللصة القاتلة "
اتسعت أعين شهرزاد بصدمة من وصفه لها، بينما هو ابتسم يقول :
" اعتقد أن وصفي افضل ؟؟"
شعرت شهرزاد أنها لن اصل لشيء من هذه المناقشة العقيمة لذا تحدثت بما جاءت لأجله غير مهتمة بوجود مرجان على أية حال :
" لقد نكثت بعهدك معي أيها العريف "
" لا اتذكر أنني تعهدت لكِ بشيء سابقًا "
أكملت دون الاهتمام بكلماته :
" ورغم ذلك يمكنني نسيان ما فعلته معي واسامحك"
تنفس العريف بصوت مرتفع :
" حمدًا لله ما كان لي أن أنام لحظة دون سماع هذه الكلمات، أشعر أن الحياة بدأت تبتسم لي "
ومجددًا لم تعط تلك الكلمات اهتمام وهي تكمل بكل بساطة :
" نعم، عليك أن تكون شاكرًا فليس الجميع ينال عفوي بسهولة، وأنت لا تريد رؤية كيف يكون غضبي ايها العريف ."
نظر لها العريف بحاجب مرتفع وهي فقط اقتربت خطوات تقول :
" أنت لا تريد رؤية ما يمكنني فعله لانتقم منك على ما فعلته بي أيها العريف "
" هل تهدديني الآن يا امرأة ؟!"
" يمكنك قول ما تحب، أنا فقط جئت أحذرك أن تنتبه في المرة القادمة لانك لن تكون حيًا لتبصر نتيجة تسرعك ..شهدان"
ختمت حديثها تنظر في عيونه، ثم رحلت بكل بساطة ودون أن تطالبه بشيء كعادتها، فقط رحلت تحت نظرات مرجان الذي كان يفتح فمه بصدمة :
" هل ...هل هددتك للتو دون خوف ؟! "
نظر العريف صوب الباب يردد :
" لحظة الذبح لا يبصر الإنسان ما يدور حوله ويظل يتخبط بالجميع دون إدراك لما يحدث .."
صمت وهو يشعر بالريبة من تلك المرأة فهو يدرك كبرياء شهرزاد الغبي الذي حرمها النوم حتى تأتي وتلقي هذه الكلمات الحمقاء في وجهه لتخبره أنها ما تزال كما هي ولا تخشاه، كبرياء احمق يقودها صوب حتفها دون هدى ..
همس بريبة :
" أنا أشعر أنها تضمر السوء للجميع هنا، هذه المرأة لن تستسلم بهذه السهولة، جنون العظمة الخاص بها لن يسمح لها أن تهنأ قبل أن تبصر معاناة الجميع أمامها...."
______________________
وصل للغرفة معها وقد كان صدره يشتعل بالعديد من المشاعر، يسيطر على كل هذه المشاعر، راحة كبيرة تشوبها ريبة .
ترك يد تبارك ما إن وصل للغرفة لتتحرك هي تتمسك بيده رافضة أن يتركها، تقول بصوت خافت :
" أنت زعلان مني ؟!"
رفع سالار عيونه لها ينفي برأسه ما تفكر فيه لتتسع بسمتها تضيف :
" لِمَ إذن تنأى بعيونك عني سالار ؟!"
تنهد سالار وهو يتحرك بعيدًا عنها متعبًا ينزع عنه ثيابه بكل تلقائية :
" أنا لا أفعل تبارك، فقط أنا متعب بعض الشيء واحتاج للراحة كي افكر في القادم بتريث، ثم نحن لم نتحدث بعد عن اقتحامك للمحاكمة بهذه الطريقة وتحدثك بهذا الشكل ....الرائع أمام الجميع، ونظرات الانبهار التي كانت تلاحقك "
كان يتحدث وهو يخلع ثوبه العلوي ولم يتبقى سوى بنطاله القماشي وثوبه الذي يرتديه أسفل السترة السوداء الخاصة به، مد يده لينزعها عن جسده لولا صرخة تبارك التي رنت في المكان متسببة في التفاته برعب :
" ما الذي يحدث ؟؟ لِمَ الصراخ ؟!"
أشارت له تبارك مصدومة من جرأته :
" أنت... أنت ما الذي ...ما الذي تفعله الآن ؟!"
نظر لها بعدم فهم :
" ما الذي افعله ؟! أخبرك ما يغضبني فأنتِ من طالبني بذلك "
" سالار أنت... أنت تخلع ثيابك امامي ؟!"
نظر سالار لنفسه ثواني قبل أن يدرك عما تتحدث، لكن ذلك لم يجعله يتراجع عما يفعل وهو يكمل خلع ثوبه القطني :
" حسنًا لا أرى أي غرابة في الأمر تبارك، هذه غرفتي وأنتِ زوجتي "
امتلئ وجه تبارك بحمرة قانية تحاول التحدث، لكن حروفها عجزت عن الخروج من فيها ..
وهو ابتسم يقول بهدوء :
" تبارك تنفسي رجاءً "
لكن تبارك لم تكن تعي لشيء سوى أنها ترى سالار يقف أمامها عاري الجذع، صورة لم تكن لتتخيلها ولو في أكثر أحلامها جموحًا، وحين أدركت أنها تطيل النظر به استدارت فجأة تخفي عيونها بفزع، بشكل افزعه هو .
" تبارك يا ويلي ما بكِ ؟!"
" ألا تخجل من الوقوف أمامي بهذا الشكل ؟!"
" ماذا ؟! لا، أنا اتدرب بهذا الشكل من الأساس "
اتسعت أعين تبارك تستدير له بصدمة :
" بهذا الشكل ؟!"
" نعم، الجو يكون حارًا في بعض الأحيان لااتحمل ثياب إضافية أثناء حركتي "
" أنت تمزح "
" أنا لا امزح "
تنفست بصوت مرتفع تتخيل مظهر تبارك هذا أثناء التدريب وبعض العاملات يتحركن في المكان ذهابًا وإيابًا لمشاهدة عرض مجاني .
وسالار فقط يتابع نظراتها بتعجب شديد لملامح الامتعاض وعدم الرضى التي ظهرت جلية عليها، تتراجع للخلف وهي تضيق عيونها تفكر في الهرب من الغرفة الآن ومن ثم تفكر في طريقة لتحيل حياة سالار لجحيم وتمارس عليه هوايتها التي تجربها للمرة الأولى " النكد "
لكن وفي اللحظة التي كانت تفكر في الهرب منه، كان سالار في المقابل يفكر في الاقتراب أكثر منه وقد أعجبه الخجل الواضح على وجهها .
تحرك ببطء صوبها يستغل شرودها وتفكيرها في طريقة للهرب، يقترب منها فجأة بشكل مباغت جعل صرخة تخرج من تبارك وهو يجذبها لاحضانه بسرعة كبيرة قبل أن تستوعب ما يحدث يكتم ضحكتها في صدره دون أن يسمح لها بقول كلمة إضافية.
وتبارك اتسعت عيونها بصدمة تهمس :
" والله قولت إن مفيش راجل سالك "
أطلق سالار ضحكات مرتفعة يضمها له أكثر :
" أنا لا افهم ما تقصدين لكنني أؤكد لكِ أنني لا انتوي شيئًا خبيثًا لكِ تبارك "
رفعت تبارك عيونها لوجهه وهي ما تزال بين أحضانه :
" مش ملاحظ أن كلامك مش لايق بأي شكل من الأشكال مع الوضع اللي احنا فيه ؟؟ اعتقد يعني الكلمتين دول يتقالوا وأنت واقف لابس جلبية بيضة وماسك سبحة، مش بالشكل ده وأنت لازقني فيك بالمنظر ده "
ابتسم سالار يتساءل وهو ينظر في عيونها :
" هل تخجلين مني تبارك ؟!"
" والله كلك نظر يعني "
" أنا زوجك، لا يمكنكِ الخجل مني "
حاولت تبارك الابتعاد عنه للتحدث براحة أكبر، لكن سالار ضمها له أكثر يميل برأسه يدفنه بين كتفها ورقبتها مبتسمًا بسمة صغيرة :
" أخبريني أنكِ ستظلين جواري طوال الوقت تبارك، لن تتخلي عني صحيح ؟!"
نظرت له تبارك بأعين متأثرة من كلامه :
" سأفعل سالار، فما لي غيرك في هذا العالم، أنا...تخليت عن حياتي البائسة واتخذتك حياة وأسرة لي فلا تخذلني يومًا سالار"
تنفس تبارك بصوت مرتفع يستنشق الهواء المحيط بهم براحة كبيرة :
" أخذل من تبارك ؟؟ يا ويلي أنا كنت على وشك أن أخذل عالمي كله لاجلك "
نظرت له ثواني قبل أن تتساءل لأول مرة وبتردد :
" هل كنت حقًا ستفعلها سالار ؟؟ إن لم تسر الأمور على ما يرام، هل كنت ستتخلى عني أم عن مكانتك والجميع ؟!"
نظر لها سالار في عيونها طويلًا حتى ظنت أن الإجابة لن تخرج منه، وهي بالفعل قدرت الأمر، فمن ذا الذي يخون وطنه لأجل امرأة، لم يعرفها سوى من شهور فقط، وهذا سالار ليس مواطن عادي، بل هو قائد جيوش ترعرع على حب بلاده، لكن سالار لم يفعل سوى أن رفع يده يربت على وجنتيها بحنان :
" لقد سألت نفسي وقلبي هذا السؤال مئات المرات تبارك .."
صمت ثواني ثم قال بهدوء :
" وماجمعني بقلبي حوارٌ إلا وسألته أتخون وطنًا لأجل عيون ؟! فما كانت إجابته سوى أن عيونها وطنٌ كذلك "
ختم حديثه يميل عليها مقبلًا رأسها بحنان شديد وهي فقط أغمضت تستمتع باللحظة التي خلقها سالار بكلماته، الرجل كان على وشك نبذ حياة كاملة لأجلها، والآن يأتي يطالبها بعدم الرحيل ؟؟ ستكون ملعونة إن فعلت .
فجأة ودون مقدمات كانت هي من تكسر كل الحواجز وهي تلقي نفسها بين أحضانه تقول بحب كبير :
" اعلم أن حياتي لم تكن بالسعيدة، ولم يكن هناك عائلة لي، لكن اقسم أنني لو امتلكت افضل من هذه الحياة لفديتك بها سالار "
" حبيبتي لا اريدك التخلي عن شيء لأجلي، بل أنا من سأحطم أي حواجز لاجلك، وأنتِ ...أنتِ اميرتي تتوسطين عرشك وتنتظرين أن أصل لكِ، اقطع بحورًا لاجلك تبارك "
" لست مضطرًا لذلك يا قائد، فأنا سأتيك حتى شاطئك ."
ابتسم سالار بسمة واسعة يميل لها يضمها أكثر وأكثر حتى أن قدميها لم تعد تلمس الأرض، وهي فقط كانت تشعر براحة لم يسبق لها أن شعرت بها إلا جواره هو .......
________________________
تحركت تسير مخفضة الرأس، ممرات مظلمة ورطوبة تشتد كلما زادت خطواتها واحدة، كانت تحرك حدقتيها في جميع الاتجاهات بريبة وكأنها تبحث لها عن مخرج، تلعن بافل وزمرد وكل من تسير به دماء هذه العائلة القذرة، هي وإن كتب الله لها أن ترى شمسًا أخرى، سيكون أول ما تفعله هو التخلص من زمرد ومن ثم تأخذ الذهب من بافل وتختفي في إحدى الممالك لتعيش كملكة.
انتهى بها السير لقضبان لا تدري المسافات بين كل قضيب والآخر لشدة الظلام في المكان، حاولت التنفس لكن رائحة الرطوبة الغريبة جعلتها تختنق .
استدارت صوب الحراس تكاد تتحدث بكلمة، لكن حتى رفاهية الحديث لم تكن مكفولة لها إذ دفعها أحدهم للداخل بسيفه مرددًا بهدوء :
" تحركي للداخل "
وكذلك فعلت، وهب تمتلك رفاهية النقاش، دخلت تتلمس طريقها بصعوبة بين الظلام، وهم فقط أغلقوا الابواب عليها ورحلوا .
بينما موري اندفعت للقضبان تضربها بقوة صارخة :
" ماذا ؟؟ أنتم لن تتركوني في هذا المكان صحيح ؟؟ عودوا أنا لا أستطيع البقاء في هذا الظلام وحدي ارجوكم "
لكن لا شيء فقط صوت إغلاق بوابة السجون هو ما صدح في المكان ليعلو صمت كئيب لم يقطعه إلا ضحكة قصيرة من وهي تتحسس أحد جيوب السرية بخبث تهمس :
" نجحت الخطوة الأولى، والآن تبقى أن تتم الثانية، وحينها ......"
صمت يعقبه ضحكة صاخبة هي كل ما تردد بيت جدران السجون قبل أن تصمت موري وهي تتحرك بحذر حتى اصطدمت بأحد الأسرة، وهي ترتاح مغمضة عيونها .
تتذكر حديثها مع بافل ..
انتفضت أن مقعدها تصرخ بحنق :
" ماذا تريد مني ؟؟ هل جننت ؟؟ هل تعتقد أنهم سيصدقونني ؟؟ بل سيسارعون للالقاء بي في سجونهم "
ابتسم لها بافل يتحسس خصلاتها بهدوء :
" وهذا ما أريده بالتحديد موري العزيزة "
" بافل هل جننت ؟؟ خسارتك بدأت تتسبب لك في مشاكل عميقة بعقلك "
مال بافل بالقرب منها لتتراجع هي يشكل تلقائي للخلف وقد شعرت بالريبة من نظراته، بل وبدأ جسدها يهتز بقوة من نبرته ونظراته وهو ينظر في عمق عيونها لتشعر بالريبة .
ابتلعت ريقها بصوت مرتفع تقول :
" أنت...لقد ...ابتعد قليلًا بافل "
اتسعت بسمة بافل أكثر حتى تحولت لضحكات صاخبة وهو يردد لها بصوت خبيث ونبرة فحيح مرتفعة :
" فقط افعلي ما أخبرك به وفي النهاية ستربحين الكثير موري، دخول السجن أمر مقصود، لذا هذه اسرع الطرق التي ستوصلك لهذا الهدف ."
نظرت له موري تهمس بصوت منخفض :
" وما الذي سيحدث بعد ذلك ؟!"
" بعد ذلك عزيزتي موري، أنتِ فقط ما عليكِ سوى الانتظار وأحدهم سيأتي لزيارتك وحينها اعطيه هذه"
نظرت موري لانامل بافل تحاول الحديث، ثم هزت رأسها ببطء تقول بصوت منخفض :
" ما هذا ؟!"
" هذا ...هذا عزيزتي الورقة الرابحة لنا والمنقذ لنا من كل هذا "
استفاقت موري من شرودها وهي ترفع عيونها أمامها ترى خيال يتحرك في الظلام ولولا الضوء الخافت الذي استطاع التسرب من النافذة لم تكن لترى أيًا كان من يتحرك بهذا الشكل .
فجأة استقر هذا الظل أمام السجن الخاص بها يهمس بصوت خافت :
" أعطني الورقة "
نظرت له موري بصدمة، بهذه السرعة ؟؟
تحركت لا تجادل في الأمر تمنحه الورقة التي أعطاها إياها بافل متحدثة بلهفة:
" متى سأخرج من هنا ؟؟"
شعرت أن الظل يستدير لها، لكنه لم يتحدث بكلمة إضافية على جملته السابقة، ومن ثم تحرك بكل بساطة تاركًا إياها تنظر لاثره بصدمة :
" مهلًا ماذا عني ؟؟ لقد ...أنا لقد أخبرني بافل أنك ستساعدني، أنت عد"
فجأة وحينما استوعب أنها وحدها ازداد صراخها بجنون :
" عد هنا، أخبرتك أنني أريد الخروج، تبًا لكم اقسم إن لم تخرجوني سوف اخبر الجميع بما تنتوون ..."
ختمت حديثها تضرب القضبان بقوة صارخة ولم تكد تتحرك صوب المقعد مرة أخرى لتهدأ حتى أبصرت جسد آخر يتوسط الظلام أمامها، تحركت صوب ذلك الجسد وهي تحاول معرفة صاحبه :
" من أنت ؟؟ هل أرسلك با...."
لكن وقبل أن تتحدث كلمة إضافية، شعرت موري بضربة عنيفة توجه لمعدتها اتسعت عيونها بصدمة وخرجت منها شهقة عنيفة وهي تحاول رفع عيونها صوب الشخص الذي طعنها، لكنه لم يمنحها فرصة واحدة إذ أخرج الخنجر وكرر الطعنة مجددًا لكن أعمق واقوى ليتأكد أن روحها ستخرج على يده ومن ثم راقب انسحاب الحياة من أعين موري التي كانت لا تستطيع حتة فتح فمها الصراخ بسبب تكبيل الشخص لها، فقط متسعة الأعين تحاول التقاط وجه من طعنها وكأنها تود تسجيل صورته في عقلها لتتواجه معه في الحياة الأخرى ..
وذلك الشخص ابتسم يهمس بصوت خافت :
" للجحيم عزيزتي ."
ومن بعد هذه الكلمات تهاوى جسد موري بقوة على الأرض فاقدة للحياة متسعة الأعين وكأنها أبصرت عذابها يقترب، وقد كان ........
_________________________
تحركت داخل غرفتها تجفف قطرات العرق التي سالت على وجهها بعد معركة مع شقيقها، معركة أعادت لها كافة الذكريات التي كانت تحاول دفنها مع صاحبها حتى يحين لها وقت البعث مجددًا .
وعلى ذكر صاحبها ارتسمت بسمة لا معنى لها على فم كهرمان وهي تلقي بحجابها على الفراش وبدأت تخرج ثوبًا قطنيًا مريحًا، وعقلها يعود بها للقائها الاخير معه ..
كانت تقف في إحدى الشرفات تراقب المكان ظاهريًا، تبحث عنه باطنيًا، فجأة مرت نسمة هواء باردة جعلت عيونها تتسع بسعادة، بسمة تداعت على إثرها اخر ذرات تماسك إيفان الذي كان يراقبها من بعيد :
" لا يعقل أن كل هذه السعادة لأنني راحل "
استدارت كهرمان صوب الصوت بسرعة تهمس :
" مولاي ؟!"
" أنتِ لن تتوقفي عن هذا قريبًا صحيح ؟؟"
" أتوقف عن ماذا ؟؟"
نظر لها إيفان طويلًا قبل أن يبتسم ويهمس :
" مناداتي بهذا اللقب في حين أنني أود سماع كلمات اخرى سنؤجلها لوقتٍ لاحق "
اتسعت أعين كهرمان بصدمة، لكن إيفان لم يسمح لصدمتها أن توقفه عما جاء لأجله، إذ توقف أمامها يضم كفيه خلف ظهره وقد كان في غاية الوسامة بهذه الثياب الغير تقليدية بالنسبة له .
" جئت فقط أخبرك أنني سأرحل، لكن رحيلي الآن ليس استسلامًا مني فأنا لا استسلم في حرب، وخاصة هذه الحرب، رحيلي فقط لأنني مضطر للأمر لكنني سأعود وحينها سأحرص على الرحيل بتعهد من شقيقك لتحقيق رغبتي "
ابتسمت له كهرمان بسمة صغيرة :
" رافقتك السلامة مولاي "
إذن رافقيني، كلمات كادت تفلت من لسانه وهو ينظر لها بمشاعر أصابتها بخجل لتبعد عيونها عنه، فسقطت أثناء ذلك على جسد تعلمه جيدًا يتوسط الشرفة المقابلة لهما يراقب الأمر بمنتهى الهدوء وقدر ارتسمت بسمة جانبية على فمه .
اتسعت أعين كهرمان بقوة، ورغم ذلك ابتسمت لارسلان الذي يراقبهما ببسمة صغيرة، وعادت بعيونها لإيفان الذي كان في هذه اللحظة يشرد فيها مبتسمًا دون شعور منه وهي ابتسمت بسمة صغيرة تهمس:
" عسى امورك كلها بخير في المملكة مولاي، ليحفظ الله المملكة بمن فيها "
ازدادت بسمة إيفان أكثر :
" سأنتهي من كل شيء واعود، لا تظني أن شقيقك سيخيفني فهو احمق يحب العناد في كل شيء، في الأساس لم أكن أتوقع منه موافقة سريعة "
نظرت كهرمان بطرف عيونها صوب أرسلان تردد بصوت ممتلئ بالحنان والحب :
" لا بأس يمكنك انتظار سنوات إذا استلزم الأمر، لكن لا اعتقد أن هذا الأمر قد يتم دون مباركة أرسلان "
ابتسم إيفان بسمة جانبية وهو يتحرك بعيونه حوله ثم قال بكل ثقة :
" لا صدقيني عناد شقيقك تنتهي صلاحيته بعد اسبوعين، هو فقط يحتاج لضربة تجعله يستوعب ما يعاند به، ثم من قال أنني قد أقبل زفاف دون مباركة أرسلان ؟! هو من سيلقي الورود فوق رؤوسنا "
ختم حديثه ببسمة واسعة يستدير صوب النافذة التي تطل على شرفة أرسلان يردد غامزًا مستفزًا :
" أليس كذلك عزيزي أرسلان ؟!"
رفع أرسلان حاجبه بتسائل ليستند إيفان على إطار يردد جملته بصوت مرتفع :
" لن احرمك شرف إلقاء الزهور عليّ يوم زفافي "
استند أرسلان مقابله يجيبه ببسمة أوسع :
" صدقني أنت لن تود معرفة ما قد ألقيك به يوم زفافك، لنحتفظ به مفاجأة "
انطلقت ضحكات إيفان يقول بكل جدية :
" إذن أنت تعترف أن هناك زفاف سيحدث بموافقتك، بغض النظر عما ستلقيه عليّ لا بأس، سأعتبر هذه موافقة شفهية منك، انتظر عودتي لأخذها كتابية يا عزيزي "
نظر له أرسلان بشر وهو يهتف بصوت مرتفع :
" للجحيم ولا تعد إيفان.."
غمز له إيفان يتحرك ضاحكًا :
" حتى الجحيم لا يطاق بلا رفقة أرسلان لذا سعود من اجلك عزيزي، أراك لاحقًا "
ختم حديثه ينظر لكهرمان بلطف وكأنه تحول فجأة :
" إذن نلتقي لاحقًا سمو الأميرة، وحتى هذه اللحظة اعتني بنفسك "
ابتسمت له كهرمان تجيب بهدوء :
" رحلة سعيدة جلالة الملك "
همس لها إيفان وهو يستدير للرحيل، بصوت وصل واضحًا لها :
" ستكون كذلك طالما بدأت من ديارك سمو الأميرة"
وهذه كانت آخر جملة تصل لكهرمان قبل أن يتلاشى طيفه آخذًا معه قلبها ليكون له رفيقًا في رحلته، حتى يطمئن لعودته لها مرة أخرى ....
خلدت كهرمان لفراشها رافضة أن تدع تلك الذكرى القريبة تتلاشى تبتسم بسمة واسعة مغلقة عيونها تشعر بالاشتياق وهو لم يكد يرحل منذ ساعات فقط، فكيف إن طالت غيبته ؟؟؟
____________________
" ما هذا التجمع اللطيف ؟؟ دوني ؟!"
ارتفعت جميع الأعين صوب العريف ومن ثم عاد كلٌ ليشرد فيما يحيره، والعريف استقر أمامهم على مقعده يهتف بتعجب :
" ما هذا الصمت المريب ؟! هل حصلت كارثة أخرى في القصر ؟؟"
تحركت عيون دانيار صوب العريف يهمس وهو يستند على الطاولة بذراعيه :
" ألم تخبرني أنني سأموت على يد قرصان في نهاية الحكاية أيها العريف ؟؟"
اتسعت عين العريف بتعجب، لكنه فقط هز رأسه:
" لا يعلم الغيب إلا الله يا فتى أنا فقط كنت ازعجك، لكنني لا ادري "
" حسنًا، هل سبق لك وحلمت أنني أواجه تنينًا إلى جانب القراصنة ؟؟"
" تنين ؟!"
" نعم، تنين متكبر متغطرس يحمي القلعة من صاحبها وكأنه سيسرقها "
كان يتحدث وهو ينظر بغيظ وغضب صوب إيفان الذي ابتسم له بسمة باردة ولم يجبه، فقط يضم ذراعيه أمام صدره ينتظر رد العريف الذي قال :
" وما ادراني أنا ؟! حل مشاكلك مع التنانين بعيدًا عني، وإلا لن يرحمني واياك هذا التنين "
تدخل إيفان يقول ببسمة مستفزة :
" نعم يا عريف أخبره فربما يستمع لك، ويتوقف عن أحلامه بأن القصر له "
تدخل مهيار بسرعة قبل أن يحتدم الموقف يجذب يد دانيار ليصمته :
" هو لا يقصد ما فهمته مولاي، فقط هو يتصرف تصرفات غريبة هذه الأيام "
نظر له دانيار بغضب شديد يضرب الطاولة وقد كان صدره مشتعلًا بالغضب والحزن منذ المشهد الذي شاهده اليوم :
" اقسم أنني اكتفيت، أنت لا تريد أن يتم الأمر بشكل سلمي، إذن سأختطف شقيقتك "
اتسعت أعين إيفان بصدمة من حديث دانيار الذي انتفض عن الطاولة وكأنه بالفعل اكتفى من كل هذا :
" أوتعلم أنا اكتفيت كل هذا، بالله اكتفيت "
ختم حديثه يتحرك بسرعة بعيدًا عن الجميع راكضًا بينما إيفان اتسعت عيونه بترقب يهمس له :
" إلى أين ؟؟"
وهو لم يرهق نفسه بالتوقف وشرح له وجهته، بل فقط ركض بشكل جعل إيفان ينتقض عن مقعده يصرخ بجنون :
" دانيار الويل لك إن اقتربت من اختي الأن "
لكن دانيار لم يتوقف فسارع إيفان بالركض خلفه بسرعة كبيرة، ومهيار خلفهم وهو يصرخ بخوف :
" يا ويلي هو لا يقصد شيء مولاي، هو فقط تذكر أمرًا ما ."
راقب الجميع ابتعاد الملك خلف دانيار بشكل يدعو للسخرية، أحدهما يركض لللحاق بالآخر ..
نظر الجميع لبعضهم البعض بسخرية قبل أن يتنهد سالار متحدثًا وهو يقرر النهوض ليحيل بين الاثنين :
" حسنًا سأذهب لأرى ما يحدث قبل أن يقتل أحدهما الآخر "
تحرك بالفعل ولم يتبقى سوى العريف وتميم الذي نظر للعريف وقال :
" حسنًا ماذا عني ؟!"
نظر له العريف بعدم فهم :
" ماذا عنك ؟؟"
" أنت لا تريد اخباري بشي يتعلق بي, نصيحة أي شيء قد يساعدني لاتجاوز هذه الفترة ؟؟"
ابتسم العريف بسمة ساخرة وهو يتراجع عاقدًا ذراعيه للخلف :
" فقط احرص على شرب الكثير من المياه لأن الأجواء ستصبح حارة هذه الأيام، ونم مبكرًا ..."
______________________
كان الجميع يركض بين الممرات بشكل جذب أنظار الحراس ليبتسم البعض منهم ظنًا أن الملك يتسابق مع القادة أو يتمازحون مع بعضهم البعض كما هي العادة في بعض الأحيان .
والبعض الآخر تعجب ما يحدث .
لكن أيًا كانت ردة فعلهم فهي لم تؤثر على ركض دانيار ومن خلفه إيفان ومن ثم مهيار، واخيرًا سالار الذي كان يسير بهدوء وبملل يأمل أن يصل لهم بعدما تنتهي هذه المشاجرة، لذا قرر أخذ وقته بالكامل وهو يسير بـ ..
وقطع أفكاره وركض الجميع صوت صرخات أنثوية رنّ بين ممرات القصر بأكمله، صرخات هزت المكان كما لو كانت امرأة شاهدت بعيونها نهاية العالم .
توقفت جميع الاجساد بصدمة كبيرة قبل أن يهرولوا بجنون صوب مصدر الصرخات الأنثوية وقلوبهم كادت تتوقف جينما اقتربوا يتعرفوا على مصدر الصرخات والذي لم يكن سوى غرفة زمرد، وصاحبة الصرخات والتي لم تكن إلا تبارك .
وصل الجميع حتى غرفة زمرد لتتوقف الالم بصدمة يبصرون باب الغرفة مفتوح وفي منتصفه تبارك بوجه شاحب تصرخ مرتعبة وهي تنظر أمامها لزمرد والتي كانت في هذه اللحظة تحمل سكين يقطر دمًا، تحركت جميع الأعين مصدومة صوب الجسد الذي يتوسط أرضية غرفة زمرد والذي لم يكن سوى ....شهرزاد .
____________________
لم تنتهي المؤامرات، فجدران القصر ما تزال تخفي الكثير خلفها ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل