تحميل رواية «محسنين الغرام» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت نغم تستقل الترام كما جرت العادة كل يوم خلال عودتها من عملها، تقف شاردةً، لديها من الهموم ما يكفيها لكي تنفصل عن الواقع المحيط بها وتنخرط في عالم آخر لا يشاركها به أحد، هي وخيالها فقط! تفكر فيما سيؤول إليه حالها بعد أن تركت عملها الذي كان هو مصدر رزقها الوحيد والذي تعول من خلاله خالتها المريضة، بالإضافة إلى همها الأكبر والذي يجعلها تقضي الليل كله في شرود وحيرة، وهو عودة حسن، كابوس حياتها، والذي بالتأكيد سيفصل عنقها عن جسدها عندما يخرج ويعرف أنها من تسببت في سجنه! تنهدت وهي تعيد شعرها للوراء...
رواية محسنين الغرام الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نعمة حسن
اختفت كل الألوان من أمامه، وسكنت كل الضوضاء وسكتت كل الأصوات.
صوت واحد كان أبيًا واستطاع الظهور للعلن، صوت ضربات قلب عنيفة.
يعقبه صوت صرخة شق جدار الماضي وعبر للحاضر الأليم.
صرخة طفل في العاشرة فقد أمه.
طفل مسكين رأى أمه غارقة وسط بِركة من الدماء.
مشهد مؤلم لم ولن يُمحى من ذاكرته، وللأسف هذا المشهد المظلم هو آخر لقاء له بها، وآخر عهده معها.
"انتحرت" تلك الكلمة أعادته خمس وعشرون سنة إلى الوراء وجعلته يترنح بين زوايا الماضي الموحشة، وجعلت مذاق الألم الذي تذوقه وقتها يطفو على لسانه الآن من جديد.
لم يستوعب ما قالته زينب لأول وهلة، وظل يبحث في قاموس معانِ الكلمة علّه ينجح في فهم ما تقصده، وكأن عقله قد توقف وتفكيره قد شُل فجأة.
"فريد.. في إيه؟"
تساءلت نغم بتوتر وهي تنظر الى عينيه اللتان امتلأتا بالصدمة، وعندما أدركت أنه الآن شاردا في شيئا ما هزته برفق بذراعه وهي تتسائل مجددا:
"فريد.. انت كويس؟"
نظر إليها فجأة، وأخذ ينظر إليها ببلاهة.
فهزت رأسها باستفهام وقالت:
"في إيه حصل؟"
"نسيم.. نسيم انتحرت!"
هالتها الصدمة، واتسعت عيناها بذهول وهي تردد:
"بجد؟"
هز رأسه كالمغيّب فأدركت أنه الآن تحت تأثير الصدمة التي أخرت ظهور رد فعله.
فقالت وهي تهز ذراعه مجددا بقوة لكي يفيق من تلك الصدمة وقالت:
"طيب اتحرك حالا.. يلا ارجع ع البيت .. اتحرك."
انتشلتهُ من أعماق صدمته وحازت على انتباهه مجددا لينظر إليها وقد وعى من صدمته أخيرا، ثم مد يده نحو محرك السيارة ثم أدارهُ وانطلق عائدًا نحو الڤيلا على الفور.
قاد على أقصى سرعة، وكانت هي تجلس بجواره تبكي بانهيار وهي تدعو الله أن يلطف بها.
ومن فينة لأخرى تنظر نحوه لتجده على نفس الحالة .. الجمود والصدمة يسيطران عليه يرسمان حول ملامحه تعابيرًا مخيفة.
استطاع بعد عشر دقائق أن يصل إلى الڤيلا، وبينما هو يستعد للدخول إلى الڤيلا تفاجأ بسيارة الإسعاف وهي تخرج وصوتها يثير في نفسه اضطرابًا شديدًا.
أكمل طريقه خلف سيارة الإسعاف، وهو بداخله يشعر بأنه على حافة الجنون.
واشتعل الوسواس برأسه فجعل طاقته تنخفض تماما وتصل إلى صفر، ثم تملك منه بطريقة جعلته يخضع لطقس من طقوسه القهرية التي يكون مجبرا عليها، مسلوب الإرادة، حين يقع تحت ضغط مشابه أو صدمة كبيرة مثل التي يعيشها الآن.
أثار تعجبها، وجعلها تنظر إليه باستغراب.
وتفاقم الاستغراب وتحول إلى خوف، وهي ترى شفتيه يتحركان ويصدر عنهما صوت غريب، كأنه يقول شيئا غير مفهوم، أو يعد الأرقام بطريقة عجيبة.
وللحظة خُيل لها أنه يتحدث بلغة أجنبية هي لا تفهمها.
وفجأة.. توقفت السيارة بعد أن دعس المكابح بقوة، لدرجة أنها كانت على وشك الاصطدام بلوحة القيادة.
نظرت إليه بتعجب، فرأته يهز رأسه برفض.
وابتلع ريقه بقوة، ثم أردف:
"لا.. مش هينفع."
تغضن جبينها وتقابلا حاجبيها كرد فعل طبيعي ناجم عن صدمتها بحالته التي تراها لأول مرة.
وازدادت تجعيدة جبينها وهي تراه يغادر السيارة، ثم صفق الباب بقوة وأخذ يتحرك ذهابًا وجيئة، ويده تضغط على جانبي عقله بتشتت.
نزلت من السيارة فورا واستدارت سريعا حتى وصلت إليه، وتوقفت أمامه وهي تتسائل:
"وقفت ليه؟ يلا خلينا نتحرك ونلحقهم."
"لأ.. مش هنروح."
ازدادت نظراتها ذهولا، وأخذت تحدق به وكأنها ترى أمامها شخصا غريبا عليها، تتعرف عليه لأول مرة.
وتلك النظرات الحادة الغاضبة بعينيه هي ما أكدت لها شعورها.
هو ليس في حالة طبيعية أبدا.
وهنا تذكرت ما قاله له سالم عندما نعت فريد شريف بمريض نفسي !!
ابتلعت ريقها بتوجس وقالت:
"يعني إيه مش هنروح؟ نسيم في المستشفى ولازم نلحقها."
"لأ.. مش هقدر، مش هقدر أسوق ولا هقدر أتحكم في أعصابي.. زائد إن ممكن نعمل حادثة !! ممكن خمسين حاجة تحصل."
ارتفع حاجبيها بصدمة من منطقه الأخرق !!
"ممكن نعمل حادثة؟! ليه بتقدر البلا قبل وقوعه، سيبها لله وخلينا نمشي."
"لاا.. مش قادر. مش هينفع صدقيني."
بدا غريبا بشكلٍ أخافها، وأخذت تحدث نفسها وهي تشعر وكأنها على وشك الإصابة بالجنون هي الأخرى.
ومرّنت وجهها لكي يُظهر تعبيرا هادئا وهي تنظر إليه وتقول بإلحاح متزايد:
"فريد إنت… إيه اللي انت بتقوله ده؟ أختك في المستشفى ولازم تكون معاها دلوقتي، يعني إيه مش هتقدر تروح لها؟ إنت ليه بتتصرف بطريقة غريبة كده؟!"
أغمض عينيه وقد أخرجته من دائرة العقل إلى دائرة الجنون في لحظة.
فهدر بها بصوت عنيف وهو يقول:
"صح.. أنا كل تصرفاتي غريبة ومريضة لأني إنسان مريض، أنا أصلا مش عارف إنتِ إيه اللي جايبك ورايا، إنتِ عايزة مني إيه بالظبط؟ حلّي عني بقا كفاية اللي فيا!!"
"أحلّ عنك؟!"
تساءلت بصدمة من أسلوبه الفظ الذي يعاملها به لأول مرة.
فأجابها بما جعل قلبها يتهاوى نحو سابع أرض.
"أيوة حلّي عني ومتفضليش عايشة الدور كتير وتحسسيني إن قلبك عليا وعلى أختي أكتر مني، انتي أصلا تعرفيني منين ولا تعرفيها منين عشان تخافي عليها الخوف ده كله؟ ولا ده تمثيل وتمهيد لخطة جديدة من خططك؟"
"أنا.."
"إنتِ إيه؟! إنتِ مين أصلا عشان تفضلي جنبي وتتعاملي معايا بالأريحية دي كلها؟ كل ده عشان بقيت لطيف معاكي شوية وقررت أساعدك؟ خلاص بقينا صحاب مثلا؟ في الرايحة والجاية معايا، بتكلميني في أي وقت، بتيجي اوضتي في أي وقت.. هو ده عادي بالنسبة لك؟ آه نسيت.. إنتي مفيش حاجة بتعمليها عادية اصلا. انتي كل تصرفاتك خارقة للعادة، هنتظر إيه من واحده رمت نفسها على واحد و باسته في وسط مالا يقل عن ١٠٠ شخص، كل ده عشان الفلوس. ومش مستبعد لو كان اتطلب منك تعملي أكتر من كده مكنتيش هتمانعي، ما انتي كل حاجة عندك عادي بقا."
بهتت ملامحها وانقطعت عنها الحياة فجأة، وأخذت تحدق فيه بصدمة شديدة جعلت الدموع تنسكب من عينيها بطريقة لاإرادية عجزت عن إيقافها، وتراجعت للخلف خطوتين وقد انغرس بداخلها نوع نادر جدا من خيبات الأمل جعل ثُقبًا لعينًا يتكون في صدرها وكأنها تلقت للتو طلقة نارية.
تلك الطلقة النارية هي كلماته التي صفعت آمالها بكل بساطة .. تلك الطلقة التي أطلقها على أحلامها البريئة التي كانت على وشك البزوغ فوأدتها ودفنتها في أرضها.
تراجعت للخلف بعيدا عنه.. كما تراجع معها كل شيء.. الأمان، اللهفة، الأمل.. وطاقة نور شحيحة كانت قد تشكلت بقلبها.. الآن فقط أُطفأت وحل محلها الظلام.
نظرت للأمام.. حيث غابت سيارة الإسعاف عن أنظارها، ثم عادت بناظريها للخلف.. حيث يقف هو يمسد شعره بيديه تارة ويمسح على ملامحه تارةً أخرى، ويدور حول نفسه بتشتت وضياع.
ثم ينهار ويثور فجأة ويبدأ بركل إطارات السيارة بقوة غاضبة أفزعتها وحثت قدميها على الركض..
ركضت فعلا بعيدا عنه.. شيئا ما راودها وأخافها، حثها على تركه والفرار بعيدا عنه.
ووقف هو يصارع وسواسه، يتمنى لو أنه لمرة يتغلب عليه، كل ما يريده الآن هو فرصة لئلا يخاف، فرصة لكي ينجح في قهره كما يقهره هو كل مرة.
وفجأة وجد نفسه يبكي، عالقًا في المنتصف بين الرغبة في اللحاق بها، والذهاب لاخته، وبين الهواجس التي أكلت قلبه وأدمت روحه.
لم تتوقف عن الركض، واصلت طريقها دون توقف وكأنها تحلم، أو من الممكن أنها تتذكر اللحظات المشابهة التي عاشتها سابقا عندما كانت تركض في طريق مشابه وبمفردها.
ولأول مرة لم تشعر بالخوف، شعور هي نفسها لم تجد له تفسيرا منطقيا.. سوى أنها تهرب من خيبة أملها فيه.. وليس من شيء آخر.
توقفت سيارة الإسعاف أمام المشفى وأسرع المسعفون بفتح الباب وحمل السرير النقال الموضوع فوقه نسيم، ثم قاموا بنقلها إلى داخل المشفى حيث غرفة العمليات على الفور.
وفي نفس الوقت توقفت سيارة سالم الذي فتح باب السيارة بقوة وترجل منها مسرعا، ثم لحق بهم إلى الداخل بخطوات واسعة، يتبعه حارسه الشخصي منصور، وزينب التي أصرت على الذهاب معهم.
وبعدها ظهرت سيارة جيلان التي لحقت بهم على الفور وخلال الطريق لم تتوقف عن الاتصال بفريد وعمر اللذان لم يجب أيًا منهما.
تجمعوا أمام غرفة العمليات والكل في حالة بائسة، وعلى رأسهم سالم الذي بدا وجهه متجهمًا خاليًا من كل التعبيرات عدا الصدمة التي تركت في عينيه نظرة قاسية.
هرع الأطباء وطاقم التمريض إلى غرفة العمليات، ووقفوا هم في انتظار أي خبر من داخل الغرفة، والأمنيات والدعوات تتقاطع مع أنين البكاء والانهيار الصامت.
إلى أن وصل إليهم عامل الاستقبال راغبا في اصطحاب أحدا من أسرة المصابة لاستكمال البيانات المطلوبة، وأهمها.. كيف وقع الحادث؟ هل محاولة انتحار أم عن طريق الخطأ.
"لو سمحتوا حد من أهل المريضة يتفضل معايا عشان نكمل البيانات المطلوبة عشان إدارة المستشفى تبلغ الشرطة."
ذهبت معه چيلان نظرا لأن حالة سالم لا تسمح لأي استجواب نهائي.
وفي طريقها التقت بنغم التي دخلت المشفى للتو وهي تلهث، وأنفاسها المتلاحقة تخبرها عن المسافة الطويلة التي قطعتها ركضًا.
ثم توقفت أمام چيلان وسألتها:
"نسيم فين؟"
نظرت إليها چيلان بتفحص للحظات، ونظرت للخارج حيث ممر الدخول وهي تنتظر أن يدخل فريد ولكنها لم تره فقالت:
"في الدور الأول."
تخطتها نغم سريعا ولكن سؤال چيلان هو ما استوقفها حيث قالت:
"فين فريد؟"
أصابها السؤال بنغزة شديدة في قلبها، فأغمضت عينيها بألم، ولم تستطع ابتلاع الغصة بحلقها، فهتفت بحدة:
"معرفش."
تعجبت چيلان تلك النبرة الحادة، وفي نفس الوقت راقتها، فعلى ما يبدو أن مخطط سالم قد فشل ولا سبيل بينهما لتحقيق ما يسعى إليه.
استرجاع زمني قصير، تحديدا بعد منتصف الليلة الماضية.
كانت چيلان بصدد التوجه إلى حديقة الڤيلا بعدما شعرت بالاختناق بغرفتها وقررت الخروج لشم بعض الهواء، وإذ بها تخطو نحو الخارج استوقفها صوت سالم النابع من غرفة نغم، فتوقفت وألصقت أذناها بالباب لكي ترهف السمع، فسمعت كلمات متداخلة كان أبرزها جملة صدمتها وجمدت الدم بعروقها.
"ولو موافقتيش تتجوزي فريد، اعتبري نفسك في السجن."
وبعدها استمعت لوقع خطواته يقترب من الباب فركضت نحو الخارج سريعا، قبل أن يكتشف وجودها ويعرف أنها استمعت إلى حوارهما الذي من الواضح أنه شديد الأهمية، وعليها أن تعرفه كاملا في أقرب فرصة.
كان سالم يجلس على إحدى مقاعد الانتظار بالرواق المؤدي لغرفة العمليات، شاردًا نحو نقطة وهمية، يفكر فيما فعله، وما آلت إليه الأمور.
ولأول مرة يشعر بأنه خائفا.. ولكنه غير قادر على تحديد مصدر ذلك الخوف بالتحديد.
هل هو خائف من خسارة ابنته؟ هذا أمر لا يقبل الشك.
هل هو خائف من تأنيب الضمير مجددا بعد أن عاش نفس الألم الذي سبق وعاشه حين أنهت ناهد حياتها؟ هذا أيضا أمر لا يقبل الشك.
يا إلهي.. الأيام تعيد نفسها ولكن بعواقب أسوأ، والدائرة ها قد دارت عليه مرتين لتمنحه درسًا قاسيًا، وتطبيقًا فعليًا لتلك المقولة التي تقول أن الصفعة التي لا نتعلم منها، نستحقها مرة أخرى.
ولكن.. هل يعقل أن يواجه نفس المصير مجددا؟ أن يفقد ابنته بنفس الطريقة التي فقد بها زوجته والمرأة الوحيدة من بين اللواتي عرفهن التي استطاعت أن تستحوذ ولو على جزء صغير من قلبه !!
لا يظنه قادرًا على ذلك. بالرغم من أنه لا يملك نفس العاطفة التي يمتلكها أي أب، ولكنه يثق أنه لن يتحمل خسارة ابنته، حتى ولو كان يعاملها بقسوة، حتى ولو كان يراها "بذرة نزوة عابرة" كما هو مقتنع، ولكنها تبقى ابنته التي مهما سعى لفرض سيطرته وجبروته عليها إلا أنه لن يتحمل فقدانها أبدا.
"يا رب"
قالها برجاء صادق وهو يسند جبهته بين يديه، ليجذبه فجأة صوت الجلبة التي أحدثها عمر فور وصوله عندما هتف متسائلا:
"نسيم مالها؟ إيه اللي حصل؟"
طالع سالم بزاوية عينيه، ولم ينطق، فتوجه عمر نحو زينب التي تقف باكيةً وتساءل:
"ايه اللي حصل يا زينب؟ يعني ايه نسيم انتحرت حد يفهمني؟"
"ادعيلها يابني.. نسيم محتاجة دعواتنا كلنا دلوقتي."
احتقن وجهه بدماء الخوف والأسى، وأخذ يمسد وجهه وشعره وهو ينظر حوله بضياع، إلى أن تسائل باستغراب:
"فين فريد؟"
توقفت نغم بمدخل الرواق عندما استمعت إلى نفس السؤال الذي فرت منه بالأسفل، وأخذت تأخذ شهيقا وزفيرا تحاول تهدئة روعها، وتجاهل كل تلك الفوضى التي تحدثها سيرته بداخلها.
تقدمت منهم، وبالتحديد من زينب، واحتضنتها بقوة وانخرطتا سويا في نوبة بكاء تعجب لها سالم وعمر كذلك.
وانضمت إليهم جيلان التي كانت قد انتهت من إملاء عامل الاستقبال بالبيانات المطلوبة وصعدت إليهم مجددا.
أخذوا ثلاثتهم يرمقون نغم بحيرة، لماذا كل ذلك البكاء والانهيار الغير مبرر؟ هل من أجل نسيم؟ ولكن لماذا وهي في الأساس لا تعرفها سوى معرفة سطحية جدا!! أم لسبب آخر لا يعرفه أحدا سواها؟
قلبت چيلان عينيها بملل وهي تراقب بكاءها وتردد بخفوت:
"fake أوي."
كان كلا منهم غارقا في عالم مختلف، ولكنهم جميعا يتعجبون غياب فريد، إلى أن جذبت الممرضة حال خروجها من غرفة العمليات انتباه الجميع حيث هتفت بهم:
"الحالة محتاجة نقل دم ضروري.. المتبرع ييجي ورايا حالا."
تقدم سالم، وزينب، وچيلان، ونغم. الوحيد الذي تراجع هو عمر.
فنظرت الممرضة إلى سالم وقالت:
"اتفضل حضرتك ارتاح .. أما حضراتكوا هتتفضلوا معايا هنشوف الفصيلة المطابقة لفصيلة دم المريضة وهناخد منها العينة فورا."
تقدمت كلا من نغم، چيلان وزينب نحو غرفة جانبية خاصة بسحب عينات الدم، وجلست كلا منهما على سرير، وبدأت المختصة بسحب عينة من كلا منهما وفحصها، ثم نظرت نحو نغم وقالت:
"انتي اللي هتفضلي معانا لأن فصيلة دمك مطابقة للمريضة، أما حضراتكم اتفضلوا.."
حقدت چيلان عليها أكثر، ربما لو كانت هي من نجحت في التبرع لنسيم بالدم لكان ذلك الدم أصبح رابطا بينها وبين فريد، ولكن على ما يبدو أن كل الطرق بين نغم وفريد تتقاطع دون سعي منهم.
أغمضت نغم عينيها وتذكرت تلك اللحظة التي نقلت فيها الدم إلى خالتها حينما تدهورت حالتها في إحدى المرات، ووجدت الدموع تنساب على جانبي خديها، وعلى ما يبدو أن الكون كله قد تآمر لإبكاءها اليوم.
كان عمر يقف بالخارج، يحاول الاتصال بفريد الذي لا يجب أيًا من اتصالاته، إلى أن رآه يتقدم منهم مهرولا بهيئة بائسة، والغضب والأسى يُقطران من ملامحه ثم همس إلى عمر بصوت مكسور:
"نسيم جرالها ايه؟"
أجابه عمر وهو يحمل في صوته نبرة يملأها الحزن:
"هي في العمليات دلوقتي، ادعيلها."
وقف الأخوان بجوار بعضهما البعض، كلا منهما شاردا في أمر ما، وفي مقابلهما يجلس سالم الذي يبدو الانهمام على ملامحه جليًا، وبجواره تقف چيلان التي قامت بإرسال رسالة نصية إلى أختها وأخبرتها فيها بما حدث.
وفي أقصى الرواق تقف زينب، تتضرع إلى الله وترجوه، أن ينقذ تلك المسكينة التي لم ترَ الفرح يومًا.
بعد مرور نصف ساعة خرجت نغم من الغرفة الخاصة بسحب الدم، وبمجرد ما إن خرجت هرولت نحوها زينب واحتضنتها بقوة وأخذت تمسح على رأسها بحنان وامتنان.
وذلك العناق هو ما استفز رغبة نغم المُلحة في البكاء وجعلها تنفجر باكيةً بكل قوتها.
لحقت الممرضة بنغم، وناولتها علبة من العصير المعلب وهي تقول:
"اتفضلي اشربي العصير."
تناولته منها نغم وأومأت موافقةً، وإذ بها تتطلع أمامها فتقع عينيها على عيني فريد المذهولتان.
حدد أحدهما بالآخر لفترة، حوصرت داخل قلبها الذي بدأ يدق بصوت عال، ترغب في عناقه وتخفيف تلك الآهات المرسومة على وجهه، ترغب في مواساته الآن والربت على قلبه، ترغب في دعمه بكل إمكانياتها البسيطة، ولكن ما منعها شيئا واحدا، أنها تذكرت كلماته التي أشبهت في قسوتها رصاصة أطلقها على قلبها دون رحمة.
فأشاحت بعينيها بعيدا عنه وسمحت لدموعها بالانهمار.
لم يكن هو في حال أفضل منها، فمفاجأته بأنها قد تبرعت لاخته بالدم لا تقل عن مفاجأته بخبر الحادث ككل. بل وأشد.
لم يتوقع أن تُقدم نغم على شيء كهذا، وهذا ما جعله يتسائل، هل ذلك التصرف نابع من قلبها؟ أم لكسب تعاطفه أو تعاطف العائلة؟ أم إثباتا لعدم صحة ما قاله؟
ولو كان يعرف نغم بقدر ضئيل فيمكنه الجزم أنها الوحيدة بينهم التي لا تفتعل أيًا من تصرفاتها، وتتعامل كما يُملي عليها قلبها فقط لا غير، حتى أنها لا تستعمل عقلها في كثير من الأحيان.
وللحظة شعر بالندم على ما قاله، وود لو أنه ذهب إليها واعتذر منها عما قاله، في الواقع هو لا يعرف كيف سيبرر الحماقات التي تفوه بها ولكنه يعرف أنها لن تضع عبء التبرير على عاتقه كثيرا وستقبل بالاعتذار برحابة صدر.
جذب انتباهه دخول أحد رجال الشرطة ومعه مساعده، تقدما منهم وبدأ الضابط بالحديث فقال:
"مساء الخير، أولا تمنياتي بالشفاء العاجل للمصابة، ثانيا كنا محتاجين نتكلم مع حد يكون شاهد على الواقعة."
هنا تقدمت زينب التي كانت تبكي وترتجف، فسألها الضابط وأخذ مساعده يدون إجاباتها:
"إسمك الرباعي؟"
"زينب السيد محمد والي."
"السن؟"
"٥٠ سنة."
"ايه هي صلة قرابتك بالمصابة؟"
"أنا المربية بتاعتها من وهي صغيرة وحاليا مدبرة منزل الأسرة."
"ايه اللي حصل بالظبط؟"
بدأت زينب ترتجف وهي تتذكر ما حدث، وانهالت دمعاتها وانفجرت في نوبة بكاء عتيدة منعتها عن الحديث، إلى أن بدأت في الكلام مرة أخرى وهي تسترجع تلك اللحظات قائلة:
"أنا كنت بخبط على باب اوضتها ولما مردتش فتحت الباب ودخلت.."
وامتنعت عن الحديث وهي تحاول التوقف عن البكاء الذي كان سبيلها في التعبير عن صدمتها وتابعت:
"شُفتها وهي بتحدف نفسها من الشباك بس ملحقتهاش، ملحقتش أمنعها.."
كانت الصدمة شديدة وقاتلة على الجميع، وبالأخص فريد، عمر، نغم.. لأنهم لأول مرة يعرفون ما حدث بالتفصيل.
لقد ظن فريد أنها ربما حاولت تناول مجموعة من الحبوب كما فعلت سابقا، ولكنه تفاجأ أنها انتهجت نهج والدتهما حين أنهت حياتها.
شعر بقدمه تخونه، ولولا المقعد الموجود خلفه لتهاوى على الأرض، وبدأ يشعر بالصقيع يغلف قلبه ويسري بأطرافه.
صمت الضابط قليلا احترامًا لحالة زينب، ثم تساءل مجددا وقال:
"المصابة كانت بكامل صحتها الجسدية والنفسية؟ ولا كان عندها مشاكل؟"
حانت من زينب التفاتة نحو سالم الذي لم يظهر على وجهه أي تفسير، وقالت بشبه تردد:
"كانت بتتعالج من الاكتئاب من سنين طويلة بس مؤخرا بدأت توقف العلاج وبقت بترفض تاخدُه."
أومأ الضابط متفهما ثم قال وهو ينظر إليهم:
"حد من حضراتكوا كان موجود وقت الحادثة؟"
أومأ منصور الذي تحدث لتوّه وقال بنبرة رخيمة يغزوها الأسف:
"أنا كنت موجود بطبيعة الحال في مدخل الڤيلا لأني حرس خاص للباشا.. وللأسف شُفت نسيم هانم وهي بتحدف نفسها من شباك الأوضة بس طبعا محدش لحق يمنعها."
أومأ الضابط وهو يزم شفتيه بأسف، ثم قال:
"على العموم إحنا هنستنى نطمن على حالتها وبعدين نكمل التحقيق، تقوم بالسلامه إن شاء الله، عن اذنكم."
غادر الضابط ومساعده، فعادت زينب إلى المقعد الذي كانت تجلس عليه، وجلست بجوارها نغم التي أسندت رأسها على كتفها وسمحت لدموعها بالهطول بصمت وهي تتلاشى النظر نحو فريد قدر الإمكان.
مرت ساعتين من الانتظار القاتل والجميع يتأهبون وقلوبهم تقف على أطراف الأصابع من فرط القلق والتوتر، إلى أن انفرج باب غرفة العمليات وخرج الطبيب الذي بدا عليه التعب والإرهاق.
ركضوا جميعهم نحوه بلهفة، وتسائل سالم قائلا بقلق:
"ايه الأخبار يا دكتور؟"
"الحمدلله قدرنا نسيطر على النزيف الدماغي بنجاح، دلوقتي هننقلها على العناية المركزة وال ٤٨ ساعة الجايين هما اللي هيحددوا مدى استقرار الحالة."
تسائل فريد بلهفة:
"طيب وإصاباتها خفيفة؟"
"في كدمات شديدة بس مش هنقدر نحدد أماكن الكسور والرضوض إلا بعد الأشعة، أهم حاجة دلوقتي نطمن إن النزيف وقف تماما والدم بدأ يوصل الأكسجين للدماغ بالطريقة المطلوبة، وبعدها هنعمل أشعات وفحوصات على كل حاجة ونأمل إن الإصابات تكون طفيفة إن شاء الله، ادعولها."
نزلت عائشة من التاكسي أمام ڤيلا سالم، سارت بجانب الجدار وهي تتلفت حولها كلصة هاربة من الشرطة تخشى القبض عليها، تحيط نصف وجهها بوشاحها مخافة أن يراها سالم ويتعرف عليها.
ووقفت أمام بوابة الڤيلا تتطلع يمينا ويسارا علها ترى نغم، ووجدت نفسها وقد شردت فجأة وعادت بالزمن إلى الوراء.
إلى ما قبل خمسة وعشرون عاما.
حين مزق الفراق قلبها وحثها على الذهاب إليه لرؤية ابنتها واستعادتها، يومها كانت على استعداد أن تفعل أي شيء لكي يقبل أن يعيد إليها ابنتها، أي شيء مهما كان.. حتى لو تطلب الأمر أن تعمل كخادمة في المنزل لكي تكون بجوار ابنتها.
وقفت أمام البوابة وأشارت للحارس الذي اقترب منها قائلا:
"أؤمري يا حجة؟"
"معلش توصلني بسالم بيه."
"خير؟ عايزة الباشا ليه؟"
"حاجة خصوصي بيني وبينه، قولله عيشة بس وهو هيخرج فوراً."
نظر إليها الرجل بشك، ثم دس يديه في جيبه وأخرج منه حفنة من المال وأعطاها إليها من بين فتحات الباب الحديدي، فنظرت إلى المال بيدها بقهر وصدمة وهي تقول:
"إيه دول؟!"
قطب جبينه متعجبا، ثم أخرج مبلغا آخر ووضعه بيدها وهو يقول:
"أظن كده كفاية أوي، ويلا اتفضلي من هنا مش فاضيين."
"إنت فهمت إيه؟ أنا مش جاية أشحت، أنا جاية أشوف.."
وصمتت في آخر لحظة، ثم نظرت إليه بعجز يمتزج بالحزن وهي تقول:
"أنا عايزة أشوف سالم بيه، قولله عيشة وهو هيوافق يقابلني، أنا مش شحاتة أنا جاية أتكلم معاه في موضوع ضروري."
قاطع حديثها رؤية سالم وهو يخرج بسيارته من الڤيلا فأخذت تنادي بصوت جهور:
"سالم.. يا سالم بيه.."
نظر إليها سالم وعرف صوتها المميز فورا، وما إن أبصرها حتى ذاب قلبه من فرط الخوف، وأسرع يغادر الفيلا فورا، ثم توقف أمامها بسيارته وهو يقول:
"خير، عايزة إيه يا عيشة وجاية لحد بيتي ليه؟"
"جاية أشوف بنتي.. قلبي واكلني عليها."
"اركبي."
قالها بقوة فركبت فورا، وتحرك منطلقا بالسيارة محاولا الابتعاد عن البيت قدر الإمكان لئلا يراها أحد برفقته.
وصل بها إلى مكان بعيد، وتوقف بسيارته، وفي هذه اللحظة لم تتوقف عن مراقبة ملامحه التي كانت قريبة منها جدا لأول مرة بعد سنوات فراق طويلة.
"عاوزة إيه يا عيشة.؟"
"قولتلِك عاوزة بنتي!"
تنهد مطولا، ثم نطق بتوتر جاهد في حجبه وإخفاؤه:
"للأسف يا عيشة اتأخرتي أوي."
نظرت إليه بتوتر، وتساءلت وهي تخشى الإجابة:
"يعني إيه إتأخرت؟ البنت راحت فين؟! وديتها فين يا سالم؟"
"البنت ماتت."
نظرت إليه بصدمة، وجحظت عيناها وهي تحدق فيه بغير تصديق.
"ماتت إزاي؟"
"كانت بتلعب ووقعت من شباك اوضتها!!"
اتسعت عيناها بقوة أكبر، وانقبض قلبها، وسالت دمعاتها بهيستيريا وأخذت تردد:
"لأ. إنت أكيد بتكدب عليا مش كده؟"
نظر إليها من زاوية عينيه نظرة أرهبتها وقال بحدة:
"هي الحاجات دي فيها هزار؟ إنتي هربانة منك ولا إيه؟"
امتلأت عيناها بالدموع وأخذت تهز رأسها رافضة أن تقحم تلك الفكرة إلى رأسها، فاستمعت إليه وهو يقول:
"أنا عارف إني غلطان لأني كان لازم أبلغك باللي حصل وقتها، لكن أنا عارفك وعارف إنك كنتي هتعملي مشاكل ودوشة، عشان كده قررت أخبي عنك، بصراحة مكنتش متوقع إنك هتفتكري البنت بعد سبع سنين بحالهم."
نظرت إليه نظرة متألمة، نظرة مملوءة بالأسى، وأنفاسها تتلاحق في جنون وهي تقول:
"أنا عمري ما نسيتها، مفيش حد بينسى ضناه، أنا مكنتش موافقة على اللي حصل من البداية بس أبوك الله يجحمه هو اللي صمم."
"عيشة.. الكلام ده خلاص فات أوانه، اللي حصل حصل وخلاص كل واحد شاف حياته، أنا سمعت كمان إنك خلفتي من محمود جادالله ولد قبل ما يموت.."
ابتلعت ريقها بخوف وتساءلت:
"عرفت منين؟"
"اللي يسأل ميتوهش، وأنا لحد من فترة قريب كنت مراقب أخبارك وعارف عنك كل حاجة، لحد ما البنت ماتت. قلت خلاص، اللي كان بيربطني بيكي راح، ملوش لزوم أشغل نفسي بيكي تاني."
قالت عائشة في حدة:
"مش بعيد تكون إنت اللي موتتها، أنا أصدق إنك تعمل أي حاجة لأنك معندكش قلب ولا ضمير، ولآخر لحظة في حياتي هفضل أدعي عليك ومش هسامحك، ربنا ما يباركلك أبدا يا سالم وينتقم منك ولا يجعلك تعرف طعم الراحة طول ما انت عايش."
عادت عائشة بذاكرتها للحاضر عندما جذبها صوت الحارس متسائلا بقوة أجفلتها:
"نعم يا حاجة جاية عايزة مين؟"
حينها وجدت نفسها تنطق بدون وعي منها:
"عايزة بنتي!"
"بنتك؟ وبنتك ايه اللي هيجيبها هنا إن شاء الله؟"
تسائل الشاب متهكمًا فأجابته وهي تنظر للمبنى أمامها بترقب ولهفة وهي تقول:
"نغم بنتي.. عايشة هنا.."
"يلا يا ست انتي من هنا مش ناقصاكي، مفيش حد هنا بالاسم ده."
صاحت به بصوتٍ غاضب:
"أنا متأكدة إنها هنا، يا نغم.. يا نغمممممم.."
كانت عائشة تصرخ بأعلى مستويات صوتها، وقد فقدت سيطرتها على نفسها بعد صبر وكتمان طال لسنوات عديدة، فهتف بها حارس البوابة قائلا ببرود:
"اصرخي من هنا لبكرة، مفيش حد جوة.. وحتى لو جوة محدش هيسمعك، وفري صوتك وأعصابك وامشي، مفيش حد اسمه نغم هنا…روحي دوري على بنتك في حتة تانية."
أخذت تنظر إليه باحباط، ثم تراجعت، وعادت أدراجها خالية الوفاض.
لكنها لن تتوانى عن ملاحقتها، ستأتي مجددا، مرة تلو الأخرى، إلى أن تعرف طريقعا وتستعيدها، لن تفرط فيها كما فرطت في ابنتها، ولن تسمح لسالم أن يسرقها منها كما سرق ابنتها، يكفي ما أخذه منها إلى الآن.
بعد مرور ساعتين.
نزلت چوليا ونادية من السيارة التي نقلتهما من المطار إلى المشفى مباشرةً بعد أن أخبرتهما چيلان بما حدث.
دخلت چوليا التي كانت تركض متجاهلةً آلامها وصحتها البائسة، وتوجهت نحو چيلان التي تعجبت حالتها، حيث أن وجهها كان شاحبا وجسدها هزيل جدا، احتضنتها چوليا بكل قوتها وانفجرت في بكاء مرير، بكاء متراكم منذ أيام طويلة.
بينما توجهت نادية نحو عمر، الذي ركن رأسه على صدرها وانفجر باكيًا بدوره، فأخذت تربت عليه وتواسيه، فهي أكثر من يعرف ماذا تمثل نسيم بالنسبة إليه.
ثم ربتت على كتف فريد بمواساة صادقة، واتجهت بعدها نحو سالم بتردد.
رأته لأول مرة كيف يكون منهزمًا.. جالسًا في مكانه بنفس القوة ونفس الثبات، ولكن عيناه تحكي أبياتًا عن الخوف والتشتت.
جلست بجواره، ثم ربتت على أعلى كتفه وهي تبكي بتأثر وتقول:
"إن شاء الله هتقوم بالسلامة.. ربنا معاها."
تنهد سالم تنهيدة شقت صدره إلى نصفين، ونهض، كان ينوي الخروج من المشفى ناشدًا بعض الهواء لأنه الآن على وشك الاختناق.
ولكن ظهور شريف أمامه هو ما منعه من ذلك.
دخل شريف مهرولا وعلى ما يبدو أنه كان يبحث عنهم، وما إن رآهم حتى توجه نحوهم على الفور وهو يتسائل بلهفة ظهرت بوضوح على ملامحه:
"إيه اللي حصل يا سالم باشا؟ نسيم جرالها إيه؟"
أول من انتبه إليه كانت چوليا التي كانت تقف بجوار أختها وتسند رأسها إلى كتفها، فاستقامت ونظرت إليه بتعجب، وأخذت تحدق فيه بذهول واستغراب وهي تراه يتساءل عن نسيم بكل تلك اللهفة.
وقبل أن تتقدم منه، وقبل أن يجيبه سالم، كان فريد هو من توجه نحوه بتحفز شديد وباغتهُ بلكمة قوية وهو يقول:
"إنت مالك بيها؟ بتسأل على نسيم ليه عايز منها إيه؟"
تفاجأ شريف بتلك اللكمة حتى أنه لم ينجح في تفاديها، فسقط أرضا، فانحنى فريد نحوه وهو يجثو فوقه على ركبته ويسدد إليه لكمة قوية أخرى أطاحت بالدماء من أنفه وهو يصرخ به بعنف وقد فاض به الكيل وهو يقول:
"نسيم تنساها تماما، تشيلها من دماغك نهائي واياك تكرر طلبك للجواز منها ولا حتى بينك وبين نفسك، انت فاهم؟ أساسا كل اللي هي فيه ده بسببك."
في تلك الأثناء كان أمن المشفى وبرفقتهم عمر يحاولون فض النزاع بينهم وإبعاد فريد الذي انقض فوقه كالوحش الكاسر وأخذ يفرغ به كل طاقته السلبية والمعاناة التي عاشها طوال اليوم.
إلى أن نجحوا في التفريق بينهما واصطحبوا فريد للخارج.
كانت چوليا في تلك اللحظة تحاول تدارك الأمر واستيعاب ما قاله، بعد أن أثار حديث فريد جدلا واسعا بقلبها وأدى إلى تلاطم موجة شديدة من الأوهام برأسها.
شعرت بقدماها ترتجفان، فأمسكت بذراع چيلان بكلتا يديها وهي تحدق في شريف كالبلهاء وهو يقف ممسكا بمنديل يمسح به أنفه، وقادتها قدماها نحوه مغيبةً، بعد أن تجاهلت تحذيرات امها وتساؤلات أختها، ثم توقفت أمامه فنظر إليها متفاجئا بها، وابتلع ريقه بخوف وهو يحدق بالجميع من حوله وهو يتمتم:
"چوليا … اعقلي."
نطقت چوليا بهمس يتخلله الضياع:
"انت طلبت تتجوز نسيم؟"
ظهر التوتر جليا على ملامحه وارتجافة فكه.
ثم أومأ وقال:
"أيوة."
جزء منها لم يتفاجأ بالأمر، وهو عقلها الذي يدرك جيدا أنه كان سيحاول الارتباط بأي إمرأة غيرها هي.
ولكن قلبها؛ هو من تكسر وظهر صوت تحطمه واضحًا للكل.
لعنت نفسها في تلك اللحظة عدة مرات، لعنت غبائها الذي جعلها تحاول الوصول إليه طيلة يومٍ كامل وهي تعرف وتثق أنه قد حظرها تماما لكي لا تستطيع الوصول إليه.
لعنت غبائها الذي يجعلها تثق به في كل مرة بالرغم من أنها لا تملك ما يجعلها تثق به.
لعنت ضعفها أمامه، وضعف قلبها الخائن أمام نظراته التي كانت تظنها تحتويها.
ثارت ثائرتها، وفجأة انقضت عليه بشراسة وحفرت بمخالبها جرحًا عميقا بوجنتيه وهي تصرخ فيه بقوة إمرأة مجروحة:
"انت حيوااااان.. أنا بكرهك.. بكرهك يا شريف، بكرررررهك.."
عجت قاعة الانتظار بالفوضى من حولهما، حيث أسرع الأمن نحوهم مجددا، وكذلك عمر، وجيلان ونادية اللتان تحاولان ابعادها عنه بقوة ولكنها كانت متمسكة بوجهه بأظافرها بقوة وهي تصرخ بهيستيريا.
"ليه؟ ليه نسيم؟ ليه هي بالذات؟ للدرجة دي بتكرهني وعايز تحطمني؟ عايز تتجوز أقرب واحدة ليا؟ عايز تموتني بالبطيء؟"
همست إليها نادية بهلع:
"اخرسي يا متخلفة.. اخرسي هتفضحينا.."
سقطت أرضا على ركبتيها، وبجوارها عمر وچيلان يحاولان تهدأتها، بينما هي تنظر إليه بلوعة وهي تقول:
"أنا اديتك كل حاجه، باقي إيه مخدتوش مني؟ أنا بكرهك يا شريف، مش عايزة أعرفك تاني.."
كانت نادية تنقل بصرها بينهما بقلة حيلة، ولأول مرة تقف عاجزة لا تدري كيف ستتصرف في هذا الموقف المخجل، ونظرت إلى شريف وأخذت تدفعه للخلف وهي تقول بلهجة حادة:
"امشي من هنا دلوقتي حالا.."
نظر إليها بحدة أكبر وقال:
"أنا مش هقدر أسيب نسيم وامشي، لازم أفضل هنا لحد ما أتطمن عليها."
نظرت نادية إليه بصدمة، في الواقع لم تتوقع وقاحته أبدا، فهمست إليه وهي تكز على أسنانها بغيظ وتقول:
"بقوللك امشي من هنا حالا يا شريف، انت مش شايف چوليا حالتها عامله ازاي!!"
زم الآخر شفتيه باستياء ثم قال بهدوء أثار حفيظتها وهو يشدد على احرفه بتأكيد ويقول:
"وأنا بقوللك.. مش هقدر امشي وأسيب نسيم في الحالة دي."
أخذت نادية تنظر إليه بصمت، لم تدرِ ما عليها قوله، ولكنها كانت تعي جيدا ما عليها فعله الآن، لذا رفعت كفها وهبطت به فوق وجهه بقوة فاجئته ورسمت الصدمة على ملامحه كما رسمت أصابع يدها الخمسة وشم كف خماسي على وجنته المصونة.
فتمتم متسائلا بذهول:
"بتضربيني يا عمتو؟"
لتجيبه هي بازدراء:
"القلم ده أقل بكتير من اللي تستحقه يا خسيس! امشي من هنا حالا بدل ما والله أقلب الدنيا كلها فوق دماغك وأمسح بيك أرض المستشفى كلها."
أدرك فورا أن چوليا قد ابتلعت قلب أسد وحكت لأمها على علاقتها به، لذا فعمته تعامله بتلك العدائية المفاجئة، فما كان منه إلا أنه تراجع بخوف وارتباك، وغادر المشفى من باب الخروج الخلفي لئلا يراه فريد ويكمل ما بدأه، ثم أمر عامل المرأب بإحضار سيارته وأخذها وغادر المكان بالكامل.
وقفت چوليا تضم اختها بقوة، وبجوارها يقف عمر متحفزا، يلح في سؤاله:
"إيه الي بينك وبين شريف بالظبط يا چوليا انطقي؟"
حدجته چيلان بغضب وقالت بصوت حاد:
"هو ده وقته إنت كمان؟ بعدين نبقا نتكلم."
اخترقت نادية تلك المساحة الصغيرة الذين يقفون بها، وجذبت ذراع جوليا بقوة وهي تسحبها خلفها بعنف وتسير للخارج، فلحقت چيلان بهما وهي تترجى والدتها لكي تتصرف بلطف وتعامل اختها برفق، فهتفت بها نادية بقوة:
"اسكتي انتي يا چيلان، انتي مش فاهمة حاجة."
كانت چيلان تسير خلفهما بخطوات واسعة وهي تحاول انتزاع ذراع جوليا من قبضة أمها وهي تقول:
"طيب ممكن بالراحة عليها بس وبعدين نبقا نتفاهم."
وصلت نادية حيث سيارة چيلان، وأمرتها بفتح الباب ففعلت، فألقت چوليا بداخلها بقوة وجلست بجوارها، ثم هتفت بالأخرى قائلة:
"خلينا نرجع على البيت حالا.. حالا يا چيلان!"
لم تجد چيلان بدًا من الانصياع لأمرها، وركبت خلف المقود وتحركت بهما عائدين إلى الڤيلا.
نهض حسن من جوار فيفي وهمّ بالتقاط ملابسه لكي يرتديها، بينما هي مالت نحو درج الكومود المجاور لهت، وسحبت منه علبة سجائرها، وهمت باشعال واحدة وهي تنظر إليه قائلةً برضا:
"بقوللك ايه يا أبو علي."
همهم تلك الهمهمة الرجولية التي تثير شغفها وحماسها، فقالت بحماس:
"إيه رأيك لو نزود النشاط؟!"
نظر إليها وهو يغلق أزرار قميصه ويقول:
"إزاي؟"
"بجانب البرشام يبقا هيروين.. إنت المستفيد على فكرة.."
"لأ اعملي معروف، أنا النهارده كنت بسلم الواد شريط البرشام وأنا متلبش.."
سحبت نفسًا من السيجارة ثم نفثته أمامها بقوة وهي تقول:
"مكنتش اعرف إن قلبك خرع أوي كده."
"واديكي عرفتي، أنا مش حِمل نومة البُرش تاني، أنا أمي عيانة ومحتاجالي."
تنهدت بقوة وقالت:
"متخافش، عاصم بيه ساندنا."
نظر إليها بحدة وهو يغلق سحاب بنطاله:
"لأ أخاف.. من خاف سلم! عاصم بيه ساندك انتي مش ساندني أنا."
رفعت حاجبيها بتعجب وقالت:
"يووه، بقوللك متخافش، أنا هأمنك متقلقش، وبعدين إنت مش متخيل كل تذكرة هيطلع لك من وراها كام؟ البودرة مكسبها حلو صدقني وهيخليك تعلى بسرعة."
نظر إليها لدقائق، ثم نفض رأسه برفض وقال:
"بقوللك ايه يا فيفي انزلي من على وداني، أنا مش عايز أعلى بسرعة أنا مبسوط كده.. خليني ماشي بقول يا حيطة داريني، كفاية عليا أوي التلت سنين اللي فاتوا."
نهضت من الفراش، واقتربت منه ووقفت خلفه وهي تسند رأسها على ظهره وتقول:
"قلقان من إيه بس وأنا معاك؟"
أطلق ضحكة ساخرة مبتورة وهو يقول:
"أهي دي في حد ذاتها حاجة تقلق."
فنظرت إليه بتحفز وقالت؛
"والله؟ تقصد إيه بقا؟"
أمسك بأطراف أصابعها وقبلها سريعا وهو يقول:
"ولا حاجة، أنا همشي بقا لأن الوقت إتأخر."
"مش هسيبك تمشي قبل ما نتعشى سوا."
انحنى ينتعل حذاءه وهو يجيبها بايجاز:
"مش هينفع، بقالي ليلتين مش بتعشى مع أمي وبدأت تقلق."
وقفت تسحب نفسا تلو الآخر من سيجارتها، وهي تنظر إليه متسائلة:
"بتحبها يا حسن؟"
فأجابها دون أن ينظر إليها:
"وفي حد ميحبش أمه؟ طب ده حتى يبقا ابن حرام."
"ونغم؟ بتحبها."
توقف عما كان يفعله للحظة، كانت قد حصلت خلالها على جوابه، بينما ظهر الاضطراب على ملامحه وهو يقول بحدة:
"وليه السيرة اللي تغم النفس دي ع المسا؟"
رفعت كتفيها بلا اكتراث وقالت:
"عادي، مجرد سؤال."
نهض بعد أن استعد تماما، واقترب منها وسحب سيجارتها من بين اصبعيها، ثم سحب منها نفسا طويلا وزفره أمام وجهها وهو يقول:
"نغم بالنسبة لي صفحة وقفلتها. الجديد كله معاك يا أبيضاني يا حلو انت."
ضحكت ضحكة عالية نابعة عن رضا داخلي، وتطلعت في أثره وهي تقول بابتسامة:
"هستناك بكرة."
أومأ وغادر شقتها، ثم استقل دراجته البخارية وعاد بها البيت وهو يمني نفسه أن تكون تلك هي آخر ليلة يقضيها بذلك المنزل المهتريء، عليه أن ينتقل برفقة والدته في الصباح.
طوال الطريق لم تتوقف چوليا عن البكاء، كانت الدموع ترسم على محياها خارطة المستقبل المظلم الذي ينتظرها، ولولا أنها تخشى رد فعل والدتها لصرخت بكل قوتها ولعنت نفسها ولعنت كل شيء حولها.
فكرت في فتح باب السيارة المجاور لها وإلقاء نفسها خارج السيارة ربما تفقد حياتها وتنجو من هذا العذاب، ولكن شيئا ما أخافها، فتراجعت.
أحاطت وجهها بكفيها وظلت تنتحب وهي تتذكر اعترافه الدنيء الحقير أنه بكل بساطة أصبح يحب امرأة أخرى، وقتها لم تتوقع أبدا أن تكون تلك الأخرى هي نسيم. ولو كان أخبرها بنفسه حينها لرفضت التصديق.
يا له من وغد حقير أصبح قادرا على جعلها تحتقره في كل لحظة.. وجعلها تحتقر نفسها وضعفها أمامه، وجعلها تحتقر الظروف التي جعلت منها دمية بين يدي شيطان مثله.
فهو من أعاد صياغتها، عبث بمبادئها، شكلها كما يُفضل، حوّلها لعجوز بقلبٍ شائخ، وهي لازالت تملك عقل طفلة تفرح إذا أهداها أحدهم وردة، وتحزن إذا انقطع ثوبها.
هو من أخرج أسوأ نسخة منها وجعلها محط إحتقار من نفسها قبل الجميع.
هو لعنتها الأبدية التي بقدر ما تحبها تكرهها.. هو من جعلها تصرخ كل يوم.
أحبك.. لذا أرجوك غادرني!
أفاقت على لكزة من يد أمها التي هتفت بها بقوة:
"انزلي.."
فتحت نادية الباب ونزلت، ووقفت في انتظار چوليا التي أخذت تنظر إليها بتردد، ففاجئتها أمها حيث جذبت شعرها بين قبضتها بقوة وأخرجتها قسرًا من السيارة ثم سارت وهي تجرها للداخل بقوة متجاهلةً صراخها، ونداءات چيلان لأن تتوقف.
"مامي، إيه اللي بتعمليه ده بس، مش معقول الطريقة دي!!"
نظرت إليها أمها وهتفت بقسوة ونبرة صارمة لا تقبل الجدال:
"چيلان، متتدخيليش انتي!!"
كانت چوليا تصرخ وتبكي بقوة، ما أثار ريبة وفزع عاملات المطبخ اللواتي كن يراقبن المشهد من بعيد، ويتعجبن كيف أن نادية هانم تقوم بسحل ابنتها من أمام باب الڤيلا حتى غرفتها، غير آبهة بصراخها واستغاثاتها، ولا بنداءات چيلان التي تطالبها أن لا تفعل.
دخلت نادية غرفة چوليا وألقتها فوق السرير بقوة وأخذت تصفع وتضرب كل ما تطاله من جسدها وهي تقول بغضب هيستيري:
"إنتي مش مكفيكي اللي عملتيه رايحة تعملي لنا فضيحة في المستشفى، وقدام سالم؟ أعمل فيكي إيه؟ أموتك وأرتاح منك؟"
"مامي أرجوكي ابعدي عنها كفاية كده.."
دفعت نادية چيلان بعيدا عنها بعنف وهي تقول:
"ابعدي انتي، الحيوانة السافلة دي لازم تتربى من أول وجديد.. يعني مش كفاية غلطتي معاه وحملتي منه، جاية بكل بجاحة تعترفي قدام الكل في المستشفى؟!"
نالت الصدمة نيلًا وفيرا من چيلان التي اتسعت عيناها بصدمة وذهول، وتسمرت بمكانها وهي تحاول استيعاب ما وقع على مسامعها للتو، بينما نادية تفرغ كل غضبها بابنتها التي تبكي وترتجف بصمت دون أن يبرز صوتها.
"ممنوع تخرجي من الاوضة دي نهائي، انتي سمعاني؟ وخصوصا في وجود سالم، تاكلي وتشربي زي الكلبة هنا في الاوضة ولو مش عاوزة يبقا أحسن يمكن تموتي وأرتاح منك ومن قرفك!"
وتركتها وخرجت، وتركت چيلان تحدق بأختها بنفس الذهول، ونفس الصدمة الكاسحة لأي شعور آخر.
في المشفى.
كانوا جميعهم قد انتقلوا إلى الرواق المؤدي لغرفة العناية حيث تم نقل نسيم، سالم كان ينظر بشرود نحو الغرفة، وقد تذكر لتوه لحظة من أعتى لحظات الماضي، حين اضطر للكذب على عائشة وأخبرها أن ابنتها قد ماتت، وعندما سألته عن سبب الوفاة أخبرها أنها كانت تلهو ووقعت من نافذة غرفتها.
اقشعر بدنه واضطرب فؤاده، وبدأت يداه في الارتجاف تلقائيا.
وبداخله كان يساوره ألف خاطر وخاطر، وأولهما أنه هل من الممكن أن يكون قد تنبأ بوفاة ابنته؟!!!
هو يعرف أن البلاء موكل بالنطق به، ولكنه لم يكن مقتنعا بتلك المقولة تمام الاقتناع، أو بالأحرى لم يأبه لها ذات يوم، ولكن الآن… الأمر يبدو حقيقيا بطريقة مفزعة!!
أخذ يهز رأسه برفض.. لا. الأمر ليس بهذا السوء. الطبيب قد قال أنهم سيطروا على نزيف المخ وبالتالي ستتحسن حالتها، لا داعي للقلق، ستمر.
كان يصبر نفسه بتلك الكلمات ويمنحها أملا لا يعرف هل سيتحقق أم لا، ولكن كل ما يعرفه الآن أنه نادم على ما فعله بها، هو نادم أشد الندم ويرغب الآن في الاعتذار لها.
لو أنها فقط تمنحه فرصة أخرى !!
لو أنها تتمسك بحياتها وتجعله يغتنم تلك الفرصة، سيعتذر لها عن كل ما عاشته بسبب، وسيحاول تعويضها عن كل شيء، سيطلب منها الصفح وسيعدها أنه سيكون أبا مختلفا عن ذلك الظالم الذي يعرفونه.. سيخبرها أيضا أنه لن يجبرها على أي شيء مجددا.. فقط لتمنحه فرصة أخيرة وترحمه من ذنبًا آخرا سيقع على عاتقه.
جذب انتباهه ظهور فريد من جديد، يعقبه ظهور الطبيب المشرف على حالة نسيم الذي غادر غرفة العناية للتو ووقف أمامهم قائلا:
"بعد إذنكوا الزحمة ملهاش داعي، الحالة مش متحملة أي انتكاسات أو عدوى من أي نوع، عشان كده يا ريت حضراتكوا تتفضلوا وبكرة إن شاء الله تقدروا تيجوا تطمنوا عليها، وإن كان ضروري يبقا كفاية مرافق واحد."
نطقت زينب ونغم في صوتٍ واحد:
"أنا هفضل معاها."
نظرت زينب إلى نغم وقالت:
"لأ يا بنتي روحي انتي ارتاحي وأنا هخليني هنا. ابقي تعالي معاهم الصبح."
اقتربت منها نغم وهمست بصوت أقرب للبِكاء:
"عشان خاطري يا خالتي، مش عايزة أرجع البيت أرجوكي."
تعجبت زينب طلبها، ولكن نظرة الرجاء الصارخ في عيني نغم هو ما جعلها تتواجع وتوميء موافقةً ثم قالت:
"خلاص خليكي انتي الليلة وأنا بكرة."
أومأت نغم بموافقة، وأومأ سالم كذلك، ثم نظر إلى نغم وظهر الضعف جليا على ملامحه، وفاجئهم جميعا إذ وضع يده على كتف نغم وأردف:
"شكرا."
سرت الرهبة في جوفها واقشعر قلبها باضطراب، وجالت من عينيها نظرة سريعة نحو فريد وعمر اللذان تعجبا حالة والدهما، وما إن التقت عيناها بعينا فريد حتى أسرعت باخفاضهما لكي تتلاشى النظر إليه.
غادر سالم وبجواره عمر الذي كان يشعر برغبة شديدة في إسناد والده، وربما كان يريد منه هو أن يسنده ويخبره أن تلك الغمة ستمر وتنفرج، ولكن سالم بقى كما هو، بالرغم من انهزامه الداخلي إلا أنه ظل متمسكا بثباته.
لحقت بهما زينب التي كانت تجر قدميها جرًا بتعب وأسى.
وظل فريد يقف في مواجهة نغم التي تأبى النظر إليه، فكانت ترتكز بعيناها نحو غرفة نسيم، إلى أن سمعته يقول بصوت محبط:
"شكرا إنك اتبرعتي لنسيم بالدم.. أنا في الحقيقة مش عارف أشكرك إزاي."
آلمها سماع صوته المحبط، وآلمها وقوفه بجوارها ببساطة بعد تلك السياط اللاذعة التي جلدها بها، فتحاملت على دموعها وهي تخبره بثبات زائف:
"تشكرني إنت ليه؟ أنا معملتش كده علشانك. أنا عملت كده علشان نسيم بس، لما تقوم بالسلامة تبقا تشكرني بنفسها لو حابة."
زفر بضيق، هو يعرف أنه كان فظا قاسيا بما يكفي، ولكنها هي من ضغطت عليه وأخرجت شبحه المظلم الكامن بداخله، فتمتم قائلا:
"أنا مش راضي عن وجودك هنا في المستشفى، ممكن لاقدر الله يحصل أي طارئ ومتعرفيش تتصرفي.. روحي معاهم ارتاحي وأنا هفضل معاها."
نظرت إليه أخيرا، و بقوة، نظرت بداخل عينيه تماما، ونطقت بحدة أفضت له بمكنونات قلبها:
"متشيلش همي أنا واخده على قلة الراحة، أنا هفضل مع نسيم لحد ما تفوق وأطمن عليها، وبعدها همشي.. مش هرجع الڤيلا تاني."
ابتلع ريقه بارتباك متسائلا:
"هتمشي على فين؟"
"على أي مكان، بلاد الله واسعة.."
ازداد خوفه وارتباكه، ولأول مرة يدرك فعلا أنه يخشى فراقها وأنه بات متعلقا بها إلى هذا الحد.
"انتي أكيد بتهرجي!! أكيد مش هتمشي، مش كده؟"
لمح سخرية الألم في عينيها، وأجابته بمرارة واضحة:
"أكيد مش بهرج، قعدت يوم قعدت سنة كده كده كنت همشي، لكن خلاص خلصت يا فريد بيه.. آن الأوان كل حاجه ترجع لمكانها الطبيعي.. وأنا مكاني مش معاكم."
ظهر الغضب باديا على وجهه وملامحه التي اتقدت بالشر حين قال:
"مكانك مع حسن؟ هترجعي له عشان يضربك ويهينك ويكسرك تاني؟ هترجعي له عشان يشك فيكي ويتهمك تهم باطلة ويذلك تاني مش كده؟"
ضحكت ضحكة مبتورة، سالت على إثرها دموعها، ونطقت بضعف وهي تنظر إليه قائلةً:
"مش مهم، حتى لو فضل يطحن فيا سنة كاملة مش هيوجعني ولا يكسرني.."
واقتربت منه خطوة ونظرت إلى عينيه البائستان وقالت بصوت أشد بؤسًا:
"أنا خلاص اتكسرت بطريقة.. لو حسن عاش عمرين على عمره مش هيعرف يكسرني بنفس الطريقة دي تاني."
هبط قلبه من مكانه بقوة، وهبطت معه قطرة هاربة من عينها قبل أن تستدير عنه وتنظر الى باب غرفة نسيم.
لم يجد ما يقوله، فهو الآن في أبشع حالة نفسية مر بها طوال تاريخه المرضي، وقاد قدميه نحو باب الخروج بالقوة، ثم استقل سيارته وغادر، متجها نحو بيته. لا طاقة له بالعودة إلى الڤيلا التي شهدت على كل شيء بشع يحدث له منذ ميلاده حتى الآن.
رواية محسنين الغرام الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نعمة حسن
عاد إلى بيته يائسًا، لم يتوقع أن تكون العودة قريبة إلى هذا الحد، ولم يتوقع أبدا أن يكون السبب الذي يحول بينه وبين عودته للڤيلا مرة أخرى هو انتحار شقيقته!
ألقى بجسده على الأريكة بإهمال، وأرخى ذراعيه إلى جواره، ثم أسند رأسه للوراء وشرد بالسقف باستسلام.
طاقته الآن صفر.. كل ما حدث اليوم استنزف روحه وترك له ندبة لن تزول، ولولا أنه أصبح يحترف الصمت والكتمان لثار الآن كالوحش الذي يحتضر وأطلق كل ما يشعر به، ولكن كما يقال أن كثرة الحزن تُعلم البكاء، فإنها تُعلم الصمت كذلك! وطبيعة كل شخص هي من تجبره على اختيار أيّ الطريقين يسلك.
وهو بطبيعته صامت، وبحكم الظروف صامت، وبحكم المرض صامت، وبحكم الفقد صامت، ولكن بداخله ألف صوت وصوت يرغبون في الانطلاق، بأعماقه فوضى لا ترحم ولا ترأف بحاله، بداخله ما لا يمكن نبشه بالثرثرة أبدا.
تنهد بإحباط، ونهض وهو يحمل سترته بيده، جرّ قدميه ناحية غرفته، ضغط مقبس الضوء ووقف يتأمل الغرفة الساكنة للحظات، ثم تقدم من الفراش وألقى جسده عليه بقوة، وفرد ذراعيه بجواره بإرهاق وأخذ ينظر إلى السقف.
تُرى هل سيكون مصير أخته هو نفس مصير أمه؟
تُرى هل سيتذوق مرارة الفقد والخسارة مجددا؟
تُرى هل هو مقصرًا معها لذلك الحد الذي جعلها تختار الموت لأنها يئست وفقدت الأمل؟
تُرى هل ستنفذ نغم قرارها وتغادر؟
إلى هذا الحد وزفر بقوة واستياء، في واقع الأمر هو يعرف أنه مخطئا، ولكن قد سبق السيف العذل، لقد قال ما قاله ولا جدوى الآن من لوم نفسه.
نهض متعبًا، دخل الحمام لكي يأخذ حمامًا دافئا ومن ثم ينام لبضع ساعات قبل أن يذهب إلى المشفى.
دخل الحمام ووقف أسفل سيل الماء الساخن، وأغلق عينيه بقليل من الاسترخاء وهو يضم عضديه بيديه وفجأة.
فتح عينيه بعد أن تذكر شيئا.. هل نسي باب السيارة مفتوحًا؟
أنهى حمامه سريعا، وارتدى ملابسه على عجالة، ثم غادر الشقة مسرعًا ونزل إلى المرآب، تحقق من باب السيارة وهو يعرف أنه سيجده مغلقًا، ولكنه استجاب مقهورًا لذلك الهاجس الذي اقتحم رأسه فجأة، وبالفعل وجد الباب مغلقًا، فغادر المرآب وصعد إلى شقته مرة أخرى.
كان يشعر بالأمواج المتلاطمة تضرب صدره بعنف، بداخله طاقة غاضبة رهيبة ولا مفر من السعي في إفراغها قبل أن تنعكس عليه.. وفي الواقع هو غير مستعد لأي حماقات قد يرتكبها مجددا بعد تلك التي أصابت المسكينة صاحبة العينين الجميلتين خاصته.
لذا دخل قاعة الرياضة الخاصة به، وقف على جهاز الركض وأخذ يجري عليه لما يقرب من نصف ساعة دون توقف.
ثم ضغط زر التوقف ونزل من عليه وهو يحاول تنظيم أنفاسه المتلاحقة، ودخل إلى الحمام مرة أخرى لكي يأخذ حماما جديدا.
بعد نصف ساعة.
دخل غرفته والتقط هاتفه، نظر بالساعة فوجدها تشير إلى الرابعة فجرا، آذان الفجر يتبقى عليه ساعة تقريبا.
ابتلع ريقه بتوتر، لقد امتنع عن الصلاة منذ سنتين تقريبا.. ولأول مرة بعد هذين العامين يجد نفسه محتاجًا للصلاة.
لذا قرر أن ينتظر، سيحاول تهدئة نفسه قدر المستطاع وبمجرد ما إن يستمع إلى آذان الفجر يتوضأ بكل هدوء ثم يقف بين يدي ربه، يناجيه ويطلب منه أن يرفع ما أنزل من ضر على أخته.
زفر مجددا بتوتر، يشعر أنه سيخفق ككل مرة، ولكنه استرجع نصيحة الطبيب.
التجاهل هو أول الطريق إلى التعافي.
وفي طريقه إلى التجاهل قرر أن يلهي نفسه عن التفكير بالأمر، فدخل غرفته، والتقط هاتفه، وأحضر رقم عمر.
قام بالاتصال به بعد تردد، ليجد عمر وقد أجابه على الفور:
"أنا كمان كنت عاوز أكلمك بس قلت يمكن نمت."
تنهد فريد وقال:
"مين بس اللي هيجيله نوم."
"مرجعتش البيت ليه؟!"
"مش قادر."
قالها فريد بإحباط، فتحدث عمر بضعف وأسى واضح في صوته:
"فريد.. نسيم هتقوم منها مش كده؟!"
هل يسأله؟ هو بالأساس من يحتاج لإجابة على ذلك السؤال، يحتاج أن يطمئنه أحدهم ويدعمه ويخبره أنها ستتحسن وستنجو.
"إن شاء الله يا عمر. ادعي لها."
صمت عمر للحظات، ثم تحدث وهو ينتحب بهدوء:
"أنا مش قادر أفضل في البيت ده معاه؟ كل حاجه هنا خانقاني وطابقة على نفسي. أنا من بكرة هاجي عندك."
أومأ فريد بهدوء وقال:
"اللي يريحك.."
وتابع بإيجاز:
"أنا هقفل دلوقتي، أشوفك الصبح في المستشفى."
أنهى فريد الاتصال وخرج، شيئا ما يلح عليه أن يذهب للمرآب مجددا ويتحقق مرة أخرى من باب السيارة.
تبا لذلك الوسواس الذي لا يرحم حتى في مثل تلك الليلة!!
غادر الشقة وهو يدس هاتفه بجيبه، ثم نزل إلى المرآب وسار نحو السيارة، وقف أمامها وأخذ ينظر إلى الباب بقلة حيلة، وفي لحظة ضعف ويأس رفع ناظريه إلى السماء يتضرع إلى ربه بعجز:
"يا رب.. أنا تعبت."
أخرج هاتفه من جيبه وأحضر تطبيق الكاميرا، ثم أخذ يوثق كيف أنه يحاول فتح الباب ولكن الباب مغلق جيدا وبإحكام، لكي يقحم ذلك المقطع في وجه وسواسه اللعين إذا حاول مرة أخرى أن يحثه على التحقق من الأمر مرة ثالثة.
***
كانت چيلان تجلس أمام أختها، تضع رأسها بين يديها وتنظر أرضًا، غارقة في شيئا ما، تبكي بندم وتأنيب ضمير، ثم رفعت ناظريها إليها فتقابلت عينيهما الزرقاوتين الباكيتين، وتساءلت چيلان بانهزام:
"ليه مقولتيليش؟!"
طالعتها چوليا بصمت، وأسندت رأسها على ظهر الفراش.
"ليه مطلبتيش مني أساعدك؟ اوكي أنا عارفة إني انشغلت عنك وبطلت أتابع أخبارك وأسألك عن علاقتك بالكلب ده.. بس ليه مجيتيش واتكلمتي معايا وطلبتي أتدخل، جايز وقتها كنت قدرت ألحق أي حاجه."
"أنا بحب شريف."
نطقتها چوليا باستسلام، وهي تحدق بعيدا نحو اللاوعي.
"انتي مريضة بشريف. اللي انتي فيه ده مرض ولازم تتعالجي!"
"زي ما انتي مريضة بفريد كده؟!"
تساءلت جوليا فصدمت اختها التي ظلت تحدق بها بذهول، وتمهلت للحظات قبل أن تجيب بثقة:
"أنا بحب فريد فعلا بس مش لدرجة المرض يا چوليا!! بدليل إني بقدر أعمل كنترول على نفسي أغلب الوقت، إنما انتِ…"
وتنهدت وهي تبحث عن توصيفًا دقيقًا وموجزًا لحالة أختها فقالت:
"انتِ ضايعة!! ضيعتي نفسك وحياتك عشانه.. ولسه بتقولي بتحبيه!! چوليا احنا لازم نشوف therapist تتكلمي معاه.. هيفرق معاكي جدا يا روحي."
"مش عايزة، مش عايزة أتكلم مع حد.. أنا كويسة، يومين تلاتة وهفوق من الصدمة وهبقى كويسة.. متقلقيش عليا."
تحركت چوليا نحوها وجلست بحزارها تماما، ثم احتضنتها بقوة وهي تمسح على شعرها بحنان وتقول:
"حبيبتي، اللي اتكسر يتصلح.. كلنا بنغلط، سيبك من اللي قالته مامي وردة الفعل العنيفة بتاعتها. أنا معاكي ومش هسيبك ولا هتخلى عنك، بس ساعديني."
أسندت چوليا رأسها على كتف شفيقتها وشعرت بآلامها تسكن قليلا، وأغمضت عينيها وهي تنطق بتخبط:
"نفسي أموت وأرتاح."
زمت جيلان شفتيها وسالت دمعاتها بقهر على حال صغيرتها، وأحاطتها بقوة وهي تقول:
"متقوليش كدا أرجوكي.. أنا محتاجه لك. أنا بحبك وهقف جنبك وهساعدك تتخطي الأزمة دي، بس انتي كمان لازم تكوني عاوزة تساعدي نفسك."
وزفرت نفسًا طويلا وقالت:
"أنا هسيبك ترتاحي، خدي أدويتك الأول وبعدين نامي، الصبح نتكلم."
أومأت جوليا إيماءة بسيطة، فدثرتها أختها بالغطاء جيدا، وطبعت على جبينها قبلة، ثم أطفأت الضوء وغادرت الغرفة، همت بالانتقال إلى غرفتها، ولكنها ظلت تنظر الى باب غرفة والدتها، وخطت نحوها، همت بطرق الباب ولكن صوت بكاء والدتها هو ما أوقفها.
هي تعرف جيدا أن أمها لا تسمح لأي كان أن يراها بتلك الحالة، لذا فضلت أن تتركها بمفردها وتعود إلى غرفتها، ودخلت.
أخذت حماما وأبدلت ثيابها، ثم دخلت إلى فراشها وأخذت تسترجع الجزء الذي سمعته من حديث سالم مع نغم.
اشتعل لهيب الغضب بقلبها، وأخذت تفكر، هل هي فعلا مريضة بفريد كما أخبرتها أختها؟
هزت رأسها بلا وهي تُسقط تلك التهمة عنها، هي ليست مريضة ولن تكون.. كل ما في الأمر أنها تريد أن تثأر لكبريائها الذي طعنه فريد في مقتل.
هل هو مجرد ثأر حقا چيلان؟ و ألا يعد هذا الثأر نابعا من فيض عشقك لفريد وتعلقك به؟
أغمضت عينيها بقوة وهي تحاول نفض رأسها من تلك الترهات.. هي لم تعد عاشقة أو متعلقة.. لقد انتهى هذا الأمر.
الأمر في الحقيقة ليس صعبا كما يتصوره الجميع، لأننا نُقر في نفسنا أنه لا يمكننا نهائيا التخلص من هذا الشعور، فقد اقتنع عقلنا الباطن بهذه الكلمات، نظن أننا إذا تخلصنا من هذا الشخص الذي تعلقنا به فإنه لن يعوض، وأن خسارته فادحة.
فنجد روحنا أسيرة بفعل التعلق، وحريتنا في أن نعيش سعداء ومطمئنين مقيدة.
وببقائنا على ذلك الحال فإننا نهدر كل ما نملك من طاقة وإرادة، ويصبح الإفلات والتخلي أمرًا مستحيلا.
***
كلما حاول الهروب من أفكاره، تفاقمت وتضاعفت، وتدفقت الواحدة تِلو الأخرى، تدفق يخلق طنين في الدماغ، ويجعل الراحة حلمًا بعيد المنال. تدفق قهري يجعله في تساؤل لانهائي.. إلى متى؟
استمع إلى آذان الفجر وقد صدح في الأرجاء فاضطرب وشعر بالقلق، لا يعرف هل سينجح هذه المرة أم سيفشل ككل مرة، ولكن عليه أن يحاول.
نهض ودخل إلى الحمام لكي يتوضأ، وبعد أن أنهى وضوءه خرج ووقف مستقبلا القبلة وهو يشعر بداخله بالحماس والفرحة الشديدة، ففي السابق لم يكن ليتمكن من إتمام الوضوء لأنه كان يواجه وساوس عدة، كأن يشعر أن الماء لا يصل لجسده، أو أن وضوءه خاطئًا، أو أنه لا يزال غير طاهرًا بعد أن توضأ، فيعود ويكرر ما فعله مرة تلو الأخرى إلى أن يصاب باليأس ويمتنع عن أداء فرضه.
أما الآن فالأمر تحسن كثيرا، فها هو قد أتم وضوءه بدون وسواس، بدون هواجس، وبدون تكرار.
رفع يده مكبرًا وهو يشعر بقلبه يخفق بقوة في صدره وبدأ بقراءة سورة الفاتحة وهو يحاول جاهدًا أن يحافظ على خشوعه وأن يستشعر عظمة الموقف، وأن يستحضر قلبه في تلك اللحظة التي يحتاجها بشدة ولكنه لم يفلح، فجاءت أحداث اليوم كله تمر أمامه كشريط فيلم سينمائي، حواره مع والده، حواره مع نغم، وحادث نسيم.
وعى على حاله بعد لحظات وأدرك أنه قد توقف عن قراءة الفاتحة فأعادها مجددا وهو يحاول أن يبقى هادئا وأن يتجاهل وسواسه وألا يدعه يتغلب عليه، ولكن تلك الهجمة الوسواسية البشعة التي هاجمته كانت هي الأعتى والأعنف من نوعها، حيث أنه تخيل وكأنه سيسجد الآن لغير ربه. وهذا ما جعله يمتنع فورا ويوقف صلاته وينسحب في الحال.
غادر الغرفة بأكملها وتوجه إلى غرفة المعيشة، جلس على الأريكة وأسند وجهه بين كفيه وانفجر باكيًا بانهزام واحباط.
كل شيء حوله يدفعه للانهيار، كل شيء يحوله إلى آلة بدون أن يشعر بعد أن اعتاد الألم والمعاناة، بعد أن اعتاد الخسارة والفقد، بعد أن جرب كيف تتجرد الأمنيات من الواقع، وكيف يختتم كل لحظة سعيدة بخيبة أمل قاتلة. ولكنه بالرغم من ذلك يجاهد لكي يبقى حيًا، يحاول الإبقاء على إنسانيته لآخر رمق، يحاول الحفاظ على قلبه، يحرر أن يحرر نفسه من كل القيود الخانقة التي أوجدتها نفسهُ القلقة المترددة، يحاول الهرب من الزوايا المعتمة التي أسرته طويلا وأغلقت أمامه الطريق للعودة.
مرت بعدها دقائق طويلة وهو لا يزال على نفس الحال، إلى أن قفز إلى رأسه شيئا جعله يستعيد انتباهه في الحال، وهو قول نغم بأنها تريد اخباره شيئا ضروريا.
أخذ يفكر بتعجب، ترى ما هو هذا الشيء الذي ستقوله!! وإلى أي مدى تصل أهميته؟ فنهض وقام بتبديل ملابسه، وقد قرر أن يذهب إلى المشفى. عليه أن يعرف منها كل شيء، وسيفعل.
***
يقول أنيس منصور: لكي لا تموت مرتين لا تعود لمن خذلك، ولكنه لم يقل ما الحل إذا كان من خذلك هو نفسه من يتمثل فيه أمانك وملجأك الوحيد؟ هل حينها ستبقى القاعدة ثابتة؟ أم أن لكل قاعدة استثناء؟
كانت تجلس على أحد المقاعد الموجودة بقاعة الانتظار وهي تفكر، تستعيد ما قاله لها اليوم، كل كلمة تفوه بها لازالت تحتفظ بها في ذاكرتها، كل كلمة صوبها نحوها كالرصاصة لازال أثرها بقلبها لم يختفِ، ولا تظنه سيختفي أبدا.
فسابقا تحملت الكثير من حسن، ولازالت على استعداد أن تتحمل أكثر، فضرباته قد فقدت تأثيرها عليها ولم تعد موجعة، أما فريد.. الشخص الوحيد الذي شعرت بجواره بأنها آمنة، كانت تشعر أن لديها درع واقي وحامي يمكنها اللوذ به، حصن منيع يقيها الضربات والخذلان ويخفف عنها، ولم تكن تعلم أنه بذاته من سيسدد لها ضربة قوية لن تنهض بعدها.
تنهدت وهي تحرك رقبتها وتفرد ذراعيها بتعب، ثم أسندت رأسها على الجدار من خلفها، وعقدت ذراعيها أمام صدرها وأخذت تنظر من النافذة الزجاجية الكبيرة بجوارها، تراقب بزوغ الفجر وعلى ملامحها ترتسم المرارة بوضوح.
انتشلها من أحزانها وشرودها شيء عجيب، تلك الرائحة التي توغلت إلى داخلها، وجعلتها تلتفت بلهفة لتراه واقفا أمامها، يطالعها بعينان متعبتان، ووجه ارتسم عليه معالم الحيرة والتشتت. فانهزم كل شيء بداخلها، حتى جسر الخذلان الذي شيدتهُ بينهما سريعا، انهار وانهارت معه دمعاتها.
جلس بجوارها بصمت، لم يتفوه بحرف، هو أساسا غير قادر على النطق، كل ما يحتاجه الآن هو البقاء جوارها فحسب.
ابتلعت ريقها بوهن، وظلت تنظر بعيدا بعينيها اللتين ترغبان في الالتفات إليه وتفحصه عن قرب، تريد إشباع نهمها الذي يطالب بالنظر إليه والوقوع أسيرا لنظراته، ولكنها روضتها قدر الإمكان وتمسكت بموقفها المزعوم.
"أنا آسف."
نطقها بهدوء ظاهريا، يناقض النيران المتأججة برأسه، وتابع بصوتٍ منغلق تملؤه الريبة:
"مكنتش حابب أزعلك صدقيني.. و آسف لأني تجاوزت حدودي."
صمت، لم يعد بمقدوره إضافة المزيد، وفي الواقع هي متفهمة للغاية، لأنها لم ترد ولم تسأل عن شيء، اكتفت بالتحديق أمامها بصمت وهي تحاول إيجاد لجام لكي تكبح به السيل المتدفق من عيناها دون هوادة.
شبك كفيه وانشغل بالنظر إليهما وهو يتحدث حديث صامت مع عقله، ثم تنهد وهو ينظر أمامه ويقول:
"كنتي قولتي إنك عايزة تقوليلي على حاجة ضروري وبعدين جالي التليفون من زينب ومكملناش كلامنا!"
انقبض قلبها بتوتر وارتباك، ثم أومأت أن نعم وقالت:
"صح. بس أعتقد حاجة مش مهمة، أنا كده كده مش ناوية أرجع البيت تاني وبمجرد ما نسيم تتحسن إن شاء الله هخرج من حياتكم نهائي."
تجهمت تعابيره لأنها كررت ما قالته سابقا، ولكنه تجاوزه وصولا للجزء الأهم فقال:
"ما علينا من ده كله، إيه هي الحاجة المهمة؟!"
أخذت نفسًا عميقًا ثم أجابت:
"سالم بيه.."
نظر إليها باهتمام وأرهف السمع ليستمع ما ستقوله، فقالت وهي تطرق برأسها أرضا:
"من يومين جالي أوضتي واتكلم معايا.. قاللي إنه عايز يتفق معايا إتفاق."
قطب جبينه متعجبا، بينما تنهدت وهي تسرد عليه ما حدث يومها.
"استرجاع زمني – الثانية عشرة بعد منتصف الليل –"
بينما كانت تستعد للنوم استمعت إلى صوت طرقات على باب الغرفة، مما أثار تعجبها وجعلها تتساءل من سيكون الطارق الآن بما أن زينب غادرت غرفتها للتو؟
نهضت وهي تعدل هيئتها وثيابها بتوتر، ثم فتحت الباب لتتفاجأ بآخر شخص كانت تتوقعه.
"سالم باشا؟!"
تساءلت بصدمة واستفهام، فرأت على وجهه ابتسامة بسيطة، ثم دلف وهو يقول:
"مساء الخير. لازم نتكلم كلمتين."
كانت تتطلع نحوه بقلق ورهبة لا يضاهيهما أي شعور آخر، وابتلعت ريقها بخوف وقالت وهي لاتزال متمسكة بالباب:
"اتفضل.."
التفت ووقف في مقابلها وهو يقول مشيرًا نحو الباب:
"اقفلي الباب وتعالي!"
تعجبت طلبه، وأثارت نظراته اضطراب معدتها وارتجاف أوصالها، فتقدمت من الباب مرغمةً وأغلقته، ثم عادت بناظريها إليه وهي لاتزال واقفة بمكانها، وأخيرا تنهدت وهي تقول بارتياب:
"اتفضل."
وقف بثبات، يعقد يديه خلف ظهره ويتطلع نحوها بنظرات ثاقبة، ثم تحدث قائلا:
"ها.. إيه الأخبار؟ قدرتي تفتكري كل حاجه؟ ولا لسه بردو في حاجات مسقطة منك؟!"
ارتبكت إثر نظراته التي كانت تخترق حدقتيها، وأومأت وريقها قد انزلق لاإراديا وهي تقول:
"أيوة.. العلاج اللي كتبه الدكتور جايب نتيجة الحمد لله."
أومأ متظاهرًا بالسعادة وقال:
"عال. كويس جدا.."
أومأت وهي تشعر بأن داخلها يهتز، ليهتز فعلا وتهتز معه أرجاء الغرفة من حولها عندما سمعته يقول:
"يعني قدرتي تفتكري اسمك بالكامل؟ نغم ناجي الزيني؟ قدرتي تفتكري تاريخ ميلادك؟ ١٢ أبريل ٩٩؟؟ قدرتي تفتكري اسم والدتك؟ بدر كارم دهشان؟!"
شحب وجهها وهي تطالعه بذهول، من أين حصل على كل تلك المعلومات الدقيقة؟ وما الذي يقصده من كل تلك الأسئلة؟ ليتابع هو بما جعلها ترتجف خوفا وتقول:
"و يا ترى فاكرة إنك نفس البنت اللي اقتحمت الحفلة بتاعت فريد وباسته قدام الكل واتسببت له في فضيحة كان تمنها خساير بملايين؟!"
ابتلعت ريقها بترقب، تشعر أن القادم أسوأ، وما تغاضى عنه فريد لن يتغاضى عنه والده.
"نظرتك بتوضح إنك افتكرتي كل حاجه، الحقيقة أنا لما عرفت إنك نفس البنت بتاعة الحفلة استغربت ازاي فريد قدر يعدي لك حاجة زي دي؟ مع إني عارف إنه مش بيتهاون أبدا مع أي حد بيفكر يخسره أو يأذيه، ولما عرفت كمان إنه هو اللي عملك انعاش لما قلبك وقف استغربت أكتر، بس وقتها قلت أكيد بيعمل كده عشان خاطر أخوه، لكن أسأت تقدير الأمور واتضح إنه بيعمل كده لأنه له هدف عاوز يوصل له."
وتابع وهو ينظر إليها بثبات وقال:
"والحقيقة إن انا كمان ليا هدف، لأني متعودتش أخلي أي فرصة تفوتني من غير ما أستغلها، عشان كده الاتفاق اللي هنتفقه دلوقتي ده اعتبريه واجب النفاذ.. وإلا…"
زفر مجددا وتابع:
"هنسيب وإلا دي لبعدين. خلينا في المهم. أنا ملاحظ إن في بينك وبين فريد حاجة. وشفتك كمان وانتي داخلة الاوضة بتاعته النهارده.."
"أنا كنت…."
"مش مهم."
قاطعها وأكمل:
"ميفرقش معايا كنتي عايزة إيه، أنا ملاحظ إن هو كمان مهتم بيكي، يعني الطريق ممهد قدامنا.."
حكت جبهتها بتوتر وريبة، ثم نظرت إليه قائلة:
"مش فاهمة."
"إنتِ هتتجوزي فريد!!"
ألقاها بنبرة آمرة، فبهتت ملامحها تماما، وأخذت تحدق به بدون استيعاب ثم تساءلت:
"نعم؟!"
كانت لهجتها مستنكرة بنفس قدر الاستفهام الذي ظهر بها، فكرر ما قاله بقوة وإصرار أكبر:
"إنت هتتجوزي فريد يا إما هتدخلي السجن!!"
رفعت حاجبيها بصدمة، فإذ به يستطرد قائلا:
"فيديو الحفلة موجود، وبإمكاني أرفع عليكي كذا قضية، أنا معايا محامي عُقر قادر يعمل كل شيء.. وحطي تحت كلمة كل شيء دي مية خط.. عشان كده عاوزك تفكري بالعقل وتحسبيها لصالحك، شوفي هتستفيدي إيه من جوازة زي دي، أهم شيء وأول شيء هتكوني فرد من عيلة مرسال، هتتجوزي راجل كل الستات تتمناه.."
"ولما هو كل الستات تتمناه ليه عايزني أنا بالذات اللي أتجوزه؟!"
تساءلت بهدوء ولكن سؤالها استوقفه، لم يتوقع أنها ستتسائل بتلك البساطة، فأجابها بتروٍ يضمر بداخله نبرة متجبرة:
"لأن شخصيته مش أي حد هيقدر يتحملها، فريد شكاك وموسوس والتعامل معاه مش سهل أبدا.. ده غير إنه مش سهل ينجذب لأي واحدة، لكن أنا شايف إنه بدأ ينجذب لك ودي فرصة لازم تستغليها.."
"وافرض أنا حاولت أعمل كده وهو صدني؟"
"ده دورك بقا.. اومال أنا اختارتك ليه؟ لأني شايف إن فيكي حاجة مميزة هتلفته، مش زي كل الموجودين حواليه، هنا بقا شطارتك هتبان، هتقدري تقنعيه بيكي ولا لا.. وأظن أنا واضح، انتي مفيش قدامك حل تاني.."
ارتعدت مفاصلها بخوف وترقب، وأخذ قلبها يرتجف بين أضلاعها، ثم تساءلت بفضول يغلفه القلق:
"طيب إيه لزمة الاتفاق ده؟ يعني ليه ميكونش كل حاجه عالمكشوف وتطلب منه يتجوزني مثلا؟ ليه لازم يبقا في خطة واتفاق؟!"
"لأن فريد طول عمره متمرد، عامل زي الشريك المخالف، لو قولتله شمال يقول يمين، ولو قولتله يمين يقول شمال، حتى لو اللي أنا بقوله ده هو الصح، وحتى لو هو عارف كده.. بس بيعاند معايا لمجرد العِند والتمرد.. تفتكري لو قولتله اتجوز فلانة هيقوللي سمعًا وطاعة؟ تأكدي ان لو روحه فيكي حتى وحس إن أنا بأمره هيصرف نظر تماما عن الموضوع.. عشان كده لازم يفضل شايف نفسه ماسك زمام الأمور للنهاية."
شعرت بالألم يدق رأسها، وأغمضت عينيها لثوان، قبل أن يخطو نحو الباب ويستند بكفه فوق كتفها وهو يقول:
"دي فرصة العمر.. لازم تستغليها.. لو اتجوزتي فريد هتبقا طاقة القدر اتفتحت لك، ولو لأ.. تبقي فتحتي على نفسك باب من أبواب الجحيم.”
"عودة للحاضر"
تنهد فريد بعمق، وبطء، وبدا كمن يحمل ثقل العالم كله فوق كتفيه، ثم ابتسم تلك الابتسامة الساخرة خاصته وقال:
"ياااه.. للدرجة دي فاقد فيا الأمل وبيعمل كل الخطط دي عشان بس يطمن؟!"
"مش فاهمة!"
نظر إليها وقد بدا على وجهه الاحباط وقال:
"مش مهم تفهمي، على العموم مش لازم يعرف إنك حكتيلي أي حاجة."
"ليه؟"
"لأن سالم مرسال مبيعرفش يعيش من غير خطط ومؤامرات، ولو عرف إن الخطة دي خارج حيز التنفيذ هيشوف غيرها، عشان كده لازم يفضل فاهم إن الاتفاق بينكم ساري لحد ما أفوق من اللي أنا فيه وأقدر أفكر وأشوف هنعمل إيه."
نظرت إليه بتركيز وأضافت بتصميم:
"بس أنا كده كده همشي!! وبصراحة مبقاش فارق معايا أي حاجه، يسجني ولا يعمل اللي يعمله حتى!! أنا خلاص خدت قرار."
نظر إليها نظرة لوم صريحة، هزت قلبها في معقله، وجعلت الأحرف تتشرد على طرف لسانها، تلك النظرة تُشعرها بالمسؤولية تجاهه، وكأنه ابنها الذي يطلب منها ألا تفارقه، أن تتحمل مسؤوليتها تجاهه وتسانده لحين يتجاوز أزمته.
"ولو طلبت منك متمشيش؟!"
تساءل والأمل يتأهب بعينيه، فتنهدت بضعف، ملعون ذلك الإحساس الذي يُشعر الإنسان أنه فاقد للكرامة وعزة النفس، وملعونة تلك الرائحة التي تجعلها على وشك الارتماء بين ذراعيه وطلب الحماية.
"لو قولتلك إني محتاجلك جنبي؟ وإن وجودك جنبي هيفرق معايا جداا خاصةً في الوقت الحالي؟ برضو هتمشي؟!"
صمتت كثيرا، ثم نطقت بصوت يهتز خوفا، تريد أن تخبره أن ما قاله قد أعادها لنقطة الصفر، وأنها لن تتحمل صفعة أخرى.
"اللي قولته النهارده…"
"أنا آسف."
قاطعها فنظرت إليه، إلى عينيه المحبطتين الغارقتين في الحيرة، وسمعته يقول:
"أنا آسف لأني خيبت أملك فيا."
انهمرت دموعها تلقائيا، لقد أصاب الهدف تماما، وهي التي ظنته غير مبالٍ، ولكن اتضح أنه مدرك لما فعله جيدا.
"أوعدك مش هتتكرر.."
نظرت إليه وغرس الأمل جذوره في قلبها من جديد، تريد أن تثق، ولكنها تخشى السقوط من أعلى جبل الآمال والتحطم على صخرة الخيبات من جديد.
"صدقيني أنا عمري ما بتعمد أجرح حد، أنا آخر واحد ممكن يفكر يأذيكي أو يهينك.. بس اللي حصل النهارده كان فوق طاقتي، وغصب عني انفجرت بالشكل ده لأني كنت مضغوط جدا وللأسف الانفجار ده كان من نصيبك.."
مسحت دموعها وهي توميء بهدوء، فتابع محاولا محو أثر تلك القسوة التي تركت آثارها على قلبها:
"نبدأ من جديد؟!"
أغمضت عينيها بتوتر، لم تشعر من قبل أنها قليلة الحيلة مثلما تشعر الآن، وكأن هناك قوة جذب خفية تجذبها نحو ذلك الرجل وتربطها به، وتجعلها صاغرةً تذعن للأوامر وتلبي نداء هاتين العينين الضائعتين.
أومأت باستسلام أن نعم، فرأت شفتيه المزمومتين في خط مستقيم يمتدان في شبه ابتسامة مهزومة انكمش لها جانبي عينيه بلطف، ابتسامة فريدة، خاصة، حصرية، تتحلى بسحر مميز، وتسمو فوق كل مألوف.
وفجأة ذهبت كل قراراتها في مهب الريح، وتبخرت كل القرارات أمام رجاء عينيه اللتين كانتا في أشد الحاجة إليها، هي ليست غبية، لقد رأت احتياجا صارخا في عينيه وصوته، رأت ضعفًا وقهرًا جعلاها تتغاضى عن الشعور القاتل الذي عاشته على يديه، وأمراها أن تتخلى عن كل شيء إلا هو.
أعطته إشارة بالموافقة وأعطاها وعدًا مستترًا من خلال نظرته التي قالت فلنبدأ من جديد وكأننا أبناء تلك الساعة، دعيني أنسى أخطائك وعليكِ أن تنسِ أخطائي، دعينا نهب كلانا فرصةً جديدة، امنحيني فيها الحياة وسأمنحكِ الأمان على طبق من ذهب.
***
في تلك الأثناء..
كانت نيهال تجلس أمام شاشة التلفزيون، تتابع فيلمًا بملل، فمنذ ذلك اليوم وقد منعها زوجها من الخروج عن عتبة المنزل وإلا ستلقى حسابًا عسيرًا، أمسكت بهاتفها بضجر وأخذت تتصفح مواقع التواصل واحدا تلو الآخر، فطرأ على بالها خاطرا، حيث أن الفضول والحقد المتوغلين بداخلها جعلاها تبحث عن أي حساب يحمل اسم فريد مرسال أو أي صغحة تحمل أي خبر عنه.
لم يفلح بحثها في شيء، حيث أنها لم تجد أي حساب باسمه، ولكن ما وجدته كان مجرد أخبار تداولتها المنصات والصفحات المهتمة بتغطية الفعاليات الخيرية، حيث نشروا بعض الصور لفريد بجوار عناوين عريضة عن آخر المنشآت التي قام بدعمها، أو الأعمال الخيرية التي يسعى لتمويلها أو البدء فيها.
أخذت تنظر إلى صورة فريد وتكبرها أكثر بتفحص، تراقب وسامته وحضوره الطاغي بحقد واستكثار، ثم أخذت تهز قدميها بعصبية وهي ترمق صوره واحدة تلو الأخرى وتدقق النظر بها وهي تردد بِغل:
"صحيح يِدي الحلق للي بلا ودان."
انتبهت على صوت المفتاح وهو يدار بالباب فانتفضت وسارعت بغلق الهاتف، فإذ بها تجد وحيد الذي دخل متجهمًا، ثم أغلق الباب وهو ينظر إليها ويقول بإيجاز:
"لمي هدومك بسرعة، هنسيب البيت ده."
وقفت ودنت منه وهي تعقد حاجبيها بتعجب وتقول:
"نسيب البيت ليه؟!"
"صوفيا شكلها كده شاكة فيا وبتدور ورايا."
لوت شفتيها بضيق واستهجان وهي تتسائل:
"وهنروح فين بقا؟!"
"عندي بيت تاني هتقعدي فيه.. يلا بسرعة."
تقدمت من غرفتها، وهمت بجمع أغراضها، وهو بجوارها يجمع أشياءا من خزنته السرية فإذ به يستمع إلى صوت طرقات قوية على باب المنزل، نظر كلا منهما للآخر بقلق، فقال:
"مين اللي هييجي في وقت زي ده؟!"
وقبل أن تجيبه، وقبل أن يجدان إجابة منطقية لذلك السؤال، كان الباب قد انفرج محدثًا ضجة عالية، وبعدها استمعا إلى خطوات أقدام تتسارع نحو الغرفة، وفجأة ظهرت سيدة في العقد الخامس من عمرها، ملامحها حادة ولكنها تتسم بالجمال الأرستقراطي، وقفت تطالعهما بغضب عاصف ثم تهادى صوتها ذو الرنة المميزة وهي تقول:
"هي دي بقا اللمامة اللي انت متجوزها؟!"
أخذت نهال تنظر إليها، ثم إلى زوجها، ومنهما إلى زوج الفيلة اللذان يقفان خلفها، وارتسم القلق بوضوح على ملامحها وقد علمت أن القادم لا ينذر بالخير أبدا.
"صوفيا.."
حاول وحيد البدء في مخاطبتها باستكانة ولكنها قاطعته بحدة حيث هدر صوتها كالرعد وهي تقول:
"اخرس، اسمي متنطقوش على لسانك. ده كان عيبي من الأول إني وثقت في واحد زيك وعملت له قيمة، كان لازم أعرف إن الأصل غلاب وإنت أصلك واطي.."
"صوفيا مينفعش كده."
نظرت إليه بغضب وأخذت ترمق نهال وجمالها الفتان اليانع بغيرة غريزية لم تنجح في إخفائها، ثم نظرت الى الرجلين بحجم البوابة اللذان يقفان خلفها، وأشارت إليهما بنظرة ذات مغزى، فأسرعا يقفان بجوار نهال التي اتسعت عينيها بمفاجأة، وأمسك كلا منهما بإحدى يديها، ثم نظرت إلى زوجها وهي تقول:
"ارمِ عليها اليمين حالا."
نظر وحيد دون تردد إلى نهال التي أخذت تنظر إليه برجاء وامتلأت عيناها بالدموع، ثم قال:
"إنتِ طالق بالتلاتة.."
تنفست بهدوء، ثم تساءلت وهي تنظر إلى الأرجاء من حولها بتفحص وقالت:
"الشقة دي باسمها؟"
أشاح بعينيه عن نظرات نهال المترقبة، وقال بصوت مرتبك:
"لأ.. إيجار."
جحظت عينا نهال التي صُعقت بما سمعته، وبرز صوتها المصدوم وهي تقول:
"إيجار؟! ده إنت وقعتك سودا النهارده.. إنت مش مفهمني إنك كاتبلي الشقة باسمي؟!"
أطلقت صوفيا ضحكة مبتورة ساخرة، وأخذت تتفحصها من رأسها حتى قدميها وهي تقول بازدراء واضح:
"بقا انتي.. اللي كنتي مجرد خدامة عندي بتمسحي تحت رجليا أنا وولادي.. كان متهيألك إنه هيديكي أكتر من قيمتك؟ إنتي أصلا كتير عليكي إنك تقعدي في مكان زي ده حتى لو بالإيجار."
ثم تخطتها وهي تتجه نحو الخِزانة وأخذت تتفحص محتوياتها بغيظ، ثم نطقت بلهجة آمرة وهي تنظر نحو أحد الرجلين:
"لموا الزبالة دي كلها في اكياس وحطوها في العربية، هنديها لأي حد محتاج."
لم فتحت أدراج طاولة الزينة، وأخرجت علب المجوهرات منها، وأخذت تنظر إلى وحيد وهي تقول:
"كمان جايبلها من نفس الستور اللي بتعامل معاه؟ بجد مشوفتش أوقح منك."
ونظرت إلى نفس الشاب وقالت:
"والحاجات دي كلها لمها وهاتها لي.. يلا."
ثم سارت خطوات واثقة نحو نهال التي لازالت تحت تأثير الصدمة ووقفت أمامها وهي تشبك أصابعها أمامها وتقول بلهجة مسيطرة:
"ودلوقتي بقا أحب أقوللك هارد لك… حظ أوفر المرة القادمة."
ثم نظرت من زاوية عينيها نحو وحيد الذي يقف صاغرًا أمامها وقالت:
"اسبقني عالعربية، حسابك معايا أنا وأولادك لما نرجع البيت."
تحرك وحيد بصمت نحو الخارج، فسارت خلفه لتتبعه، وقبل أن تخرج نظرت إلى الرجلين وأومأت إيماءة يعرفون مبتغاها جيدا، فانقضا على نهال يبرحانها ضربًا شديد الإيلام، ثم قاما بتركها بمفردها وغادرا سريعا قبل أن يمسك بهما أحد سكان العمارة أو الحراس.
***
في الصباح..
استيقظ حسن من نومه إثر اهتزاز هاتفه بجواره، فأجاب بصوتٍ ناعس وهو لازال مغلقا عينيه:
"أيوة مين؟"
"صباح الخير يا حسن، معقول لسه نايم؟"
لوى جانبي شفتيه بنزق وهو يقول:
"خير؟"
"خير طبعا، وهو أنا ييجي من ورايا غير الخير؟ يلا البس وتعالى عشان تفطر معايا."
"مش هينفع، أنا بفطر مع أمي كل يوم.. هبقا أفوت عليكي في الصالون."
وأنهى الاتصال وأخذ يمسح على وجهه بضيق، فانتبه على صوت خطوات والدته حيث أنها تقترب منه، ثم طرقت على الباب مرتين ودخلت.
"يلا يا حسن الساعة بقت ٩."
"ماشي ياما، روحي اجهزي عشان بعد الجلسة ورانا مشوار ضروري هنعمله."
نظرت إليه بتعجب وتساءلت:
"مشوار إيه ده؟"
"مفاجأة."
تهللت أساريرها ونطقت بلهفة:
"هشوف نغم؟"
قطب جبينه مستاءًا، ثم نظر إليها وقال وهو يشرد بعينيه بعيدا:
"أكيد لا."
تراجعت لهفتها وخبا بريق عينيها، ثم قالت بإحباط واضح:
"اومال مشوار إيه فهمني؟"
"بعدين ياما.. هتفهمي لما نوصل."
وتخطاها وخرج متجها نحو الحمام، فخرجت هي لتعد لهما الفطور.
جلس حسن أمامها على المقعد المقابل لمقعدها، وكلا منهما شاردا في شيء، وبين كل فينة والأخرى كانت تتطلع نحوه بتردد، ثم تساءلت:
"قوللي يا حسن، ناوي على ايه؟"
"من ناحية إيه؟"
تساءل وهو يدس الطعام بفمه وينظر إليها بهدوء فقالت بحذر:
"بعد ما عرفت نغم فين؟"
تنهد بضيق وقال:
"ناوي أرجعها. ودي فيها كلام دي؟"
ابتلعت ريقها وهي تهرب من عينيه الجامحتين وقالت:
"هترجعها ازاي؟"
"بالطريقة يا ام حسن.. ولا انتي فاكرة اني هسيب نغم كده على كيفها؟ لأ.. أنا بفكر وبخطط عشان أعرف ارجعها، بس لسه مش لاقي الحل المناسب.. بس على العموم قربت أوي."
تنهدت بخوف، ونظرت إليه بطريقة أوحت له بكم الحديث الساكن في عينيها، فقال:
"عايزة تقولي إيه ياما؟"
"عايزاك توعدني إنك مش هتعمل أي حاجه تأذي بيها نغم أو نفسك.."
وتابعت وهي تشيح بيدها وكأنها تضيف شيئا غير ذو قيمة بعدم اكتراث:
"ولا الشاب ده اللي من عيلة مرسال."
نظر إليها متعجبا ثم قال:
"وانتي شاغلة بالك ليه؟ متقلقيش أنا كفيل بيه وبالأشكال اللي زي دي، وعلى العموم عشان متفضليش خايفه.. نغم هي اللي هترجع بمزاجها وهتعقل وتنسى كل الهبل اللي هي عملته ده، هو بس زي ما بيقول المثل، الغربال الجديد له شدة، هي فرحانة بالهيلمان اللي هي فيه، لكن لما تاخد على دماغها هترجع هنا غصب عنها.."
وتابع بصوتٍ خفيض يشبع الوعيد:
"بس لازم لما ترجع تتعلم الدرس كويس أوي، وتعرف إن اللي مليان جيبه مغطي عيبه، وان اللي يبص لفوق تتكسر رقبته."
لم تجد في كلامه ما يدعوها للراحة أبدا، فهي تعرف ابنها، لا يتخلى عن شيء يخصه ابدا، فكيف إذا كان هذا الشيء هو نغم التي رباها وتعلق بها منذ كانت طفلة بحجم الكف، تعرف كذلك أن سكوته يشبه الهدوء قبل العاصفة، فبالتأكيد هو يخطط لشيء هي لا تعلم ماهيته.
"قوللي يا حسن؛ عمرك فكرت لو كان ليك عيلة وأهل ليهم تقلهم في البلد.. كان حالك هيبقا عامل إزاي؟"
تغضن جبينه متعجبا وأخذ ينظر إليها قائلا:
"في إيه ياما مالك؟ عماله تفترضي حاجات غريبة وتسألي أسئلة أغرب، ما تخليكي دوغري وتقولي عايزة تقولي إيه!"
أشاحت بعينيها عنه بتوتر وهي تقول بارتباك:
"هكون عايزة أقول إيه يعني يا حسن أديني باخد وبدي معاك مانا قاعدة طول نهاري لوحدي لا بشوف حد ولا بتكلم مع حد، وانت طول اليوم برا وبترجع على النوم.. حرام يعني لما أتكلم معاك؟"
نظر إليها بشك واستغراب، يشعر أنها تخفي شيئا ما، أو تمهد الطريق إلى شيئا هو لا يعرفه، ولكنه تنهد وقال:
"لأ مش حرام، اتكلمي زي ما انتِ عايزة. عالعموم أنا لو كان ليا عيلة وأهل كبار زي ما بتقولي أكيد مكانش هيبقى ده حالي، لا كنت هبقا بلطجي ولا رد سجون، ماهو اللي له ضهر ماينضربش على بطنه.. ولا إيه؟"
اهتزت حدقتيها وهمت بقول شيئا ما ولكنه نهض وتركها مازالت تجلس أمام الصينية الموضوع فوقها الطعام، دخل إلى غرفته وارتدى ملابسه، ثم جمع أغراضه وخرج، ووقف أمامها قائلا:
"أنا هوقف فتوح على ما تجهزي، متتأخريش."
***
كان عمر قد استعد للخروج، غادر غرفته وتوجه نحو غرفة چوليا، فقد قرر أن يوليها بعضًا من الاهتمام الذي يوليه نسيم وفريد، هي أيضا شقيقته وعليه أن يقوم بدوره نحوها ولو باليسير.
طرق الباب فلم تجب، ففتح الباب بهدوء ليجدها تجلس على الفراش ورأسها مطرقة فوق ركبتيها، فتنهد بيأس وهو يخطو نحو الداخل، ثم تقدم منها وجلس بجوارها وهو يقول:
"عامله ايه يا چوليا دلوقتي؟"
نظرت إليه لثوانى، ثم ابتسمت ابتسامة مليئة بالحسرة وقالت:
"أنا كويسة متقلقش."
"أنا عارف إني أكيد مقصر معاكي، بس أنا بجد آسف."
نظرت إليه باستغراب، لماذا تراه الآن مراعيًا وحنونًا على غير العادة؟ فهي تعودت أن تكون علاقتها به سطحية نوعا ما، لا يتشاركان الأحاديث والذكريات كأخ وأخته، لا يتبادلان الطرائف والنكات ويتذكران مواقف من طفولتهما، تراه قريبا إلى نسيم أكثر بالرغم من أنها لا تفتح فمها سوى في المناسبات، أما هي وچيلان فلا يجمعهم سوى الحديث الجانبي أو بعض المواقف التي تفرض نفسها عليهم.
ابتسمت بوهن، ومدت يدها نحوه فاقترب منها وعانقها بقوة وهو يقول:
"أنا جاي أقوللك متزعليش، شريف ده أصلا ميتزعلش عليه، بقا بذمتك النخلة ده كنتي بتحبي فيه إيه؟"
ضحكت وهي تبكي فتابع:
"على فكرة أنا كنت ناوي أروح له وأمسح بكرامته الأرض، بس ماما هي اللي منعتني وقالتلي إن الموضوع بسيط ومفيش داعي أتدخل.."
أومأت بتأييد فقال متسائلا:
"هو الموضوع بسيط فعلا ولا انتي مخبية عني حاجه؟"
ربتت على ذراعه وهي تقول:
"متقلقش يا عمر، الموضوع مش مستاهل انك تتكلم معاه، أنا خلاص شيلت الموضوع من دماغي تماما."
تنهد مطمئنًا وقال:
"كويس.. أصلا شريف أنا مش برتاح له. وانتي تستاهلي واحد أحسن منه بكتير.. وحلال عليه اللي عمله فيه فريد."
ابتسمت بانكسار وأومأت فقال:
"أنا رايح المستشفى، أوعدك أول ما أطمن على نسيم وحالتها تتحسن هنسافر أنا وانتي نقضي أسبوع في مدريد."
"مدريد تاني؟!"
نطقتها بحدة فضحك قائلا:
"مدريد تاني بس من غير عط."
هزت رأسها بيأس من رعونته اللامتناهية، فغادر هو واستقل سيارته متجها بها نحو المشفى.
***
كانت نغم تقف أمام غرفة العناية المركزة، تراقب نسيم من خلف الجدار الزجاجي الفاصل بينهما، حيث تقوم الممرضة برعايتها ومتابعة مؤشراتها الحيوية، فقفز إلى بالها ما أخبرها به سالم، حول إنقاذ فريد لحياتها عندما كانت بالمشفى.
تنهدت بانهمام، وأسندت جبهتها على الزجاج من أمامها وهي تردد بأسى:
"يا ريت ما كان ساعدني وكان سابني أموت. كنت ارتاحت وريحت."
انتبهت من شرودها على صوت خطوات تقترب منها، فنظرت لمصدر الصوت فإذ بها تجد عمر يدنو منها وعلى ملامحه ترتسم ابتسامة هادئة، ثم توقف أمامها وهو يقول:
"صباح الخير.."
"صباح النور."
"ــ أخبارك إيه؟"
"الحمد لله."
أجابته باقتضاب وعادت بنظراتها حيث كانت، فوقف بجوارها ينظر الى نسيم المسچاة باستسلام، وتمتم متحسرًا:
"مسكينة يا نسيم.. طول عمرك مظلومة."
أثارت كلماته فضولها الذي أخمدته الأحداث المتسارعة، ولكنه لا يزال متأصلا بدمها، فقالت بهدوء:
"إن شاء الله هتبقى كويسة."
أومأ وهو يقول:
"أنا متشكر جدا إنك اتبرعتي بدمك ليها، وقبل كده أنقذتيني من السجن، انتي بجد ملاك."
كلمته أثارت ضحكها، لا تعرف ما السبب ولكن ربما لأنها لا ترى نفسها كما قال أبدا.
"شكرا."
"هو انتي لسه شايلة مني ولا حاجة؟"
نظرت إليه مجددا وعقدت حاجبيها بتعجب وسألته:
"وأنا هشيل منك ليه؟"
"يعني.. لأني انسببت لك في كارثة.. خبطتك بعربيتي وفقدتي الذاكرة وحياتك اتلخبطت.."
استدارت واتكأت بظهرها على الزجاج وهي تزفر بانزعاج وقالت:
"أنا حياتي متلخبطة من يوم ما جيت على الدنيا أصلا، متقلقش إنت معملتش حاجة جديدة."
"هو أنا ليه حاسس إنك دايما حزينة ولوحدك؟ عينيكي دايما فيها حزن."
نظرت إليه من طرف عينها، ثم تساءلت بسخرية مبطنة:
"هو إنت من بتوع عينيكي فيها حزن؟!"
وابتسمت بخفة فضحك ضحكةً كاملة ثم قال:
"لأ بجد والله مش بهزر.. أنا كل ما أشوفك بلاقيكي حزينة وعينيكي فيها كلام كتير مستخبي."
أطلقت تنهيدة طويلة ثم قالت:
"يمكن عشان الكلام مش هيريح فالسكات أحسن."
"بس الكلام أحيان كتيرة بيبقا علاج."
حدجته بنظرات مارست القهر طويلا، وامتهنها الحزن واستنزف دمعاتها كل ليلة بدون شفقة، ثم قالت:
"على حسب الكلام اللي جوانا.. مش كل الكلام ينفع نحكيه ولا كل الفضفضة علاج. أوقات بيبقا أسلم حل نكتم جوانا ونداوي نفسنا بنفسنا."
رأى نفسه يقف أمام فتاة نالت منها الحياة بغير عدل، ولاطمتها أمواج الغدر من كل اتجاه، فتنهد طويلا وقال:
"معاكي حق بردو. كل واحد تجربته مختلفة عن التاني."
أومأت بموافقة وصمتت، فقال:
"انتي ناوية تعملي إيه؟ هتفضلي معانا؟ ولا ناوية تسيبينا وتمشي؟ أنا شخصيا من رأيي تفضلي، محدش ضامن إيه الكوارث اللي لسة جاية لنا في الطريق.. أهو وقتها نلاقي حد ينقذنا."
وهز رأسه بيأس وهو يبتسم فابتسمت رغما عنها وقالت:
"واضح إنك متفائل جدا."
أومأ وقال:
"التفاؤل في قمة مستوياته الصراحة."
لم يلحظا فريد الذي كان يتقدم منهما وهو يطالعهما بنظرات حادة ثاقبة شملت تلك الابتسامات الخرقاء التي كانا يتبادلانها، ثم توقف أمامهما وهو يقول بهدوء:
"صباح الخير يا عمر."
"صباح النور يا فريد.. إيه أخبارك؟"
أومأ فريد باقتضاب وهو يناول نغم ذلك الكيس البلاستيكي ويقول:
"اقعدي افطري الأول."
ثم نظر إلى شقيقه متسائلا:
"فطرت؟"
أومأ عمر قائلا:
"أه أنا تمام."
أومأ ونظر إلى نغم مجددا وقال:
"لو محتاجة حاجة تانية قوليلي وأنا أجيبهالك."
تناولت منه الكيس وهي تقول بهدوء:
"شكرا."
بينما عمر كان يطالعهما بقليل من الاستغراب، لقد ظن أن شقيقه قد وصل المشفى لتوه، ولكن على ما يبدو أنه متواجد منذ فترة.. وعلى ما يبدو أيضا أنه مهتم بها كثيرا، فهو يعرف أنه لا يعير أي إمرأة اهتمامه، ولكن من الواضح أن نغم ستعيد صياغة دستوره من جديد.
جلست نغم على المقعد وبدأت بتناول تلك الشطائر التي ابتاعها لها فريد ومعها العصير، وهي تراقب الأخوين وهما يقفان أمام بعضهما البعض ويرسمان سويا لوحة متناقضة التفاصيل تماما، ظاهريا وباطنيا.. الاثنين لا ينتميان لنفس البيئة ابدا.. مستحيل.
حانت من فريد نظرة خاطفة نحو نسيم، ثم تنهد بضيق وقال:
"الحيوان ده اللي اسمه شريف، لو عرفت إنك بتتكلم معاه أو بتشوفه أنا مش عارف رد فعلي تجاهك هيكون عامل إزاي."
تنهد عمر بضيق أشد وقال:
"طيب إنت ليك عنده تار واحد وبتقول كده.. أنا بقا تارين.. چوليا ونسيم.. تفتكر هتعامل معاه عادي بعد كل ده؟"
أخذ فريد يمسح على وجهه وجانب عنقه باستياء ثم قال:
"اللي نسيم فيه مش بسبب شريف، بسبب ضغط أبونا عليها، ولولا خوفها من إنه يجوزها ليه غصب عنها مكانتش هتفكر تعمل كده، أما بقا اللي چوليا فيه فده ميخصنيش.. حضرتك عايز تتدخل كأخ وتحل مشكلتهم مع بعض أنا مليش دخل، أنا كل اللي يخصني نسيم اللي مفيش حاجه وحشة محصلتلهاش لحد دلوقتي."
تنهد عمر بانزعاج وقال:
"أنا اتكلمت مع چوليا وقالتلي إن الموضوع منتهي."
"كويس.. حلو جدا، هي الكسبانة، شريف ده عامل زي المرض الخبيث بالظبط، مش بيتمكن من حد إلا لما يجيب أجله."
أومأ عمر مؤكدا وقال:
"معاك حق، على العموم أنا حاسس إن اللي حصل ده فوقني وخلق جوايا إحساس بالمسؤولية تجاهها، بصراحة اكتشفت إني مقصر في حق چيلان وچوليا جدا، وأكيد هما متضايقين من ده.."
قرص فريد بين عينيه بتعب وأردف:
"كونك لاحظت إنك مقصر فده مؤشر حلو جدا إنك في بداية الطريق الصح.. وعلى فكرة.. چيلان وچوليا محتاجين لسند وداعم غير نادية هانم. محتاجين حد يحتويهم والمفروض إنك تكون الحد ده."
ثم نظر إلى نسيم بحسرة وتمتم:
"بلاش بسلبيتك تساهم في إنهم يوصلوا لحافة الضياع."
فهم عمر مقصد شقيقه جيدا، فهو يعرف أن فريد دائما يلوم نفسه ويحملها فوق طاقتها ويؤنبها، دائما يرى نفسه بوسعه فعل شيء ما، وشعوره بالعجز يضعه في مواجهة عنيفة مع وسواسه الذي يتغلب عليه في النهاية.
فربت على كتفه قائلا بنبرة مرحة:
"hey man بلاش العمق الأوڤر ده إنت عارف إني بتخنق بسرعة."
حدجه فريد بنظرات ساخطة أضحكته، ثم تجاوزه ووقف أمام نغم التي كانت تراقب حديثهما بفضول وتسائل بلطف:
"خلصتي فطارك؟"
أومأت بموافقة وقالت:
"الحمد لله."
"بألف هنا."
نهضت وهي تمسح فمها بلطف بالمنديل، فأخذ يراقب حركاتها دون وعي منه وثبت نظراته على عينيها مما أربكها فحمحمت تعيره انتباهه الذي فقده وقالت:
"المفروض إن الدكتور هيطمنا إمتا؟"
"أنا سألت قالوا كمان نص ساعة تقريبا."
هزت رأسها بتفهم وقالت:
"إن شاء الله خير."
قال وهو لازال ينظر إليها مباشرة:
"إن شاء الله. مش حابة ترجعي البيت ترتاحي؟"
أومأت بلا وقالت:
"حاسة إني خايفة أرجع لوحدي."
وتابعت بتوتر:
"كمان إنت مشيت.. وبترت كلماتها لأنها لم تجد التعبير المرغوب فيه، فسألها بترقب:
"قصدك إنك هتكوني مطمنة لو أنا رجعت؟"
حسنا هنيئا لها، هناك رجل أمامها، دوما ينجح في فك الشفرات وحل الأحجيات.. ولقد عثر على ما تريد قوله تماما، فأومأت وهي تحارب شبح الابتسامة الذي ظهر على شفتيها، فرأت عيناه تبتسمان ثم قال:
"اوكي.. لو رجوعي الڤيلا هيطمنك أنا معنديش مانع أرجع. إنتِ تؤمري."
رآها تبتسم وهي تخفض رأسها أرضًا، فأخذ يتأملها للحظات، إمرأة تفيض بالرقة، تمتلك كل مقومات الحب، عيناها بحر وشفتاها سحر، جسدها الضئيل يحتاج لحصنٍ منيع يُشيد حولها ويحميه من السهام الذي قد يتلقاها بغتة.. نظراتها الحزينة الصارخة تأسر الناظرين وتترك خلف كل نظرة أثرا من الحب.
في تلك اللحظة كانت چيلان تقترب منهما، فإذ بها تتوقف عندما رأته ينظر إليها نظرة الولهان وهي تتصنع الانشغال عنه بمكر، غلت الدماء بعروقها وأخذت تُرغي وتزبد بضيق، ثم أكملت الطريق نحوهم وهي ترفع رأسها بأنفة وإباء، وتوقفت في المنتصف، بينهما وبين عمر المنشغل بهاتفه وقالت:
"صباح الخير."
انتبهوا جميعهم عليها، و رددوا التحية بهدوء، فتجاهلت فريد ونظرت إلى عمر قائلة:
"إيه الأخبار؟"
فأجابها عمر قائلا بهدوء:
"مستنيين الدكتور."
في نفس اللحظة ظهر الطبيب الذي دخل غرفة نسيم ليباشر حالتها، فوقفوا جميعهم يترقبون لحظة خروجه، ما عدا فريد الذي كان يفكر في شيئا آخرا… والده!! لماذا تأخر؟
***
خرجت نادية من غرفتها متأهبةً للذهاب الي المشفى، توقفت قليلا أمام وهي تنظر إلى غرفة چوليا بأسى، ثم تنهدت بضيق وتجاهلتها، وفي طريقها للدرج استوقفها اتجاه زينب نحو غرفة سالم، فتسائلت نادية باستغراب:
"رايحة فين دلوقتي؟"
وقفت زينب أمامها وهي تشير نحو غرفة سالم وتقول:
"بقالي كذا مرة أدخل أصحي الباشا مش راضي يصحى، قلت أكيد عشان نايم متأخر وتعبان، بس خايفة تيجي على دماغي أنا في الآخر ويتهمني إني أخرته عن مرواحه المستشفى لنسيم هانم."
"هو سالم لسه منزلش؟"
تساءلت بتعجب، فأومأت الأخرى بتأكيد، فقالت نادية:
"طيب روحي انتي وأنا هصحيه."
انصرفت زينب، فدخلت نادية إلى غرفة سالم، وتقدمت من سريره، ثم جلست بجواره على طرف الفراش وهي تهزه برفق وتقول:
"سالم.. سالم.. يلا اصحى!!"
لم تحصل منه على رد، فابتلعت ريفها بتوتر وهي تكرر نداءها وتهزه بقوة أكبر:
"سالم.. سالم…"
وأخذت تهزه بعنف وهي تقول بصوت يشبه الصراخ:
"سالم… انت سامعني؟!!!!!"
رواية محسنين الغرام الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نعمة حسن
وقف الجميع والقلق يرتسم على ملامحهم، ينتظرون مغادرة الطبيب غرفة العناية المتواجدة بها نسيم لكي يمنحهم الخبر الذي قد يثلج صدورهم وقد يُدميها.
فريد، عمر، نغم، وحتى چيلان.. الجميع قلقون بشدة.
الجميع اجتمعوا هنا لأجل نسيم، الجميع يكنون لها المحبة الصادقة.
بعد مرور دقائق من الانتظار المميت خرج الطبيب وعلى وجهه أمارات الارتياح، تنهد وهو يبتسم برضا وقال:
ـ الحمد لله الحالة لحد دلوقتي مستقرة، درجة الوعي بترجع للمعدل الطبيعي بالتدريج والمؤشرات الحيوية منتظمة، بس فيه بعض الرضوض إلى جانب شرخ في مفصل الحوض.. ولكن الحمدلله قدر ولطف الإصابة مش شديدة، يعني مش هتحتاج تدخل جراحي، بعد ما تخرج من المستشفى تقدر تبدأ بالعلاج الطبيعي.
تنهد فريد بارتياح نسبي، ومسح على وجهه وجانب عنقه بهدوء وهو يحمد الله، ثم عاد إلى المقعد وارتكز فوقه يلتقط أنفاسه، فاتخذت نغم مقعدا بجواره غير منتبهة على تلك الشقراء التي حدجتها بنظرات ساخطة يملؤها الازدراء.
ربتت چيلان على ظهر عمر وهي تقول بابتسامة:
ـ اطمن.. هتبقا كويسة.
أومأ عمر متأملا، بينما فريد كان متعجبًا عدم مجيء والده إلى الآن، واختفاء زينب كذلك، فقرر الاتصال بها، لتجيبه بصوت قلق:
ـ فريد بيه، الاسعاف نقل الباشا على المستشفى وأنا مع منصور دلوقتي جايين وراهم..
تساءل متفاجئًا:
ـ إيه اللي حصل ؟!
ـ مش عارفين، جينا نصحيه مش بيصحى وجسمه كله متلج.. طلبنا له الاسعاف وجايين دلوقتي حالا على المستشفى.
ـ طيب أنا هنتظركم تحت في الاستقبال.. مع السلامه.
أنهى الاتصال وهو ينهض، ثم أشار لعمر برأسه لكي يلحق به وهو يقول بايجاز:
ـ الباشا تعب فجأة وجايبينه دلوقتي في الاسعاف.. تعالى نستناهم تحت.
وغادرا أمام نظرات چيلان ونغم المترقبة.
وقفت نغم متوترة، قلبها بداخلها يتخبط بحيرة، فجذبها من شرودها صوت چيلان التي بدا وكأنها تتحدث إلى أحدهم في الهاتف وهي تقول بتوتر مصطنع:
ـ أكيد مش هتعمل كده صح ؟! إنت إزاي عايزني أقولله حاجة زي دي في وقت زي ده ؟! أوكي بنحب بعض أنا عارفه وهنتجوز ومفيش أي مشكلة، بس الفيديو ده لو ظهر دلوقتي هيعمل مشكلة كبيرة وإنت عارف كده.. خصوصا إن أنكل سالم تعب فجأة ونقلوه عالمستشفى..
قطبت نغم جبينها بتعجب وأرهفت السمع أكثر وهي تنظر الى چيلان التي كانت تذرع الممر ذهابا وإيابا وهي تتحدث بانشغال وتقول:
ـ تخيل بقا في ظروف زي دي يشوف فيديو زي ده لابنه، ومش أي ابن.. ده فريد اللي مستحيل يصدق إنه يغلط. أكيد هيتضايق وينفعل وممكن جدا حالته تتدهور كمان.
انقبض قلبها، وغادرت الدماء جسدها فجأة، فيما اقتربت چيلان منها ووقفت على بعد خطوات وهي تقول بصوت يبدو منخفضا ولكنه وصل نغم:
ـ أوكي أنا فاهمة ده كويس، وصدقني أنا مكنتش أعرف إن حاجة زي دي هتتصور أبدا.. أنا وفريد متخيلناش إن حد يدبر لنا حاجة زي دي أبدا.
هوى قلبها أسفل قدميها، وشعرت بثمة سكين في قلبها يدار بهدوء فيقتلها ببطء، وشعرت بأنفاسها تتلاحق وهي تسمعها تهمس إليه برجاء:
ـ بليز بلاش فريد يعرف بحاجة زي كده هو مش ناقص مشاكل، وأنا أوعدك أول ما المشاكل اللي في العيلة تتحل هتواصل معاك ونحاول نشوف حل.. أوكي.. سي يو.
حانت منها التفاتة نحو نغم التي أطرقت برأسها أرضا في ذهول، فابتسمت بخبث وهي تسحب حقيبتها ومعطفها، ثم نزلت إلى الأسفل وتركت نغم تتحسس أثر صفعة خذلان جديدة.
***
خرج الطبيب من غرفة الطوارىء بعد أن قام بفحص سالم، ليلتف حوله الجميع، وتساءل فريد باهتمام:
ـ خير يا دكتور ؟!
ـ خير متقلقوش، المريض دخل في غيبوبة سكر لأن مستوى السكر انخفض جدا.. دلوقتي عملنا له اللازم وإن شاء الله هيفوق بعد شوية.. عن اذنكم..
تنهد فريد براحة، فبمجرد أن تخيل أنه من الممكن أن يفقد والده انقبض والده وشعر بنصل سكين حاد ينغرس بقلبه.
توجه هو وعمر إلى الكافتيريا بالخارج، وجلس كلا منهما ينظر في جهة بشرود، إلى أن نطق عمر قائلا:
ـ هو إحنا بنحبه ولا بنكرهه؟ إزاي مش طايقينه وإزاي كنا قلقانين عليه بالشكل ده ؟!
تنهد فريد، وقال:
ـ إحنا مش طايقين تحكمه وتسلطه وجبروته، إنما في النهاية هو هيفضل أبونا.. محدش بيختار أهله للأسف.
أومأ عمر مؤيدًا، ثم قال:
ـ معاك حق.
اعتدل فريد بمجلسه بتأهب وهو يقول:
ـ قوللي إيه أخبارك ؟! أنا بقالي كتير مشغول عنك ومقصر معاك..
وحك جبهته بانزعاج وهو يتمتم بضيق من نفسه:
ـ أنا مقصر في كل حاجه الحقيقة.. بس اوعدك يعني إن كل حاجه هترجع زي الأول وأحسن.. إحنا بس نعدي الأزمة دي على خير ونسيم تخرج من هنا بالسلامه.
ـ وأي أزمة !! أنا متخيلتش إن نسيم تعمل كده أبدا..
نظر إليه فريد وأقرّ بضيق:
ـ اليأس يعمل أكتر من كده. الحمدلله إن ربنا كتبلها عمر جديد.
ـ معاك حق، ولتاني مرة نغم تتدخل وتنقلنا.. أنا بقيت أتفائل بوجودها بصراحة.
ثم أسند ذراعيه على الطاولة أمامه وهو يقترب بانفتاح نحو أخيه ويقول مبتسما:
ـ بصراحة.. أنا حاسس إني بدأت أحس باعجاب ناحيتها.
انعقد لسانه بصدمة، وأخذ يحدق بأخيه بصمت مطبق، ثم تساءل ليؤكد لنفسه ما سمعه:
ـ معجب بمين ؟! بنغم ؟!
أومأ عمر مؤكدا وقال:
ـ أيوة.. وحاسس كده إنها موقعتش في طريقي صدفة، لا دي تدابير القدر يا برو..
واتسعت ابتسامته وهو يريح ظهره للمقعد من جديد وينظر إلى أخيه بحماس، بينما بقي فريد ينظر نحوه بشرود وغامت عيناه بضيق ونفور، فنهض ودخل المشفى من جديد وترك عمر يتطلع في أثره باستغراب، ثم صعد نحو الطابق الأول حيث تركها.
فوجدها تجلس بجوار زينب، يتبادلان الحديث بصمت، وما إن رأته حتى أشاحت بوجهها جانبا بطريقة جعلته يتعجب ذلك الانقلاب المفاجئ.
هم بالاقتراب منها، فارتفع رنين هاتفه معلنا عن ورود مكالمة هاتفية، فأجاب باهتمام قائلا:
ـ مساء الخير..
ـ مساء النور بشمهندس فريد، حضرتك كنت حجزت موعد عند دكتور رؤوف النهارده وأنا بلغتك إنه مسافر.
ـ مظبوط..
ـ الدكتور بيبلغك إنه أجل سفره ومستني حضرتك النهارده في الميعاد..
تنهد براحة وأومأ وهو يقول:
ـ كويس جدا، بإذن الله هكون موجود قبل الموعد كمان، مع السلامة.
أنهى الاتصال وهو يزفر براحة، فلقد اتخذ قراره بزيارة الطبيب اليوم لأن ما حدث بالأمس لا يفترض أن يتم تجاهله أبدا.
نظر صوبها فوجدها تنظر إليه بقوة، وما إن تلاقت أعينهم حتى أشاحت بوجهها مجددا، بينما ظل هو على نفس الحالة، يرمقها بمقلتين تأجج بهما الخوف وهو يتذكر كلام أخيه، ويشعر بأن علاقتهما التي تحسنت للتو باتت مهددة من قبل طرف آخر.. وليس أي طرف، إنما هو طرف مهم يملك تأثيرا كبيرا على قلبه، يربطهما ببعضهما رابطًا أقوى من كل شيء، ألا وهو رابط الدم.
***
كانت عائشة قد أنهت جلستها للتو، وبينما هي لازالت تجلس على الفراش حيث كانت تتلقى جرعة العلاج الكيميائي أخذت تتذكر كل مرة رافقتها فيها نغم إلى هنا، وكيف كانت تنهمّ لأجلها وتجلس بجوارها، تربت على يدها وتمسح على شعرها، تمنحها حنانًا فطريًا وكأنها أمها وليست ابنة اختها.
سالت دمعاتها على جانبي خدها، فمدت يدها تمسحها سريعا عندما لمحت حسن وهو يدنو منها، فوقف أمامها مبتسما وهو يقول:
ـ بالشفا ياما إن شاء الله.
اقترب منها وساعدها لكي تنهض عن الفراش وتعتدل بمجلسها، ثم جلس بجوارها وهو يحيطها بذراعه ويقول:
ـ إيه رأيك بقا أروح أنا وانتي نقعد حبة عالنيل ؟! من زمان أنا مدلعتكيش…
كانت تفكر في ألف شيء، لدرجة أنها لم تشعر بالرغبة في فعل شيء سوى العودة إلى المنزل والارتماء على الفراش.
ـ لأ.. مليش مزاج للنيل النهارده.. خلينا نروح المشوار المهم اللي كنت بتقول عليه وبعدها نرجع عالبيت، حاسة إن روحي مسحوبة.
قربها منه وأسند رأسها على كتفه وهو يقول بحنو لا يظهر سوى أمامها:
ـ سلامتك يا أم حسن، يا ريتني بدالك ياما..
سالت دمعاتها سريعا وهي تنظر إليه وتقول بلهفة:
ـ لا يا حسن بعد الشر عليك يا حبيبي، ربنا ما يأذن لك بمرض أبدا يبني.
ـ طب إيه بقا ؟! هتسمعي كلامي وتيجي تتمشي معايا حبة ولا أشوفلي واحدة أمشي معاها ؟!
راقص حاجبيه بمراوغة فطالعته بنظرات لاذعة وهي تقول بتوبيخٍ فاتر:
ـ تشوفلك واحدة تمشي معاها يا صايع ؟! على أساس إنك كل يوم بتسهر لوش الفجر تبيع سبح ؟!
علت ضحكته بينما هي تتمتم بسهوٍ وهي تقول:
ـ يعني هتجيبه من بره ؟!
ـ الله !! هو الحج محمود جادالله كان بيلعب بديله كتير ولا إيه ؟! أومال إيه القصايد اللي بتقوليها فيه كل ليلة. ده أنا كنت بدأت أسأل نفسي أنا طالع فلتان لمين !
وهز رأسه وهو يضحك ساخرًا، بينما أخذت تحدق به بندم وقد أثارت كلماته حفيظتها مرة أخرى، ثم قالت بتردد:
ـ لأ يا حسن.. محمود جادالله كان أشرف وأنضف راجل في الدنيا، ده حتى السيجارة مكانش بيشربها.
رفع حاجبه وأخذ ينظر إليها بتعجب وقال:
ـ يا شيخه ؟!
أومأت بموافقة فتمتم بعد أن تنهد:
ـ صحيح.. يخلق من ضهر العالم فاسد.
ابتلعت ريقها بوجل، أرادت أن تخبره أنه ليس والده من الأساس وأن تزيح ذلك الحِمل عن كتفها، ولكنها جبنت كالعادة وآثرت الصمت.
ـ طب يلا ؟! ورايا مشوار ضروري بالليل ولازم أنجز.
ـ مشوار إيه ده ؟!
ـ بعدين هقولك.
ساعدها على النهوض، ثم اصطحبها للخارج واستقلا التاكسي برفقة فتوح، فطلب منه حسن أن يذهب إلى العنوان الذي سيمليه عليه، أمام نظرات والدته المتعجبة المترقبة بقلق.
بعد حوالي نصف ساعة، توقف فتوح أمام كافتيريا تطل على كورنيش النيل، فترجل حسن وساعد والدته، ثم قادها نحو الداخل وسحب لها مقعدا فجلست، ثم نظر إليها قائلا:
ـ تشربي إيه يا مدام عيشة ؟!
تعجبت أسلوبه المرح، فهو لا يمازحها إلا عندما يمهد لشيئا يعلم أنها سترفضه، أو عندما يتمتع بمزاج جيد للغاية.
ـ مش عايزة أشرب يا حسن..
فنظر إلى النادل وقال:
ـ هات لها عصير جوافة هي بتحب الجوافة..
تحرك النادل فنظر إليها حسن قائلا:
ـ هنا بقا بيعملوا جوافة مش شبه أي جوافة شربتيها في حياتك.. تحسي إن كوباية العصير نازلة من عالشجرة دلوقتي حالا.
ـ قصّر يا حسن.. عايز تقول ايه ؟!
ظهرت ابتسامته عندما أدرك أنها دومًا تفهمه وتحفظ أساليبه، فقال بهدوء:
ـ نشرب الجوافة الأول وبعدين نتكلم.
تنهدت بصمت، ثم نظرت أمامها حيث يمتد النيل والشمس تسقط أشعتها عليه في منظر طبيعي آسر للأنظار، وشردت بتعب، فيما بقي هو يتطلع أمارات العجز و الوهن الواضحين عليها بشفقة، ثم تحدث بهدوء:
ـ مآنش الأوان ترتاحي بقا ياما ؟!
نظرت إليه ثم وضعت كفًا فوق الآخر بقلة حيلة وهي تقول:
ـ يا ريت.. بس لسه العمر فيه باقي هعمل إيه.
ضحك يائسًا من ردودها التي تنافي مقاصده تماما وقال:
ـ لأ مش قصدي الراحة دي، أقصد ترتاحي في الدنيا يعني تتبغددي.
ـ أتبغدد ؟!
أومأ مؤكدا فقالت:
ـ واللي زيي لسه هيدور على البغددة لية يابني، الحمدلله على كل حال. أنا كل اللي بفكر فيه دلوقتي إني أفرح بيك وأطمن عليك وعلى نغم.
نطقتها بعفوية، فتجهمت ملامحه، وتحركت نظراته من عليها إلى المنظر الخلاب من أمامه، ثم تنهد وقال:
ـ متشغليش بالك بينا، إحنا كل واحد فينا عارف هو عايز إيه كويس.
ـ أوقات كلامك بيخوفني يا حسن، بحس إني مش فهماك ولا عارفة اللي بيدور في راسك إيه، بخاف منك عليك وعلى الغلبانة اللي الدنيا مش رحماها.
أطلق تنهيدة ساخرة مبتورة، ثم قال بإيجاز:
ـ غلبانة !؟ والله ما شفت أغلب منك ولا أطيب منك بيتضحك عليكي بكلمة ونص.. عالعموم متخافيش مني ولا تخافي عليا.. أنا الدنيا عملت معايا الواجب وزيادة وخلتني أفوت في الحديد.
تنهدت بأسى وأخذت تتطلع إليه بقلق، ولكنه كان صامتا متحفظا، فلم تجد ما يفسر كلامه سوى تلك النظرة البائسة التي تشبعت بها مقلتيه..
بعد قليل.. نهض واصطحب والدته حيث يحضر لها المفاجأة، فدخلا أحد المبان الراقية التي تطل على النيل مباشرة، وصعدا بالمصعد حيث الطابق الثالث، ثم خرجا منه وقادها نحو شقة بآخر الرواق.
ـ إنت جايبنا فين يا حسن ؟! وشقة مين دي !!
ـ ادخلي بس برجليكي اليمين وبعدين هتعرفي كل حاجه.
دخلت عائشة وهي تنظر حولها بتفحص، فوجدت أمامها شقة واسعة مجهزة بأحدث الأثاث والمفروشات والأجهزة العصرية…
ـ شقة مين دي يا حسن وجايبنا هنا ليه ؟!
ـ دي شقتنا من هنا ورايح ياما.
نظرت إليه بتعجب وقالت:
ـ شقتنا ؟! شقتنا إزاي يعني ؟!
تحدث وهو يسير متفحصا كل تفصيلة بها باعجاب وهو يقول:
ـ شقتنا اللي هننقل فيها، خلينا نخرج بقا برة عزبة الصفيح ونقب على وش الدنيا شوية.
وأخذ يشير إلى الغرف واحدة تلو الأخرى وهو يحاول صرف تركيزها عنه وهو يقول:
ـ شوفي الأوضة دي.. دي أوضة الصالون، عشان لما يجيلك ضيوف تستقبليهم فيها، بس طبعا مش أم مرزوق وأم فتوح والكاتعة.. الأشكال دي تقابليها عالقهوة تحت. الصالون ده للناس اللي عليها القيمة.. اللي احنا منعرفهاش يعني.
وتابع وهو يشير لغرفة أخرى:
ـ دي بقا الاوضة بتاعتك يا جميل.. أوضة شرحة وبرحة وهواها بحري.. يرمح فيها الخير ميجيبش آخرها.. ببلكونة واسعة عشان تقفي فيها كل يوم الصبح تشمي الهوا اللي يرد الروح ده.. والأوضة الي جنب منك دي بتاعتي.. ثم أشار للغرفة الرابعة وهو يقول بلااكتراث مزيف:
ـ والأوضة دي بقا لما تيجي صاحبة نصيبها.
ثم استدار وهو يشير نحو غرفة المعيشة ويقول:
ـ شوفي بقا الدلع.. أنتريهك وتلفزيونك الي من الحيط للحيط.. عشان تتفرجي على عبدالغفور البرعي براحتك والصورة تبقا واضحة كده بدل التلفزيون أبو عين واحدة اللي جابلنا عمى ألوان. وفي تلاجة صغيرة أهي.. عشان تعطشي تمدي إيدك تشربي، مش لسه بقا هنروح المطبخ اللي في آخر الشقة وحوار..
ثم نظر إليها وهو يحاول تجاهل تلك النظرة المحبطة بعينيها وقال بشبه ابتسامة:
ـ ها إيه رأيك ؟!
ـ جبت الفلوس دي كلها منين يا حسن ؟!
ممم.. لقد كان في انتظار ذلك السؤال على أحر من الجمر ويعرف أنها لن تتراجع عنه أبدا.
تنهد يملأ صدره بالهواء ثم قال:
ـ ربنا كرمني واشتغلت مع ناس تقال أوي ياما.. والعز ده ميجيش نقطة في بحر العز اللي لسه هنشوفه.
طالعته بغير تصديق، وأخذت تنظر حولها بشك وهي تقول بتهكم خفي:
ـ والله ؟! وشغل إيه بقا اللي يشتري شقة زي دي ؟!
ـ شرا إيه ياما دي ايجار جديد.. والعقد معايا أهو لو مش مصدقاني.
وأخرج العقد من جيبه وناوله لها فقالت:
ـ حتى لو إيجار.. جبت المقدم منين ؟!
ـ صاحب الشغل الله يباركله عطاني مرتب شهرين مقدم لأنه عارف إني محتاج فلوس.
ـ بردو عمال تلف وتدور ومجاوبتنيش، شغل إيه ده ؟!
ابتلع ريقه وهو يجيبها بتوتر:
ـ بشتغل في المينا.. بنقل بضايع وحاجات زي كده..
رمقته بشك، وقالت:
ـ بتنقل بضايع ولا بتهرب بضايع ؟!
اقترب منها وهو يتلاشى النظر بعينيها بمراوغة، ثم أمسك يدها وقبلها وهو يقول:
ـ تهريب إيه بس يا ام حسن هو ابنك بتاع تهريب ؟! ده شغل يمين اليمين وقرشه حلال متقلقيش.
بدا عليها الاقتناع قليلا، ولكنها نظرت إليه بحذر وقالت:
ـ بردو مش هصدقك إلا لو جيت مكان شغلك واتكلمت مع صاحب الشغل، وقتها بس أصدقك وأجي أقعد هنا وأنا بالي مطمن.
ظهر عليه الارتباك قليلا ثم قال:
ـ آه.. وماله.. عايزة تقابلي صاحب المصلحة مفيش مانع، بس مش النهارده..
وغمغم بسهو:
ـ بكرة ولا بعده أكون اتصرفت..
قطبت جبينها وتساءلت متعجبة:
ـ اتصرفت في إيه مش فاهمة ؟!
ـ ها.. ؟! لا أقصد يعني بلغته عشان يكون موجود لأنه بيسافر أغلب الوقت مع الشحنات.. اديني يومين بس وأخدك تقابليه طالما ده هيخليكي تصدقيني.
أومأت بموافقة وقالت:
ـ بس من هنا لوقتها هنفضل في بيتنا.
نظر إليها مبتسما وهو يقول بمشاكسة:
ـ إنت تؤمر يا كبير.. إنت تأشر وأنا أنفذ.. أهم حاجة ننول الرضا.
وانحنى ملتقطا يدها وقبلها فربتت على ظهره وهي تقول:
ـ راضية عنك دايما يا حسن.. ربنا يكفيك شر ولاد الحرام وميحرمنيش منك.
وغادرا لينقلهما فتوح إلى البيت، ترجل حسن من السيارة وساعدها، واتجها نحو المنزل وهو يميل عليها قائلا:
ـ بقولك إيه يا عيوش داري على شمعتك تقيد أنا بقوللك أهو، بلاش جو المزرعة السعيدة بتاعك انتي ونسوان الحارة ده، مش عايز حد يعرف حاجه عن إننا هننقل، سمعتي ؟!
فأشاحت بيدها بلااكتراث وهي تقول:
ـ وهو انت شايفني فتانة ولا كتيرة الكلام يعني ؟!
نظر إليها من طرف عينه وهو يقول متهكما:
ـ لا وهو حد يقدر يقول كده لاسمح الله ؟!
وإذ بهما يجدان نهال، حيث كانت تجلس أمام الباب في حالة ترثى لها، وعلى وجهها تظهر آثار الضرب الوحشي، مما أفزع عائشة وجعلها تتسائل بقلق؛
ـ نهال.. إيه اللي عمل فيكي كده يا بنتي ؟!
نهضت نهال وارتمت بين ذراعي عائشة وأخذت تبكي بانهيار، فربتت عائشة عليها وهي تقول:
ـ ادخلي تعالي..
كان حسن قد استطاع استنتاج بعضا مما حدث، فدخل وهو يشعر بالضيق، وأغلق الباب وجلس بجوار والدته، ثم نظر إليها وهو يقول:
ـ خير، مين اللي دشمل لك وشك كده ؟!
تجاهلته وهي تنظر إلى عائشة وتقول:
ـ شوفتي اللي جرالي يا خالتي؟ الكلب الرمة اللي محسوب عالرجالة راجل وقف يتفرج عليا ومراته بتبيع وتشتري فيا وخدت هدومي وخلت رجالتها يضربوني ويطردوني بره الشقة.. ومنطقش بحرف حتى.
ـ لا حول ولا قوة الا بالله.. مهو آخرة الغلط غلط بردو يا نهال، انتي خطفتي راجل من مراته وعياله كنتي مستنية إيه اللي يحصل في الآخر ؟!
أومأت نهال وهي تقول:
ـ معاكي حق في كل اللي تقوليه يا خالتي، أنا مش هدافع عن نفسي، أنا عارفة إني أستاهل الحرق، وكل اللي عايزاه إنك تعتبريني زي نغم.. لو نغم في موقف زي ده هتسيبيها في الشارع ؟!
تنهدت الأخرى بقلة حيلة وأردفت:
ـ أكيد لا..
هنا برز صوت حسن الءي قال مغتاظا:
ـ قصدك إيه يعني ؟! قصدك إنك عايزة تقعدي معانا هنا ؟!
ـ مؤقتا والله يا حسن.. بالله عليكي يا خالتي ما تقسي قلبك عليا، أنا كل اللي طالباه أفضل عندكو هنا لحد ما أدبر حالي وأشوف بيت أقعد فيه.
نظرت عائشة لابنها الذي هز رأسه برفض قاطع، فقالت:
ـ وبعدين يا حسن.. ميصحش كده يبني، البنت واقعة في عرضنا ومينفعش نكسر خاطرها، احنا عندنا ولايا بردو…
انحنت نهال على يد عائشة وقبلتها بقوة وهي تقول بامتنان صادق:
ـ وأنا وعد مني والله العظيم ما هعمل أي حاجه تضايقكم ولا هتحسوا بوجودي أصلا..
نهض حسن وهو يرميها بنظرات ساخطة، ثم قال مغتاظا:
ـ أنا ماشي.. ومش هبات الليلة دي هنا ياما عشان متستنينيش.
وخرج وتركهما يتطلعان نحوه الأولى بقلق والأخرى بخيبة أمل.
***
مساءًا..
توقف فريد بسيارته أمام مركز الدكتور رؤوف، ثم ترجل وسار نحو الباب الرئيسي، ثم دخل فاستقبلته موظفة الاستقبال وقادته نحو مكتب الطبيب.
دلف فريد محاولا رسم ابتسامة بسيطة على وجهه، فأدرك الطبيب على الفور الحالة النفسية الهشة التي يمر بها فريد، رحب به ثم أشار إليه بالجلوس وهو يقول بابتسامة بشوشة:
ـ أهلا يا بشمهندس فريد.. اتفضل ارتاح.
جلس فريد وهو يحاول تنظيم أنفاسه المضطربة اضطرابًا ناجمًا عن أحداث متلاحقة ضاغطة، ثم تنهد وقال:
ـ الحقيقة لما حضرتك قلت إنك مسافر حسيت إني هنفجر..
ابتسم الطبيب بتفهم وقال:
ـ أنا أجلت سفري مخصوص لما سمعت صوتك وأدركت مدى الارهاق اللي إنت فيه.
ـ متشكر جدا لحضرتك، ده تنازل يستحق الامتنان.
ـ ده مش تنازل أبدا، وإنما شعور بالمسؤولية تجاه الناس اللي بيلجأوا لي عشان أحتوي الفوضى اللي جواهم.. اتفضل يا فريد.. نبتدي منين ؟!
تنهد فريد وهو يضغط بين عينيه بارهاق ويقول بصوت أغرقهُ الإحباط:
ـ الحقيقة مش عارف، جوايا مِية حاجة تعباني وشغلاني..
ـ خلينا نبدأ بالحاجة اللي خلتك تاخد قرار بالزيارة النهارده..
زم فريد شفتيه باحباط، وأطرق برأسه للحظات مستغرقًا في تفكير صاخب، تغضن جبينه وانعقد حاجبيه، وظهر الانزعاج جليًا على وجهه، ثم نظر إلى الطبيب وقال:
ـ اللي خلاني أجي النهارده إني مش قادر حتى أصلي، الموضوع ده أحبطني جدا وخلاني أحس إن خلاص مفيش أمل، أنا هفضل طول عمري أعاني ومفيش مخرج، حالتي من سيء لأسوأ ومهما هفضل أخد علاج مفيش حاجه هتفيد..
وتابع وهو يحرك يديه شارحًا ما يكنه صدره باستفاضة وأريحية:
ـ المفروض إن أي إنسان طبيعي مهما كان مقصر لكن لما بيضيق بيه الحال أو يمر بأزمة بتكون أول حاجه يفكر فيها إنه يلجأ لربنا سبحانه وتعالى، أنا حتى اللجوء لربنا محروم منه، مش قادر أقف أصلي، مش قادر أرفع ايديا وأقول يا رب من غير ما ييجي في دماغي مليون حاجة…
وتوقف، وظهرت على ملامحه الضيق والانهمام وأخذ يستطرد بعجز:
ـ حاجات أنا مش قادر أوصفها، مش قادر أمنعها، مش قادر أوقفها ولا أبطل تفكير فيها.. هو ده غضب من ربنا ؟! للدرجة دي ربنا غضبان عليا لدرجة انه يبتليني بمرض زي ده ؟!
توقف عن الاسترسال وسحب نفسًا طويلا يشحذ به قوته الخائرة، ثم تابع بقهر يلوح في عينيه:
ـ أنا استحملت جميع أنواع الوساوس، قدرت بعد سنين طويلة أتأقلم مع فكرة إني مريض بالوسواس القهري، بس مكنتش متخيل إني هوصل للمرحلة دي.. إني أكون نفسي أصلي ومش قادر !!
صمت مجددا، وأسند مرفقيه على فخذيه ووضع رأسه بين يديه بانهزام، بينما الآخر يرمقه بهدوء وتفهم وهو يدون بعض الملاحظات بدفتره الخاص، ثم تساءل قائلا:
ـ حاولت تضغط على نفسك وتعيد الصلاة أكتر من مرة، ولا استسلمت من المرة الأولى ؟!
نظر إليه فريد وقال وهو يسترجع بعض الذكريات:
ـ لأ مقدرتش، أنا بقالي سنتين تقريبا مش بصلي، بسبب إني كل ما كنت بحاول أصلي أحس حاجة واقفة قدامي بتمنعني أصلي، ولو غصبت على نفسي مش بعرف أركز ومليون حاجة بتيجي في بالي وأنا بصلي، زائد ان مفيش خشوع نهائي، بحس إني واقف بعمل تمارين مش أكتر.. وأوقات أحس إن مفيش نية أصلا، فبالتالي بحس إن صلاتي مش هتتقبل. غير إن دايما كان بيجيلي هاجس إن وضوئي مش صحيح، فممكن كنت أفضل أعيد الوضوء أكتر من خمس مرات لدرجة إني وصلت لليأس.. حسيت إني خلاص مش قادر وفكرة الصلاة بقت عبء تقيل عليا.
هز الآخر رأسه بتفهم شديد، ثم قال بروية:
ـ فاكر الزيارة اللي فاتت لما قولتلك في أبعاد تانية هنتكلم فيها ؟!
أومأ فريد مؤكدا، فتابع الطبيب وقال:
ـ كنا هنتكلم عن الموضوع ده بالتحديد..
واسترسل وهو يشير راسمًا علامتي تنصيص بسبابتيه ويقول:
ـ ” علاقتك بربنا عاملة إزاي ” .
وتابع:
ـ مبدئياً وقبل كل شيء، حابب تضيف حاجة خاصة بالجزئية دي ؟!
هز فريد رأسه نافيًا، فأومأ الطبيب ثم قال:
ـ اسمعني يا فريد وركز معايا كده وخلينا نفصص الكلام اللي أنت قولته واحدة واحدة.. أول حاجة.. إنت بتسأل.. هل للدرجة دي ربنا غضبان عليا لدرجة انه يبتليني بمرض زي ده ؟! عاوزك تفهم إن الابتلاء ده سنة إلهية، تعتبر من أهم سمات الصالحين، مش معنى إن ربنا مبتليك إنه غضبان عليك، ولكن الابتلاء بيحصل لرفع الدرجات وتعظيم الأجور، وكلما عظم البلاء تضاعف الجزاء.
تاني حاجه، قبل ما نبدأ في مناقشة تأثير الوسواس ده عليك وعلى صحتك النفسية لازم نعرف توصيفه الصحيح الأول، الوسواس اللي من النوع ده بيكون اسمه الوسواس الديني، وبيشمل عدة وساوس، زي وسواس العقيدة أو وسواس العبادات، وللأسف ده أصعب وأبشع أنواع الوساوس، لأنه بيهاجم المريض من نقطة حساسة جداا..
وتابع وهو يحك ذقنه بتفكير ثم قال:
ـ طيب.. وعلاجه إيه ؟! هقوللك علاجه زي علاج جميع أنواع الوساوس والأفكار اللامنطقية اللي بتيجي على بالك.. وهو التجاهل والتحقير.. يعني انت سمعت الأذان ودخلت اتوضيت وفجأة الوسواس هيألك إن الوضوء ده مش صحيح.. إوعى تعيد وضوءك مرة تانية. في مقولة كده إحنا دايما نقولها لمرضى الوسواس القهري، في الإعادة زيادة. بمعنى إنك كل ما هتخضع لوسواسك وتنفذ له اللي هو بيؤمرك بيه وتفضل تعيد وتزيد في نفس الحاجة مرة واتنين وتلاتة عشان تتأكد إنك بتعملها على أكمل وجه فانت كده بدون ما تشعر بتزود الهواجس والوساوس جواك. فأسلم حل إنك حتى لو جتلك الفكرة دي وانت بتتوضى تجاهلها تماما وكمل وضوء..
والتقط نفسا وتابع:
ـ طيب.. اتوضيت وكله تمام.. واستقبلت القبلة.. وبالمناسبة.. إنت بتقول بتحس إنك واقف تصلي بس مفيش نية إنك تصلي، ده هاجس وسواسي بحت، لأن كونك دخلت اتوضيت واستقبلت القبلة فانت كده نويت خلاص.. فبلاش تشق على نفسك وتجهد عقلك وروحك بالتفكير في أمور صغيرة زي دي.. وتجاهلها قدر الإمكان. نيجي بقا للجزء الأهم. وهو إنك خلاص بتستعد للصلاة.. رفعت ايديك وكبرت وشرعت في قراءة سورة الفاتحة والدنيا ماشية تمام.. وفجأة حسيت إن في حاجة غلط.. حسيت إنك مش مرتاح، مش مركز، مش حاسس ومش مستشعر عظمة الموقف اللي انت فيه، مهما كان إحساسك تجاهله..مهما تصورت أو تخيلت تصورات بشعة ومؤذية تجاهلها.. لو قدرت تتغلب عليها وتكمل صلاتك فانت كده سجلت هدف هايل.
ـ ولو مقدرتش ؟! تساءل فريد بإحباط ويأس.
ـ بص يا فريد.. خليني أتكلم معاك بلغة البيزنس ورجال الأعمال، دلوقتي إنت لو قدامك خصم كبير في السوق بيحاول يوقعك أو ياخد مكانك.. أو حتى يشوه صورتك قدام الناس.. هتتصرف معاه إزاي ؟! هتجيبه وتوقفه قدامك وتنزل فيه ضرب ؟! ولا هتتجااهله ؟
أخذ فريد يتدبر المثال المطروح أمامه ثم قال بهدوء:
ـ لأ أكيد هتجاهله..
ـ لأن التجاهل بيوجع أكتر مش كده ؟! والتجاهل هنا مش معناه إنك هتصيب عدوك من أول مرة، ولكن إنت بتدرب نفسك على إصابته والقضاء عليه،. مظبوط ؟!
ـ أكيد..
ـ حلو جدا.. لازم تتعامل مع الوسواس ده زي العدو أو الخصم بالظبط.. كل ما تتجاهله أكتر كل ما هيضعف ويتراجع.. إنما لو اديته اهتمامك ووقتك فانت كده بتغذيه وتكبره.. قيس على كده بقا كل طرق التعامل مع كل الوساوس اللي بتهاجمك وتحاربك، يعني لو واقف بتصلي، وفجأة خطر لك إنك سرحت، تعمدت، نقصت ركعة، زودت ركعة، لخبطت في القراءة، غيرت الحروف، أحدثت، جالك أفكار جنسية، أو كُفرية، تخيلات، سب الذات الإلهية والعياذ بالله.. كل دي وساوس بفعل الشيطان… لازم تتجاهلها وتكمل صلاتك.. وبعد ما تنتهي من الصلاة حتى لو حاسس إن صلاتك باطلة متعيدهاش.. لإن كل ما هتكرر وتعيد فانت هتقوي الشيطان عليك من تاني..
اوعى تلفت لأي أفكار تلح عليك وخليك دايما عارف إن اللص لا يحوم حول البيت الخرب، يعني الشيطان لو مش عارف إن قلبك فيه إيمان وييجي منك مش هيحاربك عشان يفسد الطاعة اللي بتعملها، بالبلدي كده مش هيتعب نفسه مع واحد مفيش منه رجا.
أومأ فريد متغهما فتابع الطبيب وقال:
ـ وأهم حاجة لازم تكون عارفها إن ليس على المريض حرج.. خُد بالرخصة ومتشيلش نفسك فوق طاقتها، ربنا رحيم بعباده وأرحم عليك من نفسك حتى، و سبحانه وتعالى بيقول في كتابه الكريم في سورة ‘ ق ‘، ” ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ” يعني ربنا شاهد ومطلع على اللي إنت بتمر بيه، وقادر يرفع عنك الضرر ده في لمح البصر، ولكن ده ابتلاء زي ما قولتلك.. بيختبر صبرك وقوة إيمانك ويشوف هتصبر ولا لأ..
تنهد فريد بتعب وارهاق، فتسائل الطبيب وقال:
ـ إنت منتظم على العلاج اللي كتبتهولك مش كده ؟!
ـ أيوة.. بس للأسف الظروف حواليا مش مساعدة أبدا.
ـ دي المشكلة، لأن المشاكل والتوتر النفسي بيخلوا الوساوس تتفاقم وتزيد..
ـ بالظبط.. بالرغم من إني ملاحظ إني مبقيتش زي الأول برش كل شوية كحول وأحس إني مش عايز أقرب من حد.. أو بالأحرى مبقاش عندي نفس مقدار الخوف من الاختلاط والاحتكاك باللي قدامي زي الأول..
أومأ الطبيب مؤيدًا وقال:
ـ لأن في أفكار غيرها بتحل محلها.. خد بالك الوسواس مش ثابت.. يعني ممكن ييجي فترة يختفي تماما.. وممكن فجأة يحصل هجمة شرسة زي اللي حصلت معاك لما حاولت تصلي، للأسف هو خاين مبتقدرش تتوقع هيغدر بيك إمتا.. لكن هقولك على حل مؤقت هيساعدك كتير.. في دراسة مؤخرا توصل ليها الطب النفسي تسمى بـ آلية إنشاء مصدر ألم.. بتستخدم لتشتيت الرغبة للاستجابة للوسواس.. بمعنى، جاتلك فكرة وسواسية مؤذية وفوق طاقتك ومش قادر تصرف انتباهك وتركيزك عنها، أو حاسس إن في طقس معين بيلح عليك عشان تعمله ومش عارف توقفه، وقتها كل اللي عليك إنك تنشئ موضع ألم، مثلا تضغط بقوة على منطقة الرسغ وبالتحديد فوق الأوردة.. أو أي موضع ألم تاني بس طبعا ميكونش فيه إيذاء ليك.. الألم غالبا بيشتت الرغبة للاستجابة للوسواس أو للطقوس بتاعته.
أومأ فريد موافقا، وتنفس بعمق محاولا استعادة إيقاع أنفاسه، ثم قال:
ـ أعتقد هلجأ للحل ده كتير..
ـ مفيش أي مشكلة، وخليك متفائل إن التغيير هيحصل بإذن الله، أهم حاجه الصبر على الابتلاء وعدم رفع سقف التوقعات عشان متحسش بالاحباط من تأخير النتيجة، لأن الوسواس اتملك منك بالتدريج البطيء وهيسيبك بنفس الطريقة، يعني لازم تستمر في التطبيق وإنت واثق في قدرة الله عز وجل وفي رحمته ومتيقن إن الشفا قادم لا محالة بإذن الله وحده.
أومأ فريد مؤيدًا، ثم قال:
ـ الحقيقة مش عارف أشكر حضرتك إزاي على وقتك وكلامك اللي خلاني حاسس إن في أمل لسه.
ـ الأمل موجود طول ما إحنا مؤمنين بإن أقدارنا بيد الله سبحانه وتعالى وحده، الحياة والموت والصحة والمرض… كل حاجة بايد ربنا عز وجل ومستحيل تخضع لسيطرة الإنسان مهما حاول.
ـ ونعم بالله.. أنا شايف إن كفاية كده النهارده.. أنا أُرهقت جدا.
ـ زي ما تحب.. وزي ما قولتلك المرة اللي فاتت مش هحدد ميعاد الزيارة الجاية لأني عايزك تيجي وانت متعطش تحكي وتفضفض.. فوقت ما تحس إنك حابب تتكلم تقدر تيجي.
نهض فريد وهو ينظر إليه مبتسما ويقول برضا:
ـ أنا متشكر جدا.. اخدت من وقت حضرتك كتير جدا.
ـ لا شكر على واجب، ده شغلي وأنا دايما تحت امرك.
غادر فريد وهو يشعر بقليل من الراحة، ثم استقل سيارته وعاد متجهًا نحو المشفى..
***
حين تخذلك جميع الأشياء من حولك، لا تحاول أن تثق بها مجددا، ولكن حاول أن تثق أنك تستطيع العيش بدونها.
ويليام شكسبير.
كانت نغم تجلس على أحد مقاعد الاستراحة الموجودة بالخارج، حيث أن المكان بالداخل لم يعد يناسبها أبدا في ظل وجود تلك الشقراء، فها هي تجلس هنا منذ أن سمعت الحوار الساقط الذي أدارته چيلان مع أحدهم، وكأنها قد تعمدت أن توصل لها رسالة ما، وبالفعل لقد نجحت في ذلك.
نجحت في أن تطعنها بخنجر الحقيقة المسموم، وأن تجعلها تفيق من آمالها وأوهامها وتعي على الحقيقة المرة، ليس عليها الوثوق بأي إنسان لأن الجميع متشابهون باختلاف القوالب الوهمية التي تحتويهم.
وأخذت تفكر، هل يعقل أن تكون چيلان قد اختلقت قصة وهمية لدس الكراهية بينها وبين فريد ؟! ولكن لمَ عليها أن تفعل ذلك ؟! في الأساس هي وفريد يتعاملان بلطف ليس أكثر، أي أنها لا تشكل تهديد بالنسبة إليها لكي تسعى إلى التفريق بينها وبينه، إضافة إلى أنها حتى وإن كانت تشعر بمشاعر حديثة الولادة تجاه فريد فتلك المشاعر ليست ظاهرة للعلن، مما يبطل احتمال أن تكون چيلان قد افتعلت تلك القصة مخصصا لكي تجعلها تكرهه، إذا فالواضح والواقعي أن ما قالته چيلان صحيح مئة بالمئة، هي وفريد تجمعهما علاقة خارج إطار الأخوة أو الصداقة.. ربما تكون علاقة حب أو علاقة عابرة.. لا تعرف.
تنهدت وهي تنكفأ للأمام وتسند جبهتها على يديها فإذ بها تستمع إلى خطوات بالقرب منها فرفعت عيناها لتجده عمر، حيث جلس بجوارها وهو يقول مبتسما:
ـ ينفع أقعد معاكي شوية ؟!
نظرت إليه ببطء ثم إلى المقعد وقالت:
ـ ما انت قعدت خلاص.
ضحك وقال:
ـ معاكي حق، أنا دايما كده متسرع.. قوليلي مالك ؟! واضح إن في حاجة مضايقاكي.
تنهدت بأسى وقالت باقتضاب:
ـ لا أبدا.. أنا كويسة.
ـ أوكي براحتك.. بس لو عايزة تتكلمي أنا بحب أرغي جدا على فكرة.
زمت شفتيها وهي توميء مرارا ثم قالت بنظرة متهكمة:
ـ ليه مش بترغي مع أختك ؟! بدل ما هي واقفة فوق على حيلها رايحة جاية مش لاقية حاجة تعملها.
ضحك وقال:
ـ لأ أنا ممكن أرغي مع أي حد ما عدا اتنين.. نادية الصواف، ونادية الصواف لايت.. اللي هي چيلان.
ارتفع رنين هاتفه فنظر إليها قائلا:
ـ هرد على الموبايل وأرجعلك تاني.
سار خطوات بعيدة عنها وأجاب المكالمة قائلا:
ـ إيه يا عم حسن فينك ؟!
ليجيبه الآخر بنبرة منفتحة:
ـ عمورة.. قالوا لي هان الود عليك يا عمورة.. رحت وقلت عدوا لي من آخر مرة ده أنا حتى كنت بحسب الصنف مغشوش ولا حاجه.
ـ لا تمام.. أنا عايز شريط دلوقتي حالا..
ـ إنت تؤمر، أجيلك فين ؟! نفس المكان ولا إيه ؟!
ـ لأ أنا مش هناك دلوقتي، أقوللك.. هبعتلك شير لوكيشن تجيلي عليه.
ـ ماشي يا عمورة إحنا في الخدمة، مسافة السكه وأكون عندك.
أنهى عمر الاتصال وظل منتظرا قرابة النصف ساعة إلى أن رأى حسن وهو يتقدم منه على دراجته البخارية، تصافحا بود زائف، ثم تحدث عمر وهو ينظر إلى واجهة المشفى ويقول:
ـ الكلام على إيه يا عموره؟ بتعمل إيه هنا ألف سلامة عليك.
ـ تسلم، مش أنا اللي تعبان ده بابا وأختي.
فأجابه حسن باستهزاء مبطن:
ـ لا ألف سلامة على بابا.. يقوم بالسلامه إن شاء الله.
ـ تسلم يا أبو علي، قوللي الحاجة معاك ؟!
أخرج حسن شريط الأقراص من جيبه ودسهُ بجيب سترة عمر وهو يقول:
ـ أحلى عمورة.. الصنف المرة دي حاجة لوز من الآخر.. يستاهل بؤك.
أومأ عمر وهو يستل جزدانه من جيبه، ويخرج منه النقود، بينما تسائل حسن قائلا:
ـ إلا قوللي يا عمورة، شاب لسه عضمه طري زيك كده وواضح انك ما شاء الله ابن عز بتاخد الحاجات دي ليه ؟! أنا أعرف اللي بيضربوا تامول دول يا عندهم مشا مشاكل بيهربوا منها بالسطل ولا مؤاخذه أو شقيانين وعاوزين يخدروا الجتة عشان ميحسوش بالتعب، أو مرضى بعيد عني وعنك يعني.. إنت بقا ظروفك إيه ؟!
طالعه عمر بحنق وملامح متجهمة وهو يسحب بعض النقود من جزدانه وينظر إلى حسن قائلا بنزق:
ـ ملكش فيه، واتعود متسألش كتير.
أومأ حسن بتمهل وهو يقول:
ـ ماشي يا حبيب أخوك.. عندي دي.
” عمر ” انتفض عمر من مكانه عندما استمع إلى صوت چيلان التي تقف خلفه بخطوات وهي تقول:
ـ واقف عندك بتعمل إيه ؟!
نظر إليها حسن بانبهار، لوحة فنية بهية، ملامحها حادة فاتنة وجسدها كما قال الكتاب، وكأنها خرجت من عالم الحوريات للتو.
ـ آآ.. أنا.. بتكلم مع واحد صاحبي وجاي حالا..
عقدت جيلان ذراعيها أمام صدرها، وهي تطالع حسن باستنكار وتقول:
ـ صاحبك ؟!!
هنا برز صوت حسن الذي مال نحو عمر وسأله:
ـ مين القطعة دي يا عموره ؟! المدام ؟!
فطالعه عمر وهو يشير بيديه بانزعاج وضجر وهو يقول:
ـ مدام إيه يا عم انت كمان دي أختي..
وتقدم من چيلان وهو يقول:
ـ مش صاحبي أوي يعني، صاحب واحد صاحبي.. تعالي ندخل أنا أصلا خلصت كلام معاه..
تحركت معه چيلان عل مضض وهي تلتفت برأسها للخلف وتطالع حسن وهيئته الغريبة بتفحص، بينما هو غمز إليها بعينه في عبث صريح جعلها ترفع حاجبيها بتعجب وهي تنظر إلى عمر وتقول:
ـ إيه ده ؟! إيه الأشكال دي ؟! ده بيغمز لي ؟!!!
وقف حسن يتأملهما للحظات وهو يتمتم:
ـ يا ابن الإيه يا عمورة، أختك فرس !!
ونفض رأسه من تلك الأفكار العابثة واستقل دراجته من جديد وهم بالانصراف قبل أن تقع عينيه على شيئا ما ملقى على الأرض بإهمال.. فانحنى والتقطه وهو يتمتم:
ـ الواد غيبب قبل ما يبرشم.. ده وقع بطاقته !!
وأخذ ينظر فيها وهو يقرأ الاسم ” عمر سالم عبدالعظيم مرسال ”
ـ مرسال ؟! التاني اسمه فريد مرسال !! لا لا أكيد صدفة مش أكتر.. هو مفيش غير مرسال واحد في البلد يعني ولا إيه ؟!
وقف مترددا، هل يدخل ويعطيها له؟ أم يحتفظ بها للمرة القادمة؟! وبعد أخذٍ و رد قرر أن يبحث عنه ويعطيها له، وخلالها سيحاول معرفة أي معلومة منه عما إذا كان يمت بصلة لذلك الفريد أم أنه مجرد تشابه أسماء.
نزل من على الدراجة مجددا، ثم سار خطوات نحو بوابة المشفى، وقبل أن يخطو للداخل صُدم برؤيته لنغم وهي تقف في مقابل عمر ويتحدثان.
دق قلبه بعنف، واضطرب وجدانه بالكامل، وقبل أن يقتحم المشفى رن هاتفه فجأة، فنظر به ليجدها نهال.. فأجاب:
ـ مش وقتك خالص.. اقفلي دلوقتي.
ـ إلحق يا حسن البيت بيولع.
جحظت عينيه بصدمة ووقف بدون وعي للحظات قضاها في تردد، قدما بالداخل والأخرى بالخارج..
فزمجر بغضب شديد وهو يركض نحو دراجته مضطرا أن يعود لأمه رغما عن أنفه، لا وقت لفعل أي شيء آخر…
في نفس الأثناء كان فريد يصف سيارته أمام المشفى وذهلهُ رؤية حسن أمامه، غادر سيارته مسرعا وهو يحاول اللحاق به ولكن الآخر كان قد انطلق يسابق الريح.
فدخل المشفى على الفور متلهفًا للاطمئنان على نغم، ولكنه رآها تقف في مقابل عمر يتجاذبان أطراف الحديث بكل سلاسة.. فتقدم منهما وهو يشعر بالضيق والاستياء ويقول:
ـ مساء الخير.
أجاب عمر التحية بينما همت نغم بالانصراف فاستوقفها فريد قائلا:
ـ ثواني يا نغم..
نظرت إليه باستغهام صامت، فنظر فريد إلى عمر الذي كان يستعد للمغادرة بالفعل فقال:
ـ طيب، في مشوار ضروري كده هعمله وأرجع..
وانصرف وتركهما يقفان في مواجهة بعضهما البعض فقال فريد مباشرةً:
ـ حسن كان هنا.
فكت عقدة ذراعيها من أمام صدرها، ووقفت أمامه تطالعه بذهول وهي تقول:
ـ حسن مين ؟!
زم شفتيه باستياء وقال:
ـ ابن خالتك.
انزلق ريقها بخوف وهي تقول:
ـ مش ممكن، وهو عرف مكاني إزاي ؟!
تنهد بتعب واحباط وقال:
ـ مش عارف، وجايز وجوده هنا كان صدفة وميعرفش بوجودك.. لأن لو كان شافك أعتقد مكانش هيمشي ببساطة كده.
ـ إنت متأكد إنه حسن ؟!
أومأ باستياء فشعرت بالدوار يلف رأسها، فرفعت يدها تمسك بها جبهتها وباليد الأخرى ارتكزت على ذراع فريد الذي نظر إليها بقلق وقال:
ـ فيه إيه مالك ؟!
شحب وجهها وشعرت وكأنها على وشك فقدان وعيها، فساعدها للوصول إلى المقعد فجلست وجلس هو بجوارها وهو يقول:
ـ أجيبلك مية ؟!
هزت رأسها برفض وقالت:
ـ يعني إيه ؟! معقولة مراقبني وعرف مكاني؟!
ـ ماعتقدش.. مش معقول هييجي لحد هنا وهو عارف إنك جوا ويمشي، وإلا كان جاي ليه من الأول ؟!
استمع إلى صوت الممرضة حيث هتفت إليه:
ـ فريد بيه، والد حضرتك طالب يشوفك.
أومأ فريد موافقا ونظر إلى نغم وقال:
ـ تعالي ندخل دلوقتي ونكمل كلامنا بعدين.
نهض ومد يده إليها ليدعمها، فأخذت تنظر إليه للحظات دون أن تمد يدها، لم تفعل، وكأنه حين مد يده إليها كان يقول لها ثقي بي، ولكنها لم تقدر عل ذلك، وهذا دفعه للتراجع، فأعاد يده إلى جانبه حين رأى التمرد بعينيها..
اللعنة.. تريده بجوارها. لكي يُصلح أجزائها المكسورة ويرممها من جديد، ولكن ليس وهو كاذبًا، يفرق وعوده هنا وهناك كما يُحسن المحسنين إلى سائلين الغرام.
لذا تجاهلت رغبتها في الإمساك بيديه، وتجاهلته هو شخصيا ودخلت إلى المشفى، ستبقى هنا فقط لحين إشعار آخر.
رواية محسنين الغرام الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نعمة حسن
رواية محسنين الغرام الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نعمة حسن
أنا اللي جاي أسألك، وديت نغم فين يا ابن مرسال؟
أوضح حاجبا فريد المعقودين تعجبه، لأن الشر في عينيّ حسن لم يكن مصطنعًا أبدا، فتحدث بنبرة لا يثق بها:
يعني إيه؟ لما نغم مش معاك اومال فين؟
والله؟ عبيط أنا بقا عشان أصدق الشويتين دول مش كده؟
وشدد من قبضته على تلابيب قميص فريد وهو يقترب منه أكثر ويردف بنبرة هادئة معبأة بنيران الغضب:
انطق وقول وديت نغم فين يا فريد؟ أنا شايفها بعنيا دول في المستشفى امبارح واقفة مع أخوك.. راحت فين بقا؟
أبعد فريد يديّ حسن عنه بقوة وهو يطالعه بشر مماثل ويقول:
المفروض أنا اللي أسألك، تفسر بإيه ظهورك واختفاء نغم في نفس الوقت؟
أفسره بإنك خفيتها لما عرفت اني لقيتها عشان معرفش أوصلها، مش دي الحقيقة؟ وعامل الحوار ده كله عشان أصدق إنك متعرفش مكانها، لكن لأ.. مش حسن العقرب اللي يضحك عليه، ونغم هعرف طريقها وهوصلها حتى لو فين!!
وأردف وهو يستهدف عيني فريد بنظرات جحيمية:
ومش هتعرف لا بفلوسك ولا نفوذك تاخد مني نغم.. عارف ليه؟! لأن نغم دي بتاعتي.. ملكي أنا وبس.
نغم مش بتاعة حد.. نغم حرة نفسها وليها رأي وشخصية وتقدر تقرر هي عايزة تكون مع مين.
ابتسم حسن متهكمًا وقال:
وانت فاكر بقا إن نغم هتختار تفضل معاك حبًا فيك مثلا؟ نغم لو اختارتك هتختارك عشان الفلوس مش أكتر..
ابتسم فريد ساخرًا من محاولاته المثيرة للشفقة، وأردف بصوت تملؤه الثقة:
مش صحيح، لأن ببساطة لو نغم كانت عايزة تفضل معايا عشان الفلوس كانت فضلت.. لكنها اختارت تمشي لما عرفت إنك عرفت مكانها.. عارف ليه؟ لأنها بتكرهك ومش قادرة تتقبل فكرة إنها ممكن ترجع تعيش معاك من تاني.
اهتزت حدقتي حسن تزامنًا مع ارتجافة قلبه وقال يمني نفسه بما يقول:
إنت موهوم. بتوهم نفسك إنها تكون فعلا بتكرهني وممكن تحبك إنت.. بس كل ده غلط.. نغم أنا اللي مربيها وزي ما بيقولوا كده مفاتيح قلبها معايا.
زفر فريد زفرةً مبتورة ساخرة، وسأل حسن متعمدا هز ثقته المزعومة في نفسه:
ولو زي ما بتقول كده ليه هربت منك؟ وليه فضّلت تعيش مع ناس غريبة لا تعرفهم ولا يعرفوها على إنها ترجعلك؟
صمت حسن لثوان، فاستعد فريد للانصراف وهو يلقي إليه بثقة:
متهيألي محتاج تراجع حساباتك يا حسن يا.. عقرب!
استدار فريد متجهًا نحو سيارته فاستمع إلى الآخر يهتف حانقًا بوعيد:
نغم هترجع.. بالذوق بالعافية هترجع.. ومتلومش غير نفسك.
وسار نحو دراجته البخارية، قادها وانصرف، بينما وقف فريد يدور حول نفسه في حلقة مفرغة، ينظر هنا وهناك بتشتت وقلبه يعصف غضبًا وحقدًا..
سار خطوات نحو سيارته، ثم أخرج هاتف نغم الذي عثر عليه بغرفتها وأخذ يتفحصه، المكالمات، الرسائل، كل تطبيق به علّه يتوصل لشيء يفيده، وقادهُ فضوله نحو تطبيق الصور، ليتفاجأ بصورة قد التقطتها لنفسها بواسطة الكاميرا الأمامية، حين كانت تجلس على الأرجوحة، تسند يدها أسفل خدها وتميل برأسها للجانب، وشعراتها البنية تُكمل تفاصيل تلك اللوحة الفنية خلفها، بينما هي تتصنع العمق وتضيق عينيها بطريقة لذيذة وكأنها ترسل نظرات كالسهام لمن يواجهها.
دق قلبه بقوة وهو يتفحص الصورة عن قرب، ثم قام بتكبيرها وأخذ يمعن النظر بها أكثر..
في تفاصيلها كل التناقضات.. البراءة والجموح، الأمان والخطر، الهدوء والصخب، الرصانة والعبث، الحزن والفرح، الرضا والتذمر، السكينة والقلق، الحيرة والرُشد، التمرد والاستسلام.
إمرأة تجمع من التناقضات ما يجعل العقل كثير الهذيان.
تنهد تنهيدة ضاق بها صدره، ثم أعاد الهاتف إلى جيبه وتحرك عائدا نحو المشفى على أمل أن تكون قد عادت.
***
كانوا جميعا يلتفون حول نسيم.. چيلان، نادية، زينب، وعمر..
حمدالله على سلامتك يا حبيبتي.
قالتها نادية بابتسامة، فتلقتها نسيم بهدوء وهي تقول:
الله يسلمك..
وصمتت لثوان ثم تساءلت:
فين چوليا؟
ظهر التوتر على وجه نادية حيث قالت:
جوليا تعبانة شوية وأكيد هتيجي عشانك، بس هي كل شوية بتسألني عليكي وبطمنها بالموبايل.
أومأت نسيم بغير اقتناع، فهي تعرف أن چوليا لم تكن لتتخلف عن رؤيتها والوجود بجوارها الآن حتى لو كانت مريضة، هي تعرف أنها من الممكن أن تتحامل على كل شيء من أجلها، إذًا هناك شيئا غريبا قد حدث!!
جذبها من عمق شرودها صوت عمر الذي قال بابتسامة واسعة:
حمدالله على سلامتك يا نسومه..
ابتسمت نسيم بوهن وهي تطالعه، ثم قالت:
الله يسلمك يا عمر.
الحمدلله الدكتور طمنا عليكي وقال مش هتحتاجي تدخلي عمليات تاني.
أومأت بارتياح ونظرت نحو زينب التي كانت ترمقها بحب بالغ وقالت لما رأت الدموع تتأرجح في مقلتيها:
مالك يا زينب؟
اقتربت منها زينب وأخذت تمسح على شعرها بحنانٍ بالغ وهي تقول:
سلامتك يا حبيبتي، الحمد لله إننا اطمنا عليكي، ربنا ما يحرمنا منك يا بنتي.
ابتسمت نسيم وحركت رأسها وشردت، كانت عينيها ممتلئة بالدموع، وفي لحظة غادرة جاء فيضانًا من قلبها فجعلها تتدفق بهوادة وهي تتذكر تلك اللحظات التي قضتها ما بين خوفٍ وتوتر قاتل، لينتهي بها المطاف أسيرةً لخوفها، مستسلمةً له.
جذبها مرة أخرى صوت عمر الذي قال بتعبيرات منفتحة ونبرة صوت مرتفعة دليل على حماسه المفرط:
هي نغم مجتش ليه النهارده؟
ونظر إلى نسيم قائلا:
على فكرة نغم هي اللي نقلت لك دم يوم الحادثة، وفضلت معاكي هنا في المستشفى علشان لو احتاجوا نقل دم تاني.
تعجبت نسيم ما قاله وبدا عليها الاهتمام حين قالت:
معقولة؟
هنا برز صوت چيلان التي أرادت تشتيتهم عن ذكر سيرة نغم، فقالت بصوت مضطرب:
هو فين أنكل سالم؟
حدجتها أمها بنظرات ساخطة فالتزمت الصمت مجددا، بينما ربتت نادية على يد نسيم وهي تقول:
حمدالله على سلامتك حبيبتي مرة تانية، أنا هسيبك دلوقتي أنا وچيلان وهنرجعلك وقت تاني.
أومأت نسيم، هي بالفعل تعرف أن زوجة والدها لا طاقة لها على التعامل بكل ذلك الود لفترات طويلة، بالأساس هي تفاجئت من وجودها اليوم.
غادرت نادية وهي تسحب يد چيلان للخارج، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى قالت:
انتي غبية؟ بتسأليها عن باباها وانتي عارفة إنها عملت كده بسببه أصلا؟
هزت چيلان كتفيها بلا اكتراث وهي تقول:
عادي يا مامي، سؤال عفوي مش أكتر.
تنهدت نادية بانزعاج وقالت:
طيب يلا.. خلينا نرجع البيت ونشوف أختك.. انتي عارفة لما بنغيب عنها بتعمل كوارث.
نزلت چيلان برفقة والدتها، وعند خروجهما من البوابة تفاجئت بسالم يجلس شاردا، وليس كعادته حين يجلس واثقا متأهبا، لا. بل كان يبدو وكمن غرق في بئرٍ عميق ليس له آخر.
اتجهت نحوه ووقفت أمامه وهي تقول:
سالم، انت كويس؟
نظر إليها بهدوء، ولم تظهر عليه أي انفعالات، ثم أومأ محاولا اظهار العنفوان الكامن بداخله وقال:
أيوة.
طيب مش هتطلع تشوف نسيم؟
هز رأسه نافيًا، ثم قال:
لأ.. مش هعرف.
ونظر إلى نادية وأقرّ بما في قلبه وقال:
مش هقدر.
تفهمت بعضًا مما يضمره، على الأقل تفهمت شعوره بالذنب والندم، ولكن كعادة سالم لا يجود بكل ما بداخله أبدا.
نهض وقال:
انتوا راجعين على البيت؟
أومأت بموافقة فقال:
طيب يلا أنا جاي معاكم.. حاسس إني تعبان ومحتاج أرتاح.
طيب مش هتستنى الدكتور يطمن عليك؟
لأ مش لازم.. أنا هبقا أخلي دكتور باسم يجيلي البيت.
سار معهما للخارج، واستقل سيارته بجواره منصور، فاستقلت نادية سيارة چيلان واتجهوا جميعا إلى الڤيلا.. تزامنًا مع وصول فريد.
***
عرفتي هتعملي إيه؟
تساءلت عائشة بتوتر، فأومأت نهال وهي تقلب عينيها بنفاذ صبر وقالت:
والله فهمت، أقسم بالله فهمت.. هروح الڤيلا.. هسأل عن نغم وهقوللهم إني واحدة صاحبتها ومعايا ليها أمانة لازم هي بنفسها اللي تستلمها، وأول ما تخرجلي هقول لها إنك عاوزة تشوفيها وهجيبها وأجي على الكافتيريا اللي على أول الشارع، ولما نوصل هرن لك على تليفون البيت تنزلي تقابلينا. هاا حافظة ولا لأ.
تنهدت عائشة برضا وقالت:
الله ينور.. يلا اتكلي على الله.. وأول ما توصلي عرفيني حصل معاكي إيه.
خرجت نهال وهي تزفر بنفاذ صبر وتقول:
يا ساتررر… ولية زنانة، والله لولا حسن ما كنت صبرت على زنّك.
ونزلت درجات السلم وهي تتمتم متسائلة:
هروح فين دلوقتي؟
خرجت، ثم توجهت نحو كافتيريا تقع على بعد خطوات من البيت، وجلست بها، بالطبع لن تذهب الى حيث تتواجد نغم، فهي تعرف أن نغم إن رأتها ستشرب من دمها بعد ما فعلته بها عندما نصبت لها فخًا وأحضرتها إلى بيتها بالحيلة لكي تلتقي بحسن، إضافة إلى أنها ليس من صالحها أن تعود نغم إلى البيت، حينها سيلقي بها حسن إلى الشارع بدون تردد، ولا تستبعد أن يكون هذا هو نفس رد فعل عائشة، لأنها حينها ستكون قد حصلت على غايتها بعد عودة نغم، فلمَ ستُبقي عليها بعد؟
طلبت مشروب المانجو، وجلست تتأمل المكان من حولها وهي تتمتم لنفسها:
صحيح مراية الحب عامية، فيها إيه نغم زيادة عني عشان الغبي حسن يتعلق بيها بالشكل ده وأنا اللي طول عمري أتمنى له الرضا يرضى مش طايق يبص في وشي حتى..
وتنهدت واستطردت:
الدنيا حظوظ على رأي اللي قال..
ونغم هانم مش ملاحقة.. الحظ بيجري وراها بالمشوار، اشي حسن واشي فريد.. وأنا هنا مش طايلة رجل كنبة حتى.
وظلت ترغي وتزبد، تطلب مشروبًا تلو الآخر، إلى أن مر قرابة الساعتين، فعادت إلى البيت، دخلت فهرولت نحوها عائشة بلهفة وتساءلت:
إيه؟ ملقيتيهاش؟
هزت نهال رأسها بهدوء حزين وهي تقول:
لأ لقيتها.
قطبت عائشة جبينها واقتربت منها وهي تقول:
وقابلتيها؟
تنهدت وهي تسير نحو الأريكة وتتهاوى فوقها، ثم قالت:
ويا ريتني ما قابلتها.
ابتلعت عائشة ريقها بارتباك وقالت:
ليه مالها؟ فيها إيه؟
مالها؟ مالهاش يا خالتي.. إحنا الي مالنا..
يا بت انطقي متسيبيش أعصابي.
نظرت إليها نهال وأردفت بحنق:
الهانم عايشة عيشة الهوانم ولاد الذوات.. رفضت حتى إني أدخل أقعد معاها جوة، قابلتني من على البوابة زي ما أكون رايحة أشحت منها، وقالتلي جاية ليه يا نهال، قولتلها جايبالك رسالة من خالتي، راحت رد بنرفزة كده وقالتلي خالتي وخالتك واتفرقوا الخالات، أنا مش عايزة أسمع رسايل من حد، و بلاش تجيلي هنا تاني أنا ما صدقت لقيت عيشة نضيفة وناس تشرف أعيش معاهم.
بهتت ملامحها وارتجفت أطرافها بقوة، لم تتوقع أن تتنصل منها نغم بتلك الطريقة، وتذكرت المرة السابقة عندما ذهبت للبحث عنها وعاملها حرس البوابة بنفس العجرفة حتى أنه كاد يتصدق عليها ظنًا منه أنها متسولة.
سالت دمعاتها بقهر، وابتلعت ريقها وهي تقول:
هي قالت لك كده؟
أظهرت نهال من الحزن الزائف ما يكفي، وقطرت بعض دموع التماسيح من عينيها اللئيمتين وهي تقول:
أيوة.. نغم اتغيرت أوي يا خالتي.. مبقتش دي نغم اللي نعرفها، الفلوس غيرتها.
انفرج الباب ودخل حسن، فجففت عائشة دمعاتها سريعا وكذلك نهال، فنظر إليهما حسن وهو يقول بملامح مكفهرة:
خير؟ مالك ياما؟
مفيش يا حبيبي، سلامتك أنا كويسة.
أومأ بضيق، وتوجه نحو غرفته مباشرة، فأشارت عائشة بالصمت إلى نهال وقالت بصوت خافت:
اوعي حسن يعرف حاجة عن الكلام ده، انتي سامعة؟
أومأت نهال بطاعة وقالت:
ولا تخافي يا خالتي عيشة، سرك في بيرك.
***
كان فريد يجلس بجوار نسيم، مميكًا بيدها وهو يتأملها في صمت، وفي الجهة الأخرى يجلس عمر ممسكًا باليد الأخرى ولكن صمتهما أضجرهُ فقرر أن يقطعه فقال:
هي فين نغم يا فريد؟ ليه مش ظاهرة النهارده؟
تنهد فريد بضيق بالغ وقال:
نغم مشت.
نعم؟ مشت إزاي؟
مشت يا عمر، سابت البيت ومشت.
نظرت إليه نسيم متفاجئة وقالت:
وراحت فين؟
مش عارف، مشت فجأة من غير ما تبلغ حد إنها ماشية، وسابت هدومها والموبايل وسابت كل حاجه.
إيه الجنان ده؟ تساءل عمر.
فأومأ فريد مؤكدا وقال:
هي فعلا مجنونة.
وفجأة تذكرها وهي تسألها عن اسمه ثم قبّلته، فابتسم بخفة وأردف:
مجنونة جدا كمان.
تنهدت نسيم بضيق وقالت:
يا ترى راحت فين؟ معقول تكون افتكرت أهلها ورجعت لهم؟
التزم فريد الصمت بينما طقطق عمر بشفتيه وهو يقول:
معتقدش، الموضوع فيه إن.
هنا طُرق الباب ثم دخلت زينب، التي نظرت إليهم بارتباك فقال فريد:
خير يا زينب؟
لتجيبه بصوت قلق:
فريد بيه، في مشكلة في الڤيلا، سالم بيه كلمني وهو منفعل جدا ومتعصب.
مشكلة إيه؟
مش عارفه بالظبط بس هو طلب مني أرجع على الڤيلا دلوقتي حالا وأبلغك تيجي انت وعمر بيه.
قطب جبينه وتهاوى قلبه إلى جوار قدميه بخوف، ثم نهض وهو ينظر إلى نسيم قائلا:
متقلقيش يا نسيم أكيد مشكلة بسيطة هنحلها ونرجعلك.
أومأت الأخرى بخوف مماثل، وأسندت رأسها على الوسادة من خلفها بتعب، وأخذت تنظر في أثرهم بشرود.
***
عاد كلا من فريد وعمر وزينب إلى الڤيلا، وأسرعوا بالتوجه نحو الصالون حيث ينتظرهم سالم.
دخلوا ليتفاجئوا بوجود نادية وچيلان وحتى چوليا التي أصر سالم عل وجودها، وجميع العاملين والعاملات بالمنزل.
في إيه؟
تساءل فريد متعجبا، فنظر إليه والده وقال:
في مصيبة، في كارثة، الخزنة بتاعتي اتسرقت!!
قطب كلا من فريد وعمر جبينهما بتعجب، وردد فريد باستهجان:
اتسرقت؟ إزاي ده حصل؟
ما هو ده اللي أنا جمعتكم عشانه، إني أعرف ازاي ده حصل! يعني إيه أغيب عن البيت يوم واحد أرجع ألاقي خزنتي مسروقة؟ ومين اللي اتجرأ وعمل كده أصلا؟
ابتلعت چيلان ريقها بتوتر وخوف من نبرته الجهورية الغاضبة، بينما نطق عمر مذهولا:
معقول نغم؟!!
توجهت حوله كل الرؤوس، بينما حدق به فريد بذهول وقال:
ايه اللي انت بتقوله ده يا عمر؟ ونغم هتسرق الخزنة ليه؟
أومال تفسر بإيه إختفائها المفاجئ؟ هو أنا مش قولتلك الحكاية فيها إنّ؟ أكيد سرقت الخزنة وهربت.
تنهدت چيلان براحة نسبية لأن شقيقها الأحمق قد تعاون معها دون اتفاق مسبق، ونظرت إلى فريد الذي أخذ يطالعه بغضب وهو يقول:
أكيد لأ، نغم مش ممكن تعمل كده.
تحدث سالم قائلا:
اختفائها؟ ليه هي راحت فين؟
تحدث عمر قائلا:
فريد بيقول مشت فجأة ومن غير ما تبلغ حد..
مط سالم شفتيه بحيرة، ثم قال:
البنت دي لازم ترجع بأي طريقة، لو هي اللي سرقت الخزنة فعلا مش هتعدي منها بالساهل، دي سرقت فلوس وورق مهم ومجوهرات تمنها بملايين..
زفر فريد وهو يمسح على وجهه بضيق ويقول:
مستحيل تكون نغم اللي سرقت الخزنة.
تساءل سالم متهكما:
وإيه اللي مخليك متأكد كده؟
تحدث فريد بنبرة دفاعية فقال:
لأني شفتها في الكاميرات اللي متركبه على البوابة وهي خارجة بالليل ومش واخده معاها اي حاجه، دي حتى سابت هدومها وكل الحاجات اللي حضرتك اشتريتها لها يعني لو هي عايزة تسرق الخزنة زي ما حضرتك بتقول كان أولى انها تاخد الهدوم والاكسسوارات اللي بآلاف مؤلفة هي ماشيه، لكن معملتش كده.. وبعدين أنا متأكد إنها خارجه فاضيه هتكون حطت ورق كتير وفلوس ومجوهرات كتيرة زي دي فين؟ كانت لابسه طاقية الإخفا مثلا؟
هنا نطقت چيلان التي نفذ صبرها وقالت:
مش شرط تكون هي اللي خدتهم، ممكن تكون كانت متفقة مع حد وهربت له الحاجة وبعدين هي مشت.
تحدث إليها فريد بغضب وضيق:
ممكن تسكتي انتي؟ لو هنشك في حد يبقا كل الموجودين موضع شك مش نغم بس..
هنا تحدثت نادية بانزعاج من حديثه وقالت باستهجان:
تقصد إيه بكلامك ده يا فريد؟ إن إحنا كمان متهمين بالسرقة؟
نظر إليها فريد بقوة وأردف:
أقصد إن كل اللي في الڤيلا مدانين لحد ما تثبت براءتهم أو يثبت مين بالظبط اللي سرق، غير كده كلنا وأنا أولكم هنفضل متهمين بالسرقة.
جذبهم صوت سالم الذي كان يراقب انفعالاتهم واحدا تلو الآخر بدقة وهدوء، ثم نطق وقال:
فريد كلامه مظبوط، الكل متهمين لحد ما يثبت العكس، ودلوقتي اتفضلوا.. كل واحد منكم أو واحدة يعمل اللي عليه وأكتر كمان لحد ما نوصل للسارق الحقيقي.. مش سالم مرسال اللي يتسرق في بيته على آخر الزمان.
انفضوا جميعهم من حوله، وأولهم كان فريد الذي توجه إلى غرفته وهو يرغي ويزبد من فرط الغيظ، دخل وأغلق الباب خلفه وأخذ يذرع الغرفة ذهابا وجيئة وهو يضرب بقبضته راحة اليد الأخرى وهو يقول:
مش ممكن نغم تكون عملت كده.. مستحيل.
وجلس على الأريكة وأسقط رأسه بين كفيه بضيق وانهزام، ومل شاردا قرابة النصف ساعة، إلى أن استمع إلى صوت طرقات على الباب ومن ثم دخلت زينب التي قالت:
فريد بيه، الباشا عايزك.
***
دخل فريد إلى غرفة والده وهو متحفزا لجدال طويل لا يمكنه توقع من الفائز في نهايته، ونظر إلى والده الذي يجلس على مقعده كالسلطان على العرش، يسند يديه على ذراعي المقعد بثبات، ثم أشار لفريد برأسه أن يتقدم.
اقترب منه فريد وجلس على المقعد المقابل له وقال بضيق واضح:
اتفضل.. حضرتك طلبتني.
أيوة.. بصراحة كنت ناوي أأجل كلام معاك في الموضوع ده ليوم تاني، لكن لما لقيتك مضايق بالطريقة دي قلت بلاش.
قطب فريد جبينه متعجبا وسأله:
موضوع إيه؟
سرقة الخزنة.
مش نغم اللي سرقت. قالها فريد بإصرار.
وأذهلهُ إيماءة والده الذي قال:
عارف.
اتسعت عينا فريد بصدمة وقال:
عارف إزاي؟
أبوك عارف كل حاجة.
قالها سالم بثقة وأردف:
لأن أولا.. رقم الخزنة هو تاريخ تأسيس الشركة، وده محدش يعرفه غير المقربين جدا.. زيك انت ونادية وچيلان وعمر، ثانيا لأن محدش أصلا يعرف إن رقم الخزنة هو تاريخ تأسيس الشركة.. فهنا مفيش غير تفسير واحد.. إن اللي فتح الخزنة دماغه شغالة وقدر يخمن طريقة تفكيري.. والحقيقة التفسير ده أذهلني أنا شخصيا.
وتنهد بتروٍ ثم تابع:
ثالثا بقا والأهم من ده كله.. إن في كاميرات في الأوضة.
اتسعت عينا فريد عن آخرهما وتساءل بلهفة:
مين اللي سرق؟
أخذ سالم شهيقًا ثم قال:
چيلان.
لم تزل الصدمة عن ملامحه، بل ازدادت أكثر، واختلطت الأمور برأسه أكثر وشعر بالتشتت، فاعتدل بموضعه وهو يتساءل متحققا:
حضرتك متأكد؟
أومأ سالم مؤكدا وقال:
أيوة.. أول ما دخلت الاوضة ولقيت الخزنة مسروقة أول حاجه عملتها أني راجعت الكاميرات، والحقيقة اتفاجئت.
طيب وليه جمعتنا كلنا تحت مع إنك عارف ٱنها چيلان.
لسببين.. أولهم إن لازم محدش يعرف إن في كاميرا في الأوضة، وتاني سبب.. إني لازم أعرف هي وراها ايه بالظبط وليه عملت كده وأقدر أجيب آخرها..
تنهد فريد بقوة وهو يردف بضيق:
أفهم من كلامك إنك مش هتعرفها انك عرفت؟
مش دلوقتي، لازم أصبر شوية لحد ما أكشف الملعوب اللي بتحاول تعمله.
تريث فريد لثوان ثم قال:
بس أنا مش موافق إن الشكوك كلها تفضل متوجهة ناحية نغم، حرام هي ملهاش ذنب.
أومأ سالم وهو يكافح ابتسامة عابثة كادت تشق طريقها إلى شفتيه وقال:
هيحصل.
إزاي؟
متشغلش بالك أنا هتصرف.
تنهد وأومأ بموافقة وقال:
وليه مش عايز حد يعرف إن في كاميرات في الأوضة؟
لأن ببساطة مينفعش تدي الأمان الكامل للي حواليك، خصوصا نادية وبناتها. وأهو ظني طلع في محله.
هز فريد رأسه يدعم كلام والده، ثم قال:
حضرتك بتفكر في ايه دلوقتي؟
كل حاجه لازم تمشي طبيعي، جيلان لازم تفضل مطمنة إنها متكشفتش، لازم نفهم هي عملت ليه كده؟
معقولة سرقت الورق لصالح حد؟ حد من أخصامنا في السوق أقصد؟
مط سالم شفتيه وأردف:
كل شيء جايز، على كل حال الورق اللي معاها ده تبله وتشرب ميته، الورق الخاص بالشغل في المكتب تحت ومتأمن كويس.. بس أنا عندي تخمين تاني هو الأقرب للواقع.
غضن فريد جبهته وهو يعد على أصابعه بلا وعي ويهز قدميه بتوتر بالغ وقال:
إيه هو؟
فأجابه سالم بهدوء يعكس ثقة وحِنكة مفرطة:
چيلان عملت كده عشان تتهمها في حد تاني..
زي مين مثلا؟
رفع سالم حاجبه ومط شفتيه مدعيًا عدم المعرفة، فأخذ فريد يبحث عن إجابة إلى أن قال:
تقصد نغم؟!!!!
ليجييه والده بتروٍ:
كله هيبان.
هز فريد رأسه مؤيدا، ثم نهض وغادر من غرفة والده إلى غرفته، دخل وأخذ يذرع الغرفة ذهابا وجيئة وهو يضرب بقبضته راحة اليد الأخرى وهو يقول:
مش ممكن نغم تكون عملت كده.. مستحيل.
وجلس على الأريكة وأسقط رأسه بين كفيه بضيق وانهزام، ومل شاردا قرابة النصف ساعة، إلى أن استمع إلى صوت طرقات على الباب ومن ثم دخلت زينب التي قالت:
فريد بيه، الباشا عايزك.
***
كانت چيلان تقف أمام المرآة تستعد وهي تدندن مقطعًا من أغنية أجنبية، وأخذت تطالع هيئتها بحماس، حيث ارتدت سروالا من الجينز بخصر مرتفع، وفوقه بلوزة باللون الأبيض بفتحة صدر طويلة، ثم وضعت قرطيها ورشت من عطرها المميز وهي تبتسم لانعكاسها في المرآة، وأخيرا انتعلت حذائًا رياضيا مناسبا وخرجت.
مرت في طريقها بغرفة چوليا، طرقت الباب ودخلت فوجدتها مستلقية بفراشها كالعادة، تطالع صورا جمعتها بشريف، وتبكي.
تنهدت چيلان بيأس، واقتربت منها ثم سحبت من يديها الهاتف بغتةً وشرعت في حذف الصور وهي تقول:
ارحمي نفسك بقا واخرجي من الحالة اللي انتي فيها دي.
هاتي الموبايل يا چيلان وسيبيني في حالي.
أسيبك في حالك إزاي؟ هو إحنا مش اتفقنا إنك هتساعديني عشان تفوقي بقا وتعملي skip للتجربة الزفت دي.
أغلقت چوليا عينيها بملل وانزعاج وهي تقول:
أنا حرة.. أفوق مافوقش أنا حرة.. هاتي الموبايل وبطلي سخافة.
نظرت چيلان إلى الهاتف حيث أن عداد حذف الصور لا يتقدم نظرا لكثرة الصور، وزفرت بضيق وهي تقول:
كل دي صور؟
وانتِ فاكرة يعني لما تمسحي الصور هقدر أنساه؟! أنا اللي رابطني بشريف أكبر من شوية صور وكلام تافه زي ده، أنا اللي رابطني بشريف قلبي يا چيلان..
وتابعت وهي تبكي باستسلام:
روحي متعلقة بروحه، مش قادره أطرده من جوايا، صدقيني حاولت بس معرفتش، أنا مش قادرة أكرهه بالرغم من اللي عمله فيا، مش قادرة أتخيل نفسي مع حد غيره، ولا أتخيله مع واحدة غيري، وكل ما بتخيل إنه ممكن يتجوز غيري ببقا هتجنن..
زفرت چيلان وهي تسند جبهتها على راحة يدها وتقول بيأس:
چوليا حبيبتي، لازم نروح لدكتور يا بيبي ونتكلم معاه، مش هتقدري تخرجي من الحالة اللي انتي فيها دي من غير مساعدة دكتور صدقيني، وإنتي لازم تخرجي من الحالة دي في أسرع وقت، انتِ ناسية انتي مين؟ إنتِ چوليا عبدالعزيز، أصغر وأشطر بيزنس وومن.. عندك البيزنس بتاعك والكارير اللي لازم تحققيه.. لازم تقفي على رجليكي من تاني وتثبتي للكل وأولهم شريف إنك مش ضعيفه، وإنك لما بتقعي بتقومي أجمد وأقوى من الأول، لازم تبدأي من جديد وتنجحي وتثبتي له إنك مش ضعيفة وانه مقدرش يكسرك.
ارتمت چوليا في أحضانها بانهيار وهي تبكي وقالت:
مش قادرة يا چيچي.. قلبي واجعني..
أخذت چيلان تمسد على ظهرها وتقول:
سلامتك يا حبيبتي، هتقومي منها أنا واثقة..
شريف واحشني يا چيلان.. نفسي أكلمه.
زمت چيلان شفتيها بأسى ويأس وقالت:
هتنسيه يا حبيبتي، كل ادمان ولازم يكون له أعراض انسحاب.. وانتي دلوقتي بتمري بالفترة دي.. كل اللي انتي فيه ده أعراض انسحابية وهتخفي منها متقلقيش.
نفسي أسمع صوته حتى.. هو ليه عمل فيا كده.
أنا معاكي ومش هسيبك.. أما جنبك يا حبيبتي متقلقيش.
ظلت تشكو إليها والأخرى تهدئها، تربت عليها وتسكّن آلامها، تمنحها أملا في القادم هي نفسها لا تثق به، وترسم لها فجرًا منيرًا حتمًا سيسطع نوره ذات يوم.
هدأت أخيرا واستكانت، ثم اعتدلت بفراشها وأغمضت عينيها بإرهاق، فربتت چيلان على رأسها وطبعت قبلة حانية على خدها، ثم نهضت وغادرت الغرفة.
خرجت من الغرفة فالتقت بفريد الذي كان يغادر غرفته بدوره، فابتسمت بلطف وهي تقترب منه وتقول:
هاي فريد.
هاي چيچي.
رفعت حاجبيها وازدان وجهها بابتسامة عريضة، ثم سارت بجواره في طريقهما نحو الدرج وهي تقول:
رايح المستشفى؟
أومأ باقتضاب فقالت:
ممكن آجي معاك؟
للأسف مش هينفع، ورايا مشوار ضروري لازم أعمله قبل ما أروح المستشفى.
تنهدت باحباط وأومأت بموافقة، فسبقها وهو يلقي اليها:
سي يو.
باي.. سي يو.
قالتها بحماس وهي تبتسم بسعادة غامرة، ثم توجهت نحو سيارتها، استقلتها وخرجت من الڤيلا.. سار فريد يمينا بينما هي انحرفت يسارا في طريقها نحو المشفى، ومن فرط الحماسة والشغف قامت بتشغيل كاسيت السيارة على ألحان أغنية أجنبية وأخذت تدندن معها إلى ما يقرب من ربع ساعة، وفجأة.. توقفت بغتةً عندما قطعت طريقها سيارة سوداء، ونزل منها رجل طويل القامة كان ملثمًا، فتح الباب السيارة المجاور لها وأسرع برش بخاخ مخدر أمام وجهها ففقدت وعيها في غضون لحظات، فاقترب منها وحملها وقام بنقلها إلى سيارته سريعا، وانطلق بها وكأن شيئا لم يكن.
***
بعد مرور ساعة.
كانت عائشة تجلس بغرفتها، ممسكةً بصورة نغم تطالعها بحسرة وهي تبكي وتقول:
كده يا نغم؟ هي دي أخرتها؟ بتتعري من خالتك؟ بس معلش.. الصبر جميل، وأنا واثقة إنك هتلفي تلفي وترجعي لحضني من تاني.. بس وقتها مش هسامحك يا نغم، مش هسامحك لأنك كسرتيني.
وأجهشت بالبكاء بمرارةٍ، ثم قالت وهي تتلمس بأناملها معالم وجه نغم الطفولية باشتياق جارف:
لأ هسامحك.. لو جيتي وخدتك في حضني هسامحك وهنسى كل حاجه لأنك بنتي، والأم مهما ولادها يعملوا فيها لازم تسامحهم.
جذبها صوت نقاش حاد بالخارج، فتعجبت لأنها تعلم أن نهال بمفردها، فأسرعت تعيد البوم الصور حيث كان، ثم غادرت الغرفة لتصاب بصدمة عندما رأت حسن وهو يحمل فتاة على كتفه ويدنو بها نحو غرفته..
يا مصيبتي، مين دي يا حسن؟
دخل إلى غرفته ووضع چيلان على فراشه، ثم استقام وهو ينظر إليهم قائلا:
مش شغلكوا.. دي أمانة عندنا لحد ما ترجع نغم..
تقدمت منه والدته وهي تقول بخوف:
أمانة إيه وكلام فاضي إيه؟ دي مين يا حسدن وجبتها هنا إزاي؟ وبعدين مالها كده هي ميتة؟!!
نظر إليها ورفع حاجبه وقال:
ده منظر واحدة ميتة؟ ولو ميتة هجيبها لكوا هنا ليه؟ دي متخدرة بس، دلوقتي تفوق وتلاقوها بتتلعبط زي السمك في الميا.
انطق وقوللي مين دي؟ وجبتها هنا إزاي؟ حد شافك من سكان العمارة ولا الجيران وانت طالع؟
متقلقيش أنا كنت مأمن نفسي كويس ودخلت من باب المنور.. على العموم متقلقوش هي شوية وهتفوق.
كانت نهال منشغلة بتفحص تلك الفتاة الجميلة فريدة الملامح أمامها، بينما حسن قد فر هاربا من أمامهما لتسرع والدته باللحاق به وهي تقول بتصميم:
مش هتمشي قبل ما تجاوبني.. مين دي يا حسن؟
علم أنها لن تتراجع، فنظر إليها بقوة وأردف:
أخته، ارتحتي كده؟
ابتلعت ريقها بتوتر وتساءلت بخوف شديد:
أخت مين؟
فريد مرسال.. البيه اللي نغم بتتحامى فيه مني ومستخبية عنده.
شعرت بالدوار يلف رأسها فجأة، فأمسكت بذراعيه وقبضت عليهما بقوة وهي تقول بذهول:
أخت فريد مرسال؟ إنت متأكد إنها أخته؟
أومأ وهو يقول بقلق:
في إيه مالك؟
شعر أنها ستفقد وعيها، فأسرع يتشبث بها جيدا ثم قال:
تعالي ياما ارتاحي.. مش عارف أنا كل ما بجيبلك سيرة الواد ده بيحصل لك كده ليه!!
ساعدها للارتكاز على الأريكة وجلس بجوارها وهو يقول بقلق:
قوليلي مالك؟ أخدك المستشفى؟
قوللي.. إنت متأكد إنها أخته؟
أيوة متأكد إنها أخته زي مانا متأكد إنك واقفة قدامي كده.
ابتلعت ريقها بتوجس وأردفت:
جايز أخته من الأم؟
قطب جبينه بحيرة وقال:
من الأم ولا من الأب إحنا هننقي؟ وبعدين انتي هتلخبطيني ليه أنا متأكد إنها أخته من أبوه.
ليه يبني؟ بتعمل فينا وفي نفسك كده ليه؟
لأن نغم لازم ترجع ياما..
تقوم تخطف أختـ….
أيوة أخطف أخته.. وأخطف عيلته كلها لو لزم الأمر، أنا مش هسكت ومش هحلهم غير لما يرجعولي نغم.. خلصانة ياما عشان منتكلمش كتير.
ونهض وهو يشير إلى الغرفة ويقول:
خدي بالك دي أمانة عندنا خلي بالك منها، ومتسيبيهاش لوحدها مع البومة اللي جوا دي أنا مش ضامنها بصراحة.. وأضاف وهو يفتح الباب ويخرج:
أنا ورايا شغل ضروري، ساعة وراجع.
دي مش أخته لوحده.. دي أختك كمان يا حسن.
قالتها وهي تدفن وجهها بين كفيها وتجهش في بكاءٍ مرير، وتردد:
وبعدين يا عيشة؟ مستنية إيه تاني يحصل؟ مستنية إيه عشان تهزمي خوفك بقا وتتكلمي وتقولي له على الحقيقة؟ أهو عادى أخوه وخطف أخته.. مستنية لما واحد منهم يموت التاني؟
وصمتت.. ثم أخذت تجيب تساؤلاتها قائلة:
لأ مقدرش… حسن لو عرف مش هيسامحني، مش هيبص في وشي تاني وهيجري على عيلة أبوه، هياخد صفهم وهيرميني من حياته، وأنا لو خسرت حسن هموت.. حسن هو اللي ليا.. وهو اللي باقيلي.. مش كفاية خسرت أخته زمان.
وفجأة صمتت.. ونظرت تجاه الغرفة الموجودة بها المختطفة وأخذت تتساءل بريبة:
معقول؟ معقول ممكن تكون دي بنتي؟ دي في نفس سن حسن تقريبا… معقول تكون دي بنتي وسالم عمل عليا اللعبة دي كلها وأقنعني إنها ماتت عشان أبعد عن طريقي؟ بس.. لأ. دي مفيش فيها أي شبه منه؟ إزاي وهما توأم؟!!! أكيد لأ.. مستحيل تكون بنتي. دي أكيد بنت سالم من ناهد.
وغمرت وجهها بكفيها وهي تقول بالتياع:
يا رب عديها على خير، يا رب أنا تعبت من العذاب اللي أنا عايشه فيه ده.. حلها من عندك يا رب.
***
كانت نهال تقف بجوار چيلان وهي لازالت تطالعها بانبهار، تتحسس بشرتها الصافية، شعرها الأملس الأشقر شقارا ربانيا، ثم تنظر إلى جسدها الممشوق المنحوت بتفحص، وهي تتمتم بغيظ:
ماشي يا حسن، بقا دي أخرتها؟ سِبت البلطجة والسرقة وبقيت تخطف نسوان؟ والله عال.
نهال.. قالتها عائشة بقوة.
فأجفلت نهال بمكانها وقالت بضيق:
نعم يا خالتي؟
قاعدة عندك بتعملي إيه؟
هكون بعمل إيه يعني يا خالتي بخلي بالي من السنيورة.. مش حسن قال نخلي بالنا منها لانها أمانة عندنا؟
ملكيش دعوة بيها نهائي انتي سامعة؟ وأوضة حسن ماتدخليهاش تاني واتفضلي يلا علشان تنامي.
نهضت نهال بانزعاج، ورمقت تلك الحلوى شبه المغلفة بغيظ وغيرة غريزية، ثم خرجت من الغرفة وهي تقول بتهكم مبطن:
حاضر يا خالتي عيشه كلامك أوامر.
كانت بصدد التوجه إلى غرفتها، لتمنعها عائشه وهي تقول حيث أشارت برأسها الى غرفتها:
لأ.. انتي هتنامي معايا في الأوضة الليلة دي.. لما نشوف أخرتها إيه؟
زفرت الأخرى باستياء سافر ونفاذ صبر، ثم أذعنت بدون اعتراض ودخلت إلى غرفة عائشة واحتلت السرير المجاور لها، بينما وقفت عائشة ترمق چيلان وهي تهز رأسها بأسى وتقول:
جيب العواقب سليمة يا رب.
***
في تمام الساعة الثانية صباحا.
في غرفة چوليا التي نزلت من فراشها تسحب قدميها بانهزام نحو طاولة زينتها، ثم وقفت أمام المرآة، تطالع هيئتها الشاحبة وجسدها النحيل الميت.
تذكرت كلام أختها، وكيف حثتها على تخطي تلك الأزمة والخروج منها، وللحظة وجدت نفسها ترغب فعلا في فعل ذلك وبشدة..
التقطت نفسًا عميقا شحذت به همتها، ثم تمتمت بهدوء:
أنا چوليا عبدالعزيز.. ولازم أفضل چوليا عبدالعزيز.
دخلت الحمام، وأخذت حماما دافئا عميقا، استغرق ساعة تقريبا، أنعشت من خلاله جسدها الذي كان على وشك التآكل من فرط الهزلان، وبعدها خرجت ترتدي مئزرها، ثم وقفت تنتقي ملابسا مناسبة لقضاء سهرة حافلة.. ستخرج لقضاء أمسية رائعة برفقة أصدقائها وستلقي بكل الماضي وراءها..
حيث أنها أرادت أن تثبت لنفسها أنها قادرة على ردع كل شعور سيء يحاول التمكن منها وأولهم الهزيمة والانكسار، وتظنها قادرة على فعل ذلك.
ارتدت فستانا قصيرا باللون الأرجواني الصارخ، ثم بدأت وضع لمسات جمالية تداري بها شحوب وجهها وزرقة شفتيها وهاتين الحفرتين الغائرتين أسفل عينيها.. وانتعلت حذائها ذو الكعب العالي.. ثم أخذت تطالع هيئتها أخيرا في المرآة برضا، وخرجت.
استقلت سيارتها، ثم خرجت من الڤيلا قاصدةً ذلك الملهى الذي يرتاده شريف دوما، هي تعرف أنه من الممكن ألا يكون متواجدا ولكن رفاقه بالطبع سيتواجدون..
وبالرغم من أنها نادرا ما تذهب إلى تلك الأماكن ولكنها ستكثر من الظهور بها بعد الآن لكي ترسل إليه رسالة أنها قادرة على تخطيه ومحوه من ذاكرتها تماما..
وللحظة شردت وهي تتذكر المصطلح الذي نعته بها شريف من قبل، حيث شبهها بأنها في عشقه كالقط الميت.. مهما حاولت نسيانه وتخطيه ستعود إلى نفس النقطة في النهاية وسينتهي بها الحال أسيرة له.
وأخذت تتحقق من ذلك التشبيه باحباط، هل حقا ما تفعله أشبه بقفزة القط الميت؟
والمقصود بمصطلح قفزة القط الميت هو مصطلح يستخدمه المستثمرون في البورصة، ويعني صعود طفيف ومؤقت للسهم ثم الهبوط والاختفاء والسير بخطى ثابتة للقاع..هل هذا ما سيحدث معها فعلا، هل سينطبق عليها قول شريف؟ هل هي فعلا مجرد قطة ميتة ومفقود منها الأمل؟ ومحاولتها الآن في النجاة من مرض يدعى شريف أشبه بقفزة القط الميت الذي يرتد نحو القمة للحظات مؤقتة ثم يتهاوى إلى أعمق نقطة في الهاوية من جديدة وينتهي ويبلى أمره؟
كانت ستصطدم بسيارة مصفوفة على جانب الطريق، ولكنها تداركت الموقف في آخر لحظة فدعست مكابح السيارة بقوة وأسندت رأسها على طارة القيادة وهي تنتحب بمرارة لازمت هزيمتها، وبعد أن أنهت وصلة نحيبها، جففت دمعاتها، ثم رفعت رأسها تنوي متابعة سيرها، ولكن شيئا ما قد جذب انتباهها..
تلك السيارة المصفوفة.. ليست سوى سيارة چيلان!!!!
رواية محسنين الغرام الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نعمة حسن
كانت نادية تجلس منهارة، تبكي بخوف وبجوارها چوليا تحاول تهدئتها وتربت على كتفها وهي تقول:
ـ متقلقيش يا مامي، چيلان هترجع إن شاء الله.
في تلك اللحظة دخل عمر برفقة والده حيث عادا من مديرية الأمن بعد أن قدما بلاغًا عن اختفاء چيلان.
أسرعت نادية نحوهما وهي تتساءل بلهفة:
ـ عملتوا إيه يا سالم؟!
تنهد سالم بتعب وهو يجلس على الأريكة ويقول:
ـ قدمنا بلاغ وسيبنا صورة ليها وأرقام تليفوناتنا، وعمر سابلهم تليفونات صحابها وعناوينهم.. بس رسميًا مش هيبدأوا يتحركوا غير بعد ٢٤ ساعة.
ـ وبعدين؟! يعني أنا هفضل قاعدة أستنى ٢٤ ساعة لحد ما ألاقي بنتي؟!
ـ ويمكن أكتر.. بقولك هيبدأوا البحث بعد ٢٤ ساعة، يا عالم هيلاقوها امتى.
قلبت چوليا عينيها بضيق من أسلوبه المستفز، وأخذت تربت على يد أمها وهي تقول:
ـ متقلقيش يا مامي، إن شاء الله خير.
ـ خير إزاي بس، هييجي منين الخير! أختك أول مرة تختفي من غير ما تبلغ حد وتقفل تليفونها، دي أكيد اتخطفت.
تنهد سالم وقال:
ـ متقلقيش على چيلان يا نادية، چيلان واعية وميتخافش عليها.
ود لو أكمل وأخبرها أن الخوف كل الخوف منها، وليس عليها مطلقًا، ولكنه رأف بحالتها والتزم الصمت، بينما نهض عمر من جواره وجلس بجوار أمه وهو يحيطها بذراعه ويحاول تهدئتها قائلًا:
ـ اهدي يا ماما من فضلك، الزعل مش هيفيد بحاجة، لازم كلنا نكون هاديين عشان نعرف نفكر.
ـ هو إحنا لسه هنفكر يا عمر! أختك اتخطفت بقول لك، ويا عالم اللي خطفها دلوقتي بيعاملها إزاي ولا عمل فيها إيه..
ـ هيكون مين بس اللي خطفها يا ماما؟ چيلان طول عمرها مالهاش عداوة مع أي حد، وإحنا كمان مالناش عداوة مع أي حد، مين اللي هيخطفها وهيخطفها ليه؟!
تحدث سالم فقال:
ـ قومي يا نادية اطلعي أوضتك ارتاحي، چيلان هترجع متقلقيش.
ونهض متجهًا نحو الدرج، وصعد إلى غرفته، وقام باستدعاء زينب، فأسرعت بالحضور أمامه وهي تقول:
ـ اقفلي الباب وادخلي يا زينب.
فعلت كما أمرها، ثم وقفت أمامه مجددًا فقال:
ـ اسمعي اللي هقول لك عليه دلوقتي وتنفذيه بالحرف الواحد من غير غلط.. لازم تدخلي أوضة جيلان وتدوري فيها لحد ما تلاقي الحاجة اللي اتسرقت من الخزنة، أنا واثق إنك هتلاقيها في الأوضة بس دوري بضمير.
نظرت إليه بتعجب فقال:
ـ انتي لسه هتقفي وتتنحي؟! اتحركي يلا واوعي حد ياخد باله منك أو يعرف انتي بتدوري على إيه.
أومأت بموافقة، وانصرفت لكي تنفذ الأوامر، بينما هو ظل شاردًا يفكر فيما ستؤول إليه الأمور.
***
استيقظت چيلان وهي تشعر بالألم يغزو رأسها من كل جانب، أمسكت رأسها بكلتا يديها وهي تفرق بين أهدابها ببطء، إلى أن بدأت الرؤية تتضح أمامها، فذهلت لكونها موجودة في مثل ذلك المكان!
نهضت من السرير وهي تتلفت حولها وتتفحص أرجاء الغرفة من حولها بتعجب، ثم أدارت مقبض الباب بخوف وببطء، لتتفاجأ بحسن أمامها فصرخت بفزع وهي تتراجع للخلف.
دخل هو الغرفة مبتسمًا بمكر، وأغلق الباب خلفه فقالت بصوت مضطرب:
ـ انت؟!
ـ أيوه أنا.. عندك مانع؟
رأته يدنو منها فتراجعت أكثر وقالت:
ـ عايز مني إيه؟ وجايبني هنا ليه؟
لم يجبها، بل تقدم منها أكثر حتى باتا في مواجهة بعضهما البعض فأخذ ينظر إليها مبتسمًا بمكر وهو يقول:
ـ تعرفي إن شكلك حلو وانتي قايمة من النوم؟
ابتلعت ريقها بخوف، ونظرت إليه بشراسة مفتعلة وهي تقول بحدة:
ـ عايز مني إيه انطق!
ـ كل خير..
وتركها وجلس على الفراش وقال:
ـ اعتبري نفسك هنا في مهمة إنسانية، وجودك هنا مقابل رجوع نغم.
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
ـ نغم؟! وانت إيه علاقتك بنغم؟
وضع قدمًا فوق الأخرى، وأخذ ينظر إليها بهدوء، ثم قال:
ـ نغم بنت خالتي.
ازداد تعجبها، وتساءلت:
ـ معقول؟!
أومأ وتابع:
ـ وحبيبتي.
رفعت حاجبيها باستغراب فقام بتقليدها ورفع حاجبيه وقال:
ـ إيه الغريب في كده؟
كانت تحاول ربط الأمور ببعضها فقالت بتفكير:
ـ وايه علاقتك بعمر أخويا؟ وإزاي اتعرفت عليه أصلًا؟
ـ لأ علاقتي بعمر خليها على جنب.. أنا لسه عارف من يومين بس إنه عمر يبقى فرد من أفراد العيلة الكريمة.
ثم نظر إليها وغمزها بمشاكسة وهو يقول:
ـ يوم ما شفتك معاه يا جميل إنت.
طالعته بغيظ وتنهدت بارهاق، ثم جلست على المقعد المجاور للسرير وهي تقول:
ـ أنا مش فاهمة حاجة.
ـ واضح إن المنوم لسه مأثر عليكي، على العموم مش لازم تفهمي، إنتي كل اللي عليكي هتقعدي هنا معززة مكرمة لحد فريد يرجعلي نغم، سلم واستلم ويا دار ما دخلك شر.
مسحت على وجهها بضيق وهي تقول:
ـ وإيه اللي مخليك واثق إن وجودي هنا بالضرورة يخلي فريد يرجعلك نغم؟
ـ ازاي بقا؟! معقول هيفضل واحدة غريبة على أخته؟! متجيش يعني.
تلاقت حاجباها باستهجان، وضحكت ضحكة مبتورة وقالت:
ـ لأ.. غالبًا انت فاهم غلط.. أنا مش أخت فريد.
رفع حاجبه متعجبًا وقال:
ـ مش أخته ازاي بقا؟! أومال عمر كان بيشتغلني ولا إيه؟! هو بلسانه قالي إنك أخته.
ابتسمت ساخرةً من ذلك الموقف العبثي، ثم قالت موضحةً:
ـ لأ عمر مش بيشتغلني.. أنا فعلًا أخته.
ـ وبعدين بقاااا…. قالها بضجر.
فقالت متعمدةً استفزازه:
ـ دي الحقيقة، أنا أخت عمر.. لكن مش أخت فريد.
قطب جبينه وكأنه يرى أمامه أحجية طاغية الصعوبة، فتابعت وهي تسند ساقًا فوق الأخرى وترتاح بالمقعد بكل هدوء وتقول:
ـ لكن عمر وفريد إخوات.
ظهر الضيق على وجهه وأخذ ينظر إليها شزرًا ثم قال:
ـ انتي بتحاوريني مش كده؟!
هزت كتفها بهدوء ولا مبالاة، ثم أسندت يدها أسفل خدها وهي تقول:
ـ وأنا هعمل كده ليه؟! كل الحكاية إن عمر أخويا من أمي، وفريد أخوه من الأب.. إذًا عمر أخويا وفريد لأ.. بالرغم من إنهم إخوات.
وأشارت بيدها بطريقة مسرحية وهي تقول:
ـ That’s all.
بالطبع لم يفهم كلمتها الأخيرة، ولكنه استوعب حل الأحجية الآن، فأخذ نفسًا عميقًا مستاءً وهو يمسح على وجهه بضيق شديد ويقول:
ـ والله.. يعني عمر أخوكي بس فريد مش أخوكي مش كده.
أومأت فهز رأسه بملامح ممتعضة وقال:
ـ عفارم عليك يا حسن، نشنت.
رآها تبتسم بتشفي وتحدي يصرخ داخل زرقة عينيها الغادرتين فقال بحنق:
ـ بتضحكي على إيه انتي كمان، بردو مش هتمشي من هنا غير لما نغم ترجع.. مات الكلام.
استطاع إثارة غيظها، فنظرت إليه بحدة وقالت:
ـ يعني إيه؟! هفضل محبوسة هنا ولا إيه؟
ـ حاجة زي كده.
ونهض فأردفت بحدة وهي تُقر بحقيقة تؤلمها كثيرًا ولكن لا فرار من الاعتراف بها:
ـ تبقى غبي لو فكرت إن فريد هيرجعلك نغم عشان خاطر تسيبني.
توقف لثوانٍ وهو لازال يوليها ظهره، ثم التفت إليها وقال:
ـ لو مش قلبه على بنت مرات أبوه فاكيد هيكون قلبه على أخوه.
نهضت فجأة وركضت نحوه، وأدارته إليها ليواجهها قسرًا، ونظرت إليه بتحدٍ وقوة يفتقرها في كل النسوة اللاتي يُحِطن به، وقالت:
ـ تقصد إيه بكلامك ده؟! تقصد إنك ممكن تحاول تأذي عمر؟!
هز كتفيه باستهتار وقال:
ـ متستبعديش حاجة.. مع حسن العقرب كل شيء جايز.
وغادر الغرفة ليصطدم بأمه ونهال اللتين كانتا تلتصقان بالباب يسترقان السمع إليهما، فهدر بهما قائلًا بغضب:
ـ في إيه انتوا الاتنين؟! في إيه ياما؟! بدل ما انتي اللي تعقلي الهبلة دي بتعملي زيها؟!
أطرقت عائشة برأسها أرضًا، وقالت:
ـ معلش يا حسن متزعلش مني، وبعدين ما انت عارف إني قلقانة من ساعة ما جبتها هنا امبارح وكنت عايزة أعرف إيه حكايتها.
وتابعت بحماس وهي تقول:
ـ قالت لك إنها مش أخت فريد مش كده؟!
أومأ مؤكدًا بضيق فتمتمت بارتياح:
ـ كنت حاسة.
قطب جبينه متعجبًا وقال:
ـ كنتي حاسة بإيه؟!
تلعثمت بتوتر وهي تجيب:
ـ أقصد يعني إني…
قاطعها بضيق وضجر:
ـ خلاص ياما خلاص.. يلا شوفي لها لقمة تاكلها وهدومة تلبسها، القعدة شكلها هتطول.
ونظر إلى نهال بطرفي عينيه وهو يقول بتحذير:
ـ وانتي، إياكي تدخلي جوه بدل ما أقطع رجلك انتي سامعة؟!
رمشت بعينيها بانزعاج وتركته واتجهت نحو الأريكة المقابلة للتلفاز وجلست عليها، وتصنعت بالانشغال عنهما بالرغم من أنها كانت ترهف السمع إليهما.
ـ بقول لك إيه ياما مش عايز جنس مخلوق يعرف إن البنت دي هنا انت سامعاني.. لحد ما نشوف هنتصرف إزاي.
ـ خايفة عليك يا حسن، خايفة تكون بتلعب لعبة مانتاش قدها يا ابني.
ـ ابني قد أي حد يا أم حسن متقلقيش، وبعدين نغم تستاهل إني ألعب عشانها مليون لعبة، وألعب قصاد التخين كمان، ويا غالب… يا غالب. مفيش خيار تاني.
وتركها وغادر، فظلت تنظر إلى أثره بندم، وقد بدأ شعور بالذنب يراودها.
دخلت إلى المطبخ وأعدت فطورًا، ثم أخذته ودخلت إلى چيلان، التي بمجرد أن رأتها صرخت في وجهه بعصبية وهي تقول:
ـ مش عايزة زفت.. اخرجي وسيبيني.
غادرت عائشة على الفور، وأغلقت الباب بالمفتاح كما كان، وأعادت الطعام إلى المطبخ وهي تقول بنزق:
ـ ده إيه الأشكال دي؟! بتعمل فينا وفي نفسك كده ليه بس يبني.
***
بعد مرور يومين.
استيقظ فريد من نومه وهو يشعر بالارهاق الشديد، وكان قد قرر أن يذهب إلى المشفى للاطمئنان على نسيم ومن ثم سيذهب إلى الشركة لكي يتابع أعماله المهملة منذ فترة طويلة.
جلس على طرف الفراش لكي يستجمع شتاته أولًا، ثم نهض وبدأ بالاستعداد.
وبعد أن أصبح جاهزًا غادر غرفته، واتجه صوب مكتب والده، طرق الباب ودخل فوجد والده يجلس برفقة نادر، فأشار له سالم بالاقتراب ففعل.
ـ صباح الخير.
ـ صباح النور.
ـ ها.. في أخبار؟
قالها فريد وهو ينظر لنادر الذي قال بأسف:
ـ للأسف لسه، المكان اللي وقفت فيه العربية مفيش فيه أي كاميرات مراقبة وده مصعب الموضوع جدًا.. زائد إن مفيش أي بصمات غريبة على العربية، يعني لو حتى الاحتمال بتاع إنها اتخطفت صحيح.. وده الاحتمال الأرجح يعني.. فلو صحيح اتخطفت ده بيأكد إن اللي خطفها كان حريص جدًا وعارف هو بيعمل إيه كويس بحيث ميسيبش وراه دليل.
تنهد فريد باستياء وقال:
ـ طيب المفروض إيه اللي يحصل دلوقتي!
ـ المفروض إن التحقيقات هتفضل مستمرة لحين الوصول لطرف خيط، من جهتي أنا مش ساكت وبعمل كل ما في وسعي، ومن جهة الشرطة كمان بيعملوا اللازم.
أومأ فريد موافقًا، ثم نهض واستأذن منهما، وغادر، فنظر سالم إلى نادر وقال:
ـ وعملت إيه في الموضوع التاني؟ لسه مش عارف توصل للبنت اللي اسمها نغم بردو؟
أومأ نادر بنفي، فزم سالم شفتيه باستياء وقال:
ـ جرى إيه يا نادر، إنت كبرت وعجزت ولا إيه، ده أنا كنت مسميك رجل المهام الصعبة.
ضحك نادر وقال:
ـ أنا محامي يا باشا مش ساحر، يعني أكسب قضية، أحل مشكلة في الشغل، أجيبلك ورق، إنما أدور على حد مفقود مش مهمتي، وبعدين البنتين ملهمش أي أثر، أخشى ما أخشاه إن يكون جرالهم حاجة يا سالم باشا.
تنهد سالم بحيرة وهو يقول:
ـ الموضوع فيه لغز محير، وفيه كمان عامل مشترك بين الحكايتين بس مش قادر أحدده.
***
في منزل حسن.
فتح حسن باب الغرفة وهو يحمل صينية وُضع فوقها أطباق عديدة من نفس الأصناف التي تناولها هو ووالدته للتو، وخطا بقدميه للداخل وهو يرفع الصينية بيد وبالأخرى ضغط زر الضوء، وتلقائيًا وقعت عيناه عليها وهي تتمدد فوق الفراش الصغير فأخذ يتفحصها للحظات، سروالها الجينز الضيق ذو الخصر المرتفع الذي يحاكي رسمة خصرها ببراعة، وفوقه بلوزة قصيرة بفتحة عنق واسعة وسحاب جانبي، تشبه حورية البحر كثيرًا في ملامحها وانحناءات جسدها الفارهة.
صرف نظره عنها وهو يهز رأسه بيأس، ثم تقدم من الطاولة ووضع صينية الطعام فوقها، ثم اتجه نحو حورية البحر لكي يوقظها.
ـ انتِ.. يا آنسة..
لم تجب، على ما يبدو أنها تغط في نومٍ عميق، وهذا ما أدهشه بحق.
فمد يده يهز ذراعها برفق وهو يكرر:
ـ يا آنسة.. اصحي بقى كل ده نوم؟
فتحت عينيها ببطء، وما إن لمحت قدماه التي تقابل عينيها حتى فتحت عينيها على آخرهما ونهضت فجأة وأخذت تحدق به بعينين مذعورتين وهي تقول:
ـ انت عايز مني إيه؟
ضحك متعجبًا هيئتها الخائفة، وسحب المقعد وجلس مقابل السرير وهو يقول متهكمًا، متعمدًا إثارة غيظها:
ـ واضح إن النومة عندنا مريحة لدرجة إنك بقالك يومين نايمة، يا رب الخدمة عندنا تكون عجباكي.
نجح فيما كان يرغب في فعله، حيث أنها سددت نحوه نظرات جحيمية وهي تقول بحدة:
ـ بقالي يومين نايمة لأن سيادتك خدرتني وأنا مش سهل أفوق من أي مخدر بسهولة، مش لأن القعدة هنا عجبتني ولا حاجة.
تنهد مطولًا وهو يهز رأسه بهدوء يخفي بداخله وعيدًا مؤجلًا وقال وهو يستهدف عينيها الفريدتين ويقول:
ـ مسيبتوش قدامي حل غير كده.
زفرت بيأس وقالت:
ـ وأنا قولتلك إنك لو فضلت خاطفني من هنا للسنة الجاية ده مش هيغير حاجة!
مال نحوها بتحفز وهو يلقي بحدة صارمة:
ـ لا هيغير كتير، ومتتعشميش إنك تخرجي من هنا قبل ما نغم ترجع. مفهوم ولا لأ؟
ونهض واقفًا فهتفت بصوت عالٍ أشبه بالصراخ:
ـ وافرض مرجعتش؟!
ـ انتِ كمان مش هترجعي.
ألقاها بجمود جعلها تتيبس بمكانها بصدمة، فتجاهلها ثم أشار للطعام قائلًا:
ـ يلا افطري بدل ما تقعي من طولك، كُلي كويس عشان اليومين الجايين محتاجينك تبقي بصحتك.
تذكرت أنها لم تأكل منذ يومين فعلًا، وفي نفس اللحظة انبعثت أصوات معدتها تخبرها أنها على شفا الانهيار، فنظرت إلى الأطباق الموضوعة أعلى الصينية باستسلام، سرعان ما تحول إلى تعجب، وارتسمت ملامح النفور على وجهها وهي تشير بسبابتها نحوها وتتساءل:
ـ إيه ده؟
لم يجهل نظرة النفور بعينيها، ونظر إلى الصينية وأخذ يعدد:
ـ فضلة خيرك فطار معتبر، عِجة وبصارة وبطاطس ومسقعة.
كانت على وشك الإصابة بانهيار عصبي من مجرد سماع أسماء الأطباق، ونظرت إليه بتيه وهي تقول:
ـ لأ مستحيل.. أنااا.. أنا مقدرش آكل الأكل ده، ممكن يحصلي تسمم!!
رفع حاجبه مجددًا وهو يتفحص ملامحها الفاتنة بتعجب وقال:
ـ تسمم إيه؟! ما أنا بقالي تلاتين سنة باكل من الأكل ده وقدامك أهو زي الفل.
هنا تدخلت عائشة التي كانت تقف بالقرب من الباب وتساءلت بشفقة لما بدا الإعياء واضحًا عليها:
ـ طيب يا بنتي نعملك إيه تاكليه؟ ما هو لازم تاكلي انتِ بقالك يومين على لحم بطنك!
تنهدت بعجز، ورضخت أخيرًا لاستغاثات معدتها، ثم نظرت إليها وقالت باستسلام:
ـ خلاص هفطر وافل أو كرواسون وأي عصير فريش.
نظر إلى والدته وتبادلا النظرات المستفهمة، ثم نظرا إليها مجددًا باستغراب بينما هي تنظر إليهم باستغراب مماثل. فانسحب هو من أمامها ونظر إلى والدته قائلًا:
ـ بقوللك إيه ياما، طقّشي لها بيضتين!
وتركها وخرج من الشقة وهو ينزع هاتفه من جيبه ويجيب ذلك الاتصال اللحوح من فيفي وهو يقول بضجر:
ـ نعم يا فيفي خير متلهوجة على إيه عالصبح؟
ـ تعالى لي دلوقتي حالا يا حسن!!
ـ في إيه اخلصي أنا مش فاضي لك.
ـ محروس قاللي إنك خدت عربيتي السودا من الجراج أول امبارح بالليل، صحيح؟
ارتبك للحظات، ثم أجابها بقوة:
ـ أيوه صحيح.
ـ و ليه مقولتليش؟
ـ وأقول لك ليه؟! كنت رايح مشوار مهم واحتاجت العربية، فيها حاجة دي؟
ـ لأ أبدًا مفيهاش حاجة بس واجب كنت تعرفني، انت عارف إن العربية دي بالذات أنا مش بخرجها من الجراج إلا للمناسبات، طيب كنت خد التانية.
فأجابها بضجر وهو يقول:
ـ أهو اللي حصل بقا يا فيفي، أحمد زي الحاج أحمد.. دي عربية ودي عربية، وبعدين هو إحنا بيننا الكلام ده ولا إيه؟ أومال فين بقا انت المدير وانت صاحب المصلحة والمال مالك والأونطة اللي بأكلها فطار وغدا وعشا منك كل يوم دي.
تراجعت حدتها وأردفت بنعومة مفتعلة:
ـ أكيد يا أبو علي، أنا وكل ما أملك تحت أمرك.
ـ لما نشوف.
ـ طب بقول لك إيه، مش هتيجي؟
ـ ما تتهدي بقا يا فيفي عالصبح، انتي مش وراكي شغل؟ وأنا كمان ورايا شغل ومشاوير مهمة لازم تخلص.
ـ بشوقك يا سونة.. بكرة شوقك يجيبك.
أنهى الاتصال وهو يزفر بضجر وانزعاج وهو يتمتم:
ـ يخرب بيت أبوكي مرة عاملة زي اللزقة.
***
كان فريد يجلس في مكتبه، يحاول لملمة شتاته بأي طريقة ولكنه فشل، يحاول أن يصب كامل تركيزه على الملفات و كومة الأوراق المكدسة أمامه ولكنه لا يستطيع.
ترك القلم من يده، وأخذ يضغط بين عينيه بتعب وارهاق، ثم تنهد بيأس، ونهض من مقعده، دخل إلى غرفته الموجودة بالمكتب وقام بتبديل قميصه أملًا منه أن يتجدد نشاطه، ثم قام بتحضير قدح قهوة مضاعفة خالية من السكر كما يفضل، وعاد إلى المقعد من جديد، وأمسك بملف يجمع تحديثات جديدة لمشروعه الأخير، وحاول أن يمعن النظر به ويقرأه جيدًا.
استمع إلى طرقات على صوت الباب فأمر الطارق بالدخول، فدخل أيمن مبتسمًا وهو يقول:
ـ حمدالله على السلامة يا فريد بيه.
أومأ وقال:
ـ الله يسلمك يا أيمن، متشكر.
وضع أيمن أمامه جدول أعمال اليوم وقال:
ـ ده جدول بمواعيد الاجتماعات والمقابلات الضرورية، حضرتك طلبت أجمع كل المواعيد المهمة.
قاطعه فريد بإيماءات متعددة، وأخذ ينظر بالجدول أمامه وهو يقول:
ـ في اجتماع كمان ساعة!
أومأ أيمن مؤكدًا وقال:
ـ ممثل شركة إن تك كان طالب مقابلة من أسبوع، بس حضرتك مكنتش متواجد بالشكل المطلوب فأجلناها.
ـ أوكي.. بلغه يكون موجود كمان نص ساعة وأول ما يوصل بلغني.
ـ تحت أمرك.
فنظر فريد مجددًا إلى جدول أعماله وقال:
ـ بالنسبة لعشاء العمل مع الوفد الروسي احضره إنت، أنا مش هقدر أكون موجود بالليل.. وابعتلي ملخص الاتفاق على الإيميل وأنا هدرسه بعدين.
ـ اللي تشوفه حضرتك، واضح إنك مرهق جدًا.. لو تحب نأجل اجتماع الساعة ٦ مفيش مشكلة.
ـ لأ مش هينفع نأجل تاني. أنا بس محتاج أفصل شوية قبل الاجتماع ومش عاوز إزعاج.
هم أيمن بالخروج، ولكن فريد استوقفه قائلًا:
ـ لحظة يا أيمن من فضلك.
التفت أيمن نحوه ووقف بمكانه، فوجد فريد ينهض من مكانه ويتقدم منه، ثم وضع يده على كتفه وقال:
ـ أنا آسف إني نسيت أشكرك على وقفتك جمبي ووقفتك لوحدك في الشركة المدة اللي فاتت دي كلها، إنت أجدع صاحب أنا عرفته بجد.
اهتزت ابتسامة أيمن، ونظر إليه قائلًا:
ـ ده شغلي وبتقاضى أجر عليه ولازم أعمله على أكمل وجه يا فريد بيه، وبعدين حضرتك ليك جمايل كتير عليا ومهما أعمل عشانك مش كفاية.
ابتسم فريد بتقدير وقال:
ـ متشكر جدًا.
غادر أيمن بينما عاد فريد إلى مكتبه، أمسك بالملف وهو يتمتم مستغفرًا، محاولًا العمل بجدية ولو لقليل، ولكنه وجد نفسه بعد دقائق يترك الملف من يده ثم فتح درج المكتب، وأخرج ذلك القرص المدمج الذي احتفظ بتسجيل فيديو الحفل عليه، وضعه بالحاسوب وفتح المقطع، وأخذ يشاهد لحظة دخول نغم إلى الحفل، كانت تبدو مرتبكة، تفرك يديها ببعضهما وهي تتطلع حولها بتوتر، ثم اقتربت نحوه، وقفت أمامه، ومنحتهُ أحلى قبلة كان ليحصل عليها من امرأة، قبلة كانت هي الأولى بالنسبة لكلا منهما، قبلة كلما تذكرها طاف مذاقها الحلو فوق شفتيه من جديد.
تنهد بيأس وهو يغلق الحاسوب ويسند رأسه على ظهر المقعد، وأغمض عينيه للحظات ومن فرط إرهاقه ارتخى جسده ودخل في سبات لحظي، ليراها بين ذراعيه، يتبادلان الهمسات المحمومة ويتشاركان لحظاتٍ خطرة للغاية، وفجأة فتح عينيه ونفض رأسه بضيق، ثم نهض من مقعده وهو يستعيذ لكي يصرف ذلك الشيطان الذي صورها إليه بتلك الطريقة، ثم دخل إلى الحمام الموجود بالغرفة الملحقة بالمكتب، ووقف أمام الحوض، ثم انحنى وغمر رأسه بالماء البارد، واستقام ينظر لنفسه في المرآة باستياء، وكم شعر بالضيق من نفسه في تلك اللحظة.
خرج إلى المكتب من جديد، وجلس يحاول صرف تركيزه عن ذلك الحلم الذي لا تتعدى مدته دقيقتان ولكنه استحوذ على كل جوارحه، فتذكر نصيحة الطبيب له عندما نصحه بإنشاء موضع ألم لكي يساعده في صرف تركيزه عن أي فكرة وسواسية لا يرغب فيها، فأخذ يضغط على باطن رسغه بقوة إلى أن شعر بالألم وقد غزا جميع خلاياه العصبية وجعله يئن متألمًا وهو ينظر إلى أثر تلك الكدمة الحمراء التي تركها إبهامه عليها.
زفر بهدوء، ثم أخذ يدون بعض الملاحظات الخاصة بالمشروع الجديد، ولكن هاتفًا وردهُ فجعلهُ يتوقف عن الاسترسال، ثم أجاب الاتصال بصمت ليصله صوت شاب يتساءل:
ـ حضرتك فريد بيه؟
ـ أيوه، مين حضرتك؟
ـ أنا دكتور هلال صاحب الصيدلية.
وقبل أن يستكمل الدكتور قاطعه فريد بلهفة، وهب واقفًا وهو يقول:
ـ أيوه أيوه افتكرتك، ها شوفتها؟
ـ أيوه.. هي دلوقتي موجودة عندي في الصيدلية بس طبعًا متعرفش إني بكلمك. بس يا ريت حضرتك تيجي في أسرع وقت لأني مش عارف أسيطر عليها وعمالة تزعق ومنفعلة جدًا.
ـ تمام.. مسافة السكة وهكون عندك، مع السلامة.
أنهى فريد الاتصال، وغادر مكتبه مسرعًا، فتح الباب فاصطدم بأيمن الذي كان بصدد الدخول إليه وهو يقول:
ـ الاجتماع بعد عشر دقايق يا فريد بيه.
ليجيبه فريد وهو يهرول نحو المصعد:
ـ أجله وقت تاني يا أيمن.
مط أيمن شفتيه بيأس وهو يتطلع في أثر فريد الذي كان مستعدًا قبل قليل للاجتماع والآن يطلب تأجيله، ثم تنهد بقلة حيلة وهو يعود إلى مكتبه لكي يبلغ أعضاء مجلس الإدارة والضيوف بإلغاء الاجتماع.
***
ـ ممكن أعرف انت حابسني هنا ليه؟ إنت عبيط في دماغك؟!
قالتها نغم وهي تنظر إلى الطبيب بعصبية، فنظر إليها وتنهد بيأس، فأردفت وهي تقترب منه أكثر وتقول بحدة:
ـ ما تتكلم بدل ما أهد الدنيا فوق دماغك.
رأته يتأفف بصمت فنظرت إليه بغيظ وقالت:
ـ انت كمان هتنفخ، يعني خاطفني هنا وبتنفخ، طب إيه رأيك بقا إني هصوت وهلم الدنيا كلها عليك وهقول لك إنك خاطفني.
ـ يا ستي اهمدي بقا انتي كمان خاطفك إيه!! اصبري شوية وانتي تفهمي كل حاجة.
تنهدت بعمق وأخذت تنظر حولها وهي تتمتم بانفعال:
ـ اللهم طولك يا روح.
استسلمت عندما رأته يتابع عمله بهدوء ولا يحاول التعرض لها، فقررت الالتزام بالصمت إلى أن يظهر ما يتطلب عكس ذلك، مرت بعدها لحظات ثقيلة جدًا، كانت تتخيل فيها كل السيناريوهات المرعبة التي من الممكن أن تحدث، ولكن ما رأته جعل عقلها يتوقف عن العمل والتخيل تمامًا، رأت سيارة فريد تصطف أمام باب الصيدلية، ثم نزل هو منها وتوجه نحوها.
خفق قلبها بقوة، وأخذت تنظر إليه ثم إلى الصيدلي الذي تنهد بفراغ صبر عندما رأى فريد. لا إراديًا امتدت يداها تهندم شعرها وملابسها بارتباك، وتعلقت عيناها بالباب الزجاجي الذي انفرج وظهر من خلفه فريد، بدا وجهه شاحبًا بشكل مقلق، يدل على أنه لم يذق طعم الراحة خلال الأيام الماضية، ارتبكت لما تلاقت أعينهم ورأته يتفرسها بطريقة أثارت جدلًا واسعًا في قلبها، فتخطاها وشكر الصيدلي، ثم أخرج من جيبه ظرفًا ووضعه أمامه وهو يقول:
ـ متشكر جدًا.
واتجه نحو نغم، وقف أمامها يطالعها بنفاذ صبر وقال:
ـ اتفضلي قدامي.
نظرت إليه بتعجب، ثم إلى الصيدلي الذي ينظر نحوهما باستغراب وقالت:
ـ إنتوا متفقين مع بعض بقا!!
أشار إليها وقال بلهجة آمرة تعجبتها:
ـ من فضلك امشي قدامي من غير ولا كلمة.
وسار للخارج وهو يمسك بيدها رغما عنها ويسحبها للخارج، دار حول السيارة وفتح الباب وأشار لها بالدخول ففعلت بصمت، ثم عاد إلى مقعده وصفق الباب بقوة، وسحب نفسًا طويلًا ملأ به صدره استعدادًا لمواجهتها، ثم نظر إليها قائلًا:
ـ ممكن أعرف بقا إيه اللي عملتيه ده؟ هو انتي مش هتبطلي جنان؟
نظرت إليه بضيق وقالت:
ـ أنا اللي المفروض أسألك إيه اللي عملته ده؟ وبعدين عرفت منين إني هاجي هنا؟
نظر إليها بضيق وانزعاج وهو يقول:
ـ لأني عارف بتفكري إزاي، بتفكري بطريقة مفيش طفل صغير عنده عشر سنين يفكر بيها.
نظرت إليه بغيظ فأردف:
ـ يعني عارفة ومتأكدة إن حسن بيدور عليكي في كل مكان تقومي برجليكي تيجي لحد المستشفى اللي خالتك بتتعالج فيها وعارفة إنه بيكون معاها، يعني احتمال كبير جدًا يشوفك.. ومع ذلك جاية وكأنك بتقولي له أنا أهو.
تنهدت بانزعاج وقالت:
ـ مكانش قدامي حل تاني، خالتي وحشتني وعايزة أشوفها.
ـ وأنا هخليكي تشوفيها، بس بالعقل.. من غير ما تأذي نفسك وتوقعي نفسك في كارثة.
نظرت إليه بلهفة وهي تقول:
ـ بتتكلم جد؟ هتخليني أشوفها؟
أومأ بهدوء فابتسمت واللمعت عينيها بحماس، فابتسم لاإراديًا ولكن تلك الابتسامة سرعان ما زالت عندما رآها تنظر نحوه بغيظ وتتساءل:
ـ إنت عرفت منين إني هنا؟
تنهد وأخذ يسرد عليها ما حدث بالتفصيل فقال:
ـ قلبي حس إنك هتحاولي تيجي هنا عشان تشوفي خالتك، بصراحة مكنتش متأكد ولكن كانت مجرد محاولة، ما انتي مشيتي فجأة.. ولا كنت عارف عنوان أروحه ولا حد أسأله.. كل اللي أعرفه إن خالتك بتكون موجودة في المستشفى تلت أيام في الأسبوع، عشان كده قابلت دكتور هلال صاحب الصيدلية وطلبت منه لو شافك يتصرف ويبلغني فورًا.
وتابع وهو ينظر إليها بحنق ويقول:
ـ كنت عارف إنك هتعرضي نفسك للخطر عادي جدًا بدون ما تتعبي نفسك وتفكري لخمس دقايق بس، وعلى فكرة مش دكتور هلال بس اللي طلبت منه يبلغني لو شافك.. ده كل المحلات اللي في الصف اللي قدام المستشفى.
ضحك فضحكت وتمتمت:
ـ إنسان غريب.
ـ وإنتي أغرب.. اتفضلي سيادتك دلوقتي حالا قوليلي مشيتي ليه وإزاي تمشي كده منك لنفسك؟
أطرقت برأسها أرضًا، ثم قالت وهي تتذكر ما قالته چيلان ونطقت بخيبة أمل:
ـ لأن ده الصح.
ـ و ليه مقولتيليش إنك ماشية؟ لأنك عارفة إني مش ممكن أسمح لك تمشي مش كده؟
انتهزتها فرصة، فنظرت إليه وقالت:
ـ ليه؟
ـ ليه إيه؟
تساءلت وهي ترجوه بعينيها أن يمنحها إجابة ترشدها لبر الأمان:
ـ إيه اللي يخليك تمنعني أمشي؟
صمت لقليل، حاول أن يصرح لها عما يشعر به، ولكن قبل أن يجيبها كانت قد نطقت وقالت بحزن:
ـ لأنك مصمم تعرف مين ورايا مش كده؟ متمسك بوجودي في الڤيلا لأنك مش مصدقني ومصمم إني بتجسس عليك لصالح حد.
قطب جبينه متعجبًا وقال:
ـ إيه الكلام ده؟ أكيد لأ.
تجمعت الدموع بعينيها وهي تتذكر ما قالته چيلان عن علاقتهما وارتباطهما العاجل، وتحدثت إليه بغضب وخيبة الأمل ترسم انعكاسها على وجهها:
ـ أكيد أه.. مع إني قولتلك من البداية على كل حاجة بس انت مصدقتنيش وبتحاول تفهمني إنك واثق فيا بس الحقيقة غير كده.
سالت دمعاتها فاضطرب أكثر، ونظر إليها بتردد ثم قال:
ـ اللي بتقوليه ده مش صح أبدًا يا نغم، أنا صدقتك لأني عايز أصدقك، ووثقت فيكي ومتأكد إن ثقتي فيكي في محلها.
أومأت بتهكم وقالت:
ـ والله كتر خيرك.
قطب جبينه مجددًا وتنهد باستياء وقال:
ـ نغم.. خليكي مباشرة لو سمحتي وقولي عايزة تقولي إيه!
نظرت إليه بحدة وفجأة ألقت بدون تمهيد:
ـ انت فعلًا بتحب چيلان وهتخطبها؟
قطب جبينه متعجبًا وقال:
ـ مين اللي قال لك كده؟
ـ چيلان!!
تنهد بضيق وقال:
ـ وقالت لك إيه تاني؟
تجهمت ملامحها وقالت:
ـ وقالت لي إنك متمسك بيا عشان تعرف بس مين اللي ورايا.. وإنها متأكدة إن حد زاققني عليك.. ولمحت كمان إن بينكوا حاجة.
قطب جبينه بتعجب وتساءل:
ـ حاجة زي إيه؟
رفرفت بأهدابها بتوتر وهي تنظر بعيدًا عنه فقال باستدراك:
ـ وانتي زي الهبلة صدقتي مش كده؟
نظرت إليه متفاجئةً، وتمتمت:
ـ متقولش هبلة.
فأضاف بقليل من المرح:
ـ للأسف يا نغم دي الحقيقة واحنا مخبيين عليكي، انتي فعلا هبلة ومجنونة كمان.. كل اللي يقولك كلمة تصدقيها، كل اللي يقول لك حاجة تعمليها.. بتثقي في أي حد ثقة عمياء.. مع إني حذرتك قبل كده وقلت لك بلاش تدي الأمان المطلق للناس وخليكي حذرة.. فضلت تهزي راسك وتقولي فاهمة فاهمة واتضح إنك كنتي بتاخديني على قد عقلي.
شعرت بالحرج لتوبيخه لها بتلك الطريقة، ولكنها لم تفلح كذلك في إخفاء ابتسامتها فتساءلت:
ـ أفهم من كلامك إن اللي قالته چيلان كدب؟
قطب جبينه وتساءل:
ـ اللي هو إيه؟
ـ إنك بتحبها وهتخطبها؟
فأردف متصنعًا الجدية:
ـ لأ الجزئية دي بالتحديد صح.
تراجعت ابتسامتها وبهتت ملامحها من جديد فانفجر ضاحكًا بقوة ضحكة رنانة أسرت عقلها وقلبها، وجعلتها تهيم في ملامحه بتيه.
أطالت النظر إليه وهي تقاوم تلك الرغبة المجنونة التي تلح عليها لعناقه والاعتراف له أنها قد اشتاقته حد الهلاك.
ـ انتي مش معقولة بجد.. والله هتجننيني.. يا بنتي أرجوكي لازم يكون عندك ثبات انفعالي شوية، انتي كده هتضيعي نفسك وتضيعينا معاكي.
تنهدت بغيظ مكتوم، وأشاحت بوجهها جانبًا فحمحم ثم قال:
ـ طيب عالعموم أنا آسف متزعليش، أنا بهرج معاكي مش أكتر.
أجابت بضيق:
ـ خلاص مفيش حاجة.
ـ طيب مش هتقوليلي بقا كنتي فين اليومين اللي فاتوا؟
نظرت إليه وجحظت عينيها بصدمة وهي تقول:
ـ عم اكرامي!!!!
ـ مين عم اكرامي؟
ـ هحكيلك بعدين.. اتحرك بسرعة.
***
توقف كما أمرته أمام كورنيش النيل، وأخذت تتطلع أمامها من خلف زجاج السيارة وهي تقول بارتياح:
ـ الحمد لله لسه مجاش.
ونظرت إليه لتجده في انتظار التفسير فقالت:
ـ عم اكرامي ده راجل زي السكر.. عنده عربية بيعمل عليها بليلة ورز بلبن وحمص الشام.. عملت معاه موقف جدعنة كده فقرر يشغلني معاه.. وفتح لي بيته كمان كنت بات مع بناته ومراته.
نظر إليها بتعجب يشوبه الضيق وقال:
ـ كنتي باتي في بيت ناس متعرفيهاش؟ بالسهولة دي؟
فرفعت حاجبيها بتعجب وقالت:
ـ على أساس إن إنتوا من بقية أهلي وأنا معرفش؟
تنهد يائسًا منها وقال:
ـ أوكي.. بس على الأقل عرفتينا واتعودتي علينا وضمنتي إن محدش منا هيأذيكي، إنما عم اكرامي بتاعك ده تعرفيه منين؟
ـ أهو اللي حصل بقا.
زفر وقال:
ـ وبعدين موقف إيه اللي عملتيه معاه ده فقرر يساعدك؟
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تقول:
ـ كان في واحد من الزباين بيحاول ينشله من غير ما ياخد باله، أنا بقا لقطته واديته من المنقي خيار.. وطبعًا بقية الزباين اتلموا عليه و كَل علقة مكلهاش حمار في مطلع.
ابتسم وأخذ يحدق فيها مسحورًا، يشعر أنه يرى أمامها نغم مختلفة، أكثر شقاوة ومشاكسة، مختلفة عن نغم الهادئة الحزينة التي كانت عليها خلال بقاءها معهم.
ـ طيب.. إحنا هنستنى عم اكرامي الجميل ده ييجي ونشكره، وبعدها هترجعي معايا على الڤيلا.
اضطربت نظراتها مجددًا وقالت:
ـ مش هينفع للأسف، أنا كده مرتاحة أكتر، بشتغل وعايشة على قد فلوسي، وقريب هتصرف وأشوف مكان أقعد فيه.. حتى بطلت أفكر في الرجوع لخالتي.. يظهر إني خلاص انكتب عليا أعيش لوحدي.
تنهد بضيق وقال متجاهلًا كل الحماقات التي تفوهت بها وقال:
ـ إحنا هنستنى عم اكرامي ونشكره، وبعدها هنرجع على الڤيلا، تظبطي نفسك كده وتلبسي هدومك اللي مستنياكي هناك دي، وهاخدك ونروح نزور نسيم.
اتسعت عينيها بحماس وهي تقول:
ـ هي فاقت؟
أومأ مبتسمًا وقال:
ـ الحمد لله.
تنهدت بارتياح وقالت:
ـ والله كنت بدعي لها دايما.
ابتسم بتقدير وأردف:
ـ عارف.. وهي مستنية تشوفك على فكرة وبتسأل عليكي كل شوية.
زمت شفتيها بتوتر وقالت:
ـ بلغها سلامي وقول لها إني مبسوطة أنها اتحسنت.
نظر إليها بإصرار وقال:
ـ مش هبلغها حاجة، وهتيجي معايا بنفسك وتقولي لها كل ده.
تنهدت بأسى وهي تنظر إليه برجاء وتقول:
ـ فريد.. عشان خاطري متغصبش عليا، أنا مرتاحة كده صدقني.. مش عايزة أرجع أعيش مع ناس مش قابلين وجودي، ولا أرجع أعيش عالة عليك وعلى أهلك.. ولا عايزة أرجع وأضطر أشارك سالم بيه في خطط وحكايات أنا مش قدها.. أنا ما صدقت رجعت لأصلي، رجعت لحقيقتي.. دي أنا.. دي نغم.. اللبس اللي عليا ده لبسي، والمكان اللي أنا فيه مكاني.. والناس اللي أنا قاعدة عندهم شبهي… أنا كده مرتاحة وراضية وحاسة إني مبسوطة أكتر.
ابتلع ريقه بتوتر وقال:
ـ مش هينفع يا نغم.. أنا مش هقدر بعد ما لقيتك أسيبك تاني وأمشي.
تنهدت وقالت:
ـ لو على الاتفاق اللي بيننا فأنا لسه عند كلامي، وموافقة.. عرفني قبلها وأنا هجهز وأكون معاك في الحفلة.
زفر مغتاظًا بنفاذ صبر وقال:
ـ بردو هتقوليلي اتفاق؟! شيلي موضوع الاتفاق ده من دماغك تمامًا، أنا خلاص مبقاش فارق معايا أعرف مين اللي عمل كده ولا عمل كده ليه.. أنا كل اللي فارقلي دلوقتي هو انتي.. مينفعش تفضلي شغالة على عربية البليلة دي ولا تفضلي قاعدة عند ناس متعرفيهاش.. وعلى العموم لو مش عايزة ترجعي الڤيلا فانا عندي حل تاني.
نظرت إليه باستغراب وقالت:
ـ حل إيه ده؟
ـ تيجي تقعدي عندي في بيتي.
رفعت حاجبيها بتعجب وقالت:
ـ نعم؟!
ـ نعم إيه؟! يعني بتثقي في عم اكرامي بتاع البليلة ومش بتثقي فيا؟
قالها متصنعًا الضيق فقالت:
ـ مش حتة ثقة، بس على الأقل عم اكرامي معاه عيلته يعني مش قاعدة معاه لوحدي.
ـ ومين اللي قال لك إنك هتقعدي معايا لوحدك؟ إنتي هتقعدي في البيت عندي وأنا هفضل زي ما أنا في الڤيلا.. وإذا كنتي مش عايزة حد يعرف إني لقيتك اطمني مش هقول لحد.. بس على الأقل أبقى مطمن عليكي وعارف انتي فين.
تنهدت بحيرة، وأخذت تفكر طويلًا، ثم قالت باستسلام:
ـ أنا موافقة.
تبسم بارتياح وقال:
ـ كويس جدًا.
نظرت إليه مجددًا وتساءلت:
ـ ممكن أعرف إنت بتعمل معايا ليه كده؟
كان رجاءً أقرب منه إلى سؤال، ودت لو أجابها بتلك الإجابة التي تراها الآن في عينيه، ولكنه أجابها بمراوغة أحبطتها:
ـ لأنك تستحقي كل خير، إنتي وقفتي معانا، مرة مع عمر، ومرة مع نسيم.. فأقل واجب إني أساعدك.
تنهدت بهدوء وأومأت فقال:
ـ هاا. يلا بينا؟
أومأت باستسلام وقالت:
ـ يلا.
يتبع…
رواية محسنين الغرام الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نعمة حسن
صف فريد سيارته أمام المنزل، ثم ترجل وبرفقته نغم التي كانت تتأمل المكان من حولها بانبهار.
خاصة عندما فُتح الباب أمامها ورأت منزلا أقل ما يقال عنه أنه تحفة فنية.
منزلا منفردا عبارة عن طابق واحد، ولكنه على مساحة كبيرة جدا، وبه الكثير من الغرف التي لم تعرف دورها بعد، ومطبخ مفتوح كبير يطل على غرفة معيشة واسعة.
وقفت تتأمل المكان بابتسامة، ثم نظرت إليه وقالت بابتسامة:
ـ ماشاءالله بيتك جميل.
ابتسم بدوره وقال وهو يغلق الباب ويسير إلى جوارها:
ـ بجد عجبك؟
كان مهتما جدا لسماع إجابتها، فأومأت بتأكيد وقالت:
ـ عجبني جدا.. فيه منك كتير.
ضيق بين حاجبيه متعجبا إجابتها وتساءل:
ـ إزاي بقا؟
لتجيبه وهي تنظر في الأرجاء باهتمام:
ـ فيه هدوء وسكينة، وكمان فيه دفا.
مط شفتيه بابتسامة وهو يرفع حاجبيه متفاجئا، وأخذ يهز رأسه بهدوء وقال:
ـ فيه دفا قولتيلي.. ممممم.
ابتسمت بتوتر وقالت وهي تسبقه للأمام لكي تهرب من مرمى عينيه:
ـ إنت اللي اختارت كل حاجه في البيت مش كده؟
ـ أكيد.
ـ و اوضتك اللي في الڤيلا؟
تنهد وهو يحك عنقه وقال:
ـ أمي الله يرحمها.
لمحت نظرة الأسى في عينيه فقالت بنبرة تبث فيها مواساتها:
ـ الله يرحمها.
تنهد وهو يتقدم نحو الأريكة ثم جلس فوقها، فسارت خلفه وجلست على المقعد المقابل له وأخذت تنظر له بصمت.
بينما كان هو مطرقًا برأسه أرضا فيما يشبه الشرود ثم قال:
ـ أمي كانت ذوقها حلو جدا.. كانت خريجة فنون جميلة كمان، وكانت بتحب ترسم جدا.. ويمكن دي الحاجة الوحيدة اللي ورثتها منها.. حب الرسم.
أضافت بابتسامة:
ـ أنا متأكدة إنك ورثت منها الحنية كمان.
ابتسم ببساطة وأومأ وقال:
ـ جايز.
ـ لأ مش جايز، ده أكيد.. أنا شفت حنيتك على نسيم، بصراحة مكنتش متخيلة إنك حنين كده، أصل أنا كنت واخده فكرة عن كل اللي في البيت انهم حاجة يعني استغفر الله العظيم.
وابتسمت بخجل وبترت ما كانت تنوي قوله فضحك بخفة وقال:
ـ انتي كمان حنينة يا نغم.. خوفك على نسيم ودموعك عشانها وكونك متتردديش في انك تنقلي لها دم بالرغم من إنك مش مطلوب منك ده وانتي آخر واحدة كان ممكن نفكر فيكي أصلا.. كل ده يدل على انك حنينة جداا وقلبك أبيض كمان.
اتشحت عيناها بدمعات آسفة عندما تذكرت ما قالته چيلان، فسألته:
ـ يعني مفكرتش إني بعمل كده عشان أخليك تتعاطف معايا زي ما قالت چيلان؟
ـ أبدا.
بصي يا نغم. أنا بقدر أوزن الأمور كويس جدا، ونظرتي في اللي قدامي أغلب الأحيان بتكون الحمد لله صائبة، وأنا من ساعة ما شفتك حسيت إنك بريئة وملكيش في التصنع و المكر والخبث.
وأردف وهو يمعن النظر في عينيها الجميلتين وقال:
ـ عينيكي متعرفش الغدر.
شعرت بالارتباك إثر نظرته، ومدت يدها تزيح خصلة من شعرها خلف أذنها وقالت وهي تحاول ثنيه عن التحديق بها:
ـ وبعدين كمل؟
ـ أكمل إيه؟
ـ والدتك الله يرحمها.. قولتلي إن كان ذوقها حلو.
أومأ بابتسامة بائسة وتابع:
ـ كان كل حاجه فيها حلوة، كانت رقيقة وحنونة جدا.. لسه فاكر صوتها وكلامها وريحتها لحد دلوقتى، بالرغم من إن مر على وفاتها ٢٥ سنة لكن بالرغم من كده لسه فاكر كل تفاصيلها.
كان صوته العميق دليلا قاطعا على حزنه الذي يحاول مواراته خلف ابتسامة هادئة.
ـ أوقات بحس إني محتاج لها جدا.. مثلا لما كنت في المستشفى وقت حادثة نسيم، حسيت إني محتاج لها، لدرجة إني كنت بفضل أدعي قبل ما أنام إني أحلم بيها، كنت بفضل أفكر فيها كل ليلة عشان أشوفها في المنام جايز تطمني أو تطبطب عليا، كان نفسي هي أكتر واحدة تكون معايا في الوقت ده.
كنت حاسس إني لسه طفل.
وشرد بعيدا وتابع:
ـ نفس الطفل اللي عنده عشر سنين اللي اتحرم من أمه في لحظة.. نفس الطفل اللي مش قادر يتجاوز فقدان شخص كان بالنسبه له هو المصدر الوحيد للأمان.
رجعت بالزمن لبعيد جداا وكأني اتحبست جوة دايرة ملهاش نهاية وبقيت مش قادر أخرج منها.
وتنهد مطولا وتابع:
ـ اللي حصل مع نسيم رجعني لنقطة الصفر من تاني وخلاني أعيش أوقات صعبة جدا يا نغم، مهما أوصف لك مش هتتخيلي أنا كنت بمر ازاي بكمية حاجات كلها أسوأ من بعض في اليوم الواحد.
ونظر إليها وأضاف بنبرة يتخللها اللوم:
ـ وجيتي انتي لما مشيتي زودتي الشعور ده عندي.. بقيت مش قادر أواجه ولا عارف أصد قصاد إيه بالظبط.. حسيت إنك كنتي سنداني.. حتى لو مش هتعملي حاجة بس وجودك معايا وجنبي كان مقويني.
شتتها بأسوأ الطرق، فأطرقت برأسها أرضا وظلت تعبث بأناملها بتوتر.
إلى أن سمعته يقول برجاء:
ـ ممكن متعمليش كدا تاني؟
نظرت إليه، أغلقت عينيها بتوتر، وفتحتهما وهو يقول:
ـ ممكن قبل ما تقرري أي قرار نتناقش فيه الأول؟
أنا مستحيل أحجر على تفكيرك.. يعني.. مستحيل أحاول أقنعك بحاجة انتي مش عايزاها أو مش قابلاها.. لكن هعرض لك الموضوع من منظور تاني ممكن مفكرتيش فيه.. وهفكر معاكي بصوت عالي.. لو عندك سؤال قوليلي وأنا أكيد مش هكدب عليكي.. أفضل بكتير من إنك تفضلي تبني أوهام وافتراضات ملهاش أساس.
وألقى وهو يريح ظهره للمقعد:
ـ زي كدبة چيلان اللي صدقتيها من غير ما تشغلي عقلك خمس ثواني بس.. وخدتي بعضك ومشيتي بسبب كلامها.
فأضافت هي بارتباك:
ـ على فكرة أنا ميهمنيش أبدا تكون بتحبها وعايز تخطبها أو لأ.
ورفعت كتفيها متصنعة عدم الاكتراث وقالت:
ـ انت حر أنا مالي.
جاهد ليخفي ابتسامته وأضاف بجدية زائفة:
ـ أنا مش قصدي على الكدبة دي، قصدي على الكدبة التانية.. لما قالتلك إني متمسك بوجودك بس عشان أعرف مين وراكي.
احمر وجهها خجلا وأشاحت بعينيها عنه وهي تلعن تهورها وحماقتها اللذان جعلاها تبدو أمامه الآن وكأنها مهتمة ومولعة به.
تنهد وحمحم ثم قال:
ـ على العموم اللي حصل حصل خلاص والحمد لله إني قدرت أوصلك.
ونظر بساعة يده وقال:
ـ أنا مضطر أمشي دلوقتي لأن عندي يوم طويل في الشغل، وبعدها هروح أشوف نسيم وهمر عليكي قبل ما أرجع على الڤيلا.
أومأت بموافقة ثم قالت:
ـ سلملي على نسيم كتير.
أومأ موافقا ثم قال وهو ينهض مستعدا للمغادرة:
ـ محتاجة حاجة أجيبهالك وأنا جاي بالليل؟
ابتسمت لسبب لا تعرفه وقالت بهدوء:
ـ شكرا ربنا يخليك.
سار معها وهو يشير إلى غرفته وقال:
ـ دي اوضتي، والأوضة اللي جمبها دي هتكون اوضتك من هنا ورايح، أنا كنت مجهزها لنسيم عشان لو الظروف سمحت في أي وقت وجت عاشت معايا هنا، بس يظهر إنك كنتي صاحبة النصيب من البدايه.
ابتسمت وقالت:
ـ أنا كده كده وجودي هنا مش مطول، يعني فترة بسيطة لحد ما أظبط أموري وهمشي.
تنهد بيأس لكونها لا تنفك تذكره بأنها ستذهب عاجلا أم آجلا.
ثم أخرج هاتفها من جيبه وأعطاه لها وهو يقول:
ـ اتفضلي تليفونك، لو احتاجتي أي حاجه كلميني وأنا هجيبهالك وأنا جاي.
أومأت بهدوء فسار نحو الباب وهو يقول:
ـ خدي راحتك.. البيت بيتك.
ووقف عند الباب يطالعها للحظات ود لو أنها لا تمر.
ثم ألقى إليها بغتةً:
ـ على فكرة صورتك اللي عند المرجيحة حلوة جدا.. سلام.
و غادر مسرعا، ركب سيارته وانطلق عائدا إلى الشركة من جديد.
وقفت نغم مستندة إلى الباب للحظات وهي تستوعب كلمته.
ذلك الرجل لا يتوقف عن مفاجأتها في كل مرة.
أسندت ظهرها إلى الباب وهي تتنهد بحيرة.
بالرغم من أن قربها منه يطمئنها ويشعرها بالأمان ولكنها لا تشعر بالراحة الآن.
طالما أن الصراع لازال قائما، وحسن لازال يطاردها، فلا وجود للراحة المطلقة.
استدارت ووقفت تطالع المنزل بتفحص، فجذب انتباهها مكتبة كبيرة تحتل مساحة جدارين كاملين.
قادها فضولها نحوها، فتوقفت أمامها والتقطت كتابا وأخذت تنظر إليه فوجدته كتابا باللغة الإنجليزية فتركته.
فالتقطت غيره وغيرهما الكثير وكانت تعيده في كل مرة لنفس السبب.
إلى أن وجدت كتابًا باللغة العربية أخيرا، يحمل عنوانا أثار فضولها ” لأنني أحبك ”.
***
في المساء.
كانت چيلان تجلس فوق الفراش بملل، تضم ركبتيها إلى صدرها حين استمعت إلى صوت طرقات على الباب.
فتحدثت بصوت حاد:
ـ قلت مش عايزة أشوف حد، انتوا إيه؟ مبتفهموش؟
تجاهلت عائشة لسانها السليط ودخلت وهي تحمل على ذراعها بعض الملابس.
ثم وضعتها أمامها على السرير وهي تقول:
ـ جبتلك حاجة تلبسيها، اشتريناها لك مخصوص على فكرة ألا تكوني مفكرة إنها بتاعة حد.
نظرت چيلان إلى المنامات بازدراء وهي تقول بأسلوب حاد:
ـ إيه القرف ده؟ أنا مش ممكن ألبس الهدوم المقرفة دي.
رفعت عائشة حاجبيها بنفاذ صبر وقالت:
ـ اللهم طولك يا روح، يعني لا راضية تاكلي بقالك يومين ولا راضية حتى تستحمي وتغيري هدومك.. بتعندي على نفسك ليه طيب؟
نظرت إليها چيلان نظرات يملؤها السخط، ورمشت بضيق وهي تشير نحو الباب وتقول:
ـ من فضلك مش طايقة أشوفك ولا أشوف حد.. اخرجي وسيبيني.
وأسندت رأسها على ركبتيها باستسلام، فوقفت عائشة تطالعها بتذمر.
فلاحظتها وهي تحيط معدتها بذراعيها وعلمت أنها الآن تتضور جوعًا، فزفرت بيأس وقررت المحاولة معها مرة أخيرة.
فاقتربت منها وجلست أمامها وأخذت تربت على كتفها العاري وهي تقول بنبرة لينة:
ـ يا بنتي مينفعش اللي بتعمليه في نفسك ده، انتي بقالك تلك أيام مانعة الأكل وده غلط عليكي، وبعدين ما احنا جبنالك اسمه إيه ده اللي طلبتيه، مش راضية تاكلي ليه بقا؟
رفعت چيلان رأسها صوبها، وتعجبت أسلوبها الهادئ المراعي.
فقالت وقد خفتت حدتها نظرا للإرهاق الذي ألمّ بها:
ـ مش عايزة أكل، أنا عايزة أمشي من هنا.. من فضلك اتكلمي معاه وخليه يسيبني أمشي.
تنهدت عائشة بعجز وقالت:
ـ والله يا بنتي يا ريت في ايديا حاجة، صدقيني والله أنا مش راضية ابدا عن اللي حسن عمله لكن ما باليد حيلة.. هو هيموت على نغم، ومتهيأ له بالطريقة دي نغم هترجع.
ـ مش هترجع، فريد متمسك بنغم جدا، و أنا لا أعني له أي شيء على الإطلاق، أهو أنا جبتهالكوا من الآخر أهو.. سيبوني أمشي بقا أرجوكم.
زفرت عائشة مطولا وأخذت تتذكر حديث نغم مع نهال، فشعرت بعاصفة من الألم تضرب صدرها وتنهدت وهي تسألها بفضول:
ـ قوليلي يا بنتي، إيه أخبار نغم؟ وازاي دخلت وسطيكوا وعاشت معاكوا في بيت واحد؟ وموجودة دلوقتي بصفتها إيه.
أجابتها چيلان بنزق ونفاذ صبر:
ـ خلاص مبقتش موجودة، نغم سرقت فلوس وورق مهم و Jewelry بملايين وهربت.
ضربت عائشة على صدرها بخوف وفزع وهي تقول:
ـ يا مصيبتي!!
قلبت الأخرى عينيها بملل وضيق وقالت:
ـ عرفتي بقا إن وجودي هنا ملوش أي لزمة؟ نغم اللي بتدوروا عليها أساسا مبقتش موجودة عندنا، يعني أنا مليش ذنب أفضل هنا وشغلي يتعطل وأكيد مامي قلقانة عليا واخواتي كمان.
واقتربت من عائشة وأمسكت يدها برجاء وقالت:
ـ أرجوكي اتكلمي مع حسن واقنعيه يسيبني، على فكرة هو كده بيضر نفسه قبل أي حد.
” حسن طالعة من بؤك زي العسل ”
نظرت چيلان إلى مصدر الصوت هي وعائشة لتتفاجأ كلا منهما باقتحام حسن الغرفة وهو يحرك حاجبيه بمشاغبة ويقول:
ـ يا عسل أبيض انت.
زفرت چيلان بقوة وأشاحت بوجهها جانبا فقال:
ـ سيبيني ياما مع القطة شوية.
نظرت إليه عائشة بلوم فقال:
ـ مالك يا عيوش هو أنا هاكلها؟ هنتكلم كلمتين وبس.
نهضت عائشة باستسلام وسارت نحو الباب فقال حسن:
ـ أنا جايب عشا معايا عشان البرنسيسة، طرب وكفتة وسلطات وبابا غنوج كمان.
ونظر إلى چيلان متعمدا إثارة ضيقها وقال:
ـ بتحبي البابا غنوج؟
قضمت شفتها محاولةً استحضار كل مخزونها الاحتياطي من الصبر، وحركت رأسها في غير مرمى عينيه لتسمعه يقول:
ـ اتوصي بيها يا أم حسن عايزينها تاكل.
وأغلق الباب خلف والدته وجلس أمامها على المقعد وهو ينظر إليها ويقول:
ـ شُفتي الهدوم اللي جبتهالك؟
نظرت بطرف عينيها إلى الملابس ورمشت بضيق ولم تجب، فقال:
ـ من أنضف محل دول خدي بالك، بالرغم من إني مش مسرور منكم يعني بس كل واحد بيعمل بأخلاقه.
ابتسمت ساخرة ولم تعقب، بينما هو قال بجدية:
ـ اسمعيني يا بنت الناس، أنا مش مبسوط باللي عملته ولا أنا هواية عندي أخطف بنات الناس وأوجع قلب أهاليهم عليهم، أنا مش زي أخوكي.. أه معلش، مش زي أخو أخوكي.. أنا في حالي طول عمري وعمري ما خدت حاجه من حد مش بتاعتي، فريد ده هو اللي بدأ لما حط عينه على حاجة تخصني.. وأنا مش بسيب حقي لو لآخر نفس فيا.
خلاصة القول.. عايزة تمشي من هنا؟
نظرت إليه بهدوء ثم أردفت باستهزاء:
ـ أكيد مش مموتة روحي عشان أفضل مع حضراتكم هنا يعني.
ـ يبقا تساعديني أرجع نغم.. قوليلي فريد مخبيها فين؟ أنا متأكد إنه عارف مكانها وبيشتغلني وبيقول إنها مشيت عشان أبطل أدور عليها.
قلبت عينيها بيأس وهي تقول:
ـ أنا لسه قايلة لمامتك وهقوللك تاني.. نغم سرقت فلوس وحاجات كتير مهمة من خزنة أنكل سالم وهربت.. نغم مش مع فريد ولا حد من العيلة يعرف طريقها أصلا.
قطب جبينه متعجبا، أيعقل أن يكون ما تقوله صحيحا؟ هل نغم فعلت ذلك فعلا؟ ولمَ لا؟ هو يعرف أنها كانت دوما له التلميذة النجيبة التي تنجح في تطبيق الدرس من أول مرة، ويعرف أن مجرد فتح خزنة أو سرقتها ليس أمرا مستعصيا بالنسبة لها، ولكن أليس من الممكن أن تكون تلك الشقراء بعيون زرقاء تخدعه؟
ـ إيه اللي يخليني أصدقك؟
تساءل بشك فقالت بضيق ونفاذ صبر:
ـ براحتك.. عايز تصدق أو لأ انت حر.
زفر وهو يمسح على وجهه بضيق، ثم نهض من مكانه باندفاع وغادر الشقة بالكامل.
وقام بالاتصال بعمر الذي أجاب بعد عدة مكالمات فقال:
ـ عمورة حبيبي أحلى مسا.
فأجابه الآخر بصوت بائس:
ـ كنت لسه حالا هكلمك، أنا واصحابي مستنيينك في الكافيه إياه وعلى لحم دماغنا.
تعجب ما لفظ به عمر وأدرك أنه قد بدأ بالمسير نحو الهاوية.
فتمتم باستهزاء مبطن:
ـ لا وأنا ميرضينيش إنك تفضل انت وصحابك على لحم دماغكم، جايلك يا حبيب أخوك.
***
كان عمر يجلس في الكافيه الذي اعتاد ارتياده برفقة أصدقائه، يتناولون لفافات التبغ ويتبادلون أطراف الحديث الهابط.
وبينهم عمر يجلس متباهيًا بأنه الأكثر ثراءا وكيف ينفق عليهم في كل مرة، بل ويبتاع الحبوب لهم ويهاديهم بها، وفي المقابل يحصل على ثنائهم وإطرائهم، فينتفخ صدره زهوًا لحظيًا، وتنفك عقدة نقصه، ويتلاشى شعوره بالدونية وانعدام القيمة.
استمع الى رنين هاتفه فعرف أن منقذه حسن قد وصل ومعه حبوب السعادة.
فخرج لملاقاته، ثم تصافحا وقال حسن:
ـ خير يا عمورة مالك؟
فأجابه عمر بنبرة يتخللها اليأس:
ـ أبدا.. مش في المود بس.
ـ يا نهار أبيض، بقا معقول تكون مش في المود وقدامك حسن العقرب بتاع المود كله!!
وأخرج من جيبه لفافة سجائر غريبة الشكل وأعطاها له وهو يقول:
ـ خد اشرب دي وادعيلي؟
رفع عمر السيجارة أمام عينيه وهو يقول:
ـ إيه دي؟
ـ هش.. يا عم في إيه انت كمان إنت فضيحة ولا إيه، في السكرتة يا عم عمر إحنا مش ناقصين مصايب.
ـ دي سيجارة حشيش مش كده؟
غمز حسن بعينه وهو يقول:
ـ دي سيجارة الروقان يا رايق، اشرب وادعيلي.
نظر إليها عمر بشك وقال:
ـ لأ لأ.. بلاش منها أنا أخري سجاير من التانية.. دي شكلها مرعب أصلا.
ضحك حسن ساخرا وهو يقول:
ـ مرعب؟ مالك يا عموره قلبت قطة ليه؟
نظر إليه الآخر بضيق وقال:
ـ بقوللك إيه خليك في نفسك، أنا أصلا مليش في الحشيش.
ـ بشوقك.
وأخذ منه السيجارة ليتراجع عمر ويأخذها منه مجددا وهو يقول:
ـ لأ خلاص هاتها.. بس تعالى بقا معايا وأنا بشربها.
ـ في إيه مالك هي هتعضك؟ دي سيجارة زي أي سيجارة، عالعموم قدامي.. فين عربيتك؟
أشار إليه عمر حيث صف سيارته جانبا، وسارا نحوها ثم استقل كلا منهما مقعدا وأشعل حسن السيجارة وهو يقول:
ـ ما شاء الله يا عمورة العربية آخر فخامة.. هدية نجاحك دي؟
نظر إليه عمر الذي بدأ بسحب أنفاس عميقة من السيجارة ةهو يقول:
ـ نجاحي ايه أنا اتخرجت من تلت سنين.
أشعل حسن سيجارة أخرى لكي يوهمه بأنه يشاركه.
وبدأ بتدخينها وهو يقول:
ـ ممم.. متخرج من كلية إيه بقا؟
فأجابه عمر وهو ينظر إلى السيجارة بانسجام:
ـ هيكون إيه غير هندسة؟ أصل الهندسة دي مفروضة إجباري علينا في العيلة.
ـ ممم.. وشغال إيه بقا دلوقتي؟
نظر إليه عمر بصمت، ثم ضحك وهو يقول:
ـ شغال صايع.
ضحك حسن وقال:
ـ وفلوسها حلوة بقا الشغلانة دي؟
أومأ عمر متصنعا الجدية وهو يقول:
ـ لوز اللوز.. باكل وبشرب وبلبس وبغير عربية كل سنتين.. هعوز إيه أكتر من كده؟
أومأ حسن مؤيدا وهو ينظر أمامه بشرود واقتحم الغل نظراته وهو يشعر بالغيرة تنهش قلبه وهو يردد:
ـ هتعوز إيه أكتر من كده صح، إنتوا تاكلوها والعة واحنا ناكلها بدُقة ويا ريت عاجب.
لم يهتم عمر بما قاله حسن، أو بالأحرى لم يفقه منه شيء.
بل كان منشغلا بنفث دخان تلك السيجارة التي كان لها مفعول السحر على رأسه.
ـ وأخوك فريد.. شغال صايع زيك ولا إيه ظروفه؟
نظر إليه عمر متعجبا وقال:
ـ إنت تعرف فريد منين؟
ابتلع الآخر ريقه بتوتر وقال:
ـ عرفت منين إيه ما انت لسه جايبلي سيرته، جرا إيه يا عمورة إنت اتسطلت ولا إيه؟
ضحك عمر وقال:
ـ تقريبا كده السيجارة دي ملغمة.. أنا حاسس إن دماغي بدأت تلف.
ـ إنت كده على موعد مع السعاده، استمر يا حبيب أخوك.. المهم ما قولتليش، فريد أخوك إيه نظامه؟ مبحبح زيك كده ولا ملوش في الجو ده؟
ـ ليه بقا السيرة اللي تخوف دي يا حسن، فريد إيه اللي مبحبح ده فريد يعني تأديب وتهذيب وإصلاح.. ده جاله وسواس من كتر ما بيدقق في كل حاجه بيعملها وعاوز كل حاجه تبقا بيرفكت.
ـ و شغله إيه نظامه؟ في السليم ولا إيه؟
ـ طبعا.. ده كل أعماله مشاريع خيرية، تخيل.. بيخصص تلت أرباع أرباحه السنوية للمساهمة في المشاريع الخيرية، فريد ده دماغ مستحيل تعرف تجيب زيها.
شعر حسن بالغيرة الشديدة من كلام عمر على فريد.
ثم تساءل:
ـ متجوز؟
سحب عمر نفسا آخرا من السيجارة وأسند رأسه على ظهر المقعد وقال:
ـ لأ.
ـ ولا خاطب؟
ـ ولا بيفكر حتى.
حاول حسن مراوغته أكثر لكي يحصل منه على أي معلومة:
ـ يبقا أكيد مصاحب أي واحدة، ومتحاولش تقنعني إنه لأ دي كمان.
ـ دي الحقيقه.. فريد شعاره في الحياة.. نو تاتش.
وضحك ضحكة صاخبة فضحك حسن ضحكة مصطنعة ليتمكن من مجاراته.
ثم قال:
ـ غريبة يعني.. مع انه مش صغير وعنده فلوس وشركات وأكيد أي واحدة تتمناه.
ـ دي حقيقة.. بس هو خنيق حبتين مستحيل يتهز قدام واحدة، مش عارف مطلعش زيي ليه.
ضحك حسن وشاركه عمر الذي تابع وهو مغمض العينين:
ـ لولا ظهور نغم… هي الوحيدة اللي بدأ يتفاعل معاها شوية.. يظهر حبها ولا إيه.
اضطرب حسن كليا واعتدل بمقعده متحفزا وهو يقول:
ـ نغم دي صاحبته؟
ـ لأ.. نغم دي اللي خبطتها بالعربية.
قطب حسن جبينه وقال متعجبا:
ـ خبطتها بالعربية إمتا؟
فتح عمر نصف عين وتساءل:
ـ هو أنا مقولتلكش؟
أومأ حسن نافيا فقال عمر:
ـ ما هي نغم دي أنا خبطتها بالعربية وبعدين راحت عالمستشفى، وبعدها أنا دخلت الحجز.
سحب حسن نفسا من سيجارة جديدة وتابع:
ـ وبعدين؟
ـ وبعدين بقا فقدت الذاكرة.. فجابوها عالڤيلا.. ومن يومها وهي قاعدة عندنا.
قطب حسن جبينه وتساءل باهتمام:
ـ و لسه عندكم في الڤيلا بقا؟
هز عمر سبابته بنفي، وأغمض عينيه للحظات فهزهُ حسن بقوة قائلا:
ـ جرا إيه يا عمورة هو ده وقته.. لا فوق كده وصحصح معايا.
نظر إليه عمر متفاجئا ثم نظر إلى السيجارة وقال:
ـ إيه ده هي السيجارة خلصت؟
ـ خلصت إيه ده انت بقالك ساعة بتشد في صوابعك أصلا.
وأشعل سيجارة أخرى وأعطاها له وهو يقول:
ـ خد عمّر الطاسة وأنا في الخدمة دايما… المهم كمل.. نغم دي راحت فين بقا؟
ـ هربت.. سرقت خزنة أبويا وهربت.
تذكر حسن ما قالته چيلان وتأكد من صدقها، فقال:
ـ ومتعرفوش بقا راحت فين؟
ـ لأ.. بيدوروا عليها.. الباشا مش هيسيبها تخلع باللي سرقته.
ـ يا بنت الإيه يا نغم..
قالها حسن متمتما باعجاب وظهرت على شفتيه ابتسامة عريضة ثم نظر إلى عمر وقال:
ـ واضح إنها مش سالكة، وواضح إن فريد أخوك ده كمان مش سالك.
نظر إليه عمر بهدوء، ثم ضحك بثمالة وهو يقول:
ـ سالك مرسال.
وانفجر ضاحكا ببلاهة أضحكت حسن بدوره.
ثم نزل من السيارة وهو ينظر إليه ويقول:
ـ عسل يا عموره.. يلا أشوفك مرة تانية.. و اوعى تسوق وانت مغيبب كده.. يلا يا حبيب أخوك تصحبك السلامة.
واستقل دراجته البخارية وانطلق بها عائدا نحو المنزل.
***
كان فريد يجلس أمام نسيم، يحكي لها فتستقبل فوضاه بصدرٍ رحب.
ـ بصراحة لما شُفتها ردت فيا الروح، حسيت إني نفسي.. مش عارف بصراحه، بس كل اللي أعرفه إني مطمن ومرتاح لأنها دلوقتي بقت معايا.
ابتسمت نسيم وقالت بهدوء:
ـ بتحبها يا فريد؟
زفر نفسًا وقال باستسلام:
ـ غالبًا أيوة.
ابتسمت لأنها أخيرا رأته واقعا في الحب، وأخذت تستمع إليه وهو يقول:
ـ لو الحب إني أكون مرتاح وهي جنبي فانا بحبها، لو الحب إني أكون عايزها قصادي طول الوقت وعاوز أشوفها وأسمع صوتها كل شوية فانا بحبها، لو الحب إني أكون خايف عليها وحاسس إنها مسؤولة مني وحاسس بالمسؤولية تجاهها فانا بحبها، لو الحب إني أكون بحلم بيها وانا نايم وانا صاحي ومش قادر أشيلها من بالي نهائي فانا بحبها.
وتنهد مطولا ونظر إلى أخته التي تنظر إليه مبتسمه ابتسامة واسعة وقال:
ـ غالبًا أيوة أنا وقعت في حب نغم.
ـ طيب وإمتا هتعترف لها؟
ـ مش دلوقتي، لما أتأكد من مشاعرها ناحيتي، أنا مش هقدر أتحمل خيبة الأمل اللي ممكن أتعرض لها لو اكتشفت انها مش بتبادلني نفس الشعور.. الصبر حلو.
زمت شفتيها باستياء وقالت:
ـ مش في كل الحالات يا فريد، أحيانا التأخير بيعقد الأمور.
تنهد وقال بارهاق:
ـ ربنا ييسرها من عنده يا نسيم.. أخلص أنا بس من المشاكل اللي عماله تحاوط العيلة من كل جانب، وبعدين نشوف هنعمل إيه؟
نظرت إليه بحزن، وتساءلت بأسى فقالت:
ـ مفيش أخبار عن چيلان؟
ضغط بين عينيه بتعب وهو يقول:
ـ مفيش جديد لسه.. بس التحريات شغالة وبإذن الله يوصلوا لأي حاجة.
ـ تفتكر إختفاءها ده وراه إيه يا فريد؟ اتخطفت فعلا زي ما بيقولوا؟
ـ مش عارف.. بس أنا مستبعد الاحتمال ده لأن محدش عنده مشكلة من أي نوع مع چيلان.. بس الحمد لله طول ما مفيش أخبار سيئة ده مؤشر جيد إنها بخير.
تنهدت بثقل، ثم تساءلت بأسى:
ـ و چوليا عامله إيه؟
نظر إليها مبتسما، ثم ربت على كتفها وقال:
ـ متشغليش بالك غير بنفسك يا حبيبتي، الدكتور قال ممكن نخرج بكره أو بعده بالكتير، عاوزك ترجعي أقوى.. اتفقنا؟
أومأت بغير اقتناع، فنهض وقبل جبينها ثم قال:
ـ أنا مضطر أمشي عشان لسه هشتري لها حاجات وأروح أطمن عليها.
ـ سلملي عليها.
ـ يوصل يا نسومه.. خلى بالك من نفسك.
وخرج فنهضت زينب التي ما إن رأته حتى تساءلت:
ـ مفيش أخبار عن نغم يا فريد بيه؟
ربت على كتفها بتقدير وقال بهدوء:
ـ متقلقيش على نغم يا زينب.. أهم حاجه خلي بالك من نسيم كويس أوي وتابعي حالتها بتركيز.
ـ متقلقش نسيم في عنيا.
وانصرف فريد متجها نحو أحد المولات التجارية لكي يبتاع بعض الأغراض من أجل نغم، ومن ثم سيذهب إليها على الفور.
***
كانت نغم تتمدد على الأريكة وهي لازالت تمسك بالكتاب بين يديها وتقرأ فيه.
لم تتوقف دموعها للحظة حزنًا وتأثرا على اختفاء الطفلة ” ليلى ” ذات الخمس سنوات، ابنة بطليّ الرواية التي اختفت في أحد المراكز التجارية.
ومرت الأشهر والسنوات دون أن يصلا إليها بالرغم من محاولاتهم المضنية، ليعثرا عليها بعد مرور خمس سنوات في نفس المكان ولكن حالها كان قد تبدل تماما.
رأت فيها نغم شيئا يشبهها، ربما رأت نفسها في تلك الطفلة التي اختفت وتشردت وتشتت.
رأت نفسها في كل طريق كانت تسلكه الطفلة مضطرة، رأت نفسها في كل قرار كانت تأخذه ولا يلائم قناعاتها.
استطاعت تلك الرواية أن تلمس فيها جانبا حساسا للغاية، ولم تتمكن من تركها إلا عندما فرغت من قراءتها.
استمعت إلى رنين هاتفها باسم فريد، فمسحت دموعها وأجابت:
ـ ألو.
ـ مساء الخير يا نغم.
ـ مساء النور.
ـ أنا خلاص قدام الكومباوند أهو.. دقيقتين تلاته وأكون عندك.
ـ تمام.
أنهت الاتصال، أدركت أنه ينبهها لئلا تتفاجيء بوجوده.
لا يعرف أنها لم تبرح تلك الأريكة منذ غادر.
مسحت دموعها وعدلت شعرها المعكوص في كعكة، وحمحمت بحماس وترقب.
انفرج الباب ودخل فريد وهو يحمل الكثير من الحقائب والأكياس.
ثم تقدم منها مبتسما ووضع الأغراض أمامها.
وما إن اقترب منها حتى قطب جبينه متعجبا وهو يقول:
ـ انتي كنتي بتعيطي يا نغم؟
ـ لا أبدا.
لمح الكتاب الموضوع بجوارها على الأريكة فابتسم وقال:
ـ ممم.. انتي من اللي بيتفاعلوا مع الروايات بالدموع وكده.
وأضاف بقليل من المرح:
ـ أنا بردو أول ما شوفتك قلت إنك حساسة.
ابتسمت بخفة، ثم نظرت إلى الكتاب وقالت وهي تتلمس غلافه:
ـ الكتاب ده أثر فيا جدا.
أومأ وقال:
ـ ‘ غيوم ميسو ‘ دايما بيهتم بالجانب الإنساني اللي يخلي أي حد يتأثر بكتاباته.. بس مش لدرجة العياط يعني.
قال الأخيرة ضاحكا وهو يريح ظهره للمقعد وتابع:
ـ تعرفي.. اتفاجئت بصراحه إنك بتقرأي.
ظهر عليها الضيق قليلا وقالت:
ـ لأ طبعا بقرأ وبكتب.. أنا اتعلمت لحد ستة ابتدائي!!
أدهشتهُ تلك المعلومة، وآلمته بنفس القدر.
لم يتوقع أن تكون قد حُرمت من أبسط حقوقها بتلك الطريقة.
وقال بهدوء:
ـ أنا مقصدتش كده.. أقصد إني مكنتش متخيل إنك بتحبي قراءة الكتب والروايات يعني.
تراجع توترها وتابعت بنفس الهدوء الذي يحيطها كلما كانت بقربه:
ـ لا ماهو أنا في الحقيقة أول مرة أقرأ كتاب، حتى قرأته بصعوبة شوية لكن الأمور مشت يعني.
أومأ وقال:
ـ بس كويس جداا إنك حاولتي.. أهم شيء المحاولة بغض النظر عن النتيجة.
أومأت مؤكدة فأردف مبتسما و قد قرر أن يدعمها بكلمات بسيطة:
ـ شطورة يا نغم.
ابتسمت بحبور، فقال:
ـ طب إيه رأيك بقا لو تكملي وتاخدي شهادة؟ خسارة الشطارة دي كلها تروح عالفاضي!
نظرت إليه بتعجب وقالت:
ـ أكمل تعليمي تقصد؟
أومأ مؤكدا فقالت وهي تتخيل نفسها:
ـ وألبس مريلة وأدخل مدرسة من تاني؟ لا لا مستحيل.
ضحك وقال:
ـ لا مش هتلبسي مريلة متخافيش، دلوقتي في ميزة التعليم عن بُعد يعني تقدري تكملي وتاخدي شهادة كمان وانتي قاعدة على الكنبة زي ما انتي كده.
ضحكت فضحك لما رأى ضحكتها وتابعت بحماس:
ـ لو كده مفيش مانع.
فأردف بحماس مماثل:
ـ اوكي.. سيبي الموضوع ده عليا ومن بكرة هظبط كل حاجه.
تنهدت وقالت بامتنان صادق:
ـ مش عارفه أقوللك إيه بجد.
ـ ولا تقولي أي حاجه.. وكمان موضوع البطاقة كنت قولتلك هنخلصه بس للأسف الظروف اللي جدت خلتني مش مركز في أي حاجه.
ـ مش مهم بطاقة.. أنا كده كده مش محتاجاها.
ـ مش مهم إزاي بس، هو انتي كل حاجة عندك مش مهمة كده!
ابتسمت فهز رأسه يائسا ثم قال وهو يشير إلى الحقائب من أمامها:
ـ جبتلك شوية حاجات تمشي نفسك بيها على ما تنزلي انتي بنفسك وتجيبي اللي ناقصك.
وأخرج من جزدانه بطاقة بنكية وأعطاها لها وهو يقول:
ـ خلي دي معاكي عشان لو حبيتي تشتري أي حاجه في أي وقت.
أشارت برأسها أن لا وقالت:
ـ لأ ملوش داعي، أنا كده كده مش هخرج ولا هروح في أي مكان لأني ماعرفش أي حاجة هنا.
فأجابها باصرار:
ـ أكيد مش هتفضلي حابسة نفسك في البيت ٢٤ ساعة يعني.. على الأقل اتمشي جوة الكومباوند يعني، على فكرة كل حاجه هنا متوفرة.. محلات ومولات ونوادي وصالات رياضية.. يعني تقدري تروحي في أي مكان من غير ما تخرجي بره الكومباوند ومتقلقيش انتي هنا في أمان.. محدش هيقدر يوصلك هنا لأن الأمن منتشرين في كل مكان ومفيش حد بيدخل الكومباوند غير السكان بس.
منحها كلامه الإجابة التي كانت تنتظرها، وكأنه يشعر بها ويعلم ما يدور برأسها وما هي المخاوف والشكوك التي تساورها، فتنهدت براحة فقال مازحا:
ـ ها هفضل ماددلك ايدي كده كتير؟
مدت يدها إليه وأخذت البطاقة منه وقالت مبتسمة:
ـ شكرا متحرمش منك.
راقتهُ تلك الكلمة كثيرا، وابتسم وهو يقول:
ـ على فكرة نسيم بتسلم عليكي.
ـ الله يسلمها، هي أخبارها إيه؟
ـ الحمد لله بتتحسن.. ممكن بكرة أخدك تشوفيها لأنها هتخرج بعد بكرة وهترجع على الڤيلا.
أومأت بهدوء وقالت:
ـ إن شاء الله.
صمتا للحظات، إلى أن تحدثت وقالت:
ـ يا ترى عم اكرامي بيقول عليا إيه دلوقتي اني سيبته ومشيت فجأة؟ أكيد مضايق.
همهم بتفكير ثم قال:
ـ إيه رأيك نروح له؟
ـ دلوقتي؟
تساءلت بتعجب فأومأ مؤكدا وقال:
ـ أيوة.. الساعة لسه ١٠.
تحمست كثيرا وقالت:
ـ ماشي.. يلا بينا.
ابتسم بحماس مماثل وقال:
ـ تمام.. أنا هستنى في العربية برة لحد ما تجهزي.. خدي وقتك.
وغادر المنزل فظلت تحدق بأثره كالمسحورة.
مجرد أنه قرر البقاء خارج المنزل لئلا يسبب لها أي ضيق أو قلق ريثما تستعد وتبدل ملابسها جعلها تشعر بالألفة نحوه أكثر وتتعلق به أكثر وأكثر.
حملت الأغراض التي ابتاعها لها، ودخلت إلى الغرفة التي أشار إليها نحوها.
فرأت أمامها غرفة تبدو وكأنها قصر للأميرات.
كل شيء فيها باللونين الوردي والأبيض، غرفة تلائم أحلامها تماما.
أفرغت محتويات الحقائب سريعا، ودخلت إلى الحمام، أخذت حماما سريعا وارتدت بلوزة وسروال من الأغراض التي أحضرها.
وقررت أن تترك بشرتها بطبيعتها بدون وضع أي مساحيق تجميل.
وغادرت مسرعة.
***
بعد مرور ساعة.
توقف فريد بسيارته على كورنيش النيل أمام تلك العربة الخشبية التي أشارت إليها نغم، وترجلت بحماس وهو يتبعها.
تقدمت من رجلا خمسينيًا، وباغتته من خلفه وهي تقول بجوار أذنه بطريقة مضحكة:
ـ عمو كيمو.
نظر إليها اكرامي وتفاجأ بمظهرها الذي اختلف تماما، وقال بلهفة:
ـ نغم.. انتي فين يا بنتي من الصبح قلقتيني!! انتي مش قلتي رايحة تشوفي خالتك وراجعة؟
تنهدت وهي تشير نحو فريد وتقول:
ـ بشمهندس فريد يا عم اكرامي.
نظر اكرامي إلى فريد ثم مال نحوها وقال هامسا:
ـ ده الواد الحليوة إياه؟
طالعته بتحذير فأومأ متراجعا، وتقدم من فريد ومد يده ليصافحه، فاضطر فريد لمصافحته وهو يرسم على وجهه ابتسامة بشوشة.
ـ أهلا يا بشمهندس فريد.. الكورنيش كله نوّر والله.
ـ متشكر يا عم اكرامي منور بناسه.
أسرع اكرامي بتحضير مقعدين من البلاستيك وأشار لنغم وقال:
ـ اتفضلوا اقعدوا.. اقعدي يا نغم.. ولو إني زعلان منك لأنك اتاخرتي بس بعدين نبقا نتكلم.
أخذ فريد يتطلع نحو المقعد بشك، ومد يده بجيب السترة الداخلي ليلتقط قنينة الكحول ولكنه تذكر أنه لم يضعها بجيبه قبل أن يخرج، ولاحظ للتو أنه قد استغنى عن تلك العادة منذ أيام كثيرة وهذا ما أشعرهُ ببارقة أمل.
فتحرك نحو السيارة، وأخرج قنينة الكحول التي يحتفظ بها وعاد إلى المقعدين، وقام برشهما بالكحول ولم ينس تعقيم يديه جيدا وهو يتلاشى النظر نحو اكرامي ونغم اللذان ينظران إليه بتعجب واستفهام.
جلست نغم، وجلس أمامها وأخذ يتطلع حوله بارتياح ورضا، ثم قال:
ـ الليل هنا حاجة تانية.
أومأت مؤكدة وقالت:
ـ صح، هنا تحس إنك قادر تاخد نفسك.. بتلاقي نفسك وسط الناس اللي شبهك وانت شبهم.. هنا مكنتش حاسة إني غريبة أبدا.
ـ معاكي حق، مفيش أحلى من البساطة.
تقدم منهما عم اكرامي وهو يحمل طبقين من البليلة بالمكسرات وقام بوضعهما أمامهما وهو يردف بلطف:
ـ طبعا البليلة من إيديكي يا نغم حاجة تانية، الزباين النهارده كلهم بيسألوا عليكي، قولتلهم بكرة إن شاء الله هتكون موجودة.
هنا نطق فريد باندفاع:
ـ لا يا عم اكرامي للأسف نغم مش هتقف هنا تاني.. نغم خلاص بقا عندها بيت تقعد فيه ومش محتاجة للشغل من تاني.
نظر اكرامي إلى نغم التي كانت تنظر إلي فريد وقال:
ـ صحيح الكلام ده يا نغم؟
أومأت نغم مؤكدة وقالت بهدوء:
ـ أيوة يا عم اكرامي.. بشمهندس فريد قعدني في بيته.
نظر إليها متفاجئا بغير رضا فأسرعت بالمتابعة:
ـ طبعا هو مش قاعد في البيت ده يعني، هو قاعد مع أهله وأنا هقعد لوحدي.
تراجع سخطه ونظر إلى فريد باعجاب وقال:
ـ كتر خيرك يا بني، واضح انك شهم وابن بلد وبتفهم في الأصول، أنا أول ما شوفتك حسيت بالقبول كده على وشك.. ماهو أنا ليا نظرة بردو خد بالك.. عشان كده أول ما شفت نغم عرفت انها بنت حلال مصفي.
ابتسم فريد وهو ينظر إلى نغم وقال:
ـ متشكر جدا يا عم اكرامي.. نغم فعلا بنت حلال وتستاهل كل خير.
رمقته نغم بامتنان صامت، وشعرت بقلبها يتقافز بصدرها فرحا.
انصرف اكرامي، فنظرت إليه نغم قائلة:
ـ البليلة لازم تتاكل سخنة.
نظر إلى الطبق الموضوع أمامه، شكله شهي بالفعل ولكنه لا ينظر لأي شيء كما ينظر إليه الآخرون.
فدائما مرضى الوسواس القهري لديهم حسابات أخرى، ونظرتهم لكي شيء أمامهم تختلف عن نظرة أي إنسان عادي.
فهو الآن يتخيل كم الميكروبات والجراثيم الموجودة حول هذا الطبق، وكم الأمراض التي من الممكن أن تصيبه إذا تناوله.
وبالرغم من أنه يرغب في مشاركتها تلك اللحظة بشدة ولكنه وجد نفسه ينظر إليها قائلا:
ـ لأ مش هقدر معلش.
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
ـ ليه؟ على فكرة عم اكرامي شغله نضيف جدا.. كُل وانت مطمن.. يلا.
لم يرغب في رفض طلبها، وأومأ وهو بداخله يشعر بالضيق، وأمسك بالطبق وأكل أول ملعقة بتمهل فنظر إليها ليجدها تنظر إليه منتظرة تقييمه فقال بصدق:
ـ هايلة.
ابتسمت بزهو وقالت:
ـ انت أول مرة تاكل بليلة ولا ايه؟
تناول ملعقة أخرى وقال:
ـ أكيد لأ مش أول مرة.. بس أول مرة أكل في مكان زي كده الحقيقه.
تمتمت بضيق زائف:
ـ عُقد الناس الأغنيا دي فهماها طبعا.
ضحك وقال:
ـ الموضوع مش كده أبدا.. أنا بس ليا ظروف خاصة مبقدرش أكل أي حاجه ومن ايد أي حد.
هزت رأسها، كانت ترغب في السؤال عن تلك الظروف الخاصة ولكنها امتنعت لأنها لم ترغب في التطفل عليه، ولكنها أرجأت الأمر لكونه مصاب بمرض متعلق بالمعدة أو ما شابه.
ظلا يتناولا طبقيهما وهما يتبادلا النظرات الصامتة.
كانت أكثر من سعيدة لأنه يشاركها لحظة كتلك، ورفعت كامي ا هاتفها تلتقط لهما صورة توثق بها تلك اللحظات الفريدة من نوعها ثم أخذت تطالع الصور بابتسامة عريضة.
وظلّ فريد يحدق بها كالمجذوب، لا يستطيع الخروج عن تأثير السحر الذي ألقته عليها عيناها.
وتنهد وهو يتمنى لو أنه يمتلك الجرأة الآن لكي يسألها سؤالا يُلح عليه بضرورة.
هل تحبيني؟ وإن كان جوابكِ لا فها أنا آمرك أن تفعلي، أسألك الوقوع في حبي نغم، خوضي معي نِزالا نرفع فيه رايات العشق، ونعلن بعدها النتيجة النهائية.. كلانا فائزين.
هل تحبيني؟ وإن كان جوابكِ لا فها أنا أتوسل إليكِ أن تفعلي، أحتاج لغيث حنانك يُسقي ظمأي ويروي عطش روحي ويُزهر قلبي المسكين.
هل تحبيني؟ وإن كان جوابكِ لا فلقد حكمتِ على قلبي بالموت البطيء، وطعنتِ بداخلي كل شعور بالحياة، ودفنتِ هويتي التي اكتشفتها معكِ وبكِ وألقيتِ بي في غياهب النسيانِ.
حبيني نغم، هذا أمر واجب النفاذ.. لا خيار أمامكِ سوي أن تحبيني.
***
في منتصف الليل.
ترجل عمر من سيارته، ودخل وهو يقاوم لكي يبدو متماسكًا.
بالرغم من أنه الآن لا يشعر بقدميه، ولا يرى الأشياء أمامه بوضوح، فكل الأشياء أمامه تبدو أعدادا مضاعفةً.
تمسك بسور الدرج وهم بالصعود ليتفاجأ بفريد أمامه إذ تساءل:
ـ كنت فين لحد دلوقتي يا عمر؟
كان عمر يقاوم لكي يخفي حالته المزرية عن فريد، وابتلع ريقه بتوجس وهو يخفي عينيه عن عيني أخيه وهو يقول بنبرة جاهد لكي تبدو متوازنة:
ـ كنت سهران شوية مع صحابي.
ـ سهران مع صحابك وفي ظروف زي دي في البيت؟ إنت مفيش عندك دم؟ هي اللي مخطوفة دي مش أختك؟ واللي نايمة في المستشفى مش أختك بردو؟ واللي قلبها مفطور وتعبانة جوة دي مش أمك؟ للدرجة دي انت مستهتر ومفيش عندك أي إحساس بالمسؤولية؟
كان عمر يشعر بجفنيه يرتخيان رغما عنه، والمفرقعات النارية الآن تتقافز أمامه.
فحاول تجاوز فريد وهو يقول:
ـ أنا تعبان وطالع أنام، الصبح نتكلم.
قاطع فريد طريقه وهو ينظر إليه وإلى حالته المريبة باستغراب وهو يقول:
ـ فيه إيه مالك مش مظبوط كده ليه؟
توجس عمر خيفةً وقال:
ـ مش مظبوط إزاي يعني ما أنا طبيعي قدامك أهو.
نزع فريد يده من جيبه ورفع وجه عمر إلى مستواه ليطالعه عن كثب، وتساءل بفزع:
ـ عينيك حمرا كده ليه؟ وإيه الحالة اللي انت فيها دي؟
زفر الآخر بضيق وهو يتجاوزه ويصعد الدرج وهو يقول:
ـ يووووه…. إنت هتفضل موقفني على السلم كده كتير وعمال تستجوبني؟ محبكتش يعني تعمللي فيها أخ كبير الساعة ٤ الفجرر.
دخل غرفته فدخل فريد بعده وأغلق الباب وهو يتقدم منه بحدة ويقول:
ـ أنا أخوك الكبير في كل وقت وغصب عنك كمان، إنت متهبب شارب إيه؟
خلع عمر قميصه وألقاه أرضا، وهو ينظر إلى فريد مدعيًا الثبات ويقول:
ـ مش شارب حاجة، واتفضل بقا سيبني أنام ولما أقوم من النوم نتكلم.
رمقهُ فريد بازدراء وقال بصدمة:
ـ إنت مسطول؟ تصرفاتك دي مش تصرفات حد طبيعي أبدا.. انطق وقول شارب إيه ولا واخد إيه؟
تفاجأ فريد بعمر وهو يحتد عليه ويدفعه للخلف وهو يقول:
ـ ما خلاص بقااااا…. زهقت أنا من دور الناصح الأمين اللي عايشلنا فيه طول الوقت ده، حاول تجدد عشان منزهقش منك.. أقوللك؟ روح رش كحول يلا ونام.. يلا بقا يا فريد مش طالباك دلوقتي.
أخذ فريد نفسًا طويلا حاول أن يتجاوز به ما قاله عمر.
وفجأه دفعه نحو الحمام بقوة وهو يقول:
ـ قدامي.
حاول عمر الاعتراض ولكن فريد هدر به بقسوة:
ـ عَدي ليلتك يا عمر لأن أنا على أخري منك.. قدامي.
ودفعه للأمام مجددا، ثم فتح باب الحمام وأدخلهُ عنوة، وأرغمه على وضع رأسه أسفل الماء البارد بالرغم من محاولات الآخر التملص والاحتجاج.
ولكن فريد ثبت رأسه أسفل الماء وهو يقول بغضب؛
ـ راجع مسطول يا عمر؟ دي أخرتها تسيب نفسك لشوية الضايعين اللي انت مصاحبهم دول يفسدوك.. الحق مش عليك، أنا اللي غلطان إني ممنعتكش منهم بالقوة، الكلام والنصح مش كفاية مع واحد زيك.
ابتعد عمر عن الحوض وهو ينظر إليه بثوران ويقول:
ـ إنت مالك بحياتي أصلا؟ أنا كده كده فاشل وصايع ومعنديش هدف عايز أوصل له.. خليك انت بقا في شغلك وشركاتك.. أنا رُحت ولا جيت هفضل الابن الفاشل اللي ملوش مستقبل وانت الابن الناجح رجل الخير والكلام الحلو ده كله.
ـ والله محدش قاللك متنجحش.. انت اللي بتستسهل طريق الفشل.
ـ أيوة انت صح.. أنا فعلا…
وتوقف عن الكلام لبرهة ترنح فيها، ثم فجأة انحنى نحو الحوض وأخذ يتقيأ بقوة إلى أن تخلص من كل ما تحويه أمعائه.
هنا أدرك فريد أنه سيبدأ في استعادة وعيه من جديد، لذا تركه وغادر الغرفة متجها إلى غرفته.
بينما وقف عمر يحاول جمع شتاته، فدخل إلى حوض الاستحمام وأخذ حماما باردا ينعشه، وخرج من الغرفة ووقف ينظر نحو الباب بتفكير.
هل يخرج ويذهب إلى أخاه ويعتذر منه؟ أم أنه لا يملك الشجاعة لفعل ذلك؟
وبعد حوار طويل مع نفسه قرر أن يذهب إلى الفراش ويغط في نومٍ عميق.
رواية محسنين الغرام الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نعمة حسن
في صباح اليوم التالي، نهضت نهال من فراشها ببطء، ونزلت منه بهدوء لكي لا توقظ عائشة التي تنام على السرير المقابل لها. ثم سارت نحو الباب على أطراف أصابعها إلى أن وصلت إليه، فخرجت وأغلقت الباب خلفها، ثم صوّبت خطواتها تجاه غرفة حسن.
هي لم تأتِ إلى هنا عبثًا، لا بد أن تنفرد به وتوقعه في شباكها رغمًا عن أنفه، لذا لا بأس من المحاولة. خاصةً بعد وجود تلك الشقراء في المنزل، والتي تُعد تهديدًا حقيقيًا على خطتها وطموحاتها.
وقفت أمام الباب تعدل هيئتها وشعرها، وهمت بالتقاط مقبض الباب، ولكن صوته الذي حاول أن يكتمه هو من منعها من اقتحام الغرفة، خاصةً وأنها سمعته يقول:
"بقول لك إيه يا فيفي عالصبح، أنا مش فايق لك، أنا في كلاب بتهوهو في دماغي دلوقتي، حلي عني. يعني إيه فيه فلوس ناقصة؟ إنتي هتخيبي؟ هو أنا هسرقك؟!"
سمعت صوته وقد صمت للحظات قبل أن يضيف بقوة:
"طب اسمعي بقا طالما وصلت لهنا، أقسم بالله كلمة كمان وهقول لك انتي طالق، ولا بينا شغل ولا جواز ولا أعرفك ولا تعرفيني. ويلا سلام عشان أنا مش طايقك دلوقتي."
وقفت نهال بمكانها مصدومة، لم تتوقع ما سمعته أبدًا. وبينما هي تحاول حث قدماها على السير بعيدًا عن الغرفة، تفاجأت به يفتح الباب فجأة.
طالعها حسن بصدمة، وفجأة سحبها إلى داخل الغرفة وأغلق الباب.
لم تفوّت عائشة ما حدث، حيث أنها كانت تسترق النظر من خلف باب غرفتها بعدما شعرت بنهال وهي تغادر الغرفة، فتوقعت أنها ستذهب لغرفة چيلان. لم تتوقع أن تبلغ وقاحتها ذلك المدى أبدًا. وما أدهشها وأضرم النيران بقلبها هو رؤيتها لابنها يسحبها لداخل غرفته بوقاحة لا تقل عن وقاحتها مقدار ذرة.
وقفت تحدث نفسها بانفعال وهي تذرع غرفتها ذهابًا وإيابًا:
"هي حصلّت؟ هيستغفلوني دي أخرتها؟ أنا لا يمكن أسمح للنجاسة دي تحصل قدام عيني، ده أنا هطربق الدنيا فوق دماغهم هم الاتنين."
***
بغرفة حسن.
وقف يطالعها بشر يتطاير من عينيه وهو يقول:
"إيه اللي جايبك لحد عندي يا نهال وعاوزة مني إيه؟"
نظرت إليه نهال بجرأة تتشبه بالحنق وهي تقول:
"فيفي دي مين اللي انت متجوزها يا حسن؟"
وضع كلتا يديه بخصره وهو يشيح بوجهه عنها في محاولة لكتم عصبيته، ثم نظر إليها وقال:
"إنتي مالك؟ جاية تتصنتي عليا على الصبح ليه؟ عايزة مني إيه؟"
وقفت تنظر إليه بتحدي مماثل وهي تقول:
"عايزة أعرف دلوقتي حالا، فيفي دي مين وحكايتها إيه؟"
وضيقت عينيها بشك وهي تقول:
"أوعى تكون فيفي الكوافيرة؟!"
طالعها بصمت مشحون بالغضب، فاتسعت عينيها وهي تقول:
"يا نهار أبوك مش فايت! إنت متجوز فيفي الكوافيرة؟ طب إزاي! دي قد أمك!!"
اقترب منها وهو يقبض بيدٍ من حديد على ذراعها بقوةٍ آلمتها، وأخذ يهسهس بصوت خافت:
"أقسم بالله لو ما خرستي صوتك ده عالصبح لارميكي في الشارع لكلاب السكك تنهش لحمك. خدي بالك، أنا مش مصبرني على قعادك هنا في بيتي غير أمي، بس لو قليتي بعقلك وفكرتي تعملي ع وأ همشيكي ولا هيفرق معايا أمي ولا خالتي."
نزعت قبضته عن ذراعها واقتربت منه منتهكة تلك المسافة البسيطة بينهما وهي تقول باستفزاز:
"وأنا هقول لأمك على اللي سمعته، لما أشوف بقا هترميني في الشارع ازاي!"
هنا انفرج الباب ودخلت عائشة التي وقفت تطالعهما بغضب وهي تقول:
"هي حصلّت انت وهي!!! يعني مش عامل أي احترام لأمك حتى!"
نظر إليها حسن وقال بضيق:
"إيه يا ماما عالصبح؟"
"أنا اللي في إيه ولا انتوا اللي في إيه؟ بتستغفلوني ومفكريني نايمة!"
"ياما إيه بس اللي بتقوليه ده؟ مفيش حاجة من اللي في دماغك دي صدقيني."
"أصدقك وأكذب عنيا؟ أنا شايفاك بعنيا دول وانت بتسحبها على الأوضة من غير حيا ولا خشا."
زفر حسن بنفاذ صبر، بينما أجهشت نهال ببكاء مصطنع وهي تقول:
"حقك علينا يا خالتي، إحنا محقوقين لك.. بس النفس ضعيفة والشيطان شاطر."
نظر إليها حسن بصدمة وهو يقول بانفعال:
"شيطان إيه اللي شاطر يا بنت الكلب إنتي كمان؟ انتي هتستعبطي يا نهال؟"
اقتربت نهال من عائشة وأمسكت بيديها بترجٍ وهي تقول:
"سامحينا يا خالتي، إحنا ضعفنا غصب عننا.. لا أنا ولا حسن كنا قادرين نفضل مع بعض في بيت واحد ومنقربش من بعض."
رمقتها عائشة بنفور واحتقار وهي تنزع يديها من يدي الأخرى وتقول:
"اخص على ربايتك.. صحيح ديل الكلب عمره ما يتعدل."
هتف حسن بانفعال وهو يقول:
"جرا إيه يا ماما انتي هتعومي على عوم الكدابة دي؟ أقسم بالله ما حصل بيني وبينها حاجة."
نظرت إليه أمه وقالت بانفعال مماثل:
"أومال اللي أنا شفته ده إيه؟ لما هو مفيش بينكم حاجة دخلتها أوضتك ليه لما شفتها واقفة عالباب؟ مطردتهاش ليه وقولتلها روحي على أوضتك!"
نظرت إليه نهال بتحدٍ ماكر، كانت تعرف أنه لن تواتيه الجرأة لكي يعترف لأمه أنه متزوج من فيفي، لذا ظلت تنظر إليه بمعنى ‘هيا أرني شجاعتك’. خاب ظن عائشة عندما لم تجد منه سوى الصمت، ورمقته بخزي وامتعاض وهي تقول:
"اخص عليك وعليها، انتوا الاتنين مفيش عندكم أخلاق ولا ضمير."
ونظرت إلى نهال وقالت بحدة:
"اخرجي برا بيتي، يلا من هنا."
بهت وجه نهال من الصدمة وتساءلت بغير تصديق:
"يلا إيه يا خالتي انتي بتطرديني؟"
"أنا مش خالتك، دي كانت غلطتي من الأول لما وافقت أقعد حرباية زيك في بيتي، يلا غوري من قدامي وروحي شوفي لك أي مكان تعيشي فيه بعيد عننا."
انتهزها حسن فرصة فسحب نهال للخارج نحو الباب وهو يقول:
"يلا انتي لسه هتقفي تتنحي!"
نظرت إليه نهال بصدمة وهي تقول:
"انت بتعمل إيه يا حسن، انت هتطردني من بيتك؟"
فتح باب الشقة ودفعها للخارج وهو يقول:
"بعمل اللي كان مفروض يتعمل من ساعتها، الشارع هو اللي هيلم أشكالك دي، يلا بلاش قرف. أنا أصلا كنت غلطان إني فتحت لك بيتي ولميتك فيه، واحدة زيك ملهاش غير الشارع."
أغلق الباب خلفها، ودخل إلى غرفة أمه التي ناولته عباءتها ليعطيها إياها، ففتح الباب مجددًا وألقى بها في وجه نهال التي وقفت تنظر نحو الباب بصدمة. لم تتوقع أن ينقلب السحر عليها بتلك السرعة، لقد ظنت أنها ستكسب تعاطف عائشة إذا علمت بوجود علاقة بينها وبين ابنها، وربما تسعى في تزويجهما، لم تتخيل أن تكون تلك هي ردة فعلها أبدًا.
"ماشي يا حسن، أنا تعمل فيا كده؟ طيب.. اصبر عليا."
كان بإمكانها أن تبقى أمام الباب، أن تصرخ وتحكي ما سمعته عن علاقة حسن بفيفي، ولكنها لا تحرق كل البطاقات مرة واحدة. لقد علمت أنها ستخرج من المنزل لا محالة، سواء حكت أم أخفت الأمر، لذا أرجأت إخبار عائشة لوقتٍ آخر، على الأقل بعد أن تساوم حسن على هذا الأمر.
***
وقفت چيلان خلف باب الغرفة تُنصت إلى ما يحدث في الخارج وملامح وجهها تغني عن أي سؤال، ملامح ممتعضة والازدراء والنفور يعلوها. هي من البداية لم تستسغ تلك المدعوة نهال أبدًا، ولكنها لم تتوقع أن تكون بتلك الوقاحة والدناءة.
بينما في الخارج وقف حسن في مواجهة أمه، تنظر إليه بعتاب ممزوج بغضب وهي تقول:
"نهال يا حسن؟ طب لما انت عينك عليها كنت قول لي نستنى عدتها تخلص وأجوزها لك؛ انما تغضب ربنا!"
زفر بنفاذ صبر وهو يقول:
"هو انتي هتعومي على عومها ولا إيه يمّا؟ نهال مين دي اللي أبص لها؟"
"أومال كانت عندك في الأوضة بتعمل إيه؟"
أخذ يفكر علّه يجد شيئًا يخبرها إياه دون أن يضطر لاخبارها بالحقيقة، فقال:
"أصلي كنت عاوزها في حاجة بخصوص نغم، كنت بفكر أبعتها بيت اللي اسمه فريد ده عشان تحاول تشوف نغم وتتكلم معاها بالعقل، لكن رجعت في كلامي، قلت جايز تقل بعقلها وتقول لهم إن بنتهم عندنا هنا يبقى جينا نكحلها عميناها."
نظرت إليه بارتياب وعدم تصديق ثم قالت:
"وكنتوا بتتكلموا في الأوضة ليه؟ هو سر ولا سر؟"
"مش سر، بس مكنتش عايزك تتعشمي عالفاضي. مكنتش أعرف إن دماغك هتروح لبعيد أوي كده."
واقترب منها، ثم أحاط كتفيها بذراعه وهو يقول:
"متقلقيش على ابنك يا أم حسن، أنا عارف أنا عايز إيه كويس أوي. عالعموم هي قربت أوي وخلاص نغم هترجع.. طالما قشطت الخزنة وهربت يبقى ناوية ترجع لنا، ماهي مش معقول هتقعد في الشارع يعني."
"وانت مصدق إن نغم تعمل عملة زي دي؟ معقول تسرق الراجل اللي فتح لها بيته؟ أنا عن نفسي مش مصدقة وحاسة إن فيه حاجة غلط.. وقلبي بيقول لي إن البت الملونة اللي جوة دي بتكذب."
نظر إليها وقال بإيجاز:
"هيبان يمّا، كله هيبان.. أنا خارج عشان عندي شغل."
وغادر المبنى، وبينما كان في طريقه للمغادرة استوقفته نهال التي تمسكت بذراعه وهي تقول بغضب:
"بقا دي أخرتها يا حسن؟ تطردني انت وأمك وترموني في الشارع؟ ما صدقتوا مش كده؟"
نزع يده من قبضتها وهو يقول بحدة:
"ما صدقنا أه.. ومش عايزين نشوف وشك تاني يا نهال لأنك نحس ومن يوم ما عرفناكي والمصايب نازلة ترف فوق دماغنا."
"مش هيحصل يا حسن.. لو كنت فاكر إني هحل عنك بالسهولة دي تبقى متعرفنيش، أنا نهال.. ونهال لما بتحط حد في دماغها مستحيل تحله، وإذا مكنتش هتتصرف وترجعني البيت تاني أو تشوف لي مكان أقعد فيه أنا هروح لأمك وهقولها إنك متجوز فيفي."
وتابعت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بتحدٍ:
"فيها لاخفيها يا حسن يا عقرب."
فنظر إليها حسن بقوة وقال:
"لا اخفيها يا نهال، اخفيها وأعلى ما في خيلك اركبيه.. واخفي من قدامي انتي كمان بدل ما أعمل معاكي الغلط عالصبح."
وتركها وغادر بينما وقفت تتطلع إلى أثره بغضب وهي توعده قائلة:
"ماشي يا ابن عيشة.. متلومش غير نفسك بقا."
***
خرج عمر من غرفته وتوجه نحو غرفة فريد، وقف أمام الباب ينظر إليه بتردد، يريد أن يدخل ويعتذر من أخاه، وفي نفس الوقت يشعر بالخزي من نفسه لأنه يعرف أنه أساء الأدب معه، وبالرغم من أنه لا يتذكر كل ما قاله ولكنه متأكد من أنه كان وقحًا جدًا.
طرق الباب ثم انتظر لحظات وفتح الباب بعدها، فأصيب بالاحباط بعدما رأى الغرفة فارغة. فتوجه بعدها نحو غرفة والدته، طرق الباب ودخل ليجدها لازالت مستلقية بفراشها وبجوارها تجلس چوليا ممسكةً بيدها، وباليد الأخرى كان مثبتًا بها مغذي وريدي.
اقترب منهما، ووقف يطالع والدته بحزن وضيق، فتحدثت چوليا وقالت:
"رايح على فين يا عمر؟!"
"رايح أشوف نسيم وراجع على طول مش هتأخر."
نظرت إليه بانزعاج وقالت:
"رايح تشوف نسيم وهتسيبنا أنا وماما لوحدنا؟ أعتقد نسيم خدت أكتر من حقها في الاهتمام والرعاية من الكل، جه الوقت اللي تنساها وتركز معانا شوية بقا."
نظر إليها بتعجب، لأول مرة يراها تتحدث بتلك العدائية ضد نسيم، فالجميع يعرفون مدى ارتباطهما ببعضهما منذ الصغر، وأخذ يتساءل؛ هل كل ذلك لأنها فقط الفتاة التي تقدم إليها حبيبها لخطبتها؟
فتحدث محاولًا أن يكون عقلانيًا قدر الإمكان فقال:
"نسيم أختي وچيلان كمان أختي، أنا زعلان عليهم هما الاتنين على فكرة، بس قعادي هنا مش هيفيد چيلان بحاجة، وبعدين ما أنا متابع وبسأل بابا كل شوية إذا كان وصل لحاجة!! إنما نسيم لازم أروح لها وأطمن عليها بنفسي."
نهضت چوليا ووقفت أمامه وأخذت تنظر إليه بضيق وهي تقول بانفعال:
"طيب ما فريد أكيد معاها، وزينب معاها، وأنكل سالم معاها، نسيم أصلا الكل حواليها، حتى لو قعادك هنا مش هيفيد چيلان بحاجة بس هيفيدنا احنا.. أنا ومامي محتاجين حد معانا يا أخي، طالما الاتنين اخواتك والاتنين زعلان عليهم يبقى على الأقل خليك مع اللي محتاجينك أكتر."
"سيبيه يا چوليا، لو عايز يروح يروح.. كده كده وجوده لا هيقدم ولا هيأخر."
نظر عمر إلى والدته التي اتسم كلامها بالضيق واللوم المستتر، فتنهد يائسًا وجلس على الأريكة المجاورة، وأخرج هاتفه وقام بإرسال رسالة إلى فريد يسأله فيها عن حال نسيم اليوم.
***
كان فريد في طريقه إلى الشركة بعد أن مر بالمشفى واطمأن على نسيم، فقام بالتقاط هاتفه والاتصال بنغم التي أجابت بصوت ناعس:
"صباح الخير."
فأجابها بصوت هائم:
"صباح النور والله.. معقولة لسة نايمة؟"
"راحت عليا نومة.. أصلي سهرت أقرأ رواية تانية بالليل."
"ممم.. عظيم.. شكلنا كده مش هنعرف نتلم عليكي تاني."
ضحكت ضحكةً ناعمة أسرت الدفء بقلبه ثم قالت:
"أديني بسلي نفسي بدل ما أقعد أكلم الحيطان."
"طيب أنا كلمتك عشان أعرفك إني سجلت لك النهارده عشان نبدأ دراسة من بكرة.. وبالليل هجيب لك لاب وهعلمك إزاي تشتغلي عليه خطوة خطوة."
"متشكرة جدًا."
"العفو أنا لسه معملتش حاجة.. تشكريني لما تخلصي دراسة وتتخرجي إن شاء الله، وقتها بس هكون حاسس إني عملت شيء يستحق الشكر."
استمع إلى صوتها تقول بحماس:
"إن شاء الله هرفع راسك."
ابتسم بحماس مماثل وقال:
"أنا واثق من ده.. على العموم أنا حبيت أصبح عليكي وأسمع صوتك قبل ما أبدأ شغل.. لو احتاجتي أي حاجة كلميني."
"تمام.. ربنا معاك."
"يا رب.. سلام."
"فريد…"
استمع إلى صوتها تستعير انتباهه مجددًا فقال:
"نعم؟"
"مفيش أخبار عن چيلان؟ لسه مرجعتش؟"
تنهد بضيق حقيقي وقال:
"للأسف لأ.. بس التحقيقات والبحث شغالين، إن شاء الله خير."
زفرت بأسف وقالت:
"إن شاء الله تكون كويسة وترجع بالسلامه."
"إن شاء الله.. على فكرة انتِ قلبك أبيض جدًا يا نغم.. بالرغم من اللي قالته چيلان لكنك قلقانة عليها."
"في النهاية هي بنت زيي ومهما كان بيني وبينها إيه بس متمناش إنها تتعرض لحاجة زي دي.. ربنا يطمننا عليها إن شاء الله."
"إن شاء الله."
أنهى الاتصال والابتسامة لا تفارق وجهه، ولكنها انقشعت عندما تذكر ذلك المنام المروع الذي رآه، حيث أنه رأى أفعى عملاقة تتجول في منزله، وفيما هو يحاول القضاء عليها كانت قد التهمت نغم وقضت عليها.
زفر بضيق وانزعاج، وقرر أن يزور الدكتور رؤوف اليوم، لا بد أن يجد إجابة لما يحدث، لماذا دائمًا تراوده الأحلام الدموية المروعة، لماذا لا يحلم كما يحلم باقي البشر، حتى الأحلام اللطيفة التي يراها تكون ما بين اليقظة والنوم ولا تستمر طويلاً.. لا بد أن يجد تفسيرًا منطقيًا مقنعًا لما يجري.
استمع إلى صوت إشعار ينذر بوصول رسالة من شقيقه عمر، حينها تجهم وجهه بضيق عندما تذكر ما قاله بالأمس، وتجاهل الرسالة، ثم قام بالاتصال بأحد الرجال الذين يثق بهم ويلجأ إليهم في المهام الصعبة، فأجابه الرجل بترحاب شديد فقال فريد:
"كنت عاوزك في حاجة ضرورية، عمر أخويا.. تحط عينك عليه، عايز أعرف بيروح فين وييجي منين وبيقعد مع مين، عينك متغيبش عنه."
وأنهى الاتصال، لقد لجأ لآخر الحلول التي كان يظنه سيلجأ إليها يومًا، فهو كان يعامل عمر معاملة الأب لابنه، ينصحه دائمًا ويرشده إلى الصواب، يحنو عليه ويحاول دعمه في كل وقت، يقسو عليه أحيانًا إذا لزم الأمر، يحاول تعويضه عن كل نقص تسبب له والدهما فيه.
ولم يتخيل أبدًا أن تكون تلك هي نتيجة الثقة الغير مشروطة، أن ينزلق عمر نحو الهاوية بالتدريج، بدءًا من فضيحة مدريد ووصولاً إلى تعاطيه المخدرات.. وما خفي كان أعظم.
تنهد فريد بضيق، شعور بالذنب يراوده ويخبره أنه مقصر تجاه عمر وبشدة، لذا عليه أن ينظر في أمره من جديد، عليه أن يكون على قدر المسؤولية الموكلة إليه، عليه أن يكون أبًا حقيقيًا وليس مجرد أخ أكبر، سيبذل قصارى جهده لكي ينتشل عمر من ذلك المستنقع الذي غرق به، مهما كان الثمن.
***
كانت نهال لازالت تجلس بالشارع بعد أن قام حسن بطردها، تفكر فيما يمكنها فعله لكي تنتقم منه وتثأر لنفسها، فقامت بإيقاف سيارة أجرة، وركبت السيارة ثم أملت على السائق عنوان ڤيلا سالم مرسال، ستذهب إليهم وتخبرهم بكل شيء، ولكن ليس قبل أن تساومهم وتحصل على مبلغا مجزيًا.
دست يدها بصدرها وأخرجت النقود التي كانت تسرقها من خزانة عائشة على مدار الأيام الماضية، وأخذت تنظر إليها بحسرة وهي تقول:
"قال وأنا اللي كنت بأنب نفسي إني بسرقك، طلعتي ولية حيزبونة وتستاهلي."
وأخذت تمصمص شفتيها شفقةً على حالها وهي تقول:
"بقا دي أخرتها يا نهال، بعد ما كنتي عايشة عيشة الملوك بقيتي تسرقي.. ويا ريت بسرق حاجة مستاهلة.. الا كلها ملاليم وفكة.. ونغم هانم ضربت الضربة القاضية وقالت يا فكيك.. وأنا اللي كنت مفكراها طيبة وغلبانة، طلعت مية من تحت تبن."
ونظرت من النافذة المجاورة لها وهي تقول بأمل:
"بس الصبر يا نهال.. مشوار زي اللي أنا رايحاه دلوقتي ده لازم أطلع لي منه بأي مصلحة.. مش لازم أرجع وإيدي فاضية أبدًا."
أعطت السائق أجرته ثم أخذت تتأمل الطريق من نافذتها، حيث كان يركض بجوارها ركضًا، وكلما تقدم السائق أكثر كلما ظهرت الحداثة والتطور الذي يدل على سيرهم نحو مكان لا يمت لواقعهم العشوائي بصلة.
بعد مرور ساعة تقريبًا كان السائق قد توقف أمام الڤيلا، فترجلت نهال التي كانت تشعر بالحرج الشديد من هيئتها المزرية، وتقدمت من البوابة، ثم نظرت إلى رجل الأمن وقالت:
"لو سمحت عاوزة أقابل سالم بيه."
نظر إليها الشاب بتمهل، ثم قال:
"الباشا مش فاضي يقابل حد.. اتكلي على الله."
"أنا جاية عشان أقول له على حاجة مهمة."
وتابعت وهي تبث القليل من الثقة في قلبها المذعور:
"جاية أقول له إني أعرف مكان چيلان!!!"
***
في مكتب سالم..
حيث كان يجلس أمام خزنته السرية المزودة بانذار سرقة، يضع فيها محتويات الحقيبة التي أحضرتها زينب من غرفة چيلان، استمع إلى طرقات على صوت الباب فأغلق باب الخزنة وسمح بالدخول، فدخل عمر الذي تقدم منه بهدوء حذر، ثم وقف أمامه منتظرًا أن يعطيه والده الإذن بالجلوس فقال سالم متهكمًا كالعادة:
"اقعد يا عمر بيه اتفضل.. ده إيه الأدب اللي حل عليك فجأة ده."
جلس عمر وهو يكتم ضيقه، ثم نظر إليه وتساءل:
"مفيش أخبار؟ ماما حالتها سيئة جدًا وچوليا كمان، وأنا ضميري مأنبني إني مش قادر أعمل حاجة.. وفي نفس الوقت القلق على چيلان هيموتني."
أجابه والده وهو كومة ملفات أمامه بلا اكتراث:
"متقلقش على چيلان، اقلق على نفسك."
تنهد عمر بضيق وقال:
"لو سمحت أنا بتكلم بجد دلوقتي، كلنا فعلاً قلقانين لأنه مفيش أي خبر، مش غريبة دي؟ تختفي فجأة كده ولا يبان لها أي أثر بقالها أربع أيام!!"
نظر إليه والده وقال بهدوء:
"ده في حد ذاته شيء يطمن، لو كانت لاقدر الله ماتت أو جرالها حاجة كانت الشرطة هتوصل لأي خبر عنها، لكن بما إن لسه مفيش أخبار فنأمل إنها تكون بخير."
ظهر على عمر الضيق والتوتر فقال سالم:
"أنا عارف إنك قلقان على أختك.. حقك.. بس عاوز أقولك إن چيلان مش بيخاف عليها، هترجع متقلقش."
استمعا إلى طرقات على الباب، ثم دخل منصور الذي قال:
"سالم باشا، عبدالرحمن فرد الأمن اللي عالبوابة بيقول في واحدة برة عاوزة تقابل حضرتك وبتقول إنها تعرف مكان چيلان هانم."
نهض عمر واقفًا بحماس، وأسرع نحو منصور وهو يقول:
"ومستني إيه دخلها فورا."
تجاهله منصور ونظر إلى سالم الذي أومأ موافقًا بصمت، فانصرف منصور لكي يسمح لها بالدخول.
"أنا هطلع أبلغ ماما حالا…"
قالها عمر بحماس فأشار إليه سالم قائلاً:
"لأ.. متتسرعش، اصبر لما نشوف مين دي وعايزة إيه."
لحظات ودخلت نهال التي تعثرت وكادت لتسقط أرضًا من فرط توترها وانبهارها لولا أنها تمسكت بالباب، وأخذت تحدق في كلا من سالم وعمر اللذان يطالعانها باستغراب، ويطالعان هيئتها باشمئزاز.
"انتي مين وعايزة إيه؟!"
قالها سالم متسائلاً، فقالت نهال بتوتر:
"أنا اسمي نهال عبد الحكم."
تمهل سالم للحظات وأخذ يطرق فوق سطح المكتب بأنامله بهدوء ثم قال:
"وعاوزة إيه يا نهال؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تنقل نظرها من سالم لعمر ثم قالت:
"أنا أعرف مكان چيلان."
تحدث عمر بنفاذ صبر وقال:
"انطقي.. هيا فين؟"
حاولت تدارك خوفها وقالت:
"أنا مش هتكلم وأقول أي حاجة إلا لما آخد ١٠٠ ألف جنيه الأول."
نظر إليها عمر بصدمة، بينما أطرق سالم رأسه مبتسمًا ابتسامة خفية، ثم أومأ وقال:
"هتاخدي اللي انتي عايزاه بس اتكلمي الأول."
"لأ.. الفلوس الأول."
لم يتردد، فتح الخزانة وأخرج منها المبلغ ثم وضعه أمامها على الطاولة وقال:
"الفلوس أهي.. بس اتكلمي الأول."
أخذت نهال تنظر إلى الطاولة حيث المال وهي تبتلع ريقها بتوتر، ثم قالت:
"حسن العقرب هو اللي خطفها!"
هنا جحظت عينا عمر وتحرك في مقعده باندفاع وهو ينظر نحوها بصدمة، في حين أن والده كان يراقب ردة فعله العنيفة بعين خبيرة، ثم قال بهدوء:
"مالك يا عمر؟ إنت تعرف حسن ده ولا إيه؟"
تلعثم عمر وتصببت جبهته عرقًا من فرط توتره وقال وهو يشيح بوجهه جانبًا:
"لأ وأنا هعرفه منين؟"
قرر سالم تجاهله مؤقتًا، فنظر إلى نهال وقال:
"مين حسن العقرب وخطفها ليه؟"
كانت تنظر إليه بتوتر، لم تستطع تجاوز هيبته وهالة الوقار التي تحيطه.
"حسن يبقى ابن خالة نغم.. وخطف چيلان عشان فريد يرجع له نغم."
قطب سالم جبينه بتعجب وأخذ يفكر وهو يحاول استيعاب ما تقوله، ثم تساءل بهدوء:
"وانتي عرفتي منين إن چيلان عايشة هنا؟"
"لأني صاحبة نغم الروح بالروح.. وكنت عارفة إن نغم قاعدة عند واحد اسمه فريد مرسال، ومن كلام چيلان مع حسن فهمت إنكوا كلكوا عايشين في بيت واحد.. وجيت أقول لكم تلحقوها قبل ما يأذيها ولا يعمل فيها حاجة، ده مجنون ورايحة منه."
هب عمر واقفًا بنفاذ صبر وهو ينظر لأبيه قائلاً:
"حضرتك لسه مستني إيه؟ يلا نروح معاها حالا ونلحق چيلان."
نظر إليه سالم بتفكير ثم قال:
"مش هينفع نروح معاها مننا لنفسنا، في تحقيقات شغالة وشرطة بتدور.. ونظر إلى نهال وقال: انتي هتيجي معانا دلوقتي نطلع على مكتب حضرة الظابط زين وتحكي له كل حاجة وهما يقولوا لنا نتصرف إزاي."
شعرت نهال بالارتباك والخوف، وأخذت تنظر إلى سالم بقلق وهي تقول:
"هو لازم أجي معاكوا يا بيه؟ ماهو أنا قلت كل اللي أعرفه أهو."
"لازم كلامك ده يتثبت في محضر رسمي، أومال هيقبضوا على حسن ده ازاي؟"
نظرت إليه بتردد، وأخذت تنظر إلى المال قائلة:
"طيب والفلوس؟"
"متقلقيش حقك محفوظ، نطمن على چيلان الأول."
سارت معهما للخارج، فأشار سالم لمنصور أن يحضر السيارة فورا، وركب سالم بجوار منصور، ثم ركب عمر ونهال بالمقعد الخلفي.
تحرك منصور تجاه مديرية الأمن، فنظر سالم إلى نهال وقال:
"هتقولي إنك شفتي چيلان في بيت حسن العقرب بس متعرفيش السبب اللي خطفها عشانه إيه، إياكي تجيبي سيرة نغم، فاهمة ولا لأ؟"
نظرت إليه باستغراب، وكذلك عمر الذي هتف بحدة:
"ليه بقا؟ ما تقول الحقيقة كاملة ونخلص."
تجاهله سالم وقال لنهال:
"سمعتي قلت إيه؟ جزئية إنه خطف چيلان قصاد نغم دي شيليها من دماغك تمامًا.. ومفيش داعي تذكريها، ده إذا كنتي عايزة تاخدي الفلوس!"
أومأت بموافقة، وبالرغم من أن بداخلها كانت تشعر بالقلق إزاء ما فعلته، وتشعر كذلك أنها تسرعت فيما فعلته، ولكنها كانت تطمئن نفسها أن هذا هو الحل.
بينما بجوارها يجلس عمر وفرائصه ترتعد خوفًا، لا يعرف ما الرابط بين أخته وحسن ولماذا قرر حسن خطفها هي بالتحديد؟ وأكثر ما يخيفه أن يتواجه هو وحسن وينكشف أمره أمام والده، حينها لن يرأف به أبدًا.
***
وقفت نغم أمام المرآة تطالع هيئتها الحالمة بعدما ارتدت تلك الملابس التي أحضرها إليها فريد، وقد لاحظت أنه ابتاع لها كل الملابس ذات تصاميم ساترة وألوان مبهجة، وهذا ما راقها كثيرًا.
رتبت فراشها الوردي، ثم خرجت من الغرفة وقد قررت أن تعد شطيرة للفطور، فوقفت بالمطبخ تتنقل بين أركانه بخفة وللحظة وجدت نفسها قد شردت وأخذت تتخيل نفسها وقد صارت سيدة هذا البيت بعد أن تتزوج من فريد..
تتنقل بين أرجائه وهي ترتدي قميصًا قطنيًا يصل طوله لأعلى ركبتيها، ترتب تلك الفوضى التي أحدثها فريد قبل خروجه، ثم تقف في المطبخ لتعد له طعام الغداء قبل عودته، وبعد أن تنتهي تبدل ثيابها بأخرى فاتنة وتجلس في انتظاره، تستقبله عند الباب بعناق دافئ وقبلة شغوفة.
وصولاً عند هذا الحد أفاقت من شرودها وهي تمسح دمعة ارتكزت بزاوية عينها، لا تظن أنها من الممكن أن تحقق حلمًا كهذا ذات يوم، فبالرغم من أنها ترى معاملته اللطيفة الحنونة معها، وترى شهامته التي أسرت قلبها، ولكنها لم تحصل منه على اعتراف صريح، لذا فعليها ألا تنسج من الوهم خيوطًا وتتعلق بها.
انتهت من تحضير الشطيرة وكأس من العصير ثم أخذت تتجول في الأرجاء وهي تحملهما بيدها.
توقفت أمام غرفة فريد. الفضول يغرس مخالبه بقلبها منذ الأمس ويحثها على دخولها، ولكنها في كل مرة تلهي نفسها بشيء آخر، ولكنها الآن قد فقدت سيطرتها عليه تمامًا.
أدارت المقبض، ودخلت فاستقبلتها رائحته، فأحست في تلك اللحظة أنه يعانقها، أغمضت عينيها وأخذت تشم عطره بانسجام.
ضغطت زر الضوء، ثم توقفت عند الباب تطالع تلك اللوحة الكلاسيكية بانبهار، غرفة نوم تشبه صاحبها في كل تفاصيله، هادئة، دافئة، حنونة وغامضة!
قادتها خطواتها للداخل، نحو طاولة الزينة، وأخذت تتلمس قنائن عطره بشغف، ثم التقطت إحداها والتي كانت على شكل جمجمة فأثارت فضولها لكي تعرف رائحتها، لذا رشت منها على باطن كفها وأخذت تشمها بافتتان ثم تنهدت وهي تعيدها مكانها وتلتقط غيرها وتقوم بشمها وهكذا حتى انتهت من شم جميع قنائن عطره.
بعدها اقتربت من فراشه، تلمست ملمسه الناعم، وأخذت تتخيل كيف ينام، هل ينام كرجل عاقل أم أنه من هؤلاء الحمقى الذين يتخذون وضعيات غريبة عند النوم.
وبعدها تقدمت من غرفة ملابسه، ودخلت، فوقفت تتأمل كل ركن فيها باهتمام، وفي كل لحظة تتأكد أن هذا الرجل مهووس بالتنظيم.
حيث أن كل شيء مرصوص بعناية، كل شيء في مكانه تمامًا. البدلات خاصته مرتبة حسب درجات الألوان من الأغمق إلى الأفتح.. وربطات العنق كذلك، كل شيء هنا خضع لسيطرة رجل صارم لا يعرف الفوضى ولا يعترف بها.
انتهت من التحديق بغرفة الملابس، ثم خرجت، وقبل أن تغادر الغرفة وقعت عينيها على صورة مؤطرة موضوعة بجوار سريره، فاقتربت منها وحملت الإطار وأخذت تتطلع بها بأسف.
هنا في الصورة، توجد امرأة غاية في الجمال واللطف، تحمل طفلة في سن الثالثة تقريبًا.. وبجوارها طفل في الخامسة من عمره على ما يبدو أنه فريد، وبالطبع تلك الفتاة التي تحملها ليست سوى نسيم.
شعرت بالأسى حياله، شعرت بكم الفقد الذي يشعر به وكم الوحدة التي يحياها بالرغم من وجود الكثير حوله.
تنهدت وأعادت الإطار مكانه، ثم نهضت، وغادرت الغرفة وذهبت إلى غرفة المعيشة من جديد وقد قررت أن تنهي فطورها ثم تكمل رحلتها في استكشاف منزل السيد الغامض.
***
"بقول لك إيه يا فيفي، شيل ده من ده يرتاح عن ده، طالما وصلت إنك تشكي فيا فأنا خلاص بقول قلته أحسن."
قال حسن تلك الكلمات ثم استدار ينظر من النافذة وهو يدخن سيجارة وينفث مع دخانها كل ضيقه وقلقه، فاقتربت منه فيفي وهي تقول بحدة:
"يعني إيه الكلام ده يا حسن؟ هو انت كل ما يحصل كلام بيننا تقول لي قلته أحسن ولا إيه؟ هو أنت كنت تطول تتجوز واحدة زيي أصلاً؟ لأ فوق لنفسك كده واعرف انت بتكلم مين وازاي؟ أنا فيفي.. ولولا فيفي كان زمانك ولا حاجة."
نظر إليها بغضب وألقى بانفعال:
"وإذا كنتي انتي فيفي فانا العقرب.. ولازم تكوني عارفة إنك انتي كمان من غيري ولا حاجة.. كفاية إني رضيت اتجوزك وانتي لا مؤاخذة قد أمي."
أهانته كلماته كبريائها وطعنه في مقتل، فنظرت إليه بحدة أخف وهي تقول:
"بقا كده يا حسن؟ دي أخرتها؟"
"أخرتها زي أولتها، أنا كده كده مكنتش ناوي أطول في الحوار ده.. وخلاص شايف إن الموضوع بوخ أوي طالما حصلت إنك تشكي فيا وتسرقيني كمان، عشان كده بقول زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف."
التمعت حدقتيها بغضب وقالت:
"معروف؟ معروف إيه اللي عايز تخرج بيه يا أبو علي، إحنا اللي بينا مينفعش يخلص بالمعروف، اللي بينا ميخلصش غير بالدم."
نظر إليها متفاجئًا، فرآها تبتسم بثقة كبيرة ثم قالت:
"أومال انت فكرك إيه؟ عاوز تدخل وسطنا وتعرف أسرار شغلنا وخبايانا كده وتخلع بسهولة؟ للأسف مش هينفع."
"قصدك إيه بالكلام ده؟ انتي بتهدديني يا فيفي؟"
اقتربت منه ووضعت كفها على صدره وهي تقول بابتسامة متلاعبة:
"ولا بهددك ولا حاجة يا أبو علي، كل الحكاية إني بفوقك مش أكتر، إن مكنتش تفوق لنفسك ومصلحتك هتخسر كتير أوي، وصدقني وقتها مش هتعاديني أنا لوحدي، لأ.. هتفتح على نفسك أبواب جهنم كلها."
ثم اقتربت منه وربتت على صدره وهي تنظر إليه وتقول:
"عقلك في راسك تعرف خلاصك يا عقرب."
تركته ودخلت إلى غرفتها لكي تستعد وتغادر إلى الصالون، فغادر بدوره وقرر العودة إلى المنزل.
استقل دراجته البخارية وتحرك منطلقًا بها نحو بيته، ولكن قبل أن يدخل العمارة تفاجأ برؤية مجموعة من رجال الشرطة يترجلون من سيارة شرطة ويقتحمون العمارة، وبجوار سيارة الشرطة اصطفت سيارة ملاكي فخمة وترجل منها عمر ووالده، حتى أنه تفاجأ أن والد عمر هو نفس الشخص الذي طلب مساعدته يومها.
اختبأ حسن سريعا قبل أن يرونه، وظل متخفيًا إلى أن رآهم يغادرون وبرفقتهم چيلان.. فركض هاربا، مبتعدا لآخر نقطة قد يصل إليها إنسان، قبل أن يصلوا إليه ويلقون القبض عليه ويزجون به في غياهب الجحيم مرةً أخرى.
رواية محسنين الغرام الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نعمة حسن
وقف الضابط ومساعده أمام سالم الذي كان ينتظرهما بجوار سيارته، وبجوارهما چيلان التي هرول عمر نحوها وعانقها عناقًا حارًا. انزوت بين ذراعيه وظلت تبكي بطريقة لم يرها من قبل، فالمعروف أن چيلان لا تبدي انهيارها أبدًا، ودائمًا تظهر بمظهر الواثقة حتى ولو كانت تخفي عكس ذلك. لكنها الآن انفجرت في حضن أخيها وأجهشت بالبكاء، إذًا الأمر يستحق.
نظر إليها الضابط وقال:
ـ حمد الله على سلامتك يا آنسة چيلان، أنا آسف. واضح إنك تعبانة ومرهقة، لكن لازم نتكلم معاكي شوية ونعرف تفاصيل. عشان كده هتتفضلي معانا ناخد منك شوية أجوبة وبعدها تتفضلي تروحي.
أومأت بموافقة، فاستقل الضابط سيارته، بينما توجه كل من سالم وعمر وچيلان إلى السيارة وتحركوا نحو مديرية الأمن.
***
كانت عائشة لا تزال تبكي بانهيار وهي تحاول تمالك أعصابها بعدما اقتحمت الشرطة الشقة وقاموا بقلبها رأسًا على عقب بحثًا عن حسن. أسقطت رأسها بين يديها وظلت تبكي وهي تضرب بكلتا يديها جانب رأسها وتقول:
ـ أدي أخرة السكوت يا عيشة.. أدي ابنك هو اللي هيحاسب على المشاريب. كان هيجرى إيه لو من البداية عرف كل حاجة.
وتوقفت عن النحيب وهي تقول بقوة:
ـ بس خلاص.. مبقاش ينفع السكوت. أنا هتكلم، أنا سكت كتير ومش هسكت تاني. يمين بالله ما هسكت المرة دي. هدور على حسن وأقول له كل حاجة. وإن ملقيتوش هروح لأبوه وأقول له ينجده.
نهضت والتقطت عباءتها سريعا ووشاحها، ارتدتهما على عجلة وتوجهت نحو الباب. وفي طريقها توقفت أمام المرآة وأخذت تنظر لنفسها وكأنها تواجه حقيقتها البشعة لأول مرة وهي تقول:
ـ كفاية أنانية بقى.. كفاية حرام عليكي. كنتي خايفة يسيبك وتخسريه، ما هو كده كده هتخسريه. دلوقتي جه دورك لازم تتصرفي. اعملي أي حاجة قبل ما يضيع حرام عليكي. اتكلمي وقولي للدنيا كلها إنه له ضهر. زي ما كنتي السبب إنه يتلطم ويبقى واحد مجرم لازم تقفي جنبه. هيسيبك؟ مش مهم. المهم ميضيعش. كفاياكي أنانية يا عيشة. زي ما عاش في الوحل ٣٣ سنة على الأقل اديله فرصة يعيش العيشة اللي يستحقها اللي باقي من شبابه.
وفتحت الباب وقد قررت أن لا تراجع ولا استسلام. ستكشف كل المسكوت عنه، ستخبر الكون بأكمله بحقيقة حسن. ستذهب وتطلب المساعدة من والده لكي ينقذه من تلك الكارثة التي حلت به.
***
وصلوا إلى المديرية، فدخل الضابط والبقية خلفه. فأسرعت نهال نحو سالم بمجرد أن رأته ووقفت أمامه وهي تقول:
ـ جرا إيه يا باشا، ده مكانش اتفاقنا. أنا قلت كل اللي أعرفه والمفروض أمشي. ممكن أفهم أنا موجودة هنا ليه؟
أجابها سالم بايجاز:
ـ إجراءات قانونية، متقلقيش شوية وهتمشي.
وتجاوزها ودخل إلى مكتب الضابط وبرفقته چيلان وعمر، فأشار الضابط لسالم وچيلان بالجلوس وهو يقول:
ـ اتفضل يا سالم باشا، اتفضلي يا آنسة چيلان.
جلس كل منهما، فوضع سالم ساقًا فوق الأخرى، وأسند مرفقه إلى مكتب الضابط، بينما كانت چيلان تجلس أمامه وهي تشعر بالقلق والتوتر. طلب لها الضابط عصير الليمون، ثم بدأ حديثه وهو ينظر إليها باهتمام ويقول:
ـ مبدئيًا يا آنسة چيلان، أنا آسف في السؤال اللي هسأله، لكن ده سؤال ضروري. هل المجرم المدعو حسن العقرب حاول يعتدي عليكي بأي شكل؟
أومأت بالنفي وقالت:
ـ لا أبدًا محصلش.
ـ متأكدة؟ لا بالسب ولا بالضرب ولا بالترويع حتى؟
أومأت مؤكدة وقالت:
ـ أيوة طبعًا متأكدة. وأنا هخبي أو أنكر ليه؟ بس مفيش حاجة من دي حصلت. بالعكس والدته كانت بتحاول تعاملني بتهذيب ولطافة طول الوقت.
ـ تقدري تقولي لي إيه الهدف من ورا اختطافك؟ عندك فكرة؟
لم ترغب في ذكر سيرة نغم خشية أن تساعد بطريقة غير مباشرة في البحث عنها والعثور عليها، لذا أجابت باقتضاب:
ـ لأ أبدًا معنديش فكرة. أعتقد ممكن عشان يساوم أهلي على فلوس مثلًا.
ـ بس لو خاطفك عشان يساومهم أو يبتزهم زي ما بتقولي، ليه محاولش مثلًا يتواصل معاهم أو يطلب منهم فلوس؟ أكيد في هدف تاني.
مطت شفتيها مدعية عدم المعرفة وقالت:
ـ الحقيقة مش عارفة.. أنا بخمن مش أكتر.
هز رأسه متفهماً ثم قال:
ـ طيب هل كان فيه علاقة بينك أو بين حد من العيلة وبين حسن ده؟
حانت منها نظرة هادئة نحو عمر الذي يقف أمامها ويشير إليها بعينيه بتحذير، فقالت بهدوء:
ـ طبعًا لأ. إيه هتكون صلتنا بواحد مجرم زي ده؟
ـ يعني كانت أول مرة تشوفيه وقت ما خطفك مش كده؟
ـ مظبوط.
ـ ممكن تحكي لنا إيه اللي حصل يومها بالظبط؟
ارتجفت وهي تسترجع تلك اللحظات العصيبة التي عاشتها يومها وقالت:
ـ أنا كنت سايقة وفجأة في عربية قطعت عليا الطريق، ونزل منها حسن بس كان مخبي وشه.. He was masked. وبعدين فتح باب عربيتي ورش بنج تقريبًا وبعدها فقدت الوعي فورًا. لما فقت كنت في بيته. بعدها هو ومامته كانوا بيحاولوا معايا إني آكل بس كنت رافضة. البنج فضل تأثيره معايا حوالي يومين كاملين وكنت دايخة طول الوقت. بس ده كل اللي حصل.
ـ طيب مسمعتيش أي كلام بينه وبين والدته.. يعني مقدرتيش تفهمي منهم إيه هو الدافع ورا خطفك؟
ـ لأ مسمعتش حاجة للأسف.. كنت في أوضة لوحدي ومقفول عليا الباب.
تنهد الضابط ثم قال:
ـ تمام. على العموم حمد الله على سلامتك مرة تانية، نتمنى إن نفسيتك تتحسن في أسرع وقت إن شاء الله وتقدري تتجاوزي الأزمة دي بسرعة.
هزت رأسها بهدوء وقالت:
ـ ميرسي.
فنظر إلى سالم وقال:
ـ طبعًا المحضر مش هيتقفل طالما المجرم متقبضش عليه، لكن أوعد حضرتك إننا هنجيبه في أقرب وقت لأنه أساسًا له أكتر من سابقة. وأكيد هنوافي حضرتك بآخر التطورات.
أومأ سالم متفهمًا، ثم نهض وقال وهو يمد يده ليصافحه:
ـ تمام يا حضرة الظابط ربنا معاكم ويبارك جهودكم. عن إذنك.
غادر ثلاثتهم المكتب، فيما ظل الضابط زين يرمق چيلان بإعجاب إلى أن اختفت من أمامه.
كانت نهال تنتظر بالخارج وهي تهز قدميها بتوتر وانفعال، واندفعت صوب سالم وهي تقول:
ـ هو انت هتمشي يا باشا وأنا هفضل هنا ولا إيه؟
ـ لا متقلقيش.. هياخدوا أقوالك وتمشي.
نظرت إليه بارتياب وقالت:
ـ طيب والفلوس؟
ـ أه أه طبعًا. انتي بس خلصي جوه وعدي عليا في الڤيلا هتاخدي حقك وزيادة. بس زي ما اتفقنا، الكلام على القد.
أومأت نهال بحماس وهي تقول:
ـ متقلقش يا باشا.. الكلام على القد.
اصطحبها العسكري إلى مكتب الضابط، بينما كان سالم قد غادر ليقترب منه عمر متسائلاً:
ـ هو حضرتك ناوي تديها الفلوس بجد؟
فأجابه سالم بثقة وهو يستقل السيارة:
ـ ليه هي فلوس حرام عشان أبعزق فيها شمال ويمين؟
وتابع وهو ينظر إلى چيلان بالمرآة ويقول:
ـ مش كفاية الفلوس اللي اتسرقت من الخزنة؟ هو مال سايب؟
اهتزت حدقتا چيلان بتوتر، وإن كانت تعرف سالم ولو بقدر بسيط فيمكنها الجزم أن نظرته تلك ليست مجرد نظرة عابرة، بل هي رسالة مبطنة موجهة إليها خصيصًا. ابتلعت ريقها بتوتر وأشاحت بعينيها بعيدًا عن عينيه اللتين تتفرسانها بدهاء يكبر معه كلما تقدم في العمر.
ضمها إليه عمر وهو يقول مبتسمًا:
ـ حمد الله على سلامتك حبيبتي، انتي كويسة؟ المختطف ده أذاكي؟
هزت چيلان رأسها بالنفي. ثم قالت:
ـ لا متقلقش أنا كويسة جدًا قدامك أهو. مامي عاملة إيه و چوليا؟
ـ ماما مش كويسة، بس لما تشوفك أكيد هتتحسن. و چوليا زعلانة جدًا عشانك. كلنا زعلانين عشانك.
ودت لو سألته عن فريد، هل هو أيضًا قلق مثلهم أم أنه لم يتأثر قط؟ ولكن شعورها بالتعب والإرهاق الآن قد فاق الحدود، وأسندت رأسها على ظهر الكرسي وأغمضت عينيها وهي تتخيل كيف سيكون استقبال والدتها وشقيقتها اللتين اشتاقتهما للغاية.
***
وقفت نهال أمام الضابط وهي تفرك يديها ببعضهما بخوف، بينما هو يطالعها من أعلى لأسفل بتفحص وهو يقول:
ـ قولي لي بقى يا نهال.. عرفتي منين إن اللي خطف چيلان هو حسن العقرب.
ـ مانا قلت لحضرتك يا باشا إني كنت قاعدة عندهم.
ـ وعرفتي منين عنوان ڤيلا أهل چيلان؟ انتي ليكي علاقة بيهم؟
ـ أكيد لأ. بس سمعتها وهي بتتكلم مع حسن وعرفت إن سالم بيه يبقى جوز أمها وسألت عن عنوانهم لحد ما وصلت واللي يسأل ميتوهش.
أومأ وقال:
ـ تتوقعي حسن العقرب خطفها ليه؟
ـ العلم عند الله يا حضرة الظابط. حسن مش سهل ومحدش يقدر يتوقعه.
ـ تقدري تخمني هو ممكن يكون فين دلوقتي؟ إيه المكان اللي ممكن يلجأ له؟
أخذت تفكر للحظات ثم نظرت إليه وقالت:
ـ عند مراته يا باشا. حسن متجوز واحدة اسمها فيفي الشناوي عندها بيوتي سنتر كبير في العمرانية. أكيد هيستخبى عندها أو هيحاول يروح لها.
هز رأسه بتفهم وقال:
ـ طيب، على العموم انتي شغلك خلص لحد هنا. اتفضلي امضي على أقوالك وامشي.
أسرعت بالتوقيع على أقوالها ثم غادرت مسرعة، واستوقفت سيارة أجرة وقصدتها للذهاب إلى منزل سالم وهي تمني نفسها بالحصول على المكافأة التي ستفتح أمامها بابًا جديدًا للعيش بعيدًا عن حسن وكل من على شاكلته.
***
وقفت نغم أمام غرفة المرسم بتردد، لا تعرف هل تتقدم أم تتراجع، ولكنها قررت في النهاية أن تكمل رحلة استكشاف خبايا ذلك المنزل الغامض كصاحبه. فتقدمت وهي تنظر حولها بانبهار، ترمق اللوحات التي رسمها فريد ووقع باسمه أسفلها بإعجاب بالغ، وتقف أمام كل لوحة تتفحصها بدقة وتحاول فهم خباياها. ولكن ما أثار تساؤلاتها بحق، لماذا يطغى اللون الأسود على أغلب لوحاته؟ ما هذا الرجل الكئيب؟
تخطت ظلمة لوحاته وصولًا عند لوحة تبدو رومانسية وحالمة للغاية، رسم فيها رجلًا تجاوره فتاة تسند رأسها على كتفه. بالطبع هي لا تعرف أن تلك اللوحة هي تجسيد واقعي للمنام الذي رآه وكانت تشاركه فيه، عندما تبادلا تلك القبلة في اللاوعي. ولكنها شعرت أن تلك اللوحة تخصها بطريقة ما، ولا تعرف ما سبب ذلك الشعور الغريب.
ولكن ما أكد لها شعورها فعلًا هو رؤيتها لتلك اللوحة المعلقة بعيدًا وكأنه يخفيها عن الأنظار.
تلك اللوحة كانت لها هي، لا مجال للشك أو الالتباس، لا يمكنها أن تخطئ ملامحها التي رسمها ببراعة، إنها هي بكل تفاصيلها. وجهها الرقيق وملامحها البريئة وعينيها الحزينتين اللتين أبدع في رسمهما وتجسيد الحزن فيهما.
وقفت أمام اللوحة تتأملها وهي تتساءل، متى رسمها؟ ولماذا؟ وما الذي كان يدور برأسه عندما كان يرسمها؟ وهل هو مهتم بها لذلك الحد الذي جعله يرسمها بتلك الدقة والتفاني؟
دق قلبها بطريقة جنونية وهي تتهادى إلى الإجابة الصحيحة. لا يوجد رجل يرسم امرأة إلا لكونه مهتمًا بها بقدر كبير.
عقلها لا يحاول التشبث بالاحتمال الآخر وهو أنه يحبها لأنها تخشى التعلق بخيط ضعيف قد يكون في نهايته هلاكها. لذا من الأفضل أن تسمي هذا اهتمامًا إلى أن يثبت العكس، أو إلى أن يرشدها إلى الإجابة الصحيحة ويرحم قلبها من ذلك التيه.
خرجت من المرسم وعادت إلى غرفتها سريعًا وهي تتعثر في كل شيء حولها من فرط التشتت والارتباك. ودخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها تحاول الهروب من حصار رائحته التي تحيط بها من كل جانب وتضغط على أعصابها وقلبها أكثر. لتكتشف الاكتشاف اللعين في النهاية. تلك الرائحة مصدرها الوحيد… هي نفسها.
جحظت عيناها وهي ترفع كفيها إلى أنفها وتشتم مزيج العطور الذي صنعته على راحتي يديها وأخذت تنهر نفسها بشدة:
ـ يا غبية يا نغم.. يا غبية!! دلوقتي لو شم ريحة برفانه دي فيا هيعرف إني دخلت أوضته!!
دخلت إلى الحمام فورًا وأخذت تغسل يديها مرات ومرات ولكن الرائحة لا تزول أبدًا، فأدركت أنها لا بد أن تأخذ حمامًا عميقًا لعلها تختفي.
أغلقت باب غرفتها وجهزت ملابسها ودخلت إلى الحمام فورًا.
***
كان فريد في طريقه إلى نغم، لقد ألغى بعض أعمال اليوم لكي يمر بها ويساعدها في التعامل مع الحاسوب لكي يعدها لبدء الدراسة عليه. ومن بعدها سيذهبان إلى المشفى لرؤية نسيم بعد أن اتفق مع زينب أن تخبره فور أن يغادر الجميع.
رن هاتفه برقم عمر، تجاهله لأول مرتين، ولكنه أجاب في الثالثة قائلاً بهدوء:
ـ خير يا عمر؟
فوصله صوت عمر قائلاً بابتهاج شديد:
ـ فريد، چيچي رجعت.
توقف عن القيادة للحظة وتساءل:
ـ فعلًا؟
ـ أيوة. إحنا داخلين الڤيلا أهو، لما تيجي هحكيلك.
فتساءل الآخر بفضول قائلاً:
ـ لأ لما تيجي إيه؟ انت لازم تحكي لي حالا. كانت فين ورجعت إزاي؟
ظهر التردد على صوت عمر ولكنه أجاب:
ـ نهال صاحبة نغم…
جذب كل اهتمام فريد الذي تساءل بتعجب وحيرة:
ـ مالها؟
ـ هي اللي جت هنا وبلغتنا إن ابن خالة نغم كان خاطفها.
أصابت الدهشة فريد الذي تساءل بغير تصديق:
ـ حسن؟
تسمع الآخر عدم معرفته بالاسم وقال بهدوء مصطنع:
ـ تقريبًا أه اسمه كده.
ـ وبعدين؟ تساءل بقلق.
ـ للأسف مقدروش يقبضوا عليه. مكانش موجود بس هيمسكوه أكيد.
تنهد فريد بيأس وقال:
ـ اوكي يا عمر.. هكلمك تاني.
وأنهى الاتصال، كان قد وصل إلى الكومباوند فقام بالاتصال بنغم لكي يخبرها أنه قد وصل ولكنها لم تجب، كرر الاتصال مرات عديدة ولكنها كذلك لم تجب. وقف أمام باب منزله يطالع الباب بحيرة وقلق. بالتأكيد لم تخرج دون إخباره، وبالتأكيد ليست نائمة.
فتح الباب ودخل وهو يناديها وعيناه تمسح الأرجاء بحثًا عنها. لم يجدها بغرفة المعيشة، فتوقف ينظر نحو غرفتها مترددًا. ولكن شيئًا ما قد جذب انتباهه.. رائحة عطره التي تفوح في المكان بقوة. في الواقع هي ليست رائحة عطره.. وإنما عطوره.
دخل غرفته وبنظرة واحدة استطاع أن يتبين أنها قد دخلت غرفته وعبثت بقنائن عطره. وهذا ما فسر له سبب انتشار الرائحة في المنزل بهذه الطريقة.
ابتسم وهو يهز رأسه يائسًا. إنه الفضول سمة النساء. فضولية ولكنها ستظل ألذ فضولية رآها من بين جنس حواء.
أغلق باب الغرفة وناداها مجددًا دون أن يدخل الغرفة، طرق باب غرفتها ولكنه لم يجد رد. وهذا ما أشعره بالخوف فقرر فتح الباب ليصله فورًا صوت رذاذ الماء المنبعث من الداخل، فتجهم وجهه فجأة وأغلق الباب مسرعًا وركض نحو باب الشقة. فتح الباب وغادر ثم استقل سيارته وانتظر بها وقد قرر ألا يخبرها أنه قد دخل المنزل لئلا يشعرها بالحرج.
***
كانت نادية لا تزال ممددة فوق الفراش وجوليا بجوارها تحاول دعمها بكلمات تعرف أنها لن تجدي نفعًا. وفجأة رأت جوليا أمها وهي تنظر نحو الباب بصدمة فاستدارت ونظرت حيث تعلقت عينا والدتها لتصاب بالصدمة مثلها وهي تهتف بغير تصديق:
ـ چيلان!!!
أسرعت نحوها على الفور وتعانق الأختين عناقًا حارًا مليئًا بالدموع الحارة والقبلات. بينما نهضت نادية وتحاملت على شعورها بالألم والوهن، ثم عانقت چيلان بقوة وهي تقول:
ـ يا حبيبة مامي.. يا قلبي يا چيچي رديتي فيا الروح.
أجهشت چيلان باكيةً مرة أخرى بين أحضان والدتها وأختها وعمر الذي انضم إليهن وأحاطهن بذراعه وهو يقول:
ـ خلاص كفاية عياط انتوا التلاتة. انتوا استهلكتوا نص مخزون مصر الاحتياطي من الدموع في أقصر مدة زمنية بجد.
ضمت نادية بناتها بقوة، ودت لو أن أجسادهن تلاحمت وصارت واحدًا، لو أنها تخبئهما بداخلها فلا يمسهما أي بشر بسوء.
ـ طيب وأنا مليش نصيب يعني من الحضن الثلاثي ده؟
جذبت كلا من أختيه ذراعيه نحوهن وتعانقا عناقًا وطيدًا، صادقًا، نابعًا من القلب، كل منهم يحتاجه وبشدة.
فرّق تلك اللحظة دخول سالم الذي حمحم ثم وقف يطالع ابنه بضيق وقال مشيرًا إلى التصاقه الشديد بأمه وأخواته:
ـ جرا إيه يا عمر! طيب چيلان وكانت مخطوفة، انت بقا حاشر نفسك وسطهم ليه كدا؟
شعر عمر بالضيق الشديد لأنه والده يستكثر عليه حتى العناق، فهذا في عرف سالم مرسال مرفوض، وكأن كونه رجل فهذا ينفي عنه حاجته لعناق أمه وشقيقاته.
وقف سالم أمامهم وقال بهدوء:
ـ حمد الله على سلامتك يا چيلان.
ـ الله يسلمك يا أنكل سالم. متشكرة جدًا.
أومأ وقال:
ـ والدتك وچوليا كانوا قلقانين جدًا عليكي. لكن أنا كنت عند رأيي.. إنك متخافيش عليكي.
ألقى بالكلمة الأخيرة مبتسمًا في اتزان، ولكن چيلان أدركت أن تلك الابتسامة تخفي وراءها الكثير، فابتسمت بدورها وقالت:
ـ ثقة أتمنى أكون على قدرها يا أنكل سالم.
ـ بالتأكيد.
قالها سالم ثم تابع:
ـ على العموم أنا هستأذن لأني رايح عند نسيم، خدوا راحتكم.
وغادر الغرفة، بينما نظرت إليهما چوليا وهي تقول بحنق:
ـ أنا بجد مبقيتش طايقاه ولا طايقة البيت اللي فيه، بقيت كل ما بشوفه بيضغط على أعصابي.
نظرت إليها چيلان ومسحت ذراعيها بحنان وهي تقول:
ـ وحشتيني يا حبيبتي. وانتِ كمان يا ماما وحشتيني جدًا.
ضمتها نادية مجددًا وهي تقول:
ـ انتي اللي وحشتينا يا حبيبتي. اقعدي بقا واحكي لنا كل حاجة. إيه اللي حصل بالظبط.
تنهدت بتعب وهي تقول:
ـ معلش يا ماما عمر هيحكي لك كل حاجة. أنا تعبانة جدًا وعاوزة آخد شاور وأنام. بعدين نتكلم.
وغادرت إلى غرفتها سريعًا، وفور أن دخلت أغلقت الباب خلفها جيدًا ودخلت إلى غرفة ملابسها وأخذت تبحث عن تلك الحقيبة التي كانت تخفي فيها محتويات خزنة سالم ولكنها فوجئت بأنها غير موجودة.
لعنت تحت أنفاسها وهي تكتم فمها بيدها وتكتم شهقة كادت أن تنفلت. الآن تأكدت أن كل تلك النظرات التي كان يرميها بها سالم ليست عبثًا، وإنما لأنه يعرف أنها هي من سرقت خزنته.
رفعت يدها إلى رأسها بتوتر وهي تفكر مليًا، كيف ستنفي تلك التهمة عنها وماذا ستقول؟ يبدو أنها أقحمت نفسها في فخ لا طاقة لها به، ونسيت أنها تجابه سالم مرسال بنفسه. حيث أن ذكاءها كله لا يكفي للخروج من أزمة واحدة قد يضعها بها.
***
وصلت عائشة أمام ڤيلا سالم ووقفت أمام البوابة وأخذت تطرق الباب بقوة، فاستقبلها حارس البوابة الذي تذكرها وقال:
ـ انتي تاني؟ هو انتي مش جيتي هنا قبل كده؟
أومأت وهي تتعلق بيديه وتنظر إليه باستجداء وهي تبكي وتقول:
ـ بالله عليك يا ابني تساعدني أنا واقعة في عرضك. أنا لازم أقابل سالم بيه.
ـ سالم بيه مش موجود.
أجهشت في البكاء أكثر وكادت لتنحني على يديه وتقبلها برجاء:
ـ أبوس إيدك لازم أقابله. الموضوع موضوع حياة أو موت. لازم أتكلم معاه ضروري.
شعر الشاب بالشفقة تجاهها وقال:
ـ يا ستي والله الباشا مش موجود. لسه خارج حالًا بعربيته.
ـ راح فين وأنا هروح له حتى لو آخر بلاد المسلمين.
زم شفتيه بأسف وقال:
ـ يا ست بالله عليكي مينفعش كده. انتي كده بتضريني في شغلي. معلش امشي.
ابتعدت عنه وهي تهتف بغضب ولوعة:
ـ أنا مش همشي، أنا هفضل قاعدة كده لحد ما يرجع. لازم يعرف كل حاجة. خلاص مش هسكت تاني.
ـ يا حاجة اللي بتعمليه ده ممنوع. مينفعش تقعدي هنا قدام البوابة. لو سمحتي امشي متخليناش نتعامل معاكي بالقوة.
لم تجد بدًا من الانصياع لأمره، فسارت بعيدًا عن البوابة وجلست على أحد الأرصفة المجاورة لكي يتسنى لها رؤيته عند عودته وقد قررت أنها لن تتراجع أيًا كان ما سيحدث. ولّى زمن الصمت.
***
خرجت نغم من الحمام أخيرًا وهي تشمشم بأنفها في محاولة منها للتحقق ما إذا كانت رائحة عطر فريد لا تزال عالقة بها أم لا. ووقفت أمام المرآة تصفف شعرها وترش من العطر الخاص بها الذي اشتراه لها علها تساعد في إزالة تلك الرائحة الملعونة التي لا تفارقها.
انتبهت على رنين هاتفها باسم فريد فأجابت قائلة:
ـ ألو.
ـ أيوة يا نغم. بكلمك عشان أقول لك إني واقف برة.
انتابها الحرج لكونه انتظر كل ذلك الوقت وقالت:
ـ معلش أنا آسفة مشوفتش التليفون.
ـ ولا يهمك. يلا أنا داخل.
أنهى الاتصال وترجل من سيارته ثم فتح الباب ودخل، فوجدها تخرج من غرفتها وتقبل نحوه بابتسامة، فابتسم وقال:
ـ أخبارك إيه؟
ـ الحمد لله. صوتك ماله؟
قطب جبينه، لم يتوقع أن تعرف ما يراوده من قلق عن طريق نبرة صوته، لذا توجه نحو غرفة المعيشة، وضع حقيبة الحاسوب الخاص بها على الطاولة، ثم جلس وأشار لها بالجلوس فجلست على المقعد المقابل له، وأخذت تنظر إليه فرأته يتنهد بضيق واضح ثم قال:
ـ چيلان رجعت.
شعت عيناها حماسًا وقالت:
ـ بجد؟ طب الحمد لله. فرحت عشانها.
أومأ وقال وهو ينظر إليها:
ـ اللي كان خاطفها.. هو حسن.
تجمد الدم بعروقها وأخذت تنظر إليه بصدمة، وأحست في تلك اللحظة بالرجفة تسري في أطرافها.
رأى شحوب وجهها وتلك الحالة المزرية التي تملكتها، فنهض من مكانه وجلس بجوارها. ثم نظر إليها وقال:
ـ مش عاوزك تتخضي بالشكل ده.
سألته وهي تحاول تمالك أعصابها:
ـ مسكوه؟
تنهد بضيق وقال:
ـ للأسف لسه. بس ده هيحصل هيحصل متقلقيش.
ازداد خوفها، وشحب وجهها أكثر، فأمسك بيديها اللتين ترتجفان وضمهما بين يديه وهو ينظر إليها ويقول:
ـ نغم.. متخافيش ما أنا موجود، أنا لا يمكن أسمح لحد يأذيكي حتى لو كان مين.
ـ حسن مش هيسكت. حسن زمانه دلوقتي شبه المجنون وأكيد مش هيسكت.
تنهد بيأس، هو يعرف أنها محقة، فهو الآن أشد خطرًا من أي وقت مضى، ولكنه لم يكن ليبثها خوفه وشكوكه، فقال محاولًا طمأنتها:
ـ مش هيقدر يعمل لك حاجة متقلقيش.
نظرت إليه وانفجرت فيه صارخةً وهي تقول:
ـ إزاي مقلقش؟ انت متعرفش حسن زيي عشان تقول لي متقلقيش. حسن ممكن يعمل أي حاجة تخطر على بال أي حد. حسن مبيفكرش قبل ما ينفذ، حتى لو كان بيحبني زي ما بيقول زي ده ميمنعش إنه ممكن يتجنن ويعمل أي حاجة لو شافني. حسن اللي قطع لسان واحد عشان بس قال له انت ابن حرام هو نفسه حسن اللي كان هيتسبب في موت واحد عشان اتقدملي هو نفسه حسن اللي خطف چيلان والله أعلم لو مكانش الشرطة وصلت لها كان هيعمل فيها إيه.
وأضافت وهي تبكي باستسلام أمامه:
ـ هو نفسه حسن اللي ممكن يعمل أي حاجة عشان هو دايما مش شايف غير نفسه وغير اللي هو عايز يعمله وبس.
لم يفلح في تجاهل نداء قلبه أن يزيل دمعاتها تلك، فمد يده ومسح أسفل عينيها بأنامله ثم قال:
ـ هرجع وأقول لك متقلقيش وانتي معايا. صدقيني أنا مستعد أفديكي بعمري ولا إني أسمح إن حد يأذيكي أبدًا.
يقولون أن لذة الاعتراف بالحب تكمن في الطريقة، وأن الرجل يملك قلب المرأة إذا استطاع أن يكون مميزًا حين يعترف بحبه، وأن أقرب طرق الاعتراف بالحب لقلب المرأة هي.. المستترة، التي تحمل في طياتها الكثير والكثير. التي تلمس شغاف قلبها وتجعلها تتوقف عندها.
وللحق هو بارع في ذلك، فهو يمنحها في كل يوم مئات الاعترافات بمختلف الأساليب، ولكنه اليوم قد تفوق على نفسه. فتلك الكلمات كانت أحلى وأدفأ ما سمعت.
نظرت بتوتر في اتجاهه، التقت نظراتهما، تلك العينان الدافئتان اللتان تعثران عليها دومًا وتنتشلها من ضيق خوفها إلى رحابة أمانه تلاقت بعينيها الباكيتين اللتين ترحوه رجاءً صامتًا ألا يغادر كونها الصغير أبدًا. أن يبقى لأنها لا ترغب في إنسان يشغل حيز وجودها غيره.
وعى من شروده بها عندما شعر بتسارع دقات قلبه نظرًا لتقاربهما، فتراجع خطوة للوراء وهو يحمحم ويقول:
ـ انتِ هنا في أمان متقلقيش. أفراد الأمن هنا على أعلى كفاءة، وطول ما انتي هنا تأكدي إنه مش هيعرف يوصلك. متخافيش من حاجة.
أومأت بموافقة فتابع:
ـ كمان أنا شايف إن هنا أفضل. بعيد عن دوشة الڤيلا والأجواء المتوترة هناك. إضافة إلى أنها فرصة تكتشفي نفسك من جديد. تدرسي بتركيز. تقرأي كتب في وقت فراغك. ولا إيه رأيك؟
هزت رأسها بتأييد فتابع:
ـ وبعدين أنا هفوت عليكي كل يوم وهتابع معاكي بالتليفون يعني مش هتكوني لوحدك أوي يعني.
تنهدت وهي تنظر إليه بامتنان وقالت:
ـ أنا بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه!
ابتسم وقال وهو ينهض:
ـ ولا أي حاجة يا ستي. أكيد ربنا كان هيسخر لك حد غيري يقف جنبك ويساعدك بردو. على العموم أنا كنت ناوي أعلمك شوية حاجات في اللابتوب بس الكلام خدنا ولازم أمشي عشان راجع الشركة وبعدين عندي مشوار مهم.
ـ هتروح لنسيم مش كده؟
ـ لأ.
نظرت إليه باستفهام، ولمع الفضول في عينيها فضحك وقال:
ـ متتكسفيش تسألي. أنا عارف إنك هتموتي وتسأليني.
ضحكت بخفة وقالت:
ـ معلش أصل أنا فضولية شوية.
زم شفتيه في خط مستقيم بطريقة مضحكة وهو يقول:
ـ ما أنا عرفت.
قطبت جبينها وتساءلت:
ـ و عرفت إزاي بقا؟
فأشار بحاجبيه ناحية غرفته وهو يقول:
ـ لما لقيتك منتشرة في الأوضة بتاعتي.
تهدلت ملامحها بحرج فضحك قائلاً:
ـ عادي محصلش حاجة، متتخضيش أوي كده.
ـ هو انت عرفت إزاي؟
ورفعت كفها إلى أنفها تشمه وهي تقول:
ـ هي الريحة لسه موجودة؟
أومأ مؤكدًا وقال:
ـ وهتفضل موجودة تلت أيام أقل ما فيها.
تنهدت بأسى وهي تحك جبهتها بحرج وتقول:
ـ أنا آسفة إني دخلت أوضتك و…
قاطعها قائلاً:
ـ متتأسفيش أبدًا. بيتي هو بيتك يا نغم.
تمنى لو أنها حقيقة، لو أنهما يملكان نفس المنزل فعلًا. ولكن وهي زوجته.. وهي سيدة هذا المنزل وأساسه.
ارتبكت إثر نظراته وأشاحت بوجهها جانبًا ثم حمحمت ونظرت إليه قائلة:
ـ مقولتليش بردو رايح فين؟
ابتسم وقال:
ـ رايح عند الدكتور.
تساءلت بقلق ولهفة قفزا من عينيها:
ـ دكتور ليه؟ مالك؟
تنهد وأخذ يفكر، هو لم يخبرها بمرضه من قبل، وفي الواقع هو لا يفضل أن يتحدث مع أي شخص عن هذا الأمر، ولكنها دومًا استثناء.
ـ متقلقيش مش مشكلة عضوية، أنا كويس. كل الحكاية إني ليا حكاية كده مع الوسواس القهري ومؤخرًا حسيت إني لازم ألجأ لدكتور. وقد كان يعني.
انتظر منها سؤالًا، اندهاشًا، استغرابًا. ولكنها فاجأته بقولها ببساطة:
ـ يبقى إيه بقا الوسواس القهري ده؟
ـ أصلًا؟ لأ ده انتي عايزة قاعدة طويلة بقا وأنا حاليًا مستعجل. إيه رأيك بعد ما أخلص زيارة الدكتور أفوت عليكي ونروح نضرب لنا اتنين بليلة عند عم اكرامي وأحكيلك مأساتي؟
وضحك فضحكت بدورها وقالت بابتسامة:
ـ يظهر إن البليلة بتاعة عم اكرامي عجبتك.
ليجيبها وهو ينظر داخل عينيها مبتسمًا وهو يقول:
ـ وهو في زي بليلة عم اكرامي؟
ابتسمت بخجل فحمحم يستدرك الموقف ثم زفر بخفة وقال:
ـ هخلص وأعدي عليكي! اتفقنا؟
أومأت بموافقة وقالت:
ـ تمام. خلي بالك من نفسك.
ابتسم وتساءل وهو يضع يديه في جيبي بنطاله وينظر إليها مراوغًا:
ـ خايفة عليا؟
تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل وأومأت وهي تشيح بعينيها عن عينيه وأومأت مؤكدة وهي تقول:
ـ أكيد.
تنفس براحة ثم قال:
ـ متقلقيش عليا. خلي بالك انتي من نفسك. سلام.
***
مساءًا.
كانت نهال قد وصلت أمام الڤيلا للتو، ترجلت من سيارة الأجرة بثقة، ثم نظرت إلى الحارس وهي تقول:
ـ بلغ الباشا إني موجودة.
طالعها الشاب بتهكم وهو يقول:
ـ ومين انتي بقا إن شاء الله؟
نظرت إليه بصدمة وهي تقول:
ـ إيه ده انت مش فاكرني؟ أنا اللي كنت هنا الصبح وقابلت سالم بيه.
ـ أيوة افتكرتك. طلباتك إيه خير؟
طالعته بحدة وقالت:
ـ بقول لك بلغ سالم بيه إن موجودة وهو هيدخلني علطول، أنا بيني وبينه اتفاق على فكرة.
تنهد الحارس بضيق، ثم قام بالاتصال بمنصور وأخبره برغبتها في مقابلة الباشا لأمر هام، فقام منصور بدوره بالاتصال بسالم وأخبره فأجابه سالم بصرامة:
ـ اتصرفوا معاها. مش عايز البنت دي تقرب من الڤيلا تاني.
أبلغ منصور الحارس بما قاله سالم فنظر إليها الحارس وقال:
ـ الباشا بيقول لك مش عاوز يشوف وشك هنا تاني بدل ما يرميكي في السجن.
جحظت عيناها بذهول ونظرت إليه بغير تصديق وهي تقول:
ـ إيه الكلام اللي انت بتقوله ده؟ يعني إيه مش عاوز يشوف وشي؟ والاتفاق اللي بينا؟
طالعها الآخر بنفاذ صبر وهو يقول:
ـ بقول لك إيه. أنا مش فاضي عشان كل شوية واحدة تيجي تضيع في وقتي. يلا من هنا بدل ما ألبسك مصيبة وأرميكي في السجن.
ابتعدت نهال وهي تنظر حولها بتيه، وسارت مبتعدة عن الڤيلا رغما عنها، عادت خالية الوفاض، بعد أن ظنت أنها قد حصلت على فرصة للبدء من جديد ولكنها لم تجد سوى سراب.
***
كانت نسيم تجلس على فراشها بالمشفى، وزينب تجلس بجوارها ويتجاذبان أطراف الحديث، فانفرج الباب الذي قطع حديثهما ودخل سالم. وقف يطالعهما بهدوء ولم يغفل عن تلك النظرة بعيني ابنته، فنظر إلى زينب التي نهضت وغادرت الغرفة على الفور.
دخل سالم وأغلق الباب، وسار نحو المقعد المواجه لسرير نسيم، ثم جلس فوقه ونظر إليها بهدوء يناقض أفكاره الصاخبة وقال:
ـ عاملة إيه دلوقتي؟
ـ الحمد لله.
قالتها باقتضاب، بينما هو كان ينظر أرضًا ثم نظر إليها وقال:
ـ أنا آسف.
نظرت إليه بصدمة، فأومأ يؤكد ما قاله، يؤكد لها أن ما سمعته حقيقي وأنها لا تتوهم، وتابع:
ـ أسف لأني وصلتك للحالة دي. إنك تحاولي تموتي نفسك عشان متجوزيش إنسان انتي مش عايزاه. أنا بس كل اللي عايزك تعرفيه إني مش بكرهك.
ارتجف قلبها بين ضلوعها، وأخذت تستمع إليه بانصات وهو يقول:
ـ أنا لما كنت ببعدك عني صدقيني كنت بحاول أحميكي. وقبل ما تسألي هقول لك معنديش إجابة. أنا كل اللي عايزُه إني أفهمك إني مش وحش للدرجة دي ولا أب سيء زي ما انتي واخواتك شايفيني.
وأخفض رأسه أرضًا وقال:
ـ أنا يمكن مبعرفش أكون حنين. طبعي كده. أنا اتربيت كده وكبرت بالطريقة دي. وعلى فكرة أنا كمان مكنتش بلاقي حد يحن عليا. أنا كمان عانيت في طفولتي زيكم. شربت القسوة من أبويا غصب عني، و بدون ما أحس عاملتكم بنفس القسوة. أنا آسف لو أنا السبب من غير ما أقصد في كل مشاكلكم. يا ريت أقدر أعوضكم.
فرت من عينيها دمعة مقهورة، وخرجت عن صمتها لأول مرة في حياتها وهي تقول:
ـ تعوضني؟ حضرتك شايف إنك ممكن تعوضني؟ تعوضني عن إنك سبتني لوحدي في دبي مع زينب وأنا عندي عشر سنين بس. بعدتني عنك وعن فريد وأنا كنت طفلة لسه، تعوضني عن إنك رميتني بعدها في دار أيتام وأنا ليا أهل؟ تعوضني عن إن صاحب الدار كان بيتحرش بيا؟ تعوضني عن إنك قتلت الإنسان الوحيد اللي حبيته وحبني؟ تعوضني عن إيه ولا إيه ولا إيه؟ في حاجات مبتتصلحش ولا ينفع فيها تعويض. أنا اتكسرت مليون حتة. مستحيل هتقدر تداويني مهما عملت.
ازدادت حدة بكائها ونشيجها وهي تستطرد بعد صمت طال لسنوات طويلة:
ـ أنا كل ما بشوفك بحس برعب، كل ما بشوفك بحس إني هموت أو هيجرالي حاجة مش كويسة. أنا بقيت بترعب من مجرد ما أسمع صوتك. إنت مهما عملت مش هتكون بالنسبة لي أب أبدا.
أطرق رأسه أرضًا بندم، لم يتوقع منها ما سمعه ولكنه يعرف أن الضغط يولد الانفجار وها هي انفجرت وربما ذلك الانفجار يساهم في خلق نسيم جديدة. وأومأ متمهلًا ثم قال:
ـ معاكي حق في كل كلمة قلتيها. على العموم أنا هسيب البيت يومين وهرجع على العزبة لحد ما أعصابك تهدى تمامًا.
ثم نهض، واقترب منها وربت على رأسها لأول مرة وهو يقول:
ـ خلي بالك من نفسك.
اقشعر بدنها إثر لمسته، وظلت تبكي حتى بعد مغادرته، فدخلت زينب وأسرعت إليها تعانقها بقوة وتشاركا البكاء لفترة طويلة.
***
وصل فريد أمام مركز الدكتور رؤوف، صف سيارته وترجل منها، ثم دخل فاستقبلته مديرة المكتب التي قادته نحو الداخل.
استقبله الطبيب مبتسمًا، ثم أشار له بالجلوس وقال:
ـ أخبارك إيه يا بشمهندس؟ أنا شايف وشك مرتاح النهارده عن كل مرة الحمد لله.
أومأ فريد مبتسمًا وقال:
ـ الحمد لله يا دكتور، أنا حاسس إني المرة دي فعلًا أهدى من كل مرة، مفيش وساوس كتير زي دايما، بس للأسف في كوابيس كتير. تقريبًا كده كل يوم بصحى من النوم على كابوس مفجع. لدرجة إني بقيت أخاف أنام. الموضوع ده مسبب لي إزعاج وإرهاق شديد جدًا. بقيت حاسس إني محاصر بالوسواس من كل ناحية حتى وأنا نايم.
أومأ الطبيب مؤيدًا كلامه وقال:
ـ بس كده انت لخصت الإجابة كلها في الكلمتين دول. بص يا فريد، خليني أمشي معاك واحدة واحدة. مبدئيًا كده الأحلام دي في الطب النفسي بنسميها Window to the heart يعني نافذة على القلب. ليه؟ لأنها بتعكس أحاسيسنا ومشاعرنا وأفكارنا كمان اللي بنكون مش عارفين نفهمها بالشكل المظبوط. ده بالنسبة للشخص العادي. طيب بالنسبة بقى للشخص المريض بوسواس قهري؟ هقول لك لأ الأمر بيختلف شوية. لأن الأحلام اللي بيشوفها مريض الوسواس القهري في منامه بتكون مرتبطة ارتباط وثيق بالمعاناة اللي بيشوفها خلال حياته عامة ويومه بالاخص في مواجهة الوسواس القهري. بمعنى أن محتوى الأحلام اللي بيشوفها مريض الوسواس القهري بتعكس الهواجس والاضطرابات اللي بيعاني منها وهو صاحي.
وتنهد وتابع:
فاكر لما قلت لك إن الوسواس القهري ده بمثابة عدو خاين متقدرش تتوقع هو هيسدد لك الضربة امتى وازاي؟
أومأ فريد مؤكدًا فقال الطبيب:
ـ اهو ده بالظبط اللي بيعمله معاك. لما لقاك بتحاول تكون مرن أكتر طول اليوم، بتحاول تتجاهله مش مديله اهتمام ولا معبره زي ما بنقول بالبلدي كده قال لك بس. الشخص ده بدأ يشتغل على منطقة الوعي عنده ويديها اوردرات إنها تتجاهلني وتعاملني كأني قلقاسة. فبقى بيسيب المنطقة اللي احنا بنسميها منطقة الوعي اللي بتتمثل في فترة اليقظة بتاعتك وبيدخل لك بقى في منطقة اللاوعي. وخد بالك الوسواس ملك في الحتة دي. بيحاربك في ملعبه زي ما بيقولوا. ليه بقى؟ لأن الوسواس مصدره الرئيسي هو الشيطان. والشيطان بيكون نشط جدًا بالليل. انت بتنام بالليل لكن هو لا. هو مش بينام ولا بيستريح هو مخلص جدًا لمهمته اللي هي تضليلك وأذيتك.
أومأ فريد متفهمًا فقال الطبيب:
ـ للأسف موضوع الأحلام والكوابيس ده مش بنقدر نعمل عليه كنترول لكن هو بيخف لوحده. مفيش حاجة ملموسة نقدر نعملها غير إن أنا أقول لك جرب إنك تنام على وضوء. بنسبة كويسة الموضوع هيقل. ولو مقلش بردو متركزش لأن الموضوع لحظي مش دائم.
وتابع:
ـ قول لي.. إنت عملت إيه في الموضوع اللي اتكلمنا فيه المرة اللي فاتت؟ بدأت تصلي ولا لسه بردو مش قادر؟
زفر فريد وقال:
ـ الحقيقة بحاول. لسه بردو في صعوبة لكن بحاول أتجاهلها زي ما حضرتك قلت. بس بردو مش قادر أوصل للالتزام الكامل. بصلي فرض ممكن وأفوت فرضين. أوقات كمان كتير بنسى أصلي. وبنسى أثناء الصلاة. بس بكمل. بس للأسف دايما عندي هاجس إني هنتكس.
ـ لا لا لا. متفكرش في كده أبدًا. إحنا مع الوسواس بنعيش اليوم بيومه. متفكرش أبدًا في اللي جاي، بيكون عندنا هدف كل يوم لازم نحققه والهدف ده هو إننا نعدي اليوم بسلام من غير ما نلتفت للهواجس والطقوس القهرية. إذا قدرنا نحقق التارجت ده كل يوم فانت كل يوم بتحقق نجاح. وبعدين في علاج الوسواس القهري بالذات مفيش حاجة اسمها انتكاسة. لأ. الانتكاسة دي احنا بنستبدلها بكلمة لطيفة جدًا وهي مفتاح التعافي. كل انتكاسة هي خطوة للشفاء. بدونها مش هيكون فيه تعافي تام. وكل ما قربت للتعافي التام انت بنفسك هتلاحظ إن الانتكاسة دي بتكون أقل وحدتها أخف. وكل ما كانت قليلة وخفيفة وملكت زمام أمورك بعدها كل ما كان الشفاء قريب منك جدًا بإذن الله. أهم حاجة إنك ماتلتفتش للوقعات البسيطة دي وقوم بعدها كمل عادي جدًا. وتأكد إن كل المعاناة اللي انت فيها دي في ميزان حسناتك إن شاء الله.
تنهد فريد بارتياح وقال بامتنان:
ـ بجد يا دكتور حضرتك نعمة في حياة أي حد.
ابتسم الطبيب وقال:
ـ متشكر يا ابني على الكلام الجميل ده.
وقال ممازحًا بلطف:
ـ بس أنا بردو عند كلامي. فيك حاجة متغيرة النهارده.
ابتسم فريد وصمت للحظات، ثم ابتسم قائلاً:
ـ مش عارف. بس أنا الفترة دي حاسس إني مرتاح نفسيًا جدًا. بالرغم من وجود الوسواس اللي بيفسد عليا أي لحظة حلوة. لكن مع ذلك في شعور لطيف جدًا ملازمني.
ـ ممم. واضح كده إنك بتحب جديد.
اتسعت ابتسامته وأومأ قائلاً:
ـ بالظبط.
وتابع وهو يشرح ما يشعر به بإسهاب:
ـ حاسس إن في طاقة حب عنيفة جوايا. مشاعر اتولدت فجأة. زي ما يكون قلبي كان متوقف عن النبض لسنين طويلة ودلوقتي بس بدأ يدق.
ابتسم الطبيب لرؤية تلك الابتسامة المشرقة على وجهه وقال:
ـ أنا مبسوط جدًا إني بسمع منك الكلام ده. وأتمنى إنك تفضل مع الإنسانة اللي زرعت جواك الشعور الجميل ده وتحافظ عليها.
ثم أشار إليه بنبرة تحذيرية وقال:
ـ بس خلي بالك. متنساش عدوك اللي كلنا عارفينه. اوعى تسمح لعدوك ده إنه يسرقها منك.
كانت تلك إشارة قوية من الطبيب إلى فريد بأن يهزم وسواسه ويبادر بخطوة صادقة وواثقة نحو نغم وألا يسمح لوسواسه أن يسيطر عليه ويجعله يتردد فتضيع منه.
غادر فريد مركز الطبيب وهو يشعر بالراحة تعتريه بعد أن أفضى مكنونات قلبه بصراحة شديدة. وقد قرر أن يعمل بنصيحة الدكتور وألا يضيعها من يديه. فهي الدواء لقلبه، وهاتين العينين شديدة الفتك اللتين تملكهما أصبحت بالنسبة إليه بمثابة قناديل تضيء دروبه المظلمة وتنشر فيهما الأمل من جديد.