تحميل رواية «مهمة زواج» PDF
بقلم دعاء فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مساء إحدى ليالي أغسطس الدافئة، يقف بحلته السوداء الأنيقة التي جعلته أميراً من أمراء حكايا ألف ليلة وليلة. يقف بساحة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، ينظر إلى ساعته النفيسة بتأفف كل حين وآخر في انتظار وصول الطائرة القادمة من نيويورك. وهناك خارج المطار تنتظر أسرته في سيارة أخرى، وهم والدته وشقيقته وزوجها ليستقبلوا العروس. بعد عدة دقائق أعلن المذيع الداخلي عن هبوط الطائرة القادمة من نيويورك، وحينها انتابته حالة من التوتر. لا يدري كيف سيكون شعوره حين يقابلها، بالأحرى كيف سيعرفها وهو لم يلتقِ بها سو...
رواية مهمة زواج الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم دعاء فؤاد
عاد أدهم إلى المنزل بعد الحفل، مشاعره متأججة وصور ألارا لا تفارق ذهنه. تلك الفتاة التي أشعلت في صدره نارًا قديمة وأيقظت ذكرى ندى، حبيبته الراحلة.
بمجرد أن فتح باب المنزل، وجد عائلته جالسة في الصالون. والدته تيسير، وشقيقتاه ريم وروان، ينظرن إليه بفضول، كأنهن يشعرن بأن شيئًا ما تغيّر.
جلس بجوار أمه بعدما ألقى عليهن تحية المساء.
ثم أدارت تيسير دفة الحديث قائلة بسرور بالغ:
ـــ ألف مليون مبروك يا حبيبي و دايما في نجاح يارب.
انحنى يقبل يدها ثم رد عليها ببسمة محبة:
ـــ الله يبارك فيكي يا ست الكل… طول ما انتي جنبي و بتدعيلي اكيد هكون ناجح.
مسحت على شعره بحب وافر ثم أجّلت حنجرتها لتقول بتردد:
ـــ طب مش ناوي بقى تفرحنا الفرحة الكبيرة؟!
نظر لها بوجوم لوهلة بعدما فهم مقصدها ثم تنهد بحزن ظاهر وقال:
ـــ لسة مقابلتش اللي ممكن أسمحلها إنها تدخل قلبي جنب ندى.
في تلك اللحظة لمعت عيناه ببريق من الأمل حين تذكر شبيهتها، تمنى لو تكون هي ندى بأي طريقة و بأي سيناريو أوصلها لهذا الشكل… فقلبه يخبره أنها ندى رغم استحالة الاحتمالات.
كانت شقيقتيه تتابعان الحوار وهما يرسلان لبعضهما النظرات بخصوص تلك الفتاة. فضولهما يقودهما للسؤال ولكنّهما يخشين فتح الجراح القديمة.
لكن قبل أن تغوص تيسير في المزيد من الحديث تغيرت ملامحه فجأة.
التفت نحوهم وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالمشاعر:
ـــ شوفت واحدة النهارده في الحفلة… شبه ندى لدرجة تخض.
توقفت الأحاديث والابتسامات دفعة واحدة.
رفعت ريم حاجبيها بدهشة مصطنعة:
ـــ شبهها؟ إزاي يعني؟
نظر إليها أدهم مباشرة، وكأنه يبحث عن إجابة في عينيها:
ـــ مش شبهها وخلاص… هي ندى بكل تفصيلة. نفس الضحكة، نفس الحركات… حتى طريقة كلامها!
روان، التي كانت تراقب بصمت، حاولت تهدئته وهي تقول بهدوء:
ـــ ممكن تكون صدفة يا أدهم، في ناس كتير بيتشابهوا.
لكن أدهم هز رأسه بعنف، وكأنها لم تفهم:
ـــ لا… دي مش صدفة. دي أكتر من كدا… لما شفتها حسيت إن الدنيا وقفت.
ريم (بتردد وكأنها تحاول إقناعه):
ـــ بس يا أدهم، ندى راحت… البنت دي لو شبهها، دا مش معناه إنها هي… إحنا عارفين الحقيقة، وانت أكتر واحد عارف إن ندى ماتت.
تنفست تيسير بعمق، ثم قالت بنبرة مليئة بالحزن:
ـــ يا ابني ليه بتعذب نفسك؟ ندى خلاص راحت يا حبيبي، وربنا أراد إنها تسيبنا… مفيش داعي نفتح جراحنا تاني.
لكن أدهم كان مختلفًا هذه المرة. وقف فجأة، عيناه مليئتان بالغضب والألم:
ـــ مش قادر! مش قادر أقتنع إنها راحت… البنت اللي شوفتها مش ممكن تكون مجرد شبه… قلبي بيقولي إنها ندى.
روان (بحذر):
ـــ طيب افترض إنها مجرد شبيهة… وبعدين؟ هتعمل إيه؟
صمت أدهم لبرهة، ثم قال بثقة:
ـــ لازم أعرف… لازم أوصل للبنت دي وأعرف قصتها. لو في أي احتمال، حتى لو واحد في المية… مش هسامح نفسي لو تجاهلت ده.
الأم (تضع يدها على رأسها بحسرة):
ـــ يا ابني، انت هتتعب نفسك على الفاضي. ندى ماتت، ومش هترجع!
لكن أدهم لم يلتفت هذه المرة… نظر إليهن جميعًا، وكأن قراره أصبح حاسمًا:
ـــ حتى لو كله بيقول إن ندى راحت، أنا مش هصدق إلا لما أتأكد… البنت دي مش عادية، وأنا مش هرتاح إلا لما أعرف الحقيقة.
تركهن واقفات في ذهول بينما ذهب إلى غرفته بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه عاصفة من الأسئلة والقلق.
***
كان المساء هادئًا، لكن داخليًا، كان الصخب يتردد في أرجاء عقل ريم وقلبها. جلست وحدها في شرفتها الصغيرة، تتأمل المدينة التي تضج بالحياة أسفلها، بينما كانت هي أسيرة للحظة واحدة في الحفل، اللحظة التي التقت فيها عيناها بمعتصم.
كيف عاد هكذا فجأة؟ عامان كاملان قضتهما تحاول دفن ذكراه، دفن كل شيء يخصه. واليوم، بكل بساطة، يعود ليشعل ما اعتقدت أنه قد تحول إلى رماد.
تنهدت ريم، وعيناها تهيمان على فنجان القهوة البارد بين يديها، وكأنها تحاول البحث عن إجابة وسط هذا الشرود.
“يا ترى ليه رجع؟” قالت لنفسها بصوت متردد، وكأنها تحاور طيفه. “مش كان المفروض كل حاجة خلصت؟ أنا قررت خلاص، الجواز ده مش ليا. كان حاجة باردة، مفيهاش أي شغف، أي حياة… ومع ذلك، ليه قلبي بيتشد ليه تاني؟ ليه مش قادرة أنسى اللي شوفته في عينيه؟”
نظرت إلى الأفق، وكأنها ترد على نفسها:
“يمكن… يمكن علشان هو الوحيد اللي عرفني بجد. الوحيد اللي شافني على حقيقتي، ورا قناع القوة اللي دايمًا بلبسه. بس يعني إيه؟ الحنين ده هيعمل إيه؟ هيغير الماضي؟ هيرجعني ليه؟”
هزت رأسها، محاولة إبعاد أفكارها:
“أكيد لأ… ده مجرد وهم. هو اللي مشي. لو كان عايزني، مكانش سابني من الأول!”
لكن صوتًا داخليًا قاومها، هامسًا:
“طب مش يمكن… يمكن هو كان مضطر؟ يمكن هو كمان كان بيفكر فيك طول السنتين دول؟ شوفتِ نظرته ليك؟ كأنه كان عايز يقول حاجة.”
ابتسمت ريم بسخرية، وضحكت ضحكة خافتة:
“بلاش سخافة، يا ريم! إنتي لسة بتفكري فيه ليه؟ إيه اللي رجع الحاجات دي كلها؟ الحب ده مش ليا… مكنش ليّا من الأول.”
وضعت رأسها بين يديها، تحاول طرد الأفكار المتزاحمة التي كانت تملأ عقلها. لكن عبثًا، كلما حاولت الهروب، كلما زاد الحنين ثقلاً، يطرق على أبواب قلبها المغلق.
“طب لو قرّب مني تاني؟ لو حاول يرجع؟” تساءلت بصوت شبه مسموع، “هقدر أبعد؟ ولا… هضعف؟”
انتفضت فجأة وهزت رأسها بحزم، محاولة إنهاء النقاش الداخلي:
“لأ، مش هسمح لنفسي. ده مجرد حنين عابر… رؤية حد كان جزء من حياتي. بكرة هفوق، بكرة هرجع لحياتي، وكأن مفيش حاجة حصلت.”
لكن الحقيقة التي لم تستطع إنكارها كانت تهمس من أعماقها: الحنين لا يعرف الغد، ولا يحتاج إذنًا ليبقى.
***
عقب انتهاء حفل الدمج الذي كان آسر ومودة مدعوين فيه، أصر محمد على آسر أن يكمل سهرته معهما في منزله قاصدًا من ذلك تصليح العلاقة بينه وبين مودة التي انقطعت لأكثر من عامين، ما أثر بالسلب على نفسية ابنته. وأكثر ما يخشاه أن يرهق قلبها من هذا الحزن وتعود لنقطة البداية.
آسر فهم محمد تمامًا، فكم من مرة لمح فيها ترحيبه بوجود علاقة بينهما ربما تنتهي بالزواج.
في غرفة المعيشة، الجو كان مشحونًا بالصمت الثقيل، كأن كل الأنفاس معلقة بانتظار شيء مجهول.
مودة جلست على الأريكة، يداها مشدودتان على صدرها، وعيناها تائهتان.
أما آسر، فوقف قرب الطاولة، عيناه مليئتان بالغموض والغضب، لكنه يحاول أن يسيطر على مشاعره التي تكاد تفلت منه.
كان محمد قد أشعل فتيل الحوار حين قال:
ـــ لحد امتى يا ولاد هتفضلوا تهربوا من مشاعركم… أنا عارف يا مودة إنك بتحبي آسر.. و انت يا آسر.. أنا متأكد إنك بتميل لمودة بس بتحاول تقاوم بسبب إحساسك بالذنب تجاه ميري الله يرحمها.. بس لحد هنا وكفاية يابني.. كفاية تعذبوا في نفسكم… هو انتو هتعيشو العمر كام مرة؟!
تنهد آسر بعمق ثم قال وهو ينظر في اللاشيء:
ـــ عندك حق يا عمي… وأنا مستعد أكمل معاكي يا مودة.
مودة (بصوت متحشرج ومشبع بالألم):
ـــ آسر… أنا مش فاهمة، إزاي هنقدر نكمل وإحنا كلنا محبوسين في الماضي؟! أنا بحبك، بس بحس إنك مش شايفني أنا… كأنك بتدور على ميريهان فيا.
آسر (يضرب الطاولة بقبضة يده، صوته متحشرج بالغضب):
ـــ مش عارف أهرب من إحساسي يا مودة! كل مرة ببصلك… كل مرة، بحس إن في حاجة مش متكاملة. بحس إني مش قادر أحبك بالطريقة اللي تستحقيها… وأنا بكره نفسي على ده!
مودة (تنفجر بالبكاء، وتضع يدها على قلبها):
ـــ وإنت فاكر إن ده سهل عليا؟! أنا كمان بحارب… بحارب إحساس إنك بتحبني بس علشان أنا شبهها، علشان قلبي…
(محمد، الذي كان جالسًا في الزاوية، ينهض فجأة، عيناه تفيض بالحزن، وصوته يرتعش حين يتحدث):
ـــ كفاية! كفاية بقى… اللي بتقولوه دا ليه أسبابه.
(يلتفت إليه الاثنان بذهول. مودة تنظر إليه وكأنها لا تفهم، بينما آسر يخطو خطوة للأمام بتوتر.)
مودة:
ـــ إيه اللي تقصده يا بابا؟ ليه بتقول كده؟
محمد (يتنهد بعمق، وعيناه تترقرقان بالدموع):
ـــ لأنكوا لازم تعرفوا الحقيقة… الحقيقة اللي أنا خبيتها عنكوا التلت سنين اللي فاتو.
آسر (بصوت صارخ):
ـــ حقيقة إيه؟! إنت عايز تقول إيه يا عمي؟!
محمد (يمسح على وجهه بتعب):
ـــ مودة… قلبك اللي بينبض ده… مش قلبك. ده كان قلب ميريهان.
(تتجمد مودة مكانها، عيناها تتسعان من الصدمة، فيما يخطو آسر خطوة للوراء، وكأن الأرض قد انشقت تحت قدميه.)
مودة (بصوت مختنق):
ـــ إزاي؟ إزاي ده حصل؟
محمد (بصوت متحشرج):
ـــ كان لازم أعمل كدا … وأنا كنت شايف بنتي التانية بتموت قدامي… وكان الحل الوحيد إننا ناخد قلب أختك ونزرعه في صدرك عشان ننقذ حياتك بدل ما تموتي انتي كمان.
آسر (ينظر إلى محمد بعينين غاضبتين):
ـــ وليه معرفتنيش؟ ليه مخبي علينا كل ده؟!
محمد (بعينين دامعتين):
ـــ كنت خايف… خايف الحقيقة دي تدمر حياتكوا أكتر ما هي مدمرة… كنت فاكر إني بحميكم.
(تمر لحظة ثقيلة، مودة تسقط على الأريكة، وعيناها تغرقان بالدموع.)
مودة (بصوت مخنوق):
ـــ يعني… أنا عايشة بقلب أختي؟!
آسر (ينظر إليها، وعيناه تفيض بالحيرة):
ـــ مودة… كل ده…
محمد (يقترب منهما، صوته مليء بالرجاء):
ـــ الحب الحقيقي ما بيعرفش الحدود دي… مودة، إنتي شجاعة… وإنت يا آسر، لو بتحبها بجد، قلبها مش هو اللي هيغير ده.
(آسر ينظر إلى مودة، وعيناه تمتلئان بالعاطفة المختلطة بين الحيرة والشفقة، بينما مودة تحاول أن تستعيد أنفاسها، وعيناها تغرقان في عينيه، تبحث عن إجابة.)
غرفة المعيشة أصبحت الآن ثقيلة بالصمت، بدأت مودة تتحرك ببطء، يدها ترتعش وهي تمسك بطرف الأريكة وكأنها تبحث عن ثبات.
مودة (بصوت مكسور):
ـــ أنا… أنا محتاجة وقت… محتاجة أفكر… كل حاجة حواليا بقت غريبة… حتى قلبي مش ليّا… أنا عايزة أختفي شوية… لو سمحتم، ما حدش يكلمني.
أدارت وجهها، والدموع تنساب بهدوء، ثم خرجت بخطوات متعثرة، تاركةً والدها وآسر يتبادلان نظرات مليئة بالقلق.
آسر (موجّهًا كلامه لمحمد، بصوت منخفض ومليء بالغضب):
ـــ ليه؟ ليه ما قلتش؟ كانت تستحق تعرف… وأنا كمان كنت أستحق أعرف.
محمد (بتنهيدة ثقيلة):
ـــ عارف يا آسر، وعارف إن اللي عملته مش سهل عليكم… بس كنت باحاول أحميها. ميريهان راحت، وما كنتش عايز أفقد مودة كمان. أنت ما تعرفش إحساس أب يشوف ولاده بيموتوا قدام عينيه.
آسر يمرر يده على شعره بعصبية، ثم يجلس على الكرسي وكأنه يحاول استيعاب الصدمة. يرفع رأسه بعد لحظة، وفي عينيه بريق جديد.
آسر (بتصميم):
ـــ لكن مودة… مودة عايشة. ومش المفروض تفضل تعيش في ظل ميريهان طول عمرها. لازم تعرف إنها هي اللي تستحق تكون هنا، وإنها مش مجرد بديل.
محمد (بصوت مليء بالأسى):
ـــ ولو كانت ميريهان جزء منها؟ إنت تقدر تفصل ده؟
يستقيم آسر ببطء، وكأن الإجابة تضيء في عقله لأول مرة.
آسر:
ـــ مش لازم أفصل… أنا محتاج أتعلم أحب مودة… مودة نفسها، مش قلبها… ده القرار الوحيد اللي ممكن أعيشه.
في هذه اللحظة، تدخل أبو آسر الذي كان يستمع بصمت من بعيد حين أتى ليتحدث مع محمد في نفس الشأن.
تقدم بخطوات هادئة، صوته يقطع الجو المشحون.
الأب (بحزم):
ـــ لو فعلاً عايز تعمل كده، لازم تبدأ دلوقتي. لأن مودة محتاجة حد يكون سندها… مش عبء إضافي.
نظر آسر لوالده، ثم إلى الباب الذي خرجت مودة منه، وكأن الكلام أصابه في قلبه. وبخطوات ثابتة، يتوجه نحو الباب، تاركًا محمد وأبيه في الخلف.
محمد (بهمس):
ـــ ربنا يهدي النفوس، ويصلح القلوب.
خرج آسر لمواجهة مودة، وفي داخله تصميم على إعادة بناء العلاقة، بعيدًا عن الماضي، وأقرب إلى الحاضر الذي يجمعهما.
***
في صباح اليوم التالي، كان أدهم يمشي بخطوات ثابتة نحو شركة معتصم، يملأه تصميم لمعرفة المزيد عن ألارا. كانت الحقيقة تلاحقه كظلٍ ثقيل، تُلح عليه بأن يكتشف أبعادها.
دخل المكتب، واجه معتصم بابتسامة ودودة لكنها لم تخفِ بعض الحذر.
استقبله معتصم بحرارة قائلاً:
ـــ نورت مكتبي للمرة التانية يا أدهم بيه.
رد أدهم بابتسامة ساخرة وهو يجلس على الكرسي المقابل:
ـــ دايما منورة بيك يا باشا.
أخذت عينا أدهم تجول في المكتب، تتذكر تلك المرة الأولى التي دخله فيها. كان ذلك عندما واجه معتصم بكذبته حول زواجه من أخرى وطلبه الزواج من ندى. تملكه شعور بالندم العابر، فقد حال بين معتصم وأخته… ربما كان قاسيًا عليه حينها. لكن سريعًا ما استعاد تركيزه. الآن لم يكن الوقت مناسبًا للغرق في الماضي.
تطلع إليه معتصم بابتسامة باهتة، ما دفع أدهم إلى استهلال حديثه بنبرة مليئة بالأسف:
ـــ معتصم، أنا عرفت بس في الحفلة عن وفاة والدتك… عبدالله بيه هو اللي قالي… سامحني جدًا لأني ماقدرتش أجي وأعزي، خصوصًا إنك قدمت لي العزاء لما ندى ماتت.
تغيرت ملامح معتصم قليلاً، بين الحزن والشكر، وهو يرد بهدوء:
ـــ ولا يهمك يا أدهم، العزاء الحقيقي في وجود الناس اللي بتسندنا.
هز أدهم رأسه موافقًا، ثم أضاف بصوت منخفض:
ـــ ربنا يرحمها، ويجعلها آخر الأحزان… عارف إن الفقد صعب قوي، وأنا مجرب إحساسك.
صمت كلاهما لوهلة، وكأن لحظة الصمت تلك حملت بينهما إحساسًا عميقًا مشتركًا بالخسارة.
بعد دقيقة من الصمت، بادر أدهم الحديث مباشرة، مختارًا كلماته بحذر:
ـــ بمناسبة الدمج مع شركة عبد الله بيه وكونك طبعًا من أهم عملائه، كنت حابب نفكر في شراكة أوسع بينا.
نظر معتصم إليه بحذر، قبل أن يرد بابتسامة مُرحبة:
ـــ فكرة جميلة جدًا، وأنا طبعًا يشرفني نتعامل مع بعض.
لاحظ أدهم أن معتصم بدا أكثر مرونة من المعتاد. شعر أن الوقت مناسب للانتقال إلى مبتغاه الأساسي، فاسترسل قائلاً:
ـــ تمام… بس كنت شايف إننا نوسّع دايرة الشراكة. مثلًا لو ضفنا شريك ثالث من مجال مختلف. دا هيفيدنا جدًا.
أبدى معتصم اهتمامًا صادقًا وهو يرد:
ـــ فكرة ممتازة. عندك حد في بالك؟
كانت هذه الفرصة التي انتظرها أدهم، فمال بجسده قليلاً للأمام وكأنه يهمس بسرٍ ما:
ـــ صاحبك اللي كلمتني عنه امبارح في الحفلة… إيه رأيك تقنعه يشاركنا؟ مجال السياحة هيخلي مشروعنا أقوى.
قطب معتصم حاجبيه للحظة:
ـــ تقصد مروان؟
ـــ بالضبط… نفسي أتعرف عليه شخصيًا… ألارا قالت إنه متميز جدًا في شغله، وبتعتبره نموذجًا يحتذى به.
بدا على وجه معتصم شيء من الدهشة، ثم قال بعد تفكير قصير:
ـــ هي قالتلك كده؟ غريبة… كنت فاكر إنها مالهاش في جو الشغل ده!
استغل أدهم هذه اللحظة، مستفسرًا بنبرة تبدو غير رسمية لكنها تفيض فضولاً:
ـــ ليه؟
رد معتصم بعفوية:
ـــ من كلامي معاها حسيت إنها هادية جدًا، بتحب القراءة أكتر.
ارتعش قلب أدهم عند الكلمة. القراءة… ذكرى ندى استيقظت فجأة، لكن رغم اضطرابه الداخلي، حافظ على هدوء مظهره وقال:
ـــ بصراحة، ألارا لفتت نظري. مختلفة… وحابب أتعرف عليها أكتر.
لم يخفَ على معتصم المغزى في كلامه، فرد بابتسامة مليئة بالمكر:
ـــ أخدت بالي.
ثم استرسل وكأنه يختبره:
ـــ لكن… القلب ممكن يحب تاني حتى لو كان متيم بحب الأولاني؟
تجمدت ملامح أدهم للحظة، لكن سرعان ما استعاد هدوءه وقال بنبرة متزنة:
ـــ ساعات القلب بيدق لما يقابل نسخة تانية من روح حبيبه، رغم اختلاف الشكل والطباع. وبعدين، ندى لو كانت موجودة، استحالة أي بنت غيرها تلفت نظري.
هز معتصم رأسه وكأنه يتفق معه تمامًا، لكنه أردف بلهجة تخفي مقارنة مبطنة:
ـــ معاك حق. عشان كده، مفيش أي بنت قدرت تلفت نظري طول ما ريم موجودة.
أدهم لم يعجبه ذلك. نبرة معتصم كانت تحمل شيئًا من التحدي أو الحنين الذي لا يريد الخوض فيه. غابت عن ملامحه الابتسامة، وحل محلها الجدية. قال بنبرة صارمة:
ـــ معتصم، يا ريت تطلع ريم من حساباتك. ريم مرت بتجربة فاشلة، ومش هتعيدها تاني.
تبدلت ملامح معتصم سريعًا، وظهر عليه القلق أو ربما الأمل وهو يسأل بصوت منخفض:
ـــ تقصد إنها اتطلقت؟
تردد أدهم للحظة، ثم قال بنبرة مختصرة وهو ينهض من كرسيه:
ـــ أنا مضطر أمشي دلوقتي. هستنى ردك على الشراكة قريب.
نهض معتصم خلفه، وكأنه لا يريد تركه يغادر دون إجابة واضحة. ناداه بصوت ملح:
ـــ استنى يا أدهم! ما قولتليش ريم موقفها إيه دلوقتي من جوزها؟
التفت أدهم إليه، نظرة حادة في عينيه جعلت معتصم يتراجع قليلاً، قبل أن يقول بحدة:
ـــ دي حاجة متخصكش… وطلع ريم من دماغك!
خرج أدهم بخطوات واثقة، تاركًا معتصم غارقًا في دوامة من التساؤلات. لكن الأخير لم يصمت، بل قال بصوت مليء بالتصميم:
ـــ لو كنت قدرت تطلع ندى من قلبك، كنت أنا كمان قدرت أطلع ريم.
توقفت خطوات أدهم عند الباب لثوانٍ، لكنه لم يلتفت. أكمل طريقه تاركًا كلماته الأخيرة تتردد في الأجواء كنبضات عنيدة.
***
لم يفكر معتصم كثيرًا في عرض أدهم.. فقد رأى أن شراكته ستفتح له الباب بينه وبين ريم خاصة بعدما فهم أنها قد تكون انفصلت عن زوجها.. ولكن ماذا عن ابنتها؟!.. لا يهم فهو على أتم استعداد أن يكون أبًا لها.
اتصل بمروان واتفق معه على موعد مساءًا بمنزل عمه بمصر الجديدة.
في المساء استضاف مروان معتصم بحديقة المنزل التي كانت مجهزة على أعلى مستوى لاستقبال الضيوف.
فيما انشغل مروان بتقليب كوب قهوته، بينما كان معتصم يراقبه بنظرة مركزة، مستجمعًا أفكاره حول الموضوع الذي يود طرحه.
ابتسم معتصم أخيرًا وقال:
ـــ أنت عارف يا مروان، فكرت كتير الفترة اللي فاتت في فرص التعاون اللي ممكن تجمعنا… الحقيقة، في شركة لفتت انتباهي جدًا، وأعتقد إنها ممكن تضيف لنا كتير لو دخلنا في شراكة معاها.
رفع مروان عينيه بتساؤل:
ـــ شركة مين؟
أجاب معتصم بنبرة واثقة:
ـــ شركة أدهم للأمن… صاحبها أدهم كان معرفة قديمة وهو صاحب حفلة امبارح.. الراجل عنده خبرة طويلة في الأمن وعمليات الحماية الخاصة، واللي بيقدمه حاليًا مختلف تمامًا عن المنافسين في السوق.
ظهرت على وجه مروان علامات الاهتمام، لكنه طرح سؤاله بحذر:
ـــ أدهم؟ الاسم ده سمعته أكتر من مرة… هو مش كان ظابط شرطة قبل كده؟
أومأ معتصم برأسه:
ـــ بالضبط… كان في العمليات الخاصة لفترة طويلة، وبعدين سوى معاش مبكر وقرر يفتح الشركة دي… أنا عارفه كويس، كفاءته مش محل شك، لكن التعامل معاه محتاج فهم لشخصيته.
توقف للحظة، ثم أضاف:
ـــ بصراحة، أدهم مش مجرد شريك أعمال… هو عنده ماضي معقد وتجارب أثرت على شخصيته… من بعد وفاة مراته، اتغير كتير، وانعزل لفترة.
تردد مروان للحظة قبل أن يسأل:
ـــ وهو دلوقتي؟… أقصد، مرتبط بشغل معين أو ممكن يبقى فيه فرصة لتعاون جديد؟
فكر معتصم قليلاً قبل أن يجيب:
ـــ أعتقد إنه جاهز لخطوة جديدة… شركته بدأت تتوسع، وهو مهتم بدخول مجالات مختلفة، بما فيها السياحة… لو توصلنا معاه لاتفاق، ده هيفيدنا كتير.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجه مروان وهو يقول:
ـــ فكرة مثيرة للاهتمام… بس أكيد الدخول في شراكة مع حد زي أدهم هيكون له شروطه.
ضحك معتصم وقال:
ـــ طبعًا… أدهم مش سهل، لكنه شخص محترف جدًا. وأنا واثق إنه هيشوف المنفعة المتبادلة لو عرضنا عليه الموضوع بطريقة مناسبة.
نظر مروان إلى الأزهار من حوله، وكأنما يفكر في الخطوة المقبلة، ثم قال بهدوء:
ـــ خليني أفكر وأرتب أوراقي… لو فعلاً الشراكة مع أدهم هتضيف لينا، أنا مستعد.
ابتسم معتصم، وكأنه ينتظر هذه الإجابة تحديدًا، ثم قال بنبرة مطمئنة:
ـــ مش هتندم… الخطوة دي ممكن تفتح لينا أبواب كتير.
***
قتربت ألارا بهدوء، خطواتها الخفيفة بالكاد تُسمع على العشب. ألقت التحية بصوت ناعم، وجلست قبالة معتصم بعد أن استأذنت.
ألارا:
ـــ مساء الخير، أرجو ألا أكون قد قاطعت حديثًا مهمًا.
ابتسم معتصم بلطف وقال:
ـــ أبدًا… أنا طلبت أقابل مروان عشان نتكلم عن أفكار جديدة، وأكيد رأيك هيكون مهم.
نظرت ألارا نحو مروان بابتسامة خفيفة وقالت:
ـــ بصراحة، كنت بتكلم مع مروان قبل كده عن فكرة إنّي أحب أتعلم وأشتغل في مجال السياحة… سمعت منه عنك حاجات كتير حلوة، ومتحمسة أستفيد من خبرتك.
رفع مروان حاجبيه باندهاش، متسائلاً:
ـــ السياحة؟..لا لا.. مجال مش بسيط، وبيبقى فيه منافسة شديدة… وانتِ معندكيش أي خبرة فيه.
هزّت ألارا رأسها بابتسامة متحمسة:
ـــ ما عنديش خبرة كبيرة، لكن عندي شغف إني أتعلم وأبني مستقبلي في المجال ده… وأعتقد إني ممكن أضيف حاجة جديدة بأسلوبي.
معتصم، وهو ينظر إلى مروان بنبرة تشجيع:
ـــ وأنا شايف إن وجود ألارا معانا هيكون إضافة قوية… عندها طموح كبير، وممكن تعمل دور مميز، خصوصًا إنها عندها نظرة مختلفة بتناسب السوق الجديد اللي إحنا بندخله.
فكر مروان للحظة، ثم قال بنبرة متأنية:
ـــ طيب، لو فعلاً ناوية تتعلمي وتكوني جزء من الفريق، محتاجين نبدأ بخطة واضحة… في حاجات كتير ممكن تضيفيها، بس لازم يكون في تدريب.
ألارا، بابتسامة واثقة:
ـــ أنا مستعدة لأي حاجة… عارفة إن البداية مش سهلة، لكن متأكدة إنها هتكون ممتعة ومليانة بالتحديات.
نظر مروان نحو معتصم، الذي أومأ برأسه مؤيدًا:
ـــ صدقني، ألارا مش مجرد وجه جديد. هتشوف إنها ممكن تكون عنصر فعّال في أي مشروع تشارك فيه.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه مروان وقال:
ـــ طيب، خلينا نبدأ خطوة بخطوة… وأنا هنا مش بس عشان أعلّم، عايز أشوف شغف حقيقي وإبداع.
حين أنهى معتصم مقابلته بمروان اتصل بأدهم يخبره بقبول عرضه واستعداد مروان للشراكة وتنسيق مقابلة معه للاتفاق على الأساسيات. ودَّ أدهم لو يسأله عن ألارا وحضورها من عدمه.. ولكنّه تراجع في اللحظة الأخيرة.. عليه أن يتمهل، فإن لم تحضر فحتماً سيجد طريقة أخرى لمقابلتها مجدداً طالما معتصم هو الوسيط بينهما.
***
قاعة الاجتماعات كانت تغمرها هالة من الجدية، مع ضوء النهار يتسلل عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة، وانعكاس المدينة يظهر في الخلفية.
بمجرد أن دلف قاعة الاجتماعات بشركته ورأى ألارا تجلس بمقعد على الطاولة تنهد بارتياح بالغ وحاول كبت ابتسامته الفرحة بصعوبة.
جلس أدهم عند رأس الطاولة، مظهرًا هدوءًا وتماسكًا. كانت عيناه تراقبان ألارا بين الحين والآخر، وكأنما يحاول فك شيفرة ملامحها التي تُعيد إلى ذهنه شبح ندى، زوجته الراحلة.
بدأ معتصم الحديث بابتسامة متحمسة مُظهراً مبادرته هو للشراكة وليس أدهم:
ـــ أدهم، بشكرك على استجابتك السريعة للدعوة… كنت متأكد إنك هتكون الشخص المثالي للشراكة دي.
رد أدهم بصوت هادئ ولكن حازم:
ـــ العفو يا معتصم… أي مشروع فيه مصلحة للجميع يستحق الدراسة… أنا هنا عشان أسمع رؤيتكم.
تحدث مروان مباشرة، محاولًا توضيح النقاط الرئيسية:
ـــ فكرتنا تعتمد على الدمج بين خبراتنا في السياحة وبين خدماتكم الأمنية المميزة. السوق دلوقتي محتاج حلول مبتكرة تحمي السياح وتوفر لهم تجربة مريحة وآمنة.
أدهم، بنظرة ثاقبة نحو مروان:
ـــ الفكرة ممتازة، لكن أي شراكة بتحتاج توازن دقيق. عشان نضمن النجاح، لازم نحدد أدوار واضحة ونبدأ بمشروع تجريبي نقدر نقيس نتايجه.
قبل أن يرد مروان، تدخلت ألارا بصوت خجول لكنه واثق:
ـــ لو تسمح لي، أعتقد إننا نقدر نضيف قيمة كبيرة بتقديم خدمات مخصصة، زي خطط الأمان الشخصي للسياح ومتابعتهم عبر تقنيات حديثة. ده هيخلي التجربة مختلفة تمامًا.
نقل أدهم نظراته نحوها، وعيناه تمعنان النظر في تفاصيل وجهها، حركة يديها، وحتى الطريقة التي تلتقط بها أنفاسها بين الجمل. شعور ثقيل غمره، وكأن روحه تهفو إلى كشف السر وراء هذا الشبه الغريب.
قال بصوت منخفض يحمل نبرة اهتمام:
ـــ أفكارك حلوة… واضح إنك بتدرسي التفاصيل كويس… هل عندك خبرة في المجال الأمني؟
ابتسمت ألارا بحرج:
ـــ لا.. بس بحب الاطلاع وبعتبر نفسي متحمسة لتعلم كل جديد، خاصة في المجالات اللي بتهمني.
واصل أدهم حديثه دون أن يحيد نظره عنها:
ـــ الحماس مهم، لكن التخطيط والتدريب بيعملوا الفارق… لو بدأنا بالمشروع التجريبي، هنحتاج أشخاص زيك يقدموا رؤية جديدة، بس لازم يكونوا جاهزين للعمل الميداني.
شعر معتصم بأن أدهم يركز على ألارا أكثر مما هو معتاد، فحاول كسر الأجواء:
ـــ أدهم، ألارا إضافة قوية لأي فريق. إحنا شايفين إنها بتقدر تجمع بين الحماس والأفكار المبتكرة.
رد أدهم بنبرة أعمق:
ـــ أنا ما عنديش شك في ده… بس خليني أوضح حاجة… الشراكات اللي بتنجح هي اللي بتتبني على ثقة كاملة بين الأطراف… عشان كده محتاجين شفافية مطلقة من البداية.
نظر مروان نحو ألارا مشجعًا، ثم قال:
ـــ متفق معاك تمامًا… وأعتقد إننا كلنا هنا بنسعى لنفس الهدف.
نهض أدهم قليلاً من مقعده، وعيناه لم تفارق ألارا:
ـــ كويس… خلونا نحدد الخطوات الأولى للمشروع، وبعدين نتفق على الأدوار والمهام.
غادر الجميع الاجتماع متفقين على بداية قوية، لكن ألارا شعرت بثقل نظرات أدهم التي بدت وكأنها تبحث عن شيء أعمق مما هو ظاهر.
أما أدهم، فخرج وعقله مثقل بالأسئلة… من هي ألارا؟ ولماذا تبدو وكأنها ظل حيٌّ من ماضيه؟
***
غادروا جميعًا على أن يتم البدء في إجراءات الشراكة واتخاذ طابق من شركة أدهم كمقر للشركة الجديدة.
وبما أنه تم الاتفاق على أن ألارا ستنوب عن مروان في حال سفره للبحر الأحمر، اقترح أدهم بتخصيص مكتب لها حتى تتمكن من التركيز أكثر على الجزء الخاص بأفكارها ومقترحاتها ومواصلة الاجتماعات لحين إتمام التفاصيل.
***
في لقاء آخر سبق ترتيبه في شركة أدهم.
أدهم يدخل إلى قاعة الاجتماعات لمتابعة الاتفاقيات المتعلقة بالعمل. عند وصوله للمرة الثانية يرى ألارا بين الحضور، ويشعر بشيء غريب بداخله بمجرد أن تقع عيناه عليها.
رغم أنه يحاول الحفاظ على برودته، إلا أن ملامح وجهه لا تخفى عليها شيئًا، فهي تستطيع أن تلمح الاهتمام غير المعلن في عينيه.
الجلسة كانت رسمية لكنها لا تخلو من الألفة بين الحضور. مع بداية الحديث، يبدأ أدهم في متابعة حركة ألارا بصمت، بينما كانت هي تشرح لهم بعض التفاصيل المتعلقة بالخطة الجديدة.
ألارا، بابتسامة هادئة:
“إحنا محتاجين تحديد الجدول الزمني لكل مرحلة في المشروع، لأن التنفيذ في الوقت المحدد هو مفتاح النجاح هنا.”
أدهم، بنظرة مُركّزة:
“تمام. نقدر نبدأ من الأسبوع الجاي. هتكون هناك بعض التعديلات البسيطة لكن مش هتأثر على الخطة الرئيسية.”
بينما كان أدهم يتحدث مع معتصم، كانت نظراته تتنقل إلى ألارا بشكل غير مباشر، ولكن بطريقة لم تخلُ من الاهتمام.
كانت عيونه تتابع كل حركة تقوم بها، وتراقب تعابير وجهها وكأنها تعني له أكثر مما يُحتمل.
في لحظة، أدار رأسه فجأة ليلتقي بعينيها، فأصابته نظرتها الهادئة، لكنه سرعان ما تراجع ليخفف من التوتر الذي شعر به.
مروان، الذي كان يراقب المشهد عن كثب، شعر بشيء من الغيرة يطفو على سطح مشاعره. رغم أن ألارا لا تعير أدهم أي اهتمام غير ما هو متوقع من شريكة عمل، إلا أن مروان لا يستطيع أن يتجاهل نظرات أدهم الموجهة إليها، ويشعر بشيء من الانزعاج من الطريقة التي يتعامل بها معها.
مروان، بتهكم خفيف، وهو يلتفت إلى معتصم:
“واضح إن عندكم خطط كبيرة… بس المهم، لازم نحرص على إنه كل واحد يعرف دوره تمامًا… وإلا هنتخبط في التفاصيل.”
معتصم، الذي لاحظ التوتر بين مروان وأدهم، تجاهل تعليقاته وانتقل إلى الحديث عن تفاصيل أخرى تتعلق بالشركة والعمل.
معتصم، وهو يحاول تهدئة الأجواء:
“الهدف الأساسي هو التنسيق بين الجميع. كل واحد فينا عنده دور كبير في نجاح المشروع ده.”
أدهم، وهو ينظر مرة أخرى إلى ألارا بينما تواصل حديثها مع معتصم:
“موافق تمامًا. المهم هو التنسيق، وده اللي هنركز عليه في المرحلة الجاية.”
مروان، في داخله، بدأ يشعر بمشاعر متضاربة. رغم أن ألارا لا تظهر أي اهتمام، إلا أن هذه النظرات المتبادلة بين أدهم وبينها تثير فيه الغيرة. كان يعرف أن في هذه الأجواء قد تنشأ علاقات غير متوقعة.
بينما كان الجميع في الحديث، كانت اللمسات الصغيرة من التوتر تتسرب بين نظرات أدهم ومروان تجاه ألارا، وهو ما سيشكل بداية لصدامات لاحقة.
***
قاعة الاجتماعات كانت تغرق في صمت ما بعد النقاش، عندما غادرت ألارا نحو استراحة قريبة. كانت تشعر بارتباك يثقل صدرها دون سبب واضح. لم يمر وقت طويل حتى لحق بها مروان، ملامحه متوترة وعيناه تحملان أسئلة لم تُطرح بعد.
مروان (وقد جلس أمامها مباشرة):
“مش باين عليكي مرتاحة النهاردة، في حاجة شاغلاك؟”
ألارا (بتحفظ):
“لا، يمكن تعبت شوية… الاجتماع كان تقيل.”
مروان (بصوت ينضح بغيرة خفية):
“ولا تقيل ولا حاجة… هو أدهم اللي مريحكيش؟”
ألارا (بتوتر واضح):
“إيه الكلام ده؟ أدهم كان بيتكلم في الشغل عادي.”
مروان (بحدة مكتومة):
“الشغل؟ بصراحة، أنا مش شايف إن نظراته ليكي كانت مجرد شغل.”
ألارا (وقد بدت متفاجئة):
“إيه اللي بتقوله ده؟ يمكن إنت فاهم غلط، كلنا كنا مركزين في المشروع.”
مروان (وهو يقترب قليلاً):
” ألارا أنا مش غبي… أدهم مركز معاكي بطريقة… مش طبيعية. وأنا بصراحة، مش فاهم إيه اللي بيحصل.”
ألارا (محاولة قطع الحديث):
“مروان، أنا شايفة إنك مكبر الموضوع… كل حاجة واضحة، ما فيش أي حاجة خارج الشغل.”
مروان (بتنهيدة طويلة):
“أتمنى إنك تكوني صح… بس بصراحة، أنا حاسس إن أدهم عنده حاجة تانية في دماغه.”
***
في تلك الأثناء، كان أدهم قد عاد إلى مكتبه، محاولًا تحليل مشاعره الغامضة تجاه ألارا. في كل مرة يراها، يتجدد داخله إحساس لم يعرفه منذ سنوات، وكأن شيئًا مفقودًا يُبعث من جديد.
لاحقًا، عندما اجتمع الثلاثة مجددًا في غرفة الاجتماعات لمراجعة تفاصيل المشروع، كان مروان أكثر يقظة. لاحظ كيف كانت نظرات أدهم تتسلل بين الكلمات لتتوقف عند ألارا، وكيف أن الأخيرة بدأت تشعر بهذا الثقل في الهواء.
أدهم (متحدثًا بينما ينظر نحو ألارا):
“لو هنبدأ بالمشروع التجريبي، محتاجين حد يراقب التنفيذ عن قرب، حد فاهم التفاصيل وعنده رؤية شاملة.”
مروان (متدخلًا بسرعة وبنبرة غير معتادة):
“وأكيد دي مهمة فريقنا بالكامل، مش فرد واحد.”
أدهم (بهدوء مريب):
“طبعًا… بس في بعض المواقف، بتكون القرارات الفردية أسرع.”
لم يكن النقاش الذي تلا ذلك مجرد كلمات عن العمل، بل كان ساحة لتبادل غير مرئي بين الثلاثة. مروان، الذي بدأ يشعر أن أدهم يمثل خطرًا على مكانه، وأدهم، الذي بدا وكأنه يكتشف في ألارا شيئًا لم يتوقعه، وألارا، التي باتت تدرك أن هذا التوتر ليس مجرد خيال في عقلها.
ألارا (في داخلها):
“لماذا أشعر أن هناك ما يختبئ خلف كلماته؟ وما سر هذا الارتباك الذي يحيطني كلما نظر إلي؟”
يتبع…
رواية مهمة زواج الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم دعاء فؤاد
في اليوم التالي، قرر أدهم أن يخطو خطوة إضافية في خطته للتقرب من ألارا، ولكن بطريقة مدروسة. اتصل بمعتصم ليقترح لقاءً جماعيًا صغيرًا مع مروان وألارا. أدرك معتصم نية أدهم لكنه لم يعلق، ووافق على اللقاء ببرود.
مكان اللقاء: مقهى راقٍ في وسط المدينة.
عندما وصلت ألارا برفقة مروان، كان أدهم يجلس بالفعل، يرتشف قهوته ببطء، وبدا عليه الارتياح. استقبلهم بابتسامة ودية، ثم وقف لتحيتهم.
"أهلًا أهلًا.. أهو القعدة دي كنت محتاجها من زمان… مكان هادي وصحبة كويسة."
جلست ألارا بجانب مروان، مترددة قليلًا، لكنها حاولت أن تبقي الأمور طبيعية، بينما كان معتصم يجلس بجوار أدهم.
أدهم فتح الحوار بحديث عام عن الأعمال، مما جعل الجو يبدو أقل توترًا.
بعد قليل، اقترح بنبرة مرحة:
"طب بما إننا في جو استرخاء، إيه رأيكم نلعب لعبة صغيرة؟ كل واحد يقول حاجة عن نفسه محدش يعرفها."
مروان ضحك وقال:
"هو ده وقت ألعاب يا أدهم؟… بس تمام، أنا أول واحد… حلم حياتي زمان كان أكون طيار، مش رجل أعمال."
الضحكات ملأت المكان، فالتفت أدهم إلى ألارا قائلًا:
"وأنتِ؟.. لازم حاجة محدش يعرفها."
ترددت ألارا، ثم قالت بابتسامة خفيفة:
"يمكن ده هيبقى غريب، بس دايمًا كان نفسي أتعلم ركوب الخيل، عمري ما جربت."
أدهم رفع حاجبه باهتمام:
"ركوب الخيل؟ يبقى لازم نحقق الأمنية دي قريب."
معتصم تدخل بنبرة هادئة لكن حازمة:
"ركوب الخيل مش سهل، وبيحتاج تدريب طويل. مش أي حد ممكن يجيده."
أدهم رد بابتسامة واسعة:
"مفيش مستحيل مع شوية إرادة، صح؟"
بعد نهاية اللقاء، تقدم أدهم بخطوة إضافية. طلب الحديث مع ألارا على انفراد عند مدخل المقهى بحجة تقديم الشكر لها على حضورها.
"ألارا، كنت حابب أقولك إن وجودك في القعدة كان له طابع خاص… أتمنى ما يكونش آخر مرة نتجمع فيها."
ردت بابتسامة خفيفة:
"بالعكس، القعدة كانت لطيفة… شكرًا على الدعوة."
تراجع أدهم خطوة للخلف، ثم قال بنبرة جادة:
"على فكرة، لو فكرتي بجد في ركوب الخيل، أنا أعرف مكان ممتاز ممكن نجرب فيه."
ألارا نظرت إليه بتردد، لكنها لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى وجهها:
"هفكر."
بينما غادرت مع مروان الذي كان يستشيط من الغضب، وقف أدهم يراقبها، يضع خططًا أخرى في ذهنه.
كان يعلم أن الأمر يحتاج إلى صبر، لكنه كان مستعدًا لخوض هذا التحدي.
اثناء عودتها في السيارة إلى المنزل، كان مروان يقود بعصبية حتى انفجر فيها بغضب:
"أنا شايف إن أدهم تخطى حدوده معاكي وأنتي عاجبك اللي بيعمله.."
حاولت أن تبدو هادئة بعدما استشعرت غيرته التي تزعجها وقالت:
"عادي يعني يا مروان.. أدهم أي نعم شخصية لطيفة بس هو بالنسبالي مجرد صديق.."
صاح بنبرة مستنكرة:
"نعم… صديق؟.. أنتو لحقتوا تبقوا أصدقاء؟!… أممم… وبمناسبة الصداقة دي بقى كان بيقولك إيه وأنتوا واقفين لوحدكم كدا؟!"
ردت بهدوء كعادتها:
"كان بيقولي إنه ممكن يعلمني ركوب الخيل.."
"دا على جثتي يا ألارا.."
اغتاظت كثيرًا من نبرته المتسلطة فردت عليه بانفعال:
"مروان أنت مش من حقك تمنعني.. بابا بس هو اللي يقدر يمنعني."
رد بنبرة متهكمة:
"طبعًا وأنتي متأكدة أن عمي مش هيعترض.. ماهو تربية أتراك هو كمان.."
توسعت عينيها بغضب بالغ وصرخت به بحدة:
"مروان احترم نفسك.. ميصحش تتكلم عن بابا بالطريقة دي.. وبعدين بابا مش هيعترض عشان واثق فيا وفي تصرفاتي."
ضغط على المقود بقوة وهو يحاول السيطرة على أعصابه التي أتلفها… يحبها ويتمنى أن تبادله الشعور… ولكنها تقاوم مشاعره بكل ما أوتيت من قوة.
صباح اليوم التالي بدأ العمل في المشروع الجديد على قدم وساق، فقد كان لكل ضلع من أضلاع المثلث أدهم، معتصم ومروان عمل محدد، بالإضافة إلى ألارا التي اعتبرها أدهم هي مركز المثلث والهدف الذي من أجله شارك في هذا المشروع.
بدأ أول يوم بإشراف أدهم على الخطط المقدمة من الأعضاء وبالطبع كانت ألارا هي وجهته الأولى.
في مكتب ألارا.
ألارا، وهي ترتب بعض الأوراق على مكتبها تفاجئت بطرق الباب ثم دلوف أدهم إليها، فرفعت رأسها نحوه تستقبله بابتسامة جميلة ذكرته في الحال بابتسامة ندى التي لا تختلف عنها بالمرة رغم تغير الهيئة العامة بسبب شعرها الطويل المنسدل على ظهرها وعينيها الخضراوتين.
"مستر أدهم… كويس إن حضرتك جيت… فكرت حضرتك ممكن تساعدني أكون رؤية أشمل عن المتطلبات التقنية للمشروع… الصراحة، بحس إن عندك خبرة أوسع مني بكتير في النقطة دي."
أدهم، بابتسامة خفيفة:
"أكيد… أنا متاح لو احتجتي أي مساعدة… المهم إن الفكرة تخرج بالشكل اللي يحقق كل أهدافنا."
ألارا، وهي ترفع رأسها لتنظر إليه بثقة:
"دا مش مجرد شغل بالنسبالي… دي فرصة أثبت فيها إن عندي الإمكانيات اللي تستحق إن الواحد يثق فيها."
أدهم، بنبرة محملة بالإعجاب:
"ثقتك في نفسك واضحة.. ودي نقطة قوتك… أعتقد إنك ممكن تحققي نجاح أكبر مما تتخيلي."
يدخل مروان إلى المكتب بعد طرق خفيف على الباب، مبتسمًا ابتسامة باهتة:
"يبدو إن الاجتماع هنا مستمر؟ أعتقد إني جيت في وقت مناسب."
ألارا، بمرح:
"مروان! كنت لسه بتكلم مع أدهم عن شوية تفاصيل مهمة للمشروع… حابب تسمع؟"
مروان، وهو يقترب ببطء، ناظرًا إلى أدهم:
"أكيد. دايمًا بحب أكون على اطلاع."
يجلس مروان على الكرسي المقابل، بينما يلاحظ تركيز أدهم على ألارا خلال الشرح… مع الوقت، تبدأ علامات الانزعاج الخفي بالظهور في ملامحه، ولكنه يحاول التظاهر باللامبالاة، مستخدمًا جانبية لجذب الانتباه لنفسه.
مروان، مقاطعًا أدهم بخفة:
"بالمناسبة، ألارا عندها أسلوب مميز في تقديم الأفكار… أعتقد إنها الأفضل في الفريق كله، مش كده؟"
أدهم، مبتسمًا:
"فعلًا… قدرتها على التعامل مع التفاصيل والإبداع بتخليها نقطة قوة في المشروع."
تلتقط ألارا كلماتهم بابتسامة خجولة دون أن تدرك التوتر الخفي.
بينما أدهم يبدو متماسكًا ولكنه ملاحظ لوجود مروان الذي يتظاهر بالمرح، إلا أن عينيه لا تخفيان شيئًا من الحذر.
يغادر أدهم المكتب بعد وعد بتقديم تقرير تقني مفصل، تاركًا خلفه شعورًا متناقضًا لدى مروان، الذي يبدأ بالتفكير بجدية في طبيعة علاقة ألارا وأدهم.
أما ألارا، فتشعر بالرضا عن اللقاء، دون أن تدرك التعقيدات التي بدأت تتراكم في أجواء الفريق.
كانت الشمس تودع الأفق، تلقي بأشعتها الأخيرة على الحديقة الصغيرة أمام المنزل. جلست ألارا مع والدها نديم على الشرفة، بينما كانت نسمة هواء خفيفة تداعب شعرها.
كان نديم يعد كوبين من الشاي بعناية، كعادته عندما يريد الحديث مع ابنته.
نظر إليها بحنو، ثم قال بابتسامة:
"إيه؟ شكلك مشغولة… من ساعة ما رجعتي من الشركة وأنا شايفك سرحانة… عايز أعرف إيه اللي حصل مع الراجل ده.. أدهم."
تنهدت ألارا، وكأنها تحاول انتقاء الكلمات:
"أدهم… مش عارفة يا بابا، إحساس غريب، كأني أعرفه من زمان… أول ما عيني جت في عينه، حسيت بحاجة… حاجة مش مفهومة… يعني، هو لطيف وشيك، وكل حاجة، بس… مش مجرد إعجاب عادي."
رفع نديم حاجبيه باهتمام، وهو يناولها كوب الشاي:
"إيه يعني؟ مش مجرد إعجاب؟ وضحي أكتر."
نظرت إلى الشاي للحظات، كأنها تخاطب نفسها أكثر من أبيها:
"مش عارفة أوضح.
حسيت إن في حاجة بيننا، كأن في قصة مش مكتملة… وفي نفس الوقت، طريقته في التعامل… بيهتم بيا بطريقة مختلفة، مش زي أي حد تاني.
ضحك نديم بخفة، ووضع يده على كتفها بحنو:
"بصي يا ألارا أنا عارفك كويس، وإحساسك ده دايمًا بيبقى في محله… بس خلي بالك، إحنا مش عايزين مشاكل جديدة مع مروان."
قطعت حديثه بحدة، لكن بصوت لم يخلُ من الحزن:
"مروان؟.. يا بابا أنا تعبت من الموضوع ده… مروان صديق كويس وفي نفس الوقت ابن عمي، وكل حاجة، بس مش أكتر… أنا عمري ما حبيته، وأنت عارف ده."
أومأ نديم برأسه، وقال بحكمة:
"عارف.. وعمري ما هضغط عليكي في حاجة… مروان ممكن يكون معجب بيكي… بس ده مش معناه إنك لازم تبادليه نفس الشعور… أنا بس خايف على قلبك، مش عايزك تتعلقي بأدهم أو أي حد تاني لو مفيش حاجة واضحة."
ابتسمت ألارا برقة، وكأنها تحاول طمأنته:
"عارفة يا بابا، وأنا هكون حذرة… بس ساعات… ساعات بحس إني محتاجة أسمع رأيك، محتاجة دعمك."
احتضن نديم يدها بحنان:
"طول عمري جنبك يا ألارا.. وكل قرار هتاخديه هكون داعم ليه، طالما فيه راحتك… وأنا واثق إنك هتختاري الصح."
رفعت عينيها نحوه بابتسامة ممتنة:
"شكرًا يا بابا… وجودك جنبي هو اللي بيخليني قوية."
جلسا معًا يتبادلان الحديث والذكريات، بينما كان الليل يغمر الأفق، تاركًا ألارا تفكر في مشاعرها المتضاربة، بين اهتمام أدهم ودعم أبيها الذي لا يتغير.
أخبرته قبل خلودها إلى النوم باقتراح أدهم تعليمها ركوب الخيل فرحب ولم يمانع بشرط أن تكون حذرة معه حول ما حدث لها بالماضي… فقد ولى الماضي بمره وانتهى..
وقفت مودة في شرفة منزلها، تتطلع إلى السماء الملبدة بالغيوم وكأنها تبحث عن إجابات في الفراغ الممتد أمامها.
الهواء البارد كان يلسع وجهها، لكنه لم يكن قادرًا على تهدئة النيران التي تشتعل في صدرها.
خلفها، وقف آسر بصمت، يحاول أن يجد الكلمات المناسبة ليمزق الجدار الذي أقامته بينهما.
وأخيرًا، استدار نحوها وقال بصوت منخفض، لكنه مليء بالرجاء.
آسر: "مودة… لو كل مرة أشوفك هتحاولي تبعدي عني، مش هتنجحي… أنا مش هسيبك."
مودة (تتظاهر بالتماسك): "آسر، ما تبقاش عنيد. إحنا عارفين إن اللي بيننا مستحيل."
آسر (يتقدم خطوة نحوها): "ليه؟ عشان ميري؟ عشان قلبها؟ طيب… إنتي سمعتيه، سمعتي قلبك قال إيه لما قربت منك؟"
مودة (تستدير فجأة، غاضبة):
"كفاية بقى! كل مرة بتجيب سيرة ميري بتفكرني إن اللي بينبض بحبك دا قلبها هي مش قلبي… وإنت عارف كويس إني مش هي… ولا هقدر أكون هي."
آسر (يقترب أكثر، بعينين ممتلئتين بالحزن):
"أنا عمري ما قلت إنك هي، ولا كنت عايزك تبقي هي. مودة… أنا بحبك إنتي… بقلبك اللي بينبض بالحياة حتى لو ما كانش ليكي.. وبروحك اللي حاولت تعيش رغم كل حاجة."
كلماته ضربت وترًا حساسًا بداخلها. شعرت بالضعف، لكنها كانت مصممة على أن تحافظ على المسافة بينهما. أغمضت عينيها للحظة، محاولة كبح الدموع التي تهدد بالظهور.
مودة (بصوت منخفض): "إنت عارف إن وجودك جنبي بيعذبني؟ إنت كل مرة بتفتكرني بيها… وأنا مش عايزة أكون ذكرى."
آسر (باندفاع): "إنتي مش ذكرى يا مودة! إنتي حياتي اللي بدأت من جديد بعد موت ميريهان… يمكن القدر جمعنا بطريقة صعبة، بس ده ما يلغيش حقيقة إننا بنحب بعض."
مودة (تنظر إليه، عيناها تلمعان بالدموع):
"حتى لو؟ حتى لو قدرت أحبك، هفضل دايمًا شايلة جوة قلبي جزء منها… وإنت شايف إن ده مش هيكون غلط؟"
آسر (يمسك بيدها بلطف):
"الغلط الوحيد هو إننا نهرب من اللي بيننا… القلب اللي في صدرك مش مجرد جزء من ماضيها، ده جزء من حياتك… وحياتك هي اللي تهمني."
ترددت مودة للحظة، وكأنها تفكر في كلماته بعمق. شعرت وكأن جدرانها تنهار تدريجيًا، لكن الخوف من المستقبل كان يشدها للخلف.
مودة (تسحب يدها برفق):
"آسر… اديني وقت. محتاجة أفهم نفسي الأول."
آسر (بنبرة مليئة بالحنان):
"مع إني حاسس إنك بترديهالي.. بس هستناكي.. بس ما تهربيش تاني… لو محتاجة وقت، أنا هنا… بس ما تسبنيش."
تركها آسر بعدها، مخلفًا وراءه موجة من المشاعر المتداخلة التي كانت تثقل صدرها. نظرت إلى السماء مرة أخرى، وهي تتساءل إن كان قلبها سيجد يومًا إجابة لهذا الصراع.
بعد مرور أسبوع على لقائهم في المقهى، خطط أدهم للخطوة التالية بطريقة تجعل ألارا تشعر براحة أكبر تجاهه.
قرر أن يدعوها إلى مزرعة خيول خاصة يمتلكها أحد أصدقائه، مستخدمًا شغفها بركوب الخيل كذريعة.
اتفقت مع أبيها على الذهاب بسيارتها الخاصة ومقابلة أدهم في المزرعة على أن يخفي أمر ذهابها إليه عن مروان حتى لا يزعجها.
تسللت خفية في الصباح الباكر قبل استيقاظ مروان الذي يقيم معها في نفس المنزل وانطلقت بسيارتها إلى موقع المزرعة الذي أرسله لها عبر الواتساب.
في صباح يوم مشمس، وصلت ألارا إلى المزرعة. كان أدهم ينتظرها عند البوابة، مرتديًا ملابس رياضية بسيطة، وبدا واثقًا ومسترخيًا، بينما هي ارتدت بنطال قطني أسود ولكنه مجسم وكنزة سوداء بأكمام طويلة وعكصت شعرها الأسود الطويل على شكل ذيل الحصان وانتعلت حذاء رياضي أسود اللون، فكانت أنيقة وجذابة للغاية.
شعر أدهم بقليل من الغيرة وكأن ندى هي التي ترتدي تلك الملابس… فإن كانت هي حقًا فلن تسمح لنفسها ولن يسمح لها بارتدائها خارج المنزل… فقط لو كان له الحق في أن يلومها على طريقة ملبسها!!!
استقبلها بابتسامة عريضة أخفى ضيقه خلفها:
"أهلًا بيكي.. نورتي المكان… جاهزة للتجربة؟"
ألارا نظرت حولها بدهشة طفولية، فالمناظر الطبيعية الخلابة ورائحة الأعشاب الطازجة أثارت بداخلها شعورًا بالسعادة:
"المكان جميل جدًا… مش مصدقة إني هنا."
بعد قليل، قدّم أدهم لألارا حصانًا بني اللون يدعى "نسيم"، وأصر على أن يساعدها بنفسه في تعلم الخطوات الأساسية.
بينما كانت ألارا تتعلم الإمساك باللجام، وقف خلفها بحذر لتوجيهها، لكنه شعر برعشة طفيفة عندما لمست يده يدها بالخطأ.
قال مازحًا:
"ما تخافيش، نسيم لطيف أكتر مني."
ألارا ضحكت بخفة:
"لو وقعت من عليه، هتتحمل المسؤولية."
بينما كانت ألارا تركب الحصان ببطء، تبعها أدهم سيرًا على الأقدام، يتحدث معها عن طفولته وشغفه بركوب الخيل. كانت هذه المرة الأولى التي تشعر فيها بأنه يتحدث بطريقة عفوية، دون تكلف.
قال فجأة:
"عارفة يا ألارا، أول مرة ركبت حصان كنت صغير جدًا، ووقعت… افتكرت إن الموضوع انتهى بالنسبة لي، بس كنت غلطان… الوقوع كان البداية."
نظرت إليه بفضول، وكأنها تحاول أن تفهم المغزى خلف كلامه:
"وأنا.. خايفة أبدأ وأفشل."
أدهم رد بابتسامة جادة:
"الحياة كلها مخاطرة… لو ما حاولتيش، هتفضلي واقفة مكانك."
عندما انتهت الجولة، جلسا في منطقة مخصصة للاستراحة.
أثناء الحديث، شعرت ألارا أن نظرات أدهم أصبحت أكثر جدية. التفت أدهم نحوها وقال بصوت منخفض:
"ألارا… أنا شايف فيكي حاجة مختلفة، حاجة… بتخليني عايز أعرفك أكتر."
تجمدت للحظة، محاولة استيعاب كلماته. شعرت بمزيج من التوتر والارتباك، لكنها ردت بهدوء:
"شكرًا… بس يمكن إحنا لسه في بداية التعارف."
ابتسم أدهم، ولم يضغط عليها أكثر:
"معاكي حق. كل حاجة في وقتها."
في المساء، وبعد يوم طويل من الإثارة في المزرعة، جلست ألارا في غرفتها بهدوء.
أطفأت الأنوار وفتحت النافذة لتتنفس الهواء الليلي المنعش. ضوء القمر كان ينساب بهدوء على السرير، وكأنه يدعوها للتفكير بصوت مرتفع.
همست لنفسها:
"ليه يا ترى كنت مرتاحة كده معاه؟! يمكن عشان طريقته مختلفة؟!"
"أدهم مش زي حد تاني قابلته... في حاجة فيه... حاجة بتشدني ليه."
تذكرت اللحظة التي ساعدها فيها على ركوب الحصان، كيف شعرت بالأمان وهي بين يديه، وكيف استطاع أن يجعلها تضحك رغم قلقها.
ابتسمت بخفة وهي تضيف:
"أنا اتخضيت لما حسيت بلمسة إيده... غريب... كل حاجة فيه غريبة... بس غريبة وحلوة!"
لكن فجأة، قطعت أفكارها وهي تمسك وسادتها وتضمها إليها وكأنها تخاف أن تواجه الحقيقة:
"بس... مش ممكن... إحنا مجرد أصدقاء، أو حتى أقل من كده... ما ينفعش أفكر بالطريقة دي. مروان أصلًا هيعمل إيه لو عرف؟"
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت تتناول الإفطار مع والدها، قررت أن تفتح الموضوع بطريقة غير مباشرة.
قالت بابتسامة خفيفة وبصوت هامس حتى لا يسمعها مروان إذا ما أتى من خلفها:
"بابا أنا اتبسطت أوي في المزرعة مع أدهم إمبارح."
رفع نديم حاجبيه باهتمام، ثم قال وهو يمسك بفنجان قهوته:
"بجد؟! وأخبار التدريب إيه؟ اتعلمتي حاجة؟"
هزت رأسها بحماس:
"أيوه، جدًا! المكان كان رائع، وأدهم طلع بيعرف حاجات كتير عن الخيل... ما توقعتش إنه يبقى بالمهارة دي."
ابتسم نديم بخبث خفيف، وكأنه يقرأ ما يدور في ذهنها:
"واضح إنه مش بس بيعرف عن الخيل... هو واضح إنه بيعرف ياخد بالك كمان."
ضحكت ألارا، لكنها حاولت أن تخفي حيرتها:
"بابا! لا، الموضوع مش كده... إحنا مجرد زملاء وبس."
رد نديم وهو ينظر إليها بحنان:
"ألارا... مش لازم تنكري اللي بتحسيه، حتى لو لسه مش واضح قدامك... خدي وقتك، بس كوني صريحة مع نفسك... وأهم حاجة، مروان ملوش حق يتدخل."
تنهدت بارتياح وهي تبتسم بحالمية، فقد كانت تنتظر هذا الكلام من أبيها الذي دائمًا يوجهها وتعتمد رأيه في كل شيء.
بعد لقائه بها في المزرعة وتأمله لها في كل حركاتها التي تشبه ندى في كل تفصيلة، انتابه فضول أكبر للتعرف على أبيها... ترى من يكون؟! وإن كانت ألارا هي نفسها ندى فمن أين ظهر لها هذا الأب؟!
تضاربت أفكاره ورأى أنه من الأفضل مقابلة هذا الرجل الغامض وكشف السر حول علاقته بجنيته التي عادت له من الموت.
حصل على رقم هاتف نديم من معتصم والذي كان هو سبب معرفته بألارا... فرغم علاقتهما المتوترة في الماضي إلا أنه يشعر نحوه بالامتنان أن عرفه عليها... وكأنه أعاد إليه روحه من جديد.
اتصل بنديم وعرفه بنفسه وطلب مقابلته في أحد المقاهي الراقية لزيادة القرب بينهما بعد الشراكة الجديدة، ونديم لم يمانع... بل كان أكثر منه فضولًا للتعرف عليه.
جلس أدهم في المقهى الفخم، منتظرًا وصول نديم. كان المكان يعج بالهدوء، إلا أن داخله كان يعج بالتساؤلات والتخمينات.
عندما دخل نديم، وقف أدهم بابتسامة ترحيب مدروسة، مصافحًا الرجل الذي يحمل بعض الأجوبة التي يبحث عنها.
نديم بابتسامة ودودة:
"متشكر على دعوتك يا أستاذ أدهم... الحقيقة استغربت شوية لما طلبت تقابلني."
أدهم وهو يعدل ربطة عنقه:
"الشكر ليك يا أستاذ نديم... الحقيقة، حبيت أتعرف أكتر عليك بما إنك والد ألارا... والظاهر إننا بقينا زملاء في مشاريعنا."
جلس نديم بهدوء، وعيناه تراقبان أدهم بدقة، وكأنه يحاول قراءة ما خلف ابتسامته اللطيفة.
أدهم وهو يمسك فنجان القهوة:
"بصراحة... ألارا شخصية مميزة جدًا... طريقتها في التعامل وأسلوبها في الشغل... كأنها شخص متعود يكون في القمة... ده يخليني أتساءل، إيه السر؟! هي اتعلمت فين؟"
نديم بابتسامة خفيفة، وهو يختار كلماته بعناية:
"ألارا مجتهدة جدًا، ودايمًا بتحب تكون قد التحدي... التعليم في تركيا كان له دور كبير في تشكيل شخصيتها."
أدهم وهو يرفع حاجبه قليلًا:
"تركيا؟ يا ترى حياتها هناك كانت مستقرة؟ يعني، بيتهيأ لي بلد زي دي بيكون ليه تأثير كبير على أي حد."
نديم وهو يميل للأمام قليلًا، محافظًا على نبرته الهادئة:
"أكيد... لكن ألارا مش بتحب تتكلم كتير عن الماضي. بتحب تركز على اللي قدامها."
شعر أدهم بأن الإجابة كانت متوقعة ولكنها زادت من شكوكه. قرر تغيير مجرى الحديث بذكاء.
أدهم بابتسامة أكثر ودودًا:
"هي فعلًا عندها طبع خاص... ساعات بحس إن في حاجة في طريقتها بتفكرني بناس عرفتهم زمان."
نديم بتوتر بسيط، ولكنه أخفاه بسرعة:
"ممكن... الناس أحيانًا بيلاقوا تشابهات غريبة."
ابتسم أدهم دون أن يضغط أكثر، مغيرًا الحديث إلى مواضيع العمل. لكن داخله، كان متأكدًا أن هناك المزيد ليعرفه، وأن نديم يخفي شيئًا كبيرًا.
بعد انتهاء اللقاء، وقف أدهم عند باب المقهى، يشاهد نديم وهو يغادر. اتخذ قرارًا داخليًا بمواصلة لقاءاته مع الرجل، وفي كل مرة، سيطرح الأسئلة بطرق مختلفة... حتى يصل إلى الحقيقة.
عاد نديم إلى المنزل، محاولًا الحفاظ على مظهره الهادئ المعتاد، لكنه لم يستطع إخفاء فضوله المتزايد حول أدهم. وجد ألارا في غرفة الجلوس، منشغلة بجهازها اللوحي، وكأنها غارقة في عملها، لكن ملامحها كانت تحمل شرودًا خفيفًا.
نديم وهو يضع معطفه جانبًا ويتجه نحوها:
"مساء الخير يا ألارا، مشغولة كالعادة؟"
ألارا ترفع عينيها وتبتسم قليلًا:
"مساء الخير، زي ما أنت شايف. الشغل ما بيخلصش."
جلس نديم مقابلها، يضع يديه على الطاولة وكأنه يمهد لحديث أعمق.
نديم بنبرة فضولية:
"بالمناسبة، قابلت أدهم النهاردة... عزمني على قهوة."
توقفت ألارا للحظة عن الكتابة على جهازها، ثم عادت لتظاهر الانشغال، محاولة كتم مشاعرها.
ألارا بنبرة محايدة:
"قابلت أدهم؟ ليه؟"
نديم بابتسامة خفيفة، وهو يحاول قراءة تعابير وجهها:
"بيتهيأ لي مهتم يعرف أكتر عن شريكته في الشغل... وعن والدها كمان. الحقيقة، لفت نظري إنه بيتكلم عنك كتير."
رفعت ألارا نظرها إلى والدها بتوتر خفيف:
"عني؟ وبيقول إيه؟"
نديم وهو يتراجع في مقعده:
"بيسأل عن شخصيتك، طفولتك، وحتى عن تركيا. بصراحة كنت مستغرب. الراجل عنده اهتمام كبير بيكي."
ارتبكت ألارا، لكن حاولت السيطرة على تعابيرها، فقالت بصوت خافت:
"يمكن لأنه بنشتغل سوا... طبيعي يبقى فيه اهتمام."
نديم وهو يراقبها بحذر:
"يمكن... لكن حسيته مهتم أكتر من اللازم... إنتي متأكدة إن ما فيش حاجة تانية؟"
ألارا بنبرة دفاعية لكنها تخفي ارتباكها:
"إيه اللي ممكن يكون؟ أنا وأدهم مجرد شركاء في العمل، ومفيش حاجة تانية."
أومأ نديم برأسه، لكنه لم يقتنع تمامًا بإجابتها. شعر بأن هناك شيئًا بين ابنته وأدهم لم تبح به بعد.
نديم وهو ينهض بتأنٍ:
"طيب... بس خلي بالك، أدهم راجل ذكي، ولو في حاجة مش واضحة، هيعرفها بسهولة... ما تتعلقيش بأي حاجة ممكن تجرحك في النهاية."
نظرت ألارا إلى والدها وكأن كلماته لمست جرحًا عميقًا بداخلها، لكنها لم ترد، واكتفت بالصمت.
خرج نديم من الغرفة، تاركًا ألارا تغرق في أفكارها المتشابكة بين أدهم وما يحاول اكتشافه، وبين والدها وما يخفيه من حقائق عنها.
عاد نديم ليجلس أمام ألارا مرة أخرى بعد لحظة من التفكير.
بدا وكأنه يحاول اختيار كلماته بعناية، قبل أن يتحدث بنبرة مليئة بالجدية.
نديم وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:
"بصي يا ألارا، في حاجة لازم تبقي فاهمتها كويس... اللي فات ما كانش سهل، وكونك عديتي المرحلة دي بأمان، ده نعمة كبيرة... لكن ما ينفعش أي حد يعرف تفاصيل حياتك، خصوصًا أدهم أو غيره... ماضيكي يخصك لوحدك."
رفعت ألارا عينيها إليه بدهشة، وكأنها شعرت بشيء ثقيل في كلماته.
ألارا بتوتر:
"لكن... هو ما يعرفش حاجة عن الماضي... أنا ما قلتش له حاجة."
نديم بابتسامة باهتة:
"عشان كده بقولك خلي بالك... في ناس بتعرف اللي عايزاه حتى لو ما حدش قالهم... وأدهم مش شخص عادي، ده راجل ذكي، وفضوله أكبر من الطبيعي."
ألارا وهي تخفض بصرها:
"أنا مش فاهمة... ليه بتحذرني كده؟"
نديم بصوت خافت وكأنه يحاول طمأنتها:
"عشان ما تتهوريش. خليكي مركزة في شغلك، وابني حياتك بعيد عن أي أسئلة عن اللي حصل زمان."
كانت ألارا على وشك أن تسأله عن السبب وراء هذا التحذير، لكنه وقف فجأة وكأنه يريد إنهاء النقاش.
نديم وهو يتجه إلى باب الغرفة:
"بس خلي كلامي في بالك... أحيانًا التفاصيل الصغيرة ممكن تغير كل حاجة."
خرج من الغرفة، تاركًا ألارا غارقة في أفكارها. الجملة الأخيرة تحديدًا أثارت بداخلها قلقًا خفيًا، وكأنها كانت إشارة لشيء لم تفهمه بعد.
رواية مهمة زواج الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم دعاء فؤاد
اتصل أدهم بنديم في محاولة للتقرب منه أكثر وبناء جسر من الثقة معه. اقترح عليه أن يقوم بجولة مع ألارا في أحد المعارض الفنية بحجة عدم استكشافها للجمال المصري بعد عودتها من تركيا. رغم فهم نديم لمحاولات تقربه من ألارا، إلا أنه وافق، ربما ليفهم أغوار ذلك الأدهم يومًا ما.
كان المساء يلف المكان بهدوء يليق بمعرض فني يزخر بجمال كلاسيكي ونبض حديث. وقف أدهم خارج الباب الزجاجي، مرتديًا بذلة بسيطة أنيقة، يعكس مظهره مزيجًا من الثقة والرغبة في التعمق. حين وصلت ألارا، بابتسامتها الحذرة وملابسها التي جمعت بين البساطة والرقي، لم يتمكن من كبح شعور مألوف بالانجذاب، كأنها تحمل قطعة مفقودة من أحجية قديمة.
دخلا المعرض معًا، واللوحات تحيط بهما وكأنها شهود صامتة على حديث يدور على مستويات عدة. أدهم، بنظرته التي تزن التفاصيل، بدأ يتحدث عن الفن، لكنه كان يختبر ردود فعل ألارا، يبحث عن لمحة غير مقصودة، عن تلميح لحقيقة يريد كشفها.
أدهم (يشير إلى لوحة لرجل واقف وسط بحر من الألوان الداكنة):
“شايفة اللوحة دي؟ حسيتها بتتكلم عن حد كان تايه في الضلمة، وفجأة شاف نور بعيد.”
ألارا (تنظر بتأمل، تضع يدها تحت ذقنها):
“يمكن… بس ساعات النور ده ما يكونش حقيقي. مجرد وهم.”
أدهم (بنبرة دافئة):
“ولو الوهم ده قادك لحاجة حقيقية؟ ساعات الوهم بيكون بداية الطريق.”
ألارا (تتنهد):
“ممكن… بس في ناس ما بتعرفش تمشي في الطريق، حتى لو لقوا النور.”
وقفا للحظة أمام لوحة تظهر امرأة تقف في مهب الريح، شعرها يتطاير وعيناها مليئتان بالحيرة. تأمل أدهم تفاصيلها، ثم قال:
أدهم (مبتسمًا بخفة):
“اللوحة دي فكرتني بموقف شفته في حياتي… حد كان قدام تحدي كبير، وقرر يواجهه.”
ألارا (تستدير إليه):
“والموقف ده انتهى بإيه؟”
أدهم (ينظر إليها مباشرة):
“ما خلصش لسه.”
شعرت ألارا بثقل كلماته، وكأنها تحمل رسالة خفية، لكنها حاولت الهروب من هذا العمق. انتقلت بخطوات هادئة إلى ركن آخر من المعرض، لكنها شعرت بأدهم يتبعها بخطواته الثابتة.
ألارا (بلهجة مازحة لتخفيف الجو):
“إنت دايمًا كده؟ بتحلل كل حاجة قدامك؟”
أدهم (يضحك):
“مش كل حاجة… بس الحاجات اللي تستاهل.”
ابتسمت، لكنها شعرت بشيء يشتعل داخلها. كان حديثه يحمل أبعادًا لم تكن تريد مواجهتها، وكأنها أمام مرآة تعكس مشاعرها المختلطة.
وبينما وقفا أمام منحوتة لرجل يحمل طفلًا صغيرًا، نظر إليها أدهم مرة أخرى، لكن هذه المرة بنظرة أكثر جدية.
أدهم (بصوت منخفض):
“عارفة، أحيانًا القدر بيخلينا نعيد اكتشاف حاجات كنا فاكرين إنها ضاعت للأبد.”
ألارا (ترد بخفوت):
“بس المشكلة لما تكون الحاجة دي مش ليك من الأول.”
نظر إليها مطولًا، لكنها حولت نظرها بعيدًا، وكأنها تهرب من مواجهة ما بداخلها. قررت أن تنهي الحديث بلباقة.
ألارا (تبتسم بلطف):
“شكراً على الدعوة، المعرض جميل. بس لازم أمشي دلوقتي.”
ابتعدت بخطوات واثقة، لكنها كانت تشعر بثقل نظراته تطاردها حتى خرجت من الباب.
بينما كانت ألارا تغادر المعرض، خطواتها مترددة وكأنها تراجع قرارها في الابتعاد، لاحظ أدهم ذلك ولم يتمكن من تركها ترحل دون أن يحاول استغلال اللحظة أكثر. أسرع بخطواته خلفها، وصوته الخافت يقطع المسافة بينهما.
أدهم (بنبرة ودودة):
“استني، إزاي هتمشي كده لوحدك؟ لازم أوصلك.”
ألارا (تلتفت مبتسمة بارتباك):
“مفيش داعي… البيت قريب.”
أدهم (بثقة):
“أقرب بالعربية… يلا، مش هناقش في دي.”
بعد تردد بسيط، وافقت ألارا على مرافقته. ركبت السيارة، وكانت أجواءها هادئة ومريحة، لكن الصمت بينهما كان مشحونًا بتوتر خفي.
أدهم (وهو ينظر إليها سريعًا):
“إيه أكتر حاجة عجبتك في المعرض؟”
ألارا (تفكر للحظة):
“اللوحة بتاعة البنت اللي في العاصفة… حاسة إنها كانت بتحارب لوحدها، بس عندها أمل.”
أدهم (يبتسم):
“غريب… دي أكتر لوحة أنا وقفت عندها برضه.”
تلاقت عيونهما للحظة قصيرة، لكنها كانت كافية ليشعر كل منهما بترابط غير منطوق.
أدهم (بابتسامة مازحة):
“بما إننا بنتفق على الفن، أعتقد إنك محتاجة دروس ركوب خيل أكتر، علشان نتفق على حاجة تانية.”
ألارا (تضحك بخفة):
“دروسك صعبة قوي، بس موافقة… المهم متأخرش عليا زي المرة اللي فاتت.”
أدهم (بجدية مخلوطة بمرح):
“الوعد وعد… بس المرة الجاية ما فيش اعتذارات منك لو وقعت.”
وصلت السيارة إلى وجهتها، لكنها لم تغادر على الفور. استدارت نحو أدهم وقالت بصوت خافت.
ألارا:
“شكرًا على الليلة دي… كانت مختلفة.”
أدهم (بصوت عميق):
“كل ليلة معاكي لازم تكون مختلفة.”
غادرت ألارا السيارة أخيرًا، لكن خطواتها كانت أبطأ، وكأنها لا تريد إنهاء اللحظة. ظل أدهم ينظر إليها حتى اختفت خلف باب منزلها، ثم استند برأسه إلى المقعد، وهو يتأمل في اللقاءات القادمة التي ستجمع بينهما.
***
كانت ليلة شتوية هادئة، صوت المطر بالخارج ينساب برقة، فيما كانت تيسير جالسة في غرفة المعيشة، تقلب صفحات ألبوم صور قديم. عيناها تتأملان ذكريات الماضي بحنين ممزوج بألم خفي.
فجأة، فتح الباب، ودخل أدهم بخطواته الثقيلة، ملابسه مبللة قليلاً من المطر، ووجهه يحمل آثار إرهاق واضح.
توقفت تيسير عن تقليب الألبوم، رفعت عينيها نحو ابنها الذي بدا وكأن شيئًا كبيرًا يثقل على عاتقه.
تيسير (بهدوء قلق):
“أدهم، تأخرت تاني؟ إيه الحكاية يا ابني؟”
أدهم (ينزع معطفه ويضعه على كرسي قريب):
“مفيش يا أمي، شوية شغل.”
تيسير (بنبرة أكثر جدية):
“شغل إيه اللي بيخليك تفضل برة لآخر الليل؟ بقالي أسبوع مش بشوفك إلا لمحة… إيه اللي وراك؟”
أدهم توقف عن الحركة، وكأن كلماتها أصابته في مقتل. حاول أن يظهر هادئًا، لكنه كان يعلم أن أمه ترى ما خلف كلماته.
أدهم (بتردد):
“بقولك شغل، إيه اللي مخليكي فاكرة إن في حاجة تانية؟”
تيسير (تضع الألبوم جانبًا وتقترب منه):
“أنا أمك يا أدهم، وعارفة كل حاجة عنك. مش محتاجة تفسير علشان أفهم إنك بتدور على حاجة شبه اللي فقدتها. بس يا ابني… ندى راحت، ومهما شفت حد يشبهها، ده مش هيعيد اللي كان.”
رفع أدهم عينيه نحوها، تلك الكلمات كانت بمثابة سهم أصاب ألمه الداخلي. لكنه أبى أن يُظهر ضعفًا.
أدهم (يحاول تهدئة الأمور):
“يا أمي اللي بتقوليه غلط… أنا مش بدور على ندى، أنا بس… بحاول أكتشف الحقيقة.”
تيسير (تضع يدها على كتفه):
“حقيقة إيه؟ مش كل حاجة محتاجة تكتشفها يا أدهم. أحيانًا الحقيقة بتكون وجع، والوجع ده مش هيفيدك في حاجة.”
أدهم (بهدوء وصرامة):
“لو كانت الحقيقة قريبة مني، مستحيل أسيبها تضيع… أنا مش متهور، بس عندي حق إني أعرف.”
تيسير جلست على الأريكة بهدوء، نظراتها مليئة بحزن عميق.
تيسير:
“أنا عارفة إن قلبك مشغول، وإنك شايف أمل في كل خطوة بتاخدها، لكن اسمعني كويس… لو الطريق اللي ماشي فيه ده هيرجعك للوجع، فكر مرتين.”
أدهم (يجلس بجانبها):
“مش هعرف أرتاح إلا لما أعرف الحقيقة كاملة… وعد مني، لو حسيت إن ده هيكسرني… هرجع لك فورًا.”
تيسير (بصوت مرتجف):
“ربنا يهديك يا ابني. مش عايزاك تروح بعيد وتنسى نفسك.”
بعد لحظة صمت طويلة، نهض أدهم وابتسم لأمه ابتسامة خفيفة، ثم غادر إلى غرفته.
تيسير ظلت جالسة، تنظر إلى الألبوم مرة أخرى، عيناها تحملان خوفًا عميقًا على ابنها الذي كانت تعلم أنه يسير نحو طريق محفوف بالمخاطر، لكنه لن يستمع إلا لصوت قلبه.
***
انتهت ريم من عمل يوم شاق. وقبل أن توقف تاكسي للعودة إلى المنزل، فضلت أن تسترخي قليلاً في أحد الكافيهات القريبة من المشفى.
كان المقهى هادئًا في ذلك الوقت من النهار، أضواؤه الخافتة تنسجم مع رائحة القهوة الدافئة التي تملأ المكان.
معتصم جلس في زاوية قريبة من النافذة، عيناه تراقبان المطر الذي ينساب على الزجاج بخطوط غير منتظمة. في يده كوب قهوة لم يمسسه، وفي عينيه نظرة شاردة، وكأن عقله بعيد عن كل ما حوله.
لم يرفع رأسه حتى سمع صوت الباب يفتح وصوت خطوات تتردد على الأرضية الخشبية. دخلت ريم بخطوات مترددة، تتلفت حولها وكأنها تبحث عن شيء ما.
التقت عيناهما للحظة. نظرة قصيرة، لكنها أثارت داخله الكثير من المشاعر المخبأة. حاول أن يبدو غير متفاجئ، بينما شعرت هي بعدم ارتياح مفاجئ.
ريم اتجهت إلى الكاونتر، طلبت قهوتها بصوت خافت، ثم توجهت إلى طاولة بعيدة عن معتصم. لكنه، بعد لحظات من التردد، قرر أن يكسر الصمت بينهما.
معتصم (بصوت هادئ):
“ريم؟ صدفة غريبة.”
ريم (تنظر إليه بحذر):
“فعلاً، غريبة.”
أخذت نفسًا عميقًا وجلست على الطاولة التي أشار إليها، لكنها أبقت حقيبتها على كتفها، وكأنها تستعد للمغادرة في أي لحظة.
جلسا في صمت لبضع لحظات. ريم كانت تشعر بالتوتر، وكأن كل كلمة منه قد تفتح أبوابًا لا ترغب بفتحها. أما معتصم، فكان يحاول أن يبدو واثقًا، لكنه كان يراقب ملامحها بدقة، يحاول فهم ما يخبئه هذا الوجه الهادئ.
معتصم (يبتسم بحذر):
“ما توقعتش إني ممكن أشوفك هنا.”
ريم (بصوت ثابت):
“أنا برضو.”
نظرت إلى قهوتها، تتجنب عينيه.
معتصم:
“إزايك؟ أخبارك إيه؟”
ريم:
“الحمد لله، كله تمام.”
ثم نظرت إليه مباشرة، وأضافت بنبرة محايدة:
“وإنت؟”
معتصم (يحرك كوبه دون أن ينظر إليها):
“كويس… بحاول.”
ريم شعرت أن كلماته تحمل أكثر مما يقول. أرادت أن تبني جدارًا عاليًا بينهما، خاصة بعد تجربتها الأخيرة التي علمتها أن الحواجز ضرورية.
ريم (بجدية):
“زمان خلص يا معتصم… مفيش حاجة ممكن ترجع زي الأول.”
معتصم (يرفع عينيه نحوها):
“وأنا مش بحاول أرجع حاجة.”
ثم أضاف بنبرة أهدأ:
“أنا بس بحاول أكون طبيعي… صدفة زي دي، صعب نتجاهلها.”
ريم شعرت أن كلماته تقرع أبوابًا مغلقة داخلها. لكنها لم ترغب في السماح له بالاقتراب أكثر.
ريم (ببرود):
“أنا مش محتاجة أفتح أي أبواب مقفولة، ولا حتى أدور على إجابات.”
معتصم (ينظر إليها بصمت للحظة):
“وأنا مش هدور على أسئلة… لكن أوقات، الدنيا هي اللي بتقرر تاخدك لحاجة… مش إنت.”
شعرت ريم بثقل كلماته، لكنها حافظت على برودها. أنهت قهوتها بسرعة، وأخذت حقيبتها وهي تقف.
ريم:
“مش هطول… صدفة كانت غير متوقعة فعلاً.”
معتصم (بنبرة حاول أن يجعلها خفيفة):
“يمكن الصدف دي تتكرر.”
ريم (تبتسم بخفة، لكن عيناها تحملان معنى آخر):
“ما أظنش.”
غادرت ريم المكان بخطوات سريعة، تاركة معتصم في مواجهة صمته مرة أخرى. لم يكن اللقاء عابرًا بالنسبة له، بينما كانت هي مصممة على جعله كذلك.
***
عادت ريم إلى منزلها متأخرة بعض الشيء. خلعت معطفها ووضعته على الكرسي القريب، ثم جلست على الأريكة في غرفة المعيشة.
كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء خافت ينبعث من المصباح الجانبي. أخذت نفسًا عميقًا وهي تتذكر اللقاء القصير الذي جمعها بمعتصم.
رغم قصر اللحظات، إلا أن كلماته ونظراته أعادت لها مشاعر كانت تظن أنها قد انتهت تمامًا.
انتابها شعور غريب، خليط من الندم والخوف والحنين. لم تكن تريد أن تعيد فتح أبواب أغلقتها بإحكام بعد طلاقها من خالد.
في داخلها، كانت تدرك أن تكرار أخطاء الماضي هو ما تخشاه أكثر من أي شيء آخر.
بينما كانت غارقة في أفكارها، سمعت صوت خطوات خفيفة. التفتت لترى تيسير تقف عند الباب، ملامحها تحمل قلقًا واهتمامًا واضحًا.
تيسير (بنبرة هادئة):
“مالك يا ريم؟ رجعتي متأخرة والظاهر في حاجة شغلاكي.”
ريم (تحاول التهرب):
“مفيش يا ماما، كنت برة وبس… شوية شغل اتأخرت فيهم.”
تقدمت تيسير وجلست بجانبها، ثم وضعت يدها على كتفها برفق.
تيسير (بنبرة أمومية مشفقة):
“شغل إيه اللي يخليكي ترجعي بالشكل ده؟ أنا شايفة إنك مش مركزة خالص… في حاجة مزعلاكي؟”
ريم (تتنهد):
“لا، مفيش حاجة… يمكن بس تعبت شوية.”
نظرت إليها تيسير طويلاً قبل أن تقول:
تيسير:
“ريم، أنا عارفة إنك بتحاولي تبيني قوية ومش فارق معاكي، بس الوحدة بتكسر القلب مهما حاولتي تتجاهليها… وإنتي من ساعة اللي حصل، وأنا شايفة إنك بتبعدي عن الكل… الدنيا مش دايمًا ظالمة زي ما إحنا فاكرين.”
ريم (بصوت خافت):
“أنا مش ببعد يا ماما… أنا بس بحاول أحمي نفسي.”
تيسير:
“عارفة يا حبيبتي، بس الحماية الزايدة بتتحول لسجن… شوفي نفسك، حتى لما بتحاولي تبتسمي، عينك بتقول عكس كده.”
ريم شعرت بصدق كلمات تيسير… لم تكن تريد الاعتراف، لكنها تعلم أن والدتها على حق… محاولة بناء جدران عالية بينها وبين الآخرين جعلتها وحيدة أكثر مما يجب.
ريم (بعد لحظة من الصمت):
“أنا مش عايزة أعيش اللي فات يا ماما، مش عايزة أكرر نفس الغلط.”
تيسير:
“ومين قال إنك هتكرريه؟ مش كل الناس زي بعض.. بس إنتي محتاجة تفتحي باب صغير على الأقل، يمكن الحياة تلاقي طريقها ليكي.”
تيسير تركتها لتفكر في كلماتها، بينما استمرت ريم في الجلوس وحدها. اللقاء مع معتصم، وكلمات والدتها، كلاهما كانا كافيين لزرع بذور أفكار جديدة داخلها. لكنها لم تكن واثقة بعد إن كانت مستعدة للسماح لتلك البذور بالنمو.
***
أخبرت ألارا والدها بدعوة أدهم لها لاستكمال دروس ركوب الخيل فوافقها بلا تردد حين لمح في عينيها سعادة لم يراها من قبل.
أخبرته بأن يبقى هذا اللقاء سراً بينهما، فإن علم مروان حتماً لن يتردد في إفساد لقائها به.
كانت السماء صافية، والشمس تلقي دفئها على الحقول الخضراء. وقفت ألارا بجوار الحصان “نسيم”، تنظر إلى أدهم بابتسامة خجولة، بينما هو يتفحصها بنظرات هادئة تخفي خلفها عاصفة مشاعر لا تهدأ.
ــ “كنت فاكرة إن المرة اللي فاتت هتكون الأخيرة في دروس ركوب الخيل.” قالت ألارا وهي تحاول ربط الحزام على الحصان، لكن يدها المرتبكة أفشلت محاولتها.
اقترب أدهم بخطوات واثقة، أمسك بيديها برفق، ووجهها بلطف:
ــ “مش كفاية تتعلمي مرة واحدة… لازم تكرري المحاولة علشان تثبتي الخطوة… وأنا قلت لنفسي، ليه ما أديكيش فرصة تانية مع نسيم؟”
شعرت ألارا بحرارة يديه على يديها، فارتبكت قليلاً وحاولت التراجع، لكنه ظل ممسكًا بها، يوجّهها بتأنٍ، وكأنها ملكه.
ــ “ما تخافيش. ركوب الخيل مش بس حركة… لازم تحسي بالخيل… خليه يحس إنك واثقة.”
نظرت إليه وهي تهمس:
ــ “واثقة، بس أنت اللي مش مديني فرصة أتحرك لوحدي.”
ضحك أدهم، ابتعد خطوة صغيرة ليتيح لها الفرصة، لكنه بقي قريبًا بما يكفي ليشعر بأنفاسها.
بعد دقائق من التدريب، طلب منها الصعود على ظهر الحصان. كان يساعدها بحذر، لكن يديه امتدت أكثر مما يجب، وكأنهما تستندان على ذكريات قديمة.
ــ “متقلقيش، أنا هنا… لو حسيتي بأي خوف، أنا جنبك.”
بينما كانت تركب الحصان، شعر أدهم بشيء غريب يسيطر عليه. نظر إليها وهي تضحك بسعادة طفولية، وكأنها نسيت العالم بأكمله. لمح خصلات شعرها تتطاير مع الرياح، فاستدار قليلاً ليخفي ارتباكه.
ــ “عارفة، لما بشوفك كده، بحس إني…” صمت لثوانٍ قبل أن يكمل بصوت أكثر دفئًا:
ــ “بحس إني شايف حد أعرفه من زمان.”
ألقت عليه نظرة جانبية، وقالت مازحة:
ــ “ده غالبًا لأنك شفتني في الحلم.”
ابتسم ابتسامة شابتها بعض الحيرة، وأردف:
ــ “يمكن. أو يمكن لأني… مش عارف، بس وجودك مريح.”
في لحظة خاطفة، فقدت ألارا توازنها على الحصان، فاندفع أدهم للإمساك بها، احتضنها بقوة لتجنب سقوطها.
ــ “قولتلك متخافيش! أنا جنبك.”
نظرت إليه مندهشة، وكانت ملامحها قريبة جدًا من وجهه، وكأن الزمن توقف للحظة. ارتبكت، وابتعدت عنه قليلاً:
ــ “شكراً… يمكن كفاية ركوب خيل النهارده.”
أومأ برأسه، لكنه بقي يراقبها بينما تمشي بجوار الحصان. كان عقله يصرخ باسم ندى، بينما قلبه يحاول احتواء ألارا.
لم تستطع انهاء اللقاء بهذه السرعة فتراجعت لتركبه مجددا.
بعدما انتهت ألارا من ركوب الخيل، نزلت ببطء عن “نسيم”، مستندةً على يد أدهم دون أن تدرك أنها تمسك يده أكثر مما هو ضروري.
كانت أنفاسها متسارعة، مزيج من التعب والحماس، بينما ابتسامتها تعكس ارتياحها العميق.
أشار أدهم إلى مقعد خشبي تحت شجرة ظليلة:
ــ “تعالي نرتاح شوية، واضح إنك تعبتي.”
جلست ألارا وهي تحاول ترتيب شعرها الذي تفلت من ذيل الحصان بفعل الرياح:
ــ “متوقعتش إني هقدر أكمّل الجولة كلها… بس نسيم ده بجد رائع.”
جلس أدهم بجانبها، لكن بتأنٍ، وكأنه يحاول الحفاظ على مسافة، بينما كان في الحقيقة يعجز عن مقاومة رغبة الاقتراب منها. مد يده ليزيل قليلاً من الغبار عن كتفها، لكنها استدارت فجأة، لتلتقي عيناها بعينيه مباشرةً.
شعرت ألارا بارتباك بسيط، لكنها أخفت ذلك بابتسامة صغيرة:
ــ “إيه؟ في حاجة؟”
أدهم تنهد، محاولاً أن يبدو طبيعيًا:
ــ “كنتي فعلاً شجاعة النهارده… ما توقعتش إنك هتتعلمي بسرعة كده.”
ضحكت ألارا بخفة:
ــ “ده بفضل معلمي، شكلك شاطر مش بس في شغلك.”
صمت للحظة، وكأن أدهم يبحث عن الكلمات المناسبة. ثم قال بصوت منخفض، أقرب إلى نفسه منه إليها:
ــ “عارفة… ساعات بحس إنك… مش مجرد حد قابلته صدفة… كأنك… جزء من حياتي من زمان.”
نظرت إليه بتعجب، لكنها شعرت بشيء في داخله يجذبها. قالت بابتسامة خجولة:
ــ “ده شعور متبادل… حتى أنا ساعات بحس كده.”
اقترب قليلاً دون أن يدرك، صوته يحمل مزيجًا من الجرأة والحذر:
ــ “ممكن أكون بس بحاول أملا فراغ كبير جوايا، بس في وجودك… الحكاية بتكون مختلفة.”
شعرت ألارا بتسارع نبضاتها، لكنها اختارت أن تغير الموضوع لتخفيف التوتر:
ــ “طب هتعلمني أكتر عن ركوب الخيل ولا لأ؟ ولا هفضل مبتدئة كده؟”
ابتسم أدهم ابتسامة عريضة، محاولًا العودة إلى أجواء خفيفة:
ــ “أكيد هتتعلمي… بس بشرط، لازم تبقي دايمًا مستعدة للجولات الطويلة.”
نهضت وهي تمسك بيديها جوانب معطفها، ثم نظرت إليه بابتسامة تحدٍ:
ــ “مستعدة… بس المرة الجاية هتتعبني أكتر.”
وقف ليعيد الحصان إلى الإسطبل، لكنها بقيت مكانها للحظة، تتأمل ظهره وهو يبتعد. همست لنفسها:
ــ “إيه اللي بيحصل لي؟ ليه بحس بالأمان معاه بالطريقة دي؟”
أما أدهم، وهو يعيد “نسيم” إلى مكانه، فكان ذهنه عالقًا في كلماتها ونظراتها. كان قلبه يخفق بإيقاع لم يعهده منذ سنوات، وكأن روحه وجدت شيئًا كانت تفتقده دون أن تدري.
***
بعد استراحة قصيرة، قرر أدهم أن يزيد من حماس التجربة. أمسك بزمام حصان آخر كان بجوار الإسطبل، هذه المرة حصانًا رماديًا يُدعى “سراب”. اقترب من ألارا وهو يبتسم بخبث بسيط:
ــ “إيه رأيك نجرب سباق صغير؟ بس المرة دي هتكوني لوحدك على نسيم، وأنا على سراب.”
نظرت إليه بشك:
ــ “سباق؟ أنا لسه مبتدئة!”
رد بابتسامة واسعة:
ــ “مفيش مبتدئين هنا… لو خسرتي، الغدا عليكي.”
ضحكت ألارا بخفة وهي تمسك بلجام الحصان بحذر:
ــ “وأنا لو كسبت؟”
أجاب بثقة:
ــ “هديكي جولة حرة في المزرعة كلها، بس بشرط، لازم تتعلمي توجهي الحصان من غير مساعدة.”
ركبا الخيول ووقفا في خط بداية وهمي صنعه أدهم على الأرض بأحد العصي. قبل أن يعطي الإشارة للبدء، اقترب منها على حصانه وهمس بنبرة لم تستطع تفسيرها تمامًا:
ــ “عارفة يا ألارا… لو ركزتي بس على الطريق قدامك، هتوصلي بعيد جدًا.”
أجفلت للحظة، محاولة تجاهل دفء صوته الذي تسلل إليها دون استئذان.
بدأ السباق، ومع ضحكاتها المتقطعة بسبب الحماسة، كانت ألارا تشعر وكأنها تركض بلا قيود لأول مرة منذ فترة طويلة. لكن أدهم لم يترك لها مجالًا لتفوز بسهولة، متعمدًا زيادة سرعتها عن طريق استفزازها بعبارات مشجعة من بعيد:
ــ “يلا يا بطلة، كده هتخسري!”
عند نهاية السباق، سبقتها خطوات قليلة فقط، لكنه قفز من على حصانه بحركة سريعة، منتظرًا وصولها بابتسامة انتصار.
ــ “كنتي قريبة جدًا. برافو!”
ترجلت عن الحصان بصعوبة، لكن عيناها كانتا تلمعان بالحماس:
ــ “مش عارفة إزاي بتقدر تتحكم في الحصان بالشكل ده… واضح إني لسه عندي كتير أتعلمه.”
وقف بالقرب منها، ومال بجسده قليلاً وكأنه يحاول قراءتها، ثم قال بنبرة دافئة:
ــ “أنا موجود عشان أساعدك في كل خطوة… متقلقيش، هتكوني محترفة قريب.”
لكن المسافة بينهما هذه المرة كانت أقرب مما ينبغي. شعرت ألارا بأنفاسه قريبة منها، وكأنها تلمس شيئًا غريبًا، مألوفًا في الوقت نفسه. وقبل أن تتمكن من الابتعاد، رفع يده بلطف ليلتقط ورقة صغيرة عالقة في شعرها.
ــ “فيه حاجات صغيرة لازم تنتبهي ليها أكتر.”
شعرت بحرارة خفيفة على وجنتيها، لكنها أدارت وجهها لتخفيها. قالت، محاولة كسر لحظة التوتر:
ــ “شكراً. المرة الجاية أنا اللي هاكسب.”
ابتسم أدهم وهو يضع الورقة بين أصابعه:
ــ “أهو ده التحدي اللي مستنيه.”
وقفا هناك لدقائق، وسط صمت ممتد، لكنه كان يحمل في طياته الكثير مما لم يُقال.
***
بعد أن انتهوا من السباق، جلسا معًا في إحدى الزوايا الهادئة داخل المزرعة، حيث نصب أدهم مقعدين خشبيين تحت شجرة ضخمة. كان الهواء منعشًا، والأصوات الوحيدة حولهما هي حفيف الأشجار وصهيل الخيول من بعيد. أحضر أدهم كوبين من عصير الليمون ووضع أحدهما أمام ألارا.
ــ “بما إنك تعبتي النهارده، العصير ده مكافأة صغيرة.”
تناولت الكوب بابتسامة، متأملة المشهد حولها:
ــ “المكان هنا مريح جدًا. بتحس إنه بعيد عن الدنيا كلها.”
رد بنبرة مائلة بين المزاح والجدية:
ــ “وده اللي مخليكي ترجعي تاني؟ ولا عشان أنا مدرب ممتاز؟”
ضحكت، لكنها تظاهرت بالتفكير:
ــ “يمكن الاتنين.”
جلس قريبًا منها هذه المرة، أقرب مما كان في أي لقاء سابق. شعرها المتدلي من ذيل الحصان جذب انتباهه، لكنه حاول أن يبقى هادئًا:
ــ “أنتِ… بتحبي الأماكن الهادية اللي زي دي؟ ولا دايمًا مشغولة في شغلك وحياتك اليومية؟”
نظرت إليه، لكنها أحست بشيء غير معتاد في سؤاله، وكأنه يحاول أن يتعرف على ما خلف شخصيتها، أو ربما يبحث عن ماضٍ لا تعرف كيف تفسره.
ــ “بحب الهوا ده… بس حياتي فعلاً مشغولة. ساعات بحس إني محتاجة وقت أوقف فيه كل حاجة وأستريح.”
صمت للحظة، ثم قال بلطف:
ــ “كلنا بنحتاج وقت كده… المشكلة إننا ساعات بنفوت اللحظة دي… وأحيانًا نندم لما تضيع مننا.”
رفعت عينيها لتنظر إليه، وحاولت قراءة ما خلف كلماته. شيء ما فيه جعلها تشعر بأنها أمام شخص يحمل همومًا أكثر مما يظهر على السطح.
ــ “أنت بتحس بالندم على حاجة؟”
تجمد قليلًا، لكنه ابتسم، محاولا لتغيير الموضوع:
ــ “أنا جيت هنا عشان أتعلم أستمتع باللحظة… يمكن أنا و انتي نكون بنحاول نتعلم نفس الدرس.”
عندما انتهت من كوب العصير، وقف أدهم ومد يده إليها:
ــ “تعالي. فيه حاجة عايز أوريهالك.”
ترددت للحظة، لكنها استجابت. قادها إلى أحد الأحواض الصغيرة في طرف المزرعة، حيث كانت هناك نافورة ماء صغيرة محاطة بالورود. الجو هنا كان أكثر هدوءًا، وكأنهما دخلا عالمًا منفصلًا.
وقف خلفها بلطف، مشيرًا بيده إلى السماء التي بدأت تكتسي بألوان الغروب:
ــ “بصّي. ده أكتر وقت بحبه هنا… الغروب دايمًا بيحسسني إن في أمل جديد جاي مع بكرة.”
نظرت إلى السماء بألوانها الدافئة، لكنها شعرت بشيء آخر، أكثر دفئًا، ينبع من قربه. كانت هذه اللحظة مختلفة… شيء ما كان يتغير داخلها، لكنها لم تجرؤ على تسميته.
***
مع تلاشي وهج الغروب، أدار أدهم وجهه نحو ألارا، التي كانت عيناها مثبتتين على الأفق. الهواء البارد حمل شذى الزهور، لكنه أيضًا حمل رغبة دفينة بالكلام.
بهدوء، قال أدهم بصوت خفيض وكأنه يخشى كسر السكينة:
ــ “ألارا… ممكن أسألك سؤال شخصي؟”
نظرت إليه بحذر، لكنها هزت رأسها موافقة.
ــ “أكيد، اسأل.”
اقترب منها قليلاً، على نحو غير متعمد لكنه مقصود في الوقت ذاته، ليصبح على بعد خطوة واحدة فقط.
ــ انتي… مش بتحسي إن في حاجات جواكي بتتغير؟ يعني… حاجات ما كنتيش متوقعة تحسيها.”
أخذت نفسًا عميقًا، ولم تعرف كيف تجيب… كان هناك شيء في كلماته يوقظ بداخلها مشاعر لم تعهدها من قبل، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بها.
ــ “أحيانًا… بس… مش دايمًا التغيير بيكون حاجة وحشة.”
ابتسم بخفة، لكنه لم يتحرك. عينيه كانتا مركزتين عليها وكأنه يحاول قراءة شيء أعمق مما تقوله.
ــ “أنا شايف إنك شجاعة… مش أي حد بيعرف يتعامل مع التغيرات.”
نظرت إلى يده التي كانت قريبة جدًا من يدها، وتحركت دون وعي لتسحب يدها قليلًا إلى الوراء، لكن أدهم لاحظ ذلك. بخطوة جريئة، رفع يده ليلمس طرف شعرها المتدلي على كتفها.
ــ “دايمًا كنت بقول لنفسي… إن الحاجات الحلوة بتحتاج وقت عشان تتفهم.”
تجمدت للحظة، غير متأكدة مما يحدث. قلبها كان يخفق بعنف، لكنها حاولت الحفاظ على مظهر هادئ:
ــ “أدهم… أنت بتقول كلام غريب… في حاجة في بالك؟”
اقترب أكثر، لكن دون أن يتخطى حدودًا واضحة، وكأنه يختبر مياهًا باردة:
ــ “في حاجة بحسها كل ما أكون معاكي… حاجة بتقولي إنك مختلفة.”
هزت رأسها بابتسامة متوترة، محاولة إيقاف هذا التعمق المفاجئ:
ــ “يمكن علشان أنا بحب أكون نفسي، وما بحبش أتصنع.”
أدهم أخذ خطوة للوراء، وكأنه يدرك أنه يجب أن يتمهل. رفع يده معترفًا:
ــ “حقك. يمكن أكون استعجلت شوية. بس اللي أكيد… هو إن الوقت معاكي بيفرق معايا.”
تركها تنظر إليه بدهشة قبل أن يغير الموضوع فجأة:
ــ “يلا. عايز أوريك حاجة تانية في المزرعة. دي هتعجبك أكتر من الغروب.”
أمسك بزمام الحديث وكأنه يعطيها مساحة لتعيد ترتيب أفكارها. بالنسبة له، كان هذا اللقاء مختلفًا… خطوة أقرب نحو الحقيقة التي كان يشعر بها تجاهها، حتى لو لم تكن هي جاهزة لتلك الحقيقة بعد.
***
بعد أن قادها أدهم إلى زاوية جديدة في المزرعة، أشار إلى حظيرة صغيرة تعج بالصخب. كان هناك مهر صغير، بني اللون بعيون لامعة، يبدو كأنه يستعد للحياة خارج نطاق الحظيرة.
ــ “ده اللي كنت عايز أوريهولك. اسمه شهاب، لسه مولود من شهر. مش كتير ناس شافوه.”
اقتربت ألارا ببطء، وكأنها تخشى أن تزعج المهر الصغير. ابتسمت وهي تراقب حركاته المترددة:
ــ “شهاب؟ الاسم حلو. شكله لطيف قوي، بس واضح إنه شقي.”
ضحك أدهم، مستندًا إلى سور الحظيرة وهو يتأمل المهر:
ــ “آه، شقي جدًا. أول ما بدأ يمشي كان عايز يجري. بيفكرني بنفسي وأنا صغير.”
التفتت إليه، ورفعت حاجبها بتحدٍ مرح:
ــ “يعني كنت طفل شقي؟”
هز رأسه بابتسامة مليئة بالذكريات:
ــ “مش شقي… كنت مغامر. بحب أكتشف كل حاجة حواليَّ، حتى لو ده معناه إني أقع واتعور.”
نظرت إليه باهتمام، وكأنها تكتشف طبقة جديدة من شخصيته:
ــ “وأنا كنت العكس تمامًا… دايمًا كنت بخاف أجرب حاجات جديدة.”
مد يده نحوها فجأة، وكأنه يحثها على تجاوز مخاوفها القديمة:
ــ “طب جربي حاجة دلوقتي… تعالي امسكيه.”
نظرت إلى المهر بتردد، ثم إلى يده الممتدة. بعد لحظة من التفكير، ابتسمت بخجل ومدت يدها لتلمس رأس المهر. شعره الناعم جعلها تضحك بخفة.
ــ “مش مخيف زي ما كنت فاكرة.”
اقترب أدهم أكثر، وخفض صوته وكأنه يتحدث بسر:
ــ “أهو ده اللي كنت عايز أثبته… ساعات الخوف بيكون مجرد وهم.”
نظرت إليه للحظة طويلة، وكأنها تقرأ شيئًا عميقًا في عينيه. لكنها سريعًا ما حولت نظرها لتعود إلى المهر.
ــ “شكلك بتحب تبهر الناس.”
ــ “مش ببهرك… أنا بس بحب أشوفك مبتسمة.”
تجمدت للحظة عند كلماته. شعرت بأن حرارة كلماته تخترق هدوءها، لكنها رفضت الاستسلام. تراجعت خطوة إلى الوراء بحذر:
ــ “شكلك عايز تشغلني بحاجات علشان مافكرش كتير.”
أدهم ابتسم بخفة، مستشعرًا محاولتها للحفاظ على مسافة.
ــ “يمكن. بس لو ده يخليكِ تبقي مرتاحة أكتر، يبقى أنا كسبان.”
بينما كانت ألارا ما زالت تتأمل المهر، اقترب منها أدهم خطوة أخرى، وصوته هذه المرة كان أهدأ، أكثر دفئًا:
ــ “عارفة، شهاب ده مش بيحب أي حد يقرب له. بس شكله ارتاحلك.”
نظرت إليه، وابتسمت برقة:
ــ “يمكن لأنه حاسس إني زيه… لسه بخطو أول خطواتي.”
ــ “مش مجرد خطوات يا ألارا. دي خطوات ثابتة. كلنا في وقت معين بنحتاج نبني حياتنا من أول وجديد.”
كان صوته يحمل شيئًا أعمق مما بدا عليه… نظرت إليه بعينين متسائلتين، لكنها لم تسأل. بدلاً من ذلك، حركت يدها برفق على رأس المهر وقالت بهدوء:
ــ “يمكن شهاب كمان محتاج فرصة جديدة.”
أدهم أمال رأسه قليلاً، مستشعرًا معنى كلامها، ثم قال بابتسامة خفيفة:
ــ “شهاب محظوظ… لقي اللي يهتم بيه.”
رفعت نظرها إليه ببطء، وشعرت بشيء غير مألوف. كأن الكلمات التي قالها كانت موجهة لها، لا للمهر. حاولت التهرب من تأثير لحظتهما المشتركة، فتراجعت بخطوة وقالت:
ــ “شكله محتاج يهتم بنفسه كمان. مش كفاية إنه يعتمد على غيره.”
أدهم أدار رأسه قليلاً، وكأنه يقيم كلامها:
ــ “صحيح. بس برضه، حتى أقوى الخيول بتحتاج حد يوجهها.”
ألارا ترددت، لكنها لم ترد. شعرت بكلماته تلامس أعماقها، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بذلك.
مد أدهم يده مرة أخرى، وكأنه يريد أن يقودها خارج الحظيرة:
ــ “تعالي، فيه حاجة كمان عايز أوريهالك.”
تبعته بخطوات مترددة، بينما قلبها ينبض بشعور جديد لم تختبره من قبل. شيء بين التردد والانجذاب، بين الخوف والأمان.
***
عندما وصلا إلى منطقة مفتوحة في المزرعة، أشار إلى حصان أبيض جميل يقف بفخر تحت أشعة الشمس:
ــ “ده رمح. أنا عايزك تجرّبيه النهارده.”
ــ “رمح؟! شكله قوي جدًا. مش يمكن أوقع؟”
ــ “وإيه يعني لو وقعتي؟ أنا هكون جنبك. مش هسيبك.”
كلماته جعلتها تتوقف للحظة. كانت تعلم أنه يقصد الركوب، لكن وقع عبارته كان أعمق من ذلك بكثير. ارتبكت قليلًا، لكنها أخفت ذلك بابتسامة خفيفة:
ــ “طيب… نجرب ونشوف.”
بينما ساعدها أدهم على صعود الحصان، شعرت بيده تثبتها بحذر. نظراته كانت تتابعها، وكأنها تعني له أكثر مما يريد أن يعترف.
ــ “مستعدة؟”
ــ “مستعدة.”
انطلق رمح بخطوات هادئة، وأدهم يسير بجانبها، يتابع كل حركتها وكأنها محور اهتمامه الوحيد. كان هذا اليوم بداية لشيء أعمق مما يمكن لأي منهما أن يعترف به.
رواية مهمة زواج الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم دعاء فؤاد
عندما انتهيا من ركوب رمح، كان الغروب قد بدأ يلقي بظلاله البرتقالية على المزرعة.
طلبت ألارا العودة إلى منزلها، فوافق أدهم وأصر على توصيلها بسيارته.
كان الطريق هادئًا، لم تكن هناك كلمات كثيرة، فقط النظرات التي تحمل أشياءً غير مُعترف بها.
“عجبك اليوم؟” سأل أدهم وهو ينظر إلى الطريق أمامه.
“جداً… بس الحصان قوي، حسيت إني ممكن أقع.” قالت ألارا بابتسامة خجولة.
“وأنا قلتلك، طول ما أنا جنبك، مش هتقعي.” قال أدهم بنبرة دافئة.
وصلت السيارة أمام منزلها، وتوقفت.
ألارا مدت يدها لتفتح الباب، لكنها توقفت للحظة، وكأن هناك شيئًا يمنعها من المغادرة. نظرت إليه بشيء من الامتنان.
“شكراً يا أدهم. على كل حاجة.”
“محتاجين نكرر اليوم ده… فيه حاجات لسه ماشوفتيهاش في المزرعة.” قال أدهم بنبرة عميقة.
“ممكن… هنشوف.”
نزلت من السيارة بخطوات هادئة، لكن أدهم تبعها فجأة. ناداها بهدوء:
“ألارا.”
عندما نزلت ألارا من السيارة، خطت خطوتين فقط قبل أن تشعر بحركة خلفها. التفتت لتجد أدهم يقف هناك، نظراته مرتبكة، وعيناه تحملان شيئًا أثقل من الكلمات. بدا وكأنه يريد التحدث، لكن صوته خانه للحظة.
أما من ناحية أدهم، شعر بأن ندى أمامه تتركه يعود وحيدًا إلى المنزل بدونها… هل يعقل أن تتركه بعدما وجدها؟!
فجأة، خطا نحوها، وأحاطها بذراعيه يضمها إلى صدره بلا وعي منه كما لو أنه يحاول الإمساك بظل قد يتلاشى.
“متسبنيش… متسبنيش لوحدي.” قال أدهم وصوته يرتجف، وكأن الكلمات تتصارع داخله.
كانت كلماته تحمل أوجاعًا مخفية، وكأنها صرخة استغاثة لشخص آخر. ألارا شعرت بدفء حضنه يتسلل إلى أعماقها. كان هذا الحضن مألوفًا بشكل يثير الخوف، لكنها لم تستطع مقاومته. شيئًا ما بداخلها أخبرها أنها آمنة هنا، رغم كل ما قد يشير إلى العكس.
“أدهم….مالك؟” قالت ألارا بصوت خافت.
“متسبينيش تاني يا ندى” قال أدهم وكأنه يخاطب طيفًا.
للحظة، لم تنتبه ألارا للاسم الذي خرج من شفتيه. كان حضنه كالمخدر الذي يمنعها من التفكير. شعرت وكأنها تعود إلى مكان ما، مكان لم تعرفه أبدًا لكنه يبدو كأنه موطنها.
“غريبة اوي…حضنك…” قالت ألارا بصوت مشوش.
صمتت تحاول استيعاب كيف أن ضمته لها مألوفة ولم تشعر أبدًا بالغربة تجاهه.
“مش قادر أسيبك و ارجع البيت لوحدي.. أنا… أنا ماصدقت لقيتك” قال أدهم بحزن عميق.
يداه شدّت على كتفيها، وكأنهما ترفضان تركها. كان عقله يصارع بين الواقع والذكرى. ألارا بدأت تدرك شيئًا غريبًا في نبرة صوته، لكنه لم يكن شيئًا يمكنها فهمه الآن.
“متسبنيش، حتى لو كنتي وهم… خليني أصدق ولو للحظة.” قال أدهم بصوت مختنق.
توقفت ألارا عن المقاومة، وكأن شيئًا أقوى منها يسيطر على اللحظة. لكن قبل أن تدرك ما يحدث، أضاءت أضواء المنزل فجأة. التفت كلاهما ليروا مروان يقف على الشرفة، وجهه يشي بالغضب المكتوم.
لم تمضِ سوى ثوانٍ قليلة بعد إضاءة المنزل حتى كان مروان ينزل من الشرفة، خطواته سريعة وغاضبة. ملامحه لم تخفِ أي شيء من الصراع الداخلي الذي اشتعل بداخله.
أدهم، الذي استدار ليواجهه، بدا مستعدًا لأي شيء، رغم أنه لم يتخلَّ عن هدوئه الظاهري وكأنه استفاق للتو من حالة اللاوعي الذي انخرط فيها منذ ثوانٍ قليلة.
“إنت مين مفكر نفسك عشان تمسك بنت عمي كده؟! فاكر إنك لما تعلمها ركوب الخيل بقت ملكك؟!” قال مروان بعصبية شديدة.
“أنا مش محتاج أفكر نفسي حاجة… أنا ما عملتش حاجة غلط.” قال أدهم بنبرة هادئة لكنها حادة.
كانت كلمات أدهم كصب الزيت على النار. مروان اقترب منه بخطوات سريعة، وقبل أن يدرك أحد، كان يقف أمامه مباشرة، عينيه تحملان غضبًا جامحًا.
“ما عملتش حاجة غلط؟! حضنتها قدام بيتها! ده مش غلط؟!” قال مروان صارخًا.
“كنت عايز أقول لها حاجة، وكانت لحظة ما تخصش حد غيرنا.” قال أدهم متحديًا.
ألارا حاولت التدخل، صوتها المرتجف يحاول تهدئة الأجواء:
“مروان، كفاية! الموضوع مش كده!”
لكن مروان لم يسمعها، بل اندفع نحو أدهم، ودفعه بعنف في صدره. أدهم، رغم أنه كان يحاول التماسك، لم يملك سوى أن يرد. قبضته أمسكته من ياقة قميصه، ونظراته أصبحت أكثر حدة.
“أنا احترمتك، واحترمت بيتك، لكن واضح إنك ما تعرفش تتكلم غير بالدراع.” قال أدهم بحزم.
لم تمضِ سوى لحظات حتى تطورت الأمور إلى شجار جسدي. دفع مروان أدهم مرة أخرى، لكن هذه المرة رد أدهم بقبضة مشدودة نحو كتفه، مما أشعل المشهد أكثر.
ألارا صرخت في محاولة لوقفهما، لكنهما كانا في عالم آخر.
“كفاية!…انتو اتجننتو!” صاحت ألارا بصوت مذعور.
صوت نديم، الذي خرج من المنزل على عجل، اخترق التوتر:
“إيه اللي بيحصل هنا؟!”
هرع نحوهم، محاولًا الإمساك بمروان، الذي كان يحاول توجيه لكمة جديدة لأدهم. أمسك بنديم بقوة ليفصلهما، بينما أدهم تراجع قليلاً، محاولاً استعادة هدوئه.
“إنت اتجننت يا مروان؟ ده مش أسلوبك!” قال نديم بغضب مكبوت.
“هو اللي اتعدى حدوده! فاكر إن البيت دا مالهوش اهل؟!” قال مروان وهو يحاول التخلص من قبضة نديم.
“وإنت فاكر إنك بتدافع عنها؟ إنت اللي بتحرجها قدام الناس!” قال نديم بحزم.
مروان توقف للحظة، وكأن كلمات نديم أصابته في الصميم. أدار وجهه بعيدًا عنهم، بينما ألارا كانت تقف في الخلف، صامتة وصدمتها واضحة. أدهم، رغم جروحه الصغيرة، وقف بثبات، ثم قال بصوت خافت:
“أنا آسف لو كنت سببتلك إحراج… ما كانش قصدي.” نظر نحو ألارا.
أدار أدهم ظهره وابتعد نحو سيارته، بينما ظل نديم ينظر إلى مروان بعتاب واضح.
ألارا لم تتحرك، وكأن قدميها عالقتان في الأرض، بينما كلمات أدهم الأخيرة تكررت في ذهنها كصدى لا ينقطع.
كان مروان يجلس في مكتبه، أنفاسه لا تزال متسارعة بعد المشاجرة. عيناه تحدقان في هاتفه، وكأن التفكير في الخطوة القادمة يحرقه. لم يتردد كثيرًا قبل أن يضغط على زر الاتصال بمعتصم.
صوت معتصم عبر الهاتف: “مروان؟ مالك؟ صوتك غريب.”
“معتصم، لازم أشوفك دلوقتي. مش قادر أستنى.”
“في حاجة حصلت؟”
“أيوة، وأكتر مما تتخيل. هستناك في الكافيه اللي جنب البيت متتأخرش.”
بعد أقل من نصف ساعة، كان معتصم يجلس أمام مروان، الذي بدا وكأن الغضب والتوتر يلتهمانه.
“أدهم! الواد ده لازم يختفي من حياتنا ومن حياة ألارا.” قال مروان بصوت متوتر.
“إيه اللي حصل؟ كنت فاكركوا زي الإخوات!” قال معتصم متفاجئًا.
“إخوات إيه! الواد ده مش بيحب غير نفسه… طول الوقت بيدور حواليها. ألارا دي بتاعتي… أنا اللي بحبها، مش هو!” قال مروان، يضرب بقبضته على المكتب.
“طب اهدى شوية، واحكيلي اللي حصل بهدوء.” قال معتصم محاولًا تهدئته.
“شفته النهارده بيحضنها في الجنينة.. عيني شافته يا معتصم!… إزاي ده يحصل وأنا واقف؟!” قال مروان وهو يتحرك بكرسيه بعصبية.
“مروان، أنا فاهم إن ده ضايقك، بس ركز شوية. إحنا دلوقتي في نص مشروع استثمار ضخم. ماينفعش نفقد السيطرة.” قال معتصم بنبرة متحفظة.
“سيطرة؟ سيطرة إيه طول ما اللي اسمه أدهم دا موجود؟.. أنا مش قادر أتحمله يوم زيادة.” قال مروان بغضب.
“لو فكرت بعصبية وقررت فض الشراكة دلوقتي، الخسارة هتكون عليك أكتر من أي حد… التمويل اللي ضخته كله هيبقى في الهوا.. والمشروع هيقع قبل ما يجيب أي عائد.” قال معتصم بثبات.
“وإنت شايف إن المشروع ده هيعمل فرق كبير؟” قال مروان، وقد بدأت عيناه تلمع بفكرة.
“مش بس فرق… إحنا بنتكلم عن ملايين، نجاح المشروع ده هيخليك من أكبر المستثمرين.” قال معتصم بابتسامة واثقة.
كلمات معتصم كانت كافية لإشعال بريق الطمع في عيني مروان. جلس على كرسيه ببطء، وكأنه يعيد حساباته.
“يمكن عندك حق… هنركز على المشروع الأول… بس ألارا مش هتكون لأدهم..انت فاهم!!.” قال مروان بنبرة هادئة زائفة.
“القرارات الذكية بس هي اللي تفرق، فاهمني؟ خلينا ننهي المشروع وبعد كده كل واحد ياخد اللي هو عايزه.” قال معتصم بابتسامة خفيفة.
هز مروان رأسه بالموافقة، لكن عيناه لم تخفيا نواياه. بالنسبة له، المال كان وسيلة لتحقيق السيطرة، وألارا كانت الجائزة النهائية التي لن يسمح لأي أحد بمنافسته عليها.
كانت الطرقات هادئة نسبيًا، والليل يلقي بظلاله على المدينة. معتصم كان يقود سيارته عائدًا إلى منزله بعد الحديث المشحون مع مروان. عقله كان يغلي بالأفكار، وهو يحاول فكّ ألغاز تصرفات أدهم الأخيرة.
أشعل الراديو لمحاولة إلهاء نفسه، لكن أغنية عاطفية زادت من تدفق تساؤلاته. أطفأه بعصبية، ثم قبض على عجلة القيادة بقوة وهو يهمس لنفسه:
“إيه اللي بيحصل؟ أدهم مش من النوع اللي يلمس بنت من غير ما تكون مراته… إزاي حصل كده؟”
عقله عاد بسرعة إلى المشهد الذي رواه مروان؛ أدهم يحضن ألارا في الحديقة. صورهما تجسدت أمام عينيه للحظة.
كان يعرف أدهم من خلال حكايا ريم القديمة عنه، وكان دائمًا ما يعتبره مثالًا للرجل المتحفظ، الملتزم بمبادئه، والمبتعد عن التصرفات الطائشة.
همس لنفسه مرة أخرى، هذه المرة بصوت أكثر شكًا:
“دي حاجة مش مفهومة… إزاي؟ دا أدهم اللي كان بيحافظ على أخته مني بحجة إن ما ينفعش… طيب إيه اللي جد؟”
أوقف السيارة عند إشارة مرور، وعيناه تركزت على انعكاسه في المرآة. كان يشعر أنه يرى نفسه بشكل مختلف، ربما أقل يقينًا من أي وقت مضى. ضغط على المقود مجددًا وقال بتنهيدة عميقة:
“لو ده حب… ليه مش قادر يعترف و يتجوزها بدل ما يتعامل معاها زي المراهقين؟.. ولو مش حب… إيه اللي يخليه يتصرف كده؟”
أعاد تشغيل السيارة بعد أن فتحت الإشارة، لكنه قرر أن يواجه أدهم، بطريقة لا تصدمه ولا تكشف عن شكوكه.
عاد أدهم إلى المنزل بخطوات ثقيلة، مشحونًا بتوتر الشجار وذكريات اللحظة التي دفعته إلى احتضان ألارا. أغلق الباب خلفه بهدوء لكنه لم يستطع منع ضجيج أفكاره.
دلف إلى غرفته، ألقى معطفه على الكرسي، وجلس على طرف السرير، محدقًا في الفراغ.
أخرج هاتفه بتردد، وفتح ألبوم الصور. كانت هناك صورة لندى، ترتدي فستانًا أبيض بسيطًا، عيناها تبتسمان كما كان قلبها دائمًا. مرّر الصور واحدة تلو الأخرى، كل لقطة تعيد له لحظة عاشها معها. توقف عند صورة التقطها لها ذات صباح وهي ترتدي “الهوت شورت” والبادي بحمالاته الرفيعة.
تذكر خجلها حينها، وكيف كانت تحاول تغطية نفسها وهي تضحك.
نهض واتجه إلى دولابها. فتحه ببطء، ليجد ملابسها ما زالت معلقة، وكأنها ستعود لارتدائها في أي لحظة. لمس بلوزة ناعمة تخصها، ثم استنشق رائحتها التي ما زالت عالقة بها. أغلق عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا، وكأن ذلك يعيدها للحياة ولو للحظات.
لكن سرعان ما اجتاحت ذاكرته لحظة احتضانه لألارا. تذكر الدفء الذي شعر به في تلك اللحظة، وكيف تداخلت ملامحها مع صورة ندى في ذهنه.
“ماكنتش شايفها ألارا… كانت ندى هي اللي قدامي، حبيبتي… مراتي.. كان حضنها نفس الحضن اللي وحشني.” قال أدهم هامسًا لنفسه.
جلس مرة أخرى على السرير، يمسك رأسه بين يديه، يحاول فهم ما يحدث بداخله. بعد لحظات من الصمت، أمسك هاتفه واتصل بألارا.
“ألو، ألارا؟” قال أدهم بتردد.
“أيوة يا أدهم؟” قالت ألارا بصوت خافت.
“أنا… آسف… مش عارف إزاي أشرحلك اللي حصل النهارده… ماكانش المفروض يحصل كده.”
“أدهم.. مافيش داعي للاعتذار.. أنا…” توقفت ألارا للحظة وكأنها تخشى الإفصاح عما تشعر.
“مكنتش عايز أحرجك أو أجرحك.. اللي حصل كان غصب عني.. يمكن… يمكن عشان…” قال أدهم بصوت مليء بالعاطفة.
“عشان إيه يا أدهم؟” سألت ألارا بحذر.
“عشان بحس إنك مش مجرد حد عادي في حياتي… فيه حاجة جوايا… ماعرفش أوصفها، بس… بتشدني ليكي.” قال أدهم بتنهد.
“وأنا… حسيت بحاجة مختلفة النهارده… مش عارفة أشرحها، لكني مازعلتش منك يا أدهم… بالعكس.” قالت ألارا بصوت مرتعش.
صمت للحظة، وكأن كلاهما يخشى الاعتراف بما يدور في داخله. ثم أنهت ألارا المكالمة بهدوء:
“أدهم.. خلينا ناخد وقت نفهم اللي بيحصل بينّا.”
بعد لحظة من الصمت، أكمل أدهم حديثه بنبرة خافتة لكنها جادة:
“ألارا، مش عايز اللي حصل النهارده يأثر على اللي بينا… مش عايزك تحسي بأي إحراج لما نيجي نقابل بعض.”
“أكيد مش هيأثر يا أدهم… بس أنا محتاجة وقت أستوعب كل حاجة.” قالت ألارا بتردد.
“وإحنا هنفضل نتقابل… في المزرعة.. دروس ركوب الخيل هتفضل مستمرة، صح؟”
“طبعًا هتستمر. أنا ماكنتش عايزة أبطل.” قالت ألارا بتردد ثم بحسم.
“كويس… المزرعة من غيرك بتبقى ناقصة.” قال أدهم بابتسامة خفيفة تُسمع في صوته.
رغم خفوت كلماته، كانت نبرته تحمل وعدًا باستمرار التواصل، وكأن المزرعة أصبحت الرابط الذي يتيح لهما الاقتراب دون حرج. أدهم أغلق الهاتف أخيرًا، متخيلًا لقاءهما القادم، وعيناه ترتسم فيهما خليط من الندم والأمل.
—
في اليوم التالي:
جلس معتصم مع أدهم في مكتبه، يراقب صديقه الذي بدا منشغلًا بملفاته، لكن ملامحه كانت تحمل شيئًا مختلفًا، كأن هناك ما يثقل كاهله. قرر معتصم أن يبدأ الحوار.
“أدهم، عمرك فكرت في معنى المسؤولية في الحب؟ قصدي… الحب الحقيقي اللي يخلي الواحد يتخطى مبادئه عشان اللي قدامه؟” قال معتصم.
“إيه السؤال ده يا معتصم؟ ليه فجأة الموضوع ده جه في بالك؟” سأل أدهم، يرفع عينيه بتوجس.
“مش فجأة… بس لما بشوف حد بيتغير، لازم أسأل نفسي، إيه اللي يخلي شخصيته تتحول؟” قال معتصم بابتسامة خفيفة وتورية.
كان أدهم يدرك أن الحديث موجه إليه، لكنه حاول التظاهر بالبرود. وضع الملف الذي بين يديه وقال بهدوء:
“الحب مش لازم يغير مبادئنا… لو غيرها، يبقى حاجة غلط.”
“بس أحيانًا… بنعمل حاجات مش فاهمين ليه عملناها. زي مثلاً، إنك تتخطى حدودك مع شخص ما كنتش تتخيل نفسك يوم تقرب منه بالطريقة دي.” قال معتصم.
صمت أدهم للحظة، وكأن الكلمات ضربت وترًا حساسًا داخله. ثم قال بصوت منخفض:
“وأنت شايف إيه؟ إن اللي يعمل كده يبقى ضعيف؟ ولا… ممكن يكون بيهرب من حاجة تانية؟”
“مش ضعف… بس يمكن خوف… خوف من إنه يلاقي نفسه محتاج حاجة كان دايمًا بيهرب منها… الحب، يا أدهم، عمره ما كان بسيط.” قال معتصم.
أنهى معتصم كلماته، تاركًا الغرفة مليئة بصمت ثقيل. أدهم، رغم محاولته للتماسك، شعر أن معتصم قد لامس جرحًا لم يشفَ بعد.
مر يومان غابت فيهما ألارا عمدًا عن العمل. كما أن مروان كان يحاول تجنب أدهم حتى لا يصطدما مجددًا.
حين أخبره السكرتير بوجود ألارا اليوم، حانت منه ابتسامة بلا وعي منه. فقد اشتاق إليها.. لرؤية ملامحها المحفورة بداخله حتى قبل أن يقابلها.. ملامح حبيبة تركته في ظروف غامضة ورحلت… إلى أين؟! حقًا لا يعرف.
في المكتب الهادئ، حيث كانت الأضواء الخافتة تعكس الظلال على الجدران، جلست ألارا منشغلة في ترتيب بعض الأوراق على مكتبها. رنات هاتفها الصامتة أكدت لها أنها تجاوزت ساعات العمل الرسمية، لكن الشعور بالانشغال كان وسيلتها للهروب من أفكارها المتشابكة حول أدهم.
وفجأة، فُتح الباب بخفة بعد طرقة واحدة، ودخل أدهم بخطوات هادئة، لكن حضوره كان كافيًا ليشعل الغرفة بحضور غير مرئي.
رفعت ألارا رأسها على الفور، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها عندما رأته.
“أدهم؟ مش معاد شغلك انتهى؟”
رد بابتسامة دافئة: “وانتي؟ مش المفروض تكوني في البيت دلوقتي؟”
ضحكت بخفة، وعينيها مليئتان بحنين واضح:
“يمكن كنت مستنية أشوفك.”
اقترب منها، وعيونه تتأمل تفاصيل وجهها كمن يقرأ سطور كتاب مألوف:
“وأنا، يمكن مكنتش عايز أسيب اليوم يخلص من غير ما أشوفك.”
وضعت ألارا الأوراق جانبًا، وشعرت بقلبها ينبض بشدة وهي تراه يقترب أكثر، حتى أصبح قريبًا جدًا منها. جلس على حافة مكتبها، يترك مسافة صغيرة بينهما، وكأنها محاولة لإبقاء الأمور طبيعية، لكنه لم يستطع إخفاء الانجذاب في نظراته.
مد يده ولمس خصلة من شعرها برفق، وقال بصوت ناعم:
“فيكي حاجة… مش بس بتشدني، لكن بتحسسني إني بعرفك من زمان.”
احمر وجه ألارا بخجل، لكنها لم تبتعد عنه، بل نظرت في عينيه بثقة وحب:
“وأنا كمان، من أول لحظة شوفتك فيها حسيت إنك مش غريب… زي ما لو كان القدر رتب كل ده.”
لم يتحمل أدهم كتمان مشاعره أكثر. مد يده ليلامس كفها، وعندما لم تُبدِ أي مقاومة، أمسك يدها برفق وكأنه يخشى أن تضيع منه. كانت تلك اللحظة مشبعة بالعواطف الصامتة، لكنهما كانا يتحدثان بأعينهما.
“ألارا…” قالها وكأنها اسم مألوف يتردد في ذاكرته منذ سنوات.
“نعم؟” أجابت بخفة، وصوتها يحمل ارتباك الحب الأول.
لم يرد بكلمات، بل مد يده الأخرى ليحتضنها برفق، شعرت ألارا بالأمان بين ذراعيه، وكأنها تعود إلى منزل فقدته يومًا ما. لكنه كان يشعر بشيء أعمق، كأنها ليست ألارا فقط، بل جزء من ماضيه الذي ظل يبحث عنه.
انتهت اللحظة دون كلمات إضافية، لكنها كانت بداية لعلاقة لا تتحدث فقط عن الحاضر، بل تحمل في طياتها أسئلة عن ماضٍ لم يتركه أبدًا.
بعد أن تركها من بين ذراعيه، تراجعت ألارا بخجل، لكن لم تنجح في كسر نظراته الثابتة نحوها. شعرت وكأنه يرى فيها شيئًا أعمق مما تستطيع تفسيره، وكأنها ليست ألارا فقط، بل شخصية يعرفها من أعماقه.
همست بصوت مرتعش لكنها حاولت أن تكون طبيعية:
“أدهم… بتحسسني إني مش مجرد موظفة هنا.”
ابتسم أدهم ابتسامة حزينة بعض الشيء، لكنه لم يحاول التهرب من نظرتها:
“أنتي مش مجرد موظفة… أنتي…” توقف للحظة وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
“أنتي كل حاجة كنت بدور عليها، من غير ما أعرف إني بدور عليها.”
شعرت ألارا بقلبها ينبض بشدة، وكلمات أدهم أضفت دفئًا لم تكن تتوقعه… لكن في الوقت نفسه، داخلها تساؤل صغير بدأ يزعجها: لماذا يبدو أدهم وكأنه يبحث عن شخص آخر فيها؟
ابتعد قليلًا ليجلس على الكرسي المقابل لها، محاولًا تهدئة المشاعر المتأججة بداخله. قال بعد صمت قصير:
“ألارا، عمرك حسيتي إن حياتك ناقصة حاجة، لكن مش قادرة تحدديها؟”
ارتبكت للحظة، لكنها ردت بهدوء:
“أوقات… لكن ما بحبش أفكر في اللي فات كتير. بحس إني لما أعيش اللحظة بس بكون أحسن.”
نظر إليها بتمعن، ثم قال بنبرة أقرب للهمس:
“وأنا عكسك… الماضي عندي زي شبح… مش قادر أهرب منه.. وكل مرة بشوفك… بحس إنه بيرجع لي تاني.”
حاولت أن تستوعب كلامه، لكن لم تكن متأكدة مما يقصده. أرادت أن تسأله، لكنها خافت أن تكسر اللحظة.
لكنه لم يمنحها فرصة للهروب. نهض من مكانه واقترب منها مجددًا، هذه المرة نظرته كانت أكثر دفئًا، لكن أيضًا أكثر حزناً:
“أنتي… بتفكريني بشخص فقدته… عشان كده مش قادر أبعد عنك… بس مش عايزك تكوني مجرد ذكرى.”
صمتت ألارا للحظة، لكنها قررت هذه المرة أن تخطو خطوة نحوه، ووضعت يدها برفق على يده:
“أنا مش عارفة مين الشخص ده… لكن اللي أنا عارفاه إني مش عايزة أبعد عنك.”
كلماتها اخترقت قلبه، لكن تركت داخله أيضًا شعورًا مختلطًا بين السعادة والقلق. كان يعلم أن ما يفعله قد يكون خاطئًا، لكنه لم يستطع مقاومة إحساسه بأنها ندى… أو جزء منها على الأقل.
جلس أدهم أمام ألارا، يحدق في عينيها وكأن الزمن توقف. كان هناك شيء في ملامحها يثير بداخله عاصفة من المشاعر المتناقضة؛ شوق، ألم، وحنين لماضٍ لم يستطع الهروب منه. مد يده ببطء، وكأنه يخشى أن تبتعد، ولامس وجنتها برفق. شعر بدفء بشرتها يتسلل عبر أنامله، وأغمض عينيه للحظة، وكأنه يحاول أن يضع حداً للصوت الذي يصرخ بداخله: ندى… أم ألارا؟
“مش عارف أهرب من اللي جوايا… كل ما بشوفك، بحس إني قدام حاجة أفتقدتها زمان.” قال أدهم بصوت هامس.
ألارا لم تحرك ساكنًا، وكأنها كانت تحت تأثير مغناطيس مشاعره. شعرت بيديه تتنقل برفق على وجهها، تلامس جبينها، خدها، ثم شفتيها بتردد.
“أدهم… أنت بتخوفني.” قالت ألارا بصوت ضعيف.
توقفت يده للحظة، لكن نظرته بقيت مثبتة عليها. اقترب أكثر، حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلامس وجنتها. كان على وشك أن يقول شيئًا، لكن الكلمات خانته، واستبدلتها يداه التي أحاطت بخصرها ببطء، جاذبًا إياها إليه.
“خايف أعيش من غيرك… وخايف أعيش وأنتي مش فاهمة قد إيه أنا محتاجك.” قال أدهم.
التقط خصلة من خصلاتها المتدلية على كتفها ثم أخذ يديرها بين أصابعه وهو يقول وعيناه مثبتة على تلك الخصلة:
“شعرك لو كان قصير لحد رقبتك كدا مع قُصة تقيلة لحد حواجبك.. بيتهيألي كنتي هتكوني أجمل.. هتليق عليكي أكتر.”
كانت صامتة تستمتع بوصفه الذي جعلها هائمة به وبنبرته الهادئة الحنونة التي أسكرتها.
رفع ناظريه إلى عينيها الخضراوتين وأخذ يتأملهما بتمعن لعله يستكشف أن كانت مزيفة أم لا، ثم قال بنبرة تائهة:
“عينيكي الخضرا لونهم حلو اوي… بس بيتهيألي لو كان لونهم بني كان هيليق عليكي أكتر.”
أصابتها ربكة طفيفة وأخفضت جفنيها على الفور.
تعالت أنفاسه للغاية بعدما اكتملت صورة ندى في ذهنه بعد هذا التصور ولم يستطع الابتعاد. اقترب بوجهه من وجهها أكثر حتى كادت أن تلامس شفتاه شفتيها، لكن فجأة شعرت ألارا بثقل اللحظة. دفعت يده بخفة، محاولة الابتعاد قليلًا، وقالت:
“أدهم، مش عارفة ده صح ولا غلط… لكن اللي عارفاه إني مش عايزة نخسر اللي بينا.” قالت ألارا بارتباك.
أغمض عينيه وأطلق زفيرًا طويلًا، ثم تراجع خطوة للخلف. أمسك رأسه بيديه وكأنه يحاول كبح مشاعره التي تغلي بداخله.
“أنتي صح… أنا مش عايز أندم على أي حاجة بينا.”
خرج من الغرفة دون أن ينظر خلفه، تاركًا ألارا تقف بمفردها، تحمل في داخلها خليطًا من الراحة والخوف من اللحظة التي كادت أن تقلب حياتهما رأسًا على عقب، بينما هو يبرر لنفسه أنه كان يلمس زوجته ليهرب من شعوره بالذنب.
ظل أدهم واقفًا في الممر، يغرق في بحر من المشاعر التي لا يعرف كيف يواجهها. كان يشعر وكأن قلبه يتفطر بين أمرين: الذاكرة التي لا يستطيع الهروب منها، والحقيقة التي كانت أمامه الآن. ألارا… ندى… كان اسمهما يدوّي في رأسه وكأنهما شخصان مختلفان، رغم أنهما في قلبه كانا نفس الكائن.
“إزاي ده حصل؟… إزاي بشوفها كل يوم و مش عارف إذا كانت هي ندى ولا لا؟” قال أدهم بصوت منخفض وهو يحاول تهدئة نفسه.
لكن كلما أغلق عينيه، ظهرت له صورة ندى كما كانت، كما عرفها في الماضي، وأصبح الصوت الذي يدوي بداخله لا يتوقف.
“هي هي… وهي مش هي… مين اللي قدامي؟ مين اللي في قلبي؟” قال أدهم متحدثًا لنفسه بعصبية.
—
أما ألارا، فقد جلست على الأريكة الصغيرة بغرفة مكتبها، عيونها مشوشة بين الماضي والحاضر، بين الحياة التي فقدتها وتلك التي تعيشها الآن.
كل شيء كان يبدو غريبًا عليها، ومع ذلك كان هنالك شعور غامض بأن شيئًا ما ينقصها.
شعرت أن في هذا المكان، في وجود أدهم، كانت هناك ذكرى ضائعة، ذكرى تتناثر بين الحين والآخر في ذهنها، لكنها كانت تختفي دائمًا قبل أن تستطيع الإمساك بها.
“ليه بحس إن في حاجة مفقودة؟… ليه بحس إني كنت عايشة حياة تانية غير دي؟” قالت ألارا بصوت ضعيف، مغمضة عينيها.
—
بينما كان أدهم في حالته تلك، تتساقط الأسئلة في قلبه كالمطر. هل يحب ألارا كما كان يحب ندى؟ هل هو مازال متعلقًا بها، أم أن الحب الذي يشعر به الآن هو مجرد انعكاس لذكريات قديمة؟ هل هو مستعد أن يواجه الواقع أو سيظل عالقًا في الماضي؟
“كل لحظة بشوفك فيها بحس إن في حاجة بترجع، بس مش قادر أفهمها… ولا أقدر أهرب منها.” قال أدهم بصوت حائر.
—
وفي هذه اللحظات المتداخلة، كان كل واحد منهما في مواجهة مع نفسه أكثر من مواجهة مع الآخر. كان على كل منهما أن يقرر ما إذا كان يمكنهما المضي قدمًا، أم إذا كان الماضي سيظل يعيق مستقبلهما.
—
كانت ريم تراجع ملفات المرضى في مكتبها بالمستشفى عندما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. رفعت رأسها لتجد معتصم واقفًا عند العتبة، بملامحه التي تحمل خليطًا من التردد والإصرار.
“خير؟!.. في حاجة مهمة؟” قالت ريم ببرود متعمد.
دخل الغرفة بخطوات هادئة، محاولًا ألا يُظهر توتره، وجلس على الكرسي المقابل لمكتبها دون أن ينتظر إذنها.
“مش عارف إذا كان عندك وقت تسمعيني، بس كنت محتاج أتكلم معاكي.” قال معتصم.
“لو الموضوع شخصي، مش وقته… أنا في الشغل دلوقتي.” قالت ريم وهي تعيد ترتيب الملفات ببرود.
“عارف إنك مش عايزة تسمعيني، وعارف إنك بتحاولي تبعديني عن حياتك.. بس الحقيقة إني مش قادر أخرجك من حياتي.” قال معتصم بنبرة جادة.
توقفت ريم عن ترتيب الملفات، ونظرت إليه بنظرة ثابتة، محاولة أن تُخفي الاضطراب الذي أثاره حديثه.
“معتصم.. اللي حصل بينا زمان انتهى. كل واحد فينا كمل حياته.”
“يمكن ده اللي فكرتي إنك عملتيه.. بس أنا لأ… سنتين وأنا بحاول أفهم إزاي أقدر أصلح اللي بينا رغم جوازك من خالد اللي هد كل أمل جوايا.. عارف إني غلطت لما كذبت عليكي لكن ده مش معناه إن الحب اللي كان بينا مات.” قال معتصم بحماس متزايد.
نهضت من مكانها، متجهة نحو النافذة لتتجنب النظر إليه.
“اللي بينا مكنش حب يا معتصم… كان وهم… كنت أنا اللي شايلة المسؤولية كلها، و وقعت لما اكتشفت الحقيقة.”
“وهم؟!…. يا ريم انتي أكتر واحدة عرفتيني على حقيقتي… أنا عمري ما حبيت حد زي ما حبيتك.” قال معتصم بنبرة متوسلة.
استدارت نحوه فجأة، وملامحها تحمل مزيجًا من الغضب والحزن.
“وأنا؟.. أنا دفعت تمن حبك! دفعت تمن كذبك وخداعك. وبعد كل ده، دخلت جواز ميت مع خالد عشان أهرب من الألم اللي سببتهولي… تفتكر ده كان سهل؟”
شعر معتصم بطعنة في قلبه من كلماتها، لكنه لم يبتعد. اقترب منها ببطء، ونظره مليء بالرجاء.
“ريم، أنا مش جاي أبرر أو أطلب منك تغفريلي بسهولة. أنا جاي أقولك إني مستعد أعمل أي حاجة عشان أثبتلك إني اتغيرت، وإن اللي بينا يستحق فرصة جديدة.”
نسيت ريم أن معتصم لا يعرف بعد بطلاقها من خالد ولكنها أكملت حديثها من منطلق أنها بالفعل انفصلت عنه سواء علم معتصم ذلك أم لم يعلم.
“معتصم، الحب مش كفاية… الثقة مكسورة، وأنا مش مستعدة أعيش في قلق وخوف تاني… حياتي دلوقتي بسيطة، ومش ناوية أعقدها أكتر.” قالت ريم بصوت هادئ لكنه حازم.
صمت معتصم للحظات، وكأنه يحاول استيعاب رفضها. لكنه لم يستطع كبح شوقه فقال:
“ولو طلبت منك فرصة أخيرة؟.. مجرد وقت تثبتي لنفسك إنك لسه بتحبيني؟”
“معتصم، لو بتحبني بجد، هتسيبني أعيش حياتي بالطريقة اللي تناسبني. الحب مش إجبار، وأنا مش جاهزة لأي حاجة دلوقتي.” قالت ريم بنبرة مترددة لكنها حاسمة.
أخذ نفسًا عميقًا ثم ابتسم ابتسامة حزينة، وكأنه يقر بخسارته للجولة.
“هسيبك يا ريم، بس مش هبعد… هفضل مستني لحد ما تكوني جاهزة تسمعي قلبي.”
ثم استدار وخرج من المكتب، تاركًا ريم وحدها، تتنفس بصعوبة وهي تحاول كبح دموع لا تعرف إن كانت دموع راحة أم ألم.
خرج معتصم من مكتب ريم بخطوات بطيئة، يشعر أن هناك خيط أمل خفي يتسلل إلى قلبه رغم كل تحفظاتها. كانت كلماتها حذرة، لكن الطريقة التي تهربت بها من الإجابة عن حياتها مع خالد جعلته يشك أن علاقتها به قد انتهت بالفعل.
وقف للحظة أمام المستشفى، يتنفس بعمق وكأنه يحاول ترتيب أفكاره. وبينما كان على وشك المغادرة، لمح روان تقترب من المدخل، تمسك بيد طفلة صغيرة ذات شعر بني ناعم وعيون مشرقة. لم تتجاوز العامين، وكانت تسير بجانب روان بخطوات غير مستقرة، ممسكة بيدها ببراءة.
توقف معتصم لثوانٍ، يحدق في الطفلة، ثم رفع نظره إلى روان التي ابتسمت فور أن رأته.
“ياااه.. انت معتصم؟!.. إيه الصدفة دي؟.. مكنتش متوقعة أشوفك هنا.” قالت روان بابتسامة ودودة.
“وأ انتي أخت ريم..صح؟!” قال معتصم بابتسامة خفيفة.
أومأت برأسها: “ايوة… روان.”
هز رأسه بتفهم ثم سألها بحذر: “إيه الأخبار؟ بتعملي إيه هنا؟”
“جاية أزور ريم، كنت مشغولة الفترة اللي فاتت وما لحقتش أشوفها.” قالت روان.
تأمل معتصم الطفلة مرة أخرى، لم يستطع تجاهل ملامحها التي شعر أنها مألوفة، فسأل بحذر:
“البنوته الحلوة دي بنت ريم؟”
ابتسمت روان وربتت على شعر الطفلة:
“لأ دي ندى بنتي.”
عندما سمع معتصم اسم الطفلة، تغيرت ملامح وجهه قليلاً، لكنه حاول أن يبدو طبيعيًا.
“ندى؟… بنتك؟!.. يعني، ريم؟” قال معتصم مترددًا.
ضحكت روان بخفة، مستوعبة ما يدور في ذهنه.
“لا، لا. دي بنتي أنا، مالهاش علاقة بريم.”
شعر معتصم بارتباك طفيف، لكنه استجمع شجاعته وسأل بنبرة حذرة:
“ازاي؟!.. اخر مرة شوفت ريم كانت حامل”
ابتسمت روان ابتسامة صغيرة، وكأنها تفهم تمامًا سبب سؤاله.
“بالنسبة للحمل… للأسف حصل إجهاض…. مكانش ليها نصيب… بعدها بفترة بسيطة انفصلت عن خالد.. الجوازة مكانتش ماشية، وكان الأفضل ينفصلوا.”
شعر معتصم وكأن جبلًا من الهموم قد أُزيح عن صدره. حاول ألا يظهر سعادته، لكنه لم يستطع منع نفسه من الابتسام برقة.
“أيوه… أيوه، طبعًا… المهم إنها بخير.”
نظرت إليه روان نظرة فضولية، لكنها لم تعلق. أمسكت بيد ندى وقالت:
“طيب أنا هدخل أشوفها…فرصة سعيدة.”
“أنا أسعد.” قال معتصم بابتسامة دافئة.
راقبها وهي تدخل المستشفى ومعها الطفلة، ثم تنفس بعمق، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره. وبينما كان على وشك المغادرة، لمح روان تقترب من المدخل، تمسك بيد طفلة صغيرة ذات شعر بني ناعم وعيون مشرقة. لم تتجاوز العامين، وكانت تسير بجانب روان بخطوات غير مستقرة، ممسكة بيدها ببراءة.
توقف معتصم لثوانٍ، يحدق في الطفلة، ثم رفع نظره إلى روان التي ابتسمت فور أن رأته.
“ياااه.. انت معتصم؟!.. إيه الصدفة دي؟.. مكنتش متوقعة أشوفك هنا.” قالت روان بابتسامة ودودة.
“وأ انتي أخت ريم..صح؟!” قال معتصم بابتسامة خفيفة.
أومأت برأسها: “ايوة… روان.”
هز رأسه بتفهم ثم سألها بحذر: “إيه الأخبار؟ بتعملي إيه هنا؟”
“جاية أزور ريم، كنت مشغولة الفترة اللي فاتت وما لحقتش أشوفها.” قالت روان.
تأمل معتصم الطفلة مرة أخرى، لم يستطع تجاهل ملامحها التي شعر أنها مألوفة، فسأل بحذر:
“البنوته الحلوة دي بنت ريم؟”
ابتسمت روان وربتت على شعر الطفلة:
“لأ دي ندى بنتي.”
عندما سمع معتصم اسم الطفلة، تغيرت ملامح وجهه قليلاً، لكنه حاول أن يبدو طبيعيًا.
“ندى؟… بنتك؟!.. يعني، ريم؟” قال معتصم مترددًا.
ضحكت روان بخفة، مستوعبة ما يدور في ذهنه.
“لا، لا. دي بنتي أنا، مالهاش علاقة بريم.”
شعر معتصم بارتباك طفيف، لكنه استجمع شجاعته وسأل بنبرة حذرة:
“ازاي؟!.. اخر مرة شوفت ريم كانت حامل”
ابتسمت روان ابتسامة صغيرة، وكأنها تفهم تمامًا سبب سؤاله.
“بالنسبة للحمل… للأسف حصل إجهاض…. مكانش ليها نصيب…بعدها بفترة بسيطة انفصلت عن خالد.. الجوازة مكانتش ماشية، وكان الأفضل ينفصلوا.”
شعر معتصم وكأن جبلًا من الهموم قد أُزيح عن صدره. حاول ألا يظهر سعادته، لكنه لم يستطع منع نفسه من الابتسام برقة.
“أيوه… أيوه، طبعًا… المهم إنها بخير.”
نظرت إليه روان نظرة فضولية، لكنها لم تعلق. أمسكت بيد ندى وقالت:
“طيب أنا هدخل أشوفها…فرصة سعيدة.”
“أنا أسعد.” قال معتصم بابتسامة دافئة.
راقبها وهي تدخل المستشفى ومعها الطفلة، ثم تنفس بعمق، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره. وبينما كان على وشك المغادرة، لمح روان تقترب من المدخل، تمسك بيد طفلة صغيرة ذات شعر بني ناعم وعيون مشرقة. لم تتجاوز العامين، وكانت تسير بجانب روان بخطوات غير مستقرة، ممسكة بيدها ببراءة.
توقف معتصم لثوانٍ، يحدق في الطفلة، ثم رفع نظره إلى روان التي ابتسمت فور أن رأته.
“ياااه.. انت معتصم؟!.. إيه الصدفة دي؟.. مكنتش متوقعة أشوفك هنا.” قالت روان بابتسامة ودودة.
“وأ انتي أخت ريم..صح؟!” قال معتصم بابتسامة خفيفة.
أومأت برأسها: “ايوة… روان.”
هز رأسه بتفهم ثم سألها بحذر: “إيه الأخبار؟ بتعملي إيه هنا؟”
“جاية أزور ريم، كنت مشغولة الفترة اللي فاتت وما لحقتش أشوفها.” قالت روان.
تأمل معتصم الطفلة مرة أخرى، لم يستطع تجاهل ملامحها التي شعر أنها مألوفة، فسأل بحذر:
“البنوته الحلوة دي بنت ريم؟”
ابتسمت روان وربتت على شعر الطفلة:
“لأ دي ندى بنتي.”
عندما سمع معتصم اسم الطفلة، تغيرت ملامح وجهه قليلاً، لكنه حاول أن يبدو طبيعيًا.
“ندى؟… بنتك؟!.. يعني، ريم؟” قال معتصم مترددًا.
ضحكت روان بخفة، مستوعبة ما يدور في ذهنه.
“لا، لا. دي بنتي أنا، مالهاش علاقة بريم.”
شعر معتصم بارتباك طفيف، لكنه استجمع شجاعته وسأل بنبرة حذرة:
“ازاي؟!.. اخر مرة شوفت ريم كانت حامل”
ابتسمت روان ابتسامة صغيرة، وكأنها تفهم تمامًا سبب سؤاله.
“بالنسبة للحمل… للأسف حصل إجهاض…. مكانش ليها نصيب…بعدها بفترة بسيطة انفصلت عن خالد.. الجوازة مكانتش ماشية، وكان الأفضل ينفصلوا.”
شعر معتصم وكأن جبلًا من الهموم قد أُزيح عن صدره. حاول ألا يظهر سعادته، لكنه لم يستطع منع نفسه من الابتسام برقة.
“أيوه… أيوه، طبعًا… المهم إنها بخير.”
نظرت إليه روان نظرة فضولية، لكنها لم تعلق. أمسكت بيد ندى وقالت:
“طيب أنا هدخل أشوفها…فرصة سعيدة.”
“أنا أسعد.” قال معتصم بابتسامة دافئة.
راقبها وهي تدخل المستشفى ومعها الطفلة، ثم تنفس بعمق، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره.