تحميل رواية «محسنين الغرام» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت نغم تستقل الترام كما جرت العادة كل يوم خلال عودتها من عملها، تقف شاردةً، لديها من الهموم ما يكفيها لكي تنفصل عن الواقع المحيط بها وتنخرط في عالم آخر لا يشاركها به أحد، هي وخيالها فقط! تفكر فيما سيؤول إليه حالها بعد أن تركت عملها الذي كان هو مصدر رزقها الوحيد والذي تعول من خلاله خالتها المريضة، بالإضافة إلى همها الأكبر والذي يجعلها تقضي الليل كله في شرود وحيرة، وهو عودة حسن، كابوس حياتها، والذي بالتأكيد سيفصل عنقها عن جسدها عندما يخرج ويعرف أنها من تسببت في سجنه! تنهدت وهي تعيد شعرها للوراء...
رواية محسنين الغرام الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نعمة حسن
بالماضي؛ ربما منذ عام، سألني شخص عن خوف المجهول، والسنوات الماضية والآتية والأحلام. لا أتذكر الإجابة بصيغتها الدقيقة، لكنني أتذكر دائمًا قناعتي الخاطئة والتي كنت أبالغ في بثها.
واليوم، حين أدركت منطق الحياة وميزان الزمن وتفاصيل الأيام، استطعت أن أبني قناعات جديدة، وأولها: أن الحياة مزيج من التقلب، وأن حساباتنا للغد وما بعده، والماضي وما يعنيه، كل حساباتنا لن تكون دقيقة دائمًا، وأن حرصنا الدائم على ألا نتعثر لن ينجينا من السقوط.
ترك سالم القلم من يده بعد أن دون تلك الخاطرة في دفتر كان يدون فيه بعض الخواطر والملاحظات قديمًا.
هو ليس شغوفًا بالكتابة أو التدوين، ولكنها رغبة مُلحة تطرأ عليه كل عشر أعوام مرة.
أغلق الدفتر، ثم فتح خزنته ووضعه بها، تزامنًا مع صوت طرقات على الباب أفاد بوصول نادر.
دخل نادر، رحب به سالم وأشار ليجلس، ثم تساءل باهتمام:
ـ ها؟ يا رب يكون عندك أخبار عِدلة.
تلك التنهيدة التي غادرت صدر نادر كانت كفيلة بالإجابة، وبعدها تحدث وقال:
ـ أولًا يا باشا بالنسبة لموضوع الشركات…
قاطعه سالم:
ـ خلينا في الأهم. حسن أخباره إيه؟
ـ للأسف الظابط اللي اسمه زين ده حاطط حسن في دماغه وشكله كده متوصي عليه، وأنا بحاول أتواصل معاه بس زي ما انت فاهم الوضع… طول ما حسن في الأوراق حسن جادالله أنا مش قادر أفيده بشيء، عشان كده لازم حضرتك تتصرف يا باشا وبسرعة.
أومأ سالم بضيق ثم قال:
ـ أنا بردو شايف إن كفايه عليها كده، أنا بقالي أسبوع ساكت عشان الظروف اللي حصلت… بس مش هينفع أسكت أكتر من كده.
أومأ نادر مؤيدًا وقال:
ـ صح يا باشا، عالعموم الموضوع بسيط وبمجرد ما تسحب الشكوى حسن هيخرج.
ـ طيب.. والموضوع التاني عملت فيه إيه؟!
أخرج نادر ملفًا من حقيبته، وقام بوضعه أمام سالم الذي ارتدى نظارته الطبية وبدأ بتفحص الملف بدقة.
كانت المعلومات التي يقرأها عادية وليست من الإفادة بشيء.
“عاصم عبد الرحمن الدالي، ٣٧ سنة، خريج كلية تجارة، بقاله ٨ سنين عايش في كندا وواصل مصر من ست شهور بس….”
ظل يقرأ تلك المعلومات التي أحصاها نادر إلى أن توقف أمام معلومة فاجأته، فنظر إلى نادر وقال:
ـ إنت متأكد من المعلومات دي يا نادر؟ تأكدت بنفسك؟
ـ المعلومات دي كلها أكيدة ١٠٠٪ يا باشا، أنا اتأكدت من كذا مصدر.
ظهر عليه بعض الاهتمام قليلاً، وصمت يفتش في رأسه عن قرار، فتساءل نادر:
ـ حضرتك ناوي على إيه يا سالم باشا؟
ـ المعلومة دي بالذات مش لازم توصل لنسيم قبل كتب الكتاب، ممكن لو عرفت متوافقش.
ـ زي ما حضرتك تشوف… بس اسمحلي أقول حاجة، منصور مستعد يفديك بحياته، يعني حضرتك مش مضطر ترضخ لضغوط عاصم ده وتجوزه نسيم.
ـ وافرض رفضت أجوزه نسيم ومنصور شال الليلة واتسجن، أضمن منين إن عاصم ده ميدبرش حاجة تانية يبتزني بيها تاني؟ عاصم ده شيطان… بقاله سنين بيخطط بدهاء ومكر وبيضرب من تحت لتحت… اللي يدبر فضيحة زي بتاعة عمر في الفندق، ولا موقف الحفلة بتاعة فريد… واللي يقدر يزرع جاسوس ليه وسطنا السنين دي كلها من غير ما يغلط غلطة واحدة يبقا ملوش أمان. وأسلم حل إنك تتجنب عداوته مهما كان التمن. أنا مش ناقص شوشرة بعد اللي حصل يوم الحفلة، ولا متحمل خساير تاني يا نادر… جواز نسيم من البني ادم ده هيمنع مشاكل كتير.
أومأ نادر متفهمًا، وإن كان بداخله يزيد سخطه نحو سالم الذي يفاجئه في كل مرة بأن لا حدود لأنانيته، ولكن مع ذلك فهو مضطر لنفاقه وإظهار عكس ما يضمره تمامًا.
تابع سالم وكأنما يتحدث إلى نفسه بصوت عال:
ـ أنا مكنتش مصدق إن نسيم هتضحي التضحية دي عشاني، بصراحة كنت متوقع إنها ترفض وتعند، لكن الحمدلله هي متمسكة بالجوازه دي أكتر مني… عشان كده مش لازم تعرف أي حاجه عن عاصم ده دلوقتي.
ـ اللي تشوفه يا باشا… وبالنسبة لأملاك سعادتك والأصول والأرصدة في البنوك فأنا عملت إحصائية زي ما حضرتك طلبت وكله متسجل في الملف ده، أما بقا الخبير اللي حضرتك طلبته بخصوص العزبة والأصول اللي فيها فقال إن التقرير هيكون جاهز بكره.
ـ ماشي… ربنا ييسر.
ـ ممكن أسأل حضرتك سؤال، هو في نية لبيع العزبة؟!!
أجاب سالم بثقة:
ـ طبعا لأ… العزبة دي هي أصلي وقوتي، كل الحكاية إن الحسبة اختلفت، أنا محتاج أعيد حساباتي من تاني خصوصًا في وجود حسن، لازم هو كمان ياخد حقه بالشكل اللي يعوضه عن سنين الحرمان اللي عاشها.
ـ ربنا معاك يا باشا… أنا هستأذن لأن عندي شغل كتير في المكتب.
ـ اتفضل، وانتظر مني اتصال.
غادر نادر فدخلت بعده زينب التي طرقت الباب قائلة:
ـ صباح الخير يا باشا.
ـ صباح الخير يا زينب.
وضعت زينب أمامه قدحًا من القهوة، وكأسًا من الماء وبجواره دواء الضغط خاصته، فشكرها ثم قال:
ـ بلغي فريد إني عاوزُه وبعدها خلي چيلان تجيلي.
ـ تحت أمرك.
***
كان فريد يطالع المكان من نافذة غرفته، حيث أن المشهد المسيطر كان حزينًا وكئيبًا للغاية، وللمرة الأولى كان يشعر وكأن الهواء الذي يتنفسه الآن ثقيلًا جدًا على قلبه… ثقيلًا بالقدر الذي يترك في الصدر ندبة لا يمكن تجاوزها.
زفر نفسًا بطيئًا، عميقًا، غادر أعمق نقطة في قلبه، ومسح المكان بعين الوداع ثم أغلق النافذة واستدار، ووقف يتأمل أرجاء الغرفة وشعورًا بالحسرة يتخلل نظراته.
مالت شفتيه في ابتسامة منكسرة، وابتلع ريقه وهو يتذكر اليوم الذي عاد فيه إلى الڤيلا بقصد البقاء بجوار نغم لكشف ألاعيبها، وحينئذ غادرته تنهيدة قسمت قلبه إلى شطرين عندما أدرك أنه كان مخطئًا في تقييم الأمور من البداية.
استمع إلى طرقات على الباب، فعلم أنه قد حان وقت الرحيل، فحمل حقيبته وتقدم نحو الباب وفتحه ليجد زينب تقف أمامه متشحة بالسواد وتقول بهدوء كئيب:
ـ فريد بيه، الباشا مستنيك في مكتبه.
تنهد وهو يومئ موافقًا، ثم غادر الغرفة متجهًا نحو غرفة مكتب والده، وترك الحقيبة أمام الباب ثم طرقهُ ودخل.
كان سالم جالسًا خلف مكتبه، يضع رأسه بين كفيه بتشوش، ومئات الهموم ترتكز على كتفيه ود لو استطاع إسقاطها أو الفرار منها.
ما إن استمع إلى صوت الباب حتى اشرأب برأسه ونظر إلى فريد، ثم إلى الحقيبة عند الباب، مما رسم العبوس بوضوح على وجهه، ثم تنهد وقال:
ـ تعالى يا فريد.
تقدم منه فريد، ووقف أمامه يطالعه بنظرات خالية من أي تعبير، ثم تنحنح وقال عندما أدرك ما يدور برأس والده:
ـ صباح الخير، حضرتك عاوزني!
أومأ سالم ونظر إليه نظرة يفوح منها الرجاء الصريح وقال:
ـ مصمم تسافر؟
أومأ فريد بتصميم، وكأنه كان مستعدًا لهذا السؤال وتلك الإجابة:
ـ أيوة، السواق خلاص مستني… وطيارتي بعد ساعة ونص، يعني يدوب ألحق.
زفر سالم وأسقط رأسه بين كفيه مجددًا وهو يتنهد بصوت مسموع، ثم تحدث بنبرة لائمة تحمل بداخلها محاولة بائسة لجعل روح المسؤولية بداخل فريد تُستثار وتصحو من سُباتها فقال:
ـ هتسافر وتسيبنا في الظروف دي؟ طيب على الأقل أجل موضوع السفر ده لبعدين.
ـ أنا آسف، بس أنا خلاص مش هينفع أستنى وجهزت كل حاجه.
ـ أنا عارف يا فريد انت حاسس بإيه، الأحداث اللي حصلت ضغطاك ومخلياك مشوش، أنا متفهم حالتك، بس بردو مش من الأصول إنك تسيب عيلتك في ظروف زي دي وتمشي!!
أجبر فريد شفتيه على ابتسامة مقهورة وهو يردد مستنكرًا:
ـ ولو قعدت هفيد العيلة بإيه؟ أنا مبقاش جوايا ذرة طاقة أبذلها مع حد، أنا…
وصمت يبحث عن معنى يعبر عما يشعر به، وتابع:
ـ أنا مُنتهِي!
حاول سالم الضغط عليه أكثر فقال:
ـ طيب لو مش عشاني عشان نسيم، هي محتاجه لك تقف جنبها النهارده.
ـ هقف جنبها أعمل إيه يعني!! كل الموضوع كتب كتاب وهتمشي معاه، وجودي مش هيفيدها بحاجة… البركة فيك.
تنهد سالم بإحباط ثم قال محاولا استغلال آخر بطاقة رابحة لديه:
ـ طيب وعمر؟ هتسيبه في الظروف اللي هو بيمر بيها دي؟
صمت فريد، فبرقت بارقة أمل جديدة أمام سالم الذي تابع محاولا استغلال صمته:
ـ عمر مالوش غيرك، وهو دلوقتي محتاجلك أكتر من أي وقت تاني… لازم تقوم بدورك تجاهه كأخ كبير وتقف معاه لحد ما يعدي المحنة اللي هو فيها دي.
أطرق فريد برأسه أرضًا وهو يبتسم ابتسامة يملؤها الحزن ثم نظر إلى أبيه وقال:
ـ أنا دايما كنت أخ كبير وبحترم المسؤولية دي طول الوقت وبتعامل على أساسها مع الكل، بس خلاص أنا تعبت.. أنا دلوقتي مش قادر أسند أي حد.. انتوا ليه مش قادرين تحترموا تعبي زي ما أنا كنت دايما بحترم تعبكم.. هو كتير عليا إني أطلب وقت لنفسي؟
ـ محدش قال كده.. بس الوقت ده مش مناسب للظروف اللي بنمر بيها!
هتف بحدة أثارت استياء والده:
ـ بس مناسب لظروفي أنا.. أنا جيت على نفسي عشانكم كتير، وللأسف مش هينفع دلوقتي بالذات أعمل كدا. أنا محتاج أبعد، حضرتك عاوز تعتبر ده تنصل من المسؤولية مفيش مشكله، عاوز تعتبره هروب أو جُبن أو أيًا كان المُسمى إيه بردو مفيش مشكله.. كده كده همشي.
يئس سالم وعلم أنه لا فائدة من النقاش العقيم الآن، ففي كل الأحوال لن يؤتي ثماره، كما أنه لا يملك سعة الصدر التي تؤهله للجدال الآن مع فريد خاصةً لأنه يعرف أنه من الصعب جدا ثنيهُ عن قراره، لذا تنهد وأومأ موافقًا، مستسلمًا، عاجزًا.
ـ عن إذنك.
قالها فريد وخرج من الغرفة، طاف بعينيه في أرجاء المكان سريعا، ثم استقر بناظريه على باب غرفة نغم وحينها ابتسم ابتسامة تسكنها المرارة والحسرة، ثم غادر سريعا وقاد خطواته نحو السيارة.
ولكن نداء عمر هو من استوقفه، حيث أنه كان يجلس بالحديقة في انتظاره وما إن رآه حتى أسرع نحوه.
التفت فريد ناظرًا إليه، مستعدا لجدال من نوع آخر، بينما الآخر كان يحدق به بانهزام وهو يقول:
ـ بردو هتمشي وتسيبنا؟
تنهد فريد بيأس، وأومأ قائلا:
ـ إن شاء الله متكونش فترة طويلة وأرجع.. أرجوك يا عمر متزعلش مني، أنا فعلا تعبان جداا ومش قادر أفضل هنا.
ـ طيب ونسيم؟
أغمض الآخر عينيه بضجر، هو أساسا مستاء جداا بسبب ما ستفعله تلك الحمقاء، وغضبه منها يبلغ ذروته، لماذا إذا يستفزونه بالسؤال عنها؟
ـ مالها نسيم؟ ماهو أنا قدامك قولتلها إنها مش مضطرة تجبر نفسها أبدا على الموافقة بعاصم ده!
ـ مكانش قدامها حل تاني، هي قررت تضحي بسعادتها عشان خاطر ابونا.. يبقى بدل ما نساعدها نقسى عليها احنا كمان!!
ظهر الاستنكار باديًا على ملامح فريد الذي أشار برأسه برفض وهو يقول:
ـ لالا.. سيبك من كل الكلام ده، أنا قولتلها إنه مش هيتسجن ولا حاجه وهيعرف يخرج منها وقولتلها ارفضي عاصم وأنا أول واحد هقف جنبك.. لكن هي استسلمت، بتعاقب مين بالظبط بقرارها ده أنا مش فاهم، بس اللي فاهمُه انها مكانتش مجبرة توافق وانها وافقت بكامل إرادتها.
تنهد عمر بيأس وقرص بين عينيه بتعب ثم نظر إلى فريد بإحباط وقال:
ـ طيب يا سيدي بلاش نسيم، أنا محتاجك.
ـ عمر انت مش صغير…
قاطعه عمر صائحًا بانهزام:
ـ لأ صغير، و عيل كمان.. أنا متعودتش تبعد عني، أنا ببقا مطمن لأني عارف انك جنبي وهتخرجني من أي نيلة برمي نفسي فيها، أنا من غيرك ولا حاجه يا فريد.. انت هتمشي.. ونسيم هتسيب البيت.. وچوليا ماتت!! انت متخيل أنا بواجه إيه؟ أنا مش هقدر أتحمل كل اللي بيحصل معايا ده.
زفر فريد بتوتر، ثم رسم ابتسامة واهية على شفتيه وهو يسند يده على كتف أخيه ويقول:
ـ أنا آسف يا عمر لو قراري ده أناني، آسف لو هسيبك لوحدك في وقت زي ده، آسف لأنك محتاجني وأنا مش قادر أقف جنبك، بس مش قادر أستنى هنا أكتر من كده.. لأول مرة في حياتي أبقا تعبان وحاسس إني مخنوق ومقفول من كل حاجه بالشكل ده، محتاج أبعد شويه وكلها شهر ولا اتنين وهرجع.. متزعلش مني.
أومأ عمر باستسلام، لا جدوى من رجاء خائب ولا من عويل لا يُجدي، شقيقه قد اتخذ قراره وقضي الأمر.
عانقه عناقًا حارًا يليق بالخوف الذي يعتريه، وأجهش بالبكاء كطفل كتم نحيبه لأيام طويلة، فربت فريد على ظهره بقوة وقال محاولا إظهار تماسكه:
ـ خلي بالك من نسيم ومن نفسك.. وخليك جنب چيلان كمان هي محتاجاك جداا الفترة دي.
وأزال دمعة تعلقت بزاوية عينه وقال مبتسمًا بزيف:
ـ اعتبرها فرصة تختبر قدراتك كأخ كبير يا سيدي.
ـ خلي بالك من نفسك.
قالها عمر بتوسل، فأومأ فريد وقال:
ـ أشوف وشك بخير.
استدار سريعا، وركب السيارة فانطلق السائق مغادرا الڤيلا وقاصدًا المطار.
بينما عمر وقف يتطلع نحو أثره بقلبٍ ممزقٍ ودموعه تسري على خديه بعجز.
وفي نفس اللحظة، كانت نسيم تجلس على كرسيها المتحرك وتشاهد رحيل أخاها من شرفتها وهي تحاول الإبقاء على القليل المتبقي من ثباتها، ولكن بمجرد أن شاهدت سيارته تختفي عن ناظريها حتى سمحت لدموعها بالانهمار.
***
كانت چيلان في غرفة والدتها، تجلس أمامها ممسكةً بيدها، ومن فينة لأخرى تراقب الوقت لمعرفة الميعاد المحدد لإعطائها الدواء.
استمعت إلى طرقات على الباب، ثم دخلت زينب التي قالت بهدوء:
ـ الباشا منتظرك في المكتب يا چيلان هانم.
انقبض قلبها، وأدركت أن ثمة خطبًا ما في انتظارها، فأخذ منها الأمر وقتا أطول مما يستحق وهي تفكر هل تذهب إليه أم تعتذر، ولكنها فضلت مواجهته الحتمية فقالت:
ـ شوية وجاية.
انصرفت زينب، فنظرت چيلان إلى أمها التي تحدق في السقف وقالت بهدوء وهي تمسح على ظهر يدها بحنان:
ـ مش هتأخر عليكي.
همت بالانصراف فدخل عمر والذي يبدو عليه البكاء فقالت باهتمام:
ـ عمر انت كويس؟
أومأ بإيجاز أن نعم، فهو بالطبع لن يخبرها عن سبب بكاءه، لن يمنحها سوطًا ستجلده به كلما حانت لها الفرصة، فهو يعرف أنها تعتبر أن كل ما دون مصابهم تافه ولا يستحق البكاء ولا التأثر، لذا فعليه الصمت كي لا يثير حنقها أكثر.
ـ خليك معاها على ما أرجع.
طلبت منه البقاء بجوار والدتهما، فأومأ موافقا فغادرت، وتوجهت نحو مكتب سالم وعقلها المشوش ليس بإمكانه تخمين سبب ذلك الاستدعاء المفاجئ.
وصلت أمام المكتب، وأخذت نفسًا عميقًا ستحتاجه بالداخل، ثم طرقت الباب ودخلت.
كان يجلس في انتظارها فعلا، يديه مشبوكتين فوق المكتب وينظر نحو النافذة، وعندما رآها نفض الشرود من رأسه ثم ثبت حدقتيه الثاقبتين نحوها وحمحم وقال:
ـ اتفضلي يا چيلان.
تقدمت منه وجلست أمامه، ثم نظرت إليه وغمغمت:
ـ حضرتك طلبت تشوفني.
أومأ موافقا، ثم مال بجذعه نحو المكتب أكثر، وبدأ بالشرح وهو يقول:
ـ مظبوط، الحقيقة السبب اللي طلبتك عشانه أنا مأجله من فترة، من ساعة اللي حصل، لأن مكانش ينفع نتكلم في أي مواضيع تانيه في ظل الظروف اللي بنمر بيها.
وتنهد وتابع:
ـ لكن للأسف في موضوع ضروري لازم يخلص، ومش هيخلص إلا بمساعدتك، عشان كده قلت أكلمك.
ـ موضوع إيه؟
تساءلت بهدوء يلائم أنفها الشامخ وعيناها الحادتان، فنظر بداخل عينيها بجسارة وقال:
ـ انك تتنازلي عن الشكوى ضد حسن.
ارتفع حاجبها فجأة، وازدادت قتامة عيناها وهي تتساءل:
ـ حسن المجرم اللي كان خاطفني؟
لم يرُقه حديثها، لذا احتد صوته وهو يقول:
ـ حسن ابني، و أيًا كان هو إيه وعلى إيه فانا مش هسيبه ولا هتخلى عنه، لازم حسن يخرج من الحبس ومش هينفع يخرج غير لما تسحبي الشكوى.
قطعت ذلك التواصل البصري بينهما بأن أشاحت بوجهها عنه وظلت تنظر أمامها وهي تهز قدمها بعصبية، هي لم تعتد الهزيمة أو الانسحاب أبدًا، لم تعتد أن تتنازل عن حقها لذا فما يطلبه الآن شبه مستحيل.
ـ ولو رفضت أسحب الشكوى؟!!
تساءلت بصلف، فتحولت تعابير وجهه للحدة والصلابة أكثر، ولكنه لم يعلق على ما قالته، بل فتح خزنته السرية، وأخرج منها قرصًا مدمجًا ألقاه أمامها بإهمال فقالت بارتباك:
ـ إيه الـ CD دي؟
تنهد سالم، يعلم أن القادم سيء، فزفر مطولًا ثم قال:
ـ اسمعيني يا چيلان، أنا احترمت حزنكم على چوليا الله يرحمها ويغفر لها، وبقالي أسبوع أهو من ساعة اللي حصل وأنا ساكت ومش عارف أتكلم، وبقالي أسبوع عارف إن حسن مرمي في الحجز بيتضرب ويتهان وساكت مش عارف أعمل له أي حاجه للأسف، لأنه مكانش وقته إني أطلب منك تروحي القسم وتتنازلي في الظروف دي، لكن زي ما أنا حاولت أكون مُراعي قد ما أقدر فواجب عليكي انتي كمان تراعي إن ده ابني وإني لا يمكن أسيبه يتهان بالشكل ده وأنا في ايديا الحل وقادر أخرجه.
ـ و إيه هو بقا الحل إذا كنت رافضة أتنازل؟
ـ الحل في السي دي اللي معاكي دي، افتحيها وشوفيها وبعدين قوليلي موافقه تتنازلي ولا هتركبي دماغك.
ختم كلماته، ثم دفع الحاسوب خاصته نحوها ببطء، فأدارته إليها ووضعت به القرص وقامت بتشغيله، فتفاجئت بوجودها بالمقطع وهي تسرق خزنة سالم.
شحب وجهها وتلبد، فسحب الحاسوب من أمامها وأغلقه ونزع منه القرص وهو يقول:
ـ أنا آسف بس أظن لا أنا ولا انتي فينا حيل نجادل بعض، عشان كده قررت أختصر الطريق، ها.. موافقة على اللي قولتلك عليه وهتتنازلي وحسن يخرج؟ ولا أتصرف في الفيديو ده بمعرفتي؟
توقع أن يرى انهيار ملامحها وسقوط تلك الابتسامة الهلامية، ولكنها فاجأته بالعكس تمامًا، حيث ظلت متمسكة بثباتها الانفعالي، ثم نظرت إليه بواسطة عينين باردتين وقالت:
ـ تعرف إني طول عمري من وانا صغيرة كان نفسي أفهم دماغك وأعرف بتفكر إزاي، من زمان وأنا نفسي أكون زيك.
انبجست ابتسامته في خطٍ مستقيم بزهو رصين، ثم تساءل:
ـ ده مدح ولا ذم؟
لتجيبه هي بنفس الهدوء والأنفة:
ـ مجرد اعتراف.
أومأ عدة مرات، ثم قال:
ـ طيب بما إنك اعترفتي اعتراف فانا كمان عندي اعتراف، يعني بما إننا قاعدين قعدة ودية.
ابتسامتها لم تختفِ، ورصانتها لم تهتز، وتساءلت متظاهرة بعدم الاكتراث وقالت:
ـ إيه هو الاعتراف ده؟
أخذ منه الأمر لحظات حتى استطاع صوغ ما يود قوله دون المساس بكبريائه وهلمانه، فنظر إليها وقال بهدوء:
ـ إني بقدر ذكائك جدا، ومش هخبي عليكي، ذكائك يتخاف منه.
الآن انبسطت شفتيها في ابتسامة لم تستطع إخفاءها، فهي تشعر بالزهو حقا لأنه منحها ذلك الاعتراف الذي لم تتوقعه أبدا، فأومأت بخفة وقالت:
ـ وأنا هعتبر إن ده مدح، مش مجرد اعتراف.
أومأ سالم ببساطة، فتحدثت هي قائلة:
ـ لما عرفت إن حضرتك لقيت الحاجات اللي اتسرقت فضلت أسأل نفسي ليه ساكت لحد دلوقتي، ليه ماتكلمتش أو على الأقل قلت لماما أو واجهتني، ودلوقتي بس عرفت الإجابة.. إنك مش بتكشف أوراقك كلها مرة واحدة.
أومأ مؤكدا وقال:
ـ في مثل بيقول القرش الابيض ينفع في اليوم الاسود.. اهو الفيديو بتاع سرقة الخزنة ده كان بالنسبالي قرش أبيض، أنا وقتها مكنتش مهتم أثبت براءة نغم ومكنتش هستفيد حاجة لما أثبت إنك انتي اللي سرقتي، في النهاية حاجتي قدرت أرجعها وكنت عارف من البداية إن غرضك مش السرقة، وإنما تشويه صورة نغم قدام الكل.. تقدري تقولي يا چيلان إنها كانت لعبة طايشة ماسخة.. وأنا قررت أجاريكي فيها للآخر.
كانت تستمع إليه وبداخلها تُثني على ذكائه بقدر ما تشعر بالحنق منه، ثم وضعت يدها على رأسها، حاولت تدليكها لطرد بوادر الصداع، ثم قالت بثبات:
ـ و إيه اللي مخلي حضرتك واثق إني هوافق؟
ـ ما أنا قولتلك إني بقدر ذكائك، وعارف إنك مش معقول هتجازفي في وقت زي ده، يعني لا نادية عندها استعداد تشغل بالها بحكاية زي دي في الظروف اللي هي فيها دي، ولا انتي هتحبي عمر يعرف إنك انتي اللي عملتي كدا، وأظن كمان إنتي مش هتحبي صورتك تتهز قدام اللي في الڤيلا من خدم وحراس.
ارتجفت ابتسامتها قليلا، هي تعلم أنه محق، هي لن تسمح لأمها أو أخيها أن يتلقيا صدمة جديدة في ظل الظروف الراهنة، خاصةً أن تلك الصدمة مبررها أحمق جدًا وسيجعلهما ينظران إليها إما بعين الاستخفاف أو الشفقة، وهي لن تضع نفسها في ذلك الموضع أبدًا، ولن تسمح لنغم أن تنتصر عليها أبدًا.. أفضل لها أن تسحب شكواها ضد حسن على أن تنكشف حقيقة سرقتها للخزنة وبراءة نغم. لذا أومأت وهي تنظر إليه وتقول:
ـ اوكي.. أنا موافقة أتنازل.
مط شفتيه بتعبيرٍ واثق وأردف:
ـ عظيم.. دلوقتي هنروح أنا وانتي ومعانا نادر وتتنازلي وحسن يخرج.
ـ وبعد ما يخرج؟
تساءلت بفضول فتنهد بحيرة حقيقية وقال:
ـ ربنا يقدم اللي فيه الخير.
***
كان ينظر من نافذة السيارة، شاردًا في كل شيء حوله، يفكر في الأمر برمته، إنه الآن يغادر، لا يعلم هل هو مستعد أم لا، كل ما يعرفه أنه غير راض عن نفسه وعما فعله، يعلم أنه سيترك أشلاء قلبه في كل مكان.
لقد تجاهل ذلك الإحساس مرات كثيرة، تجاهل احتياجه لرؤيتها، لعناقها على الأقل قبل الرحيل، ولكنه يعرف أنها لن تسمح له حتى برؤيتها والحديث معها، فهو يعرف مقدار الجرح الذي تسبب لها فيه.
توقف السائق أمام بوابة المطار، فانقبض قلبه أكثر وهو يستوعب أنه بعد لحظات قليلة سيرحل، والفرصة أمامه تتقلص بل تنعدم.
ترجل من السيارة، ويده تتلمس هاتفه بجيبه، يرغب في مهاتفتها للمرة الأخيرة، فهو يعرف أنه بمجرد صعوده إلى الطائرة سيفقد اتصاله بها تمامًا.
لذا قرر ألا يتردد كثيرًا، وقام بالاتصال بها وقلبه يكاد يطرق الأرض من فرط خوفه، ليأتيه صوتها بعد دقيقة، هادئًا، حزينًا، منكسرًا.
أغمض عينيه وهو يشعر وكأن صوتها قد تغلغل إلى قلبه الميت فرواه وأزهره من جديد، ذلك الصوت الذي كان بمثابة إنعاش له ولكل جوارحه. وكم كان يرغب في تلك اللحظة بالذات أن يعانقها، ولو لمرة واحدة، ولو لمرة أخيرة.
ـ نغم.. أنا…
صمت لبرهة اهتز فيها قلبه وتغضنت ملامحه بأسى، ثم حمحم محاولا استعادة ثباته وقال:
ـ أنا في المطار دلوقتي ومسافر.
يقسم أنه استمع لرجفة قلبها التي كانت واضحة جدًا على صوتها، هو لن يخطئ ذلك الإحساس أبدًا. وهذا ما جعله يشعر بالأمل ولو قليلًا بعد أن يئس من محاولاته لاسترضاءها.
ـ أنا.. بصراحة عندي أمل أخير إنك تسامحيني.. عارف إنه صعب، وعارف إنك مجروحة.. بس…
صمت، لم يجد ما يقوله حقًا، تلك الكلمات الحمقاء قد قالها سابقًا، يوم المشفى عندما اعتذر لها ووعدها أنه لن يخذلها مجددًا، ولم يكن في الحسبان أن يكون الخذلان الأشد والأعتى بعد ذلك الاعتذار بفترة قصيرة لم تسمح لجرحها الأول أن يلتئم حتى.
بينما هي، كانت تكتم نحيبها بقوة اكتشفتها في نفسها للتو، وابتلعت ارتجافة قلبها الخائن الذي كان يهدد بالانفجار وقالت بصوت لامبالي:
ـ توصل بالسلامه.
أغمض فريد عينيه بندم، إنها تعلنها صريحة، لا مجال للرجوع، لا مجال للغفران.
وهو لم يكن ليضغط عليها أكثر، لذا أومأ بتقبل للهزيمة وقال:
ـ خلي بالك من نفسك.
وتابع بعد صمت:
ـ البيت أنا كتبته باسمك، انتي دلوقتي مش مضطرة تفضلي في أي مكان انتي مش عايزاه، والأوراق اللي تخص البيت كلها مع نسيم، أول ما تعرف تشوفك هتديهالك.
ـ شكرا بس أنا مش محتاجة بيتك ولا بيت حد، متشغلش بالك بيا.
يعلم كم هي عنيدة وتعشق المجادلة في كل شيء، رأسها يابس وصعبة المراس أحيانًا، وهو الآن طاقته صفر، لا يملك ولو واحد بالمئة حتى ليدخل معها في سجال أحمق لن يجني منه شيئًا.
ـ خلي بالك من نفسك.
كررها ثانية بخوف حقيقي، يعلم أنها كانت تتخذه ملاذًا وملجئًا، وإن كان غاضبًا من نفسه لشيء فهو أنه أفقدها بغبائه ذلك الملاذ وتركها كالريشة في مهب الريح.
ـ متقلقش عليا أنا كويسه جدا، خلي بالك انت من نفسك.
تبًا لها، تجادل لآخر لحظة، لآخر نفس فيها ترغب في إثبات لامبالاتها.
لذا تنهد وقال مستسلمًا:
ـ مع السلامة.
لم تُجب، ولكن دموعها فعلت، لم يسمع صوتها ولكنه سمع صوت بكاء قلبها، ظلت المكالمة جارية لدقيقتين إضافيتين. لم ينبس أيا منهما بحرف، لا هو كان يملك ما يضيفه ولا هي كانت قادرة على إنهاء المكالمة وفقدان أثره. ظل متأملاً أن تتراجع في اللحظة الأخيرة، أن تخبره أنها تسامحه وتطلب منه ألا يغادر. كان لديه أمل حتى انتهت المكالمة فجأة.
ظل ينظر إلى الهاتف بيده بانهزام، لقد فقدها مجددًا ولكن أثر هذه المرة بالغ جدًا ولا يظنه سيختفي أبدًا. لم يتكلم أو يحرك ساكنًا، واستغل تلك الفترة لإقناع نفسه بحقيقة أنه المخطئ، وبقدر ما حاول إقناع نفسه فإن شعورًا ثقيلًا سقط على قلبه من الصعب تجاهله.
ـ فريد بيه.
انتبه إلى صوت السائق، فنزع نفسه من ذلك الشرود ونظر إليه منتبهًا ليراه يشير نحو البوابة كي ينذره أنه سيفوت طائرته، فأومأ فريد موافقًا وأمسك بحقيبته، ثم توجه نحو صالة المطار لكي يتمم إجراءات السفر.
بينما في الخارج، وعلى مقربة من البوابة كانت تقف نغم، تبكي بكاءً اعتصر قلبها، كانت ترغب في عناقه قبل الرحيل، كانت ترغب في مسامحته ومنحه فرصة جديدة، كانت ترغب في الكثير، ولكن على قدر الرغبات نجد المأساة في التنفيذ، فليس كل ما يتمناه المرء يدركه وليست كل الرغبات قابلة للتحقق.
ترغب في بقائه، ولكن إن بقي تجزم أنها لن تعود إليه، نفسها تأنف وقلبها يشتهي، فذلك الشعور الذي خلّفهُ بقلبها حين كذّبها للمرة الثانية وطعن ثقتها به في مقتل شعورًا مريرًا جدًا، لا تضاهيه مرارة، ولا تجبره كل اعتذارات الدنيا.
لا تملك سوى حبه الذي تحتفظ به في صميم قلبها، وكرامتها التي امتلأت بالخدوش بفضله، وتلك المرة خصيصًا كرامتها أبت ألا تعود إليه أو تقبل اعتذاره، لقد طعنها في أعمق نقطة في روحها، وكسر ساحة الأمان بينهما ولوثها، وأوقد بغدره في قلبها نارًا أصبح من الصعب السيطرة عليها.
ظلت تحدق في السماء، لديها معلومة أن طائرته ستغادر في تمام الحادية عشر والنصف، لقد أخبرتها نسيم بذلك، لذا وقفت تتوسل إلى الله أن يحدث شيئًا ما، أشبه بمعجزة تمنعه من السفر، تريده بجوارها بنفس القدر الذي يجعلها تفر منه، هي تشعر الآن أنها تكرهه وغاضبة منه ولكن وجوده بالقرب منها يكفيها لكي تشعر أنها آمنة.
وبعد قليل، رأت طائرته تحلق بعيدًا. فشعرت بشيء ما يضرب قلبها، يخلعه من صدرها ويلقيه أرضًا، انهارت أكثر، وزادت حدة بكائها أكثر مما جعل السائق ينظر إليها بتعجب ثم يتساءل ما إذا كانت بخير.
الوداع مُرٌ، خاصةً وإن كان بعد فراق، تشتد مرارته وتلون كل حياتك بالأسود، حينها فقط تتمنى لو أنك أعطيت فرصة ثانية لكي لا تختبر تلك اللحظات وذلك الشعور.
اتخذ منها الأمر وقتًا طويلًا لكي تستجمع شتاتها مرة أخرى و تكفكف دموعها، وفي النهاية.. بعد أن تخلصت من دموعها ومعها ضعفها اللعين قررت أن تبدأ من جديد.. من تلك النقطة بالتحديد.
لقد انتهى كل شيء يا نغم.. والآن.. عليكِ العودة بأدراجكِ ولا تهتمي بجرحك النازف، الزمن يداوي كل شيء.
***
كانت نسيم تجلس على مقعدها المتحرك أمام الخِزانة، تجمع أغراضها المهمة، وخلفها تقف زينب تنقلها إلى حقيبة كبيرة وهي تبكي.
ـ خلاص بقا يا زينب، أنا مش مسافرة يعني.
تنهدت زينب بحسرة وهي تجلس فوق فراش نسيم وتقول بصوتٍ باكٍ:
ـ أنا هشوفلي حته أروح فيها، أنا مش هقدر أعيش هنا من غيرك انتي وفريد.. خلاص البيت مبقالوش طعم.
شردت نسيم قليلا وهي تردد بحزن يرتسم في ابتسامة واهية:
ـ فريد سافر من غير ما يودعني، بيعاقبني.
نظرت إليها زينب بشفقة، ثم اقتربت منها وأخذت تمسح على ذراعيها بمواساة وهي تقول:
ـ متزعليش نفسك يا حبيبتي، فريد مش كويس، أنا أول مرة أشوفه تعبان كده.. وأكيد هو مكانش عاوز يمشي من غير ما يشوفك بس انتي عارفاه مبيحبش لحظات الوداع دي.
أومأت نسيم بهدوء، فاقتربت منها زينب وهي تقول بترقب ونبرة صوت خفيضة أوحت لنسيم بما ترغب في قوله:
ـ نسيم يا حبيبتي..
طالعتها نسيم بنظرة ألجمت لسانها فورا، ثم نطقت بغضب:
ـ متحاوليش يا زينب، الموضوع ده اتكلمنا فيه كتير وخلاص قولتلك إنه مُنتهي.
في نفس اللحظة رن هاتف زينب الذي كان في جيب بلوزتها، فنظرت إليه بارتباك وحانت منها التفاتة نحو نسيم التي برق الغضب في عينيها وهي تقول:
ـ هي مش كده؟
زمت الأخرى شفتيها بأسف وأومأت بصمت، فانتزعت نسيم من يدها الهاتف بقوة وأجابت قائلة بصوت قاسٍ:
ـ عاوزة إيه تاني؟ هو أنا مش قولتلك اللي بتفكري فيه ده مش هيحصل؟ انتي متهيألك عشان دمعتين وكلمتين حلوين خلاص هعتبرك أمي فعلا والميه ترجع لمجاريها؟ انتي موهومة على فكرة.. انتي مش أمي ولا عاوزة أعرفك، ومتتصليش تاني من فضلك.
وأنهت المكالمة بقوة وهي تهز الهاتف في يدها وتقول لزينب:
ـ قولتلك اعملي بلوك أو غيري الرقم حتى.. الست دي مش لازم تتواصل معاكي نهائي يا زينب يا إما أنا مش هعرفك تاني.
طفقت عينا زينب تمتلاءان بالدموع لاإراديًا، وهي تربت عليها بحنو وتقول:
ـ متزعليش مني يا نسيم، بس دي أمـ..
لم تكمل زينب كلمتها حيث أن نسيم حدجتها مجددا بسخط وهي تقول:
ـ تاني هتقوليلي أمك؟ دي مش أمي، أمي ماتت الله يرحمها، الأم اللي ترمي بنتها وتختار ابنها يعيش في حضنها ومش مهم البنت اللي اتخلت عنها دي تعيش ازاي تبقا مش أم، أنا بسببها عِشت اللي مفيش حد عاشه ولا اتحمله، أنا اتعاقبت على غلطتها هي ودفعت تمن غالي أوي مليش ذنب فيه.. الست دي مستحيل أعتبرها أمي.. أنا بكرهها وبقرف منها.
عادت زينب لتجلس على الفراش وهي تتمتم بحسرة:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.
كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون، فنسيم كانت تكبح جماح كل ذلك الحزن بداخلها منذ أسبوع كامل، منذ يوم الحفلة اللعين، تحملت كل الصدمات تباعًا، لم تبكِ وكأنها أصيبت بالتبلد، حتى عندما وصلها خبر انتحار جوليا لم يستفز ذلك الخبر دموعها، كانت صامدة ـ ظاهريًا ـ حتى أن صمودها ذلك سمح لها أن تدعم عمر بقوة، وكانت تسأل نفسها آخر كل يوم، من أين لها بذلك الجمود وقسوة القلب؟ لو لن تبكي في مُصاب جلل كموت صديقتها فمتى ستبكي؟
ولكنها الصدمة، الصدمة التي تجمد المشاعر وتعطل الحواس وتمحي كل ردود الفعل.
حاولت زينب تهدئتها ولكنها فشلت، فالأخرى كانت تبكي كل شيء لم تتفاعل معه سابقا، فقررت زينب أن تتركها بمفردها قليلا وتغادر الغرفة ريثما تهدأ.
***
بعد قليل.. كان سالم قد توقف بسيارته أمام قسم الشرطة ومعه چيلان ليجدا المحامي نادر الذي كان في انتظارهما يغادر سيارته ويتجه نحوهما، حياهما ثم تساءل:
ـ هتدخل معانا يا باشا؟
هز سالم رأسه رافضّا، كان رفضًا هادئًا ولكنه لم ينجح في إخفاء توتره، وحاجباه المنعقدان كالسيف في أعلى جبينٍ متغضن أظهرا كم الخوف الذي يعيشه الآن.
ـ لأ.. أنا هستنى هنا.
لا يعلم سبب رفضه الدخول معهما، ولكن ما يعلمه حقًا أنه خائف ومرتبك من تلك المواجهة التي ستحدث بعد قليل بينه وبين حسن.
جلس بسيارته ينتظر.. وتلك الفترة التي قضاها في الانتظار كانت كافية لأن يتحدث مع نفسه ويسألها، كان عالقًا بين الكثير من الإجابات التي لم تكن مُرضية أبدًا له، فكل الدلائل تشير إلى أنه فعلا كان على خطأ، ولكنه لن يكون سالم مرسال إن اقتنع بها وأقرّ بفشله.
أسند رأسه الذي يعج بالفوضى الآن إلى المقعد من خلفه، وأغمض عينيه بقوة يعتصرهما بألم، وعندما فتحهما بعد لحظات فوجيء بنادر وهو يغادر القسم ومعه چيلان ويتبعهما حسن.
اعتدل في مقعده بتوتر، وتأهبت كل حواسه لذلك اللقاء، كان قد اتفق مع نادر أن يصطحب چيلان إلى الڤيلا بحيث تسمح له الفرصة أن ينفرد بحسن. وهذا ما فعله نادر.
ـ حمدالله على سلامتك يا حسن، أنا هوصل چيلان هانم وانت لازم تتكلم مع الباشا كلمتين.
قالها نادر وهو يربت على كتف حسن الذي ارتطمت نظراته بنظرات چيلان الحادة التي أخبرته أنها غير مسرورة مثله تمامًا.
انسحبت چيلان وتقدمت نحو سيارة نادر الذي لحق بها، بينما ظل حسن واقفًا، يرمق سيارة سالم بحيرة، ترى هل يذهب إليه ويتحدث معه وينهي ذلك الجدل المثار بداخله، أم يغادر في صمت؟
ولكن سالم لم يمنحه الفرصة، حيث أنه تحرك نحوه بسيارته حتى توقف أمامه ونظر إليه قائلا بنبرة يملؤها الوقار:
ـ تعالى يا حسن خلينا نتكلم شوية.
كان يرغب فعلاا في ذلك، شيئا ما بداخله يحثه على التقرب من تلك الشخصية المثيرة للفضول واكتشافها عن قرب، لذا استجاب لطلب سالم وفتح الباب وركب بجواره.
ظلّا صامتين لفترة حاول كلا منهما أن ينظم أنفاسه خلالها، حيث كان سالم ينظر من نافذته بتوتر، والآخر يسند مرفقه على فخذه و منشغلًا بالعبث في أظافره، كلاهما يتلكآن ويماطلان وعندما يئس سالم قرر أن يبادر هو فقال:
ـ حمدالله على سلامتك.
ظهرت على شفتي حسن ابتسامة مستنكرة، متشنجة قليلا عبرت عن مدى استيائه.
ثم رفع ناظريه من على يديه ونظر أمامه بهدوء وردد:
ـ متشكر.
قالها وصمت، فأخذ سالم يبحث عن طريقة تمكنه من صوغ ما يرغب في قوله ولكن التوتر عقد لسانه وألجمه، وبدلا من أن يتحدث فيما حضّر له طويلًا وجد نفسه يتساءل باهتمام:
ـ كانوا بيعاملوك ازاي الكام يوم اللي فاتوا دول؟
نظر إليه حسن، تقابلت نظراتهما عن قرب لأول مرة، فتشنج قلب سالم الذي أخذ ينظر إليه غير مصدق، هل هذا الشاب، ذو العينين الجامحتين… ابنه!!!
تنهد سالم مطولًا، وتنهيدته أخبرت حسن بمدى الثقل الموضوع على قلبه، ليتحدث قائلا:
ـ أيًا كانت الطريقة اللي كانوا بيعاملوني بيها ده مش هيغير حاجة، اللي حصل حصل خلاص.
أومأ سالم موافقًا، لقد لمح نظرة اليأس ونبرة الحسرة في عينيه وصوته، لذا فما سيقوله أو يخفيه لن يضيف شيئًا جديدًا، فتحدث وقال:
ـ أوعدك من اللحظة دي محدش هيرفع عينه في عينك تاني أبدًا.
ها هو الحديث الذي ينتظره حسن، حيث أنه تساءل بطريقة يشوبها التهكم فقال:
ـ اشمعنا من اللحظة دي؟ ليه إيه اللي هيتغير من اللحظة دي مش فاهم؟
فأجابه سالم مستنكرا سؤاله، وقال بقوة:
ـ كل حاجه هتتغير، و أهمها اسمك.. لما يبقا اسمك حسن سالم مرسال اللي هيقف قدامك هيفكر مليون مرة قبل ما يتكلم معاك نص كلمة!
مط حسن شفتيه بسخرية وقال:
ـ صح.. معاك حق.. هو اسمك اللي هيحميني فعلا، بس للأسف اسمك ده ميلزمنيش.. مش عاوزُه.
نظر إليه سالم مصدومًا، لقد توقع أن يكون هو أول من يركض لحمل لقب العائلة، وها هو يخبره الآن أنه لا يريده!
ـ اسمي مش لازمك ازاي؟ انت ابني أنا مش ابن محمود جادالله.
ضحك حسن ضحكة مبتورة في البداية، سرعان ما تحولت إلى ضحكة كاملة طرد معها كل الضغط الذي كان يكبته بداخله، ثم نظر إلى سالم وقال:
ـ ابنك؟ بصراحة آخر حاجه كنت أتوقعها إن واحد زيك يطلع أبويا.
شعر سالم بالإهانة لقوله، ولكنه لم يقاطعه فعلى ما يبدو أنه لديه الكثير ليضيفه.
ـ فاكر لما شُفتك في المستشفى وقولتلي اسندني يابني؟
نظر إليه سالم وقطب جبينه وهو يحاول تذكر تلك اللحظة، فتساءل متعجبًا:
ـ إنت اللي كنت لابس نضاره و كاب مغطي بيه وشك يومها؟
أومأ حسن مؤكدا وتابع:
ـ يومها انت كنت هتقع وطلبت مني أساعدك وفعلا سندتك لحد ما خرجت بره، حسيت بإحساس غريب مكنتش فاهمُه ولا فاهم أنا ليه حاسُه، حسيت إني عاوز أقعد معاك وأتكلم، حسيت إني عاوز أشوفك تاني.
ابتلع سالم ريقه في وهن، وشعر بالحزن يغزو قلبه وقال:
ـ أنا مكنتش أعرف عنك حاجه طول السنين اللي فاتت دي يا حسن، صدقني أنا لو كنت أعرف إن ليا ابن عمري ما كنت هتخلى عنه.. أمك هي اللي غلطانة لأنها كانت أنانية ودارت عليا وجودك.
عند ذكر سيرة عائشة تشنجت ملامح حسن وظهر عليه الضيق والنفور وهذا ما طمأن قلبه قليلًا، وتابع وهو يأمل أن يحقق النتيجة المرجوة:
ـ أنا عاوز أنا وانت نبدأ من جديد، هعوضك بكل اللي أقدر عليه، مالي كله تحت أمرك، حقك اللي اتحرمت منه العمر ده كله هتاخده وفوقه زيادة كمان.. أنا عاوز أعوضك ومستعد لأي طلب تطلبه بس توافقني وتخلي نادر يمشي في إجراءات تغيير الاسم.
كان باديًا أنه يفكر في الأمر بجدية، وذلك الاسترخاء الذي ظهر على ملامحه أوحى إلى سالم أن الإقناع بات قريبًا جدًا منه.
ـ هتعوضني؟ يا ترة فلوسك هتعوضني عن السنين اللي اتحرمت فيها من أب يسندني ويعلمني الصح من الغلط؟ فلوسك هتعوضني عن السنين اللي عِشت فيها بطولي معرفش غير أمي الغلبانة مع إن ليا عيلة كبيرة، فلوسك دي أشتري بيها قميص جديد أتقايم بيه ولا جزمة جديدة، بس مقدرش أشتري بيها حسن تاني غير اللي أنا عليه، حسن السوابق رد السجون اللي برد الزنازين نَحَل عضمه.
توقف سالم عن التحديق به، وحرك رأسه للأمام وهو يتنهد مُحبَطًا، ثم قال:
ـ أنا مقدر اللي انت حاسس بيه، بس أنا مليش ذنب، حتى لو كان إيه اللي حصل زمان ده ميدي عيشة الحق تخبيك عني العمر ده كله، عيشة هي المُلامة مش أنا.
تأجج الغضب بعيني حسن مجددا، وقال بعد تفكير دام طويلًا:
ـ أنا موافق أغير اسمي.
فابتسم سالم بهدوء وقال:
ـ عين العقل، من بكره نادر هيمشي في الإجراءات اللازمة، وأوعدك إن كل حاجه هتتغير إن شاء الله وهترجع لمكانها الصحيح، زي ما انت كمان لازم ترجع لمكانك الصحيح وسط عيلتك واخواتك.
تنهد حسن بارتياب قليلًا وهز رأسه دون تعقيب، فقال سالم مستغلًا هدوءه:
ـ تحب تيجي تاخد مكانك في الڤيلا من النهارده؟ أنا شخصيا هكون سعيد جدًا.. واخواتك كمان هيرحبوا بيك.
“اخواتك”!! لفظًا كان جديدًا جدًا على مسامعه، ولم يتوقع في يوم من الأيام أن يسمعه أو يختبر مذاقه.
ـ سرحان في إيه يا حسن؟
تساءل سالم بقلق، فأجابه حسن بعد أن تنهد تنهيدة مرهقة:
ـ سرحان في حال الدنيا، في يوم وليلة ترفعك من سابع أرض لسابع سما، وفي يوم تاني ممكن تقلب عليك وتنزلك من سابع سما على جدور رقبتك وتخطف منك كل اللي منّت عليك بيه.
ـ متخافش من حاجه طول ما انا في ضهرك، إنت مش قليل ولا أبوك قليل، إنت ابن سالم مرسال، انت فرع من شجرة عيلة كبيرة وليها صيتها وتقلها، وأوعدك من اللحظة دي هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تعيش العيشة اللي تستاهلها وتليق بيك.
قاطع حديثهما رنين هاتف سالم برقم آخر شخص يرغب في سماع صوته الآن، فزفر باستياء وضجر وهو يجيب المكالمة بصمت فإذ به يستمع إلى صوت عاصم يقول بهدوء مستفز:
ـ مساء الخير يا حمايا العزيز، حبيت أفكرك إن ميعادنا النهارده الساعة ٩ بالدقيقة.. أنا عن نفسي هوصل قبل ميعادي كمان لأني مستعجل فياريت سيادتك متخلينيش أنتظر كتير لأني مبحبش الانتظار.
أنهى سالم الاتصال وهو يلعن تحت أنفاسه، مما أثار فضول حسن الذي تعجب انفعاله المفاجئ وتساءل:
ـ مين ده؟
فأجابه سالم باقتضاب موجز:
ـ ده هيكون جوز نسيم بنتي.. كتب الكتاب بالليل.
وصمت للحظة ثم أضاف بسرعة وكأنه يصحح ما قاله:
ـ أقصد نسيم أختك يعني.
أومأ حسن بلا اكتراث، فأضاف سالم:
ـ لو حابب تحضر كتب الكتاب وتكون شاهد كمان ده من حقك، انت اخوها زيك زي فريد وعمر.
كان حسن ينظر من نافذته المجاورة، فحرك عينيه إلى النافذة الأمامية وهو يبتسم بسخرية، لقد أثارت الكلمة حفيظته، وجعلته يتعجب بشدة، يا لسخرية القدر، فريد الذي يبغضه كما يبغض الشيطان وأشد، وعمر الذي كان يضعه على طريق الهلاك بيديه، الاثنان شقيقاه!!
تنهد سالم عندما رأى صمته وقال:
ـ اسمعني يا حسن، أنا عندي خلفية عن الخلافات اللي بينك انت وفريد عشان نغم.. وعارف ان في صدامات بينكم بسببها، بس ده كان زمان، إنما دلوقتي انتوا اخوات.. يعني لازم تنهوا أي عداوة بينكم مهما كانت.
ـ نغم بنت خالتي ومكانها في قلبي عمره ما هيتغير لا عشان أخويا ولا عشان أبويا حتى! وبعدين أولى تقول الكلام ده لابنك.. هو اللي دخل حياتها وخربها وقلب حالها.
تنهد سالم بأسى وقال:
ـ هو ابني وانت كمان ابني وعشان كده…
قاطعه حسن بحدة وقد تبدل هدوءه إلى انفعال أهوج وقال بعصبية:
ـ أنا لحد دلوقتي مش ابنك، وبصراحة بقا لسه مش مصدق الحوار العبيط ده كله، أنا مش عارف أنا قاعد معاك وبسمعك ليه أصلا، المفروض قبل ما اسمع منك أسمع منها هي كمان وأعرف الحقيقة.
ـ الحقيقة إنك ابني ومن صُلبي، هي نفسها قالت كده.
ـ و إيه اللي مخليك مصدقها أوي كده؟ مش يمكن كل كلامها كان كدبه عشان تمنعني إني أموت ابنك؟ رد عليا يا سالم باشا؟ كلامي صح ولا غلط؟
صمت سالم، لم يملك ما يقوله، حسن محق، فكلام عائشة ليس دليلا قاطعا، لا زال هناك مجالًا للشك طالما أنه لم يتأكد من إثبات نسبه إليه، وحتى إحساسه الذي يؤكد له أنه ابنه لا يعد برهانًا قويًا.
ـ طالما سكت يبقا كلامي صح، وأنا زي الأهطل قاعد معاك وبسمع لك قبل ما أسمع منها.
فتح الباب وترجل، فأضاف سالم بقوة:
ـ مش هتسمع كلام مختلف يا حسن، انت ابني وأنا أبوك أنا متأكد.. عاوز تسمع منها براحتك، حقك.. وبعد ما تسمع منها هترجع وتقوللي معاك حق.
لم ينتظر حسن، قطع طريقه نحو شقته على الفور، وتجاهل كل ما يشعر به نحو سالم ونحو حديثه، وقرر أن يستمع إلى الحقيقة منها أولا.. بالتأكيد لديها شيئًا تقوله، بالتأكيد لديها شيئًا تبرر به.
رواية محسنين الغرام الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نعمة حسن
كانت عائشة تستلقي على سريرها في المشفى بعد أن أنهت جرعتها للتو وفي انتظار عودة نغم لكي تصطحبها إلى المنزل.
كانت شاردة، غارقة حتى أنفها في الكآبة والحزن، وصدى كلماتٍ قاسية يتردد في أذنيها محدثًا دويًا قاتلًا.
ـ أنتِ مش أمي ولا عمرك هتكوني!
تنهدت، ومدت يدها بتعب تمسح دموعها وهي تتذكر مواجهتها القاسية بنسيم.
***
بعد أن تم القبض على حسن كانت عائشة بصدد الركض خلفه واللحاق به، ونغم تتبعها دون تردد.
ليستوقفهما فجأة سؤال فريد، والذي أسكت كل الأصوات حولهم حتى الهواء.
ـ لو فعلاً حسن ابنك.. وهي بتقول خلفت منك توأم.. فين توأم حسن؟
نظر إليه سالم بصمت، ثم زفر بضجر.
وقبل أن ينطق، صاح عمر مستشيطًا:
ـ أنا مبقيتش فاهم حاجة. ما تتكلم وتفهمنا، حسن مين اللي أخونا، وفين البنت اللي أنت بتقول إنها خلفتها منك دي؟ هو فيه إيه بالضبط؟
لم يحرك سالم ساكنًا، بينما ظلت نظراته تتنقل بين أبنائه الثلاثة: فريد، ونسيم، وعمر.
إلى أن تحدثت عائشة التي قطعت نحيبها فجأة وقالت بهدوء حاقد:
ـ البنت ماتت!
قطب فريد حاجباه ونظر إلى والده متعجبًا وقال باستنكار:
ـ ماتت! إمتى وإزاي؟
لتجيبهم وهي تنظر نحو سالم باتهام:
ـ سالم باشا مكانش عنده وقت يهتم ببنته. كان كل وقته واهتمامه لولاده الصبيان ولاد الهوانم. ساب بنته الطفلة اللي عندها خمس سنين تلعب جنب الشباك لوحدها فوقعت ماتت.
نظر الجميع نحوها باستغراب، وتحدث فريد قائلًا بتهكم:
ـ ده بجد؟ ويا ترى بنته دي كان مربيها تحت الأرض مثلا؟
ـ تقصد إيه؟
ـ أقصد إن مفيش أي حاجة من دي حصلت. والله أنا ابنه بقالي 35 سنة أول مرة أعرف إن كان عندي أخت وماتت!
ونظر إلى والده وصاح غاضبًا بنفاذ صبر فقال:
ـ يا ريت سالم باشا يتكرم ويقول أي حاجة بدل ما إحنا بنكلم نفسنا كده.. بنت مين دي اللي ماتت وهي عندها خمس سنين؟
هنا زفر سالم زفرة صاخبة وقال بهدوء مصوبًا نظره نحو عائشة:
ـ البنت مماتتش.
رفعت عائشة حاجبيها بذهول وتمتمت بغير تصديق:
ـ نعم! مماتتش؟
أومأ مؤكدًا ثم أشاح بنظره جانبًا وقال:
ـ بنتك تبقى نسيم!
تحولت الأعين كلها صوب نسيم، التي تلقت صفعة جديدة أقوى من كل ما سبق، وفقدت على أثرها الوعي.
وقفت عائشة تنقل عيناها بين سالم ونسيم، بينما هو يطالعها بمنتهى الثبات وكأنه لم يقل شيئًا.
كانت تفتح فمها وتغلقه كسمكة في الماء، وكلما وجدت صوتها لتتحدث اختفت الكلمات وتاهت الأحرف على شفتيها. وأخذت تنظر إلى نسيم بذهول.
هل تلك الشابة الجميلة.. ابنتها؟
بدأت نسيم بالاستجابة لهم بعد أن نثروا العطر أمام أنفها، وعادت لوعيها من جديد فأخذت تنظر حولها، تحاول استيعاب شيءٍ ما. هل ما حدث وما قيل قبل قليل.. كان حقيقيًا؟
التقت عيناها بعيني عائشة التي كانت تبكي بانهيار، وتساءلت بغير تصديق، برفض:
ـ أنا… بنتها؟ إزاي!
تحولت كل الأعين نحوه، ينتظرون إجابته، ما عدا عائشة التي كانت تعلم علم اليقين أن إجابته ستشعل فتيل الحقد بقلبها.
ـ أيوة، عائشة تبقا أمك اللي ولدتك.
وقبل أن يكمل، قاطعته عائشة التي ودت إيضاح حقيقة الأمر، ودت أن تشرح لها أنها لم تكن سوى ضحية، والجاني هو سالم وحده.
ونظرت إلى نسيم وقالت:
ـ من 33 سنة اتجوزت أبوكي. ولما روحت أقول له إني حامل بان على حقيقته، إنسان أناني وظالم. وقتها جدك أمره يطلقني وقرروا إني هفضل تحت ولايتهم لحد ما أولد وبعدها ياخدوا العيل وأنا أسيب البلد كلها وأمشي. أبوكي موقفش جنبي، اتخلى عني ومفكرش غير في نفسه. مفكرش إزاي هيحرم أم من ضناها ويفرق بينهم. هو اللي عمل فيا وفيكي كده من البداية. ولما وقفت على رجليا وروحت له عشان أخد بنتي وأربيها في حضني كدب عليا وقال لي إنها ماتت.
قاطعها سالم بكلماتٍ زعزعت ثباتها فقال:
ـ طالما قلتي الحقيقة يبقى قوليها كاملة يا عائشة. قولي إنك فضلتِ الولد على البنت. سبتيلي نسيم وداريتي عني وجود حسن. لو أنا شيطان فأنتي مش ملاك بردو، أنتي كمان عملتي نفس اللي عملتيه وأسوأ.
نظرت إلى نسيم مجددًا، هزت رأسها بنفي، تود لو أنها تكذب كل ما قاله، ولكنها الحقيقة. كيف يمكنها إنكارها؟
رأتها تبكي، وترتجف بطريقة مثيرة للشفقة. وأخواها يلتفان حولها يحاولان تهدئتها.
اقتربت منها بينما أشارت لها نسيم بعدم الاقتراب، ونظرت إليه بحدة وقالت:
ـ أوعي تقربي مني.. أوعي!
ـ نسيم أنا أمك.. بالرغم من كل اللي حصل بس دي الحقيقة.
اللمعت عيناها بشر، وتطاير منهما الغضب والحقد وهي تهتف:
ـ انتي مش أمي، وعمرك ما هتكوني!
***
طُرق الباب ثم دخلت نغم التي كان من الواضح للأعمى الحالة التي تنتابها.
فاقتربت من خالتها وقالت:
ـ معلش يا خالتي اتأخرت عليكي.
مسحت عائشة دمعاتها سريعًا ونظرت إليها بوهن وقالت:
ـ مالك يا نغم؟ انتي معيطة؟ وبعدين مشوار إيه اللي كنتي فيه ده؟
ـ بعدين يا خالتي هحكيلك، التاكسي مستني برة. يلا نمشي.
ساعدتها لتنهض، ثم خرجتا سويًا من المشفى واستقلتا التاكسي الذي انطلق بهما نحو المنزل.
كانت نغم شاردة. ربما قبل يوم واحد من الآن لو أنّ أحدٌ سألها عما يعنيه الوداع بالنسبة لها لكانت أجابت أنه مجرد طقسًا روتينيً بحت يفعلونه من هم على وشك الابتعاد والسفر. ولكن الآن يمكنها الجزم أن الوداع أشبه بأن تبتر بعضًا من كلك، يشبه أن تنحر قلبك على مرأى من ناظريك. الوداع لا يتلخص في قلبين يبتعدان وأيادي تلوح، الوداع أقسى من ذلك.
لم تغفل عائشة عن تلك العبرات اللاتي تتسابق فوق وجنتيها، مما جعلها تشاركها البكاء وهي تقول:
ـ حاولت أكلم زينب أطمن على نسيم. هي اللي كلمتني وقالت لي متتصليش تاني.
نظرت إليها نغم فرأتها تبكي بحسرة، فاقتربت منها وعانقتها بقوة وهي تقول:
ـ متعيطيش يا خالتي انتي تعبانة وكده هتتعبي أكتر.
ـ أنا اللي تاعبني إنها مش راضية تديني فرصة يا نغم، مش راضية تسمعني حتى.
ـ هتسمعك وهتسامحك يا خالتي.. سيبي الأيام تداوي كل حاجة.
ـ أيام إيه يا نغم، هو أنا لسه هعيش قد إيه؟ أنا اللي فاضلي في الدنيا مش كتير. كان نفسي تسامحني وتديني فرصة أعوضها عن أي حاجة من اللي اتحرمت منها قبل ما أموت، كان نفسي ألحق أشبع منها.
أسندت نغم رأسها على رأس خالتها وشاركتها البكاء في صمت، فحالها ليس أفضل منها، والصمت الآن هو الحل المناسب.
بعد قليل.. توقف التاكسي أمام البناية، فنزلت نغم وساعدت خالتها لكي تترجل خارج السيارة، ثم توجهتا للداخل وصعدتا إلى الطابق الموجود به شقتهم بواسطة المصعد.
وما إن خرجتا من المصعد حتى تفاجأت كلا منهما برؤية حسن الذي كان يقف أمام باب الشقة ويضغط زر الجرس.
هرولت عائشة نحوه وعانقته بقوة وانفجرت في نوبة بكاء أعتى من سابقتها، فما كان منه إلا أن ربت عليها بشوق فطري وأسندها ريثما تفتح نغم الباب.
دخل وهو ممسكٌ بيدها، فتلك الحالة التي كانت عليها أخبرته أنها قد عادت للتو من تلقي جلسة كيماوي أرهقتها وأنهكت قواها.
ساعدها حتى جلست فوق الأريكة ثم جلس بجوارها فعانقته مجددًا بلهفة أكبر وظلت تبكي وهي تقول:
ـ وحشتني يا حسن، وحشتني يا ضنايا يا حبيبي.
كانت نغم تقف على مقربة منهما، ولكنها انسحبت وقررت أن تترك لهما مساحة كافية للحديث بحرية، إضافة إلى أنها ترغب في الانعزال عن العالم بأسره والبكاء ريثما تخمد تلك النيران المتأججة بقلبها.
كان حسن مطرقًا برأسه أرضًا في صمت، ثم نظر إليها وقال بدون مقدمات:
ـ أنا فعلاً ابن سالم مرسال؟ ولا دي كدبة عشان تحمي فريد؟
دار بينهما صمتٌ ثقيل، ثم أخيراً عادت بنظراتها إليه وقالت:
ـ انت ابن سالم مرسال.. سالم أبوك الحقيقي.
كان يتوقع أنه بسماع الحقيقة سيشعر بحمل كبير يُرفع عن عاتقه، ولكن هذا لم يحدث، بل حدث العكس تمامًا، فما قالته أثقلهُ أكثر.
تنهد وهو يضغط فكيه بغضب، ثم تساءل بحدة وقال:
ـ وليه خبيتي عليا السنين دي كلها؟
قالت ودمعاتها تسيل على خديها تباعًا:
ـ والله العظيم كنت عاوزة أقولك بس كنت بخاف تسيبني وتروح له. فاكر لما كنت بقولك كذا مرة إني عاوزة أحكيلك عن حاجة مهمة؟
أومأ فتابعت:
ـ كنت ببقى عاوزة أحكيلك الحقيقة بس كنت بخاف، كنت خايفة أخسرك وأنا مليش غيرك.
اختلط في عينيه مزيجٌ مخيف من الغضب والشفقة وقال بصوت مظلم:
ـ احكيلي كل حاجة من البداية، إزاي ده حصل؟
تنهدت وهي تسترجع ما حدث، ومرت دقائق طويلة وهي صامتة، انتظرها لتتحدث، ولكن عوضًا عن التحدث شعرت بشيء عالق في حلقها، ذكريات عن غبائها الذي ألقى بها إلى التهلكة والدمار.
ابتلعت ريقها أخيرًا وقالت:
ـ زمان وأنا صغيرة كنت بَخدم في القصر بتاع أبو سالم. كان وقتها متجوز بنت عمه ومخلف منها فريد. حبيت سالم غصب عني، كنت أول مرة أعرف يعني إيه حب. والله العظيم ما حبيته عشان فلوس ولا غيره، حبيت نظرته ليا وابتسامته وكلامه الحلو. سالم الوحيد اللي قال لي كلمة حلوة وحسسني إني أتحب زيي زي أي واحدة طبيعية. مكنتش أعرف إنه بيتسلى وإني بالنسبة له نزوة، وبالذات لما عرض عليا الجواز اطمنت له أكتر وقلت أكيد بيحبني وإلا مكانش هيتجوزني. وقتها مكان ليّ أهل، مفيش غير خالتك بدر وكانت صغيرة، ملقيتش حد يوعيني أو ينصحني، ملقيتش اللي يراجعني. كنت وقتها بطولي واللي عاوزاه بعمله. وافقت أتجوز سالم. ما صدقت، كنت خلاص حاسة إني لمست النجوم بإيديا زي ما بيقولوا. اتجوزنا شهرين وحملت، وبعد ما عرف إني حامل اتقلب عليا وبقى واحد تاني. لجأت لأبوه. كنت فاكراه هينصفني، أتاري القسوة والأنانية متأصلة جواهم من الكبير للصغير. جدك قرر إني أفضل في البلد لحد ما أولد وأسلمهم العيل وبعدها أخد أختي وأمشي. مكانش قدامي حل غير كده. مكنتش أقدر أهرب وأنا حامل لأنهم كانوا مراقبيني وعينيهم عليا. قضيت شهور الحمل في البيت ويوم الولادة اتفاجئت إني كنت حامل في توأم!
ارتعش فكه وغامت عيناه بذهول، وابتلع ريقه ثم أسند رأسه بين كفيه بتشوش وهو يستمع إليها وهي تقول:
ـ وقتها حسيت إن ربنا بيديني فرصة وبيحل لي المشكلة ببساطة. مفكرتش.. اديتهم البنت وخدتك انت. وقتها أم زينب الخدامة اللي عندهم دلوقتي هي اللي كانت بتولدني لأنها كانت خدامة في قصر عبدالعظيم مرسال. وهي اللي وقفت جنبي هي وبنتها زينب لأنهم كانوا عارفين إني اتظلمت. خدوا البنت وخبوا عليهم إني خلفت ولد كمان، وساعدوني لحد ما خرجت من البلد وانت معايا وبعدها جيت هنا على مصر واتجوزنا أنا ومحمود الله يرحمه وربيناك على أساس إنك ابنه.
كان يستمع لما تقوله بذهول، ثم تساءل وقد قطع على نفسه شقاء التفكير:
ـ هو اللي انتي بتقوليه ده بجد؟
أومأت بأسف وقالت:
ـ أيوة بجد.
ـ يعني انتي اديتيهم البنت وخدتيني أنا؟ طب ليه؟
ـ طمعت فيك.. مقدرتش أتخلى عنك.
نظر إليها وابتلع ريقه وهو يفكر في كلماتها التي ترددت في ذهنه، ثم قال بنبرة حادة:
ـ مقدرتيش تتخلي عني واتخليتي عن بنتك عادي؟
ـ مكانش قدامي حل تاني يا حسن، كنت مجبرة أختار حد منكم، كان لازم أضحي بحد منكم وأحافظ على التاني. خفت أخد البنت أندم، كنت بقول لنفسي البنات همهم كبير وهعمل إيه في الدنيا أنا وهي لوحدنا، قلت لما آخدك وتكبر انت اللي هتسندني وتعوضني عن كل الظلم اللي شفته.
ـ ظلم؟ أي ظلم اللي بتتكلمي عنه؟ الظلم ده انتي اللي اخترتيه محدش جبرك عليه، انتي اللي اتجوزتي سالم وحملتي منه محدش ضربك على إيدك. الظلم اللي بجد اللي انتي عملتيه فينا! حرمتيني من أبويا ومن أهلي الحقيقيين ورميتي أختي تعيش مع أم تانية. إحنا اللي اتظلمنا مش انتي.
رمق أحدهما الآخر لدقيقة طويلة، قفز قلبها داخل صدرها بينما تقنع نفسها أن ما تراه في عينيه ليس كرهًا، ليس منطقيًا أن يشعر تجاهها بذلك الشعور.
تلعثمت وهي تبحث عن أحرف لتكونها كي تشكل كلمات تبرر بها موقفها، فخرجت أحرفها متقطعة وكلماتها مبعثرة:
ـ أنا.. أنا رحت له عشان أخد منه البنت قال لي إنها ماتت، كدب عليا وحرمني منها مع إنها عايشة!
ـ وانتي عملتي إيه؟ ما انتي كمان كدبتي عليه وخبيتي عليه إن ليه ابن بقى راجل طول الباب. والنبي يا ماما متعمليش فيها ضحية وغلبانة لأنه مش لايق عليكي.
اندفع قلبها مصطدمًا بأضلعها، لم تتوقع عنف ردة فعله بتلك الطريقة أبداً. حسناً، لقد كانت تخشى لحظة المواجهة تلك لأنها كانت تعرف أنها لن تمر مرور الكرام، ولكنها لم تتوقع أبداً – ولا في أسوأ كوابيسها – أن يحملها هي نتيجة ما حدث!
زفر نفسًا عميقًا بغضب، ثم تساءل بفضول:
ـ أختي تبقى مين؟ أقصد توأمي.
ـ نسيم.
أجابته بهدوء، فشرد للحظات، ثم أخفض رأسه وهزه، وهبط كتفاه فيما يشبه الهزيمة، فقالت:
ـ والله العظيم كنت عاوزة أحكي لك يا حسن، بس كل ما كنت بحاول أحكيلك تحصل حاجة تمنعني. أنا عارفة إني غلطانة لأني خبيت عليك موضوع زي ده بس مكانش بإيديا.
ـ موضوع زي ده؟ انتي ليه محسساني إنك كنتي مخبية بنطلون ولا قميص مثلا؟ انتي عارفة انتي عملتي إيه بأنانيتك؟ انتي عيشتيني عيشة محدش يستحملها، بسببك أنا طلعت مجرم ورد سجون. لو كنت كبرت في عيلة وسط أهلي تفتكري كان ده هيبقى حالي؟ تفتكري مكنتش هبقى زي فريد وعمر اللي الناس بيضربوا لهم تعظيم سلام؟ مصعبتش عليكي ولا مرة وانتي شيفاني وحيد ومحروم من كل حاجة؟ مقولتيش لنفسك أصارحه بالحقيقة وأسيبه هو يقرر عايز إيه ومين؟ ولا الأنانية كانت عامية عينيكي للدرجة دي؟
نظرت إليه بغير تصديق وقالت بحسرة تشعبت بكل جوارحها:
ـ ولو كنت سبتك لأبوك وخدت نسيم بردو كنت هتقول عليا أنانية زي ما هي بتقول دلوقتي، كنت هتقول إني ضحيت بيك واخترتها هي.
ـ يا ريتك ضحيتي بيا.. على الأقل كان زماني عايش العيشة اللي أستاهلها ومكانش ده بقى حالي.
نهض متخذًا سبيله نحو الباب فحاولت اللحاق به ولكنها شعرت برأسها يدور فوق عنقها لذا التزمت بمكانها بعجز، بينما هو خرج وصفق الباب خلفه بضيقٍ جَم.
وما إن استمعت نغم إلى صوت الباب حتى أسرعت للخارج وجلست بجوار خالتها وهي تحاول تهدئتها.
ـ شوفتي اللي بيحصل لي يا نغم؟ الاتنين بيلوموني!! نسيم بتقول إني أنانية عشان اختارت حسن وسيبتها لأبوها، وحسن بيقول إني أنانية لأني سيبت نسيم لأبوها وخليته معايا!! الاتنين شايفين إني ظالمة وجانية وأنانية. الاتنين كرهوني يا نغم.
غص قلبها، وشعرت بالشفقة حيالها فأخذت تمسد ذراعها بحنوٍ وهي تقول:
ـ معلش يا خالتي المسألة مسألة وقت وهيفهموا إنك كنتي مجبرة تعملي كدا، هدي نفسك عشان خاطري.
هزت عائشة رأسها برفض وهي تقول:
ـ حسن مش ممكن يسامحني، ده أكيد اتكلم مع أبوه وملى دماغه ناحيتي. مش هيسمعني ولا هيفهمني. تلاقيه رايح له دلوقتي.
تنهدت نغم بأسى، فلأول مرة تقف عاجزة أمام خالتها لا تجد ما تقوله، أساسًا الوضع برمته يفوق استيعابها المحدود، لذا التزمت الصمت مجددًا وظلت تقدم إليها الدعم حسبما تستطيع.
***
بعد أن عادت چيلان إلى المنزل ومرت بغرفة والدتها قررت أن تعود إلى غرفتها.
وكالعادة.. بمجرد ما إن وطأت قدماها أرض الغرفة حتى شعرت بالضيق يؤطر قلبها، فأسرعت خارج الغرفة ودخلت إلى غرفة چوليا.
كانت كئيبة، يحيط بها السواد من كل جانب، ما عدا تلك الصورة المؤطرة الموجودة أعلى الفراش، والتي كانت تحوي صورة چوليا وهي تقف أمام برج خليفة وترتدي ثوبًا قصيرًا باللون القشدي. كانت تلك هي التفصيلة الملونة الوحيدة في الغرفة، وكل ما دون ذلك أسود.
دلفت چيلان تجر قدميها ببؤس لا ينتهي، وتوقفت أمام تلك الصورة وأخذت تطالعها ولم يكن في وسعها إلا أن تبكي، ككل مرة.
تلك الفتاة الجميلة، اللطيفة، المفعمة بالحياة، رحلت وانتزعت معها كل صورة جميلة لها، لم تترك في مخيلتها سوى صورتها الأخيرة.. مسجية على الأرض، غارقة في دمائها!
***
كانت تقف والذهول يزيد عيناها قتامة، تستمع إلى تلك المفاجآت الكارثية الرهيبة التي جعلت رأسها يدور.
وإذ بها تستمع إلى رنين هاتفها، وما زاد من تعجبها هو اسم شريف الذي ظهر على شاشة الهاتف، فهي لا تتذكر متى كانت آخر مرة يقوم بالاتصال بها فيها.
رفضت المكالمة ولكنه كرر الاتصال، فانسحبت وخرجت من مقر الشركة تمامًا بعيدًا عن كل الصخب الحالي، وأجابت الاتصال قائلة بإيجاز:
ـ عاوز إيه يا شريف؟
فوصلها صوته مرتبكًا، باكيًا، منهارًا.
ـ چيلان.. تعالي البيت عندي حالا.
قطبت حاجبيها المنمقان بتعجب وقالت:
ـ البيت عندك؟ ليه؟
همّ بقول شيء ما، ولكن نهنهاته منعته، فأثار قلقها فقالت:
ـ فيه إيه يا شريف إيه اللي حصل؟
ـ چوليا.. چوليا انتحرت!
تيبس جسدها، اتسعت عيناها، وفغرت فاها بصدمة.
سقط هاتفها أرضًا وترنحت خطواتها. وأخذت تنظر حولها بصدمة وكأنها تدور حول نفسها بلا توقف.
حثت نفسها على الخروج من تلك الصدمة سريعا.
تحركي چيلان، بالتأكيد هناك ما في وسعكِ فعله.
ركضت نحو سيارتها، استقلتها وتحركت سريعا في طريقها إلى منزل شريف.
كانت تقود سيارتها على أعلى سرعة، تلتهم الطريق أمامها وصورة أختها.. صغيرتها.. ترتسم أمام عينيها بوضوح.
وبالرغم من تلك الحالة البائسة التي كانت تعتريها إلا أن عقلها لم يتوقف عن العمل، فقامت بالاتصال بالإسعاف، وأبلغتهم بوجود حالة انتحار تستوجب النقل للمشفى حالا وأبلغتهم بالعنوان.
وبعد مرور نصف ساعة تقريبًا كانت قد وصلت إلى منزل شريف، لتتفاجأ بسيارة الشرطة، تجاورها سيارة الإسعاف، وشريف مكبل اليدين يقودوه نحو سيارة الشرطة، وفي النهاية.. نقالة طبية.. فوقها چوليا مغطاة بغطاء أبيض ملطخ بالدماء.
قبضها المنظر لبرهة، فيها تحركت سيارة الإسعاف. فلم يكن هناك وقتٌ للانهيار حيث أنها استقلت سيارتها من جديد ولحقت بها إلى المشفى.
لم ترغب في إخبار والدتها إلا بعد أن تطمئن على حالتها، كان لديها أملًا أن تنجو، أن تتمسك بالحياة ولو قليلًا.
وصلت إلى المشفى، فرأت المسعفين وهم ينقلون چوليا إلى غرفة العمليات، فأسرعت خلفهم وتوقفت أمام غرفة العمليات، تضم كفيها أمام فمها وتدعي.
ترجو الله رجاءً صادقًا أن يهبها فرصة للنجاة، فرصة للحياة.
ولكن رجاءها توقف.. ودموعها انحسرت.. وتعلقت عيناها الباكيتان بذلك الرجل الذي غادر غرفة العمليات للتو، وبمنتهى الهدوء، والأسف الروتيني أعلنها.. لقد فارقت الحياة!
***
استمعت چيلان إلى نداء عمر، فجففت دموعها سريعًا وقالت دون أن تستدير:
ـ نعم يا عمر؟
ـ أنا مخنوق ومضايق أوي.. ومش عارف أروح فين ولا أروح لمين؟ فريد وأهو سافر. ونسيم مش في حالة تسمح إنها تتكلم مع حد.. و چوليا راحت!
قالها وهو يمسح دموعه بحسرة، فاقتربت منه چيلان وعانقته بقوة، وانفجرت باكية بالمثل وهي تقول:
ـ بس أنا موجودة يا عمر.. موجودة في كل وقت…
كان في أشد الحاجة للعناق، فهو يشعر أنه كالغريب، كالشريد الذي لا يجد مأوى ولا دليل.
ـ چوليا خلاص ماتت يا چيچي؟ أنا مش قادر أصدق، أنا ندمان إني مكنتش قريب منها كفاية، حاسس بتأنيب الضمير، يمكن لو كنت قربت منها واتكلمت معاها كنت قدرت أخفف عنها وأخرجها من الحالة اللي كانت فيها، أنا قصرت في حقها أوي.
ربتت عليه وهي تحاول التخفيف عنه وقالت:
ـ متشيلش نفسك فوق طاقتها يا عمر، انت مش مقصر لوحدك.. كلنا كنا مقصرين ومشغولين، أنا كمان انشغلت بحياتي ونسيت إنها محتاجاني، كان لازم أكون جنبها وأساعدها.. بس خلاص، الكلام ده مفيش منه فايدة دلوقتي.. هي خلاص ماتت، ربنا يرحمها ويغفر لها.
زفر وهو يمسح دموعه بعد أن أزاح الكثير من تلك الفوضى بداخله وقال:
ـ عرفتي إن شريف سافر؟
هزت رأسها بموافقة وقالت:
ـ نادر قال لي النهارده إنه سافر امبارح. وسمعت كمان إنه صفى شغله اللي هنا وتقريبًا كده ناوي يستقر في مدريد.
احتدمت ملامحه وارتسم فوقها الغضب والضيق وأخذ يقول:
ـ الجبان هرب بعد ما اتسبب في موتها، أقسم بالله لو شفته هاقتله. ولحسن حظه إني مش قادر أسافر دلوقتي كنت رحت وراه وخنقته بإيديا دول.
تنهدت چيلان وهي تحاول تهدئته وقالت:
ـ ده إنسان مريض ميستاهلش إنك تضيع مستقبلك عشانه، كفاية چوليا اللي كانت مريضة بحبه وماتت نفسها بسبب علاقة فاشلة زي دي.
ـ أنا لحد دلوقتي مش قادر أصدق إنها هي اللي انتحرت، مش قادر أقتنع إن واحدة كانت ناجحة وبتحب شغلها وبتحب الحياة زي چوليا تموت نفسها! وكل ده عشان مين!! عشان شريف!
ـ للأسف دي الحقيقة هي اللي انتحرت والكاميرات وثقت كل حاجة، يعني مفيش مجال للشك. چوليا كانت بتعاني يا عمر، اللي مرت بيه من إرهاق وتلاعب نفسي مكانش هين، وكان المفروض تلاقينا جنبها وقتها لكن للأسف كل واحد فينا كان مشغول بحياته ومفيش عنده وقت للتاني.
ـ طيب والتلاعب النفسي مين كان السبب فيه؟ مش الحيوان اللي اسمه شريف؟ المفروض كان يتعاقب مش يبرأوه وكأنه معملش حاجة!
تنهدت وهي تشرح له قائلة:
ـ لأنه فعلاً معملش حاجة يا عمر، النيابة بتحكم بناءً على أدلة ملموسة قدامها، ملهاش دخل بالمشاعر والأحاسيس والكلام ده كله، چوليا عندها 27 سنة يعني لا كانت طفلة ولا قاصر عشان يتهموه باستغلالها، والدلائل أثبتت إنها انتحرت. عشان كده مفيش أي حاجة عليه.
زفر عمر بقلة حيلة وقال:
ـ أنا خايف أوي على ماما. حاسس إن بعد السكوت اللي هي فيه ده هتنفجر فجأة.
ـ ربنا يستر. إحنا لازم نفضل جنبها على قد ما نقدر الفترة الجاية، وانت كمان يا عمر حاول تقرب منها وتحسسها بوجودك جنبها أكيد ده هيفرق معاها.
أومأ موافقًا، ثم صمت وتوقفت الأنفاس في صدره وهو يحدق في أرجاء الغرفة الفارغة إلا من الحزن.
وأغمض عينيه مخفيًا دموعه، ثم غادر.
وقف أمام باب الغرفة يحدق بالغرفتين المقابلتين له، إحداهما لفريد والأخرى لنسيم.
الأولى فُرغت والثانية يتبقى على فراغها ساعات قليلة. ومن خلفه غرفة أخرى تركها صاحبها لكي تصفر بها الرياح وكأنها تنذر بنوة عنيفة غير مسبوقة.
لم يتحمل كم الوحشة التي يشعر بها هنا، ولم يسعفه قلبه ولم يتناهى إلى عقله صوتٌ غير الهروب.
لذا غادر المنزل مسرعًا، لا يعرف وجهة، ولا يعرف مقصدًا. كل ما يعرفه أن البقاء دقيقة أخرى في هذا المنزل ستزهق روحه.
***
بعد مرور ست ساعات.
غادر فريد المطار، ثم استقل إحدى سيارات الأجرة المصفوفين على جانب الطريق وطلب منه أن يوصله لفندق معين يطل على البحر.
كان ينظر من النافذة المجاورة، لم يملك خيارًا سوى السماح لعينيه بالتحديق في كل مكان بتشوش. كان يراها ويرى ظلها في كل شيء تقع عيناه عليه، ليكتشف في النهاية أنه كان شاردًا في صورتها بخياله، واهبًا إياها كل تركيزه وعاطفته.
بعد ثلاثين دقيقة تقريبًا توقفت السيارة أمام الفندق، وترجل فريد حاملا حقيبته ثم دخل الفندق، وقام بحجز غرفة ثم توجه إلى الطابق الموجودة به.
توقف أمام باب الغرفة، وأخذ يرمقها بشك لم يختبره منذ زمن، ثم دخل وأغلق الباب بمرفقه، ووقف يتأمل الغرفة فغادرته أنفاسٌ ثقيلة منزعجة.
وبالرغم من الأرق الذي يشعر به بعد قضائه خمس ساعات وأكثر في الطائرة فإنه كان لزامًا عليه أن يهيئ تلك الغرفة ويجعلها بيئة آمنة مناسبة له ولوسواسه اللعين.
أخفض حقائبه أرضًا، ثم فتح حقيبته وأخرج منها قفازين طبيين، ارتداهما إرضاءً لتلك الحاجة الملحة بداخله، وقام بنزع الأغطية من فوق السرير وجمعها بداخل كيس بلاستيكي كبير، ثم أخرج تلك المفارش والأغطية التي أحضرها برفقته وبدأ بتجهيز السرير.
وبعدها قام بتنظيف الغرفة وتعقيمها بواسطة الكحول الذي أحضره معه من مصر. وبالرغم من أنه يعرف أن هذا الفندق يهتم بأمور التنظيف والتعقيم جيدًا – ولهذا السبب بالتحديد اختاره – إلا أنه لم يطمئن سوى بعد أن أتم مهمة تنظيف شاقة جدًا.
وبعد أن انتهى، دخل ليأخذ حمامًا عميقًا ثم خرج منه إلى الفراش فورًا.
***
في المساء.
في تمام التاسعة.
كانت نسيم قد انتهت من تحضير حقيبتها التي وضعت فيها كل أغراضها المهمة، وتحركت لتلقي نظرة أخيرة على طلتها الباهتة التي تفتقر لأي من مظاهر الفرح، حيث أنها لم تتخل عن ملابسها السوداء، واكتفت بتبديلها إلى أخرى من نفس اللون.
استمعت إلى طرقات زينب على الباب، فانقبض قلبها أكثر مع كل طرقة، وسمحت لها بالدخول.
فدخلت زينب ترسم عبوسًا أسودًا على ملامحها وهي تقول:
ـ المأذون وصل.. والعريس كمان.
تلك الكلمة انتزعتها من وجدانها وأخذتها نحو هوةٍ سحيقة، جعلتها تشعر بتصلب عمودها الفقري وتشنج كل عضلاتها، بينما أبقت رأسها مصوبًا نحوها.
وبعد دقائق جاء ردها:
ـ أنا جاهزة.
تقدمت زينب نحوها بضجر، حتى هي تشعر بالسخط نحو هذا القرار الأرعن الذي لا يحمل في طياته أي منطق.
أحضرت تلك العصا الطبية التي تستند إليها نسيم وأعطتها لها وهي تمد يدها إليها لتتلقى ذراعها.
ساعدتها حتى نصبت طولها، ثم سارت إلى جوارها لكي تساعدها في هبوط الدرج حتى وصلتا إلى غرفة الصالون.
كان التوتر سيد الموقف، حيث أنها تمكنت بنظرة سريعة أن ترى ذلك التوتر الذي يغشي وجوه الجميع، بمن فيهم والدها، وزوجها المستقبلي، ونادر الذي سيكون شاهدًا على عقد الزواج، وعمر الذي كان الضيق وعدم الرضا واضحين عليه بشدة.
نظرت ببطء في اتجاهه، لترحب بها عينان حادتان، يحفهما تعبير جاف يسري القلق في النفس.
فتحت فمها لكن لم تُتح لها الفرصة للتحدث، حيث رأته ينهض من مكانه، ويتوجه نحوها، ثم نظر إلى زينب وأومأ بهدوء وقال:
ـ شكراً ليكي، خليني أنا أساعدها.
نظرت إليهما زينب بترقب لثوانٍ، ولما لم تجد ردًا من نسيم تركت يدها.
فتولى هو مكان زينب وأمسك بذراعها يساعدها للوصول إلى المقعد الخاص بها بجوار والدها.
رمقته بنظرة مرتبكة فبادرها بابتسامة جعلت ذكرى لعينة من الماضي تومض في رأسها، حيث أنها تأكدت الآن أنه شقيق حازم، لأن كلاهما يملكان نفس الابتسامة.
عاد عاصم إلى مقعده، ونظر إلى المأذون قائلاً:
ـ اتفضل يا مولانا.
بدأ المأذون بتحضير أوراق عقد القران، ثم نظر إلى نسيم التي كانت شاردة وكأنها منفصلة عن واقعهم وقال:
ـ آنسة نسيم.. هل توافقين على زواجك من بشمهندس عاصم عبدالرحمن الدالي زواجًا شرعيًا على سنة الله ورسوله؟
تفحصتها كل العيون، وصدح ضجيج القلوب عاليًا منذرًا بخوف لم يسبق له مثيل.
حتى قطعت هي ذلك الصمت المهيب المريب وقالت:
ـ أيوة موافقة.
لم يكن من السهل إقناعه، فليس وهي ترتدي تلك الثياب والدموع ترسم هالتين حمراوين أسفل جفنيها.
لذا كرر سؤاله قائلاً:
ـ متأكدة إنك لم تتعرضي لأي ضغط من أي نوع؟
تنهدت ونظرت إليه وهي توميء بتأكيد وقالت:
ـ أيوة متأكدة.
أومأ ثم تحدث وقال مفتتحًا خطبة النكاح:
ـ إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وسيدنا محمد قال: من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. لذا.. فبكل سرور.. سنعقد قران البشمهندس عاصم على كريمة سالم بيه.. داعين المولى عز وجل أن يوفقنا جميعًا إلى ما يحبه ويرضاه.
ثم نظر إلى عاصم وتابع:
ـ حط إيدك في إيد والد العروسة يا عريس.
كان أمرًا ثقيلاً للغاية، فمنذ أن اتخذ عاصم قراره بالزواج من نسيم وهو يحمل هم تلك اللحظة بالتحديد، يفكر كيف سيضع يده بيد ملطخة بدماء أخيه!
نظر إلى سالم، وتبادلا النظرات، فاحت نظرات الكره من عينيه، ولمح في عينيّ سالم نفس الحقيقة، وربما أكثر قليلاً. والحقيقة الأكبر أن كليهما لا يتشاركان الكره فحسب، بل ويتشاركان العجز في إخفائه.
وعلى ما يبدو أن لا أحد منهما مهتم بإخفائه!
مد عاصم يده أخيرًا في اتجاه سالم الذي أراد أن يتخلص من هذا الوضع المريب على الفور.
لذا فإنه شبك قبضته في قبضة عاصم، ثم وضع المأذون قبضته فوق قبضتيهما وقال موجهًا حديثه نحو عاصم:
ـ ردد ورايا.. لقد استخرتُ الله.. أنا عاصم عبد الرحمن الدالي.. وأطلب منك أن تزوجني ابنتك.. الآنسة نسيم سالم مرسال.. البكر الرشيد.. على سنة الله ورسوله وعلى الصداق المسمى بيننا.
ردد عاصم ما قاله المأذون وهو يشعر شيئًا ما يغزو شعوره، شيئًا يشعره بالخزي، يشعره بالضيق.
نظر المأذون إلى سالم وقال:
ـ قول ورايا يا سالم بيه، وأنا استخرتُ الله وزوجتك موكلتي.. الآنسة نسيم سالم مرسال.. البكر الرشيد.. على سنة الله ورسوله.
أخذ سالم نفسًا عميقًا وزفرهُ ببطء، وردد ما قاله المأذون بقلبٍ منصهر، تباطأت دقاته وكأنه على وشك التوقف حالًا.
حينها نزع المأذون قبضته من فوق قبضتيهما وهو يردد:
ـ على بركة الله.. بالرفاه والبنين إن شاء الله.
على الفور نهض عاصم من مقعده، وتوجه نحو نسيم، وقف أمامها ثم مد كفه إليها فتعلقت عيناها به لبرهة، ثم وضعت يدها بيده، ويدها الأخرى تمسك بعصاها الطبية، ثم نهضت وهي تشعر بأن الأرض تميد بها.
غادر المأذون، وانسحب بعدها نادر، يعقبه عمر الذي لم يطق البقاء بالغرفة لوقت أطول.
وتوقف سالم أمام نسيم.
حركت نظراتها في المكان، وبدأ الأمر يعتريها، إنها ستغادر بعد قليل، ستغادر بيتها وتنتقل إلى بيت لا تعرفه، ستترك أهلها وتنتقل للعيش مع رجل لا تعرفه.
هل تسرعت؟
ذلك كان السؤال الذي طرأ على عقلها وهي ترى تلك النظرة النادمة بعيني والدها، وكم تمنت لو أنها رأت مثل تلك النظرة قبل زمن طويل، كانت لتتغير الكثير من الأشياء.
اقترب منها سالم، وتوقف أمامها مباشرةً، وبدون أن ينظر إلى عاصم تحدث بلهجة آمرة:
ـ سيبنا لوحدنا دقيقتين.
نظر إليه عاصم نظرة جانبية، ولم يتحرك إلا عندما مالت حدقتا نسيم نحوه فاعتبر أن تلك النظرات رجاء صامت، لذا غادر الغرفة وهو يقول:
ـ يا ريت مش أكتر من دقيقتين لأني مستعجل.
خرج وسحب الباب خلفه، ووقفت نسيم في مواجهة أبيها تنظر إليه بصمت، لتجده يطالعها بطريقة جعلتها تشفق عليه لحظيًا وقال:
ـ كان نفسي في يوم زي ده أقول لك مبروك!
موجة من الحزن المطلق شقت طريقها إلى جسدها بالكامل، ونظرت إليه وهو يتابع:
ـ بس مش قادر أنطقها وأنا عارف إنك ضحيتي بسعادتك وضحيتي بكل حاجة عشاني! سامحيني يا نسيم!
شيء يشبه الشعور بالعار جعلها تبصق كلماتها في وجهه بقوة:
ـ أنا مضحيتش بحاجة.. لا بسعادتي ولا بأي شيء تاني، محدش بيضحي بحاجة ميملكهاش، وتصحيح كمان، أنا معملتش كده عشانك.. أنا وافقت أتجوز عاصم الدالي عشاني أنا.. عشان أهرب من السجن بتاعك، وافقت أتجوزه عشان أنا عاوزة أتجوزه.. ولأول مرة الحياة تديني فرصة للاختيار.. عشان كده كان مستحيل أضيع الفرصة دي.
ظهر الجمود بعينيه، ربما بداخله حزن يسكن قلبه ولكنه كالعادة يأبى الظهور.
وقبل أن يضيف أي كلمة أخرى كانت قد تركته وسارت نحو الباب.
فتحته في نفس اللحظة التي كان يتقدم فيها عاصم نحو الداخل، فاصطدمت به بطريقة أربكتها وجعلت عصاها تنزلق من يدها، فانحنى والتقط العصا وناولها إياها وهو يمسك بيدها الأخرى ويقول:
ـ جاهزة نمشي؟
لم تنظر في أي مكان بعيدًا عن النقطة التي كانت تحلق بها، خشيت أن تقع عيناها على زينب، أو عمر، أو حتى چيلان، أن تصطدم بأي ركن في المنزل الذي ستفارقه الآن.
أومأت بموافقة وسمحت له أن يقود خطواتها نحو سيارته التي تنتظر في الخارج، ففتح لها الباب وساعدها حتى اتخذت مقعدها المجاور لمقعده، ثم دار حول السيارة واتخذ مكانه خلف المقود، وأدار محرك السيارة ثم انطلق.
***
قاد الطريق لساعة تقريبًا في صمت، خلال تلك الساعة لم تنطق هي حرفًا واحدًا، ولم تكلف نفسها عناء النظر إليه، كانت تشعر بقبضة قلب رهيبة جعلت جسدها كله ككرة ثلج على وشك الذوبان.
بينما هو سمح لعينيه أن تتفقدا وجهها المليح من بين فينةٍ وأخرى.
كان رأسها في حالة فوضى عارمة جعلتها تزفر زفرة مسموعة جذبت انتباهه، فنظر إليها فإذا بها تنظر إليه في نفس اللحظة، ثم أشاحت بوجهها سريعًا وكأن عقربًا قد لدغها.
دخل أحد التجمعات السكنية، وتوقف بسيارته أمام منزل بطابق واحد، ثم ترجل من السيارة واستدار نحوها وفتح الباب، مد يده إليها فأمسكت بها مرغمة، ثم ترجلت بمساعدته، وبعدها تقدم نحو المنزل، فتح الباب وطلب منها الدخول، ففعلت بقدمين لا تثق بهما بتاتًا، ولولا تلك العصا التي تدعم خطواتها لتهاوت أرضًا من فرط الخوف والقلق.
نظر إليها بصمت وعيناه لا تنم عن أي شيء، حدقت فيه لبرهة بنظراتٍ مشتتة، فقال:
ـ أهلاً بيكي في بيتك الجديد.
لم تحرك ساكنًا، فقط ابتلعت ريقها الذي انزلق لاإراديًا من فرط الرهبة، ونظرت إليه وهو يحمل حقيبتها ثم يمسك بيدها ويقودها نحو غرفةٍ ما وهو يقول:
ـ دي أوضتك.. جهزت لك فيها كل حاجة ممكن تحتاجيها.
دخل الغرفة وهي بجواره، ووقفت على عتبة الباب، عتبة المستقبل المجهول.
لا تعرف ما يخبئه الغد لها ولا تسعى لذلك، فيكفيها من الآلام ما عاشته حتى أصبحت لا تأمل في شيء سوى أن يمر اليوم بسلام.
أخفض حقيبتها أرضًا، ثم نظر إليها بهدوء وقال:
ـ اتفضلي.
كان لا يزال ممسكًا بيدها، فنزعت يدها من يده بهدوء وتحاملت على تعبها إلى أن وصلت إلى الأريكة الموضوعة بزاوية الغرفة.
وقف هو أمامها منتظرًا بصمت، ثم تساءل وهو ينظر حوله:
ـ لو شايفة إن الأوضة محتاجة تعديل أو ناقصها حاجة أنا تحت أمرك.
تعجبت لطفه المبالغ فيه، ونظرت إليه وطالت نظرتها، تبحث بين ملامحه عن ملامح اشتاقت لها، ولكنها لم تجد حتى لو واحد بالمئة منها، وتساءلت بتخبط:
ـ هو انت ليه اتجوزتني؟ ومتقولش عشان تنتقم من أبويا والكلام ده كله لأنك بالفعل عملت اللي انت عايزه من زمان.
هز رأسه بهدوء، وأخذ نفسًا عميقًا ثم نظر إليها وقال:
ـ من غير ما تقولي أنا مكنتش هجاوبك الإجابة دي أصلاً، لأني بحب أكون واضح وdirect دايماً. أنا فعلاً مطلبتش أتجوزك عشان أنتقم من أبوكي.
صمتت وهي تنصت إليه باهتمام، وهزت رأسها متسائلة فرأته يزفر نفسًا عميقًا أوضح مدى تخبطه، ثم قال:
ـ الحقيقة أنا مكنتش ناوي على جواز.. مكانش في الخطة إني أتجوزك! أنا حضرت الحفلة يومها وكنت مخطط إني هكشف الحقيقة وهقدم الفيديو للشرطة ومش هتراجع قبل ما أسجنه، لكن أول ما شوفتك.
توقف، هز رأسه، ثم تنهد بصوت عالٍ وأكمل:
ـ أول ما شوفتك كل الخطط اتغيرت! لقيتني بساوم أبوكي وبقول له يا السجن يا إما أتجوزك. مكنتش مقرر كده، بس معرفش ليه لما شوفتك حسيت إني مشوش، وكأن عقلي فقد تركيزه والخطة المحكمة اللي بجهز فيها من سنين اتغيرت وحطيت فجأة خطة بديلة وهي جوازنا. بصراحة معنديش تفسير مقنع أنا ليه عملت كده بس.. ده اللي حصل.
فاجأها بجوابه، توقعت أنه سيراوغ قليلاً، أو يمتنع عن الإجابة، ولكنها لم تجده سوى صريحًا مباشرًا. لدرجة أن صراحته تلك أربكتها بشدة.
تنهدت بأسى، نعم قلبها مرعب وعقلها مشوش، ولكن هناك قوة تبدو أنها تمزق قوقعة الخوف التي غلفت هذا القلب النابض المسكين، تتسرب من خلال الشكوك وترغب في طمسها إذا سمحت بذلك، تعدها بالراحة والأمان.
صمتت، ولما رأى صمتها قرر أن يبادر مجددًا لذا قال:
ـ بما إنك سألتي فأنا كمان عندي سؤال.
هزت رأسها متسائلة بصمت فقال:
ـ ليه وافقتي تتجوزيني؟
شيئًا ما استقر بين ضلوعها، يشبه قنبلة موقوتة، جعل داخلها يهتز بقوة.
وقبل أن تجيبه تساءل مجددًا:
ـ خوف عليكِ من السجن؟ ولا لسبب تاني؟
رغبة ملحة طرأت عليها لتجيبه بوضوح كما فعل. وبالرغم من أنها تشعر أنها تخالف المنطق إلا أنها لم تجد من قلبها ذلك الإنذار الذي يدق في كل مرة تشعر فيها بالخطر. لقد أسكت قلبها كل نواقيس الخطر الآن، وأمرها أن تفتح قلبها وأن يتسع صدرها لتسهب في حديث لا تعلم الطائل منه بعد، ولكن ما تعلمه جيدًا أنها ترغب في الحديث. وكأن عقدة صمتها قد انحلت الآن فقط، أمام شخص من المفترض أنه عدوها وعدو عائلتها الذي دمر كل شيء، ولكنها لا تشعر بالحقد تجاهه.. بل تألفه، وهذا ما أثار ريبتها! هل يعقل أن تشعر بالألفة تجاه رجل تعرفت عليه منذ ساعة واحدة؟
أسكتت تلك الأصوات الصارخة برأسها، ثم أخذت بعدها شهيقًا مكتومًا وأجابت:
ـ قبلت أتجوزك عشان أحس إني اخترت حاجة واحدة بإرادتي.. مش خوف عليه من السجن.. لأني عارفة إنه كان هيقدر يخرج منها ببساطة. تقدر تقول إني حبيت أستغل الفرصة وأغامر.
ونظرت إليه بعد أن كانت عيناها تدوران في كل مكان ثم قالت:
ـ أنا عمري ما كان قدامي خيارات.. طول عمري بيتفرض عليا كل شيء، عمري ما قررت قرار واحد يخصني.. عشان كده لما جت لي الفرصة مسكت فيها.
وتابعت وهي تشعر بالخجل، بانعدام القيمة، بالأسى:
ـ مع إني واثقة إنه ما صدق أوافق عشان يتجنب الفضايح والشوشرة.. يعني موافقتي كانت فرصة اتقدمت له على طبق من فضة.
أومأ مؤيدًا، هو يعلم مدى حقارة سالم مرسال، ويعرف عنها الكثير، لذا لقد طلب الزواج من نسيم وهو متأكد من أنه سيحصل على طلبه بدون عناء، ولكن ما فاجأه هي موافقة نسيم لأنه توقع أن تكون هي العثرة أمامه.
في تلك اللحظة كانت نسيم تشعر بالارتياح قليلاً، شعرت وكأن شيئًا استقر أخيرًا في مكانه، بعد أن تحرر جزءٌ مما كان مقيدًا بداخلها.
استمع هو لتنهيدتها، فتنهد بثقل وقال:
ـ لسه في كلام كتير محتاجين نتكلم فيه مع بعض، بس أنا مش حابب أضغط عليكي دلوقتي. مع الوقت أكيد هنتكلم في كل حاجة، على العموم لو حبيتي تسأليني عن أي حاجة تأكدي إني هجاوبك بوضوح وصراحة.
ونهض وهو يقول:
ـ أنا هسيبك ترتاحي دلوقتي.
ونظر في ساعة يده ثم قال:
ـ أنا عندي مشوار دلوقتي وهرجع كمان ساعتين تقريبًا، محتاجه حاجة أجيبهالك معايا وأنا راجع؟
تنهدت بعدم ارتياح، ثم قالت:
ـ شكراً.
ـ طيب.. ممكن رقم تليفونك؟ ممكن أحتاج أكلمك وأنا بره.
نظرت إليه بصمت، ثم أخذت الهاتف الممدود إليها وسجلت به رقم هاتفها ثم أعطته له فأومأ مبتسمًا وقال:
ـ هرن لك عشان تسيفِ الرقم.. عشان لو احتاجتي أي حاجة وأنا مش موجود تكلميني أو تبعتي مسدچ.
هزت رأسها موافقة فقال:
ـ كده تمام.. عن إذنك.
غادر وتركها في حيرة من أمرها، تنظر حولها بريبة، ذلك المكان بدا بالنسبة لها موحشًا، وأعاد إلى رأسها ذكريات كانت ظنت أنها لن تتذكرها أبدًا.
وبينما هي في خضم شرودها غارقة استمعت إلى طرقاته على الباب مجددًا.
انقبض قلبها بخوف، وابتلعت لعابها وهي تنظر نحو الباب وتفكر، لماذا أتى إليها مجددًا؟ ألم يستأذن وانصرف، لماذا عاد إليها مجددًا؟
وقفت خلف الباب تمد يدها نحو المقبض بتوتر، فإذا به يطرق مجددًا ففتحت الباب بتردد ونظرت إليه عبر زاوية الباب المنفرجة وقالت:
ـ في حاجة؟
ـ معلش نسيت أسألك.. مش هتتعشي؟
تنهدت براحة قليلاً. ثم هزت رأسها قائلة:
ـ لأ.. مليش نفس، شكراً.
ـ تمام زي ما تحبي. تصبحي على خير.
أومأت وأغلقت الباب بإحكام، بالمفتاح، ثم ارتمت فوق الفراش بتعب إثر حركتها الزائدة اليوم، وشردت بالسقف وهي تفكر.. وتتذكر كل ما مر من أحداث.
وكأنها خرجت للتو من ماراثون للأحزان، ومن يعلم، ربما القادم أسوأ. ربما يمر عامًا أو عامين وتتفاجأ في النهاية أنها لا تزال تركض في طريق وعر دون وجهة.
أغمضت عيناها وفجأة زحفت صورة والدها إلى مخيلتها، تمنت لو أنها رأت ولو قليلاً من الندم في عينيه، كانت لتقتنع أن ذلك الأسف الذي منحها إياه كان صادقًا، ولكنها كالعادة لم تر في عينيه سوى الجمود، عينين فارغتين من العاطفة، مملوءتين بالقسوة وحب الذات.
يطلب منها السماح، وكيف ستمنحهُ غايته بعد أن بدد في طريقه كل معاني الحياة، وسلبها كل شيء، كل شيء حرفيًا.
لم تشعر في تلك اللحظة سوى بالأسف على نفسها، فقد وقعت بين شقي الرحى، لا هي عاشت مع أم حنونة احتوتها ومنحتها الأمومة كما يجب أن تكون، ولا مع أب استطاع تعويضها غياب أمها.
دفعت ثمن أنانية أم لم ترغب سوى في الولد. وثمن جبروت أب لم يرغب فيها لأنها نتاج نزوة عابرة. وما بين قسوته وأنانيتها ضاعت هي وضاع كل شيء.
مسحت عبراتها وتنفست بهدوء، وأخذت تنظر في نقطة وهمية بشرود وهي تتساءل.. متى تهدأ الرياح وترسو سفينتها على بر الأمان؟
رواية محسنين الغرام الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نعمة حسن
في الصباح ..
كانت نغم تجلس على الفراش بغرفة خالتها، تقضم أظافرها بتوتر وهي تفكر: ماذا بعد أن عاد حسن؟ هل سيكتب عليها الشتات والتيه من جديد؟ هل ستجرب فقدان خالتها مرة أخرى؟
بعد ما حدث أصبحت تصاب بالهلع لمجرد احتمال أن تتواجد مع حسن في نفس المكان، ولكن ماذا بعد؟ هل ستترك المنزل وتهيم في الأرض مجددًا لتقضي في كل مكان فترة؟
البداية كانت بالڤيلا .. وبعد هروبها منها لجأت للعم إكرامي، لينتهي بها المطاف في منزل فريد.
تذكرت قوله أنه قد سجل المنزل باسمها، وهذه تضحية لم تتوقعها منه أبدًا خاصةً في ظل الظروف التي تمر بها العائلة، ولكنه لن يكون فريد إن لم يفاجئها في كل مرة. وحتى وإن كان قد سجل المنزل باسمها فهذا لا يعني مطلقًا أنها ستقبل بذلك، ولن تقبل أن تعود للعيش مع حسن من جديد، ولن تكون عالة على غيرها مرة أخرى. لا بد أن ترسم لنفسها طريقًا تسير فيه دون الحاجة لأي شخص.
انتبهت إلى حركة خالتها والتي قد بدأت بالاستيقاظ، ومن ثم نظرت إليها قائلة:
ـ صباح الخير يا نغم ..
ـ صباح الخير يا خالتي ..
ـ غريبة يعني، صاحية بدري ليه النهار ده؟
تنهدت نغم وهي تمسك بشعرها وتجمعه للخلف بعشوائية وتقول:
ـ أنا لسه منمتش ..
ـ ليه؟
رفعت الأخرى كتفيها في إشارة منها لعدم معرفتها بالسبب، بالرغم من أنها تعرف مسببات أرقها جيدًا، ولكنها لن تفصح عنها رغبةً في عدم الخوض في حديث لا يجدي منذ الصباح.
فتساءلت عائشة بلهفة:
ـ حسن مرجعش وأنا نايمه؟
ـ لأ ..
زفرت نفسًا مكتومًا، ثم قالت باستسلام وهزيمة:
ـ حسن مش هيسامحني بالساهل، دماغه حجر صوان طول عمره.
ـ متقلقيش، إن شاء الله هيرجع، هيروح فين يعني؟
ـ يروح لسالم مثلا!! مين عارف.
زفرت نغم باستياء وقالت:
ـ حتى لو حصل، بقا أمر واقع خلاص وحسن عرف إنه أبوه، يعني سواء النهارده أو بعد سنه كده كده هيحصل بينهم كلام والمياه هترجع لمجاريها ..
فأجابتها الأخرى بنبرة حادة جافة:
ـ مياه إيه ومجاريها إيه.. بقا بعد ما كبرت وربيت وشقيت لوحدي عليه ٣٣ سنه يسيبني ويروح لأبوه!! مش كفايه بنتي اللي عشت قلبي محروق عليها السنين دي كلها وهي عايشه!! ودلوقتي رافضة حتى تسمعني وتعرف مني الحقيقه، الله أعلم أبوها قاللها إيه شحنها ضدي وخلاها ترفض تكلمني بالشكل ده.
كانت نغم ترمقها بحسرة، بشفقة. تعلم أن منطقها هذا لا يخلو من الأنانية ولكنها لا تملك سوى مواساتها، لذا نهضت وجلست بجوارها، وأسندت رأسها على كتف خالتها وأمسكت بيدها وهي تقول:
ـ كل حاجه هتتحل مع الوقت يا عيوش، حسن بيحبك ومستحيل يفضّل حد عليكي.. هو بس تلاقيه مخضوض من الحقيقه ومتاخد ومش عارف يفكر ..
ثم أضافت بقليل من المرح:
ـ ماهو بصراحة حاجة تخض يا عيشة لما يبقا عايش العمر ده كله على إنه حسن جادالله ويلاقي نفسه فجأة حسن سالم مرسال..
اهتز كتفاها وقشعر بدنها في انتفاضة مصطنعة وهي تقول:
ـ يمّا.. ده اسمه لوحده يخوف.
ابتسمت عائشة بانكسار، فتابعت نغم متسائلة:
ـ كان إيه اللي عاجبك فيه بذمتك؟! طب ده حتى عليه حنجرة توقع الدهان من ع الحيطان.
اتسعت ابتسامة عائشة ثم نظرت إليها بطرف عينها وهي تقول:
ـ وانتي كان إيه اللي عاجبك في فريد؟
شحبت ابتسامة نغم فجأة، وتهدلت ملامحها بإحباط، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تقول:
ـ فريد! .. يا ريت كل الناس زي فريد.
ثارت نبضات قلبها لدرجة كادت أن تصيبها بسكتة قلبية، وأفرجت عن دمعات لعينة كانت تحتجزها بمقلتيها وهي تتابع:
ـ هو بس عيبه الوحيد إنه غبي حبتين.. لأ.. مش حبتين.. كتير ..
وأغمضت عيناها تعتصرهما بينما الدموع تغادرهما كفيضٍ جارف وهي تقول بانهزام:
ـ كان نفسي أفضل معاه.. كل حاجة كانت جميلة بوجوده، أنا عمري ما هحس تاني بالأمان اللي كنت حاسه بيه وهو معايا، مع اني مقولتلوش اني بحبه، ولا هو نطقها.. بس كنت واثقه من حبه ليا.. وزي الغبية كنت متأكدة إنه هييجي اليوم ويقولها، بس للأسف ملحقتش.
وارتجف فكها في ابتسامة واهية وهي تتابع:
ـ قليل البخت بقا.
حركت عائشه رأسها قي يأس. تعلم كم أنها تحبه، وتعلم كذلك حجم الألم بقلبها بعدما خذلها ورفض تصديقها واتهمها بالكذب. فلقد حكت لها نغم كل شيء منذ بداية هروبها من البيت سابقا، مرورا بخديعة الحفل ثم تقربها من فريد، ووصولا إلى حفل ذكرى التأسيس والتي كشفت كل الحقائق يومها. لذا تنهدت ثم ضمت نغم بقوة إلى صدرها وهي تقول:
ـ لو بيحبك بجد مش هيسيبك الا لما تسامحيه..
حينها انفجرت نغم باكية وهي تقول بحسرة:
ـ فريد سافر خلاص.
نظرت إليها خالتها بتعجب وقالت:
ـ سافر!!
أومأت بموافقة وهي تجهش في بكاءٍ مرر إليها نوبة من خيبة الأمل. فتساءلت عائشة وقالت:
ـ سافر من غير ما يقولك حاجة؟ سافر كده وخلاص؟
ـ قاللي آسف.
وصمتت وابتسمت بسخرية يغلفها الألم، ثم تابعت:
ـ كان فاكر إن آسف دي هتعدي الموضوع وكأن مفيش حاجة حصلت، بس في حاجات تعدي وحاجات لأ، أنا سامحته أول مرة بس المرة دي لأ.. لأني لو سامحته تاني مش هتبقا آخر مرة، في كل مرة هييجي عليا أنا ويكدبني ويشك فيا وييجي يقولي آسف، وأنا مهما كنت بحبه مقدرش أتحمل ولا يمكن أقبل تكون دي حياتنا مع بعض.. الشك والتخوين هيخلوني أكرهه مع الوقت.. يبقا أحسن ليا وليه اننا نبعد وأفضل محتفظة بحبه بيني وبين نفسي.
أنهت كلماتها بقرارها الذي أخذته وتتمنى لو أن بوسعها تنفيذه، لو أن بمقدورها تدبر أمر قلبها وحدها دون أن يئن تحت وطأة الشوق، لو أنها تحلّت بالشجاعة الكافية التي تُخولها للتصدي لتلك المشاعر الضارية، حينها فقط ستصبح بخير.
***
بعض الذكريات مصنوعة من مواد غير قابلة للاشتعال، لا تفنى ولا يزول أثرها مهما حاولنا سكب وقود النسيان فوقها؛ فتظل قيد الحياة تشتعل وتتأجج ولكنها لا تغدو رمادًا مهما حدث.
منذ تلك اللحظة التي غادر فيها المنزل بعد مواجهته مع والدته وهو يفكر، أين سيذهب بعد أن تقطعت به السبل؟ وبعد أن فقد الرغبة في الاحتكاك بأي كائن حي؟ ليجد الإجابة تفرض نفسها عليه في النهاية، منزلهم القديم المحترق؛ الذي سيحتويه مهما كانت حالته الآن.
وبالفعل لم يتردد، فعاد أدراجه إلى الحارة التي كانوا يقطنون بها، ودخل المنزل الذي استقبله بسعة صدر. وبالرغم من أنه لم يجد بداخله ما يصلح للاستخدام ولكنه شعر بأنه في مكان مؤهل لاستيعاب تخبطه وحيرته.
وها هو منذ الأمس، يفترش الأرض غير عابئٍ بتلك الآلام التي نخرت عظامه من شدة البرد، فما يشعر به قلبه يطغى على أي شعور آخر.
ـ انت ابني أنا.. مش ابن محمود جادالله..
ـ كنت خايفة أخسرك وأنا مليش غيرك.
ـ أمك هي اللي غلطانة لأنها كانت أنانية و خبت عليا وجودك.
ـ كنت مجبرة أختار حد منكم، كان لازم أضحي بحد منكم وأحافظ على التاني..
ـ إنت ابن سالم مرسال، انت فرع من شجرة عيلة كبيرة وليها صيتها وتقلها، وأوعدك من اللحظة دي هعمل كل اللي أقدر عليه عشان تعيش العيشة اللي تستاهلها وتليق بيك.
كانت تلك الكلمات تتردد في ذهنه بطريقة كادت أن تفقده صوابه، بطريقة جعلته مشتتًا، مذبذبًا، يشعر وكأن هناك صخرتان كلما حاول تفادي إحداهما تعثر بالأخرى، حقيقتان لا يعلم أيهما أقرب للمنطق، شخصان إذا انحاز لأحدهما لابد وأن يظلم الآخر.
تلك الحقيقة التي عرفها أضرمت النيران في واقعه المر والتهمته كما التهمت جدران هذا المنزل، تلك الحقيقة المرة كانت من القسوة بأن جردته من كل الأسلحة والأدوات التي كان يعتد بها لمواجهة حاضر يفتقر لكل شيء، وجعلته يقف في مهبها أعزلًا لا يملك سوى هشيم قلب لم ينجح في التمرد على شيء قط إلا وقد دفع ثمن تمرده باهظًا.
ـ وبعدين يا حسن؟ هتفضل واخد جنب من أمك وبتحاسبها على غلطة مش غلطتها لوحدها؟ بس بردو.. سالم مش غلطان، هو مكانش يعرف اني موجود أصلا.. اكيد لو كان يعرف كان الوضع اختلف.. يعني هو كمان مقدرش أرمي عليه اللوم لوحده.. الاتنين غلطانين.. كل واحد فيهم كان أناني بطريقته.. وفي الآخر، أنا اللي دفعت التمن.
صُدع قلبه النابض بسبب تلك الحقيقة التي كانت في وضوحها كالشمس، ثُقب صدره وهو يتخيل كيف قضى سنوات حياته وشبابه في فقر و عَوَز وبلطجة بينما كان هناك من يفترشون ريش النعام دون أدنى إحساس بقيمة ما يملكونه، تحطمت روحه، تفتتت لملايين القطع وهو يتخيل الفرق بينه وبينهم، وهو يتخيل نظرتهم له بعد معرفتهم بحقيقته، لا بد أنهم سينظرون إليه نظرة السيد للخادم، نظرة استعلائية يملؤها الاحتقار والاشمئزاز، فيما أنهم جميعهم أخوة، تربطهم نفس صلة الدم، كل الفرق بينه وبينهم أنهم لم يكونوا نتاج نزوة عابرة كما هو حاله.
حوصر داخل عقله وهو يفكر، من له؟ لمن سيذهب الآن ويشكي همه؟ والحقيقة الراسخة الآن أمامه هي أنه لا يملك أحدا.
لذا، بعدما انتهى من تفريغ دموعه على مأساته الأزلية نهض وغادر ذلك المنزل الذي يشبه قلبه المتآكل، وقرر العودة إلى الشخص الوحيد الذي يظنه قادرًا على إعطائه الحب ولو قليلًا.. إلى أمه.
***
خرج عاصم من غرفته في تمام الساعة العاشرة، ثم توجه إلى المطبخ لكي يعد فطوره كما هو المعتاد، ولكنه قبل أن يدخل إلى المطبخ توقف أمام غرفة نسيم ودار حوارا صامتا مع نفسه كان ملخصه هل يطرق بابها ليدعوها للفطور أم يتركها وشأنها؟ ولكنه أراد أن يكسر حاجز الصمت بينهما قدر المستطاع لذا طرق الباب ووقف في انتظار صوتها، يعقب ذلك طرقتين أخرتين ولكنها لم تجب.
طرق الباب بقوة أكبر ليجدها وقد فتحت الباب فجأة، واضحًا على ملامحها آثار النوم والضجر يعلو ملامحها.
ـ في إيه بتخبط ليه كدا؟
سألته بسخط فتنهد باسترخاء قليلا وقال:
ـ خبطت مرتين قبل المرة دي، صباح الخير.
كانت تجمع شعرها للخلف مما أظهر ملامح وجهها المستدير بطريقة تدعو لتأمله، ثم أجابت:
ـ صباح الخير.
ـ معقوله نمتي بهدومك؟
قالها وهو ينظر إلى ملابسها فنظرت إلى نفسها بحرج وقالت:
ـ محسيتش بنفسي ونمت فجأة.
أومأ وقال بابتسامة تدعو للهدوء:
ـ طيب على ما تجهزي أكون حضرت الفطار.
هزت رأسها بموافقة، ثم أغلقت الباب وسارت ببطء نحو الحقيبة التي لم تفرغ محتوياتها بعد، وأخذت تنظر إلى ما بها.. الكثير من الملابس باللون الأسود!
زفرت بضيق، في الحقيقة لا تعرف ما كان يدور برأسها عندما قامت بتجهيز تلك الحقيبة الكئيبة، ألم يخطر على بالها أن تضيف إليها ولو بضع قطع بألوان هادئة للنوم حتى!
التقطت ما سترتديه ثم دخلت إلى حمام الغرفة، وبعد أن انتهت من أخذ حمامٍ منعش قامت بارتداء تلك الملابس التي اختارتها.
غادرت الغرفة وهي تستند إلى عصاها، لتجده وقد أنهى إعداد مائدة الإفطار ويجلس في انتظارها.
اقتربت من المائدة بحذر، فهي تشعر بالرهبة والتوتر يحفان قلبها، وازدادا أكثر وهي تراه ينهض من مقعده ويسحب مقعدها للخارج في لفتة لطيفة جدا منه، فجلست وشكرته، جلس بدوره وهو يقول مبتسما:
ـ يا رب أكلي يعجبك.
نظرت إليه متعجبة، وشعورها بالتعجب كان يزداد كلما نطق حرفًا إضافيًا..
ـ شكرا.. تسلم ايديك على كل حال.
نطقتها بهدوء يماثل الجو العام المحيط بهما، وبدأت بتناول فطورها وبالها مشغول في أكثر من أمر. فنظرت إليه وهمت بقول شيئٍ ما ولكنه سبقها:
ـ تحبي نشوف مركز تعملي فيه جلسات علاج طبيعي ولا أجيبلك حد هنا؟ يعني.. أظن الموضوع يتعالج بالجلسات هيكون أفضل من اللجوء للعصاية دي طول الوقت.
صمتت لبرهة، ثم قالت بعد تفكير:
ـ يكون أفضل لو الدكتور جه هنا..
أومأ وهو يتناول طعامه قائلا:
ـ تمام.. النهارده هشوف الموضوع ده.
هزت رأسها بموافقة صامتة، وتابعت تناول طعامها وهي تشحذ همتها لكي تسأله سؤالا يلح عليها بشدة منذ الأمس، ولكنه تساءل مجددا بطريقة جعلتها تنسى ما كانت تخطط لقوله.
ـ نسيم.. ليه لبسك كله اسود؟!
شتتها سؤاله قليلا، وما شتتها أكثر هو مناداتها باسمها بكل سلاسة وأريحية وكأنهما أصدقاء منذ الصف الأول، بالرغم من أن وضعهما بالكامل يخالف كل منطق، فهي تشعر وكأنها أقدمت على أكثر الأفعال حماقة في العالم عندما تزوجت من شخص لا تعرف عنه سوى اسمه وأنه شقيق حبيبها!!
شتت انتباهها عندما تابع:
ـ يوم الحفلة كنتي لابسة اسود، وامبارح في كتب الكتاب، والنهارده أهو لابسة اسود!!
ابتلعت ريقها بتوتر وتجهمت ملامحها قليلا وقالت:
ـ عادي.. بحب الاسود مش أكتر.
لم يعقب، وأكمل تناول طعامه وهو يفكر، ثم قال وهو ينظر إليها وقد توقف عن تناول الفطور:
ـ لبس اللون الاسود طول الوقت بيعزز مشاعر الاكتئاب والقلق لأنه بيمتص الطاقة اللي حواليكي كلها.. على عكس الألوان الفاتحة..
هزت رأسها بصمت، لم تعقب. لذا تابع:
ـ تحبي تخرجي تشتري لبس جديد؟
نظرت إليه، للمرة الثانية يخيرها بين قرارين، على عكس ما كانت تعتاد عليه تماما وهو فرض الرأي والصرامة في كل شيء، وهذا ما جعلها تتفاءل وتشعر ببصيص أمل يخبرها أنها لن تندم على اختيارها.. فحتى وإن كانت قد تحامقت ووافقت على زيجة مبهمة غير واضحة المعالم ولكن هذا لا يعني أنها لن تهتم بمواصفات ذلك الزوج.
تنهدت بعمق ثم قالت:
ـ مش لازم أخرج، أنا عندي لبس كتير هبقا أخلي زينب تبعتهولي.
مضغ طعامه على مهل، ثم حمحم وهو ينظر إليها بهدوء ممزوج بالقوة وقال:
ـ اللبس اللي عندك هناك خليه هناك، أنا حابب أشتري لك لبس جديد لو مفيش عندك مانع.
لمحت في صوته شيئًا من الضيق، لم تفهمه، لكنها أومأت بهدوء وقالت:
ـ تمام.
أومأ وقال:
ـ ها.. تحبي نخرج سوا نشتري ولا تختاري من أي مكان بيبيع اونلاين؟
رجحت اقتراحه الأخير بأن أومأت قائلة:
ـ يكون أفضل.
ـ زي ما تحبي.
أكملا تناول فطورهما بصمت، فقررت إلقاء سؤالها الذي كانت تحتجزه منذ فترة طويلة فقالت بصيغة مباشرة:
ـ هو انت عرفت منين؟ أقصد.. موضوع الفيديو.
نظر إليها متفاجئًا، لم يتوقع أن تفاتحه في موضوع كهذا الآن! لذا تنفس محاولا الحفاظ على هدوئه وقال:
ـ بعد الفطار نتكلم.
***
وقفت أمام المرآة تنظر إلى ما ارتدته، ثيابًا بسيطة للغاية، تشبه في بساطتها حياتها القديمة قبل أن تغوص بقدميها في عالم عائلة مرسال.
كانت تستعد للخروج، لا بد وأن تحصل على عمل في أي مكان، لن تكرر تلك المأساة التي عاشتها قديما.
خرجت من الغرفة أصبحت على أتم الاستعداد، وأخذت تبحث عن خالتها لتجدها تجلس على مقعد في الشرفة وتنظر يمينا ويسارا في انتظار عودة حسن، فتحدثت إليها قائلة:
ـ خالتي أنا نازلة..
ـ بردو مصممة؟
أومأت نغم بصمت ثم تابعت:
ـ شوية وراجعة..
فتحت الباب لتغادر ولكنها تسمرت بمكانها عندما تفاجأت بزينب تقف أمامها وهي تمسك بيدها حقيبة سفر كبيرة.
ـ خالتي زينب!
قالتها نغم وهي تحتضن زينب بقوة فعانقتها زينب بحب وظلت تربت على ظهرها وهي تقول:
ـ وحشتيني يا نغم.
ـ انتي اللي وحشتيني أوي يا خالتي.. اتفضلي ادخلي.
دخلت زينب وهي تجر الحقيبة، بينما نغم كانت تنادي عائشة التي ركضت نحو زينب وعانقتها بشوق وهي تقول:
ـ وحشتيني يا زينب، خير ما عملتي انك جيتي.
جلسن ثلاثتهن فأخذت زينب تمسح على شعر نغم وهي تقول بابتسامة حزينة:
ـ عاملة إيه يا نغم؟
ـ الحمدلله بخير يا خالتي، انتي عاملة إيه، مصدقتش نفسي لما لقيتك قدامي.
ابتسمت زينب وقالت:
ـ استغليت ان الباشا راح العزبة قلت أخطف نفسي وأجي أشوفك.. وأشارت إلى الحقيبة الكبيرة وهي تقول:
ـ جبتلك حاجتك اللي سيبتيها ومشيتي.. الباشا أمر نفضي الاوضة.
ـ مكانش له لزوم، الحاجة دي مش بتاعتي من البداية، وبعدين أنا ملبستش منها غير حاجات بسيطة يعني ممكن تديها لأي حد.
تنهدت زينب وقالت:
ـ بردو بتعاندي وتجادلي، اللبس ده جايلك انتي مش لحد تاني..
شردت نغم للحظات، ثم نهضت وهي تقول:
ـ هجيب لكم عصير..
نظرت عائشة إلى زينب وهي تقول:
ـ نسيم عاملة إيه؟ مشيت خلاص؟
نظرت إليها زينب بحزن وقالت:
ـ أيوة.. ربنا يصلح حالها ويكون ابن حلال يراعي ربنا فيها، هي مش ناقصة.
أطرقت عائشة برأسها أرضًا وتجمعت الدموع بعينيها، كم كانت ترغب في حل الخلاف بينهما و مشاركتها تلك اللحظة كأي أم. ربتت الأخرى على كتفها وقالت بمواساة:
ـ مسير كل حاجه تتحل يا عيشة، الموضوع عاوز شوية وقت ومحاولات منك..
ـ ماهو على يدك يا زينب بحاول أتكلم معاها هي رافضة تسمعني.
ـ معلش.. نسيم لسه تحت تأثير الصدمة، مهي معذورة بردو، عاشت كتير وشافت أكتر، البنت يا حبة عيني شبعانة قسوة وصدمات..
في تلك اللحظة، أحضرت نغم كوبين من العصير، ثم انسحبت، وبدون مقدمات التقطت حقيبة يدها وفتحت الباب لتغادر، ولكنها اصطدمت برؤية حسن أمامها.
انقبض قلبها بقوة، بينما هو كان يطالعها بصمت، وعيناه تفيضان بحديثٍ طويل لم يفصح عنه. انصرفت دون النبس بحرف، بينما هو دلف إلى المنزل وأغلق الباب، وإذا به يتفاجأ بحديث والدته مع زينب.. فوقف يستمع إليهما بصمت.
ـ منه لله سالم.. لو مكانش كدب عليا وقاللي انها ماتت كان زمانها عايشة معايا زي أي أم وبنتها.. أنا اتظلمت من سالم كتير يا زينب، أول مرة لما خدعني وباعني بالرخيص وخد مني بنتي ورماني، وتاني مرة لما فهمها ان امها واحدة تانية وفهمني انها ميتة عشان يبعدني عن حياته تماما.. وبعد كل ده زعلان إني خبيت عليه ابنه.. كان عاوزني أقولله عشان ياخدهم هما الاتنين مني ويرميني.. مش ده اللي كان هيحصل يا زينب؟
ربتت زينب على يدها وهي تقول بشفقة:
ـ هدي نفسك يا عيشة انتي تعبانة ومش مستحملة..
ـ احكيلي عنها يا زينب، كانت عامله ازاي وهي صغيرة، كانت شقية ولا هادية، عنيدة ولا مطيعة، بتحب ايه وبتكره إيه.. هموت وأعرف عنها أي حاجة.
سالت الدموع على جانبيّ خديّ زينب وهي تحكي قائلة:
ـ نسيم طول عمرها هادية، من وهي عمرها كم يوم.. لا كانت بتبكي ولا بتصرخ زي الأطفال.. لدرجة انهم كانوا قلقانين يكون عندها مشاكل في السمع.. كانت بريئة جدا ودايما مطيعة، لحد ما ماتت امها..
قطعت كلماتها وهي تنظر إلى عائشة التي انكسرت ملامحها وقالت:
ـ أقصد يعني ناهد هانم الله يرحمها..
ـ كانت بتحبها؟
تساءلت عائشة فأومأت زينب قائلة بابتسامة حزينة:
ـ جداا.. فريد ونسيم كانوا بالنسبة ليها الحياة كلها، كانت بتحب نسيم بطريقة كانت بتخليني أسأل نفسي كل يوم.. هي ازاي بتحبها أوي كده وهي عارفه إنها بنت جوزها من واحدة تانية، بس ده مش جديد على ناهد هانم.. لأنها كانت مثال للقلب الطيب.. نسيم كانت متعلقه بيها جداا أكتر من أبوها كمان، وكانت ماشيه في ديلها طول الوقت..
ـ وبعدين، بعد ما ماتت إيه اللي حصل؟
رمقتها بنظرة حزينة قبل أن تعود بعينيها إلى الطاولة المستديرة أمامها وقالت:
ـ بعد ما ماتت ناهد هانم حال نسيم اتبدل، كان وقتها عندها ٨ سنين، كانت صغيرة لكن زي ما يكون قلبها كان حاسس إن أبوها هو السبب في اللي حصل، بقت متمردة.. عصبية وعنيفة، كانت بتتمرد على كل حاجة وترفض أي طلب، محدش فلح يرجعها لشخصيتها الاولى، الوحيد اللي كان بيقدر يسيطر عليها شوية هو فريد.. كان حنين عليها بشكل لا يوصف..
فتحت فمها لتكمل، ولكنها توقفت وانهارت باكية وهي تقول:
ـ لحد ما في يوم دخلت مكتب سالم باشا وسحبت السلاح بتاعه من الدرج.. دخل المكتب بالصدفة لقاها واقفة قدامه ومصوبة يمُّه المسدس، لولا ستر ربنا كانت الرصاصة جت فيه.. بعدها مكانش حد قادر يسيطر عليها، ولا حتى فريد.. فضلت حوالي ست شهور مبتتكلمش. بطلت تروح المدرسة وحتى المدرسين اللي كانوا بييجوا يدرسوا لها في البيت بقوا يشتكوا من انفعالاتها الزايدة، وقتها فقد صبره عليها وقرر يبعدها عنه تماما.. ومنها لله نادية الصواف.. هي اللي اقترحت عليه وقتها يبعتها مدرسة داخلية في دبي.
تساءلت عائشة باستفهام:
ـ مدرسة داخلية ازاي؟
لتجيبها الأخرى بعد أن ابتلعت مرارة الذكرى:
ـ يعني بيعيشوا ويتعلموا فيها في نفس الوقت.
قطبت الأخرى جبينها بذهول وهي تتسائل:
ـ بعت بنته اللي عندها ٨ سنين تعيش وتتعلم في بلد تانية لوحدها!!
أومأت زينب فقالت عائشة وهي تنتحب بلوعة:
ـ أكيد وقتها كان عايز يبعدها عني عشان معرفش انها عايشة.. أنا مش قادرة أصدق إزاي أب يبقى بالقسوة والجبروت ده على بنته..
هنا نطق حسن الذي كان يستمع إلى كل ما قالته زينب وقال بنبرة تملؤها الهزيمة:
ـ وأنا مش قادر أفهم إزاي أم تبقا بنفس القسوة اللي تخليها تتنازل عن بنتها من البداية، وإزاي أم تبقا أنانية وتفكر في نفسها ومصلحتها وبس وتخبي على ابنها حقيقته وحقيقة عيلته.. لو هو ظالم فانتي كمان ظالمة.. بس كل واحد فيكم ظالم بطريقته.
ألقى ما ألقى ودخل إلى غرفته وصفق الباب خلفه بقوة، بينما ظلت عائشة تنظر إليه بحسرة، ما قاله كان كالسكين اخترق صدرها، حولت كل شعور بداخلها إلى ألم لا يهدأ.
نهضت زينب، وربتت على كتفها وهي تقول:
ـ أنا همشي لأني اتأخرت يا عيشة، خلي بالك من نغم ومن نفسك كويس اوي، ومتشيليش هم بكرة.. كل حاجه مع الوقت هتتحل.
غادرت زينب، بينما اتجهت عائشة نحو غرفة حسن، طرقت الباب ودخلت لتجده ممددا فوق سريره، فجلست بجواره ووضعت يدها على قلبه وهي تقول بصوت مرتجف:
ـ سامحني يا حسن.. جايز كنت أنانية فعلا زي ما بتقول، بس دلوقتي مش هقدر أعمل كده.. لو شايف ان مصلحتك في وجودك معاه روحله. مش هطلب منك تفضل معايا.
كان يسند ذراعه على عينيه، فأزاح ذراعه ونظر إليها وانبعث صوته من مكان عميق ومظلم:
ـ أهرب من أنانيتك لجبروته؟ طب الأنانية ومقدور عليها، جايز تتصلح مع الأيام.. لكن القلب الميت نعمل فيه إيه.. وأعمل بيه إيه.. كنت موهوم وفاكر انه هيعوضني عن حنان الأب ووقفته في ضهر ولاده.. جايز عشان كده كنت هفكر اروح له، لكن بعد ما عرفت اللي عمله في بنته.. والقسوة اللي ماليه قلبه وبيفرقها على الكل بالتساوي.. تفتكري فيه إيه يخليني ملهوف عليه؟ اسمه؟ فلوسه؟ تغور الفلوس اللي تربطني بيه.. أنا لا عاوز فلوسه ولا عاوز اسمه.. أنا عشت نص عمري حسن جادالله.. ومش هخسر كتير لو قضيت بقية عمري حسن جادالله.
أعاد ذراعه فوق عينيه من جديد معلنًا انتهاء الحديث، فتنهدت بقليل من الراحة ونهضت، وغادرت الغرفة وقد بدأ الاطمئنان يزحف نحو قلبها من جديد.. ما قاله ابنها أوضح عدم وجود نية لديه للتقرب من والده، إذا فاحتمالية خسارته معدومة، أما عن ابنتها.. فلابد من وجود طريق لتسلكه إليها.. تثق بذلك.
***
بعد أن انتهى عاصم من نقل الأطباق إلى المطبخ، عاد إليها حيث كانت تجلس بغرفة المعيشة في انتظاره.
دخل وهو يرسم على ثغره ابتسامة هادئة، ليتفاجأ بها ممسكةً بإطار يحوي صورة له برفقة شقيقه حازم وكلاهما يمسكان بميدالية ذهبية والابتسامة تعلو وجهيهما.
كانت تنظر إلى الصورة، إلى حبيبها تحديدا، و إبهامها يطوف على ملامحه باشتياق ولوعة، وعيناها تذرفان من الدمع ما يملأ المحيط على المدى القصير.
أدرك خطأه وفداحة فعلته، فهو كان قد جمع كل الصور التي كان يعلقها على جدران المنزل قبل أن تأتي نسيم، لأنه يعرف أنها ستمر بتلك الحالة فور رؤيتها، ولكنه لم ينتبه لتلك الصورة إلاّ الآن.
وقف على بعد خطوتين منها، لا يعرف هل يتركها بمفردها أم يتجاوز الأمر ويفتتح حديثا معها.
تحمحم بهدوء، فمسحت دموعها ووضعت الصورة فوق قدميها وتنهدت تنهيدة طويلة صامتة.
لم يعرف كيف يدير الحوار معها وكيف ينتشلها من تلك الحالة، فقرر البدء من نفس النقطة فقال:
ـ الصورة دي من ١١ سنه تقريبا.. وقتها كنا بنحتفل بحصولي على لقب أفضل لاعب كيك بوكسينج..
توقف للحظة، ثم تابع عندما رأى صمتها:
ـ كان دايما رافض موضوع الملاكمة وشايف ان كده بعرض نفسي للخطر، الحقيقة هو كان بيخاف عليا جدا.. وبالرغم من ان فرق السن بيننا مكانش كبير أوي لكنه كان بيعاملني دايما على انه أبويا مش أخويا الكبير.. وبصراحة أنا كنت ابن متعب جداا..
ابتسم بمرارة، ثم زفر نفسًا ثقيلا وتابع:
ـ الله يرحمه.
صمتت لبرهة، ثم خرج سؤالها متذبذبًا أكثر مما تمنت:
ـ كان بيحكيلك إيه عني؟
شرد في تفكيره، ثم شبك يديه ببعضهما وأخذ يحدق فيها وهو يقول:
ـ كان دايما بيقوللي إنه نفسه يعوضك عن كل اللي مريتي بيه..
بهت وجهها وكأن الحياة قد تسربت منه للتو، وانهالت دمعاتها فوق وجنتيها ترسم معاناتها بوضوح، كان يرغب في تعويضها عن كل ما عانته، وبدلا من ذلك خسر حياته وأصبحت هي المدينة له بتعويض.
مد يده إليها بمنديل فالتقطته وجففت وجهها، ثم نظرت إليه وتساءلت بحيرة:
ـ هو انت بتعمل معايا كده ليه؟ منين اتجوزتني عشان تنتقم ومنين بتعاملني بالطريقة دي؟
أجابها دون الحاجة للوقت لكي يفكر أو يرتب إجابته:
ـ أنا معنديش اي عداوة معاكي يا نسيم، انتي مش الشخص اللي لازم أنتقم منه.. بالعكس.. انتي كمان ضحية زي حازم الله يرحمه..
زفرت نفسًا، وأخفضت كتفيها في هزيمة وقالت:
ـ فريد.. وعمر..
قبل أن تكمل كان قد أجابها:
ـ عارف إنهم مش هما اللي قتلوه.. عارف إنك هتقوليلي ذنبهم إيه يحصل معاهم كدا؛ هقولك سالم مرسال ملوش مالكة غير اسمه وسمعته..
وأضاف ضاغطًا على أحرف كلمته، مؤكدا معناها:
ـ ” المزيفة ”.. فمكانش في ثغرة أدخله من خلالها غير ولاده.. لأنهم بيمثلوه وبيمثلوا العيلة.
وتابع وهو يحك ذقنه منشغلا بترتيب ما سيقوله:
ـ أنا مش من مبادئي إني آخد حد بذنب حد تاني، لكن أحيانا الحياة بتضطرنا نغير مبادئنا بالشكل اللي يناسب مصالحنا الشخصية، في النهاية إحنا بشر مفيش فينا حد مثالي.
توقفت عند ما قاله قليلا، وشعرت بالمدى العميق لكلامه وكيف أنه ليس إقرارا فحسب، بل واقعًا نمطيَا يحياه الكثيرون..
رن هاتفه فأخرجه من جيب سرواله ونظر به ليتبين هوية المتصل، ثم أعاده إلى جيبه مرة أخرى وهو يقول:
ـ أنا اتأخرت ولازم أخرج دلوقتي، لما أرجع نكمل كلامنا.
نظرت إليه، فلمح بعينيها أسألةً تنبض بالحياة، فقال مطمئنًا:
ـ كل اللي عاوزة تعرفيه هجاوبك عليه، بس مش دلوقتي.
أومأت، لم تظهر أكثر حاجتها الملحة، المتطلبة، في معرفة كل شيء بخصوص حازم، وأرجأت الأمر للمستقبل القريب.
انسحب ودخل غرفته، قام بتبديل ملابسه إلى أخرى رسمية، ثم غادر الغرفة ومر بها ليجدها لازالت تجلس في مكانها فقال بنبرة ودودة:
ـ يومك هيمشي ازاي لحد ما أرجع؟
ابتسمت له ابتسامة هزيلة وتمتمت بصوتٍ خافت بائس:
ـ ولا حاجة..
تنهد ثم قال مقترحًا:
ـ لو حابة تخرجي تتمشي أنا ممكن أأجل شغلي ساعتين وأخرج معاكي، أنا مش عاوزك تحسي إنك محبوسة هنا..
انفرجت شفتيها وظهر عليهما طيف ابتسامة واهية لا بريق فيها وقالت:
ـ متشغلش بالك، أنا متعوده.
زفر مستسلما، ثم أومأ وخرج من المنزل، استقل سيارته ثم انطلق مسرعًا صوب مقر شركته.
***
بعد أن وصل إلى مقر الشركة، ودخل مكتبه، قام باستدعاء مدير أعماله الخاص ” رشيد ” والذي قام بوضع كومة من الملفات أمامه وأخذ يقدم عرضًا تفصيليًا سريعا لمحتوياتهم فقال:
ـ أول تلت ملفات فيهم ملخص نشاطات وفعاليات التلت شركات خلال الاسبوع الماضي، والملف الرابع فيه الميزانية الجديدة اللي طلبت مني أحضرها..
أومأ عاصم وبدأ يتفحص الملفات سريعا، ثم قال وهو ينظر بهاتفه منتظرا اتصالًا محددًا:
ـ متشكر يا رشيد.. ابعت لي القهوة وشوف لو في مواعيد بعد الساعة ٤ إلغيها..
وقف رشيد يطالع جدول الأعمال الموجود بحوزته، ثم قال:
ـ في عشا عمل مع فريق عمل شركة تيليكور..
أخذ عاصم يفكر قليلًا، ثم قال حاسمًا قراره:
ـ اعتذر لهم واطلب منهم يحددوا ميعاد تاني.
ـ اللي تشوفه حضرتك.
غادر رشيد، بينما رن هاتف عاصم فأجاب متلهفًا:
ـ أيوة يا عم راضي؟
ـ أيوة يا بشمهندس، جهزنا المدفن وكل حاجه جاهزة خلاص.
ـ تمام.. اتحرك بعد نص ساعة بالظبط أكون اديتهم خبر.. بس إنت متأكد إن الموضوع مفيش فيه أي مجال إن يحصل لخبطة أو تنقلوا حد مكان حد؟
فأجابه راضي بنبرة الواثق وقال:
ـ متقلقش يا بشمهندس عاصم، التُربي بيكون عارف مكان كل ميت دفنه بايده ومعاه كشف بتاريخ الدفن، سيبها على الله.
تنهد عاصم بثقل وقال:
ـ ونعم بالله.. طيب لما تخلص كلمني..
ـ أكيد هكلمك، مع السلامة.
أنهى عاصم الاتصال، وأسقط رأسه بين كفيه بتعب، والشعور المسيطر عليه لم يكن سوى جحيمًا مستعرًا بأعماقه، يجعل عقله يغلي في كل لحظة ويرغب في الفتك بسالم وأفراد عائلة مرسال بالكامل..
قرص بين عينيه بتعب وقد شعر ببوادر صداع يغزو رأسه، ففتح درج مكتبه وأخرج منه حبة مسكن، تناولها على عجالة وبدأ بتصفح الملفات الخاصة بشركات مرسال التي استولى عليها بجرة قلم.. وأخذ يحدق بالأوراق المكدسة أمامه وشرارات الانتقام تتأجج أمام عينيه، ليقوم بعدها بالاتصال بأحد مسؤولي الدعاية والتسويق مخبرًا إياه قراره النهائي:
ـ من بكرة يكون عندي خطة دعائية جديدة تناسب الإعلان عن هوية الشركات الجديدة.. عاوز اسم مرسال ده يتمحي من الوجود تماما.. انت فاهم؟
وأنهى الاتصال وهو يحدق بصورة أخيه الموجودة على مكتبه وهو يقول:
ـ هانت يا حازم.. حقك هيرجع أوعدك بس الصبر.
***
” مطلوب آنسة متفرغة للعمل في الصالون، يشترط الخبرة وحسن المظهر ”
وقفت نغم تطالع تلك اللافتة المعلقة فوق الباب الزجاجي بحماس، ثم طرقت الباب ودفعتهُ بهدوء، حينها تحولت نحوها كل أنظار العاملين بالمكان، واستطاعت أن تستشف نظرات الاستفهام على وجوههم، خاصةً وأنها وقفت تحدق بهم بابتسامة مفتعلة لدقائق ثم اقتربت من أول فتاة بالقرب منها وقالت:
ـ ممكن أقابل صاحبة المكان؟ مكتوب انكم محتاجين بنات تشتغل هنا..
طالعتها الفتاة بتفحص وبنظرة شاملة بينما الأخرى كانت تعدل ملابسها بتوتر وهي تنظر إليها في انتظار إجابة فقالت الفتاة:
ـ مكتب مدام عليا في الدور اللي فوق.
أومأت نغم بحماس، وسارت في الممر المؤدي للطابق العلوي وهي منشغلة بتفحص المكان الواضح فخامته وتجهيزه على أعلى مستوى، لتتعثر خطواتها حيث أنها لم تلحظ أنها قد وصلت إلى الدرج فسقطت.
أثار سقوطها جلبة في المكان وجعلت الأنظار كلها تلتفت نحوها، بينما هي كانت تتلاشى النظر إليهم وقد كست حمرة الخجل وجهها، وأكملت طريقها إلى الأعلى مسرعة.
دخلت مكتب المدعوة عليا.. ولم تكن في حاجة للتعرف عليها فتلك اللافتة الموضوعة أمامها على المكتب كانت كفيلة بذلك ” عاليا القاضي ”
ـ صباح الخير..
قالتها نغم بهدوء، فاستقبلتها برودة نظرات عاليا التي أخذت تنظر إليها بنظرات شملتها من أعلى رأسها لأسفل قدميها، ثم قالت:
ـ صباح الخير، اتفضلي.
استبشرت خيرا بذوقها المزعوم، فاقتربت من المكتب وجلست وهي تقول:
ـ قرأت إعلان انكم محتاجين بنات تشتغل في الصالون.. أنا ممكن أشتغل.
ـ اشتغلتي في مجال التجميل قبل كدا؟
ـ أيوة.. ٣ سنين.
ـ بتعرفي تعملي إيه؟
ـ كل حاجه.. عندي فكرة عن كل حاجه.
همهمت عاليا وهي تتحرك بكرسيها بهدوء ثم قالت:
ـ و ليه سيبتي المكان اللي كنتي فيه؟
ـ حصل ظروف ومرتاحتش مع صاحبة الصالون فمشيت.
أومأت عاليا ثم قالت:
ـ تمام.. على كل حال انتي هتفضلي تحت التدريب أسبوع.. هنجربك ونشوف إيه أكتر حاجة انتي بيرفكت فيها عشان نوظفك صح، وبعدها نثبتك.
ابتهجت ملامحها وأومأت بموافقة ثم قالت:
ـ تمام.. شكرا جدا..
ونهضت ومدت يدها لتصافحها وهي تسأل بحماس:
ـ يعني هشتغل من بكرة؟
ـ أيوة.. الساعة ٨ الصبح تكوني موجوده.
ـ إن شاء الله.. عن إذنك.
غادرت الصالون وهي تشعر بالحماس والفرحة لأنها أخيرا وجدت عملا يؤهلها للإنفاق على نفسها دون الحاجة لأي شخص.
رن هاتفها برقم نسيم فأجابت مسرعة:
ـ ألو.. أيوة يا نسيم وحشتيني..
ـ انتي كمان وحشتيني جداا يا نغم.. عامله إيه؟
ـ أنا كويسة، طمنيني انتي عاملة إيه في حياتك!
استمعت إلى تنهيدتها التي أوضحت مدى تخبطها ثم قالت:
ـ أنا محتاجة أشوفك ونتكلم.. عندي كلام كتير عاوزة أقوله.
في المقابل.. زفرت نغم باستياء شديد يعتريها وقالت:
ـ ومين سمعك.. أنا كمان على أخري وهنفجر.
ـ طيب إيه رأيك بكره نظبط وتجيلي؟
ـ يا لهوي.. أجيلك بيت جوزك!!
نطقتها نغم باستنكار شديد، فهي إلى الآن لم تستسغ فكرة أن نسيم تزوجت بالرجل الكارثة المدعو عاصم الذي كان هو من وضع خطة حفل افتتاح الدار واستعملها بكل سهولة للإيقاع بفريد.
وتابعت:
ـ على كل حال أنا بكرة نازلة شغل جديد ومش هعرف أشوفك.. بس ممكن يوم الأجازة نتقابل..
ـ شغل إيه ده؟
ـ بيوتي صالون.. عملت مقابلة ومبدأيًا كده اتقبلت..
زفرت الأخرى بضجر وقالت:
ـ بيوتي صالون إيه يا نغم اللي هتشتغلي فيه، حبيبتي انتي مش محتاجه لكل ده…
قاطعتها نغم قائلة بصرامة:
ـ نسيم.. سواء البيت أو الفلوس اللي سابهالك فريد على اسمي كل ده ميلزمنيش ولا هاخد منه جنيه واحد..
وتساءلت بانفعال:
ـ أصلا هو سايبلي بيت وفلوس بصفته إيه؟ أنا وهو مفيش بينا أي صلة لا من قريب ولا من بعيد، أنا مش عاوزة بيته ولا فلوسه، أنا هشتغل وهعتمد على نفسي ومش هحتاج لأي مخلوق تاني ولا هسمح لحد يتحكم فيا وفي حياتي ولا هسمح إن حد يكون له جمايل عليا.. ويا ريت لو كلمتيه بلغيه الكلام ده.
ـ طيب اهدي خلاص أنا مش قصدي أضايقك..
ـ خلاص يا نسيم مفيش حاجه.. أنا هقفل دلوقتي وهبقا أكلمك تاني، سلام.
أنهت الاتصال وهي تشعر بغضبها يصل لأعلى مستوياته، وأخذت تغمغم وهي تعبر الطريق:
ـ لا فريد ولا غير فريد.. كتر خيره أوي لحد كدا.
قفز اسمه إلى ذهنها مبددًا كل غضبها، كل الجحيم الكامن بداخلها، وجعلها تتوقف عن الحديث، عن الثرثرة، عن كل شيء..
تجهم وجهها، إلى متى سيظل في ملاحقتها حتى بعد أن افترقت بهم السبل؟ إلى متى سيظل الجميع ينظرون إليها نظرة الفتاة المسكينة المحتاجة للعطف والمساعدة؟ متى ستنأى بنفسها عن تلك الصورة المثيرة للخزي؟
رسمت على شفتيها ابتسامة مشرقة، ووعدت نفسها بطريقٍ أكثر إشراقًا، ستسعى جاهدةً لكي تستقل بذاتها وتصبح شخصية جديدة، ستتجاوز صعابها بمفردها منذ الآن، ستكتفي بذاتها وتعتد بها ولن تسمح بأن تصبح ضحية لأي شخص مهما كان مرة أخرى.
ستنسلخ عن نسختها القديمة الرديئة التي شكلها المحيط والبيئة التي امتلكت روحها، ستتعدى تلك الحدود التي رسموها لها حتى أقنعوها أن هذه هي حياتها وشخصيتها التي تملكها، بينما هي تملك العالم بأسره، تملك روح واسعة الأفق لا حدود لها، تملك الكثير من الأشياء الجميلة التي تميزها، هي فقط تنتظر الفرصة المناسبة للظهور.
***
كان عاصم قد وصل لتوّه أمام المدفن الخاص بعائلته، وبالرغم من أنه قد تعمد أن يأتي متأخرًا لكي يكونوا قد انتهوا من الدفن إلا أنه وصل في اللحظة التي كانوا ينقلون فيها الرفات من السيارة إلى المدفن.
قُبض قلبه وحاول بصعوبة أن يكتم تلك الصرخة التي زعزعت ثباته بحبسها داخل صدره، ود لو أنه أطلقها وتخلص منها..
صرخة عمرها ثمان سنوات.. لم يستطلع الإفراج عنها حين بلغه خبر مقتل أخاه الوحيد، وظل محتفظا بها بقلبه على أمل أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه التخلص منها.. وكلما مرت سنة تلو الأخرى تضخمت وأخذت حيزًا أكبر مما ينبغي، حتى أصبح صدره مكتظًا بالقهر، بالسواد، بالألم. وأصبح شغله الشاغل هو الانتقام.
والآن.. بعد أن سنحت له الفرصة أخيرا لم يتردد، قام محاميه بإبلاغ محامي سالم بأنه يرغب في استرداد رفات أخيه ليقوم بدفنه في مدفن العائلة.. المثوى الأخير المنطقي لكل إنسان.
فأشد ما كان يؤلمه و يؤرق مضجعه في كل ليلة هو دفن جثمان أخيه بعيدا عن عائلته، والده، ووالدته.. وخاصةً في مدفن عائلة الرجل الذي أمر بقتله ووارى جثته وكأنه حيوان تخلص منه وانتهى الأمر.
حاول تهدئة نفسه ولكنه فشل.. ذلك الكفن الذي يحمل كومة عظام هي فقط ما تبقت من أخيه. سنده الذي كان يتكئ عليه دائما، الرجل طويل القامة، الوسيم، صاحب الهيئة المميزة، كل ما تبقى منه رفات!!
في تلك اللحظة زاد سخطه على سالم وكل عائلته، أعلن عداوته للجميع.. وجدد رغبته في الانتقام، كل ما حدث لهم لم يكن كافيًا.. ما قيمة الشركات والأموال أمام خسارته لأخيه الوحيد؟
هم لم يتسببوا في خسارته بضعة شركات أو أموال لكي يسلبهم شركاتهم وأموالهم.. لقد كان مخطئًا، أخطأ تقدير الموقف منذ البداية، أخطأ تقدير حجم الخسارة التي تكبدها..
أما الآن فقد وعى لكل شيء، ما قيمة الشركات التي أخذها منهم وأخاه قد تحول لكومة عظام؟ شركاتهم سيعوضونها، سيأسسون غيرها، وأموالهم أيضا.. يملكون غيرها الكثير.. أما شقيقه.. من أين له أن يأتي بغيره؟
لا بد أن تتساوى الكفتين، ويتساوى مقدار الخسارة.. لا بد أن يتساوى مقدار الألم..
العين بالعين والسن بالسن.. والبادئ أظلم.
بعد أن انتهى راضي من الدفن وقف عاصم يقرأ له الفاتحة وهو يكتم نحيبه وقد تجدد ألمه بعد سنوات.. وكأنه مات اليوم..
وبعد أن انتهى قام بوضع يده فوق شاهد القبر وهو يقول:
ـ أكيد الوقت اتأخر أوي إني أقوللك كده.. بس أتمنى روحك دلوقتي تكون مرتاحة وانت جنب الناس اللي بتحبهم.. أبونا وأمنا.. ولحد ما ربنا يأذن وأجاوركم أوعدك مش هسيب اللي ظلمك يرتاح لحظة.
زفر نفسًا ثقيلا للغاية، ثم انسحب وهو يشعر بعبء ثقيل يسقط عن كتفيه لأول مرة بعد زمن طويل، ثم استقل سيارته وعاد إلى الشركة.
***
وقف فريد بشرفة غرفته الفندقية، مغمضًا عينيه وهو يحاول تنظيم أنفاسه تزامنًا مع سماع صوت الأمواج الهادئة.
بعد لحظات.. فتح عينيه وأخذ يتأمل المكان بهدوء وهو يرتشف من قدح القهوة ثم قام بالاتصال بعمر الذي أجابه بصوت ناعس:
ـ كنت هكلمك على فكرة..
ـ أيوة أيوة مانا عارف..
ضحك عمر ضحكة قصيرة ثم قال:
ـ على فكرة البيت ملوش لزمة من غيرك.. وبفكر أهرب لعندك..
التزم الصمت برهة ثم قال:
ـ مش هينفع تسيب والدتك وچيلان لوحدهم يا عمر..
ـ مخنوق يا فريد، مش قادر أفضل في البيت في الجو الكئيب ده، ماما طول الوقت ساكتة وبتعيط وأنا مش لاقي حتى كلام أواسيها بيه.. بقيت حاسس إن أي كلام هيكون تافه وملوش داعي..
ـ بالعكس.. حتى لو انت حاسس كده بس الواقع غير كده تماما، الكلمة اللي انت شايفها تافهة دي هتفرق جداا مع شخص مستني كلمة تطمنه وتهون عليه.. متستصغرش دورك لمجرد إنك بتساندها بس بالكلام.. انت مش عارف كلامك ده يفرق معاها إزاي.
تنهد عمر ثم أومأ وهو يقول:
ـ حاضر يا فريد.. اللي تقوللي عليه هسمعه.
رفع فريد حاجباه، ساخرًا بقدر الألم الذي يعتريه وقال:
ـ هو انت ليه مكنتش مطيع كده وأنا موجود.. لازم أسافر يعني عشان تسمع الكلام؟
ابتسم الآخر بحزن وقال ممازحا أخاه:
ـ بستعطفك بس مش أكتر.
ضحك فريد ثم قال:
ـ متحاولش، ألاعيبك كلها مكشوفة.
ـ فريد.. هو إيه اللي بيحصل معانا ده؟ معقوله حسن أخونا!! وهو ونسيم اخوات؟ أهي دي أعجوبة الدنيا التامنة..
زفر فريد بضيق، وفتح فمه ليتحدث لكن عمر قاطعه متسائلا:
ـ لحد إمتا هنفضل نكتشف ان بشاعة أبونا ملهاش سقف؟ الراجل ده كل مدى بيبهرني.. أنا حاسس إننا عايشين مع رجل مخابرات.. كل حياته أسرار وألغاز ومخططات..
وتابع باستياء:
ـ وبعدين الدنيا خربانة وهو قاعد في العزبة بتاعته.. تلاقيه دلوقتي لابس الجلابية الفلاحي وقاعد بيشرب شيشه وناقع رجليه في ميه وملح واحنا هنا بنخبط دماغنا في الحيط..
تنهد فريد وقال بإيجاز:
ـ كالعادة يعني نفسه ثم نفسه.. على كلٍ.. خلي بالك من نفسك وأرجوك بلاش تتصرف أي تصرف يوقعنا في مشاكل تانيه.. كفاية اللي احنا فيه.
ـ متقلقش..
ـ وابقا اسأل على نسيم.. بلاش تحس إنها لوحدها، وأنا أول ما أحس إني مستعد هكلمها..
ـ ماشي.. خلي بالك من نفسك..
ـ حاضر.. مع السلامه..
همّ بإنهاء المكالمة ليستوقفه عمر ممازحًا:
ـ بقولك.. هي اليونان فيها بنات حلوة؟
هز رأسه بيأس وتمتم:
ـ حسبي الله.. اقفل يا تافه.. مع السلامة.
أنهى الاتصال، ثم غادر الغرفة وتوجه إلى قسم الاستقبال، ليستقبله الموظف بابتسامة ودودة وقال ناطقا بالإنجليزية:
ـ صباح الخير سيدي، نأمل أن تكون قد قضيت ليلةً هادئة.
أومأ فريد مؤكدا وقال:
ـ صحيح، شكرا لك.. من فضلك أرغب في تأجير سيارة طوال مدة إقامتي في الفندق، هل يمكنك مساعدتي؟
ـ بالطبع، تفضل بالجلوس وأنا سأنهي لك الأمر.
أشار له نحو المقعد فأخذ فريد ينظر إليه للحظات ثم ابتسم وقال:
ـ لا داعي، شكرا لك.
بدأ الموظف في عرض بعض السيارات على فريد من خلال الحاسوب، فقام باختيار إحداها بدأ الموظف بتحضير أوراق عقد الإيجار الخاصة بالسيارة، وعند الانتهاء أشار نحو خانة المستأجر وقال وهو يمد يده لفريد بالقلم:
ـ من فضلك وقع هنا.
ابتسم فريد وهو يخرج قلمه الخاص من جيبه ويقول:
ـ لدي واحد، شكرا لك.
قام بإمضاء العقود، ثم حك ذقنه بتوتر وانهمام وهو يقول:
ـ من فضلك تأكد من نظافة وتعقيم السيارة أولا..
ليجيبه الآخر بثقة:
ـ لا تقلق، ستتأكد بنفسك من ذلك.
شكرهُ فريد وانصرف وهو يلتقط زجاجة الكحول وينثر منها على يديه وملابسه، ثم خرج من الفندق ووقف في انتظار وصول السيارة ومن ثم انطلق بها في طريقه نحو المنزل الذي قرر شراءه والاستقرار به..
رواية محسنين الغرام الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نعمة حسن
استيقظت نسيم من نومها لتكتشف أنها قد غفت فوق الأريكة في غرفة المعيشة، فقد ظلت بانتظار عاصم إلى وقت متأخر ولكن النعاس غلبها قبل عودته.
كانت تنتظر عودته لكي يكملا حديثهما الذي ظل عالقًا في منتصفه.
لديها فضول جامح لمعرفة الحكاية بأدق تفاصيلها، ولديها الكثير من الأسئلة تريد معرفة إجاباتها، وأهمها.. لماذا تأخر انتقامه ثمان سنوات!
اعتدلت وأخذت تحرك جسدها ورقبتها برفق بعد أن تشنجت عظامها إثر نومها بوضعية خاطئة لساعات طويلة.
استندت إلى عصاها ونهضت وهي تنظر إلى تلك الساعة المعلقة فوق الجدار فوجدت أنها تشير إلى العاشرة صباحًا.
دخلت غرفتها، أخذت حمامًا وبدلت ثيابها.
وبينما هي تهم بالخروج من الغرفة استمعت إلى صوت الباب وقد صُفق، فخرجت مستندةً على العصا فإذا بها تراه يقبل عليها متجهمًا وهو يقول:
"صباح الخير."
حانت منها التفاتة نحوه ثم نحو غرفته وقالت باستغراب:
"هو انت مكنتش نايم هنا؟"
كان استنتاجًا أقرب منه إلى السؤال، فأومأ وهو يزفر ببطء:
"لأ."
نظرت إليه متعجبة. كانت ترغب في سؤاله عن مكان مبيته بالأمس ولكنها لم ترغب في أن تظهر بمظهر المتطفلة الفضولية التي تتدخل فيما لا يعنيها.
لذا أومأت باقتضاب وانسحبت من أمامه بهدوء وهمّت بالعودة إلى غرفتها ولكنه استوقفها حين قال:
"امبارح كنت مرهق وخلصت شغل متأخر ومقدرتش أرجع هنا.. عندي بيت تاني جنب شركتي قضيت فيه الليل."
أومأت بهدوء وتحدثت وهي تشعر بعدم الارتياح فقالت:
"مفيش مشاكل، بس كان يُفضل تعرفني إنك مش جاي، لأني فضلت مستنياك لوقت متأخر."
"خير، كنتي محتاجة حاجة؟"
"محتاجة نتكلم."
ألقتها دون تفكير، فرأته يزفر ببطء وظهر الضيق في عينيه البنيتين الحادتين وقال:
"أكيد هنتكلم، بس مش دلوقتي. أنا جيت أطمن عليكي وأبلغك إني كلمتلك دكتورة علاج طبيعي هتمر عليكي مرة كل تلت أيام وهتمشي معاكي لحد ما تتحسني إن شاء الله."
ثم رفع ذلك الكيس بيده وقال وقد لاحت ابتسامة هزيلة على شفتيه، كما لو أنه رسمها غصبًا وقال:
"وجيبتلك فطار."
نظرت إلى الكيس بيده وقالت:
"شكرا، مكانش في داعي تتعب نفسك."
"تعبك راحة.. اتفضلي."
تركها وتقدم نحو مائدة الطعام وأخرج تلك الشطائر من الكيس الورقي، ثم أحضر الأطباق وبدأ برص الشطائر بها.
سحب مقعدها فجلست ثم جلس على الكرسي المجاور وأمسك بشطيرة وبدأ بتناولها في صمت.
بينما هي كانت تنظر نحوه، كان شاردًا على عكس الأمس، عيناه مرهقتان، منطفئتان، يغزوهما الألم من كل جانب.
فأدركت أنه قد مر بشيءٍ سيء لذا تساءلت بتردد:
"في حاجة حصلت؟"
جذبه صوتها من طريق الشرود الذي سار فيه، فنظر إليها وقال ببساطة مفتعلة:
"أبدا."
لم تستسغ صمته، ولا غموضه، وأساسًا لم تستسغ فكرة أنه لم يعد إلى البيت دون أن يخبرها واليوم فاجأها أنه يملك بيتًا آخر كان يعيش فيه، إذًا لقد اشترى هذا المنزل لها منذ البداية لأنه ينوي أن يعيش كلا منهما ببيت منفصل.
كانت مشتتة، لا تعرف سبب غضبها بالتحديد، وكان المثير للضيق والحنق أنها تشعر أنها غارقة وسط دوامة من الألغاز، تشعر أنها تتعامل مع رجل غامض وهي لا تحب هذا النوع أبدًا من الرجال.
ولا تفضل أن تتعامل مع مثل تلك الشخصيات لأنها تستنزف طاقتها وفكرها أكثر.
لذا قررت أن تبادر، أن تسأله مجددًا عله يجيبها إجابة واضحة تخمد ضجيج الفضول برأسها.
"في حاجة جديدة حصلت ضايقتك؟!"
نظر إليها بعد أن كان ينظر بطبقه بصمت. وفهم تلك الحاجة الملحة بعينيها للفهم، فهي أمامه كالكتاب المفتوح تمامًا، يمكنه فهم لغة عينيها بسهولة، وترجمة نظراتها كما يُشرب الماء.
والآن يعرف أنها لديها فضول عالٍ نحوه، لذا تنهد ثم قال:
"الحقيقة في خطوة كان المفروض تحصل من زمان بس مكانش فيه فرصة.. وخلاص خدتها الحمد لله."
ومد يده وشرب جرعة من كأس العصير ثم قال وهو ينظر إليها ويتبين ردة فعلها:
"أنا نقلت رفات حازم الله يرحمه من المقابر بتاعة عيلة مرسال للمقابر بتاعتنا."
نزلت تلك الكلمات كالصاعقة عليها، وتجمعت الدموع في عينيها لا إراديًا وتركت ما بيدها من طعام.
واتخذ منها الأمر بعض الوقت حتى تغلغل الخبر داخل عقلها الذي كان معطلاً، ثم أسندت رأسها بين كفيها وأجهشت بالبكاء.
زفر نفسًا ثقيلا للغاية، وأكمل كلامه:
"الموضوع كان صعب شوية ومقدرتش أتخطاه الصراحة، لكن أنا متأكد إن كده روحه هتكون مرتاحة."
كانت تبكي، تتذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله، ودوي الرصاص يخترق أذنيها وقلبها وكأنها تسمعه للتو.
حتى أنها صمّت أذناها بيديها ودفنت رأسها بين يديها أكثر وزادت حدة بكاءها.
فيما هو يحدق فيها بحسرة لا تخف حدتها من قلبه أبدًا.
ومد يده نحوها.. كان يريد التربيت عليها ودعمها أو مواساتها ولكنه تراجع.
وسحب يده سريعا وهو يراها ترفع رأسها وتنظر إليه بعينين باكيتين وتقول:
"علشان كده مرجعتش امبارح.. مكنتش قادر تشوفني، لأني بنت الراجل اللي كان السبب في موته.. مش كده؟"
قطب جبينه متعجبًا، ذُهل لكونها قد فهمت ما دار برأسه وما شعر به فعلاً.
واضطرب لكونه يشعر أنه أصبح مكشوفًا بهذا القدر أمامها، وبتلك السرعة، وبدون أي مجهود يذكر.
أكثر ما يزعجه هو أن يشعر أن تلك الشفرات من حوله قد تم اختراقها وفكها.
هذا الشيء يزلزله، يصيبه بالارتباك.
يجعله يشيد من حوله الأسوار من جديد، وبكل قوة.
تنهد وهو ينظر إليها بتركيز.
وفي نفس اللحظة كانت تنظر نحوه في انتظار تأكيد أو نفي.
ليجيبها هو بما يسمح لبروجه المشيده أن تمتد للأعلى أكثر وتحيط به أكثر وأكثر فتجعله غير قابل للاختراق.
"مش حقيقي، أنا في العموم لما بحس إني مضايق بحب أكون لوحدي.. وبعدين أنا قولتلك أنا معنديش أي مشاعر سلبية نحيتك، لأني مش معتبرك أساسا فرد من عيلة مرسال."
صمتت، سكنت قليلا، ورفعت كأس الماء وتجرعت منه جرعتين، ثم نظرت إليه وتساءلت بهدوء:
"أنا عاوزة أزوره النهارده، ينفع؟"
أومأ مؤكدا ببطء وقال:
"أكيد ينفع.. زي ما تحبي."
أومأت بهدوء، ثم مسحت دموعها ونظرت إليه من جديد.
واتتها الفرصة لكي تستفهم منه عما تريد فقالت:
"ممكن أعرف إيه السبب اللي خلاك استنيت السنين دي كلها عشان تعمل اللي عملته؟ و ليه مقدمتش الفيديو للنيابة من أول ما شوفته؟ ازاي صبرت على تار أخوك تمن سنين.. و ليه؟"
استند عاصم إلى ظهر المقعد، واتسعت مقلتاه تدريجيًا وهو يسترجع ذلك المشهد اللعين ثم قال مجيبًا سؤالها بطريقة جعلت الأسئلة تتفرع في رأسها أكثر.
"لأني كنت مسافر كندا ومكنتش أقدر أنزل مصر وقت اللي حصل. كان في ظروف مانعاني، و أول ما الفرصة سمحت نفذت اللي كنت بخطط له."
كانت طريقته غير مباشرة، ملتوية، تحمل دليلا على أنه لا يريد التوضيح أكثر، ولكن فضولها لم يتوقف، ونهمها لمعرفة المزيد لم يكن من السهل السيطرة عليه، فقالت باستياء واضح:
"ممكن تخليك واضح معايا؟ أنا الأسلوب ده بيتعبني وبيضغطني نفسيا جدا."
أسند كفيه على المائدة وهو يسقط رأسه للخلف وينظر إلى الأعلى، وزفر نفسًا مسموعًا ثم قال:
"صدقيني أنا مش حابب أضغطك ولا أتعبك.. بس في حاجات لازم الواحد مننا يحتفظ بيها لنفسه، على الأقل لفترة."
ونظر إليها وقال بهدوء:
"يعني مثلا مش منطقي إني أقولك احكيلي عن حياتك وكل اللي مريتي بيه.. في تفاصيل أكيد مش هتكوني حابة تحكي فيها، وأنا لازم أحترم ده.. نفس الحكاية، في تفاصيل أنا مش حابب أحكيها أو أتكلم فيها. ومتقلقيش هي مش خاصة بحازم.. هي خاصة بيا أنا وبس."
سقطت نظرتها نحو يدها التي تعبث بحافة طبقها، ثم قالت بخفوت:
"سؤال أخير ولازم تقوللي إجابته."
تفرسها بحدة، بصبر، ثم أومأ موافقا.
فـنظرت إليه وقالت:
"الفيديو.. وصلك إزاي؟"
بدا أنه يفكر في الأمر لفترة طويلة، و غامت عيناه بذكريات قد تركت أثرها في روحه وكيانه بالكامل، ثم نظر إليها بدون تعبير وقال:
"هحكيلك."
***
وقفت نغم أمام المرآة، تختار ثيابًا مناسبة ليومها الأول في العمل، ولكن حالة ملابسها ـ المثيرة للشفقة ـ كانت تجعلها تصرف نظرها عن كل ما تملكه.
فلقد اعتادت الأناقة، اعتادت لبس الثياب المرتبة النظيفة الغالية، لذا فأصبح كل ما ترتديه الآن مجرد كومة من الملابس البالية.
تنهدت بضيق، وهي تتذكر مظهر العاملات بالصالون، وكيف أنهن يلقن كثيرا بالمكان وفخامته، ويعكسن صورة مشرفة عنه بمظهرهن الحسن.
فوقعت عيناها على تلك الحقيبة التي أحضرتها زينب والتي تحوي ملابسها التي ابتاعها لها سالم.
وقفت تنظر إليها بتردد، لم تكن ترغب في ارتداء أيًا مما تحتويه تلك الحقيبة، ولكن أمام قلة حيلتها اضطرت أن تستعين بها.
فتحت الحقيبة ووقفت تتذكر كيف كانت حالتها وهي تشتري تلك الملابس لأول مرة مع زينب، فزفرت بضيق وأخذت تطالع قطعة تلو الأخرى بحيرة إلى أن وقع اختيارها على بلوزة باللون الأخضر وسروال من الجينز الأسود.
ارتدتهما ووقفت أمام المرآة تصفف شعرها.
ثم عادت لتنتقي من بين الأغراض حقيبة يد حيث أن زينب أحضرت لها جميع ما اشتروه لها من قبل.
وبينما هي تبحث عن حقيبة مناسبة لمحت صندوقًا من الكرتون ففتحته لتجد به العديد من زجاجات العطور التي كانت تستعملها ولكن بينهن واحدة هي من أسرت انتباهها.
أمسكت بها سريعًا وأخذت تنظر إليها بغير تصديق، ذلك العطر خاص بفريد، وذلك العطر بالتحديد هو الذي رشت منه يوم اقتحمت غرفة فريد ببيته و أوشى بها فعلم فريد عندما شمه أنها دخلت غرفته وعبثت بأغراضه.
قربته من أنفها تشمه وسحبت نفسًا عميقًا مهتزًا وهي تغمض عينيها وتغرق في بحر من الحنين المضني.
فكل شيء يتلاشى، يقل، يخف، كل شي بإمكانه أن يغدو كأن لم يكن، لكن الرائحة تبقى أبديّة، ملعونة، عصيّة على النسيان.
وتلك الرائحة أثارت ذكريات لا تزال حية بداخلها وجعلتها تتمنى لو أنه بجوارها الآن.
تنظر إليه عن قرب، تلتقط ابتسامته وعبوسه.
لو أنه حافظ على حبهما وحماه. فقط لو!!
ولكنه لم يفعل، تعرف أنه يحبها، تثق بذلك ولكنه خذلها و آفة الحب الخذلان.
كانت عائشة تقوم بتحضير الفطور، فنادتها قائلة:
"يلا يا نغم عشان تفطري."
انتبهت إلى صوت خالتها، فأعادت زجاجة العطر إلى الحقيبة من جديد وقامت بإغلاقها وهي تقول:
"معلش يا خالتي متأخرة.. هصرّف نفسي وآكل أي حاجه متقلقيش."
غادرت الغرفة وهمّت بفتح باب الشقة ولكن صوت حسن هو من استوقفها حيث خرج من الحمام للتو وقال:
"رايحة فين بدري كده يا نغم؟"
استدارت ببطء.. ونظرت إليه، فرأته يتفحصها بتمعن أثار ضيقها، فأجابت بحدة:
"رايحة الشغل."
اقترب من مائدة الفطور وهو يضع منشفته حول عنقه ثم جلس على المقعد وهو يقول:
"شغل إيه؟"
تبًا له، يحشر أنفه في حياتها من جديد، يسألها بكل هدوء واستفزاز، لذا شعرت بنبرة صوتها ترتفع، وكذلك ضغط دمها الذي اندفع نحو صدغها، وهتفت حانقة:
"خالتي هتحكيلك لأني اتأخرت ولازم أمشي."
فتحت الباب وخرجت مسرعة قبل أن يستوقفها مجددا، وربما يقذفها بالصحون من يدري؟ فهي تعرفه جيدا. عنيد كالثور، بربري وهمجي.
بينما هو كان يحدق في أثرها بغيظ، ثم نظر إلى أمه وقال:
"هو إيه أصله ده؟ شغل إيه اللي طلع لنا في المقدر جديد ده؟!"
تنهدت وهي تسكب له كوبًا من الشاي بيدٍ مرتجفة وقالت:
"كوافير جديد هتشتغل فيه."
"آه.. ما صدقنا خلصنا من وقفتها مع فيفي هتلف تلف وترجع للمجال الوسخ ده تاني…"
نظرت إليه أمه بتعجب وقالت:
"لا إله إلا الله.. ومالها الشغلانه بتاعة الكوافير بس يبني ما هي شغلانه زي أي شغلانه، وبعدين نغم متعرفش صنعة غيرها، وقالت يعني تسلي نفسها وتجيب مصاريفها."
وصل صوت اعتراضه إلى المدينة المجاورة، وصفع سطح الطاولة بكفه وهو يقول:
"وهو أنا كان انطلب مني حاجة وقلت لا؟ ده أنا بتمنى انها تأشر بس وتقول نفسي في حاجة وأنا أجيبها لحد عندها، هي اللي راكبة دماغها وراسها حجر.. وبعدين هي في الكوافير ده مش هتختلط بناس داخلة وناس خارجة؟ غير ان البنات اللي شغالين في الكوافيرات دول لفين ودايرين وكله بيبهت على كله."
نظرت إليه بضجر ولم يرُقها ما سمعت، وقالت باقتضاب:
"نغم ميتخافش عليها."
ظهرت على وجهه ابتسامة ساخرة ثم قال متهكمًا:
"معاكي حق، اللي تعمل حوار وتدخل بيت سالم وتعيش فيه وكأنها واحده من البيت وتحب ابنه وترجع تأشط كل حاجه وتطفش تبقا ميتخافش عليها فعلاا."
أمسك بكأس الشاي ورشف منه رشفةٍ ثم نظر إلى أمه وقال:
"وبعدين بالعقل كده.. شغل إيه اللي بتشتغله عشان تجيب مصاريفها؟ هي مش كوّشت على خزنة سالم باللي فيها؟"
وغمز وهو يتساءل:
"راحت فين الفلوس دي بقا؟"
تهدل كتفيها بإحباط وهي تقول:
"بردو يا حسن مفيش فايدة فيك؟ يبني نغم مش وش كده.. وبعدين انت صدقت الحرباية الملونة اللي اسمها چيلان دي؟! دي أصلا الشر بعينه.. أنا لا صدقتها ولا اشتريت منها كل اللي قالته."
كان يمضغ الطعام ببطء وهو يحاول تمرير ما قالته أمه على عقله، ولكنه لم يقتنع به، فهو يعرف أن نغم يمكنها فعل ذلك بسهولة، فلم لا؟
"و إيه اللي يخليها تفتري عليها؟ بتغير منها مثلا؟"
تساءل متهكمًا.
فنظرت إليه أمه بعتاب وأجابت بإيجاز:
"و ليه لأ! ربنا وحده العالم باللي في القلوب."
تنهد تنهيدة مستاءة، ونظر إليها بضجر، وأكمل طعامه، ثم سأل مجددا:
"هي لسه بتكلم اللي اسمه فريد ده ولا بتقابله؟"
لتجيبه هي ببساطة:
"فريد أساسا سافر."
توقف عن مضغ الطعام ونظر إليها واحتدت نظراته وقال:
"مين اللي قالك؟"
نظرت إليه بتوتر وقالت:
"هي اللي قالتلي."
طالعها بلومٍ صريح ممزوج بغباءٍ عنيد:
"انتي بتسايريها بقا ومقضيينها حكاوي عنه. بدل ما تعقليها!"
لتجيبه هي بحدة مماثلة بعد أن فاض بها الكيل من غباءه وإصراره:
"و أعقلها ليه؟ الحب مش بالعافية يابني!"
لم تحصل منه سوى على نظرات مملوءة بالغضب والسخط، ثم نهض عن المائدة وهو يغمغم مكملًا حديثه الفج:
"صح الحب مش بالعافية.. انتي أدرى!"
دخل غرفته وتركها وسط أمواج عاتية من الخزي والخذلان، وتنهدت حينها وأقرت في نفسها شيئا.
ذلك البؤس لن ينتهي.
دخل غرفته وقام بفتح هاتفه لأول مرة بعد عودته، ثم استدعى رقم فيفي، وقام بمراسلتها.
"استنيني في الشقة، شوية وجاي."
وارتدى ملابسه، ثم خرج من الغرفة متجهًا نحو الباب وسأل أمه:
"الشغل الجديد ده فين؟"
"بتسأل ليه؟"
حرك رأسه وضرب كفيه ببعضهما البعض وهو يقول حانقًا:
"هو السؤال حرام؟! من باب العلم بالشيء عشان أكون عارف الهانم اللي عاوزة تشتغل وتجيب مصاريفها بتروح فين وتيجي منين وبتتعامل مع مين، ولا أنا هلهولة في البيت ولا إيه النظام؟"
حكمت عقلها قليلا وتريثت قبل أن تجيب:
"متهيألي في الشارع اللي هو.."
وصمتت، فهز رأسه منتظرا إجابتها، بينما هي تضيق عينيها وتفكر متصنعة النسيان وهي تقول:
"في الشارع اللي هو اسمه إيه ده… هي قالتلي اسمه بس أنا ناسياه."
رفع حاجبيه بحدة وقال ساخرا:
"ناسياه؟ انتي بتحوري عليا يمّا؟! هو أنا مش عارف إنك كده بتحوري يعني؟!"
زمت شفتيها باستياء وهي تنظر إليه بنفاذ صبر وتقول:
"يبني الله لا يسيئك سيب البت في حالها بقا بدل ما تهج تاني، أنا ما صدقت ربنا هداها ورجعت.. سيبها تشوف حالها وشوف حالك انت كمان هو يعني البنات خلصت من الدنيا مش فاضل غير نغم؟"
استدركت وهو يرشقها بالنظرات المهزومة، الغاضبة أنها قد داست على جروحه وبقسوة، لكنها تريد أن يتخلص من هوسه وتعلقه بنغم اللذان سببا لها من الأذى ما يكفي.
فتح الباب وغادر ثم صفق الباب خلفه بقوة، فأخذت تنظر إلى الأعلى وهي تدعو وتنتحب:
"يا رب الهداية من عندك.. يهديك ربنا يا ابن بطني ويحنن قلبك عليا يا نسيم يا بنتي ويكتب لك في كل خطوة سلامة يا نغم يا بنت بدر."
ومسحت بكفيها على وجهها. أزالت دموعها. وتنهدت تحاول بث الطمأنينة في نفس طغى عليها الحرمان.
***
"هحكيلك."
أجبرت نفسها على الهدوء، بالرغم من أن قلبها كان يطرق بقوة، بعنف، وكأنه سيكسر أضلاعها ويخرج.
ونظرت إليه بصمت. واستمعت لتنهيدته التي افتتح بها حديثه ثم قال:
"يوم عيد ميلادك…"
شردت. أعادها للذكرى. وأخذت تسبح بعقلها وصولا عند ذلك اليوم.
و صوته البائس كان يشبه خلفية موسيقية بائسة تكمل المشهد الأشد بؤسًا على الإطلاق!
"حازم كان مقرر إنه يوثق اليوم من أوله، بدايةً من اللحظة اللي هيشوفك فيها، عشان كده استعان بصاحب عمره.. أيمن."
نظرت إليه متعجبة فأومأ مؤكدا ما تفكر فيه. لقد فاجأها قوله أن أيمن كان صديق حازم المقرب.
"أيمن طول عمره غاوي تصوير.. بعيدا عن شغله في إدارة الأعمال كان بيصور مناسبات وأفراح صحابه هدية منه ليهم، والطبيعي إن أيمن كان موجود يومها لأنه كده كده كان هيشهد على عقد جوازكم. أيمن وحازم وواحد تالت اسمه رشيد كانوا أصحاب جدا. اتفق حازم مع أيمن ورشيد انهم هيكونوا معاه وقت ما يجيلك البيت ياخدك وبعدها هيتحركوا على المأذون فورا. وفعلا هو كان بعربيته وهما الاتنين كانوا وراه بعربيتهم وأيمن مدور الكاميرا وبيصور من اللحظة اللي نزل فيها حازم من العربية. وبعدها أكيد انتي عارفة اللي حصل.. وبالصدفة، أو بالأصح بمشيئة ربنا كل حاجه اتصورت يومها عشان يكون في دليل على اللي حصل."
عبست، وشعرت بشيء ما يضغط على قلبها ويعتصره بقسوة.
وسالت دمعاتها وهي تردد بلا وعي:
"كان المفروض هنتجوز.. كان واعدني بحاجات كتير حلوة، ودايما كان يقوللي وانتي معايا هعوضك عن كل اللي شفتيه وعشتيه. كنت مستنياه عشان أعيش، عشان أفرح. أنا اتحرمت منه ومن كل حاجه حلوة بدري أوي."
بدأت تبكي واشتد بكاؤها وهي تتذكر ما حدث بعدها، حيث أنه لم يكتفِ بقتله أمام عينيها.
بل ترك لها ذكرى قاتلة لن تغادر مخيلتها أبدًا.
"استرجاع زمني"
تركهم مشغولين بدفنه وإخفاء أي أثر للجريمة، وسحبها إلى سيارته، جرها من شعرها بكل قسوة وأدخلها السيارة عنوة، وانطلق متحركًا بسرعة.
ظنت أنه سيقتلها ويخفي جثتها في مكانٍ ما، واستسلمت لتلك الفكرة التي باتت مريحة بالنسبة لها أكثر من فكرة العيش بدون حازم.
ولكن كالعادة.. بئس العقل الذي يظن نفسه قادرًا على تخمين خطوة سالم القادمة.
رأيته يتوقف أمام مكانٍ ما، وغادر السيارة وهو يأمرها بالنزول، فنزلت وهي تنظر حولها بخوف لتقع عيناها على لافتة أوضحت أن هذا المكان مركز خاص بطبيبة نساء!
دخل وهي برفقته، يمسك بمعصمها بقوة، وبدون استئذان كان قد اقتحم غرفة الفحص ممسكًا بها كالمذنبة، ودفعها بقوة نحو سرير الفحص ثم نظر إلى الطبيبة التي وقفت مستنكرةً ما يحدث وقال بلهجةٍ آمرة:
"عاوز أكشف عليها."
ونظر إلى نسيم التي انزوت حول نفسها بخوف وأخذت تنظر نحوه بعينين متسعتين وقال بنظرة يملؤها الخزي:
"عاوز أعرف هي لسة بنت ولا لأ!"
هاجت الطبيبة وصاحت به منفعلةً:
"إيه التخلف اللي بتقوله ده، كلامك ده يعرضك للمساءلة القانونية لو مش عارف."
"بلا مساءلة قانونية بلا زفت، اخلصي واكشفي عليها."
رفضت وقامت بطرده، فهددها وتوعدها بأشد أنواع الوعيد إن لم تنفذ طلبه سيطالها بطشه وستجد نفسها في الشارع بعد أن يتسبب في إغلاق مركزها.
وأمام تلك الفوضى التي أحدثها وتسبب بها في المركز لم يكن أمام الطبيبة إلا أن ترضخ لرغبته وتقوم بالكشف عليها.
فنظرت إليه وقالت بحدة:
"ممكن بقا تتفضل بره علشان أكشف عليها؟!"
ليجيبها الآخر بفظاظة وصرامة تُهزم دومًا تحت وطأة الجهل:
"مش هتحرك من هنا غير وهي معايا، اتفضلي شوفي شغلك."
أدار ظهره إليهما، فيما نظرت نسيم إليها وشعرت بروحها تغادر جسدها وتلك الطبيبة التي شُبهت لها بقابض الأرواح تحاول المباعدة بين قدميها بالقوة، بينما الأخرى تصرخ وتحاول ركلها بكل ما أوتيت من قوة وهي ترجوه، تتوسله أن يتراجع، بل وتقسم له أنها لم تفعل شيئا مشينا.
ولكنه كان كالتمثال، لا يرى، لا يسمع، لا يتكلم.
وبعد دقائق طويلة من المعافرة نجح الأمر، فتنهدت الطبيبة وهي تنظر إلى سالم قائلة:
"البنت لسه بِكر متقلقش."
"متأكدة؟"
تساءل بشك فصاحت به هاتفة:
"ايه اللي متأكدة هو أنا دكتورة نسا ولا مذيعة في التلفزيون!! اتفضل خد بنتك وامشي قبل ما تتسبب لي في مشكلة."
وساعدت نسيم التي لم تتوقف عيناها عن ذرف الدموع، فنهضت ورتبت ملابسها وخرجت من غرفة الموت تجر قدميها بذل وهوان.
بينما قام سالم بإخراج رزمة من النقود وألقاها على مكتب الطبيبة بصمت وهمّ بمغادرة الغرفة ولكنها استوقفته قائلة:
"يا ريت بعد اللي عملته فيها ده تشوف لها دكتور نفسي."
وتمتمت بسخط واشمئزاز وهي تنظر إليه:
"عالم جاهلة!!"
خرجا سويًا من المركز وسارا نحو السيارة، ركبت بجواره وهي كالمغيبة، جسدًا بلا روح، لا تستوعب ما مرت به حتى الآن.
وكتمت أنفاسها بخوف حين رأيته يستدير نحوها ويسألها بنبرة قابضة:
"لما انتي مفرطتيش في شرفك اومال كنتي متمسكة بيه ليه وعاوزة تهربي معاه؟ عاجبك كده يعني اللي حصل من تحت راسك؟"
أغمضت عينيها وبدأت تئن وتبكي وهي تكتم نحيبها بقوة ليهتف بقوة:
"من النهارده إياكي تخرجي من أوضتك! مش عاوز أشوف وشك تاني."
"عودة للحاضر"
كانت تبكي وكتفاها يرتجفان وعيناها تتورمان.
وكلما تذكرت شعورها حينها تشنجت وارتسمت ملامح الذعر على وجهها.
نهض من مقعده، وقرّبه نحوها حتى بات مجاورًا لها، ثم ـ لا إراديًا ـ تحركت يده على ظهرها في تربيتة ثابتة، ثم ناولها كأسًا من الماء ورفعه لفمها عندما رأى ارتجافة يدها وساعدها في شربه بالكامل.
كانت تشعر بالحسرة وهي تتذكر شعورها يومها وكيف كانت تشعر وكأنها حشرة، ولم تفلح في منع الدموع التي جاءت كفيضانٍ جامح جرف أمامه كل شيء.
بينما هو ثابتٌ أمامها، يربت على ظهرها تارة وتارة أخرى يمسح عليه برفق. يحاول تهدئتها.
في الأساس هو يكره البكاء وبشدة، ويكره النساء الضعيفات، ويكره لحظات الانهيار.
ولكنه طيب بشكل فطري، لا يحب الظلم، ولا التجبر، ويميل لا إراديا لأي إنسان مجروح مظلوم، يأخذ همه على عاتقه، ويتعامل معه بشكل شخصي وكأنها مسألته هو.
حاول جذب انتباهها إليه حيث رفع وجهها برفق لتنظر إليه بحزن وقال:
"اسمعيني يا نسيم.."
نظرت إليه، وحاولت قدر المستطاع تجاهل عدم الراحة التي شعرت بها إثر لمساته المفاجئة لظهرها، ونظرت إليه لتجده يقول بتحفز:
"خلاص كفاية عياط.. عيطنا كتير. اللي انتي خسرتيه انتي أكتر واحدة عارفة قيمته، واللي أنا خسرته عارف ومتأكد أرد حقه ازاي. خسارتنا كبيرة أنا عارف، حازم لو كان بالنسبة لك طوق النجاة فكان بالنسبة لي كل حاجه في الدنيا. واللي اتسبب في إني أخسر أخويا أنا مش هتهاون في عذابه. بس لازم انتي تكوني معايا، أنا وانتي هدفنا واحد.. ننتقم من سالم. ولو أنا بفهم في الناس ولو شوية قد كده."
وأشار بإصبعيه السبابة والإبهام مقربًا بينهما وتابع:
"فأنا متأكد إن النظرة اللي في عينيكي دي رغبة في الانتقام."
نظر بعينيها بقوة، بينما هي فعلت المثل، تلاقت نظراتهما وتوهج الغضب بهما وأحدثا شراراتٍ ناقمة، وتابع:
"انتقام لكل حاجه سالم سرقها منك.. مش حازم بس!"
بالفعل هو سلب منها الكثير. الكثير والكثير والكثير.
جرّفها من المشاعر، حرمها من الفرح ومن الضحكة الصافية، سلبها حقها في العيش بحرية.
سالم هو الكابوس الذي لا ينتهي.
"أنا مش هكتفي باللي خدته، أنا بقوللك عشان أكون واضح، النار اللي في قلبي مش شوية فلوس ولا شركات اللي هيبردوها. أنا مش بسامح يا نسيم، ولا بنسى، وحق أخويا هاخده كل يوم وكل لحظة، مش مرة ولا اتنين. حق أخويا هاخده من النفس اللي سالم بيتنفسه كل يوم."
تلك العينين الواسعتين، و هذين الحاجبين الداكنين يشبهان السيفين في حدته فوقهما، رسما سويًا نظرات مخيفة للغاية.
"أنا وانتي أغلى حد عندنا هو حازم الله يرحمه، دي الحقيقة الثابتة اللي لا يمكن تتغير، وزي ما متفقين على حبه لازم نتفق على الانتقام ليه، لأنه مكانش يستاهل أبدا النهاية دي. حازم عمره ما أذى حد، وكان كل همه يسعدك. تفتكري اللي غدر بيه ميستاهلش الغدر وأشد كمان!!"
رمشت وبها شيء من الخوف من قوله الأخير، ولكن تلك النظرات المتحفزة جعلتها توميء بموافقة، فابتلع ريقه بتحفز أكبر وسألها:
"معايا مش كده؟"
أومأت إيماءة مهتزة، مترددة، مشتتة.
بداخلها رغبة ملحة للانتقام، ولكن لا تعرف مِن مَن بالتحديد، وكيف؟
بداخلها رغبة للثوران، للتمرد، للانتصار!!
بداخلها بركان خامد مشحون بالحزن، بالفقد، بالقهر، ويرغب في الانفجار.
تنهد وقد حصل منها على الضوء الأخضر الذي سيجعله يمضي في طريقه قدمًا دون أن يستمع إلى صوت العقل أو الضمير بعد ذلك.
سينفذ كل الخطط الذي انشغل بوضعها لثمان سنوات، لديه قائمة طويلة تشمل كل طرق الانتقام الممكنة، سيجربها كلها، سيستعمل كل أدواته ووسائله حتى يصل إلى نشوة الكمال.
حتى يشعر أنه قد اكتفى، أنه حقًا انتقم، أنه انتصر.
عادت تلك الجروح التي انبجست بعينيه تلتئم من جديد، وهدأ واستكان، و ربت على يدها المسنودة فوق سطح المائدة وقال:
"متقلقيش من أي حاجة، أنا معاكي وكل اللي انتي عاوزاه هيحصل، ولو كنتي بتعتبري فعلا إن حازم الله يرحمه كان سندك فمن النهاردة تقدري تعتبري إن ليكي سند بدل اللي راح، السند ده اسمه عاصم الدالي."
وتبسم ابتسامة منكسرة ثم أضاف بقليل من المرح:
"طبعا فخامة الاسم تكفي."
تبسمت بدورها، ابتسامة لا حياة فيها. ولكن بها بعض من الامتنان.
ثم تنهدت بقليل من الراحة وقالت:
"شكرا يا عاصم."
أومأ ببشاشة عِوضًا عن رد الشكر، ثم نهض وقال:
"هخلص اتصال مهم على ما تجهزي عشان نمشي."
أومأت بهدوء، فدخل غرفته وتركها بالخارج، تفكر وتتأمل.
حدسها يخبرها أن القادم ليس سهلا.
ولكن على كل حال.. سيكون أفضل.
***
في أثينا.. بمنزل فريد الجديد.
كان قد وصل للتو بعد أن غادر الفندق، ودخل ثم وضع حقيبته أرضًا ووقف يتأمل المكان براحة نفسية لا بأس بها.
دار في أركانه حتى يتبين نظافته التامة، ثم فرك يديه ببعضهما بحماس والتقط حقيبته، فتحها ثم أخرج منها عدة لوحات قام برسمها.
الأولى كانت فيها نغم بنسختها الحزينة المنكسرة، فقام بتعليقها على جدار بغرفة المعيشة.
والثانية كانت عبارة عن تجسيد للحلم الذي تشارك فيه هو و نغم تلك القبلة العصية عن الوصف، فقام بتعليق اللوحة بغرفته وبالتحديد على الجدار المقابل للفراش وبجوارها اللوحة الأخيرة التي رسمها لنغم وهي تجلس على الأرجوحة بالڤيلا.
وقف يطالع اللوحات وهو يتنهد ثم غمغم قائلا بقلة حيلة:
"مش ممكن، بقيت مجنون نغم!"
خرج من الغرفة، وسار نحو الأريكة، جلس والتقط حاسوبه من الحقيبة وفتحه، ليتفاجأ وقد وردهُ بريدًا من أحد أصدقاءه كان مفاده:
"مرحبا فريد، وصلني خبر تصفية شركتك بمصر، لذا أقدم لك عرضًا صادقًا لكي نعمل سويًا، سنصبح شريكين بارعين، لدينا الكثير لنقدمه معًا."
أخذ ينظر إلى البريد لدقائق ويفكر بتمهل، وفي النهاية لم يصل لشيء فأغلق الحاسوب وزفر بملل.
أسند ظهره إلى ظهر الأريكة وخلل شعره بأصابعه بيأس وانهمام، لينتبه بعدها إلى اتصال زينب الذي فاجأه تماما!
فأجاب مسرعًا وهو يقول:
"ازيك يا زينب!"
"ازيك يا فريد بيه، أخبارك إيه؟"
ضحك ببساطة ثم قال:
"فريد بيه إيه بقا يا زينب ما خلاص.. أنا حاليا فريد بس، أخبارك إيه يا زينب؟ انبسطت جدا لما سمعت صوتك."
اهتز صوتها قليلا وقالت بتأثر:
"والله البيت من غيرك انت ونسيم ملوش طعم أبدا، ومش مصبرني غير عمر.. لولا كده كنت مشيت."
"خلي بالك من عمر يا زينب من فضلك، انتي عارفاه مبيعرفش يعيش من غير كوارث."
ضحكت فضحك بدوره وقال:
"بتكلمي نسيم؟"
"أيوة بكلمها وبطمن عليها وهي كويسه الحمد لله."
صمت قليلا ثم تساءل باهتمام:
"عاملة إيه في حياتها الجديدة؟"
"متقلقش يا فريد بيه، هي بتقول إنها بخير."
تنهد مطولا، ثم تساءل بصوت يملؤه الحنين:
"و نغم؟ تعرفي عنها حاجه؟"
"رحت لها امبارح واديتها هدومها وحاجتها اللي كانت في الاوضه زي ما طلبت مني وقولتلها إن سالم بيه أمرنا نفضي الاوضة عشان توافق تاخدهم."
"عظيم. وهي كويسة؟ اتكلمتي معاها؟"
"مش كتير، لأن حسن دخل وأنا مشيت."
تغضن جبينه متفاجئا وقال:
"هو حسن خرج؟!!"
تنهدت وقالت:
"أيوة."
"ازاي ده؟ وعلى أي أساس؟!"
"والله يا فريد بيه مش عارفه، أنا اتفاجئت بيه يومها."
زفر زفرةً غاضبة وقال:
"وعايش معاهم دلوقتي؟ أقصد هو ونغم في نفس البيت؟.."
"أكيد.. أصل نغم هتروح فين؟! بس على العموم متقلقش خالتها معاها."
أطلق ضحكة قصيرة مبتورة ساخرة، وجود خالتها لن يقيها شر حسن، فلطالما تواجدت خالتها طيلة تلك السنوات الماضية، وفي النهاية النتيجة واحدة.
"طيب يا زينب ممكن من فضلك تكلميها دايما وتطمني عليها؟ كل يوم لو تقدري.. وبلغيني فورا لو عرفتي انها محتاجة حاجة أو ناقصها حاجه.. لحد ما أفكر وأشوف هخرجها من بيت حسن ده ازاي."
وعدته بذلك، وأنهت الاتصال وهي تشعر بالحسرة على حاله، وحال نغم، ونسيم، وحسن.
تشعر بالشفقة عليهم بعد أن طالتهم جميعا اليد الباطشة. يد سالم مرسال.
***
غادر عمر غرفته ومر بغرفة والدته، دخل وجلس بجوارها حيث كانت تجلس فوق فراشها ممسكة بالمصحف وتقرأ فيه.
توقفت عن القراءة، ووضعت المصحف بجوارها ونظرت إليه فأمسك بيدها وقبلها وهو يقول:
"صباح الخير يا ماما.. عاملة إيه النهاردة."
أجابته وهي تمسح على ظهر كفه بهدوء وقالت:
"الحمد لله يا حبيبي، رايح فين؟"
تنهد وقال:
"والله بفكر أمُر على چيلان في الشركة.. قالتلي إنها ناوية تنزل النهارده فبقول أخد فكرة يعني وأشوف الشركات دي بيتعمل فيها إيه."
إبتسمت لطريقته المرحة وأومأت بهدوء وقالت:
"كويس يا حبيبي، ربنا معاك."
أومأ ثم نظر إليها مجددا وقال بابتسامة عفوية:
"أنا مبسوط جدا إني شايفك بتقرأي قرآن على فكرة.. أكيد هيساعدك تبقي أحسن."
ابتسمت وإن كان بداخلها تشعر بالحرج، فهذه هي المرة الأولى فعلا التي تلجأ فيها لقراءة القرآن.
فربتت على ذراعه وقالت بابتسامة تملؤها الدموع:
"ادعيلي يا عمر.. أنا بحاول أتماسك عشان خاطرك انت وچيلان بس حاسة إني مش قادرة."
اقترب منها ومال نحوها وقبّل جبينها، ثم ضمها إليه وهو يقول:
"لازم تقوي وتقوينا يا ست الكل.. اجمدي كده عشان خاطري أنا وبلاش چيچي. چيچي ميتخافش عليها، انما أنا ضايع ومش ناقص خسارة."
عانقته بحنان وأخذت تمسح على شعره الكثيف كما تفعل دومًا وكأنه لا يزال طفلا.
بينما هو استكان بين ذراعيها وقال بضعف:
"أنا محتاجلك تقويني يا ماما.. ومحتاج أعيط."
أغلقت عيناها بإحكام على دموعها اللعينة، وربتت على ظهره وقالت:
"عيط يا عمر."
في تلك اللحظة كان سالم قد وصل لتوه إلى الڤيلا بعد عودته من العزبة، وكان متجهًا نحو غرفته ولكن مشهد عمر ووالدته هو ما استوقفه، فتوقف ينظر إليهما.
حيث كانت نادية تحتضنه وهو يبكي بين ذراعيها، بل وتأمره أن يبكي.
وهذا ما أثار سخطه وغضبه فهدر قائلا بحدة:
"عمر!!"
فزع عمر إثر ندائه الجهوري المفاجيء، وهبّ واقفًا وهو ينظر إليه ليراه واقفًا عند الباب، ينظر نحوهما بتجهم ثم قال:
"انت مش ناوي تسترجل بقا؟! هو إيه اللي عاوز أعيط..ونظر إلى نادية بضيق وصاح منفعلا:
"وانتي.. مش ناوية تبطلي خيابة بقا؟ هو أيه اللي عيط يا عمر، هتفضلي لحد إمتا تعامليه على إنه عيل صغير. انتي السبب في فشله وخيابته على فكرة. مش ناقصني كمان غير إن يبقالي عيّل منسون بيعيط في حضن الستات!"
"ممكن متزعقش!!!"
قالها عمر بانفعال شديد، وصاح بنبرة صوت عالية:
"هو انت كمان مستكتر شوية الدموع اللي بفك بيهم عن نفسي؟! مش كفايه كل اللي احنا فيه بسببك؟! فريد ساب البيت بسبب عمايلك، ونسيم اتجوزت واحد مش عاوزاه بسببك، وأنا لولا أمي وأختي كنت مشيت لأني خلاص مش طايق أقعد في البيت ده."
نظر إليه سالم بصدمة ألجمت لسانه للحظات، لم يتوقع رد فعله ولا ما قاله.
لم يتوقع هذا الرد من عمر بالذات!!
لذا نطق بحدة غاضبة:
"في ستين داهية، اللي مش عاجبه البيت يتفضل، الباب يفوت ستين جمل."
نظر إليه عمر واهتزت حدقتاه اللتان غشتهما الدموع، ثم اقترب منه ببطء، نادته أمه ألا يفعل ولكنه لم يأبه، ووقف أمام سالم وقال بنبرة يسيطر عليها الحقد:
"تعرف، بالرغم من اني أول ما عرفت إن حسن يبقا ابنك زعلت عشانه وعلى الظروف اللي عاش فيها.. بس بعدين فرحت له وحسيت قد إيه هو محظوظ إنه ماترباش على إيد واحد زيك ميعرفش يعني إيه رحمة!"
"واحد زيي يا كلب!"
قالها سالم وهو يهبط بكفه فوق وجنة عمر، مانحًا إياه صفعة لا تقل في قسوتها عن المئة جَلدة التي منحه إياها سابقا.
لافظًا مع تلك الصفعة كل غضبه وحنقه وكبته من الأحداث الأخيرة.
وقف عمر يطالعه للحظات، قبل أن ينسحب من الغرفة ويغادر الڤيلا بالكامل.
بينما وقف سالم ينظر نحو نادية التي كانت تنظر إليه بيأسٍ صامت، فهي لن تدخل معه في حوار عقيم لا طائل منه لأنها تعرفه جيدا.
هو من صاغ معنى "رأس كالحجر" منذ ولادته، وهو من وضع قانون القسوة دون تردد.
***
قاد عمر بسيارته على أعلى سرعة وهو يرغب في ارتكاب أي حماقة علها تنجيه من غضبه المحبوس.
ولكنه ركل الفكرة من رأسه في اللحظات الأخيرة.
وعندما فشل توقف بسيارته على جانب الطريق ونزل منها، ثم استند على مقدمتها بكلتا يديه وهو يتنفس بصخب، وأنفاسه تعلو وتهبط بصوت مسموع.
كان بداخله غضبًا شديدًا لا يعرف كيف سيتخلص منه.
بالطبع لن يتصل بفريد مجددا لكي يشكو إليه ما فعله والده، لن يحمله ضغطا أكبر مما بداخله، ولن يتصل بنسيم التي يكفيها ما بها، ولا چيلان لأنه يعرف حجم الوجع الكامن بقلبها.
وبينما هو يفكر قفزت صورة حسن إلى عقله، فقام بالاتصال به وهو لا يعرف السبب، ولا يعرف ماذا سيقول له.
استمع إلى صوت حسن فقال:
"ألو.. أيوة يا حسن ينفع أشوفك؟"
صمت حسن لثوان، ثم تساءل بحدة:
"ليه؟!"
"معلش عاوز أتكلم معاك."
"خير عاوز إيه؟"
زفر عمر بضيق وقال:
"لما أشوفك هنتكلم يا حسن، قوللي مكانك وأنا أجيلك.. أو تجيلي انت اللي يريحك."
ليصله صوت حسن بعد صمت وقال:
"ابعتلي عنوانك وأنا أجيلك."
على الفور قام بمشاركة موقعه مع حسن، ووقف بمكانه شاردًا، يفكر ويتساءل ولا يهتدي لإجابة.
والسؤال الأهم الذي يشغل باله.. ماذا سيقول لحسن عن سبب مهاتفته بما أنه لا يعرف لم هاتفه؟!!
***
وصل عاصم أمام مدفن العائلة وصفّ سيارته، ثم نزل واستدار سريعا ليساعد نسيم فترجلت وهي تحمل باقة ورد كانت قد طلبت منه شراءها في طريقهما.
فأمسك بيدها وقاد خطواتها نحو الداخل.
دخلت لتغمرها حالة من الحنين، والحزن الوفير الذي لا ينتهي.
ثم انحنت وهي ترسم على ثغرها ابتسامة واهية ونثرت الورود على القبر، ووقفا سويًا أمام قبر حازم يقرآن له الفاتحة.
وبعد أن انتهت شعر في رغبتها بالانفراد به، فانسحب وجلس بسيارته وأخذ يطالعها من بعيد.
تبكي بحسرة وتنتحب بقوة وكأنها لم تبكِ من قبل.
تلك الحسرة هي التي ستأجج رغبتها في الانتقام، وتعزز لديها روح الثأر.
تلك الدموع هي من ستقف حائلا بينها وبين الغفران.
رن هاتفه، فأجاب قائلا:
"نعم يا رشيد؟"
"لقينا طلبك يا مستر عاصم، واتكلمت معاها وفهمتها كل حاجه وهي مستنية مكالمة مننا."
"تمام.. يومين أكون رتبت الموضوع وأقوللك تكلمها.. مع السلامه."
أنهى عاصم الاتصال وزفر براحة، ثم نظر إلى نسيم التي كانت تسند ظهرها إلى القبر وتبكي دون توقف.
أشاح بوجهه ونظر أمامه وهو يفكر.
هل فعل صوابًا بزواجه منها؟ وهل سيظل معها فقط لحين إتمام انتقامه من والدها أم أنه سيحتفظ بتلك الزيجة إلى ما لا نهاية؟
في الواقع هو لا يملك أي خطط بخصوص زواجه من نسيم، وهذا هو الأمر الوحيد الذي اتخذه دون تفكير مسبق.
فهو حذر جدا ولا يسير إلى الأمام خطوة إلا بخطة وخطة بديلة.
ولكن هذا الأمر بالتحديد لا يعرف كيف سيسير وإلى أي حد سيصل.
…
كان حسن قد وصل للتو إلى منزل فيفي، أخرج المفتاح وحاول فتح الباب ولكنه لم يتمكن من فتحه ليستنتج أنها قد قامت بتغيير قفل الباب.
وقف ينظر إلى الباب وبدأ التجهم والعبوس يرتسمان على وجهه بوضوح، ثم قام بالاتصال بها ليصله صوتها الحاد وهي تقول:
"نعمين؟"
رفع حاجبه وقال متهكما:
"نعمين؟ لا كفاية نعم واحدة بعد اللي عملتيه ده، انتي غيرتي الكالون ليه؟"
"بكيفي يا حبيبي، بمزاجي.. دي شقتي أنا وأنا حرة أغير الكالون أغير الباب كله أنا حرة."
"في إيه يا فيفي مالك معووجة كده ليه؟ طب ده أنا حتى بقالي مدة غايب يعني، يبقا ده الاستقبال اللي تستقبليني بيه؟"
"ولا استقبال ولا وداع يا حسن، من الآخر كده شيل ده من ده يرتاح ده عن ده. إنت كان قدامك فرصة تاكل الشهد لكن انت اتبطرت وخرجت أسرار شغلنا بره، وأنا معنديش استعداد أقع وأوقع اللي معايا بسببك."
"اهدي على نفسك كده واصبري، أسرار إيه اللي خرجتها أنا مش فاهم حاجه."
"مش ضروري تفهم، على العموم اللي بينا انساه، وبما إن العصمة في ايدي فانا طلقت نفسي منك ومش عاوزة أعرفك تاني، لأن مش فيفي الشناوي اللي تتقرطس وتتسك على قفاها ويبقالها ضُرة يا حسن يا عقرب."
قطب جبينه متعجبا، وقبل أن يسألها عن هذا الحديث الذي تهذي به سبقته بقولها:
"في كيس زبالة جنب الباب متنساش تاخده وانت ماشي."
وأنهت الاتصال فجأة فأخذ حسن ينظر إلى الهاتف بيده باستغراب، لم يفهم ما قالته ولم يستطع تمريره على عقله دون التفكير به، وما توصل إليه في النهاية أن هناك سوء فهم وربما يكون أحدهم قد اخترع حكاية خيالية وأوهمها بها لكي يقصيه تماما.
أخذ يفكر مطولا إلى أن توصل إلى عدة شكوك وتخمينات، وتنهد بسخط ثم تحرك ليغادر، وقبل أن ينصرف وقعت عيناه على كيس أسود، على ما يبدو أنه كيس القمامة الذي ذكرته في حديثها، ولكن طرف السروال الذي خرج من الكيس هو ما أوشى له عن محتوياته، فأمسك بالكيس وفتحه ليتفاجأ بها وقد وضعت ملابسه كلها بداخل الكيس.
"يا بنت الكااالب!!!"… تمتم بها ساخطًا حانقًا وقد فارت الدماء بعروقه، فركل الكيس بقدمه بغضب وانصرف متجهًا نحو العنوان الذي أرسله عمر.
بعد نصف ساعة تقريبا كان قد وصل إليه، فرأى عمر يستند بظهره إلى سيارته السوداء الفاخرة ويقف في انتظاره.
أقبل عليه وهو يعتلي دراجته البخارية ثم توقف أمامه، على بعد خطوات منه.
وتنهد ثم قال بنبرة لا تشي بشيء:
"خير.. كلمتني ليه؟"
نظر إليه عمر بتفحص، يشعر بالانتماء إليه.
هناك صِلة بينهما وانجذابًا وتناغمًا لاحظه منذ البداية.
وبالرغم من أن البداية لم تكن مشرفة على الإطلاق ولكنه يشعر بأنه يرغب في الاستجابة لتلك الصلة التي تجمعهما والقبول بها.
بينما وقف حسن يطالعه عن كثب، بمنتهي التأمل.
ينظر إليه نظرة شملت كل شيء، بدايةً من شعره الناعم الكثيف المصفف بطريقة تلائم طيشه ورعونته، مرورا بملابسه الفخمة المميزة، و وصولا عند تلك السيارة الفارهة التي يزيد ثمنها عن المال الذي أُنفق عليه هو شخصيا طيلة سنوات حياته الثلاثة والثلاثين.
تنحنح عمر بتوتر، ثم زفر نفسًا طويلا وقال:
"عادي.. عاوز أتكلم معاك شوية."
رفع حسن حاجبه وقال بنبرة يسيطر عليها الحنق:
"نتكلم في ايه؟ مفيش بينا كلام."
ليجيبه الآخر بحنق مماثل:
"مالك واخد مني موقف ليه؟! هو مش المفروض إحنا كنا صحاب قبل ما نكون اخوات؟"
كان يطالعه و على وجهه قناعًا خاويًا لا يمكن تفسيره، كما لو سُرقت كل مشاعره، ونطق متسائلا بتهكم بالغ:
"اخوات!! احنا مش اخوات ولا نيلة، مفيش منه الكلام ده."
ابتسم عمر ابتسامة سخيفة ساخرة وقال:
"انت غريب بجد، حد عاقل يرفض انه يبقى من عيلة زي عيلة مرسال؟!"
وأكمل بسخرية مبطنة:
". و ان يكون له أب عظيم زي سالم مرسال!!"
نزل حسن من فوق دراجته، وجلس عليها بأريحية فأصبح وجهه مقابلا لوجه عمر.
ثم أخرج من جيبه سيجارة وبدأ في تدخينها بيده اليمنى، ووضع يده اليسرى في جيبه وقال متهكمًا:
"العظمة لله وحده يا عمورة، وهو في أب عظيم بردو يعمل في بنته ضناه اللي أبوك عمله ده؟ ده لو لقيها في الشارع كان هيكون أحن عليها من كده. على العموم كل واحد بياخد نصيبه."
نظر إليه عمر وأخذ يتدبر كلامه، على ما يبدو قد ألمّ بتاريخ سالم مرسال كاملا وأصبح على علم بكل جبروته.
ثم تساءل بنبرة يشوبها السخرية:
"وانت مش ناوي تنضم للعيلة بقا عشان تاخد نصيبك انت كمان!"
"لاا.. أنا كده فل أوي، بجملة الحرمان، عشت طول عمري محروم من الفلوس اللي انتوا غرقانين فيها، ومن الحنية والطبطبة اللي كانت بالنسبة لكم انت واخوك شيء عادي، مجاتش على اسم العيلة يعني، بناقص."
نظر إليه عمر متفاجئًا وامتدت يده تلقائيا نحو أثر صفعة والده ثم انفجر ضاحكًا بطريقة أثارت تعجب حسن وقال:
"حنية وطبطبة؟ صدقني يا أبو علي انت مش فايتك كتير."
نظر إليه حسن بعدم تصديق وأخذ يطالعه بصمت إلى أن قال عمر متصنعا التعجب، مشيرا إلى السيجارة بيد حسن:
"إيه ده انت بقيت بخيل إمتا؟ مش هتعزم؟"
رمقه حسن بهدوء، ثم هز رأسه نافيًا وقال:
"لأ مش هعزم، أصلي افتقرت وبقيت أشتري سجاير فرط."
أومأ عمر وابتسم ثم قال متعمدا استفزازه:
"مممم.. فاهم أنا الجو ده، هتعملي فيها بقا الأخ الكبير وخايف على صحتي و مصلحتي والكلام ده مش كده؟"
طالعه حسن بضيق، بالفعل هو لم يرغب في إعطائه سيجارة لأنه لم يرد تحمل ذنبه بعد أن عرف أنه أخاه، ولكنه كذلك يرفض الاعتراف بتلك الفكرة من الأساس.
لذا أخرج سيجارة من العلبة وأعطاها له وهو يقول بسخط:
"لا أخ كبير ولا أخ صغير، خد سيجارة أهي انت حر في نفسك."
التقط عمر منه السيجارة واستعار قداحته حتى أشعلها، ثم بدأا كلاهما ينفثان دخان سيجارتيهما بصمت إلى أن قطعه حسن وقال متسائلا:
"هو بعيدا عن أي حاجه بس في سؤال عاوز أعرف إجابته… إنت إيه اللي مشاك في السكة الشمال دي؟ ولا الفلوس كتير ومش عارف تضيعها في إيه؟"
وسحب نفسًا آخرا وتابع موضحًا:
"يعني أنا مثلا لو كنت مكانك.. عندي أب زي أبوك مش مخليني ناقصني حاجه، واخوات مهتمين بيا ومونسيني.. وعيلة تشرف وفلوس ملهاش آخر.. تفتكر كنت همشي في السكة دي؟ أصل اللي يلجأ للمخدرات يبقا بيهرب من حاجة مضايقاه و مسوده عيشته، انت بقا بتهرب من إيه؟"
ابتسم عمر ابتسامة عكست مدى سخريته وسخطه، ثم قال وهو يلتهم السيجارة بنهم وينظر حوله بشرود:
"طيب ينفع أنا أسألك نفس السؤال؟ انت بتهرب من إيه؟ ماهو مش منطقي إن كل واحد اتولد لقى نفسه لوحده ملوش أب ولا اخوات ولا معاه فلوس إنه يمشي في السكة دي يعني، مش مبرر إنك تبقى بلطجي وتبيع مخدرات."
تنهد حسن تنهيدة متهكمة وقال:
"أصلك مجربتش تعيش في الدنيا بطولك وسط بشر عاملين زي الديابة كل واحد فيهم بيفكر ينهش لحم التاني إزاي.. والمثل بيقول اللي يعاشر الديابة ميستحيش يبقا تعلب."
ثم أضاف بمرح ساخر:
"بس أنا كسلت أبقا تعلب فبقيت عقرب."
سمح لضحكة قصيرة أن تغادر شفتيه فضحك عمر بدوره وقال:
"صحيح كان عندي فضول أعرف حكاية اسمك ده جت ازاي؟"
تنهد حسن وهو ينظر حوله بشرود ثم قال:
"وأنا عندي سبع سنين كنت واقف في ورشة واحد جارنا ميكانيكي، كنت فهلوي ومش سهل حد يضحك عليا، كنت مدور له المصلحة زي الساعة واللي يحاول يستعبطني وياكل حقي أكل عينيه، كان دايما يقوللي انت عقرب مولود و سمّك فيك.. اللي يحاول ييجي عليك تلدعه. ومن هنا سماني حسن العقرب، وكل الزباين والجيران عرفوني بالاسم ده وبقا اسمي الحركي."
ضحك عمر يائسًا من سخريته لكل شيء، ثم نظر إلى جانب عنقه المرسوم عليه عقرب وقال:
"حلو الوشم ده على فكرة.. واضح إن انت والعقرب بقيتوا عشرة عمر."
أومأ حسن مؤكدا وقال:
"العقرب ده كان هدية من مسجون كان معايا في الزنزانة كان بيدق وشم وقرر يسيبلي تذكار قبل ما يخرج."
رفع عمر حاجبيه متعجبا وقال بصدمة:
"انت دخلت السجن؟!"
أومأ حسن مؤكدا وقال:
"تلت سنين عالسريع كده وخرجت."
"تلت سنين وعالسريع؟!! ده أنا قعدت اسبوع واحد في الحجز كنت حاسس إني بموت بالبطيء…"
طالعهُ حسن وضحك ثم قال وهو يرمي ما تبقى من السيجارة ويدعسه بحذائه:
"لأ أنا كل أسبوعين تلاته بحب أغير جو أروح أقعدلي يومين في التخشيبة وأخرج.. بقت بيتي التاني."
"هو انت دايما كل حاجه بتسخر منها كده؟"
"أحسن ما هي اللي تسخر مني، خليك مفتح."
قالها وهو يغمزه بطريقة مرحة ثم اعتلى دراجته مرة أخرى وقال:
"كان بودّي أتكلم معاك أكتر من كده بس للأسف مفيش ورايا حاجه ومستعجل.. يلا أشوفك على خير ومش محتاج أوصيك، في اي وقت تحتاجني اوعى تكلمني."
هز عمر رأسه يائسًا وهو يضحك، ثم قال بصوت عال لكي يصل إلى مسامع حسن الذي انطلق بدراجته:
"حسن يا مرسال… هنتقابل تاني."
رواية محسنين الغرام الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نعمة حسن
كانت نسيم تجلس بمقعدها في السيارة بصمت بعد أن انتهت زيارتها لقبر حازم، بينما كان عاصم ينظر إليها من فينة لأخرى ليجدها تسند رأسها على إطار النافذة بجانبها، شاردة تطالع حفنة من تراب قبر حازم كانت قد ملأت بها كفها قبل المغادرة.
شعر بالأسى حيالها، وأخذ يبحث عن مخرج لتلك الحالة التي انتابتها. حسناً، هو أيضاً حزين وقلبه منشطر لأجل أخيه، ولكن كلما فكر في الطريقة التي سينتقم بها يشعر وكأن ناره تُخمد وجراحه تلتئم، ولكن هي.. كيف ستخمد نارها وتلتئم جروحها؟
حمحم وهو يحاول أن تكون نبرته أكثر انفتاحًا وقال مقترحًا:
"إيه رأيك نروح أي مكان نقعد فيه شوية بدل ما ترجعي البيت من دلوقتي؟"
"مش ضروري."
أجابته وهي لا تزال تحدق في التراب بكفها، تطالعه وتتأمل بصمت، رحل حبيبها ولم يبق من أثره سوى ذكريات قاسية وحفنة تراب.
بينما هو كان ينظر إليها بشفقة ثم تنهد بصبر ثم قال:
"في مكان جديد ممكن نجربه سوا، نقعد هناك شوية ونتغدى.. بما إن يعني قدامي ساعتين فاضيين.. إنما لو مش حابة براحتك، مجرد اقتراح."
أخذت نفسًا طويلاً بصمت، لم ترغب في أن تصبح أكثر فظاظة لذا تحدثت بهدوء وهي تقبض جيدًا على كفها وقالت:
"خلاص اللي تشوفه."
أومأ بحماس ثم قال وهو يلتقط هاتفه:
"عظيم.. نحجز بس الأول لأن احتمال يكون زحمة.."
قام بالاتصال بمدير المكان وقال:
"مساء الخير، أستأذنك تحجز ترابيزة لفردين في ركن هادي بعيد عن الدوشة.. أيوة.. أنا والمدام."
أنهى الاتصال وألقى عليها نظرة خاطفة ليلتقط ملامحها وهي تحاول كبح الضيق الذي توغل داخلها، وأبقى تركيزه على الطريق متجاهلاً نظراتها الحانقة العابسة التي تنوي الإطاحة به.
بعد نصف ساعة قضوها صامتين كان قد توقف بالسيارة أمام باب المقهى الرئيسي، فنزل واستدار سريعًا حتى وصل إليها، وأمسك بيدها يساعدها على النزول من السيارة.
كانت تمسك بعصاها بيد، واليد الأخرى مضمومة حول حفنة التراب التي لا تزال متمسكة بها.. فنزع منديل سترته ثم قام بفرده فوق كفه ونظر إليها وأومأ بصمت. فهمت مقصده، فأرخت قبضتها حول التراب لينزلق تلقائيًا فوق كفه المغطى بالمنديل، ثم قام بربط المنديل بإحكام حوله ومن ثم وضعه بجيبه.
طلبت منه أن يصطحبها إلى الحمام لكي تغسل يديها، فذهب برفقتها ووقف ينتظرها على بعد خطوتين إلى أن انتهت ثم مد يده إليها عارضًا المساعدة ككل مرة، فأمسكت بيده وسارت بجواره حتى وصلا إلى الطاولة التي تم حجزها لهما.
سحب لها مقعدها بكياسة اعتادتها منه، ثم فتح زر سترته وجلس بهدوء يحاكي رجولته الغير تقليدية، ثم نظر إليها مبتسمًا وقال:
"ها.. تحبي تتغدي دلوقتي ولا نشرب حاجة الأول؟"
تنهدت وهي تنظر إليه، تحاول سبر أغواره، تحاول فهم ديناميكيته، ولكنها عاجزة عن ذلك، فهو أمامها كقفل محكم لا يسهل فكه، ولكنها لا تملك سوى مجاراته علها تفهمه مع الوقت، فبالرغم من أنه يبدو غامضًا ومخيفًا إلا أنها تثق أنه عند الحاجة يصبح واضحًا وسلسًا.
أبعدت عينيها عن مرمى نظراته، فيما ظل هو ينتظر جوابها بصبر إلى أن تحدثت وقالت:
"ممكن نشرب عصير."
أومأ موافقًا، ثم طلب كوبين من العصير، ونظر إليها وقال محاولاً انتزاعها من صمتها المطبق:
"تحبي تبدأي الجلسات النهارده ولا بكرة؟ أنا اتفقت مع الدكتورة وهي منتظرة اتصال."
"خليها بكرة أفضل."
"تمام.. اللي يريحك."
صمتا وأخذ يتطلع حوله مستكشفًا المكان عن كثب وهو يعلم أنها تنظر إليه وتحدق فيه بشرود، فعاد إليها بعينيه وهمّ بقول شيء ما ولكنه لسبب غير معروف أخذ ينظر إليها ويشملها بنظرات متفحصة.
لم يكن يومًا ممن يبحثون عن الكمال الزائد في النساء لأنه يعتبره انتقاصًا من جاذبيتهن، بل يفضل المرأة العفوية التي تتمتع بقدر عال من الإنسانية، والتي لا تتعارض إنسانيتها مع قوتها أبدًا، فهو يكره المرأة الضعيفة، ويكره المرأة التي يشعر بجوارها أن طاقته تنخفض.
أما هي فعبارة عن تركيبة بدت إليه معقدة جدًا. تبدو ضعيفة ولكن ضعفها وهدوءها يعكس طاقة رقي قوية جدًا.
تبدو مهمشة ولكن تأثيرها ملحوظ ولا يمكن تجاهله.
امرأة مثيرة للفضول، مثيرة للشفقة والأسى أحيانًا. تناقضاتها تصنع انسجامًا غريبًا يصعب تجاهله وغض الطرف عنه.
أحضر النادل العصير فشكره عاصم فانصرف، بينما هي رفعت كأسها وتجرعت منه جرعتين ليباغتها بسؤاله الهادئ:
"هي الإصابة اللي في رجلك دي بسبب حادثة؟"
لم يغفل عن تلك الرجفة بيدها عندما استمعت لما قاله، وراقب يدها المهزوزة وهي تسند الكأس فوق الطاولة مرة أخرى وتجيبه وهي لا تنظر إليه:
"أيوة."
يظنها لا تراوغ، الكذب ليس من مهاراتها، إذًا تلك الإجابة المقتضبة تنم عن ضيقها وانزعاجها من سؤاله الذي أربكها حتى كاد أن يفقدها ثباتها.
تنحنح بهدوء ورفع كأسه وتجرع نصفه ثم أسنده مجدداً وهو يقول:
"إن شاء الله مع العلاج الطبيعي هتبقي كويسة."
"إن شاء الله."
رفعت الكأس وتجرعت ما تبقى منه ثم أسندته فارغًا فوق الطاولة وهي تسأل بتوجس:
"ممكن أعرف إنت ناوي على إيه؟ بخصوص اخواتي يعني."
كانت عيناه تتحرك دون وعي إلى عينيها اللتان تنظران إليه باهتمام جديد، وقبل أن يجيبها رآها تميل للأمام وتنظر إليه برجاء وتقول:
"ممكن تخرجهم برا حساباتك؟ فريد وعمر انت أذيتهم فعلاً واستفدت منهم خلاص، وبعدين هما ملهمش علاقة باللي حصل."
كان يريد أن يظهر جانبه الحاد، واستدعاه فعلاً ولكنه أخفق إخفاقاً مروعاً، فلم يفلح في التحدث بقسوة كما ود أن يفعل خصوصاً بعد ذكر اسميهما، وقال:
"مانا قولتلك مبتتحسبش كدا، لو هنحسبها مين ليه ذنب ومين ملوش الحسابات هتختلف."
أغمضت عينيها بتشوش وقالت:
"مش فاهمة.. ممكن توضح؟"
"متشغليش بالك يا نسيم، أنا عارف أنا بعمل إيه كويس."
ارتعبت من النظرة الجامحة بعينيه، وكلامه الذي أثار خوفها أكثر، ولكنها آثرت الصمت وظلت تنظر حولها وعقلها لا يتوقف عن الضجيج.
بينما هو زفر نفسًا مهتزًا ثم أجبر ابتسامة لتظهر على ثغره وقال:
"صح قبل ما أنسى، أنا مسافر بكرة بالليل إن شاء الله."
وقبل أن تتساءل قاطعها مضيفاً:
"احتمال أغيب يومين تلاته، لسه مفيش حاجة واضحة."
مال بجذعه نحوها وعقد ذراعيه فوق الطاولة ثم قال:
"وكنت عاوزك تشوفي المساعدة بتاعتك تكلميها تيجي تقعد معاكي على ما أرجع بحيث مافضلش قلقان عليكي وانتي لوحدك، وعلى فكرة.. لو حابة أنها تفضل معاكي مفيش أي مانع."
كانت ستسأل عن وجهته ولكنه شغل تفكيرها عن السؤال فأخذت تفكر فيما قال وأجابت:
"زينب! مش عارفة هينفع ولا لأ."
"وإيه اللي يخليه مينفعش؟"
"أصل زينب هي كل حاجة في الڤيلا، من غيرها كل حاجة تختل."
هز كتفيه بلا اكتراث وقال ببساطة:
"وإذا؟؟.. انتي من حقك على فكرة تخليها تقعد معاكي، انتي ظروفك الصحية بتتطلب إن حد يكون معاكي ويساعدك، وبعدين أكيد في غيرها في الڤيلا، وحتى لو مفيش.. ده حقك زي ما قلتلك ومش مضطرة تتنازلي عنه."
سقطت في هوة الصمت، واشتعل رأسها بالأفكار.. حقها إذاً! وهل هي من الأفراد المعترف بهم لكي يعترف بحقوقها؟ هل والدها الديكتاتور سيسمح لها أن تطالب بحقها؟ والآخر يخبرها بكل ثقة وثبات أنه حقها وليست مضطرة للتنازل عنه وهو يجهل أنها لم تعرف سوى التنازل منذ نشأتها.
بينما هو كان ينظر إليها وإلى تلك الملامح التي تنبض بالحزن، ويراهن على تلك النظرة المنكسرة في عينيها، ينتظر منها جوابًا يؤكد له أنه بالفعل قادرٌ على فهم نظراتها وقراءتها بسهولة.
وأتاه جوابها أسرع مما تخيل، حيث نظرت إليه وأومأت بتأكيد وقالت:
"معاك حق، أنا هكلمه دلوقتي حالا وأطلب منه يبعتلي زينب بكرة."
أومأ وهو يمط شفتيه بثقة، ثم أردف مصوبًا:
"عظيم.. بس في تعديل بسيط.. انتي هتكلميه دلوقتي وهتبلغيه بقرارك إنك عاوزة زينب.. مش هتطلبي منه."
غرس بداخلها ثقة سحرية، كيف تمكن من ذلك لا تعرف، وأمسكت بهاتفها في محاولة منها أن تصب كامل تركيزها على ما ستقوله، وأبعدت نظراتها عنه لئلا تتشتت أكثر.
قامت بالاتصال بوالدها وهي ترجوه بداخلها ألا يجيب، تنتظر صوته بخوف وكأنه سيقبض روحها حال إجابته، وفجأة استمعت إليه يجيبها بهدوء:
"إزيك يا نسيم؟"
تعلقت عيناها بعيني عاصم الذي كان ينظر إليها وبداخله يتساءل.. ما كل هذا الخوف؟ ماذا فعل لها سالم لكي تشعر بالخوف في حضرته هكذا؟ الأمر قد تعدى مقتل أخيه أمامها.. تلك الفتاة قد عانت بطريقة مروعة، ومعاناتها لن تنتهي إلا إذا انتزع ذلك الخوف من داخلها وألقاه بعيداً ووضع مكانه الثقة والقوة.. وهذه مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة.
"الحمد لله."
قالتها بصوت مهتز، ثم صمتت لثوان وهي تحاول صوغ ما ستقوله بطريقة لا تثير حنقه، وتابعت:
"كان في طلب."
التقطت عيناها عيني عاصم وشيء ما بداخله عينيه جعلها تستجيب لذلك الجحود الذي رأته بهما، فقالت بتلعثم وتخبط:
"هو مش طلب.. هو قرار أنا أخدته."
استمعت إلى الصمت… إلى صفير الرياح ربما!!
صمت مطبق ولكنه لم يتجاوز ثوان معدودة، فكر فيها سالم وانشغل رأسه وهو يحدث نفسه قائلاً: قرار!! منذ متى ونسيم تقرر؟ نسيم كانت دومًا تؤمر فتنفذ الأوامر، هل الآن تبلغه بقرارها؟
على ما يبدو أن هذا المدعو عاصم ألقى عليها تعويذة ما جعل نسيم أخرى ذات شخصية جديدة تنبعث من أسفل أنقاض شخصية ضعيفة، هادئة، ومستسلمة دائمًا.
في تلك اللحظات كان قلب نسيم يرتجف بقوة، صمت والدها لم يُسرِ في نفسها سوى الرهبة والخوف. وفي النهاية تساءل بهدوء:
"قرار إيه ده؟"
سحبت نفسًا شحذت به همتها ثم قالت دفعةً واحدة:
"زينب هتيجي تعيش معايا."
صمت سالم لبرهة، ثم تساءل بحدة أوشكت على الفتك بالهاتف الذي تمسكه:
"ما انتِ عارفة إنه مينفعش، البيت ميستغناش عن زينب."
فأجابته بحدة مماثلة وقد انطلق لسانها بغضب:
"وأنا كمان مستغناش عنها، أنا محتاجاها تساعدني لأني مش بعرف أعمل حاجة."
حسنًا.. إنها أبهرته ثانيةً! في المرة الأولى حين قررت والآن وقد انفعلت وارتفع صوتها!
الوضع لا ينذر بالخير أبدًا من وجهة نظره!!
رد عليها بضيق وهو يحاول أن يتمسك بثباته:
"والبيه جوزك مش عارف يجيبلك خدامة؟ مش شايف حالتك؟"
تنهدت بتوتر حاولت جاهدةً أن تخفيه عن أعين عاصم الذي يتفحصها ويلاحق ردات فعلها بنظرات ثاقبة نهمة، وقالت وهي تصارع لكي تبث الهدوء والثبات بصوتها وقالت:
"أنا مش عاوزة خدامة، أنا عاوزة زينب وبس، أنا كلمتك عشان أبلغك بقراري عشان متحاولش تمنعها."
صمت سالم لثوان وأخذ يفكر فيما تقوله، إنها بدأت بالتمرد وبرز صوتها الذي انقطع لسنوات عدة، على ما يبدو أن زواجها من عاصم أيقظ الروح المتمردة بداخلها من جديد.. ولكنه لن يكون سالم مرسال إن تركها تظن وأنها قد انتصرت عليه، لذا تنهد وقال:
"تمام. على كل حال أنا كنت ناوي أبعتلك حد يساعدك من اللي في الڤيلا لأني عارف إنك مش هتقدري تخدمي نفسك، بس طالما انتي محتاجة زينب بالتحديد مفيش مانع، اللي يريحك، زينب هتيجي تقعد معاكي مؤقتاً لحد ما تتحسني وتكوني شوفتي حد غيرها."
وشدد على كلماته مؤكداً:
"مؤقتا مش دايماً."
ظهر على وجهها الابتهاج رغمًا عنها، لم تتوقع في الأساس أن يوافق، لم تتوقع أن تنجح محاولتها وأن يستجيب لطلبها.. وتنهدت ثم قالت:
"تمام."
انتهت المكالمة فامتدت يدها تلقائياً نحو قلبها وهي تحاول تهدئة نبضاتها الثائرة، فيما بقي هو يرمقها بصمت، يقيم الوضع وفي وسعه أن يجزم على الفور أن الوضع جيد جدًا، على الرغم من أنها في غاية الارتباك والتشتت إلا أنه يثق بقدرتها على التحول إذا لزم الأمر، فتلك تلميذة نجيبة، تتعلم الدرس وتطبقه منذ الوهلة الأولى، وإن كان انفعالها وانقباض قلبها مؤشراً لشيء فهو مؤشر قوي على أنه يمضي للأمام بنجاح.
أفسح المجال لابتسامة رضا نادرة أن ترتسم على شفتيه وهو ينظر إليها قائلاً:
"واضح إنه وافق."
أومأت بموافقة فقال:
"أنا مبسوط جداً إنك واجهتيه، لازم تتعلمي تواجهي من هنا ورايح، انتي مش ضعيفة يا نسيم ولا قليلة، انتي بس محتاجة ننفض غبار الخوف ده عنك وصدقيني أنا واثق إن شخصيتك الحقيقية هتلمع."
لاحظ كتفاها يتشنجان، ونظرتها تبدو غير واثقة فيما يقول، وكأنها تمر بهراء مخيف، تحتاج دفعة قوية للأمام نحو الاتجاه الصحيح الذي يريده، وهو أهلٌ لذلك.. هذه مهمته الجديدة وهو مبرمج للتفوق في مهامه وإنجازها على أعلى درجات الكفاءة.
ثم نظر إليها وهو يمد قائمة الطعام نحوها ويقول:
"لو مش هتعبك تطلبي انتي الغدا واختاريلي على ذوقك.. أنا واثق إن ذوقك حلو.. وبعد الغدا حابب أنا وانتي نشتري هدوم جديدة ليكي، وبالمرة تختاري معايا كذا حاجة ليا."
مدت يدها كالمغيبة في اتجاهه وهي تلتقط القائمة وأومأت بموافقة وهي لا تزال على نفس الحالة البلهاء، الأمر تخطى كونه يترك لها حرية الاختيار ويمنحها الثقة الكاملة بنفسها، لقد أصبح يطلب منها مساعدة، الأمر أشبه وكأنه يستثمر فيها، يثق بامكانياتها، يثق بذوقها، يراهن على قدرتها في اختيار شيئاً سيناسبه، سيرضيه، سينال إعجابه..
الأمر بالنسبة لها لم يكن مجرد طلب مساعدة في اختيار وجبة غداء أو شراء بعض الأغراض، الأمر أكبر بكثير.
حاولت إلهاء نفسها عن التحديق به بتلك الطريقة الحمقاء وكأن عقلها على وضع الطيار الآلي، ونظرت بقائمة الطعام بين يديها وهي تنتقي الأصناف بسعادة، وتحاول إثبات جدارتها بالثقة التي أوكلها إليها، بينما قلبها كان يتحرك في ماراثون جديد بسبب نظراته القائدة بلا أي سلطة.
***
في أثينا.
كان فريد قد انتهى من حمامه للتو ووقف أمام الخزانة ينتقي ما سيرتديه فاستمع إلى صوت رنين هاتفه، فنظر إلى الهاتف ليجد المتصل هو نفس الشاب الذي كلفه سابقاً بمراقبة كل تحركات عمر وإخباره بها، فأجاب سريعاً وقال:
"مساء الخير، إيه الأخبار؟"
"مساء الخير يا فريد بيه، إزي حضرتك؟"
"أنا تمام، قوللي في جديد؟!"
"عمر بيه من شوية اتقابل مع واحد شكله غريب شوية ووقفوا يتكلموا حوالي نص ساعة وبعدها مشي."
"شكله غريب إزاي يعني؟"
"أنا صورتهم، هبعتلك الصور حالاً."
وقام بإرسال الصورة التي جمعت حسن بعمر إلى فريد عبر أحد تطبيقات المراسلة فأخذ فريد يطالعها بضيق وملأه الغضب ثم قال:
"تمام.. كويس إنك صورتهم، على العموم خلي بالك منه كويس ولو في أي حاجة تانية تستدعي أعرفها يا ريت تبلغني بيها فوراً."
"تحت أمرك يا فريد بيه، مع السلامه."
أنهى فريد الاتصال وقام بتحويل مبلغ مالي متفق عليه إلى حساب هذا الشاب نظير خدمته، ومن ثم أخذ ينظر إلى صورة حسن وعمر اللذان يقفان في مواجهة بعضهما البعض.
أخذت موجة شديدة من الإحباط تندفع إلى رأسه واشتدت قبضة يده حول الهاتف ثم قذفه بقوة غاشمة نحو المرآة فتناثر حطامها في جميع أركان الغرفة.
أخذ صدره يعلو ويهبط بضيق وانفعال حاد، كان ساخطاً على كل شيء، على نفسه، ومرضه، وحظه، وقدره الذي جعل من ألد أعدائه أخاً شقيقاً له..
لا بد أن كل ما يمر به إلى الآن هراء، لعنة، خرافة لا تمت للمنطق بصلة، غير معقول أن كل هذا حقيقي!
شقيقه الأصغر والذي يعتبره ابنه وليس مجرد أخ يتحالف الآن مع شقيقهما الغير معترف به بعد، ومن الواضح أن الأمور بينهما تسير على ما يرام.
وحبيبته الحمقاء، تقطن نفس المنزل معه وهي تعلم أنه يحبها (حسبما يدعي) ومن الصعب، بل ومن المستحيل أن تكون قد نسيت ما قاله وما اتهمها به من فترة ليست ببعيدة، ومع ذلك فقد غضت الطرف عن هذا كله وفضلت أن تعيش معه في نفس البيت من جديد على أن تعيش ببيته هو.. وكل ذلك لأنها لا تسامحه.. لم تسامحه ولم تغفر له زلته، ولكنها سامحت الحقير الذي طعنها بشرفها واتهمها سرًا وعلانية.. !!
اللعنة، هذه الفتاة تتصرف بكل الطرق الغبية الممكنة، دومًا تبحث عن المتاعب وتلقي بروحها داخلها، لا يهنأ لها بال إلا إذا حفتها المخاطر من كل جهة ولا يغمض لها جفن إلا وهي محاطة بحلقة من النار.
قام بالاتصال بنفس الشاب مجدداً وقال:
"محتاج منك خدمة تانية، هبعتلك صورة بنت عاوزك تراقبها، بس خلي بالك اوعى تعرف إنك بتراقبها، أنا كل اللي عاوزه إني أكون مطمن عليها وواثق إنها مش في خطر.. ده الهدف الوحيد من مراقبتي ليها مش أي شيء تاني."
"اللي تؤمر بيه حضرتك، ابعتلي بس صورتها وعنوانها وسيب الباقي عليا."
تنهد فريد باستياء ثم قال:
"حاضر.. ثواني وهيكونوا عندك."
وأنهى الاتصال معه ثم استدعى صورتها عبر هاتفه وأخذ ينظر إليها بابتسامة مسكينة وهو يحدثها قائلاً:
"على عيني إني أبعتله صورتك، أنا لو أطول أخبيكي جوه قلبي ومحدش يشوفك غيري هعمل كده، بس أنا وعدتك إن حمايتك مسؤوليتي، ولازم أكون قد المسؤولية."
انتهى من ارتداء ملابسه وأصبح على أتم استعداد وبينما هو يستعد لمغادرة المنزل وصله بريد جديد فأخذ يقرأه ليتبين ما فيه، ليجد أنه قد أُرسل من المسؤولون عن تجهيز المشفى الخاصة به حيث يطلبون منه إرسال الدفعة الأخيرة من المبلغ المتفق عليه للتحضير للافتتاح.. لم يتردد، وقام بتحويل المبلغ.
وعلى ذكر المشفى أتى ذكر الملجأ، مما دفعه للتفكير في أمرٍ ما وعمل على تنفيذه فوراً..
فقام بالاتصال بعمر، والذي أجابه بصوت بائس:
"كنت عاوز أكلمك على فكرة."
"ممم.. وإيه اللي منعك؟"
"محبيتش أشغلك معايا وأضايقك."
ازداد ضيق فريد عند سماعه تلك الإجابة الحمقاء، فهو دومًا كان ملاذه حتى لو كان غير متفرغٍ، ولكن يبدو أن بظهور حسن أصبح عمر يميل لمن يشاركه نفس تفاهته وحماقته.
"وفيها إيه لما أشغلني يا عمر؟ إيه الجديد يعني؟ إيه اللي جد دلوقتي مش فاهم؟"
تعجب عمر أسلوبه الحاد ونبرته الجافة فقال:
"هو أنت متضايق ولا أنا متهيألي؟"
"بصراحة متضايق جداً.. لأني مش عاوز أحس إنك بتعاقبني لأني بعدت وسافرت، مع إني لما قولتلك إني عاوز أبعد لأني تعبان مكانش قصدي أبداً أني هتخلى عن دوري كأخ وصاحب ليك."
"في إيه يا فريد، كل ده عشان بقولك محبيتش أضايقك وأشغلك معايا؟ الحق عليا يعني؟"
تنهد الآخر وأضاف بخيبة أمل:
"أيوة الحق عليك يا عمر لأنك عارف إن بتصرفاتك دي انت كده بتشغلني أكتر.. أنا متعود أسمع مشاكلك وقرفك طول عمري، وحلها بقا مسؤوليتي لأنك ابني مش أخويا بس.. كونك تنتزع مني الدور ده فدي حاجة هتخليني في قمة استيائي على فكرة انت كده مش بتساعدني أبداً."
صمت عمر للحظات، ثم تنهد وقال بأسف:
"أنا آسف، أنا مش قصدي أي حاجة غير إني مش عاوز أحملك فوق طاقتك.. لكن طالما مشاكلي وقرفي وحشوك فاسمع بقا، أبوك ضربني بالقلم النهارده."
صمت فريد للحظات ثم قال باستنكار:
"ضربك بالقلم!! وانت عملت إيه؟"
"ولا حاجة، أديني أهو خدت لوشن ملطف من چيچي ودهنت مكان القلم عشان أعرف أنزل بالليل."
ضحك فريد مغلوبًا ثم قال بهدوء:
"مش بسأل على كده. أقصد عملت إيه فضربك؟"
"أبدا.. كل ده عشان وقفت قدامه بكل شجاعة وقولت له إن حسن أوفر حظاً مني ومنك لأنه مترباش على إيديه."
صمت فريد لبرهة، وأخذ يفكر في الأمر، كل الدلائل والقرائن تثبت أخوتهم، حتى أن عمر تقبل الأمر بمنتهى السهولة، على عكسه هو لا يزال يملك أملاً نابضاً أن تكون تلك خديعة أو كذبة!
"سكت ليه؟ بذمتك حسن مش محظوظ عننا؟ لا طلع معقد ولا مريض نفسي.. عايش برنس في نفسه كده وفي الطراوة."
مريض نفسي!! وكأنها وصمة عار وأُلصقت بجبينه مدى الحياة، ولم لا وهو نفسه يعي ذلك، ويعي جيداً أن لا أحد سيتحمل ذلك المرض وتبعاته..
أدرك عمر فداحة وقسوة ما تفوه به فتحمحم وقال معتذراً:
"أنا مقصدش يا فريد والله أنا كان قصدي…"
"ولا يهمك يا عمر، سيبك من كل ده، أنا كلمتك عشان حاجة مهمة جداً ومش شايف حد جدير بالمهمة دي غيرك."
"مهمة إيه؟"
"طبعاً انت عارف إني كنت بعمل زيارة للدار مرة كل أول شهر.. وبكرة أول الشهر وأنا مش هكون موجود، فلازم انت تروح لهم."
استغرق عمر في التفكير قليلاً ثم قال:
"خلاص ماشي سيبها عليا."
"خلي بالك.. لازم وانت رايح تاخدلهم هدايا زي ما أنا كنت معودهم لأنهم بيكونوا مستنيين الهدايا دي من الشهر للشهر."
"حاضر.. متقلقش."
"حاجة كمان، وانت بتتعامل مع المديرة أو المشرفين خليك حازم وجد معاهم.. لازم يعرفوا من أول مرة إنك شديد ومش هتتهاون في أي تقصير."
"ماشي، بس هو لو في تقصير من أي نوع أنا هعرف إزاي أصلاً؟"
"لأ متقلقش من الناحية دي.. المكان كله كاميرات وأنا بتابعها أول بأول، أكيد مش هسيبهم منهم للأطفال يعني."
"تمام يا بوص.. الدار في إيد أمينة إن شاء الله."
"ربنا يستر.. خلي بالك من نفسك وأي حاجة تحصل كلمني، اتفقنا؟"
"اتفقنا يا صاحبي، مع السلامة."
أنهى فريد الاتصال وهو يشعر ببعض الراحة تتسلل إليه بعد أن أوكل إليه هذه المهمة ويأمل في أن يكون جديراً بها، وأن تكون سبباً في صلاحه وبعده عن رفاق السوء.
***
دخل عاصم أحد المولات وبرفقته نسيم التي كانت تشعر بالحرج قليلاً بينما هو كان ممسكًا بكفها بقوة ويحاول دعمها وطمأنتها.
سار بها حتى وصلا إلى المصعد فلاحظ ثقل حركتها وتباطؤها مما أوحى له أنه ثمة خطبٍ ما بها متعلق باستخدام المصعد فقال:
"مالك؟ متقوليليش إن دي أول مرة هتطلعي فيها في أسانسير!!"
أومأت مؤكدة وقالت بتلعثم:
"دي أول مرة أدخل مكان زي كده أصلاً.. وبصراحة أنا بخاف جداً من الأماكن المقفولة."
تعجب لسماعه ما قالته تواً، هل هذه المرة الأولى التي تخرج فيها للتبضع مثلاً؟ ولكنه أخفى تعجبه ببراعة، فعلى ما يبدو أنه سيتفاجأ معها كل يوم بأشياء لم يتوقع سماعها منها مطلقاً.
أما عن خوفها فهذه مهمته التي سيضعها على عاتقه، فهو قد أخذ عهدًا على نفسه أن ينزع منها كل ذرة خوف. ولن يتوانى في فعل ذلك.
تنهد وهو يربت على كفها الذي يمسك به ثم قال مبتسماً:
"مفيش أي داعي للخوف، كل الحكاية عشر ثواني وهتلاقينا خرجنا، تعالي."
تفرست وجهه فرأت النظرة الغريبة التي يرمقها بها عندما يكون واثقاً من نفسه، وأخذت عيناه تلمع بطريقة وترتها وجعلتها تتبعه بصمت.
انقبض قلبها بخوف والتصقت به دون وعي وهي تشاهد الباب وقد أُغلق عليهما، فتقدم عاصم وضغط زر الطابق الخامس وهو لا يزال ممسكاً بيدها و تحدث محاولاً تشتيت انتباهها:
"عاوزك تختاري كل اللي تحبيه، اتفقنا؟"
أومأت بموافقة فتابع:
"و أكيد مش هنجيب أي حاجة سودا.. ألوان وبس.. مفهوم؟"
سألها مبتسماً فأومأت بابتسامة واهية، توقف المصعد فنظر إليها واتسعت ابتسامته وهو يقول:
"بذمتك في أسرع من كده؟"
انتزع منها ابتسامة حين أومأت أن لا، فخرجا سوياً وسارا بجانب بعضهما البعض، يطالعان المتاجر ويتحدثان إلى أن وقع الاختيار على متجر معين فدخلت وهو يتبعها، وعلى الفور قادها نحو الأريكة وساعدها لترتاح ثم نظر إلى مسؤولة المتجر وقال:
"من فضلك شوفي طلباتها."
ونظر إلى نسيم وقال بهدوء:
"في مكالمة ضرورية لازم أعملها دلوقتي بخصوص الشغل، خمس دقايق بالكتير وهرجعلك."
أومأت بموافقة فقال مازحاً:
"على اتفاقنا، مفيش اسود.. كله ألوان."
ابتسمت لا إراديًا وأومأت مؤكدة فانسحب وتركها تواجه تجربة هي الأول من نوعها، فدومًا كانت زينب هي من تتولى مهمة شراء الملابس لها، وكانت تعرف أنها لا ترتدي سوى الأسود، وإذا اضطرتها الظروف تلجأ للألوان القاتمة، أما الآن.. فالمطلوب منها أن تكسر القاعدة وتخرج عن المألوف.
"حضرتك بتفكري في حاجة معينة؟"
سألتها الشابة مسؤولة المتجر عارضة عليها المساعدة بطريقة روتينية فنظرت إليها نسيم بحيرة وتنهدت ثم قالت وهي تشكره سراً لأنه تركها وانصرف:
"عاوزة هدوم للبيت.. بيجامات.. بس تكون مقفولة، أقصد يعني متبقاش مكشوفة."
أومأت الفتاة كابحة تعجبها ثم سألتها:
"بتحبي ديزاين معين أو ألوان معينة؟"
هنا سحبت نفسًا عميقًا مهتزًا ثم قالت:
"مفيش ألوان معينة، بس بلاش غوامق."
بدأت الفتاة في مساعدتها وعرض موديلات للمنامات الموجودة حسب طلبها، بينما بدأت نسيم تختار من بينهم، تختار اللون والتصميم، تفضل واحدة على الأخرى، وتنتقي واحدة بحماس وهي تتخيل مظهرها بها كيف سيبدو..
بعد خمس دقائق عاد عاصم الذي وقف خلف الباب الزجاجي واضعاً يديه بجيبه بهدوء، يطالعها ويطالع تلك الابتسامة البريئة على شفتيها، وللحظة وجد نفسه غارقاً في التفكير بها.. يبدو أنها عانت، ونالت من القسوة والحرمان ما يجعل العقل عاجزاً عن الاستيعاب، فبالرغم من أن أخاه كان قد أخبره بمدى قسوة والدها وكيف أنها تعيش حياة أشبه بالجحيم، وأخبره كذلك أن والدها هو من وضعها بدار الأيتام، إلا أنه لم يتخيل أنها كانت حتى محرومة من أتفه حقوقها وهي الاختيار بحرية.
لذا فرحتها تبدو عارمة لمجرد أنها تختار بين بضعة منامات، يفهم شعورها جيداً وفرحتها بشعورها بكينونتها المسلوبة، يفهم كيف يكون حال الطير إذا حُرر.
سحب نفسًا عميقًا، ثم اقترب ودق الباب ودخل، ونظر إليها مبتسماً وقال:
"إيه الأخبار يا جميل؟"
نظرت إليه وتوترت نظراتها فأخفضت عينيها سريعا، وبالرغم من ذلك التوتر إلا أنها شعرت شعوراً ناعماً يتسلل إلى قلبها ببطء.. فهي مثلها مثل أي فتاة تميل نفسها للغنج والدلال خاصةً في وجود أنثى أخرى في محيطها، فهذا الشيء يكسبها ثقة بنفسها ويمنحها شعوراً بالكمال.
قالت بهدوء وهي تروض نظراتها لكي تعود إليه مجدداً:
"خلاص خلصنا، اخترت حاجات كتير."
مط شفتيه بإعجاب وأومأ قائلاً:
"عظيم.. طيب كده خلاص مش محتاجة حاجة تاني؟ خدي وقتك وشوفي تاني جايز يعجبك حاجة كمان."
"لأ.. كده كفاية أوي."
"تمام، اللي تشوفيه."
قام بإخراج بطاقته البنكية وناولها للفتاة التي قامت بإنهاء معاملة الشراء ثم أعطته البطاقة مجدداً، وقامت بتغليف ما اشترته نسيم ثم أعطته الحقيبة وهي تودعهم بلباقة.
***
بعد أن انتهت نسيم من التبضع برفقته دخلا المصعد سوياً لكي يحملهما إلى الطابق الأرضي.
كان عاصم يراقب ردة فعلها عن قرب وهي تقترب منه أكثر حتى باتا متلاصقين، علم أنها تحتمي به وهذا ما أشعره بالمسؤولية أكثر تجاهها، وأكد لنفسه أن ما شرع في فعله هو حتمًا في صالحها؛ فالخوف لا يزول إلا بالمواجهة!
عدّ بداخله حتى الرقم خمسة فانقطعت الكهرباء وتوقف المصعد.
شهقت نسيم بفزع، وتشبثت به بكلتا يديها فسقطت عصاها أرضاً وهي تقول بفزع:
"إيه اللي حصل؟"
"اهدي.." قالها وهو يلتفت نحوها ببطء وتابع: "متخافيش من حاجة."
أخرج هاتفه وقام بتشغيل ضوء الهاتف وهو يقول:
"اهدي.. أكيد في مشكلة وهيحلوها بسرعة."
بدأت وتيرة أنفاسها تعلو وشعرت برأسها يدور فأمسكت به بإحكام وهي تقول:
"أرجوك اتصرف اعمل أي حاجة، أنا ممكن أتخنق."
استدار ليقابلها ووقف أمامها ممسكاً بذراعيها وهو يقول بهدوء وثقة:
"اهدي وصدقيني مش هيحصل أي حاجة، الخوف اللي انتي فيه ده هو اللي بيهيألك إنك هتتخنقين لكن لو هديتي مفيش حاجة هتحصل.. انتي ركبتي أسانسير قبل كده؟"
نظرت إليه وقد بدأ وجهها يتعرق وزادت قبضة يديها فوق يديه أكثر فقال:
"طيب عرفتي منين إنك هتتخنقين طالما ممرتيش بتجربة زي دي قبل كده؟!"
لتجيبه بحدة وهي ترشقه بنظرات ساخطة:
"أكيد مش بمثل يعني."
"مقولتش إنك بتمثلي، بس انتي واهمة نفسك.. والخوف هو السبب."
نظرت إليه بضجر صامت، ودت لو أنها تخنقه بيديها اللتين تتمسكان به بذعر كالحمقاء بينما هو يقف ثابتاً وكأنه يعلق بالمصعد مرة كل أسبوع مثلاً.
"خدي نَفس عميق.." وتنفس بهدوء مطولاً ثم زفرهُ على مهل ففعلت مثله فأومأ وقال:
"أيوة بالظبط كده.. حافظي بقا على نفس الهدوء ده.. كل ما كنتي هادية كان أفضل، واتعودي دايماً لو حصل لك موقف مشابه وانتي لوحدك تحافظي على هدوئك قدر الإمكان لأن التوتر هيخليكي تتنفسي بسرعة وهتستهلكي أكسجين كتير فممكن وقتها لاقدر الله يغمى عليكي!"
أغمضت عينيها وهي تتنفس بهدوء كما أخبرها لتتفاجأ به يسألها:
"انتي مغمضة عينيكي ليه؟ بصي لي."
فتحت عينيها لتجده ينظر إليها ضاحكاً بطريقة أثارت ضيقها وانزعاجها فقالت بانفعال:
"مغمضة عينيا لأني خايفة وبحاول أهدى.. مش ده كلامك؟"
"اوكي بس متغمضيش، ركزي معايا وحاولي تفكري في أي حاجة غير الموقف اللي احنا فيه ده.. فكري في حاجة إيجابية عشان الوقت يعدي."
نظرت إليه، فنظر إليها بدوره، تلاقت عيناها الخائفتان بعينيه الواثقتين، وفجأة امتلأت عيناها بالدموع وتكلمت دون وعي وقالت:
"أنا خايفة، مبحبش الضلمة، بتفكرني بحاجات وجعاني."
اقترب منها أكثر، وأطبق على ذراعيها أكثر فتابعت:
"أنا بخاف من كل حاجة، أنا دايماً عايشة في خوف وقلق."
تحدث وعيناه مثبتتان على عينيها، وألزم نفسه بوعدٍ يثق في قدرته على الوفاء به:
"هتتخلصي من كل الخوف ده أوعدك.. بس لازم تواجهيه."
كان يقصد خوفها، بينما هي لم تعِ ذلك.. فتغضن جبينها أكثر وارتعش جسدها، وقالت:
"مش هقدر، أنا.. أنا متعودتش أواجهه، هو مكانش بيسمح بكده، والمرة الوحيدة اللي واجهته فيها عاقبني."
فهم أنها تتحدث عن سالم، فسالم هو خوفها الأكبر وكابوسها المسيطر عليها.. لاحظ ارتجافة كفيها حول ذراعيه، وعيناها اللتان انحرف مسارهما عن عينيه باتا يتذكران، ولسانها ينطق لا إرادياً:
"قولتله إني بكرهه، واني بتمناه يموت! دي كانت المرة الوحيدة اللي اتكلمت فيها وقلت اللي في قلبي."
ابتلع ريقه وهو يحاول درأ انفعاله وغضبه، فهو في تلك اللحظة ود لو أنه اقتلع رأس سالم بيديه عقاباً له على ما فعله بها حتى أوصلها لتلك الحالة الميؤوس منها، وسألها.. يود معرفة الإجابة التي ستكون وقوداً إضافياً سيشعل به فتيل انتقامه.
"وبعدين؟!"
*استرجاع زمني*
كانت تبكي بغرفتها المظلمة وترتجف، فها هي قد عادت من دبي منذ ساعة فقط، وهو من أمر بعودتها على وجه السرعة، وبعد أن سمعت صوته والذي أخبرها كم هو غاضبٌ أدركت أن بطشه سينالها لا محالة.
وبالفعل انفرج الباب بعد لحظات ودخل هو بجبروته وقسوته، وقف حاجبًا عنها ذلك الضوء المنبعث من الخارج وهو يقول بصوتٍ أسرى الرعب في قلبها:
"انتي قلتي لأصحابك إني أنا اللي قتلت أمك؟!"
انقبض قلبها وتسربت الدماء منه وأخذت تنظر إليه بخوف، فاقترب منها و أوقفها عنوةً وأخذ يهزها بعنف وهو يتساءل:
"انطقي.. كلموني من المدرسة وقالولي إنك قلتي الكلام ده لواحدة من زمايلك!!"
وتساءل بصوت هز أرجاء المكان كله:
"هو أنا اللي قتلت أمك؟!! اتكلمي! ساكتة ليه؟ انطقي!"
"أيوة."
قالتها فجأة بحدة وصرخت به وهي تقول:
"أيوة انت السبب في موتها، هي انتحرت بسببك.. انت اللي قتلتها."
لم يتمالك غضبه، فصفعها بقوة أطاحت بالدماء من أنفها وقال:
"انتي كدابة وغبية."
"أنا بكرهك."
تحررت من خوفها أخيراً، وأضافت:
"يا ريتك مت وهي لأ.. أنا بتمنى إنك تموت عشان أرتاح."
هنا لمعت عيناه بقسوة لا مثيل لها، وظل يرمقها بهدوء ثم قال:
"وماله، احنا فيها.. اعتبرني مت، بس يا ترى تعرفي اللي أبوه وأمه بيموتوا ويصبح يتيم ده بيكون مكانه فين؟"
ونظر إليها بابتسامة أظهر بها مرضه وعقده وخلله النفسي وقال:
"بعدين هتعرفي."
وبعدها استغل غياب الجميع عن المنزل واصطحبها إلى دار أيتام مملوكة لصديق له، وعاد دونها لتقابله تساؤلات الجميع عن نسيم، فكانت إجاباته أنها بخير.. في الحفظ والصون.. في أيدٍ أمينة.
*عودة للحاضر*
كانت تقص عليه ما حدث وهي تبكي، ولا تزال يديها ترتجفان وهي تتذكر قسوة وبشاعة ما تعرضت له بعدها وتقول:
"بس أنا مكنتش في إيد أمينة أبداً، مدير الدار اللي المفروض إنه صاحبه حاول…"
انفطر قلبها وهي تحاول إقصاء تلك الصورة وذلك المشهد من عقلها تماماً، ولم تجد سوى البكاء بين ذراعيه سبيلاً للهرب من وجعها الحي النابض بالألم، عانقته دون وعي، فاستقبل عناقها بترحاب، وضمها برفق، فارتخى كتفيها، وهذا يعتبر في لغة جسدها دليلاً على شعورها بالأمان والطمأنينة، فأحاطها بذراعيه أكثر وأسند ذقنه على مقدمة رأسها وهو يستمع إلى صوت نحيبها بعجز.
كان يشعر بالاستياء الشديد لأجلها، يشعر بالرغبة في الثأر من أجلها حالاً بعد أن فهم ما حاولت قوله ولكنها فشلت، ولم تكن رغبته في الانتقام من والدها فقط لأنه من ألقى بها في ذلك المكان، لا بل من مدير الدار الذي خان الأمانة وحاول الاعتداء على طفلة كان من المفترض أن يكون هو أول من يحميها.
ربت على ظهرها، فيما حاولت هي تهدئة نفسها وهي تبتعد عنه وتمسح دموعها، فناولها منديلاً وهو يقول:
"خلاص اهدي.. كل ده مر وانتهى، وصدقيني هجيبلك حقك من اللي وصلوكي لكده قريب أوي."
نظرت إليه تتبين الصدق في عينيه فرأته يرمقها والوعد ينبض في عينيه بصدق، حينها التقطت أنفاسها بهدوء وشعرت ببعض السكينة تملأ قلبها من جديد.
عاد الضوء، وتحرك المصعد من جديد، فعلم أن الخمس دقائق التي اتفق عليها مع مدير المول قد انتهت.
نظرت إليه وظهر بعض الارتخاء في ملامحها خاصة عندما توقف المصعد عند الطابق الأرضي فقال:
"شوفتي بقا إن الموضوع بسيط ومكانش مستاهل كل الخوف اللي كنتي فيه؟ عشان بس تعرفي.. كل ما كنتي هادية كل حاجة هتعدي أسرع.. ولو لا قدر الله الموقف ده اتكرر تاني وانتي لوحدك حاولي تشتتي انتباهك بالتفكير في أي حاجة تانية غير الخوف."
وتابع متبسماً:
"بس طبعاً تفكري في حاجات إيجابية مش زي ما عملتي دلوقتي."
تنهدت وأومأت بتأكيد فتابع:
"على كل حال لازم نشكر الظروف اللي خلتك تخرجي الخوف اللي جواكي دلوقتي بالشكل ده، وبالنسبة للي حكيتيه هنا سيبيه هنا.. انسيه واعتبريه محصلش."
نصحها بالنسيان ولكنه لن يفعل، فهو لا ينسى، لا يغفر، ولا يهدي الفرص.
جفف آثار الدموع على خديها بطرف إصبعه وهو يقول مضيفاً بعض المرح:
"امسحي دموعك قبل ما تخرجي بدل ما يقولوا كنت بعذبك هنا ولا حاجة."
ابتسمت رغمًا عنها فابتسم بدوره وأمسك بيدها وهو يقود خطواتها نحو السيارة برضا وهو يشعر أنه قد أحرز هدفاً لا يستهان به.
***
في المساء.
عادت نغم للتو من عملها، أغلقت الباب ودخلت والإرهاق يبدو على ملامحها بوضوح، وبينما هي تخطو نحو غرفة خالتها استوقفها حسن الذي كان واقفاً بالشرفة، ممسكاً بسيجارة بين إصبعيه، وقال:
"حمد الله على السلامة."
رمقته بلا اكتراث وهي تقول:
"الله يسلمك."
"استني، لازم نتكلم."
نظرت إليه بضجر وقالت:
"معلش وقت تاني أنا راجعة تعبانة وعاوزة أنام."
تركته وتقدمت للأمام خطوتين ولكنها توقفت عندما استمعت إليه يتساءل:
"بتعملي كل ده ليه؟ معقول كل ده عشان تهربي من البيت ومتشوفينيش؟"
استدارت ببطء وهي تزفر بنفاذ صبر، ثم نظرت إليه باستهجان وقالت:
"هو إيه اللي بعمله مش فاهمة حاجة."
اقترب منها وزادت حدته أكثر وهو يطالعها بغضب وهو يقول:
"الشغل، نزلتي اشتغلتي عشان تهربي مني مش كده؟"
كانت عيناها تهدد بالانفجار بسبب كم الضغوطات التي تعتريها، ولكنها تماسكت قدر المستطاع وقالت بنبرة مرتجفة:
"ميمشيش معاك إني بشتغل عشان أصرف على نفسي مثلاً بدل ما أمد إيدي لحد؟"
ضحك ضحكة قصيرة مبتورة ساخرة، ومسح جانب شفتيه وهو يسألها متهكماً:
"وهو مينفعش تمدي إيدك لحد بس تمدي إيدك في جيوبهم وتسرقيهم عادي.. مش كده؟"
اهتز صوتها أكثر، وأوشكت على البكاء وهي تقول:
"أنا حتى لما كنت بمد إيدي في جيوبهم وأسرقهم كنت بعمل كده عشان أصرف على علاج خالتي، عمري ما صرفت جنيه على نفسي، ولا عمري سرقت عشان نفسي.. ولو كان قدامي فرصة وقتها إني أجيب الفلوس بطريقة تانية مكنتش هسرق."
في تلك اللحظة كانت عائشة قد أنهت صلاتها وعلى وشك الخروج من الغرفة ولكنها التقطت حديثهما فوقفت بغرفتها تستمع لبقية الحديث.
وأكملت نغم حديثها بنبرة لوم صارخة وهي تقول:
"وبعدين مين اللي علمني السرقة والنشل على أصوله؟ مش انت؟"
وأخذت الدموع تسيل عبر خديها وهي تحكي وتشرح طريقته بسخرية وهي تقول مرددةً حديثه الذي لطالما ألقاهُ على مسامعها إلقاء المعلم لطالبه:
"النشل له أصول يا نغم.. قبل ما تنشلي لازم تركزي مع اللي هتنشليه، وتمدي إيدك في جيبه وانتي عينك في عينيه، قبل ما تنشلي لازم تكوني عارفة اللي قدامك ده جيبه معبي ولا لأ، وعشان تضربي الضربة التمام تستني لموسم النشل.. كل أول شهر."
تسابقت دقات قلبها وهي ترمقه وهو يقف أمامها كتمثال رخامي، واقتربت منه خطوة ونظرت بأم عينيه وهي تتسائل بحسرة:
"مش ده كلامك؟ مش دي نصايحك اللي مشيت عليها سنين؟ من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا بساعدك لحد ما بقيت نشالة محترفة وبقيت أساعد نفسي بنفسي، قعدتني من المدرسة و علمتني النشل، بدل ما تقوليلي ذاكري ولا اتعلمي، ولا حتى تعلمني الصوم والصلاة علمتني أمد إيدي وأسرق.. وجاي دلوقتي تعيب عليا وتحاسبني؟!!!!"
حُبست كلماته كما لو أنه اُخرس تماماً، وارتفع حاجباه في إباءٍ واهم، تعرفه جيدا وتعرف أنه يحاول إخفاء توتره وضيقه، وتعرف أنها فاجأته وأربكته بحديثها، لكن ما لم تكن تعرفه أن صوتها كان عالياً للحد الذي سمح لخالتها أن تنصت إلى حديثهما.
انتزعهما من صمتهما خروج عائشة من غرفتها حيث كانت تنظر إليهما بصدمة، ثم وقفت أمام حسن، وأخذت تنقل نظراتها بينهما وهي تقول:
"الكلام ده صحيح يا حسن؟!"
لن يكون حسن إذا اعترف بخطئه أو حتى سمح لعينيه أن تفصحان عن ندمه، ولكن لغة جسده كانت كفيلة بأن أوضحت مدى ارتباكه وتشوشه، حيث أنه وقف يحاول رسم الثبات على جسده الفارع وقامته الطويلة بمبالغة عكست الفوضى الكامنة بداخله، وعيناه اللتان لم تخضعا لنظرات والدته أبداً صرحت عن الخوف الساكن في قلبه.
اقتربت منه عائشة وأمسكت بتلابيبه وهي تهزه بقوة وتتساءل بحدة:
"رد عليا.. انت عملت كده فعلاً؟"
"أيوة."
قالها وهو ينظر إليها وأتبع قوله بتنهيدة عميقة ومُتعَبة ثم قال:
"أيوة كنت بعلمها النشل ارتاحتي؟!"
تجرأت للمرة الأولى وفعلتها، صفعته وأفرغت جميع ما في قلبها من غضب، بينما هو وقف مذهولاً يطالعها بغير تصديق، ويده امتدت نحو أثر الصفعة ثم ضم قبضته بقوة وكأنه يحبس قهره بداخلها، بينما أخذ فكاه يرتجفان واشتعل لهيب الغضب بعينيه وراح يحدجها بنظرات ساخطة ثم انفجر قائلاً:
"لا مؤاخذة لو كنتي فكراني السنين دي كلها عالم ذرة وأنا صدمتك، أصلي ملقيتش أب يعلمني الصح من الغلط، ولا الحلال من الحرام فاستسهلت الغلط والحرام ومبخلتش بيه على بنت أختك اللي انتي وخداها في حضنك ورامية بنتك للكلاب تنهش فيها."
رد لها الصفعة ولكن أقوى، لطمها بحقيقتها المرة مجدداً وتركها تموج في غضبٍ عاصف.
انسحب من أمامها سريعاً والتقط هاتفه ومفاتيحه ثم غادر وصفق الباب خلفه.
كانت تشعر وكأنها على وشك أن تفقد وعيها، فتهاوت على أقرب مقعد بجوارها وهي تتمتم بذهول:
"إيه اللي بيحصل ده بس، أنا إزاي أمد إيدي عليه.. ايه اللي عملتيه ده يا عيشة!!"
وبترت كلامها وهي تنظر إلى نغم التي لازالت تقف بمكانها، وعقلها المشوش لا يستوعب ما قاله ابنها فسألتها:
"انتي كنتي بتسرقي وتعالجيني يا نغم طول السنين دي؟ وأنا اللي فكراكي شغالة في كوافير زي ما قولتيلي!!"
مسحت نغم دموعها بارتباك وقلق، كان الأمر عسيراً جداً، أن تقف في مواجهة خالتها وتعترف لها أنها كانت تسرق لكي تعالجها بمال حرام، كان قولاً ثقيلاً جداً لم تتمكن منه ولكنها قالت على كل حال:
"أنا فعلاً كنت شغالة في كوافير فيفي مكدبتش عليكي، بس الفلوس اللي كنت باخدها منها مكانتش بتكفي."
"تقومي تسرقي؟!"
تساءلت عائشة باستنكار شديد، وتابعت قاطعةً عليها السبيل للرد:
"وأنا اللي كدبت حسن لما قال إنك سرقتي خزنة سالم، أتاريه متأكد من كلامه وعارف هو بيقول إيه؟"
تحول تعبيرها الحزين إلى آخر مصدومًا، مصعوقًا، ونظرت إليها باستفهام وقالت:
"خزنة سالم؟ سرقة إيه اللي بتتكلمي عليها؟"
نظرت إليها خالتها بلومٍ قاتل وقالت باستهجان:
"ملوش داعي الكدب بقا أنا عرفت كل حاجة خلاص."
قاطعتها نغم بحدة واقتربت منها أكثر وهي تتساءل:
"كدب إيه يا خالتي أنا مبكدبش، أنا فعلاً مش فاهمة حاجة."
"يعني انتي مسرقتيش خزنة سالم وهربتي من الڤيلا؟"
رفعت حاجباها بذهول وقالت:
"أنا؟! مين اللي قال كده؟"
"بنت اللي ما تتسمى نادية.. لما كانت هنا قالتلي كده وأنا مصدقتهاش، وحسن قاللي كده وأنا كدبته وقولتله نغم مستحيل تعمل كده."
بترت حديثها عندما رأت نغم تتجه نحو الباب باندفاع فركضت خلفها لتمنعها ولكنها خرجت وصفقت الباب خلفها بقوة، بينما وقفت عائشة تتطلع حولها بعجز، لا تدري ماذا ستفعل ولا إلى أين ستذهب.. ولكنها توقعت أنها ستبحث عن حسن وكالعادة سيدور شجارٌ بينهما.
ولكن نغم كانت قد استوقفت سيارة أجرة وطلبت من السائق الذهاب بها حيث ڤيلا سالم.
لم تكن واثقة من قرارها، ولكنها لن تسمح لتلك الشقراء الحقيرة أن تلصق بها تهمة لم تفعلها، وأخذت ترتب أفكارها وخطواتها استعداداً لتلك المواجهة.
***
حاولت عائشة الاتصال بحسن لكي تخبره بما حدث وما قالته نغم ولكنه لم يجب، فقررت أن تخرج لكي تحاول اللحاق بها؛ فمن الممكن أن تكون قد خرجت لتتمشى وتهدأ من روعها، لذا ارتدت عباءتها ووضعت وشاحها واتجهت نحو الباب، أدارت المقبض وفتحت الباب ولكنها قوبلت بصدمة لم تتوقعها.. حيث أنها رأت سالم يقف أمامها، ينظر إليها نظرات لم يغيرها الزمن أبداً، نظرات لم تفقد سلطتها وهيمنتها، ونطق قائلاً بحزم:
"لازم نتكلم يا عيشة."
رواية محسنين الغرام الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نعمة حسن
لازم نتكلم يا عيشة!
نظرت إليه عائشة بصدمة، لم تتوقع أنها ستراه أمامها الآن يقف كالجبل الراسخ دون أن يأبه لأي شيء، فبادرته دون تفكير:
ـ جاي ليه يا سالم؟ وهنتكلم في إيه؟ ما إحنا قلنا كل اللي ممكن يتقال يوم الحفلة.
كان لا يزال يقف عند الباب، فتقدم نحوها عنوة فأفسحت له المجال على مضض، فتقدم للداخل وهو يعقد ذراعيه خلف ظهره وعيناه تشمل المكان بنظرات متفحصة وهو يقول:
ـ متهيألك.. طول ما في بيننا حلقة وصل يبقا الكلام عمره يا يخلص.
حاولت تهدئة نبضاتها التي تضرب صدرها بقوة وأخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
ـ حلقة الوصل دي تقصد بيها مين بالظبط؟ حسن ولا نسيم؟
ـ الاتنين.
قالها وهو يجلس فوق الأريكة بكل أريحية، ثم نظر إليها وقال:
ـ ارتاحي يا عيشة، أنا عرفت إن صحتك مش ولا بد.
جلست على المقعد المواجه له وهي تحاول إخفاء توترها وارتباكها، ونظرت إليه فوجدته ينظر إليها ويقول:
ـ عاوزة إيه يا عيشة؟ اتكلمي بوضوح أنا سامعك.
ابتلعت ريقها بتوجس وسألته:
ـ مين اللي قال لك إنّي عاوزة حاجة؟ انت اللي جاي لحد عندي، يبقا انت اللي عاوز!
ـ عاوزة إيه يا عيشة وبطلي تبخي سم في ودن حسن وتكرهيه فيا، عاوزة فلوس؟ لو عاوزة فلوس أنا رقبتي سدادة من جنيه لألف.
ارتجف فكاها باستياء ونبض الاستياء في وجهها، وقالت باندفاع:
ـ فلوس؟ كل حاجة بالنسبة لك فلوس وبس؟
مط شفتيه في خطٍ مستقيم وقال ببساطة أثارت حنقها:
ـ قولي لي ناقصك إيه غيرها؟
ـ ناقصني تسيبني في حالي أنا وابني يا سالم.. وكفاية أوي اللي أخدته مني.. كفاية بنتي اللي مش قابلة تسمعني ولا تفهمني.
ـ أنا موقفتش بينك وبين بنتك، متدخلتش في علاقتك بنسيم والموقف اللي هي واخداه منك ده بناءً على رغبتها هي.. إنما انتي.. انتي واقفة بيني وبين ابني ومتأكد إنك بتحاولي تكرهيه فيا.. أنا عارفك كويس.
اللمعت الدموع بحدقتيها وقالت بضعف:
ـ أنا بحاول أحميه منك، انت ألعن من المرض الخبيث يا سالم، لو قربت من حد مش بتسيبه غير لما تدمره، وبعدين انت عاوز إيه من حسن؟ هو انت مش عندك اتنين غيره؟ طمعان في الواد اللي حيلتي؟ ده هو اللي ليا من الدنيا يا سالم.. محيلتيش غيره، إنما انت عندك ولادك وعيلتك كلها حواليك.
رأته يستريح بظهره على ظهر المقعد ثم وضع ساقًا فوق الأخرى بعجرفة وقال:
ـ سالم مرسال مبينقيش يا عيشة، دول عيالي.. وكلهم لازم يكونوا معايا وتحت جناحي، بمزاجهم أو غصب عنهم.
مالت بجذعها للأمام قليلا باندفاع وهي تقول بغضب سيطر على ملامحها:
ـ عمرك ما هتتغير يا سالم.. هتفضل طول عمرك أناني وبتتعامل مع الكل كأنهم من ضمن ممتلكاتك الخاصة، فاكر إن ولادك اللي معاك تحت جناحك صحيح لكن انت موهوم… ولادك أول ما هتجيلهم الفرصة هيخرجوا عن طوعك و هيبيعوك، و الدليل أهو ابنك الكبير ساب البلد كلها وسافر لأنه مبقاش قادر يستحمل حقيقتك.. و نسيم اتجوزت أخو اللي كان حبيبها اللي انت قتلته عشان بس تهرب من سجنك.. و عمر هيهرب منك ومش هتعرف ترده تاني، عاوزني بقا أسلمك ابني عشان تزرع فيه الغل والأنانية وتكرهه في نفسه زي ما عيالك كرهوا نفسهم بسببك؟
علقت أنفاسه بحلقه، وتراجع العزم الذي كان يفوح من عينيه مخبرًا إياها بأنها قد أصابت القول، فقال:
ـ كل اللي بتقوليه ده مش مهم، اللي يسافر يسافر واللي يتجوز يتجوز.. لكن هما في الأول وفي الآخر ولاد مين؟ ولاد سالم مرسال.. مش شايلين اسم راجل تاني لا يعرفهم ولا يعرفوه.
ـ ومين اللي قالك إن حسن شايل اسم راجل ميعرفوش؟ محمود الله يرحمه كان أحن عليه مني أنا شخصيا.. كان معتبره ابنه اللي من صلبه وعمره ما قصر معاه، ولو كان محمود عايش لحد يومنا ده مكانش حسن بقا ده حاله.
نظر إليها بحدة تفاعل معها جسده بالكامل، واضطربت نظراته الواثقة وهو يقول:
ـ قُصر الكلام يا عيشة، حسن مصلحته معايا أنا.. وأنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان يعقل ويرجع عن الغباء اللي بيفكر بيه، ومسيره يعرف إن القوة معايا أنا، أنا اللي هحميه وهساعده يبني مستقبله، لكن طول ما هو معاكي هيفضل دافن راسه في الرمل.
ـ أنا أنا أنا.. كل حاجة أنا.. انت وبس ومفيش حد تاني بعدك.. مش شايف غير نفسك دايما ومفكر إنك هتقدر تشتري الكل بفلوسك.. لو على الفلوس أحب أطمنك، حسن ايده مش قصيرة وبيعرف يجيب القرش من بؤ العفريت.
ابتسم وهو ينظر إليها بنظرات تشبعت بالثقة وقال:
ـ الفلوس لوحدها مش كفاية، الفلوس محتاجة نفوذ تتسند عليه، وأنا معايا الفلوس والنفوذ ومعايا كل حاجة حسن محتاجها عشان يكبر ويلاقي نفسه في المكان اللي يستحقه.
ونهض معلنًا ختام القول ثم أضاف:
ـ الخلاصة يا عيشة، لو بتحبي ابنك ساعديه ياخد حقه اللي اتحرم منه ٣٣ سنة، ساعديه يلاقي عيلة وأهل يتسند عليهم.. انتي مش هتعيشي له طول العمر، ولا أنا كمان.. لكن موجود اخواته ربنا يخليهم.. هما اللي هيسندوه لو وقع في يوم من الايام.. وقبل كل ده موجود اسم العيلة اللي لوحده ضمان إنه يعيش طول عمره مرفوع الراس. لو بتحبي حسن بطلي تكرهيه فيا وسيبيه هو يختار طريقه بنفسه.
اتجه نحو الباب وأدار المقبض ينوي الخروج، ثم توقف وأخرج من جيب سترته الداخلي ورقة وقلم ودون به شيئا ما ثم قال:
ـ ده عنوان بيت نسيم، روحي لها وحاولي تصلحي علاقتك بيها جايز تفلحي. أنا أهو عملت اللي عليا كأب، اعملي اللي عليكي كأم انتي كمان.. وافتكري إن مصلحة عيالنا خارج أي حسابات بيني وبينك.
تركها وغادر، فتهاوت هي على المقعد وهي تشعر بالألم يغزو قلبها ويفتك به ويزيده فوق هشاشته أضعافًا.
أيعقل أن تنتهي معركتها من أجل ابنها بعد كل تلك السنوات لصالح سالم؟ أيعقل أن تصبح بعد كل تلك التضحية هي الطرف الخاسر!!
***
توقفت السيارة أمام مدخل الڤيلا، فترجلت نغم بتردد.. لم تكن واثقة بخطواتها ولا بقدميها اللتين تدعمانها، ووقفت تنظر إلى الڤيلا وهي تتذكر اليوم الأول الذي دخلتها فيه..
اندفعت الدماء عبر جسدها بغضب عندما رأت سيارة چيلان، وتذكرت على الفور ما قالته في حقها، فدخلت وهي تنوي حرق الأخضر واليابس، ستهدم المنزل بأكمله فوق رأس تلك الكاذبة، ستقتلع رأسها الشقراء وتعلقها على باب المنزل حتى تجعلها عبرة لمن يعتبر أو لا يعتبر ـ هكذا منّت نفسها ـ.
دخلت والغيظ يجري منها مجرى دمها، واقتحمت الڤيلا فجأة وصرخت بغضب هز الأرجاء فجأة:
ـ چيلاااان!!!!!
أرسل صدى صوتها موجات ساخطة جذبت انتباه الموجودين كلهم وأولهم زينب التي تعرفت على صوتها فورًا فخرجت من المطبخ راكضةً نحو الخارج وهي تقول:
ـ نغم؟ في إيه يا بنتي خير؟
ـ چيلاااان!!!!
صرخت بها مجددا وهي تزأر بقوة تكتشفها الآن للتو، متجاهلةً سؤال زينب الذي كررته بخوف وقالت:
ـ حصل إيه يا نغم طمنيني! عاوزة إيه من چيلان هانم؟
كانت تتنفس سريعا وهي تشعر بأن الدماء ستنفجر من عينيها من فرط الغضب، وما إن لمحت چيلان التي غادرت غرفتها للتو حتى تأهبت وثارت أكثر..
ـ في إيه؟ بتنادي كده ليه يا بني آدمة انتي؟ هو انتي مفكرة نفسك فين؟
غادر عمر غرفته بعد سماعه صوتها، ولحق بچيلان التي نزلت درجات السلم وهي تتجه نحو نغم باندفاع إلى أن توقفت أمامها.
اقتربت منها نغم ووقفت في مواجهتها مباشرةً وقالت بصوت مهتز:
ـ انتي قلتي لحسن إني سرقت خزنة سالم بيه؟
اهتزت حدقتيها الزرقاوتين بتوتر، وأجفلت عندما اقتربت منها نغم أكثر وهدر صوتها الغاضب متسائلا:
ـ ردي!! انتي قلتي لحسن إني سرقت خزنة سالم بيه؟!!
نظرت إليها چيلان وهي تستدعي ثقة وهمية غير موجودة:
ـ أيوة.. الكل هنا عارفين إنك سرقتي الخزنة وهربتي؛ بما فيهم فريد طبعًا.
أضافت الأخيرة بتشفي، بينما نغم كانت تقسم أنها استمعت إلى صوت حطام قلبها وقد انشطر صمت المكان بسببه.. فريد صدق أنها سرقت خزنة والده، لذا فلم يكن من السهل أن يصدق ما قالته يوم الحفل ومن ثم اتهمها بأنها تحيك المؤمرات ضده بكل سهولة.
استقام ظهرها، وارتفعت نظرتها الواثقة وبها كثير من الغضب لتقابل نظرات چيلان المشوشة وفجأة.. صفعتها بكل قوة، وغضب، وحسرة!
ـ انتي كدابة!
ألقتها وهي تبتعد، بينما چيلان قد ألجمتها الصدمة ووقفت تتطلع نحوها بذهول، أما عمر.. فاندفع نحو نغم قائلا بعصبية:
ـ انتي عبيطة ولا إيه؟ ايه اللي عملتيه ده؟
كانت نغم تنظر إليه ثم إلى جيلان شزرًا وهي تقول:
ـ وعندي استعداد أعمل أكتر من كده، أنا مليش علاقة بسرقة خزن، ومش مستبعدة انك تكوني انتي اللي سرقتيها وقاصده تلبسيني أنا التهمة دي..
وقفت چيلان في موقف لا تحسد عليه، فكانت تبدو كالمسكينة وهي تحاول التحلي بالشجاعة الوهمية أمام نغم التي تتحدث بكل ثقة، وبينما هما تنظران لبعضهما البعض بتحفز نطقت زينب قائلة:
ـ إحنا عارفين يا نغم إنك مسرقتيش.
التفتت نغم نحوها سريعا بلهفة، بينما ظلت چيلان ترمقها بخوف وترقب وتلاقت نظراتهما، فقالت:
ـ الباشا كمان عارف مين اللي سرق!
رأت زينب التوجس ممزوجًا بالتحذير يلوح في عينيها بإباء، واحتدت نظراتها ولمعت زرقاوتيها أكثر فقالت زينب:
ـ الباشا قال من فترة إنه لقى شنطة المسروقات في اوضة الكاميرات وانه عارف مين بالتحديد اللي سرقها، وقال إنه غالبا حد تبع الأمن.
شعرت نغم بروحها وقد ردت إليها ونظرت إلى زينب قائلة وهي ترتجف:
ـ فين سالم باشا؟ لازم هو بنفسه يبرئني قدام الكل ويقولهم اني مسرقتش حاجة.
نظرت إليها زينب بشفقة وقالت:
ـ الباشا خرج من شوية.
أومأت نغم وهي تجاهد لكي لا تنفجر باكية من فرط قهرها، ونظرت إلى چيلان وقالت مشهرةً سبابتها بتحذير:
ـ أقسم بالله لو فكرتي تجيبي سيرتي تاني في أي كلام لهتشوفي رد فعل يصدمك.
وأدارت وجهها وغادرت بينما كان عمر ينقل عيناه بينهما بتردد وحيرة ثم سأل چيلان التي ظلت تتطلع في أثر نغم بحقد وقال:
ـ انتي قلتي لحسن الكلام ده إمتا؟ هو انتوا من امتا بينكم كلام؟
نظرت إليه بطرف عينيها بحدة وقالت ساخطة:
ـ مش ناقصة غباءك انت كمان يا عمر، كلام إيه اللي هيكون بيني وبين واحد بلطجي زي ده!
أصابه كلماتها بالغضب فهتف غاضبًا بضيقٍ:
ـ ما هو عشان أنا عارف إن مفيش بينك وبين واحد بلطجي زي ده كلام فبسألك قولتيله كده إمتا؟
زفرت بانفعال وقالت متهكمة:
ـ لما كان سيادته مستضيفني عندهم في البيت عشان البرنسيس بتاعته ترجع له. وقتها اضطريت أعرفه انها مش موجودة في الڤيلا أصلا وكل اللي بيعمله ده عالفاضي، كده واضح ولا لا.
انسحبت زينب وهي تشعر بالقهر والضيق يعتريانها لأنها لم تستطع قول الحقيقة التي ستبرأ نغم واضطرت لإخفائها قسرًا، وعادت إلى المطبخ وهي تلعن عجزها الذي قيد لسانها بقيدٍ من نار.
صعدت چيلان إلى غرفتها وهي ترغي وتزبد والشرر يتطاير من عينيها ويكاد يلتهم كل شيء أمامها.
أما عمر فوجد نفسه يغادر الڤيلا مسرعًا وهو يحاول اللحاق بنغم.
خرج من البوابة وأخذ يمسح المكان بعينيه بإحباط لأنه قد ظنها غادرت، ولكنه تفاجأ بها تجلس بعيدا، على الرصيف المجاور للڤيلا، وتبكي بانهيار..
أسرع نحوها وتوقف أمامها ينظر إليها بأسى وهو يقول:
ـ قاعدة كده ليه يا نغم؟
انتبهت لوجوده فرفعت عيناها نحوه ونظرت إليه بحدة وهي تقول:
ـ مستنية سالم بيه يرجع علشان أأكد له إني مسرقتش حاجة ولازم يثبت قدام الكل إني مش أنا اللي سرقت.
تنهد بضيق، ثم جلس بجوارها على الرصيف في صمت، وبعد تفكير أطرق رأسه بإلحاح قال:
ـ أنا آسف.
قطبت جبينها ونظرت إليه من زاوية عينيها بتعجب وهي تقول:
ـ آسف على إيه؟
زفر باستياء وقال:
ـ آسف لأن أنا أول واحد ظنيت فيكي وقلت إنك سرقتي.
استدارت نحوه بكامل جسدها ونظرت إليه باستغراب بينما هو تابع:
ـ لما الباشا قال إن الخزنة بتاعته اتسرقت تاني يوم ما انتي اختفيتي أنا أول واحد قلت أكيد نغم اللي سرقتها وهربت.. چيلان ملهاش ذنب، أنا اللي اتهمتك.
شعرت بالقهر، بالغضب، بالضياع.
إن سألها أحدهم عن أمنيتها الآن فستكون الإجابة أن تختفي من هذا العالم بأسره.
أن تصبح عدم، تتلاشى وكأنها لم تكن.
أشفقت على حالها كثيرا، أصبحت موضع اتهام في جرم لم تقترفه.. ولكن هذا ما قادها نحو سؤال كانت تهرب منه دومًا..
ماذا عمّا اقترفتيه سابقّا نغم؟.. تشعر بالندم حياله. تشعر بالقرف من نفسها، بالخزي، العار يكسوها من رأسها لقدميها، حتى أنه يحول بينها وبين الشعور بالظلم!
التزمت الصمت ولم تعقب، ولكن برأسها كانت هناك عشرات الأصوات الصاخبة تنهشها بقوة..
كيف تجرئين على تقمص دور المظلومة وأنتِ لستِ نظيفة اليدين من الأساس؟
نعم.. لم ترتكبي تلك الجريمة بالتحديد، ولكنك فعلتِ مثلها كثيرًا.
أنتِ لستِ بريئة نغم، حتى وإن ثبتت براءتك من تهمة سرقة سالم، فلن تستطيعي إثبات براءتك من تهمة سرقة الكثيرين.
أنتِ ـ أمام نفسك على الأقل ـ تعلمين جيدا أنكِ تستحقين الشك المثار حولك، تستحقين نظرات خالتك وعدم تصديقها لكِ، ونظرات حسن وثقته في أنكِ فعلتِ.
ولكن.. هل تستحقين نظرات فريد الذي صدق بمنتهى السهولة أنكِ سرقتِ والده لذلك لم يصدق ما قلتِه له بخصوص أيمن؟
الإجابة نعم. تستحقين أن يصدق أنكِ سرقتِ والده، وأنكِ كاذبة بشأن أيمن، لأنكِ دخلتِ حياته بكذبة! أنتِ أكبر كذبة في حياة فريد يا نغم.. أنتِ كنتِ كذبة وانتهت صلاحيتها، نقطة. انتهى.
لم تنجح في إيقاف دموعها، وكذلك لم تنجح في منع سؤالها:
ـ فريد صدق إني أنا اللي سرقت مش كده؟
ـ لأ.. فريد أول واحد قال إنك مستحيل تعملي كده.
نظرت إليه بتفاجؤ فأومأ مؤكدا وقال:
ـ على فكرة فريد مش سهل يصدق أي حاجة تتقال قدامه، بيفكر في كل شيء بعقل وبيوزن الأمور، مش متسرع زيي.
وأكمل:
ـ غالبا كده أنا وحسن نفس الصفات.. اخوات بقا.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالضيق ونهضت فنهض بدوره وقال:
ـ ممكن بقا تقولي لي إنك قبلتي اعتذاري؟ ولو عاوزاني أكلم حسن حالا و أقوله على الحقيقة هعمل كده.
رمقته بنظرات حادة وقالت بضيق:
ـ آخر همي هو حسن، يعرف الحقيقه أو ميعرفهاش مش فارق معايا.. اللي فارق معايا إن سالم بيه بنفسه يقول قدام كل اللي في الڤيلا وأولهم أختك إنّي مسرقتش.
أومأ مؤكدا وقال:
ـ حقك طبعًا. على العموم أنا بنفسي هكلمه أول ما يرجع وهقوله اللي انتي عاوزة تقوليه.. أوعدك.
أومأت بموافقة وتركته وابتعدت، سارت وهي تحاول كفكفة دموعها، آخر مكان ترغب في العودة إليه الآن هو بيت خالتها وحسن، ولكن.. أين ستذهب؟
شعرت بالوحدة تشتد وتستفحل بقلبها…هي حقًا وحيدة! لا تملك أمًا ولا أبًا ولا إخوة، لطالما أخبرتها خالتها أنها وحسن يتشاركان نفس المأساة، ولكنها خاطئة، على الأقل حسن لديه أم، يمتلك بيتًا خاصًا به، على الأقل هو رجل يمكنه البقاء بالشارع إن ضاقت به السبل دون أن تناله الأيدي والأعين الغادرة..
لا أحد يشبهها في مأساتها، لا أحد يعاني نفس معاناتها.. ولكن أما آن لتلك المعاناة أن تنتهي؟
على الفور أخرجت هاتفها وقامت بالاتصال برقم مديرة الصالون الذي عملت به حديثا، فأجابتها قائلة:
ـ ألو..
ـ ألو.. مساء الخير يا مدام عليا.. أنا نغم.
ـ خير يا نغم؟
ـ بصراحة كنت عاوزة أطلب منك طلب.
فتساءلت عليا بضجر أبرز العجرفة بصوتها:
ـ خير يا نغم؟
ـ كنت عاوزة اخد منك مبلغ لأني عاوزة أأجر شقة أعيش فيها، والمبلغ يعني هسده على أجزاء، تخصمي كل شهر جزء من المرتب.
استمعت إلى صمت مطول، وبعدها أجابت عليا بإيجاز:
ـ اوكي مفيش مشاكل، شوفي محتاجة كام ونقسم المبلغ على أجزاء وتمضي شيك بكل جزء ولما تدفعي تبقي تاخدي الشيك.
ترددت نغم قبل أن تجيب بقلة حيلة:
ـ تمام.. شكرا جدا.
وأنهت الاتصال وهي تتنهد وشعرت ببعض من همها يتبدد على عكس خوفها الذي احتشد بقلبها مرة أخرى وبشكل أشد.
***
انتهت نسيم من أخذ حمام دافيء بعد عودتهما إلى المنزل، ثم خرجت وجلست أمام مرآتها وأخذت تنظر إلى انعكاس صورتها بالمرآة..
لم ترَ سوى انعكاس امرأة باهتة تسربت الحياة من وجهها. امرأة تُواصل البحث عن أشلاء قلبها الممزقة بلا كلل أو ملل، تواصل البحث بصورة جنونية عن روح حوّلها الفراغ إلى صحراء قاحلة. ولكن كل ما توصلت إليه في النهاية هو ندبة بمنتصف قلبها تلازمها كالظل، هناك جرح أزلي لا يفارق مخيلتها ولا وجدانها. هناك ذكريات سوداء حولت حياتها إلى جحيم لا يطاق تلتصق ببالها وتأبى مفارقته.. ولكن، بعد هذا اليوم تحديدا، هل يحق لها أن تأمل في استبدال تلك الذكريات بأخرى؟ أليس من حقها أن تحتفظ في مخيلتها بذكريات أخف قسوة وأقل بؤسًا؟
أسندت مرفقيها على طاولة الزينة وأحاطت عقلها المهتريء بيديها وهي تسترجع نصيحة عاصم لها، تسترجع كل شيء وليست نصيحته فقط، تسترجع حتى تلك النظرة التي ربت على قلبها بها.
تراخى كتفاها أكثر فيما يشبه الانهزام، وشعرت بالسخط يملؤها لكونها تنجذب إليه بسرعة البرق، كمن يسقط من أعلى قمة جبل إلى الأسفل سقوطا حرا.. تنجذب إليه كما تنجذب الفراشة إلى الضوء وهذا أكثر ما يؤلمها ويخيفها..
رفعت رأسها وأخفضت كفيها إلى فخذيها، ثم نظرت إلى نفسها مرة أخرى وهي تهمس:
ـ مش ده اللي المفروض يحصل يا نسيم، مش بعد ما حازم ضيع عمره عشاني يكون جزاؤه إني أستبدله بحد تاني، أنا لازم أعمل كنترول على مشاعري، كل اللي انا حاساه ده أكيد انبهار لحظي، مش معقول أنا معجبة بيه و…
هزت رأسها بنفي وأغمضت عيناها، أمسكت بجانبي عقلها من جديد وراحت تردد وهي تحاول إقحام ما تقوله إلى عقلها المعطل قسرًا:
ـ مينفعش أقول كده أصلا، أنا مش معجبة بيه، أنا مشدودة ليه لأنه من ريحة حازم مش أكتر.
اهتدى عقلها إلى ذلك الخاطر وشعرت بضجيج رأسها يتلاشى ـ أو هكذا أوهمت نفسها ـ ونظرت إلى نفسها من جديد وقالت آمرة:
ـ بالظبط، هو ده الصح فعلا. أنا حابة كونه أخو حازم مش أكتر، وهو كمان بيتعامل معايا على نفس الأساس، أساسا إحنا اتفقنا خلاص إننا اتجمعنا على حبه.. عشان كده لازم أمحي كل التخاريف اللي بفكر فيها دي من راسي وأوزن الأمور بميزان العقل فقط. أنا وعاصم متجوزين لكن مش معنى كده إننا زوجين حقيقيين، إحنا اخوات ماشي، صحاب اوكي..
وأشارت بيديها إلى انعكاسها في المرآة وهي تقول بانفعال:
ـ أصلا هو بيتعامل معايا على إننا اخوات وصحاب مش أكتر، أنا واثقة.
وأخذت نفسًا طويلا ملأت به رئتيها ثم تابعت:
ـ عشان كده لازم أنا كمان أوصل له نفس الإحساس، اني بتعامل معاه كأخ وصاحب.. علاقتنا عمرها ما هتتطور لأبعد من كده، ولازم هو يكون فاهم ده كويس.
تنهدت وهي تحاول إقحام ما قالته إلى رأسها عنوة، وتوجهت نحو السرير وألقت بجسدها فوقه بتعب.. وفيما هي تحدق بالسقف بشرود استمعت إلى رنين هاتفها فنظرت به لتتفاجأ باسم فريد!
اضطرب قلبها وثارت نبضاته فرحًا، ثم أجابت مسرعةً:
ـ ألو.. فريد ازيك؟
لحظات حتى وصلها صوته القلِق كالعادة، المهموم دومًا:
ـ الحمد لله يا نسيم، انتي أخبارك إيه؟
امتلأت عيناها بالدموع وفاضت، وارتفعت أناملها إلى جبهتها تتحسسه بتوتر وهي تجيب:
ـ أنا كويسه، متقلقش عليا، أهم حاجه انت عامل إيه؟
سمعته يتنهد، كانت واحدة من تلك الزفرات التي صفعت قلبها بقسوة لأنها علمت بمدى حزنه وحيرته، ولكنه كالعادة لم يفصح عن شيء وأبقى ما يؤذيه كامنًا في أعماقه وقال:
ـ أنا الحمد لله، كل حاجة تمام والدنيا أهي ماشية..
وأكمل حين لم تعلق:
ـ اشتريت بيت جديد.
لم تضف شيئا أيضا فتابع:
ـ وفي شغل جديد بحضر له.. والحياة أهي ماشية.
استمع إلى تنهيدتها فتعمق شعوره بالذنب، هو أيضا يعلم ترجمة تلك التنهيدة جيدًا، يعلم أنها دلالة على تخبط وحيرة وتشتت، فشعر بالسوء، والغباء أيضا.. وأخذ يلوم نفسه ويؤنبها.. هو إنسان سيء، تسبب بلا شك في هذا القلق الذي يسمعه في صوتها وصمتها..
ـ أنا.. أنا عارف إنك زعلانة مني لأني سافرت من غير ما أودعك..
صمت، ثم تنحنح وهو يحاول أن يتجاهل ثقل ما يشبه العار الذي قبض على دواخله ثم تابع:
ـ أنا آسف.
هنا انهارت. وأجهشت بالدموع التي حبستها وذرفتها في صمت، وبرز صوت بكاءها جليًا حتى وصل إلى مسامع عاصم الذي يقف خلف الباب ويستمع إلى مكالمتها مع فريد بحنق فائض.
ـ أنا اللي آسفة إني زعلتك مني بس..
صمتت وهي تحاول صياغة كلامها بطريقة تبث في صدره الدفء قليلا، ثم تابعت:
ـ مكانش قدامي حل تاني.
تنهدت مجددا بطريقة جعلته يشعر بالضيق من نفسه، كما لو استطاع رؤية عينيها تضج بشعور الهزيمة وكثير من الأسى.
ـ أنا تعبت يا فريد، تعبت وعاوزة أعيش.. جايز تشوف قرار جوازي من عاصم أكبر قرار غلط ومتهور في الحياة كلها، بس صدقني أنا مرتاحة.
ـ مرتاحة مع عاصم؟!!.. سألها بشك.
فأومأت بتأكيد وكأنه يراها وقالت:
ـ الحقيقة أيوة.
شردت قليلا، ثم تابعت:
ـ يمكن مش هتصدقني لو قلت لك إني حسيت معاه براحة عمري ما عِشتها قبل كده، بس دي الحقيقة، اطمن يا فريد أنا واثقة إن عاصم مش خطر عليا أبدا.
استمعت إلى زفرتهُ المطولة، فامتلأ قلبها بالضيق لأجله وقالت:
ـ أنا.. هحاول أتكلم معاه تاني يرجعلك الشركة بتاعتك عالأقل.
ـ اوعي تعملي كدة.
نهاها بحدة، فتساءلت بتعجب:
ـ ليه؟
ـ أنا آخر همي الشركة يا نسيم وانتي عارفة، الشركة مش فارقة معايا صدقيني وقادر أأسس غيرها، وعشان أكون منصف.. أنا مش بلوم على عاصم في اللي عمله، يعني.. لما حطيت نفسي مكانه وتخيلت إن عمر أو انتي.. لا قدر الله حد أذاكم.!! حالي هيكون ازاي وقتها؟ أكيد مش هفكر بعقل، وهحاول انتقم بأبشع الطرق.. اللي عملُه عاصم ميجيش نقطة في بحر اللي هفكر فيه، ده واحد أخوه اتقتل.. أكيد مش هيسامح في حقه.. و ده اللي مخوفني!
خرجت آهه من فمه. لا.. من قلبه، من عمق قلبه بالتحديد. وتابع:
ـ أنا شايف إن شخصية زي عاصم مش هيكتفي باللي عمله، ومتأكد إنه بيخطط لشيء قاسي جدا، وخايف عليكي جدا جدا يا نسيم.
أفرغ حقيقة الأمر وحقيقة ما يشعر به، وصارحها بما يشغله، ثم تابع:
ـ مكانش لازم توافقي، انتي شايفة نفسك في أمان معاه بس الحقيقة غير كده.
ـ فريد صدقني أنا مرتاحة معاه ومطمنة، عاصم… ” تنهدت بقوة وتابعت باستسلام ” .. عاصم مش قاسي زي ما يبان عليه.. صدقني.
ـ نسيم.. من فضلك خلي بالك من نفسك وخليكي حذرة في تعاملك معاه، أرجوكي!
ـ متخافش عليا.
ـ لأ خايف.. طول الوقت خايف عليكي وعلى عمر، خايف عاصم يحاول يأذيه أو يأذيكي.. شخص زي ده ممكن يتلاعب بيكي بسهولة ويوهمك بحقيقة عكس حقيته.. عشان خاطري.. لو سمحتي.. متثقيش فيه الثقة الكاملة.
حركت كلماته شيئا داخلها، شيئا ضغطها ومنع راحتها؛ فتنهدت بعدها وقالت:
ـ حاضر. أوعدك هخلي بالي من نفسي.. متقلقش عليا لو سمحت.
حاول أن يطمئن نفسه ولكنه لم ينجح، فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
ـ ربنا معاكي ويحميكي.
اهتز قلبها مجددًا بتأثر فقالت:
ـ إن شاء الله..
ـ هكلمك تاني، ولو احتاجتي أي حاجة أو حسيتي انك عاوزة تحكيلي أي حاجة اوعي تترددي. تمام؟
ـ أنا مكنتش محتاجة غير اني أسمع صوتك وأعرف انك مش زعلان مني.
ـ أنا عمري ما أزعل منك يا نسيم.. وأضاف بمرح:
ـ واحدة من قدراتي كأخ أكبر إنكم لو رميتوني بالرصاص حتى مش هبطل أحبكم ولا أخاف عليكم.. انتي وعمر أغلى اتنين عندي وطول ما انتوا بخير أنا بخير صدقيني.
ابتسمت وهي تشعر الآن بالرغبة في عناقه والبكاء بشدة حتى تجف عيناها، ولكنها أظهرت تماسكًا وهميًا وهي تتساءل بنبرة ماكرة:
ـ أنا وعمر أغلى اتنين.. طيب ونغم؟
استمعت لصمت كانت تعلم بقدومه، وهذا ما أعطاها الفرصة لكي تضغط أيقونة تسجيل المكالمة استعدادا لما سيقوله.. فاستمعت إلى صوت تنهيدة منهكة، متألمة، محبطة، ثم تابع وقال:
ـ نغم أجنّ وألذّ حب في الدنيا.. استثنائية في كل حاجة، جنانها، براءتها، حزنها، ضحكتها، عينيها.. حتى في غبائها استثنائية!
زفر ساخرا، يائسا من حاله، وتابع:
ـ بالرغم من إنها عنيدة ومتعبة بس فيها حتة انكسار بتخليني مش قادر أتخلى عن إحساسي بالمسؤولية تجاهها.
وتنهد مغلوبًا على أمره ثم قال:
ـ أنا عمري ما ندمت ولا هندم على حبي ليها، نغم هي الوحيدة اللي دخلت قلبي ومش ممكن تخرج منه أبدا.
ابتسمت نسيم وهي تشعر بالسعادة تغمرها لأنها تحمل دليلا قاطعا بين يديها سيساعدها في تحقيق الكثير لصالحه وصالح نغم، وقالت بنبرة يملؤها الرضا:
ـ إن شاء الله ربنا يهديها.
تنهد بانفتاح أكثر وأضاف بمرح خافت:
ـ إن شاء الله ربنا يلهمني الصبر اللي يؤهلني أكمل حياتي معاها من غير ما أتجنن أو يجيلي أزمة قلبية كل تلت شهور مرة على الأقل.
انبثقت ضحكتها بقوة فضحك بدوره ثم قال مختتمًا حديثهما:
ـ خلي بالك من نفسك يا نسيم، مش هوصيكي.
ـ حاضر.. وانت كمان.
ـ إن شاء الله، تصبحي على خير.
أنهت المكالمة ثم تنهدت براحة عارمة، واستلقت وابتسامتها تزين ثغرها، ثم قامت بقص التسجيل الصوتي بداية من حديثهما عن نغم وقامت بإرسال المقطع الصوتي عبر تطبيق المحادثات إلى نغم.. وأغلقت الهاتف وهي تشعر بالرضا ثم استسلمت لتلك الرغبة المُلحة في النوم.
***
عاد عاصم إلى غرفته وهو يشعر بالضيق، التقط هاتفه وحاسوبه وخرج متجهًا نحو حديقة المنزل، ثم تمدد فوق الأريكة وفتح الحاسوب وبدأ بمراجعة بعض رسائل البريد بعصبية.
زفر وهو يشعر باعتلال راحته فأغلق الحاسوب مجددا وأسقط رأسه للخلف وهو يفكر تفكيرا صمت على أثره الضجيج برأسه..
يشعر بالسوء بعدما سمع ضحكاتها وهي تهاتف أخيها.. لم يكن عليها أن تفعل، فهو لا يرغب في أن تكون بينهم صِلة، لا يرغب في بقاء الود بينهم.. يريدها أن تكرههم وتحمل لهم الضغائن كما يفعل هو…
تلك العائلة ـ باستثناءها ـ هي عدوه الأول.
تلك العائلة ـ باستثناءها ـ مسؤولة عن حرمانه من أخوه، تقبلوا قتل والدهم لشخص بريء مظلوم وساعدوه في إخفاء جثته والتكتم على ما فعله وكأن من مات لم يكن سوى حيوان لا قيمة له، وبعدها تعايشوا وتناسوا الأمر وكأنه لم يكن، لم يشعر أحدا فيهم بوخزات الضمير، لم يشعر أحدهم بمقدار ذرة مما شعر هو من ألم حارق دهس كل مشاعر الرحمة بقلبه على مدار ثمان سنوات.
ضحكاتها تلك لم تكن سوى خنجرًا طعن قلبه بقوة.
يعلم أنه شقيقها الذي كان بالنسبة لها بمثابة أب، ويعلم أنه حنون ومراعِ ويحبها..
ولكن.. هو أيضا يمكنه منحها كل ذلك شريطة أن تكون له وحده.
أن تتخلى عن تلك العائلة القاتلة، أن تكرههم وتشاركه انتقامه منهم، أو أضعف الإيمان أن تقطع صِلتها بهم.
أليس هذا عدلا؟
هل ما يتمناه صعبًا؟ مستحيلا؟ غير منطقيا؟!!!
انزلق في مكانه أكثر ومدد جسده ناشدًا راحة مؤقتة، وأخذ يحدق في الفضاء الواسع من حوله وهو يرتب أفكاره وقراراته وخططه المستقبلية إلى أن خمد رأسه المشتعل قليلا، وبدأ جفناه بالتراخي.
***
” كل أنواع السعادة تتشابه، ولكن كل ألم يؤلم بطريقته الخاصة. ”
ـ ليو تولستوي.
ـ نغم.. كنتي فين كل ده رعبتيني.
قالتها عائشة وهي تندفع نحو الباب حين رأت نغم تدلف إلى الشقة، ووقفت أمام نغم تنظر إليها ثم عانقتها فجأة وهي تقول:
ـ متزعليش مني يا حبيبتي، مكنتش أقصد أقسى عليكي.
احتقنت عينا نغم بالدموع وجاهدت لئلا تنفجر باكية مرة أخرى وقالت بصوت متحشرج:
ـ حصل خير يا خالتي.
ـ حقك عليا يا نغم، المفروض بدل ما ألومك أشكرك انك طول السنين دي شايلة همي، وبعدين اللوم مش عليكي، اللوم عليا أنا يا حبيبتي متزعليش مني.
تجمهر الدمع على حافة عينيها وابتعدت عن حضن خالتها بهدوء، ثم نظرت إليها بابتسامة منهزمة وقالت:
ـ مش زعلانه منك، متضايقيش نفسك خلاص اللي حصل حصل.
زفرت عائشة وأومأت ثم قالت:
ـ كنتي فين؟ لما اتأخرتي خفت تكوني مشيتي ومش راجعة تاني.
كادت لتنطق وتخبرها أنها قد اتخذت خطوة تجاه هذا الأمر بالفعل ولكنها أرجأت إخبارها لوقتٍ لاحق، ثم قالت:
ـ اتمشيت شوية ورجعت.
مسدت ذراعها بهدوء ثم قالت:
ـ مجتش فرصة أسألك، عملتي إيه في الشغل النهارده؟
ـ الحمد لله، كان يوم طويل بس أهو عَدى.
ـ طيب يا حبيبتي ادخلي غيري وأنا هعملك لقمة تاكليها..
أمسكت نغم بيدها تستوقفها ثم قالت:
ـ لأ يا خالتي مليش نفس، أنا هدخل أنام.. تصبحي على خير.
ألقتها باقتضاب وتسللت إلى الغرفة بقدمين متعبتين، أخذت حماما سريعا ثم دخلت إلى سريرها وهي تمسك بالهاتف لتجد رسالة صوتية من نسيم.
قامت بفتحها على الفور فإذ بها تستمع إلى صوت تنهيدة فريد الذي أعقبها بقوله ” نغم أجنّ وألذّ حب في الدنيا ”.
كانت شبه واعية. ولكن الآن.. بعد أن استمعت إلى صوته وما قاله عنها، غُيبت تمامًا.
نظرت إلى الهاتف مجددا لتتأكد أن الرسالة قد وصلتها من نسيم وليس منه هو، واختنقت العبرات بصدرها فأحاطت وجهها بكفيها وكتمت صوت بكاءها بصعوبة..
تحتاجه الآن.. يلملم بكفيه الحنونتين شتاتها، يحيط فوضاها بين ذراعين ذا بأسٍ وقوة.. يمنحها ابتسامة تتجاوز بها مر الأيام.
ظلت تستمع إلى صوته مرة تلو الأخرى، وابتسامتها تُشكل مع دموعها لوحة بلهاء، هي الآن أكثر من سعيدة، أكثر من راضية، أكثر من عاشقة.
***
في صباح اليوم التالي..
خرجت نسيم من غرفتها وبداخلها كانت تشعر بالتعجب لأنه لم يوقظها كعادته كل يوم، فازداد تعجبها عندما رأت مائدة الإفطار وقد أعدّ عليها فطورا كاملا، اقتربت نسيم من المائدة فوجدته قد ترك لها ورقة كتب فيها:
” صباح الخير.. اضطريت أخرج بدري عشان عندي شغل مهم. افطري كويس. ”
قطبت جبينها بتعجب، هذا الرجل لا يتوقف عن إثارة اهتمامها وفضولها نحوه، يختفي فجأة كما يظهر فجأة، يحضر لها الفطور ويترك لها رسالة، يخالف توقعاتها في كل مرة تجاهه.
وقعت عيناها على شيءٍ آخر.. فالتقطته وقد تجهمت ملامحها تماما، ذلك الشيء لم يكن سوى منديله الذي احتفظ بداخله بحفنة التراب التي أخذتها تذكارا من قبر حازم.
أمسكت بالمنديل وأخذت تنظر إليه وهي تشعر بالحزن، ثم جلست على المقعد وهي تمسك بالمنديل في يديها وقد اعتراها الضيق والسوء.
رن هاتفها برقمه، فتنهدت وأجابت:
ـ ألو..
ـ صباح الخير.
ـ صباح النور.
ـ إيه الأخبار؟ فطرتي؟
أجابت بإيجاز:
ـ أيوة.
ـ عظيم.. طيب يا ستي أنا بكلمك عشان أعرفك إن الدكتورة توليب هتكون عندك النهارده الساعة ٤.. تمام؟
ـ تمام.. أنا بستنى زينب.. المفروض إنها على وصول مش عارفه إذا كانت هتيجي ولا لأ.
ـ متقلقيش هتيجي.
استمع إلى تنهيدتها المحبطة فقال بصوت لا يسعه سوى أن يكون حنونًا:
ـ في حاجة بسعى لها هتفرق معاكي جدا يا نسيم.
تساءلت بفضول:
ـ حاجة إيه؟
ـ لما تتم هتعرفيها.. ادعي بس تتم على خير.
ـ إن شاء الله.
استمعت إلى رنين جرس الباب فقالت:
ـ زينب أهي وصلت.
ـ تمام، أشوفك بالليل.
ـ إن شاء الله.
كانت ستنهي المكالمة، ولكنه استوقفها قائلاً:
ـ نسيم..
ـ نعم؟
ـ افطري لو سمحتي.. فرصة زينب جت تفتح نِفسك.. سلام.
أخذت تنظر بالهاتف بصدمة ارتفع لها حاجبيها، من أين عرف أنها لم تتناول فطورها؟ هل يراقبها؟
أوقفت رأسها عن التفكير وأسرعت لتفتح الباب بحماس وشوق لرؤية زينب..
ولكنها لم تكن زينب!!
***
وضع عاصم الهاتف فوق مكتبه بإحباط، وضم قبضتيه وأسند ذقنه فوقهما وشرد للحظات..
صوتها الناعس أخبره أنها قد استيقظت منذ قليل، وإجابتها الموجزة السريعة حين سألها عن الفطور أخبرته أنها كاذبة، وحفنة التراب التي تركها لها على المائدة لكي تذكرها بحازم وبشاعة ما فعلته عائلتها به كفيلة لسد شهيتها لأيام.
لقد تركها لها عن قصد، لا بد أن يُبقي قتل حازم وقاتله أمام عينيها طوال الوقت، لا ينبغي أن تنساه لئلا تبرد نارها ورغبتها في الثأر له.
وبالرغم من ذلك يشعر بالندم لأنه تسبب في ضيقها وحزنها منذ الصباح، ولكنه يظنه قادرا على إصلاح ذلك الخطأ.
استدعى رشيد الذي استجاب لطلبه فورا، ونظر إليه متجهم الوجه وهو يقول:
ـ اسمع، الدار اللي كان حازم الله يرحمه شغال فيها لسه فاكر عنوانها طبعا.
أومأ رشيد مؤكدا فتابع:
ـ عظيم، مدير الدار بقا.. هل الحالي هو نفسه اللي كان من عشر سنين؟ أعتقد كان اسمه موسى.. مش فاكر الاسم بالظبط.
فأجابه رشيد بثقة:
ـ موسى المالكي.
ـ أيوة.. برافو عليك، هو الحيوان ده، تعرف عنوانه؟
أومأ رشيد مؤكدا وقال:
ـ العنوان سهل نجيبه، بس ليه؟
تصنع عاصم عدم الاكتراث وقال:
ـ متشغلش بالك موضوع تافه، المهم عاوز عنوانه.. ويا ريت لو أي معلومات عنه، متجوز، مطلق، مخلف، غار في ستين داهيه..
ـ اللي أعرفه إنه مخلفش ومتجوز من فترة قريبة بنت من بنات الدار بتاعته.. كنت قرأت الخبر يعني.
زم الآخر شفتيه باستياء وهو يقول:
ـ واضح إنه مرض متأصل فيه. على العموم هات لي العنوان النهارده لو ينفع.
ـ ينفع طبعا، تحت أمرك.
ـ وحاجة كمان، كنت من كم يوم كلمت مسؤول دعاية وإعلان عشان يعمل خطة دعائية جديدة للشركات اللي كانت مِلك عيلة مرسال بحيث نعلن امتلاكنا ليها بشكل جديد، أنا غيرت رأيي. الشركات دي هتتحول لدور أيتام باسم حازم الله يرحمه.. عاوزك تتابع انت الموضوع وتتواصل معاهم وتبدأ التجهيزات، أنا الفترة الجاية هكون مشغول في كذا حاجة ومسافر بالليل فمش رايق خالص. هعتمد عليك انت في الموضوع ده.
ـ متقلقش، سيب لي كل حاجة واطمن.
ـ شكرا يا رشيد، اتفضل انت.
خرج رشيد من المكتب وظل عاصم بمكانه يفكر في الخطوات القادمة وما سيليها وهو يطالع صورة حازم المُسندة فوق المكتب ويمنحه وعدًا صامتًا صادقًا بالانتقام.
***
ـ انتِ!!!
قالتها نسيم بصدمة وهي تنظر إلى عائشة التي تقف أمامها ومن الجليّ على ملامحها الانكسار والضعف، وتابعت باستهجان:
ـ جاية ليه وعاوزة مني إيه؟ هو أنا مش قلت لك إنّي مش عاوزة أعرفك؟
اقتربت عائشة فأشارت إليها نسيم بالتوقف وقالت:
ـ من فضلك متدخليش، امشي من هنا.
برز صوت عائشة التي تحدثت بنبرة تفوح منها رائحة الحزن واليأس:
ـ عشان خاطر ربنا اسمعيني يا نسيم، أنا جاية أقول لك كلمتين بس وماشية مش هضايقك.
تشنج كتفاها ودق قلبها دقات مختلفة مؤشرًا على قرب انهيارها وقالت:
ـ وأنا مش عاوزة أسمع منك كلام، انتي بالنسبة لي ولا أي حاجة، أنا معرفكيش.
ـ أنا أمك.
قالتها عائشة وهي تشير بانهزام إلى نفسها وسالت دموعها وقالت:
ـ أنا عارفة إنك اتظلمتي بس.
ـ انتي مش عارفة أي حاجة.. قالتها نسيم صارخة بحرقة وتابعت: انتي متعرفيش أنا مريت بايه، ولا شفت إيه، ولا حصل فيا إيه، انتي رميتيني واخترتي ابنك، اوكي خلاص خلصنا، رميتيني لأب جاحد.. عذبني، و أهانني، ورماني في مدرسة في بلد تانية، وبعدها في ملجأ، وقتل حبيبي.. عارفة كل ده ليه؟ لأني جيت غلطة.. نزوة وأنا كنت نتيجة النزوة دي.. انتي السبب في كل السواد اللي أنا فيه، أنا مكرهتش حد في حياتي قد ما كرهتك يا ست انتي!!
بُهتت عائشة، تسارعت دقات قلبها وهي تنظر نحوها، وشعرت بشيء سيء وقاسي طغى على ملامحها، وترددت الكلمات برأسها قبل أن تقول وهي تبكي بندم:
ـ حقك عليا والله.. أنا آسفة، سامحيني.
أشارت نسيم نحو الباب المفتوح وقالت بقسوة:
ـ امشي من هنا، أنا لو بعاملك بذوق فعشان انتي خالة نغم وبس.. أما أنا فمش معترفة بيكي أبدا ولا عمري هعترف، أمي ناهد مرسال الله يرحمها، هي اللي ربتني، هي اللي حمتني وحافظت عليا، طول التمن سنين اللي عشتهم معاها كانت أحن أم في الدنيا، طبطبت عليا وحضنتني وعاملتني كأنها أمي فعلاا وعمرها ما فرقت بيني وبين فريد، إنما انتي مجرد واحدة أنانية أنا متشرفش انها تكون أمي أصلا.
نكست عائشة رأسها بضعف وقد فشلت في استجداء عطفها أو استرضاءها، وكذلك فشلت فشلًا ذريعًا في كفكفة دموعها..
ـ لو سمحتي امشي ومتفكريش تيجي تاني، أصلا عرفتي عنوان البيت منين؟
أجابتها عائشة بوهن، وبصوت متقطع:
ـ ابوكي هو اللي عطاني العنوان.
ابتسمت نسيم بسخرية وقالت باستهجان:
ـ ما صدق خلص مني وباعتك ورايا تكملي عليا، عاوز يلهيكي بيا عشان يخطط يسترد ابنه ليه، ألا تكوني مفكرة سالم مرسال عاوز يساعدك لله أو شفقة عليكي أو عليا.. وأضافت بنبرة حقد خالصة دفينة:
ـ انتي و هو السبب في كل السواد اللي في حياتي، شايفه الاسود اللي عليا ده؟
وأشارت لما ترتديه وتابعت:
ـ أنا بقالي عشر سنين حياتي كلها اسود في اسود.. لكن وعد مني يوم ما تختفوا انتوا الاتنين من حياتي وقتها بس السواد ده هينتهي وهحس وقتها اني اتولدت من جديد.
لم تتوقع عائشة كل تلك القسوة، ولم تتحملها، ولم تستوعبها لكي تتعامل معها.
لم تجد ما تقوله، ولا ما تفعله، لم تجد سوى الرجاء حلا..
اقتربت منها أكثر وتشبثت بيدها ونظرت داخل عينيها علها تنجح في إيجاد ولو ذرة تعاطف أو شفقة، لم تجد سوى الجمود والكُره، فنطقت بشفتين ترتجفان بخوف:
ـ نسيم، سامحيني يا بنتي عشان خاطري، أنا اللي باقي في عمري مش كتير، مش عاوزة أموت وانتي زعلانه مني.
أبقت نسيم على نظراتها عليها، بينما الأخرى تنتظر بصبر، تصرخ في صمت، تذكّر نفسها أنها استحقت ذلك منذ البداية لأنها تخلت عنها.
تحركت عينا نسيم تنظر إلى عينيها بهدوء يناقض نفسه، ثم غمغمت محركةً كتفيها بلامبالاة وقالت:
ـ الكلام ده مش هيفرق معايا، ممكن يفرق مع ابنك اللي اتربى في حضنك، أو مع نغم.. منتي كنتي عاملاها بنتك فعلا، أكيد هي هتتأثر وهتزعل عشانك.. انما أنا لأ. أنا زعلت وبكيت بما فيه الكفاية، وصدقيني لو لسه بملك دمعة واحدة مش هنزلها عشانك.
وأشارت مجددا نحو الباب وقالت:
ـ اتفضلي مع السلامه.
أومأت عائشة بانكسار، ومسحت وجهها الباكي بهدوء ثم ابتعدت، واستدارت ثم توجهت نحو الباب وغادرت بنفس التاكسي الذي حضرت به.
بينما بقت نسيم تحدق في أثرها وهي تحاول أن تظل متماسكة، ولكنها فشلت، فتهاوت على أقرب مقعد بجوارها وأفسحت المجال لدموعها بالانهمار..
تلك المواجهة أرهقتها كثيرا، وكونها صرحت عما يحمله قلبها بكل تلك القسوة أرهقها أكثر، ورؤية المرأة التي من المفترض أنها أمها ذكرتها بأبشع ما مرت به وعانته وهذا أرهقها أكثر وأكثر، وكلفها عناء البحث عن طريقة تداوي بها ألمها من جديد.
انتبهت إلى صوت طرقات على الباب فذكرتها أنه لازال منفرجا، ونظرت صوب الباب لتجدها زينب، تنظر إليها بحماس وفرحة، فحثت الخطى نحوها بصعوبة، وعانقتها بقوة وانخرطت في نوبة بكاء عاتية من جديد.
***
وقفت تطالع تلك الملابس التي انتقتها لترتديها اليوم، وبينما هي بصدد خلع منامتها انفرج الباب لتنصدم بوجود حسن الذي أشاح بوجهه بعيدا وهو يتمتم:
ـ لا مؤاخذة.
وقفت تنظر إليه وعلى ملامحها ارتسمت علامة القهر وقالت بانفعال صارخ:
ـ لا مؤاخذه إيه، هو انت مبتعرفش تخبط على الباب ولا بتستعبط مثلا ولا إيه؟ هو انت مش عارف إن في بني ادمه ملهاش أي تلاتين لزمة في الاوضة وممكن تكون نايمة أو بتغير هدومها.. !!! بردو مفيش فايدة فيك؟
نظر إليها بغضب وهتف حانقا وقال:
ـ ما تبقي تتزفتي وتقفلي الباب عليكي بالمفتاح من جوة بدل ما تسمعيني القصيدة دي كلها.
اختنقت عبراتها بحلقها وصاحت وهي تشعر بالاستبداد:
ـ مقفلتش الباب لأني فكرت انك مش موجود.. لما ملقيتش خالتي فكرتك خرجت معاها للمستشفى، فهمت؟
أحزنها إحساسها بكونها مطلوب منها أن تبقى في حالة دفاع وتبرير دائم، وشعرت بانعدام القيمة والضياع.
ـ أنا كمان لما رجعت ملقيتهاش فكرت انك خرجتي معاها فقلت أتأكد..
قطبت جبينها بتعجب وسألته:
ـ هتكون راحت فين؟ هي مش متعودة تنزل أصلا من غير ما تقول.
تنهد بحيرة واستياء ثم قال:
ـ مش عارف. على العموم خلينا نستنى خمسة ان مرجعتش هروح المستشفى أشوفها.. جايز حبت تعاقبني ولا حاجة راحت لوحدها، أمي وأنا عارفها.
وقفت تنظر إليه بصمت يتخلله الحسرة، فتنهد باستياء وهو يسحب المقبض ويقفل الباب، فأسرعت وأغلقت الباب بالمفتاح من الداخل وهي تتمتم:
ـ هانت يا نغم.. ان شاء الله ألاقي شقة مناسبة وأرتاح من كل القرف ده.
أسرعت بتبديل ملابسها، ثم غادرت الغرفة لتجده يقف بالشرفة في انتظار عودة أمه، وما إن لمحها حتى قال:
ـ. انتي خارجة؟ مش هتستني خالتك؟
ـ مش هينفع أتأخر على الشغل، لما ترجع خليها تكلمني.
رمقها بحنق، فاستدارت لتغادر فإذ به يستوقفها قائلا:
ـ نغم.. انتي محتاجة الشغل ده بجد ولا حجة عشان تخرجي؟
نظرت إليه بانفعال وقالت:
ـ لا محتاجاه بجد يا حسن، عشان لا أنشل تاني ولا أتحوج لحد يصرف عليا.. عشان أنا مسرقتش خزنة سالم زي ما بتقول، محتاجة الشغل عشان أقف على رجليا من غير ما أتذل لحد تاني، كفاياني بقا بهدلة وقلة قيمة.
انسحبت في هدوء، ووقف هو يتطلع في أثرها باستياء وهو يتمتم:
ـ قال يعني الشغل اللي انتي شغاله فيه مفيهوش بهدلة وقلة قيمة، غبية!!
أشعل سيجارة، وتمدد فوق الأريكة وهو يفكر، ما المفروض أن يفعله بعد أن أعلنت فيفي انقلابها عليه وطلقت نفسها منه! هل من المفروض أن يبحث عن عمل ويبدأ من جديد؟ أم يبحث عن حقه الذي سيمنحه فرصة على طبق من ذهب للبدء بكل أريحية!
وبينما هو يفكر وينفث دخان سيجارته ومعها أفكاره الهوجاء وجد الباب ينفرج، ودخلت والدته التي كان من الواضح عليها الانهيار جليًا.
أسرع نحوها، فما إن رأته حتى عانقته بقوة وأجهشت بالبكاء وهي تقول:
ـ حسن حبيبي..
لم يستوعب حالتها، فعانقها بالمثل وهو يقول:
ـ كنتي فين يما؟ و ايه الحالة اللي انتي فيها دي؟
أحاطت وجنته بيدها وهي تتلمس آثار صفعتها له بالأمس وقالت بندم:
ـ سامحني يا حبيبي، كانت تتقطع ايدي قبل ما تتمد عليك يابني.
زم شفتيه باستياء وضيق، وأمسك بيدها وهو يساعدها لكي تتقدم نحو الأريكة وهو يقول:
ـ بعد الشر على ايدك يا أم حسن، تعيشي وتضربيني.. بس قولي لي كنتي فين؟
جلست وارتخى جسدها، فجلس هو على الطاولة الموجودة أمامها وهو ينظر إليها ويقول باستنكار:
ـ عينيكي مالها؟ انتي معيطة؟ إتكلمي يما فيكي ايه؟
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت بنبرة مهزوزة:
ـ أنا رحت لنسيم.
قطب جبينه بتعجب وقال:
ـ اشمعنا؟ وعرفتي عنوانها منين؟
ـ اتصرفت وجبته، رحت لها أطلب منها تسامحني لكن مقبلتش، قالت لي كلام قاسي أوي يا حسن، مفيش أمل خلاص انها تسامحني.
زفر بضيق، وتصلب كتفاه بانزعاج وقال:
ـ معذورة.. أكيد مش هتسامحك من كلمتين، سيبيها لربنا بقا.. جايز تحن وتسامحك.
لمحت اللوم في عينيه، أساسا هو لم يحاول إخفاءه ولم يهتم بذلك، ونهض وقال:
ـ قومي بينا عشان منتأخرش على الجلسة اكتر من كده..
هزت رأسها برفض وقالت:
ـ لأ.. أنا خلاص تعبت، مش رايحة المستشفى تاني، ايه أخرتها يعني؟ هموت؟ ما انا كده كده هموت..
زفر نفسًا عميقًا بانهمام وقال:
ـ كلنا هنموت، بس نعمل اللي علينا للآخر.. قومي يما واستهدي بالله خلينا نلحق.
نهضت بالفعل، ولكنها توجهت نحو الغرفة وهي تقول:
ـ أنا تعبانة و عاوزة أرتاح..
حاول إقناعها مجددا ولكنها قاطعته، ودخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ثم تقدمت نحو السرير واستلقت فوقه وهي تنتحب بصمت، وكلما تذكرت ما قالته نسيم انغرس السكين بصدرها مجددا وشعرت بالألم يعتصر فؤادها دون رحمة.