تحميل رواية «ملكة قلبي» PDF
بقلم مريان بطرس
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
داخل تلك الغرفة بذاك المبنى الضخم الراقي، تدخل من بابه لتجد أثاثًا باللون البني الداكن، وأريكة فخمة على إحدى الجوانب من اللون البني والكافيه، وذلك المكتب بالجانب، وذاك الحاسب المحمول الموضوع عليه من أفخم الماركات وأغلاها، وتلك الملفات المتراصة بترتيب وتنظيم عالٍ جدًا. من الوهلة الأولى التي تنظر بها داخل ذاك المكتب، تعلم أنه يخص أحد رجال الأعمال الأثرياء وأصحاب الذوق الرفيع، وبنفس اللحظة من المهتمين بالترتيب والنظافة بشدة. وأمام تلك الشرفة الزجاجية التي تحتل حائطًا كاملاً من بعد مكتبه وبطول الحائ...
رواية ملكة قلبي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريان بطرس
تحركت هي وصديقاتها داخل تلك المزرعة الضخمة بحب وفرحة شديدة، إلى أن توقفت أمامه تبتسم بسعادة، وهو يبادلها النظرة بهدوء.
قال بحنان:
"شايفك مبسوطة."
أومأت برأسها بسعادة فائقة، وأجابته بفرحة:
"جدا يا باسم، أنت مش متخيل أنا بحب المكان هنا إزاي، بعشقه."
ضحك عليها ليجيبها بهدوء:
"واضح جدا."
ثم حول لها ظهره ليكمل عمله، قائلاً ببساطة:
"بس ما أنصحكيش تقولي الكلام ده قدام جدي، وإلا هيحلف إنك ما تطلعيش من هنا."
ابتسمت بهدوء ولم تجب.
بعد برهة، وجدت سيارات تدخل المكان، لتنظر جهته بتعجب وتساؤل.
قال بهدوء:
"دول ناس جايين يشتروا بهايم من عندنا، خدي أصحابك فرجيهم على المكان لحد ما أتكلم معاهم أنا وجدي وعمي."
هزت رأسها إيجابًا، لتتحرك بهدوء. وجدت شيرين توكزها من كتفها، قائلة بخجل:
"بقولك إيه، ماتيجي نرجع بدل ما إحنا عاملين زي المتسلطين في المكان كده."
ابتسمت بهدوء، لتجيبها ببساطة:
"نرجع فين، إذا كان ده شغلنا. ميغرّكيش إنه مش فاضي، شوية وهيفضى وهيبهدلنا شغل، فـ اجمدي كده واتحركي."
ضحكت أميرة ولم تجب.
في حين تحرك باسم ليتوقف أمام تلك السيارة التي توقفت أمامه. هبط أحدهم يوزع عينيه في المكان. تحرك هو ليقف أمامه، قائلاً:
"اتفضل، اؤمر."
نظر له الآخر متسائلاً:
"مش دي مزرعة العربي بتاع الحاج عبد الحميد العربي؟"
أومأ الآخر برأسه، ليقول بهدوء:
"أنا باسل الدمنهوري، كنت كلمت الحاج عبد الحميد والحاج علوان إني جاي هنا."
أومأ برأسه ليمد يده، قائلاً بهدوء:
"أنا دكتور باسم العربي، ابن الحاج علوان العربي والدكتور البيطري المسؤول عن المزرعة."
ابتسم باسل في وجهه ابتسامة دبلوماسية، وهو يقول:
"اتشرفنا يا دكتور."
ثم أشار بيده قائلاً:
"ده نبيل شريكي، وده فارس صاحبي."
ثم أشار جهة تلك السيارة بالخلف، التي يقبع بها عدد من الأشخاص، وهي ضخمة:
"ودي مجموعة من الدكاترة من عندنا."
أومأ برأسه ليشير إليه قائلاً:
"طيب اتفضلوا المكتب، جدي ووالدي جايين وتاخدوا نَفَسكم، واهو تريحوا من تعب السفر."
أجابه بهدوء:
"شكراً."
ثم تحركوا للدخول. ليتصل باسم بجده ووالده يستدعيهم للحضور.
تحركوا للدخول يتحدثون في الأسعار. وبعد برهة حضر أبوه وجده يدخلون المكتب يتناقشون.
صدح صوت عبد الحميد بهدوء بعد الترحيبات:
"بص يا ابني، المكان قدامك كبير كيف ما انت شايف، ومواشينا ما فيهاش عيب. اللي عاوزه قول عليه وخدّه، إحنا بهايمنا مضمونة وأحسن ناس بنورد لأي حد. ولو عاوز تكشف دكاترتك معاك، المهم ما نختلفش."
أومأ برأسه بابتسامة، وهو يجيب بدبلوماسية:
"أكيد ما نختلفش يا حاج. أنا كل اللي يهمني حاجة نظيفة، أما الفلوس متقلقش، مش هنختلف فيها."
أومأ عبد الحميد برأسه يجيبه ببساطة:
"دكاترتك معاك يا ولدي وباسم معاك، شوف اللي عاوزه وقولنا."
أومأ برأسه ليتحرك للخارج هو وأطبائه يتابعون بعض البهائم وينظرون إليها ويقيمونها. في حين كان فارس يقف بالخلف يتابع ما يحدث بملل، لم يكن هذا هو هدفه من المجيء إلى هنا، بل إنه كان يريد السير قليلاً، أن يرى العمل، الأرض، والحيوانات، يرى الحياة البسيطة. ولكن أمور التجارة والأموال تلك ليست من أولوياته، بل إنه لا يحبها ولا يهتم بها.
نفخ بفمه بملل، وهو يضع يديه في جيبي بنطاله. ليلف كلا من عبد الحميد وباسم وجهه تجاهه بتعجب. لينظر لهم بابتسامة خجلة، ثم عاد للصمت مرة أخرى.
ليربت عبد الحميد على كتفه قائلاً بابتسامة:
"شكلك مليت يا ولدي."
ابتسم له بخجل. ليتبرع نبيل بالإجابة قائلاً:
"معلش يا حاج، أصله ملوش في الجو ده ومش مجاله، هو كان جاي يتفسح لقى نفسه في وسط كلام ملوش فيه وقاعد مبيتحركش."
ابتسم له عبد الحميد، ثم ربت على كتفه متسائلاً بتعجب:
"أمال أنت بتشتغل إيه يا ولدي؟"
ابتسم له فارس مجيباً بهدوء:
"دكتور."
قطب العجوز جبينه بتعجب من وقوفه ذاك، وهو يتساءل:
"بيطري؟"
أجابه نبيل بمرح:
"لأ، اللهم ما احفظنا. نفسي يا حاج."
نظرت فارس بغضب، في حين ضحك العجوز وهو يقول:
"وماله يا ولدي، نفسي نفسي إيه اللي مضايقك؟ كل الدكاترة كويسة وبيشكروا. البيطري بيعالج الحيوان من الألم والوجع اللي مش قادر يجيبه، والبشري بيعالج من الوجع المحسوس والنفسي بيعالج وجع القلوب والروح والنفس. من غير النفسي نتوه يا ولدي."
ابتسم له فارس بشكر. ليجد العجوز يربت على كتفه زاعقاً بصوت عالٍ:
"ولا يا أحمد!"
قدم فتى في السادسة عشر من عمره قائلاً بخنوع:
"أؤمرني يا حاج."
ليربت على كتف فارس قائلاً:
"خد الدكتور فارس، مشيه في المزرعة وفرجه عليها وشوفه عاوز يروح فين."
نظر له فارس بخجل قائلاً:
"لأ يا حاج، ملوش لزوم."
نفى عبد الحميد برأسه قائلاً:
"امشي يا ولدي، متتخجلش، بلاها تجهد نفسك بأمور مليكش صالح فيها."
نظر له بابتسامة ليتحرك مع الفتى بهدوء.
على الجانب الآخر، كانت تتحرك معهم في المكان بهدوء، ثم دخلت إلى أحد أركان المزرعة، لتجد تجمع كبير من الرجال في مكان معين وأصواتهم تتعالى.
قطبت الفتيات بجبينهن ليحولن أنظارهن جهة جنا بتعجب متسائلين:
"فيه إيه يا جنا؟"
مطت جنا شفتيها بجهل، لتتحرك جهتهم متسائلة بتعجب:
"هو فيه إيه؟"
نظر لها أحد الرجال قائلاً بتعب:
"معلش يا دكتورة، أزعجناكي. إحنا كنا هنبعت للدكتور باسم دلوقتي، بس جاله إنه معاه ناس."
التفت جنا له، ثم حولت أنظارها جهة تلك البقرة الملتفين حولها الرجال، وقد أضحت أنها فهمت ما يحدث. فقد كانت تنام أرضاً بتعب وارهاق، ويبدو أنها تعاني ألم الولادة. ولكنها تساءلت باستفسار:
"فيه إيه؟ مالها؟"
نظر لها أحدهم ليقول بارهق:
"البجرة تعبانة وبتولد يا دكتورة، بس ومش عارفين ننزل العجل. باين إنه مجلوب وبعتنا للدكتور باسم حد يجيبه."
ولكن قبل أن يتم جملته، وجدها تهرع إليهم، تضع يدها على بطنها وهي تدقق التركيز، لتقول بهمس:
"مشكلة."
حولت الفتيات نظرهن تجاه بعضهن البعض بتعجب. في حين وضعت هي يدها داخلها لتُركز في عملها، وهي تفعله بهدوء. ثم جهرت بصوتها قائلة:
"هاتوا الشنطة بتاعة الدكتور بسرعة."
هرع أحدهم يجلبها. في حين ارتكزت أميرة على ركبتها بجوارها متسائلة بتعجب:
"فيه إيه يا جنا؟"
أجابتها جنا بعد برهة، وهي تركز بعملها:
"العجل جاي بالمقلوب زي ما قالوا. وبعدين هو ميعاد ولادة وجاي ليها ألم مخاض، بس هو مش نازل لمكانه. ده مرفوع في بطنها، ولو شديناه بالقوة هيسبب لها ألم وممكن ما تولدش تاني. ولو سبناها هتموت من الوجع ومش هتقدر تنزله."
رمشت بعينيها بصدمة. صديقتها رائعة حقاً، فقد فهمت الأمر برمته في ثوانٍ معدودة. لتضم شفتها السفلى وتتساءل بخوف:
"وبعدين هتعملي إيه؟"
أجابته بقوة وبدون تفكير:
"أعدله وبعدين أنزله."
رمشت شيرين بعينيها لتقول بخوف:
"طيب الموضوع مش مؤلم؟"
تنفست بضيق، لتصرخ بغضب:
"الشنطة يابن آدم!"
ثم أجابتها بخوف:
"الموضوع كده كده مؤلم، ده ألم مخاض وولادة. فـ ألم ساعة ولا إنها تفضل تتقطع كده. وبعدين لو سبناها على الوضع ده، هو هيفطس جوة لأنه ساعة ولادة، وهي ممكن تموت من الألم."
هرع أحدهم بالحقيبة. لترمش بعينيها عدة مرات. ثم وجدوها تُجيب بارتياح وابتسامة:
"عدلته."
وبعدها بدأت تسحب بلطف، وأمسكت شيئاً ما كخيط ربطته بساقه التي بدأت بالظهور. لتدخلها وتُسحب مرة أخرى بيدها لتظهر ساق أخرى، فربطتها وحكتهم سوياً لتعدل وضعه. ليجدوها تسحبه بعدها ليسقط أمامهم بلين وهدوء.
نظر الجميع جهة بعض بفرحة وابتسامة. لتزفر هي أنفاسها بارتياح. ثم بدأت تضع السماعة عليه لتتأكد بأنه مازال حياً. وبعدها هزت رأسها للرجال ليبدأوا في إفاقته. ثم وضعت السماعة عليها لتطمئن. وبعدها ربتت على بطنها بخفة، وهي تحدثها كأنها من البشر، قائلة برقة:
"حمد الله على السلامة."
ضحكت الفتيات عليها، لتحمر وجنتاها خجلاً. لتقف بعدها تفرد ظهرها. ثم تحركت للجانب جهة صنبور تغسل يديها وقدمت جهتهم تتحرك بهدوء وهم معها. إلى أن التفت أميرة تنظر جهتها وبدأت تتحدث وهي تسير بظهرها للخلف، قائلة بسعادة:
"ده إنتي طلعتي رائعة يا جنا، متوقعتكيش كده."
ضحكت جنا بخجل، ثم قالت بهدوء:
"طيب امشي كويس وبصي قدامك، لا تقعي."
ضحكت وهي تربع يديها خلف عنقها، قائلة بثقة:
"ما يقع إلا الشاطر. وبعدين متلقيش عليا، أنا أه."
صدح صوتها عالياً لتهرع إليها الفتيات. وسرعان ما توقفوا بصدمة، حدث الأمر بلمح البصر. كانت تسير تلك المعتوهة بظهرها، لتتعثر قدمها بإحدى الأحجار الكبيرة خلفها، وكادت تسقط. ولكن في ثوانٍ، انبثق أحدهم من تحت الأرض يمسك بها من ظهرها ويسندها على جسده ويدعمها. وصوته صدح بالمكان بقوة:
"حاسبي!"
رمشت بعينيها بصدمة، ثم سرعان ما تحول وجهها وأصبح يحاكي لون حبة الطماطم في احمراره من الخجل. تراجعت للخلف بسرعة تقف تختبئ خلف صديقاتها من الخجل، تنظر أرضاً من احراجها. في حين نظروا هم لها بخوف، وهن يتساءلن:
"إنتي كويسة؟"
أومأت برأسها، ليزفرن براحة. ثم حولن نظرهن جهة ذلك الشاب ذو العوينات ليشكرنه.
نظرت له لتقول:
"شكراً."
أومأ برأسه وهو يقول:
"العفو. المهم تكوني كويسة."
أومأت برأسها. في حين قطبت شيرين جبينها تتساءل عن ماهية هذا الشاب الذي يقف أمامها، والذي تشعر إنها ليست المرة الأولى التي تراه به. وما إن فتحت فمها لتشكره، حتى تذكرته، لتهتف بصدمة ممزوجة بالضيق:
"إنت!!"
التفت لها الفتيات بتعجب. في حين قطب هو جبينه من تلك الكلمة الغريبة، ليتعجب أكثر منهن. وجوههن مألوفة له بشكل غريب، وكأنه رآهن من قبل. سرعان ما انفرجت عقدة جبينه، وهو يسمع الفتيات يسألنها بتعجب:
"إنتي تعرفيه يا شيرين؟"
هزت شيرين رأسها بهيستريا ممزوجة بغضب، وهي تشير جهته مجيبة بضيق:
"دققوا فيه كويس، مش ده اللي قال إنه دكتور نفسي ساعة الموقف اللي حصل معاكي يا جنا في المصنع؟"
التفت له جنا تنظر جهته بتدقيق، سرعان ما شهقت بصدمة وهي تضع يدها على فمها. في حين خرجت أميرة من خلفها تنظر له بصدمة، وهي تقول:
"إيه ده؟ ده بجد؟"
ثم بعدها أكملت بمرح ساخر:
"ده الدنيا صغيرة قوي يا جدعان. يا مراحب يا مراحب. والجزئية دي بقى هتتحول على فيلم إيه ولا جزء إيه من الرواية؟"
ثم وضعت يدها أسفل وجنتها قائلة بمزاح وابتسامة مشاغبة على شفتيها:
"أشجيني وقولي تخاطر برده من ناحيتك.. بس ناحية مين فينا؟ قولي يا خلبوص متتكسفش."
اتسعت عيناه بصدمة، في حين ارتسمت ابتسامة على وجهه. فهو (هم يبكي وهم يضحك). في حين صرخ كلتاهما في صوت واحد:
"أميرة!"
ضربت يدها أعلى جبهتها قائلة بصوت جهوري صارم:
"أمرك يا فندم."
اتسعت ابتسامته أكثر. في حين صرخت جنا بغضب:
"شوية جد ممكن؟"
أومأت برأسها، وقد ارتسمت على وجهها علامات الجد في ثانية واحدة، لتتغير ملامحها بالنسبة له في ثانية وتتحول لأخرى، مضيقة عيناها لتقول هي هذه المرة بجدية:
"ممكن أفهم بقى كتر الصدف دي إيه؟ أصل مش معقول. طيب في المصنع وقولنا بتاعكم، لكن جاي وراها في بيت أهلها. ناوي على إيه؟"
ثم ضيقت عيناها لتقول بحزم:
"ممكن أعرف عاوز إيه؟ وجايين ورانا ليه؟"
ثم أكملت بتساؤل جاد:
"ولا وراها هي بس؟"
نظرتها تلك المرة، ولوهلة، أرهبته بالفعل. كانت حادة عيناها، وعلى الرغم من هدوئها، إلا أن الحزم الذي تمتلئ بهم أخافته. كانت قوية، تحوي هيبة عجيبة. نبرتها الحادة كحد السيف، كانت لا تقبل الجدال. ليجد نفسه في ذلك الوقت يتمتم بخوف:
"أنا إيه اللي وقعت نفسي فيه ده."
عيناهما التي ضاقت الآن أكثر، أعلمته بأنه قد سقط في جحر الثعبان دون أن يدري كيف. ليهمس بخوف:
"إن قلت لكم إن الموضوع صدفة والله أنا معرفش إنتوا مين ولا إيه المكان ده هتصدقوني، وإني كنت جاي فسحة مش أكتر هتصدقوا؟"
أومأت شيرين قائلة بغضب:
"ده عند أم ترتر."
ضحكت أميرة وهي تقول بمزاح ساخر:
"الـ... إيه؟ شوف يا راجل! رب صدفة خير من ألف ميعاد، وأنت صدفك إيه؟ فلة؟"
أغمض عيناه يمنع نفسه من الضحك. تلك الفتاة كلما فتحت فمها تخرج أعاجيب. إن قال لهم الآن ألا يدعوها تتحدث، ستعتبر وقاحة منه أم ماذا؟ فهي كلما فتحت فمها أخرجت أحاديث مازحة، كما أنها تفعل أحياناً حركات بوجهها تضحك من أمامها حتى وإن لم ترغب بذلك، فخفة ظلها وحدها تكفي. ولكن ليس وقته تماماً الآن، ف يبدو أنهم لن يخرجوا اليوم سالمين. فماذا إن علموا بوجود باسل معه الآن؟ فلن تُعتبر صدفة، ربما يقتلونهم بجرائه. يا الله، ما الذي أوقع نفسه به الآن؟
أغمض عيونه ليستجمع أقصى درجات ضبط النفس، ثم فتحهم وهو يضبط عويناته أعلى عينيه، ولكنه تفاجأ بذلك الصوت الذي يهتف من خلفه قائلاً:
"جنا، إنتي كويسة؟"
في حين صرخ صوت من خلفه يقول بوجل:
"فارس! إيه اللي حصل؟"
أغمض عيونه وهو يهمس في نفسه:
"انتهينا."
***
كان يقف برفقتهم ليجد ذلك الصوت الذي يجهر من خلفه:
"دكتور باسم، الحاج يا دكتور، فيه بجرة بتولد ومش عارفين نولدها وشكلها هتموت."
انتفض ينظر للخلف، ليربت على كتفه قائلاً:
"بعد إذنكم."
أومأ إليه باسل برأسه، ليميل على أذن رفيقه قائلاً:
"شكل وشنا حلو."
كتم الآخر الابتسامة بالكاد في فمه. وما إن فتح فمه للحديث، ليجد صوتاً يصرخ من خلفه:
"يا حاج عبد الحميد!"
"إلحق يا حاج!"
نظر له الرجل ليجيبه بضيق:
"فيه إيه يا ولا؟ انطق."
نظر له الفتى قائلاً:
"الدكتورة جنا وصاحباتها الدكاترة ماسكين في خناق واحد من شباب ضيوفك، وهي متعصبة جوي."
اتسعت عيناه بصدمة، ليقول بغضب:
"جنا؟"
أومأ الفتى له قائلاً:
"أيوه يا حاج. ده واحد من الرجالة اللي جم النهاردة وصوتهم عالي جوي."
اتسعت عيني الجميع، ليقول:
"جنا مستحيل! ده جنا معروف عنها الهدوء. أكيد حاجة كبيرة حصلت، ويا ويله اللي يزعلها. ده أنا هجتله مطرحه."
في حين نظر كلا من باسل ونبيل لبعض بخوف، ليحولوا أنظارهم للخلف يتأكدوا مما يشكون به، ليجدوا أعداد الرجال القادمين معهم كما هي. لينظروا لبعض برعب، ثم يركضون بخوف وهم يقولون بصوت واحد:
"فارس!"
ركض الجميع ليهتف باسم:
"جنا، إيه اللي بيحصل هنا؟"
في حين صرخ عبد الحميد:
"جنا، إيه اللي حصل يابتي من زعلك؟"
أغمض فارس عيناه وهو يتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه. وبالأخص حينما سمع ذلك الصوت الذي جهر برعب قائلاً:
"فارس، إيه اللي حصل؟"
توقف فارس مكانه، وأسوأ كوابيسه قد تحقق الآن. ولو خرجوا اليوم من هذا المكان أحياء، سيفعل وليمة شكر.
وقف باسل خلف فارس يمسكه من كتفه يديره إليه قائلاً برعب وهو يتفحصه:
"باسل، إنت كويس؟"
اتسعت أعين الفتيات بصدمة ممزوجة بغضب:
"أيأتي إلى هنا برفقة صديقيه؟ والأدهى يتهمهم في عقر دارهم بالهجوم عليه؟ يا لوقاحته حقاً! هم لم يروا بحياتهم أوقح من هذا الرجل."
في حين أنزل فارس يديه قائلاً بضيق:
"باسل، أنا كويس، متخافش عليا. أنا لحد دلوقتي كويس."
قطب جبينه متسائلاً بتعجب:
"لحد دلوقتي؟"
أومأ فارس برأسه ليقول الآخر بضيق:
"إزاي يعني لحد دلوقتي؟"
قصف صوت شيرين من الخلف:
"يعني معملنالوش حاجة لحد ما نفهم اللي بيحصل."
في حين قالت أميرة بتهكم كعادتها:
"يا محاسن الصدف! هتقولي إنك جيت صدفة ولا فسحة كالعادة، صح؟"
قطب جبينه من أصوات الفتيات خلفه، لينظر جهة فارس، يجده ناظراً أرضاً مغمض العينين بتعابير مبهمة. في حين حول أنظاره جهة نبيل ليجده يقف ينظر أمامه ويفتح فمه بصدمة. حول أنظاره بينهم بتعجب، ليهز رأسه قائلاً:
"فيه إيه؟"
ثم حول أنظاره للخلف ليقول بتعجب:
"إنتوا بتبصوا على..."
لم يستطع إتمام حديثه، بل إنه لم يستطع إغلاق فمه، وهو يجد أسوأ كوابيسه، بل أجمل أحلامه، بل إنه معذبته ومرهقته ومسببة الهلاوس له، واقفة أمامه بكامل رقتها ونعومتها، بكامل قوتها وغضبها. انصدمت عيناه بها، وللحق، أعطى نفسه الفرصة الآن ليتأملها. كانت جميلة، بل بارعة الجمال، كأميرة خارجة من إحدى قصص الأساطير القديمة. جميلة كالعادة، عينان لم يرى لهما مثيل، بل إنه قد يضيع عمره كله بالتأمل فيهما. عينان لا تستطيع تحديد لونهما، هل هو الأزرق الداكن كأمواج البحر، أم الأخضر الزرعي كنباتات الحقول. وجه يميل للاستدارة، ناصع البياض وكأنه لم يرى الشمس مطلقاً. خصلات تتماوج مابين الأسود الداكن كسواد الليل، اللون البني. أنف صغير يتوسط ذلك الوجه، وشفاه مكتنزة، وحاجبين كسواد الليل، وكأن اللون البني لم يكن في خصلات شعرها من قبل. ورموش كثيفة ترف بها لتلفت انتباهه أكثر لتلك الجوهرة المتمركزة في منتصفها. يا الله، كم هي جميلة، بل بارعة الجمال. يحق لها... نعم، يحق لها سرقة النوم من عينه. يحق لها أن تتمركز حياته حولها. يحق لها أن تطرد أي أحلام لتظل هي مركز أحلامه، بل وواقعه أيضاً.
أفاق على صوتها يهتف بتهكم:
"إيه يعني؟ شايفاك سكت."
يالله، صوتها... لم ينتبه على جماله من قبل. صوتها ناعم، رقيق، كهمسات رياح ناعمة. ما تلك الفتاة؟ كيف لم يلاحظها من قبل؟ كيف لم يلاحظ كل ذلك الجمال في غمرة غضبه؟ كيف؟
همس بصوت بالكاد يسمع:
"ده حلم ولا علم؟ حد يقولي."
وكزة بجانبه من فارس، جعلته ينتبه. في حين همس هو بضيق بصوت بالكاد استطاع سماعه:
"لم نفسك واقفل بوقك وشوف هنتصرف إزاي، لأننا واقعين في مصيبة. بص حواليك وانت تعرف."
كيف يستطيع النظر حوله وترك تلك الجنية الصغيرة؟ كيف يستطيع إبطال سحرها عليه؟ وهي تقف أمامه الآن مباشرة تتحدى كل عوالم الطبيعة لتقف هي وتجذبه أكثر من الجميع، أكثر من من حولها، وأكثر من الناس والزرع والعمل، أكثر من أي شيء آخر؟ عذراً نيوتن، فهناك قوة جاذبية أعلى من قوة جاذبية الأرض، وهناك قانون جذب أعلى من قانون جذبك، وهو قانون جذب تلك الفتاة.
"باسل."
قصف صوت فارس، على الرغم من انخفاضه لدرجة الهمس، إلا أن حدته استطاعت أن تفيقه وتخرجه من ذلك السحر الأسود العالق به منذ مدة. والسبب هي تلك الساحرة الجميلة الرائعة، بارعة الجمال، التي لا يستطيع معرفة إذا كانت هي أميرة القصة أم هي الشريرة. لف عينيه لينظر إلى الجمع من حوله.
ضغط على شفته السفلى، وقد علم الآن أنه في مأزق كبير، وعليه أن يتصرف وإلا لن يخرج من هنا سليم. فأمامه تقف تلك الجنية، يجاورها محامياها، بل وحراسها الأوفياء الذين بالكاد يستطيعون إمساك أنفسهم عنه. ثم ذلك الطبيب، وهذا العجوز، وبالخلف ذلك التجمع من الرجال العاملين بالمزرعة، والذين يقفون الآن ينظرون إليهم كإنه إحدى الأفلام. ولكنه يعلم يقيناً إذا اشتدت حدة الاشتباك، سيكونون على استعداد لتقطيعهم إرباً إربا.
أغمض عينيه بضيق. لما يحدث معه كل هذا؟ لما يقع دائماً في طريقها بتلك الطريقة البشعة؟ عليه أن يفكر كيف يخرج من تلك الورطة.
أفاق على صوتها قائلاً:
"ها، أستاذ؟ إنت جاي ليه؟ خير؟"
ثم أكملت ساخرة:
"تكونش جاي تعرف نتيجة الفحص مننا؟"
زفر أنفاسه. حسناً، الوضع صعب، ولكنه يجب أن يتصرف. لذا فتح عينيه يستدعي أقصى درجات الهدوء، وهو ينفي برأسه مجيباً بهدوء:
"لأ طبعاً. ولا كنت جايلك ولا أعرف إنك موجودة أصلاً. أنا كنت جاي للحاج عبد الحميد."
ثم قطب جبينه متسائلاً بتعجب:
"هو إنتي تقربي له ولا حاجة؟"
ارتفع حاجباها ذهولاً من وقاحته الفذة، لتقول بضيق:
"لأ يا راجل! وإنت إيه علاقتك؟ إيه اللي جابك أصلاً؟"
لم يتمالك هو نفسه من الغضب من تلك التصرفات الطفولية التي تحدث أمامه، ليضرب بعصاه أرضاً، ثم جهر صارخاً بغضب:
"انكتم منك ليها بس!"
ثم تحدث بقوة قائلاً:
"ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا، وإيه علاقتكم ببعض؟"
ثم نظر لها قائلاً:
"إنتي تعرفيه منين يا جنا؟"
حسناً، الوضع دخل في منحنى خطير. وإن فتحت فمها وتحدثت بلقاء الأول بينهم، لن يخرج من هنا حياً. إيه كارثة وقع بها اليوم. ولكنه ليس وقت التفكير، لذا قال بسرعة:
"الآنسة كانت عندي في المصنع في دورة تفتيش وفحص تبع الجامعة، مش أكتر."
ضيق عبد الحميد مابين حاجبيه، ولكنه قال بتقرير:
"ومن الواضح إنه معرفتكم مكانتش مليحة أبداً."
ضغط على شفته السفلى، ثم قال وهو ينظر جهتها برجاء:
"أبداً مش كده يا حاج، بس مع تعب وسهر الشغل اتلخبطت وافتكرتها حد تاني، وشدينا مع بعض. يعني كان سوء فهم مش أكتر. وزي ما حضرتك عارف، يخلق من الشبه أربعين."
قال كلمته الأخيرة وهو ينظر جهتها برجاء. ليرتفع حاجبها ذهولاً:
"يالا وقاحته! أيتحدث هكذا بتلك البراءة ويهمش الأمر وكأنه شئ بسيط أو لم يفتعل فضيحة ليصبح هو وهي أضحوكة بمعنى الكلمة، أو لم يحرج نفسه ويحرجها بحركاته الطفولية تلك، والآن يقول بأنه سوء فهم ومجرد تشابه مع شخص آخر؟ وما الذي فعله وجعله أمراً في لائحة حياتها وقصة يتحاكى بها أساتذتها وزملائها؟ ياله من وقح حقاً! رفعت حاجبها وأنزلت الآخر لتقول بنبرة ممزوجة وبلهجة استطاع فهم معناها بدقة:
"لأ والله مش أنا. كنت حتى مضايقاك في أحلامك وزهقاك وجننتك."
رسم ابتسامة سخيفة على شفتيه ليجيبها بنفي:
"أبداً يا دكتورة. هو أنا كنت شفتك قبلها أصلاً؟ معلش سامحيني من فضلك."
هزت رأسها لتجيبه بهدوء:
"تمام."
يجب أن تنهي الأمر هنا، يجب أن تنهيه. وإلا من سوء حظه وحظها، وجود جدها. وهي أكثر من يعلمه. ربما يريق دماءهم جميعاً هنا. ولكنها تساءلت بتعجب:
"وإنت إيه جابك هنا؟"
أغمض عينيه ليجيب نبيل في هذه اللحظة:
"عندنا صفقة شغل وكنا جايين للمزرعة هنا، وطلبنا من الحاج عبد الحميد يوردلنا مواشي. وجايين مع للدكاترة البيطريين بتوعنا يطمنوا بنفسهم من الحاجة بس. ولحظنا قابلناكم مش أكتر."
ثم أكمل باسل بعقلانية:
"عذراً يا دكاترة على الإزعاج اللي عملتهولكم. بس واضح إنه إرهاق وقلة نوم وضغط الصفقة اللي فاتت طلع جنانه عليكم وجات فيكم. أسف، بعتذر للمرة الثانية."
هزت رأسه تمرر الأمر برمته. في حين حول باسم أنظاره بينهم. هناك شيء آخر، شيء عكس ما يقولون، شيء خفي، شيء يدور بالمنتصف وهو جاهل به. لذا قال:
"جنا، عاوزك."
ولكن قبل أن تتحرك، قصف آخر صوت كانت تتمنى أن يحضر تلك المهزلة، آخر شخص كانت تتمنى وجوده. فوجوده، أو بالأصح وجودها، سيفعل فضيحة أكبر مما تتخيل. حينما سمعت صوتها يهتف بشر:
"أشطا، يعني ده بقى بتاع الأحلام والأوهام؟ ويا ترى مين فيهم؟"
ثم أشارت جهة شخص بعينه:
"عرفته، أكيد هو ده."
ثم تحركت جهته قائلة بشر:
"إنت وقعت ولا الهوى رماك؟ أنا هوريك بقى النهاردة الأحلام على حق، بس هوريهالك في عز الضهر وهخليهالك تقلب كوابيس على دماغك."
ثم اقتربت منه ووقفت أمامه تقول بشر:
"تعرف تعد النجوم؟"
رأيكم في الفصل؟
باسل وعبد الحميد هيعدوا الموضوع؟
باسل الأمر ده عادي كده ولا هيتجنن تاني عليها؟
جنا هتعمل إيه؟
أميرة وفارس وشيرين هيعملوا إيه؟
مين اللي جه ده؟
هيورّي النجوم 😅😂😂
رواية ملكة قلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريان بطرس
تحركت لتقف أمامه، ثم نظرت داخل بؤبؤ عينيه قائلة بشر:
"إنت بقى بتاع الأحلام والكوابيس؟"
نفى برأسه، في حين كانت عيناه تتطلع بها. يا الله، كانت جميلة، بل بارعة الجمال، بشرة بيضاء فاتحة، عيون رمادية رائعة، وخصلات شعر سوداء تكاد تصل لنهاية خصرها.
أما هي، فحينما رأت تطلعه القريب بها، ارتفع حاجبها الرفيع بأناقة مع ابتسامة ناعمة، ثم كشفت بعدها عن أنيابها. لترفع ساقها ثم تنزلها على قدمه، تدهسها بكعب حذائها الرفيع. ليصرخ هو متأوهاً، في حين تغرز هي قدمها به أكثر وهي تقول:
"ما تفوق كده وأنا بكلمك، إنت هتنام؟"
اتسعت أعين الجميع، في حين تراجع فارس للخلف بخوف. أما باسل، فقد ازدرد ريقه برعب.
"ماتلك الفتاة؟ إنها حقاً مرعبة، أشبه بإحدى مصاصي الدماء."
في حين اتسعت عينيه أكثر وهو يجدها ترفع ركبتها تنوي ضربه بمعدته. هنا تحركت جنا تركض إليها، تقترب منها وهي تهتف برعب:
"نهلة! نهلة! اهدى! مش هو ده! مش هو!"
حولت عيناها جهتها بعدم تصديق، لِتُومئ برأسها بخوف، وهو يقول برعب على ذلك الشاب الذي أصبح يحتاج إلى قدم الآن:
"مش هو! والله مش هو! ابعدي عنه، إنتي خرمتيله رجله!"
تنفست بقوة لتبتعد عنه، في حين صرخ هو بتأوه يمسك نفسه بالكاد عن البكاء. أما هي، فمطت شفتيها ثم ضربته على صدره قائلة بلا مبالاة:
"معلش يا أخينا، جات فيك. ابقى أوعى من وشي المرة الجاية، أو متصاحبش حد عامل مصيبة."
اتسعت عينا فارس وهو يميل على أذن باسل قائلاً:
"يا أما! ده إيه ده؟ دي بنت دي ولا تكونش كلب صعران؟"
قضم باسل شفتيه يمنع نفسه من الضحك، ثم قال:
"ربك لما بيريد، بيسلط أبدان على أبدان."
ابتسم فارس ابتسامة عريضة يمنع نفسه من الضحك، في حين كانت هناك عيون أخرى تتابعهم لتبتسم هي الأخرى عليهم، وقد راقتها تلك الابتسامة البريئة والهيئة الرجولية الجذابة الخاصة به ووقاره الهادئ اللعين.
أما بالنسبة لنبيل، فحينما سمع كلماتها، صرخ بها بغضب:
"غوري يا بت من وشي، واعرفي إنك لولا بنت، والله ما كان فرق معانا إحنا فين، وكنت اديتك قلم عدلتك."
اتسعت عيناها بشر لتخرج منها كمما بركانية، وهي تقول بنبرة تنذر بشؤم:
"إنت واثق من الكلام اللي بتقوله ده يا شبح؟"
ارتفع جانب شفته العليا ليجيبها بسخرية:
"إنتي ليه محسساني إني بتخانق مع بلطجي في حواري بولاق؟"
اقتربت منه لتجيبه بشر:
"لا، ده إنت هتعرف بتتخانق مع مين."
هنا لم يستطع الصمت، ليضرب بعصاه أرضاً صارخاً بغضب:
"بس منك ليها! هو إنتوا محدش مالي عينكم ولا إيه؟"
رمشت بأهدابها ببراءة، لتلف رأسها قائلة برقة بريئة مزيفة، كبراءة الثعالب الماكرة:
"إنت مش سامع بيقولي إيه يا جدي؟ عاد دة بيقول إنه عاوز يضربني بالقلم وإنتوا واقفين! إيه؟ اسكت له؟"
اتسع فمه بصدمة من ذلك التحول الغريب عليها. أهي تتحول بالفعل أم ماذا؟ فالآن تحولت مائة وثمانين درجة، ليس فقط بلكنتها التي تحولت من لكنة قاهرية، لا، عذراً، ليست قاهرية، إنما لكنة إحدى خريجات السجون، إلى أخرى صعيدية! لا، بل وإنها رقيقة أيضاً، بها لمحة طفولية متذمرة، لمحة رقيقة غريبة. إيه الفتاة دي؟ في حين اتسعت أعين الجميع من ذلك التغيير العجيب لها. تلك الفتاة ليست سهلة، فهي تستطيع إدارة الجميع حول أصابعها.
ما أخرجهم من ذلك التحديق بها هو ذلك الصوت الساخر:
"وإنتي ما شاء الله، كنتي رقيقة وناعمة."
ثم أكمل بقوة:
"أمال فقرة عبده موتة اللي عملتيها دي تبقى إيه؟ إن ما كناش كلنا واقفين ومن غير أي أدب دخلتي في الراجل شمال وكأن مفيش رجالة مالية عينك؟"
زمت شفتيها بغيظ، وهو تقول:
"باسم! مش وقت الدور."
اتسعت عينيه من وقاحتها الغريبة تلك. تلك الفتاة ليست أخته، بل إنها لا تنتمي لعائلتهم أبداً. فذلك الإجرام الموجود بعينيها لم يره بعيني فتاة قط. أحقا هي أخته؟ ولم يجدوها على باب منزلهم صباحاً؟ ولكن ما يجعله يصدق أنها أخته هو لون عينيها المتقارب مع عينيه بشدة، يجعله لا يحتاج إلى تحليل. ولكنه قال بقوة:
"محدش محتاج يلم الدور ويغور من هنا غيرك إنتي."
اتسعت عيناها بغضب، لتصرخ به بشر:
"الكلام ده ليا أنا؟"
اقترب منها بخفة، وهو بالكاد يسيطر على غضبه مما يحدث الآن من إحراج أمام الأغراب. ليمسكها من ذراعها قائلاً بغضب:
"هتنجري وتغوري، وما تورنيش وشك لحد ما الناس تمشي، وإلا والله لكون رابطك دلوقتي وراميكِ في الزريبة وسط البهايم اللي إنتي منهم."
تراجعت للخلف بخوف، فأخوها حينما يغضب يصبح آخر شخص يفضل استفزازه، وهي أدرى الناس بذلك. فهو إن نفض عنه عباءة الوقار والاحترام الخاصة بالطبيب ولبس جلبابه الصعيدي، جعلها كجرذ في مصيدة. لذا يجب عليها الآن الخنوع، وألا تلقت أكثر أنواع التعذيب. وبالأخص حينما وجدت عيني جدها تناظرها بغضب أعمى بالكاد يكظمه.
لذا أومأت برأسها. ليأتيهم ذلك الصوت الهادئ من الخلف:
"سيبها يا باسم، هي ماشية. عيب كده."
لم يتركها أخوها، بل شدد قبضته على ذراعها أكثر، ليزداد نظراته إجراماً. لتبتلع هي ريقها برعب. ليأتيه ذلك الصوت الوقور من الخلف بهدوء، ولكن ظهرت به لمحة خفيفة من الحزم قائلاً:
"باسم!"
نفخ باسم بفمه بضيق، ليتركها على مضض. لتركض هي من وجهه برعب، تختبئ خلف ذلك الدعم الذي وصل الآن. ليربت هو على كفها قائلاً بحنو:
"امشي يا نهلة، روحي لأمك ومرات عمك وشوفي هما جهزوا الأكل للناس ولا لأ."
أومأت برأسها برعب، وهي تتابع نظرات الإجرام التي يرمقها بها أخوها، قائلة بخنوع خائف:
"حاضر يا عمي."
ثم لم تحتاج إلى شيء آخر لتركض من وجههم بسرعة، يتابعها زوج من العيون، أحدهما غاضب بشدة يخرج من عينيه حمماً بركانية، والآخر يتابعها بتسلية. وهو يجد طفلة تلعب ألعاباً صبيانية تشاهدها على التلفاز، لا تليق بها. ولكنك تستطيع أن تقول أنها تقحم نفسها بها لتجعلها كجزء صبياني من شخصيتها العنفوانية.
أفاق على ذلك الصوت الوقور لرجل كهل، أربعيني ربما، قائلاً بهدوء:
"حمد الله على سلامتكم، وبعتذر عن المواقف اللي حصلت دي."
أومأوا برؤوسهم، ليقول باسل بهدوء:
"الله يسلمك يا فندم."
ثم أشار ذلك الرجل جهة الشاب الواقف ليقول بهدوء، به لمحة خفيفة من اعتذار:
"بنعتذر عن الإزعاج اللي اتسببتلك وسوء الفهم، بس زي ما إنت عارف..."
لم يدعه نبيل يكمل، لِـيُومئ برأسه قائلاً بعقلانية نادراً ما يتحدث بها:
"حصل خير يا فندم."
ثم أكمل بمزاح:
"بس أتمنى إني أروح سليم لأمي، وكفاية رجلي."
ضغط باسم على شفته السفلى، في حين ظل عبد الحميد يطرق بعصاه أرضاً بغضب، يحاول السيطرة عليه، وقد ترك الأمر لولده. ليكمل الرجل بتهذيب:
"لا، متقلقش، إنت في عنينا."
ثم نظر جهة جنا قائلاً بهدوء:
"جنا، عاوزك."
أومأت جنا برأسها قائلة بهدوء:
"حاضر يا بابا."
شحب وجه باسل بعد تلك الكلمة. يا الله، إيه مصائب ستحدث الآن أكثر؟ في حين تابع الشباب ما يحدث بخوف، وهو يجده يتحدث مع ابنته بهمس، وهي تحاول شرح شيئاً ما بإشارات يديها وانفعالاتها الغاضبة الواضحة والمتوالية على وجهها. ليجدها تنظر جهة باسل مرة واحدة، ليتابع والدها عينيها، ثم أومأ برأسه وهو يربت على كتفها بهدوء. ثم جهر بصوته قائلاً:
"باسل بيه، لو سمحت، عاوزك."
ابتلع باسل ريقه، في حين نظر الجميع جهة بعضهم بخوف. يبدو أن هذا اليوم لن يمر مرور الكرام.
"باسل بيه؟"
صوت عزيز أحثه أكثر، ليتحرك جهته وهو يومئ برأسه، في حين نظر هو جهة الشباب قائلاً:
"اتفضلوا يا شباب، اتحركوا وخدوا نظرة في المكان."
على الرغم من لباقة حديثه، إلا أنه كان به بعض الحزم والشدة، وكأنه يأمرهم بشدة. ليبتعد الشباب ينظرون لبعضهم بخوف، في حين نظرت الفتيات جهة بعضهن البعض، لتتساءل أميرة بخوف:
"تفتكري جنا تكون حكتله على الموقف؟"
نظرت شيرين جهتها بخوف، وهي تجيبها بهدوء:
"بيتهيألي، بس الخوف مش من ده."
تنفست أميرة تجيبها بخوف:
"الخوف من رد فعل عمو عزيز مع اللي حصل، وكمان موضوع إنهم هنا بعد الموضوع ده."
أومأت شيرين برأسها، وهي تقول:
"ربنا يستر."
على الجانب الآخر، ظل كلا من نبيل وفارس يتابعون ما يحدث بخوف شديد من ذلك الرجل الوقور الذي لا يعلمون ماذا سيحدث إذا خرج عن هيبته. في حين وقفوا على أهبة الاستعداد لأي أمر طارئ. ليشير نبيل لفارس جهة الفتيات قائلاً:
"بقولك إيه؟ ماتروح تسألهم لو عندهم فكرة عن إيه اللي بيحصل، وهو عاوزه في إيه؟"
اتسعت عينا فارس ليلف برأسه جهته بضيق قائلاً:
"هي ناقصة؟ يقولوا ده بيتحرش بينا ولا بيرسم على واحدة فينا؟ كفاية بلوة واحدة بس، مش ناقصة أكتر من كده."
ثم رفع عويناته يفرك مابين عينيه قائلاً بإرهاق:
"أنا مش عارف إيه اللي جنني وخلاني أجي معاكم بجد، دي كانت رحلة سودا."
على الجانب الآخر، كانت هناك من تتابع انفعالاتهم خفية، وبالأخص صاحب النظارات الطبية، لتزفر بتعب. أما على الناحية الأخرى، وقف هو ناظراً جهته، يناظره بحدة قائلاً وهو يرفع إصبعه بتحذير:
"أظن إني محتاج تفسيرات واضحة وصريحة لكل اللي حصل، واللي بيحصل لحد دلوقتي، وإلا والله ما هتطلع من هنا سليم."
ازدرد ريقه برعب، ليومئ برأسه قائلاً بهدوء:
"اتفضل اسأل، وأنا هجاوبك بصراحة ومن غير كذب."
نظر له عزيز ليقول بقوة:
"عاوز أعرف كل حاجة."
أومأ باسل برأسه، ليفرك جبهته وقال بهدوء:
"أنا هقول لحضرتك، بس عاوز أقولك إني معنديش أي تفسير منطقي للي بيحصل، أو ليه، أو إزاي. أنا كل اللي أعرفه إني بشوف بنتك في حلمي من غير ما أعرف في الأول اسمها، يومياً بشوفها في أحلامي، أشمعنى هي؟ معرفش، وليه؟ معرفش. أنا ما اهتمتش بالأمر، قولت مجرد أحلام إرهاق، تعب. أهو بالنهاية حلم واحدة بتيجي تحكي لي اللي مضايقها، اللي أوقات أصحى فاكره، وأوقات ناسيه. حكت لي إنها في بيطري، إنها خايفة من الامتحانات، إنها جاي لها عريس. أهي أحلام."
ثم صمت، ينظر أرضاً، وبعدها أكمل بهدوء تحت نظراتها المتعجبة:
"رغم إني ما أخفيش عليك سر، إني أنا اتعلقت بيها، بس ما اهتمتش الاهتمام الكامل، لحد ما في يوم اتفاجئ بيها موجودة في قلب مصنعي، في مكاني، مع الفريق اللي جاي، واقفة قدامي بكل هدوء ولا مبالاة. إذا هي حقيقة مش مجرد حلم؟ لا، وفعلاً في بيطري! إيه هو عمل معمول لي منها ولا إيه؟ وليه؟ ف طبيعي كنت هتجن. هي بتلعب بيا مثلاً؟ ف جريت عليها، ف ابتديت أتخرف بالكلام، بس اللي جنني أكتر إنها بتحلف إنها متعرفنيش، ولا عمرها شافتني. وابتدت تزعق. وأنا مع كلامها اتجن أكتر. لما هي متعرفنيش؟ أمّال إزاي أعرف عنها كله ده؟ طب إن كان تخاطر أرواح زي ما حد من أصحابي قال لي، يبقى ليه التخاطر ده مش مشترك؟ ليه هي مش عارفاني؟ بتكدب مثلاً ولا بتلعب بيا؟ وإشمعنى هي؟"
ثم صمت لبرهة من الزمن، يزفر أنفاسه بتوتر، بضيق، بغضب، بخجل. ولكنه أكمل أخيراً:
"طبيعي بعد ده كله اتجن، وابتدى أزعق من اللي بيحصل معايا، لحد ما هي مشيت. وأنا قولت خلاص، أهو حلم، وما دام معايا أنا، ف خلاص، مجرد حلم وهيعدي، ومش هين إني تاني مع حد، إذا كان هي ولا غيرها. لأن مش شرط اللي أعرفه أو اللي أتعلق بيه يكون حقيقي، لأنه بالنهاية حلم، وصادف إنه مع واحدة حقيقية، وبس كده، طويت الصفحة دي من حياتي."
كانت هي تتابع ما يحدث بتدقيق، عيناها تتابع اختلاجات وجهه، ولكنه حينما أنهى حديثه، أومأت برأسها لِتُربع يديها، وهي تقول بضيق:
"آه، علشان كده جيت ورايا؟"
نفى برأسه، وخجله واحمرار وجنتيه يتضاعف من ذلك الموقف المحرج الموضوع به الآن، كطفل صغير يقف معاقب بمحضر أبيه على جرم تعديه على أحد أصدقائه بالمدرسة. ليجيبها بهدوء:
"أبداً والله، ده كله محض صدفة. أنا من الأساس بابا طردني تقريباً من الشغل علشان الموقف اللي حصل. وبعدها طلب مني نبيل أشوف مكان نورد منه، ورفضت، وتقدروا تسألوه. ولما بابا اتصل إني أشوف مكان، وأهو أغير جو وأفضل بعيد عن الشغل فترة وأريح أعصابي بعد الموقف اللي حصل معاكي، واللي في عرف توفيق بيه فضيحة. فلقيت الأفضل إنه مزرعة العربي اللي في المنيا."
ثم رفع وجهه لها متسائلاً:
"وأنا إيه عرفني إنك عندك أهل هنا، أو إنك جايه النهارده؟ وأنا معرفش أصلاً إذا كنت عايشة في مصر ولا المنيا؟ زائد إني مش هورط نفسي بصفقة جامدة علشان بس أشوفك. أنا جاي في شغل، والدليل إني مدورتش عليكي. أنا كنت واقف مع دكتور باسم والحاج عبد الحميد لحد ما جه حد وقال فيه مشاكل مع فارس."
مطت شفتيها تقول بضيق:
"مش ممكن تكونو مظبطينها؟"
نفى برأسه وهو يقول بصدق:
"أقسم لك إني معرفش إن فارس جاي معانا غير النهاردة في العربية، اللي هي أصلاً بتاع نبيل، وقال إنه جاي يغير جو، رغم إني متوقع إن بابا طلب منه كده علشان خايف يكون عندي هلاوس أو توتر عصبي، وخايف إني أعمل مصيبة، فجايبه كنترول. لكن والله أنا معرفش عنك أي حاجة، وأول مرة شفتك فيها كان في المصنع."
نظرت له تتفرس بملامحه. لا تنكر أن كل ما به ينطق بصدق، ينطق باحترام وخلق ليس له مثيل. كل ما به يوضح أنه شاب عاقل. إذاً، لما؟ لما يفعل هذا؟ أفاقها من أفكارها صوته متسائلاً بتوتر، خجل:
"هل عندك أي تفسير للي بيحصل معايا؟ ليه إنتي؟ واشمعنى إنتي؟ هل عندك تفسير ليه بتيجي بأحلامي؟ وأقسم إن أنا مش كداب. هل عندك تفسير علمي أو منطقي للي بيجري معايا ده؟ وليه بقيت أصادفك؟ أنا مش فاهم، واللي بيحصل معايا عصي على الفهم بالنسبة لي، وهيخليني أتجن. فهل عندكم تفسير؟"
جملته الأخيرة قالها وهو ينظر داخل عينيهم، بعينيه التي تمتلئ بالأسئلة، التوتر، الخجل، وأيضاً التيه الشديد. ليظل ينظر إليه عزيز يتفحصه بهدوء وروية، يستشف كذبه من صدقه. ليزفر بالنهاية أنفاسه، ثم ربت على كتفه قائلاً بمؤازرة:
"بص يابني، أنا معنديش تفسير للي بيحصل معاك، واشمعنى بنتي. فيه أمور كتير بتحصل في الكون ده بتبقى خارج فهمنا إحنا كبشر. لكن كل اللي أقدر أقولهولك إنه الحلم مش شرط يبقى واقع، حتى وإن صادف فيه حاجات صح، هيفضل في النهاية مجرد رواية أسسها عقلك الباطن. فمتتمشيش وراه، لأنه أوقات بينسج ليك الخيال اللي إنت ممكن تصدقه، وممكن يسحبك فيه لحد ما يدمرك. ومن بينهم الغيبوبة اللي بتحصل لسنين، لأن ناس سلموا لواقع رسمه لهم عقلهم. فإنسى يابني وعدي، وزي ما إنت قولت، مجرد حلم وصادف إنه فيه شئ من الحقيقة."
رفع أنظاره له قائلاً بتيه، كأنه غريق يبحث عن طوق نجاة من وسط تيارات أمواج عاتية قادمة من حياته:
"وكل يوم يا عمي نفس الشخص تقريباً، يومياً."
نظر له عزيز بشفقة، ليجيبه بهدوء:
"يمكن محدش يعرف بكرة مخبي إيه."
ثم نظر له ليكمل بقوة وتحذير:
"أنا جنا بنتي، هي بنتي الوحيدة، والدنيا كلها متكفيهاش. ولولا إني لمست فيك الصدق والتعب من اللي بيجري معاك، أقسم لك إني كنت دفنتك مطرحك على اللي حصل منك ووجودك هنا. علشان كده، إنت حظك إني صدقتك. لكن لو حصل موقف مشابه، أقسم لك أنا..."
قاطعه باسل بهدوء:
"حقك، وأي حاجة كنت هتعملها من حقك، دي بنتك الوحيدة."
ثم رفع أنظاره لها ليقول برقة:
"ودي لو كانت بنتي، كنت هديت المعبد على راس أي حد يقرب منها."
أومأ عزيز برأسه، في حين تطلعت هي له بهدوء. هو غريب عجيب بالفعل. ماذا يريد؟ وعن ماذا يبحث؟ وخلف ماذا يركض؟ لا تستطيع التفسير أبداً ولا الفهم. في حين قاطع تأملها صوته هو، وهو يقول في حين ينظر جهة والدها:
"أوعدك إني مش هحاول إني أعترض طريقها أبداً، ولو حتى صدفة. ولو حصل يبقى اعرف إنه كان برة إرادتي. لكن من النهاردة مش هتشوف وشي تاني."
ثم ابتسم قائلاً بهدوء:
"وأظن من وسط ملايين البشر، من وسط كل الأماكن، مش هتصادف فيا أنا."
أومأ عزيز برأسه، في حين تحرك هو بهدوء جهة أصدقائه، لتتابعه بعينيها إلى أن ابتعد. ثم نظرت لوالدها متسائلة بتعجب:
"إنت مصدقه بجد؟ مش معقولة تكون مصدق الهبل ده؟"
ابتسم لها ليجيبها بهدوء:
"مع إن الكلام غير عقلاني ومفيهوش أي منطق، إلا إن فيه حاجات حوالينا بتبقى خارج حدود المنطق، والواد مبيكدبش بكل ما فيه. وشيبتي مش من فراغ."
نظرت له لتتساءل بتعجب:
"يعني إيه؟"
نظر لها ليجيبها بهدوء:
"يعني مؤلف القلوب ربنا."
ظلت تنظر له لتتساءل بتعجب:
"مش فاهمة."
ابتسم بوجهها بهدوء، ثم أجابها ببساطة:
"كل حاجة هتبان في وقتها."
ثم رفع صوته قائلاً بهدوء:
"بعد أن تركها وذهب تجاه ذلك الذي ذهب لأصدقائه."
"ناوي على إيه يا باسل بيه؟"
نظر له ليجيبه بهدوء:
"مروح."
نفى برأسه مجيباً بهدوء:
"لا، مش لازم النهاردة. الليل هيليل والنهار له عينين. باتوا هنا والصبح امشوا، لأن الطريق طويل."
التف له باسل بتعجب، ثم أجابه بهدوء:
"لا، مش هينفع."
أومأ عزيز برأسه مجيباً ببساطة:
"إنت زي باسم عندنا، مينفعش تسافروا الطريق ده كله بالليل في الصحرا. الطرق مش أمان. باتوا النهاردة وبكرة اطلعوا."
نظر هو لأصدقائه، ليميل نبيل عليه قائلاً:
"بصراحة، أنا مش قادر أسوق. لو عاوز تروح، سوق إنت أو هو."
في حين قال عزيز:
"ولا إيه يا حاج؟"
أخيراً خرج عبد الحميد عن صمته المطبق قائلاً:
"اللي قولته يا ولدي، مفيش بعده. مينفعش السفر. إحنا مش جللات أصل ولا معندناش مكان. البيت كبير، وهما في عنينا."
ابتسم فارس قائلاً:
"ده من ذوقك يا حاج."
ليبتسم له عبد الحميد. ثم جهر بصوته لتحضير غرف لهم، في حين قال لحفيده:
"باسم، يدك معايا يا ولدي، اسندني، علشان فيه حد عاوز تربية. والواضح إني جللت فيها، فتعالى نربيه."
طحن باسم أسنانه، وقد فهم أين يرمي جده كلماته، ليومئ برأسه قائلاً بهدوء وهو يتمسك بيد جده يسنده:
"أمرك يا جدي."
في حين اتسعت أعين أحدهم، وقد فهم أين يرمي بكلماته، ليغم وجهه بضيق. أما عزيز، فجهر بصوته قائلاً:
"جنا، روحي خليهم يحضروا أوضة للضيوف."
نظرت له بصدمة لتجيبه برفض:
"لكن يابابا."
"جنا!"
كلمته الأخيرة جعلتها تبتلع اعتراضها، لتتحرك جهة المكان الذي يريد. تتبعها شيرين لِتَتَوقف أميرة ترمق أحدهم بعينيها بهدوء وتمعن، ثم ركضت تتبعهم، وقد أضحى الوقت بإن الطرق بدأت تتفرق.
رواية ملكة قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريان بطرس
نظروا لبعضهم البعض بعد ذلك العرض من ذلك الرجل الوقور.
قال نبيل: "وبعدين يا باسل هنعمل إيه؟"
وقف باسل ناظرًا أمامه ثم أجابهم بفتور: "ولا أي حاجة. هنبات ونمشي الصبح. هنعمل إيه يعني؟ حد عنده فكرة تانية؟"
مطّ فارس شفتيه ليجيبه بهدوء: "أنا معنديش مانع، بس أهم حاجة مش عاوز مشاكل."
أومأ برأسه بهدوء ليتحرك من المكان، حينما هتف نبيل من خلفه بخوف: "رايح فين؟"
التفت لينظر له ليجيبه بهدوء: "هتمشي."
ثم أشار جهة أرض زراعية خضراء وهو يقول: "هقعد هناك على الزرع ده وأشوف بالمرة الغروب."
أومأ له برأسه ليقول: "بس ماتبعدش."
أومأ برأسه في حين تحرك فارس ليتبعه. ليبتسم هو ابتسامة جانبية وقد شعر بملاحقته له، ليقول بهدوء بعد أن جلس على العشب: "كنت حاسس برضه إنها مش رحلة، وبابا باعتك معايا تراقبني لأنه شايف إن تصرفاتي مشكوك فيها."
نفس الهواء من أنفه بإرهاق ليقول بهدوء وهو يجلس بجواره: "مش بالظبط. هو قال لي، بس أنا كنت فعلاً محتاج أغير جو وأبعد عن الزحمة والمدينة، فما صدقت. لكن خليك واثق فيا، إنت مش مجنون، بس اللي بيحصل معاك شيء غريب. يمكن بيمر بين واحد في المليون."
ابتسم ساخرًا له ليجيبه وهو يتكئ بظهره على إحدى الشجرات خلفه وينظر للسماء بالأعلى: "وتفتكر إن أنا مبسوط كون إن أنا بيحصل معايا حاجة نادرة؟ تفتكر إنه حاجة مريحة إنك تحاول تتجاهل حاجة بتحصل معاك وتتفاجئ يوم بعد يوم إنها بتزيد وإنها حقيقة؟ وانت بتحاول تتعايش مع الواقع ده وتتجاهله وتعتبر إنه ولا حاجة؟ تفتكر إنه شيء عادي؟ تفتكر إن السيطرة على أعصابك في وجود مهلكها ده أمر طبيعي؟ تفتكر إنك مبتقعدش غصب عنك تفكر: اشمعنى أنا، واشمعنى هي، وليه ده؟ تفكر طيب أقرب وأفهم ولا أبعد وأتجاهل؟"
ثم حول أنظاره له قائلًا بتعب: "وحتى لما تبعد وتتجاهل على أمل إن الموضوع يتدفن وينتهي، ما بينتهيش."
أغمض عينيه ليفتحها قائلًا بتصميم: "أنا مش هكرر اللي حصل تاني يا فارس. اتطمن، أنا مش هتعرض لها حتى لو شفتها قدامي. بل بالعكس، أنا هحاول أبعد وأتجاهل وأعمل نفسي ولا كأن حاجة حصلت. بس اللي هيجنني، كل حاجة حقيقية يا فارس. حقيقية ما فيهاش ذرة شك. أنا خايف فعلًا لأكون مجنون. أنا خايف لأكون مريض. خايف إنه يكون أوهام برسمها من نفسي وأتوه في قلبها يا فارس."
صمت لبرهة من الوقت ليقول بعدها بألم ورعب: "أنا حاسس إني بضيع من نفسي يا فارس. حاسس إني بتوه مني. خايف إن بعد كده أكون برسم أحلام وأطلع في الآخر مريض انفصام أو هلاوس أو أي شيء تاني. أنا مرعوب يا فارس. مرعوب مني. حاسس إني مبقتش عارفني."
ظل فارس صامتًا يستمع إليه بإنصات. كم يؤلمه قلبه على صديق عمره، كم يؤلمه حيرته، كم يؤلمه تيهه. باسل هو أكثر شخص يعرفه لا يحب الأمور العجيبة، لا يحب أن يكون موضع شك أو تركيز من أحدهم، لا يحب أن تكون تصرفاته مشكوك بها. هو أكثر الناس عقلانية واحترامًا وأكثرهم اتزانًا، ولكنه الآن أصبح كمجنون بالنسبة للجميع. ولكنه أصمت أفكاره ونظر له ثم قال بعدها: "انت مش واثق فيا؟ ثق إن أنا بقولك الحقيقة. انت تمام، مفيكش أي حاجة، وإن شاء الله تكون تجربة وهتعدي. محدش عارف الدنيا مخبية إيه، بس أهم حاجة حافظ على هدوئك وكأن مفيش حاجة."
أسند رأسه للخلف واغمض عينيه ثم قال بتعب: "القول أسهل من الفعل بكتير. أنا تعبان يا فارس. تعبان أوي ومش عارف أعمل إيه. والله أنا مش هتعرض لها وأنا وعدت بكده. لكن اللي أنا فيه هيخلي دماغي تشت مني."
ضحك فارس وهو يقول: "ذنب ناس بتخلصه ناس."
فحّ عينيه له بتعجب ثم تساءل وهو لا يستطيع فك شيفرات حديثه: "تقصد إيه؟ مش فاهم."
زرع عينيه داخل عيني الآخر وهو يجيبه بكلمة واحدة: "ليليان."
ظل ينظر له لبرهة ليحول عينيه بعيدًا ثم أنزل عينيه ينظر أرضًا يتلاعب بإحدى القشات التي بيده، قائلًا بهدوء: "مش هكدب عليك وأقولك إني مش ملاحظ. أنا مش غبي وأنت عارف. بس مش هقدر أديها أمل كداب أو أحقق لها حلمها وأعيشها في وهم ومش هتطول منه حاجة وهتفضل تتعذب معايا بالبرود، لأنني بالفعل معنديش حاجة ليها."
ثم رفع عينيه له قائلًا بتصميم ونبرة موحية: "دي ليليان يا فارس. ليليان مش أي حد.. ليليان بالنسبالي زي جميلة بالظبط. مقدرش أفكر فيها بطريقة تانية. حاولت والله حاولت، بس معرفتش ومش قادر أصدمها وأجرحها بكلامي. فبحاول أتجاهل الموضوع، بحاول أفهمها بالذوق إني مش شايفها غير أختي وبس، وسايبها لحد ما تفقد الأمل مني وتنسى من نفسها."
ظل فارس ينظر له ليقول بهدوء: "بس ممكن متفقدش."
أومأ برأسه قائلًا: "هتفقده يا فارس. محدش يقدر يعيش في الزاوية طول حياته. ومقدرش أواجهها، مقدرش أحرجها، مقدرش أعريها من مشاعرها بالطريقة القاسية دي وأفهمها بوقاحة إني مبفكرش فيها. أنا كده بدمرها. بدمر ثقتها بنفسها، أنوثتها، غريزتها، قلبها، عشقها، وإيمانها. أنا محطوط في زاوية مش عارف أتصرف فيها، فبحاول أظهر لها اللي حاسه وبس."
ظل ينظر له لبرهة ليقول بعدها بمرح: "بس بذمتك مش بتحس بالغرور لما تلاقيها بتعشقك كده وبتحاول بكل اللي تقدر عليه تبين لك حبها وانت تقيل وراسي كده؟"
رفع أنظاره له ليجيبه بما صدمه حقًا: "لا، بحس بالقرف من نفسي."
ارتفع رأسه له بصدمة فعلية هذه المرة وهو يتساءل: "إيه؟"
أومأ برأسه وهو يقول: "آه. هيبقى إيه إحساسك وانت السبب في وجع حد قريب منك وهو بيحاول يثبت وجوده في قلبك وانت مش عارف تعمله حاجة؟ عامل زي اللي بيغرق بسببك وانت الوحيد اللي في إيدك طوق نجاته، لكن مش عارف تنجده. بس واقف تتفرج على عذابه وهو بيغرق. لا انت قادر تنقذه وتديله اللي عاوزه، ولا انت قادر تواجهه بالحقيقة وإن البحر ده من خياله هو. فـ تفتكر هتحس بإيه وانت عامل نفسك مش شايف ألمه وبتحاول تتعايش معاه؟ الموضوع بيوجعك زيه بالظبط، بل بالعكس أكتر منه."
نظر له فارس بألم. حسنًا، هو يعلم باسل جيدًا، يعلم احترامه، كبرياءه، ونزاهته. يعلم مشاعره الرقيقة الموجودة داخل ذلك الصدر العضلي القوي المتحجر. ربما يراه البعض مازحًا لاهيًا، ولكنه ليس هكذا. إنه مراعٍ لأبعد الحدود، وأكثر ما يثبت ذلك هو حديثه هذا. إنه حقًا رجل ليس له مثيل. وهو أكثر من يوقن أن رجلًا بهكذا مشاعر راقية رقيقة حينما يقع بالحب سيصبح روميو جديدًا، أو مجنونًا آخر، أو كقيس من نوع جديد، قيس عاشق لليلى أخرى.
ولم يستطع أن يخبئ حديثه وتفكيره ليقول: "يابختها ليلى اللي هتقع في حب قيس زي ده. الروايات هتكتب عنهم."
ابتسم ساخرًا وهو يقول: "هتكون موجودة ليلى وهيعشقها، بس أما يتخلص من لعنة أحلامه، بدل ما ينام جنبها تلاقيه يخترف باسم واحدة تانية وتقول: بيخونى."
لم يستطع سوى أن يضحك بألم على حال صديقه، ليربت على ساقه قائلًا: "هتمر، صدقني هتمر. أزمة وهتعدي، وبكرة تقول: فارس قال."
نفخ بفمه بضيق وهو يقول بإرهاق ويأس: "ولا متعديش."
ظل ينظر إليه فارس بألم، ولكن لم يملك رفاهية الحديث أو الكلام، لذا صمت ينظر له بحزن. وقد قرر في تلك اللحظة أنه لن يفعل شيئًا سوى المراقبة، مراقبة تغير الأحداث في تلك الحالة النادرة التي تقع أمامه بفعل إلهي لا يستطيع فعل شيء بها. فقد تقررت وحسم الأمر، لذا لا يجب التدخل حتى لا يفسد شيئًا بها، وليتابع ما يحدث بهدوء.
***
كانت تنظر أرضًا في حين كانوا يطلون عليها، ينظرون جهتها بغضب أعمى. سيقتلها قريبًا، ولهم كل الحق في ذلك، فهي قد أزادت ما فعلته حقًا هذه المرة، ولم تحترم وجودهم أو تحترم الضيوف بمنزلهم. ظنت نفسها من الشجاعة بحيث أن تفعل ما فعلت، ولكنها إن أظهرت شيئًا، فهي أظهرت غباءً ووقاحة وطفولية بلهاء ليس لها مثيل. فهي قد أهانت نفسها وكرامتها قبل أن تهينهم أو تسئ إليهم.
أغمضت عينيها وهي تستمع لصوت جدها يهتف بغضب: "إيه اللي عملتيه ده؟ إيه؟ مفيش خشى ولا احترام خالص؟ إيه؟ الدم راح من وشك ومعادش فيه دم أصلًا؟ رايحة تمدي يدك على الراجل في بيتنا وجدامنا ده؟ لولا إنه راجل محترم وابن ناس ولولا وجودنا كان مد يده عليكي ولا حدش كان منعه؟"
رفعت نظرها له بخجل لتقول باستعطاف: "يا جدي."
ضرب بعصاه أرضًا بغضب وهو يقول: "بلا جدي بلا بتاع."
ثم بدأ يوّكزها بعصاه في صدرها مع كل جملة لتتأوه هي بألم وهو يقول: "إيه الخشى والاحترام راح من وشك؟ معادش فيه دم خالص؟ مربيين بلطجي في البيت ودي طريقة تتحدتي بيها مع حد؟ تتلمسيه وتخبطي على صدره وتجولي يا شبح ومعرفش إيه ده؟ إنتي ماشوفتيش تربية؟"
ضغطت هي بأسنانها على شفتها السفلى من الألم والخجل. حسنًا، هي أزادت جرعة الوقاحة بالفعل هذه المرة، وانتهى الأمر. والأدهى أنها فعلتها أمام جدها وأخيها. لينتهي بها الأمر هكذا. إن لم يحبسها جدها في مزرعة المواشي، يكون بالفعل رحيمًا بها. فهو أقل شيء.
لفت بجانب عينيها تنظر جهة باسم لتجده ينظر لها بملامح مخيفة وقد اسود وجهه من الغضب الأعمى. أغمضت عيونها برعب. لن يمرر الأمر، لن يمرره مرور الكرام. تعلمه جيدًا غضبه، استحالة السيطرة عليه. ربما صامت الآن فقط لاحترام جده، ولكنها تعلم بأن بداخله مرجل مشتعل أقوى من ذاك الذي يقبع داخل عبد الحميد العربي. فهي كنهلة علوان من وجهة نظره أهانت نفسها وأهانت والدها وعائلتها. والأدهى أنها أهانته هو شخصيًا، أهانت وجوده واحترامه ورجولته بما فعلته. أصبحت كفتاة من الشارع وليست ابنة لعائلة محترمة. ربما يفكر بأنه لو كان رآهم أحد من الرجال لأصبح اسمهم لفترة طويلة بين القيل والقال، وأن ابنته علوان ذهبت إلى القاهرة لتعود أخرى غير محترمة بالمرة، تتلامس الرجال وتتواقح معهم بالحديث وتفتعل فضائح ليس لها داعي، ومؤكد رآها أحد العمال الذي سيتحدث عنها ويصبح أخوها بلا أدنى كرامة أمامهم.
أفاقت على صوت جدها يقول وهو خارج: "أنا تعبت منك ومن تصرفاتك. أسيبك وأغور بدل ما أنجلط."
اتسعت عيناها برعب وهي تجده قد تركها وحدها مع تلك النار الحارقة. فقد استوحشت عيناه في تلك اللحظة وكشر عن أنيابه مقتربًا منها بغضب. ارتعدت من منظره لتعود للخلف برعب إلى أن اصطدمت بالحائط، لتجده يطالعها وهو يقترب منها بهدوء وكأنه يستمتع بالرعب الواضح على وجهها. وما إن اقترب منها حتى لفت وجهها وحاولت الخروج من الباب لتجده بسرعة يمسكها من يدها يلفها خلف ظهرها قائلًا بنبرة ساخرة لم يستطع إخفاء غضبه الهادر من خلالها: "على فين يا شابة؟ مش نتحاسب الأول؟"
دق قلبها وهدر برعب كعصفور وقع بمصيدة صياد منتظر مصيره المحتوم، لتجيبه برعب وصوت متلعثم: "رايحة لماما إسعاد."
ابتسامة... إن كانت بالفعل تسمى ابتسامة، إنما هي كانت التواء غاضب بفمه. رسم ابتسامة سوداء متوعدة على شفتيه وهو يهز رأسه نفيًا. لا تعلم ماذا ينفي بالضبط وهو يجيبها بهدوء ما قبل العاصفة: "ما كان من الأول كنا زي أي بنت محترمة نقف مع أمها ونحترم رجالتها بدل ما هي عايشة دور البلطجية كده. بس إزاي؟ لازم نعيش دور مختلف."
ثم أكمل بهدوء وبساطة وكأنه يفهم ما يدور برأسها جيدًا: "متبقيش نهلة العربي وانت عايشة دور المكسورة. لا، لازم تباني قوية وثابتة ومسيطرة على مجرى الأمور، وفي وجودك محدش يقدر يلمسك أو يلمس اللي ليكي، صح؟"
ابتلعت ريقها وقد التمست الأمان بهدوئه وحديثه، لتلف وجهها تجاهه قائلة بهدوء معتذر: "باسم أنا..."
وما لم تكن بحسبانه هي تلك الصفعة التي سقطت على وجهها بغضب أعمى، ولم تكن متحضرة لها. لتقف مكانها متخشبة بصدمة متسعة العينين. لم تدري ماذا تفعل، ولكن الألم المصاحب لها جعلها ترفع يدها لا إراديًا تضعها على وجنتها، بينما عيناها المتسعة لم تفارق عينيه بألم. أصفعه حقًا؟ أفعلها أخوها الحبيب سندها وظهرها بهذه الحياة؟ صفعها بكل ذلك الغضب الذي بداخله، وهي من تتلمس به الأمان؟ هي من تركض نحوه يصفعها هكذا بعد أن أعطته الأمان؟ ولفت وجهها تجاهه يخون أمانها بصفعته تلك؟ لم يفعلها من قبل حقًا، لم يفعلها. ربما كان يغضب عليها، يصرخ بها، يؤنبها، ولكن لم يصل لمرحلة أن يتجرأ ويرفع يده عليها أبدًا. هي لم تره هكذا ولم تكن لتراه. فهو أمانها بهذه الحياة، هو ثقتها بالكون كله، هو من كانت تحتمي به حتى من جدها ووالدها. يفعل بها هكذا؟ لم تؤلمها الصفعة على الرغم من شدتها بقدر ما ألمتها أنها منه هو، أخوها الأكبر، محبوبها ومعشوقها ومثلها الأعلى بهذه الحياة، أمانها وثقتها بالجنس الرجال أجمع. خبرتها بالحياة وصديقها الأقرب، على الرغم من مناوشاتهم، ولكن يبقى هو الأهم والأقرب لها أكثر من أي أحد. ولن تكذب إن قالت إنه الأقرب لقلبها أكثر من أبيها، لأنه الأقرب لها في كل وقت وأي وقت. والآن يصفعها؟ لم تؤلمها صفعتها على وجهها بقدر تلك الصفعة التي حلت بقلبها وتركته مفتتًا لأشلاء.
أما هو، فوقف للحظة مبهوتًا مما فعله، وكأن شخصًا آخر تلبسه ليفعل هذا. أفعلًا صفع شقيقته الصغرى؟ أصفع مدللته ومدللة العائلة كلها؟ أكسر روح الحياة في عائلته؟ يعلمها جيدًا، يعلم أنها حياة لمن يقترب منها وتكره الذل والهوان والخنوع. يعلم أنها تعشق المرح والحياة والضحك. تمقت العادات التي تحط من الإنسان ومن كرامته لأجل أحاديث الناس. يحفظها جيدًا ويحفظ أباءها، ولكن ما فعلته كان بالنسبة له لا يغتفر. فهي لم تحترم وجوده أو وجود جده، لم تحترم وجود الناس الذين يقفون ليشاهدوا ما يحدث، ليتحرك بعدها الأقاويل عنها، عن أخته التي تجرأت وضربت إحدى الشباب الضيوف بمنزلهم دون أن يفعل لها شيئًا، وبوجود رجالها. لذا غضب. ربما هو يتحدث القاهرية أحيانًا، ربما هو متعلم ومعه أعلى الجامعات، ولكنه.. ولكنه لم يخلع جلبابه الصعيدي أبدًا، ولم يترك عاداته التي تربى عليها. ستبقى بداخله مهما تمدن، ستبقى أساساته واحدة ومبادئه وما تربى عليه بداخله لن يخرجها محيًا، لأنه يعشقها. هكذا هو رجل شرقي وسيبقى هكذا مهما حدث. لذا عليها أن تعيش حياتها حتى بالتمدن.
نظر لها بألم ولكنه أجلى حنجرته ليكمل بذات الغضب وكأنه لم يفعل شيئًا للتو: "ارتحتي؟"
ارتفع وجهها له بصدمة ليومئ برأسه مكملًا: "أه. عرفتي آخر الجبروت بتاعك إيه؟ ارتحتي لما مديتي إيدك عليه؟"
اتسعت عيناها أكثر من كلماته الغير مترابطة ليومئ برأسه وهو يقول بقوة: "تفتكري لو كان عمل اللي أنا عملته ده دلوقتي من غضبه كان إيه اللي هيحصل؟ هااه؟ كانت قامت القيامة واتفتح بحر دم. إنتي السبب فيه بجبروتك بوجودنا كلنا. رايحة تتهجمي على راجل لا تعرفيه ولا يعرفك ولا عمرك شفتيه ويطلع في الآخر..."
ابتسم ساخرًا وهو يكمل: "غلطتي في العنوان. يعني اتهجمتي على واحد طلع ملوش علاقة بالليلة كلها ولا عمرك تعرفيه ولا اتعاملتي معاه ولا تعرفي حاجة عن الموضوع أصلًا. ورايحة تتواقحي وتتخانقي وتمدي إيدك عليه، سواء بالضرب أو بالتريقة بإنك تهزري معاه وتقولي يا شبح ومعرفش إيه؟ تفتكري لو واحد تاني مكانش عنده عقل أو صبر أو ذرة تحكم في أعصابه كان عملك إيه؟"
نظرت أرضًا ليكمل هو بغضب مكتوم: "حاجة من الاتنين، يا زاحك وقعك، وساعتها هتقوم خناقة عشان قرب منك. أو يا أما في أسوأ الأمور كان مد إيده عليكي وكانت قامت وقتها مجزرة. والسبب في ده كله مين؟"
ثم رفع وجهه لها صارخًا بغضب: "إنتي بكل وقاحتك وجبروتك. تفتكري بقى مين اللي غلطان في الموضوع ده؟"
تشوشت الرؤية أمامها لترف بعينيها تسقط تلك الدمعتين، في حين أكمل هو بلا مبالاة بوجعها: "القلم ده هيفوقك ويعرفك إزاي تتصرفي بعد كده. يعرفك إن لكل فعل رد فعل قدامه وتحسبي فعلك ده الرد قدامه إيه في أسوأ الحالات. يعرفك إن دراعك اللي فرحانة بيه ده هيجيبلك الوجع الأكثر منه وممكن يتكسر لو مديناه على حاجة أقوى منه. يعرفك إنك تستغلي الجزمه اللي في راسك دي وتدوريها عشان تعرفي حدود تعاملك مع الناس."
ثم اقترب منها بخفوت مكملًا بألم: "أنا مش في كل لحظة هكون معاكي أحميكي من تصرفاتك الطايشة دي، ولا كل مرة هتسلم الجرة. فـ لازم تفكري بعقلك شوية، مش كل حاجة تاخديها على صدرك. واحمدي ربنا إن القلم ده جه مني أنا، لأن أنا اديتهولك لأني بحبك وعاوز أفوقك. أفضل ما يجيلك من غريب يهين كرامتك والله أعلم يعمل معاكي إيه."
ثم دون كلمة أخرى تركها وذهب، لتسقط أرضًا تبكي بحرقة، في حين تحرك ليخرج يغلق الباب خلفه، ثم وقف وراءه يستمع لشهقاتها وبكاءها بألم وهو يحني رأسه وقد لمعت عيناه بدموع أبى أن يذرفها.
لم يكن يتمنى أن يفعل هذا، لم يكن يتمنى أن يمد يده عليها يومًا، ولكنها بعنجهيتها وسوء تصرفاتها جعلته يفعل ما فعل، جعلته يؤلمها بالحديث أو باللمس، ولكنه لم يكن يتمنى ذلك حقًا، فـ وجعها هي بالنسبة له يحرقه حيًا. فهي ليست أخته الصغرى فقط، إنما صديقته وأخته ومدللته والمشاكسة التي دائمًا ما يخرج من همومه وإرهاقه بالمشاكسة معها. ولكن كان عليه أن يفعل هذا حتى تفيق. ربما الأمر لا يستدعي هذه المرة، ولكن من يعلم ماذا ستفعل في المرة المقبلة وماذا سيكون رد فعل من أمامها على أفعالها. لذا لابد أن يفيقها أحدهم.
أفاق على تربيت على كتفه وصوت حزين قائلًا: "مكانش المفروض تعمل أكده يا ولدي. الموضوع مكانش يستاهل كل ده."
نفى برأسه قائلًا بألم: "غصب عني يا جدي عشانها، مش عشانى. أكده هيكون أفضل، تتعجل وتعرف حدودها."
أومأ برأسه وهو يجيبه بألم: "مش بالطريقة دي. كنت لازم الموضوع شوية."
لم يرد، ليربت عبد الحميد على كتفه ثم تركه وذهب، وهو يعلم بأن حفيده قد خرج لأول مرة عن هدوئه وما يعانيه جراء فقدان سيطرته على غضبه.
***
كانت تجلس على الفراش واضعة ركبتيها بأحضانها وتنظر أمامها بشرود، تتردد تلك الكلمات بذهنها بنفس نبرة الألم المصاحبة لها من صاحبها.
"وتفتكر إن أنا مبسوط كون إن أنا بيحصل معايا حاجة نادرة.. تفتكر إنه حاجة مريحة إنك تحاول تتجاهل حاجة بتحصل معاك وتتفاجئ يوم بعد يوم إنها بتزيد وإنها حقيقة؟ وانت بتحاول تتعايش مع الواقع ده وتتجاهله وتعتبر إنه ولا حاجة؟ تفتكر إنه شيء عادي؟ تفتكر إن السيطرة على أعصابك في وجود مهلكها ده أمر طبيعي؟ تفتكر إنك مبتقعدش غصب عنك تفكر: اشمعنى أنا، واشمعنى هي، وليه ده؟ تفكر طيب أقرب وأفهم ولا أبعد وأتجاهل؟"
صوته التائه كالغريق يصرخ بتيه وألم: "أنا حاسس إني بضيع من نفسي يا فارس. حاسس إني بتوه مني. خايف إن بعد كده أكون برسم أحلام وأطلع في الآخر مريض انفصام أو هلاوس أو أي شيء تاني. أنا مرعوب يا فارس. مرعوب مني. حاسس إني مبقتش عارفني."
ما زالت كلماته تتردد صداها بعقلها منذ سمعته بالصدفة وهي تتمشى بالمكان، وقد لاحظت أن الحديث عليها، فـ أرهفت السمع علها تفهم. وللأمانة كانت تريد أن تتأكد أنها مجرد لعبة منه، ولكن ما صدمها هو حديثه. صدمتها نبرة الألم به، وصدمها الوجع الملاحق به. وأكثر ما صدمها هو صراخه بقهر: "اللي هيجنني، كل حاجة حقيقية يا فارس. حقيقية ما فيهاش ذرة شك. أنا خايف فعلًا لأكون مجنون. أنا خايف لأكون مريض. خايف إنه يكون أوهام برسمها من نفسي وأتوه في قلبها يا فارس."
لم تستطع أن تفهم ما هذا الذي يحدث معه ومعها، ولما هي دونًا عن سائر الفتيات. انتبهت لحديثه المؤكد للكلام الذي قاله لوالدها بأنه لن يقترب منها أبدًا. ولكن أكثر ما لفت انتباهها هو حديثه عن إحدى الفتيات، ليليان، على ما تظن، بأنه غير سعيد بحبها له، بأنه متألم لأنها تحبه وهو لا يستطيع مبادلتها نفس المشاعر، بأنه يشعر بأنه خسيس لأنه يراها تحبه وهو ليس بيده أن يفعل شيئًا. لا بيده رفض حبها حتى لا يجرحها، ولا بيده أن يقترب منها أو يحبها، فـ للقلب سلطان.
رمشت بأهدابها تفكر. ما هذا الذي يحدث؟ دائمًا ما كانت حياتها هادئة. إذا لما الآن تشعر بها تتضخم وترتفع كأمواج البحر؟ تتداخل طرقها معه بطريقة عجيبة عصية على الفهم. ليس له أو لها يد بها. الأول حسبما يقول، تظهر له بأحلامه، وبعدها تراه بمصنعه، والآن بمزرعتها، بعقر دارهم. وكل هذا ليس لها أو له يد به. ما هذا؟ هذا عصي على الفهم وأبعد حتى من الخيال. إذا ماذا يجب عليها أن تفعل؟ ماذا؟
رمشت بأهدابها أكثر تسترجع هيئته الرجولية الجذابة. لن تنكر بأنه له جاذبية فجة. بأن هيئته حقًا رجولية جذابة بالفعل. عيناه السوداء العميقة، كلما تنظر إليها تشعر بأنك تنظر إلى بحر عميق تخفي بداخلها الكثير والكثير من الأسرار والحكايا. خصلات شعره سوداء قصيرة وناعمة، أنف مرتفع بشموخ، ووجه أسمر، سماره خفيف لا يقل من جاذبيته بل بالعكس يزيده جاذبية. يتراجع سماره بابتسامته الواسعة التي تزين محياه أغلب الوقت، مالم تعكر هي صفو اللحظة بوجودها لتنطفئ تلك الابتسامة واللمعة بوجهه، ليتحول لشدوه من جهته وعيون عميقة تتطلع إليها دائمًا بانبهار وانشداه، ثم تتحول لألم وتيه وكأنه يستنجد بها بشدة.
تنفست الهواء من أنفها وقد أقرت بأن ذلك الرجل الجذاب بجنون، ذو الصدر العضلي العريض والجسد الرياضي والطول الفاره، قد أسر تفكيرها بشدة. وقد أدخلها داخل شرنقة التفكير به دون دراية منه ودون تخطيط منها.
زفرت الهواء من فمها ثم تنهدت بإرهاق لتجد نفسها تهمس باسمه بشرود: "باسل البحيري."
ابتسمت بهدوء وقد أقرت بأن اسمه يليق به بشدة. ملامحه الرجولية الصارخة تتلائم مع اسمه. عيناه العميقة ونظراته الهادئة تتلائم مع احترامه لمن حوله ولذاته أيضًا، بأنه صاحب أخلاق بالفعل، وذلك الوقار المحيط به ليس مظهرًا إنما هو بالفعل جزء من طبيعته وطريقة تفكيره.
اتسعت ابتسامتها أكثر وهي تنظر بشرود أمامها وقد اعترفت بأن ذلك الرجل الغريب الذي اقتحم أبواب حياتها المغلقة بأكثر الطرق إثارة وجنون وتشويق قد أثار انتباهها بالفعل. ليكون هو أول رجل يلفت انتباه جنا عزيز عبد الحميد العربي، ليأخذ حيزًا من تفكيرها، لتهمس باسمه ثانية وكأنه تستلذ مذاق الاسم: "باسل البحيري."
وقد أقرت بأنها بالفعل تريد اقتحام حياته لتفهم أكثر عن تلك الحالة الغريبة الموجودة أمامه، والذي يعترف أمام أبيها وأمامها بكل ثقة بأنه تعلق بها بشدة، بالرغم من أنه لا يعلم عنها شيئًا. يعترف بجنون واقع بأن فتاة غريبة تزوره بأحلامه وتحكي أسرار حياتها الحقيقية معه، وقد اقتحمت أسوار قلبه، ولكنه ليس متأكدًا بأن تلك الفتاة هي من تقبع أمامه أم أنها أخرى خلقها واقعه. وعلى الرغم من رغبته بمعرفة إذا كانت واقع أم لا، ولكنه لن يجرؤ على الاقتراب، إنما سيبتعد عنها.
لتبتسم عليه أكثر، لتقر هي أيضًا برغبتها باقتحام أسواره لمعرفة ما يخفي أيضًا ذلك الشاب، وهل هي حيلة غريبة للاقتراب أم أنه من الصدق بأن يتحدث بتلك الأمور الغريبة؟ فإن كان ما يوضح حقيقة وأنه بذلك الصدق والهدوء والرقة، فإنها ستكون فازت بالفعل باليانصيب بعشق رجل كهذا.
ضحكت بالفعل على انحراف أفكارها المجنونة، لتضرب هي جانب رأسها بيدها تأمر نفسها بأن تتعقل وألا تنجرف وراء تلك الترهات والجنون، لتجلس مكانها تتصارع في تيارات أفكارها وهي لا تعلم بأنه بالفعل زرع مكانًا له بقلبها.
رواية ملكة قلبي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريان بطرس
سوداء تتطلع إليها ب انبهار، بعشق. ابتسامة سعيدة مبهورة مرسومة على وجه مشاغب، أسمر. وخصلاته السوداء الناعمة القصيرة يحركها الهواء بعبث. قطبت جبينها، تتطلع إليه بتعجب من قربه العجيب هذا. لتبعد خصلاتها الناعمة عن وجهها وعينيها. ثم رفعت إحدى حاجبيها، ناظرة إليه بضيق من تحديقه الأبله هذا بها. لتقول بضيق وخجل:
"إيه؟"
اتسعت ابتسامته العابثة. ليرفع حاجبيه بذهول مفتعل وهو يجيب:
"إيه؟"
نفخت ب أنفها بضيق، لتحمر وجنتيها بخجل أكثر. لترتفع ضحكاته المشاكسة، لتحمر هي خجلاً أكثر. ثم رفعت عينيها العجيبة جهته، تناظره بخضراوتيها الممزوجة بزرقة البحر ببراءة قاتلة. ثم سألته برقة:
"ممكن أعرف بتضحك على إيه؟"
ابتسم عليها ولم يجب. لتظل تنظر إليه بهدوء ورقة. ثم قالت:
"مالك بتدقق فيا كده ليه؟"
اتسعت ابتسامته، وإن كان اختفى منها العبث والشقاوة. ليناظرها برقة ممزوجة ب انبهار ونظرة غريبة لم تفهمها، وأيضًا حنان كبير. ليقول بهدوء:
"بتأمل فيكي بشبع عيوني منك. بعمل اللي مقدرش أعمله في الواقع. ببصلك زي ما أحب وأشبع منك بإرادتي زي ما أنا عاوز. ماهو انتي الحلم اللي مرغبتش أحلمه وحلمته. انتي التعب فيه وفي الواقع. وانتي اللي على الرغم من إنه حلم مرغبتش فيه، إلا إني بتمسك بيه."
قطبت جبينها وهي تهز رأسها، تستصعب فهم ما يقول. لتنظر له بتعجب متسائلة:
"أنا مش فاهمة انت تقصد إيه؟"
ابتسم لها بحنان وهو يجيبها برقة:
"إيه اللي مش قادرة تفهميه؟ إنك حلم ما اتمنتش إني أحلمه، لكنه ظهر لي فجأة. ولا إن الحلم ده تاعبني ومع ذلك ملقتش الراحة غير فيه، وإني متمسك بيه وما أتمناش إنه ينتهي. بل بالعكس، إني عشقته وعاوز أعيشه في الحقيقة. انتي الحلم والحقيقة في وقت واحد. انتي تعبي ودوايا. انتي راحتي. انتي حبي اللي معرفتش حبيته إمتى أو إزاي."
اتسعت عينيها، في حين تصنم جسدها. تنظر جهته بصدمة ممزوجة بعدم تصديق. ذلك الرجل من أين يأتي بتلك الكلمات التي تشبه أشعارًا كتبت مخصوص إليها؟ من هذا الإنسان؟ كيف؟ كيف ظهر بحياتها هكذا وب أقصى الطرق تعجبًا؟ من أين يأتي بتلك النظرات؟ من أين يأتي بتلك الكلمات؟ من أين؟
في حين ابتسم لها برقة، ليحيط وجهها بكفيها. واقترب أكثر بوجهه، ليتصنم جسدها للحظة. ثم سرعان ما تراجعت للخلف خوفًا من ردة فعل عجيبة منه. ولكن ما جعلها تتصنم أكثر هو ردة فعله حينما اقترب من عنقها، يشتم عبيرها بقوة، يسحبه داخل صدره ك الأكسجين. ثم أصدر تأوهًا عجيبًا مرتاحًا، وكأنه تائه وجد منزله أخيرًا، أو كشخص عطشان وحصل أخيرًا على رشفة ماء هدأت من ظمأه. لذا رفعت أنظارها جهته بصدمة لتقابلها مقلتيه السوداء التي تلتمع بدموع سعيدة. وهو يقول:
"تعبان يا جنا، تعبان. وانتي راحتي. وراحتي مش موجودة غير فيكي. انتي راحتي... انتي اللي حضنك ملجأي. انتي عيونك ملجأي وبيتي اللي داير بدور عليه. انتي ريحتك هي الأكسجين بتاعي. وحضنك اللي بتمنى أترمى فيه هو هدفي وأماني. انتي كل حاجة. انتي قدري اللي اتكتب عليا من يوم ما اتولدت. انتي الدقة اللي قلبي بيدق بيها. انتي اللي قلبي ممكن يقف لو بعدتي عني. انتي الرعشة اللي بتصيب جسمي مجرد ما بسمع صوتك. انتي... كل حاجة وهتفضلي بالنسبالي كل حاجة. انتي ملاذي اللي كنت داير عمري كله بدور عليه وماصدقت لقيته... انتي... انتي وبس."
تصنم جسدها بصدمة وهي تستمع لحديثه الذي مس شغاف قلبها بشدة. حديثه... نظراته... واه من نظراته! نظرات عاشقة ولهانة، نظرات شغوفة تنظر جهتها بشغف، بعشق، بحب. ولكن ليس بها أي نظرات شهوانية أو نظرات تسير قلقها. إنما نظرات عاشقة محبة مبهورة.
ظلت تلهث بصوت عالٍ وهي تتبع نظراته العاشقة لها، تتبع توالي أحاسيسه بها. تنظر جهة عيونه السوداء الرائعة، ترى لمعتها وكأنها تضيء، تلتمع السعادة بها لدرجة شعورها بأنها تضحك. لذا لم تجد بدًا من أن تقول له:
"انت طلعت لي منين؟"
ابتسم بشقاوة وهو يجيب، محيطًا وجهها مستندًا بجبهته على جبهتها:
"أنا مطلعلكيش، انتي اللي طلعتيلي. وجه دوري أتعبك زي ما تعبتيني. أنا قدرك وانتي قدري. أنا دقة قلبك وانتي دقة قلبي. أنا اللي عايش طول ما انتي عايشة وانتي كذلك. أنا قدرك وانتي قدري."
قال كلمته الأخيرة ليختفي من أمام عينيها كبخار يضمحل. ليختفي وكأنه لم يكن له أثر من قبل. ظلت تلتف حول نفسها تبحث عنه، ولكنه كمن لم يكن له وجود من قبل. ظلت تنظر حولها، ولكن ليس له وجود. لتصرخ عليه بخوف:
"انت فين؟.. رحت فين؟.. إيه اللي حصل؟"
صرخت بكلمتها الأخيرة ليأتيها صوته من بعيد:
"أنا في قلبك. سكنت قلبك زي ما سكنتي قلبي. أنا بقيت قدرك زي ما انتي بقيتي قدرى."
ظلت تلتف حول نفسها بخوف تبحث عن مصدر الصوت، ولكن ليس له وجود. لتهتف به بخوف:
"انت فين؟ رحت فين؟"
ولكن ليس من مجيب. لتصرخ ب اسمه للمرة الأولى:
"باسل!"
ولكن لا يجيب. لتصرخ عليه بخوف أكبر:
"باسل انت رحت فين؟ باسل.. باسل."
صرخت ب اسمه للمرة الأخيرة لتفيق من نومها، جالسة تلهث بخوف. تحول عينيها حولها برعب، لتتفاجأ بأنها داخل غرفتها ببيت جدها. ظلت تلهث بشدة وكأنها كانت بسباق عدو سريع. لتضع يدها على قلبها الذي يقفز داخل صدرها ك أرنب مزعور، وهو تلهث. لتتساءل بتعجب:
"ده إيه الحلم الغريب ده؟"
ثم تطلعت أمامها بشرود متسائلة بتعجب:
"معقول هو ده حالته؟ معقول أكون بقيت زيه وبحلم بيه ولا إيه؟!"
هزت رأسها بنفي وهي تقول:
"لا يا جنا، ده بس تأثير الأحداث الغريبة اللي بتحصل معاكي وكلامه اللي سمعتيه امبارح، بس مش أكتر."
ثم سحبت شهيقًا طويلًا، كتمته داخل صدرها لبرهة، ثم تبعته ب زفير أطول لتهدأ ضربات قلبها المتسارعة. لتنظر حولها وهي تعلم بأنها حتى لو وضعت رأسها على الوسادة لن تنام أبدًا. لذا وقفت من مكانها وذهبت جهة النافذة، تبعد ستائرها عنها، تتطلع أمامها وهي تجد بأن خيوط الضوء تتداخل مع ظلام الليل لتبعثره وتذهب به أدراجه بعيدًا. لتزم شفتيها بخط مستقيم. ثم سحبت شهيقًا من نسمات الهواء الباردة المحملة بعطر الحقول وخضرتها. لتقرر الهبوط للأسفل، وقد علمت بأنه لا فائدة من حبسها داخل الغرفة، فالنوم لن يزورها ثانية. فهي بطبيعتها لا تستطيع النوم ثانية إذا أفاقت منه. والآن بعد ذلك الحلم العجيب، فقد ذهب نومها وآثاره أدراجه الرياح. لذا تحركت جهة المرحاض لتجهز نفسها للهبوط للأسفل.
***
ظل ينظر حوله بضيق. إن قال إنه لم يغمض له جفن طوال الليل لن يكون كاذبًا أبدًا. فهذه هي طبيعته. لن ينام أبدًا بفراشه. لذا فليلته الأولى بأي مكان دائمًا ما تذهب سدى. لا يستطيع إغماض جفن بها. لا يأتيه النعاس أبدًا، فقط أرق رهيب إلى أن تشرق الشمس. حول أنظاره بالغرفة الواسعة، ينظر جهة صديقيه اللذين يحتل كل منهما فراشًا ينامان بارتياحية وكأنهما ببيت أبيهما، بتعجب. ليمط شفتيه بتعجب هامسًا بإرهاق:
"معرفش أنا بيجيبوا الراحة دي منين؟ وبيعرفوا إزاي يناموا في مكان غريب وكأنهم في بيت أبوهم."
تحرك جهة الشرفة، يفتحها، يتطلع إلى الظلام أمامه، والذي لم تتفتح به أي خيوط ضوء تدل على بداية شروق حتى. ليسمع صوت فارس يقول وهو يتقلب بصوت نائم:
"اقفل البلكونة وادخل يا باسل. لسه بدري. حاول تنام. عندنا سفر طويل."
لف وجهه ينظر جهته بإرهاق ليجيبه بتعب:
"مش جايلى نوم. معرفتش."
أجابه الآخر بصوت نائم يجاهد لإخراج كلمات مفهومة:
"غمض عينك بس وانت هتنام."
ابتسم على تلك التي دائمًا ما تقولها له والدته. ولكنه لم يعلق. ليلاحظ القتيل الآخر يتقلب، ليسحب الغطاء عليه أكثر، وكأنه بعالم آخر. ليضحك عليه وعلى نومه الثقيل هذا. ليلف وجهه جهة فارس وهو يفتح فمه ليتحدث، ولكنه تفاجأ بعودته للنوم. ليزم شفتيه بضيق، ليجد بأنه لا مفر من الهبوط للأسفل. ليذهب إلى إحدى الحقول أو أي مكان، ربما يركض أو يفعل رياضة، فلربما يجد شيئًا يسّليه بدلًا من ذلك الملل. ومنه يرى الشروق في تلك الحقول الخضراء. ليتحرك جهة الحقيبة، يسحب من عليها سترة منامته الرياضية، ثم هبط للأسفل.
تحرك جهة الحقول يركض هنا وهناك. ينتظر بزوغ الفجر واشراق الشمس بشوق. فهذا هو منظره المفضل من بين كل المناظر. شروق الشمس وهي تتحدى كل الثوابت، تعلن عن نفسها. تظهر من بين أمواج البحر، أو من حقول خضراء، أو تتحدى علو المنازل لتظهر من بينهم وترتفع لأعلى لتتوسط عنان السماء بكبرياء ليس له مثيل. يعشق قوتها ووجودها والأمل الذي تبعثه بداخله وهي تبعثر ظلمات الليل وكأنه لم يكن له وجود من الأساس. تعلن عن وجود الأمل والكبرياء والقوة في وجودها. ينتظرها الجميع بشوق. الزروع للحياة، والورود لتتفتح، والبشر لتكمل حياتهم ثانية. هي التي ينتظرها الفقير ليكد على رزقه، وتنتظرها الأم لتتطلع بأعين أطفالها، وينتظرها الصغير ليلهو مع رفاقه، وحتى البهائم لتأكل وترعى. الجميع ينتظر بزوغها بشوق. هذه هي الحياة.
توقف مكانه، يستند على ركبتيه، يلهث بتعب بعد ذلك الركض. ربما لم يكن ليفعل هذا الموقف إذا كان بمكان آخر. ولكن أضواء الليل وانتظار الشروق شجعه. ولكن أكثر ما شجعه كونهم استضافوهم بمنزل لوحده مخصص للضيوف، يقبع أمام منزلهم. لا يدخله أحد حفاظًا لراحتهم وأيضًا خصوصية دارهم. لا يسكن به سوى بعض الحراس الذين يتبادلون للسهر على حراسة المزرعة فقط. حركة غريبة، ولكنها أعجبته بالفعل. لم يتضايق، بل أعجبته حقًا أن يحتفظوا بخصوصية منزلهم وحرماتها هكذا. توقف ليلف وجهه يتطلع إلى شروق الشمس وقد بدأت خيوطها بالظهور. ليلف وجهه ينظر جهتها بانبهار كطفل صغير لن يكبر أبدًا عن الانبهار بذلك المنظر أبدًا. ليظل ينظر جهتها وهي تبدد ظلام الليل من حوله لتحيله إلى ضوء. ليبتسم. ثم تحرك ليتوسد الحشائش الخضراء خلفه، يفترشها بارهاق، يستنشق هواء الصباح البارد وتلمع الخضرة من حوله بمنظر بديع من أجمل الصور التي صورها الخالق. ليجد لسانه يدندن ببعض الأغاني في اندماج، وهو ينتظر استيقاظ العمال للعمل وأصدقائه للاستيقاظ للذهاب من ذلك المكان، وإن كان حقًا أحبه وشعر به بالراحة.
***
كانت تتحرك بالمكان إلى أن سحبتها قدمها إلى الحديقة خلف منزلهم. ليلفت انتباهها صوت دندنة خفيفة قادمة من الأمام. لتقطب جبينها وتتحرك جهة مصدر الصوت. لتجد جسدًا يفترش الأرض. لتحرك رأسها جهة اليمين تحاول معرفة كينونته. لتبتسم وقد عرفت من هو. ثم تحركت جهته وهي تقول بابتسامة:
"شايفاك قايم بدري. إيه معجبكش المكان؟ ولا تكونش حبيت تنام في الأرض وقضيت ليلتك نايم في الطل؟"
انتفض من مكانه فزعًا من المفاجأة ليجلس بسرعة في مكانه ينظر جهة المتحدث. ليزفر براحة بعد أن رآها هي. لينظر جهة ذلك الملاك القادم تجاهه بانبهار. يا الله كم هي جميلة! ناعمة، هشة، ورقيقة. تستطيع سرقة القلوب بهيئتها الناعمة البسيطة. كانت ترتدي كنزة قطنية بيضاء سادة وترتدي تحتها بنطال من الجينز الأزرق الفاتح وحذاء رياضي أبيض. وقد ربطت خصلاتها للخلف على هيئة ذيل فرس مرفوع. جميلة بشدة لدرجة تسرق الدقات من القلب، تسرق العقل والألباب. لا تستطيع إبعاد عينيك عنها حتى وإن أردت ذلك.
لم ينتبه إلى أنه ارتسمت ابتسامة خفيفة شاردة على شفتيه دون أن يشعر. إلى أن احمرت وجنتيها خجلًا لتبعد عينيه بعيدًا بخجل. ثم قالت بهدوء:
"أنا آسفة، مكنش قصدي أخوفك. مكنتش أعرف إنك..."
قاطعها قائلاً بابتسامة:
"لا مفيش مشكلة. أنا اللي آسف إني اتحركت في المكان بحرية زيادة رغم إنه مش بيتي، بس مليت وزهقت فقلت أنزل."
نظرت له بجانب عينها تطالعه بخجل ثم قالت برقة:
"مجاوبتنيش. إيه نمت هنا ولا حد عملك إزعاج فقمت من النوم؟"
ابتسم لها لتجده يفترش الأرض ينام على الحشائش مرة أخرى متوسدًا ذراعيه بارتياح مجيبًا ببساطة:
"لا أنا منمتش أصلًا."
قطبت جبينها بتساؤل. ليجيب سؤالها ببساطة:
"أنا مبنامش لما بغير مكاني. أول ليلة في أي مكان جديد مش بعرف أنام أبدًا. بيعدي الليل كله مبيغمضليش جفن. وبعدين الليل طويل فزهقت وطلعت."
ابتسمت عليه برقة ولم تتحدث. لينظر جهتها بجانب عينه ليحول وجهه بعيدًا قائلًا:
"وانتي إيه اللي قومك؟"
رفعت كتفيها تهزهم بلا اكتراث ظاهريًا، رغم ارتعاشتها الداخلية عندما تذكرت حلمها وما قاله لها بداخله. لتجيبه بهدوء:
"قلقت من النوم. وأنا لما بقوم مش بعرف أنام تاني. قولت أنزل أتمشى وأشوف شروق الشمس وأقعد مع نفسي شوية بعيد عن الزحمة."
أومأ برأسه لتجده يقف على قدميه ينفض ملابسه قائلًا بهدوء:
"تمام. أقوم وأسيبك تتمتعي ببعض الخصوصية."
سحابة من الحزن الخفيف مرت بعيونها، لا تدري سببها. كانت تتمنى أن تتحدث معه فترة أطول. ولكنه تركها. لتنظر جهة ملابسه مشيرة لها بابتسامة:
"هدومك مبلولة."
نظر لها بلا اكتراث مجيبًا بهدوء:
"من الندى. طبيعي تتبل."
ابتسامة رقيقة ارتسمت على محياها وهي تجيبه ببساطة:
"مش بحب حاجة مبلولة."
هز كتفيه مجيبًا ببساطة:
"دي حاجة من الطبيعة. مظنش إنها تأذي. بالعكس دي بتلمس الزرع بتلطف من وجعه. ولو لمسك ندى الليل بتحسي إنه بيمسح على ألمك. ده يختلف عن أي ميه. دي لمسة الطبيعة وحنيتها على بعضها وعلى الإنسان. المفروض نبقى شاكرين ليها مش نتضايق منها."
نظرت جهته بصدمة من تفكيره العميق. ما هذا الإنسان؟ هل يملك كل تلك الأفكار العميقة بداخله؟ ما باله عجيب غريب حتى في نظراته، كلماته، عقلانيته. ترى هل هو تأثير الحلم الذي رأته به أم ماذا؟ ترى سيحدث شيء إذا اقتربت منه أكثر أم سيكون خطأ؟ ترى إذا اقتربت منه ستندم أم ماذا؟ لم تستطع التفكير أكثر كونها رأته ذهب وتركها. لتجد لسانها ينطق من نفسه دون دراية منها:
"إيه؟ هو أنا بخوف؟ بتجري مني ولا إيه؟"
التف ينظر جهتها بتعجب ولكنه أجابها ببساطة وهدوء:
"لا مش كده أبدًا. بس مظنش يصح إنهم يصحوا يلاقوني أنا وانتي في ساعة زي دي واقفين في مكان منعزل لوحدنا كده. مش صح ليكي ولا ليا. ولا إيه؟"
ثم صمت لبرهة ولكنه أكمل بعدها وهو ينظر بعيدًا:
"وأظن إن أنا وعدتك إني مزعجكيش أو أقف في طريقك. وأنا مش من عوايدي إني أخلف وعد قطعته. لذا بعد إذنك."
قال جملته الأخيرة ليتركها ويذهب. لتنظر في أثره بحزن. وقد كانت تتمنى أن يبقى لوقت أطول. ولكنه ذهب. في حين تحرك هو بعيون تلمع كالنجوم من الفرحة. فقد تحدث معها أخيرًا بعقلانية. علم شيئًا عنها بالفعل خارج إطار الأحلام. ظهرت له كونها رقيقة وهادئة وناعمة.
توقف تفكيره حينما تناهى إلى أذنه صوت غريب. ليتوقف مكانه يسمع له. ينتبه لمصدر الصوت. ثم لف وجهه تجاهها. لتنظر هي له بتعجب. بينما هو لف وجهه ثانية يتأكد من الصوت. تحركت هي جهته حينما وجدت ردة فعله العجيبة تلك لتقول بهدوء:
"فيه إيه؟"
رف ب أهدابه لبرهة ليقول بتركيز:
"مش عارف. ركزي كده فيه صوت."
صمتت تنتبه للصوت ل تجيبه بهدوء:
"ده صوت قطة."
أومئ برأسه ولكنه أجاب بتركيز:
"عارف. بس ركزي في الصوت كده. ده عامل زي ما يكون..."
قاطعته بتركيز وقد اتسعت عيناها بصدمة:
"بيتوجع زي ما تكون تعبانة وبتستغيث."
أومئ برأسه ليتحرك تجاه مصدر الصوت قائلًا:
"الصوت جاي من هنا."
تحركت خلفه لتنصدم من المنظر وتتسع عيناها وتدمع من الحزن. فقد كانت قطة صغيرة مربوطة بخيط رفيع. وكلما حاولت التحرك إذاها الخيط أكثر، والذي كان مربوطًا بشدة على سيقانها الأربعة. في حين وضع على ظهرها ثقل من حجر. كانت تتعذب بالفعل. منظرها مؤلم بشدة. لتنظر هي لها بألم وحزن صارخة بحزن:
"مين عمل كده؟"
نظر للقطة بألم:
"معرفش. انتي تفتكري مين؟"
دمعت عيناها بألم ووجع لتجيبه بألم:
"أظن الأطفال افتكروها لعبة وعملوا فيها كده."
التف ينظر لها بصدمة وألم. وقد اتسعت عيناه بشدة ليقول بغضب:
"أطفال... إزاي يكونوا أطفال ويعملوا في حيوان كده؟ كانت عملتلهم إيه علشان يعذبوها كده؟ ومافيش حد يقولهم كده غلط إنهم يعذبوا روح بريئة كده؟ مجتش جنبهم. إيه القسوة والسادية دي؟ هي علشان متقدرش تتكلم يعملوا فيها كده؟ إيه اللعب ده اللي بيلعبوا بيه الأطفال بإنهم يفرطوا بأرواح ويعذبوها بالقسوة دي؟ إذا كان لما كانوا أطفال بيعملوا كده، أمال لما يكبروا تتوقعوا منهم إيه؟ هاه؟ إيه الرحمة اتعدمت حتى من قلوب الأطفال؟"
تساقطت دموعها لتبكي بألم. في حين تحرك هو ليزيل الثقل عن ظهرها بألم وحزن. ثم بدأ يربت على ظهرها بحزن. ثم بدأ بفك الرباط عن سيقانها بحزن وغضب وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، ولكنه استنتجت أنها تعبر عن غضبه مما يحدث أو ربما يدعو بالرحمة. ولكنها بالنهاية التقطت أذنه:
"الرحمة بعبيدك يا رب. ارحمنا حتى وإن لم نرحم. لا تغلق باب رحمتك أمامنا."
ظلت تنظر له بانبهار. ذلك الرجل مميز جدًا. انتبهت إلى أنه أخذ القطة على ذراعه بحزن، يسير بيده على ظهرها بنعومة ورقة. في حين ترتسم على وجهه علامات الألم وهو يهز رأسه بألم وحزن. لتنظر للقطة بحزن لتمد يدها له تقول:
"ممكن توريهالي؟"
أعطاها لها وهو يقول:
"مظنش هتعيش."
نظرت له لتربت على ظهرها. ثم تحركت قائلة برقة وحزن ودموعها تسيل بألم ورقة من ذلك المنظر المؤلم الذي وجدتها به:
"هشوفها وأعالجها بنفسي."
أومئ برأسه وقد ارتسمت على محياه علامات الغضب والألم والحزن. ليتحرك للذهاب. في حين نظرت بأثره في حزن. وقد علمت أنه بالفعل يملك قلبًا رحيمًا حقًا. وقليلون من يمتلكون هذا القلب ليحزن على حيوان بريء ويغضب لأجله كل هذا الغضب.
***
هبط لأسفل يتجه جهة مكتبه ليجدها تتحرك جهة المكتب. ليقطب جبينه ناظرًا جهتها بتعجب. وبالأخص وهو يجدها تحمل شيئًا ما على يدها. تحرك جهتها ليجدها قطة صغيرة. قطب جبينه وهو يجد تلك الدموع وآثارها تحتل وجنتيها. ركض جهتها برعب قائلًا:
"جنا إيه اللي حصل؟ إيه اللي معيطك كده؟"
سحبت الهواء داخل صدرها لتقول بألم:
"باسم.. مفيش حاجة."
ثم رفعت القطة أمامه قائلة ببكاء:
"ممكن تساعدني يا باسل؟ دي بتموت."
قطب جبينه بتعجب ليومئ برأسه وهو يفتح مكتبه ليدخلها للداخل. وهو يتساءل بخوف:
"أكيد. تعالي بس قوليلي بس إيه اللي حصل ومعيطك كده؟"
سحبت شهيقًا لتجيبه بهدوء:
"أبدًا."
ثم قصت عليه قصة القطة ولكنها حذفت منها لقاءها مع باسل أو أنه وجدها. ليبتسم على رقة ابنة عمه ليقول بهدوء وحنان وهو يعاين القطة:
"أنا ليه مستغربتش؟ يمكن عشان خاطر مش جديدة عليا رقتك وحنانك."
ثم رفع وجهه قائلًا بقوة:
"قوي قلبك يا جنا. مش معقول كده إنك تعيطي كده على قطة. ياما هتشوفي في الدنيا دي. ممكن بعد كده تقابلي أخ بيقتل أخوه. الدنيا مليانة. لو بكينا على القطة وعلى كل حاجة يبقى كده دموعك عمرها ماهتنشف لأنك ياما هتشوفي."
أجابته بحمية وغضب:
"إذا كان كده معنديش مشاكل. أبكي. إحنا بشر يا باسم. إزاي تتعدم من قلبنا الرحمة كده؟ وإننا نعذب روح بريئة معملتش حاجة لينا؟ إذا كان كده يبقى إحنا في غابة بقى وانعدم المشاعر الأساسية في قلوبنا."
ثم أكملت ببكاء:
"إحنا بشر يا باسم. بشر. واللي بيميز البشر عن الحيوانات الرحمة والحب. وإذا انعدم الاثنين من قلوبنا يبقى إحنا منفارقش عن الحيوانات. هنبقى مش أكتر من حيوانات ناطقة. بالعكس هتبقى الحيوانات أفضل."
تحرك ليجلب شاش يربط به ساق تلك القطة وهو يجيبها بهدوء:
"في دي معاكي حق. لأن بالفعل حاليًا الحيوانات بقت أفضل من البشر. لأن الحيوانات مش بتجري وبتقتل إلا عشان تحمي اللي حواليها أو عشان الأكل. يعني بطبيعة الحال إنها تعيش. لكن لقينا من البشر اللي بقى إنه بيقتل أهله. واللي بيقتل مجرد القتل. غير اللي واكل مال اليتيم والأرملة. واللي بيدخل في أعراض."
ثم رفع عينيه ليقول:
"إحنا بقينا في أكتر من غابة. هو اللي غابة الحيوانات عارفة مين عدوها اللي هيأذيها ومين لأ. لكن هنا ممكن اللي تأمن له هو اللي يقتلك. عشان كده بقولك وفرى دموعك لأنك ياما هتشوفي."
نفت برأسها وهي تجيبه بهدوء:
"لا مش هوفرها. لأن إن أنا بكيت أو عملت ردة فعل كده ده بيطمني. بطمن إن أنا لسه بشر ولسه إنسانة. ومش هندم إني بكيت على حيوان بريء أبدًا أو إني حنيت عليه. بالعكس ده أنا هبقى فخورة إن في قلبي بواقي رحمة. بالعكس المفروض ده يكون رد فعل أي حد."
ابتسم عليها ولم يجب. حسنًا، هو لم يتفاجأ. جنا هكذا رقيقة، طيبة، تمتلك قلبًا صافيًا رحيمًا وطيبًا. قلب من ذهب، في بياض الثلج. لذا لن يغضب، بل إنه يفرح لوجود قلب كهذا. في حين لم ينتبه أحد لذلك الذي سمع كل هذا الحديث وقد كان عائدًا ليجلب سترته. ليبتسم وقد علم أن قلبه حينها دق لتلك الفتاة حتى وإن كان دون إرادته. فهو لم يخطئ أبدًا. انتبه على صوت باسم قائلًا:
"أهي يا ستي. بيتهيألي انتي عارفة إن اللي إحنا عملناه ده محتاج رعاية."
أومأت برأسها وهي تبتسم له قائلة:
"أنا هعتني بيها. بالعكس أنا هحتفظ بيها."
قالت جملتها الأخيرة وهي تبتسم لتلك القطة وتمسح على رأسها. ليبتسم لها وهو يقول بمرح:
"أنا بقول مش هتفاجئ من كله ده. لكن ياترى كل حيوان هتلاقيه هتعملي معاه كده؟ يبقى إحنا مش هنلاقي مكان نعيش فيه."
ضحكت عليه وهي تنظر للقطة البيضاء الصغيرة والتي تزينها بعض النقط العسلية وعينيها الخضراء الجميلة. لتجيبه بسعادة:
"بس شكلها جميل قوي يا باسل."
ليبتسم عليها وهو يجيبها بمزاح:
"مبروك عليكي يا ستي. اللي جابلك يخلي لك."
ضحكت عليه ولم ترد. لتنظر داخل عينيها وهي تجيبه بهدوء:
"بس بجد شكلها حلو وعيونها تحفة."
مط شفتيه وهو يجيبها بمزاح:
"مين اللي بيقول كده؟ انتي؟ ده انتي عيونك لوحدها مدوخة بلد. ده انتي عنيكي متفرقش كتير عن عيون القطط."
ارتفع حاجبيها لتجيبه بمرح:
"شوف مين اللي بيتكلم.. يا ده انت عنيك الواحد مش عارف يحدد رصاصي ولا خضرا."
هز رأسه بلا مبالاة وهو يقول:
"اهو عينيا دي كانت أكتر حاجة مضايقاني في الجامعة."
ضحكت عليه وهي تعلم ذلك جيدًا. في حين أكمل بمرح:
"كل أما كنت أتكلم مع بنت ألاقيها تتنحلي وفي الآخر تطلع مركزتش مع الكلام، هي مركزة مع عيوني."
ضحكت عليه ولم تتحدث. أما بالخارج فهناك عيون سوداء أخرجت شرارات غاضبة. في حين قبض على كفه يسيطر على غضبه، وقد شعر بأنه رسم أحلام بالهواء وعليه أن يمحيه. فيبدو أنه هناك واقع مختلف تمامًا عن أحلامه.
***
كانت تسير بالخارج تستنشق الهواء. في حين كان هو يهبط لأسفل يبحث عن صديقه. لينظر جهتها من بعيد ليجدها هناك. ولكن مهلًا، هناك شيء غريب. وضع عويناته على عينيه لينظر لها بصدمة. كانت تضع سمعات الهاتف بأذنها ويبدو أنها تستمع لشيء وتندمج معه بشدة وهي تغمض عيناها.
ارتسم على وجهه ابتسامة واسعة كشفت عن أسنانه اللؤلؤية وهو يراها تحرك ذراعيها وكأنها تعطي إشارات لفرقة. أحيانًا، أحيانًا تتلاعب بحاجبيها، تهز رأسها، أوقات تلتف حول نفسها، أوقات أخرى.
كتم ضحكاته بشدة. تلك الفتاة أعجوبة بالفعل. كل ما بها أعجوبة. كلماتها، حركاتها، ابتسامتها، ردود أفعالها البلهاء. تشبه طفلة تمرح بالحياة بكل الطرق. تجد الضحكة، البسمة طريق لشفتيها دائمًا. ترى الضحك في أصعب الأمور. هي تبدو بأنها تجلب السعادة والبهجة والفرح لأي مكان تذهب إليه. تبدو بأنها شابة بروح طفلة صغيرة مرحة. ضحك عليها ولم يتحدث. ليحول أنظاره بعيدًا. ثم أخرج هاتفه يرن عليه بخوف.
"آه."
فتح الهاتف ليقول بخوف:
"باسل أنت فين؟"
أجابه باسل بهدوء:
"متخافش يا فارس. أنا كنت بتمشى في الزرع وجاي أهدى."
أومأ فارس ليقول:
"طيب يلا طيب."
أجابه باسل بهدوء:
"جاي."
أغلق فارس الهاتف ليلف وجهه ينظر حوله ليجد تلك المعتوهة تسير وهي مغمضة عيناها. ليتسع عيناه برعب وركض نحوها. أما هي كانت مندمجة مع الأغنية التي تستمع لها وتسير براحة وهدوء. إلى أن اصطدمت قدمها بشيء ما كبير وكادت تسقط على وجهها. لتنأى عنها صرخة قوية تزامنا مع فتح عينيها. لتجد يد قوية امتدت فجأة أمامها تلتف حول معدتها ويد أخرى تمسكها من ذراعها وصوت أجش يهتف بخوف:
"حاسبي!"
رفعت عينيها العسليتين جهته تناظره بصدمة وبلاهة. سرعان ما وعى لوضعها وما كاد يحدث. لتحمر وجنتيها بشدة من الخجل. لتتنحنح باحراج قائلة بخجل متلعثم وتبرير واهٍ علها تخرج من ذلك المأزق:
"شكرًا. تعبتك معايا بس مكانش فيه داعي. هي خبطة في رجلي بس أنا اتخضيت."
اتسعت ابتسامته بعد أن زفر براحة ليشير بوجهه جهة شيء بعينيه قائلًا:
"بس أنا مكنتش شايف كده. انتي كنتي هتقعي. ولو وقعتي كنتي هتجيني عليه وبالتالي هتتخرشمي."
نظرت جهة ما يشير لتحمر وجنتيها أكثر. حسنًا، هي بالفعل كانت ستسقط. ولكنها كانت ستسقط على حجر مدبب كبير كاد يودي بملامح وجهها أدراج الرياح. لترف ب أهدابها وتزم شفتيها بخجل كطفلة صغيرة بريئة. إلى أن تنازلت مجيبة بصوت بالكاد يسمع:
"شكرًا."
ظل ينظر لها لبرهة من الوقت لتحمر خجلًا أكثر. ولكنه أخيرًا تنازل قائلًا:
"بصي هو مش قصدي إحراج. بس ياريت نركز مكان ما إحنا ماشيين بعد كده. لأن مش كل مرة هتسلم الجرة. في المرتين لحقناكي بالعافية."
احمرت وجنتيها بخجل أكثر ولم تدرِ ماذا تقول. حسنًا، هي مازحة أغلب الوقت. ولكن حينما يأتي دورها بالحديث أو الرد يفقد لسانها كل المفردات والكلام. لذا لم تجد بدًا من أن تركض قائلة:
"أنا هروح أشوف شيرين بعد إذنك."
ودون انتظار رد تركته راكضة بسرعة. لينظر في أثرها بابتسامة خفيفة وعيناه لا ترى أمامه سوى طفلة صغيرة مرحة خارجة من إحدى البرامج الكرتونية. لا ينقصها سوى جديلتين صغيرتين وتصبح مكتملة الأركان. انتبه من تفكيره على ذلك الصوت المتثائب القادم من خلفه قائلًا بملل:
"شايفكم صحيتو بدري."
لف وجهه ليبتسم عليه. فقد انتفخ وجهه من النوم وطول كانت هيئته غير مهندمة بالمرة. ولكن الأمر غير جديد عليه. فهذا هو صديقه اللامبالي. لذا أجابه بهدوء:
"أنا لسه صاحي. مش من بدري. جهز نفسك عشان نمشي."
أومأ برأسه مجيبًا بهدوء:
"طيب. بس فين باسل؟ مشوفتوش في الأوضة؟ إيه خرج؟"
نظر له ليجيبه بهدوء:
"باسل منامش. أكيد انت عارف الموضوع ده. بس شكله خرج بدري واتصلت بيه. قال جاي."
أومأ برأسه ليقول:
"تمام. صحي الدكاترة وخليهم يشوفوا عدتهم وحملوا المواشي اللي اخترناها. وأنا هاجي."
ارتفع حاجبيه ليشير ل نفسه قائلًا بصدمة:
"الكلام ده ليا أنا؟ وأنا مالي؟ أنا دكتور نفسي. مليش في الليلة دي."
أشاح بيده قائلًا بهدوء:
"باسل لما ييجي. قوله وهو هيعمل. هو زمانه أصلًا ملام ومستني أي حد ييجي عشان يمشي. لأنه أكيد منامش وعاوز يروح."
هز رأسه إيجابًا. والكل يعلم جيدًا أن تلك الحقيقة. فهم يعلمون مشكلته في النوم. لذا ليقف بانتظاره. في حين تحرك نبيل جهة المنزل. ولكن أثناء تحركه وجدها تقف على الجانب تربع يديها وتستند بكتفها على إحدى الشجرات. وقد بان على وجهها علامات الحزن. تردد في الذهاب لها. ولكنه حسم أمره أخيرًا مقتربًا منها. وما أن وقف بجوارها حتى قال بصوت أجش:
"صباح الخير."
رفعت عينيها الرمادية تجاهه لتجيبه بهدوء:
"صباح النور."
رف ب أهدابه يريد بدء حديث معها ولكنه لا يعلم كيف. إلى أن قال أخيرًا:
"توقعت إنك مش هتردي عليا."
نظرت له لتجيبه بهدوء:
"ليه؟"
رفع كتقيه ليجيبها ببساطة:
"يعني بعد موقف امبارح حلفت."
جسدها تنظر له وهي تجيبه بصوت حزين مجروح، فقد كل ثقته وقوته:
"المفروض اللي يزعل ويغضب هو انت. لأن أنا اللي غلطانة وأهنتك بدون سبب وكنت غبية أوي."
اتسعت عيناه وهو ينظر جهتها. هل ما يراه صحيح أم هي من صنع خياله؟ ولكنه لم يمهل عقله التفكير حينما هتف بغضب:
"هو مين ضربك؟"
تلقائيًا رفعت يدها على وجنتها لتغمض عينيها مجيبة بنبرة جريحة منكسرة:
"مفيش حد."
صرخ بها وقد استبد به الغضب بشدة لدرجة شعوره بأن بداخله كبركان ثائر لن يستطع أحد إخماده:
"أنا مش أعمى. مين ضربك؟ قولي مين اللي اتجرأ وعمل فيكي كده؟"
لفت وجهها الجهة الأخرى ونظرت أرضًا وقد اشتملت نظرات عينيها الحزن والألم وهي تجيبه بهدوء عجيب عليه لم يعجبه مطلقًا:
"ماتاخدش في بالك. أنا غلطت وكنت أستحق العقاب ده."
اتسعت عيناه بغضب أعمى من ذلك الخنوع الغريب. ما الذي يحدث؟ كيف يفعلون بها هذا؟ كيف يكسرونها ويكسرون روحها ومرحها وقوتها بتلك الطريقة؟ كيف يتملكهم الغضب لتلك الدرجة التي تؤذيها بها؟ ربما هي صفعة ولكن تأثيرها النفسي واضح بالنسبة له وضوح العيان. فقد أصبحت أخرى غير تلك التي قابلها أمس. أخرى هادئة، مكسورة، جريحة. وقد اختفت قوتها ومرحها وشغبها تمامًا. ليصرخ بها بغضب:
"أيًا كان الغلط اللي ارتكبتيه، مفيش حد ليه أي حق إنه يمد إيده عليكِ، أيًا كان. سامعة؟ أيًا كان. وبعدين إيه سبب الموضوع ده؟"
رفعت عيناها الرمادية تجاهه. ولكن تلك المرة شعر بخنجر يضرب بصدره. فقد كانت ساكنة، هادئة، ميتة. لا يوجد بها أي لمعة تشبه بركة راكدة. فقط اللمعة الوحيدة بها هي الدموع والحزن. ليغمض عينيه بغضب وهو يجيب بغضب مكبوت:
"أنا مش كده. الموضوع اللي حصل..."
ثم صرخ بها بغضب:
"إيه السبب لكل ده؟ الموضوع مايستاهلش. ليه؟ ليه الجبروت ده؟ ليه؟"
ثم رفع أنظاره لها بغضب صارخًا:
"مين اللي مد إيده عليكي؟ مين؟"
حولت أنظارها بعيدًا وهي تتحرك بحزن مجيبة بألم:
"ماتاخدش في بالك يا أستاذ. الموضوع ميخصكش. دي أمور عائلية. اللي ليك إنك تعرفه إنه أنا غلطت فيك وأنا..."
صمتت تنظر جهته بألم ودموع لتكمل بحزن:
"أنا آسفة."
تلك الكلمة الأخيرة التي خرجت منها ضربته بمقتل حقًا. ربما تصرفاتها الهوجاء، طفوليتها، كل ذلك لم يضايقه أو يغضبه. ولكن هذا الاستسلام، الخنوع، والحزن والقهر هو ما جرحه. هو ليس هكذا. هو ليس رجلاً يفرح بكسر ضلع أنثى. هو على الرغم من لا مبالاته الواضحة إلا أنه ليس ذلك الشخص الذي يفرح بجرح أحدهم. أضعف منك لا يستطيع رد التصرف. هو لا يحب أن يكون هو السبب بأذية أحدهم. لذا أومئ برأسه وقد أدرك ماهية الشخص الذي رفع يده عليها. ليجيب بغضب مكتوم:
"مش محتاجة تقولي. أنا عرفت هو مين. وليا تصرف معاه ومش هسيبه يعدي باللي عمله كده."
حاول التحرك ليجدها تجذبه من يده صارخة بغضب:
"بأي صفة هتحاسبه؟ وانت إيه اللي يدخلك في الموضوع ده؟ سبق وقلت دي أمور عائلية ملكش فيها."
نفض يدها ليجيب بغضب:
"بصفتي راجل مقبلش إن حد يمد إيده على بنت. مين ما كان يكون. فيه ألف طريقة للتفاهم غير دي. بصفتي أنا السبب في اللي حصل ده. ورغم إني قولت محصلش حاجة، لكن هو اتجرأ ومد إيده عليكِ."
تحرك كالمجنون من أمامها لتلحق به تمسكه من ذراعه مرة أخرى هاتفة بغضب ممزوج برجاء:
"قلتلك الموضوع ميخصكش. ماتدخلش. من فضلك. متكبرش الموضوع أكتر من كده. متسببليش مشاكل أنا في غنى عنها."
نظر جهتها بضيق ليهتف بها بألم وهو يجد ذلك الخنوع العجيب:
"متقلقيش. مش هيصيبك مشاكل. الموضوع دلوقتي بين راجلين."
انتبه فارس للصوت العالي ليأتي جهته متسائلًا بتعجب:
"فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ صوتكم عالي كده ليه؟"
إلا أنه لم يهتم لإجابته ليتركه ويذهب. لينظر في أثره بتعجب. ليهتف هو من خلفه:
"نبيل. انت يابني. نبيل!"
إلا أنه لم يهتم حتى بالتوقف أو الرد عليه. لتصرخ هي به بخوف:
"الحق صاحبك المجنون ده هيتخانق مع أخويا ويعملي مشاكل."
رفع اهدابه ينظر جهتها بصدمة ليركض خلفه. أما هي فوقفت تلطم على وجهها برعب وهي تدعو أن يمر هذا اليوم على خير. ثم همست بخوف.
رواية ملكة قلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريان بطرس
تحرك كالمجنون يركض للأمام بغضب أعمى، حتى أنه لم يلاحظ صديقه القادم نحوه.
نظر له الآخر بتعجب ليهتف به من الخلف:
"نبيل، فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ مالك؟"
ولكنه كان كمن يخاطب الهواء، فالآخر لم يلتفت إليه حتى، بل استمر بطريقه بذات الغضب الأعمى.
نظر بآخرة بتعجب، قاطباً جبينه. ظل ينظر بظهره المبتعد، ثم همس بينه وبين نفسه قائلاً بتعجب:
"ماله ده؟"
التعجب الممتلئ به وجهه حقيقي، فهذه هي المرة الأولى التي يرى بها صديقه بهذا الغضب.
وما كاد يبتعد عنه حتى سمع صوت فارس يصرخ من خلفه بلهث متسائلاً:
"باسل، ماشوفتش نبيل؟"
زادت تقطيبة جبهينه أكثر وهو يجد من صباح اليوم ذلك الكر والفر والغضب المندلع بالآفاق. ما بالهم هؤلاء؟ أتركهم نائمين لساعتين ليأتي ويرى تلك الحالة. ولكنه أجابه بحيرة:
"آه شوفته وكلمته، بس مش عارف. أول مرة ميردش عليا زي ما يكون مش شايفني وخد في وشه وطار. مش عارف فيه إيه!!"
نظر له فارس ليهتف بخوف:
"انت لسه هتفكر؟ تعالى نلحقه الأول ليعمل مصيبة يخلينا منخرجش من المكان من هنا. وبعدين نتكلم. قولي مشي منين؟"
انتفض قلبه داخل ضلوعه فزعاً ليشير جهة ما. سار الآخر، ثم نظر له متسائلاً بخوف:
"إيه اللي حصل؟ هيعمل إيه ولا رايح فين؟"
أجابه الآخر قائلاً:
"مش عارف. كل اللي أعرفه إنه كان واقف مع البنت اللي اتخانقت معاه امبارح، وبعدها لقيته بالحالة اللي انت شفتها دي وهي بتصرخ وراه. وقالتلي: الحقه. وتقريباً هيتخانق مع أخوها."
وقف في محله يقطب جبينه بتعجب. ولكن على الرغم من ذلك، لم يستطع منع السعادة من قلبه لمعرفة أنه غاضب من ذلك الشاب. على الرغم من كرهه ومقته للعنف، إلا أنه لم يستطع سوى أن يفرح بذلك الشاب. فمنذ أن رأى ذلك التقارب والتفاهم العجيب بينه وبين جنا، وتلك الراحة بالحديث، وكأنهم خلقوا لبعضهم، وهو يشعر بأنه بداخله يغلي كبركان ينتظر لحظة انفجاره. ذلك التقارب أزعجه، أغضبه. فبعد أن شعر بأنه اقترب منها خطوة، رأى داخلها الحقيقي وأعجبه. رأى رقتها، حنانها، مشاعرها، هدوئها العجيب. جاء ذلك الشاب ليبعثر سعادته الوليدة أدراج الرياح. ولكن إن كان عليه فعل شيء، فهو أن يتعقل ويهدئ صديقه، فلربما تحدث هنا مشكلة تجعلهم لا يخرجون أحياء. ولكن يجب عليه تهدئته على الرغم من عدم معرفته سبب ما يحدث.
أفاق على صوت فارس يقول بحسرة:
"مش عارف إيه اللي جنني وجابني معاكم ده. كان يوم أسود يوم ما جيت. من ساعة ما رجلي خطت المكان ومش لاقي غير مصايب عمالة ترف على دماغي، ومن أول لحظة."
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه، ولكنه لم يعلق. حسناً، فإن كان هناك شيء، فهو أن صديقه معه كل الحق. فمنذ أن وطئت أقدامهم ذلك المكان، فكل شيء قد تغير حقاً، وحياتهم أصبحت مثيرة بالفعل، من جدالات وكر وفر وأمور غريبة. ليلتف فارس جهته ليجد تلك الابتسامة مرسومة على شفتيه. ليكز على أسنانه بغيظ، ثم قال بضيق:
"نفسي أعرف بتضحك على إيه. انت ده واحد غيرك المفروض يكون أكتر واحد مرعوب من ناحية شغلك ومن ناحية ليك سوابق عندهم بسبب موضوع البنت دي."
ازدادت ابتسامته اتساعاً وهو يجيب ساخراً:
"متأخذنيش، بس ده. احنا لو في رواية مغامرات ما يحصلش معانا كده. ده اللي بيحصل معانا ولا في الأحلام."
ضحك فارس ولم يجب، فهو حقاً معه كل الحق. فما يحدث أكثر بكثير مما يتخيلون أو يتوقعون فعلاً.
أما على الجانب الآخر، كان يقف يتحدث معها، إلى أن وجد باب مكتبه يفتح بقوة لدرجة أنه ضرب بالحائط. لتقفز هي من مكانها بفزع. ليسحبها هو تلقائياً خلف ظهره بحماية. لتتمسك بقميصه من الخلف من الرعب. فقد كان ذاك الداخل منظره مرعب. عيناه متسعة على آخرها، حمراء من الغضب، وجهه محمر من شدة غضبه، وكأن العفاريت تتراقص أمام وجهه. عروق عنقه نافرة بشدة لدرجة أنك تستطيع ملاحظتها بسهولة. اقترب منه بسرعة كفهد ينقض على فريسته. لتتمسك هي بياقة قميصه من الخلف برعب أكثر. في حين سحبه الآخر من قميصه بشدة تجاهه بغضب أعمى. لتترك هي ملابسه بخوف، تنكمش على نفسها برعب وخوف من منظره المرعب أمامها. وما زاد رعبها أكثر صوته حينما جهر بقوة زلزلت المكان، صارخاً بابن عمه بغضب:
"إيه نوع من الرجال انت، تحت أي مسمى المفروض يحطوك؟ ماهو مستحيل تكون راجل، لأن اسم راجل كتير عليك."
اتسعت عيناه بغضب، ليزيحه للخلف بغضب مماثل. وقد بان في تلك اللحظة أن تلك الغرفة ستشهد حرباً قاتلة بينهم. ليصرخ باسم بغضب مماثل، بل ربما أكثر:
"انت مجنون ياض؟ هو فيه كده؟ إيه أهلك معلموكش أي احترام إنك تخبط قبل ما تدخل مكان؟ أو معلموكش آداب الكلام؟ إيه؟ حتى إنك فيه لسان تتكلم بيه بدل ما تمد إيدك على حد معملكش حاجة؟"
تلك الكلمات زادت غضبه أضعافاً، ليصرخ به بغضب أعلى:
"والله قول الكلام ده لنفسك مش ليا. إيه متعلمتش إنك متمدش إيدك على اللي أضعف منك بدل ما تقابل بالرحمة تقابل بالعنف؟ بدل ما تكون أنت السند تكون أنت اللي بتكسرها."
ثم اقترب منه يمسكه من ياقة قميصه بغضب أعمى، صارخاً بغلظة:
"قولي يا دكتور يا محترم، ده اللي اتعلمته في الجامعة؟ ده اللي كليتك اللي من كليات القمة، اللي علمتهولك؟ هي دي رجولتك؟ وده اللي اتعلمته؟ هي دي النخوة اللي عند الراجل الصعيدي إنه يمد إيده على بنت.. يتفاخر بقوته على اللي أضعف منه؟ هو ده اللي اتعلمته؟"
ثم صرخ بصوت أعلى:
"هاه؟ رد عليا. هو ده اللي اتعلمته؟"
اهتزت حدقتاه بحزن وندم قد بان على ملامحه، ولكن أبى أن يظهر بكلامه. حينما أزاحه عنه للمرة الثانية، مجيباً بضيق:
"أنا كنت بعلمها الأدب. هي غلطت ولازم تتعاقب."
أغمض عينيه يتجرع ما بقي من غضبه. ثم بدأ يلتف حول نفسه عله يخمد غضبه بعض الشيء، فذاك الحديث يغيظه بشدة. كيف؟ كيف؟
ليفتح عينيه ولم يجد أمامه سوى زهرية من الخزف على الطاولة خلفه، ليضربها بجانب يده، يطيح بها لتطير ضاربة بالحائط، ثم تسقط أرضاً متحولة إلى فتات، تزامناً مع صرخة تلك المرعوبة في الخلف، والتي كاد يغمى عليها الآن من الخوف، فمنظر ذلك الشاب أصبح خطيراً بدرجة مرعبة. في حين زعق بغضب بصرخة مزقت الأجواء، غير منتبه لدخول صديقيه المكان. وسؤال باسل بخوف وهو يرى تلك الأجواء المشتعلة:
"هو فيه إيه؟"
لم ينتبه، إنما كان جل اهتمامه بذاك الماثل أمامه. لذا صرخ به بجنون:
"بتعلم مين الأدب؟ مش عيب عليك يا دكتور يا محترم تتكلم عن أختك كده؟ وبعدين افرض غلطت، المفروض يكون الحل إيه؟ المفروض الكلام، النصيحة، عقاب واضح. لكن مش إنك تستقوى عليها وتمد إيدك وأنت متأكد إنها مش هتقدر تعمل حاجة؟ تكسرها بدل ما تكون سندها."
ثم نظر له من أعلى إلى أسفل، صارخاً باشمئزاز وقرفاً:
"أي أخ أنت ده؟ أنت لا ترقى لأي مستوى من الأخوة. بدل ما تكون سند تكون أنت اللي بتضرب. في أي عصر إحنا ده؟ اللي لسه الأخ بيتجبر على أخته وبيمد إيده عليها. بيمثل قوة وسادية مجنونة. أنت خسارة فيك الكلية، التعليم اللي متنفعش معاك بحاجة أبداً. أنت مش أكتر من مظهر فارغ بس."
احمرت عينا باسم بغضب، ليرفع إصبعه صارخاً بتحذير:
"احترم نفسك، وإلا..."
قاطعه رافعاً أنفه بكبرياء:
"وإلا إيه؟ هتمد إيدك عليا أنا كمان؟ إيه؟ هو ده مستوى الثقافة عندك؟ التفاهم والغضب والعقاب كله عندك بـ إيدك؟"
ثم اقترب منه خطوة للأمام، مناظراً إياه بغضب متسائلاً:
"أنا بس عاوز أعرف بـ أي حق بتمد إيدك عليها وليه؟"
سؤاله هذا أغضبه حقاً. كيف يسأله عن أحقيته؟ كيف يسأله عن صفته؟ أهو معتوه أم ماذا؟ أقد خرج منه عقله ولم يعود؟ هو بـ أي حق يتدخل بـ أمور عائلية لا تخصه ويحاسبه بـ أمر ليس من شأنه البته. ليصرخ بـ تلك الكلمات في مواجهته:
"أظن دي أمور عائلية متخصكش. لكن أنت اللي بـ أي حق تدخل بينا؟ وبعدين دي أختي وليا الحق."
ولكن قبل أن يكمل كلمته، وجد الذي يقاطعه وهو يضربه على صدره بكفيه بقوة لدرجة تراجع جسده للخلف. وفي حين تقدم هو للأمام ثانية وهو يصرخ به غاضباً:
"بس متقولش أختي. ومتلفظش كلمة أخ دي على لسانك ما دام أنت مش قدها، ومادام بتظهر قوتك عليها بدل ما تظهرها عشانها، يبقى مالكش حق تقول أختي."
ثم أعاد الكرة، ضارباً على صدره ثانية، صارخاً به:
"أما بتكلم بصفتي إيه؟ فـ هو بصفتي راجل.. راجل ما يقبلش إن حد يمد إيده على بنت مهما كان السبب. بتكلم بصفتي كنت الحجة اللي عملتها عشان تمد إيدك على الغلبانة دي. بتكلم بحمية راجل بيدافع عن إنسانة. بتكلم بواحد دمه حر ما يقبلش إنه يشوف حد بيمد إيده على حد أضعف منه، لا حول لها ولا قوة."
ثم سحبه من ياقة ملابسه مرة واحدة، ليصرخ به بغضب:
"إن كنت هتستقوى، استقوى على اللي زيك. تحب أوريك القلم ده كان عامل إزاي؟ هااه؟"
صرخته الأخيرة جلجلت وزلزلت المكان حرفياً. لتتراجع جنا للخلف لدرجة التصاقها بالحائط خلفها. ثم بدأت تحتضن نفسها برعب. منظرها كان رقيق، هش، وناعم لدرجة تسرق القلوب. وفي ذات الوقت مثير للحمية. كانت هشة بالفعل، تحتاج لحماية. لم يستطع أن يبعد عينيه عنها، وبالأخص حينما وجد ارتجافتها الواضحة. ولكن ما زلزل كيانه بالفعل، هي كانت تلك اللآلئ الساقطة من عيونها، تلك الدموع التي جعلت جسده كله يرتجف.
بالكاد ثبت نفسه مكانه حتى لا يركض لاحتضانها وتهدئتها. بالكاد أمسك نفسه عن ضرب هذين الثورين المتناطحين اللذين سببا لها هذا الخوف والرعب. كيف؟ كيف لم يلاحظ وجودها أحد وسط ثورتهم وغضبهم؟ تلك الرقيقة الهشة الخائفة. ولكن على الرغم من ثباته، إلا أن صوته خرج جاهراً بغضب وقوة:
"نبيل."
توقف نبيل مكانه لحظياً، ولكنه عاود إمساك الآخر، ليحول عينيه بعيداً عنها، ناظراً جهة صديقه، صارخاً بغضب وقوة أكبر:
"نبيل، سيبه."
توقف نبيل مكانه يتنفس بقوة، مغمضاً عينيه يتجرع غضبه. ليصرخ الآخر بغضب للمرة الثالثة:
"نبيل، قولتلك سيبه.... حالا."
فتح نبيل عينيه ليبعد يديه عنه، نافضاً إياه بعيداً. ولكنه لم يتمكن من ضبط أنفاسه العالية من الغضب. في حين نظر له باسم بغضب ليتحرك جهته، ولكن كان قد تحرك باسل ليقف بالمنتصف، حائلاً بينهم. ثم صرخ بقوة عله يجعل ذلك المتجمد مكانه يفيق:
"فارس، خد نبيل واطلعوا."
ظل فارس يحول عينيه بينهم ثلاثتهم بصدمة، وبالأخص جهة نبيل. هو حقاً لم يرَ نبيل بـ تلك الحالة من قبل. وكأنه ليس صديقه، وكأنه لا يعرفه. هو واجه معه أشياء كثيرة، هو يعرفه بأنه أبله في بعض الأحيان، غبي أحياناً أخرى، مشاكس، مشاغب، دائم التذمر حينما يقع على عاتقه أمور أكبر من تصوره. ربما وأحياناً يكون كالثور لا يفهم، فقط يتناطح وينفذ ما برأسه. ولكن ذلك الغضب والثورة العارمة التي بالكاد يستطيع أحدهم إيقافها، لم يره عليها من قبل. تلك الحمية الخاصة به، الغضب الأعمى دون تقدير الموقف أو المكان، لدرجة أن يمد يده على أحدهم، لم تحدث من قبل. طول سنوات عمرهم، لم يره على هذه الحالة من قبل. هو دائماً كان الأكثر بروداً على الإطلاق. أما الآن، فقد شعر لوهلة أنه أمام شخص غريب عنه تماماً، شخص لا يعرفه أبداً.
أما حينما سرح بـ أفكاره، صرخ به باسل للمرة الثانية بصوت قوي:
"فارس.. خد نبيل واطلع... يلا."
انتفض فارس من مكانه ليومئ برأسه، ساحباً الآخر خلفه بقوة. وقد شعر بأن تلك المغامرات لن تنتهي إلا بقتلهم هنا. أما بداخل تلك الغرفة، ظل باسل واقفاً، ناظراً جهة تلك التي تقبع بالخلف تبكي بدون صوت. وربما لم يتذكر أحد وجودها في ذلك المكان. لتلمع عيونه بحزن، وهو غير قادر على طمئنتها أبداً. ليغمض عينيه يحاول تجميع أفكاره ويثبت جسده بالكاد مكانه حتى لا يصنع فعل أحمق يندم عليه مستقبلاً. ليفتح عينيه بهدوء ظاهري، ثم وضع يديه بجيبَي بنطاله في حركة تبدو للناظر مهيمنة، لكنها في الحقيقة وضعهم حتى يخفي ارتجافة يديه أمامها حتى لا يقوم بـ احتضانها وتهدئتها. ثم تحرك خطوة للأمام، ناظراً جهة القابع أمامه، قائلاً بكل وقار:
"أنا بعتذر عن اللي عمله صديقي ورد فعله، وبعتذر عن الهمجية اللي اتحرك بيها، بس اللي مش بعتذر عنه هو مضمون الكلام والفكرة."
ارتفع رأس باسم مرة واحدة بغضب، ليومئ الآخر بهدوء مكملاً بكل بساطة:
"اعتبرها فضفضة من أخوك. أنا آسف إن كنت بتدخل في أمور عائلية، واسف جداً كمان لأننا اقتحمنا حياتكم ببجاحة زي ما بيقولوا، وحاكمناكم على حاجة متخصناش. لكن..."
قطع كلامه ليصمت لبرهة، ناظراً أرضاً. ثم وجده يرفع عينيه يكمل بهدوء حزين:
"دي أختك مش أي حد. ربما غلطت، بس هي اتصرفت كده وبكل قوة وهيمنة لأنها عارفة إنك موجود وإنها في حمايتك. عارفة إن محدش فينا يقدر يلمسها أو يزعلها. يعني عملت كده وواثقة بوجودك بـ إنك طول ما أنت موجود محدش يقدر يعملها حاجة.. اتصرفت برعونة لأنها عارفة إنك هتغطي عليها. هي عمرها ما كانت هتعمل كده لو أنت مش موجود.. هي غلطت أه، بس ده لأنها واثقة فيك وفـي وجودك. لكن غلطتك أنت أكبر."
ضاق باسم عينيه ليومئ الآخر مكملاً:
"آه هي غلطت، بس لأنها واثقة فيك. لكن غلطتك أنت إنك كسرت ثقتها دي. هي معاك حاسة بالأمان لدرجة إنها حاسة إنها ممكن تعمل أي حاجة ومع أي حد لأنك أنت حمايتها. لكن اللي عملته إنك خدتها على خوانه، كسرت ثقتها فيك، إيمانها بيك. أنت مش واخد بالك، بس الأخ بالنسبة لأخته كل حاجة. هو صديقها، سندها، ثقتها في الحياة، خبرتها بالدنيا، قوتها. الأب خبرة، بس قوة الأخ حاجة تانية. هو فخرها إنها ماشية وسط الناس مع شاب يحميها ويخلي باله منها وداعمها. قوته عشانها ومحدش يقدر يرفع عينه فيها طول ما هو موجود. الأخ الكبير عند الأخت الحنية ودقة القلب الواثقة من كل حاجة. هو الثبات في الخطوات، وأنت كسرت كله ده. أنت كسرت إيمانها بيك يا دكتور. أنا مبتكلمش عن القلم ده، أنا بتكلم عن كسرتك ليها هي.. احنا قولنا محصلش حاجة وانتهى، وبعدين على رأي نبيل بـ أي حق تضربها."
فتح فاه للحديث، ليرفع باسل يده مقاطعاً مكملاً:
"أنا عارف إنك أخوها، بس مش أبوها، مش المسؤول عنها. أنت أخوها، أنتو الاتنين مسؤولين من راجل واحد. وبدل ما تعرفها غلطها كـ دكتور محترم وتتكلم معاها، أنت كسرت العلاقة بينكم. أنت دلوقتي عملت حاجز بينك وبينها صعب تتخطاه."
ارتفع وجهه بصدمة، ليومئ برأسه وهو يقول:
"من رأيي حاول تصلح غلطك يا دكتور، بدل ما تندم في يوم من الأيام إنك كسرت أقوى علاقة في التاريخ عشان تفاهات."
ثم استدار للخروج، ولكنه أكمل وهو يعطيه ظهره:
"فكر في اللي قولته واعتبره نصيحة من أخ. وفي النهاية، احنا آسفين إننا كنا سبب المشكلة، وكمان إننا اتدخلنا فيها."
ثم دون حديث آخر، تحرك للخروج، تاركاً الآخر ينعى تأنيب الضمير. وأخرى سقطت أرضاً براحة بعد ذلك الرعب الذي تعرضت له. ولم ينتبه أحد لتلك التي كانت تقف بالجانب تنظر لحماية لابنة عمه بشدة، وكأنها أهم شيء. وقد رأت في تلك اللحظة بأنه الأمر ليس كما يبدو. فيبدو أنه يكن لها المشاعر، وهي كذلك، حتى وإن رفضوا الاعتراف. لتلمع عيونها بحزن وبكاء. في حين كانت هناك عيون كليلة تتابع ما يحدث بابتسامة وقورة. فذلك الذي يحدث وتلك الشرارات الكهربائية المنبعثة والتي تلتف بالأجواء لن تخفى عن عينيه. فقد شاب شعره وتحول للأبيض، وقد أصبح له خبرة بكل شيء. فـ إن تحدثنا عن الحب، فهو أكبر العشاق وعاش بعشق محبوبته لن تبتعد عن ثنايا صدره مهما بعدت المسافات. وهؤلاء الشباب كنفحات الورود العطرة يحملون نفحات عشق لقلوب نظيفة، حتى وإن حاولوا إخفاء ذلك قسراً. فقلوب الجميع تدق، وما عليه سوى المراقبة بابتسامة. فـ للعشق دروب كثيرة، ولا يعلم العقل ما تلك الدروب التي سيسلكها العشق للفوز بمعشوقه. ولكن يكفي أنه قد مس شغاف القلب، وكفى.
على الجانب الآخر، ما إن خرج من الغرفة حتى سحبه من مقدمة ملابسه صارخاً بغضب:
"انت اتجننت يالا؟ رايح تتخانق على إيه وليه؟ احنا مالنا؟"
نفض يده صارخاً بغضب:
"مالنا؟ إننا كنا السبب. مالنا إنه بيضربها بسببى أنا."
أغمض عينيه يدعو بالصبر. ثم مسح على وجهه، ثم قال بهدوء ظاهري، يعلمه الآخر جيداً بأنه على حافة الانفجار:
"دلوقتي حالا تروح وتجيب الدكاترة وناخدنا حاجتنا ونمشي... دلوقتي فاهم؟"
يعلمه جيداً، هو الآن على حافة فقدان سيطرته على نفسه، ولكنه يتمسك بآخر ذرات التحكم. ولكن إن فقدها، فسيندم الجميع. لذا تحرك ينفذ ما أمره به، علهم ينهون هذا اليوم دون مشاكل. في حين تحرك هو خطوتين، ينظر جهة تلك التي تتابع ما يحدث بتعجب، وقد وصلت على الأصوات العالية، ولكنها لم تفهم ما يحدث. ليجلي هو حنجرته، ثم تنحنح قائلاً وهو يشير جهة المكتب، في حين احمرت وجنتاه خجلاً:
"صاحبتك جوه. من الأفضل إنك تدخليها وتطمنيها عليها، لأنها محتاجالك."
قطبت جبينها، ثم تسائلت بخوف:
"ليه؟ إيه اللي حصل؟"
ما إن رآها وقد علم أنها الوحيدة التي تستطيع إخراجها من الرعب الذي رأته، فـ لم يخفَ عليه روحها المرحة، ليجيبها بهدوء:
"محصلش حاجة. بس ادخلي اطمني عليها، لأنها خافت من الصوت العالي."
أومأت برأسها لتركض للداخل تطمئن عليها. وما إن دخلت حتى تفاجئت بمنظرها المبعثر، لتسحبها داخل أحضانها بخوف، متسائلة برعب:
"جنا، مالك؟"
ضمتها الأخرى لصدرها لتبكي برعب وهي تقول:
"أميرة، كويس إنك جيتي. أنا كنت مرعوبة."
ابتعدت عنها أميرة تنظر بوجهها، ثم قالت بمرح:
"يا شيخة، وأنت بتعيطي؟ وأنا أقول تكوني خدتي بوكس ولا حاجة؟ شوهت الملامح الحلوة دي؟ ولا حد دخل صباعه في عينك عايز يفصل اللون الأخضر من الأزرق؟ لكن كل العياط ده وأنت سليمة؟ لا لا، ملكيش حق. المرة الجاية عيطي على حاجة تستاهل."
ابتسمت بوجهها، لتكمل الأخرى بمرح:
"بس قوليلي، بالنسبة لصراع الثيران ده كان السبب إيه؟ أوعي تقولي حلموا بيكي."
ضحكت عليها، لتجيبه بهدوء:
"لا، نهلة."
ضحكت الأخرى لتقول:
"إيه؟ حلنو بنهلة هي كمان؟ إيه مش عاتقين حد؟"
ضحكت تنفي برأسها وهي تجيب بهدوء:
"لا، خناقة نهلة امبارح."
ضحكت الأخرى مجيبة:
"لا، إذا كان نهلة لازم يكون صراع تيران. أهو يتناسب مع المعنى بيه."
ضحكت هي ولم تجب، لتسندها لتقف، لتقول بمرح:
"أنا بقول إن طنط وفاء تعملك طبق فول مصري محترم. هتاكليه من هنا وهتكتسبى تناحة في المشاعر والتفكير. اسمعي مني بس، وأنت مش هتخسري. ده الفول بيوضّع."
يدها على فمها مجيبة بضحك:
"اسكتي، هتفضحينا يا عجلة انتي. اسكتي."
ضحكت ولم تعلق، لتسحبها للخارج. في حين كان هناك زوج من العيون يتابعهم. ليقول فارس بابتسامة:
"كويس إنك قولتلها. قدرت تهدّيها. البنت دي نكتة أصلاً."
أومأ برأسه ليقول بهدوء:
"روحها حلوة، بس ربنا أعلم باللي جوه القلوب. ممكن تكون موجوعة وبتبين الضحك."
أومأ فارس ليتطلع إلى ظهرها، وهو لا يعلم لما تلك الفتاة تحديداً لفتت انتباهه بهذا المكان. من بعد جميلة، لم توجد فتاة استطاعت أن تجعله يتابعها سواها. ربما لمرحها وطفوليتها وضحكتها الرائقة البريئة جعلته يتتبعها فقط بحثاً عن ابتسامة صادقة ترتسم على وجهه. فهي تنشر البهجة بكل مكان.
__________
بعد عدة ساعات، كان يقف على رأس السيارة يشرف على تحميل المواشي، بينما عيناه تتابعها وهي تقف بابتسامة تربت على ظهر تلك القطة بحنان ونعومة. لتنظر أميرة تشير جهة القطة قائلة بتعجب:
"يعني هتحتفظي بيها؟"
أومأت برأسها لتمط شفتيها، ثم قالت بهدوء:
"آه بصراحة شكلها جميل وحلوة، بس غريبة."
حولت وجهها جهتها بتعجب:
"هو إيه ده اللي غريبة؟"
هزت كتفيها تجيبها ببساطة:
"يعني هتشيليها من هنا لحد هناك. مش مشوار ده عليكي؟ على أساس إن القطط اتقطعت من مصر؟ ده القطط عندنا على قفا مين يشيل."
ابتسمت لها بنعومة لتحتضن القطة مجيبة بهدوء:
"بس أنا حبيتها وحسيت بـ مسئولية ناحيتها."
التمعت عيناه بالسعادة وهو يجدها تحتضن القطة التي وجدها بذلك الحب والحنان. في حين مرت فكرة خبيثة برأسه، وهو ماذا لو كانت تحتضنه هو؟ كيف سيكون شعورهما في ذلك الوقت؟ تمنى أن يكون هو قطة لينعم بذلك الحضن من ذلك المخلوق الوردي أمامه. وفي تلك اللحظة مرت خاطرة غريبة برأسه، ماذا لو كانت تحتضن هذه القطة وتحتفظ بتلك القطة فقط لأنها منه؟ عند تلك الخاطرة، ارتسمت ابتسامة سعيدة على وجهه. ليجد تلك التي تقف بجوارها تبتسم مجيبة بمرح:
"تمام، اللي جابلك يخليلك يا روحي. تتربى في عزك يا رب."
ضحكت هي بشدة، في حين ارتسمت ابتسامة أخرى على وجه فارس، ليزيح نظارته على عينيه أكثر، وهو يجد تلك التي لا يستطيع توقعها تخرج كلماتها المازحة وبصوت مرتفع دون أن تنتبه حتى إن كان أحد يسمعها أو لا. في حين أكملت بـ لا مبالاة كعادتها دون اهتمام لـ علو صوتها:
"المهم، ادينا جينا وزرنا. ويبخت من زار وغار. ويومين وهنمشي ومتعلمناش حاجة من الدكتور بتاعكم ده اللي مفضيلناش ساعة واحدة من ساعة ما جينا."
تمتم الجميع ضحكاتهم بالكاد، في حين حول باسم وجهه جهتها بصدمة، لتكمل بضيق:
"وأنا هروح أقول للحاج تيتى تيتى. زي ما روحت زي ما جيت."
صمتت لبرهة من الوقت، لتكمل بمزاح:
"بقولك إيه، بما إني متعلمتش حاجة من المزرعة من هنا، وطبعاً مش هعيش هنا على طول، وفـي مصر لسة مش ضامنة شغل. أنا عندي فكرة مشروع حلوة."
استطاعت بحديثها المازح لفت انتباه الجميع، ليرمي الكل آذانهم جهتها. في حين تساءلت تلك التي كانت تقف من البداية قائلة بتعجب:
"مشروع إيه؟"
جلست أرضاً مربعة قدميها دون أن تهتم باتساخ ملابسها، وهى تكمل بمرح:
"أنا أربيلي شوية بط على شوية فراخ، وأقعد جنب الحاجة أستنى عدلي إن شاء الله. وأهو يمكن المزرعة تكبر ونورد للأجانب والفلوس تجري في إيدينا زي الرز. وعلى الأقل الحاجة متقوليش: كنت ربيت ذكر بط أحسن. لأنها هتربيني أنا والبط مع بعض. ويلا نتعاون. هي معاها الخبرة وأنا معايا التعليم."
خرجت زمجرة مكتومة من الجميع نتيجة كتم ضحكاتهم، لتتساءل شيرين بتعجب:
"أنت بتهزري؟"
هزت كتفيها تجيبها بمرح:
"آه، على قد مخي. بدل ما هو كل شوية تقولي: كنت ربيت ذكر بط أحسن. أهو تاخد ثواب تربيني أنا والبط، وبعدين هو أنا لقيت شغل وقولت لا لا. تعليم نافع ولا شغل لاقية."
سعل بعضهم، بينما حول الآخرون وجوههم الجهة الأخرى يتظاهرون بالانشغال بشيء ما، حتى لا يحرجوها. في حين ضحك عبد الحميد قائلاً:
"لا، وعلى إيه يا دكتورة؟ الشغل عندنا كتير. اجعدي واشتغلي."
ضحكت تربت على صدرها مجيبة بمرح:
"شكر يا حاج، بس ماينفعش. أنا لو قولت للحاج بنتك الوحيدة، أنساها. هتقعد هنا، هتلاقيه من بكرة شاحني مع أكبر جاموسة على أول عريس جاي إن شاء الله. الولا دقدق صبي القهوة وهيقول: السترة ولا العار. ده أحمد ربنا إنه وافق أجي. قوم أقوله: أعالج لك جاموسة. وأكتر من البهايم مفيش."
حول عبد الحميد وجهه الجهة الأخرى يكتم ضحكته، لتكمل هي بلا مبالاة:
"ومن الناحية دي، هو عنده حق. ده كل أما أمشي في الشارع ألاقي واحد ينده عليا. اللي يقولي: يا دكتورة، عندي صداع، اكتبيلي مسكن. واللي يقولي: بطني وجعاني. واللي تقولى: عندي دوخة، تكونيش حامل؟ وأغلب أفهم فيهم إنها بـ يكري بتاع بهايم مش نافع."
قم تكملت بغيظ وهي تكز على أسنانها:
"واللي بيغيظك يا جدع، اللي يقولك: أمال درستي في الكلية إيه؟ آه، كله زي بعضه. الناس عندها فلسفة الدكتور غريبة أوي. المهم يكشف وخلاص. دي وصلت إن واحدة حامل جايلالي تقولى: يا دكتورة، متعرفيش تعرفيلي نوع الجنين؟ أعرفهولها إزاي؟ ده أووشوش الودع ولا أقرأ الكف؟ أنا مش فاهمة، أنا مال أمي بالكلام ده؟"
إلى هنا، ولم يستطع أحد إمساك ضحكاته، لتنفجر ضحكات الجميع بشدة تجلجل في المكان على تلك الكارثة التي سقطت بالمكان، والتي تضرب بالكلمات دون شعور حتى. لتتسع عيناها وتحمر وجنتاها بخجل، وهي تجد بأن الجميع كان يتابع حديثها من البداية. لتخفي وجهها بكفيها، ثم تلعثمت قائلة بخجل لشيرين:
"هو أنا صوتي كان عالي كده؟"
أجابتها شيرين من بين ضحكاتها:
"يكفي إني أقولك إنه كان واصل للشارع، وأنتِ متوصتيش بالذات في آخر جملتين."
لتحمر خجلاً أكثر، وهي تجد بأنها كالعادة أهرجت الكلام دون احتراز. ليرأف الجميع بحالها، في حين تقدم منها باسل بابتسامة واسعة بالكاد يستطيع رسمها ومنع نفسه من العودة للضحك مرة أخرى، قائلاً بصوت أجش من إمساك ضحكاته وعيون تلتمع بالدموع من فرط الضحك:
"حيث كده يا دكتورة، أنا يشرفني إنك تشتغلي عندي في المصنع. مجرد ما تتخرجي وتبقي دكتورة رسمي، عدّي علينا، واحنا محتاجين دكاترة عندنا. فـ تعالي قدمي، وإن شاء الله تتقبلي."
اتسعت عيناها بصدمة، لـ تجيبه بدون احتراز:
"انت بتهزر صح؟ ولا واخدني نكتة؟"
نفى برأسه بذات الابتسامة التي بالكاد يستطيع الحفاظ عليها، ليجيبها بهدوء:
"لا، مش بهزر. بتكلم جد."
ثم أكمل بمشاكسة، لا يعلم لما، ولكنه شعر بأنه بحاجة لمشاكساتها، وهو يكمل:
"وأهو أحسن من تربية البط جنب الحاجة في البيت."
رواية ملكة قلبي الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريان بطرس
لم يكن هناك شك أنه يتحدث بجدية، فيما أومأ هو برأسه، مكملاً بذات الابتسامة، وإن اكتنفتها بعض الرقة، ليكمل بهدوء:
"لا مش بهزر، أنا بتكلم جد. أنا محتاج دكاترة في المصنع عندي، فلو كنتي محتاجة شغل تعالي."
ثم التف برأسه يناظر ذات العيون القططية، موجهاً كلامه للأولى، مكملاً بمزاح:
"وأهو أحسن ما الحاجة تقولك 'ربّي دكر بط' أحسن لك، ولا بدل ما الحاج يزوّجك لـ..."
احمرت وجنتيها بخجل شديد، وهي تجد بأنه كان يتابع حديثها من البداية. لتلف عينيها باتجاه الجميع بخوف وتحرز، لتجد الابتسامة التي تعلو محياهم، والتي إن دلت على شيء، فهي تدل على متابعتهم الحديث من أوله. لتهتز حدقتاها بخجل، في حين انحشر الكلام بحلقها كالعادة، لذا لم تجد بداً من أن تقف على قدميها، تركض بتعثر هاربة من الجميع ومن الموقف عامة، وهي تدعو بأن يكون حلماً وستستيقظ منه، بدلاً من ذلك الإحراج الذي تعيش به. في حين ناظرها الجميع من خلفها بابتسامة.
أما هناك عيون تتابعها من خلف نظارات طبية بضيق على ذلك الإحراج الذي تعرضت له، ليلف عينيه تجاه باسل قائلاً بضيق:
"مكانش ليه لازمة الإحراج ده يا باسل، كده حرّجت البنت وخليتها مش عارفة ترد."
لف باسل عينيه تجاهه بتعجب، ليقول بهدوء:
"أنا ما أحرجتش حد، ولا كان في دماغي كده. أنا كنت بهزر، وبعدين أنا كنت بتكلم جد. أنا عندي فرصة عمل للشباب، وإن كانوا فعلاً ناجحين، فهييجوا وهيقدموا الـ C.V بتاعهم وهنشوف يا اتقبلوا أو لأ."
ثم لف وجهه تجاههم يكمل بهدوء:
"أنا قولت أقول لأننا طالبين، حابين تتقدموا ماشي، مش حابين تمام. بس هو عموماً التقديم مش معايا ولا التقييم، يعني الموضوع مفيهوش واسطة. أنا قولت أعرض إني عندي شغل، لكن القبول والرفض من عندهم ومن المسؤولين."
ظل فارس يناظره بضيق، في حين كانت الفتيات تناظره بتعجب، ولكنه لم يهتم، إنما تحرك بهدوء عندما وجد صوت أحدهم يهتف قائلاً:
"خلصنا التحميل يا باسل بيه."
ليلف باسل وجهه تجاههم، ثم مد يده ليصافحهم، وهو يقول بهدوء ورزانة:
"نستأذن إحنا يا حاج، واتشرفنا بمعرفتك، وإن شاء الله مش آخر تعامل."
ابتسم له ذلك العجوز ليقول بهدوء ووقار:
"ده إحنا اللي اتشرفنا بيك يا بيه."
ليبتسم له باسل ويتحرك، في حين تحرك نبيل ليصافحه، ثم قال بهدوء:
"عرض باسل جاري، إحنا محتاجين دكاترة، فلو حد حب يقدم تمام، إحنا كنا هنعلن في الجرايد علشان المصنع الجديد اللي هنفتحه."
أومأ برأسه العجوز وهو يقول:
"دي حاجة هما اللي حُرين فيها يا ولدي."
ليومئ نبيل برأسه، ثم مد يده ليصافح باسم بغيظ، وهو يقول من بين أسنانه:
"بعتذر يا دكتور إن كنت اتدخلت في أمور عائلية متخصنيش، وإن كنت زودتها حبتين، بس أنا كده طبعي، حامي وخُلقي بيضيق بسرعة من الأمور اللي عندي فيها خطوط حمرا، مبعرفش أتهاون."
قضم باسم على شفته السفلى ليجيب بغيظ:
"حصل خير."
ليسحبه فارس من ملابسه، فعو غير معلوم ردود أفعاله أبداً، وهو يقول بسماحة:
"اتشرفنا بمعرفتكم، وشكراً جداً على حسن الضيافة، وبنعتذر جداً على القلق اللي عملناه من ساعة ما جينا."
ليبتسم له عزيز هذه المرة، وهو يجيبه بهدوء:
"حصل خير يا ابني، ونورتونا."
ابتسم له فارس مرة أخرى بمجاملة، ليتحرك ساحباً صديقه جهة السيارة، في حين وقفت الفتيات تتابع ذهابهم بصدمة، لتقول شيرين بهدوء:
"عاوزة الصراحة، اللي حصل معانا ده ولا في الأحلام، يعني أول مرة أشوف حاجة زي كده."
ثم لفت وجهها جهة نهلة قائلة بابتسامة:
"وإنتي معندكيش تعليق؟"
كزّت نهلة على أسنانها قائلة بغيظ:
"أنا مش مضايقني غير السمج اللي عامل زي المصيبة اللي حطت فوق دماغي، مكانتش خناقة بينا علشان يتدخل كده، ده إيه الوقعة السودة دي."
ضحكتا كلتاهما، في حين التفتت جنا جهتها مجيبة بابتسامة:
"بس متنكريش الولد طلع راجل واتضايق عشانك، يعني معملش حاجة غلط. اتخانقتي معاه وعداها، ولما باسم ضربك اتخانق لك."
حولت أنظارها جهتها بغضب، لتبتسم شيرين مكملة بمشاكسة ومكر:
"إلا صحيح، محدش خد باله من تصرفاته؟ يعني عداها وقولنا ماشي، لكن دخلته لأخوكي وخناقته وصوته اللي كان جايب آخر الدنيا ده مش طبيعي. ده لو كان جوزك مكانش اتخانق لك كده."
ضيق كلتاهما حاجبيهما بتساؤل وتعجب، في حين شردت عينا نهلة للبعيد، وهي تتذكر الموقف ككل. نعم، حميته عليها غير طبيعية. جداله لأخيها غريب، بل غريب جداً بالنسبة لأحداهن، لتوه تعرف عليها، إن كان يعتبر تعارف من الأساس. أما غضبه حينما رأى آثار صفعة وجه أخيها على وجهها وعلامات أصابعه وتورم وجهها، لا تستطيع نسيان ملامحه حتى الآن، وتحولها من ذلك الوجه الناعس الهادئ لتلك العيون الغاضبة بشدة. عيون تستطيع ملاحظة غليانها وغضب صاحبها من على بعد، وكأن... وكأن أحداً قد تعرض لشيء يخصه هو، يمتلكه هو. لم تكن حمية رجل شرقي طبيعية، ولو كانت هكذا، لكان تكلم بهدوء بعقلانية، أو ربما بحدة، ولكن كل ذلك الغضب والجدال ومحاولته رفع يده على أخيها، لولا تدخل صديقيه، لأمر غريب. فهو من فرط غضبه، ربما لم يلحظ ابن عمها، والتي كادت تموت من فرط رعبها. هذا أمر غريب، إذا فكرت به بالعقل، ولكنها صمتت، لتحول عينيها تجاه شيرين، لتجدها تومئ لها برأسها بعد أن لاحظت شرودها، وهي تجيب تساؤلها الصامت:
"هو بالظبط اللي جه في بالك ده. تصرفه غريب، وكأنه..."
صمتت للحظة، لتلحظ النظرات المحذرة بعينيها، في حين النظرة الشاردة بعيني جنا، وكأنها تتبع خيوط الحديث بهدوء، ولكنها أكملت بهدوء وتعجب حقيقي:
"مش عارفة، بس ده اللي حسيته. وكأنه حبيب بيدافع عن حبيبته وواقف قدام أهلها عشانها."
شهقت جنا بنعومة، لتنظر لها بصدمة، في حين اتسعت عيني نهلة ولمعت عينيها الرمادية بغضب، لتتحول للون القمر المضيء، في حين ظهرت شعيرات حمراء في بياض عينيها، لتجيبها بصوت غاضب، ولكنها حافظت بقدر الإمكان على انخفاض نبرتها:
"إياكِ، سامعة؟ إياكِ أسمع الكلام ده، لأنه عيب وعيب أوي كمان. ومش عاوزة أسمع تلميح منك أو من غيرك عن الموضوع ده تاني. انتهى. سمعاني؟ انتهى. خلصنا وانسى الموضوع ده، وأوعي تفتحيّه تاني."
ثم رفعت إصبعها محذرة، وهي تقول بغضب:
"أوعي، سامعة؟ لأني مش ضامنة رد فعلي، فبلاش تشوفي مني وش مش هيعجبك أبداً. سامعة؟ أبداً."
ثم دون حديث آخر، أنهت حديثها بهاتين الجملتين، لتحرك من المكان، تدق الأرض بقدميها، وهي تكاد تحرق كل من عليها من شدة غضبها. لتتابعها عينيها، لتحول جنا عينيها جهتها، وهي تزم شفتيها قائلة بضيق:
"عيب أوي اللي قولتي ده يا شيرين. عيب، مكانش المفروض تقولي حاجة زي كده، حتى لو كان هزار."
هزت رأسها بنفي، لتشرد بعينيها للبعيد، وكأنه تسترجع ذلك الموقف الغريب، وهي تجيبها بهدوء:
"مش هزار يا جنا، على فكرة. مش هزار أبداً. أنا بتكلم جد. ارجعي فكري كده، رد فعل الشاب ده كان غريب فعلاً. أنا ده التفسير اللي خطر على بالي وفكرت معاكم بصوت عالي، مش أكتر."
هزت جنا رأسها، وكأنها تبعد حتى عنها تلك الأفكار التي خطرت ببالها، لتجيبها بهدوء:
"متفكريش، وماتفسريش. حتى هو إدى ردة الفعل، والتفسير قال إنه راجل ميحبش حد يمد إيده على بنت، وخصوصاً إنه بسببه. واتضايق إنه أخوها اللي عمل كده، وخلاص خلصت على كده. يبقى ننهي الموضوع وننساه، فاهماني؟ ننساه."
ظلت تنظر شيرين داخل عينيها لبرهة، لتمط الأخرى شفتيها، ثم هزت كتفيها بلا مبالاة، وكأنه الأمر بالفعل لا يعنيها أبداً، لتصمت للحظة، مبعدة عينيها للبعيد، ثم عادت بوجهها جهة صديقتها، وكأنها تذكرت أمراً، ثم سألتها بهدوء وتذكر:
"إلا صحيح، أخبارك إيه مع أستاذ الغبرة ده؟ لاحظت إنه بيتكلم عادي، وكأن مفيش حاجة حصلت بينكم."
استصعب عليها فهم أين ترمي حديثها، لتقطب جبينها بتعجب، وهي تسألها بغرابة:
"مش فاهمة تقصدي إيه أو مين؟"
زمت شفتيها بضيق، لتجيبها بكلمة واحدة:
"باسل."
"ماله؟"
كانت إجابتها متعجبة بالفعل، لتسألها الأخرى بتعجب، وهي ترى كل ذلك الهدوء منها، وكأن شيئاً لم يكن منه:
"هو إيه اللي ماله؟ شايفاكي إنك بتتكلمي عنه بهدوء، ولا كأن حصل حاجة. فيه إيه يا جنا؟ إنتي نسيتي اللي عمله والإحراج اللي أحرجهولك، ولا إيه؟"
حولت جنا نظراتها إليها بضيق، لتجيبها بهدوء:
"لا لسه منستش يا شيرين، بس بحاول أنسى. وبعدين الشاب وضح سبب اللي عمله وخلصنا."
قطبت جبينها بتعجب، وهي تتساءل بصدمة:
"وإنتي صدقتي الكلام ده؟"
أومأت برأسها تجيبها بهدوء:
"آه صدقته يا شيرين، صدقته بجد. عارفة ليه؟ لأني سمعته بيتكلم مع صاحبه عن الموضوع ده، وهو حتى مكانش يعرف إني موجودة."
ثم اغرورقت عيناها بالدموع، وهي تجيب بحزن على حاله، كلما تذكرت حديثه الذي سمعته صدفة مع صديقه، ونبرة القهر والألم والضيق التي كان يتحدث بها، لتهز رأسها قائلة بألم:
"سمعته وشوفت الحزن اللي في عيونه وألمه وخوفه إنه يكون واحد مجنون. سمعته وشوفته وهو حاسس إنه هيتجن وهو بيقول: 'إزاي أنا؟ وليه؟ واشمعنى هي؟'"
ثم سقطت دمعتيها على وجنتيها، وهي تكمل بألم:
"سمعته وهو بيقول إن كل حاجة تقريباً حقيقية. طيب ليه شوفت دموعه يا شيرين؟ شوفت بكاء وقهر راجل بمكانته وهو بيحصل معاه حاجة غريبة بعيدة عن التفسير. تفتكري لو حد مكانه كان هيعرف يفكر أو يتصرف باتزان في وجودي؟ تفتكري لما يكون بيقول لصاحبه: 'ده كل يوم بشوفها وبلاقيها قدامي مرة واحدة'، ده طبيعي؟"
تساقطت الدموع على وجنتيها أكثر، لتكمل بألم:
"ده مش طبيعي يا شيرين، ده ابتلاء والله يكون في عونه. يبقى تفتكري المفروض ألومه؟"
ارتفع حاجبا الأخرى بشدة وصدمة، حتى كاد أن يضربا فروة رأسها. ما تلك التراهات التي تتحدث بها صديقتها؟ جنا، صديقتها الناعمة الرقيقة الهادئة العاقلة، تصدق تلك التراهات والتخاريف؟ تصدق تلك الكذبة العجيبة، الواضحة وضوح الشمس؟ لا، هذا كثير، بل أكثر من كثير جداً. لتقول بضيق:
"أوعى تكوني صدقتيه وصدقتي الهبل ده، اللي ميدخلش في عقل عاقل أبداً."
قالت جملتها تزامناً مع إمساكها من ذراعها ولفها ناحيتها لتواجهها، لتبعد جنا يدها عنها بهدوء، وهي تجيبها بألم ودموعها تسيل على وجنتيها بحزن أكثر:
"في بعض الأمور بتكون بعيدة عن العقل والمنطق والتفسير يا شيرين، لأن مش كل حاجة نقدر نحكمها بعقلنا."
اتسعت عينيها أكثر وارتفع حاجبيها أكثر وأكثر. حسناً، لقد أصبحت صديقتها واقعة تحت تأثير ذلك الغريب، وقد استطاع استمالة عطفها ورقتها ناحيته. وهذا أمر طبيعي، فجنا حنونة جداً ورقيقة جداً جداً، كبتلات الأزهار، يخشى الجميع عليها من الخدش أو الكسر. كل ما بها ينطق بالنعومة، هي المعنى الأوضح والأرق للأنوثة شكلاً وقلباً وقالباً. إن قارنوا أنفسهم بجوارها، فهم بالنسبة لها لا يمتلكون أي شيء. بالإضافة إلى أنها تمتلك قلباً رحيماً جداً وحنون جداً جداً، وهو استطاع اللعب على تلك الأوتار، استطاع استقطاب عطفها، حنانها، وشفقتها ناحية أوضاع كاذبة له.
أغمضت عينيها بشدة، لتهز رأسها بنفي واضح، وهي تنفي كل تلك الأمور، لتجيبها بهدوء قاطع:
"بس أنا مش مصدقاه، وإن جيت للصدق، مش مصدقة حرف من اللي بيقوله، ومش مصدقة صدفة الكتير دي واللي ورا بعضها وتقلب أوضاعه ده."
تنهدت جنا تنهيدة طويلة، لتجيبها بحسم ونبرة ناعمة:
"وأنا مصدقاه يا شيرين، وزي ما قولتلك، مش كل حاجة في الدنيا بتخضع للعقل والمنطق، ومش كل حاجة نقدر نستوعبها بعقلنا. فيه حاجات قلبنا ومشاعرنا هي اللي بتقدر تستوعبها، وفيه أوقات القلب بيبقى أصدق دليل، وأنا صدقته يا شيرين، صدقته، وانتهى الموضوع."
ظلت تنظر إليها لبرهة من الوقت صامتة، ولكن داخلها يتضارب كأمواج البحر. هي لا تصدق ذلك الشاب، لا تصدق أحاديثه الكاذبة، لا تصدق كلماته المتوالية، والآن بعد تلك الصدف، يريد قربها أكثر بالعمل معه. إلى ماذا يسعى يا ترى؟ ماذا يريد منها؟ ما سبب اقترابه بتلك الطريقة الغريبة؟ إن اقترب إليها بطريقة عادية وطبيعية، بدلاً من تلك التصرفات الغريبة التي تثير الشك، ألن يكون أفضل؟ ولكن مطاردته لها وأحاديثه التي بلا طعم ولا تنطلي على طفل بعمر الخامسة، لهي أمر يثير الريبة. ولكن ما يثير تعجبها هو صمت الجميع عن تصرفاته، والدها، جدها، الجميع بلا استثناء. أهم بتلك السذاجة ليقوموا بتصديق أحاديثه الخيالية؟ أم أنهم ينتظرون انتهاء لعبته؟ إن كانت على جنا وتصديقها، فهي رقتها وبراءتها تشفع لها، لكن أكان الجميع بتلك البراءة ليصمتوا عن أحاديثه؟ حتى عن عرضه الأخير ذاك؟ بعد كل ما فعلوه جميعاً.
وعلى ذكر الحديث عن العرض، ناظرتها قائلة بخوف:
"وإنتي إيه رأيك في موضوع الشغل ده؟ موافقة عليه؟"
هزت كتفيها تجيبها بلا مبالاة:
"مش لما تبان النتيجة الأول، أبقى نتكلم."
اتسعت عيناها بصدمة، لتمسكها من كتفيها تديرها نحوها بشدة، صارخة بها بضيق:
"أفهم من كلامك إنك معندكيش مانع إنك تشتغلي عنده؟"
ظلت الأخرى تنظر جهتها بغرابة، لتجيبها بتعجب وهي تهز كتفيها ببساطة:
"وفيها إيه يا شيرين؟ فرصة وجات لحد عندنا، إيه المانع؟ هو إحنا لاقيين شغل؟ ولا بعدين إيه المشكلة يعني؟ مش فاهمة. وهو إحنا واثقين إذا كنا هنتقبل ولا لأ؟"
اللعنة على ذلك الجنون، على ما تفعله صديقتها، ألا تستطيع فتح عينيها والتفكير جيداً؟ إلى أين ستقودها رقتها وطيبة قلبها؟ إن استمرت على ذلك، ستذهب للجحيم. لتصرخ بها بخوف وهي تهز من كتفيها بغضب:
"جنا، فوقي شوية لو سمحتي، مش هينفع كده. راقبي الدنيا حواليكي، أكيد هتتقبلي، بس تفتكري ليه؟ وعاوز منك إيه؟ إنتي بتقعي في مصيدته يا جنا، كل شوية أقوى من الأول. لو سمحتي فكري شوية."
ابتعدت جنا عنها بهدوء، لتجيبها ببساطة وعيونها تتطلع بها بحسم:
"أنا مش صغيرة يا شيرين، ومش طفلة، فبلاش تحسسيني إني ساذجة. إن كنت هعيش حياتي، ف أنا هعيشها باختياراتي وحدي، وأنا أقدر أدافع عن نفسي وأبعد عن الخطر لو حسيت بيه، فمتقلقيش عليا."
هي تعرف جنا جيداً، وتعرف تلك النبرة حق المعرفة، وبما أنها خرجت منها، فهي لن تتراجع أبداً. لذا صمتت، فعنادها أمام الأخرى لن يفعل شيئاً سوى تعقيد العلاقة بينهم. فهنا ستحاول فرض سيطرتها على حياة صديقتها، وهذا ما لن ترضاه الأخرى أبداً أبداً. لذا، وبكل هدوء، تحركت تاركة جنا مكانها، ربما تعيد حساباتها في الأمر مرة أخرى.
***
صمت تام يلف المكان. الجميع شارد. هناك شحنة توتر وغضب تلف الأجواء من حولهم، وكلا منهم صامت خشية أن يخرج كلمة تجرح الآخر. ولكن أكثر ما يظهر عليه الغضب فهو... وليس سواه. ربما من يعرفه يظن بأنه هادئ، ولكن اشتداد يده على المقود بشدة، لدرجة ظهور عروقه ونفورها، حتى أن قبضته تكاد تتمزق من غضبه. عينيه المتسعة بغضب وظهور احمرار بحدقة عينيه، وزم شفتيه بخط مستقيم، دليل على أنه غاضب لا محالة. غاضب من الجميع ومن نفسه. وصمته هذا لن يدوم طويلاً، وإن أخرج الكلمات، سيغضب الجميع لا محالة. ظل على هذا الحال لفترة، ولكن ما أخرج غضبه صوت باسل قائلاً بضيق:
"كان إيه لازمته العرض اللي عملته ده؟ وأحرجتنا مع الناس. من إمتى وأنت بتدخل في أمور متخصكش؟"
توقف بالسيارة مرة واحدة، ليحدث صرير مزعج، في حين ارتدت أجسادهم للأمام. ولكن قبل أن يفتح باسل فمه ليصب جام غضبه عليه، وجد صوت الآخر يهتف به بغضب بنبرة شرخت الأجواء من حدتها وعلوها قائلاً:
"ميخصكش يا باسل، أظن حياتي دي حاجة تخصني، أعمل فيها اللي عاوزه. بيتهيألي أنا عمري ما فرضت رأيي أو نصيحتي عليك في حاجة، ومنهم لما اتخانقت مع جنا في المصنع وقولت كلام مالوش قيمة وميتعقلش، ما اتكلمتش ولا اتدخلت ولا حاسبتك. ليه جاي أنت تحاسبني أنا؟ مش طفل صغير على ما أظن."
اتسعت عيني الاثنان بصدمة. ما هذا؟ من متى وهو هكذا؟ فهو كان كمن يجلس على جمر مشتعل، منتظر كلمة لينفجر بالجميع بلا استثناء. ولكن لما؟ لما كل هذا؟ ولكن قبل أن يتحدث أحدهم، صرخ هو بغضب وضيق:
"وبعدين لما أنت جاي بتحاسبني، حاسب نفسك الأول. واحدة عامل معاها مشاكل وأحرجتها في المصنع بتاعك بكلام فاضي، وبعدها نتقابل صدفة في مزرعة جدها، وطبعاً مفيش عقل يصدق إنها صدفة، لأن من بين كل مزارع القاهرة ومصر كلها والمحافظات والأقاليم، تبقى الصدفة مزرعة جدها. وفي الوقت اللي هي فيه. وبعدها سبحان الله تعرض عليهم شغل عندك في المصنع. تفتكر ده إيه؟ والناس بتفكر إزاي؟ هاه؟"
اتسعت عيني باسل بصدمة ورُبط لسانه بحلقه لفترة، ثم بعدها ضيق عينيه ولف بجسده مواجهاً له، ثم تساءل باستنفار وهو يشير بسبابته جهة صدره قائلاً:
"إنت متخيل إن أنا عملت كل ده قصد؟ يعني راقبتها وروحت مزرعة جدها قصد؟ وبعدها عرضت عليها الشغل بالحجة دي بقصد؟"
ثم ضيق عينيه متسائلاً بنبرة خطيرة:
"رد عليا يا نبيل، إنت ده اللي تقصده ولا أنا غلطان؟"
ضغط نبيل على أسنانه بغضب، ليضرب المقود أمامه صارخاً بعنف:
"مالكش دعوة باللي في بالي واللي أقصدُه، لكن لو حطيت نفسك مكان الناس هتفكر إزاي؟ قول لي."
ثم صمت لبرهة، ليصرخ بهجوم:
"قولي يا عاقل يا راسي، يا اللي بتديني نصايح."
ضيق عينيه ليصرخ بعدها بغضب:
"أنا مش هدافع عن نفسي قدام أي حد، ولا حتى أنت. واللي يفكر يفكر. ولكن أظن لو تعرفني ولو للحظة، هتعرف إنه كان صدفة. وأنا أول واحد اتفاجئت. أما الشغل، أنا معرضتوش عليها هي، أنا عرضته على صاحبتها اللي كانت بتندب حظها على شغل، وأظن أنت عارف إن إحنا فعلاً محتاجين ناس تشتغل. يعني ما اتكلمتش معاها ولا ضايقتها في حاجة. وبيتهيألي يا أفندي يا محترم، إنها لو عاوزة تشتغل، ف عندهم مزرعة كبيرة تشتغل فيها، بدل ما تشتغل عند الغريب؟ صح ولا لأ؟"
ضغط على شفته السفلى ليقول بهدوء غاضب:
"بس أنت كنت تقصدها هي بالكلام يا باسل."
نفى باسل برأسه بهدوء غاضب بشدة، ليقول بقوة وحسم ونبرة ساخرة طفيفة:
"أبدا... أبدا يا صاحبي يا فاهمني. الكلام جاب بعضه، وكنت بكلم اللي بتضحك بنفس ضحكها، ولكن لا أقصدها ولا مهتم إن جُم أصلاً. أنا قولت من باب المجاملة أو الهزار، واللي ييجي ييجي، واللي ما يجيش براحته. الدنيا مش واقفة على حد."
ثم رفع جانب شفته العليا قائلاً بنبرة تهكمية:
"خلصت اتهامات ولا لسه عاوز تطلع فيا غضبك كمان؟ لأني مش هقدر أتحمل أكتر من كده."
تحرك فارس الجالس بالخلف في الكلام، فهو إن نفذ صبر باسل، فهو أدرى الناس بغضبه، بجانب ذلك الثور الهائج. فالأخير لا يدخر وسعاً في الضغط على نقطة ضعفه وضيقه، حتى لا يتحدث أحد عن أسباب ما فعله حقيقة. لذا صرخ بهم بضيق غاضب:
"بس أنت وهو خلاص، خلصنا والموضوع انتهى. وأدينا مروحين، ممكن تسكتوا بقى؟ كل واحد فيكم."
ثم صمت لبرهة، ليصرخ بغضب:
"كل واحد عارف غلطه، ويا ريت يتفاداه. إنتوا مش عيال تعلقوا حبل المشنقة لبعض. وبعدين آه، إنت غلطان يا نبيل، لأنه كان فيه طريقة تفاهم أحسن نتكلم بيها."
ثم نظر ل باسل صارخاً بضيق:
"وإنت يا باسل اتسرعت في الكلام. ولكن الكلام انتهى والموضوع خلص، فبلاش تتخانقوا علشان تفاهات."
حول باسل وجهه جهة زجاج السيارة، ينظر منها معلناً نهاية الحديث. في حين ظل نبيل ينظر جهته بندم، ليقود سيارته بصمت رهيب، وهو يدري بأنه جرح أعز أصدقائه، جرح عميق وبشدة، ربما لن يندمل بسهولة.
***
وقف أمامه صارخاً بغضب أعمى وضيق شديد:
"كيف؟ كيف يفعل هذا؟ أفقد عقله أم جن على الأخير؟ كيف يرفع يده على صغيرته؟ من يظن نفسه؟ أ مات والده ليفعل هذا؟ أم أصبح هو عديم القيمة ليفعل هو تربيتها بدلاً عنه؟ أ ظن نفسه أصبح رجل المنزل وأصبح كبيراً ليتخطاه أم ماذا؟ أم ظن بأنه عندما أصبح ذا قامة مرموقة يفعل ما يحلو له؟"
كان الغضب يلعب به كنيران مشتعلة، ليضرب بعصاه أرضاً صارخاً بوجه ولده بغضب:
"والله عال يا دكتور، بجيت بتتخطاني وبتمد إيدك على اختك، ولا كأن ليك كبير."
نظر الآخر أرضاً بخجل وندم. يبدو أن فعلته أكبر مما يظن، فهو بكل غضب ورعونة تصرف، والآن لم يتركه أحد إلا وأن ضاق ذرعاً به وصب عليه جام غضبه. ليجيب والده بخجل:
"العفو يا حاج، هتفضل كبيرنا وكلمتك فوق راسنا."
صرخ به علوان بغضب:
"مابينش يا دكتور إن ليك كبير. أنت مديت إيدك على أختك ولا هامك حد. إيه أبوك مات؟"
انتفض من مكانه بفزع، لينظر لوالده برعب مجيباً بجزع:
"بعد الشر عنك يا حاج، ربنا يديك طولة العمر ويجعلك نعمة فوق راسنا."
ولكن كلماته لم تهدئ علوان مقدار ذرة، ليصرخ به بضيق:
"اديني سبب واحد يخليك تعمل أكده، سبب واحد يشفع لك في اللي أنت عملته."
حول أنظاره بعيداً بخجل، ليجيبه بنبرة هامسة بالكاد يسمعها:
"خجلت من تصرفاتها وجرأتها الزيادة يا حاج، وإنها بتتصرف أكده مع راجل غريب، زي ما يكون أخوها. ف اتضايجت، والغضب مسكني، بالذات لما اتخيلت إنها ممكن تعمل أكده مع أي حد غريب، تتخانج معاه حتى ولو إني مش موجود."
اتسعت عيناه بغضب، ليضرب عصاه أرضاً مرة ثانية، صارخاً بغضب شديد:
"قوم تمد إيدك عليها، ولا كأن ليها أب مسؤول عنيها."
اتسعت عيناه بغضب، ليجيب باندفاع غاضب:
"اسمحلي بجى يا حاج، إنت دلعتها زيادة عن اللزوم، ودلعها هو اللي عمل فيها أكده. البت مبجيتش تميز بين الصح والغلط، ومبتتصرفش تصرفات تليق بيها. وإن كنت سيبت الموضوع ليك، كنت آخرك كلمتها بس، ومخدتش تصرفات قاطعة معاها."
هز علوان رأسه بيأس، ليجيبه بحزن وألم:
"وأنت أخدت تصرفات قاطعة بعملتك دي يا ولدي."
صمت لبرهة، ينظر داخل عينيه، ليكمل بحزن:
"الظاهر إني إتديتك أكبر من حجمك يا دكتور."
انتفض باسم، يحول وجهه جهة والده بصدمة، ليكمل علوان باشمئزاز:
"الكلمة المصلحة، واللي تبين إنك خايف على اللي ليك، أحسن من مليون قلم. إنت بتديهم اهتمام وحنية، وبتكبرهم في عيونك، ف عمرهم ما هيحبوا ينزلوا منها. إنك تعلم أختك الصح، هتحسسها إنك في ضهرها وبتوعيها، مش تضربها وتجل منها."
ثم صرخ به بغضب، وهو يرفع عصاه يضربه بها في صدره:
"حسك عينك تمد إيدك على نهلة تاني، وإلا هيكون نفس القلم، إنت وأخده، بس المرادي في وسط العيلة، لأنك ماليكش حجة إنك تمد إيدك عليها. اللي يعمل كده، إني وأمك بس. ولكن إنت أهنه كيف كيفها، محدش أعلى من التاني عندي. إنتوا الاتنين تتربوا على إيدي، ولكن لو اتكررت، إنت اللي أعلم باللي هيحصل."
ثم لم يترك كلمة أخرى، وتركه وذهب، ليضرب الآخر على الطاولة أمامه بغضب، ليتحرك خارجاً جهة الخارج، ليتمشى في الأرض، عله يخرج غضبه بها. وحينما لم يستطع إخماد ثورته، مد يده في جيب بنطاله، ليخرج علبة سجائره، ويخرج منها واحدة، ثم أخرج قداحته يشعلها، وبدأ يسحب منها بقوة ويخرج أنفاسه منها بشدة. ثم وقف يراقب دخانها المتصاعد منها أمامه.
"مكنتش أعرف إنك بتدخن، حتى ما توقعتش حاجة زي كده."
انتفض من مكانه على ذلك الصوت الأنثوي الهادئ القادم من خلفه، ليلف وجهه، ينظر جهته برد فعل طبيعي، ليجدها تناظره بخجل وخوف من نظرته الحادة التي رمقها بها، لتجيب بخجل:
"أنا آسفة إن كنت خضيتك كده، مقصدتش."
وحينما لم تجد منه رد، نظرت أرضاً بخجل، وهي تنقل ثقل أقدامها مابين اليمنى إلى اليسرى، وتنظر جهتهم بعينيها:
"أنا آسفة إن كنت اتدخلت في حاجة متخصنيش."
ظل ينظر جهتها بعينيه متفحصاً لبرهة، ويده مازالت رافعة سيجارته لأعلى، وكأنه نسي أمرها، ليجيبها بعدها ببرهة:
"حصل خير، أنا اللي كنت مش مركز، ف محسيتش بيكي."
ثم دون كلمة أخرى، أعاد سيجارته لفمه، وعاد لينظر للبعيد، في حين ظلت هي واقفة تنظر جهته، ولم يبدو عليها أنها تريد إنهاء الحديث، لتقضم شفتها السفلى، ثم قالت بهدوء:
"أنا آسفة إن كنت اتجولت في المكان براحة زيادة عن اللزوم، وسببتلك إزعاج."
قطب جبينه ينظر جهتها بغرابة، ليمط شفته السفلى بتعجب. ما تلك الفتاة؟ وما تلك الحساسية الغريبة التي لها؟ ليجيبها بهدوء:
"لا عادي، اتحركي براحتك. إنتي مش جاية هنا تتحبسي. وبعدين إنتي ماسبتيليش أي إزعاج."
تنهدت براحة، لتتحرك جهته، تقف بعيدة عنه بعض الشيء، لتنظر جهته بطرف عينها. لم تنكر أنه وسيم، بل بالفعل شديد الوسامة. عيون مابين الخضراء الداكنة التي تميل للرمادية، لا تستطيع تحديد لونهم بالضبط، ف للوهلة الأولى تظنها رمادية، ولكن حينما تدقق بها، أو تسقط عليها أشعة الشمس، تظهر لونها الأخضر. وجهه قمحى مائل للسمرة الخفيفة، خليط يجعل له جاذبية جيدة. جسده رياضي إلى حدا ما، به عضلات جيدة بالطبع بفعل العمل في المزرعة. طوله جيد. ملامحه هادئة، مريحة، ونظراته هادئة، وتستطيع لمح بعض المرح بها. هو بالفعل منذ الوهلة شاب جذاب جداً للنظر، لا تمل من التحديق به وتتبع حركاته.
ما أوقف تحديقها به هو التفاف وجهه مرة واحدة لينظر جهتها، لتبعد عينيها بعيداً عنه بإحراج، بعد أن أمسكها بالجرم المشهود. أما هو، حينما لاحظ وقوفها بالقرب منه، وإن كانت بعيدة عنه بعض الشيء، التف ينظر جهتها، قاطب جبينه، فهي وقفت ولم تحدث صوتاً. لا يعلم ماذا تريد بالضبط، ليجدها تبعد عينيها عنه بعيداً، ثم بدأت تحرك يدها بالهواء لتبعد رائحة الدخان عنها، فيبدو أنها لا تطيق رائحة التبغ أبداً.
مط شفتيه بتعجب، ف إن كانت لا تستحبه، لما وقفت بالقرب منه؟ ليهز رأسه بيأس. هؤلاء الفتيات سيجعلونه يجن عما قريب. فهو من الصعب عليه فك أحجياتهم، فهم يقولون شيئاً ويقصدون به آخر، ينتظرون منهم شيئاً ولا يستطيعون قوله، ويريدونه أن يفهم ما لم يقولوه، ويغضبون حينما لا يستطيع فهمهم. حتماً سيجن، ويبدو أن تلك الفتاة ليست بعيدة عن الأمر.
"ما توقعتش فعلاً إنك بتدخن، بس اللي مش قادرة أفهمه، اللي بيدخن بيحس بإيه، أو بيستفيد إيه من التدخين غير إنه بيهلك صحته وخلاص."
انتبه على صوتها وهي تتحدث معه للمرة الثانية عن نفس الأمر الذي نسيه هو نفسه، ليلف وجهه تجاهها، ليجدها تنظر للبعيد ومازالت تحاول إبعاد الدخان عنها. لينظر لسيجارته التي لم تنته بعد بضيق، ثم ألقاها أرضاً ودهسها بحذائه، في حركة راقية منه أثارت رجفة بقلبها، لينظر إليها متسائلاً:
"شيرين صح؟"
أومأت برأسها بخجل، لينفخ الهواء من فمه، ثم وضع يديه بجيب بنطاله بضيق، ليجدها تنظر له بطرف عينيها، ثم حولت وجهها بعيداً بخجل، وهي تقول بخجل ممزوج باعتذار وتوضيح:
"أنا مش قصدي أتدخل أو أحقق في الموضوع أو أضايقك، بس فعلاً مش قادرة أفهم إجابة سؤالي، ليه الواحد بيدخن؟ إيه شعوره يعني؟ إيه إحساس الراحة اللي بيجيله في وسط الدخان والريحة الوحشة دي اللي بتحسس الواحد إنه بيتخنق؟ ليه بيهلك فلوسه وصحته؟ ليه وعلى إيه؟"
ظل ينظر إليها لبرهة من الوقت، ليجيبها بهدوء:
"بس أنا مش بدخن."
إجابته صدمتها حقاً، لتلف وجهها جهته بصدمة، تزامناً مع رفع حاجبيها بشدة، في حين سقط فكها وارتسمت معالم البلاهة كاملة على وجهها. منظرها هذا جعله يضحك بشدة، فقد كان رد فعلها وملامحها طريفة للغاية حقاً. لو كانت رأت وجهها الآن، لضحكت هي بشدة. في حين شكر الله لوجودها لإخراجه من ضيقه الآن. لينظر لها موضحاً من بين ضحكاتها:
"أنا مش بدخن في العادة، أنا بدخن لما أبقى متضايق أو غضبان، بس حاجة بطلع غضبي فيها وأحرق فيها ضيقي، بدل ما أولع في حد."
انصدمت برده بالفعل، لتمط شفتيها بتعجب حقيقي، وهي تتساءل باستغراب:
"وياترى بترتاح؟"
هز كتفيه وهو يجيبها بهدوء:
"إلى حد ما. مننكرش إن للنكوتين تأثيره، غير إنك أما بتشوفي الدخان والنار والحريقة، بتحسي إن النار اللي جواكي والغضب بيطلع وبتحرقيهم."
مطت شفتيها للمرة التي لا تعلم عددها اليوم، لتهز كتفيها تجيبه بهدوء:
"أظن إنك لو دورت على حد واتكلمت معاه، هيكون أفضل. لو مارست رياضة طلعت فيها غضبك، جريت أو لعبت ملاكمة أو أو، هيكون أفضل ليك ولصحتك. غير إن الرفيق أو الصديق هيهديك بجد، لكن السيجارة مش هتوقف التفكير والغضب اللي في مخك وعمال تفكر فيهم، ولكن الصديق هيهدّي وهيديك أفكار لمشكلتك."
هز كتفيه يجيبها بهدوء:
"وجهات نظر. بس أنا مش هجري أدور على حد في غضبي، ولا هجري زي المجنون. أنا عاوز حل سريع، حاجة تهديني."
"مهدئ يعني؟"
"حاجة زي كده."
ظلت تنظر إليه لبرهة من الوقت، لينظر جهتها، ليجيب ساخراً:
"هتقوليلي ده مش حل، وإنت بتدمر أعصابك وصحتك، والكلام ده صح."
نفت برأسها، لتجيبه بهدوء:
"إنت مش محتاج نصيحة، ولا عاوز حد يخنقك بكلامه، لأنك بالفعل مخنوق ومش طالب معاك مواعظ وحكم، فمش هاجي أنا وأرخم عليك زيادة. إنت كبير بما يكفي لأنك تبقى عارف عاوز إيه."
ظل ينظر إليها بهدوء، يتطلع بملامحها ويشرد بها. لم ينكر أنها جميلة. ملامحها ناعمة، هادئة، تجذب الناظر إليها. بالإضافة إلى عقلانيتها الجيدة، كانت جذابة شخصية وشكلاً. ذو ملامح ناعمة، بشرة بيضاء ناعمة، يتوسطها جوهرتين سوداويتين محفوظين داخل بركتين من البياض الناصع، وأهداب طويلة لحماية تلك الجوهرتين السوداويتين. أنف دقيق وشفاه مكتنزة، وجسد أنثوي بالفعل. متوسط الطول. ظل ينظر جهتها لبرهة من الوقت. وللمرة الأولى اعترف أن هناك أنثى جذبت انتباهه.
أما هي، حينما لاحظت تدقيقه بها، احمرت وجنتيها بخجل، لتتحرك ذاهبة من المكان بسرعة. ليصرخ من خلفها بهدوء يوقفها بابتسامة ماكرة:
"شيرين."
توقفت تنظر جهته بتساؤل، ليفتر ثغره عن ابتسامة أكثر مكراً لم تستطع هي ملاحظته بها.
"نادى على أصحابك علشان التدريب ابتدى."
أومأت برأسها، لتتحرك من أمامه، في حين ظل ينظر من خلفها بتدقيق.
رواية ملكة قلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريان بطرس
ظلت ترمش بعينيها بصدمة.
عينيها تناظره بذهول غير مصدقة لما يقوله أو يحكيه أبدًا.
فتحت فمها عدة مرات ثم أغلقته مرة أخرى، وهي تجد لسانها قد فقد القدرة على التعبير أو الكلام.
أخيرًا، استطاعت تجميع شتات نفسها وتجميع جملة مفيدة لتقول:
"انت بتتكلم جد يا نبيل ولا بتهزر؟"
زفر نبيل الهواء من أنفه ثم تراجع برأسه للخلف مغمض العينين، وكأنه يجمع شتات نفسه من تلك الرحلة العجيبة.
أجابها أخيرًا بتعب بعد أن فتح عينيه وهو ينفي برأسه:
"لا مش بهزر، دة اللي حصل فعلاً، طلعت المزرعة لجدها وهي كانت هناك."
ابتسم ساخرًا وهو يكمل:
"كانت لسه واصلة هي وأصحابها تقضي يومين إجازة في نفس اليوم اللي إحنا رحنا فيه."
هزت رأسها تنفي برفض، وهي لا تدري بالفعل ماذا تنفي أو ماذا ترفض فعليًا.
أجابت أخيرًا بدون تصديق:
"لا ده جنون.. جنون فعلاً، هو فيه إيه ولا إيه اللي بيحصل؟ إيه الجنان ده؟"
هز كتفيه بلا مبالاة مفتعلة، وهو بداخله يؤكد ذلك الحديث بالفعل.
هذا جنون، كل ما يحدث معهم جنون.
ماذا يحدث؟ أهم سقطوا في لعبة أو فخ؟ أم سقطوا في سحر أسود لا يستطيعون الخروج منه؟ أم ماذا؟
ما حدث مع باسل وما يحدث معه حاليًا لا يصدق، لا يستطيع أحد تصديقه أبدًا، بل هو يفوق الخيال، بل أصعب منه بكثير.
ماذا يحدث فعليًا؟ لا يعرف، حقًا لا يعرف.
هو يصدقه بالفعل على الرغم من غرابة حديثه وتراهاتها، ولكنه حقًا يصدقه، فعهده بباسل بأنه غير كاذب، بل إنه أبعد ما يكون عن هذا الأمر.
وإن كذب على العالم أجمع لن يكذب عليهم، بل كيف سيكذب؟
تصرفاته، توتره، جنونه، كل شيء وكل أفعاله وردود أفعاله حقيقة.
إذا ماذا يحدث وكيف هذا؟
الأمر أبعد ما يكون عن التصديق، ولا يعلم إلى أين يمكن أن يصل معه، ولا يعلم أيضًا لما؟
تنهد يبحر بعينيه بعيدًا، وهو يرى أن تلك العائلة بالفعل بها سحر أسود يسيطر على أفعالهم وأقوالهم.
هذا حقًا ما أصبح يصدقه، بمجرد ملاقاتهم تتغير حياتهم وتنقلب رأسًا على عقب.
الأمر لا يتعلق بباسل فقط، إنما يتعلق.. إنما يتعلق به أيضًا.
ربما لا يجب عليه الاعتراف، ولكن.. ولكن بالفعل هناك شيء غريب.
نعم، هناك شيء غريب.
فإن مررنا الأمر الخاص بباسل، إذا ماذا يحدث معه هو؟
لما أصبح يرى نفسه أصبح مختلفًا؟
منذ أن رآها.. نعم، منذ أن وقعت عينيه عليها، منذ أن نظر بعينيها الرمادية القاتلة وهو لا يعلم ماذا حدث له.
دقة عنيفة خرجت منه ليتوتر جسده، ولكن لسانها الحاد هو ما أخرجه من حالته، ولكن.. ولكن لم يخرج منها للابد، إنما سقط في بحر سحرها الأسود كلون خصلاتها.
ليجد نفسه يتصرف على غير سجيته، ليجد شعور بأنها ملكه.
ملكه هو فقط، لا يحق لأحد مضايقاتها، ولا يحق لأحد أن يرفع عينه بها، فما بالك أن رفع يده عليها.
رجع رأسه للخلف يدق بها على الحائط برتابة بعد أن أغمض عينيه.
لم تستطع عيناه أن تذق طعم النوم، أمس يتقلب على جمر ملتهب تتقاذفه أفكاره كالامواج.
لما فعل ذلك؟ لما؟
لما دمعة من عينيها الرمادية جعلت جسده كله يرتج ليخرج عن طبعه البارد الثلجي اللامبالي ليفعل ذلك الفعل الأحمق.
إن جئنا للحق هو أخوها، يحق أن يفعل ما يشاء، ماله هو؟
والأمر هي مخطئة بحقه، هي مخطئة، ومن داخله يعلم هذا.
إذا لما؟ لما كل ذلك الغضب لأجلها؟ لما؟
لما يشعر بأن الآخر تعدى خطوطه الحمراء؟ لما يشعر بأنه دخل لممتلكاته وتعدى عليها؟
لما بداخله إحساس بأن تلك الفتاة تخصه هو وحده؟
لما بداخله إحساس بأن تلك العيون الرمادية الساحرة لا ينبغي لها سوى الضحك فقط لتلمع كلون القمر، ولا يحق لأحد إسقاط دمعة واحدة من عينيها؟
لما يشعر بأنه يريد أن يملك كل ما بها له هو فقط، ضحكاتها، سعادتها، فرحها، ولا يريد رؤية حزنها، وإلا سيحرق الدنيا بمن عليها، فقط لأجل دمعة واحدة بها؟
لما؟ هو لم يرها سوى لمرة واحدة، إذا ماذا حدث؟
أى سحر أسود أسقطته عليه تلك الساحرة الشريرة، ولما لا يستطيع التخلص منه؟
مسح وجهه بكفيه وقد أبحر مع أفكاره بعيدًا، حتى إنه نسي تلك التي تقف أمامه.
إلى أن فتحت فمها قائلة بضيق:
"وباسل كان رد فعله إيه؟"
فتح عينيه لينظر جهتها بغرابة، وكأنه بالفعل نسي أمر وجودها.
لينظرها هو للحظة بغرابة.
ترى ماذا تشعر وكيف تتألم؟ ليليان، تلك الجميلة الناعمة العاشقة لصديقه بجنون، ولكن حبها لم يجد صدى بقلبه، وهي تعي ذلك جيدًا، ولكنها ما زالت تحاول.
على الأقل تعرف أنه لا يوجد أحد بقلبه، إذا فأن لها فرصة لتدخله.
ولكن ما يحدث الآن، ترى ماذا تشعر؟ أتتألم؟ أينغرس سكين قاتل بقلبها؟ أم ماذا؟
أم تشعر بأنها تحترق حية؟ وماذا سيكون رد فعلها أن أحب تلك الصغيرة، أو هي أحبته؟
ابتسامة ساخرة ارتسمت على فمه.
ثلاثية الحب، ترى ماذا سيحدث لها.
لم يهتم يومًا بتلك الأحاديث أو التراهات، دوماً ما كان باردًا، دوماً كان لا مباليًا، إذا لما أصبح عاطفيًا هذه الفترة؟ حقًا لا يعلم.
"نبيل؟"
صوتها أخرجه للمرة الثانية من دوامة أفكاره، فقد أصبح هذه الفترة شارد أكثر مما ينبغي.
ليدقق النظر بها ثم مط شفته السفلى مجيبًا إياها بجهل:
"معرفش."
ثم عدل من إجابته حينما وجدها تناظره بتعجب، ليجيب:
"إتصدم أكيد من الصدفة الغريبة دي، وبعدها إتصرف عادي، وبعد عنها، ومازال على رأيه إنه هيبعد عنها."
تنهدت براحة.
"إنصاف الحقائق لن تؤذي، أصبح هذا هو رأيه الآن، فهي لا يجب عليها التألم، يكفيها ما بها."
إذا لن يقول لها بأنه أراد منها العمل لديه، فهو لا يريد إيلامها أكثر.
هز ساقه بتوتر إلى أن فتح فاه أخيرًا قائلاً بتوتر:
"ليليان."
التفت تنظر جهته بتساؤل، ليقول بهدوء:
"أنا عارف إنك بتحبي باسل وبجنون، بس من رأيي حاولي تتخلصي من الحب ده، أو على الأقل تقننيه، إنتي مش ضامنة المستقبل، ومافيش أي رد فعل من باسل تجاه حبك، ف أنا مش عايزك تتعذبي."
التفت تنظر جهته بألم، لتلمع الدموع بعينيها، وهي تجيبه ساخرة:
"إيه؟ صعبة عليك؟ وانت شفقان عليا؟ ولا هو لاحظ وقال لك خليها تنسى؟"
ثم تساقطت دمعتيها لتقول بألم:
"ولا يكونش البنت دي خلاص احتلت قلبه؟"
تألم من منظرها ومشاعرها، هي لا تستحق ذلك، هي بريئة رقيقة، لا تستحق كل ذلك الألم، ولكن يجب عليها أن تفيق.
تلك الفتاة ليست مزحة أو سحابة عابرة.
يرى بعيني صديقه حينما يتطلع إليها شيئًا مختلفًا، نظرته تتغير، طوفان من المشاعر على وشك الانفجار.
ليليان ليس لديها فرصة، نعم الحق يقال، ليليان ليس لديها فرصة أمامها أبدًا، وهو أدرى.
حتى الدقة العابرة ليست موجودة بقلبه تجاهها، فهو قد جرب الدقة العنيفة التي احتلت تجاه تلك الساحرة الشريرة، ويعرف كيف تكون، وكيف يتحول الإنسان بسببها.
دموع ليليان تحزنه، نعم، ولكن دموع الأخرى تخنقه، تحرقه، ولكن مشاعر باسل تجاهها لا تتحرك.
ربما يتألم لأجلها، ولكنه لا يحترق لأجلها، لا يسعى إليها، لا يركض خلفها.
إن غضبت أو حزنت لن يقلب الدنيا رأسًا على عقب لأجلها، وهذا ليس باسل، يعلم صديقه جيدًا، إن أحب سيحرق العالم أجمع، فقط لأجل دمعة لمن أحب.
هو طوفان من المشاعر، وما يملكه لليليان لن يعادل نقطة في بحر، ليست لديها فرصة، لا الآن ولا مستقبلاً.
لذا قال بهدوء:
"ليليان من رأيي إنك تبعدي شوية، تتقلي إن جرى وراكي يبقى بيحبك وهيحس بمشاعره تجاهك، لكن إن ما اهتمش يبقى..."
صمت يقضم شفته السفلى، لتومئ برأسها مجيبة بألم ودموعها تتساقط على وجنتيها الناعمة برقة، لتكمل هي بهدوء:
"يبقى أنا مليش مكان أبدًا، والمفروض أبعد، حقنا لكرامتي صح؟"
أبعد عينيه عنها بعيدًا، ليبتلع ريقه، ثم حول عينيه تجاهها قائلاً بألم:
"ليليان المشكلة مش فيها أو في غيرها، ولا فيكي ولا في باسل، المشكلة في قلبنا، قلوبنا هي اللي بتختار، إنتي أجمل بنت في الكون ورقيقة وناعمة، بس إحنا مالناش سيطرة على قلوبنا، ولا اللي بتختاره، وإنتي أدرى واحدة بكده، أحيانًا قلوبنا بتختار أبعد حد عننا، بس إحنا مش عارفين ليه، كل شخص وليه توأم يقدر يتأقلم معاه."
ظلت تنظر جهته بتعجب.
أهذا هو نبيل حقًا؟ ذلك العقل والرزانة غريبة عليه، لم يكن عاقلاً هكذا من قبل، دائمًا ما كان أبله مشاكس بارد كلوح الثلج، دائمًا ما يرى أي شيء يحدث حوله هو مثير للتسلية ويحب متابعته فقط للتسلية ولتغيير جو.
إذا ماذا حدث ليتغير هكذا؟ ماذا حدث في هذين اليومين ليتغير حاله هكذا؟
ولكنها على الرغم من هذا ارتأت أن ما يقوله هو الصواب.
لذا أومأت برأسها مجيبة بهدوء:
"معاك حق يا نبيل، أنا لازم أبعد، لازم أحافظ على كرامتي أكتر من كده، مش هنفضل نلعب قط وفار، لازم يتوضع حل للموضوع ده."
أومأ برأسه ليتحرك مبتعدًا، في حين هي نظرت أرضًا ثم تساقطت دموعها أكثر.
لتضع يدها على قلبها بألم، الأمر مؤلم، مؤلم بشدة، بل إنه يقتل، لا تستطيع احتماله.
لذا وضعت يدها على قلبها راكضة تجاه أقرب مرحاض أو ركن لتخرج به ألمها وبكاءها، علها تهدأ وتعود كما كانت ولو قليلاً.
____________
تحرك وهم خلفه يشرح لهم كل شيء، يشير جهة المواشي والحيوانات ويشرح لهم عمليًا ويريهم.
في حين كانوا يتابعون بدقة.
كان ينظر لها بجانب عينيه بتدقيق، يحفظ خلجاتها، تصرفاتها، وكل شيء يخرج منها.
لا ينكر بأنها أثارت انتباهه وبشدة، ضحكاتها، نعومتها، هدوئها، مرحها الزائد مع صديقاتها.
في حين حينما تلف بعينيها تجاهه وتجده يتطلع بها تصمت وتحمر خجلًا لتدير عينيها بعيدًا عنه بإحراج.
ابتسامة شقت وجهه، يستطيع التأكيد، تلك الفتاة تكون له مشاعر أو شيء ما.
خجلها الواضح تجاهه، نظرتها له بجانب عينها ومتابعتها له في كل حركة، حتى وإن كان بعيدًا عنها أو حتى يرتشف كوب شاي تتابعه بعينيها وهي تظن بكل سذاجة بأنه لا يراها أو غير منتبه إليها.
هي معجبة به، أو على الأقل يلفت انتباهها.
ولا ينكر بأن هذا يرضي غروره وذكوريته وبشدة، فهو رجل بالنهاية.
انتبه من أفكاره على صوتها قائلة بهدوء بعد أن حللت مرض إحدى البهائم:
"كده دي المفروض تاخد حقنة."
أومأ برأسه بهدوء وهو يجيب:
"صح، بس المفروض تاخدها فين؟"
"في الفخد."
ابتسم وهو يومئ برأسه ليعطيها لها قائلاً بتشجيع:
"شاطرة يا دكتورة."
ابتسمت بخجل لتتحرك إلى الخلف من الجاموسة وتجهز الحقنة.
وبينما هي تقترب منها من الخلف وجدت الجاموسة تلف وجهها تنظر له بعيون جاحظة.
لتبتلع ريقها بخوف وتلف عينيها تنظر له، ليتساءل بهدوء مع ابتسامة مطمئنة:
"إيه؟ فيه إيه؟ اديها الحقنة؟"
لتبتلع ريقها برعب.
تلك البهيمة تخيفها، نظراتها غير مريحة، تشعر بأنها ستفعل بها شيئًا ما.
لتقول بهدوء خائف:
"هو ممكن انت اللي تديهالها؟"
قطب جبينه بتعجب، ليرفع كفه يشير جهة البهيمة مجيبًا بهدوء:
"وماتديهاش إنتي إيه المشكلة؟"
لفت نظرها جهتها ثم له، لتجيبه بخوف:
"أصلها بتبصلي."
ارتفع حاجبيه بصدمة، في حين انفجر كلا من أميرة وجنى بالضحك.
ليبتسم ابتسامة مصدومة وهو يجيبها بتعجب:
"وماتبصلك يعني عادي؟ هي بتشوفك هتعملي إيه؟"
ظلت تنظر له نظرات خائفة، ليجيبها بصوت مطمئن:
"متخافيش، اتكلي على الله وأديها الحقنة يلا."
ابتلعت ريقها برعب، ليومئ برأسه بهدوء ليطمئنها.
لتومئ برأسها بخوف، ثم بدأت تملأ الحقنة بالمحلول، ثم اقتربت من فخذها بالخلف.
وما كادت تضعها بها حتى فوجئت بتلك الجاموسة تقرب رأسها منها وهي تنظر لها ملء عينيها الكبيرة بغضب.
لتصرخ هي برعب تختبئ خلفه متمسكة بكتفيه تحت نظراته المصدومة، في حين تصنم الجميع بأماكنهم.
وما زادهم صدمة هي صراخها المرتعد وهي تقفز من خلفه برعب:
"بتبرقلي! الحقني يا باسم! دي بتبرقلي والله بتبرقلي! وقربتلي قرونها شكلها عايزة تجيبهم في بطني! دي بتحذرني بعنيها وإن قربت منها هتفرد بطني بقرونها!"
لف جسده ينظر لها بصدمة، يرمش بعينيه دون أن يجد لسانه القدرة على الحديث.
ليجدها تلف وجهها تنظر لتلك البهيمة التي من خلف ظهره، لتجدها تنظر لها، لتصرخ برعب ثم سرعان ما خبأت وجهها بكتفه صارخة بخوف:
"الحق! دي بتبصلي تاني وبتبرقلي! الحق هتموتني!"
قالتها متزامنة مع الإشارة بيدها جهة تلك البهيمة.
ليظل متسمر مكانه، في حين وقفت الفتاتان تنظر لها بصدمة، وفتح الجميع فمه ببلاهة بلا استثناء.
أما هو فقد وقف مصدوم من كلماتها، والأكثر أفعالها، فهي ألقت بنفسها في أحضانه فعليًا، تلك الصغيرة في أحضانه بالفعل.
تخشب جسده مكانه بعد أن استوعب وضعهم الآن، في حين مرت صاعقة كهربائية بجسده كله.
ليتراجع للخلف بصدمة مبتعدًا عن مرمى رأسها التي ألقتها على صدره.
ثم بدأ يلف بعينيه في كل الاتجاهات خشية أن يكون قد رآهم أحد.
وقد احمرت وجنتيه بالفعل من الخجل، ثم بدأ يسعل بشدة ويتنحنح مجليًا حنجرته.
وبعدها قال بهدوء محرج وهو يبعد عينيه عنها:
"مفيش مشكلة، ممكن تجيبيلي الحقنة أنا أديها لها."
قالها تزامناً مع مد يده تجاهها، في حين عينيه كانت لا تزال تنظر للبعيد.
لتحمر وجنتيها بخجل بعد أن أدركت فعلتها.
لتناولها له بإحراج، ولكن ما إن لمست أصابعها الناعمة كفه الخشن حتى انبعثت كهربائية لذيذة أصابت جسده.
ليلِف تلقائيًا وجهه تجاهها بصدمة وهو لا يفهم بالفعل حقيقة شعوره تجاهها وما يحدث.
وما أن تلاقت عينيها بعينيه حتى احمرت خجلًا لتركض من المكان مبتعدة تختبئ خلف صديقاتها.
ليتنحنح هو بإحراج ليبعد عينيه بعيدًا، ثم تحرك ليحقن تلك البهيمة.
ثم قال بإحراج بصوت متلعثم بالكاد يسمع:
"أنا رايح المكتب بتاعي، وإنتوا خدوا راحتكم."
ليتحرك من محيط المكان، تاركين الثلاث فتيات معًا.
لتلتف الفتاتان معًا ناظرين جهتها بصدمة بحاجبين مرفوعين وفم مفتوح ببلاهة.
لترمِش هي بعينيها عدة مرات ببلاهة أكبر في صورة تستحق التقاط فعلاً، وكان ليُسمى وقتها تماثيل الغباء.
ثم بعدها لف كلا من جنى وأميرة وجهيهما تجاه بعض، ليعودا بعينيهما تجاه تلك البلهاء الثالثة.
ليرتفع الحاجب الأيسر لكل منهما، في حين هبط الأيمن.
لتقول جنى بخبث:
"بتبصلي."
لتنفِ أميرة برأسها بهدوء، وهي تطقطق بفمها مكملة بهدوء خبيث:
"لا ده بتبرقلي."
ابتلعت شيرين رمقها بخوف وهي ترى وجههم في تلك اللحظة أشبه بريا وسكينة.
لتكمل جنى:
"دي بتهددني يا باسم، اتصرف."
لتمط أميرة شفتيها للأمام قائلة بنبرة ساخرة:
"هتأذيني؟ هتفرد بطني بقرونها؟ الحقني."
لتتسع عينى جنى مكملة بصدمة:
"قوم الحل إيه؟"
اتسعت ابتسامة أميرة الخبيثة مكملة بهدوء ماكر:
"احضن باسم، ماهو السوبر هيرو اللي هينقذني من الجاموسة، ماهو سوبر مان هياخدني ويطير بعيد عن الجاموسة الشريرة."
ارتفع حاجبى جنى لتلف وجهها جهة أميرة، لتنفجر كلا منهما بالضحك.
لصرخ شيرين بغضب:
"بس يا رخمة إنتي وهى!"
لتنفلت ضحكاتهم أكثر وكأنها تقول اضحكوا أكثر.
لتنفخ بفمها وتحمر وجنتيها خجلًا لتزداد ضحكات الفتيات أكثر.
لتدب الأرض بقدميها صارخة بضيق:
"بس بقى!"
لتقول أميرة من بين ضحكاته:
"بس إنتي يا مفضوحة معرفتيش تستخبي في حتى أكتر أمان، قوم تستخبي في حضنه، وعلشان إيه؟ الجاموسة بتبصلك؟ مكانش ناقص غير تقوليله شيلني بعيد عنها."
ثم ضربت كفًا بكف قائلة من بين ضحكاتها:
"ده الواد قطع الصوت والنفس من الإحراج، ده وشه قلب حتة طماطم وخد ديله في سنانه وجرى."
احمرت وجنتا شيرين بخجل لتصرخ بهم بضيق:
"بس بقى!"
لتكمل جنى من بين ضحكاتها:
"فضحتونا، أقوله إيه دلوقتي؟ الدكتورة البيطرية اللي جايباها تدرب خايفة من بصة الجاموسة؟ إيه كانت هتتحرش بيكي مثلاً؟"
نفت أميرة من بين ضحكاتها مكملة بخبث:
"لا ده إحنا اللي هنتحرش بالدكتور بتاعها، أصله قمحاوي بعينين ملونة."
ثم اقتربت من الأخرى وهي تسعل في حين أدمعت عينيها من فرط ضحكاتها قائلة بجدية مازحة:
"إنتي دلوقتي بقى تروحي للدكتور الحزين اللي مش عارف يرفع وشه من الأرض ده تقوليله."
ثم أكملت بتمثيل مسرحي:
"إنت لازم تصلح غلطتك وتتجوزني! آه! ماهو مينفعش أحضنك وأسيبك كده، لازم أشوف نتيجة عملتك دي، التار ولا العار! وهوب! اتجوزيه بقى! إيه رأيك؟ وهو مش هيقول حاجة، هو أصلاً بقى شبه حباية الطماطم."
سعلت جنى من فرط ضحكاتها لتجد الأخرى تصرخ بهم بضيق:
"يعني مش هتسكتوا؟"
نفت أميرة برأسها بضحك لتجيبها الأخرى وهي تدب قدميها بالأرض بطفولية:
"طيب اديني سيبالكم مخضرة وشوفوا هتتنمروا على مين."
ثم تركتهم ذاهبة.
لتنظر لها أميرة بخبث، ثم هتفت بمكر وهي تزعق بصوتها:
"إيه ده؟ هو مين اللي ساب الجاموسة دي؟ الحقِ يا جنى دي بتبص على شيرين وريحالها."
لتتسع عينى شيرين ثم ركضت بسرعة صارخة برعب دون أن تنظر خلفها:
"الحقوني! حد يلحقني! هتموتني! هتفرد كرشي!"
لتنفجر الاثنتان من الضحك في حين خرج باسم من مكتبه ليتفاجأ بتلك المعتوهة التي تركض بخوف، في حين سقطت الفتاتان أرضًا على ركبتيهما من فرط الضحك.
لتصرخ أميرة من بين ضحكاتها:
"تعالى يا موكوسة مفيش حاجة!"
ولكن لا حياة لمن تنادي، فقد ركضت الأخرى صارخة في المحيط، لتزداد ضحكاتهم أكثر.
ليحول عينيه ينظر جهة تلك المعتوهة الراكضة، ثم إلى هاتان المجنونتان.
لترتسم الابتسامة على وجهه ضاربًا كفًا بكف وهو يقول بدون تصديق:
"مجانين والله مجانين."
ليعود إلى مكتبه بهدوء، وهو يجد أن حال المكان اختلف، وقد عمت الحياة والبهجة المكان منذ مجيء هؤلاء الفتيات بالفعل، فهن يدبن الروح بالمكان حقًا.
__________________
كانت تجلس معه بالسيارة ليوصلها للمنزل، وهو ينظر لها بين الفينة والأخرى بابتسامة هادئة.
لتحمر وجنتيها خجلًا وتصبح تحاكي لو شعرها الأصهب.
ليقول أخيرًا بهدوء منعا لإحراجها:
"تسمعي موسيقى؟"
أومأت برأسها توافق على الفكرة، لتمتد يده جهة المسجل يقوم بتشغيله.
لتنساب الأغاني في المكان، وقد كانت أغنية "انت الحظ" لعمرو دياب.
ليجدها تبتسم باتساع وقد أعجبتها الأغنية.
لتلف عينيها تنظر جهته بخجل، ليبتسم لها بالمقابل وهو يهز كتفيه بقلة حيلة.
لتبتسم له، ثم ارتكنت برأسها على زجاج السيارة تنظر أمامها بهدوء وشرود، وهي تربّع يديها في حين أذنيها معلّقة مع الموسيقى المنسابة.
وقد رحلت بعالمها الخاص.
ليلِف بوجهه ينظر جهتها بهدوء، ليجدها بذلك المنظر، ولا يعلم لما في تلك اللحظة جاء على باله أحدهم.
مغمض العينين يرقص ببلاهة مع الأغنية وتتحرك بمرح في كل الاتجاهات، وكأنها نسجت عالمًا خاص بها تتراقص فيه مع فارس أحلامها دون قيود.
ليجد لسانه في تلك اللحظة يقول بسرعة بدون تفكير:
"جميلة!!"
"هي الأغنية مش عاجباكي؟ أغير المحطة؟"
رفعت أنظارها تنظر جهته بتعجب، لتجيبه بهدوء:
"لا بالعكس، عجبتني جدًا."
رمش بعينيه ينظر لها بتعجب.
عيون سوداء هادئة تتطلع له بنعومة ممزوجة بهدوء عاقل ورصين ورقيق.
ولا يعلم لما في تلك اللحظة قاده عقله لعيون أخرى، عيون عسلية تتطلع إليه بمرح ممزوج بشقاوة وانبهار وابتسامة مشاكسة دائمًا تحتل شفتيها.
تختلف تمامًا عن تلك الابتسامة الهادئة التي تهديها له جميلة.
لا يعلم لما تزوره تلك الفتاة في مخيلته.
إن جاء للمقارنة فهم مختلفون، اختلاف السماء عن الأرض، بل لا يوجد وجه مقارنة من الأساس.
جميلة عاقلة هادئة ناعمة وراقية بشدة، جميلة أنثى مكتملة الأركان بكامل رقتها وهدوئها ونعومتها وأناقتها ورزانتها.
في حين أن الأخرى أشبه بطفلة أكثر، تتطلع بابتسامة ومرح وسعادة، عينيها ممتلئة بالمرح والشغب، تشع بالحياة بكل خطوة تخطوها، بكل نظرة تنظرها.
هي صاخبة بشدة حتى وإن لم تفتح فمها، نظرة عينيها وحدها تكفي.
جميلة أشبه بالشاطئ الجميل الناعم، أما أميرة أشبه بالبحر وأمواجه العاتية في كل خطوة تخطوها.
حتى وعلى ذكر الخطوات، سعل يلفت انتباهها قائلاً بهدوء:
"جميلة هو انتي لما بتمشي يعني ك بنات رجلك بتتلوى أو بتقعي أو حاجة يعني الكعب مثلاً أو كده؟"
قطبت جبينها بتعجب من ذلك السؤال الغريب.
من أين أتى هو بذلك الكلام العجيب؟
لتمط شفتيها مجيبة بهدوء:
"لا إيه اللي هيوقعني مادام ماشية بالراحة وعلى مهلي ومركزة في طريقي ومشيتي؟ أنا مش طفلة بجرى يعني زى ما تيجي تيجي. أنا أنثى ولازم أمشي بالراحة وبرقي."
ابتسم بمرح وهو يتذكرها.
بالطبع طفلة هي بحركاتها، أبعد ما يكون عن الأنوثة.
هي طفلة فقط تركض وتمرح تثير الشغب والضحك والبهجة بالمكان فقط، ولكنها ليست كجميلة أنثى مكتملة الأنوثة والرقي والجمال، متزنة العقل.
لا يعلم لما تثير فضوله، ولكنه ربما لكونه وحيد أبويه كان يتمنى أخت بالذات وليس أخ.
أخت مثلها تثير المرح بالمكان بحنانها بشغبها بمشاكستها وضحكها، طفلة يهتم بها، بجلب لها الحلوى وهو قادم، يداعبها ويشاكسها ك باسم ونهلة.
تشاكسه ويشاغبها، يمرحان يركضان، وتبكي الفتاة أقرب شيء لأحلامه عن أخته التي كان يتمناها.
ولكن جميلة هي.. هي محبوبته، لم يحلم بغيرها أو يتصور أخرى.
هو كبر وتربى على حبه لها وعشقه لها، لا يعلم كيف أو متى أو أين، ولكنه وجد نفسه يحبها.
ربما يحبها حين وُجِد.
انتبه على صوتها المتسائل بتعجب:
"بس ليه الأسئلة الغريبة دي يا فارس؟"
حول فارس عينيه تجاهها بابتسامة، ثم أعاد عينيه للطريق مجيبًا بمرح:
"فيه بنت قابلتها اليومين اللي فاتوا لما روحت مع باسل المزرعة، المشكلة إنها دكتورة بس عاملة زي العيال، كل أما تمشي تقع، متفهميش عندها مشكلة في المشي ولا في رجليها ولا هي بتتصرف بهبل، ف علشان كده بسأل."
نظرت له لتضحك بمرح، ثم سرعان ما تساءلت بغيرة غلفتها بالمرح والمزاح:
"أيه يا دكتور لفتت انتباهك وعجبتك؟"
"إياك لو كانت عجبتك كده، ف أنا هقلعك النضارة خالص وأهليك تنشي تخبط مش شايف حاجة."
ارتفع حاجبيه ليتساءل بمكر:
"أيه؟ هو الجميل غاير؟"
هزت كتفيها بثقة لتجيبه بتأكيد:
"حقي، ولا إنت إيه رأيك؟ أنا اللي يرتبط بي ميبصش لغيري، وإلا هخليه ميعرفش يبص تاني. أنا مش قليلة، أنا جميلة الدمنهوري."
ارتفع حاجبيه بصدمة.
أهذه جميلة حقًا؟ هذا أمر لا يصدق.
هو يعرف جميلة منذ سنوات، ولكن لأول مرة يلاحظ ذلك الغرور بها وذلك التملك، ولكنه حقًا يليق بها بشدة.
جميلة وهي جميلة وتمتلك كل مواصفات فتاة الأحلام.
جميلة هادئة، رزينة، ومن مستوى عائلي ممتاز.
ولكن حقًا ذلك الغرور زادها جاذبية وجمالاً، زادها رقي أكثر.
لترتسم ابتسامة ناعمة على شفتيه، في حين أكملت هي بهدوء:
"أنا مبحبش حد يشاركني في حبيبي، حتى ولو بالتفكير، أنا القلب اللي أدخله أقفل ورايا ومحدش يدخل تاني، لأنه بيتي وأنا مبشاركش بيتي مع حد، يا فارس أنا يا أكون الملكة الوحيدة يا بلاها البيت ده. أنا العين اللي تبصلي متبصش لغيري ولا بالصدفة حتى، وإلا..."
ارتفع حاجبيه ليتساءل باستهانة:
"وإلا إيه بقى؟"
استطاعت لمح السخرية بنبرته، لتكمل بهدوء وهي تقترب بوجهها منه:
"وإلا حاجة من الاتنين، يا أقلعه عينه، يا يحتفظ بيهم بس من غير وجودي في حياته."
ظل ينظر له بتعجب.
لتبادله هي النظرة بقوة.
ليبتسم هو بهدوء، ثم أمسك بكفها يطبع قبلة صغيرة على باطنه بنعومة.
لتحمر وجنتيها خجلًا، وكادت تسحب كفها، ولكنها تفاجأت به يحتفظ به داخل يده الكبيرة.
ثم حول عينيه ما بين الطريق ووجهها، لينظر له قائلًا بنعومة ورقة، بالأخير:
"اطمني يا جميلة، قلبي معرفش الحب غير معاكي، وعيني مبتبصش لغيرك، إني مش خاين وإنتي عارفة، وحبي ليكي ميتحدش، ف مهما إن مر علي بنات فهم يمروا ويعدوا، لكن هو مش بيشوف غيرك ولا بيهتم بغيرك، إنتي وبس."
ثم رفع يدها جهة صدره موضع قلبه، وهو يقول بهدوء:
"لأن ده مش بيدق غير ليكي، ومعرفش يدق فير معاكي، ف مهما إن مر عليه بنات فهم يمروا ويعدوا، لكن هو مش بيشوف غيرك ولا بيحس بغيرك."
ظلت تنظر له بعينيها السوداء الجميلة، لتقول أخيرًا:
"وعد يا فارس، وعد إنك عمرك ما هتخون."
ظل ينظر لعينيها الجميلة، ليجيبها بنعومة:
"وعد يا عيون فارس، إني عمري ما هخون، لأن الخيانة مش من طبعي أصلاً."
ظلت تنظر له إلى أن ارتسمت ابتسامة ناعمة على محياها.
لتلقي برأسها على كتفه بهدوء، وهي تتنعم بحبه وحنانه إليها وفقط لها.
فهو فارسها الخاص بها، فارس لها هي وفقط وليس لسواها.
رواية ملكة قلبي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريان بطرس
وقفت تتحدث بالهاتف ودموعها تسيل على وجنتيها بلا هوادة، وشهقاتها ترتفع أكثر فأكثر ولا تستطيع إيقافها.
"ليليان، ممكن تهدّي وتفهّميني فيه إيه؟ لأني فعلاً خلاص هتجنن من عياطك وانهيارك ده ومش قادر أعرف السبب."
لم يقابله سوى الصمت من جهتها، في حين كان يصله صوت تنهداتها الناعمة وشهقاتها، ليزيده الأمر غضباً وجنوناً أكثر.
ليزأر بغضب كأسد جريح، وهو يلتف حول نفسه ويشد على شعره وخصلاته أكثر وأكثر، وهو يشعر بأنه مقيّد لا حول له ولا قوة. بكاؤها يحرقه، يثير جنونه. هي تبكي وتحترق، وهو هنا لا يعلم السبب. هو في آخر الكرة الأرضية بعيد عنها، لا يستطيع معرفة ما بها سوى من كلماتها. لا يستطيع طمأنتها واحتضانها، لا يستطيع طمأنة قلبه بوجودها، لا يستطيع حرق من حرق قلبها هكذا. وردته الصغيرة وأخته الصغرى مدللته تبكي، وهو لا يستطيع إضرام النار تحت من قام ببكائها، لا يستطيع حرق قلبه كما حرق قلبها. وهذا أكثر ما يغضبه، أنه يشعر بأنه مقيّد. لا يستطيع معرفة ما يؤذيها إلا حينما تحن عليه وتقول ما بها.
ليشد خصلاته أكثر، في حين كان وجهه يتشنج أكثر فأكثر من الغضب. إلا أنه لم يستطع التحمل أكثر، ليتحرك من المكان ويفتح الباب وهو يصرخ بغضب أعمى بالهاتف.
"لأ، كده كتير.. كتير أوي كمان! أنا جاي على أول طيارة وهكون عندك في ظرف ساعات، وساعتها هولّع في اللي اتسبب في عياطك ده. حتى إني هخليه ينحني على جزمتك يبوسها وهو بيترجاكي إنك ترحميه.. لأنه مين ما كان يكون لازم يعرف إن الدمعة في عينيك تمنها إيه. انتي ليليان بدر الدين ومش أي حد يقدر يزعلك."
أرفق كلماته مع خروجه من مقر الشركة بأكمله، فقد كان قد فقد آخر ذرة للتحكم بأعصابه. وقد شعرت هي بهذا لتصرخ به على الهاتف.
"تامر، استنى!"
توقف في مكانه بالفعل على أثر أمرها، فقد كان أمرها بالنسبة له واجباً نفاذاً. ليهدر بها بألم.
"ليليان..."
ابتسمت من بين دموعها، فهذا هو أخوها محبوبها وسندها، ومن تشعر بأنه لو حدث إعصار بالعالم وانهدمت الدنيا رأساً على عقب، فهو يقف خلفها يسندها دائماً. هو الحائط الذي تستند عليه. لن يصيبها مكروه أبداً طالما يقف هو معها وخلفها. هو يكفيها كلامه يطمئنها بشدة. طالما كان موجوداً، فهذا يعني لن تستطيع الدنيا أجمعها أن تصيبها حتى بخدش واحد.
في حين أغمض هو عينيه بألم، وهو يستمع صوت بكاءها يهدأ ولكن لم يتوقف. لتطفَر دمعة في عينيه ثم سقطت على وجنته، ليسرع بمحوها تزامناً مع سقوط دموعها هي على الطرف الآخر من الهاتف. كان يشعر في تلك اللحظة بالانكسار، بانحناء ظهره، فهو قد فشل في إبعاد الألم عن أخته.
ليقول بلوعة: "ليليان حبيبتي، قوليلى إيه اللي مضايقك، صارحيني. أنا تامر أخوكي حبيبك. امتى فشلت إني أجيبلك حقك؟ امتى فشلت إني أحتويكي أو أفهمك؟ صارحيني يا ليليان إيه اللي واجعك وحارقك أوي كده؟ إيه اللي حارق قلبك كده واتسبب في انهيارك؟ ده صارحيني يا حبيبتي، صارحيني."
كان يقول كلماته وهو يلتف حول نفسه، دموعه تتساقط على وجنتيه في وسط الشارع، لا يحفل بالنظرات المتعجبة من الفتيات الشقراوات حوله، أو بالنظرات المعجبة بنهم ببشرته السمراء وعينيه العنبرية. لا يحفل ولن يهتم. كل ما يهمه هي تلك المنهارة على الهاتف، أو بالأصح التي في الطرف الآخر من الكرة الأرضية والتي تبعد عنه ملايين الأميال.
لتبتسم هي بحنين لتجيبه بهدوء: "اشتقتلك يا تامر، اشتقت لحبك وحنانك، اشتقت لحمايتك، اشتقتلك يا أبيه."
ابتسم هو بحزن، ولكنه قال بتحذير: "أنا مش هسأل تاني يا ليليان، أنا هسأل للمرة الأخيرة إيه اللي حصل؟ وعاوز إجابة، وإلا والله بكرة هتلاقيني موجود فوق دماغك وهمحيلك اللي ضايقك ده من على وش الدنيا."
صمتت بحزن، كيف تجيبه؟ كيف تشرح له ما يكمن داخل صدرها؟ كيف تقول ما تشعر به؟ لتجده يقول بنبرة محذرة: "ليليان..."
أغمضت عينيها بإحراج. هو مجنون ويفعلها وسيقلب الدنيا رأساً على عقب. لتهتف باسمه توقفه من التحرك: "تامر..."
توقف تامر مكانه وهو يهمهم بصوت محذر. لتقول أخيراً بألم وهي تسقط على المقعد خلفها: "باسل..."
أغمض عينيه، يسب باسل داخله آلاف المرات. تلك اللعنة التي لم تتمكن أخته من التخلص منها. آه لو يسول له نفسه ولو سمحت هي له ليأتي به لها ويجعله يركع تحت قدميها، ولكنها ترفض وتبقى تتلظى بنيران عشقه، تحترق بها وتحرقه معها. في حين الآخر يتقلب على فراش من جليد.
ليصرخ بها بغضب: "عمل إيه تاني؟"
أغمضت عينيها وهي تجيبه بهدوء: "معملش، المشكلة إنه معملش. مبيهتمش بيا، مش شايفني مهما عملت، مش بعرف ألفت انتباهه، مش عارفة أخرج من الخانة اللي حاططني فيها، مجرد أخت وصديقة، أكتر من كده مش عارفة."
زفر الهواء من فمه بحرقة، ليقول بهدوء محايد: "ليليان يا حبيبتي، باسل أصلاً مش بيشوف، ده أعمى. هو من إمتى فيه بنت بتلفت انتباهه؟ ده هيعيش ويموت لوحده، غبي بيدور على حب وهو قدامه."
"فيه يا تامر، فيه. بنت لفتت انتباهه، فيه بنت سرقت قلبه. حتى وإن ما اعترفش، ولكن قلبه خلاص مبقاش معاه. هو بيجري وراها وهي ولا معبراه."
تصنم مكانه بصدمة، قطب جبينه بتعجب. ماذا تقول صغيرته؟ أي فتاة تلك التي لفتت انتباهه؟ أتقصد باسل؟ أ باسل الدمنهوري هناك من لفتت انتباهه وجعلته يهتم بها؟ كيف؟ ولماذا؟
ليسألها بتعجب: "بنت؟ بنت إيه دي؟ انتي بتهزري يا ليليان؟"
نفت ليليان برأسها وكأنه يراها، لتكمل بهدوء: "لأ مش بهزر يا تامر. باسل معجب ببنت، حتى وإن رفض الاعتراف بده. معجب بيها من أول نظرة، حتى إنه بيضيع مهابته ومكانته بس عشان يلفت انتباهها، حتى وإن قال عكس كده. بيجري وراها لحد بيت عيلتها ومراقبها وبات هناك عشان يتعرف عليها، رغم إنه بيرفض وبيقول صدفة."
ثم أكملت ببكاء: "باسل اتغير أوي يا تامر، اتغير أوي. بس اللي حارقني ليه؟ ليه هي وأنا لأ؟ عملتله إيه عشان يعمل ليها كده؟ باسل الدمنهوري بكل جبروته وقوته ومكانته، باسل بثقته واحترامه وشخصيته وجاذبيته بيجري وراها زي طفل صغير عاوز ينول الرضا. ومع ذلك هي مش بتطيقه ولا معبراه. نظرته ليها غير يا تامر، نظرته بتقول أنا تايه وعاوزك تاخديني تطمنيني. نظرته مهتمة على عكسي، نظرة عادية بريئة. ليه يا تامر؟ ليه؟"
أغمض تامر عينيه بضيق. باسل كيف هذا وماذا يفعل معه؟ لو كان أحد آخر لراه شيئاً لم يره من قبل. ولكن المشكلة أنه باسل الدمنهوري، ليس بقليل الشأن، ليس غبي، والأهم أنه ليس ضعيف.
صمت، يتجرع غضبه داخله، لأنه ببساطة من أمامه هو باسل الدمنهوري وليس سواه. وإن كان لا يظهر باطنه، ولكنه يعرفه جيداً، ويكفي أن يقول بأن باسل مثله وربما أقوى. باسل يستطيع حرق الكون كله فقط إن شعر بأنه هناك من يقف أمامه. ولكن مهلاً... صمت. يقول باستدراك: "انتي قولتي إنه هي مش معبراه ومش مهتمة بيه."
أومأت برأسها وهي تهمهم بألم. ليجيبها ببساطة وهدوء: "خلاص، الموضوع منتهي. مش كل حاجة إحنا بنتمناها إحنا بناخدها. فيه أوقات حاجات مش بتقدر تطولها أيدينا مهما عملنا. وباسل مختلف. باسل مش من النوع اللي يهين كرامته ومكانته عشان أي حاجة أو حتى حد. وإن كان حب فهو هيدوسه تحت رجله، أهم حاجة كرامته. وخليكي متأكدة من كده. باسل هيجري، بس ما دام ما انتبهتش ليه هيسيبها لأنه مش هو اللي يقلل من نفسه أو يتذل عشان حد."
ظلت صامتة، هي تعلم هذا الكلام جيداً. تعرف طبع باسل بالفعل. باسل لن يذل نفسه لأجلها أو لأجل أي أحد. وإن كانت حياته بها سيتركها. وهذا ما أكده باسل أيضاً.
ليكمل تامر بهدوء: "أهم حاجة، كل اللي عاوزه منك، بلاش تجري وراه. بلاش تحسسيه إنك في متناول إيده في أي وقت. باسل ذكي مش غبي، وأكيد عارف كده. والراجل منا ميحبش الحاجة السهلة. ابعدي، اتقلّي، مترميش نفسك عليه."
ثم أكمل بغرور وثقة ونبرة مسيطرة مهيمنة: "انتي مش أي حد. إن كان هو باسل الدمنهوري، ف انتي ليليان بدر الدين، ولازم تعرفي ده كويس. وهو كمان، انتي مش ضعيفة ولا ذليلة. انتي اللي هو المفروض يجري عشانك ويشكر ربنا إنك حبيتيه. ف لازم تعرفي قيمتك وتتصرفي على كده. إن لاقاكي بعيدة زي نجمة عالية هيجري ويتعب عشان يقدر يلمسها."
صمتت تستمع إليه، هو محق. كلماته تشبه كلمات نبيل. عليها أن تبتعد، عليها أن تجعله يعرف قيمتها بحق. فإن كان هو باسل، فهي ليليان. ليست ضعيفة أو ذليلة. وإن كانت معركتها معركة عشق، فلتفوز بها بكرامتها. وإن خسرت، فعليها أن لا تخسر كرامتها وكبرياءها أيضاً. فكبرياؤها هو وجودها. فأن عاشت الأنثى، كان كبرياؤها هو حياتها.
لتجيبه بهدوء: "معاك حق. لازم أعرفه قيمتي شوية، لأنه الظاهر نسيها."
ابتسم بهدوء، ليجيبها بتأكيد: "هي دي بقى أختي اللي أعرفها، جميلة، قوية، وناعمة."
صمتت تبتسم بنعومة، لتغلق معه الهاتف بعد أن قام بتهدئتها. ولكنه ما إن أغلق الهاتف حتى ضغط عليه بقبضته بشدة حتى كاد يحطمه، وهو ينظر أمامه بشر، حتى أضحت عيناه العنبرية كعيون الذئب الغاضب الذي يهدد بحرق العالم أجمع بنيران ذيله. فقط في حين همس من بين أسنانه بنبرة خطيرة توشك على حرق العالم بأكمله:
"باسل الدمنهوري... أحسن لك تبعد عن اللي في دماغك وانسى إنك تحب غير أختي، لأني وقتها هحرق قلبك زي ما حرقت قلبها. أحسن لك يا باسل، أحسن لك."
***
كان يتحرك في الحديقة خلف مزرعتهم، ليلفت انتباهه ذلك الجسد الأنثوي الذي يقف تحت إحدى أشجار المانجو، في حين تقفز لأعلى وأسفل وهي ترفع يدها، علها تطول إحدى الثمرات، ولكن يقف قصر قامتها حائلاً دون الأمر.
ليقف بعيداً ينظر إليها، يربع يديه، ينظر لها بابتسامة مستمتعة وهو يتابع حركاتها الطفولية تلك. ليجدها تنظر أرضاً تزفر بضيق وهي تنظر إلى قدميها، ثم ترفع عينيها جهة إحدى الثمار تتطلع إليها برغبة وشهوة. لتعود تقفز وهي تحفز نفسها بأنها ستطولها حتماً.
كان منظرها في تلك اللحظة فاتناً له حقاً، فهي تقف بكنزتها القطنية الخضراء والتي تضعها داخل بنطالها الأزرق الجينز وحذائها الرياضي الأبيض، تقفز بطفولية وشقاوة، في حين ينافسها ذيل حصانها شقاوتها ليقفز معها بمرح، يتأرجح لأعلى وأسفل ويهتز معها يميناً ويساراً، وهي تهز رأسها.
منظرها في ذلك الوقت كان شهياً للغاية، لم ير بحياته طلّة أكثر حيوية وأنثوية وفتنة أكثر من هذا. كان منظرها فاتناً حقاً. يشعر بها تقفز على دقات قلبه، ليشاطرها قلبه قفزاتها بدقاته العالية. لتزداد ابتسامته اتساعاً حتى كادت تتحول إلى قهقهات، وهو يجدها تزفر بضيق في حين تدب بقدميها أرضاً بطفولية وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة. لم يستطع تجميعها، ولكنه أدرك بأنها تسب طولها هذا.
ليفك يديه، ثم يتحرك جهتها بهدوء إلى أن وقف خلفها. ليجدها تنتفض من مكانها بمفاجأة، ولكنه تجاهل الأمر، ثم مد يده ليسحب إحدى الثمرات بهدوء وهو يعطيها لها قائلاً بابتسامة راقية: "هي دي اللي كان نفسك فيها ولا واحدة تانية؟"
أما هي، فهي في تلك اللحظة لم تستطع السيطرة على دقات قلبها. لا تعلم من الرعب أم هو من شيء آخر. هي كانت منتبهة لإحدى الثمرات، ولكنها انتفضت من مكانها حينما شعرت بأنفاس أحدهم خلفها وجسد يحيطها ويد تمتد لأعلى رأسها تقطف إحدى الثمرات.
لتنتفض دقات قلبها من الخوف وهي تستشعر بأنها بأحضان أحدهم تقريباً. جسد يحيطها من الخلف ويد تحيط بها لترتفع لأعلى والأخرى يضعها جنب خصره. هي بأحضان أحدهم فعلاً، ولكن من؟
سُحب الدم من جسدها من الرعب واصفر وجهها خوفاً، ولكنها وجدته قطف الثمرة ليمدها وهم ما زالوا على وضعهم، ليقول صوت هادئ حنون: "هي دي اللي كنتي عاوزاها ولا واحدة تانية؟"
ما إن سمعت ذلك الصوت الهادئ حتى انتفضت ضربات قلبها أكثر كأرنب مذعور، في حين أُثلجت يديها. كانت وجنتيها حمراء كالدم وشعرت بقشعريرة ورعشة تصيب جسدها. ماهذا؟ ما الذي يحدث لها؟ لما يحدث معها كل شيء وعكسه؟ لا تفهم نفسها حقاً.
لتنتفض، تدير وجهها جهته تناظره بسوداويتيها، في حين التف ذيل فرسها معها متماشياً مع رعبها، ليحط على منكبها. ثم نظرت جهته بصدمة وعينيها السوداء تلتمع في وجهه. حركة بسيطة ولكنها خطفت قلبه حقاً. لم يعلم لما، ولكنه شعر بدقة عنيفة تعتمل داخله، بل إنه كان ينبض بشدة داخل صدره، يشارك ذيل فرسها انتفاضته، حتى إنه شعر بأنه من قوة ضرباته سيخرج منه.
في حين عيناه كانت تتابعها، تتتبع كل حركة منها. عيناه رصدت انتفاضة قلبها داخل قفصها الصدري، وقد لاحظ ذلك بسهولة من صوت أنفاسها المرتفعة التي تشبه اللهاث، بينما يرتفع صدرها ويهبط. ولكن أكثر ما سرق نظراته ودقات قلبه كانت عيناها الملتمعة بشدة وينافسها احمرار وجنتيها الشهيتين. في تلك اللحظة كانت شهية.. شهية بشدة، تشبه فاكهة محرّمة لا يستطيع قطفها أو الاقتراب منها.
فتح فمه ببلاهة، حتى إنه نسي إخراج أنفاسه، لينظر جهتها بصدمة. تلك الفتاة فتنة حقاً، إنها فتنة تسير على الأرض. هي خطر محدق، خطر عليه وعلى كل الرجال. اقترابها مهلك. نظراتها قاتلة. رموشها السوداء الطويلة تستطيع ذبح القلوب. وجنتيها الحمراء الشهية تسرق الأنفاس. أما شفتيها.. آه من شفتيها، شفتيها شهية بشدة.
استطاع إخراج أنفاسه بصعوبة، ولكنها كانت ثقيلة بشدة عكس أنفاسها اللاهثة أمامه. لتقول أخيراً وهي تضع يدها على صدرها بتلقائية مخيفة: "هو انت... الله يسامحك يا دكتور، وقفتلي قلبي."
أنزل عينيه، يتابع يدها على موضع قلبها، ثم رفع عينيه جهتها بنظرة غامضة. حركتها البسيطة التلقائية تلك ستقتله حتماً. نعم، هي خطر، تلك الفتاة فعلاً خطر كبير.
أما هي، فحينما وجدت صمته وتصنمه مكانه بهذه الطريقة، رفعت سوداويتيها تنظر داخل خضراويتيه، لتضع يدها على ذراعه تمسكه برفق خجول وهي تقول بخوف خجول: "انت كويس يا دكتور؟ حصل حاجة؟"
صاعقة كهربية اكتنفته، ليهز رأسه ثم تراجع للخلف مرة واحدة، حتى أن تلك الثمرة سقطت منه. لتنظر له بصدمة، ثم أنزلت نظرها تنظر جهة الثمرة الساقطة بتعجب، لتعود ترفع عينيها جهته بتعجب أكبر. لتقترب منه خطوة وهي ترفع يدها متسائلة بتعجب: "انت كويس؟"
تراجع للخلف وهو يرفع يده قائلاً بتوتر، ولكنه كان صوته خرج حاداً وحازماً بشدة: "خليكي مكانك، متقربيش. أوعى تقربى، فاهمة؟"
توقفت مكانها وهي تقطب جبينها بتعجب، لتترقرق عينيها بالدموع وقد امتلئت بالألم. ماذا حدث له مرة واحدة ليصرخ بها هكذا؟ ليدرك هو ما قاله وفعله، ليمسح وجهه بكفيه، ثم رفع عينيه جهتها قائلاً بصوت متوتر: "ما قصدتش حاجة، بس أنا كويس، مش محتاج مساعدة. أنا مرهق بس."
قطبت جبينها لتقترب منه خطوة متسائلة: "انت كويس؟ أطلبلك حد من عيلتك أو حاجة؟"
نفض رأسه بتوتر، ليعود يتراجع الخطوة التي اقتربتها، ليقول بقوة وهو يهز رأسه بهستيريا: "أنا كويس، مش محتاج مساعدة، بس ياريت خليكي مكانك ومتقربيش أكتر من كده. خليكي مكانك واتكلمي."
هزت رأسها تمط شفتيها بتعجب، لتتساءل بتعجب داخلها: ما به هذا؟ لمَ يتصرف معها بتلك الطريقة العجيبة؟ هي لم تقترب منه، هي كانت واقفة مكانها وهو من جاء لها، والآن يطلب منها الابتعاد. أي جنون هذا؟
لترفع عينيها جهته تنظر داخل عينيه، والتي سقط ضوء الشمس عليها لتلمع بإشراق تحت ضوء الشمس، ليتضح لونها الأخضر بشدة، لتظهر وكأنها تومض وتضيء بلونها الساحر الأخضر الذي يأخذ رمادية خفيفة جداً تجعلها تسر النظر بالفعل. لتنظر جهتها بإنبهار. ولكنها على الرغم من ذلك اقتربت تميل جهة تلك الثمرة التي سقطت منه، ترفعها، ثم وقفت تنظر له وهي ترفع عينيها السوداء البريئة جخته، ثم قالت شيرين وهي ترفعها لأعلى بامتنان مع ابتسامة واسعة فرحة: "شكراً."
أومأ وهو يهمهم بهدوء. لتقطب جبينها بتعجب وهي لا تستطيع توضيح كلماته، لتقترب خطوة منه وهي تنظر جهته بخوف، وهى تجده في تلك اللحظة أشبه بتمثال حجري. لتتساءل بتوتر ممزوج بخوف: "انت متأكد إنك كويس؟"
اتسعت عيناه وهو يجدها تقترب ثانية، ليهتف داخله بخوف ورعب: "لأ، ده كده كتير فعلاً، كتير أوي."
ثم هتف بها بضيق واضح: "أنا كويس والله كويس."
ثم وجدته يتركها ويذهب وهو يغمغم بكلمات غريبة. لتقطب جبينها ناظرة في أثره بتعجب، لتميل برأسها جهة اليمين متسائلة بتعجب: "ماله ده؟"
أما هو، فتحرك وهو ينفث دخان من أنفه. تلك الفتاة خطر فعلاً، بل إنها أكثر من خطر. هو كان على شعرة واحدة من فعل ما لا يحمد عقباه. هو لا يجب أن يُترك معها لوحدهم وعلى ذلك القرب. فهو كان على وشك...
أغمض عينيه، يعتصرهم في حين كان قلبه يدق بشدة، يطالب باحتوائها داخل ضلوعه. ليصرخ به ناهراً: "ما تكتم بقى!"
دخل غرفة مكتبه ليغلق الباب خلفه بقوة كاد ينكسر معها، ليدق على سطح مكتبه بقوة وغضب. ماذا حدث له؟ ماذا؟ لما دموعها أثرت به هكذا؟ لما أثارت تلك الرجفة والرعشة بقلبه؟ لما أراد أن يحتضنها ويحتويها بداخله؟ لما؟ ماهذا الجنون؟
لم يحدث له هكذا من قبل على طول سنوات عمره التي تتعدى الـ سبع وعشرين عاماً. لم يحدث أن أثرت به دموع فتاة. لم يحدث أن ارتجف قلبه من نظرة أحداهن. لم تستهوه ملامح أحداهن. لم تنتفض عضلات جسده استجابة للمسة أحداهن. لم يحدث له من قبل. لم يحدث. إذا لما يحدث له هذا؟ هو باسم العربي، لما يحدث له هذا؟ هي ليست بارعة الجمال وليست حادة الذكاء، إنما هي خرقاء عادية بالنسبة لمن رآهم ومن كانو يرنون ويقتربون منه. إذا لما يحدث له هذا؟
همس بهدوء يهدئ نفسه وهو يهز رأسه بنفي: "لأ يا باسم، اهدى. القاها صدفة، القاك تعبان أو متوتر. اهدى يا باسم ومتديش الموضوع أكبر من حجمه. اهدى."
أغمض عينيه ليطالعه مشهد انتفاضتها وقفزها مع حركة ذيل فرسها. ذلك المشهد هو الأكثر فتنة بحياته. وهي تضع يدها على قلبها وفتحت فمها بخوف. ذلك المشهد وتلك الصورة هي الأروع والأكثر إثارة على الإطلاق. ربما لن يستطع إبعاده عن رأسه بسهولة.
ليفتح عينيه، يشد على خصلاته بضيق قائلاً بقوة: "اهدى يا باسم، اهدى. عادي، انت راجل وطبيعي تتأثر. دي هرمونات مش أكتر. بلاش تدي للموضوع حجم أكبر من حجمه."
ليتحرك يلتف حول مكتبه، يجلس عليه، يخرج ملفاته وأعماله ليعمل. ليغمض عينيه يتذكر الاسم وهو يقول بتعجب: "هو ياترى أهلك كانوا بيفكروا في إيه وهما بيسموكي شيرين؟"
أغمض عينيه يلقي برأسه للخلف، يضربها بالمقعد وهو يصرخ بضيق: "ركز، ركز."
ثم فتح عينيه يتطلع جهة الملفات وهو يحاول تجميع شتات نفسه والتركيز على عمله بالفعل.
***
ظلت واقفة مكانها ترمش بعينيها وهي لا تستطيع فهم شيء. ماذا يحدث له؟ ما هذا التغيير؟ حاولت تجميع ما حدث ولكن حقاً لا تستطيع فهمه. هي كانت واقفة ليأتي هو محاولاً مساعدتها في التقاط تلك الثمرة التي لم تستطع التقاطها، وكان يحدثها بهدوء وهي تعطيه ظهرها.
ثم مطت شفتيها وهي تتعجب. ما إن لفت وجهها تجاهه حتى تسمر مكانه لبرهة، ينظر لها بتعبير غريب. ثم فجأة بدأ يهدر بأن تبتعد عنه وأسقط الثمرة دون أن يعطيها لها. ثم هرب منها كمن يهرب من شبح مخيف، يركض من مكانه ركضاً.
هزت رأسها وهي لا تستطيع فهم شيء وهي تهمس لنفسها بتعجب: "وده إيه اللي حصل ده بقى؟"
"شايفاكي ماشاء الله اتجننتي بدري وبقيتي بتكلمي نفسك."
انتفضت من مكانها على ذلك الصوت المازح لتلف وجهها تنظر جهتها بنظرة تائهة. لتلفت انتباه الأخرى التي نظرت جهتها بتعجب وهي تتساءل بخوف: "شيرين، مالك؟ إيه اللي حصل؟"
ظلت شيرين تنظر جهتها لبرهة لتهز رأسها مجيبة بتيه: "معرفش."
رمشت الأخرى بعينيها وهي لا تفهم تلك الإجابة، لتجد صاحبة الصوت المازح أجابت بمرح: "يا جنى، سيبك منها. أنا مش بقولك إنها ماشاء الله إنها اتجننت خلاص."
لفت جنا نظرها جهتها، ثم عادت بنظرها للأولى وهي تقول: "لأ يا أميرة، فيه حاجة. بصي على لونها، مخطوف إزاي؟"
ظلت أميرة تنظر لها لتشيح بيدها قائلة بمرح: "شكلها شافت قط واتخضت ولا حاجة."
ركزت شيرين في الجملة لتقول بتعجب: "معقولة يكون شاف حاجة خوّفته؟"
قطبت كلا منهما حاجبيها لتتساءل جنا بتعجب: "هو ده مين ده؟"
"دكتور باسم."
انتفضت جنا من مكانها لتعتدل في وقفتها بخوف، في حين انتبهت أميرة للحديث لتهتف جنا بخوف: "باسم؟ ماله باسم؟ فهّميني يا شيرين، إيه اللي حصل؟ قلقتيني؟"
مطت شيرين شفتيها لتسرد لها ما حدث، وانهت حديثها لتقول بالنهاية بخوف: "معرفش، بس شكله مكنش طبيعي. عامل زي ما يكون تعبان، لونه اتخطف وكان عامل زي اللي بياخد نفسه بالعافية. وبعدها بدأت عيونه تتهز ويتوتر. معرفش إيه اللي حصله مرة واحدة، حتى إنه كان عمال يصرخ ابعدي، بس كان فيه حاجة لدرجة إنه وقع المانجا من إيده. بس حاسة إنه كان تعبان، بس هو عامل زي ما يكون مش عاوز يحسس حد أو يبان ضعيف."
قطبت أميرة حاجبيها بتعجب. أيعقل أن يكون متعباً حقاً؟ ولكن لما كان ينتفض مبتعداً من لمستها له؟ إن كان متعباً حقاً، كان سيطلب المساعدة. وأي تعب ذاك الذي يظهر على شخص دون أن يظهر أي عضو به يتألم؟ لم يمسك معدته أو قلبه، لم يظهر أنه دايخ، لم يطلب المساعدة. كان يسير ركضاً. هناك أمر غريب، ولكنه ربما بالفعل متعب. لا تدري.
أما جنا، فهي ظلت تنظر جهتها ليجدوها ركضت مرة واحدة في اتجاه مكتبه لتطمئن عليه، وهي تخشى أن يكون قد سقط مغشياً عليه من الأعراض التي قصتها عليهم شيرين. تتبعها أميرة ركضاً بخوف. وما إن اقتربت جنا من المكتب حتى فتحته مرة واحدة، لدرجة أنه ضرب بالحائط، وهي تلهث، لتنصدم مكانها وهي تجده يجلس على مكتبه يدقق النظر بالملفات والتقارير، في حين انتفض من مكانه على صوت الباب وفتحه، ليرفع عينيه بحدة للداخل، لينتفض من مكانه على منظرها، فقد كان لون بشرتها باهتاً بشدة، تلهث بقوة، ولا يعلم السبب.
ليدور حول مكتبه بسرعة ليقف أمامها متسائلاً بخوف: "جنى، انتي كويسة؟ فيكي حاجة؟"
ابتلعت جنا ريقها وهي تجده أمامه بكامل صحته وقوته وعافيته، لتتساءل هي بتوتر وخوف: "انت اللي كويس؟"
قطب جبينه بتعجب وهو يجيب ببساطة بعد أن مط شفتيه: "أنا كويس. أنا مالي؟ يعني إيه اللي هيخليني مش كويس؟"
ظلت تنظر جهته بتدقيق، ولكن حقاً يبدو بصحة جيدة، لتزفر أنفاسها براحة وهي تجيبه بخفوت حرج: "شيرين حكتلنا على اللي حصل."
اتسعت عيناه وقد سُحب الدم من عروقه. ماذا حدث وماذا ظنوا؟ ليلف عينيه للخلف جهة الباب ليجد كلتاهما يقفان يتابعان ما يحدث تحت نظرات أميرة المستمتعة والتي يبدو أنها تفهم ما يعانيه.
ليقبض على كفه بقوة شديدة حتى كاد أن يمزق قبضته من الغضب. تلك البلهاء الغبية، تلك التي تكاد تكون تتحرك بلا عقل، ذهبت بكل غباء لتحكي لهم ما حصل. أفاق على صوت أميرة المتحدث وهي تقول بابتسامة مستمتعة تكاد تتحول إلى قهقهات واضحة: "اتصلبت مكانك، عينيك اتثبتت عليها، أنفاسك تقيلة وانت بتبصلها، وبعدها ترجع لورا وتقولها متقربيش، وتقع منك المانجا، وكل أما تقرب منك تصرخ متقربيش."
ثم أكملت بنبرة ماكرة وابتسامة متسلية: "تفتكر أعراض إيه دي يا دكتور؟ أصل أنا مش بشرى، بس الأعراض دي غريبة عليا. تكونش فوبيا من حاجة معينة بس ظهرت بعد ما شيرين قربت؟ فوبيا شيرين مثلاً؟"
قضم شفتيه بغيظ ليمنع نفسه من سبها هي وصديقتها بكلمة لا تليق، ولكنه لم يمنع نفسه من إلقاء نظرة قاتلة عليها، قابلتها هي باستمتاع. ليقبض أكثر على كفه يمنع نفسه من لكم كلتيهما الغبية التي تفضي بكل ما يحدث لها معهم، والأخرى المتنمرة والذكية. ويتضح أنه لن يسلم من لسانها ولكن أكثر ما يخشاه أن تفضحه تلك المتنمرة الصغيرة لدى العائلة أو تفضي بما حدث. والأمر لن يستغرق مجهود ليفهم الكل ما يحدث له.
أغمض عينيه يسب ثلاثتهم داخله بكل ما يعرفه من كلمات. تلك الثلاث مصائب التي سقطت فوق رأسه: أحداهن غبية تفضي بما يحدث، والأخرى متنمرة وذكية تتنمر على الجميع ولن يسلم من لسانها وتعليقاتها المازحة أبداً، والأخيرة طيبة القلب ستركض لتحكي للكل بهدف المساعدة ولكنها ستوقعه بمصيبة لا محالة.
انتبه على صوت جنا ليعود بعينيه إليها وهي تقترب منه متسائلة بخوف: "باسم، طمنّي عليك. انت كويس؟ متخبيش عليا. أروح أقول لعمي أو بابا يبقوا يساعدوك. بلاش تضغط على نفسك بدل ما يكون الموضوع خطير."
صدح ذلك الصوت المستمتع: "آه ياريت تروحي تقوليلهم يا جنا، بدل ما يحصل حاجة لا قدر الله. المساعدة حلوة برده."
قالت جملتها الأخيرة بنبرة ماكرة ذات مغزى، لينتفض عرق في عنقه من الغضب. ليعود ويرمقها بجانب عينه بنظرة حارقة محذرة، فهمتها هي على الفور لتصمت للتو وتضع لسانها داخل فمها. ولكنه لم يمنعها من ظهور ابتسامة مستمتعة متسلية على محياها لم تستطع من إخفاءها، وقد أوضح بنظراته تلك أن ما تشعر به حقيقة.
ليعود هو بنظراته لابنة عمه قائلاً بهدوء: "متقلقيش يا جنا، أنا كويس. هو الظاهر إن الضغط عليا فجأة ف صدعت وعيوني زغللت وحسيت إني مش قادر آخد نفسي وقلبي تقيل، لكن أنا دلوقتي كويس."
"نروح المستشفى طيب؟"
صوتها الخائف سأله برعب، ليرمق بطرف عينه تلك المتسلية بتحذير من أن تفتح فمه بأي تعليق سخيف. ليعود بعينيه إليها نافياً برأسه قائلاً بابتسامة هادئة بالكاد استطاع رسمها وهو يجيبها برقة: "لأ، مش محتاج مستشفى. أنا كويس، متقلقيش."
ثم تحولت نبرته للغضب المكظوم وهو يقول بضيق: "بس خدي أصحابك معاكي واطلعي، ويا ريت تاخدي الباب في إيدك لو سمحتي. أنا عاوز أشتغل ومش ناقص خفة."
رمشت بعينيها بتعجب لتومئ برأسها، ثم تحركت للذهاب. ليتحركوا هم معها، لتشير له أميرة بالوداع مع ابتسامة متسلية وكأنها تخبره بيقين بأنها تفهم ما يحدث وأنه تحت نظراتها.
وما إن أغلقوا الباب حتى ضرب سطح مكتبه بقبضته بغيظ، وهو يلعن داخله اليوم الذي رآهم به، واليوم الذي وضعه بهذا الموقف المحرج والذي لم يوضع به من قبل ولم يتوقع أنه سيوضع به أبداً.
***
بسسسس...
ياترى تامر ناوي على إيه وهيعمل إيه؟
باسل وليليان حكايتهم هترسي على إيه؟
باسم وشيرين... أميرة المتنمرة😂😂 هتعمل إيه معاهم؟
تطورات الحكاية والأحداث، تتوقعوا باسم هيتقبل مشاعره ل شيرين؟ وياترى شيرين معندهاش عوائق ولا إيه؟
رواية ملكة قلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريان بطرس
وقف ينظر إليها، يتابعها بعينيه. لماذا؟ لماذا تجذب عيناه بتلك الطريقة؟ لماذا جمالها خلاب هكذا بالنسبة له؟ يالله، لقد احترق بالفعل. احترق كل ما بها يحرقه. تثير عيناه للنظر إليها بطريقة عجيبة، عيناه تتابعها أينما ذهبت، إجبارًا وليست بإرادته.
قطب جبينه بتعجب. لما؟ لما يحدث هذا معه؟ يشعر بأنه أصبح كالأبله، لا يستطيع السيطرة على أعضائه. ما به هكذا؟ لقد احترق حقًا. لقد أحرقته تلك الفتاة صاحبة العيون السوداء الجميلة. ولكن هذه ليست المرة الأولى التي يرى بها عينان سوداء وخصلات سوداء طويلة كسواد الليل. إذا لما تجذبه تلك العيون بالذات؟ لما يشعر حينما تتكلم إليه بأنه يتوقف الوقت؟ فليقل الحق، هو لم يكن من محبي الخصلات السوداء أو العيون السوداء أبدًا. دائمًا ما يشعر بأن العيون السوداء غامضة، قاتمة، لا توحي بأي بهجة، لا تعطي للحياة أية ألوان البتة. إذا لما؟ لما تلك العيون السوداء بالذات؟ يشعر بأنها تحوي أسرار العالم كله. يشعر بأنها تتقلب وتحوي الكثير من الكلام والقصص والحكايا. لما؟ لما تثيره عيناها بتلك الطريقة؟ حقًا سيجن. سيجن قريبًا بالفعل. تفكيره سيقتله.
منذ تلك اللحظة التي توقف فيها أمامها كالآبلة، يرغب فقط باحتضانها. رغبة قوية اكتنفته في تلك اللحظة بأن يذرعها داخل أحضانه ويحتويها. رغبة رعناء امتلكته بأن يحتويها داخل أضلعه ويضغط عليها داخله وأن يهدأها، صارخًا بقوة بأن لا تخف من شيء أبدًا، فهو ها هنا ولن يستطيع أحد لمسها بوجوده.
مسح على وجهه بضيق وعنف، لدرجة شعوره باهتراء جلد وجهه. لما؟ لما لم تذهب تلك الرغبة حتى الآن؟ لما لديه تلك الرغبة حتى الآن بأن يحتضنها؟ لما لم تذهب؟ لما مازالت عيناه تتبعها؟ ما هذه الحالة التي وصل إليها؟ فليجبه أحد رجاءً. ما هذا البئر الذي سقط به؟ ما هذا الوحل الذي غاص به ولم يتوقف حتى الآن؟ بل إنه يزداد في الغوص به كلما رآها. يشعر بنفسه يقف على رمال متحركة تسحبه لأسفل، وهو كلما ازداد في المقاومة يكون سقوطه بها أسهل وأسرع. تلك الحالة التي هو بها مخيفة حقًا، مخيفة.
التفت ينظر جهتها، يتابعها ويتابع ركضها مع صديقتيها وأخته. بابتسامتها المستمتعة، تبدو كطفلة صغيرة تلهو. كطفلة بضفائر تلعب معهم الغميضة، في حين تنطلق ضحكاتها منبعثة بالمكان. كزقزقة العصافير التي تدخل البهجة بالمكان، والتي لا يسعك سوى أن تبتسم عليها. ضحكاتها تدخل البهجة لقلبه، تدغدغ شرايينه وأوردته. عيناها التي تلمع بفرحة وسعادة كطفلة صغيرة تجعل ابتسامته ترتسم لا إراديًا على وجهه. هي أشبه بنجمة لامعة بالفعل، لا يسعك سوى التطلع إليها بانبهار.
أغمض عينيه، ينفخ بفمه بضيق. ماذا فعلت له تلك الفتاة التي حطت فوق رأسه مرة واحدة؟ هي لم تفعل شيئًا حقًا، لم تفعل شيئًا. إذا لما تثير عيناه لمتابعتها هكذا؟ لما تثير مشاعره بتلك الطريقة؟ حقًا لا يعرف، بالفعل لا يعرف.
انتبه على صوت أخته تصرخ بلهث: "لا خلاص، تعبت كفاية."
ارتفعت ضحكاتها لأعلى كسيمفونية عذبة. ثم قالت بلهث: "تعبتي؟"
نظرت لها صاحبة عيون القمر قائلة بضيق: "متسأليش، تعالي انتي خدي مكاني وانتي تعرفي بتحسي إنك بتلفي حوالين نفسك. تعبت فعلاً."
انطلقت ضحكاتها أكثر لتقول جنا بتعب: "أنا فعلاً تعبت وجوعت جدا."
أومأت نهلة قائلة: "وأنا كمان هموت من الجوع. يلا نروح ناكل، لأن شوية وهتلاقي باسم بيطلبكم ويقول كفاية لعب."
لتومئ جنا برأسها قائلة بهدوء: "معاكي حق."
ثم تحركت قائلة بهدوء: "يلا يا بنات علشان ناكل."
تحركت الفتيات، في حين قالت أميرة: "أنا كمان شوية هيغمى عليا من الجوع. تعرفوا إن ما اتعشيتش امبارح كويس؟ أنا يعتبر ما أكلتش."
انطلقت ضحكاتها وهي تقول بمرح: "قصدك منسفتيش الأكل، كل اللي أكلتيه ده وما أكلتيش."
نظرت لها بطرف عينها قائلة بغطرسة: "لا أقصد ما زودتش في الأكل علشان بالليل والكوابيس. لكن لو كده كنت أكلت بجد."
انطلقت ضحكات الفتيات لترتسم الابتسامة على وجهه. حقًا هؤلاء الفتيات أضفن ألوان الطيف إلى منزلهم. منهم الهادئ، منهم المازح، منهم الناعم، ومنهم المشاكس. ولكن إن كان سيقول الحق، فهم أشبه بجواهر ثمينة حقًا. لا يمتلكهم الكثير، ومن يمتلك إحداهن عليه الحفاظ عليها بشدة. كل واحدة منهم لها لونها وخواصها المختلفة، ولكن يجتمعن بأنهن أحجار كريمة ثمينة لا تقدر بثمن، حتى وإن اختلفت ألوانها وظروف تكوينها وخواصها.
انتبه على صوتها تقول بخجل: "مش هتقولوا للدكتور باسم ييجي يأكل معانا؟ ده شغال من الصبح."
هزت نهلة رأسها قائلة بهدوء: "باسم مبيغلبش ومبيستناش. أما بيجوع بيروح ياكل، وممكن تلاقيه متربع وبيأكل مع حد من العمال."
تفاجأت بها تلف بوجهها تنظر جهته، ولكن ما إن اصطدمت به ووجدت عيناه تتابعهما حتى احمرت وجنتاها بشدة، لتلف وجهها تجاههم مرة أخرى قائلة بخجل: "بس ميصحش، على الأقل اعزموا عليه."
ضحكوا جميعًا على خجلها الواضح، ليلفوا وجوههم تجاهه ليجدوه يقف يتابعهم واضعًا يديه في جيبي بنطاله الخلفي. لتزداد ضحكاتهم ارتفاعًا، ليرتفع صوت نهلة قائلة بمرح: "واديه سامعك أهو، ولو عاوز ياكل هييجي. إحنا مش مخبيين عليه."
ابتسامة مرحة ارتسمت على وجهه، لتهز جنا وجهها بابتسامة ثم تحركت عائدة له لتقول بهدوء: "باسم تيجي تتغدى معانا؟"
هز رأسه نافيًا، هو يقول بهدوء: "لا، أنا عندي شغل محتاج أراجع الملفات بتاع الشغل، وكمان هروح أتابع العلف للحيوانات، وغير ما عاوز أتصل بكام تاجر علشان أحصل باقي فلوسنا."
زمت شفتيها بشفقة عليه لتقول بضيق: "كل حاجة هتتعمل، بس كل لقمة الأول."
هز رأسه بالنفي، ليربت على كتفها قائلة بمودة: "روحي كلي انتي بالهنا والشفا، وبعد ما تخلصي تعالي."
أومأت برأسها، ثم تحركت معهم للذهاب، وهي تقول لهم بحزن: "مش فاضي ياكل."
هزت نهلة برأسها قائلة بلا مبالاة: "شوية وهتلاقي أمي بعتاله أكل، ولا هتلاقيه قعد يتغدى مع الرجالة. متقلقيش، دي عادته."
لم تعرف لما، ولكنها حزنت بالفعل عليه. هو يحمل هم الجميع، يعمل بتلك المزرعة الكبيرة التي تُقدر بالملايين، وحده تاركًا الحمل عليه، رافضًا أن يُتعِب جده أو والده. هو ليس سيئًا بتلك الطريقة أو أنه قاسٍ، هو فقط صعب المراس على ما يبدو. ولكن داخله يبدو حنونًا، وذلك يظهر بتصرفاته الحنونة على من حوله. ابتسامته الحنونة لجده ولجنا، مسئوليته تجاه عمله، طوله باله معهم. ولكن الوحيدة التي يظهر لها أحيانًا طبعه البربري هي أخته الوحيدة نهلة. ولكن حقًا هي تستحق ذلك، فهي فتاة صعبة المراس، عنيدة، لا تأبه لأفعالها أو ردودها. لذا فهي تثير جنونه وخوفه عليها ليس إلا. ولكنه في العموم يبدو شاب جيد، خلوق ومحترم. ولكن ما يعيبه غضبه، وأيضًا أنه يدخن التبغ في بعض الأوقات.
تحركت تتبعهم، ولم تنسَ أن تلقي نظرة أخيرة عليه، لتجد عيناه تتابعهما وهو على نفس وقفته. تورّدت وجنتاها بالخجل، ثم ركضت لتلحق بهم. أما هو، فما إن تأكد من ابتعادهم حتى جهر بصوته قائلًا: "واد يا عارف، هات أرقام التجار نتصل بيهم. عاوزين باقي فلوسنا. إحنا مش مدينهم البهايم سلف ولا هدية."
ثم تحرك جهة مكتبه، في حين ركض الفتى خلفه قائلًا بطاعة: "تحت أمرك يا دكتور."
***
ظلت تقدم قدم وتؤخر الأخرى، تشعر بأنها تفتعل فعلة حمقاء. إلى أن توقفت مكانها وهي تشعر بانصهار عظامها داخلها. ما هذا الذي تفعله؟ ما شأنها هي بأمره؟ إذا كانت أخته لم تهتم، فلما تهتم هي؟
لفت ظهرها للذهاب، ولكنها توقفت مكانها وقلبها الحنون يرق عليه مرة أخرى. هو لم يأكل شيئًا منذ الصباح، بالطبع جائع. بل إنه يعمل ويتحرك على قدميه هنا وهنا ولم يرتح أبدًا. إن لم يأكل شيئًا سيسقط من المرض لا محالة، وهو حتى لم يتفرغ أبدًا ليطلب طعامًا لنفسه. ووالدته ليست هنا لتفكر به، بل إنها ذهبت لجدته وأخته.
ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها. فهو كان الله في عونه منها، فهي منذ تلك الصفعة التي تلقتها وبما أنه لم يعتذر منها، لم تهتم به أبدًا. فليفعل ما يشاء، فهي غاضبة منه وبشدة ولا توجه له الحديث أبدًا. وهو يبدو أن غروره يمنعه من الاعتذار. لا تعلم، غرور أو اعتقاده بأنه على صواب، ولكن الأمر برمته بينهم متوتر. لذا فهي لن تهتم به أو بطعامه. هي قالت لها بانه له أرجل والمنزل ليس بعيد، فليأت ويأكل كما يريد أو ليذهب حيث يريد. لا تهتم.
كم تتعجب لحال غضبهم، فهي لم تكن لتغضب على أخيها قط مهما حدث، بل إنها لم تكن لتنام غاضبة منه. فهي أقوى علاقة على مر التاريخ. ولكن هذان الاثنان لديهما رؤوس الثيران.
نفخت الهواء من فمها لتبعد عنها التوتر. يجب عليها أن تعطيه الطعام. قلبها لا يطاوعها على رؤية قطة جائعة تتحرك بالمكان، فما بالك بإنسان جائع غير متفرغ لنفسه. ضميرها لن يقبل أبدًا، لن يقبل بأن تملأ معدتها من طعامهم في حين صاحب المنزل يتحرك بمعدة تكركر من الجوع. هي لن تتحمل هذا حتمًا.
نفست الهواء من فمها، ولكن ما هو العذر الذي سيجعلها بكل وقاحة تأخذ طعامًا من منزلهم لتتحرك به تجاهه دون إذن من أحد؟ حتى ابنة عمه لم تفعلها، أو أخته، وقد فعلتها هي الغريبة. وماذا سيكون تفكيره عنها وهي تجلب له الطعام كزوجة تهتم بصحة زوجها؟
هزت رأسها بالنفي. ليس هكذا أبدًا، وهي لا تفكر به هكذا. ولكن أن ترى أحدهم جائع.
صمتت لتضرب بقدمها الأرض، لينتصر كبرياؤها عليها. لتلف ظهرها عائدة للخلف، حينما سمعت صوته يهتف بتعجب: "شيرين!! كنتِ عاوزة حاجة؟ شايفك كنتِ واقفة من شوية وبعدين مشيتي، كنتِ عاوزة حاجة ومكسوفة تقوليها؟"
أغمضت عينيها تكاد تعتصرهم. حسنًا، ها قد كُشِفَ أمرها ولا مجال للتراجع الآن. فلتتحدث باحترام للحفاظ على كرامتها. لذا لفت وجهها تجاهه وقد احمرت وجنتاها بالخجل، وهي تتشدق بتعثر خجول بالكاد تستطيع لملمة حروفها لتكوين جملة: "بـ بصراحة كـ كـ كدة يعني ااا أنا كنت جايبالك الغدا."
قالت آخر كلمتين بسرعة رهيبة. ليقطب جبينه ليجمع كلماتها. ثم ما إن ازدادت عقدة جبينه أكثر، متسائلًا بنبرة مصدومة متعجبة: "غدا؟"
أغمضت عينيها بشدة تكاد تعتصرهم، وهي تلعن داخلها وقلبها الذي سمعت إليه ونفذت أفكارها المجنونة تلك. ليبتسم هو عليها وعلى تصرفاتها الطفولية، ليتساءل ثانية بابتسامة متسلية: "غدا إيه يا شيرين اللي جايباه أنا؟ ما طلبتش أكل. مين اللي باعتاك بيه؟"
ازداد غلق عينيها أكثر، في حين انحرقت وجنتاها بالكامل من الخجل. لتزداد ابتسامته استمتاعًا أكثر. هل تظن أنه بتلك الطريقة سيختفي من أمامها أم ماذا؟ حقًا حركاتها الطفولية تلك تمتعه وبشدة. ولكنه مع ذلك أخفى استمتاعه متسائلًا بتعجب: "شيرين مجاوبتنيش."
فتحت عينيها تنظر له، لتجد عيناه الضاحكة تنظر جهتها بمكر. لتحمر وجنتاها أكثر، ثم بدون تفكير، سرعان ما رفعت يدها لتحاول المسح على وجهها. ويبدو أنها نسيت ما تحمله من طعام من شدة توترها، لتهتز الصينية بيدها. لتشهق بسرعة، في حين انتبه هو لحركاتها تلك، لتمتد يده بسرعة يسندها معها وهو يهتف بخوف: "حاسبي!"
أسرعت لتعيد يدها تسندها معه، في حين نظر جهتها قائلًا بمرح: "شكلك نيتك مش صافية تجاهي، علشان كده عاوزة تأكلي الأرض الأكل بدل مني."
لم يكن هناك مكان بوجهها ليقف الدم به بعد. فليرحم خجلها رجاءً ولا يزيد الطين بلة. ولكنه لم يفعل، وهو يقول باستمتاع ماكر: "ها، مجاوبتنيش يا دكتورة على سؤالي؟ مين باع الأكل؟ أنا ما طلبتش."
قضمت شفتها السفلى بضيق من ذلك الرجل، لترفع عينيها تجاهه مجيبة بخجل وحروف متعثرة: "بـ بصراحة أنا لقيتك ما ماكلتش ومش فاضي تاكل، فـ فـ اتكسفت إني الضيفة آكل وصاحب البيت ما يذوقوش. وحسيت إني لو مجبتش أكل ليك مش هيبقى عندي دم وناكرة للنعمة والجَميل."
لمعت عيناه بشدة في تلك اللحظة، كنجوم السماء متلألئة بالفرحة، كطفل صغير حصل أخيرًا على حلوته المفضلة. لم يتذكر يومًا اهتمام أحد به في مسألة الطعام سوى والدته. حتى أنها أحيانًا لا تهتم لأنها ترى أن المنزل ليس بعيد وإذا جاع فليأتي. لذا فإنه كان أحيانًا من شدة جوعه يأكل مع العمال نظرًا لعدم تفرغه، وأحيانًا من حزنه وهو يحول عينيه بينهم وهو يجد نساءهم تجلب لهم الطعام ليأكلوا ويستمتعوا بالطعام المحمل بالحب والحنان. تصرفاته طفولية، نعم يعلم، ولكنه يريد من هذا حقًا. يريد أن يتذكره أحد. يريد أن أحد يهتم به. أحيانًا لا يأكل ويتعب قصدًا ليتذكره أحد منهم، ولكنه نادرًا ما يحدث ذلك. وإن حدث، فإنه كواجب فقط. لذا دائمًا ما كان يشعر داخله بالحزن. فهو حتى إن ذهب للمنزل لا يجد من ينتظره لتناول الطعام، إنما يجدون قد أكلوا وشبعوا، وإن أحضروه له يأكل فقط وحده، وهو لا يحب ذلك. يريد أن يتذكره أحد، يريد أن يقول أحدهم: "لم أستطع أن آكل وأنت جائع." يريد أن يشاركونه طعامه وحياته. ولكنه يبدو كفتاة متطلبة أو كطفل بكاء بتلك الطلبات، لذا كان يصمت، كاتمًا رغبته داخله.
انتبه على صوتها وهي تمد الصينية، تتشدق بخجل حذر: "أنا آسفة إن كنت اتصرفت بوقاحة إني أتحرك كأنه بيتي، بس دي طبيعتي. معرفش آكل وحد جعان."
ارتفع وجهه لها بصدمة، محيبًا باستنكار: "وقاحة؟"
أومأت برأسها بخوف، ليسحب منها الصينية مجيبًا بهدوء: "لا، دي لفتة رقيقة جدًا. أنا متشكر جدًا ليها."
ثم رفع وجهه لها متشدقًا بابتسامة سعيدة: "أنا مش عارف أشكرك إزاي. أنا كنت فعلاً جعان جدًا وما افتكرتش ده غير وأنا شايف الأكل."
ابتسمت جهته مجيبة بهدوء: "بالهنا والشفا."
ثم تحركت للذهاب، حينما سمعته يهتف من خلفها: "شيرين."
لفت وجهها تجاهه مجيبة إياه بابتسامة ناعمة: "نعم يا دكتور."
قضم شفته السفلى ناظرًا لأسفل جهة تلك الصينية التي يحملها بين يديه. كيف سيطلب منها هذا؟ أو كيف سيقوله ولا يظهر كالطفل الصغير أمامها؟ فيما هي نظرت جهته متسائلة بتعجب: "خير يا دكتور، كنت عاوز حاجة؟"
رفع وجهه تجاهها قائلًا بهدوء: "إن ما كنتيش أكلتي، ممكن تأكلي معايا؟"
قطبت جبينها بتعجب، ليكمل هو بخجل واضح: "بصراحة كده، أنا مبحبش آكل لوحدي. مش بعرف، فلو ما كنتيش أكلتي ممكن تأكلي معايا، أو حتى تقعدي معايا تكلميني وأنا باكل. تهونّي عليا الوحدة ده، إن ما كنتش هازعجك يعني."
ظلت تنظر جهته بتعجب، ليزم شفتيه قائلًا بضيق: "وإن رفضتي، فممكن تاخدي الأكل وترجعي، وأنا هبقى آكل مع حد من العمال."
ظلت تفرك يديها معًا بتوتر ممزوج بالخجل. كيف تقول له بأنها لم تأكل جيدًا، أو بمعنى أدق لم تأكل؟ فهي كان كل تفكيرها في كيف سينظر جهتها بعد حركتها الرعناء تلك، وكانت تفكر أتذهب أم لا. لذا فهي جائعة حقًا. ولكن كيف تأكل معه؟ كيف؟
أما هو، فحينما وجد توترها الواضح وحركات عينيها الهاربة منه في كل مكان سواه، علم أنها لا تريد إحراجه. لذا مد يده لها بالصينية قائلًا بحزن واضح، وقد انقلبت سحنته مائة وثمانين درجة وقد اسود وجهه من الحزن بعد أن كان يلمع من الفرحة، متشدقًا بضيق طفولي: "خلاص، اتفضلي. مش عاوز."
ابتسمت جهته بحنان، لتومئ برأسها قائلة بهدوء: "أنا هاكل معاك."
رفع عينيه جهتها بفرحة متسائلًا بسعادة طفولية: "بجد؟"
أومأت برأسها له، ليشير جهة مكتبه بسعادة، قائلًا بفرحة عارمة: "اتفضلي."
تحركت خلفه، يتبعها هو بفرحة كبيرة. لا يعلم أ لأنه سيأكل أخيرًا بعد أن كانت معدته تزقزق من الجوع، أم لأنها ستأكل هي بالاخص معه، أم لأنها تذكرته هو من الأساس. ولكن كل هذا لا يهم، المهم فليتمتع بتلك اللحظة، أن يأكل برفقة تلك الفتاة الحنونة الرقيقة، وليرجئ تحليل مشاعره فيما بعد.
***
كان يجلس بمكتبه، يدق بقلمه على سطحه وهو ينظر جهة الأوراق أمامه بتدقيق. إلى أن اقتحمت عيناه فجأة عيون رمادية تظهر على أوراقه، وابتسامة مشاكسة ترتسم على شفتين شهيتين مكتنزتين تتناسب بالفعل مع تلك الجوهرتين العجيبتين، وصوت مشاكس وناعم في نفس الوقت يخترق مسامعه يعلن عن سيطرة وهيمنة صاحبته. لترتسم الابتسامة لا إراديًا على وجهه وهو يتذكر قوتها وسيطرتها ومشاغبتها. إلى أن اقتحمت عقله لآلئ ثمينة تتساقط من عيون رمادية. صوت منهزم منكسر يخترق أذنيه أشعره بالألم بداخل صدره. عند تلك اللحظة اكتنف الألم بصدره أكثر، ليضرب بكفه لا إراديًا على سطح مكتبه، مغمضًا عينيه بشدة عله يمحو تلك الخيالات من رأسه. ذلك الصوت، تلك العيون، تلك الابتسامة، تلك الدموع، تلك الشقاوة، وذلك الجبروت، كل شيء. يمحو كل شيء. ولكنه لم يبتعد، أنما سحبه إليه أكثر. ليطيح بالقلم أرضًا، ضاربًا على سطح مكتبه بقوة أكبر. ثم تشدق بغضب: "اخرجي من دماغي بقى."
كان صوته مرتفعًا بشدة، لدرجة أن ذلك الداخل إلى مكتبه قطب جبينه بعد أن فتحه، متسائلًا بتعجب: "مين دي اللي تخرج من دماغك؟"
تنفس الهواء داخل صدره عله يهدأ. في حين قطب الآخر جبينه بتعجب، ثم سأله ثانية وهو يحول أنظاره ما بينه وبين هاتفه الموضوع على سطح مكتبه: "نبيل، أنت بتصرخ في مين؟"
انتبه إلى نظراته. إذا، فهو يظنه يتحدث بهاتفه. هذا أفضل من شعوره بأنه قد جُن. ولكنه لم يريحه، بل تشدق بهدوء: "اتفضل يا باسل، كنت عاوز حاجة؟"
انتبه باسل إليه وإلى أسلوبه في تغيير مجرى الحديث، ليومئ برأسه وقد احترم رغبته في عدم الإجابة. ليتحرك تجاهه قائلًا بهدوء: "كنت عاوز أسألك، راجعت بنود العقد اللي جاي وإيه رأيك فيه؟"
أومأ نبيل برأسه قائلًا بهدوء: "كنت براجعه دلوقتي، بس لسه مخلصتوش. هخلصه وهأقولك، بس الشؤون القانونية قالوا تمام، بس طبعًا لازم أراجعه وأتأكد قبل ما ناخد أي قرار."
أومأ باسل برأسه، ليصمت لبرهة، ناظرًا أرضًا وهو قاطب جبينه، في حين كانت أصابعه تدق على سطح مكتب الآخر بنغمة روتينية. ليقطب نبيل رأسه متسائلًا بتعجب: "فيه إيه تاني؟ أنت عاوز تقول حاجة؟"
أومأ باسل برأسه وهو يقول بهدوء: "آه، كنت هقولك تامر اتصل."
اعتدل نبيل في جلسته وهو يتساءل بتعجب: "تامر بدر الدين؟"
أومأ باسل برأسه وهو ما زال صامت. ليميل نبيل على مكتبه مقتربًا من الآخر أكثر، وهو يتساءل بلهفة وخوف لم يستطع مداراتهما: "وعاوز إيه؟"
رجع باسل خصلات شعره للخلف وهو يقول بهدوء: "عاوز شغل. بيقول إنه محتاج يستورد مننا صفقة لحوم، نظرًا لأن اللحوم المصرية دبحها حلال، فبتبقى مطلوبة للعرب بره مصر جدًا عن اللحوم الأجنبية، وبتخلص بسرعة."
بلاهة حلت عليه في تلك اللحظة. مال تامر ومال اللحوم؟ هذا ليس عمله أبدًا ولا مجاله. ليرفع حاجبيه وهو يمط شفته قائلًا بتعجب: "غريبة. يعني أنا توقعت بيسأل على ليليان، بيتخانق معاك إنك بتوافق إنها تشتغل هنا وتسيب أهلها في لندن. لكن إن يطلب حاجة زي كده، دي غريبة. ده مش مجاله أصلًا. يعني تامر شغال في السياحة، ماله ومال اللحوم والأكل؟"
هز باسل كتفيه وهو يمط شفتيه وهو يقول بإرهاق: "ده كان جوابي برده."
"هاه؟ وكان إيه رده؟"
مسح على وجهه بتعب مجيبًا إياه بهدوء: "إنه عاوز يتوسع في شغله، وموضوع اللحوم بالذات والأغذية المصرية أو العربية مطلوبة جدًا. وزي ما قولتلك، قال إنها مطلوبة علشان مضمون دبحها حلال ومكسبها مضمون، ومش هيلاقي أحسن وأضمن منا يستورد منه. وهيجرب. الموضوع نجح، هيتوسع فيه. فشل ومعرفش يوزعه، هيوقف فعلشان كده هيبدأ بشحنة صغيرة."
ظل نبيل يدق بسبابته على جبهته بتفكير. الأمر.. ماذا يقول؟ الأمر غريب، ليس بالطلب فهو عمل، إنما تامر وباسل. من المعروف أن باسل لا يرتاح لـ تامر البتة. ليس بالعمل، فتامر نظيف بعمله جدًا، لا يفعل به شيئًا مريبًا، ولا يقبل بشيء يورطه أو يضعه بخطر. إنما هو حريص بشدة على اسمه وسمعته ومكانته، ولن يقبل بشيء مهما كان صغيرًا أن يلطخ مكانته. ولكن الأمر يتعلق بالعلاقة الشخصية بينهم. فهم ليسوا على توافق جيد. تامر شخصية حادة، قاسية الطباع، لا يقبل المهادنة أو الحلول الوسطى. لا يقبل أن يكون طرفًا، بل يريد أن يحصل على كامل الانتباه. أي خطأ صغير معه يجعله يطرد كافة الموظفين المسؤولين ولا يقبل بحل. وهذا ما يمقت به باسل، تلك القسوة التي به وذلك القلب الحجري الذي يمتلكه يجعل باسل يشمئز من العمل معه. في حين أن باسل على النقيض. نعم، يرفض أن يضر اسمه ومكانته بشيء. يرفض أن أحدًا يخطئ معه، ولكنه لا يؤذي أحدًا. يبحث دائمًا عن حل، لا يحب قطع رزق أحدهم. باسل يمتلك قلبًا ماسيًا يختلف تمامًا عن ذلك القلب الفولاذي الذي يمتلكه الآخر. لذا فالتوافق بينهم معدوم. أضف عليه ضيق وغضب تامر من باسل بسبب مشاعر ليليان تجاهه، والتي لا يمتلك هو لها حلًا. ولكن الآخر يعشق أخته بجنون، وقد وظف نفسه حاميًا لها وملبيًا لكل طلباتها ورغباتها ورافضًا لكل ما يؤلمها. لذا فرفض باسل لحب ليليان، حتى وإن كان بغير إرادته، يشكل حساسية وضيق بينهم. لذا زم شفتيه متسائلًا بخفوت: "وإنت رأيك إيه؟"
ظل صامتًا لبرهة، إلى أن وجده يزفر أنفاسه قائلًا بإرهاق: "مش عارف، لسه بفكر."
هز نبيل ساقه بتوتر، إلى أن قال أخيرًا: "انت عارف إن الشغل شغل، وتامر في الشغل مابهزرش ونضيف جدًا في شغله وملوش في العوج."
أومأ برأسه، ولكنه أجابه بهدوء: "بس برضه عارف إن تامر مؤذي ولسعته والقبر. وأخاف من أي حركة غدر منه."
صمت للحظة، ولكنه أكمل بهدوء: "مش معنى كده إني مش هعرف أتصاله. بالعكس. بس مش عاوز العلاقة بينا تتوتر أكتر. وكمان ليليان وعمي برهان هتتوتر العلاقة بينه وبين بابا، فمش عاوز أتوضع في الخانة دي."
أومأ برأسه، ليرفع هو عيناه تجاهه متسائلًا بإرهاق: "انت رأيك إيه؟ ما هو أنت شريك برده في الليلة دي."
هز رأسه متشدقًا دون اكتراث: "مش عارف. الموضوع جه فجأة ولازم نفكر فيه كويس. يعني من حيث المكسب والخسارة، زي ما قولتلك، هو أه نضيف في شغله، بس مؤذي ولسعته والقبر، والعلاقة بينكم من الأساس متوترة، فـ أي توتر زيادة بينكم هيوتر الوسط كله. فـ مش عارف، لازم نفكر كويس."
أومأ برأسه، ليقف متحركًا جهة الخارج، حينما سمع الآخر يهتف باسمه بخجل، ليدير ظهره جهته بتساؤل. ليجده يسأله بتلعثم: "باسل، هو يعني أقصد، محتاجين مواشي تاني من المزرعة؟"
نفى برأسه وهو يجيبه بتعجب: "لا مش محتاجين. إحنا لسه جايبين حمولة من أقل من أسبوع تكفي دفعة العقد اللي معانا وزيادة، ولسه مخلصنهاش، وميعاد توفية العقد مجاتش. هنجيب تاني ليه؟"
أومأ نبيل برأسه صامتًا. وما إن تحرك باسل حتى وجده يهتف باسمه ثانية. لينفخ بفمه بضيق وهو يدير ظهره تجاهه، ليجده يستدير من حول مكتبه إلى أن وقف أمامه قائلًا بخجل: "أنا آسف يا صاحبي. مكنش المفروض أقول كلام زي اللي قولته أو أشكك فيك. وأنا عارفك أكتر من أي حد. بس أنا مش عارف كان مالي. كنت غضبان جدًا إني كنت السبب في ضربها، وغضبان أكتر من رد فعلي المبالغ فيه. قوم طلعت كل غضبي عليك."
ثم ربت على كتفه قائلًا بخجل: "سامحني. جات فيك أنت. أول وآخر مرة."
ظل باسل ينظر جهته بهدوء. بالفعل، هي أول مرة تحدث بينهم. أن كان أحدًا يجب أن يقال أنه أكثر من ينفلت عقال غضبه بين ثلاثتهم، فهو باسل. أما فارس، بحكم طبيعة عمله، لديه قدرة كبيرة على الثبات الانفعالي. أما نبيل، فدائمًا بارد. في حين أنه هو أكثر من يتقلب كأمواج البحر. مازح أحيانًا، غاضب أحيانًا أخرى، وغضبه يكون ك انفجار البركان. وهم للحق يتحملونه ويهابون غضبه. لذا لا ضير بأن يتحمل غضبهم ليوم. ليومئ برأسه قائلًا: "حصل خير."
"يعني مش زعلان؟"
تسائلها بأمل واضح. ليومئ برأسه، ولكنه أجابه بمزاح: "يس، يكون أحسن لو تبعد تفكيرك عن البنزين اللي شوفتها دي، لأنها ه تربيك لو فكرت تحبها. هي حلوة أه، لكن بصراحة مشكلجية وهتخلي شعرك يشيب بدري. لأنها الوحيدة بلا استثناء اللي قدرت تدوب برودك وتخليك عامل زي البركان اللي على وشك الانفجار. فـ بلاش أحسن."
ضحك عليه ولم يجب. في حين داخله يتساءل إن كان بيده القرار، فسيبتعد ويختار أحدًا هادئة، جميلة، رقيقة. ولكن هل لديه تلك الرفاهية؟ فالقلوب خارجة دائمًا عن السيطرة. ليبتسم له باسل. ثم تحرك للخروج. ولكن ما إن خرج حتى تفاجأ. يا ترى باسل اتفاجأ بإيه؟
هيعمل إيه باسل مع تامر؟ وياترى تامر ناوي على إيه؟
نبيل هيعمل إيه؟ باسم وشيرين الدنيا بينهم هتمشي إزاي؟
باسل وجنا هيقدروا يجتمعوا تاني وإزاي؟
رواية ملكة قلبي الفصل العشرون 20 - بقلم مريان بطرس
فتح باسل الباب ليتفاجأ بـ ليليان ترفع يدها تحاول الطرق عليه. ليبتسم لها متسائلاً بعذوبة:
"كنتي عاوزة تدخلي؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجد كل حصونها التي بنتها بعد أن تحدثت مع أخيها تنهدم الواحد تلو الآخر أمام ابتسامته العذبة. ولكنها على الرغم من ذلك أومأت برأسها ليفسح لها المجال حتى تمر، قائلاً برقي واحترام:
"اتفضلي."
ثم تحرك من المكان بعد أن قال لـ نبيل:
"همشي أنا."
يومئ نبيل برأسه، في حين عيناها ظلت تتابعه بحزن. حزن على حالها وحاله وحال قلبيهما، وهي تتساءل: لماذا؟ لما يتسرب داخلها كالطاعون الذي لا تستطيع التخلص منه؟ لما هي لا تستطيع التسرب داخله مثلما فعل؟ لما حال قلبها يرثى له هكذا؟ لما تحصل على شفقة الجميع سواه؟ لما يستطيع الجميع الشعور بقلبها ودقاته التي تهتف باسمه في حين هو المقصود بذلك لا يستطيع سماعه لمرة واحدة؟
ظلت تتابعه بنظراتها تتمنى أن يلتفت إليها. فليلتفت لمرة واحدة وسيرى الحب الذي تكنه له يظهر من عينيها. تتمنى أن يلتفت فلربما يضرب سهم عشقها قلبه. ولكن كالعادة يذهب دون الالتفات، دون الاهتمام بها، ولا تعرف لماذا لا تستطيع التأثير به أبداً.
ظل نبيل يتطلع إلى عينيها ونظراتها بشفقة عليها وعليه هو أيضاً. يبدو أنها واقعة في مثلث حب قاتل، فهي تعشقه وهو لا يهتم، ولكنه تحت تأثير لعنة ما. وتلك اللعنة بعيدة عنه لأنها لعنة غير محسوسة.
مط شفتيه، ف حاله أفضل من حال أولئك الشباب.
أخرج دوامة أفكاره من رأسه ليقول بضيق وصفاقة:
"هتفضلي واقفة كتير؟ لو عاوزة حاجة ادخلي، لو مش عاوزة اقفلي الباب واخرجي لأني ورايا شغل."
التفتت تنظر جهته بغيظ وضيق. حسناً، فهو لن يتغير أبداً، سيبقى ببروده ووقاحته دائماً. وهي التي ظنته تغير بعض الشيء حينما وجدته أعطاها تلك النصيحة. ولكن يبدو أنه سيبقى على حاله، ويبدو أن تلك الحالة المهتمة التي ظهر بها ذلك اليوم لم تكن إلا أعراض سخونية غير متوقعة منه، فأذابت بعضاً من جليد رأسه وقلبه.
"زمت شفتيها لتقول بغيظ:
"مش هتتغير صح؟"
"طقطق بفمه مكملاً بوقاحة:
"مش ذنبي إن عندك قصر نظر ومش شايفة إني مش فاضي للت وعجن البنات. ومع ذلك..."
وأشار بيده جهة المقعد أمامه مكملاً برقي، وإن ظهرت به نبرة السخرية:
"اتفضلي يا سمو الأميرة، نورينا بطلتك البهية وقوليلنا عاوزة إيه."
ضغطت على شفتها السفلى بغيظ لتلتف تجلس على المقعد أمامه تغلي. في حين ظل ينظر إليها لبرهة قصيرة، وحينما وجد أنها لن تقول شيئاً الآن، أعاد عينيه إلى الأوراق أمامه بعد أن سحب قلماً آخر من أمامه بدل ذلك الذي ألقاه. وهو يقطب جبينه بتركيز فيما أمامه. ثم سحب ورقة وبدأ يكتب بها بعض الملاحظات. لتلف هي وجهها جهته بذهول وهي تجده تجاهلها كلياً وعاد لعمله بتركيز.
لتضرب المكتب أمامه قائلة بغيظ:
"هااااي انت.. أنا قاعدة معاك."
ظل صامتاً وعيناه تتبع الكلمات أمامه بتركيز قوي. فظنت أنه لم يسمعها، ولكنه أجابها بعد برهة:
"هو حد طردك؟ اتفضلي، المكان مكانك، محدش قال حاجة."
"رفعت جانب شفتها العليا لتقول بتهكم:
"واللي بتعمله ده مش بيدل على إنك بتطردني ولا أنا بيتهيألي؟"
"نفى برأسه ومازال على وضعيته مجيباً ببرود:
"لا، اللي بعمله إني بشتغل بدل ما أفضل أبص لتمثال الشمع الجميل اللي قاعد قدامي واللي المفروض يبقى في مكانه عرضه.. أقصد في مكتبه. بيشتغل بدل ما يرخم عليا، لأننا في مكان شغل مش قاعدين على المصطبة بنحكي."
"يعني بتطردني بوقاحة قصدك؟!"
"نفخ بفمه ليبعد الأوراق عن عينيه، ثم بدأ بفركهم. ليضع ما بيده على المكتب، ثم وضع مرفقيه على سطحه، ناظراً جهتها بتركيز وهو يجيب ببرود:
"لا، بس اللي أنا شايفه إنك جاية وقاعدة وساكتة زي اللي ماتكوني مش عاوزة تتكلمي أو مش عارفة تتكلمي وتقولي إيه. فأنا سايبك براحتك."
ثم ابتسم بسماجة وهو يجيب بسماجة أكبر من ابتسامته:
"ومع ذلك يا ستي، اتفضلي. أنا سامع. اتفضلي إتحفينا بصمتك الرهيب، خلينا نقضيها نظرات ونقعد بقى."
ضغطت على لسانها تمنع نفسها من قول كلمة مشينة أو سبة بأي لفظ. لتقول أخيراً بالنهاية وهي تقف من مكانها متحركة صوب الباب:
"خسارة إنّي جيتلك وقعدت معاك. إنت خسارة اللي يعتبرك إنسان أصلاً. ده إنت كائن جاي من العصر الجليدي المنقرض عايش معانا هنا، مش إنسان زينا."
رفع حاجبيه ينظر جهتها بتعجب مع ابتسامة ساخرة مرتسمة على شفتيه. ولكنه لم يرد، فقط أومأ برأسه موافقاً. لا تعرف أ هو موافق على وصفها أم على خروجها؟ لتتحرك ذاهبة. ولكنه تفاجئ بها تعود لتجلس محلها مرة أخرى قائلة بضيق:
"لأ بقى، ما أنا مش هخرج غير لما أتكلم وأقول اللي عندي واللي عاوزاه."
ظل ارتفاع حاجبيه كما هو ليمط شفتيه وهو يفتح كفيه بقلة حيلة مجيباً ب إقرار:
"بيتهيألي إنتي مش مستنية دعوة. إنتي قعدتي وخدتي مكانك، مش على الكرسي بس لا، وفِي الأوضة كلها كمان. فياريت تقولي اللي مضايقك وتخلصينا، لأني عارفك مش هترتاحي غير لما تطلعي اللي عندك."
"نفخت بفمها بضيق ليمط شفتيه. ثم حرك جانب فمه بحزن ليتنازل أخيراً ويقول بصوت دافئ هادئ:
"إيه اللي حصل؟ عاوزة تقولي إيه؟"
"نفست الهواء من أنفها لتقول بحزن:
"أنا اتكلمت مع تامر عن موضوعي أنا وباسل."
"اعتدل في جلسته. ها هو بداية الخيط تأتيه. أ بالفعل تكون خطة من تامر لأذيتهم وأذية باسل بسبب أخته؟ انتظر أن تكمل، ولكنها صمتت. ليقول بضيق:
"هاه؟ وقاللك إيه؟"
"أجابته بهدوء وهي تهز كتفيها بقلة حيلة:
"كانت إجابته نفس كلامك بالظبط. لازم أتقل في التعامل معاه، بلاش أرمي نفسي عليه عشان يحس بقيمتي."
"ضيق عينيه ينتظر شيئاً مهماً من حديثها ذاك، ولكن لا شيء. لذا قال وهو يمط شفتيه بلا مبالاة:
"هاه، وإيه الجديد؟ عاوزة مني إيه يعني؟"
"ابتلعت ريقها بتوتر وهي تقول بخجل:
"المشكلة إنّي مش عارفة أعمل كدة. كل أما أشوفه أتوتر وأخجل، فـ عاوزة مساعدتك."
"في إيه؟"
"تساءل بتعجب وهو بالفعل لا يفهم ماذا تريد بالضبط. لتجيبه هي ب ألم:
"عاوزاك تعلمني أكون باردة في التعامل معاه، يعني زيك كده. عاوزاك تعلمني أتصرف إزاي. أنااا... أنا حاسة إني تايهة وحبه بيحرقني. عاملة زي فراشة فرحانة بضوء النار، ولما هتقرب منها هتتحرق."
ثم أدمعت عيناها قائلة بألم ودموعها تسيل:
"أنا تعبت والله تعبت وقلبي وجعني أوي. حاسة إنه نجمة بعيدة عاوزة أقربلها ومبهورة بلمعانها، بس هي موجودة في السما وأنا على الأرض. وما يساعنيش غير إني أشوفها وبس."
ثم رفعت يدها تضعها على صدرها تقول بألم:
"أنا قلبي بيحرقني أوي يا نبيل، أوي. حاسة إني ماشية في طريق كله حجارة وشوك ومش بعمل حاجة غير إني عمالة أقع وأتعور وأتجرح. ومع ذلك مُصّرة إني أمشي فيه، رغم إني مش عارفة نهايته إيه. وتعبت والله تعبت."
ثم بدأت تبكي بألم مكملة:
"هو ليه حبه مؤلم أوي كده؟ ليه مؤلم كده؟ ليه حبه مش سهل؟ ليه حبي بيحرقني ليه؟ أنا تعبت والله تعبت أوي."
ثم انفرطت في بكاء قاتل آثار شفقته بالفعل. لتكمل هي ببكاء:
"ليه مش قادرة ألفت انتباهه؟ ناقصني إيه؟ إيه اللي مش فيا ومخليه مش شايفني؟ معقولة مش ملاحظني؟ مش ملاحظ حبي ليه؟ أنا سبت أهلي وشغلي ومكانتي وجيت أشتغل عنده كموظفة بس عشان أكون قريبة منه. ومع ذلك مقدرتش أخليه يحبني أو حتى يشوفني بطريقة تانية. ليه ليه يا نبيل؟"
بدأ بكاؤها يزداد. ليلتف حول مكتبه بسرعة، يجلس مقابلها. ثم جلب كوب ماء قائلاً بهدوء متألم:
"طيب اهدى.. اهدى واشربي ميه."
أخذته لتبتلع بضع رشفات، ثم وضعته على الطاولة أمامها. ليتساءل بهدوء:
"أحسن؟"
أومأت برأسها وإن كانت ملامحها لا تدل على هذا. ليقول هو بهدوء متألم:
"قولتلك قبل كده في أمور القلب متسأليش ليه وإزاي. طريق القلب مختلف عن طرقنا العادية. إحنا منعرفش إيه اللي هيجرى بكرة، منعرفش مين اللي هيحتل قلبنا ومين لأ. وإن كان طريقك مليان شوك، متمشيش فيه، متقفش فيه. فيه نقطة معينة لازم لما نوصلها لازم نقف ونقول كفاية.. كفاية لحد كده، أنا مقدرش أتحمل أكتر من كده. بس أرجوكي متوصليش للمرحلة دي بعد ما تكوني أرهقتي روحك وقلبك ونهيتيها. بلاش تنهكي مشاعرك وأنوتك ورغبتك في حاجة إنتي عارفة نهايتها."
رفعت أنظار مصدومة ومذبوحة له. ولكنه تجاهلها. يجب أن يرشدها للطريق. يكفيه ما يراه عليها حتى الآن. وإن كان أحداً لن يتحدث خوفاً على مشاعرها، فليتحدث هو. هو اعتبرها دائماً أخته، فليرشدها. يكفيها عذاب لنفسها وجلد لها، فهي لا تستحق ذلك أبداً. نظر لها بشفقة ولكنه أكمل بهدوء:
"ليليان، بلاش تجلدي نفسك وتربي عقدة نقص ليها مش موجودة. إنتي ماشاء الله عليكي مش ناقصك حاجة. مال وجمال فتاك وجاه وطبقة أرستقراطية وأخلاق واحترام ومكانة وخفة دم. إنتي فيكي كل صفات البنت المثالية."
رفعت أنظار متألمة تجاهه ليكمل بهدوء وهو يضع يده على صدره مكملاً:
"بس ده اللي بيختار وليفه، مش بإيدينا. يعني لو كده، إنتي قدامي طول الوقت وبقولك إنك مثالية جداً. ليه أنا محبتكيش؟ أنا طبعاً بحبك كـ أخت، بس ليه محبتكيش كـ حب رجل لامرأة؟ عارفة ليه؟ لأنه مش بإيدي. فيه حاجة بتبقى ناقصانا دايماً بندور عليها تكملنا في شريك حياتنا. حاجة بنحسها بتغيرنا، بتطلعنا عن الدور اللي إحنا فيه، وبنبقى شخص تاني مختلف. شخص أفضل، شخص أهدى، أو أكثر إشعال. حاجة مخالفة لمعة عينك بتبان. دي حاجة مش بإيدينا. إنتي مش بإيدك حاجة ولا باسل. بس إنتي ممكن تكوني متشابهة مع باسل، بس مش بتكمليه. متسأليش إزاي؟ أو أعمل إيه عشان أكمله؟"
"إنتي فضلي على طبيعتك، ناعمة، رقيقة، طيبة، جدعة. بس مش الدنيا كلها. إنتي..."
"فتصرفي كـ ليليان الأنثى الجميلة الجدعة. باسل شخص محسش بيكي، أو حس واتجاهل مشاعرك عشان ميجرحكيش. أياً يكن، اتصرفي بطبيعتك. إن كان ما اهتمش، محسش، يبقى مش نصيبك يا ليليان. متنهكيش نفسك في مشاعر وطريق معروف نهايته. إنتي لازم يا تكوني الكل يا بلاش. يا تكوني هدف لأحدهم يدفع الغالي والنفيس وينهك نفسه عشان ابتسامة منك تكوني هدفه وغايته، تكوني انتي نجمته اللي بتنور ليله وعتمته، تكوني أمله إنه يلمسها، وهو كمان يبقى قمرك اللي بينور ليلك وقوتك وسندك. مشاعر متبادلة. يا كدة يا بلاش."
"ليليان، إنتي العمر قدامك طويل وإنتي لسه في بدايته، فـ متنهيهوش بطفولية "اللي هو عاوزه ده يا بابلاش". لأ مش كده، ولا الحياة كده. اتعلمي تعبري، تعدي، تتجاهلي أحياناً مشاعرك، تتجاهلي أوقات ألمك وجرحك. وخليكي عارفة إن الزمن قادر يداويها كويس أوي. انشغلي بحاجة تانية ومتوقفيش سعادتك وحياتك على إنسان معين. سعادتك إنتي اللي بتصنعيها بإيدك ووجودك مربوط بيكي مش بحد تاني. أما ظهور الحب والحبيب، فـ كل شيء ليه وقته. فـ ماتنهكيش قلبك وتحرقي نفسك وتعذبيها عشان حد تاني، متحرقيش أنوتك ورغبتك وقلبك وحبك لحد ممكن ميكونش هو نصيبك وتكتشفي في النهاية إنك ضيعتي وقت على حد مش من حقك."
ثم ابتسم في وجهها بنعومة مكملاً برقة:
"احتفظي بكل جميل جواكي للي يستحقه. وخليكي عارفة إن ليكي سحرك الخاص، أشبه بوردة في الحديقة مليانة ورود، بس كل وردة ليها لونها وشكلها وريحتها وسحرها الخاص اللي بيجذب شخص معين ليها. فـ اتأكدي إنك ساحرة وجميلة بطريقتك الخاصة، بس مش كل الناس بيتوافق معاها نفس السحر."
رفعت أنظار مصدومة بلهاء تجاهه. من ذاك الذي يتحدث؟ أ هو نبيل حقاً؟ أ هو صديقها المعتوه البارد الجليدي الأبله الذي لا يخرج كلمات معقولة، عاقلة، جادة، ذكية أبداً؟ دائماً ما كانت تراه أقل من أن تتحدث معه، وكأنه يشع غباء لا ينفع أن تشكو له بألم أبداً، فهو معدوم الإحساس والمشاعر. كانت تشعر دائماً بأنه أقل جاذبية من أن تحادثه. ولكن صدقاً حينما تحدث بذلك العقل والاتزان بتلك المشاعر الجياشة والعاطفة والرقة والتفاهم أصبح...
كيف تقولها؟ أصبح جذاب جداً، أصبح يخطف الأنفاس بشدة له. أصبح رجل كامل بمعنى الكلمة. كيف ومتى؟ متى أصبح بذلك العقل والرزانة؟ متى أصبح بذلك التفاهم؟ متى أصبح لديه تلك المشاعر والرقة؟ متى تحول من ذلك البرود إلى ذلك الدفء الخالص؟ لم تنتبه له يوماً. دائماً ما ترى كلا من فارس وباسل يحبونه بشدة، ودائماً ما يصرحون بأنها الوحيدة التي لا تفهمه. فهو متفاهم ودافئ. ولكنها لم تصدق. كانت تحكم بما تراه. ولكن لأول مرة تشعر باختلاف نظرتها تجاهه.
نظرت له بذهول لتقول بنبرة مصدومة:
"إنت امتى بقيت كده؟ امتى عقلت وبقيت عميق أوي كده؟"
"ابتسم ساخراً ليجيبها بلا مبالاة:
"الدنيا بتكبر، وكبرنا بيبان في الظروف مش في أي وقت."
صمت لبرهة ليعود لدفئه المستجد وهو يقول:
"فكري في كلامي يا ليليان، بدل ما تندمي في يوم إنك ماسمعتيوش. ممكن باسل ميكونش نصيبك، ولما يجي نصيبك تكتشفي إنك ضيعتي كل اللي بتملكي من طاقة وصبر وطولة بال وحب وحنان وعنفوان في سراب في غير مكانه. فياريت تفكري كويس."
أومأت برأسها لتمسح دموعها ثم تحركت للذهاب. ولكنها توقفت إثر سماع صوته يناديها. لتلف وجهها جهته بتساؤل. لتجده يسألها بنبرة محققة:
"إنتي عارفة إن تامر طالب شحنة شغل مننا؟"
"أومأت برأسها وهي تقول بهدوء:
"آه، قالي على حاجة زي كده من فترة إنه بيفكر فيها، بس معرفش إنه أخد الخطوة."
ظل ناظراً جهتها كأنه يستشف صدقها. ثم سألها بعدها:
"إيه هدفه من باسل بالذات؟"
"هزت كتفيها بلا معنى قائلة بتقرير:
"شغل مش أكتر، مفيش هدف."
"أكيد؟ ده اللي أعرفه."
"أجابته ببساطة ليومئ برأسه. ثم تحركت لتخرج. ليرجع رأسه يسندها على المقعد خلفه، يفرك ما بين عينيه بإرهاق. يشعر بأنه في أكثر أوقات حياته إرهاقاً مما يجعله على أعصابه هذه الفترة. وقد بدأت قشرة بروده الخارجية تتشقق ليظهر باطنه الناري. وهذه حالة فريدة من نوعها. ولكن الدائرة بدأت تضيق من حوله من كل الجوانب. وثباته الانفعالي الذي يتمتع به ولا مبالاته بدأت تتهدم. وليس من الجيد أن تتفتت. ليس من الجيد أبداً. فإن انفجر بلحظة ما سيحدث مالا يحمد عقباه، بالضبط كما حدث بالصعيد ذلك اليوم.
***
ظل ينظر إليها بإنبهار. يا الله ما أجملها وما أحن قلبها. إنها.. إنها جميلة، رقيقة، حنونة ورائعة وعذبة. لم يكن يعلم عنها هذا. ولكنها مرحة بشدة. كلما تتحدث معه أثناء الطعام تضحكه بقوة حتى أنه كان يسعل عدة مرات من طرافتها. فهي تذكر مواقف مضحكة حدثت معها أو معهم ثلاثتهم أو عن أميرة وحماقاتها. عن مواقف حدثت معها شخصياً في طفولتها وكم كانت خرقاء بشدة وكم كانت تفتعل من مصائب. تلك الفتاة أضحوكة حقاً. ولكن أكثر ما يثير انتباهه تجاهها هو وجنتيها الناريتين كلما يتحدث أو ينظر جهتها. فقد تحول وجهها لحبة الطماطم من الخجل. لذا فهي تحكي وتحكي علها تتخلص من خجلها ذاك. ليبتسم عليها أكثر. يبدو إنها من ذلك النوع الذي كلما شعرت بالتوتر يزداد حديثها دون تفكير.
شيرين بالفعل أروع ما يكون. وقد أضحى ذلك واضحاً له. فهي حنونة بشدة ولم يرى من ذلك الحنان وتلك الرقة من قبل أبداً. بل ضحكتها بالفعل ضحكتها أشبه بشروق الشمس الذي يتمنى أن لا تنقطع أشعتها أبداً عنه.
ذلك الغداء من أروع ما يكون. لم يستمتع بالطعام هكذا من قبل. لم يشعر بالشراهة للحديث مع أحدهم والاستمتاع بالجلوس برفقة أحدهم منذ زمن طويل.
توقف يلهث من الضحك وهو يمسح الدموع من عينيه وهو يقول بتعجب:
"ده إنتِ كنتِ كارثة متحركة."
"أومأت برأسها وهي تقول من بين ضحكاتها:
"جداً. أنا مش بيكون بقصدي بس بيحصل كده. يعني مثلاً ماما جابت كرسي جديد بلاستيك وأنا حبيت أساعدها وأرتب الرف اللي فوق في الدولاب. وقفت عليها ما طولتش. قوم إيه بقى..."
ثم أشارت جهة جانب رأسها تفتعل الذكاء وهي تكمل بسخرية:
"قوم شغلت عقلي المصدّي وافتكرت نفسي وقتها فراشة ووقفت على المسند بتاعه. ويادوب وقفت عليها وبمد إيدي وعينك ماتشوف إلا النور، جيت واقعة بيه. وأنا بقع هقع كده مسكت باب الدولاب. وإيه بقى..."
ضحك وهو يومئ برأسه قائلاً بتكهن:
"طبعاً ما استحملكيش."
"أومأت برأسها وهي تقول بتقرير:
"يستحمل مين يا با؟ ده أنا وقتها كنت تخينة ومعدية. جيت واقعة وواخدة باب الدولاب معايا. وقعته وجيت واقعة فوق الكرسي. بقت كارثة ثلاثية الأبعاد. ثلاثية إيه؟ قول عشرية الأبعاد. أنا وقعت فوق الكرسي الجديد اللي ما بقالوش أسبوع، كسرته ووقعت باب دولاب أوضة النوم بتاع ماما اللي بتعتز بيه لفرحها. وخد التقيلة بقى، الدولاب كله اتهز، قوم الهدوم كلها وقعت فوق دماغي. مبقتش أنا باينة، لا أنا ولا الكرسي من الهدوم اللي وقعت."
ظل يضحك لتكمل هي بضحك:
"الصوت كان أشبه بزلزال أو انفجار جامد. كسر البلاستيك مع هز الدولاب كان... إيه؟ فله."
ضحك بشدة لتكمل هي بتذكر:
"ماما دخلت تشوف إيه. بيتهيألي جالها شلل مؤقت وهي حاطة إيدها على قلبها وهي بتبص للكارثة اللي حاصلة وبتدور على سببها. وفجأة لقيتني ظهرتلها وطالعالها من تحت الهدوم وبقولها مرة واحدة:
"لو حلفتيلي إني كنت بساعد..."
وقبل ما أكمل كلامي كانت صرختها ونفضتها جايبة آخر الشارع من الخضة وتتنطط وتقول: عفريت، عفريت."
ظل يضحك بشدة لتكمل هي بضحك:
"الكارثة بقى مش إني أهديها وأقولها ده أنا. لا، ده أنا كملت معاه صراخ وأقول عفريت زيها وأتنطط أقوى منها وأتلفت أدور على العفريت اللي هيلبسني. وبعدها من الرعب من العفريت خدت ديلى في سناني وجريت."
ظل يضحك بشدة لدرجة إدمع عينيه. لتكمل بضحك:
"بابا قابلني على السلم بيسأل فيه إيه. قولتله عفريت في الأوضة وتقريباً لبس ماما ونزلت أجري بالبيجامة البرمودة بتاعتي. المهم الراجل من صدمته مكنش عارف يطلع يلحقها ويشوفها ولا يهرب زيي، ليتلبس زيها. فـ فضل متصنم مكانه لحد ما سمع صوتها بتصرخ باسمي بعد ما فاقت من الصدمة. فـ افتكرها اتلبست وجاية تطيح فينا. فـ المهم الجري نص الجدعنة، وبابا مقولكش جدعنته عاملة إزاي. مفيش أجدع منه. فـ ساب أكياس الفاكهة على السلم ونزل يجري ورايا وهو بيقول:
"أنا بيتهيألي نسيت أوراق ما اتأمضتش وراجع أتأكد." وطلع يجري ورايا."
انفجر في الضحك بشدة لدرجة إدمع عينيه وهو يمسك بطنه من كثرة الضحك. في حين كان بالكاد يتنفس. لتلوى هي شدقها قائلة بأسف:
"أنا وقتها مزعلتش غير على الـ ٥ كيلو مانجا اللي خدهم عم عطوة وهو طالع على السلم. لقى أكياس الفاكهة قوم خدهم ودخل بيهم على بيته. ويلا بالهنا والشفا، هما كلوا المانجا وأنا أكلت اللي فيه النصيب."
ظل يضحك بشدة وهي تكمل بحسرة:
"قعدت ٦ شهور يذلوني باللي حصل في الرايحة والجاية. واتخصم مني حق المانجا والجوافة اللي بابا كان جايبهم. وحق الكرسي اللي اتكتب عليا أقعد عليه وهو مكسور وأخدوه بتاعي. واتمنعت من دخول أوضة ماما تاني. غير العلقة اللي خدتها من نبع الحنان. وبالأخص لما عرفت إني قولت إنها اتلبست واتسببت في زعل جوز عصافير الكناريا أهلي. وهي لاقياه سابها وطفش."
انفجر بالضحك. تلك الفتاة كارثة فعلية حقاً، لا يمكن أن تكون من البشر. لتكمل هي بلا مبالاة:
"ومن يومها مسميني كارثة البيت. ومن يومها ماما حالفة إن أي عريس هييجي هتقوله إنه لازم يكون عارف إني مش هخلي حاجة في البيت سليمة. وهو هيدفع بس على التصليح. فـ الحب بتاعه لازم يكون عارف إنه هيقدر يقف قدام طوفان الكوارث اللي هتحصل له بسببى."
ظل يضحك أكثر ليتشدق دون تفكير:
"فداكي الدنيا بحالها قدام ضحكة واحدة منك. إن كان التكسير ده هيبسطك، يبقى كسري براحتك. المهم إني أشوف ضحكتك دي اللي بتحييني."
انصدمت من حديثه. لتتوقف عن الكلام بل وصمتت عن الضحك كتمثال حجري. لتلف عينيها ناظرة جهته بصدمة وهي ترمش بها بذهول. وكأنه وعى أخيراً لما قاله. لينظر لها بذهول وهو يتطلع بعينيها بصدمة. ما الذي قاله للتو؟ ما الذي قاله بالله عليه؟ كيف تخرج منه تلك الكلمات؟ أين كان عقله حينما نطق لسانه تلك الكلمات؟ ماذا حدث؟ وماذا يحدث له بقربها؟ صدقاً، تلك الفتاة خطر حقاً. إنها خطر. طفوليتها، جمالها، عفويتها، حنانها، ورقتها وضحكتها. كل ما بها أصبح يشكل خطراً عليه. ليبتلع ريقه بتوتر. وقد احمرت وجنتيه خجلاً. ليقول بتوتر خجول:
"يعني ا... أقصد اختاري اللي يقولك كده."
ابتسمت ابتسامة عصبية وهي تقول بينما تفرك يديها. وقد أوضحت أنها تحدثت معه أكثر من اللازم وقالت ما لا يجب قوله:
"إن شاء الله."
لتتحرك من مكانها متحركة صوب الخارج. ولكنها ما إن خرجت حتى سمعت صوت أحد الصبية قائلاً:
"دكتور باسم الحج يا دكتور. الفرسة الحمرا بتولد وهايجة في الكل ومحدش قادر عليه."
لينتفض من مكانه بسرعة متحركاً للخارج وهو يقول بصوت جهوري:
"أنا جاي معاك."
ثم لف بوجهه قائلاً بقوة:
"شيرين، تعالي ساعديني."
أومأت برأسها لتركض خلفه بسرعة دون كلام.
***
تحرك معها ينفخ بضيق. لتزداد ابتسامتها اتساعاً. ليقول بضيق وهو بالكاد يرى أمامه من كمية الصناديق التي يحملها:
"طيب أنا جاي معاكي أوكي؟ بس تشغليني شيال يا "جميلة"؟ مش عيب كده."
التفت تنظر جهته بتعجب وهي تتساءل بذهول:
"اوعى تكون متوقع إني أنا اللي هشيل كل ده وانت موجود يا فارس؟ المفروض تكون جينتل."
نفخ بفمه بضيق وهو يجدها تحمل صندوقاً صغيراً في حين تحمله أشياء كثيرة. ليتساءل بتعجب:
"أنا عاوز أعرف مين المجنون اللي اخترع موضوع الجنتلة ده بس؟"
"هزت كتفيها وهي تقول بهدوء:
"ده بتاع ربنا طبيعي. طبقا للتشريح البدني والعضلي إن الرجال عندهم قوة جسمانية أكبر. فـ طبيعي هما اللي يشيلوا التقيل مش أكتر."
"آه، بس لو يخصني. مش تضحكي عليا، وهنخرج وفي الآخر أتارينا رايحين نجيب حاجات لشغلك وأنا شيال وسواق."
التفت تنظر له بضيق لتقول ب استنكار:
"اوعى يكون مش عاجبك يا دكتور."
ثم أكملت بهدوء:
"بص يا دكتور، إنت عارف إنّي استحالة أسوق العربية عشان الفوبيا اللي عندي، وباسل مش فاضي. وأنا سألتك متفرغ ولا لأ، قولت آه. يبقى أروح معاك ولا مع تاكسي. ولما قولت هشتري شوية حاجات فتحت صدرك وقولت براحتك خلاص. إيه بقى يعني أشيل وإنت تفضل واقف مكانك عشان مكانتك الاجتماعية؟"
نفخ بفمه بضيق ليجيب بغضب:
"إنتي نسيتي فعلاً مكانتي؟ أنا لو حد من مرضاي أو زمايلي شافك بالمنظر ده تفتكري هيقول إيه؟ وأنا شايل شوية دباديب وصور بناتي وتومي وجيري وقلوب وزينة وكلام بناتي صرف."
"ظلت تنظر جهته لتقول بضيق:
"ما أظنش إنه عيب إنك بتحب وهتتجوز مهندسة ديكور. وده شغلي اللي أنا شاطرة فيه جداً وبحب أعمله. فـ عشان كده مش ذنبي خجل سيادتك. إنت مش هتتجوز حرامية ولا شايل حاجة عيب. عادي يعني، ده ديكور لأوضة بنت عادي يعني."
نفخ بفمه بضيق. تلك الأمور الوردية الخاصة بالفتيات تضايقه كرجل. ألعابها، وتلك النعومة الزائدة تغيظه. ما باله اللون الأزرق، الأخضر، الكافيه؟ لما تصبح غرفة الفتيات كلها بلون واحد وردي فقط؟ وكأنه وقع ب إحدى الغرف بكوكب زمردة. التنوع موجود، ولكن لما يحكمون كل شيء باللون الوردي؟ فالحياة ليست وردية فقط. وإن أصبحت هكذا، سينتحر حتماً.
نظر لها وهو يزم فمه باشمئزاز قائلاً بضيق:
"تمام يا بشمهندسة، بس أكيد فيه ألوان تانية. إنتي مش جايبة غير وردي وأحمر بس؟ إيه ده؟ المفروض يبقى فيه المكتبة فيه حاجات تانية غير اللون اللي يموّع النفس ده."
"فيه أبيض بيمشي مع الوردي."
كان قد وصل للسيارة ليلقي الأشياء بحقيبتها باشمئزاز وهو يقول بضيق:
"شوية تنوع أرجوكي. بلاش نمشي على نفس الرتم. بلاش كل حاجة بناتى تكون وردية ونعيشها في أحلام. اختلفتي إيه عن الباقيين؟ كلكم نفس الحاجة، نفس الألوان للسرير والمكتبة، نفس الدباديب والباندا الكبيرة اللي مش عارف إيه علاقته بالحب والرومانسية. أرجوكم الحاجات دي بتتعبنا نفسياً كـ رجال. مش عاوز أقولك كام واحد بيجي العيادة مخنوق من كده ومن الأحلام الوردية اللي بتعيشها البنات فيها وكأنها هتلاقي الأرض مفروشة لها بالورد."
"هزت كتفيها تجيبه بهدوء:
"مش ذنبي يا فارس، ده طلبها وطلب مامتها. مش عاجبك روح اعترض لهم هما."
"هز رأسه قائلاً بضيق:
"ولا هعترض ولا هتنيل. اركبي."
وما إن فتح الباب وجاء ليصعد حتى تفاجأ بفتاة ذات خصلات سوداء طويلة تعبر الشارع وتضع السماعات بأذنها. ويبدو أنها تستمع إلى أغنية ما. ويبدو من تركيزها بها لم تنتبه إلى تلك السيارة التي تأتي في اتجاهها. ليركض بسرعة نحوها ثم أمسك بيدها صارخاً بغضب وهي يسحبها بعيداً عن الطريق بقوة وسرعة:
"مش هتبطلي العادة الهباب اللي فيكي دي وتركَزي في الطريق يا أميرة؟ هتفضلي ف مرة لما تموتي بسبب طفوليتك دي؟"
رفعت الفتاة أنظارها جهته بتعجب. ليصمت هو بمفاجأة وهو يجدها فتاة غريبة عنه تماماً لم يرها من قبل. في حين ركضت جميلة خلفه تنظر لهم بتعجب وهي تقول للفتاة:
"إنتي كويسة؟"
أبعدت الفتاة السماعات عن أذانها لتنظر جهة الشاب الممسك بيدها شزراً. ثم صرخت بغضب:
"آه كويسة. بس ممكن تبعد إيدك عني."
انتبه إلى حركتها ليبعد يده عائداً للخلف بصدمة. ليفرك ما بين عينيه. ثم أعاد أنظاره لها قائلاً باعتذار:
"أنا آسف، بس كنت بحاول أنقذك العربية اللي كانت هتخبطك."
قطبت الفتاة جبينها. في حين توقفت السيارة أمامهم وهبط منها إحدى الشباب متسائلاً بتعجب غاضب:
"هو إيه؟"
ثم لف عينيه تجاه الفتاة متسائلاً بتحفز وكأنه سيقتل فارس بتلك اللحظة والفتك به:
"إيه اللي حصل يا راندا؟"
مطت الفتاة شفتيها ليدرك هو في تلك اللحظة بأنه أخطأ في تكهن كل شيء. في حين قالت الفتاة بتعجب:
"أبداً، كنت بعدي الشارع عشان أركب معاك. لقيت الأستاذ بيمسك إيدي وبيقولي: هتموتي. مش فاهمة على إيه."
استدركت جميلة الموقف لتدخل بسرعة موضحة:
"أنا آسفة جداً. هو مش قصده حاجة. بس هو لقاكي حاطة السماعات وعدّية والعربية دي جاية، فـ افتكر إنك مش مركزة وهتعملي حادثة. فـ حاول ينقذك مش أكتر."
أومأ فارس برأسه بإحراج ليقول باعتذار خجول:
"أنا آسف، أنا كانت نيتي خير."
نظر له الشاب لبرهة ليومئ برأسه قائلاً بهدوء:
"حصل خير."
فيما أجابت الفتاة قائلة بضيق:
"مفيش مشكلة. الواضح إن كانت نيتك خير. شكراً."
ثم نظرت إلى الشاب قائلة بضيق:
"مش يلا يا شادي؟ اتأخرنا."
أومأ الشاب ليتحرك يصعدان إلى السيارة. في حين ظل هو ثابتاً بمكانه كالصنم وهو يستعيد الموقف برأسه بتعجب. لما ظنها هي؟ لما ظنها في تلك اللحظة تلك الفتاة؟ بل وتذكر اسمها أيضاً أميرة. لما هرع إليها كالمجنون من خوفه ورعبه وبدأ في توبيخها؟ لما انقبض صدره في تلك اللحظة عليها؟ لما هي من جالت بخلده وخاطره وارتسمت ملامحها هي بدلاً من ملامح تلك الفتاة؟ لتذكره الفتاة بتصرفاتها الرعناء؟ هل كل من وضعت سماعات بأذانها لتستمع لأغاني في الطريق أصبحت هي؟ هل كل من أصبحت خصلاتها سوداء أصبحت هي؟ لما في تلك اللحظة ظنها أميرة؟ لما سيطر عليه الهلع من فقدانها؟ فهو لتوه عرفها وبالكاد علم اسمها ولم يتعرف عليها أو يتقرب منها. إذا لما ظن أن العالم سيفقد ركناً أساسياً من البراءة والمرح؟ ليغطي اللون الأسود الدنيا إذا حدث لها شيء؟ ليطن أذنيه من الرعب ويركض بجنون يوبخها دون التأكد حتى من كينونتها؟
آفاق من أفكاره على صوت جميلة متسائلة بنزق:
"فارس، هنفضل واقفين كتير؟ يلا."
أومأ فارس برأسه ليتحرك معها. وفي داخله دوامات في رأسه وكل تفكيره مرتبط بتلك النبضة المرتعدة التي احتلت قلبه وأسارت القشعريرة والرعب في بدنه.
آفاق من أفكاره على صوتها الضائق للمرة الثانية متشدقة:
"ممكن بعد كده تركز وبلاش تحرجنا مع الناس في اللي ميخصناش. بنت وبتعدي الشارع. إحنا مالنا."
وعلى الرغم من تيه عقله، إلا أنه لم يكن صعباً عليه. بأن يجيب بهدوء:
"وإن حصلها حادثة لو العربية مكانتش بتاعتهم كان هيجرى إيه؟ ضميرك كان هيبقى مرتاح وإنتي لاقية بنت ماتت قدامك وإنتي كان في إيدك تنقذيها."
ابتلعت ضيقها داخلها لتصمت لبرهة. ثم سألته مرة واحدة:
"مين أميرة يا فارس؟"
بس...
ياترى فارس هيرد يقول إيه؟
إيه اللي بيحصل معاه وهو عاوز إيه بالظبط؟ أميرة ولا جميلة؟
شيرين وباسل ياترى هيجرى معاهم إيه؟
ليليان عاوزة إيه بالظبط وهترسى معاه على إيه؟
تامر ناوي على إيه وشرير ولا طيب؟