تحميل رواية «ملاك باخلاق سيئة» PDF
بقلم روزان مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أسدل الليل ستائرهُ في تمام الساعة الثالثة فجراً، شعرت وقتها جولييت بأن جسدها يفتُك بها من الألم. عظامها تكاد تتفتت من شدة الألم. أغلقت الأضواء وقامت بغلق الباب الرئيسي للمحل. ووضعت المفاتيح داخل حقيبتها وهي تتثائب بخمول. وأخيراً ستحظى بليلة نوم هانئة. تجولت في الشوارع حتى وجدت سيارة أجرة أقلتها إلى منزلها. عندما دلُفت إلى شقتها وأغلقت الباب خلفها، أزاحت الوشاح القُرمزي الذي كانت تلفه حول عُنقها وهي تُنادي بصوت مُرتفع: "ليلى! نمتِ ولا إيه؟" دخلت جولييت إلى غُرفة شقيقتها وأشعلت الأضواء لتتذمر الأخ...
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الأول 1 - بقلم روزان مصطفى
أسدل الليل ستائرهُ في تمام الساعة الثالثة فجراً، شعرت وقتها جولييت بأن جسدها يفتُك بها من الألم. عظامها تكاد تتفتت من شدة الألم.
أغلقت الأضواء وقامت بغلق الباب الرئيسي للمحل. ووضعت المفاتيح داخل حقيبتها وهي تتثائب بخمول. وأخيراً ستحظى بليلة نوم هانئة.
تجولت في الشوارع حتى وجدت سيارة أجرة أقلتها إلى منزلها.
عندما دلُفت إلى شقتها وأغلقت الباب خلفها، أزاحت الوشاح القُرمزي الذي كانت تلفه حول عُنقها وهي تُنادي بصوت مُرتفع:
"ليلى! نمتِ ولا إيه؟"
دخلت جولييت إلى غُرفة شقيقتها وأشعلت الأضواء لتتذمر الأخيرة على فراشها وهي تقول:
"مش لازم تعملي فرح أول ما تيجي يعني."
خلعت جولييت حذاؤها وهي مُستندة بخصرها على طرف الفراش وقالت بجدية:
"قومي بقى متُبقيش باردة، أنا ميتة من الجوع عملتِ أكل إيه؟"
إعتدلت ليلى في فراشها وهي جالسة بنصف عين وقالت بخمول:
"معملتش، الجو زي الثلج وكُل ما أمد إيدي في الفريزر بصوت."
إتسعت عينا جولييت وهي تقول:
"بليز قولي إنك بتهزري!"
قامت ليلى من فِراشها وهي تتثائب وتتمايل بغنج وقالت:
"مبهزرش، البرد مكسر عضمي مخليني حابة أنام في السرير طول اليوم. نامي خفيفة إنهاردة وبُكرة نُطبخ. محكيتيليش عن أول يوم شُغل؟"
وقفت ليلى أمام المرآة داخل دورة المياه الصغيرة وهي تُفرش أسنانها. إستندت جولييت على باب دورة المياه وهي تقول:
"عادي، الراجل قالي التعليمات وال..."
توقفت عن الحديث وكاد بؤبؤ عينيها أن يخرج من محجره لتقول بصدمة:
"كويس إنك فكرتيني! في واحد غريب جه إنهاردة سأل عن سارة! بُكرة هروحلها زيارة بمُناسبة جوازها وأقولها عن الراجل دا."
مضمضت ليلى المياه داخل فمها وهي تلفظها ثم إعتدلت وهي تقول بفضول:
"راجل مين؟"
أجابتها جولييت وهي تُمسك بخُصلة من شعرها الداكن تلفها على إصبعها ثم قالت:
"مش عارفة، راجل غريب!"
***
صباح اليوم التالي.
إستيقظت ليلى بإرهاق مرة أخرى بعد أن نامت طوال الليل وكأنها لم تكُن مُلتصقة بفراشها ليلة الأمس!
وجدت ليلى شقيقتها جولييت تُكدس حقيبتها ببعض الأكياس المُهترئة وهي تقول:
"صباح الخير، أنا خرجت صدور دجاج وتبلتها بالبُهارات والزبادي يعني سهلت عليكِ المُهمة. شوفي حابة تعمليهم روستو ولا سكالوب."
ليلى بتعب:
"مش لسة بدري على ميعاد شُغلك؟"
جولييت وهي تُغلق حقيبتها بصعوبة:
"أنا كلمت سارة لما صحيت وقالتلي أروحلها. جوزها راح شُغله بدري ف حبت إني أقعد معاها قبل ما أروح شُغلي."
ليلى وهي تجلس على الأريكة وتفرد قدميها على الطاولة:
"حتى العريس وعروسه مش بيخلوهم يتهنوا ببعض! مفيش أدني تقدير للمشاعر الجياشة."
ضحكت جولييت بخفة وهي تقول:
"أتمنى متنسيش صدور الفراخ المُتبلة، ياريت متبقاش وليمة عشاء لفئران بلدتنا البائسة."
قالتها جولييت بطريقة مسرحية قبل أن تُغادر الشقة الصغيرة وتُغلق الباب خلفها.
سارت ركضاً حتى وصلت للشارع الرئيسي وهي تُشير بيدها لسائق الأجرة.
توقف على جانب الطريق حتى يُتيح لها مساحة الركوب دون مُضايقات رُكاب السيارات الأخرى ببوقهم العالي.
ركبت جولييت ومسح هو الزُجاج الأمامي لسيارته بقطعة القُماش البيضاء المُهترئة الصغيرة وهو يقول تعليماته بعنجهية:
"أي طُرق أو شوارع فيها إصلاحات أو تكسير أو مطبات هواء عالية مش هدخُلها."
وضعت جولييت مُفتاح شقتها في جيب الحقيبة الخارجي ثُم نظرت له وهي تمضُغ العلك وقالت:
"هو أنا لسه قولت أنا رايحة فين؟ ميهمش لإني مش حابة أتناقش الصُبح. وديني عند..."
تحرك السائق بسيارته للعنوان المقصود.
وصلت جولييت أخيراً لبناية صديقتها سارة وهي بناية متوسطة الحال.
ترجلت من السيارة وهي تنظر للأعلى وتتقدم بخطوات مُحرجة داخل البناية. وصلت للطابق المقصود ثم ضغطت على جرس الشقة. مر ثوان قبل أن تفتحها لها باب الشقة فتاة قصيرة وبدينة نوعاً ما ولكن بشرتها بيضاء وبشوشة الطلة.
إبتسمت جولييت بسعادة وهي تحتضنها وتقول:
"حبيبتي، مُبارك الزواج."
ملست سارة على ظهر صديقتها ثم سمحت لها بالدخول وأغلقت الباب خلفها.
كادت جولييت أن تدخل الشقة لكن أوقفتها سارة بلُطف وهي تقول:
"يضايقك لو خلعتي حذائك عشان السجاد؟"
إرتبكت جولييت وهي تقول بإحراج:
"أكيد لا، حقك يعني بعتذر مأخدتش بالي."
خلعت جولييت حذاؤها وهي تنظر للمنزل حولها ومازالت تمضغ العلك. جلست على الأريكة أخيراً وجلست سارة أمامها وهي تقول:
"بتحبي بسكويت اليانسون؟"
تنهدت جولييت لتقول أخيراً:
"هو الحقيقة أنا مكونتش جاية أباركلك وبس، في موضوع مُهم حصل في أول يوم عمل ليا وكان ضروري أجيلك بسببه."
بهتت إبتسامة سارة لتقول:
"هو الراجل ضايقك؟"
رفعت جولييت رأسها لتقول:
"تُقصدي مين؟"
ضحكت سارة ببلاهة وقالت:
"العجوز!"
حركت جولييت رأسها يميناً ويساراً وقالت:
"في راجل تاني، شاب يعني.. جه وسأل عنك في المحل في وقت الفجر."
سارة بجزع لإنها مُتزوجة:
"راجل مين دا!"
جولييت بهدوء:
"قالي بلغي سارة إنها لازم تظهرلي قبل واحد في الشهر، وقالي أبلغك إن إسمه جبريل."
ظهرت إبتسامة صادقة على وجه سارة وهي تقول:
"هو جالك بنفسه؟ غريبة.."
دب الخوف في قلب جولييت لتقول بهلع:
"ظهرلي إيه وبتاع إيه! إوعي يكون عفريت أو شبح!"
ضحكت سارة بصوت مُرتفع وإحمر وجهها من كُثر الضحك ثم قالت:
"إيه اللي بتقوليه دا؟ إيه العفريت إبن الناس اللي هيروح يشتري لوحات وتماثيل! جبريل إنسان عادي بشر زيي زيك.. لكن ليه قصة طويلة وغريبة وبييجي المحل عشان شيء معين، يعني هو مش عاوزني أنا شخصياً هو بييجي قبل نهاية كُل شهر بيطلب الحاجة دي.. لو إنتِ إديتيهاله خلاص المُشكلة إتحلت."
جولييت بفضول:
"حاجة إيه؟"
أجابتها سارة وهي تقوم للمطبخ لتقديم واجب الضيافة:
"قنينة صغيرة كدا زُجاجية هتلاقيها في المخزن جوا المحل مع باقي روائح الزهور، مُميزة إن غطاها لونه إسود. أول ما ييجي يسأل عني إديله القنينة دي وهيمشي بهدوء، بس متنسيش يا جولييت من فضلك."
جولييت بفضول:
"طيب هي القنينة دي فيها إيه مميز عشان يجيلها؟ هو شكله إبن ناس جداً يعني مُهندم كدا ونضيف."
غيرت سارة مجرى الحديث وقالت:
"بتحبي اللبن على النسكافيه؟"
فهمت جولييت أن سارة تُفضل عدم الجواب ف أجابتها جولييت ببرود:
"حطي لبن."
***
على قمة صخرة في جزيرة معزولة، جلس جبريل بملامح وجه حزينة وعيون مُنطفئة رغم أنها جذابة للغاية.
حاوطته فتاتان، جميلتان ك حوريات الجنة.
قالت أحدهم بحُزن بالغ:
"متقلقش يا جبريل، أنا واثقة إن سارة هترجع وتديك القنينة."
جبريل بصوت عميق:
"البنت.. يمكن البنت اللي إشتغلت مكان سارة يمكن متفهمش قيمة القنينة الشهرية بالنسبة لي."
نظر جبريل للفتاة بجانبه ذات خُصلات الشعر السوداء الطويلة وقال بأسى بالغ:
"سارة تخلت عني."
مد يده للسماء وهو يُحيط نجمة لامعة بأصابعه وقال:
"مفيش شخص مُهتم إني ممكن ضوئي يخفت زي النجمة دي.. وأنتهي."
ملست الأخرى على وجهه بنهم وشوق وهي تقول:
"كُل شيء هيكون بخير، بس إنت إرجع إبتسم من تاني، وشيل عن قلبك عُقدة الذنب.. إنت مش سيء يا جبريل!"
أبعد وجهه عن يدها ونظر للقمر مرة أخرى بحُزن ثم قال:
"لازم أروح للبنت مرة تانية."
***
الساعة الثانية عشر مُنتصف الليل / متجر التُحف.
وقفت جولييت خلف المكتب المُستدير وأمامها صحن من العنب الطازج، تأكله وهي تُراجع قائمة الأسعارة للمرة العاشرة علها تثبت داخل رأسها.
كانت قد وضعت لوحة مُغلق على باب المتجر لإنها بالفعل ستُغلق الأن.
لكنها وبدون سابق إنذار إستمعت إلى الجرس الصغير المُعلق فوق الباب يُصدر صوتاً.
وضعت حبة عنب داخل فمها وهي تقول:
"قفلنا خلاص شرفونا يوم تاني."
لكن يبدو أن الزائر الليلي لم يستمع لحديثها. إنتشرت رائحة عطره المُميز داخل المتجر مرة أخرى ف علمت جولييت أنه جبريل. رفعت رأسها تنظر له وجدته يقف أمامها، يرتدي قميص أبيض اللون وبنطال أسود من القُماش.
وقُبعة سوداء قد إنسدل من جانبيها بعض من خُصلات شعره الكستنائية.
رفع رأسه لتصطدم عيناه بعينيها، ثُم قال بصوت عميق:
"سارة.. مرجعتش؟"
إستندت جولييت بصدرها على المكتب المُستدير وهي تُمسك بحبة عنب تُمررها بين أصابعها وتقول بصوت مُتلاعب:
"سارة مش هتيجي، أنا سارة الجديدة اللي تخُصك."
ثُم وضعت حبة العنب بين شفتيها وهي تمضغها وقطرات المياه الخاصة بالثمرة تنسدل على شفتيها لتُضيف لها لمعان وبريق.
نظر لشفتيها ولحبة العنب وتذكر مشهد ما مُشابه لحياته.
عندما وضعت حبيبته حبة الكرز بين شفتيها ف إقترب جبريل منها وهو يلتهم حبة الكرز من بين شفتيها ثُم يلتهم شفتيها بذاتهم.
عندما رأى ذلك المشهد من الماضي أمام عينه وضع يده على رأسه وهو يشعُر بالدوار.
جولييت بإتساع أعين:
"إوعى ترجع! أنا لسه ماسحة الأرضية!!"
لكن جبريل لم يستمع لها.. بل فقد الوعي وقبل أن يقع ركضت جولييت بإتجاهه ليسقُط بين ذراعيها. لم تحتمل جولييت ف سقطت به على الأرض.
سقطت قُبعته للخلف ف تأملت جولييت ملامحه عن قُرب.
رموش طويلة مُرتبة، شفتين بلون الدم القاتم، وبشرة صافية سمرااء.
جولييت بإعجاب واضح:
"يخربيت جمال ريحتك اللي أنا مش عارفة إيه سرها ♡"
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الثاني 2 - بقلم روزان مصطفى
كان صوت الهواء البارد في الخارج ينُم عن ليلة شتوية بحتة.
الزائر الغامض كان فاقد الوعي وجسده مُمدد أرضاً أمامها.
خشيت جولييت أن يأتِ أحداً ما ويراه في هذه الحالة.
فقامت بفتح حقيبتها الفوضوية وأخرجت زُجاجة عطرها المُقلدة.
لترُش بعض من رُذاذها على مِعصم يدها وتُقربه من أنف جبريل.
الذي سُرعان ما أغلق عينيه بإشمئزاز وسعل وهو يعتدل بجسده أرضاً.
وضع يده على أنفه قائلاً بقرف:
إيه .. إيه دا !
نظرت له جولييت بصدمة وهي تقول:
إيه مالك دي رائحة البرفان بتاعي، أومال لو كُنت كسرت بصلة وشممتهالك كُنت عملت إيه
قام من الأرض وهو يُمسك بيده قُبعته السوداء ويضعها على رأسه مُجدداً.
قام بإزاحة الغُبار عن بِنطاله وهو يقول:
إنتِ مش ناوية تساعديني !
نظرت له جولييت بإستغلال لموقف إحتياجُه ثُم قالت:
أنا عاوزة أعرف إيه المُميز في القنينة اللي هتاخدها دي ؟
هندم ملابسهُ.
ثُم بدون سابق إنذار خرج من أعماقه صوت غاضب:
ميخُصكيش ! هتجيبيها ولا أخرُج ؟
إرتعدت هي للخلف.
لم تكُن تتوقع أن يتملك عروقه الغضب بتلك السُرعة.
خاصة مع تلك الملامح الحزينة والضعف الجسدي الذي بدا عليه وأسقطه أرضاً مُنذ قليل.
لوت شفتيها بإمتعاض ثُم قالت:
أنا كدا كدا كُنت هديهالك ف من فضلك مترفعش صوتك !
سارت بقدميها إلى المخزن الصغير وهي تبحث بعينيها بين القنينات عن ذات الغطاء الأسود.
وعندما وجدتها إلتقطتها بأصابعها المخملية وخرجت بها.
ثُم وضعتها على المكتب المُستدير وهي تقول برسمية زائدة:
طلبك أهو، تقدر تتفضل
مد يده بنشوة لا مثيل لها وهو يلتقط الزُجاجة الصغيرة.
ثُم إرتخت ملامحه من الغضب إلى الحُزن الهاديء ك سابق عهده.
حتى جولييت شعرت بذلك التغيير المُفاجيء الذي طرأ عليه.
خرج من المتجر وتركها واقفة تُلاحق طيفه بأعينها.
حتى إنتهى يوم العمل الشاق وقدميها يؤنباها على وقوفها الطويل.
بنغزها نغزات ألم مُستمرة.
أغلقت باب المتجر.
ثُم أغلقت سُترتها على جسدها الأنثوي مُحتمية بها من البرد القارص.
كانت مُعاناة لتجد سائق أجرة لعين يُقلها لمنزلها في هذا الوقت المُتأخر من الليل.
وعندما وجدت أحدهم كان ينحرف بسيارته عن الطريق يميناً ويساراً وهو يستمع لتلك الموسيقى ذات الألحان الصاخبة.
لتُبدي جولييت إستياؤها البالغ منه وتقول:
ممكن تسوق كويس عشان منعملش حادث؟ ووطي صوت الموسيقى كمان إحنا في مُنتصف الليل
السائق بوقاحة:
إيه اللي مش عاجبك تحديداً سواقتي ولا الأغنية ؟
شعرت جولييت بالحنق من ذلك المُستهتر ف قالت:
الإتنين! سواقتك زفت والأغنية تقرف !
السائق بلا مُبالاة:
مبعرفش أسوق غير كدا لو مش عاجبك إنزلي وكملي الطريق لبيتك مشي
إتسعت عيناها غضباً وشعرت بجُمرة من النار تمُر فوق رأسها لتقول:
وقفني على جنب، مش هتاخد مني مليم !
إنحنى السائق على الطريق يساراً ف إرتطم رأس جولييت في الزجاج وشعرت بالألم لتصرُخ به قائلة:
حقير مُنحط !
ضحك السائق بإستفزاز.
بتنزل جولييت من السيارة وهي تشعُر بالألم في قدميها ورأسها.
إحتضنت حقيبتها وهي تسير بهدوء في الشوارع حتى لا تُلفت نظر أحد المارة غريبي الأطوار في ذلك الوقت المُتأخر.
نصف ساعة سيراً على الأقدام حتى وصلت مُنهكة وهامدة إلى مصعد البناية.
وصلت أخيراً لباب شقتها وهي تضع المُفتاح في المقبض.
أدارته ودخلت إلى الشقة وهي تقول بتعب وألم:
ليلى، أنا جيت وميتة من الجوع عملتي صدور الدجاج ؟
لم تُجيبها شقيقتها.
فسارت جولييت إلى المطبخ بإرهاق ووجدت عدة أكواب وصحن من الفاكهة المأكولة مُلقيين بإهمال داخل الحوض.
بحثت على الموقد عن الطعام لم تجد شيئاً.
فتحت الثلاجة لتجد صحن الدجاج المُتبل نيء كما هو.
أغلقت جولييت باب الثلاجة بغضب وهي تشعُر بالحنق.
دخلت غُرفة شقيقتها ليلى لتجدها نائمة.
سحبت جولييت الغطاء من فوق جسدها لتقول بمرارة:
يعني أنا واقفة على رجلي كذا ساعة ببيع وبستحمل قلة ذوق الناس وفوق كدا تبلت الدجاج قبل ما أمشي يعني يادوب هتطبخيه! ومش هاين عليكِ تغسلي المواعين مطرحك إنتِ مش عايزة تشيلي مسؤولية حاجة لييه! أنا تعبانة وطلعان عيني حسي بيا !!
سحبت ليلى الغطاء لتقول بصُراخ في وجه شقيقتها الأكبر منها:
هو إنتِ هتعايريني عشان بتصرفي عليا بعد موت بابا وماما! هو أنا أجبرتك؟ ومحدش بيصحي حد بالطريقة دي إخرجي من أوضتي وإقفلي الباب !!
شعرت جولييت أنها على وشك الإنهيار ولم تعُد قادرة على المُشاجرة مع أحد.
فخرجت بهدوء من غُرفة ليلى وجلست على الأريكة وهي تقوم بخلع حذاؤها.
قدميها كانوا حمراوين للغاية من شدة الألم ولكنها تجاهلته.
وإرتدت ملابسها المنزلية ووقفت على الحوض تغسل تلك الأطباق المُتسخة بفِعل شقيقتها ليلى.
ما أن إنتهت حتى وقفت تحت المياه الفاترة لتأخُذ حماماً دافئاً بعد تلك الليلة القاسية.
كان سائق الأُجرة يُدخن سيجاراً ومازال يستمع لموسيقاه الصاخبة.
وبينما هو يقود سيارته بذات الرعونة أوقف سيارته عمداً عندما رأى رجُلاً يقف في مُنتصف الطريق واضعاً يده في جيب بنطاله، مُرتدياً قُبعته السوداء، لا يتحرك.
أخرج السائق رأسه من النافذة وهو يصرُخ بصوت مُرتفع قائلاً:
إنت مجنون أنا كُنت هخبطك! إتحرك من قُدام عربيتي يا غبي
لكن الرجُل لم يتحرك، سوا للأمام!
كان كلما يقترب من السيارة كُلما يكبر ظله على الحائط المُمتليء بعبارات عن الحُب والحُرية.
أدخل السائق رأسه عندما شعر أن هُناك شيئاً ما خاطيء.
حاول أن يُدير سيارته ولكنه فشل!
تغير صوت المُسجل المُهتريء الخاص بسيارته لأُغنية قديمة تتحدث عن رأس السنة الخاصة بإحتفالات الولايات المُتحدة.
إتسعت عينا السائق وهو ينظُر أمامه وحوله برُعب.
قبل أن يُفتح بابه بواسطة جبريل.
سحبه جبريل إلى خارج السيارة وهو يُمسك برأسه ويضربها مراراً وتكراراً في الزُجاج الأمامي بقسوة حتى إنكسر الزُجاج.
كان السائق يصرُخ ويستغيث حتى تركه جبريل غارقاً في دماؤه لكنه مازال حي.
نظر له جبريل بتعالي وقال:
عشان متفكرش تمد إيدك على حاجة تخُصني
سار بحذاؤه اللامع فوق جسد الرجل حتى وصل لسيارتهُ.
جلس على مقعد السائق وهو يُمسك بالسيجار المُستند على طرف المقعد ومازل مُشتعل.
إستنشق منه نفس طويل ثُم زفره لتمتليء السيارة بالدُخان.
كور جبريل يده وهو يُحطم بها المُسجل المُهتريء.
نزل من السيارة ثُم قام بصفع الباب بقسوة وهو لا يزال ينظُر للسائق المُلقى أرضاً ويقول:
صوت الموسيقى مضايقني، لو مش عاجبك متدخُلش بعربيتك لأماكن أنا بمشي فيها
ثم إتسعت عينا جبريل بغضب وهو يقول:
مفهوم !
حرك السائق رأسه يميناً ويساراً بخوف حتى إبتعد جبريل وهو يُخاطب السائق بصوت واضح نوعاً ما:
هتبقى كويس لو روحت في خلال ساعة للمشفى القريب، دا كان درس ليك تحترم أي شيء يخُصني.
كان جبريل يفعل ذات الشيء مع سارة، من يُضايقها أو يتسبب في أذيتها سيكون يومه أسوأ من يومها.
لكن مُنذ أن تزوجت، وأصبح جبريل يتسلم القنينة من جولييت.
أصبحت جولييت هي شُغله الشاغل.
سيُغادر جزيرته المعزولة فقط عندما يشعُر أنها ليست على ما يُرام.
إنتهت من حمامها الدافيء وهي تقف في مُنتصف غُرفتها بملابسها الداخلية.
تبحث داخل خزانتها عن ملابس فضفاضة مٌريحة حتى تستطيع النوم.
بفضل السائل الممزوج داخل القنينة، كان جبريل مُختفياً.
هي لا تراه ولكنه يراها.
السائل يجعله خفي عن غيره.
يراهم ولكن لا يروه.
وقف جبريل في رُكن الغُرفة الخاصة بجولييت وهو ينظر لجسدها المُبتل بقطرات ماء تنسدل على جلدها الناعم.
ويُزين خصرها وكتفيها قطعتين من قُماش الحرير باللون الأسود يُزيدان جسدها جمالاً.
أغلقت خزانتها بعدما وجدت جلباب قصير إرتدته وتمددت على فراشها وهي مُحتضنه وسادتها وكانت تبكي.
تمدد جبريل خلفها على الفراش وهي لا تشعُر به.
ثُم عانقها وملامح وجهه حزينة للغاية ويقول بصوت هي لا تسمعه:
إنتِ صديقتي مُستحيل حد يأذيكِ.. حتى لو كُنت أنا
شعرت جولييت بسخونة جسدها ف إعتدلت على الفراش وهو بجانبها ينظر لها بحُزن لإنها تبكي.
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الثالث 3 - بقلم روزان مصطفى
إعتدلت جولييت على فراشها عندما شعرت بأن جسدها دافئ وكأنها تتلحف بغطاء.
نظرت حولها وعيناها دامعتين إثر بكائها على ذلك اليوم السيء الذي مرت به، لتعود مرة أخرى وهي تتمدد على الفراش وتحتضن وسادتها.
قام جبريل من خلفها وهو ينظر لها بملامحه الصادقة ويشعر أنه يود أن يحطم ذلك العالم القاسي الذي يجعل تلك الجميلة حزينة.
تسلل بهدوء وهو يخرج من غرفتها ذات الباب المتوارب ونظر حوله وهو يبحث عن غرفة شقيقتها المتمردة.
سار بهدوء حتى فتح باب الغرفة، فتململت ليلى في فراشها وهي تقول: "تؤ تؤ تؤ! اقفلي الباب واخرجي!"
لم يجب جبريل عليها لكنه كان ينظر لها بسخط على معاملتها السيئة تلك لشقيقتها وعلى حياتها الفوضوية واتكالها على الغير.
أمسك جبريل بمقبض الباب ليصفعه بقوة، فانتفضت ليلى في الفراش وهي تجلس على ركبتيها وتصرخ بصوت مرتفع.
سمع جبريل خطوات أقدام تركض باتجاه الغرفة، لتفتح جولييت الباب وهي تنظر لشقيقتها بخوف وتقول: "مالك بتصرخي ليه؟"
ليلى قامت مفزوعة وهي تقترب من جولييت وتحتضنها وتقول: "نامي جنبي انهاردة، الباب اتزرع وخوفت!"
ملست جولييت على شعر شقيقتها وهي تنظر حولها وتقول بهدوء: "أنا برضو وأنا نايمة حسيت بجسمي سخن فجأة ومرتحتش، تعالي هنام جنبك متخافيش."
عدلت جولييت الملاءة والغطاء وهي تدخل شقيقتها للداخل وتنام هي على الطرف الخارجي للفراش.
أغمضت عيناها، فنظر لها جبريل وهي نائمة ثم قال داخل عقله: "مش عاوز أأذيها لأنها أختك، وأنا مستحيل أعمل شيء يضايق ملامحك الجميلة."
***
صباح اليوم التالي.
كانت ليلى لا تزال نائمة وجولييت جالسة بإرهاق على الأريكة وهي ترتدي حذارها استعداداً للذهاب إلى العمل.
بدون إفطار كعادتها، ستتناول شيئاً ما خفيفاً كقطعة من الكعك أو رقائق البطاطا.
التقطت حقيبتها المكتظة بأشياء عشوائية ثم أغلقت أضواء المنزل وأغلقت الباب.
وقفت كعادتها في منتصف الشارع تنتظر سيارة أجرة تقلّها إلى عملها.
مرت بضع دقائق حتى وجدت سيارة أجرة تقترب من مكان وقوفها، سائقها يرتدي قبعة تخفي عيناه ولا يظهر منه سوى شفتيه.
فتحت جولييت باب السيارة لتقول بإرهاق: "عاوزة أروح ***."
أغلقت باب السيارة ليتحرك السائق بهدوء وهو ينظر لها بين الحين والآخر في المرآة الأمامية.
أخرجت من حقيبتها أحمر الشفاه ولطخت به شفتيها ثم وضعته في حقيبتها مرة أخرى وهي تنظر لذلك السائق غريب الأطوار.
فـ رائحة سيارة الأجرة من الداخل نظيفة للغاية، وملابسه مهندمة ورائحته شخصياً رائعة، تذكرها برائحة زائر منتصف الليل (جبريل).
شردت قليلاً به قبل أن تقول: "هو أنت وصلت لحد قبلي مش كدا؟"
مرت ثوان قبل أن يرفع إصبعه ويشير بلا.
تعجبت جولييت أنه لا يتحدث، وقبل أن تقحمه بسؤال آخر كان قد أوقف السيارة أمام المتجر.
نزلت جولييت ووقفت بجانب باب سيارته وهي تبحث في حقيبتها عن النقود لتحاسبه، لكنه كان قد انطلق بالسيارة بعدما أوصلها ولم يأخذ أجرته!
نظرت هي باستغراب لذلك السائق وهي تقول: "مجنون دا ولا إيه! وفرت."
أما في السيارة، خلع جبريل قبعته وهو يعدل من خصلات شعره المموجة وينظر بعينيه العميقين في المرآة ويقول: "مش هعرضك أبداً ليوم سيء زي يوم امبارح!"
فتحت جولييت المتجر وهي تتناول علكة على معدة فارغة، تمضغها محاولة الهاء نفسها عن الجوع الصباحي.
وضعت حقيبتها على المكتب المستدير ووقفت خلفه في انتظار أحد الزبائن.
مرت عشر دقائق قبل أن تدخل المتجر فتاة بخصلات شعر طويلة للغاية، بشرتها بيضاء وترتدي نظارة شمسية.
تمسك بيدها حقيبة ورقية كحقائب الطعام، ورائحتها جميلة للغاية.
لا تعلم لما يمر جبريل على عقلها كلما استنشقت رائحة جميلة.
قالت الفتاة بهدوء: "صباح الخير، من فضلك عاوزة تمثال الملاك الحزين.. هشتريه."
جولييت بسعادة: "صباح النور، حاضر."
التقطت جولييت التمثال وهي تنظفه جيداً من الغبار، ثم وضعته في الحقيبة الورقية وهي تسلمه للفتاة وتقول: "دا حسابه ٣٠."
أخرجت الفتاة من حقيبتها ورقة من فئة المائة وهي تقول: "خلي الباقي عشانك."
نظرت جولييت للورقة وهي تقول: "لا طبعاً، ميرسي بس مش بقبل بقشيش."
الفتاة بغموض: "أنا مصرة إنك تخلي الباقي ليك، أنا سعيدة اليوم وحابة كل اللي حواليا يكونوا سُعداء زيي."
جولييت باعتراض: "أوك بس مش هينفع أصل.."
قاطعتها الفتاة وهي تضع الحقيبة الورقية على المكتب وتقول: "وياريت تاكلي دا، هتحبيه."
نظرت لها جولييت بذهول، فخرجت الفتاة من المتجر قبل أن تعترض جولييت.
ركضت جولييت وراؤها وهي تفتح الباب وتقول: "يا آنسة!! يا مدام، خدي بقية فلوسك والأكل!"
لكن الفتاة الغريبة قد اختفت وكأنها ذابت في الهواء!
***
بعد مرور نصف ساعة.
كانت جولييت تحدث سارة على الهاتف وتقول: "بقولك تمثال الملاك الصغير بـ ٣٠ وهي سابت ليا ورقة بـ ١٠٠ يعني ضعف تمنه مرتين! وغير كدا سابتلي شنطة فيها أكل عصير فريش وخبز فرنسي ومربى وجبن."
ضحكت سارة وهي تقول: "شكل في حد مهتم بيكِ أوي وموصيها توصلك الحاجات دي."
نظرت جولييت أمامها باستغراب لتقول: "حد مين هو أنا أعرف حد؟"
سارة بهدوء: "كل ما بتحفظي السر، وبتلتزمي بتسليم القنينة كل ما هتحسي باهتمام محدش حس بيه غيرك.. أنا لازم أقفل ورايا حاجات في البيت."
أغلقت سارة الهاتف، فظلت جولييت تحدثها: "ألوو! تقصدي إيه؟؟.. قفلت."
وضعت جولييت الهاتف بملل على المكتب المستدير وهي تنظر لحقيبة الطعام.
رائحة الخبز الطازج أغرتها كثيراً أن تبدأ في تناول الطعام.
مع القضمة الأولى تذكرت رائحة جبريل في الفتاة غريبة الأطوار وفي سيارة الأجرة، أيُعقل!
تذكرت جملة سارة الأخيرة عن الاهتمام، فابتسمت وهي تتذكر سيارة الأجرة تتخطاها قبل أن تحاسب.
بعد ما انتهت من تناول طعامها، ظلت واقفة تؤدي عملها بنشاط وسعادة غير معتاد.
وجبريل يراقبها وهو سعيد، مثلها تماماً، لكن ابتسامته باهتة، وكأن هناك شيئاً ما ينقصه.
***
في تمام الساعة العاشرة مساءً.
رفعت جولييت هاتفها تطمئن على شقيقتها ليلى.
ردت الأخيرة على الهاتف بسعادة وامتنان وهي تقول: "من إمتى الدلع دا يا جولي، هما زودولك مرتبك ولا أخدتي بقشيش؟"
عقدت جولييت حاجبيها في استغراب ثم قالت: "دلع إيه؟ بتتكلمي عن إيه!"
ليلى وصوت مضغ الطعام كاد يخترق الهاتف: "هو مش انتي بعتيلي أكل دليفري على البيت؟ دا متحاسب فلوسه وكله تمام، دا أنا خلصت نصه وسيبتلك نصه في الثلاجة، يا سلام لو من وقت للتاني تجيبيلنا أكل من برا."
جولييت بسرعة: "استني بس! مين سلمك الأكل دا؟"
ليلى بإستمتاع بالطعام: "هيكون مين يعني، الدليفري سلمهولي!"
جولييت بفضول: "شكله إيه يعني؟"
ليلى بضيق: "إيه الأسئلة بتاعتك دي، خلصي شغلك وتعالي نحكي ونتكلم سوا."
جولييت بإرهاق: "على أساس لو خلصت وجيت هلاقيكِ صاحية؟ المهم هقفل عشان شكل في زبون جاي.."
أغلقت الهاتف مع شقيقتها ورأسها يدور يميناً ويساراً بحثاً عن أجوبة.
من الذي يفعل كل ذلك وما هذا اليوم العجيب!
منذ وفاة والديهم وجولييت تحملت المسؤولية على عاتقها حتى تدلل شقيقتها الصغيرة ولا تشعرها بالفقدان المفاجيء لوالديها، رغم أنها كانت تتألم أيضاً ولكنها آثرت شقيقتها على ذاتها وظلت تتنقل من عمل إلى آخر حتى لا تمد يديها لأقاربهم.
لم تحظى جولييت بالاهتمام أبداً، لذا تشعر اليوم بشعور مميز، ولكنها خائفة من ذلك الاهتمام المفاجيء.
مرت ساعتين وتحركت عقارب الساعة باتجاه الثانية عشر منتصف الليل.
تحرك الجرس الصغير المعلق فوق الباب، فرفعت جولييت رأسها، لترى جبريل يدخل المتجر برائحته الرائعة وملابسه السوداء المهندمة، وخصلات شعره الكستنائية المجعدة.
ينظر لها بذات الحزن الذي يحتل ملامحه الجميلة.
مال برأسه يميناً وهو يقول: "مساء الخير."
نظرت له جولييت وصدرها يرتفع ويهبط.
مرت دقيقة قبل أن تقول: "هو، انت.. يعني أقصد مين جاب الأكل لأختي ووصلني و.."
قاطعها جبريل بصوته العميق: "أنا."
فتحت فمها من الصدمة ثم قالت: "انت!"
رفع رأسه ونظر لها بعينيه.
كانت عينيه تتفحص كل قطعة في وجهها، ثم قال بصوتاً ساحر: "تسمحيلي آخدك معايا رحلة صغيرة؟ أوعدك قبل شروق الشمس هرجعك بيتك."
جولييت مازالت الصدمة تعتلي وجهها وهي تنظر له فـ قالت: "بعتذر مش هقدر، أختي هتكون.."
قاطعها جبريل بنبرة هادئة: "هتكون نايمة."
اتسعت عينا جولييت من الصدمة وهي تقول: "انت تعرف منين!"
ظل جبريل ينظر داخل عينيها ثم قال: "قبل شروق الشمس هتكوني في بيتك، أوعدك.. وافقي عشان الطيارة مستنيانا."
اتسعت عيناها بصدمة وهي تقول: "طيارة إيه!! هنسافر؟?"
ظل ينظر إليها وهو يقول: "بما إنك بقيتي مسؤولة عن تسليمي القنينة بداية كل شهر، فـ حابب تشوفي شيء.. رحلة صغيرة، مش هتنسيها طول حياتك، حتى لو أنا اختفيت."
وضعت جولييت يدها على قلبها تلقائياً ثم قالت: "أنا خايفة."
جبريل بهدوء: "مستحيل أأذيكي."
مد يده وهو يقول: "ثقي فيا!"
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الرابع 4 - بقلم روزان مصطفى
مد جبريل يده تجاهها ونظراته تحمل كل الطمأنينة في العالم، ليقول بنبرة صوته العميقة: ثقي فيا!
إلتقطت جولييت حقيبتها متجاهلة يده وهي تسير وراه كالمغيبة. أغلقت المتجر على غير عادتها مبكراً، غير عابئة بكلمات المسؤول عن خسارتها لزبائن ساعتين.
وقف جبريل بجانبها وهي تُغلق، ثم قال: العربية بتاعتي أهي، هنتحرك لحد الطيارة ولما الرحلة تخلص هرجعك بنفسي.
بعثر الهواء خصلات شعرها البنية الداكنة وهي تنظر له وتقول: أنت إيه هالة الغموض اللي حواليك دي؟ مش ناوي تقولي القنينة اللي بتاخدها كل أول شهر دي عبارة عن إيه وليه مهمة عندك أوي كدا؟
لم يُجبها جبريل بل ظل ينظر لها بذات نظرات الحزن التي تكتسي ملامحه الجميلة. تأففت هي أنها لن تحصل منه على أجوبة أبداً، لتتحرك باتجاه سيارته السوداء وتجلس بجانب السائق (هو).
استدار وجلس في مقعد السائق وبدأ ينطلق بسيارته بين شوارع المدينة الملوثة جدرانها بعبارات عن الحب والحرية.
نظرت جولييت من نافذة السيارة للشوارع المضاءة بمصابيح صفراء عالية، ونسيم الهواء البارد يضمها.
مر وقت طويل وجبريل صامت لا يتحدث، فقط ينظر أمامه.
حاولت جولييت محادثته، فبدأت سؤالها عن شيئاً ما يجول بخاطرها وعقلها لتقول: هو أنت كنت بتهتم بسارة نفس اهتمامك بيا؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على جانب وجهه ليقول ويُريح فضولها الثائر تجاهه وأخيراً: أيوة، ولكن أتمنى إنك متعمليش زيها في النهاية.
عقدت حاجبيها علامة عدم الفهم لينظر هو أمامه مرة أخرى بدون توضيح لجملته المبهمة.
أرجعت ظهرها للخلف حتى صف سيارته في منطقة شاسعة مرصوفة جيداً وبعناية لهبوط طائرة، وطائرة مروحية خاصة صغيرة تقف في انتظارهم. فتحت جولييت باب السيارة وتحركت بجسدها للخارج وهي تنظر للطائرة بذهول وتقول: دا في طيارة بجد!!
وكأن علامات الانبهار والدهشة على وجهها شيئاً معتاد بالنسبة لجبريل. لم يُحرك ساكناً بل مد يده باتجاه باب الطائرة ليقول بهدوء: اتفضلي عشان نركب، لأننا هنقطع بحر.
نظرت له بعدم تصديق وهي تتقدم باتجاه باب الطائرة بسعادة، وتُمسك بيدها الدرج الحديدي الصغير. دخلت إلى الطائرة وهي تنظر للفتاة الواقفة داخلها ومبتسمة. أشارت لها الفتاة بيدها أن تجلس على مقعد الطائرة، فقالت لها جولييت بذهول: معقولة! مش أنتِ البنوتة اللي جت الصبح أخدت تمثال الملاك بـ ورقة 100؟
لم تُجبها الفتاة لكن احمرت وجنتيها خجلاً. دخل جبريل الطائرة وشعره يتطاير من حوله ثم قال ببحة صوته المميزة: دي صديقتي يا جولييت، اسمها مارلينا.
ابتسمت جولييت وهي تنظر للفتاة وتقول: مارلينا، اسمك جميل.
جلست جولييت على المقعد فاقترب منها جبريل وهو يحيط خصرها بحزام الأمان حتى يبدأوا في الإقلاع، بينما كان قريبًا منها لتلك الدرجة. أغمضت عينيها باستمتاع وهي تستنشق رائحته المميزة للغاية.
انتهى جبريل من ربط حزام مقعدها ليجلس بجانبها وهو يشير بيده إلى مارلينا أن ترفع المصعد الحديدي الصغير للداخل وتغلق باب الطائرة. كان هناك رجل غريب الأطوار مثلهم يجلس على مقعد الطيار ينتظر إشارة لبدء الإقلاع وقد حصل عليها.
رفعت الطائرة عجلاتها عن الأرض وبدأت تحلق للأعلى. أرجعت جولييت ظهرها للخلف وهي تغمض عينيها وتتمتم بأدعية مما أثار ضحك جبريل ودفعه لسؤالها: هو أنتِ مركبتيش طيارة قبل كدا؟
فتحت جولييت عينيها نصف فتحة وهي تقول: بصراحة لا وحاسة إني راكبة مرجيحة قلبي هيوقف.
ضحك جبريل وهو ينظر لمارلينا التي أحضرت زجاجة عصير طازج ومدت يدها له بها. فتحها جبريل وقربها من جولييت وهو يقول بحنان: اشربي من دا هتروقي، الانتعاش اللي هتحسي بيه هيهدي توترك والسكر هيرفعلك هرمون السعادة.
وضعت جولييت يدها على فمها وهي تقول: لا هرجع أشرب إيه بس.
أزاح جبريل علبة العصير وقام بفتح حزام الأمان الخاص بمقعده. نظرت له جولييت باتساع عين وهي تقول بتحذير: أنت بتعمل إيه! هتوقع أقعد وألبسه بس بسرعة!!
كان مبتسمًا على غير عادته. اقترب من مقعدها وقام بفتح حزام الأمان الخاص بها فصرخت قائلة: لا لا عشان خاطري حاسة أني هطير في الهوا.
أمسك جبريل كلتا يديها بين يديه وهو يقول: متخافيش، تعالي معايا.
جولييت بضيق: يا جبريل من فضلك أنا دايخة أجي معاك فين بس!
اقتربا من باب الطيارة لتقول جولييت بصراخ: أنت عاوز ترميني من فوق أرجوك لا.
نظر لها جبريل وهو يقول بهدوء: هوريكِ مشهد عمرك ما هتنسيه في حياتك، بس أنتِ بطلي تترعشي.
حاوط خصرها بطلتا يديه ووضع ظهرها على صدره. احتضنها من الخلف ف قامت مارلينا بفتح باب الطائرة.
شدت جولييت على يدا جبريل وهي مغمضة العينين، ليميل هو على أذنها ويقول بهدوء: فتحي عينك، متخافيش.
فتحت جولييت عينيها وهي تنظر للعالم من بين السحاب.
كانت خصلات شعرها تطاير للخلف وجبريل يضم خصرها بيديه.
جولييت بسعادة: المنظر يجنن! كل شيء حلو أوي.
جبريل بذات الهمس في أذنها: مش قولتلك هيعجبك؟
استندت برأسها على صدره وكان هو مبتسم بهدوء. يحب رؤية أصدقاؤه سعداء ولكنهم لا يتفهمونه! دائماً ما يقعون في عشقه!
عند هذه النقطة بهتت ابتسامته واعترى الحزن ملامحه مجدداً، ولكن قطع تفكيره صوت جولييت وهي تقول متشائلة والهواء يصفعهم: هو فاضل كتير لحد ما نوصل؟
نظر لها بطرف عينه وهو يقول بشرود: لا، خلاص قربنا.
هبطت الطائرة على الجزيرة وأخيراً. ترجل جبريل منها وخلفه مارلينا وبجانبه جولييت وهي تنظر للجزيرة. الطريق أمامهم كان مضاء كمدينة صغيرة هادئة وحزينة محاطة بمصابيح سوداء قديمة ولكنها نظيفة ولامعة. الأشجار كانت تمتلئ بالزهور البيضاء والنخيل كان يتطاير مع الهواء. يحيطهم البحر من كل اتجاه. وهناك مرتفع استقرت عينا جولييت عليه فلاحظ جبريل ذلك ليخبرها قائلاً: دا مكاني المفضل للجلوس والتأمل، هتحبي المنظر من هناك جداً.
استدارت جولييت بجسدها ونظرت له وهي تقول بهدوء: دا زي الحلم!
بشرته كانت سمراء كأصالة الرجال ولكنها لامعة من نظافتها، وذقنه الخفيفة ناعمة وعيناه البنيتان العميقان المرسومتان بخطوط الحزن قد لمعتا.
والجو، كانت رائحته عنبر!
كل ما يحيط بذلك المكان رائع.
جبريل بلباقة: حابب أخدك ل قمة المرتفع. نظر لقدميها وهو يقول: بس مش هينفع تطلعي بحذائك العالي.
ابتسمت جولييت وهي تقول: ممكن أقلعه ونطلع.
حرك رأسه يميناً ويساراً ليقول: رجليكِ الناعمة هتتجرح، لو تسمحيلي أشيلك وأطلع بيكِ.
احمرت وجنتاها وهي تخفض رأسها خجلاً ليقول: صدقيني لو في حل تاني كنت عملته.
فتحت ذراعيها ليحملها جبريل بين ذراعيه وهي تتشبث بعنقه.
قالت جولييت خشية أن ترهقه: ضهرك هيوجعك.
ابتسم بهدوء وهو يقول: صدقيني أنتِ في خف الريشة.
شعرت بنبضات قلبها تتسارع ولا علم لماذا.
ظل جبريل يصعد بها حتى وصلوا أخيراً. أنزلها وهو يريها المصابيح السوداء القديمة المضيئة في الأسفل وقد تشكلت على هيئة قلب، فوضعت يدها على فمها في انبهار وهي تقول: دا! .. دا شيء جميل، جميل أوي.
جبريل بنبرة حزينة وهو ينظر بحزن أمامه ويقول بينما شعره الكستنائي المجعد يتطاير على شفتيه الكرزيتين: هنا تحديداً.. كل ذكرياتي السيئة قبل الحلوة، بتمر قُصادي.
جولييت!
التفتت له إثر مناداته لها ونظرت داخل عينيه ليقول هو: متتخليش عني عشان مشاعر أو شيء، أنتِ متعرفيش أهمية القنينة عندي.
ثم انحنى ليُقبل يديها في هدوء. كان كل ما يحدث لا يتحمله قلبها الصغير الذي حُرم الاهتمام والدلال منذ وفاة والديها. أما جبريل كان يفعل ذلك لإنه يحترم المرأة بشكل عام، يحترم ذلك المخلوق الأضعف منه جسدياً الأقوى منه في القدرة على تحمل الألم. وهذا ما كان يوقعه دائماً في المتاعب.
أن تبكي أنثى تمد يد العون لجبريل، يعني أن ليلة بكاؤها لن تمر بسلام على من تسبب في نزول تلك اللآليء اللامعة من مقلتيها الناعمتين. هكذا هو ولن يتغير.
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الخامس 5 - بقلم روزان مصطفى
كانت جولييت في غاية الاستمتاع بنسيم الشتاء من أعلى تلك القمة. وعلى غير العادة، كان جبريل لا يراقب تقاسيم وجهها ولا تعابيرها، بل كان غارقاً تماماً في حزنه.
قطع الصمت وقال بهدوء:
"تعالي عشان أفرجك على باقي الجزيرة، عشان نرجع قبل الشروق."
التفتت جولييت له لتقول بسعادة:
"خلينا هنا شوية كمان، في حاجة مضايقاك؟"
عقد جبريل حاجبيه ليقول:
"زي ما قولتلك، هنا بفكر في ذكرياتي السيئة كلها."
كتفت يديها وهي تقول بابتسامة هادئة:
"وإيه بقى اللي حصل في حياتك مخليك حزين دايمًا وغامض؟ أنا عايزة أقولك مافيش بني آدم مرتاح في الحياة دي، وكلنا لينا ذكريات وحشة أوي كمان ومش بننساها.. لأنه صعب."
تفحص وجهها بعينيه لتكمل هي وتقول ببساطة:
"بس بنتجاهلها، بنتناساها يعني، تفتكر اللي مات له حد عزيز عليه بيعيش إزاي؟ بيحط في دماغه إن اللي مات دا مسافر، وهيرجع في يوم.. وبيدعيله، فبيكمل حياته عادي وبياكل ويشرب ويشتغل. أنا أول ما شفتك كنت حزين ومرتبك، وحسبتك بتعاني من حالة نفسية، طلعت مجرد ذكريات وحشة مسببالك الحزن دا كله. هون عليك يا صديقي."
عند كلمة "هون عليك يا صديقي" لم يستطع جبريل أن يتمالك ذاته فابتسم، وشعر بالارتياح الشديد لأن جولييت تبادله مشاعر الصداقة.. ولا تحبه.
قال لها:
"باقي الجزيرة هتعجبك صدقيني، أنا بس حبيت أوريكي أكتر مكان بقضي فيه معظم يومي."
مدت يدها له لتقول:
"يعني هتشيلني عشان تنزل بيا تاني؟"
انحنى جبريل ليحملها بين ذراعيه فضحكت وهو يقول:
"بكل سرور."
هبط بها جبريل على الدرج الحجري مرة أخرى، ثم أنزلها وهو يسير بجانبها ويقول:
"اقلعي الجزمة هوريكي شيء هيعجبك."
قامت جولييت بخلع حذائها فسحبها جبريل بالقرب من الماء ليقول:
"نزلي رجلك في المياه."
جولييت بخوف:
"لا، الجو برد."
جبريل بطمأنينة:
"متخافيش، ثقي فيا.. أنا همسكك."
مدت يدها ليده وهي تغرز قدميها في مياه البحر النظيفة وتحركهما. أصابتها لسعة البرودة لتقول بمتعة:
"بررررد."
ابتسم جبريل وقال بهدوء:
"استني."
نظرت له قليلاً قبل أن تبدأ أشياء صغيرة في ملامسة قدميها داخل المياه، لتنظر وإذا بهم سمكات صغيرة يداعبن قدميها.
صرخت هي بخوف وقالت:
"دا سمك!! آآآآآه."
جبريل بهدوء:
"متخافيش دا مسالم جداً مش هيأذيكِ، آستمتعي.. وسيبي نفسك."
هكذا قضت جولييت يومها في جزيرة جبريل المعزولة، ما بين تلك المياه الصافية التي تمتلئ بالأسماك الملونة الصغيرة، والقمة الحزينة التي يحبها جبريل ويجلس بها دائمًا ليسترجع ذكرياته الحزينة قبل السعيدة. وما بين لمساته المتكررة ليدها التي تجعلها تنتفض ولكنها يسرعان ما تتمالك نفسها وتذكر ذاتها أنهم أصدقاء. أثار فضولها تمسكه بالقنينة لتقول له وهي تمسك بين يديها كأس من العصير البارد:
"هو.. ليه القنينة مهمة أوي كدا بالنسبالك؟"
ارتبك هو، واصفر وجهه، باغتها سؤاله، لكنه قال ذوقيًا حتى لا يتجاهلها عن عمد:
"مهمة لشيء معين ليا، بتساعدني أعيش بطريقتي."
بالطبع لم تفهم جولييت كلمة مما قالها جبريل، لكنها لم ترغب في أن تفسد تلك الليلة الرائعة، لذا أغمضت عينيها وهي تستمتع بالهواء الذي يصفع وجهها.
***
اليوم التالي - السادسة صباحاً
استيقظت ليلى من نومها الطويل وهي تحك فروة رأسها وترمش بعينيها حتى تستطيع الرؤية بوضوح. مرت على غرفة جولييت لتجدها فارغة مما أثار تعجبها! جرت قدميها إلى المطبخ لتجده فارغًا ولا يوجد طعام فازداد غضبها. وقفت تنظر لأرجاء المنزل بضيق قبل أن تستمع لصوت المفتاح في مقبض الباب وهو ينفتح وتدخل منه جولييت مدندنة بسعادة كالطائر المغرد:
"دا أجمل يوم في حياتي، عشان قابلتك يا حياتي."
وضعت ليلى كلتا يديها في خصرها وهي تقول بضيق:
"واضح إنك مبسوطة ورايقة، إنتِ نمتي في الشغل ولا إيه!"
لتقترب جولييت من شقيقتها وهي تحتضن عنقها وتقبلها في وجنتها وتقول بسعادة:
"صباح الخير والسعادة يا لولي."
كان وجه جولييت ينُم عن سعادة حقيقية، تلك التي تورد الوجه، لتقول ليلى بتعجب:
"صباح النور، غريبة دي كل يوم بتيجي متضايقة بسبب الشغل وضغط الشغل وبنتخانق، إيه مروقك أوي كدا؟"
استدارت جولييت حول نفسها عدة مرات قبل أن تهبط بجسدها على الأريكة وهي تقول:
"كانت ليلة زي الحلم، والله لو سافرت بلاد العالم ما هنبسط كدا. ولا رِقتهه! يخرااابي على رِقته، حاجة تحسسك إنك طايرة بين الغيوم.. حاجة شيك خالص."
عقدت ليلى حاجبيها وهي تقول:
"أنا مش فاهمة حاجة! بتتكلمي عن إيه؟"
نظرت جولييت لسقف المنزل بابتسامة وهي تلف خصلة من خصلات شعرها على إصبعها لتقول:
"بعدين هقولك، اطبخيلنا إنهاردة عشان أجيبلك معايا جاتوه وأنا جايه."
ليلى بانبهار:
"جاتوه مرة واحدة! يبقى أكيد هطبخ، بس إنتِ هتروحي الشغل تاني ولا إيه؟"
جولييت بابتسامة:
"أنا كلمت صاحب الشغل وخدت أجازة إنهاردة ووافق، أنا هروح أقعد مع سارة شوية."
ليلى بتملق:
"خديني معاكي يا جولي أرجوكي."
وضعت جولييت إصبعها على طرف أنف شقيقتها لتقول:
"أءءء ومين هيطبخ؟ وبعدين هتكلم مع سارة أحاديث خاصة، يلا لما أرجع هجيب جاتوه."
قبل أن تتحرك جولييت من أمام شقيقتها.. استوفتها ليلى وهي تقرب أنفها من ملابسها لتقول:
"ريحتك حلوة أوي كدا ليه؟ كإنك واقعة جوا جنينة ورد!"
نظرت لها جولييت بلمعة عين وهي تمسك بطرف ملابسها وتستنشق الرائحة، تلك الرائحة الحلوة هي رائحة جبريل! ♡
ابتسمت جولييت وهي تسحب حقيبتها لتضعها على كتفها وتخرج من المنزل.
كانت السماء صافية لدرجة أن جولييت كانت تسير على قدميها وهي تنظر للأعلى بدون ملل. توقفت على جانب الطريق وأوقفت إحدى سيارات الأجرة، ولسوء حظها لم يكن جبريل السائق. أخبرته بالعنوان المقصود ليتحرك بالسيارة مخترقًا الشوارع الجانبية والحواري.
حتى وصلت للبناية التي تقطن بها سارة وزوجها، صعدت على الدرج حتى وصلت للشقة وطرقت الباب.
انتظرت قليلاً حتى فتحت لها سارة وهي تمسك بيدها كوب القهوة الصباحية، لتحتضنها جولييت بسعادة وهي تقول:
"سارة أنا بجد فرحانة أوي أوي أوي."
ضحكت سارة على حماسها المبالغ به وهي تقول:
"يارب دايماً، خير؟"
جولييت بابتسامة واسعة:
"مش هتدخليني الأول ولا بقيتي بخيلة؟"
سارة بأسف:
"آسفة حقيقي لسه صاحية حتى بشرب قهوة عشان أفوق، اتفضلي."
دخلت جولييت وهي تخلع حذائها وجلست على الأريكة بخفة وهي تقول:
"إمبارح كان أحلى يوم في حياتي يا سارة، يوم كان زي الحلم."
جلست سارة أمامها ثم وضعت الكوب على الطاولة وهي تقول:
"ثواني بس، أنا شامة ريحة جبريل فيكي، هو كان عندك في المحل؟"
جولييت بسعادة:
"محل إيه بس! كنت معاه إمبارح طول اليوم، أخدني بطيارته على الجزيرة، وقعدت معاه فوق القمة اللي بيقضي فيها معظم يومه، وحطيت رجلي في المياه واتكلمنا.. كانت ليلة رائعة عمري ما أنساها."
ارتجفت عينا سارة وهي تستمع لحديث جولييت، كأن أحدهم أطلق ضوءًا عاليًا على عينيها الرقيقتين.
لتقول بنبرة باهتة:
"جبريل خدك الجزيرة بتاعته؟"
ملامح وجه سارة لم تكن مشجعة إطلاقًا لأن تكمل جولييت حديثها بذات الحماس، ولكنها أجابت بهدوء:
"أيوة، كان حابب يوريهالي و.."
قاطعتها تنهيدة عميقة خرجت من فم سارة وهي تحاول التقاط أنفاسها، مع ارتجاف عينيها المستمر والتي بدأت تتجمع الدموع بها.
جولييت بقلق:
"إنتِ بخير يا سارة! مالك؟"
وضعت سارة يدها على جبينها وهي تقول:
"دايخة بس شوية، محتاجة أغسل وشي، معلش يا جولييت مش هقدر أقعد معاكي أكتر عشان جوزي هيخرج من الشغل بدري إنهاردة."
شعرت جولييت بالإحراج الشديد لأن سارة قامت بطردها ذوقيًا.
لتُمسك جولييت حقيبتها بكبرياء وتقول:
"أنا أصلًا كنت نازلة حالًا عشان ليلى مستنياني، بس حسيتك تعبانة فقلقت عليكي، أشوفك بخير."
قامت جولييت من الأريكة وهي تتجه لباب الشقة مباشرة من دون أن تعانق سارة، خرجت وصفعت الباب خلفها لتجلس سارة وهي تنتحب وتبكي وترتجف!
نزلت جولييت من البناية وهي تسير في الشوارع والهواء البارد يلفح وجهها، ضمت جسدها بيديها وهي تقول:
"اتبهدلت وبس ومعرفش ليه، هوووف الجو تلج ياريتني تقلت."
سارت خطوتين حتى وجدت أحدهم يضع على جسدها معطف ويقول:
"شوية وهتدفي."
نظرت بطرف عينها لتجد جبريل يسير بجانبها وهو مبتسم وخصلات شعره الكستنائية تتطاير.
اتسعت ابتسامتها وهي تقول:
"دا شكلي محظوظة عشان أشوفك إنهاردة، توقعت مش هشوفك غير في بداية الشهر."
جبريل بهدوئه المعتاد:
"عودي نفسك إنك هتشوفيني كتير، مش بس أول الشهر."
نظرت له بسعادة وهي تضم المعطف وتقول:
"نفسي أعرف بتجيب الروايح الحلوة دي منين، كل هدومك وحاجتك ريحتها حلوة."
جبريل بسؤال مفاجئ:
"أنا اللي نفسي أعرف كنتي بتعملي إيه عند سارة يا جولييت."
جولييت! يا لجمال أحرف اسمها عندما ينطلق من بين شفتيه، نطق اسمها بلكنة جميلة جعلتها تبتسم أكثر وأكثر، يكاد قلبها أن يتوقف من شدة سعادتها بظهوره المفاجئ والغير متوقع في حياتها.
لتتغير ملامحها للحزن فجأة وهي تقول:
"كنت مبسوطة فروحت لها عشان صاحبتي، لكن.. لكن هي طردتني بالذوق!"
لم يستطع جبريل أن يتخفى كعادته ليقتحم منزل سارة ويعلم بما حدث، ولكنه علم جيدًا لماذا تصرفت سارة هكذا.
لم يتحمل رؤية ملامح الحزن على وجه جولييت عندما توقف عن السير وتوقفت هي أيضًا في أحد الأزقة الفارغة، ليُسندها على الحائط وينحني قليلاً حتى يصل لطولها ويقول بنبرة حنونة:
"أرجوكي متزعليش، إوعي! سارة اتصرفت كدا بدافع الغيرة مش أكتر."
عقدت جولييت حاجبيها لتقول باستغراب:
"غيرة؟ من إيه مش فاهمة؟"
جبريل بهدوء:
"إنتِ أكيد عرفتيها إنك كنتي معايا، صح؟"
هزت جولييت رأسها ليقول جبريل:
"سارة بتحبني يا جولييت، ولما رفضت الحب دا راحت اتجوزت عشان تنساني.. هي مشكلتها مش معاكي فمتزعليش."
اتسعت عينا جولييت وهي تنظر له وبدون سابق إنذار ت..
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل السادس 6 - بقلم روزان مصطفى
أنت !
أنت السكون داخل صخب الجموع، ولحظة الدفيء الأولى بعد مُعاناة جسدي في صراعه مع البرودة المُحيطة بنا.
ولمعة أعين العاشق أمام معشوقه ♡
وبدون سابق إنذار مرت حافلة كبيرة من الشارع أصابت جولييت بالخوف لتحتضن جبريل بقوة وهي تصرُخ.
ربت جبريل على ظهرها بحنان وهو يقول بنبرته الدافئة: متخافيش دا باص ومشي خلاص.
إعتدلت هي بين ذراعيه وهي تنظُر له بعينيها اللامعتين.
اللعنة، لا يجب أن يحدث هذا.
تمالكت أعصابها وإستجمعت نفسها سريعاً وهي تقول: ممم.. أنا فهمت سارة إتصرفت كدا ليه، بس مينفعش تتصرف كدا وهي متجوزة! مينفعش تفضل تحس ب كدا وهي على إسم راجل تاني.
جبريل بملامحه الهادئة قال: ملناش دعوة حالياً يا جولييت، هتروحي شُغلك؟
إلتفتت حولها ثُم عادت بنظرها لعيناه الدافئتين وقالت: لا أنا أجازة، في مكان بحبه عاوزة أوريهولك.. زي ما ورتني أطتر مكان إنت بتحبه.
وكأن شُعاع من ضوء الشمس إرتطم بمنطقة مُظلمة، إبتسم جبريل الحزين وأخيراً! ثُم قال بمُنتهى الرقة: موافق، مكُنتش حابب على كُل حال أرجع الجزيرة حالياً ♡.
أمسك بيدها ف إرتجفت، كانت دائماً هي من تُبادر بإمساك يد الجميع، يد السيدة العجوز التي تعجز عن عبور طريق السيارات، ويد شقيقتها الأصغر سناً الطائشة التي تتأرجح يميناً ويساراً وتنحدر عن الطريق المُستقيم، للمرة الأولى وجدت من مد يده بيُمسك بيدها التي أصبحت جافة من قِلة الإحتضان.
إبتسمت، تلك الإبتسامة التي تُنير الوجه، التي تنُم عن سعادة حقيقية.
وسارت خلفه كالمسحورة، مُتجاهلة إجازاتها المُتكررة، وشقيقتها في المنزل.. وحتى مُعاملة سارة لها السيئة.
ستقضي يوماً أخر برفقته.
فتح أحد أبواب سيارة بيضاء اللون، لتجلس جولييت بها وهي تنظُر داخل أرجاؤها بإنبهار، إستدار جبريل وجلس في مقعد السائق وهو يُعدل المرآة الأمامية ويقول: إنتي هتوصفيلي الطريق.
ربطت جولييت حزام الأمان الخاص بها وهي تُعدل من خُصلات شعرها وتقول بهدوء: عاوزة أسألك سؤال لكن مُترددة.
بدأ جبريل في قيادة سيارته وقال لها بنبرة لطيفة: إسألي صدقيني مش هحرجك.
إبتسمت بهدوء وقالت: هو ربنا يزيدك وكُل شيء لكن جبت الفلوس دي كُلها منين؟
إنحنى جبريل بسيارته بين البنايات القديمة الحجرية وهو يُجيبُها: تسمعي عن مزارع **** اللي بتصدر لبن *** للعالم؟
جولييت بإنبهار: دي مزارعكم؟
جبريل بإبتسامة: حتى سارة متعرفش المعلومة دي، دي مزارع جدي هو كان راجل بريطاني عاش نص حياته في أميريكا وإتعرف هناك على جدتي.. مصرية كانت عارضة أزياء في وقتهم هناك، بس المزارع دي ورثنا أنا ووالدي.
لمعت عيناها وهي تستمع له يُحدثها عن حياته الخاصة بأريحية، وبدأ ستار الغموض الذي يُغلفه ينزاح شيئاً ف شيئاً، بما أن الطريق بدأ أن ينتهي وبالفعل وصلوا إلى وجهتهم، أرادت جولييت تبادل أطراف الحديث معه طوال اليوم.
توقف جبريل في حديقة قديمة يبدو أنها مهجورة نوعاً ما، يوجد بها ألعاب للأطفال مُتهالكة وقديمه أصابها الصدأ من حرارة الشمس، نظر لها جبريل بإبتسامة تعني (حقاً)!
لتضحك هي من نظرته وتقول: بُص هفهمك القصة ورا الحديقة دي.
وضع جبريل يده في جيب بنطاله النظيف لتجلس جولييت على العُشب وتستند بذراعيها عليه وهي مُرجعة رأسها إلى الوراء وقالت بهدوء: الحديقة دي كان فيها شخص إنت*حر، قُدام الأطفال والأمهات وكُل الأشخاص اللي كانوا قاعدين في الحديقة يومها، على الشجرة الكبيرة اللي هناك دي.
أشارت بيدها إلى شجرة عملاقة ف نظر جبريل هُنا.
لتُكمل هي حديثها: كانت ليلة شِتا، الوشاح اللي حوالين رقبته علقه في غُصن الشجرة وربط نفسه وهو سساند على كُرسي في الحديقة بلاستيك.. فجأة بعد الكُرسي برجليه وبقى جسمه بيتحرك يمين وشمال زي البندول بتاع الساعة. الناس صرخت، أكياس الفيشار وعلب العصير وحتى الكور والألعاب بتاعت الاطفال إترمت على الأرض والناس بتجري محدش بيقرب من الجُثة. خوفهم خلاهم سلبيين وجسم الراجل بينتفض لحد ما طلع في الروح، كانوا خايفين وخوفهم حولهم لناس سلبية، وفضلت جُثة الراجل متعلقة طول الليل محدش قربلها، لحد ما حد تبرع و.. وكلم الشُرطة وأخدوه، من ساعتها محدش بيقعد هنا غير قُليل جداً ومبقوش ييجوا حالياً، بيحسوه مكان مشؤوم.
إلتقط جبريل أنفاسه ليضحك بهدوء قائلاً: هو دا المكان اللي بيريحك نفسياً؟
ضحك جولييت وهي تُريح ظهرها على العُشب الجاف وتنظُر للسماء.
جلس جبريل وهو ينظُر للمكان المُتسخ، جلس بجانبها وهو يُريح ظهره وينظُر لها بهدوء ويستمع لها ف قالت هي: أي مكان معدوم من البشر، فاضي منهم هيكون جنة، في مثل بيتقال جنة من غير ناس ما تنداس، لكن الحقيقة سبب التعب الحقيقي لأي شخص هو إنه مُحاط بالبشر، اللي مش بيفهموه ولا بيفهموا تصرفاته وردود أفعاله، اللي مختلفين عنه عشان كدا مبيتفقوش.. بعيد عن الدوشة فاهمني؟
أجابها جبريل بتلقائيته الرائعة ليقول بهدوء: البشر شر لابد منه، ف إختاري منهم شخص يعوضك عن دوشتهم، يكون هو ملجأ الهدوء ليكِ.
إلتفتت برأها لتنظُر لبشرته اللامعة تحت ضوء الشمس، وخُصلات شعره الطويلة الكستنائية كالذهب، ألتفت هو برأسه لتصطدم عيناه بعينيها، إبتسمت وقالت بهدوء: تعرف إن ريحتك جميلة أوي، بحسك منقوع في بانيو برفيوم.
ضحك جبريل على تعبيرها ليقول: أنا بس.. شخص مهووس بنظافته الشخصية، ويمكن دي المرة الأولى اللي بمدد فيها جسدي على أرض مُلوثة زي دي.
جولييت بسعادة: أحياناً عشان تنبسط لازم تعمل حجات تغير من روتينك، حجات مبتعملهاش ولا فكرت تعملها.
جبريل بسلام: أنا فعلاً مبسوط، وشكل السما من فوق جميل ومميز.
جولييت داخل عقلها: (لا جميل سواك، ولا أي ريشة رسام يُمكنها أن تخط ملامح ملاك بشري مثلك، يا للشعور الجميل الذي يحتل جسدي عندما أكون بقُربك، يا لرائحتك التي تتغلغل أنفاسي وتنقلني إلى عالم أخر).
قاطع تفكيرها جبريل ليقول: مبتخافيش زي الناس؟
نظرت له وهي تقترب بجسدها منه.. لتظل مسافة صغيرة جداً بينهم وقالت وهي تستطيع أن تستنشق أنفاسه: بنت زيي أهلها توفوا وتولت هي رعاية أختها وإشتغلت وإتعرفت على العالم هتخاف من إيه وليه؟
جبريل بنبرة قلقة: مُمكن شخص مُختل يتهجم عليكِ ويستغل إن المكان فاضي، متجيش هنا لوحدك تاني.
إستندت على دراعها ونظرت له وهي تقول بحماس: أفهم من كدا هتيجي معايا هنا دايماً كُل ما حبيت أختلي بنفسي؟
إعتدل جبريل مثلها وهو قريب منها ثُم قال بنبرة هادئة شعرت هي أن صوته يحتضنها: لو دا هيضمن ليا إنك هتكوني بخير، مُستعد أجي معاكِ كُل مرة.. لكن إنتِ بتقولي أختلي بنفسي، مش هفسد عليكِ إنفرادك بذاتك؟
قالت جولييت بتوهان داخل أعماق عيناه البُنية: وجودك اللطيف عُمره ما يفسد خلوتي بذاتي ♡.
* في منزل سارة
جلست على أريكة منزلها وهي تضع رأسها بين يديها في حُزن وبُكاء لم ينقطع مُنذ رحيل جولييت من منزلها، إستمعت إلى صوت باب المنزل ينفتح لتعتدل وهي تنظُر لزوجها يدخُل وبيده حقائب طعام.
سارة وهي تمسح أعيُنها: إيه جابك بدري إنهاردة؟
نظر لها زوجها بإمتعاض وهو يقول بسُخرية: الله يسلمك، إيه الإستقبال الجميل دا؟
هندمت من مظهرها لتقول بصوت مُختنق: مقصُدش طبعاً، لكن يعني حسبت حصل شيء سيء في شُغلك!
وضع حقائب الطعام من يده داخل المطبخ وهو يقول: حسيت بإرهاق وتعب مش عاديين ف إستأذنت، وأنا ماشي لقيت مطعم الفرايد تشيكن فاتح ف جبت حجات للغدا. جهزيهم في أطباق لحد ما أغير هدومي.
سارة بحُزن: أنا شبعانة مش هقدر أكُل، هجهزلك طبقك وأدخل أرتاح.
نظر لها زوجها ليقول: أنا بقالي كام يوم برجع من الشُغل بناكل سوا وننام مبنتكلمش، مبنقعُدش زي أي إتنين ونتكلم.
كتفت سارة يديها بملل وعيناها الحمراوين نظرت له وقالت وهي تستند على الحائط: هنتكلم في إيه؟ وعن إيه!
إلتفت لها وقال بهدوء: عن أي حاجة! عن ماتش الكورة اللي إتفرجت عليه مع أصدقائي، عن يومك في البيت بعد ما أنا نزلت وروحت الشُغل كان عامل إزاي! عننا وعن يومي أنا في الشغل مشي إزاي.. يعني إيه إتنين عايشين تحت سقف واحد مفيش بينهم مجال للكلام والحوار؟
سارة بإمتعاض وكأن نبرتُها غير راضية عن حديثه وعن حياتها بشكل عام: إيه الملل دا! دا أنا زهقت لما سمعت هنتكلم عن إيه، انا حتى لو طلبت منك تخرجني هتوديني عند مامتك عشان.. عشان ناكُل عندها وتبدأ هي تكلمنا عن أن لازم نخلف ونجيب أطفال، مش شرط نتكلم في مشاعر أعمق من أي كلام ممكن يتقال.
تذكرت جبريل وطريقة تعامله الملائكية معها وقالت بتوهان وشرود: في نظرات عين مُمكن تبُصلي بيها تحسسني أد إيه إنت بتحبني، وفي لما أنا أسكُت خالص إنت تعرف جوايا إيه ونفسي أقول إيه وتفهمني وتهون عليا!
عقد حاجبيه لحديثها ثُم قال بسُخرية: ودا أعمله إزاي؟ شيفاني عفريت قُدامك! ما تعقلي كلامك.
أفاقت على نبرة صوته الحادة وإرتعدت ذاكرتها، شتان ما بينه وبين جبريل لتقول هي وقد خنقتها العِبرة: الأكل عندك أنا محتاجة أرتاح شوية.
زوجها بغضب: أحسن برضو، هتفرج على فيلم وأكل بلا نكد ووجع دماغ.
* في الحديقة القديمة
قال جبريل وهو ينظُر لجولييت الجالسة أمامه: حابة نقوم دلوقتي؟ خايف أعطلك.
جاء ليقوم ف أمسكت جولييت بذراعُه وهي تجعله يجلس مرة أخرى وقالت بصوت دافيء: إنت لما روحت معاك الجزيرة سيبتلك نفسي اليوم كُله، عوزاك إنت كمان تسيبلي نفسك إنهاردة طول اليوم لو ينفع برضو.
جلس بأريحية مرة أخرى وقال: إيه هيخليه مش هينفع؟
إبتسمت بسعادة وهي مازالت شاردة به، لتُباغته هي بسؤال كالمُعتاد وتقول محاولة ثبر أعماقه: طيب سارة وحبتك هي.. إنت بقى حبيت قبل كدا؟
السؤال كان كالسيف الذي مزق قلبه طولياً لنصفين، وكأن مياه باردة إنسكبت عليه حتى أن جسده أطلق رجفة وهو يتذكر.
لمسات يدها الناعمة وهي تلمس وجهه، وشفتيها وهي تنغرز بين شفتيه.. وشعرها الأسود القصير.
وكلمتها بصوتها العذب (أحبك يا جبريل، سأظل أحبك دائماً).
شعر بألم في ظهره ف أغلق عينه مُتألماً.
جولييت بقلق: مالك! لو سؤالي ضايقك إعتبرني مقولتش شيء.
جبريل بحُزن عميق تخلل ملامحه مرة أخرى: أنا ملعون يا جولييت.
شعرت بقلبها يؤلمها من نبرة صوته المُتألمة لتجد نفسها بدون وعي منها تضمه لصدرها وهي تقول: متقولش كدا، إنت جميل ولطيف، من لطافتك بحسك ملاك.
كاد أن يغرق داخل حُضنها ليبتعد بطريقة مُفاجئة وهو يقف ويقول: لازم أمشي، مقصدش أجرحك لكن.. لكن عاوز دايماً يكون في مسافة بيني وبينك.
وقفت جولييت أمامه عاقدة حاجبيها بإستغراب وهي تقول: حساك تعبان، خلاص مش مشكلة باقي اليوم لكن هتقدر تسوق؟
جبريل بتعب: أه هقدر، إعذريني يا جولييت.
جولييت بنبرة حنونة: إعذرني إنت.. تعبتك وضغطت عليك.. كان لازم أ..
لم تُكمل حديثها، سقط جبريل أرضاً أمامها فاقداً للوعي.
* بعد مرور ثلاث ساعات
رن جرس الشقة الصغيرة ف قامت ليلى بكسل من فِراشها وهي تتثائب وتقول: أوك سمعت خلاص، عارفة يا جولييت لو طلعتي إنتي اللي بتضربي الجرس عشان ترخمي عليا زي عادتك أنا..
فتحت باب الشقة لتجد شقيقتها تقف بإرهاق وهي تُسند شاب وسيم بصعوبة عليها.
ليلى بإتساع أعين: مين دا!! وطلعتي بيه قدام العمارة كدا عادي؟
جولييت بتعب: وسعي نفسي هيتقطع، محدش موجود أصلاً الشارع فاضي.
أزاحت ليلى جسدها عن طريق شقيقتها لتدخُل جولييت وهي تُمسك بخصر جبريل المغشي عليه، أغلقت ليلى الباب خلفها وهي تقول: ممكن أفهم مين دا وجيباه هنا ليه؟
جولييت بتعب: تعالي يا بنتي ساعديني أدخله أوضتي.
ليلى بغضب: لا دا إنتي زودتيها خالص وكمان عوزاني أساعدك.
جولييت بصراخ غاضب على شقيقتها للمرة الأولى: خلصي يا باردة!
إقتربت ليلى منهم لتُمسك بخصر جبريل من الجهة الأخرى وهي تُساعد جولييت في إيصاله لغرفتها.
ليلى بإبتسامة: الله ريحته جميلة أوي أوي، هو مين دا؟
جولييت بغضب: صديق ليا وتعبان وعايش لوحدة ف لازم أعالجه.
وضعت ليلى جبريل على فراش جولييت وهي تقول بسُخرية: أه أكيد عندك حق لازم تعالجيه لإن المُستشفيات بتاعة البلد قفلت وإحنا هنشتغل مكانها.
ليلى من بين أسنانها: إنتي مجنونة صح؟ إحنا بنتين عايشين لوحدنا وسُمعتنا هتبقى في الأرض بعد اللي عملتيه تقدري تقوليلي مين هيتفهم قلبك الرقيق اللي خايف عليه؟
جولييت بغضب: طالما مبنعملش حاجة غلط يبقى طُز في الناس! هاتيلي البرفان من على التسريحة وعاوزة مياه بليمون.
تأففت ليلى وهي تسير للمطبخ لتحضير المياه، ملست جولييت بأصابع يدها على بشرته الناعمة وهي تستنشق رائحته العذبة.
مرت بإصبعها على شفتيه ليفتح عينه فجأة و..
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل السابع 7 - بقلم روزان مصطفى
كان مُمدداً بجسده على فراشها، وهي تنظُر له بعد ما فتح عينيه عندما شعر أنها تُمرر إصبعها على وجهه.
جولييت بهدوء: إنت بخير؟
نظر جبريل حوله ليجد نفسه في غرفة بسيطة ولكنها نظيفة ومُنظمة. بينما كان يتفحص الغرفة بعينيه دخلت ليلى وهي تحمل كوب الماء وتقول: أدي اللي بيجيلنا من تحت راسك يا...
نظرت ليلى لتجد جبريل ينظر لها بتعب. ابتسم جبريل لليلى فوقفت مكانها وهي تنظر له بإعجاب واضح.
جبريل بنبرة متعبة لجولييت: دي.. أختك؟
نظرت جولييت لشقيقتها وقالت: آه دي ليلى أصغر مني.
وضعت ليلى كوب الماء على المنضدة وهي تقول: حمدالله على سلامتك. إنت كنت فاقد الوعي وأنا وجولي سندناك ودخلناك هنا.
جلس جبريل في الفراش وهو يقول بأسف: بعتذر عن اللي حصل، لكن أنا لازم أرجع للجزيرة.
ليلى بإستغراب: جزيرة إيه؟
تنهدت جولييت وقالت بتعب: ليلى من فضلك اطلعي ثواني.
ليلى بإعتراض: مينفعش أطلع وأسيبكم لوحدكم في الأوضة دا...
قاطعتها جولييت بإمتعاض وهي تقول: ليلى!!
عقدت ليلى حاجبيها وهي تخرج من الغرفة، بل وأغلقت الباب خلفها.
نظرت جولييت إلى جبريل وهي تقول: مقدرش أسيبك تخرج من البيت وإنت تعبان، لازم أطمن إنك بقيت بخير.
جبريل بتعب: البنات في الجزيرة هياخدوا بالهم مني. أختك بتفهم في الأصول وعندها حق، ميصحش أقعد في بيت مع بنتين لوحدي.
جولييت بضيق: يعني البنات في الجزيرة أصدقائك وأنا لأ؟ أنا ههتم بيك وأخد بالي منك بنفسي.
جبريل بإعتراض: الجزيرة مكاني وأرضي، هناك مفيش عيون بتترصد الشخص وبتلومه على أي شيء. تعالي إنتي معايا للجزيرة يا جولييت.
نبرة صوته كانت تحمل بين طياتها مزيج من الحنان والرجاء. خفق قلبها مرة أخرى وهي لا تعلم ما الذي يحدث بها.
لم تعد تلك الفتاة التي تحمل أعباء الحياة على عاتقها وتنغمر داخل عمل ليلي طويل حتى تعود للمنزل ببضع قروش تعينها على المعيشة مع شقيقتها.
أما جبريل كان يتأملها وهي شاردة، مزيج من الحزن والجمال.. مثله تماماً! على عكس الفتيات الأخريات اللاتي يراهن في الشوارع والأزقة، كانت جولييت مختلفة وبها الكثير من الصفات التي يمتلكها هو.
قطع صمتهم ردها وهي تقول بنبرة المغلوبة على أمرها: مش كل الناس تقدر تنعزل في جزيرة زيك يا جبريل، بنضطر نعيش ونتعايش سوا رغم فضولهم وعيونهم، بس إحنا معانا مفتاح بسيط اسمه التجاهل طالما إحنا عارفين في نفسنا إننا مبنعملش شيء غلط.
أراح ظهره على الفراش مجدداً وهو يقول: ولكن أختك عن...
قاطعته جولييت بصرامة وهي تقول: مين ليلى؟ هي كدا بطبعها جبانة عشان مخرجتش وشافت العالم برا عامل إزاي. الناس حتى لو إنت مبتعملش شيء هينتقدوك إنك مهمش وفاشل.
تنهد جبريل وقال: طب لو إنتي شايفة نفسك إنك مؤذية.. ممكن تأذي أقرب الناس ليكي في لحظة غضب؟
تلاقت عيناها بعينيه.. عيناها تحمل نظرات الاستغراب والتساؤل وعيناه يحملان من خيبة الأمل أقصاها.. ومن الحزن مبلغه.
لم تعد قادرة على كبت فضولها أكثر من ذلك فقالت له: أنا حابة إنك تصارحني، حابة أعرف مالك ليه حزين؟ وليه عندك لوم للنفس كدا!
جبريل أدار وجهه وأغمض عينيه وهو يتذكر.. كيف اقتحم حياة تلك الفتاة وأحبها، وفي النهاية انقلب كل شيء رأساً على عقب.
كانت ذات خصلات شعر حمراء اللون، وتمتلك حول عينيها وأنفها بعضاً من النمش البني يضفي جمالاً على بشرتها البيضاء.
كان الرجال في تلك البلدة يتصارعون لجذب انتباهها..
أما هي! كانت عيناها العسليتين تتفحص ذلك الشاب المنعزل عن الجميع الذي يأتي إلى البلدة في نهاية كل أسبوع.
كان جبريل، المتيم حبًا بجمالها الأخاذ، والذي يستمع يومياً إلى خطوات قدميها الناعمتين عندما تسير فوق العشب الجاف.
ديرلا.. فتاة التاسعة عشر فاتنة الجمال.
تقرب منها شيئاً فشيئاً حتى تعرف عليها وبدأ بينهم الحديث.
لتشتعل قصة حبهما ويندمج جسدها في جسده وهو يطرحها الغرام.. دون زواج، كإثبات لملكيته لها دون حق.
ك توثيق لقصة حبهما الجامحة تلك.
حتى أصبحت ديرلا حديث المدينة، نعتها الجميع بالعاهرة على الرغم من أنها لم يمسها جان أو إنس.. عدا جبريل وحده فقط تملكها، ونظراً لنار الغيرة التي كانت تشعل قلوب الرجال أنه وحده من استطاع الوصول لقلبها أطلقوا عليها ذلك اللقب ولم يكتفوا بذلك حتى ذهبوا لوالدتها ليخبروها أنه عليها أن تأخذ ابنتها وتغادر البلدة، لإنهم جلبوا لها العار.
في المرة الأخيرة التي كانت ديرلا في فراش الغرام مع جبريل، خدشت جزء من ظهره بأظافرها وهي تقول بحب (أحبك جبريل).
قالتها وكأن كيوبيد إله الحب في الإغريقية عزفها كمقطوعة رائعة الجمال.
لذلك فهو يتذكر تلك الجملة تحديداً.. يتذكر نبرة الصوت وكأنها تحلق فوق الغيوم.
والدة ديرلا كانت مشعوذة في الخفاء، يذهب لها اليائسون من كل شيء حتى تساعدهم (ناكرين فضل الله عليهم).
اقتحمت والدتها غرفتها ذات مساء، في الطابق العلوي لتجدها داخل أحضان جبريل، والخدش في ظهره يسيل منه الدم*اء من قسوته.
نظرت لهم بغضب شديد حتى قامت ديرلا وارتدت ملابسها وهي ترتجف.
ومن شدة غضبها أن أهالي البلدة قد حكموا عليها وعلى ابنتها بالنفي، قامت بإلقاء ماء ملعون على خدش جبريل في ظهره.
لتحترق الد*ماء السائلة منه كجمرة من النار.
حتى بدأ يتلوى من شدة الألم.
ركضت ديرلا عليه وهي تبكي وتنظر لوالدتها بعتاب لكن الأخرى نظراتها على الجرح الذي أحرقته بماؤها الملعون.
ومذ ذلك اليوم أخذت ديرلا بعيداً.. وحكمت عليهم أنه في ذات اليوم التي وجدتهم به في الفراش سيحترق ذلك الخدش ليؤلمه.
وأخذت ديرلا بعيداً بعد ما عاقبتها بأن زوجتها لأحد الرجال الأغنياء في بلدة أخرى.
علم جبريل فيما بعد أن ديرلا قامت بالانتحار.
وفي ذات اليوم، الذي هو بداية كل شهر.. يح*ترق خدش ظهره حتى يذهب لمتجر سارة، لتُعطيه زجاجة الترياق.. الذي عندما يضعه على جسده يلتئم الجرح.. لكنه يعود في بداية كل شهر لينفتح مرة أخرى ويؤلمه لذلك يستبق ويذهب لمتجر سارة ليحصُلى على القنينة.
أنا ملعون.. تسببت في انطفاء روح تلك الجميلة، وحُكم علي للأبد أن أعيش مع تلك اللعنة.
خطين من الدموع انسدلا على وجه جولييت وهي تستمع لقصته المأساوية، كان يحدثها وهو موليها ظهره.
بيد مر تجفة قامت برفع قميصه لترى الخدش.. لا يلتئم بل بدأ في الانفتاح.
قال جبريل كسهم أخير استقر في قلب جولييت الحزين على حاله: ممنوع من الحب، أنا لو حبيت بنت هتشاركني الألم نفسه دا جزء من اللعنة.. وكُل ما أتكلم عن ديرلا أو أفتكرها بيختل توازني.. عشان كدا فقدت وعيي.
آآآه.
خرجت من فم جبريل بألم، يتلوى.
لترتجف جولييت وهي تقوم من الفراش وتقول: هجيبلك القنينة، استناني.
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل الثامن 8 - بقلم روزان مصطفى
ركضت جولييت في الأزقة الضيقة وبين الجدران الكبيرة في الشارع في محاولة منها للوصول إلى الطريق الرئيسي لإيقاف سيارة أجرة تقلّها إلى المتجر حتى تحصل على القنينة لتداوي جرح جبريل المتألم.
دموع عينيها كانت تصفع وجهها في ذلك البرد القارص، لتمسحهما بقوة وتثابر في الركض متناسية خيبة الأمل التي هبطت على قلبها إثر قصته الحزينة تلك.
وقفت على حافة الطريق وهي تنظر للسيارات المسرعة يميناً ويساراً، علّها تلمح بعينيها سيارة أجرة. بدا الوقت ثقيلاً وهي تنتظر حتى وأخيراً وجدت سيارة. فأشارت إليها بكلتا يديها.
توقف السائق بالقرب منها لتجلس في المقعد الخلفي وهي تلتقط أنفاسها من البرودة والركض، ثم قالت: "عاوزة أروح ****".
تحرك السائق بسيارته لتستند هي بإرهاق على النافذة الزجاجية الباردة للسيارة والضباب البارد يخرج من فمها ليُغيم الزجاج.
وصل السائق أمام المتجر، فأخرجت جولييت من حقيبتها النقود وأعطته حسابه. نزلت من السيارة وهي تركض للمتجر المفتوح، والغريب أن العجوز لم يكن يجلس داخله!
تجاهلت كل ذلك وركضت لداخل المخزن وهي تبحث عن القنينة بين الرفوف، لتسمع صوت خلفها يقول: "بتدوري على دي؟".
التفتت جولييت بفزع وهي تنظر لسارة تقف وبيدها قنينة العلاج الخاصة بجبريل، فتنهدت جولييت وهي تقول: "الحمدلله حسبتها مش هنا، هاتي".
أبعدت سارة يدها للخلف وهي تنظر لجولييت بتحدٍ وتقول: "عاوزة تاخديها مني ولا إيه؟".
أغمضت جولييت عينيها بنفاذ صبر وهي تقول بصوت مرهق من البرد والركض: "سارة من فضلك مش وقت هزار، جبريل عندي في البيت وبيتألم".
دارت سارة حول جولييت وهي تتفحصها بغيظ ثم قالت بابتسامة باردة: "وكمان عندك في البيت؟ طب ما تتصرفي يا حلوة.. ولا إنتي متعودة تاخدي كل حاجة على الجاهز؟".
عقدت جولييت حاجبيها باستغراب ثم قالت لسارة: "مش فاهمة قصدك إيه؟".
وضعت سارة القنينة في جيب بنطالها ثم قالت: "بصراحة بقى أنا مش حابة ألعب دور الوسيط بينكم تاني.. طالما إنتي حبيبته وبيجيلك البيت يعني تطور ملحوظ.. هاتيله القنينة بنفسك بعيد عني".
من بين أسنانها قالت جولييت بغضب: "بقولك بيتألم وإنتي بتقولي حبيبته ومش حبيبته!! إنتي معندكيش قلب ولا رحمة.. أنا عمري ما أصدق إنك حبيتيه في يوم.. إنتي بتفضلي إنه يتألم رغم إن في إيدك دوا!".
احمرت حدقتا عين سارة لتقول بألم: "وأنا بتألم، أعالجه ليه عشان يبقى كويس ويروح لحضنك إنتي؟ عشان حبك إنتي ومحبنيش أنا!! ليه! عملتي إيه زيادة عني أنا مقدرتش أعمله؟".
جولييت كأن أحدهم سكب عليها كوب من الماء البارد، قالت بصدمة: "إنتي متجوزة مينفعش تتكلمي ك..".
قاطعتها سارة بصراخ غاضب: "ما تردي عملتي إيه زيادة عني!!".
صرخت جولييت بغضب وخوف على جبريل المتألم: "معملتش!! هاتي القنينة بيموت! هو مينفعش لا يحبني ولا يحبك لإنه ملعون.. محبكيش عشان خاف عليكي تطولك اللعنة.. هو أكيد حكالك عن جرحه وعن كل دا، بس محكاش عن إنه ليه مينفعش يحبك".
ارتجفت عينا سارة وهي تبكي ثم قالت بألم: "بس أنا حاسة إن جبريل حبك إنتي".
جولييت بخوف مبالغ فيه على جبريل: "والله ما حصل، هو تعب وعاوزة أساعده بالقنينة، مش إنتي بتحبيه؟ يرضيكي يموت!".
أخرجت سارة القنينة من جيب بنطالها ووضعتها في كف يدها وهي تمد يدها باتجاه جولييت. أغمضت سارة عينيها وبدأت في بكاء عميق.
اقتربت جولييت بسرعة وسحبت القنينة الزجاجية من يد سارة وهي تركض بها وتقول: "شكرًا".
خرجت من المتجر وهي تمسك القنينة بحرص شديد وتتفادى السيارات المسرعة التي تكاد أن تصدمها.
أوقفت سيارة أجرة مرة أخرى وأخبرت السائق عنوان منزلها وطلبت منه أن يقود بأقصى سرعة.
* * *
في غرفة جولييت.
كان جبريل ينام على بطنه وظهره مكشوف، وليلى تنظر للجرح بشفقة وتقول: "يا حرام، بيوجعك؟".
تعرق وجه جبريل وبدأ الدم ينسحب من جسده تدريجياً وهو يقول: "خ.. خليكي بعيد عني".
ليلى بحزن وشفقة عليه: "كان بيحصلي كدا في الصيف حساسية بس بتاعتك باين عليها شديدة شوية.. كنت بجيب تلجة وأغرقها عسل نحل وأمشيها على الحساسية دي.. يوم يومين وفي الثالث بتخف وتبقى كويس".
ضحك جبريل وهو يتألم ثم قال: "إنتي وأختك، كويسين معايا أوي".
ليلى وهي تكتف ذراعيها: "وإنت أمور أوي وشكلك طيب مش ذئب بشري زي ما كنت فاكراك".
ضحك جبريل مرة أخرى ولكنه تألم بشدة.
صوت مفتاح في باب الشقة ثم دخلت جولييت لتصفع الباب خلفها وتركض باتجاه الغرفة.
وجدت ليلى جالسة بالقرب من جبريل، ف قال لها بحزم: "إعمليلنا حاجة ناكلها بسررعة يا ليلى من فضلك".
ليلى بضيق: "بس أنا عاوزة أتفرج وإنتي بتعالجيه عش..".
قاطعتها جولييت بنظرة حادة ثم قالت: "اسمعي الكلام!".
خرجت ليلى على مضض وأغلقت الباب خلفها.
لتخلع جولييت معطفها وتقول لجبريل بهدوء: "جبتلك القنينة، سارة مكانتش راضية تديهاني لكني أقنعتها".
جبريل بألم شديد: "م معذورة".
جلست جولييت بالقرب منه وقالت: "أحطها على جرح ظهرك وأعمل إيه؟".
جبريل بإرهاق وكأنه كاد أن يفقد الوعي: "حركي ايدي بطريقة دائرية بأصابعك على الجرح".
فتحت جولييت القنينة وبدأت في سكب الدواء على جرحه ومن ثم بدأت بأصابعها تدلكه بحركة دائرية، ف بدأ الالتهاب يهدأ والجرح يلتئم.
تنهد جبريل براحة وهو يسترخي مع حركة يدها حتى هدأ جرحه تماماً.
مالت جولييت بشفتيها على ظهره لتقبله برقة.
اعتدل جبريل وهو ينظر لها ثم قال برفض: "إوعي.. إوعي تفكري تقربيلي ولو بمشاعر صغيرة".
جولييت وهي تقترب منه وتمسح حبات العرق المتناثرة على وجهه: "إوعى تحطني في خانة البنت الضعيفة.. اللي هتسمع كلام رفضك ليها وخوفك عليها".
مالت برأسها على صدره وهي تستند عليه وتستمع لدقات قلبه المضطربة وقالت وهي تُغمض عينيها: "حاولت أخبي الشيء اللي بيتحرك ناحيتك جوايا، لكنه خرج بقوة مني وأنا بجري بخوف عليك في وسط الشارع عشان أجبلك الدوا".
اعتدلت وهي على مسافة قريبة جداً منه وقالت: "أنا مش ضعيفة زي ما إنت فاكر عشان أخلي لعنة تكون حاجز ما بيني وما بين شيء عوزاه".
جبريل تنهد برائحة فمه المعطرة تلك لا تعلم كيف وقال: "وأنا مش أناني عشان أتسبب في أذية بنت تانية.. تكون ضحية الوقوع في غرامي".
اقتربت منه أكثر وهي تقول بعشق: "أنا موافقة جداً أكون ضحية الوق
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل التاسع 9 - بقلم روزان مصطفى
أنت قريب لي، كقرب الوتين من القلب، كلاهما مترابطان.
حرارة مشاعرك تُلهب عشقي داخلي، أبجديتك في الغرام تُعلمني كيف أحب.
على هواك أنت يسير قلبي وينجذب تجاهك.
على وتيرتك الغاضبة أرتجف، على صوتك الهامس يذوب المتبقي من عقلانيتي.
ملاك أنت؟ لا أستطيع وصفك بالشيطان.
ملاك ذو أخلاق سيئة.
اقتربت منه مرة أخرى، تود المزيد، تود أن تتعمق داخل ذلك الخائف دائمًا من أن تُسقطه مشاعره في فخ العشق، المنتبه كثيرًا حتى لا تقع في عشقه الفتيات.
تود تغيير قانونه الصامت، الذي يجعله يتحدث معها بصيغة الصديقة المقربة. جريئة؟
ماذا تفعلين! ليس على القلب أحكام.
حاول جبريل إبعادها وهو يقول:
"مينفعش، مش هقدر أعرضك للأذى. أنا ملعون، وحكيتلك أي بنت هتقرب مني هتصيبها اللعنة."
وضعت جولييت رأسها فوق صدره وهي تقول:
"بس أنا مش معترضة! إحنا مرينا بحاجات كتير سوا وأنا مش جبانة وحابة أكمل معاك."
أجابها بنبرة حزينة بائسة، وكأنه يتوقع نهاية الحب الجارف ذلك:
"بس أنا جبان، عندي عقدة الخوف من فقدان اللي بحبهم."
اتسعت ابتسامتها، تنهدت براحة وكأن عقلها وقلبها كانا في صراع متبادل ما بين شعورها أنه يكن لها مشاعر وبين أنه لا يهتم بها من الأساس، لتقول بابتسامة عريضة:
"الناس اللي أنت بتحبهم؟"
اعتدل جبريل في جلسته على الفراش، وهو يرتدي قميصه مرة أخرى وينظر لها ويقول:
"طبعًا، وأنتِ منهم يا جولييت. وبحبك لأنك صديقتي، متستحقيش اللي ممكن يصيبك لو حصل تقارب بينا."
اقتربت منه جولييت، وهي تستنشق أنفاسه الدافئة، ثم قالت وإحدى خصل شعرها الداكن تتمرد عن البقية لتسقط على عينيها:
"أنا... ما كانش عندي وقت للحب ولا للصداقة. الحياة خدتني في دوامة المسؤوليات واتحطيت في مواقف أكبر من عمري. قبل ما أشتغل شغل ثابت، كنت بعتبر الباص العام للمدينة هو وسيلة مواصلاتي الوحيدة، نظرًا لأنه رخيصة وبتوفر معانا. ومكنتش بقدر أنام وأنا كل الأعباء دي عليا يا جبريل. كنت بفضل سهرانة بفكر هروح أقدم على شغل فين وهيحصل إيه لو الفلوس المؤقتة اللي معانا خلصت قبل ما ألاقي شغل جديد."
ابتسم جبريل بهدوء ثم قال:
"شغلك الجديد اللي أنتِ مقصرة فيه بسببي وبسبب اهتمامك الزايد بيا؟"
قام من فراشها وهو يُهندم مظهره وخصلات شعره المجعدة الكستنائية ثم قال:
"أنا هرجع الجزيرة يا جولييت، وأنتِ هترجعي لشغلك وتركزي فيه وهشوفك نهاية كل شهر. لازم كل شيء يرجع طبيعي زي ما كان."
عقد حاجبيه بتأثر وهو يقول:
"ليه عيونك مدمعة؟"
جلس على ركبتيه أمام جسدها الجالس على الفراش وقال وهو يرفع رأسها تجاهه ليجعلها تنظر له:
"ششششش، أنا مش بحب أشوفك حزينة أو أحس بكده. واللي بيتسبب لك بالحزن أنا بأذيه."
نظرت له بصدمة، فحرك رأسه بمعنى "نعم أنا أفعل ذلك". ثم أضاف:
"ما بالك لو أنا المتسبب في الحزن ده؟"
التقط كف يدها بين يديه وهو ينظر لها ويقول:
"النساء شيء مقدس وجميل ميليقش بيه الحزن ولا التعب. ملكات، أميرات وأساطير في الجمال. كل أنثى ليها جمال منفرد وخاص بيها، وأنتِ أثبتيلي دا لأنك جميلة رغم شعرك الداكن."
كان يمسك خصلات شعرها بين أصابعه ثم أكمل وقال:
"وعينيكِ عميقة."
مرر ظهر يده على وجنتها ليقول:
"وبشرتك ناعمة وصافية."
مسح تلك الدموع المعلقة. شعرت هي بمساحة وهبها هو لها للاقتراب منه ف تجرأت واقتربت، تحيط وجهه الحزين بكلتا يديها، تتجرع منه تلك المشاعر المكبوتة بداخله وداخلها لسنوات.
ثم تميل للخلف على الفراش، كورقة شجر تعاند الغصن وتنجرف مع الرياح الباردة ليميل هو فوقها. لم يعد قادرًا على المقاومة أكثر، حتى وإن كان ملعونًا، والحزن ينهش قلبه البائس، فغرائزه لازالت المتحكمة المسيطرة، لأنه في النهاية رجل.
كفطرة البشر عندما خلقوا وكما ولدتنا أمهاتنا، تجردوا من تلك الأقمشة التي تفصل بين جسديهم، ليغرقوا معًا مستسلمين لتلك المشاعر.
ضربوا بالعادات والتقاليد عرض الحائط، وبالممكن والمستحيل، والذي يجوز والذي لا يجوز، وأصبحا معًا كروح واحدة.
أما ليلى الكسولة تلك، فأنتهت ليلتها مبكرًا وغرقت في نوم عميق دون أن تخبرهم بذلك، مثلها كمثل العديد من الفتيات في الشتاء والليالي الباردة، النوم سيد الموقف والرفيق الأمثل.
***
صباح اليوم الثاني.
فتحت جولييت عينيها وهي تنظر لخيوط ضوء الشمس المتسربة من خلف ستار النافذة. نظرت بجانبها سريعًا فلم تجد جبريل! لتعંتدل بفضول وهي تضغط بأسنانها الأمامية على شفتها السفلى، أنزلت قدميها العاريتين وهي تحتمي بالغطاء لتداري عورتها، ثم التقطت ملابسها المبعثرة أرضًا وهي تفتح باب غرفتها بهدوء وتركض للحمام دون أن تراها ليلى شقيقتها الصغرى.
ألقت ملابسها في سلة الغسيل ووقفت بجسدها الممشوق أسفل المياه الدافئة وهي تشعر مع كل قطرة ماء ترتطم بجسدها بلمسة جبريل وشفتيه وأصابعه على جسدها. مالت برأسها جانبًا وهي تبتسم ورائحة جبريل العطرة الملتصقة بها بدأت تظهر مع المياه الدافئة. تلوث الماء باللون الأحمر تحت قدميها، فلم تكترث. لقد سلمت ذاتها بمحض إرادتها للشخص الذي أحبته وخفق قلبها له، لا تريد أن تتكرر مأساة سارة مرة أخرى بها وتصبح قصتها حزينة كصديقتها التي فقدت عقلها.
انتهت جولييت من الاستحمام لتضع المنشفة حول جسدها وتخرج من حوض الاستحمام. ركضت باتجاه غرفتها وأغلقت الباب وهي تزيل تلك الملاءة المتسخة وتلقيها أرضًا وبدأت في ارتداء ملابسها استعدادًا للعمل. جففت شعرها وحملت الملاءة ووضعتها في الغسالة وتركتها لتغسل.
دخلت المطبخ لتجد ليلى تقف وتصنع شطيرة الجبن.
قبلتها جولييت وقالت:
"الجميل أخيرًا صحي بدري؟"
ليلى بإرهاق:
"قمت من النوم جعانة قولت أعمل ساندوتش جبنة لحد ما أشوف هنتغدى إيه. أنتِ شكلك رايقة يعني، هو صاحبك مشي امبارح الساعة كام؟"
نظرت لها جولييت بعقدة حاجبيها وقالت:
"أعتقد مشي الصبح؟"
ليلى بضيق:
"أنا صحيت على صوت قفل الباب لكن مشوفتهوش خالص، زي ما يكون اختفى."
نظرت جولييت أمامها وبدأ الخوف يدق أبواب قلبها. هل من الممكن ألا تراه مرة أخرى!
***
في الجزيرة.
كان جبريل يجلس على القمة ذاتها ينظر للمياه الصافية ويدندن بموسيقى حزينة. جلست بجانبه صديقته وهي تقول:
"إحنا كلنا حسينا بالقلق عليك يا جبريل، أنت بخير؟"
نظر لها جبريل وكأن عينيه أظلمت أكثر وأكثر من الحزن. ثم تلألأت دمعة ماسية في عينيه الحزينة ليقول وهو ينظر لصديقته:
"أنا مستحقش أكون بخير."
وضعت صديقتها يدها على كتفه لتقول بقلق:
"متقولش كدا! كلنا بنحبك وكلنا من غيرك نتوه. فكرة إنك تكون حزين أو مش بخير دي بتخلينا دايماً في حالة خوف."
جبريل بتأنيب ضمير:
"كل شيء كان غصب عني، بحس إن غرايزي بتتحكم فيا زي الحيوان، من غير ما أعمل حساب لإن ممكن حد يتأذى معايا."
عقدت صديقته حاجبيها بعدم فهم لتقول:
"إيه اللي حصل؟ سارة أحزنتك بكلامها مرة تانية؟"
نظر أمامه وكأنه لا يود الحديث، ولكن بداخله كان يود أن يراها مرة أخرى. كيف سيمنع عينيه من رؤيتها! كانت بين يديه لينة كقطعة عجين، ودوامة الحب العنيفة التي حدثت بينهم في الليلة السابقة جعلته يفرغ جل مشاعره معها. ولكن ماذا عنها! تلك المسكينة التي ستتألم فيما بعد والسبب هو.
أنزل رأسه بضيق ليقول بنبرة حزينة:
"أول كل شهر، روحي أنتِ وهاتيلي القنينة من جولييت."
وقد حسم الأمر أنه سيبتعد عنها قدر الإمكان، لعله ينقذها من لعنته تلك.
***
داخل المتجر.
دخلت جولييت مسرعة وهي تلتقط أنفاسها بتعب وتقول باعتذار لذلك المسن الجالس في مقعدها:
"مش هاخد أي إجازات تاني وهلتزم."
عقد حاجبيه بغضب ليقول:
"أنا كنت بدور على بنت تشتغل بأجر لأن صحتي متسمحليش أنزل كل يوم وقفلة المحل بتحزنني، وبدأت بالفعل أدور على بنت غيرك لأنك مش ملتزمة وخيبتي أملي فيكِ."
ماذا! فتاة أخرى؟ ويراها جبريل فتقع في عشقه هي الأخرى؟ لا لا.
أجابت بسرعة:
"وواحدة تانية ليه؟ شوف لو حصل مني أي تأخير تاني أو إجازة هجبلك بنفسي بنت مكاني، دا وعد إني هلتزم لإني فعلاً محتاجة الشغل والمرتب."
خرج السيد العجوز من خلف المكتب الخشبي المستدير وهو يرتدي معطفه الشتوي ويقول:
"أما نشوف، همشي حاليًا. متنسيش تنظفي الأنتيكات والشموع.. ومخزن القنينات إياك تسيبه مفتوح مرة ثانية."
ابتسمت جولييت وهي تحرك رأسها بطاعة، فأضاف قائلاً:
"طبعًا مش محتاج أفكرك إنك مخصوم لك يومين من المرتب."
بهت وجهها قليلاً فقالت:
"اللي حضرتك تشوفه."
خرج من المتجر لتزفر براحة وهي تقول:
"يومين شهرين، كله فداء لجبريل."
وضعت إصبعها على شفتيها وهي تتحسسهما وتتذكر جبريل، كم كان رقيقًا معها، يعاملها بالفعل كأنثى ويقدر مشاعرها مع كل حركة ولمسة. نظرت بعينيها الداكنتين للتمثال الصغير الأبيض على هيئة ملاك، وكان حزينًا أيضًا يستند بوجهه على كلتا يديه الصغيرتين.
لتبتسم وهي تقول بعشق:
"جبريل♡ ملاكي جبريل."
رواية ملاك باخلاق سيئة الفصل العاشر 10 - بقلم روزان مصطفى
ظلت تتأمل تمثال الملاك الصغير حتى عادت لعملها الذي أهملته مرة أخرى.
طوال اليوم الزبائن يخرجون ويخلون للمتجر وهي بنشاطها المعتاد تبيع البضائع.
حتى حل منتصف الليل وهي من آن لآخر تنظر للباب على أمل أن يكون أحد الزائرين زائرها المفضل ذو الرائحة العذبة جبريل، لكن خابت آمالها عندما انتهى موعد عملها الرسمي ولم يأتي.
أغلقت أبواب المتجر خلفها وهي تفرك يديها من برودة الجو، بعدها أوقفت سيارة أجرة لتُقلها إلى المنزل.
***
في منزل جولييت
كانت شقيقتها الصغرى ليلى تقف في المطبخ تحاول إعداد وجبة طعام سريعة لها ولشقيقتها.
رن جرس الباب فقالت ليلى بصوت مرتفع من المطبخ: طلعي مفتاحك يا كسولة وادخلي.
كانت تقصد شقيقتها جولييت، لكن يبدو أن الطارق تجاهل صوتها المرتفع تمامًا وعاد مرة أخرى لرن الجرس.
وضعت ليلى السكين بغضب وهي تتجه نحو باب الشقة وتقول بغضب: إيه الاستفزاز بتاعك ده!
فتحت الباب وهي تنوي أن تصب المتبقي من غضبها في وجه شقيقتها، لكن سرعان ما هدأت عندما رأت حقيبة طعام ورقية مغلفة تقبع أمام الباب.
نظرت لها ليلى بصدمة ثم أخرجت رأسها وهي تتفقد المكان يمينًا ويسارًا فلم تجد أحد.
ببرود انحنت والتقطت حقيبة الطعام ثم أغلقت الباب بقدمها وهي تضع الحقيبة أمامها وتتفحص الموجود بداخلها.
***
مرت خمس دقائق قبل أن تفتح جولييت باب المنزل بمفتاحها وتغلقه خلفها.
رفعت رأسها فوجدت شقيقتها الصغرى ليلى تجلس على الطاولة وأمامها دجاج تأكله بنهم واستمتاع.
جولييت وهي تعقد حاجبيها: مساء الخير.
ليلى وفمها ممتلئ بالطعام: غيري هدومك يلا عشان ناكل.
وقفت جولييت أمام الطاولة وهي تتفحص الطعام بعينيها ثم قالت باستغراب: ده مين اللي جاب الأكل ده؟
ليلى باستمتاع: مش عارفة بس هو أكيد واحد ابن حلال.
وضعت جولييت حقيبتها على الطاولة وهي تقول: لا مش فاهمة معلش فهميني.
ليلى وهي تبتلع الطعام حتى تستطيع أن تتحدث: أنا هفهمك، كنت بطبخ في المطبخ لقيت جرس الباب بيرن، فتحت لقيت كيس الأكل ده فخدته وبس!
جولييت وهي تحاول معرفة ما إذا كان جبريل هو من أحضر الطعام قالت بتساؤل: وماكنش في أي حد قدام الباب؟
ليلى بنفي: لا خالص بصيت يمين وشمال ماكنش في حد.
قالت جولييت بعتاب غاضب: وإزاي تاخدي الكيس وتفتحيه وتاكلي منه وإحنا مش جايبينه؟ افرضي جاي لحد ووصلنا بالغلط، افرضي مسموم ولا متنيل بستين نيلة.. ده انتي صعبة ومعندكيش عقل تفكري!
ظل الطعام في فم ليلى والعظام بيدها وهي تنظر له بخوف وتقول بصوت خافت: تفتكري مسموم!
جولييت بضيق: اطلعي من دماغي يا ليلى، افرضي الأكل مش بتاعنا بجد!
ليلى بدأ الغضب يتسلل لحديثها فقالت: هتحاسبي عليه عادي! كنت جعانة ومش قادرة أطبخ إيه المشكلة؟
جولييت بغضب وهي تخلع حذاءها: مش قادرة تطبخي ولا قادرة تنزلي وكله فوق دماغي، خشي نامي أفضل.
دخلت جولييت غرفتها وصفعت الباب بغضب.
ليلى بذهول: مالها دي! أول مرة تتعصب عليا.
***
على التل المرتفع داخل الجزيرة
جلس جبريل كعادته حزينًا وشاردًا.
باغتته صديقته بالجلوس بجواره وهي تقول: هون عليك يا صديقي.
جبريل وهو يمسك بيده حجرة صغيرة يلقيها بعيدًا: تفتكري إني ندل؟
قالها بنبرة توضح معاناته مع تأنيب ضميره وذاته، فقالت صديقته بلطف: إنت مش ندل يا جبريل، إنت ملاك.. بتخاف على غيرك ومش حابب حد يتأذي بسببك، بس أنا بلوم عليك في نقطة معينة.. مكانش لازم تقربلها يا جبريل وكان لازم تتحكم في غرايزك الرجولية أكتر من كده.
تنهد جبريل بضيق وهو يقول: اللي تحكم فيا الليلة دي مكانش غرايزي وبس، أنا في مشاعر جوايا لجولييت.. مشاعر اتخلقت جوايا غصب عني.
نظرت له صديقته بهدوء ثم قالت: كنت حاسة إنك حبيتها.
تطايرت خصلات شعر جبريل حول وجهه ليقول: إشمعنا.
تنهدت صديقته فأجابته وقالت: لإن سارة مكانش جواك الحزن ده لما قررت تبعد عنها، اهتمامك بجولييت وإقامتك علاقة جسدية معاها أثبت ده.
***
مر اليوم الثاني، ثم الآخر.. حتى وصل اليوم الخامس، وجبريل لم يظهر مرة أخرى أمام جولييت.
كانت كل يوم تنظر لباب المتجر بحزن وهي تنتظره.. حتى يأست وقررت أن لا تنتظر بعد.
استيقظت جولييت بجسد منهك ووجه يرثى له من التعب.
قامت من فراشها وهي تستند على الحائط بيدها، طوال الليل ظلت تتقلب في فراشها من ألم ظهرها، لا تعلم ما بها ولكن يبدو أن برد شديد احتل عظامها.
فتحت باب غرفتها ثم دخلت إلى دورة المياه لتغسل وجهها.
ما إن انتهت حتى وجدت شقيقتها ليلى تقف أمامها وهي تقول: إنتي كويسة يا جولييت؟
جففت جولييت وجهها وهي تقول بتعب: أيوة بخير، ليه؟
حركت ليلى كتفيها باستغراب لتقول: شكلك مجهد جداً، بلاش تروحي الشغل إنهاردة لو كدا.
رفعت جولييت رأسها ونظرت لشقيقتها وهي تقول: ومين هيصرف على البيت؟ ويدفع المياه والكهربا والإيجار! ده صاحب المتجر أول ما غبت راح يدور على واحدة غيري تشتغل مكاني، الراحة والرفاهية متخلقتوش ليا يا ليلى.
شعرت ليلى بتأنيب ضمير تجاه شقيقتها فقالت جولييت بتعب: وسعي بقى خليني أغير هدومي.
ليلى بحزن: طب أعملك فطار؟
جولييت وهي تربت على جسد شقيقتها: ماليش نفس، متقلقيش عليا هاكل أي حاجة في المحل.
ذهبت جولييت لتبدل ملابسها، ما إن انتهت حتى خرجت من المنزل وهي تجوب الشوارع بحثًا عن سيارة أجرة لتُقلها لعملها.
وبينما هي تسير صادفها متجر لبيع المخبوزات الطازجة، ورائحة المخبوزات منتشرة بين المارة.
شعرت جولييت بالجوع فتوقفت أمام الفاترينا تنظر بشهية للمخبوزات ثم قالت: عاوزة واحدة بالشوكولاتة وواحدة بالجبنة والزعتر.
أحضر لها البائع طلبها ووضعه لها في حقيبة ورقية.
التقطت منه الحقيبة ثم ذهبت لعملها.
واجهت جولييت صعوبة في فتح باب المتجر حتى أنها ما إن استطاعت فتحه أستندت على الحائط وهي تلتقط أنفاسها وتضع يدها أسفل ظهرها بألم.
دخلت إلى المتجر ورتبت كل شيء ثم جلست خلف مكتبها المستدير الخشبي وهي تخرج محتويات حقيبة الطعام.
بدأت في الأكل بنهم وشهية وسقط الفتات على ملابسها بفوضوية.
اهتز الجرس الصغير المعلق على الباب لتدخل إحدى الزبائن وهي ترى جولييت تأكل فقالت: مشغولة أجلك وقت تاني؟
جولييت وهي تمسح فمها وتُنظف ملابسها من الفتات المعلق بها: لا يا فندم اتفضلي، بتدوري على شيء معين ولا حابة تاخدي فكرة؟
السيدة: كان في تمثال لقناع حزين ك..
قاطع حديث السيدة أن جولييت انحنت على سلة القمامة واستفرغت بإرهاق.
السيدة بقرف: أووووه، إنتي بخير؟
سقطت جولييت بجانب سلة القمامة بتعب وهي تلتقط أنفاسها وتقول: تقريباً المخبوزات سيئة.
وبدون سابق إنذار ظهر جبريل فجأة من اللاشيء في منتصف المتجر.
اتسعت عينا جولييت وشعرت بأن لسانها شُل من الصدمة.
بينما السيدة خرجت تصرخ من المتجر وتدعي وجود شبح.
تجاهلها جبريل ليجلس على ركبتيه أمام جولييت المتعبة المذهولة ليقول بنبرة حنونة وهو يمسك وجهها بين يديه: إنتي بخير؟ مالك!!