تحميل رواية «مملكة سفيد» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
َ قد كساكَ بُحزنهِما ذنبُ صُبحِكَ أن يراكَ حزينا؟!”.صلوا على نبي الرحمة_________________تسير والحذر رفيقها، تشعر أنها تود لو تطير متجاوزة تلك المنطقة، لا ترغب أن تمر بها وتعرض آذانها العزيزة لصيحات النساء، وتهكمات الثرثارات منهن، الأمر وما فيه أنها ملت كل ذلك، والأصح أنها ملت الحياة في تلك المنطقة، ولولا كسرة الخبز الجافة التي تتناولها كل يوم في غرفتها الرطبة العفنة، لكانت رحلت عن المكان بأكمله، لكن ماذا تفعل وحياة التقشف تناديها وتغريها .وقع بصرها فجأة على عربة فواكهة بها اطباق جاهزة من فواكهة...
رواية مملكة سفيد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنساش تعمل تصويت للفصل ( النجمة اللي تحت ) كتشجيع للكاتب المسكين، وبس كده .
قراءة ممتعة .
صلوا على نبي الرحمة
_________________
وضعت لثامها تخفي وجهها قدر الإمكان، ترغب في ممارسة عادتها الليلة وتتدرب، فلا تعلم متى تصرخ الحرب باسمها لدعوتها نحو الساحة، ومتى تحين العودة للقصاص، لكن ...
هي لا تمتلك سلاحًا كي تتدرب به، فسيفها الوحيد والذي فازت به بعد معركة طاحنة وعن جدارة، أخذه ذلك المسمى دانيار والآن عليها استعادته ولو كلفها الأمر حياتها، هذا السيف لن تتخلى عنه لأحد، فهو حقها هي، أخذته من فم الأسد ولن تلقي به بين مخالب ثعلب كذلك الرامي.
تحركت بخفة كبيرة وهي تتنقل بين ممرات القصر دون أن ينتبه لها أحد، تبتسم بسمة واسعة ترى جميع الحراس منتشرين في كافة أركان القلعة :
" يبدو أن الأمر هنا أصعب مما توقعت "
أخذت زمرد حذرها، ثم بدأت تتنقل بين الممرات بشكل خفي تعلم وجهتها جيدًا ...حجرة القائد دانيار .
وفي حجرة دانيار ..
كان الاخير يتحرك بنزع ثيابه ليأخذ حمامًا دافئًا بعد معركة طويلة في مملكة مشكى، نظر لثيابه التي تلوثت بالدماء بملامح حانقة :
" هذا لن يزول بسهولة، سترة أخرى ذهبت ضحية المتعة "
خلع سترته يلقيها ارضًا بإهمال شديد، ثم سار صوب المرحاض الخاص به يغلق بابه في الوقت الذي ظهر خيال اسود أعلى نافذة الجناح بعدما اتخذت زمرد اسهل الطرق للدخول متلاشية الحراس أمام الجناح .
ابتسمت باتساع تسمع صوت المياه الجارية داخل المرحاض، قفزت داخل الغرفة بخفة شديد، ثم ركضت تتحرك في كل مكان باحثة عن سيفها، بدأت بخزانة الثياب الخاصة به .
تبحث بسرعة وهي تنظر خلفها كل ثانية والأخرى، تبتلع ريقها بريبة شديد خشية أن يخرج أثناء بحثها .
وحينما فشلت في إيجاده داخل الخزانة، ركضت بسرعة تبحث في كل مكان، أسفل الارائك وفي حافظة الأحذية الخاصة به، حتى شعرت باليأس من إيجاده، رغبة عارمة بالصراخ أصابتها، يالله ليس سيفها العزيز، ليس ذلك السيف، هل ...هل يمنكها العودة لحجرتها وغدًا تطالبه به بكل ود وبالطرق السلمية العادية ؟! أم أنه سيكون من الغلظة ليرفض؟!
وبحسبة سريعة ومرور سريع على تصرفات دانيار معها، رجح عقلها الخيار الثاني، هو لن يعيد لها شيئًا، خاصة وأن القوانين تمنع حمل الأسلحة الحادة للعاملين من غير الجنود .
زفرت تحاول ايجاد حل، حتى شعرت باليأس لتقرر الخروج بسرعة قبل خروجه هو من المرحاض .
لكن بالإستماع لصوت تحريك مقبض الباب شعرت بقلبها يكاد يتوقف، ودون حتى أن تستوعب ما يفعل جسدها كانت تلقي نفسها ارضًا تتدحرج لاسفل الفراش بسرعة كبيرة تكتم نفسها .
خرج دانيار من المحرض يلف منشفة حول خصره يتعجب تلك البرودة التي ملئت حجرته، لمح النافذة المفتوحة ليضيق ما بين حاجبيه بتعجب، تحرك صوبها كي يغلقها لكن فجأة توقفت يده عما يفعل ثواني وتحركت عيونه في المكان، ثم أغلق النافذة ببساطة شديدة ...
تحرك دانيار حول الفراش يميل بنصف جسده العلوي كي يلتقط سترته الملوثة ليلقيها في سلة الملابس، بينما أنفاس زمرد كادت تتوقف، حاولت أن تعود بجسدها للخلف كي لا يلمح خيالها أسفل الفراش .
و دانيار التقط السترة بهدوء شديد يبتسم بسمة صغيرة، ثم تحرك يلقيها في السلة الخاصة بها، وقف أمام الخزانة يخلع المنشفة، يرتدي بنطال قماشي، ثم سترة أخرى منزلية مريحة، وما كاد يبتعد حتى أبصر المنشفة ارضًا ليميل يلتقطها بهدوء، وزمرد تكاد تسقط في اغماءه من شدة رعبها وضربات قلبها مع كل مرة يميل ارضًا ..
" يالله رحمتك "
وبمجرد أن التقط دانيار المنشفة تنفست الصعداء، لكن لسوء حظها سقطت من يده بالخطأ مجددًا، ليميل مرة أخرى وتكتم أنفاسها برعب :
" أيها الحقير، قلبي سيتوقف رعبًا، ألن ينتهي هذا ؟؟"
ألقى دانيار المنشفة في سلة الثياب، وبعدها تحرك صوب المرآة التي تتوسط الجدار يمسك عبوة من الدهان الخاص بالجروح ..
وبدأ يمرر إصبعه على جروحه التي أُصيب بها خلال المعركة، لكن سقطت العلبة منه لتتدحرج بسرعة كبيرة صوب الفراش ... أو هو من أسقطها عمدًا .
ابتسم دانيار بخبث شديد يتحرك صوب الفراش متظاهرًا بالبراءة في افعاله، يميل بنصف جسده يبحث عن العلبة والتي كانت بالتحديد جوار جسد زمرد، وزمرد في تلك اللحظة كانت ترتجف من الرعب .
مدت أصابعها الطويلة تدفع العلبة بخفة صوب يد دانيار كي لا يضطر للنظر أسفل الفراش، وحينما امسكها تنفست الصعداء وهو ابتسم يقول بهدوء معتدلًا :
" شكرًا لكِ "
ابتسمت زمرد براحة تلقي رأسها ارضًا كي تتنفس واخيرًا براحة :
" العفو "
لكن ما كادت تستوعب ما حدث، وقد اتسعت عيونها بشدة، حتى سمعت صوتًا جوارها يهمس بصوت خافت :
" مرحبًا "
انطلقت صرخة مرتفعة من فم زمرد التي انتفض جسدها برعب وصدمة لتصطدم رأسها في الفراش، ولم تعطي لنفسها حتى حق التألم لتلك الضربة، إذ بدأت تزحف للخلف وهي ترى جسد دانيار يشاركها أسفل الفراش وعيونه تلتمع بسواد مخيف .
حاولت أن تتنفس، لكن رؤيته بذلك الشكل وتلك الهيئة جعلتها تسارع للخروج من أسفل الفراش، ودون أن تتوقف لحظة تحركت صوب النافذة راكضة، مدت يدها تفتحها، لكن شعرت بسيف يوضع على ظهرها وصوت دانيار يردد :
" يبدو أنكِ لن تتوقفي حتى تسيل دمائك على سيفك العزيز "
تنفست بصوت مرتفع وهي تغمض عيونها بقوة، ثم استدارت صوبه ببطء ترفع يديها في الهواء، وفي ثواني كانت يدها تمتد لتختطف السيف من يد دانيار، لكن دانيار لم يكن بالابله، إذ تدارك سريعًا ما تريد فابتعد عنها بسرعة كبيرة ليتهاوى جسد زمرد ارضًا وتعلو صرخاتها في المكان بأكمله، تنفست بعنف وهي ساقطة ارضًا والسيف على ظهرها وصوت دانيار يقول :
" كلمة أخيرة ؟؟؟"
__________________________
هل كُتب عليه أن يكون هو مرمى جسد تلك المرأة في كل مرة تسقط ؟؟ تنفس سالار بصوت مرتفع يحاول أن يرى إن كانت بخير باكثر الطرق لطفًا، مذكرًا نفسه أنها وللأسف الشديد الملكة هنا، مهلًا للمرة الكم يذكر نفسه بهذا الشيء ؟!
كانت تلك الأفكار تدور داخل رأس سالار بقوة وكأنها تتنافس على من يتسيد تفكير، بينما تبارك تضع رأسها على الأرض تتألم من السقطة، بل وبدأت تخرج اصوات حانقة وسبات لا تصل له .
مسح سالار وجهه، ثم مرر يده في خصلاته الصهباء يبعدها عن عيونه ليرى ما حدث لها، زفر يحمل خنجره يضعه أسفل رأسها، ثم ببطء رفعه واعلاه رأسها يبعد رأسها عن الأرض بكل هدوء وبمجرد أن
رفعها نظر لها بريبة أن تكون قد تأذت بسببه خاصة أنها لم تنطق بكلمة حتى الآن، وحينما اطمئن أنها بخير سحب الخنجر ليسقط رأس تبارك مجددًا ارضًا بخفة لصغر المسافة بينه وبين الأرض .
لكن تلك السقطة كانت أكثر من كافية لينتفض جسد تبارك وتعود للخلف بسرعة تتحدث بغضب شديد :
" ايه يا اخي، فيه ايه ؟؟ مستكتر عليا لحظات الوجع اللي بعيشها ؟!"
كانت تتحدث وهي تمسح فمها في عادة منها بعد استيقاظها مخافة أن يكون لعابها خرج دون وعي ..
وسالار يراقب كل ذلك بأعين حانقة مغتاظة:
" ما الذي تفعلينه في هذا الوقت ؟! خارج غرفتك وفي هذه الممرات ؟!"
نظرت تبارك حولها تتأكد من حجابها وقد تحقق كابوسها وهو أن يراها نائمة بشكل فوضوي غبي، هذا الرجل لا يراها سوى في اسوء اسوء حالاتها.
نظرت له تقول محاولة تذكر ما تريد :
" أنا كنت ...كنت جعانة ولما خرجت معرفتش اوصل المطبخ، وتوهت وبعدين معرفتش اروح فين، دورت على حد لكن مفيش جنود هنا خالص تقريبًا راحوا يناموا، بعدين ملقتش حل غير اني اقعد استنى حد يعدي يرجعني الاوضة بتاعتي، وشكلي كده سقطت في النوم "
ختمت حديثها بكلمات خجلة وهي تمسح عن وجهها أي علامات نعاس أو نوم، تشعر بالخجل من حالتها أمامه.
وسالار الذي كان يستمع لكل تلك الكلمات المتدفقة من فمها، لا يصدق حقًا مقدار البساطة التي تتحدث بها، الملكة تنام بين ممرات القصر لأنها لم تستطع العودة لجناحها، حادثة فريدة من نوعها .
تنفس بصوت مرتفع ثم قال :
" هل أنتِ بلهاء ؟؟"
ولم يكن من تبارك سوى الإجابة بكلمات بسيطة :
" الله يسامحك "
" أيتها الغبية تنامين في مكان مكشوف لأي حقير قد تسول له نفسه قتل الملكة، تنامين في الممرات دون أن تعبأي لأي شيء ؟؟ أنتِ الملكة .. الملكة، هل من الصعب عليكِ فهم ذلك ؟!"
" لا من الصعب عليك أنت مش عليا، بدل ما تفضل تقول اني الملكة قول لنفسك وللي شغالين معاك، أنا محدش بيحترمني في المكان ده غير الملك الله يباركله ويعمر بيته، قعد معايا وكان زي البلسم، إنما أنت اللهِ لا تكسب ولا تربح دايمًا تطلع فيا القطط الفطسانة كده "
كان حديثها جديًا غاضبًا منه، ابتسم سالار بعدم تصديق، هل تقارنه الآن بالملك ومعاملته لها؟؟ هل هي حانقة لأنه يتعامل معها بشكل طبيعي كما يتعامل مع باقي البشر ؟!
كاد يتحدث ليبرر لها الأمر، لكن فجأة توقف يقول بعدما استوعب ما قالت :
" هل قمتي بالدعاء عليّ للتو ؟؟"
نظرت له تبارك دون أن تهتم بالرد عليه، تنهض عن الأرض تنفض ذلك الفستان الغبي الذي ترتديه :
" قوم رجعني الاوضة بتاعتي عايزة انام "
نظر لها سالار وهو ما يزال جالسًا ارضًا، بينما هي تنظر لها من علوها بتكبر لا تهتم لنظرات سالار المصدومة وهو يحاول أن يستوعب أنها للتو أمرته بكل تكبر، وهو الذي حتى الملك يتحدث معه بكل الاحترام لفرق العمر بينهما والذي يصل لثلاثة أعوام ..
وتبارك لا تهتم بكل ذلك فقط تضع يديها في خصرها تنتظر منه أن ينهض لينفذ أوامرها :
" ايه هفضل مستنية كتير ؟؟ "
نهض سالار بقوة وبسرعة كبيرة، مما جعل جسد تبارك يتراجع بسرعة كبيرة للخلف بردة فعل طبيعية تضع يديها أمام وجهها بخوف منه، وهو أصبح بضعف حجمها ويرمقها من علوه وهي تنظر له مبتلعة ريقها برعب .
" هل أخبرك أحدهم أنني أعمل خادمًا لسيادتك مولاتي ؟؟"
نفت تبارك برأسها وهي تبتلع ريقها بريبة من نظراتها، مال سالار بعض الشيء مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينهما؛ كي يوصل كلماته لاذنها إذ يبدو أن سمع تلك المرأة به خطأ :
" أنا لستُ خادمًا لكِ مولاتي، لذلك تحركي وجدي من يدلك على الطريق غيري، لستُ متفرغًا لتصرفاتك الصبيانية "
كان يتحدث بينما تبارك تخفي وجهها خلف يديها برعب من همساته ونظراته :
" حاضر، حاضر "
ابتسم لها سالار بسمة واسعة، ثم قال برضى :
" جيد، والآن اعذريني مولاتي فأنا مشغول بعض الشيء"
تركها يتحرك بكل بساطة مبتعدًا عنها، وهي وقفت مصدومة مكانها، هل يمزح معها ؟؟ أخبرته أنها ضلت الطريق بسبب جوعها، ولم يهتم بحالتها أو حتى جوعها .
شعرت بالقهر يندفع داخل صدرها وقد عادت لها ذكريات الملجأ قديمًا حينما كانت تبيت ليلتها جائعة وتسكن معدتها ببعض المياه :
" على فكرة أنت لو استمريت تعاملني بالشكل ده انا هسيب ليكم القصر ده واطفش ومحدش هيعرفلي طريق"
توقف سالار فجأة لتبتسم وهي تمسح الدمعة الوحيدة التي كادت تفلت لحسرتها وقهرها، وهو استدار نصف استدارة ونظر لها ثواني ثم قال ببسمة :
" جيد، احرصي ألا تضلي الطريق أثناء هروبك، حتى لا نجدك وقد عدتي لجناحك بالخطأ "
ختم حديثه يميل قليلًا باحترام شديدة :
" بالتوفيق مولاتي "
اتسعت عيون تبارك بقوة من حديثه، وشعرت بالكره يمليء صدرها لذلك الرجل، هو أكثر لئمًا من عاملة الملجأ حتى .
استدار سالار يكمل طريقه، لكن فجأة توقف حين شعر بشيء يصم في ظهره بقوة شديدة .
ضيق ما بين حاجبيه يستدير ببطء ليبصر أحد المزهريات النحاسية أسفل قدمه بعدما ضربته بها، الملكة ألقته بمزهرية، حقًا ؟؟ امرأة ضربته مجددًا ؟؟ وهذا يذكره يوم ضربته في المشفى بمزهرية كذلك
رفع سالار رأسه صوبها ببطء مرعب جعل تبارك تعود للخلف ودموعها تسقط بقهر :
" أنت اللي اضطرتني اعمل كده "
مال سالار برأسه في حركة معتادة منه، لترتسم بسمة مرعبة على فمه، وهي ابتسمت له بسمة صغيرة سخيفة ظنًا أنه يبتسم لها، لكن في ثواني كان صدى صرخاتها يرن في الممر بأكمله وهي ترى سالار يستل سيفه من غمده صارخًا بجنون :
" ترميني بقطعة حادة ؟! الويل لكِ "
ومن بعد تلك الكلمات لم تكن تبارك ترى أمامها سوى ممرات تتحرك بسرعة وطرق تدخل بها، وهي تركض صارخة بجنون، تبكي رعب جلي وقد شعرت أن قلبها سيتوقف :
" أنا آسفة ..والله العظيم أنت اللي عصبتني، أنا آسفة"
كانت تركض دون أن تبصر حتى أن سالار لم يتحرك خطوة من موضعه بعدما نزع السيف، بل فقط اخافها كي لا تكرر فعلتها ونجحت خطته وبامتياز .
ابتسم يضع السيف في الغمد مجددًا، يتجاهلها متحركًا صوب مكتبة العريف كيف يعلم منه ما جاء لاجله، لكن فجأة توقف وصوتها يرن في أذنه وهي تخبره أنها جائعة وضلت الطريق.
نظر صوب طريق المكتبة ثواني، قبل أن يتراجع لنفس الطريق الذي ركضت به تبارك، يلحق بها بخطوات سريعة وهو يهمس بضيق :
" أنا لا أحب هذا ...لا أحب كل هذا "
____________________
دخلت الغرفة بسرعة وصوت انفاسها المرتفعة أيقظت تلك النائمة من أحلام اليقظة الخاصة بها، لتنتفض عن فراشها بأعين شبه مغلقة وصوت ناعس :
" من ؟؟ ماذا يحدث هنا ؟!"
فجأة أبصرت برلنت جندي يتقدم من فراشها يشير لها أن تصمت، شعرت بجسدها يتيبس رعبًا من خطواته تلك، هزت رأسها بخوف :
" أنا... أنا لم اؤذيه، أقسم أنه هو من كان ساقطًا في دمائه قبل أن أراه حتى، ارحمني، لقد اعتذرت منه ووافق على مسامحتي و.."
وقبل أن تسترسل في المزيد من التوسل نزعت كهرمان لثامها تقول بغيظ من كلام برلنت :
" هذه أنا برلنت ما بكِ ؟!"
اتسعت أعين برلنت بعدم فهم لما ترى، هي عندما خرجت لم تكن بهذه الهيئة، ولا تدري إلى أين ذهبت، لكنها خرجت فتاة وعادت جندي .
" كهرمان ؟! ما الذي ترتدينه ؟! هل تحاولين افتعال كارثة هنا ؟؟ إن رآكِ أحد جنود الملك ستكون نهايتك يا حمقاء "
خلعت كهرمان ثوبها وهي تنظر صوب برلنت تقول ببسمة بسيطة :
" لا تقلقي عزيزتي لم يرني أحد جنود الملك "
" حمدًا لله "
" بل الملك بنفسه من فعل "
اتسعت أعين برلنت بصدمة وهي ترى بسمات كهرمان الغريبة التي تعلو وجهها، والأخيرة كانت فقط شاردة به، ذلك الرجل الذي تشعر كما لو أنه شخصين داخل شخص واحد ..
الملك الهادئ والحكيم الذي يتعامل معها ومع الجميع بحكمة، وذلك الحقير الذي يكاد يقتلها داخل ساحة التدريب رغم معرفته أنها فتاة، لكنه لا يهتم بذلك، بل يعاملها كعدو حقيقي .
في تلك اللحظة انتبه الجميع لصوت فتح الباب واندفاع جسد زمرد منه تنزع عنها لثامها، تخطو صوب فراشها بوجه شاحب، ثم تسطحت عليه تنظر للسقف بشكل غريب وصدرها يعلو في وجيب منتظم بفعل أنفاسها .
نجت ..هي نجت منه، هي حية، لقد خرجت من أسفل يده بأعجوبة، ومن بين كل كلمات برلنت وكهرمان اللتين حاولتا معرفة ما يحدث، جذبت الغطاء بكل بساطة ووضعته على عيونها، وصوت همس دانيار يرن في أذنها :
" لولا أنني لم أعتد يوم محاربة النساء أو ضربهن، لكنت فعلت الآن، لكن ولأنني شخص نبيل سأمنحك فرصة الهروب من أمام وجهي ولتحاولي أن تتلاشي مقابلتي في الأيام القادمة "
رفعت زمرد عيونها له تنظر له بشر كبير لتتسع بسمة دانيار أكثر هامسًا :
" عندما تحاولين التسلل والاختباء في المرة القادمة، احرصي على تجنب جميع الأماكن القريب من أي سطح عاكس "
رمقته بعدم فهم ليشير بعيونه صوب زجاج النافذة والذي يعكس كل ما أسفل الفراش، لتشهق هي بصدمة كبيرة، لكنه لم يهتم يشير للسيف الخاص بها :
" جئتي لأجله صحيح ؟!"
رفعت حاجبها :
" هو لي ."
" لم يعد كذلك، غير مصرح لكِ بحمل الأسلحة أسفل قصر الملك "
وبعد هذه الكلمة لا تعلم كيف نهضت تتحرك صوب النافذة بسرعة وكأنها هربت منه وليس هو من تنحى جانبًا سامحًا لها بذلك، ولا يدري حقًا السبب، لكنه فقط تركها تتحرك صوب النافذة وقبل أن تفكر في الهرب استدارت له تقول بصوت متوعد :
" لنا لقاء يا سيد ."
منحها دانيار ابتسامة ساخرة بعض الشيء :
" في الانتظار يا سيدة "
ضمت زمرد غطاء الفراش لصدرها تعضه بغيظ مكبوت بعدما تذكرت ما حدث لها، تشعر بنيران تشتعل داخل صدرها من ذلك الرجل الغير معقول، يالله لو أنها فقط تـ ..
" زمرد ما بكِ؟؟ منذ اقتحمتي الغرفة وأنتِ شاردة تتعاركين مع الغطاء، ماذا حدث لكِ، ثم أين كنتِ ؟!"
استدارت زمرد على جنبها تراقب الفتاتين على الفراش أمامها ينتظرون منها كلمة تطمئنهم :
" لا تقلقا أنا بخير، فقط كنت أسير كي استشنق بعض الهواء النقي "
" وما الذي أصابك ؟؟"
كان هذا سؤال برلنت المتعجب، لتتنهد زمرد تقول بصوت حانق مرهق بعض الشيء :
" لا شيء، فقط تذكرت أمرًا مزعجًا، والآن لننم قبل حلول الصباح، فلدينا بعض ايام الراحة لننعم بها "
ختمت حديثها مبتسمة، ثم استدارت تغمض عيونها بقوة حتى تبعد كل الأفكار عنها، لكن تلك الافكار أبت إلا أن تصاحبها تلك الليلة ...
__________________
بحث عنها في جميع الممرات وهو يتمنى أن تكون قد وجدت غرفتها ليريح ضميره ويعود لما كان سيفعل، لكن فجأة وجدها تقف عن مفترق طريق وهي تحرك أصابعها في الهواء وتقول كلمات غير مفهومة .
اقترب سالار بريبة منها يرهف السمع وقد وصل لمسامعه كلمات عجيبة :
" حادي بادي كرنب زبادي، شالو وحطوا وكالوا على دي، يا كتكـ ..."
وقبل حتى أن تضيف كلمة واحدة على تلك الكلمات الغريبة التي غالبًا ما يستعملها المصريون حين حيرتهم في شيء بغرض الاستقرار على أمرٍ ما، وجدت تبارك جسدها يصطدم في الجدار جوارها حتى شعرت بعظامها تستغيث، وقبل أن تصرخ أبصرته يقترب منها هامسًا بصوت مرعب وسيفه قد استقر على رقبتها يتساءل بهدوء شديد وتعجب :
" ما تلك التعاويذ أيتها المشعوذة ؟! هل أنتِ من نسل سحرة ؟!"
تحركت عيون تبارك المصدومة من السيف لعيون سالار الذي كان يقف أمامها بهيئته الضخمة، قالت بصوت خافت خرج بصعوبة بسبب رعبها :
" أنا بس كنت ...كنت عايزة أكل وانام "
لكن سالار تجاهل كل ذلك يقول بصوت محذر :
" ما تلك الكلمات التي كنتِ تلقينها محركة بيديكِ في الهواء ؟؟ أنتِ ساحرة ؟؟"
لم يكن سالار يمزح أو يبالغ، فالسحر أمر مرفوض في البلاد وقد عوقب العديد من الأشخاص على ارتكابهم لذنب كممارسة السحر واذية غيرهم، وقد سمع يومًا بعض تعاويذهم والتي لم تكن مفهومة، تمامًا ككلمات الملكة .
جاهدت تبارك للتحدث وعيونه تكاد تحرقها حية وهي فقط تنظر للسيف بخوف لا تنزع عيونها عنه تحاول ابعاد رقبتها عنه :
" على حسب أنت قصدك ساحرة اللي هي جميلة، ولا الساحرة بتاعة المكنسة الطايرة ؟!"
رمقها سالار بعدم فهم :
" ماذا ؟؟"
لكنها لم تهتم وهي تكمل :
" هفترض حسن نيتك واقولك الله يكرمك، بس معلش ممكن بس تبعد السيف شوية لاحسن ..أنا بس عندي حساسية من المعدن بتاعه "
كانت تتحدث وهي تدفع السيف بطرف إصبعها محاولة أن تتلاشى حافته الحادة، لكن سالار بنظرة واحدة جعلها تتراجع أكثر حتى كاد تطبع جسدها على الجدار خلفها تقول بخفوت :
" كل ده عشان ضربتك بالفازة النحاس ؟؟ امال لو ضربتك بالنار هتعمل فيا ايه ؟!"
نظر لها سالار ثواني، ثم فجأة شعر بالصدمة حينما تذكر أنها بالفعل ضربته، وها هو سبب آخر كي يقتلها دون تأنيب ضمير، لكن كمحاولة أخيرة لاستخدام كرمه وعدله :
" والآن اعطيني سببًا واحدًا يمنعني من قتلك "
ابتلعت ريقها تقول بكل ذرة براءة كانت تختزنها داخلها طوال تلك السنوات :
" عشان أنا الملكة ؟؟"
لكن يبدو أن طول فترة تخزينها لبرائتها أصابها الصدأ وتضررت، فما ظهر على ملامحها وهي تتحدث بتلك الكلمات لم تكن براءة بأي شكل من الأشكال، بل كانت بلاهة ورعب .
ارتسمت بسمة جانبية على فم سالار يقول :
" حتى إن كان الملك نفسه ساحر فسيُعدم "
" بس ...بس أنا مش ساحرة، أنا...بالله عليك بص لوشي، ده وش ساحرة ؟؟ أنا يعني لو كنت ساحرة كان ده هيبقى حالي ولا كنت سكتلك على اللي بتعمله معايا ؟؟ اقسم بالله كنت وقتها سخطتك و..."
صمتت تكتم صرخة بيدها وهي تراه ينزع السيف عن رقبتها مانحًا إياها نظرة تحذيرية مخيفة، ثم قال بصوت خافت :
" نعم أنتِ محقة، لا يمكن لفتاة غبية مثلك أن تكون ساحرة "
ختم حديثه تاركًا إياها بعدما أشار لها دون كلمة واحدة أن تتبعه، وهي فقط نظرت له تتنفس بصوت مرتفع ورعب، لا تدري أتسعد لأنها حية، أم تغضب لأنه وصفها بالغبية ؟؟
سارت خلفه محاولة أن تجاري خطواته السريعة والواسعة، ولم تتحدث بكلمة واحدة منذ رمى في وجهها أنها غبية دون وضع اعتبار أنه يتحدث للملكة ورحل هكذا بكل بساطة .
زادت من خطواتها حتى تلحق به وهي تردد ببسمة متناسية كل ما قاله منذ ثواني وأنه كاد يقتلها جديًا، وأن سيفه كاد ينحر رقبتها إن ابتلعت ريقها بالخطأ، هي فقط لا تحب ذلك الصمت الخانق، كما أن ذلك الرجل أمامها غامض بشكل مستفز بالنسبة لشخص فضول مثلها فأرادت التعرف عليه :
" صحيح مقولتليش، هو أنت تبقى قريب الملك ؟!"
استدار لها سالار يرمقها بحيرة لا يعلم سبب طرحها هذا السؤال الغريب، لتبرر تبارك الأمر ببعض الحجج الواهية :
" اصل يعني اخدت بالي من عشم كبير بينكم وأنت بتكلمه ولا كأنه الملك بتاعك، ولا أنت كده مش بتحترم حد ولا حد مالي عينك في البلد دي زي ما بتعمل معايا ؟؟"
ورغم جهل سالار بمقصدها خلف بعض المصطلحات والكلمات، إلا أنه صمت ولم يجب وهي زادت من سرعة خطواتها تكمل ذلك الحوار الشيق من طرفها :
" هو اشمعنا أنت الوحيد اللي شعرك كده ؟؟ يعني كلهم هنا شعرهم اسود وساعات بني واصفر، ليه أنت اللي شعرك لونه احمر كده ؟؟"
ابتسم سالار ولن يتحدث بكلمة واحدة يجيب على كل تلك الاستفسارات الغبية _ من وجهة نظره_ لكن ذلك لم يمنع تبارك من استكمال ذلك الحوار بينهما :
" أنت شبه والدك ولا والدتك ؟! يعني الشعر ده وراثة ولا خلقة ؟! اصل أنا طول عمري نفسي في شعر زي ده ؟! أنت بتستخدم نوع كريمات معينة ؟؟ دي صبغة ولا بجد"
توقف سالار فجأة وبشكل جعلها تتراجع للخلف بريبة وهو فقط نظر لها ثواني يراها تتنفس بسرعة وكأنها كانت في سباق ركض :
" هل كلفك الملك بعمل دراسة حول ألوان شعر الشعب ؟؟"
نظرت له وهي تحاول أن تجد ردًا على حديثه، هي لم تكن تريد الحديث بأمور عشوائية كتلك ابدًا، لكن الأمر وما فيه أنها تشعر بالرهبة حين السير جواره وحديثها حتى لو مع نفسها يقلل من ذلك الصمت الخانق والمرعب .
تنفست بصوت مرتفع :
" لا، أنا بس ....بسأل عادي، لو مش حابب تجاوب أنت حر"
نظر لها يقول باستنكار :
" بالطبع أنا حر، وهل أخبرك أحدهم أنني عبد ؟؟"
رمقته ببلاهة شديد لا تفهم ما دخل العبد بحديثها، وهو فقط زفر بصوت مرتفع يكمل طريقه صوب مطبخ القصر وهي خلفه، لا يعلم ما الذي يفعله، في حياته كلها لم يحدث وأن خطى ذلك الجزء من القصر، والآن يفعل ليطعم الملكة، هل يلعب الان دور والدها ؟! ام يلعب دوره كمرشد للقصر ؟!
زفر بغضب وهو يتجاهل صوت خطواتها الراكضة خلفه، وهي لم تتوقف عن الحديث أبدًا :
" هو اشمعنا أنا اللي ابقى الملكة ؟؟"
" عقاب من الله "
" يعني من بين كل بنات المملكة مكانش فيه ملكة مناسبة غيري، ليه انا بذات اللي اختارتوني؟ "
صمتت ثم ركضت كي تسبقه تقف في وجهه وهي تواجهه بذلك السؤال الذي فكرت به مئات المرات دون أن تصل لرد محدد :
" أنت المفروض وحسب ما عرفت أنك واحد ليك مركز هنا والناس كلها ماشاء الله بتخاف منك "
رفع سالار حاجبه يبتسم بسمة جانبية هامسًا :
" وأنتِ لا تفعلين؟؟"
نظرت له تبارك مطولًا، هي لا تخاف منه، هو لن يؤذيها، إذن ما الداعي للخوف ممن لا يضمر لها أذى، فتحت فمها للحديث وأخباره أنها لا تفعل :
" لا واخاف منك ليـ "
وقبل أن تكمل كلماتها وجدت يده ترتفع في لتشهق وهي تتراجع بعيدًا عنه بخوف تخفي وجهها، وهو فقط كان يبعد خصلات شعره عن عيونه، لكن بعد حركتها تلك ابتسم بسخرية لاذعة :
" نعم أنتِ لا تفعلين "
زفر باستهزاء وقبل التحرك تحدثت هي بما كانت تريد قوله :
" نسيتني كنت هقولك ايه، المهم بما أنك واحد يعني ليك مكانتك وكده يعني، وجيت مخصوص كل المشوار وعديت كل المخاطر دي عشان بس تجيبني لهنا، هل أنا فعلا مهمة اوي كده ولا ايه بالضبط ؟؟"
رمقها سالار مطولًا حتى ظنت أنه لن يجيب كعادته وسيكتفي بالتحرك بعيدًا عنها وتجاهلها كما جرت العادة، لكنه خيب ظنها _ ويا ليته لم يفعل _ واجابها بكل بساطة :
" أنا لم أفعل ذلك بكامل إرادتي، لقد اجبروني على الذهاب واحضارك "
ختم حديثه وهو يتحرك بعيدًا عنها وهي ما تزال في طور صدمتها، تحاول أن تخرج منها، نظرت لظهره وهو يسير بكل هدوء، ابتسمت لا تصدق ما يحدث، ما الذي تبقى ولم يحدث حتى يثبت أنها هنا لا أهمية تذكر لها .
وصل الاثنان صوب حجرة كبيرة يقف على أبوابها بعض الحراس الذين بمجرد أن لمحوا سالار انحنوا له ليتحدث بهدوء :
" اخبروا العاملات بالداخل أن يحضروا وجبة للملكة، ثم خذوها لجناحها، وأنت أرشد الملكة للجناح حتى يتجهز الطعام لها "
ختم حديثه يتحرك بكل بساطة تاركًا تبارك تنظر في أثره ببلاهة وهي تقف أمام حجرة الطعام، لا تفهم ما حدث وما فعل، هكذا فقط ؟! احضرها ليأمرهم بإعداد الطعام لها وكأنها صغيرة لم تكن لتستطيع قول ذلك ؟؟
نظرت لاثره وهو يرحل ببساطة شديدة وهي فقط تقف وتراقبه ببسمة غير مصدقة، ألقاها لهم ليطعموها ثم رحل .
حقًا ؟؟؟
____________________
اصوات صاخبة جعلت جسده يتقلب على فراشه الذي كان دنسه بجسده بعدما سلبه من أصحابه، تأفف مرتفع خرج من فمه حانقًا كارهًا لكل ذلك الازعاج بعد حفلة رائعة قضاها رفقة جنوده، ثم اكملها رفقة فتاة، والآن يستيقظ على تلك الضجة التي تسبب له انزعاج شديد وتفسد مزاجه الصباحي .
فتح بافل عيونه ببطء يستقبل شمس الصباح بتأفف، لكن تلك الرائحة التي اخترقت أنفه وتلك الاصوات والصرخات جعلت جسده ينتفض بقوة وقد شعر بصاعقة كهرباء تصيب جسده يلمح الكثير من الجثث ملقاه حوله في جناحه الخاص، رجاله قُتلوا ووضعوا داخل غرفته .
انتفض عن فراشه بسرعة كبيرة يصرخ بصوت جهوري :
" ما الذي يحدث هنا أيها الـ "
وشعوره بشيء لزج أسفل اقدامه جعله يتراجع بسرعة ليسقط على الفراش مجددًا وهو يرى الدماء متناثرة على كل خطوة من ارضية حجرته .
تنفس بعنف يشعر أنه في كابوس، ما الذي يحدث هنا، من فعل هذا؟!!
فجأة وجد أحد رجاله يقتحم عليه الجناح وخلفه العديد من الرجال وهو يصرخ بجنون :
" سيدي حراس الحدود جميعهم قتلوا والعديد من الجنود داخل القصر حدث بهم المثل، لقد تعرضنا لهجوم البارحة "
كانت أعين بافل معلقة على الأجساد ارضًا وهو متسع الأعين:
" تعرضنا لماذا ؟؟ هل تمزح معي ؟؟ تعرضنا لهجوم دون أن يشعر أحد ؟؟ "
رفع رأسها يهبط عن فراشه يصرخ في وجه الجميع بصوت مرعب ونبرة هزت جدران القصر :
" من ذلك الحقير الذي تجرأ وفعل هذا بجنودي، هل هم رجال تلك المملكة القذرين ؟؟ أجمعهم كلهم، واعدمهم أمام نسائهم وأطفالهم، لا اريد ترك رجل واحد فقط حي فوق هذه الأرض القذرة، لقد انتهينا، انهوا سلالة مشكى ولا تتركوا لي رجلًا واحدًا، سأريهم كيف يتسللون و يـ "
توقف عن الحديث حين وقعت عيونه على الجدار المقابل لفراشه والذي نقشت عليه كلمات بالدماء، دماء جنوده كانت تزين جدار غرفته بكلمات جعلت جسده يهتز بقوة ويرتعش بجنون .
" تجرأت ودنست رمال سفيد الطاهرة بأقدام جنودك النجسة، واردت إيصال رسالة، وبالفعل حدث ووصلت، وهذا ردي، إن ظننت نفسك قد انتصرت لدخولك مملكتي، فها أنا وفي عقر دارك، وفي حجرتك بعدما تخلصت من جنودك دون أن تشعر حتى بوجود شيء، تمامًا كخنزير انتهى لتوه من وجبة وحّل دسمة، كان يمكنني قتلك، لكنني لست بهذا الكرم لاقتلك بسهولة، معادنا ارض المعركة يا سليل القذرين، قائد جيوش سفيد ...."
اشتعل صدر بافل، شعر بالنيران تصيبه، غضب مخيف انتشر داخل جسده بأكمله، كان وجه محمرًا بشكل مخيف وأعين من شدة الغضب كادت تخرج من وجهه، حتى أن جنوده عادوا للخلف خوفًا أن يطال أحدهم سوءً أثناء غضبه .
وفجأة اهتز القصر بأكمله بصرخة بافل الغاضبة كالجحيم :
" ســــــــــــــأريـــكم الجحـــيــم ...."
_________________________
تتحرك يمينًا ويسارًا كي تنتهي واخيرًا من تنظيف المعمل الخاص بصانع الأسلحة والقنابل، يا الله هل ينقصها أن تشرف هي على تنظيفه، من بين الآلاف العاملات وقع الاختيار عليها هي لتتولى تنظيفه دون مساعدة وكأنه يتم معاقبتها بفعل ما لا تحب .
توقفت برلنت في منتصف المعمل تدور فيه برضى تام، أيام قليلة فقط وانتهت من تنظيفه بعد تجديد ما تدمر به، والآن انتهى العمل الذي كان ثقيلًا ثقل الجبال على صدرها .
وبنظرة في المكان أطلقت تأوهًا وهي ترفع حجابها عن وجهها تهتف بسخرية لاذعة وأعين مستنكرة لما تحاول زرعه داخل عقلها بالقوة .
" من تخدعين برلنت ؟!"
أشارت حولها على المعمل وصوتها خرج محملًا بمشاعر عديدة :
" أنتِ من توسلتي المشرفة لتمنحك شرف تنظيف مكان به رائحته "
حقيقة مرعبة تعترف بها لنفسها، حقيقة تحاول إنكارها حتى بينها وبين نفسها، حقيقة عشقها المرضي لصانع الأسلحة، الشعور اللذيذ والمؤلم الذي تتعايش معه منذ سنوات طويلة توقفت عن عدها من بعد العاشرة .
" تقفزين له بكل مكان، تخترعين صدفًا غبية فقط لـ...لتسمعي صوته، أنتِ أكثر شخص مثير للشفقة برلنت، أنتِ مثيرة للشفقة "
تنهدت بصوت مرتفع تحاول أن تتماسك، تغمض عيونها وأمام عيونها تستحضر صورة تميم، حبيبها الوحيد منذ سنوات، ط سنوات عاشت بجحيم حب غير منطوق من طرفها، غير محسوس من جهته، هو حتى لم يعلم أنها حية إلا يوم ألقى عليها قنبلته ..
وذلك اليوم حين كانت تراقبه ووجدت مضجرًا في دمائه، ارتجف جسدها بقوة تتذكر هلعها وارتجافة جسدها، وشحوبها القوي والذي لم ينتبه له تميم في غمرة وجعه .
ولولا شعورها بنبضات قلبه وقتها لماتت قبله من الخوف فقط، وذهابها للمشفى فقط كي تطمئن عليه، كانت من البأس الذي يجعلها تلقي بنفسها في جحيم مستعر لأجلها .
فجأة سمعت برلنت صوت خطوات يقترب من المعمل لتعيد الحجاب على وجهها بسرعة كبيرة تخفي خلفه حبها المخزي لمن يفوقها مكانة وقدرًا، لمن لا يشعر حتى بوجودها في هذه الحياة .
ثواني حتى وصل صوت تميم لها :
" معذرة لم أدرك أن هناك من يعمل هنا، سأرحل الآن وحينما تناهيت سأ..."
قاطعته هي بسرعة تميل بحرص ورقة تلتقط ما يقبع أسفل قدمها من أدوات تنظيف وكامل مشاعرها ترتجف شوقًا له :
" لا، لقد انتهيت بالفعل، يمكنك العودة لمعملك، وإن حدث شيء ارسل للمشرفة، المعذرة منك سيدي "
ولم تكد تخرج من المكان بأكمله حتى توقفت على صوت تميم الذي قال بتعجب :
" هذه أنتِ ؟!"
استدارت نصف استدارة تقول بصوت متحفز :
" عفوًا ؟؟"
" أنتِ هي نفسها تلك الفتاة التي جاءت لي المشفى والتي ألقيت عليها قنبلتي صحيح ؟!"
ابتلعت برلنت ريقها تخرج صوتها متأففًا حانقًا :
" نعم هذه أنا، ماذا هل هناك قنبلة أخرى تود تجربتها عليّ ؟!"
ضحك تميم ضحكة صغيرة يتحرك في أرجاء المعمل يتفحصه بأعين مدققة :
" لا أنا فقط متعجب من قدومك لمعملي، أوليس أنتِ من اقسم ألا يطأ معملي ذلك اليوم ؟؟ "
تنفست بصوت مرتفع ظنه هو غضبًا، لكنه كان ابعد ما يكون عن غضب، كان محاولة بائسة منها لتخرج صوتها عاديًا :
" حسنًا، هذه مشرفة العاملات أجبرتني على المجئ وتنظيف هذه الخرابة التي تسميها ظلمًا بالمعمل، لذلك رجاءً حين تود أن تحضر من ينظف ذلك القبر الذي تقضي به اوقاتك، جد عاملة غيري ."
رفع تميم حاجبه وقد تشنج جسده بضيق من نبرتها لي الحديث معه :
" أنتِ تتخطين حدودك بالحديث معي، أنا أحد قادة الجيوش هنا، لذلك أنا يمكنني ..."
" ماذا ؟؟ ستأمرهم بقتلي أو سجني ؟؟ بأي تهمة ؟؟ بتهمة ازعاج سيادتك واستفزازك بالحديث بعدما كدت تقتلني عدة مرات ؟!"
كانت برلنت تصرخ في وجهه وهي ترفع اصبعها محذرة إياه أن يتمادى معها في الحديث، ولم تكتف بذلك، بل أكملت صارخة :
" اقسم إن حاولت أن تزعجني أو تهددني سأكون أنا أول من يركض للملك وأخبره أنك يا سيد حاولت قتلي "
أشار تميم لنفسه بصدمة :
" حاولت قتلك ؟! "
" نعم، وسأحضر من يشهد على كلامك، والآن يا قائد اعذرني فأنا لست متفرغة مثلك لمثل تلك التُراهات "
رفعت رأسها بكل كبرياء تحمل اشيائها ترحل منتصرة في معركة من طرفها هي فقط، وكأنها بكل ذلك الحديث تثبت لنفسها أنها ليست بتلك الضعيفة، هي ليست بمعدومة الكرامة التي تنتظر منه نظرة حب أو حتى كلمة، هي تحبه، لكنها أبدًا لن تسمح له بتخطي الحدود وتهديدها .
وبينما هي تسير برأس مرفوعة تشكر ذاتها لتلك الكلمات التي اراحتها، سمعت صرخة تميم وهو يندفع صوبها :
" انتبهي يا عمياء .."
اشتعلت عيونها بغضب تستدير بسرعة له ولم تنتبه لذلك السلاح المعلق في السقف :
" من تلك الحمقاء يا سيـ "
وقبل أن تتم كلمتها شعرت بشيء قوي يصطدم في رأسها ليندفع جسدها للخلف بسرعة مرتعبة متوجعة، لكن ما استقبلها هو الجدار فاصطدمت به كذلك وقد ارتفعت أصوات صرخاتها في المكان .
بينما تميم يراقب كل ذلك بأعين متسعة مصدومة، هو لم يكد يستوعب اصطدامها الاول لتكمله بالثاني، وبينما هي ملقاة ارضًا تتأوه شاعرة أن رأسها قد انشقت نصفين تبكي بوجع، سمعت صوت ضحكات تصدح في المكان .
استدرات ببطء لتبصر وجه تميم الذي غرق في موجه ضحك صاخبة جعلت غضبها يتضاعف وهي تنهض من مكانها تصرخ في وجهه بجنون :
" صه، كيف تتجرأ وتضحك على آلامي وأنا من كدت أموت رعبًا حين رأيك مضجرًا في دمائك، وكنت ابكي بخوف، أيا ليتك مت أيها الحقير عديم الشعور "
ختمت حديثها بنبرة تحمل من البكاء ما كاد يجعلها تنهار ارضًا، حملت أدواتها تخرج من المكان بسرعة وتميم يقف ينظر لاثرها بعدم فهم، هل غضبت منه لأنه لم يبكي عليها كما فعلت معه ؟؟
مهلاً هل شبهت إصابته بخنجرين، بإصابتها بكدمتين ؟!
خرج من شروده بها على صوت دانيار الذي اقتحم المعمل يقول بجدية :
" تميم، هناك اجتماع مع الملك والجميع ونحتاجك هناك ...."
تحرك تميم بسرعة وشبه هرولة خلف دانيار يخرجون من معمله وهو يخمن في رأسه سبب ذلك الاجتماع، يا الله لتمر هذه الأيام بخير عليهم وعلى الممالك، يبدو أن أحدهم فتح أبواب الجحيم ونسي غلقها ....
_______________________
" قتل نصف الرجال، وإعدام النصف الآخر في مذابح غير آدمية، ثم اغتصاب النساء وزرع بذور فاسدة من قاتلي رجالهم داخل ارحامهم، خطة تطهير عرقية لشعب مشكى يتبعها المنبوذين، وقد نجحوا في النصف الأول منها، والنصف الثاني ما يزال في طور التمهيد، وهذا الطور سيكتمل في حالة واحدة .....حينما يعبرون على جثتي "
كانت تلك كلمات سالار التي وصلت لمسامع كلٍ من تميم ودانيار بمجرد دخولهم القاعة، إذ كان سالار يقف في منتصف القاعة يصف للجميع ما علمه في الأمس من الشيخ الذي قابلوه في مشكى .
كانت ملامح إيفان باردة جامدة بشكل محير، فقط يستند على المقعد وهو يراقب حركات سالار الغاضبة، فلطالما كان سالار رجل غاضب ثائر ومتوحش فيما يخص القتل والحروب، بينما إيفان رجل حكمة وهدوء وإدارة ...
نظر سالار للجميع ثم ضرب الطاولة بيده وهو ينظر لعيون إيفان يقول بحدة وصوت حاسم :
" هناك خائن في أراضينا، خائن ساعد المنبوذين في دخول مشكى وفرض سيطرتهم عليها، فلا يقنعني أحدكم أن رجال لا يحسنون حمل السيوف ويرتجفون أمام شفرة حادة ولا يعلمون عن الحروب سوى طبولها، يستطيعون التغلب على جيش بحجم جيش مشكى، وبقيادة ارسلان كذلك، هذا شبه مستحيل "
وافقه دانيار كل ما يقول في صمت يهز رأسه، وهو الذي علم كل ذلك سابقًا وبمجرد وصول خبر سقوط مشكى بيد المنبوذين، فجميع الجالسين يعلمون أن رجال بافل ليسوا مقاتلين ولا يفقهون بالقتال شيئًا، لذلك قتلهم البارحة كان أيسر من شربة ماء .
تنفس سالار بعنف ثم دار بعيونه على الجميع وقال ببسمة جانبية :
" ما رأيك ملك إيفان أنني رأيت أحدهم يحمل سلاحًا من اسلحتنا البارحة ؟؟"
ارتفع حاجب إيفان وكأنه يقول له حقًا ؟؟ لكن تلك البسمة التي ارتسمت على فمه أخبرت سالار أنه يعلم ذلك جيدًا، حسنًا إيفان ليس بالغبي أبدًا .
اعتدل إيفان يميل على الطاولة يضم قبضتيه متسائلًا بجدية :
" تميم .."
" أمرك مولاي ؟؟ "
ابتسم إيفان بسمة جانبية وهو ما يزال يحدق بأعين سالار في تواصل بصري قوي :
" هل سبق وأخذت منك مملكة مشكى أسلحة من صنعنا ؟؟"
نفى تميم بقوة وهو يجيب بنبرة عملية جادة دون أن يغفل عن تفصيلة واحدة :
" لم يحدث منذ سنوات مولاي ومنذ أمرت أنت بمنع ضخ اسلحتنا لهم، فعلنا ذلك، ومنذ ذلك الحين لم يخرج خنجر واحد من سفيد لمشكى "
قال إيفان ببساطة :
" اذًا هذا يلغي الاحتمال الأول، وهو أن بافل استولى على أسلحة مشكى والتي هي في الأصل من صنع مملكتنا، وهنا نأتي للاحتمال الثاني "
نظر له الجميع ودون أن يتحدث علموا الإحتمال الثاني والذي كانوا يرجحونه ..
تحسس العريف بومته التي تعلو كتفه وهو يرمق الجميع بنظرات غامضة وكأنه يعلم شيئًا ويخفيه، ونظراته تلك لم تخفى عن سالار الذي ابتسم له متوعدًا بساعات طويلة من الاستجواب .
قال إيفان بإقرار :
" هناك مملكة تأخذ من اسلحتنا وتدعم بها هؤلاء المنبوذين "
احترق صدر سالار بقوة صارخًا بجنون وهو يضرب الطاولة مجددًا وصوته يخرج هادرًا مرعبًا لبعض الرجال حوله، والذي ابتعدوا عن عيونه متجنبين حالة هياجه وأولهم مرجان :
" هم يقتلون اخواننا باسلحتلنا، نحن نمدهم بالسكين الذي يذبحونهم به "
صمت يتنفس بصوت مرتفع ليسمع صوت إيفان يقول بتقرير بصوت جامد بعض الشيء :
" تميم، امنع ضخ الأسلحة لجميع الممالك دون استثناء لا آبى ولا سبز ستأخذ إبرة واحدة من اسلحتنا "
نظر تميم حوله ثم قال بصوت خافت :
" لكن مولاي، نحن بالفعل تعاقدنا مع الملك بارق على صفقة أسلحة كبيرة و..."
نظر لها إيفان بنظرات مشتعلة :
" حتى الإبرة لن تخرج من مملكتي لايًا كان تميم، واضح حديثي ؟؟"
ابتلع تميم ريقه ثم هز رأسه:
" واضح مولاي "
نظر إيفان صوب سالار الذي كان شارد بشكل مخيف، ثم قال :
" بعد يومين سأجتمع مع الملك بارق والملك آزار وحينها تحين مهمتك سالار، اريد معرفة من منهما قد تورط في مثل تلك الجريمة، رغم أنني اشك..."
ارتسمت بسمة مخيفة على فم سالار يتخيل رأس ذلك الخائن تحت قبضته، ودماؤه تسيل من بين أصابعه :
" سيحدث مولاي، سيحدث ."
______________________
غرفة جميلة من اللون الابيض، واسعة ومتلألئة بشكل جعلها تغمض عيونها مخافة أن تصاب بالعمى إن أطالت النظر بها، تحركت في الغرفة تحاول البحث عن مخرج لها وشعور بعدم الراحة يملئ صدرها، لكن لا مخرج، جميع الجدران مصمتة لا باب بها ..
فجأة ومن لا تدري وجدت أحدهم يتقدم منها، جسد تعلمه جيدًا، جسد كان ملازمًا لها في أحلامها سابقًا، حتى أبصرته في الحقيقة ..
تنفست بصوت مرتفع تشعر بقلبها يكاد يتوقف عن الخفقان، ولا تدري لمشاعرها من سبب سوى أنها ترهب اقتراب ذلك الرجل منها، ورغم كل رهبتها تلك لم يتوقف عن التقدم، ولم تتوقف هي عن التحديق بملامحه غير الواضحة .
وحين أصبح على مقربة منه مال وضمها لصدره بحنان شديد هامسًا بكلماته التي باتت تحفظها عن ظهر قلب وتستطيع أن ترددها دون توقف إن أراد، لكن منه كانت تلك الكلمات مميزة وبشدة لها، بنبرته الدافئة الاجشة التي أصبحت تحاصرها في صحوتها وأحلامها :
" دلم برات تنگ شده "
ودون أن تشعر هي وكأنها مسيرة وليست مخيرة، لفت ذراعيها حول خصره تستمع بدفء صدره وقد بدأ وجيب قلبها يعلو ويعلو، تنطق دون شعور منها :
" منم دلم برات تنگ شده "
ابتسم لها ولا تعلم كيف علمت ذلك وهي لا ترى ملامح وجهه، وتدفن رأسها داخل صدره، لكنها تعلم أنه ابتسم وقد ظهر ذلك واضحًا في صوته يتحدث لها واخيرًا بالعربية بنبرة تعلمها وميزتها في ثواني:
" إذن موعدنا قريبًا أميرتي، قريبًا أكثر مما تتخيلين مولاتي "
اهتز قلب تبارك في موضعه لتلك الكلمات الرقيقة، رفعت رأسها عن صدره تحاول أن ترى ملامحه، لكنه لم يمنحها الفرصة، فقط مال عليها يمنح وجنتها قبلة دافئة، ثم همس لها بصوته المميز :
" قريبًا حبيبتي ..."
" مولاتي ...مولاتي هل أنتِ بخير ؟؟ "
انتفض جسد تبارك بقوة عن الفراش عند سماعها صوت أنثوي يناديها ويد تهزها برفق، تنفست بصوت مرتفع وجسدها قد بدأ يرتعش وكأن حمى أصابتها تستغفر ربها، تستغفر وجسدها يترجف بعنف :
" أنا فين ؟؟ "
نظرت لها الخادمة بأعين متعجبة :
" هل أنتِ بخير مولاتي، هل استدعي الطبيبة ؟؟"
نظرت لها تبارك ثواني وعقلها يعيد لها صور متتابعة مما حدث لها في الأيام السابقة :
" لا لا، اشكرك أنا بخير حال، فقط رأيت حلمًا غريبًا "
نظرت لها الفتاة ببسمة لطيفة :
" حسنًا مولاتي هناك فستان احضرته لأجلك، وجهزت كذلك المرحاض لأجلك، رجاءً تجهزي فالملك ينتظرك لاخذك في جولة حول القصر "
رفعت تبارك عيونها للخادمة بلهفة وحماس كبير :
" حقًا ؟؟"
هزت الخادمة رأسها مبتسمة :
" نعم، هيا كي لا تتأخري فهو ينتظرك "
انتفضت تبارك عن فراشها، ثم تحركت بسرعة صوب المرحاض، والخادمة تركتها ورحلت بهدوء شديد، وقبل أن تخطو تبارك المرحاض توقفت تقول بدهشة :
" لحظة هي مجابتش سيرة الفطار ليه، ولا سألت هفطر ايه ؟؟ هما مش بيفتكروني على الاكل ليه هو أنا مش المفروض الملكة، واتعامل معاملة ملوك، ولا هما اساسا مش بياكلوا في العالم ده ؟!"
نظرت صوب الباب المغلق بعدما اغلقته الخادمة ورحلت وهي تنفست بصوت مرتفع :
" فرقت إيه عيشتي هنا عن عيشتي في الشقة بتاعتي والحارة ؟؟ والله نفس الشي اياكش الكام نفر اللي بيحترموني في المكان ده شوية، والسرير المريح "
زفرت تدخل الحمام وهي تتمتم بحنق شديد وغيظ مما يحدث معها، ثم فجأة تذكرت الحلم والذي لم تستطع أن تتناقش به مع نفسها لوجود الخادمة، تذكرت تجاوبها به مع ذلك الرجل :
" والله عال يا تبارك، بقيتي تحضني وتتكلمي زيه ولا كأنه جوزك، مش بعيد الحلم الجاي تستنيه على الباب بطبق مايه دافي وفوطة وتغسلي ليه رجله "
تحركت صوب ذلك المسبح المصغر الذي يتوسط المرحاض، تحدق به في راحة شديدة مرددة :
" لحظات قليلة من النعيم والتمتع كملكة في هذا المكان، وليس كشخص ثانوي ..."
________________________
تحرر من قيد رجاله بعدما قرر أن يتفرغ بعض الوقت للجلوس مع الملكة ووضع النقاط على الاحرف، عليه أخبارها بالقرار الذي اتخذه مساء الأمس لأجل تأهيلها لتصبح ملكة .
جلس في الحديقة حيث مكانه المميز خلف القصر ينتظر أن يحضر جنوده الملكة، لكن بدلًا من ذلك لمح امرأة تقترب منه بخطوات متمهلة وهي تقول بصوت منخفض :
" اعتذر لازعاجك مولاي "
شعر إيفان بأن صوتها مألوف له، ليخطر في رأسه صوت تلك الفتاة الخاصة بالحظيرة، نظر لها وهي تنظر له مباشرة من خلف حجابها دون أن تنظر ارضًا أو تبعد عيونها عنه، وكأن تلك المرأة لا تنحني لأحد ولا تخشاه حتى .
تجاوز إيفان تلك النقطة وهو ينظر لها نظرات عادية :
" نعم، كيف اساعدك ؟؟"
" حسنًا الأمر أنني أردت مساعدتك في مشكلة تواجه جميع العاملات هنا، ولم أجد واحدة منهن تتحدث عنها، ربما يخشون الحديث أو الاقتراب منك "
اتسعت عين إيفان باستنكار لحديثها :
" وهل أخبرك أحدهم أنني اعض ؟؟ لماذا يخشوف الاقتراب مني ؟!"
" لا ادري ربما لأنك لست ملكًا عادلًا، أو أنك لا تهتم لأمور العاملين لديك، هناك احتمالات كثيرة "
كان إيفان مصدومًا وهو يستمع لمقدار الظلم الذي يمارسه على العاملين في قصره من فم فتاة الحظيرة، هو ليس بعادل ولا يهتم بهم ؟! هل تمزح معه .
" يبدو أن المشكلة في غاية الخطورة آنستي لتستدعي كل هذا التقريع لي وأنا الملك هنا "
ضغط إيفان على كلماته الأخيرة في انتظار أن تفاجئه تلك الفتاة المريبة أمامه بأنه وعن طريق الخطأ تسبب في حدوث زلزال في قسم العاملين، أو أنه مثلًا كان السبب الرئيسي في تفشي وباء قاتل بينهم جميعًا .
لكن كل ما خرج منها هو :
" مراحيض العاملين لديك مولاي تفتقر لكافة المقومات الآدمية، لا زيوت عطرية ولا سوائل تنظيف جيدة، مجرد زجاجات لا رائحة لها ولا فوائد، وهذا تعسف منك مولاي إذ أن المراحيض الخاصة بكم تزخر بكل ذلك "
كانت تتحدث بنبرة جادة وبشدة وقد اتضح في صوتها الغضب دون أن تشعر، وهو فقط كان ينتظر سماع الكارثة التي تسبب بها، ليتضح في النهاية أنه لم يدلل العاملين لديه .
وعلى غير المتوقع انفجر إيفان في موجة ضحك صاخبة لم يستطع التحكم بها، أخفى وجهه بين كفيه وصوت ضحكاته رنّ في الاجواء حوله مما أثار صدمة كهرمان التي نظرت حولها لترى أن أنظار الجنود بدأت تنجذب صوب ضحكاته.
وهو لا يتوقف عن الضحك، يحاول الحديث من بين ضحكاته، لكنه لم يستطع :
" أوه، أنا آسف حقًا، كيف كنت ملكًا لئيمًا لهذه الدرجة ولم ادلل العاملين لدي ؟؟ عارٌ عليّ"
شعرت كهرمان بالحرج من كلماته تلك واستهانته بمصيبتها، هي لا تبالغ إن وصفتها بالمصيبة، فجسدها الذي اعتاد الدلال قد عزف عن استخدام كل أدوات التنظيف الرخيصة واصيبت بطفوح جلدية مريعة .
" أنا لا امزح مولاي أنا حقًا ..."
ولم تكمل كلماتها بسبب اصوات ضحكات إيفان الذي وجد صعوبة كبيرة في التنفس بسبب كثرة الضحك :
" أنا أعلم، الكارثة أنكِ لا تمزحين، هذه هي الكارثة صدقيني "
اعتدل في وقفته بصعوبة شديدة بعدما تمكن من تمالك نفسه حين شعر بأنه لا يجوز عليه الضحك بهذا الشكل جراء شكوى امرأة مقهورة ..
تنحنح بصوت جاهد لجعله متماسكًا :
" معذرة آنستي، لكن فقط شعرت بـ ...حسنًا لنتجاوز هذه النقطة، ما الذي تقترحين عليّ فعله كي انال رضى العاملين لديّ "
شمخت كهرمان برأسها تقول بقوة شديد وكلمات منتقاه وصوت واثق تمنى للحظات وبشكل غبي أن تكون تبارك تمتلك مثلهم، فها هي مجرد عاملة أمامه تتصرف كأميرة، وملكته تتصرف بشكل ....حسنًا تتصرف كتبارك، فهو لم ير يومًا من تتصرف مثلها، لكنه لا يبتأس حقًا ولا يشعر بالخجل أو ما شابه .
" اقترح مولاي أن تضع في مراحيض العاملين كل ما تضعه في مراحيض الطبقة العليا في البلاد "
نظر لها إيفان ثواني نظرات جعلتها تشعر برغبة في التراجع وانزال رأسها، لكنها لم تعتد أن تنحني يومًا لأحد غير الله، هكذا أخبرها ارسلان .
" حسنًا آنستي، لكِ كامل الدلال أنتِ وجميع العاملين في قصري "
نظرت لعيونه من خلف حجابها واطالت النظر به تحمد الله أنه لا يراها، ثم همست بصوت منخفض :
" شكرًا لك مولاي، والآن أئذن لي بالرحيل "
" يمكنك ذلك "
تحركت كهرمان بخطوات رشيقة هادئة وبشكل جعله ودون إرادته يشرد، ضاقت عيونه وشعور غريب يراوده تجاه تلك الفتاة .
توقفت كهرمان في مشيتها، ثم استدارت ببطء للخلف لتتفاجئ أن الملك يراقبها، هزت رأسها له، وهو ابتسم بسمة جانبية يهز رأسه لترحل ببطء وهدوء وثقة ورشاقة منقطعة النظير.
في المقابل وبمجرد اختفاء جسد كهرمان خرجت تبارك من المبنى نفسه وهي تسير بلا مبالاة، وبشكل متعجل وكأن لديها حرب ستفوتها، تسير وهي تنظر يمينًا ويسارًا بفضول شديد، حتى تعرقلت في حجر أسفل قدمها لينتفض جسد إيفان يهتف بهلع وهو يمد كفه وكأنه سيلحق بها من مكانه :
" يا ويلتي.."
لكن تبارك تمالكت نفسها بسرعة كبيرة تنفض ثيابها ببسمة خجلة من الموقف برمته :
" أنا بخير لا تقلق "
تنهد إيفان بصوت مرتفع :
" لدينا طريق طويل... أطول مما تخيلت ."
______________________
بعدما انتهت من حديثها مع الملك سارت في القصر وهي تبحث بعيونها عنه وقد قررت أن تذهب للبحث عنه في جناحه دون أن يشعر أحد بها .
لكن ما كادت تخطو كهرمان للجزء المخصص لكبار القادة، حتى سمعت صوت رجل يهتف :
" نعم هو يحتجز العريف داخل المكتبة الآن مصرًا أنه يخفي عنهم شيئًا "
ابتسم دانيار على كلمات تميم وقد أعجبته فكرة أن يقع العريف تحت رحمة سالار :
" هذا رائع، ليته يتخلص من ذلك الرجل وننتهي منه "
كانت كهرمان تستمع لكل تلك الكلمات وهي تراقب رحيل تميم ودانيار صوب المكتبة، تستوعب أنهم يتحدثون عن سالار ..
ابتسمت بسمة واسعة وهي تتحرك بسرعة خلفهم خشية أن تضل في الطريق وفي نفسها قد عقدت العزم على التحدث مع القائد اليوم وإن كلفها ذلك حياتها .
____________________
كانت الكتب تتطاير في كل مكان داخل وكر العريف إلى جانب البومة التي كانت تحاول الهرب من ذلك الاعصار الذي ضرب المكتبة، فأصبحت وكأنها في سباق والكتب الطائرة تمثل لها عوائق ..
وصوت العريف الذي يصدح خلفها كجرس الانذار قبل الكوارث .
توقف سالار في منتصف المكتبة وهو يجذب له العريف مرددًا بصوت محذر :
" أنا لست حليم أو حكيم لاصبر على أفعالك يا عريف، أخبرني ما الذي تعلمه وتخفيه عني ؟؟"
نظر له العريف مبتسمًا وهو يحاول الفكاك من قبضته :
" أوه، كل هذا لأجل أنني ابتسمت لك خلال الاجتماع ؟؟ لِم لم تفكر أنني كنت آخذ صدقة لتبسمي في وجهك ها ؟!"
ابتسم سالار يميل عليه أكثر بشكل مثير للرعب :
" هذا لأنك وببساطة لا تطيق أي شخص في محيطك، ولا تحب البشر حتى توزع ابتسامتك على من حولك، والآن تحدث بما تعلم "
" أنت الآن تتخطى صلاحياتك التي تمنع ايًا كان من اذيتي، حتى الملك بنفسه لا يستطيع فعل ما تفعله الآن بي، أنت لا تحترم سن أو حتى مكانة "
ابتسم سالار يترك ثيابه، ثم أخذ ينفضها له وكأنه يزيل غبارًا وهميًا عن ثيابه :
" آه، نعم تذكرت أنا من المفترض أن احترمك، الأمر وما فيه أيها العريف أنك تستفزني بشكل يجعلني انسى من أنت وماذا تفعل وكيف يجب أن اعاملك، والآن تحدث بما تعلم كي لا أنسى كل ما نطقت به منذ ثواني "
فتح العريف فمه ولم يكد يتحدث بكلمة حتى قاطعهم صوت أنثوي خجل من الخلف يهتف بصوت منخفض :
" سيدي القائد سالار احتاج للتحدث معك ..."
استدار سالار بدهشة للخلف ليبصر تميم ودانيار وخلفهم، جوار باب المكتبة كانت تقف هي، فتاة لا يعلم من هي، لكن صوتها مألوف وبشدة له .
نظر لها بفضول لتتقدم كهرمان صوبه متجاهلة نظرات الجميع حولها لهم، ومن ثم توقفت في وجه سالار تقول :
" احتاج مساعدتك ...رجاءً "
نظر سالار حوله للجميع، ثم عاد بنظره لها يقول :
" هل اعرفك !!"
" لا لكنني اعرفك جيدًا ......."
______________________
المستقبل بدأ يتغير، وتاريخ المملكة بدأ يُدون، لكن هل سيتم تدوينه كما خُطط سابقًا، أم أن صفحة من كتاب التاريخ ستغير كامل احداث الكتاب ؟؟
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل
متنساش قبل القراءة تعمل تصويت للفصل كتشجيع ليس إلا.
قراءة ممتعة .
"إنَّ الصَّلَاةَ علىٰ النَّبيِّ تِجَارَةٌ
فَاظفَر بِها تنجو من الدَّرَكاتِ
صَلِّ عليهِ بِكُلِّ يومٍ وَ استَزِد
حَتَّىٰ تَفوزَ بِمثلِهَا عَشَرَاتِ ﷺ"
_________________________
حسنًا كان محرجًا أن تسقط أمامه بهذا الشكل المخزي، وليس أمامه فقط، بل أمام دزرينة من الحراس، إلا أن الثقة تلغي الأخطاء السابقة، هذا ما تعلمته وستنفذه .
مررت تبارك يدها على ثوبها تتحرك ببطء صوب الملك وهي تبتسم بسمة صغيرة تحاول بها أن تهدأ من روعها هي .
وبمجرد أن وصلت له منحها إيفان بسمة هادئة مسالمة يقول بصوت حريص :
" أنتِ بخير ؟؟"
" نعم، نعم لا تقلق، في أحسن حال، فقط اعتقد أن هناك بعض المشاكل في الأرضية الخاصة بالقصر "
حجة جيدة خرجت بها لتحفظ ما تبقى من ماء وجهها، وايفان نظر صوب تلك البقعة التي سقطت بها يقول بحاجب مرفوع :
" آه، نعم ربما نصلحها لاحقًا، والآن مولاتي اسمحي لي بالاعتذار لازعاجك منذ الصباح لكن هناك ما نحتاج للتحدث بشأنه "
رمقته تبارك باهتمام شديد ليعتبر هو صمتها موافقة، وبدأ في الحديث بصوت هادئ متعقل :
" بالطبع أنتِ لا تعلمين الكثير عن عالمنا ومملكتنا، ولا أعتقد أن سالار كان من الصبر ليخبرك أكثر من مجرد كلمات معدودة "
انقبضت ملامح تبارك بمجرد سماعها لاسم ذلك الرجل والذي لا تدري سبب كرهه لها وعداوته معها :
" بل هو لم يكن من الصبر ليسمح لي بأخذ انفاسي، كلما توقفت للراحة يصرخ في وجه أن تكمل طريقنا "
أطلق إيفان ضحكات صاخبة :
" حسنًا ربما هذا خطاي أن أرسلته هو تحديدًا، فهو لا يحب الحديث في مهامه أو يحب التأخر، لكن كان ذلك في صالحي إذ أن سالار هو أفضل من ينجز مهامي الخاصة وفي اسرع وقت "
هزت تبارك رأسها توافقه الأمر، فهي وخلال تلك الرحلة رأت بعيونها ما يتحدث عنه، ذلك الرجل جاد بشكل خانق، لكنه رغم ذلك محترف فيما يفعل، وهي تقدر وتحترم ذلك .
" نعم لاحظت ذلك "
" جيد إذن، اتمنى ألا تحملي له ضيقًا، فهو في النهاية أحد رجالي المخلصين والمقربين "
ابتسمت له تبارك بسمة صغيرة تحاول بها تمرير الأمر، بينما إيفان تنحنح يتحدث فيما جاء بها لأجله :
" حسنًا، هنا في سفيد أو في الممالك المجاورة، لن تجدي امرأة تحمل سيفًا أو تركب فرسًا، باستنثاء الاميرات، فهن ومنذ الطفولة يتم إعدادهن ليصبحن ملكات، والملكة عليها أن تعلم بعض الاشياء الأساسية عن الحروب وغيرها، ولا ..اقصد أنني لا اعتقد أنكِ تعلمين هذه الأمور، أم تفعلين ؟؟"
نفت تبارك برأسها تتذكر تذمر سالار من جهلها لتلك الأمور، يا وانقلبت ملامحه بغيظ وكأنها عُرض عليها الأمر وهي من رفضت .
" لا أنا لا افهم ايًا من ذلك "
ابتسم إيفان يحاول ألا يشعرها بالنقص أو بشعور سييء حيال الأمر، لكن تبارك كانت ابعد ما يكون عن تجربة ذلك الشعور، بل هي كانت لا تهتم لتلك النقطة :
" ورغم ذلك نجوتي في عالم ملئ بالمفسدين، هذا شيء يُحسب لكِ احسنتِ حقًا "
كانت تبارك تهز رأسها بانصات شديد قبل أن تُصدم وترفع رأسها له وقد تشجنت ملامحها بقوة تحاول فهم ما يرنو له، عمن يتحدث بالتحديد ؟!
" مفسدين ؟؟ مين دول اللي مفسدين لا مؤاخذة ؟!"
" ماذا ؟؟"
" ماذا أنت، هل وصفت للتو عالمي بعالم المفسدين ؟! ليس لأن به أم أنور وابنها وحسنية والعم متولي ونساء حارتي وعبير وسميرة ومدير المشفى التي اعمل بها، وسائق التوكتوك سيد، وبائع الخضروات، وصاحب عربة الفول أمام المشفى، تطلق عليه عالم مفسدين "
حركت اصبعها السبابة في الهواء ترفض تلك التسمية بكامل دواخلها :
" لا لا يا سيد، ليس لأنك الملك هنا سأسمح لك بالإساءة لعالمي، ثم تسخر من عالمي أنه ملئ بالمفسدين وأنت تأوي أسفل قصرك أكبر الفاسدين ؟؟"
اتسعت أعين إيفان بصدمة من حديثها وكل تلك الأسماء التي تلقيها على مسامعه، هو لا يدرك ما تقصد بكل ذلك، وتبارك انتفضت عن مقعدها تقول بحنق شديد :
" هل تريد القول أن عالمك العزيز يخلو من الفاسدين ؟! جميعكم ملائكة هنا ؟؟ لا اعتقد، فالنفس الامارة بالسوء تسكن جميع الأجساد مولاي "
رفع إيفان حاجبه من كل تلك الخطبة التي تلقي بها في وجهه، يشير لها بالجلوس كي يكمل حديثه وملامحه هادئة لا توحي بأي شيء داخله :
" حسنًا اجلسي رجاءً فمحظور على النساء رفع اصواتهن هنا حيث ينتشر الرجال، وبالطبع محظور عليهن رفعها في وجه الملك "
حسنًا يبدو أنها تمادت حتى حولت الراقي والهادئ لنسخة أخرى من ذلك المتوحش سالار، فملامح الملك في تلك اللحظة جعلتها تتراجع خوفًا أن ينفجر في وجهها، لولا الهدوء الذي يخفي خلفه كامل انفعالاته .
" اولًا نحن لسنا في المدينة الفاضلة، لكن بلادي تخلو من كل المفاسد، ليست لأن جميع النفوس طيبة، بل لأنه يتم القضاء على أي فساد بمجرد أن يظهر، ليس كعالم يعيش به السارق والقاتل في سلام لأنه يمتلك اموالًا أكثر، والظالم يتنعم برغد العيش لأن له اليد العليا، والقوي يدهس الضعيف استغالالًا لحياته، هنا تُدفن المفاسد وتُردم أسفل تلال الصلاح، نحن لا نقمعهم بالقوة، بل بالنصح والإرشاد "
صمتت تبارك وشعرت أنها تمادت في الحديث معه، بينما إيفان اكمل :
" هنا لا فرق بين فقير وغني ولا قوي وضعيف، الجميع أمام القانون سواء، حتى الملك تتم معاقبته إن اخطأ، وهذا كل شيء "
صمتت تتنهد وهي ترتشف بعض قطرات المياه تقول :
" حسنًا ربما بالغت، لكن العالم الخاص بي ليس مرعبًا بهذا الشكل، أنت فقط تحتاج لقلب قوي ولسان لاذع ويد سريعة لتستطيع النجاة به، وهذا لا يمنع أن عالمي ملئ بالصالحين كذلك"
ابتسم إيفان يقول بهدوء :
" ولهذا استطعتي النجاة منه رغم جهلك لأي فنون قتالية؟!"
" لا بل نجوت بدعاء الوالدين، وقيام الليل "
نظر لها بعدم فهم لتبتسم وتجيب :
" كنت أدعو عليهم كل يوم واتجنب أي احتكاك مع أي شخص قد يصيبني بأذى."
ابتسم إيفان بسمة واسعة يقول :
" جيد إذن أنا سأدبر لكِ معلمين لهذه الأمور، المبارزة ورمي السهام والفروسية، ولسوء الحظ لا يوجد العديد من النساء هنا يبرعن في تلك الأمور فلا شقيقات لي، لكن يمكن لأمي أن تساعدنا "
ومجددًا كان الرد من تبارك هو هزة رأس بسيطة منها، وكأنها لا تعي ما يحدث، فقط مستمرة في هز رأسها دون تردد، وهو يراقبها ليبتسم لها بهدوء :
" هذا كل شيء، أنا سأتحدث مع الملكة الأم لتساعدك في هذه الأمور، كما يجب عليكِ الإلتزام بغطاء الوجه خارج حجرتك مولاتي و...."
قاطعته تبارك دون تفكير، وهي حقًا مجبرة على قول ذلك في هذه اللحظة لكن جسدها هامد ضعيف تحتاج طعامًا لأجل حالتها الصحية، لذا تغلبت على خجلها القوي منه وقالت :
" أنا جائعة متى سأتناول الفطور ؟!"
بُهت وجه إيفان قليلًا يحاول أن يستوعب ما قالت، وهي لم تتغير ملامحها، بل أصرت تقول :
" لم يسألني أحدهم عما احتاج للفطور، أنتم لا تتناولونه هنا ؟؟ "
رمش إيفان ثواني يحاول أن يجد ردًا في رأسه يناسب ما تقول، وما كاد يجيبها حتى سمع صوت الحارس يردد بصوت خافت :
" مولاي هناك امرأة لجأت لعدالتك وهي تنتظر في القاعة الآن"
نظر له إيفان ثواني قبل أن يصرفه بيده، ثم عاد بنظره لتبارك التي كانت تنتظر أن يخبرها متى تتناول طعامها، لكن هو لم يفعل، بل فقط ابتسم يشير لها أن تسبقه في السير :
" إذن تريدين مشاركتي في جلسات الحكم ؟! ربما يكون ذلك جيدًا كبداية لك لمعرفة ما نقوم به في المملكة "
تنهدت تبارك بصوت مرتفع، ثم اشارت له كي يسبقها في السير وهي تمتم داخل نفسها بصوت منخفض حانق :
" أنا مالي باللي بتعملوه في المملكة، أنا جعانة عايزة أكل هو الناس دي عايشة على الطاقة الشمسية ولا ايه، ألا ما شوفت واحد بياكل ولا بينأنأ في حاجة من وقت ما جيت"
نظر لها إيفان بتسائل لتبتسم له وهي تهز رأسها، ثم زادت من سرعة سيرها وهو يلحق بها لا يدري ما تتحدث به مع نفسها، لكنه يدرك أنه ليس بشيء يود معرفته حقًا.
_____________________
ارتفع حاجب سالار قليلًا يحاول معرفة ما تريد تلك المرأة منه، ورغم أنه لا يحبذ الاختلاط بالنساء أو محادثتهن، إلا أنه أومأ موافقًا يشير لها صوب أحد مقاعد المكتبة وهي سارت أمامه تفرك يديها تفكر فيما ستفعل .
وبمجرد أن وصلت لأحد الأركان بادرت سريعًا دون أن تفقد شجاعتها بالقول :
" احتاج لمساعدتك، أخبرني اخي أن الجأ لك حين أصل للملكة هنا ومن سوء حظي في اليوم الذي تلى وصولي كان هو نفسه يوم رحيلك لاحضارك الملكة "
تعجب سالار حديثها، ضيق ما بين حاجبيه متسائلًا :
" هل اعرفك ؟؟ وما الذي تريدين مني فعله تحديدًا ومن هذا شقيقك ؟!"
هزت كهرمان رأسها وهي تقول بصوت منخفض ومازال حجابها يخفي كامل ملامحها تردد بهدوء شديد :
" لا اعتقد أنك تعرفني شخصيًا، لكنك تعرفني لأخي .."
فرك سالار رأسه وهو حقًا لا صبر له لمثل تلك الأحاديث التي يشوبها الغموض، هو يحب أن يلقي محدثه كل ما يريده في وجهه دون مقدمات كثيرة.
" نعم، إذن هل ستخبريني من أنتِ وكيف اعرفك، وماذا تريدين مني ؟؟ فأنا حقًا لست متفرغًا للحديث الطويل "
بلعت كهرمان ريقها وهي تحاول أن تتماسك وتتحدث بصوت ثابت :
" قبل أن أخبرك من أنا أريد كلمتك سيدي "
" كلمتي ؟!"
" نعم، رجاءً عدني ألا يعلم الملك شيئًا عني "
ارتاب سالار أكثر من ذلك الطلب وشعور بوجود خطب خلف تلك الكلمات، شيئًا لن يسره .
" لم أعتد أن أعطي كلمة على ما لا علم لي به، لذا سيدتي إما أن تتحدثي بما جئتي لأجله، أو توفري وقتي ووقتك وترحلي "
قاسي ؟؟ نعم ومتى لم يكن، أو ربما يمكننا تخفيف وقع تلك الكلمة والقول أنه جاد ولا يعترف بالحديث الكثير، هو رجل حرب لا يعترف سوى بالحديث المباشر، اما نعم او لا، لا يوجد في قاموسه كلمة ربما .
شعرت كهرمان أنها لن تفوز عليه، كما قال شقيقها، سالار لا يحب المزاح ولا يعجبه أن يملي عليه أحد شيئًا أو يجبره عليه، مثله كالملك، لكن ربما الملك متفهم ويستمع ومن ثم يتحدث ويحكم .
وفورًا رفعت حجابها تنظر له بجدية وهي تقول بصوت فاقد الحياة والأمل ونبرة ميتة :
" أنا الأميرة كهرمان، أميرة مشكى و....الوحيدة المتبقية من سلالة ملوك مشكى، شقيقة الملك أرسلان "
اتسعت عيون سالار بقوة وهو يبصر أمامه شقيقه أرسلان، نعم يعرفها خين لمحها مرات قليلة داخل قصر ارسلان في بعض الزيارات الخاصة به، لمحات قليلة لم يهتم حقًا ليطيلها أكثر من ثواني، لكنها لمحات تكفي ليعلم أنها تقول الصدق .
سقطت دموع كهرمان وهي تقول بصوت قوي وحقد قاتل :
" اريد منك مساعدة في إعادة ارضي وارض أجدادي قائد سالار، اريد منك مساعدتي للقصاص، اريد أخذ قصاص شقيقي وامي، لكن دون معرفة من الملك أو حتى مساعدة منه، لا أريده أن يعلم بأمري "
شرد سالار بعض الشيء في الفراغ في الوقت التي اطالت هي التحديق بملامحه، ملامح لم تر مثلها كثيرًا، رجل جسور قوي، وكذلك كان الملك يشبه سالار في الطباع مع اختلاف بعض الصفات والتصرفات بينهما و....مهلًا ما شأنها والملك الان ؟! هي فقط تريد مساعدة سالار وفقط، لن تطلب مساعدة بمن سعى لعداوة شقيقها .
" حسنًا "
كانت كلمة واحدة، واحدة فقط نطق بها سالار قبل أن يتركها ويتحرك من أمامها يشير لدانيار وتميم باللحاق به وخرج من المكان بأكمله .
و تلك المسكينة ما تزال تقف مكانها تحاول أن تستوعب ما يقصد ذلك الرجل بكلمة ( حسنًا).. ماهذا حسنًا ؟؟ هكذا فقط ؟؟ أين الدراما والبكاء والتوعد والصراخ أنه سيجلب لها حق شقيقها ؟؟ أين كل ذلك ؟؟ ما هذا الجبل الذي عبر أمامها وكأنها لم تتحدث بشيء ؟! هل أخطأت حين لجئت له؟!
يا الله تشعر باحتراق داخلها، هي حقًا لا تصدق ردة فعل تلك، كلمة واحدة وتحرك بعيدًا عنها .
ونيران صدرها من يطفئها ؟؟ كرهها من يخففه، من سيتوعد بإعادة حق شقيقها ووالدتها ؟؟
ومن بين صدمتها تلك سمعت صوتًا جوارها بنبرة خبيثة :
" اول مرة تتعاملين مع ذلك المتجبر صحيح ؟!"
استدارت كهرمان بسرعة صوب العريف الذي كان يجلس على مقعده يحمل كتابًا وهو ينظر لها من خلفه ببسمة خبيثة، وفوق كتفه تقبع بومة تنظر لها بـ....بسمة ؟؟
هل تبتسم لها تلك البومة بخبث ؟؟
أعادت كهرمان الحجاب الخاص بها على وجهها بسرعة تخفي وجهها ليسارع العراف يقول بهدوء شديد ونبرة غامضة وهو تحسس ريش بومته :
" لا لا سموك لا تقلقي ما يخرج هنا في مكتبتي لا يعبر جدرانها "
تنفست كهرمان بصوت مرتفع بعدما أدركت أن ذلك الرجل علم عنها ماتخفيه بالفعل :
" لا اريد لأحد أن يعلم ذلك رجاءً "
ابتسم العريف يردد بنبرة هادئة:
" لن يعلم أحد مني شيء صدقيني، لكن الاسرار لن تبقى اسرار للابد يا فتاة، وخاصة إن كان ذلك السر هو مفتاح العديد من العقد كخاصتك "
نظرت له بعدم فهم ليبتسم متحركًا عن مقعده يردد انشودة بصوت مرتفع بعض الشيء، ثم قال لها يحرك يديه في الهواء والبومة تتطاير حوله وكأنها تشاركه تلك الانشودة :
" لا اسرار تختبئ عن الحب، الحب يكره الغموض يا صغيرة، فلا تجديهما يجتمعان سويًا في قصة واحدة، وبالطبع قصتك ليست باستثناء، فإما أن يكشف الحب غموضك، أو أن يقتل غموضك الحب "
اشتعلت الحيرة بملامح كهرمان التي لم تفهم من ذلك الرجل شيئًا، نظرت أمامها صوب مرجان الذي كان يحدق في العريف بتفكير يحاول أن يحل الغازه، وحينما أبصر نظرات كهرمان له هز كتفيه بعدم معرفة يقول :
" لا أعلم ما يقصد صدقيني، هو هكذا يحب لعب دور الغامض مع الجميع، وانا أجهل ما يريد، ربما تعلم البومة ما يقصد، لكن لسوء الحظ هي لا تتحدث كما تعلمين "
ابتسمت كهرمان بعدم تصديق لما يحدث حولها :
" ما الذي يحدث أسفل سقف ذلك القصر ؟؟"
___________________
تقف في منتصف الساحة وهي تتمايل بكل دلال تمتلكه، له وحده تفعل ذلك علها تنال رضاه، أو نظرة واحدة منه .
لكن ذلك الذي الذي تكاد تقبل قدمه ليمنحها نظرة رضى واحدة، كان شاردًا لا يشعر بشيء حوله سوى تلك النيران التي تشتعل داخل صدره، حتى لمساتها له لم تؤثر به، ليس لأنه _ معاذ الله _ تقي أو ورع، بل لأن الصفعة التي نالها على وجهه من سالار ما يزال صداها يرن في أنحاء مشكى بأكملها .
تنفس بصوت مرتفع ينظر جوراه لتلك الفتاة ذات الملامح الملائكية التي تتنافى بالكامل مع أفعالها الشيطانية ..
" أنا لست في مزاج يسمح لي بالاندماج معك، لذلك اذهبي من أمامي كي لا انفجر بكِ، وستكونين الضحية الوحيدة هنا "
انتفضت الفتاة متراجعة عنه، تتنفس بخوف من نظراته السوداوية، ليس وكأنها عاشقة له أو ماشابه، فمن سيحب رجل بوجه نصف مشوه وقلب اسود كبافل ؟! هي فقط شأنها كشأن جميع نسائه، تريد السلطة والثراء المرتبط باسمه .
تحركت الفتاة للخارج تزامنًا مع دخول رجل المكان يقول بصوت مرتفع :
" ارسلت لي سيد بافل ؟؟"
ابتسم بافل ينظر في وجه ذلك الرجل، واحد من شياطين الانس الذين اتحدوا معه لأجل إسقاط مشكى، قائد جيوشها الاول والذي باع مملكته لقاء سلطة اكبر من سلطته المقيدة ..
" نعم، لقد حان الوقت "
نظر له الرجل بعدم فهم :
" وقت ماذا سيدي لا افهم ؟!"
" وقت إسقاط سفيد يا رجل "
اتسعت عيون الرجل بصدمة كبيرة لا يصدق ما يسمع، سفيد ؟؟ الآن وقبل أن تتجهز جيوشهم ويستعيدوا حيويتهم بعد هجوم الامس ؟!
" لكن سيدي نحن لسنا مستعدين في هذه اللحظة لسفيد البتة، الأمر صعب، لا سفيد ولا آبى ولا سبز، نحن الآن في أضعف حالاتنا بعد قتل العديد من رجالنا و..."
قاطع كلماته رؤيته لخنجر يمر جوار وجهه وصوت بافل يصرخ بجنون :
" أنا لا آخذ رأيك يا هذا، ستنفذ ما أخبرك به، وإلا لحقت بملكك وجنودك "
ابتلع الرجل الإهانة التي ألقاها بافل في وجهه وقال بصوت خانع :
" كما تريد سيدي، أخبرني ما يجب عليّ فعله وسأفعل "
استند بافل إلى سيفه يشرد في المكان أمامه محاولًا التفكير في القادم، هو حقًا يحتاج لكل ذرة تفكير داخل عقله :
" نحن لن نعلنها حربًا صريحة، أريد اولًا أن أرد على هجومه، وسنفعل ... "
___________________
يجلس الثلاثة داخل معمل تميم الذي كان يعمل بجد على سلاحه العزيز والذي أوشك على الانتهاء منه :
" إذن أنت ستساعدها ؟؟"
هز سالار رأسه بهدوء :
" سأفعل، إن لم يكن لأجلها فلأجل أرسلان "
تنفس دانيار بقوة وهو يفكر في شيء لم يفصح عنه، إن كانت تلك الفتاة والتي ادعت الخائنة _ كذبًا _ أنها شقيقتها وقد هربتا من قرية في غرب سفيد بعد هجوم المنبوذين، والآن اكتشف أن التي تدعي أنها شقيقتها، هي نفسها الشقيقة الوحيدة لملك مشكى السابق، إذن من تلك الفتاة ؟؟
انتفض جسد دانيار، أمام سالار الذي ضيق عيونه بعدم فهم لشروده العجيب ذلك :
" ما بك دانيار ؟؟ بم أنت شارد ؟!"
" لا أنا فقط ...كنت أفكر إن كنا سنخبر الملك بشأن الأميرة أم لا، في النهاية هي تجلس أسفل سقف قصره "
شرد سالار قليلًا قبل أن يقول بتقرير :
" لن نفعل، ليس الآن على الأقل، حينما أتأكد من شيء في رأسي أنا بنفسي ساخبره بأمرها "
هز دانيار رأسه ولم يتناقش معه في شيء لمعرفته أنه يعلم ما يقرر جيدًا .
وبعد دقائق من الحديث تحرك دانيار بحجة رؤية شقيقه لأمر هام، وخرج من المعمل بسرعة تحت نظرات متعجبة من تميم و غامضة من سالار الذي أدرك أن دانيار يخفي شيئًا ما ..
بينما دانيار تحرك خارج المعمل يعيد خصلاته للخلف وهو يتمسك بحاملة سهامه جيدًا، يحيي جميع من يقابله برأسه، يسير في الممرات وهو يعلم أين سيجد تلك الخائنة .
خرج من القصر بأكمله وسار للجزء الخلفي من القلعة حيث الباب الخلفي المؤدي للخارج وهو يبتسم بخبث، خرج يضع قلنسوة أعلى رأسه صاعدًا أعلى فرسه، ثم اندفع به للسوق الشعبي حيث تلهو تلك المخادعة في مثل هذا الوقت من كل أسبوع .
نعم يراقبها داخل القصر ويعلم كل ما تفعله، وها هي مراقبته تؤتي ثمارها .
وفي السوق كانت هي تسير بحرية بلثام الوجه، و حجاب بسيط أعلى فستان اسود بحزام جلدي به بعض الخناجر تسير متفاخرة بهم، وكأنها تتحدى أن يقترب منها أحدهم .
وأصوات الباعة ترن حولها بشكل متداخل لم تهتم لهم، إلا أن جذب مسامعها صوت رجل يصيح بصوت هادئ رزين بعض الشيء :
" الحرير سيدتي ؟! اشتروا مني أفخر انواع الحرير في جميع الممالك"
حرير ؟؟ هذا مثير للاهتمام، منذ متى لم تشتر لنفسها شيئًا كهذا من باب الدلال ؟؟ تحركت زمرد صوب ذلك الرجل وهي تنظر صوب انواع والوان الحرير أمامه مبتسمة بسمة صغيرة .
بدأت تتلمس بأطراف أصابعها الحرير تقول بصوت خافت :
" مرحبًا يا عم بكم القطة لديك ؟!"
ابتسم لها الرجل بوقار واحترام شديد :
" بخمس قطع ذهبية آنستي، وصدقيني لن تجدي بهذا السوق ولا أي سوق بالمملكة اجمع من ينافس جودة وسعر حريري "
ابتسمت زمرد وقد نال ذلك الحرير إعجابها ووقعت عيونها على قطعة من اللون البرونزي اللامع، لتلتمع عيونها تباعًا للأمر، تتحسسه بوله شديد :
" يبدو هذا مناسبًا لي، إذن سآخذ قطعتين، هذه و..."
وقبل أن تكمل كلمتها شعرت بيد تجذب الحجاب الذي تلفه حوله رقبتها، ويقوم بلفه حول وجهها بسرعة مخيفة، ثم سحبها من ذلك الحجاب، وزمرد ودون تفكير للحظة واحدة تحركت يدها صوب الخناجر الخاصة بها، لكن تلك اليد التي سحبتها بعنف أجبرها صاحبها على دخول زقاق ضيق لا أحد به، يدفعها صوب أحد الأركان هامسًا بصوت مخيف :
" مرحبًا بالخائنة الكاذبة والمخادعة "
اتسعت عيون زمرد حينما رأت عيون تعرفها تمام المعرفة، رفعت حاجبها تتنفس بصوت مرتفع :
" كل هذا ؟؟ يا ويلي يبدو أنني اسوء مما توقعت "
ابتسم لها دانيار بشكل مرعب ينزع القلنسوة عنه، ثم في ثواني كانت أنامله تنتزع جميع خناجرها ملقية إياها ارضًا، وبعدها ابتعد عنها يقول بصوت مهدد :
" والآن ايتها المخادعة تحدثي وأخبريني من أنتِ ومن ارسلك للقصر وبأي حجة ؟؟"
نظرت له زمرد بغضب شديد وعيونها تتحرك صوب الخناجر خاثتها بغضب شديد، تحركت بسرعة بغية امساكهم، لكنه نزع سهمًا من حافظة سهامه يضعه داخل القوس وموجهًا إياه عليها :
" أنتِ لا تريدين أن تصبحي هدفًا حيًا لسهامي صحيح ؟؟"
رمقت زمرد عيونه بغضب شديد لتميل بكل عناد صوب الخناجر الخاصة به وكأنها تخبره أن يفعل ما يريد، لكن كل ما فعل دانيار أنه امسك سهم آخر ووجهه لها، وهي رفعت حاجبها بسخرية وكأنها تخبره ( حقًا ؟؟)
وهو ابتسم بسمة أوسع ينتزع سهمين آخرين لتكون الحصيلة أربعة سهام في قوسه وجميعهم موجهين لرأسها :
" يمكنني الاستمرار حتى الصباح، وصدقيني سأزيد من سهامي حتى يمتلئ جسدك بأكمله."
استقامت زمرد في وقفتها تقول ببسمة ساخرة :
" يبدو أنني أرهق تفكيرك لدرجة أن تأتي خصيصًا خلفي وتقف الأن امامي تبذر سهامك على جسدي "
نظرت له بخبث شديد، ثم اقتربت منه خطوات صغيرة تقول بصوت هامس:
" هل حلمت بي لتقفز أمام وجههي منذ الصباح ؟؟"
ابتسم لها دانيار بسمة واسعة قبل أن تتحول تلك البسمة لضحكات مرتفعة، يميل قليلًا كي يصل لطولها :
" تتمنين، لكن عقلي لديه أمور أكثر أهمية منك ليفكر بها في نومي على هيئة احلام "
رفعت زمرد حاجبها بسخرية :
" بل انت من تتمنى، لم يتبقى غير رامي السهام لارهق نفسي في أحلامه "
فجأة شعرت بسهم يخترق الحاملة الخشبية خلفها لتشهق بصوت مرتفع وهي تتحرك بعيدًا عن كل ذلك، استدارت صوب دانيار الذي ابتسم لها ببساطة :
" سيدهشك ما يستطيع رامي السهام فعله، هيا لا تضيعي وقتي وأخبريني من أنتِ ومن أي مملكة جئتِ "
صمت ثم سارع يلغي خطتها التي تلوح في عيونها :
" ولا تقولي أنكِ هربتي مع شقيقتك من الحدود الغربية حتى هنا، فكلانا يعلم أن شقيقتك هي نفسها أميرة مشكى،"
شهقت زمرد بصدمة مما قال، كيف علم الأمر ؟!
وقبل أن تبادر بطرح سؤالهم قاطعها شعورها بحد السهم يكاد يخترق رقبتها وصوت دانيار يهمس بتحذير :
" من أنتِ وما قصتك ؟؟"
ابتلعت زمرد ريقها تقول وهي ترفع يديها في الهواء تدعي استسلامًا :
" أنا...أنا الخادمة الخاصة بالاميرة، هربت معها ليلة اقتحام المنبوذين لقصر مشكى وقتلك الملك، وجئنا هنا للاحتماء بسفيد، ولم أتحدث بكلمة بناءً على أوامر الأميرة "
مقنعة وجدًا، ومنطقية كذلك، كان يدرك أن هذا سيكون ردها، لكنه أراد التأكد، أو أنه فقط أراد حجة كي يتحدث معها ؟؟
" وكل تلك المهارات التي تستطيعين فعلها ؟؟"
" الأميرة علمتني كل ذلك، كنت اراقبها طوال فترة تدريبها وتعلمت معها "
نظر لها دانيار بشك وهي فقط ابتسمت تبعد عنها حد السهم تقول :
" هذا كل ما اعرف سيدي صدقني "
نظر لها دانيار قبل أن ينزع السهم يقول :
" أنا لا أستطيع تصديقك حقًا "
" أوه اعلم هذه المشكلة فملامح وجهي لا تساعد في الأمر، لكن يمكنك المحاولة وستنجح يومًا ما "
راقب دانيار عيونها السوداء التي كانت في تلك اللحظة ملتمعة، وابتسم بسمة جانبية يقول :
" نعم، ربما يومًا ما أستطيع تصديقك "
أخفى سهامه مجددًا في حافظتها، ثم نظر لها من أعلى لأسفل يقول :
" يجب أن تتوقفي عن الهروب من العمل وإلا عوقبتي "
عدلت زمرد من وضعية لثامها تقول بجدية :
" لقد منحني الملك إجازة لأجل ما فعلت بذلك المنبوذ الـ "
صمتت تحت نظراته المتعجبة وكأنه يسألها عما تقصده، وهي قلبت عيونها بملل تراه يخرج سهامه مجددًا يضعها في القوس يوجهها لها .
" أي منبوذ وما الذي فعلته يا امرأة ؟؟"
نفخت زمرد بحنق شديد ترفع يدها تدعي استسلامًا :
" أوه ليس مجددًا "
_________________________
كان هذا أشبه بالمحكمة في عالمها، لكن الأمر والمتعة كانت تتمثل أنها تجلس كما القاضي تستمع وتحكم، حسنًا الملك هو من كان يحكم بين الجميع، وهي كانت تشاهد بصمت، ربما يمكن القول أنها كانت تتخذ دور المستشار ؟؟ نعم يعجبها هذا اللقب .
وأثناء طريقها خارج القاعة بعدما تركت الملك يهتم بشؤونه، اصطدمت في امرأة جعلتها تتراجع للخلف بسرعة :
" اعتذر لكِ سيدتي لم ..."
وقبل أن تكمل كلماتها وجدت تلك المرأة تنبذها وترحل بعدما ألقتها بنظرات غير مهتمة، فتحت تبارك عيونها بعدم فهم مما حدث .
أبصرت في تلك اللحظة سالار الذي كان يتحرك صوب القاعة وتوقف ليرى الام بينها وبين الملكة الأم، ويبدو أن الملكة لم تتعرف على هوية تبارك .
أشارت تبارك على المرأة التي رحلت وهي تقول :
" هي الست دي مالها زعلانة كده ؟!"
رفع سالار حاجبه ينظر لها من أعلى لأسفل متعجبًا ما ترتديه، إذ لم تعتد عينه بعد على رؤيتها بثياب نساء مملكته، وفجأة توقف على وجهها يقول :
" أين غطاء وجهك ؟!"
حملقت به تبارك بعدم فهم تتحسس وجهها :
" يعني ايه ؟! هو ده جزء من اللبس بتاعكم ؟! "
" ماذا ؟؟ ما هذا الذي تقولينه ؟؟ هناك غطاء للوجه عليكِ وضعه قبل خروجك من جناحك ...مولاتي "
قال كلمته الأخيرة ضاغطًا على أسنانه بغضب، وهي نظرت له تقول بهدوء مستفز :
" محدش قالي حاجة، بعدين أنت مالك ؟؟"
ضغط سالار على أسنانه بغضب وهو يحدجها بتحذير أن تلتزم حدودها معه، وتبارك التي كانت منذ الصباح غاضبة في الأساس لم تخضع لنظراته تقول بجدية :
" وإن ظننت أن نظراتك هذه ستخيفني، فأنت محق أنا بالفعل اخافك، لكنني الأن في مقام الملكة؛ لذلك أنت مجبر على احترامي، والآن يا فتى أخبرني كيف أجد فطوري "
تشنج وجه سالار بقوة يردد بعدم فهم :
" فتى ؟؟ حقًا ؟؟"
اطال النظر لها ثم اقترب منها يقول بتشنج وملامح مخيفة :
" من تظنيني يا امرأة ؟؟"
" البودي جارد بتاع الملك "
رفع حاجبه يحاول ترجمة تلك الكلمات في عقله، هو يعلم بعض اللغات القديمة والقليل فقط من اللغات الجديدة، وهذه الكلمات يعلمها لكن لا يتذكر لها معنى :
" اسمعي جيدًا إليّ، هل ترين ذلك الشيء المعلق في خصري ؟؟"
اشاحت تبارك عيونها عنه صوب حزام خصره، ثم قالت :
" أتقصد ذلك السيف ؟!"
" نعم هو، لا تحاولي استفزازه فهو لن يفرق بين ملكة وعاملة "
هزت تبارك رأسها بهدوء شديد تحاول أن تتجنب الجدال في هذه اللحظة ولم تقل سوى :
" الله يسامحك، أنا اساسا يعني مش ميتة على شوفتك، ده أنا مُنى عيني مشوفش وشك قدامي تاني "
ابتسم سالار يردد ببسمة باردة مرعبة يهمس لها :
" ابشري.."
نظرت له بخوف متراجعة تردد رغم ذلك بعناد :
" قبلت البشرى "
ابتسم لها وهو ينظر بشر صوبها :
" جيد، والآن مولاتي اسمحي لي بالمغادرة رجاءً، استأذنك الرحيل "
أشارت له تبارك تتنحى عن الطريق ساخرة :
" تصحبكم السلامة "
راقبت أثره ثم غمغمت بسخرية لاذعة :
" ناصح أنت آخر ثانية من الحوار تقول مولاتي وتحترم نفسك بعد ما تقل من قيمتي طول المناقشة"
تنهدت بصوت مرتفع تنظر في أرجاء القصر بتعب :
" ودول بياكلوا فين دول ؟؟"
_______________________
زفر بضيق شديد وهو يتابع مهيار بعيونه، يُجلسه هنا منذ ساعة تقريبًا كي يفحص جروحه التي حصل عليها سابقًا .
" مهيار بالله عليك ألم تنتهي ؟! أشعر أنني اجلس هنا منذ سنوات "
نزع مهيار تلك اللاصقة يتذمر من تذمر تميم والذي كان لا يحتمل الجلوس على الفراش أمامه كالجالس على جمر، جمع كل أدواته يقول عقب تنهيدة صغيرة :
" انتهينا تميم، وربما يفيدك أن تهتم بجرحك فهو على وشك أن يلتهب مجددًا، وصدقني لن يعجبك ما ستلاقيه حين يحدث ذلك ."
التوت ملامح تميم يعيد ثيابه مجددًا وهو يهبط عن الفراش، ثم تحرك صوب باب الغرفة يردد بجدية كبيرة :
" نعم ربما حين انتهي من عملي، سوف اهتم به وارعاه"
ابتسم له مهيار بسخرية تفوق خاصته :
" حري بك هذا وإلا لا تلومن إلا نفسك "
لوح تميم بيده يقول مبتسمًا :
" الوداع سيدي الطبيب "
تحرك تميم خارج المشفى يتحسس جرحه بتعجب شديد، ثم بدأ يضغط عليه مجددًا وهو يردد بصوت مستنكر :
" هي من الأساس لا تؤلمني، لِم عليّ أن انتبه عليها إن كانت لا تفعل ؟؟ هراء، أنا في النهاية لن أخضع لكلمات مهيـ"
اصمتت دفعة من إحدى النساء حديث تميم لنفسه، إذ تراجع الأخير للخلف بسرعة كبيرة رافعًا يديه في الهواء معتذرًا :
" آسف لم ارك آنستي، اعتذر منك ."
ابتسمت الفتاة خلف غطاء الوجه تتحدث بصوت رقيق وقد وجدت أخيرًا فرصتها في الحديث معه، أو بالأحرى هي من صنعت تلك الفرصة إذ تحينت الوقت المناسب لتصطدم به .
" لا بأس سيدي أنا أيضًا لم انتبه لك "
هز تميم رأسه يبتعد عن طريقها، ثم أكمل طريقه بكل بساطة، والفتاة تقف بصدمة أنه لم يزد كلمة واحدة على حديثها، فقط هز رأسه ورحل، ما الذي يعنيه ذلك ؟؟ ربما عذوبة صوتها لم تكن كافية ؟؟
وتميم كان يتحرك صوب معمله ليباشر عمله قبل أن يطرأ له ما يعطله، لكن فجأة سمع صوتًا خلفه يصرخ بوجع كبير .
استدار نصف استدارة ليجد الفتاة نفسها ساقطة ارضًا تبكي بصوت مرتفع متألم وكأنها للتو دهست لغمًا وانفجر بها، وتميم يقف ولا يدري ما يحدث لها، هو منذ ثواني تركها واقفة على قدمها دون أي مشاكل .
نظر حوله وكأنه يبحث عمن يساعدها، ولم يكد يتحرك حتى شعر بجسد يندفع من خلفه، جسد لفتاة طويلة القامة بعض الشيء يظن أنه يعرفه .
ولم يكن ذلك الجسد سوى برلنت التي كانت شاردة به من مسافة بعيدة لتبصر ما يحدث وتدرك نية تلك الفتاة الخبيثة التي تطمح للتلاعب بصانع الأسلحة خاصتها، حتى وإن لم يكن يعلم أنه خاصتها، فهذا لا ينفي الأمر من جهتها على الأقل.
حدق تميم في برلنت التي انحنت تقول بصوت مرتعب _ كما ظهر له _ وهي تساعد الفتاة :
" اه كيف حدث ذلك يا فتاة، هيا دعيني اساعدك، هيا هيا انهضي معي"
نظرت الفتاة صوب برلنت بنظرات لم تظهر لها من أسفل الغطاء، تشعر بالغضب يتلبس جسدها بينما وقف تميم لا يدرك ما يجب فعله .
تحرك لهما بتردد :
" هل ارسل للطبيب ؟؟"
التفتت له برلنت بحدة وغضب وكأنه للتو عرض الزواج على الفتاة وليس أن يحضر لهما الطبيب، لتنفجر بلا مقدمات في وجهه :
" نشكرك سيدي، نحن نستطيع الذهاب بأنفسنا له، لا نحتاج مساعدة من أحد، وفر مروءتك لمن يحتاجها حقًا"
رمقتها الفتاة بغضب تحاول نزع يدها من بين انامل برلنت :
" من أنتِ يا فتاة دعيني "
اتسعت أعين تميم بصدمة من هجومها عليه بهذا الشكل، نعم هي بالتأكيد نفسها صاحبة اللسان السليط، وهي نفسها القردة التي رآها سابقًا حينما كان يسير بخيله .
ابتسم لها بسمة مغتاظة :
" حسنًا أنتِ محقة، فهناك من يستحق أن أظهر مروءتي له أفضل منكِ، لا اعتقد أنكِ بحاجة لها، لا أنتِ أو حتى رفيقتك "
اعترضت الفتاة بقوة على هذا الحديث رافضة أن يشملها في غضبه من تلك المجهولة التي قفزت لها من حيث لا تعلم :
" هييه أنا لست رفيقتها سيدي أنا حتى لا اعلم من أين جاءت تلك الفتاة "
لكن لا برلنت ولا حتى تميم اهتم لحديثها، فهو لم ينزع عيونه عنها بشر، وهي لم تبعد نظراتها _المختفية خلف غطاء الوجه _ عنه، تشعر بالغضب منه، من نفسها قبله، يالله فكرة أن يقترب من أمرأة أخرى تقتلها وهو من أخذ يضحك عليها حين أُصيبت، الآن يسارع لعرض خدماته على امرأة اخرى؟؟ الويل لك تميم :
" جيد، إذن ابحث لك عمن تساعده بعيدًا عن النساء، فلا أظن أنك تحسن مساعدتهم، بل أنت في الحقيقة تورطهم أكثر وأكثر "
ضحك تميم بعدم تصديق، هي ترمي لذلك اليوم الذي حملها لينقذها من الانفجار وحينما أنقذها من فروع الشجرة، كل ذلك نسيته وتذكرت طريقة إنقاذه فقط .
" آه نعم وكأنني اتشوق بالفعل لمساعدة النساء، عزيزتي أنا من ترتمي النساء عليّ وليس العكس، واسألي رفيقتك"
ختم حديثه بنبرة صارمة وملامح حادة بعيدة كل البعد عن المزاح، ثم استدار للفتاة التي تناست تمثيلها السابق وقال بتحذير :
" وأنتِ التزمي حدودك وتوقفي عن هذه الالاعيب كي لا يتم معقابتك، عدن للعمل "
أنهى جملته يستدير متحركًا بعيدًا عن عنهما بملامح صخرية وجمود معروف به بين الجميع، تاركًا برلنت تراقبه بحسرة، حسرة كبيرة داخل قلبها، رؤيته يرحل هكذا ذكرتها بأكثر أيامها تعاسة حينما تركها وحيدة قديمًا ..
ولم تشعر برلنت في خضم قهرها وحسرتها بتلك الفتاة التي أخذت تتذمر وتتمتم بضيق منها، ثم ضربتها بكتفها ورحلت، وبرلنت ما تزال تنظر لظهر تميم بأعين دامعة وقد عادت لها ذكرى بعيدة لمراهق يرحل عنها غاضبًا بعدما أفرغ في وجهها كرهه وجنونه ...
كانت برلنت الصغيرة تتمسك بعضد تميم البالغ من العمر سبعة عشر عامًا وهي تبكي بحرقة وجنون، تأبى تركه يرحل، ليس بعد كل تلك الأعوام يتركها وهو رفيقها الوحيد :
" لا لا تميم، ارجوك أنا ارجوك سامحني، اقسم أنني كنت مجبرة على فعل ذلك، اقسم لك اجبروني على ذلك تميم، لا تتركني "
انتزع تميم ذراعه من بين يديها صارخًا بغضب وقد شعر بالنيران تحرق صدره مما علم عنها تحول كامل الحب لها لبعض شديد ومقت :
" لا تدعيني أرى وجهك مجددًا وإلا اقسم أنني لن ارحمك"
لكن برلنت صاحبة الثانية عشر عامًا، امسكت يده تبكي برجاء :
" ارجوك أنا آسفة، أنا آسفة تميم، صدقني لن تتكرر، ارجوك فقط هذه المرة، تميم هذه المرة الاخير اقسم بالله العظيم ستكون المرة الأخيرة "
لكن تميم انتزع يده منها بقوة وهو يميل بجسده للأرض حيث سقط جسدها يقول بشر ونبرة مرعبة وتهديد واضح في جميع حروفه رغم عيونه الحمراء الدامعة :
" نعم ستكون الأخيرة برلنت، ستكون الاخيرة، لأنني لن أراكِ مرة ثانية، وإلا قتلتك حينها وتخلصت منكِ "
صمت يتنفس بصوت مرتفع وقد التمعت عيونه بالدموع وقد بدا صوته كأنه يتوسلها :
" لا تدعيني أراكِ مجددًا ارجوكِ، لا تجبريني على قتل الشيء الوحيد الجيد في حياتي بيرلي، لا اريد معرفتك بعد اليوم "
ختم حديثه بصراخ جنوني، ثم انتفض تاركًا إياها مبتعدًا بملامح صخرية متألمة وجسد جامد وهي تتابع خطواته بجسد مرتجف ودموع مستمرة، خسرت رفيقها الوحيد، بل الشخص الوحيد الذي كان يشاركها بؤسها وكله بسببها هي وبسبب غبائها .
نظرت برلنت حولها بأعين ضبابية بسبب دموعها تتساءل إن كانت أربعة عشر عامًا فترة كافية لتلتئم جروح تميم، هل تكون فترة كافية لينسى ما فعلته كما نساها هي ونسى حتى اسمها ؟؟
______________________
يقف في نافذة شرفته، أو بالأحرى نافذة الشرفة التي أخذها بالقوة، بل بالمعنى الأدق سلبها من بين أنامل أصحابها، اخذ منهم ما حرموه منه قديمًا، حاز واخيرًا وطنًا له ولشعبه بعدما نبذهم الجميع.
الآن من يضحك ؟؟ من انتصر الآن ؟؟
كان صدر بافل ينتفخ بقوة وهو يحدق بمشكى وفي عيونه نظرات تلتمع بالقوة، ولم يكتفي، ليس بعد، لن يكتفي الآن ولا غدًا ولا بعد غد، لن يكتفي إلا حينما ينال مراده، سيأخذ جميع الممالك ويجعل له ولشعبٍ نُبذ قديمًا أكبر مملكة عرفها التاريخ .
سمع صوتًا خلفه ينبأه بمقاطعة أحدهم لطموحاته الكبير ليستدير نصف استدارة :
" هل فعلت ما طلبت منك ؟؟"
هز مساعده رأسه بطاعة، ليبتسم بافل ويعود ببصره مرة أخرى صوب مشكى يتأمل بها غير مصدقًا أنه فاز وجميع شعبه بها، لكن أخرجه من كل ذلك ومجددًا صوت الرجل خلفه .
" سيدي ...هل .. ألا تظن أن ما فعلته كان مبالغًا به ؟ أعني أن تمنع عنهم الطعام والشراب وجميع متطلبات الحياة، أشعر أنه بهذه الطريقة لن ندفعهم للرضوخ، بل سندفعهم إما للموت أو الانتفاض مجددًا "
قست أعين بافل بقوة، وعلى فمه ارتسمت بسمة جانبية واثقة :
" إن لم تأتي القوة بنتيجة معهم، فلا بأس أن نلجأ لطرق اخرى، لا اريد أن تتركوا بين ممرات المملكة غلة أو طعام سوى القليل، القليل فقط والذي يجعلهم ينشغلون بالصراع عليه عما أفعل، اتركهم يقاتلون بعضهم على الطعام بدلًا من التفكير في القتال معي "
استدار لرجله الذي علت نظرة من الانبهار وجهه وقال بجدية :
" اشغلهم بحاضرهم، ليتناسوا مستقبلهم"
اتسعت بسمة الرجل وود لو صفق لبافل، لكن بافل لم ينتظر منه تحية أو تصفيق بل فقط أشار بيده في هدوء شديد، لكن ليس قبل أن يقول :
" افعل ما أخبرتك به وأعلن بين المملكة أن كل من ينضم لجيوشي سينال ذهبًا وطعامًا وفيرًا يكفيه ويكفي عائلته، فإن لم يهزمهم الموت، سيهزهم رؤية صغارهم يموتون جوعًا، وبعدها سأقتص لنفسي من سفيد وجميع الممالك، وبأيدي شعب مشكى "
___________________________
نظر العريف للسيف الموجه لرقبته يشعر بالحنق يملئ صدره، يا الله متى تفنى تلك المملكة بمن فيها وينتهي من كل ذلك ؟!
زفر يحرك عيونه عن السيف صوب صاحبه الذي كان مبتسمًا ببرود شديد يجلس أمامه على أحد المقاعد واضعًا قدم فوق الأخرى وسيفه على رقبة العريف .
" لقد مللت من العمل في هذا القصر، سوف استقيل "
ابتسم إيفان بسمة مستفزة :
" لا بأس يمكنك الاستقالة كما تريد وسأقوم بتعيين مساعدك بدلًا عنك "
ابتسم مرجان بسعادة كبيرة وهو يقف جوارهم وقد استقرت البومة فوق كتفه بعدما رأت سيف إيفان :
" مرجان يا مولاي "
هز إيفان رأسه دون أن يبعد عيونه عن العريف ونفس البسمة ما تزال مستقرة أعلى وجهه :
" نعم سأعين مرجان بدلًا عنك "
انتشرت السعادة والأمل بمستقبل مبهر داخل أعين مرجان في لحظات صغيرة، يالله واخيرًا سيصبح العريف، سيكون اصغر عريف في جميع الممالك، هذا حلم يتحقق :
" إن هذا لشرفٍ لي مولاي "
وحينما فرغ من الحديث شعر بجناح البومة يصطدم في وجهه وكأنها تنتقم منه لأنه يود أخذ مكان مالكها في المملكة .
كانت أنظار العريف ما تزال موجهه على وجه إيفان الذي ينتظر منه كلمات بعينها جاء لأجلها فقط بعدما أخبره سالار أن العريف يخفي شيئًا .
" هيا أيها العريف تحدث بما تعلم ولا تصعب الأمور عليّ وعليك، سالار أخبرني أنك تخفي شيئًا تأبى الاعتراف به، وهو بالطبع لا يمكنه تخطي صلاحياته ويمس عريف المملكة بسوء وإلا تعرض للعقاب الشديد "
رفع العريف حاجبه بسخرية، ليبتسم له إيفان يقرب منه السيف أكثر وهو يهمس باستفزاز :
" لكن أنا الملك وأستطيع فعل ذلك بسهولة "
زفر العريف يدفع السيف عن رقبته صارخًا بغضب جنوني :
" ليرحمني الله من اربعتكم، لقد احلتم آخر سنوات عمري لجحيم، انظر إليّ، بدلًا من العيش في راحة ورغد واحترام كما يحيا أي عريف، اعيش في تعاسة لأن حظي كان من السوء لاعاصركم أنتم الأربعة "
ابتسم له إيفان يقول بشفقة مصطنعة :
" أثرت شفقتي عليك أيها العريف، لا بأس ربما بعدما تخبرني بما تعرفه عن أمر الخيانة أتركك لتعيش بسلام "
ابتسم له العريف بسمة جانبية يقول :
" أنا لا اعلم شيء بخصوص أمر الخيانة مولاي وما اعرفه أنت تعرفه جيدًا، فشكوكك التي تدور داخل رأسك هي الحقيقة، لذا فأنت لا تحتاج مني لسماع ما تشك به بقدر ما تحتاج لتأكيده، وهذا ما لن تجده لدي "
أنزل إيفان سيفه ينظر صوب وجه العريف بشرود كبير، يحاول أن يفكر فيما يقصد، الآن العريف يؤكد له شكوكه التي بدأت تتحرك صوب منطقة اليقين، ومن بين افكاره سمع صوتًا خبيثًا للعريف يتساءل دون مقدمات وهو يميل على الطاولة :
" إذن ماحال ملكتنا يا مولاي ؟!"
رفع إيفان نظراته للعريف الذي رمقه بنظرات غامضة جعله يشك بوجود أمرٍ ما :
" هي بخير، لِم تتساءل ؟؟"
هز العريف كتفه بهدوء شديد ينتزع كتابه الذي كان يطالعه قبل أن يهجم إيفان على المكتبه يقول بهدوء شديد :
" لا شيء فقط أردت الاطمئنان أن امورك تسير على ما يرام معها، هذا مستقبل سفيد كما تعلم "
ضيق ايفان عيونه على العريف يميل على الطاولة التي تفصل بينما يستند عليها بذراعيه يهمس بصوت منخفض :
" ما الذي تخفيه أيها العريف، هل هناك ما يدور حول الملكة وأنا لا اعرفه ؟!"
نظر له العريف بجدية تخفي خلفها تلال مكر وصوت هادئ برئ خرج منه :
" لا العفو مولاي، الملكة بخير، وكل الامور بخير معها"
صمت ثواني يدور بإصبعه على الطاولة متظاهرًا بعدم الإهتمام، قبل أن يرفع عيونه لايفان متشفيًا به :
" فقط لو تتوقف عن التعامل معها كرجل حرب وتعاملها كأميرة ستكون الأمور افضل وستنقشع غيومها وتلين لأجلك، تحدث معها بلسانك ودعك من حديث السيوف هذا ، فملكتنا أبية لا تخضع لمثل هذه الأحاديث، ورقيقة تستطيع سلب لُبها بكلمة واحدة، فقط ألقي بسيفك وحدثها بلسانك ."
رمقه إيفان بعدم فهم، ما الذي يقصده ذلك الرجل؟؟ العريف لا يقول أبدًا حديثًا غير مقصود، بل لطالما تحدث بما يراه في رؤياه، أو ما يعلمه، وهو لطالما تحققت جميع رؤياه ..
تنفس يفكر فيما يقصد، هو لم يتعامل مع الملكة يومًا كرجل حرب، هو بالفعل يعاملها كأميرة، ما الذي يقصده ذلك الرجل ؟؟
العريف كعادته لن ينطق بكلمة أو يزيد بحرف واحد ولو نحرت رأسه، فهو هكذا يعشق الالغاز ويهوى الغموض .
نهض إيفان من مقعده يتحرك بسرعة خارج المكتبة، يسير بين ممرات قصره وعقله يدور في دوائر مفرغة، تنفس بصوت مرتفع وهو يفكر في مقصد العريف، هل يعامل الملكة بتصلب ؟؟ لكن هو لم يسبق وأن عاملها كما الآخرين.
توقف فجأة وقد عاد رأسه ليفكر فيما ذهب للعريف خصيصًا لأجله، هو ذهب ليتأكد مما قاله سالار بخصوص معرفته بأمرٍ ما يخص حادثة مشكى، والعريف أخبره أن شكوكه بخصوص الأمر صحيحة .
اسودت نظراته وهو يتحرك بقوة يبحث بعيونه عن سالار، وهو يعلم جيدًا أين سيجده .
سار بسرعة كبيرة صوب منطقة تدريب الجنود مرورًا بساحة النزال حيث كان تميم يقاتل وكأن لا غد له إن خسر، لكن لم يجذب اهتمامه تميم بقدر المكان نفسه، صوت السيوف والحركات داخل الساحة ذكره بنزال قريب، جسد رشيق يقفز في المكان وصوت اصطدام سيفه بخاصتها يرن داخل أذنه، خصلات شعرها التي كانت تفلت دون قصد من قبعتها ..
ودون شعور رنّ داخل أذنه صوت العريف مجددًا بتلك الكلمات الغريبة وعيونه التمعت بقوة وانتفض قلبه ..
"فقط لو تتوقف عن التعامل معها كرجل حرب وتعاملها كأميرة ستكون الأمور افضل وستنقشع غيومها وتلين لأجلك، تحدث معها بلسانك ودعك من حديث السيوف "
اهتز صدر إيفان من تلك الخاطرة ولا يعلم سبب ربط كلام العريف بها، نفض كل ذلك عن رأسه، فملكته هي تبارك وهي من جاء بها لأجل أن تشاركه الحكم، وتلك الفتاة التي لا يعلم لها من هوية ما هي إلا خادمة تهوى إثارة استفزازه، وهو سيعلم هويتها، سيفعل وحينها سينظر في أمرها.
تحرك بسرعة صوب سالار وقد تناسى متعمدًا كل ذلك وتعهد على الانتهاء من تعليم الملكة كل شيء قبل أن تتقلد الحكم وتشاركه العرش ويعلنها رسميًا ملكة سفيد .
________________
وعند تلك الخادمة التي تهوى استفزازه ..
وفي حجرة اجتماع وراحة العاملات، كانت كهرمان تتوسط دائرة مع زمرد وهما تغنيان بصوت متناغم واجسادهما تتمايل على ضرب الدف من باقي الفتيات حولهما، رقصة تقليدية بحتة معروفة منذ القدم في جميع الممالك، لكن القليلات فقط يتقن تلك الرقصات بمرونة كما النساء قديمًا .
كهرمان تغلق عيونها وترقص بكل قوة وهي تتخيل أمامها والدتها تصفق لها وتشجعها لتكمل، وصوت ارسلان يضحك حولها وهو يردد بصوت مرتفع :
" حسنًا لا أدري سبب تعلمك لتلك الرقصات السخيفة حبيبتي، فلا أحد سيراكِ ترقصين على أية حال "
توقفت كهرمان عن الرقص تقول بدلال فطري :
" لكنها تشعرني بأنوثتي التي تدفنها في القتال جلالة الملك، فكلما شعرت أن عضلات يدي تشتد، ألنت خصري"
ختمت كلماتها بغمزة تعالى على إثرها صوت ضحكات ارسلان، وبدأت هي تدور حوله وفستانها قد تفتح كزهرة في موسم ربيعها وصوت ضحكات ارسلان مع ضرب الدف من والدتها مثلا لها معزوفة في غاية التناغم .
وعند زمرد كانت سابحة كذلك في ذكرياتها المتعلقة بتلك الرقصة كذلك، لكنها لم تكن وردية بقدر كهرمان، بل كانت سوداء وهي ترى الأجساد تحيط بها والجميع يهتف باسمها لتزيد من رقصاتها وهي ترقص كأن لا غد لها، ترقص بقوة وكأنها في قتال، ترفع يديها وتحرك كتفها، ثم تميل بخصرها وعيونها تطلق سهامًا على من يحيط بها وفجأة يرتفع التصفيق في المكان معلنًا عن تحررها من كل ذلك ..
توقف جسد زمرد فجأة عن الدوران وهي تتنفس بصوت مرتفع، ثم انتبهت أن أصوات التصفيق صادرة من الفتيات حولها وليست نابعة من عقلها.
ابتسمت لهن بسمة صغيرة وهي تنظر لكهرمان جوارها والتي كانت تمسك أطراف فستانها برقة وتهبط بجسدها قليلًا تشكرهم برقي، تلك الغبية لن تنسى أنها ليست أميرة هنا، فلا تنفك تتصرف كالاميرات .
تحركت كهرمان مع زمرد خارج الحلقة لتعلو اصوات النساء مجددًا في حديث وإنشاد بعد الاناشيد القديمة على قرع الدف وكل ذلك بالفعل في غرفة مخصصة وفي أبعد نقطة في القصر حيث لا تصل اصوات غنائهن أو ضحكاتهن للرجال، فلا يُفتن بهن أحد.
انتبهت كهرمان من بين بسماتها لبرلنت التي كانت تجلس في أحد الأركان تشاهد العروض بأعين تكاد تقسم أنها لا ترى ما يحدث أمامها.
ضيقت ما بين حاجبيها تتساءل عن خطبها، لتقرر لاحقًا أن تعلم منها وأن تساعدها إن اضطرت .
عادت بنظراتها للنساء لتجد أن احداهن تتظاهر بمبارزة الأخرى في أحاديث مضحكة ويقلدن الجنود، لتبتسم هي بسمة صغيرة سرعان ما تلاشت دون وعي وهي تتذكر قتالها مع الملك، خفق قلبها بقوة لمروره بخاطرها، ربما اشتاقت لقتال معه آخر، لكن متى يحين موعد ذلك القتال ؟! ربما قريبًا ؟
_______________
" هل أخبرك أحدهم أنني أعمل خادمًا لكِ في هذا القصر ...مولاتي ؟؟"
كان ذلك هتاف سالار بعدما خرج من جناحه وتفاجئ بتبارك تدور في المكان والممرات تائهة كالعادة، وحينما أبصرت ركضت صوبه كالغريق المتلهف لطوق نجاة، وقبل أن يتساءل عما تفعل خارج جناحها هكذا، قاطعته قائلة :
" أنا جائعة، هلّا أحضرت لي بعض الطعام رجاءً هناك أدوية احتاج لتناولها وقد تأخر وقتها "
نظر لها سالار بعدم فهم وفضول وكاد يتساءل عن تلك الأدوية التي تتحدث عنها، لكنها قاطعت أفكاره تقول بتسلط :
" بسرعة أريد طعامًا، واخبرهم أن يكثروا من وضع الملح به "
حقًا الآن أصبح خادمًا، بل مربيًا للملكة، كلما شعرت بالجوع ركضت صوبه تطالبه بوجبة ؟!
لكن تبارك والتي صمتت بعدما ألقى تلك الجملة الحانقة في وجهها لم تعلم ما يجب قوله سوى :
" أنا... أنا معرفش غيرك هنا، و...محدش بيسأل على اكلي وانا مش عارفة أنتم جايبني هنا تجوعوني ولا ايه ؟!"
زفر سالا، ثم نظر لوجهها يتحدث بجدية :
" اسمعي، مواعيد الطعام هنا مقدسة، الفطور يكون بعد الشروق، والغداء يكون بعد صلاة الظهر، والعشاء بعد صلاة المغرب، لا نقدم دقيقة ولا نأخر دقيقة، وإن فاتك ايًا من تلك الوجبات، تتحركين صوب المطبخ وتسألينهم أن يحضروا لك طعامًا، ويا حبذا لو أنك ناديتي أي عاملة في الممرات واخبرتيها ما تريدين، فلا يجب أن تخرجي بين الحراس كل دقيقة بهذا الشكل دون غطاء وجه أو حتى لثام، أنتِ ملكة تأمرين فتطاعين "
سخرت من جملته الأخيرة، زودت لو تضحك لكن هو منعها يقول بجدية :
" أدرك أن الملك يتعامل معك بهدوء وصبر لأنك تجهلين قوانينا، لكن هناك أمور لا يجب تجاوزها كغطاء الوجه "
ختم جملته بنبرة غاضبة وعيونه تدور حوله باحثًا عن أي رجل قد يكون انتبه لها وينظر صوبها، وهي تنظر له فقط بجهل لسبب غضبه، تدرك أنها تخرق العديد من قوانين مملكته، لكن السبب كان وببساطة أن أحدهم لم يخبرها تلك القوانين .
تنهدت تقول بصوت هادئ :
" حسنًا اسمع، اولًا أنت لا يحق لك أن تصرخ في وجهي بهذا الشكل، سواء أن كنتُ ملكة أو حتى جارية، لا حق لك في الصراخ بوجهي فقط لأنك تفوقني طولًا وتسير حاملًا سيفًا في حزامك، أنا أيضًا سأتعلم القتال وسأتفوق عليك وسترى ذلك يومًا ما، ثانيًا طلبت منك مساعدة كان يمكنك الرفض دون الحاجة لكل تلك المحاضرة، فلن أموت جوعًا إن لم تتكرم سيادتك واطعمتني "
نظر لها سالار بهدوء شديد ونظرات غامضة تعلو عيونه، لا تفهم ما يفكر به خلف قناعه الحديدي ذلك، لكن ومن حيث لا تعلم شقت بسمة غريبة دخيلة ملامح وجهه التي لطالما كانت صامدة في وجه أي علامة سعادة، وصوته خرج هادئًا يقول :
" أولًا، تهاني الحارة لكِ مولاتي لتعلمك المبارزة، لكن صدقيني حتى وإن اصبحتي محاربة فلن يأتي عليكِ يوم وتهزميني، فلا تحاولي المقارنة بين صقرٍ يحفظ السموات السبع ويحلق بهن بمهارة، وبطريق علمتيه الطيران بعد نضجه، لا يستوون "
بُهت وجه تبارك حينما التقطت ما يرنو إليه من خلف كلماته تلك، وشعرت بصدرها يمتلئ عزيمة على إسقاط كبرياءه ودهسه أسفل أقدامها، وسالار يكمل حديثه ببسمة أكثر أتساعًا :
" ثانيًا، لا تتحدثي بكل ثقة هكذا، فأنتِ ستفنى اعوامك المتبقية حتى تصلي فقط لمكان المطبخ وليس لتتناولي طعامك "
رفعت تبارك رأسها بكبرياء كبير تتحداه أن يزيد كلمة أخرى، تقاطع تلك المحاضرة التي ضرب بها سالار كبرياءها بها عرض الحائط .
ودون كلمة استدارت للرحيل، ليس لأنها غاضبة بالفعل وستعاقبه بالصمت وتجاهله، بل لأنها لا تجد ردًا ملائمًا عليه .
تحدث بصوت ساخر :
" إلى أين مولاتي ؟؟"
قالت تبارك دون أن تهتم حتى بالاستدارة والنظر له :
" للجحيم"
ابتسم بسمة متسعة أكثر يقول :
" أوه، هكذا إذن، هذه مرتك الاولى التي تختارين الطريق الصحيح مولاتي، فهذا بالفعل طريق الجحيم "
ولم تهتم تبارك لمعرفة ما يقصد بل أكملت طريقها في تلك المغارة التي تشبه المتاهة، لِم على طرقات القصر أن تكون متشابهة؟؟ ربما لو كانوا استخدموا دهان مختلف لكل ممر لاستطاعت حفظ طريقها ..
زفرت وهي تفكر في سالار وكلماته ، أخذت تتمتم بصوت منخفض وحنق تقلد صوته :
" أنتِ ستفني اعوامك المتبقية حتى تصلي للمطبخ .. وكأن مفيش بشر اسألهم عن الطريق غير، اللي يسأل ميتوهش "
توقفت في منتصف ممر غريب مختلف عن غيره مظلم أكثر لا حجرات به سوى درج يقبع في نهايته، نظرت حولها تبحث عمن تسأله عن الطريق وهي تفكر أين هي وماذا تفعل هنا .
" هيحصل حاجة لو حطوا بجد في كل ركن تلاجة ؟! لازم اقترح الاقتراح ده على الملك بكل جدية "
وقبل أن تستدير للعودة من ذلك الطريق وتجنب الدخول لذلك الدرج المظلم، فهي ليست من الغباء والفضول الذي يجعلها تخوض في المجهول وتخاطر بنفسها .
تذكري تبارك خطة السلامة الجسدية التي وضعتها لذاتك، نفسك، ثم نفسك، ثم ....ما هذا ؟؟ هل هذه اصوات صرخات متألمة ؟! هناك من يستغيث ويصرخ .
انتفض جسد تبارك بقوة وهي تنظر حولها مبتلعة ريقها، ولم تستطع أن تخطو خطوة أخرى خارج الممر، وواجبها يحتم عليها الذهاب ورؤية ما يحدث، هناك من يتألم وهي ...هي ممرضة تستطيع أن تساعده إن كان بحاجة للمساعدة .
اقتربت من ذلك الدرج تخطو للاسفل بتمهل شديد ورعب وصوت الصرخات يقترب أكثر، والخوف يعلو .
" مرحبًا، هل هناك أحد هنا ؟؟ أنا...أنا يمكنني المساعدة "
لكن كل ما وصل لها في المقابل صوت صرخات أعلى، ومن العدم خرج رجلان يحملان سيفين في وجهها واعينهما تقدح شرارًا ليهتف أحدهما في وجهها بصوت جهوري قوي :
" ما الذي تفعلينه هنا ؟؟ وكيف وصلتي لهذا المكان ؟؟"
شحب وجه تبارك تتراجع بخوف للخلف تحاول أن تجد كلمات تجيب بها عليه :
" أنا فقط ...سمعت صرخات تستغيث و...فكرت أن هناك من يحتاج مسا...."
وقبل أن تكمل كلماتها أطلقت صرخة مرتعبة رنت في الإرجاء حولها حين رفع أحد الرجلين سيفًا في وجهها بقوة وبسرعة كبيرة لم تستوعبها حتى، وسقطت هي ارضًا تخفي وجهها مرتجفة ...
وقبل أن يصدر أحد الرجلين أي كلمة إضافية أبصرا جيدًا يمنع الضوء الصغير الذي يتسرب من الطابق العلوي، وقد تعرفا إلى ذلك الجسد جيدًا، ابتلع الرجل ريقه بريبة حين سمع صوت القائد يهدر في المكان بقوة :
" سيفك للاسفل ولا تتجرأ وترفعه في وجهها مجددًا "
وفي ثواني اخفض الجنديان سيوفهما، ونظرات سالار ما تزال محتدة، تحرك بعيونه صوب تلك المجنونة التي لم يتخيل أن تغامر وتلقي نفسها في هذا المكان المخيف حيث السجون الأكثر خطورة في المملكة .
تنفس بصوت مرتفع يحاول أن يهدأ يرى نظراتها المترجفة صوبه وكأنه والدها وجاء لينقذها من بعض المتنمرين، رفع سالار عيونه للجنود وقال باحترام شديد لها بقصد أن يعلمهم هويتها :
" اعتذر هما بدر من الجنود مولاتي فهم لا يعرفونك بعد "
تراجع الرجال للخلف برعب من تلك الكلمات وارتابوا من معانيها، وقد أجاب سالار قائلًا بتأكيد عما وصل لهما :
" هذه هي الملكة، اظهروا بعض الاحترام لها "
اخفض الرجال رؤوسهم ارضًا واضعين ايديهم جانبًا مخفيين سيوفهم للخلف متحدثين بنبرة طاعة عمياء :
" نعتذر عما بدر منا مولاتي لم نتعرف عليكِ"
تراجعت تبارك للخلف دون رد وهي تنهض بتعثر تستند على الجدار، ثم نظرت لهم ولسالار وبعدها تحركت بسرعة خارج هذا المكان تتجنب كل تلك الصرخات، وبمجرد أن وصلت الممر الخاص بالطابق العلوي حتى أطلقت لساقيها الريح تبكي بخوف شديد مما رأت، وسالار الذي خرج خلفها بسرعة كبيرة يتنفس بصوت مرتفع، يتحرك خلفها يحاول اللحاق بها، وكذلك فعل حينما وصل لمفترق الطرق يراها تنظر لهما بريبة أن يقودها أحدهما لحتفها هذه المرة .
صدر صوته من الخلف يقول بهدوء وصوت بارد بعض الشيء :
" هذا كان سجن القصر "
استدارت له تبارك بحدة، ليكمل بهدوء شديد :
" غير مسموح لأحد أن يطأ تلك الممرات اطلاقًا ."
تجاهلته تقول بصوت منخفض :
" اريد العودة لغرفتي إذا سمحت "
نظر لها ثواني قبل أن يسبقها بهدوء شديد وهي تسير خلفه دون كلمة ومازالت يدها ترتجف كلما تذكرت ذلك السيف الذي كاد يخترق رقبتها، أولم يهددها سالار من قبل مئات المرات، لِم لم تخف منه وتلك كانت المرة الوحيدة التي ترتعب لتهديد.
دقائق قليلة وسمعت صوت سالار يقول بهدوء :
" وصلنا "
رفعت عيونها له بغرض شكره، لكنها تعجبت حين وجدت نفسها تقف في شرفة واسعة بها طاولة كذلك تطل على الحديقة، نظرت له تبارك بعدم فهم ليقول سالار بهدوء وبنبرة جادة لا حياة بها بعدما أخفض عيونه ارضًا يميل لها باحترام مستخدمًا رأسه :
" سأرسل لك العاملات بالفطور هنا .."
وبهذه الكلمات غادر، غادر تاركًا تبارك تنظر لاثره بصدمة كبيرة تحاول أن تستوعب ما فعل، لقد احضرها لتتناول فطورها، هو اهتم بها رغم كل شيء ..
هو إنسان جيد رغم كل تلك القشور الصلبة التي تحيط به...
وسالار الذي تحرك بعيدًا عنها بعدما أخبر العاملات بكل شيء تريده ونبه عليهن أن تسألنها كل وجبة إن كانت جائعة ويحضرن لها الطعام تجنبًا لكل ما يحدث حين تفوت الطعام .
توقف سالار في الممر حين أبصر جسد تميم يتحرك له بسرعة وبلهفة شديد وهو يقول من بين أنفاسه المبعثرة وقد كان واضحًا أنه يركض :
" قائد، جيد أنني وجدتك، نحتاجك وبسرعة، هناك حرب قد اشتعلت في قاعة العرش في تلك اللحظة ...."
_______________________________
«فإما أن يكشف الحب غموضك، أو أن يقتل غموضك الحب »
متنسوس إني باذن الله هكون في معرض الكتاب معاكم بكرة أنا وفاطمة طه من الساعة ١١ للساعة ٣ في صالة 1 جناح a53.
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنساش تعمل تصويت للفصل كتشجيع للكاتب ..
صلوا على نبي الرحمة.
_______________
مستقر أعلى عرشه بكل كبرياء يرفض حتى أن يخفض نظراته صوب الجميع وبسمة جانبية ترتسم على فمه بعد كلمات الملك آزار الذي يقف مع جنوده في منتصف قاعة عرشه، وجواره يقف الملك بارق ( ملك سبز) وهو يطيل النظر به ينتظر منه إجابة على اتهام آزار له .
" إذن ملك إيفان، لا رد لك على ما قيل في حقك منذ دقائق؟!"
نظر إيفان بهدوء شديد صوب بارق يجيب بمنتهى البساطة وبملامح عادية :
" وما الذي قيل في حقي منذ دقائق ملك بارق ؟!"
" تلك الرسالة التي وصلت لمملكة الملك آزار من بافل تفيد أنك الشخص الذي عاونه لدخول مشكى منذ البداية "
هبط إيفان عن عرشه يتجرد من تاجه، ومن ثم نزع ثوب الملك الذي يتطاير خلفه ليظل فقط بثيابه العادية ويقف أمامهم بهدوء يقول :
" أوه نعم، بخصوص هذا ..لا أنا لا أملك رد على مثل هذه التُرّاهات "
ضحك آزار بشراسة صارخًا في وجه إيفان وقد اشتعلت اوداجه بالغضب مما يقال :
" وما الذي سيقوله ملك بارق ؟! سيخبرك أنه تعاون مع هؤلاء الشياطين لإسقاط مملكة مشكى ؟؟ هل سيعترف على نفسه ؟؟ سيحبرك أن حقده وكرهه للملك ارسلان تحكما به لدرجة أن يتناسى صداقتهما التي استمرت عقود ويبيعه للشيطان بافل ؟!"
تحركت أعين إيفان ببطء شديد صوب آزار يجيب ببرود لم يتخلى عنه منذ بداية الحوار فإن فعل لن يضمن أن تظل جدران القاعة مكانها :
" جيد أنك تعلم أن الخائن لن يأتي ويعترف على نفسه، ومن افضل منك ليعلم ملك آزار ؟؟"
بُهت وجه آزار وشعر بالصدمة من تلميحات إيفان له، في الوقت الذي دخل به سالار بقوة يتحرك صوب الجميع وقبضته تحسست سيفه يتجهز لأي هجوم، لكن نظرة من إيفان أوقفت كامل تحفزه .
هدأ جسد سالار قليلًا، لكنه لم يُسقط كامل دفاعاته في انتظار إشارة صغيرة منه، و عيونه تدور على آزار الذي همس بدفاع عن نفسه :
" ما الذي ترنو إليه ملك إيفان، تلك الرسالة التي وصلت لقصري تخبرني بوضوح أنك أنت من ...."
قاطع إيفان كلماته وهو ينظر له نظرات قوية مخيفة :
" يبدو أن هناك علاقة طيبة بينك وبين بافل لتتبادلا الرسائل ملك آزار، علاقة طيبة لدرجة أن يصل مرسوله حتى قصرك، حسنًا أخبرني لِم ارسل لك أنت بالتحديد رسالة يدينني بها ؟؟"
صمت ثم أضاف بسخرية لاذعة وهو يميل له برأسه : هل أنت الوصي عليّ؟؟ أم هل يظنك ستوقفني عند حدي إن كنتُ بالفعل خائنًا، والسؤال الأهم هو، هل بافل من الغباء الذي يدفعه لكشف حليفة بهذه البساطة ؟؟ لا تخبرني أنه اكتفى بمشكى وقرر أن يكشف مساعده لكم لتتخلصوا منه "
صمت ثم دار بعيونه بين الجميع يقول بهدوء شديد يضم يديه خلف ظهره وصدره العريض بارز أسفل ثيابه البيضاء :
" حينما تأتي بإجابة لهذه الأسئلة ملك آزار يمكنك وقتها أن تأتي وتحقق معي في مملكتي وقتها ربما أسمح لك بفعل ذلك، ربما ... "
ابتلع آزار ريقه ولا يفهم حقًا ما يحدث حوله، بينما بارق والذي يثق في إيفان ثقة عمياء ولم يصدق ما قيل له، تقدم يقول بهدوء :
" اعتقد أن بافل بدأ يحاول اللعب على تفرقة الممالك الثلاثة المتبقية ليسهل له كسرنا إيفان، يتلاعب بنا ويحاول إسقاطنا واحد تلو الآخر، وربما أراد البدء بمملكتك لذلك ارسل تلك الرسالة لمملكة آبى "
رفع سالار حاجبه وهو ينظر للجميع بهدوء وعقله يدرس كل ما يدور حوله من أمور، المشاكل تتفاقم والخيوط تتشابك والقطع تسقط واحدة تلو الأخرى .
هنا وقرر سالار التدخل بهدوء كبير وبكلمات مقتضبة كعادته :
" شخص كبافل لن يكتفي بمشكى ولن يتوقف عند حدود سفيد، وشيئًا فشيء ستتفاقم طموحاته وتصل لآبى وسبز، وصدقني أنت لا تود أن ترى ما فعل بمشكى "
نظر له بارق باهتمام شديد يثق بعقلية سالار الحربية والذي كان يدرك جيدًا ما يقول، فلا تخرج منه كلمة دون تفكير طويل :
" ما الذي تراه إذن سالار ؟؟"
وكلمة واحدة أصدرها سالار بعدما نظر لايفان يستأذن منه الحديث وايفان منحه بسمة خبيثة وكأنه يعلم جيدًا ما سيقول سالار، وقد كانت كلمة واحدة هي التي أخرجها وهي أكثر الكلمات التي يألف لسانه حروفها :
" الحرب "
ابتسم إيفان يضم ذراعيه لصدره يوافق سالار بقوة :
" نعم يبدو هذا خيارًا ملائمًا لي ولمملكتي "
اعترض آزار بقوة على تلك الفكرة في هذا الوقت تحديدًا :
" لكن ملك إيفان الأمر ليس بهذه البساطة التي تتحدث بها أنت وقائد جيوشك، نحن نتحدث عن حرب مع المنبوذين والذين أصبحت أعدادهم منذ آخر مواجهة معهم مرعبة، نتحدث عن مجموعة تغلبت على الملك ارسلان وجيشه وهزمته شر هزيمة "
ولأول مرة لا يطلب إذن إيفان للحديث، بل دفعه الغضب للدفاع عن صديقه واسمه بعد وفاته، صديقه الذي كان جندي جسور شريف إذ قال بقوة لم يكتبها إيفان الذي ترك له حرية الدفاع عن رفيقهم :
" ملك آزار، الملك أرسلان لم يُهزم شر هزيمة، بل غُدر به، لقد هجموا عليهم وقت صلاة الفجر، قتلوا الجنود وهم ساجدون لربهم، واستغلوا عنصر المفاجأة وقتلوهم، وارسلان أنا متأكد حتى وإن لم أكن معه، أنه مات محاربًا شامخًا ولم ينحني لهم ولو قطعوه اربًا، أنت تتحدث عن ملك مشكى الذي استلم بلاده خرابًا بعد وفاة والده ونهض بها لتصبح من أقوى الممالك "
ابتسم إيفان يؤيد كل كلمة نطق بها سالار في حق أرسلان والذي رغم عداوته الأخيرة معه، إلا أنه لا ينسى رفيقه ومدى قوته وتجبره وتكبره :
"الجميع هنا يعلم مدى تعنت وعناد وتكبر أرسلان، وأنه يومًا لم يكن ليقبل بأقل من ميتة تليق ببطل مثله، وأنه ما رفّ له جفن واحد لحظة قتله، أرسلان لم يُهزم بل أُجلت حربه ليوم تجتمع به الخصوم"
شعر آزار بالغضب الشديد يشعل صدره وهو يسمع تلك الكلمات من سالار ليسارع ويدافع عن مكانة مملكته :
" ها اقوى الممالك ؟؟ يبدو أن الأمر كان في عقلك فقط يا قائد، فعندما أراد بافل أخذ مملكة لم يجد اضغف منها ليفعل، فالجميع يبدأ بالاسهل "
أجابه سالار دون أن يرف له جفن وبكلمات قاطعة :
" بل بالاقوى، إن أردت إنهاء لعبة ما فأنت لن تبدأ بالجنود، بل ستستهدف الملك...مولاي "
كانت كلمات سالار هادئة سلسلة بسيطة وكأنه يخبرهم بحالة الطقس، فقد كانت ملامحه عادية ساكنة لا يظهر أي شيء جديد .
وللحق الملك بارق لم يبتأس أو يعترض فهو يومًا لم يُصنف مملكته مملكة قتالية أو قوية، بل مملكته كانت مملكة مسالمة من الدرجة الأولى تبتعد عن كافة المشاكل، ورغم ذلك لديه جيش لا يُستهان به، لكنه لم يسبق وأن خاض معارك سوى تلك التي خاضتها جميع الممالك سابقًا على والد بافل .
لكن آزار لم يكن بمثل تفهم وتعقل بارق، فاشتعل صدرة غضبًا وامتلئ كرهًا، وضمر في نفسه ضغينة لن ينساها، متوعدًا بأن يثبت للجميع وليس سالار فقط من تكون مملكته وما هو موقعها بين الممالك الأربعة .
" حسنًا إذن، إن كنتم تريدون الحرب، فاستعدوا أنتم لها، وجميع تباعيات الحرب أنتم من سيتحملها ملك إيفان ."
ابتسم له إيفان بسمة جانبية وهو يرى النيران تكاد تخرج على الجميع من أعين آزار، ولولا ثقته في قوى آزار الحربية التي تنافس خاصة سالار لكان أنهى الحوار معه منذ سنوات واعلنها قطيعة بينهما، لكن هو ليس بذلك الغر الذي يتخذ قرارات في لحظات غضب عاطفية كأرسلان الذي أضاع حياته بسبب تجبره وتكبره وغضبه الجحيمي الذي يقوده، هو فقط ابتسم وهز رأسه هزة بسيطة يقول بكامل الهدوء والدبلوماسية:
" لك ذلك ملك آزار .."
_________________
يسير بين طرقات المملكة وهو يلقي التحية على هذا وذاك وهناك بسمة واسعة لطيفة ترتسم على فمه، والجميع يرحب به ترحاب كبير، فمن لا يعرفه وهو الزائر الدائم لهم جميعًا..
تحرك داخل بعض الأزقة ينحرف يمينًا ويسارًا حتى توقف في النهاية أمام محل يبدو عليه القدم فهو من أوائل الأماكن التي وضعت بالمملكة .
دفع الباب الخاص بالمكان بخفة شديدة يميل بعض الشيء متفاديًا تلك النباتات التي تزين مدخل المحل، وفي الحقيقة لم تكن تلك النباتات هي الوحيدة في المكان فها هو يقف في أكثر محلات النباتات شعبية داخل أرجاء مملكته، ابتسم يحرك عيونه في الإرجاء، حتى وقعت عليها تقف هناك خلف الحاجز الخشبي الذي يفصل بين الزبائن والبائع تخط بعض الكلمات في ورق أمامها .
" أسعد الله صباحك آنستي "
رفعت الفتاة عيونها ببسمة مشرقة ترحب بالزائر :
" صباح الخير سيدي كيف اسـ.... سيد مهيار ؟!"
ابتسم مهيار لها بسمة واسعة أبرزت غمازتيه يرحب بها برأسه ترحيبًا بسيطًا :
" مرحبًا بكِ آنسة ليلا، كيف هو حالك ؟!"
تنفست ليلا بصعوبة وهي تنظر له، لقد جاء لم يخب رجاؤها أن تراه اليوم في فترة توليها لمحل والدها، شعرت بالتوتر لتدور بعيونها في المكان تتفقد النباتات وكأنها ستطير من المكان :
" أنا... أنا بخير سيدي اشكرك، إذن كيف اساعدك "
اقترب مهيار قليلًا من الحاجز يقول بهدوء وبسمة راقية لطيفة جعلت ضربات قلب ليلا تزداد حتى كادت تركض خارج المحل هاربة من عيونه التي تحدق بها في نظرات بريئة لا تمت لمشاعرها بصلة :
" نعم رجاءً، احتاج لمساعدتك في إيجاد بعض النباتات الطبية، لقد اوصيت بها والدك منذ اسبوع وهو أخبرني أن آتي اليوم لأجلها "
نعم فعل، ولهذا هي هنا الآن..
" أه نعم صحيح، لقد أخبرني أنك ستأتي لأجل نبات المخدر لحظة واحدة أحضره لك من المخزن في الداخل "
هز مهيار رأسه بلطف :
" خذي وقتك "
ابتسمت له بسمة صغيرة، ثم تحركت بسرعة بعيدًا عنه تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي، يالله متى يُكتب لحبها أن يرى النور، إلى متى ستكتمه في صدرها، مهيار العزيز والذي كان دعوتها في كل صلاة .
بينما في الخارج كان مهيار ينظر صوب الباب الذي دخلت منه يبتسم بسمة صغيرة، ثم دار بعيونه في المكان بأكمله ينتظر عودتها .
وما هي إلا دقائق حتى عادت له ليلا تحمل العديد من العبوات الزجاجية والتي تحوي نباتات عديدة، تسير صوبه بهدوء وعلى استحياء، وما كادت تعبر صوب مكانها حتى اهتزت عبوة وكادت تسقط ليركض لها مهيار يمسكها بسرعة، يرفع عيونه لها يقول بلهفة :
" انتبهي لخطواتك آنستي "
ابتلعت ريقها تهز رأسها بهدوء شديد، ثم وضعت العبوات أعلى طاولة تقول بصوت مكتوم لشدة مشاعرها :
" اشكرك سيد مهيار، هذه هي جميع العبوات التي تركها ابي لأجلك سيدي "
ابتسم لها مهيار، ثم اقترب ليتفحصها لتنتفض هي بعيدًا وكأنها للتو أمسكت بقطعة جمر، وهو حدق بها في تعجب شديد لتطيل النظر داخل عيونه البنية تتنفس بصوت مرتفع تحاول أن تجد مبرر لحركتها الملحوظة الغبية، فهو حتى لم يقترب منها بشكل ملحوظ .
ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض :
" لقد ...شعرت بـ ...هو "
قاطع حديثهم صوت صراخ خارج المحل لامرأة تستغيث بالجميع، وصوت بكاء يصاحب صراخ المرأة تلك .
ترك مهيار العبوات يتحرك خارج المحل وهي لحقت به بسرعة لتجد أن هناك سيدة كبيرة في العمر ملقية ارضًا وهناك فتاة تجلس جوارها تبكي بخوف، نظرت لها ليلا بشفقة تقترب للمساعدة، لكن كان مهيار قد سبقها يجلس القرفصاء جوار السيدة يتفحص نبضها وابنتها ما تزال تبكي بخوف .
اقتربت منها ليلا بغية تهدأتها، لكن الفتاة في تلك اللحظة لم تكن واعية سوى بالنظر صوب مهيار بحب وقد شردت فيه بشكل جعل جسد ليلا يتصنم بملامح شاحبة .
وفي الحقيقة الفتاة حتى لم تنظر بنظرة سيئة واحدة لمهيار، بل فقط كانت تنظر له برجاء أن يطمئنها على والدتها، لكن ليلا العاشقة التي ذابت في حب مهيار الصامت طوال سنوات طويلة، كانت من اليأس الذي يجعلها تتحسس لأي نظرة انثى بريئة ولا تراها سوى نظرات اعجاب .
شعرت ليلا بالوجع والغيرة تشتغل بها، تنتظر أن ينتهي مهيار من فحص تلك المرأة، وبعد دقائق استطاع مهيار إنقاذ السيدة، ثم ساعدها مع ابنتها لتنهض .
ربتت السيدة أعلى كتفه تقول بشكر وامتنان :
" بارك الله بك يا ولدي، لا أراك الله مكروهًا في حبيب يا عزيزي "
قبل مهيار يدها بحب، ثم شكرها يودعها، وبالطبع لم تتوقف الفتاة الشابة عن شكره تحت أعين ليلا التي كانت تراقب بصمت ما يحدث.
فجأة استدار لها مهيار لتتوتر بسرعة وتنظر بعيدًا عنه تخفي نظرات التحسر والوجع عنه، وهو ابتسم لها يقول :
" دعينا نعود لأخذ اشيائي "
وبالفعل دخلت ليلا المحل تتحرك صوب مكانها حيث كان تقف تدون ما اخذ مهيار، وهو بدأ يتأكد من اشيائه، ثم نظر لها يقول بجدية :
" ليلا .."
توقفت دقات ليلا لثواني قليلة فقط شعرت أنها لا تستطيع التنفس، رفعت عيونها له بتردد ليقول ببسمة بعدما وضع كل العبوات في حقيبته الجلدية :
" بلغي والدك تحياتي واخبريه أنني سآتي بعد يومين لأخذ الباقي، أراكِ لاحقًا يا صغيرة "
ختم حديثه يخرج من المحل بهدوء شديد آخذًا معه ما نجى من ضربات قلبها بعد نطقه اسمها مجردًا، وهي كانت تقف مكانها تحاول أن تتنفس بشكل طبيعي :
" أراك لاحقًا ... مهيار "
_________________________
استغلت كهرمان استراحة الطعام تتحرك صوب برلنت التي كانت تعمل كعادتها بحرية وانطلاق، لكن وللمرة الأولى تبصر نظرة حزن دفينة داخل عيونها .
اقتربت منها تجذبها معها دون كلمة خارج المكان بأكمله صوب الحديقة الخلفية، وبرلنت تنظر لها بعدم فهم، بينما زمرد لحقت بهم دون كلمة فهي لا تضمن أن تتصرف واحدة منهن بشكل قد يتسبب في كارثة .
" والآن أخبريني جيدًا ما يحدث معكِ برلنت ؟! ما هذه النظرات التي تعلو عيونك طوال الوقت و..."
توقف كهرمان عن الحديث حينما وجدت أعين برلنت تجحظ بقوة تبصر فتاة تقترب منها بسرعة تنتوي لها شرًا، ولم تستوعب ما يحدث إلا وهي ساقطة ارضًا بفعل ضربة تلك الفتاة التي لم تكتفي بصفعة واحدة بل هبطت فوق وجه برلنت بالضربات تحت أعين كهرمان المصدومة.
وفي ثواني كان أول ما استوعب ما يحدث هي زمرد التي ركضت تسحب الفتاة من حجابها بقوة مرعبة للخلف، بينما برلنت ظلت ملقية ارضًا تحاول التنفس تنظر لعيون الفتاة التي كانت تهجم عليها والتي كانت نفسها تلك التي حاولت التقرب من تميم .
تحركت الفتاة بين يدي زمرد بحدة تصرخ بجنون :
" سأُريك الجحيم أيتها الحقيرة، أنتِ من وشيتي بي لدى المشرفة، أعلم أنكِ فعلتي هذا عمدًا لأجل ما حدث "
كانت تحاول التحرك بين يديّ زمرد والتي شددت قبضتها تنظر لها بعدم فهم ولا تعلم ما تقصد لكنها هزتها بغضب :
" توقفي عن الحركة قبل أن افصل عظام رقبتك عن جسدك يا ابنتي "
نظرت لها الفتاة بسخرية شديدة ولم تهتم بكل ذلك تقول بتعمد مستفزة كل ذرات هدوء برلنت التي كانت كهرمان تساعدها في النهوض :
" اعلم أنكِ فعلتي هذا لأجل تقربي من صانع الأسلحة، ماذا هل أنتِ مغرمة به لهذه الدرجة ؟؟ هو لن ينظر لكِ حتى ولو نظرة عابرة، وفي النهاية سيكون لـ "
وقبل أن تكمل كلماتها اندفعت برلنت بشكل مرعب لدرجة أن كهرمان والتي كانت تساعدها سقطت ارضًا على ظهرها، تراقب برلنت قد اندفعت تجذب الفتاة من يد زمرد تخنق رقبتها بشكل مرعب وهي تهمس لها بصوت مخيف :
" إن فكرتي فقط مجرد تفكير أن تقتربي منه، سأتخلص منك ولن اهتم، لن اهتم لا بكِ ولا بأحد، سمعتي ؟! ابتعدي عنه "
حدقت الفتاة في أعين برلنت برعب مما تقول تحاول الحديث :
" أنتِ مجنونة "
" نعم ونصيحة مجانية مني، تجنبي تلك المجنونة "
ختمت حديثها تترك الفتاة والتي أخذت تسعل بقوة، ثم ابتعدت عنها وهي بهيئة مدمرة سواء كان بسبب امساك زمرد لها، أو بسبب ما فعلته برلنت، تراجعت للخلف ترمق الثلاثة برعب، ثم هرولت بعيدًا عنهم تصرخ برعب :
" أنتن مختلات "
ابتسم كهرمان التي كانت ما تزال مسطحة ارضًا :
" مرحى اصبحنا مسجلات خطر "
رفعت زمرد حاجبها مبتسمة باستمتاع لما يحدث :
" هل ستخبرينا سبب ما حدث منذ ثواني أم لا ؟"
نظرت لهن برلنت قبل أن تنهار ارضًا تدفن رأسها بين يديها تهمس بصوت مختنق :
" لقد تعبت من كل هذا، تعبت واوشكت على الاستسلام"
اقتربت منها كهرمان بتعجب تحاول رفع رأسها لتعرف ما يحدث، لكن برلنت لم تسمح لها بذلك وجسدها ينتفض بشكل بسيط، اتسعت عيون زمرد بتعجب تدرك أنها تبكي .
جلست ارضًا جوار الاثنتين على الأرض العشبية :
" هييه برلنت ما بكِ يا فتاة، كل هذا لأجل صانع الأسلحة أم ماذا ؟! أوليس هذا من كنتِ تسبينه مرتين قبل النوم ومترين بعد الاستيقاظ وتخصصين له دعوات في صلاتك، هل اسقطك في عشقه بهذه السهولة؟!"
انفجرت برلنت في البكاء أكثر تهتف من بين شهقاتها :
" بل تخطيت هذه المرحلة زمرد، تخطيت العشق منذ سنوات، أنا أهيم بتميم "
اتسعت أعين كهرمان بقوة لما سمعت تستنكر أن تنمو كل تلك المشاعر داخل صدرها في اسابيع فقط، الحب لا يُبنى في أيام، ولا يتأسس في ساعات، بل يحتاج سنوات كي يتأسس ويُبنى ويشيد بشكل صحيح فيصبح صعب الهدم .
اقتربت منها زمرد تقول بجدية :
" ما الذي تهزين به برلنت، لقد كنتِ تسبين الرجل منذ أيام قليلة، متى أحببته لهذه الدرجة ؟؟"
نظرت لهما برلنت تقول من بين دموعها :
" منذ سنوات طويلة، أنا... أنا أعرف تميم منذ سنوات طويلة "
نظر الإثنان لها بجهل لتقول برلنت بصوت منخفض وكأنها عادت سنوات طويلة للخلف :
" تميم اعرفه منذ كان طفلًا، كان ...كان جاري وصديق طفولتي وكل ما املك في هذه الحياة، اعرفه قبل أن يصبح صانع أسلحة أو يأتي لقصر الملك، كنت اعرفه منذ كان مجرد صانع فخار مع والده "
اتسعت عيون كهرمان بصدمة مما سمعت ويبدو أن برلنت كانت تخفي الكثير خلف تلال مرحها المعهودة :
" كيف ذلك ؟؟ هل يعلم أنكِ هي نفسها تلك صديقته ويتعامل معكِ بهذا الشكل ؟؟"
اختض جسد برلنت برعب شديد تقول :
" لا لا، لا يعلم ولا أريده أن يفعل رجاءً، لا اريد أن يعلم أنني أنا نفسها برلنت تلك، هو ...هو تركني منذ كنت في الثالثة عشر ولم يتعرف عليّ الان، ولا أريده أن يفعل "
" لماذا ؟؟"
كانت كلمة واحدة من زمرد أعادت سيل الذكريات الذي بنت برلنت امامه اسوارًا منذ سنوات طويلة، ذكريات سوداء عادت لرأسها وصرخات وبكاء، لكن من بين كل هذا تسرب صوت خافت لتميم وهو يهمس بكلمات خافتة حنونة ..
" لا تنبذيني يومًا وأنت المَسكن بيرلي"
قالت برلنت بصوت موجوع وهي تنظر أمامها بشرود :
" لقد ..لقد حطمته لاشلاء دون أن أدرك حتى، اذيته في أكثر شيء احبه في حياته، دمرته دون أن أعي، وهو كان من الكرم ليرحمني ويتركني حية، أو هكذا اعتقد هو، أياليته احرقني يومها واحرق معي عذابي هذا ....."
______________________
كانت القاعة ما تزال مشتعلة بالنظرات رغم أن الكلمات توقفت، هدأ الجميع وجلسوا على مقاعدهم، لكن الملك آزار ما يزال يوجه اتهامات صامتة صوب إيفان والذي كان يقابلها ببسمة مستفزة باردة لا يهتم بكل ذلك .
بسمة كانت قادرة على إشعال غضب آزار مجددًا، لينتفض عن مقعده يصرخ بجنون لم يخمد بعد :
" ملك إيفان..."
نظر له إيفان بهدوء ونظرات احترام :
" نعم ملك آزار ؟!"
تنفس آزار بقوة يهتف بهسيس مخيف :
" إن كنت تود أن تنتهي هذه الحرب بين طرفين فقط فتحكم بنظراتك، فحتى إن لم تنطقها أو تتحدث بكلمة فنظراتك تقول الكثير "
ابتسم له إيفان يقول باحترام أكبر يعلم جيدًا أن آزار لا يمرر أي همسة تسيء له أو تقلل منه ومن مملكته، فهو لطالما كان مريضًا بداء العظمة، لا يرى من هو أفضل منه، يتجاهل الجميع حوله بدعوى أنهم حتى لا يستحقون اهتمامه .
" اعتذاري لك مولاي، يبدو أن نظراتي تسبب لك ازعاجًا شديدًا، اعذرني مولاي "
ابتسم بارق يحدق في الاثنين وهو يدرك جيدًا أن هذه الجلسة لن تنتهي بسلام كعادتهم حين يجتمعون، فإما أن تنتهي بانسحاب آزار غاضبًا، أو بانتفاضة إيفان وخروجه عن هدوء .
ومن بين كل تلك النظرات الغاضبة والحرب الباردة، اقتحمت هي المكان بكل هدوء وبسمة واسعة ترتسم على فمها، تتحرك صوب الملك دون أن تنتبه لما يحدث حولها .
والحميع يحدق فيها باستنكار شديد، فقد كانت أشبه بفراشة ملونه ربيعية تتطاير داخل أرض بور محترقة عقب حربٍ طاحنة، كانت لا تلائم المشهد بأي شكلٍ من الأشكال .
على التشنج ملامح سالار يراقب تبارك تخطو للقاعة بكل بساطة وبالطبع لم يوقفها الحرس لمعرفتهم بهويتها، ابتسم بعدم تصديق يراها تنظر صوبه مبتسمة وكأنها ترسل تحيتها لرفيقها في الروضة ..
وضع سالار قبضته على فمه يكتم ضحكته على ملامح إيفان المسكين والذي تلقى لتوه طعنة أخرى في منتصف صدره حين رأى ما تفعل ملكته، ورغم غضبه الشديد لاقتحامها الاجتماع الخاص بهم، إلا أنه لا ينكر تشفيه في إيفان الذي تنحنح يتململ في مقعده وقد أفسدت تبارك كامل الثبات الذي لم يستطع آزار بكل بطشه أن يهزه بمقدار شعرة .
" ملكة تبارك "
نظرت له تبارك مبتسمة بهدوء بعدما كانت تنظر لبارق بابتسامة وكأنها ترحب به :
" نعم ؟؟"
أشار لها إيفان على المقعد جواره كي تتحرك لتجلس معه، رافضًا التقليل من شأنها أمام الجميع ومطالبتها بالرحيل، لكن سالار لم يكن بمثل ذلك الرقي ليفعل فقال بهدوء وجدية كبيرة هامسًا في أذن إيفان:
" مولاي هي لا يمكنها حضور هذا الاجتماع "
نظر له إيفان بحنق، وكأنه لا يعرف، لكن هو فقط لا يريد أن يخجلها ويجبرها على الرحيل وهو في الأساس من أرسل لها لتأتي لكنها تأخرت كثيرًا لتصل :
" أعلم، لكن لا يمكنني طردها من القاعة والتقليل منها سالار، وأمام الجميع "
قال سالار ببساطة شديدة يرفع عن ملكه هذا الحرج أمام الملكة، هو من الأساس لا تجمعه علاقة طيبة بها، فما الضير من تشويه صورته أكثر بعض الشيء :
" يمكنني فعل ذلك إن أردت"
اتسعت أعين إيفان بصدمة من بساطة حديثه، لكن سالار لم يهتم سوى بتبارك التي جلست على المقعد بتوتر شديد هي فقط جاءت له بناءً على طلبه، فقد أرسل لها منذ ساعتين تقريبًا يخبرها بحاجته للتحدث معها، وبعد أن تاهت وتناولت طعامها جاءته، لكن يبدو أنها اختارت وقتًا غير مناسب .
همست بخفوت وهدوء شديد :
" مولاي، لقد طلبتني وتأخرت، معذرة منك، ربما جئت في وقت غير مناسب، يمكنني الذهاب الآن والعودة لاحقًا"
قال سالار بهدوء شديد يرفع عن الملك حرج الرد عليها :
" خيرًا ما ستفعلين "
رمقه إيفان بتحذير، لكن سالار في هذا الوضع هو اليد العليا، فهذه حرب وهو رجل الحرب، وهو المسؤول في هذه اللحظة عن كل ما يجدث داخل هذه القاعة، هنا تعلو صلاحياته فوق صلاحيات الملك :
"رجاءً دعي أحد الحراس يرشدك حيث تريدين، كي لا ينتهي بكِ الأمر تتناولين العشاء مع زوجة الملك بارق في سبز "
رمقته تبارك بغيظ شديد تشعر بصدرها يتآكل غضبًا منه، تحدق في عيونه بغضب شديد، هذا الرجل يستهين بها بشكل مبالغ، وسالار لا يهتم حقًا بنظراتها تلك يمنحها بسمة صغيرة محترمة، فقط لأن الملك جالس، ولأنها الملكة بالطبع ولها منه كامل الاحترام .
تدخل إيفان في المنتصف يحاول أن يتحدث :
" مولاتي، اعتذر عن حديث سالار، هو فقط لا يستطيع انتقاء كلماته طالما لم يكن الأمر متعلق بالقتال، اسمحي لي أن اوصلك بنفسي للخارج حيث تريدين "
نظرت له تبارك ببسمة واسعة، ولا تصدق أن هناك من يتعامل معها بهذا الرقي، حركت عيونها صوب سالار الذي كان يحدق بها بحاجب مرفوع مستنكرًا ما يحدث .
استأذن إيفان من الجميع :
" دقائق واعود، سالار تولى الأمر "
تركهم يشير لتبارك أن تسبقه في السير، وهي بالفعل تحركت معه خارج القاعة تقول بصوت منخفض :
" مولاي حقًا لا يجب عليك ذلك، رجاءً عد للاجتماع، استطيع طلب مساعدة أي فتاة هنا او حتى الحراس "
لكن إيفان كان مصرًا على فعل ذلك، فهو لا يجلس معها كثيرًا وقد كان مقصرًا في حقها وبشدة، لذلك أراد تعويضها ولو بلفتة صغيرة.
لكن أثناء ذلك أبصر من الشرفة جسد نحيف لشخص يرتدي ثياب الجنود يراقبه قبل أن يهرول بعيدًا، جسد جعله يتناسى رغبته في تعويض الملكة عن غيابه ويندفع بسرعة صوب الدرج يركض للساحة تاركًا تبارك تقف مكانها بعدم فهم، وصدمة.
وإيفان لا يدري ما يحدث، هو فقط يريد وبشدة أن يراها ويعلم من هي .
كان يركض بشكل جعل الحراس يتحفزون بشكل مخيف مستعدين لصرخة هجوم، وقد ظن البعض منهم أنهم يتعرضون لهجوم .
في هذه اللحظة خرج سالار من القاعة تاركًا الجميع خلفه لينادي الملك لأمر ضروري، لكنه فجأة وجد جسد إيفان ينتفض راكضًا للاسفل .
اتسعت أعين سالار بعدم فهم ينظر لتبارك بلوم وريبة :
" ما الذي فعلتيه ليهرب منك الملك بهذا الشكل ؟!"
رمقتت تبارك باستنكار :
" ماذا ؟!"
" ماذا ماذا ؟؟ الرجل يركض وكأن موته يلاحقه، هل أدرك الآن أن وجودك جواره بمثابة كارثة له وللبلاد؟! بالله أخبرته أن إحضارك هنا لهو الفساد بعينه "
كانت تستمتع له بصدمة ولا تصدق ما يقول ولم تجد ردًا عليه سوى كلمة واحدة :
" أنت عبيط ؟!"
اقترب منها سالار بشكل مثير للرعب وهي تراجعت للخلف حيث سور الشرفة :
" هل هذه سبة ؟؟"
ازدرت تبارك ريقها تحاول الحديث بكلمات متوترة من نظراته لها بهذا الشر :
" أنا بدافع ...بدافع عن نفسي مش اكتر "
" تدافعين عن نفسك بلسانك ؟! لو كانت يدك بمهارة لسانك، لكنتِ الآن محاربة عظيمة مولاتي "
نظرت له تبارك بخوف تحاول الحديث لا ترى النافذة خلفها، لكن نظراته لها جعلتها تعود للخلف مرتعبة :
" أنا الملكة هنا، وحديثك هذا يعد إهانة لـ .."
توقف قلبها عن الخفقان وتوقفت أنفاسها فجأة، وهي تشعر بيد سالار تقبض على تلابيب ثيابها يجذبها بقوة مخيفة صوبه بسرعة مهولة، وقبل أن تصطدم بصدره ابتعد هو عن مرمى سقوطها كي يتلاشى مصيبة لمسها .
سقطت تبارك ارضًا بقوة تتنفس بصوت مرتفع وكأنها للتو خرجت من أسفل قاع المحيط، رفعت عيونها له ولم تكد تصرخ في وجهه ليقاطعها هو بهدوء وببساطة مشيرًا للنافذة :
" كدتي تسقطين من النافذة "
تحركت تبارك عيونها بسرعة صوب النافذة لتتسارع ضربات قلبها، بينما سالار انحنى يجلس القرفصاء أمامها هامسًا بصوت منخفض :
" في هذه الحياة عليكِ الإنتباه لشيئين، الأول لسانك ماذا يقول، والثاني قدمك أين تخطو، فلن أكون متواجدًا طوال الوقت لاتدارك الاول، وانتبه للثاني، حسنًا؟؟"
نظرت له تبارك تهز رأسها بنعم فتحرك هو من أمامها بهدوء شديد وينهض بقوة يتجه صوب القاعة تاركًا تبارك تجلس في الركن تحاول أن تتنفس بشكل جيد، تدفن رأسها بين قدميها لا تستطيع أن تستوعب شدة ضربات قلبه حينما ينظر لها بهذه الطريقة المخيفة و...الغريبة .
____________________
عند إيفان وبمجرد أن وصل الطابق الأرضي ركض كالرصاصة ولا يدري تلك الطاقة التي اندفعت داخل صدره حين أبصر ذلك الجسد يراقبه ثم يتحرك أمامه.
وفي تلك اللحظة كانت الثلاث فتيات يتحركن لداخل القصر بكل هدوء مخفضين الرؤوس ارضًا بعدما انتهت برلنت من قص ما حدث معها في الماضي وانتهت فترة الراحة لهن.
لكن فجأة وعلى حين غرة أبصرت كهرمان جسد الملك يندفع لهم بشكل جعلها تطلق صرخة وهي تعود للخلف بقوة مرتعبة أن يكون قد اكتشف ما فعلت، ولم تكد تتحدث بكلمة حتى شعرت باصطدام كتف الملك بها جاعلًا إياها تتراجع للخلف .
شهقت كهرمان بقوة تتمسك بكتفها تراقب الملك يركض في الساحة بشكل مخيف، ولم تفق سوى على صوت زمرد تقول :
" ما به الملك ؟! هل أبصر سارقًا أم ماذا ؟!"
لكن كهرمان لم تكن تستمتع جيدًا لما تقول، بل فقط
اردفت بسرعة وهي تلحق بالملك تتحسس يديها بشكل مصدوم :
" يبدو أنني...نسيت اسورتي في الحديقة، سأذهب لاراها قبل أن أفقدها "
وقبل أن تتحدث واحدة منهن ركضت كهرمان بسرعة خلف الملك وبفضول كبير تريد معرفة ما يحدث معه، بينما زمرد ترمقها بشك شديد وبرلنت تردد بعدم فهم :
" أي اسورة تلك التي تقصدها ؟؟"
ابتسمت زمرد بخبث :
" اسورة ثمينة ...ملكية "
ركضت كهرمان بسرعة خلف الملك ولا تدري سبب ذلك، لكن نظراته التي رأتها في عيونه وهو ينظر صوب مكان الجنود أثارت ريبتها.
لحقت بخطواته مهرولة والملك يزيد من سرعة أقدامه كي يلحق بها، وبمجرد أن أصبح على مقربة منها نادى بصوت مرتفع :
" توقفي مكانك ..."
توقفت كهرمان بسرعة كبيرة وكأنه أمرها هي بالتوقف، شعرت بجسدها قد تصنم تبتلع ريقها بريبة تنظر أمامها لظهر الملك الذي كان يخفي بجسده جسد آخر نحيف أمامه .
وإيفان اقترب من ذلك الجسد الذي توقف فجأة على صرخته وقد ظهرت ارتجافته واضحة، زاد من خطواته الواسعة حتى تحرك وأصبح أمام ذلك الجسد فأعطى لكهرمان حرية الرؤية لتتعجب ذلك الجسد الذي يقف في منتصف الحديقة، جسد نحيف صغير لا يمكن أن يكون لجندي بأي شكل من الأشكال .
اتسعت عيونها تختفي خلف أحد الأشجار تراقب ما يحدث بانتباه شديد لترى الملك ينظر لذلك الجسد بأعين غامضة قبل أن يمد يده وينتزع لثامه .
ولولا المسافة بينهما لسمع إيفان صوت شهقات كهرمان العالية والتي صُدمت لرؤيتها وجه امرأة تختفي خلف اللثام تمامًا كما تفعل هي .
ضيقت عيونها تحاول معرفة من هذه الفتاة التي تتبع أسلوبها في التنكر ولماذا تفعل ذلك حتى ؟!
نظر إيفان للوجه أمامه بتعجب، وجه غريب، وجه لا يشعر به مألوفًا، فهو ورغم أنه لم ير يومًا وجه الفتاة يومًا إلا أن عقله ودون إرادة منه رسم باقي تفاصيله بناءً على عيونها .
حتى هذه العيون ورغم تشابهها في اللون بعض الشيء مع ملثمته إلا أن بها لمعة غريبة، ومختلفة تمامًا .
اخفضت الفتاة رأسها بسرعة تقول بصوت خافت مرتجفة :
" مولاي .."
" ما الذي تفعلينه بثياب جنودي هذه ؟؟ تنتحلين شخصية جندي للفرار من شيء ما ؟؟ أم أن هذا الأمر معتاد لكِ ؟؟"
كانت كلماته ترمي لتلك النزالات التي يخوضها مع الفتاة، لكن من أمامه لم تنفي أو تؤكد، بل فقط اخفضت رأسها أكثر تهمس بتردد :
" ارجوك مولاي، سامحني أنا فقط كنت أود الخروج والعودة سريعًا دون أن يوفقني أحد أو يصل الأمر للمشرفة"
شعرت كهرمان بالحنق مما تسمع ولم تقتنع، ورغم ذلك لم تتكلم كلمة واحدة حتى، وكيف تفعل وبأي وجه تتدخل وتتحدث ؟؟
رفع إيفان حاجبه يقول ببسمة جانبية ساخرة وشعور خانق داخله أنه لم يعثر عن تلك الملثمة اكتنفه :
" إذن أنتِ تعترفين أنكِ تتهربين من عملك وتتنكرين في ثياب رجل ؟؟ هذا لن يمر مرور الكرام "
رفعت الفتاة عيونها له تقول بصوت منخفض ونظرات غريبة له :
" أنا مستعدة لأي عقاب تفرضه عليّ مولاي "
تراجع إيفان للخلف يشعر بوجود خطبٍ ما في الأمر وتلك النظرات الغريبة يشعر أنها تحمل شيئًا داخلها، لذا اقترب يهمس بصوت منخفض متسائلًا :
" هذه ليست مرتك الأولى التي تتنكرين فيها صحيح ؟؟"
نظرت الفتاة لعيون إيفان ثواني قبل أن تخفض نظراتها وتقول بصوت منخفض :
" نعم مولاي، سامحني لأجل هذا أنا هي الفتاة نفسها ..."
اتسعت أعين إيفان بشكل مثير للشك، ينظر لها جيدًا يحاول اكتشاف ما الذي دفعها لكل ذلك، بينما الفتاة مستمرة في النظر ارضًا .
وعلى بعد كانت كهرمان تقف تحدق بهم بعدم فهم ولا يصل لها أي كلمة مما تقال بينهما بسبب تهامسهما المفاجئ، لكن اتسعت عيونها حين شعرت برأس الملك ترتفع دون مقدمات صوبها ليختض جسدها مستديرة عنه بسرعة كبيرة جعلت أعين إيفان تحتد يقول بصوت مرتفع :
" من أنتِ، و ما الذي تفعلينه هنا ؟!"
وما كاد يتحرك خطوة واحد صوبها حتى شعرت كهرمان بصوت خبيث يتسلل لعقلها يحثها على الهرب، الهرب وباسرع ما تملك.
وهي استمعت لهذا الصوت، صوت نجاتها، تدعي أنها مجرد خادمة فضولية كانت تستمع لما يحدث، ودون تفكير هرولت بشكل مثير للدهشة من أمام إيفان الذي توقف يعقد حاجبيه بعدم فهم لخوفها وركضها بسرعة، والتي من المفترض أن تهرب لم تفعل، ما الذي يحدث في هذا القصر العجيب ؟؟
استدار صوب الفتاة في الخلف ليجدها تقف مكانها وكأنها تنتظره أن يعود لها، حسنًا هذا محير، تنتظر معاقبتها بفارغ الصبر .
ابتسم بسمة مخيفة يهتف بصوت مرتفع وهو يحدق بعيونها المترقبة :
" حراس .."
اتسعت عيون الفتاة بفزع وقد بدأ قلبها ينبض بشكل مخيف، هي لم تتوقع أن تكون تلك ردة فعله، ارتفع وجيب قلبها وقبل أن تفكر في الهرب المتأخر وجدت لفيف من الحراس يحيطها وصوت الملك يهمس بصوت مرعب :
" خذوها للسجن حتى تُعرض عليّ لاحقًا للبث في أمرها"
شهقت الفتاة تصرخ بصوت فزع :
" ماذا فعلت أنا ؟؟ مولاي أنا لم اقصد اقسم لك، صدقني أنا لستُ...."
توقفت عن الحديث حينما نبذها إيفان وتحرك من أمامها برأس مرتفعة غير مهتم بما تقول أو حتى لصرخاتها المستغيثة، والفتاة تحاول أن توضح له ما فعلته وما حدث في الواقع، لكن من يستمع لها ؟؟
__________________________
دخل مخبأه المفضل ومكانه الأقرب لقلبه بعدما تأكد من وصول القائد سالار للاجتماع، ومن ثم رحل هو ليتولى أمر تفحص مصانع الأسلحة .
تنهد بتعب يلقي جسده على ذلك الفراش الصغير الذي يحتل ركن صغير من معمله، نظر حوله بأعين ناعسة مرهقة، فكان النعاس شعور خارجي، بينما الإرهاق شعور عميق نابع من أبعد نقطة في صدره، إرهاق نفسي وليس جسدي .
ها هو كلما وضع رأسه على الفراش يهتز قلبه معلنًا أنه استفاق من سباته ليحطم راحته الوهمية التي يحاول إقناع جسده بها .
" ربما يمكنني الراحة حين امطي فرسي، أم أشعر براحة حين افجر القصر ؟؟"
خرجت تنهيدة غير إرادية منه وعقله يخبره بكلمات موبخة، أنه يعلم بالتحديد أين يجد راحته، ومع من سيجدها .
" وكأنني امتلك رفاهية إيجادها ولم أفعل، وكأن الحياة تعاتبني على نبذي لها قديمًا لتأتي الأرض وتبتلعها الآن، تخفيها عني مخافة أن أنفذ تهديدي القديم "
ابتسم بسمة موجوعة وهو ينظر للسقف قبل أن تسقط دموعه فجأة يشعر بالوجع يملء صدره، كيف استطاع تهديدها ذلك التهديد السخيف، وكيف صدقت هي أنه قد يؤذيها، لِم تركته ورحلت، كل تلك السنوات يعيش على أمل أن يجدها، لكن تناثرت ذرات الامل فوق بحيرة فشله، فشل في إيجادها، وفشل في الحياة بشكل طبيعي بعدها.
شعر تميم بيد تمسح دموعه وصوت يهمس له بلطف :
" هل عدت لحزنك مجددًا تميم؟! ظننت أنك تخطيت كل ذلك منذ سنوات "
تقلب تميم يدفن وجهه في الوسادة رافضًا أن يظهر دموعه أمام أحد، حتى إن كانت أمام دانيار، رفيقه القديم والذي يعلم كل شيء عنه .
" اشتاقها يا أخي، اشتاقها، اخشى أن تكون قد تأذت، لقد كانت مجرد مراهقة صغيرة وأنا نبذتها، كنت اعلم جيدًا أن لا أحد لها غيري ورغم ذلك تركتها وحيدة تواجه عواصف الحياة بكل خِسة، تجاهلت كونها فتاة لم تر الحياة سوى من خلال عيوني، فتركتها عمياء تتخبط بين طرقها "
ابتسم دانيار يميل عليه يهمس بحنان وهو يربت على ظهره :
" بيرلي ليست ضعيفة تميم، أنسيت أنها ربيبة يدك ؟؟"
وهذا ما يقتله، أنها ربيبته ورغم ذلك صدق حديثهم عنها، صدق أنها قد تخون ثقته وتطعنه بهذا الشكل، سقطت دموعه في صمت يغمض عيونه متخيلًا وجهها المستدير البرئ وملامحها الطفولية الجميلة وهي تهمس له بخجل :
" شكرًا لك تميم على الحلوى، لقد أعجبتني، وأيضًا، اشكرك على مساعدتي جمع حصاد اليوم، أنت الافضل، وانا حقًا أشعر أنني أثقل عليك حياتك، لكن ماذا أفعل وانا لا استطيع الانتهاء من شيء وحدي ؟؟"
تنهد تميم ينتفض عن وسادته مبتعدًا عن دانيار وهو يتنفس بصوت مرتفع، تحرك في المكان يمسح خصلاته بقوة، ثم مرر كفيه على وجهه يقول بهدوء وصوت طبيعي وكأن ما حدث لم يكن :
" إذن ما الذي حدث في الاجتماع ؟؟"
ابتسم دانيار يسايره في الحديث :
" لهذا جئت كي اناديك، لقد أرسلني القائد لاحضارك كي يخبرك بالتعليمات الجديدة "
رمقه تميم بحنق شديد يتحرك صوب الطاولة يلتقط منها قطعة حديدية صغيرة يضعها داخل جيب سترته :
" ارسلك القائد لاحضاري وجئت لتجلس جواري؟؟ هل تمزح دانيار، أتود أن يقتلع القائد رؤوسنا ؟! "
ضحك دانيار يتبعه مرددًا بجدية :
" لن يفعل فالقائد يحبنا يا رجل "
" حقًا ومن أخبرك ذلك ؟؟"
أشار دانيار لصدره في نبرة مؤثرة خافتة :
" قلبي .."
لوى تميم شفتيه يقول بجدية :
" لا عجب أنه غبي مثلك، هيا تحرك قبل أن ينتزع القائد بيديه العاريتين ذلك الغبي في صدرك "
أطلق دانيار ضحكات مرتفعة تسببت في رسم بسمة على وجه تميم، الذي عاد لمشاكسته متحركين بين ممرات القصر صوب سالار .
وفي أحد الأركان كانت تقف برلنت تراقب رحيله ببسمة واسعة، سعيدة لسعادته، حتى وإن كانت تلك السعادة في بعدها، فستبتعد لاجله .
انتفض جسدها برعب حين شعرت بقبضة أعلى كتفها :
" ما الذي تفعلينه هنا أيتها العاشقة ؟! أمسكت بكِ تحدقين بصانع الأسلحة، ام كنتِ تحدقين بقائد الرماة ؟؟"
انقبض صدر برلنت لثواني قبل أن ينفرج وهي تنظر في وجه كهرمان بغيظ :
" ما بكِ كهرمان اخفتني، ثم ألم تركضي خلف الملك، ما الذي عاد بكِ الان؟!"
سمعت صوت زمرد يهمس من خلف كهرمان :
" يبدو أن الملك كشر عن أنيابه لها لتعود راكضة بملامح شاحبة "
زفرت كهرمان بغيظ تتحرك بعيدًا عنهما :
" لا لم يفعل، وتوقفي عن ازعاجك ذاك زمرد، فأنا لم أتحدث عن مقابالاتك الكثيرة والغير مبررة لقائد الرماة "
اتسعت عيون زمرد بصدمة تركض خلف كهرمان صارخة :
" هيييه أنتِ توقفي هنا، ما الذي ترمين له ها ؟؟ أنا وذلك الرجل لا شيء بيننا هو المزعج من يستمر في القفز امامي"
نظرت لهما برلنت ثواني قبل أن تبتسم وتركض بسرعة كبيرة تردد :
" يبدو أن الليل سيكون مليئًا بالأحاديث الشيقة "
________________________
وفي المساء ..
يجلس في حديقة القصر وهو يحاول التفكير في طريقة يفتتح بها الحديث معهم، أي مدخل يخبرهم بحقيقة تجمعهم، تنحنح حين طال صمته وطالت نظرات الجميع له .
شعر إيفان أنه بالغ في صمته لذلك اعتدل يقول ضاممًا قبضيته أمامه بجدية كبيرة متنسايًا أن من أمامه رفاقه قبل أن يصبحوا المقربين له في الحكم ..
" لا احد منكم يعلم سبب تجميعي لكم في هذه الساعة من الليل، في الحقيقة فعلت ذلك حتى اتلاشى ساعات عملي كملك واتحدث معكم كرفاق وأصدقاء و .."
قاطعه العريف بملل من كل ذلك يقول بحنق :
" أنا لستُ صديقك يا صغير "
رفع إيفان عيونه بشر للعريف وقد اشتعل جسده بالغضب، لكن العريف ابتسم بسمة صغيرة يرفع إصبعه مذكرًا إياه بجملته :
" أنت الآن خارج ساعات عملك كملك، لذا لا تنظر لي بهذا الشكل "
نظر مرجان صوب الجميع ولايدري حقًا سبب وجوده في هذا المكان، هو أشبه بسمكة صغيرة سقطت في حوض حيتان، انكمش في مقعده الذي كان يتوسط مقعد العريف ودانيار .
تجاهل إيفان كل ما يقول العريف يكمل حديثه بعناد شديد وعدم اهتمام بكل ذلك، فهو سينفذ ما عزم عليه :
" أردت الحديث معكم كأصدقاء ورفاق، لكن بالتفكير فيما يمكن أن ينتج عن هذا القرار المتهور، وما سيحدث إن تركت لكم حق التصرف معي كرفيق بعد اخباركم بما قررت، فأنا الآن أتحدث معكم كملككم لا كصديق أو حتى رفيق وما سأقوله سيتم تنفذه دون نقاش "
ارتاب الجميع مما يرنو إليه إيفان من خلف ذلك الحديث، ليتحدث تميم بشك فيما يمكن أن يكون سبب تجمعهم :
" ماذا ؟! هل قررت نفينا جميعًا أم ماذا ؟!"
رفع العريف كفه يقول بجدية كبيرة وملامح مسترخية :
" اوافق على هذا الاقتراح "
رفعت البومة كذلك جناحها تصدر صوتًا خافتًا وكأنها توافق العريف، واضاف العريف مشيرًا صوب مرجان :
" نعم ومرجان كذلك يوافق، اصبحنا ثلاثة، أنا والبومة ومرجان "
نظر له الجميع بحنق ليتعالى صوت مرجان المستنكر والرافض تمامًا لما يقال :
" مهلًا أنا حتى لم أرفع اصبعًا، أنا ما تزال الحياة طويلة أمامي حتى يتم نفيي الآن، أنا حتى لم أكمل قراءة مليون كتاب بعد "
رمقه العريف بغيظ شديد إذ شعر أن ذلك المرجان يقف حائلًا أمام خطته في الانعزال عن البشرية، فأمسك يده ورفعها بالقوة يقول :
" بل انت توافق، ثم يا فتى أنت حتى لا تدري ما تتحرك صوبه، كونك عريفًا في هذه المملكة يعني أن تتعامل مع هؤلاء الأربعة المزعجين، ستشكرني لاحقًا على تخليصك منهم ...نعم مرجان أيضًا موافق "
تنفس إيفان يمرر يده على وجهه بملل شديد من أفعال العريف الذي لا يوفر أي فرصة ليؤكد له أنه لا يتحمله لا هو ولا أي إنسان حوله .
كانت نظرات الاستنكار تعلو وجوه الثلاثة ليقول سالار بعد زفرة طويلة :
" أيها العريف، صدقني لا أحد يهتم إن نفيت نفسك بنفسك فلا أحد يزور مكتبتك ويخرج منها سعيد مرتاح البال، بل لطالما خرجوا مسودي الوجوه عامرين بالهموم بعدما تخبرهم مصائب حياتهم القادمة على هيئة الغاز "
ابتسم العريف ينظر صوب سالار يقول بخبث :
" وهذا يذكرني أنك لم تحصل على رؤيتك الخاصة، لقد حلمت بك منذ أيام وقـ "
اصمته دانيار جاذبًا سالار له يهمس :
" اسكت هذا العجوز سيدي فهو الآن على وشك قول مصيبة ستحيل حياتك لجحيم "
نظر سالار صوب العريف الذي كان على وشك إلقاء كارثة في وجهه، وتميم في المنتصف يتمم بغضب :
" نعم ذلك العريف العجوز جالب المصائب ."
كل ذلك يحدث تحت مرأى ومسمع من إيفان الذي ضرب الطاولة بغضب وقد نفذ صبره بما يحدث :
" توقفوا جميعًا "
توقف الجميع بالفعل بعد صرخة إيفان، ليتنفس الأخير بصوت مرتفع يحاول أن يتجاوز عن كل هذا الهراء، لتقع فجأة عيونه على مهيار والذي نسي وجوده بسبب صمته الطويل :
" وأنت مهيار ما الذي تنتظره للمشاركة في هذا الهراء ؟!"
نظر مهيار للجميع يقول بهدوء شديد وهو ينحني على الطاولة يضم كفيه أمامه:
" لا شيء أنا لم احصل بعد على رؤيتي من العريف حتى اشترك معهم "
نظر له العريف يقول بعد تفكير وبهدوء وبسمة :
" أنت الوحيد الذي ستكون حياتك مليئة بالرغد والسعادة يا بني، أما هؤلاء الأربعة الحمقى اقسم أنهم سيرون من الويل الوانًا "
ابتسم له مهيار شاكرًا بينما تدخل دانيار يضرب الطاولة باعتراض :
" مهلًا، لِم هو من بين الجميع ؟؟ أنت أيها العريف هل تخدعنا وتزيف احلامك ؟! حرام عليك "
ابتسم له العريف بتشفي كبير :
" هذا لأنه الوحيد الذي أحبه من بينكم أنتم الخمسة "
فتح إيفان فمه بقوة يقول صارخًا :
" وماذا فعلنا بك نحن ؟؟ أنت لم يقترب منك أحدنا"
رفع العريف حاجبه بسخرية ليتراجع إيفان قائلًا بتذكر :
" عدا تحطيم مكتبتك عدة مرات فقط لكن كل هذا فعله سالار وليس نحن "
هز الجميع رأسه يشيرون صوب سالار وكأنهم يحاولون دفع اقدارهم السيئة كلها صوبه ليحملها هو وحده، بينما سالار نظر لهم نظرات غريبة وكأنه يتساءل ما الذي فعله الآن هو يجلس هادئًا .
ابتسم العريف بمكر :
" لا بأس فهو أكثر من سينال مصائب بينكم اجمعين"
نظر له سالار متسائلًا :
" مصائب من أي نوع ؟! حروب ؟؟"
" بل القلوب يا فتى، مصائب القلوب اقوى واعنف من حروبك التي تخوضها تلك "
شرد به سالار ليقاطع إيفان كل ذلك بملل :
" حسنًا دعونا من مصائب العريف، ولننظر في مصيبتي أنا"
نظر له الجميع بفضول ولا احد يدري مقصده، حتى نطق إيفان وهو يحاول ايجاد كلماته :
" الملكة ..."
____________________
فرغت من صلاتها ترتكن للفراش الخاص بها تتنهد بصوت مرتفع، أخذت تسبح على أصابعها وهي تفكر في القادم من حياتها، جاءت ورأت الحياة هنا، ليست بذلك الرغد الذي يتخيله الجميع حين يسمعون كلمة ملكة، لكنه ليس كذلك بنفس سوء حياتها السابقة، على الأقل هنا تُعامل باحترام من الجميع _ احيانًا _ وهذا ما يجعلها تحمد الله على كل شيء .
نهضت تبارك عن موضعها تتحرك صوب النافذة تراقب السماء الصافية المليئة بالنجوم، لتشعر برغبة عارمة في التحرك والتأمل بها من الاسفل حيث النافورة التي سقطت في عشقها منذ اللحظة الأولى .
تحركت خارج الجناح دون أن يوقفها أحدهم بالفعل، وفي هذه اللحظة استحضرت تبارك كل ذرة تفكير في عقلها لتتذكر طريق الخروج .
ها ...ها هي خرجت وحدها دون مرشدها المعتاد، وعلى ذكر المرشد ارتسمت بسمة على فم تبارك حين تذكرها سالار، مساعدته لها طوال الوقت رغم تذمره منها، فجأة تلاشت البسمة حين تذكرت كلماته لها صباح اليوم حين خرجت من قاعة الاجتماعات...
توقفت تراقب النافورة بأعين ملتمعة، لا تعلم السبب لكنها تستشعر راحة كبيرة في هذا المكان تحديدًا من القصر .
جلست تبارك ارضًا، ثم استندت على النافورة تغمض عيونها براحة مستمتعة برذاذ المياه اللطيف الذي يصطدم بوجهها كل ثانية والأخرى بالإضافة للهواء الذي يزور ملامحها من حينٍ لآخر، جلسة أعادت لها لحظات جميلة في طفولتها، لحظات ما عاشت سواها.
تلك الأيام حين تبنتها أسرة لشهور وهي بعمر الخامسة، قبل أن تقرر التخلي عنها بعدما علمت الأم بحملها ...
نعم ربما يظهر الأمر للبعض لئيمًا ومحزنًا، لكن تبارك لم تكن حزينة أو ناقمة أو حتى غاضبة على تلك الأسرة، بل كانت للحق شاكرة لهم، ممتنة لمنحهم إياها _ وبكل الكرم _ ايامًا قليلة تجعلها تبتسم لتذكر طفولتها.
منحوها بسخاء ذكرى بيضاء في ظُلمة طفولتها، هي شاكرة لهم، ولو قابلتهم الآن ستقول لهم أنها في غاية الامتنان وأنها...احبتهم، احبتهم حتى أنها كانت تناديهم ( بابا وماما ) لكن، ربما ذلك اللقب منها لم يكن كافيًا ليحتفظوا بها بعدما حصلوا على صغير من صلبهم .
مسحت تبارك عيونها تبتسم وهي تهمس بهدوء شديد :
" الحمدلله على كل حاجة، على الأقل عشت كام شهر أكل كويس والبس كويس، غيري مكانش متاح ليه كل ده "
تنفست بصوت مرتفع تنظر للسماء براحة تسبح الله مستغلة تلك اللحظات، قبل أن تسمع صوت رجولي صاخب يهدر من إحدى الجهات، تجاهلت الأمر فهي لا تحب التدخل فيما لا يعنيها .
لكن ها هو ما يعنيها يصدح في الأجواء، سمعت من بين كل ذلك الهدير كلمة ( ملكة ) هم يتحدثون عنها إذن.
نهضت من مكانها تنفض ذلك الفستان الطويل، تتمسك باطرافه بين اناملها متحركة صوب مصدر الصوت وقد استقرت خلف أحد الأشجار لتبصر طاولة تجمع عدة رجال لم تميز منهم سوى الملك الذي يعطيها ظهره وعرفته من صوته، وسالار ...
وعند الملك كان الجميع في صدمة كبيرة مما سمعوا، فهو أخبرهم للتو أن كل واحدٍ منهم مطالب بتعليم الملكة مهارة معينة لتسريع عملية الإعداد كي يتم تنصيبها في اسرع وقت وخلال الحفل الوطني بعد شهور قليلة .
وإن استنكر الجميع طلبه، إلا أن أحدًا لم يعترض، بل كان كل الاعتراض من نصيب العريف و....سالار .
" مولاي رجاءً يمكن لأي شخص في هذا القصر تعليمها المبارزة، ثم هي لن تحارب معنا، لذا المهارات الأساسية تكفي "
نظر إيفان لسالار يدرك سبب رفضه، فهو لا يحب التعامل مع النساء وهو بالطبع لا يحب أن تتعامل الملكة مع الرجال، لكن ماذا يفعل وهو لا يمتلك شقيقات في القصر، ووالدته في القصر الجنوبي معتزلة الجميع غاضبة على أمر زواجه من الملكة ؟؟
" سالار أنا أعلم أنك لا تريد ذلك، لكن أنا بالفعل قررت تقسيم كل شيء عليكم، أنت ستدربها على المبارزة، وتميم سيعلمها الفروسة ودانيار سيعلمها الرماية، ومن ثم يمكنها قضاء بعض الوقت مع العريف لمنحها بعض الثقافة الخاصة بشعبنا، وانا سأعلمها أمور إدارة المملكة "
فتح سالار فمه يأبى الموافقة :
" يمكنك أنت أن تعلمها المبارزة إيفان، أنت لست هاويًا، كما أن تميم وكذلك دانيار يستطيعان فعل الأمر ذاته، لكن أنا لن افعل ولو منحتني ملء الأرض ذهبًا "
فجأة وخلال حديثه أبصر جسدًا على بُعد صغير منهم يحدق بهم متعجبًا، ثم ثبتت عيونها عليه مستنكرة ما يقول، وهو رفع حاجبه وقد أصر أكثر على أمره ينظر لعيونها بقوة لا يحيد عن خاصتها :
" سامحني مولاي، ستكون المرة الأولى التي ارفض فيها أمرًا لك، لكنني لستُ متفرغًا لتدريب النساء "
فتحت تبارك فمها بصدمة وهي تنظر له بقوة تجابه قوته، بينما إيفان قال ببساطة شديدة يعرض الأمر أمامهم :
" سالار نحن في هذا الوقت لسنا متفرغين بالكامل، لدينا حرب على وشك النشوب، ولدينا تنصيب للملكة عليه أن يتم قبل الحرب، وكل من على هذه الطاولة لديهم من المسؤوليات ما يرهق كاهلهم، لذا أوكلت لكل واحد منكم مهمة واحدة كي يستطيع تدبر أعماله جوارها، فأنا لن اجعل تميم مثلا يدربها على الفروسية والمبارزة ويهمل شئون مصانع الأسلحة وتطويرها وكذلك دانيار، أما العريف فهو ورغم تفرغه لن يفيدنا سوى فيما يعلم "
التوى ثغر العريف مستاءً :
" حتى لو كنت أعلم أكثر من هذا فأنا لستُ موافقًا، أنا لا أريد أن احتك بالبشر وخاصة النساء منهم لوقت يتعدى الدقيقة "
تنفس سالار بقوة وما تزال عيونه معلقة بتبارك التي كانت ترميه بنظرات غاضبة، ليس لأنه يرفض تدريبها، بل لأنه يعترض بقوة وكأنها قد تقتله خلال تلك الفترة .
وعند تلك الفكرة ارتسمت بسمة مخيفة على جانب فم تبارك، جعلت أعين سالار تتسع بقوة متعجبًا أن تبتسم فتاة مثلها بسمة كتلك، كانت بسمة من انتصر على عدوه، ولم يعلم أنه الآن داخل عقل تبارك قد قُتل ودُفن وهي في هذه اللحظة تلقي على مسامع الجميع كلمات الوداع له ليست آسفة على قتله خطئًا خلال تدريباتها .
أفاق سالار يبعد عيونه عنها بسرعة رافضًا أن يطيل النظر لها أكثر، ثم حدق بعيون الملك يقول :
" مولاي يمكنني اختيار جندي ماهر وخبير لتعليمها "
" لا أحد أفضل منك فيما يخص المبارزة سالار، فإن كان ذلك الجندي سيستغرق الأمر معه اسبوعًا فستنهيه أنت في أيام قليلة، كما أنني لا اريد للملكة أن تحتك برجالٍ لا اعرفهم ولا أثق بهم بمقداركم "
تنفس سالار بقوة وقد كان إيفان عنيدًا بشكل تسبب له في غضب شديد، رفع عيونه صوب تبارك ليجدها تحدجه بتحدي وقوة، ثم تحركت بعيدًا عنهم قبل أن تسمع حتى رده والذي خرج منه بعد فترة من العناد :
" كما تريد مولاي ..."
ابتسم إيفان يتنفس الصعداء بعدما وافق سالار، ثم حاد بأعينه صوب دانيار الذي لم يكن يظهر عليه الرضا التام.
وتميم الذي كان غير مهتمًا بالأمر حتى، فماذا سيفعل هو ؟! يربطها فوق الفرس ثم يطلقه في المروج، هذا سهل .
بينما مهيار يراقب كل هذا بهدوء وسلام نفسي كبير، وهو فقط جاء ليستمتع بالهواء العليل والمشروب الذي يقدمونه لهم ليس إلا.
ابتسم يقول إيفان :
" إذن نحن اتفقنا ؟! "
لم يجب أحد بكلمة واحدة وكانت جميع الوجوه حانقة غاضبة، لتتسع بسمة إيفان أكثر:
" جيد جدًا، علمت أنه يمكننا الاتفاق بهدوء شديد ودون أي اعتراضات، والآن يا رجال اسمحوا لي بالمغادرة، ليلة سعيدة لكم جميعًا"
تحرك إيفان عن مقعده تاركًا الجميع يرمق ظهره بغضب شديد، لحظة يشكر إيفان فيها رتبته التي تمنع هؤلاء الذئاب خلفه من الانقضاض عليه في أي لحظة ليقطعونه بأسنانهم ..
" انتهت الليلة دون إصابات، جيد "
_______________________
في الصباح التالي كانت تتحرك مع سرب من العاملات صوب الحقول كي تنتهي من عملها بأسرع وقت، ثم تخرج كعادتها للتسكع في الأسواق دون علم أحد كما اعتادت .
ابتسمت لهذه الفكرة وهي تخفض غطاء وجهها عكس عادتها، فهي اعتادت أن تضع لثامًا يظهر عيونها، لكن هذه المرة غطت وجهها بالكامل .
وأثناء مرورها بالحديقة الأمامية أبصرت العديد من الجنود يتوسطون الساحة وهو هناك يهتف بهم بصوته الصاخب وتعليماته القوية، سالار، ذلك الرجل الذي لطالما سمعت اسمه يتردد مصحوبًا بنبرة مرتجفة أو كارهه أو معظمة، رجل تمنت لو تصبح رجلًا فقط كي تتتلمذ على يده خصيصًا .
ولم تدرك زمرد أنها بوقفتها تلك وتأملها في سالار قد تخلفت عن الفتيات، انتفض جسدها بقوة حين سمعت صرخة صادرة من فم سالار وهو يعنف الرجال أمامه.
" أنتم لا تربحون معارككم لأنكم جيش قوي لا يُقهر، بل تفعلون لتوفيق الله لكم، فلا تغرنكم انفسكم، ولا تراودكم النفس الامارة بالسوء للبطش بمن هم أضعف منكم، الله منحكم قوة لأجل نصرة الضعيف لا للتجبر عليه، أنتم رجال حق لا باطل "
ختم حديثه ينظر جوراه لسيدة كبيرة في العمر بظهر منحني تمسك فتاة مراهقة بيدها تساندها، وهي تنظر لسالار بانبهار شديد، وسالار كان يتنفس بقوة يقول بصوت جهوري :
" ايًا من كان منكم، تطاول على هذه السيدة البارحة بدعوى أنه من جنود الملك فليتقدم ويكفي نفسه شر غضبي إن أخرجته أنا"
كان يتحدث بقوة شديد وصدره يعلو ويهبط والسيدة جواره تراقب وجوه الجنود بشفقة دفعتها للتدخل مدافعة عن ذلك الشاب الذي أساء لها في سوق المدينة مساء أمس .
" لا بأس يا سيدي، أنا اسامحه فقط ا...."
نظر لها سالار بقوة ورغم أنه لم يقصد اخافتها إلا أنه فعل، إذ تراجعت السيدة تستند على يد حفيدتها ليدرك سالار أنه أمام سيدة طاعنة بالعمر، لتلين ملامحه قائلًا :
" معذرة لكِ امي، رجاءً نحن هنا لا نمرر للمخطأ خطأه، وإلا عم الفساد، فإن آمنت العقاب اسئت الأدب"
استدار صوب الجنود يقول بصوت مرتفع :
" أن تدعوك نفسك لاستغلال قوتك في المفاسد لهو أكبر جرم قد يمسك كجندي في الجيش، إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك، إذا زاد بطشك وتجبرك وظننت أنك أكبر من غيرك، فالله أكبر من الجميع، والآن ليتقدم من فعل كل هذا .."
ثواني شعرت فيهم زمرد بضربات قلبها تزداد وكأنها هي من قامت بهذه الفعلة، ومن بين تحديقها فيما يحدث ابصرته يأتي من بعيد بثوب جلدي يظهر ذراعيه وبنطال وحذاء طويل، يلف حول جذعه حاملة السهام يقترب من ذلك التجمع بملامح جادة جعلتها تشرد به ثواني قبل أن تنتفض على هدير قادم من جهة سالار يصرخ في الجميع :
" تتجبر على سيدة من عمر والدتك وتدفعها مسقطًا إياها ارضًا ارضًا متفاخرًا برتبتك ومكانتك في الجيش، ولا تمتلك القوة والشجاعة لتعترف بخطأك ؟؟ آخر فرصة سأمنحها للمخطأ كي يتقدم "
عم صمت كبير بين الجميع، ويبدو أن زمرد لم تكن المتفرج الوحيد، بل كانت تبارك والتي جاءت لتقابل دانيار كي يبدأ معها دروس الرماية، هي أحد المتفرجين ..والمرتعبين من سالار في هذه اللحظة .
فجأة سمع سالار زفرات عدة تنطلق من الافواة المحيطة به حين تقدم رجلٌ الصفوف يخفض رأسه ارضًا بخجل وخزي، يضم قبضتيه أمامه في اعتراف صامت على جرمه الذي كان في نظر سالار كارثة، فإن ترك للجنود حرية السير خلف نفوسهم الإمارة بالسوء لتفرق جيشه وغلبته اهواءه، وعلى هدير المنكرات فوق صوت الحق .
اطال سالار النظر بالرجل ثم قال بهدوء دون أن يرف جفنه أو يبعد عيونه عن الرجل :
" تحركي سيدتي واصفعيه ..."
شهقت تبارك بصدمة وهي ترى الجنود جميعهم مخفضي رؤوسهم دون أن يتجرأ على قول كلمة واحدة، وسالار أعاد حديثه مجددًا قائلًا :
" تقدمي واصفعيه "
نظرت له السيدة برفض، ترفض القيام بذلك، فهذه الصفعة تدرك أنها لن تترك اثرًا على وجهه، كما ستفعل على روحه وكبرياءه بين جميع من يعرف.
" ارجوك يا بني أنا فقط جئت اشكو لك لمعرفتي بعدلك من بعد الملك، ووالله لو علمت أن عقابك سيكون بهذا الشكل ما كنت فعلتها وأتيت، فلا استطيع أن أفعل ذلك بشاب في عمر احفادي وعلى مرأى ومسمع من الجميع"
نظر لها سالار يقول بقوة وتجبر، وقد شعرت تبارك في هذه اللحظة بالخوف منه أكثر وأكثر :
" وهو لم يفكر بكل هذا وهو يطرحك ارضًا، لم يخجل وهو يصرخ في وجه سيدة من عمر جدته ويسقطها ارضًا، اقتربي واصفعيه وإلا فعلت أنا، وحينها صدقيني ستتمنين لو أن الصفعة كانت من كفك "
ارتجف جسد الرجل لكنه حاول الثبات يتلقى عقابه بكل قوة، يدرك في هذه اللحظة خطأه، وتعهد بينه وبين نفسه أنه يومًا لن يفعلها مجددًا .
ظهر الاعتراض على وجه السيدة وقد اشفقت أن ترفع يدها عليه، ليهز سالار رأسه يتحرك هو بخطوات قوية صوب الجندي يقف أمامه يقول بصوت خافت :
" أنظر لها اشفقت أن تجرحك ولو بكلمة، وأنت ماذا فعلت لها ؟!"
لم يرفع الشاب نظره عن الأرض ولم يتحدث بكلمة، ينتظر عقابه وسيتقبله رغم كل شيء، يلعن شيطانه الذي سول له أن يرفع يده عليها في لحظة غضب، يسب نفسه التي زينت له التجبر .
أبصر الرجل يد سالار تعلو في الهواء ليرفع رأسه ينتظر أن تحط كفه على صدغه بكل شجاعة، لكن ما كادت يد سالار تهوى على وجنته حتى سمع صرخة تعلو في المكان تقول :
" توقف "
استدار سالار ببطء ينظر خلفه صوب صاحب الصوت والذي لم يكن سوى العجوز التي سبقت صرختها صرخة تبارك والتي كانت على وشك الخروج دون وعي منها .
وضعت تبارك يدها على فمها تحمد الله أن العجوز سبقتها قبل أن تخاطر هي بحياتها وتواجه ذلك الوحش في هذه اللحظة، تنفست بصعوبة لترى أن السيدة تقدمت بتعب شديد تستند على حفيدتها، ثم نظرت للشاب ثواني ترفع يدها وتصفعه صفعة صغيرة لم يشعر بها الشاب على وجهه، بل شعر بها تسقط على روحه، اخفض وجهه ارضًا بخزي يحاول التماسك، بينما السيدة رمقته باعتذار صامت ليعلو صوت سالار يقول له بتحذير :
" هذه الصفعة ستلازمك لوقتٍ طويل، وقت كافي لتدرك أن ما فعلته وصمة عار في حقك كجندي تحمل راية تحمل اسم الله، وليست شيء يمكنك التفاخر به، والآن للساحة جميعًا لدينا تدريب "
ختم حديثه يتحرك من أمام الجميع بخطوات مهيبة ومظهر قوي، فسالار كان رجل حرب بامتياز صارم قوي لا يرحم ولا يسامح المخطأ، يتحكم بالجيش بيد من نار، لذلك كان هو افضل من يقود جميع الكتائب دون تهاون، وأسفل يده يقود دانيار جيش الرماة، ويتحكم تميم بكتيبة الدفاع الثانية في الجيش .
وأثناء تحرك صوب ساحة القتال أبصر تبارك التي كانت ترمقه بنظرات مصدومة مما فعل، لكن سرعان ما تحولت تلك النظرات لأخرى قوية متحدية وكأنها تخبره أنها لم تنس ما قاله البارحة، ابتسم سالار بسمة جانبية يتوقف جوار تبارك يقول بجدية :
" أرى أنكِ تسيرن بخطى جيدة لتصبحي امرأة يُعتمد عليها في الجلوس على عرش سفيد، كل هذا وأنا فقط وافقت على تدريبك، تخيلي عندما أبدا التدريب الفعلي ؟؟"
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها وهي تقف مكانها مصدومة، هي نظرت له بقوة ليعلم أنها ليست بحاجة له، ليقلب هو الطاولة عليها في ثواني .
استدارت بسرعة تحدق في ظهره هامسة بغضب شديد :
" مستفز ومغرور ..."
" مولاتي "
استدارت صوب الصوت لتبصر دانيار الذي نظر لها باحترام يشير بيده :
" الحقي بي رجاءً."
تنفست بصوت مرتفع تسير خلف دانيار وكل ذلك تحت أعين زمرد التي نست عملها وكل شيء وهي تشاهد ذلك العرض الذي اختتمه دانيار بأخذ الملكة والرحيل .
ابتسم بسمة جانبية ساخرة :
" ها، انظروا من يتعامل كالبشر الطبعيين الآن؟؟ أيتعين عليّ أن أصبح ملكة حتى يعاملني بهذا الشكل ولا يتصرف كحقير معي فقط لأنني أطالب بما لي؟؟ حسنًا نفذ صبري أنا سأستعيد منه سيفي وبالقوة إن اضطررت لذلك"
وبهذه الكلمات إتخذت زمرد قرارها تتحرك بقوة بعيدًا عن المكان تلحقها شياطين الأرض اجمعين، وجميعهم ستسلطهم على شخص واحد ...دانيار .
_____________________
سار في الممرات المظلمة والتي كانت أكثر آدمية من منطقة السجون الأخرى التي يطلقون عليها جحيم سفيد، هذه السجون التي يتحرك بها هي لمن ارتكب جرمًا هينًا مقارنة بأفعال قذرة تشيب لها الرؤوس ..
توقف إيفان أمام الزنزانة التي تجلس بها ملثمته، أو من ادعت أنها ملثمته، يراقبها جيدًا بأعين ضيقة قبل أن يضرب الحديد متسببًا في انتفاضة جسدها لتنظر الفتاة حيث يقف ..
" سيدي ...سيدي رجاءً اسمعني، أنا آسفة صدقني لم تكن نيتي شرًا حين فعلت كل ذلك، بل فقط ..."
قاطعها إيفان بيده التي ارتفعت في وجهها :
" هل ارسلك أحدهم لفعل ذلك ؟! هل تعملين لحساب أحدهم ؟!"
اتسعت أعين الفتاة مما وصلت له الأمور، هل لم تفعل كل ذلك سوى لظنها الغبي أنه يبحث عن تلك الفتاة لأنه يريدها له، سقطت دموعها بندم :
" لا لا اقسم لك أنني ما فعلت ذلك لشر، لم يرسلني أحدهم ابدًا، أنا ... أنا لستُ كما تظن أنا ..."
لكن إيفان مجددًا أوقفها يطيل النظر في عيونها ثواني، ثم هز رأسه يتحرك صوب الخارج دون كلمة إضافية، ولا تعلم الفتاة سبب مجيئه ورحيله دون مقدمات .
سقطت ارضًا ترثي حالتها البائسة وهي تحاول التفكير في حل لأجل الفرار من هنا :
" يا ليتني لم استمع لتلك الفتاة ولم افعل كل ذلك، يا الله فقط لو يعود بي الزمن فاصفع نفسي على تلك الفكرة "
ختمت حديثها وهي تنفجر في بكاء حاد ترتكن لأحد الجدران تصيح بهم أن يطلقوا سراحها ..
بينما سار إيفان خارج السجن يفكر في كل شيء متعلق بهذه الفتاة، صوتها الذي جاء خصيصًا ليسمعه مجددًا، وعيونها، قامتها وهيئة جسدها، يشعر أن هناك شيء خاطئ، هذه لا تشبه بأي شكل من الاشكال الفتاة التي تبارزه، إذا لم تكن هي فكيف علمت بأمرها وتنكرت بهيئتها، ما الذي يحدث حوله ؟
لا يدري ما يحدث لكنه يعلم أنها ليست هي، لا شيء بها حتى العيون والتي يختلف حتى وميضها عن وميض ملثمته ..
رفع رأسه يتحرك صوب ساحة التدريب التي اخلاها خصيصًا لأجل تدريب الملكة، ليتفقد الأمر قبل أن يعود لإدارة مملكته ..
خرج يمر بالساحة الخاصة بالجنود حيث يتبارز عادة مع الفتاة التي حتى لا يعرف لها اسمًا، أبعد عيونه عن الساحة ولا يدري ما يشغل باله بها، هل هي كلمات العريف ؟! أم اشتياقه لقتال معها دون قيود؟؟
" هل تبحث عني ؟؟"
استدارت رأس إيفان كالرصاصة صوب أحد الأشجار بسرعة كبيرة ليبصرها تستند على الشجرة ببرود شديد تتلاعب بالسيف بين قبضتها وعيونها تحدق به .......
______________________
ضربة سيف ...وبداية حرب .
اشارات ليست بالسارة للكثيرين، لكن لهم، هي شرارة البداية .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنساش تعمل تصويت على الفصل ...
"أخي ما بَالُ قلبكَ ليسَ يَنقَى؟!
كَأنَّكَ لا تَظنُّ المَوتَ حَقَّا!
أَلا يَا ابنَ الذينَ فَنوا وبَادُوا
أَمَا وَاللّٰهِ مَا ذَهبُوا لِتبقَى!"
- أبو نواس.
صلوا على نبي الرحمة
_________________________
توقف بخيله على حدود المملكة بعدما انتهى من أمور جنوده داخل القصر وجاء لتفقد الحدود المشتركة مع مشكى، الحدود التي أصبحت حدود شائكة بعدما كانت مجرد حدود بالاسم فقط، نظر بأعينه صوب مشكى يرى جنود بافل يدورون على بعد صغير منه، يتمخترون على رمال مملكة ما كان لهم أن يطئوها يومًا سوى بوجوههم حينما تدفن فيها .
رفع عيونه بقوة يبصر قصر مشكى الملكي الذي يعلو أحد الجبال، وعيونه تنير بضوء مختلف وصوت داخل عقله يهمس بكلمات رفيقه :
" أنظر يا سالار، هذه مشكى ارضي وارض أبائي جميلة بكل ما فيها، وإن مت يومًا، اتمنى أن أكون شهيدًا مدافعًا عنها "
ابتسم سالار بسمة صغيرة يحرك عيونه صوب الجنود الذي يتضاحكون أمامه بصوت صاخب ينظرون صوبه بنظرات ساخرة وكأنه مجرد مهرج يسليهم، وهو منحهم بسمة لطيفة يرفع كفه لأجلهم، لتبهت وجوه الجميع وتعلو نظرات التعجب وجوههم .
هبط سالار عن خيله يتقدم صوب الحدود بينهم يراقب أنهم تداركوا فاجعة ما فعل هو ودانيار وتميم واحضروا جنود كثر، وهذا متوقع فهم يمتلكون عداد ضخم، كالحشرات تمامًا يتكاثرون بشكل مخيف .
توقف سالار بينما جنوده كانوا مستنفرين جواره ظنًا أنه سيشن هجومًا أو ما شابه، لكن سالار فقط نظر لهم نظرات يقول بصوت هادئ وكأنه عابر سبيل مر بهم بالصدفة :
" السلام عليكم ..سمعت أنكم أتيتم لمشكى منذ فترة وجيزة، ولستم من شعبها صحيح ؟!"
نظر له الرجال بجهل، يتعجبون أن يقترب أحد رجال الممالك الأخرى والتحدث معهم بهذا الود، نظر له أحد الرجال يقول ببسمة ويبدو أنه لم يتواجه يومًا لا هو ولا أي واحد منهم مع سالار في ساحة الحرب ليجهلون محدثهم :
" نعم صحيح، ومن أنت ؟؟"
حركّ سالار رأسه وعيونه ينظر لمحيطه بهدوء :
" عبدٌ فقيرٌ إلى الله، دعكم مني واخبروني ما الذي تفعلونه في بلاد ليست لكم، ووطن ليس وطنكم ياقوم؟؟ ما بالكم استحللتم الدماء والأرض والعرض؟؟ لا يعقل أنكم ولدتم منبوذين، أعلم أنكم كنتم قبل ذلك مسلمين، لكن نبذتم أنفسكم عن دينكم وتركتم ارضكم واتبعتم أنفسكم فاصبحتوا منبوذين "
على الغضب ملامح الرجال وغلت المراجل في صدورهم وانتفض أحدهم بقوة يدافع عن تلك الأرض التي لا يعلم عنها شيئًا على أية حال :
" من قال أنها ليست لنا يا هذا، نحن اخذناها وفزنا بها، إذن نحن الآن أهل هذه البلاد وهذه أرضنا ووطننا "
ابتسم لهم سالار بسمة خفيفة، وجنوده حوله ينظرون له بصدمة وعدم فهم لسبب هذا الحوار، لكن سالار لم يهتم وهو يقول بهدوء شديد ونبرة تشع بالسلام :
" إذن، إن أخبرتك أنني قائد جيوش سفيد وعلى استعداد لمنحك منزل داخل بلادي، وأعطيك من الأموال حتى تكتفي واضمن لك ألا تجرفك امواج الحرب العاتية وأحفاظ على حياتك، هل تنضم لجيشي وتساعدني ؟؟"
اتسعت أعين الجميع وعلت نظرات متفاوتة أعينهم، لا يصدق أحدهم أنهم أمام قائد جيوش سفيد الذي كان بافل منذ أيام على وشك إحراق المكان لأجل ما فعل بهم، تبادل الجميع النظرات وقد بدأ الطمع يعلو عيونهم، والتردد يزين ملامحهم، وسالار منحهم بسمة واثقة ينتظر منهم ردة فعل وقد كانت حين تقدم أحدهم يقول بريبة :
" أنت تحاول خداعنا أليس كذلك ؟؟"
" لا عزيزي أنا لا اتبع نفس أساليب قائدك، فأنا لا اتحايل أو اخدع أحد "
لمع الاستحسان على ملامح الجميع وقد بدت فكرة الانضمام لسفيد وتأمين حياتهم في مملكة آمنة مستقرة فكرة جيدة، لكن مستعبدة فهم ما كان لهم أن ينسلخوا عن حقيقة كونهم منبوذين، الأمر صعب، وهذا الرجل أمامهم لا بد أنه يسخر منهم فقط، وإن كان جادًا ما كان ليعرض أمر كهذا بهذه النبرة الساخرة وهذه البساطة، وقبل أن يحسم أحدهم تردده ويبدي رأيه بشأن عرض سالار، اعتدل سالار في وقفته يقول بجدية :
" حسنًا هذا ما كنت انتظره، إن كنتم على استعداد بالتفكير فقط مجرد تفكير في عرض لترك تلك الأرض التي تقفون عليها مقابل امتيازات أكثر مما تقدمها لكم، فهذا يعني أنها ما كانت يومًا وطنًا لكم، أصحاب هذا الوطن هم أنفسهم من يعانون ويُقتلون ويُعذبون على أيديكم ولم يفكروا لحظة في التخلي عنها لأجل شيء، وانتم تعيشون مرفهين ورضيتم تركها لأجل رفاهية أكبر، لا يستوون .."
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنهم ساخرًا وقد زرع داخلهم ما كان يرنو إليه من حواره ليسمع صوت رجل مرتفع :
" لكن هذا يعني أنك خدعتنا، مثلك مثل بافل "
ابتسم سالار بسمة جانبية وعيونه قد ألتمعت بسواد قاتم وهو يقول دون أن يستدير لهم :
" جيد أنك تعلم ما يفعله بكم بافل، وفيما يخصني فأنا لم أكن اخدعكم بشيء، بل كنت أظهر لكم أنكم مجموعة مرتزقة لا وطن لكم ولا أرض ولا ذمة، أنتم حمقى تبيعون أنفسكم لمن يدفع أكثر، وأنا يومًا لن أقبل امثالكم داخل أرض سفيد، ولن أسمح أن يمس أحدهم ذرة رمال منها "
ابتسم أحدهم بسخرية يتقدم الجميع صوب الحدود الفاصلة بينهم والتي كانت عبارة عن قطع حديدية كبيرة، تخطى ذلك الجندي الحدود يتحدث بصوت ساخر متحدٍ :
" ها أنا لمست رمال سفيد وإن أردت أن اتمرغ بها سأفعل"
استدار سالار ببطء يرمق قدم ذلك الرجل الذي يحركها على الأرض أسفله كما لو كان يدهس حشرة، ثم رفع عيونه صوب وجهه بهدوء شديد :
" حسنًا أمر التمرغ لا جدال عليه، فأمثالك من الخنازير اعتادوا التمرغ بالوحل، لكن نسيت أن هذه سفيد وليست بركة الوحل خاصتك، والآن امنحك ثلاث ثواني لتعود حيث كنت وإلا اعتبرت وجودك على ارضي تهديدًا "
" وإن لم افعل ؟؟"
نظر له سالار ثواني ثم قال بملامح جامدة :
" لا انصحك "
ضحك الرجل وتبعه أصدقاؤه بصوت صاخب وهم يراقبون ما يحدث وقد رنّ صدى ضحكاتهم في الأجواء، لكن فجأة تلاشت تلك الضحكات وعلت صرخات حادة عند تناثرت الدماء عليهم وقد شق سيف سالار معدة صديقهم دون أن يرف له جفن ..
سحب سالار السيف من معدته يرى جسده يتهاوى ارضًا، ثم رفع عيونه لباقي الرجال الذين شحبت ملامحهم بقوة وقال بهدوء شديد موجهًا حديثه لرجاله :
" ألقوا جسده لهم ولا تدعوا أحدهم يطأ رمال سفيد وإلا الحقتموه بصديقهم... وأنتم لديكم عشرون دقيقة لللحاق به، فإن كان محظوظًا لن يموت بسرعة "
تركهم سالار يتحرك بهدوء شديد بعدما ألقى لهم نظرة مشتعلة يلوح بيده في الهواء :
" تحياتي لبافل وملاعينه "
صعد سالار حصانه يرمق جنوده يحملون جسد الرجل يلقون به في مشكى ثم عادوا وتمركزوا في أماكنهم بملامح قدت من صخر، هز رأسه بهدوء يتحرك صوب القصر ليكمل عمليات التدريب التي تركها .
" لعنة الله على الكافرين"
_________________________
طالت نظرات إيفان صوبها وهي تتكأ بهذا الشكل على الشجرة، تنظر له بتحدي وكأنها تدعوه أن يتجرأ ويقترب لنزع اللثام عن وجهها .
رفع حاجبه لها لترفع هي خاصتها وكأنها تخبره ( ماذا ؟؟)، لكن إيفان ابتسم لها بسمة ساخرة يتقدم منها خطوات معدودة لتعود هي نفس عدد خطواته التي تقدمها، أطلق ضحكات مستنكرة :
" أنظروا من خرج صباحًا في تحدي سافر لي، لكنه يخشى اقترابي منه "
" ومن قال أنني اخشاك ؟؟"
نظر لها إيفان ثواني قبل أن يشير بعيونه صوب كفها الذي يحمل السيف :
" لا أدري، ربما أصابعك التي تتحرك على قبضة السيف بشكل متوتر، أو ارتجافة يدك نفسها، أخبريني أنتِ يا ترى ما الذي يجعلكِ تخشينني ؟؟ "
" أنا لا أفعل "
هز رأسه باستهزاء :
" نعم صدقتك، إذن يا ....أنتِ لم تخبريني اسمك صحيح ؟؟"
نظرت له بشك لتحدثه معها بهذه البساطة، هذا الأمر جعلها تخشاه أكثر من تعامله معها بحذر أو صرامة، هذ الرجل كل ما به يخيفها ويستفزها وبشدة .
" لا بأس سنتجاهل الاسم وادعوكِ الملثمة الغبية"
اتسعت عيون كهرمان بقوة وشعرت بالغضب يندفع بين أوردتها بعد كلماته وهو تجاهل كل ذلك يقول ببسمة :
" يليق بكِ الغباء، فأي امرأة تلك التي ترتدي ثياب جندي وتحمل سيفًا وتأتي الملك لتقاتله دون سبب وهي تعلم أنها في أي لحظة ستسقط أسفل قبضته وحينها سيسقيها من المر كؤوسًا "
ابتسمت كهرمان بسمة انعكست في عيونها وهي تتخلى عن مكانها تتحرك صوبه بخطوات حذرة بغرض إثبات أنها لا تخشاه :
" ومن أخبرك أنني افعل ذلك دون سبب ؟؟"
" حسنًا لا أجد سببًا لتلك الأفعال الرعناء، ولا مبرر لها سوى الغباء ومحاولات يائسة لإثبات شيء في نفسك، أو ربما ...تحاولين لفت انتباهي لكِ "
ختم حديثه ببسمة عابثة في قمة السخرية، لكنها بدل الغضب أو الانتفاضة محاولة الدفاع على نفسها أطلقت ضحكة فلتت منها دون وعي ولم تغير صوتها كما المعتاد، لتعلو نظرات غامضة عيون إيفان الذي اطال النظر بها يسمعها تردد بنبرة غريبة :
" ولِمَ لا تقول أنه ربما الدافع وراء كل هذا هو الكره، والعداوة "
صمت إيفان ثواني ثم قال بصدمة كبيرة :
" أوه، كره وعداوة من امرأة ؟؟ ؟"
ثواني قبل أن ترتسم بسمة واسعة فخورة على فمه يقول بشكل مستفز لكل خلية داخل جسد كهرمان :
" هذا رائع يبدو أن نجاحي لم يصب الرجال فقط بالحقد والكره بل امتد ليشمل النساء كذلك الأمر، هذا أمر يُحسب لي"
نظرت له كهرمان بصدمة وقد أصابها إيفان للتو بخرس، لقد جاءت كي تثير استفزازه وتخبره أنه ليس صالحًا كما يظن وأنه مجرد حقير ظلم شقيقها، لكنه ببساطة اصمتها، بالله هل هناك من يرى نفسه بمثل ذلك الشكل مثله !؟
وإيفان تلقى صدمتها ببسمة وسعادة يهنئ نفسه على هدفه، ثم قال يفرك ذقنه بتفكير :
" إذن أنتِ تكنين لي كرهًا وحقدًا، وكأي امرأة طبيعية نالها ظلمٌ من رجلٍ ما، ارتديتي ثياب رجل وجئتِ لمبارزتي، أمر تقليدي معروف صحيح ؟؟ جميع النساء الكارهات يفعلن هذا بالطبع "
نظرت له بعدم فهم لكنه بصق في وجهها كلماته حانقة :
" ألم يخطر بعقلك أن تأتي لقاعة العرش وتشتكي لي من أي ظلم تعرضتي له ؟؟ "
" ومن أخبرك أنك ظلمتني أنا ؟؟"
نظر لها بعدم فهم يبصر اشتعال عيونها بغضب شديد :
" من ظلمته بين يديّ الله الآن، وأنا لن آتي واتذلل لك أسفل عرشك لاحصل على حقه، وأنا لا اريد أخذ حقه منك، بل سأترك عقابك لرب العالمين، أما عما افعله أنا فربما يمكننا تسميته وسيلة لتفريغ كرهي وغضبي منك، أن أراك امامي وسيفي بين قبضتي، يمنحني نشوة وأمل أنني قد أتخلص منك يومًا "
كانت تتحدث وهي تنظر لعيونه بعيون بدأ اللون الابيض بها يتحول للأحمر من الغضب أو ربما من كبتها لدموعها، بينما إيفان في تلك اللحظة شعر بالصدمة لمقدار الكره الذي يقطر من بين حروفها، هل بالفعل ظلم إنسانًا في حياته ولم يرد عنه مظلمته حتى مات ؟؟ هو لا يتذكر أنه ظلم يومًا أحد.
اطال النظر في وجه كهرمان التي كانت دموعها متلألئة بالدموع، ثم تراجعت ببطء للخلف تقول :
" ربما لا تتذكره، لكن أخي كان يحترمك يومًا ما، كان يقدرك ويراك شخصًا عظيمًا، لكنك ...لكنك خيبت أمله وظلمته، مات دون أن يسامحك، وأنا هنا مضطرة أن أراك تتمختر أمامي كل يوم تتباهى بعدلك أمام الجميع وأنت الظالم، تتغنى بصلاحك وأنت الفاسد "
سقطت دموعها تتنفس بعنف وإيفان ما يزال صامتًا دون كلمة واحدة، الذهول هو كل ما يمكن أن تراه أعلى ملامحه، تنفس بصعوبة يحاول معرفة ما فعله، لكنها لم تسمح له تمسح دموعها ببساطة :
" ربما تكون تلك المبارزة لك نوع من أنواع الترفيه، لكنها تعني لي الكثير، من يدري ربما يحالفني الحظ وتنتهي المبارزة بموتك "
راقبها إيفان تبتعد عنه ببطء ولم يتحرك أو يركض ليعلم من هي عكس ما كان يخطط، تركها تتحرك بعيدًا عنه ببطء شديد ولم يصدر منه سوى قول :
" لكِ ما تريدين "
توقفت كهرمان بتعجب ليقول ببسمة لا معنى لها :
" ستستمر المبارزة بيننا حتى يسقط أحدنا، إما أنا أو ...أنتِ "
ابتسم كهرمان له بسمة صغيرة تنحني نصف انحناءة له :
" يبدو هذا عادلًا ...مولاي ."
ختمت كهرمان حديثها تمنحه بسمة صغيرة ثم تحركت بعيدًا عنه وهي ما تزال تراقبه وحينما أصبحت على بعد منه استدارت وركضت بسرعة وإيفان ما يزال يحدق في ظهره وقد اضحت تلك المبارزة مع هذه الملثمة أكثر من مجرد لعبة، سيعلم من هي ومن هذا الذي ظلمه لتأتي هي وتبغضه بهذا المقدار، سيصل له، وحينها سيقف أمامها ينتزع اللثام ويخبرها بكل قوة أنه لم يظلم أحدًا ولن يفعل ...
وفيما يخص الظلم عليه الآن ترك تلك المدعية تخرج من أسوار سجنه مع وطردها خارج أسوار قصره بالكامل، هذا يبدو عادلًا له .
_______________________
تقف جواره في منتصف الساحة حيث يتدرب دانيار عادة، وأمامه على أحد الأشجار هناك رسومات لدوائر تمثل هدفًا له، تنهد دانيار بصوت هادئ قبل أن ينظر لتبارك والتي كانت تضع لثامًا تخفي به جزء ليس بالهين من وجهها، وتقف بثياب محتشمة وحجاب طويل بعض الشيء تحمل بيدها سهم وبالأخر قوس، تنتظر تعليمات دانيار لها .
" حسنًا مولاتي، الأمر في غاية البساطة، كل ما عليكِ فعله هو تثبيت قدميكِ في الأرض، تشديد قبضتيك حول القوس والسهم، ضعي كامل قوتك في ذراعيكِ وكتفك، ركزي على هدفك واتركي السهم ليصيبه، واضح ؟؟"
هزت تبارك رأسها وقد حفظت تعليماته بالكامل تركز عيونها أمامها صوب الهدف تشعر بالخوف أن تصاب أثناء استخدام السهام، لذلك رفعت رأسها لدانيار تتساءل :
" هذا لن يؤذيني ؟؟"
" ماذا ؟؟ لا لا بالطبع لن تتأذي، فقط نفذي كل ما أخبرتك به، وسترين أن الأمر ابسط بكثير مما تعتقدين "
هزت تبارك رأسها تتنفس، ثم شرعت تسمي الله قبل البدء في أي شيء، أمسكت القوس ووضعت به السهم، ثم رفعته وهي تحاول أن تتحكم بهما، لكن ما كادت يدها تستقر في الهواء حتى سقط منها السهم يسبب مسكتها الخاطئة، ابتسمت له بسمة صغيرة خجلة :
" اعتذر لك، أنا ... أنا لا اعلم كل تلك الأمور "
ورغم أنه لم يكن من النوع الهين في التدريب أو الصبور، إلا أنه لم يغضب أو يصرخ، بل نظر لها باحترام يقدر محاولاتها للنجاح في الأمر :
" لا بأس، دعيني اساعدك "
ختم حديثه يميل ارضًا ليأخذ السهم، ثم نزع منها القوس يريها كيفية حمله وهي تراقبه باهتمام شديد وانبهار أكبر، ثواني حتى وجدت دانيار يعطيها القوس موضوعًا به السهم مشيرًا للهدف :
" والآن حاولي مجددًا "
هزت رأسها تنظر للهدف تحاول أن تصيبه بدقة، ركزت وركزت حتى شعرت أنها على أتم الاستعداد لترك السهم، جذبته أكثر لتكون الضربة قوية، وما هي إلا ثواني حتى تركت السهم لينطلق في الهواء، ثم وضعت يدها أعلى رأسها لتخفي الشمس عن عيونها تراقب السهم، لكن للعجب لم يكن هنا شيء في الهواء ولا في الهدف، ضيقت ما بين حاجبيها بعدم فهم وهي تدور حولها..
ودانيار ينظر لها بصدمة وهو يقول :
" إلاما تنظرين ؟!"
" السهم لا أدري أين اختفى ؟!"
رفعت رأسها للسماء تبحث عنه لربما كانت قوتها مبالغ بها وقذفته بعيدًا، لكن صوت دانيار جذب انتباهها وهو يقول بصوت به غضب مكتوم :
" أين تنظرين مولاتي، السهم لم يتحرك خطوة بعيدًا عنكِ"
نظرت له بعدم فهم ليشير هو على السهم الذي سقط من يدها أسفل أقدامها بدلًا أن تقذفه، نظرت له بصدمة ثم رفعت عيونها لدانيار الذي كانت ملامحه مزهولة، ابتسمت له تحاول ايجاد شيء لقوله وهي تنحني لتحضر السهم :
" أوه ها هو ذا، يبدو أنه أفلت مني بالخطأ، سأعيد رميه"
صمت تحاول وضعه داخل القوس، لكن حينما فشلت مدته إلى دانيار تقول بهدوء وبسمة صغيرة :
" هل يمكنك وضعه لأجلي ؟؟"
جذب منها دانيار القوس والسهم يضعه بشكل معين، ثم مده لها :
" حسنًا ضعي كامل قوتك في ذراعيكِ، وركزي وإياكِ وافلاته بضعف، كما جذبتيه بقوة اتركيه بقوة "
هزت رأسها تستمع لحديثه ثم جذبت السهام بقوة شديدة، ومن بعدها تركته بسرعة كبيرة كما قال، لتشعر أن جسدها اندفع مع السهم للإمام بشكل جعل دانيار يصرخ برعب وهو يمد يديه وكأنه سيتدارك الأمر :
" يا ويلتي"
سقطت تبارك ارضًا بقوة تشعر بوجع شديد في أكتافها وذراعها بسبب السقطة، لكنها لم تهتم لذلك، بل كل ما اهتمت به هو السهم :
" هل أصبته ؟؟"
نظر دانيار للسهم الذي أصاب فرع الشجرة بعيدًا جدًا عن الهدف فإن كانت مثلا تصوب على رأس رجل، بهذه الطريقة قد تصيب أنف رجل آخر خلفه :
" لا بل اصبتني أنا باليأس، انهضي مولاتي رجاءً، دعينا ننظر للجانب المشرق، لقد تحرك السهم بعيدًا عن محيط قدميك "
ابتسمت تبارك تنهض تنفض ثيابها، ثم نظرت بحماس صوب الشجرة تبحث عن سهمها :
" أين هو ؟؟ أين اصبته ؟؟"
" هناك بجوار عش ذلك العصفور المسكين "
رفعت تبارك عيونها أكثر لا تبصر ما يشير عليه لكنها لم تهتم، بل نظرت له تقول ببسمة :
" إذن هل سيأتي يومًا وأصبح رامية سهام بارعة!!"
تنحنح دانيار لا يود أن يحبط من عزيمتها :
" حسنًا لتصبحي رامية سهام اولًا، ثم نفكر في أمر بارعة، والآن لنكمل نحن نتقدم بشكل جيد "
ابتسمت تبارك وقد شعرت بالأمل، هذا الرجل جوارها هادئ ومتفهم، يبدو أنها ستستمتع بالتعلم معه، أمسكت القوس والسهم ومدتهم له كي يجهزه لأجلها وهو امسكهم يقول ببسمة باردة :
" أوه يبدو أنني نسيت اخبارك، أن وضع السهم في القوس من مهام الرامي، فلن تأتي لي كي أضعه لكِ كلما اردتي استخدام سهم، تخيلي أن نكون في حرب وتركضين صوبي كلما اردتي وضع سهم، وقتها ستموتين قبل تبديل السهم الاول "
نظرت له تبارك بتسائل ليضع لها السهم وهي امسكته منه تقول بجدية :
" هل تقول أنني ربما اشترك في حرب ما ؟؟"
" من يعلم ؟؟ لربما تحدث غارة على المملكة وقتها ستكونين في حاجة لتأمين نفسك "
شعرت تبارك بالرعب من التفكير في الأمر، هي لم تأت هنا كي تفقد حياتها بطرق غريبة كأن تقع أسيرة أو تصاب بضربة سيفًا أو يخترقها سهمٌ، هي توقعت ميتة أكثر تطورًا كأن تضربها سيارة حديثة يرفض صاحبها التنازل وانقاذها فتموت على الطرقات، أو أن يتم اغتيالها في المشفى حينما تكتشف أن عبير وسميرة يعملون بشكل غير قانوني، أو تذهب ضحية أهالي حارتها حين تبلغ عنهم الشرطة لتسببهم لها في امراض نفسية عديدة، اسباب كثيرى لم تكن الحرب أحدهم..
تنفست بصوت مرتفع وهي تكمل تدريبها مع دانيار والذي لم يستمر صبره معها طويلًا، فبعد نصف ساعة كاملة من الفشل في الاقتراب حتى من الهدف صرخ دانيار بجنون :
" بالله عليكِ أين تنظرين؟؟ ها هو الهدف في منتصف الشجرة، ليس في الفروع ولا في الأرض ولا في الأوراق وبالطبع ليس في السماء، الهدف أمام عينيكِ مباشرة، أين تصوبين أنتِ يا امرأة ؟؟"
نظرت له تبارك بغضب شديد من صراخه :
" أنت لا تصرخ في وجهي بهذا الشكل، أنا الملكة في هذا المكان "
تنفس دانيار بقوة وهو يتحرك صوب الهدف يشير له بيده :
" معذرة مولاتي، هيا انظري هذا هو الهدف، هذا هو، داخل تلك الدائرة الصغيرة و..."
فجأة توقف بصدمة حينما رأى السهم يصيب الشجرة جوار رأسه تحديدًا وعلى بُعد صغير من الدائرة الأكبر في الهدف.
رفع دانيار عيونه بصدمة صوب تبارك يرمقها بتشنج وكأنه يسألها ( الآن رأيتيه ؟؟) حينما كدتي تجزين عنقي؟؟ وتبارك لم تهتم لكل ذلك، بل ابتسمت بسمة واسعة تقول بسعادة وهي تضم القوس لصدرها :
" ها أنظر لقد فعلتها، يبدو أنني بالفعل امتلك قدرات داخلية جيدة "
نظر لها دانيار بصدمة، لكن رغم ذلك تنهد يقول بجدية :
" حسنًا سنعتبر هذا انتصارًا كبداية، رغم أنني أتعجب أنكِ حتى الآن لم تصيبي الهدف مرة واحدة ولو بالصدفة، الأمر ليس صعبًا لهذه الدرجة، فقط تخيلي أن المكان حولك مظلم ولا بصيص ضوء واحد سوى الهدف فقط "
نظرت له تبارك ثواني ثم قالت ببسمة :
" هذا يبدو سهلًا، لكنني لم احضر نظارتي الطبية، في المرة القادمة ربما استخدمها فهذا قد يساعدني لارى الهدف من الأساس "
نظر لها دانيار بعدم فهم :
" عفوًا ؟؟"
ابتسمت له تبارك تقول بجدية وهي ما تزال تحدق في سهمها الاخير بفخر كبير تخبره متأخرًا بعض الشيء :
" أنا أعاني قِصر نظر "
صمتت ثم أضاف :
" يعني أنني لا أرى بعد بُعدٍ معين، تصبح الأمور البعيدة نسبيًا مشوشة لعيني، لذلك لا أرى أي علامات واضحة على الشجرة "
نظر لها دانيار بصدمة كبيرة، هل قضى كل ذلك الوقت يحاول تعليمها التصويب على شيء لا تراه ؟؟ هل تمزح معه ؟؟ يحتاج الآن لإخفاء تلك المرأة من أمام عيونه بسرعة كبيرة قبل أن يتخلص منها في فورة غضبه .
" أه صحيح هذا رائع، احسنتي مولاتي، والآن انتهى التدريب "
" إذن هل بدايتي جيدة ؟؟"
" بل رائعة، يوم اضافي وتأخذين مكاني في الجيش "
ويبدو أن ذلك الأمر اعجب تبارك التي ضحكت بخفة تدرك مجاملته لها وهي تسير بعيدًا عن الساحة :
" حسنًا لا تقلق، فلن افعل، والآن اسمح لي بالذهاب .."
وبمجرد أن رحلت تنهد دانيار متنفسًا الصعداء يلقي جسدها ارضًا وهو يرمق السهم بحنق :
" احيانًا اكره كوني ذو فائدة في شيء ..."
_______________________
وعدتُكَ
أن أتجاهَلَ عَينَيكَ مهما دعاني الحنين
وحينَ رأيتُهُما تُمطرانِ نجومًا
شَهَقت
وعدتُكَ
أنْ لا أوجِّهَ أيَّ رسالة حبٍ إليكَ
ولكنني رغم أنفي
كتبت.......
«مقتبس»
وعودًا قطعتها في لحظة يأسٍ بيني وبين نفسي، بنود خططتها كي اوقف الحرب بين قلبي وعقلي على حبك، تعهدت أن أتوقف عن تتبعك، لكنني اخلفت، وها هي بعدما أخبرته مئات المرات أنها لن تطأ معمله عادت إليه مجددًا، لا ليست دون كرامة، بل هي دون إرادة، عاشقة بائسة سقيمة وما لها من دواء سوى رؤيته .
ابتلعت برلنت ريقها تدور بعيونها في المكان تطمئن أنه خرج اتتنفس الصعداء حينما وجدت المكان خالي منه، لكن ليس من رائحته .
بدأت تنظف المكان رافضة أن تمس امرأة أخرى شيئًا يمسكه هو، تأتي يوميًا منذ جاءت للعمل بالقصر كي تنظف معمله بنفسها حتى وإن لم يعلم ذلك .
بائسة ؟؟ قليلة الصفة في حقها، هي في غاية البؤس واليأس أن تعود له مجددًا.
أن يركض صوبها يفتح ذراعيه لها مبتسمًا أن تسمع لقب دلالها من بين شفتيه .
" بيــــرلــــي "
استدارت برلنت الصغيرة بفزع حين أبصرت جسد تميم الذي يحدق فيها بشر واعين متسعة، وفجأة اشتد غضب عيونه وهو يركض صوبها صارخًا :
" أيتها المجنونة ما الذي فعلتيه ؟! ابتعدي، ابتعدي "
جذب تميم جسدها بسرعة بعيدًا عن العربة الخشبية الخاصة بوالدها وهو يحاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه، وهي كعادتها وقفت جواره تنكس رأسها ارضًا وهي تبكي بصوت مرتفع :
" آسفة، أنا آسفة اقسم لم أقصد، لقد هربت الدجاجات من القفص وارتعبت من أن يشردوا بعيدًا، وبالخطأ اصطدمت بالسيارة لتنفلت عجلاتها وتصطدم بالجدار وتتحطم "
نظرت للسيارة التي فسد جزء لا يُستهان به منها بسبب حيوانات والدتها التي تربيهم خلف المنزل، قبل أن تنفجر باكية بصوت مرتفع تقول بفزع ورعب استبد بها :
" أبي سيقتلني، يا ويلتي تميم سيقتلني، اقسم أنه سيقتلني "
كانت مفزوعة بشكل كبير وهي تبكي تنكب على السيارة تحاول جمع القطع الخشبية وتصليحها مجددًا بشكل هستيري يائس، جعل تميم يجذبها بسرعة بين أحضانه وهو يحاول تهدأته :
" اهدأي بيرلي، لن يحدث لكِ شيء صغيرتي، لن يمسك العم بسوء اهدأي لا تبكي، لا تبكي "
لكن برلنت لم تتوقف عن البكاء مرتعبة وزاد بكائها عنفًا حين سمعت صوت والدها الذي تلقى صدمته الكبرى حين رأى ما حدث لمزروعاته :
" ما الذي حدث هنا؟! ما الذي حدث لعربتي ؟!"
ابتعدت برلنت بسرعة عن احضان تميم تبكي بخوف شديد تحاول الحديث وهي تفرك يديها بتوتر في فستانها :
" أبي أنا..."
" هذا أنا عمي، لقد، لقد هرب حصاني من الاسطبل واقتحم ارضك بالخطأ وتسبب في كل هذا حتى أنه حطم الفخار الخاص بنا ودمر كل شيء و... أنا آسف حقًا "
نظرت له برلنت بامتنان ولم تكد تتحدث بكلمة حتى أطلقت صرخة مرتعبة بسبب ضربة والدها التي أصابت تميم وهو يصرخ به أنه حطم مصدر رزقه بسبب طيشه وحصانه الأخرق .
ذلك اليوم تتذكر ما حدث، هرج أصاب المكان وشجار نشب بين العائلتين انتهى بتدخل تميم وقوله أنه سيتحمل خطأه وينقل ما يريده والدها بنفسه و بلا مقابل ليعوضه عن خسارته إلى جانب عمله مع والده، تحمل خطأ لم يرتكبه لأجلها ولم ينطق بكلمة واحدة يذكر فيها اسم برلنت ..
وفي النهاية وبعدما هدأت الأمور، لم يوجه لها سوى كلمات قليلة مصحوبة ببسمة لطيفة وهو يعطيها بعض الفواكه كي لا يبيكها :
" افديكِ بحياتي كلها بيرلي، وليس فقط مجرد أيام من العمل مع والدك صغيرتي، لا بأس طالما أن سوءًا لم يمسك "
رفعت برلنت عيونها الباكية له بعدما اعتزلت الجميع في حديقة الحي بعيدًا عن الأعين وليس عنه بالطبع :
" شكرًا لك تميم "
" عفوًا بيرلي ..."
استفاقت برلنت فجأة من رحلة ذكرياتها التي تتمنى لو تُسجن داخلها بالقوة، أن يأبى الزمن إخلاء سبيلها، أو أن ترفض الحياة ابتعادها عن تلك النقطة ...
تنهدت تعود بعيونها للمعمل، صوب حاضرها الذي يكفيها وجود تميم به لتبتسم وتسعد .
وأثناء تنظيفها انتبهت برلنت لشيء يلتمع أعلى الطاولة الخاصة بأدواته، اقتربت ببطء تحاول تبين هويته، وحينما لمسته انتفض جسدها بقوة تطلق شهقة مرتفعة :
" ما هذا الشيء ؟؟ ما الذي يحدث هنا ؟؟"
" مزعجة اقتحمت معملي وتحاول سرقة حجر الطاقة الذي عثرت عليه بعد عمل مكثف، هذا ما يحدث هنا "
حدقت برلنت بالحجر دون أن تستوعب أن الصوت الذي خرج منذ ثواني لم يكن صوت أفكارها :
" حجر طاقة ؟؟ وماذا يحمل داخله ذلك الحجر ؟؟"
" طاقة كهربائية تولدت لحركة ذراته واحتكاكها الدائم، ومن المفترض أن من يلمسه دون عازل كما فعلتي يُصاب بشحنة كهربائية مميتة، لكن يبدو أن كامل الأسلحة تفشل امامك يا امرأة "
" هكذا إذن ؟؟"
" نعم هكذا إذن "
استقامت برلنت بعدما انتهت من فقرة تحديقها بالحجر تستدير صوب تميم تقول ببسمة صغيرة :
" يبدو مثيرًا للـ ...."
صمتت فجأة بصدمة حينما استعوبت واخيرًا ما يحدث في المكان ليزداد قرع قلبها داخل صدرها، وهي تتنفس بصعوبة محاولة الحديث .
ابتسم تميم يقول :
" مثيرة للشفقة "
تحرك صوب الطاولة يرتدي قفاز عازل، ثم حمل الحجر يضعه في مكان مخصص له، وبرلنت شعرت بالصدمة مما سمعت، حسنًا ربما لم يتعرف عليها على أية حال، فهي تضع غطاء أعلى وجهها طوال الوقت و...
" إذن أيتها القردة ما الذي ألقى بكِ في معملي ؟؟ أولستِ أنتِ من اقسم على ألا يطأ المكان ؟؟"
فتحت فمها للحديث لكنه قاطعها يسبقها بحجها :
" نعم نعم أنتِ جئتِ مجبرة ولا تطيقين رؤيتي صحيح ؟!"
هزت راسها بنعم وهي ما تزال تحدق فيه بصدمة كبيرة، ليبتسم لها قائلًا :
" إذن ما رأيك أن اريحك واطلب من المشرفة بنفسي أن تغيرك وتضع فتاة أخرى تتولى أمر تنظيف معملي ؟؟"
" ماذا ؟؟ لااا"
كانت صرخة برلنت مقهورة مفزوعة أن يفسد ذلك الاحمق ما سعت له طوال تلك السنوات، هو لا يدرك ما احتاجت لفعله كي تتفرد بتنظيف معمله، يا الله ذلك الرجل لا يدرك شيئًا .
رفع تميم حاجبه متعجبًا ما قالت لتسارع القول :
" اقصد أنني لااا اهتم، جد عاملة أخرى أو لا تفعل فلا اهتم، من يريد أن يدفن نفسه وشبابه في تنظيف هذا المكان القذر؟؟ "
" ماذا ماذا ؟؟ أي قذر هذا يا امرأة ؟؟ انظري حولك، انظري"
نظرت برلنت حولها بأعين ساخرة لتقع عيونها على بعضٍ من قشر الموز أسفل قدمه ليزيحه هو بسرعة أسفل الطاولة يقول بجدية :
" أنا أكثر رجال المملكة نظافة، أوتعلمين أنا لا أريد عاملة نظافة من الأساس، سوف اتكفل بالأمر بنفسي"
شعرت برلنت أن ما سعت له وما تعيش لأجله يتسرب من بين أصابعه، لذلك سارعت بالاعتراض :
" اسمع يا هذا ...اقصد يا سيد، هذا المكان تحت إشرافي الخاص لذلك لا تعطلني عن العمل، هيا ابتعد عن طريقي لانتهي من العمل رجاءً "
وبهذه الكلمات تخطته تاركة إياه ينظر في أثرها بصدمة كبيرة، ثم اخذت تنظف المعمل وهو يقف مكانه يحدق فيما تفعل بجهل، ليقرر في النهاية أن يتحرك وينتهي من عمله بدلًا من التحديق بما تفعل تلك العاملة ذات اللسان الطويل .
اندمج تميم في عمله وبرلنت كانت تتحرك في المكان تنظفه لأجله، لكن كل ثانية كانت تنظر إليه شاكرة غطاء الوجه الذي لا يوضع أين تحدق هي .
كان تميم يمسك تلك الكرة واضعًا إياها أمامه محاولًا التفكير في السلاح الجديد الذي يعتمد عليها، وفجأة نظر صوب برلنت يتساءل بجدية :
" أخبريني شيئًا، هل يزعجك أن تصابي بشحنة كهربائية تسري بين اوردتك كما لو أنكِ اشعلتي شرايينك ؟؟ هل تظنين أن ذلك الألم جيد ؟!"
نظرت له برلنت دون فهم لما يقول وهو يفكر في ذلك السلاح الذي سيخاطره به يحاول أن يشرح لها الأمر بعدما لم يجد غيرها في المكان، ليستبدل الحديث مع نفسه بها، على الأقل هي ستجيبه ردود تختلف عن ردود عقله :
" اعني تخيلي لدقيقة أنني اصبتك بسلاح تسبب في إصابتك بشلل مؤقت مع شعور حارق يسير في اوردتك، هل تظنين أن هذا قد يكون جيدًا كسلاح ؟!"
حدقت به برلنت في صدمة كبيرة تفتح فمها، وهو حمل الكرة يتحرك صوبها يقول بجدية :
" حسنًا سأشرح لك الأمر بشكل اوضح و..."
لم تسمح له برلنت بإكمال الحديث إذ سارعت ومنعته من الاقتراب بريبة شديدة :
" مهلًا توقف مكانك ولا تتقدم خطوة مني، ما بك كلما رأيت وجههي اكتشفت أنك تود فجأة تفجير قنبلة، هل تغريك فكرة رؤية جسدي يتناثر حولك أم ماذا ؟!"
رمقها تميم بعدم فهم، ما الذي تظنه تلك البلهاء، هل تعتقد أنه سيجرب بها سلاحه ؟؟ هو فقط يود أن يجد أمامه شخص يتحدث معه بأفكاره عله يصل لاجابة عما يدور بخلده، اقترب منها يحاول توضيح ما يريده :
" لا لا ما الذي فهمتيه أنا فقط اريد أن أسألك عن ..."
لم تمنحه برلنت فرصة توضيح شيء، بل كانت عيونها تتحرك مع يده التي تحمل تلك الكرة الغريبة المؤلمة، تشعر بجسدها يرتعش خوفًا، وقد تخيلت للحظات أن تميم سينتقم من كل أفعالها معه سابقًا في هذه اللحظة، لذلك غطت وجهها بسرعة تصرخ مرتعبة :
" لا لا بالله عليك لا تؤذني، اقسم أنني لم اقصد فعل كل ذلك، لم اقصد تميم أنا آسفة، ارجوك أنا آسفة، ارجوك تميم"
توقفت يد تميم في الهواء فجأة يشعر بصاعقة ضربت جسده بأكمله في لحظات وصوت صرخات آخر بنبرة يعشقها يتردد في أذنه لمراهقة تبكي وهي تركض خلفه تتمسك بيده :
" أنا آسفة تميم، لم اقصد، ارجوك تميم سامحني، أنا آسفة اقسم لك لن يتكرر ذلك مجددًا "
ارتعشت يد تميم الممسكة بالكرة لتسقط ارضًا بقوة وهو ابعد وجهه عنها بسرعة يعيد خصلات شعره للخلف يتنفس بصوت مرتفع :
" اخرجي من هنا .."
ثواني مرت قبل أن تستوعب برلنت ما يحدث وترفع رأسها له، وتستوعب أنها للتو ترجته لأجل لا شيء، بل ونادته باسمه وكأنه ما يزال رفيقها، لكن يبدو أن تميم نفسه لم يستوعب أنها نادته باسمه، بل فقط صرخ بصوت مرتفع :
" اخرجي من هنا ألم تسمعيني ؟؟؟"
انتفض جسد برلنت برعب تجمع اشيائها وهي تهرول للخارج حتى أنها كانت تسقط على الدرج الداخلي، لكنها تماسكت تبكي بصوت مرتفع وصل لتميم الذي تقهقر جسده شيئًا فشيء يدفن رأسه بين ذراعيه يردد بتعب شديد :
" سامحيني بيرلي ..سامحيني، أين أنتِ ؟؟ لِمَ تركتني ورحلتي ؟؟"
______________________
تقف بعيدًا وهي تراقب النساء يعملن وهي بالطبع لم تتدخل وتقاطعهن، بل تركتهم ينتهون من عملها وعملهن، هي بالتأكيد لن تعمل معهن، ليس تكبرًا منها بقدر جهلها بكل ذلك فهي يومًا لم تفقه بتلك الأمور، هي عاشت وكبرت وترعرعت على القتال والصراخ والتألم، شربت من الوجع كؤوسًا حتى اكتفت ..
تنهدت تغمض عيونها بقوة تستند على الشجرة خلفها وقد عادت بذاكرتها لحياتها السابقة، حينما كانت تحيا حياة أقل من حياة أي بهيم، على الأقل لم تكن الحيوانات مضطرة يوميًا للتعرض لكافة الوان الذل واللمسات القذرة، كانت تحيا في بؤرة الفساد .
تحركت بقوة ترتدي ثياب تشبه ثياب الرجال وخصلات شعرها حرة خلفها، تحمل خنجرًا تتجاهل النظرات التي يوجهها لها رجال قبيلتها، تشعر بالغضب يكاد يقتلها وهي تبحث عنه بعيونها .
واخيرًا وجدته لتركض بجنون لا ترى أمامها سواه وهو يضرب والدتها، وفي غفلة منه ومن رجاله انقضت عليه تغرز حنجرًا في وجهه صارخة :
" اللعنة عليك يا سليل الشياطين، تبًا لك ولوالديك يا حقير، إلا أمي بافل، إلا والدتي يا قذر "
وفي تلك اللحظة لم تهتم للرجال اللذين أسقطوا رأسها ارضًا حتى جرحت بشرتها بحبيبات الرمال، ولا بذراعيها اللذين كادا يُكسران بين اناملهم، بل فقط ابتسمت بسمة واسعة وهي ترى الدماء تسيل من وجه بافل، وصرخاته ترن في الأجواء .
أطلقت ضحكات متشفية تراه ينتفض صارخًا بجنون :
" سأقتلك ...سأقتلك ايتها السافلة "
ختم حديثه يتجاهل محاولة الجميع إبعاده عن زمرد التي لم تهتم وهي تراه يسحب شعرها بقوة متحركًا بها لساحة القبيلة وهي تصرخ محاولة الإفلات منه :
" ماذا ستفعل يا سيد الرجال ؟؟ ستقتلني ؟؟ ستضربني؟؟ لا بأس، لكنك ستحيا حياتك بأكملها تتذكرني كلما قررت تلويث نظرك ورؤية وجهك في المرآة "
ألقاها بافل في الأرض بقوة لتطلق صرخة قوية حين انثنت ذراعها أسفل جسدها، ارتجف جسدها بقوة حين سمعت صرخة تعلمها جيدها، صرخة والدتها الحبيبة، اطهر نساء هذه القبيلة، بل اطهر نساء العالم ..
نظرت للرجال يمسكون والدتها مانعين إياها من التقدم وهي شعرت برجلين كلٌ يسحب ذراع لها جاعلين إياها تقف أمامهم، تراقب والدتها تصرخ بهم أن يرحموها، لكن أي رحمة ترتجي وهم لم يسبق وأن رحموها هي حين تكالبوا على تعذيبها، أي رحمة تأمل من شعب نبذوا وطنهم ودينهم وفطرتهم .
أطلقت زمرد صرخة مرتفعة حين شعرت بالسوط يسقط أعلى ظهرها وقد بدأ بافل رحلة الجلد التي لا تنتهي إلا حينما تسقط مضجرة في دمائها، ارتفعت صرخاتها باكية، كانت لسعات السوط تقتلها، تكرههم، تكره رجال هذه القبيلة ونسائها، تكرههم وتمقتهم جميعهم، ستقتلتهم، ستتخلص منهم جميعًا، ستنتقم لأجلها ولأجل والدتها، تقسم أنها ستنتقم منهم جميعًا ..
تنفست زمرد بصوت مرتفع تبعد عن وجهها غطاء الوجه وهي تمسح وجهها مزيلة دموعها بكفها وهي تحاول تهدئة قلبها الذي كان يرتجف وجعًا .
" مصيرك كان أن تولدي بينهم وتسير دماؤهم القذرة في اوردتك وتحملين صفاتهم، لكن رحمة الله أنكِ ولدتي من امرأة شريفة، امرأة ماتت تدافع عنك وعن نفسها، امرأة سيقف العالم يومًا وينحني لها احترامًا، سيفعلون "
نهضت من مكانها وقد ملت الأمر، هي ستذهب الآن وتبحث عن سيفها وتعيده، لن تترك له آخر ذكرى من والدتها، سيفها الذي حُفر به اسمها، وخاض معها معارك لا عدد لها بينها وبين رجال بافل حين كانت تدافع عنها، لن تسمح له أو لأيًا كان أن يسلبها آخر ذكرى حسنة في حياتها البائسة.
في ذلك الوقت كان دانيار وبعدما انتهى من رحلته الشاقة في تعليم الملكة مبادئ الرماية، يجلس أسفل شجرة الأهداف يعمل على تنظيف سهامة وصقلها، عليه أن يعترف أن الملكة من ذلك النوع الذي يمتلك عزيمة وإصرار لتعلم أي شيء وهذه بداية مبشرة، لكنها متعبة .
تنهد بصوت مرتفع يترك السهم ويحمل آخر لتنظيفه مذكرًا نفسه أنه يحتاج لتفقد جيش الرماة واختبار الدفعة الجديدة منهم .
فجأة ومن بين افكار شعر دانيار بشيء يتحرك بسرعة كبيرة، رفع عيونه ليرى خنجر يتحرك بسرعة كبيرة صوب منتصف الهدف تحديدًا، مال برأسه يراقبه :
" ليت الملكة هي من أصابته بهذه الدقة "
رفع عيونه صوب جسد يقف في منتصف الساحة الفارغة التي يحدها أشجار كثيرة، ويبدو أن الغضب كان رفيق له في هذه اللحظة، ابتسم دانيار بسمة صغيرة يقول ببساطة شديدة :
" كانت رمية جيدة بالمناسبة "
ختم كلماته يعود لما كان يفعل دون يعبأ بشحنة الغضب التي ملئت الأجواء، وزمرد التي اكتفت مما يحدث تحركت صوب صارخة بغضب جحيمي تحمل خنجر آخر:
" أين سيفي يا هذا ؟! هل تظن أنني في مزاج يسمح لي باللعب معك ؟؟ اعطني سيفي قبل أن آخذه بالقوة "
رفع دانيار عيونه ليرى أنها توجه الخنجر بالتحديد أمام رأسه، نظر لعيونها التي كانت تشتعل في تلك اللحظة، يفكر أن هذا السيف يمثل لها الكثير، لكن شيء في صدره يخبره أن يحتفظ به، لا يود إعادته لها، ولا يدري السبب .
" وإلا ؟؟"
ابتسمت زمرد بسمة أبعد ما تكون عن السعادة أو المزاح، تميل بعض الشيء تمركز خنجرها على رقبته :
" إن لم آخذه بالحسنى أخذته بالقتال يا هذا "
ابتسم دانيار بسمة جانبية، ثم في ثواني قليلة كانت يده تمتد مسقطة خنجرها ارضًا وقبل أن تستوعب ما حدث كان جسدها كذلك يتبع الخنجر لتتأوه من الاصطدام القوي، رفعت عيونها له تراه ينهض بهدوء يتحرك بخطوات متأنية صوب الخنجر يلتقطة وهناك بسمة جانبية ترتسم على شفتيه، التقط الخنجر وبعدها مال يجلس القرفصاء وجسد زمرد ملقى ارضًا تحاول أن تنهض، لكن فجأة شعرت بحافة الخنجر تُثبت على رقبتها وصوت دانيار يصدح بهدوء :
" وأنا ما اعتدت يومًا الحسنى مع امثالك يا هذه، لذلك اختار القتال "
استندت زمرد على مرفقيها تعتدل بنصفها العلوي تحدق في عيونه بشر كبير وصدرها يعلو ويهبط :
" لك ذلك، يسعدني أن آخذ منك سيفي ملوثًا بدمائك "
" سنرى بدماء من سيتلوث "
ختم حديثه يلقي الخنجر عليها، ثم نهض يتحرك صوب الشجرة يلملم سهامه ثم قال بجدية :
" غدًا مساءً في هذه الساحة موعدنا "
تحرك ببساطة تاركًا إياها وهي ترمق أثره بقوة وتحدي :
" لكنني لا امتلك سيفًا، أنا من الأساس افعل كل هذا لأجل سيفي "
تحدث وهو يحمل سهامه أعلى كتفه متحركًا خارج الساحة :
" سأحضر لكِ سيفًا فأنا لا اقاتل اعزلًا "
توقف في سيره يستدير لها، ثم ابتسم ينحني لها بلطف شديد محركًا يديه وكأنه يرحب بأميرة :
" أراكِ غدًا سيدتي "
ختم حديثه غامزًا، ثم تحرك خارج الساحة بكل بساطة تاركًا زمرد تراقبه بصدر يعلو ويهبط بغضب شديد، تشعر بالغضب ما يزال يغلي داخل قلبها، لكن صبرًا فالغد موعدهم وحينها لن تخرج سوى بسيفها ...
_________________________
ها هي تجلس منذ ساعات داخل المكتبة تنتظر أن يشفق عليها العريف ويجلس ليشرح لها درسها لليوم، هي حقًا لا تدري أي درس هذا ولا تعلم لِمَ هي مضطرة لكل ذلك، لكن لا بأس هي ستكتسب ثقافة تفيدها في هذا المكان المريب .
لكن يبدو أن العريف والذي كان يقف أعلى درج خشبي ينظم بعد الكتب لا يهتم حتى لوجود تبارك منذ ساعات .
تنحنحت تبارك بصوت مسموع بغية أن ينتبه لها، لكن العريف لم يفعل، ارتفع صوت سعالها لينظر لها العريف من فوق الدرج الخشبي باستنكار مشيرًا على فمه بإصبعه مصدرًا صوتًا يأمرها بالصمت .
" اهدأي أنتِ في مكتبة، اذهبي وعالجي سعالك في المشفى "
" لا، أنا فقط احاول أن..."
قاطعها العريف بنظرة محذرة :
" احتاج للهدوء هنا "
شعرت تبارك أنها تثقل عليه، لكنه حتى لا يحاول المساعدة، هي فقط تضيع وقتها عليه، انتفضت عن الطاولة تعترض على كل هذا، وقد ذكرها هذا العريف بالعم متولي.
هل كل من يمتلك مكتبة يكون بهذا الازعاج ؟؟ كل من يتثقف يكون بهذا الشكل ؟!
تحركت صوب الدرج الخشبي وهي تنظر للعريف فوق بغيظ شديد، لكن ولأنها تنظر للأعلى ولا ترى أسفل قدمها، فجأة تعرقلت في شيء ما لتسقط بقوة على الدرج الخشبي الذي حاولت الاستناد عليه ليتحرك بقوة وأعلاه العريف .
أطلق العريف صرخة تزامنت مع انطلاق صرخات مرجان الذي تعرقلت به تبارك وهو يفترش الكتب حوله كالعادة .
" النجدة، ابعدي قدمك عن وجهي "
صرخ العريف أعلى الدرج وهو يحاول التمسك بأرفف الكتب :
" النجدة، ستقتلني، تلك الفتاة ستقتلني، سالار أيها المتجبر تحرك وساعدني "
تأفف سالار بصوت مرتفع والذي كان يختفي بين أرفف الكتب بعيدًا عن كل هذه الضوضاء، ترك الكتاب الذي يحمل جانبًا، يتحرك من مكانه بكسل شديد لا يريد حقًا أن يقدم معروفًا لهذا العريف بعد كل ما قاله وفعله به .
وحينما وصل حيث العريف أبصر تبارك التي كانت ساقطة ارضًا تحدق بجسد العريف المتحرك في صدمة كبيرة وشحوب تفرد أمامها ذراعيها وكأنه إن سقط ستلتقطه هي .
مال سالار برأسه يتنهد بتعب شديد :
" متى يرتاح الإنسان في هذه المملكة يا ترى ؟!"
تحدث العريف والذي كان ما يزال معلقًا يحاول التمسك بالارفف والنجاة من السقوط :
" أوه صدقني سألت هذا السؤال منذ سنوات وحتى الآن لم أصل لإجابة، والآن اترك اسئلتك الوجودية تلك وساعدني "
نظر سالار صوب تبارك مشيرًا بكفه للعريف مستنكرًا:
" انظري الآن سنكون مضطرين للتعامل مع هذا الرجل بعدما يهبط ويكون مزاجه عكرًا، وكل ذلك بفضلك مولاتي"
" أنا... أنا لم أفعل، هو من سقط دون أن امسه "
رفع سالار حاجبه يقول بحنق :
" حقًا أتقصدين أن هناك كارثة في محيطك لستِ السبب فيها ؟؟ هناك منافس قوي لكِ إذن "
التوى ثغر تبارك كارهة لنظراته لها أنها مجرد متسببة في الكوارث، بالله كل ذلك يحدث دون إرادتها، صدف غريبة تدفع المشاكل لاحضانها:
" حسنًا أنت تتجاوز حديثك معي حقًا، انتبه فأنت لا تريد أن تُعدم لحديثك ذاك "
اقترب سالار يحدث بعيونها الظاهرة من اللثام ساخرًا وبشدة :
" اوه حقًا ومن سيتسبب في اعدامي ؟؟"
نظرت له تبارك بقوة :
" أنا "
تبادل الإثنان نظرات شرسة جعلت العريف يصرخ من الاعلى بجنون وقد كادت يده تنزلق عن الأرفف، يشعر برغبة عارمة في القتل، حسنًا هو يشعر بتلك الرغبة دائمًا، لكنها الآن اكبر من كل مرة .
" أنتم في الاسفل توقفوا عن هذا الهراء وانقذوني، سأموت بسبب شجاركم "
وسالار لم ينزع عيونه عن تبارك قائلًا بقوة :
" لا تتفوهي بأحاديث لا قِبل لكِ بتنفيذها، ولا تنطقي بتهديدات لا قوة لكِ لفعلها وهذه نصيحة إضافية لكِ "
" ومن أخبرك أنني انطق بما لا اقدر ؟؟"
" أنا لن انتظر ليخبرني أحدهم بذلك فأنا أعلم جيدًا بنفسي أي نوع من الأشخاص أنتِ ...مولاتي "
ضحكت تبارك بسخرية لاذعة :
" حقًا بعدما تنتهي من تقريعي واستفزازي تختم حديثك بمولاتي ؟؟ لكم أنت لبق وراقي! "
ابتسم لها سالار يقدر حقًا قدرتها وشجاعتها على الحديث معه بهذه الثقة دون أن يرف لها جفن، هي تتحرك بخطى سريعة في طريق تعليمها .
صرخ العريف وقد ضعفت يده عن التمسك بالمكتبة يشير لمرجان الذي يراقب ما يحدث بصدمة، لا يستطيع استيعاب كل الامور، والبومة تتحرك فوق رأس العريف تصدر صوتًا مزعجًا جعل الاخير يردد :
" ابتعدي أيتها الحمقاء تتسببين في صداعي، وأنت مرجان احضر السلم بسرعة قبل أن أسقط من هنا واذهب لتحضر الملك ليشهد محاولة اغتيالي على يد الملكة وقائد الجيش"
ركض مرجان يمسك الدرج الخشبي الذي سقط على الارفف المقابلة يحاول تحريكه بحرص ووضعه عند الجزء الذي يتمسك به العريف، لكن ولكبر حجمه وضعف بنية مرجان سقط الدرج مجددًا منه وكاد يحطم جمجمة تبارك لولا يد سالار التي جذبتها بسرعة كبيرة :
" انتبهي "
صرخت تبارك برعب تراقب الدرج وقد امسكه سالار يحركه صوب العريف ممسكًا إياه، بينما الاخير بدأ يهبط الدرج ببطء وخوف وحينما اصبع على الارض رفع عيونه لهما يصرخ بجنون :
" خارج مكتبتي، أنتم جميعًا للخارج، لا اريد أن أرى كائن حي واحد هنا "
أشار سالار على مكان جلوسه بهدوء :
" لكن أنا لم انتهي من قراءتي بعد .."
وكذلك اعترضت تبارك :
" وأنا لم اتعلم ما جئت لأجله "
لكن العريف لم يسمح لهما بالاعتراض بكلمة إضافية يدفع بهما صوب الخارج بغضب :
" للجحيم، لا اهتم بكل ذلك، لتحترق المملكة بكم أجمعين ايها الحمقى "
كانت تبارك مصدومة من تصرفات العريف وهي من ظنت أنه رجل مسالم هادئ حكيم بمظهره هذا، لكنه لا يمت لكل خيالاتها بصفة .
استطاع الحكيم دفعها للخارج، وسالار حمل الكتاب يتحرك هو بعدما فشل العريف في دفعه، تبعهم مرجان الذي يحمل عدة كتب وهو يتحدث بملل وحنق :
" والآن أين سأجد هدوءًا للقراءة ؟؟"
تحرك بعيدًا عنهما بحثًا عن مكان للقراءة، وبمجرد أن خرج الجميع سمعوا اصوات غلق الباب العنيفة، شهقت تبارك متراجعة للخلف بصدمة مما حدث، لقد طردها هي وقائد الجيوش منذ ثواني .
فُتح الباب فجأة وخرجت البومة يتبعها صوت العريف :
" وأنتِ أيضًا للخارج ولا تعودي الآن"
اغلق الباب مجددًا ليعلو صوت البومة التي قررت التحليق حتى ينسى العريف ما حدث وتعود، كل ذلك وما تزال تبارك في صدمتها :
" طب ...طب اعمل ايه ؟! المفروض أنه يساعدني "
رفع سالار حاجبه يضع الكتاب الذي يحمله بيدها، ثم تحرك بهدوء شديد ودون كلمة بعيدًا عنها، وهي تراقبه باستنكار شديد :
" أنت معقد نفسيًا على فكرة، مش سليم "
نظرت أيدها التي تحمل الكتاب لتجد احرف فارسية وكلمات غريبة تعلو غلافه لتتشنج بحنق شديد :
" وده اعمل بيه ايه ده ؟؟ احضر عفريت ؟؟"
زفرت بغضب تتحرك خلفه بسرعة كي تلحق به، ليس لشيء سوى كي يقودها خارج تلك الممرات، على الأقل تصل لجزء تألفه في القصر ومن هناك تكمل وحدها ..
شعر سالار بخطواتها تتبعه ليبتسم ساخرًا، يتمنى فقط أن تتوقف عن تتبعه في كل مكان كالفرخ الصغير خلف والدته، لكن على الأقل هي صامتة، مهلًا هل هي صامتة بالفعل ؟!
استدار سالار برعب خلفه متعجبًا صمت تبارك وعدم ثرثرتها معه كالمعتاد، ليتخيل أنه ربما أصابها مكروهًا ما، وتبارك التي كانت صامتة فقط كي لا يشعر بها تسير خلفه انتفضت للخلف برعب حين استدار فجأة لتتوتر وهي تضم الكتاب لها :
" أنا ...أنا هروح للملك و..."
" بالفصحى "
" سوف اذهب لتفقد ما سأفعل باقي اليوم "
رفع حاجبه يتنهد بتعب، ثم استدار يكمل طريقه وقد أدرك أن صمتها ناتج من ظنها الغبي أنه لا يشعر بها، وكيف لا يفعل وهي تحك قدمها في الأرض كل ثانية والأخرى، والآن بما أنه اكتشف وجودها فهي ستتحدث خلال ثانية...اثنتان ...
" هو الكتاب ده بيتكلم عن ايه ؟؟"
لم يجبها سالار لتتحرك خلفه بأقدام تحاول أن تتدارك خطواته وهو يتجاهل كل ذلك :
" هل يمكنك تعليمي تلك اللغة، وما تلك اللغة من الأساس ؟!"
اجاب بهدوء شديد وهو يتحرك صوب حجرته لتبديل ثيابه :
" الفارسية "
توترت ترفع عيونها له وهي تشعر بارتجافة تمر في جسدها تسأل سؤالًا تدرك إجابته قبل طرحه :
" أنت بتعرف تتكلم فارسي ؟؟"
" غالبية سكان الممالك الأربعة يستطيعون، فهي لغتنا الأم قبل التعريب، لكننا نتخذ الفصحى لغة رسمية ونهتم بتعليمها في المدارس لأجل سهولة قراءة القرآن الكريم "
هزت تبارك رأسها وقد شردت فجأة في تلك الأحلام التي لم تزورها منذ جاءت للمملكة إلا مرة واحدة، تنهدت تنظر لذلك الكتاب بين يديها تحاول تهجئة الاحرف عليه، مستغلة تشابهها مع العربية رغم اختلاف نطق البعض منها، لكن وللصدمة وجدت نفسها تكرر الكلمات بمهارة شديدة :
" فتوحات پیامبر ". ( الفتوحات في عهد الرسول )
توقف سالار فجأة في سيره يضيق ما بين عيونه، ثم استدار لها ببطء ليراها احدث في الكتاب بانتباه شديد وتقرأ بعيونها ما خُط عليه .
" كيف استطعتي قراءته ؟!"
" هو ايه ؟؟ اه الكلمات دي ؟! فيهم شبه من العربي "
" نعم لكن نطقك كان جيدًا أكثر من اللازم "
قلبت الكتاب بين أناملها تقول بصوت خافت :
" ربما لسماعي تلك اللغة كثيرًا "
نظر لها سالار ثواني، ثم استدار يكمل طريقه صوب حجرته وهو يفكر في الكثير حول ما يحدث معهم هذه الأيام، وتبارك سارت خلفه بصمت تحاول قراءة الكتاب مندمجة به دون أن تعي أين تذهب هي فقط تسير خلف طيفه حتى فجأة شعرت به يتوقف، رفعت عيونها له تتساءل عن سبب توقفه ليشير هو على باب حجرته :
" هذه غرفتي الخاصة "
نظرت له ثواني دون فهم قبل أن تنتفض للخلف ترى نفسها تقف على اعتاب حجرته وكأنها ستحطم الباب وتقتحمها، تراجعت بخجل شديد تغلق الكتاب بسرعة :
" أنا فقط ...اندمجت في محاولة الـ...حسنًا إذن شكرًا لك و..."
توقفت عن الحديث بتوتر قبل أن تتحرك دون مقدمات راكضة من أمامه وهو يتباعها ببسمة ساخرة يدخل جناحه بهدوء، وهناك بسمة صغيرة تسكن فمه دون شعور ..
______________________
تضم لصدرها حاوية من القش مغطاة بقطعة قماشية بيضاء اللون، وهناك بعض الدخان يخرج منها وهي تسير مبتسمة بسمتها اللطيفة، تتحرك في طريقها بكل هدوء دون أن تتوقف في مكانٍ محدد، تود إيصال ما جاءت لأجله وربما فازت أثناء ذلك بنظرة صغيرة منه، لا تدري ما الذي سيجعل المكتبة جوار المشفى، لكنها فقط تتمسك بأي محاولة صغيرة لرؤيته .
وأثناء طريقها سمعت صوت صرخات متوجعة تأتي من أحد الاتجاهات ركضت بسرعة صوب ذلك الصوت تبحث بعيونها عن صاحبه لتبصر سيدة ساقطة ارضًا وهناك صخرة مدببة تشبه قطعة الزجاج مغروزة في قدمها والجميع حولها يستعجل بوصول الطبيبة الخاصة بالنساء في القصر ..
وضعت لِيلا وعاء الطعام جانبًا تنبطح جوار تلك الفتاة بسرعة، تحاول كتم جروحها بغطاء وجهها الساقط، ضغطت على قدمها بقوة ثم انتزعت الصخرة لتنطلق صرخة الفتاة، وليلا بدأت تضمد جرحها بسرعة :
" تحتاج للتقطيب بسرعة كبيرة، أين الطبيبة هنا ؟؟"
" الطبيبة ذهبت لرؤية مريضة لها، أنا سأتولى الأمر من هنا"
ولم يكن ذلك صوت واحدة من الفتيات المتجمعين حول ليلا، بل كان صوته هو، من جاءت خصيصًا كي تراه ولو صدفة الآن تسمع صوته وتراه قريبًا منها و....يحمل امرأة أخرى ؟!
انتفض جسد ليلا بعيدًا عنه حينما وجدته يحملها ويتحرك بها بسرعة صوب المشفى كي يتحكم بكل تلك الدماء التي نزفتها، مخافة أن تسبب لها تلك الصخرة صدأ قد يؤدي لتأزم الحالة، وليلا مكانها تشعر بالصدمة مما رأت، بالوجع الكبير .
نهضت من مكانها تعدل من فستانها، ثم حملت الطعام الذي أحضرته لشقيقها تفكر أتسير خلفهم أم تنتهي مما جاءت لأجله وترحل ؟! وعقلها رجح الاختيار الثاني، بينما قلبها فضّل الاول لترمي بقرار العقل جانبًا وتسير خلف قلبها تركض بخطوات شبه مهرولة تحاول أن تهدأ فهو طبيب بالفعل وهذا عمله، لا داعي لكل ذلك الحقد ليلا، كفي غباءً.
لكن ومن يستمع ؟؟ لا العقل ولا القلب استوعبوا الأمر، دخلت المشفى بأقدام شبه مهرولة تبحث عنهم، وحينما فشلت مساعيها في الوصول إليه سمعت صوت صراخ عالي ينطلق من أحد الحجرات لتركض لها تقتحمها بقوة وكأنها جاءت للأمساك بهما متلبسين بجريمة نكراء .
انتفض مهيار ونظر صوب الباب بدهشة والسيدة لوهلة توقفت عن الصراخ هي ومن معها من صديقاتها ونظروا لها بعدم فهم، وهي تنحنحت تقول بجدية كبيرة :
" جئت اطمئن عليها، قد لا أستطيع النوم ليلًا بسبب شعوري بالذنب أنني لم اطمئن عليها "
ابتسم لها مهيار بلطف، ثم بدأ ينظر لوجه المرأة والتي يبدو أن النبات المخدر قد أتى بمفعوله ليشرع في تقطيب الجرح، وهي تركز معه باهتمام شديد .
" لا تقلقي أنسة ليلا هي بخير، الحمدلله لم تكن الصخرة من ذلك النوع الذي يحتوي العديد من الملوثات، طهرت لها الجرح وسيتم تقطيبة "
نظرت له بحنق طفيف وهي تتحدث بصوت مغتاظ :
" سلمت دكتور أتعبناك معنا "
رمقها مهيار بتعجب ثواني قبل أن يبتسم لها :
" هذا واجبي آنسة ليلا "
هزت رأسها تبعد عيونها عنه تقف في منتصف الغرفة بلا سبب لا تفعل شيئًا، هي فقط تعوق عمله وهي تقف كعمود الإنارة هكذا، كادت تتحرك للخارج حينما شعرت بسخافة وقفتها، لكنه فقط قال :
" رجاءً آنسة ليلا اعطني الاعشاب الخافضة للحرارة "
ابتسمت ليلا بسمة واسعة تترك طعام شقيقها جانبًا، ثم تحركت تساعده وهو ابتسم يأخذ منها ما تعطيه، ومن ثم أخذ يجبرها شيئًا فشيء على مساعدته وذلك لخبرتها الكبيرة في الاعشاب الطبية والعلاج به .
دقائق حتى انتهوا من الأمر، فنهضت السيدة تستند على رفيقاتها وهي تسير بصعوبة على قدمها السليمة، تتحرك خارج العيادة شاكرة مهيار .
ومن ثم تحركت خارج المشفى والتي كانت خاصة بالنساء وجاء بها مهيار لهنا كي لا يخالف قوانين المملكة بأخذها لعيادته هو .
استدار مهيار صوب ليلا التي كانت تراقب الفتاة بخوف أن تستخدم قدمها وتتألم مجددًا، لتستفيق على صوت مهيار الذي أخذ يجمع ادواته وينظف المكان :
" احسنتي ليلا، لكِ مستقبلٌ باهر في العلاج، هل فكرتي يومًا في التخصص في الطب ؟!"
استدارت له ليلا تطيل النظر له، تبتسم له بسمة صغيرة خجلة :
" لا لم افكر في الأمر فأنا تخصصت في علم النباتات لأجل ابي وعمله، لكنني اقرأ بعض الكتب عن الطب "
" أنتِ حقًا بارعة في كل ما تفعلينه ليلا، محظوظ بكِ والديكِ "
ابتسمت له بسمة واسعة تشعر بالاطراء الشديد وقد كانت كلماته أكبر مكافأة قد تنالها يومًا من أحد:
" أوه اشكرك سيد مهيار، هكذا يخبرني أبي طوال الوقت، دائمًا ما يقول لي، ليلا يا ابنتي محظوظٌ ذلك الرجل الذي سيظفر بكِ بعد كل شيء "
توقفت يد مهيار عن العمل، ثم استدار لها يراقب ملامحها وقد كانت تتحدث بعفوية شديد ليبتسم لها بسمة صغيرة :
" نعم ليلا، محظوظ وبشدة "
توترت ليلا من نظراته تتحرك لحمل ما جاءت به وقد شعرت أن الطعام أصبح باردًا، نظرت له تقول بصوت منخفض :
" إذن أنا سأرحل الآن و... أراك لاحقًا سيدي الطبيب "
ختمت حديثها تميل برأسها ميلة صغيرة، ثم نظرت له بلطف ورحلت بكل هدوء من المكان تاركة مهيار يتبعها بعيونه وهناك نظرات غريبة تلتمع بها، قبل أن يتنهد ويستدير يكمل ما كان يفعل .
بينما ليلا سارت خارج المشفى بأكملها تبتسم بسمات غريبة تشعر أن قلبها يقفز سعادة، تحركت صوب وجهتها كي تعطي شقيقها الطعام، لكن في طريقها للقصر أبصرت جسدًا يجلس في الحديقة، جسد تعرفه ولو على بعد كيلومترات.
اقتربت من ذلك الجسد ليتبين لها أنه شقيقها العزيز ومن غيره يجلس هذه الجلسة وهو منحني على الكتب، ابتسمت تقترب منه بهدوء شديد تطبع قبلة حنونة على وجنته :
" مرحبًا مرجان، جئتك بالطعام يا أخي...... "
____________________
كلماتها لا تغادر رأسه، الوجع الذي استشعره في حديثها قتله ببساطة، هو ظالم في أعين احدهم؟؟ هو الذي تعهد منذ وضعوا تاجه أعلى رأسه أنه يومًا لن يُظلم شخص أسفل سماء مملكته، سيحيا فقط ليحقق للجميع عدلًا يستحقونه، سيكون كأجداده ومن سبقوه، لكنه الآن أخفق، هناك من يُكن له كرهًا وحقدًا لأنه ظلمه، لكن من هو يا ترى ؟؟
في تلك اللحظة سمع صوت الحراس يستأذنون دخول سالار لجناحه الخاص، رفع إيفان رأسه صوب باب جناحه يقول بهدوء :
" دعوه يدخل "
فُتح الباب ليخطو سالار صوب إيفان الذي لغى كامل ما يفكر به وتلاشى كل شيء وهو يطيل النظر بسالار الذي جلس على أحد المقاعد بهدوء يقول :
" مولاي .."
ابتسم له إيفان بسمة غامضة يقول بصوت خرج مخيفًا كأنه انبثق من قعر الجحيم :
" أرسل لي ملوك الممالك الأخرى رسائل منذ ساعة تقريبًا، الملك بارق أخبرني أن هناك هجوم حدث على مملكته مساء أمس استنزف قوى جيشه الذي يجهزه منذ سنوات وسقط رجال كثيرون، ولذلك هو يعتذر عن المجئ، بينما الملك آزار رفض المجئ ودخول مملكتنا مدعيًا أن مملكته تعاني الآن من ازمات كثيرة تمنعه الالتزام بكلمته في الحرب "
صمت ينظر لعيون سالار جيدًا :
" اخبرني أن مخازن أسلحته تدمرت البارحة، رفض مساعدتنا بدعوى أنه لن يقحم جيشه بلا أسلحة في كل ذلك "
اشتدت نظرات إيفان قسوة وهو يشعر بالغضب يشتعل داخل صبره وكلمات ذلك الجندي من يوم الهجوم على سكن الجنود تتكرر في أذنه مرات ومرات وكأن صداها أبى أن يغادر جدران قصره قبل أن يثبت له صحة كل كلمة .
" ومن سيفعل ذلك ؟! الممالك التي تتصارع لأجل مصالحها، ام تلك المملكة التي تصارع الحياة لتحيا ؟؟ أم مملكتكم ستتكفل بالقتال وحدها ؟؟ تصفوننا بالشرذمة والخنازير وأنتم كالاغصان المتناثرة كسركم أسهل من فرقعة إصبع "
رفع سالار حاجبه ينتظر كلمات إيفان القادمة :
" إذن..."
" إما أن ننحني جانبًا نحن كذلك ونترك لهم مشكى خاصة وقد سقطت وانتهى الأمر، ونسير مطأطئ الرؤوس أو ..."
أطال النظر في عيون سالار الذي كان يفكر في تلك اللحظة في كلمات ذلك الرجل الذي بكى وكاد يقبل كفه يترجاه أن يساعدوهم، هل جاء الوقت لينحنوا لمثل هؤلاء القوم ؟!
خرجت كلمات إيفان بوجه جامد واعين تصف الكثير :
" أو نكمل ما بدأناه."
نظر له سالار ينتظرها صراحة منه، كلمة واحدة ينطقها ملكه ليتحرك، قبل أن ينقلب هو بالجيش ويتحرك دون كلمة منه ويُصنف خائنًا وليحدث ما يحدث .
هل يضع إيفان خلافاته السابقة بينه وبين أرسلان أمامه، ويتناسى أن من يُباد الآن ليسوا شعب صديق قديم تحول لعدو، بل بشر تنطق أفواههم بالله أكبر، اطفال ونساء وشعب كامل يُباد عن بكرة أبيه ؟؟
أم تنتصر نفسه العادلة والتي لم تتخلى يومًا عن محتاج، أن يسير نفس طريق ملك سفيد الاول وينتزع الحق من فم الباطل ؟؟
نطق إيفان بأعين غامضة تحكي أهوالًا قادمة وجسده قد ارتجف غضبًا والسواد احتل كامل أحرف كلماته والخيبة تقطر من فمه مصحوبة بجملة أدركها سالار منذ اللحظة الأولى لهذه الحرب :
" نحن في هذه الحرب وحدنا يا صديقي....."
_____________________
جملة لا تتكون من مجرد أحرف، بل هي تحتوي حسرة وكسرة وقهر، فما بال شعبٍ أُنتزع منه سلاحه وجردوه من مطالبه والقوا به في ساحة الحرب واخبروهم أن يتولوا أنفسهم ؟؟
أما من معين ؟؟ ألا من حليف ؟؟
والإجابة كانت «نحن في هذه الحرب وحدنا يا صديقي»
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة متنساش تعمل تصويت على الفصل .
قراءة ممتعة
صلوا على نبي الرحمة .
__________________
ارتفع صوت المآذن في البلاد وتحركَ كلٌ صوب اقرب مسجدٍ له، تدافع الجميع رغبة في الاحتماء من مصائب الحياة ببيت الله، وكأنهم ينتظرون نداء الصلاة كي يفرغوا همومهم، منهم من فقد عزيزٍ ومنهم من على وشك فقدانه بسبب الظروف التي تتعرض لها البلاد في الآونة الأخيرة بعد نكبتهم الكبرى .
استند شيخ عجوز على يد حفيده الشاب وهو يسير به صوب المسجد وقد كانت نبرة الشاب يائسة متوجعة :
" وماذا بعد يا جدي، هل سنعيش المتبقي من عمرنا في هذا الخراب ؟؟ إن لم نمت مما يفعلونه بنا، متنا جوعًا، ما عاد الطعام يكفينا وما بقى لنا من مغيث "
ربت الشيخ على يده بحنان رغم عيونه الملتمعة بالدموع :
" لنا الله يا عزيزي، لنا الله، هو نعم الوكيل "
تمتم الشاب بصوت خافت بـ " ونعم بالله "
وصل الاثنان صوب المسجد ودخلوا لهم، والعديد من الرجال يهرعون لللحاق بالصلاة، اطفال يركضون في المسجد خلف ذويهم، والجميع يلتجأ ببيت الله .
لكن حتى هذا كان في نظرهم كثيرًا عليهم، حتى لحظات الطمأنينة المؤقتة تلك كانت كثيرة عليهم.
فمع ارتفاع صوت الإمام بالله أكبر، تبعته اصوات صرخات تردد " اشهد أن لا إله إلا الله "، تناثرت الجثث وتعالت الصرخات وتوحدت الألسنة بذكر الله والنيران أمسكت في أجساد من نجوا من الانفجار .
الأمر تم بسرعة أكبر من استيعاب أحد من الموجودين .
ركض الشيخ بين أجساد المصلين الذين سلموا أرواحهم لربهم وهو يصرخ باسم حفيده، يبكي بضعف وجسده يرتجف من هول الصدمة يشعر أنه على وشك السقوط رغم اعتماده على عكازه، لكن أي عكاز يسند جسده الضعيف بعدما فقد سنده وعكازه في الحياة :
" معتصم، أين أنت يا بني، معتصم يا ولدي "
لكن لم يصل له رد من معتصم، كل ما سمعه هو صوت بكاء الصغار الذين كان من حسن حظهم أنهم يصلون في مؤخرة المسجد خلف الكبار ليتحرك لهم الشيخ متكئًا على عكازه يدفعهم للخارج بسرعة وخوف :
" للخارج يا صغار، اخرجوا بسرعة، هيا للخارج "
لكن من بين هؤلاء الصغار، كان هناك صغير شخصت أبصاره بشكل مخيف وهو يأبى التحرك يرى أمام عيونه جسد والده متناثر الأشلاء في أحد أركان المسجد، لكن الشيخ لم يدعه يجبره على الخروج وهو يصرخ به :
" هيا يا بني أخرج من هنا قبل أن تطالك النيران "
وصوته خرج مغيبًا وكأنه لم يعي بعد أن والده قد سلم روحه لبارئه منذ ثواني :
" لكن ابي ..."
" عند الله يا صغيري والدك قد رحمه الله من هذا كله واختاره شهيدًا، هيا للخارج "
وبالفعل ساعده بعض الرجال في إخراج الصغار والجرحى وقد تحولت المنطقة لخرابة بعدما ألقى بعض المنبوذين قنابل عدة على أماكن عشوائية، قنابل صُنعت لقتل أعداء الله...
لكن لسوء الحظ سقطت في يد أعداء الله، لتكون جحيمًا عليهم جميعًا .
كان جميع سكان المدينة يرمقون بقايا المسجد المتهدم واعينهم تحكي اهوالًا، بعدما كانت المملكة آمنة مطمئنة أضحت بين ليلة وضحاها على شفا جرفٍ من الانهيار .
سمع الشيخ صوت امرأة تركض صوبهم وهي تصرخ بجنون وصوت خلع القلوب من الأفئدة:
" ابنائي، صغاري جميعهم، جميعهم ذهبوا للصلاة "
امسكتها إحدى النساء تجذبها بعيدًا وقد اجتمع الجميع حولها لمواساتها، وكلٌ له مصابه، لم ينجو قلبٌ مما حدث في المسجد والمنطقة، نفذ بافل تهديده وجعل في كل منزل شهيد وفي كل قلب جرحٌ....
كان الصغار الذين أخرجهم الشيخ يراقبون ما يحدث من بعيد وعيونهم تحكي الكثير، رأوا من المصير ما لا يستوعب عقلهم الصغير في هذا الوقت، نضجوا قبل آوانهم، اصوات الصرخات والتكبير حولهم تسببت في انتفاضة أجسادهم .
اقترب أحد الرجال من الشيخ والذي كان بمثابة كبير للمنطقة :
" ما العمل الآن يا عم، ماذا سنفعل لهم ؟؟ "
طالت نظرات الشيخ للمسجد وهو يرى البعض ينادي قريبه، والبعض يبكي على اطلاله، والبعض الآخر يجلس جانبًا يضع رأسه بين يديه مقهورًا .
" هم لا خوف عليهم يا بني، الخوف ليس على الموتى الآن وقد ارتقوا جوار ربهم شهداء "
نظر حوله للجميع يتحدث بصوت مثقل ونبرة بكاء :
" الخوف كل الخوف على من نجى وكُتب له العيش أيام إضافية في هذه الحياة "
صمت ثم نظر حوله يحاول التفكير في شيء ما والتعب بلغ منه مبلغه :
" اليوم سأتحرك مع بعض الرجال صوب سفيد، سأتحدث للملك إيفان وليقدم الله الخير "
ختم حديثه يتحرك محني الظهر صوب الأنقاض يبحث عنه بعيونه يكاد يسقط ارضًا، وقد سلبوا منه عكازه الوحيد، حفيده العزيز وآخر من تبقى له في هذه الحياة يستند عليه، سقطت دموعه وهو يفكر أن الكفن الذي اشتراه لنفسه، هو ما سيضع به حفيده.
كان يخطط لأن ينثر هو الرمال على جسده، لتنقلب الأقدار ويكون هو من يفعل ذلك، فقط في حالة إن وجد أشلاء حفيده .
تمتم بصوت موجوع من بين دموعه :
" لله الامر من قبل ومن بعد، الله خير حافظ، الله خير حافظ "
________________________
تمسك كتابًا احضرته بصعوبة من المكتبة _بعدما طردها العريف _ وذلك بمساعدة من مرجان الذي تقبل بصدر رحب أن يتلقى التقريع ويخاطر باقتحام كهف العريف وإحضار كتاب بالعربية يتحدث عن حياة الاميرات .
وها هي الآن تحاول دراسة كافة تصرفات الملكة في هذا المكان .
" لبقة... هادئة ...عاقلة ...حكيمة ...رقيقة..راقية "
كلها صفات تتوفر وبكثرة في تبارك التي نفخت باستهزاء وكأن كل ذلك أمر سهل لها، قلبت الصفحات وهي تضع طرف اصبعها على لسانها كي تسطيع ذلك في حركة قد تؤدي لانتحار العريف إن رآها .
" كل ده أمره سهل، ايه تاني ؟! "
أخذت عيونها تمر على الاحرف عاقدة العزم على أن تندمج في تلك الحياة البائسة التي أُلقيت هي بها، فإن لم تستطع العودة فلتحيا كما قُدر لها .
" على الأميرة أن ترفع أطراف فستانها بكل لباقة وتنحني نصف انحناءة حين تقابل الملك أو أي شخص كنوع من أنواع الرقي، كما عليها التحدث بصوت لطيف ورقيق وأن تسبل اهدابها بلطف ولا تطيل النظر في أعين محدثيها، فهذه تعتبر وقاحة"
التوى ثغر تبارك بحنق من كل تلك الكلمات :
" اتسهوك يعني ولا ايه ؟؟ على العموم المصريات ملكات بالفطرة، مش محتاجين كتب عشان تعلمنا الامور دي "
ولأجل تلك الكلمات ألقت تبارك الكتاب على الفراش تتحرك لتبديل ثيابها ومغادرة المكان بعدما أتقنت دورها مملكة في عشر دقائق .
ارتدت فستان ذو طبقات عديدة خانقة طويل تحدق لنفسها في المرآة وهي تتحدث بصوت منخفض :
" الفستان ده عايز يروح لخياطة شاطرة تاخده تلات أو أربع قراريط من تحت "
انتهت من حديثها تعدل من وضعية الحجاب تخفي أسفله خصلاتها المزعجة التي يبدو أنها تعترض على حياة الملوك وتستنكر الزيوت الغالية التي أضحت تغتسل بها .
ابتسمت لهيئتها في المرآة وقد كان فستانها من لون السماء بورود بيضاء منتشرة في أماكن عشوائية وحجاب من اللون ذاته، أعطت تبارك نفسها تقييم عشرة من عشرة على إطلالتها، ثم تحركت لموعد الملك الذي ابلغها به أحد الحراس .
خرجت من الجناح تمسك أطراف الفستان وقد بدأت رحلة المتاهة كالعادة، تسير وهي تنظر في الأرض تتحدث مع نفسها حتى استوقفت إحدى العاملات تقول :
" بقولك الله يكرمك اروح قاعة العرش منين ؟!"
توقفت الفتاة ترمق تبارك من خلف غطاء وجهها بنظرات لم ترها تبارك، وتبارك فقط تنتظر ردها حتى انتفضت فجأة تستوعب أنها للتو تحدثت معها بعشوائية وبالعامية :
" اممم اقصد كيف أصل لقاعة العرش رجاءً "
ابتسمت الفتاة بهدوء واحترام، ثم أخبرتها بالمكان مشيرة صوبه، لتشكرها تبارك وتتحرك وهي تحمل طرف الفستان على ذراعها بشكل مضحك حتى وصلت أخيرًا لقاعة العرش لتترك طرف الفستان وتعتدل في وقفتها .
تحركت داخل البلاط الملكي تبصر اعتلاء الملك لعرشه معه سالار وبعض الجنود يتحدثون بجدية كبيرة وكأن هناك حرب وشيكة .
شعرت أنها مجددًا جاءت في وقت غير ملائم، رغم أن الملك هو من ارسل لها، لكن نظرات سالار لها تخبرها أنها فعلت شيئًا خاطئًا، وهي حتى لم تفتح فمها بكلمة، أيعقل أنها تنفست كفتاة عادية وليست كملكة ؟؟
وضعت تبارك يدها أمام فمها وأخذت تحاول معرفة كيف تتنفس، ثم نظرت له بعيونها وكأنها تخبره بريبة ماذا فعلت أنا ؟!
قبل أن تنتفض على صوت إيفان يقول ببسمة :
" مرحبًا مولاتي "
رفعت عيونها له تبتسم بسمة صغيرة متوترة لا تدري ما التالي، هل تفعل كما تفعل اميرات " ديزني " في العادة ؟؟ مهلًا هل هي الآن تتعلم التصرفات الملكية من افلام الكرتون ؟!
ابتسم إيفان يرى ملامح الحيرة تعلو وجهها ليقول بهدوء يرفع عنها أي حرج أو توتر :
" تقدمي جلالتك "
نظرت تبارك للجميع قبل أن تتثبت عيونها على سالار الذي كان يركز في بعض الأوراق أمامه، لتحمد الله أنه لا ينظر إليها فهي لا ينقصها توتر كي يفعل هو بنظراته .
ابتلعت ريقها تتحرك بحرية كبيرة ومشية عادية، لكنها بالطبع كانت ابعد ما يكون عن سير الملكات، تتحرك بقوة وسرعة أدت لتحرك فستانها الواسع والطويل في أنحاء القاعة بشكل عشوائي .
وحين وصلت للعرش الخاص بإيفان وقبل أن تجلس تذكرت تعليمات الكتاب بخصوص رفع أطراف الفستان بلطف، ثم انحناءة بسيطة وبعدها كلمات خافتة وتسبيل اهداب، تعليمات ذكرت بها تبارك نفسها .
وهي تتمسك باطراف فستانها الواسع ترفعه بقوة مبالغ بها، إذ اصطدمت أطرافه بالاوراق التي يحملها سالار لتصيب عيونه بقوة سالبة من فمه تأوهًا مصدومًا أكثر منه متوجعًا .
رفع عيونه بصدمة صوب تبارك التي لم تنتبه لما فعلت منذ ثواني والتي انحنت كما يقول الكتاب، ثم نظرت ارضًا بهدوء تقول بصوت خافت :
" اشكرك مولاي "
تشنج وجه سالار وهو يضع يده على عينه اليمنى التي كادت تذهب ضحية الملكة منذ ثواني، يميل برأسه ينظر لها بعدم فهم، بينما إيفان لم يستوعب ما حدث، نظر بريبة صوب سالار ليراه متشنجًا بشكل جعله ينفجر ضحكًا على ملامحه لا على أفعال تبارك التي لم تخطأ في الحقيقة بل حظها هو من أخطأ.
استقامت تبارك بتعجب تتساءل عن سبب ضحكات الملك الذي صرف الجميع بإشارة من يده يحاول التماسك :
" اعذريني مولاتي لوقاحتي، فقط تذكرت أمرًا ما، رجاءً استريحي"
ابتسمت له تبارك تتحرك بتوتر صوب العرش ترفع أطراف الفستان ليس لأجل كلمات الكتاب، بل لأنها تخشى السقوط بسببه .
وبمجرد أن جلست خرجت زفرة عالية من فمها بالتزامن مع خروج زفرة أخرى من سالار والذي لم يصدق أنها جلست قبل التسبب في المزيد من الكوارث .
نظرت له تبارك بعدم فهم، لكنه لم يهتم بأي شيء، بل استقام يقول بهدوء شديد وهو ينظر للملك باحترام :
" مولاي اسمح لي بالذهاب لتفقد الجيش وسأخبرك بكل شيء حينما انتهي من فحصه "
هز إيفان رأسه يسمح له بالرحيل، ثم استدار لتبارك التي كانت تراقب رحيل سالار، لتسمع صوت إيفان يردد بهدوء :
" أتمنى أن تكون إقامتك معنا مريحة "
" أوه نعم مولاي، جيدة جدًا اشكرك "
ابتسم لها بلطف يتساءل :
" إذن ما نتائج دروسك الاولى مع دانيار والعريف "
" اعتقد أنني ابلي بلاءً حسنًا في السهام، لكن ذلك العريف لا استطيع إعطاء حكم على درسه الذي لم اتلقاه إذ طردني من المكتبة قبل البدء "
ختمت حديثها بحنق شديد لما تعرضت له، فانفجر إيفان بالضحك على كلماتها :
" حسنًا هذا متوقع لا تقلقي "
" هل من الطبيعي أن يطردني العريف من المكتبة وانا لم افعل له شيئًا ؟؟"
صمت إيفان يهز رأسه بجدية متنحنحًا :
" حسنًا أنا الملك ولطالما طردني من مكتبته كذلك، لا أحد أعلى من أن يُطرد من مكتبة العريف، جميعنا سبق وطُردنا منها مرة أو اثنتين "
صُدمت تبارك من حديثه :
" هل مكانته أكبر منك هنا ؟؟"
" لا بل عمره أكبر مني، وأنا تعلمت ألا أقلل ممن هو أكبر مني في العمر، والعريف كذلك، لذلك احترمه أنا وجميع سكان القصر "
باستثناء تهديدي له بالقتل مئات المرات، وتحطيم سالار لمكتبته، وشجاره مع تميم ودانيار، فنعم الجميع هنا يحترم العريف ولا يقللون منه البتة .
كبت إيفان تلك الكلمات داخل صدره، قبل أن يقول بهدوء :
" إذن جاهزة لدروسي ؟؟"
نظرت له بفضول لينهض عن عرشه يشير لها أن تهبط هي كذلك، متحركين صوب الخارج يقول بجدية كبيرة :
" سوف آخذك في جولة داخل القصر لتفقد شؤنه واعرفك على كل ما به "
ابتسمت له تبارك بسمة واسعة ردها هو ببسمة أخرى يدعوها للتحرك معه، وبالفعل سارت معه تبارك تستمع لحديثه بانتباه شديد وقد استمتعت كثيرًا لنبرة الحب التي تنبثق من بين كلماته حين الحديث عن بلاده، وأدركت أنه ملك ذكي، بل في غاية الذكاء .
توقفت تبارك تتساءل بتعجب حين وصل بهم الحديث لنقطة ما مجهولة لها :
" المنبوذون ؟؟ من هم المنبوذون، سمعت عنهم الكثير منذ جئت "
نظر لها إيفان ثواني قبل أن يشرد أمامه يقول بهدوء محاولًا قدر الإمكان تبسيط كل شيء لها :
" حسنًا هم جماعة من الأشخاص الذين نبذتهم الممالك سابقًا، أو هربوا من أحكام حاسمة كالاعدام أو ما شابه، شكلوا معًا جماعة سُميت بالمنبوذين لا هوية لهم ولا دين ولا وطن كذلك، تجمعوا من أماكن متفرقة لتأسيس مملكة مزعومة لهم وقد عملوا قطاع طرق في بداية ظهورهم، قدنا حملات تطهير عليهم لكنهم يزدادون بمعدلات خطيرة"
صمت ينظر لها وهو يتحرك لتسير خلفه باهتمام شديد منصته لكل كلمة تخرج منه :
" سبق وأن خطفوا العديد من النساء وإجبارهن على الزواج منهم لأجل استمرار سلالتهم، واستمروا سنوات طويلة يحاولون بناء وطن مزعوم، حتى حدث لهم ما تمنوا واحتلوا مملكة مشكى، مملكة من أقوى الممالك أخذوها وقتلوا العائلة الحاكمة بها وقاموا بمذابح في حق جيشها الخاص وشعبها، واغتصبوا النساء ودمروا المملكة بأكملها والآن يسعون لاحتلال باقي الممالك لتوسيع رقعتهم وصناعة وطن لهم بعدما نبذهم الجميع "
انتهى من حديثها لينتبه أن جسد تبارك تصنم وقد شعرت أن هذه القصة مألوفة، مألوفة وبشدة لها، كافة التفاصيل وكأن ما يحدث هنا هو مجرد عالم موازي لما يحدث في عالمها .
سقطت دموعها تقول بصوت خافت دون شعور :
" أوه، أشعر أنني سمعت مثل هذه القصة سابقًا "
نظرت للملك تقول ببسمة موجوعة :
" دعني أخمن، هناك من ساعدهم لاحتلال مشكى، ومدهم بالأسلحة والذخيرة لأجل فعل كل هذا ؟؟"
نظر لها إيفان بفضول يقترب منها بعض الخطوات :
" وكيف استنتجتي هذا ؟!"
رفعت يدها تشرح له ما سيحدث وكأنه ترى المستقبل والمرارة تصاحب حروفها :
" هذا سهل استنتاجه، فما تخبرني به ليس غريبًا على مسامعي، الآن ستتحول مشكى لمقبرة جماعية، ومجرد منازل مهدمة، سيتشرد الاطفال وتُغتصب النساء، ويستشهد الرجال، وتتحطم المنازل، وتدفن الاحلام أسفل ركامها "
شعر إيفان بوجع كبير يسكن صوتها، لا يعقل أنها تعاطفت بهذا الشكل مع مشكى لدرجة أن تتحدث بهذه النبرة المقهورة .
بينما تبارك تنفست بصوت مرتفع ساخرة :
" اكيد فيه امريكا تانية هنا، هي اللي بتساعد الصهاينة بالسلاح، ما هو جماعة زي دول عمرهم ما يقدروا يعملوا وطن من لا شيء ؟؟"
ورغم تحدثها بالعامية أمامه إلا أنه فهم كل شيء قالته عدا تلك الكلمات الغريبة :
" ما معنى ( امريكا )؟!"
ابتسمت تقول وهي تحرك كتفها ببساطة :
" هذا لقب نطلقه نحن على حاويات القمامة في عالمنا "
" والصهاينة ؟!"
" هذه القمامة نفسها "
هز رأسه ليقول بهدوء شديد رغم عدم اقتناعه من تلك الإجابة بشكل تام :
" حسنًا ردًا على سؤالك السابق مولاتي، فنعم أصبتي هناك مملكة تدعمهم بالأسلحة وكل شيء "
" ولا بد أن هذه المملكة هي أولى الممالك التي تصرخ وتنادي بالحقوق والحرية لهم ؟! دولة قوية لها جيش قوي، قادرة على إمدادهم بأسلحة بشكل مستمر ؟؟"
ابتسم إيفان بسمة غامضة وشعر كما لو أنه يتحدث مع سالار، نفس التفكير ونفس الكلمات .
" نعم احسنتِ، هي كذلك "
" إذن نهاية المنبوذين لن تبدأ إلا حين تضع بنفسك نهاية لتلك المملكة "
مازحها إيفان وبين طيات حديثه ظهر تقديره واعجابه بطريقتها :
" بالضبط، أنتِ صاحبة عقلية حربية ممتازة ملكة تبارك، أرى أنكِ تمتلكين خبرة كبيرة في الحروب، ربما تشاركين في وضع مخططات حروب مع سالار في المستقبل"
ابتسمت تبارك بسمة مقهورة :
" نعم أصبت، أنا امتلك خبرة كبيرة في الحروب، فمتابعتك لحروب امتدت لعقود كفيلة بجعلك خبير حروب "
ختمت حديثها تمسح وجهها وهي تشعر بقلبها يرتجف، تريد الخروج من تلك النقطة، وهي تنظر بإيفان مبتسمة :
" إذن مولاي لم تخبرني عن قوانين القصر هنا، هل هناك ما يجب تلاشيه ؟؟"
" باستثناء سالار والرجال عامة والأمور المحرمة، فلا، تصرفي براحتك مولاتي "
نعم سالار بالطبع، ذلك الرجل الغريب المريب الذي منذ رأته وهي تشعر أنه يتحول كل ثانية لشخصية غير التي سبقتها، ربما عليها بالفعل أن تتلاشاه.
استفاقت على صوت إيفان يدعوها لتتبعه :
" هيا سأريكِ الحدائق الخلفية أثق أنكِ ستحبينها "
ابتسمت تبارك تتحرك خلفه بسعادة وهي تنظر له بإعجاب شديد، شخص هادئ لبق وسيم به صفات غير متوافرة في عالمها إلا نادرًا، وهي من كانت معجبة بعلي فقط لأنه وسيم، بالله أين علي من إيفان ورجال مملكته ؟؟
_____________________
يسيرن بين الممرات بعدما هربت زمرد من عملها بلا اهتمام، ونفرت كهرمان من كل شيء، وفرت برلنت من المعمل وتميم .
كانت الثلاث فتيات بملامح مقتضبة، كلٌ يبكي على ليلاه، كهرمان تفكر في حديثها مع الملك، لا تدري أقست عليه أم بالغت في حديثها لا تزال تتذكر ملامحه المصدومة من كلماتها وكأنها أخبرته بحدوث معجزة صعبة التصديق .
وزمرد تفكر في المبارزة التي ستخوضها مقابل دانيار وإن كانت تسرعت أم لا، هي فقط تود استعادة سيف والدتها الغالي، وإن كان القتال هو الحل الوحيد، فليكن إذن.
أما برلنت فهي تسير وصوت صراخ تميم بها يتردد في أذنها، اخطأت ورأت به تميم القديم، وهو صرخ في وجهها بأن تخرج، ترى ما القادم في هذه الحكاية المعقدة ؟!
فجأة توقف الجميع بسبب توقف كهرمان المفاجئ حين تعلقت أنظارها بنقطة معينة، تحركت أعين الجميع صوب تلك النقطة ليبصرن الملك يسير مع فتاة بملامح رقيقة هادئة .
قالت برلنت متسائلة:
" هل هذه هي الملكة ؟؟ لا تبدو لي فاسدة "
نظرت لها زمرد بتشنج تضرب رأسها حانقة :
" تالله أن عقلك هو الفاسد، كونها من عالم المفسدين لا يعني أنها فاسدة "
نظرت لها برلنت بغيظ شديد وهي تقول معترضة :
" معاشرتك لقوم فترة طويلة قد تؤثر على قلبك وتجعلك مثلهم "
رفعت زمرد حاجبها تتحرك يدها صوب خنجرها بسرعة كبيرة لتتراجع برلنت مبتسمة وهي تقول تحاول تلاشيها :
" هييه لِمَ الغضب عزيزتي ؟؟ هل هي شقيقتك وأنا لا أعلم ؟!"
ودت زمرد أن تخبرها لا، بل لأنها ضغطت دون شعور على جرح داخلها ورعب يتملك صدرها، تخشى أن تكون منهم، مثلهم دون شعور منها، أن تكون واحدة من المنبوذين .
أبعدت برلنت عيونها عن زمرد وهي تحدق بتبارك وكأنها تفحصها لترى إن كانت تليق بمكانة الملكة هنا :
" حسنًا هي تبدو جميلة وطيبة، ما رأيك كهرمان هل تليق لتكون ملكة باعتبارك أميرة ؟؟"
لكن كهرمان كانت في عالم اخر وهي تحدق في ملامح إيفان، تطيل النظر به تتذكر افتتانها الأول بقتاله في أول لقاء لها به حين مبارزته دانيار ذلك اليوم، ولم تعي أن برلنت طرحت سؤالًا تنتظر إجابة له .
وكانت الإجابة من زمرد التي نغزت كتف برلنت بحنق :
" أيتها الحمقاء لِمَ لا تذهبين وتخبري الجميع أنها أميرة مشكى الهاربة ؟؟"
تأوهت برلنت بحنق شديد وهي تترفع عن التحدث لزمرد، ثم نظرت لكهرمان التي كانت شاردة في نقطة بعيدة عن الجميع :
" هييه كهرمان، ما بكِ يا فتاة ؟؟ "
صمتت ثواني تنظر حيث الملك قبل أن تشهق بصوت مرتفع وهي تقول بهمس شديد جعل جسد كهرمان ينتفض :
" لا تخبريني أنك معجبة بالملك ؟!"
استدارت لها كهرمان بصدمة رافضة ذلك الحديث من جذوره :
" ماذا ؟! هل تمزحين معي ؟؟ مستحيل أنا فقط ...فقط أشفق على تلك المسكينة التي ستتزوجه لهذا الملك "
التوى ثغر برلنت بحنق ويبدو أن تلك الكلمات لم تعجبها :
" ماذا تقولين أنتِ، بل محظوظة هي لتنال الملك إيفان، يا فتاة الرجل لا عيب به تبارك الرحمن، ما كامل إلا وجهه سبحانه وتعالى، لكن الرجل لا يشكو شيئًا "
نظرت لها كهرمان بشر يلتمع في حدقتيها لتتراجع برلنت للخلف :
" ما بكِ، أنا أقول الحقيقة، حسنًا حسنًا هو سييء فقط اهدأي "
تنفست كهرمان بحنق وهي ترفع عيونها لزمرد التي كانت تنظر لها ببسمة خبيثة جانبية جعلتها تشهق :
" إياكِ زمرد "
" وماذا قلت أنا بالله عليكِ أنتِ ..."
وقبل أن تكمل زمرد كلماتها سمعت جميع الفتيات صوت امرأة تصيح بصوت مرتفع وهي تشير عليهن :
" ها هي ذا سيدتي "
ضمت برلنت شفتيها تنظر بصدمة لكهرمان، تحاول استيعاب سرعة ما حدث :
" يا ويلي هل سمعوكِ ؟؟ اهربي كهرمان "
تحفز جسد زمرد وهي تقف أمام كهرمان بريبة خائفة أن يكون أحد اكتشف شيء ما عنها أو عن كهرمان أو افعالهما، كان وجيب قلبها يهدر بقوة ويدها تتحسس الخنجر في انتظار اقتراب النساء منهما، وبرلنت تنظر لهما بشفقة كبيرة .
لكن ما حدث كان أن النساء أمسكت وللصدمة ببرلنت التي اتسعت عيونها بصدمة تقول :
" ماذا ؟؟ ما هذا ؟!"
علت البلاهة نظرات زمرد وكهرمان، وبرلنت لا تفهم ما يحدث :
" ماذا تفعلون، ابعدوا ايديكم عني..ياا، ما هذا ؟؟"
وقبل أن تعترض وجدت فتاة تظهر من خلف النساء تجاور مشرفة العاملات وهي تشير صوب برلنت وهناك نظرات تشفي تعلو وجهها :
" ها هي سيدتي، هذه هي الخادمة التي رأيتها تخرج من معمل صانع الأسلحة ركضًا، لا بد أنها هي من سرقت خاتمه"
اتسعت أعين زمرد وهي تنظر لبرلنت وكهرمان شعرت بالصدمة كبيرة، بينما برلنت فغرت قاهها ببلاهة :
" ماذا ؟! أي سرقة تلك وأي خاتم هذا الذي سآخذه من ذلك صانع الأسلحة ؟! بالله ما وطئت يومًا معمله وخرجت بخير، هل تعتقدون أنني امتلك الرفاهية داخلة لاسرق"
تحدثت المشرفة بهدوء شديد وهي تنظر لها تقول بصوت عميق :
" سنقوم بتفتيش أغراضك وإذا ثبتت التهمة سينفذ بكِ الحكم بعد قرار الملك، والآن ألحقن بي صوب حجرتها "
اتسعت أعين برلنت تنظر للفتاة التي وشت بها والتي كانت نفسها من تشاجرت معها، وقد كانت ترمقها بتشفي وسعادة كبيرة، سحبتها النساء صوب حجرتها، لكنها وحين مرت بالفتاة توقفت وضربتها بقدمها مسقطة إياها ارضًا :
" سأعود يا حقيرة "
صرخت الفتاة تسقط ارضًا وهي ترى الجميع يسحب برلنت خلفهم لتتأوه، ولم تكد تصرخ وتعترض على ما فعلته حتى شعرت بجسدها يرفع بقوة، نظرت برعب صوب زمرد التي همست لها :
" ما الذي فعلتيه يا ابنتي ؟؟ ألم تتعلمي أن الكذب حباله قصيرة ؟؟"
نظرت لها الفتاة تحاول ابعاد قبضة زمرد عن ثيابها لتقول زمرد بتحذير :
" إن علمت أن لكِ يد في هذه المكيدة، سأقوم بلف حبال الكذب حول رقبتك واخنقك، وأنا أعني ذلك ...حرفيًا "
تركتها لتسقط ارضًا، بينما كهرمان حدقت فيها بنظرات غامضة، ثم منحتها بسمة مخيفة :
" سأجدك إن حدث شيء لرفيقتي، والآن اعذريني "
ختمت حديثها تسير خلف النساء بكل هدوء وهي تفكر في المصائب التي تُلقى على رؤوس الجميع .
_______________________
" تميم إن لم تتوقف عن الدوران بهذا الشكل سأنهض وأحشر سهامي في فمك "
كانت تلك الكلمات الغاضبة صادرة من فم دانيار الذي ملّ حركات تميم في المعمل بهذا الشكل مزعج، وسالار يراقب ما يحدث بهدوء شديد وهو مضجع على مقعده براحة شديدة .
توقف تميم عن الدوران يصرخ ضاربًا الطاولة أمام الاثنين بحنق، ليغمض سالار عيونه بحنق :
" هل تمزح معي ؟! هذا الخاتم يعني لي الكثير و..."
نفخ دانيار مقاطعًا إياه:
" نعم نعم وهو آخر ذكرى لك من بيرلي ..."
أشار له تميم بإصبعه محذرًا :
" برلنت بالنسبة لك، أو آنسة برلنت "
رمقه دانيار بحنق شديد ليبتسم سالار مما يرى ويسمع :
" جيد أن هناك حبًا في قلبك ينافس الأسلحة "
نظر له تميم وكبت بصعوبة كلماته التي كان سيخرجها بكامل عفويته ويخبر قائده أنها هي أيضًا سلاح، بل السلاح الأخطر والذي استطاع هزيمته، لكنه كبت كل ذلك وهو يقول مشيرًا بإصبعه في وجوه الاثنين :
" سأنتظر حتى تسقطا أنتما الإثنان في العشق وتأتيان لي تبكيان من مرارته "
رفع سالار عيونه لتميم وقد التوى ثغره بسخرية ضاربًا إصبعه:
" أحلم كما شئت "
" ستفعل يا قائد، فإن كان كامل جسدك من الصخر فقلبك ليس كذلك، وهذا الذي يجلس جانبك ويتبجح أنني أبالغك، يضم كل ليلة سيف تلك الفتاة بين أحضانه مخافة أن يتبخر "
انتفض دانيار في جلسته بعدما كان متكئًا براحة على المقعد، ينظر لتميم بحنق شديد واعتراض على كل ما قال يرى نظرات سالار قد انتبهت له باهتمام شديد يتساءل بفضول عما يعنيه تميم .
لكن دانيار سارع للدفاع عن نفسه :
" أيها الكاذب، ما أدراك أنت والسيف ها ؟! هذا جزائي لأنني أخبرت واشيًا مثلك "
استدار صوب سالار يقول بتبرير وسالار يستمع ببسمة خبيثة :
" لا تسمع له يا قائد هو احمق كاذب، كل ما في الأمر أنني أخشى سرقته للسيف "
لكن تميم لم يتركه قبل أن ينال منه بالكامل، بل سارع بسحب المقعد المجاور لسالار من الجهة الأخرى يجلس عليه بلهفة يقص عليه بتشفي :
" بلى يا قائد هو الكاذب، انظر إليه بالله عليك نظرات الحب واضحة في عيونه "
وضع دانيار يده أعلى عيونه بصدمة متسائلًا أي حب هذا بالله ما شعر ولو بدقة قلب تنبئه بالأمر.
" أنت توقف، هو يكذب يا قائد، بل هو العاشق الغبي الذي يندب حياته ومصيره منذ سنوات حينما نبذته بيرلي تلك الصغيرة، اقسم أن ما فعلته بتركك كان أكثر أفعالها الحمقاء حكمة، فمن تلك التي تتحمل العيش معك مدى الحياة ؟؟"
" بل السؤال هو، من تلك التي قد تتحملك أنت مدى الحياة"
ابتسم سالار يقول بهدوء وبرود شديد وهو يبعد وجه الاثنين بعضهما البعض قائلًا بجدية :
" بل السؤال هو بالله كيف اتحملكما أنا كل تلك الحياة ؟!"
ابتعد الاثنان عنه وقد شعرا بالحنق من بعضهما البعض وسالار زفر بحنق :
" يااه جئتكم لنتناقش في حروبنا، فتحولت الجلسة للندب والتحسر على الفتاة التي ستقع في حبكما ؟؟ اقسم أنني اشفق على نفسي لأنني اتحملكما، هيا انهضا من أمامي "
انتفض الاثنان بسرعة يؤديان التحية له بعد صرخته الأخيرة :
" أوامرك يا قائد "
نهض سالار يتنفس بصوت مرتفع ثم نظر لهما جيدًا وما كاد يتحدث حتى سمع صوت أحد الحراس يستأذن للدخول وهو يقول بجدية :
" سيدي لقد ارسلت المشرفة لك تخبرك أنها عثرت على الخاتم والسارقة، وسيدي القائد أرسل لك الملك يبلغك أن الملكة في انتظارك لأجل التدريب داخل الساحة"
ابتسم دانيار ينظر لهما وهو يتمطأ براحة :
" إذن بما أن لا شيء أفعله هنا، فسوف اذهب للراحة حتى يحتاج لي أحد و..."
أوقفه سالار يقول بهدوء شديد واستفزاز شديد لنظراته المتشفية تلك :
" إذهب وتفقد الجيش دانيار "
" لكن سيدي أنا بالفعل تـ "
قاطعه بأمر شديد اللهجة :
" تفقده مرة أخرى "
ختم حديثه يبتسم له باستفزاز، ثم تحرك خارج معمل تميم الذي هرول بسرعة ليحضر خاتمه تاركين دانيار يكاد يتميز من الغيظ ..
" الله يرحيني من كل هذا، ماذا كان سيحدث لو أنني أطعت والدي رحمة الله عليه وعملت برعاية الأغنام ؟؟"
________________________
تقف في ساحة التدريب بعدما تم افراغها لأجلها خصيصًا، تنظر حولها بتوتر شديد، ياالله مالها ومال القتال والحروب وتلك الأمور التي لم تسمع عنها سوى في الافلام التاريخية قديمًا .
ابتلعت ريقها ترى من سيدربها يخطو للمكان، ولحظها السييء كان نفسه العزيز الذي يفضل رؤية موته يسير على قدمين ويتمختر أمامه، ولا يراها هي .
تحرك سالار داخل المكان بملامح جامدة قوية لا يظهر عليها أي شيء، حانق نقم مما يحدث، تقدم ليراها تقف وترمقه برعب وكأنه وحش سينقض عليها، وهذا ما كان يفكر فيه بالفعل .
ابتسم بسمة جانبية لم تزد الأمور إلا سوءًا، يتحرك صوب حاملة السيوف، ينتزع واحدًا، ثم تقدم من منتصف الساحة يشير بعيونه صوب السيوف في إشارة واضحة منه لها أن تتحرك وتحمل خاصتها.
لكنها فقط نظرت له بعدم فهم، ثم نظرت صوب ما يشير وقالت بغباء :
" ماذا ؟؟"
ابتسم بسمة حسرة على ما وصل له، يضم قبضته لفمه، ثم قال ساخرًا :
" ماذا برأيك ؟؟ اذهبي واحضري سيفك "
انتفضت تبارك على صوته، لتركض بسرعة كبيرة صوب حاملة السيوف، تتجنب غضبه المشتعل، ما بال هذا الرجل كل شيء به مشتعل، خصلات شعره ولحيته ومزاجيته ؟
توقفت أمام حاملة السيوف تقول بصوت حانق غاضب وتمتمات لا تتوقف تسخر منه :
" اذهبي واحضري سيفك ...الله يلعن دي عـ "
فجأة أطلقت صرخة عالية تزامنت مع سماعها لصوته الغاضب الصارخ وقد نسي أنه لا يدرب جنديًا صلبًا كالصخر، بل هو أمام فتاة رخوة كالحلزون من الداخل :
" توقفي عن اللعن، واحضري سيفك "
نظرت له تبارك بشر كبير وقد بدأ صدرها يزدحم بالعديد من المشاعر السلبية تود لو تنقض عليه، تكبت دموع كادت تخرج منها صارخة في وجهه بالمقابل :
" لا تصرخ بي هكذا أنا الملكة هنا "
حسنًا يحق لها استغلال مميزات منصبها، إن كان ذلك الرجل لا يتحدث إلا بلغة المقامات والمناصب..
منحها سالار بسمة غريبة ونظرة مريبة وهو يميل برأسه قليلًا، يقول بصوت خافت ملئ بالاحترام، وربما السخرية :
" معذرة لمولاتي، رجاءً سموك احملي سيفك وشرفيني بالتحرك لمنتصف الساحة "
هزت تبارك رأسها تتجاهل الصوت في داخلها والذي يخبرها حانقًا أنه يسخر منها، مدت يدها تحاول سحب السيف وهي تقول :
" هذا افضل و..."
توقفت حينما شعرت بالسيف عالق، مدت كفيها الاثنين تحاول سحبه بكل قوة، حاولت مرات ومرات حتى بدأت تشعر بوجود خطب ..
اقتربت أكثر وقد بدأ وجهها يتعرق وهي فقط تحاول اخراج السيف وحمله، بينما سالار في منتصف الساحة يستند على سيفه الخاص بملل شديد يراقبها تحاول وتحاول، صفق لها من الخلف :
" بداية موفقة سموكِ، يبدو أننا اليوم سنتعلم كيفية استخلاص السيف من حاملة السيوف "
نظرت له تبارك بسرعة كبيرة غاضبة من سخريته الدائمة منها تصرخ في وجهه:
" هذا ليس خطأي السيف عالق، جميع السيوف كذلك "
تحرك صوبها سالار يزفر بحنق شديد، وبمجرد أن توقف أمامها تراجعت تبارك للخلف مبتلعة ريقها وهو نظر لها بنظرات غريبة، وأطال النظر في وجهها، ثم ودون كلمة مد يده ينتزع السيف بكل سهولة وهي نظرت بريبة وخجل لما فعل :
" هو ..هو كان مش راضي يطلع على فكرة "
ابتسم لها سالار بسمة خفيفة، ثم وضع السيف بين يديها لتمسكه منه تقول بجدية تحاول أن تعدل من صورتها في نظره :
" على فكرة أنا بس مـ "
وفجأة وحينما ترك السيف بين ذراعيها سقطت به ارضًا وبقوة بسبب تفاجئها من وزنه، ليس بسبب ثقله الكبير، بل بسبب عنصر المفاجأة فهي توقعت أن تستلم شيئًا بسيط، لكن فجأة شعرت بثقل مروع بين ذراعيها يأخذها ويهبط بها للاسفل كمرسى السفن .
مال سالار برأسه يحدق بها من علياه مبتسمًا :
" نعم سنستمتع كثيرًا بالأمر "
ابتلعت تبارك ريقها وهي تحاول النهوض متحدثة بنبرة جادة :
" هو ... الأمر كان مفاجئًا لي، والآن أنا مستعدة، هيا ..هيا علمني كيف ابارز "
كانت تتحدث وهي تحمل السيف جيدًا رغم وزنه الغير معتاد ليدها، إلا لم يكن بالثقيل كي لا تتحمله، أو بالخفيف كي لا تشعر به، حسنًا هو مقبول .
كانت تبارك تفكر في كل ذلك وهي تحدق في السيف، وسالار ينظر لها ينتظر أن تنتهي من التحديق به وتبدأ، مال برأسه قليلًا وقد طال انتظاره، ربما منذ ثواني وهو يقف بهذا الشكل .
" هل هناك مشكلة ؟!"
رفعت رأسها بسرعة تتساءل عن مقصده :
" ها ماذا ؟؟"
" السيف، أراكِ تحدقين به كحبيب بعد غياب، ألن نبدأ ؟؟"
نظرت له بجهل ليزفر رافعًا سيفه دون مقدمات في وجهها، لتنتفض للخلف تضم سيفها الخاص بين أحضانها وكأنها تخشى أن يرتعب حين يرى ما يفعل سالار بسيفه، وسالار رفع سيفه يشير لها بحمل خاصتها :
" احمليه كما أفعل "
" طب ..طب براحة عليا طيب عشان أنا أول مرة اشيل سيف، اتعامل معايا معاملة المبتدئين عادي "
ابتسم لها بسمة صغيرة يقول بنبرة هادئة قدر الإمكان :
" ابشري "
ابتسمت له أخرى مرتجفة :
" قبلت البشرى "
نظر لها مراقبًا، لتبتلع ريقها تقول بصوت خافت :
" ليس الأمر وكأنني ولدت في ساحة المعركة "
بدأت تحاول رفع السيف لتنجح وهي توجهه له ممسكه به بين قبضتيها بقوة وبشكل مثير للضحك .
نفخ سالار يحاول تهدئة نفسه مذكرًا إياها أن تلك ملكته، وهي لا تفقه شيئًا في حياتهم، وهو معلمها الآن، وهي مهمته وهو لم يفشل يومًا في مهمة، ولن يفعل بسببها .
ألقى سيفه ارضًا ليحدث صوتًا مدويًا جعل تبارك تطلق صرخة خائفًه وهي تعود للخلف بسرعة تضم سيفها لها بصدمة، بينما سالار اقترب منها يسحب سيفها :
" حسنًا لنبدأ بالاساسيات و..."
فجأة توقف عن الحديث حينما وجدها تضم السيف لها بقوة رافضة أن تتركه، حدق في وجهها بعدم فهم يقول :
" اتركي السيف "
" لا لا هذا وسيلتي للدفاع عن نفسي "
تشنج وجه سالار بحنق :
" الوسيلة التي تجهلين استخدامها لن تكون للدفاع عن نفسك، بل ستكون وسيلة انتحار لكِ، والآن اتركي ....هذا السيف ..حالًا"
كانت يتحدث من بين أسنانه بكلمات متقطعه حتى استطاع واخيرًا جذبه منها، زفر يلقيه ارضًا، ثم نظر لها وفجأة ابتسم بسمة لم تساهم في طمئنة تبارك، بل أدت لتراجعها للخلف مرتعبة منه .
" ايه ؟! بتبصلي كده ليه ؟؟"
ابتسم لها بسمة متسعة أكثر :
" لتتفق اتفاق، حسنًا ؟!"
نظرت له بريبة ليكمل هو بهدوء شديد :
" أنا أحاول أن التماسك وعدم قتلك مقابل أن تنتبهي لما أقوله وتتبعي تعليماتي، هل الأمر سهل ؟؟"
هزت رأسها بنعم ليتنهد واخيرًا :
" إذن مولاتي قبل البدء تحتاجين لمعرفة اساسيات هامة، اولًا لا تعاملي سيفك كما لو أنه قطعة حديد تحملينها، بل عامليه كما لو أنه أحد أطراف جسدك، قطعة منكِ كي تستطيعين التحكم به جيدًا"
رفع إصبعه الثاني وهي فقط تركز مع أصابعه :
" ثانيًا، عليكِ معرفة كيفية الوقفة الصحيحة أثناء حمل السيف، وكيفية القتال به بشكلٍ لا يؤذي جسدك، ثالثًا عليكِ معرفة متى تدافعين ومتى تهاجمين، واضح حديثي ؟؟"
هزت رأسها بلا ولم تكن تمزح، هي بالفعل تشعر بالتوتر الشديد من الأسلحة ومن الموقف ومن سالار نفسه .
ابتسم سالار يقول بهدوء شديد، يدرك مقدار خوفها ويقدره :
" هذه بداية مبشرة، الآن مولاتي سنتعلم معًا، كيف تحملين سيفًا دون أن تظهري كبلهاء أمام عدوك فيجز عنقك "
نظرت له تبارك تقول بسخرية :
" كل ده عنوان للدرس ؟!"
انخفض سالار يحمل سيفه مبتسمًا بسمة لا تبشر بالخير هاتفًا بصوتٍ خافت :
" بل أمنية ..."
نظر لها يقول بجدية :
" امسكي سيفك كما أفعل الآن ؟؟"
نظرت له بريبة وهي تتخيل أن تنحني لامساك السيف فينقض عليها ويجز عنقها، لذلك مالت تلتقطه دون أن تبعد عيونها عنه، وحينما استقامت راقبت يده تحاول أن تحمل السيف بشكل جيد وحينما تمكنت واخيرًا ابتسمت سالار يقول بتشجيع :
" هذا جيد، أنتِ تتعلمين بسرعة "
وتبارك تلك المسكينة التي كانت ترتعب من الأسلحة وتخاف حدّ السكين كانت تحاول دفن خوفها، السهام لم تكن مخيفة بهذا المقدار، أو أن خوفها نابع من كوّن سالار معلمها .
رفع سالار سيفه يقول :
" والآن دافعي، ارفعي سيفك بزاوية وصدي ضرباتي بخفة"
كان يتحدث وهو يحرك سيفه ببطء شديد صوبها، فقط يود أن تتعلم وضعية الدفاع بشكل عملي، لكن تبارك اعماها الخوف ولم تبصر من كل ذلك سوى أن السيف يقترب منها لترتجف وتصرخ ملقية سيفها ارضًا وهي تصرخ وتخفي وجهها بين ذراعيها .
ومن سوء حظها اصطدم السيف بثقله في قدم سالار الذي اغمض عيونه منتفضًا للخلف يحاول كتمان صرخة وهدير قوي، اغمض عيونه أكثر وأكثر وفجأة فتح فمه يقول بصوت زلزل المكان بأكمله :
" لعنة الله على الكافرين.... "
__________________
كانت تضم ذراعيها لصدرها وهي تحدق في تلك الفتاة بشر كبير ولولا أنها مقيدة بواسطة فتاتين لكانت الآن انقضت عليها ولن تتركها إلا حينما تخفي معالم وجهها .
زفرت بضيق تراقب النساء اللواتي بعثرن كل شيء داخل غرفتها المشتركة مع رفيقتيها، وفجأة انتفض جسدها حين سمعت صوتًا يقول بلهفة :
" وجدته سيدتي، لقد وجدت الخاتم "
اتسعت أعين برلنت تستدير صوب الفتاة بصدمة كبيرة لا تصدق ما تسمعه، أي خاتم ذلك وما الذي جاء به لغرفتها ؟؟
اقتربت المشرفة تنتزع الخاتم من يد العاملة وهي تحركه بين أنامله بهدوء، ثم رفعته في وجه برلنت تقول بجدية كبيرة :
" ما الذي يفعله هذا هنا ؟؟"
" لا اعلم اسألي من أحضره والذي بالطبع ليس أنا "
كان ردًا باردًا حادًا وهي لا تهتم بأي شيء سوى بكيفية وصول هذا الخاتم لغرفتها وبين ثيابها و...لحظة هذه ليست ثيابها التي استخرجوا منها الخاتم، بل ثياب ...كهرمان ؟؟
شعرت برلنت بالدهشة مما يحدث، كيف له أن يصل لثياب كهرمان وهي لا تعمل داخل القصر من الأساس، أو هي لا تعمل عامة ؟؟
فجأة نست كل ذلك وتلاشت كل أفكارها حين رأت ذلك الخاتم بين أصابع السيدة، هي تعرفه جيدًا ذلك الخاتم لا يمكنها أن تنساه يومًا وكيف تفعل وهو ...خاتمها هي ؟؟
عند هذه الفكرة وجدت صوتًا رجوليًا يقتحم غرفتها الصغيرة التي شعرت بها تضيق فجأة لوجوده بها وهو يقول بصوت متلهف :
" هل وجدتم خاتمي ؟!"
استدارت له المشرفة وهي تعطيه الخاتم تقول بجدية :
" نعم سيدتي وجدنا الخاتم، والسارقة أيضًا "
ختمت حديثها تشير صوب برلنت التي كانت ما تزال محبوسة داخلة صدمتها أنه ما يزال يحتفظ بخاتمها بعد كل تلك السنوات، استدارت ببطء ترمقه من خلف غطاء وجهها لترى اشتعال عيونه وهو يقترب منها هامسًا :
" كي تجرأتي وسرقتي شيئًا من معملي ها ؟؟ ألا تعلمين عقوبة السارق هنا ؟؟"
رفعت وجهها له وهي تقول بوقاحة ودفاع :
" نعم اعلمها وماذا في ذلك ؟؟ أنا لم أسرق منك شيئًا لتهددني بهذا الشكل، ثم حتى وإن فعلت فهل تظن أنني سأغامر بحياتي لأجل خاتم سخيف كـ "
قاطعها صراخ تميم بصوت مرتفع جعلها تعود للخلف بسرعة تختبئ خلف المشرفة التي انتفض جسدها من صراخه :
" سخيف ؟؟ خاتمي الغالي سخيف ؟؟ هذا الخاتم بحياتك"
نظرت له برلنت وقد تراقص قلبها فرحًا وهي ترى تمسكه بخاتمها العزيز :
" لماذا هل هو خاتم سليمان يا هذا ؟!"
" بل خاتم تميم، خاتمي الخاص "
نظرت له بحنق تنفخ بصوت مرتفع :
" حسنًا وها هو خاتمك العزيز عاد إليك، خذه واتركني وشأني "
اقترب منها تميم بشكل مثير برعب لتتراجع أكثر وهو يقترب منها مجبرًا إياها على إبعاد رأسها بشكل مثير للضحك وهو يهمس لها :
" لم تخمني يا قردة "
اتسعت أعين برلنت أنه علم هويتها، وهو ابتسم بسمة جانبية يقول بشر :
" سأريكِ كم هو ثمين هذا الخاتم."
ابتلعت ريقها من تهديده لها بهذا الشكل، وفي النهاية هو خاتمها الخاص، أو بالأحرى خاتمها الذي أهداه لها سابقًا لتعطيه إياه قبل رحيله :
" لا تتعب نفسك سيدي وتريني، فأنا للتو انتبهت أنه غالي وبشدة "
ابتسم تميم بسمة جانبية :
" لا بأس بتأكيد ."
تنفست بصوت مرتفع تشعر بتهديد يختفي بين كلماته، كل هذا لأجل خاتم قديم تملكه هي من الأساس ولم تسرقه، لكنها خشيت أن تخبرهم أن تلك الثياب التي اخرجوا منها الختم تعود لكهرمان، فقط صمتت وقالت :
" إذن ما الذي تريده ؟! هل ستجلدني عقابًا على فعلتي ؟!"
اتسعت أعين تميم بقوة هامسًا دون أن يهتم بمن حولهم من الأشخاص، فقط يتعجب مقدار وقاحتها وعدم خجلها من الاعتراف بجرمها :
" أنتِ وقحة "
" أشكرك ليس بالجديد عليّ، لكن الجديد عليّ هو أن يتم اتهامي بالسرقة، وبرائتي لن أثبتها أمامك أو أمام غيرك بل سأفعل أمام الملك وحينها ستأتي وتعتذر لي وتذكر هذا "
ابتسم تميم ساخرًا يرفع يده التي تحمل الخاتم، لتنتفض هي للخلف صارخة، وهو فقط أعاد خصلات شعره يقول بسخرية :
" لكِ هذا ."
نظر لها ثواني ثم مال بعض الشيء مع الاحتفاظ بمسافة مناسبة بينهما، فقط كي تصل كلماته لها دون غيرها :
" أخبريني يا قردة، أوليس أنتِ من كنتِ تبحثين عن روايات رومانسية داخل مكتبة العريف كل نهاية اسبوع وتخترعين حكايات رومانسية لكِ ولفارسك ؟!"
نظرت له برلنت بصدمة تحاول أن تتنفس بسبب خجلها منه، ليبتسم وهو يقول :
" إذن دوني ما يحدث معكِ في فصل المآسي الخاص بكِ، حتى يأتي فارسك ويخلصك من تميم الشرير، احداث مشوقة ومثيرة للاهتمام تضيفينها لقصصك بدلًا من تلك المشاهد السخيفة، هذا فقط لأجل متعة القارئ "
نظرت برلنت بأعينه تحاول أن تتجاوز كل ذلك وتجيبه بكلمات تصمته :
" ياا..وهل تظن أنك بتلك الأهمية كي تشغل صفحات من روايتي الخاصة، أو أذكر حتى اسمك ؟؟ ربما أشير إليك بأحدهم أو بمجهول "
ابتسم تميم لها بسمة واسعة يجيب على كلماتها :
" بل أعدك أن اسحب منكِ تلك الرواية السخيفة واقتلك في منتصفها واكملها أنا بقصة أكثر إثارة من خاصتك، صبرًا يا سليطة اللسان "
ابتسمت له برلنت بسمة لم تظهر من خلف غطاء الوجه، تقول بتحدي :
" إذن الفائز يضع النهاية يا ...سيدي صانع الأسلحة "
" اتفقنا يا ...آنستي الافعى السامة "
ختم حديثه ينظر للمشرفة نظرة جعلتها تأمر الفتيات بسحبها خارج الغرفة صوب السجون حتى تُعرض على الملك للمحاكمة في أمر سرقتها، وأثناء خروجها قابلت كهرمان وزمرد اللاتين ركضتا صوبها بقلق، أزاحت برلنت يد الفتاة عنها :
" ياا...اريد أن اودع صديقاتي "
وحينما ضمت زمرد همست لها :
" لقد وجدوا الخاتم في ثياب كهرمان، تلك الفتاة الحقيرة ربما هي من وضعته ظنًا منها أنها ثيابي، أعلم أنكِ لا تخشين أحدًا، اقتليها لاجلي واصنع لكِ كعك التوت الذي تحبينه "
ابتعدت تحت نظرات زمرد المتشنجة، ثم اقتربت من كهرمان تضمها وهي تهمس :
" أنتِ نظفي مكان الجريمة، حسنًا كهرمان، اعتمد عليكن يا فتيات "
ابتعدت ثم سارت مع النساء تمر بتميم الذي نظر لها نظرات غامضة وهي تمنت لو تنزع الغطاء وترميه بنظرة غاضبة حانقة، لكنها فقط سارت بهدوء وهي تهمس :
" ليحترق القصر بمن فيه، لعنة الله على الفاسدين"
________________________
ترك إيفان تبارك داخل حلبة التدريب في انتظار سالار بعدما ارسل له أحد الجنود، ولولا انشغاله، وطول ساعات التدريب مع سالار معها لكان جلس يشاهدها .
تنهد يمر بساحة القتال التي اعتاد مبارزة فارسته بها، ابتسم بسخرية دون وعي قبل أن تنمحي بسمته شيئًا فشيء يتذكر كلماتها ليعود عقله مجددًا يذكره أن هناك تاريخًا عليه البحث به لإيجاد ذلك الشخص الذي تسبب في ظلمه .
تحرك داخل الحلبة ينظر حوله وهناك رغبة تدعوه للمبارزة الآن، أن يراها تخرج كل غضبها في القتال معه، لكن كيف يستدعيها وما الذي يخبرها أنه سيبدأ مبارزة لتقفز له ؟!
نظر حوله وهو يفكر في طريقة لاحضارها، قبل أن يبتسم بسمة جانبية ويتحرك لمنتصف الساحة ينتزع سيفًا من حاملة السيوف، ثم نزع معطفه الملكي ووضعه على السيف في إشارة منه أنه هنا وسيقاتل .
ثم اتبعد يجلس في مكان يظهر الساحة منتظرًا أن تأتي وداخله صوتٌ يخبره أنها ستفعل .
" نعم ستفعل، لننتظر ونرى المنتقمة الغاضبة والثائرة وما ستفعله معي "
وهكذا جلس إيفان براحة شديدة على أحد المقاعد يتنهد بصوت مرتفع مشمرًا عن اكمامه وعيونه مثبتة على الساحة، لكن عقله يسبح بعيدًا، في أمور الممالك ومشاكله الخاصة، والملكة، والملثمة التي تأتيه كلما وطئت قدمه الساحة كل ذلك يثير داخله زوبعة من الاضطرابات .
طال جلوسه حتى شعر أن ساعات طويلة مرت، رغم تأكده أنه لم يمر سوى بضع دقائق، نهض عن مكانه يتقدم من ساحة القتال ينتزع المعطف الخاص به، والسيف يرفع في الهواء وهو يميل برأسه محدقًا به، وفجأة ارتسمت بسمة جانبية على فمه يلقي المعطف دون اهتمام أمامه يقول بصوت خافت :
" أتيتي ؟؟ ظننتك لن تفهمي اشارتي "
" العفو مولاي وكيف أفوت موعدًا معك ؟!"
ابتسم إيفان جانبية يستشعر سيفها الذي وجهته لظهره منذ وصولها، تنفس يقول بصوت مرتفع يشرد في السماء فوق :
" يقولون أن الحقد نيران تتغذى على صاحبها "
" وكذلك يقولون أن الظلم ظلمات يقضي على صاحبه "
ابتسم بسمة جانبية :
" هذا إن ظلمت، أوليس من الوارد أن يكون شقيقك هو من ظلمني بادعائه أنني ظلمته ؟؟"
اشتعلت عيون كهرمان بشدة تدفع السيف أكثر في ظهره وقد أشتدت قبضتها عليه، ليشعر إيفان بحد السيف يصيبه فابتسم بسمة صغيرة قبل أن يستدير فجأة ضاربًا سيفها بكل مهارة مسقطًا إياه ارضًا قبل بدء القتال حتى، ثم رفعه بقدمه بسرعة يلتقطه وبعدها وجه السيفين عليها يقول بصوت خافت :
" لاعترف أنكِ أكثر إمرأة شجاعة قابلتها "
شعر أن عيونها تبتسم وهي تنظر للسيفين دون أن تهتز هزة بسيطة حتى :
" هذا فخرٌ لي مولاي، أن تشهد وبنفسك على ذلك لهو فخر لي ولاخي، فهو من علمني أن الشجاعة هي سبيل النجاة"
اتسعت بسمة إيفان يقول بصوت خبيث :
" ولم يعلمك أنه جوار الشجاعة عليكِ التحلي بالذكاء ؟؟ فالشجاعة ليست سبيل النجاة الوحيد، فطوق النجاة وحده لن يفيدك إن لم تزوديه بالهواء، يظل قطعة مطاط لا فائدة ترجى منها، وهكذا هو الذكاء، إن لم تقترن شجاعتك به، فستكون سبب دمارك بدل نجاتك "
اطالت كهرمان النظر في عيونه وهي تدور معه بعدما بدأ بالدوران حولها والسيوف ما تزال أمامها، وفي ثواني ألقى لها بالسيف لتمسكه بسرعة وتتخذ وضعية الهجوم رافعة إياه في الهواء ليزداد الإعجاب في عيون إيفان وهو يتخذ وضعية الدفاع يقول بصوت خافت :
" اريني ما لديكِ يا امرأة"
ومن بعد كلماته لم يبصر إيفان سوى سيل هجمات ضارية عليه من سيف كهرمان التي ظلت تسقط فوق رأسه وتوجه له ضربات متتالية بسرعة كبيرة، تفاداها هو بسرعة أكبر والبسمة لم تفارق وجهه، بسمة مستفزة جعلت كهرمان تصرخ بصوت مرتفع وهي تزيد من حدة ضرباتها .
أطلق إيفان ضحكة مرتفعة :
" الغضب هو ذلك المسمار الذي سيثقب طوق نجاتك يا فتاة، عليكِ بالهدوء وعدم الاظهار للخصم أنه تمكن منكِ"
صرخت في وجهه وهي تبتعد تحاول التنفس :
" أنت لم تتمكن مني "
" صراخك هذا يعني أنني أصبت الهدف "
صرخت كهرمان أكثر وهي تهجم عليه بجنون :
" لا تعطني دروسًا يا هذا .."
ابتسم يصد ضرباتها بمهارة كبيرة مانحًا إياها فرصة اخراج كل الغضب الذي تكنه داخلها تجاهه :
" يا هذا ؟؟ لا تناديني بهذا يا هذه، أنا الملك هنا "
توقفت كهرمان تنظر له بقوة وغضب :
" ملك ؟؟ حقًا أرني ما لديك "
ابتسم لها إيفان بسمة مخيفة :
" أنت لن تحبي رؤية ما أملك بالفعل "
رفعت حاجبها ليحرك هو سيفه في الهواء بمهارة عالية، ثم تقدم منها خطوات بطيئة لعبت على اوتار ثباتها بمهارة عازف محترف :
" أنا حتى الآن ألعب دور المدافع معكِ، رأفة مني بحالتك يا امرأة، صدقيني لن تحبي رؤيتي اهاجم "
نظرت له ساخرة بقوة :
" أنا لا أحب رؤيتك على أية حال "
تأوه إيفان بسخرية :
" هذا جارح "
ابتسمت كهرمان بسخرية تنافس خاصته :
" لا بأس تقبل الحقيقة "
وفي ثواني قبل حتى أن تستوعب أو يعطيها هو إشارة وجدته يهجم عليها دون مقدمات وبسرعة كبيرة جعلتها تعود للخلف وهي ترفع سيفها تدافع عن نفسها قبل أن يقطعها اربًا وصوت إيفان صدح من بين اصوات اصطدام السيوف :
" إذن بما انها لحظة الحقيقة، فدعيني أخبرك أنكِ اسوء مبارزة سيوف رأتها عيناي يومًا "
كانت كهرمان تصد ضرباته بقوة وسرعة وهي تقول :
" وهذه السيئة لم تهزمها في مبارزة واحدة "
" نعم، لأنني أشفق عليكِ، لكن منذ الآن لا شفقة ولا رحمة"
ختم حديثه وقد حاصرها بسيفه في الجدار وهي تضع سيفها أمام خاصته تطيل النظر بعيونه تتنفس بصوت مرتفع، وفي تلك اللحظة فتح إيفان فمه ونطق باكثر شيء غريب قد يأتي على رأسه في مثل هذه اللحظة :
" عيناكِ تشبه عيون أعرفها جيدًا، هل اعرفك ؟!"
نظرت له وقالت بصوت ساخر هادئ بعض الشيء :
" ربما "
ومن بعد تلك الكلمة استغلت شروده في كلمتها ودفعته بقوة للخلف وهي ترفع سيفها في الهواء تقول :
" لا يهم إن كنت تعرفني أو لا، يكفي معرفتي أنا بك والتي ليست بالشيء الجيد صدقني "
ابتسم لها يرفع سيفه وقد عادت المنافسة بينهما مرة أخرى :
" صدقيني لستُ متلهفًا لمعرفتك "
بعد هذه الكلمات زادت حدة اصطدام السيوف بينهما وكأنهما في حرب لا ناجي فيها إلا واحد، إما يكون هو أو تكون هي، وهكذا كانت بالفعل، معركة بينهما، لا رابح فيها.....
ابتسمت كهرمان باتساع حينما أبصرت نظرات إيفان تشتد بعدما أصابت يده بجرح بسيط صغير، وهو تراجع للخلف يتوعد لها متناسيًا أنها امرأة .
" تريدنها حربًا ...فلتكن "
وها هو قتال يبدو أنه سيستمر لساعات وساعات دون معرفة من الرابح فيهما، فهي لا تستسلم وهو لا يمل .
___________________
وفي المقابل كان هناك مبارزة ثالثة لهذا اليوم ...
يقف في ساحة الرماية ينتظر أن تحضر هي، ابتسم يحرك السيوف في يده، وعليه الاعتراف أنه يستطيع إعطاءها السيف دون أن يضطر لكل ذلك، لكنه يحب أن يشعل غضبها .
والآن مرت ساعة عن موعدهما المحدد وهي لم تحضر، اعتدل في وقفته يتحرك لخارج الساحة حتى يتفقدها، لكن ما كاد يخطو حتى رآها تتحرك له وهي ترتدي ثياب تشبه ثياب القتال بلثامها المميز، ابتسم بسمة جانبية يرفع السيف في يده، ثم ألقاه في الهواء لتتلقفه هي بكل سهولة تحركه بشكل مثير للاعجاب، ومن بعدها رفعته فوق رأسها تتخذ وضعية القتال :
" هيا يا عزيزي أرني ما لديك "
ابتسم دانيار يرفع لثامه على ونصف وجهه يقول بعد غمزة صغيرة :
" هذا لأجل الغموض، والآن سيدتي ..بارزيني "
ومن بعد تلك الكلمة لم يُسمع في المكان سوى صوت اصطدام السيوف، ودانيار يقاتل واللثام يخفي خلفه بسمات ما استطاعت العيون إخفائها، لا يدري السبب حقًا لكن غضبها ذلك يسعده وبشدة .
حركت زمرد السيف بين قبضتها بسرعة كبيرة تلقيه من اليد اليمنى لليسرى بسرعة كبيرة وهي تتذكر صوت والدتها التي تهتف لها :
" السيف رفيق لكِ تعرفي عليه وانشأي معه علاقة طيبة، كي يساندك في جميع محنك "
رفعت زمرد سيفها في الهواء تقفز بقوة وفي نيتها أن تنقض عليه بضربة تقسمه نصفين، لكن دانيار ابتعد في اللحظة الأخيرة يصفر بصوت مرتفع :
" يا ويلي أنتِ جادة في أمر التخلص مني "
نظرت له زمرد بأعين مشتعلة وهو ابتسم لها :
" نعم تلك النظرات تعجبني وبشدة "
وبعد هذه الكلمات هجم عليها بشكل مرعب جعلها تعود للخلف بسرعة كبيرة ترفع سيفها للتصدي له، وهي تحاول أن تتمالك نفسها وألا تنحني .
" صدقني لن يعجبك القادم "
ابتسمت توجه له ضربة قوية في خصره، لكنه تفادها بسرعة كبيرة :
" أنتِ يا فتاة هل تدربتي على يد قطاع طرق ؟! ما هذه الحركات الغادرة ؟؟؟ عليكِ بمواجهة عدوك في وجهه، وتوقفي عن توجيه ضربات له بشكل متوارى، هذا ليس مقبولًا في القتالات النزيه "
ابتسمت زمرد :
" نعم، معك حق "
وكانت كلماتها تخص سؤاله الاول عن قطاع الطرق، لكن دانيار ظنها تؤكد عبارته الأخيرة .
وقبل أن ينجرف في التفكير أكثر حول هذه النقطة، هاجمته بضربة متوارية بشكل جعله ينفخ :
" أوه تريدين اللعب بدناءة إذن ؟؟ لكِ هذا "
ومن بعد تلك الكلمات لم تستوعب زمرد من أين تأتيها الضربات وقد كان دانيار في هذه اللحظة أشبه بجيش كامل يوجه لها الضربات، أمر لم تتوقعه وهي تعرف المبارزة كراحة اليد، لطالما تغلبت على جميع رجال قبيلتها، حسنًا هم حمقى لا يفقهون شيئًا في القتال لكنها ماهرة وهذا بفضل والدتها و...بافل .
وعند ذكر اسمه عادت لها ذكرى إجبارها في طفولتها على التدرب مع جميع الأطفال على يد بافل الشاب، وقتها لا تعلم ما حدث سوى أنهم وضعوا سيفًا داخل قبضتها والقوا بها في الحلبة أمام بافل الذي منحها بسمة مرعبة وكأنه يرحب بها في جحيمها..
فجأة شعرت بضربة قوية من سيف دانيار سقط على إثرها سيفها ارضًا، لتتسع عيونها وتنظر له بصدمة، ثم تحركت عيونها صوب دانيار الذي ابتسمت عيونه بسمة خبيثة، وهي لم تستسلم بل اخذت تقفز للخلف بحركات رشيقة ترفع يديها في الهواء في دعوة منها لقتال باليد .
تنهد دانيار يقول بجدية :
" أوه متعددة المواهب إذن ؟؟ مبهرة "
ألقى السيف ارضًا، ثم رفع طرف اكمامه يشير لها بالاقتراب :
" اريني ما لديكِ يا امرأة.."
اندمج الإثنان في قتال شرس أثمر عن سقوط زمرد في نهايته ارضًا لتزحف للخلف ارضًا وهي تحدق في وجه دانيار بقوة، بينما هو جلس القرفصاء يستند على ركبتيه قائلًا بهدوء :
" في النهاية، أنا انتصرت "
نظرت له زمرد بغضب شديد اشعل صدرها، حتى أنها لم تستوعب يدها التي انقبضت على حفنة من الرمال، ثم رمته بها في وجهه بقوة جعلت دانيار يتراجع للخلف صارخًا بجنون .
وهي نهضت بسرعة تود الركض وإمساك سيفها الملقي ارضًا، لكن دانيار كان يفرك عيونه بيد ويحاول امساكها بالاخرى، لكن يده لم تمسك سوى بلثامها ينتزعه بقوة صارخًا، وهي نظرت له برعب من نظراته الحمراء قبل أن تقرر الهرب في تلك اللحظة .
ومن بين عيونه الضبابية والغبار حوله أبصر وجهها مجددًا ملامحها التي فتنته سابقًا، لكنها فجأة تلاشت كما تلاشى الغبار أمامه، مسح عينه بقوة يهمس :
" تلك الفتاة، تتبع أساليب قذرة في القتال تمامًا كقطاع الطرق والمجرمين "
زفر يمسك سيفها العزيز يبتسم بسمة جانبية :
" لا بأس، الآن هربت وغدًا تعود لاجلك ..."
______________________
تتحرك في القصر بسرعة تود إيصال الطعام لمرجان قبل العودة لمحلها، تنفست بصوت مرتفع فاليوم والدها لديه العديد من رحلات التنقيب عن النباتات واستعجلها للعودة باكرًا، مما يعني لا فرصة للتأخر ومحاولة رؤية الطبيب .
تنهدت بصوت مرتفع وهي تسير صوب المكتبة حيث مرجان كالعادة، لكن وأثناء تحركها صوبها توقفت حين سمعت صوت غريب يصدر في جزء نائي من القصر حيث المكتبة، فالعريف هو من طلب بعزل المكتبة عن القصر ووضعها في مكان بعيد عن البشر.
ويبدو أن ذلك كان مناسبًا لأيًا كان حتى يخفي مصائبه في ذلك الجزء من القصر .
تحركت ليلا ببطء صوب ذلك الصوت الذي يبدو كغريق يحاول التنفس أسفل المياه، همست برعب :
" يالله ما بال هذا القصر كلما خطوت له سمعت صوت تأوهات وأوجاع ؟؟"
تنفست بصوت مرتفع تقترب منه لتختبئ خلف الجدار تنظر صوب تلك النقطة المظلمة، ترى فتاة تقف وهي تحاول خنق فتاة أخرى، اتسعت عيونها بصدمة، خاصة حين سمعت صوتًا يقول :
" هذا فقط تحذير لكِ، كي لا تمدين عينيكِ لأشياء الآخرين ."
أطلقت ليلا شهقة مرتفعة جعلت الفتاة تنتفض بفزع وهي تنظر حولها بريبة، كادت ليلا تتراجع بخوف من نظرات تلك المرأة التي كان يبدو على وجهها الشر، لكن رعبها على تلك المرأة الممدة ارضًا، وضعفها مقارنة بتلك المرأة المرعبة ويقينها أنها إن دخلت معها بقتال ستخسره وتخسره حياتها، جعلها تركض بسرعة شديدة تطلق صرخات كي يسمعها الجنود :
" هناك محاولة قتل في القصر، هناك فتاة تحاول قتل فتاة أخرى، النجدة"
لكن فجأة توقف جسدها حين شعرت بارتطامها في جسد ضخم جعلها تتراجع للخلف بسرعة شاهقة بصوت مرتفع ورعب، لكن سرعان ما خفت كل ذلك تقول بلهفة :
" سيدي ....سيدي القائد هناك ..هناك امرأة تحاول قتل أخرى بالقرب من المكتبة "
تعجب سالار كلماتها وهو يتحرك بسرعة كبيرة صوب المكتبة وخلفه ليلا التي كانت ترتجف بخوف تدعو الله ألا تكون تلك المرأة قد تخلصت من الأخرى، وبمجرد أن وصلوا كان الممر فارغًا من أي أحد، نظر سالار صوب ليلا التي اتسعت عيونها بعدم فهم ..
" كانت هنا، اقسم أنها كانت هنا و..."
توقفت عن الحديث حين أبصرت نظرات سالار لها، لتشهق بقوة :
" أيعقل أنها قتلتها وسحبتها بعيدًا ؟؟ لقد ..لقد كانت تحذرها وهي تخبرها كلمات غير مفهومة و..لا أعرف حقًا أنا..."
نظر لها سالار ثواني ولتوترها، كل هذا الخوف لا يمكن أن يكون لأجل لا شيء، رفع حاجبه وهو يفكر أنه منذ نصف ساعة انتهى من تدريب الملكة لتخبره أنها آتية للعريف و...
فجأة توقف عن التفكير حين خطرت له فكرة جعلت جسده ينتفض وهو يركض بسرعة مرعبة صوب مكتبة العريف يقتحمها دون سابق إنذار متجاهلًا نزق وضيق العريف وهو يصرخ بجنون :
" هل جاءت الملكة لهنا ؟؟"
نظر له العريف بحنق شديد لكنه لم يتذمر بسبب نظراته المرعبة تلك وقال :
" لا لم تأتي منذ طردتها ذلك اليوم من هنا، حسنًا هذه المرأة كارثة بكل المقاييس، النساء عامة، بل البشر سائرهم"
صمت يرى ملامح سالار المرعبة وهو يفكر في شيء خطر له، شعور جعل جسده ينتفض بقوة وهو يستدير بشكل مرعب وهو يردد بصوت خافت لليلا :
" تلك المرأة هناك...التي كانت تُقتل ..هل ..هل هي نفسها الملكة ؟؟؟"
_________________________
هي فقط تحتاج لنظرة ...ودع الباقي للقلب هو يتولى باقية الأمور، أوليس لهذا حُرمت تلك النظرات ؟؟
فهي وببساطة بداية كل إثم....
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل السادس عشر 16 - بقلم رحمة نبيل
متنساش تصويت للفصل قبل القراءة .
"كِرامًا حَيينَا ونَحيَا كِرَام
ونبغِي الكَرامَةَ حتى المَمَات".
صلوا على نبي الرحمة .
________________________
تحرك بعيدًا عن ساحة القتال بعدما انتهى من مبارزته المعتادة مع الملثمة الكارهة له، أمر مثير للسخرية حقًا، فتاة تكن له حقدًا وكرهًا كبيرًا، فتأتي لمبارزته على أمل أن تتخلص منه في إحدى ضرباتها له .
نفخ إيفان بحنق يعيد خصلاته للخلف وهو يتحرك صوب قاعة العرش كي ينتهي من أمور مملكته ومن بعدها يتفرغ مساءً مع رجال جيشه بوضع خطط الهجوم على مشكى .
لكن فجأة وأثناء عبوره من أمام أحد مباني الغلال أبصر فتاة تندفع بسرعة خارج المبنى بشكل مثير للريبة، تنظر حولها كما لو كانت تسرق أو ما شابه، رفع حاجبه يقول بهدوء ولهجة قوية مرتابة :
" تبحثين عن شيء آنستي ؟!"
تصنم جسد الفتاة بقوة وكأنها سمعت صوت الموت خلفها، استدارت ببطء تحمد ربها أنها لم تنس وضع الغطاء فوق وجهها، نظرت بطرف عيونها صوب الحقيبة التي كانت تتركها جوار الباب الخاص بالمبنى تتأكد اولًا من أن الطريق خالي، ثم تعود لأخذها .
لاحظ إيفان حركات جسدها المتوترة وهي تتحرك صوب باب المبنى مجددًا، تشعر بجسدها يرتجف خوفًا .
" هل هناك مشكلة تواجهك ؟؟"
رفعت الفتاة عيونها له وودت لو تقول، نعم نعم هناك مشكلة تواجهني، وهي أنك الان تقف هنا وعلى بُعد صغير منك تقبع حقيبة ثياب الجندي التي اتنكر بها لمبارزتك والتي بغبائي تركتها هنا بعد المبارزة وجئت لابدل ثيابي وأخذها لتقفز في وجهي دون مقدمات .
" لا، لا مولاي بالطبع لا يوجد أي مشاكل أنا فقط كنت، الأمر أنني احتجت لـ "
تعرف إيفان على صوتها بسرعة كبيرة ليدرك أنها هي نفسها فتاة الحظيرة، ماذا كان اسمها ؟! آه كهرمان صحيح .
اعتدل يقول بجدية كبيرة وهو يلاحظ ردة فعل جسدها ليتجاهل كل ذلك متحدثًا برسمية كبيرة :
" حسنًا آنستي لا اقصد ازعاجك، لكن وجودك جوار مخازن الغلال مرفوض تمامًا "
رفعت كهرمان عيونها له بسرعة، لكن بالطبع لم يبصرها من خلف غطائها، ابتلعت ريقها تقول بصوت منخفض رقيق :
" معذرة لك مولاي، لكنني احتجت لتعديل وضعية حجابي بعدما كاد يسقط عن رأسي ولم أجد غير هذا المكان لفعل ذلك "
أمسكت طرف ثيابها تميل ببطء شديد وهي تردد بلطف :
" ارجو المعذرة منك مولاي "
راقب إيفان حركاتها ليبتسم لها بسمة جامدة بعض الشيء، وهو يضع يده على صدره يميل لها برأسه قليلًا كأي ملك او رجل نبيل أمام فتاة :
" لا بأس آنستي حقًا، يوم سعيدًا لكِ، والآن اعذريني عليّ الرحيل "
وبهذا الكلمات ختم إيفان الحديث القصير مع كهرمان، ورحل بهدوء شديد تاركًا إياها تتابعه بعيونها قبل أن تتحرك داخل مخزن الغلال تمسك الحقيبة بين أناملها، تشرد بها وهي لا تعلم نهاية كل هذا، هي لا تتقدم ولا تفعل شيء لأجل مملكتها فقط اكتفت بطلب مساعدة سالار ومن ثم ماذا ؟؟ هل يعيد لها سالار بلادها ؟؟
تنهدت تستدير لترى إيفان قبل أن يختفي داخل مبنى الإدارة، تشعر بضربات قلبها تعترض عما تفعل معه، لا تصدق أنها ألقت بكرهها في وجه الملك، أخبرته أنها تكرهه وبشدة، لكن هل تفعل حقًا ؟؟
بينما ...
إيفان تحرك بهدوء صوب قاعة العرش ولم يكد يخطو لها حتى سمع صوت خطوات تأتيه من اخر الممر جعلته يستدير ببطء ليلمحها وقد عادت أخيرًا، ارتسمت بسمة أعلى فمه يستقبلها بعيون حنونة واضعًا يده على صدره يميل بعض الشيء قائلًا :
" مرحبًا بعودتك مولاتي "
ابتسمت الملكة الأم وهي تراقب ابنها، ثم قالت بهدوء شديد :
" مرحبًا بك بني، اتمنى أن تكون اشتقت لي خلال فترة غيابي "
" فعلت مولاتي "
ختم حديثه وهو يمسك كف والدته يقبله باحترام، ثم امسكها منه، يسير بها صوب جناحها يرافقها له بهدوء شديد بعدما رأى في عيونها حديث مؤجل، وهو يعلم أن ذلك الحديث لن يكون بالمسالم، لذلك بكل هدوء دخل بها لحجرتها يقودها صوب أحد المقاعد يردد بجدية :
" كيف كانت رحلتك امي ؟؟"
" بخير مولاي، كانت جيدة، أخبرني أنت كيف هي أمور المملكة ؟!"
ابتسم لها بسمة صغيرة يردد بكلمات قصيرة مقتضبة :
" الحمدلله مولاتي كل شيء بخير "
" والملكة ؟؟"
نعم ها هي وصلت للنقطة التي ينتظر إيفان أن تتطرق لها حتى يضع النقاط على الاحرف قبل لقاء والدته بتبارك، ابتسم لها بخبث :
" بخير كذلك، إن كنتِ تسألين عن حالتها "
" لا عزيزي أنت تعلم أنني لا أفعل "
نظر لها إيفان بهدوء شديد وقد حوت كلماته تحذيرات خفية يهدف منها لإعلام والدته أن أي محاولة للاقتراب من الملكة ستكون بمثابة محاولة للمساس به شخصيًا :
" وأنا سأتظاهر أنك تفعلين أمي، وتهتمين بصحة الملكة "
نهضت والدته عن المقعد منتفضة من كلماته تلك :
" هل هذا تهديد منك ؟؟ تهدد والدتك لأجل فتاة ..."
" لاجل الملكة أمي، ولا، معاذ الله أن اهددك لأجل أحد حتى وإن كان لأجلي شخصيًا، لكنني أمي أخبرك من البداية أن احترام الملكة من احترامي، لذلك رجاءً عليكِ أن تعامليها كملكة، وأنا أثق أنكِ عندما تقابلينها ستحبينها "
نظرت والدته لعيونه بنظرات لم تطمئنه، لكنه لم يهتم وهو يقابلها بنظرات أشد ثباتًا وكأنه يفرض عليها أن تتقبل الأمر الواقع وأنها أصبحت الملكة وخلال أيام قليلة وتصبح زوجته .
" لك ذلك بني "
هز لها إيفان رأسه ثم مالك يقبل يدها باحترام :
" اشكرك أمي، سوف اذهب لانهي بعض الأمور وبعد ساعات قليلة سوف ارسل لكِ لمقابلة الملكة "
" واين هي ؟؟ لم أرها حين وصولي "
نظر لها بهدوء :
" هي تتدرب الآن"
ختم حديثه يستأذن منها بهدوء، ثم تحرك خارج الجناح بقوة كبيرة تحت عيون والدته التي شعرت بالغضب يملئ صدرها، ولدها سيكون كالشوكة في خاصرتها، هي تعلم أنه ينفذ ما يريد دون أن يعطي الفرصة لأحدهم بالتدخل، لكن ليس هذا، ليس في أمر كهذا ...
لكن لا بأس لترى الملكة أولاً ومن ثم تقرر ما تفعل، لربما خيبت ظنونها ...
_______________________
كان سالار على وشك الجنون، أين اختفت تلك الفتاة، تركها دقائق قليلة، دقائق فقط تركها بها مخبرًا إياها أنه سيتبعها ليختار لها كتابًا يتحدث عن أساليب المبارزة و...اختفت .
اختفت بالتزامن مع اخبار فتاة له أن هناك من كان يحاول قتل فتاة في نفس ممر المكتبة، شعر بقلبه يتآكل من الرعب يزيح خصلاته بعصبية كبيرة وهو يتحرك في الممرات وقد كانت الأجواء مشتعلة وجميع الجنود منتشرين حوله وهو يكاد ينفجر بهم :
" جدوها لي ولو أسفل الأرض السابعة، سمعتم ؟! أحضروا الملكة، أريدها سالمة في دقائق معدودة "
ختم حديثه يتحرك هو بين الممرات يتوعد لايًا كانت تلك التي حاولت أن تؤذي ملكتهم أسفل سقف قصرها .
صدره يشتعل بغضب شديد يتجاهل دانيار الذي كان يتحرك صوبه بتعجب :
" ما الذي يحدث سـ "
لكنه لم يتوقف وهو يتجاوزه يبحث عنها بعيونه في الأرجاء ليقرر الذهاب والعودة حيث ساحة التدريب لعلها عادت هناك بعدما رحل هو، أو هكذا يأمل .
توقف تميم جوار دانيار يتعجب ما يحدث :
" ماذا تفعلون ؟! لِمَ الجميع مستنفر بهذا الشكل ؟! هل نتعرض لهجوم ؟؟"
هز دانيار كتفه بجهل شديد :
" لا اعلم حقًا، لكن غضب القائد هذا لا تراه إلا حينما يخطأ أحدهم في شيء كبير "
" جيد إذن أنني لم التق به في هذه الحالة "
نظر له دانيار يقول بجدية :
" أنت أخبرني ما الذي فعلته مع تلك اللصة؟!"
على الغضب ملامح تميم الذي تذكر كلمات برلنت له يقول بغضب شديد :
" آه بالله عليك لا تذكرني بتلك الفتاة، إنها حتمًا أكثر لصة وقحة قد يراها الشخص يومًا "
ابتسم دانيار يفرك عيونه وكأنه للتو تلقى حقنة رمال داخلها، يشعر بالغضب يتلبس كامل أنحاء جسده، تحسس دون شعور السيف الذي يضعه في غمده يقول بصوت قاسي غاضب :
" نعم وقحة وبشدة "
وعند سالار ..
ذهب للساحة يبحث عنها في المكان والذي كان فارغًا تمامًا، ليشعر باليأس يكاد يدب في صدره، وقد بدأ يصدق حقًا أن تلك التي تحدثت عنها شقيقة مرجان هي نفسها الملكة .
شعر بالاحباط وهو يفكر في الذهاب واخبار الملك بالأمر، تحرك يتنفس بصوت مرتفع وهو يفرك وجهه ويبعد خصلاته التي تدلت على وجهه بسبب الركض كثيرًا.
كاد يؤمن الآن أن فشله الاول سيُكتب جوار اسمها، ستكون هي السبب الوحيد الذي يزين دفتره الابيض بنقطة سوداء، وهذه النقطة سيكون اسمها ( تبارك )
هو فقط يأمل ألا يكون شيء قد أصابها، أو تكون تعرضت لـ..
" واوا ؟؟"
لا ليس واوا بل تعرضت لخطر و...مهلًا ما معنى " واوا " تلك ومن أين جاء ذلك الصوت الذي يكاد يجزم أنه يعلم صاحبته، ويتمنى، فقط يتمنى ألا تكون هي من تصدر تلك الكلمات الاعجمية التي لا يعلم عنها المعجم العربي أو الفارسي شيئًا، فقط لنأمل أن تكون الآن مضجرة في دمها أو تعاني إصابة قاتلة هي من منعتها الذهاب للمكتبة، أو ربما تكون تلك المرأة قد إصابتها بجروح صعبة الشفاء، هذا لسلامة قلبه وسلامة جسدها فقط .
لكن كل آماله ذهبت أدراج الرياح وهو يراها تجلس في الحديقة أسفل شجرة وحولها العديد من الأطفال تتحدث لهم بكلمات يصعب فهمها عليه هو، لا عليهم .
اقترب خطوات بطيئة منهم وهو يردد بصوت خافت :
" ليتكِ رحلتي وانتهيت منكِ، أيتها المزعجة "
بينما تبارك والتي كانت تجمع حولها أبناء العاملين حينما أبصرت أحدهم مصابًا بجرح في ركبته أثناء ذهابها للمكتبة، لتجلس معهم وتعالجه وتندمج في اللعب بينهم وتنسى ما كان من المفترض فعله.
وكأنها واخيرًا وجدت نفسها في مكان هادئ لطيف بين أشخاص في غاية النقاء .
راقبها سالار باهتمام شديد وهي تلقي تعاويذها على الأطفال الصغار بكلمات غامضة لا يعلمها سوى المشعوذين أمثالها :
" سوسة ..سوسة سوسة ..سوسة كف عروسة، سوسة واللي يسقف ..يستاهل مني بوسة "
ومن ثم وبعدما فرغت من إلقاء تلك التعاويذ المجهولة، انقضت على الأطفال في محاولة لتناولهم من وجنتهم، وسالار يتابع كل ذلك بانتباه كبير متسع الأعين، ولم يكد يتدخل لينقذ الاطفال من تلك الساحرة الضاحكة، حتى سمع صوت ضحكات صاخبة تخرج من الجميع ومن بينهم تبارك التي كانت بينهم كالطفلة .
ابتسم دون وعي يقول :
" أظن أن هذه الفئة الوحيدة التي تستطيع ملكتنا حكمها، الاطفال "
زفر يقترب منهم بخطوات قوية وهو يخفي سيفه كي لا يرهب الاطفال :
" مولاتي .."
رفعت تبارك عيونها بسرعة صوب سالار لتنتبه أنه يشرف عليهم بنظراته الغاضبة، حسنًا هذا ليس جيدًا، ابتلعت ريقها وقد تذكرت فجأة أنها تخلفت عن الذهاب للمكتبة، لكن ذلك الأمر السخيف لا يستحق كل هذا الغضب الذي يعلو وجه سالار في هذه اللحظة صحيح ؟!
ابتسمت له بسخافة ترفع يدها ترحب به :
" اهلًا...تـ...تحب تقعد معانا ؟؟"
رفع سالار حاجبه لتقول ببسمة غبية :
" احنا بنغني و..."
" تحركي معي مولاتي رجاءً "
شعرت تبارك أنه يدعوها لموعد إعدامها الآن، لتهز رأسها رافضة وهي تجذب أحد الأطفال لاحضانها وكأنها تحتمي خلفه من سالار :
" لا لا، أنا ... أنا لسه ...لسه بلعب مع صحابي "
ابتسم لها سالار بسمة مخيفة يعيد نفس جملته السابقة :
" تحركي معي مولاتي رجاءً"
ابتلعت ريقها وهي تبعد الصبي عنها تنهض من مكانها تحاول نفض ثيابها وهي تبرر له ما حدث :
" أنا هفهمك اصل وانا رايحة المكتبة فجأة ....فجأة لقيت منذر بيعيط، الولد المسكين وقع وهو بيلعب مع صحابه، وانا ....أنا عشان واجبي كممرضة وانسانة بحس قولت لازم ااا"
رفع سالار يده لتتراجع للخلف كعادتها مطلقة صرخة مرتفعة وهو فقط رفع يده ليشير لها أن تتحرك خلفه مبتسمًا بسمة جانبية :
" من بعد مولاتي "
تنفست تبارك بصوت مرتفع تضم يديها لصدرها بريبة منه، ثم هزت رأسها تتحرك بسرعة أمامه وهي تحاول أن تزيد من خطواتها لتهرب منه، لكنه كان يلحق بها بخطوات قوية .
دخلت القصر وهو يسير خلفها بقوة وملامح جامدة وقد ابصرهم الجنود ليتنفسوا الصعداء أن القائد انقذ الملكة واحضرها، معتقدين أنها كانت في خطر محدق .
كانت تبارك تسير في الممرات وهي ترى نظراته الجميع لها تتعجب كل ذلك، هل طالت غيبتها لهذه الدرجة ؟! هي فقط تأخرت قليلًا .
فجأة وجدت نفسها أمام الجناح الخاص بها لتستدير متعجبة صوب سالار تسأله :
" احنا مش هنروح المكـ "
قاطع كل ذلك يمد يده ليفتح باب الجناح الخاص بها يقول بملامح جامدة وصوت ثابت لا مشاعر به :
" تفضلي لترتاحي مولاتي "
نظرت له تبارك ثواني وكادت تتحدث، لكنه قاطعها بصوت أكثر حدة رغم أن ملامحها لم تتغير :
" تفضلي مولاتي "
ابتلعت تبارك ريقها تتحرك صوب الغرفة الخاصة بها تهز رأسها بهدوء وبمجرد أن دخلت سمعت صوت غلق الباب بقوة لدرجة انتفاضة جسدها ومن ثم سمعت صوت سالار من الخارج يقول بقوة :
" إياكم أن تغيب عن أعينكم ثانية واحدة، وإلا لن أجد أمامي سواكم لمعاقبتكم إن أصاب الملكة سوء "
التوى ثغر تبارك بقوة معترضة على كل ذلك، مهلًا هل هي صغيرة ليضع من يراقبها ؟! حتى الملك لا يراقبها بهذا الشكل و...مهلًا مهلًا، الملك لا يعاملها من الأساس بهذه الطريقة الغبية والصارمة، من هذا السالار ليصدر أوامره لها ؟؟
وعند هذه النقطة اشتعل صدر تبارك لتتحرك بسرعة صوب الباب وقد شحنت نفسها بالغضب في لحظات نادرة، فتحت الباب بقوة تصرخ :
" من أنت لـتصدر أوامر تسير عليّ ؟؟"
لكن سالار والذي كان قد أنهى حديثه مع الجنود نظر لها نظرة صغيرة، ثم هز رأسه باحترام شديد.
وغادر بكل بساطة وهي تقف مكانها بصدمة :
" ايه دي ؟! يعني ايه الهزة دي ؟؟ أنت بتهددني ولا ايه ؟! لا بقولك ايه مش عليا ؟! مش عشان سكت على معاملة العبيد دي هتسوقوا فيها و..."
كانت تتحدث وهي تتحرك خارج الجناح بغضب شديد لا تدرك من هذا الذي أعطى لنفسه صلاحية التحكم بها وهي من كانت تعيش حرة طليقة، لكن فجأة وجدت الحراس يتحركون خلفها لتتوقف وتنظر لهم بغيظ شديد، ثم عادت إدراجها بسرعة تغلق الباب بقوة خلفها وصوت زفراتها يعلو في الإرجاء.
___________________
تجلس في مكتبة العريف باكية بخوف مما رأت وما حدث وجوارها مرجان يضمها لصدره بحنان شديد وهو يربت أعلى ظهرها ملاطفًا لها :
" هيا ليلا، توقفي عن البكاء عزيزتي، فهو لا يليق بجميلة مثلك "
نظرت له ليلا تقول بخوف شديد :
" لقد كانت تقتلها أمام عيوني مرجان، وأنا كنت جبانة بالقدر الكافي كي لا استطيع إنقاذها
" لا حبيبتي أنتِ لستِ بالجبانة أبدًا ليلو الجميلة، أنتِ اقوى امرأة في هذا العالم، يكفي أنكِ لم تتواري خيفة، بل ركضتي لتحضري المساعدة "
نظرت له ليلا بأعين دامعة وخوف شديد :
" نعم، لكننا لم نعلم بعد مصير تلك الفتاة المسكينة، وإن كانت تلك الشريرة قد تخلصت منها أم لا "
ربت مرجان أعلى رأسها يقول بهدوء شديد وتعقل :
" لا تقلقي حبيبتي الله معها، وانا متأكد انها بخير "
هزت رأسها وهي تضم شقيقها أكثر بحب شديد، بينما العريف يجلس أمامهم وهو يقرأ في كتابه يرمقهم من خلفه بحنق شديد، ثم اعتدل في جلسته يقول :
" أنتِ ايتها الشابة تعلمين جيدًا أنني أكره أصوات بكاء النساء خاصة داخل جدران مكتبتي، لذلك إما أن تتوقفي عن البكاء أو اطردك أنتِ وشقيقك للخارج و...."
توقف فجأة عن الحديث حين رأى مهيار يتقدم منهم بهدوء ملقيًا السلام عليهم قائلًا :
" ارسلت لي أيها العريف ؟!"
ابتسم العريف بسمة واسعة خبيثة :
" أوه مهيار العزيز، نعم لقد ارسلت لك كي ترى تلك الفتاة البكاءة فهي منذ دقائق قليلة فقط كانت قد اغشي عليها، لكن لا بأس ها هي أضحت كالقردة "
استدار مهيار بعدم فهم متحدثًا :
" فتاة ؟! لماذا لم ترسل للطبيبة إذن و..."
فجأة توقف بصدمة حينما أبصر تلك الفتاة البكاءة وهي تسكن احضان مرجان، هتف بصدمة كبيرة لرؤيتها بهذا الانهيار :
" آنسة ليلا ؟!"
رفعت ليلا عيونها لمهيار لا تود رؤيته في هذه اللحظة تحاول أن تتحدث بصوت منخفض :
" مرحبًا سيدي الطبيب "
اعتدلت بين ذراعي مرجان الذي لم يحررها لحظة واحدة وهو ينظر بتحفز لمهيار الذي جعل شقيقته ترتجف بين ذراعيه .
تحرك مهيار صوبها بهدوء شديد ودون أن يشعر جلس القرفصاء جوار مقعدها على بعد معين وهو يقول بهدوء شديد وخوف :
" ما بكِ ليلا ؟! ما سبب بكائك ؟؟"
نظرت له ليلا بصدمة وهي تراه يرمقها بأكثر النظرات حنانًا في العالم، بل وكأنها العالم، أو هكذا تمنت هي في هذه اللحظة، ابتسمت دون شعور ليبتسم هو لها بلطف يردد كلماته بخوف واضح :
" أنتِ بخير ليلا ؟!"
وفي تلك اللحظة تمنت ليلا لو تخبره أنها ليست بخير، إن كانت سترى نظرات الخوف والحنان تلك في عيونه فهي على استعداد ألا تكون، بالله هي بائسة من هذا الحب لهذه الدرجة .
" تريدين مني إحضار الطبيبة لفحصك ؟؟ أو اصنع لكِ مشروبًا مهدئًا ؟؟"
جذبها له مرجان يقول بهدوء وقد شعر بالغيرة الشديدة على شقيقته التي يعلم مقدار حبها لذلك الرجل، ومن غيره يعلم ذلك هو والعريف الذي يشهد نقاشاتهما الطويلة حوله :
" لا شيء سيد مهيار هي فقط تشعر بالتعب وسوف أذهب معها للمنزل، لا تقلق هي بخير حال لتقلق عليها بهذا الشكل "
نظرت ليلا لمرجان بتعجب، ثم نظرت لمهيار الذي استوعب فجأة ما يفعل، نهض عن الأرض يعدل وضعية سترته البنية، ثم نظر لها بهدوء يقول بجدية كبيرة محتفظًا ببسمته :
" نعم، اعتذر أنا فقط خشيت أن يكون سوء قد أصابها"
ابتسم له مرجان بشكل مستفز جعل ليلا تتدخل قائلة :
" أنا بخير سيدي الطبيب لا تقلق "
ولم تكد تتحرك سنتيمترًا واحدًا بعيدًا عن احضان مرجان، حتى جذبها الاخير له يقول بغيظ :
" نعم سيدي الطبيب هي بخير "
رفع مهيار حاجبه يبتسم بسخرية :
" أرى ذلك مرجان، لكن ترى ما سبب امساكك لها بهذه الطريقة هل تخشى أن تطير بعيدًا عنك ؟!"
اتسعت عيون ليلا تبتعد عن يد مرجان بسرعة بينما مرجان التوى ثغره حانقًا لا يريد أن يقترب مهيار من شقيقته، يكفي أن الأخيرة حمقاء بالقدر الكافي لتذوب بكلمة واحدة منه .
" لا أنا فقط أخشى أن تسقط ارضًا إن تركتها "
ختم حديثه يجذب له ليلا مجددًا يضمها له بقوة معاندًة إياها، بينما ليلا نظرت له بغيظ شديد لينظر هو لها بغيظ اكبر يقول بصوت مرتفع :
" ماذا ؟!"
" مرجان أيها السخيف دعني "
همس لها مرجان بصوت منخفض معاند :
" لا لن أفعل، سوف اقيدك بهذا الشكل كي اتحكم في تلك القلوب التي تتطاير صوب هذا الرجل يا حمقاء "
أجابته ليلا وهي تضرب قدمه في الاسفل بقوة :
" دعها تتطاير صوبه بدلًا أن تتطاير صوبك أنت وتصطدم في وجهك مصيبة إياك بالعمى أيها الأحمق "
صرخ مرجان بصوت متألم يحاول أن يتحمل وجع قدمه دون أن يفك يديه عنها :
" ابدًا لن افعل ايتها الغبية، الرجل لا يراكِ، أين كرامتك يا بلهاء ؟!"
شعرت ليلا بالغضب يشتد داخل صدرها وهي تناظر مرجان بعصبية ترتفع على اطراف قدمها، ثم عادت برأسها للخلف ودون مقدمات اندفعت بها صوب خاصة مرجان متسببة في ارتجاج لهما هما الاثنين وصوت صرخات الاثنين يعلو في المكان .
تركها مرجان يصرخ وهو يضع يده أعلى رأسه :
" أيتها الغبية كل هذا لأنني اساعدك لإنقاذ كرامتك "
كانت ليلا كذلك تضع يدها بوجع أعلى رأسها صارخة :
" يا الله أشعر أن عقلي تحرك من مكانه "
كان مهيار يراقب كل ذلك بأعين مرتابة يضع يده أعلى فمه يشاهد ما يحدث أمامه، يشعر أنه يقف أمام طفلين، وكلما أصاب ليلا شيئًا انتفض جسده انتفاضة غير ملحوظة وهو يتحرك صوبها ليرى أنها ردت الضربة له بالمثل، فيعود مكانه يراقبها بأعين خائفة بعض الشيء .
بينما العريف يراقب ما يحدث بغيظ وتشنج :
" أيها الاحمقين، كلما حاولت التقريب بينهما، افسدتما الأمر ، أنا محاط بالعديد من الاغبياء هنا، لقد ارسلت للرجل خصيصًا كي أتخلص منهما و..."
توقف العريف حين أدرك نظرات مهيار المصدومة له ليبتسم بسمة صغيرة وهو يقول :
" حسنًا، ربما تحتاج للذهاب الآن بني، كي لا نعطلك كثيرًا بمشاكل هذين الغبيين "
ارتفع حاجب مهيار وهو يحرك عيونه صوب مرجان وليلا اللذين كانا يمسكنا ببعضها البعض وكلٌ منهما يهدد الآخر بتركه اولًا قبل أن يتركه هو، نعم الآن تأكد أنهما شقيقان .
" إذن آنسة ليلا تبدين بخير حال، لذلك استأذنك بالرحيل "
اعتدلت ليلا بسرعة كبيرة تنظر له بلهفة وهي تقول :
" ماذا ؟؟ نعم نعم أنا بخير حال وهذا ما حدث كان فقط مجرد مزاح و ..."
فجأة شعرت بضربة من مرجان الذي قال بغيظ شديد :
" توقفي عن التحدث بهذه الرقة معه، هكذا سيطمع بكِ "
نظرت له ليلا بشر تصرخ بجنون أن أفسد لقاءها مع الطبيب تنقض عليه دون تفكير :
" سأقتلك يا رأس الكتاب أنت"
وفي ثواني كانت تجذب شعره بجنون وهو يصرخ محاولًا أبعادها عنه مبررًا كل ذلك :
" أنا أفعل هذا لمصلحتك ايتها الناكرة للجميل "
نظر لهما مهيار ثواني قبل أن يتنهد بصوت مرتفع راحلًا من المكان تاركًا العريف يكاد يصاب بالقلب مما يحدث بين هذين الغبيين .
" ليخلصني الله منكم اجمعين "
_____________________
تسير في الممرات مع زمرد متحركة صوب السجن لزيارة برلنت بعدما علمت ما فعلته زمرد في تلك الفتاة التي اتهمت برلنت بالسرقة .
زفرت زمرد بحنق شديد :
" ماذا، لا تنظري لي بهذا الشكل، هي حية اقسم لكِ "
صرخت بها كهرمان بصوت مرتفع سرعان ما تداركته حين لاحظت وجود الكثير حولها :
" كدتي تخنقين الفتاة ؟! يا امرأة ما به عقلك ؟! لقد ...لقد شاهدتك إحدى الفتيات ماذا لو ابلغتهم بصفاتك ؟!"
نفخت زمرد بعدم اهتمام :
" لن افعل فقد كانت الإضاءة خافتة في الممرات القريبة من مكتبة ذلك العجوز، ثم أنا لم انزع لثامي "
صمتت تتذكر تلك اللحظات التي أمسكت بها الفتاة بالقرب من المكتبة لتهددها، لكن الفتاة لم تصمت وهي تزيد من استفزاز زمرد التي جن جنونها ومدت يدها لتخنقها كتهديد لها فقط، لكن فجأة سمعت صوت صراخ فتاة تستنجد بالجميع أن هناك قاتلة حقيرة في القصر .
نعم هي القاتلة الحقيرة .
كانت تفكر زمرد وهناك بسمة واسعة ترتسم على وجهها، هي ليست مجرمة مختلة أو تحب القتل والعياذ بالله، لكنها فقط تكره، بل تمقت أن يتحداها أحدهم أو يستفزها، وربما هذا سبب كل مشاكلها مع قائد الرماة، أنه يتحداها ويستفزها، ذلك الوسيم .
فجأة شعرت زمرد بتوقف جسد كهرمان مثير للريبة، نظرت جوارها بتعجب وهي تقول :
" ما بكِ ؟؟ تحـ "
وقبل أن تكمل كلماتها انتفضت كهرمان من جوارها بشكل مرعب وهي تركض في الممرات صارخة بصوت ملهوف كالتائه في الصحراء الذي أبصر بئر مياه :
" يا عم ...يا عم ...يا عم "
كانت تركض بجنون وهي تبصر في نهاية الممر أمام قاعة العرش رجلًا تعرفت عليه بلمحة واحدة، العم محمد الذي كان يخطب في مسجد العاصمة في مشكى، نعم هو بالله هو، لا يمكن أن تخطأه ولو بعد سنوات فهو كان مقرب من شقيقها وهو ...هو من حفظهما القرآن في طفولتهما .
نست كهرمان أين هي وماذا تفعل وأنها هنا خادمة، وأنها في نظر الجميع ميتة، فقط رأت أحد يحمل رائحة وطنها، شخص يحمل ملامح أبناء بلادها، سقطت دموعها بقوة وهي تركض بلهفة شديد :
" يا عم انتظر، يا عم هذه أنا..أنا هي الامـ "
وقبل أن تكمل كلماتها شعرت بمن يدفعها بشيء صلب بسرعة لممر جانبي مانعًا إياها من الحديث، قبل أن تنطق بكلمة، وعلى بعد صغير منهم كانت زمرد تتابع كل ذلك بصدمة، صديقتها ركضت كالمجنونة بين الممرات تنادي لشخص لا تعرفه هي، ثم فجأة دفعها القائد سالار لممر جانبي بسيفه .
انتفضت تركض بسرعة صوب ذلك الممر تتحسس خنجرها، خنجر تعلم أنه لن يساعدها إن قررت الهجوم على القائد إن قرر أذية رفيقتها ...
لكن حينما اقتربت من الممر رأت جسد كهرمان منهارًا ارضًا والقائد يقف أمامها بجمود وكأن لا شيء يحدث حوله قد يثير تعاطفه .
" توقفي عن البكاء، ما كان أرسلان ليفتخر أنه يمتلك شقيقه ضعيفة مثلك "
رفعت كهرمان عيونها له تشعر بالانهيار والقهر، الذل يقتلها، بعدما كانت أميرة بلاد، أضحت خادمة في قصر آخر..
" أردت أن أعلم منه ما حدث، ارجوك، أنا ارجوك يا قائد إن كان شقيقي يمتلك لديك ولو ذرة صداقة صغيرة دعني أرى العم محمد، اريد الحديث معه، اريد معرفة سبب وجوده هنا، أن اطمئن على بلادي، أتوسل إليك "
كان هذا كثيرًا عليها، أن تتوسل أحدهم لهو أمر ظنته يومًا محال، لكن لأجل وطنها ستفعل وستفعل أكثر.
تنهد سالار وشعر بالشفقة عليها وعلى ما وصل له حالها، وازدادت نيرانه نيرانًا وأقسم في نفسه أن يعيد لها مكانتها كأميرة لمشكى ويعيد لها وطنها وهذا أقل ما يقدمه لصديقه الحبيب .
" انهضي سأساعدك لمعرفة ما جاء لأجله "
رفعت كهرمان رأسها لها بصدمة ليتحرك هو بهدوء شديد خارج ذلك الممر، لكنه وجد جسد يقف في مقدمته يناظره بفضول كبير، رفع عيونه لزمرد التي عادت للخلف بصدمة من نظراته تتلاشى التحديق بعيونه وهي تتحرك لتساعد كهرمان .
وهو سار صوب القاعة ليقابل أثناء ذلك الملكة والتي كانت تتجه حيث يتجه هو حسب أوامر الملك لها .
توقفت تبارك ترمقه بغيظ شديد وغضب وقبل أن تتحدث بكلمة واحدة توقفت متعجبة خروج فتاتين من الممر الذي خرج منه للتو، واحدة منهما منهار بشكل مثير للشك، رفعت تبارك عيونها له ليتنفس هو رامقًا إياها بنظرة غامضة، ثم هز رأسه في تحية صغيرة للملكة، وبعدها تحرك مشيرًا بعيونه للفتاتين..
وتبارك ما تزال تقف مكانها تجهل ما يحدث، لكنها رغم ذلك حاولت تجاهل الأمر تتقدم صوب القاعة بكل هدوء لتبصر الملك يجلس على مقعد غير عرشه وقد تخلى عنه هذه المرة يشير لها بالجلوس جواره وقد قرر أن يشركها في كافة أمور المملكة كتحضير لها .
بينما سالار ادخل كهرمان وزمرد لغرفة جانبية بها نافذة تطل على القاعة بكل وضوح، ثم تركهما وتحرك هو الآخر صوب القاعة، يقابل دانيار وتميم اللذين نهضا بمجرد رؤيته ليشير لهما بالجلوس، وبعدها جلس هو يسمع صوت إيفان يتحدث بصوت هادئ مبتسم :
" ارتح يا عم رجاءً، أجلس "
نظر له العم محمد وهو يستند على عكازه وقد كان جسده يرتجف بقوة ليس ضعفًا أو بسبب عمره، بل كان يرتجف قهرًا وحسرة، وكأن جميع اهوال الحياة تجمعت الآن لتستقر أعلى أكتافه.
" ما جئت لارتاح أنا مولاي، بل جئت لاطلب منك راحة لمشكى وشعبها "
نظر له إيفان بهدوء وقد شعرت تبارك فجأة بقلبها ينتفض هذه هي نفسها المملكة التي تحدث عنها الملك سابقًا .
ابتلعت ريقها وهي تسمع صوته يقطر وجعًا :
" أدرك مشكى يا مولاي، أدرك شعبها، والله الذي لا إله إلا هو لو أن جميع السبل لم تنغلق في وجوهنا، ولو أننا لم نحاول بكامل جهدنا أن نقاوم، ما جئتك وتوسلتك أن تساعدنا، لكن فاض بنا الكيل، ما يئسنا حاشا لله، لكننا نطلب منكم العون، أدرك شعب تجرع ظلمًا حتى فاضت كؤوسه "
كانت كهرمان في تلك اللحظة تراقب ما يحدث بملامح معذبة وهي تشعر بنفس القهر في صوت الشيخ، وكيف لا والمصاب واحد والوجع واحد، سقطت دموعها بقوة تشعر بقلبها يكاد يتوقف وجعًا.
تنفس الشيخ بصوت مرتفع وقد تهدمت كامل جدران تماسكه وسقطت دموعه تحكي قصة معاناة شعب ذنبه الوحيد أنه وقع ضحية مؤامرات بعض الخنازير، شعب طُحن أسفل اقدام الحروب، وحطمت ويلات الحرب أحلامه بمستقبل مشرق .
تهدج صوت الشيخ يقص عليه ما يعانيه شعبه باكيًا بصوت موجوع :
" لقد منعوا الطعام عنا، منعوا عنا كل اساسيات الحياة، لكن والله لم نيأس ولم نبتأس بل صبرنا ولم نقل سوى الحمدلله، لكن يا مولاي قتلونا، قتلوا الصغار الكبار، اضحوا يستخدمون شعب مشكى كأهداف لقنابلهم، يتلاعبون بحياتنا "
عند هذه النقطة تقهقرت كهرمان تسقط ارضًا وهي تدفن وجهها بين كفيها تكتم صوت صرخاتها المقهورة، بينما زمرد جوارها تشعر بالوجع، والخزي، الخزي أنها واحدة منهم، واحدة من هؤلاء الوحوش حتى وإن كرهت هذه الحقيقة ونفرتها، لن تنكر أن دماءهم تسير بين أوردتها، حقيقة اشعرتها بالكره لذاتها، سقطت دموعها بقوة .
وسالار كانت عيونه حمراء بشكل مخيف، شكل حكى اهوال، يتنفس بشكل ملحوظ، صوت تنفسه عالي بشكل واضح ..
ودانيار جواره يراقب الشيخ واضعًا يده أعلى فمه يكتم صرخة غاضبة، بينما تميم في هذه اللحظة كان يعلم، يعلم أن قنابله هي التي يُقتل بها إخوته، استخدموها لغير هدفها، استخدموا أسلحتهم ضدهم ..
اصوات بكاء الشيخ ...
صوت تنفس سالار ..
وضربات تميم على الطاولة دون شعور ..
اصوات كثيرة يمكن سماعها لكن أكثر ما يمكنك سماعه في هذه الغرفة كان صوت بكاء تبارك المنهارة وهي تسمع ما يحدث وقد تداخل صوت الشيخ مع اصوات أخرى، اصوات لازمت أذنها ليالي طويلة، اصوات صرخات وبكاء وانفجارات، كل ذلك تداخل ليصنع لها سيمفونية عذاب خالصة .
بعدما انتهى الشيخ من الحديث شعر بالضعف يتمكن منه وكأنه للتو استوعب عمره الكبير وعدم قدرته على التحمل، تهاوى بقوة بعدما سقط عكازه وكأن الرسالة التي كان يحملها كانت جبلًا يحمله وبمجرد أن أبعده عنه تهاوى بضعف ..
لكن في ثواني كان إيفان هو أول من يلتقط جسده يضمه له يقول بصوت خرج هادئًا في ظاهره مرعبًا في باطنه :
" بسم الله عليك وعلى شعب مشكى يا عم "
اقترب منه سالار يمسك اليد الأخرى للشيخ وهو يساعده مع إيفان الذي أشار لأحد حراسه بإحضار مقعد، ليجلس الشيخ عليه وهو يرفع يده يمسح دموعه :
" ساعدهم مولاي، لقد فاض بنا، أتوسل إليك ساعدهم "
جلس إيفان أمامه يقول بصوت منخفض حنون والتوعد يقطر من احرفه :
" أتوصيني بأخوتي يا عم ؟! "
رفع الشيخ عيونه لإيفان ليبتسم له إيفان يربت على كفه، ثم نظر لسالار يقول بهدوء :
" إذن سالار ما رأيك أن توصل شيخنا لمشكى وتأخذ معك بعض الهدايا لهم ؟؟"
رفع سالار حاجبه ليقول إيفان ببسمة صغيرة يفهمها سالار جيدًا :
" أنت تعلم جيدًا كيف تقنع هؤلاء الحثالة بدخول هديتنا صحيح ؟؟ اعتقد أن لغة الحوار بينك وبينهم جيدة لتدبر الأمور ؟"
اتسعت بسمة سالار بشكل مخيف :
" نعم مولاي، هم لن يعترضوا، وإن فعلوا لا بأس فأنا امتلك طرق كثيرة لإقناعهم "
صمت ثم قال بصوت صارم :
" دانيار ..."
انتفض دانيار بسرعة :
" سيدي ."
" جهز لي الكتيبة الاولى في الجيش وتجهز معهم بوحدة الرماة الاولى لديك "
هز دانيار رأسه، ثم تحرك بسرعة للخارج وتبقى تميم الذي قال له سالار بصوت يقطر جحيمًا :
" وأنت تميم جهز لي اسلحتك، سنذيقهم طعم القنابل من أيدينا، ونريهم شعور أن يلقيك أحدهم بقنبلة فوق رأسك"
ابتسم تميم بسمة واسعة تبدو للرائي سعيدة، لكنها في باطنها كانت غاضبة، هز رأسه يخرج من المكان ..
بينما كهرمان تراقب كل ذلك بأعين ملتمعة وهي تشكرهم، حتى وإن لم يصل لهم شكرها، لكنها تشكرهم، نظرت صوب الملك الذي كان شاردًا بشكل غريب، لكنها فقط ابتسمت تقول بصوت خافت وهي تميل برأسها وكأنه يراها مغمضة عيونها لتسقط بعض الدموع منها ممتنة ولا تنكر ذلك :
" اشكرك ...مولاي "
____________________________
خرجت كهرمان بعد ساعة من الغرفة التي ادخلها بها سالار وهي تشعر بقلبها مُثقل بمشاعر عديدة، مشاعر مختلطة غريبة، تشعر بالاختناق .
وخلفها زمرد تسير بخطوات متباطئة بعض الشيء عنها، تتنفس بصوت منخفض وكأن أنفاسها تأبى الخروج، هل عليها العيش في لعنة المنبوذين للأبد ؟؟ أسيطاردها ذلك الهاجس طوال الحياة ؟؟
فجأة انتبهت لتوقف كهرمان حين توقف القائد أمامها لترفع عيونها لهم وتشعر أنه يود الانفراد بها، لتسير في هدوء شديد بعيدًا عنهم دون حتى أن تتحدث بكلمة واحدة، ستذهب لتفقد برلنت والاطمئنان عليها .
قال سالار بهدوء شديد لكهرمان :
" الشيخ مُحمد سيغادر غدًا رفقتي، أي أنه سيبيت ليلته في ضيافة الملك هنا، لذلك أردت تحذير من محاولة التحدث معه "
رفعت كهرمان عيونها بسرعة له ليوضح سالار كلماته بهدوء شديد :
" ليس من مصلحتك أن يعلم أحدهم أنك حية، فلن يرحمك بافل أو رجاله "
" لكن العم ...."
" أعلم أن العم لن يخبر أحد، لكن لنفترض أنه بالخطأ علم الجميع ؟؟ نحن لن نعيش على الافتراضات، في هذه الحياة لا يمكننا الاعتماد سوى على أنفسنا، ولا نثق سوى بأنفسنا بعد الله عز وجل "
هزت كهرمان رأسها ليتحرك سالار من أمامها دون كلمة واحدة، لكنه فجأة توقف يقول :
" ولا تحزني، كل هذا اختبار لمشكى واهلها، ثقي بشعبك وإيمانهم، لو أنهم ليسوا قادرين على تخطي هذا البلاء ما اختبرهم الله به( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) ملكة كهرمان "
ختم حديثه يتحرك من أمامها، تاركًا إياها ترمق أثره بصدمة، هي ملكة ؟! مهلًا هي ملكة بالفعل، الآن لم يعد من الأسرة الحاكمة سواها، وكم اوجعتها تلك الحقيقة، وضعت يدها أعلى صدرها ترثي والدتها وشقيقها بقهر :
" رحمة الله عليكما، ستعود مشكى واحتفظ بذكراكم فيها"
ومن بعد هذه الكلمات شعرت بالاختناق لتقرر التحرك والخروج من هذا المكان ودون أن تشعر قادتها قدمها صوب البحيرة جوار الحظيرة تستند على الشجرة التي كان يقف جوارها الوقح ذلك اليوم، تنفست بصوت مرتفع تمنح نفسها راحة مؤقتة من كل تلك الصراعات ..
________________
" كيف جئتي هنا يا فتاة ؟؟"
" بكيت للحارس في الخارج وأخبرته أن والدتنا امرأة عجوز مريضة تريد الاطمئنان على طفلتها التي سرقت خاتم صانع الأسلحة لأجل علاجها "
شهقت برلنت تتمسك في القضبان وهي تقول بحنق :
"يا حمقاء أنتِ هكذا تثبتين التهمة عليّ "
" نعم، لكنني استطعت مقابل ذلك الدخول لكِ "
رمقتها برلنت بشر لتطلق زمرد ضحكات صاخبة وهي تخرج من جيب فستانها ثمرة فاكهة تلقيها لها من بين القضبان :
" امسكي يا ابنتي احضرت لكِ هذه، لا داعي للشكر "
أمسكت برلنت ثمرة الفاكهة تمسحها في ثيابها، ثم قضمتها بغيظ شديد تردد :
" لم أكن سأشكرك فأنتِ لم تحضري لي وليمة في النهاية، والآن أخبريني كيف ستخرجيني من هنا ؟؟"
رمقتها زمرد قليلًا وكأنها تفكر، ثم هزت كتفها صعودًا وهبوطًا :
" لا ادري حقًا، لكنني كنت سأقتل الفتاة لاجلك "
ابتلعت برلنت ما تأكل بسعادة وهي تلتصق بالقضبان مرددة :
" حقًا ؟! ستفعلين لأجلي ؟؟"
" لا ليس تمامًا، كنت اتحدث معها بكل هدوء، لكنها استفزتني بشكل جعلني أخرج عن طور هدوئي فكدت اقتلها، لكن حمدًا لله انقذتها فتاة من يدي "
" يعني لم تفعلي ؟؟
كان الإحباط وخيبة الامل واضحين في صوت برلنت بعدما عادت تكمل أكل الثمرة، وزمرد رفعت حاجبها بحنق :
" أنتِ تريدين مني أن اقتلها لآتي واجلس جوارك في هذا السجن ؟؟ "
نفت برلنت بسرعة وهي تقول تنتهي من آخر قضمة في الثمرة :
" لا لن تأتي جواري هنا، فهذه سجون الجرائم البسيطة كسرقة خاتم أو عصيان أوامر، أما القتل فله سجون أخرى حيث سيقودونك لتعدمي "
كانت برلنت تتحدث ببساطة شديدة وهي تحدق بملامح زمرد عن قرب، لكن فجأة أطلقت صرخة مرتفعة وهي تعود للخلف ترى زمرد تمد يدها من بين القضبان صارخة بجنون :
" أنتِ أيتها الـ .. تريدين مني أن أُعدم، تبًا لمن يساعدك، سأتركِ لتتعفنين بسبب ذلك الغبي الذي تحبينه "
اشتدت ملامح برلنت برفض لكلماتها الأخيرة :
" إياكِ زمرد، إياكِ أن تتحدثي بالسوء عن تميم سمعتي ؟!"
" هذا التميم هو من سجنك هنا"
ابتسمت لها برلنت تقول بهدوء وبساطة كبيرة :
" لا بأس سأسامحه لأنني احبه "
وفجأة صرخت مجددًا تتراجع عن القضبان تراقب وجه زمرد التي التصقت بالقضبان وهي تكاد تدخل وجهها من بينهم، تقول بهسيس مرعب :
" أنتِ يا امرأة لا كرامة لكِ، الرجل ابعدك عنه قديمًا بعدما هددك، والآن سجنك بعدما هددك مجددًا، وأنتِ لا كرامة لكِ ها ؟؟ لم يتبق سوى أن يعلقكِ من خصلات شعرك ويجلدك "
تشنجت برلنت لكل ذلك الهجوم على تميم وهي المخطأة قديمًا وتميم كان من الصبر والكرم كي لا يقتلها بسبب ما فعلت به، والآن...حسنًا هو يظنها سرقته :
" هو برئ ولطيف حبيب قلبي لا يخطأ، بل هو أكثر الرجال لطفًا "
مدت زمرد يدها من القضبان وهي تحاول الإمساك بها صارخة :
" أنتِ ...تعالي هنا سأقتلكِ "
في تلك اللحظة دخل الحارس كي يخبرهم أن وقت الزيارة انتهى، لتسارع برلنت وتقول بخوف :
" نعم أخرجها من هنا يا سيد، ولا تدع تلك المتوحشة تدخل لي مجددًا "
نظرت لها زمرد بشر وهي تردد ممسكة القضبان بتهديد :
" سأخرجكِ من هنا برلنت، سأفعل ليس لأجلك، بل لتأديبك"
ختمت حديثها تخرج من المكان بغيظ شديد وهي تنفخ بصوت مرتفع، بينما برلنت راقبتها تطلق ضحكات صاخبة عليها :
" حسنًا لا بأس طالما أنكِ ستخرجيني في النهاية "
______________________
كانت تتحرك صوب الحجرة الخاصة به، تعلم أن هذا خطأ كبير، عليها ألا تقترب منه وأن تتلاشى التواجد جواره، على الأقل لتنقذ حياتها، لكن هي لا تستطيع النوم كلمة تذكرت كلمات ذلك الشيخ، مسحت دموعها بيد مرتجفة تتذكر كلماته المقهورة لشعبه، شعب عاش شهر وبضعة أيام في تلك الحالة، بالله ما حال من عاش عقود طويلة بها واسوء ؟!
كانت ستذهب للملك، لكنهم أخبروها أنه مشغول مع الشيخ، فقررت أن تأتي له هو، الرجل الثاني بعد الملك والذي يمتلك كلمات قد تبرد نيرانها .
عند هذه الفكرة توقفت أمام حجرته ترفع يدها لتطرق الباب ودموعها لم تتوقف، لكن لم تكد تفعل حتى وجدت الباب يُفتح بقوة لتتراجع هي للخلف .
صُدم سالار من رؤيتها تقف أمام غرفته بهذه الحالة الـ يُرثى لها :
" مولاتي ؟؟"
رفعت تبارك عيونها له تقول بصوت منخفض :
" آسفة لقدومي في هذا الوقت، لكن أنا فقط ...فقط لا استطيع النوم حتى ... أنا لا أستطيع "
توقفت تبتلع غصتها تحت نظرات سالار المتعجبة والذي كان على وشك الصراخ بها ألا تقترب من غرفته، لكن رؤيتها بتلك الهيئة صدمته :
" أنا لا أفهم شيئًا، مولاتي ما الذي تسبب في ازعاجك، هل حدث شيء ما ؟؟ أخبريني إن كان هناك ما يمكنني تقديمه لجلالتك "
رفعت تبارك عيونها له تحاول الحديث، لكن ودون مقدمات وجدت نفسها تنفجر في بكاء قوي أمامه بشكل جعل أعين سالار تتسع بصدمة وهو ينظر حوله بفزع وكأنه يخبر الهواء في المكان أنه برئ من بكائها ذلك.
وتبارك وضعت يدها على وجهها تقول بصوت مرتفع باكي :
" الراجل اللي جه من مشكى ده، الراجل ده ... أنت هتساعدهم صح ؟! هما هيكونوا بخير ؟؟ مش عارفة أنام، مش قادرة أنام صورهم كلهم مش راضية تطلع من عقلي، أصواتهم مستقرة جوا وانا... أنا مش قادرة اتنفس، مش قادرة استريح، هو ليه في كل مكان فيه ظلم كده "
كان سالار يستمع لحديثها يحاول تجميع كلمات مفهومة منها، لا يفهم سوى أنها حزينة لأجل أهل مشكى، لكن عن اصوات من تتحدث وصور من ؟؟ هل رأت ما يحدث هناك ؟! مستحيل .
وتبارك في تلك اللحظة كانت منهارة تحاول أن تسمع منه كلمة مفادها أنه سيساعدهم، تسمع منه كلمات ولو كاذبة تطمئنها أنه هناك أمل، ستتحرر مشكى ويتحررون هم، سيتحررون جميعًا .
راقبها سالار يتنفس بصوت مرتفع وهو يحاول البحث عن كلمات في رأسه لمواساتها، هيا سالار لا بد أن هناك كلمات داخل عقلك تصلح لمواساة امرأة، أو حتى رجل، هيا ابحث، لكن لا شيء، النتيجة كانت بضع أوامر وتوبيخات لجنوده وبعض الكلمات الحماسية للقتال، لا شيء آخر .
تنهد بصوت مرتفع :
" مولاتي الامـ "
وقبل أن يكمل كلمته صُدم حينما أبصر جسد تبارك ينحشر في أحد أركان الممر وهي تدفن رأسها بين قدمها تكمل بكاء وهو لا يصدق ما تفعل، نظر حوله بسرعة وصوت بكائها يعلو أكثر وأكثر وهو يشعر أنه تورط وعليه الآن أن يتعامل بهدوء :
" هييه أنا ... أنا...ماذا افعل ؟؟ أنا...هيا لا بأس هم أقوياء جميعًا، سيكونون بخير مولاتي، هيا انهضي من هنا، يمكننك البكاء في غرفتك افضل، هيا "
رفعت تبارك عيونها له تقول بصوت مرتفع باكي :
" مش عارفة أنام، أنت هتساعدهم صح ؟!"
" نعم نعم، اقسم لكِ سأفعل، تريدين مني الذهاب الآن وقتلهم جميعًا وإخراجهم من مشكى ؟؟"
نظرت له تبارك بلهفة :
" تستطيع ؟!"
ابتسم لها بسمة صغيرة على كلمتها البريئة تلك :
" نعم، لكن هيا انهضي من هنا رجاءً سيظن الجميع أنني أنا من ابكيتك "
نهضت تبارك وهي تنفض ثيابها، ثم مسحت دموعها تنظر لوجهه :
" أنت شخص جيد سيدي القائد "
شعر سالار بالريبة منها وهو يتراجع للخلف قليلًا :
" شكرًا لكِ مولاتي، والآن غادري المكان رجاءً، لا يمكنك البقاء هنا "
" وكذلك وقح، أنت حقًا كذلك "
عض سالار شفاهه بقوة يحاول أن يمرر الحديث معها قبل أن ينتبه لها أحدهم تقف هنا معه وتتحدث بكل تلك الحرية وكأنه رفيق قديم لها.
وهذا ما كانت تراه هي، تبارك تراه رفيق، الشخص الوحيد الذي يساعدها هنا بعد الملك، أو قبل الملك، لا تدري فهي لم تتعرض لمشكلة على مرأى الملك لترى ردة فعله، كما حدث مئات المرات مع سالار الذي لم يتوانى عن مساعدتها ثم توبيخها، تمامًا كالام حين تعثر على صغيرها بعدما ضل عنها، تضمه ثم تصرخ به موبخة، فإن كان يتعجب أنها تتعامل معه كصديق قديم .
فهو في الحقيقة كان كذلك على الأقل بالنسبة لتبارك، كان سالار بمثابة صديق قديم ومرشد لها في هذا القصر وهي تقدر له مساعدته لها رغم كل ما تسببه له من متاعب و...لحظة أوليس سالار هذا هو نفسه من صرخ بها ذلك اليوم أمام قاعة الاجتماعات، وهو نفسه من كان يوبخها في التدريبات ؟؟
نعم ها هي ملامحها تتغير من الراحة للامتنان، ثم الاستنكار واخيرًا الكره والغضب، هي الآن غاضبة، غاضبة وبشدة منه على كل تصرفاته اللئيمة معها .
وسالار ذلك الرجل المسكين الذي لم يكن يدرك كل ما يدور في عقل تلك المرأة أمامه تنهد بصوت مرتفع يخفض رأسه لها مرددًا بهدوء :
" مولاتي اسمعي جيدًا، أنتِ لا تستطيعين إيقاف أي رجل في القصر بهذا الشكل والتحدث معه بهذه البساطة، وبالتأكيد لا يمكنك البكاء بهذا الشكل و..."
قاطع حديثه صوت تبارك التي قالت بغضب:
" أنت واحد لئيم، واحد لئيم ومستفز "
رفع سالار عيونه لها بصدمة من كلماتها تلك التي ألقتها في وجهه دون مقدمات وبلا سبب، لكن فجأة تلاشت صدمته ليحل محلها الغضب وهو يهمس من أسفل أسنانه:
" ليس لأنني مضطر لاحترامك تسيئين لي ؟؟ سمعتي ؟؟"
ورغم أن صوته كان منخفضًا إلا أنه اخافها وبحق خاصة بنظراته تلك التي تكاد تحرقها حية، عادت للخلف خطوات قليلة :
" لا، عشان أنت اللي على طول بتـ ....ااه"
كانت تتحدث بقوة وهمية تحاول أن تخبره أنها لا تخشاه، لكن حينما رأته يرفع سيفه من غمده أطلقت صرخة مرتعبة وهي تعود للخلف تنظر حولها تتساءل عن الجنود، أين هم عندما تحتاجهم .
حركت عيونها له تقول مدعية القوة :
" أنا لا اخافك سيدي القائد "
" نعم أخبرتني هذه الكلمات سابقًا قبل أن تنخرطي في بكاء عنيف مرتعبة مني "
حسنًا هذا لم يكن لطيفًا البتة، تشعر الآن بحاجتها للاختفاء:
" في الأساس هذا خطأي لأنني قررت أن الجأ لك ظنًا أنك شخص ذو مشاعر كالبشر و.."
" لا، لست كذلك "
" أيوة اخدت بالي، على العموم أنا كنت جاية عشان شيء معين وتم، ودلوقتي اعذرني سيدي القائد مضطرة امشي عشان مشغولة في أمور المملكة "
ختمت حديثها ترفع طرفي الفستان بقوة لتضربه به في وجهه وهو أطلق سبة من فمه خافتة ضاربًا طرف الفستان يراقبها ترحل بعيدًا عنه وهو ينفخ بغيظ شديد :
" أمور مملكة ؟؟ نعم كدت اصدقك مولاتي "
تحرك خلفها كي يخرج لجلسته مع رفاقه، لكن وحينما سار خارج الممر خلفها وجدها تستدير فجأة له بفزع وهي تقول :
" أنت جاي ورايا ليه ؟؟ مش قولتلك خلاص مش هـ"
لكن سالار لم يتوقف حتى لمعرفة ما تقول، بل تجاهلها كليًا يسير خارج هذا المكان بأكمله ليتنفس بعيدًا عن هذه الفتاة المستفزة، وتبارك استوعبت ما قالت لتشعر بالاحراج الشديد لكل ما فعلت وقالت، حقًا تريد الاختفاء من هذا العالم، فقررت أن تخرج للحديقة الآن كي تجلد ذاتها على كل أفعالها ...
____________________
كانت تجلس في السجن بعدما أخبرها الحارس أنها ستُعرض على الملك غدًا، تنهدت بصوت مرتفع وهي تفرك وجهها بتعب شديد، يالله متى ستبتسم لها الحياة ؟؟
شردت بعيدًا في ذكريات كانت هي الأنيس الوحيد لها من بين أكوام الاوجاع التي تحياها تلك .
كان يجلس أمام المنزل الخاص به يعمل على الفخار الذي يحمله والده فيما بعد ليبيعه في الأسواق، لكن فجأة وجد ظل يمنع عنه ضوء الشمس .
رفع تميم عيونه بانزعاج شديد، لكن سرعان ما ابتسم حين ابصرها، حبيبة قلبه الصغير وصديقته الأقرب في هذه الحياة .
" مرحبًا تميم، لم تنتهي بعد لأخذي إلى السوق ؟؟"
ابتسم تميم وهو يشير للفخار أمامه :
" صبرًا بيرلي، كدت انتهي، اجلسي جواري هنا "
وبالفعل تحركت بيرلنت تجلس جواره وهي تتنهد بصوت مرتفع، ثم تجاهلت كل شيء حولها تشرد بملامحه التي بدأت تودع المراهقة في طريقها للشباب، ابتسمت على حظها، من بين جميع الفتيات نالت برلنت الصغيرة قلب تميم الذي يشهد له الجميع بمستقبل مبهر سواء بعمل الفخار كوالده، أو في تصليح الأجهزة، فقد كان يمتلك أصابع ماهرة في كل صناعة وتصليح أي شيء يضع تعلمه نصب عينيه .
من بين شرودها به سمعت صوته يقول بحنان وبالقرب من أذنها :
" تعجبكِ ملامحي بيرلي ؟!"
رفعت برلنت عيونها له بصدمة وخجل شديد من اقترابه هذا، وابتلعت ريقها تحاول الهرب من عيونه تتحدث بكلمات خافتة لطالما كانت ترددها لها منذ طفولتهم ببراءة شديدة، لكن تلك البراءة تحولت لاعجاب حين بدأت تخطو المراهقة :
" أنت وسيم "
" شكرًا لكِ "
ولم تكن تلك الكلمات صادرة من تميم المراهق البرئ الحنون، بل كانت صادرة من جهة القضبان من فم تميم ايضًا، لكن تميم لئيم مستفز .
اعتدلت برلنت بقوة تستوعب الآن أنها نطقت كلمة " وسيم" بصوت مرتفع وصل لمسامع تميم الذي يقف بتكاسل شديد متكئًا على القضبان واضعًا يديه في جيب سترته الجلدية رمادية اللون، وهناك بسمة جانبية ساخرة ترتسم على فمه .
" عفوًا، لكن هذه الكلمة لم تكن موجهة لك على أية حال "
نظر لها تميم بحزن شديد مصطنع :
" أوه، لا بأس إذن سأتظاهر أنها كانت لي كي لا ينكسر قلبي "
" لتنكسر رقبتك أيها المزعج "
وقلبها أجاب عليها بسرعة كبيرة وكأنه يتحالف مع تميم ضدها هي وعقلها ( بل لتنكسر رقبتك أنتِ )، تنهدت تخرج من فقاعة حب ذلك الاحمق الذي لا يفقه لشيء حوله .
نفخت تقول بانزعاج من وقوفه بهذا الشكل وتحديقه بها :
" ماذا ؟؟ ستقضي ليلتك تتأمل بي ؟!"
" لا لا معاذ الله أن أفعل فأنا أنام ليلتي وحيدًا وأخشى أن تخرجي لي في ظلام الليل وتفسدي عليّ نومتي "
ضحكت برلنت بشكل سخيف ساخرة من كلماته التي خرجت مستفزة لها بشكل مثير للغيظ :
" أنت خفيف الظل "
ابتسم لها تميم بلطف مصطنع :
" اشكرك، أنتِ اول من يخبرني بذلك "
هزت رأسها ببساطة تقول :
" نعم، فأنا كاذبة منذ الطفولة "
رمقها ثواني قبل أن ينفجر في موجة ضحك لا يستطيع التحمل، بينما هي شردت في ضحكاته بإعجاب خفي وحب ينبض من كل نظرة لها، لكن سرعان ما أخفت كل ذلك خلف ملامح متأففة مصطنعة حينما نظر لها يقول بجدية وكأنه ليس الضاحك منذ ثواني .
" إذن هل أنتِ من سرق حقًا خاتمي !!"
رفعت حاجبها تقول وهي تحاوره بجدية مصطنعة :
" أوه ومنذ متى ترتدي خاتمًا نسائيًا سيدي صانع الأسلحة؟!"
رفع تميم حاجبها وهو يرفع يده دون شعور يتحسس القلادة التي يحمل بها خاتمها والتي تختفي أسفل سترته يقول :
" لا شأن لكِ به، أخبريني فقط إن كنتِ الفاعلة أو لا، وإن فعلتيها هل هناك ما دفعك لذلك ؟؟ أنا أبحث عن حجة لاساعدك صدقيني "
تنفست بصوت مرتفع ولا تدري سبب ما فعلته لكنها وبكل غباء قالت :
" لا ليس لدي اسباب، ثم أليس سؤالك متأخرًا بعض الشيء، لقد سبق واتهمني الجميع بسرقته، وغدًا سأُعرض على الملك وربما يحكم على بحد السرقة، الآن استيقظ ضميرك ؟!"
شعر تميم بالغضب ولا يدري عليها أم منها، هو فقط يشعر أنها ليست الفاعلة، فهو لم يرها يومًا تمد عينيها لشيء يخصه طوال لقائاتهم، ولا تبدو من ذلك النوع الجشع أبدًا .
" أنا أحاول مساعدتك، لذلك إن كنتِ تعلمين شيئًا، أخبريني به لاساعدك يا امرأة وتوقفي عن الجدال "
تنفست برلنت وهي تستدير له بملل :
" لا اعلم، هل تحتاج حقًا لدليل كي تخرجني من هنا ؟! ألا يمكنك فعل هذا فقط لأنني لطيفة رقيقة القلب ؟؟"
أطال تميم النظر لها ولملامحها المختفية خلف الظلام في السجن، وقال بهدوء :
" لا "
هزت رأسها وكأنها كانت تأمل فعلًا أن يساعدها لأجل ذلك، لكن تميم اكمل ببساطة :
" لا لستِ كذلك، ولو كنتِ كذلك لكنتُ ساعدتك، لكنك للأسف لستِ لطيفة، وحتمًا لستِ رقيقة القلب، وبما أنني ارحت ضميري، سأذهب الآن للنوم في غرفتي الدافئة أسفل فراشي واترككِ تقضين ليلة ممتعة مع فارسك الوهمي "
ختم حديثه يبتسم لها أكثر بسماته المستفزة، ثم رحل وهي ركضت للقضبان تمسك بها بغضب شديد وكأنها كانت تتمنى لو لحقت به قبل أن يرحل تصرخ بغضب شديد :
" أنت أيها الفاشل المزعج، تبًا لخاتمك النسائي، أنا لم أسرق شيئًا، لكن حينما أخرج سأفعل يا فاشل "
توقفت عن الصراخ وهي تتنفس بصوت مرتفع ليرن اصوات ضحكات تميم في المكان بعدما سمع صوتها، وهي لشدة غضبها ضربا القضبان بضيق :
" مستفز .."
زفرت بصوت مرتفع تنهار ارضًا تقول بصوت منخفض :
" الآن الامل الوحيد في يد زمرد ...."
___________________
انضم تميم لجميع الرجال في الحديقة حيث يجتمعون عادة، ومعهم العريف ومرجان، ورغم أن العريف لا يطيق وجودهم في مكتبته لأن الأمر ينتهي بتدميرها، إلا أنه لا ينكر حبه لتلك الجلسات الهادئة التي غالبًا ما ينهيها هو بتعكير صفو الجميع .
" والآن أين هو ذلك الملك المدلل ؟!"
رفع سالار عيونه للعريف يقول بهدوء شديد :
" الملك لن يعجبه أن تصفه بذلك أيها العريف "
نفخ العريف دون اهتمام وهو يتحسس بومته الحبيبة :
" وكأنني اهتم "
صمت ثم نظر لسالار بخبث يتساءل وهناك نبرة مرح تظهر في حديثه فقط يشاكسه :
" إذن سالار العزيز كيف تسير حياتك هذه الايام، رأيت حلمًا البارحة عسى أن يجعله الله من نصيبك و..."
" لا أريد معرفته، صدقًا لا أريد "
" اسمع يا ولد هذا حلم جيد "
رفع سالار كفه في وجهه العريف يسكته عن التحدث :
" لا شكرًا لك، أحب عنصر المفاجأة، أرغب في التفاجئ بأحداث حياتي بدلًا من سماعها منك مقدمًا "
التوى ثغر العريف يستدير صوب دانيار الذي كان شاردًا في السيف الذي يحمله أسفل الطاولة، لكن فجأة انتفض على صوت العريف يقول :
" دانيار يا بني تعال لاخبرك ما ..."
اجابه دانيار بحنق وعدم اهتمام بكل ما يقول :
" اششش أعلم أنني سأموت في نهاية قصتي الممتلئة بالتشويق على يد قرصان "
ابتسم له العريف يقول بخبث :
" بل قرصانة.."
أطال دانيار النظر لوجهه بحنق شديد، لكن فجأة انتفض على صوت شقيقه يقول بسخرية :
" أي قرصانة تلك؟! هل ستبحر يا دانيار ؟؟"
" لا يا عزيزي، بل العريف هو من يجبرني على الإبحار في محيطات لا علم لي بها "
قال العريف بهدوء :
" بل انت من تعاند مصيرك وتقاتله كالجميع هنا، لا رجل منكم تعامل مع ما يخصه بلطف كرجل حنون، جرب أن تجلس معه جلسة ودية وتتعرف عليه دون قتال "
نظر له دانيار بعدم فهم :
" من تقصد ؟!"
ضحك العريف بصوت صاخب :
" مصيرك "
صمت ثم استدار لتميم الذي ابتسم له وهو يضم ذراعيه لصدره :
" هات ما لديك يا عريف، أطرب اذني بمصائبك الجديدة لي فما عدت اتأثر "
هز العريف كتفه بهدوء شديد :
" لا الأمر فقط أنك تستمر في تجاهل جميع الإشارات حولك وهذا ليس جيدًا لاجلك يا فتى "
تدخل مهيار يقول بجدية وهو يستند على الطاولة :
" وأنا أيها العريف، ألم ترى رؤية لأجلي ؟؟"
تنهد العريف وهو يربت على كتفه :
" أنت يا بني مصيرك مشرق إن شاء الله، لكن فقط اتبع قلبك ودعك من كل هؤلاء الرجال حولك "
نظر مهيار للثلاثة الحانقين، وهو يفكر في حديث العريف، ليتفاجئ بضربة من يد دانيار الذي قال بحنق :
" وتفكر أيضًا ؟؟ هل ستعتزل شقيقك لأجل تخاريف هذا العجوز مهيار ؟؟"
" ما بك أنا حتى لم أتحدث بكلمة واحدة يا رجل، توقف عن ضربي بهذا الشكل كي لا انسى أنك شقيقي الأكبر "
نهض دانيار يستعد لقتال بينه وبين مهيار وهو يردد بصوت مشحون بغضب شديد :
" وماذا ستفعل أنت ها ؟!"
واجهه مهيار ببنية جسدية لا تقل قوة عن خاصته :
" سأريك ما سأفعل "
نهض تميم يتدخل كالعادة بين الإثنين وهو يردد بصوت مغتاظ :
" ما بكما يا احمقين توقفا عن تصرفات الصغار هذه "
لكن الاوان كان قد فات واشتبك الاثنان في قتال راح ضحيته تميم الذي كان يطاله منهم ضربات متفرقة، ليقرر أن يكون طرفًا ثالثًا في القتال، وكل ذلك تحت أنظار العريف الذي تأتأ بعدم رضا :
" يا ويلي منكم، كالصغار "
وسالار يراقب كل ذلك بملامح جامدة وهو يضم يده لصدره وكأنه يستمتع بمشاهدة ما يحدث مرددًا :
" يا فرحتي بكم، أين الملك ليشاركني فخري بجنوده ؟؟"
__________________
أما عنه كان يتحرك بخيله بعد جولة مسائية هدف منها لاستتشاف بعض الهواء الصافي يحاول التنفس بحرية بعد تلك المقابلة المشحونة مع الشيخ، هو كذلك كلما شعر بالاختناق يتصعد لجولة بخيله تخفف عنه، ثم ينتهي للذهاب صوب الشجرة الخاصة به قرب المزارع ..
لكن بالنظر لذلك الجسد الذي احتل مكانه، علم أنه ليس الوحيد المهموم في هذه الليلة .
تحرك بالخيل يبطئ حركته صوب الشجرة يحاول تبين هوية ذلك الجسد والذي أدرك أنه يعود لامرأة حين اقترب ولمح تكوينه، لكن الوجه لم يكن واضحًا رغم أنها لم تكن تضع غطاء له، وكأن الظلام كان خير عونٍ لها حتى تخفي ملامحها عنه وخاصة ...عيونها .
كانت كهرمان تجلس في المكان تضم قدمها لصدرها بتعب شديد وقد استعادت العديد من الذكريات في تلك الساعات التي قضتها هنا دون أن تهتم بجوعها أو برودة الأجواء، لكن انتفض جسدها حين سمعت صوتًا يهدر جوارها .
" من أنتِ آنستي وماذا تفعلين هنا في هذا الوقت من الليل ؟!"
نهضت كهرمان بسرعة تضع غطاء الوجه دون تفكير وبحركة سريعة حين علمت الصوت، استدارت ببطء ترى ملامح الملك التي انعكست عليها اضواء المزرعة، اطالت النظر به تقول بصوت منخفض رقيق، وعيونها التي كانت ترمقه بكل الحقد والكره، باتت في هذه اللحظة ترسل له رسائل امتنان وهي تتذكر كلماته للشيخ ومساعدته لمملكتها :
" عفوًا منك مولاي، كنت أشعر بالاختناق وخرجت لاستنشاق بعد الهواء ويبدو أنني لم أعي للوقت "
تسألون إن كان تعرف على هويتها ؟! بالطبع فعل، فمن ينسى تلك الحركات الراقية وذلك الصوت الرقيق الذي لا يصدر من الكثير هنا .
أفاق على حركتها المعتادة وهي تمسك أطراف فستانها بكل رقي تميل بعض الشيء له وتخفض رأسها بهدوء واحترام شديد :
" اعذرني مولاي، سوف ارحل الآن "
هي أميرة، يقسم أن كل التصرفات وهذا الحذر في إخراج الكلمات وتلك الحركات والانامل الرشيقة التي تعمل متى تحمل أطراف ثوبها برقي ومتى تميل ومتى تبعد أطراف الثوب عن طريقها لا يمكن أن تكون لفتاة تربت وترعرت في منازل الأشخاص البسطاء .
تنفر مراحيض العامة، وتشكو قلة الرعاية والزيوت العطرية، تنبذ حياة من المفترض أنها تنحدر منها .
كهرمان ...كهرمان نعم يتذكرها، يستطيع تمييزها من بين المئات، ابتسم يقول لها بهدوء وبكل بساطة تخفي خلفها خبثه ونبرة غامضة :
" إذن من أي مملكة تنحدرين .. أميرة كهرمان ؟!"
________________________
الأسرار لا تظل اسرار طوال الحياة، بل هي تستمر في غموضها حتى تصل لنقطة يتلاشى عندها الغموض، وتظهر الحقيقة .
فأي حقيقة تلك التي حانت لحظة كشفها ؟؟
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحمة نبيل
متنساش تعمل تصويت قبل قراءة الفصل .
صلوا على نبي الرحمة
________________
ورغم أن الفراغ حولهم في هذا الوقت لم يكن يساعد على حدوث صدى صوت أو ما شابه، لكن هي شعرت وكأن كلماته التي نطق بها منذ ثواني رنت في أذنها مرات متتالية وكأنها تتعمد اخبارها أنها كُشفت .
اتسعت أعين كهرمان وقد شعرت أن قلبها توقف لثواني معدودة، ثواني قليلة فقط حتى تمالكت نفسها واستطاعت التنفس وهي تقول بصوت خافت وما تزال تخفض رأسها باحترام شديد :
" عفوًا مولاي لا افهم ما تقصد "
ابتسم وكأنه يقول حقًا :
" بلى تفعلين، أليس من العجيب أن تسكن أميرة أسفل سقف قصري، وتعمل به ؟؟ هل تحبين تجربة الحياة العادية، أم أن مملكتك ارسلتك جاسوسة على مملكتي ؟؟"
تنفست كهرمان بصوت منخفض كي لا ينتبه لتوترها، ثم رفعت رأسها ببطء تقول بنبرة جادة هادئة:
" في الحقيقة مولاي أنا لا اعلم سبب استنتاجك لأمر كوني أميرة، لكنني أؤكد لك أنك مخطئ جلالتك "
رفع إيفان حاجبه وهناك بسمة جانبية قد ارتسمت على فمه ثم قال ببساطة شديد :
" أوه حقًا ؟؟"
" نعم "
كلمة صغيرة نطقت بها وهي تشحن عقلها بمائة سبب وحجة تثبت بهم أنها ليست أميرة وأنها مجرد فتاة عادية، تنتظر منه رفضًا لكلمتها كي تنطلق في الدفاع عن هويتها المزيفة، لكن كل ما خرج من إيفان هو هزة كتف بسيطة وكلمات أبسط :
" حسنًا، كنت امزح فحسب "
كلمات بسيطة جعلت أعين كهرمان تتسع بشكل قوي وهي ترفع وجهها لها، بهذه البساطة ؟؟ كان يمزح ؟؟ كان سيتسبب في توقف ضربات قلبها لأنه فقط ...يمزح ؟؟
لكن مهلًا ما سبب تلك البسمة التي ارتسمت على فمه، هل كان يمزح حقًا أم فقط يسخر منها أم ماذا !! ذلك الرجل داهية كما وصفه أرسلان سابقًا، ما تزال تتذكر كل أحاديثه عن إيفان في اجتماعه مع والدته أثناء وجودها .
" إيفان هادئ ؟؟ أشفق على من يعتقد ذلك، إيفان داهية ماكر وتفكيره مرعب، صمته يرعب أكثر من حديثه، لذا لا إن سألتني رأيي فلا أنا لا اطمئن لبسماته ونظراته بمقدار حبة خردل، ذلك الرجل ورث عن والده وأجداده عقل سام"
كلمات كانت تتردد على مسامعها، لكنها لم تكن تهتم بها كثيرًا، فما حاجتها لتعلم صفات كل ملك من الملوك؟! كان يكفيها أن تعلم صفات ملك واحد، وهو شقيقها، أفضل رجال العالم في عيونها، ذكي وقوي وحنون، رجل بكل ما للكلمة من معنى .
خرجت من شرودها بشقيقها وإيفان على صوت إيفان وهو يردد :
" إذن اعتقد أنكِ مضطرة الآن لتعودي إلى القصر آنستي، فبقائك في هذا الوقت خارجًا مرفوض تمامًا "
نظرت له كهرمان من خلف غطاء وجهها، تحمد الله أنه لا يرى ردات فعلها ولا شرودها به ولا ملامحها التي تتغير مع كل كلمة منه .
تنهدت بصوت مرتفع، ثم أمسكت أطراف ثوبها :
" اعتذر منك مولاي، سأعود حالًا للسكن الخاص بي"
كانت أعين إيفان تراقب أناملها تلك وبسمته ما تزال ثابته أعلى فمه، انحنى لها برأسه في خفة شديد، ثم تنحى جانبًا يسمح لها بالمرور، وهي سارت بهدوء مبتعدة عنه بخطوات حريصة وطريقة سير يعلمها هو تمام العلم ..
وثقت بجهله، وهذا أكبر خطأ ارتكبته .
وأثناء مراقبته لها وهي ترحل، وقبل أن يقرر صعود حصانه للذهاب حيث الرجال ليجلس معهم كعادته، سمع صوتًا جعل جسده يتحفز بشكل غريب، صوت يعلمه جيدًا .
ارتفعت أعينه بسرعة صوب السماء يبصر قذائف عديدة تتطاير في الأجواء مبددة سكون الليل لتتسع عيونه بقوة ينظر صوب كهرمان التي كانت تتحرك ببطء شديد والقذائف تتطاير في المكان .
فجأة أطلقت كهرمان صرخة اخترقت سكون الليل حين شعرت بيد إيفان تجذبها بعنف صوبه، اتسعت عيونها برعب وكادت تصرخ، لكنها تفاجئت حين حملها دون مقدمات يلقي جسدها على حصانه يقول بصوت مرتفع :
" لغرفتك ولا تخرجي منه "
نظر للحصان يضربه بخفة صارخًا :
" تحرك بسرعة، هيا "
وفي ثواني وكأنه فهم ما يريده إيفان هرول الحصان بسرعة كبيرة بكهرمان التي اطلقت صرخات مرتفعة وهي لم تستوعب بعد ما يحدث، لكن وبردة فعل غير إرادية من يدها امسكت لجام الفرس تتحكم بجسدها أعلى الفرس بكل براعة وقد أبصرت للتو القذائف لتضرب خصر الحصان بقدمها وهي تصرخ برعب :
" اسرع "
راقب إيفان بأعين مذهولة سرعة تداركها للموقف وجلستها أعلى ظهر حصانه وكأنها وُلدت فارسة، ابتسم بسمة غريبة غير مصدقة ساخرًا :
" نعم فتاة عادية بالكامل .."
تجاهل الأمر وهو يركض في المروج بسرعة يصرخ بصوت مرتفع جهوري يستل سيفه من غمده :
" هجوم على المملكة، هجوم على المملكة "
وعلى صوت الملك انطلقت أبواق الانذار بشكل مثير للفزع وقد انتفضت قوات الجيش بأكمله..
وعند الرجال كان أول من انتبه لصوت القذائف هو سالار الذي اتسعت عيونه، ينهض عن مقعده يركض بسرعة كبيرة وخلفه جميع الرجال في حالة استنفار كبيرة وصوت سالار هز جدران المملكة القصر بأكمله :
" كلٌ يحمل سلاحه، احملوا اسلحتكم "
قال وهو يركض بسرعة صوب المبنى الرئيسي للقصر الرئيسي :
" دانيار اذهب لتفقد الرماة واستعد، تميم تفقد المجموعة الثانية من الجيش، مهيار للمشفى بسرعة ولا تتحرك فكل ثانية قد تحدث فارقًا في حياة جندي ما "
أنهى التعليقات يركض وهو يرفع سيفه صارخًا في جنوده الذين يركضون من حوله بشكل مرعب وكأنها نهاية العالم :
" لا أريد تهاونًا، لا اريد رحمة من ترونه تخلصوا منه"
________________________
خرجت تبارك منذ دقائق لتتنفس بعض الهواء النقي علها تهدأ من اضطرابات صدرها .
وفي ظلام الليل تسير، تناجي السماء وتشكو للنجوم، لكن مهلًا ما هذا الصوت، هل هناك من جاء ليشكو غيرها، هكذا ستزدحم السماء بالشكوى وتمتلئ الأجواء بالتذمرات، نظرت حولها تحاول البحث عن صاحب الصوت، لكن فجأة اتسعت عيونها حينما رأت ذلك الجسد الضخم يحمل سيفه ويركض بشكل مخيف صوب أسوار القصر، نظرت حولها بخوف ولم تكد تفقه ما يحدث حولها حتى سمعت صوتًا جهوري يصدر من برج المراقبة الخاص بالقلعة :
" هجـــوم من مملكــة مشــكى، كلٌ يحمل سلاحه، توجهوا صوب البوابات وجهزوا المدافع، حاملي السهام استعدوا "
وبعد تلك الكلمات شعرت بصفاء السماء يختفي خلفة سحابة من الدخان، والنجوم تحترق بتلك النيران التي بدأت تتطاير في الجو من خارج أسوار القلعة صوب ...صوبها .
أطلقت تبارك صرخة مرتفعة تركض بجنون في ساحة القلعة، تصيح باسم من تعرف، تصرخ باسمه في جنون وهي تركض بين الجنود المستنفرين :
" يا قائد...يا قائد "
وحينما كادت تخطو لبوابة القلعة شعرت بمن يجذب جسدها بقوة أطلقت على إثرها صرخة رنت بين جدران المكان ليعلو صوت منادي بين صفوف الجنود صارخًا بجنون :
" الملكـــة ...أمّنوا الملكـــة "
وعند تلك المسكينة التي منحوها لقب ملكة التي لا تعلم له معنى سوى أنه نوع من أنواع المعكرونة التي كانت تقتات عليها طوال فترة حياتها السلمية والتي كانت تسوءها قديمًا..
سخر منها عقلها _ وهي محمولة بين ذراع ضخمة قوية كالدجاجة التي كادت تفر من صاحبها فامسكها من قدمها يجرها خلفه عقابًا لها_ الآن أضحت حياتك سلمية رائعة ؟؟ ألم تكن هي نفسها من كنتِ تقنطين منها وتصرخين أنكِ تتمنين لو تتغير، لكِ ما تمنيتي إذن.
سقطت دموعها تحاول أن تفلت من تلك اليد التي تكاد تحطم قفصها الصدري وعظام جسدها من قوة جذبه، وصيحات الجنود حولها تزداد بشكل جنوني يبحثون عنها .
حاولت الصراخ ولم تستطع وفجأة وجدت الاصوات تتلاشى ورائحة الدخان تختفي شيئًا فشيء، والصيحات تخفت، ولم يتبقى في المكان سوى رائحة البخور التي تتميز بها أجواء القصر، وصوت انفاس ذلك الوحش الخاطف خلفها .
فجأة شعرت به يدفعها داخل غرفة صغيرة لا تدري مخزنًا كان أم قبرًا، لكنها فقط تأوهت وسبت ولعنت حتى شعرت بالراحة، وقبل أن تستدير وتعتدل سمعت صوته المميز خلفه يهمس بصوت حانق غاضب كعادته :
" ألم أخبرك أن تتوقفي عن اللعن ؟؟ "
اتسعت عيونها تستدير بسرعة مخيفة صوبه تتبين ملامحه أسفل اضواء المكان الخافتة، نفس الهيئة الساحرة والملامح الـ...مرعبة وبحق، سيفه مستقر في غمده، وسهامه تستريح على ظهره..
فتحت فمها للحديث، لكن قاطع كل ذلك ينحني صوبها قائلًا بتحذير :
" إن سقطت السماء على الأرض، اياكِ ...اياكِ أن تتحركِ خارج هذا المكان، سمعتي يا فتاة ؟؟"
نظرت له تخاف تحذيراته وترهب نبرة صوته، ابتلعت ريقها تحاول أن تقول له نعم، تخبره أنها ستنفذ ما يقول فقط ليتركها وشأنها، لكن كل ما خرج منها هو :
" أنا ....عايزة اروح الحمام "
اتسعت عينه ببلاهة يقول :
" ماذا ؟؟"
وقبل أن تعيد كلمتها سمعت صوت انفجار قوي في المكان لتطلق صرخات عالية وهي ترى الجدار الجانبي للقبو يتحطم ويظهر لها ممر القصر المعروف وصوت الصرخات تعلو، لعن سالار بصوت مرتفع مخيف :
" لعنة الله على الكافرين "
في هذه اللحظة انفجرت دموع تبارك برعب وجسدها يرتجف بقوة تخفي الاصوات عن أذنها:
" فيه ايه ؟؟ فيه ايه ؟؟ أنا خايفة "
انحنى سالار يجلس القرفصاء أمامها وهو يخرج خنجرًا من حاملة أسلحته يضعه في كفها ينظر لعيونها بقوة :
" اسمعيني جيدًا مولاتي "
" لا لا أنا مش عايزة اسمع حاجة، أنا عايزة امشي مشيني من هنا زي ما جبتني "
قال بصوت قوي كي يصمت بكاءها :
" اسمعيني ...أنتِ لستِ بضعيفة لتجلسي هنا باكية دافنة رأسك أسفل أقدامك، الله اصطفاكِ من بين نساء هذا الكوكب لتكوني ملكة سفيدة، لذلك حتى وإن كان الجميع واولهم أنا نراكِ مجرد فتاة باكية ضعيفة، فعليكِ إثبات العكس "
نظرت لعيونه ثم حدقت بالخنجر في يدها ومازال ارتجافها قائمًا :
" أنا.. أنا مش ..مش بعرف اعمل أي حاجة من دي، أنا مش كده ولا بفهم في كل ده "
" بلى أنتِ تفعلين "
صرخت في وجهه غاضبة حانقة من إصراره :
" أنت هتعرفني اكتر مني ؟! أنا بقولك اني مش هعرف "
نظر لعيونها بقوة يتجاهل صوت الصرخات في الخارج، يعلم أن الجنود يتولون الأمر الآن، لكن هذه أمامه تكاد تنهار رعبًا، وهو يعلم بأن لها كامل الحق في ذلك، تنهد وهو يهمس بكلمات متلهفة كي ينتهي من ذلك ويخرج :
" نعم اعلمك أكثر مما تفعلين أنتِ، انظري إليّ أنا لستُ غرًا أو ساذجًا كي أخطأ في وجهة نظري، أنا لطالما علمت الشخص من نظرة واحدة، وأنتِ مولاتي قوية أنا أثق بكِ، خلف كل تلال الضعف وبحار الدموع تلك هناك جبار قوة وأمواج عزيمة عاتية "
مسحت دموعها تستحسن كلماته :
" أيوة بس أنت كنت بتقول عليا ضعيفة على طول "
قال وهو ينظر للخارج بسرعة ثم عاد بنظره لها :
" نعم وما زلت عند رأيي، أنتِ ضعيفة حتى الآن "
نهض يخرج سيفه من غمده يقول بقوة :
" وأنا سأعمل على التخلص من ضعفك هذا، فقط ننتهي من كل هذا، والآن اصمدي حتى تسمعين صيحات الجنود تهلل بالنصر، إن اقترب منكِ أحدهم اغرزي خنجرك في قلبه ولا تأخذك بالكافرين رحمة "
نظرت تبارك له وهي ترتجف من مجرد التخيل :
" الأمر... الأمر صعب، أنا لن استطيع "
نظر لعيونها بقوة يقول وكأنه يأمر جنديًا له :
" بلى تستطيعين والأمر سهل، فقط ارفعي يدكِ حاملة الخنجرؤ ثم اهبطي بها عليه"
صمت ثم مال بجسده يقول ببسمة يحاول بها تخفيف رعبها :
" اعتقد أن عملك يؤهلك لمعرفة مكان القلب صحيح ؟!"
هزت رأسها بنعم ليقول هو بجدية :
" جيد اجعليه هدفًا لخنجرك إذن"
ختم كلماته وهو يستيقم، ثم نظر لها نظرة أخيرة يهتف :
" أثق بكِ ..."
ورحل بسرعة كبيرة تاركًا إياها تنظر لاثره وصوت أنفسها يعلو وقد ارتفع معه وجيب قلبها، تضم نفسها برعب وهي تهمس كل ما تحفظ من آيات الله، كي تطمئن وتستكين ..
" ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
___________________________
ها هي مرة من تلك المرات القليلة التي يتخلى فيها عن عرشه ويهبط لساحة القتال بنفسه، وكم أسعده هذا وبقوة .
كان إيفان يهرول بسرعة كبيرة صوب بوابة القلعة وخلفه العديد من الجنود يهجمون على هؤلاء المعتدين الذين كانوا يرتدون ثياب الجيش الخاص بمشكى، لكنهم كانوا من رجال بافل .
توغل إيفان بين الجميع يسقط من يسقط دون رحمة، وقد أصبح وجهه ملوثًا بالدماء وصوته الجهوري يصرخ في الجنود حوله، فجأة أبصر جسد سالار يخترق الجمع حاملًا سيفين وقد كان كالجزار يجز عنق كل من يمر بهم وصوته يرشد الجنود :
" لا تدعو قدم حقيرٍ منهم تطأ ارض القصر، الكتيبة الثانية تتحرك للقصر لحمايته ولا تسمحوا لأحد بالخروج أو الدخول له "
ختم حديثه يصرخ بصوت مرتفع :
" أنتم أصحاب الحق يا رجال، فلا تخشونهم، إن متم كنتم شهداء وإن عشتم اصبحتم أبطال، الله أكبر "
تبع صوت سالار صوت تكبير قذف في قلوب جنود بافل الرعب وهم يرون سيل من الرجال يندفع صوبهم بشكل معين .
واعلى القصر كان يقف دانيار يراقب ما يحدث وخلفه عدد مهول من حاملي السهام، ضيق عيونه وهو ينظر خارج ابواب القصر ليرى تدفق آخر من رجال بافل يتحرك صوب البوابة .
رفع يده وهو يقول :
" مع ثلاثة ...."
صمت يراقب اقتراب الرجال أكثر وأكثر حتى أصبحوا في مرمى السهام ليصرخ بصوت جهوري قوي :
" ثلاثة "
وبعد هذه الصرخة لم يبصر أحدهم سوى امطار من السهام تتساقط بقوة على أجساد الرجال مسقطة إياهم ارضًا بقوة، وقد أخرج دانيار سهامه يضع ثلاثة سهامل في قوسه وهو يسقط المزيد من الأجساد :
" لعنة الله عليكم اجمعين "
وفي الأرض وبنظرة من سالار وحركة إصبع معروفة، تحرك تميم بكتيبة من الجيش في شكل خفي صوب الابواب الجانبية للقصر كي يخرجوا منها ويلتفوا حول رجال بافل محاصرين إياهم من الخارج، فيصبحوا بينهم وبين جيش سالار .
تسألونها ما فائدة التمارين المسائية الخاصة بها ؟! تخبركم أنها فرصة جميلة لرؤية كل تلك المتع أمام عيونها، اتسعت بسمة زمرد وهي تراقب ذلك القتال بين رجال سفيد وبافل، صدرها يعلو ويهبط، ولولا أن سيفها مع ذلك الرامي المستفز لكانت الآن تشارك في قتالًا على عشيرتها، تساهم في تقليل اعداد سلالتها القذرة..
وعلى عكس زمرد، هي لم يكن لديها ما يمنعها من المشاركة في هذه الحرب، السيف معها، وزي الجندي كذلك معها، وها هي تتحرك بين الجنود وهي تقتل رجال بافل بكل الغضب الكامن في صدرها، ترى أمامها حرب شبيهه بهذه، يوم سقوط مملكتها ومقتل شقيقتها .
مشاهد جعلت غضب كهرمان يشتعل وهي تركض بشكل جنوني تلقي بنفسها بين القتال وقد اعماها الغضب والحقد في صدرها .
لا يهم إن قُتلت الآن فستلحق بأخيها ووالدتها، وإن عاشت فستنتقم لهم .
اثناء قتال إيفان للجنود فجأة ابصرها، شعر لثواني أنه يتخيل، لكنه لا يفعل فهو لا يخطأ طريقة القتال تلك ولا هذه الحركات أو هذا الجسد، شعر بالصدمة وهو يراها قد انضمت للقتال ليتحرك بسرعة كبيرة صوبها كي يأمنها لتلك الغبية .
وما كاد يفعل حتى وجد سيف يتحرك صوبه، لكنه مال بسرعة في اللحظة الأخيرة يتلاشى ذلك السيف الذي مر من فوق جسده، مدّ إيفان قدمه يسقط الرجل ارضًا، ثم غرز سيفه في صدره وهو يضغط على أسنانه بغضب، وقبل أن يستدير شعر بجسد يصطدم به في قوة كبيرة، استدار بسرعة ليبصر جسد قتيل يسقط عليه ويبدو أنه كان يحاول التخلص منه، لولا أنها انقذته .
رفع إيفان حاجبه لها بريبة لتبتسم عيونها غامزة له :
" لا شكر على واجب "
تنفس إيفان بصوت مرتفع يقول :
" ظننت أنكِ تكرهينني ؟؟"
" نعم، لكنني اكرههم أكثر منك "
ختمت حديثه وهي ترفع سيفه تضرب به أحد الرجال بغضب شديد، ثم استدارت لايفان الذي ابتسم عليها بسمة جانبية يسمعها تقول :
" يمكننا أخذ هدنة إلى أن تنتهي الحرب "
ورغم عبيثة تلك الكلمات، فما كانت للهدنة أن تجتمع بالحرب، لكن غرابة الجملة لم تكن تضاهي غرابة العلاقة بينهما، إذ ابتسم لها إيفان بسخرية يطيل النظر في عيونها بشكل غريب، ينحني نصف انحناءه :
" لكِ ذلك أنستي "
وبمجرد أن استقام رفع سيفه بسرعة يضرب به رجلًا جاء بسرعة من خلف كهرمان مسقطًا إياه ارضًا وهو يردد ببسمة :
" هكذا نحن متعادلان .."
صمت ثم أشار لها يقول :
" إذن أريني إن كانت دروسي الأخيرة لكِ أتت ثمارها أم لا"
رفعت كهرمان سيفها أمامه تقول بنبرة هادئة :
" بل أنا من سيعطيك دروسًا الآن، شاهد وتعلم ..مولاي "
وفي ثواني استدار الإثنان بسرعة كبيرة يقاتلان وكلٌ منهما يحمي ظهر الآخر في لفتة غريبة ولحظات استثنائية لاثنين كانا في الامس متنافسين، واليوم حلفاء ...
_________________________
كانت تجلس في ذلك المخبأ الذي تركها به سالار وهي ترتجف، تخشى أن يحدث ويباغتها أحد المعتدين هنا وهي لا تملك من أمرها شيئًا .
تنفست بصوت مرتفع تكمل تلاوة بعض الآيات، والرعب تلبسها بالكامل، ربما في هذه اللحظة يكون أحدهم قد قُتل، أو أُصيب وهي هنا تختبأ دون أن تقدم شيئًا لهم، وماذا تستطيع التقديم هي ؟؟
تناهى لمسامعها صوت صياح مرتفع يأتي من الخارج لتتنفس بصوت عالٍ مرتعبة وبقوة منا يحدث، تحاول أن تتمالك نفسها وهي تردد :
" قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا "
ثواني حتى ازدادت تلك الصرخات وسمعت صوت امرأة تقول برعب شديد :
" ليساعدنا أحدكم ستموت الفتاة، ليحضر أحدكم الطبيبة بسرعة "
نظرت تبارك للباب بريبة وقد كان هذا الصوت كمئات الاصوات التي كانت معتادة على سماعها في فترة المشفى، لماذا إذن أضحى مرعبًا أكثر الآن؟!
ازدادت الصرخات والبكاء والعويل، حتى جعل جسدها يتحرك دون إرادة منها للخارج تشدد قبضتها على الخنجر، تخرج من ذلك النفق المظلم بعض الشيء وهي تتلمس الجدار بحذر .
وحينما وصلت للممرات المعروفة ركضت بسرعة كبيرة دون أن تدرك سبب ذلك، كانت تركض بكل قوتها صوب مصدر الصرخات، وحينما وصلت وجدت العديد من الفتيات يلتففن حول فتاة أخرى مصابة بسهم في ذراعها .
اتسعت عيونها بقوة تقترب منهم بخطوات مترددة، هي ليست طبيبة، لكنها عاصرت العديد من الحالات أثناء خدمتها في طوارئ المشفى، وهي ستتعامل مع هذا، فإن لم تستطع المساعدة في الحرب فعلى الأقل تكون ذات فائدة .
" ابتعدن، دعوني أمر رجاءً، أنا استطيع مساعدتها "
وفورًا انفض الجميع من حول تبارك التي جلست ارضًا جوار جسد الفتاة ونظرت لها ثم قالت بسرعة :
" احتاج أربطة نظيفة ومطهر للجروح ولاصقة طبية وبعض الأدوية الخاصة بالحمى "
نظر لها الجميع ولم تتحرك منهم فتاة لتقول لهم تبارك بغيظ :
" ماذا بكن لتتحرك واحدة وتحضر ما طلبت "
" لكن ...لكن كل ما طلبته خارج القصر بالفعل، أنه في المشفى ولا أحد يستطيع الخروج الآن وسط تلك المعركة في الخارج "
نظرت لهم تبارك بملامح لا تُفسر تسمع صوت تأوهات الفتاة وصرخاتها التي تخرج كل ثانية والأخرى، لتقرر فجأة أن تنهض وهي تتمسك بخنجرها :
" أنا سأذهب لإحضار ما احتاجه، يحب عليّ اسعافها قبل أن تسوء حالة الجروح ونضطر لفعل ما لا نريده، احملنها صوب أي غرفة حتى اعود "
اتسعت أعين الفتيات بقوة وهن يبصرن ركض تبارك بقوة في الممرات وواحدة تصرخ بفزع :
" لا مولاتي غير مسموح لأحد بالخروج "
لكن تبارك لم تسمع لأحد ولا تعلم سبب إصرارها على معالجة الفتيات، لكن ربما هذا بدافع الواجب الإنساني قبل واجبها المهني .
أو لشعور داخلها أن ترى فائدة لها، أن تشعر أنها ذات قيمة هنا، ليست مجرد عالة على الجميع، أو اسم يكملون به اللوحة الملكية .
وصلت لباب القصر لتبصره مغلقًا، تنفست بصوت مرتفع وهي تفكر في سبيل للخروج من هنا، وفورًا خطرت لها فكرة القفز من الشرفة فهي قريبة من الأرض على أي حال، وبالفعل ركضت صوب الشرفة بسرعة كبيرة وحينما وصلت لها وضعت الخنجر في فمها، ثم تعلقت في الشرفة كي تهبط ..
وفي الاسفل حيث الرجال .
حاصر سالار ورجاله جيش بافل من داخل القلعة، بينما حاصرهم تميم ومن معه من الخارج فأصبحوا بين المطرقة والسندان .
تقدم سالار جميع رجاله وهو يرى جيش بافل يتقدمهم رجل يعلمه جيدًا، كان جميع الرجال متحفزين وقد أدركوا أنهم خسروا هذه المرة، ابتسم لهم سالار وهو يتوقف أمامهم متقدمًا عن رجاله .
الصمت المميت الذي عم الأجواء كان غريبًا على مثل تلك المعارك، وكأن الجميع ينتظر أن يصرخ أحدهم ليلحقه في الصراخ .
وفي ثواني كان صوت صفعة عنيفة هو ما قطع هذا الصمت، صفعة هبطت على وجه قائد رجال بافل لتسقطه ارضًا من شدته، صفحة جعلت وجهه يدمى وهو يتنفس بصوت مرتفع .
وسالار يراقبه باحتقار شديد، ثم رفع قدمه يضعه يضرب معدته يقول بشر :
" لقد كان يثق بك أيها القذر، وثق بك وقلدك أمور جيشه "
رفع الرجل عيونه بصعوبة ينظر لوجه سالار الذي صرخ بجنون فيه :
" خنت ارسلان وبعته لبافل ؟؟ كان أنت، كان أنت من خانه داخل قصره ليسقطه في شِرك بافل "
تنفس الرجل بصوت مرتفع ولم يتحدث بكلمة واحدة، ورجال بافل جميعهم ينظرون لما يحدث والرعب قد ملئ صدورهم، في هذه اللحظة أدركوا أنهم ألقوا أنفسهم في الجحيم .
بينما وبين صفوف جيش سفيد كانت تقف هي تراقب كل ذلك بأعين كارهة، كانت تراقب ما يحدث بشر، هذا الحقير قائد جيوش مشكى، كان هو الخائن، هو من باع شقيقها وتسبب في مقتله ؟؟
شعرت بطاقة كره قوية وغضب اقوى يكاد ينفجر في جميع المحيطين بها، وعيونها أضحت حمراء وهي ترى أمامها شقيقها يقاتل وهو يصرخ باسم القائد ليحمي النساء، ويؤمن ظهره .
وبدلًا من حماية ظهره، طعنه به ...
ابتسم إيفان بسمة واسعة وهو يراقب ما يفعل سالار باستمتاع شديد، فإن كان يحب شيء غير رؤية أعدائه راكعين يرتجون منه رحمة، هو أن يرى نفس الأعداء يرتجون من سالار رحمة يعلم أنهم لن ينالوها .
قال سالار بصوت جهوري كي يسمع جميع من بالجيشين:
" بافل ارسلكم هنا لاحتلال سفيد صحيح ؟؟ لماذا لم يأت معكم إن كان الأمر كذلك ؟!"
قال إيفان بصوت خبيث :
" ربما لأنه لا يحب أن يقضي المتبقي من عمره في سجون مملكتي، خسارة فنحن نعامل أسرانا معاملة افضل من معاملته لرجاله "
قال قائد جنود مشكى بصوت مرتفع يحاول إيجاد مبرر لما يحدث :
" بل هو سيلحق بنا بجيش الدعم، لا بد أنه الأن في طريقه لهنا وسيفتح الجحيم على سفيد ومن بها "
قال تميم بصوت ساخر وهو ما يزال يقف خلفهم من جهة خارج القلعة :
" يا ويلي جسدي ارتجف للتو ...اشمئزازًا "
ختم حديثه يبتسم للرجل، ثم قال بهدوء :
" لا بد أن عزيزك بافل الان نائم قرير الأعين وأنتم هنا القيتم أنفسكم بكل حمق بين الظلمات "
ابتسم له سالار يقول بهدوء :
" وبما أننا لسنا مثلكم فها أنا امنحكم الفرصة للاستسلام والقاء سيوفكم ارضًا، وسنعاملكم معاملة الأسرى، أو أن نستأنف القتال ونفترش أرضية سفيد بأجسادكم كما فعلتم بأهل مشكى، أي الخيارين تفضلون ؟؟"
نظر الجميع لقائدهم الملقي ارضًا والذي اخفض رأسه بخزي ينتزع سيفه ملقيًا إياه ارضًا، فهو يدرك أنه يفضل أن يلقى منهم معاملة الأسرى على أن يتلقى معاملة الأعداء .
نظر الجميع لبعضهم البعض ليبدأوا واحدًا تلو الآخر في إلقاء سيوفهم ارضًا وسالار يراقب ذلك ببسمة واسعة، ثم تراجع للخلف وقد انتهى دوره كقائد جيش، والآن حان دور الملك كقائد للملكة بأكملها .
راقب إيفان ما يحدث أمامه برضى، ثم ضم يديه لصدره يقول بأمر نافذ وصوت جاد :
" خذوا الجميع للسجون وكثفوا الحراسة عليهم، حتى نودعهم "
وبالطبع لم يفهم أحدهم شيئًا، بل فقط قادوا الرجال صوب القصر، وفي ثواني ارتفعت التهليلات والأصوات السعيدة .
ومن أعلى القصر أنزل دانيار سهامه التي كان يجهزها متحفزًا لأي شيء يبتسم بسمة واسعة :
" كان هذا اسهل مما اتوقع "
نظر لجيشه خلفه يقول :
" تكبير يا رجال ..."
بدأ رجاله يكبرون ليبتسم لهم، وقبل أن يتحرك ليهبط عن السطح أبصر جسدًا في مكان خلف القصر جعله يرفع حاجبه متعرفًا على صاحبته :
" آه من تلك المرأة التي لا تعترف بالغرفة مسكنًا ليلًا"
_________________
وعند تبارك وبعدما هبطت عن النافذة ركضت بسرعة كبيرة تبحث بين المباني عن المشفى متجنبة النظر صوب مكان المعركة كي لا تضعف وتخاف، وحينما رأت بعض الرجال يحملون اجسادًا ويتحركون بها صوب مبنى ما خمنت أنه المشفى لتعدو له بسرعة أكبر مبتسمة .
وصلت له ودخلت صُدمت من عدد الرجال المترامين ارضًا وهناك طبيب واحد يشرف عليهم ومعه بعض الرجال يساعدونه.
فتحت تبارك عيونها تقول بصوت مرتفع دون شعور :
" يا الله يا مغيث ..."
استدار مهيار بسرعة صوب الصوت الأنثوي ليطيل النظر في وجه تلك الفتاة يحاول معرفة متى رآها سابقًا، بينما تبارك سارعت له تقول بسرعة :
" بسرعة أريد ادوية مخدرة وأخرى مطهرة وغيرها لعلاج الحمى، ولاصقة طبية وابرة لخياطة الجروح "
نظر لها ميهار بصدمة يحاول فهم ما تريد، لكنه فجأة استوعب الآن من تكون يهمس بعدم تصديق :
" الملكة ؟؟"
" بسرعة أريد تلك الأشياء هناك فتاة أُصيبت بسهم في القصر "
فتح عيونه بتحفز، ثم أشار لبعض المساعدين يقول بسرعة :
" اذهبوا بسرعة مع الملكة واحضروا تلك الفتاة هنا لعلاجها بسرعة "
قالت تبارك وهي تراقب بعض الحراس يقتربون منها :
" لا أنا استطيع فعل ذلك بنفسي، يكفيك ما أنت به "
" تستطيعين ؟؟"
" أنا ممرضة، اساعد الأطباء و...حسنًا هذا ليس وقت لشرح وظيفتي، أين تلك الأدوات "
نظر لها مهيار ثواني قبل أن يصرخ بصوت مرتفع :
" ليحضر أحدكم ما تطلبه الملكة من اعشاب وأدوات بسرعة "
وبالفعل ما هي إلا دقائق لتحمل تبارك ما جاءت لأجله، ثم شكرت مهيار وهي تركض بسرعة للخارج، لكن فجأة سمعت صوت مهيار يناديها :
" جلالتك .."
استدارت ترمقه بتسائل ليقول بجدية مشيرًا لما يحدث :
" إذا انتهيتي من الفتاة واردتي تقديم المساعدة لنا هنا سأكون شاكرًا لكِ "
ابتسمت تبارك بسمة واسعة تستشعر واخيرًا أهميتها هنا، تهز رأسها له، ثم هرولت بسرعة كبيرة صوب القصر تفكر في طريقة لدخوله، لكن بمجرد خروجها من المشفى وركضها صوب البوابة أبصرت استسلام الجيش الآخر لتتسع بسمتها بفخر شديد تشعر بجسدها يرتجف تأثرًا، فجأة ودون شعور وجدت نفسها تتجاهل الجميع وتركز معه هو فقط، الوحيد الذي جعلها تطيل النظر له وهي تركز في كل كلمة يتحدث بها، كان قويًا مهيبًا ...
وأثناء شرودها وجدت الجنود يقودون بعض الرجال صوب القصر لتختبأ حتى يتحركوا مخافة أن يراها أحدهم وتتعرض لأي مشكلة .
وحين وجدت الفرصة مناسبة ركضت بسرعة كبيرة صوب القصر وهي تتنفس بصوت مرتفع كي تنقذ الفتاة، لكن أثناء الركض اصطدمت فجأة في جندي لتسقط معه وتتناثر الأشياء ارضًا، شهقت تبارك بصوت مرتفع وهي تنهض بعيدًا عنه كي تعتذر، لكن الصدمة الحقيقية كانت حين سقط لثام ذلك الجندي لتبصر ..
" بنت ؟؟"
ارتعشت كهرمان وهي تضع لثامها، ثم ركضت بسرعة بعيدًا عن تبارك التي كانت تتحدث مع نفسها بصدمة :
" هما بيجندوا بنات ؟؟"
______________________
تحرك صوب الخارج بعدما هبط من منطقة الرماة، يتنهد بصوت مرتفع محركًا ذراعيه في عدة اتجاهات كي يريحه، ومن ثم حرّك رقبته بارهاق شديد، فشيء كالسهام ليس بالأمر الهين أبدًا .
فجأة انتفض قبل أن يطأ داخل القصر يسمع صفيرًا يأتي من خلف أحد الأشجار، نظر يتبين ما يحدث ليتفاجئ بجسد يقف في الظلام هناك وصوت يقول بنبرة خافتة :
" مرحبًا أيها اللص، ألن تعيد لي سيفي ؟!"
ابتسم دانيار بسمة جانبية وقد تعرف عليها بسهولة شديد، ليتركها ويتحرك ببساطة شديدة داخل القصر مجيبًا ببساطة :
" لا لن أفعل، إن أردته اذهبي واشكيني للملك "
ختم حديثه تاركًا إياها تغلي غصبًا وهي تتحرك بسرعة خلفه وهو يعلم جيدًا بلحاقها به، لكنه لم يهتم وهو يكمل طريقه بكل برود .
وحينما شعر أنها مستمرة في السير خلفه انحرف صوب باب الحديقة الخلفية وهي سارت صوبه وفي عيونها التصميم على أخذ سيف والدتها العزيزة، لكن بمجرد أن وطئت الحديقة وجدت سيف يوضع على رقبتها وصوت يهمس لها :
" تخيلي أن تُعرضي في الغد على الملك بتهمة تتبعك لقائد الرماة و محاولتك الإطاحة به ؟؟"
نظرت زمرد للسيف الذي يضعه أمامها وهو يقف في الخلف، تردد بنبرة ساخرة وصوت خافت :
" وهل قائد الرماة بهذا الضعف ليسقط على يد امرأة سيدي ؟؟"
" قلت محاولة ولم أقل نجحت، فلا أنتِ ولا جيش من امثالك تستطيعون الاقتراب مني مقدار خطوة إلا إذا سمحت أنا، والآن كفتاة جيدة سوف تخبرينني ما هذه الرموز المنقوشة على السيف ولِمَ هي مكتوبة بلغة غريبة ؟؟"
تنفست زمرد بصوت مرتفع ولم تكد تفتح فمها للحديث قبل أن يقاطعها هو ويقول :
" ولا تحاولي العبث معي واخباري تلك القصص الدرامية حول المنبوذين الذين احتلوا مدينتك وشردوكِ مع شقيقتك التي ليست شقيقتك، ولا تخدعيني بأمر هروبك مع الأميرة، فأنتِ لستِ من أهالي مشكى، صحيح ؟؟"
وعلى حين غفلة منه أبعدت زمرد يده التي تحمل سيفها من أمامها وهي تبتعد تقول بصوت حاد :
" أتساءل عن سبب اهتمامك الكبير بمتابعة قصصي الدرامية والبحث خلفها سيد دانيار؟؟"
ابتسمت بخبث وهي تقترب منه بخطوات ماكرة وكأنها حية تسعى لتخديره حتى تلتف حول جسده وتخنقه، وحينما أصبحت على مسافة مناسبة منه مالت قليلًا عليه تهمس :
" هل اسمي هذا اهتمام من نوع خاص ؟؟"
" هذا ما تتمنينه أنتِ عزيزتي "
" بل ما تحاول إخفاءه أنت عزيزي، ولكي اريحك، فنعم أنا لست من سكان سفيد ولا من سكان مشكى، أنا انتمي لنفسي وفقط "
رفع حاجبه يبتسم بسمة جانبية ساخرة، لتكمل هي حديثها بكل بساطة :
" والآن إن كنت اشبعت فضولك هلّا تعيد لي سيفي رجاءً ؟؟"
نظر لها دانيار قليلًا وكأنه يفكر فيما قالته، واطال النظر بعيونها وهي بادلته النظرات بالمثل وكأنها تأبى أن يرف جفنها أمام عيونه فيظنها استسلمت، التحدي كان يملئ عيونها، ليتلاشى كل ذلك حين نطق دانيار :
" عذرًا سيدتي، لكن العاملات ممنوعات من حمل الأسلحة داخل القصر، وبالتأكيد أنتِ لستِ استثناءً "
ختم حديثه يستدير للرحيل وهي ظلت واقفة مكانها تحدق في ظهره بحقد شديد وغضب كبير، ثم ودون مقدمات صرخت بصوت مرتفع :
" بلى، بلى أنا استثناء، أنا استنثاء على جميع قوانين مملكتك التي لا تعنيني ولو بمقدار شعرة، أنا استثناء على كل ما تحاولون فرضه هنا على الجميع، ما تقولونه لا يسير عليّ، تبًا لمملكتك اللعينة وللممالك الأربعة وقوانينها، للجحيم جميعًا لا أحد يتحكم بي، سأكون استثناءً على كل ما لا يروقني"
صمتت تتنفس بعنف وكأنها كانت تقاتل، وهي بالفعل كانت تقاتل اشباحها تصرخ بوجع وكأنها تتحدث مع قبيلتها، تقاتل كل ما قهرها قديمًا بسرعة كي تقف أمام دانيار تقول بأعين حمراء تكبت دموعها ترفع اصبعها في وجهه وهي تقول بهسيس :
" وإن عهدت من جميع النساء اللواتي تعرفهن ضعفًا فلا تظن أنني سأسير على نهجهن، وسأكون استثناءً عليهن وعلى حياتك كذلك "
ختمت حديثها تتراجع بظهرها وهي ما تزال تتحدث له وهي تفرد ذراعيها :
" لا أحد يتحداني ويربح، لا تظن أنك انتصرت عليّ، كل ما في الأمر أنني أحب اللعب معك لا أكثر، آخر شخص وقف نفس وقفتك تلك وتحداني فقد نصف وجهه، فلا تجبرني على الحاقك به "
ختمت حديثها وهي تستدير كي ترحل بقوة وقد بدأ الغضب يملئ جسدها بالكامل، لكن وقبل أن تخرج من الحديقة سمعت صوتًا يوقف سيرها لتستدير وتواجه بسمة دانيار الغريبة وهو يهمس لها :
" وأنا كذلك احبه .."
نظرت له بعدم فهم ليقول ببسمة جانبية :
" اللعب معك، احب تلك الألعاب السخيفة التي تلعبينها معي، لذلك أنتِ حية حتى الآن، ولا تظني أنني مستمر في هذه اللعبة لأنكِ لاعبة محترفة، بل لأنني لاعب صبور فقط"
ختم حديثه يتقدم فتراجعت زمرد للخلف وكادت أن تسقط لولا أن استندت على أحد الأشجار وهو رمقها بحدة، تنفست زمرد بصوت مرتفع تشعر بالقهر يرتفع داخل حلقها، وهي ما اعتادت يومًا كتمان ما تضمره، لذلك فتحت فمها للصراخ في وجهه، لكن فجأة ابتلعت كلماتها وهي تتراجع للخلف بوجه مرتعب حين رأته فجأة يميل صوبها .
لكن دانيار كل ما فعله هو أنه ابتسم بسمة صغيرة راقية يضع يده على صدره قائلًا باحترام شديد :
" والآن آنستي اسمحي لي بالرحيل فأنا للحق متعب بعد هذه الحرب الطاحنة، استأذنك .."
هكذا فقط، هكذا فقط تحدث ثم رحل تاركًا إياها ترمقه بصدمة كبير، تشعر أنها ستظل تدور في دائرة مفرغة طوال الحياة حتى تصل لسيفها، وكل ذلك لأنها تركته له ذلك اليوم، ليتها غرزته في صدره وله تتركه له.....
ودانيار لم يمنحها اهتمامًا وهو يسير مستمتعًا للخارج، وقد ختم ليلته بشيء جيد، بل أكثر من جيد في الحقيقة .
تنهدت زمرد وهي تخرج من الحديقة وقد فشلت في الحصول على سيفها، فها هي المرة الأولى التي تفكر فيها بالاستسلام، حسنًا لا بأس لتتجاهل كل ذلك وتتفرغ للأمر المهم ...مشكلة برلنت .
_________________
تحرك صوب المشفى كي يطمأن على المصابين من جنوده قبل أن يذهب لاجتماع الملك، يشعر بالنشاط الشديد بعدما أفرغ القليل من غضبه في تلك المعركة الصغيرة، معركة يدرك جيدًا أنها مجرد محاولات واهية لاستنزاف قوى جيشه قبل الحرب، لكن ليس هو من ينحني لمثل تلك الخطط الدنيئة ..
خرج من شروده وهو يفرك وجهه، و بمجرد أن خطى ارض المشفى تصنم بصدمة وهو يرى الملكة تعالج أحد الجنود، والمشفى حالة فوضى رغم أن عدد الجرحى ليس بالكبير، والرجال متناثرين حولها في شكل جعل قلبه يهدر بقوة وهو يصرخ بصوت جهوري :
" ما الذي يحدث هنا ؟! "
وفي ثواني توقفت الحياة داخل المشفى وكأن ما بها إلا صخور، الجميع توقف حتى اصوات التأوهات تلاشت وكأنها لم تكن، أو وكأن الجروح والاوجاع اختفت فجأة .
نظر الجميع صوب سالار بريبة وهو لم يكن يبصر من كل هؤلاء سوى الملكة التي تركت مخبأها في حين أمر هو بعدم إخراج أي امرأة من القصر، وتجلس بين مئات الرجال تعالجهم .
" ما الذي تفعلينه هنا؟! من الذي سمح لكِ بالخروج ؟؟"
رفعت تبارك حاجبها بعدم فهم :
" هذه وظيفتي "
" لا ليست كذلك، أنتِ الملكة هنا "
تشنج وجه تبارك ترفض كل ما يقول وكأنها لا ترضى عن ذلك اللقب الذي لم تحصل من خلفه سوى على الكوارث والمشاكل فقط :
" لا، افضل أن أكون ممرضة واعالج المرضى افضل من كوني مجرد ملكة لا فائدة تُرجى منها "
شعر سالار بصدره يشتعل غضبًا لمعارضتها له، يرفض أن تفعل ما تفعل الآن، تنفس بصوت مرتفع وهو ينظر للجنود حولها بشر لينتفض الجميع مبتعدين عن تبارك التي فتحت عيونها بصدمة :
" ماذا ؟؟ لا تتحركوا أنتم مصابين "
لكن في هذه اللحظة إن كانوا مخيرين بين الاستماع للقائد وطاعة الملكة، فسيختارون القائد بالفعل، فالملكة إن عصوها لن تجبرهم على ساعات من التدريب الشاقة أو البقاء في العراء دون ثانية للراحة .
" مهلًا، ما بكم أنتم لا تستمعوا له، توقف يا رجل جرحك ما يزال حيًا "
ابتسم سالار بتشفي على ملامح تبارك التي كانت تراقب ما يحدث متسعة الأعين لا تصدق ما فعل، يمنعها واجبها ؟؟
" أنت، أنت تخيف المرضى هيا أخرج من هنا الأن، إلا إن كنت جريحًا فانتظر دورك حتى يتفرغ أحدهم لعلاجك "
ختمت حديثها وهي تنهض عن مقعدها تتحرك صوب فراش أحد الجنود كي تتفقده، وسالار يلاحقها بعيونه حتى وقعت على الجندي الذي يتسطح على الفراش فابتسم له يضم يده لصدره لينتفض الرجل بسرعة ساقطًا عن الفراش وهو يطلق صرخة متوجعة، لكنه تحمل كل ذلك وهو يتحرك بعيدًا عن تبارك، تحركت خلفه تبارك مساعدته، لكن حينما اقتربت من تجمع المرضى تفرقوا من حولها وكأنها تحمل مرضًا معديًا لتضحك بعدم تصديق :
" هل تمزحون معي ؟؟ أنتم مرضى بالله عليكم لا تستمعوا لهذا المتجبر "
لكن لا أحد استمع لها هي لتستدير بسرعة صوب سالار وعيونها تطلع نيرانًا تتحرك تجاهه بأقدام سريعة غاضبة وهي تصرخ :
" أنت أخبرهم أن يعودوا للفراش الخاص بهم كي اعالجهم أيها الطاغية، ألا ترى حالتهم، ألا رحمة في قلبك يا عديم القلب أنت؟؟ ما بك ؟؟؟"
كانت تصرخ في وجهه بقوة جعلت أعين الجنود تتسع بصدمة، وسالار لم يصدر منه سوى كلمة واحدة فقط :
" للخارج "
وكان دور تبارك هذه المرة لتتسع عيونها وهي تصرخ ببسمة غير مصدقة :
" أنت تمزح ؟؟ ااا"
" للخارج ولا تزيدي حرفًا واحدًا "
نظرت خلفها بقهر شديد، ثم عادت ونظرت له قبل أن تطلق صرخة مقهورة غاضبة، وهو ما يزال يحدق في جنوده ببرود شديد وحينما شعر بها تخرج بالكامل من المشفى صاح بصوت جهوري :
" مهيــــار "
دقيقة حتى لمح مهيار يخرج من أحد الغرفة منتفضًا بفزع :
" اوامرك يا قائد "
قال سالار دون نقاش أو توضيح لحديثه :
" يومين من التدريب الإضافي لك وانا من سيشرف بنفسه على تدريبك وصدقني لن تحب ما سيحدث، والآن اطلب المزيد من الجنود كي يساعدونك وانتهي من كل ذلك والحقني صوب قاعة الاجتماعات "
راقب مهيار رحيله بعدم فهم وهو يفغر فاهه يحاول أن يعلم ما يقصده، ما الذي يرنو إليه سالار ؟! ولِم عاقبه بهذا الشكل، هل هناك من تأذى من الجرحى ليفعل به ذلك ؟!
نظر حوله للجنود يتساءل بجنون :
" ماذا فعلت أنا الآن؟؟"
وعند سالار الذي تحرك خارج المشفى يفكر فيما حدث، مهيار تجاوز حدوده بالسماح للملكة أن تعالج الجنود وأن تجلس بين هذا العدد من الرجال بهذا الشكل، منذ متى سمحوا للنساء بفعل هذا ؟!
زفر بقوة يتحرك صوب القاعة حيث الملك لتقرير ما سيحدث، لكن وقبل أن يفعل سمع صوتًا يأتي من حوله، صوت لتمتمات مرتفعة باكية .
نظر حوله يحاول تبين صاحب الصوت ليبصر جسد تبارك التي كانت تتحرك بعرج بسيط صوب القصر وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة وحين اقترب منها سمع صوتها يخرج من بين شهقاتها :
" حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم، حتى الشيء الوحيد اللي فرحني جه اخده مني، كنت سعيدة لاول مرة بعد أيام، واخدوا مني فرحتي دي بالشيء اللي بحبه، البومة اللي اسمه سالار، انسان مستفز و..."
" أنتِ يا امرأة لقد كدت اتعاطف معكِ في نصف جملتك الاولى، تعلمي أن تتحكمي في لسانك هذا "
توقف جسد تبارك بصدمة تتنفس بصوت مرتفع، ثم دون أن تتكلم كلمة أو تستدير له، أكملت طريقها بغضب شديد وهي تكمل باقي تمتماتها التي تحولت لكلمات عالية ناقمة :
" انسان مستفز ومتجبر وطاغية ."
كانت تتحدث دون أن تمتلك الجرأة لترى نتيجة كلماتها تهرول بأقدام متعجلة صوب غرفتها وسالار يرمقها بشر شديد ووجه مشتعل وهو يراها تغيب عن عيونه :
" ها انظروا لتلك الهرة التي نبت لها أظافر"
زفر ثم قال يتوعد :
" تغضب لأنني اخرجتها من بين الرجال، هذا المرأة الـ ...حسنًا حسنًا لنرى كم من الوقت ستتحمل قبل أن تأتي لي بكارثة، أنا في غاية الامتنان للحرب التي ستبعدني عن القصر لأيام حقًا، على الأقل سأعود لحياتي قبل هذه الزوبعة "
صمت ثم قال بغضب من نفسه قبلها :
" أشعر أنني اتحمل مسؤولية طفلة صغيرة، لكنني اكتفيت من كل ذلك حقًا "
صمت يتحرك صوب حجرته وحينما دخلها ألقى جسده على الفراش كي يرتاح وقد تناسى تمامًا أمر اجتماع الملك، يشعر بالتعب الشديد وهو يفكر في رحلته غدًا إلى مشكى، تنهد بصوت مرتفع يغمض عيونه مقررًا أن يتنفس لدقائق، ثم يذهب للملك، لكن فجأة انتفض عن الفراش حين تذكره لأمر ما :
" مهلًا هل كانت تعرج ؟؟ هي مصابة ؟؟؟؟"
_________________
يجلس أعلى عرشه الذي حازه بحد السيف والدماء، العرش الذي تشرب دماء ملكه السابق قبل أن يجلس عليه صاحبه الحالي، عرش شاهد بعيونه دماء تُراق لأجله ولأجل الفوز به، وقد حدث وخرج فائزًا من هذه المعركة وظفر به، لكن هل حدث وفاز به بالفعل ؟!
تلقى خبر فشل الزحف صوب سفيد بملامح باردة وكأنه كان يتوقع الأمر، ابتسم بسمة مريبة وكأنه كان ينتظر الخبر، الأمر غريب، فبافل كان من الغرابة التي تجعله ينتظر خبر هزيمته في كل مرة يرسل بها رجال لسفيد، وكأنه سعيد لقتل المزيد والمزيد من رجاله على يد سفيد، ولا أحد حتى هذه اللحظة يفهم ما يفكر فيه .
" إذن سيدي ...ما العمل الآن ؟!"
حرّك بأقل عيونه صوب ذلك الرجل الذي حتى لا يتذكر اسمه فهو عيّنه منذ ثواني مساعد له بعدما ارسل مساعده السابق للحرب ويبدو أنه قتل أو أُسر، نفخ بهدوء :
" سأذهب للنوم "
وتبع حديثه بنهوضه عن عرش " أرسلان" الذي تلوث بعدما احتله بافل، تحرك بافل بهدوء صوب الخارج وهو يتمطأ بكسل تحت نظرات المساعد المصدومة، هو جاء يرتجف كي يخبره أن التوغل لسفيد واحتلالها فشل، وهو فقط يخبره أنه سيذهب للنوم .
تحدث بافل بهدوء :
" أخبر أخي أن يجمع من تبقى من قادة الجيش صباحًا لاخبرهم كامل ترتيباتنا "
" لكن سيدي، شقيقك ذهب في تلك الغارة وهو الآن ربما ...ربما قُتل أو..."
ولم يكد يكمل كلماته التي خرجت منه مترددة، حينما وجدت بافل يستدير له بجنون وهو يندفع صوبه كالمختل يصرخ ممسكًا برقبته :
" ما الذي قلته أنت؟؟ اخي ذهب معهم ؟؟ من ذلك الذي سمح له بالذهاب أيها الحمقى؟ هل تتصرفون دون العودة لي ؟؟"
حاول الرجل التحدث وفشل بسبب ضغط بافل على رقبته، وبافل يصرخ به وعيونه حمراء مخيفة :
" إن مسّ أخي سوء سأقتلكم جميعًا، جميعًا .."
تركه ليسقط ارضًا يسعل بقوة وهو يزحف للخلف برعب شديد :
" اقسم ...اقسم أنني لا أعلم شيئًا سيدي، هو فقط اقتحم الصفوف وأخبرهم أنك سمحت له بالذهاب "
شعر بافل بالجنون يكاد يصيبه، شقيقه الوحيد والمتبقي له من عائلته، آخر من تسري دماؤه داخله يكاد يفقده، شعر بنبضه يضطرب وهو يجن لفكرة أن أحدهم قد أصاب صغيره وربيب يده بالسوء، ليس هو، من بين إخوته العشرة ليس هو ..
تحرك صوب غرفته وهو يكاد ينفجر من كثرة الضغط الذي يكتمه داخل جسده في هذه اللحظات، شقيقه الوحيد من والديه يكاد يفقده في خطته التي وضعها، من بين عشرة إخوة كان هو الوحيد من والديه، و الباقيين من والده فقط، لعنة الله عليهم أجمعين لقد عمل طوال حياته على قتلهم كي لا تحرضهم شياطينهم على التخلص منه هو وشقيقه حتى يحصلوا على مكانة والدهم ..
دخل الحجرة وهو يشعر بأوردته تكاد تنفجر من الجنون، الغضب تحكم به، بدأ يحطم كل ما تقع عيونه عليه، وهو يتوعد للجميع بالويل وصور إخوته التسعة الآخرين تُعرض أمام عيونه، كأنهم يسخرون منه ومن أعماله التي رِدت في شقيقه العزيز .
مشاهد التخلص منهم تمر أمامه في تلك اللحظة، منهم من قتله بخنجر ومنهم من حرقه حيًا، ومنهم من القاه من فوق جبل غدرًا .
ابتسم بسمة مخيفة وهو يشعر بالفخر من نفسه، رغم أنه ليس الأكبر بين أبناء والده إلا أنه كان الأذكى والاكثر مكرًا من بينهم، وحين قُتل والده رأى نظرات الطمع تشتعل في عيون الجميع، فبدأ مجزرة التخلص منهم جميعًا ولم يدع سوى شقيقه الوحيد والذي كان وقتها ما يزال في طور شبابه، وهي ......
الوحيدة التي هربت منه من بين جميع إخوته، والوحيدة التي هزمته شر هزيمة يومًا ما .
كان يقف في منتصف الحلبة والجميع يصرخ ويصيح حوله سعداء بالقتال الودي بين أبناء زعيمهم، قتال بين الشقيقة الأصغر والابن الثاني، قتال معروف الفائز به، فأين لفتاة ضعيفة مثلها بالقوة للتغلب على ذلك الطاغية بافل ؟؟ لكن والدهم هو من حكم بهذا النزال فقط ليجبر ابنته صاحبة الثالثة عشر عامًا على حمل سيف كالجميع، رغم أنهم في الحقيقة لا يفقهون عن القتال شيئًا .
وتلك المراهقة المسكينة تقف في منتصف الحلبة وهي تحمل سيفها ترتعش بخوف شديد تبحث بين الوجوه عن والدتها التي حينما ابصرتها بكت برعب تصرخ :
" أمي ساعديني رجاءً"
وما كادت والدتها تتخطى حدود الحلبة حتى امسكها رجال والدها، وصوت الاخير يصرخ بها :
" تحركي أيتها الحمقاء وقاتلي، كفاكِ جبنًا وضعفًا ألا يكفي أنكِ فتاة وايضًا ضعيفة ؟؟"
انتفضت الفتاة وهي تبكي ولم تكد تدافع عن نفسها حتى استلم جسدها ضربة قوية من قدم بافل الذي جعل جسدها يتطاير داخل الحلبة وهي تصرخ بصوت يمزق القلوب وقد شعرت بأن امعائها طُحنت أسفل اقدامه.
سقطت ارضًا تبكي وتصرخ وهي تتمسك بمعدتها :
" أمي ساعديني، ليساعدني أحدكم، ساعدوني "
لكن وقبل أن تكمل كلماتها شعرت به يجذبها من شعرها يجبرها على الوقوف وهو يهمس أمام وجهها بشر شديد :
" أيتها القذرة الصغيرة، ألم تكتفي من حماية والدتك لكِ ؟؟ ألم تملي الضعف عزيزتي ؟؟ حاولي مرة واحدة التصرف كابنة زعيم وليس ابنة خادمة وضيعة ألقت جسدها على رب عملها لتغويه وتسرقه من زوجته "
وبعد هذه الكلمات شعرت بطاقة غضب قوية تتملك منها وهي تنظر لعيونه تقول من بين دموعها :
" بل والدك هو الحقير الذي أجبر والدتي على الزواج منه أيها الفاسق القذر، وليس والدتي من اغوته "
نظر لها بافل ثواني قبل أن يطلق ضحكات صاخبة جعلت جسده يهتز وهو يتركها يقول من بين أنفاسه:
" أنتِ بريئة جدًا حبيبتي الصغيرة، بريئة للغاية ووالدتك القذرة تلك لم تخبرك الحقيقة، أيتها المسكينة افيقي والدتك تلك مجرد عا...."
وقبل أن يكمل كلمته سمع شهقات الجميع مرتفعة تبعها شعور مظلم من الألم وهو ينظر لاسفل ليرى سيف غُرز في قدمه، فتح عيونه بصدمة ليراها تقف أمامه وهي تقول بقوة وصراخ أمام الجميع دون خوف :
" بل والدك هو القذر الذي أجبرها على ذلك يا حقير، تبًا لك وله ولقومك العفنين "
ومن بعد تلك الكلمات سمعت همسات مرتفعة لتستدير تعلن عصيانها الاول في المكان تصرخ بجنون :
" نعم ..نعم أنتم قذرين عفنين، أنتم قمامة الممالك التي ألقوا بها ونبذوها، أنتم منبوذون حقيرون، جميعكم بلا استثناء لعنة الله عليكم اجمعين يا كلاب و..."
ولم تكمل كلمتها بعد هذه الكلمة بسبب صرخة والدهم الذي صدح صدر صوته بشكل مخيف وهو يصرخ بها :
" زمــــــرد "
استدارت زمرد صوبه وهي تتنفس بصوت مرتفع وملامحها ازدادت شراسة :
" ماذا ؟! الحقيقة مؤلمة أليس كذلك .. يا أبي ؟!"
نظرت جوارها صوب بافل تقول ببسمة جانبية وقد بصقت جميع كلمات والدتها التي ترددها دائمًا أمامهم دون خوف :
" لا تخف يا أخي سيلتأم جرحك قريبًا، لنعتبر هذا انتصار للصغيرة الحمقاء التي تسخر منها أنت وجميع أبناء شعبك"
ختمت حديثها تقف في وجه الجميع بلا خوف وبسمتها تزين وجهها، حتى حينما تحرك رجال والدها لجذبها صوب الساحة لجلدها عقابًا لتجاوزها الحدود مع الملك، كانت ما تزال تبتسم في وجوههم بقوة وكأنها تخبرهم أنها لا تخافهم.
أفاق بافل يتحسس نصف وجهه وهو يردد :
" ربما انتهت معركة، لكن الحرب لم تنتهي بعد اختي ..."
__________________________
تنفست بصوت مرتفع وهي تتحرك خارج المحزن تحمل بين أناملها الرقيقة العديد والعديد من حاويات النباتات التي يجمعهم والدها .
تنفست بصوت مرتفع تلقي تذمرها في وجه والدها دون أن ترى أمامها من تلك العبوات التي تغطي رؤيتها :
" انظر يا أبي، هربت من المنزل كي لا أعمل مع أمي في التنظيف، وأنت احضرتني هنا لأفعل ما هربت منه، هل تنتقم لشريكة حياتك ؟! هذا لئيم لعلمك ."
ختمت حديثها تتحرك صوب الطاولة جواره الباب وهي ما تزال ترغد وتزبد بلا توقف متذمرة من هذا الوضع المزري الذي تعيشه في هذه اللحظة :
" حسنًا ربما افضل العمل مع والدتي في نفض الستائر والمفروشات، أكثر من تقليم النباتات وتنضيفها "
وضعت الاشياء على الطاولة أمامها تتنفس واخيرًا براحة بعدما كانت تلك الأشياء كالجبل أعلى صدرها، لكن لم تكد تخرج ذلك النفس المرتاح الذي سحبته منذ ثواني حتى سمعت صوتًا ضاحكًا خلفها، صوت جعلها تستدير بسرعة وبفزع كبير لتبصر والدها يجلس خلف مكتبه في ركن المحل، وأمامه يجلس هو، جارها الوسيم الذي يعمل في جيش الملك راميًا للسهام، أمر محرج تتمنى لو يُمحى من عقلها تمامًا .
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تنفض ثيابها وتعدل من حجابها :
" مرحبًا، مرحبًا بك يا...مرحبًا بك "
ابتسم لها الشاب بسمة هادئة جميلة يرد عليها التحية بالمثل، لكن المشاعر التي خرجت من تحيته لم تكن مثل خاصتها البتة .
" مرحبًا بك ليلا، مر وقت طويل منذ رأيتك"
ابتسمت له تقول بصوت خافت خجل منه :
" نعم، أنا كنت مشغولة بعض الشيء، وأنت، أنت تعمل في القصر ولا تعود كثيرًا لذلك لم نتقابل "
منحها الشاب بسمة صغيرة يقول بجدية وتلميح واضح لها :
" لا بأس ربما يكتب الله لنا لقاء دائم بإذنه "
رفعت حاجبها لا تفقه من حديثه شيئًا، لكنها لم تهتم كثيرًا وهي تتحدث بهدوء شديد تنسحب من المكان بأكمله يعد نظرات الشاب لها:
" إن شاء الله، اعذرني عليّ الرحيل الآن لمساعدة امي في العمل، أتحتاج لشيء آخر أبي قبل رحيلي ؟!"
نظر لها والدها ببسمة واسعة يقول وهو يغلق الدفتر أمامه:
" لا عزيزتي يمكنك الرحيل الآن"
هزت رأسها تنظر ارضًا وهي تتحرك بخطوات هادئة صوب الباب، وقبل أن تفتحه سمعت صوت الشاب خلفها يردد بصوت مسموع لها، بل واضح للجميع :
" لِمَ لا تعرض عليها الآن يا عم، أنا أريد معرفة رأيها "
نظر له والدها وهو يحاول الاعتدال في جلسته للتحدث، لكن ليلا استدارت بسرعة تقول بعدم فهم :
" يعرض عليّ ماذا ؟!"
رأت ليلا نظرات لوم وعتاب تلوح في عيون والدها للشاب أن تحدث بمثل تلك الأمور هكذا وعلى غير المتعارف عليه، تنهد ينظر لابنته :
" هو يا ابنتي جائني لـ ..."
" جئت لطلبك للزواج ليلا، ما رأيك ؟؟"
وبالتزامن مع انتهاء جملته صدح صوت فتح الباب خلف ليلا، لكنها لن تسمع خطوات قدم أو صوت شخص، استدارت ببطء لتُصدم بهيئة مهيار الذي استقر جوار الباب بوجه مصدوم واعين متسعة يحدق في وجهها وكأنها هي من قالت للتو أنها ترغب في التقدم لخطبة شاب وليس العكس .
قال مهيار يحاول الاستيعاب وهو ما يزال يحدق بوجه ليلا :
" ماذا ؟؟؟"
رفعت ليلا يدها بسرعة وكأنه يوجه لها تهمة شنيعة :
" ليس أنا من تحدث اقسم "
لكن مهيار لم يكن يستوعب ما يحدث حوله، هو فقط بمجرد فتحه للباب وجد تلك الجملة تصطدم في وجهه، حرك عيونه صوب المكتب حيث والد ليلا والشاب ليعيد نفس سؤاله :
" ماذا ؟؟"
لفت ليلا رأسها صوب والدها تقول بجدية :
" نعم، ماذا ؟!"
وهكذا أصبحت تقف جوار مهيار والاثنان ينظران صوب والد ليلا بملامح مستنكرة فضولية مشدوهة ومتعجبة لما سمعوا، والشاب لا يفهم ما يحدث أو ما أخطأ به؛ لذلك أعاد نطق جملته :
" لقد كنت اقول أنني اود الزواج بليلا ."
قاطعه والد ليلا بجدية :
" اسمع يا بني هذه الأمور لا تُعرض ولا تُناقش بهذا الشكل هنا، ولا نأخذ آراء فتياتنا بهذه الطريقة، لذلك يمكنك إحضار والدك اليوم والتقدم بشكل مناسب، ما رأيك ؟!"
نظر لهم الشاب ثواني قبل أن يبتسم ويصافح والدها ثم نهض يقول :
" حسنًا يا عم، اليوم مساءً سأكون مع والدي في منزلكم "
نظر لعيون ليلا المصدومة وعيون مهيار المماثلة وملامحه الشاحبة وكأنه تلقى موعد موته للتو، وتم تحديده ليكون بالتزامن مع تقدم الشاب لخطبة ليلا .
لم يفق مهيار سوى على صوت الباب الذي ارتد للجدار بعد رحيل الشاب، تحرك بعيونه صوب ليلا التي أنزلت عيونها ترفض النظر له في هذه اللحظة تحديدًا، ابتسمت لوالدها بسمة صغيرة وهي تقول :
" إذن يا أبي أنا سأرحل لارى إن كانت أمي تحتاج مساعدة ما "
ابتسم لها والدها يودعها، وهي نظرت لمهيار نظرة صغيرة تقول بصوت منخفض :
" السلام عليكم سيد مهيار "
ختمت حديثها ترحل بسرعة من أمامه وهو ما يزال شاحب الوجه لا يعلم ما يحدث حوله، وصوت والدها يتحدث دون أن يجد استجابة منه، واخيرًا استفاق يقول دون مقدمات :
" اريد بعض الأعشاب التي أُستهلكت البارحة في المشفى"
تعجبه الرجل وهو يهز رأسه:
" حسنًا يا بني استرح وأخبرني ما تريد "
اخرج مهيار ورقة من يده يعطيها له، ليبتسم له الرجل ثم تحرك لداخل المحب حيث مخزنه :
" حسنًا اجلس ريثما انتهي من جمع ما تريد "
تركه ودخل لمخزن المحل، بينما مهيار جلس على المقعد أمام المكتب يشعر بالصدمة ما تزال تحلق فوقه، ليلا الصغيرة ؟؟ الصغيرة نضجت وبدأ الشباب يتوافدون لخطبتها ؟؟؟
________________________
جُرت بواسطة بعض النساء صوب قاعة العرش حيث ينتظرها جلسة حكم عليها من الملك والذي إذا أثبت أنها بالفعل سارقة، فعليها توديع حياتها داخل القصر وتميم كذلك، وربما تلتف حوله انثى مزعجة تسرقه منها وهذا ما لن تسمح هي به ولو على جثتها ..
أبصرت قبل الدخول للقاعة زمرد التي كانت تتحرك صوبها وهي ترفع ابهامها في الهواء مخبرة إياها أن كل شيء على ما يرام، وهي قررت أن تثق بهذه الفتاة وتبتسم غامزة لها بشكل لم يظهر بسبب غطاء رأسها.
ثم تحركت داخل القاعة تخفض وجهها ارضًا مخفية إياه خلف غطائه، لكن ذلك لم يمنعها من الدوران بنظرها بين الجميع وهي تبحث عنه تحديدًا، لكن لا شيء، كانت القاعة بها المستشارين والملك وبعض الحراس فقط .
ابتلعت ريقها تسمع صوت الملك يتحدث بهدوء شديد :
" أخبروني أنكِ سرقتي خاتمًا ثمينًا من غرفة القائد تميم، هل يمكنك التفسير لي، وإن كنتِ تمتلكين شيئًا للدفاع به عن نفسك فهاتهِ"
رفعت برلنت رأسها قليلًا صوب الملك، ثم دارت بعيونها تبحث عن زمرد أو كهرمان، قبل أن تعود له مجددًا :
" لا املك دليلًا مولاي ولا شاهدًا، الله وحده يعلم أنني لم ألمس شيئًا يخص أحد داخل هذا القصر طوال سنوات عملي هنا "
نظر لها إيفان بهدوء قبل أن يقول :
" ونعم بالله، لكن باعتباري ملك لا يجب أن يستند حكمي لادلة معنوية آنستي، احتاج لدليل مادي يثبت برائتك "
زفرت برلنت تبحث بعيونها عن زمرد والتي طمئنتها أن الأمر تحت السيطرة، لكن أين هي الآن، رفعت عيونها للملك ولم تكد تقول كلمة حتى توقفت على صوته وهو يقتحم المكان بهيبة كعادته يقول :
" اعذرني للتدخل مولاي لكنني جئت لاخبارك أنني اتنازل عن حقي واسامحها "
ابتسمت برلنت بسمة واسعة خلف غطائها وهي تستدير له تنظر في وجهه ببسمة عاشقة كأنها توجه له رسالات شكر عديدة خفية، لكن كل تلك البسمة اختفت فجأة حين اكمل هو حديثه :
" لذا ارجو العفو عنها ولتكتفي بمغادرة القصر "
اتسعت عيون برلنت بصدمة تطلق شهقة مرتفعة وكأن قرار إعدامها صدر منذ ثواني، وحقًا كان الأمر كذلك لبرلنت، فهي لم تكن تخشى عقاب الملك بقدر خوفها أن يجبرها على الرحيل، والآن جاء هذا الغبي يصدر بنفسه قرار إعدامها.
لذا ودون تفكير اعترضت بسرعة وبصوت مرتفع متناسية مكان وجودها وهي تصرخ بجنون :
" لااا ما الذي تفعله أنت الآن ؟! مولاي أنا لا اقبل سماحه، رجاءً عاقبني، عاقبني أي عقاب تراه مناسبًا لي، ما رأيك بعام من العمل في الحظيرة ؟!"
اتسعت عيون إيفان بعدم فهم، لكن صدمته كانت أكبر وهو يجد تميم يستدير صوب الفتاة وهو يصيح في وجهها بعدم فهم :
" أي حمقاء وبلهاء أنتِ ؟! هل جننتي ؟! أنا الآن احاول مساعدتك يا امرأة ؟؟ أنتِ تثبتين التهمة على ذاتك "
" نعم أنا أفعل، رجاءً لا تتدخل بحكم الملك "
استدارت بسرعة صوب إيفان تتحدث بغباء ولهفة شديد وهي تدرك أنها إن خرجت من القصر الآن فلن يحدث وتعود له ولو كانت وصيتها الأخير أن تُدفن به :
" هيا مولاي أنا جاهزة لتحمل أي عقاب تمنحني إياه، لكن رجاءً لا تستمع لذلك الرجل "
ابتسم إيفان بعدم تصديق يهمس بجنون :
" تالله وبالله ووالله ما رأيت في حياتي من هو بمثل حمقك، أيتها الغبية أنتِ بسرقتك تلك لن تعاقبي بمجرد تنظيف للحظيرة يا غبية سوف يقطعون يدك "
استدارت له برلنت بسرعة وهو كان يتنفس بقوة وغضب لا يفهم سبب قتاله لأجل برائتها وهي من خدعته وسرقته وازعجته في حياته، لقد استأذن من سالار خصيصًا قبل الرحيل مع الشيخ لمشكى فقط كي يأتي ويخبرهم أنه متنازل عن حقه .
وبرلنت التي سمعت كلماته شحب وجهها على الفور وهي تفكر هل بقائها جواره يستحق أن تعيش مبتورة الأيدي ؟! وهل يستحق خاتم كهذا عقوبة كبتر يدها ؟!
كل ذلك يحدث وإيفان يراقبه بأعين هادئة وصمت تعجبه الجميع، لكن هو فقط كان مستمتع، مستمتع وهو يرى حديث الاثنين معًا ونظرات تميم المدافعة .
تنفس تميم بصوت مرتفع :
" رجاءً مولاي أنا اتنازل عن حقي، لذا ارجو منك تخفيف الحكم الخاص بك "
استدارت برلنت بسرعة صوب عرش إيفان الذي كان يراقب كل ذلك بابتسامة باردة مستمتعة يشوبها بعض السخرية مما يحدث أمامه:
" نعم مولاي رجاءً خفف من حكمي وقل ما شئت لكن رجاءً كله إلا اخراجي من القصر وايضًا أمر البتر "
في تلك اللحظة سمع الجميع صوت نسائي يتدخل بسرعة وبأنفاس لاهثة تحدث :
" مهلًا مولاي، مهلًا"
استدارت عيون الجميع صوب ذلك الصوت والذي لم يكن سوى كهرمان التي اقتحمت المكان فقط لتقاطع الجلسة حتى تصل زمرد مع الفتاة التي ستبرأ برلنت .
تنفست برلنت الصعداء، بينما الحيرة علت وجه إيفان الذي استطاع التعرف على هوية الفتاة التي اقتحمت المكان دون استئذان .
" اعتذر لكم مولاي على المقاطعة، لكن ...لكن برلنت صديقتي وانا املك دليلًا على برائتها "
رفع إيفان حاجبه وقد شعر أن هذه المحاكمة قد تحولت لمهزلة حقًا :
" ترى ما هو ذلك الدليل آنسة ؟؟"
تنفست كهرمان وهي تتحرك مقتربة من عرش إيفان متحدثة صوب برلنت بجدية :
" مولاي، برلنت تم الإيقاع بها في فخ إحدى العاملات اللواتي يحقدن عليها، لقد اوقعتها في مكيدة بعدما دست بالخاتم داخل ثيابها، وفي الحقيقة هي لم تعلم ثياب من تلك، لكنها فعلت وبالصدفة دست الخاتم داخل ثيابي أنا، والعاملات اللواتي اخرجن الخاتم يمكنهن الشهادة حين نعرض عليهم اماكن خزانات الملابس دون تغيير مكان قطعة واحدة، فهم وجدوه في أحد فساتين الخاصة ويمكنني إحضاره هنا "
تنفست بصوت مرتفع تحاول أن تهدأ وإيفان يراقبها مضيقًا عينه، وهي حركت يدها أمام وجهها لتتنفس بشكل طبيعي :
" وأنا يا مولاي لم اطأ يومًا معمل القائد تميم كي أكون المذنبة والجميع يشهد "
ابتسم لها إيفان يرد بصوت هادئ :
" ولماذا لا نقول أن رفيقتك هي من فعلتها واخفت الخاتم داخل ثيابك ؟!"
رفعت كهرمان عيونها صوب العرش ولولا الغطاء الذي يحيل بين الملك ورؤيتها لابصر تحدي وعناد في نظراتها :
" هذا لأن الفتاة بنفسها اعترفت أنها هي من دبرت كل ذلك للأنتقام من برلنت، فاسمح لها بالمجئ للاعتراف مولاي "
أطال إيفان النظر في جسدها، ثم ابتسم بسمة جانبية يقول :
" يمكنها المجئ والتحدث "
فجأة أبصر الجميع جسد، أو بقايا جسد مدمر يتحرك داخل القاعة وخلفه فتاة ملثمة تدفع ذلك الجسد بحدة وكأنها تقودها للمذبح أو ما شابه .
اتسعت أعين إيفان بقوة وشر حين رأى ذلك المشهد، بينما برلنت فتحت عيونها بصدمة وهي تهمس داخل نفسها :
" يا ويلك يا برلنت لم تجدي سوى زمرد لتعتمدي عليها ؟؟، لقد ضعت وضاع مستقبلي، الآن بدلًا من تهمة لسرقة هاتم، ستصبح محاولة قتل "
انتفض جسد إيفان عن العرش بقوة يراقب جسد تلك الفتاة التي يبدو أنها تعرض للضربت يصرخ بصوت هز المكان بأكمله:
" ما الذي يحدث هنا؟؟ من ذا الذي تجرأ ورفع اصبعًا عليها ؟؟"
صمت الجميع برعب من ملامح إيفان الذي استنكر كل ما يحدث أمامه، وقد على الاستنفار في المكان واستقامت الاجساد بترقب، والجميع شعر بالخوف من إيفان وخاصة كهرمان التي انتفضت للخلف تطلق شهقات مرتعبة .
كل ذلك حدث وهو الوحيد الذي لم يعي به، كان الجميع حوله يتحرك بينما هو الوحيد الساكن، العالم توقف حوله، الحياة بأسرها بهتت ألوانها فجأة حين سمع كلمات تلك الفتاة التي لم تخترق ايًا منها أذنه سوى اسم وحيد .
« برلنت » اسم تسبب في انتفاضة جسده ليستدير تميم بسرعة مخيفة ويحدق بها واعينه متسعة، لا يعي بكل ما حدث حوله ولا للكوارث الآتية، أو لأنه تخلف عن غارة القائد لدقائق انتهت، لا يعي لشيء سوى اسمها .
برلنت ؟؟؟ هل هذه هي برلنت نفسها ؟؟؟
ودون شعور منه نطق تميم اسمها بهمسة مصدومة مثخنة بالجراح القديمة :
" برلنت ؟؟؟؟؟؟"
______________________
همسة قد توقف حياتك، وهمسة أخرى قد تعيدها .
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رحمة نبيل
( تصويت للفصل قبل القراءة )
حابة أوضح شيء البعض معتقد أنه ليه لغاية دلوقتي الابطال محبوش بعض، يعني بقالنا ١٦ فصل ولسه محبوش بعض؟!
حابة اقول إن لو فعلا حبوا بعض بسرعة ومن نظرة واحدة يا جماعة هيكون شيء غير منطقي، يعني تخيلوا في الحياة الواقعية وفي الظروف العادية اساسا الإنسان عشان يميل لإنسان بياخد وقت قد ايه، وبعدين عشان يحبه بياخد وقت اكبر، فما بالكم بيهم هما في ظروف اقوى وأشد، يعني مفيش حد هيحب حد بالسرعة دي وبالدرجة اللي تخليه يحارب عالم كامل عشانه، اصبروا لأن الأحداث مش بالشكل ده، مقدرة لهفتكم إن تشوفوا الابطال وتفرحوا بيهم فرحة الأم بعيالها، لكن بمنطقية يا شباب، خلي الأمور تسير بمنطقية، لأن لو عملت اللي أنتم عايزينه ببساطة هكون كروتت تفاصيل كتير اوي هحتاجها قدام ...
كل همسة في الرواية لسبب .
ومتنسوش أن الرواية مش اعتمادها الاول على قصص الثنائيات في حروب وقصص أخرى جنب القصص دي .
فكل اللي أقدر اقوله، إن كل شيء متخطط ليه وكل شيء له وقته، وصبرًا لأن القادم باذن الله هيبهركم، فقط استمتعوا .
صلوا على نبي الرحمة....
___________________
كانت صرخة إيفان هي الكلمة الناهية لأي احاديث جانبية داخل القاعة، كلٌ ابتلع كلمته التي كانت على وشك مغادرة فمه، حينما ابصروا غصب الملك وانتفاضة جسده على العرش، ومن يعلم الملك جيدًا يدرك مقدار كرهه لأي تجاوز داخل أسوار مملكته، وخاصة قاعة عرشه، وتحديدًا أمامه .
وهذا ما يراه أمامه تجاوز ليس فقط داخل مملكته، بل وايضًا أسفل سقف قصره، وهذا ما لن يسمح بحدوثه طالما هناك انفاس داخل صدره .
" أن تتجرأي و تمسي فردًا من أفراد شعبي لهو تجاوز، لن أسمح به ما دمتُ حيًا، والآن آنستي امنحك دقائق قليلة تجدين فيها حجة قوية يمكنها أن تخفف من عقابي لكِ "
نظرت له زمرد بحنق شديد حاولت قدر الإمكان ألا تظهره على ملامحها، لكنها فشلت ، ولم تكتفي بذلك بل قررت أن تزيد الطين بلة وتفتح فمها لتجادل الملك :
" أنت يا ..."
" مولاي ."
كانت تلك الكلمة الأخيرة الخافتة والرقيقة صادرة من كهرمان التي رأت أن تتدخل في الحال لحقن الدماء، فهي تدرك كيف ستتصرف زمرد في مثل هذه الحالات ولن تفرق بين ملكٍ وجندي .
تحركت أعين إيفان من زمرد حتى استقرت نظراته على كهرمان التي اقتربت من عرشه بمنتهى الهدوء تقول :
" مولاي، اسمح لي بالحديث رجاءً "
رمقتها زمرد بسخرية تكتم صيحة حانقة كادت تخرج منها، يبدو أن حياتها الفوضوية وسط المنبوذين _ حيث لا قوة تعلو فوق صاحب الصوت الاعلى _ أثرت عليها إذ أضحت نافرة لكل القوانين والتقاليد وهذه الأشياء الروتينية المملة.
هي ورغم أنها تنبذ وتنفر أصلها وانتمائها لهذه الفئة من الأشخاص، إلا أنها لا تستطيع أن تنبذ عادات وتصرفات تربت عليها .
وكهرمان النقيض لزمرد، والتي تربت بين طرقات القصر على يد ملكة كوالدتها، وتعلمت على يد ملكٍ عظيم كشقيقها، كانت تدرك جيدًا التصرف الصحيح في هذه اللحظات، أن تعاند الملك وتصرخ في وجهه، تصرف قد يودي بك لحتفك، هذا ما لم ولن تدركه زمرد التي كانت معتادة على الصراخ في وجه والدها " زعيم المنبوذين" بل والتقليل منه أمام الجميع ومقاتلة اخوتها .
" مولاي عذرًا منك على تصرف صديقتي، لكن جلالتك هذه الفتاة امامك ليست البريئة التي تعتقدها، لقد جاءت لرفيقتي برلنت يومًا وهددتها أمامنا بالاذية فقط لأن برلنت منعتها من إثارة المتاعب، ولم تكتفي بذلك بل تجرأت وضربتها على مرأى ومسمع من الجميع، ثم هذه الجروح التي تراها على جسدها لم تكن رفيقتي هي المتسببة بها على الاطلاق "
وعند هذه النقطة وجدت زمرد مدخلها تقتحم الحديث بجدية كبيرة :
" نعم يا مولاي هذا صحيح، أنا عندما اكتشفت فعلتها وذهبت لاصارحها وجدتها بهذه الهيئة ولا اعلم حتى من فعل بها هذا، حتى أنها هي من هاجمتني واصابتني بجرح غائر في يدي "
ختمت حديثها تشير صوب خدشٍ صغير يتوسط ظاهر كفها والذي لم يكن واضحًا حتى لايفان الذي رفع حاجبه لا يقتنع ولو بمقدار شعرة بما سمع .
ويبدو أن إيفان لم يكن الوحيد الذي لم يقتنع بحديث زمرد، فدانيار والذي جاء يستدعي الملك كي يتفقد القافلة الراحلة صوب مشكى، وكي يحضر تميم للتحرك، صُدم بمجرد دخوله وسماعه حديث تلك الحرباء المتلونة، يا ويلي لو أنه يجهلها لكان الآن صدق أنها الضحية، يدرك جيدًا أنها هي من فعلت هذا بالفتاة .
" تلك الكاذبة كدت أصدقها، مسكينة أُصيبت بخدشٍ أثناء محاولتها التخلص من الفتاة ."
استند بكتفه على الجدار خلفه يراقب ما يحدث بسخرية لاذعة وكأنه يشاهد عرضًا أو ما شابه، ينتظر أن تنتهي هذه الحرباء من دورها ليصفق لها .
نظر إيفان صوب الفتاة الملقاة ارضًا يقول بقوة :
" هل ما تقوله هذه الفتاة صحيحًا؟! لم تكن هي من ضربتك وهددتك ؟؟"
نظرت الفتاة صوب زمرد التي ضيقت عيونها وكأنها تحذرها التحدث بكلمة، أو تتحداها لقول شيء :
" لا ...لا أدري، لقد ...لقد كان المكان مظلمًا ولم أبصر شيئًا، كان جسدًا يرتدي الاسود هو من هجم عليّ مولاي وابرحني ضربًا، ثم اختفى كالضباب وبعدها بثواني معدودة هجمت تلك الفتاة على غرفتي تجرني مجبرة إياي على المجئ هنا والاعتراف بما فعلت "
صاحت زمرد بانتصار :
" ها رأيت، أخبرتك أنا لم أمس منها شعرة واحدة حتى مولاي "
ختمت حديثها ترفرف برموشها في شكل جعل دانيار يعتدل في وقفته وهو يضع يده أعلى فمه يكتم ضحكة كادت تفلت منه وهو يراقبها بإعجاب وفخر، رغم عدم معرفته لما يحدث هنا، لكنه فخور بها فخر الأب بصغاره وهو يراها تقترف المصيبة وتهرب من العقاب .
صدح صوت إيفان في القاعة يتجاوز عن تلك النقطة رغم شكه الكبير أن تلك الفتاة هي المتسببة فيما يحدث :
" إذن هل ما قالته العاملة صحيح ؟! أنتِ من دسستي الخاتم في ثيابها لأجل توريط الفتاة ؟!"
انتفض جسد كهرمان لثواني انتفاضة لطيفة بعد سماعها له يخصها بالحديث وكأنها خشيت أن يكتشف شيئًا من مجرد الإشارة لها، رفعت عيونها له تحدق به من خلف غطاء وجهها بأعين مراقبة لكل لفتة تصدر منه، رجل ملئ بالهيئة والذكاء، هو كتلة متنقلة من كل الصفات التي تجذب أي امرأة صوبه .
بكت الفتاة حين تذكرت همس زمرد لها بالقتل، أقسمت لها أنها ستقتلها إن كذبت بكلمة واحدة ولن يستطيع أحد حمايتها ولو عادت لرحم والدها فستخرجها بيدها وتتخلص منها بنفسها، لذا دون شعور تحدثت بما حدث فعقاب للملك سيكون أخف من تلك المختلة .
وهاجس صغير وسوس لها الاحتماء بالملك منها، لكن نظرات زمرد لها ارعبتها وبحق .
وزمرد تلك المسكينة التي لم تكن تتحدث بصدق فهي بالطبع لن تقتلها، لكن يبدو أن نبرتها وملامحها كانوا مقنعين وبشدة للفتاة .
أفاقت زمرد من شرودها على صوت برلنت :
" اقسم أنني لم أرفع اصبعًا على شيء لا يخصني مولاي، وهذه الفتاة هي من أوقعت بي "
كانت تتحدث وهي تشير صوب الفتاة المتهمة، غير واعية بنظرات تميم الذي لم ينزع عيونه عنها منذ سمع باسمها، هل ...هل يعقل أنها هي نفسها برلنت خاصته؟؟ برلنت الحبيبة ؟؟ هل هي نفسها من جاب الأرض من شرقها لغربها فقط ليبحث عنها ليكتشف الآن أنها تقبع أسفل القصر الذي يسكن به .
شعر بقلبه يرتجف لتلك الفكرة، ياالله هل تكون هي ويرتاح أخيرًا ؟؟ لكن إن كانت هي كيف لم تتعرف عليه ؟؟ وهو رآها مرات قليلة لكن مظهرها لا ...صمت عن تلك الأفكار وهو يسمع صوت الملك يصرخ بصوت جهوري :
" تلك الألاعيب لا تُمارس في مملكتي وبالطبع ليس في قصري، ولأنه خطأك الأول فسأكون رحيمًا بكِ واكتفي بنفيك خارج أسوار قصري، اذهبي وابحثي عن رزقك في مكان آخر يا امرأة "
ماذا ؟؟ هل سيبعدها ؟؟ هو لم يتأكد بعد إن كانت برلنت نفسها أو لا، لا لن يسمح للملك بأبعادها قبل أن يتأكد، انتفض تميم وهو يفتح فمه ليعترض، لكن فجأة توقف حين سمع بكاء الفتاة وهي تتوسل الملك بالسماح قبل أن تسحبها العاملات للخارج .
حرك عيونه صوب برلنت التي كانت تقف مرفوعة الرأس تسمع حديث الملك لها :
" ولأن ظلمًا نالك داخل قصري وقضيتي ليلة داخل جدران سجني دون ذنب، وتعويضًا عن كل ذلك سوف امنحك خمسة أيام من الراحة، ومبلغًا ماليًا، ولكِ كامل الحرية بالخروج من القصر في أيام العمل ولمدة شهر كامل "
ختم حديثه يهبط عن عرشه مستأذنًا من الجميع يتحرك خارج القاعة بكل هدوء كي يتفقد الجيش المتحرك لمشكى، بينما تميم ظلت أعينه معلقة بها يبحث فيها عن رائحة من عزيزته بيرلي، لكن لا شيء ..
تحرك خلف الملك بهدوء شديد وقد أخذ وعدًا على نفسه بمعرفة كل ما يخص تلك الفتاة، فلا يعقل أن يتشابها باسم هو اختاره بنفسه مميزًا نادرًا لأجل صغيرته .
ولحق بهم دانيار الذي ابتسم لزمرد حينما التقت عيونه بخاصتها التي تظهر من اللثام، غمز لها غمزة صغيرة، ثم تحرك خلف الملك وتميم وهي ظلت تنظر لاثره بصدمة كبيرة تحاول معرفة ما يقصد من تلك الغمزة .
___________________
" هؤلاء أعداء الله استحلوا دماء إخوانكم مرات ومرات، قتلوا منهم الكثيرين، وعذبوا فيهم الباقيين، وإن اعطاكم الله قوة عجزتم عن مساعدتهم بها فالعار لكم ما حييتم، والخزي مصيركم ومصير ابنائكم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها "
صمت سالار يحرك عيونه بين رجاله، يرى وجوه بلا ملامح أو تعبيرات، فقط جمود وسواد غطى الوجوه، وكأن كلماته لهم تخترق افئدتهم ويخزنوها داخلهم لتشحنهم بطاقة تنتظر يوم تنفجر في وجوههم .
" نحن لم نكن يومًا دعاة حربٍ، ولا متفاخرين بقوتنا، ولم ننتصر يومًا سوى بتوفيق من الله، والآن نحن لسنا ذاهبون لحربٍ، ليس الآن، لم تقرع طبول الحرب بعد، لكن إن اضطررنا لها، فنحن أهلٌ بها، سوف نسير خلف قوافل المملكة ونحميها، حتى تصل لشعب مشكى، إن اعترضت حشرة طريقكم ادهسوها أسفل اقدامكم، فهمتم ؟؟"
ارتفعت صيحات الجميع بصوت واحد :
" فهمنا سيدي "
ابتسم لهم سالار بسمة صغيرة يهز رأسه هزة خفيفة، يستدير خلفه ليرى إن عاد دانيار مع الملك وتميم أم لا، لكن ما حدث هو أنه رآها تقف على بُعد صغير منهم تراقبه بأعين غريبة جعلته يرفع حاجبه، وهي فقط ابتسمت له بسمة صغيرة خفيفة تهز رأسها له في تحية صامتة، وسالار رفع حاجبه بتعجب شديد .
لكنه وبعد ثواني لم يملك سوى أن وضع يده على قلبه يميل بعض الشيء برأسه وفي احترام شديد يؤدي تحيته للملكة، ثم استقام يبتسم لها يهز رأسه له .
بينما عند تبارك والتي خرجت منذ الصباح صوب الحديقة حيث ابلغها العريف أنها ستكون مكان درسهم بعدما استبعد فكرة دخول تلك الفتاة لمكتبته، أو أي إنسان حتى لمكتبته العزيزة .
خرجت تسير بملل وهي تنتظر حضوره، قبل أن ينتفض جسدها لسماع صوت جهوري جعلها تهرع ظنًا أن حربًا أخرى ستندلع، لكن ما رأته وسمعته جمدها بأرضها وهي ترى ما يحدث أمامها.
سالار يتقدم الجيش ويهتف بهم بكلمات جعلتها ترتجف وتتمنى، فقط تتمنى بكل ذرة داخل قلبها أن يحصل عالمها على سالار خاص به ..
فجأة وجدته يستدير وهو يدور بنظراته حوله، قبل أن تلتقي نظراتهما، فلم تملك سوى أن تبتسم له بتقدير وهي تهز رأسها له باحترام وتحية، ولصدمتها رأته ينحني بعض الشيء مؤديًا لها تحية هزت جوانب قلبها وجعلت بسمة لا إرادية ترتسم على فمها :
" في رعاية الله وحفظه "
أبصرت تبارك الملك يقترب بكامل هيبته من سالار وخلفه رجلين تعلم أنهما من رجال سالار، راقبتهم من بعيد لا تسمع ما يقال بينهم، وحين قررت أن تقترب أكثر بفضول، تصنم جسدها في ارضها حين سمعت صوتًا خلفها يقول :
" لطالما كان سالار محط أنظار الفتيات داخل القصر، لكن يومًا لم تتجرأ فتاة على النظر له علنًا مخافة أن يزجرها هو بنظرة ترديها ارضًا، لكن ها هو يحدث، فتاة تنظر له بإعجاب شديد على مرأى ومسمع من الجميع وهذه الفتاة ليست سوى الملكة، مثير للاعجاب ها ؟؟"
استدارت تبارك ببطء صوب الخلف تحاول تبين صاحبة الصوت لتبصر امرأة في متوسط عمرها ترتدي تاجًا وثياب مرصعة بالاحجار الكريمة وتقف أمامها بكبرياء شديد، لكن عيونها كانت تلقي لها نظرات غريبة جعلت تبارك تقول بصوت خافت :
" عفواً ؟؟"
وعلى بُعدٍ منهم كان الملك يتفقد أمور الجيش ويطمئن عليه، ثم توقف أمام سالار يربت أعلى كتفه بهدوء وبسمة صغيرة :
" أثق أنك ستعود مرفوع الرأس يا صديقي، اوصل سلامي لبافل ورجاله "
ابتسم له سالار يهز رأسه هزة صغيرة :
" سأفعل مولاي، اطمئن، والآن اسمح لنا بالتحرك "
" يمكنك ذلك "
وتلك الكلمة من إيفان كانت بمثابة رصاصة السباق التي منحت الجميع الإشارة الخضراء للتحرك فانتطلق جيش المقاتلين بقيادة يتقدم الجميع، ثم خلفهم سارت قوافل الملك ومن بعدهم تحركت كتيبة آخرى بقيادة تميم، ومن ثم كتيبة الرماة التي تحمي ظهورهم .
ابتسم سالار الذي جلس على صهوة جواده ينظر لجيشه يأمرهم بصوت جهوري :
" تقدموا يا رجال "
وبالفعل تحرك الجميع بسرعة كبيرة، وسالار يسبقهم، لكن وقبل الخروج بالكامل من باب القصر أبصر بطرف عيونه مشهد جعل عيونه تتسع بصدمة وهو يرى الملكة الأم تسقط تبارك ارضًا ليتوقف خيله فجأة بقوة جعلت جميع أفراد الجيش يتوقفون بسرعة كبيرة وريبة .
وقبل أن يتحدث سالار بكلمة واحدة أو يتحرك خطوة أبصر الملك يتحرك بقوة مرعبة صوب الملكة وكأن الشياطين تتبعه، ليتنفس هو بقوة يغمض عيونه، قبل أن يقول بصوت هادئ :
" لنكمل طريقنا "
وبالفعل سبق الجميع بجواده، تقدم كتيبته بهيبة والكل خلفه، وقد أصبحت ملامحه صخرية بشكل مخيف وكأنه للتو ألغى تفعيل الإنسان داخله، وأصبح في هذه اللحظة رجل حرب وآلة قتل ..
وكذلك الجميع منذ خطوا خارج القصر تناسوا كل ما يرهقهم ويشغل عقولهم ولم يتذكروا سوى شيئًا واحدًا فقط...القصاص .
______________________
انتهى من تفقد جميع الجنود المصابين، وأخيرًا حانت لحظة راحته التي يرجوها كل ثانية، ألقى بجسده على الأريكة يغمض عيونه فقط لينال قسطًا صغيرًا من الهدوء، لكن ذلك لم يتحقق مع كل تلك الضوضاء داخل عقله.
هل هي الآن جالسة تفكر في ذلك الشاب الذي تقدم لخطبتها، هل تعرفه جيدًا وستوافق عليه ؟! ليلا الصغيرة تقدم لخطبتها أحدهم ؟!
تنفس يشعر بالفوضى تعم عقله، هو لم يحسب حسابًا لهذا اليوم، متى نضجت الفتاة وأصبحت مقصد كل شابٍ يبحث عن الاستقرار ؟؟
" سيدي الطبيب نحتاجك في غرفة خمسة بسرعة "
انتفض مهيار عن مقعده يركض سريعًا صوب الغرفة التي نطق بها مساعده، يشكر الله أن أرسل له هذه المهنة كي تشغل عقله قبل أن يُصاب بالجنون، والآن في هذه اللحظة ولأول مرة يشعر بامتنان شديد لعمله الذي جعله يصرف انتباهه عن كل ما يشغله .
لكن وبعد ساعة تقريبًا فرغ من كل ذلك فقرر أن يجد شيئًا يصرف انتباهه عن التفكير بليلا، ألا وهو الذهاب لها بنفسه .
هل هناك طريقة أفضل من ذلك ؟
وبالفعل وضع مهيار خطته قيد التنفيذ وهو يتحرك خارج المشفى مستغلًا فترة راحته ووجود مساعديه في المكان .
خرج من القصر ومنه تحرك صوب محل النباتات والأعشاب الخاص بوالد مرجان وليلا، لكن وحينما اقترب منه وجده مغلقًا.
حسنًا الآن هذه إشارة له كي يتراجع عن جنونه المفاجئ ويعود كأي شخص عاقل صوب عيادته ويرى عمله .
لكنه في هذه اللحظة لم يكن عاقلًا البتة وهو يغير طريقه صوب منزل ليلا :
" نعم هذه إشارة، وُضعت فقط لاتجاهلها "
وبعد دقائق كان يقف أمام منزلها ولا يدري مبرر وجوده هنا، ليعود، فقط تراجع مهيار وعد صوب عيادتك الدافئة الآمنة و....
قاطع كل تلك الأفكار داخل عقل مهيار سماعه لصوت طرق على الباب أمامه، طرقه هو للباب، حيث ارتفعت قبضته دون شعور وضرب الباب في انتظار الرد والذي جاءه سريعًا.
فتحت ليلا الباب :
" تفضـ...."
توقفت عن الحديث فجأة بصدمة كبيرة حين أبصرت مهيار أمام الباب، ليبتسم لها الاخير بسمة صغيرة يبحث داخل عقله عن مبرر :
" مرحبًا، ذهبت للمحل ووجدت أنه مغلق، وقد كنت في حاجة ماسة لبعض الاعشاب الضرورية للمشفى "
وليلا التي لم تخرج بعد من صدمتها ابتعدت عن الباب دون شعور :
" نعم هو أبي اغلقه لأجل تناول الطعام وسيعود بعد قليل و...تفضل ..تفضل للداخل "
نظر لها مهيار بهدوء يشعر بمقدار تسرعه :
" لا شكرًا لكِ أنا فقط جئت لإحضار بعض الاعشاب الضرورية، يمكنني العودة بعد ساعة ريثما ينتهي العم من طعامه "
ولم يكد يتحرك هاربًا منها ومن نظراتها التي جعلته يشعر كما لو أنه نبت له قرنين، حتى سمع صوتها تقول بسرعة كبيرة :
" لحظة "
توقف مهيار يستدير لها بتعجب لتقول هي بعجلة من أمرها :
" لحظات قليلة سأحضر مفتاح المحل واعود لاعطيك ما تريد "
" ماذا ؟؟ لا لا، سوف اعود بعض دقائق لا ترهقي نفسك ولا تشغلي رأسك بالأمر حقًا و..."
قاطعته ليلا بجدية وهي تركض للداخل :
" اعطني لحظات قليلة واعود "
وبالفعل اختفت داخل المنزل تاركة إياه ينظر لاثرها وهو يوبخ نفسه بقوة، يشعر برغبة عارمة في الصراخ وجلد ذاته على كل تلك الأفعال الطفولية الغبية التي ما عرفها قبل هذا اليوم، لكن خرجت ليلا ورحمته من كل ذلك وهي تقول مبتسمة .
" هيا "
" نعم لنتحرك "
تحرك خلفها صوب المحل الذي لا يبعد عن منزلها الخاص سوى بشارع واحد فقط، وبمجرد أن توقفوا أمامه أخرجت المفتاح لتفتح الباب، قاطع كل ذلك صوتًا خلفهم تعرفه هي ويألفه هو .
" ليلا جيد أنك أتيتِ، كنت على وشك الذهاب لمنزل "
استدار مهيار ببطء صوب الصوت ليبصر الشاب نفسه أمامه يبتسم تلك البسمة المستفزة له :
" لقد نسيت حقيبة مشتريات خاصة بي جوار مكتب العم حينما جئت للحديث معه "
هزت له ليلا رأسها مبتسمة بسمة صغيرة :
" أوه، حسنًا ثواني سأحضرها لك "
وبالفعل فتحت المحل تدخل وقبل أن يتحرك خلفها مهيار دفعه الشاب دون انتباه يلحق بها بسرعة كبيرة، ومهيار ظل واقفًا في الخارج يراقب ما يحدث أمامه ببسمة جانبية قبل أن يدخل المحل بكل هدوء .
يرى ليلا وقد بدأت تدور في المكان بحثًا عن الحقيبة التي يتحدث عنها ذلك الشاب حتى قالت :
" يبدو أن ابي حفظها في الداخل حين وجدها، لحظة أبحث لك عنها "
نظرت صوب مهيار الذي كان يعبث بأنامله في بعض النباتات لا يعطيهم أي اهتمام :
" اعذرني سيد مهيار لن أتأخر"
ابتسم لها مهيار بسمة صغيرة يهز رأسه هزة خفيفة يراقبها تتحرك صوب المخزن بحثًا عن تلك الحقيبة، تاركة الاثنين في الخارج .
راقبها مهيار بأعين غير مهتمة حتى اختفت من أمامه، ولن يكد يستوعب الشاب ما يحدث، فبمجرد أن غابت ليلا عن عيونه حتى وجد جسده يلتصق بالجدار خلفه وهناك حسد يحاصره وصوت يخرج كالفحيح :
" ستخرج من هنا ولن تعود لا الآن ولا لاحقًا، لا بمفردك أو حتى بوالديك، وفكرة الزواج من ليلا ستتخلى عنها نهائيًا سمعت ؟!"
اتسعت أعين الشاب بقوة وهو يحدق في وجه مهيار الذي كان محمرًا بغضب وبشكل مخيف، وعيونه تنطق بشر جعله يبتلع ريقه :
" أنت الآن ترتكب خطأ سيكلفك حياتك، فمن هددته للتو هو أحد جنود الملك وفرد من جيش الرماة الملكي "
ابتسم له مهيار له بسمة أظهرت أسنانه التي كان يضغط عليها بقوة مخيفة :
" ومن هددك هو الطبيب الملكي الذي لن يجعل في جسدك جزء صغير دون أن يحطمه إن لم تبتعد عن ليلا "
صمت ثم قال بتهديد وبصوت خافت يستغل لمرة في حياته مرتبة أخيه داخل الجيش، لمرة واحدة يتفاخر بمكانة دانيار :
" أو سأخبر اخي العزيز عنك واوصيه بك خيرًا "
" اخوك ؟؟"
" القائد دانيار "
اتسعت أعين الشاب بصدمة كبيرة وهو يحدق في مهيار الذي لم يكن يمزح البتة بأي كلمة نطق بها، وشعر بجسده ينتفض وهو يرى الجدية تعلو وجهه، لذلك ابتلع ريقه يهز رأسه:
" أنا فقط أردت أن أطلب....."
" مرفوض، طلبك مرفوض، فهذه التي وضعت عيونك عليها هي امرأتي، ولي منذ نضجت، والآن أخرج واختفي من أمام عيوني قبل أن يعلم أخي أنك وضعت عيونك على زوجة شقيقه المستقبلية "
ولشدة خوفه لم ينتبه الشاب لشيء سوى الهروب من بين قبضة مهيار، لم ينتبه أن لا أحد ذكر أمر زواج ليلا من مهيار، وأن والد ليلا ما كان ليوافق على مقابلته إن كانت بالفعل له .
" اسف سيدي، لم يخبرني أحد، اعتذر لك "
تركه مهيار وهو يمنحه بسمة صغيرة اخذها الشاب وهرول خارج المكان تاركًا ما جاء لأجله يتنفس الصعداء بمجرد أن هرب منه .
دقائق قليلة وخرجت ليلا تقول بجدية :
" لم اجد شيئًا في الداخل ربما ابي ا....ماذا ؟؟ أين رحل ؟؟"
استدار مهيار بملامح هادئة مبتسمًا بسمة صغيرة كعادته :
" لا ادري حقًا، فجأة انتفض وكأنه تذكر لتوه شيئًا مهمًا "
هزت رأسها بعدم فهم وهي تتحرك في المكان تنير جميع اضوائه :
" اوه لا بأس إذًا، أخبرني سيدي الطبيب ما الذي تحتاجه"
«أنتِ » كلمة صغيرة كادت تفلت من بين شفاهه إلا أنه تداركها يقول ببسمة صغيرة وهو يجلس على المقعد أمام المكتب يطيل النظر لها بلطف كعادته :
" أرجو فقط أنني لا اعطلك عن اعمالك "
" لا سيدي أنت لا تفعل، لا تقلق "
ابتسم لها بسمة واسعة وقد عقد العزم أنه حان الوقت لأخذ خطوة جدية فعلية بعد ترقب لسنوات لحين يشتد عود آنسته الصغيرة :
" إذن، اريد الكثير من الأشياء، دعيني آخذ من وقتك الكثير آنستي فأنا طلباتي عديدة ..."
___________________________
شعرت تبارك برائحة الخبث تفوح من تلك المرأة أمامها، فربما تكون هي مجرد فتاة منعزلة انطوائية، لكنها تكتشف الخبث والمكر على بُعد أميال، وربما ما زاد من هذه الموهبة لديها هي عيشها في جُحر الأفاعي حيث نساء حارتها، وهذه السيدة أمامها بهذه النظرات التي تخبرك أنك اصغر من أن تنظر في عيونك مباشرة، ما هي إلا امرأة كنساء حارتها، لكن الفرق بينها وبين " أم عيد " جارتها أن هذه ترتدي ثياب ثمينة ولا تحمل نعلها في يمناها، وترتدي تاجًا على رأسها، عدا ذلك فهي تشبه أم عيد، بل إن أم عيد تمتلك نظرات أكثر براءة من تلك المرأة .
" اعتقد أنكِ بالفعل سمعتني "
" نعم، وسأتظاهر أنني لم افعل، لذا رجاءً اعذريني عليّ الرحيل "
نعم تهرب كعادتها كما تفعل مع نساء الحارة في أي مواجهة، تركض صوب شقتها لتحتمي بها، لكن تلك المرأة أمسكت بمرفقها قبل أن تهرب كعادتها.
ألم تخبركم أنها أشد مكرًا من أم عيد ؟؟
جذبت الملكة تبارك أمامها تنظر لعيونها وهي تردد بنبرة خافتة :
" لا يبدو هذا استقابلًا مناسبًا لوالدة الملك وزوجك المستقبلي "
والدته إذن ؟؟ هذا يفسر وجود تاج أعلى رأسها، كيف أنجبت هذه المرأة شخصًا كالملك ؟؟ هل يوجد حموات سيئات هنا كعالمها ؟؟
" أوه، اعذريني مولاتي لم أقصد أن أكون وقحة و .."
حسنًا نفذت كل كلماتها المجاملة ولم تستطع نطق واحدة إضافية ويبدو أن الملكة أدركت ذلك لتقول ببسمة :
" واخيرًا التقينا، جئت البارحة وطلبت رؤيتك، لكن يبدو أن الملك نسي اخبارك بالأمر وحدثت تلك المعركة وانشغل عن الأمر"
تمتمت تبارك بسخرية شديدة :
" قدمك خير علينا "
" عفواً"
تنحنحت تبارك بهدوء ترفع طرف فستانها كما اعتادت في الآونة الأخيرة تميل بعض الشيء تحت أعين الملكة المتفحصة لكل حركة تفعلها :
" انرتي المملكة مولاتي "
ابتسمت الملكة بسمة جانبية ساخرة ثم قالت بلا مقدمات :
" لا تليق بكِ أفعال الملكات "
نظرت تبارك لعيونها بصدمة من صراحتها المبالغ بها، ويبدو أن الملكة التقطت تلك النظرات لتقول :
" أخبرت الملك سابقًا أنكِ لا تصلحين ملك لمملكة بحجم سفيد، لكنه تمسك بكِ على أمل أن تكوني مناسبة، لكن مما أراه يبدو أن أمله قد خاب "
ختمت حديثها تشمل تبارك بنظرات مستاءة، أو مستحقرة بعض الشيء، لا تعلم لكن كل ما تعلمه أنها لم تحب أبدًا نظرات تلك المرأة؛ لذلك فضلت الانسحاب مكتفية بهذا الحديث بينهما :
" حسنًا لا اعتقد أن الملك يشاركك الأمر نفسه مولاتي، والآن اعذريني عليّ الرحيل لأن العريف ينتظرني "
لكن وقبل أن تخطو تبارك خطوة واحدة بعيدًا عنها جذبتها الملكة بقوة كبيرة جعلتها تتراجع بعنف شديد ولم تتمالك تبارك نفسها وهي تحاول البحث عن شيء صلب تتمسك به، لكن خابت مساعيها حينما لم تجد سوى الهواء خلفها وسقطت ارضًا بقوة كبيرة مطلقة شهقة مرتفعة .
تتذكر الآن أن قدمها المصابة تؤلمها وبحق، قدمها التي وجدت الطبيبة أمام جناحها في الامس كي تعالجها، ولم تدرك حتى كيف علمت بإصابتها هي فقط تركت لها حرية علاجها .
رمقتها الملكة بنظرات ساخرة وهي تميل بعض الشيء :
" لا اعتقد أن الأمر سيستمر طويلًا، سرعان ما سيدرك إيفان أنكِ لا تصلحين لتكون مجرد خادمة في قصره وليس ملكة على عرش مملكته، وحينها أنا بنفسي سألقيكِ خارج هذا القصر "
رفعت تبارك عيونها للملكة ترمقها بنظرات مرعبة وقد نجحت تلك المرأة في استحضار شياطينها وهي تقول بصوت مرتفع وقد جن جنونها في نادرة من النوادر التي تحصل معها تتناسى كامل قواعد هذا المكان، وقد لغى غضبها الفصحى التي تتحدث بها ونست كل شيء لشدة غيظها :
"لو اتجرأتي ورفعتي ايدك دي عليا مرة تانية أو لمستني مجرد لمسة تاني ولو بحسن نية أنا هنسى عمرك وهوريكِ الويل سامعة ؟؟"
انتفضت تبارك تنفض ثيابها وقد كان جسدها يرتجف غضبًا بعدما فقدت التحكم في أعصابها، ثم رفعت وجهها صوب الملكة التي كانت مصدومة مما سمعت وتبارك قالت بغضب جحيمي :
" لعب دور الشريرة في هذه الحكاية لا يليق بعجوزٍ مثلك، اقترح أن تعتزلي كل ذلك وتجلسي في حجرتك تتضرعين لله وتستغفريه فلا أظن أن امرأة مثلك تمتلك ما يكفيها من الأعمال الصالحة لتقابل ربها، مجرد ظن فقط والعلم عند الله "
ختمت حديثها وهي تطيل النظر داخل أعين الملكة التي أصابتها صاعقة مما سمعت، وتبارك التي لم يخرجها غضبها سوى مرات معدودة على نساء حارتها كتلك المرة التي تحدثوا بها عن فارس أحلامها، والآن على هذه العجوز، لحظات نادرة لا تشعر بنفسها فيهم .
في هذه اللحظة سمعت صوت الملك يهتف بصوت قوي :
" جلالة الملكة .."
استدارت تبارك لترى الملك يقترب منهم بملامح غاضبة عاصفة وقد اعتقدت للحظات أنه أبصر ما حدث، لكن وحينما أصبح على خطوات منهم قال بصوت جامد :
" يبدو أنكِ قابلتي الملكة ...مولاتي ؟؟"
نظرت له والدته وما تزال ملامح الصدمة مرسومة على وجهها، لم تجبه بكلمة وهو ابتسم يقول بهدوء :
" كنت اتمنى أن يكون اللقاء أكثر رسمية ومناسبًا أكثر، لكن لا بأس"
أشار إيفان صوب والدته يعرف تبارك عليها :
" جلالة الملكة شهرزاد.... أمي، وهذه مولاتي هي جلالة الملكة تبارك ...ملكة سفيد المستقبلية"
حدقت تبارك بالملكة ثواني قبل أن تبتسم بلطف شديد وكأن ما حدث منذ ثواني كانت مجرد أوهام من عقل شهرزاد، رفعت طرف فستانها تميل قليلًا :
" مرحبًا مولاتي تشرفت بمعرفتك "
هزت شهرزاد رأسها دون كلمة ليبتسم إيفان بسمة صغيرة :
" مولاتي اعتقد أن الآن لديكِ دروس مع العريف صحيح ؟؟"
" آه صحيح، لقد تأخرت كثيرًا، عفواً اعذرني مولاي، عن اذنك مولاتي "
ختمت حديثها تركض بعيدًا عنهما بسرعة كبيرة تهرب من تلك المرأة ونظراتها التي تكاد تحيلها رمادًا في وقفتها، بينما وبمجرد رحيلها استدار إيفان صوب والدته يقول بهدوء :
" سأتظاهر أن ما حدث منذ ثواني ورأيته لم يكن، لكن مولاتي حذاري وأن تمسي الملكة بسوء "
" هل تهددني إيفان ؟؟"
اتسعت أعين إيفان بقوة يقول بنبرة عادية بعض الشيء :
" أوه لا العفو مولاتي، أخبرتك مئات المرات وسأعيدها لست أنا من يتطاول أو يهدد والدته، أنا فقط أخبرك أن الخطأ في حق الملكة والتجاوز في حقها هو تجاوز في حقي كذلك، وأنتِ خير من يعلم هذا، والآن اعذريني فأنا مشغول بالعديد من الأمور "
وبهذه الكلمات اختتم إيفان حديثه مع والدته، وكذلك اختتم صبرها الذي حاولت حشده كي تهدأ وحوش غضبها .
ابتلعت ريقها وهي تراقب أثر رحيل ابنها وتبارك تفكر في القادم، الملكة ليست كما تخيلت بلهاء، بل هي حقيرة تجرأت ورفعت صوتها في وجهها وهددتها بشكل غير مباشر، وهذا اسوء مما تخيلت .....
_______________________
يقفون أعلى اسوار قلاع مشكى يتضاحكون ويتلاعبون، لا يعنيهم ما يحدث حولهم وقد اغرتهم اسوارهم واوهمتهم أن الاقتراب منهم محظور، احتموا بالقلاع والقصور وخلف المدافع آمنين مكر الجميع، جعلوا أسلحتهم تجيب على كل تسائل يوجه لهم، حتى إن مر بهم شخصٌ ما وألقى عليهم التحية لانتفضوا فزعين يصرخون ويلولون حاملين أسلحتهم مرتعبين .
فأين لهم من أمنٍ وقد اختاروا الغدر سبيلًا، ومالهم من سكينة وقد حازوا نصرًا بالخديعة ؟!
ومن بين أمنهم المزعوم، سمع أحدهم صوت خطوات تنهب الأرض، وشعروا جميعهم بالحصى تهتز أسفل أقدامهم .
تقدم أحد الرجال صوب سور القلعة يحمل منظارًا متواضعًا لا يذكر حتى مِن مَن سرقه يرفعه أمام عيونه يحاول رؤية المتسبب في تلك الأصوات، وفجأة اتسعت عيونه بقوة حينما أبصر جسدًا يعرفه تمام المعرفة يظهر أمامه، جسد لا يود تذكر آخر مرة قابله بها .
كان جسد سالار الذي يركض بحصانه يتقدم الجميع هو ما يظهر لذلك الشاب والذي سرعان ما شهق حين ظهرت له باقي الرجال الذين ظهروا دون سابق إنذار خلف سالار ليشعر بقلبه يكاد يتوقف رعبًا وهو يتراجع دون أن ينزع المنظار عن عيونه :
" أنه هو ...لقد جاء ينتقم هجوم البارحة، لقد جاء "
كان يصرخ وهو يتراجع بسرعة كبيرة مما جعله يتعثر بأحد رفاقه مسقطًا إياه ارضًا فدفعه رفيقه صارخًا :
" ما بك أيها الاحمق كدت تحطم عظامي أسفل جسدك الـ"
ولم يكد يكمل جملته حتى أبصر اهتزاز حدقتي الشاب وارتجافه :
" لقد جاء ينتقم منا هجوم البارحة، لقد جاء وأحضر معه جيشه لقد رأيته"
نظر له رفيقه دون فهم :
" من هذا الذي جاء ؟؟ "
صرخ الشاب يشير بيده لأطراف القلعة :
" سالار ...سالار لقد رأيته يقود جيشًا صوب القلعة، سنهلك أجمعين "
وبنهاية حديثه انطلق جميع الرجال صوب السور بسرعة كبيرة يشهدون صدق حديث رفيقهم متسعي الأعين شاخصي الأبصار مضطربي القلوب، جزعين مرتعبين وأنى لهم من أمنٍ وهم أهل الغدر ؟!
فجأة انطلقت أبواق وصرخ رجل بصوت جهوري هز أرجاء القلعة :
" هجوم من سفيد ..هجوم من سفيد "
وفي الاسفل وبمجرد أن أضحى سالار على مشارف مشكى توقف يرفع يده في الهواء يأمر رجاله بالتوقف وهو يبتسم لسماع صوت الأبواق والصراخ الذي انتشر داخل قلاع الحدود الخاصة بمشكى، ردد باستمتاع وهو ينظر بطرف عيونه لرجاله :
" يبدو أن صدى خطواتنا وصل لهم اسرع مما توقعت يا رجال "
رفع سالار أنظاره صوب القلعة يبحث عن رجلٍ واحد فقط كي يحدثه بهدوء للدخول دون قتال، لكن ما رأى منهم ظلًا حتى، كل ما أبصره هو خيالات تركض يمينًا ويسارًا .
اتسعت بسمة سالار أكثر وهو يترك جيشه بعدما رفع لهم كفه يأمرهم بالثبات اماكنهم، يتقدم صوب القلعة بجواده رافعًا رأسه يصرخ بصوت جهوري :
" السلام على شعبٍ لا يعلمون عن السلام سوى أحرفه، أما بعد جئتكم من سفيد بجنودٍ مستعدين لخوض معركة تستمر حتى تتمنوا الموت لانتهائها، فإما أن تدعونا ندخل في سلام ونرحل في سلام، أو ندخل بالقوة ونخرج بدمار، أحضروا لي أحدكم أتحدث معه رجلٌ لذكرٍ، وإن كان قائدكم يخشى مواجهتي فأي صبي منكم يستطيع أن يحل مكانه لا فرق "
صمت سالار ينظر صوب القلعة وقد جعله الزمان يشهد لتوه مقدار سخريته، فالقلعة التي كانت تستقبله قديمًا بالورود، تأبى اليوم فتح أبوابها، والبلاد التي كان شعبها يستقبلونه بالبسمات أمس، الآن يجهزون له الاسلحة ليستقبلوه .
مرت دقائق في صمت كان جيش سالار بها على أهبة الاستعداد لتحطيم بوابات القلعة واقتحام البلاد وتوزيع المعونات على أهالي مشكى، ورغم معرفة سالار لثغرات كثيرة في البلاد يستطيع الدخول منها دون شعور، إلا أنه أراد أن يمنحهم مرارة الذل حين يطأ مشكى ويوزع الطعام على شعبها أمام أعينهم دون أن يمتلكوا القدرة على البث بكلمة واحدة اعتراضًا على الأمر .
فجأة شعر سالار بظل يخيم عليهم من الاعلى وجسد يمنع أشعة الشمس، رفع عيونه ببطء يبصر جسدًا ضخمًا يعلق سيفًا في حزامه واعين تراقبه بشر وبسمة مخيفة ترتسم على فم ذلك الشخص .
اتسعت بسمة سالار يبادله البسمة بالمثل وهو يهتف بصوت ساخر :
" مرحبًا ببافل العزيز، مرت أيام منذ رأيتك آخر مرة، تحديدًا حينما كنت تغط في نومة هنيئة أعلى فراش صديقي وأنا كنت انحر رجالك في الخارج "
امسك بافل بالسور في غضب شديد وكأنه يحتاج لشيء يتمسك به ليمنع ذاته من القفز والانقضاض عليهم :
" ما الذي جاء بك لمملكتي سالار ؟؟ لا تظن أنني سأمرر لك هجومك ذلك، بل انتظر مني ردًا في غاية القسوة "
ابتسم سالار بسمة هادئة يجيبه :
" القائد سالار بالنسبة لك بافل، فمتى تساوت مكانتي مع الحثالة امثالك لينعتوني باسمي دون لقب ؟!"
صمت ثم قال بأعين خبيثة يدرك جيدًا كيف يتحدث مع أمثاله وله سابق خبرة مع والد بافل في ذلك :
" وفيما يخص ردك، فالبارحة رأيت كيف هو واحضرت لك ما تبقى منه "
ختم حديثه وهو يشير صوب دانيار الذي هبط عن حصانه يتحرك لمؤخرة الجيش يجر أحدهم، ثم تقدم من سالار وهو يدفع شاب في العشرين من عمره ثم القاه ارضًا جوار اقدام حصان سالار ليبتسم سالار وهو ينظر بطرف عيونه صوب بافل الذي اشتدت عيونه وقال :
" إذن نتحدث بهدوء أم نأخذ بقايا ردك ونعامله نفس معاملتك لشعب مشكى ؟!"
وفي ثواني صرخ بافل بصوت جهوري مرتفع :
" ســـــــالار، ايــــــاك "
ابتسم سالار بسخرية :
" أوه لهذه الدرجة معاملتك سيئة لهم ؟؟ لا تقلق فنحن نحسن معاملة الأسرى لسنا أمثالكم "
صمت ثم قال بحسم :
" والآن إما أن تفتح ابواب مشكى لنا وتدعنا ندخل دون ترويع ساكنيها، أو نأخذ شقيقك اسيرًا لنا المتبقي من عمره ونقتحم أبواب مشكى ونروع جنودك "
نظر لهم بافل من الأعلى والنيران الملتهبة حوله زادت من حدة الأجواء، لا يوجد غيره في مرمى بصر سالار وهذا بعدما اختبأ جنوده خلفه في انتظار أمرٍ منه، ولم يتأخر في ذلك إذ قال :
" افتحوا الابواب "
تنفس سالار بصوت مرتفع، ثم أشار بإصبعه لدانيار الذي تقدم ينتزع شقيق بافل عن الأرض يجره صوب الخلف، وما هي إلا دقيقة وارتفع صوت فتح اقفال بوابات مشكى أمام جيش سالار، وهذه المرة لم تكن زيارة ودية كالمعتاد، بل كانت زيارة على صفيح ساخن .
نظر سالار لما خلف الأبواب بأعين متفحصة، فاشخاص كبافل ورجاله ليسوا ذلك النوع الذي قد تأمن غدره، وبعدما تيقن أن لا خدعة أو غيره تقدم سالار جيشه مرفوع الرأس وخلفه الجميع .
ليستقبله بافل الذي قال بمجرد أن أصبحوا داخل مشكى :
" اتركوا أخي وارحلوا بهدوء ولن نمسكم بسوء "
أطلق سالار ضحكة صاخبة ساخرة جعلت أعين البعض تتسع، بينما هو توقف يقول بهدوء :
" وهل ترانا تكبدنا عناء المجئ هنا وجهزنا كل تلك القوافل، فقط لنزف لك شقيقك الصغير ؟! هيا بافل أنت اذكى من هذا حسب اعتقادي "
" ما الذي تريده سالار ؟!"
قال سالار بصوت قوي جاد :
" للمرة الثانية سأصحح لك خطأك وأخبرك أنني القائد سالار، وما أريده انتزعه لا اطلبه، لذا فالسؤال الحقيقي هو ما الذي ستفعله قائد سالار "
ابتسم له بافل بسمة جانبية :
" وما الذي ستفعله قائد سالار ؟!"
" جئنا بهدية من سفيد لشعب مشكى، هناك قوافل ستتوزع على الجميع هنا "
" ومن سيسمح لتلك القوافل بالمرور !؟"
" ومن سيمنع تلك القوافل من المرور ؟! فحسب معرفتي أن ملك هذه البلاد توفاه الله، لذا نحن سندخل ونوزع ما نريد على شعب مشكى وأنت لن تتفوه بكلمة أو تعترض طريق الرجال أو حتى تفكر في نزع كسرة خبز من يد طفل من أطفال مشكى "
رمقه بافل بأعين ضيقة وقد شعر بالغضب يستحوذ على كامل أرجاء جسده :
" وإلا ؟؟!"
رفع سالار رأسه يهتف بين رجاله دون أن يتردد لحظة :
" وإلا فلتجهز كفن شقيقك العزيز."
كان الحوار الدائر بين سالار وبافل ما هو إلا ستار لتتم باقي خطة سالار التي وضعها مع الملك، إذ خرج من بين قافلته عدد من الرجال بثياب العامة وتحركوا داخل البلاد والأسواق بكل هدوء وانغمسوا بين شعب مشكى وذابوا فيهم وكأنهم منهم .
ابتسم دانيار يراقب ما حدث، ثم أشار بعيونه للجزء الآخر من الرجال والذين تحركوا بكل هدوء خارج القافلة يحملون حقائب أعلى ظهورهم، وساروا بعيدًا عنهم رفقة الشيخ محمد ومرافقه .
كل ذلك وبافل لا يشغل باله سوى بسالار وشقيقه .
وبعد نظرات متبادلة بين الجميع قال بافل بأعين غامضة يظهر خضوعًا وهميًا لهم ونظرات لينة وحديث مسالم كان لينجح في خداع سالار لولا مئات المعارك التي خاضها ضدهم :
" انتصرت سا ..قائد سالار، انتصرت عليّ واستغليت نقطة ضعفي الوحيدة، يمكنك العبور مع جيشك وقوافلك وفعل ما تريد داخل مملكتـــي وبـــلادي، فقط لتعلم أنني ما لجأت يومًا للعنف سوى لادافع عن نفسي وشعبي، نحن شعب مسالم لم نطمح يومًا للحرب، أنتم من طاردتمونا من مشارق الأرض لمغاربها "
ابتسم سالار بسمة جانبية يردد بسخرية يدحض بجميع حججه للأرض السابعة :
" وشعب مشكى الأعزل ؟؟ "
" نحن لم نمسهم بسوء ولم نؤذهم أو نرفع عليهم سلاحًا إلا حينما هاجمونا هم، كانوا هم من بدأوا بعدما قررنا أن نتعايش في سلام معًا، وجدتهم يحتشدون محطمين فقاعة السلام "
" أي سلام هذا وأنت من سلبت أرضهم بافل ؟!"
" بل ارضي وارض أجدادي، أنا انحدر من مشكى وهذه مملكتي وحقي أنا وشعبي أم نسيت "
الاصرار في عيونه والكلمات التي انبثقت منه كانت مرعبة وبحق، مرعب أن يكون لص كبافل مقتنع تمام الاقتناع أن تلك البلاد هي بلاده وبلاد أجداده بعدما نبذوها هم قديمًا وفروا منهم هاربين، لم يتحدث سالار بكلمة ولم يناقشهم فامثاله، لا نقاش له معهم ولا مودة تجمعهم.
هز رأسه هزة صغيرة ثم قال بصوت مرتفع :
" تأكدوا أن تصل الغلال والأطعمة لكل فم في مشكى يا رجال ..."
أطلق رجاله صيحات مرتفعة مستجيبة وهم يندفعون بسرعة مخيفة داخل البلاد وبافل يراقبهم بأعينه مبتسمًا بسمة تظهر رضى غريب على ملامحه، رضى يدرك سالار أنه يخفي خلفه أمواج عاتية من الغضب، فبافل ليس بالمسكين الذي يفعل ما لا يحب مجبرًا، وإن كان سمح لهم الآن بتنفيذ ما يرغبون فهو الآن لا بد وأنه يفكر في عقله لضربات يرد بها ما حدث، وسالار ابتسم له بسمة أخرى تشبه خاصته، لكنها كانت ابعد ما يكون عن الرضى .
وما بين هذه البسمة وتلك، اندلعت شرارة صغيرة تتحرك في طريقها صوب كومة قش لتشعل بها حروبًا بين الجانبين.
_________________________
في المساء وداخل حديقة القصر وبعد الانتهاء من تناول العشاء، كان يجلس معها بهدوء مبتسمًا وقد انتهى لتوه من اخبارها بعض الأمور التي قد تفيدها في حكم البلاد .
" إذن أرى أنكِ تمتلكين خبرة لا بأس بها في التفكير الإداري "
ابتسمت له تبارك ثواني قبل أن تطلق ضحكة صغيرة تقول بجدية :
" أنا مصرية مولاي، حيث الجميع خبراء حروب وإدارة، حسنًا لأكون صادقة معك، نحن نعرف كل شيء في هذه الحياة، لا تجد مصريًا يخبرك أنه لا يعلم شيئًا، بل سيسارع ليخرج لك بإجابة "
ختمت حديثها بضحكة خافتة، ثم أضافت بجدية :
" للحق، نحن لسنا بذلك الشعب الذي يعيش يومه ليستيقظ ويحيا غيره، بل على مدار اليوم نعاصر من الاخبار ما يكسبنا خبرات كبيرة، بل ونسارع لتحليلها دون أن يطلب منا "
ابتسم لها إيفان بتقدير ولم يدرك المعاني التي تخفيها كلمات تبارك البسيطة :
" حسنًا أنا معجب كبير الآن لكم مولاتي "
ابتسمت تبارك بخجل كبير تنظر ارضًا، ثم رفعت عيونها تتنفس بصوت مرتفع وهي تقول :
" هل تظن أن الجيش نجح فيما ذهب لأجله ؟!"
نظر لها إيفان ثواني بتفكير قبل أن يدرك ما ترمي إليه:
" اطمئني مولاتي أنا أثق أنهم الآن في طريقهم للعودة منتصرين، أنا لم ارسل جميع قادة جيوشي لأجل لا شيء"
ابتسمت له تبارك تدرك ثقته الكبيرة في قادة جيوشه، تتمنى الآن في نفسها أن يا ليت لو كان وكان ...
فجأة سمعت صوت إيفان يردد بجدية :
" إذن مولاتي أنا لم تسنح لي الفرصة لاعتذر منكِ عما حدث صبيحة اليوم من والدتي و..."
" لا لا ارجوك، لا تعتذر، صدقني لم يحدث شيء يستحق اعتذارك مولاي، والدتك لم تخطأ بشيء "
تنهد إيفان بتعب شديد يفرك وجهه وعيونه تتحرك في المكان بأكمله يفكر في القادم والذي لأول مرة يجهل كيف سيكون، لطالما كان هو المتحكم الاول في مجرى حياته، لكن الآن أصبح متفرج فقط يشاهد حياته تسير دون أن يتمكن من التحكم بها .
" أمي امرأة حازمة بعض الشيء، لكنها تظل والدتي التي ساندتني حين أمسكت حكم البلاد في مراهقتي"
ابتسمت له تبارك ولم تعلق بكلمة، فهي لم تعش يومًا أو تجرب كيف تكون الأم؛ لذا لا يحق لها الاعتراض عما يصدر من تلك المرأة، تنهدت وهي تتحدث بجدية متسائلة :
" حكمت البلاد وأنت مراهق ؟!"
ابتسم لها يهز رأسه :
" صحيح، وقتها حتى تاج والدي كان أكبر من رأسي، سمعت كلمات مترامية حولي ساخرة أن العرش والتاج اكبر من مجرد مراهق في الخامسة عشر من عمره، وقتها كان الوحيد الذي ساندني دون والدتي هو سالار، كان جنديًا في جيش والدي في الثامنة عشر من عمره، وقد كان رفيقي منذ الطفولة، أنا وسالار و... أرسلان "
ويبدو أن الاسم الاخير يحمل للملك ذكريات ليست بالسارة أبدًا، فحين ذكر اسمه تغضنت ملامح إيفان واسودت بقوة وقد تعكر مزاجه مما جعل تبارك تتلاشى الحديث له وتصمت تقدر لحظاته مع نفسه .
وإيفان لم يكن يعي لكل ذلك وهو لأول مرة ينطق اسم رفيقه منذ سنوات، فدائمًا ما كان يشير له بملك مشكى أو الملك فقط متجنبًا ذكر اسم أرسلان، لكن في لحظة انتفض جسد إيفان يقول دون مقدمات :
" اعذريني مولاتي هناك أمر هام عليّ رؤيته "
ختم حديثه يشير لأحد الجنود يقول بجدية كبيرة :
" رافق الملكة حيث تريد وتأكد أن أمورها بخير "
هزت له تبارك رأسها تراه يرحل بسرعة كبيرة من أمامها وهي متسعة الأعين لا تفهم ما حدث، أرادت أن تبتعد بالحديث عن والدته كي لا تتألم هي، فدفعته بالخطأ صوب منطقة تؤلمه هو كما يبدو، أرسلان ...من هذا أرسلان هي سمعت اسمه سابقًا لكن أين ؟؟
سمعت تبارك صوت الحارس جوارها يقول بصوت منخفض :
" مولاتي هل تريدين الذهاب لحجرتك أم تفضلين البقاء هنا ؟!"
نظرت له تبارك تشعر بالحيرة، هي لا تريد العودة في هذه اللحظة صوب حجرتها وتظل بها وحدها، لذا قررت أن تستغل الفراغ الذي تحيا به وقالت :
" ما رأيك أن تأخذني للمشفى أود الحديث مع الطبيب هناك ؟!!"
ورغم صدمة الحارس من الأمر إلا أن أوامر الملك كانت أن يأخذ الملكة حيث تريد، وهو فقط هز رأسه بطاعة كبيرة يتحرك معها صوب المشفى ......
______________________
خلع ثيابه يلقيها في سلة الثياب التي تقبع في ركن حجرة الملابس، تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك صوب نافذة حجرته ينظر لجميع أرجاء مملكته، يمنح لنفسه أخيرًا فرصة ليرثي ذاته، يعطي ذاته الفرصة ليرثي صداقة استمرت سنوات وسنوات وحطمتها فتنة .
عند هذه الفكرة سقطت دمعة غادرة من عيون إيفان وهو يراقب بأعين ضبابية المملكة أمامه يهمس بصوت موجوع :
" هكذا كنت دائمًا أرسلان، قليل الصبر ومتسرع، لم تصبر حتى اسامحك ونتصالح، رحلت قبل أن اضمك للمرة الأخيرة، كنت متكبرًا عنيدًا كما عهدتك، تكبرت عن الاعتراف بخطأك وعاندت قدرك، رحلت أبيًا يا صديقي "
ودون أن يشعر سقطت دموع إيفان أكثر يهمس من بين أسنانه والنيران المشتعلة داخل صدره تزيد من حدة دموعه :
" والله لانتقمن لك بيدي أرسلان، سأنتقم لأجلك ولأجل شعبك، لن تنساك مشكى ولا سفيد، سأحيي ذكراك يا أخي، غدًا ننتصر لأجلك وسيعلم الجميع أنهم إن قتلوا أرسلان فهو حي داخلنا "
ختم حديثه ينهار ارضًا سامحًا لنفسه وأخيرًا بلحظة رثاء، مصاب إيفان بارسلان، كان أكبر من مصاب سالار بارسلان، فسالار رغم العداء الذي نشب بين الاثنين إلا أنه لم يكن يهتم به ويود أرسلان ويراه، وكانت آخر زيارة له قبل سقوط مشكى باسبوع تقريبًا، بينما إيفان حُرم منذ سنوات من رؤية صديقه لأجل تعنت أرسلان وعناده وتكبره .
اغمض عيونه والوجع يأكل صدره ودموعه تزداد وهو بدفن وجهه بين كفيه وكأنه استوعب للتو أن أرسلان لم يعد له وجود .
كتم شهقاته بصعوبة وعقله يعيد عليه لقطات بعيدة لهما سويًا في فترة شبابهما، لقطات حاكت وجعه الآن كما لو كان يشعر بمستقبله .....
" أنت أكثر إنسان متكبر في هذه الحياة أرسلان، يومًا ما سأدفن أنفك هذه بالوحل "
هز أرسلان كتفه دون اهتمام :
لا بأس وقتها سأدفن انفك جواري لتشاركني نفس الوحل"
اغتاظ إيفان وشعر بالغضب يملئ صدره وهو يركض بعنف صوب أرسلان صارخًا يندفع بجسديهما ارضًا وقد تمرغ الاثنان بوحل الساحة التي يتدربان بها بعد ليلة مطيرة، الاثنان يتشاجران ويصرخان في وجوه بعضهما البعض .
" كل هذا بسببك أيها الغبي العنيد "
صرخ أرسلان بالمقابل :
" بسببي أنا ايها المتسلط ؟؟ اقسم أننا كدنا نخسر لأجل عقلك الصخري هذا "
لكمه إيفان بقوة متسببًا في ارتطام وجه أرسلان ارضًا بقوة وقبل أن يفكر بالنهوض انقض يجلس على صدره يجذب تلابيبه صارخًا :
" كدت تُقتل أيها الحقير فقط لأنك أبيت التظاهر بالخسارة ؟؟"
ابتسم أرسلان بسمة باردة يقول بقوة :
" تبًا لهم أجمعين، ما كنت لاخسر يومًا حتى لو كذبًا "
شعر إيفان برغبة عارمة في قتله في تلك اللحظة، لكن رؤيته لنظرات أرسلان تلك جعلته يترك ثيابه وهو يربت على خصلات شعره يقول بضيق :
" أنا لا تعجبني تصرفاتك تلك أرسلان، إما أن تتوقف عن أفعالك تلك أو ستجبرني على خسارتك "
جلس أرسلان يزفر بقوة وهو يمسح وجهه وصوته خرج غاضبًا بعض الشيء :
" أموت رجلًا في المعركة أكرم لي من ميتة ذل واستسلام يا صديقي، أنا لن أخضع يومًا لمنبوذٍ ولو كان سيفه على رقبتي "
نظر له إيفان ثواني يقول :
" احيانًا مناطحتك للرياح قد تكسر عودك أرسلان، عليك أن تكون لينًا تعلم متى تلين ومتى تتصلب، لا تدعني اجرب مر خسارتك، فمالي من الدنيا سواك وسالار، لا تجبرني على الشعور بمرارة خسارتك "
ابتسم له أرسلان يضم كتفه وهو يهمس :
" الله خير حافظ يا صديقي، وإن حدث وخسرتني يومًا فتأكد أن صديقك مات رجلًا ومحاربًا و..."
صمت ثواني ثم قال ببسمة صغيرة مغتاظة :
" من أخبرك أنني سأموت قبلك ها ؟؟ ربما تموت أنت اولًا وأنا من سيجلس ويبكي مـ...أوه لا أنا لا ابكي، لكن ربما أحزن عليك، صدقني سيتألم قلبي لموتك يا إيفان"
ورغم كلماته التي خرجت ممازحة إلا أن إيفان أبصر نظرات أرسلان الخاوية والسوداء، ابتسم يضمه له يهمس وهو يربت على ظهره :
" لا بأس إذن، ليجعل الله نهايتي قبلك ولا أرى بك سوءًا أرسلان"
ضمه أرسلان بقوة وخوف شديد نابع من حديثه وما عاشه معه منذ ثواني وقد انتهوا لتوهم من حرب ضارية :
" لا تقل هذا إيفان ليطيل الله في عمرك يا أخي، الله وحده يعلم مكانتك في قلبي، وإن حدث ومت يومًا تأكد أنني ما كرهتك لحظة ولا عاملتك ثانية معاملة رسمية كملك، وأنك ما كنت يومًا سوى إيفان صديق الطفولة ورفيق الشباب "
« ما كنت يومًا سوى إيفان صديق الطفولة ورفيق الشباب»
كلمات ما يزال صداها يرن داخل حجرة إيفان الذي كان يرثي ذاته وصداقته وحياته التي ضاعت هباءً وكل ذلك لأجل فتنة اشتعلت بينهما، أشعلوا الفتنة بين مشكى وسفيد فخسر جراء ذلك رفيق وصديق عمره، ارتجفت شفاه إيفان وهو يهمس :
" ليتني رددت لك صفعتك ذلك اليوم ارسلان، ليت يدي هبطت على وجهك في الثانية التي أنتزعت أنت كفك عن وجنتي، ليتني رددتها لك وما ضمرتها في نفسي"
سقطت دموعه يقول بحزن أكل صدره وكأنه كان يكتم كل ذلك داخل أعماقه منذ سنوات :
" ليتني صفعتك وصرخت في وجهك أنني لا اهتم لكل ما حدث وأن ما يحدث داخل القاعة لا علاقة له بصداقتنا، ليت وليت، لكن ما نفع التمني الآن وأنت قد وارتك الرمال يا أخي ؟؟ "
تنهد بصوت مرتفع ينهض من مكانه مرتديًا ثياب مريحة متخليًا عن ثوب الملك مقررًا أن يأخذ جولة بخيله كعادته وربما يحالفه الحظ ويجد احدهم، يجري معه قتال ينسيه لثواني مرارة الفقد ...
____________________________
" إذن هذه الأعشاب هنا تلعب دور الأدوية في عالمي"
كانت تلك النبرة المنبهرة خارجة من فم تبارك وهي تشير صوب العديد من عبوات الاعشاب المنتشرة على الطاولات أمام مهيار، وهو ابتسم لها يطهر أدوات الجراحة الخاصة به، يشعر بالراحة لتحدثه مع أحدهم يتفهم عمله :
" حسنًا أنا لا اعلم الكثير عن الأدوية التي تتحدثين عنها، لكن نعم اعتقد انها تلعب نفس الدور، أنا من اصنع الاعشاب بنفسي واخلطها واصنع منها أدوية طبيعية "
هزت تبارك رأسها شاردة وهي تفكر في ادويتها التي أوشكت على النفاذ، هل يستطيع الطبيب هنا مساعدتها في صنع دواء مماثل لخاصتها ؟!
نظرت لمهيار الذي كان منشغلًا فيما يفعل ولم تكد تفتح فمها حتى وجدت رجل يقتحم المكان وهو يقول بسرعة كبيرة واحترام اكبر للطبيب أمامها:
" سيدي الطبيب هناك جندي جريح في ساحة الرماية، أصابه سهم بالخطأ"
اتسعت أعين تبارك بقوة من ذلك الخبر وهي تشعر بجسدها يرتجف صدمة لتخيل الإصابة، فجأة ودون أن تستوعب وجدت مهيار ينتفض وهو يحمل حقيبته بسرعة كبيرة يركض خلف الرجل دون كلمة واحدة .
وبقيت هي وحدها في العيادة تنظر يمينًا ويسارًا بفضول شديد، قبل أن تقرر أن ترحل من هنا بسرعة فلا رغبة لها بالبقاء في المكان في غياب صاحبه .
لكن قاطع رغبتها تلك سماعها لصوت تعرفه تمام المعرفة وهو يقترب من الغرفة التي تقبع بها فتحت عيونها بصدمة تشعر أن نهايتها هي من تقترب وليس صاحب الصوت .
نظرت حولها تبحث عن مكان تختبئ به ولم تجد غير مكتب مهيار والذي كان يخفي خلفه العديد من صناديق الاعشاب والفراش الذي كان أسفله ضيقًا، بل وظاهرًا للعيان، واخيرًا وفي اللحظة الأخيرة اختبأت خلف باب الغرفة تجذب الباب عليها .
ثواني حتى رأت جسده يدخل للعيادة يمسك يده متحدثًا بصوت غاضب :
" دانيار توقف عما تفعل أنا بخير، أذهب فقط وأحضر لي مهيار ليضمد جروح يدي، ودع الجنود ترتاح حتى اجتمع بهم في الغد واخبرهم ما سيحدث "
تنهد دانيار بصوت مرتفع يتحرك خارج المكان تاركًا سالار به وحده يجلس على أحد المقاعد وهو يضم ذراعه له يبتسم بسمة مرعبة متذكرًا ما حدث قبل خروجهم من مشكى مغرب اليوم .
كانت تبارك تراقب نظراته مرتعبة منه، لكن رؤيتها لجرحه جعل شهقة تخرج منها دون وعي .
انتفض جسد سالار يبحث عن مصدر تلك الشهقة، وقبل أن يتحدث بكلمة وجد جسدها يندفع من خلف باب العيادة ومن العدم وهي تنطلق صوب يده تمسكها بشكل جعل أعينه تتسع بصدمة كبيرة يراها تصرخ بذهول :
" دي مفتوحة، دي عايزة تتخيط بسرعة، أنت ازاي سيبتها الوقت ده كله بالشكل ده ؟! "
كانت تتحدث وهي تراقب الجرح عن قرب تميل بوجهها قرب ذراعه تحاول تفحصه وسالار يفتح عيونه وهو يبعد رأسه بقوة للخلف يراقب ما تفعل تلك الفتاة بذراعه، حاول سحبها بعيدًا عنها، لكن تبارك رفضت أن تدع ذراعه وهي تقول بجدية :
" هو أنا ممكن اخيطها ليك عادي على فكرة، انا بعرف اخيط الجروح، بس انا مش عارفة البنج هنا فين أو بيحطوا ايه عشان يخدروا الجروح، لو تعرف قولي وانا اخيطه بسرعة لأن تقريبا الدكتور هيتأخر "
كانت تتحدث وتتحدث وسالار فقط يراقب ذراعه التي تمسكها بأعين مصدومة وعدم فهم، يحاول أن يسحبها من بين أناملها رافضًا لمساتها تلك :
" أنتِ ...أنتِ ما الذي تفعلينه هنا ؟؟ ألا توجد كارثة لا اجدك داخلها ؟؟ ألم امنعك سابقًا عن الاقتراب من مشفى الجنود ؟؟ "
رفعت تبارك عيونها له بصدمة وغيظ :
" ماذا ؟؟ هل أنت جاد ؟؟ أنت الآن تنزف وتكاد تخسر ذراعك وتتذمر لأنني هنا ؟! بالله عليك كف عن أفعالك تلك"
سحب منها سالار ذراعه بقوة متجاهلًا الوجع الذي أصابها جراء تلك السحبة القوية :
" هذه ستكون المرة الأخيرة التي أبلغك فيها تحذيري بلمس جزء صغير من جسـ ...."
توقف عن الحديث بصدمة ثانية حين ضربت تبارك بكل تحذيراته عرض الحائط وسحبت ذراعه وهي تقول بجدية :
" حاول متحركش ايدك كتير عشان كل ما الحركة زادت كل ما كان غلط، ودلوقتي سيب دراعك كده لغاية ما اقلب في الازازيز دي يمكن الاقي مخدر "
وبالفعل تركت ذراع سالار معلقة وهو يراقبها تتحرك في المكتب الخاص بمهيار بكل حرية وكأنها تحفظ كل انش به، هل تأتي كثيرًا هنا ؟؟
وسالار دون وعي منه لم يحرك ذراعه كأنه ينفذ لها أوامرها، يراقب تحركها يمينًا ويسارًا، وهو يبتسم بعدم تصديق يراها تبعثر ادوات مهيار وتعبث باغراضه حتى صرخت فجأة :
" ها لقيته "
أشارت على العبوة في يدها وهي تقول بفخر شديد مشيرة للحروف الموجودة عليها :
" مكتوب مخدر اهو دلوقتي ناقص الادوات "
وضعت العبوة على مكتب مهيار، ثم جذبت أحد المقاعد تضعها أمام مقعد سالار واحضرت الادوات التي عقمها مهيار بالفعل، ثم اقتربت من سالار الذي كانت عيونه الشيء الوحيد الذي يتحرك به .
يراها تجلس أمامه وتضع ذراعه على قدمها، ثم أخرجت بعض الأعشاب تضعها على ذراعه المصابة تفرك الاعشاب على جرحه بلمسات عملية جعلته ينتفض منتزعًا ذراعه منها بقوة رافضًا أن تكون هي من تعالجه :
" يكفي هذا سأنتظر مهيار ليعود و..."
ولم يكد يكمل كلماته حتى رآها ترفع عيونها له تقول بصوت خافت :
" على فكرة أنا ممرضة شاطرة "
حدق بها دون فهم لتقول هي بتردد أثناء عملها على ذراعه دون أن يشعر :
" أنا عارفة أنك شايفني فاشلة في حاجات كتير، بس دي حاجة من ضمن الحاجات القليلة اللي فعلا انا بعرف اعملها كويس اوي، أنا أعرف حاجات كتير اوي في التمريض، جربني ...."
ودون أن يعلم السبب وثق بها يترك لها القيادة لتفعل ما تريد، وهي ابتسمت لثقته التي ظهرت في عيونه دون أن يشعر، وبدأت تقطب جرحه بحرفية عالية .
" لو حاسس بوجع قولي "
" لا "
وحينما انتهت ابتسمت له ليقول بهدوء شديد يراقب ذراعه :
" شكرًا لكِ "
هزت رأسها تقول بهدوء :
" عفواً، أرأيت أنا ممرضة جيدة، هل يمكنني العمل هنا ؟؟"
" هذا شيء لا يعنيني مولاتي، لكن إن سألتني رأيي فهو لا، أنا لا أحبذ عمل النساء بين الرجال "
صمت وكاد يخبرها عن مشفى القصر الخاصة بالنساء، والتي يحتاجون فيها لنساء تفقه في الطب، لكنها انتفضت تصرخ ومازال جرح الأمس لم يندمل، وكأنها تبحث لها عن متنفس :
" أنت حقًا أكثر شخص لئيم في هذه الحياة، أنت مصر على النظر لي بهذه النظرات التي تخبرني بأنني أكثر انسان فاشل في هذه الحياة "
تنفس سالار وهو يدرك الآن أنه بالفعل يتعامل معها بصرامة كبيرة، لكنه يقدر عملها وشكرها وكاد يعرض عليها العمل في مشفى الـ...مهلًا ما باله هو بها ؟؟ ولِمَ عليه حتى أن يحاول أن يلين لأجلها ؟؟
رفع عيونه لها بسرعة يقول :
" أنا لا انظر لكِ بنظرات تخبرك أنك أكثر انسان فاشل في هذه الحياة، ربما هذه انعكاس نظراتك لنفسك، فلا تلومنني، لا لأنني لا اراكِ أكثر انسان فاشل، أنا لا اراكِ من الأساس، ولِم عليّ فعل ذلك ؟؟ أنتِ هنا الملكة وأنا قائد الجيوش كيف بالله عليكِ تتقاطع طرقنا بهذا الشكل ؟؟ "
نظرت له تبارك بعدم فهم لكل ما قيل، كل ما فهمته أنه لا يراها، كيف لا يراها هل هي شبح ؟!
" أنت تمزح معي ؟!"
" ومنذ متى امازح النساء أنا ؟! بل منذ متى احادثهم ؟! أنتِ تجبرينني على إخراج كلمات كثيرة بشكل لا احبذه "
شعرت تبارك بالغضب الشديد يملئ صدرها، يالله هي لا تصدق هذا الرجل اليوم صباحًا كادت تبكي تأثرًا بكلماته وامتلئت فخرًا به، والآن حاولت مساعدته لأنه مصاب من باب الواجب فقط، ليأتي هو ويحطمها بكلماته السامة تلك .
" أنت أكثر شخص مزعج ولئيم وحقير في هذه الحياة يا قائد، وأنا حقًا لا أبغض أحد مثلك "
صرخ سالار في وجهها بجنون بعدما وقف ينطاحها الكلمة بأخرى وكأنه يسمع نفسه قبلها :
" وما شأنك بي يا امرأة ؟؟ ما شأنك إن كنت مزعجًا أو لئيمًا أو حقيرًا حتى ؟؟ أنتِ هنا الملكة وأنا قائد الجنود، بالله عليكِ ما احتمالية أن تلتقي ملكة مملكة ما بقائد الجنود مرتين يوميًا، ما بال حظي بهذا السوء ؟؟"
كان يصرخ وهو لا يصدق كيف يلقيه القدر أمامها في نهاية كل طريق يسلكه، وكأنه كُتب عليه أن تكون هي أول من يراه وآخر من يختم يومه به، هو ظن أنه بمجرد إحضارها وعودتها للقصر لن يراها مجددًا، لكنه أصبح يلقاها كلما أدار عيونه، وهذا يقوده للجنون، يثير غضبه بشكل لم يعهده يومًا .
كل تلك الكلمات التي ألقى بها سالار في وجه تبارك لم تعنيها بشيء سوى بكلمات قليلة اخذتها هي لتقول وهي ترفع رأسها للأعلى:
" نعم احسنت القول، أنا الملكة وأنت قائد الجنود، لذلك ألتزم حدودك ولا تحتك بي أو تتحدث لي بهذه الطريقة مجددًا وإلا عوقبت "
ابتسم سالار بعدم تصديق :
" أنا من لا يحتك بكِ؟؟ أقسم أنني أخشى شيئًا في يومي بقدر احتكاكي بكِ يا امرأة، أنتِ كارثة نبتت لها اقدام وأرجل "
" وأنت واحد وقح ولسانك طويل ومش بتعرف تتعامل مع النساء بشكل كويس، وأنا مش هضيع وقتي افهمك ازاي تبقى جنتل مان محترم وتتكلم بكل هدوء، خليك كده همجي، هتعيش همجي وتموت همجي بربري لا تفقه شيء"
ختمت حديثها ترفع طرف ثوبها وهي تميل بعض الشيء ساخرة :
" بالاذن سيدي قائد الجنود، عسى ألا تلتئم لك جروحٌ ما حييت "
وبهذه الكلمات تركت سالار يقف في المكتب الخاص بمهيار وهو يبتسم بعدم تصديق، يشعر بقلبه يكاد يخرج من صدره لشدة خفقاته، الغضب يأكله والغيظ يملئه، وهذه المرأة إن لم تبتعد عن وجهه يومًا ستكون نهايتها على يده يقسم .
" يالله لتشتعل الحرب كي لا ابقى في هذا المكان يومًا اضافيًا .."
___________________
يقف أمام غرفتها وهو يدرك أنها الآن تنام براحة داخلها، ولولا أخلاقه وتعاليمه التي تمنعه اقتحام غرفة نساء في منتصف الليل والعبث بها ما كان تحرك من هنا إلا بعدما يمسك بين أنامله دليل صدق حدسه أو تكذيبه .
فإما أن تكون تلك الفتاة بالداخل هي نفسها « بيرلي خاصته » أو أن تكون مجرد فتاة بنفس الاسم .
تنهد تميم بصوت مرتفع ينظر للغرفة جيدًا ويطيل النظر بها وهو يشعر بالعجز، شغل عقله طوال النهار بأمر مشكى كي لايفكر بما سمعه منهم، لكن صبرًا هو سيعلم إن كانت هي أم لا .
تحرك بخطوات بطيئة صوب غرفته يجر خلفه أذيال القهر والحسرة، يشعر بصخرة تجثو فوق صدره وشعوره بالضياع يتعاظم، ضياع ما شعر به يومًا إلا حينما أيقن رحيلها، قسى عليها واجبرها على الاختفاء من حياته كي لا يؤذيها، وفي المقابل أذى قلبه وذاته العاشقة لتلك الصغيرة الحبيبة .
" لكنني مازلت صغيرة، أنا مازلت صغيرة يا تميم، أخبرهم ألا يجبروني على الزواج الآن، إن كنت حملًا ثقيلًا عليهم سأخرج للعمل مع الفتيات، وإن كنت مزعجة فسأتوقف عن ازعاجهم، لكنني مازلت صغيرة كي اتزوج بهذا العمر "
ابتسم لها تميم يحاول أن يهدأ من روعها بعدما احضرته والدته كي يساعدها لتخطي مثل هذه المحنة التي تمر بها الصغيرة :
" إذن أنتِ لا ترغبين بالزواج الآن بيرلي ؟! "
بكت برلنت بقوة وهي تقول من بين شهقاتها :
" نعم، أنا ما زلت صغيرة تميم، لقد ..لقد ظننت أنني سأنتظر سنوات حتى انضج واختر الشاب الذي سأتزوجه، لا اريد الزواج لهذه الطريقة، ارجوك ساعدني، أنت رفيقي تميم لتساعدني على الهروب من ذلك الشاب الذي يريد انتزاعي من منزلي "
هز تميم رأسه بحزن شديد وهو يهمس بصوت خافت :
" أنا لا أستطيع مساعدتك برلنت، فأنا ذلك الشاب الذي يريد انتزاعك من منزلك، سامحيني صغيرتي "
اتسعت أعين برلنت بقوة واطلقت شهقة انتزعت روح تميم من جسده، يبعد عيونه بسرعة عنها رافضًا بكل السبل أن يرى نظرة كره له داخل عيونها يهمس بصوت خافت تمنعه غصته :
" لقد، لقد أخبرت ابي أنني أود الزواج بكِ، وهو طلبك للزواج من أجلي بيرلي، أنا آسف"
كان آسفًا بالفعل كان آسفًا كونه انانيًا معها، كان أكبر أناني في هذه اللحظة وهو يؤثرها لنفسه بعدما علم من والده أن والد برلنت يفكر في قبول الشباب المتقدمين لخطبة ابنته صاحبة الثانية عشر عامًا، لينتفض قلب تميم بصدمة ويشعر بعالمه ينهار فوق رأسه ويسارع يتوسل والده أن يتقدم هو لخطبتها، هو سيعمل وسيحضر لها ما تريد فقط تكون له قبل أن يظفر بها غيره .
وقد كان ها هو يجلس أمام والدها والشيخ بينهما يطلق كلماته التي أعلنتها زوجة له أمام الله والناس أجمعين .
بيرلي الصغيرة أصبحت رسميًا زوجته، زوجة تميم .
ومن بعد تلك الكلمات التي نطق بها الشيخ نهض تميم من بين الجميع يسحب برلنت الباكية من أحضان والدته لاحضانه بضمها له بقوة معتذرًا لها، وهي بمجرد أن شعرت به يضمها قاومت ارتجافة جسدها تضم نفسها له بقوة تهتف باسمه في لوعة شديد وبكاء ترتشف حنان صديقها الوحيد ورفيقها الأقرب :
" تميم ...تميم لا تتركني أرجوك"
وهو لبى النداء أن ضمها له أكثر يقبل حجابها بلطف وحنان، يعد نفسه أن يظل معها، أن يظل مسكنها وملجأها .
لكن القدر كان أقوى منهما ليجبره على نكث وعده لأول مرة في حياته .
خرج تميم من ذكرياته يلقى جسده على الفراش يبعد كل تلك المشاهد عن عيونه وهو يشعر بصدره يرتجف بقوة، اضاعها، صغيرته وحبيبته وزوجته المسكينة هو من اضاعها .
وضع يده على وجهه يفركه بقوة وقد اخترقت صرخته مسامعه، مما جعل جسده بأكمله يرتعد، صوت أتى من اعماق الماضي الذي ظن أنه نجح في دفنه :
" أنتِ طَالِقٌ برلنت ....."
_________________________
الشك هو بداية الطريق لليقين، وشكه هو قاده لليقين، فهل يتقبله يقينه أم ينبذه كما نبذه هو قديمًا ؟؟؟
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
رواية مملكة سفيد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم رحمة نبيل
تصويتكم للفصل قبل القراءة قد يكون شيء بسيط لك، لكنه يعني الكثير للكاتب المسكين .
"من وسائل الطمأنينة في هذا العالم انّ الله معك، وأنّ الحياة بكل مُجرياتها ستهون"
صلوا على نبي الرحمة
_________________
ها هي منذ دقائق طويلة تقف أمامه في محاولة إيجاد لغة تواصل تجمع بينهما علّها تنجح في شيءٍ ما في هذه الحياة التي فُرضت عليها، لكن يبدو أن ذلك الذي يقف أمامها يرفض كل طرق الحوار السلمية .
تنهدت بصوت مرتفع وقد قررت أن تتحرك للخلف لربما تجد لها طريقة تستطيع بها الصعود على ظهره من الخلف، لكن مجددًا فشلت في الوصول لحل .
كل ذلك تحت أنظار تميم الذي كان يجلس فوق صهوة حصانه يراقبها تحاول وتحاول منذ دقائق الصعود فوق خاصتها .
تنهد بصوت مرتفع وهو يهبط عن حصانه للمرة الرابعة أو الخامسة _ربما هي السادسة_ فقط كي يجعلها ترى كيف يصعد .
" حسنًا مولاتي رجاءً انتبهي لي، ضعي قدمك فوق الحامل المعدني على جانب الجواد وتمسكي باللجام، ثم اسحبي جسدك بقوة للأعلى مع رفع قدم عن الجهة الأخرى وها نحن ذا فوق الحصان "
ابتسم بعدما استقر فوق خاصته بهدوء شديد يراقبها وهي تنظر له بريبة، ثم هزت رأسها بنعم تبتلع ريقها، الأمر ليس بهذه الصعوبة، هي لطالما شاهدت الكثيرين يمتطون الخيل بكل سهولة ويسر، الآن كل ما عليها فعله أن تتوكل على الله وتسمي الله، ثم تفعلها .
أخذت نفس عميق تضع قدمها على الحامل المعدني وهي تتمسك باللجام تجهز قدمها للصعود تقول بصوت مسموع :
" بسم الله "
وقبل أن ترفع قدمها لتضعها على الحصان انزلقت الأخرى بقوة لتسقط تبارك بشكل مفزع على ظهرها مما جعل تميم يطلق صرخة مرتعبة قافزًا عن خيله يركض لها بسرعة كبيرة يهتف بلوعة وهو يشرف عليها من فوق :
" مولاتي، أنتِ بخير ؟؟"
رفعت تبارك عيونها له تضع يدها على ظهرها، وهي تدرك الآن أن الأمر ليس بالسهولة التي تراها، ليس سهلًا البتة :
" لا لا أنا لست بخير أبدًا، أنا سقطت لتوي من على حصان و....ظهري لقد كُسر حسبي الله ونعم الوكيل فيكم نفر نفر"
كانت تتحدث بوجع وهي تتقلب تدفن وجهها في الأرض العشبية أسفلها، بينما تميم صُدم لكلماتها تلك واتسعت عيونه، لكنه رغم ذلك قال بهدوء :
" حسنًا مولاتي الأمر في البداية صعب، لكنه في النهاية ..."
" اصعب، في النهاية هيبقى اصعب اسمع مني، أنا عارفة نفسي والله انا منفعش لكل ده، أنا مش جاية العب دوبلير لاحمد السقا في فيلم اكشن، أنا اللي جابني هنا قالي هلعب دور ملكة يعني حرير وجواهر وريش نعااام"
قالت كلمتها الأخيرة تطلق تأوهًا قويًا وهي تحاول النهوض تشعر بالنقم على الجميع واولهم الملك الذي يجبرها على تعلم كل ذلك، ومن ثم سالار الذي لا تدري علاقته بالأمر، لكنها لا تستطيع تفويت شيئًا لا تلومه فيه، واخيرًا هذا المعلم أمامها الذي يرمقها بعدم فهم وهي تنفست بصوت مرتفع تشير له أن يبتعد عنها .
وبالفعل ابتعد عنها تميم وهي نظرت للحصان بتحدٍ كبير وكأنها تتوعده بالويل إن أسقطها مجددًا أو جعلها تخفق في محاولتها .
تنهدت بصوت مرتفع تقترب من الحصان تنفذ تعليمات تميم كما أوضح لها سابقًا، وبالفعل عقدت العزم وتوكلت على الله وبكامل الغضب والحنق والإصرار داخلها أمسكت اللجام ورفعت قدمها تضعها على الحامل، ومن ثم غافلت الحصان وهي تلقي بجسدها فوق صهوته .
اتسعت عيونها بصدمة، لا تصدق أنها فعلتها، اعتدلت ببطء وخوف وهي تمسك اللجام وتنظر لتميم، تصيح بصوت مرتفع سعيد :
" ها فعلتها، لقد فعلتها، أصبحت فارسة ماهرة، أنا فارسة رائعة، انظر إليّ امتطي الخيل كعمر المختار وصلاح الدين، أنا رائعة "
ابتسم لها تميم بهدوء يقول وهو يتحرك صوبها :
" أقدر سعادتك الكبيرة لنجاحك هذا مولاتي، كان هذا جيدًا، لكن ...."
" جيدًا ؟؟ بل مذهلًا وخارقًا للطبيعة ولا يُصدق، يا رجل انظر إلي أنا فوق صهوة الحصان "
فرك تميم وجهه يبتسم لها بسمة صغيرة :
" أوه نعم هذا رائع حقًا مولاتي، لكن أنتِ فقط صعدتي فوقه ولم تتعلمي بعد كيف تـ "
" عايزة اتصور، أنتم اخترعتوا الكاميرات ولا لسه ؟؟ اه صح احنا في العصر الحالي عادي، لو مفيش كاميرات ينفع حد يرسمني ؟؟"
كانت الحماسة التي تظهر في صوت تبارك كبيرة وغير مصطنعة، هي تحقق إنجازًا كبيرًا وتتغلب على رعبها، أمر يستحق الاحتفال من وجهة نظرها ولو كانت في عصرها الحالي لكانت أخرجت الهاتف و التقطت صورة لها ونشرتها في ....مهلًا هاتفها لا يوجد به مساحة لحفظ رقم إضافي ناهيك عن التقاط صورة، حسنًا لا بأس كانت ستطلب من أحدهم أن يفعل لأجلها .
ولم يكن تميم فقط هو الذي يتابع تلك اللهفة والسعادة بترقب، بل كانت هي كذلك تقف على بعد مناسب تراقبه يعلم الملكة الفروسية، الأمر الذي اشعرها بالحزن دون إرادة منها، تميم يُعلّم امرأة غيرها شيئًا ما، أمر لا تتحمله بعدما كانت تستأثر بلطفه وصبره في التعليم لها .
ابتلعت برلنت ريقها تحاول أن تهدأ وتذكر نفسها أن شخص كالملكة لن يمثل خطرًا عليها مع تميم، لكن تميم نفسه هو من يمثل خطرًا على قلبها .
ابتسمت دون وعي وهي تراه يصعد للفرس الخاص به يبتسم للملك بهدوء شديد، لتهمس بولّه :
" حبيبي الهادئ والمتفهم لطالما كنت معلمًا جيدًا تميم "
وعلى ذكر "معلم جيد" غاصت برلنت بعقلها بعيدًا عن الجميع صوب ذكريات وايام تمنت لو تُحبس داخلهم ما تبقي من العمر .
تركض من منزلها تحمل بين أحضانها الكثير من الفاكهة وهناك بسمة مشرقة ترتسم على فمها تتوقف أمام منزله وهي تقول بخجل حين أبصرت والدته تقطف بعض الزهور :
" صباح الخير خالتي "
رفعت والدة تميم عيونها بسرعة وهي تنظر لها بلطف :
" أوه زوجة ابني الحبيبة، تعالي هنا صغيرتي "
تقدمت منها برلنت بخجل فطري وقد صُبغت وجنتيها بحمرة الخجل لا تصدق بعد أنها أضحت زوجة تميم صديقها، عقلها ما يزال يحاول الاستيعاب :
" أحضرت لتميم بعض الفواكهة "
" لتميم فقط ؟!"
خجلت برلنت بقوة وهي تقول بسرعة :
" لا لا بالطبع ولكم كذلك خالتي و..."
أطلقت والدة تميم ضحكات عالية وهي تنهض تضمها بحب تضع زهرة داخل حجابها بلطف :
" لا بأس حبيبتي تميم خلف المنزل ينتهي من بعض الفخار، اذهبي إليه "
هزت برلنت رأسها بخجل شديد تتحرك صوب المنزل، لكن فجأة توقفت تعود صوب والدة تميم تضع لها بعض ثمار الفاكهة تقول بلطف وحب :
" هذه لكِ خالتي، بالهناء والشفاء "
ختمت حديثها تركض بسرعة صوب المنزل تدور حوله حتى وصلت للجزء الخاص بصنع الفخار والافران التي تستخدم لأجله لتجد تميم يجلس أمام العجلة الخاصة بصنع الفخار هناك بعض الطين على وجهه وعيونه تركز على ما يفعل بانتباه شديد ليس وكأنه يصنع قنبلة أو ما شابه .
تنحنحت بصوت منخفض خجلة من البقاء معه في مكان وحدهما خاصة بعد أن زاحمت علاقة الصداقة بينهما علاقة أخرى لم تفهم خيوطها كلها، هي حقًا لا تدرك سوى أنها شاكرة لكون تميم هو ذلك الشاب الذي أنقذها من براثن الزواج المبكر لصغيرة مثلها :
" مرحبًا تميم .."
رفع تميم عيونه بسرعة صوبها يبتسم لها وهو يمد يده لها بحنان ولطف :
" مرحبًا بيرلي، تقدمي عزيزتي كنت انتظرك "
تقدمت منه برلنت بتعجب :
" تنتظرني ؟؟"
" نعم، انتظر مجيئك لتشاركيني ما أحب، استيقظت اليوم صباحًا وشعرت أنك ستأتين فجئت لصنع هذه لكِ خصيصًا"
ختم حديثه يشير صوب قطعة فخار غير مكتملة الملامح لها، استدارت ترمقه بعدم فهم :
" لأجلي ؟!"
" نعم ستكون أول هدية اهديكِ إياها بعد زواجنا "
رفع عيونه لها يقول ببسمة وحب حاول أن يكبته خلف نظرات صداقة حنونة إلى أن يحين وقته :
" هدية زواج بيرلي "
خفق قلب برلنت الصغيرة التي كانت لا تدرك في تلك اللحظة ما يتحدث عنه، أو تفهم ماهية تلك المشاعر التي تنبثق من عيونه، لكنها أحبت وبشدة ذلك الشعور الذي منحها إياه، تلك النظرات الحنونة .
" تريدين مشاركتي صنعها ؟؟"
" يمكنني ؟!"
مدّ يدها لها بلطف مانحًا إياها نظرات حنونة :
" اقتربي "
اقتربت منه برلنت ليبتعد هو للخلف خطوات يسمح لها بالجلوس أمامه وأمام جرة الفخار، ثم انتزع من كفها الفواكه التي تلطخت بالطمي مقبلًا وجنتها بحنان ولأول مرة مما جعل وجه برلنت يذحب والصدمة تعلو وجهها، وهو امسك يدها بين كفيه بكل حنان يضعهم على الفخار يهمس لها بكل انتباه وجدية ملقيًا أي مشاعر قد تأثر على تركيزه جانبًا :
" حركي يديكِ بكل هدوء ورقة واحرصي ألا تضغطي على الطمي بشدة كي لا يفسد منكِ "
التمعت عيون برلنت تبتسم بسعادة :
" هكذا ؟!"
" نعم هذا، والآن حركي كفيكِ كما أفعل أنا "
نظرت برلنت خلفها صوب عيونه لتجد أن ذقنه تكاد تلامس كتفها، ابتلعت ريقها تشرد في عيونه وهو ابتسم يقول ومازال لم ينزع عيونه عن الفخار أمامه :
" هل يعجبك ما ترين ؟!"
وردها المعتاد العفوي خرج منها دون شعور :
" أنت وسيم "
أطلق تميم ضحكات مرتفعة يحرك رأسه يحاول انتزاع نفسه من كل ذلك، فهذه الصغيرة التي خطت توها مراهقة جديدة عليها، لا تدرك ما تصنع مشاعرها في شابٍ يختبر فورة مشاعره للمرة الأولى معها بعد كتبتها سنوات حين أدرك أنه يحب بيرلي الصغيرة، كفتاة وليس كصديقة أو جارة كما كان يظن طوال سنوات حياته السابقة .
وهذه كانت المرة الأولى التي تختبر بها حنان وحب تميم لها في وقت لم تكن تعلم من الحب شيئًا، المرة الأولى التي تراه يلعب دور المعلم، وكم كان معلمًا صبورًا متفهمًا هادئًا وحنونًا ...
تمامًا كهذه اللحظة التي يعلم الملكة بها كيف تمتطي خيلًا، سقطت دموع برلنت دون شعور تهمس بقهر خارج عن إرادتها تشعر بغبائه :
" فقط أردت أن أكون أنا تلميذته الوحيدة، أن أكون الوحيدة التي يتعامل معها بهذا اللين "
وعند تميم بدأ يرى تحسنًا في مهارات الملكة ليبتسم متنفسًا الصعداء :
" حسنًا الآن ننتقل للمستوى الثاني، زيدي من سرعتك شيئًا فشيء، ليس كثيرًا فقط القليل "
نظرت له تبارك تراقب ما يفعل ليزيد السرعة، تنفذ ما يفعل وهي تجذب اللجام بقوة مثله تنغز الحصان في معدته، لكن يبدو أنها تجاوزت الحد المسموح به ليزداد جنون الحصان وهو يطلق صهيلًا مرتفعًا أثار فزع تبارك التي نظرت صوب تميم تقول بريبة :
" لماذا صهل بهذا الشكـ.....ااااه "
ولم تكد تكمل جملتها حتى شعرت بذرات الهواء تصطدم بقوة مخيفة في وجهها وهي تشعر بجسدها يتحرك بقوة مرعبة فوق ظهره الحصان لتقرر ترك اللجام تميل بسرعة تمسك رقبته باكية بخوف مما تسبب في اختناق الحصان الذي ازدادت حركات جنونًا، وتميم مكانه لم يستوعب بعد ما حدث .
" يا ويلي سيقتلني الملك .."
__________________________
رفع سيفه عاليًا يحركه بمهارة عالية قبل أن يهبط به بقوة كبيرة يضع به كامل قوته لتستلمه هي بسرعة كبيرة وهي تنظر له من خلف لثامها تقول بسخرية لاذعة :
" أرى أن الحماس داخلك كبير مولاي، كبير لدرجة كدت تقتلني للمرة الثالثة منذ ثواني "
ابتسم إيفان يستقيم في وقفته، بجدية وهو يحرك السيف بين أنامله :
" نعم يمكنك القول أنني حظيت الليلة السابقة بيوم سييء للغاية، وكم كنت متشوقًا للهبوط وإيجادك تتوسطين الحلبة في انتظار قتالٍ معي، وقتها لم تكوني لتنجي مني سالمة "
" أنا محظوظة إذن "
ضحك إيفان ضحكة صغيرة يستند على سيفه بهدوء وهو يراقب عيونها التي تلتمع أسفل ضوء النهار :
" ربما "
توقفت كهرمان عن القتال وهي تستغل توقفه بشكل غريب تتنفس بصوت مرتفع ترفع عيونها له :
" ونظراتك الصافية لا تناسب ما تخبرني إياه مولاي "
اعتدل إيفان في وقفته يرفع سيفه مجددًا في الهواء وقد أصبح القتل مع هذه الفتاة أكثر القتالات متعة له، حتى أكثر من قتاله مع سالار .
رغم شعوره الداخلي الذي لا يدعه يرتاح، لكن شيء ما يدفعه نحو قتال هذه الفتاة، فضول شديد ليرى نهاية اللعب معها .
قفزت كهرمان بسرعة للخلف في حركات جعلته يرفع حاجبه منبهرًا وهو يقول :
" يبدو أن معلمك لم يكن شخصًا عاديًا، ربما كان مقاتلًا بارعًا؟؟ "
رفعت هي سيفها عاليًا بقوة مخيفة وهي تتحرك صوب بسرعة كبيرة تهبط به على جسد إيفان وكأنها ترغب في شقه نصفين :
" بل محاربًا عظيمًا مولاي "
صد إيفان ضربتها بسرعة كبيرة لتشتعل عيونه بالتحدي وقد رأى القوة انبثقت فجأة من نظراتها وكأن الحديث عن معلمها قد مثّل لها دافعًا آخر لقتله، ابتسم يرفع سيفه، ثم هبط عليها بقوة مرعبة جعلتها تتدحرج للخلف بسرعة كبيرة وهي ترفع سيفها لتصد ضربته محدثين اصوات عنيفة تنبأ عن حرب في المكان .
ارتفعت انفاس كهرمان بقوة وهي تنظر له وقد تناست فجأة الهدنة المؤقتة التي وضعتها لهما تقف وهي تقول :
" معلمي كان محاربًا عظيمًا لن يصل أحدهم لمكانته يومًا"
ابتسم لها إيفان بسمة واسعة وهو يقول بحاجب مرفوع :
" حتى أنا ؟!"
صرخت كهرمان بقوة رافضة أن يقترب أحدهم من مكانة أرسلان وخاصة هو الذي بدأ يتسلل بكل خبث صوبه داخلها، ترفع سيفها لتوجه له ضربة قوية صدها هو بيد واحدة وهي تهدر :
" خاصة أنت"
" أوه حقودة إذن ؟؟"
ختم حديثه يضحك بصوت مرتفع وهي استمرت توجه له الضربات بقوة وهو يصد بيد واحد يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بعيدًا عن ضرباتها التي تكاد تنزع رأسه عن كتفه وهو يتابع كل ذلك دون أن تهتز شعره واحدة من رأسه .
" ربما كان معلمك محاربًا عظيمًا، لكنه حتمًا معلمٌ فاشلٌ"
نظرت له كهرمان بصدمة كبيرة على كلماته، بينما هو استغل صدمتها تلك يرفع سيفه يديره بين أصابعه يقول بجدية :
" تواجهنا ثلاث أو أربع مرات أسقطت سيفك في جميعهن، وهذه المرة لا تختلف "
وحينما ختم كلماته كان سيف كهرمان يسقط ارضًا ليبتسم لها إيفان بسمة مستفزة يميل بنصف جسده للإمام هامسًا :
" ربما لو طلبتي بشكل لطيف أن أصبح معلمك لوافقت ...أو لحظة لا لم أكن سأفعل حقًا يكفيكِ تلك الدروس المجانية التي امنحها لكِ بكل كرم في كل مواجهة لنا سويًا "
كانت أعين كهرمان ما تزال موجه على سيفه تشعر بالغضب يملئ قلبها، ولم ترفع عيونها سوى عند سماعها كلماته وهو يهمس :
" تبارزيني انتقامًا لشقيقك، ترى هل تسمين ما تفعلين انتقام ؟؟ اقسم أنه إن كان حيًا سيرى ما يحدث انتقام منه هو في حق فتاة أفنى عمرًا لتعليمها اساليب القتال وتأتي هي مخيبة آماله بهذا الشكل المخزي، لا تدعي غضبك يقودك لهلاكك ولا تتركي لتسرعك القيادة يا امرأة، كم من ذلة كادت تودي بكِ لهلاكك، وكم من مرة أسقطت سيفك وغمرته في الرمال وكنتِ استطيع التخلص منكِ لكنني لم أفعل ؟؟"
تنفست كهرمان بصوت مرتفع وعيونها كانت تحدق في وجهه بقوة وغضب شديد حتى بدأ الاحمرار ينتشر بها، وهو شرد في عيونها يهمس ببسمة صغيرة :
" تلزمك أعوام لتنتصري عليّ "
وحين انتهى من حديثه ألقى سيفه ارضًا يفتح ذراعيه لها يقول ببسمة واسعة :
" هدف آخر لصالحي، نلتقي في هزيمة أخرى لكِ ... صاحبة الأعين القططية "
ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها وهي تقف مكانها تراقب ظهره بغضب كبير، هو محق هي يلزمها العديد من السنوات حتى تستطيع التغلب عليه .
مسحت وجهها بتعب شديد تتذكر كيف بدأ يومها حين هبطت لتنتهي من اعمالها، لكن فجأة أبصرت ثوب الملك معلق على سيفه في منتصف ساحة القتال وفي دعوة صريحة منه لقتال معها، ومن هي لترفض قتال مع الملك ؟؟
قتال آخر انتهى بخزي لها ولارسلان الذي أفنى عمره يعلمها كل شيء، على الأقل لم يعد الملك فضوليًا ليعلم هويتها وأصبح يتركها وشأنها بعد كل مواجهة وكأنها لاتعني له شيئًا أو تهمه بذرة و...
هل هذا شيء قد يسعدها ؟؟ إذن لماذا تشعر بالضيق لأجل الأمر .
سارعت تحمل السيف الخاص بها تركض بعيدًا عن الحلبة وهي تتنفس بصوت مرتفع كي تبدل ثيابها في مبنى الغلال كالمعتاد .
في الوقت الذي كان يستند إيفان على أحد الجدران يرى جسدها يختفى عن مرمى بصره وهو يبتسم بسمة جانبية يراقب هذه اللعبة التي يخوضها يوميًا معها، تعجبه اللعبة، ويرتقب نهايتها بفارغ الصبر .
مسح عرق وجهه يعيد خصلاته للخلف وهو ينتزع سيفه وثوبه يحمله على ذراعه يسير بهدوء شديد صوب القاعة الخاصة بالحروب فلابد أن سالار ينتظرهم هناك ليخبره ما حدث في غارة البارحة على مشكى .
لكن أثناء دخوله للقصر أبصر خادمة يعلمها جيدًا ويدرك هويتها يراها تركض بسرعة صوب المزارع، ابتسم يراها تمسك الفستان الخاص بها والذي كان يتحرك خلفها بانسياب .
فجأة ابصرها تتوقف أمام أحد أشجار المملكة تنظر حولها يمينًا ويسارًا، قبل أن تجلس ارضًا تستظل بها وتستند عليها، رفع حاجبه يهمس :
" أشعر أن لا أحد يعمل بهذا القصر حقًا، كلما حركت عيوني وجدت عاملة تهرب من العمل "
لكن دون إرادة منه راقبها ترفع غطاء وجهها ليبعد هو وجهه عنها يدرك هويتها دون الحاجة لرؤية ملامحها، لا حاجة له حقًا ليمد بصره لها مجددًا ...
تحرك داخل القصر يضع ثوبه على كتفه بقوة والجميع بدأ يستنفر حين مر بهم وهو خطى بثبات صوب قاعة الاجتماعات .
_______________________
" لا بأس أن امنحكم راحة مؤقتة، لكن الحرب لن تنتظر أن تفرغوا من راحتكم كي تعلن عن وجودها "
ختم حديثه وهو يمر على الجنود يحدق بجميع الأعين في جدية كبيرة يراقب البعض وما جناه من يوم أمس، في الحقيقة لم يكن اليوم بالأمس قاسيًا عليهم إذ دخلوا مشكى وتأكدوا من توزيع كامل الغلال على الشعب ونشر سالار قواته بين الشعب مندسين بثيابهم ليوصلوا له كامل الاخبار وكي يدافعوا قدر الإمكان عمل يحدث، فما الذي يضمن له ألا يتعدى عليهم بافل بعدما يرحل هو بقواته وقد سلّمه شقيقه ؟؟
لكن كعادة المنبوذين لا عهد لهم ولا ذمة، فحينما خطى جيش سالار خارج أسوار مشكى في ثواني قليلة احاطتهم قوات من المتمردين يحملون أسلحة كثيرة .
ابتسم سالار بسمة واسعة وهو يحدق في الجميع حوله يتقدم جيوشه وعن يمينه يقود تميم وحدة الدفاع، والخلف يحمي دانيار بجيش الرماة ظهورهم .
" آه يا رجال انقذتموني من سوء الظن، لوهلة اعتقدت أن الله هداكم وتوقفتم على خصلة الغدر والخسة، لكن ها أنتم تثبتون لي أن الغدر يسير بكم مسرى الدماء "
توقف عن الحديث، ثم رفع رأسه يقول بقوة وصوت جهوري :
" وكبادرة أخيرة للسلام ولحماية الأرواح وحقن الدماء، امنحكم فرصة للتراجع حفاظًا على أرواحكم "
لكن كل ما صدر من جيش بافل كان مجرد أسلحة ارتفعت وقد اتخذوا وضعية الهجوم، اشتعلت عينه ليصرخ سالار في جنوده بصوت مرتفع وهدير قوي وهو يخرج سيوفه من ثيابه :
" لا تدعوا منهم خنزيرًا واحدًا، ابيدوهم عن بكرة أبيهم"
وكأن جنوده _ الذين سبق وشحنهم بطاقة الغضب والكره والحقد لهؤلاء الكلاب الذين قتلوا من مشكى ما قتلوا ودمروا ما دمروا _ كانوا ينتظرون هذه الكلمات ليندفعوا بشراسة مرعبة صوب رجال بافل وطاقة الغضب والحقد تحركهم ..
في ثواني لم يبصر سالار سوى اندفاع رجاله بشكل مخيف، يلمح بطرف عيونه دانيار الذي تحرك في ثواني مع جيشه بسرعة كبيرة صوب أحد الجبال يتمركزون ليبصروا جيش بافل، وما هي سوى لحظات حتى غابت السماء خلف سهام جيشه بقيادة دانيار يستهدفون مؤخرة جيش بافل، وعلى الطرف الآخر تميم الذي اندس بجسده بينهم يقتل منهم ما يقتل ..
لحظات تحولت فيها الأجواء لساحة معركة مصغرة ...
أفاق سالار من كل تلك الأفكار وهو يحدق في جيشه يقول ببسمة لينة :
" إن أردتم راحة لن امنعكم، يمكنكم الراحة كيفما شئتم، لكن عند عودتكم لا تبتأسوا لزيادة تدريباتكم "
نظر جميع الرجال لبعضهم البعض قبل أن يبتسم أحدهم بسمة صغيرة يقول :
" لا بأس سيدي لا نحتاج راحة، ويمكنك أن تزيد التدريبات كيفما شئت "
ابتسم له سالار بفخر يربت على كتفه، ثم قال بهدوء شديد :
" التقطوا انفاسكم يارجال، ولتذهبوا لرؤية عائلاتكم، هم لهم عليكم حق كذلك، وسيتولى الحراسة كتيبة أخرى، جعلكم الله سبب نصر هذه الأمة "
ختم حديثه وهو ينظر لهم ببسمة، ثم تركهم يتحرك بعيدًا عن ساحة التدريب كي ينتهي من الاجتماع مع الملك ويخبره كامل التطويرات بخصوص ما حدث، لكن وقبل أن يتحرك خطوة واحدة انتفضت جميع الأجساد على صوت صرخات رنّ صداها في المكان، صرخات كانت للبعض مجهولة الهوية، لكن له، كانت كجرس انذار جعله يلتفت كالرصاصة متسع الأعين يرى حصان يمر من خلف أجساد جنوده يحمل فوقه فارسة تمتطيه بمهارة ...
أو هذا ما كان يظهر للجميع، لكن له هو والذي يدرك جيدًا هوية تلك الفارسة من صوتها وجسدها يعلم يقينًا أن ما تفعله هو أبعد ما يكون عن المهارة، هي الآن أحدثت كارثة .
كارثة ستودي بها لحتفها .
ارتفع وجيب قلب سالار وهو يتراجع للخلف بظهره لا ينزع عيونه عنها وهو يصرخ بصوت مرتفع :
" أحضــــروا لي حصـــان بســرعــة "
وفي الثواني التي ركض أحد الجنود يحضر له اول حصان يقابله، أبصر سالار حصان تميم ينطلق كالقذيفة خلفها وجسد تميم لشدة سرعة حصانه كان يبدو كما لو أنه يطير في الهواء، يركض بسرعة مرعبة خلفها .
وبمجرد أن أبصر فرس نزع معطفه يلقيه بقوة ارضًا، ثم قفز فوق الحصان ينغزه في معدته بقوة جعلته ينطلق وهو يطلق اصواتًا عالية تحث الحصان على الإسراع وكأنه داخل حلبة سباق.
وعند تبارك كانت ترتعش وتبكي وهي تواجه مجددًا شيء لا علاقة لها به، حياتها كانت هادئة سالمة بعيدة عن كل تلك التعقيدات والأمور، هي لم تولد كي تبارز أو تمطي خيلًا، لا تعرف أي شيء عن تلك الأمور .
تمسك برقبة الحصان وكأنها على وشك خنقه تصرخ باكية :
" حد يساعدني بالله عليكم، هموت ..حد يساعدني "
فجأة سمعت صوتًا يقترب منها :
" مولاتي لا تخافي، أنا خلفك، خففي قبضتك عن رقبته فهذا يغضبه، مولاتي دعي الخيل وشأنه رجاءً"
كان ذلك صوت تميم الذي كان قد اقترب منها وهو يصرخ لها بصوت مرتفع يبحث في طريقه عن شيء يوقف الحصان به، بينما تبارك كانت تأخذ كلامه عكسيًا وهي تشدد من قبضتها على الحصان باكية، تخشى أن تسمع لحديثه فتسقط وتُدهس أسفل اقدام الخيول حولها :
" هو ايه اللي مخافش ؟؟ أنا مرعوبة، حد ينزلني من هنا، مش عايزة ابقى ملكة، مش عايزة ابقى حاجة، أنا عايزة ارجع شقتي تاني الله يكرمكم، سيبوني في حالي "
كانت تبكي بقوة وهي ترتعش خائفة وقد أضحت اقوى أمانيها في هذه اللحظة هي أن تخرج سالمة من كل هذا .
وفجأة اخترق سمعها صوتًا تدركه، صوت تعلم صاحبه والذي كان لكوارثها بالمرصاد يصرخ بصوت جهوري :
" اتركي رقبة الخيل بالله عليكِ تكاد روحه تخرج بين أناملك، دعيه شيئًا فشيء وامسكي اللجام "
بكت تبارك أكثر لسماع صوته تقول برعب وهي تستنجد به أن يساعدها كما يفعل دائمًا :
" يا قائد ...يا قائد ساعدني، هموت "
نظر لها سالار بقوة وهو يهتف فيها أن تسمعه :
" لن يحدث ثقي بي، ارجوكِ خففي قبضتك عن الحصان فهذا لا يساعد البتة "
نظرت له تراه أصبح يجاورها وعلى الجانب الآخر تميم يراقب الأمر بجدية كي يتحين الفرصة المناسبة ويوقف الخيل الخاص بها .
" هيا مولاتي ثقي بي، أخذلتك يومًا ؟! لم يحدث صحيح !!"
هزت تبارك رأسها ودموعها ما تزال تهبط بقوة، ليبتسم لها يحاول أن يكون هادئًا كي لا يخشاه :
" حسنًا ببطء اعتدلي في جلستي واستقيمي وامسكي اللجام، تحكمي به "
" مش عارفة، أنا خايفة"
" أكثر الفاشلين هم جبناء مولاتي، استقيمي ولا تحني ظهرك، امسكي اللجام وتحكمي أنتِ به، اريه أنكِ القائد هنا وليس العكس "
نظرت تبارك لعيونه ترى نظرة صارمة بها، ونبرة أمر تخرج من فمه، أجبرتها على تنفيذ ما يقول فبدأت تعتدل ببطء شديد وهي تستند بكفيها على الحصان في خوف كبير، ثم استقامت ببطء، لكن حين شعرت بالخوف هبطت مجددًا تلف يديها حول رقبة الحصان وهذا ما زاد غضبه وهو يزيد من سرعته ليصرخ سالار بجنون :
" لعنة الله على الكافرين "
نظر لها يأمرها بقوة :
" يا امرأة اتركي رقبة الحصان، سيموت بين ذراعيكِ، فكي قيدك عنه، اتركيه يتنفس رجاءً هو منزعج من وضعيتك تلك "
بكت تبارك وهي تصرخ في وجهه :
" ما أنا كمان منزعجة، أنا مش مبسوطة بوضعيتي دي، أنا مش عايزة كل ده، أنا عايزة انزل عايشة من فوقه "
تنفس سالار بصوت مرتفع يذكر نفسه بالهدوء :
" استغفر الله، انظري اعتدلي شيئًا فشيء، ثم امسكي اللجام بسرعة "
" ولو وقعت ؟؟"
" سأتلقفك "
" أنت كداب عمرك ما هتعمل كده "
نظر لها بشر يصرخ بصوت مرتفع :
" لعنة الله على الكافرين "
بكت تبارك أكثر ليتنفس هو بصوت مرتفع :
" هيا مولاتي أقسم إن سقطتي سأتلقفك لن ادع أذى يمسك، هيا اقسم بالله أنني سأفعل وانا لا اسقط قسمي ولو على رقبتي"
نظرت له تستشف صدقه، ثم بدأت تعتدل في جلستها تمسك اللجام بخوف وحينما استقامت بالكامل وامسكت اللجام ابتسم لها سالار يتساءل بهدوء :
" جيد ؟؟ امسكتي به ؟!"
هزت رأسها تتعجب بسمته وقبل أن تتسائل عن سببها فجأة سمعت صرخته وهو يقول بسرعة :
" الآن تميم "
نظرت بسرعة صوب تميم تحاول فهم ما يحدث لتتسع عيونها بقوة وهي ترى تميم يزيد من سرعته يسبقها، ثم فجأة انحرف يتوقف في وجه الحصان الخاص بها يجبره على التوقف، وقد فعل لكنه لم يتوقف بسهولة بل توقف على قوائمه الخلفية وهي أمسكت باللجام أكثر واكثر تصرخ بصوت مرتفع، وسالار اقترب منها بسرعة يجذب اللجام كي يهدأ خيلها، لكنها أبت أن تدع اللجام وهو يصرخ بصوت مرتفع :
" دعي اللجام يا امرأة"
صرخت في وجهه وهي تغمض عيونها بقوة تجذبه اللجام صوبها :
" امسكي اللجام، سيبي اللجام، هو أنا شغالة عندك ولا هو بمزاجك، مش هسيب حاجة و ..."
وقبل أن تختم جملتها شعرت بسيف على رقبتها وصوت سالار يهمس لها بشر :
" دعي اللجام من بين أناملك"
وفي ثواني كانت تتركه برعب ليجذبه سالار صوبه يهدأ من روع الحصان وأمامه تميم يمنعه عن الحركة مجددًا وما هي إلا ثواني حتى استقر الحصان وهدأ أخيرًا ليتنفس سالار الصعداء وهو يترك اللجام يقفز عن فرسه يرى تبارك التي هبطت بصعوبة تسقط ارضًا تشعر برغبة عميقة في القيئ ..
اقترب منها سالار ينظر لها قائلًا بهدوء :
" هل أنتِ بخير ؟؟ "
نظرت له تبارك تقول بصوت خافت :
" حاسة إني دايخة، مش قادرة اااا"
وقبل أن تكمل كلماتها فجأة تقيأت دون شعور، لكن هذه المرة اندفع سالار للخلف بسرعة وهو يصرخ بصوت مرتفع :
" يالله يا مغيث "
بدأت تبارك تتقئ بقوة وتعب شديد وقد شعرت بالاعياء بعد هذه الجولة الغير موفقة أعلى الخيل، وتميم يراقبها بملامح منقبضة يغمض عيونه بعض الشيء :
" حسنًا ربما في المرات القادمة يحالفك الحظ، اعتقد أنه كان درسًا ملئ بالخبرات ها؟"
نظر سالار لحالة تبارك وهو يجلس القرفصاء يراقبها بشفقة وهدوء شديد وهي فقط شاحبة الوجه :
" سأحرص على ألا تصعدي فوق خيل داخل أسوار القصر ما دمت حيًا، احسنتي في درسك الاول مولاتي، أبليتِ حسنًا ....."
______________________
دخلت المكتبة تتلفت يمينًا ويسارًا بحذر ليس لشيء سوى لتجنب صرخات ذلك العجوز المزعج، لولا أنها يأست من إيجاد ذلك المزعج الآخر في كل مكان ولم يتبقى غير هذه المقبرة المليئة بالكتب ما خطتها يومًا، لكن هي مجرد محاولة أخرى منها لاستعادة ما يخصها .
تحركت بين الارفف وهي ترمقها باستياء، لم تكن يومًا من محبي تلك الأشياء متعددة الاوراق والتي يدعوها الجميع بكتب .
زفرت تلوي شفاهها وهي تبحث بعيونها عن دانيار، لكن كل ما ابصرته هو دودة الكتب الصغيرة الذي لا ينفك يضيع نعمة البصر على الأوراق أمامه..
يالحماقة بعض البشر !
اقتربت زمرد من مرجان بهدوء وهي تقول بصوت مرتفع بعض الشيء :
" مرحبًا يا فتى أين قد أجد هذا المسمى دانيار ؟!"
لكن مرجان كانت عيونه معلقة بالكلمات أمامه لا ينتزعها عنها وكأنه يخشى أن تتطاير من الكتاب قبل أن يخزنها في عقله، يلتهم الاحرف بسرعة كبيرة وعيونه تتحرك بشكل جعل زمرد تنحني جالسة القرفصاء أمامه :
" يا بني الكلمات لن تتلاشى من تلك الأوراق، انظر لي وأخبرني أين ذلك المزعج دانيار ؟؟"
رفع مرجان عيونه ببطء شديد وهو يقول :
" القائد دانيار لم يأت هنا منذ يومين حينما طرده العريف آخر مرة "
نظر له بعدم فهم تجلس أمامه ثم قالت :
" وأين يكون عادة حينما يطرده العريف ؟؟"
" لا ادري ساحة الرماية ربما، أو معمل القائد تميم، أنا لا اتابع حركته كي اعرف "
هزت زمرد رأسها تفكر في الذهاب لمعمل تميم فهي للتو عادت من الساحة، لكن فجأة انتبهت لنظراته المصدومة للكتاب لتقول بفضول شديد :
" إذن ما الذي تحتويه هذه الأوراق لتتسبب في خروج عيونك عن وجهك بهذا الشكل ؟!"
" هذا كتاب يتحدث عن الكواكب والاجرام "
" أوه هكذا إذن "
فجأة قالت :
" ما معنى الأجرام ؟؟"
رفع مرجان عيونه لها لتشعر هي بسخافة ما تفعل لتنهض عن الأرض تقول بهدوء وجدية :
" حسنًا سأرحل من هذا المكان اكمل أنت يا فتى "
خرجت من المكتبة تتحرك في طريقها صوب المعمل الخاص بتميم والذي تعرفه فقط بسبب اصوات الانفجارات المعتادة التي تخرج منه، وكذلك التصاق برلنت طوال اليوم جواره .
توقفت أمام المعمل الذي يقبع أسفل القصر بدرج عميق :
" ها قبر آخر، ما بال هؤلاء القوم يعشقون القبور ؟؟ المكتبة وهنا كذلك، مجرد قبور مع اختلاف المسميات. "
هبطت الدرج تتحرك بخفة وهي تنظر حولها بفضول وهذه المرة الأولى التي تهبط بها لهذا المكان، وستكون الأخيرة بمشيئة الله.
كانت هذه أفكار زمرد وهي تتوقف أمام الممر الذي يؤدي للمعمل ولم تكد تخطو له لتسمع فجأة صوت قادم من الداخل يخص غايتها التي قلبت القصر منذ الصباح بحثًا عنه .
ابتسمت بسمة واسعة تتقدم أكثر وهي تتوعد له بالويل إن لم يمنحها السيف هذه المرة، تعلم أنها قالت هذه الجملة مرات ومرات ومرات، لكن هذه المرة تختلف .
تحسست الخنجر الذي سرقته من ثياب أحد الحراس في السكن الخاص بهم بعدما خرجوا جميعًا.
ابتسمت تتحرك داخل المكان تنظر حولها بعيون فضولية تستكشف بيئة نمو هذا التميم .
" يا ويلي ما هذه الأشياء المريبة ؟! هل تحب برلنت ساحر ؟؟"
فجأة أبصرت من بين كل تلك الأشياء والأدوات الغريبة فراش يقبع في ركن المعمل ينام عليه قرير الأعين وهو يتمتم ببعض الكلمات وكأنه يتحدث خلال أحلامه .
اقتربت ببطء شديد من الفراش ترفع الخنجر تتجهز لمباغتته وهو نائم، وحينما أصبحت على بعد خطوة واحدة من الفراش رفعت الخنجر تنظر له بشر، لكن سرعان ما تلاشت نظراتها تلك يحل محلها الانبهار بملامح هذا الرجل، ابتسمت بسمة جانبية تسخر من حالها، كيف تبغضه وتنبهر بملامحه في نفس الوقت، بالله داخل صدرها تحمل له مشاعر حقد وغل غير طبيعية، ومع ذلك لا تستطيع سوى الوقوف أمام ملامحه والشرود في جمال خلق الله .
الله خلقه وأبدع خلقه، هذا الرجل وسيم لدرجة مؤذية لها، هل تتناسى الآن تعاليم والدتها عن غض البصر وتجنب الفتن وتغطس داخل فتنته ؟؟
تنظر وتأثم ؟!
هزت رأسها تبعد كل تلك الأفكار عنها تحرك الخنجر ببطء شديد حتى ثبتته على رقبته وفتحت فمها لتبصق تهديدها في وجهه بعنف شديد مبعدة عنها حالة الاعجاب المريبة تلك .
لكن هي ثواني فقط حين مس الخنجر رقبته وكانت هي من تقبع فوق الفراش والخنجر على رقبتها، تراقب ما يحدث متسعة الأعين، هو حتى لم يعطها فرصة اخراج نفس واحد .
بل فقط رمقها بشر يهمس من بين أسنانه، وهو يبتعد بسرعة عن الفراش كالملسوع، يرفض أي اقتراب منها وبهذه الدرجة المشينة، يقف جواره مهددًا إياها بخنجرها :
" يبدو أنكِ لن تتوقفي عن العبث معي حتى أتخلص منكِ بأسلحتك الخاصة "
أبعدت زمرد عيونها عن الخنجر تخرج من حالة الصدمة تلك وهي تحدق في عيونه مبتسمة بخبث شديد ظهر في عيونها :
" لو انك أردت فعلها لفعلتها منذ فترة طويلة، لكنك لم تتجرأ على اذيتي حتى الآن، ربما افتتان ها ؟؟"
" يا ابنتي الغرور يقتل صاحبه، أي افتتان هذا معاذ الله وأنتِ تتعاملين معي بخشونة فلا افتقد تميم في وجودك، هذا الافتتان الذي تتحدثين عنه هو حالة انجذاب بين جنسين مختلفين والعياذ بالله "
اتسعت أعين زمرد بصدمة ليبتسم لها بسخرية :
" نعم تمامًا كما فهمتي، والآن أخبريني متى تستسلمين عن هذه الأفعال الصبيانية ؟!"
رفعت زمرد قدمها بسرعة تضربه في ظهره دافعة إياه صوب الجدار وهي تقول من بين أسنانها تنتفض بعيدًا عن خنجره، أو بالأحرى خنجرها هي :
" أبدًا.."
نظر له بشر بعدما ابتعد عن الجدار يرمقها بغيظ شديد وهو يحرك الخنجر بين أنامله بغضب واضح :
" اسمعي يا امرأة فقد طفح كيلي، توقفي عن الظهور في وجهي، كلما التفت أجدك، لا يكفيني سوى أن تقتحمي احلامي لتنغصي عليّ حياتي بأكملها "
ابتسمت له زمرد بخبث شديد تتقدم منه خطوات صغيرة :
" متأكد أنني لا أفعل ؟؟"
ابتسم دانيار بسمة جانبية يفهم ما ترمي إليه، وهي ابتسمت له تقول بغضب :
" إن مللت من قفزي في وجهك كل ثانية فأعطني سيفي، وسأحرم عينيك لذة النظرة لي يوميًا "
أطلق دانيار ضحكة مرتفعة وهو يمسح وجهه هامسًا من بين ضحكاته :
" مغرورة وغبية "
" لكن محقة "
" تتمنين "
اقتربت منه زمرد، تهمس من بين أنفاسها الهادئة :
" وما الاماني سوى اقدار مؤجلة يا عزيزي "
" ومتى كانت الحياة بهذه المثالية لتحوّل جميع أمانيكِ لاقدار يا ابنتي ؟؟"
همست له زمرد ببسمة صغيرة :
" ومن قال أنني انتظر الحياة لتفعل، بل أنا من أصنع قدري "
" والآن أنتِ تعبثين باقدارك بالقفز أمام وجهي كل ثانية لتعكري عليّ صفو حياتي "
نظرت له ثواني ثم قالت وهي تتراجع بعيدًا عنه :
" لكنني لا أراك تمانع الأمر، أم تفعل ؟؟"
نظر لها وصمت وهو يبتسم بسمة غامضة جعلتها تبادله البسمة بأخرى غير مفهومة تقول :
" متى تعيد لي سيفي ؟!"
" حين تستحقين حمله "
نظرت له بعدم فهم وقبل أن تتحدث بكلمة واحدة سمع الاثنان صوت تميم وهو يقتحم المكان يقول بصخب :
" هذه المرة الأولى التي استوعب بها مدى صعوبة امتطاء خيل، بالله وتالله ووالله ما شعرت يومًا بـ....فتاة ؟؟"
استدارت زمرد بسرعة صوب تميم الذي رفع حاجبه يحدق بهما في عدم فهم وهي تأكدت من لثامها، ثم استدارت تنظر لدانيار نظرات غاضبة :
" لم ننتهي هنا "
" بل انتهينا من قبل وأنتِ من تماطلين في النهاية يا امرأة، والآن غادري المكان واحرصي على وضع غطاء كامل على وجهك، وكفي عن اللثام "
رفعت زمرد حاجبها بعدم فهم تسمع صوت تميم في الخلف يقول :
" هل اعطل شيئًا ما ؟؟ من هذه المرأة وماذا تفعل هنا في معملي ؟؟"
استدارت زمرد تقول بحنق وصوت مغتاظ :
" لست سعيدة بالتواجد في هذا القبر سيدي القائد، أنا فقط جئت أخذ شيئًا يخصني، لكنني لم أحصل عليه بعد، ولن استسلم حتى افعل "
ختمت كلماتها تستدير صوب دانيار بحنق شديد، ولم تكد تمد يدها لانتزاع خنجرها ليبتسم هو قائلًا وهو يبعده عنها :
" سأحتفظ بهذا كذلك "
زفرت زمرد تقول بلا اهتمام وهي تتحرك للخارج :
" لا بأس أنا سرقته على أية حال "
ختمت حديثها تخطو خارج المعمل تحت نظرات تميم المصدومة والذي استدار صوب دانيار يقول بعدم فهم :
" من هذه المرأة الوقحة ؟؟؟"
___________________
في منتصف اليوم وبعد ساعات طويلة من السفر صوب مملكة آبى ها هم يصلوا واخيرًا ..
تغير الأمر وتغيرت التدابير، هم في هذه الحرب وحدهم لكن هذا لا يعني تلاعب من خلف ظهورهم أو تجاوز في حق مملكتهم، سبق وحذر إيفان آزار ألا يتخطى حدوده وهو وافق وتنحى جانبًا .
الأن وحينما كان في اجتماع مع جيشه وصلته اخبار اقتحام حدودهم من بعض المنبوذين القادمين من جهة آبى، وليس هذا فقط فشيء كهذا سهل الانتهاء منه، الكارثة أنهم كانوا يزرعون قنابل على طول خط الحدود الخاص به لولا يقظة جنوده .
نعم هو لا يعلنها حرب صريحة مع آزار في هذه اللحظة، ليس قبل أن يقف أمامه ويبصق جميع تهمه في وجهه وحينها يستدعي جيوشه التي حشدها على حدود مشكى، حسنّا سالار هو من حشدها غاضبًا دون أن يأبه بأي اعتبارات .
وصلت خيول إيفان ورجاله صوب قصر آبى الشاهق ليقابله لفيف من رجال آزار وكأنهم جاءوا لاستقبال عدو لدود .
ابتسم بسخرية يهبط عن حصانه بقوة تبعه سالار وتميم ودانيار واثنين من مستشاريه المقربين ..
" مرحبًا بك ملك إيفان أنرت مملكة آبى بزيارتك "
نظر إيفان حوله لكل هؤلاء الرجال الذين يتوسطهم نزار ( ولي عهد آبى ) بكل اباء وكأنها يعلنها صراحة أنه على أتم الاستعداد لتحطيم أي عوائق تقابل والده في طريقه .
يحترمه كثيرًا، لكن سيتعين على احترامه هذا الانتظار حتى ينتهي منهم، ومن ثم يبتسم له إيفان ويقول له صراحة احترم شجاعتك وبسالتك نزال .
" لا يبدو الأمر كما تقول نزار ؟؟ فتلك الكلمات التي نطقتها لتوك تليق بمناسبة أخرى، ليس وأنت تستقبلني بنصف جيشك، والنصف الآخر يختبأ بين طرقات القصر في انتظار همسة مني لتعلنها حربًا صريحة "
نظر له نزار يشير بيده للجنود أن يخفضوا أسلحتهم يعتذر بخفوت وتعقل لا يليق بابن آزار :
" اعتذر مولاي، لكن مجيئك بهذه الطريقة وجيشك على أطراف آبى ليس بالشيء المعتاد كذلك "
كانت أعين سالار تدور في المكان وكأنه يستخرج أماكن اختباء الجنود الباقيين يدرس محيطه يحسب الوقت الذي سيستهلكه لينتهي من الجميع هنا، والوقت الذي يحتاجه جنوده للوصول إلى عقر دار آزار وتحطيم القصر فوق رأسه..
نظر له إيفان ثواني وقال ببسمة خفيفة بريئة بعض الشيء :
" اطراف البلاد وليس داخل البلاد، أنا جئتك وحدي مع بعض جنودي الأوفياء تمامًا كما يفعل والدك حين يأتي لبلادي مع دزرينة من جنوده "
بُهت وجه نزار ولم يملك من أمره شيئًا إلا أن يشير للجنود بالتنحي جانبًا كي يمر الملك ومن معه لداخل القصر بعدما بطلت جميع حججه لتعطيله، وهو من الأساس لم يكن يريد ذلك لولا أمر والده .
تحرك إيفان للداخل وخلفه جميع رجاله الأوفياء، يتحركون بين ممرات قصر آبى وأمامهم نزار يقودهم صوب قاعة العرش الخاصة بوالده .
وبالفعل ما إن توقف أمام القاعة لم يكد يتحدث حتى تقدم سالار يدفعه جانبًا مبتسمًا بسمة صغيرة :
" نحن سنتولى الأمر من هنا ... أيها الأمير"
ختم حديثه وهو يدفع باب القاعة يقتحمها بقوة وهو يتقدم الملك والجميع وكأنه يمثل لهم جدار حماية يمنع أي أحد من الاقتراب، وخلفه يسير إيفان ومن ثم تميم ودانيار يحيطونه من الخلف .
وحين اقتحام سالار القاعة كان آزار يجلس على طاولة كبيرة وهو ينظر للباب وكأنه يتوقع حضورهم ليبتسم سالار بسمة جانبية مخيفة :
" مرحبًا بملك ملوك آبى، نأمل أننا لم نأت في وقت غير مناسب ملك آزار "
رفع آزار عيونه له، ثم حركها صوب إيفان الذي تقدم خطوات بطيئة صوب الطاولة التي تحتوي العديد من رجال آزار ويبدو أنه كان في خضم اجتماع هام قبل أن يقتطعه سالار .
جلس إيفان على المقعد المقابل لآزار بكل هدوء يضم كفيه على الطاولة أمامه :
" مرحبًا ملك آزار آسف على اقتطاع اجتماعك الهام، لكن سالار لم يكن من الصبر الذي يجعله ينتظر ارسالي رسالة لك تعلمك بمجيئنا، أنت تعرفه هو متلهف فيما يخص هذه الأمور "
ختم حديثه يشير لسالار الذي ابتسم يهز رأسه بنعم، وكأنه يؤكد حديث إيفان ...
ابعد آزار عيونه أن سالار بصعوبة قبل أن ينظر لايفان بجدية يقول :
" هات ما عندك ملك إيفان"
" حدودي "
" ما بها ؟؟"
هو يختبر صبر إيفان، وهو يمتلك الكثير منه، الكثير من الصبر كبئر مياه عميق لا نهاية له، لكن البئر ينضب في وقتٍ ما ويبدو أن ازار يسعى لتلك اللحظة :
" أنت تعلم ما بها ملك آزار لا تدعني أشك في قدراتك البحثية، أو أنك لا قدر الله تجهل ما يحدث في مملكتك، لا تدعي جهلًا لا تمتلكه في الحقيقة فهذا سيقلل من مكانتك كملك كبير "
اعتدل آزار في جلسته يستمد قوته في الوقت الحالي وثباته _ليمر من هذه الكارثة_ بمن حوله من رجاله، ولأن هذه المرة إيفان هو من جاء لمملكته وليس العكس، هو اليد العليا هنا .
ابتسم بسمة واسعة يضرب على الطاولة أمامه يقول بجدية وصوت مرتفع :
" ملك إيفان أنت الآن داخل مملكتي إذن التزم حدودك واحفظ لسانك فأنا لن اصمت لك عن إهانة لي و..."
وقبل أن يتم جملته انتفض جسده انتفاضة خفيفة غير محسوسة حين سحب سالار مقعد جواره دون مقدمات وجلس عليه ببطء شديد، ثم أخرج سيوفه يضعهم على الطاولة أمامه يضم قبضتيه وهو ينظر أمامه بكل هدوء .
لكن وحين رأى النظرات توجهت له ابتسم يقول بهدوء :
" فقط يسببون لي ازعاجًا حين اجلس بهما "
ختم حديثه ببسمة صغيرة وهو يشير لآزار :
" رجاءً أكمل حديثك مولاي لا تخف"
اشتعلت عيون آزار بقوة مرعبة وقد تخطى سالار لتوه جميع الخطوط الحمراء التي يضعها هو لأي إنسان في هذه الحياة، ضرب على الطاولة ينتفض وهو يصرخ بصوت مرتفع صارخًا :
" من هذا الخائف يا فتى وممن سأخاف ؟؟ هل جننت ؟"
ابتسم له سالار بسمة هادئة يجيب بكل بساطة :
" هذا تعبير مجازي مولاي، معاذ الله أن أقصد به إهانة، فأنا أعلم جيدًا كيف التزم الحدود وافرق بين من أتحدث معه إن كان جنديًا أو ملكًا، لست كالبعض يتواقح ويرفع الصوت، وها أنا انتزعت سيوفي أمام الجميع لاريك حسن نيتي كذلك ليس كالبعض يختبئ خلف رجاله وأسلحته"
وعند هذه اللحظة اشتعلت القاعة بأكمله على انتفاضة أحد رجال آزار وهو يصرخ باسم سالار غاضبًا :
" سالار التزم حدودك "
رمقه سالار بهدوء يصحح له :
" القائد سالار بالنسبة لك "
اشتعلت أعين الشاب ولم يكد يتحدث بكلمة حتى منعه آزار الذي رفع كفه يقول بهدوء شديد :
" اسمع إيفان لأن الحديث الذي سيجرى أسفل سقف هذه القاعة لن يتكرر مجددًا، لا أنت ولا فرد من أفراد جيشك يحق له أن يطأ ارضي، وحدودك تلك لا علاقة لي بها، اذهب واستجوب الرجال الذين أمسكت بهم، ثم عد لي وتحدث معي ملكٌ لملكٍ، هذا ما عندي وإن لم يعجبك ما اقول فافعل ما شئت موعدنا الغد .."
نظر له إيفان ثواني نظرات مريبة وهناك بسمة غريبة ترتسم على فمه قبل أن يهز رأسه له، ثم نظر لسالار والرجال معه، ومن ثم انحنى انحناءة صغيرة، ودون كلمة واحدة تحرك خارج قاعة آبى بكل قوة وهيبة تدك الأرض أسفل أقدامه دكًا، وخلفه سالار الذي سحب سيفيه يسير خلف إيفان بكل بساطة ومعه الجميع .
وبمجرد أن خرجوا من القاعة قال دانيار :
" الآن ماذا مولاي ؟؟"
نظر إيفان صوب سالار ليبتسم الأخير وهو يقول :
" الآن تأتي مهمتي أنا دانيار، تجهزوا واقرعوا طبول الحرب ........"
________________________
باعتباره شخص مميز عند العريف فوجوده في المكتبة في هذه اللحظة لا يسبب له ازعاجًا كالجميع.
ابتسم يبحث عنه بعيونه وهناك بسمة واسعة مرتسمة على فمه، تنفس بصوت مرتفع حين أبصر مرجان كعادته يجلس ارضًا بين كومة من الكتب .
" مرجان "
رفع مرجان عيونه بتعجب صوب ذلك الصوت ليقول :
" سيدي الطبيب؟؟"
ابتسم مهيار بسمة واسعة وهو يتحرك جاذبًا أحد المقاعد يضعه أمام يجلس عليه بشكل عكس يستند على ظهر المقعد وهو يهمس بصوت خافت وكأنه سيدلي بسرٍ خطير :
" هل زاركم أحد في المنزل أمس ؟!"
" أحد ؟! أي نوع من الأحد؟! فنحن عائلة ودودة اجتماعية يزورنا في اليوم الكثير "
نفخ مهيار يدرك أن غيرة مرجان على ليلا كبيرة، كما أنه لا يحب اقترابه منها وهذا لم يكن من الصعب استشفافه حين اجتماع ثلاثتهم.
وما لم يدركه مهيار أن مرجان لا يرفضه أو يرفض وجوده جوار ليلا لأجل أمر غيرته أو ما شابه، نعم هو يغار على ليلا العزيزة، لكنه ابدًا لن يقف في وجه سعادتها لأجل مجرد غيرة قد يتجاوزها إن فازت بما تريد هي، لكن كره مرجان لاقتراب مهيار من شقيقته نابع من إدراكه أن الأخيرة لا تحسن اخفاء ضعفها أمامه.
كانت تسارع لتعرض أوراقها له ولم ينقصها سوى أن تقول، مرحبًا مهيار أنت وسيم وأنا أحبك، ما رأيك أن نتزوج ؟؟
وهو بالطبع يدرك منذ اللحظة أن مشاعر مهيار تجاه صغيرته اصغر من أن تكفي شخص نهم كليلا، حبه لها مقارنة بحبها له كما لو أنك تقارن شربة ماء بمحيط عميق، لا يستوون .
لذا لا يود تسليمها له، إلا حين يرى حبه لشقيقته كالامواج في عيونه .
" كان هناك شاب سيتقدم لشقيقتك، هل جاء مساء الأمس ؟!"
كانت تلك الجملة توضح مقصد مهيار ليبتسم له مرجان بسمة صغيرة يقول بجدية :
" لا لم يأت أحد، لكن ربما يفعل اليوم، لِمَ تسأل سيدي الطبيب ؟؟"
ابتسم له مهيار بسخرية لاذعة يدرك يقينًا أن دودة الكتب الخبيثة تلك اذكى من أن تجهل ما يحدث حوله .
" حسنًا عزيزي ما ر...."
"مرجان أحضرت لك الطعام "
قاطعت تلك الكلمات الحوار الذي نشأ بين الاثنين، وحسنًا مهيار لم يأت في هذه اللحظة خصيصًا ليتساءل عن مجئ ضيف هو منعه بنفسه الذهاب، بل فقط لعلمه يقينًا أنه في هذا اليوم تحديدًا تكون إجازة الصغيرة ليلا وتأتي لإحضار طعام مرجان، وهو مستغل لأقصى حد كي يأتي ويدّعي اهتمامه بحوار مع الاخير لأجل رؤية تلك البسمة المشرقة .
تمتم مهيار دون أن تسمع ليلا :
" سلّم الله تلك البسمة وصاحبة البسمة "
استدارت ليلا صوب مهيار حين سمعت همسًا يصدر من صوبه لتقول ببسمة خجلة :
" مرحبًا سيدي الطبيب "
" مرحبًا آنسة ليلا، عسى أن يكون نهارك سعيدًا "
وكيف لا يكون وهو بدأ بك ؟! كلمات ودت لو تلقيها في وجهه دون تفكير أو تردد، لكن آخر ذرات التعقل في رأسها، ونظرات مرجان الرافضة لما يحدث وخجلها الفطري، منعوها من ذلك، تنظر ارضًا تهمس بصوت منخفض :
" الحمدلله سيدي، شكرًا لك "
هنا ونفذت كامل كلماتها ولا تدري كيف يمكنها الاستمرار في هذه المحادثة أكثر من ثانية أخرى، فهي لم تكن تعلم أنه هنا، وحتى لو علمت فما كان باليد حيلة، فاطول حوار دام في خيالها بينها وبين مهيار لم يستمر سوى ثواني معدودة لقول كلمة واحدة فقط ( احبك ).
ابتسم مهيار بسمة واسعة وهو يرى شرودها في وجهه، يدرك أنها في هذه اللحظة لا تستوعب أطالتها النظر به أكثر من دقيقة دون أن يرف جفنها .
وحين فعلت انتشر لون احمر على طول خدها تخفض رأسها بسرعة مصدومة مما حصل منذ ثواني :
" أنا ... أنا فقط كنت شاردة في ...في أمور تخص دراستي و...لم اقصد النظر لك أبدًا "
قطعت حديثها بعجز عن الاستمرار في هذه الدوامة التي تسحبها دون قدرة منها على المقاومة حتى، ودون مقدمات أو حتى تفكير تركت الطعام ارضًا مكان مرجان الذي لم تشعر حتى أنه اختفى فجأة من محيطهما، ثم قالت بتمتمات غير مفهومة مفادها أنها سترحل .
وفد فعلت دون أن تعطيه حتى فرصة كي يشتغل تلك اللحظات التي اقتطعها من يومه بصعوبة بعدما ترك الملكة داخل العيادة تعتني هي بها، أمر قد يدفع ثمنه الباقي من عمره إن علم القائد سالار .
تحرك بسرعة خلف ليلا كي يوقفها ويتحدث معها فيما جاء لأجله، متجاهلًا مصير مرجان الذي سُحب من بينهما مكمم الفم .
وبعدما خرجا أخرج العريف رأسه من خلف المكتبة وهو ما يزال يكمم فم مرجان ليقول بحنق :
" شقيقتك حمقاء مثلك مرجان، لقد هربت من الرجل، هكذا لن يتزوجا ولو بعد مئات السنين "
تنفس بعنف وهو يراقب باب المكتبة يفكر في حل آخر لمساعدة هذين الاثنين متجاهلًا انتفاضة مرجان بين ذراعيه .
وفي الخارج :
هرولت ليلا بين الممرات وكأن موتها يطاردها وليس من عاشت تحلم أن يخطو صوبها ولو سنتيمترًا واحدًا، هي في أحلامها أكثر جرأة من هذه اللحظة، لا تستطيع أن تستمر في الحديث معه أكثر من كلمات بسيطة، وإلا فقدت رباطة جأشها .
لكن وأثناء هرولتها وقبل أن تبلغ خلاصها حين أبصرت باب القصر الداخلي، وجدت جسدًا يحول بينها وبين حريتها، ومتى كانت الحرية بهذه السهولة، أو متى نلنا الخلاص بخطوة واحدة ؟
عزيزي الحرية تنالها زحفًا، ليس سيرًا ....
وهي كانت على أتم الاستعداد لتزحف فقط تهرب من هنا، لكن ذلك الجسد الرجولي الذي قطع طريقها حال دون ذلك .
إذ ظهر لها الشاب نفسه الذي تحلف عن موعده وهو يقول بلهفة شديد يرتدي ثياب جيش الرماة :
" ليلا، لقد ابصرتك من نقطة المراقبة وأتيت ركضًا للتحدث معك، اسمعيني ليلا أنا البارحة لم ااا "
صمت فجأة حين أبصر خلفه كابوسه الذي كان يلاحقه، ومهيار ابتسم له بسمة مرعبة وهو يرفع حاجبه وكأنه يتحداه بصمت أن يتم جملته المعلقة ..
وهو فقط جحظت أعينه ليس خوفًا، بقدر صدمته من وجوده يهمس حين أبصر نظراته :
" أوه لا ليس مجددًا ......"
______________________
للمرة الثانية حينما قرر أن يصارحها لم يستطع بسبب خروجه من القصر، توقف أمام باب غرفتها يراجع داخل عقله الحديث الطويل الذي حضّره في طريق العودة لسفيد، كلمات طويلة وتحقيق أطول كان ينتوي قوله، لكن الآن بالوقوف أمام باب غرفتها شعر أن كل ذلك تبخر فجأة، ولم يتبق في عقله المسكين سوى جملة واحدة ..
" أنتِ هي بيرلي خاصتي ؟؟"
وحتى هذه الجملة اليتيمة التي تركها تدور وحدها داخل كهوف عقله الفارغة كانت صعبة عليه، إذ أن احتمالية كون تلك الفتاة هي نفسها بيرلي تجعله يعجز عن فتح فمه .
ما بك تميم ؟؟ أنت حتى لم تجد دليلًا واحدًا أنها هي سوى الاسم، لا شيء لتتوتر لهذه للدرجة، نعم كان من المتوقع عدم تعرفك عليها بعدما نضجت وأصبحت شابة وأنت لم ترها سوى مرات قليلة في لمحات خاطفة.
لكن هي ...هي لم تتعرف عليه ؟؟ هو لم يتغير لهذه الدرجة كي تجهله .
زفر يستند بجبينه على الباب الخاص بها يتحسسه بوجع وهو يهمس دون وعي داخله :
" أرجوكِ كوني هي، ارجوكِ كوني هي "
ودون أن يملك حتى القدرة على التحكم في قبضته وجد نفسه يطرق باب الغرفة، يطرقها دون أن يعبأ بأي شيء سوى حاجته الملحة ليعلم الحقيقة .
ثواني قليلة حين سمع صوت تمتمات، ابتعد للخلف ببطء يراقب الباب يدعو الله أن تكون هي، ويبدو أن دعوته في تلك اللحظة أُستجيبت إذ أن أول ما أطل عليه هو وجه غير واضح بسبب طرف الحجاب الذي جذبته هي ليصبح لها لثامًا .
والنظرة المصدومة التي ابصرها في عيونها جعلته يدرك سوء اختيار أوقاته.
ابتلع ريقه يقول :
" هل يمكننا الحديث قليلًا ؟؟"
اتسعت أعين برلنت تحاول أن تفهم ما يحدث هنا ؟؟ هل قفز تميم من أحلامها متمثلًا أمام عتبة غرفتها ؟؟ للتو فقط كانت تسكن أحضانه في أحلامها.
نظرت خلفها بريبة تفكر في الأمر وقد كان الرفض يقبع على طرف لسانها، لكن يبدو أن تميم كان من اليأس الذي دفعه ليجذبها من ثيابها بلين للخارج، ثم اغلق باب غرفتها يقول بجدية :
" لن نتأخر "
كان يسحبها خلفه وهي تسير مصدومة من تجرأه على الذهاب لغرفة فتاة من المفترض أنها مجرد عاملة في القصر وسحبها بهذا الشكل وفي هذه الساعة من الليل، و...مهلًا فقط، هل يعقل أنه اكتشف لعبتها وعلم هويتها والآن يجرها للمذبح حيث يكون قاضيًا وجلادًا على ماضيها، ومحددًا لمصير مستقبلها .
سقطت دموعها برعب تحاول مقاومة يده التي تجذبها :
" أنت...دعني لا يمكنك جذبي بهذه الطريقة، هذا مخالف لقوانين المملكة و.."
فجأة توقف تميم لتتوقف هي متسعة الأعين وهو استدار لها يشرد بعيونها ثم قال بهمس :
" يمكنك شكوتي للملك بعدما ننتهي، لكن إن صدق حدسي وأثبتّ ما يدور بخلدي وعلمت أنكِ اخفيتي عني الحقيقة كل تلك السنوات مراقبة إياي بصمت سأ..."
صمت ثم أكمل الطريق وهو يجذبها خلفه بسرعة كبيرة وهي تسير باكية لا تدري السبب لكن هذا كل ما تستطيع فعله .
جذبه لها في هذه اللحظة أعاد لها ذكرياتهما حين كان يجذبها خلفه لللعب والمرح، كانت تركض معه مبتسمة سعيدة، لكن شتان بين الحالتين .
وحين خرج تميم للحديقة ترك يدها بقوة، ثم استدار لها ودون مقدمات مدّ يده ينتزع لثامها بقوة يمنح نفسه كامل الحرية التمعن في ملامحها، ينظر لها بقوة ينتظر أن يجد بها لمحة صغيرة من بيرلي الحبيبة، لكن لا شيء، لا شيء مشترك بينهما عدا ... عدا تلك الأعين والنظرات الصادرة منها .
ابتلع ريقه وهو يرى أنه اطال التحديق بها حتى شعرت بالرعب تعود للخلف وهي تراقبه بريبة .
ابتلع ريقه يقول بهدوء شديد وبنبرة ظهرت لها عادية هادئة مستكينة وكأنه يتحدث معها عن أحوال الطقس :
" انظري لعيوني واخبريني أنني مجرد شخص مهووس مجنون وأنكِ لستِ بيرلي الصغيرة، وأن برلنت ذلك مجرد اسم صدف أنه يشبه اسم شخص اعرفه "
كان يتمنى أن تصدقه القول وتخبره أنه محق وأن كل ذلك محض تراهات في عقله وأنه أخطأ ليعتذر منها ويتركها تعود لغرفتها، ثم يرتكن هو لجدار غرفته يبكي رحيلها يلعق جروحه لنفسه .
لكن تلك النظرات المصدومة وذلك الشحوب والشهقة التي خرجت منه صفعته وبقوة ليتلقى في هذه اللحظة ضربة قوية فوق رأسه يراها تتراجع تنفي برأسها ما قاله .
" لا لا... لا "
لكن ماذا تفعل تلك الـ " لا " وقد نطقت جميع خلجات جسدها بكلمة " نعم " .
اتسعت عيونه ينظر لها بعدم فهم، لتتراجع هي ببطء للخلف تبكي بعنف تهمس بلا باستمرار وكأنها تحاول إقناع نفسها بها، لكن وقبل أن تعود خطوة إضافية وجدت تميم ينتفض بشكل مرعب منقضًا عليها يجذب ذراعها بقوة مخيفة وهو يقربها منه بشكل خطير يبعد طرف ثوبها عن معصمها وقد تذكر شيئًا هامًا، هامسًا من بين أنفاسه مصعوقًا من تلك الحقيقة :
" أنتِ هي ؟؟ أنتِ هي برلنت ؟؟ بيرلي ؟؟؟ "
____________________
هو إثم اخترته بنفسك، فلا تبتأس لاحقًا لدعوتك بالآثم ..
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية مملكة سفيد الفصل العشرون 20 - بقلم رحمة نبيل
تصويت للفصل قبل القراءة ...
صلوا على نبي الرحمة .
مساء الخير..
«وإنَّ المَرْءَ في دُنْيَاهُ ذِكْرَى
فَدَعْ للناس خَيْرَ الذِّكْرَيَاتِ!».
___________________
وعدتُكِ..أنْ لا أعودَ .. وعُدْتْ.
وأنْ لا أموتَ اشتياقاً..ومُتّ.
وعدتُ بأشياءَ أكبرَ منّي فماذا بنفسي فعلتْ؟
لقد كنتُ أكذبُ من شدّة الصدقِ، والحمدُ للهِ أنّي كذبتْ....
— نزار قباني
أن تظل تركض حياتك كالاعمى تتخبط في الجميع بحثًا عن روحٍ فقدتها في زحام الآلام، روحٌ سُلبت منك دون إرادتك، روح أبت الحياة أن تتركك تحتفظ بها، تركض ركض الوحوش في البرية لأجل أن تعثر على نصفك المفقود، وفجأة تشعر بصاعقة تضربك حين تراه ...
من عشت حياتك بأكملها تركض بحثًا عنه كان هناك يراقبك من بعيد، ما يزال في نقطة البداية يلاحقك بعيونه، كان جوارك دون أن تلاحظه، أو يحاول حتى هو تنبيهك بوجوده وكأنه استمتع برؤيتك تتخبط، استمتع برؤية معاناتك...
ارتجفت يد برلنت بين أصابعه وهو يحدق بعيونها التي تظهر من اللثام، وإن تغيرت جميع ملامحها كيف تفعل عيونها ؟!
وتلك الشامة على معصمها ..
كيف، كيف استطاع تجاهل هذه الأعين حتى لو لم يرها يومًا عن قرب، كيف لم يشعر بها ؟!
بيرلي كانت أمامه؟؟ أمامه ومنذ سنوات طويلة، سنوات لا يدرك حتى عددها؛ لأنها ببساطة لم تشفق عليه و تظهر أو ينتبه لها إلا منذ اسابيع فقط .
كان يشدد دون وعي على ذراعها، ينظر لعيونها وهو يرتعش من هول ما يعيش به، زوجته التي عانى أربعة عشر عامًا يتجرع مرارة فراقها كانت على بُعد خطوات منه تعيش حياتها دون أن تفكر يومًا في الاقتراب منه وأخباره عنها ؟؟
ارتجفت شفاهه لا يصدق أنه ينطق اسمها أمامها بعد كل تلك السنوات :
" بيرلي ؟!"
أغمضت برلنت عيونها بقوة تبكي وهي تنفي برأسها، تنفي ما أكدته جميع حركاتها وردات فعلها، تنفي ما أثبتته نظراتها تحاول الحديث من بين شهقاتها تجذب يديها منه بصعوبة، تحاول الهروب منه وكأن أربعة عشر عامًا لم تكن مدة كافية للهرب :
" لا، لا لستُ... لستُ ..."
ولم تتمكن من إكمال جملتها تلك، بسبب شهقاتها التي قطعت حديثها وهي تنهار ارضًا بقوة ليترك هو ذراعها وقد أصابته صدمة جمدته ارضًا يراها تنحني ارضًا باكية بصخب :
" أرجوك... أنا آسفة تميم .. أنا آسفة، اغفر لي..تميم أنا آسفة "
تراجع تميم للخلف بصدمة كبيرة وهو يشعر بالوجع، وجع كبير ينخر قلبه، نظر حوله متمنيًا أن يكون حلمًا، الفتاة التي عاش حياته يحلم فقط بأن يلقاها ولو صدفة.
أضحى الآن يتمنى أن يكون لقاؤها مجرد حلم، أن يكون ما فهمه في هذه اللحظة سوء فهم، أي شيء غير حقيقة بقائها كل هذا الوقت بعيدًا عنه بإرادتها .
بيرلي لن تفعل به هذا، لن تقبل أن تراه كل هذه السنوات وتتركه .
خرج صوته ميتًا دون شعور منه :
" أنتِ ..أنتِ لم تفعلي هذا بي، لم تعذبيني بهذه الطريقة برلنت صحيح ؟؟ أنتِ لم تتعمدي الابتعاد عني بهذا الشكل، أنتِ ..أنتِ لا تعرفين من أنا صحيح ؟؟"
عند هذه الفكرة أبتسم بأمل ينحني ارضًا يجلس على ركبتيه ينظر لها بأمل واعين لامعة موجوعة يتحدث بتعب :
" أنتِ لم تتعرفي عليّ وهذا سبب ابتعادك عني صحيح ؟؟ أنتِ لم تعلمي هويتي الحقيقية، أنا... أنا تميم، تميم رفيقك وصديقك و...وزوجك بيرلي "
صمت ثم قال بأمل يسألها أن تؤكده :
" لا يعقل أنكِ عرفتني وتجاهلتني كل ذلك الوقت، صحيح صغيرتي ؟!"
جرحتها نبرته واشعرتها في لحظات بالموت يسري بين عروقها، بكت تقول بصوت موجوع :
" لقد هددتني بـ... "
صرخ في وجهها بجنون وقد انتفض جسده وفاض صبره من كل ذلك، لا يعقل أن كلمات نطقها في لحظة انفعال تسبب له جحيم أربعة عشر عامًا :
" كنت كاذبًا، كنت غبيًا، كيف لكِ أن تصدقي لحظة أنني بهذا التجبر الذي يدفعني صوب قتلك يا غبية ؟!"
اقترب منها وهو يضرب جانب رأسها باصبعين في خفة وخوف أن يؤذها حتى في أقصى حالاته انفعالًا يهدر فيها بقهر شديد :
" منذ متى وأنا بهذه القسوة التي تدفعني لقتل أحدهم دون ذنب؟؟ ماذا إن كان أحدهم هذا يعني لي حياتي بيرلي ؟؟ كيف ...كيف اضعتي مني كل تلك السنوات بعيدًا عنكِ ؟! لقد كدت أُصاب بالجنون وأنا أبحث عنكِ في كل مكان يا امرأة "
ختم حديثه يشعر بالوجع هامسًا من بين أنفاسه الثائرة ووجهه يحكي لها معاناة خالصة له :
" حرامٌ عليكٍ برلنت، حرامٌ عليكِ "
بكت برلنت بقوة وهي تدفن وجهها بين كفيها تحاول الحديث، لكن وكيف تفعل وحتى التنفس كان صعبًا عليها لشدة بكائها، حالة تنتابها حين يشتد بها البكاء ويتحكم بها الحزن .
" عشت أربعة عشر عامًا من العذاب، أقتل نفسي يوميًا، أرفض الشعور بفرحة صغيرة مخافة أن اكسر عقابي لنفسي، يالله حرمت على قلبي الفرحة دونك برلنت، ما الذي فعلتيه بيرلي ؟؟"
ازدادت أصوات بكاء برلنت، وحاولت أن تشهق من بين بكائها، وصَعُب عليها التنفس لتنهار ارضًا تشير له في محاولة بائسة للدفاع عن نفسها .
تحرك لها تميم بسرعة ورعب وهو يضم وجهها بين كفيه يقول بلهفة كبيرة وكأن الصغيرة بيرلي عادت مجددًا له تبكيه قسوة والدها أو صراخ والدتها، أسرع يبعد لثامها عن وجهها ونسى في ثواني قليلة كامل غضبه :
" تنفسي، تنفسي، اهدأي اهدأي بيرلي، تنفسي بهدوء هيا تنفسي، أنا آسف، اقسم أنني آسف"
وكلماته تلك ما زادت جرحها إلا قيحًا، وما زادت وجعها إلا تلالًا من الآهات، لهفته وخوفه عليها في هذه اللحظة جعلوها تشفق عليه، جعلها تبتأس أكثر وهي تزداد بكاءً، فما كان من تميم إلا أن جذبها لاحضانه بقوة وهو يدفن وجهها برقبته يهمس بلهفة وخوف شديدين :
" بيرلي صغيرتي تنفسي، لن أفعل لكِ شيئًا أرجوكِ اهدأي، أنا حقير كاذب، لطالما كنت كذلك، حتى ذلك اليوم كذبت، أقسم أنني كذبت، ما كنت لامسك بسوء صغيرتي، يا ويلتي تنفسي بيرلي "
وبرلنت لم تحسن التنفس أو التحدث سوى بكلمات قليلة وهي تنطق من بين شهقاتها :
" لقد خفتك ؟؟ خفت أن تعلم من أنا فـ ...فتنفذ ...فتنفذ تهديدك لي، أنا...أنا آسفة تميم، اقسم أنهم هددوني بك، لقد هددوني بأذيتك، هددني أبي بك إن... إن لم أتحدث، لقد أخبرني أنه سيتسبب في اعدامك أنت، لقد ترجيته وتوسلته، حتى أنني قبلت قدمه كي لا يدفعني لقول ما قلته لكنهم اجبروني اقسم لك "
انفجرت في بكاء قاسي في اللحظة التي عاد لتميم كل ما حدث ليرتجف جسده بقوة يتذكر كم كان متجبرًا على طفلة ذلك اليوم، ابتعد عنها قليلًا وزيّن له عقله الهروب منها ومن كامل أوجاعه التي تكالبت عليه في هذه اللحظة .
صمتت هي، ثم أكملت بصوت خافت أبح موجوع :
" جئت للعمل هنا فقط كي أكون بالقرب منك، ارتضيت العمل خادمة فقط لأصبح بالقرب منك تميم، استغليت جميع الفرص لاراك، وأقسم أنني على استعداد للعمل بهذا الشكل باقية حياتي، فقط أسمح لي أن أكون جوارك، أرجوك تميم دعني اعتني بك وأراك حتى وإن كان تحت مسمى عاملة هنا، اتركني اعتذر عن ذنبي القديم في حقك"
كانت تتحدث باكية وهي تضم ثيابه من الخلف بقبضتها بقوة تصرخ بما كبتته سنوات ترتعب القادم، لا تخشى موتها، لكن تخشى أن يفعل ما يندم عليه، تخشى أن يتعذب بسببها، يكفيه ما ناله من خلف رأسها.
وتميم كانت عيونه تلتمع بدموع يأبى أن تهبط في هذه اللحظة وهو يضمها له يستمع لكلماتها، كانت جواره وأبت الاقتراب فقط كي لا يقتلها، خشته لدرجة أن تبتعد عنه، هربت منه بسبب تهديد غبي ألقاه في وجهها سابقًا، هو المذنب في عذاب كليهما طوال هذه السنوات ؟!
بالطبع هو كذلك، كانت مجرد طفلة صغيرة، يا الله طفلة صغيرة بالطبع ستصدق تهديده ذلك الوقت .
فجأة ومن بين شهقاتها شعرت برلنت بجسد تميم يهتز ويختض بشكل جعل أعينها تتسع بقوة وهي تهمس بذهول :
" تميم ؟؟ هل ...هل تبكي ؟؟"
بكى تميم أكثر حتى شعر أن صوت بكائه وصل لجميع قاطني القصر، لقد أخطأ في حياته مرة واحدة كانت كافية لتدمرها بالكامل، زوجته وصغيرته رحلت هاربة منه، ورغم ذلك لم تستطع الابتعاد وجاءت للعمل جواره دون أن تمتلك القدرة أو الشجاعة لمواجهته خوفًا من بطشه، عملت كخادمة، زوجته كانت تعمل خادمة فقط لتصبح جواره .
شعر في هذه اللحظة بشعور سييء يملئ صدره .
ضمته لها برلنت تقول بوجع وخوف باكية :
" لا لا تميم لا تبكي أرجوك، أنا..أنا آسفة اقسم لك أنني آسفة لكل شيء، لقد كُتب عليك الوجع منذ تعرفت عليّ، كنت اسبب لك مشاكل طوال الوقت وها أنا أفعل الآن "
ابتعد عنها تميم يضم وجهها بين قبضيته يستند على جبينها بخصاته يهتف بكل الوجع الذي سكنه في هذه اللحظة وكأنه يبرر لها الأمر :
" ما كنت يومًا لأمسك بسوء بيرلي، أنا أضعف من أن انتزع روحي بيدي، أضعف من أذية نفسي بهذا الشكل، ما كنت يومًا لافعلها، ما كان عليكِ تصديقي ذلك اليوم "
أغمضت برلنت عيونها تشعر في هذه اللحظة بعظم ما حدث معهما .
هي أضاعت أربعة عشر عامًا لأجل خوف من شيء ما كان ليحدث، وهو أضاع أربعة عشر عامًا يبحث في كل مكان عدا المكان الوحيد الذي كانت به...جواره .
استمتعت برلنت بالصمت السائد في المكان، تتنفس بصوت منتظم بعد موجة بكاء عنيف صدرت منها، استمتعت واخيرًا بإيقاع نبضاته شعرت في هذه اللحظة أنها تحيا اسعد ثواني مرت عليها منذ سنوات، الآن والآن فقط استطاعت التنفس براحة، وكأن هناك صخرة كبيرة كانت تجثم على صدرها والان فقط تحركت .
رفع تميم إصبعه يمسد خدها بحنان شديد وحب وكأنه لا يصدق أنه يمسها.
غاضب ؟؟ نعم وبشدة، يود معاقبتها للابتعاد عنه ؟؟ نعم سيفعل، لكن ليس الآن وليس في هذه اللحظة التي كانت أشبه بخروجه فجأة من أسفل قاع المحيط يستنشق الهواء بعدما كان يتخبط في الاسفل يصارع الأمواج كالغريق، الآن سيستمتع بأنفاسه التي استطاع أخيرًا التقاطها، ومن ثم يفكر في كيفية الخروج من المحيط للشاطئ .
وهي فقط كانت تشعر برغبة عارمة في النوم، النوم لأول مرة براحة بين أحضانه، النوم للمرة الثانية في حياتها بين أحضانه، إذ كانت أول مرة لها بعد عقد قرانهما بـ ..
و عند هذه الفكرة انتفض جسد برلنت للخلف بسرعة بعيدًا عنه بوجه شاحب وهي تنظر لتميم بصدمة هامسة، تضع كفها على فمها :
" يا ويلي ما الذي فعلته ؟؟ ما الذي فعلته تميم ؟؟ حرام ..حرام أنا لا أستطيع أن...يا الله لقد أذنبت، لقد عانقتك و... أنت طلقتني و...."
قاطع تميم كل ذلك يتفهم ما تريد قوله وهو يجذبها صوبه يقول بجدية ينظر لعيونها بجدية كبيرة وحب :
" لقد رددتك بيرلي، رددتك بعدها بيوم واحد فقط، أنتِ ما تزالين زوجتي منذ أربعة عشر عامًا ....."
_______________________
" أنا حقًا لا افهم أي عقل هذا الذي يجعلني أستمع لحديثك الغبي كهرمان وآتي معكِ لهذا المكان ؟! ماذا إن امسك أحدهم بنا ؟؟"
نظرت لها كهرمان برجاء تحاول أن تستعطف كل ذرة إنسانية بها :
" بالله عليكِ زمرد لا تتخلي عني، اقسم لكِ أنني لن أنسى يومًا مساعدتك هذه، فقط ساعديني لأصل له، عليّ التحدث معه، أرجوكِ "
زفرت زمرد تمد عيونها صوب الممر الذي كان محظورًا على الجميع أن يخطوه يومًا، الممر الذي يحوي جحيم سفيد، السجن الأخطر في المملكة حيث يقبع ذلك الحقير قائد جيوش أخيها والخائن الذي تسبب في مقتله، عليها أن تتحدث معه تحت أي ظرف .
تنفست زمرد بصوت مرتفع وهي ترى رجال يقفون على باب السجن، تقول بصوت منخفض :
" وكيف تتوقعين منا الدخول لهذا المكان بكل هذه الحراسة؟؟"
ابتسمت لها كهرمان تقول بجدية كبيرة :
" لا، لا تخافي أنا لن اغامر بكِ وآخذكِ داخل السجن معي "
نظرت لها زمرد بحب تقول :
" أوه كهرمان أنتِ حقًا ..."
" بل سأستخدمكِ طُعمًا لجذب الحراس بعيدًا عنه حتى أدخل أنا"
" حقيرة، أنتِ حقّا حقيرة كهرمان "
ابتسمت لها كهرمان بلطف تغريها لمساعدتها :
" حين اعود لمشكى سأجعلك وصيفتي ومستشارتي الاولى، اعدك "
رفعت زمرد اللثام الخاص بها وهي ترتدي ثياب مكونة من بنطال واسع، بعض الشيء يشبه ثياب الرجال في المملكة وسترة تعلوها معطف جلدي طويل وقلنسوة مع اللثام تغطي كامل ملامحها عدا الأعين :
" هذا إن عشت لذلك الوقت، أراكِ في جنة الخلد عزيزتي"
ومن بعد هذه الكلمات ركضت زمرد بسرعة كبيرة صوب الممر الخاص بالسجن تقف في بدايته ترمق البوابة الخاصة بهم وهي تطلق صفيرًا عاليًا جذب انتباه الرجال، ثم لوحت لهم ترسم في عيونها نظرة مخيفة، ودون تفكير كانت تخرج خنجرين من ثيابها _سرقتهما سابقًا_ تلقي بهما بالقرب من الرجال متعمدة عدم إصابتهما .
شهق الرجال بسرعة كبيرة وقد تحفزت أجسادهم لما يحدث، وقبل أن تستوعب زمرد ما يحدث كانت ترى الأجساد تندفع لها بشكل مخيف جعل أعينها تتسع بصدمة :
" أوه رجال أقوياء سريعي البديهة ؟؟ يبدو أنني نسيت كوني في سفيد ولست لدى الغبي بافل ورجاله الاغبياء "
وحين أبصرت الجميع يندفع لها بشكل مخيف يصرخون بهدير في وجهها، تراجعت بسرعة كبيرة للخلف وهي تركض برعب كبير تستغل رشاقتها وسرعة أقدامها وهي تقفز على الدرج والجميع خلفها .
وقبل أن تختفي همست بينها وبين نفسها بلهفة وهي تنظر خلفها :
" تدينين لي بالكثير والكثير كهرمان، حتى إن منحتني عرش مشكى لن يكفي لسداد دينك لي "
بينما عند كهرمان رفعت لثامها تتحرك بهيئة الجندي صوب السجن بسرعة كبيرة تستغل عدم وجود أحدهم، ثم هبطت الدرج تمسك سيفها في تحفز، تنتظر أن يظهر لها أحدهم، لكن لم تفعل .
نظرت حولها بجهل إذ من المفترض أن يكون هناك رجل يحرس بوابات السجون أجمعين، تنهدت وهي تفتح البوابة تدخل لممر طويل ملئ بالسجون المظلمة التي تفوح منها رائحة الدماء وتنتشر فيها اصوات تأوهات خفيضة جعلت جسدها يرتجف .
ابتلعت ريقها بخوف شديد، تنظر صوب الأجساد المترامية تبحث عنه بين السجون تحاول تمييزه في الظلام الذي ينتشر في المكان .
وبعد دقائق فجأة توقفت أقدامها حين تعرفت عيونها على ثوب تعرفه تمام المعرفة، ثياب تدرك جيدًا مصدرها، ثياب تحمل شعار مشكى .
رجل يحشر جسده في زاوية أحد السجون يخفي رأسه بين قدميه وأعلى كتف ثيابه الرثة يظهر شعار مملكة مشكى والذي يعود لأخيها.
ابتسمت كهرمان بسمة قاسية وهي تقترب من السجن تهمس بفحيح وهسيس مرعب :
" تخون بلادك وتحمل شعارهم معك ؟؟ لكم أنت خائن مخلص مهران "
ارتفع رأس مهران بسرعة مخيفة وهو ينظر صوب باب السجن خلف القضبان لذلك الجسد الذي يختفي في الظلام، ورغم عدم رؤيته لصاحب الجسد إلا أنه تعرف عليه ليشهق بعدم تصديق يتحرك صوب القضبان يقول بصدمة :
" الأميرة كهرمان ؟؟"
اقتربت كهرمان من القضبان تبتسم له بسمة قاتلة وهي تهتف :
" بشحمها ولحمها "
ارتجفت حدقات مهران وهو يحرك عيونه على جسدها صعودًا وهبوطًا وكأنه يبحث عن علامة واحدة تخبره أنه فقط يتخيل، هو يحلم، نعم يحلم فهو احرق مخبأ النساء يومها بيده، هو من حرقه.
" كيف ..كيف لقد ...لقد أحرقت مخبأ النساء بيدي بعدما ..."
صمت يبتلع ريقه يحاول فهم ما يحدث لتهمس له كهرمان بصوت ميت ونبرة مرعبة :
" بعدما أمّنك أرسلان على حمايتنا، أحرقت المكان الذي تركه تحت حمايتك صحيح ؟؟"
ابتلع مهران ريقه وهو يفكر فيما حدث وكيف نجت هو تأكد بنفسه أن جميع أفراد الأسرة الحاكمة قُتلوا، من صغيرهم لكبيرهم .
تنفس يحاول الحديث :
" ما الذي جاء بكِ و...."
وقبل أن يكمل كلماته صُدم وهو يشعر بجسده يُجذب صوب القضبان بقوة مخيفة وكأنها تود تحطيم جمجمته وإخراج رأسه من بين القضبان لها حتى تدهسها أسفل أقدامها، كانت تنظر له بشر وهي تجذبه بقوة، ليس وكأنها تمتلك قوة تضاهي قوة رجل حرب كمهران، لكن المباغتة فاجئته وصدمته وهو يشعر بخنجر يوجه لمعدته في الاسفل ويضغط عليها حتى شعر به يكاد يخترق جسده وصوت كهرمان يهمس له :
" سوف تكون نهايتك على يدي، لن ينجيك أحدهم من مصيرك الاسود مهران، بحق كل لحظة ثقة منحك إياها سأجعلك تندم، جميعكم ستفعلون أنت وهذا الشيطان بافل"
كانت تتحدث وهي تضغط خنجرها أكثر حتى خرج منه تأوه جعله ينتفض للخلف وكأن الألم جعله يعود لواقعه بعدما ألقته الصدمة في هوة سحيقة :
" أنتِ ...أنتِ لن تتمكني من فعل شيء، لا أنتِ ولا هم سيستطيعون، سوف أخرج من هنا وحينها سأ...."
" لا انصحك، صدقني ما يمنعني عن تعذيبك هو هذه القضبان، لذلك فلتدع الله ألا ترى نور الشمس مجددًا يا قذر "
تراجعت للخلف وهي تحدق فيه بشكل مخيف تقول :
" من أيضًا تحالف معك ضد أرسلان ؟؟ "
نظر لها مهران بسخرية ولم يتحدث لتقترب هي مجددًا تقول :
" من شاركك فعلتك النكراء مهران ؟؟"
نظر لها ثواني يستمتع بنظرات العذاب أعلى وجهها :
" بعض قادة الجيش فعلوا، يبدو أنه ليس الجميع يتحملون قسوة شقيقك "
" الرجال فقط هم من يفعلون، لكن امثالك من الذكور بالطبع لا يمكنهم تحمله "
بُهت وجه مهران، ثم اندفع فجأة صوب القضبان يلتصق بها وهو يحاول مد يده للامساك بها صارخًا بجنون :
" اللعنة عليكِ وعلى شقيقك اللعين الحقير، اللعنة عليكما سويًا، ذلك القذر لكم استمتعت برؤية سيفي ينفذ من جسده، ورؤية دماءه تسيل على قبضتي، ما أزال اذكر نظراته المصدومة حين جاءته الضربة من خلفه ووجدني، كانت أكثر لحظات حياتي سعادة "
اتسعت عيون كهرمان وهي تراقب ذلك الجنون الواضح على عيون مهران الذي أخذ يضحك بشكل هستيري وهو يصف لها مشهد قتل شقيقها، ارتجف جسدها بقوة تتراجع للخلف صارخة في وجهه :
" بالتأكيد ستضربه من ظهره، فمن أين للكلاب بمواجهة الاسود وجهًا لوجه، أنت حتى أثناء موته خشيت مواجهته، ما يزال أخي يترك لديك أثرًا لن يزول، سيظل ذكره يثير بك جنونًا "
ختمت حديثها تصرخ هي بجنون، تسمع باقي كلماته التي كان يهذي بها :
" رفضني واستنكر أنني أردت اخذك والزواج بكِ، وها أنا أخذت منه حياته ومملكته وكل ما يملك "
شهقت كهرمان بصدمة فهذه المرة الأولى التي تعلم بها هذا، بينما مهران اكمل بأعين زائغة وكأنه يرى ما حدث يُعاد أمامه:
" كان يحدجني بنظراته المعتادة قبل أن يسقط ارضًا مضجرًا في دمائه، اللعين لم تختفي نظرة الكبرياء والتجبر من عيونه، انطفأت الحياة بها، ولم ينطفئ كبرياؤه، نظرته ما تزال تلاحقني في نومي"
نظر لها يبتسم بسمة أقرب للجنون :
" أوتعلمين ؟؟ أنا الآن أراه يقف خلفك يحدق فيّ بنفس النظرة المخيفة التي كان يسير بها، لطالما رماني بها وكأنه يخبرني أنه يعلم كل شيء "
تنفست كهرمان بقوة ترى التصاقه بالسجن لتبتسم بسمة جانبية وهي تندفع فجأة ودون مقدمات تخرج خنجرها، تمد يدها عبر القضبان تغرز خنجرها في خاصرته تستمتع بصوت صراخاته العالية المتألمة، ابتسمت تدير الخنجر داخل جسده لتعلو صرخاته أكثر وهي تهمس :
" مات أخي بطلًا، تخيل أنه لم ينظر لك بضعف أو رجاء وذل وأنت اذقته الموت كؤوسًا، بينما أنت بمجرد ضربة خنجر تكاد تفقد وعيك من الوجع .."
ابتسمت تقول :
" تؤ تؤ، عارٌ على شاربك القذر "
ختمت حديثها تجذب خنجرها بقوة لتنطلق على أثره صرخة أشد عنفًا من الاولى وهي فقط بصقت في وجهه تقول بغضب :
" لنا لقاء آخر يا حقير، ليلة سعيدة مع شبح أخي عسى ألا تخرج من تحت يديه حيًا "
اقتربت تهمس بصوت خافت وكأنه يأتي من بئر سحيق :
" أوصله تحياتي وأخبره أنني سأرسل له الجميع، لكن للأسف لن يلتقي بهم، فمال أخي بالجحيم الذي سيذهب له أمثالك ؟!"
وبهذه الكلمات ركضت بسرعة خارج المكان وهي تتأكد من لثامها، تتحرك بخفة ورعب أن تصادف أحدهم، لكن صوت صرخات وتأوهات مهران التي تبعتها، جعلتها تشعر أنها حتى وإن قُبض عليها في هذه اللحظة لن تبتأس، هي أرادت فقط مواجهته ومعرفة ما حدث، وقد نالت ما تريد وأكثر، بقي فقط أن تراه يُعذب وترى دولتها وقد عادت ......
_________________________
تركض بسرعة كبيرة وكأن الموت يلاحقها تسمع صرخات والدها خلفها يتبعه صوت بعض إخوتها وهم يصرخون بها أن تتوقف وإلا أذوها .
ابتسمت بسمة واسعة وهي تزيد من سرعتها، وكأنها لم تتأذى بالفعل بينهم، هم الأذى ذاته .
كانت تركض بين الجبال التي يسكنوها كالمطاريد، تحمل بين يديها ما سرقته منهم، تتنفس بصوت مرتفع، ابتسم بانتصار، فتاة في السادسة عشر تهزم جيش من الرجال المتجبرين .
ابتسمت حين وصلت لقمة الجبل تنظر للاسفل وهي ترى معاناة الجميع للصعود، فهم ليسوا مثلها تعيش نصف يومها فوق الجبال وتعلمت التسلق منذ طفولتها .
ابتسمت تقف بقامتها الرشيقة تلوح بما سرقته وهي تقول بتشفي واستفزاز مثير للحنق :
" ها هل ستعطوني ما اريد أنا وأمي أم اترك ما بيدي واحول قريتكم تلك لرماد ؟؟"
تتحدث بجدية كبيرة وهي تنظر للاسفل حيث قريتها التي تقبع عند سفح الجبل وهي تقف في الاعلى تمسك إحدى القنابل التي استولى عليها والدها يومًا، مبتزة وحقيرة وقذرة ...نعم هي هكذا وهذا ما تعلمته منهم .
تنفس والدها بغضب شديد وهو يصرخ :
" يومًا ما زمرد سأقتلك بيديّ هاتين يا قذرة، مثلك مثل والدتك قذرة حقيرة "
ابتسمت له زمرد تردد باستفزاز كبير :
" بل أنا اشبهك أنت ابي، لذا لا تُلصق قذارتي وحقارتي بوالدتي، فهذا ما ورثته أنا منك "
اشتعلت عيونه أكثر وقد شعرت زمرد في هذه اللحظة أنه إن امسك بها سيقتلها جديًا، تقدم بافل في هذه اللحظة وهو يصرخ بجنون :
" ايتها الغبية دعي ما بيدك، حتى إن اخذتي ما تريدين الآن، بعدها سوف تقعين أسفل يدي ولن ارحمك "
مالت زمرد برأسها تقول بهدوء وبرود :
" لا بأس وقتها يتولاني الله يا عزيزي، والآن أعيدوا لي سيف والدتي وارفعوا عنا حصاركم واعطوني طعامًا لي ولامي، وإلا أحلت تلك البِركة القذرة التي اسميتموها قرية لرماد "
نظر لها والدها بشر كبير ورغم ذلك كانت هناك بسمة واسعة ترتسم على فمه بسمة لم تكن تلائم بأي شكل من الأشكال الموقف يقول بهدوء شديد :
" اعطوها ما تريد ولا يمسنها أحدكم بسوء "
نظر الجميع صوب والدهم بصدمة كبيرة وهي نظرت له بسخرية واستهانة ليمنحها هو بسمة غامضة يلتمع بها فخر دفين، الفتاة الوحيد بين ابنائه والتي ظنها الجميع ستكون نقطة ضعف لهم ووصمة عار على أبنائه، كانت أكثرهم جرأة وهو يعجبه ذلك، يعجبه أن ترتشف من قذارته ما يؤهلها لتكون بمكانة عالية، يدرك في قرارة نفسه أن زمرد ستكون ذات شأن عالي يومًا ما بين المنبوذين وهو سيعمل على ذلك، ولن يسمح لنقاء والدتها أن يتمكن منها ...
وعلى غرار هذه المطاردة التي كانت تدور داخل عقل زمرد، كانت هي في مطاردة مشابهه لها في الحاضر وهي تهرب من الجنود بسرعة كبيرة تقفز هنا وهناك، تصعد هذا الدرج وتهبط ذاك، تبتسم وهي تدور بهم داخل القصر ولم تترك شبرًا واحدّا إلا ووطئته معهم .
عيونها تلتمع بانتشاء غريب، انتشاء لأجل لعبها دورها المحبب، دور الشرير، نعم هي خبيثة حقيرة قذرة وشريرة وكل هذا دون وعي يضغط على نقطة سوداء داخلها، وهي توجهها لمن يستحقها .
ابتسمت وهي تتوقف تتنفس بصعوبة وقد ضللت الحراس في طريقها لهنا، هنا حيث مكانها اللطيف الذي شهد حروبًا بينها وبين رامي السهام المزعج الوسيم والذي بالمناسبة كان يقف هناك عاري الجذع يتصبب عرقًا وهو يتمسك بأحد فروع الشجرة يحدق فيها بعدم فهم ...
ابتسمت له بسمة واسعة وهي تقول :
" هذا أنا "
رفع دانيار حاجبه بسخرية وهناك بسمة جانبية ترتسم على شفاهه وكأنه يخبرها ( حقًا هذه انتِ؟! )
تنهد دانيار تنهيدة عالية مصطنعة وهو يقول :
" اوه الحمدلله أنها أنتِ كنت ارتجف رعبًا للتو "
ورغم معرفتها أنه يسخر منها إلا أن مزاجها الجيد في هذه اللحظة بعد ركض لدقائق طويلة فرّغت به طاقة حنق وغضب، جعلها تقول ببسمة :
" لا لا تخف لن اؤذيك "
أطلق دانيار ضحكات صاخبة وهو يكمل تمارينه بسرعة كبيرة، يستخدم الفرع كرافعة له كي يرهق جسده ويخلد للنوم بسرعة كبيرة دون الحاجة للمرور بجزء الأفكار المؤرقة ..
لكن انظروا لحظه السعيد، أفكاره المؤرقه بنفسها احتلت تدريبه تبتسم له ...بخبث ؟؟ حقًا ؟؟
ترك دانيار الفرع يهبط ارضًا وهو يتنفس بصوت مرتفع بعض الشيء، يتحرك لتجفيف عرقه وارتداء ثيابه وقد شعر بلسعة برد استغلت وجود قطرات العرق لتزيد من برودة جسده .
ولم يكد يرفع سترته لارتدائها وسمع صوتها تقول وهي تدور حوله ببسمة وكأنها قررت أن تجعله تسلية له اليوم :
" بالمناسبة أنت تمتلك عضلات جيدة، احسنت العمل "
توسعت أعين دانيار بقوة وقد ثبتت يده في الهواء واستدار لها بصدمة كبيرة وهي لم تجفل أو تنتفض معتذرة أنها تحدثت بشكل خاطئ، فقط كانت تقف وهي تحدق به بهدوء شديد .
" أنتِ يا امرأة...وقحة حقًا "
أطلقت زمرد ضحكة عالية تفكر أن والدتها لن تكون لتكون سعيدة بكل ذلك، هل هذه ليلة ارتكاب كل ما هو محذور عليها، استغفرت ربها، ولم تكد تعلق على كلمته تلك حتى سمعت صوت خطوات عالية تقترب وأصوات الحراس وهم يشيرون في حديثها لمكانهم، نظرت بريبة صوب دانيار الذي تعجب تلك الأصوات وقبل أن يتساءل عما يحدث ركضت هي بسرعة تختبئ خلف الأشجار الخاصة بالاهداف مستغلة ظلام الليل تحت انظار دانيار المتعجبة ..
وما هي إلا لحظات حتى أبصر دانيار بعض الجنود يركضون له وهم ينحنون باحترام :
" آسفين لازعاجك سيدي لكن هل رأيت أحدهم يركض من هنا ؟؟"
رفع دانيار حاجبه، ثم استدار نصف استدارة صوب الشجر حيث تختبئ هي يقول :
" أحدهم ؟؟ وهل ذلك الاحدهم يرتدي ثوبًا اسودًا بالكامل مع قلنسوة ولثام ؟؟"
هز الجنود رؤوسهم وتحدث أحدهم بلهفة :
" نعم نعم سيدي، هل رأيته ؟؟"
نظرت زمرد لهم بحرص شديد وهي تعض شفتيها تقول بداخلها :
" لا يعقل أن يكون حقيرًا لهذه الدرجة و...."
وقبل أن تكمل جملتها رأت إصبع دانيار يشير لها وهو يقول بكل بساطة وهدوء :
" نعم هذا الاحدهم يختبئ خلف هذه الشجرة "
اتسعت أعينها بصدمة كبيرة، هل فعلها ؟! هل سمعته يخبرهم عن مكانها ؟؟ لقد فعلها، يا الله لقد فعلها، هكذا ينتقم منها هذا الحقير ؟!
انتفضت من خلف الشجرة تؤجل سباتها وتوعدها فيما بعد وهي تطلق لساقيها الريح تركض بشكل مخيف جعل دانيار يبتسم وهو يقول بعدما رآها تهرب ورأى استعداد الجنود للحاق بها بلهفة :
" توقفوا ..عودوا لعملكم وانا سأتولى أمره "
نظر له الجنود بعدم فهم :
" لكن سيدي هو كان يـ ..."
" قلت عودوا للعمل وانا سأتولى الأمر، أي جزء من حديثي لم يكن واضح ؟!"
هز الرجال رؤوسهم ثم تحركوا بتعجب، هو حتى لم يعلم سبب ركضهم خلفه أو يعلم أي شيء من الأساس .
ودانيار حمل سهامه يتحرك بهدوء شديد يفكر بعقل تلك الغبية، وإن كان مكانها أين سيذهب، تحرك صوب القصر ليبصرها تدخل له بسرعة كبيرة، ودون شعور قادته قدمه للحديقة التي تتوسط القصر الداخلي، المكان حيث رآها اول مرة ترقص وتغني .
ابتسم وهو يراها تقف في منتصف المكان تتنفس بصوت مرتفع جدًا :
" أوه ها نحن ذا عدنا لنقطة البداية أيتها الخائنة "
استدارت زمرد بسرعة كبيرة ترمقه بصدمة سرعان ما تحولت لنظرات مرعبة غاضبة وهي تستخرج خناجرها تركض صوبه بسرعة كبيرة تصرخ تنتوي له شرًا، لكن لم تكد تصل له حتى كانت يده تتحرك بسرعة تفوق سرعتها يمسك طرف معطفها الذي يتطاير حولها يلفه حول يديها بشكل غريب يقيدها وهو يهمس لها ببسمة :
" ما الذي فعلتيه هذه المرة ؟؟"
" لم أفعل بعد، لكنني انتوي قتلك في الحقيقة "
" غير قتلي، ما الذي فعلتيه للحراس ؟!"
نظرت له بحنق شديد تحاول الفكاك ليشدد هو القيد أكثر :
" لم أفعل شيئًا فقط أردت الهائهم كي اساعد رفيقه لي "
نظر لها بدقة يتساءل :
" الأميرة ؟!"
" نعم أرادت رؤية ذاك الحقير قائد جيوش مشكى، ربما تقتله ومن أنا لامنعها من قتل شخص يثير حنقها وغضبها؟"
كانت تتحدث بغضب وهي تنظر له ليبتسم هو بسمة جانبية :
" نعم من أنتِ لتمنعي قتل أحدهم ؟! أنتِ يا امرأة لن تتوقفي عن أفعالك العنيفة تلك حتى لا اقيدك بأحد الأشجار هنا ؟؟"
" تجرأ وافعلها "
" لقد فعلت بالفعل، أنا الآن اقيدك "
زفرت زمرد تصرخ بحنق شديد :
" حسنًا دعني أرحل، اثبتّ قوتك وتغلبك عليّ الآن أيها المخادع، دعني أرحل "
وقبل أن تتبع جملتها تلك بأخرى رأت دانيار يجذبها من ذلك الطرف الذي قيدها به يقول بأعين محذرة وصوت مخيف :
" توقفي أن الزج بنفسك في المصائب، توقفي عن البحث عن المشاكل وتصرفي ولو لمرة واحدة كامرأة"
نظرت له بتشنج :
" وكيف تراني إن لم أكن اتصرف كامرأة يا هذا ؟!"
" رجل، تتصرفين كالرجال "
اشتعلت أعين زمرد في المقابل، ليبتسم لها تاركًا قيدها لتتحرر وهي تتراجع للخلف ترمقه بضيق وهو ابتسم لها بسمة جانبية وقد نجح أخيرًا في إثارة استفزازها، ثم وضع إصبعين على رأسه يؤدي لها تحية :
" أراك لاحقًا يا رفيق، وتذكر توقف عن الزج بنفسك في المصائب وإلا وجدتني اقتحم تلك المصائب أجرك كالبهيمة خارجها "
" بهيمة ؟!"
ابتسم يستدير دون أن يجيب، بينما هي صرخت بجنون :
" أنت لا يمكنك إلقاء الحديث والرحيل كل مرة دون أن تسمع ردي "
" أعرفه دون سماعه، بل أكاد اقسم أنني اسمع الآن سبابك داخل أذني، والآن تصبحين على خير "
هكذا ببساطة تركها بعدما أنقذها أو ابلغ عنها لا تدري، نظرت حولها وهي تتنفس بصوت مرتفع قبل أن تصرخ بغيظ :
" وما شأنك بي إن ألقيت نفسي في كارثة أو حتى بركان أيها الحقير ؟!"
صمتت تتحرك بعنف شديد صوب القصر تبحث عمن تفرغ فيه غضبها الذي أعاد هو شحنه، ذهبت إليه بمزاج صافي امتصه هو منها وتركها غاضبة وبشدة ...
___________________
تنهدت براحة حينما عبرت الجزء الخاص بالسجون وهي بخير، حسنًا تتعجب حتى الآن أن لا أحد من الحراس عاد، ربما تولت زمرد أمرهم بشكل مبالغ به، هي تدين لها بالكثير إذن.
ابتسمت بسمة واسعة لكنها كانت أبعد ما يكون عن السعادة، بسمة مقهورة تخفي خلفها جبال من الوجع والحزن، تشعر بالقهر على شقيقها الذي ضاع ضحية ثقته في بعض الأشخاص الخطأ، أشخاص اغراهم الشيطان ليضلوا عن طريقهم تحت اسباب واهية ومبررات سخيفة زينها لهم كي لا تشعر نفسهم بأنها ظالمة، بل حبب إليهم شعور أنهم في هذه القصة مظلومون وما فعلوه كان ردًا على مظلمتهم ..
ولا تدري كيف قادتها قدمها خارج القصر تدور منذ نصف ساعة دون أن تهتدي لمكان، تشعر بالوجع والعجز عن النوم، لا تود العودة في هذه اللحظات لرؤية أحد، تزد أن تنفرد بنفسها .
" فقط لحظات مع النفس لاستعادتها "
" نعم هذا ما أفكر فيه بالتحديد، لحظات مع النفس "
انتفض جسد كهرمان بسرعة وفزع وهي تستدير بشكل مخيف صوب الخلف لتجده يقف باسترخاء يضم قبضتيه أمام صدره مبتسمًا بسمة ناعسة وهو ينظر أمامه بهدوء شديد ..
ابتعدت كهرمان بتحفز للخلف تتأكد من لثامها ليسارع إيفان ينظر لها بغموض غريب يقول :
" لا تقلقي هو ما يزال في مكانه، إذن كيف حالك، لم نلتقي منذ وقت طويل ها ؟؟"
نظرت له وهي ترفرف برموشها، ثم أبعدت عيونها عنه تقول بعدم فهم لوجوده في هذه اللحظة هنا حيث اختارت هي أن تنفرد بذاتها :
" كيف علمت أنني هنا ؟؟ أم أن الصدف تصر على جمعنا ؟!"
ابتسم إيفان بسمة واسعة وهو ما يزال ينظر أمامه بجدية كبيرة :
" لا وجود لما يسمى الصدف آنستي، هذه الكلمة وضعت كحجة سخيفة لنبرر بها أفعالنا، فندعي أن لقائنا بشخصٍ ما تم من قبيل الصدفة، ونحن من قصدنا لقاءه بكامل إرادتنا"
نظرت له بعدم فهم ظهر جليًا على عيونها ليبتسم قائلًا وهو يراقب المروج أمامه قبل أن يتحرك بعيونه لها، يقول بهدوء شديد :
" كنت اراقبك، لم يكن الأمر صدفة "
شحب وجه كهرمان وهي تتراجع للخلف شاهقة شهقة مصدومة وعقلها ذهب للقائها بمهران، هل كان يراقبها منذ ذلك الوقت ؟؟ لكن إن كان يفعل لم يكن ليقف أمامها بهذه البساطة صحيح ؟؟
والإجابة كانت غير مؤكدة، فهذا الرجل أمامها لا يظهر ما يفكر به ولا يخبرك خطواتك بل يجعلك تراها .
وهذا كان أكثر شيء صحيح تفكر به، هذا الرجل لا يظهر أبدًا ما يفكر به، وإلا كانت أدركت أن شكوكها صحيحة ..
" رأيتك تتحركين داخل أروقة القصر فتبعتك هنا، لا اخفيكِ سرًا هناك صوت خبيث أخبرني أنك متشوقة لقتال آخر معي، لكن خابت ظنوني حين رأيتك تعبرين جوار الساحة دون نظرة جانبية حتى "
صمت ينظر لها بجدية وهو يقول :
" ما الذي تفعلينه في هذا الوقت خارجًا وبهذه الثياب إن لم يكن غرضك قتال أحمق لإثبات تفوق اجوف منك؟! "
استدارت له وقد تلاشت الكآبة التي كانت تحيط بها نفسها تقول بصدمة :
" عفوًا يا سيد ؟؟ أي تفوق اجوف هذا ؟؟ أنت حتمًا لا تتحدث عني "
" بل أفعل، أنا لم اقاتل يومًا امرأة سواكِ، وحسنًا أشعر أنني لا أود تجربة الأمر مجددًا، فالأمر أشبه بتعليم طفل السير، مرهق أن تقاتل شخصًا غير محترف "
اتسعت أعين كهرمان بقوة، وهو ابتسم بسمة جانبية واسعة يقول بجدية :
" نعم الحقيقة دائمًا ما تشعرك بالغضب، لكن هذا لا ينفي كونها حقيقة "
تنهد بصوت مرتفع يقول :
" على أية حال، أنا فقط رأيتك شاردة لا تعيين شيئًا حولك تشعرين بالحزن، فأردت المجيئ للتأكد أن حالة الحزن تلك لن تنقشع عنكِ بسهولة، عسى أن تكون ليلتك في غاية التعاسة كما احلتي لياليّ للمثل بعد وصفك لي بالظالم "
كانت تستمع لكلماته مذهولة من مقدار وقاحته معها وتصرفاته المزعجة تلك، لكن إيفان لم يهتم وهو يبتسم لها بسمة صغيرة يقول :
" يبدو أنني أوصلت رسالتي بكل وضوح، أراكِ في حلبة القتال أيتها الملثمة الغبية "
تركها يتحرك بعيدًا عنها وهي خلفه تنظر له بصدمة كبيرة، قبل أن تتحدث دون وعي وبصراخ غاضب :
" أنت أكثر ملك مستفز وقح عرفته البشرية، تريد أن تحيل ليلتي لتعاسة ؟؟ لا أراك الله سعادة الليلة "
توقف إيفان مكانه ساخرًا، الآن تحولت حربهما من السيوف للدعوات، يتباريات على من يلقي الآخر بدعوة تصيبه في مقتل، استدار نصف استدارة يقول :
" لم أكن أتوقع سعادة هذه الليلة وقد رأيتك بالفعل، تصبحين على خير "
ختم حديثه يتحرك بسرعة بعيدًا عنها وقد شعر فجأة بشعور سييء، شعور سييء للغاية، أفكاره تأخذه دون وعي صوب تلك الملثمة خلفه، حتى وإن كان فضوله هو ما يدفعه صوبها، لكن ذلك خاطئ، خاطئ بكل ما للكلمة من معنى، في الوقت الحالي لا يجب أن ينشغل بأفكاره عن شيئين، وطنه وملكته ...
تحرك بعيدًا عنها، و ظلت واقفة مكانها تحدق في ظهره بحزن وملامح سوداوية، حسنًا تحققت دعوته، فبدلًا من حزن واحد، تكالبت الاحزان عليها، والآن مضطرة للتعامل مع الأمرين..
أفكارها بخصوص بلادها .
والملك ....
____________________
تحرك إيفان صوب مخدعه وهو يشرد في القادم، الحرب على الابواب وما هي إلا أيام ويتم إعلانها صراحة، هو لن يهدأ له بال إلا حينما يعيد مشكى لشعبها ولأرسلان الحبيب .
أرسلان الذي يأبى قلبه تصديق موته، ما يزال يسمع صدى صوته بصراخ مخيف، هو بكل ما فيه مخيف، صديقه لم يكن من ذلك النوع الصامت المهيب البارد، بل كان أشبه بعاصفة تحل على كل مكان يدخل له، كان نيرانًا تحرق كل من يمر به، ثائر يأبى كلمة واحدة، مجرد كلمة بها تلميح صغير بإهانة له يحيل حياة من قالها لجحيم.
أوليس ذلك كان السبب الأول للعداوة بينه وبين أرسلان؟؟
كان يقف أمام إيفان وهو يصرخ بجنون لا يضع اعتبارًا لأحد في المكان، فقط كان يكفيه اتهامًا من ملك سفيد ليفجر غضبه وحممه :
" إيفان أنت جئت مملكتي كملك وليس كصديق، جئت تجر خلفك رجالك، فاستقبلتك كملك، وأنا في هذه اللحظة قادرٌ على إعلانها حربًا عليك وعلى مملكتك وجميع الممالك، فأحفظ لسانك، لستُ أنا من يأتي أحدهم ويلقي في وجهه اتهامًا كخاصتك، حتى وإن كان أحدهم صديقه، وأنت تعلم هذا "
اشتعلت أعين إيفان بشدة من تلك الكلمات، وابتسم بسمة ساخرة :
" حقًا من كل عقلك تعلنها حربًا عليّ أرسلان ؟؟ بعد كل هذا تقف أمامي في اجتماع الملوك وتعارضني وتقلل من شأني، وتأتي الآن لتعلن عليّ الحرب ؟!"
" واعلنها على اشباهك الاربعين إن فتحوا أفواههم بكلمة واحدة في حقي، أنا لستُ غرًا أو غبيًا كي أسير خلف قراراتك إيفان "
صرخ إيفان في وجهه بجنون كبير وقد فاض به الكيل من أفعال أرسلان، بعد شهور طويلة من أمور سرّها في نفسه لعدم تأكده من المخطأ، هجوم على الحدود وبضاعات فاسدة تأتيه من مشكى ويومًا لم يتحدث بكلمة ولم يظلمه أو يتهمه مجرد اتهام صغير لمعرفته أن الخيانة تنبت في كل مكان عدا أرض صديقه، لكن أن يأتي هو في اجتماع الملوك ويصرخ في وجهه متهمًا إياه بالضعف والجبن والتخاذل فقط لأنه لا يفكر بنفس طريقته هو ما لم يستطع تحمله ...
وما لم يعلمه إيفان أن ما كان يحدث في بلاده تحت اسم مشكى، هو نفسه ما حدث في بلاد أرسلان تحت اسم سفيد، وارسلان لم يكن يتحدث بكلمة كذلك، بل كان يصرخ في وجوه الجميع أن سفيد بريئة من كل تلك الأفعال القذرة وهو لن يصدق ذلك على إيفان، حتى جاءت ليلة سقطت كامل ثقته تلك في إيفان والصداقة بينهما وصدق أن إيفان ما هو إلا متجبر يسير على خطى جده الأكبر فقط كي يوسع رقعة بلاده، ليلة تلقى بها أرسلان طعنته في رفيقه....
ليلة تسببت في انفجاره داخل اجتماع الملوك وهو يعترض على حديث إيفان متهمًا إياه بالتراخي والضعف، كلمات بسيطة، لكنها كانت كافية لإشعال الفتنة بينهما والتي بُنيت على تراكمات كثيرة .
ولأن إيفان غالبًا ما كان يمتاز بالهدوء والتريث، فكان أرسلان بشراسته وتجبره وعناده وجبة دسمة للفتنة كي تدخل عن طريقه .
ولم يتوقف الخطأ على أرسلان، بل تمادى ليطال إيفان ويصبح هو الآخر مخطأ بقدر أرسلان
صاح إيفان في وجه أرسلان وقد فقد تعقله وفقد صبره وفقد كل ما يمكن أن يمنعه عن التفكير فيما يقول :
" بل انت مجرد احمق غر غبي، تسير خلف تسرعك، لا تفكر بعقلك وكل ما تراه أمامك هو الدماء، أنت مجرد دموي مختل وحقير أرسلان و يومًا ما ستسقط بسبب ..."
صمت إيفان فجأة بصدمة حينما تلقى صفعة رنّ صداها في كامل القاعة، صفعة واحدة تلقاها متسع الأعين مصدومًا، وكأن ما تلقاه كان طعنة سيف غادرة.
وصدمته لم تقل عن صدمة أرسلان الذي فغر فاهه لا يعي ما فعل في لحظة غضب، لقد صفع صديقه، صدمته والشحوب الذي ملئ وجهه كانا مخيفين بحق، فهذه من المرات القليلة التي يظهر بها أرسلان خوفًا، هو حتى الموت لا يخاف منه، لكن هذا ...هذا صديقه .
ابتلع ريقه بصدمة، يتحرك بلهفة صوب إيفان وقد انقبضت ملامحه يقول بسرعة وخوف عليه :
" إيفان، يا ويلي إيفان أنا آ....."
رفع إيفان كفه يمنعه من التقدم خطوة واحدة، ثم قال بهدوء شديد مخيف وكأنه يخفي خلفه عواصف شرسة :
" سأتظاهر أن من صفعني للتو كان صديقي ولم يكن ملك مشكى، فصديقي أتقبل منه طعنة سيفٍ وليس مجرد صفعة، لكن ستكون هذه الصفعة هي نهاية صداقتنا وكل ما بيننا أرسلان، هنا وانتهى الأمر "
ختم حديثه يتحرك خارج القاعة بهدوء شديد ووجه قد كان صخريًا، فتح الباب ليجد رجاله ينتظرونه في الخارج بعدما أمرهم بالبقاء للتحدث منفردًا مع أرسلان دون رقيب .
نظر لهم يهتف بكلمات خافتة وقلب موجوع :
" لنعد للوطن، ودّعوا مشكى فستكون تلك مرتكم الأخيرة التي تطئونها "
تنهد إيفان وهو يلقي بنفسه على الفراش بتعب شديد، لا يدري من أخطأ بينهما، هو أخطأ حينما صرخ في وجهه وعانده ورفض أي محاولة للصلح وهو يعلم جيدًا أن أرسلان يقوده الغضب والجبروت، أخطأ حينما رأى الذعر في عيونه بعد تلك الصفعة والرغبة في الاعتذار، لكنه تجاهلها ببساطة، فإن كان أرسلان يقوده غضبه، فهو يقوده كبرياؤه ..
وارسلان أخطأ في تسرعه وتهوره بهذا الشكل عليه، فقط لأنه لمرة واحدة خرج عن طور هدوئه، وهو من كان يتحمل عواصف غضب أرسلان الكثيرة، ولم يتحمل له أرسلان مرور عاصفة واحدة منه .
كلاهما اخطأ، وكلاهما دفعا ثمن ذلك الخطأ غاليًا.
" وعدتك أنني لن اخطو بلادك مجددًا أرسلان، لكنني للمرة الأولى اسقط وعدي، وسأعود إليها وهذه المرة لن اخرج منها إلا وقد أعدتها لشعبها، ولروحك يا صديقي، ولنعتبر هذا اعتذار متأخر مني ..."
ختم حديثه يدفن رأسه في الوسادة يتمنى لو أنه ذلك اليوم رد له صفعته وأخبره أنه لا يهتم لكل ذلك وأنه رفيقه رغم كل شيء .
لكن هيهات ....
_____________________
" لقد رددتك لي برلنت "
كلمات معدودة ما تزال ترن في أذنها حتى هذه اللحظة، لا تستوعب كيف استلقتها من تميم وهي تحدق في وجهه بصدمة كبيرة، هي ما تزال زوجته ؟؟ هي ما تزال زوجة تميم ؟؟ لطالما كانت هكذا طوال الوقت ؟؟
كلمات جعلتها تشعر بالتخبط وهي تبتعد عنه شيئًا فشيء تحاول التنفس بشكل طبيعي لينظر لها تميم قائلًا بجدية :
" أنتِ زوجتي منذ مولدك برلنت، لقد رددتك بعد يومٍ واحد، يوم واحد كان كافيًا لاستوعب أي غباء فعلت"
همست له بصدمة كبيرة من هذه الحقيقة، لا تصدق أنها زوجته بالفعل :
" لكن أنا...لا عدة لي و...تميم لا يمكنك ردي و... أقصد لقد كان عقد قرآن و..."
توقفت تشعر بنفسها ستتلاشى من أمامه ليبتسم بخفوت يقول :
" بيرلي صغيرتي، لقد قضيتي في منزلي أسبوعين وكان الجميع يدرك أنكِ تسكتين معي في نفس المنزل حين سفر والديكِ، وهذه خلوة وإن لم أتم الزواج بكِ، يظل لها عدة تُسمى عدة احترازية، وأنا رددتك خلال فهذه العدة وقبل أن يمر يومٌ واحد بها"
كانت برلنت تراقبه بصدمة كبيرة لكلماته تلك، كيف لم تنتبه لكل ذلك، وهو فقط ابتسم يهمس بصوت منخفض :
" لقد شعرت بروحي تسحب مني حين ادراكي لما فعلت وركضت للشيخ اتوسله أن يزوجك لي مجددًا، طرقت جميع الأبواب التي قد توصلني لكِ، وحينها أخبرني الشيخ أن بقائك معي في نفس المنزل طوال هذه المدة بعلم من الجميع، تسمى خلوة ولها عدة احترازية "
" أنا.. أنا فقط لا...اصدق أنني كنت زوجتك طوال هذه السنوات "
ابتسم لها يقول بصوت منخفض :
" أنتِ زوجتي منذ ولادتك ولن يغير هذا أي شيء على هذه الأرض، وها أنا بعدما وجدتك أمور كثيرة ستتغير"
" أي...أي أمور تلك ؟؟"
" وضعك داخل القصر حياتنا وكل هذا، نحتاج للتحدث بهذه الأمور برلنت "
كانت يتحدث بجمود نسبي وكأن الغمامة الوردية التي احاطتهم منذ ثواني تلاشت فجأة وعاد لواقع أنها تركته طوال هذه السنوات يهيم بحثًا عنه دون كلمة، وإن تغاضينا على عناقه لها منذ ثواني ونظراته الهائمة بملامحها هذه والتي حُفرت داخل قلبه، يطلق تأوهات عاشقة لكل تفصيلة بها، فهو غاضب، غاضب وبشدة ولن يمرر ما حدث بسهولة ..
" غدًا صباحًا نلتقي لنعلن زواجنا في مسجد القصر "
شهقت برلنت بصوت مرتفع وهي تنتفض للخلف، خادمة تتزوج صانع الأسلحة وأحد قادة الجيش ؟! يا الله ستصبح حديث القصر لسنوات قادمة.
لكن يبدو أن تميم لم يكن يفكر في كل ذلك، وهو ينظر لها بتصميم وقد بدا في هذه اللحظة شرسًا للغاية لا يرى أمامه سواها، هي مبتغاه وفقط .
انتفضت برلنت عن فراشها تفرك وجهها وهي لا تستطيع النوم، منذ تركها تميم على باب الغرفة _ مكرهًا _ وهي تجلس هذه الجلسة دون حركة .
هل حقًا سامحها تميم ؟؟ هو حتى لم يسألها حقيقة ما حدث منذ سنوات، لم يعلم منها سبب فعلتها الغبية تلك، لم يعلم منها أنها لم تكن تقصد، لم تخبره أنها آسفة، آسفة لأنه فقد والده بسببها ....
كانت تختبئ خلف الجدار تسمع صوت والدها وهو يقول بأعين تلتمع بالطمع وقد تناسى كل شيء :
" لقد وضعوا مكافأة للابلاغ عن مكان مؤمن، تخيلي ما يمكن أن نحصل عليه جراء هذه الأموال ؟!"
رمقته والدة برلنت باستنكار وهي تصب له بعض المشروبات الدافئة :
" مؤمن لم يفعلها وأنت تعلم ذلك، هو ليس له يد في قتل ذلك الرجل، مؤمن برئ "
" إذن لِمَ هرب وهو برئ ؟؟"
" لقد فعل هذا حتى تثبت برائته، لكن الرجل لم يخطأ وأنا متأكدة أن الأمر مجرد سوء تفاهم وسيخرج منها بريئًا، ثم بالله عليك كيف تفكر في الإبلاغ عن رفيقك ووالد زوج ابنتك ؟؟ هل جننت ؟؟ الرجل جارٌ لنا منذ سنوات طويلة الأمد ولم نر منه سوءًا وبدلًا أن نساندهم في محنتهم وتلك المكيدة تفكر في المكافأة؟؟"
التوى ثغر والدها بحنق شديد يبرر لنفسه :
" أنا فقط اتحدث بصوت مرتفع، من أخبرك أنني قد افعل هذا الأمر ؟؟ كيف أبلغ عن رفيقي ها ؟؟ ليخرجه الله منها على خير، هيا هيا صبي بعض المشروب لأجلي "
كل ذلك كان تحت أنظار الصغيرة برلنت التي تختبئ وتراقب كل ذلك بأعين ملتمعة بالدموع والخوف على تميم ووالده، منذ سقطت تلك الكارثة فوق رؤوس الجميع، وهي لا تجد تميم سوى شاحب الوجه غائر الأعين مقتضب الملامح، يركض هنا وهناك للبحث عن دليل براءة والده، والده الذي تورط دون ذنب في جريمة قتل .
ابتعدت برلنت عن غرفة الجلوس، وهي تتحرك صوب الباب الخاص بالمنزل تتسحب دون أن يشعر بها أحدهم، تركض صوب المنزل تدعو أن تجد تميم، وقد استجاب الله دعوتها وهي تراه يقف على باب منزله ولم يكد يدخل حتى ركضت هي له وهي تصرخ باسمه باكية .
ليستدير لها تميم يتلقفها بين أحضانه بحنان شديد وهو يقول بحب وصوت مرهق يائس :
" مرحبًا بيرلي "
بكت برلنت بين احضانه بشكل قطع نياط قلبه ليبدأ في محاولة تهدأتها وهو يبحث عمن يهدأه ويخبره أن والده سيكون بخير .
لكن بكاء برلنت المستمر جلب الدموع لعيونه يهمس بصوت مختنق بالغصات :
" أبي..سأفقده بيرلي، صديقي وكل ما املك في هذه الحياة، سأفقده برلنت "
تحولت الأدوار لتبتعد برلنت عنه وتبدأ هي التربيت عليه بحب شديد وهو يميل على كتفها يبكي بخوف وهي تربت على كتفه :
" سيصبح بخير، سيكون بخير تميم فقط دعه يبتعد عن المكان حتى تثبت براءته، لا تدعه يعود هنا أبدًا ارجوك، ابعده عن هنا تميم "
كانت تتحدث بخوف وهي تخشى أن ينفذ والدها ما يطمح إليه، لكن تميم همس لها بصوت خافت متعب :
" هو يختبئ في منزل عمي القديم في جنوب البلاد، لا أحد يعلم عن مكانه شيئًا "
بكت وهي تضمه لها بشدة تخشى أن يصل له والدها :
" لا تخبر أحدًا تميم، لا تخبر أحدًا، مهما كان ذلك الأحد ارجوك، لا تدع احد يعرف مكان عمي "
ضمها له تميم يهمس لها بحب :
" لم أخبر أحد سواكِ ولن افعل بيرلي ..."
ويا ليته لم يفعل ......
انتبهت برلنت من أفكارها على صوت ضرب الباب بقوة ودخول عاصف لزمرد التي ألقت جسدها على الفراش تهمس بغضب شديد :
" اللعنة على رجال هذا القصر أجمعين "
نظرت لها برلنت بشر لتقول زمرد بعناد :
" وزوجك معهم، أنا اكرههم اجمعين "
رفعت برلنت حاجبها تبتسم بسمة هادئة :
" يبدو أنكِ قابلتي رفيقك "
" ليس كذلك و...."
ولم تكمل كلماتها تنتبه لشيء :
" مهلًا هل هذا حجاب وغطاء وجه، هل كنتِ في الخارج ؟؟"
نظرت له برلنت تخفض عيونها وهي تفرك كفيها لتطيل بها زمرد النظر قبل أن تنتفض متحركة لها تقول بصوت مصمم :
" أنتِ تخفين شيئًا، ما هو ؟؟"
نظرت برلنت لها تقول بصوت خافت :
" لقد علم تميم الحقيقة ...."
_______________________
" كم ؟؟"
كلمة نطقها في انتظار أن يسمع ارقام يصعب عليه عدها وأن يحصيها، ينتظر انتصارًا خفيًا على ضمائرهم، أن يفوز بهم لصفه، ويجعلهم مطرقة لدق أعناق باقي الممالك .
لكن يبدو أن كل أحلامه ذهب مهب الريح حين سمع صوت مساعده يقول :
" خمسة رجال سيدي "
" خمسة رجال ؟؟ هل تمزح معي ؟؟"
ابتلع المساعد ريقه يقول بهدوء :
" سيدي هم يرفضون خيانة وطنهم، يرفضون الانضمام لجيوشنا، يأبون ذلك، وخاصة بعدما سمحت لسفيد بإدخال بعض المعونات لهم، الأمر زادهم اصرارًا على المقاومة، وهم بالأساس كانوا يقاومون قبل مجيئهم "
اشتعلت أعين بافل وهو ينظر أمامه يشعر بالغضب يسري في اوردته، الأمر لم يكن سهلًا كما تخيل، وزاد الطين بلة ما فعل ذلك القذر سالار .
ابتسم بسمة جانبية :
" حسنًا لا بأس إذن أن تذهب لتفقد الأسواق وترى إن كان ما احضر سالار قد نفذ من عندهم أم لا "
نظر له الرجل بعدم فهم ليقول له بافل بنبرة غامضة :
" اذهب وأخبر أهل مشكى أن حريتهم مقيدة بكلمة من ملك سفيد، وأنه هو من يرفض الجلوس على طاولة النقاش لاجلهم، وفقط يهتم لمملكته، أخبرهم أنه رفض كل محاولاتي للسلام والحديث واختار الحرب وسيلة ليضيع الشعوب في المنتصف، وهذه الأطعمة التي ادخلها لهم ما هي إلا فتات مملكته كي يزيل عن كاهله عبئهم "
توقف عن الحديث ثم استدار له يقول بهدوء شديد :
"بالطبع أنت لن تخبرهم بهذا بشكل مباشر، أنت تعلم ما اقصد "
ابتسم له الرجل بسمة واسعة وهو يرى أمامه نسخة ثانية مما حدث منذ سنوات بين مشكى وسفيد، حين بثوا الفتن في الأسواق وعلى ألسنة الجميع.
ورغم كل تلك الجيوش والعداد، ما استطاع أحدهم يومًا الوقوف في وجه الفتنة ...
________________________
تحرك بعيدًا عن جيشه يتمطأ بتعب شديد فهو منذ عاد من مشكى تقريبًا من أسبوع وهو كان قد كثف التدريبات، وزاد من حدتها على جنوده، وفي المقابل زاد من حدة تدريباته مع الملكة كذلك ليس وكأنها ستشاركهم الحرب، لكنه أدرك أنها بالفعل قوية، قوية دون حتى أن تشعر وهو انكب على استخراج تلك القوى ليفجرها في الجميع .
دخل ساحة التدريب في موعده الثابت منذ اسبوعين او اكثر ليراها تجلس في أحد الأركان تحمل سيفها وتحركه أمامها وتؤرجحه وهي تتمتم بكلمات خافتة لم يتبين هويتها لكنه خمن أنها تغني إحدى تلك التعويذات .
ابتسم بسمة صغيرة يقف في منتصف الساحة يقول بهدوء :
" عفوًا لجلالتك إن لم أكن اقاطع ما تفعلينه هل يمكنك التقدم للساحة؛ كي نبدأ ؟؟"
رفعت تبارك رأسها بسرعة صوبه تبتسم له بسمة واسعة، تقفز عن تلك المصطبة العالية تقول وهي تحمل سيفها بكل مهارة جعلت أعين سالار تلتمع بفخر شديد، فأن تتحول فتاة كتبارك من حالتها الأولى لهذه المرحلة أمر يضيفه لقائمة إنجازاته .
" لا لا تقاطع، كنت انتظرك "
أشار لها بإصبعه يقول بهدوء :
" تقدمي "
نظرت تبارك لاصبعه تقول ببسمة جانبية :
" ليس جيدًا أن تأمر الملكة "
مال سالار برأسه يقول بهدوء شديد وبسمة هادئة ساخرة :
" أنا أفعل هذا مع الجميع عدا الملك "
" وأنا الملكة الخاصة به "
رفع سالار سيفه وهو يخبرها بعيونه أن تفعل المثل يقول بجدية :
" ليس بعد، أنتِ حتى هذه اللحظة مجرد فتاة عادية، لستِ ملكة حتى الآن ولم ترتدي تاجك "
رفعت تبارك سيفها بالمثل وهي تحرك بين قبضتيها بشكل ممتاز بالنسبة لها، لكن ما يزال مقبولًا لسالار، تتحرك للخلف تتخذ وضعية القتال :
" إن ارتديت تاجي، تحترمني ؟؟"
نظر لها سالار ثواني قليلة جعلتها تتعجب نظرته قبل أن يعيد سيفه للخلف ودون مقدمات كان يندفع به صوب رأسها وكأنه يود شقها نصفين لتطلق تبارك صرخة مرتفع وهي تلقي نفسها ارضًا من صدمتها، وهو اوقف سيفه على بُعد سنتيمترات قليلة منها ليقول بهدوء :
" إن توفقتي عن الخوف وتعاملتي بشجاعة، احترمك "
نظرت له تبارك وهي تتنفس بصوت مرتفع، رغبة كبيرة بالبكاء تهاجمها في هذه اللحظات، في الأسابيع المنصرمة ظنت بكل غباء أنها بدأت تتقدم سواء في الفروسية أو الرماية أو حتى المبارزة، لكن ها هو يثبت لها وأمام نفسها أنها تحتاج لأكثر من مجرد اسبوعين كي تبدأ بالتفاخر .
تنفست بصوت مرتفع ليجلس سالار القرفصاء أمامها يقول :
" الاحترام لا يُبنى لمكانتك، بل لشجاعتك وبسالتك ...مولاتي "
نظرت له تهمس بصوت مرتعش :
" كنت ...كنت هتفلقني نصين من شوية وجاي تقدملي نصايح ؟؟ "
" أنا ؟؟ العفو جلالتك، لم أكن لافعلها لعدة أسباب أهمها أنني لا الوث يدي بدماء شخص برئ، واهمهم أنكِ امرأة وملكة، هذا فقط كان اختبار لكِ لارى إن كنتِ تدربتي على ردات فعلك أو لا "
نظر لها بأعين ضيقة :
" ويبدو أن الإجابة هي لا "
" أنا بس متوقعتش أنك..."
" لا شيء متوقع في الحرب، ولا مكان مضمون تأتيكِ منه الضربة، كل الاماكن هي اماكن غدر طالما أنتِ غير منتبهة لها "
نهض يقول بجدية :
" انهضي "
نظرت له تبارك من الاسفل وكلماته تدور في رأسها لتنتفض تحمل سيفها مجددًا بقوة تقول بصوت مرتفع :
" تمام ..تمام يا قائد، بارزني يلا، بارزي وانا ها ...."
صمتت تراه يخرج شيء من جيبه يمده لها، نظرت لقطعة القماش السوداء بيده ترفع عيونها له تقول :
" منديل ؟؟"
" اغمضي عيونك "
ابتسمت تقول بعدم تصديق للفكرة التي انبثقت داخل عقلها في هذه اللحظة :
" عن الذنوب أكيد "
" بل عن الرؤية مولاتي، ستحاربينني معصوبة العينين "
تراجعت تبارك للخلف وهي تبتسم بعدم تصديق تنظر لوجهه تبحث عن بسمة تخبرهها أنه يمزح معها في هذه الأمور، هو ليس جادًا بالطبع، لكن نظراته والتي تعرفها جيدًا أخبرتها أن لا، هو لا يمزح في هذه اللحظة .
" مولاتي ايه بقى ؟؟ قول مرحومتي "
نظر للقماشة مجددًا :
" عايزني احاربك بيها ؟؟"
هز رأسه في علامة نعم لتبتسم له قائلة :
" حسنًا لا بأس اعطني فرصة قتالك دونها واعدك حينما يخدشك سيفي خدش صغير، اقسم لك سأحاربك معصوبة العينين "
ابتسمت حين رأت أن نظراته لم تتغير ولا حتى يده الممدودة تراجعت، هو كمان هو لتقول :
" اديني فرصة طيب احاربك وانا مفتحة وأنا هعملها وانا مغمضة، أنا لحد دلوقتي معرفتش اشوف في التدريب ده غير الارض اللي بتلحسها ليا وأنت بتعلمني، ويا دوبك عرفت أسند طولي قصادك آخر مرة، أنت حالف ما تهنيني على انتصار ؟؟"
" أنتِ كثيرة الحديث حقًا، هذه فقط كي اختبر عمل حواسك واعتمادك في القتال عليهم، وهذا هو ما سيحسن ردات فعلك، فأنتِ في الحرب لن تعتمدي على عيونك فقط وإلا هلكتي في أول ثانية"
ابتلعت ريقها تنظر لها ورغبة كبيرة بالبكاء تلبستها :
" أنت ليه مصر اني هحتاج كل ده في الحرب ؟؟ مين قالك إني هكون موجودة في الحرب ولا هروح حرب اساسا "
" الحرب لن تستأذنك قبل أن تجذبك لها، من يدري متى تضطرك الظروف لخوض حرب "
قالت بصوت باكي وخوف من كل تلك الأمور، لِمَ لا يقتنع أحدهم أنها حقًا لا تفقه في كل هذا ؟؟
" وقتها هستخبى في أي ركن اعيط و...."
وقبل أن تكمل جملتها وجدت سيف سالار يوجه لرقبتها وصوته يهدر بصرامة في المكان :
" لن أسمح لكِ "
" اعيط ؟؟"
" لن أسمح لكِ أن تعيشي بجبن وضعف "
" أنت مالك ؟؟ أنا عايشة من زمان كده ومبسوطة و..."
صمتت ترى السيف يقترب منها ونظرات سالار تزداد حدة وقد أخذ الأمر على عاتقه، هذه المرأة أمامه ستصبح مبارزة بارعة شائت ام أبت، ستصبح مبارزة رائعة وهذا وعد قطعه لنفسه في هذه اللحظة حين رأى نظراتها المرتعبة ..
رفعت تبارك سيفها تقول بسرعة ورعب من نظراته والتصميم داخلها :
" موافقة..".
ابتسم يعطيها القماشة لتضعها على عيونها وهي تردد برعب مما سيحدث :
" بس متخمش"
" لا افهم ما تقولينه، هيا اسرعي وضعيها "
ابتلعت ريقها تزيد من ربط القماشة أعلى عيونها، ثم حملت السيف تتخذ وضعية القتال وهي تلتف حول نفسها تسمع صوت سالار يردد وهو يدور حولها :
" حاولي التخلي عن اعتمادك الكلي على النظر واعتمد في هذه اللحظة على سمعك، وانفك وباقي حواسك "
تنفست تبارك بصوت مرتفع وهي تدور تحاول معرفة مكانه بالتحديد من صوته، وهو يستمر في الدوران حولها يردد بصوت خافت :
" أشعري بخطواتي، اصطدام أقدامي بحبات الرمال، وحركة سيفي وهو يصطدم بالرياح "
قالت تبارك بارتباك وهي لا تشعر بكل ما يتحدث عنه، هي لا تشعر بشيء ولا تسمع سوى صوته فقط :
" مش وقته تأمل في الطبيعة الله يكرمك، أنا مش سامعة غير صوتك اساسا، فاسكت ..اسكت خليني اسمع صوت خطوتك "
صمت سالار بالفعل وهو يبتسم لرؤيتها تدور حول نفسها وهو حتى لم يتحرك من مكانه خطوة لحظة، يحرك سيفه في الهواء يحاول أن يجعلها تسمع اصواته، لكن هي كانت مستمرة في الدوران، فكر في السير حولها علها تتبع صوت خطوات حذائه وايضًا لا شيء .
نظر لها يفرك وجهه بحنق وحين فقد الامل تحدث كي تنتبه لمكانه :
" أنا هنا "
وإن ظن أنها بهذا الشكل علمت مكانه فقد أخطأ، إذ استدرات بسرعة للاتجاه المعاكس تنظر له تبحث عنه وهي تحرك سيفها بشكل عشوائي في الهواء .
تشنج وجه سالار يصرخ بغيظ :
" هل أنتِ صماء يا امرأة ؟! أنا خلفك هنا "
استدارت تبارك بسرعة وهي ترفع سيفها تحركه بسرعة كبيرة وكأنها تود تقطيعه قطع صغيرة، لكن سالار كانت ردة فعله سريعة إذ رفع سيفه بسرعة كبيرة يتدارك الأمر مسقطًا خاصتها في حركة واحدة وهو ينتزع عن عيونها القماشة ينظر لها بشر وهي اتسعت عيونها بصدمة حين رأت نظراته لتبتسم بسمة صغيرة :
" كيف كان ادائي ؟؟"
نظر لها سالار يهمس من أسفل أسنانه:
" إن كان هناك لفظ اكبر من بشع يصف مدى سوء ادائك، فاعتبريني قلته "
نظرت له بصدمة وشحب وجهها تقول بصوت خافت :
" لا يوجد، رأيك وصل وبوضح "
نظر لها بحنق يكره رؤية نظراتها تلك والتي تشعره أنه احزن طفلة صغيرة وعليه الآن أن يسارع ويراضيها .
" حسنًا، هذا فقط لأنه المرة الأولى لكِ، مع الوقت ستبرعين في الأمر، كما فعلتي مع المبارزة المباشرة أنا أثق بك "
بسمة مشرقة واسعة ارتسمت على فمها تقول بسعادة :
" حقًا ؟؟"
" أثق أن هناك أمل لتصبحي ملكة ...لا بأس بها "
ابتسمت تبارك بغبطة شديدة وقد كانت تلك أقصى كلمات تود سماعها في تدريب لها مع سالار، فعلى عكس دانيار الذي يعبر عن اطرائه بكلمات مقتضبة وبسمة صغيرة مشجعة، وتميم الذي يظهر بوضوح تشجعيه وسعادته بتقدمها، كان سالار لا ينطق كلمة تشجيع واحدة حتى في حقها، ربما يكتفي ببسمة صغيرة يلوح منها الفخر وهذا أقصى ما قدمه لها .
شردت تبارك دون شعور في ملامحه وهو يمسح سيفه كي يضعه في غمده، خصلاته الصهباء التي تتطاير في مشهد معروف في جميع الدرامات ..
ابتسمت دون وعي، لكن فجأة انتفضت على صوت أحد الحراس يقتحم المكان قائلًا :
" مولاي الملك ينتظرك لأمر هام ..."
هز له سالار رأسه ثم نظر لها يقول بهدوء :
" إذن مولاتي ...القاكِ لاحقًا "
وهكذا فقط كلمات معدودة ختم بها لقاءهم وهي ظلت مكانها تحدق بسيفها الملقى ارضًا والقماشة السوداء لتضيق عيونها وهي تنحني تمسكها وشردت بها قبل أن تضعها على عيونها بتصميم ......
_________________________
يجلس في غرفته ينتظر قدوم سالار وهو ينحني على ركبتيه يضم قبضتيه مستندًا عليهما بذقنه، يشرد فيما يجب فعله في يومه وفي القادم .
مذكرًا نفسه بلقاء مع الملكة اليوم ليتحدث معها في أمور المملكة كعادة بينهما هذه الأيام .
سمع صوت الحراس يخبرونه عن قدوم سالار، ثواني وابصر سالار يتحرك داخل الجناح الخاص به يقف أمامه باحترام شديد، يضع يده أعلى صدره يقول :
" مولاي ..."
ابتسم له إيفان يشير له بالجلوس :
" أجلس سالار "
جلس سالار بهدوء ليتحدث إيفان دون مقدمات :
" إذن متى الحرب ؟؟"
" خلال أيام حسب التنسيق مع الجيش، سنعلنها حربًا مع بافل "
هز رأسه يقول :
" ومشكى هل اوصل لك رجالك أي أخبار عنها ؟؟"
" بافل لا يصمت على شيء كما تعلم مولاي، بالطبع ما يزال يحاول يائسًا ضم بعض الرجال له، حتى أنه كاد ييأس ويستسلم من انضمام شعب مشكى له، وأنت تعلم يا مولاي أنني لا أحب تحطيم الخواطر ولم يهن عليّ رؤية حزنه هذا "
ارتسمت بسمة خبيثة على فم إيفان وقد أدرك المعنى المبطن خلف كلمات سالار يربت على كتفه بهدوء :
" جيد يا صديقي، لطالما كنت لين القلب مع الجميع "
اتسعت بسمة ساخرة لسالار على فمه، نعم هو لين القلب مع الجميع خاصة الملكة، ليقول إيفان بصوت خافت جاد وعيون غامضة جعلت سالار يدرك أن إيفان يخفي شيئًا ما ليعتدل في جلسته يتجهز لتلقي ما يقول :
" خاصة النساء الرقيقات أمثال تلك الفتاة المدعوة كهرمان، أليس كذلك ؟؟؟؟"
___________________
وإن ظننت أن الاسرار تظل أسرار حياتك، فما فائدة وجود كلمة كـ "الحقيقة" في القاموس ؟؟
وتذكر أنها حرب، إما أن تنتصر، أو تنتصر لا خيار ثالث أمامك....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
في الفصول السابقة تساءل البعض عن ماهية اللثام وشكله وكيف يغطي الوجه، وللعلم اللثام هو نفسه ما ترتديه زمرد طوال الوقت وما ترتديه كهرمان عند مبارزة إيفان.
واللثام يختلف عن غطاء الوجه الذي يخفي الوجه بأكمله وكأنك أسقطت حجاب على وجهك بالكامل .
ولمعرفة شكل اللثام فهذا هو نفس ما ترتديه زمرد طوال الوقت والشيء الذي يعلو الرأس اسمه ( قلنسوة )
إذن اللثام يخفي كامل الوجه عدا الأعين.
والغطاء يخفي الوجه بأكمله....
وهذا توضيح لمن أراده...