تحميل رواية «مملكة سفيد» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
َ قد كساكَ بُحزنهِما ذنبُ صُبحِكَ أن يراكَ حزينا؟!”.صلوا على نبي الرحمة_________________تسير والحذر رفيقها، تشعر أنها تود لو تطير متجاوزة تلك المنطقة، لا ترغب أن تمر بها وتعرض آذانها العزيزة لصيحات النساء، وتهكمات الثرثارات منهن، الأمر وما فيه أنها ملت كل ذلك، والأصح أنها ملت الحياة في تلك المنطقة، ولولا كسرة الخبز الجافة التي تتناولها كل يوم في غرفتها الرطبة العفنة، لكانت رحلت عن المكان بأكمله، لكن ماذا تفعل وحياة التقشف تناديها وتغريها .وقع بصرها فجأة على عربة فواكهة بها اطباق جاهزة من فواكهة...
رواية مملكة سفيد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش تصويت للفصل ..
صلوا على نبي الرحمة .
______________
يحرك كل شيء بعنف يكاد يحطم ما أمامه، ورغبة عنيفة بالقتل تسري داخله، لا يرى أمامه ولا يشعر بما يدور حوله، فقط حنق وغضب يجتاح ثناياه، ألقى قطعة الحديد التي يحملها ارضًا بغضب وهو يطلق صرخة عالية ضاربًا الطاولة بقدمه، أصبح مزاجه في الآونة الأخيرة سوداوي، أو لنكن دقيقين، أصبح مزاجه منذ مواجهته ببرلنت سوداويًا ...
" إذن هربت منك الفتاة ؟؟"
استدار كالقذيفة بأعين مخيفة صوب مُحدثه، ومن غيره الذي قد يقتحم معمله في مثل حالته تلك .
ابتسم دانيار يحاول أن يخفف عنه وطأة الأمر :
" حسنًا أهدأ فقط لنفكر، ما الذي حدث منك لتهرب الفتاة وتفر خارج جدران القصر بهذا الشكل ؟؟ ربما تعاملت معاه بطريقة حيوانية؟؟ "
نظر له تميم بغضب شديد لا يدري أكان موجهًا له، أم لتلك الفتاة الغبية التي اختفت صبيحة يوم علم هويتها، اختفت دون أن تقول كلمة واحدة، بحث عنها في أرجاء القصر بأكمله ولم يجد لها أثرًا الأمر الذي جعله يزداد غضبًا، ويتوعد لها بالويل حين عودتها، إن كانت تطمح لتركه، فوالله لن يتركها وشأنها، ليس بعدما وجدها .
تحرك دانيار عن مقعده يربت على كتفه بهدوء :
" ما بك تميم، أهدأ يا رجل، لعل غيابها خيرًا "
هز تميم رأسه بهدوء هو أبعد ما يكون عنه، يحدق أمامه بنظرات سوداء وهو يكمل عمله بينما دانيار أشفق عليه ليقول بهدوء :
" هل ..هل تحدثت مع أي رفيقة لها ؟؟ "
تنهد تميم يقول بصوت مرتفع بعض الشيء والخوف هو من بدأ يمتلك زمام أموره ملقيًا قطعة الحديد للمرة الثانية :
" لا يعرفن لها طريقًا، اقسم أنني فقط إن رأيتها لتلك الجبانة الصغيرة في هذه اللحظة سأ...."
" السلام عليكم ."
تصنم جسد تميم بقوة وشعر وكأن أعصابه جميعها ترتجف وقد أصبح تنفسه خافتًا بعض الشيء، ابتلع ريقه يغمض عيونه يحاول أن يقنع نفسه أنها اصوات تسكن داخله، صوتها الشجي الحبيب الذي كان يمثل له منذ أيام قليلة ازعاجًا، الفتاة التي كاد يتخلص منها مرات عديدة هي نفسها حبيبته التي كادت روحه تغادره كمدًا عليها .
عند هذه الفكرة شهق بصوت مرتفع يميل على الطاولة يحاول التماسك متناسيًا تلك الأفكار التي تؤرق مضجعه منذ ايام، كيف كانت تعيش ؟؟ هل كانت تتناول طعامها جيدًا؟؟ هل بكت يومًا حتى انقطعت أنفاسها دون أن يكون جوارها ويضمها مهدهدًا ؟؟ افكار كلها كانت تدفعه صوب مناطق خطرة في رأسه.
وكل ما حدث له بعد كلمات برلنت كان تحت أعين دانيار الذي أدرك أن هذه التي تقف على باب المعمل في هذه اللحظة هي نفسها برلنت، زوجة تميم .
تنحنح بصوت منخفض يقول ببسمة صغيرة وهو يبعد عيونه صوب صديقه :
" عليكم السلام، جيد أنكِ بخير برلنت فأحدهم هنا كاد يفقد عقله منذ ايام "
برلنت !؟ هل قال برلنت ؟؟ هل هي ؟؟ هي هنا ؟؟ هو لا يتخيل صوتها ؟؟
استدار بسرعة ليراها تقف على باب معمله وهي تنظر ارضًا تفرك كفيها وتحرك رأسها بشكل رتيب .
استأذن منهما دانيار يتحرك صوب الخارج مبتسمًا بلطف يتمنى أن تنتهي مشاكل صديقه اليوم حتى يعود لهم كما كان .
وبرلنت بمجرد خروجه نظرت لتميم الذي كان ما يزال واقفًا لا يتحرك، فقط ينظر لها بصدمة ممزوجة بغضب وخيبة أمل.
رفعت الغطاء عن وجهها وهي تتحرك له بخطوات مترددة تخفض وجهها ارضًا ودموع كثيرة تجري على وجنتيها، وحينما أصبحت على بعد خطوات قصيرة، اندفعت بسرعة كبيرة صوب تميم تضم خصره مستندة على صدره برأسها تنفجر في بكاء عنيف وكأنها أجلت بكاء اعوامها لهذه اللحظة .
وتميم الذي تراجع بصدمة للخلف يستند على طاولة أدواته اتسعت عيونه بعدم فهم، يشعر بدموعها تبلل ثيابه وصوت شهقاتها بدأ يخرج منها بشكل جعله يرفع يده دون وعي يقربها منه مرتبًا على رأسها بحنان :
" لا تبكي عزيزتي، كل شيء سيكون بخير "
أي شيء ذاك ؟؟ لا يدري هو فقط لا يريد رؤيتها تبكي، الأمر الذي يمثل له نقطة ضعف منذ كان صغيرًا، هو ما يزال غاضبًا، لكن ما اعتاد يومًا ترك غضبه يؤثر على حنانه لها .
" ما الذي حدث برلنت، لِمَ البكاء وأنا لم أمسّك بسوء حتى الآن؟ أنا حتى هذه اللحظة لم آخذ بثأري منكِ "
بكت برلنت تقول بصوت مرتفع وشهقات ملئت المكان حولها :
" لقد ...لقد ...لم اقصد، لم اقصد الاختفاء "
نظر لها تميم بعدم فهم يبعدها عنه وهو يقول بجدية :
" ما الذي تتحدثين بشأنه برلنت؟؟ أين كنتِ ؟؟ أنا لم اسامحك بالكامل برلنت، لم اسامحك لتستنفذي صبري بهذا الشكل "
كان يتحدث بغضب وهي ابتعدت للخلف تحدق به في خوف وريبة :
" تميم أنا ...."
وتميم الذي انتهى من دور المسؤول الحنون عن بيرلي، وجد أخيرًا فرصته في إخراج كل الغضب والخوف الذين ملئوا نفسه منذ استيقظ ذلك اليوم وذهب للبحث عنها وأخبروه أنها ليست موجودة .
" تميم ماذا برلنت ؟؟ هل تحاولين خداعي ؟؟ هل تتلاعبين بمشاعري ؟؟ أنتِ أنتِ حتى لم تفكري بترك رسالة واحدة تخبر ذلك الاحمق الذي يكاد الخوف يقتله أنكِ بخير طوال هذا الاسبوع، اسبوع برلنت، سبعة أيام وأنا اتلظى بنيران الخوف، تتخبطني الأفكار البشعة عما يمكن أن يكون حدث، هل تركتني مجددًا ؟؟ هل هربت مني ؟؟ هل ما تزال خائفة مني لذلك رحلت ؟؟"
كان يتحدث بقهر وصوت يظهر مقدار التصدع داخله والذي يبدو أن ترميمه لن يكون بهذه السهولة التي تخيلتها .
وهو ختم حديثه يضرب الطاولة بقوة يسقط بعض الأدوات عليها لتعود برلنت للخلف صارخة تخفي وجهها بين يديها :
" لا لا، لم اقصد، تميم لم اقصد اقسم لك، أنا آسفة، أما آسفة، لقد ..."
كانت تبكي بخوف وهو ينظر لها بغضب، غضب جعله يدهس شفقته وهو يهمس مشيرًا لنفسه بقوة وكأن يوم علم بهويتها لم يكن يعي ما يحدث ليواجهها بما يشعر :
" آسفة ؟؟ آسفة على ماذا برلنت ؟! على ليالٍ قضيتها أبحث عنكِ كالاحمق ؟؟ لقد ...لقد كنت أتوسل كل من اشك فقط أنه قد يعلم مكانك، أتلفت في جميع الطرقات لربما لمحت طيفك؟؟ اجلس أمام منزلي القديم انتظر فقط رؤيتك تركضين صوبي مبتسمة كالماضي، أنام على فراشي ووحوش أفكاري تهاجمني بضراوة وهي ترسم لي صورًا لكِ باكية وحيدة، لقد تعذبت لأربعة عشر عامًا، عوقبت على تسرعي وغبائي بشكل لا يتحمله بشري "
توقف يتنفس بصوت مرتفع وقد شعر أنه كان يركض في سباق وبرلنت تنظر له بأعين موجوعة كالمذبوح، تحاول أن تتنفس بشكل صحيح قبل أن تقول بصوت خافت :
" لقد ...لقد ذهبت لمنزلي فقط كي أخبرهم أنني وجدتك، وأنني سأبقى جوار زوجي و و..."
ابتلعت ريقها وقد شعرت أن كلماتها لا تطاوعها للخروج وهو يحدق فيها وما يزال صوت تنفسه عاليًا، يشعر بالتعب يتمكن منه والانهيار وشيك، لكن كل ذلك تلاشى ببساطة حين سمع كلماتها :
" عندما علم أبي بعودتك، سجنني في المنزل ورفض خروجي حتى هربت منه ...."
_____________________
يتلاعب به؟!
جيد إيفان، استمر وستجد خصمًا يجيب لك الكلمة بأخرى، فسالار ليس مبارزًا للسيوف فقط، بل هو يحترف مبارزة الألسنة رغم قلة حديثه .
" نعم هذا صحيح مولاي "
ابتسم له إيفان بسمة واسعة :
" و؟؟"
" و...ماذا مولاي ؟؟"
رفع إيفان حاجبه بسخرية لاذعة :
" ليس وكأنك حسن المعشر، عذب اللسان، لين الطباع، سالار أنت تمثل كابوسًا لنساء هذا القصر بسبب تعاملك الخشن معهن، فلا تقنعني الآن أنك فجأة تغيرت وتنازلت عن عرشك لتتحدث مع عاملة هنا "
" أوه حسنًا من أخبرك أنني أتحدث معها ؟؟ كانت مرة واحدة تحتاج للمساعدة وفعلت فأنا لستُ متحجرًا كما تعلم "
وهذه كانت حقيقة نوعًا ما، هو كان يساعدها، وايفان يدرك من ملامح وجه سالار أنه لم يكذب، لكنه أيضًا لم يتشدق بكامل الحقيقة، مايزال هنا شيئًا يخفيه .
" وطبيعتك المسالمة مع النساء لن تعمل سوى مع هذه الفتاة ؟! بالله عليك سالار أنت تعلم أنني لن اقتنع بكل هذا، هناك أمر يُحاك من خلف ظهري هنا، ما اعتدت يومًا إخفاء شيئًا عني سالار، ما الذي حدث الان ؟؟"
تنهد سالار بصوت مرتفع ثم قال دون مواراة :
" مولاي، أنت تعلم أنني لن أخوض احاديث بلا فائدة مع نساء لا اعرفهن، ولا احب هذا الأمر، لكن هذه الفتاة طلبت مساعدتي وما استطعت ردها، وفيما يخص ما طلبت مني فهو سر لن اكشفه طالما هي لم تسمح بهذا "
ابتسم له إيفان بقدر ذلك ثم هز رأسه يقول :
" حسنًا سالار، لك ما تريد "
اعتدل سالار في جلسته يقول بجدية :
" والآن اسمح لي مولاي أن أذهب لاتفقد أمور الجيش وحينما تصلني اخبار أكيدة من مشكى، سأخبرك إياها "
خرج من المكان تحت أعين إيفان الذي كان يحدق فيه بخبث شديد، قبل أن ترتسم على فمه بسمة صغيرة ....
" نعم، صدقتك سالار، لكن لا بأس بعلاقة طيبة معها، فنحن لا نطمح لتجديد عداوات مع مشكى "
___________________
" سيدي العريف، بالله عليك فقط أخبرني ما يجب عليّ فعله قبل أن تتلبسك حالة الانعزال التام وتطردني من هنا شر طردة "
تنهد العريف بصوت مرتفع وهو يلقي كتابه على الطاولة أمامه يقول بحنين شديد :
" آه، لكم هي جميلة تلك الكلمة، الانعزال ..يالله اكتبها لي يا الله، أشعر أن الحياة خارج جدران هذا القصر ستعجبني، أشعر أنني أود الهرب، أتعلمين يا فتاة ما الذي يجعلني اتحملكم ؟؟"
نظرت له تبارك بفضول تهز رأسها نفيًا، ليقول هو ببسمة غاضبة :
" لا شيء، وهذا ما يثير غضبي، أنني لا امتلك شيئًا يجبرني على البقاء هنا، ورغم ذلك افعل، فقط لأنني أخذت عهدًا غبيًا متوارثًا، أن احافظ على شعلة الثقافة في المملكة وتوعية الشعب وبلا بلا بلا .."
كانت تبارك تراقبه وهي ترمش بسرعة تحاول معرفة ما يريد :
" أيوة يعني انت عايزة تعزل من هنا ؟؟ هتنقل فين طيب ؟؟ "
نظر لها العريف بتشنج لتبتسم وهي تقول دون مقدمات تتفحص الكتب التي ألقاها منذ ثواني في وجهها تقول بجدية كبيرة :
" حسنًا لا الومك الحقيقة، فهذا المكان خانق بعض الشيء و..."
توقفت عن الحديث فجأة بفزع حين رأت العريف يجلس على المقعد أمامها يحدق فيها ببسمة غريبة، بسمة ما كان لينظر بها إليها بأي شكل من الأشكال .
" إذن توافقيني الرأي أن هذا المكان لا يُطاق ؟؟"
نظرت تبارك حولها بريبة أن يسمعه أحدهم، ثم نظرت له تقول بصوت خافت خجل :
" لا، لا سيدي لم اقصد هذا، أنا فقط لا أشعر بأنني انتمي لهنا، أشعر أنني جئت بالخطأ "
ابتسم العريف غريبة يرى الحيرة تعلو نظراتها، تتظاهر بالنظر في الكتاب أمامها وشعور قابض يمتلك صدرها وهي تتحدث بصوت خافت :
" أشعر أن كل ذلك ما هو إلا أحد الاحلام الغريبة التي كانت وما تزال تراودني، حلم لا أجد له ترجمة على أرض الواقع، فقط مجرد احداث مريبة لا تفسير لها، وشخص لا اعلم له هوية "
رفعت عيونها تقول بصوت خافت وكأنها تبحث عن تأكيد من أحدهم، أن كل ذلك له نهاية :
" هل تعتقد أنهم ربما اخطأوا ؟؟ أنا جئت هنا بالخطأ، ربما ...ربما كان المقصد فتاة أخرى، مجيئي هنا مجرد صدفة لا أكثر ولا أقل"
ابتسم لها العريف بسمة صغيرة يقول بصوت خافت :
" لا يوجد شيء يُسمى صدف يا ابنتي، كل شيء مكتوب ومقدر، الله عز وجل حاشاه أن يلقي بكِ في بحار لا تعلمين كيف تتجاوزينها، وجودك هنا ليس خطأ، بل الخطأ هو عدم وجودك من البداية، لا أحد يعلم ما كتب الله له، لكنني متأكد أن مستقبلك باهرًا مشرقًا، وأنكِ ستغيرين خارطة هذه البلاد "
" لا افهمك، أنا لا افقه في شيء، ولا أحسن فعل شيء، كيف اكون سببًا في تغيير خارطة البلاد "
ابتسم لها بسمة لا تدري أكانت جواب له على اسئلتها، ام مجرد بسمة يخبرها بها أنه لا يمتلك لها جوابًا .
صمت ثم قال بغموض :
" ما هي تلك الأحلام التي تحدثتي عنها ؟؟"
نظرت له تبارك بريبة وهي تفكر هل تتجرأ وتخبره ؟! ولم تكد تتحدث بكلمة حتى سمعت صوتًا يهتف بقوة :
" سيدي العريف الملك ينتظر سيادتك في جناحه لأجل أمر هام "
نفخ العريف بغيظ شديد يحاول أن يهدأ:
" يالله اكتب لي الصبر على هذا المكان وهذا العمل "
ختم حديثه يتحرك للخارج تاركًا تبارك ترمق أثره بهدوء تفكر في كلماته التي نطقها منذ ثواني، هي بالفعل هنا لسببٍ ما، سبب تحاول تجاهله كي لا تضطر للتعامل معه .
تنهدت بصوت مرتفع اليوم استيقظت على حلم آخر، في الحقيقة أحلامها لم تتوقف منذ جاءت بل ازدادت شراسة وغرابة، هي فقط من كانت تحاول تمرير يومها والعيش دون التفكير به على اعتبار أنهم مجرد احلام فقط ..
تنهدت وهي تنهض عن مكانها تتحرك في الممرات ببطء شديد وهدوء تفكر في الذهاب لدرسها التالي .
___________________
" كهرمان عزيزتي فقط تجنبي الحديث معي هذه الأيام، فأنا أشعر بقرب مزاج سوداوي يحيط بي، لذا رجاءً دعيني وشأني "
ختمت زمرد حديثها تبتعد عن كهرمان بخطوات سريعة تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي بعيدًا عن كل هؤلاء البشر، ابتلعت ريقها تسمع صوت كهرمان القلق خلفها وهي تتمسك بذراعها :
" زمرد لا تجعليني اقلق عليكِ، رجاءً أخبريني ما يحدث معكِ اليوم ؟!"
" فقط ... أود أن أشعر بالحرية، أن اتنفس بعيدًا عن كل هؤلاء البشر ومن بينهم أنتِ كهرمان، هل هذا كثير عليّ ؟؟"
شعرت كهرمان بالصدمة وهي تفلت يدها شيئًا فشيء ببطء تبتسم لها بلطف، ثم ربتت أعلى كتفها بحنان رغم حزنها الكبير عليها :
" لا بأس عزيزتي خذي كل الوقت الذي تجتاجينه، وحينما تنتهي سأكون هنا لاجلك "
ودت زمرد لو تبتسم، لكن حتى الابتسامة في هذه اللحظة كان صعبة للغاية، تحركت ببساطة بعيدًا عنها، خطوات ميتة تشق بها طريقها خارج القصر، تفكر في مكان تجلس به بعيدًا عن الجميع، وحين وجدته ارتكنت للجدار ببطء شديد تتنهد بصوت مرتفع قبل أن تضع رأسها على قدمها .
ترثي ذاتها ووالدتها، تنعي روحها التي غادرت في مثل هذا اليوم مع روح والدتها .
تتساءل أنها كانت طعنة واحدة فقط، كيف استطاعت قتل اثنين ؟؟
ارتجف جسدها وصوت صراخ والدتها يعلو بقوة حين اقتحمت عليها غرفتها مع والدها باكية مرتعشة، لترى الاخير منقضًا فوق والدتها يحمل سيفها الخاص وهو يطعنها به صارخًا :
" تحاولين قتلي أنا ؟؟ الويل لكِ ولذريتك أجمعين يا حقيرة "
مشهد تشفق على أعدائها منه فما بالكم بتمنيه لهم ؟! أن ترى والدها يقبع فوق والدها يطعنها طعنات متتابعة دون أن تأخذه بها شفقة، لهو الجحيم بعينه.
في ثواني فقط مر شريط حياتها مع والدتها داخل عقلها، الوحيد النقية في هذا المكان، خطفوها من مملكتها لتكون سبية وزوجة لزعيمهم، تزوجها بالاجبار بعدما قتل أمام عيونها عائلتها بأكملها وانجبها هي منها، بذرة كانت لتعطي والدتها عذرًا لكرهها، لكن بدلًا من ذلك احبتها، بل لم تبخل عليها يومًا بذَرة حب واحدة مخبرة إياها أنها الوحيدة المتبقية لها في هذا العالم .
سقطت دموع زمرد واعينها متسعة تشعر بالغضب يتمكن منها وهي تتحرك صوب جسد والدها الذي اعماه غضبه عن محيطه، وأخرجت خنجرًا غرزته في منتصف ظهره سالبة منه صرخة وشهقة مرتفعة لتميل عليه هامسة :
" ألحق بها، ليقتص الله لها منك يا سليل الشياطين، لا سامحك الله يا ... أبي، لعنة الله عليم وعلى جميع أبناء شعبك "
ختمت حديثها بنبرة صارخة باكية، تنتزع خنجرها وما كادت تطعنه الطعنة الثانية، حتى سمعت اصواتًا تقترب منهم، فكرت بسرعة أن تهرب من النافذة، لكن لم تنس أن تأخذ سيف والدتها وتركض تقفز من الشرفة بالتزامن مع سماعها لصوت يصرخ بهدير قوي :
" قتلته، تلك الـ ***** قتلته للزعيم "
ومنذ تلك اللحظة، بدأ جحيمٌ من نوع آخر..
عُرفت هي في القبيلة بابنة القاتلة التي تخلصت من زعيمهم، وتقبلت هي اللقب بملامح باردة حزينة مصطنع، تقبلت أن تكون ابنة القاتلة، ولم تصحح لهم اعتقادهم، فهي لن تسلب والدتها شرف التخلص من هذا القذر، علّ يُخلد اسمها في التاريخ يومًا ما بسبب ذلك .
" هل أنتِ بخير ؟؟"
انتفض جسد زمرد بقوة حين سمعت صوتًا جوارها، رفعت عيونها تحاول تبين صاحب الجسد الذي كانت دموعها تخفي ملامحه، لكن صاحب أو صاحبة هذا الجسد اقتربت ببطء تجلس جانبها وهي تقول بصوت منخفض :
" لم أقصد التطفل عليكِ، لكن رؤيتك تبكين بهذا الشكل وحدك، جعلتني أشفق عليكِ "
تشنجت ملامح زمرد رافضة لتلك الشفقة، حتى وإن كانت من الملكة نفسها .
" بالمناسبة أنا تبارك .."
نظرت لها زمرد، ثم نظرت أمامها تتجاهل وجود تبارك تمامًا، وتبارك كانت ما تزال تمسك بالكتاب الخاص بها وهي تقول بصوت منخفض تنظر له بهدوء شديد دون أن تعيد نظراتها لزمرد :
" لقد رأيتك منذ أيام تقفين في الباحة الخلفية معكِ سيف أحد الجنود وتتدربين به، كنتِ رائعة بالمناسبة "
اتسعت أعين زمرد بقوة وهي تستدير صوب تبارك التي كانت ما تزال تقلب صفحات الكتاب بهدوء شديد وهي تقول جمل غير مرتبة :
" وحين رأيتك منذ قليل تبكين كالصغيرة عرفتك فورًا "
شعرت زمرد بأن تلك الفتاة تتلاعب معها، لتقرر تركها والرحيل دون اهتمام حقًا، لكن تبارك اوقفتها تقول :
" أريد مساعدتك "
توقفت زمرد تنظر لها بحنق، لتنهض تبارك تقترب منها وهي تردد بهدوء شديد :
" أنا ... أنا بالفعل اتدرب على يد قائد الجيوش و كنت اريد أن تساعديني في هذا الأمر و..."
" إذن لِمَ تحتاجين مساعدتي ؟! هل تظنين أنني سأعلمك أكثر مما يفعل هو ؟؟"
" لا بالطبع لن تفعلي "
اتسعت أعين زمرد بحنق وغضب شديدين وهي تقول :
" لهذا يفضل عليكِ الذهاب والالتزام بتدريب قائد الجيوش لكِ، لا ينقصني سوى ملكة مدللة و..."
" أنا فقط اريد ..اريد أن أثبت له أنه يمكنني التفوق عليه والتقدم بشكل ملحوظ، وأنني لستُ مجرد فاشلة "
ابتسمت زمرد بسمة صغيرة تبتعد عنها وهي تردد بسخرية :
" حظًا موفقًا إذن"
وبهذه البساطة تركتها ورحلت، بينما تبارك تنظر لها بصدمة ولم تكد تتحدث بكلمة حتى وجدت شخصًا ما يقتطع طريق زمرد، نظرت بتعجب لذلك الشخص والذي كان نفسه مدربها للرماية ...دانيار .
" هل ..هل يعرفها دانيار ؟؟"
وقبل أن تفكر في إجابة لسؤالها تذكرت كلمات زمرد اللئيمة لها لتبتسم بسمة صغيرة وهي تتحرك بعيدًا عن الاثنين تضم لها كتابها بملامح منقبضة بعض الشيء :
" اعتقد الانطوائية افضل ليا من محاولة التعرف على أشخاص اساسا رافضين معرفتي "
وكم اوجعتها تلك الجملة، مرت في طريقها بساحة المبارزة لتتوقف دون وعي تراقب سالار الذي كان يشرف على قتال بين بعض رجاله..
وعنده هو وحين شعر بأعين تراقبه رفع رأسه بحدة لتتسع عيونه وهو يراها شاردة في جهته، نظر صوب الرجال بحنق وقرر أن يذهب لها يبعدها عن منطقة الرجال، لكن رغم تحركه لم تحرك هي عيونها، بل ظلت شادرة بشكل جعله يتوقف قليلًا على بعد منها يقول بصوت خافت :
" جلالتك، أنتِ بخير ؟؟ "
" فقط كنت أتساءل إن كان بإمكاني تكوين صداقات هنا ؟! هل ترى أنني شخص جيد لأكون صديقة أحدهم ؟"
تفاجئ سالار من كلماتها تلك التي خرجت منها دون مقدمات وقد بدا أنها تترجاه ردًا بالإيجاب، وهو لسببٍ اوجعه قلبه وبقوة يقول :
" محظوظ ذلك الذي يصبح صديقًا لكِ مولاتي .."
نظرت له تبارك بأعين لامعة وهي تهتف :
" يمكنك أن تكون ؟!"
اتسعت أعين سالار بقوة لتلك الكلمات وازداد وجيب قلبه بشكل مبالغ به ينظر حوله بصدمة ولا يصدق أنها نطقت هذا الأمر، هي لا تستوعب أنها الملكة وهو قائد الجنود، هي امرأة وهو رجل ؟؟
وتبارك أكملت جملتها المعلقة :
" إن كان يمكنك فعل ذلك دون قيود أو شروط أو لنفترض أنني شاب وطالبت بصداقتك، هل كنت لتقبل بشخصٌ مثلي ؟!"
سؤالها جعل سالار يغرق في حيرة والإجابة التي برزت في عقله منعها هو وجاهد كي لا ينطقها وهو يفرك خصلات شعره ينظر خلفه صوب الحلبة يقول بصوت هادئ :
" كنت لاحب أن يكون لي صديق ذو عزيمة وصادق مثلك، وكنت سأساعده ليحقق ما يريد، وليصبح أكثر رضى عن نفسك "
أن تنال ثناءً من القائد سالار، بمثابة نيلك وسام شرف الاعلى درجة، شيء جعلها تنتعش سعادة .
نظرت له تبارك تبتسم واخيرًا بسمة صغيرة :
" أنت تفعل هذا بالفعل، شكرًا لك يا قائد"
وبهذه الكلمات أعلنت هي نهاية هذا الحوار المريب العجيب بينهما ترحل بكل بساطة من أمامه، وهو فقط راقبها متسع الأعين، يجذب خصلات شعره بقوة وغضب شديد لا يدرك سببًا له، لكنه يدرك أن هناك من احزنها هناك من دفعها صوب هذه النقطة لتشعر بهذه المشاعر، وفقط لو يعلم من فعل هذا سيحطم عظامه .
استدار صوب جنوده يقول بصوت هادر غاضب :
" ما هذا ؟! هل نمرح هنا ؟؟ "
بينما هي ابتسمت دون شعور لتركض بسرعة صوب اسطبل الخيول تنتظر هناك كما اعتادت، حديثها القصير ذلك جعلها ترتاح بعض الشيء، ربما هي لا ترفضها، ربما هي اختارت فقط الوقت الخطأ لتعرض عليها الأمر، دخلت الاسطبل تتنهد براحة مع الوضع في الاعتبار أنها لن تترك زمرد وشأنها حتى تمنحها دروسًا إضافية في المبارزة، فهي عقدت العزم على ابهار سالار وستفعل .
__________________
عند دانيار والذي ظل يبحث عنها في كل مكان حتى كاد ييأس، واخيرًا وجدها تتحرك في الحديقة بهدوء ولا مبالاة ليستوقفها بشر :
" أنتِ يا فتاة لن تتوقفي حتى تُعدمي أو تُقطع يدك، كيف تتجرأين على سرقة أسلحة الجنود ؟!"
نظرت له زمرد بغيظ شديد لا تدري ألم تجد المشاكل سوى هذا اليوم لتقفز لها، تنفست بصوت مرتفع تقول :
" اي أسلحة تلك ؟؟ أنا لم أفعل شيئًا وتوقف عن إلقاء التهم في وجهي، ثم ألا وظيفة لك في هذا المكان سواي؟! جد لك حياة بعيدًا عني سيدي الرامي فلن ينفعك أن تظل تبحث عن حجج لتظهر في وجهي "
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه بأعين ملتمعة بانتصار كبير، واخيرًا شعرت لمرة واحدة بانتشاء، اصمتته وهو أمر لم تقدر عليه سابقًا، تخطته وهو ما يزال واقفًا مبتسمًا بسمة لا تليق أبدًا بخاسر اسمعته من الحديث ألذعه، ما بال هذا الرجل لا ينحني لحديث ولا يرتعب لسيف ؟؟
وقبل أن تتحرك خطوة أخرى بعيدًا عنه سمعت صوت خشخشة غريب، تبعه صوت دانيار الذي قال :
" أوه أنا آسف حقًا يبدو أنني اسئت الفهم، وظننت أنكِ أنتِ تلك اللصة التي تسللت لسكن الجنود وسرقت منهم بعض الأسلحة كالخناجر والسيوف، اعذريني، يبدو أنني بالفعل مهووس لاراكِ في كل فعل سييء "
شعرت زمرد بالريبة فليس دانيار من يتحدث بهذه الطريقة الخانعة المستسلمة، والأدهى أنه يعتذر لها، ابتسمت بعدم تصديق تستدير لترى ما يقصد من هذا الحديث :
" أنت لا تحاول خداعـ ...."
صمتت واتسعت الأعين تباعًا لصمتها حين أبصرت ما بيده، تحركت يدها بسرعة صوب رقبتها تتحسسها برعب وقد على وجيب قلبها، لتدرك في هذه اللحظة أنها فقدت قلادتها، قلادة والدتها المتوارثة، حزنها على والدتها انساها متعلقاتها التي تحتفظ بها .
ابتسم دانيار وهو يرى كل ذلك ليقول بهدوء :
" إذن سأذهب للبحث عن اللصة صاحبة هذه القلادة والتي اسقطتها داخل سكن الجنود "
" أنها أنا .."
قالت كلمتها بلهفة وهي تتقدم من دانيار وهو ابتعد للخلف يرفع حاجبه مبتسمًا :
" أنتِ اللصة ؟!"
" أنا ...أنا صاحبة هذه القلادة، اعطني إياها"
" هكذا إذن ؟؟ سأحتفظ بها رفقة السيف والخنجر، عجبًا أنا سأخصص ركنًا في غرفتي لاشيائك الحبيبة "
ختم حديثه باستفزاز كبير لها لتلتمع شراسة مخيفة في عيون زمرد استعد لمجابهتها، لكن الغريب أن تلك الشراسة خفتت شيئًا فشيء وعلى الرجاء عيونها وهي تتقدم منه تقول بخوف أن يحرمها من القلادة كذلك كما السيف وهو جاد حين يقول أنه سيأخذها .
" لا، ارجوك أنا ...أنا آسفة، فقط كنت ...كنت احتاج لشيء ادافع به عن نفسي فقط ولم اقصد، سأعيد كل شيء إن أردت، لكن ذلك ..ذلك العقد أنا..أنا ارجوك أنا ارجوك أعده لي "
صدمته بنظراتها ورجائها، وهي التي لم تنحني يومًا، تأتي الآن تتوسله لأجل عقد، حسنًا هو يبدو ثمينًا، لكنه لم يعتقد يومًا أن شيئًا كهذا قد يكسر هامتها المرفوعة .
وزمرد لم تكن في تلك اللحظة تجيد اختيار انفعالاتها البتة، ذكرى قتل والدتها، ورعبها من فقدان شيء ثمين كهذا يعود لها، يضغط على أعصابها بشكل مدمر، حتى أنها كادت تبكي في هذه اللحظة، لا تدري أتبكي والدتها ام ما يخصها ؟!
ودانيار الذي لم يقصد تهديدها البتة، بل سارع لاخفاء الدليل الذي قد يطيح بها لدى الملك مخالفًا القوانين خوفًا أن تعاقب وجاء ليوبخها، لكن ما يحدث أمامه الآن أكثر مما توقع .
سقطت دموعها دون شعور وهي تقول بصوت مرتجف :
" سأعيد كل شيء أعدك، فقط أعده لي، أنا ...أنا ..هذا آخر ذكرى لي من امي، لا أستطيع أن أفقدها كما فقدت أمي"
عند هذه النقطة انفجرت زمرد في بكاء جعل دانيار يرتعب وهو يقول بلهفة وخوف يراها تدفن وجهها بين كفيها تمنح نفسها رفاهية الانهيار، لكن في الوقت الخطأ وأمام الشخص الخطأ.
آخر من أرادت يومًا أن يراها منحنية، وليس باكية بشكل مذري كما يحدث الآن .
" ما بكِ أنا لم أقصد أن آخذه، هيا خذيه، أنا لم أكن لآخذه اقسم لكِ "
لكن زمرد في تلك اللحظة لم تكن معه، بل كانت بين احضان والدتها وهي تضمها بحب تهمس لها :
" أنتِ آخر من تبقى لي بعدما سلبوني حياتي زمرد، فعوضني الله بكِ حياة جديدة، تذكري أن والدتك تحبك، لا امتلك في هذه الحياة اغلى وأثمن منك، ولن أسمح لهم بتلويثك صغيرتي، حتى ولو فقدت حياتي مقابل هذا، سأخرجك من هذا المستنقع الذي فشلت أنا في الخروج منه، فلا تدعي أحدهم يلوث براءتك صغيرتي "
ازدادت شهقات زمرد أكثر تنهار ارضًا بشكل جعل دانيار يشعر بالوجع والضعف تجاه ما يراه، عض شفتيه بقوة يحاول التحكم في مشاعره، فجأة انتفض جسده للخلف وهو يدرك تلك الكلمة ..
مشاعر ؟؟ يالله مشاعر ؟؟ ما الذي حدث ؟؟ كيف ...كيف تجاوز كل شيء لتلك النقطة، ما الذي سمح بحدوثه؟؟ كيف كيف ترك نفسه للشيطان يقوده صوب افتتان غبي قد ينتج عنه ما لا يرضي الله .
ضغط على قبضته بقوة يميل وهو يضع العقد جوار قدمها حيث سقطت يهمس بصوت منخفض ونبرة غريبة:
" آسف لكِ آنستي، ماكان عليّ فعل ذلك "
ختم حديثه يتراجع شيئًا فشيء قبل أن يركض بعيدًا عنها وكان الشياطين تتبعه، وزمرد التي استفاقت على كلماته نظرت لاثره بعدم فهم وهي تقبض على العقد، لا تدرك معنى كلماته المبطنة تضم العقد لصدرها باكية ونبضاتها ترتفع تخبرها أن هناك شيء سيحدث ولن يعجبها البتة ...
__________________________
تحرك داخل ساحة الرماية يبحث عنه بعيونه حتى عثر عليه في أحد الأركان يكاد يبتلع أحد الجنود، يصرخ بشكل مرعب لا يفهم له سببًا .
حسنًا هو هكذا طوال الوقت أثناء التدريبات، لكن الآن الأمر تجاوز الحد المسموح به من العنف، تقدم مهيار صوب دانيار ببطء يستشعر غرابته منذ فترة طويلة، وقد أزدادت تلك الغرابة الآن وهو يراه يمسك تلابيب أحد الجنود يصرخ في وجهه :
" أنت هل ترانا نلعب هنا ؟؟ هل نمزح ؟؟ نحن هنا ندافع عن بلاد وشعب، إما أن تكون على قدر المسؤولية، أو ترحل وتترك مكانك لمن يستحقه "
وقبل أن يتبع جملته بجملة أخرى شعر بمن يجذبه من الخلف، اشتدت أعين دانيار شراسة وهو يصرخ بجنون يستدير صارخًا :
" الويل لـ "
وقبل أن يكمل حديثه سحبه مهيار بعيدًا عن الجميع وهو يحاول تجنب قبضته، ودانيار كان يشعر بعروقه تكاد تنفجر من شدة الضغط الذي يمارسه على نفسه وكأنه يعاقبها على ما فعل، ترك الشيطان يراوده ويحبب له فتنة كان بإمكانه تجنبها بسهولة لو أنه منذ المرة الأولى تجاهلها وتركها تغني كما تشاء ورحل .
أو اعطاها السيف وانتهى الأمر
وقف به مهيار جانبًا يضمه مكبلًا ذراعيه :
" ما بك دانيار ؟؟ بالله عليك ما الذي حدث ليشتعل جنونك بهذا الشكل !!"
" لا علاقة لك مهيار، ابتعد عني قبل أن يطولك جنونك "
زفر مهيار يتركه وهو يتراجع للخلف فقط يتفادى غضبه ثم قال :
" حسنًا لتحترق أنا لا اهتم، أنا فقط جئت هنا كي اطلب منك مساعدتي في أمرٍ ما "
تنفس دانيار بغضب يلوح بيده في الهواء :
" لستُ متفرغًا لشيء الأن، نحن على مشارف الحرب مهيار، فالافضل لك أن تبدأ التجهز، والآن سأذهب لأرى هؤلاء الكسالى و لنأمل أن تمر الحرب على خير و..."
قاطعه مهيار ببسمة واسعة ضاربًا بكل حديث شقيقه عرض الحائط، كأنه لم يتحدث بكلمة واحدة، يختار وقتًا مناسبًا لعرض ما يريد :
" في الحقيقة أنا أريد الزواج، وجئتك كي تأتي معي لطلب يد الفتاة التي ارغبها "
حدق به دانيار بصدمة كبيرة، ما الذي يتحدث عنه الآن، يخبره أن البلاد في حالة حرب والجميع في حالة استنفار، وهو ذاته داخله حرب ضارية، ليأتي هو ويقول له أنه يود الزواج ؟؟
لكن مهيار لم يهتم لكل ذلك الذي يظهر على وجه دانيار وهو يقول بجدية مبتسمًا :
" حسنًا أنت تعرفها، هي شقيقة مرجان، ليلا، أنت اخي الاكبر فأردت أن تأتي معي، ما رأيك ؟!"
" هل أنت ابله مهيار ؟؟"
كانت كلمات دانيار متشنجة مصدومة، لكن مهيار لم يهتم ينفي تلك الكلمات ببسمة صغيرة :
" لا لست كذلك، هل ستأتي معي ؟!"
مسح دانيار وجهه يقول بتعب شديد :
" أغرب عن وجهي مهيار قبل أن أفقد أعصابي عليك أنت"
" لا بأس إذن سأتحدث مع والدها وأحدد موعدًا قبل انطلاق الحرب، لا أود خوض حرب أخرى وأنا اعزب، والآن استأذنك عزيزي، واتركك تكمل قتل رجالك .."
تحرك بعيدًا عنه تاركًا دانيار ينظر لاثره بصدمة كبيرة، بينما هو لا يهتم بكل ذلك يفكر أن تلك المفاجأة ربما تخفف من وطأة ما حدث آخر لقاء له مع الصغيرة ليلا ..
ربما هي ما تزال غاضبة منه على تصرفاته وقتها ولذلك لم تعد تذهب لمحل والدها تحرمه رؤيتها، لكن إن كانت تتجنبه، فهو سيذهب لعقر دارها يطالب بها حقًا مكتسبًا له، وهكذا سيمنع أي شخص تسوّل له نفسه الاقتراب منها كما حدث مع هذا الرامي ذلك اليوم .....
توقف الشاب عن الحديث حين أبصر جسد مهيار يقبع خلف ليلا، وهو من ظن أنه يستطيع أن يتحدث معها قليلًا بعيدًا عن أعينه .
ابتلع ريقه يرى تقدم مهيار منهم وهو يقول ببسمة :
" هل هناك شيء ؟؟"
" ماذا ؟؟ لا لا سيدي أنا فقط كنت أود الحديث مع الآنسة ليلا حول ...حول بعض الأعشاب التي تهم صحة والدتي "
نظرت له ليلا باهتمام شديد ولم تلتقط توتره وكذبه الذي يختفي خلف حروفه .
" نعم، يمكنك الذهاب لأبي في محله وسؤاله عما تريد، لا اعتقد أن وقفتنا هذه صحيحة، والآن عذرًا منكما "
وما كادت تتحرك حتى انفلتت عقدة لسان الفتى يتحلى بشجاعة وهمية وهو يردد :
" لقد تغيبت عن موعدي دون إرادتي و..."
قاطعه مهيار وهو يتدخل في الحديث زاجرًا إياه بنظرات مخيفة :
" أخبرتك أن وقفتها معك بهذا الشكل ليست جيدة، إذن اصمت ودعها ترحل "
نظر لليلا يقول دون وعي :
" وأنتِ يا صغيرة اذهبي الآن ولا تهتمي "
وكانت ليلا لتنفذ ما قاله لولا اقتران كلماته تلك بكلمة " صغيرة" التي اشعرتها للحظات أنه بالفعل لا يراها سوى فتاة صغيرة يملي عليها ما تفعل، ويخشى عليها أن تخطأ ببلاهة .
" عفوًا منك سيدي الطبيب، أنا لا أتلقى أوامر من أحد "
" أي أوامر تلك ليلا ؟! أنتِ بالفعل كنتِ على وشك الرحيل"
" نعم وهذا كان بإرادتي الحرة وليس لانك قلت هذا "
اشتعل الغضب في أعين مهيار من مجادلتها الغريبة تلك :
" وما الفرق بينهما، في النهاية أنتِ سترحلين "
جابهته لاول مرة تصرخ في وجهه كارهة شعور أن ينظر لها كصغيرة :
" سأرحل لأنني أريد وليس لأن أحدهم يريد لعب دور ابي أمرني بذلك "
ازداد الغضب بينهما وزادت حدة الكلمات المتراشقة، حتى خاف الشاب أن تطوله إحدى تلك الكلمات، ليهرول بعيدًا عنهما تاركًا الحرب خلفه تشتعل مع كل كلمة تخرج من أحد الأطراف ..
أفاق مهيار من كل ذلك وهو يتحرك صوب العيادة الخاصة به :
" لا بأس، موعدنا قريب يا صغيرة ..."
______________________
ابتعد عنها بريبة يحاول أن يفهم كلماتها التي جاهد عقله لانكارها، والدها عقبته القديمة تعود مجددًا، كلماتها لم تزده سوى اشتعالًا، زاد غضبه أضعاف مضاعفة، لم تساهم في تهدئته بل زادت كرهه وحقده لذلك الرجل الذي مكر بوالده قديمًا، واضاع منه صغيرته .
" تميم اقسم لك أنني لم أقصد الابتعاد عنك لا الآن ولا قديمًا، هو ...هو فقط ...لقد أجبرني على الرحيل، لقد "
صمتت ثم ابتعد عنه وكأنها تخشى أن ينفلت وحشه في وجهها إن واجهته بتلك الكلمات أمامه مباشرة .
" حين واجهتك قديمًا أنني السبب فيما حدث لوالدك، وانفجرت في وجهي ونبذتني ورحلت ..."
تنفست بصوت مرتفع تأبى استعادة تلك الذكرى التي ما تزال تدور داخل عقلها، سقطت دموعها لا تصدق كي تجرأت وقتها لتقف في وجه تميم الباكي المدمر والذي جاء يخبرها بكامل الحزن أنهم أمسكوا والده.
جاء يبكي في أحضانها أنه خسر والده، لتنهار هي وتشعر بالذنب يأكلها، كانت بريئة للحد الذي جعلها ترفض لجوئه لها وهي السبب في تعاسته، شعرت بالحقارة وهي تنفجر باكية أمامه منهارة تطلب منه الغفران والسماح، كلمات رددتها وما لبثت أن لقت صداها في صدر تميم الذي انتفض بعيدًا عنها يحدق من بين دموعها في وجهها والصدمة جمدته :
" بيرلي أنتِ لم تفعليها، صحيح ؟؟ أنتِ لم تقتليني بهذه الطريقة صغيرتي أليس كذلك ؟؟"
انهارت وقتها برلنت ارضًا تتمسك بيده متوسلة الغفران باكية بصوت مرتفع من بين شهقاتها كلمات لم يستوعبها هو وما تزال الصدمة واضحة على وجهه :
" سامحني لقد اجبرني، لقد أجبرني على فعل ذلك، اقسم أنني لم أعني أذية عمي، لقد هددني تميم، هددني "
عادت برلنت من تلك الذكرة المريعة على يد تميم تمسح دموعها وهو يمسك وجهها بحنان قائلًا :
" هييه بيرلي لِمَ البكاء صغيرتي ؟؟ لم أعني أي كلمة قلتها وقتها، أنا فقط كنت غاضبًا، وحين أدركت ما قلت ركضت صوب منزلك لاخبرك أنني لم أعني ذلك وأنني رددتك، ركضت لاسألك عن سبب ما فعلتي لكنني لم أجدك، أو اجد ايًا منكم "
استندت برأسها على يده تهمس بصوت منخفض موجوع :
" لقد هرب بنا والدي، منعني رؤيتك للمرة الأخيرة، توسلته وبكيت له، ليهتف في وجهي أنك لن تحب رؤية قاتلة والدك"
صمتت لتنهار في البكاء وهي تنفي برأسها:
" لم أقصد اقسم لك، لم اقصد قتله، لقد هددني بك، هددني أنني إن لم أخبره مكانه سيقتلك أو يبلغ عنك الجنود ويأسرونك أنت بدلًا منه "
" اهدأي بيرلي، لا يوجد شيء هكذا، لا يمكن للجنود أسري بدلًا من أبي "
" هذا ما أدركته لاحقًا بعدما نجح في خداعي، واخذني وهرب بي بعيدًا وأنا ابكي أنني أريد البقاء جوارك، حتى لو نبذتني "
سقطت دموعها تحاول التنفس بشكل جيد وهو ينظر لها بحب وحنان يمسح لها دموعها :
" عدت بعد سنوات حينما هربت من منزلي بحجة العمل، وعدت أسأل عنك لأعلم أنك أضحيت صانع الأسلحة الأشهر في البلاد، فقررت المجئ هنا والبقاء جوارك وإن لم تشعر بي "
نظرت لعيونه التي كانت تحكي معاناة خاصة بعيدًا عن معاناتها ويده ترتجف بغضب :
" وحينما أخبرتني منذ ايام أنني ما أزال زوجتك وسأبقى جوارك، قررت الذهاب لمنزلي واخبار امي أنني لن استطيع العودة وسأبقى جوار زوجي، لكنه سمعني و..."
صمتت فجأة حين رأته ينتفض بعيدًا عنها وجسده قد أضحى مشدودًا بشكل ملحوظ فأكملت بصوت خافت :
" وقد حاول منعي العودة لك "
استدار لها تميم غاضبًا من كل ذلك :
" ذلك الحقير القذر .."
انتفض جسد برلنت للخلف تخفي عيونها الموجوعة عنه، فمهما فعل ذلك الرجل، هو للأسف والدها، لكن يبدو أن تميم لم يكن بمثل تلك الملائكية ليتجاوز عن أفعاله وغضبه يصرخ بكره واشمئزاز أصابها في مقتل :
" ذلك الرجل مجرد جلب اسمه في حديث تجلب شياطيني، لا أود سماع اسمه او لقبه، أنا أشعر بالاختناق كلما تذكرت ما عانيت بسببه وبسبب جشعه "
ويبدو أن لعنة والدها وما فعل ستظل تطاردها حتى النهاية، رؤية ملامح الاشمئزاز والغضب تعلو وجه تميم في هذه اللحظة إصابتها في مقتل، هو يكرهه، يكره والدها واسمه ولقبه، يكرهه وهي تقدر ذلك، فمن حرمك من والدك وحياتك الهانئة أقل ما تقدمه له هو الكره .
ارتجفت وهي تسمع همسه بصوت يقطر حقدًا :
" سماع لقبه يتبع اسمك يثير غضبي، أكرهه واكره كل ما يتعلق به "
هبطت دموع برلنت وهي تقول بصوت منخفض :
" يمكنني التخلي عن لقبي لاجلك تميم"
استدار لها لتنظر هي له بوجع تهمس بصوت خافت تخفي عيونها والخزي بها عنه :
" إن كان ذكر اسمي يعيد لك ذكريات سيئة، فأنا على استعداد للتخلي عنه، يمكنني العيش دون اسمي وهويتي ما تبقى من حياتي، لكنني لا استطيع العيش دونك لحظة واحدة، سأغير لقبي لأجلك واتخلى عن هويتي لأجلك كذلك، فلا تنبذني تميم ..."
تأوه تميم يقترب منها بحب شديد يجذب رأسها لصدره بحب كبير :
" برلنت أنتِ الشيء الوحيد الذي ينتمي له واتقبله، الجزء الوحيد به الذي لم انبذه، فلا يرضيني التخلي عن لقبك أو اسمك بيرلي، اتقبلك بكل ما بكِ، لكن ...رفقًا بي ولا تأتي على ذكره أمامي أرجوكِ "
هزت رأسها قبل أن تنفجر في بكاء عنيف، تلقي نفسها بين احضانه، وهو يربت أعلى ظهرها بحب شديد يحاول أن يهدئها وهو من يشتعل، يجبر قلبها، وهو المحطم ..
وفجأة قبل أن يتحدث بكلمة يطيب بها قلبها، سمع الإثنان صوتًا يأتي من أمام باب المعمل يقول :
" تميم اذهب لمصانع الأسلحة واو....."
توقف سالار فجأة عن الحديث بأعين متسعة مما رأى، وتحركت يد تميم تخفض غطاء وجه برلنت فورًا وهو يقول بصوت خافت هادئ :
" سيدي ..."
نظر له سالار ثواني دون أن يحيد بعيونه صوب برلنت التي تحركت تختبأ خلف ظهره وكأن سالار سيتناولها حية :
" أذهب لمصانع الأسلحة واوصيهم بالدفعة الجديدة في أسرع وقت، ولا تنس أن تحضر لي تقريرًا بكل شيء حينما تفرغ مما تفعل "
ختم حديثه يتحرك بكل هدوء خارج المكان تاركًا تميم ينظر لاثره متسع الأعين وبرلنت تحدق بظهر تميم لا ترى ما يحدث، وحين استشعرت الهدوء في المكان قالت بصوت منخفض :
" هل رحل ؟! أم أنه فقط صامت ؟ "
استدار لها تميم وعيونه ما تزال معقله بباب المعمل :
" لا ادري حقًا، هل كان القائد هنا ام أنني كنت اتخيل فقط ؟؟"
خرجت برلنت من خلف ظهره تنظر في المكان بعدم فهم ثم استدارت له تقول بجدية :
" إذن تميم، بما أنك تتعامل مع هذا القائد في معارك كثيرة، هل حقًا كما تقول الاساطير أنه يتحول لكائن مرعب ؟؟"
نظر لها تميم بتشنج قبل أن يقول بهدوء :
" حسنًا هو لا يحتاج للتحول، فهو بهذا الشكل مرعب ..."
_________________________
توقف عن سيره بعيدًا أمام ساحة الرماية يراقبها بأعين دقيقة وكأنه يطمئن أن ابنته تسير خطواتها الأولى بكل ثبات، دون أن تزل قدمها أو تتعرقل في شيء .
ابتسم يرى نظرات دانيار الغاضبة لها وهو يكاد يصرخ في وجهها، لولا أن لمح فجأة وجهه ونظراته يحذره أن يتحدث بكلمة تحزنها، ليكظم دانيار غيظه وهو يقول :
" مولاتي، أنتِ بالفعل رامية بارعة، لكن رجاءً تعلمي كيف يوضع السهم داخل القوس "
نظرت له تبارك تأخذ منه القوس وبه السهم، ثم رفعت ذراعها تعدل من وضعيه نظارتها التي تنبذها طوال الوقت، إلا في الحالات الضرورية كتلك، تتساءل إن لم تضعها في حقيبتها وهي قادمة ما الذي كان سيكون عليه مصير الرماية :
" نعم، لا بأس قريبًا اتعلم إن شاء الله، والآن تحرك من أمام الهدف كي لا يصيبك سهمي "
اصطنع دانيار الارتجاف :
" أوه يا ويلتي، ها أنا ابتعد عن مرماكِ مولاتي، هيا تفضلي واريني ما الذي ستفعلينه "
ابتسمت له تبارك وهي تسمع تمتمته العالية يحدق فيها بحنق وغيظ، ليس منها بل من الحياة وأفكاره التي تصارعه منذ الصباح .
رفعت تبارك عيونها صوب الهدف تغمض عين وتفتح الأخرى، تطيل التحديق به وهذا المراقب من بعيد كان متحفزّا يعتدل في وقفته ينتظر نتيجة تلك الدقة التي يدرك أنها تصطنعها، ابتسم بعدما استمرت تبارك دقيقة كاملة تحدق، ودانيار الشارد لا ينتبه لها .
وفي ثواني ترك السهم ليطير في الجو بسرعة مخيفة قبل أن يستقر في منتصف الهدف تحديدًا وبشكل غير متوقع، حتى أن تبارك تركت القوس، ثم انتزعت نظارتها تمسحها جيدًا وبعدها ارتدها مجددًا تطيل النظر بالسهم، نظرت بعدها لدانيار تنتظر أن يؤكد لها أنها نجحت، لكن دانيار كان شاردًا بشكل غريب جعلها تهتف :
" هل أصبته ؟؟"
نظر لها دانيار دون وعي يقول وهو يأخذ منها القوس :
" لا بأس لنعيد الكرة، ومع الوقت ستصبين الهدف و..."
"لقد اصبته "
نظر لها دانيار بعدم فهم لتشير هي صوب الهدف، استدار دانيار بعدم فهم قبل أن يتراجع فجأة من صدمته للخلف يحدق في الهدف بأعين متسعة، ثم نظر لتبارك يهمس بذهول :
" فعلتيها ؟؟"
" فعلتها"
ابتسم لها دانيار بسعادة كبيرة يصرخ بعدم تصديق :
" لقد فعلتيها، مولاتي اصبتي الهدف قبل أن تشيب خصلاتي "
ضحكت تبارك دون وعي وهي تشير صوب الهدف تقول بلهفة كبيرة :
" أصبت الهدف، اصبته ببراعة، اصبته "
ضحك دانيار لا يصدق أنه نجح واخيرًا في تعليمها، لقد نجح بعد اسبوع طويل من التدريبات، نجح واخيرًا .
كان كل ذلك يحدث أسفل أعين سالار الذي كان يضحك بصوت خافت عليهم، يراقب فرحتها المبالغ بها وهي تتحرك في الساحة بحماس شديد تهتف أنها فعلتها، لتتوقف فجأة حين أبصرته تقول بسعادة كبيرة :
" يا قائد أنت هنا ؟؟ هل رأيت ؟؟ هذا سهمي هناك في الهدف، أنا من قذفته للتو، هذا سهمي الخاص، يمكنك سؤال دانيار حتى، أليس كذلك دانيار ؟؟"
ضحك سالار ضحكة صغيرة يهز رأسه بهدوء :
" نعم رأيت مولاتي، احسنتي، ربما حان الوقت لتغيير دانيار وتعيينك قائدًا لجيش الرماة، ما رأيك ؟!"
التوى ثغر دانيار بحنق شديد لتضحك تبارك ضحكة منخفضة وهي تحرك يديها في الهواء :
" لا، لا داعي لذلك حقًا، هذا لا شيء مقارنة بمهاراتي في الفروسية، يمكنك أن تجعلني قائدة على جيش الفرسان "
ابتسم سالار بسخرية يقول :
" لا يوجد شيء يُسمى جيش الفرسان، نحن لن نحاربهم بالاحصنة "
ابتسمت تبارك بسمة صغيرة قبل أن تهز كتفها بهدوء :
" لا بأس إذن، ربما أبرع يومًا ما في المبارزة وأصبح قائدة لجيشك أنت "
رفع سالار حاجبه ساخرًا من تلك الفكرة قبل أن يتحرك بعيدًا عن الساحة :
" لا بأس، الاحلام مكفولة للجميع تحت سماء سفيد، من أنا لأمنع احلامك مولاتي "
" هيييه أنت لا تسخر مني صحيح ؟؟ اسمع إذن يومًا ما ستعترف بتفوقي عليك سيدي القائد "
نظر لها دانيار بحنق :
" يا فتاة ما هذه الثقة، حتى الملك خسر منه مرتين في المبارزة، وصدقيني حين أخبرك أن الملك ليس مبارزًا هينًا"
نظرت له تبارك بعناد تقول :
" كده ؟؟ طب ههزم الملك هو التاني، سامع هزمكم كلكم نفر نفر يا قائد، البنت اللي جبتوها عشان تبقى مرمطون ليكم هتخليكك تندموا كلكم "
أطلق سالار ضحكات صاخبة في المكان وهي نظرت له ثواني، ثم قالت بهدوء :
" أنا اتقدم بسرعة كبيرة، حتى أن القائد اليوم صباحًا مدح اصراري وعزيمتي "
صمتت تنظر لسالار الذي كان يراقب ما يحدث بملامح جامدة عدا بسمة صغيرة :
" صحيح يا قائد ؟؟"
نظر دانيار صوب سالار بتعجب أن يمتدح أحدهم، خاصة شخص مبتدأ، لكن لصدمته هز سالار رأسه يقول مشجعًا إياها، لأنه يرى بالفعل ما تبذله كي ترضي الجميع وتنسى كل ما يحدث حولها وما تعانيه جراء ذلك، كما أنه للحق لا يفهم سبب ذلك الشحوب الذي يعلو ملامحها منذ الصباح :
" نعم هذا صحيح، الملكة ستصبح مقاتلة بارعة إن لزم الأمر"
ارتفع رأس تبارك بسعادة كبيرة تنظر صوب دانيار :
" تلميذ الامس سيصبح معلم الغد يا فتى "
أطلق سالار ضحكات صاخبة وقد اكتفى حقًا بهذه المشاهد للآن :
" ليس لهذه الدرجة، فالغرور يقتل النجاح ...مولاتي"
" يحق لي الغرور يا قائد فها أنا أكاد أنافسكم في مجالاتكم وأنا لم أكن أفقه بها شيئًا "
" نعم، تنافسينا صحيح "
" فقط أنتظر وسترى "
كان واضح أنه يتحدث بسخرية وهو ينظر لها تقف في منتصف الساحة تنظر له بتحفز، وهو فقط تجاهل كل ذلك يتحرك بعيدًا عنهم دون حتى أن يستدير ليجيبها وهي صرخت في أثره :
" ويلٌ لسفيد من شرٍ قد اقترب "
زفر دانيار بحنق يلتقط أحد السهام يضعها في القوس، ثم رماهم لها يقول بسخرية شديدة :
" فقط تعلمي وضع السهم في القوس، ثم نتحدث حول هزيمتك لجيوش المملكة أيها الشر "
نظرت له تبارك بحنق تمسك بالسهم وهي تقول بسخرية واستهانة شديدة :
" هذه الكلمات لن تزيد انتقامي إلا شراسة "
نظرت صوب الهدف تقول :
" رجال هذه المملكة لا يجب التهاون معهم حقًا، الآن أصبحت رامية سهام بارعة، غدًا مبارزة رائعة "
ختمت حديثها تترك السهم ليطير في الهواء بسرعة كبيرة، لكن الحظ لم يحالفها هذه المرة لتصيب الهدف للمرة الثانية، بل أصابت جذع الشجرة ليبتسم لها دانيار بسخرية وهي تنحنحت بصوت منخفض :
" يبدو أن عينًا سيئة اصابتني، هيا اعطني سهمًا آخر وسترى "
ضحك عليها دانيار بصوت منخفض ينتزع منها القوس :
" شاهدوا لاول مرة رامية تتعلم الرماية دون وضعية السهم في القوس، مثير للاهتمام "
نظرت له تبارك بغيظ شديد تستشعر سخريته منها، لكنها لم تعلق وهي تنتزع النظارة تمسحها، ثم وضعتها مجددًا تردد :
" لا بأس لكل جواد كبوة ..."
______________________
ها هو يعاقب نفسه في هذه اللحظات على انجراف عقله للمرة الأولى خلف قلبه الذي جذبه فضوله لتلك الملثمة، أصبح في عيون نفسه آثمًا وود لو يذهب لتبارك يعتذر لها، يخبرها أنه آسف لأنه انشغل عنها بعض الأوقات يفكر في غيرها، حتى وإن لم تعلم سبب اعتذاره، أو حتى وإن كان تفكيره ذلك لم ينحرف لمنحنى خطر .
حسنًا لا بأس ها هو الآن يعاقب نفسه أشد عقاب قد يتلقاه داخل جدران هذا القصر .
يستدعي سالار ويخبره أن يبارزه كعدو وليس كملك، وتلك البسمة التي ارتسمت على فم سالار أخبرته أنه يفهمه، وأنه سيريه كيف يعامل أعدائه.
مال إيفان بسرعة كبيرة قبل أن ينتزع سيف سالار رأسه عن جسده، يالله هو يتعامل مع حديثه على محمل الجد، يكاد يجزم أنه يراه الآن بافل .
ابتسم سالار بسمة مخيفة وهو يرفع سيفه يحركه بكل مهارة في الهواء ثم قال :
" إن لم ترد فقدان رأسك المرة القادمة عليك أن تكون اسرع من هذا، وتتوقف عن الشرود "
ختم حديثه بنبرة خبيثة، ليرفع له إيفان وجهه، يزيح خصلات شعره عن عيونه وهو يتحدث بهدوء :
" تتمنى فقط أن يمسني سيفك "
" ماذا فعلت الآن، أنا فقط اساعدك في جلد ذاتك "
تنفس إيفان بصوت مرتفع أكثر وقد مس سالار نفس النقطة التي كان يحاول الهرب منها، ازداد غضبه وهو يبادله الضربات بعنف شديد، ليسمح له سالار بذلك رغبة منه في مساعدته لتنفيث ذلك الغضب المنتشر على وجهه .
" هل الأمر كبير لهذه الدرجة مولاي، حتى تكاد تقتل نفسك بتركي اعاملك كعدو ؟!"
" بل هو إثم سالار "
رفع سالار حاجبه يتعجب تلك التسمية وهو يتوقف عن القتال لحظات قليلة :
" إثم ؟؟ هل أنت من تحالف مع بافل أم ماذا ؟؟"
رمقه إيفان بغضب ليبتسم له سالار بسمة صغيرة يرفع سلاحه مجددًا، يستعد للهجوم عليه :
" ربما تبالغ في وصفك لفعلتك مولاي، لكن لا بأس طالما أن الأمر يصب في مصلحتي "
ابتسم إيفان بسمة صغيرة يرفع سيفه في المقابل قبل أن يشتبك الاثنين في قتال شرس وايفان يدور حول سالار يبحث له عن نقطة ضعف، والاخير ينتظر اللحظة المناسبة ليرديه ارضًا :
" قتلي يصب في مصلحتك ؟؟ هل تطمع في عرشي سالار"
ابتسم سالار ساخرًا :
" مالي والعروش مولاي، أنا لن افني حياتي بالجلوس فوق مقعد وإدارة أمور المملكة، قبضتي تشتاق للسيف حين تركه، وعيوني تشتاق لمرأى الجيش كذلك "
ابتسم إيفان يهجم عليه وهو يغافله في الحديث، ضربة صدها سالار يرسم بسمة واسعة مخيفة :
" أنت مخادع "
" كل شيء متاح في الحرب يا عزيزي "
ضحك سالار وهو يهجم على إيفان بسرعة كبير ليشتعل القتال بينهما كالعادة دون معرفة الرابح، مرات قليلة هي ما يُحسم بها القتال بينهما .
وفي الحقيقة نتيجة القتال لم تكن مهمة لها بقدر اهتمامها برؤيته من بعيد، ولا تدرك حقًا سبب وقوفها هنا في هذه اللحظة تراقبه بشغف، هي تخطأ، تخطأ وبشدة، هذا الملك، الشخص الذي نشب شجار عنيف بينه وبين شقيقه تناقلته الألسنة في الممالك الاربعة، وهو نفسه الذي سيتزوج بعد أيام لا تعلم عددها، شخص لا يصلح بأي شكل من الاشكال لأن تحبه، لا يمكنها فعل ذلك حقًا ...
مهلًا تحبه ؟؟ لا بل تعجب به، وبعدله وحكمته فقط، هي لم تتخطى تلك النقطة، لم تتجاوز هذه المنطقة، ربما لو كان أرسلان حي في هذه اللحظة لكان نظر لها بغضب موبخًا إياها على تجاوز حدودها مع رجل غريب، ومن ثم يختتم حديثه بجملته المعتادة :
" كهرماني الحبيبة، أنتِ أميرة مشكى، من يريدك يسعى لكِ ويقطع بحارًا لأجلك، وليس أنتِ من تسعين لهم "
سقطت دموعها تردد بصوت خافت :
" لو أن أرسلان ما يزال حيًا ما كنت وطئت سفيد أو رأيته، أو ورطت نفسي في مبارزات سخيفة لم اجني منها سوى الوجع، يكفي انتهينا كل هذا "
رفعت غطاء وجهها تمسح دموعها، ثم أنزلته مجددًا، ترفع نظراتها صوب الحلبة التي كانت تبعد عنها مسافة لا بأس بها، لتُصدم حين رأت الملك يتوسط الحلبة وحده ويطيل النظر صوبها، شهقت بصوت مرتفع تتراجع بسرعة، تتمنى في قرارة نفسها أنه لم يبصر ملامحها بشكل واضع ابعد المسافة .
ركضت بعيدًا عنه تتلاشى النظر له، تعد نفسها أنها اكتفت من تلك القتالات المستمرة، هنا وتضع نهاية هذه القصة مع الملك، القصة التي لعبت بها دور المجهولة .
بينما إيفان راقب هروبها بملامح جامدة، يضغط على سيفه بقوة، كلما حاول أن يتلاشى التفكير بها تظهر أمامه، ألقى سيفه بعنف يتحرك بعيدًا عن الساحة بخطوات قوية وهو يفكر أنه فقط سيتجاهل كل ذلك، سيرى أين وصلت تدريبات الملكة كي تنتهي هذه القصة ...
فجأة توقفت أقدامه يشعر بشعور سييء، سييء للغاية، هل سيظلم تبارك ؟؟ هل ما يفعله صحيحًا ؟؟ لكن الرؤية ؟؟ لحظة ما الذي يفكر به، هو لا يمتلك مشاعر لأحد، فقط يتمنى أن تنمو مشاعره تجاه الملكة بعد أن تكلل علاقتهما بالشرعية وتصبح زوجته .
الأقدار مكتوبة ولله في إخفاء الغيب حكمة، لكن اسوء شعور قد يراود إيفان هو أن يشعر بنفسه ظالمًا، قد يدهس مستقبله وقلبه أسفل أقدامه فقط لأجل ألا يظلم شخصًا للحظة واحدة، ايًا كان ذلك الشخص، وفي هذه المعادلة كان ظلم نفسه اهون الظلمات على قلبه .
والخوف كل الخوف أن ظلم نفسه قد يقترن بظلمه لشخصٍ آخر...
__________________
يلقي بمعطفه الملكي على مقعده، يشمر اكمام سترته القماشية وهو يعيد خصلات شعره للخلف، يتحرك يمينًا يسارًا وهو يتحدث الجميع بجدية كبيرة .
" نحن من نحدد أين تكون المعركة، لن نسمح لهؤلاء الحثالة أن يجبرونا على مكان لها، فما ادرانا أنهم لا يضمرون لنا شرًا، وهم لا عهد لهم ولا ذمة "
ختم إيفان حديثه ينظر للجميع وقد ترأس هو الجلسة هذه المرة حتى ينتهي من تعليماته، والجميع أمامه، قادة جيوشه، طبيبه الملكي، العريف ومساعده، اثنين من مستشاريه ..
استند على الطاولة بكفيه يهمس لهم بجدية :
" توقعوا أي شيء خلال الحرب، توقعوا أي غدر، توقعوا أي قذارة قد يصل عقلكم لها، بل وتخطوها، بافل ليس كوالده، بل هو صورة أقذر منه، لعنة الله عليهم أجمعين "
حرك نظراته صوب العريف ليقول :
" أنت أيها العجوز إن كنت تعلم شيئًا فافضي به الآن "
نظر له العريف بهدوء شديد وهو يحاول أن يتجاهل كل ذلك يقول :
" لا يعلم الغيب إلا الله مولاي، وما أعلمه ما هي إلا رؤى من الله فقط، وإن كنت تتساءل فلا أنا لا ادري شيء، ليتغمدكم الله برحمته في هذه الحرب "
زفر إيفان بصوت مرتفع، ثم تحركت عيونه صوب مهيار يقول بجدية :
" مهيار أنت ستجهز فريق كامل من المساعدين وتخيمون بالقرب من منطقة الحرب وسنترك معك كتيبة حماية لنقل المصابين وحمايتهم، خذ ما استطعت من رجال "
حرّك عيونه صوب تميم الذي كان يراقب كل شيء بهدوء يدرك أن لحظة اعلان زواجه لم تحن بعد، هو في هذه اللحظة يواجه حربًا تمنع أي خطوة قد يخطوها في حياته الشخصية :
" تميم أريد التأكد من وجود زخائر وأسلحة تكفي كافة أفراد الجيش "
واخيرًا نظر لدانيار وسالار :
" سالار أنت ستقود الجناح الأيمن، ودانيار سيؤمن ظهورنا، الجميع يعلم دوره، لا اريد خطأ، خطأ واحد لا اريد، لن اكرر حديثي، لا اريد أن يتحرك أحدكم خطوة واحدة دون إشارة مني أو من سالار "
هز سالار رأسه بهدوء واحترام، بينما إيفان تنفس بصوت مرتفع ثم قال :
" ستبقى الكتيبة الرابعة هنا لتأمين الحدود والخامسة لتأمين النساء والقصر "
أومأ الجميع بطاعة، ثم تحرك إيفان وجلس على مقعده بهدوء شديد يشير صوب سالار أن يتحرك ويكمل هو من حيث توقف، هو وضع الخطوط العريضة والآن كيفية الهجوم وكل ذلك سيتركه لسالار، هو لا يحب أبدًا أن يلعب دور المتسلط، أو ينفرد بالتفكير وحده، هو يترك كل شأن لصاحبه ( اسألوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ومن أفضل من سالار ليدرك أمور الحرب .
ابتسم سالار بسمة صغيرة يقول بهدوء :
" السلام عليكم جميعًا "
ردد الجميع السلام، ليقول دون مقدمات وهو يخرج من حزام سيوفه مخطوطة كبيرة يفردها على الطاولة أمامه بسرعة كبيرة، ثم أخرج حنجره يصوبه بمهارة على نقطة معينة في تلك المخطوطة يهمس بصوت مخيف :
" هنا سنستدرج بافل وجيشه، سندفعهم صوب تلك النقطة، وحينها لا اريد سماع همسة إلا صرخاتهم، اروهم الجحيم ."
نظر صوب دانيار يقول :
" دانيار أنت والكتيبة الخاصة بك ستنتظرون إشارة الملك للتدخل، وهذه الإشارة ستصدر من جهة تميم تحديدًا "
هز دانيار رأسه يستمع مع الجميع لخطة سالار الذي انغمس يشرحها لهم بكل جدية، والجميع مهتم بكل كلمة تخرج منه، وايفان يضع قبضته أمام فمه وهو يستمع لسالار مبتسمًا لتلك الخطة التي قالها .
ختم سالار حديثه يقول :
" الجيش الاول سيكون بقيادة الملك، وكما قال الملك الجناح الأيمن للجيش سيكون تحت قيادتي، أي أسئلة ؟؟"
نفى الجميع برؤوسهم ليبتسم :
" إذن توكلنا على الله أجمعين، اعقدوا النية وانطقوا الشهادة قبل تحركنا، والغد موعدنا يا رجال ..."
_______________________
يجلس على عرشه في منتصف القاعة وهو يتكأ بكل كسل على ظهر المقعد، يسمع صوت أحد الرجال يحمل رسالة له من مملكة سفيد، مرسول جاءه يوصله رسالة ملكه .
فتح الرجل بملامح وجه جامدة الرسالة وهو يقول بصوت مرتفع جهوري قوي نابع من كونه صاحب حق :
" رسالة إلى المدعو بافل...
لا سلام عليكم ولا سلام لكم، ولا أراكم الله السلام يومًا.
أما بعد :
اردتها حربًا وسعيت لها، ونحن رجال كرم لا نرد طلب سائلٍ ولو كان بافل، طلبتها حربًا، ولك ما أردته، ما استعصى علينا الحرب مع امثالكم يومًا ونحن أصحاب الحق، ولو كان للقبور ألسنه يتحدثون بها لسمعت صرخات وصيحات والدك الذي اشبعناه خسارة وخزيًا لا يليق سوى بكم، فإن أردت تجربة ما مر به والدك مئات المرات، فالغد موعدنا، نلقاكم في الصحراء الشرقية بين مشكى وسفيد جوار بحيرة الحياة، ولتشهد كل حبة رمل وقطرة ماء على خزيكم الذي ستتجرعونه على يد رجال لا يخشون إلا الله، رجال يحبون الموت ويسعون له شهداء، وإن تخلفت عن الحرب فسنعتبرها دعوة منك للمجئ ومحاربتك في عقر دارك، أو عفوًا في عقر دار الملك أرسلان رحمة الله عليه، سنكمل حربه ونعيد بلاده وشعبه، وفي النهاية تحياتي حتى ألقاك غدًا.
ملك سفيد، الملك إيفان "
ختم الرسول كلمات الرسالة والتي خطها إيفان بنفسه، وهو ينظر لبافل ينتظر منه ردًا، لكن كل ما صدر من بافل هو بسمة جانبية وهو يقول :
" ألا ترى أن ملكك في غاية الوقاحة يا رجل ؟؟"
اجابه الرسول بصوت ثلجي وملامح جامدة :
" بل في غاية الشجاعة، وهذه صفة لا يعلمها امثالك بافل"
ابتسم بافل بسخرية شديد :
" أوه أين رأيت هذه الوقاحة والجرأة في الحديث ؟؟ صحيح في سالار "
نظر له الرسول يقول بتصحيح :
" القائد سالار، ولي الشرف أن تراني مثله "
" ألا تخشى أن تتدحرج رأسك في الثانية القادمة يا رجل ؟؟ أنت الآن في بلادي وتحت رحمتي "
علت نظرة ساخرة نظرات الرجل وهو يقول بهدوء :
" اولًا هذه ليست بلادك، ثانيًا أنا لست بحاجة لرحمة امثالك، أنا في عناية ورحمة الله، والآن بما أن رسالتي وصلتك سأرحل، وإن أردت قتلي فلتفعل قبل خروجي "
ختم حديثه يستدير بهدوء شديد، وهو يحرك قبضته صوب السيف الخاص به في استعداد تام لأي حركة غدر تصدر من ذلك الرجل، لكن ما حدث له شيئًا حتى صعد لحصانه خارج القصر وتحرك بعيدًا، تحت أعين بافل الذي ابتسم بسمة جانبية وهو يضيق عيونه بشكل مخيف ...
________________
خرجت من حجرتها بعدما انتهت من أخذ حمام بارد بعد تمارينها، تشعر بالوهن الشديد يتملك منها، تبحث عمن يساعدها بأعين ضبابية .
لا تدرك أين تسير ولا تعلم مع من تتحدث، كل ما تشعر به بذرات وعيها الأخير أنها لا تعرف ايًا من الوجوه التي تحيط بها، لا تألف احدهم ليساعدها .
ابتلعت ريقها تبحث عنه، طوق النجاة الذي كان يظهر في وجهها كلما واجهت مشكلة، العجب أنه ليس هنا في هذه اللحظات، بللت شفتيها تستند على الجدار وقد قررت أن تتحرك صوب المشفى، هناك ستجد من يساعدها، ولم تعلم كعادتها سوى مشفى الجنود حيث الطبيب مهيار .
وصلت ولا تعلم كيف فعلت، دخلت المشفى بأقدام مرتجفة تشعر بقرب انهيار الجدران أعلى رأسها، تبحث عن الطبيب بين الأروقة .
" هو فين ...عايزة ...أنا تعبانة "
وحين لم تبصره تحركت صوب مكتبه تقرر البحث بنفسها بين زجاجات الاعشاب خاصته، تأمل أن تجد ما يساعدها .
لكن حين حاولت فتح الباب وجدته مغلق لتشعر باليأس .
ثواني، هي ثواني فقط وستفقد كل طاقتها، لم يكن عليها إهمال ادويتها ومرضها طوال الأيام السابقة، هذا كله خطأها هي المخطئة الاولى .
فجأة ومن بين وعيها المتبقي سمعت صوتًا يهتف بتعجب واندهاش بلقبها :
" مولاتي ؟! هل أنتِ بخير ؟؟"
فتحت تبارك عيونها تبصر جسد مهيار الذي انتهى من الاجتماع وعاد للمشفى، لكنه لم يكن وحده بل كان معه دانيار وتميم و...سالار .
تحركت تبارك صوبه ببطء شديد تحاول أن تتحكم في نفسها :
" مرحبًا سيدي الطبيب اعتذر لازعاجك لكنني احتاج بعض المساعدة منك "
تفاجئ مهيار من علامات الإجهاد الواضحة على وجهها، يقترب منها بسرعة وهو يهتف :
" مولاتي هل أنتِ بخير ؟؟"
نظرت له تبارك تقول بصوت منخفض :
" نعم أنا فقط أشعر بالارهاق الشديد، ادويتي لقد نفذت "
تدخل سالار في هذه اللحظة بعدما شعر أن الصمت لن يجيب اسئلته التي تنخر عقله، يتقدم منها وهو يردد بصوت متحفز :
" ادويتك ؟؟ "
نظرت له تدرك وجوده في هذه اللحظة وقبل التحدث بكلمة واحدة، انهار تماسكها لتسقط ارضًا بعنف، تحت صرخة سالار برعب وهو يتحرك نحوها :
" مولاتي ...مولاتي "
وحين أبصر تمدد جسدها ارضًا بملامح تحاكي الموتى صرخ بهلع شديد :
" يا ويلي، تبارك ......"
_____________________
لهفتك يا بني ليست هي من تفضح مشاعرك، بل هي عيونك، أكبر خائن يئويه جسدك، بوابة مشاعرك التي تخبر الجميع بما تحاول إخفائه ....
وتذكر أن كل ما يحدث ما هو إلا حرب، إما أن تنتصر أو تنتصر لا خيار ثالث أمامك....
دمتم سالمين.
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رحمة نبيل
متنسوش تصويت للفصل قبل القراءة .
صلوا على نبي الرحمة .
_____________________
صوت الصراخات والسباب يعلو في المكان بشكل مفزع، سبات لم تسمع بهم في حياتها بأكملها، سبات جعلت أعينها تتسع بشكل مثير للضحك، ولأنها تجهل اصول زمرد التي هي أبعد ما يكون عن نشأتها، شعرت بالرعب من أن تنطق فتاة بمثل تلك الكلمات.
وزمرد التي ترعرت بين زمرة من بقايا الرجال، ورغم تربية والدتها الصالحة لها، إلا أنها دون إرادة كانت تتشرب منهم بعض الصفات كالشراسة والعنف في جميع تصرفاتها، ولسانها الذي لا تتحكم به طوال الوقت، شيء هي لا تفتخر به، بل تشعر بالعار منه، لكن الأمر صعب التخلص منه، فأضحت توجهه لمن يستحقه
وبرلنت في هذه اللحظة _ من وجهة نظر زمرد_ تستحقه ونصف .
اختفى جسد برلنت خلف كهرمان التي تقف في المنتصف بين الاثنتين وهي تحاول ردع زمرد عن قتل كهرمان بعد اختفائها لأيام، حتى أن زمرد كادت تركض صوب تميم وتتشاجر معه .
" اسبوع أيتها الـ ..."
اوقفتها كهرمان بصرخة غاضبة من كل تلك البذاءة :
" زمرد تأدبي في كلماتك "
أشارت زمرد بغضب صوب برلنت :
" انظري ماذا فعلت بنا ؟؟ لقد كدت اقتل هذا التميم الخاص بها "
ظهرت في تلك اللحظة برلنت تصرخ باحتدام ورفض شديد :
" لا اياكِ زمرد، اياكِ والاقتراب من تميم "
صمتت ثواني تستوعب ما قالت زمرد لتبتسم بسمة واسعة وهي تستمر في استفزاز آخر ذرات صبر زمرد التي لا تمتلكها في الحقيقة :
" بالمناسبة اعجبتني تلك تميم الخاص بي، نعم هو خاص بي وحدي "
تشنجت ملامح زمرد بقوة وهي تشير لها بعدم فهم :
" أعانك الله على عقلك يا امرأة، ماذا اقول أنا وماذا تفعلين أنتِ ؟!"
" ماذا ؟!"
زفرت كهرمان تدفع الاثنتين بعيدًا عن بعدهما البعض وهي تقول بصوت هادئ :
" حسنًا، وقت مستقطع آنساتي، دعونا نهدأ لنعلم ما حدث مع الفتاة "
نظرت صوب برلنت تنتظر منها تصريحًا عن سبب اختفائها، وكذلك تحفزت جميع حواس زمرد التي ضمت ذراعيها لصدرها تنتظر تفسيرًا يقنعها :
" نعم واحرصي أن يكون سبب قهري قوي يستعدي غيابك ايام طوال دون ترك خبر بذلك، كأنكِ أصبتي بضربة سيف، أو صوب أحدهم سهمًا لقلبك مثلًا "
ابتسمت لها برلنت بسمة أخبرتها أنها الآن على وشك قول تعليق سيشعل غضبها مجددًا لتسارع زمرد لرفع اصبعها محذرة إياها:
" إياكِ أن..."
" نعم، أصابتني سهام حبه يا فتاة "
اشتد غضب زمرد لتندفع صوبها لولا جسد كهرمان التي أخذت تصرخ بهما، وزمرد مصرة على الإمساك بها، تمد يديها تحاول التقاط وجهها :
" سأقتلك أيتها المستفزة عديمة الكرامة، اقسم أنكِ عارٌ على النساء اجمعين "
ابتسمت لها برلنت تضم ذراعيها لصدرها :
" عار لأنني أشعر، وماذا عنكِ أيتها البذيئة ؟!"
حاولت زمرد الإفلات من يد كهرمان غاضبة :
" هذه البذيئة تستطيع العيش وحدها دون الحاجة لرجل، تسطيع الدفاع عن نفسها، ماذا تفعلين أنتِ أيتها الجبانة الضعيفة المستفزة ؟!"
" استطيع صنع فطيرة التوت التي تجبرك أنتِ على فعل كل هذا لأجلي "
كبتت كهرمان ضحكة كادت تفلت منها لتبتسم زمرد دون وعي وهي تقول :
" نعم هي محقة، استطيع فعل كل هذا لأجل فطيرتها، سحقًا لتلك المعدة العديمة الكرامة كبرلنت، تجبرني على فعل ما لا أريده "
أطلقت كهرمان ضحكات صاخبة بينما برلنت اقتربت من زمرد تضمها بحب، وقد كانت هذه المرة الأولى التي تحظى برفاق غير تميم، رفاق احبوها دون مقابل، عدا فطيرة التوت لزمرد .
ابتعدت عن زمرد تضم لها كهرمان بحب :
" اشتقت لكم يا رفاق "
" نحن أيضًا عزيزتي، أين كنتِ بيرلي ؟؟"
ابتسمت برلنت لسماع ذلك اللقب تتنهد بتعب قليلًا:
" كنت في المنزل وحدثت أمور كثيرة كادت تودي بمستقبلي "
نظر لها الاثنان بفضول لتبدأ وتقص عليهم كل ما حدث وصدر من والدها وردة فعل تميم الذي أخبرها أنه وبعد الانتهاء من أمور الحرب سيعلن في المسجد زواجهما ولو أُتيحت فرصة قبل ذلك لن يتأخر ..
ابتسمت لها كهرمان بحب وهي تربت على وجنتها بحنان :
" أوه حبيبتي مبارك لـ ..."
وقبل أن تكمل كلماتها دفعتها زمرد جانبًا بغضب وهي تمسك كتفي برلنت بشكل مخيف :
" هل ستغضبين مني إن قتلت والدك ؟!"
" بالطبع زمرد ما الذي تتحدثين به، هذا أبي"
نظرت لها زمرد بغضب وكادت تقول بغضب واستنكار وماذا في ذلك ؟؟ أنا أيضًا قتلت أبي، لكن لثواني توقفت وفكرت قليلًا في الواقع، أي مقارنة تجريها الآن بين شخص أكبر آثامه هو الجشع والطمع، وبين والدها الذي كان اصغر ذنوبه واهونها القتل، شتان بينهما ..
صمتت تبتعد عنها وهي تقول :
" حسنًا لا بأس، لم أكن سأفعل على أية حال "
وهذا صحيح فهي ليست قاتلة لتتحرك وتقتل كيفما تريد، هي لا ترفع سيفها أو تستخدم قوتها أمام شخص ضعيف، أو شخص ليس مذنبًا، وهذا ما تعلمته من والدتها، لا تستطيع أن تقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقتل والدها وأعوانه كان أكبر حق .
وبينما هم جالسون في الأرضية يتناولون غداءهم الذي قرروا أخذه للحديقة بعيدًا عن الجميع للتحدث براحة، أبصر الجميع تحرك الملك على بُعد صغير منهم مع العريف يتحدث معه بجدية كبيرة في بعض الأمور ولا يبدو على ملامحه الرضى لشيء .
لم يهتم البعض عداها هي التي أطالت النظر به وكأنه سيتلاشى في هذه اللحظة، مخطئة، اخطأت وتناست أن النظرة إثم، أخطأت وتجاوزت الحدود، لكن شخص كالملك بكل ما به يجذب أي انثى في محيطه دون أن يدرك، ولا تقصد بكل ما به مظهره أو وسامته وخصلاته السوداء أو عيونه الخضراء، بل تقصد هيبته ولباقته وخبثه الذي كان أرسلان يتحاكى به طوال الوقت، بل ويتفاخر أن رفيقه بمثل هذه العقلية ..
أرسلان الذي كان في تصرفاته أقرب لقائد الجيوش سالار، لكن حكمه للبلاد أجبره على التمتع ببعض التريث والحكمة، ليصبح مزيجًا بين تجبر سالار، وبعض خبث وتفكير إيفان، لكن في النقطة الثانية إيفان يتفوق ..
راقبت كيفية انعقاد حاجبيه، ثم ابتسامته الساخرة وفجأة استدار صوبها وكأنه شعر باعينها المصوبة عليها، فزعت وقد اتسعت عيونها بقوة :
" يا ويلي .."
لكن الملك نزع عيونه بكل برود يعود بنظراته صوب العريف لتتنفس الصعداء وهي تشكر ربها أنه لم ينتبه لها بسبب المسافة بينهما .
لكن عند إيفان والذي أبصرها بشكل واضح جلب بسمة جانبية لشفتيه والغضب بدأ يتدافع لصدره ليجذب انتباه العريف الذي رأى ما ينظر إليه ليقول :
" إذن نحن انتهينا من هذا الحديث ؟؟"
" نعم، غدًا تذهب مع بعض الرجال حيث هو للتحدث معه، ذهابك أنت لن يثير الشك بقدر إرسال رجال من جيشي، فمن سيشك بعجوز مثلك ؟؟ "
ابتسم له العريف بسخرية يربت على كتفه قبل الرحيل :
" كنت لاغضب منك الآن، لكن يكفيك تلك الحيرة التي تعلو ملامحك يا بني، أعانك الله على محاربة نفسك "
ختم حديثه، ثم رحل ببساطة تاركًا إيفان يراقبه بعدم فهم، وهو فقط ابتسم مبتعدًا وحينما مر على كهرمان هز رأسه لها بشكل افزعها، ليستدير في تلك اللحظة إيفان ويرى نظرات العريف لها ونظراتها له ليبتسم بسمة غريبة وهو يهمس :
" غامضة ها ؟؟؟"
_________________________
اسمها الذي خرج منه دون شعور لم يستوقفه أو يثير تعجبه وهو يركض صوبها ملتاع مرتعب يرى جسدها ملقى ارضًا، اتسعت أعينه وهو يحاول الاقتراب لمعرفة ما حدث معها، مد يده قبل أن يبعدها مجددًا لا يدري ما يفعل في تلك الحالة.
نظر خلفه صارخًا بغضب في مهيار الذي تصنم ارضًا ليس لحالة تبارك، بل لحالة سالار نفسه، ابتلع ريقه حين سمع هديره :
" ما بك مهيار، تحرك وتعال لترى ما حدث للملكة، تعال وانظر إليها، يا الله هي فاقدة للحياة "
اقترب مهيار منه بسرعة ليرى ما حدث وقبل أن يفعل أوقفه سالار وهو يقول :
" لا لا، بل اذهب واحضر طبيبة القصر "
صمت ثم قال بعصبية واضحة :
" أو تعال أنت لفحصها "
وحينما كاد يقترب منها صرخ به وبالجميع :
" لا لا، أذهب تميم بسرعة وأحضر الطبيبة، لا تقترب مهيار"
شعر مهيار بالحيرة ليردد :
" سيدي يبدو أن حالتها لن تنتظر أن نستدعي الطبيبة، رجاءً دعني احملها للداخل وافحصها "
نظر له سالار قبل أن يقول بهدوء تمكن منه أخيرًا :
" حسنًا، لكن لا لا تقترب منها، أنا، أنا سأحملها، أو تميم اذهب لإحضار بعض العاملات ليفعلن ذلك "
وما كاد تميم يتحرك حتى صرخ سالار :
" حسنًا أو لا، هل هذا سيؤذيها ؟؟ إذا تأخرنا ؟؟ افحصها هنا مهيار، سنخرج ونمنع أي أحد من الدخول للمشفى وأنت افحصها دون أن تحركها لربما تسبب هذا في اذيتها"
زفر مهيار يشعر بالاختناق من هذه الأوامر التي لا فائدة منها يميل بجسده بغية حمل تبارك :
" حسنًا سيدي، آسف لكن فحصها هنا غير ممكن، الأرضية باردة والأجهزة والأدوات كلها بالداخل، دعني احملها رجاءً و..."
لكن قبل ذلك قال سالار بسرعة وهو يميل حاملًا إياها بسرعة كبيرة وكأنه يلتقط صخرة صغيرة عن الأرض، يهرول صوب الغرفة بسرعة وعقله لا يفكر في شيء في هذه اللحظة سوى في حالتها وما حدث لها وضعها بسرعة على الفراش، ثم استدار بسرعة صوب مهيار الذي لحق به، ليخرج هو بسرعة كبيرة يغلق الباب دون كلمة ووقف أمامه بملامح جامدة تحت أعين تميم ودانيار اللذين تبادلا نظرات صامتة تشي بكل ما يعتمر داخلهما .
فجأة سمعوا صوت سالار يقول بجدية :
" تميم اذهب لإحضار طبيبة القصر "
رمقه تميم بغيظ شديد وحاول كبت حديثه، لكن خرج منه دون إرادة وهو يردد بحنق :
" هل اذهب أم أنتظر أن تغير رأيك قائد ؟!"
حدجه سالار بنظرات صارمة ليبتلع تميم ريقه بهدوء وهو يردف بصوت خافت :
" أوامرك قائد "
وما كاد يرحل حتى أوقفه سالار بقول :
" وتميم ..."
توقف تميم وشعر أنه سينفجر إن نفى أمره السابق، لكن سالار لم يكن سيفعل، هو فقط يفكر إن كان عليه أخبار الملك بما حدث للملكة أم لا ؟! أوليس هو زوجها المستقبلي كما هو مقدر ؟؟
لكن ودون أن يشعر وجد نفسه يتحدث بشرود دون حتى أن ينظر لتميم، وكأن قلبه اتخذ القرار بسرعة ومرره للسانه دون انتظار موافقة من عقله :
" لا شيء، اذهب واحضر الطبيبة "
هز تميم رأسه يرحل بسرعة قبل أن يوقفه القائد مجددًا، بينما دانيار كان يحدق بوجه سالار ولأول مرة يشعر بشيء مريب به، شيء لن يسعد أحدهم إن كان حقيقيًا، فقط يأمل ألا يحدث، هل كُتب عليهم جميعًا أن يعانوا إثمًا اجباريًا عليهم ؟؟
" هل أنت بخير يا قائد ؟!"
نظر له سالار بعدم فهم :
" ولماذا لا اكون دانيار ؟! لستُ أنا المريض كما ترى "
هز دانيار رأسه واكتفى باجابته ولم يزدها كلمة إضافية، بينما سالار ظل واقفًا مكانه يتخيل مظهرها وهي ساقطة ارضًا شاحبة الوجه بشكل مرعب، يالله هل يعقل أنها ماتت؟؟
عند هذه الفكرة انتفض جسده بقوة رافضًا لكل ذلك، هي لن تفعل قبل أن يخبرها أنه ما قسى عليها يومًا إلا لأجلها، لم يعاملها كما يفعل إلا ليبعدها عنه، فهي كانت تنظر له نظرة الغريق الذي يتعلق بالقشة، وهو يرفض هذا بالكامل، فلا علاقة قد تجمعه بها إلا علاقة سطحية لملكة وقائد جنود .
هذا فقط ..
فجأة ابتعد عن باب الغرفة حين خرج مهيار وهو يقول بجدية :
" نحن نحتاج لبعض الاعشاب التي نعاني نقصًا منها "
نظر سالار للورقة بيده وهو ينتزعها منه :
" هاتها سأرسل بها أحد الجنود "
اعترض مهيار بسرعة لانتزاع حجته لرؤيتها بهذه السهولة من بين أنامله، يحاول استردادها :
" لا يا قائد أنا سأذهب بنفسي لـ "
رمقه سالار بنظرات مرعبة وهو يهتف بنبرة آمرة قوية :
" مهيار ..اهتم بالملكة حتى تأتيك طبيبة القصر، والآن أخبرني ما هي حالتها ؟؟"
" اشتباه في مرض البول السكري، لا ادري حقًا فالتأكد من الأمر يحتاج بعض الوقت، لكن تحسبًا لذلك، وبالاعتماد على جميع العوارض التي تعاني منها، جعلتها تأخذ اعشاب ستساعدها، يبدو أنها تعاني مرضًا مزمنًا واهملت علاجه "
صمت وهو ينظر لسالار الذي سرح بعقله نحو كل تلك اللحظات التي كانت تطالبه فيها بالطعام لأجل أخذ ادويتها، وهو وقتها تجاهل السؤال عما تقصد، ولم ينتبه له أو يهتم به، غبي ...
" إذن ستصبح بخير ؟؟"
نظر له مهيار بهدوء شديد وما زالت عيونه متجهة صوب الورقة التي يحملها بين أنامله :
" نعم ستكون "
تنحنح ثم قال بهدوء :
" إذن هل ستعطيني الورقة لإحضار الأدوية المطلوبة سيدي ؟؟"
ابتسم دانيار بسمة جانبية يهمس بالقرب من مهيار :
" تدعي خوفًا واهتمامًا لا تمتلكه أيها الماكر "
صمت يرى ردة فعل مهيار على حديثه والذي كان التفاتة محذرة له أن يتمادى في الحديث معه، لكن كيف وقد جاءت وأخيرًا فرصة دانيار كي يزعج شقيقه الأصغر مستمعًا برؤية ملامح الشر تعلو وجهه ليميل هامسًا في أذنه:
" تخيل أن تفوز على القائد وتأخذ منه الورقة وعندما تذهب لا تجدها هناك ؟! خيبة أمل وحسرة، صحيح أيها العاشق الولهان ؟!"
وإن كان يظن أنه بهذه الكلمات سيستفز غضب وهدوء مهيار، فقد أصاب، إذ صرخ مهيار فجأة بصوت مرتفع ناقلًا المحادثة لمستوى آخر متسببًا في صدمة سالار الذي كان شاردًا بعيدًا عنهما، يفتح عيونه يرى الإثنين ارضًا كلٌ يمسك بتلابيب الآخر، يتبادلان اللكمات .
متى حدث كل هذا ؟؟ فجأة هكذا كادوا يقتلون بعضهم البعض دون مقدمات .
وفي الأرض كان الإثنان يتدحرجان تباعًا، دانيار يضرب مهيار لكمة، والآخر يردها له بغضب وهو يهمس :
" صبرًا حتى تجد تلك المغفلة التي سيبتليها الله بك، وقتها سأريك الجحيم "
دفعه دانيار بقوة يعلوه هو هذه المرة يجذب تلابيب ثيابه :
" ومن أخبرك أنني سأسمح لك بالاقتراب منها حتى لإلقاء السلام أيها الطبيب الفاشل الاحمق الـ "
" دانيار ..مهيار "
تصنمت اجساد الاثنين وقد نسيا فجأة ما حدث وكأنهما دخلا عالمًا منعزلًا، اتسعت أعين الجميع ليميل دانيار فجأة على مهيار الذي ما يزال يمسك بتلابيبه يقبل خصلات شعره، ثم ابعد يده يعدل له ثيابه :
" عزيزي كيف سقطت ارضًا أنت، هيا دعني اساعدك "
ابتسم له مهيار بسمة صغيرة يتجاوز عما كاد يحدث منذ ثواني، فقط كي لا يتكرر ما حدث آخر مرة حين عوقبا بخمس ساعات من التدريبات .
" اشكرك دانيار، ادامك الله لي سندًا عزيزي "
نهض دانيار بسرعة وهو يساعد مهيار لينهض كذلك ينفض له ثيابه، ثم ضمه له في مشهد متكرر لسالار، ابتسم لهما بسخرية لاذعة :
" حقًا ؟! ألم تسئما تلك المشاهد المتكررة ؟؟"
وقبل أن يتحدث أحدهما بشيء استمع الجميع لصوت تحطيم قوي آتٍ من الغرفة المجاورة والتي كانت تقبع بها تبارك، لتنفلت نفس الكلمة السابقة من سالار وهو يهمس برعب متحركًا صوب الغرفة بسرعة :
" تبارك ..."
نظر مهيار ودانيار لبعضهما البعض بريبة على ما يحدث، قال مهيار بهدوء :
" إذن هل ندخل ؟؟"
" بل انتظر لنرى الاما ستنتهي الأمور، وحتى ذلك الحين يكون تميم قد عاد بالطبيبة ..."
_____________________
كان في طريقه لإحضار طبيبة القصر بسرعة كبيرة كي يتجنب غضب قائده؛ قائده الذي لا يفهم حقًا ما يحدث له، فجأة تحول بشكل غريب، خرج من حالة جموده بشكل ملحوظ.
حسنًا لا اعتقد أن لك علاقة بما يحدث تميم، أنت فقط ستنفذ الآن أوامر قائدك دون مناقشة أو ...مهلًا هل هذه صغيرته بيرلي هنا ؟!
توقفت أقدامه عن الحركة حين ابصرها تجلس في أرضية الحديقة جوار أحد المباني، ترفع غطاء وجهها وتجلس رفقة بعض الفتيات، ثواني وابصرها تنهض بسرعة وهي تنفض ثيابها ببسمة جعلته يبتسم دون شعور يراها تتحرك، وقد وصله صوتها وهي تقول :
" علينا العودة للعمل، اعتقد أن الفتيات في طريقهن الآن للمزارع و....."
توقفت عن الحديث بصدمة كبيرة حين مرت أمام تميم الذي كان واقفًا دون حراك بوجه جامد، لتطلق صرخة مرتعبة وهي ترفع يدها لتنزل غطاء وجهها بسرعة جعلت أعين تميم تتسع في بسمة غير مصدقة يشير لنفسه وهو يجذب ذراعها له :
" أيتها الحمقاء تسيرين بوجه مكشوف وحين ابصرتني سارعتي لتغطيته؟"
كان يتحدث بأعين متسعة من الصدمة، يضيف :
" هل ارتديته لأجلي خصيصًا أم ماذا ؟!"
ولم يكن هذا صحيحًا، لكن برلنت لم تدرك ما يحدث، وكأنها لم تستوعب بعد أن تميم الآن يدرك هويتها جيدًا، الأمر تم دون إرادة منها، يدها تحركت بسرعة لتنزل الغطاء، توترت وهي تحاول التحدث :
" لا لا، أنا فقط تميم، هو ... أنت فاجئتني "
نظر لها تميم بحاجب مرفوع لتبتسم هي بسمة لم تظهر من أسفل غطائها، وملامح الغضب التي تعلو وجهه أثارت عندها موجة ضحك حاولت تداركها قبل أن تعلو .
ولم تنتبه برلنت في غمرة انشغالها بتميم أن كهرمان انسحبت تجر خلفها زمرد بالقوة والتي كانت تأبى التنحي جانبًا لأجل تميم، تهمس بقنوط وحنق :
" ماذا هل سيأخذ رفيقتنا الآن ؟!"
همست لها كهرمان موبخة :
" هو زوجها زمرد "
" ونحن رفيقاتها كهرمان "
قلبت الأخيرة نظراتها تتنهد بحنق :
" ليريحني الله من كل تلك المناقشات التي تستنزفني زمرد "
وعند تميم جذب برلنت جانبًا بقوة وهي تسير خلفه مبتسمة وكأنها لا تعي شيئًا سوى أنها أصبحت واخيرًا قادرة على التحدث معه والوقوف أمامه دون أن تدّعي جهله أو تتعامل معه كالغريب .
وهو فقط كان يحاول أن ينأى بها جانبًا ليتحدث معها بصوت منخفض لا يصل لأحد، وربما يوبخها للجلوس في الخارج في مكان معرضة فيه أن يمر عليها أحد الجنود، وكذلك يوبخها لأمر العمل ..
لكن ما كاد يقف ويفتح فمه للحديث، حتى أبطلت هي كامل حججه الواهية للشجار معها وهي تقول بصوت لطيف ذكره بالصغيرة بيرلي :
" هل تناولت غداءك تميم ؟؟"
حسنًا لقد باغتته وافسدت كل ما حضر له في الطريق لهذا الركن، بالله كيف سيصرخ بها الآن وهي بمثل هذا اللطف ؟؟
تنفس بصوت مرتفع يقول :
" برلنت "
" بل بيرلي تميم، نادني كما اعتدت قديمًا "
كانت تتحدث وهي تقترب منه ترفع الغطاء ترفرف برموشها في قوة؛ رغبة منها في استعطافه، وفي الحقيقة هي لم تكن في حاجة لذلك .
أفسد تميم تقدمها وهو يرفع سبابته يضعها على رأسها دافعًا إياها للخلف مرددًا :
" ليس الآن وأنا غاضب، دعيني أخرج ما يعتمر صدري قبل أن ألين لكِ"
نظرت له بعدم فهم ليضع هو يده على وجهها يخفيه خلف قبضته الكبيرة الخشنة مرددًا بجدية :
" وتوقفي عن تحريك رموشك بهذه الطريقة، حتى انتهى "
تحدثت برلنت بصوت مكتوم من خلف كفه، أجبره مكرهًا أن ينتزع يده وهو يزفر :
" نحن متفقان ؟؟ "
" على ماذا ؟!"
" على أن تخفضي اسلحتك لحين انتهي من حديثي الجاد برلنت "
ابتسمت له برلنت بسمة خبيثة تقترب منه أكثر بعدما أحبط زحفها الأول صوبه، لتجمع جيوشها في لحظات معدودة وتعيد هجومها بضراوة تمسك ذراعه بسرعة كبيرة تتعلم من مرتها الاولى وهي تقف أمامه مبتسمة ببراءة هي أبعد ما تكون عنها :
" مالي أراك وقد أصبحت تخشى الأسلحة ؟؟ أوليست تلك صنعتك من الأساس ..سيدي صانع الأسلحة ؟؟"
" عندك تتهدم كل مهاراتي برلنت، منذ متى ونفعتني أصابعي _الماهرة في التعامل مع أي أسلحة _ في التعامل مع خاصتك ؟؟"
أطلقت برلنت تأوهًا تضحك بمرح وهي تتراجع للخلف بعدما قطعت مع جيوشها واسلحتها شوطًا كبيرًا جعلها تشعر بالخطر حين لاحت لها نظراته :
" آه أنت تعزز غروري دون شعور سيدي القائد، وهذا ليس جيدًا لأجلك صدقني "
" تستحقين برلنت "
صمت ثم رفع يده يخفض الغطاء على وجهها فقط ليكمل الحديث دون أي تأثر يقول بجدية :
" ما الذي أخبرتك به سابقًا "
" الكثير من الأمور "
" ومن بين هذه الأمور الكثير، لم تنتبهي لذكري أمر العمل ؟!"
نظرت له بعدم فهم ليقول بجدية وهو يضع يديه داخل سترته الثقيلة يقول بصرامة :
" اخبرتك أنني لا أرجح عملك برلنت صحيح ؟؟ ليس معنى أنني لم أعلن بعد زواجنا أنني سأسمح لكِ بإكمال حياة سابقة لا أرتضيها لكِ، أنتِ زوجتي وامرأتي برلنت "
انتفض غرورها الأنثوي بشكل خطير جعلها ترسم بسمة لم يرها هو وجيد أنه فعل كي يتجنب أي خسائر إضافية في صفوفه، بعد خسارته المخزية أمام هجومها السابق .
" لكنني اعتدت الأمر تميم، كما أنني لن أجد مبررًا لتركي العمل بهذه الطريقة "
" أي مبرر هذا ؟! أنتِ زوجتي ؟! أنا سأخبر المشرفة والجميع أنكِ زوجتي برلنت، ما بكِ هل سنخفي زواجنا ؟؟"
صُدمت حديثه ثم قالت :
" لكن تميم أنا ..."
" برلنت رجاءً لا أريد جدالًا في هذا الأمر، اريحي قلبي وارضخي لقراري "
نظرت له ثواني ثم هزت رأسها تقول :
" حسنًا، لكن وحتى تتضح الأمور أكثر سأظل بالغرفة مع رفيقاتي "
" الأميرة وصديقتها ؟!"
اتسعت أعين برلنت بصدمة :
" تعرف ؟؟"
أطلق تميم ضحكات مرتفعة يقول :
" اعتقد أن جميع من بالقصر يعرف هويتها عدا الملك، أو ربما لا ..."
ولم يدع لها فرصة الاستفسار عن مقصده وهو ينتقل للنقطة الثانية التي أراد التحدث بها :
" غطاء الوجه، طالما أنكِ بالخارج لا أريدك أن ترفعيه، طالما كان المكان الذي تجلسين به معرض لمرور الجنود برلنت، وإن أردتِ الجلوس على راحتك والحديث كما تريدين دون تقييد، فأعتقد أن هناك العديد من الأماكن المناسبة لذلك والتي لا يطأها رجل، لذا اجلسي بها افضل من الجلوس في هذا الركن "
نظرت له برلنت بخجل تهز رأسها لأجله، ليتنفس هو بصوت منخفض يقول وهو يرفع غطاء وجهها يخفي جسدها بجسده يميل بعض الشيء ليصل لها مبتسمًا بلطف :
" والآن بيرلي أخبريني ما أردتِ قوله "
رفعت برلنت عيونها له ليبتسم هو بسمته المميزة التي كان يخصها ويستقبلها بها كلما ذهبت إليه، لترد له جميلهُ وتبتسم له نفس بسمتها التي كانت تلقيها له وهي تركض له، وكأنهما في هذه اللحظة تشاركا الذكريات نفسها .
بيرلي الصغيرة تركض بين الحقول المحيطة بمنزليهما وهي تصرخ باسمه :
" تميم انظر ماذا فعلت ؟! صنعت فطيرة توت وحدي "
رفع تميم رأسه عن الجرة التي كان يصنعها يمنحها بسمة فخورة وهو يقول :
" احسنتي بيرلي، أنتِ ماهرة في كل ما تفعلينه صغيرتي "
اتسعت برلنت وهي تنظر لوجه تميم أمامها، تميم الحالي، نسخة أكثر نضجًا وجاذبية وروجولة، نسخة جعلت تعلق الطفولة وانجذاب المراهقة يتحولون لعشق دون شعور منها .
ابتسم لها تميم بسمة لم تساعد البتة على تخفيف ما تشعر به وهو يهمس بلطف نفس جملته :
" هل يعجبك ما ترين بيرلي ؟!"
وهي لم تحرمه ردها الذي يحبه تلقي به له :
" أنت وسيم "
ويل تميم وويل قلبه في تلك اللحظة، لم يعتقد يومًا أنه قد يحبها أكثر مما يفعل، لم يكن هناك إمكانية لذلك حتى وهو وصل لأقصى درجات حبها، لكن الآن يشعر أنه بالفعل يتقدم .
ابتسم لها تميم يدرك مكان وجودهما رغم اختفائهما عن الاعين، ورغم أنها زوجته، لكن لا دينه ولا أخلاقه ولا غيرته تسمح له بعناقها في هذه اللحظة هنا، لذلك ابتعد عن طريقها بعدما أعاد غطاء الرأس:
" ارحلي عزيزتي الآن.."
نظرت له بعدم فهم ليدفعها بلطف :
" اذهبي لأي مكان تحبينه وحينما انتهى مما أفعل نتقابل مساءً في معملي، وسأخبر الملك قبل ذلك بالأمر كله و اساسًا دانيار والقائد يعرفون الـ "
صمت فجأة بصدمة لتتسع اعينه وهو يهمس :
" يا ويلي، القائد ....."
________________________
رحلت مع زمرد منتوية أن تنتهي من عملها، نعم هي ستعمل هكذا قالت، لكن منذ متى صدقت في شيء يخص عملها ؟؟
تنهدت بصوت مرتفع وهي تتحرك بعيدًا عن الجميع ترى ما ستفعل حتى تنتهي الاعمال، وكذلك زمرد التي منذ وصلوا لمنطقة العمل تلاشت وكأنهم أخذوا وعد صامت ضمني على الافتراق في هذه المنطقة حتى تنتهي فترة العمل .
وها هي تدور في ممرات القصر كلها، تمنح نفسها نشوة كاذبة كانت تشعر بها قديمًا وهي تمسك أطراف فستانها تتحرك بين ممرات قصرها .
أمسكت بالفعل أطراف فستانها الاسود وعلى وجهها غطاء رأس نفس اللون مع بعض خيوط الفضة اللاعمة والتي وضعتها لنفسها كي تكسر حالة الحداد التي تحيا بها هذه الأيام .
تصعد الدرجات الجانبية في القصر وهي تتلمس الجدران حولها شاردة في ذكريات قديمة، لحظات تتمنى عودتها بفارغ الصبر، لكن أي أمل ذلك الذي تحيا به ؟؟
وصلت باقدامها دون شعور صوب طابق علوي لم تعلم عنه شيئًا قبلًا، وابصرت به العديد من النساء اللواتي يتحركن في كل مكان دون غطاء رأس أو حتى حجاب ..
فتحت عيونها بصدمة تهمس بأول شيء خطر برأسها وقد ارعبتها هذه الفكرة :
" ملك يمين ؟؟"
لا لا يعقل أن يكون للملك ملك يمين، هي لم تسمع يومًا بهذا الشيء أو حتى كان الأمر مألوفًا لدى ملوك هذه المملكة تحديدًا، لكن ما التفسير لكل هؤلاء النساء اللواتي يسرن بحرية كبيرة في المكان ؟!
فجأة اصطدم بفتاة قصيرة القاعة صاحبة شعر اسود قصير ونظرات لطيفة وهي تقول :
" معذرة منك، لم انتبه لكِ "
هزت لها كهرمان رأسها دون وعي وهي تنظر حولها بتفكير، لتسمع صوت الفتاة تقول بجدية :
" هل أنتِ من الفرقة الراقصة ؟! "
نظرت لها كهرمان بعدم فهم :
" عفوًا ؟؟"
" الفرقة الراقصة التي ستحيي حفلة النساء يوم العيد الوطني، أنتِ منها ؟؟"
" ماذا؟؟ آه نعم صحيح .. أنا من .."
صمتت فجأة تستوعب ما قالت وهي حتى لا تفقه أي عيد وطني هذا و...مهلًا العيد الوطني لسفيد والذي يصادف كذلك عيد الممالك الأربعة، يوم أُنشأت جميع الممالك .
كيف نست وهي من كانت تتولى كل عام تنظيم الحفلة الخاصة بالنساء والتي تتكون من رقصات لبعض الفرق النسائية مع قرع الدف، بعيدًا عن حفلة الرجال والتي كانت تعتمد اعتماد كلي على تناول الطعام والأحاديث المتبادلة والتهاني، ومن ثم يجتمع الكل في ساحة المملكة لسماع كلمة الملك حول أمور عديدة، ثم تحين لحظة توزيع الهدايا على الشعب والتي يخصصها لهم الملك .
أمور جعلتها تشعر بالوجع داخل صدرها، أتى العيد ودولتها حزينة، وأي عيد ذلك الذي سيحياه شعبها وهم حتى لا يستطيعون عيش أيامهم العادية بسلام ؟؟
لكِ الله يا مشكى ...
أفاقت على يد الفتاة التي جذبتها معها وهي تقول :
" إذن تعالي معي لارشدك حيث الجميع "
حاولت كهرمان جذب يدها من الفتاة رافضة وبشدة الأمر :
" ماذا ؟؟ لا لا أنا لست منهم، أنا لا أريد ذلك، لقد جئت هنا بالخـ ..."
وقبل أن تكمل كلمتها وجدت نفسها قد أُلقيت في غرفة فسيحة تمتلئ بالستائر البيضاء التي ترفرف وهناك العديد من الارائك المخملية التي تنتشر في المكان والكثير من الفتيات يتمايلن في الأركان وأخريات يضربن الدف بحركات معينة، وواحدة تغني بصوت عذب للغاية .
اشياء أعادت لها ذكريات غير مرحب بها، نظرت للجميع وهي ترى واحدة تقترب منها تجذبها صوب الحلقات النسائية تنزع عنها غطاء الوجه وهي تردد :
" هيا يا ابنتي ليس لدينا وقت لنضيعه، علينا التجهز "
وفي هذه اللحظة شعرت كهرمان بالجميع يدور من حولها وهي تنظر لها من بين رموشها وخيالات أخرى تراودها لفتيات اخريات...ولها .
تدور في الغرفة أمام جميع الفتيات بحرية وخصلات شعرها تتطاير وهي ترقص بدلال وقوة، صفتان متنافرتان استطاعت الجمع بينهما بكل غرابة .
ابتسمت وهي تغمز لوالدتها، ثم بدأت تميل للخلف لتدلى خصلاتها حتى لمست الأرض محركة أكتافها برشاقة كبيرة، ومن ثم اعتدلت تحرك ذراعيها في الهواء وهي تدور بين الجميع ببسمة واسعة .
فجأة أطلقت شهقة حين شعرت بيد المرأة تقول :
" ما بكِ يا ابنتي ؟؟ هل أنتِ بخير ؟!"
نظرت كهرمان حولها للجميع بصدمة قبل أن تعتذر بكلمات خافتة :
" أنا...أنا آسفة.."
وفي سرعة مخيفة كانت تركض خارج الغرفة والطابق كله تهبط الدرجة تركض بخطوات واسعة، دون وعي تبعد عنها اطياف الماضي، تركض دون شعور تحاول صم أذنها عن صوت غناء والدتها وصوت ضحكات شقيقها وهو يسخر منها بقوله :
" دعكِ من هذه الامور كهرمان، لا تدعي أمي تفسدك، وتعالي نكمل تدريبات الأمس التي هربتي منها يا فتاة ..."
سقطت دموعها ترى من بينهم البوابة التي تقودها للخارج، ستخرج تختبئ في أحد الأماكن وتبكي بكل جبن كعادتها، لكن وقبل أن تصل اعترضها جسد لتصطدم فيه بقوة، لكنها لم تتوقف لترى من هو تكمل ركضها .
ولم تكد تعبر بوابة القصر إلا وسمعت صوتًا جاء من خلفها بصرامة يقول :
" غطاء وجهك .."
توقفت كهرمان فجأة لا تعي ما يحدث، تتحسس وجهها لتدرك فجأة أنها دون غطاء، ابتلعت ريقها تخفي وجهها، ثم استدرات ببطء لتُصدم برؤيته يحدق فيها بهدوء شديد وملامح باردة جامدة :
" غير مسموح لأي امرأة داخل جدران القصر بالسير دون غطاء الوجه، المرة المقبلة التي تخالفين فيها هذه القوانين سأتأكد بنفسي أن تنالي عقابك "
كانت كلماته قوية صارمة جعلت صدر كهرمان يشتعل بالغضب، هي حقًا في هذه اللحظة تشعر بحسرة وقهر تبدلوا لغضب، لا ينقصها وأوامر من أحد ومنه خاصة، لذلك تجرأت وتخطت كامل حدودها .
اندفعت داخلها رغبة غبية بمخالفة أوامره لذلك دون شعور خطت للخلف وهي ما تزال تنظر له، وحين أصبحت خارج بوابة القصر، وعلى اعتاب الحديقة، رفعت الغطاء متغاضية عن أي اعتبارات تنظر له بهدوء وبسمة صغيرة :
" ها أنا أصبحت خارج جدران القصر، وتلك القوانين تشمل منطقة الرجال والقصر والحدائق الجانبية، إذن قوانيتك لا تسري عليّ الآن مولاي "
اتسعت بسمتها لرؤية اتساع عيونه بصدمة مما فعلت، خالفت قوانينه واوامره، هي من كانت تكتفي بحجابها داخل قصرها ولم تعتد اخفاء وجهها طوال الوقت حيث ممنوع على الراجال رفع عيونهم في أي امرأة، كما تسير الأمور هنا، لكن تحسبًا لأي فتنة أو وسوسة شيطان يزين لهم نظرة، أوليس هذا ما حدث معهم ؟؟
أمسكت أطراف فستانها وكأنها تخبره بشكل غير مباشر أن أوامره لا تسير عليها هي تقول بهدوء :
" اعذرني مولاي فلدي أعمال عليّ القيام بها "
مالت برأسها نصف ميلة، ثم رفعتها ببساطة تتحرك بعيدًا عنه تحت أعين إيفان المصدومة والذي شعر في هذه اللحظة برغبة عارمة بالقتل، تحرك بشكل مرعب داخل قصره وهو يحاول ايجاد من يفجر به غضبه، تحدته بقوانينه .
غاضب حارق أصاب صدره ...
وهي بمجرد أن استدارت انزلت غطاء الوجه تتحرك بقوة ولم يعد يعنيها أن يتعرف عليها أو لا، شعرت بأنها ملت كل ذلك، ملت واصابها اختناق شديد أدى لانفجارها ...
__________________
حاولت أن تستوعب ما يحدث حولها في هذه اللحظة، أين كانت وأين أصبحت، وما هذا الهدوء حولها، منذ متى كان فراشها في المشفى أو حتى منزلها بمثل هذه الراحة، أو الهدوء ؟؟
حسنًا التفسير الوحيد لمثل هذه الراحة التي تشعر بها هي أنها واخيرًا انتقلت لجوار ربها، وكم أسعدتها هذه الفكرة، أن يحدث ذلك بعد توبتها واعتزالها جميع مفاسد حياتها التي انغمست بها سابقًا، مريحة تلك الفكرة أن ترحل وأنت شاعر بالرضا وقد تبت عما سلف ..
فيا حسرة من يدركه الموت قبل التوبة .
تنهدت تبارك براحة شديدة تحاول التنفس بشكل طبيعي، لكن وحين فعلت شعرت برائحة اعشاب حولها، رائحة تفوح بقوة كما لو أنها في ..
" عطارة ؟؟؟"
فتحت عيونها تزامنًا مع خروج تلك الكلمة منها بعدم فهم لما يحدث حولها، ولم تبصر سوى السقف فوقها وعيونها تتحرك في كل مكان بحثًا عن إشارة تخبرها أنها بخير .
" هل أنتِ بخير ؟!"
" ماهو هو ده اللي بحاول أعرفه، أنا بخير ؟ أنا مت طيب ؟؟ أنا في القبر ؟!"
هز سالار رأسه وهو يقف بعيدًا عن الفراش يتنفس الصعداء بعدما اطمئن عليها يشاهد خيالها ارضًا يتحرك ليدرك أنها اعتدلت في جلستها فرفع عيونه لها يقول بهدوء :
" سأعتبر أن فقدانك لعقلك أمر طبيعي، لذلك نعم أنتِ بخير ولله الحمد "
استدارت تبارك صوبه ببطء وهي لا تعي بعد ما يحدث حولها :
" أنا فين ؟؟"
" في المشفى "
" الشيفت بتاعي بدأ ولا ايه ؟!"
كانت تتحدث وهي تشعر بعيونها تكاد تنغلق دون إرادة منها، وسالار رمقها بعدم فهم، لا يدرك ما تقصد لكنه قال :
" أنا لا افهم ما تريدين، لكن أنتِ سقطتي ارضًا شاحبة كالاموات، ما الذي تعانين منه ؟!"
قالت تبارك بصوت منخفض وهي تتحرك برأسها صوبه :
" صداع، الصداع هيموتني، وراسي ...حاسة إن حد ضربني عليها بعصاية"
رفع حاجبه يقول بتذكر :
" لا أنتِ فقط سقطتي ارضًا بعنف، لربما لهذا السبب "
" محدش لحقني ؟؟ "
" لا لم يفعل أحد "
هزت رأسها وهي تنظر أمامها تقول بصوت منخفض :
" أنا عطشانة "
تحرك سالار صوب إحدى القوارير التي يضعها مهيار على النافذة لتبرد، ثم اقترب منها يعطيها لها وهي ارتشفت حتى اكتفت، ثم نظرت له تقول :
" أنا فين ؟؟"
اتسعت عيون سالار يسحب منها القارورة :
" ما بكِ يا امرأة أخبرتك أننا في المشفى، هل أثرت الوقعة على عقلك؟! أنتِ بالأساس لا ينقصك شيئًا لتفقدي ما تبقى من عقلك "
" بعمل ايه في المستشفى ؟!"
سحب سالار مقعده ثم جلس أمامها وكأنه على وشك نزع اعتراف مجرم :
" هذا سؤالي أنا، ما الذي جاء بكِ هنا وما هو مرضك الذي تعانين منه وترفعتي عن اخبارنا به ؟!"
نظرت له تبارك ثواني وهي تشعر بالدنيا تدور حولها، ليس لارهاقها، لكن لأنه كان آخر شخص تود أن يعلم عن مرضها، هو دون شيء يعاملها كما للاطفال اللذين لا يفقهون شيئًا، ينتقد ضعفها ويكرهه، ماذا إن علم أنها مريضة بمرض مزمن نفذ علاجه منها ؟؟
" أنا... أنا فقط كنت أشعر بالإرهاق بسبب ...بسبب ... آه صحيح، كنت أشعر بالإرهاق لأنكم تهملون طعامي "
" حتى في الكذب فاشلة، توقفي عن الكذب حين تضيق بكِ الأحاديث، إن لم تودي التحدث بأمر فقط قولي أنك لا تودين ذلك عوضًا عن الكذب "
نظرت له بقوة تستخدم حديثه ضده :
" حسنًا إذن أنا لا أود الحديث "
ابتسم لها بسمة مستفزة يقول :
" بلى ستفعلين، أخبرك هذه الحجة لتخبري بها الجميع عداي، أنا استثناء هنا، والآن مولاتي تكرمي واخبريني مما تعانين أنتِ ؟!"
نظرت في عيونه بصدمة لتلك الكلمات، لكنها عادت وأبعدت عيونها عنه ترفض الحديث وهو ابتسم بغيظ يقول :
" مرض السكري ؟؟"
اتسعت عيونها بقوة تستدير له بصدمة هامسة بكل غباء :
" أنت عرفت ؟؟"
ابتسم بانتصار يخفي خلفه غضب شديد منها :
" لِمَ اخفيتي الأمر عنـ...عنا ؟؟ "
كاد يخبرها ( عني ) لكن للحظات قليلة، أدرك أنه لا يعنيه أن يعلم الأمر على وجه الخصوص، بل المفترض ألا تخفيه عنهم جميعًا كي يهتموا بها، فهذا المرض له علاج مكثف هنا، ومن رحمة الله بها، أن هناك العديد من النباتات النادرة التي تساعدهم في التعايش مع هذا المرض حتى يصلوا لحل جذري ..
نظرت له تبارك ترفع حاجبها بشكل لم يعجبه إذ شعر أنها تسخر منه دون الحديث، وها هي السخرية بالحديث تأتيه :
" بجد والله ؟! هو أنت ناقص سبب عشان تستضعفني عشانه ؟؟"
دُهش سالار لحديثها ذلك :
" استضعفك ؟! يا امرأة هل فهمتي جميع افعالي بهذا الشكل ؟؟"
هزت رأسها بنعم وهي تتراجع للخلف برعب من نظراته، ليعض هو شفتيه بغضب :
" لا عجب أنكِ حمقاء مولاتي . "
" وعلى ايه مولاتي ؟! قولي يا بت يا تبارك "
" لا استطيع نزع الألقاب "
باستثناء مرتين فقط خرجوا دون إرادة مني، لكن حتى هذه اللحظة لم استوعب بعد الأمر، نادى الملكة باسمها ويجلس معها في هذه اللحظة يحاول انتزاع كلمة منه ليتأكد أنها بخير حال .
ما هذا الحال السخيف الذي وصل له ؟؟
وتبارك لم تكن تعي هذا الامر، وهي تسخر من جملته السابقة غافلة عن شروده في افكار بعيدة عنها وتدور حولها .
" لا تستطيع نزع الألقاب، لكن بتنزع الاحترام عادي، يا جدع بتحرجني بأخلاقـ "
فجأة انتفض سالار بشكل ملحوظ أدى لانتفاضها هي كذلك على الفراش تتراجع للخلف بريبة وهي تنظر له بخوف كأنه سينقض عليها ويقطعها اربًا، وهو قال دون مقدمات حين وصل لنقطة غير محمودة :
" حسنًا بما أنكِ بخير سأرحل وأرسل لكِ فتاة تبقى جوارك وكذلك سأعلم الملك بما حدث و ...."
وقبل الرحيل أوقفته تبارك بسرعة كبيرة وهي تقول :
" لحظة يا قائد .."
توقف ينظر لها بملامح جامدة تخفي خلفها الكثير، وهي لم تهتم وهي تقول بصوت خافت :
" هل ..هل يمكنك كتمان الأمر، رجاءً لا داعي ليعلم أحد بخصوص مرضي، ارجوك هذا الأمر لن يشعرني بالراحة "
نظر لها وود لو يخبرها أن هناك ثلاثة آخرين شهدوا مرضها، لكنه رغم ذلك لم يملك سوى أن هز رأسه بهدوء يميل لها نصف ميلة وهو يقول :
" أوامرك مولاتي "
ابتسمت تبارك بسمة واسعة وقد اعجبتها تلك الكلمة وهذه الطاعة البادية اعلى وجهه :
" الأمر لله وحده، بس لو مش هزعجك يعني ممكن تبعتلي حد بالاكل، لأحسن صاحية كده حاسة بهبوط"
" هبوط ؟؟ أي هبوط ؟؟ هبوط ماذا ؟؟"
نظرت له بعدم فهم وهو يقف ينتظر منها تفسير عما قالت وهي ظلت تنظر له طويلًا حتى انتبهت أنه ما يزال واقفًا :
" أنت مستني إجابة بجد ؟؟"
" نعم "
نظرت له طويلًا وهي تقول :
" شيء أشبه بشعور الجوع مع الإرهاق و....بقولك ايه ما تجيبلي اكل أنا مش عارفة اركز في حاجة، أكلني وانا هقولك يعني ايه هبوط "
انتبه سالار أنه ما يزال يقف مكانه بعدما كان قد قرر الرحيل والآن فقط انتبه، نفخ بعنف، ثم خرج من الغرفة دون كلمة واحدة وهي عادت برأسها على الفراش تقول :
" أنا لو مموتش من المرض، هموت يا بسبب المجاعة دي، يا بسببك ..."
لكن ورغم كل ذلك هي شعرت في جزء داخل اللاوعي خاصتها بسعادة غريبة، هو خاف عليها واحضرها هنا، إذن هو إنسان في النهاية .......
_______________________
انتزع الورقة وفاز بها بكل استحقاقية، تتساءلون الآن عن مقدار فرحته المبالغ بها بالحصول على ورقة الاعشاب المطلوبة لأجل الملكة من بين انامل سالار، بخبركم أنها أكبر من مجرد فرحة ..
وصل أمام المحل الخاص بها يتنفس بصوت مرتفع ولا يدرك متى نمت تلك اللهفة داخل صدره لرؤيتها هو فقط لا يدرك سوى أنه وحين شعر بابتعادها جُن جنونه مدركًا حقيقة تملكه لها، حقيقة في منتهى الأنانية، لكنه يقبل بها .
دفع باب المحل ببطء شديد يتحرك للداخل يبحث بعيونه عنها يود لو يبصرها فهو يستحق أن يظفر بنظرة منها بعد كل تلك المعركة في إقناع سالار ..
لكن تحطم كل ذلك مع سماع كلمات والدها وهو يتحدث بصوت مهلل :
" مرحبًا مهيار "
ابتسم مهيار بسمة صغيرة اقتنصها بصعوبة من بين تدافاعات الحسرة داخله :
" مرحبًا يا عم، كيف حالك؟؟"
" بخير حال الحمدلله، كيف أنت والجميع بالقصر ؟؟"
" نحن بخير لا تقلق "
صمت يفكر فيما سيفعل، هل ينسحب الآن ويخبره أنه مر للتحية فقط ويحتفظ بحجته الذهبية ليكرر المحاولة مرة أخرى عله يكتب له التوفيق بها ؟! وإن فعل ذلك فالملكة تحتاج العلاج بسرعة وهو لن يكون بمثل هذه الأنانية .
تنهد يضع ورقة أمام العم وهو يقول بصوت خافت :
" رجاءً أود هذه الأعشاب "
نظر الرجل في الورقة قليلًا قبل أن يبتسم ويأخذها ليحضرها، وهو وقف مكانه ينظر هنا وهناك، يحرك عيونه في المحل بملل، ما الذي منعها الحضور اليوم ؟! ألم تعلم أنه سيأتي ؟؟
سمع صوت العم يعود وهو يردد :
" لقد وجدت لك البعض مما تحتاجه يا مهيار، لكن لم أجد لك الاعشاب فهي نادرة للغاية ولم احصل منها على كمية كبيرة هذا الشهر "
نظر له مهيار ينتزع نفسه قسرًا من حالة التيه الخاصة به وهو يجادله :
" كيف ذلك، لا أرجوك أن تحاول البحث عنها في أسرع وقت فنحن في أمس الحاجة لها يا عم، سيعطيك الملك كل ما تملك مقابل تلك الأعشاب "
نظر له الرجل بتعجب ثم قال :
" يا بني الأمر لا يعتمد على الأموال، لكن هي بالفعل نادرة وتنبت على مدار أعوام طويلة، لكن إن أردت فأنا احتفظ بالبعض منها في منزلي فأنت تدرك حالة زوجتي الصحية، لربما استطيع اعطائك البعض منها حتى اتدبر كمية أخرى"
اتسعت بسمة مهيار براحة شديدة، يميل على مكتب الرجل :
" نعم ارجوك، يمكنني الذهاب وأخذها من المنزل الخاص بك، أو أخبر أحدهم أن ينتظرني بها أمام المنزل "
هز الرجل رأسه يقول بهدوء :
" حسنًا أعتقد أن زوجتي في المنزل الآن، يمكنك الذهاب والطلب منها وهي ستعطيك ما تريد "
ابتسم مهيار يصافح الرجل مودعًا شاكرًا :
" اشكرك يا عم سيقدر الملك صنيعك هذا وبشدة "
رحل بسرعة كبيرة سعيدًا مبتسمًا، ليس لأنه تدبر في الاعشاب المطلوبة للملكة، بل لأن فرصة لقياها أضحت ممكنة الآن .
توقف أمام منزلها يتنفس وهو يدعو الله أن تكون بالداخل وألا تخيب ظنه للمرة الثانية، واخيرًا ابتسمت له الحياة حين وصل لمسامعه صوتها تردد :
" لحظة واحدة "
ثواني هي حتى فتحت الباب تستقبل القادم، لتتسع عيونها بصدمة حين أبصرت وجهه تردد :
" سيدي الطبيب "
وكلمة «قلبه » كادت تهرب من بين شفتيه، لكن آخر ذرات تعقله أمسكت بها تربطها مجددًا في عمود رزانته وهو يردد :
" نعم، مرحبًا ليلا ."
أفق مهيار هذا العشق وهذا الوله لا يليق بك، أنت هادئ عاقل، لا يعقل أن هذا الاندفاع تولد داخلك بين ليلة وضحاها .
تنهد يرى صمته طال ونظراتها المتسائلة ازدادت تعجبًا ليقول بهدوء :
" جئت لأخذ بعض الأعشاب التي يحتفظ بها العم هنا، هو من أرسلني "
" أبي ؟؟"
" نعم، هذه الأعشاب "
مد يده بالورقة لها لتبصر اسم الاعشاب التي يريدها وهو أخذ يوضح لها الأمر لتهز رأسها بهدوء تبتعد عن الباب بهدوء تقول مخفضة نظراتها :
" معذرة والدتي ليست هنا "
" لا بأس، احضري لي الاعشاب لارحل ليلا "
هزت رأسها تتحرك للداخل تجاهد حتة تحفظ دقات قلبها بخير، بينما هو ابتسم بسمة صغيرة يستند على الجدار الخاص بالمنزل في انتظار عودتها بما جاء لأجله، راضيًا بنظرات صغيرة حتى تصبح له ومعه للأبد.
لكن تلك الغمامة الوردية تفجرت حين وصل له بعض الهمسات من النساء في المنازل حوله، همسات غريبة لا يفهم لها معنى ولم يهتم بها، ومنذ متى ألقى أذنه لهمسات النساء ؟!
لكن أن تحتوي تلك الهمسات على اسمها أمر جذب انتباهه يحاول معرفة ما يتحدثن به، لكن لم يسمع سوى كلمات كـ
" مسكينة "
" كل يوم يأتي منزلهم رجل ويغادر وهي باقية "
" عسى أن يرزقها الله من يتقبلها بما هي عليه "
لم يفهم مهيار كلمة مما تدور حوله ولم يهتم لهن وهو يرى ليلا تقترب منه ومعها عبوة زجاجية بها بعض الأعشاب التي يحتاجها تقول ببسمة صغيرة :
" تفضل هذا ما تحتاجه"
" شكرًا لك ليلا "
نظرت له بخجل وقد تراقص قلبها لهمسته تلك باسمها تهز رأسها وهي تقول بصوت منخفض :
" لا داعي للشكر سيد مهيار، بالشفاء العاجل لصاحب الاعشاب "
ابتسم لها بسمة صغيرة ينظر لعيونها نظرة أثارت تعجبها قبل أن يتجرأ ويقول :
" أدري أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة ليلا، لكن قريبًا وفي المرة القادمة التي سأطرق بها بابك، لن أرحل إلا بكلمتك ووعدك لي "
" وعد ؟؟"
ابتسم لها يقول بلطف يميل لها بكل رقي :
" وعد ستُبنى عليه حياتي القادمة، آنستي "
نظرت له بتعجب وقبل الحديث بكلمة استأذن منها بكلمات غامضة، تاركًا إياها واقفة تحاول فك خيوط غموضه ومعرفة حل الغازه، وقبل أن تغلق الباب أبصرت نظرات النسوة المشفقة من حولها لتتعجب وهي تستأذنهم الرحيل وتغلق الباب :
" ما الذي يقصده يا ترى ؟؟"
__________________
الغد موعدهم وما أقرب الغد .
نظر لجدران القصر وكأنه يشاركها لحظاته الأخيرة قبل رحيله بقيادة جيشه لمواجهة في بافل ورجاله .
توقف أمام جناح الملك يطلب اذنًا بالدخول، سرعان ما أتاه ليخطو داخل الجناح الهادئ المظلم يرى جسد إيفان يتوسط الفراش بشكل غريب، كمن فقد الحياة وسلّم بالموت .
اقترب منه بهدوء يقول بصوت منخفض :
" مولاي .."
" إيفان "
رفع رأسه قليلًا ينظر لعيون سالار، ثم ابتسم بسمة مرهقة يقول :
" فقط إيفان سالار، نحن لسنا في العمل الآن"
صمت يريح رأسه مجددًا يشير على الفراش جواره ليبتسم له سالار بسمة صغيرة يتحرك صوبه وهو ينزع حذاءه يقول بهدوء :
" إذن ما الذي حدث ؟؟"
" أنت من جاء يزعج انفرادي بذاتي، فلا تسألني ما الذي حدث "
ضحك سالار ضحكة خافتة يلقي جسده جوار إيفان يشاركه التحديق بالسقف وهو يهتف :
" إذن هل ستخبرني ما يؤرقك منذ أيام إيفان ؟؟"
" آه يا سالار مالي ووجع الرأس أنا؟ منذ جلست على ذلك العرش ولم يمر بي يومًا إلا وظهر لي شيء يؤرقني "
صمت ثم قال بنبرة حنين :
" النفس تهفو لرحلة طويلة بالقرب من البحرية معك ومع ... أرسلان"
نظر له سالار ثواني قبل أن يبتسم :
" إذن تعترف الآن أنك تشتاق أرسلان ؟؟"
نظر له إيفان بدهشة يقول دون مواراة :
" ومتى لم أفعل سالار ؟؟ أنت تدرك جيدًا دون غيرك أن الأمور بيني وبين أرسلان لم تكن بمثل هذه البساطة لتنتهي بـ .."
" صفعة ؟؟"
كلمة مستفزة قالها سالار بغرض الضغط على جرحه لإخراج قيحه، وهو فقط أحمر وجهه ينتفض عن الفراش متحركًا بعيدًا عنه وكأنه يود تجنيب رفيقه نيران غضبه التي ظهرت في عيونه .
" تلك الصفعة ما يزال صداها يرن في أذني، لكن ودون إرادة مني تغطي أصوات ضحكات أرسلان أذني"
صمت ثواني ثم استدار له يقول بصوت منخفض يهمس بكلمات لم يصرح بها حتى لنفسه :
" سالار، أنا لم أكره أرسلان لحظة واحدة ولم اغضب منه، أتعلم أنه لو كان تنازل عن كبريائه الاحمق للحظة واحدة وجاء يعتذر لي، اقسم أنني كنت سألقي بكامل عداوتنا عرض الحائط واجذبه لاحضاني أخبره أنه احمق ليظن أنني قد اغضب منه "
مسح وجهه يكره ذلك الوجع الذي يملئ صدره حين يتذكر أيامه مع أرسلان، يحاول الابتسام وهو يترحم عليه في صدره ثم قال بهدوء يغير الحديث كي لا يظهر ضعفه امام سالار :
" إذن جئت لي لأجل أمرٍ ما ؟؟ أم أنك تذكرت وجود رفيقًا لك لم تجلس معه منذ أسابيع جلسة هادئة ؟؟"
نظر له سالار ثواني يقول ببسمة صغيرة :
" تريد مجاملة أم حقيقة ؟!"
أطلقت إيفان ضحكات عالية يدرك جيدًا أنه حتى وإن اختار المجاملة فهو لن يخبره بها، لأن سالار باختصار لا يجامل أحدهم .
" هات ما عندك سالار "
نظر له سالار ثواني قبل أن يقول بصوت خافت بعد صمت لثواني :
" جلالة الملكة ...."
______________________
تجلس في الغرفة بعد عودته وهو يجلس أمامها ينتزع منها بعض الاشياء التي تخص مرضها، يسجل كل ما تقوله في دفتر أمامه وكأنه يحاول الاستفادة منها قدر الإمكان.
وحين انتهت قالت بهدوء :
" أنا بخير الآن، متى سأخرج ؟!"
نظر لها ثواني وكأنه يفكر في حديثها :
" حسنًا أنا لا أدري، ماذا تعتقدين أنتِ، أخشى إن خرجتي تسقطين ارضًا مرة أخرى ولا يجد القائد غير جسدي ليتدرب عليه "
نظرت له تضيق عيونها وهي ترى نظرات مهيار المترددة وكأن ذلك السالار يثير رعب جميع قاطني هذا القصر :
" هل يمتلك صلاحيات عليك ؟! أنت لست أحد أفراد جيشه "
نظر لها مهيار ثواني قبل أن يقول :
" في الواقع أنا كذلك، فأنا طبيب الجيش الأول، اعمل في المقام الأول لمعالجة الجنود، ثم أفراد هذا القصر، في الحروب أذهب معهم وهذا يضعني تحت مسؤولية القائد، إذن الحصيلة هي أن اوامره تسري عليّ "
صمت ثواني ثم مال عليها يهمس بصوت منخفض :
" أوتعلمين شيئًا ؟؟ كلمة القائد سالار تسير على جميع قاطني هذا القصر بلا استثناء عدا أربعة فقط ."
نظرت له بفضول اشتد لتعلم ما يقصد وهو بدأ يعد على أصابعه :
" الملك لأنه يحترمه، والملكة الأم تحميها مكانتها من بطشه، والعريف لأنه لا يهتم إن قُتل على يده، وبومة العريف التي تستطيع الاختفاء من أمامه حين يغضب "
توقف عن تعديد من نجوا من بطش سالار، وكم تمنت لو نطق بالخطأ اسمها في تلك القائمة، لكم أرادت أن تكون من هؤلاء المحظوظين الذين استثناهم من بطشه .
لكن على من تضحك، إن نجى الجميع من بطشه فهي الوحيدة التي لن تفعل .
أنت تقول بصوت منخفض :
" هل القائد سالار يعاني ماضيًا محزنًا تسبب في بناء شخصية متجبرة كشخصيته ؟!"
نظر لها مهيار ثواني وكأنه يفكر في الأمر، ولكنه في النهاية هز كتفه بهدوء يقول :
" لا أدري حقًا ولا أعتقد أن أحدهم يعلم ما حدث في حياة القائد عدا الملك إيفان وارسلان، فهم كانوا اصدقاء طفولته، لكن كل ما أعرفه أنه تربى وترعرع في هذا القصر منذ الصغر حتى نضج واستحق مكانة قائد الجيوش الأول"
في هذه اللحظة اندفع جسد الملك للغرفة بعد طرقة صغيرة للباب يقول بلهفة وخوف شديد مرتديًا ثياب عادية لا تمت لمكانته كملك بصلة .
أقترب منها يقول بهدوء شديد :
" مرحبًا مولاتي، كيف حالك ؟؟ أخبرني سالار أنكِ مرضتي فجأة "
ابتسمت تبارك بسمة صغيرة ترحب به بخفوت :
" مرحبًا مولاي، أنا بخير لا تقلق، فقط ..بعض الإرهاق ليس إلا"
ابتسم لها بهدوء يجذب أحد المقاعد يجلس أمامها يقول باهتمام شديد نابع من جزء داخل قلبه لا يعلم له من دافع فقط يعلم أنه يهتم بها و يزعجه أن تعاني، صمت ثواني ثم نطق بلطف :
" إذن ربنا يمكننا أن نؤجل دروسك الأيام القادمة كي تستردين عافيتك، ما رأيك سالار ؟؟"
رفعت رأسها حين سمعت صوته لتتفاجئ به يستند على باب الغرفة بهدوء يقول :
" لا، لا تأجيل، هي بخير كما ترى إيفان"
اتسعت أعين تبارك وهي تنظر بصدمة لمهيار تسأله بعيونها أهذا هو الملك الذي وضعته في أول القائمة الآمنة من هذا الطاغية ؟؟
ومهيار هز كتفه دون فهم .
نظر إيفان بحنق لسالار الذي قال بهدوء :
" لا تنظر لي هكذا، أنا أتحدث معك الآن كرفيق وليس كملك "
" إذن حدثني كملك ونفذ ما آمرك به سالار "
هزت تبارك رأسها ترسم حنقًا على ملامحها وكأنها تشجع إيفان هامسة لنفسها :
" أيوة اديله في جنابه"
لكن الرد جاءهم من سالار يقول :
" حين ترتدي تاجك وثيابك الملكية، سأعاملك بهذا الشكل، وحتى ذلك الحين، لا طلبك مرفوض أنا لا اتهاون في التدريبات وأنت تعلم ذلك حسن وكلت لي أمر تعليمها بنفسي "
زفر إيفان بصوت مرتفع يتمتم غاضبًا بشكل جعل سالار يبتسم وكأنه سعيد بهذه النتيجة، وتبارك تراقبه بغضب وملامحه غير راضية المرة كأنها تسأله ( ما هي متعتك في تعكير صفو الآخرين ؟)
زفر إيفان يتجاهل سالار وهو يقول :
" دعكي منه الآن سأتعامل معه، أنا فقط أردت الاطمئنان عليكِ قبل الغد، وأيضًا أردت اخبارك أنني فخورٌ بكِ ملكة تبارك، أخبرني كلّ من تميم ودانيار حجم تقدمك في التدريبات "
نظرت خلفه صوب سالار وكأنها تسأله ماذا عنك؟! ألم تخبره مقدار النجاح الساحق الذي حققته عليك ؟؟
وهو بادلها النظرات بأخرى ساخرة .
وتلك البسمة لم تصمتها إذ نظرت لإيفان تقول :
" ماذا عن المبارزة ؟! ألم يخبرك معلمي مقدار النجاح الذي حققته ؟؟"
تنحنح إيفان يقول ببسمة صغيرة :
" اعتقد أنك اصبحتي تعلمين أي نوع من الأشخاص هو سالار، لذلك طالما أنه منحك هذه النظرة فاثق أنك تبلين حسنًا وقد أصبحتِ على أعتاب منافسته شخصيًا "
رفع سالار حاجبه بحنق وبسمة جانبية ارتسمت على فمه، وهي أخذت حديث الملك على محمل الجد تبتسم بسعادة كبيرة جعلت سالار يزفر بحنق :
" الآن سأسلمها سيفي ودرعي وتقود هي الحروب بدلًا مني .."
لكن الملك لم يهتم لكلماته فقط منحها بسمة لطيفة، ثم نهض يقول :
" إذن اعتقد أنه وجب عليَّ ترككِ ترتاحين وغدًا قبل الرحيل القاكِ "
وضع يده موضع صدره، ثم مال نصف ميلة يردد بصوت منخفض :
" ليلة سعيدة مولاتي "
وبهذه الكلمات ختم إيفان الحديث بينهما وتحرك للخارج يمر جوار سالار الذي منحها نظرة من أعينه التي ضيقها يقول بجدية :
" حينما اعود من الحرب، أجدك تنتظرين في ساحة القتال، وهذه المرة أعدك أن احقق احلام الملك بجعلك منافسة لي، تصبحين على خير ...مولاتي "
تحرك بعيدًا عن الغرفة يتنفس بصوت منخفض تاركًا تبارك ترمقه بصدمة كبيرة وهي تردد الكلمة الوحيدة التي استوعبتها من حديثه :
" حرب ؟؟ أي حرب ؟؟"
__________________
هذه حرب والنجاة فيها مسألة توفيق من الله واجتهاد، وهو قد لا تكتب له النجاة في الغد، لا يبتأس ولا يحزن لأجل ذلك، فهو إن رحل سيرحل شهيدًا وهذا لا يحزنه ..
وعلى غرار حرب الغد أتخذ قرارًا متهورًا نبع من ضعفٍ غريب اكتنف جميع اجزاء جسده، لا يدري كيف نكث عهده الاول مع نفسه، لهذه الدرجة أصبح ضعيفًا أمامها ؟!
تنفس بصوت مرتفع يجلس داخل الحديقة التي تتمرن بها يوميًا يحمل بين كفيه سيفها، سيعيده لها، ربما تكون آخر ذكرى له معها وهو يودها أن تكون سعيدة .
ظل حاليًا وقت طويل حتى مل وعلم أنها لن تأتي في هذه اللحظة :
" لا تخبروني أنها تابت، حين انتظرتها لم تأتي، وحين حاولت تجنبها تظل تقفز في وجهي "
مسح وجهه يشعر بالحنق الشديد، ثم أمسك السيف يتحرك به داخل القصر وقد لغى تلك الفكرة كليًا، هو أعطاها فرصة وهي اضاعتها، حتى وإن لم تعلم أنها أضاعت الفرصة، هي اضاعتها وانتهى الأمر .
تحرك بين الممرات حتى وصل لغرفته يدخل متحركًا صوب الفراش يلقي السيف على الفراش بعنف، ثم تنهد يخلع ثيابه يتحرك جهة المرحاض .
وبعد نص ساعة تقريبًا
خرج كي يرتدي ثيابه ليتفاجئ بأن نافذته مفتوحة على اتساعها والسيف اختفى عن الفراش، اتسعت عيونه بصدمة وهو ينظر حوله يبتسم بعدم تصديق، سرقته، سرقته منه وهو من أراد منحه إياها بالحسنى ؟!
ضحك بعدم تصديق :
" يالله قاطعة طرق، اقسم أن هذه الفتاة أشبه بقطاع الطرق واللصوص "
ركض بسرعة صوب النافذة وأمسك باطارها ينظر للاسفل بغضب ليبصرها تقف أسفل النافذة تنظر له بانتصار شديد، ثم نزعت اللثام الخاص به لتريه بسمتها المنتصرة وهي تلوح بالسيف في الهواء تهمس له بصوت لم يصل له بالطبع :
" شكرًا على السيف يا لص "
نعم كانت تراه حين ذهب للحديقة يحمل سيفها فقط ليستفزها، ثم تبعته على أمل أن تأتيها فرصة وتأخذه منه وحين وصلت أمام الجناح الخاص به، قررت أن تدخل عبر النافذة بسبب الحراسة ومن حسن حظها وجدت سيفها أعلى الفراش لتختطفه تضمه لها بحب تتلمس رائحة والدتها به، ثم قفزت بسرعة .
وهو نظر لها بشر يهمس من بين أسنانه:
" أيتها المجرمة الـ ...سأريكِ "
ركض بسرعة يمسك ثيابه العلوية التي اهملها حين دخوله المرحاض، ثم تحرك بسرعة صوب الباب ليهرب منه، لكن فجأة توقف ونظر للنافذة وابتسم بخبث شديد :
" تريدين اللعب بقذارة ؟؟ سأريكِ كيف تكون ."
وعند زمرد حملت سيفها تضمه لصدرها بقوة مخافة أن يتلاشى أو يتضح في النهاية أنه كان حلمًا ورديًا آخر.
تحركت بسرعة وبخفة كبيرة داخل المبنى كي تركض لغرفتها تحتمي بها، وقد اكتفت من مغامرات هذا اليوم، سعيدة تكاد تطير بأجنحة من الفرحة .
لكن منذ متى كانت الحياة بمثل هذا الإنصاف مع زمرد وأمثالها من المنكوبين ؟؟
فجأة شعرت بيد تجتذبها بقوة صوب ممر غريب مظلم، يكتم فمها بقوة مخافة أن تحدث صوتًا ينبأ أحد بمكان وجودها، استعدت نفسيًا لقتال شرس معه، قتال لن تخرج منه خاسرة مرة أخرى ستدافع عن سيفها ضده حتى النفس الأخير و....
فجأة ارتجف جسدها بقوة وشعرت بالمكان يدور حولها حين رأت جسد يمر أمام الممر الذي سحبها له، جسد جعلها ترتجف بقوة وهي تكاد تفقد أنفاسها .
رأت جسد دانيار يتحرك بحثًا عنها، إذن من هذا الذي يسجنها ؟؟؟؟
تحركت يدها بسرعة كبيرة صوب سيفها الذي عاد لها منذ ثواني قليلة ولم يلبث تحتفظ به حتى جاء وقت تلويثه بدماء أحدهم وهذا الاحدهم كان ...كهرمان ؟؟
مالت كهرمان تهمس بصوت منخفض بعدما لحقت بها ورأت ما يحدث فتدخلت لمساعدتها .
وإن ظنت زمرد أن ما حدث قبل ثواني قد تسبب في خفقان قلبها بشكل جنوني، فما قالته كهرمان الآن هو الجنون بعيونه، بل بداية جحيم لهما :
" تجهزي زمرد، سنعود لمشكى......"
_______________________
الحرب لن تنتظرك لتقرر، بل ستسحبك عنوة داخل جحيمها، فتجهز .
الحرب قادمة ......
دمتم سالمين
رحمة نبيل
باذن الله الرواية هتكون مستمرة في رمضان عادي، هتكون بعد صلاة التراويح، معرفش الوقت بالضبط، بس بعد الصلاة الاولى هحدد الساعة وابلغكم بيها ..
ربما ...ربما....ربما ...ربما ( شيء مش اكيد ) ميكونش فيه فصل اول يوم رمضان ( الاثنين القادم ) .
ده شيء مش اكيد يعني لو منزلتش اعتذار رسمي قبلها فأعرفوا إن فيه فصل عادي، وهيكون، المعركة الاولى......
رمضانكم مبارك وينعاد عليكم بالخير ..
متنسوش جميع اخواننا من دعائكم فهم في أمس الحاجة له .
رواية مملكة سفيد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رحمة نبيل
متنسوش قبل القراءة تصويت للفصل لدعم الكاتب المسكين ..
صلوا على نبي الرحمة .
تقبل الله صيامكم وقيامكم وصالح اعمالكم .
لا تنسوا إخوانكم من دعائكم.....
ولا تدعوا أي شيء يعطلكم عن وردكم أو صلاتكم أو عباداتكم .
______________________
كان صوت انفاس زمرد المرتفع ينافس ارتفاع الصوت المقابل لانفاس كهرمان، والتي لم تجد أنسب من هذا المكان المظلم الخانق الضيق وهذا الوقت وهم هاربون من رامي السهام الذي يدور في الخارج بحثًا عن جسدٍ يصبح مرمى لسهامه، لتعرض عرضها .
" ماذا ؟؟ هل جننتي أنتِ ؟؟"
ابتعدت عنها كهرمان خطوات صغيرة تهمس لها بانفعال وغضب أعماها وانتقام يحفزها للعودة والأخذ بالثأر :
" لا ليس بعد، لكنني سأجن إن أضعت فرصتي في الانتقام منهم، لقد اتخذت قراري، سأذهب مع الجيش متخفية وانتقم منهم، سأحارب في صفوفهم ، سأذهب حتى إن انتهى بي الأمر قتيلة أو أسيرة"
ابتسمت لها زمرد تهز رأسها بنعم توافقها الحديث في هذه اللحظة لتتنفس كهرمان الصعداء أن وافقت هي، لكن فجأة رأت تحرك زمرد صوب بداية الممر تنظر يمينًا يسارًا، ثم عادت لها حينما تأكدت أن المكان خالي، تجذب ذراع كهرمان خلفها بأعين سوداء حتى وصلت لغرفتهم، اقتحمتها تدفع بجسد كهرمان للداخل في قوة جعلت برلنت الشاردة تنتفض عن الفراش وهي تقول بخوف :
" ماذا ؟؟ ما الذي حدث ؟؟"
لكن زمرد في تلك اللحظة لم تكن تشعر بشيء وهي تقترب من كهرمان المصدومة من أفعالها لا تفهم شيئًا مما يحدث .
" تريدين الذهاب حتى لو انتهى بكِ الأمر قتيلة أو أسيرة ها ؟؟"
نزعت زمرد لثامها تقول بشراسة وتوحش :
" عزيزتي القتل سيكون أهون شيء تلقينه على يد هؤلاء القذرين، بل ستكون أمنية غالية بعيدة المنال، انظري إليّ عشت سنوات عمري جميعها اتمنى الموت، أطمح له، ألقي بنفسي في جميع المخاطر عسى أن ينتزعوني منها جثة هامدة، لكن هل حدث ذلك ؟؟ لا، بل عشت اسوء من هذا"
امتلئ صوتها بالقهر وهي تصرخ :
" أوتعلمين عدد المرات التي حاولت أمي الهرب فيها وفشلت فشلًا ذريعًا انتهى في أحد المرات بإصابتها بضربة في قدمها أدت لاعاقتها "
صمتت ثم دارت تصرخ في المكان بصوت تحكمت به؛ كي لا تثير ضوضاء في المكان تحت أعين كهرمان المصدومة من حديثها :
" دعكِ من هذا التسرع والغباء كهرمان، هذا التسرع سيقودك صوب حتفك، أي حرب تلك التي تدعونني لخوضها ؟؟ هربت منهم لأعود لهم بقدمي ؟؟ "
صمتت تستمع لصوت كهرمان التي قالت بصوت كسير وحسرة كبيرة :
" لا استطيع الانتظار حتى احصل على القصاص لأخي، لقد ....لقد إتخذت عهدًا على نفسي أن انتقم له بنفسي من ذلك الحقير "
أمسكت زمرد مرفقيها بقوة تضغط عليهما تهمس من بين انفاس خرجت كالجحيم :
" ماذا عني ؟؟ ماذا عني ها ؟؟ هل تعتقدين أنني سعيدة ؟! هل تظنين أنني سأعيش المتبقي من حياتي هاربة ؟؟ إن أردتي قتل بافل مرة، فأنا أود قتله في الثانية الواحدة ملايين المرات، أود أن اريه نفس الجحيم الذي أراني إياه، أريد أن أراه يتوسل مني رحمة لن ينالها، كهرمان إن كان لكِ انتقام واحد عند بافل، فأنا لي حياة كاملة ضاعت على يديّ ذلك الحقير "
تركتها تتنفس بعنف وهي تهمس من بين دموعها التي هبطت غضبًا وكرهًا واشمئزازًا :
" ذلك الحقير لن يموت سوى بين قبضتي أنا، لن ....لن أسمح لكِ، أو لأيًا كان أن يسلبني ذلك الشيء "
نظرت لها كهرمان بوجع تقول وهي تشعر بكل ما تمر به زمرد، زمرد التي كانت سببًا في نجاتها من يد بافل سابقًا :
" ما أدراكِ أنه لن يموت في الغد خلال الحرب؟؟"
ابتسمت زمرد بسخرية لاذعة تردد :
" يالله كهرمان، عزيزتي هل تظنين أن امثال بافل رجال حروب وقتال مباشر ؟؟"
استدارت تقول بأعين ملتمعة بالكره والخبث وهناك بسمة سوداء ترتسم على فمها :
" أمثال بافل وجماعته، ليسوا بهذه الشجاعة التي تدفعهم لخوض حرب مباشرة، هم يباغتونك، يغدرون بكِ، ينتظرون لحظة أمنك وسلامك ليهبطوا فوق رأسك بالضربات"
قالت بخبرة كبيرة وهي تنظر لهم غافلة عن أعين برلنت الواسعة والتي تحاول أن تفهم ما يحدث حولها :
" يعشقون الظهر فهو لا يمتلك أعين، يطعنون به فهو لن يرد لهم ضربته، وغدًا لن يذهب بافل للحرب وسترين، هذا أخي اعرفة كمعرفتي لراحة يدي "
انطلقت شهقة من جهة برلنت وقد اتسعت عيونها بقوة وهي تشعر بجسدها يرتجف متراجعة للخلف تقول والصدمة ملئت وجهها بشكل واضح تحت نظرات زمرد الباردة :
" أنتِ ...أنتِ منهم ؟؟"
ابتسمت لها زمرد بسمة باردة تقول :
" مفاجأة "
ابتلعت برلنت ريقها تشعر أنها لا تستطيع التنفس، طوال هذه الفترة كانت تصادق أحد المنبوذين ؟؟ بل ..بل تصادق شقيقة زعيمهم ؟؟
" أنا... أنا... أنا "
" تكلمي بيرلي فلن اقتلك لا تخافي "
ابتلعت برلنت ريقها تمسح وجهها بيدها تحاول تخفيف ما يحدث فهي تعرف زمرد والتي رغم طباعها المستفزة أو القاسية، فهي طيبة القلب وحنونة وتساعد الجميع دون تردد :
" لا، لا لم اقصد ذلك الطبع زمرد، لكن أنتِ...أنتِ لستِ مثلهم، أنتِ شخص صالح أليس كذلك؟؟"
هزت زمرد كتفها بهدوء تقول :
" ربما، هذا يعتمد على الموقف، احيانًا أكون لطيفة، وأحيان أخرى اكون أقذر المبوذين "
وهذا الحديث لم يساعد في تخفيف صدمة وخوف برلنت التي نظرت بتعجب لكهرمان والتي يبدو أنها تعرف كل ذلك :
" أنتِ ...أنتِ أميرة مشكى صحيح ؟؟ وهي شقيقة زعيمهم الذي قتل شقيقك و..."
صمتت هي لا تستطيع تجميع حديثها، لا تدرك ما يحدث حولها :
" لا اقصد إساءة اقسم، لكن عقلي لا يستطيع تجميع شيء، فقط لا افهم ما يحدث "
نظرت كهرمان لزمرد التي ابتسمت لها، لتتحرك كهرمان صوب برلنت تجذبها لفراشها تجلسها عليه وجلست زمرد على الفراش المقابل لهم تسمع حديث كهرمان الرقيق :
" إذن تعدينني أن ايًا كان ما سأخبرك به لن يخرج لأحد ؟؟"
نظرت لها برلنت بجدية :
" أقسم أن كلمة لن تخرج من فمي، إن لم تردي الحديث فلا بأس، أنا فقط ...فقط لا افهم ما يحدث، لكن اقسم أنني لن أتحدث بكلمة واحدة "
صمتت تبتلع علقمًا ما يزال أثره في فمها، مرارة لا تظن أنها ستنمحي يومًا، وارتجافة بسيطة مرت بجسدها تهمس بصوت ميت مجروح :
" سبق وخنت عهدي وأخرجت حديث لا يعنيني، وعانيت من توابع كل ذلك لأربعة عشر عامًا، شيء لا أود تجربته ولو كان الثمن حياتي "
ابتسمت لها كهرمان بحنان تربت على قدمها، معرفتهم لبرلنت ليست قصيرة فهي معهم منذ أشهر ولم تخن يومًا عهدًا بينهم، واحتفظت بأمر حقيقتها طي الكتمان وهي تدرك أنها لن تخون يومًا، فأمثال برلنت لن يكرر خطأ تجرع مرارة ارتكابه كاساتٍ .
نظرت لزمرد تتذكر لقائهم الاول :
" زمرد هي من انقذتني يوم غارة المنبوذين على بلادي "
كانت تركض برعب وهي تحمل سيفًا تسمع صوتًا عاليًا في المكان وصرخات جعلتها ترتجف وهي تبكي بصوت مرتفع، لكن لم يسمع أحدهم صوت شهقاتها، فهو كان صوتًا من بين مئات الاصوات الصارخة والباكية والمستغيثة والمكبرة .
صرخت بصوت مرتفع وهي تبحث عن أحد الجنود :
" أخي، اخي يقاتل وحده في مسجد القصر، ساعدوه، ليساعده أحدكم، ساعدوا أخي أتوسل إليكم"
بكت وهي تبحث عن أحدهم ليساعده لتبصر الجميع حولها كلٌ يبكي على ليلاه، لا أحد يستمع لها، وهي ترتجف لتقرر للمرة الاولى أن تخالف قرار أخيها بالاختباء في مخبأ النساء واتباع قائد الجيوش، وعادت بسرعة كبيرة صوب المسجد وهي تمسح دموعها، ستذهب له، ستقاتل معه ..
وقبل أن تصل للمسجد سمعت صوت صرخات جهورية جعلتها تتجمد في مكانها صوت أرسلان الغاضب والمرعب يرنّ صداه في المكان بأكمله :
" أنحني لك ؟؟ بالله لو قطعت جسدي أربًا لعشرات، بل الآلاف القطع، ما انحنت لك قطعة واحدة منه يا سليل القذرين، لا أنحني سوى لله وحده، الانحناء والخضوع والذل لا يليق إلا بكم، خُلقتم للذل وخُلق الذل منكم، لعنة الله عليكم أجمعين "
ومن بعد تلك الكلمات لم تسمع سوى صرخة غاضبة صدرت من شخص آخر خمنت أنه هو نفسه من يتحدث له شقيقها، وتلاشى صوت شقيقها شيئًا فشيء .
شهقت بصوت مرتفع حين شعرت بيد تقبض على ذراعها، استدارت برعب ترى أحد رجال المنبوذين بوشم معروف أعلى رقبته يرمقها ببسمة مخيفة :
" مرحبًا بالاميرة، يا لي من محظوظ "
ارتجف جسد كهرمان بقوة وهي تنظر له بوجه شاحب ووجه جامد، لا تراه أمامها، فقط ترى أخاها تسمع صوته هو الذي ما يزال يتردد في أذنه، هبطت دموعها دون شعور وهي تسير معه دون وعي وقد علقت روحها جوار باب المسجد حيث جسد أرسلان.
فجأة وحين سمعت أصوات تهليل رجولية ارتجف جسدها واعطى عقلها إشارات لجميع حواسها لتدرك أي المصائر وقعت به، سبية...أضحت أسيرة وسبية للمنبوذين، ستصبح واحدة من بين مئات النساء المغصبات على يد هؤلاء الخنازير .
عند هذه اللحظة انتفضت تتراجع تستل سيفها بقوة ودون تفكير كانت تقطع ذراع الرجل التي سحبتها هذا الطريق تصرخ بجنون :
" يدك عني .."
اندلعت صرخات الرجل يبتعد عنها يلقي جسده ارضًا يتمرغ بالارضية وهو يبكي وجعه ويصرخ وحوله اصدقاؤه ينظرون لها بصدمة قبل أن يصرخ أحدهم :
" أحضروا هذه الحقيرة هنا، اقسم أنني سأريها الويل "
وقفت كهرمان بملامح شرسة تتخذ وضع الهجوم وهي ترفع سيفها الممتلئ بدماء ذلك القذر ارضًا، تنظر لهم بأعين سوداوية تشبه خاصة اخيها، نفس اللون ونفس النظرات .
وقبل أن يقترب أحدهم منها، كانت هي تقف أمامها بقوة وهي ترفع يديها في وجوههم تقول بمزاح لا يناسب الموقف :
" مهلًا مهلًا يا رجال مالكم تكأكأتم عليها كالكلاب على عظمة ؟؟ أدري هي جميلة رقيقة، لكن لنكن صرحين مع أنفسنا للحظات، ألا ترون أن ايديكم القذرة ستلوث هذه الزهرة الرقيقة في الخلف ؟؟"
صرخ أحد الرجال :
" ابتعدي عنها زمرد كي لا يطولك غضب القائد، هذه الرقيقة لنا نحن "
اشتعلت أعين كهرمان تتراجع عن تلك الفتاة الغريبة بتحفز وملامح الشراسة تعلو وجهها صارخة :
" هذه الرقيقة ستريكِ الجحيم أنتِ وهؤلاء القذرين "
نظرت لها زمرد من خلف لثامها بسخرية :
" لا تتحدثي بكلمات لا تعنيها يا رقيقة "
صمتت ثم استدارت صوب قومها تقول :
" عشيرتي الاقذر، ويا قمامة الممالك الأربعة، هذه الفتاة في الخلف لا تعنيني بشيء، إن أردتم اخذها فهي لكم، لكن ألا تعتقدون أن صيدًا ثمينًا كهذه الجميلة سيغضب أخي حين تئول لقذرٍ منكم ؟؟"
صمت الجميع يرمقونها بغضب، وهي ابتسمت تمسك يد كهرمان التي عاندتها تحاول نزع يدها منها غاضبة :
" دعيني ايتها الحقيرة، لعنة الله عليكِ وعلى قومك وأخيكِ، ليلعنكم الله من كبيركم لصغيركم "
نظرت لها زمرد بشر تهمس :
" سيري معي ولا تزيدي حرفًا يا غبية "
" على جثتي "
" سيكون بالفعل على جثتك، فأنتِ الآن تلمعين في أعينهم كقطعة لحم دسمة لجماعة ضباع قذرة بعد سنواتٍ عجاف، دعيني اخرجك من هنا "
نظرت لها كهرمان بسخرية لا تثق بها مقدار ذرة، هي منهم في النهاية، لذلك انتزعت يدها منها وقبل أن تتحدث بكلمة سمعت زمرد صوتًا لشقيقها الاحمق الأصغر يقول :
" إلى أين زمرد ؟؟"
" للجحيم يا صغيري، كنت أود دعوتك، لكنه للكبار فقط، حين تنضج سأخذك معي "
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة مع كهرمان وجدت سيف الصغير يوضع على رقبتها، حركت عيونها صوبه تقول بسخرية :
" حقًا ؟؟ هل تود أن يبكيك بافل المتبقي من عمره يا مدلل ؟؟ "
" اتركي الفتاة هنا، أنا سآخذها "
شهقت زمرد ساخرة:
" تأخذ من يا بني، هذه في عمر والدتك يا عزيزي، هيا اترك هذا السيف السيئ وليعطيه أحدكم حلوى يتناولها "
ختمت حديثها تدفع سيفه وهي تجذب خلفها كهرمان التي اضطرت لمسايرتها حتى تخرج من هنا، لكن فجأة سمعوا صرخة الصغير صاحب الأعوام التسعة عشر يصرخ في الرجال :
" امنعوا هذه الفتاة والأميرة من الرحيل "
ابتسمت زمرد بسمة واسعة وهي تستدير تقول :
" أنتم لن تجعلوا الأمر سهل صحيح ؟؟"
وفي ثواني انفتحت ابواب الجحيم على زمرد وكهرمان التي وجدت نفسها تلقائيًا ودون شعور منها تحارب في ظهر زمرد التي كانت تقاتل قومها وتقطع رؤوسهم لأجلها .
وزمرد كانت تفعل هذا كي لا تصبح كهرمان نسخة ثانية من والدتها التي أخذوها من حياتها لجحيمهم، ولأنها كانت تتمنى يومًا أن تقتل رجال عشيرتها أجمعين ...
كانت برلنت تستمع لقصة كهرمان متسعة الأعين مصدومة مما يحدث :
" يالله هذا ...هذا لا يبدو سهلًا "
ابتسمت كهرمان تقول بمزاح :
" يا فتاة لا شيء صعب على شخص بمثل حقارة زمرد "
أطلقت زمرد ضحكات صاخبة دون شعور تقول بمزاح مقابل لا يليق بهذه الأجواء التي جلبت لهم ذكريات غير محمودة :
" نعم أنا بالفعل حقيرة "
نظرت لها برلنت ثم نهضت تضمها بحب شديد :
" لا تقولي على نفسك هكذا زمرد، أنتِ أكثر شخص رائع في هذه الحياة جميلتي "
ابتسمت زمرد دون شعور تبادلها العناق وهي تردد :
" وأنتم كل من تبقى لي في هذه الحياة برلنت "
نهضت كهرمان تتحرك لهما تشاركهما العناق وهي تقول بصوت حنون :
" كذلك أنتم لي، آخر من تبقى لي، لا حرمني الله منكن يا فتيات....... "
________________________
" عقيدتهم زجاجٌ، وعقيدتكم جبال، فأنى للزجاج بفرار منكم، وأنى لهم بخدشكم ؟؟ الحق معكم وبأيديكم، والباطل حلق فوق رؤوسهم، فأسقطوا الروؤس والباطل، ولا تأخذكم بهم رحمةٌ "
ختم حديثه يتقدم الجيوش في الصباح ينظر لهم بعيون جامدة بعض الشيء، عيونه لا تبصر نهاية الجيوش .
ابتسم بسمة جانبية وقد شعر بأنه سيعود بجيوشه إلا القليل فقط، وكم تمنى أن هذا القليل لا يكون، شعوره أن الحرب لم تحن بعد قوي، وهو كان ومازال يثق بأحاسيسه فيما يخص الحروب، ليس لثقته في النصر، بل لثقته في جبن الخصم، لا ينسى يوم اجتمعت الممالك قديمًا لقتال والد بافل، وتخلف الاخير عن الحرب .
سمع سالار صوتًا خلفه يقول :
" لقد تأكدت من جاهزية وحدات الرماية يا قائد "
" جيد، أين تميم ؟؟"
" لا أدري ربما ذهب يتفقد وحدته سيدي "
هز سالار رأسه وهو يتراجع للخلف يتحرك صوب حجرته ليتجهز بعدما اطمئن على جيشه، وبالفعل غاب بها دقائق، ثم خرج منها يرتدي دروعه وسيوفه، يمسك خوذته، يتحرك بسرعة صوب الخارج .
لكن فجأة توقف حين ابصرها تتحرك داخل القصر بهدوء شديد وهي تلقي بسمات على الجميع، وحين رأته ابتسمت له بسمة صغيرة تقول بسعادة كبيرة :
" ذاهب للحرب ؟؟"
تعجب سالار بسمتها الواسعة تلك ليقول بعدم فهم :
" اعتقد هذا، هل يسعدك أن أذهب للحرب ؟؟"
هزت رأسها بسعادة كبيرة وفي قلبها يقبع أمل، أمل أن يعودوا منتصرين محررين إياهم، تترقب النصر، ورغم أن النصر ليس أكيد، لكنها تثق بهم، أو تثق به هو، مرات قليلة هي تلك التي رأته بها يتعامل مع جيشه، لكنها فطنت جيدًا أي نوع من القادة هو، يكفي فخر الملك الدائم بأمتلاكه لقائد كسالار .
" أنا في غاية السعادة يا قائد "
ابتسم سالار بعدم تصديق :
" هل تترقبين خبر استشهادي أم ماذا ؟؟ إن مت سأوصي بكِ لأكثر رجال جيشي تجبرًا لينتقم لروحي منك على كل العذاب الذي عانته بسببك في حياتي "
ولم تدرك تبارك من حديثه سوى الجملة الأولى لتسارع بالقول :
" بل أترقب خبر انتصارك يا قائد، أثق بك ."
نظر لها سالار ثواني يرى أنها لم تنس وضع لثامها حين الخروج من المشفى، ليحني لها رأسه ببطء شديد واضعًا يده على صدره يقول بكامل الصدق والاحترام داخله :
" إن شاء الله نعود منتصرين مولاتي، فلا تغفلي عن الدعاء لنا "
" ادعي لكم في كل لحظة وثانية "
صمتت ثم نظرت له قليلة قبل أن تقول :
" تصحبكم السلامة يا قائد، سأنتظر عودتك لأجل دروسي، ستعود لتجدني منافسة شرسة لك "
ابتسم لها بسمة من تلك البسمات القلائل التي تخرج دون أن يتبعها سخرية أو رعب :
" إن عدت سالمًا بمشيئة الله، لكِ مني كلمة بالصبر على أفعالك الجنونية .."
صمت ثم شعر بخطورة وعده لها فسارع يقول بلهفة ماحيًا بسمتها التي ارتسمت بعد كلماته :
" ليوم كامل، سأتحمل ايًا كان ما تفعلينه ليوم كامل فقط "
التوى ثغر تبارك تقول بغيظ شديد :
" أنت لو كملت جملة واحدة عدلة هيحصلك حاجة ؟! مش فاهمة فيها ايه لو مكنتش قولت آخر جملة دي وخدعتني يعني ؟؟"
" لا يمكنني قطع وعد دون أن أستطيع أن أفي به "
ابتسمت له بحنق شديد وسخرية :
" يبدو أن التعامل معي اصعب مما ظننت "
" نعم هذا صحيح، جيد أنكِ أصبحتي تدركين الأمر "
رمته بنظرات مغتاظة غاضبة منه، ثم قررت أن تغير إتجاه سيرها وتتحرك صوب الخارج لترى الجيش قبل رحيله تقول بصوت مرتفع :
" الله خير حافظ يا قائد، أذهب قبل أن يملئ الغضب صدري تجاهك وتتبدل دعوتي لك "
ابتسم سالار بسخرية لاذعة يتساءل :
" إلى أين مولاتي ؟!"
" هتفرج على الجيش وهو ماشي "
وقبل أن يجيب كلماتها تلك رآها بالفعل تضعها حيز التنفيذ وهي تخرج من القصر ليبتسم دون تصديق :
" حقًا ؟؟ "
تحرك بسرعة خلفها، لا ليلحق بها، بل ليقود جيشه ويلقي عليهم كلماته قبل التحرك وقبل مجئ الملك ليقول هو الآخر كلمته لهم .
ولم ينتبه الاثنان لتلك الأعين التي رأت والاذان التي سمعت ما حدث بينهما دون شعور منهما، فهي كانت على وشك الخروج لتوديع الجيش باعتبارها الملكة الأم في المملكة قبل أن تسمع وترى ذلك، ورغم أن الحوار بينهما لم يكن بالودود أو اللين، إلا أنها ابتسمت تقول بصوت ساخر :
" منذ متى يطيل قائد الجيوش حديثه مع امرأة عن كلمتين ؟؟؟"
وعند قائد الجيوش والمرأة، خرجت هي بسرعة كبيرة تهرول صوب المنطقة التي يتجمع بها الجيش، ليوقفها صوت صارخ خلفها جعل جسدها يتيبس :
" جلالة الملكة .."
توقفت تبارك تنظر خلفها ببطء وريبة هامسة تتعجب عودة شخصيته اللئيمة التي تكرّهها في حياتها كلها :
" نعم ؟؟"
" إلى أين ؟؟"
" قولتلك هتفرج على الجيش "
تنفس بصوت مرتفع يحاول أن يصبر ثم قال بهدوء شديد وكأنه جمع ما تبقى من خلايا عقله المتيقظة يقنعهم بالهدوء وتمرير ما يحدث باكثر الطرق سلمية :
" لا يمكنك الاقتراب بهذا الشكل الكبير من الجيش وكل هؤلاء الرجال، هذا ممنوع، يمكنك أن تقفي في الشرفة التي تطل على منطقة التجمع حيث ستكون الملكة الأم وغيرها، هذه هي القوانين رجاءً التزمي بها "
نظرت له ثواني تقول بغيظ شديد من تسببه بالضيق لها :
" أنت شخص لئيم على فكرة "
قال بنبرة عادية وهو ينظر أمامه كرجل آلي لا يرميها حتى بنظرة واحدة :
" أدري هذا جلالتك فأنتِ أخبرتني هذا مئات المرات "
" وبرضو مش بتغير من نفسك "
" ولمَ عليّ فعل هذا ولأجل من ؟؟"
" لأجل صحتك يا اخي، أنت بتتعب قلبك على الفاضي والله، فيها إيه لو عشت زي البني ادمين تبتسم وتضحك وتهزر، هيحصلك ايه ؟؟ الملك اهو عندك ماشاء الله عليه رجل بشوش وشه سمح وكويس ومحترم "
نظر لها سالار يقول بأعين جامدة ونظرات لا معنى لها وصوت خرج منه ساخر حانق :
" هذا الملك وهذه شخصيته، وهذا أنا وهذه شخصيتي، ليس واجبًا عليّ أن أكون نسخة منه، إن كان التعامل مع الملك يريحك، فهذا أمر جيد فهو سيكون زوجك بالنهاية، أما عني فلا أعتقد أن شخصيتي تسوئك في شيء فما هي إلا ساعات قليلة في التدريب ومصائب معدودة هي التي نلتقي بها، والآن للشرفة رجاءً ...مولاتي "
نظرت له تبارك بغيظ شديد وقد شعرت فجأة بالصدمة وصوته يرن داخل رأسها بشكل جعلها تهز رأسها بقوة وهي تخفض رأسها ارضًا تقول بهدوء :
" هذا من حسن حظي، والآن اعذرني "
ختمت حديثها ترفع طرف فستانها، ليرفع هو درعه بسرعة، يتحرك من أمامها بشكل جعلها تنظر له بعدم فهم، بينما سالار والذي كان له تجارب سيئة مع فستانها، لم يكن مستعدًا ليستقبل قماشه الحريري في عيونه الآن، خاصة قبيل المعركة .
لم تهتم به تبارك تنفض طرف فستانها، تتحرك بعيدًا عنه شامخة برأسها مبتسمة الفاه وهو راقبها بغيظ يتمتم وهو يتحرك صوب جيشه :
" كارثة نبتت لها ساقان ..."
____________________
تقف في إحدى الشرفات بعيدًا عن الجميع كي تحسن النظر دون قيود، تحدق به في حرية كبيرة تخشى أن تُسلب منها إن كانت تحت مراقبة أعين العاملات .
بحثت عنه بين الجميع، لكن ما رأت له من أثر، تنهدت بصوت مرتفع تخشى أن يرحل قبيل توديعها، مشاعر تحياها كل حرب، رعب أن يصيبه شيء، تتذكر حينما كانت تعلم أن الجيش خرج في غارة وهو معهم، يالله تسهر ليلتها تدعو له وتبكي بخوف شديد ولا تغمض عيونها إلا حينما تسمع صوت الترحيب بعودة الجنود وتطمئن أنه بخير .
خرجت من بوابة القصر وقد قررت أن تذهب حيث الجيش علها تبصره ولو صدفة، لكن بمجرد أن فعلت ذلك حتى ابصرته يقترب منها بخطوات رشيقة مرتديًا ثوبه الخاص بالحروب يحمل خوذته في قبضته مبتسمًا لها بلطف .
وحين وصل لها همس بكل لطف :
" السلام عليكم بيرلي، كيف حالك ؟؟"
" وعليكم السلام، أنا بخير الحمدلله دامك بخير
تميم "
ابتسم لها بحب يجذب يدها برفق صوب أحد الأماكن البعيدة عن الأعين يقول بلطف شديد :
" اسمعيني بيرلي أنا الآن سأذهب في حربٍ لا أدري إن كتب الله لي منها عودة أم لا .."
ارتجفت يد برلنت بين أصابعه ليضغط عليها مبتسمًا بلطف وكأنه يمنحها بعض الدعم على مصاب قد يصيبه هو، نظر في عيونها مبتسمًا، لم تنمحي بسمته منذ بدأ يتحدث وكأنه يتقبل كل ذلك يصدر رحب، يتقبله ولا يبتأس :
" لكن إن لم أعد فقد تركت وصيتي لدانيار و القائد والملك والجميع "
ألقى الخوذة جانبًا ليحرر يديه منها ومد كفيه يحيط وجهها بحب شديد يهمس لها وقلبه ما يزال يستنكر حقيقة أنها الآن بين يديه، يشعر أنه لشدة جنونه أضحى يتخيلها، لكن لا بأس حتى وإن كانت خيالًا سيستمتع به .
همس لها وهو يقترب برأسه من خاصتها :
" أنتِ هي وصيتي الوحيد بيرلي، اوصيت الجميع بكِ، أخبرتهم أن يعتنوا بكِ، أن يدللوكِ كأميرة، اوصيتهم أن يكرموني فيكِ بيرلي، لذا حبيبتي لا تقلقي "
سقطت دموع بيرلي على يديه وهي تستمع لحديثه، وقلبها ينتفض رافضًا كلماته كلها تقول بصوت خرج بصعوبة منها :
" إن لم يكن الدلال منك، فلا أريده تميم، أن أعيش حياة قاسية معك لهو أهون على قلبي من عيش حياة أميرة دونك، لذا لا تظن أن وصيتك تلك ستعوضني لحظة غياب لك تميم، أقسم إن لم تعد فما لي من عيشٍ سواك"
بكت بصوت مرتفع تقول بقهر :
" للتو فقط عدت لي، ما لي بحياة لست فيها تميم، أثق أن الله لن يختبرني بك، لا تتركني مجددًا أرجوك، ليس مجددًا تميم "
ضمها تميم لصدره بحب وهو يربت عليها وهي تبكي برعب كبير، بكت كل مرة ذهب لحرب وجلست هي تبكي بصمت في غرفتها تدعو الله عودة سالمة له، بكت كل لحظة بُعد عانتها، وهو فقط ضمها يربت على ظهرها بهدوء، لا يتحدث، فقط يترك لها حرية البكاء كما تريد، وحين استشعر منها سكينة همس مقبلًا رأسها :
" سأعود لأجلك صغيرتي، سأعود لاصنع لكِ زفافًا يتحاكى به شعب سفيد والممالك أجمعين، سأصنع لكِ زفافك الاسطوري الذي طالما حلمتي به "
نظرت له من بين دموعها وهي تتذكر كلماتها له حين كانت تحلم بحياة بسيطة تجمعهما .
" أحلم بزفافٍ اسطوري، أنت تتقدم مني على حصانك وأنا انتظرك أعلى الدرج، تأتي وتحملني برفق على حصانك وتهرب بي من الجميع "
أطلق تميم ضحكات صاخبة وهو يجلس جوارها في حديقتهم المفضلة :
" وأين الزفاف في هذا بيرلي ؟؟ لقد انهيتي الزفاف الاسطوري قبل بدايته "
نظرت له برلنت تقول بجدية :
" الزفاف سيكون معك حينما تأخذني فوق حصانك تطوف بي المروج وتحضر لي زهورًا "
أفاقت برلنت تنظر له تقول بصوت خافت وقلب وجل :
" وعد ؟؟"
ابتسم لها بلطف يجفف دموعها بحب شديد :
" اعذريني صغيرتي، لا قِبل لي بقطع وعود لا أملك منها شيئًا، فهذه أعمار والأعمار بيد الله بيرلي، فقط ادعي لي جميلتي "
ختم حديثه يقترب منها يضع قبلة أعلى جبينها، ثم استند برأسه موضع قبلته يردد بلطف :
" بإذن الله ننتصر ونعود، زوجك ليس بالهين كذلك حبيبتي"
" أثق أن الله لن يختبرني بك تميم، ليحفظك الله أنت ومن معك من كل سوء "
ابتسم لها يعيد غطاء الوجه على رأسها يهمس بلطف شديد :
" أخبرت المشرفة أنكِ زوجتي ومنعتها من توكيل الأعمال لكِ؛ لذا وحتى اعود أنتِ حرة بيرلي، اذهبي حيث تريدين لكن داخل حدود القصر، يمكنك الذهاب وإزعاج العريف بحكايات فارسك "
ابتسمت له تتذكر ذلك اليوم الذي تشاجرا في المكتبة وكأنه كان بالأمس :
" لا بأس سأنتظر عودة الفارس ليشاركني كتابة فصول حكايتي "
ضرب رأسه بخاصتها في مزاح لطيف :
" الأن فارس وبالأمس أحدهم ومجهول "
" لم تكن يومًا أحدهم تميم، كنت دائمًا ( أحدي أنا ) عزيزي"
ابتسم يشعر أنه إن توقف ثانية إضافية في هذا المكان سيتخلف عن الحرب، لذا تنهد يميل ليرتدي خوذته يغلقها ثم مال يقول بلطف :
" استودعك الله بيرلي "
" الله خير حافظ تميم "
تحرك تميم بعدما ودعها ببسمة لطيفة يضع يده على قلبه ثم مال نصف ميلة يؤدي لها تحية احترام و...حب .
" السلام عليكم غاليتي "
وبهذه الكلمات استدار بسرعة يرحل بعيدًا عنها وهي راقبته بأعين ملتمعة تردد سلامه والذي خرج من اعماق قلبها :
" وعليكم السلام تميم ..."
____________________
دخل حيث والدته والملكة ليودع والدته بقبلة على يدها وأخرى على رأسها وكلمات لطيفة :
" دعواتك امي.."
" ليحفظك الله بني وينصركم عليهم جميعًا، عد سالمًا لنا"
منحها بسمة صغيرة، ثم نظر بعيونه صوب تبارك التي صعدت هنا بعد شجار قصير مع سالار، اقترب منها بخطوات صغيرة يحدق في وجهها بلطف :
" أتمنى أنكِ بخير الآن ؟؟"
" أنا بخير، شكرًا لك مولاي "
" إذن ملكة تبارك أريد أن أطلب منكِ طلب صغير "
نظرت له بفضول لينظر هو بطرف عيونه صوب والدته التي كانت تراقبهم باهتمام شديد، وعاد بنظراته لتبارك يقول بصوت هادئ وقور :
" أنتِ جئتِ هنا لتكوني ملكة سفيد، وحتى إن لم يحدث هذا حتى الآن، فهو فقط مسألة وقت، احترامك هنا من احترامي، لا أود أن تشعري للحظة واحدة بأنك أقل من أي أحد هنا، أنتِ الملكة، فلا يسوئك ما يظنه الآخرين مولاتي"
صمت ثم اخفض صوته يقول :
" أتمنى ألا تنزعجي من والدتي بشيء، أدرك ستستمر في ازعاجك، مهارتك هنا تكمن في معرفة التصرف الصحيح في كل موقف، حكّمي عقلك "
ابتعد عنها يمنحها بسمة لتبتسم هي له بسمة صغيرة تهز رأسها هزة صغيرة تهتف بكلمات مقتضبة تحت أعين والدته المتربصة :
" في رعاية الله يا مولاي "
وضع يده أعلى صدره ينحني لها بلطف واحترام كبير :
" أراكِ قريبًا جلالتك .."
خرج من المكان يتحرك صوب الجيش والذي سيكون في هذه الحرب بقيادته هو ومن ثم قيادة سالار .
لكن وقبل أن يخطو خارج القصر صوب ساحة تجمع الجنود توقف حين أبصرها، كانت تقف هناك في أحد الأركان وكأنها تنتظر أحدهم، تنتظره ربما ؟!
بعد ايام طوال على اختفائها، وتعهدها لنفسها ألا تعود لمثل تلك الأفعال وأن تدفن تلك الشخصية في أعمق نقطة، لم تستطع سوى أن تودعه، لتحضر تنتظره في هذا المكان حين رأته يتجه لشرفة النساء حيث والدته و...زوجته المستقبلية .
ارتدت ثياب الجندي وجاءت له وهذه المرة ليست للقتال، بل لتشجيعه .
أبصر إيفان اقتراب جسدها منه ليرفع حاجبه :
" مر وقت طويل .."
" انتظر عودتك منتصرًا، لأجل شعب مشكى قبل كل شيء مولاي "
ابتسم إيفان بسمة جانبية يردد بهدوء :
" أنا لا أفعل ما افعل سوى لأجل شعب مشكى الذين لم يتبقى لهم إلا الله "
" شكرًا لك "
" على ؟؟"
نظرت في عيونه تقول :
" على كل شيء، كنت خير معلم لي تلك الايام، أكملت دروسي بعدما توقف أخي "
نظر لها نظرات غامضة يقول بصوت أبح وكأنه جاء من بئر سحيق :
" رحمة الله عليه "
انتفضت فجأة لتلك الكلمات ونبرته التي خرجت بها، ابتلعت ريقها، ثم نظرت ارضًا ثواني قبل أن ترفع عيونها له تقول بصوت منخفض :
" إن سألتك المجئ معكم، هل ستقبل ؟؟"
نظر لها إيفان بتفاجئ قبل أن يعتدل في وقفته يقول بجدية :
" هل سبق ورأيتي امرأة تحارب بين الرجال في أي معركة ؟؟"
نظرت له كهرمان تدرك مقصده، لكنها كانت محاولة واهية لها، فهي منذ استيقظت ارتدت ثياب الجندي واحضرت سيفها كمحاولة أخيرة لها، سمعت صوت إيفان يقول بجدية ونبرة جعلت جسدها يرتجف ..رعبًا :
" أقسم إن لمحت طيفك بالقرب من قافلة الجيش، أو رأيت ظلك في أرض المعركة لأكون أنا أول خصم لكِ في ساحة القتال وانتزع رأسك عن جسدك، هذه حرب ليست كذلك اليوم في الهجوم على القصر، سمعتي ؟؟"
صُدمت كهرمان تتراجع للخلف بصدمة من كلماته تقول بأعين مغتاظة :
" أنت كيف تتحدث معي بهذا الشكل ؟؟ "
" أتحدث بالشكل الذي أراه صحيحًا، لا أريد رؤية تلك الأفعال المتهورة والمتسرعة مجددًا، حسنًا ؟؟"
نظرت له بعناد ليقول من أسفل أسنانه :
" حسنًا ؟؟"
" حسنًا "
تنفس بصوت مرتفع يتأكد من ثيابه :
" جيد، يبدو أن شقيقك أحسن تربيتك في النهاية، والآن اعذريني عليّ الرحيل "
تحرك بعيدًا عنها تحت نظرات تسائل منها عن مقصد جملته الاخيرة، لكنه لم يريحها، بل كل ما فعل هو أنه توقف فجأة في سيره يستدير لها نصف استدار لها يخلع لها خوذته التي كان قدر ارتداها ينحني بها نصف انحناءة صغيرة، ثم اعتدل مانحًا لها بسمة صغيرة يقول بصوت منخفض :
" لا تنسيني من دعواتك، رغم معرفتي أنكِ تبغضيني "
خرج من القصر بعد كلماته تلك ولم ينتظر ردًا منها، وهي فقط نزلت اللثام تقول بصوت منخفض واعين ذابلة وخوف كبير ملئ صدرها أن يعيد التاريخ نفسه :
" لكنني لا أفعل مولاي ..."
______________________
يقف مع جيش الرماة بعدما انتهى من تفقده، ينتظر حضور الملك للرحيل، رغم عدم رغبته الحالية بالرحيل إلا بعدما يراها، تنفس بصوت مرتفع يبتغي وداعًا يخبرها فيه بما ضمره ايامًا طوال، قرار سهر ليلته يفكر به حتى استقر عليه .
لكن أنّى له من لقاء وقد سلبته آخر رابط قد يجمعهما صدفة، مسح دانيار وجهه حين سماعه صوت مهيار يقترب منه قائلًا بهدوء شديد :
" أنت بخير دانيار ؟؟ هل تشعر بالتوعك أخي ؟!"
ابتسم له دانيار بلطف يربت عليه :
" بخير مهيار، فقط أشعر بالـ.. حقًا لا أدري بما أشعر "
نظر له مهيار بدقة وكأنه يبحث في ملامحه عن أي بادرة تعب، ليبتسم له دانيار يدرك قلقه الشديد فهو منذ جاء ذلك اليوم للساحة ورأى عنفه وضيقه وهو يتبعه في كل مكان يسأله إن كان بخير .
" إذن إن شعرت بشيء أخبرني "
نظر له دانيار ثم ضمه له بلطف وحب شديد :
" مهيار الحبيب ادامك الله لي يا أخي، أنا بخير لا تقلق "
ربت عليه مهيار يشعر بمقدار القلق والحيرة التي تسكن عيونه، في تلك اللحظة اقترب منهم تميم يقول بهدوء :
" ماذا يحدث هنا ؟؟ دانيار يعانق مهيار ؟؟ أهي نهاية العالم أم تأثير الحرب ؟!"
أبتعد مهيار عن دانيار الذي ضمه له بلطف يقول :
" نعم هذا تأثير الحرب، تود التجربة ؟؟"
ابتعد تميم للخلف ممازحًا :
" لا أرجوك اعفني من كل هذا "
ضحك عليه دانيار بصوت مرتفع ولم يكد يكمل ضحكته حتى لمح طيفها يتحرك في المكان على بُعد صغير منه، اتسعت عيونه وتحفزت جميع أعصابه، ونظر صوب سالار الذي كان يتحدث مع أحد كبار الجيش في انتظار الملك .
ابتلع ريقه يقول بسرعة وهو يتحرك بعيدًا عنهم :
" مهيار سأعود بسرعة، غطوا غيابي إن تأخرت "
وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة كان يركض بعيدًا عنهم صوبها، يتجاهل أي اصوات حوله وهو يتابعها بنظره تتحرك بعيدًا عن الأعين بعض الشيء بعدما منحته نظرة صغيرة .
ركض حتى وصل لها ليمنعها التحرك خطوة إضافية يقول بصوت مرتفع وللمرة الأولى :
" زمـــرد "
توقفت قدم زمرد عن التحرك بعدما شعرت بتجمدها لثواني معدودة، استدارت ببطء تواجهه لتراه يقترب منها بلهفة شديدة :
" مرحبًا .."
تعجبت ؟! بل صُدمت نبرته ونظراته لها، تراجعت بريبة تشعر أنه يضمر لها شيء لا تدركه، شيء تعلم أنه ليس سيئًا وهذا اسوء من أن يضمر لها السوء .
" مر...حبًا "
ابتسم لها بسمة صغيرة يقترب خطوة إضافية :
" مبارك عليكِ عودة سيفك البارحة "
ابتسمت له بسمة جانبية :
" وهذا ليس بفضلك كما تعلم "
" لا لم يكن كذلك، لكن لا بأس طالما أن النتيجة واحدة، فأنا كنت بالفعل انتوي إعادته لكِ البارحة "
رفعت حاجبها لا تصدق ما يقول ليبتسم هو بسمة أوسع :
" صدقي أو لا تصدقي، أردت منحك السيف قبل رحيلي للحرب، علها تكون ذكرى أخيرة جيدة مني "
انتفض جسد زمرد انتفاضة صغيرة غير محسوسة لكنها كانت مرئية له تقول بصوت خافت :
أنت... أنت ذاهب للحرب صحيح ؟! "
" نعم "
كان سؤالًا غبيًا تعلم، لكن هذا هو ما جاء في عقلها حين سمعت كلماته، على الأقل لن تكون تلك الكلمات أكثر غرابة من سؤال يلح عليها أن تنطقه، وكيف تفعل وتخبره أن ينتبه لنفسه، وهل سيكون بخير ؟؟ هل سيعود مجددًا ؟؟
هو الآن ذاهب في رحلة إبادة لشعبها وعشيرتها ومن اعماق قلبها تتمنى له التوفيق حقًا، تنفست بصوت مرتفع، ثم رفعت عيونها له تقول :
" أتمنى لك الـ ..."
" تزوجيني ."
توقفت عن الحديث، بل توقفت عن التنفس وتوقف العالم حولها، ما هذا ؟؟ ما الذي نطق به للتو ؟؟ بلا مقدمات نطق هذه الكلمة التي أصابت منتصف قلبها، البارحة كان يبحث عنها لقتلها واليوم يخبرها أنه يود الزواج منها ؟! هل جُنّ ؟!
تجاهلت ضربات قلبها التي تعالت تضامنًا مع كلماته، تؤيده وبقوة، بينما عقلها رفع رايات الاعتراض وحشد جيوش التمرد، يرفض هذا القرار بعنف .
تراجعت للخلف بوجه شاحب وهي ترى نظرات دانيار لها، يراقب ردات فعلها التي تتابعت على ملامحها، وهناك بسمة كبتها يقول بهدوء :
" لا أريد ردًا الآن، إن كتب الله لي عودة سآخذه منك "
صمت ثم نظر لها ثواني يراقب ملامحها التي كانت تصرخ بالرفض، لكنه انتوى داخله وانتهى الأمر هو لن يقبل بالرفض جوابًا .
" سأقبل جوابك ايًا كان، لا تنسني من دعائك "
ابتسم يرحل بسرعة كبيرة راكضًا صوب الجيش مجددًا يتنفس بصوت مرتفع لا يدرك حقًا كيف تحدث بكل هذا، لا يدرك كيف قال كل ذلك، لكنه سعيد .
وهي ما تزال مكانها تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي تهتف من بين صدمتها :
" ما الذي حدث للتو ؟؟؟"
____________________
رحل الجيش وبقي البعض منه في القصر لحماية النساء، لكنه ليس بالكثير كمن رحل، ساروا في طريقهم لخوض حرب غير معلومة النتيجة، فلا هم يضمنون الانتصار، ولا يتوقعون الخسارة، هم فقط استعانوا بالله وانطلقوا .
وفي القصر وبمجرد إغلاق البوابات بعد رحيل الجيش، استدارت شهرزاد صوب تبارك بسرعة كبيرة تنظر لها نظرات الكلب الذي تركه صاحبه واخيرًا ينفرد بقطه، لكن تلك القطة والتي اعتادت الهرب طوال الوقت ابتسمت بسمة واسعة تنحني لها انحناءة بسيطة برأسها:
" اعذريني مولاتي، لدي بعض الدروس للانتهاء منها "
وبالفعل ها هي تخرج من الشرفة بسرعة كبيرة مبتسمة بسمة واسعة تتذكر النظرة الأخيرة للملكة قبل خروجها، بدت كما لو أن فعلة تبارك تلك تسببت لها في انحصار كلمات كانت على وشك الفيضان في وجهها .
الملك أخبرها أن تُحكم عقلها وهي حكمته وأمرها بتجاهلها، وها هي تسير في القصر تفكر فيما يجب أن تفعله، الأمر ممل بعض الشيء، حتى الطبيب رحل معهم، فلم تعد تستطيع الذهاب للمشفى .
لكن مهلًا هل هذا شيء مسلي يتحرك أمامها الآن ؟؟ جندي بأعين كحيلة ووجه نسائي جميل يتحرك في المكان ؟؟ هي ليست فضولية وليست مزعجة، لكن للضرورة أحكام..
تحركت تبارك بسرعة خلف تلك الجندية بخفة شديدة تعلمتها وتمرست عليها حين كانت تتسحب خارج بنايتها هربًا من أعين النساء، شيء تشكرهم لأجله.
انتبهت أن الفتاة تتحرك بخطوات ثابتة صوب إحدى الحدائق وهناك توقفت ثواني تنظر حولها لتختبئ هي بسرعة كبيرة، ثم أخرجت رأسها ترى أنها دخلت أحد المباني وغابت بها دقائق قبل أن تخرج فتاة رقيقة بثياب جميلة تنافي كليًا ما رأته هي .
أمسكت كهرمان الحقيبة الخاص بالثياب، تتحرك صوب مكان تجمعها المعتاد مع برلنت وزمرد، وبمجرد أن وصلت وجدت برلنت تجلس جانبًا كتلميذة تخشى غضب معلمها، بينما زمرد تتحرك في المكان كأسد سحبوا منه شبله الصغير وألقوه في قفص .
نظرت صوب برلنت تسألها بعيونها عما حدت لتحرك برلنت كتفها بجهل شديد :
" ما الذي حدث زمرد، ما بالك مشتعلة منذ الصباح !؟"
استدارت لها زمرد بشراسة غير معهودة منها معهم لتتراجع هي للخلف بسرعة وتنقلب برلنت على ظهرها بخوف حيت حاولت النهوض بسرعة لتركض .
" ماذا ؟! أنا بخير، ما الذي يحدث لي ؟؟"
" لا شيء حبيبتي أنتِ بخير، أهدأي "
تنفست زمرد بصوت مرتفع تشعر بأنها تتهاوى، صراع عنيف داخلها، قلبها يحارب اعزلًا في معركة غير عادلة ضد خلايا جسدها بأكملها، الجميع يحاربه ويلومه بموافقته الغبية تلك على قرار لن يساهم إلا في تسريع هلاكهم .
مسحت زمرد وجهها تقول بصوت منخفض :
" الأمر معقد للغاية لقد ..."
فجأة توقفت حين أبصرتها تقف على بُعد صغير منهم تراقبهم بأعين فضولية حذرة تحاول معرفة ما يحدث، لترفع زمرد حاجبها تقول بصوت غاضب مسموع لكهرمان وقد كانت في هذه اللحظة لا تفرق بين أحد .
هذه الفتاة لا تحسن حقًا اختيار اوقات الظهور أمام عيونها :
" تلك الفتاة نهايتها على يدي، سأقتلها "
تعجبت كهرمان حديثها وهي تستدير معتقدة أنها تقصد برلنت :
" ماذا فعلت بر....ماذا ؟؟ ما الذي تفعله هنا ؟؟"
ابتسمت تبارك لهن بسمة صغيرة وهي تقترب منهن ترفع كفها في الهواء تقول ببسمة صغيرة لا تدري ما التصرف الصحيح في هذا الموقف فهي يومًا لم تصادق أحد عدا زملاء العمل وهم في الحقيقة فرضوا أنفسهم عليها :
" مرحبًا "
زفرت زمرد بصوت مرتفع تقول بغيظ شديد والغضب داخلها غير موجهة لتبارك تحديدًا :
" هذا ما ينقصني الآن "
نظرت لها تبارك بأعين متسعة خجلة، تدري أنها اقتحمت جلستهم بكل وقاحة ودون أي حق بذلك، ابتلعت ريقها تعود للخلف معتذرة :
" أنا آسفة لم أقصد ازعاجكم، فقط أردت معرفة إذا ما كنتِ ...."
توقفت عن الحديث وشعرت أن ما من فائدة لكل ذلك، لذا قررت التحرك بعيدًا وهي تعتذر بخفوت تود الرحيل، لولا برلنت التي امسكتها بسرعة تقول :
" مهلًا مولاتي هي لا تقصد شيئًا اقسم لكِ، فقط تلك الغبية زمرد لا تتحكم بلسانها، ثم هي منزعجة بعض الشيء، لذا تتحدث دون وعي، أليس كذلك زمرد ؟!"
كانت تتحدث بسرعة رعبًا أن تغضب الملكة وتتعاقب زمرد بسبب لسانها السليط، ابتلعت برلنت ريقها تنظر لزمرد برجاء أن تؤكد حديثها، وزمرد فقط نظرت بغضب صوب تبارك وكأنها هي من اختارت أن تكون زمرد من المنبوذين، وهي من جعلتها تميل لشخصٍ لن تناله إلا في احلامها .
داخل زمرد في تلك اللحظة كان هناك فيضان كبير، رفضت أن تؤكد كلمات برلنت تبعد عيونها عنها وتبارك شعرت بالفشل في المرة الوحيدة التي قررت الخروج من قوقعتها، بل الثانية، حسنًا الانطوائية أفضل لها، فلن تكون مضطرة على عيش مثل تلك المواقف المخجلة .
هزت رأسها تقول بسرعة :
" لا، لا بأس، أنا فقط أردت الحديث قليلًا مع رفيقتكم حول اتفاق بيننا، لكن يبدو أنني جئت بوقت غير ملائم، اعذروني آنساتي "
حملت أطراف فستانها وهي تستدير ببطء لترحل تشعر بضيق شديد ورغبة كبيرة في الانعزال عن جميع البشر الآن، لكن فجأة توقفت على صوت يقول :
" لحظة "
توقفت تبارك بتردد تنظر صوب صاحبة الصوت والتي كانت هي نفسها الفتاة الجندية لتجدها تجذب الأخرى بقوة وهي تقول ببسمة صغيرة :
" نعتذر لكِ مولاتي حقًا زمرد لا تقصد أن تكون وقحة "
تمتمت زمرد بحنق شديد :
" نعم أنا لا اقصد ذلك، فأنا هكذا بالفعل "
زجرتها كهرمان بقوة، ثم نظرت لتبارك تبتسم لها بلطف بعدما اوجعتها نظرتها وهي ترحل خائبة الامل، قالت بلطف :
" نحن بالطبع نرحب بكِ معنا، بل شرف كبير لنا أن نجلس مع الملكة "
تتحدث وهي تشعر باحتراق صدرها من الداخل، تلك الحقيقة تقتلها، لكن رغم ذلك ابتسمت حينما أبصرت توقف تبارك أمامهم وهي تنظر لزمرد بترقب وكأنها تنتظر منها ترحيبًا بها .
ليلتوي ثغر زمرد بقوة تتنفس بصوت مرتفع :
" نعم لنا الشرف مولاتي "
ورغم أنها لم تكن الكلمة التي تنتظرها تبارك إلا أنها ابتسمت تقول بصوت خافت :
" اشكركم، بل الشرف لي، و... رجاءً نادوني تبارك، فأنا لم أصبح الملكة بعد "
هزت كهرمان رأسها ببطء، ثم نظرت للاسفل تقول في نفسها وكأنها تجيب كلمات تبارك :
" لكنها مسألة وقت لتصبحي كذلك جلالتك، مسألة وقت وتصبحين زوجته "
ارتجف قلبها ترفع عيونها لتبارك التي اقتربت من زمرد تقول بصوت متردد خافت :
" إذن نحن على اتفاقنا ؟؟"
تحدثت زمرد في وجهها بحنق شديد :
" نحن لم نتفق على شيء يا فتاة ؟؟ بل أنتِ من فرضتي نفسك عليّ وهددتني "
اتسعت أعين تبارك تقول بجدية :
" لم أفعل، أنا فقط كنت أخبرك أنني اعلم حقيقتك، لكنني لم اهددك، فقط طلبت منكِ وباحترام شديد أن تعلميني المبارزة "
صمت زمرد يديها لصدرها ترفض كل ذلك :
" لا أريد ذلك، أنا لست مؤهلة لتعليم أحدهم شيئًا، لا امتلك الصبر لذلك "
هزت تبارك رأسها تنظر لكهرمان تقول بجدية :
" إذن علميني أنتِ أولستِ جندية في الجيش؟؟ إذن لا بد أنكِ تعلمين كيفية المبارزة "
اتسعت أعين كهرمان بقوة وهي تنظر لها بصدمة تفكر كيف عرفت الملكة بـ ..وفجأة تذكرت يوم رأت ملامحها يوم هجوم بافل على سفيد، ابتلعت ريقها تنظر لزمرد التي همست بصوت جاد :
" أخبرتك أن نقتلها لتلك الفتاة، هي تعرف الكثير، لا ينقصها سوى برلنت الغبية ويصبح معها بطاقة حمراء لثلاثتنا "
تنحنحت كهرمان تحاول الحديث ببسمة متوترة صغيرة :
" يبدو أن الأمر اختلط عليك مولاتي، أنا لست جندية ونحن في الممالك لا نجند النساء "
رفعت تبارك حاجبها تقول ببسمة صغيرة وقد بدأت تدرك الأمور تضم يديها لصدرها تشعر بالانتصار اللحظي عليهم :
" إذن لماذا كنتِ ترتدين ثياب الجنود منذ ثواني قبل أن تأتي هنا مباشرة "
صاحت زمرد بحنق شديد :
" اخبرتكم لنقتلها "
اتسعت أعين تبارك بصدمة وهي تتراجع للخلف تدرك الآن أن تلك الفتاة خطرة، خطرة وبشدة، لكن كهرمان دفعت زمرد للخلف تقول بحنق :
" توقفي عن مزاحك زمرد اخفتيها "
نظرت لتبارك تقول بجدية :
"اسمعي، هذه الأمور لا نحب أن نشاركها مع أحد؛ لذا هي اسرار لا أحبذ أن تخبريها لأحد، أخبريني ماذا تريدين مقابل الحفاظ على تلك الأسرار ؟! "
نظرت لهم تبارك بريبة لتجد أن برلنت تبتسم لها بسمة صغيرة لطيفة وكهرمان تنظر لها بترقب، وزمرد بشر وكأنها تنتظر إشارة لقتلها فعليًا .
" أريد أن أصبح مبارزة بارعة و...."
ترددت لتقول ذلك، لكن وحدتها وكل معاناتها هنا دفعتها لتقول ولأول مرة في حياتها بخجل شديد تفرك كفيها :
" يمكننا أن نصبح أصدقاء ؟؟"
صاحت برلنت بسرعة وهي ترفع يدها في الهواء بحماس شديد تقول مقتربة من تبارك :
" أنا موافقة .."
نظرت لها زمرد بحنق شديد وتحذير :
" أيتها الحمقاء بهذه السرعة ؟؟ هذا لأنها لا تهددك بشيء "
" يا فتاة هذه الملكة تطالب بصداقتنا، هل تمزحين معي ؟؟ بالطبع اقبل "
قالت تبارك بصوت خافت :
" أنا لا اهددكم بشيء، حتى إن رفضتم الأمر فلست واشية لاخبر أحد، وإلا لكنت فعلت ذلك منذ أيام.."
تجاهلت برلنت كل ذلك تقول ببسمة :
" دعك منهم تبارك، أنا برلنت أعمل هنا و...حسنًا أنا زوجته لصانع الأسلحة "
قالت تبارك بعفوية شديد وصدمة :
" تميم ؟؟"
اتسعت بسمة برلنت بقوة تقول :
" نعم هو، من كان يعلمك الفروسية، هو بارع صحيح؟؟ "
ابتسمت لها تبارك بسمة واسعة ترى حبها الواضح، ورغم جهلها أن تميم متزوج إلا أنها هزت رأسها بهدوء تبارك لها الزواج، تدرك الآن أنها بالفعل لا تعلم شيء عن أي أحد داخل هذا القصر، فقط الملك تعلم عنه بعض الأشياء بسبب أحاديثهم القليلة العميقة .
اقتربت منها كهرمان تقول بصوت خافت :
" أنا كهرمان عاملة هنا "
نظرت لها تبارك تقول بعفوية :
" أنتِ جميلة "
" اشكرك، بل الجمال كله لكِ عزيزتي "
رفعت تبارك عيونها لزمرد تنتظر منها بادرة ترحيب أو قبول لها بينهم، لكن كل ما فعلته هي أن نظرت لها بغضب وحنق شديد تضم يديها لصدرها قبل أن تتلقى ضربة من برلنت تهمس لها :
" توقفي عن كونك لئيمة "
زفرت زمرد بصوت مرتفع تقول وهي تبعد عيونها صوب تبارك تلين لها بعض الشيء :
" أنا زمرد "
ابتسمت لها تبارك بسمة صغيرة :
" تشرفت بمعرفتك زمرد "
هزت لها زمرد رأسها ولم تكد تتحدث بكلمة حتى سمع الجميع فجأة صوت جعل أجسادهم تنتفض بقوة والأعين تتسع بصدمة، وصوت أبواق الانذار تنطلق بشكل مخيف، يتبعه صوت جهوري لأحد جنود برج المراقبة يدعو المتبقي من الجيش للانتفاض :
" هجوم من المنبوذين، لقد صنعوا لنا مكيدة "
اشتعلت أعين زمرد وهي تهمس بشر :
" يا ويلي من هؤلاء الخنازير ....."
______________________
عدد مهيب يتوقف في منتصف منطقة خالية إلا من بحيرة صغيرة عسكر عندها مهيار ومن معه من رجال الإغاثة الفورية للرجال .
وعلى مسافة منه كان هناك أعداد غفيرة من الجنود يترأسه بالطبع إيفان بكل قوة يرفع رأسه عاليًا وكأنه يأبى أن يحني رأسه للريح .
صمت طويل هو كل ما يمكن سماعه في المكان، صمت لا يتناسب مع اعداد البشر الكثيرين في المكان، هم فقط يحدقون أمامهم بجمود شديد ينتظرون وصول جيش بافل، ووصوله هو شخصيًا يترأسهم .
مدً إيفان بصره يحاول رؤية أي شيء، لكن يبدو أنهم جبنوا لدرجة أن تخلفوا عن الحرب، عارٌ عليهم وعلى ذريتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومنذ متى لم يصاحبهم العار، أو يرافقهم الذل ؟؟
طال الانتظار ولا إشارة واحدة تدل على نية الطرف الآخر في القدوم .
تحرك تميم بسرعة بخيله يقترب من إيفان يقول بجدية :
" الأن ماذا مولاي ؟؟"
صمت إيفان ينظر جواره صوب أحدهم، ثم نظر أمامه يقول بصوت جامد :
" لا أدري حقيقة تميم، فأنا يومًا لم اقابل خصمًا بمثل هذه الوضاعة والجبن عدا والده، اعتقد أن تقهقر الجيوش الآن أمر غير مقبول، ربما ينتظرون منا استدارة ليضربوا ظهورنا، فهم بارعون في الأمر "
هز تميم رأسه يعود بسرعة صوب مركزه بعدما نظر للجبل الذي يبعد عنهم مقدار صغير والذي استقر فوقه دانيار وجيش الرماة خاصته، ومن ثم نظر صوب الكتيبة الأخيرة جوار الملك يتنهد بصوت مرتفع، ولم يكد يعود لمكانه حتى شعر الجميع باهتزاز الأرض اسفلهم بشكل جعل الأجساد بأكملها تتحفز بشكل مخيف .
تجهز المشاة والفرسان ..
واعلى الجبل كان دانيار يمسك منظارًا يراقب الأجواء منه، يبصر ضبابًا كثيرًا يزحف صوب جيوش الملك وحينما تلاشى الضباب اتسعت أعينه حين أبصر اعداد غفيرة تتحرك صوبهم .
اتسعت بسمته بشراسة وهو يهدر بصوت رن صداه في المكان بأكمله :
" مـــن الشمــــال، والشـــرق "
تبع صرخة دانيار صرخة أشد قوة من إيفان في جنوده :
" تجهــــزوا "
وفي ثواني كان الجميع يرفع أسلحته في الهواء ينتظرون لحظة اقترابهم، وما هي إلا دقيقة معدودة كانت بها أعين إيفان مركزة على القادمين، عيونه مثبتة على الجيش الذي يزحف نحوهم بشراسة كبيرة .
ثواني هي حتى التحم الجيشان .
وعلت الصيحات من الجهتين صرخات شرسة من جهة المنبوذين تقابلها " الله أكبر" من جيوش إيفان الذي شعر بالادرينالي يندفع في أوردته وهو يهجم بقوة على من يقابله .
ودانيار أعلى الجبل ينتظر اللحظة المناسبة للتدخل فقط يراقب بحرفية عالية، الصمت السابق تحول لطوفان من الضوضاء، الهدوء سرعان ما جلب عاصفته .
كان تميم يقود وحدته الخاصة وهو يدور حول جيش بافل يجبره على التوغل للداخل، يدفعه للمنتصف حتى يطوقونه .
نظر تميم حوله ثواني قبل قبل أن يرفع سيفه وهو يصرخ في صفوفه :
" تقدموا... الآن"
تحرك الجميع بسرعة خلف تميم يتحركون لجانب جيش بافل يلتفون حوله بمهارة، يقاتلون رجاله مجبرين إياهم على الدخول في المنتصف ليحاصرونهم .
واعين إيفان من بين كل ذلك القتال تراقب المكان، يبحث عن وجه بافل بينهم، لترتسم بسمة مخيفة أعلى وجهه يقول بجدية :
" أوه إذن الفأر خشي ترك جحره والمجئ لساحة الحرب ؟؟"
نظر حوله يرى أن أعداد جيش بافل ليست بالكبيرة، أعداد قليلة وكأنهم فقط أرسلوا لهم فتات الجيش بينما الجزء الأكبر منهم بقى في مقرهم، أو ربما لا ...
ابتسم بسمة جانبية وهو ينظر لأحد رجال بافل يحرك حاجبه له ليهز له ذلك الرجل حاجبه ويقترب منه بسرعة كبيرة رافعًا سيفه في الهواء كي يهجم على إيفان، وحينما وصل له رفع الإثنان سيوفهم في الهواء يتنطاحون .
اقترب ذلك الرجل من إيفان بملامح شرسة، وحين أصبح على مقربة منه همس بصوت خافت :
" زحف الجزء الأكبر من جيوشهم صوب سفيد "
اتسعت بسمة إيفان أكثر ينظر في عيون ذلك الرجل وهو يهمس له بصوت مرعب :
" مرحبًا بهم، تركت لهم من يرحب بهم هناك ..."
___________________
لم تعي شيئًا، فقط شعرت بمن يجذب ذراعها بقوة مخيفة مبعدًا إياها عن الحديقة، يركض بها صوب القصر ليأمنها، ولم يكن ذلك الشخص سوى كهرمان التي كادت تحملها فوق كتفها وتهرب به برعب شديد، فمجيئهم هنا يعيد لها ذكريات سيئة، جاءوا ليخربوا الديار ويشردون أهله، ويأسرون النساء وعلى رأسهم بالطبع الملكة .
كانت تبارك تتنفس بصوت مرتفع وهي تركض بصعوبة بسبب الفستان الخاص بها تلعن في نفسها كل من ساهم في تصميم هذا الثوب الذي صنعوه فقط لأسر النساء وتعذبيهن به .
فجأة توقفت على صرخة زمرد التي انحنت ارضًا تمسك أطراف الفستان وهي تقول ما كانت تفكر به تبارك :
" تبًا لهذه الثياب اللعينة "
وفي ثواني كانت تخرج خنجرًا قطعت به جميع أطراف الفستان، ثم نهضت تقول بصوت مرتفع :
" اركضي، اركضن بسرعة واحتموا بأي مكان "
كانت تتحدث وهي تدفع برلنت وتبارك وكهرمان أمامها، وعيونها تلتمع بتصميم مخيف جعل كهرمان تمسك يدها وهي تصرخ بجدية :
" إلى أين ؟! أنا لن اتركك تتحركين خطوة بعيدًا عنا...دوني"
تنفست زمرد بصوت مرتفع تقول :
" أنتِ ستحمين الملكة وبرلنت، وأنا..فقط سأذهب لارى ما يحدث، لن أشارك بالقتال لا تقلقي، ليس الأن، مواجهتي معهم لم تحن بعد "
نظرت لها كهرمان تتنفس بصوت مرتفع، لكن فجأة دفعتها كهرمان بقوة وهي تقول :
" أمني الملكة وبرلنت كهرمان أنتِ تستطيعين القتال وحمايتهم "
نظرت لهم تبارك ثواني وهي تراهم يتصارعون على حمايتها، ولم تتحدث بكلمة أو تخبرهم أنها بالفعل تستطيع القتال بشكل جيد، على الأقل بالنسبة لها، فهي لا تدري نوع الأشخاص الذين ستتعامل معهم، لربما كان سالار يتهاون معها في التدريبات، رغم شكها في هذا .
ركضت كهرمان والجميع صوب غرفتهن بسرعة والتي اقتحمتها زمرد تنتزع منها سيفها، ثم ركضت بسرعة للخارج، بينما تحركت برلنت صوب النافذة بسرعة تراقب بوابة القصر بأعين متسعة :
" يا ويلي على هذه الأعداد المرعبة، إن كان هؤلاء جميعهم هنا، فمن إذن ذهب لملاقاة الجيش ؟؟"
اقتربت تبارك لتنظر معها ترافقها كهرمان واستقر الثلاثة بالنافذة يراقبون ركض الجنود المتبقيين صوب البوابة لتتحدث كهرمان بصوت مرتجف ونبرة مرتعبة :
" أرى من الآن مئات الجرحى والقتلى يفترشون الأرض "
ابتلعت تبارك ريقها برعب وهي تدعو الله في قلبها ترتجف بخوف :
" يا الله يا مغيث... "
ولم تكد تتحدث بكلمة حتى اتسعت عيونها تستوعب الآن جملة كهرمان التي نطقت بها، مئات الجرحى، مئات الجرحى والطبيب ومن معه بالحرب، مئات الجرحى دون طبيب ..
عند هذه الفكرة انتفض جسدها تبتعد عن النافذة تقول بصوت مرتفع ولهفة كبيرة وضربات قلبها ارتفعت :
" عليّ الخروج بسرعة صوب المشفى قبل محاصرة القصر، عليّ الذهاب هناك لمساعدة الجرحى، لا طبيب هناك .."
نظرت لها كهرمان بعدم فهم، وهي لم تنتظر ليستوعب أحد ما قالت تركض بسرعة كبيرة خارج غرفة الفتيات تحت انظر كهرمان وبرلنت المصدومين مما قالت .
انتفض صدر كهرمان تنظر صوب برلنت ثواني قبل أن تركض الفتاتان خلف تبارك بسرعة كبيرة .
وتبارك لا ترى أمامها سوى باب القصر، تشكر في هذه اللحظة زمرد التي قطعت لها الثوب لتركض بهذه السرعة، وهذا يذكرها، إن نجت عليها أن تلقي بجميع فساتينها لها كي تقطعهم بنفس الشكل .
خرجت من القصر بسرعة كبيرة تركض في الحديقة صوب المشفى، تحاول تنظيم أنفاسها وهي تشعر بضربات قلبها ترتعش من الخوف، اصوات الصرخات وضربات السيوف تصل لها الآن هنا .
" يالله يا مغيث ...يا الله يا مغيث، رحمتك يارب ..رحمتك يارب "
كانت ترتجف وهي تسمع الاصوات تزداد حدة تخشى الموت، تخشى الدمار، تستوعب الآن أن الجيش بجميع قادته في الحرب وهم هنا لديهم القليل فقط من الحماية والتي سرعان ما ستنهار أمام طوفان هجماتهم .
وعلى بعد منها كانت تقف هي فوق في أحد أجزاء القصر تحمل سيف والدتها تحدق بأعين متسعة بما يحدث ترى الجيش يكاد يُهز وقد اقتحم رجال بافل القصر بإعداد غفيرة مرعبة، رفعت وبسرعة لثامها :
" مرحبًا بأهلي وعشيرتي .."
تحركت زمرد بسرعة كبيرة صوب البوابة الخاصة بالقصر وعيونها تطلق نيرانًا، منعت كهرمان التدخل، واخبرتها أن لحظة قصاصها لم تحن بعد، لكن رؤيتهم يعيثون فسادًا أجبرتها على التحرك وهي تنظر لهم بشر تطلق صرخة مرتفعة ...
في الوقت التي تصنمت اقدام تبارك ارضًا تبصر بوابة القصر تسقط وصوت الجنود ازداد حدة، تراجعت للخلف بريبة ترى جنود القصر بدأوا يسقطون واحدًا تلو الآخر متراجعين للخلف، وهي لم تكن أفضل منهم إذ تراجعت بريبة ترى جميعًا غفيرًا من المنبوذين يتدفقون بشكل مخيف للقصر .
شهقت بصوت مرتفع تشعر أنها النهاية، هي تقترب منها، الآن تحققت اسوء كوابيسها، ستموت ميتة شنيعة، أو اسوء، تصبح أسيرة حرب .
نبض قلبها بقوة تتراجع أكثر تسمع أصوات صراخات، وأصوات تكبير، وتدافع قوي وغشت عيونها مشاهد لم تتوقع يومًا أن تراها بهذا الوضوح وهذا القرب .
ومن بين كل تلك الأصوات وكل هذه المشاهد، انبثق صوتٌ تعلمه تمام العلم، صوت يصرخ بصوت مرتفع في الجميع، صوت تدركه وتألفه، بل يألفه قلبها....
رفعت عيونها تبحث عن وجهه بين الجميع وهي تشعر بالرعب، كادت تبكي حينما أبصرت وجهه وهو يقود جيشًا طوّق وفي ثواني قليلة جيوش المنبوذين، لم تهتم بكل ذلك بقدر اهتمامها بذلك السلام الذي تخلخل لصدرها حينما ابصرته، لتهمس دون شعور :
" ســــالار ........"
__________________
وحين تظلم حياتك ويحين الليل، فقط ضوء وحيد هو ما يرشدك للنجاة، وهو في هذه اللحظة كان ضوءها الخاص ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش تعملوا تصويت للفصل، تشجيعًا لي، ولا تنسوا التعليق برأيكم فأنا أقرأه بكامل الحب كل ليلة ...
صلوا على نبي الرحمة ..
لا تدعوا شيئًا يشغلكم عن عباداتكم ..
___________________
ما قبل المعركة :
خرجت جيوش سفيد من القلعة واعلنوا وجهتهم صراحة صوب أرض المعركة وخرج الشعب بأكمله يودعه في حفاوة شديدة، وأصوات تكبيرات مرتفعة .
يسير إيفان متقدمًا الجيوش بملامح جامدة بعض الشيء، يجاوره سالار بنظرات تدور بين الشعب وهناك بسمة صغيرة مرتسمة على فمه وهو يراقبهم، بسمة قد يظنها البعض مرحبة متفائلة، وكان هذا على غير عادته فما كان لسالار أن يبتسم مرة واحدة أثناء تحركه للحرب، لكن الأمر لم يكن بيده، فهؤلاء الحمقى الذين زرعوا أنفسهم بين شعب سفيد يراقبون خروجهم للحرب، كانوا مضحكين وبشدة .
نظر سالار لإيفان الذي كان لا يحيد بنظره عن الطريق، لكنه كذلك لم يقاوم الابتسام، يسمع صوت سالار يردد :
" إذن حدث ما توقعناه .."
ازدادت بسمة إيفان اتساعًا حتى كادت تتحول لضحكات صاخبة يمسك لجام فرسه :
" دعهم يستمتعون بهواء سفيد قبل أن تقطع عليهم أي ذرة هواء تدخل رئتهم، هم ضيوفنا ألا تتذكر "
" نعم أتذكر مولاي "
ابتسم إيفان وهو يتذكر أنه سمح لهم بنفسه أن يدخلوا سفيد، دخلوا في ثوب تجار عن طريق سبز هذه المرة، ويبدو أن الملك بارق لم ينتهي منهم بالكامل، دخلوا فقط ليتأكدوا من أن جميع الجيوش ذهبت للحرب ليضربوا ضربتهم، وهو منحهم ما يريدون وأعطاهم العرض الذي يطمحون له .
يمنحهم نشوة الانتصار الكاذبة، ولذة التقدم عليه، وهم مساكين لم يبلغوه حتى ليتقدموه .
وحينما انتهى الجيش من توديع الشعب صرخ إيفان بصوت جهوري يمنحهم إشارة الإنطلاق:
" تقــــــدمــــوا .."
وفي ثواني انطلقت الجيوش كالقذائف بسرعة مخيفة يعبرون حصون سفيد، جميعًا إلى خارج البلاد بأكملها .
الجيش ينقسم لعدة أقسام، يقود إيفان الجبهة، وجواره كلٌ من سالار وتميم، في حين يحمي جيش دانيار ظهورهم .
لكن وبمجرد أن عبروا بوابة البلاد انقسم عنهم سالار بجيشه في تنظيم شديد وبخفة شديدة وبدلًا من التقدم معهم صوب أرض المعركة، دار حول اسوار المملكة بسرعة كبيرة مع نصف الجيش تاركًا الملك يقود النصف الآخر.
دار حول المملكة دورة كاملة استغرقت ساعات مع جيشة ليدخلها من الحدود الغربية لها وهناك بسمة مخيفة ترتسم على فمه حين سمع صوت أحد الجنود .
" إذن سيدي ماذا سنفعل الآن ؟؟"
نظر لهم سالار بأعين سوداء يردد بجدية وهو يتحرك بجنوده صوب القلعة بسرعة كبيرة وبشكل متخفي من طرق ملتوية :
" دعوهم يقتحمون القصر، اجعلوا هدفهم مصيدة لهم، حاصروهم داخل القصر، لا أود أن يهرب واحد منهم فقط .."
عودة للمعركة :
كان جنود سالار يحاصرون الجيش من كل الثغرات به، وتركوا فقط ثغرة واحدة ظاهرة لهم لتكون مدخلهم صوب القصر، ابتسم حين رأى هجوم جنود بافل على القصر بقوة ضارية ليدّعي جنوده دفاعًا واهيًا كي لا يثيروا الشكوك، ثم في ثواني تحركوا من أمام الباب سامحين لهم باقتحام القصر .
في هذه اللحظة ارتفع صوت سالار يهدر بين جنوده :
" احيــــطوا بهؤلاء الخنازير، قاتلوا أعداء الله "
وفي ثواني لم يحسب لها رجال بافل حسابًا وجدوا سيلًا من الرجال يندفع كالفيضان عليهم من كل حدبٍ وصوبٍ، اندفاع جعل قلبوهم تجفل للحظات وهم يتراجعون بسرعة صوب الابواب، لكن وقبل أن يفعلوا وجدوا جزء لا يُستهان به يقفل عليهم المخرج وصوت جهوري يهتف بهم :
" مرحبًا بكم في سفيد الأرض التي ستتلوث بقذارة دمائكم، وستدفن في جوفها جثثكم العفنة التي أثقلتها الذنوب والمعاصي "
كان صوته يرنّ صداه في أرجاء القصر مسببًا اضطراب في صدر تلك التي كانت تقف بعيدًا تراقب ما يحدث بأعين متسعة، يا الله شتان بين هذا الصوت العاصف والآخر الساخر، لكن في كلا الحالتين يسببان لها اضطرابات وإن اختلفت ..
ابتلعت ريقها تراقب ما يحدث بأعين متسعة، ففي ثواني وبعد كلمة من سالار التحم الجيشان بشكل مرعب جعلها تغمض عيونها وهي تردد العديد من الاستغفارات والأدعية .
تراجعت أكثر تفكر في الركض صوب المشفى لأجل علاج المصابين من الجنود، لكن وقبل أن تتحرك وجدت العديد من الجنود يحيطون بسالار في شكل مرعب، تركوا باقي الجيش وتجمعوا حوله يتنافسون على من يقتله .
ارتجف قلبها تهمس بصوت مرتعد :
" سالار، يريدونه، هم يريدون قتله هو "
وعند تلك النقطة ارتجفت يدها وشعرت بالخوف يحيط بكامل جسدها، تنظر حولها في تشتت ورعب واضح، ثم وفي ثواني ودون مقدمات كانت تتقدم من المكان تلتقط سيفًا قد سقط من أحد الجرحى، تشعر بارتجاف صدرها، تتحرك صوبهم وهي تردد في نفسها :
" الله خير حافظ، الله خير حافظ "
وفي تلك الأثناء التي كانت تحارب تبارك فيها نفسها؛ كي تتشجع وتخوض مضمار لم يسبق أن خاضته يومًا أو حتى وطأته بالخطأ .
كانت هي تقف بينهم وهي ترفع سيفها تجز أعناق كل من يراقبها دون أن يرف لها جفن، تتناثر دماؤهم على وجهها لتتسع بسمتها بشكل مرعب وهي تصرخ فيهم :
" لعنة الله عليكم أجمعين، لعنة الله عليكم اجمعـــــيــن يا حثالة الممالك "
ختمت صرختها وهي تغرز سيفها في أحشاء ذلك الرجل الذي قابلها بنظرات مصدومة، ابتسمت تنتزع سيفها وهو تقول بصوت سوداوي :
" هل ظننتم أنكم انتهيتم مني ؟؟ في أحلامكم الوردية يا قمامة الممالك، فناؤكم على يدي يا قذرين "
ابتسمت حين رأت العديد من الرجال ينظرون لها بأعين متسعة يهمس أحدهم بكلمات مصدومة :
" ابنة الزعيم ؟؟"
" زمرد ؟؟"
" هذه ابنة الزعيم "
ابتسمت له زمرد تقول وهي ترفع سيفها :
" إن اسميتم ذلك الحقير سليل الشياطين زعيم؟؟ فنعم أنا ابنته، مرحبًا بأهلي وعشيرتي في رحلتكم الأخيرة والتي سأختتمها بيديّ هاتين "
وبهذه الكلمات اختتمت زمرد خطبتها القصيرة تهجم عليهم وقد تجمعوا عليها بشكل غير عادل ومنذ متى علموا عن العدل أو الشجاعة، فقط تكالبوا عليها ليسقوطها ارضًا ويعودوا برأسها لبافل الذي أعلنها صراحة، من يحضر له رقبة شقيقته فله ما يشاء من الذهب والمال ..
وزمرد أبت أن تنحني لهم، تنتقم لوالدتها فيهم، شعرت فجأة بخطرهم يزداد، فرغم ضعفهم في القتال إلا أن الكثرة...تغلب الشجاعة .
ولم تكد تلتقط أنفاسها حتى أبصرت من يتدخل للدفاع عنها، نظرت بسرعة جوراها ترى جنديًا من جنود الملك يقاتل معها، ابتسمت حين لمحت عيونه لتسمع صوت ذلك الجندي الرقيق الذي لا يتناسب لا مع ثوبه أو سيفه أو حتى الموقف :
" تمنعيني من القتال لتحظي بالمتعة كاملة وحدك ؟!"
أطلقت زمرد ضحكات وهي ترفع سيفها تغمز لكهرمان التي ركضت تحضر ثوبها وسيفها كي تنضم لهم :
" أخبرتك أنني أنانية حقيرة مولاتي .."
فجأة وأثناء حديث زمرد أبصرت بطرف عيونها تجمهر العديد من الجنود حول سالار بشكل مرعب، لم يكن ذلك ليعنيها فهي كذلك محاصرة، إلا أنها أبصرت أحدهم يرفع سيفه من الخلف والغدر يلتمع في عيونه، لتشعر بالرعب وهي تركض بجنون صوبه صارخة بكل ما فيها من خوف :
" يا قائـــد ..خلفـــــك "
عند سالار كان يحمل سيفيه يقاتل باليدين رافضًا الموت بهذه الطريقة، ليس الآن وليس على يد هؤلاء الحثالة، لن يعطيهم شرف التخلص منه، أبصر جنوده يحيطون به ويشاركونه القتال ليشعر هو بحركة خلفه جعلت جميع حواسه تتحفز وقبل أن يلتف سمع صرخة أنثوية لا مكان لها في هذه الحرب تحذره .
استدار بسرعة كبيرة كي يجز عنق من خلفه، ثم بعدها يفكر في أمر تلك السيدة التي اقتحمت الحرب .
لكن وحين استدار ورفع سيفه عاليًا، ما وجد لسيفه موضعًا في جسد مهاجمه، فقد سبقه أحدهم وغرز سيفه في جسده، تهاوى جسد الرجل ارضًا مفسحًا المجال لسالار كي يبصر منقذه والذي لم يكن سوى ...تبارك ؟؟
________________________
انتهت الحرب ..
بهذه البساطة انتهت، إذ لم تكن تلك الحرب المقصودة من حديث بافل، فهو لم يكن بمثل تلك الشجاعة ليعلنها حرب صريحة بين الجيشين في أرض المعركة، بل حرب بافل التي كان يقصدها هي نفسها حرب والده وأجداده، حرب الغدر والخسة، حرب الجبن والسطو، أراد دفعهم بالجيوش صوب ساحة المعركة لأخذ البلاد .
ابتسم إيفان بسمة جانبية يراقب أجساد جيش بافل المترامية ارضًا والمتبقي منهم سحبهم الجنود كأسرى لهم، مقابل عدد قليل من قتلى جيشه الذين صعدت أرواحهم شهداء، وبعض المصابين..
رغم أن الأعداد التي واجهوها كانت تقدر ببضعة الآلاف مقابل نصف جيشه، إلا أن الغدر لا ينفك يلاحق رجال بافل الذين جاءوا هذه الحرب يدركون خسارتهم لها ولارواحهم، لكنهم أبوا إلا أن يرحلوا ومعهم بعضًا من أرواح جنوده الاشراف، غدروا بالقليل منهم واسقطوهم من ظهورهم، أرادوا أن يرافقوهم في رحلتهم للآخرة، لكنهم نسوا أن قتلاهم ليسوا بموتى، بل هم شهداء ....
سمع صوت تميم يردد جواره:
" إذن ماذا سنفعل الآن مولاي ؟؟"
نظر إيفان أمامه يقول بصوت خافت بعض الشيء وعيونه تحلق جول جنوده الذين فقدوا رفاقهم، فقد كان البعض يجلس ارضًا يرثي رفيق أو أخ، لم يسقط منهم الكثيرون، لكن ظفر رجل واحد من رجاله الاشراف بجيش من هؤلاء القذرين ..
" سنُكرم شهداءنا، ادفنهم حيث لقوا مصرعهم تميم، سندفنهم ونودعهم ونعود لنبلغ ذويهم خبر استشهادهم، أريد أن يُكرم جميع أهالي شهدائنا، والمصابين انقلهم حيث مهيار، انتهت المعركة يا تميم، ولم تنتهي الحرب بعد "
ختم حديثه يتحرك، لكن وقبل أن يبتعد خطوة عن تميم تساءل الاخير بصوت جاد :
" ومِشكَى يا مولاي ؟!"
نظر له إيفان من خلفه كتفه يقول بهدوء وبسمة صغيرة :
" مِشكَى أصبحت على بُعد خطوات يا تميم، فما فعله الآن بافل وضع نهاية سريعة له ولحاشيته "
انتهى يزيد من سرعة حصانه تحت أعين تميم الذي لم يفهم شيئًا مما حدث، إلا أنه هز رأسه ينظر صوب الجيوش يقول بصوت مرتفع :
" لا تدعو منا أحدًا المصابين خذوهم صوب خيمة العلاج، والشهداء سندفنهم في أرضهم حتى يُردوا لبارئهم، ويجتمع الخصوم "
ختم حديثه يمنح شهداءهم النظرة الأخيرة وكأنه يودعهم، ثم قال بصوت خافت :
" عشتم ابطالًا ورحلتم شهداءً، فهنيئًا لكم الجنة يا رجال هنيئًا لرمال تشربت دماءكم الطاهرة، لم تنتهي حربكم، بل فقط أُجلت ليوم تجتمع فيه الخصوم، ألحقنا الله بكم .... "
___________________
ارسل جيوشه في حربين مختلفتين، وهو ؟؟؟
لم يتزحزح عن عرشه مقدار شعرة واحدة، يجلس وهو ينظر أمامه دون إشارة واحدة تدل على أنه حي يرزق، يدرك أن حرب الساحة خاسرة، فهو لم يرهق نفسه بالتفكير فيها، لكن الحرب التي ارسل بها جنوده للقصر بالطبع ستكون رابحة، لا ريب أنها ستكون كذلك .
غامت عيونه وهو يعيد أمام عيونه رحلته منذ بدأ تلك الحرب الباردة، حرب بدأت بهجمات متتالية على جميع الممالك، هجمات شلت قوى البعض واضعفتها بالكامل كمملكة سبز والتي لم يكن جيشها بالقوي، فاستنزفه هو في معركة واحدة .
وجيش آبى الذي ما يزال يمنحه ضربات متتالية ستطيح به عما قريب، واخيرًا جيش سفيد والذي كان شديدًا لا تسقطه ضربة أو اثنتين فعكف طوال الأيام السابقة على إرسال هجمات متفرقة لهم، يعلم أنها ستفشل، لكنه فقط كان يستنزف بها قواهم شيئًا فشيء .
وفي الحقيقة هو نجح قليلًا إذ أن هجماته الأخيرة أدت لحدوث إصابات أضعفت من قوى الجيش، واخيرًا خُدعته بحرب مزيفة تتيح له فرصة الهجوم على سفيد .
اتسعت بسمته ينتشي من انتصار وشيك، حازه بالخديعة، أوليست الحرب هي ساحة الخديعة المفضلة ؟؟
" قريبًا، قريبًا جدًا سفيد ومن بعدها ستسقطون جميعكم واولكم ذلك الاحمق الذي وضع رقبته بين أناملي.."
ختم حديثه يضم قبضته بقوة وكأنه يطحن رقبة أحدهم أسفل أنامله:
" وضع يده في يدي بكل غباء، سلمني نفسه ومملكته وساعدني في سلب مشكى، مسكين ..."
اغمض عيونه يرتاح في مقعده يتحين اللحظة التي تصل له إشارة سقوط سفيد حتى يتحرك بباقي جيشه ويسقط المتبقي منهم ...
____________________
كانت صدمته كبيرة حيت أبصر الملكة أمامه تحمل سيفًا ملئ بدماء أحد المنبوذين وقد كانت أعينها متسعة بصدمة كبيرة وجسدها يرتجف مما فعلت وكأنها فعلت ما فعلت تحت تأثير مخدرٍ ما .
وتبارك كانت كذلك بالفعل، فهي لم تشعر بشيء سوى بجسدها يندفع بقوة صوب ساحة المعركة تقتحمها، ودون تفكير كانت يدها ترتفع غارزة سيفها في ظهره.
تراجعت للخلف بصدمة وهي تحاول تبرير ما فعلت وكأنه يلومها أو ما شابه :
" كان سيقتلك ..كان سيـ "
وقبل أن تكمل كلماتها وجدت عدد غفير من رجال بافل يتكالبون عليها هي وسالار، ودون شعور وجدت سالار يجذبها بقوة خلف ظهره وهو يتراجع مشهرًا سيوفه في وجوههم على أتم الاستعداد ليحارب حتى النفس الأخير به، وفي هذه اللحظة لم تكن ميتته تعنيه بقدر ما يعنيه نجاة تلك المرأة خلفه، حتى وإن قُتل على يد هؤلاء الانجاس.
كان على استعداد لإسقاط كامل حديثه السابق بالموت على أيديهم إن كان ذلك سبيل نجاتها .
تراجعت تبارك تحتمي بظهر سالار الذي هب يدافع عنها بجسارة وتوحش مخيف جعلها ترتجف وهي تشعر بالدماء تتناثر عليها .
مشهد لو كانت قرأت عنه في أحد الكتب أو رأته في أحد المشاهد التلفزيونية التي كانت تدمنها قديمًا لكانت ذابت من روعته ورومانسيته، لكن في هذه اللحظة لم تشعر بذلك، كان الأمر مروعًا، كانت حرب، وفي الحرب لا وجود لمشاعر سامية لطيفة كالرومانسية، لا مجال سوى للقتال والدماء وفقط .
انتفضت فجأة على صوت سالار الذي قال بصوت مرتفع :
" سأؤمن خروجك من هنا، اركضي صوب القصر ولا تلتفتي للخلف أبدًا، أمني نفسك، اذهبي لمكتبة العريف وابقي هناك "
نظرت له تبارك بفزع تقول دون تفكير :
" وأنت ؟!"
استدار لها سالار بصدمة يصرخ بعدم فهم وهو يشعر أنها إن لم تختفي من هذه الساحة في هذه اللحظة سيفقد أعصابه بالكامل :
" أنا ماذا ؟! هذه حرب وأنا قائد الجيوش بالله عليكِ "
توترت تبارك وشعرت بسخافة حديثها تقول بتوتر وصوت مرتجف من الخوف :
" أنا ... أنا أريد الذهاب للمشفى، أرسل المصابين لها سأعالجهم، ارجوك ثق بي ولا تمنعني يا قائد "
نظر لها سالار بطرف عيونه وهو يقاتل أحد الرجال أمامه، قبل أن يقول بعد تنهيدة صغيرة :
" أنا أفعل مولاتي، سأرسل لكِ من يساعدك، هيا تحركي بسرعة "
وبعد هذه الكلمة أبعد عنه الرجال، يدفعها بظهر سيفه، وكأنه يقود اسيرًا لا الملكة، وهو يصرخ بصوت مرتفع في بعض الجنود الذي كانوا يحاولون تدارك الأمر، يخرج بها من وسط هذه المعمعة :
" تأكدوا أن تصل الملكة صوب مشفى الجنود بسلام، حياة الملكة بحياتكم "
ختم حديثه ينظر صوب تبارك في عيونها بقوة :
" أثق بكِ مولاتي، في رعاية الله "
نظرت في عيونه بخوف تقول :
" ليحفظك الله يا قائد "
وبهذه الكلمات ختمت تبارك هذا الحوار تركض بسرعة صوب المشفى وخلفها أربعة جنود يركضون معها لحمايتها، وهي تحاول أن تهدأ ارتجافة يديها وجسدها مما فعلت ورأت، يالله الحرب ليست لعبة، الحرب ليست سهلة، الحرب دمار ....
نظر سالار حوله يرى أن جانب جنوده حتى الآن هو الفائز وكيف لا وهم رجال أشداء لا يخشون الموت في سبيل الحق، يمتهنون القتال، يبارزون بكل مهارة، مقابل جماعة خوارج لا يعلمون عن القتال سوى حمل السيوف وتحريكها في الهواء بقلوب ضعيفة الإرادة لا هدف لهم سوى الباطل ..
تحرك بينهم سالار وهو يحرك سيوفه في الهواء يصرخ بين جنوده بصوت مرتفع وكأنه يذكرهم كل مرة بنفس الكلمات التي تشحذ أنفسهم بالغضب :
" لا تدعوا منهم حشرة، قتلوا إخوانكم وروعوا أطفالهم وهتكوا اعراض نسائكم، فلا تأخذكم بالكافرين رحمة، لا رحمة لا شفقة لا تفكير"
ختم حديثه يرفع سيوفه وهو يتحرك بينهم كالآلة يجز أعناق كل من يصادفه وقد شحن صدره بالغضب، لكن وأثناء قتاله وعلى بعد صغير قبيل الباب الداخلي للقصر، نظر نظرة سريعة ليتأكد أن لا أحد انتهك حرمة القصر، ليجد أن هناك قتال يدور أمام باب القصر الداخلي بين رجال بافل وأحد جنوده و... امرأة ؟؟
وعند تلك المرأة وهذا الجندي الذي لم يكن سوى كهرمان، كان الحقد هو من يقود كلتا الفتاتين، الغضب والحقد والانتقام، كلٌ يدفعه سبب في صدره .
سواء أن كان الانتقام لعائلة وبلاد ومستقبل وشعب ككهرمان..
أو الانتقام لطفولة وأم وحياة بائسة ضاعت كزمرد ...
هي رغبة واحدة من تحرك الفتاتين .
اندمجت زمرد في القتال وهي ترفع سيفها تضعه على رقبة أحد الجنود الذي خاض معها للتو قتالًا شرسًا انتهى بإسقاط سيفه لتبتسم له زمرد :
" أمنية أخيرة !!"
نظر الرجل لعيونها يقول من بين أنفاسه العالية في محاولة لينال منها تعاطفًا، ونسي أنها يومًا كانت منهم ولم تسمع بتلك الكلمة المريبة من قبل عندهم :
" ستقتلين أبناء شعبك زمرد ؟؟"
ابتسمت له زمرد بسمة مخيفة :
" واقتل شعبي كله إن منحني الله الفرصة لفعل ذلك يا عزيزي "
نظر لها بغضب وهو يحاول التراجع ليلوذ بروحه يقول :
" كيف تفعلين ذلك ؟؟ هربتي منا وانضممتي لاعداءنا وقمتي بتهريب أميرة مشكى كذلك، وعاديتنا لأجل ماذا ؟! لأجل ماذا زمرد ؟؟"
ابتسمت زمرد بسمة جانبية تقول بصوت مرح وهي تحرك سيفها على رقبته :
" لأنني في حياتي هذه يا بني لا رسالة لي سوى إبادة شعبك القذر "
ألقى في وجهها كلمات جعلت احشائها تتلوى بإشمئزاز :
" هذا شعبك كذلك "
كانت كلماته ساخرة لكنها أصابت وترًا حساسًا في صدر زمرد التي اشتدت عيونها شراسة تقول بصوت قوي هادرٍ :
" لم ولن أنتمي لكم يا قوم "
وبهذه الكلمات أعلنت زمرد نهاية حياة ذلك الرجل وهي تجز عنقه بقوة، ثم استدارت بقوة صوب آخر، لكن لم تكد توليه كامل اهتمامها حتى أبصرت أعين سالار مثبتة عليها بشكل جعلها ترتجف، ترى نظراته القوية وهو يطيل النظر لها، قبل أن يعود للقتال ..
وهي ارتجفت تتساءل عن نظراته تلك، هل سيعاقبونها لأنها حاربت معهم قومها ؟!
لم تهتم وهي تعود بسرعة كبيرة صوب كهرمان تساعدها في التخلص من الحشرات التي التفت حولها بسرعة مخيفة ..
___________________
يقولون أنه مهما اشتدت النيران فنهايتها معروفة ..رماد .
وهذه الحرب التي اشتعلت بساحة قصر سفيد خلفت ورائها رمادًا كغيرها من الحروب، لكن ذلك الرماد لم يسوء أحد، فيكفي أنهم استطاعوا إخماد الحرائق وتحجيم النيران .
انتهت الحرب بعد ساعات وساعات، وها هو الليل حلّ بهدوئه تزامنًا مع وصول أول قوافل الجيش .
تنهد سالار بصوت مرتفع يراقب رجاله يحملون الجثث والمصابين، وقد ابتسم باتساع فها هي حرب إضافية ينتصر بها بفضل الله وتوفيقه .
استدار بجسده صوب المشفى التي استقبلت جميع المصابين دون تقصير، وثق بها وكانت على قدر ثقته .
تحرك ببطء صوب المشفى كي يتفقد الأمور ويرى ما وصلت إليه الأمور مع الملكة هناك، وحين خطى له هالهُ ما رأى..
كانت تتنقل بين المصابين بكل خفة وسرعة كبيرة تعالج هذا، وتتأكد من سلامة ذاك، تبتسم لهذا وتشجع ذاك، تتنقل بين الحجرات بسرعة كبيرة، توزع الاعشاب على الجميع، وتهتم بهم على حد سواء .
كانت تبدو ... وكأنها خُلقت فقط لهذا العمل، كأنها وُلدت لتكون معالجة، لتساعد الآخرين في تجاوز آلامهم، وُجدت لتكون بلسمًا لكل سقيم .
وفي خضم حالته الذاهلة تلك سمع صوتها بنبرة ملهوفة وهي تركض صوبه بسرعة كبيرة، تركت الجميع تركض له، ليتراجع جسده دون وعي للخلف ليس خوفًا بالطبع، لكن صدمة، عدم تدارك لكل تلك الأفكار التي هاجمته لثواني حين رآها .
" يا قائد "
توقفت أمامه تمرر عيونها على جسده بسرعة كبيرة ثم عادت له تقول بجدية :
" أنت بخير صحيح ؟؟ هل أصابك شيءٌ في الخارج ؟؟"
نظر لها جيدًا يتنفس بشكل رتيب يحاول التحدث وهي فقط تحاول معرفة إن كان يعاني من شيء، ابتلعت ريقها تشير للخلف وهي ما تزال تتحدث بسرعة :
" لقد سألت الجميع عنك، قالوا لي أنك بخير، وأنك...كنت رائعًا، أنت حقًا مذهل، تبارك الله أنت مقاتل مبهر يا قائد، في الخارج حين كنت هناك وساعدتني، كان الأمر ..."
قاطعها سالار بيده وهو يغمض عيونه :
" فقط اهدأي ارجوكِ، أريد أن التقط انفاسي قبل الحديث"
نظرت له تبارك بعدم فهم تراقب ملامحه المرهقة، ثم أشارت جواره على أحد المقاعد تقول بجدية وخوف :
" أنت بخير ؟؟ يمكنك الراحة هنا وأنا سأذهب لإحضار بعض الأدوية لك "
ومن بعد تلك الكلمات لم تنتظر منه ردًا تركض بسرعة بين الجميع تحت أعينه، لا يدري ما يحدث فقط يشعر برغبة على إلقاء جسده في بحيرة باردة ويتركه يتجمد علّ كل تلك الاضطرابات داخله تتجمد بفعل المياه ويرتاح، عليه أخذ راحة من كل ذلك ليفكر في القادم .
لكن أي راحة تلك؟! هو فقد راحته المزعومة منذ خطت هي أرض هذا القصر .
كانت تركض صوبه وهي تحمل بين يديها كوب تقول بسرعة ويدها ترتجف بشكل غريب :
" احضرت لك بعض الأعشاب، اعتقد أنها اعشاب للاسترخاء، لا ادري حقًا، لكن يمكنك تجربتها "
نظر سالار صوب الكوب بين يديها بعدم فهم، ثم رفع عيونه لها :
" هل تنتوين قتلي ؟؟"
" لا اقسم أنني لا انتوي ذلك، لقد انقذتني اليوم من ميتة وشيكة، وأنا فقط ... أود مساعدتك ولو بشيء بسيط، هيا جرب هذه الأعشاب "
نظر أيدها بتشنج :
" هل أنتِ متأكدة من هذه الأعشاب ؟؟"
" نعم، لا، لا ادري، انظر هي إن لم تفدك فلن تضرك، لا اعتقد أن هناك اعشاب مضرة هنا، فالطبيب لن يحتفظ بسم بين قارورات الاعشاب المعالجة صحيح ؟؟"
تنهد سالار بصوت مرتفع وهو يفرك وجهه بارهاق شديد :
" يا الله يا مغيث "
اقتربت منه بخوف شديد تهتف بصوت مرتعب :
" ما بك ؟؟ هل أنت بخير ؟؟ "
" أنا كذلك حقًا، شكرًا لكِ "
لم يكن كذلك، لم يكن بخير بأي شكل من الاشكال، كان يبدو مرهقًا شاحبًا، لكن كل ذلك الإرهاق لم ينتصر على قوته التي احتلت ملامحه، وتجبره الذي التمع في عيونه، كان قويًا لدرجة أنه لم يسمح لارهاقه بالانتصار عليه .
" إذن كنت ...كنت أريد شكرك لأجل ما حدث اليوم و..."
صمتت وقد رأى سالار بأعين مدققة ارتجاف يدها وارتعاش بؤبؤيها بشكل مريب وهي تهمس بصوت متحشرج :
" لقد ...لم أقصد ما فعلت اليوم، لقد قتلت الرجل و..."
شهقت تجاهد دموعها ترفع عيونها له تهمس بصوت موجوع :
" هل تظن أنني اخطأت و...."
قاطعها سالار بقوة وهو ينظر في عيونها بصرامة يمنعها استكمال كل ذلك :
" هذا كافر مغتصب قاتل، عدو الله وعدونا، قتلك له لم يكن خطأ، بل الخطأ هو ترك أمثاله أحياء ليعيثوا في الأرض فسادًا "
نظرت له بأعين دامعة تجاهد نفسها تطالبها الثبات :
" أنا أعلم كل ذلك، أنا أعلم ذلك، لكن ...هذه أول مرة أحمل بها سلاحًا و..."
رفع سالار عيونها عنها ينظر حوله ليلاحظ نظرات الجنود التي بدأت تتجه صوبهم ليهمس لها بصوت صارم قوي وهو لم ينزع عيونه عن الجنود وكأنه يحذرهم أن يشهدوا لحظات الضعف الخاصة بها :
" إياكِ، إياكِ والانهيار في هذه اللحظة على مسمع ومرأى من الجميع، إياكِ أن تدمري نسختك القوية التي عملتي على بنائها طيلة اليوم بمساعدتك الجميع دون تراخي أو خوف، لا تدعي أحدهم يشهد ضعفك، اريهم فقط قوتك واحتفظي بضعفك لذاتك وافرغيه بعيدًا عن الأعين "
شهقت تبارك دون شعور منها تخفي وجهها بين يديها وهي ترتعش، ربما يشعر البعض أنها تبالغ، لكن بالله هي لم تحمل يومًا سلاحًا، وبعدما حملته قتلت به شخصًا، أخرجت روح من جسد وهي من كانت تحارب للحفاظ على الارواح، تدرك أنه لا يستحق منها ذرة شفقة، هي لا تشفق عليه ولو عاد بها الزمن لن تكتفي بقتله فقط، بل ستقطعه أربًا لو لزم الأمر انتقامًا لكل ما فعلوه، لكن هي ...فقط ما عانته اليوم وكل هؤلاء الجرحى والقتلى، الأمر كان ثقيلًا عليها .
كل ذلك كان يحدث أمام سالار الذي حتى لم ينزل عيونه لها يشهد انهيارها، بل كان ينظر أمامه صوب الجنود في نظرات محذرة أن يرفع أحدهم نظراته للملكة في لحظات انهيارها، وهي فقط تحاول كبت شهقاتها حتى و أخيرًا استطاعت ذلك تهمس بصوت خافت :
" أنا لستُ حزينة أو نادمة على قتله، بل أنا.. لاول مرة أشعر بهذه الراحة، وكأنني انتقمت للجميع فيه، لكن فقط ما عايشته اليوم لم يكن بالشيء الهين "
رفعت عيونها له تجد يحدق بعيدًا عن عيونها، لا يواجهها، لكنها اكتفت فقط بكلمة واحدة تعبر عما يجيش بصدرها له :
" شكرًا "
ختمت حديثها تتحرك من أمامه كي تستكمل عملها، لكنها فجأة توقفت بصدمة حين تناهى لمسامعها صوت سالار الذي قال بصوت خافت ممتن :
" بل شكرًا لكِ فأنتِ ساعدتني اليوم، انقذتني وأنا أقدر لكِ ذلك، في النهاية لستِ تلميذة سيئة، وقطعًا لستِ مبارزة سيئة . "
استدارت له تبارك تنظر له ببسمة صغيرة من بين دموعها، تدرك لو أنها ما قتلت ذلك الرجل لكان قتله هو، لكنها فقط استمتعت بلحظات التقدير النادرة تلك تقول وهي تنحني برأسها نصف انحناءة تجيب عليه بهدوء واعين امتصت من قوته الكثير حتى انعكس بها بعض تجبره :
" هذا لأنني تتلمذت على يد معلم بارع سيدي القائد ..."
ختمت حديثها تعتدل في وقفتها تبتسم له بسمة رسمت أخرى على فمه وهو يهز رأسه لها باحترام، لتتحرك تبارك بعيدًا عنه بخطوات قوية ثابتة عكس تلك المهتزة التي اقتربت منه بها، وكأنها ارتشفت منه اكسير القوة، ثم عادت لتكمل ما كانت تفعل ...
__________________________
راقبتهم وهم متضجعين على الفراش منذ عادوا من الاسفل قبيل انتهاء المعركة، وبمجرد انتهاء القتال اختفوا وكأنهم لم يكونوا .
ضحكت كهرمان بصوت خافت :
" يا ويلي لو أن قائد الجيوش امسك بنا "
تنفست زمرد بصوت مرتفع وهي تجيب :
" لقد امسك بي بالفعل، هذا الرجل أعينه كالمنظار تتحرك في جميع الاتجاهات دون هوادة، لا ادري كيف يحارب وهو يحدق في الجميع حوله "
نظرت لها كهرمان ثم ابتسمت تقول بصوت خافت محدقة في السقف اعلاهم :
" لقد كان أرسلان يخبرني دائمًا، أنه لا يجد متعته في القتال إلا حينما يكون القائد سالار هو خصمه، كان يستمتع كثيرًا بالقتال معه "
رمقتها زمرد تقول بصوت ساخر بعض الشيء :
" يبدو أن شقيقك كان انتحاريًا "
انكمشت ملامح كهرمان بحزن واضح، تقول بفخر كبير :
" لقد كان شجاعًا لا يهاب شيئًا، ولا ينحني لريح ولو عني ذلك كسر عوده "
ربتت برلنت أعلى كتفها تهمس بحنان :
" رحمة الله عليه كهرمان، شقيقك شهيد هو وجميع من قُتل ذلك اليوم "
تمتمت كهرمان بصوت خافت :
" الحمدلله "
وقبل أن يبادر أحدهم ويغير دفة الحوار، ارتفعت أصوات صرخات الجنود في الاسفل معلنين بصيحات فرحة عودة الجيش .
انتفضت قلوب الثلاثة لأسباب مختلفة، منهم من جرفه الشغف واللهفة لرؤية غائب والاطمئنان عليه، ومنهم من شغفه شوقٌ لرؤية من لم يغب عن القلب لحظة وينكره العقل دهرًا، ومنهم من ارتجف القلب خوفًا وقلقًا من عودة لم تجهز لها بعد .
وقبل أن تتحدث واحدة منهن بكلمة، اندفعت برلنت كالقذيفة خارج الغرفة وهي تخفي وجهها خلف الغطاء الخاص بها تردد اسم تميم، قلبها ينبض بسرعة تود الاطمئنان عليه .
نظرت كلٌ من كهرمان وزمرد لبعضهن البعض، قبل أن يتحركن للأسفل حتى يستقبلوا الجيش مع الجميع .
وهو بمجرد أن خطى لباحة القصر يشعر بالإرهاق قد بلغ منه مبلغه، سمع صوتًا أعاد له نشاطه في ثواني، رفع عيونه بسرعة صوب صاحبة الصوت التي رغم أنها كانت تخفي ملامحها خلف غطاء الوجه إلا أنه ابتسم يهرول صوبها بخطوات سريعة أثارت انتباه مهيار ودانيار، بينما الملك ابتسم بسمة صغيرة يتحرك داخل القصر .
وتميم لم يتوقف حتى وصل لها، لتبتسم له بسمة لم تظهر له، ولم تكد تنطق كلمة واحدة حتى اتسعت عيونها تشعر به يجذبها خلفه بسرعة مخيفة جعلتها تهرول وهي تتحدث بصدمة :
" ما بك تميم !! يا ويلي سأسقط ارضًا "
وتميم لم يتحدث بكلمة يتحرك بها صوب معمله الخاص تحت نظرات بعض العاملات اللواتي قابلوهم في طريقهم، لتتسع أعين البعض بفضول وكذلك الجنود الذين تعجبوا تصرفات تميم .
ليتوقف تميم في منتصف الممر يقول بصوت مرتفع للجميع وكأنه جنّ تمامًا :
" ماذا؟؟ هذه زوجتي ..."
علت الشهقات الهمسات المصدومة بين الجميع وهو لم يهتم، فقط أخبرهم بهويتها كي لا تلوكها الألسنة ويمس أحدهم عرضه بكلمة واحدة، يقول بكلمات مقتضبة قبل الرحيل :
" الجميع مدعو على الزفاف بعد أيام قليلة، شكرا لكم "
وهكذا انتهى يهرول بها صوب معمله وهي تتبعه متسعة الأعين مصدومة مما يحدث، يا الله جُنّ الفتى .
وبمجرد أن خطى تميم للدرج الخاص بمعمله جذبها بين أحضانه بسرعة يهتف بكلمات صغيرة :
" يا الله بيرلي، كدت أموت شوقًا لكِ صغيرتي "
ابتسمت برلنت بصدمة قبل أن تضم نفسها له تقول بحب شديد :
" حمدًا لله على سلامتك تميم، لقد دعوتك لك منذ رحلت وحتى سمعت صوت المنادي يعلن عودتكم، مبارك انتصاركم "
ابتسم لها تميم بسمة صغيرة وهو يحدق بعيونها بحب شديد يبتعد عنها قليلًا يسحبها معه للمعمل الخاص به، بينما هي سارت خلفه وقد شعرت أنها الآن في هذه اللحظة تحديدًا بدأت تتنفس الصعداء، واخيرًا وبعد سنوات طوال من الحزن والبكاء والعذاب وجدته وأصبحت معه، بعد سنوات كانت تدخل هذا المعمل خفية تتلمس طيفه في جميع الأماكن، الآن تدخل معه، كفه يضم خاصتها، صوته يخصها بأحاديثه .
وحين وصلت للمعمل ذاته حرر تميم كفها لتشعر ببروده تلفحه، لكنها ابتسمت حين استدار لها يقول :
" لحظة سآتيكِ بشيء يعني لي الكثير "
عاد يتحرك بعيدًا عنها، لكن فجأة توقف يشير على مقعد خاص به يقول ببسمة :
" اجلسي بيرلي، تصرفي كما لو أنكِ في مكانك الخاص صغيرتي"
تركها ورحل تحت نظراتها الباسمة وهي تتحس تلك الطاولة التي كانت تنظفها كل يوم بنفسها، تحمد الله في صدرها أن اسعد قلبها في نهاية الحكاية .
فجأة وجدت تميم يعود لها حاملًا معه صندوقًا ورقيًا يقول بحماس شديد :
" هذه اشياؤك، احتفظت بها حتى أعيدها لكِ بيرلي "
ختم حديثه يدفع الصندوق صوبها لتطيل هي النظر في عيونه، قبل أن تنظر صوب ذلك الصندوق تحاول معرفة ما به وهو أشار لها بنظراته أن تفتحه، وكذلك فعلت بأنامل متلهفة، لتتلكأ فجأة حين لمحت أول هدية أهداها لها بعد الزواج .
" جرة الفخار الخاصة بي ؟؟"
" تتذكرينها ؟؟"
وكيف لا تفعل وقد كانت تلك الجرة هي اول ما جمعهم بعد عقد قرانهم، حين ذهبت له ذلك اليوم بالفاكهة وجذبها لتتعلم صنع الفخار واهداها لها في النهاية بعدما زينها هو بأنامل ماهرة، نقش عليها اسمها بخط بديع، ومن ثم رسم عليها زهور برلنت المفضلة وهداها إياها.
سقطت دموع برلنت وقد عادت تلك الذكرى تُعرض أمام عيونها وكأنها حدثت للتو، هي ..هي لا تصدق أنه احتفظ بها هذه السنين .
مسحت دموعها تهتف بصوت متأثر :
" هذه ...هذه ...هذه اغلى هداياك على قلبي تميم، لقد...لقد بكيت كثيرًا حين أجبرني أبي على الرحيل دون أخذ اشيائي "
بكت بقوة وهي تضم لها الجرة تنهار على ما فاتها كل تلك السنين من ذكريات، سنوات طويلة مرت كان تستطيع صنع الكثير والكثير من الذكريات بها، لكن كل ذلك سلبه والدها منها بأنانية منه .
مدّ تميم يده يقول بصوت خافت :
" لِمَ البكاء بيرلي ؟؟ "
" فقط أشعر .. أشعر بالحنين لكل تلك الأيام الماضية تميم، أشعر بالسوق لأيام قضيناها في منازلنا البسيطة، تسعدنا أقل الاشياء "
" وهل تحزنك ذكرياتنا بيرلي ؟! عليكِ أن تبتسمي حين تمر بخاطرك لا أن تبكيها، ونحن إن شاء الله سنصنع المزيد منها، وإن أردتي العودة للمنزل فلا بأس، يمكننا العودة وقضاء بعض الأيام هناك، لكن هذا سيكون بعد إنتهاء حالة الحرب التي دخلت بها المملكة فلا يمكنني الرحيل في هذه اللحظة "
هزت رأسها تقول بنحيب كان قاسيًا عليه ليتحرك عن مقعده يقف جوارها يضم رأسها لصدره وهو يقبل حجابها بلطف، وهي ضمت نفسها له أكثر :
" إن كان ذلك حلمًا، فلا تيقظني منه تميم "
ابتسم تميم يخرج من جيب بنطاله خاتمها الذي لا يتركه يومًا بعيدًا عنه، ثم رفع يدها يلبسها إياه:
" ليس حلمًا برلنت، بل واقع عزيزتي، واقع عزمت أن اجعله افضل من جميع الاحلام "
نظرت برلنت للخاتم بيدها تبتسم دون شعور :
" خاتمي ؟؟"
" نعم، خاتمك الذي اتهمتك بسرقته منذ أيام "
ضحكت بصوت مرتفع ليضمها أكثر يقول بحنق شديد :
" يا الله لا أكاد أصدق أنكِ كنتِ من الغباء لتتحملي ليلة كاملة في ظلام السجن لأجل تهمة سرقتك لشيء يعود لكِ برلنت، ما هذا الغباء؟؟"
صمت ثم أكمل بغضب شديد :
" وأنا جئتك مساءً ورحلت تاركًا إياكِ وحدك، كلما تذكرت الأمر شعرت بالقهر والغضب "
ضحكت كي تخفف عنه :
" ماذا، هل كنت ستشاركني السجن ؟؟"
" وماذا في ذلك ؟؟ طالما أنكِ به لا يسمى سجن صغيرتي، كانت لتكون ليلة جميلة، أنتِ بين أحضاني في ظلام ذلك المكان والهدوء "
تنهد بصوت مرتفع ثم ابتعد عنها يقول وهو يجذب الصندوق لها :
" دعينا من تذكر كل ذلك فأنا كلما تذكرت شيء لي معكِ قديمًا شعرت بالغضب الشديد من نفسي، هيا انظري إلى ما احتفظت به لأجلك "
ضحكت برلنت بصوت مرتفع عليه وهو رمقها بحنق لتتجنب غضبه وهي تعود للبحث في ذلك الصندوق تطلق شهقات مصدومة كل ثانية لا تصدق أنه احتفظ بكل تلك المتعلقات الخاصة بها .
وما لم تعلمه هي، أن تلك الأشياء البسيطة كانت سلواه الوحيد لتميم طوال تلك السنوات، فكلما دعاه الحنين ركض يضم بقايا رائحتها بهم، اشياء كانت تخصها في منزله وأخرى جمعها من منزلها حينما ذهب ليعيدها له فاكتشف رحيلهم..
ليلتها قضى تميم يومه بأكمله باكيًا في غرفتها وهو يضم له اشياءها الخاصة يرتجى منها أن تتوسط له عند صاحبتها يهمس لها معتذرًا عن غبائه :
" لم اقصد يالله لم اقصد، اقسم أنني لم أقصد أي كلمة نطقت بها، كيف ..كيف فعلت ذلك بصغيرتي، يالله كيف صدقت أنها قد تخذلني بهذا الشكل، اعماني غضبي وقلة حيلتي "
استفاق تميم على صوت برلنت تقول :
" أنت تحتفظ بحجابي الاول تميم ؟؟"
نظر لها تميم دون وعي كامل، قبل أن يبتسم يراها تمسك أول هداياه على الإطلاق، حينما علم من والدتها أنها قررت ارتداء الحجاب ركض بسرعة ليكون هو أول من يشتريه لأجلها ويهديه لها مع كامل الحب .
" احتفظ بكل شيء من شأنه تذكيري بكِ بيرلي "
ابتسمت له برلنت ليميل مقبلًا جبهتها بحنان شديد :
" إذن صغيرتي تقبلين الزواج بي أمام العالم أجمع ؟؟؟"
_______________________
كانت تقف متلهفة لمعرفة نتيجة تلك الحرب، تنتظر أي بادرة، رغم ثقتها أنهم لم ينهزموا، فإن حدث ما تخشاه لن يعودوا بهذه البساطة وبهذه الملامح ..
تنهدت كهرمان بصوت مرتفع تبحث بعيونها عن أي دليل قد يثبت صحة ظنها، لتبصره يتحرك صوب غرفته فتحركت بسرعة تجاهه فهي لا تستطيع التحدث مع سواه .
" يا قائد، قائد سالار .."
كان هو يسير بكل هدوء صوب حجرته ليبدل ثيابه، ثم يلحق بالجميع صوب غرفة الاجتماعات، لكن فجأة توقف حين سمع نداء خلفه ولولا أنه لا يمكنه أن يخطأ صوتها لظن أنها صاحبة كلمة ( قائد ) التي أضحى يسمعها من الجميع بصوتها لكثرة مناداتها له بها، لكن حين أتبع المنادي القائد باسمه ( قائد سالار ) أدرك أنها ليس هي، فهي لم تتجرأ يومًا وتنطق اسمه، وهذا ما يصيبه بحيرة قاتلة .
استدار ببطء يبصر خلفه امرأة تتحرك بخفة صوبه وهي تقصده ليحاول معرفة من هي تلك التي توقفه للحديث، فكر حتى هداه عقله لها، وحين توقفت أمامه تأكد وهي تقول بجدية :
" اعتذر لتعطيلك يا قائد لكنني أردت أن أتحدث معك بأمر هام "
هز لها سالار رأسه يرهف السمع لها باهتمام :
" تفضلي جلالتك، كيف اساعدك ؟؟"
نظرت له تقول بصوت خافت :
" هل علمت نتيجة الحرب ؟؟ هل ...هل دخلوا مشكى؟؟ ما الذي حدث هناك ؟؟"
نفى سالار برأسه في هدوء يقول :
" لا لم أعلم بعد ما حدث، فالجيش عاد لتوه وأنا كنت على وشك تبديل ثيابي واللحاق بهم، لكن مولاتي نحن لم نكن نضع في الخطة اقتحام مشكى، لذا اعتذر لا اعتقد أنهم فعلوا ذلك، فاقتحامها يحتاج لأكثر من حرب عادية، لكن لا تقلقي فنحن لا نتجاهل ذلك "
شعرت كهرمان بخيبة الأمل تهز رأسها بهدوء ليقول سالار حين رأى أنها نكست برأسها :
" ملكة كهرمان "
رفعت كهرمان رأسها له بسرعة ليقول بهدوء وبسمة صغيرة :
" جلالتك لا تقلقي عودة مشكى مسألة وقت لا أكثر، ستعود وتتربعين على عرشها "
" هل تعتقد هذا ؟؟ "
" بل أنا متأكد من هذا "
هزت رأسها ثم كادت ترحل لولا أن أوقفها سالار يقول :
" فيما يخص الحرب التي نشبت في الساحة، ومشاركتك مع رفيقتك، رجاءً اتمنى ألا يتكرر الأمر مجددًا سأحرص ألا يعلم أحدهم بهذا، لكن لأجل مصلحتك ومصلحة مشكى التي لم يعد لها سواكِ من الأسرة المالكة، تجنبي الأفعال المتهورة كتلك "
اتسعت عيون كهرمان بصدمة لا تصدق ما نطق به، كيف علم أنها كانت مع زمرد وكيف علم أنها رفيقتها حتى ؟!
ويبدو أن سالار أدرك نظراتها تلك ليقول ببسمة هادئة :
" أنا رأيتك مع تلك الفتاة كثيرًا، لذلك أدركت أنكِ ذلك الجندي الذي كان يقاتل جوارها "
هزت رأسها بخجل تشعر أنها أخطأت وتسرعت، لكن الغضب هو من جرفها في طريقه دون أن تشعر وايضًا لأنها أرادت مساعدة زمرد .
" حسنًا لا بأس، أعدك ألا يتكرر الأمر "
" أي أمر ؟؟"
اتسعت أعين كهرمان بشدة وهي تسمع صوته خلفه لتسارع يدها كي تتأكد من غطاء الوجه، بينما سالار رفع رأسه صوب إيفان الذي كان يقف في بداية الممر الخاص بالغرف يحدق فيهم بنظرات غريبة له .
" مولاي، حمدًا لله على سلامتك "
لكن إيفان كانت عيونه معلقة بظهر كهرمان يدرك جيدًا هويتها، وكيف لا يفعل وهو لا يستطيع إخراج صوتها من رأسه منذ أيام طويلة .
" أي أمر ذلك سالار ؟؟"
نظر له سالار بتعجب، فمنذ متى كان الملك فضوليًا فيما يخص أمور العاملين لديه؟؟ والأدهى منذ متى والملك يتدخل فيما يخصه هو ؟؟
رفع سالار حاجبه يقول :
" لقد طلبت هذه العاملة مساعدتي في شيء يخص شقيقها الذي يخدم في جيشي مولاي، فهو أخطأ وكدت اعاقبه وهي جاءت تطلب مسامحتي له "
وكان هذا دور إيفان الذي رفع حاجبه يقول بصوت خافت :
" أوه هكذا إذن ؟؟ هل شقيقك يخدم بالجيش آنسة كهرمان ؟؟"
انتفض كهرمان جسدها بقوة حين نطقه اسمها، تشعر بأنها تكاد تهوى ارضًا تهز رأسها بخفوت وهو اقترب منهما يقول لا ينزع عيونه عن كهرمان التي كانت تنظر ارضًا لا تريد رفع رأسها له :
" لا بأس سالار سامحه لأجل الآنسة التي جاءتك خصيصًا واوقفتك في منتصف القصر على مرأى ومسمع من الجميع، فقط كي تطلب سماحك "
ضيق سالار عيونه وهو يرى نظرات إيفان تشتد شيئًا فشيء، بينما كهرمان رفعت رأسها له، وهو شعر أنه يرى نظراتها الشاخصة المصدومة حين سمع صوتها الحاد :
" شكرًا لكرمك مولاي، اقدر لك عدلك وصنيعك "
" عدلي ؟! حمدًا لله أن هناك من يراني عادلًا، فهناك البعض يراني شيطانًا ظالمًا "
ابتلعت كهرمان ريقها تفرك كفيها في بعضهما البعض بتوتر، تبعد رأسها عنه وهي تنظر صوب سالار تهمس بصوت خافت :
" شكرًا لك كذلك سيدي "
عادت تنظر ارضًا صوب الملك تقول :
" مبارك انتصاركم مولاي، عسى أن ينفع الله بكم الأمة"
أمسكت طرف ثيابها ترفعه بخفة أسفل أنظار الاثنين تنحني نصف إنحاءة وهي تردد بصوت خافت :
" بالاذن منكما "
وبهذه الكلمات رحلت تحت أنظار إيفان المحتدة ونظرات سالار المتعجبة الشاردة والذي بعدُ بتفكيره عن كل ما يحدث هنا، إذ فكر فجأة، لِمَ لا يطلب من الملكة كهرمان تعليم ملكتهم كيفية رفع ثوبها دون التسبب للمحيطين بها في عاهة ؟؟
فجأة سمع صوت يقول :
" ما الذي كانت تتحدث به معك سالار ؟؟"
نظر له سالار يقول بهدوء :
" أخبرتك مولاي أنها..."
" منذ متى كنت كاذبًا سالار ؟؟ "
نظر له سالار دون فهم ليبتسم له إيفان يقول بهدوء :
" أنتظرك في القاعة بعد نصف ساعة فقط "
ختم حديثه يتحرك من أمامه صوب جناحه، كي يغتسل وهو يلوم نفسه على تدخله في أمر ما كان ليعنيه لو لم تكن هي المعنية بالأمر .
بينما سالار ظل يحدق أمامه بعدم فهم، وقبل أن يتحرك ابصرها تقف على بداية الممر تضم ذراعيها لصدرها مبتسمة له بسمة ساخرة :
"مالي أراك تعامل النساء بلطف يا قائد، لم يكن هذا ما عهدته منك "
اتسعت أعين سالار بصدمة ولم يكد يتحدث بكلمة حتى تخطته تبارك صوب حجرتها دون أن تعبأ بانتظار رده حتى، وهو ظل مكانه لا يفهم ما الذي أخطأ فيه هو ليرحل الجميع غاضبين منه ؟؟؟
_____________________
يقف في منتصف الممر جوار أحد النوافذ يحدق بجيشه العائد من معركة الساحة مع جيش إيفان، أو لنكن دقيقين، بقايا جيشه الذي نجى منهم، بينما لم يعد نفر واحدٌ من الذين ارسلهم صوب سفيد .
ابتسم بسمة جانبية يدرك نتيجة الحرب دون أن يخبره احدهم، فعلتها سفيد مجددًا وهزمته شر هزيمة، كيف حدث لا يعلم، لكنهم فعلوها مرة ثانية .
ابتعد عن النافذة يتحرك في الممرات يشعر بالنيران تشتعل داخل صدره يقول بصوت مرتفع :
" أحضروا لي قائد الجيوش .."
سمع صوت أحد الرجال يقول بسرعة وتوتر شديد :
" سيدي لقد ...لقد ذهب مع الجيش لسفيد ولم يعد حتى الآن ..."
مرحى، ضحية أخرى من قادة جيشه يخسره لصالح سفيد، لكن وهل يهتم ؟! أبدًا لا يفعل ..
" إذن أحضروا لي أحد الرجال الأقوياء التابعين لقائد الجيش القديم ليكون هو القائد الجديد "
هز الجندي رأسه يختفي من أمام أعين بافل في هذه اللحظات قبل أن ينفجر فيهم اجمعين، وهو تحرك بسرعة في الممرات لا يدري أين يذهب، أو ماذا يفعل، سفيد حطمته وحطمت تخطيط ايام طوال في غمضة عين، فقط لو يعلم من ذلك الحقير الذي أخبرهم ما يخطط له .
تنفس بصوت مرتفع. قد وصل صوب القاعة الخاصة بالعرش وحينما خطى لها شعر بالمكان يتحول للاحمر حوله لشدة غضبه لينقض على كل ما يقابله يصرخ كالمجنون يجذب خصلات شعره بغضب جحيمي، لقد هزموه مجددًا، هزموه مرة ثانية وثالثة ورابعة .
" كــــفــــى ..اكتفيت من كل هذا "
تنفس بصوت مرتفع يدور بعيونه في المكان الذي ضربه إعصار غضبه، إعصار ما ابصره أحدهم منذ هزيمته النكراء سابقًا على يد ملك مشكى السابق، حين هجم أرسلان عليهم واذاقه مرارة الهزيمة والذل أمام الجميع ولولا هربه وقتها بمعجزة لكان لاقى حتفه على يده .
لكنه حينها لم ينس أن يتوعد لارسلان بالويل، وقد نفذ توعده وتخلص من أرسلان باسوء الطرق الممكنة، ذلك الحقير ما انحنى له قبل موته وما رأى بعيونه نظرة انكسار، لكنه انتهى منه وختم قصته وقريبًا يلحق به رفيقه ..
نزع سيفه يضرب به وعاء خزفي أمامه محطمًا إياه أشلاء متنفسًا بصوت مرتفع :
" أتى دورك إيفان، أتى دورك ولن تنال مني رحمة "
________________________
بحث عنها في كل مكان يُحتمل وجودها به، لكن لا شيء، اختفت بكل بساطة وكأنها تقصدت أن تبتعد عن عيونه، ابتسم بسخرية يمسح وجهها يهمس بصوت خافت بينه وبين نفسه :
" للمرة الأولى تكونين جبانة "
هل تريد أن توصل له بشكل غير مباشر أنها ترفض عرضه؟؟ أم أنه أصبح حساسًا لكل ما يتعلق بتلك المرأة وهذا ما يجعله يبحث عن حجج يصمت بها عقله.
ليس الأمر وكأنه ذاب في هواها، هو فقط يود الزواج منها كي يقي نفسه فتنة عيونها، لا يحبها، لكنه يبحث عن سبيل للفرار من رموشها التي كلما حركتها أسرته بينهما دون أن يجد له فرار، بالطبع لم يعشقها، لكنه فقط لا ينفك يفكر بها حينما يترك لعقله حرية التفكير .
يأس من إيجادها في المكان الأخير ليقرر أنه انتهى من البحث لليوم، ولن يفعل مجددًا إن رآها سيسألها ردها، وإن لم يفعل سيتجاهلها، فقط يتجاهلها لأجل صحته النفسية .
تحرك صوب قاعة الاجتماعات دون أن يمنح نفسه رفاهية الراحة، لن يعود بالطبع لحجرته كي تتكالب عليه الأفكار، تحرك في الممرات بوجه جامد، واعين فاقدة الحياة .
وكل ذلك كان يحدث تحت عيونها التي تراقبه منذ عاد، لم تغفل عنه لثانية واحدة، تريد فقط الاطمئنان عليه لحاجة في صدرها، ثم بعدها تذوب بين الجميع كي لا يعثر عليها .
لكن حين وجدته يتلفت حوله أدركت بصدمة أنه يبحث عنها، لتشهق تختفي بسرعة تهمس لنفسها :
" لا يجب أن يحدث هذا، يا ويلي ما الذي فعلته بنفسي "
دفنت وجهها بين كفيها تحاول أن تهدأ، ثم أبصرت من بين أصابعها التفافه حوله وكأنه أضاع شيء ثمين يبحث عنه باستماتة، هو حتى لم يذهب ليبدل ثيابه أو يرتاح، بل شرع يبحث عنها في كل مكان باستماتة .
ابتلعت ريقها تلحق به بسرعة كبيرة، ربما هي أنانية وغباء منه، لكنها تدرك أنها وإن سايرته في قراره الغبي هذا، سيندم المتبقي من عمره، فمن ذا الذي يقبل الزواج بفتاة ولدت وترعرعت بين أقذر السلالات البشرية، بل وتحمل دماءهم داخل اوردتها، من يقبل أن يتزوج بامرأة لا يمكنه أن يأمن طرفها ؟!
وهذه الحقيقة اوجعتها، بل قتلتها في تلك اللحظة لتتنفس بصوت مرتفع تتخذ قرارها الأخير، هي ستختفي من أمام عيونه ستمنع عنه رؤيتها .
فجأة توقف جسد تميم بشكل جعل عيونها تتسع واستدار بسرعة لتركض هي تختفي خلف أحد الأعمدة وهو ضيق عيونه ينظر لجسدها الذي لمحه قبل اختفائه، ليبتسم بسمة صغيرة يهمس لنفسه :
" يبدو أنها وجدت طريقة مناسبة لتوصل ردها لي "
استدار بكل هدوء يبتعد عنها لتتنفس زمرد الصعداء تبتعد بسرعة كبيرة، تهرول بعيدًا عنه ترفض أن تتعرض مجددًا لعيونه، ركضت في الممرات لا ترى أمامها وحين وصلت لغرفتها فتحتها تقتحمها بقوة تغلق الباب خلفها تستند عليه وكأنها تخشى أن يهجم على مخبأها .
في حين أن كهرمان التي كانت تحتل الفراش انتفضت برعب حين سمعت صوت ضرب الباب القوي، خرجت من شرودها بالملك وهي ترى مظهر زمرد الشاحبة والتي انتزعت اللثام تلقيه بقوة وكأنه يخنقها .
ثم انهارت ارضًا وعيونها متسعة بصدمة جعلت كهرمان تركض لها تمسك جسدها الذي ارتطم بقوة ارضًا تتحدث لها بكلمات لم تصل لزمرد، التي كانت تنظر أمامها شاخصة الأبصار وكأنها للتو أدركت موعد موتها ..
" أنا... أنا أحبه كهرمان، أنا أحبه، يالله ليس هذا، ما الذي فعلته بنفسي ؟؟ ما الذي فعلته بنفسي "
وللمرة الأولى منذ معرفتها لزمرد تجد كهرمان تنفجر في بكاء عنيف وهي تخفي وجهها بين كفيها تهمس بصوت مرتعب من تلك الحقيقة التي كانت بمثابة إعلان لنهاية حياتها السعيدة :
" يا ويلي لقد أحببته، أحببت قائد رماة سفيد وأنا ابنة زعيم المنبوذين الذي كرس حياته لانهائهم، أنا شقيقة بافل الذي دمر شعوبهم، يالله أنا منهم وأحمل دمائهم .."
لحظة إدراك، تلك اللحظة التي قد تعيد إصلاح حياتك، أو تدمرها ....
__________________
" هذا الانتصار لم يكن إلا مرحلة انتقالية ومسمار آخر يُدق في نعش بافل، مرحلة أخرى نعبرها لنصل إلى محطة مشكى، القادم لن يكون بالهين، والحرب القادمة ستكون في مشكى حين نحررها "
ختم إيفان كلماته يشمر أكمام ثوبه مستندًا على طاولة الاجتماعات، وهو يحدق في جميع الأعين حوله، قبل أن يضيف :
" نحن لا نسعى للحروب ولا للقتال، بل القتال هو من يسعى لنا، فقدنا في هذه الحرب رجال ظفرٍ منهم بجيشٍ من رجال بافل، لكننا لا نزكيهم على الله ونحتسبهم عنده من الشهداء "
ختم حديثه يجلس ثم استند بذراعيه على الطاولة يقول :
" المرة القادمة لن نعلنها حربًا، بل سنتحين الفرصة ونهجم عليه في مشكى، سنعيد مشكى رغم أنوفهم اجمعين، واظن أننا بحرب اليوم خطونا خطوتنا الاولى في دمار بافل بعدما أنهى عزيزنا سالار حياة نصف جيشه واكملنا نحن الباقية، هو الآن في أضعف حالته "
ختم حديثه ينظر صوب سالار الذي هز رأسه يقول مشاركًا الملك في الحديث :
" الآن وحسب معرفتي لأمثال بافل، سيبدأ التصرف بشكل غير متزن، سيقوده غضبه وحقده إلى أفعال غير محمودة العواقب وحينها سيحين دورنا نحن "
" احسنت سالار، لكن لا اعتقد أن جيشنا قادر على خوض حرب أخرى في القريب "
نفى سالار برأسه يقول بثقة شديدة :
" سيدي رجالي قادرين على خوض مئات الحروب دون كلل أو ملل، لكنني لا أحبذ المخاطرة بهم في لحظات كهذه، يكفينا ايام لالتقاط الأنفاس ومعالجة المصابين "
نظر إيفان صوب مهيار يقول :
" وعلى ذكر معالجة المصابين، مهيار أنت مسؤول أمامي عن التأكد من صحة جميع مصابي الحرب "
هز مهيار رأسه بهدوء :
" لا تقلق مولاي، بمشيئة الله سيصبح الجميع بخير حال "
صمت الجميع ليعلو صوت سالار وهو يقول بجدية :
" مولاي بخصوص أمر المعالجة ذلك، كنت اقترح أن..."
صمت لا يدرك ما يقول، لكنه في النهاية تحدث تحت نظرات إيفان المشجعة :
" اقترح أن نعين الملكة كطبيبة في القصر، ويمكنها مساعدة مهيار في الحروب، فهي كانت تعمل في مشفى حين كانت في عالمها، واعتقد أنها تفقه الكثير فيما يتعلق بهذه الأمور، كما أنها هي من تولت علاج جميع الجرحى اليوم، وقد ابلت حسنًا في ذلك "
نظر له إيفان يشعر بذنب رهيب ينخر صدره، يالله الملكة، كيف نسي الاطمئنان عليها عند عودته، ابتلع ريقه يقول بصوت خافت :
" لكن تدريبات الملكة، هل سيتأثر هذا ؟؟"
نظر له سالار لا يدري ما يفعل، هو فقط يشعر أنه يحارب لأجل مستقبل ابنته، لكنه لا ينسى نبرتها الحزينة وهي تخبره أن هذا أكثر شيء تحبه وتعلمه، وبسمتها اليوم حين سمح لها أن تفعل ما تحب؛ لذلك اعتدل يقول متدخلًا في شيء لا يخص الحروب أو جيشه :
" لا تقلق مولاي، لا اعتقد أن الأمر سيمثل عائقًا للملكة، فهي تبلي حسنًا في التدريبات معي وكذا دانيار وتميم واعتقد أنها تفعل الأمر نفسه مع العريف "
نفخ العريف يهتف بسخرية :
" لا تفعل، هذه الفتاة كارثة بكل المقاييس، أنا أخبركم من الآن أنني غير مسؤول عن أي نتيجة تخص دروسي معها "
وجه له سالار نظرات نارية لتخريبه وصلة مدح نادرة لا تخرج من فمه إلا في حالات شديدة الندرة .
تنهد يقول بجدية بعدما صمت العريف مكرهًا تحت نظراته المحذرة من تشويه صورتها الآن :
" هي في الأساس لا تفعل شيء سوى التدرب ومن ثم تظل تدور في القصر دون عمل، وأعتقد أن خبرة في مجال كالطب قد تضيف ميزة لـ...لملكة البلاد المستقبلية "
نظر له إيفان يفكر جديًا في الأمر ليقاطع سالار تفكيره يقول بصوت جاد وهو يتنحنح :
" كما أنه وحسب ظني فهي تحب هذه الوظيفة وترتاح لفعلها"
وعند هذه النقطة لم يجد إيفان سببًا للرفض، فهو لن يمنع عنها شيئًا تحبه أو يشعرها للحظة واحدة أنهم يقيدون حريتها في هذا المكان، لذا قال بهدوء :
" لا بأس إذن سأتأكد بنفسي من أن تنال الملكة مكانتها التي تستحق في المشفى هنا...مهيار "
" نعم مولاي ؟؟"
" الملكة ستكون مسؤوليتك لتعلمها ما يخص الاعشاب وغيرها من الأمور التي قد تجهلها هنا "
هز مهيار رأسه بجدية، ليتنهد إيفان بجدية ثم نظر صوب العريف يقول :
" وأنت أيها العريف عليك بتكثيف دروسك مع الملكة، والتوقف عن طردها من المكتبة، فالتتويج سيكون بحلول العيد الوطني لسفيد "
هز العريف رأسه مجبرًا يهتف بصوت خانق كاره لكل ما يحدث :
" حسنًا، عساي انتهي من كل هذه الأمور التي تسقط فوق رأسي "
نظر لهم إيفان ثواني قبل أن يقول بهدوء منهيًا النقاش في هذه اللحظة :
" إذن انتهينا للان، خذوا قسطًا من الراحة يا سادة ولنا لقاء آخر لمناقشة ما سيحدث ووضع الخطة الجديدة "
هز الجميع رؤوسهم ورحلوا واحدًا تلو الآخر عدا سالار الذي ظل جالسًا ينظر لإيفان نظرات غامضة جعلت الاخير يرفع حاجبه وهو يقول :
" هل نسيت اخباري شيئًا ما سالار ؟؟"
اطال سالار التحديق به ليقول بهدوء :
" اسمح لي مولاي بالحديث معك كصديق "
" لديك أذني طوال الوقت سالار، فما بيننا أكثر من رتب يا اخي "
ابتسم له سالار بسمة جانبية، ثم نهض عن مقعده يسحبه صوب المقعد الخاص بالملك وجلس أمامه ينظر لعيونه بجدية كبيرة جعلت إيفان يتعجب الأمر، لكن سالار لم يتركه في حيرته طويلًا يقول بهدوء شديد :
" كهرمان ."
" العاملة ؟؟"
ابتسم سالار بسمة جانبية يدرك تلاعب إيفان بالحديث ويدرك أنه الآن يتلاعب معه في الألفاظ :
" لا، بل الأميرة مولاي ..."
__________________
ألقت آخر قطعة ثياب كانت تقيدها مكتفية بفستان لطيف في غاية البساطة، بعيدًا عن تلك الملابس التي تقيد حريتها، تجلس أعلى فراشها، تترك لنفسها واخيرًا الفرصة لتلتقط الأنفاس سعيدة، منتشية ..
لقد احسنت العمل اليوم، استطاعت تدارك العديد من الحالات وحدها، كانت اليوم بمثابة طبيب في المشفى، شعور لطيف أحبته، جعلها تشعر أنها حية، وكم تمنت أن يستمر بعيدًا عن حياتها كمقاتلة وملكة .
تنهدت بصوت مرتفع تسحب الغطاء عليها تغلق جفونها بتعب شديد وهي تهمس براحة لانتهاء اليوم على خير بالنسبة لها :
" اللهم لك الحمد "
وفي خلال دقائق وبسبب الإرهاق الشديد الذي تعرضت له سقطت في نوم عميق مريح ..
نوم رأت به ضيفها المعتاد والذي لم يتوقف عن زيارة أحلامها حتى حين جاءت للمملكة هنا، يصاحبها في جميع لياليها، ورغم أنها تشعر نبرة الصوت مألوفة، وصاحبها كذلك، إلا أنها يومًا لم تبصر وجهه، مما جعلها تشكك في قدرتها على تمييز صوته، فهي لم تميز تلك النبرة يومًا إلا حينما سمعت همسه، لكن بصوته الهادر لا تشابه بينه وبين فارس أحلامها .
تحركت في أحلامها بين طرقات القصر وهي تنظر حولها تبحث عن أحدهم ولا تدرك عمن تبحث، فجأة ابصرته يقف في نافذة بعيدة عنها لتتحرك صوبه بخطوات بطيئة .
وحين أصبحت على مشارف النافذة سمعت صوته الحنون يهمس لها بلطف :
" كنت انتظرك، اقتربي "
نظرت هي لظهره بريبة تشعر أن أحلامها اتحدت مع واقعها، هي تعيش أحلامها بنفس شخصيتها الواقعية، تنظر له بشرود .
ليستدير هو لها مبتسمًا بتعجب :
" مالك تنفرين قربي مولاتي ؟؟"
تراجعت هي للخلف بصدمة كبيرة، تبتلع ريقه محدقة في وجهه، للمرة الأولى منذ حلمت به تبصر ملامحه، تنفست بصوت مرتفع تتراجع للخلف تشعر بقرب انهيار لها، ورغم شكها في هويته إلا أن رؤيته تعني الكثير لها .
وقبل أن تخطو خطوة، للخلف التقطها هو بسرعة يضمها لصدره هامسًا بصوت هادئ :
" ما بكِ اميرتي ؟؟ تبدين شاحبة، هل أنتِ بخير ؟؟"
نظرت هي لعيونه ودون أن تشعر رفعت أناملها بتردد وكأنها تسأله إن كان بإمكانها لمسه، فإن لم تستطع فعلها في الحقيقة فالاحلام مجال جيد لتحقيق رغباتها الدفينة في صدرها .
تلمست لحيته بأصابعها شاردة ليغمض هو عيونه مبتسمًا بسمة مستمتعة بما تفعل، حتى سمع صوتها تنطق اسمه وكأنها تسأله لا تناديه :
" سالار ؟؟"
منحها سالار نظرات حنونة يميل عليها هامسًا بصوت أجش عزف على أوتار قلبه بمهارة شديد :
" مولاتي ....."
_________________
لحظة إدراك، تلك اللحظة التي قد تعيد إصلاح حياتك، أو تدمرها ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل.
رواية مملكة سفيد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رحمة نبيل
توقفت جميع الأصوات حولها وتوقفت الضوضاء ولم يعلو سوى صوتٌ واحد هو ما هيمن على المكان بأكمله.
طلته وصوته وخطواته وهيئته لا يمكن أن تخطأهم أبداً، لا يمكن أن ينتمي كل ذلك لشخص آخر عداه.
رفعت عيونها ببطء تجد ذلك الرجل الذي كان يرتدي ثياباً عادية رغم فخامتها الواضحة، يتوقف في منتصف الدائرة يحرك نظراته بين الجميع وهو يردد بصوته الهادئ الذي يستفزها في أسوأ المواقف.
ألا يوجد ما يخرج صرخات وغضب هذا الرجل؟
زفرت بغيظ شديد وهي تسمع صوته يردد بقوة: "ما الذي يحدث هنا!؟"
نظرت له المرأة تقول وهي تحرك كهرمان بين يديها بقوة، وقد أخذ جسد كهرمان الصغيرة مقارنة بتلك السيدة يختض بعنف مما جعله يشعر في هذه اللحظة أنها تشبه الدمية بين أنامل السيدة، وهذه الفكرة دفعت رغبة بالضحك في وقت لا يمكنه فعل ذلك في الحقيقة.
ورغم الغضب المخيف الذي اعتراه حين شهد ما حدث، لكن نظرات التذمر والحنق على وجهها تقتله.
وضع كفه المضمومة أمام فمه يحاول أن يتماسك وهو يتحدث بصوت خرج غير طبيعي بسبب رغبته العميقة في الضحك: "في البداية دعي ذراع الآنسة رجاءً سيدتي ودعينا نتحدث بهدوء."
نظرت له السيدة برفض ظهر في ملامحها بكل وضوح، ثم جذبت لها كهرمان بقوة وكأنها تخشى أن ينتزعها أحدهم منها قبل أن تأخذ ثأرها منها.
وكهرمان نظرت لها بشر تقول من أسفل أسنانها: "خففي ضغطك سيدتي فعظام ذراعي تكاد تُطحن أسفل أناملك."
رمقتها السيدة بغضب شديد، ثم نظرت للجميع تقول وكأنها توصل لهم ما سيحدث في هذا المكان: "لن يحدث، أنا لن أترك هذه الفتاة ولن أدعها تفلت من بين أناملي، إلا أمام الملك نفسه ليحضر لي حقي منها."
فرك إيفان ذقنه، ثم رفع يده يبعد القلنسوة عن وجهه يقول بهدوء شديد وهو يشير لنفسه ببسمة صغيرة: "وها هو الملك جاءك بنفسه يا عمة، دعي ذراع الفتاة رجاءً."
انطلقت شهقات من المحيطين وهم يحدقون في وجه إيفان بصدمة كبيرة، البعض يتعجب خروج الملك بينهم هكذا دون جنوده، والبعض الآخر يحدق فيه بفضول، فهذه واحدة من المرات النادرة التي كانوا فيها على هذا القرب من الملك.
بينما الحراس التفوا حول الملك في ثوانٍ وهم يبعدون عامة الشعب عنه، بينما إيفان لم يهتم بكل ذلك وهو ينظر صوب عيونها ببسمة جانبية.
وهي ترميه بنظرات قوية لم تستطع التحكم فيها تود لو تصرخ في وجهه: (لمَ الابتسامات يا هذا؟)
لكن هي في هذه اللحظة لم تكن تعلم أي الأشخاص يراها، هل يعلم أنها الخادمة كهرمان؟ أم يراها الملثمة بسبب اللثام؟
وما لم تدركه هي، أنه يعلمها الشخصيتين بالإضافة لأميرة مشكى الهاربة.
قالت السيدة بسرعة وهي تخفف قبضتها عن كهرمان التي انتزعت ذراعها من بين أناملها حين شعرت بها تخفف الضغط، تفرك ذراعها بقوة وعيونها تشيع السيدة بنظرات مدمرة.
والسيدة أسرعت تقترب من الملك بشكل جعل الحارس يرفعون أيديهم مانعين إياها الاقتراب أكثر، فأن يقف الملك بين العامة بهذا الشكل فرصة ذهبية لمن يود التخلص منه.
يكفيه فقط خنجر ويندس بين العامة ثم يغرزه داخل جسد إيفان ويفر بين الجموع المفزوعة، أمور حدثت وتحدث طوال الوقت، لكن إيفان لم يكن من ذلك النوع الذي يخشى غدرًا وقد كرس حياته لنصرة شعبه، فما الذي يخيفه؟ ولولا وجود منبوذين بين شعبه لكان أبعد الحراس عنه.
توقفت السيدة تقول بجدية: "مولاي، هذه الفتاة بالاشتراك مع أخرى صغيرة سرقوا مني ذهبي الثمين، لقد انتزعوه دون أن أشعر وركضت الصغيرة وألقت به لهذه كي تهرب به دون أن نشعر بها، لكنني أبصرتها قبل أن تفعل."
نظر لها إيفان ثم قال بهدوء شديد: "ومن أخبرك أنها شريكة للصغيرة؟"
توترت السيدة وهي تقول بصوت متوتر من التحدث مع الملك بهذا الشكل والقرب وهذه الأعين تحدق بها وكأنه سيخترق روحها ليحصل على الحقيقة: "أنا... أنا وجدت معها الذهب سيدي، حينما كنا نركض خلف الصغيرة وجدناها تلقي لها بالذهب، إذن هي لصة أيضاً.."
هز إيفان رأسه مقتنعًا بما سمع، بينما كهرمان صُدمت بما سمعت.
وقبل أن يتحدث أحدهم كلمة واحدة، أخرج إيفان خنجره الذي يحمله في ثيابه ثم وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث ألقاه على السيدة التي تلقفته بصدمة وأعين متسعة، وإيفان يقول بهدوء: "أمسكوا بهذه السيدة فهي سرقت خنجري الخاص."
شهقت السيدة وهي تلقي الخنجر أرضًا وكأنها تحمل جمرًا، نظرت حولها تقول بصدمة تنتظر أن يتحدث أحدهم بما حدث: "ماذا؟! لم يحدث مولاي، أنا لم أسرق شيئًا أنت ألقيته لي، الجميع رأى ذلك، صحيح؟!"
نظر إيفان حوله للناس ليصمت الجميع والصدمة لم تزل تدور فوق رؤوسهم مما حدث منذ ثوانٍ.
وكهرمان من صدمتها ابتسمت بسمة واسعة تحاول كبت ضحكة مصدومة وهي تتذكر كلمات أرسلان لتهمس: "ماكر؟ بالله هو المكر ذاته، هذا الـ... يا ويلي من عقله، لا جعلني الله من أعدائه."
صمتت ثوانٍ قبل أن تضيق عيونها تقول لنفسها: "أولم أجعل أنا نفسي هكذا بالفعل؟"
في ذلك الوقت ابتسم إيفان يقول بتقرير وجدية كبيرة: "ألم يكن هذا هو ما حدث مع الفتاة؟! لقد رأيت الصغيرة تلقي لها ذهبك ولم تبصري حديثهم واتفاقهم؟! لم تري منها أي شيء يثبت أنها شريكة لها، إذن أعطني سببًا واحدًا يجعلك تمسكين بها متهمة إياها بهذا الشكل."
توترت السيدة ولم تحسن اختيار حجتها قبل أن تبتلع ريقها تقول بجدية: "مولاي أنا... أنا لا..."
قاطعها إيفان بصرامة وملامح هادئة لا تشي بالغضب الذي يعتريه بالفعل: "اعتذري من الآنسة رجاءً سيدتي، فأنتِ للتو اتهمتيها ظلمًا، وإن كنتِ غير راضية على حكمي فرجاءً احضري ثلاث شهداء يقسمون أمامي بالله أنهم أبصروا اتفاق الفتاة مع الصغيرة على السرقة."
نظرت السيدة أرضًا ولم تتحدث بكلمة واحدة ليبتسم لها إيفان بغضب: "اعتذري من الآنسة سيدتي."
رفعت السيدة رأسها لكهرمان تحدق بها ثوانٍ قبل أن تتنهد قائلة بتوتر: "أنا... أنا آسفة آنستي، لقد ظننتك لصة فقط."
رمتها كهرمان بنظرات حادة ولم تجبها بكلمة، هي فقط هزت رأسها بهدوء.
وقبل أن تقل كلمة أو يتحرك أحد قال إيفان بهدوء أوقف الجميع بأرضهم: "ليس بعد، لم ننتهي."
صمت الجميع متعجبين ونظروا صوب الملك لينظر هو لاعين كهرمان التي لم تستطع نزع خاصتها عنه، وهو تحدث بنبرة قوية: "اذهبي وردي صفعتك لمن صفعك."
شهق الجميع بصوت مرتفع وهو لم يتزحزح أو تهتز أعينه، بل فقط نظر لها يشجعها بنظراته على أخذ قصاصها.
وهي أدارت رأسها صوب ذلك الشاب الذي كان يصاحب السيدة والذي شحب وجه بقوة يقول: "لكن مولاي هي... ظننا أنها..."
قاطعه إيفان ببرود شديد: "هذا حقها، أن تقتص منك الآن أمامي وتسامحك، خيرًا أن تقتص منك أمام الله يوم تجتمع الخصوم يا فتى."
صمت الشاب وهو يتنفس بعنف، وإيفان استدار صوب كهرمان يقول بقوة آمرًا: "اصفعيه."
تنهدت بصوت مرتفع تطيل النظر في الشاب ولو أنها كانت تود أن تسامحه ذرة، فكرامتها تصرخ بها أن تثأر لصفعته التي كانت أول صفعة تنالها ومن هذا الخسيس.
تحركت كهرمان صوبه، توقفت أمامه ثوانٍ قبل أن ترفع كفها وتهبط بصفعة قوية عنيفة أعلى وجهه جعلت رأس الشاب تلتف بقوة متسعة الأعين من هكذا صفعة، كيف يمكن لامرأة أن تمتلك كف قوي كهذا.
وكهرمان ابتسمت براحة شديد وقد شعرت نفسها أنها نالت حكمًا عادلًا.
رفع رأسها للأعلى بكل كبرياء ترمي الشاب بنظرة هادئة وبسمة صغيرة.
نظر إيفان للجميع يقول بهدوء: "الصامت عن الحق شيطان، وحين سألتكم السيدة أن تدافعوا عما رأيتم أبيتم الشهادة معها، حتى وإن كانت الشهادة ضدي فلا تصمتوا على الحق، لا تكونوا عونًا للشيطان على الباطل، لا بارك الله في أمة تصمت عن الحق خوفًا من مخلوق، ونست الخالق."
صمت ينظر للجميع بجدية، ثم أشار لهم يقول بهدوء: "انصرفوا لأعمالكم يا سادة."
انفض الجميع عن إيفان الذي عاد بنظراته لكهرمان التي كانت تحدق به بنظرات شاردة لا يدرك ما تفكر فيه في هذه اللحظة، لكن وحين رأته يرفع حاجبه أبعدت عيونها عنه بسرعة تميل أرضًا لحمل الحقائب الخاصة بها، بينما هو ينظر لها بهدوء وحين استقامت قال.
"لا أعتقد أن هذا هو الوقت المسموح فيه للعاملات في قصري بالتبضع آنستي؟"
"وما أدراك أنني عاملة في قصرك سيدي؟"
ابتسم لها إيفان يقول بصوت خافت: "ربما لأنكِ ترتدين ثيابهم؟"
اتسعت أعين كهرمان بقوة وهي تنظر لثيابها وودت في هذه اللحظة أن تضرب نفسها، لكنها رغم ذلك أغمضت عيونها تتمالك نفسها، رفعت رأسها ببطء صوبه ليبتسم لها إيفان يحرك رأسه ببساطة، ثم تحرك بعيدًا عنه.
وخلف بعض الحرس وهي تراقب رحيله بقلب نابض يكاد يخرج من صدرها.
وحينما ابتعد قال دون أن يبعد عيونه عن طريقه: "راقبوا تلك الفتاة حتى تصل القصر بأمان، لا أريد أن تُمس بسوء وإلا لن أجد غيركم أمامي لعقابه."
ختم حديثه يكمل طريقه وقبل أن يختفي استدار مرة أخيرة يراها ما تزال تقف في أرضها بصدمة، ابتسم لها ينحني برأسه، ثم رحل.
هكذا ببساطة دون أن يهتم لتلك الفتاة أو لقلبها المسكين.
***
توقفت أمام المرآة تراقب نفسها بانبهار شديد، ابتسمت تستدير صوب تبارك التي كانت تنتظر كلمة منها تطمئنها أنها أحسنت ما فعلت.
"أنتِ... أنتِ رائعة يا مولاتي، يبدو حجابي جميلًا ويليق كذلك على ثوبي."
صمتت برلنت قبل أن تقول بتساؤل: "هل أنا جميلة؟"
ابتسمت لها تبارك تقترب منها تنظر لها من أعلى لأسفل، كيف لا ترى هذه الفتاة كل هذا الجمال الذي يشع منها؟ ربما هو التوتر الذي يعلو وجهها الآن، أم حاجتها كأي فتاة لسماع كلمة مدح.
"بل مبهرة عزيزتي، تبدين جميلة للغاية."
ابتسمت برلنت لا تصدق أنها نالت ثناءً من الملكة الآن، لتنقض عليها تعانقها دون شعور.
وتبارك اتسعت عيونها تتراجع للخلف بسبب ذلك العناق غير المتوقع، ولكن رغم ذلك ابتسمت وهي تربت على ظهرها.
وبرلنت قالت بسعادة: "شكرًا لكِ مولاتي، أشكرك حقًا، أنتِ طيبة القلب لا تبدين لي فاسدة أبدًا."
اتسعت أعين تبارك بعدم فهم: "فاسدة؟! حمضانة يعني ولا إيه؟"
ابتعدت عنها برلنت بسرعة بأعين متسعة تتدارك ما قالت: "لا لا لم أقصد أي إهانة أقسم لكِ، لكن مولاتي لقد... الجميع هنا يدرك أي نوع من الأشخاص يقطنون الجانب الثاني من العالم."
"أي نوع من الأشخاص؟ ربما يسود الجانب السيء في عالمي، لكن هذا لا ينفي وجود الكثير من الأشخاص الجيدين."
نظرت برلنت أرضًا بخجل تقول بصوت منخفض: "لم أكن أقصد أي إساءة أقسم لكِ، أنا فقط من ذلك النوع الذي لا يتحكم بكلماته، سامحيني رجاءً مولاتي."
نفخت تبارك تحاول أن تهدأ، ثم ربتت أعلى كتفها تقول: "حسنًا لا بأس، سوف أخرج أنا لأرسل أحدهم يعلم تميم بوجودك لدي."
هزت برلنت رأسها تقول: "لا حاجة لذلك، أنا سأذهب لغرفتي و..."
"برلنت ابقي هنا؟! أريد أن يزفك من غرفتي."
ختمت حديثها تتحرك للخارج وهي تتذكر حين ذهبت لغرفة الفتيات بعد انتهاء التدريبات ولم تجد أحدًا سوى برلنت التي كانت تنظر لثوبها بصدمة تحاول معرفة ما يجب فعله، فاقترحت هي أن تساعد، ربما تكون محاولة بائسة منها لكسب ودهم.
لم تشعر تبارك بنفسها إلا وكانت وصلت لممر المعمل الخاص بتميم.
تنهدت تتحرك صوب ذلك المكان وهي تنظر حولها للحراس الذين كانوا يحركون رؤوسهم في تحية صامتة للملكة، وهي فقط ابتسمت، تشعر أنها أخيرًا بدأت تتأقلم عما يحدث حولها في هذا المكان.
في المعمل نفسه كانت أعينه تراقب ما يفعل تميم بانتباه شديد قبل أن يترك تميم السلاح على الطاولة يقول بجدية: "هكذا فقط، لا أظن أن تدريب كتيبة من الجنود عليه سيكون بالأمر الجلل."
هز سالار رأسه بخفة يقول: "لا بأس إذن سأتأكد أنني تعلمته بشكل صحيح، ثم سأتولى أنا أمر تدريبهم."
رمقه تميم ثوانٍ قبل أن يقول: "ليكن الله في عونهم إذن."
ابتسم له سالار دون أن يجيب بكلمة، ثم نظر لثيابه يقول بجدية: "ستعلن زواجك اليوم صحيح؟!"
ابتسم تميم بسمة واسعة سعيدة، وقد أشرق وجهه فجأة على ذكر ذلك الشيء، ليهز رأسه بسرعة: "نعم يا قائد، ما رأيك؟! هل تبدو ثيابي مناسبة للمناسبة؟"
نظر له سالار ثوانٍ قبل أن يربت على كتف تميم بلطف: "مبارك يا صديقي، ليجعلها الله زيجة العمر."
ابتسم له تميم وقبل أن يجيب مباركته سمع الاثنان صوتًا، أدركه أحدهم بسرعة متسعة الأعين، وتعجبه الثاني يحاول معرفة صاحبه.
ثوانٍ هي حتى ظهرت تبارك على بداية الدرج الخاص بالمعمل، ليحدق بها سالار باستنكار شديد لوجودها في مكان كهذا تدرك أنه لا يضم سوى تميم فقط.
وقبل أن تتحدث تبارك بما جاءت لأجله بحسن نية، قاطعها كلمة حادة خرجت من فم من لم تبصره حتى الآن: "ما الذي تفعلينه هنا؟"
استدارت تبارك صوب الصوت بصدمة تضع يدها أعلى صدرها تحاول أن تهدأ ضربات قلبها تقول بهدوء وبسمة صغيرة: "مرحبًا يا قائد، لم أرَك حين دخلت المكان، لقد أفزعتني."
ابتسم بعدم تصديق، هل تظنه يرحب بها، اقترب خطوات صغيرة من الدرج حيث تقف هي، تحت أعين تميم المترقبة لما سيحدث.
"مرحبًا ماذا؟! أنا لا أرحب بكِ، بل سألتك ما الذي تفعلينه هنا؟ ما الذي أتى بكِ لهذا المكان يا امرأة؟"
اتسعت أعين تميم بصدمة من الطريقة التي يحدث بها سالار الملكة، وهو الذي لم يتجاوز حدوده مع الملك والملكة وغيرهم من أصحاب المقامات الرفيعة في البلاد، لكن يبدو أنه بالنسبة لسالار هي لم تكن الملكة الآن، بل كانت تبارك التي تخرجه عن طور هدوئه بتصرفاتها التي تدفعه للجنون.
وتبارك تلك المسكينة كانت تحدق فيه بهدوء شديد لا تفقه سبب تلك الكلمات أو غضبه حتى، بل قالت بكل هدوء تشير صوب تميم: "جئت لأخبر تميم..."
"القائد."
"ماذا؟"
"لا يمكنكِ مناداته باسمه هكذا وكأن شيئًا لم يكن، ناديه القائد أو السيد أو أيًا كان، لكن توقفي عن مناداته باسمه فقط."
رمقه تبارك ببلاهة تجيبه بجدية: "يعني هو ده اللي مزعلك؟ طيب جيت عشان أقول للقائد السيد أو أيًا كان تميم إن برلنت في جناحي الخاص ويبقى يجي ياخدها من هناك."
رفع سالار حاجبه يقول بصوت هامس ضاغطًا على أسنانه بغيظ وغضب لا يجد لهما تفسيرًا ولن يتعب نفسه بالبحث عنهما: "العاملين..."
"عفوًا؟"
"هناك فئة في هذا القصر نسميهم نحن العاملين، وظيفتهم تيسير ما تريدنه، والقيام بتلك المهام التي تتفضلين سيادتك وتقومين بها، بغض النظر عن إذا كانت تلك المهام صحيحة أو لا."
"وأيه اللي مش هيخليها صحيحة معلش!"
قال سالار وهو يشير حوله بغضب شديد: "هذا المكان هو أشبه بغرفة رجل غريب عنك، هذه خلوة يا امرأة، وجودك هنا خطأ وحديثي معكِ أيضًا خطأ، ألا تدركين ذلك؟"
بُهتت تبارك حين سمعت كلماته لتقول بجدية: "أنا... لم أقصد، كما أن الباب مفتوح وأمامه العديد من الحراس و..."
قاطعها صراخ سالار وهو يمسح وجهه بعنف: "يا الله يا مغيث."
تراجعت خطوات للخلف تقول بريبة فهي تدري أن تلك الكلمة لا تخرج منه إلا في حالة الغضب وقلة الحيلة، وكذلك (لعنة الله على الكافرين) تخرج في حالات الغضب القصوى والتي تجعلها تعلم أنه قاب قوسين من الانفجار.
مهلًا هل هي الآن تدرس كلماته وجمله وردات فعله؟ ينقصها أن تقوم بدراسات عليا في "سالار".
"اسمعي مولاتي..."
نظرت له بريبة، قال لها مولاتي، إذن هو الآن على وشك إلقاء خطبة في وجهها ونصائح تنتهي بنفس الكلمة.
وقد صدق حدسها لتبارك وها هو يقول بجدية كبيرة: "لا يمكنكِ أن تتحركي دون حراس، بهذا الشكل وهذه البساطة فأنتِ ملكة، ملكة وتبقّى على تتويجك أيام قليلة، وبالطبع لا يمكنكِ الاحتكاك بأي رجل بشكل قريب، أو دخول مكان تدركين أن هناك رجل به وحده دون وجود آخرين، كلامي مفهوم... مولاتي؟"
نظرت له تبارك بأعين لامعة لا يدري غضبًا كانت أم حزنًا تهمس بصوت محتد: "وأنا ما جئت هنا لأجل اللعب، بل جئت لأمرٍ هام، وإن لم تكن تثق بنواياي فهذه مشكلتك... سيدي القائد."
ناطحته ولأول مرة، ترد له الكلمة بأخرى، تستخدم نفسه أسلوبه، وهذا أعجبه بقدر ما أغضبه، ولا يدري السبب لكنه ابتسم ابتسامة حادة يقول: "جيد إذن نحن متفقون."
رفعت رأسها تترفع عن الرد عليه، تنظر خلف ظهره لتميم الذي تابع هذه المشاداة الكلامية بينهم في انتظار المنتصر، ويبدو أنها انتهت بتعادل الطرفين.
"إذن القائد والسيد وايًا كان تميم، يمكنك استلام برلنت من حجرتي قبل ذهابكم للمسجد، والآن اعذروني."
ختمت حديثها تنظر لسالار ببسمة وكأنها تخبره (جيد؟)، رفعت طرف فستانها وهذه المرة تعمدت أن تضربه فيه بحنق وغضب تنحني بعض الشيء: "اعذروني، عليّ الرحيل."
ختمت حديثها تتحرك بغضب وملامح مشتعلة خارج المكان، ملامح أشبه بملامح سالار الغاضبة، وهذا ما لاحظه تميم الذي قال بصوت منخفض مرتاب: "هل نظرت لك الأن نفس نظراتك للآخرين، أم أنني أتوهم؟"
ابتسم سالار يمسح وجهه يفكر بقلة حيلة أنه أورثها غضبه أيضًا.
مرحى حصلنا على سالار صغير.
***
زفر بصوت مرتفع وهو يبعد الكتاب عن وجهه حانقًا من كل تلك الأجساد التي تحيط به، ألقى الكتاب بقوة يصرخ في وجوههم.
"ماذا؟! أليس اليوم مناسبة ذلك الصغير المزعج المختل؟ مالكم أنرتم مكتبتي بطلتكم البهية؟"
ابتسم إيفان بسمة صغيرة يقول بتنهيدة خرجت منه بعد صمت دام طويلًا منذ وطأ للمكتبة.
تحرك يستند بمرفقيه على الطاولة يقول بصوت خافت: "سيدي العريف..."
تشنج وجه العريف بقوة يشعر بوجود خطب هنا وهذه الوجوه حوله لا تريحه البتة.
"سيدي العريف؟! حقًا؟"
ابتسم له إيفان يكمل: "لطالما كنت في عمر جدي، لذا تنال مني ومن جميع الموجودين احترامًا خاصًا."
ختم حديثه يشير صوب الجميع جواره، سالار وتميم ودانيار وأخيرًا مهيار.
"كم من مرة منعتُ سالار عن تحطيم مكتبتك أو منعت تميم ودانيار عن إزعاجك؟"
نظر له العريف وقد مل من كل تلك المقدمات، يدرك أنه يود شيئًا منه، وشيء ليس بالعادي: "حسنًا هات ما عندك فلا صبر عندي لسماعك تعدد عليّ أفضالك الوهمية تلك، فرغم كل ما قلته، حطم سالار مكتبتي عشرات المرات، وأزعجني هذان الاثنان مئات المرات."
ابتسم إيفان ينظر لسالار بنظرة أخبرت الآخر أن يتقدم هو ليكمل عنه الحديث وقد كانت لحظته، ليقول سالار بصوت هادئ رخيم: "أيها العريف، نحتاجك لمساعدتنا في أمرٍ في غاية الأهمية، شيء متعلق عليه أمان وسلامة المملكة، بغض النظر عن كرهك لجميع البشر بها."
"وما هذا الشيء الذي تريدني أن أفعله؟! هل أحمل سيفًا وأذهب للحرب؟"
ابتسم له سالار بخبث يردد: "دع حمل السيوف لنا، وأحمل أنت ما تفقه فيحمله."
نظر له العريف بفضول ليدفع سالار الكتاب صوب العريف يقول بصوت خافت لطيف بعض الشيء: "كتبك الجميلة هذه."
نظر العريف للكتاب بريبة، ثم رفع عيونه لهم يقول بتساؤل: "ما الذي تريدونه مني يا قوم؟"
نظر الجميع لبعضهم البعض قبل أن يقاطع تميم كل ذلك يقول ببسمة صغيرة وكأنه يحاول صرف انتباه العريف التفكير فيما سيحدث له: "إذن أيها العريف، ألن تشرفني بحضور إجهار زواجي؟"
***
تدور في الجناح بغضب شديد وأمامها تجلس برلنت وهي تضم يديها باحترام شديد، كتلميذة تخشى تقريع المعلم الخاص بها.
وأمامها تجلس كهرمان التي أخبرها أحد الحراس بأن الملكة تطلبها في جناحها، وها هي تجلس وهي تنظر لبرلنت بعدم فهم لما يحدث، وبرلنت المسكينة لا تدري سبب عودة الملكة بمزاج مشتعل بعدما ذهبت لتنبأ تميم بمكانها.
وتبارك ها هي تدور في المكان وغضبها مشتعل مشتعل وبقوة، تود قتل أحدهم، تشعر بدمائها تغلي داخل أوردتها.
هذا الرجل ستـ... ستـ، سـ ماذا؟ هي حتى حين تتوقف أمامها تشعر بكامل جسدها وقد شُل، له هيبة تخضعها لكل ما يقول، لكن الآن هي لن تصمت، أرادها أن تكون غاضبة قوية؟ حسنًا سيكون هو أول من ينال منها نتائج دروسه.
في هذا الوقت فُتح الباب لتندفع زمرد الداخل بملامح شاحبة غاضبة من نفسها، يالله رفضته، الشخص الوحيد الذي تحبه رفضته.
نظرت لها تبارك بلهفة تقول ببسمة حين أبصرتها: "مرحبًا زمرد."
رفعت زمرد رأسها صوب تبارك بشر، لكن الأخيرة لم تهتم وهي تقترب منها ترى زمرد تنزع اللثام الخاص بها وهي قالت لها: "إذن تريدين قتالًا كالصباح؟"
ودون وعي اتسعت بسمة زمرد بشدة وقد وجدت أخيرًا متنفسًا لغضبها، رغم أنها في الحقيقة ليست متنفسًا كما توقعت، بل هي كانت منافسة، حتى أنها الآن ما تزال تشعر بلسعات في ذراعها بسبب ضرباتها التي تلقتها منها صبيحة اليوم.
ابتسمت زمرد باتساع تشير صوب تبارك: "أنا أحب هذه الفتاة."
قالت تبارك بسرعة: "تبارك."
"نعم، أحب هذه الفتاة تبارك، يبدو أننا سنصبح أصدقاء مقربين."
رمقتهم كهرمان بغيظ شديد من تصرفاتهما تلك: "بل ستصبحان جثتين إن لم تتوقفا عن هذه القتالات."
نفخت زمرد دون اهتمام تجذب تبارك من كتفها تضمها لها: "دعكِ منها تبارك، ما رأيك أن نتقاتل الآن؟"
اعترضت برلنت تنتفض عن الفراش بغضب: "أي قتال هذا زمرد بالله عليكِ؟! أنا الآن سأتزوج."
"يا فتاة أنت بالفعل متزوجة."
"نعم والآن سأعلن الأمر، لا يمكنكِ أن تتركيني في هذا الوقت وتتقاتلين."
نظرت لها زمرد وكأنها تفكر في الأمر قبل أن تهز كتفها تقول بكل بساطة: "لا بأس، بعد الزواج نتقاتل ما رأيك؟"
هزت تبارك رأسها تستحسن هذه الفكرة، وكهرمان قلبت عيونها بحنق شديد وغيظ، وما هي إلا دقائق قليلة قامت فيها الفتيات بالتجهز حتى ارتفع صوت أمام المسجد وهو يقيم الصلاة.
مرت دقائق وانتهت الصلاة وسمع الجميع صوت الحارس يطلب الأذن لدخول القائد تميم.
شعرت برلنت في هذه اللحظة بنفس الرهبة، نفس الخوف، نفس المشاعر التي عاشتها في المرة الأولى حين انطلقت الزغاريد معلنة زواجها رسميًا من تميم.
لكن هذه المرة كان هناك مشاعر إضافية تحاول الظهور على استحياء، حبها لتميم في هذه اللحظة يغطي على رهبتها.
تنفست حين سمعت صوت تبارك تقول ببهجة وسعادة كبيرة بعدما أخفى الجميع وجوههم حتى برلنت: "دعه يدخل."
وبالفعل انفتحت بوابة جناحها على مصرعيها ليطل عليهم تميم ببسمته المعهودة التي سلبت لب برلنت للمرة المائة بعد المليون.
نظر لها يقف أمام الجناح يمد يده لها قائلًا بلطف: "اقتربي بيرلي."
شعرت برلنت بقلبها يكاد يسقط أرضًا في قدمها، لكن بسبب جذب كهرمان لها، نهضت عن الفراش تتحرك صوب البوابة حيث يقف تميم، وحين وصلت له، احتوى تميم كفها بحنان شديد مبتسمًا: "مرحبًا بساكنة القلب."
رفعت تميم رأسها له، ورغم أن الغطاء يخفي وجهها بالكامل، إلا أن تميم شعر بها تبتسم ولا يدري كيف.
ابتسم وهو يستدير بها يخرج بها من الجناح لتتفاجئ برلنت بصفين من الجنود يصنعون لهما ممرًا طويلًا فابتسم تميم يقول: "لقد أصر القائد أن أزفك بصفتي قائدًا في الجيش."
تحركت الفتيات خلف برلنت بهدوء بعد تغطية وجوههم ليصطدموا بوجود هذا العدد من الجنود يتقدمهم إيفان وسالار وتميم وكذلك مهيار والعريف الذي كان مبتسمًا للمرة الأولى في حياته ومرجان.
تحركت برلنت بين الجنود ترتجف من رهبة الموقف قبل أن تنتفض هي وجميع النساء على صوت سالار الذي قال بنبرة عالية: "انتبــاه."
اعتدل جميع الجنود بشكل منظم يرفعون السيوف الخاصة بهم ليرتجف قلب برلنت مما ترى، وتميم ضغط على كفها وهو يسير بها بعيدًا عن الجناح.
بينما تبارك ابتسمت بسمة جانبية ساخرة وقد كانت تدرك في قرارة نفسها أن هذا ما سيحدث، وجود جنود مصطفين يصاحبه صرخة من سالار بهم لفعل شيء ما، ولهذا كانت الوحيدة التي لم تهتز وهي تنظر بفخر وبسمة واسعة صوب سالار الذي رفع حاجبه بتعجب.
وحين عبر الجميع الممر الذي صنعه له الجنود تحركوا صوب المسجد، الرجال يسبقون الجميع، وخلفهم تميم بزوجته، ومن ثم النساء في الخلفية.
خطى الجميع للمسجد لتشعر تبارك في هذه اللحظة برهبة شديد وهي تحرك عيونها في أرجاء المسجد، يا الله ما هذا المسجد وما هذه الراحة التي ملئت صدرها، تشعر بقلبها يرتجف.
ورغم أن المسجد لم يكن مزينًا بشكل مبالغ به كما ترى في العادة، وقد كان بناءه في غاية البساطة، لكن جماله يكمن في بساطته.
فجأة ارتفع صوت الإمام ينطق بكلمات هزت قلب تبارك، في لحظة أغمضت عيونها تسمع خطبته عن الزواج والمودة والرحمة، لحظات طافت بهم تبارك بعيدًا عن الجميع، لكن فجأة انتفضت للخلف بشكل ملحوظ تفتح عيونها بفزع شديد، تحاول أن تتنفس، يا الله ما الذي يحصل لها.
ابتلعت ريقها تحرك عيونها في المكان تتأكد أن لا أحد أبصر ما حدث للتو، لكنها وحين وقعت عيونها ما رأت إياه، هو فقط الذي أبصرته من بين الجميع، يخفض رأسه للأسفل يستمع لكل ما يقال بتركيز شديد.
لكن ثوانٍ حتى ارتفع رأسه فجأة بشكل جعلها تبعد عيونها بسرعة، متحركة صوب الستار الذي يخفي النساء خلفه عن أعين الباقية، تركز نظراتها على برلنت.
وفي المقابل كان إيفان يسمع تلك الخطبة التي استفاض الشيخ في قولها، الزواج أمان ومحبة وإخلاص ودفء وود، كل هذه الكلمات يدركها هو منذ بدأ يبحث عن زوجته، داعيًا الله أن تمثل هي له كل هذا ويفعل هو الأمر نفسه بالمقابل، لكن الآن، في هذه اللحظة، ما بال قلبه ينتفض مخبرًا إياه أنه يسير في الطريق الخاطئ، لم يعتد أن يتردد في فعل شيء، فما باله الآن؟
أغمض عيونه يتضرع لله.
يا الله لا تجعله سببًا لوجع غيره، فاللهم أرشدني للخير وقربه مني، وأصلح لي شتى أموري.
وكهرمان بعيدًا في ركن السيدات ومن وراء الستار كان تسمع كل ذلك ولا يخطر في ذهنها سوى الملك، شعور قوي بالخسة والكره لذاتها اكتنفها، يا الله هي منافقة حقيرة، تحب الملك وتهواه في نفسها، وفي الوقت ذاته تصادق التي من المفترض أن تكون زوجته.
هي لم تصبح بعد، لكنها المقدرة له، وهذه المشاعر تجعلها تكره ذاتها، هي تريد الابتعاد، الرحيل من هنا وبأسرع وقت.
يا الله فلتعني على جهاد نفسي، ولا تعلق قلبي بما ليس له.
قلوب مشتتة وأطراف متشابكة ولا أحد يدرك المقدر، لا أحد يعلم المكتوب له، وحتى تلك الأطراف التي نجت من التشابك، كانت رافضة للاتحاد في ربطة واحدة.
زمرد ودانيار كلاهما لا يدركان ما يجب فعله، فقط حالة من الحيرة والرفض والإصرار.
وأخيرًا أصحاب هذا اليوم... تميم وبرلنت، يجلسان أرضًا، تميم يجلس على ركبته وهي جواره بفستان أخذ مكانًا لا بأس به حولها.
تشعر بقبضة تميم تشتد على يدها، وصدر الأخير يشتعل بحب خالص لها هي.
كل هذه المشاعر كانت تطوف في أركان المسجد حتى قطع كل ذلك صوت حاد يوقف كل تلك كلمات حانقًا غاضبًا: "أنا اعترض على هذا الزواج... كيف تزوّج امرأة متزوجة من الأساس يا شيخ؟"
***
أن تبني أحلامًا وآمالًا وتعلقها على شيء بعينه، ثم يتهدم كل ذلك أمام عيونك لهو الجحيم، فما بالكم لو كان ذلك الجحيم مقرونًا بجحيم آخر يتمثل في رجال سفيد؟
منذ أدرك خسارته وهو لا يتحدث ولا يتحرك، فقط صامت هادئ بشكل مثير للدهشة، وكأنه فقط يشحن طاقته كي يخرج عليهم بكارثة أخرى أشد وطأة مما سبقتها.
بافل، ذلك الطاغية الذي تشرب من والده القسوة والتجبر والشر، ارتشف منه حد الثمالة وما اكتفى، باع روحه للشيطان وبلا مقابل، ها هو يجلس أعلى عرشٍ سلبه بالغدر والخداع.
ما تزال أصوات صرخات أرسلان يتردد صداها داخل عقله، وكأنه أبى إلا أن يذكره بما فعل، لكن هل كان ذلك خطأه وحده؟
وبالحديث عن (وحده) ها هو عزيزه يتقدم للقاعة وهو ينظر له يقول بصوت قوي وكأنه لا يهابه: "ألم أخبرك أن مهمتي انتهت مع دخولك مشكى بافل؟! أخبرتك أنني سأساعدك فقط مقابل ما تفعله لي وحينها لا أريد معرفتك من قريب أو بعيد."
أطلق بافل ضحكات مرتفعة يقول بصوت ساخر: "أوه وهل تخشى تلويث يدك القذرة بالتعاون معي؟ لا تخف فقد تلوثت يدك سابقًا، ولن يضرها بعض الوحل الإضافي، أليس كذلك؟"
اشتعلت أعين محدثه يقول بصوت مخيف: "بل كذلك أيها القذر، مالي والقذرين أمثالك؟ أنا ساعدتك لدخول مشكى بصعوبة، وهذا فقط كي تتوقف عن السطو على قوافلنا وتدمير تجارتنا."
أطلق بافل ضحكات صاخبة رنّ صداها في المكان، دقيقة كاملة لم يتوقف فيها عن الضحك بشكل استفز من أمامه حتى كاد أن يقترب منه وينقض عليه.
وحين انتهت ضحكات بافل نزل عن العرش يتحرك صوب ذلك الرجل يقول بنبرة خبيثة: "حقًا؟ يا لك من قذر مسالم، أرجوك لا تعاملني كأنني مجرد غبي لا أفقه ما تفكر به، أنت ساعدتني بالأسلحة والرجال من مملكتك فقط كي تضع لك يدًا داخل مشكى وتوسع مملكتك، ظننت أنني سأترك لك مشكى بهذه السهولة؟"
اتسعت أعين الرجل بشدة وقد اشتدت ملامحه بشكل غريب وهو يحاول تجنب الحديث مع بافل في هذه اللحظة، لكن ذلك لم يصمت الأخير وهو يقول: "والآن كما فعلت وأدخلتني مشكى، حان دورك لتساعدني في دخول سفيد، أريد أن أحصل عليها."
اتسعت أعين الرجل يقول بصدمة: "سفيد!! هل تمازحني؟"
"ومنذ متى أمزح مع أمثالك يا هذا؟ أنت ستفعل ما أريده وإلا أوصلت خيانتك لباقي الممالك وحينها لن يكون عليك مواجهتي فقط، بل سأفتح الجحيم على مملكتك ومن بها."
أسود وجه الرجل وقد شعر في هذه اللحظة أنه حُصر في الزاوية، قذر حقير كبافل يتحدث معه بهذه النبرة المستصغرة، اشتدت ملامحه وقد عقد عزمه على أمرٍ ما، لكنه سرها في نفسه يقول بصوت خافت: "حسنًا..."
***
تلك الكلمات التي انطلقت في المسجد أوقفت الجميع عن الحديث والبعض عن التنفس.
تصنم جسدها بقوة وقد شعرت في هذه اللحظة بقصور أحلامها تنهار وبقوة أعلى رأسها، ارتجف جسدها فجأة بعد تصنمه للحظات، لا تبعد عيونها عن الأرض أسفلها وهي ما تزال جالسة جواره، بينما هو وبكل بساطة مد يده يضمها له بقوة وعيونه لم تتحرك عن الشيخ يقول بهدوء لا يتناسب البتة مع ما يحدث حولهم: "اكمل يا عم."
نظر له الشيخ بعدم فهم ثم قال: "لكن يا تميم هذا الرجل يقول..."
"أكمل يا عم ودعك من تُراهات القيل والقال، فأنا لن أوقف زواجي لأجل قال وسمع، أكمل يا عم رضى الله عنك."
ابتلع الشيخ ريقه، ثم أكمل بهدوء شديد ما كان يقول لولا أن الرجل الذي اقتحم المكان لم يكتفِ بتلك الكلمات بل قال بنبرة مرتفعة وصوت صاخب: "ما الذي تفعله يا شيخ؟! أخبرتك أن ابنتي متزوجة كيف تزوجها لغير زوجها؟"
هذه المرة كان دور تميم ليرتجف، لكن ليس خوفًا أو قلقًا، بل غضبًا، الجحيم بأكمله تحكم به، هذا الرجل خلفه لم يدمر ماضيه، بل ترك حياته وهرب ليفسد حاضره ويحطم مستقبله.
نظرت له برلنت تهمس بصوت منخفض ودموع جارية: "تميم أرجوك."
لكن ولأول مرة لا يمتثل تميم لرجائها، بل انتزع يده من كف برلنت ينهض عن مكانه، ثم استدار بهدوء شديد صوب الستار الذي يخفي خلفه النساء ولم يكن يعلم منهن سوى تبارك فقال بهدوء: "مولاتي، هل لكِ أن تصطحبي زوجتي للخارج رجاءً؟"
انتفض جسد تبارك حين وجه لها أحدهم الحديث، لكنها رغم ذلك خرجت من خلف الستار وتحركت جهة برلنت التي كانت ما تزال جالسة في موضعها منهارة من الحزن، أشفق عليها تبارك تقول بصوت حنون: "هيا حبيبتي انهضي معي."
"مولاتي أنا..."
"هيا برلنت رجاءً، لا تخافي تميم سيتولى الأمر والجميع هنا."
تحركت برلنت مع تبارك صوب الخارج بصعوبة شديدة تحت أعين الجميع وتميم ينتظر خروجها، فمهما بلغ مقدار بغضه وكرهه لهذا الرجل لا يهون عليه أن يكسره أمام ابنته، لا يطيق أن تتذكره زوجته بهذا الموقف.
ويبدو أن والد برلنت لم يكن بمثل كرم تميم أو تفهمه، فبمجرد أن اقتربت ابنته منه كي تمر لخارج المسجد سحبها بسرعة كبيرة صوبه يقول بصوت حاد: "تعالي هنا، أخبرتك أنني لا أوافق بزواجك هذا وأنكِ متزوجة، فهربتي مني وجئتِ للزواج أيتها الفاسقة؟"
وكان أقرب الموجودين له هي تبارك التي سارعت تنتزع برلنت من يده وهي تقول برعب شديد أن يمسها بسوء: "دعيها، اترك الفتاة، لا يجوز لك محادثتها بهذا الشكل يا سيد."
لكن حين الغضب لا تبصر أمامك سوى السواد، وهو ما أبصر سوى ابنته التي تحاول عصيانه والزواج بغير من اختار، تتزوج من سيعذبها لأجل ما فعل هو قديمًا، سيستغلها لينتقم منه، وهو لن يسمح له.
دفع الرجل تبارك بعيدًا عنه وهو يضم له برلنت بقوة، وتبارك التي كادت تسقط أطلقت شهقة مرتفعة لولا يد زمرد التي كانت تتبعهم للخارج وامسكتها قبل أن تسقط.
وكل ذلك كان تحت أعين الرجال الذي انتفضوا لما حدث خاصة سالار والذي تحرك بسرعة مخيفة ينطق بصوت راعد: "يدك عنها..."
انتفض والد برلنت برعب لذلك الصوت الهادر وعمت الفوضى في المكان، كل ذلك ولا أحد يفقه ما يحدث أو الصواب من الخطأ.
حتى انطلقت صرخة مرتفعة قطعت كل ذلك: "توقفوا جميعًا..."
صمتت الأصوات وتوقفت الأنفاس على صوت صرخة إيفان بهم، ثم نظر للجميع يقول لتبارك بهدوء شديد محاولًا التحلي بكامل اللطف والهدوء: "مولاتي رجاءً اصطحبي الفتاة لحجرتك حتى أستدعيها."
هزت تبارك رأسها تحاول أن تخرج من صدمتها وهي تتحرك تحت أعين سالار المشتعلة صوب برلنت تجذبها بالقوة من بين يديّ والدها الذي خاف أن يشتد غضب الملك عليه.
وتحركت النساء للخارج وكل ذلك تحت صمت تميم المخيف وهو ينظر لوالد زوجته دون حركة واحدة.
نظر إيفان للجميع يحاول أخذ ردة فعل حكيمة في هذه المسألة، ليتنهد وهو يقول: "خذوا والد برلنت لإحدى الغرف حتى يتم استدعائه للمحكمة."
انتفض الرجل برعب يهتف: "المحكمة؟! أي محكمة؟"
ابتسم له إيفان يجيب بهدوء: "بالطبع محكمة، فما جئت به أمر جلل سيدي، هذه جريمة، أن تتزوج امرأة برجلين إن صدق اتهامك."
انتفض تميم بقوة يصرخ هادرًا لا يهتم لمن يتحدث، بل يشعر بالغضب لتوجيه أحدهم مثل هذه الاتهامات لزوجته: "أي رجلين؟! برلنت لم تتزوج سوى بي، هي زوجتي أنا فقط، امرأتي أنا، ولا أسمح لأيًا كان أن يتحدث عنها بالسوء ولو كان والدها أو الملك."
ختم حديثه يتنفس بصوت مرتفع، بينما إيفان حدق فيه بهدوء شديد، هو لم يقل تلك الكلمات متهمًا برلنت بالطبع، بل قصد بها إثبات كذب ادعاء والدها.
تدخل دانيار يجذب تميم للخلف وهو يهمس له أن يهدأ: "اهدأ تميم، الأمور لا تسير بهذا الشكل يا رجل، أنت تتحدث مع الملك."
نظر له تميم باعتراض ولم يكد يتحدث حتى تدخل سالار يقول بأمر: "تميم احفظ لسانك واكبت غضبك وتحكم بنفسك."
تنفس تميم بصوت مرتفع وهو ينظر بعيدًا، يرى بعض الجنود يسحبون والد برلنت للخارج تحت نظرات إيفان الذي قال قبل أن يبلغ والدها باب المسجد: "أكمل ما كنت تفعل يا عم."
نظر له الجميع بتعجب، لكنه لم يهتم وهو يقول: "هيا أعلن زواج تميم ببرلنت."
شعر الجميع بالدهشة فمن أين أمرهم بتأجيل كل شيء لما بعد المحكمة، ومن أين يأمر الشيخ بإكمال الجهر بالزواج، لكن لا أحد تجرأ على توجيه كلمة واحدة للملك الذي كان يتابع الكل ببسمة صغيرة.
استطاع بكل هدوء أن يحقن الدماء ويهدأ النفوس ويفض الشجار بكل بساطة، ثم أمرهم لاستكمال ما حدث فهو أكثر الناس معرفة بتميم وقد أخبره الأخير ظروف زواجه.
وحينما خرج والد برلنت من المسجد ارتفع صوت الشيخ يعلن زواج صانع الأسلحة (تميم مؤمن) بالآنسة (برلنت عبدالله).
صوت سقط على قلب برلنت في حجرة الملكة كالمياه على الجمر المحترق، تنفست تبكي بسعادة وقد أنعش ذلك الصوت صدرها لتضمها كهرمان بهدوء وحب: "مبارك لكِ عزيزتي، مبارك لكِ برلنت."
دقائق هي حتى سمع الجميع صوت الحارس يأذن بدخول صانع الأسلحة، ليطل عليهم تميم بملامح حنونة يستقبل برلنت بين يديه هامسًا برقة ولطف: "مبارك صغيرتي..."
وفي ثوانٍ انفجرت برلنت بالبكاء بين أحضانه، لتنظر تبارك بخجل للجميع وهي تتحرك معهم خارج جناحها تترك لهم حرية الحديث.
وما كادوا يخطون خطوة إضافية حتى سمعت تبارك صوت زمرد تقول: "إذن هل ما يزال قتالي قائمًا؟"
رمقتها كهرمان بعدم رضى: "زمرد، هل ترين هذا وقتًا ملائمًا لفعل هذا؟"
جذبت زمرد يد تبارك بإصرار شديد وهي تقول بحنق مشيرة بإصبعها على كهرمان تمنعها أي محاولة لإيقاف ذلك القتال الذي سيخفف بعض غضبها: "نعم هذا وقته، فإن لم يكن هذا، سأذهب وأقتل والد برلنت، ذلك الخسيس، جميع الآباء هكذا."
ختمت حديثها تجذب تبارك خلفها والتي كانت شاردة بعيدًا عما يقال، ولحقت بهم كهرمان مرغمة فقط لتتأكد أنهم لن يتورطوا في المزيد من الكوارث.
***
انفض الجميع من حول الملك وقد انتهوا من مباركة تميم والذي بمجرد أن سمع الشيخ يعلنهما زوجين ركض تاركًا الكل خلفه، ليبتسم دانيار بسعادة لأجله.
تحرك بعيدًا عن الجميع تاركًا حوار لا يهمه الحقيقة، وقبل أن يخرج من المسجد لحق به مهيار بسرعة يقول: "مرحبًا دانيار."
ابتسم دانيار بسمة صغيرة يقول: "مرحبًا مهيار."
"إذن؟"
"إذن؟"
توقف مهيار أمامه يقول بجدية: "أنت بخير؟"
نظر له دانيار بعدم فهم ليقول الأخير مسرعًا: "أنت لا تظن أنك خدعتني بملامحك السعيدة تلك صحيح؟"
تأوه دانيار بصوت منخفض يقول: "مهيار رجاءً أنا متعب، لذا..."
قاطعه مهيار بصرامة وهو يجذبه بعيدًا عن الجميع: "لذا عليك بتخفيف حملك ومشاركتي أحزانك وتعبك أخي، دانيار أنا أعلم أننا لسنا بهذا القرب وأننا طالما تشاجرنا وتشاكسنا، لكن..."
انتفض دانيار ينظر له بصدمة وهو يقترب منه يمسك وجهه بين كفيه يهتف بصرامة وكأنه يدفع كلماته داخل عقله الصغير، والذي رغم أنه يصغره بسنوات قليلة إلا أنه يظل طفله وصغيره الذي اعتنى به بعد رحيل والديهما: "أنت أيها الغبي ما هذا لسنا بهذا القرب؟! بل أنت أقرب من هذا القرب مهيار، أنت شقيقي أيها الأحمق، أي معنى لكلمة شقيقي لا تعلم؟ شقيقي مالي سواك لأرتكن إليه مهيار، أنت آخر من تبقى لي في هذه الحياة، إياك... إياك مهيار أن تظن للحظة واحدة أنني بعيد عنك، أنت طوال الوقت أسفل عيوني، أنا أذهب للحرب عين على الجيش وعين على قافلتك الطبية، يا أخي أنت أغلى من امتلك بهذه الحياة."
ابتسم له مهيار يقول بتأثر وهو يربت على ظهره، ثم مد يده يجذب له دانيار لأحضانه يقول بصوت أخوي حنون: "مالك إذن تكتم عني أحزانك يا أخي، لِمَ تؤثر حزنك لنفسك عزيزي؟"
صمت دانيار ولم يستطع نطق كلمة فيما يؤلمه وهو حتى لا يعلم ما الذي يؤلمه، هل يوجعه الرفض، أم يخشى البعد؟
تعجب مهيار الهدوء الذي أصاب أخيه ولم يكد يبعده عنه حتى سمع صوت دانيار يهمس بصوت خافت ما لم يفضي به لغيره: "أعتقد أنني أحب أحدهم، وهذا الأحد نبذ حبي يا أخي ورفضه بقسوة ودون قول مبررات."
اتسعت أعين مهيار بصدمة مما سمع يبعد عنه دانيار يتحدث بعدم فهم: "كيف دون مبررات، لا يوجد أحد يرفض حبًا دون وجود مبرر لرفضه، حتى وإن كان ذلك المبرر أنه لا يبادله الحب."
أوجعت دانيار هذه الفكرة لكنه قال بخفوت بعدما ابتلع ريقه: "لا أعلم، فقط أشعر أنها تخفي شيئًا كبيرًا عني، أنا كنت أبصر إعجابًا في عيونها، ولا أعلم سبب رفضها."
"إذن قص عليّ كل شيء علّني أساعدك."
***
كانت المعركة بينهما حامية الوطيس، تبارك في هذه اللحظة تستعمل كل حركة تعلمتها من سالار، تتحرك بسرعة كبيرة تحاول أن تنافس زمرد في الضربات.
زمرد التي نشأت بين قوم غبي لا يعلمون عن السيوف سوى أنها مصنوعة من معدن، عدا بعض المتمردين الذين نبذوا ممالكهم فتعلمت منهم ومن غيرهم.
تنفست بصوت مرتفع وهي توجه ضربات متتالية شرسة صوب تبارك والتي صدتها بسرعة كبيرة وعيونها تكاد تخرج من وجهها وهي تركز على كل همسة تخرج من زمرد.
وحينما توقفت زمرد عن توجيه الضربات لالتقاط الأنفاس ابتسمت تبارك تستغل الفرصة وهي تنقض عليها بضربة قوية تسببت في تراجع زمرد للخلف متسعة الأعين: "أنتِ أيتها المخادعة، لقد كنت ألتقط أنفاسي."
في هذه اللحظة تردد صوت سالار في رأس تبارك لتقول كلماته التي ترددت في نفس الوقت داخل عقلها: "العدو لن ينتظرك أن تلتقطي أنفاسك، بل سيباغتك بقوة ودون تفكير."
أشارت عليها بنفس الطريقة التي يقوم بها تبارك وحاولت أن تقلد تعابيره الباردة الساخرة: "تمامًا كما فعلت أنا.."
كانت تتحدث بثقة وقوة وبسمة واسعة ارتسمت شبيهه لها على وجه ذلك الذي كان يراقب ما يحدث عن بعد، لا يصدق أن من تقاتل في هذه اللحظة بهذه الشراسة هي نفسها الملكة التي لم تستطع استخلاص السيف من حاملة السيوف سابقًا.
وحين سمعها تردد نفس كلماته بنفس الطريقة، بل وكانت تحاول تقليد تعابير وجهه، انفجر في ضحكات صاخبة لم تصل لها لبعده عنهم وتحكمه فيها سريعًا.
يا الله هو فخور، لا يدري السبب فهو درب الكثير من الرجال، الآلاف منهم سابقًا، لكنه يومًا لم يكن بهذا الفخر وهو يشاهدها.
ثوانٍ ليبصر الفتاة التي كانت تقاتل الملكة تتحرك خارج الساحة متذمرة، بينما تبارك تقف في منتصف الساحة تبتسم بسمة واسعة سعيدة وكأنها للتو حققت انتصارًا في حرب تقول بصوت مرتفع: "يا فتاة لا تكوني بهذا التذمر، هيا لتتحلي بروح رياضية، نحن لم ننتهي بعد ولم أسقط سيفك لأعلن انتصاري."
فجأة انتفض جسد تبارك تسمع صوتًا خلفها يردد بجدية وصوت سيفه يتحرك في الهواء: "ما رأيك إذن في قتال يكون النصر به مستحقًا مولاتي؟"
استدارت تبارك بسرعة كبيرة للخلف لتجد سالار يقف لها مبتسمًا بسمة صغيرة يقول: "لنضع الخاتمة اليوم، ونرى أين وصل مستواكِ تلميذتي النجيبة."
نظرت له تبارك بدهشة وهي تحاول استيعاب أنه هنا بالفعل، وتحرك سيفه في الهواء جعلها تدرك ذلك وهي تتراجع بسرعة تبتلع ريقها: "أنت هنا بجد؟"
رفع سالار سيفه لها بقوة يوجهه صوب رقبتها لتبتلع ريقها لتبتسم بسمة متوترة: "أيوة صدقت، خلاص نزل السيف."
ابتسم لها سالار بسمة صغيرة يقول بجدية: "بارزيني."
ومن بعد هذه الكلمة تراجعت تبارك للخلف وهي تستعد، هي بالفعل تقدمت بشكل لا بأس به خلال أسابيع قليلة، لكن أن يصل الأمر لمبارزة معلمها فهذا ما لن تستطع فعله.
لكن وعند إشارة سالار لها أن تتقدم ابتسمت بسمة جانبية قبل أن ترفع سيفها في الهواء تأخذ وضع الاستعداد وهو أخذ فقط وضع الدفاع ينتظر اقترابها.
وما هي إلا لحظات وانقضت عليه تبارك بضربات سريعة قوية، ضربات متتالية قوية كانت لتسقط منافسها إن لم يكن هو نفسه معلمها، تضرب وتضرب لكن دون رد منه أو حتى اهتزت له شعرة واحدة.
وبعدما انتهت تبارك ابتعدت تلتقط أنفاسها بتعب شديد وقد بدأ العرق ينبت أعلى رأسها، وهو فقط ابتسم ولم يحرك سيفه يقول: "لا بأس بكِ حقًا."
"نعم، منذ دقائق كنت رائعة، لكن أمامك أصبح لا بأس بي، هذا ليس عادلًا."
رفع سالار سيفه لها يقول: "أن تتجرأي لرفع سيف في وجهي دون أن ترتجف يدك، فهذا شيء يُحسب لكِ... مولاتي."
ابتسمت له تبارك بتشنج ليه رأسه: "نعم كما سمعتِ."
أدخل سيفه في غمده يقول بهدوء شديد يلقي على مسامعها بعض الملحوظات وكأنه لم يجبرها على ذلك القتال إلا فقط ليخبرها ما تعانيه من نقص في أسلوبها: "لا تضعي كامل طاقتك في ضربة واحدة فتصبحي بعدها مسلوبة الأنفاس، لا تظهري انفعالك في ضرباتك، والأهم لا تحاولي إثبات تفوقك على منافسك، فأنتِ لن تستفادي شيئًا حين تعلم جثة أمامك أنكِ بارعة في المبارزة صحيح؟"
نظرت له ثوانٍ قبل أن تدرك مقصده لتبتسم له بسمة جعلته يهز رأسه: "احسنتِ، ألقاكِ غدًا معصوبة العينين."
"مهلًا، ماذا؟"
"كما سمعتِ، نحتاج لتدريبك على استعمال حواسك الأخرى قبل أن نختم الدروس الخاصة بكِ."
وبهذه الكلمات ختم الحديث بينهما تاركًا إياها وهي رمقت ظهره بفضول شديد قبل أن تتنفس بصوت مرتفع تضع يدها على صدرها: "يا الله وجوده يستنزف أنفاسي وضربات قلبي."
وتلك الكلمات التي لم تعي هي معناها إلا بعدما خرجت منها ضربت نقطة الوعي في رأسها لتطلق شهقة مرتفعة تترك سيفها ليسقط أرضًا تتنفس بصوت مرتفع: "ايه؟ ايه؟ ايه اللي بقوله ده؟"
استدارت حول نفسها بسرعة كبيرة كي ترى إن كان أحدهم أبصر تلك اللحظات أم لا، ثم تحركت بسرعة خارج الساحة تركض للاحتماء في غرفتها مرددة بفزع: "شكل الأحلام بدأت تؤثر عليّ..."
***
لم يجد تميم كي يطمئن إليه قبل الرحيل مع شقيقه، لكنه يكفيه أنه الآن رفقة زوجته حتى يحين موعد المحاكمة بعدما يحددها الملك للبث في اتهامات والد برلنت والحكم على المخطئ بوجود شيوخ من المملكة للحكم على الأمر من جانب الشرع والدين.
والآن ها هو يتحرك مع شقيقه خارج القصر يحملان العديد من الهدايا لطلب يد ليلا لأجل مهيار، ومهيار يضم له الزهور برقة شديد مع حقيبة أخرى من الهدايا.
وبمجرد خروجهم كانت هي تقف مبتعدة عنهم تراقبهم، لا تدري السبب، لكن ربما تحب تعذيب نفسها، تراقب نظراته وبسماته مع رجل آخر تعتقد أنه شقيقه لشدة الشبه بينهما.
اتبلعت زمرد ريقها ببطء تتحرك صوب أحد الأشجار القريبة منهما تسمع صوت دانيار يقول: "إذن هل تعتقد أن هذه الهدايا كافية؟"
نظر مهيار للحقائب ثم هز رأسه: "نعم أعتقد ذلك، لا تقلق فأنا أحضرت كذلك بعض الزهور النادرة."
"كيف لا أقلق؟! عزيزي هذا زواج وعلينا أن نبهر العروس."
اتسعت أعين زمرد بشدة تسمع تلك الكلمات بعدم فهم وهي تردد خلفه الكلمة كأنها تحتاج لاستيعابها: "العروس؟"
في هذه اللحظة سمع دانيار همستها فاستدار لتختفي هي بسرعة خلف الشجرة.
ضيق حاجبيه يحاول معرفة مصدر ذلك الصوت الذي سمعه، هز كتفه ولم يكد يعود بنظره لمهيار حتى أبصر بالخطأ طرف سيف يخرج من جانب الشجرة.
رفع حاجبه وهو يدقق النظر ثوانٍ على مقبض ذلك السيف لتتسع بسمته فجأة وهو يعود بنظره لمهيار يقول بخبث شديد: "أنا لا يهمني سوى إبهار العروس يا أخي فهي ستصبح فرد جديد من عائلتي، لذلك لندعو الله أن يعجبها ما أحضرناه لها."
كتمت زمرد شهقة كادت تخرج منها وقد اضطرب قلبها بقوة تحاول أن تمنع نفسها من الظهور أمامه والصراخ في وجهه، تتهمه بالخيانة والكذب، لم تكد تخبره برفضها حتى ذهب للبحث عن عروس أخرى، شعرت بدموعها تلسعها للخروج، يا الله هي ظنت... ظنت بغبائها أنه لربما أحبها ولو قليلًا فقط.
ودانيار يقف بعيدًا لا يبصر نظرات مهيار المتعجبة من حديثه، لكنه لم يهتم وهو يقول ببسمة صغيرة: "لنتحرك كي لا نتأخر على العروس عزيزي."
وبالفعل سحب معه شقيقه وتحرك به صوب الأحصنة الخاصة بهم، وضع حقائق الهدايا خلفه، ثم صعد بسرعة يبصر تحرك مهيار قبله، وهو تحرك خطوات بالحصان، فقط خطوات كانت كافية لتظهر وجهها له، لينتفض قلبه برعب حين أبصر جسدها منهارًا أرضًا، بأكتاف متهدلة تدفن وجهها بين يديها، توقف بحصانه بسرعة وكاد يهبط ليركض نحوها لولا صوت مهيار الذي قال: "هل أنت بخير دانيار؟"
نظر له دانيار قبل أن يعود بنظراته لها، يجبر نفسه على الرحيل، فصفعة رفضها له ما تزال ترن داخل عقله: "نعم أنا بخير... لنتحرك."
تحركوا خارج القصر مسرعين صوب المدينة، ومنها لمنزل والد ليلا، نظر له دانيار يؤكد عليه كي ينتهي من كل ذلك: "هل تأكدت من أخذ ميعاد معهم؟"
هز مهيار رأسه بنعم، يتوقف على بداية الشارع الخاص بهم يبحث عن مكان لترك الأحصنة.
وحينما انتهوا تحرك الاثنان صوب الداخل وما زال قلب دانيار يضرب صدره مؤنبًا إياه على ما فعل، ابتلع ريقه يخرج من تلك الحالة على صوت طرق شقيقه للباب، ثوانٍ وفُتح الباب.
استقبلهم والد ليلا ببسمة واسعة: "مرحبًا بكم."
ابتسم دانيار بسمة صغيرة يقول بلطف: "مرحبًا بك سيدي."
أدخلهم والد ليلا يرحب بهم في المنزل، يقودهم صوب الداخل، جلس الجميع واستقروا ومرت ثوانٍ قبل أن يبادر دانيار بالقول: "بالطبع أخبرك مهيار ما جئنا لأجله سيدي."
ابتسم لهم والد ليلا بسمة صغيرة لكن مرتابة ومتوترة، بسمة جعلت دانيار ينظر لأخوه بريبة شديدة، لكن مهيار لم يهتم وهو يقول مبتسمًا: "إنه لشرف لي أن تأمنني على ابنتك لتكون زوجتي يا عم."
"أنت يا مهيار تعرفني منذ سنوات وتعرف جميع أفراد منزلي يا بني، وكنت بمثابة الابن لي لسنوات طويلة."
"صحيح سيدي."
صمت ثم قال بقلق: "هل هناك خطبٌ ما؟"
في هذه اللحظة خرج عليهم مرجان لينضم لجلستهم ينظر بهدوء صوب الاثنين، وقد شعر دانيار في هذه اللحظة بوجود خطبٍ ما.
ثوانٍ وطلت عليهم صاحبة الشأن وهي تصرخ بحدة: "مرجان ما بك و..."
صمتت فجأة بصدمة وهي تتراجع للخلف حين أبصرت مهيار يحدق فيها ببسمة ودانيار يرى نظرات أخيه المفتتنة بها، ثم اعتدل يقول: "إذن يا عم لم تخبرنا رأيك؟"
كاد والد ليلا يتحدث لولا صوت مرجان الذي قال بهدوء شديد: "معذرة يا أبي اسمح لي بالحديث... سيدي الطبيب أنت جئت لطلب يد أختي، لذا أعتقد أن الرأي الوحيد هنا هو رأي ليلا فقط."
نظر صوب ليلا التي كانت شاحبة الوجه لا تفهم شيئًا، فقط تتابعهم بنظرات مذهولة، حتى أشار لها مرجان أن تقترب منهم ببسمة صغيرة، وهي تحركت على استحياء حتى وصلت لمكان جلوسهم.
وبمجرد أن جلست أبصرت أعين مهيار التي ثبتها عليها ببسمة واسعة، وهي نظرت أرضًا بعيدًا عن عيونه ليبتسم أكثر ولم ينتبه لصوت دانيار الذي أخذ يتحدث مع والدها في كلمات لم تصل له، هو فقط ينظر صوب ليلا والتي تكاد تختفي من الخجل تود لو تقتل مرجان لإجبارها على خوض كل هذا.
فجأة لا تعلم كيف، لكنها أبصرت حين تحديقها في الأرض أقدام تتحرك للخارج، لتجد أن الغرفة أصبحت فارغة إلا منها ومن مهيار، انتفضت تظن أن الجميع سيرحل لتتحرك معهم للخارج لولا صوت مهيار الذي أوقفها يقول: "مهلًا، إلى أين؟"
نظرت له ليلا بعدم فهم: "هم... سيرحلون و..."
"لا بل فقط تركوا لنا متسعًا للحديث، اجلسي ليلا، لا تقلقي أنا لا أعض الفتيات الصغيرات."
اتسعت عين ليلا وهي تعود صوب مقعدها تحاول التنفس بصعوبة بسبب كلماته ونظراته تلك تقول بصوت خافت: "أنا، أنا لست قلقة، أنا فقط ظننت."
صمتت ولم تجد كلمات في عقلها تساعدها لإكمال ما كانت تقول، فقط ابتلعت ريقها تقول بهدوء شديد: "هل... كل كنت تقتني زهور البارحة لأجلي؟"
ابتسمت يقول بصوت هادئ لطيف مسالم كعادته: "لأجل من ظننتِ!!"
هزت رأسها وهي تمسح وجهها بيد مرتجفة تقول: "لا أنا فقط... هل قمت بفتحه؟"
نفى مهيار لتتنفس الصعداء وهي تقول: "جيد."
"جيد؟! ما بها الزهور؟"
اتسعت عيونها تقول بتوتر: "لا فقط كما أخبرتك رائحتها سريعة التلاشي."
نظر لها بشك كبير وهي نظرت بعيدًا ليدرك أنها فعلت شيئًا بها: "ليلا ما بها الزهور؟"
"أخبرتك لا شيء صدقًا، هي فقط زهور نادرة و... لا شيء حقًا."
ختمت حديثها تجذب الزهور لها كي تثبت ما قالت، تفرك كفيها لا تدرك ما يجب قوله وهو يتابع كل انفعالاتها تلك بشك وسعادة كبيرة، هو فقط يحب النظر لها بهذا الشكل، ليقرر أن يرفأ بها قائلًا: "آنسة ليلا..."
خفق قلب ليلا بقوة وقد أعادت تلك الكلمات ذكريات قديمة حين كان يأتيها للمحل، قبل أن يتخلى عن ذلك اللقب مكتفيًا باسمها.
ابتسم يرى توترها: "بالطبع علمتي سبب قدومي هنا، صحيح؟"
هزت رأسها بتوتر شديد: "أجل."
"إذن؟ ما هو رأيك؟"
رفعت رأسها له بخجل، ثم اخفضته تقول بصوت هامس: "سيصلك ردي مع أبي."
صمتت ثوانٍ ثم قالت وبتردد شديد وخوف، وقد كادت شجاعتها تخونها للحظات قبل أن تنطق تلك الكلمات، لكنها فقط ترغب بالتأكد كي تكتمل سعادتها: "لقد أخبرك أبي بحالتي صحيح؟"
وجاءتها كلماته صادمة لها ولكل خلية حية داخل جسدها وهو ينطق بجهل وملامح لا تفقه ما تتحدث بشأنه: "أي حالة تلك؟؟؟؟؟"
رفعت عيونها له بصدمة، ثم همست وكأنها لا تستوعب ما يحدث شعرت أن قلبها يؤلمها وضرباته قد بدأت تتباطئ، وخفتت السعادة في عيونها تجيب: "أنا... أنا أعاني من مشاكل... بالـ... أعاني اضطرابات بالجسد تنشأ عنها حالات غريبة و... لا أعتقد أنه شيء ستحب التعايش معه، سيدي الطبيب..."
***
تحرك خارج القلعة بحصانه في سرعة كبيرة، وقد كان معطفه الجلدي يتطاير خلفه، لم يهتم بأي عين كانت تلاحقه، سيوفه مستقرة في حزامه وجسده يقاوم الريح.
حركاته كانت قوية سريعة، يبصر بطرف عيونه الطرقات تسابقه في الركض، ارتسمت بسمة جانبية على جانب فمه الذي كان مختفي خلف لثامه الأسود ككامل ثيابه التي كانت سوداء مع بعض اللون الأحمر على الأطراف.
بدأ يبصر المدينة تختفي وتتقهقر في هذا السباق معلنة استسلامها، ليستلم منها المنافسة أشجار الغابة التي تقع على أطراف البلاد جهة مشكى، وهناك نظرات غريبة ترتسم في عيونه.
دقائق أخرى مرت حتى اكتملت الساعة، توقف بسرعة ليصنع حصانه صوتًا صاخبًا وهو يقف به في منتصف الغابة وأمام بناء خشبي ينعزل به عن الجميع، بناء يستقر به بعيدًا عن ضوضاء القصر ومن به.
هبط من فوق حصانه يربطه في أحد الأشجار، ثم تحرك بهدوء شديد صوب ذلك الكوخ الخشبي، الشيء الأخير الذي تركه له والديه قبل موتهما، أو بالأحرى قتلهما في رحلة صيفية به.
تنهد يبعد تلك الذكرى عنه وهو يدفع الباب بهدوء شديد يتحرك داخله يحرك عيونه في المكان قبل أن تستقر واخيرًا على فراشه الذي كان يقضي عليه ليالي هادئة، والآن استقر هو عليه بجسده القوي الذي ينافس جسده هو، ولولا ذلك الشحوب والهالات السوداء التي تحيط عيونه لكان ظن أنه بكامل صحته ولم يُمس.
ابتسم يتحرك صوب الجسد الذي يحتل كوخه منذ شهور قليلة، والذي شعر بوجوده في الكو
رواية مملكة سفيد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رحمة نبيل
متنسوش تعملوا تصويت للفصل قبل القراءة، كومنتات برأيكم.
صلوا على نبي الرحمة .
لا تدعوا شيئًا يشغلكم عن عباداتكم.
ولا تنسوا إخوانكم من الدعاء.
وتذكروني في دعائكم بالخير .
قراءة ممتعة
__________________
توقفت جميع الاصوات حولها وتوقفت الضوضاء ولم يعلو سوى صوتٌ واحد هو ما هيمن على المكان بأكمله، طلته وصوته وخطواته، وهيئته لا يمكن أن تخطأهم ابدًا، لا يمكن أن ينتمي كل ذلك لشخص آخر عداه ..
رفعت عيونها ببطء تجد ذلك الرجل الذي كان يرتدي ثياب عادية رغم فخامتها الواضحة، يتوقف في منتصف الدائرة يحرك نظراته بين الجميع وهو يردد بصوته الهادئ الذي يستفزها في اسوء المواقف، ألا يوجد ما يخرج صرخات وغضب هذا الرجل ؟؟
زفرت بغيظ شديد وهي تسمع صوته يردد بقوة :
" ما الذي يحدث هنا !؟"
نظرت له المرأة تقول وهي تحرك كهرمان بين يديها بقوة وقد أخذ جسد كهرمان الصغيرة مقارنة بتلك السيدة يختض بعنف مما جعله يشعر في هذه اللحظة أنها تشبه الدمية بين أنامل السيادة، وهذه الفكرة دفعت رغبة بالضحك في وقت لا يمكنه فعل ذلك في الحقيقة .
ورغم الغضب المخيف الذي اعتراه حين شهد ما حدث، لكن نظرات التذمر والحنق على وجهها تقتله .
وضع كفه المضمومة أمام فمه يحاول أن يتماسك وهو يتحدث بصوت خرج غير طبيعيًا بسبب رغبته العميقة في الضحك :
" في البداية دعي ذراع الآنسة رجاءً سيدتي ودعينا نتحدث بهدوء "
نظرت له السيدة برفض ظهر في ملامحها بكل وضوح، ثم جذبت لها كهرمان بقوة وكأنها تخشى أن ينتزعها أحدهم منها قبل أن تأخذ ثأرها منها، وكهرمان نظرت لها بشر تقول من أسفل أسنانها :
" خففي ضغطك سيدتي فعظام ذراعي تكاد تُطحن أسفل أناملك "
رمقتها السيدة بغضب شديد، ثم نظرت للجميع تقول وكأنها توصل لهم ما سيحدث في هذا المكان :
" لن يحدث، أنا لن أترك هذه الفتاة ولن ادعها تفلت من بين أناملي، إلا أمام الملك نفسه ليحضر لي حقي منها "
فرك إيفان ذقنه، ثم رفع يده يبعد القلنسوة عن وجهه يقول بهدوء شديد وهو يشير لنفسه ببسمة صغيرة :
" وها هو الملك جاءك بنفسه يا عمة، دعي ذراع الفتاة رجاءً"
انطلقت شهقات من المحيطين وهم يحدقون في وجه إيفان بصدمة كبيرة، البعض يتعجب خروج الملك بينهم هكذا دون جنوده، والبعض الآخر يحدق فيه بفضول، فهذه واحدة من المرات النادرة التي كانوا فيها على هذا القرب من الملك ..
بينما الحراس التفوا حول الملك في ثواني وهم يبعدون عامة الشعب عنه، بينما إيفان لم يهتم بكل ذلك وهو ينظر صوب عيونها ببسمة جانبية، وهي ترميه بنظرات قوية لم تستطع التحكم فيها تود لو تصرخ في وجهه ( لِمَ الابتسامات يا هذا ؟؟) لكن هي في هذه اللحظة لم تكن تعلم أي الأشخاص يراها، هل يعلم أنها الخادمة كهرمان ؟؟ أم يراها الملثمة بسبب اللثام ؟؟
وما لم تدركه هي، أنه يعلمها الشخصيتين بالإضافة لاميرة مشكى الهاربة .
قالت السيدة بسرعة وهي تخفف قبضتها عن كهرمان التي انتزعت ذراعها من بين أناملها حين شعرت بها تخفف الضغط، تفرك ذراعها بقوة وعيونها تشيع السيدة بنظرات مدمرة ..
والسيدة أسرعت تقترب من الملك بشكل جعل الحارس يرفعون أيديهم مانعين إياها الاقتراب أكثر، فأن يقف الملك بين العامة بهذا الشكل فرصة ذهبية لمن يود التخلص منه، يكفيه فقط خنجر ويندس بين العامة ثم يغرزه داخل جسد إيفان ويفر بين الجموع المفزوعة، أمور حدثت وتحدث طوال الوقت، لكن إيفان لم يكن من ذلك النوع الذي يخشى غدرًا وقد كرس حياته لنصرة شعبه، فما الذي يخيفه ؟؟ ولولا وجود منبوذين بين شعبه لكان أبعد الحراس عنه .
توقفت السيدة تقول بجدية :
" مولاي، هذه الفتاة بالاشتراك مع أخرى صغيرة سرقوا مني ذهبي الثمين، لقد انتزعوه دون أن أشعر وركضت الصغيرة والقت به لهذه كي تهرب به دون أن نشعر بها، لكنني أبصرتها قبل أن تفعل "
نظر لها إيفان ثم قال بهدوء شديد :
" ومن أخبرك أنها شريكة للصغيرة ؟؟ "
توترت السيدة وهي تقول بصوت متوتر من التحدث مع الملك بهذا الشكل والقرب وهذه الأعين تحدق بها وكأنه سيخترق روحها ليحصل على الحقيقة :
" أنا ... أنا وجدت معها الذهب سيدي، حينما كنا نركض خلف الصغير وجدناها تلقي لها بالذهب، إذن هي لصة أيضًا .."
هز إيفان رأسه مقتنعًا بما سمع، بينما كهرمان صُدمت بما سمعت، وقبل أن يتحدث أحدهم كلمة واحدة، أخرج إيفان خنجره الذي يحمله في ثيابه ثم وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث ألقاه على السيدة التي تلقفته بصدمة واعين متسعة وإيفان يقول بهدوء :
" أمسكوا بهذه السيدة فهي سرقت خنجري الخاص "
شهقت السيدة وهي تلقي الخنجر ارضًا وكأنها تحمل جمرًا، نظرت حولها تقول بصدمة تنتظر أن يتحدث أحدهم بما حدث :
" ماذا ؟! لم يحدث مولاي، أنا لم أسرق شيئًا أنت القيته لي، الجميع رأى ذلك، صحيح ؟؟"
نظر إيفان حوله للناس ليصمت الجميع والصدمة لم تزل تدور فوق رؤوسهم مما حدث منذ ثواني .
وكهرمان من صدمتها ابتسمت بسمة واسعة تحاول كبت ضحكة مصدومة وهي تتذكر كلمات أرسلان لتهمس :
" ماكر ؟؟ بالله هو المكر ذاته، هذا الـ ...يا ويلي من عقله، لا جعلني الله من أعدائه"
صمتت ثواني قبل أن تضيق عيونها تقول لنفسها :
" أولم أجعل أنا نفسي هكذا بالفعل ؟؟"
في ذلك الوقت ابتسم إيفان يقول بتقرير وجدية كبيرة :
" ألم يكن هذا هو ما حدث مع الفتاة ؟! لقد رأيتي الصغيرة تلقي لها ذهبك ولم تبصري حديثهم واتفاقهم ؟! لم تري منها أي شيء يثبت أنها شريكة لها، إذن اعطني سببًا واحدًا يجعلك تمسكين بها متهمة إياها بهذا الشكل ."
توترت السيدة ولم تحسن اختيار حجتها قبل أن تبتلع ريقها تقول بجدية :
" مولاي أنا... أنا لا ..."
قاطعها إيفان بصرامة وملامح هادئة لا تشي بالغضب الذي يعتريه بالفعل :
" اعتذري من الآنسة رجاءً سيدتي، فأنتِ للتو اتهمتيها ظلمًا، وإن كنتِ غير راضية على حكمي فرجاءً احضري ثلاث شهداء يقسمون أمامي بالله أنهم ابصروا اتفاق الفتاة مع الصغيرة على السرقة ."
نظرت السيدة ارضًا ولم تتحدث بكلمة واحدة ليبتسم لها إيفان بغضب :
" اعتذري من الآنسة سيدتي "
رفعت السيدة رأسها لكهرمان تحدق بها ثواني قبل أن تتنهد قائلة بتوتر :
" أنا ...أنا آسفة آنستي، لقد ظننتك لصة فقط "
رمتها كهرمان بنظرات حادة ولم تجبها بكلمة، هي فقط هزت رأسها بهدوء، وقبل أن تقل كلمة أو يتحرك أحد قال إيفان بهدوء أوقف الجميع بأرضهم :
" ليس بعد، لم ننتهي "
صمت الجميع متعجبين ونظروا صوب الملك لينظر هو لاعين كهرمان التي لم تستطع نزع خاصتها عنه، وهو تحدث بنبرة قوية :
" اذهبي وردي صفعتك لمن صفعك "
شهق الجميع بصوت مرتفع وهو لم يتزحزح أو تهتز اعينه، بل فقط نظر لها يشجعها بنظراته على أخذ قصاصها، وهي أدارت رأسها صوب ذلك الشاب الذي كان يصاحب السيدة والذي شحب وجه بقوة يقول :
" لكن مولاي هي... ظننا أنها...."
قاطعه إيفان ببرود شديد :
" هذا حقها، أن تقتص منك الآن أمامي وتسامحك، خيرًا أن تقتص منك أمام الله يوم تجتمع الخصوم يا فتى "
صمت الشاب وهو يتنفس بعنف، وإيفان استدار صوب كهرمان يقول بقوة آمرًا :
" اصفعيه .."
تنهدت بصوت مرتفع تطيل النظر في الشاب ولو أنها كانت تود أن تسامحه ذرة، فكرامتها تصرخ بها أن تثأر لصفعته التي كانت أول صفعة تنالها ومن هذا الخسيس.
تحركت كهرمان صوبه، توقفت أمامه ثواني قبل أن ترفع كفها وتهبط بصفعة قوية عنيفة أعلى وجهه جعلت رأس الشاب تلتف بقوة متسع الأعين من هكذا صفعة، كيف يمكن لامرأة أن تمتلك كف قوي كهذا .
وكهرمان ابتسمت براحة شديد وقد شعرت نفسها أنها نالت حكمًا عادلًا .
رفع رأسها للأعلى بكل كبرياء ترمي الشاب بنظرة هادئة وبسمة صغيرة ..
نظر إيفان للجميع يقول بهدوء :
" الصامت عن الحق شيطان، وحين سألتكم السيدة أن تدافعوا عما رأيتم أبيتم الشهادة معها، حتى وإن كانت الشهادة ضدي فلا تصمتوا على الحق، لا تكونوا عونًا للشيطان على الباطل، لا بارك الله في أمة تصمت عن الحق خوفًا من مخلوق، ونست الخالق ."
صمت ينظر للجميع بجدية، ثم أشار لهم يقول بهدوء :
" انصرفوا لاعمالكم يا سادة "
انفض الجميع عن إيفان الذي عاد بنظراته لكهرمان التي كانت تحدق به بنظرات شاردة لا يدرك ما تفكر فيه في هذه اللحظة، لكن وحين رأته يرفع حاجبه أبعدت عيونها عن بسرعة تميل ارضًا لحمل الحقائب الخاصة بها، بينما هو ينظر لها بهدوء وحين استقامت قال ..
" لا اعتقد أن هذا هو الوقت المسموح فيه للعاملات في قصري بالتبضع آنستي ؟؟"
" وما ادراك أنني عاملة في قصرك سيدي ؟!"
ابتسم لها إيفان يقول بصوت خافت :
" ربما لأنكِ ترتدين ثيابهم ؟؟"
اتسعت أعين كهرمان بقوة وهي تنظر لثيابها وودت في هذه اللحظة أن تضرب نفسها، لكنها رغم ذلك أغمضت عيونها تتمالك نفسها، رفعت رأسها ببطء صوبه ليبتسم لها إيفان يحرك رأسه ببساطة، ثم تحرك بعيدًا عنه .
وخلف بعض الحرس وهي تراقب رحيله بقلب نابض يكاد يخرج من صدرها .
وحينما ابتعد قال دون أن يبعد عيونه عن طريقه :
" راقبوا تلك الفتاة حتى تصل القصر بأمان، لا اريد أن تُمس بسوء وإلا لن أجد غيركم امامي لعقابه "
ختم حديثه يكمل طريقه وقبل أن يختفي استدار مرة أخيرة يراها ما تزال تقف في أرضها بصدمة، ابتسم لها ينحني برأسه، ثم رحل ..هكذا ببساطة دون أن يهتم لتلك الفتاة أو لقلبها المسكين ....
____________________
توقفت أمام المرآة تراقب نفسها بانبهار شديد، ابتسمت تستدير صوب تبارك التي كانت تنتظر كلمة منها تطمئنها أنها احسنت ما فعلت ..
" أنتِ ...أنتِ رائعة يا مولاتي، يبدو حجابي جميلًا ويليق كذلك على ثوبي "
صمتت برلنت قبل أن تقول بتسائل :
" هل أنا جميلة ؟!"
ابتسمت لها تبارك تقترب منها تنظر لها من أعلى لاسفل، كيف لا ترى هذه الفتاة كل هذا الجمال الذي يشع منها ؟! ربما هو التوتر الذي يعلو وجهها الآن، أم حاجتها كأي فتاة لسماع كلمة مدح.
" بل مبهرة عزيزتي، تبدين جميلة للغاية "
ابتسمت برلنت لا تصدق أنها نالت ثناءً من الملكة الآن، لتنقض عليها تعانقها دون شعور، وتبارك اتسعت عيونها تتراجع للخلف بسبب ذلك العناق الغير متوقع، ولكن رغم ذلك ابتسمت وهي تربت على ظهرها .
وبرلنت قالت بسعادة :
" شكرًا لكِ مولاتي، اشكرك حقًا، أنتِ طيبة القلب لا تبدين لي فاسدة أبدًا "
اتسعت أعين تبارك بعدم فهم :
" فاسدة ؟! حمضانة يعني ولا ايه ؟!"
ابتعدت عنها برلنت بسرعة بأعين متسعة تتدارك ما قالت :
" لا لا لم اقصد أي إهانة اقسم لكِ، لكن مولاتي لقد ...الجميع هنا يدرك أي نوع من الأشخاص يقطنون الجانب الثاني من العالم "
" أي نوع من الأشخاص ؟؟ ربما يسود الجانب السييء في عالمي، لكن هذا لا ينفي وجود الكثير من الأشخاص الجيدين "
نظرت برلنت ارضًا بخجل تقول بصوت منخفض :
" لم أكن أقصد أي إساءة اقسم لكِ، أنا فقط من ذلك النوع الذي لا يتحكم بكلماته، سامحيني رجاءً مولاتي "
نفخت تبارك تحاول أن تهدأ، ثم ربتت اعلى كتفها تقول :
" حسنًا لا بأس، سوف أخرج أنا لارسل أحدهم يعلم تميم بوجودك لدي "
هزت برلنت رأسها تقول :
" لا حاجة لذلك، أنا سأذهب لغرفتي و..."
" برلنت ابقي هنا ؟! أريد أن يزفك من غرفتي "
ختمت حديثها تتحرك للخارج وهي تتذكر حين ذهبت لغرفة الفتيات بعد انتهاء التدريبات ولم تجد متهم سوى برلنت التي كانت تنظر لثوبها بصدمة تحاول معرفة ما يجب فعله فاقترحت هي أن تساعد، ربما تكون محاولة بائسة منها لكسب ودهم .
لم تشعر تبارك بنفسها إلا وكانت وصلت لممر المعمل الخاص بتميم .
تنهدت تتحرك صوب ذلك المكان وهي تنظر حولها للحراس الذي كانوا يحركون رؤوسهم في تحية صامتة للملكة، وهي فقط ابتسمت، تشعر أنها واخيرًا بدأت تتأقلم عما يحدث حولها في هذا المكان .
في المعمل نفسه كانت أعينه تراقب ما يفعل تميم بانتباه شديد قبل أن يترك تميم السلاح على الطاولة يقول بجدية :
" هكذا فقط، لا أظن أن تدريب كتيبة من الجنود عليه سيكون بالأمر الجلل "
هز سالار رأسه بخفة يقول :
" لا بأس إذن سأتأكد أنني تعلمته بشكل صحيح، ثم سأتولى أنا أمر تدريبهم "
رمقه تميم ثواني قبل أن يقول :
" ليكون الله في عونهم إذن "
ابتسم له سالار دون أن يجيب بكلمة، ثم نظر لثيابه يقول بجدية :
" ستعلن زواجك اليوم صحيح !!"
ابتسم تميم بسمة واسعة سعيدة، وقد أشرق وجهه فجأة على ذكر ذلك الشيء، ليهز رأسه بسرعة :
" نعم يا قائد، ما رأيك ؟! هل تبدو ثيابي مناسبة للمناسبة ؟؟"
نظر له سالار ثواني قبل أن يربت على كتف تميم بلطف :
" مبارك يا صديقي، ليجعلها الله زيجة العمر "
ابتسم له تميم وقبل أن يجيب مباركته سمع الاثنان صوتًا، أدركه أحدهم بسرعة متسع الأعين، وتعجبه الثاني يحاول معرفة صاحبه.
ثواني هي حتى ظهرت تبارك على بداية الدرجة الخاص بالمعمل، ليحدق بها سالار باستنكار شديد لوجودها في مكان كهذا تدرك أنه لا يضم سوى تميم فقط .
وقبل أن تتحدث تبارك بما جاءت لأجله بحسن نية، قاطعها كلمة حادة خرجت من فم من لم تبصره حتى الآن:
" ما الذي تفعلينه هنا ؟؟"
استدارت تبارك صوب الصوت بصدمة تضع يدها أعلى صدرها تحاول أن تهدأ ضربات قلبها تقول بهدوء وبسمة صغيرة :
" مرحبًا يا قائد، لم ارك حين دخلت المكان، لقد افزعتني"
ابتسم بعدم تصديق، هل تظنه يرحب بها، اقترب خطوات صغيرة من الدرج حيث تقف هي، تحت أعين تميم المترقبة لما سيحدث .
" مرحبًا ماذا ؟؟ أنا لا أرحب بكِ، بل سألتك ما الذي تفعلينه هنا ؟؟ ما الذي أتى بكِ لهذا المكان يا امرأة ؟؟"
اتسعت أعين تميم بصدمة من الطريقة التي يحدث بها سالار الملكة، وهو الذي لم يتجاوز حدوده مع الملك والملكة وغيرهم من أصحاب المقامات الرفيعة في البلاد، لكن يبدو أنه بالنسبة لسالار هي لم تكن الملكة الآن، بل كانت تبارك التي تخرجه عن طور هدوئه بتصرفاتها التي تدفعه للجنون .
وتبارك تلك المسكينة كانت تحدق فيه بهدوء شديد لا تفقه سبب تلك الكلمات أو غضبه حتى، بل قالت بكل هدوء تشير صوب تميم :
" جئت لاخبر تميم ...."
" القائد "
" ماذا ؟؟"
" لا يمكنك مناداته باسمه هكذا وكأن شيئًا لم يكن، ناديه القائد أو السيد أو ايًا كان، لكن توقفي عن مناداته باسمه فقط ."
رمقته تبارك ببلاهة تجيبه بجدية :
" يعني هو ده اللي مزعلك ؟؟ طيب جيت عشان اقول للقائد السيد أو ايًا كان تميم إن برلنت في جناحي الخاص ويبقى يجي ياخدها من هناك "
رفع سالار حاجبه يقول بصوت هامس ضاغطًا على أسنانه بغيظ وغضب لا يجد لهما تفسيرًا ولن يتعب نفسه بالبحث عنهما :
" العاملين .."
" عفوًا ؟!"
" هناك فئة في هذا القصر نسميهم نحن العاملين، وظيفتهم تيسير ما تريدنه، والقيام بتلك المهام التي تتفضلين سيادتك وتقومين بها، بغض النظر عن إذا كانت تلك المهام صحيحة أو لا "
" وايه اللي مش هيخليها صحيحة معلش !!"
قال سالار وهو يشير حوله بغضب شديد :
" هذا المكان هو أشبه بغرفة رجل غريب عنك، هذه خلوة يا امرأة، وجودك هنا خطأ وحديثي معكِ أيضًا خطأ، ألا تدركين ذلك ؟؟"
بُهتت تبارك حين سمعت كلماته لتقول بجدية :
" أنا...لم اقصد، كما أن الباب مفتوح وأمامه العديد من الحراس و..."
قاطعها صراخ سالار وهو يمسح وجهه بعنف :
" يا الله يا مغيث "
تراجعت خطوات للخلف تقول بريبة فهي تدري أن تلك الكلمة لا تخرج منه إلا في حالة الغضب وقلة الحيلة، وكذلك ( لعنة الله على الكافرين ) تخرج في حالات الغضب القصوى والتي تجعلها تعلم أنه قاب قوسين من الانفجار .
مهلًا هل هي الآن تدرس كلماته وجمله وردات فعله ؟! ينقصها أن تقوم بدراسات عليا في " سالار ".
" اسمعي مولاتي .."
نظرت له بريبة، قال لها مولاتي، إذن هو الآن على وشك إلقاء خطبة في وجهها ونصائح تنتهي بنفس الكلمة .
وقد صدق حدسها لتبارك وها هو يقول بجدية كبيرة :
" لا يمكنك أن تتحركي دون حراس، بهذا الشكل وهذه البساطة فأنتِ ملكة، ملكة وتبقّى على تتويجك أيام قليلة، وبالطبع لا يمكنك الاحتكاك بأي رجل بشكل قريب، أو دخول مكان تدركين أن هناك رجل به وحده دون وجود آخرين، كلامي مفهوم ...مولاتي ؟!"
نظرت له تبارك بأعين لامعة لا يدري غضبًا كانت أم حزنًا تهمس بصوت محتد :
" وأنا ما جئت هنا لأجل اللعب، بل جئت لأمرٍ هام، وإن لم تكن تثق بنواياي فهذه مشكلتك...سيدي القائد "
ناطحته ولأول مرة، ترد له الكلمة بأخرى، تستخدم نفسه أسلوبه، وهذا أعجبه بقدر ما اغضبه، ولا يدري السبب لكنه ابتسم ابتسامة حادة يقول :
" جيد إذن نحن متفقون ."
رفعت رأسها تترفع عن الرد عليه، تنظر خلف ظهره لتميم الذي تابع هذه المشاداة الكلامية بينهم في انتظار المنتصر، ويبدو أنها انتهت بتعادل الطرفين .
" إذن القائد والسيد وايًا كان تميم، يمكنك استلام برلنت من حجرتي قبل ذهابكم للمسجد، والآن اعذروني "
ختمت حديثها تنظر لسالار ببسمة وكأنها تخبره ( جيد ؟؟) رفعت طرف فستانها وهذه المرة تعمدت أن تضربه فيه بحنق وغضب تنحني بعض الشيء :
" اعذروني، عليّ الرحيل "
ختمت حديثها تتحرك بغضب وملامح مشتعلة خارج المكان، ملامح أشبه بملامح سالار الغاضبة، وهذا ما لاحظه تميم الذي قال بصوت منخفض مرتاب :
" هل نظرت لك الأن نفس نظراتك للأخرين، أم أنني اتوهم ؟؟"
ابتسم سالار يمسح وجهه يفكر بقلة حيلة أنه اورثها غضبه أيضًا .
مرحى حصلنا على سالار صغير ....
_______________________
زفر بصوت مرتفع وهو يبعد الكتاب عن وجهه حانقًا من كل تلك الأجساد التي تحيط به، ألقى الكتاب بقوة يصرخ في وجوههم ..
" ماذا ؟؟ أليس اليوم مناسبة ذلك الصغير المزعج المختل ؟؟ مالكم أنرتم مكتبتي بطلتكم البهية ؟؟"
ابتسم إيفان بسمة صغيرة يقول بتنهيدة خرجت منه بعد صمت دام طويلًا منذ وطأ للمكتبة .
تحرك يستند بمرفقيه على الطاولة يقول بصوت خافت :
" سيدي العريف .."
تشنج وجه العريف بقوة يشعر بوجود خطب هنا وهذه الوجوه حوله لا تريحه البتة .
" سيدي العريف ؟! حقًا ؟؟"
ابتسم له إيفان يكمل :
" لطالما كنت في عمر جدي، لذا تنال مني ومن جميع الموجودين احترامًا خاصًا "
ختم حديثه يشير صوب الجميع جواره، سالار وتميم ودانيار واخيرًا مهيار .
" كم من مرة منعتُ سالار عن تحطيم مكتبتك أو منعت تميم ودانيار عن ازعاجك ؟؟"
نظر له العريف وقد مل من كل تلك المقدمات، يدرك أنه يود شيئًا منه، وشيء ليس بالعادي :
" حسنًا هات ما عندك فلا صبر عندي لسماعك تعدد عليّ افضالك الوهمية تلك، فرغم كل ما قلته، حطم سالار مكتبتي عشرات المرات، وازعجني هذان الإثنان مئات المرات "
ابتسم إيفان ينظر لسالار بنظرة أخبرت الآخر أن يتقدم هو ليكمل عنه الحديث وقد كانت لحظته، ليقول سالار بصوت هادئ رخيم :
" أيها العريف، نحتاجك لمساعدتنا في أمرٍ في غاية الأهمية، شيء متعلق عليه أمان وسلامة المملكة، بغض النظر عن كرهك لجميع البشر بها "
" وما هذا الشيء الذي تريدني أن أفعله ؟! هل احمل سيفًا واذهب للحرب ؟؟"
ابتسم له سالار بخبث يردد :
" دع حمل السيوف لنا، وأحمل أنت ما تفقه في
حمله "
نظر له العريف بفضول ليدفع سالار الكتاب صوب العريف يقول بصوت خافت لطيف بعض الشيء :
" كتبك الجميلة هذه "
نظر العريف للكتاب بريبة، ثم رفع عيونه لهم يقول بتسائل :
" ما الذي تريدونه مني يا قوم ؟؟ "
نظر الجميع لبعضهم البعض قبل أن يقاطع تميم كل ذلك يقول ببسمة صغيرة وكأنه يحاول صرف انتباه العريف التفكير فيما سيحدث له :
" إذن أيها العريف، ألن تشرفني بحضور اجهار زواجي ؟؟"
_________________
تدور في الجناح بغضب شديد وامامها تجلس برلنت وهي تضم يديها باحترام شديد، كتلميذة تخشى تقريع المعلم الخاص بها .
وامامها تجلس كهرمان التي أخبرها أحد الحراس بأن الملكة تطلبها في جناحها، وها هي تجلس وهي تنظر لبرلنت بعدم فهم لما يحدث، وبرلنت المسكينة لا تدري سبب عودة الملكة بمزاج مشتعل بعدما ذهبت لتنبأ تميم بمكانها .
وتبارك ها هي تدور في المكان وغضبها مشتعل مشتعل وبقوة، تود قتل أحدهم، تشعر بدمائها تغلي داخل أوردتها .
هذا الرجل ستـ...ستـ، سـ ماذا ؟؟ هي حتى حين تتوقف أمامها تشعر بكامل جسدها وقد شُل، له هيبة تخضعها لكل ما يقول، لكن الأن هي لن تصمت، أرادها أن تكون غاضبة قوية ؟؟ حسنًا سيكون هو أول من ينال منها نتائج دروسه .
في هذا الوقت فُتح الباب لتندفع زمرد الداخل بملامح شاحبة غاضبة من نفسها، يالله رفضته، الشخص الوحيد الذي تحبه رفضته .
نظرت لها تبارك بلهفة تقول ببسمة حين ابصرتها :
" مرحبًا زمرد "
رفعت زمرد رأسها صوب تبارك بشر، لكن الأخيرة لم تهتم وهي تقترب منها ترى زمرد تنزع اللثام الخاص بها وهي قالت لها :
" إذن تريدين قتالًا كالصباح ؟!"
ودون وعي اتسعت بسمة زمرد بشدة وقد وجدت أخيرًا متنفسًا لغضبها، رغم أنها في الحقيقة ليست متنفسًا كما توقعت، بل هي كانت منافسة، حتى أنها الآن ما تزال تشعر بلسعات في ذراعها بسبب ضرباتها التي تلقتها منها صبيحة اليوم .
ابتسمت زمرد باتساع تشير صوب تبارك :
" أنا أحب هذه الفتاة "
قالت تبارك بسرعة :
" تبارك "
" نعم، أحب هذه الفتاة تبارك، يبدو أننا سنصبح أصدقاء مقربين "
رمقتهم كهرمان بغيظ شديد من تصرفاتهما تلك :
" بل ستصبحان جثتين إن لم تتوقفا عن هذه القتالات "
نفخت زمرد دون اهتمام تجذب تبارك من كتفها تضمها لها :
" دعكِ منها تبارك، ما رأيك أن نتقاتل الآن ؟؟"
اعترضت برلنت تنتفض عن الفراش بغضب :
" أي قتال هذا زمرد بالله عليكِ ؟! أنا الآن سأتزوج "
" يا فتاة أنت بالفعل متزوجة "
" نعم والآن سأعلن الأمر، لا يمكنكِ أن تتركيني في هذا الوقت وتتقاتلين "
نظرت لها زمرد وكأنها تفكر في الأمر قبل أن تهز كتفها تقول بكل بساطة :
" لا بأس، بعد الزواج نتقاتل ما رأيك ؟!"
هزت تبارك رأسها تستحسن هذه الفكرة، وكهرمان قلبت عيونها بحنق شديد وغيظ، وما هي إلا دقائق قليلة قامت فيها الفتيات بالتجهز حتى ارتفع صوت أمام المسجد وهو يقيم الصلاة .
مرت دقائق وانتهت الصلاة وسمع الجميع صوت الحارس يطلب الأذن لدخول القائد تميم ..
شعرت برلنت في هذه اللحظة بنفس الرهبة، نفس الخوف، نفس المشاعر التي عاشتها في المرة الأولى حين انطلقت الزغاريد معلنة زواجها رسميًا من تميم .
لكن هذه المرة كان هناك مشاعر إضافية تحاول الظهور على استحياء، حبها لتميم في هذه اللحظة يغطي على رهبتها .
تنفست حين سمعت صوت تبارك تقول ببهجة وسعادة كبيرة بعدما أخفى الجميع وجوههم حتى برلنت :
" دعه يدخل "
وبالفعل انفتحت بوابة جناحها على مصرعيها ليطل عليهم تميم ببسمته المعهودة التي سلبت لُب برلنت للمرة المائة بعد المليون .
نظر لها يقف أمام الجناح يمد يده لها قائلًا بلطف :
" اقتربي بيرلي "
شعرت برلنت بقلبها يكاد يسقط ارضًا في قدمها، لكن وبسبب جذب كهرمان لها، نهضت عن الفراش تتحرك صوب البوابة حيث يقف تميم، وحين وصلت له، احتوى تميم كفها بحنان شديد مبتسمًا :
" مرحبًا بساكنة القلب .."
رفعت تميم رأسها له، ورغم أن الغطاء يخفي وجهها بالكامل، إلا أن تميم شعر بها تبتسم ولا يدري كيف .
ابتسم وهو يستدير بها يخرج بها من الجناح لتتفاجئ برلنت بصفين من الجنود يصنعون لهما ممرًا طويلًا فابتسم تميم يقول :
" لقد أصر القائد أن ازفك بصفتي قائدًا في الجيش "
تحركت الفتيات خلف برلنت بهدوء بعد تغطية وجوههم ليصطدموا بوجود هذا العدد من الجنود يتقدمهم إيفان وسالار وتميم وكذلك مهيار والعريف الذي كان مبتسمًا للمرة الأولى في حياته ومرجان ..
تحركت برلنت بين الجنود ترتجف من رهبة الموقف قبل أن تنتفض هي وجميع النساء على صوت سالار الذي قال بنبرة عالية :
" انتبــاه "
اعتدل جميع الجنود بشكل منظم يرفعون السيوف الخاصة بهم ليرتجف قلب برلنت مما ترى، وتميم ضغط على كفها وهو يسير بها بعيدًا عن الجناح .
بينما تبارك ابتسمت بسمة جانبية ساخرة وقد كانت تدرك في قرارة نفسها أن هذا ما سيحدث، وجود جنود مصطفين يصاحبه صرخة من سالار بهم لفعل شيء ما، ولهذا كانت الوحيدة التي لم تهتز وهي تنظر بفخر وبسمة واسعة صوب سالار الذي رفع حاجبه بتعجب .
وحين عبر الجميع الممر الذي صنعه له الجنود تحركوا صوب المسجد، الرجال يسبقون الجميع، وخلفهم تميم بزوجته، ومن ثم النساء في الخلفية ..
خطى الجميع للمسجد لتشعر تبارك في هذه اللحظة برهبة شديد وهي تحرك عيونها في أرجاء المسجد، يا الله ما هذا المسجد وما هذه الراحة التي ملئت صدرها، تشعر بقلبها يرتجف .
ورغم أن المسجد لم يكن مزينًا بشكل مبالغ به كما ترى في العادة، وقد كان بناءه في غاية البساطة، لكن جماله يكمن في بساطته ...
فجأة ارتفع صوت الامام ينطق بكلمات هزت قلب تبارك، في لحظة أغمضت عيونها تسمع خطبته عن الزواج والمودة والرحمة، لحظات طافت بهم تبارك بعيدًا عن الجميع، لكن فجأة انتفضت للخلف بشكل ملحوظ تفتح عيونها بفزع شديد، تحاول أن تتنفس، يا الله ما الذي يحصل لها .
ابتلعت ريقها تحرك عيونها في المكان تتأكد أن لا أحد أبصر ما حدث للتو، لكنها وحين وقعت عيونها ما رأت إلاه، هو فقط الذي أبصرته من بين الجميع، يخفض رأسه للأسفل يستمع لكل ما يقال بتركيز شديد .
لكن ثواني حتى ارتفع رأسه فجأة بشكل جعلها تبعد عيونها بسرعة، متحركة صوب الستار الذي يخفي النساء خلفه عن أعين الباقية، تركز نظراتها على برلنت .
وفي المقابل كان إيفان يسمع تلك الخطبة التي استفاض الشيخ في قولها، الزواج أمان ومحبة وإخلاص ودفء وود، كل هذه الكلمات يدركها هو منذ بدأ يبحث عن زوجته، داعيًا الله أن تمثل هي له كل هذا ويفعل هو الأمر نفسه بالمقابل، لكن الآن، في هذه اللحظة، ما بال قلبه ينتفض مخبرًا إياه أنه يسير في الطريق الخاطئ، لم يعتد أن يتردد في فعل شيء، فما باله الآن ؟؟
اغمض عيونه يتضرع لله ..
يا الله لا تجعله سببًا لوجع غيره، فاللهم أرشدني للخير وقربه مني، واصلح لي شتى اموري .
وكهرمان بعيدًا في ركن السيدات ومن وراء الستار كان تسمع كل ذلك ولا يخطر في ذهنها سوى الملك، شعور قوي بالخسة والكره لذاتها اكتنفها، يا الله هي منافقة حقيرة، تحب الملك وتهواه في نفسها، وفي الوقت ذاته تصادق التي من المفترض أن تكون زوجته .
هي لم تصبح بعد، لكنها المقدرة له، وهذه المشاعر تجعلها تكره ذاتها، هي تريد الابتعاد، الرحيل من هنا وبأسرع وقت .
يا الله فلتعني على جهاد نفسي، ولا تعلق قلبي بما ليس له .
قلوب مشتتة وأطراف متشابكة ولا أحد يدرك المقدر، لا أحد يعلم المكتوب له، وحتى تلك الأطراف التي نجت من التشابك، كانت رافضة للاتحاد في ربطة واحدة .
زمرد ودانيار كلاهما لا يدركان ما يجب فعله، فقط حالة من الحيرة والرفض والأصرار .
واخيرًا أصحاب هذا اليوم ..
تميم وبرلنت، يجلسان ارضًا، تميم يجلس على ركبته وهي جواره بفستان أخذ مكانًا لا بأس به حولها .
تشعر بقبضة تميم تشتد على يدها، وصدر الأخير يشتعل بحب خالص لها هي ..
كل هذه المشاعر كانت تطوف في أركان المسجد حتى قطع كل ذلك صوت حاد يوقف كل تلك كلمات حانقًا غاضبًا :
" أنا اعترض على هذا الزواج ...كيف تزوّج امرأة متزوجة من الاساس يا شيخ ؟؟"
__________________
أن تبني أحلامًا وآمالًا وتعلقها على شيء بعينه، ثم يتهدم كل ذلك أمام عيونك لهو الجحيم، فما بالكم لو كان ذلك الجحيم مقرونًا بجحيم آخر يتمثل في رجال سفيد ؟!
منذ أدرك خسارته وهو لا يتحدث ولا يتحرك، فقط صامت هادئ بشكل مثير للدهشة، وكأنه فقط يشحن طاقته كي يخرج عليهم بكارثة أخرى أشد وطأة مما سبقتها .
بافل، ذلك الطاغية الذي تشرب من والده القسوة والتجبر والشر، ارتشف منه حد الثمالة وما اكتفى، باع روحه للشيطان وبلا مقابل، ها هو يجلس أعلى عرشٍ سلبه بالغدر والخداع .
ما تزال أصوات صرخات أرسلان يتردد صداها داخل عقله، وكأنه أبى إلا أن يذكره بما فعل، لكن هل كان ذلك خطأه وحده ؟؟
وبالحديث عن (وحده ) ها هو عزيزه يتقدم للقاعة وهو ينظر له يقول بصوت قوي وكأنه لا يهابه :
" ألم أخبرك أن مهمتي انتهت مع دخولك مشكى بافل ؟! أخبرتك أنني سأساعدك فقط مقابل ما تفعله لي وحينها لا أريد معرفتك من قريب أو بعيد "
أطلق بافل ضحكات مرتفعه يقول بصوت ساخر :
" أوه وهل تخشى تلويث يدك القذرة بالتعاون معي ؟؟ لا تخف فقد تلوثت يدك سابقًا، ولن يضرها بعض الوحل الاضافي، أليس كذلك ؟!"
اشتعلت أعين محدثه يقول بصوت مخيف :
" بل كذلك أيها القذر، مالي والقذرين امثالك ؟! أنا ساعدتك لدخول مشكى بصعوبة، وهذا فقط كي تتوقف عن السطو على قوافلنا وتدمير تجارتنا "
أطلق بافل ضحكات صاخبة رنّ صداها في المكان، دقيقة كاملة لم يتوقف فيها عن الضحك بشكل استفز من أمامه حتى كاد أن يقترب منه وينقض عليه .
وحين انتهت ضحكات بافل نزل عن العرش يتحرك صوب ذلك الرجل يقول بنبرة خبيثة :
" حقًا ؟؟ يا لك من قذر مسالم، ارجوك لا تعاملني كأنني مجرد غبي لا افقه ما تفكر به، أنت ساعدتني بالأسلحة والرجال من مملكتك فقط كي تضع لك يدًا داخل مشكى وتوسع مملكتك، ظننت أنني سأترك لك مشكى بهذه السهولة ؟!"
اتسعت أعين الرجل بشدة وقد اشتدت ملامحه بشكل غريب وهو يحاول تجنب الحديث مع بافل في هذه اللحظة، لكن ذلك لم يصمت الاخير وهو يقول :
" والآن كما فعلت وادخلتني مشكى، حان دورك لتساعدني في دخول سفيد، أريد أن أحصل عليها "
اتسعت أعين الرجل يقول بصدمة :
" سفيد !! هل تمازحني ؟؟ "
" ومنذ متى امزح مع امثالك يا هذا ؟؟ أنت ستفعل ما أريده وإلا أوصلت خيانتك لباقي الممالك وحينها لن يكون عليك مواجهتي فقط، بل سأفتح الجحيم على مملكتك ومن بها "
أسود وجه الرجل وقد شعر في هذه اللحظة أنه حُصر في الزاوية، قذر حقير كبافل يتحدث معه بهذه النبرة المستصغرة، اشتدت ملامحه وقد عقد عزمه على أمرٍ ما، لكنه سرها في نفسه يقول بصوت خافت :
" حسنًا ..."
________________________
تلك الكلمات التي انطلقت في المسجد أوقفت الجميع عن الحديث والبعض عن التنفس ..
تصنم جسدها بقوة وقد شعرت في هذه اللحظة بقصور أحلامها تنهار وبقوة أعلى رأسها، ارتجف جسدها فجأة بعد تصنمه للحظات، لا تبعد عيونها عن الأرض أسفلها وهي ما تزال جالسة جواره، بينما هو وبكل بساطة مد يده يضمها له بقوة وعيونه لم تتحرك عن الشيخ يقول بهدوء لا يتناسب البتة مع ما يحدث حولهم :
" اكمل يا عم "
نظر له الشيخ بعدم فهم ثم قال :
" لكن يا تميم هذا الرجل يقول ..."
" أكمل يا عم ودعك من تُراهات القيل والقال، فأنا لن اوقف زواجي لأجل قال وسمع، اكمل يا عم رضى الله عنك "
ابتلع الشيخ ريقه، ثم أكمل بهدوء شديد ما كان يقول لولا أن الرجل الذي اقتحم المكان لم يكتفي بتلك الكلمات بل قال بنبرة مرتفعة وصوت صاخب :
" ما الذي تفعله يا شيخ ؟؟ أخبرتك أن ابنتي متزوجة كيف تزوجها لغير زوجها ؟؟"
هذه المرة كان دور تميم ليرتجف، لكن ليس خوفًا أو قلقًا، بل غضبًا، الجحيم بأكمله تحكم به، هذا الرجل خلفه لم يدمر ماضيه، بل ترك حياته وهرع ليفسد حاضره ويحطم مستقبله .
نظرت له برلنت تهمس بصوت منخفض ودموع جارية :
" تميم أرجوك "
لكن ولأول مرة لا يمتثل تميم لرجائها، بل انتزع يده من كف برلنت ينهض عن مكانه، ثم استدار بهدوء شديد صوب الستار الذي يخفي خلفه النساء ولم يكن يعلم منهن سوى تبارك فقال بهدوء :
" مولاتي، هل لكِ أن تصطحبي زوجتي للخارج رجاءً ؟!"
انتفض جسد تبارك حين وجه لها أحدهم الحديث، لكنها رغم ذلك خرجت من خلف الستار وتحركت جهة برلنت التي كانت ما تزال جالسة في موضعها منهارة من الحزن، اشفقت عليها تبارك تقول بصوت حنون :
" هيا حبيبتي انهضي معي "
" مولاتي أنا..."
" هيا برلنت رجاءً، لا تخافي تميم سيتولى الأمر والجميع هنا "
تحركت برلنت مع تبارك صوب الخارج بصعوبة شديدة تحت أعين الجميع وتميم ينتظر خروجها، فمهما بلغ مقدار بغضه وكرهه لهذا الرجل لا يهون عليه أن يكسره أمام ابنته، لا يطيق أن تتذكره زوجته بهذا الموقف ..
ويبدو أن والد برلنت لم يكن بمثل كرم تميم أو تفهمه، فبمجرد أن اقتربت ابنته منه كي تمر لخارج المسجد سحبها بسرعة كبيرة صوبه يقول بصوت حاد :
" تعالي هنا، أخبرتك أنني لا اوافق بزواجك هذا وأنكِ متزوجة، فهربتي مني وجئتِ للزواج أيتها الفاسقة ؟!"
وكان أقرب الموجودين له هي تبارك التي سارعت تنتزع برلنت من يده وهي تقول برعب شديد أن يمسها بسوء :
" دعها، اترك الفتاة، لا يجوز لك محادثتها بهذا الشكل يا سيد "
لكن حين الغضب لا تبصر أمامك سوى السواد، وهو ما أبصر سوى ابنته التي تحاول عصيانه والزواج بغير من اختار، تتزوج من سيعذبها لأجل ما فعل هو قديمًا، سيستغلها لينتقم منه، وهو لن يسمح له .
دفع الرجل تبارك بعيدًا عنه وهو يضم له برلنت بقوة، وتبارك التي كادت تسقط أطلقت شهقة مرتفعة لولا يد زمرد التي كانت تتبعهم للخارج وامسكتها قبل أن تسقط .
وكل ذلك كان تحت أعين الرجال الذي انتفضوا لما حدث خاصة سالار والذي تحرك بسرعة مخيفة ينطق بصوت راعد :
" يدك عنها ..."
انتفض والد برلنت برعب لذلك الصوت الهادر وعمت الفوضى في المكان، كل ذلك ولا أحد يفقه ما يحدث أو الصواب من الخطأ .
حتى انطلقت صرخة مرتفعة قطعت كل ذلك :
" توقفوا جميعًا ..."
صمتت الاصوات وتوقفت الأنفاس على صوت صرخة إيفان بهم، ثم نظر للجميع يقول لتبارك بهدوء شديد محاولًا التحلي بكامل اللطف والهدوء :
" مولاتي رجاءً اصطحبي الفتاة لحجرتك حتى استدعيها"
هزت تبارك رأسها تحاول أن تخرج من صدمتها وهي تتحرك تحت أعين سالار المشتعلة صوب برلنت تجذبها بالقوة من بين يديّ والدها الذي خاف أن يشتد غضب الملك عليه ..
وتحركت النساء للخارج وكل ذلك تحت صمت تميم المخيف وهو ينظر لوالد زوجته دون حركة واحدة ..
نظر إيفان للجميع يحاول أخذ ردة فعل حكيمة في هذه المسألة، ليتنهد وهو يقول :
" خذوا والد برلنت لإحدى الغرف حتى يتم استدعائه للمحكمة "
انتفض الرجل برعب يهتف :
" المحكمة ؟؟ أي محكمة ؟!"
ابتسم له إيفان يجيب بهدوء :
" بالطبع محكمة، فما جئت به أمر جلل سيدي، هذه جريمة، أن تتزوج امرأة برجلين إن صدق اتهامك "
انتفض تميم بقوة يصرخ هادرًا لا يهتم لمن يتحدث، بل يشعر بالغضب لتوجيه أحدهم مثل هذه الاتهامات لزوجته :
" أي رجلين ؟؟ برلنت لم تتزوج سوى بي، هي زوجتي أنا فقط، امرأتي أنا، ولا أسمح لأيًا كان أن يتحدث عنها بالسوء ولو كان والدها أو الملك "
ختم حديثه يتنفس بصوت مرتفع، بينما إيفان حدق فيه بهدوء شديد، هو لم يقل تلك الكلمات متهمًا برلنت بالطبع، بل قصد بها إثبات كذب ادعاء والدها .
تدخل دانيار يجذب تميم للخلف وهو يهمس له أن يهدأ :
" اهدأ تميم، الأمور لا تسير بهذا الشكل يا رجل، أنت تتحدث مع الملك "
نظر له تميم باعتراض ولم يكد يتحدث حتى تدخل سالار يقول بأمر :
" تميم احفظ لسانك واكبت غضبك وتحكم بنفسك "
تنفس تميم بصوت مرتفع وهو ينظر بعيدًا، يرى بعض الجنود يسحبون والد برلنت للخارج تحت نظرات إيفان والذي قال قبل أن يبلغ والدها باب المسجد :
" اكمل ما كنت تفعل يا عم "
نظر له الجميع بتعجب، لكنه لم يهتم وهو يقول :
" هيا أعلن زواج تميم ببرلنت "
شعر الجميع بالدهشة فمن أين أمرهم بتأجيل كل شيء لما بعد المحكمة، ومن أين يأمر الشيخ بإكمال الجهر بالزواج، لكن لا أحد تجرأ على توجيه كلمة واحدة للملك الذي كان يتابع الكل ببسمة صغيرة ..
استطاع بكل هدوء أن يحقن الدماء ويهدأ النفوس ويفض الشجار بكل بساطة، ثم أمرهم لاستكمال ما حدث فهو أكثر الناس معرفة بتميم وقد أخبره الاخير ظروف زواجه .
وحينما خرج والد برلنت من المسجد ارتفع صوت الشيخ يعلن زواج صانع الأسلحة ( تميم مؤمن) بالآنسة ( برلنت عبدالله ).
صوت سقط على قلب برلنت في حجرة الملكة كالمياه على الجمر المحترق، تنفست تبكي بسعادة وقد أنعش ذلك الصوت صدرها لتضمها كهرمان بهدوء وحب :
" مبارك لكِ عزيزتي، مبارك لكِ برلنت "
دقائق هي حتى سمع الجميع صوت الحارس يأذن بدخول صانع الأسلحة، ليطل عليهم تميم بملامح حنونة يستقبل برلنت بين يديه هامسًا برقة ولطف :
" مبارك صغيرتي ..."
وفي ثواني انفجرت برلنت بالبكاء بين أحضانه، لتنظر تبارك بخجل للجميع وهي تتحرك معهم خارج جناحها تترك لهم حرية الحديث ...
وما كادوا يخطون خطوة إضافية حتى سمعت تبارك صوت زمرد تقول :
" إذن هل ما يزال قتالي قائمًا ؟؟"
رمقتها كهرمان بعدم رضى :
" زمرد، هل ترين هذا وقتًا ملائمًا لفعل هذا ؟!"
جذبت زمرد يد تبارك بإصرار شديد وهي تقول بحنق مشيرة باصبعها على كهرمان تمنعها أي محاولة لإيقاف ذلك القتال الذي سيخفف بعض غضبها :
" نعم هذا وقته، فإن لم يكن هذا، سأذهب واقتل والد برلنت، ذلك الخسيس، جميع الآباء هكذا "
ختمت حديثها تجذب تبارك خلفها والتي كانت شاردة بعيدًا عما يقال، ولحقت بهم كهرمان مرغمة فقط لتتأكد أنهم لن يتورطوا في المزيد من الكوارث ....
________________________
انفض الجميع من حول الملك وقد انتهوا من مباركة تميم والذي بمجرد أن سمع الشيخ يعلنهما زوجين ركض تاركًا الكل خلفه، ليبتسم دانيار بسعادة لاجله ..
تحرك بعيدًا عن الجميع تاركًا حوار لا يهمه الحقيقة، وقبل أن يخرج من المسجد لحق به مهيار بسرعة يقول :
" مرحبًا دانيار "
ابتسم دانيار بسمة صغيرة يقول :
" مرحبًا مهيار "
" إذن ؟؟"
" إذن ؟؟"
توقف مهيار أمامه يقول بجدية :
" أنت بخير ؟! "
نظر له دانيار بعدم فهم ليقول الاخير مسرعًا :
" أنت لا تظن أنك خدعتني بملامحك السعيدة تلك صحيح ؟؟"
تأوه دانيار بصوت منخفض يقول :
" مهيار رجاءً أنا متعب، لذا ..."
قاطعه مهيار بصرامة وهو يجذبه بعيدًا عن الجميع :
" لذا عليك بتخفيف حملك ومشاركتي أحزانك وتعبك أخي، دانيار أنا أعلم أننا لسنا بهذا القرب وأننا طالما تشاجرنا وتشاكسنا، لكن ..."
انتفض دانيار ينظر له بصدمة وهو يقترب منه يمسك وجهه بين كفيه يهتف بصرامة وكأنه يدفع كلماته داخل عقل صغيره، والذي رغم أنه يصغره بسنوات قليلة إلا أنه يظل طفله وصغيره الذي اعتنى به بعد رحيل والديهما :
" أنت أيها الغبي ما هذا لسنا بهذا القرب ؟! بل انت اقرب من هذا القرب مهيار، أنت شقيقي أيها الاحمق، أي معنى لكلمة شقيقي لا تعلم ؟؟ شقيقي مالي سواك لأرتكن إليه مهيار، أنت آخر من تبقى لي في هذه الحياة، إياك... إياك مهيار أن تظن للحظة واحدة أنني بعيد عنك، أنت طوال الوقت أسفل عيوني، أنا اذهب للحرب عين على الجيش وعين على قافلتك الطبية، يا أخي أنت اغلى من امتلك بهذه الحياة "
ابتسم له مهيار يقول بتأثر وهو يربت على ظهره، ثم مد يده يجذب له دانيار لأحضانه يقول بصوت اخوي حنون :
" مالك إذن تكتم عني أحزانك يا أخي، لِمَ تؤثر حزنك لنفسك عزيزي ؟؟ "
صمت دانيار ولم يستطع نطق كلمة فيما يؤلمه وهو حتى لا يعلم ما الذي يؤلمه، هل يوجعه الرفض، ام يخشى البُعد ؟؟
تعجب مهيار الهدوء الذي أصاب أخيه ولم يكد يبعده عنه حتى سمع صوت دانيار يهمس بصوت خافت ما لم يفضي به لغيره :
" اعتقد أنني أحب أحدهم، وهذا الأحد نبذ حبي يا اخي ورفضه بقسوة ودون قول مبررات "
اتسعت أعين مهيار بصدمة مما سمع يبعد عنه دانيار يتحدث بعدم فهم :
" كيف دون مبررات، لا يوجد أحد يرفض حبًا دون وجود مبرر لرفضه، حتى وإن كان ذلك المبرر أنه لا يبادله الحب"
اوجعت دانيار هذه الفكرة لكنه قال بخفوت بعدما ابتلع ريقه :
" لا أعلم، فقط أشعر أنها تخفي شيئًا كبيرًا عني، أنا كنت أبصر اعجابًا في عيونها، ولا اعلم سبب رفضها "
" إذن قص عليّ كل شيء علّني اساعدك "
________________________
كانت المعركة بينهما حامية الوطيس، تبارك في هذه اللحظة تستعمل كل حركة تعلمتها من سالار، تتحرك بسرعة كبيرة تحاول أن تنافس زمرد في الضربات.
زمرد التي نشأت بين قوم غبي لا يعلمون عن السيوف سوى أنها مصنوعة من معدن، عدا بعض المتمردين الذين نبذوا ممالكهم فتعلمت منهم ومن غيرهم ..
تنفست بصوت مرتفع وهي توجه ضربات متتالية شرسة صوب تبارك والتي صدتها بسرعة كبيرة وعيونها تكاد تخرج من وجهها وهي تركز على كل همسة تخرج من زمرد .
وحينما توقفت زمرد عن توجيه الضربات لالتقاط الأنفاس ابتسمت تبارك تستغل الفرصة وهي تنقض عليها بضربة قوية تسببت في تراجع زمرد للخلف متسعة الأعين :
" أنتِ أيتها المخادعة، لقد كنت التقط انفاسي "
في هذه اللحظة تردد صوت سالار في رأس تبارك لتقول كلماته التي ترددت في نفس الوقت داخل عقلها :
" العدو لن ينتظرك أن تلتقطي انفاسك، بل سيباغتك بقوة ودون تفكير "
أشارت عليها بنفس الطريقة التي يقوم بها تبارك وحاولت أن تقلد تعابيره الباردة الساخرة :
" تمامًا كما فعلت أنا.."
كانت تتحدث بثقة وقوة وبسمة واسعة ارتسمت شبيهه لها على وجه ذلك الذي كان يراقب ما يحدث عن بعد، لا يصدق أن من تقاتل في هذه اللحظة بهذه الشراسة هي نفسها الملكة التي لم تستطع استخلاص السيف من حاملة السيوف سابقًا .
وحين سمعها تردد نفس كلماته بنفس الطريقة، بل وكانت تحاول تقليد تعابير وجهه، انفجر في ضحكات صاخبة لم تصل لها لبعده عنهم وتحكمه فيها سريعًا .
يا الله هو فخور، لا يدري السبب فهو درب الكثير من الرجال، الآلاف منهم سابقًا، لكنه يومًا لم يكن بهذا الفخر وهو يشاهدها .
ثواني ليبصر الفتاة التي كانت تقاتل الملكة تتحرك خارج الساحة متذمرة، بينما تبارك تقف في منتصف الساحة تبتسم بسمة واسعة سعيدة وكأنها للتو حققت انتصارًا في حرب تقول بصوت مرتفع :
" يا فتاة لا تكوني بهذا التذمر، هيا لتتحلي بروح رياضية، نحن لم ننتهي بعد ولم أسقط سيفك لاعلن انتصاري "
فجأة انتفض جسد تبارك تسمع صوتًا خلفها يردد بجدية وصوت سيفه يتحرك في الهواء :
" ما رأيك إذن في قتال يكون النصر به مستحقًا مولاتي ؟؟"
استدارت تبارك بسرعة كبيرة للخلف لتجد سالار يقف لها مبتسمًا بسمة صغيرة يقول :
" لنضع الخاتمة اليوم، ونرى أين وصل مستواكِ تلميذتي النجيبة "
نظرت له تبارك بدهشة وهي تحاول استيعاب أنه هنا بالفعل، وتحرك سيفه في الهواء جعلها تدرك ذلك وهي تتراجع بسرعة تبتلع ريقها :
" أنت هنا بجد ؟!"
رفع سالار سيفه في وجهها بقوة يوجهه صوب رقبتها لتبتلع ريقها لتبتسم بسمة متوترة :
" أيوة صدقت، خلاص نزل السيف "
ابتسم لها سالار بسمة صغيرة يقول بجدية :
" بارزيني "
ومن بعد هذه الكلمة تراجعت تبارك للخلف وهي تستعد، هي بالفعل تقدمت بشكل لا بأس به خلاص اسابيع قليلة، لكن أن يصل الأمر لمبارزة معلمها فهذا ما لن تستطع فعله.
لكن وعند إشارة سالار لها أن تتقدم ابتسمت بسمة جانبية قبل أن ترفع سيفها في الهواء تأخذ وضع الاستعداد وهو أخذ فقط وضع الدفاع ينتظر اقترابها.
وما هي إلا لحظات وانقضت عليه تبارك بضربات سريعة قوية، ضربات متتالية قوية كانت لتسقط منافسها إن لم يكن هو نفسه معلمها، تضرب وتضرب لكن دون رد منه أو حتى اهتزت له شعرة واحدة .
وبعدما انتهت تبارك ابتعدت تلتقط أنفاسها بتعب شديد وقد بدأ العرق ينبت أعلى رأسها، وهو فقط ابتسم ولم يحرك سيفه يقول :
" لا بأس بكِ حقًا"
" نعم، منذ دقائق كنت رائعة، لكن امامك أصبح لا بأس بي، هذا ليس عادلًا "
رفع سالار سيفه لها يقول :
" أن تتجرأي لرفع سيف في وجهي دون أن ترتجف يدك، فهذا شيء يُحسب لكِ ...مولاتي "
ابتسمت له تبارك بتشنج ليه رأسه:
" نعم كما سمعتِ "
أدخل سيفه في غمده يقول بهدوء شديد يلقي على مسامعها بعض الملحوظات وكأنه لم يجبرها على ذلك القتال إلا فقط ليخبرها ما تعانيه من نقص في أسلوبها :
" لا تضعي كامل طاقتك في ضربة واحدة فتصبحي بعدها مسلوبة الأنفاس، لا تظهر انفعالك في ضرباتك، والأهم لا تحاولي إثبات تفوقك على منافسك، فأنتِ لن تستفادي شيئًا حين تعلم جثة أمامك أنكِ بارعة في المبارزة صحيح ؟؟"
نظرت له ثواني قبل أن تدرك مقصده لتبتسم له بسمة جعلته يهز رأسه:
" احسنتي، ألقاكِ غدًا معصوبة العينين "
" مهلًا، ماذا ؟!"
" كما سمعتِ، نحتاج لتدريبك على استعمال حواسك الأخرى قبل أن نختم الدروس الخاصة بكِ "
وبهذه الكلمات ختم الحديث بينهما تاركًا إياها وهي رمقت ظهره بفضول شديد قبل أن تتنفس بصوت مرتفع تضع يدها على صدرها :
" يا الله وجوده يستنزف انفاسي وضربات قلبي "
وتلك الكلمات التي لم تعي هي معناها إلا بعدما خرجت منها ضربت نقطة الوعي في رأسها لتطلق شهقة مرتفعة تترك سيفها ليسقط ارضًا تتنفس بصوت مرتفع :
" ايه ؟؟ ايه ؟؟ ايه اللي بقوله ده ؟!"
استدارت حول نفسها بسرعة كبيرة كي ترى إن كان أحدهم أبصر تلك اللحظات أم لا، ثم تحركت بسرعة خارج الساحة تركض للاحتماء في غرفتها مرددة بفزع :
" شكل الاحلام بدأت تأثر عليا ..."
___________________
لم يجد تميم كي يطمئن إليه قبل الرحيل مع شقيقه، لكنه يكفيه أنه الآن رفقة زوجته حتى يحين موعد المحاكمة بعدما يحددها الملك للبث في اتهامات والد برلنت والحكم على المخطأ بوجود شيوخ من المملكة للحكم على الأمر من جانب الشرع والدين .
والآن ها هو يتحرك مع شقيقه خارج القصر يحملان العديد من الهدايا لطلب يد ليلا لأجل مهيار، ومهيار يضم له الزهور برقة شديد مع حقيبة أخرى من الهدايا ..
وبمجرد خروجهم كانت هي تقف مبتعدة عنهم تراقبهم، لا تدري السبب، لكن ربما تحب تعذيب نفسها، تراقب نظراته وبسماته مع رجل آخر تعتقد أنه شقيقه لشدة الشبه بينهما .
اتبلعت زمرد ريقها ببطء تتحرك صوب أحد الأشجار القريبة منهما تسمع صوت دانيار يقول :
" إذن هل تعتقد أن هذه الهدايا كافية !!"
نظر مهيار للحقائب ثم هز رأسه:
" نعم اعتقد ذلك، لا تقلق فأنا أحضرت كذلك بعض الزهور النادرة "
" كيف لا اقلق؟! عزيزي هذا زواج وعلينا أن نبهر العروس"
اتسعت أعين زمرد بشدة تسمع تلك الكلمات بعدم فهم وهي تردد خلفه الكلمة كأنها تحتاج لاستيعابها :
" العروس ؟؟"
في هذه اللحظة سمع دانيار همستها فاستدار لتختفي هي بسرعة خلف الشجرة.
ضيق حاجبيه يحاول معرفة مصدر ذلك الصوت الذي سمعه، هز كتفه ولم يكد يعود بانظاره لمهيار حتى أبصر بالخطأ طرف سيف يخرج من جانب الشجرة .
رفع حاجبه وهو يدقق النظر ثواني على مقبض ذلك السيف لتتسع بسمته فجأة وهو يعود بنظره لمهيار يقول بخبث شديد :
" أنا لا يهمني سوى ابهار العروس يا اخي فهي ستصبح فرد جديد من عائلتي، لذلك لندعو الله أن يعجبها ما احضرنا لها "
كتمت زمرد شهقة كادت تخرج منها وقد اضطرب قلبها بقوة تحاول أن تمنع نفسها من الظهور أمامه والصراخ في وجهه، تتهمه بالخيانة والكذب، لم تكد تخبره برفضها حتى ذهب للبحث عن عروس أخرى، شعرت بدموعها تلسعها للخروج، يا الله هي ظنت ...ظنت بغبائها أنه لربما احبها ولو قليلًا فقط .
ودانيار يقف بعيدًا لا يبصر نظرات مهيار المتعجبة من حديثه، لكنه لم يهتم وهو يقول ببسمة صغيرة :
" لنتحرك كي لا نتأخر على العروس عزيزي "
وبالفعل سحب معه شقيقه وتحرك به صوب الأحصنة الخاصة بهم، وضع حقائق الهدايا خلفه، ثم صعد بسرعة يبصر تحرك مهيار قبله، وهو تحرك خطوات بالحصان، فقط خطوات كانت كافية لتظهر وجهها له، لينتفض قلبه برعب حين أبصر جسدها منهارًا ارضًا، بأكتاف متهدلة تدفن وجهها بين يديها، توقف بحصانه بسرعة وكاد يهبط ليركض نحوها لولا صوت مهيار الذي قال :
" هل أنت بخير دانيار ؟!"
نظر له دانيار قبل أن يعود بنظراته لها، يجبر نفسه على الرحيل، فصفعة رفضها له ما تزال ترن داخل عقله :
" نعم أنا بخير ..لنتحرك "
تحركوا خارج القصر مسرعين صوب المدينة، ومنها لمنزل والد ليلا، نظر له دانيار يؤكد عليه كي ينتهي من كل ذلك :
" هل تأكدت من أخذ ميعاد معهم ؟؟"
هز مهيار رأسه بنعم، يتوقف على بداية الشارع الخاص بهم يبحث عن مكان لترك الأحصنة.
وحينما انتهوا تحرك الاثنان صوب الداخل ومازال قلب دانيار يضرب صدره مؤنبًا إياه على ما فعل، ابتلع ريقه يخرج من تلك الحالة على صوت طرق شقيقه للباب، ثواني وفُتح الباب .
استقبلهم والد ليلا ببسمة واسعة :
" مرحبًا بكم "
ابتسم دانيار بسمة صغيرة يقول بلطف :
" مرحبًا بك سيدي "
ادخلهم والد ليلا يرحب بهم في المنزل، يقودهم صوب الداخل، جلس الجميع واستقروا ومرت ثواني قبل أن يبادر دانيار بالقول :
" بالطبع أخبرك مهيار ما جئنا لاجله سيدي "
ابتسم لهم والد ليلا بسمة صغيرة لكن مرتابة ومتوترة، بسمة جعلت دانيار ينظر لأخوه بريبة شديدة، لكن مهيار لم يهتم وهو يقول مبتسمًا :
" إنه لشرف لي أن تأمنني على ابنتك لتكون زوجتي يا عم"
" أنت يا مهيار تعرفني منذ سنوات وتعرف جميع أفراد منزلي يا بني، وكنت بمثابة الابن لي لسنوات طويلة "
" صحيح سيدي "
صمت ثم قال بقلق :
" هل هناك خطبٌ ما ؟!"
في هذه اللحظة خرج عليهم مرجان لينضم لجلستهم ينظر بهدوء صوب الاثنين، وقد شعر دانيار في هذه اللحظة بوجود خطبٍ ما .
ثواني وطلت عليهم صاحبة الشأن وهي تصرخ بحدة :
" مرجان مابك و...."
صمتت فجأة بصدمة وهي تتراجع للخلف حين أبصرت مهيار يحدق فيها ببسمة ودانيار يرى نظرات أخيه المفتتنة بها، ثم اعتدل يقول :
" إذن يا عم لم تخبرنا رأيك ؟؟"
كاد والد ليلا يتحدث لولا صوت مرجان الذي قال بهدوء شديد :
" معذرة يا أبي اسمح لي بالحديث...سيدي الطبيب أنت جئت لطلب يد أختي، لذا اعتقد أن الرأي الوحيد هنا هو رأي ليلا فقط "
نظر صوب ليلا التي كانت شاحبة الوجه لا تفهم شيئًا، فقط تتابعهم بنظرات مذهولة، حتى أشار لها مرجان أن تقترب منهم ببسمة صغيرة، وهي تحركت على استحياء حتى وصلت لمكان جلوسهم .
وبمجرد أن جلست أبصرت أعين مهيار التي ثبتها عليها ببسمة واسعة، وهي نظرت ارضًا بعيدًا عن عيونه ليبتسم أكثر ولم ينتبه لصوت دانيار الذي أخذ يتحدث مع والدها في كلمات لم تصل له، هو فقط ينظر صوب ليلا والتي تكاد تختفي من الخجل تود لو تقتل مرجان لإجبارها على خوض كل هذا ..
فجأة لا تعلم كيف، لكنها أبصرت حين تحديقها في الأرض اقدام تتحرك للخارج، لتجد أن الغرفة أصبحت فارغة إلا منها ومن مهيار، انتفضت تظن أن الجميع سيرحل لتتحرك معهم للخارج لولا صوت مهيار الذي أوقفها يقول :
" مهلًا، إلى أين ؟؟"
نظرت له ليلا بعدم فهم :
" هم ...سيرحلون و..."
" لا بل فقط تركوا لنا متسعًا للحديث، اجلسي ليلا، لا تقلقي أنا لا اعض الفتيات الصغيرات "
اتسعت عين ليلا وهي تعود صوب مقعدها تحاول التنفس بصعوبة بسبب كلماته ونظراته تلك تقول بصوت خافت :
" أنا، أنا لست قلقة، أنا فقط ظننت "
صمتت ولم تجد كلمات في عقلها تساعدها لإكمال ما كانت تقول، فقط ابتلعت ريقها تقول بهدوء شديد :
" هل ...كل كنت تقتني زهور البارحة لأجلي ؟؟"
ابتسمت يقول بصوت هادئ لطيف مسالم كعادته :
" لأجل من ظننتي !!"
هزت رأسها وهي تمسح وجهها بيد مرتجفة تقول :
" لا أنا فقط ...هل قمت بفتحه ؟؟"
نفى مهيار لتتنفس الصعداء وهي تقول :
" جيد "
" جيد ؟؟ ما بها الزهور ؟؟"
اتسعت عيونها تقول بتوتر :
" لا فقط كما أخبرتك رائحتها سريعة التلاشي "
نظر لها بشك كبير وهي نظرت بعيدًا ليدرك أنها فعلت شيئًا بها :
" ليلا ما بها الزهور ؟؟"
" أخبرتك لا شيء صدقًا، هي فقط زهور نادرة و...لا شيء حقًا "
ختمت حديثها تجذب الزهور لها كي تثبت ما قالت، تفرك كفيها لا تدرك ما يجب قوله وهو يتابع كل انفعالاتها تلك بشك وسعادة كبيرة، هو فقط يحب النظر لها بهذا الشكل، ليقرر أن يرفأ بها قائلًا :
" آنسة ليلا .."
خفق قلب ليلا بقوة وقد أعادت تلك الكلمات ذكريات قديمة حين كان يأتيها للمحل، قبل أن يتخلى عن ذلك اللقب مكتفيًا باسمها ..
ابتسم يرى توترها :
" بالطبع علمتي سبب قدومي هنا، صحيح ؟؟"
هزت رأسها بتوتر شديد :
" اجل "
" إذن ؟؟ ما هو رأيك ؟"
رفعت رأسها له بخجل، ثم اخفضته تقول بصوت هامس:
" سيصلك ردي مع أبي"
صمتت ثواني ثم قالت وبتردد شديد وخوف، وقد كادت شجاعتها تخونها للحظات قبل أن تنطق تلك الكلمات، لكنها فقط ترغب بالتأكد كي تكتمل سعادتها :
" لقد أخبرك أبي بحالتي صحيح ؟!"
وجاءتها كلماته صادمة لها ولكل خلية حية داخل جسدها وهو ينطق بجهل وملامح لا تفقه ما تتحدث بشأنه :
" أي حالة تلك ؟؟؟؟؟"
رفعت عيونها له بصدمة، ثم همست وكأنها لا تستوعب ما يحدث شعرت أن قلبها يؤلمها وضرباته قد بدأت تتباطئ، وخفتت السعادة في عيونها تجيب :
" أنا... أنا أعاني من مشاكل ...بالـ... أعاني اضطرابات بالجسد تنشأ عنها حالات غريبة و....لا اعتقد أنه شيء ستحب التعايش معه، سيدي الطبيب ...."
____________________
تحرك خارج القلعة بحصانه في سرعة كبيرة، وقد كان معطفه الجلدي يتطاير خلفه، لم يهتم بأي عين كانت تلاحقه، سيوفه مستقرة في حزامه وجسده يقاوم الريح .
حركاته كانت قوية سريعة، يبصر بطرف عيونه الطرقات تسابقه في الركض، ارتسمت بسمة جانبية على جانب فمه الذي كان مختفي خلف لثامه الاسود ككامل ثيابه التي كانت سوداء مع بعض اللون الأحمر على الأطراف .
بدأ يبصر المدينة تختفي وتتقهقر في هذا السباق معلنة استسلامها، ليستلم منها المنافسة أشجار الغابة التي تقع على أطراف البلاد جهة مشكى، وهناك نظرات غريبة ترتسم في عيونه .
دقائق أخرى مرت حتى اكتملت الساعة، توقف بسرعة ليصنع حصانه صوتًا صاخبًا وهو يقف به في منتصف الغابة وأمام بناء خشبي ينعزل به عن الجميع، بناء يستقر به بعيدًا عن ضوضاء القصر ومن به .
هبط من فوق حصانه يربطه في أحد الأشجار، ثم تحرك بهدوء شديد صوب ذلك الكوخ الخشبي، الشيء الاخير الذي تركه له والديه قبل موتهما، أو بالأحرى قتلهما في رحلة صيفية به .
تنهد يبعد تلك الذكرى عنه وهو يدفع الباب بهدوء شديد يتحرك داخله يحرك عيونه في المكان قبل أن تستقر واخيرًا على فراشه الذي كان يقضي عليه ليالي هادئة، والآن استقر هو عليه بجسده القوي الذي ينافس جسده هو، ولولا ذلك الشحوب والهالات السوداء التي تحيط عيونه لكان ظن أنه بكامل صحته ولم يُمس .
ابتسم يتحرك صوب الجسد الذي يحتل كوخه منذ شهور قليلة، والذي شعر بوجوده في الكوخ ليفتح عيونه ببطء يقول بصوت خافت :
" تأخرت هذه المرة "
ابتسم له بسمة واسعة يجلس على طرف الفراش يدفعه بشكل جلب اعتراضات من الاخر ليقول بحنق :
" أيها الحقير توقف عن هذا "
تجاهل سالار كل كلماته يقول بهدوء مستفز :
" كيف حال أسد مشكى ؟؟
اشتعلت عيون الرجل أمامه وهو يقول بصوت قوي واعين قوية تنبأ بشخص لا ينحني أبدًا :
" ما الذي تظنه أنت سالار ؟؟"
ابتسم سالار يجيب بهدوء ونبرة غامضة يطيل التحديق بعيونه :
" أظن أنه حان وقت عودتك لعرشك وبلادك أرسلان ...."
________________________
ليس كل ما تقرأه حقيقةً، وليس كل ما اختفى بين السطور وهمًا، ربما هي خدعة لن يدركها عقلك إلا حينما تقع الطامة .
فأرتقبها .....
وتذكر أنها "حرب إما أن تنتصر، أو تنتصر لا خيار ثالث أمامك."
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش تصويت للفصل، وتعليق برأيكم بعد القراءة .
صلوا على نبي الرحمة ...
قراءة ممتعة .
__________________________
عيونه اشتعلت بقوة على غرار كلمات سالار التي ألقى بها له، لينتفض جسده بقوة مخيفة غير آبهًا للوجع القاتل الذي أصابه في هذه اللحظة يضغط على أسنانه بعنف وهو يتسند على الفراش :
" إذن ما الذي تنتظره، هيا تحرك من هنا، أريد العود لبلادي و..."
وقبل أن يكمل كلماته تحت نظرات سالار الباردة أطلق تأوهًا عاليًا، ليرفع سالار إصبعه يدفعه دفعة واحدة لم يكن يحتاجها من الأساس، فضعفه في هذه اللحظات كان كافيًا لإسقاطه .
ابتسم سالار يقول بسخرية :
" فقط قف على قدميك دون أن تتأوه، ثم ألقي أوامرك مولاي، والتي بالمناسبة لا تسري عليّ إن لم تكن تتذكر "
ضغط أرسلان على أسنانه بقوة حتى كاد يحطمها تحت وطأة ضغطه، وهو يتمسك بمعدته يشعر بوجع حارق بها، وعيونه قد بدأ اللون الاحمر لها يزداد وهو يهمس :
" أنت من قلت منذ ثواني أنني سأعود لجيشي، أيها الحقير الكاذب "
رمقه سالار بغيظ شديد :
" يا ويلي، هل العودة من الموت جعلتك بذئ الحديث ؟؟ أوه مهلًا أنت هكذا طوال الوقت، تحلى ببعض الاحترام أرسلان "
اعتدل أرسلان بصعوبة يرفض رفضًا تامًا أن يظهر ضعفًا أو يتأوه أمام أحدهم ولو كان سالار، تنفس بصعوبة وقد تجمعت ذرات العرق أعلى رأسه:
" ما الذي تريده مني سالار ؟؟ هيا افض بما تضمر وتوقف عن الاعيبك تلك "
قلب سالار عيونه يقول بهدوء :
" مازلت كما أنت، يقودك غضبك، أرسلان حاول التحكم بنفسك قليلًا ."
رمقه أرسلان بشر، ثم قال :
" حسنًا إن وعدتني أن تتوقف عن أفعالك السخيفة وكلماتك المستفزة تلك، سأتحكم في غضبي، ثم عن أي غضب تتحدث أنت ؟؟ أنا حتى الآن احدثك بهدوء "
تنفس سالار ليجد أن لا فائدة من محاولة النفخ في بركان كذلك المضجع أمامه، مال بنصف جسده العلوي للإمام يهتف بجدية وهو ينظر لعيونه :
" أقصد أن عودتك هنا ليست عودة فعلية، سنبث روحك بين شعبك ونجند منهم ما نستطيع، فبعد مقتل المخلصين لك من الجيش وأسر الباقيين، نحتاج لجيش آخر "
عاد أرسلان برأسه للخلف يحاول أن يتنفس بشكل طبيعي ومازالت جروح جسده حية، ولن تندمل حتى ينتقم مما حدث، لن يهدأ ولن ينام حتى يخرج روحه على يده، ذلك الغادر القذر .
كان سالار يراقب ما يحدث مع رفيقه وهو يبصر تصلب جسده بقوة وحدة عيونه، وقبضته التي تكاد عروقها تنفجر، ليدرك أنه سقط مجددًا في هوة ذلك اليوم الذي مر عليهم كالجحيم .
" أرسلان.."
" اقسم بالله الذي لا اقسم به كذبًا أن اريهم الجحيم بحق كل شهيد سقط وبحق كل قطرة دماء طاهرة هُدرت، الويل لهم، الويل لهم، الويل لهم اجمعيــن "
ختم كلماته بصرخة يضرب الفراش ليتسبب في أحداث صوت صاخب جعل سالار ينتفض وهو يحاول تهدئته :
" اهدأ فقط اهدأ لقد استفقت البارحة فقط وما تزال جروحك خطرة "
" ولن تُشفى، والله لن تُشفى حتى انال قصاصًا عادلًا لي ولشعبي و...."
تهدج صوته لتلتمع عيونه بشكل جعل سالار يُصدم وهو يراه يقول بثورة ووجع :
" ولامي وشقيقتي، والله الذي لا إله إلا هو لأنتقمن لهم اجمعين منه "
نظر له سالار يتنهد بصوت مرتفع لا يدري أيخبره بما حدث، وأن شقيقته حية تُرزق أسفل سقف سفيد؟! حالته تجبره على التحدث، هو عليه أن يعلم أنها حية، لكن هو يعلم أرسلان يدرك كم اندفاعه وغضبه الذي قد يحرق كل ما حوله، إن علم الآن أن كهرمان حية وتجلس في القصر كعاملة سوف ينتفض ولن يعود حتى يذهب هناك ويضيع كل شيء، هو حتى الآن لم يخبر إيفان بما حدث، لذا عليه ترتيب الأمور في عقله وكشف الأمور ببطء دون تسرع أو تردد .
وفي النهاية هو سيحضر له شقيقته هنا ليتجنب ثورته وغضبه .
وفي وقت تردد سالار وتفكيره فيما يجب فعله، كان أرسلان غارق في اليوم المشوؤم الذي فقد به كامل عائلته .
كان ساقطًا على ركبتيه يأبى الانحناء، يرفض أن يخفض رأسه ولو لثانية واحدة، ما يزال سيفه في كفه وقد نال جسده ما نال من الضربات وآخرهم ضربة بافل له والتي أصابت يده .
سمع ضحكات بافل العالية وهو يقول :
" اسقاطكم كان اسهل من فرقعة إصبع"
مال عليه يهمس بصوت خشن كاره :
" تحدثوا عن أسطورة أرسلان، زعيم الوحوش الذي لا يُهزم، أرسلان المخيف والشرس"
كانت السخرية والحنق واضحين في كلماته بشكل كبير، حتى ابتسم يقول :
" وانظروا إليه خاضع راكع أمامي"
ابتسم أرسلان بسمة جانبية ظهرت بصعوبة وسط وجه مضجر بالدماء، يرفع عيونه صوبه وهو يحاول النظر له بصعوبة بسبب الدماء التي علقت برموشه :
" تُرى من حكى لك عني كل ذلك ؟؟ فعلى حد علمي لم يقابلني خنزيرٌ منكم وعاش بعدها، فمن ذا الذي أخبرك ؟؟"
نظر له بافل مبتسمًا بسخرية :
" أنت حقًا خانق بشكل مقيت "
" أوه كنت سأقول الشيء ذاته عنك، أنت حقًا مقيت بشكل خانق "
مال عليه بافل أكثر يهمس بصوت خافت كاره :
" وهذا المقيت هو من أسقطك واسقط بلادك، وغدًا تكون مشكى لي ولشعبي "
رفع أرسلان عيونه له، رغم كل ما به من الاوجاع إلا أنه أبى أن يسقط محني الرأس..
" رجلٌ جمع حوله بعض الحشرات، ثم وصفهم بالشعب، ياللسخرية، لكن أنظر إلينا، حتى حينما أردت اسقاطي لم تواجهني في ارض المعركة، بل جئت من ظهري، تعشقون الظهور أنتم"
ابتسم بسمة أوسع وهو يقول بشوق :
" أتذكر والدك الحقير حينما جائني من ظهري في معركة بغية قتلي، لكن ذلك المسكين فقد على إثر شجاعته الغبية نصف أذنه اليمنى، تُرى هل كان يحتفظ بها ذكرى مني ؟؟"
ختم أرسلان كلماته يضحك بصوت مرتفع، ثم تحامل على نفسه ونهض يخيم على بافل بشكل جعل الاخير يتراجع بحذر، وارسلان ابتسم له بشر يقول :
" والآن لن يكفيني جراء ما فعلت جسدك بأكمله يا حقير "
وقبل أن يعلم بافل ما يحدث كان أرسلان يرفع سيفه بقوة ولم يكد يهبط به على جسده، حتى شعر بسيف يخترق جسده من الخلف لتتوقف يده وتتسع عيونه ويشعر بوجع حارق، ارتجفت يده مسقطًا سيفه وقد تساقط جسده خلف السيف ليسمع صوت ضحكات عالية جواره، ضحكات يألفها بشدة، ومن ثم اقترب صاحب تلك الضحكات يهمس له :
" الآن وقد سقطت، رأيت من منا الاقوى يا....مولاي ؟؟"
رفع أرسلان عيونه ببطء لتقع على وجه مهران، فابتسم بسمة سوداء رغم شعوره الخارق بالغدر والكره، ثم ودون أن يتوقع مهران كان أرسلان قد بصق في وجهه ونظر له نظرة مميتة :
" لو كان الاقوى بمن ينطح من الخلف لكانت الحمير اقوى الحيوانات، وَسخ "
مسح مهران وجهه بقوة غاضبًا، ثم نظر له ونهض ليقول صارخًا :
" حتى وأنت تموت أيها القذر"
صمت ثواني قبل أن ترتسم بسمة غريبة على فمه يهدر بصوت متشفي :
" لكن.. لا تخف مولاي فقد سبقك جميع أفراد عائلتك، والدتك وشقيقتك الجميلة التي رفضت زواجي منها، جميعهم سبقوك بالفعل "
اتسعت أعين أرسلان ولأول مرة يعلن جسده عن ارتجافة قوية وهو يسمع صوت مهران يرن صداه في المكان بقوة :
" لقد أحرقت المخبأ بهم وبمن فيه مولاي....بل أرسلان فأنت لست ملكي ولا مولاي حتى "
" أرسلان... أرسلان، أرسلان توقف ستؤذي نفسك "
استفاق أرسلان بقوة على هزة سالار الذي رمقه بشر يهتف من بين أسنانه :
" ما بك ؟! لقد اذيت نفسك "
نظر أرسلان لكفه الذي غرز به أظافره دون شعور، ثم رفع عيونه في وجه سالار يقول بصوت خافت يحاول أن يعود لحالته الطبيعية الهادئة :
" كيف هي أحوال سفيد ؟؟"
" كيف ستكون ؟؟ نحن على مشارف حرب "
هز أرسلان رأسه ولاول مرة منذ استيقظ مساء الأمس يتساءل :
" و.. إيفان، كيف هو ؟؟ هل هو بخير ؟؟"
ابتسم سالار بسخرية كبيرة :
" نعم هو بخير حال، خاصة بعدما تخلص من وجع الرأس المتمثل بك "
اتسعت أعين أرسلان يرمقه بشر كبير، ليضحك سالار بصوت مرتفع :
" عليك أن ترى حالة السعادة والانتشاء التي يعيشها إيفان في الوقت الحالي "
" هو لم ...لم يسامحني بعد ؟؟"
نظر له سالار وكاد ينفي كل ذلك الهراء الذي تفوه هو به، لكن فجأة تراجع وهو ينظر له بدقة، واراد في جزء داخله أن يعلمه درسًا كي يكظم غضبه، أن يذيقه بعضًا من وجع إيفان حين ظنه ميتًا، ذلك الوجع الذي جعله يدرك أن لا شيء يستحق أن تنفر شقيق لك .
ورغم كل ذلك لم يشأ أن يكذب عليه سالار فقال بنصف حقيقة :
" لا اعلم ربما فعل، وربما لا، أنت تعلم هو لا يتحدث عن مشاعره كثيرًا "
أخفض أرسلان رأسه يحاول أن يستوعب الأمر وقلبه يخبره أن إيفان الذي يعلمه، لن يمرر موته بهذه الطريقة، تجاهل الأمر يقول بهدوء شديد مبتعدًا عن تلك النقطة :
" ما الذي سنفعله الآن؟؟"
عنيد كعادته، لا يبوح بما يفكر ولا ينحني لريح، أعانك الله على رأسك أرسلان واعان الله من كتب لها الحياة مع شخصٍ بعنادك وكبريائك .
تنهد سالار بقوة ثم قال :
" سأخبرك ...."
___________________
" تميم أنا آسفة هو لـ ..."
منعها تميم عن إكمال جملتها يجذبها لاحضانه بلطف وهو يحاول تهدئتها، رغم أنه هو من يشتعل في هذه اللحظة، كانت جميع أفكاره تتحرك صوب منطقة واحدة ..
التخلص من والدها وللأبد .
لكن رغم ذلك تنفس بصوت مرتفع وهو يشدد من ضمه لبرلنت له وقد كانت تضم نفسها وهي تقول بصوت منخفض :
" أنا لم أتزوج تميم "
" أعلم"
" أنا.. لقد عرض عليّ أبي الزواج من أحد معارفه في البلدة التي هربنا لها، و...وحينها اعترضت فرفض اعتراضي وأخبرني أنني تطلقت منك وانتهى الأمر "
شدد عليها تميم أكثر وكأن غضبه يزداد أكثر وأكثر كلما نطقت كلمة إضافية، وهي فقط تنهدت تكمل بصوت خافت بعض الشيء :
" وقتها حين وجدت أن لا مفر لي من الزواج...هربت منه وجئت هنا للبحث عنك والتوسل لك أن تنقذني من هذا الزواج "
ختمت حديثها لتنفجر في البكاء :
" لم أكن أعلم أنني ما أزال زوجتك، وكنت مرتعبة أن أصبح لغيرك تميم "
صمتت فجأة على صوت تميم الذي قال بهدوء شديد لا يناسب البتة لا ملامحه ولا نظراته، ولا حتى تشنج جسده .
" لا بأس بيرلي، لقد انتهى كل ذلك وسينال والدك ما يستحق "
فجأة شعر تميم بيدها تخفف من احتضانه وجسدها يرتخي بين ذراعيها، حاولت الإبتعاد ليمنعها وهو يردد بصوت هادئ خافت :
" سيتم عقاب والدك على كل ما فعل "
ارتجف جسد برلنت بشدة، وهي تبتعد شيئًا فشيء عن تميم وقد شعرت بقرب انهيارها، وتميم تركها تبتعد في هذه اللحظة يرى ملامحها قد شحبت فجأة تهمس بصوت خافت :
" سـ...ما الذي سيحدث له ؟؟"
وكانت إجابة تميم بوجه وملامح مقتضبة، لا يرى في هذه اللحظة سوى انتقام قديم يلوح أمام عيونه لمن كان السبب في دمار حياته سابقًا :
" ماذا برأيك ؟؟ سيتعرض للمحاكمة أمام الملك ومن ثم سيُسجن أو ينال عقابًت عادلًا "
اتسعت عين برلنت وسقطت منها الدموع بقوة، لا تنكر أنها في بعض الأوقات وصل بها الحال لتشعر بغضب وكره شديد موجهين لوالدها بعد كل ما فعل، تشعر في أوقات كثيرة أنه لا يأبه لها، ومن ثم يزداد كرهها له، لكن هو والدها، هو والدها يا الله، وضعت كفها على فمها تحاول كتم بكائها قبل أن تسقط ارضًا منهارة ..
ويلها زوجها وما حدث له .
وويلها والدها، المعيل الوحيد لوالدتها، إن رحل ستتحطم والدتها .
دفنت وجهها بين كفيها وهي تشعر بالعجز، تشعر بالخزي، تخجل مما فعل والدها، وتخجل من الشفقة عليه أمام أعين من فقد عائلته بسببه، لكن لا تستطيع أن تتجاهل حقيقة أنه والدها الذي _للحظات كالحلم_ كان يعاملها كالاميرة، كان يومًا ما والدًا جيدًا، كان يومًا ما شخصًا لطيفًا، كان يومًا ما إنسانًا قبل أن ينثر رماد إنسانيته على بحيرة الآثام .
عند هذه اللحظة سقط جسد برلنت ارضًا بالكامل وهي تبكي بقوة تتحدث من بين شهقاتها بكلمات غير مترابطة :
" أنا آسفة، أنا آسفة تميم، ارجوك سامحني، أنا آسفة "
ولأول مرة لا يتحرك لبكائها ولا يسارع للتربيت عليها، فقط يشاهدها بملامح غير مفهومة وجوار صورتها الباكية، تُعرض صورة والدته وهي تبكي بصوت مرتفع بحسرة وقهر وتصرخ ملء فاهها وهو يضمها يمنعها التحرك خلف والده :
" مظلوم، اقسم أن زوجي مظلوم يا مولاي، يا الله، لقد مكروا به، لم يفعل شيئًا، والله الذي لا اله إلا هو زوجي مظلوم مولاي "
رفع تميم عيونه صوب إيفان الذي كان يتابعهم من عرشه بأعين غامضة لا تفسر ما يدور داخله، وبملامح مشفقة، ليقول تميم بصوت خافت باكي :
" مولاي، أبي مظلوم اقسم أن يده لم تمس أحدهم بسوء يومًا، أقسم لك لم يقتل أحد، أبي لم يفعلها، والله لم يفعلها"
استفاق من أفكاره على يد تضم وجهه، نظر أمامه ليجد أنها برلنت التي نهضت عن الأرض تضم وجهه لها تهتف بحنان شديد :
" خذ قصاصك تميم، خذ قصاصك إن كان ذلك سيمحي عذابك "
نظر لعيونها يدرك أن ما تقوله سيكون مرهونًا بغصة في قلبها له، إن فعل وانتقم لوالده من والدها، ستظل تلك نقطة سوداء بينهما، حاجزًا خفيًا وإن أدعيا عدم وجوده .
ابتلع ريقه وهو ينظر لعيونها ثم قال :
" إن فعلت، هل تستطعين النظر في وجهي دون رؤية وجه والدك ؟!"
نظرت له ثواني بتردد ودموعها عادت لتلتمع مجددًا بعيونها وهي تردد بصوت خافت مع بسمة جاهدت لرسمها :
" على الاقل سأرى تميم القديم، قبل أن يتغير "
أبتسم لها تميم وهو ينظر لعيونها، ثم رفع يده يضعها خلف رأسها يقربها منه مقبلًا جبينها :
" سيعود ..سيعود حبيبتي إن شاء الله "
ومع انتهاء كلماته تلك تركها ورحل بسرعة دون كلمة إضافية أو نظرة أخيرة، تاركًا برلنت ترمق أثره بوجع، ثم سقطت ارضًا تريح رأسها على الفراش خلفها هامسة بصوت موجوع :
" يا الله رحمتك "
____________________
" إذن هذا هو مكانك الهادئ ؟؟"
كانت زمرد تتحدث وهي تنظر أمامها لمكتبة العريف بملامح مقتضبة وبشكل غريب وكأنها مشئمزة أو ما شابه، بينما كهرمان تحدق في المكان الذي لم تقترب منه منذ جاءت لأخبار قائد الجيوش عن حقيقتها .
و تبارك هزت رأسها تقول بتردد :
" حسنًا هو كان كذلك سابقًا، لكن لا ادري ما الذي حدث الآن به ؟؟"
توجهت جميع الأنظار صوب العريف الذي كان واقفًا على الدرج الخشبي العملاق يلقي العديد من الكتب صوب الارض وهو يزفر ويصرخ بجنون .
وحوله تتطاير بومته تصدر ضجيجًا مزعجًا وكأنها تعترض على كل ما يحدث في المكان، ومرجان يركض يمينًا ويسارًا محاولًا أن يلتقط كل ما يسقط قبل أن يفسد غلاف الكتاب أو غيره .
قالت كهرمان بصوت منخفض :
" اعتقد أننا يجب أن نرحل الآن"
هزت تبارك رأسها موافقة وقد استغلت وجود الفتيات معها لأخذ درس العريف والرحيل، لكن يبدو أنها جاءته في وقت خاطئ .
وقبل أن يتحرك أحدهم خطوة تلقت كهرمان كتاب طائر في رأسها لتتراجع للخلف وهي تضع يدها على رأسها وشعرت بنفسها تصطدم بجسدٍ ما لتصرخ بوجع وهي تمد يدها لذلك الجسد :
" ساعديني زمرد، أشعر أنني سأفقد رأسي، يالله هل هذا كتاب أم صخرة ؟؟ هذا العريف المريع "
نظرت زمرد صوب كهرمان وهي تلوي ثغرها تقول بهدوء :
" في الحقيقة عزيزتي كهرمان، أعتقد أنكِ تحتاجين لفتح عينيك الآن"
تعجبت كهرمان تلك الكلمات تفتح عيونها ببطء وقد شعرت حقًا بوجع لا يحتمل في رأسها، لكن فجأة انتفض جسدها بخلف لتصطدم بزمرد التي تلقفت جسدها هي هذه المرة تقول :
" تماسكي يا ابنتي، الرجل يناظرك بسخرية "
نظرت كهرمان له وهي تحاول أن تبتلع ريقها، تنظر بعيدًا عنه، بينما في ذلك الوقت كانت تبارك تراقب ما يحدث باهتمام وكأنها تتابع مشهدًا تلفزيونيًا .
ابتسم إيفان يقول بصوت بارد نسبيًا :
" أنتِ بخير آنستي ؟؟"
هزت كهرمان رأسها تتأكد أن الغطاء موجود، لتسمع صوت إيفان الذي انطلق يقول بجدية :
" اعتقد أنكِ تحتاجين للذهاب إلى طبيبة القصر لتتأكد أنكِ بخير "
نظرت تبارك صوب كهرمان تتفحصها بأعين دقيقة، ثم قالت بعد ثواني :
" اعتقد أنها بخير، الضربة لم تكن بمثل هذه القوة، ربما تضع بعض الثلج لتجنب الورم أو ما شابه "
ابتسم إيفان يدير عيونه صوب تبارك، يمنحها بسمة لطيفة جعلت كهرمان تفتح عيونها بصدمة لحقيقة امتلاكه مثل هذه البسمات :
" مرحبًا مولاتي، كيف حالك ؟!"
توترت تبارك من الحديث معه كالعادة، إذ شعرت به يهيمن على المكان بأكمله، تقول ببسمة صغيرة :
" مرحبًا مولاي، الحمدلله بخير، كيف حالك أنت ؟؟"
ابتسم لها يهز رأسه ببساطة :
" الحمدلله في زحام من النعم، إذن جئتي لأخذ درس العريف ؟؟"
" نعم، لكن يبدو أن العريف الآن ليس في مزاج يسمح له بإعطائي شيء "
نظر إيفان خلفها يبصر العريف الذي هبط عن الدرج يمسك مرجان وهو يصرخ في وجهه بجنون والبومة تقف فوق رأس مرجان تضربه بجناحها، والمسكين بينهما لا يدري خطأه .
تنحنح إيفان واضعًا قبضته أمام فمه :
" نعم صحيح يبدو أنه في مزاج سوداوي بعض الشيء، أتساءل من جعله هكذا وسالار ليس هنا ؟؟"
لذكر اسمه انتفض قلبها، لكنها وبصعوبة شديدة منعت نفسها من السؤال عنه، فحقيقة أنه ليس معها في المكان، تشعرها بانقباضة صدر مريبة، وكأنها تستمد راحتها وأمنها من فكرة أن ( سالار يقبع تحت نفس السماء التي تحيا أسفلها)، ورغم صراخه وغضبه، فهو لطالما سارع وساعدها .
وفي خضم افكار تبارك كانت كهرمان تتململ في وقفتها تود الهرب من المكان والبقاء هنا لسماع حديث الملك لتبارك كان آخر اهتماماتها حقًا، ليس استنكارًا أو حنقًا والله يشهد، لكنها فقط لا تحب البقاء في أحاديث لا تعنيها .
سحبت يد زمرد تهمس لها :
" دعينا نرحل من هنا، لا اعتقد أن الأمر يخصنا "
" بل سنبقى، أود رؤية أحد رجال المملكة يتصرف بلطف قبل أن أرحل عن هذه الحياة "
ابتسم إيفان يقول ببساطة وهو ينظر صوب العريف :
" حسنًا لا بأس، يمكنك الذهاب لدانيار كي يدربك قليلًا على الرماية، ريثما اهدأ من روع العريف "
ختم حديثه يبتسم بسمة جعلت تبارك تهز رأسها بهدوء، ثم تحركت بعدما استأذنت منه وكذلك زمرد التي لحقت بها وهي تنوي أن تذهب معها لتدريبات ذلك الحقير الذي ذهب للبحث عن بديل سريع لها .
ولم يتبقى أمام إيفان سوى كهرمان والتي لم تكد تتحرك خلفهم حتى أوقفها هو بكلمات قليلة وصوت خافت :
" أرى أنكِ بنيتي صداقة متينة مع الملكة "
رفعت عيونها تنظر له رغم وجود عطاء يخفي كامل ملامحها، إلا أنه بالفعل يشعر بأنه يتخيل في هذه اللحظة تعابير وجهها :
" وهل يمتلك مولاي اعتراضًا يا ترى ؟؟"
نظر لها نظرات صغيرة يبتسم بسمة خافتة :
" لا آنسة كهرمان أنا لا امتلك اعتراضًا أبدًا، بل لهو شيء جميل أن تصاحبي الملكة، فهي لا تمتلك رفقة هنا "
هزت رأسها بهدوء، وحقًا هي لا تعترض على ذلك فتبارك فتاة جيدة، تحبها وتشفق عليها من وحدتها التي أُرغمت عليها .
أكمل وهو ينظر لها بهدوء وقد أطال التحديق في موضع عيونها خلف الغطاء :
" من يعلم، ربما تساعدينها في تعلم تصرفات الاميرات التي تتقنيها كما لو أنكِ كنتِ أميرة في حياتك السابقة "
نظرت له بعدم فهم ليبتسم وهو يقول بهدوء :
" وايضًا الفروسية، أنتِ جيدة حقًا في كل ما يخص الاميرات، خسارة أنكِ لستِ واحدة منهن "
ختم حديثه ثم هز رأسه لها يقول ببساطة وصوت خافت وبسمة خبيثة تحت نظراتها المصدومة :
" والآن اعذريني فهناك مكتبة أثرية يعود تاريخها لمئات السنين عليّ إنقاذها من يد عجوز ينافس المكتبة عمرًا "
وبهذه الكلمات ختم إيفان حديثه، ثم تحرك بهدوء بعيدًا عنها تاركًا إياها لا تفكر سوى في شيء واحد .
كلمات الملك تلك لا تدل سوى على أمرٍ واحد، يلمح لهويتها الحقيقية، وهذا يعني أنه ربما اكتشف هويتها، إن لم يكن تأكيدًا للأمر .
_______________________
اصوات تتعالى في السوق وصرخات تتقاذف بين الرجال به، لا شيء يعلو فوق صوت الاعتراضات، فقد اقتحم بعض رجال بافل السوق الشعبية في مشكى في محاولة للاستيلاء على البضائع وحصرها عليهم هم لتكون لهم اليد العليا .
وما بين رافض ومقاوم كانت المعركة، ورجال سالار بقيادة أحد كبار الجيش والمسنى " المعتصم بالله " تدخلوا بالفعل وقد كانوا لهم بالمرصاد .
وها هو أحد رجال بافل يقف متحفزًا أمام منافس قوي يحاول منعه عن سلب اشيائهم الخاصة، ولم يكن هذا المنافس المرعب إلا صبي صغير يقف أمامه يحمل بين يديه عصى وهو يصرخ بجنون في وجه الرجل :
" أرضك ؟؟ أرض من يا حثالة ؟؟ هذه ارضي وأرض ابائي واجدادي واجداد أجدادي، من أنت ومن هم أجدادك؟!"
ختم حديثه يتجهز ليضرب الرجل بالعصر، بينما كان الاخير متحفزًا بسلاحه وهو يجيبه :
" قلت لك ابتعد عن طريقي ودعني أمر من هنا "
أبى الصغير أن يتحرك حتى رفع الرجل سيفه في الهواء وفي نيته الهبوط به على وجهه، لولا أن لمحه المعتصم بالله والذي كان يرتدي ثياب العامة .
ركض المعتصم يجذب الصبي له وهو يقول بصوت مرتفع جهوري مخيف :
" مالك والصغير يا هذا ؟! هيا أرحل من هنا ولا تشرد عن قطيعك مجددًا كي لا تلوكك الأسود "
نظر له الرجل وود لو يصرخ في وجهه وينقض عليه، لكن بالنظر للبنية الجسمية للمعتصم والتي كانت ضخمة بحق، ابتلع اعتراضه ورحل متوعدًا بالعودة ليبتسم المعتصم بسخرية، يقول بصوت مرتفع يلاحقه :
" نعم توعد لي واذهب لجمع باقي الخراف وتعالوا لتموئوا جوار رؤوسنا، لعنة الله عليكم جميعًا "
صمت، ثم استدار للصغير يربت أعلى كتفه يقول ببسمة واسعة :
" أحسنت يا صغير، ما اسمك ؟!"
نظر الصبي لعيونه يقول بقوة :
" تاج الدين "
" بارك الله بك يا صغيري، هيا اذهب لوالدتك يا بطل واحمها إن استدعى الأمر "
ابتسم له الصبي يلقي العصى ارضًا، ثم تحرك صوب الخيمة التي تجلس بها والدته لبيع بعض الأغراض والتي كان يريد رجل بافل أن يأخذ ما بها من غلال .
في تلك اللحظة نظر المعتصم حوله يطمئن على أماكن رجاله، لتقع عيونه على جسد يتشح بالسواد يتحرك من خلف الخيام، كان الجسد كالاشباح يتحرك بخفة، ثم توقف فجأة وأشار له .
نظر المعتصم في المحيط قبل أن يلحق ذاك الجسد دون أن يلحظه احدهم، وحين وصل له، ابتسم يقول بصوت خافت واحترام شديد :
" سيدي .."
نظر له سالار ثم قال بصوت منخفض :
" ما هي الأحوال هنا ؟؟"
" كل شيء بخير سيدي، لكن كالعادة بافل لا يهدأ، فهو لا يفتأ ينشر العديد من الفتن بين شعوب مشكى، ومن ثم فإنه ينشر أكاذيب حول انضمام عدد كبير من رجال مشكى له فقط كي يحبط عزيمتهم "
هز سالار رأسه هزة صغيرة قبل أن يقول :
" حسنًا اهتم بالامور هنا، و... أريدك في شيء آخر معتصم "
نظر له المعتصم بفضول، و سالار حدق حوله قبل أن يقول بجدية :
" اجمع لي اكبر قدرٍ من رجال مشكى الذين على استعداد للانتفاض والاعتراض على ما يحدث، اجمع لي كل من يحشد غضبًا داخله الرجال والشباب وأخبرني حين تنتهي من الأمر وفي اسرع وقت ..."
______________________
" أنتِ تتقدمين مولاتي وهذا أمر يحسب لكِ، فقط لو تتعلمين كيفية وضع السهام في القوس، سأموت راضيًا "
نفخت تبارك باستهانة لتلك المهمة وهي تعطيه القوس كي يضع به سهم غير الذي ألقته منذ ثواني :
" لعلمك الأمر سهل، أنا فقط من اترفع عن تعلم ذلك "
" أوه نعم، أدرك هذا مولاتي "
ختم حديثه بسخرية، ثم تحركت عيونه صوب زمرد التي كانت تتوسط أحد الأركان في الساحة تراقب ما يحدث بأعين حادة وكأنها استبدلت السهام بنظراتها وأصبح هو هدفها الحي .
أدعى دانيار عدم الاهتمام وهو يمد يده بالسهم للملكة :
" مابها صديقتك مولاتي؟ تبدو غاضبة "
نظرت تبارك حيث يشير هو بعيونه لترى أنه يقصد بحديثه زمرد فابتسمت تقول بجدية، تركز على الهدف :
" اااه لا تهتم، زمرد طوال الوقت غاضبة، ثم أليس من المفترض أنها رفيقتك ؟؟"
ختمت حديثها تطيل النظر في الهدف وقبل ترك السهم انتفضت على صرخة دانيار مما جعلها تترك السهم دون وعي ليطير في السماء ويهبط على الشجرة متسببًا في طيران العصافير بعيدًا .
" مــــــــاذا ؟؟ رفيقتي ؟؟ من أخبرك بذلك؟ هل هي من فعلت ؟؟"
كان يتحدث بصدمة لتنظر له تبارك بحنق شديد :
" لا هي لم تفعل، هي لم تقل سوى أنك شخص مزعج، وأنها ستأتي فقط لتنتظرني "
ختمت حديثها تنظر بجدية صوب زمرد والتي لم تنزل عيونها عن دانيار، ومن ثم اقتربت من الاخير تهمس بصوت خافت :
" اعتقد أنها لا تطيق وجودك بالقرب منها "
" أوه كان هذا في غاية اللطف حقًا، شكرًا لكِ مولاتي "
حملت تبارك القوس والسهم ومدتهم له تقول ببسمة لطيفة :
" لا حاجة للشكر أنا فقط اخبرك ما قالته هي، والآن ضع لي السهم واصمت رجاءً كي لا تشوش عليّ تدريباتي "
نظر لها دانيار بغيظ شديد، يضع السهم ثم أعطاه لها، ومن ثم تحرك بهدوء مستغلًا الساعة التي ستظل بها تبارك شاردة في الهدف قبل أن تقرر أنه حان وقت إلقاء السهم، ليذهب إلى زمرد علّه يعلم ما بها .
نظر نظرة أخيرة لتبارك ليجدها كما هي، حقًا إن اتبعت هذا الأسلوب في الحروب فسيمتلئ جسدها بالسهام قبل أن تقرر هي ترك سهمها الاول .
على كلٍ لم يهتم وهو يقترب من زمرد والتي حين أبصرت اقترابه أبعدت عيونها عنه تدعي أنها لا تهتم، وهي في الحقيقة تهتم وتهتم وتهتم .
" مرحبًا "
رفعت نظرها له تقول بصوت عادي :
" مرحبًا "
" ما الذي تفعلينه هنا ؟؟"
" بالتأكيد لا أزعج عيوني بالنظر لوجهك، أنا فقط انتظر أن تنتهي تبارك مما تفعل كي نرحل .."
رفع حاجبه ساخرًا "
" حقًا ؟؟"
" نعم "
تنهد دانيار بصوت مرتفع، ثم قال :
" إذن ألن تخبريني متى زفافنا أم تريدين مني انا تحديد الموعد ؟؟"
" لا أدري أنا ..ماذا ؟؟ زفاف ؟؟ أي زفاف هذا ؟؟"
رفع حاجبه يجيب ببساطة :
" اعتقد أنني أخبرتك للتو، زفافنا "
رمقته بحنق شديد :
" يا بني، توقف عن احلام يقظتك تلك وانظر حولك لا شيء في هذه الحياة قد يجمعنا سوى تلك الليالي من المبارزة "
" والسبب ؟؟"
كلمة صغيرة تركها لها وهي اطالت النظر به لا تعلم ما يجب قوله، وهو فقط ينتظر منها إجابة تهدأ روعه، لكن هيهات أن ينال إجابة ستقتلها قبل أن تخرج منها .
ابتعدت عيونها عنه تقول بحنق تحاول إخفاء وجعها خلفه :
" لِمَ لا تعترف فقط أنك لست بهذه الروعة لدرجة تصبح صعب الرفض ؟؟"
" أنا كذلك بالفعل لا داعي لقول غير ذلك "
اتسعت عيون زمرد ليبتسم هو لها يقول بجدية مشيرًا صوب نفسه يقول بكل صراحة واستفزاز لها :
" يا ابنتي انظري الله، وسيم قوي ذو مكانة مهيبة في المملكة، الكمال لله وحده، لكنني ببساطة كامل لا تشوبني شائبة، وإن رأيتي بي عيبًا، فلعل العيب في عيونك، وفيما يخص رفضك فهو مرفوض، إما أن تأتيني بسبب مقنع لرفضك وحينها سأبتعد ولن اجبرك، أو اعتبره مرفوضًا "
انتفضت عن مكانها تصرخ في وجهه وقد ملت، ملت حقًا هذه اللعبة هل يحاول إجبارها على الزواج به !! يحاول إجبارها على حبه ؟! هي تفعل لكنها لا تحب أن يفرض أحدهم شيئًا عليها :
" أخبرتك أنني لا أراك زوجًا مناسبًا "
ناطحها دانيار بقوة رافضًا أن ترفضه، ليس بعدما تخلى عن فكرة الوحدة الأبدية لأجلها، تأتي وتخبره أنه ليس مناسبًا، تبًا لها هو مناسبٌ لها رغم أنفها وأنف الجميع، لا أحد مناسب لها بقدره، ولا أحد سيحسن التعامل مع أمثالها مثله، لذلك قال وهو يضغط على أسنانه ردًا تلى سببها السابق ذكره :
" وهذا ليس سببًا مقنعًا لي، أعطني سببًا يجبرني على احترام رغبتك والابتعاد "
نظرت له وقد بدأ وجهها يحمر، لكن لم يظهر ذلك من أسفل اللثام، تهتف بغضب شديد :
" إذن للجحيم، لست مضطرة للبحث عن سبب ابرر به رفضي لك "
في هذا الوقت كانت تبارك قد أصابت الهدف بالفعل وهي تشير له تحاول جذب انتباه أحدهم لتحتفل بانتصار آخر، لكن يبدو أن أحدًا لا يراها من الأساس .
" السهم أصاب الهدف يا دانيار ...انظروا لقد اصابه في المنتصف بالتحديد و..."
صمتت وهي تجد أنهم لا ينظرون لها حتى.
وقد بدأ جسد دانيار يهتز غضبًا :
" حينما أرى رفضًا لمجرد الرفض والعناد بينما عيونك تصرخ بالقبول، فصدقيني لن أقبل برفضك، فإما أن تتحلي بالشجاعة وتلقي سبب رفضك في وجهي أو أن تهربي بكل جُبن كعادتك "
أصاب زمرد غضب شديد وهي تنظر له يعجز، كيف تخبره ؟؟ تخبره أنها ابنة زعيم المنبوذين واخته لبافل؟؟ صمتت حتى ركضت من أمامه بغضب شديد ليصرخ هو في أثرها :
"أيتها الجبانة "
ضرب الأرض بغضب شديد يحمل معطفه عن الارض وهو يغادر الساحة غاضبًا، وخلفه تبارك التي ما تزال تحمل القوس وهي تشير صوب الشجرة تقول :
" السهم أصاب الهدف دانيار ..."
لكن كان المتلقي لا أحد، زفرت تبارك وقد أضحت وحدها في المكان، نظرت حولها تحاول البحث عن شيء تفعله قبل أن تلقي السهم ارضًا وتتحرك بملل وتعب وصوب القصر، ها هي لا شيء تفعله هنا، ربما تذهب للبحث عن كهرمان التي اختفت فورما خرجوا
من المكتبة .
وها هي تسير وحدها بين طرقات القصر تبحث عما تشغل به نفسها قبل أن تعود للبحث عن الفتيات، فقط تشرد مع نفسها دون أن تزعج احدهم، وهذا الشعور داخلها الذي يخبرها ألا تعتمد كثيرًا على البعض حولها كي لا ينزعجوا منها لا ينفك يصيبها .
بينما هو تحرك داخل القصر بعدما ترجل عن خيله، يدور بعيونه في المكان، حسنًا غيابه كان طويلًا وهذه المرة الأولى له التي يختفي بها بعد عودته من رحلة إحضار الملكة، فقد كان سابقًا غير معتاد على البقاء وقت طويل في القصر، بل كان يتحين الفرص للأعنزال بنفسه، والآن انظروا إليه، قيدته الملكة جوارها في القصر فقط كي يتأكد أنها لن تتورط في مصائب، لكن لا بأس ها هو بدأ يشرد في سمائه الخاصة مجددًا .
لكن وقبل أن يحلق أكثر سمع الكلمة التي يعلمها جيدها ويألفها أكثر من أي شيء في المكان :
" يا قائد...يا قائد "
نظر سالار جواره ليجد تبارك تهرول صوبه من إحدى الجهات التي لا يعلم هويتها، هل كانت تلك المرأة تجول في حدائق القصر المليئة بالاشواك ؟!
لكن تبارك لم تهتم وهي تتوقف امامه مبتسمة :
" مرحبًا يا قائد "
أجابها سالار بحذر شديد :
"مولاتي .."
ابتسمت تقول بحماس شديد وهي تشير صوب الجهة الخاصة بساحة القتال وقد تلاشى ذلك الشعور الذي كان يراودها منذ ثواني، لا تدري كيف لكنها لا تشعر معه أنها يجب توخي الحذر كي لا يمل رفقتها، هو من الأساس يمل رفقتها لكن ذلك لا يهمها كثيرًا :
" ما رأيك بمبارزة؟! لقد تعلمت تقنيات جديدة مع نفسي تريد رؤيتها ؟!"
نظر لها سالار ثواني قبل أن يتسع ثغره عن بسمة صغيرة ساخرة يقول :
" انظروا لمن يتحين الفرصة للقتال بعدما كان يُجر جرًا لساحة القتال ؟؟"
نظرت له تبارك ثواني تحاول أن تفهم الجملة داخل عقلها، حتى ابتسمت بسمة صغيرة سرعان ما انقلبت لضحكة، تقول من بين ضحكاتها :
" ربما هذه لعنتك القيتها عليّ، من بين جميع المهارات بت اعشق المبارزة، واحب تطوير نفسي بها"
قالت بتفكير وجدية وهي لا ترى نظراته صوبها :
" ربما السبب يكمن في رغبتي الداخلية لهزمك واذاقتك مرارة الهزيمة على يدي "
ابتسم لها سالار بفخر لما يرى أمامه، يبدو أنه نجح في إنشاء جندي آخر محب للقتال، لكن هذا الجندي مختلف عن غيره من الجنود خاصته، هذا الجندي امرأة و...الملكة .
نعم الملكة وهذا السبب الذي يجب أن تتذكره جيدًا .
ورغم رغبته الشديد في السخرية من جملتها السابقة إلا أنه تجاهل أحلامها الوردية تلك، وتنهد بصوت مرتفع يقول :
" اقدر حماسك الشديد مولاتي، لكن لا اعتقد أن قتالًا الأن معي ممكنًا فأنا للتو عدت من الخارج "
صمت ثواني حين رأى خيبة الأمل تعلو وجهها والحزن يسطر ملامحها ليقول دون تفكير :
" مولاتي "
نظرت له بأعين حانقة ليقول بجدية :
" في خضم كل هذه القتالات إياكِ أن تهملي الجزء الخاص بحياتك الخاصة، لا تهملي الفتاة داخلك لأجل قوتك مولاتي "
نظرت له تبارك بعدم فهم ليبتسم هو لها بتشجيع ولا يعلم السبب لكنه شعر أنه عليه أن يخبرها هذا، يدرك أن لا أحد هنا قد يخبرها هذه الكلمات، وذلك الشعور الغبي الذي سيؤدي لتهلكته يخبره أنها مسؤولة منه هو، هو أحضرها من حياتها والقاها في هذه الحياة التي لا تفقه بها شيء، إذن فهذه مسؤوليتك أنت أن تحذبها صوب الشاطئ .
" أنا فخور بكِ جلالتك، بل أكثر من فخور "
التمعت أعين تبارك بقوة لهذه الكلمات والتي لا يخرجها سالار لايٍ كان، وهو ابتسم لرؤيته تلك اللمعة فأكمل :
" أنتِ من أكثر التلاميذ الذين أفخر بهم، لكن سأخبر جملة أخبر بها الجميع، كونك محاربًا ... مقاتلًا بارعًا، لا يعني ألا تكون أبًا جيدًا، أخًا جيدًا، ابنًا جيدًا، لا تدع دورك كمقاتل يلغي دورك كإنسان، وهذا ما يجب عليكِ فعله "
نظرت له تبارك تتحدث بصوت منخفض :
" لكنني لست كل هذا، أنا لست أي شيء من هذا، ولم أكن يومًا، فما المانع لأكون مقاتلًا رائعًا وأغطي النقص في ذلك الجزء "
اوجعته كلماتها وهو الوحيد الذي يشعر بها في هذه اللحظة، فقد والديه وفقد جميع أفراد عائلته ليلقوا به في القصر كي يعمل ويجتهد حتى وصل لما هو به، لكن على الأقل لديه جنوده ورجاله، ورفاقه.
ابتلع ريقه يقول بصوت خافت وهو يميل بعض الشيء في وقفته كي يصل لطولها، دون أن يتخطى المسافة الآمنة بينهما :
" إذن كوني صديقة جيدة، وتلميذة نجيبة واطيعي كلمات معلمك، حسنًا ؟؟"
نظرت له ليبتسم هو بسمة صغيرة يستقيم في وقفته يقول :
" هناك الكثير يمكنك القيام به داخل القصر مولاتي، تحركي واستكشفي اماكن جديدة هنا وهناك، تمتعي برفقة، لكن احترسي "
ختم حديثه يستأذن منها للرحيل وهي راقبته قبل أن تقول بغيظ :
" لِمَ لا تقول ببساطة أنك تهرب من مواجهتي ؟؟ تحشى الخسارة امامي "
ختم حديثها تضع يدها أعلى جبينها تقول بحنق :
" يا الله هل وصلت للمستوى الذي يجبر الجميع على تلاشيّ كي لا يتجرعوا مرارة الخسارة على يديّ ؟؟"
كان هو يحدق فيها بأعين متعجبة قبل أن ينفجر دون أن يتمالك نفسه في الضحك بصوت مرتفع على نظراته وتلك الثقة التي تتحدث بها، كانت ضحكاته ساخرة من كل ما سمع :
" يا ويلي، أنتِ حقًا لن تتغيري "
هز رأسه يتحرك تاركًا إياها لا يصدق ما تفعل تلك المرأة خلفه، وهي تتابعه بنظراتها تشير بإصبعها محذرة :
" لا تقل أنني لم أحذرك يا قائد، يومًا ما ستنفذ حجج هروبك مني، ولن تجد لك مفر "
ختمت حديثها وهي تنظر حولها وقد شعرت فجأة بشعور جيد، هي ربما ليست بالشيء الثقيل على صديقاتها، هن يحبننها وخاصة زمرد التي تحب القتال معها، وكهرمان اللطيفة وكذلك برلنت، إذن عليها أن تأخذ بنصيحة القائد وتذهب لتمارس حياتها كإنسان بعيدًا عن كونها مقاتلًا بارعًا مخيفًا يهابه سالار و الجميـ
لكن وقبل أن تطأ القصر أبصرت العديد من النساء يتحركن صوب بوابة القصر، رمقتهن بتعجب وهي تتحرك صوبهن بفضول شديد تتساءل :
" معذرة، لكن هل يمكنني السؤال عن المكان الذي تقصدونه ؟؟"
نظرت له إحدى الفتيات بتعجب وهي تقول :
" لسوق العاصمة، هذه إجازتنا وسنذهب للتسوق "
التمعت أعين تبارك وهي تشعر بالشوق ينبثق داخلها صوب تلك الحاجة الأنثوية الملحة والتي لم تمارسها منذ تركت حارتها، فرغم أن تسوقها انحصر على محل العم ابو محمد، وخضار الست أمينة، إلا أنها كانت تستمتع بلحظات الحيرة وهي تفكر أين ستبذر العشرة جنيهات هذا اليوم، حتى تقرر شراء بعض المعكرونة وتعود للمنزل .
والآن ودون تفكير سارت خلف النساء تخرج من القصر دون أموال ودون معرفة بشيء، هي قررت فقط وبكل تهور وبرغبة نابعة من الشعور بالحرية خارج أسوار السوق، أنها ستذهب معهم وتعود معهم .
وهذا ما حدث .
________________
تحرك بهدوء صوب المحكمة يدرك أن الوقت لا بد وأنه حان لعرض والد برلنت على الملك، أو ربما بالفعل تم عرضه، لا يعلم لكن ليرى .
وصل ودخل بخطوات هادئة رزينة ليجد أن أحد قادة جيوشه " تميم " يمثل أمام الملك وجواره يقف والد زوجته .
تحرك دون إصدار صوت صوب مكانه في القاعة وحين استقر تحركت عيونه صوب إيفان الذي كان يتفرد بالعرش كما يليق به .
ابتسم يتخيل أن الملكة في الخارج تبحث عن شيء تلهو به وعرشها هنا خالي، ليتساءل وبكل جدية، هل هي بالفعل ملكتهم ؟!
وهذا سؤال يجب أن يتأكد من إجابته عند العريف بعدما ينتهي كل ذلك، فقد بدأ يشك بالأمر.
رفع عيونه ببطء ليجد أن الأمر بدأ لتوه، إذ أخذ إيفان يتحدث بهدوء شديد دون أن يبرز في نبرته أي تحيز أو تعاطف أو غيره .
" إذن تميم، أخبرنا والد زوجتك أنك طلقتها، وخلال هذا الوقت قام هو بتزويجها لرجلٍ آخر، لتتعدى أن على حرمة زواجها وتتزوج امرأة متزوجة "
ارتفع حاجب سالار يراقب ما يُقال، هذه تهمة إن صدقت _ وهو متأكد أنها ليست كذلك _ فعاقبها ليس بالهين، فهذا لم يتعدى على شيء عادي، بل تعدى على حدود الله وهذا له حدّ لا يتحمله الكثيرون .
رفع تميم رأسه صوب الملك يضم كفيه أمامه يفرد ظهره بقوة دون أن يرمش أو يحني هامته :
" بل هي زوجتي منذ كتبها الله لي مولاي، زوجتي لم تترك عصمتي إلا ليوم واحد فقط وقمت بردها في اليوم التالي"
صرخ عبدالله ( والد برلنت ) بغضب شديد يحاول دفع التهمة واللوم بأكمله صوب تميم :
" هو كاذب، لقد طلقها وما له من رجعة مولاي، لقد كان عقد زواج وابنتي ما تزال بكر، فمن أين ردها وهي لا عدة تعتد بها ؟؟"
نظر له تميم نظرات مخيفة وقد بدأ جسده يرتجف بغضب، كل ذلك تحت نظرات إيفان الهادئة بشكل كبير والذي تناسى في هذه اللحظات مكانة تميم لديه .
نظر صوب تميم يقول :
" اتمنى أنك تمتلك ردًا لهذا الإتهام تميم "
أبعد تميم عيونه عن الرجل ينظر الملك يقول بصوت قوي لا يهتز مقدار شعرة لا يعلم سبب ما يفعل عبدالله، وسبب إصراره على اتهام ابنته واتهامه هو :
" مولاي، بالفعل زوجتي كانت في ذلك الوقت بكر فأنا عقدت العقد عليها وهي بسن صغير، لكن ما لم يذكرخ العم عبدالله أنه ولمدة أسبوعين ترك زوجتي في منزلي، حين سافر مع زوجته، وهذه وحسب شرع الله تُسمى خلوة ولو لم يتم الزواج الفعلي، والشرع في هذه الحالة ينص على أن زوجتي في ذلك الوقت كانت تمتلك عدة تُسمى عدة احترازية، وأنا رددتها خلال هذه العدة، بل لم امكث أن رددتها في اليوم التالي لوقوع الطلاق الرجعي "
ختم حديثه ثم نظر صوب الشيخ الخاص بالقصر يقول بصوت هادئ :
" هل أخطأت يا عم ؟؟"
هز الشيخ رأسه بهدوء شديد يقول بتأكيد :
" لم تخطأ يا بني، بارك الله فيك "
ابتسم تميم بسمة صغيرة، لكن ما كان عبدالله أن يستسلم الآن، إذ انتفض يقترب من العرش وهو يصرخ :
" وما ادراني أنا ؟؟ كيف أعلم أنه ردها ؟! هو لم يخبرني . "
ابتسم تميم يقول بصوت خافت :
" شرعًا يمكنني رد زوجتي لعصمتي دون علمها طالما كانت في عدتها، ورغم ذلك لقد هرولت كي أخبركم أنني رددت زوجتي لعصمتي يا عم، لكن لم أجد أحدًا منكم، لذا سارعت لإمام المسجد وأخبرته أن يبلغك حين رؤيتك أنني رددت زوجتي، وبالفعل بعد شهرين أخبرني الشيخ أنه قابلك صدفة في أحد أسواق قرية مجاورة واعلمك أن برلنت ما تزال زوجتي وقد رددتها لعصمتي، وحين ذهبت لاحضرها لم اجدكم هناك كذلك "
بُهت وجه عبدالله يتراجع للخلف وقد شعر بحبل كذبه يلتف حول رقبته، تنفس بصعوبة وقد جف حلقه، نظر حوله يشعر أن المكان يدور به، جاء ليوقع تميم فوقع هو في شر أعماله.
في هذه اللحظة كانت تقف هي في نفس الغرفة التي أخفى فيها سالار زمرد وكهرمان سابقًا، تقف وهي تتابع تلك المبارزة الكلامية بين والدها وزوجها، الخاسر منهم ستفقده، تشعر أنها بين المطرقة والسندان .
سقطت دموع برلنت بقوة حين سمعت كلمات والدها المتهمة لتميم، بعد هذه السنوات لم يتوقف عن جرحه، بكت بين أحضان زمرد التي ضمتها وهي تراقب والدها بغضب شديد، صورة قذرة أخرى للأباء، يا الله هل احضروهم لهذه الحياة فقط كي يقتلوهم حزنًا .
ربتت عليها زمرد تهمس لها بحنان :
" لا بأس حبيبتي، لا بأس هنا من يدافع عنك، تميم لن يتركك برلنت، اطمئني "
وكم اشتهت زمرد في هذه اللحظة ضمة كتلك وكلمات كهذه، أحدهم يخبرها أن هناك من يدافع عنها، هناك من سيقاتل لأجلها، لكن هي وحدها في هذه الحرب دون غطاء حماية أو حليف .
كانت عيون كهرمان تتحرك من تميم ووالد برلنت صوب إيفان الذي لم تستطع أن تتجاهله أكثر، نظراته الهادئة الغامضة تلك تخيفها وبشدة، و...تثير افتتانها الآثم له .
قال إيفان بصوت قوي :
" هل ما قال تميم صحيح سيدي ؟؟"
نظر عبدالله حوله وهو يحاول الحديث بكلمات، لكن أنّى له وقد خذلته كلماته وتخلت عنه في هذه اللحظة، نكس رأسه للأسفل وهو يستمع لكلمات إيفان التي كررها بصبر :
" إن كنت تمتلك كلمات تدافع بها عن نفسك سيدي فلتفضي بها ..."
لكن ما سمع منه كلمة، ليكرر عليه إيفان للمرة الثالثة :
" إذا كان هناك ما قد يخفف عنك الحكم، فلتخبرنا به رجاءً "
والصمت كان مجددًا ردًا على كل اسئلة إيفان، هز إيفان رأسه يقول بصوت قوي مرتفع بعض الشيء :
" إذن جرائمك يا سيد أنك تخطيت حدود الله وزوجت ابنتك المتزوجة لرجل آخر رغم معرفتك أنها متزوجة"
دافع عبدالله عن نفسه بسرعة وهو ينفي تلك التهمة :
" لم أفعل يا مولاي...لقد كذبت أنا فقط حدثته بأمر الزواج ولم يتزوجها بعد "
رمقه إيفان بنظرة حادة وهو يمنعه من الحديث :
" انتهت فرصتك للحديث، والآن لا تقاطعني رجاءً"
صمت عبدالله ليكمل إيفان بهدوء :
" بالإضافة أنه حتى وإن لم تكن ابنتك متزوجة من تميم فأنت تعديت حدود الله برغبتك في تزويجها دون معرفتها ودون رضاها وهي ما تزال بكرًا وهذا لا يجوز شرعًا لقول رسول الله ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن) لذا وعليه تحول جميع اتهاماتك لإمام القصر وهو من سيصدر حكمه عليك تبعًا لشرع الله دون أن يتم ظلمك "
نظر له يرى شحوب ملامحه ليكمل :
" أما فيما يخص تطاولك على حرمة المسجد وأثارت البلبلة وتعديك على الملكة ودفعها، فكل هذا سيتم النطق به بعد معرفة حكمك الاول من الإمام "
صمت ثم قال بهدوء وهو يحدق في جميع الأوجه :
" من كان يعتقد أنني أظلمت في حق الرجل فليعترض ويحضر حجته معه "
وحين عم الصمت هز رأسه ينهض عن مكانه يقول بهدوء وهو يهبط عن عرشه :
" إذن انتهينا من كل ذلك يا سادة..."
وبهذه الكلمات أنهى هو الجلسة يخرج من المكان بخطوات هادئة قوية تحت أعين الجميع، ولم يحد بنظره عن الطريق، وسالار نظر بجدية صوب تميم ثم اقترب يربت على كتفه :
" مبارك الزواج يا تميم، خذ اليوم فقط إجازة لتؤازر زوجتك في محنتها "
ورحل ليبدل ثيابه ويعود للتجهيز لما قرر له مع أرسلان، لكن وفي طريق ذهابه حادت عيونه دون إرادة منه لطرقات القصر يبحث عنها باهتمام غير منطوق، لكن لم يجدها، لم يهتم، ولِمَ بفعل حتى ؟؟ ما علاقته بها ؟؟
نفخ بعدم اهتمام وهو يتحرك صوب غرفته، سيبدل ثيابه ويذهب للملك ولن يهتم بها، لا بد أنها تلهو في أحد دروسها و...
تميم ودانيار كانوا معه في الجلسة، إذن ربما العريف ؟؟ لكن العريف ذهب لينتهي مما وكل به من الملك على حد علمه، إذن هل ذهبت تتدرب وحدها أو..المشفى عند مهيار ربما ؟؟
حسنًا ما شأنه هو؟؟ لتذهب حيثما شاءت، هو ليس والدها ليسير خلفها يبحث عنها لحل مشاكلها، بالطبع لا يهتم ..
_____________________
كان يجلس في مكتبه يتذكر ذلك اللقاء الذي أعد له منذ أيام، ذهب ليخطب ودها، وعاد شاحب الوجه مصدوم مما سمع .
ليلا الصغيرة تعاني مشاكل صحية، وهو كل ذلك لا يدرك عنها .
اغمض عيونه بتعب شديد وهو يعيد رأسه المقعد خلفه وما حد يُعاد أمام عيونه .
صدمته التي ظهرت جلية على وجهه بما لا يدع مجالًا الشك أنه كان يجهل تلك الحقيقة، ضربة تلقتها ليلا مبتسمة بحزن :
" لم ادري أنك لا تفعل، لقد ...لقد كنت اتعرض لتشنجات على اوقات متفرقة منذ طفولتي، ليس الأمر وكأنني اعترض على مشيئة الله والعياذ بالله، لكنني فقط لا أود خداعك، ولا تقلق لن تكون أول الرافضين لي إن تسبب ذلك الأمر بتراجعك عن فكرة الزواج مني سيدي الطبيب."
ختمت كلماتها ترميه باكثر نظراتها حزنًا وقهرًا ،ثم تحركت ببطء بعيدًا عنه تاركة إياه يحاول استيعاب الأمر، صدمته لم تكن متعلقة بتقبل مرضها بقدر صدمته أن الصغيرة تعاني من شيء يجهله حتى الآن.
اغمض عيونه يتنهد بصوت مرتفع، قبل أن يبصر باب عيادته يفتح ويدخل منها مرجان الذي انتهى لتوه من معركة حامية الوطيس مع العريف لأجل تلك المهمة التي كُلف بها .
" أنت حقًا لا تستحقها أيها المخادع "
نظر له مهيار بعدم فهم :
" ماذا ؟؟ "
لكن مرجان في هذه اللحظة لم يكن في مزاج يسمح له أن يفسر له ما يقصد، هو كان غاضبًا، غاضبًا وبقوة لأنه ظن أن ذلك الرجل أمامه قد يكون مختلفًا عمن سبقوه .
ومهيار ذلك المسكين لا يعي حتى ما يحدث ما يزال يتخبط بين امواج وجعه وصدمته مما حدث، كيف تغافل كل هذه السنوات عن وجع ليلا ولم يدرك عنه شيئًا ؟!
فجأة استفاق على صرخات آتية من أمامه، نظر بعدم فهم ليجد أن مرجان يهيمن عليه وهو يقول :
" لقد ...لقد ..لقد "
عز على مرجان في هذه اللحظة أن يخبره أن شقيقته الصغيرة وثقت به واحبته، عز عليه أن يعري مشاعرها أمامه بهذه الطريقة لذلك صمت فقط .
تنهد مهيار ينهض عن مكتبه وهو يتحرك ليدفع مرجان على المقعد يقول بجدية :
" إذن مرجان، هل ستتحدث لي بهدوء وتخبرني القصة منذ البداية أم ستتعامل معي كشقيقتك، تلقي الحديث في وجهي وتركض ؟!"
نظر له مرجان بغضب :
" وهل تظن أنني سأخبرك بشيء بعدما تركتها وركضت مفزوعًا وكأن مرضها وحشًا سيلتهمك ؟!"
في هذه اللحظة استفز مرجان كل ذرة صبر وهدوء داخل جسد مهيار الذي جذبه عن المقعد بقوة مخيفة جعلته ينهض وهو يواجهه، بينما مهيار حمل مشرطه بسرعة كبيرة يوجهه صوب رقبة مرجان وقال من تحت أسنانه بضيق وغضب :
" اسمع يا دودة الكتب أنت، لست أنا من فر من منزلكم، بل شقيقتك هي من هربت وكأنني سآكلها، دون أن تمنحني فرصة واحدة للحديث، والآن هل ستخبرني ما يحدث بالتحديد وكيف أصل لشقيقتك أم أجري عليك فحصًا تشريحيًا شاملًا ؟!"
اهتزت أعين مرجان وهو ينظر له، ووالله لو قطعه قطع صغيرة ما تحدث بكلمة واحدة، لكن تلك النظرات التي أدرك معناها في عيون مهيار جعلته يدرك أنه ليس مجرد عابر سبيل، بل هو مقيم ويحب شقيقته .
" حسنًا حسنًا سأخبرك، ليلا تـ....."
قاطع ذلك اقتحام أحدهم العيادة بقوة وهو ينادي بصوت مرتفع :
" مهيــــــــــــــار "
اشتد غضب مهيار وهو يستدير صارخًا بجنون :
" مــــــــاذ....القائد سالار ؟؟"
قال كلماته الأخيرة بصدمة حين اصطدم بوجه سالار الذي دخل عيادته يقول بقوة وهو ينظر حوله وكأنه سيخرجها من أحد الأركان :
" أين هي ؟؟"
حدق به كلٌ من مهيار ومرجان بعدم فهم، وما تزال كف مهيار ترفع مشرطه على رقبة مرجان .
فتطوع مهيار للسؤال :
" من هي ؟؟"
صاح سالار في وجهه وقد عكف على البحث عنها منذ استشعر غيابها في طرقات القصر منذ ساعات :
" الملكة، أين هي ؟؟ هي تحب المجئ هنا مهيار، هل رأيتها اليوم !!"
نفى مهيار بحيرة وهو يحاول فهم سبب غضب سالار، بينما مرجان نظر له يقول بهدوء وهو يبعد يد مهيار عن رقبته :
" لقد رأيتها للملكة اليوم "
نظر له سالار يتساءل بنظراته عن تفاصيل هذا اللقاء، ليوضح له مرجان كل شيء منذ دخولها للمكتبة ورؤيتها ما يحدث ومن بعدها رحيلها للتدرب مع دانيار حسب قول الملك .
استمع سالار لتلك الكلمات ورحل عنهما، وبمجرد أن سمعا صوت غلق الباب، عاد مهيار بمشرطه صوب مرجان يقول :
" أين كنا ؟؟ نعم ليلا تـ ماذا مرجان ؟؟"
_____________________
إذن هكذا تكون الأسواق في الممالك، أمر مثير للأهتمام حقًا، المنازل هنا تبدو لها تراثية، وكذلك المباني الشاهقة، المحلات وثياب العامة، أمور تجعل تبارك تشعر بالعراقة .
الأمر يبدو كما لو أنها دخلت قصة كلاسيكية، في هذه اللحظة شعرت برغبة كبيرة بالسير لأيام طويلة ترتشف كما تشاء من هذه الأماكن .
وهذا ما حدث أنها شردت عن الفتيات وهي تبتسم للجميع والجميع يرد لها البسمة بلطف .
وها هي الشمس تعلن رحيلها عن السماء تاركة الأفق تغرق في ظلمتها بعدما تمردت في هذه الليلة على القمر مانعة عنه أي انعكاس لضوئها .
وتبارك التي لم تشعر بالوقت، بدأ الخطر يتسلل لها شيئًا فشيء حين وجدت العديد من المحال تُغلق والبعض ما يزال وقت غلقه لم يحن .
حسنًا تبدو هذه لحظة ملائمة للعودة إلى القصر، والسؤال الآن، كيف تفعل ذلك ؟؟
" أسأل حد ؟؟ "
لكن يبدو أن حتى ذلك الـ"حد" ليس موجودًا لتسأله، الآن ما المفترض بها أن تفعل !؟ حين كانت تضل طريقها في بلادها كانت تلجأ للبحث عن أقرب محطة مترو أنفاق وتعود سالمة لمنزلها، والآن ماذا ؟
" ممكن يكون عندهم شيء زي المترو طيب ؟! مفيش موقف حتى ؟؟"
هنا وبدأت تشعر بالريبة، هذا الشعور المقيت الذي كانت الحياه كثيرًا، ها هو عاد لها، عاد لها وبقوة، شعور الضلال والوحدة، والذي شعرت به يتلاشى شيئًا فشيء في القصر معهم، أو بالتحديد معه هو، ها هو يتبخر في هذه اللحظة لتنطق بكلمتها السحرية وهي تنظر حولها بخوف :
" يا قائـــــد ..."
___________________
" ماذا تعني أنها ليست موجودة في القصر بأكمله ؟! هل انشقت الأرض وابتلعتها ؟! الويل لك إن أصابها مكروهٌ "
ختم سالار حديثه بشر وهو يرمق جنوده الذين قد وكلهم سابقًا بحمايتها، ليتحدث أحدهم محاولًا تبرير ما حدث :
" سيدي اقسم لك أننا لم نغفل عنها لحظة واحدة، إلا حينما تركناها لتتدرب كعادتها مع قائد الرماة "
نظر سالار بشر صوب دانيار الذي قال بسرعة :
" ماذا ؟؟ لم يخبرني أحدكم أنني مكلف بمراقبة الملكة كذلك بعد انتهاء تدريباتي "
عض سالار شفتيه بغضب وهو يزيح خصلاته عن شعره يردد من بين أسنانه:
" هي مجرد ساعات فقط غابت عن أعيني، فتبخرت فيهم، يا الله هي تنتظر أن أحيد بعيوني عنها لتختفي "
كان دانيار يلاحق بعيونه سالار وهو يفكر في خاطرة ارعبته، لا يمكن أن يكون قائد قد حاد عن طريقه بهذا الشكل، ابتلع ريقه يقول بصوت خافت مقترحًا :
" اعتقد أننا علينا اخبار الملك بالأمر، هو يجب أن يعلم أن الملكة مفقودة "
نظر له سالار برفض، ولم يكد يتحدث حتى سمع الجميع صوت يأتي خلفهم يقول بدهشة :
" الملكة مفقودة ؟؟ ما الذي تعنيه بالملكة مفقودة ؟؟ ما الذي يحدث هنا سالار ؟؟"
استدار سالار صوب إيفان ببطء وهو يقول بصوت هادئ حاول قد الإمكان أن يصبغه بعملية بحتة :
" الأمر أنني عدت من الخارج لأكتشف أن الملكة ليست موجودة هنا، وبعد بحث أدركت أنها ليست في القصر بأكمله "
ختم حديثه لتشتعل أعين إيفان يشعر بالذنب يتلبس كامل جسده، طوال اليوم انشغل في المحاكمات والاجتماعات ولم يكلف نفسه عناء السؤال عنها .
نظر لوجه سالار الذي كان شاردًا بعيدًا عن الجميع ليقول :
" بما أنها ليست بالقصر، إذن ربما خرجت دون أن ينتبه لها أحدهم، انشر جنودك في العاصمة بأكملها سالار، لا أود أن تشرق شمس الغد إلا وهي في غرفتها آمنة ....."
_____________________
جائعة ..خائفة ...وحيدة، مشاعر كثيرة اختبرتها مئات المرات سابقًا، ولم يكن ليعنيها أن تخوضهم مجددًا لكن، ذلك الشعور بالجوع والذي أصابعها جعلها تهتم، هي لم تتناول طعامها من الصباح وعليه لم تأخذ ادويتها، والآن الخوف يلعب دوره في زيادة مرضها .
نظرت حولها وقد استقرت فوق إحدى المصاطب تضم نفسها على أمل أن يلحظها أحدهم ويأتي لأجلها، لكن هل سيحدث أن ينتبه لها أحدهم، هي حقًا تشعر أنها مجرد اسم يكمل صورة المملكة، لا فائدة ترجى منها .
سقطت دموع تبارك تكرر بعض آيات القرآن فقط لتهدأ من روعها، ودون شعور هجم على رأسها مشهد ضياعها في تلك الغابة، على الأقل كان سالار معها في ذلك الحين .
استندت برأسها على قدمها وقد قررت أن تنام من شدة التعب، ولا تدري إن كانت تلك اغماءة صغيرة أو نوم .
ومن بين واقعها المرير انبثقت أحلامها لتؤنسها، وجاء هو ليضمها بحب وحنان، حتى وإن كانت تلك الضمة حلمًا، لكن يكفيها أنه هنا جوارها.
كانت تبارك تجلس بين أحضان سالار الذي ضمها له يهمس بحنان شديد :
" أنا هنا دائمًا لاجلك، أنتِ لستِ وحيدة اميرتي "
رفعت تبارك عيونها له تقول بصوت خافت تطيل النظر بملامحه :
" أنت...لم تعد تحدثني بتلك اللغة ؟؟"
ابتسم يقول بخفوت :
" الفارسية ؟؟"
هزت رأسها ليضمها له بحنان :
" حسبت أنكِ لا تحبينني أن أفعل، فقررت أن أجد نقطة تلاقي لنا "
" وهل تجمعنا نقطة تلاقي ؟؟"
نظر في عيونها يهمس بقوة وحنان:
" وإن لم تفعل، سأخلق نقطة تلاقي لنا، سأفعل إن اضطررت فقط واجدك اينما كنتِ مولاتي ..."
" مولاتي ...مولاتي ..تبارك "
نفس الصوت الهامس الخافت المصاحب لاحلامها، لكن في هذه اللحظة لم يكن الصوت صادرًا من رأسها، بل كان آتيًا من الخارج .
فتحت تبارك عيونها بصعوبة تحاول النظر بمن يجلس القرفصاء أمامها، ليقابلها وجه سالار القلق، ظنت أن هذا حلم آخر لها، فما كان لسالار أن يقلق لأجل أحدهم؛ لذا أغمضت عيونها مجددًا .
وهو همس لها بقلق اكبر :
" تبارك أنتِ بخير، ارجوكِ أخبريني أنكِ كذلك "
نظر حوله لبعض رجاله الذين جاءوا للبحث عنها معه في هذا الجزء من العاصمة، بينما الملك أخذ جزءًا آخر وذهب لمناطق أخرى للبحث عنها وهو يلوم نفسه ويجلدها بسياط الندم .
للمرة الأولى يشعر بالخوف، الخوف الشديد وهو يرى جسدها متكوم بهذا الشكل كصغيرة تركوها في العواصف لتواجهها وحدها .
همس يقول بصوت خافت :
" تبارك، أخبريني فقط أنكِ بخير رجاءً"
لكن تبارك في هذه اللحظة كانت استسلمت من التعب، وكأن طاقتها التي اهدرتها في السير طوال اليوم لم يتبقى منها سوى قطرات صغيرة ضاعت على خوفها منذ دقائق.
ابتلع سالار ريقه قبل أن ينهض ينزل سيوفه وهو يمدها لأحد الرجال خلفه بصوت قوي لا يمت لذلك الصوت الحنون الهامس بِصلة :
" أحمل هذا عني"
وحين امسك منه الجندي السيف، مال سالار بنصف جسده يحملها له بقلق شديد وهو يدعو الله أن تكون بخير وألا يكون ذلك بسبب حالتها الصحية .
تحرك بها صوب حصانه وهو يناديها بقلق :
" مولاتي ..تبارك هل تسمعينني ؟؟"
لكن لارد، والآن هو في ورطة، كيف يأخذها معه للمنزل وهي ليست واعية، كيف سيأخذها، نظر حوله يبحث عن عربة تساعده، لكن لا شيء .
ابتلع ريقه يستغفر الله وهو يقول بصوت خافت :
" يا الله يا مغيث .."
نظر صوب حصانه ليطلق صفيرًا فيقترب الاخير منه بسرعة وهو رفع يديه يضع جسده تبارك الهزيل على الحصان، ثم قفز بسرعة خلفها، يحاول تلاشى أي لمسات بينهما، يستغفر ربها ثم نظر للجنود يقول :
" ليذهب أحدكم بحثًا عن الملك ويخبره أننا وجدنا الملكة وفي طريقنا للقصر "
انطلق بحصانه بسرعة وهو ينظر كل ثانية لجسد تبارك يتأكد أنها بخير، ثم يزيد من سرعة حصانه يتوعد لها :
" ما الذي اخرجك من القصر أيتها الكارثة ؟! اقسم أنني فقط ..."
صمت يتنفس بصوت مرتفع :
" أنا فقط أشعر أنني عندما ذهبت لاحضارك للبلاد، كنت أذهب لاحضار وجع الرأس لنفسي، سامحك الله تبارك "
وتبارك التي كان جسدها مُلقى على الحصان أمامه، كانت لا تعي بكل ذلك، بل كانت في جوله مع سالار داخل احلامها، وذلك السالار هناك كان مبتسمًا لطيفًا يضمها له بحنان شديد، وهي بالمثل استندت برأسها على صدره تضم نفسها له بحنان تهمس بصوت خافت دون شعور بنفسها :
" أنا أحبك..."
وفي الواقع لم تقتصر تلك الهمسة أو الضمة على احلام تبارك، بل تعدت حدود أحلامها، واقتربت برأسها من قدم سالار تستند عليها تضمها بشكل جعل جسد سالار ينتفض بعنف للخلف حتى كاد يسقط على ظهره يبعد يدها عنه بصدمة كبيرة، رافضًا أي لمسة لها وهو يتمتم :
" يا الله يا مغيث، ما بكِ يا امرأة، استغفر الله، هذه المرأة لا تتحكم بنفسها خلال نومها و...."
فجأة توقفت الكلمات على حدود فمه حين سمع همستها التي أصابت منتصف صدره بكل براعة، همسة جعلته يحدق أمامه بأعين متسعة وصدمة كبيرة وهو يسمعها تهمس له :
" أحبك ...."
___________________
رُب كلمة تغير حياتك ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رحمة نبيل
خريطة تخيلية للممالك من تصميم الجميلة ( بشرى )
قبل القراءة لا تنسوا التصويت والتعليق على الفصل .
صلوا على نبي الرحمة .
_________________
تلك الكلمة الغريبة التي صدرت من بين همساتها الغير واعية كانت لها مفعول السحر على قلبه، حاول سالار التنفس وهو يقبض بيد على اللجام الخاص بحصانه، ثم تحرك كفه الآخر بكل تلقائية دون شعور منه يستل خنجره من حافظته، ومن ثم دسه بين رأسها وقدمه التي اجارت عليها دون وجه حق ودون أن تمنحه حق الاعتراض حتى، رفع رأسها ببطء بعيدًا عنه، وهو يبطئ من حركة الحصان .
وضربات قلبه قد تسارعت بشكل خطير :
" يا الله يا مغيث، ما نوع الأحلام التي تجعلك تنطقين هذه الكلمة بهذه النبرة ؟!"
زفر بصوت مرتفع، ثم دفعها واخيرًا عنه، وحين استقرت رأسها بعيدًا عنه بالقرب من رقبة الحصان تقريبًا، تنفس الصعداء ينظر لملامحها يحاول أن يقنع قلبه، ذلك الاحمق أن لا علاقة له بهذه الكلمة وما يحدث، ما شأنك لتنبض بهذا الشكل المثير للشفقة ؟؟
" يا الله رحمتك، لقد ازدادت خطورة تلك المرأة، أصبح قربها مقيتًا، ثقيلًا على قلبي بشكل يسبب لي الاختناق "
حاول أن يشتت نفسه مبعدًا عيونه عنها، ثم تأكد من ثباتها ليتحرك بحصانه بسرعة كبيرة، يود الوصول للقصر ووضعها في المشفى، ثم يتحرك لجناحه بعيدًا عن كل ذلك .
همس لنفسه مصرًا :
" ستكون هذه آخر مرة أتدخل في شيء يخصك "
نظر لها بطرف عيونه لتبتسم هي خلال أحلامها مثيرة به تساؤلات عديدة عن هوية تلك الأحلام، وفجأة هبطت في رأسه ذكرى يشعر بها بعيدة للغاية وكأنها كانت منذ سنوات، رغم أنه لم يمر عليها سوى شهور قليلة .
ذلك اليوم حينما ذهب للبحث عن الملكة وأخذها من منزلها سمع كلمات مترامية من البعض حول أحلامها برجل ما، وهذا يعني أنها ربما في هذه اللحظة التي يكاد يتجمد من البرودة لأجلها وما يتكبده لمساعدتها، هي تحلم برجل آخر وتستأنس بوجوده .
استنكر سالار كل ذلك لكنه لم يعلق، فمنذ متى تحكم الإنسان فيما يحلم به، كل ذلك لا دخل لنا به، لكن ...
نفخ بصوت مرتفع يبعد تلك الأفكار عن رأسه ساخرًا من نفسه :
" لم تكد تفرغ من توعدك بالابتعاد عنها وعن مشاكلها حتى قفزت بأفكارك لها، أنت مثير للشفقة يا رجل، تحتاج لضربة سيفٍ تشق رأسك نصفين كي تتوقف عن تلك الأفعال المزرية والمخزية "
واخيرًا توقفت الخيول أمام باب القصر ليهتف سالار بصوت جهوري بغرض إيصال كلماته لمراقبين البوابة كما هو معتاد :
" افتـحـوا الابــــواب "
وبسبب تلك الصرخات انتفض جسد تبارك التي كانت قد نالت قسطًا لا بأس به من الراحة وبدأ جسدها يرتخي واخيرًا وتتنفس بشكل طبيعي، لكن فجأة اخترقت أحلامها السعيدة صرخات جعلت جسدها يختض بقوة لتطلق صرخة مرتعبة تنتفض عن الحصان .
فشعرت فجأة بالهواء تحتها، اتسعت عيونها تطلق صرخة أعلى من السابقة، وسالار الذي انتفض على صرخاتها يميل بجسده بسرعة كبيرة كي يلتقط جسدها قبل السقوط، لكن ما أمسكت يده سوى بقدمها ..
في تلك اللحظة لم تتوقف صرخات تبارك العالية وهي تشعر بجسدها يكاد يحتضن الأرض، لتغمض عيونها بقوة وهي تنتظر ذلك الالم الذي ستشعر به جراء الصدمة العنيفة بالأرض الصخرية، لكن مرت ثواني ولم تشعر بشيء، بل تشعر فقط بقبضة على قدمها .
فتحت عيونها ببطء وهي تحاول النظر لأعلى لتجد أن سالار قد مال بنصف جسده العلوي يمسك قدمها لتصبح معلقة بالهواء .
نظرت للأسفل وقد كانت على بعد شعرة من الأرض، ابتلعت ريقها ترفع عيونها له تقول بصوت باكٍ :
" اوعى تسيبني، أوعى تسيبني يا قائد، أنا لو وقعت دلوقتي راسي هتتفتح وهتبهدل وهروح فيك في داهية والله "
نظر لها سالار بغضب شديد يضغط على أسنانه بقوة وعيونه تطلق لها تحذيرات غاضبة بعدما كاد يسحبها للتو :
" هل استشعر تهديدًا في كلماتك ؟؟"
فتحت فمها للصراخ في وجهه وما كادت تنطق أولى اعتراضاتها، حتى شعرت بيده تفلت قدمها ببطء جعل أعينها تتسع وهي تصرخ بخوف :
" ينقطع لساني يا قائد، ما عاش اللي يرفع صوته أو يهددك، ده أنت أمن وأمان سفيد، وقدوتي وقدوتنا كلنا، ربنا يطولنا في عمرك يارب "
ختمت حديثها تحاول أن تجذب جسدها للأعلى كي تخرج من أسفل رحمته، وهو ابتسم لها بسخرية لاذعة :
" أوه اثرتي بي، كلماتك هذه تاج اسير به بين الجميع مولاتي "
ابتسمت له تبارك وقد بدأت تشعر باندفاع الدماء لعقلها :
" اللهي تلبس تاج الملك يا اخي ارفعني ابوس ايدك، مش قادرة خلاص حاسة دمي كله اتصفى في راسي "
بدأ سالار يرفع جسدها شيئًا فشيء وهي تشعر أن حجابها على وشك السقوط لتقول بصوت قلق :
" ببطء يا قائد، ببطء سيسقط حجابي "
وبعد هذه الكلمات شعرت بجسدها يسحب فجأة وبقوة كبيرة لتشهق بصوت مرتفع، ولم تكد تكمل شهقتها حتى وجدتها نفسها تعتلي الخيل أمام القائد والجميع حولها ينظرون لها بقلق .
تنفست بصوت مرتفع تحاول أن تستوعب ما يحدث، ثم همست بصوت مضطرب :
" أنا ....أنا بخير ."
تنفس الجميع الصعداء وحركت تبارك أناملها تعدل من وضعية حجابها، ثم نظرت حولها صوب البوابة التي فتحت منذ دقيقة تقريبا وقتما كانت معلقة كالذبيحة .
والآن هبط سالار عن الحصان الخاص به، ثم سحبه خلفه يتحرك بها للداخل بعدما تأكد أنها أصبحت من الوعي الذي يجعلها تدرك ما يحدث حولها.
وتبارك فقط تحدق به دون وعي، شتان بين سالار قائد الجيوش، وسالار فارس أحلامها ...
وإن سألتموها من يعجبها أكثر وتحترمه أكثر ستكون الإجابة ..كلاهما .
وبمجرد دخولها للقصر وجدت الملك والذي عاد لتوه إلى القصر حين تلقى خبر إيجادها، يستقبلهم بالقلق وهو يهتف :
" مولاتي، هل أنتِ بخير ؟!"
نظرت له تبارك تهز رأسها ببطء، ومن ثم نظرت صوب سالار الذي مد يده لها باللجام فتسلمته منه بتعجب وهو منحها نظرة احترام وبسمة صغيرة يقول بصوت منخفض :
" اتمنى لكِ السلامة مولاتي، مرحبًا بعودتك "
وبهذه الكلمات أعلن سالار نهاية وجوده ورحل ببساطة شديدة تحت أعين تبارك التي شعرت بشعور من الخواء غريبًا، ورغم وجود الملك والجميع حولها، إلا أنها وببساطة شعرت بنفس شعور الوحدة الذي كانت تشعر به طوال الوقت، لتدرك في هذه اللحظة أن سالار كان أُنسها الوحيد بين الجميع ......
_________________
" زمرد توقفي عن الدوران يمينًا ويسارًا واجلسي، لا بد أنها بخير الآن"
نظرت زمرد بغيظ مشتد صوب كهرمان تقول :
" ألم تسمعي ما قلت ؟؟ أخبرتك أنني رأيت الحرس يبحثون في جميع الأماكن عن الملكة، لقد ضاعت تلك الغبية تبارك، أين يمكن أن تكون الأن ؟!"
صمت ثم تحركت بشكل سريع مخيف صوب كهرمان التي تراجعت للخلف بسرعة وهمست لها بريبة :
" هل يعقل أن هناك من اختطفها ؟! يا الله هي أكثر حمقًا من أن تسقط في يد فاسدين هذه الممالك "
نظرت لها كهرمان بحنق تتحدث بواقعية :
" عزيزتي هذه التي تسمينها حماقة تكاد تنافسك في القتال، هي ليست ضعيفة زمرد، وايضًا ليست غبية، أنا واثقة أنها بخير، كما أن...الجميع بالفعل يبحث عنها "
نظرت لها زمرد داخل عيونها تشعر بالوجع يسكن حدقتيها، ولكنها لم تتحدث بكلمة، تدرك ما يسكن قلب رفيقتها .
تنهدت بصوت مرتفع وهي تجلس على الفراش المقابل لكهرمان، تحرك طرف عيونها صوب تلك التي تسجن نفسها في ركن الفراش تأبى الحديث مع أحد أو رؤية أحد .
" وأنتِ يا عصفورة الحب، ما بكِ حزينة لهذه الدرجة، ألم يخبرك الشيخ أن حكم والدك سيكون منصفًا ومخففًا لأجل عمره ؟؟ إذن ما بكِ؟؟ كيف تجلسين هكذا في هذا الركن تاركة تميمك يعاني الوحدة الليلة ؟!"
لكن برلنت لم تتحرك ولم تتحدث بكلمة، نظرت زمرد صوب كهرمان بتعجب لتهز الأخيرة كتفها بريبه تقترب منهما تحاول الحديث والاطمئنان عليها :
" هييه بيرلي صغيرتي، أنتِ بخير ؟؟"
انتفض جسد برلنت بسبب شهقاتها المكتومة لتثير فزع الفتاتين، بكت بقوة لتقترب منها كهرمان تحاول أن تجذبها بعيدًا عن الجدار :
" عزيزتي مابكِ ؟! لِمَ البكاء برلنت !؟ هل هذا بسبب والدك ؟!"
ازدادت شهقات برلنت حدة وهي تهتف من بين دموعها :
" تميم "
ضمتها كهرمان لصدرها بسرعة وهي تقول برعب عليها :
" ما به تميم ؟! هو بخير، لماذا البكاء إذن ؟!"
بكت برلنت بخوف شديد أن يبتعد عنها تميم، أو يظل ما حدث نقطة سوداء تمنعهما التقدم، تشعر بالوجع لأجله ولا تملك من أمرها مساعدة له .
" لقد ...غضب مني ولا يرغب برؤيتي بعد اليوم، لقد كان غاضبًا حين خرج من المحاكمة ولم ينظر لي حتى نظرة واحدة كهرمان، لقد كرهني تميم، يا الله سأموت لو ابتعد عني بعد كل تلك السنوات "
نظرت لهما زمرد ثواني بغيظ شديد وذكرى بكاء والدتها تعود لها، كل ليلة كانت تبكي زوجها الأول الذي قتله والدها، كانت تبكي حبه وتبكي وجع موته .
" لقد قتلني، قتلني قبل قتله، قبل أن يتعذب ويقتل بأبشع الطرق فقط ليحافظ على حياتي وأبنائي، وفي النهاية قتلهم واحضرني هنا واجبرني على الزواج منه، لكن وكأن الله أراد أن يعوضني خيرًا عمن فقدت فرزقني بكِ زمرد"
ازداد غضب زمرد بسبب صوت بكاء والدتها الذي اختلط مع اصوات بكاء برلنت، وصوت شكوى والدتها وتذمرات برلنت، كل هذ تردد في أذنها قبل أن تتحرك للخارج مندفعة من الغرفة بسرعة مخيفة لا ترى أمامها سوى مكان واحد فقط ...
معمل تميم .
_____________________
داخل معمله كان يعمل على أسلحته دون اهتمام لما يحدث حوله، فقط يهتم بما بين يديه متجاهلًا تمامًا حديث دانيار له، وكأن الأدوار انقلبت في هذه اللحظات، فأصبح دانيار هو من يصنع له تميم وهمي يجيب حديثه المعلق .
" إذن أنت تعاقب من بصمتك هذا تميم ؟؟"
صمت ثواني وكأنه سمع رده :
" وهل يشمل عقابك هذا برلنت لتبتعد عنها ولا تتحدث معها ؟؟"
ولم يجب عليه تميم ليتنفس الاخير بصوت مرتفع :
" تميم بالله عليك أفق مما أنت به، هل كنت تجهل حقيقة والدها أم ماذا، فملامحك وردة فعلك تخبرني كما لو تفاجئت بحقيقة عائلتها "
زفر تميم بصوت مرتفع يلقي ما بيده ليحدث صوتًا مرتفعًا، ثم استدار صوب دانيار يواجهه بنظرات سوداوية، ثم قال بصوت خافت :
" من قال أنني غاضب من برلنت !!"
" تصرفاتك ونظراتك "
" دانيار، أنا لست غاضبًا من حقيقة أنها ابنة ذلك الرجل، أنا فقط ...أشعر بالغضب لأجلها، اليوم بعد المحاكمة وحين خرجت أبصرت انهيارها، برلنت تدعي أنها بخير امامي في حين أنها تتألم بالفعل، تضطر أن تبتسم خشية أن اغضب منها لتعاطفها مع والدها، لذلك أردت أن اجنبها كل ذلك، فقط أردت لها أن تأخذ وقتها في التفكير وكي تهدأ، أشفق عليها من نفسها "
حرك عيونه بتعب يقول :
" ليس معنى حديثي أنني اتخلى عنها في أصعب لحظاتها، بل امنحها فرصة الاختلاء بذاتها، ومن ثم أعود لها لاشاركها كل ذلك "
هز دانيار رأسه بهدوء، ثم فتح فمه للحديث، لكن قاطعه صوت اقتحام لمعمل تميم، صوت يألفه وبشدة، إذ اقتحمت هي المكان دون مقدمات تقول بغيظ وغضب :
" أنت يا عديم الاحساس، لقد ضحت الفتاة بالكثير لاجلك ولأجل هذا الحب الغبي، كيف تفعل بها هذا، سأقتلك "
اتسعت أعين تميم بقوة لا يدري ما حدث فجأة، لكنه نظر جواره لدانيار الذي ابتسم بسمة مريبة وهو ينظر لتلك الفتاة .
" عفواً ومن أنتِ ؟!"
هبطت زمرد الدرج تسحب خنجر من ثيابها لتتسع أعين تميم بصدمة متشنجًا، أن تحمل فتاة سلاح داخل القصر، بينما دانيار ابتسم بسمة واسعة يقول بصوت منخفض وهو يميل على تميم :
" اعتقد أنك ستحتاج لتكثيف صناعة الخناجر تميم، فسرقة الخناجر قد زادت في الآونة الأخيرة "
نظر له تميم بصدمة كبيرة يحاول فهم ما يرى أمامه، ما هذا النوع من النساء الذي يبصره للمرة الأولى .
" من هذه المرأة وما الذي تفعله بالأسلحة هنا ؟؟"
اقتربت منه زمرد بقوة ترفع الخنجر في وجه تميم ليتصلب وجه الاخير بشر وهو يردد :
" هل تمزحين معي ؟؟ اتركي تلك اللعبة يا صغيرة لئلا تجرحي يدك "
" صدقني سيدهشك ما تستطيع تلك الصغيرة فعله بهذه اللعبة "
ولم تكن تلك الجملة صادرة من زمرد، بل كانت صادرة من دانيار الذي يراقبها ببسمة ساخرة جعلتها تنظر له بشر وهي تلوح بالخنجر في وجهه :
" صبرًا حتى انتهى من رفيقك هذا، ثم أتفرغ لك "
تظاهر دانيار بالخوف :
" يا ويلي من المخيفة، نعم انتهي منه ولنتحدث "
كان تميم لا يعي ما يحدث :
" أنا حقًا لا أدري ما يحدث هنا، من هذه الفتاة وما علاقتها بك دانيار و....هي نفسها الفتاة التي ابصرتها تخرج من المعمل أحد الأيام ؟!"
هز دانيار وهو ما يزال ينظر لزمرد التي صرخت بجنون :
" أنتما توقفا عن هذا أنا جئت هنا لأجل هذا الـ .."
وقبل أن تتحدث بكلمة صرخ دانيار في وجهها أن تصمت بسرعة كبيرة يرى ارتجاف جسد تميم جواره لشدة غضبه :
" يا فتاة لا انصحك بالتحدث بسوء عنه في هذه اللحظة، كي لا يلقيكِ بإحدى قنابله، هذا الشخص مختل "
نظرت زمرد صوب تميم بعدم اهتمام وهي تلوح بخنجرها :
" هذا الشخص نذل، يترك الفتاة تبكي منذ الصباح وهو هنا يلعب بقنابله ؟! يا ويلي من الرجال وقذارتهم "
" هو فقط القذر وليس أنا "
قال دانيار تلك الكلمات ببساطة لترمقه هي بشر، بينما تميم سمع كلماتها تلك ليرتجف قلبه وهو ينظر أمامه شاردًا لبعض الوقت، هو منذ ثواني أخبر دانيار أنه فقط سيتركها كي تبكي وتفعل ما تريد على راحتها، لكن معرفته أنها الآن تبكي جعلته يتجاهل كل ما يحدث هنا ويركض خارج المكان بأكمله تاركًا خلفه دانيار وزمرد التي ما تزال ترفع خنجرها على الهواء أمامها.
فجأة سمعت صوتًا خلفها يقول بخبث :
" إذن هل هذا خنجرٌ مسروق ؟!"
استدارت زمرد له ببطء تقول ببسمة جانبية لم تظهر بسبب لثامها :
" ومنذ متى حملت خناجر تخصني سيدي قائد الرماة ؟!"
ابتسم لها دانيار بسمة جانبية يقول بنظرات غامضة :
" يمكنني منحك ما تشائين من الخناجر دون اللجوء لمثل تلك الأفعال المشينة آنستي "
ابتسمت له بسمة مستفزة وهي تحرك حاجبيها :
" لا شكرًا أفضل الخناجر المسروقة تعطني إحساس بالنشوة "
رفع حاجبه يشعر باليأس من هذه الفتاة، والآن سؤال غريب أضحى يراوده وبشدة، من أين تنحدر، لا يتذكر أنه سألها هذا السؤال يومًا واجابته إجابة منطقية أو يمكن تصديقها، فإما أن تكذب، أو أن تتجاهل الإجابة ...
تنفس بصوت مرتفع يقول وهو ينظر لملامحها الشرسة وعيونها الحادة ينطق اول ما جاء في رأسه:
" هل رفضك الزواج مني له علاقة بحياتك أو المكان الذي تنحدرين منه "
رامي بارع، يا الله أصاب الهدف في المنتصف، في قلبها مباشرة لتتراجع شاحبة الوجه للخلف، فتحت فمها رغبة في الصراخ في وجهه والدفاع عن نفسها ومحو تلك الفكرة الغبية الحقيقية من رأسه، ليس عليها تركه يقترب بهذا الشكل من حقيقتها، لكن أغلقت فمها مجددًا تشعر بالعجز عن الدفاع عن نفسها، بالعجز عن نفي فكرته تلك، نظرت ارضًا تشعر بالاحتقار لذاتها، هي حتى هذه اللحظة لا تتقبل هذا الجزء في نفسها وهي من عاشت معهم عمرًا طويلًا، فكيف بمن ترعرع ونضج وتجرع كرههم كؤوسًا ..
راقب دانيار تباين تعابير وجهها المنعكسة في عيونها، ليعلم أنه أصاب وترًا حساسًا ..
" لا اهتم "
رفعت عيونها له بعدم فهم ليقول بصوت منخفض :
" أنا لا اهتم بكل تلك الأمور صدقيني، لا يهمني ما حدث في ماضيك أو من أي عرق تنحدرين، لا فرق بين عربي أو أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح "
انطلقت ضحكة من فمها ساخرة أو ...موجوعة، أي تقوى وعمل صالح يقصد؟؟ يا الله هي وُلدت وسط مجموعة من الكفرة ولولا والدتها لكانت مثلهم بلا دين ولا عهد، لقد كانت تكتم إيمانها خوفًا أن تُعذب بينهم كوالدتها .
تأوهت وهي تحاول كبت دموعها، وبصعوبة فعلت، تهتف بصوت متقطع موجوع ونظرات قومها الكارهة لها ولأمها تلوح أمامها:
" أنت حقًا لا تدري ما تتحدث عنه، صدقني احيانًا بعض الأمور يفضل أن تكون غامضة، معرفتك لسبب رفضي لن يزيدك إلا وجعًا، فمن الأفضل أن تعتقد أنني امقتك ولا احب النظر لوجهك، على أن تعلم أسبابي الحقيقية ..."
ختمت حديثها تتحرك راكضة بعيدة عنه وهو توقف مكانه لا يدري هل يسعد أنها لا تمقته ؟؟ أم يرتعب لأن الأمر يفوق رفضها ومقتها خطورة ..
هل يتوقع الاسوء من ذلك ؟؟
" يا الله ما هذا الغموض الذي تسبح به تلك الفتاة ؟؟ "
أبعد خصلات شعره بقوة يحاول التنفس بشكل جيد، قبل أن يقول بصوت هامس :
" لكن ما استعصت عليّ بحار يومًا زمرد، فما بالك ببحار تعود لكِ...."
____________________
تحرك لغرفته بجسد مرهق، ويا ليته كان إرهاقًا جسديًا، لكان تقبله بصدرٍ رحب، بل وتحمله، فمن يتحمل الاوجاع مثله؟!
لكن اوجاع الروح أشد وقعًا من أوجاع الجسد ..
ألقى سالار ثيابه بقوة ارضًا، ثم تحرك صوب الفراش بتعب شديد، ولا يدري حقًا سبب شعوره ذاك الذي يشعر به، لا يعلم ما الذي يحدث حوله، هو فقط يشعر بانقباضة صدر، لم يشعر بها منذ سنوات، تحديدًا منذ أدرك أنه وحده في هذه الحياة، شعور لا يجب أن يشعره بعد تركه لها مع الملك، لا يجب أن يشعر بهذا الشعور معها هي تحديدًا، ذلك الشعور الذي حاول تخطيه منذ طفولته .....
ذلك اليوم حين كان طفلًا في السادسة من عمره يقضي إجازته مع عائلته في كوخهم الصيفي الخاص، كان يومًا كالجحيم عليه وعلى عائلته ...
اصوات الصراخات خارج الكوخ تعلو، صيحات والده ومقاومته تزداد شيئًا فشيء، وضع يده على أذنه يرتجف بين احضان والدته التي كانت تختبئ معه أسفل أحد الأسرة في ذلك الكوخ الذي لم يستطع ببنيته الضعيفة أن يمثل لهم سور حماية من هؤلاء الأشرار الذين يجهل هويتهم .
فجأة انتفض جسد الصغير واتسعت عيونه بشكل مرعب حين سمع صوت والده الحبيب وهو يطلق الشهادة، صوته وهو ينطق الشهادة هز جوانب صدره، شرع سالار يتنفس بصوت مرتفع وقد امتلئت عيونه بالدموع، والده الحبيب ومعلمه وقدوته الاولى، الآن يستشهد على بُعد أمتار قليلة منهم .
اشتد بكاء سالار وهو يرتجف لتكتم عائشة ( والدته ) صوته وهي تهتف بنبرة خفيضة :
" لا تبكي صغيري لا تبكي، سوف نكون بخير حبيبي، اسمع سالار أولست شجاعًا ؟؟ ها أنت شجاع صحيح صغيري ؟!"
وما كان من سالار ذلك الصغير إلا أن يبكي بصوت قطع قلب والدته يهتف بكامل الوجع في صدره :
" لقد قتلوا أبي، قتلوا أبي، لقد تركنا أبي، سيقتلونا كذلك"
ضمته والدته بحب شديد وهي تقبل رأسها:
" لا عزيزي أنت لن تسمح لهم، أنت قوي وشجاع، أنت اقوى رجل في هذه الحياة، و..والدك الآن بخير، ربما هو فقط يقاتلهم في هذه اللحظة وسيدخل ليخرجنا "
ارتفعت أصوات التكسير في المكان لينتفض جسدها قبله وهي تهمس بصوت منخفض تدرك أن زوجها قد فاضت روحه، فهو ما كان ليسمح لهم أن يطئوا منزلهم طالما هناك انفاس في صدره .
نظرت عائشة لسالار تهتف بصوت موجوع وفكرة أن ترى طفلها قاب قوسين أو أدنى من الضياع تقتلها، لا هي لا يمكنها أن تسمح بأذيته :
" اسمعني سالار، والدك أحبك ووالدتك كذلك تحبك عزيزي، نحن نحبك سالار، انظر، سوف أخرج لارى والدك واساعده وأنت.. أنت يا صغيري اهرب من النافذة ولا تنظر خلفك، لا تنظر خلفك حبيبي، فقط اركض دون توقف، سوف اشلغهم مع والدك وحين ننتهي منهم سنعود لاخذك حسنًا ؟!"
نظر لها سالار باكيًا، يدرك أنها الآن تودعه، والدته تودعه وهو فقد والده، أمور ليس من الصعب عليه فهمها، شعر بها تجذبه لاحضانها، أهذا ما يُسمى عناق الوداع ؟؟ هل هذا ما يفترض أن يكون سلواه طوال السنوات القادمة ؟! انفجر في بكاء مرير وهو يتشبث بأحضانها، وخاطر داخله يخبره أنه إن خرج منه لن يعود له أبدًا، بكى وبكى حتى اشتدت الاصوات لتدفعه هي يخرجان من أسفل الفراش، نظرت حولها تحمل أحد السيوف وهي تشير صوب النافذة :
" هيا ....تحرك ولاتقف حتى تبصر أحد الجنود على حدود الغابة، سأضللهم كي لا يتبعوك، هيا حبيبي اذهب للعم دارا أنت تعلم منزله صحيح ؟؟ تعلم أين تجده ؟؟ "
لكن سالار ما استطاع سوى أن يتمسك بقدم والدته يضمها بقوة باكيًا، ليمت معها أهون أن يحيا وحده، بكى وهو يرفض أن يكون ذلك العناق الاخير، وهي انهارت تدفعه بقوة بعيدًا عنها مخافة أن يمسه أحدهم بسوء .
" هيا سالار، عزيزي أرحل لا تدع أحدهم يمسك بسوء، وإن تأخرت فأنت قوي تستطيع أن تجد طريقك، عزيزي أنت ستكون اقوى شخص في هذه الممالك، هذا حلم والدك وأنت ستحققه صغيري "
مالت تقبله للمرة الأخيرة باكية، ومن بعدها دفعته صوب النافذة، ثم ركضت للخارج ترفع سيفها في وجوههم، وهو نظر حوله رافضًا أن يركض، لكنه لم يرد أن يضيع تضحية والدته، فتحرك بسرعة صوب النافذة، هو سيذهب ليحضر لهم المساعدة، وقبل أن يبلغ حدود النافذة سمع صرخات والدته التي حكمته أشلاء، معلنة نهاية حياتها على أيدي المتمردين، ولم يكد يقفز عن النافذة إلا وشعر بشيء حاد يصيب قدمه لتنطق منه صرخة مرتعبة أكثر منها موجوعة وهو يستدير يرى أحدهم يبتسم له بسمة مخيفة، بسمة حفرها عقله قبل أن يلقي نفسه عن النافذة، وبسرعة الريح كان يركض متجاهلًا وجع قدمه، وكأن الادرينالين المتدافع في جسده أصابه بالخدر ...
ركض وركض وهو يبكي ويصرخ بجنون، يصرخ بقهر وحسرة طفل رأى مقتل والديه في يومٍ واحد، تولدت داخله طاقة غضب مخيفة، صنعوا منه وحشًا لن يتوقف حتى يقضي عليهم أجمعين .
ظل يركض ويركض حتى شعر بالاعياء، وقبل أن يتساقط جسده سمع صوت حصان يتحرك صوبه، فتح عيونه بصعوبة ليبصر جسدًا يعرفه جيدًا، انتفض جسده بلهفة وهو يتحرك باكيًا صوب الحصان يصرخ بتعب وصوت بُح لشدة صرخاته :
"عم دارا ...عم دارا النجدة ..النجدة لقد قتلوهم، قتلوا والديّ يا عم، قتلوهم ."
ومن بعد هذه الكلمات لم يشعر سالار سوى بيد تتلقفه وتضمه لاحضانه بقوة، ليسمح لنفسه أخيرًا بالانهيار ...
كانت أعين سالار تتابع سيفه الذي يحركه أمام عيونه وهو يطيل النظر به، ما له يشعر بتلك المشاعر المريبة ؟؟ هل أدرك فقدان والديه للتو أم أدرك فقدان ما يساويهما مكانة ؟؟!
فجأة انتفض يلقي السيف بقوة صارخًا بصوت جنوني رافضًا كل ذلك، لا يمكن أن يحدث، لا يعقل أن يحدث ..
تنفس بصوت مرتفع يصرخ محطمًا إحدى المزهريات أمامه :
" مستحيل ..مستحيل، لن أسمح لك، لن أسمح لك، أنت... أنت فقط تحيا هذه الحياة للانتقام، لتكون سبب تخليص العالم منهم، أنت تحيا للانتقام فقط، لعنة الله على الكافرين، لعنة الله على الكافرين "
تنفس بصوت مرتفع ينتزع السيف وهو يركض خارج جناحه بقوة ارعبت جميع الجنود في الخارج، وهو لم يهتم يتحرك بسرعة مخيفة خارج القصر بأكمله ....
___________________
ويبدو أن هذه الليلة لم تكتفي بعد من أوجاع البعض، فلم ترد الرحيل إلا ومعها الكل، ها هو يقف منذ خمس دقائق على باب غرفتها بعد رحيل الأميرة لتترك له فرصة الحديث معها بهدوء .
يقف يطالع ظهرها وهي تنتفض بحزن، ابتلع ريقه يتحرك بخطوات بطيئة صوبها، وحين جلس على الفراش جوارها مد كفه لها، هزها برفق لتقول بصوت خافت باكي :
" أنا بخير كهرمان، لن أموت حزنًا في النهاية "
ابتسم لها بحنان يحرك كفه صوب خصلاتها يرتبها لها بهدوء شديد ويدلكها لها بحب وهو يميل برأسه جوار خاصتها :
" لكنني أنا من سيموت وجعًا لأجل حزنك بيرلي "
اتسعت أعين برلنت بقوة وهي تستدير في نومتها تحدق في وجهه ليبتسم لها دون كلمة واحدة، وهي حتى لم تمنح له فرصة الحديث إذ اعتدلت بسرعة كبيرة تلقي نفسها بين أحضانه باكية بصوت صاخب، ليبتسم لها بحنان وهو يربت على ظهرها دون كلمات، الأمر لم ينتهي، لكن لأجلها سيتظاهر أنه انتهى بالفعل .
" أنا آسفة تميم، تكبدت منذ معرفتك بي عناء كبير، أشعر أنني أمثل هم وثقل على صدرك، آسفة لأنني أنانية بقربي منك رغم كل ما يحدث "
ضمها هو ولم يتحدث بل تركها تفرغ ما تريد قوله، يستمع لها تبكي تارة وتشكوه تارة، تحزن تارة وتبتسم بحنين تارة أخرى، وهو ما كان منه سوى أن ضمها يقبل رأسها تارة ويربت أعلى ظهرها تارة أخرى ...
وحين فرغت هي من كل ذلك رفعت رأسها له بهدوء تقول متعجبة صمته :
" لِمَ الصمت تميم ؟؟ هل أنت غاضب مني ؟!"
" لا بيرلي لستُ كذلك حبيبتي، هيا نامي "
ها هو تميم يعود لما كان عليه في مراهقته، حين يملئه الغضب ويتملك منه اليأس لا يتحدث بكلمة، فقط يبتسم ويخبرها أن كل شيء سيكون بخير، وهي تدرك يقينًا أن ما يحدث داخل صدره في هذه اللحظة لا يمت للخير بصلة، لكن كل ما استطاعت فعله هو أن ارتكنت لصدره وضمت نفسها له تقول بصوت هامس :
" أنا لم أرد الظهور يومًا خوفًا من كل هذا، خفت أن تقترن عودتي بعودة الماضي، لقد ... أنا اخطأت وأبي كذلك، جميعنا اخطأنا في حقك، والغفران صعب، لكن تميم أنا...."
صمتت تدفن وجهها في صدره هامسة بصوت متشنج :
" لا تنبذني تميم، بالله عليك لا تفعل، حبًا بالله لا تنبذني بعيدًا عنك، عبر عن أحزانك ووجعك جواري، اقسم أنني سأتحمل كل ذلك لاجلك "
ضمها له تميم وقبل رأسها يهمس لها بحنان وخفوت :
" تهون المصائب لأجلك بيرلي، اطمئني فأنا من لن يسمح لشيء بإبعادك عني، حتى وإن كان ذلك الشيء هو رغبتك الخاصة "
ورغم أن كلماته في تلك اللحظة ظهرت لها متملكة مخيفة بعض الشيء، إلا أنها إصابتها براحة كبيرة، وهي تغمض عيونها تهمس بصوت خافت ناعس ومتعب :
" أنا أحبك.."
ابتسم لها وهو يزيد من ضمها، ثم نهض بهدوء شديد يحملها بين ذراعيه يخرج من الغرفة كي لا يتسبب في إزعاج لمن معها، تحرك بها صوب جناحه الخاص، وبمجرد أن وصل وضعها على الفراش، ثم نظر لها ثواني يمسك كفها، يقبل باطنه هامسًا :
" وأنا كذلك أحبك، رغم كل ما حدث وما سيحدث أحبك بيرلي....... "
____________________
" إذن جئتي جناحي في هذا الوقت من الليل كي تتأففي وتعترضي على قراراتي مولاتي ؟؟"
رفعت شهرزاد وجهها لايفان الذي كان يجلس أمامها بهدوء شديد يستند بمرفقيه على قدمه، وهي فقط قالت بهدوء رافضة ذلك الاحتمال الذي نتج عن أخبار الخادمات اللواتي يأتين لها بجميع الأحداث داخل القصر :
" لست اتأفف، لكن ما معنى أن ترفع الأعمال عن العاملات اللواتي ...."
قاطع إيفان حديثها يقول :
" ومنذ متى شغلت الملكة رأسها بالعاملات ؟؟"
منذ بدأت تنجذب لاحداهن، منذ بدأت تبحث عنها بعيونك في جميع الاماكن، تسير بحثًا عن تلك العاملة بين الجميع دون الوضع في الاعتبار كونك ملكًا، جميع الاخبار تصلها في غرفتها، مقابلاته وأحاديثه ونظراته وكل شيء يصل لها، والآن بعدما كان عليها التعامل مع أحد المفسدين، أضحى عليها التعامل أيضًا مع عاملة من عاملات القصر، وعلى ذكر أحد المفسدين فجأة ارتسمت بسمة واسعة على فم الملكة وهي تقول بصوت منخفض .
" إذن متى الزواج بني ؟؟"
" اخبرتك امي أنه في الحفل الوطني "
هزت رأسها تنهض عن مكانها وهي تلقي بكلماتها قبيل الرحيل، كلمات تعلم أنها ستلقى صداها عنده، تطيل النظر بعيونه في جدية كبيرة :
" إذن من الأفضل لك أن تخبر سالار أن يسرع في تدريبات الملكة، فهو لا يجهزها للحرب، تلاشى الفتن يا بني وأسرع من زواجك قبل أن تخون القلوب وتميل لغيرك "
نظر لها إيفان ثواني يحاول فهم ما تقصد، ليس الأمر أنه لا يلتقط الحديث الخفي خلف كلماتها، لكنه لا يصدق أنها تتحدث بهذا الشكل أمامه عن سالار والملكة .
وهي فقط ابتسمت له تقول :
" سالار وسيم قوي وقائد جيوش المملكة، يمتلك الرتبة الثانية في البلاد بعدك، هو حلم كل امرأة يا بني "
هز إيفان رأسه لوالدته بهدوء شديد وهو يحدق في عيونها بتحدي قوي ردًا عن اتهاماتها المبطنة في حديثها :
" نعم هو كذلك، عسى الله أن يرزقه بمن تقدره كما تفعلين أنتِ الآن امي "
اتسعت أعين والدته بصدمة وهو قال بهدوء :
" والآن اعذريني عليّ الخروج قليلًا لأمرٍ هام مولاتي، يمكنك البقاء بجناحي كيفما تريدين "
ختم حديثه يتحرك بقوة مخيفة للخارج تاركًا، والدته خلفه تحدق في ظهره بشر كبير، وهي تتنفس بصوت مرتفع، تضرب الطاولة بقدمها صارخة بجنون :
" اللعنة على ثقتك الغبية بمن حولك إيفان..."
وإيفان تحرك بسرعة كبيرة وخطواته تهز الأرض من أسفله، يرفض كل ما تقوله والدته، نعم لاحظ هو ليس بالغبي أو الاعمى، ليس كذلك ليجهل نظرات الامتنان والأمان التي تنبثق من أعين تبارك لسالار، والاهتمام الواضح بين كلمات سالار عنها وهو الذي لم يهتم في حياته بأي تاء تأنيث لا تخص والدته، لكنه ظن الأمر عاديًا، لأنه اقرب الأشخاص لها بعدما ذهب هو لاحضارها...
توقف في سيره بقوة وهو يتنفس بصوت مرتفع، والدته تبالغ، بعد كل هذه السنوات لن يخونه سالار بهذا الشكل .
مسح وجهه بقوة يحرك عيونه حوله وصوت خبيث داخله يخبره الحقيقة المرة التي لا يستطيع تجاهلها حتى إن أراد هو ( قلبك كذلك خان الملكة بميله الواضح صوب أميرة مشكى، الآن أنت آثم وهو كذلك) .
" لا ...لا ...ليس بهذا الشكل، ليس هكذا "
اسرع خطواته صوب الخارج كي يتنفس وقد شعر أن السماء بظلمتها قد استقرت أعلى صدره، تحرك صوب ساحة القتال كي يحمل سيفه، لتتحد أفكاره مع قلبه وتخون عقله وهو يتذكرها ويتذكر كل قتال مر عليهما معًا، ليلقي السيف ارضًا وكأنه حمل جمرًا لتوه، تنفس بصوت مرتفع ينظر حوله، ثم قرر أن يهرب لمكان لا يحمل ذكراها ...
ولا يدري إيفان أنها كانت تقف بعيدًا تراقب ما يحدث معه بأعين متعجبة، مصدومة من فعلته .
تحركت خلفه تراقبه باهتمام شديد، حتى ابصرته يتحرك بحصانه من الاسطبل بسرعة كبيرة وكأنه يود الطيران به ليختفي عن نظرها وهي تحاول معرفة ما حدث معه :
" ما الذي حدث له ؟؟ هو يبدو كما أن وحوشًا تطارده"
وقد كان هو كذلك، كان هناك بالفعل وحوش تطارده، وحوشها وكل ما يخصها، تحرك بحصانه يحاول إيجاد راحته بين المروج الواسعة، ليبصر من بعيد حصان يعدو في المكان بسرعة مخيفة وأعلى ظهره كان هو، ليبتسم بسمة واسعة ابعد ما تكون عن السعادة هامسًا :
" يبدو أن الليل حلّ بظلمته على الجميع .."
أسرع بحصانه صوب الحصان الذي يركض أمامه ليجاوره وهو ينظر أمامه بانتباه شديد يردد ببسمة جانبية :
" ليلة غريبة ها ؟؟"
استدار له سالار وقد كان جسده متعرق ووجه أحمر، ابتسم بسمة صغيرة يزيد من سرعته وقد وجد أخيرًا منافسًا له في هذه الليلة :
" ليست أغرب من ليلتك مولاي .."
ابتسم له إيفان، ثم نظر له ثواني يقول :
" تريد منافستي ؟؟"
نظر له بطرف عيونه يقول قبل أن يسرع بحصانه :
" لقد اعتبرتك هكذا بالفعل منذ اقتربت من حصاني "
وبعد هذه الكلمات لم يلمح إيفان سوى ظهر سالار ليزيد من سرعته بشكل مخيف ينافسه، والاحصنة تنفذ رغبة فرسانها .
سالار لا يرى أمامه سوى سواد، سواد يقترب من حياته بشكل خطير حتى كاد أن يبتلعه، وإيفان لا يدري بأي شاطئ يرسو وعقله يحدثه بشيء وقلبه ينفيه ..
ساعة متواصلة من السباق حتى توقفت الخيول فجأة أمام الاسطبل وهبط سالار بسرعة كبير، وقد خفف هذا السباق عن نفسه الكثير، لكن وقبل أن يتحرك للداخل سمع صوت إيفان يقول بصوت منخفض :
" سالار ..."
نظر له سالار بانتباه ليطيل له إيفان النظر، قبل أن يقترب منه، يضمه دون مقدمات يربت على ظهره وكأنه يخبره بصمت شديد، أنه مهما قيل ومهما حدث، فلن تتزعزع مكانته عنده .
تعجب سالار ما يحدث وحاول الحديث لكن قاطع تلك الحالة صوت ساخر في الخلف :
" يبدو أننا جئنا في وقت غير مناسب تميم ؟؟"
ابتسم تميم لدانيار الذي التقى به على بوابة القصر الداخلية بوجه مقتضب حائر :
" اعتقد أن ليلة الجميع لم تمر على خير "
نظر سالار وإيفان لهما، ليبتسم الأخير قائلًا :
" ليلة سيئة ؟؟"
هز الأثنان رأسيهما ليقول هو بجدية يفرك خصلات شعره :
" إذن ما لنا سوى العريف كي نخرج به كل هذا الضيق"
ابتسم له تميم يقول :
" هلموا إذن إلى العجوز ...."
أطلق الأربعة ضحكات مرتفعة وكأنهم نسوا أو تناسوا لثواني ما حدث معهم، الحيرة تعلو الوجوه والقلوب ترتجف لحب غريب شبه مستحيل ..
لكن كما يقال المشاكل تتلاشى إن حملها اثنان، فما بالك بأربعة، ورغم أن أحدهم لن يشارك الآخر ما يعانيه، لكن يكفيهم وجودهم ....
__________________
صباح جديد أتى يزيح ذلك الليل الغريب عن صدور الجميع .
نعم حلم آخر تحاول الفرار من بين خيوطه، يكفي، علمت، لقد أدركت والله أدركت أنها تكن لسالار مشاعر لا يجب أن تمتلكها له، أدركت أنها تلقي بنفسها بين غياهب الجب، أياليتها صرخت وتمنعت عن الرحيل معه يوم جاء لأخذها وليقتلها إن أراد .
حسنًا هي تعلم أن سالار ما كان ليقتلها البتة، لكن ظنها كان قبل أن تعلم من هو سالار حقًا، تنهدت بصوت مرتفع تشعر بأن عقلها على وشك التوقف عن العمل، الآن بدأت مرحلة المحاولة، محاولة تقبل هذه الحقيقة وتقبل أنها يومًا لن تتحقق في الواقع .
وصلت لساحة الرماية تحرك عيونها في المكان بحثًا عن دانيار، لكنها لم تجده، تنهدت بصوت مرتفع وهي تتحدث بضيق شديد :
" مفيش حد هنا ملتزم أبدًا كده ؟؟ ايه التسيب والاهمال ده ؟؟"
واخيرًا قررت أن تتحرك بعيدًا عن ساحة الرماية، هي في الأساس لم تكن في مزاج مناسب لممارستها، سوف تذهب، حيث العريف وتتحدث معه عسى أن تجد سلواها في مكتبته .
وبمجرد أن خطت لهناك حتى وصل لها صوت صراخ واضح، اصوات رجولية جعلت قلبها يدق بشكل مخيف، أنه هو، هل تتراجع، هل تهرب ؟؟
لكن تلك اليد الخائنة الغبية دفعت الباب بشكل واضح، يا الله كان عليها الرحيل قبل أن ينتبه لها أحد .
لحظة هل حدث وانتبه لها أحدهم من الأساس ؟؟
فكما ترى كان سالار منشغلًا في تهديد العريف وتدمير مكتبته، دخلت المكان بهدوء وهي تردد :
" ربنا يعينه يارب "
نظرت حولها بحثًا عن مرجان والذي وجدت جسده محشور في إحدى زوايا المكتبة، تحركت صوبه فهو الوحيد الذي تألفه هنا بعدما أضحى صديق لها .
جلست جواره تجذب أحد الكتب تخفي خلفه وجهها كما يفعل هو، نظرت صوب سالار الذي كان يبدو مشتعلًا على غير عادته منذ الصباح، فهذه الحالة لا تأتيه إلا حينما تغضبه هي، والآن من ذا الذي أخذ دورها واغضبه .
" إذن مرجان، ما الذي يحدث هنا للقائد ؟؟"
تحدث مرجان بصوت منخفض يشبه خاصتها :
" لا أدري حقًا فالقائد هجم على المكتبة صبيحة اليوم يصرخ في وجه العريف بكلمات غير مرتبة لم افهم منها سوى أنت السبب في كل ما يحدث هنا، ولا ادري حقًا ما يقصد فالعريف يتسبب في مشاكل كثيرة ولا ادري أي كارثة منهم أشعلت سالار "
هزت تبارك رأسها، ثم عادت بنظراتها صوب سالار تحاول معرفة ما يحدث معه تراقبه من خلف الكتاب بريبة .
وعند سالار كان يتحرك في ممر طويل وفي نهاية الممر كان يقف العريف وهو مستند على الجدار خلفه متسع الأعين، يبحث له عن مخرج أو مهرب من هذا الوحش الذي يقترب منه .
" سالار يا بني، هل ستؤذني ؟؟ هذا أنا العريف الذي يفضلك على رجال وقادة هذا القصر اللعين يا بني "
وسالار كان يحمل سيفيه، يتحرك بهما في الممر يحركهما على الكتب مسقطًا إياها عن الأرفف الخاصة بها، وهو ينظر له بشر يتحدث بكلام مخيف من أسفل أسنانه وقد بدأ في هذه اللحظة أمام أعين تبارك التي كانت تراقب هذا المشهد تشعر به يشبه تلك المشاهد للقتلة المتسلسلين.
ابتلعت ريقها وقد شعرت بالتذويق يندفع لاوردتها وابتسمت بسعادة غريبة على الموقف، ولا تدري لكنها في هذه اللحظة شعرت بأن سالار أكثر وسامة وجاذبية .
همست بصوت منخفض وبسمة واسعة مرتسمة أعلى فمه :
" القاتل المتسلسل يليق بك .."
نظر لها مرجان بملامح متشنجة :
" ماذا ؟!"
" لا شيء، اصمت كي اتابع ما يحدث بهدوء، تبدو الأمور مثيرًا للأهتمام، ربما افتعل العريف كارثة، ولا أعتقد انها شيء بسيط، ترى ما الكارثة التي قام بها ؟؟"
وجاءت الإجابة سريعة لها إذ وصل لها صوت سالار وهو يهتف بجنون يضرب الارفف بغضب شديد :
" أنت السبب في كل هذا ؟؟ أنت السبب أيها الـ "
توقف وقد كاد ينطق كلمة لا تلائم أخلاقه، تنفس بصوت مرتفع يضرب يقدمه المكتبة صارخًا :
" أنت من اقترح على الملك ارسالي لإحضار الملكة صحيح ؟؟ أنت من ألقيت بي في هذه الكارثة "
اتسعت أعين تبارك بصدمة تدرك في هذه اللحظة أن الكارثة التي سيقتل سالار العريف لأجلها هو أنه هو من اقترح إرساله شخضيًا، هي الكارثة ؟! حقًا ؟؟
قال العريف بصوت منخفض :
" الحق عليّ يا بني أردتك أن تثبت نفسك خارج الساحة، لتخبر الجميع أنك مقاتل في أرض المعركة وخارجها "
أطلق سالار صوتًا ساخرًا منه :
" يا الله وأنا من ظلمتك ؟؟"
فجأة انتفضت تبارك من مكانها بغضب وهي تسمع صوت سالار الذي لم يجد شيء يخرج به مشاعره السوداوية وأفكاره الخاطئة سوى بإلقاء اللوم على المتسبب في كل ذلك من البداية، كان من المفترض أن يذهب الملك أو أي شخص غيره، وهو سيكون بعيد عن كل تلك الأمور التي لا تعنيه، لكن لا، هذا العجوز تطوع وطلب ذهابه هو بالتحديد .
عند هذه الفكرة ضرب سالار المكتبة بجنون صارخًا بهدير مرتفع :
" لعنة الله على الكافرين، والله لولا أنني أخشى أن اضيع حياتي عليك لكنت قتلتك "
" كل ده عشان بعتك تجيبني ؟؟ ايه لسه فاكر أنك تعبت في الموضوع وهو خلصان من شهور يا قائد "
اغمض سالار عيونه بقوة وهو يدعو داخله ألا تكون هي من تحدثت رغم أنه يحفظ صوتها عن ظهر قلب، ابتلع ريقه يستدير لها بملامح باردة يجيبها وهو يحرك كتفه ببساطة :
" نعم، كنت نائمًا في سلام البارحة لأتذكر فجأة أنني لم اقتص لتعبي في هذه الرحلة "
كانت يتحدث بكل بساطة وهو ينظر لعيونها، وهي شهقت بصوت مرتفع ليضيف هو بشكل مستفز يود أن تنفره وتبتعد الأن وتركض للملك تخبره أنها لا تريده أن يدربها، يريد أن تستثنيه من هذه اللحظات التي يقضيها معها :
" وفوق كل هذا وحينما ظننت أنني تخلصت منك واخيرًا أوكل لي الملك مهمة تدريبك، ويا ليتك تتعلمين، أنتِ ببساطة فـ ..."
توقف ولم يكمل الكلمة، لم يستطع أن يحطمها، ليس بهذه الطريقة يريد أن يبعدها عنه دون أن يؤلمها، هو لن يحطم كل ثقتها التي بناها داخلها بكلمة لذلك تراجع وقال بصوت منخفض :
" فقط أنا لست متفرغًا بعد الآن لتدريب أحد "
نظرت له بقوة وقد أثار داخلها غضب شديد وحزن لتقترب منه باندفاع شديد جعله يتراجع بسرعة، ليس خوفًا منها، لكن خوفًا من تلامس غير مقبول قد يحدث بالخطأ .
وهي توقفت أمامه ترفع إصبعها في وجهه، نظر لذلك الاصبع بتشنج وهي لم تهتم بنظراته تهتف في وجهه :
" أنت أكتر شخص لئيم في الحياة دي "
هز رأسه وكتفه :
" أعلم ذلك "
" جيد، الاعتراف بالحق فضيلة، لكن كونك شخصًا لئيمًا لا ينفي كونك معلمًا جيدًا، لذلك هذه التلميذة التي تتذمر من مستواها ستهزمك شر هزيمة يا قائد"
نظر لها بحاجب مرفوع وسخرية لاذعة لتحرك إصبعها أمام وجهه :
" اليوم بعد صلاة المغرب، سأنتظرك في ساحة القتال لاسقيك من الهزيمة كؤوسًا "
ختمت حديثه وهي تتراجع بظهرها تشير باصبعها :
" موعدنا في الساحة يا قائد، لأريك أن التلميذ يهزم المعلم في كثير من الأحيان .."
ختمت حديثها وهي ما تزال تسير بظهرها، وهو ابتسم لها بسمة واسعة ساخرة :
" آه يا الله يا مغيث، رحمتك يا الله كيف سأنجو منكِ، يا الله أين المفر من مواجهتك "
ابتسمت له تقول :
" لن تفعل فأنا...."
وقبل أن تكمل كلمتها تعرقلت بطاولة خلفها لتسقط عليها بقوة وتسقط معها كل القوى المصطنعة التي خلقتها منذ ثواني، ابتسم لها سالار يقول :
" نعم لن أفعل ..."
نفخت تبارك بقوة وهي تشعر برغبة على البكاء، البكاء لأجل لا شيء، فقط لأنها لم تبك منذ أيام طويلة، إذن عليها الذهاب الآن وتقضية واجبها بالبكاء، نهضت تعدل من ثيابها وهي تقول بصوت منخفض :
" لكل جواد كبوة .."
نظر لها سالار ولم يتحدث، بل مال برأسه قليلًا يدقق النظر بعيونها يحاول معرفة إن كانت تبكي أم لا، حتى رفعت فجأة رأسها لينتفض هو مبعدًا عيونه عنها، وهي نظرت له بحنق تقول :
" ألقاك في الساحة يا قائد "
ختمت حديثها ترفع طرف ثوبها تتحرك بعيدًا عنه بسرعة كبيرة وهو ابتسم بسمة لا معنى لها ..
وفي الخلف حيث العريف الذي تناسى الجميع وجوده كان يراقب ما يحدث بأعين غامضة، وقد شعر أن أحلامه قد اقترب تحقيقها ....
________________________
الأمر غريب بعض الشيء، أن تُرفع عنها جميع الأعمال فجأة، ويتم تجديد مراحيض العمال، ووضع مستحضرات عناية طبيعية في مرحاضهم، أمور كانت تطالب بها دون أمل، من كان يعتقد أن الملك سينفذ كل ذلك، ها هي ومنذ وقت طويل لم تر أحد يوجه لها مهمة أو غيره ..
وكل ذلك يثبت فكرة في رأسها، لكنها تعمل جاهدة لنفي تلك الفكرة، أو تتظاهر أن ما تفكر به لم يحدث وأن غموضها لم يتلاشى حتى الآن...
تنهدت بصوت مرتفع وهي تسير في حدائق القصر قبل أن تتوقف فجأة على صوت خلفها :
" مالي أراكِ تتحركين بحرية في القصر وكأن لا عمل لديكِ يا فتاة ؟؟ هل اتوهم أم أن الخدم في هذا القصر يتبجحون هذه الأيام ويأخذون اموالًا بلا عمل ؟؟"
توقفت اقدام كهرمان عن التحرك، واستدارت ببطء صوب المتحدث لتبصر امرأة لا تعتقد أنها رأتها كثيرًا، ورغم أنها أبصرت تاجها الذي يوحي بمكانتها إلا أنها قالت مدعية الجهل وبصوت رقيق :
" عفوًا سيدتي، لكن مالي أراكِ تتدخلين في شؤوني الخاصة ؟؟ أنتِ لستِ المشرفة هنا كما أتذكر "
اتسعت أعين شهرزاد بقوة وقد تراجعت للخلف مصدومة من حديث تلك الفتاة، وملامح الصدمة لم تزد كهرمان إلا تبسمًا فها هي تحرز هدفًا في مرمى تلك العجوز المتبجحة التي وصفتها بالتبجح .
" أنتِ أيتها الغبية ألا تعلمين من أنا ؟؟"
" لا سيدتي لم أعلم من أنتِ، فلا أعتقد أنكِ جئتي للتعرف عليّ بشكل سِلمي، أنتِ فقط هجمتي عليّ بالحديث دون فرصة للتعارف "
صرخت شهرزاد في وجهها بقوة وقد اشتعلت بالغضب من تلك الحقيرة المتذاكية والتي أدركت في هذه اللحظة أنها تدور قصدًا حول ابنها بهدف إيقاعه، تمامًا كما فعلت غريمتها سابقًا مع زوجها، لا لن تسمح أن يقع ابنها في خطأ والده ويتزوج بخادمة .
" أنتِ يا فتاة وقحة، ووقاحتك تجاوزت الحدود، لذلك أنا بنفسي سأتكد أن يـ ..."
وقبل أن تكمل كلماتها أمام أعين كهرمان والتي أدركت في هذه اللحظة أنها على أعتاب عقاب رادع، فهي تدري جيدًا عقاب من يتخطى حدوده مع العائلة الملكية، لكن نفسها الأبية والتي تشربتها من أرسلان زجرتها عن خفض رأسها أو حتى أن تحيد بنظراتها عن أعين تلك الملكة، ولولا الغطاء الذي يخفي ملامحها لرأت شهرزاد نظرات قوية لا تخشى أي كلمة منها ..
وعند هذه الخاطرة لم تتردد كهرمان في رفع غطاء الوجه عنها، كي ترى تلك المرأة أنها لا تهابها ولا تخشى منها مقدار شعرة، شعور قوي بالكبرياء والاباء يندفع بين أوردتها جعلها تفعل ذلك مبتسمة بسمة مستفزة للملكة التي توقعت أن ترى أعين ممتلئة بدموعها تترجاها الرحمة ..
وقاطع تلك المعركة الحامية بين الاثنتين تدخل صوت رجولي يقول :
" هل هناك مشكلة هنا ؟؟"
استدار الاثنان صوب صوت إيفان الذي اقتحم ذلك الحديث الذي لم يكن ودي بأي شكل من الأشكال، يحدق بوالدته في نظرات غير راضية ..
" مولاتي ما الذي يحدث هنا ؟؟"
سارعت والدته تقول بوجه محمر من الغضب مشيرة صوب كهرمان :
" هذه الحقيرة تتحداني وتحدثني بوقاحة منقطعة النظير بني، لقد تحدثت معي بشكل غير لائق "
حرّك إيفان وجهه ببطء صوب كهرمان التي نظرت له بقوة تأبى أن تحيد بنظراتها، هي ليست مخطئة كي تتراجع خطوة واحدة .
وإيفان في هذه اللحظة ابتسم حين رأى نظراتها وعيونها تلك، بدا الأمر كما لو أنه ينظر في عيون أرسلان، نفس الأعين ونفس النظرات، هذه الفتاة نسخة مؤنثة من رفيقه، وهذا لا يساعد .
وكهرمان التي لم تتراجع أمام كلمات الملكة أو تحديها السافر، تراجعت أمام نظراته لها، لتتحرك عيونها بتوتر شديد جعل إيفان يتدارك ما يفعل وهو يقول بهدوء شديد :
" هل لديكِ رد على ما تقوله الملكة ؟؟ "
سارعت والدته تقول بغيظ شديد :
" اي رد هذا مولاي لقد أخبرتك انـ ..."
وقاطعها صوت إيفان الذي نظر لها باحترام وهدوء وقد علت نظراته برود شديد :
" مولاتي رجاءً، لقد سمعت منكِ ما حدث، والآن دورها للتحدث "
عاد بنظراته لكهرمان التي استغلت حديثه مع والدته لتلملم شتاتها وهي تقول بأعين تحدق في الفراغ بعيدًا عنه كي لا تضعف مجددًا :
" مولاي، والدتك هي من اقتربت مني وتحدثت معي بشكل غير لائق واصفة إياي بالتبجح لأنني لا اعمل، ولم تمنحني حتى فرصة اخبارها أن المشرفة بذاتها هي من لم توكل لي اعمال اليوم، كما أنها وصفتني بالخادمة رغم أن ذلك اللقب غير مقبول هنا حسب معرفتي، والآن حين مجيئك وصفتني بالحقيرة كذلك وايضًا الغبية "
لم تغفل كهرمان عن كلمة واحدة رافضة أن تترك حقها أو تمرر كلمة واحدة قيلت في حقها .
نظر إيفان لوالدته بحاجب مرفوع وملامح صخرية، هو تحدث معها البارحة فيما يخص هذا الأمر، والآن تأتي لتفعل هذا .
" هل لديك رد أو مبرر على ما قالت مولاتي ؟؟"
وغضب شهرزاد قادها للصراخ دون أن تهتم بأي شيء :
" تستحق وأكثر "
تنفس إيفان بصوت مرتفع يقول :
" إذن اعتقد أن الملكة تملك اعتذارًا لكِ آنستي.."
بهتت ملامح والدته برفض واضح وهي تشير صوب كهرمان التي لم تخفض رأسها تنتظر اعتذارًا بالفعل :
" مولاي ما الذي تـ .."
قاطعها إيفان بقوة واحترام :
" الاعتذار من شيم الكبار والنبلاء مولاتي، ليس ضعفًا أو شيء تخجلين منه، أنا إن أخطأت اعتذر، ثم هذه مواطنة من شعبي نالها ظلمًا وإن كان لفظيًا، وواجبي كملك هو أن أرده عنها، هذا ما اعلمه"
ختم حديثه يطيل النظر لوالدته والتي شعرت في هذه اللحظات أن من يتحدث في هذه اللحظة لم يكن ولدها، بل كان زوجها، ذلك المتجبر الذي كان يدهس الجميع أسفل أقدامه إن اقتضي الأمر، لم يكن يضع اعتبارًا لغني أو فقير، بل كان يهب لمساعدة الجميع دون تفرقة .
نعم أحسن زوجها تنشأه ابنها ..
" اعتذر منكِ، يبدو أنني تخطيت حدودي معكِ يا آنسة"
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنهم وقد اعترض كبرياؤها عما فعلت، تتنفس بعنف وقد عاد في رأسها موقف مشابه حين أجبرها زوجها عن الاعتذار لخادمة سابقًا، الزمن يدور ويعيد نفسه، وهي لن تسمح بهذا ...
وبمجرد رحيلها استدار إيفان صوب كهرمان يقول بجدية كبيرة :
" المرة السابقة رفعتي الغطاء بدعوى أن قوانيني لا تسير عليكِ خارج حدودي، والآن وأنتِ واقفة في نطاق الرجال، ستسير قوانيني عليكِ رغم أنفك "
نظرت له كهرمان بذهول تحاول معرفة ما يقصد، لتنتقض على صوته الذي هدر بقوة :
" انزلي غطاء الوجه يا آنسة "
ودون شعور منها انزلت كهرمان الغطاء بسرعة وهو منع بسمة لترتسم، والآن هز رأسه بهدوء ثم قال :
" أرجو أن تعذري والدتي ربما لم تقصد إهانتك، والآن استأذنك بالرحيل .."
وبهذه الكلمات ختم إيفان وجوده يرحل مبتعدًا عنه، لكنه لم ينس أخذ قلب كهرمان معه كذلك .
فجأة انتفضت كهرمان على صوت تبارك خلفها يقول :
" كهرمان، أين زمرد ؟؟ بحثت عنها في كل مكان، اريد أن اتدرب معها قليلًا قبل مواجهة المساء ...."
تنهدت بصوت مرتفع تهمس وهي تفرك وجهها تحدق في وجه تبارك بتذمر شديد من قتالها المستمر هي وزمرد :
" يا الله لم يكن ينقصني متعطشة للقتال ثانية، كانت تكفيني زمرد ..."
____________________
تحرك داخل المحل الخاص بعدما اتفق مع والدها منذ يوم تقريبًا أن يدعها تأتي إلى المحل للتحدث معها بعيدًا عن المنزل والجميع عامة، وعن مرجان خاصة ...
تحرك داخل المكان يبحث عنها بعيونه حتى ابصرها تجلس على مقعد جوار المكتب الخاص بوالدها تضع أمامها طاولة تحتوي العديد من الأوراق، منكبة عليها باهتمام شديد وكأن لا غد لتدرس به، أو ربما كانت تلك مجرد حجة لعقلها كي ينشغل بالتفكير عمن شغل القلب ..
تنهدت بصوت مرتفع وهي تقلب الورقة بحنق تحت أعين الذي يتابعها باهتمام شديد مبتسمًا، هذه الصغيرة والتي رآها أول مرة جاء لشراء اعشاب، وقتها أحب شغفها بالنباتات وأُعجب بثقتها في نفسها رغم عمرها الصغير ذلك الحين، الآن وبعد أن أتمت الثانية والعشرين تقريبًا ونضجت، رأى أنه آن الأوان ليأخذ هذه الزهرة صوب بستانه الخاص .
رفعت ليلا رأسها وهي تنظر صوب الخارج بعدما شعرت أن للإضاءة القادمة من الباب الزجاجي قد خفتت بعض الشيء، وحين ابصرته تراقص القلب فرحًا وتناسى العقل فكرة نسيانه وهو يبتسم ببلاهة، بسمة ترجمها على فمها ..
ليبتسم هو في المقابل لبسمتها يقول بحنان :
" مرحبًا ليلا ..."
نظرت له بأعين شاردة وكأنها تحاول الاقتناع أنه ليس طيفًا خرج من خيالاتها :
" سيدي الطبيب ؟!"
ضحك بخفة يجذب أحد المقاعد يضعها أمامها يقول بصوت خافت مبتسم :
" بل مهيار فقط ليلا، إذن كيف حالك !!"
توترت وهي تتذكر لقاءهم الأخير والذي انهته هي دون مقدمات فقط لتتلاشى لحظة الحقيقة التي لطالما تخيلتها كارثية .
ومهيار الذي أبصر كل صراعاتها تلك ابتسم يقول ببساطة :
" إذن هل أعطلك عن دراستك ؟؟"
توترت وهي تبعد الاوراق عن الطاولة الفاصلة بينهما :
" ماذا ؟؟ لا لا أنا متفرغة، فقط كنت اشغل وقتي بالدراسة و..."
توقفت عن الحديث تنظر لعيونه التي كانت تتابع كل ما تفعل باستمتاع ليهمس هو لها :
" إذن هل انتهت فترة هروبك ؟!"
" هروب ؟! أية هروب ؟؟ أنا لا اهرب منك "
" ومن قال أنني اقصد الهرب مني ؟؟ لكن بما أنكِ ذكرتي الأمر، فأخبريني سبب هروبك مني ؟؟"
توترت وهي تفرك يديها بقوة وقد بدأ جسدها يهتز بشكل مثير للريبة ليتحدث هو بهدوء :
" اهدأي ...ليلا اهدأي أنا فقط اود الحديث معكِ بهدوء بعيدًا عن المنزل واخيكِ الذي لا يتوقف عن النظر لي كما لو أنني سأحملك فوق كتفي وأهرب "
صمت ثم أضاف بمشاكسة ليخرجها من حالة التوتر تلك :
" حسنًا أنا بالفعل اريد فعل ذلك، لكن حينما تصبحين زوجتي سيحدث، ليس الآن"
نظرت له بعدم فهم :
" زوجتك !!"
" نعم، ألا تريدين أن تكوني كذلك ؟؟ "
انتبهت كامل حواسها له تقول بجدية :
" أنا ؟! هل ...هل تريديني أن أكون زوجتك ؟؟ لكنني ..."
قاطعها قبل أن تتطرق لتلك النقطة :
" ستكونين بخير، أنا اعدك ستكونين، هذه مجرد حالة مرضية يعاني منها الكثيرون ليلا، ليست وباءً أو شيء مخيف لهذه الدرجة "
نظرت في عيونه تبحث عن الحقيقة، هل فعلًا لا يمتلك أي مشكلة فيما يخص حالتها الصحية ؟؟ ابتلعت ريقها تقول ببطء :
" هو أنا لا ...لا اعاني من هذه الحالة كثيرًا فقط مرات قليلة في الاسبوع و..."
كانت تبدو كمن تستجدي بقاءه تخبره أنها ليست بهذا السوء وأنها ستحاول أن تكون افضل لأجله وهو ابتسم لها يقول بحنان شديد :
" عزيزتي لا بأس، سنتجاوز هذا سويًا أعدك"
وهي فقط ابتسمت، ابتسمت بامتنان كبير تحاول الحديث بكلمات تخبره بها أنها شاكرة له، لكن كل ما خرج منها هي كلمات خائفة :
" ستبقى ؟؟"
" لآخر العمر ليلا، إلا إن لم تحبي أنتِ بقائي "
نظرت في عيونه تهمس دون وعي بأعين ملتمعة :
" لن أفعل ما حييت "
تنهد مهيار بصوت مرتفع وقد مر الأمر بسهولة كبيرة، لم يلقى منها عنادًا أو تحديًا لا حاجة له، بل وجد بسمة أمل ترتسم على فمها وهو لم يغفل أن يردها بالمثل قائلًا يتنحنح :
" إذن بما أننا سنكمل هذا الطريق سويًا، وسنعالج كل هذا معًا، هل يمكننا السير بهذا الطريق ممسكي أيدي بعضنا البعض ؟؟"
نظرت له بعدم فهم ثم نظرت لكفها وكأنها تسأله إمكانية ذلك بيضحك هو ضحكة خافتة جذبت انتباهها يقولها صراحة :
" تزوجيني ليلا ..."
_________________
كانت خلف أحد الأشجار التي تقبع أمام الباب الخاصة بالقصر، حيث ابصرته يخرج منذ ساعات طويلة وها هي تقضي نهارها وتضيع وقتها عديم الفائدة عليه، يا الله هذا الرجل لم يتسبب في ملئ حياتها المليئة بالمشاكل والمصائب بمصائب اضافية، بل أصبح يضيع وقتها الذي لا تمتلك أكثر منه على انتظاره، أين ذهب هذا الرامي المزعج !؟
هل ذهب لتلك العروس أم ماذا ؟؟
تنهدت زمرد وهي تستند على الشجرة تحرك تلك العصا في الأرض ترسم بها دوائر وهمية وهي تردد ترنيمة كانت تسمعها من والدتها معظم الاوقات .
وفجأة انتفضت حين ابصرته يتحرك بحصانه للداخل بسرعة كبيرة، نهضت تنفض ثيابها وهي تتحرك بسرعة خلف الحصان خاصته تقول بصوت منخفض مبتسمة :
" يا ويلي فارس بالفطرة ..."
فجأة توقف الحصان الخاص ليهبط من فوقه برشاقة وهي ابتسمت بسمة واسعة، ليس معنى أنها لن تطاله يومًا أنها ستمنع نفسها عن حبه بينها وبين نفسها على الأقل .
هبط دانيار عن الحصان يتساءل بجدية :
" أين القائد سالار ؟!"
أخبره الجندي بهدوء شديد :
" رأيته منذ دقائق يتوجه صوب الساحة الخلفية الخاصة بالقتال "
أومأ له دانيار يتحرك بسرعة صوب تلك الساحة، لكن فجأة أبصر جسدها الذي كان يراقبه ليتوقف فجأة مبتسمًا وهو يقول بصوت مرتفع قاصدًا أن يصل لها :
" يرفضن وعيونهن تصرخ بالموافقة، يا الله من النساء !!"
ختم حديثه يتحرك بعيدًا صوب الساحة تاركًا زمرد خلفه متسعة الأعين وهي تشعر بالمكان يدور حولها، هل ...هل لمّح بحديثه منذ ثواني عنها ؟!
فجأة وحينما استوعبت الأمر صرخت بغضب شديد تضري الشجرة جوارها بقدمها صارخة :
" اللعنة على الرجال اجمعين، لو أنني ذهبت للقتال مع تبارك لكان خيرًا لي أيها الغبي الحقير، من تظن نفسك أنت ها ؟! "
لكن دانيار كان بالفعل رحل ليجيبها، وهذا ما زادها إلا غضبًا وقهرًا لترحل وهي تتوعد له، وها هي سلسلة طويلة من المطاردات قد بدأت مجددًا .
_________________
كانت متوقفة أمامه في الساحة وهي تحرك السيف الخاص بها في مهارة شديد، ثم اتخذت وضعية القتال تضع لثامًا أعلى فمها، وهو يراقب كل ذلك ببسمة، الملكة أعدت العدة وارتدت ثياب سوداء لتضفي لمسة القوة عليها ..
والآن تقف أمامه دون أن تهتز لها شعرة واحدة في الساحة تود مبارزته .
حرك السيف الخاص به، ثم وفي ثواني وقبل أن تستوعب حتى متى أتخذ وضعية القتال وجدت ضربة قوية تهبط صوبها لتصرخ متراجعة وهي ترفع السيف تستخدمه كدرع وهو ابتسم يتراجع هاتفًا :
" درس جديد لكِ، لا تعطي منافسك لمحة عن بدايتك، فاجئيه باستعدادك النفسي قبل الجسدي "
نظرت له بغيظ قبل أن تعتدل تنظر له لحظات معدودة، ثم في ثواني انطلقت صوبه ترفع سيفها في الهواء تهبط به في ضربات متتالية لا فرق بينهما في الوقت، وهو يصدها بكل مهارة دون أن يهتز به شعرة واحدة، وهي تضع قوتها بالكامل في تلك الضربات حتى شعرت بالغضب يتمكن منها لتطلق صيحة عالية تبعها ضربة غادرة في مكان لا يتوقعه سالار وبشكل غادر منها، وهذا ما جعله يرمقها بصدمة متجاهلًا وقع الضربة عليها .
ابتسمت هي تهتف في نفسها :
" صدقت زمرد أن احيانًا تضطرك المعركة للتعامل بقذارة "
زمرد التي كانت تعطيها من الضربات الغادرة ما يحطم جسدها، لتعترض هي أنها لا تلعب بنظافة وهي لا تفضل هذه الطريقة، ويكون رد زمرد المعروف ( احيانًا تضطرك المعركة للتعامل بقذارة )
رمقها سالار بعدم فهم وهو يتحرك صوبها بغيظ وغضب :
" أنتِ ما هذه الضربات ؟!"
" ماذا ؟؟"
" من أين تعلمتي هذه الطريقة في القتال، هذا ليس جيدًا"
هزت كتفها دون اهتمام :
" لكنها اصابتك، إذن هي جيدة "
حدق في عيونها وهي نظرت له تتنفس بشكل ملحوظ وهو يطيل النظر به، وكأن معركة السيوف انتقلت لتكون معركة أعين، لتغرق تبارك دون وعي في النظر له، واخيرًا هذا المشهد والذي كانت تحياه في أحلامها، ها هي تبصره بعيون الواقع ..
لكن أحلامها لم تكن تتضمن مخربين كالواقع، إذ انتفضت بقوة على انتفاضة جسد سالار بعدما سمع صوت دانيار الذي قال بجدية :
" سيدي ..."
نظر له سالار بتسائل ليقترب منه دانيار يهمس له بعض الكلمات في أذنه غيرت من ملامح سالار بشكل ملحوظ، مما جعل الفضول يدب داخل صدرها، ابتلعت ريقها تحاول معرفة ما يحدث، لكن فجأة استدار لها سالار لتبعد عيونها عنهم بسرعة وهو ابتسم يقول بصوت خافت ..
" حسنًا دانيار، أذهب أنت وأنا سأتولى الأمر .."
نظر لتبارك التي كانت تدعي انها تلعب بالسيف وتصفر في حركة تقليدية منها لتتظاهر بعدم الاهتمام .
وسالار الذي تلقى لتوه خبرًا سيئًا ما كان ليهتم له لولا أنه تضمن اسم ( أرسلان) وحالته التي ساءت والتي تحتاج لتدخل طبيب، والآن مهيار ليس متواجدًا في القصر ليأخذه معه .
نظر صوب تبارك يهتف بنبرة غريبة :
" إذن أنتِ تعملين مساعدة للطبيب ؟؟"
نظرت له باهتمام تقول بادعاء لعدم الإنتباه :
" أنا ؟؟ بتكلمني أنا ؟؟"
" مولاتي رجاءً توقفي عن التعامل بهذا الشكل فهو لا يليق بك صدقيني "
نفخت تبارك تقول بغيظ :
" أيوة اتفضل ايه هتتريق عليا تاني ؟!"
" لا بل سأطلب مساعدتك "
نظرت له باهتمام وهي تقول بعدم فهم :
" تطلب مساعدتي ؟!"
هز رأسه يقول بجدية :
" إلى أي درجة من الجروح تستطيعين التعامل ؟؟"
ونظرات الجهل لم تُمحى عن وجهها، ليكمل هو بنظرات غامضة بعدما اقترب منها خطوات جعلتها تطيل النظر به ودون وعي نظرت في عيونه ليهمس هو بصوت خافت :
" هل يمكنك أن تكوني كاتمة لاسراري ...مولاتي ؟؟؟؟"
___________________________
حرب النفس اسود وأشد قوة من حرب الجسد، ومن يخرج منها رابحًا فقد كُتب له انتصارًا كبيرًا آخر ...
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم.
صلوا على نبي الرحمة ...
قراءة ممتعة .
__________________
كان يجلس بهدوء شديد وهو يراها تتحرك أمامه بغضب شديد، حركات أثارت استياء بومته العزيزة، مدّ كفه يربت على ريشها بحنان وكأنه يصبرها على احتمال الوجود غير المرغوب فيه من هذه المرأة التي اقتحمت مكتبته بعد سنوات من خروجها آخر مرة منها، وطردت مرجان للأنفراد به، شيء لا يعجبه أبدًا، حسنًا أي شيء متعلق بهذه المرأة لا يمكن أن ينال إعجابه يومًا .
" أنت لا تخفي شيئًا أيها العريف صحيح ؟!"
رفع عيونه لها بكل هدوء :
" وإن أخفيت شيئًا، ما الضرر في ذلك مولاتي ؟؟ الكل يمتلك أسرارًا صحيح ؟؟ وأنتِ كذلك تفعلين "
توقفت عن الحركة حين شعرت بنبرة سوداء في صوته، رمقته بترقب ليبتسم هو لها يقول :
" أخبريني ما الذي أثار غضب الملكة الأم من الصباح لتشرفني بزيارة مقري الخاص؟؟"
وكأن شهرزاد كانت تنتظر تلك الكلمة إذ تحركت فورًا صوب الطاولة التي يجلس خلفها تضربها بكفيها في غضب :
" انت من أخبرت الملك أن الملكة الخاصة به من عالم المفسدين صحيح ؟؟ "
" نعم، هذا ما حدث "
اشتدت أعين شهرزاد تهمس بجنون :
" إذن ما لي أرى الماضي يعيد نفسه أيها العريف ؟! ما سر انجذاب ابني لتلك الخادمة الحقيرة ؟؟"
نظر لها العريف مدعيًا التعجب :
" خادمة ؟؟"
ضربت بقوة أكبر على الطاولة وهي تصرخ :
" أيها العريف لا تدعي غباءً أنت ابعد ما يكون عنه، أنا أدري أن احلامك لا تخطأ ونظراتك الثاقبة تلك لا يعقل أنها أهملت شيئًا كهذا، لقد أخبرته أن زوجته من عالم المفسدين، إذن ما تفسير ما يحدث الآن في هذا القصر ؟؟"
ضاقت أعين العريف بنظرات غريبة :
" صدقيني جنونك وصراخك هذا لن يغير أيًا كان ما كتبه الله لهم، لذا اهدأي وشاهدي بهدوء، ودعي الأقدار تُرسم كما خُطط لها مولاتي "
شعرت شهرزاد أنها على حافة الجنون :
" أنت فقط تحب ما ترى، تحب أن ترى ولدي يتحرك ناحية الهاوية كما حدث سابقًا، فقط لتصبح الساحة فارغة لمدللك الأحب وتنهار المملكة ويسلبها هو من ولدي ؟!"
اشتدت أعين العريف يهمس بصوت سوداوي جعل جسد شهرزاد يرتجف خوفًا وقد تراجعت خطوات صغيرة :
" لا شأن لكِ به مولاتي، فقد اتفقنا قديمًا أن تدعي ولدي خارج كل هذه التراهات التي تخصك وتخص مملكتك، اتفقنا أن يكون خارج كل هذا، فلا تجبريني بإقحامك له على إخراج ما اكتم في صدري، لا تجبريني على تدمير هذا القصر أعلى رؤوس قاطنيه يا امرأة، وارحلي من مكتبتي في هذه اللحظـــــــة "
انتفض جسد شهرزاد بقوة عندما قال هذه الكلمات، إذ ختم جملته بصراخ انتفضت على أثره مرتعبة، انتفض وهي تحاول التنفس وقد شحب وجهها حين تلقت تهديدًا صريحًا من العريف بفضح ما عكفت سنوات على حفظه، ابتلعت ريقها تقول بتردد :
" أنت تعهدت لي بعدم الحديث عما ..."
وكان الرد منه بملامح غاضبة مخيفة :
"كان هذا قبل أن تقتربي بقذارتك من ولدي، لقد أخبرتك أنني سأبعده عنكِ وعن ولدك، فلا تأتي الآن وتقحميه في حديثك"
صمت يشاهد شحوب وجهها ليبتسم لها وقد قرر لمرته الاولى أن يفيض بما يضمر، كانت المرة الأولى التي يتحدث بما يعلم، خالف اعتقداته أن الأقدار لا يجب أن تُكشف، وليس بالضرورة أن تكون رؤياه واقعًا فعلم الغيب بيد الله فقط، لكن إن كان كشف ما بجعبته سيتسبب في جنون تلك المرأة فليكن :
" ولكي أريح قلبك مولاتي، فنعم زوجة ولدك ليست هي تبارك، بل هي تلك الخادمة التي تتحدثين عنها، وسواء قبلتي بذلك أو رفضتي فسيحدث ما كتب الله لهما، والآن ارحلي عن مكتبتي ولا تخطيها يومًا "
اتسعت أعين شهرزاد وهي تردد بجنون :
" لكن أنت قلت أنها من الجانب الآخر، بل وارسلت قائد الجيوش خصيصًا ليحضرها، كيف ؟؟؟ كيف ؟؟ إذن ما الذي جعلك تجلب تلك الفتاة هنا إن لم تكن ...."
صمتت لا تعي ما يحدث، هذا الرجل أمامها يقول الكلمة وعكسها، ربما قال ما قاله فقط ليثير غضبها، فهو الوحيد الذي يعلم ماضيها الاسود مع الخادمات، هو فقط يود اغضابها، لقد ...
صمتت ثم نظرت له بأعين زائغة :
" أنت فقط تحاول أن تستفزني ؟!"
" وما الفائدة التي ستعود عليّ حين استفزك مولاتي ؟؟ ما الفائدة التي ستعود عليّ حين أفعل، أنتِ تعلمين أنني لا اهتم في هذه الحياة بأي إنسان، لا بكِ أو بغيرك، لا اهتم بأي انسان عدا ولدي والذي أبعدته عنكِ وعن القصر وشرورك، وحفظت الجزء الخاص بي من العهد، فأحفظي أنتِ الجزء الآخر ولا تقحميه في أي شيء، هو من الأساس لا يعلم عنكِ ولا عن القصر أو الملك، هو يحيا بعيدًا عن كل هذه الأمور فدعيه وشأنه، واهتمي بولدك .."
هزت رأسها وهي تقول بصوت منخفض :
" أنا أعلم ..أعلم أنك أبعدته و...فقط لا أصدق أن الملك سيتزوج خادمة، هل هذه لعنة على أبناء سفيد ؟! أن يحبوا خادمات ويتزوجن بهن ؟! "
" وهل كنتِ خادمة مولاتي ؟! "
نظرت له بصدمة رافضة :
" أي خادمة يا هذا، بل أنا أميرة ابنة ملك "
هز رأسه بهدوء يجيبها مبتسمًا :
" إذن هذه اللعنة في رأسك فقط، والآن غادري مكتبتي "
نظرت له بحنق شديد وهي ترى نظراته قد بدأت تعود لبرودها المعتاد واستفزازها المعروف، ابتسم يشير صوب الباب في دعوة منه لترحل هي، وكذلك فعلت البومة التي رفعت جناحها تشير صوب الباب ..
نظرت لها شهرزاد بغضب ليبتسم العريف وهو يربت على بومته يقول ببسمة :
" لا تنظري لها بهذا الشكل مولاتي فصغيرتي تخشى الساحرات "
اشتعلت نظرات شهرزاد بقوة وهي تصرخ خارجة من المكان بأكمله تحت ضحكات العريف والذي بمجرد خروجها تنهد براحة يقول متوعدًا :
" الويل لكم مني إن مس أحدكم ولدي يا ملاعين ..."
________________________
كانت تقف في العيادة الخاصة به وهي تنظر حولها تتفحص الجرات وكل ما تقع يدها عليه، علها تجد ما قد يساعدها :
" إذن يا قائد أنت لم تخبرني أي نوع من المرضى سأعالج ؟؟ لديه جروح خفيفة، أم حمى قاسية أم...."
قاطع حديثها صوت سالار الذي كان يستند على إطار الباب ببرود شديد :
" ثلاث طعنات واحدة بالصدارة وأخرى بالخصر وثالثة بمنتصف البطن، وقطع عميق بعض الشيء بالذراع بالإضافة لجروح أخرى سطحية "
توقفت يد تبارك عما تفعل واستدارت له ببطء تقول :
" نعم ؟!"
" ماذا ؟؟"
" مش فاهمة اللي قولته، أنت عايزني اعالج المرحوم قبل دفنه يعني ؟؟"
وكان دوره هو ليتعجب من تلك الكلمة التي أطلقتها على أرسلان، أي " مرحوم " تقصد هي ؟؟ هل تسخر من رفيقه ؟؟
" ماذا ؟! أي مرحوم هذا ؟؟ ودفن من ؟؟"
" المرحوم اللي متقطع طرنشات ده، اصل مش معقول تكون دي مواصفات مريض حي أبدًا "
رفع حاجبه يقول بصوت ساخر :
" ألم ترى بأعينك جرحى ومصابي الحروب ؟! "
" نعم رأيت، لكن ليس بهذا الشكل، لا تقنعني أن هناك انسان قد يتلقى كل هذا العدد من الطعنات ويحيا بعدها كأن شيئًا لم يكن ؟؟"
نظر لها ثواني قبل أن يقول ببسمة صغيرة :
" أنا عشت بعد تعرضي لسبع طعنات منهم اثنتين بالصدر "
اتسعت أعين تبارك تمر بها على جسده بقلق ملحوظ وكأنها تبحث عن آثار تلك الطعنات ليتعجب هو نظراتها يقول بجدية :
" كان هذا منذ سنوات في إحدى الحروب "
ارتجف جسد تبارك وهي تستدير مبتعدة عن عيونه وهي تقول بصوت منخفض تحضر بعض الأعشاب التي قد تحتاجها في معالجة ذلك الجريح :
" الحمدلله أنك نجوت يا قائد "
" الحمدلله، هل انتهيتي ؟!"
هزت رأسها لتتحرك صوبه تحمل حقيبة الظهر الخاصة به والتي ملئتها بما قد تحتاجه، ليحملها هو عنها، يشير بيده لها أن تخرج قبله وتسبقه، وهي نظرت له بتعجب وبسمة جانبية غريبة :
" حقًا هل تتصرف الان برقي معي ؟؟ أنت تتغير يا قائد "
رفع حاجبه وهو يتحرك خلفها يجيب بهدوء شديد :
" لا اعلم، لكن ربما هذا ناتج عن كثرة تعاملي مع النساء "
توقفت فجأة تستدير صوبه تردد بانتباه :
" نساء ؟!"
" معك "
رفرفت برموشها بتعجب قبل أن تبتسم بسعادة أنه اختصر كل النساء فيها، اختصر كامل تعامله مع النساء عليها، وهذا نوعًا ما يرضيها، بل يرضيها كامل الرضا ..
ربما ليس الأمر كما تفكر هي، لكن هذا الشعور يسعدها وهي ستفكر به على النحو الذي يسعدها .
وهو سار جوارها على بعد مناسب لا يعي لكل تلك الأفكار التي نتجت عن كلمة واحدة منه، في الحقيقة هو قال ما يشعر به، فهو لم يتعامل مع النساء سوى معها هي، لذا هو محق الآن...
تحركت معه على الحصان الخاص بها وهي تخفي وجهها خلف لثامها، تسير جوار القائد، وبمجرد خروجهم من القصر حتى تنفست تبارك الصعداء تقول بصوت منخفض :
" الحمدلله خرجنا، هو احنا كنا مستخبيين ليه يا قائد ؟! هو حد مطاردك ؟؟"
نظر لها بتعجب يرى وضعية جلوسها المتحفزة أعلى الحصان الخاص بها، ثم هز كتفه يقول بجدية :
" نحن لا نتخفى، بل أنتِ من تفعلين "
" هو مش أنت قولتلي الموضوع سر والمفروض محدش يعرف عنه ؟؟"
هز رأسه ببطء يقول :
" نعم، وهذا لا يعني بأن نخرج كاللصوص من القصر، نحن لا نرتكب شيئًا خاطئًا كي نخشى احدًا، نحن اصحاب حق، وصاحب الحق ما كان له أن يسير مرتابًا "
نظرت له بعدم فهم ليتنهد هو مختصرًا كل حديثه السابق :
" نحن لا نفعل شيئًا خاطئًا، وإن كُشف لن تحدث كارثة، لكن فقط اود أن يكون الامر سرًا حتى اتدبر اموري "
هزت رأسها متفهمة، ثم قالت بهدوء شديد :
" فهمتك ..."
صمتت ثواني، ثم رأت نظراته الباردة الهادئة والغريبة، لا تعلم إن كانت محقة في شعورها أم لا، لكن ملامحه منذ الصباح منقبضة بشكل مريب، ليس وكأن القائد شخص بشوش الوجه مبتسم طوال الوقت، لكن هذه الانقباضة كانت غريبة ..
فجأة وأثناء شرودها بملامحه استدار لها يقول بجدية :
" بمجرد وصولنا لحدود تلك الغابة سنسرع من سيرنا"
توترت تبارك بقوة حين استدار لها بهذا الشكل المفاجئ وحاولت تلاشي كل ذلك وهي تقول بصوت منخفض :
" حسنًا "
تعجب صمتها ونظراتها المتوترة، لكنه لم يهتم البتة وهو يشرد أمامه، في كل مرة يخطو لتلك الغابة يسمع اصوات صراخ والدته مصحوبًا بجسدها المضجر في الدماء، وصيحات والده المصحوبة بجسده الملئ بالطعنات، ومشهده هو راكضًا بين أشجارها لاهثًا باكيًا يستجدي مساعدة ..
تنهد بصوت مرتفع وحين وطأ الغابة قال كلمة واحدة :
" ارني مهارة تميم في تعليمك للخيل"
وفي ثواني انطلق فرسه بشكل مرعب جعل فم تبارك يتسع وهي تنظر حولها تبحث عن أثره، ثم فجأة سمعت صوته الذي جاء من الامام يقول بصوت مرتفع :
" سابقيني مولاتي ...."
دون شعور ارتسمت بسمة جانبية على فم تبارك قبل أن تنغز بقدمها معدة الحصان تطلق صيحة مرتفعة تحثه بها على الركض، وفي لحظات قليلة كان حصانها ينطلق مسابقًا الريح جاعلًا من حجابها ولثامها يتطايرا للخلف بقوة وهناك بسمة واضحة في عيونها وهي تنظر للقائد تقول بصوت مرتفع :
" إن تفوقت عليّ في ساحة المبارزة، فلا مجال لك لفعل ذلك في الفروسية سيدي القائد ..."
ومن بعد هذه الكلمات لم يبصر سالار سوى ظهر فرسها وظهرها وهي تسبقه بشكل جعله يفتح فمه منبهرًا، فمن تلك المرة التي كادت تقتل الخيل بها خنقًا لم يرها تجلس فوق ظهر واحدٍ آخر، وهذا ما يراه أمامه في هذه اللحظات كان ...رائعًا .
وهذا المشهد وهذه الذكرى جعلت مشهدًا آخر يقفز أمام عيونه، يزيد من سرعة حصانه وهو يرى أمامه حصان آخر يسابقه، لكن في هذه اللحظة لم يكن حصان تبارك هو ما يسبقه، بل كان حصانها ...حصان والده .
اتسعت بسمة سالار دون وعي وهو يراه يستدير له يبتسم ويشير أن يسرع، كان يبطئ عمدًا من فرسه خوفًا أن يسقط هو عن خاصته، يشير له بتشجيع :
" هيا صغيري احسنت، أنت الفارس الاروع، يومًا ما سالار ستسبقني يا عزيزي .."
" يا قائد ...يا قائد ...سالار "
انتفض سالار على تلك الكلمة ينظر حوله دون وعي، وكأن فجوة زمنية ابتلعته، ثم لفظته حين نطقت هي اسمه و....مهلًا نطقت اسمه ؟؟
انتفض جسد سالار بشكل غير محسوس ينظر لها بترقب لا يصدق أنها للتو نطقت اسمه مجردًا، نظر لعيونها بدهشة شديدة ..
وهي لم تستوعب بعد ما فعلت، هي فقط خافت حين رأت ملامحه الشاحبة أعلى خيله، وفجأة توقف دون سابق إنذار ليثير فزعها وهي تعود صوبه تناديه بلهفة .
نظر لها سالار يردد بصوت منخفض :
" أنا ...بخير، لنكمل الطريق "
وبالفعل فعل ما قال متجاهلًا ضربات قلبه التي تُنبأ بثورات داخله، ثورات ظن بكل غباء أنه وضع حدًا لها البارحة ..
أفاق من أفكاره على صوت جواره يقول بجدية :
" أنت بتعمل كل ده عشان متعترفش اني فوزت عليك صح ؟!"
نظر لها سالار بعدم فهم لتقول تبارك وهي ترفع رأسها بتكبر :
" أنظر لنفسك "
نظر سالار لنفسه بالفعل لتكمل هي جملتها المعلقة :
" أنت قائد ذو رتبة وحاجة كبيرة ماشاء الله عليك، مش مكسوف من نفسك تعمل الحركات دي ؟! كل ده عشان سبقتك ؟؟ يا اخي اعترف مرة بالهزيمة "
لم يفهم سالار ما الذي تتحدث بشأنه ليقول بحنق :
" هل أنتِ بلهاء ؟! ما الذي تتحدثين عنه ؟؟ وأي فوز هذا الذي تدعينه ؟؟"
نظرت له بغضب وقبل أن تتحدث قاطعها بغيظ :
" تعلنين انتصارك قبل حتى أن تنتهي المنافسة ؟؟"
التوت ملامح تبارك بغيظ شديد وهي تتحرك بالحصان تسبقه غاضبة من تصرفاته دون رد من جهتها، ليس لأنها تود الترفع عن الرد عليه، بل لأنها بالفعل لا تمتلك واحدًا ..
وهو نظر لظهرها بتعجب أن رحلت دون كلمة وهذا ما لم تكن تفعله سابقًا، فحتى إن لم تكن تمتلك ردًا كانت تخرج له بأي كلمة غبية .
تحرك خلفها يقول بصوت خافت :
" أرى أنكِ في طريقك للنضج مولاتي، وهذا شيء يسعدني الحقيقة .."
نظرت له من خلف كتفها تقول بصوت منخفض :
" عقبالك.."
ابتسم بعدم تصديق وهو يهتف بحنق شديد :
" يا الله ماذا كان ليحدث لو أنني أرسلت لإحضار مهيار من أسفل الأرض السابعة بدل أن اعلق في هذه الرحلة مع هذه المرأة "
أجابته تبارك بكل بساطة وهي تسبقه بخيلها مبتسمة صغيرة :
" كنت ستفقد صديقك الذي تخفيه عن الملك، والذي أشك أنه هارب من العدالة، أو ربما مجرم خطير تأويه أنت، أو الأسوء عدو لدود تحتفظ به وتعذبه ليعترف عن كل ما تريده وحين شعرت أنه سيموت سارعت لتعالجه، فأنت لم تنتهي منه بعد "
احتمالات كثيرة كانت تتوافد لعقلها بقوة وهي تبحث عن علاقة هذا المريض بالقائد، احتمالات كبيرة لا تدري أيهما أصح، لكن ما لم تفكر به هو أنه لم يكن أيًا مما خمنت، بل صدمها سالار وهو يقول بكل هدوء :
" بل هو صديق عزيز عليّ، حياته تعنيني وبشدة، لهذا احضرتك لمساعدته .."
________________
" إذن والدتك تنحدر من أية مملكة !!"
نظرت لها زمرد وهي تضيق عيونها بشك، قبل أن تقترب فجأة من برلنت التي تراجعت للخلف تقول بريبة :
" ماذا ؟!"
" أنتِ يا فتاة منذ استيقظتي ولم تتوقفي عن طرح اسئلة غريبة، هل تحاولين الايقاع بي ؟؟ "
سخرت منها برلنت تدفعها بعيدًا عنها وهي تستقر على أحد المقاعد في الحديقة تضع يدها على خدها بتعب شديد :
" أنا فقط لدي الكثير من الفضول الذي يدور حولك، وكنت طوال الوقت أخشى سؤالك "
" والآن لا تفعلين ؟! "
تجاهلتها برلنت وهي تحرك يديها أمام وجهها :
" لا أفعل فأنا الآن أضحيت زوجة صانع الأسلحة الملكي، أي أنني امتلك حصانة ضد أي شخص تسول له نفسه لمسي "
رمقتها زمرد بشكل مخيف لتتراجع برلنت بشكل ملحوظة تتمسك بذراع كهرمان التي كانت شاردة في هذه اللحظة لتنتفض على مسكتها وهي تسمع صوت برلنت تقول :
" يااا ما بكِ يا فتاة، كل هذا لأنني سألتك عن أصول والدتك، اعتقد أنكِ أخبرتني حقيقة أن والدك حقير هو من أخذها بالقوة وهي لا حول لها ولا قوة "
رمتها زمرد بشر لتشعر برلنت بأنها تمادت لتقول :
" آسفة لم اقصد قول ذلك على والدك، لكن أنتِ تعلمين أن والدك كـ ..."
" لعنة الله على ذلك القذر سليل الشياطين، عسى أن يحترق بالجحيم، أنا لا أحب أن تقولي على امي لا حول لها ولا قوة، أمي كانت امرأة قوية لم تنحني له بسهولة "
نظرت لها برلنت ثواني لا تفهم شيئًا، لكنها هزت رأسها تقول :
" أوه نعم، رحمة الله عليها "
صمتت زمرد ثواني قبل أن تقول بشرود :
" لم تتحدث أمي كثيرًا عن ماضيها، لم تكن تحب تذكر شيئًا، لكنها أخبرتني ذات مرة أنها كانت إحدى نساء مملكة سفيد، وقد قُتلت عائلتها أمام عيونها، ثم سُحبت دون فرصة حتى لتوديعهم الوداع الأخير "
صمتت تحاول التنفس بصعوبة بسبب ثقل تلك الذكريات، لتشعر بكف برلنت تربت على كتفها بحنان شديد :
" لا بأس حبيبتي، والدتك الآن في الجنة، فقد أضحت شهيدة "
هزت زمرد رأسها بتفهم، وهي تنظر صوب كهرمان الشاردة دون ردة فعل على ما يحدث حولها :
" ما بكِ كهرمان ؟! ما هذا الصمت الذي تغرقين منذ الصباح ؟!"
نظرت لها زمرد وهي تقول بصوت منخفض :
" لا شيء ..فقط ...هو "
صمتت قبل تقول بصوت خافت موجوع :
" لقد أقترب العيد الوطني ولم .... أنا فقط أشعر بالوحدة دون أمي وأخي، لقد اعتدت في مثل هذا الوقت أن اتجهز معهم لاستقبال هذا اليوم و..."
تنفست بصوت مرتفع تحاول الخروج من هذه الحالة وهي تقول بصوت حاولت أن تظهره عاديًا :
" فقط اتمنى أن تكون بلادي سالمة، لا اطلب لهم عيدًا وطنيًا مليئًا بالبهجة كباقي الممالك، بل فقط اطلب لهم حياة هانئة كأي إنسان، أشعر بالعجز، أشعر بالحقارة تسري في دمائي، أنا هنا آمنة وهم هناك معذبون "
ختمت حديثه تدفن وجهها بين كفيها، بينما نظرت لها زمرد وهي لا تعلم ما الذي يجب قوله، فالمتسبب بهذه الحالة ليس سوى شعبها هي، لا يمكنها إلا أن تشعر بالحقارة والخسة كلما رأت معاناة أحدهم بسببهم .
ابتلعت ريقها بصعوبة تأبى قول ما تشعر به، فهي وداخلها تدرك أن شعبها لن يفوتوا مناسبة كتلك دون أن يتسببوا في قلبها لدمار، فهم لا يعشقون شيء بقدر إحالة سعادة البعض لتعاسة خالصة، هي واثقة أشد الثقة أن قومها سينتظرون ذلك اليوم بفارغ الصبر لتحويله إلى جحيم، أوليس ذلك ما كان يحدث كلما قررت والدتها الاحتفال بعيدهم ؟؟
كيف تجاهلت هذا الأمر، يا الله كيف نست هذه الحقيقة ؟؟ أقترب العيد الوطني للمالك الأربعة، واقترب الوقت المفضل لفرض سوادهم على من يحيط بهم .
وحديث ذلك اللعين شقيقها في أحد الأيام تردد في أذنها، يوم كانت في القبيلة تجلس حول النيران تراقبه وهو يقول بغضب وسكر شديد :
" يحتفلون بالاعياد ويفرحون ونحن هنا نُعذب ؟؟ اقسم فقط لو وضعت يدي عليهم سأحيل أعيادهم لمجازر، سوف اجعلها ذكرى سوداء لا ينسونها لأجيال عديدة، سيكون كل يوم يقربهم بعيدهم ما هو إلا عد تنازلي لهلاكهم "
فزعت زمرد وانتفضت تقول بصوت خافت :
" لقد ...سوف اذهب لاحضار شيء ما، لقد نسيت حنجري في الغرفة سأذهب لاحضاره واعود بسرعة "
نظرت لها برلنت بعدم فهم :
" الآن ؟؟ ما الذي ستفعلينه به !!"
" لا شيء، فقط لا احب السير دون خنجري، أي شيء كي يشعرني بالراحة، هذا شيء فطري "
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنهم بسرعة كبيرة وهي تشعر بقلبها يؤلمها وقد عادت لها ذكريات تأبى أن تمر على خاطرها ولو بالخطأ، نزعت اللثام الخاص بها بعصبية شديدة تمحي دموعها رافضة أن تدعها تسقط ..
تحركت بأقدام سريعة صوب المكان الذي تدرك أنه ربما يكون به، وحين وصلت له كان يقف هناك بين العديد من الرجال بملامح جادة وهو يتحدث مع الجميع :
" لا اعتقد أن الأمر سيسير بهذه الطريقة، نحن لا نصيب اهداف ثابتة، في الحرب لن يقف عدوك منتظرًا أن تتكرم عليه وتصيبه بسهمك صحيح ؟؟ لذا تدربوا على أهداف متحركة "
نظر لأحدهم يشير صوب لوح خشبي :
" أنت ارتدي درعك وأحمل هذا الهدف وتحرك في المكان، الباقيون أبدلوا السهام بأخرى خاصة بالتدريب لا تتدربوا بسهام حقيقية، و...."
فجأة توقف عن الحديث حين وجد جسد يعلمه جيدًا يقتحم المكان وهو يقول بلهفة :
" أود التحدث معك في أمر هام يا قائد ..."
صُدم دانيار مما يحدث ونظر حوله لرجاله الذي حدقوا بهذه الفتاة في تعجب شديد ليرفع هو حاجبه يقول بصرامة :
" كلٌ لما كان يفعل ..."
أبعد الجميع أعينهم عنها وهو تحرك صوبها يقول بجدية :
" أكملوا كما اخبرتكم حتى اعود .."
تحرك لأحد الأركان بعيدًا عنهم وهو ما يزال يرمق زمرد بتعجب، فكيف تقتحم تدريبًا خاصًا برجاله وتتحدث بهذه البساطة أمام الرجال معه مثيرًا العديد من الشبهات حولهما، أمر كان مرفوضًا لولا أن أبصر شحوبها ؟؟
وقبل أن يتحدث بكلمة واحدة نظرت له تقول بجدية ولهفة كبيرة :
" بافل ..."
نظر لها دانيار بعدم فهم لتتحرك هي تقترب منه بلهفة غير مقصودة واعين تلتمع بالوجع والخوف :
" هو سيحيل عيدهم لمجازر، سوف يقيم أكبر مزبحة عرفها التاريخ بشعب مشكى، ستكون أشبه بإبادة عرقية..."
____________________
ابتسم بسمة واسعة وهو يميل على الطاولة بينهما يقول بجدية كبيرة وعيونه تتحرك على المحيطين به :
" نعم لقد تم الانتهاء بالكامل من ترتيبات العيد الوطني، وامي تولت الأمر بنفسها "
ابتسم العريف بسمة جانبية يهمس بصوت منخفض :
" نعم الملكة الأم، الراعي الرسمي للترفيه في المملكة "
نظر له مرجان بتعجب وهو يهمس بصوت منخفض :
" ماذا ؟؟"
" لا أتحدث معك مرجان "
هز مرجان رأسه، ثم انتبه للملك والذي كان يوجه حديثه صوب تميم بجدية كبيرة :
" إذن تميم ما رأيك أنت فيما قلته ؟!"
نظر له تميم بعدم فهم، يعتدل في جلسته، ثم نظر للجميع بجدية :
" عفواً مولاي لكنني لم انتبه، ما الذي قلته عدا ذكرك لأمر الاحتفال الوطني الذي ستتولاه الملكة "
ابتسم له إيفان يقول بجدية :
" نعم هذا ما قلته ما رأيك ؟؟"
" في ماذا مولاي ؟؟"
" في توليك أمر الترتيب للحفل مع والدتي ؟؟"
شعر تميم في هذه اللحظة بالغباء الشديد، هو لا يفهم ما يريد الملك، لكنه رغم ذلك قال بصوت عادي :
" إن كان الأمر يخص عملي فلا مانع مولاي، لكن لا اعتقد أن الاحتفال يحتاج لأسلحة"
صمت يرى نظرات إيفان الغريبة وبسمته ليدرك شيئًا سريعًا، جعله يبتسم بدوره وهو يقول بشك :
" أم يفعل ؟؟ "
ابتسم له إيفان بسمة صغيرة ليصمت تميم وهو يهز رأسه ببساطة تحت أعين العريف الذي ابتسم بخبث وهو يقول بصوت منخفض :
" ذلك الداهية الخبيث، لو أن والدتك تمتلك نصف عقلك، ما فعلت كل ما فعلت "
نظر له مرجان يقول بعدم فهم :
" ماذا ؟!"
" لا أتحدث إليك مرجان "
هز يقول بهدوء :
" لمن إذن ؟؟"
نظر له العريف يقول بحنق :
" للبومة مرجان..."
التوى ثغر مرجان بحنق وهو يركز كامل حواسه مع الاجتماع .
نظر إيفان للجميع ثم قال بتسائل :
" ألم ير أحدكم سالار اليوم ؟! لقد بحثت عنه وارسلت لأجله ولا أثر في القصر بأكمله له "
نظر الجميع لبعضهم البعض بجهل قبل أن يشرد إيفان قائلًا :
" ودانيار، أين هو ؟!"
هز تميم كتفه بجهل ولا يدرك حقًا سبب غياب القائد ودانيار، فقط يأمل في رأسه أن يمتلكوا حججًا قوية تمنع حضورهم ..
" إذن وبسبب غياب سالار ودانيار، لن نستطيع التحدث بشيء لذلك سنؤجل الاجتماع لـ ..."
فجأة انتفض الجميع بسبب اصوات مرتفعة صادرة من الخارج جعلت أعين إيفان تشتد وهو يتحرك عن مقعده يسير بقوة صوب الباب .
وبمجرد خروجه أبصر أمامه آزار يتقدم عدد كبير من جنوده وجواره ابنه وهو يقول بصوت مرتفع غاضب :
" تجرأت وارسلت رجالك لحدودي وقتلت جنودي إيفان ؟؟ الويل لك ولشعبك بأكمله، ليس آزار من يصمت على شعرة واحدة تسقط من رأس جنوده "
ختم حديثه يخرج سيفه في الوقت الذي أخرج به جميع جنوده السيوف، وهو اشتدت ملامحه يوجه سيفه للمرة الثانية على رقبة إيفان الذي ابتسم بهدوء شديد يقول :
" مرحبًا بك ملك آزار مرّ وقت طويل منذ أنرت مملكتي بطلتك، حقًا اشتقت لك "
اشتدت أعين ازار من تلك الطريقة التي يتحدث بها إيفان، حقًا أنها لوقاحة كبيرة منه، يهجم على حدوده في المساء، والآن يرحب به في مملكته .
" شكرًا لك إيفان، لكن للاسف أنا لم آت لاستقبل منك ترحيبًا في مملكتك التي لا يشرفني أن اخطوها، ما حدث ليلة الأمس على حدودي أمر لن اتنازل عنه إلا بالدم، لذا أنت بفعلتك أعلنتها حربًا على مملكتك، ولست أنا من أخسر حروبي ولو جئت بجيوش الأرض جميعها وليس جيشًا كخاصتك "
ابتسم له إيفان بسمة صغيرة يقول بهدوء وهو ينزل سيفه عن رقبته :
" لا تقلق، لن آتيك بجيوش الأرض جميعها، يكفيك جيشي ملك آزار، إذن تريد الحرب اليوم أم غدًا، فهذه الفترة أنا وجيوشي في مزاج للحروب "
نظر حوله ثواني وكأنه يبحث عن أحدهم، ثم نظر له يقول ببسمة :
" حسنًا لسوء الحظ فسالار ليس هنا، وإلا كنت أخبرته أن يحاربكم الأن إذ يبدو عليك وعلى ولي عهدك اللهفة، إذن ما رأيك في الغد بعد صلاة الجمعة بإذن الله !!"
اشتعلت أعين آزار بقوة، قبل أن ترتسم بسمة جانبية يقول بصوت خافت ونبرة مخيفة بحق :
" وأنت يا مولاي، لا تستطيع قيادة جيشك فتنتظر عودة قائد جيوشك ؟؟"
" بلى افعل، لكنني امتلك امورًا أهم من محاربتك ملك آزار "
وعلى عكس المتوقع لم يغضب آزار، بل ابتسم له يقول بصوت خافت :
" إذا انهي امورك وقابلني في ساحة المعركة، فأنا قتالي معك أنت إيفان وليس مع جيشك، نلتقي في الساحة يا ...سليل المتجبرين "
ختم آزار حديثه يبتعد عن إيفان بملامح مخيفة، ولم يكن آزار في الحقيقة ذلك الخصم السهل الذي يمكنك الاستهانة به، بل إن جئت للحق فمعركة واحدة مع آزار اشرس من مئات الحروب مع المنبوذين .
وما حدث بمثابة فتح أبواب الجحيم على الجميع .
لكن إيفان ليس ذلك الشخص الذي يظهر لك ما يدور بخلده، أو يظهر لك أي تفكير من شأنه أن يعلي من كفتك، هو فقط يتعامل مع الجميع بنفس المقدار ونفس الملامح، فلا يعطيك ردة فعل توحي بما يضمره لك .
ابتسم بسمة صغيرة يقول بكل بساطة وكأنه يحدد مع آزار وقت تجمع عائلي :
" إذن ما رأيك بعد الانتهاء من العيد الوطني للمالك نلتقي في حرب سويًا، سأحب أن تكون منافسي "
نظر له آزار بهدوء شديد وبسمة واسعة يهمس له بترقب :
" لك هذا إيفان..."
وبهذه الكلمات انتهى الحوار وانتهت المعركة القصيرة بين الطرفين وغادر آزار بكل بساطة مشتعل الوجه، بينما إيفان يراقبه بهدوء قيل أن يستدير للجميع يقول :
" أين كنا قبل أن يقطع علينا الملك ازار الاجتماع ؟؟"
نظر له العريف بصدمة، لا يصدق حقًا عبيثة الحوار الذي نشأ على مسمع منه، ولا يصدق أن إيفان سيخوض حقًا حربًا بجيشه ضد مملكة شقيقة لهما ..
" مولاي عفوًا للتدخل وتجاوز حدودي، لكن هل أنت مغيب ؟؟ ألم تعي ما حدث منذ ثواني ؟؟"
نظر له إيفان بعدم فهم :
" وما الذي حدث أيها العريف ؟؟ "
نظر العريف جواره للجميع وكأنه يستنجد بهم أن ينقذوه من ميتة وشيكة على يد هذا الرجل الذي جعله الله ملكًا عليهم .
" ما الذي حدث ؟؟ أعلنت الحرب على آبى ؟؟ أعلنت الحرب على إحدى الممالك ؟؟ وليس إحدى الممالك فقط، بل اقواهم في الوقت الحالي، وهذا دون أن تستشيرنا ؟؟ هل تمازحني ؟!"
نظر تميم صوب إيفان ينتظر رده، وقد تراجع هو عن الاعتراض، فهو في الحقيقة لا يفهم ما يدور داخل عقل إيفان والذي هز كتفه بهدوء يقول :
" هذا ما حدث، الملك آزار تجاوز كامل حدوده ولا مجال للنقاش معه، فتهديده لي كان للمرة الثانية، والآن اعذروني فلدي العديد من الأمور التي تشغلني وعليّ الانتهاء منها "
ختم حديثه يتحرك بكل هدوء بعيدًا عن الجميع تاركًا العريف يشير صوبه دون فهم :
" هذا الـ ...هذا الـ "
كان كمن يبحث عن وصف في عقله يليق بايفان، بينما البومة تقف فوق كتفه وهي تصدر اصواتًا مزعجة وملامحها منكمشة بغضب وكأنها تشارك العريف في احتجاجه عما يحدث ..
بينما تميم يراقب كل ذلك ببلاهة يقول :
" إذن هل أزيد من العمل بمصانع الأسلحة لأجل الحرب ؟؟"
رفع العريف كفيه في الهواء يقول بغضب شديد :
" يا الله الرحمة، ما بال سالار تلبث الجميع فأصبحوا يبحثون عن الحروب ؟؟ ما بالكم يا قوم، ستحيلون حياة الشعوب لجحيم، أتظنون الحروب مزحة ؟؟"
نظر له تميم يتراجع للخلف لا يفهم سبب غضبه، وقبل أن يقول كلمة واحدة تركه العريف وهو يتحرك بغضب شديد صوب مكتبته وعباءته تتطاير خلفه بقوة وهو يهتف بغضب :
" ليحترق القصر بمن فيه، عسى أن يتخلص آزار منكم اجمعين، حينها وحينها فقط سأحيا في سلام بعيدًا عنكم ...."
رمقه تميم بحنق وكذلك مرجان الذي كان يقف جواره يراقب رحيل العريف ولا أحد يدري القادم، لكنه ليس بالشيء السار على أية حال ....
__________________
درات بعيونها حول ذلك الكوخ وقد شعرت بألفة شديدة وسكينة كبيرة، مظهر هذا الكوخ يعطيها ذلك الشعور بالراحة، لكن فجأة قفزت فكرة برأسها تستدير صوب سالار تقول بشك :
" أين نحن بالتحديد !!"
رفع حاجبه لا يفهم غرض سؤالها، لكنه انتهى من ربط حبال الأحصنة يتحرك صوبها بخطوات قوية جعلت قلبها ينبض بشكل غير طبيعي البتة وهي تراقب قدمه، وحينما أصبح أمامها قال بنبرة عادية ليس وكأنه منذ ثواني كاد يتسبب لها في توقف مفاجئ في ضربات القلب :
" نحن على حدود سفيد "
رفعت عيونها له بصعوبة تهمس بصوت منخفض :
" حدود سفيد ؟؟ "
" نعم، هذا الكوخ هو كوخ عائلتي، الشيء الذي لم اشاركه مع أحدهم سابقًا، ولا أحب أن يعلم عنه أحدهم شيئًا "
تحرك صوب الكوخ بهدوء مسلمًا بأتباعها له، لكنها لم تخطو خطوة واحدة خلفه تقول بعدم فهم :
" لكنك شاركتني إياه للتو ..."
توقفت أقدامه وكأنه استوعب الأمر فجأة، نعم هو شاركها للتو أحد أكثر أسراره عمقًا، المكان الذي يحتفظ فيه بعبق والديه، يحتفظ فيه بسالار الصغير والذي يخفيه أسفل الفراش خائفًا عليه من غدر الزمان، اغمض عيونه يقول بصوت منخفض :
" نعم فعلت ..."
تحرك يكمل طريقه صوب الكوخ تاركًا إياها تنظر لظهره بعدم فهم، قبل أن تتبعه، فهذه الكلمات التي أجاب بها عليها لم تكن وافية لها .
سارت صوب الكوخ وهي تتأمل الطبيعية المحيطة، من بنى هذا الكوخ قطعًا كان شخصًا في غاية الرومانسية والحالمية، مكان إن كانت عاشقة ستحب أن تقضي به سنوات رفقة من تحب .
وعند هذه الفكرة تحركت عيونها صوب ظهره وكأنها تفكر في احتمالية هذا الأمر الذي ...لا لا لا ليس هذا، ليس هذا أبدًا هي ...جاءت هنا لتصبح زوجة الملك وهذا ما يجب أن...
عند هذه الفكرة ضربتها لحظة إدراك جعلتها تطلق شهقة مرتفعة جذبت انتباه سالار لها، وهي فقط تراجعت للخلف، هي زوجة الملك، زوجة الملك وتحب ....تحب قائد الجيوش ؟؟
" أنتِ بخير "
" لا، لا لستُ بخير إطلاقًا، لستُ بخير، يا الله كيف حدث هذا؟ ما كان من المفترض أن يحدث هذا "
على التعجب أعينه وهو يقترب منها يتحدث بعدم فهم :
" ما بكِ ؟؟ ما الذي حدث فجأة و..."
وهي تراجعت للخلف وهي تشير له ألا يقترب، بينما هو رمقها بعدم فهم، لا يهتم لشيء، لكن ذلك الشحوب والرعب الذي سكن وجهها جعلوه يقترب منها يهمس لها بعدم فهم :
" مولاتي..."
لا ليس هذه الكلمة وبهذه النبرة، لا تفعلها، دفنت وجهها بين كفيها تحاول التنفس بشكل طبيعي، أفيقي هو لا يدري شيئًا عن صراعاتك الداخلية، هو لا يبصر خزيك الذي تعانين منه .
رفعت عيونها له وهي تبعد اللثام عنها بغية التنفس بشكل صحيح، تأخذ نفس عالي، قبل أن تقول ببسمة واسعة وكأن ما حدث منذ ثواني لم يكن :
" لقد شعرت فقط ببعض التوعك، إذن هل نكمل الطريق ؟؟"
نظر لها بشك يقول :
" لقد وصلنا بالفعل، هو داخل هذا الكوخ "
سارت معه ببطء وهي تحاول أن تنسلخ عن تلك الحالة التي كانت بها، وحين خطت للكوخ دارت بعيونها في المكان تقول بملاحظة لم تستطع كتمها :
" المكان عامل زي البيوت القديمة في الأفلام الرومانسية الكلاسيكي في هوليوود، عارف أنت الكوخ اللي البطل والبطلة بيستخبوا فيه لما الجو يمطر ويعترفوا لبـ ..."
توقفت الكلمات على باب فمها فجأة بأعين متسعة حين استوعبت ما تقول وأمام من تفعل، هي تتحدث أمام قائد أحد الجيوش في إحدى الممالك الإسلامية والذي يتعامل معها بحنجره مخافة لمسها، عن علاقات الحب التي لا تمت للدين بصلة في الافلام التي كانت تدمنها قديمًا .
ونظرات سالار لها وهو يرمقها بنظرات مستنكرة مصدومة، لا يفهم نصف ما تحدثت به، لكنه فقط يشعر أن هناك شيء خاطئ قالته :
" ما هذه الكلمة الغريبة التي نطقتيها للتو ؟!"
ابتسمت له بغباء تقول :
" كوخ ؟؟"
" وكأنني اجهلها لتلك الكلمة، لا اقصد تلك الكلمة الاعجمية التي نطقتيها للتو "
" هوليوود ؟؟"
" نعم ما هذا الشيء !! لا أشعر أنها كلمة جيدة "
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تجيب بصوت خافت :
" حسنًا أنت تعلم عالم المفسدين ؟؟"
" حيث كنتِ تعيشين ؟؟"
" نعم، هذا هو منبع الفساد والخراب بالإضافة لأشياء أخرى جواره، أمور تحض على الفجور والفسق والعياذ بالله "
تمتم سالار بالاستغفار وقد انكمشت ملامحه بشكل مستنكر متقزز، وقبل أن يتحدث بكلمة تعليقًا على هذا الأمر انتفض جسد تبارك بقوة وهي تطلق صرخة مرتفعة حين شعرت بحد السيف على ظهرها ..
في الوقت الذي كان الحوار بين تبارك وسالار قائمًا، سمع هو من بين غفوته الطويلة وتعبه صوت أنثوي في المكان، صوت جعله يتحفز بشكل خطير وهو يرفع رأسه بصعوبة ينظر في أرجاء الغرفة حتى لمح من بين ضبابة التعب جسد امرأة يظهر أمام باب الغرفة، نهض بصعوبة شديد يحمل سيفه الذي تركه له سالار جوار الفراش يسير دون اتزان حتى اقترب منها يضع السيف على ظهرها ولم يكد ينطق جملة تهديد واحدة حتى سمع صرخة عالية تصدر من الفتاة وتنتفض بقوة تدفعه للخلف بشكل تلقائي ..
كانت ردة فعل تبارك سريعة تلقائية، ورغم أنها أسقطت جسد أرسلان الضعيف ارضًا والذي زادت حالته سوءًا، وتسببت له في وجع إضافي، إلا أن ذلك لم يمنع سالار من الفخر بها وبردة فعلها السريعة :
" كان هذه ردة فعل سريعة ورائعة، احسنتِ"
رفع أرسلان عيونه بصعوبة صوب صاحب ذلك الصوت والذي يعلمه جيدًا، يهمس بصوت متوجع :
" أنت أيها الوغد تشجعها على ماذا ؟؟ أه لو يمنحني الله قوتي لانهض وأطبق على رقبتك أنت وتلك الفتاة "
نظرت له تبارك بصدمة من وضعه لتهمس :
" أنا.. أنا آسفة لم اقصد أنت من رفع عليّ السيف "
نظر لها سالار يقول بهدوء يعلمها درسًا اضافيًا :
" لا تعتذري منه، أخبرتك مئات المرات ألا تشعري بالندم إن رددتي لأحدهم ما فعل معكِ"
تحركت أعين الاثنين صوبه، أرسلان باستنكار وهي بإدراك، لتعود بنظرها صوب أرسلان تقول :
" أوتعلم ؟؟ هو محق، تستحق ما حدث لك، ولعلمك هذا أقل ما املك، فإن كنت في حالة مزاجية جيدة لكنت أريتك كيف يكون ردي على تهديد كهذا "
ابتسم لها سالار بفخر شديد وهو ينظر لارسلان الذي ورغم تعبه أخرج صوتًا حانقًا من فمه وهو ينهض من الأرض يجيب بملامح مخيفة جعلتها تتراجع من هيئته :
" ولو كنت أنا في حالة تسمح لي، ما كنتِ امتلكتي ثانية إضافية لقول كلمة واحدة بعد لمسك لي، واسألي والدك الذي يقف خلفك عن ذلك "
نظرت تبارك صوب سالار والذي انتبه تلك الكلمة التي وصفه بها أرسلان ورغم استنكاره لها إلا أنه هز الأخير رأسه وهو يقول بهدوء :
" نعم هو محق ما كان لكِ أن ترفعي إصبعًا في وجهه لو كان بحالته الطبيعية، لكنه الآن ليس كذلك، لذا ما الضير في الرد عليه كيفما شئنا ؟؟"
هزت تبارك رأسها وكأنها اقتنعت بحديثه، بينما الحيرة تعلو وجهها وهي تقول بصوت منخفض :
" هو مين ده يا قائد ؟؟ "
هتف سالار وهو يجذب جسد أرسلان صوب الفراش يجبره على التمدد والراحة، ثم بدأ يرفع له ثيابه مظهرًا جروحه دون الاهتمام باعتراضه :
" هذا أرسلان، ملك مشكى "
" المرحوم ؟؟"
نظر لها الاثنان بصدمة لتهتف هي بصوت منخفض خجل :
" مش قصدي بس ...هو يعني .... "
قاطعها سالار عن التحدث بلهجتها وعن قول أي كلمات قد تجعل أرسلان يظنها ضعيفة أو لا تجيد الرد :
" نعم هو، الآن تعالي للنظر فيما يمكنك فعله "
كانت جملة سالار سريعة مقاطعة لأي محاولة للتحدث أو النقاش بينهما، وتبارك نظرت له بعدم فهم تقترب من الفراش وهي تراه قد وضع الحقيبة جوار جسد أرسلان الذي كان يهتف باعتراض :
" ما هذا ؟؟ من هذه الفتاة ؟! هل أحضرت فتاة لتعالجني وافشيت لها السر سالار ؟؟ أجننت أنت ؟!"
نظر له سالار في عيونه بتحذير :
" هذه الفتاة هي ملكة سفيد، لذا أنت ملزم باحترامها حسب القوانين الملكية، ملك أرسلان"
تشنجت ملامح أرسلان وهو يرفع عيونه صوب تبارك ينظر لها ويطيل النظر، وقد ارتسمت بسمة صغيرة على جانب فمه لا تدرك هي سببها، أو إن كانت ساخرة أم لا ؟!
لتصدر منه همهمة صغيرة وهو يهتف بكلمات يدري جيدًا أنها لن تفهمه، فسالار أخبره أنها ليست من عالمهم :,
"پس در نهایت این سرنوشت ایوان بود؟؟ "
« إذن في النهاية كانت هذه هي مصير إيفان ؟؟»
نظر لها سالار يرى ملامح التعجب تعلو وجهها ليبتسم بسمة صغيرة وهو يساعد أرسلان الذي خلع ثوبه العلوي كي تفحصه، يقول بنبرة خافتة وبلغة لم تكن بالرحيمة على قلب تبارك :
" بله همینطوره.شما اعتراضی بهش ندارید؟"
«نعم، هي نفسها، هل لديك اعتراض عليها ؟؟»
ولو يدري أن كلماته تلك أعادت لها ذكرى أحلامها الاولى حيث كان يطرب مسامعها بكلماته تلك وبلغته هذه.
ابتسم له أرسلان يقول بصوت خافت غير مهتم حقًا بما يحدث حوله وبلغة عربية مفهومة واخيرًا لتبارك :
" وما شأني أنا، فقط اتمنى أن تريه الويل "
ضحك له سالار ضحكة ساخرة يهتف لنفسه دون أن يصل صوته لأحدهم :
" بل تريني أنا الويل "
شردت تبارك في وجه سالار وبسمته لتبتسم دون وعي قبل أن تستفق على صوته يقول بجدية :
" إذن هل يمكنك النظر لجروحه ؟!"
أبعدت عيونها قسرًا عنه تتحرك صوب أرسلان تراقب جروحه قبل أن تهمس بصدمة :
" دي ...ملتهبة، كيف يتحمل كل هذا الوقت ؟!"
نظر لها أرسلان بتعجب وكأنها تتحدث عن أحد غيره، لا يدرك معنى تلك الملامح المرتعبة التي تعلو وجهها، وهي سارعت تحضر الحقيبة وبدأت تخرج ما بها لتبدأ العمل، تراجع سالار للخلف قليلًا يراقبها وهي تقوم بتنظيف الجروح ووضع اعشاب لا يعلم عنها شيئًا و...زفر بصوت مرتفع يبعد عيونه عنهما متحركًا صوب النافذة وكأنه لا يريد فقط النظر لها الآن .
____________________________
تقف هناك منذ دقائق تقريبًا، وهو لا يعي لوجودها، تمامًا كما كان يحدث قديمًا، تراقبه دون أن يشعر بها، وتطيل تأمل ملامحه، ثم وحينما يشعر بوجود أحدهم تستدير هاربة، لكن الآن وفي تلك اللحظة التي استدار بها وابتسم لها، لم تهرب أو تخجل، بل فقط بادلته البسمة بالمثل .
" أنتِ هنا منذ وقت طويل ؟؟"
" تقريبًا منذ بدأت العمل وانفصلت عمن يحيطك "
هز رأسه يحاول أن يشغل عقله بما يقبع أمامه :
" ربما هذه عادة قديمة لي، حين انشغل بشيء لا استطيع الانسلاخ عنه بسهولة "
صمت قبل أن يستدير لها نصف استدارة يرمقها ببسمة صغيرة :
" تريدين التعلم ؟؟"
نظرت له بصدمة كبيرة وقد تراجعت للخلف، هذه الجملة ليست غريبة عليها، بل هي شبه مكررة، لكن ليس هنا وليس الآن وهو عاكف على صنع بعض الأسلحة .
" هل تمزح معي !!"
تحرك تميم عن الطاولة وهو يتجه لها يمسك كفها بملامح جادة وبسمة واسعة :
" لا بالطبع لا أفعل، هيا سيكون الأمر ممتعًا تمامًا كتعلم الفخار، هل تتذكرين ؟؟"
قاومت برلنت بقوة وهي تتشبث بإطار الباب رافضة التحرك خطوة معه بسبب أفكاره المريبة تلك ..
" أنا لا أريد، هل تمزح معي تميم ؟! يا الله هذه أسلحة وليست فخار، الفخار لن ينفجر في وجهي ويحولني أشلاء إن أخطأت في شيء "
ضحك تميم بصوت مرتفع وقد تذكر المرة الأولى التي تحدث معها فيها هنا، يزيد من جذبها بعناد كبير :
" هيا لا تخافي، لا تؤثر اسلحتي بكِ، صدقيني أنتِ السد المنيع أمام جميع الأسلحة هنا، لا سلاح لي نجح معك "
نظرت له برلنت ببسمة متوترة خائفة تهتف بجدية وهي ما تزال متمسكة بالإطار في قوة كبيرة :
" صدقني تميم كنت لاقدر كل هذه الرومانسية التي تتحدث بها، لو أن المعني بالأمر ليست قنابل، كنت لأكون أكثر النساء سعادة بغزلك هذا، لكن الآن، آسفة لا يمكنني الاستمتاع بهذه الكلمات العذبة في حين أن عقلي يعرض لي مشاهد عديدة لتناثر اشلائي في المعمل "
أطلق تميم ضحكات أعلى وأكثر صخبًا وهو يترك يدها فجأة، ثم اقترب منها دون مقدمات يجذب خصرها هامسًا :
" هل تخافين القنابل وأنا معكِ بيرلي ؟؟"
نظرت برلنت لعيونه واطالت التحديق بها تبصر حنانه وعشقه بهما، لتبتسم وهي تقول بجدية :
" إن قلت نعم، هل ستغضب مني ؟!"
تفاجئ من ردها ليعود برأسه قليلًا مصدومًا منها، وهي ابتسمت تقول :
" لا تحزن مني تميم، لكن أنا كنت اصفك في البداية بصانع الأسلحة الفاشل، ويبدو أن عقلي صدق الأمر .."
تراجع تميم يهتف بحنق شديد :
" هذا كان قاسيًا "
" آسفة.."
ابتعد عنها بغيظ شديد يتحرك صوب الطاولة مجددًا، يدافع عن نفسه بضراوة :
" هذا الفاشل هو من صنع وطور جميع أسلحة المملكة وجميع الممالك أجمع، وليس لأن قنبلة فشلت ولم تقتلك، تصفينني بالفاشل، ولو أنها نجحت ما كنتِ تقفين الآن امامي تعطيني رأيك في قنابلي العزيزة "
اتسعت أعين برلنت بقوة وهي ترى تذكره وحنقه من حديثها، قبل أن تنفجر في ضحكات صاخبة تقترب منه وهي تضم وجهه بين كفيها تهتف بمزاح :
" أوه تميم، هل غضبت مني ؟؟ اقسم أنني كنت امزح معك، هيا سألعب معك بقنابلك العزيزة، ما اسوء ما يمكن أن يحدث ؟؟ تنفجر بنا ؟؟ لا بأس طالما أننا سنمت سويًا"
تأوه تميم يضم كفيها لوجهه أكثر يهتف بصوت حنون خافت :
" أوه لا عزيزتي ما كنت لاسمح لذلك بالحدوث أبدًا، ثم أنا فقط كنت امزح معكِ اقسم، أنا أن ادعكِ تتعاملين مع هذه المواد الخطرة والالات الحادة، أخشى عليكِ من الخدش بيرلي ."
ابتسمت له برلنت ثم قال بجدية :
" لكنني أود أن أتعلم تميم "
صمتت ثواني ثم نظرت لعيونه وحاجة ملحة داخلها جعلتها تنطق :
" هل يمكنك أن تعلمني الفروسية كما كنت تفعل مع تبارك؟!"
" تبارك ؟؟"
" الملكة "
" كيف علمتي الأمر ؟!"
نظرت لعيونه ثواني قبل أن يحمر وجهها وتهمس بصوت خجل منخفض :
" هو ...في الحقيقة أنا....لقد ...لقد كنت اراقبك طوال الوقت تميم "
نظر لها بذهول قبل أن يبتسم ببطء شديد وهو يميل عليها يهمس بحنان :
" إذن تريدين مني تعليمك الفروسية ؟!"
" أي شيء من شأنه أن يجعلني قريبة منك لأطول وقتِ ممكن "
اتسعت بسمته أكثر يهمس بحنان شديد :
" لكِ ذلك ..."
وقبل أن تبدي برلنت سعادتها الكبيرة سمع الإثنان صوت الحارس يهتف بقوة من الباب وبصوت جاد صارم :
" سيدي، الملك يخبرك أن تذهب لتفقد مصانع الأسلحة وتأتيه بالتقارير الأخيرة "
تعجب تميم الأمر لكنه لم يعلق وهو يخبره بهدوء :
" حسنًا، سأفعل .."
رحل فأستدار تميم صوب برلنت يخبرها بصوت حنون :
" إذن صغيرتي سأذهب لارى ما يريد الملك، انتبهي لنفسك لحين عودتي ....."
هزت رأسها بهدوء وهو تحرك معها صوب الخارج، ثم انفصل عنها متوجهًا جهة مصانع الأسلحة ويبدو أن الملك بدأ يحشد ويحصي قواته ....
______________________
" ما الذي ...ما الذي تقولينه يا امرأة ؟؟ ما شأنك أنتِ وشأن بافل، وكيف علمتي كل ذلك ؟؟"
أبعدت نظراتها عنه بسرعة وهي تحاول تجنب عيونه التي تحاصرها، وهو لم يستسلم لهروبها هذه المرة يقترب منها مرددًا من أسفل أسنانه بغضب :
" أنتِ يا امرأة في أي كارثة ألقيتي نفسك هذه المرة ؟؟ ما الذي فعلتيه ؟؟"
نظرت له باعتراض شديد :
" فعلت ماذا ؟؟ أنا فقط جئت احذرك، كي تبلغ الملك لئلا تحدث الكارثة ثم تعضون الأنامل ندمًا "
نظر لها دانيار بشك يرفع حاجبه وهي اطالت النظر في زرقة عيونه لتغوص بها، بينما هو لم ينتبه لشرودها هذا يقول :
" أنتِ أيتها المرأة، أخبريني وبكل هدوء إن كنتِ فعلتي كارثة أم لا ؟؟"
" لا، أنا لم أفعل شيئًا، وتوقف عن رميي بالباطل يا هذا، هذا ظلم واضح، أوتعلم أنا اخطأت حين لجئت لك، سوف اذهب وأخبر أحد آخر و..."
وقبل التحرك خطوة واحدة شهقت بصوت مرتفع حين شعرت بيد دانيار تجذب ثيابها بقوة معيدة إياها حيثما كانت وهو يقول بغضب وملامح مخيفة :
" تذهبي إلى أين يا ابنتي ؟؟ تذهبي لأخبار أحدهم أنكِ من حيث لا تدرين أدركتي خطة بافل ؟؟ أهو الإلهام أم روح طيبة مرت بكِ وأخبرتك ؟؟ هل تمزحين معي ؟! سوف يحققون معكِ ساعات طويلة ليعلموا من أخبرك وكيف فعل"
نظرت له باعتراف فاقترب يهمس لها :
" والآن كأي امرأة مطيعة في هذه الحياة، اريني بعض الرقة والطاعة واخبريني من أين لكِ بهذه المعلومات ؟؟"
وهي لا اجابة معها، لا تعلم حقًا ما يجب قوله هي فقط نظرت له ثواني قبل أن تقول بجدية كبيرة :
" لقد ..لقد خرجت للسوق وهناك حين كنت أسير بين الأزقة الضيقة حيث يحلو لي السير، سمعت اصواتًا غريبة وحين ارهفت السمع وجدت العديد من الرجال يتحدثون عن هذا الأمر "
صمتت ثم مالت تهمس له بصوت خطير :
" اعتقد أنهم منبوذون في أرضكم "
رفع دانيار حاجبه يدعي الصدمة شاهقًا :
" ياويلي ؟؟ هذا سر خطير حقًا "
" نعم نعم هذا ما عنيته حين جئت لاخبارك، الأمر حقًا خطير، لكن ها أنا قد اخليت مسؤوليتي أمام الله، والأمر متروك لكم، والآن سأرحل .."
ختمت حديثها تضعه قيد التنفيذ وهي تتحرك بسرعة بعيدًا عنه، تحاول الابتعاد عن تأثيره، لكن ما كادت تفعل حتى وجدت سهمًا يعيق طريق هروبها، أبعدت عيونها عن السهم ترمقه بسخرية لاذعة :
" مرحبًا بعودتك، كدت أظنك توقفت عن هذه الأفعال ؟!"
نظرت له تتساءل بجدية وهي تشير صوب سهامه :
" هل هذه سهام جديدة !! لقد تغير لونها عن آخر مرة رميتني به "
تحرك دانيار صوبه يجذب السهم وهو ينظر لها بشر هامسًا من بين أسنانه:
" ما الذي اقحمتي به نفسك يا امرأة ؟؟"
" لا شيء، ثم ما علاقتك بي، أقحم نفسي أم لا، لا اعتقد أن الأمر يعنيك "
نظر في عيونها بقوة يقول بجدية :
" نعم لا يعنيني هذا الأمر تحديدًا، لكن أن يتعلق هذا الأمر بشيء خطير كالذي تتحدثين به فهو يعنيني ويعنيني "
تنفست زمرد بصوت مرتفع تقول بصوت ساخر جامد، لكنه يخفي بين طياته وجعًا وحقيقة مخيفة :
" ماذا ؟؟ هل يرضيك أن تعلم أنني واحدة من المنبوذين لذلك اعلم ما يخططون له ؟؟"
جملة قد تبدو عبيثة له، وللجميع، لكنها لها كانت حقيقة مُسلّم بها، وهو ضاقت عيونه شيئًا فشيء، قبل أن تتسع فجأة يقترب منها بخطوات مريبة هامسًا :
" ماذا تقصدين ؟؟ هل أنتِ جادة ؟!"
حدقت به ثواني بملامح غير مفهومة قبل أن تبتسم وتقول :
" أنا فقط اعطيك سببًا لمعرفتي تلك الأخبار إن كان سببي الاول لك غير منطقي، إذًا يمكنك اعتماد الثاني"
هي تمزح الآن، بالطبع تفعل، فهذا الذي تحدثت به منذ ثواني أمر لا يمكن أن يصدقه البتة .
وشحوب ملامح دانيار في هذه اللحظة كانت أكثر من كافية لزمرد كي تعلم مصير علاقتهما إن أخبرته حقيقتها، فهو حين قالتها بمزاح أنها أحد المنبوذين شحب وجهه وعلى الاستنكار والنفور ملامحه، ماذا إن علم أنها حقيقة، وليس مجرد مزاح .
وأن زمرد ليست من المنبوذين، بل هي ابنة زعيمهم السابق، وشقيقة الحالي.
ابتسمت له بسمة غير مهتمة تخفي خلفها ألم كبير وقد شعرت بالجوع يملئ صدرها ترى نهاية علاقتهما قبل حتى أن تبدأ ..
وفي هذه اللحظة تحديدًا رنّ في أذنها صوت والدها الذي كان يضع رأسها أسفل قدمه في أحد الأيام لعصيانها له، يضغط عليها بقوة صارخًا بحنق :
" تحاولين الهرب من هنا ؟! هنا قبرك زمرد، لا فرار لكِ من قومك، مثلك مثل والدتك، خروجك هنا سيصاحبه خروج روحك"
مال عليها أكثر يهمس في أذنها بصوت جعل جسدها يرتجف وهي تحاول الفكاك منه ولم تتوقف عن رميه بالدعوات والسباب :
" ماذا تعتقدين ؟! هل تعتقدين أن من في الخارج سيتقبلونك ؟؟ إن علموا حقيقتك سيفتحون اذرعتهم لكِ فقط لأنكِ فتاة جيدة والدتها أحسنت تربيتها ؟! لا لا زمرد، عزيزتي الجميع في الخارج سيراك مجرد منبوذة حقيرة قذرة، حتى وإن لم تنتمي لنا إلا بالاسم فقط، لن يتقبلونك البتة، سينظرون لكِ بكره واشمئزاز ونفور، سيقابلونك بالازدراء؛ لذا تقبلي الحقيقة من تنظرين لهم نظرة المنقذ سينبذونك، سلمي بالأمر وكوني واحدة منا، فنحن نتقبلك كما أنتِ، نرحب بكِ كيفما كنتِ عزيزتي "
هبطت دموعها وهي تنظر لوجه والدها بقهر شديد، كانت على وشك الهروب، كادت تنجح، كانت ستركض لتحضر من ينقذ والدتها من بين ايديهم، اجهشت في بكاء عنيف وهي تصرخ في وجهها :
" لست منكم، لا أنا ولا أمي منكم، نحن من سفيد، لسنا منكم ولن نكون، أنا لست واحدة منكم، سوف أخرج يومًا ما وأحضر المساعدة لأجلنا "
لكن وبعد هذه السنوات تستطيع القول أنه محق، والدها كان محقًا، هو صدق حين قال أن لا أحد سينظر لحقيقتها وجوهرها، الجميع سيبصر لأصولها فقط، لن ينظر أحدهم لقلبها ويدرك بأي شكل تربت، هي تربت على يد امرأة شريفة مسلمة، لكن هم لا يعلمون ذلك، هم فقط يعلمون أنها منبوذة ...
كان دانيار يراقبها في البداية باستنكار لهذه المزحة غير المقبولة من وجهة نظره، فهو لا يقبل عليها أن تشبه نفسها بهؤلاء القوم، يكره أن تصف نفسها بهم، لكن سرعان ما تحول الاستنكار لذهول حين أبصر حزن كبير يلتمع في عيونه جوار دموعها ..
نظر لها بعدم فهم يحاول الحديث :
" ما بكِ، أنا اصدقك، حسنًا هل ..."
توقف عن الحديث حين أبصر دموعها للمرة الثانية منذ معرفته لها، تنظر له بوجع قتله وهو لا يفهم ما يحدث :
" أنا...هل فعلت ...هل فعلت شيء خاطئ ؟؟ ما بكِ زمرد ؟؟"
لكن زمرد لم تتحدث بكلمة واحدة، بل فقط تحركت بعيدًا عنه تاركة إياه يراقب أثرها بصدمة، لا يفهم ما حدث منذ ثواني ...
___________________
تحرك بعيدًا عن الجيش بعدما ذهب لرؤية سالار، ليجد أنه اختفى بدون انذار من الساحة، وكذلك الملكة، شيء بعث الكثير من الأفكار السوداء لعقله ..
لا، هو يثق بالجميع حوله، لا يجب أن يتلاعب حديث والدته به، و...
و ماذا إيفان ؟؟ وماذا ؟؟ وكأن الخيانة لم تعرف طريقها لقلبك أنت كذلك؟؟ أتلوم رفيق عمرك والاحق أن تلوم نفسك وأنت لا تنفك تفكر بامرأة أخرى غير زوجتك المقدرة ؟!
دفن وجهه بين كفيه بقوة وهو يحاول التفكير، يا الله عقله سينفجر، ما الذي يفعله بنفسه، ما الذي يحدث هنا، لِمَ الآن ؟؟ لماذا يحدث كل هذا معه حين أرسل لإحضار تبارك ؟؟ لماذا لم تظهر كهرمان سابقًا؟!
هو يعلم أرسلان منذ الطفولة، يا الله منذ الطفولة ولم يفكر حتى في رؤية وجه شقيقته ولو من باب الفضول، الآن وقد تحددت زوجته وأرسل سالار ليحضرها وجهزها لتكون ملكته ...أحب أخرى؟؟
وهذه الأخرى أصبح يراها في يقظته ومنامه بشكل مثير للشفقة، بل للسخرية، هو يشفق على ذاته ويسخر منها، لو أن أحدًا أطلع على ما في قلبه لضحك ملء فاهه، ملك سفيد الذي يدير بلاده، لا يستطيع أن يدير أمور قلبه ..
يا ويله وويل قلبه من أميرة نجحت في أسر قلبه برقتها، وفتنت عقله بحكمتها وشراستها، تلاعبت على جميع اوتاره بمهارة، فجأة أصبحت هي الصورة المثالية للمرأة في نظره، وهذا ما يجعله يستحقر ذاته، هو يظلم تبارك، يالله ليس تلك البريئة ..
فقط ...هو على استعداد ليتزوجها رغم أنف قلبه وعقله وجسده وكل خلية به، على استعداد لفعل كل ذلك دون أن يأبه لأي شيء، لكن هل هذا سيسعدها هي ؟؟ هو سيظلم بهذا القرار نفسه و...من أيضًا، هل سيظلمها كذلك ؟؟
أفاق إيفان من أفكاره وهو يدور بنظراته في المكان وكأنه يبحث عنها، هو للتو فقط كان يلوم ذاته على ما يفعل، والآن لا ينفك يتلمس طيفها، توقف عن كونك كثيرًا للشفقة واذهب لتدبر أمور مملكتك .
لكن أمور القلب لا حاكم لها .
وبالفعل تحرك إيفان بعيدًا عن المكان بأكمله يعود بتفكيره صوب سالار الذي لا يعلم بأي أرض هو في هذه اللحظة، لكن لعل غيابه خير ..
وقبل أن يدخل لمحها تتحرك كعادتها في الحدائق الجانبية مع فتاة أخرى تسير برقة شديدة وهي ترفع غطاء وجهها، ابتسم بسخرية يهمس لنفسه :
" لا عجب انها لا تتحمل غطاء الوجه ولا تنفك تبعده عنها، يبدو أن أرسلان كان يدللها وبشدة "
ابتسم حين أبصر تحركها بخفة شديدة صوب أحد أشجار الفواكه ليبتسم ويتحرك للداخل وهو يشير للجنود قائلًا بهدوء :
" لا يخطو أحدكم الحدائق الجانبية طالما بها نساء "
هز الجنود رؤوسهم ليتحرك هو ببساطة للداخل يهمس لنفسه بصوت منخفض :
" ربما لا أستطيع أن أظهر لها بشكل مباشر، لكن على الأقل اعاملها المعاملة التي تستحق، كأميرة، وشقيقة لرفيقي العزيز و..."
صمت وقد كانت كلمة ( حبيبة ) على طرف لسانه قبل أن يمنعها من الخروج، تنهد يهز رأسه بيأس وهو يتحرك بخطوات عنيفة في الممر يقول بصوت مرتفع آثار رعب الجميع وقد تحولت شخصيته بالكامل :
" حين يرى احدكم القائد سالار، فلتخبروه بحاجتي للحديث معه .."
تحرك بسرعة صوب الجناح الخاص به ليبدل ثيابه إلى ثياب قتال ويتحرك صوب الساحة ويتدرب، فقد اشتاق للقتال، تحديدًا منذ توققت هي عن قتاله ..
_______________
وفي الخارج في أحد أركان الحديقة الجانبية، كانت تقف كهرمان أمام أحد الأشجار تقول بصوت جاد :
" فقط ساعديني برلنت أود اكل بعض الرمان، مرت ايام طويلة لم اتذوقه "
نظرت برلنت صوب الشجرة وهي تقول بملل شديد وتعب اكبر :
" كهرمان عزيزتي، هناك الكثير من الرمان في مطبخ القصر، أم أنكِ تعشقين المشقة ؟؟ هيا لنذهب ونحضر لكِ البعض "
رفضت كهرمان بقوة :
" لا أنا أريد أن اتناوله طازجًا، هيا ساعديني أو ارحلي "
زفرت برلنت بغضب شديد، ثم نظرت حولها تبصر إن كان هناك حراس أم لا، ومن ثم خلعت غطاء الوجه والطبقة الخارجية من الفستان والتي تتمثل في معطف، وظلت بفستان اخر أكثر بساطة تبعد كهرمان بقوة تقول :
" هيا ابتعدي من هنا يا امرأة"
ومن بعد هذه الكلمات ابتسمت تتمسك بالشجرة قبل أن تتسلقها بسرعة كبيرة تختفي بين فروع الرمان الوارفة وصوت كهرمان يصل لها واضحًا :
" ما بكِ تغوصين بين الفروع برلنت، هناك الكثير من الرمان حولك يا فتاة، هيا القي لي بالبعض "
لكن برلنت اعترضت تقول :
" أنا أبحث لكِ عن قطع فريدة أيتها الغبية، فقط توقفي عن الحديث كي استطيع التركيز "
وبالفعل صمتت كهرمان، فبدأت برلنت تحصد لها بعض الثمرات الناضجة الحمراء بخبرة كبيرة، مهارة أخرى تشكر طفولتها عليها، ابتسمت حين نالت الكثير من الثمرات، ثم تراجعت ببطء تقول بصوت مبتهج :
" أحضرت الكثير لنا، وقد أحضرت كذلك لزمرد وتبارك و..."
قاطع باقي جملتها صدمتها من المشهد الذي ابصرته أمام عيونها لتسقط جميع الثمرات أسفل قدمها وتتدحرج حتى اصطدمت بأقدام هؤلاء الرجال الذي يخفون وجوههم خلف لثام اسود اللون، وأحدهم يجر كهرمان للخلف بقوة يكتم فمها بقوة والأخيرة تحاول المقاومة بشكل ميؤوس وقد تحولت عيونها لللون الأحمر بقوة وكأنها امتلئت دماءً.
انتفض جسد برلنت برعب وهي تطلق صرخة ملتاعة تركض صوب هؤلاء الرجال الذي تفاجئوا بوجودها :
" النجدة ليساعدنا أحدكم، ليساعدنا أحدكم النجدة ..."
كانت تصرخ وهي تهجم على من يسحب كهرمان بقوة وقد كادت تدمي وجهه، تحاول تحرير كهرمان منه برعب حين رأت وجهها الذي أضحى باللون الاحمر وكأن الدماء تجمعت به، لتبكي بخوف وهي تصرخ برعب :
" ليساعدنا أحدكم، النجـــــدة، تميم ...تميم يا ويلي، دعوها لعنة الله عليكم ."
لكن ما كان من الرجال إلا أن سحبها أحدهم بقوة من حجابها متسببًا في خروجه بين أصابعها وهو يدفع بها بقوة صوب أحد الأشجار مصيبًا إياها في رأسها بقوة، وهي لم تشعر سوى بغمامة سوداء تحاول الإحاطة بها، قاومتها وهي تتحرك صوب كهرمان باكية :
" كهرمان .."
وكهرمان شعرت بدمائها تجف في عروقها وهي ترى دماء برلنت تهبط على وجهها، أرادت المقاومة، هي تستطيع المقاومة، لكن تلك ...تلك النبتة التي استنشقتها، شلت جسدها، حاولت رفع ذراعها وهي ترى الرجل يمسك برلنت يضرب رأسها للمرة الثانية في الشجرة مسقطًا إياها ارضًا لتعلو صرخة مكتومة من فمها باسمها قبل أن تختفي عن أعينها...
" بــــرلنــــت......."
__________________
جميع الاسرار تصطف في خيط طويل، نحتاج فقط لسحب طرف الخيط لتتكوم جميع الحقائق بين أناملك....
وتذكر أنها حرب إما أن تنتصر أو تنتصر، لا خيار ثالث أمامك.....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الثلاثون 30 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم..
صلوا على نبي الرحمة
__________________
ثغر ملتوي وملامح منقبضة ونظرات حانقة، كان هذا كل ما ظهر من تبارك حين عودتها مع سالار من زيارة ذلك الشخص الذي لم تحتمل حقًا التحدث معه كلمة واحدة، يا الله أعان عائلته على هذا المتجبر الـ ...
توقفت أن الحديث فجأة تستدير صوب سالار وكأنها استوعبت للتو أمرًا ما :
" لِمَ منعتني من ذكر كهرمان أمام الملك !؟"
صمتت ثم قالت بتفكير وشك، وقد انتبهت وبشكل كبير للشبه الواضح في بعض الملامح حتى أنها كادت تُسحب من لسانها وتخبره أنه يشبه فتاة تعرفها :
" هل هناك علاقة تربطه بها، لا يعقل هذا الشبه في الأعين بينهما، عيونه تـ ..."
قاطعها دون الحاجة للحديث الطويل معها كارهًا أنها استطاعت النظر لعيونه فترة تسمح لها بتمييزها، ابتسم بسخرية يقول :
" هو شقيقها "
أطلقت تبارك شهقة مرتفعة وهي تتوقف فجأة بحصانها تنظر لظهره بصدمة كبيرة، كهرمان هي شقيقة الملك أرسلان ؟؟ إذن هي ...مهلًا شقيقة الملك ؟! هي أميرة ؟؟
" أميرة ؟؟ شقيقة الملك ؟!"
هز سالار رأسه وهو ينظر لملامح الذهول التي علت وجهها ليبتسم بسمة صغيرة على مظهرها، يتحرك بهدوء بعيدًا عنها لحثها على التحرك كي لا يدركهم الظلام :
" نعم هي شقيقته وهي أميرة مشكى "
" أميرة مشكى وتعمل كعاملة في القصر ؟! هل أخبرت الملك بهذا الأمر؟ هل يعلم أن شقيقته موجودة في سفيد كعاملة ؟!"
" لا، لم أفعل فأرسلان شخص عنيد ذو رأس متحجر، إن علم أن شقيقته تحيا أسفل سماء سفيد كعاملة سيأتي ليحطم القصر فوق رؤوس الجميع وينتزعها منا بالقوة "
نظرت له تبارك ثواني وقد شردت وهي لا ترى الطريق الذي يسير به فرسها، تقول بصوت خافت :
" يبدو أنه يحب شقيقته كثيرًا "
هز رأسه يقول بصوت عادي وقد غفل عن نظراتها تلك :
" نعم، أكثر مما تتخيلين، هذه روح أرسلان التي تتحرك خارج جسده، هو من اعتنى بها واتخذها ابنة حين بدأت تعي لما يحطيها، على كلٍ معرفة أرسلان بوجود كهرمان الآن وهو في هذه الحالة لن يتسبب لنا إلا في مصائب فقط "
كل تلك الأحاديث لم تعي منهم تبارك شيء، لم تعي فقط سوى لشيء لم تنتبه كل هذه السنوات، هي يومًا لم تمتلك شقيق، ربما لو كانت تفعل لاختلفت العديد من الأمور، ربما كان حماها، دافع عنها، ربما ...
وسالار الذي أبعد عيونه عن الطريق يلقي لها نظرة متعجبة من صمتها الغريب ذاك، صُدم لرؤية دموعها تسيل على وجهها :
" مولاتي ؟؟؟"
لا ليس الآن رجاءً، دعني ارثي حياتي ووحدتي بعيدًا عن صوتك الهامس بهذه الكلمة، ابتلعت ريقها تقول بصوت خافت :
" نعم ؟؟"
" هل أنتِ بخير ؟؟ "
" نعم أنا فقط كنت....كنت أتساءل أنني احتاج في حياتي لشخص كالملك أرسلان"
انتفض جسد سالار بقوة وهو ينظر لها بشر يشدد من إمساك اللجام الخاص بحصانه، وقد توقف فجأة بشكل آثار ريبتها تكمل جملتها المعلقة :
" أو أنني احتاج لشقيق، ليس شرطًا أن يكون مثله، فقط احتاج لشقيق يساعدني ويخبرني أن كل شيء سيكون بخير "
صمتت ثم نظرت له بأعين باكية تهمس برجاء :
" هل يمكنني ؟؟"
" لا أعلم ولا أعتقد أنه يمكنك ذلك حقًا، فأنتِ وإن لم تمتلكِ شقيق لكِ، فلا مجال لتعاملي أحدهم كشقيق، فجميع الرجال بالنسبة لكِ عدا محارمك هم خطوط حمراء "
" حتى أنت؟؟ أنت معلمي "
نظر لعيونها ثواني يقول بصوت خافت :
" خاصة أنا..."
ختم حديثه يزيد من سرعة حصانه بعيدًا عنها تاركًا إياها في حيرة شديدة وهي تود معرفة مقصده، ما الذي يعنيه بخاصة أنا؟!
زادت من سرعة حصانها تحاول اللحاق به وهي تقول :
" ماذا عن كهرمان ؟؟"
نظر لها بعدم فهم لتوضح له :
" لا يعقل أن تكون أميرة وتعاملونها كعاملة في القصر، هي تستحق أن تُعامل كملكة و...."
توقفت عن الحديث وكأنها تزن الأمور في عقلها، ثم قالت بجدية :
" أو لا، لا داعي لتُعامل كملكة، أنا عارفة معاملة الملكات عندكم، عاملوها كعاملة اكرم ليها والله "
رفع سالار حاجبه باعتراض وهو يقول ببساطة :
" لا تقلقي فإيفان لا يعاملها كعاملة، بل يوفر لها دون أن تشعر كل الرفاهية التي قد تسهل حياتها، دون أن تعلم أنها كُشفت "
" وهذا سؤال آخر، لماذا لم تذهب للملك وتطلب منه اللجوء والحماية بدل من التنكر في زيّ عاملة و.."
قاطعها سالار يعلم أنه إن فتح لها المجال للتعمق في هذا الحديث فلن ينتهوا ولو مكثوا يومًا كاملًا .
" حسنًا لنقل أن هذا الأمر معقد بعض الشيء، وأنتِ في غنى عن معرفة كل هذه الأمور، لكن لنختصر الحديث بأن إيفان وارسلان كانا اصدقاء وحدث خلاف بينهما تسبب في كل هذه الفوضى "
نظرت له بفضول وهو نجح في كبحه حين قال ببسمة صغيرة كمن يتعامل مع طفلة ويحاول صرف انتباهها عن خروج والدتها دونها :
" إذن يبدو أنكِ تتقنين حقًا عملك، أنتِ بارعة عليّ الاعتراف"
حسنًا هذا أكثر مما انتظرت حقًا، ابتسمت له بسمة واسعة صافية سعيدة، لتلتمع أعين سالار بقوة حين رأى سعادتها تلتمع في عيونها تقول بجدية :
" حقًا؟؟ أوتعلم لقد كنت من أكثر الممرضين براعة في المشفى بأكملها، في يومٍ ما حينما كنت اعمل في الطوارئ جاء العديد من الأشخاص في حادثة سير و...."
انجرفت تبارك في حديث طويل تحت أعين سالار الذي كان يتابعها ويتفاعل معها دون وعي، يبتسم تارة بفخر، وتارة أخرى يلوي ثغره بعدم رضا، وتارة يدقق في حديثها وكأنه سيُسئل فيه بعد انتهائها ..
حوار طويل دار من جهة واحدة، جهة تبارك التي أخذت تقص عليه ما مرت به وكأنها لا تصدق أن أحدهم اهتم بسماع قصصها وكفاحها، حوار من طرفها وانصات من طرفه .
وسالار هذا الرجل الجاد الذي لم يكن يطيل الحديث أو يهتم بالأحاديث الطويلة، ها هو قضى طريقه بأكمله يسمعها باهتمام شديد سلب قلبها، هناك من يهتم بسماع احاديثها المملة، بل ويناقشها فيها ..
" هذه رفيقتك مخطئة وأنتِ محقة، إياكِ أن تتنازلي لحظة واحدة عن مبادئك لأجل شيء، أحسنت "
نظرت له ببسمة سعيدة، منتشية بتشجيعه :
" شكرًا لك يا قائد، أنت حقًا ...."
عجزت عن إيجاد كلمة تُقال فاكتفت بـ :
" قائد رائع، ومعلم جيد ..."
هز رأسه لها بهدوء، ثم نغز حصانه بخفة يستعد لسباق آخر:
" إذن لنسرع قبل أن يجن الليل علينا ....."
__________________
دارت في المكان بأكمله بحثًا عنهما، لكن لا شيء، وكأن الفتاتين تبخرتا في الهواء.
شعرت زمرد بالغيظ الشديد وهي تتحرك بعيدًا صوب حجرتها، لكن وقبل أن تفعل أبصرت بوابة القصر تُفتح ويدخل منها حصان يستقر أعلى ظهره امرأة، ركضت بسرعة صوبها وهي تأمل أن تكون كهرمان ولا تدري حقًا السبب الذي سيجعل كهرمان تمتطي خيلًا هنا، لكن كان أمل وتلاشى بمجرد رؤيتها لاعين الفارسة والتي لم تكن سوى تبارك .
تحركت بسرعة خلف الحصان والذي كانت تبارك تتحرك به بعيدًا صوب الاسطبل، لكن وقبل أن تلحق بها، أبصرت سالار يدخل القصر لتتعجب من الأمر :
" هل كانت تبارك رفقة قائد الجيوش ؟؟"
ورغم تعجبها إلا أنها تحركت بسرعة صوب الاسطبل متجاهلة كل تلك الأسئلة، تقول بصوت مرتفع وصل لتبارك دون الاهتمام أنها من المفترض تتحدث مع الملكة :
" تبارك، هل رأيتي الفتيات اليوم ؟؟ "
نظرت لها تبارك وهي تترجل عن الحصان تسلمه لعامل الاسطبل، ثم اقتربت من زمرد تقول بعدم فهم :
" لا لم أفعل، لماذا ؟؟ ألا تسيرون طوال الوقت معًا ؟؟"
أجابت زمرد بملامح متغضنة :
" لقد تركتهم منذ ساعات للقيام ببعض الأشياء والآن لا أجدهم لا في الغرفة ولا في غيرها، ولا ادري أين هما "
نزعت تبارك اللثام كي تتنفس براحة :
" يمكنك البحث عنهما في أماكن الجلوس المعتادة لكم، لربما ذهبا للسير أو ما شابه "
تنفست زمرد بصوت مرتفع قبل أن تقبض على يد تبارك تجذبها خلفها مجبرة وهي تقول :
" حسنًا اتبعيني سوف نرى أين يمكن أن تكونا "
سارت خلفها تبارك مرغمة رغم حاجتها للراحة، لتقابل أثناء ذلك سالار الذي كان يتحرك صوب الاسطبل بحصانه، والذي رمقهما بتعجب وهي لم تنظر صوبه تقول بصوت منخفض :
" حسنًا زمرد يمكنك ترك يدي لن اهرب، جذبك لي بهذا الشكل يهز من صورتي كملكة، وهي في الأساس مهتزة"
نظرت لها زمرد من خلف اللثام بغيظ :
" سيري خلفي دون هذه الأحاديث الفارغة، ملكة وأميرة، هذه المسميات لا تسير عليّ ولا اهتم بها، احتفظي بها لمن يخشاها "
التوى ثغر تبارك تخطو معها الحدائق التي تجلس بها الفتيات عادة، مرددة بحنق شديد :
" لا عزيزتي لا أحد يخشاها هنا "
بدأت تبارك تنظر حولها تبحث عن أي أثر للفتيات، وزمرد ما تزال تأسر يدها حتى ملت هي ذلك الحال تجذب يدها بحنق تفركها :
" يا فتاة لن اطير من أمامك ما بكِ ؟؟"
" فقط أبقي جواري لا ينقصني أن تضلي أنت الأخرى مني وأبحث عنكِ واظل وحدي "
حدقت بها تبارك بتعجب :
" أتخشين الوحدة ؟؟"
اجابتها زمرد بكل بساطة وهي تتحرك في الحديقة :
" بل اكرهها وبشدة "
ختمت حديثها تتحرك في المكان وهي تجذب خلفها تبارك التي بدأت تتذمر، مخبرة إياها أن تتركها كي يتفرقوا وتبحث معها، بهذا الشكل لن يصل الاثنان لشيء و...
فجأة توقفت تبارك عن الحديث بصدمة تهمس بعدم تصديق لما ترى :
" برلنت ؟؟ "
استدارت لها زمرد بسرعة :
" أين ؟؟ أين تلك الـ ..."
ولم تخرج باقي الكلمة لتظل عالقة على بوابة فمها حين أبصرت جسد برلنت الملقي ارضًا والدماء تحيط بها وقد بدأت الأرضية تمتصه من حولها، شحب وجه زمرد وهي ترتجف مما ترى تتحرك بصدمة صوب جسد برلنت :
" برلنت ؟؟ برلنت ؟؟ يا الله برلنت ؟؟ برلنت ما الذي ...من ...من فعل بكِ هذا؟؟ يا ويلي من فعل هذا بكِ بيرلي، يا ويلي برلنت "
انهارت زمرد ارضًا بسرعة وهي تولول برعب تجذب لها جسد برلنت تحاول أن تجعلها تفيق :
" برلنت ...هيييه ما بكِ من فعل بكِ هذا ؟؟ برلنت لماذا لا تتحدثين يا ويلي تحدثي، برلنت "
بدأت زمرد تدخل في حالة هيسترية وهي تحاول أن تجعلها تفيق، بينما تبارك في هذه اللحظة شعرت بالتوتر والرعب وهي ترى تلك الصغيرة التي كانت تضج بالحياة شاحبة الوجه كالأموات غارقة في دمائها، اقتربت منها بسرعة تحاول الرؤية من بين دموعها تتحسس نبضها والذي كان ضعيفًا :
" هي حية، زمرد ساعديني لننقلها إلى المشفى، زمرد ساعديني لأخذها للمشفى ارجوكِ "
لكن زمرد كانت فقط تضم برلنت وهي تتحدث معها برعب تسألها أن تكون بخير وتسألها عن كهرمان ولا تجيب تبارك بكلمة ..
لتنهض الأخيرة بسرعة متراجعة وفي ثواني كانت تركض بسرعة مخيفة تبحث من بين دموعها .
تحركت وهي تسأل الجنود بلهفة عن مكان صانع الأسلحة ليشير البعض منهم متعجبًا حالتها صوب قاعة العرش، ودون تفكير اقتربت هي من قاعة العرش تفتح الباب بقوة دون الاهتمام لا بالجنود أو بأحد تصرخ برعب باكية ..
صرخة جعلت جسد سالار ينتفض بشكل مرعب وهو ينظر صوب الباب يهتف بصدمة من مظهرها وبقع الدماء التي تزين فستانها :
" مولاتي ؟؟ ما الذي حدث ؟!"
وإيفان الذي لا يفهم ما يحدث تحرك بعيدًا عن مقعده صوبها بلهفة يهتف باسمها في شكل جعل سالار يشعر بشعور سييء للغاية متراجعًا للخلف بعض الخطوات مع الاحتفاظ بمسافة تتيح له إمكانية رؤيتها وسماعها .
وتبارك لم تنتبه لكل ذلك بل تحركت بسرعة صوب تميم الذي لم يكن يفهم ما يحدث تقول ببكاء مشيرة صوب الباب:
" تميم ...برلنت هي ..في الحديقة الجانبية غارقة في دمائها، أحدهم أصابها بشكل سييء و..."
وفورًا انتقل كامل الزعر والخوف لتميم الذي شعر أن صوت تبارك قادم من بئر سحيق، وجسده تلقى إشارة من عقله بالهرولة، الهرولة بشكل مرعب صوب الخارج لا يرى أمامه شيء وقد أصبح وجهه يحاكي الموت دون حتى أن ينتظر ليعلم ما حدث منها .
قلبه يرتجف وشعور سييء أصابه، ليس بيرلي ليس هي ...
بينما سالار نظر لتبارك الباكية لا يعجبه أن تنهار بهذا الشكل أمام أحد، الجميع يتابع بشفقة وهو لا يحب هذا، أن يرمق أحدهم ضعفها ويرميها بشفقة هذا لا يعجبه البتة .
تنحنح يقول بصوت جاد :
" مولاتي، هل يمكنك اخبارنا ما حدث ؟؟"
رفعت عيونها له بلهفة تقول :
" لقد ...هو زمرد ..."
اعتدل دانيار في وقفته يقترب من تبارك دون وعي هامسًا برعب وريبة :
" زمرد ؟؟ هي بخير ؟؟"
ولم يهتم لنظرات أحد حوله وهو يرتقب كلمات تبارك بلهفة والتي لم تتأخر وهي تقول من بين دموعها :
" زمرد بخير هي ..نحن كنا نبحث عن برلنت وكهرمان رفاقنا، لكننا لم نجدهم في أي مكان وحين وصلنا الحديقة وجدنا برلنت غارقة في دمائها بهذا الشكل "
تحدث إيفان دون وعي وقلبه يضرب بقوة حتى شعر به يكاد يثقب صدره ويخرج :
" و كهرمان ؟؟"
رفعت تبارك عيونها له تهز كتفها ببطء :
" لا أحد يعرف أين هي، لقد ...اختفت ...."
_____________________
طرق الباب وانتظر ردًا بفارغ الصبر من الداخل وجاءه سريعًا ليبتسم وهو يتحرك بعدما فتحت له الباب تقول بصوت منخفض :
" تفضل، والدي ينتظرك بالداخل "
تحرك مهيار صوب البهو حيث يجلس والد ليلا، ينظر لها ببسمة صغيرة هامسًا :
" هل أنتِ بخير ؟؟"
نظرت له ثواني بحيرة وكأنها لا تفهم حديثه، حتى فجأة ابتسمت بسمة واسعة تقول :
" نعم أنا بخير، شكرًا لك سيدي الطبيب ..."
" مهيار "
نظرت له بتعجب وبدون وعي قالت وكأنها تسأله إن كان يقصد ذلك :
" سيدي الطبيب مهيار ؟؟"
ضحك مهيار بخفة بتقول بصوت خافت :
" بالطبع لا اقصد هذا، أقصد أن تناديني مهيار فقط ليلا "
نظرت له ليلا ثواني، ثم اخفضت رأسها بخجل تشير صوب البهو تقول :
" لا بد أن ابي ينتظر بالداخل سيدي "
ابتسم لها يتحرك حيث يجلس والدها والذي استقبله ببسمة واسعة يقول :
" مرحبًا يا بني، تفضل بالجلوس "
وبمجرد جلوسه تحركت ليلا بعيدًا لتحضر شيء تقدمه ضيافة لمهيار الذي وبمجرد ابتعاد لئلا تحدث بصوت منخفض :
" حسنًا سيدي لقد تحدثت مع ليلا واقنعتها بمحاولة العلاج، وأنا، حتى الآن مازلت أبحث عن أسباب لتلك التشنجات التي تنشأ في جسدها، وعما قريب سأجد حل لها، لكن ..."
صمت يقول بعد تردد قصير :
" أردت أن استأذنك لعقد قراني على ليلا، اريد أن اعاجلها دون أن أخشى قربًا منها، أو فتنة "
نظر له والد ليلا بعض الوقت قبل أن يتنهد قائلًا :
" لكن يابني أنت تعلم أن الأمر قد لا يُعالج و..."
" إن شاء الله ستُعالج يا عم، فقط قدم المشيئة وثق بالله عز وجل، أنا لن أتوقف عن البحث حتى اصل لسبب يساعدني في معرفة ما يحدث معها، لكني فقط اطالبك بليلا زوجة لي، ما رأيك يا عم ؟؟"
خرجت ليلا في هذه اللحظة تسير صوبهم ببسمة صغيرة تقدم لهم بعض المشروبات وبعض الفواكهة، نظرت لمهيار الذي ابتسم يقول بلطف شديد لها :
" شكرًا لك آنسة ليلا .."
ارتفع وجه ليلا له بتعجب وهي ترمقه مستنكرة عودته لهذا اللقب بعدما عزف عنه منذ ايام، وهو من طالبها منذ ثواني أن تناديه باسمه مجردًا، لكنها رغم ذلك ابتسمت له بسمة صغيرة :
" عفوًا ...سيدي الطبيب مهيار "
أنهت جملتها تستقيم للتحرك بعيدًا عنهم، لكن فجأة توقفت حين سماعها بصوت والدها يقول بجدية :
" مهلًا ليلا، هناك ما يجب التحدث به "
توقفت تنظر لوالدها بترقب، ثم تحركت عيونها صوب مهيار الذي كان يجلس بكل هدوء ينظر أمامه وهو يرتشف بعض العصير بثبات ورقي أشد، وكأن والدها لا يتحدث أو ما شابه، عادت بنظراتها لوالدها الذي قال :
" لقد قال مهيار قبل مجيئك أنه يحتاج لعقد قرآنه عليك "
وضع مهيار كوب العصير يقول بجدية مكملًا حديث والدها :
" صحيح، وكلما اسرعنا كان افضل"
رفعت حاجبها وهو اكمل ببسمة صغيرة :
" لأجل صحتك بالطبع "
ابتسم والدها يقول بأمل شديد:
" يقول أنه ربما هناك أمل في إيجاد علاج لحالتك يا ابنتي "
شعرت ليلا بالحنق والغضب الشديد، هي لا تريد هذا، أن تُبنى علاقتها من البداية معه على شفقة ومريض وطبيب، هذا الشيء لا تريده، هي تريد أن يكون مهيار عاشقًا لها، لا طبيبًا، ولأجل هذا قالت :
" شكرًا لك سيدي، أقدر لك صنيعك حقًا، لكنني لست بحاجة لأن تضحي بعزوبيتك لأجل معالجتي، يمكنك أن تكون طبيبي دون الحاجة لعقد القرآن"
ختمت حديثها تستأذن منهما راحلة بسرعة صوب غرفتها وهي تكاد تبكي، لكن فجأة توقفت حين سمعت صوته الذي جعل عيونها تتسع .
انتفض مهيار يقول بصوت حانق مغتاظ :
" هل أنتِ بلهاء يا امرأة ؟! وهل كنت على علم بحالتك قبل المجئ ؟؟ وهل ترينني اتزوج جميع مرضاي ؟؟"
صمت ثم صرخ بغضب من تصرفاتها الغبية وهو قد اتفق معها مسبقًا في المحل :
" يا ويلي لو أنني افعل كما اتهمتني منذ ثواني لكنت الآن متزوج من نصف نساء القصر وبعض العجائز في الطرقات بالإضافة لرجال الجيش اجمعين "
ختم حديثه بملامح مشمئزة غاضبة، وهي فقط تحدق فيه بأعين متسعة، تراه قد أنتزع عنه عباءة اللطف والرقة المعتادة يحدثها بهذا الشكل .
ووالدها يراقب ما يحدث دون معرفة إن كان يحتاج للتدخل أو لا .
ابتلع ريقه يقول بصوت منخفض :
" إذن يا ابنتي، هو محق، حين جاء كان يرغب بكِ زوجة له، والآن عرضه هذا ليس سوى تسريع فقط للزواج لأجل أن..."
قاطعه مهيار وهو يقول بصوت منخفض يصفف خصلاته بأصابعه:
" عفوًا على المقاطعة يا عم، لكن ابنتك لا تحتاج تبريرًا، اعتقد أنها اذكى مما تظهر الآن لنخبرها مبرر ما نفعل، لذا جهزها للزواج، سوف نعقد القرآن في مسجد القصر "
ولم تكد ليلا تتحدث، حتى قاطعها هو يقول ببسمة صغيرة :
" سوف اعود لاحقًا لتحديد موعد عقد القرآن وحتى ذلك الحين، ألقاكم على خير "
تحرك صوب الباب دون أن يمنح لأحدهم فرصة واحدة للاعتراض أو قول كلمة من شأنها تعطيل مخططاته، لكن فجأة توقف بشكل مفاجئ، يستدير لهما قائلًا :
"هل تعتقدون أنني كنت وقحًا منذ قليل ؟؟"
رمقه الاثنان بصدمة وبلاهة، وهو ابتسم :
" كنت صحيح ؟؟ حسنًا اعتذر لكما، أنا لست هكذا في العادة وانتم تعلمون جيدًا، هي لحظات نادرة تلك التي أفقد بها هدوئي، والآن أنتم لستم معترضين على ما قلت، ولا اجبركم صحيح ؟!"
وأحد لم يتحدث بكلمة واحدة، بينما هو ابتسم بسمة واسعة يقول :
" جيد إذن ألقاكم على خير غدًا ربما، أو بعد غد، لا أدري حقًا حينما ينتهي دانيار من مشاكله الشخصية وحياته المعقدة سأحضره لنحدد موعد عقد القرآن، وداعًا يا عم ."
ابتسم ينظر لليلا :
" إلى اللقاء آنستي ."
خرج تاركًا ليلا ووالدها ينظرون للباب ببلاهة شديد قبل أن يقول والدها بتردد :
" محترم هذا المهيار "
رمقته ليلا بتشنج ليبتسم هو متسائلًا بشك :
" أليس كذلك ؟؟"
هزت رأسها تقول بصوت منخفض :
" اعتقد هذا ..."
______________________
العربة تتحرك على طريق وعر، هي تشعر بهذا، ولا تعلم أين هي وماذا يحدث في هذه اللحظة، فقط وجع رأس كبير يلازمها، واهتزاز العربة بهذه القوة يؤذيها ..
ابتلعت ريقها تحرك عيونها في ذلك الصندوق المسجونة به، والذي كان عبارة عن عربة خشبية مغلقة من جميع الجهات .
تحسست ثيابها بسرعة على أمل أن تجد سلاح مخبأ بين طياتها، لكن أي أسلحة تلك وهي لا تحملها إلا عندما تواجه الملك .
فجأة سمعت صوتًا يأتي من الخارج لتتحرك بسرعة صوب أحد الجوانب ترهف السمع بانصات شديد لما يحدث في الخارج .
" إذن أين سنتركها ؟؟ "
" على حدود سبز سيتسلمها منا بعض الرجال لتنتقل خدمتها لقصر الملك بارق، وبهذا تبتعد دون أذية أحد"
شعرت كهرمان برأسها يدور وهي تعود للجلوس في العربة، تنظر أمامها بأعين زائغة، سترحل عن المملكة، سيأحذونها بعيدًا عن هنا، لكن لِمَ ؟؟ ما السبب الذي يجعل أحدهم يفعل ذلك مع خادمة ؟؟
هل سيأخذونها بعيدًا عن المملكة و.....رفاقها وكل من تبقى لها في هذه الحياة ؟؟؟
عند هذه الفكرة انتفض جسدها دون شعور وهي تطرق على الجدران الخشبية للعربة تتحدث بصوت مرتفع :
" أنتم في الخارج، دعوني ارحل، من أنتم ؟؟ سأشكوكم للملك، دعوني ارحل "
لكن حتى هذه الكلمات المهددة المكتومة، لم تهز منهم شعرة واحدة وهم يستكملون الطريق ببرود شديد، وهي في الداخل تكاد تحطم العربة لشدة غضبها، تتحرك دون هوادة صارخة بهم أن يدعوها ترحل ..
لكن هيهات ...
توقفت كهرمان عما تفعل وهي تضم جسدها لنفسها باكية بصوت منخفض، تشعر بالضعف، ربما هذا عقاب لها، أن مدت أعينها لما ليس لها، أو ربما هي تذكرة نجاة من إثمٍ وشيك .
" لقد تعبت، تعبت من التنقل هنا وهناك، من مشكى لسفيد ومن سفيد لسبز وغيرها، وكل ما أريده فقط أن أعود لبلادي، أريد العود لمشكى، أريد أن اتنفس هواءها، أن اتلمس طيف عائلتي بها، أمي، أرسلان... أين أنتما ؟؟"
__________________
استند على الفراش جواره بتعب ينهض عن سجادة الصلاة الخاصة به مستغفرًا ربه، يدعوه أن يعينه على أن يعود كما كان، لا يطمح سوى أن يمنحه الله القوى لنصرة الحق .
" يا الله رحمتك يا رحيم "
طوى أرسلان سجادته، ثم جلس على الفراش يدفن وجهه بين يديه يدعو لوالدته وشقيقته بالرحمة، وقلبه يأكله، ونفسه تطالبه ببكاء يريحه، لكن لا والله لن يبكيهم حتى يثأر لهم .
" بأي عين سأبكيهم وأنا لم احصل على قصاصهم بعد ؟؟ بعد كل ما حدث لي، لن يشفي صدري إلا القصاص ..."
استند على الفراش وعقله عرض له مشاهد انقاذه على يد سالار وتميم ودانيار ..
كان سالار وبعدما انتهى من الهجوم على مشكى وتعليم بافل ورجاله درسًا، بل وترك له رسالة ردًا على هجومه، وانتقم كذلك لإصابة تميم .
ها هم في طريقهم للعودة إلى سفيد، لكن وأثناء طريقهم ذاك، سمع الجميع صوت آثار انتباههم، وريبتهم .
نظروا لبعضهم وقد تحدث تميم بشك :
" هل هذه اصوات حيوانات ليلة ؟!"
نفى دانيار ذلك الاحتمال بجدية :
" بل اصوات خطوات بشرية، هناك أحد هنا "
ثواني هي حتى أخرج الثلاثة أسلحتهم وهبط سالار عن حصانه يشير لهم بالهدوء، يتحرك بحذر شديد صوب ذلك الصوت .
وعند الصوت كان أرسلان والذي اختفى جسده خلف دمائه، بعدما القى به جنود بافل الحمقى هنا، وتركوه دون أن ينفذوا اومر قائدهم بحرقه، ابتسم بسمة مخيفة، لا يدري عدد الساعات التي ظل بها مسطحًا دون القدر على التحرك، ساعات طويلة شعر فيها بروحه تُسحب شيئًا فشيء، حتى واخيرًا نطق الشهادة وغامت الدنيا حوله .
رحلة طويلة تنقل بها جسده بين منزل أحد الرحالة الذي قضى به أيام، وكذلك الغابات، حتى تحرك بغية الذهاب لسفيد فسقط على الحدود دون القدرة على الحركة، لتكون رحمة الله به أن أرسل له سالار..
شيء لم تصدقه عيون أرسلان الذي وحين أبصر وجهه شعر فجأة براحة كبيرة تملئ صدره وهو يهمس بصوت منخفض :
" سالار ..سالار "
الأمر كان بمثابة معجزة، أن يعثر عليه أحدهم هنا في هذا الليل لهي معجزة، فما بالكم حين يكون هذا الاحدهم رفيقه الذي كان يقصده .
في هذه اللحظة ومنذ بداية المعركة وما حدث له، ولأول مرة تسقط دمعة من عين أرسلان، ليس وجعًا أو حزنًا، بل عدم تصديق ولسانه يلهج بالشكر والحمد لله أن كان به رحيمًا، أكثر من رحمته هو بنفسه .
" سالار .. "
وسالار الذي أخترقت همسات غريبة أذنه، اسرع من خطوات بشكل جعل دانيار وتميم يرمقونه بعدم فهم .
تحدث تميم يمسك مرفق سالار :
" سيدي انتبه ربما كان فخًا "
لكن سالار أبعد يده بسرعة وقلبه يقرع بشكل مخيف، يتحرك بسرعة أكبر واقدام أكثر تلهفًا، يدور حول أحد الأشجار وهو يردد :
" هناك أحد يحتاج مساعدتي، اسمع صوت أحدهم يستغيث تميم "
نظر له دانيار بعدم فهم :
" لكنني لم اسمع شيء سيدي "
" لقد ...لقد ناداني باسمي دانيار، أحدهم يناديني "
وخلف الأشجار كان جسد أرسلان يقاوم للنهوض، يود التحرك ليخبرهم أنه هنا، أنا حي، امسك أحد الصخور وهو يرفعها بضعف، ينظر أمامه وعيونه لا ترى سوى اقدامهم، رفع الصخرة أكثر، ثم ألقاها بقوة بالقرب من الإقدام وانفاسه تضعف تدريجيًا نتيجة المجهود الذي بذله جراء تلك الحركة الصغيرة .
انتفض دانيار ينتزع سيفه وهو ينظر حوله بحثًا عن أي تهديد، لكن كل ما ابصره كان جسدًا متخفي في الظلام، همس بصوت مرتاب :
" سيدي يبدو أن هناك جسد ملقى ارضًا هناك "
استدار سالار بسرعة يحاول رؤية ذلك الجسد، وارسلان لم يكن يصدق ما يراه ويسمعه، سالار هنا، يا الله سالار هنا، حاول الزحف صوبه بضعف شديد وهو يهتف :
" سالار...سالار هذا أنا..."
وسالار الذي كان يحاول رؤية ذلك الجسد بشكل جيد، فجأة انتفض بشكل جعل تميم ودانيار يتراجعان بقوة وهو يركض صارخًا بلهفة ورعب :
" أرسلان ؟؟؟ أرسلان ؟؟ يا ويلي أرسلان، أرسلان أنت حي"
كان يركض بجنون حتى أنه تعرقل في أحد الاحجار ولم يهتم وهو ينهض مجددًا يركض صوب أرسلان يتلقف جسده يتأكد أنه ليس سرابًا، منذ ساعات كان يرثيه، والآن هو هنا أمامه ؟؟
مشاعر عدة تلبست سالار في هذه اللحظة ويده التي تضم جسد رفيقه ترتجف بشدة .
نظر له يترجاه ألا يكون سرابًا :
" أرسلان، أرسلان يا اخي أنت بخير ؟؟ أرسلان أنت حي ؟! "
كان يتحدث باكيًا دون شعور، بينما أرسلان مد يده يضعها على كتف سالار يرفع جسده مستندًا على عضده وهو يهمس بصوت منخفض وبسمة واسعة وقد بدأت أنفاسه تتلاشى :
" وهل ظننتم أنكم ستتخلصون مني بهذه السرعة ؟؟ ماذا أخبرتك أنا سالار ؟؟ موتي لن يكون بهذه الوضاعة "
ختم أرسلان حديثه قبل أن تسقط رأسه على كتف سالار الذي ضمه بقوة يمنح نفسه واخيرًا فرصة التنفس بحرية ....والبكاء، بكى بقوة وهو يزيد من ضم أرسلان يقول بحرقة وقهر :
" الحمدلله الذي اعادك لي سالمًا يا اخي، الحمدلله حتى تنقطع انفاسي، الحمدلله "
كان يتحدث وهو يرتجف من هول الموقف، ودانيار يقف جوار تميم لا أحد يفقه شيئًا مما يحدث، هل هذه معجزة التي تحدث أمامهم ؟؟
رفع سالار رأسه بقوة يقول للاثنين:
" ساعدوني، ساعدوني لحمله سوف آخذه لكوخ والديّ اعالجه هناك، لا أحد، لا أحد سيعلم بوجود أرسلان، لا اريد لأحد أن يعلم شيء بخصوصه ..مفهوم حديثي ؟؟"
هز الإثنان رأسيهما دون فهم لكل ذلك ..
أفاق أرسلان على صوت بعض الطيور حوله لينظر من النافذة بشرود، يشعر بشعور سييء، شعور أن هناك شيء يزعجه يحدث الآن، لكن أي شيء هذا ؟؟؟
___________________
" إن لم تجدوا الفتاة قبل أن يحل الليل فلا تعودوا للقصر، جدوها لي والآن..."
كانت صرخات إيفان ترن في أنحاء القصر والجميع يركض يمينًا ويسارًا بشكل مخيف، جُن الملك، وخرج واخيرًا عن طور هدوئه، الرجل الذي كان يستفز الجميع ببرودته في احلك المواقف، جُن واخيرًا .
يتحرك في طرقات القصر بشكل مخيف صوب جناحه تحرر من عبائته لا يطيقها على جسده، يتحرك هنا وهناك وهو يرى الجنود يركضون في القصر وقد أعلنوا حالة طوارئ قصوى .
قابل في طريقه والدته التي نظرت حولها بحيرة شديد تهتف بصوت مرتفع :
" إيفان ما الذي يحدث في القصر ؟؟ هل هناك هجوم علينا ؟؟"
لكن إيفان كان يتحرك دون أن يتوقف حتى للرد على كلمات والدته، وكل تفكيره ذهب أن أحد المنبوذين اسرها، يا الله أميرة مشكى وآخر من تبقى من العائلة المالكة وأمانة صديقه ضاعت من بين يديه، هو المخطئ الوحيد، هو الملام الوحيد، ما كان عليه تركها للعبتها الغبية تلك .
دخل جناحه وهو يتحرر من ثيابه محضرًا ثياب أخرى أكثر راحة كي يتحرك بها للبحث عن الأميرة المفقودة ..
في الوقت الذي سمع صوت الجنود في الخارج يأذنون لسالار بالدخول، لم يتحدث ولم يجبهم بكلمة حتى انتهى من ارتداء ثيابه، ثم أخذ يرتدي حذاءه وهو يقول بصوت هادئ :
" دعوه يدخل "
دخل سالار بسرعة للمكان يقول :
" مولاي "
رفع له إيفان رأسه يقول بجدية :
" إن لم تكن تحمل خبر مكانها للأميرة فلا أعتقد أن وجودك هنا في هذه اللحظة ضروري سالار "
اتسعت عين سالار وهو يرى حالة إيفان المريبة، يتحدث بصوت منخفض :
" لقد ابصر أحد الجنود منذ ساعة أو أكثر بعض جنودنا يتحركون بعربة مغلقة خارج القصر "
نظر له إيفان باهتمام شديد :
" و؟؟"
" نحن لم نرسل جنود لأي شيء في الخارج يستدعي التحرك بعربة خشبية مغلقة سيدي "
انتفض جسد إيفان يقول بتحليل سريع :
" تعتقد انهم اختطفوها في هذه العربة ؟؟"
هز سالار كتفه بهدوء :
" هذا احتمال سيدي وليس شيء أكيد"
حمل إيفان سيفه يدسه في غمده، ثم استقام يقول :
" وأنا لن انتظر الاحتمالات سالار، أنا أريد خبرًا أكيدًا، أين ذهبت تلك العربة ؟!"
نظر له سالار بشك كبير :
" لا ادري لقد ارسلت بعض الرجال لتتبع خط سيرها عن طريق الجنود المنتشرين في الطرقات العامة وغيرها، وارسلت أحدهم للحدود لمنع أي أحد من الخروج ايًا كانت هويته "
" هل تشك أنهم سيأخذونها خارج البلاد ؟؟"
اجاب سالار بصوت هادئ جاد عملي بشكل كبير :
" هذه احتمالات سيدي وأنا أحاول تضييق الخناق على من أخذها "
أعاد إيفان خصلاته للخلف بعصبية مخيفة :
" هل تأكدتم أنها خُطفت ؟!"
هز سالار رأسه بإيجاب :
" لقد أخبرتنا زوجة تميم أن أحدهم اخذها من أمام أعينها وحين حاولت المساعدة ضربوها بعنف في الشجرة "
حدق به إيفان قليلًا قبل أن يقول بهدوء بعض الشيء مشفق :
" كيف حالها، هل هي بخير ؟؟ "
صمت سالار ثواني قبل أن ينفي برأسه:
" لا اعتقد، فهي لم تتحدث كلمتين قبل أن تسقط في أغماءه ويبدو من ملامح الملكة حين رأت ما حدث أن حالتها لا تبشر بالخير و..."
صمت يقول بحزن شديد :
" تميم يرابط أمام غرفتها على وشك فقدان عقله وهو يرفض الحديث أو التحرك دونها "
انتفض قلب إيفان بقوة وهو يهتف بصوت حاد رغم نبرته الهادئة بعض الشيء :
" جدوا لي من فعل ذلك سالار، لن أرحمه أيًا كان الفاعل، سأقتص منهم لأجل تلك المسكينة التي تعافر للحياة، ولأجل ...الأميرة التي يعلم الله وحده أين هي الآن وما تعانيه "
هز سالار رأسه ثم نظر له بهدوء يقول :
" سنفعل مولاي، لن يهدأ لي بال حتى اجدهم..."
___________________
لا يعلم كيف صمد على قدميه حتى هذه اللحظة ؟! لا يدري حتى كيف حملها حتى هنا ؟؟ كيف استطاع جسده أن يتحرك خطوة واحدة وهو يحمل بين يديه حياته التي تنازع للحياة .
تقهقر تميم ببطء للاسفل ليجلس على الأرض وهو ينظر أمامه بتعب شديد، تلك اللحظة التي سمع بها كلمات الملكة وهي تخبرهم ما حدث لزوجته، انطلق بين الممرات كالقذيفة لا يبصر شيئًا أمامه، حتى وصل لها ليجدها تتوسط أحضان رفيقتها ودماؤها تحيط بها ..
شعر بالحياة تُسحب منه وهو يتنفس بشكل غير منتظم يهتف اسمها على أمل أن تفتح عيونها وتجيبه :
" برلنت ...بيرلي صغيرتي "
انتبهت له زمرد التي كانت تبكي، رفعت عيونها له تراه يحدق في جسد برلنت بشكل مثير للشفقة، كانت حالته مثيرة للشفقة وبحق .
ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض :
" لقد ...لقد كانت ..مُلقية ارضًا مضجرة بالدماء، ساعدها ارجوك "
وتميم الذي لا يعي مما حوله سوى رؤيته لجسدها ذلك، انحنى ببطء يجذبها من بين أحضان زمرد لاحضانه هو وذكرى أول مرة حملها في طفولتها تأتي في عقله .
همس بصوت متقطع مقهور :
" بيرلي صغيرتي .."
ضمها إليه ولا يدري كيف نهض وحملها وركض بها بين الممرات واقتحم المشفى وهو يصرخ باسم مهيار، لا يعلم كيف اصبحت على الفراش وهو يراقبها تتحدث بكلمات متقطعة .
لا يدري سوى أن أحدهم دفعه للخارج واغلقوا الباب، وها هو يجلس أمامه في انتظار أن يشفق عليه أحدهم ويخبره أن بيرلي بخير .
ويبدو أن ما تمناه حدث، إذ شعر تميم بصوت جواره يهتف بحنان :
" ستكون بخير يا اخي، لا تقلق ستكون بخير أنا أثق في ذلك "
نظر له تميم بملامح متغضنة يهمس بصوت موجوع :
" إن حدث لها شيء سألحق بها دانيار "
ضمه دانيار له بقوة يهتف يفزع لتلك الفكرة :
" استغفر ربك تميم، ستكون بخير، تفائل فيأتيك الله بالخير يا اخي، ستكون بخير، ستكون بخير، أنت قوي تماسك، ما بك وقد تلاشى تماسكك وقوتك ؟؟"
نظر له تميم بوجه حزين اسود مما رأى:
" أي قوة ترجوها مني، وحياتي في الداخل تنازع للحياة يا دانيار؟؟ أي تماسك هذا وانا على شفا جرفٍ من الضياع إن مسها سوء، هذه القوة في حروب الجسد، لكن الآن الحرب في قلبي دانيار "
اغمض دانيار عيونه يضمه له وعلى لسانه تدور كلمات أسرها في نفسه، ود لو يخبره أنه يعلم كل ذلك، رغم أن وجعه هو لا يقارن بوجع تميم، فهو على استعداد للتخلي عن حبه لها مقابل أن يراها بخير أمامه، وعلى ذكرها بخير، لمحها تقترب من المكان بخطوات هزيلة وكأنها فقدت الحياة.
وحين وصلت له خصته بنظرات متوسلة :
" هل ...هل هي بخير ؟؟ "
رفع لها دانيار عيونه وود لو يريحها ويخبرها نعم، لكنه لم يشأ أن يعطها أملًا كاذبًا، فأكتفى بهزة رأس وكلمات قليلة :
" ستكون بخير، لا تقلقي ستكون بخير ..."
هزت رأسها تنظر حولها كالطفلة وكأنها تبحث عن شيء ما ليبتعد دانيار قليلًا عن تميم، ثم تحرك صوب إحدى الغرف وعاد لها يقول بصوت خافت وهو يحمل مقعدًا لها :
" اجلسي هنا "
نظرت له بتردد فمنحها بسمة حنونة جلبت الدموع لعيونها، وهزت رأسها ببساطة تجلس عليه أمامهم، وهو ابتسم لها بسمة صغيرة، ثم عاد ليجلس جوار تميم يكمل دوره كداعم لرفيقه :
" هيا تعال هنا .."
نظر له تميم يستند برأسه على كتفه، ولو رآهما أحد الآن لن يصدق أنهما من قادة الجيش الذين يعكفون على بث الحماس والقوى داخل صدور الجنود قبل أي معركة، مظهرهم الآن لا يعكس أيًا مما يفعلون عادة، بل كانا فقط كأي رجلين عاديين ...
في الداخل عند مهيار وتبارك التي كانت تساعده في تدارك الجروح التي تعرضت لها، قالت وهي تنظر صوبه بجدية :
" هل تعتقد أن هناك إصابات خطيرة ؟؟"
ترك مهيار ما كان يفعل وهو ينظر لوجه تبارك متحدثًا بجدية :
" لا، لا اعتقد، لكن يبدو أن الضربة كانت أقوى مما يمكن أن تتحمله هي، لذا أدى ذلك لتعرضها إلى تلك الإغماءة "
نظرت له بتردد وهي تمسح الدماء ثم بدأت تضع لها بعض الأعشاب التي أخبرها عنها مهيار :
" كيف تتأكد أنها ليست مصابة بنزيف داخلي ؟؟"
رفع مهيار عيونه لها يقول بجدية :
" لقد أجريت لها بالفعل فحص ولم أجد أي شيء داخلي قد يُشكل خطرًا عليها "
" فحصتها ؟؟ كيف ذلك ؟! لا اعتقد أنكم تمتلكون الأجهزة الخاصة بتلك الأمور "
ابتسم لها مهيار بسمة صغيرة وصمت وهي تعجبت صمته، تراه وقد بدأ يقطب لها الجروح العميقة وهي تتابعه تعطيه ما يطلب حتى تحدث بهدوء :
" ربما لا نمتلك تلك الأجهزة المتطورة التي أخبرني عنها صمود من قبل، لكننا نمتلك طريقتها في فعل ما نريد، ربما يومًا ما أطلعك على بعض اسرارنا الطبية مولاتي "
ابتسمت له تبارك بسمة صغيرة قبل أن تندمج فيما تفعل وبعد دقائق طويلة انتهوا واخيرا .
تنهد مهيار وهو يطهر يده قائلًا :
" لنتركها تستكين بعض الشيء، ثم نرى ما حدث معها "
هزت رأسها تقول بصوت منخفض :
" إذن طمئن تميم في الخارج فهو يكاد يجن، وانا سأذهب لأرى ما وصلوا له بشأن صديقتي "
خرجت من الغرفة بسرعة لتقابل زمرد التي انتفضت عن مقعدها تقول بلهفة كبيرة :
" تبارك ..كيف ..كيف هي برلنت ؟؟ هل هي بخير ؟!"
ربتت تبارك على ذراعها بحنان :
" لا تقلقي زمرد ستكون بخير إن شاء الله، الطبيب مهيار سيخبركم كل شيء يخص حالتها .."
نظرت زمرد خلف تبارك لتجد مهيار خرج وبدأ يتحدث عن حالتها، بينما تبارك انسلت من بينهم تتحرك خارج المكان وهي تفكر في من له اليد لخطف كهرمان ؟؟ كان القصر مقلوبًا رأسًا على عقبٍ .
وفي طريقها للقصر ابصرته يتحدث مع بعض الرجال بجدية كبيرة، ثم تحرك صوب الاسطبل لتعلم أنه على وشك الخروج، تحركت بسرعة كبيرة صوبه وهي تفتح فمها لتناديه لكن فجأة توقف عن الحديث حين أبصرت امرأة تتحرك خلفه صوب الاسطبل، وقد كانت تلك المرأة تنظر حولها بشكل مثير ..للشك .
همست تبارك بعدم فهم :
" من هذه المرأة التي تتبع سالار ؟؟؟"
______________________
تتحرك أمامه بدلال لا يليق سوى بها، ومن مثلها يستطيع التمايل بكل ثقة أمامه، الوحيدة التي استطاعت سلب لب ذلك الرجل الذي يقسم الجميع بصلابته .
مالت الفتاة بكل دلال وهي تنظر له تحرك خصلاتها وخصرها وتغني بصوتها الذي فتن جميع المحيطين بها، لكنها لم تعبأ لا لفتنة، أو لاثم، لا تعبأ لشيء سوى له ..
تحركت صوبه وهي تحرك يديها في الهواء بدلال وصوتها يعلو أكثر، تغمز له وهو يبتسم بسمة جانبية، وحين وصلت له مالت عليه تبتسم وهي تهمس له ببعض الكلمات ليطلق ضحكات مرتفعة .
ابتعدت تكمل رقصتها وتدور في المكان والعيون تدور معها، قبل أن تصطدم في أحدهم ليتوقف جسدها عن الدوران، نظرت لصاحب ذلك الجسد الصلب والذي نظر لها ببرود شديد ينفضها بعيدًا عنه بإشمئزاز شديد كما لو كانت حشرة، يتحرك صوب المقعد الذي يتوسطه بافل ..
وبافل بمجرد أن لمحه ابتسم بسمة واسعة يرحب به بيدين مفتوحتين :
" مرحبًا بصديقي العزيزي، أنرت مشكى "
رمقه الرجل بكره وغضب يقول :
" توقف عن هذه الأفعال فهي لا تليق بك بافل، وتحرك معي بعيدًا عن قذارتك تلك للتحدث "
نظر بافل حوله برجاله الذين يحتفلون بكل سعادة :
" يا لك من صاحب قلب تقي، تخشى المعاصي ويدك ملوثة بالدماء ؟!"
اتسعت عين ذلك الرجل وهو يصرخ بصوت مرتفع :
" إن لم تتحرك معي الآن للانتهاء من كل تلك الالاعيب القذرة اقسم أنني سأتركك وارحل "
ابتسم بافل ينهض عن العرش وهو يتحرك له وعيونه ما تزال مثبتة على الفتاة التي كانت تنظر بغضب للرجل، فقد كان ذلك الرجل هو أول من يرفضها وهي التي ركض خلفها جميع الرجال من كبيرهم كوالد بافل لصغيرهم حتى شقيق بافل الاحمق تسيل لعابه لأجلها .
تحرك بافل معه وهو يهمس له :
" يبدو أن تجاهلك أزعج الغالية موري "
ابتسم الرجل بتقزز :
" معذرة لموري، فأنا متزوج ولا أحبذ التعامل مع المخلفات "
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عن هذا المكان تاركًا الجميع خلفه ليطلق بافل ضحكات مرتفعة يغمز لموري، ثم مال عليها يهمس بعض الكلمات وبعدها ابتعد حين تحولت ملامحها شيئًا فشيء للرضى..
تحرك بافل خلف ذلك الرجل وحين ابتعدوا عن الضوضاء أشار بافل له بالجلوس، ثم قال دون مقدمات :
" إذن هل وصلتك رسالتي ؟؟"
" بشأن هذا بافل .."
ابتسم له بافل بسمة صغيرة يقول وهو يتذكر كلمات سالار له، كلمات أعجبته وتمنى لو يكون له فرصة يرددها بها وها هي أتته، كان كما لو أنه يسعد بترديد كلمات من شأنها إعطاءه هيبة لا يمتلك القليل منها :
" سيد بافل بالنسبة لك يا عزيزي "
ابتسم الرجل بسمة جانبية :
" اسمع يا حقير، هذه الأمور لا تسير عليّ، منذ متى كان أصحاب الدرجة الدنيا امثالك أسياد لنا نحن الملوك ؟؟ ليس لأنني لوثت يدي يومًا بوضعها في خاصتك تظن أنك سترفع رأسك في وجهي، قسمتها لك لو فعلت "
ختم حديثه وهو ينظر له بقوة ليتأتأ له بافل وهو يعود بظهره في برود شديد للخلف :
" يا رجل هؤلاء الملوك أصحاب كبرياء مزعج، أنت تشبه ذلك الرجل أرسلان، وكذلك إيفان وسالار، مزعجين، هذا الكبرياء الذي تتعالون به لن ينفعكم مقدار شعرة أمامي، حسنًا دعنا من الحديث عن الملوك ولنتحدث عن الممالك "
ابتسم له الرجل يقول بصوت خافت :
" العيد الوطني .."
اتسعت بسمة بافل بشدة وهو يميل على الطاولة ينظر في عيونه بشكل مريب :
" نعم ؟؟"
" سندخل سفيد في العيد الوطني .."
ضاقت عين بافل وهو يقول بصوت خافت :
" وجيشك ؟؟ "
" سيندس بين رجالك للدخول هناك "
صمت ثواني ثم قال بسخرية :
" أتعتقد أن رجالك سيستطيعون أن يتحركوا خطوة داخل سفيد دون مساعدة من رجال كرجال جيشي ؟؟ انت بالطبع تمزح، لو أنني اعتمدت عليك، ما كان أرسلان ترك منكم حشرة حية، رجالك لا يستطيعون التقدم خطوة دون أن يتساقطوا واحدًا تلو الآخر "
ضحك بافل بصوت صاخب :
" نعم نعم، علمنا أن رجالك في غاية البراعة، لكن رجالي عددهم يفوق خاصتك، فلا تخبرني أن عدد الرجال الذين تمن عليّ بهم هم سبب النصر "
نظر الرجل في عيونه يقول بجدية وبصوت واثق :
" رجالك مجرد حشرات تلتف حول الجيوش لتشتتهم، بينما عمليات الاقتحام والقتل يقوم بها رجالي المدربين، فلا تتفلسف أمامي الآن بهؤلاء الحشرات "
" أنت كررت هذه الكلمة مئات المرات أمامي، وأنا أمررها لك مولاي، لكن لا اعتقد أنني سأكون من الصبر لتحمل كل هذا الاحتقار الذي ينطق به وجهك"
ضرب الرجل الطاولة بقوة وهو يقول بصوت صارم قوي :
" سيكون عليك فعل ذلك، فأنا إن انسحبت من هذه الحرب لن يصمد رجالك أمام جيش سفيد لخمس ثوانٍ فقط "
وبهذه الكلمات أعلن الرجل انتهاء الاجتماع بلا مقدمات أو كلمة إضافية يرحل عن بافل الذي ابتسم يقول :
" يا الله من هؤلاء الملوك المتعجرفين ؟؟ صبرًا حتى أدفن رؤوسكم واحدًا تلو الآخر في الرمال، ننتهي من سفيد ويحين دورك ومن بعدها ستكون المملكة الأخيرة اسهل من فرقة إصبع "
_____________________
شعرت كهرمان بعد ساعة أو أكثر بتوقف السيارة بشكل مفاجئ لتعلو ضربات قلبها وهي تتحرك بسرعة صوب مقدمة الصندوق الخشبي تحاول النظر من بين فتحاته الضيقة لتبصر أجساد تخيم عليها ..
نظرت بشكل جيد تلاحظ أن هناك بعض الجنود يقفون أمام العربة ..
وصوت أحدهم يهتف بقوة :
" إلى أين ؟؟"
ارتفع صوت رجل في المقابل :
" نحن ذاهبون بشيء لملك سبز "
نظر حراس الحدود لبعضهم البعض قبل أن يشير أحدهم صوب العربة :
" ما الذي تحمله في هذه العربة ؟! افتحها "
توترت ملامح الجنود الذين يقودون كهرمان خارج المملكة، وابتلع أحدهم ريقه بشكل أثار شك رجال الحدود ليهتف أحدهم بصرامة :
" افتح هذه العربة الآن"
منعه أحدهم هاتفًا بقوة :
" لا تأمرني فنحن بنفس الرتبة، وهذه العربة خرجت بأمر ملكي "
ابتسم له الحراس بشكل مقيت يتحرك صوب العربة هاتفًا بكل غيظ :
" وهذا التفتيش بأمر من الملك شخصيًا، لا اعتقد أن هناك أوامر تعلو فوق أوامر الملك "
ختم حديثه يتوقف جوار العربة يأمره بفتحها وقبل أن يتحدث أحد الرجال بكلمة يمنع بها فتح السيارة وصل لهم صوت طرق من الداخل و كهرمان تصرخ بصوت مرتفع :
" أنا هنا ...افتحوا لي العربة، ساعدوني، ساعدوني"
اتسعت أعين الرجال بصدمة كبيرة ونظروا صوب الحراس الذين يقودون العربة وفي ثواني ارتفعت السيوف في وجوههم يصرخ قائدهم:
" افتحوا هذه العربة "
انتفضت الأجساد وتحرك أحد الحراس بسرعة للهرب بالعربة، لكن لم يكد أحدهم يمسك لجام الفرس حتى جذبه أحد الرجال بملامح محتدة :
" ألم تسمع القائد ؟؟ أخبرك أن تفتح العربة "
عانده الحارس وهو يخبره بغيظ :
" هذه العربة مغلقة ولن يتم فتحها إلا في سبز هذه أوامر ملكية "
" وأنا أخبرك أنك ستفتح هذه العربة، وهذه أيضًا أوامر ملكية..."
ولم تكن الجملة الأخيرة صادرة من أحد الحراس، بل كانت صادرة من الملك شخصيًا والذي بمجرد أن علم أمر العربة تحرك بسرعة حين اخبره الحراس وجهتها .
التفت جميع الحراس له وانحنوا له بعض الشيء باحترام شديد .
وهو نقل نظراته بينهم وبين العربة يقول بصوت صارم حاد :
" افتحوا هذه العربة والآن .."
ابتلع الرجال ريقهم بريبة شديدة، قبل أن يحاول أحدهم الاعتراض :
" لكن مولاي هو ..."
انتفضت الأجساد فجأة على صرخة إيفان الذي قال بصوت مرعب :
" اخبرتكم الآن......."
وهذه الصرخة لم تتسبب في انتفاضة أجساد الرجال فقط، بل كان لها تأثير على جسد تلك المسكينة التي تقبع داخل العربة، تحركت كهرمان بلهفة وهي تطرق من الداخل صارخة بصوت مرتفع :
" مولاي ...مولاي ساعدني، أخرجني من هنا، مولاي أنا هنا "
انتفض قلب إيفان بقوة واختض في موضعه وهو يسمع صوتها الملتاع، هبط عن حصانه وهو يتحرك صوب العربة، ثم نظر للرجل يصرخ في وجهه بجنون :
" افتح هذه العربة اللعينة الآن"
فزع الرجل يتحرك بسرعة صوب العربة وهو يحاول أن يتماسك، رفع سلسلة المفاتيح الخاصة بالعربة وهو يتحرك صوبها .
مد يده يفتح الباب الخاص بتلك العربة والتي كانت أشبه بصندوق خشبي، وبمجرد فتحه قفزت كهرمان منه بسرعة كبيرة ..
وبمظهر مزري جعل أعين إيفان تتسع بشر وجسده يرتجف بغضب وهو يستدير صوب الجنود الذين نظروا ارضًا .
ابتسم بسمة مرعبة يقول لهم بصوت أثار في نفوسهم هلع :
" سوف أحيل المتبقي من حياتكم لجحيم ..."
ارتجفت الأجساد برعب شديد، يدركون أن الملك لا يقول كلمات فقط، اقترب منهم إيفان خطوات جعلت أجسادهم تتراجع للخلف وهو توقف أمامهم يقول بصوت هادئ يخفي الكثير خلفه :
" لكن وبإعتباري ملك رحيم، سأمنحكم طريق العودة للقصر فرصة للتفكير في حجج قد ترحمكم من عقابي، وصدقوني هذا لن يكون سهلًا، أو بمعنى آخر سيكون مستحيلًا، فما فعلتم لن اغفره لكم "
رفع أحدهم رأسه في وجه الملك يقول بصوت مرتعب :
" مولاي نحن، اقسم أننا لم نقصد ذلك هذه أوامر .."
نظر لهم إيفان بعيون ضيقة وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة واحدة سمع إيفان صوت سيفه يسحب من غمده، وحين استدار رأى كهرمان ترفع سيفه وهي ترفعه على رقاب الرجال بشكل جعله يفتح فمه منبهرًا :
" اقسم أن رقابكم تلك لن تكفيني إن مسّ رفيقتي سوءً "
صرخت بصوت مرتفع جنوني :
" سأخذ القصــاص بيديّ هاتين، لقد تركتموها غارقة في دمائها "
ختمت حديثها تضرب أحدهم بظهر السيف ليسقط ارضًا بقوة، ثم تحركت صوب الآخر تضربه بقدمها في معدته والثالث رفعت يدها تلكمه بقوة، ورغم أن عظام يدها آلمتها إلا أنها تنفست تستدير صوب إيفان الذي كان يرمقها بأعين غامضة ونظرات غريبة لها، وهي تجاهلت كل ذلك تقول بقوة دون أن تنحني نصف انحناءة حتى .
" أنت يا مولاي تتفاخر بعدلك وحكمتك، وأنا الآن اطالبك بعدلك، وأطالب امامك بقصاصي منهم "
نظر لها إيفان ثواني قبل أن ترتسم على فمه بسمة صغيرة يهمس لها بهدوء شديد وهو يميل لها ميلة بسيطة، ثم رفع عيونه لها بخبث :
" لكِ قصاصك لا ينقص مقدار شعرة، سمو الأميرة........"
___________________
تحرك داخل المكان بهدوء، ثم اغلق الباب خلفه ينزع حذاءه، واخيرًا صعد على الفراش جوارها يضم جسدها له بحنان شديد :
" كيف حال صغيرتي ؟؟ "
ولم يحصل على جواب يخفف وجع صدره ليميل مقبلًا رأسها وهو يهمس لها بصوت منخفض :
" لقد كنت سأخبرك اليوم أنني... أنني سامحت والدك، سامحته أمام الملك وتنازلت عن حقي ولن اطالبه بالقصاص، لكن تبقى عقابه على جرائم لا علاقة لي بها، و...لقد تنازل أبي أيضًا عن حقه، لقد أخبرته أن يأتي ويتنازل عن حقه أمام الملك .."
نظر لوجهها وهو يهمس لها بصوت مختنق :
" لقد علمت من والدك أنه لم يخبرك حقيقة ما حدث، لقد خدعك وخدعني صغيرتي، لكنني اسامحه لاجلك، لا أريد أن نبدأ حياتنا على رواسب الماضي بيرلي ..."
ابتسم يقول بصوت منخفض به غصة بكاء وخوف عليها :
" أبي حي بيرلي، هو لم يُعدم، و...الفضل لله ثم للقائد سالار والملك إيفان، هم وقتها من ساعدوني لاثبت براءته قبل تنفيذ حكم الأعدام في حقه ..."
ما يزال يتذكر ذلك اليوم، يوم الحكم على والده وانهيار والدته، ضمها له بقوة يبكي بجزع ورعب وهو يرى الجنود يسحبون والده لسجنه حتى وقت تنفيذ الحكم :
" اقسم لك مولاي أن والدي لم يفعلها، والله لم يفعلها، اعطني فرصة لاثبت براءته مولاي، هو فقط اوصل الرجال للمنزل ولم يعلم أنهم سيقتلون أحد، اقسم بالله أنه لم يفعلها مولاي "
كان يتحدث ببكاء وهو يضم والدته وشعور اليتم بدأ يأكل صدره، بدأ يبكي وهو يشعر بالهلع قد تمكن منه، سيفقد والده ويفقد سنده، هو يفقد عائلته الواحد تلو الآخر، اولًا بيرلي والآن والده، ووالدته التي سقطت ارضًا سترحل خلف والده .
انهار تميم وهو يشعر بالرعب يراقب عالمه ينهار من حوله، كل ذلك قبل أن يشعر بيد تجذب جسد ليقف وصوت يقول :
" وحّد الله يا رجل وتوقف عن البكاء لأجل والدتك "
رفع تميم عيونه الباكية يبصر شابًا يبدو في بداية العشرينات من عمره يرتدي ثياب الجنود ليهتف بصوت باكي :
" اقسم لك سيدي أن أبي لم يفعل شيئًا، ارجوك أنا لا امتلك غيره في هذه الحياة .."
ابتسم سالار بسمة صغيرة له يربت أعلى كتفه :
" تستطيع إثبات ذلك ؟!"
نظر له تميم بعدم فهم ولهفة ليمنحه سالار بسمة صغيرة قائلًا :
" يمكنني أن اتوسط لك عند الملك فيمنحك بعض الوقت لتثبت ذلك قبل تنفيذ الحكم "
مسح تميم عيونه بلهفة وهو يهز رأسه:
" نعم نعم، سأثبت ذلك، فقط اعطني بعض الوقت ارجوك سيدي "
ابتسم له سالار، ثم نظر بطرف عيونه خلفه ليجد إيفان ما يزال في مكانه وهو ينظر صوبه بفضول شديد وبسمة صغيرة، فتحدث سالار لتميم :
" يبدو أنني لن احتاج للتوسط لك عند الملك "
رفع تميم عيونه له بتسائل ليشير سالار صوب إيفان الذي نظر له بهدوء دون أن يظهر أي شفقة أو تعاطف، لكن ثواني هي وابتسم بسمة صغيرة يرحل وكأنه بتلك النظرة منحه موافقة على شيء لا يعلمه تميم .
ولم يكن تميم مهتمًا بذلك إذ قال بسرعة :
" سوف احضر لكم دليل براءة أبي، شكرًا لك سيدي اقسم أنني أدين لك بحياتي "
ربنا سالار على كتفه :
" أنا لست سيدك، حين تأتي للعمل معي بالجيش حينها أصبح سيدك "
" الجيش ؟؟"
" ألا تريد أن تصبح جزءًا من جيش البلاد يا فتى ؟!"
اتسعت أعين تميم دون فهم ليبتسم له سالار يلاحظ بنيته القوية وهو ما كان يومًا ليخطأ وجهة نظره، يشير خلفه وهو يقول :
" اقترب دانيار .."
نظر تميم بتعجب صوب الخلف ليجد شاب تقريبًا من عمره يقترب منه، شاب تعرف عليه بسرعة وكيف لا وهو نفسه دانيار صديقه القديم الذي انتقل من جوارهم.
ابتسم دانيار حين رأى تميم ليقول سالار :
" دانيار هو من طلب مني أن اساعدك، يبدو أن مكانتك كبيرة عنده ."
نظر تميم صوب دانيار الذي ابتسم له بشوق يقول :
" كيف حالك تميم ؟؟"
انقض تميم دون كلمة على دانيار وهو يهتف بلوعة باكيًا :
" دانيار، يا الله دانيار اشتقت إليك يا أخي، أين ذهبت وتركتني وحدي؟!"
ضمه دانيار له يقاوم بكاءه، فحين أبصر انهياره ركض بسرعة صوب سالار والذي كان ذو رتبة عالية بعض الشيء في الجيش والذي يدرك قربه من الملك، يتوسله أن يساعد رفيقه، ويقسم له أن والده ما كان ليرتكب مثل هذه الجريمة .
ابتسم سالار لهما يتركهما بعدما قال بهدوء :
" سأذهب أنا.."
نظرت له والدة تميم بامتنان شديد :
" ليرح الله قلبك يا بني، عسى الله أن يرزقك الخير"
ابتسم لها سالار ينحني لها انحناءة صغيرة، ثم تحرك بعيدًا عنهم ..
لا ينسى تميم ذلك اليوم الذي كان بداية تعرفه على القائد والملك وبداية عودته لرفيق طفولته دانيار، بداية تغير حياته، وانضمامه للجيش بشهادة من دانيار أنه يجيد أي شيء يدوي وبمهارة ..
ابتسم تميم ينظر صوب برلنت يقبل رأسها:
" فقد استيقظي فأبي وأمي يشتاقون لزوجة ابنهم، هم ينتظرونك حبيبتي ..."
ختم حديثه يضمها له مقبلًا رأسها بحنان شديد :
" استيقظي وسيصبح كل شيء بخير صغيرتي، كل شيء سيكون بخير "
__________________
تحركت بخطوات بطيئة صوب الاسطبل رغم جميع الاصوات التي تصرخ في رأسها أن تعود، اصوات كثيرة تخبرها أن قربها خاطئ، لكن منذ متى كانت تفعل شيئًا صحيحًا ؟؟
توقفت أمام الاسطبل تستمع لصوت نقاش بين سالار وتلك المرأة، نظرت لها بأعين ضيقة تحاول معرفة هويتها وبعدما استمعت لصوتها همست بصدمة :
" الملكة شهرزاد ؟!"
وفي الداخل كان سالار يحضر حصانه ليلحق بالملك والجنود صوب الحدود حيث العربة المشكوك في امرها، لكن قاطع كل ذلك صوت خطوات خلفه .
استدار سالار يرى جسد يقترب منه، جسد علم هويته بمجرد أن ظهر له ليحرك رأسه بهدوء واحترام :
" مولاتي "
ابتسمت له شهرزاد بسمة مقيتة وهي تقول :
" مرحبًا بقائد الجيوش وحافظ أسرار الملك ."
ورغم أن نبرتها لم ترق سالار مقدار ذرة، إلا أنه أجاب بهدوء واحترام وملامح جامدة :
" مرحبًا بكِ، هل اساعدك في شيء ؟؟"
" نعم رجاءً، أخبرني ما الذي يدور بين بني وتلك الخادمة "
نظر لها سالار بعدم فهم لتقول هي بصوت حانق غاضب محركة إصبعها أمام عيونه :
" لا تنظر لي هذه النظرات، أنا أدرك جيدًا أن هناك ما يدور في هذا المكان من وراء ظهري، الملك يدور حول تلك العاملة بشكل واضح للجميع، وأنت تدور حول تلك الفتاة التي أحضرتها لنا من ذاك العالم "
" الملكة "
نظرت له شهرزاد بعدم فهم، ليردد هو بقوة وملامح جامدة لا تظهر أي انفاعلات تدور داخله :
" هذه الفتاة هي الملكة مولاتي "
أطلقت شهرزاد ضحكات صاخبة وهي تقول :
" أوه الملكة ؟؟ حقًا ؟؟ إن كانت هي الملكة فمال ولدي يلاحق تلك العاملة سالار؟؟"
كانت تبارك تستمع لكل تلك الكلمات وهي لا تفهم شيء منها، هي فقط تشعر أن هناك أمور تدور خلف ظهرها .
وسالار احتدت عيونه بقوة يهتف في وجهها :
" لا اعتقد أن الملك سيعجبه ما تقولينه مولاتي، ثم لست أنا من توجه له تلك الاسئلة، بل الملك، فمالي أراكِ تحققين معي ؟؟"
نظرت له بشر تهمس من بين أسنانها :
" لانك الوحيد القريب له في هذا المكان، ولا يخفي عنك شيئًا، أم أن ما يحدث هنا يعجبك، تنتظر خطأ من الملك لتكون لك اليد العليا هنا ؟؟ أم لنقل أن انجذاب الملك للعاملة فيه خير لك إذ أن الطريق صوب تلك الفتاة سيخلو لك، لم تحذر فأنا لن ادع لكم فرصة واحدة لاستغلال الملك "
اتسعت أعين سالار بقوة وكذلك تبارك التي شعرت بالغضب يصيب جسدها بأكمله، تلك المرأة ما بالها تتهمه هكذا اتهامات ؟؟
وسالار قال بصوت لا تدرك تبارك حقًا كيف تحكم فيه أن يخرج دون غضب هكذا :
" أنا لي اليد العليا دون شيء مولاتي، لست كأحدهم استغل لحظات ضعف أو سقوط الآخرين لافرض قوتي "
شحب وجه الملكة بقوة تهمس له بعدم فهم :
" ما الذي ترمي له سالار ؟!"
اقترب منها سالار خطوات أجبرتها على التراجع وقد شعرت تبارك في تلك اللحظة أن جسده ازداد ضخامة، جسده أصبح مشتد بشكل مخيف .
والملكة تنظر له كأنه وحش سيهجم عليها :
" أنتِ لن تحبي مواجهتي مولاتي، صدقيني تحديكِ لي ليس بالشيء الجيد لكِ "
" هل تهددني ؟؟"
مال عليها سالار هامسًا بصوت لم يصل لتبارك، بل فقط رأته يميل عليها يردد كلمات مبهمة لها، لكنها كانت قادرة لترى مردود تلك الكلمات على جسد الملكة .
وسالار ابتسم وهو يردد في أذنها :
" واحرق المملكة على رؤوس من بها إن أُصيبت الملكة بخدش شوكة، فأحذري أن تمارسي الاعيبك عليها كما فعلتي مع العاملة، حياة الملكة وسلامتها مقابل حياتك ...مولاتي "
ابتعد عنها ينظر لها نظرات جعلتها تُصدم، نظرت في عيونه لترى ما أكد شكوكها، لم تكن شكوك، لقد تأكدت الآن، هي متأكدة في هذه اللحظة أنه يحبها ..
سالار يحب تلك الفتاة .
بل إن صح القول فإن سالار يعشق الملكة المستقبلية للبلاد .......
________________
نعم ...كُشفت الكثير وتبقى الأكثر.
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
ألقاكم باذن الله بعد العيد ...
قبل الفصل هنزل اعلان بميعاده لاني مش عارفة هنرجع يوم كام، بس مش هتأخر بعد العيد بكتير متقلقوش، أنا عودة قريبة ...
عيدكم مبارك وليلة سعيدة .