تحميل رواية «مهمة زواج» PDF
بقلم دعاء فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مساء إحدى ليالي أغسطس الدافئة، يقف بحلته السوداء الأنيقة التي جعلته أميراً من أمراء حكايا ألف ليلة وليلة. يقف بساحة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، ينظر إلى ساعته النفيسة بتأفف كل حين وآخر في انتظار وصول الطائرة القادمة من نيويورك. وهناك خارج المطار تنتظر أسرته في سيارة أخرى، وهم والدته وشقيقته وزوجها ليستقبلوا العروس. بعد عدة دقائق أعلن المذيع الداخلي عن هبوط الطائرة القادمة من نيويورك، وحينها انتابته حالة من التوتر. لا يدري كيف سيكون شعوره حين يقابلها، بالأحرى كيف سيعرفها وهو لم يلتقِ بها سو...
رواية مهمة زواج الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم دعاء فؤاد
عادت ريم لمنزلها وهي تحلق من السعادة، وكانت أمها في استقبالها تتعجب من تلك البسمة المرتسمة على شفتيها، فمهما حاولت إخفاءها تعود مجددًا للظهور على ثغرها لا إراديًا.
"حمد الله على السلامة يا حبيبتي… إيه الجاكيت اللي انتي لابساه ده؟!.. بتاع مين؟!"
لقد نسيت أمر المعطف تمامًا، فأصابها التوتر واضطرت للكذب مرة أخرى على أمها لتقول بارتباك:
"ده بتاع واحدة صاحبتي لما لقيتني بردانة سلفتهولي."
أخذت أمها تعاينه بتدقيق لتسألها بدهشة:
"بس باين عليه إنه رجالي."
"لا عادي يا ماما يمشي الاتنين."
قبلتها من وجنتها وغادرت سريعًا من أمامها قبل أن تتعمق أكثر في أسئلتها وتضطر للكذب مجددًا.
دلفت ريم غرفتها لترتمي على الفراش وبحالمية تستعيد لحظاتها التي قضتها برفقته، فرغم جمود ملامحها وجدية نبرتها أثناء حديثه معها إلا أنها داخليًا كادت أن تفقد وعيها من شدة قربه منها واقراره المستمر بعشقه لها ومحاولاته المستميتة في استمالة قلبها. هل ذلك الفارس الذي تحلم به كل من تراه يفعل كل ذلك لأجلها هي؟!
لأول مرة تشعر بالحسد لتلك السيدة التي نالته وجعلته زوجًا لها.
بقيت على ذلك الوضع لأكثر من ساعة حالمة هائمة في عالمها مع معتصمها تستعيد ما قضته معه من مواقف جميلة منذ رأته للوهلة الأولى في مقر عملها بمحافظة سوهاج.
وحين استفاقت من دوامة ذكرياتها التي انجرفت إليها لوقت لم تحسبه، قررت أنه لا بد من تنفيذ قرارها السابق بضرورة إنهاء خطبتها من خالد.
نهضت من الفراش لتسحب هاتفها من حقيبتها وبمجرد أن فتحت شبكة الواي فاي واتصل هاتفها بالإنترنت وصلتها رسالة من رقم غير مسجل لتفتح الرسالة بفضول لتجد مقطع فيديو يظهر معتصم في غلافه عاري الصدر، الأمر الذي دفعها لتشغيل المقطع ورؤيته.
لتُصعق وبهت لونها من شدة الصدمة حين تراه منخرطًا مع زوجته في عالم آخر يقبلها بحرارة وتحتضنه بحميمية وهي تقريبًا شبه عارية، ثم أخذت تتمايل معه وتجذبه من يديه إلى أن سقطا معًا على الفراش، وليكون الفيديو أكثر مصداقية أظهر المرسل تاريخ وساعة التقاط الفيديو في داخله، فيبدو أنه التقط من كاميرا ثابتة بعدما تركته وعادت إلى منزلها بالتاكسي.
لم تحتمل ريم أن تكمل مشاهدة الفيديو وأغلقته وهي تتنفس بصعوبة والدموع تنحدر من عينيها بقهر.
"ليه؟!.. ليه؟!.. طب ليه علقتني بيك لتاني مرة؟!.. ليه ترفعني لسابع سما وفي لحظة ترميني لسابع أرض.. ليه؟!"
أخذت تهذي وتبكي وتردد تلك الكلمات وهي تضرب موضع قلبها وكأنها تعاقبه على نبضه بحبه، إلى أن رن هاتفها بالرقم الذي أرسل لها الفيديو، فجففت عينيها وحاولت أن تبقي نبرتها طبيعية لتجيب ببرود:
"ألو.. انت مين وعايز إيه مني؟!"
تفاجأت بصوت أنثوي ناعم لم يبدو غريبًا لها لتجيب الأخرى بجدية تامة:
"أنا نرمين مرات معتصم.. حبيت بس أفكرك إن معتصم جوزي وميقدرش يستغنى عني حتى لو هو بيحبك… أنا سايباه بس يجرب البنوتة الصغيرة اللي متخيل إنها هتعوضه عن الحاجات اللي ناقصاه معايا.. بس في النهاية بيرجعلي ومبيقدرش يعيش كتير بعيد عني."
ردت ريم باستهزاء:
"ويا ترى هو يعرف إنك حطاله كاميرا تصوره في أوضة نومه؟!"
ابتسمت نرمين بسخرية من ذكائها في الرد لتقول بجدية:
"أنا قصدت أحط الكاميرا دي مخصوص عشان أثبتلك إنه متعلق بيا بعد ما شوفتكم في الحفلة وصورلك خيالك إنه ممكن يسيبني ويرجعلك… وطبعًا شيلتها تاني.. تحبي تفتحي الكاميرا بتاعتك وأكلمك فيديو وتشوفي وهو نايم جنبي بعد ما…"
قاطعتها ريم سريعًا بحدة:
"اخرسي انتي واحدة سافلة ومنحطة… وأوعي تفتكري إني هموت عليه.. أنا خرجته من حياتي من اللحظة اللي كدب عليا فيها.. اشبعوا ببعض انتوا الاتنين."
أغلقت ريم الخط دون أن تستمع لردها وصدرها يعلو ويهبط بشدة وقد شعرت بتحطم قلبها إلى أشلاء.
بصعوبة سيطرت على نوبة الانكسار التي أصابتها ثم جففت وجهها من العبرات وانتصبت في جلستها لتحدث نفسها:
"ماشي يا معتصم… أنا هعرف إزاي أردلك القلم أضعاف مضاعفة يا أحقر إنسان شوفته في حياتي."
التقطت الهاتف مرة أخرى ثم قامت بالاتصال على خالد ليرد عليها بعد ثوانٍ:
"ألو.. إزيك يا ريم عاملة إيه؟!"
"الحمد لله يا حبيبي.. انت اللي عامل إيه؟!"
"إيه؟!.. انتي قولتي إيه؟!"
"إيه يا خالد… قولت يا حبيبي.. مسمعتش؟!"
"لا طبعاً سمعت بس مش مصدق وداني.. يعني.. أول مرة تقوليها لي."
"عادي كنت مكسوفة منك شوية."
"طب ودلوقتي؟!"
"خلاص بقى اتعودت عليك."
"لاااا دا إحنا لازم نحدد الفرح بقى أصل أنا كدا مش هستحمل الدلع ده."
ضحكت ريم بتمثيل ثم قالت:
"طب والله فكرة… إيه رأيك تيجي بكرة تتفق مع أدهم ونحدد ميعاد الفرح.. يعني نخليه مثلا في خلال أسبوعين قبل الشتا ما يدخل."
"يا ريت يا حياتي.. مالوش لزوم الانتظار أكتر من كدا."
"خلاص تمام.. إحنا كدا نبقى متفقين."
"تمام هكلم بابا وماما وهاخد ميعاد من أدهم إن شاء الله…."
استمرت المكالمة بينهما في أحاديث جانبية تارة وتارة تستمع لغزله وهيامه بها محاولة بذلك صرف تفكيرها عن ذلك الذي كسر قلبها وجعله حطامًا.
ولكنها في النهاية حققت بغيتها من اتصالها بخالد ألا وهو إتمام الزواج بأسرع وقت ممكن معتقدة في ذاتها أنها بذلك ترد له الصاع صاعين غير مدركة لعمق الحفرة التي حفرتها لنفسها لتوقع نفسها بها دون أن تشعر… تلقي بنفسها إلى الهاوية ظنًا منها أنها بذلك تعاقبه متناسية عقابها لنفسها وروحها.
هكذا يدفعنا الانتقام من الآخرين أحيانًا إلى الانتقام من أنفسنا إلى أن ندرك جرم ما فعلنا ولكن بعد فوات الأوان.
في تلك الأثناء تمامًا عاد أدهم لتوه من عمله وهو يشعر بإرهاق بالغ.
وقبل أن يدلف إلى غرفته وقف قليلًا ينظر لباب غرفة ندى ورغبة جامحة تساوره ليدخل إليها أولًا، فقد اشتاق إليها للغاية، ولكن تراجع بعدما آلمته كرامته، فقد مر أكثر من ثلاثة أسابيع على وفاة أبيها وهجرها له وانعزالها بغرفتها… أما آن لها أن تعود إلى كنفه لتنام بين أحضانه الدافئة.
تنهد بضيق بالغ ثم ذهب ليلقي تحية المساء على والدته حيث كانت تجلس بغرفة الاستقبال بمنتصف الشقة تشاهد التلفاز، جلس معها قليلًا ثم استأذن بالانصراف إلى غرفته ليبدل ملابسه.
بمجرد أن فتح باب الغرفة تفاجأ بها تخرج من المرحاض الصغير الملحق بالغرفة وبيدها منشفة تجفف بها شعرها وكانت ترتدي ملابسها المعتادة حين تكون بمفردها وهي هوت شورت من الجينز وبادي قصير بحمالات رفيعة يظهر جزءًا صغيرًا من خاصرتها المنحوتة، فتسمر أدهم في مكانه لوهلة من فرط المفاجأة ثم سرعان ما نفض عن رأسه تلك المشاعر التي اجتاحته حين رآها بتلك الهيئة المثيرة.
ماذا تظن أنها فاعلة؟!.. هل بتلك الطريقة سيقبل اعتذارها عن هجره فورًا ثم يركض إليها مشتاقًا؟!.. هيهات.. إنها لم تعرف أدهم برهام الكيلاني بعد.
"خير!!.. حمامك عطلان ولا إيه؟!"
ألقت بالمنشفة جانبًا ثم سارت باتجاهه حتى أصبحت أمامه، فنظرت في عينيه بجرأة لم يعهدها بها ورفعت كتفيها باستغراب مجيبة:
"لا عادي شغال… بس هو ده مش حمامنا ودي أوضتنا برضو ولا إيه؟!"
حانت منه ابتسامة ساخرة وهو يقول بجمود:
"آه أوضتنا!!… تمام.. اللي تشوفيه.. عن إذنك داخل آخد شور وأغير هدومي لأني مرهق وعايز أنام."
أفسحت له الطريق ليتخطاها دون أن ينظر إليها أو يعيرها أي اهتمام ثم فتح خزانته التقط منها ملابس مريحة ودلف المرحاض كل ذلك في صمت قاتل.
زفرت ندى أنفاسها بعنف، فيبدو أن رحلة مصالحته لن تكون سهلة… ولكن ماذا عساها أن تفعل.. لقد كان قلبها مجروحًا جرحًا غائرًا بمقتل أبيها الغالي، لم تستطع تحمل ألمه ومتابعة حياتها معه وكأن شيئًا لم يكن.
مشطت شعرها بحيث تركته منسدلًا حول وجهها ورقبتها بعدما جففته بمجفف الشعر وغرتها الكثيفة أغشت جبينها حتى حاجبيها، ثم وضعت أحمر شفاه قاني وحددت عينيها بالكحل الأسود فأصبحت فاتنة حقًا.
جلست بمنتصف الفراش تنتظره، فالتقطت هاتفها لتأتي بصورة أبيها فأخذت تحدثه بهمس وكأنه أمامها:
"وحشتني أوي يا بابا… مش هنساك أبداً وهفضل أدعيلك لحد ما أموت… وحقك مش هسيبه متخافش.. وأمانتك اللي معايا مش هضيعها لو فيها موتي… أدهم مش ساكت وبيحقق في القضية ووعدني إنه هيجيبلك حقك من اللي قتلوك.. وأنا كمان يا حبيبي مش هسيب حقك وهعمل كل اللي أقدر عليه عشان انتقملك من اللي حرموني منك… سامحني يا بابا على تقصيري في حقك.. في الجنة يا حبيبي إن شاء الله."
أغلقت الهاتف وحاولت قدر الإمكان ألا تبكي حتى لا تفسد زينة وجهها، وبعد قليل خرج أدهم من المرحاض وهو يجفف شعره بالمنشفة ثم توجه مباشرة إلى طاولة الزينة ليمشط شعره وينثر عطره كعادة مسائية، ثم التفت للفراش ليجدها تجلس بالمنتصف فسألها بدهشة مصطنعة:
"انتي هتنامي هنا ولا إيه؟!"
سار نحو الفراش حتى اعتلاه ليجلس على حافته مولياً ظهره لها في انتظار إجابتها، فقامت بلف ذراعيها حول عنقه من ظهره في حركة مباغتة منها أدهشته، ثم أحنت رأسها بحيث ترى وجهه لتقول بدلال:
"ده لو مكنش عندك مانع.."
حاول فك عقدة يديها من حول رقبته وهو يقول بضيق:
"ندى لو سمحتي… يا ريت تبعدي عشان عايز أنام."
ردت بابتسامة وهي تتنفس في عنقه:
"مفيش نوم دلوقتي."
أخذ يبعد عنقه عن فمها فقد دغدغته أنفاسها ثم في أقل من ثانية كان قد جذبها من ذراعيها وقلبها لتصبح على الأرض بينما هو اعتاد وتمدد بجسده بأريحية تامة على الفراش وهو يكتم ضحكاته بصعوبة، فلازالت جالسة في وضع القرفصاء على الأرض في حالة من الصدمة والذهول.
حين استفاقت من ذهولها نهضت لتلتقط إحدى الوسائد الصغيرة ثم انهالت عليه تضربه بها في صدره حتى اعتلاه وأصبحت بين ركبتيه وهي تصرخ بغيظ:
"إيه اللي انت عملته ده… اللي انت بتتعلمه في شغلك هتطلعه عليا أنا…"
ظلت تضربه وهو يتأوه ويحاول إبعادها عنه ويغالب بصعوبة ضحكاته التي أضعفت من قوته الدفاعية، فمد يده ليلتقط وسادة أخرى فضربها برفق في وجهها فارتدت للخلف قليلًا وهي تتأوه، فضربته بركبتها اليمنى أسفل بطنه فترك الوسادة ووضع يده مكان الضربة وهو يتأوه فنظرت له بانتصار، الأمر الذي زاده غيظًا فهم لينهض ليرد لها الضربة الا أنها صرخت بخوف وتركته وركضت سريعًا نحو الخزانة، فنهض خلفها راكضًا حتى أمسك بها وهو يقول بمكر:
"انتي فاكرة إنك هتعرفي تهربي مني؟!"
أخذت تعود إلى الخلف حتى أوقفتها الخزانة لتقول بخوف:
"أ أدهم اعقل… انت هتعمل إيه؟!.. أنا كنت بهزر معاك على فكرة."
أخذ يطالعها بنظرات ماكرة وهو يقول بنبرة رخيمة:
"وانتي قد الهزار مع أدهم برهام؟!"
أخذت تهز رأسها بنفي حين اقترب بوجهه من وجهها ثم ابتلعت رمقها بتوتر:
"لأ طبعاً مش قدك… ولكنها قامت بتخليل أصابعها في خصلاته الناعمة الطويلة فأغمض عينيه للحظة اجفالا من لمستها الناعمة، فتجرأت لتقف على أطراف أصابعها وتشرأب برأسها لتختطف قبلة من شفتيه ثم تعود لوضعها مرة أخرى تنظر له ببسمة هائمة، فاتسعت عينيه بمفاجأة… هل يعقل أن تلك الفاتنة الجريئة هي ذاتها ندى الخجولة الحييّة؟!"
"بحبك يا أدهم… بحبك من زمان أوي… حبيتك من كلام بابا عنك.. عن شجاعتك وذكائك وأخلاقك.. كنت بشوف صورك وفيديوهاتك مع بابا.. كان حلم حياتي إني أشوفك بجد.. كنت بدعي ربنا في صلاتي إني يجمعني بيك في الحلال… متصورتش إن ربنا يستجيب دعايا بالسرعة دي.. يوم ما شوفتك في المطار ليلة فرحنا كان هيغمى عليا.. كنت حاسة كأني في حلم جميل."
كان يستمع إليها مذهولًا، لا يصدق أنها تحبه منذ أمد بعيد، أيعقل؟!.. استمر في استماعه لها وهو يطالعها بهيام وكل ما بقلبه من غضب نحوها قد تبخر بمجرد أن سمع منها تلك التصريحات النادرة، فاسترسلت بعدما تحولت ملامحها للأسى:
"… بس للأسف الحلم اتحول لكابوس لما لقيتك اتجوزتني لسبب معين و…"
قاطعها واضعًا سبابته على شفتيها:
"كنت مغفل… مغيب ممكن.. مبفهمش جايز… كنت أعمى أكيد."
لف ذراعيه حول خصرها بتملك ثم قرب شفتيه من شفتيها للغاية مسترسلًا بنبرة هائمة:
"أكيد كنت أعمى لأني مكنتش شايف الجمال ده كله… مش جمال شكلك وبس.. تؤتؤ.. جمال روحك وقلبك وأخلاقك… ندى انتي أجمل هدية ربنا كافئني بيها… ندى.."
ردت عليه وهي مغمضة العينين محلقة في سماء العشق:
"امممم"
رد بنبرة مبحوحة:
"أنا واقع في غرام الهوت شورت… ودايب في عشق اللي لابسة الهوت شورت."
اتسعت بسمتها وهي مازالت مغلقة عينيها، فابتسم هو الآخر وانحنى على شفتيها لينهل منهما، ولكن، لم يكد يلمسها حتى أتتهما طرقات متتالية على الباب، ليتصنم أدهم على وضعه وهو يجز على أسنانه من الغيظ، فتوقفت الطرقات لثوان فتنفس بارتياح ثم عاد ليكمل ما كان ينوي فعله وقبل أن يتلامسا أتته الطرقات مرة أخرى ولكن بالإلحاح أشد، فابتعد عنها وفتحا عينيهما ينظران لبعضهما بأسى ليقول أدهم بهمس:
"أنا لازم أسيب البيت ده… أنا من الصبح هشوفلي شقة تانية نعيش فيها."
ضحكت ندى فنظر لها بغيظ وهو يقول:
"انتي كمان بتضحكي."
"شوف مين ليكون في حاجة مهمة."
صاح بصوت مرتفع:
"مين؟!"
ردت أمه من الخارج:
"أنا ماما يا أدهم… روان تعبانة أوي يا حبيبي واتحجزت في المستشفى.."
ترك ندى سريعًا واتجه نحو الباب بعدما التقطت ندى أسدالها ترتديه، ثم فتح ليسأل أمه بقلق:
"تعبانة إزاي يا ماما؟!"
"معرفش… محمود كلمني دلوقتي وقالي إنها في مركز الولادة والدكتور بيقول احتمال يولدها لو الحالة استدعت."
"تولد إزاي يا ماما دي لسة في السادس."
"البس بس بسرعة.. ريم بتلبس وأنا هستناك برا… يلا يلا.."
"حاضر يا ماما.. اديني خمس دقايق بالظبط."
عودة لنرمين…
في شقة معتصم بمجرد أن أنهت نرمين المكالمة مع ريم، ابتسمت بانتصار وهي تنظر لمعتصم النائم بجوارها ثم قالت بشر:
"أنا كنت مخططة إن ده يحصل.. بس انت ساعدتني أوي يا عصومي لدرجة إن الأمور مشيت أحسن ما كنت مخططة…"
ثم صدرت منها ضحكة خبيثة وأسندت ظهرها إلى الوسادة وهي تستعيد ما حدث منذ غادر معتصم القرية وعاد إلى شقته خائب الرجى يجر أذيال الخيبة…
عودة إلى ما قبل ذلك الحين بثلاث ساعات….
تعقبته نرمين بالسيارة وأخذت تتصل به وكأنها قلقة عليه وتحاول الاطمئنان عليه ولكن، لم يرد رغم اتصالها مرارًا وتكرارًا فأخذت تحدث نفسها بارتياح:
"كويس إنك مردتش… عشان يكون ليا حجة أجيلك بيها الشقة.. انتظرت أسفل البناية حوالي نصف ساعة قبل أن تصعد إليه، وكان آنذاك قد دلف شقته وخلع سترته وحذائه وألقاهما بإهمال ثم جلس على أقرب كرسي في طريقه، فداهمه صداع قوي كاد أن يفتك به، ربما من فرط صدمته وتفكيره بما حدث وتفاجئه من تصرف ريم… حبيبته التي طعنته في مقتل."
أخذ يبحث في كل مكان في الشقة عن أقراص مسكنة إلى أن تذكر أن نرمين كانت تتناول أقراص الترامادول حين يداهمها ألم بالرحم، فدلف غرفة النوم ليبحث عن ذلك الشريط في جميع الأدراج إلى أن وجده.
التقط منه قرصًا وتجرعه بكوب من الماء ثم جلس على حافة الفراش يدفن رأسه بين يديه في انتظار زوال الألم…
بعدما مرت النصف ساعة صعدت إليه نرمين ثم أخذت تضرب الجرس عدة مرات حتى فتح لها وقد كانت حالته مذرية للغاية.
فقد كانت عيناه حمراوين ويترنح كما لو كان ثملا، فقداه بالكاد تحملانه.
ذُعرت نرمين من مظهره ودلفت بعدما أغلقت الباب وأسندته حتى أدخلته غرفة النوم فأبعدها عنه وهو يتحدث بصعوبة:
"انتي إيه… اللي… جابك."
"معتصم.. انت مالك.. فيك إيه؟!.. انت شارب ولا إيه؟!"
"بقولك.. إيه.. اللي جابك."
"أنا اتصلت بيك كتير وانت مردتش… قلقت عليك وخوفت يكون فيك حاجة أو تعبان.. فجيت عشان أطمن عليك… وكويس إني جيت."
حين ضاقت أنفاسه وعالت ضربات قلبه بفعل تلك الحبة التي ابتلعها خلع قميصه لعل حرارة جسده تهدأ قليلًا ليكشف عن جذعه العاري أمامها، فاستغلت تلك الفرصة وقامت بخلع قميصها وبقيت بملابسها الداخلية فقط، فقد كان معتصم أيضًا يعتبر مغيبًا لا يدري بما يحدث حوله، فاقتربت منه تتحسس صدره وهي تسأله بدلال:
"انت جسمك سخن كدا ليه يا عصومي… قولي بس انت واخد إيه؟!"
زفر أنفاسه بعنف وهو يشير برأسه لذلك الشريط قائلاً:
"واخد ترامادول."
شهقت بذهول لتسأله بترقب:
"واخد قد إيه؟!"
"قرص.. كامل.."
أخذت تضربه في صدره وهي تقول بذعر:
"حرام عليك.. واخد قرص كامل؟!.. انت عمرك ما أخدت منه.. انت عايز تموت؟!.. انت كان قصدك إيه بالظبط؟!… عايز تنتحر؟!"
أمسك كفيها وهو يقول بثمالة:
"إيه؟!.. خايفة عليا؟!"
"طبعًا خايفة عليك… ده انت حبيبي يا عصومي."
"أومال هي…"
سكت ولم يكمل كلامه ولكن بالطبع نرمين فهمت عمن يتحدث، فقامت بلف ذراعيها حول عنقه ثم اقتربت منه للغاية لتقول بغنج:
"طب إيه رأيك لو نسيتهالك ونسيتك الدنيا كلها؟!"
سكت مليًا يفكر فشعر أن حرارة جسده قد ارتفعت للغاية وكامل جسده ينتفض، فلم تترك له الفرصة لتجذبه حتى أصبحا قبالة الكاميرا مباشرة وفعلت ما فعلت ولكنها لم تنل كل ما أرادت فقد سقط بعد دقائق فاقدًا للوعي أو ربما سقط نائمًا.. ولكن على أية حال التقطت الكاميرا مشهدًا ساخنًا سيجعل ريم تحترق لا محالة.
رواية مهمة زواج الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم دعاء فؤاد
حين وصل إلى المنزل قام بصف سيارته في مكانها المعتاد.
"انزلي يا ندى يلا."
قالها وهو يغلق محرك السيارة، لكنها لم تتحرك. نظر لها ليجدها مستغرقة في النوم.
ابتسم له ابتسامة حانية، ثم مدت يده إلى وجنتها يهزها برفق لكي تستيقظ، ولكن دون جدوى.
بعد عدة محاولات فاشلة، اضطر لأن يترجل من السيارة ويفتح الباب من ناحيتها. انحنى ليضع يدًا أسفل ركبتيها والأخرى أسفل خصرها ليحملها بخفة، وأغلق الباب بقدمه. دلف مباشرة ليصعد المصعد إلى حيث شقته، فتح الباب بالمفتاح بصعوبة ثم دلف وأغلق الباب بقدمه. ذهب لغرفته ووضعها برفق على الفراش.
زفر أنفاسه على مهل، ثم خلع لها نعليها وفك حجابها وعدل من وضعية رأسها على الوسادة. طبع قبلة على جبينها، ثم توجه إلى الخزانة ليستخرج ملابس للنوم. بدل ملابسه وتوضأ وصلى الفجر، ثم استلقى بجوارها بارهاق بالغ ليغرق في النوم في غضون ثوان.
في تمام الثامنة صباحًا، فتح عينيه ليجدها تنظر له ببسمة واسعة، مرتدية كامل حجابها وعلى فستان رقيق من الكتان. ابتسم لها وهو يقول بصوت متحشرج من أثر النوم:
"صباح الجمال، لابسة كدا ورايحة على فين؟!"
قبلته من وجنته برقة، ثم قالت بحماس:
"قوم بسرعة يلا عشان تلحق تلبس وتوصلني الجامعة عشان مش عارفة الطريق كويس."
قطب جبينه بدهشة وقال:
"أخيرًا قررتي تروحي؟!"
"أيوة، فات أسبوعين كاملين من الدراسة ومروحتش ولا يوم، أكيد فاتتني حاجات كتير."
نهض من نومته وهو يتثائب، وقال وهو يمد يده لها:
"طب شديني بقى قوميني عشان دايخ من قلة النوم."
استجابت له ونهضت من جانبه ووقفت أمامه. ببراءة جذبته من يده، إلا أنه كان أقوى منها ليسحبها من يدها لتسقط فوقه. انقلب بها لتكون هي تحته، ثم استند بكوعيه إلى الفراش محتجزًا رأسها بينهما. أخذت تنظر له بذهول، فدائمًا ما يباغتها بحركاته السريعة.
ابتسم أدهم وهو يتأملها بعشق بالغ، بينما هي تبادله النظر بخجل. فلأول مرة منذ زواجهما الذي مر عليه أكثر من ثلاثة أشهر، يقتربان لتلك الدرجة.
"مش كفاية بُعد بقى."
قالها بنبرة مثيرة أجفلت منها وجعلت قلبها ينبض بعنف بين جنباتها. ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة مهتزة:
"كفاية."
نظر لها قليلاً يتأملها بهيام، وكأنه يرسم ملامحها في عينيه حتى ترافقه دائمًا إذا ما أغمضهما. وهي أيضًا أخذت تتأمل تفاصيل وجهه الوسيم ذي الملامح الحادة المريحة. بعد دقيقة أو أكثر، نهض عنها ومد يده لها لتتمسك بها حتى نهضت هي الأخرى لترتطم بصدره العريض. لم يُفلتها، وإنما أحاط خصرها بذراع واحدة ليقول بنبرة شجية:
"لو ما كانش ورانا أشغال استحالة كنت سيبتك، بس ملحوقة. هستناكي وهتستنيني بالليل إن شاء الله، مش كدا؟"
هزت رأسها بإيجاب، وهي ترمقه ببسمة هائمة سحرته وجعلته يغمض عينيه بانتشاء. تلك البسمة الصافية ستفقده عقله لا محالة. تركها على مضض ثم توجه نحو الخزانة وهو يقول:
"اديني عشر دقايق بالظبط وهكون جاهز يا دكتورة ندى."
تمالكت نفسها بعدما بعثر كيانها، ثم ضحكت بعدما نعتها بالدكتورة وقالت:
"تمام يا أدهم بيه، يا ريت متتأخرش."
ضحك بقهقهة ثم جذبها ليحتضنها وهو يهمس:
"شامم ريحة تريقة في كلامك."
"امممم... لأنك فكرتني بأول مقابلة بينا وأنت بتستقبلني في المطار وبتقولي 'حمد الله على السلامة يا دكتورة ندى'."
كانت تحاول تقليد نبرة صوته وجديته في الحديث، الأمر الذي أثار ضحكاته أكثر. توقف بصعوبة عن الضحك ثم قرصها من وجنتها وهو يقول بمزاح:
"مكنتش أعرف إن دمك خفيف أوي كدا يا حياتي."
"طب يلا بقى عشان العشر دقايق كدا خلصوا وهنتأخر إحنا الاتنين."
تركها على مضض واتجه للمرحاض ليأخذ حمامه الصباحي.
بعد حوالي ربع ساعة، كانا في طريقهما إلى الجامعة الخاصة الذي كان قد قدم أوراقها فيها آنفًا فور عودتها من الولايات المتحدة. قام بتوصيلها إلى كلية الصيدلة حيث تستكمل ندى دراستها بعدما أنهت أربعة أعوام دراسية هناك. قام أولًا بمساعدتها في التعرف على مدرج فرقتها وأحضر لها جدول محاضراتها. تركها بعدما اطمأن عليها وانصرف إلى مقر عمله.
أخذت ندى تتجول بالجامعة تحاول استكشافها. جلست قليلًا في كل مكان تمر به ويعجبها.
بعد مرور ساعة تقريبًا، شعرت بأنامل تطرق على كتفها. التفتت للطرق لتجد أمامها شابًا طويلًا عريض المنكبين يرتدي حلة سوداء ونظارة شمس سوداء، يشبه الحراس الشخصيين. قال لها بنبرة رسمية:
"حضرتك ندى هانم، مدام أدهم بيه الكيلاني؟"
"أيوة أنا... حضرتك مين؟"
"أدهم باشا يبقى مديري... هو للأسف عمل حادثة وهو رايح الشغل من شوية وهو حاليًا في المستشفى وبعتني لحضرتك عشان عايز يشوفك."
اضطرب كيانها وتوعكت معدتها من الخوف لتصيح بقلق بالغ:
"إيه؟! إزاي؟! طب... طب هو فين وعامل إيه؟"
"الحمد لله جات سليمة... اتفضلي معايا حضرتك وأنا هوصلك لحد المستشفى."
سارت خلفه وهي تشعر بأن قلبها سيخرج من مكانه من الرعب على من امتلك قلبها ووجدانها. هي لن تتحمل فقدًا جديدًا. قلبها لن يتحمل.
بمجرد أن ركبت السيارة مع ذلك الغريب، امتدت يد من الخلف نثرت بخاخًا في وجهها. غابت عن الوعي في الحال بمجرد أن استنشقت ذلك الرذاذ. ابتسم صاحب تلك اليد بانتصار وهو يقول لصاحبه: "good job".
ظلت تضرب صدره بكلا كفيها لعله يتراجع، ولكنها ظل يتابع مقاومتها التي كانت بلا جدوى بتسلية. فجأة اقترب منها ليقبل عنقها ببطء، مما جعل مقاومتها تزداد عنفًا لتحاول وقتها تحر...
أشد الجروح ألمًا ليست التي تبدو آثارها في ملامح أبطالنا، بل التي تترك أثرًا لا يشاهده أحد في أعماقهم.
هي ✨ لم تخبره بمخاوفها ... ولكن نقطة نور في أعماقها المظلمة صرخت بـ ...
استيقظ معتصم ليجد أن جذعه العلوي عارٍ وشعره أشعث، ويشعر بآلام متفرقة في كامل عظام جسده.
نهض ليجلس بالفراش وهو يحاول تذكر آخر ما حدث معه وكيف أتى إلى شقته وما حدث بعد ذلك، ولكن أبداً لم يتذكر سوى تلك الرسالة اللعينة التي وصلته من ريم والتي أنهت على قلبه وحولته إلى قلب أسود يحمل كرهًا وحقدًا على قدر ما حمل لها من حب.
بعد عدة دقائق من التفكير فيما مر به من ذكريات معها، تحولت ملامحه إلى القسوة ليقرر أن يقيد قلبه بسلاسل من حديد حتى لا ينبض مرة أخرى لا لها ولا لغيرها. فقد أدرك مدى حماقته حين ترك لقلبه العنان وسمح له بأن تمتلكه أنثى تتلاعب به وفي النهاية تقتله بخنجر مسموم.
أخذ يبحث عن هاتفه حتى وجده، فقام بفتحه ليجد عدة مكالمات فائتة من نرمين بالأمس، ولكن لم يهتم كثيرًا. كانت أيضًا توجد مكالمات فائتة من شقيقه حمد.
اتصل بحمد ليأتيه صوته بعد ثوان:
"صح النوم يا عصوم... إيه يا بني برن عليك من بدري."
رد عليه بصوت متحشرج من أثر النوم:
"معلش يا حمد كنت نمت متأخر ومسمعتش الموبايل."
"ولا يهمك يا عمي، إيه الأخبار؟! مش ناوي تنزل البلد بقى؟ أنا زهقت ومش عارف أدير المزارع زيك ومشاكل الفلاحين كتير وكلهم بيسألوا عليك."
"أنا جاي النهاردة إن شاء الله... هعدي بس ع الشركة الأول هخلص شوية شغل كدا وأعرف هشام إني نازل عشان يعمل حسابه وياخد مكاني لحد ما أنت ترجع."
"يا معلم أنا من بكرة إن شاء الله هكون في القاهرة."
"أومال زهقت في شهر العسل؟!"
ضحك حمد بسخرية ثم قال:
"يا عمي كفاية عليا كدا عسل، حاسس إني هيجيلي السكر من كتر العسل اللي غرقان فيه."
ضحك معتصم رغم بركان الغضب الثائر بداخله ثم قال:
"لا خلاص إن كان كدا يبقى ترجع القاهرة... أنا برضه ما يرضنيش يجيلك سكر لا قدر الله."
"تمام يا معلم هستناك... عشان فيه كلام كتير عايزين نتكلم فيه."
"تمام يا كبير... سلم لي ع الحاجة وعرفها إني هكون عندكم على آخر اليوم بإذن الله."
"ماشي يا حبيبي في انتظارك، توصل بالسلامة إن شاء الله."
"الله يسلمك، مع السلامة."
وصل أدهم إلى مقر عمله متأخرًا ليستقبله آسر بسخرية:
"ناموسيتك كحلي يا أدهم باشا... إنت مش عارف إن فيه اجتماع بعد خمس دقايق بالظبط مع سامي باشا والمفروض إننا نحضرله من ساعة فاتت؟"
ارتمى على الكرسي وهو يتثائب من قلة النوم ثم قال بارهاق:
"أنا عارف إن إنت صاحب جدع وخلصت التحضيرات كلها... معلش بقى يا أسور حصلت ظروف في البيت خلتني أتأخر غصب عني."
"إن شاء الله يكون خير."
"خير، روان أختي كانت تعبانة شوية بس الحمد لله عدت على خير وبقت كويسة."
"ألف سلامة عليها... المهم جاتلنا أخبار من الإنتربول بمكان العصابة المتورطة في قتل أنور باشا في أمريكا. وفيه خبر بس مش متأكدين منه إنهم على اتصال بناس هنا في القاهرة بتخلصلهم شغلهم وحاليًا فيه حاجة بيدوروا عليها بس مش عارفين إيه هي. وفي الاجتماع هنناقش التفاصيل ونحاول نوصل للمعلومات اللي بيدوروا عليها وبيحاولوا يوصلوا لها... ولو إن المهمة دي صعبة أوي يا أدهم."
ربت أدهم على كتفه وهو يقول بثقة:
"إن شاء الله هنلاقيهم يا آسر وهنخلص عليهم كلهم... وإن محصلش يبقى مستاهلش أقعد في مكاني دا يوم واحد بعدها."
ابتسم له آسر قائلًا بحماس:
"وإنت قدها يا أدهم يا برهام... يلا بينا عشان منتأخرش."
"يلا."
انتصف النهار حين عادت ندى إلى المنزل وهي تدخل الشقة بارهاق شديد وتبدو على ملامحها الاعياء والبكاء.
ومن سوء حظها اصطدمت بتيسر وهي في طريقها لغرفتها لتستوقفها مذعورة:
"إيه دا مالك يا ندى؟! إنتي شكلك مبهدل كدا ليه يا بنتي وعينيكي حمرا؟ إنتي كنتي بتعيطي؟!"
ابتلعت ريقها بتوتر ثم حاولت أن تختلق حجة تبرر بها حالتها المذرية لتقول بكذب:
"لا أبداً يا ماما... أنا بس عديت على قبر بابا الله يرحمه وهناك مقدرتش أمسك نفسي وحالتي النفسية كانت وحشة أوي وأنا قاعدة معاه وبكلمه وغصب عني عيطت كتير."
تنهدت باشفاق بالغ ثم قالت بحنو:
"ربنا يصبرك يا حبيبتي... بس إنتي عرفتي تروحي هناك؟"
ردت بارتباك:
"أه... أه، أخدت تاكسي وقولتله ع العنوان... بعد إذنك يا ماما هدخل أرتاح شوية."
"تمام يا حبيبتي... وفاء بتجهز الغدا، لما تخلصي تكوني ارتحتي شوية."
هزت رأسها بإيجاب حتى تهرب من أمامها سريعًا، فقدماها أصبحتا كالهلام وتقف عليهما بصعوبة.
بمجرد أن دلفت ندى غرفتها ارتمت على الفراش تحاول تجاوز تلك الصدمة التي أصابتها اليوم. فما حدث سيغير مسار حياتها مع أدهم التي ظنت أنها أخيرًا ستحياها معه كما حلمت دائمًا، ولكن لم يُكتب لها أن تعيش الحلم معه بعد.
نهضت بتثاقل لتلتقط هاتفها لتقوم بتشغيل مقطع فيديو للمرة التي لا تعرف عددها. فقد أُرسل لها اليوم في وقت سابق وكان مفاده:
"أدهم يترجل من سيارته بعدما صفها بمكانها المعتاد أمام مبنى العمليات الخاصة، وفي الجهة المقابلة فوق سطح أحد المباني العالية يقف هناك قناص ملثم يصوب ناحية أدهم سلاح الكلاشنكوف، وتلك النقطة الحمراء تسير خلف رأسه تمامًا إلى أن اختفى بعدما دلف المبنى."
لم تستطع منع نفسها من البكاء رغم رؤيتها لذلك المقطع عشرات المرات ورغم اتصالها به وتأكدها من أنه بخير. ولكن تلك العصابة التي أرسلت لها ذلك الفيديو جعلوه تذكيرًا لها لتضعه دائمًا نصب عينيها إن لم تفعل ما أمروها به.
نهضت بصعوبة لتأخذ حمامًا دافئًا لعل جسدها يسترخي قليلًا. ثم بعد ذلك توضأت وصَلت ما فاتها من فروض. ثم صلت ركعتين قضاء حاجة وبكت كثيرًا وهي تتضرع إلى الله بأن ينجيها من تلك المحنة ويحفظ لها زوجها، ولو كان ذلك على حساب روحها. فإن تموت وتفارق الحياة خير من أن تفقده وتكون هي السبب وتزهق روحها حسراتٍ عليه.
عادت ريم من مركز الولادة إلى المنزل بعدما اطمأنت على شقيقتها لتطمئن أمها على حالة روان. ثم استأذنتها لتستريح قليلًا فهي لم تستطع النوم في ذلك المكان.
بمجرد أن دلفت غرفتها أتاها اتصال من خالد لترد عليه. فأخبرها أنه قد أخذ موعدًا مع أدهم الليلة ليتفقا على موعد الزفاف.
مثلت أنها سعيدة حتى لا يشعر بشيء غريب، وأخبرته أنها ستكون في انتظاره هي وعائلتها.
عند المغيب، عاد أدهم من عمله متلهفًا لرؤية محبوبته. دلف مباشرة إلى غرفته ظنًا منه أنها تنتظره بها، ليفتح الباب وينصدم حين رأى الغرفة خالية.
"أكيد قاعدة مع ريم بتساعدها عشان خالد جاي."
دخل متوجهًا إلى الخزانة واستخرج ملابس منها، ثم توجه نحو المرحاض ليأخذ حمامه ويبدل ملابسه.
بعد نصف ساعة، كانوا جميعًا ملتفين حول طاولة العشاء يأكلون في صمت. فرُيم هائمة فيما هي مقبلة عليه من تهور. ربما تتخطى معتصم وتعيش حياة سعيدة مع خالد، وربما تصبح أكثر تعاسة.
بينما تيسير تفكر في روان وما أصابها من خطر في حملها بعدما أصيبت بتسمم الحمل وارتفع ضغطها وأصبح حملها على المحك.
أما ندى، كانت تنبش بطبقها بالملعقة شاردة فيما حدث معها اليوم. حادثة لم تكن تتوقعها ولا في أسوأ كوابيسها. الخطر يحوم حولها وحول زوجها بالأخص. كيف تتصرف؟! هل تستسلم لتلك العصابة وتهدم علاقتها به حفاظًا على حياته؟ أم...؟!
لا، هي لن تعرضه للخطر ولو كلفها ذلك أن تختفي من حياته إلى الأبد.
بينما أدهم كان يأكل وهو يراقبهم باستغراب، فما بالهن كلهن شاردات؟! وكان جل تركيزه مع ندى.
ظن أنها ربما تكون متوترة من لقائهما المرتقب ليلاً بعد انتهاء لقائه بخالد كما طلب منها.
نعم، إنها فقط متوترة، لذلك تتهرب من نظراته وغمزاته لها بعينيه كل حين وآخر أثناء تناولها للطعام. هكذا كان يُحدث نفسه.
وصل معتصم للبلدة لتوه ليتجه مباشرة إلى مجلس أمه حيث افتقدها للغاية.
ركض إليها لتمد إليه ذراعيها فارتمى بأحضانها الحانية، وأخذا يتبادلان الأحضان ويقبل رأسها وكفيها وهو يقول:
"اتوُحشتك جوي جوي يا أمايا."
ربتت على كتفه وعيناها دامعتين من فرط الاشتياق، ثم قالت بعتاب:
"بجى أكده يا مِعتِصِم... شهر بحاله مشوفش خلجتك الزينة دي؟!"
انحنى يقبل كفها مجددًا ثم قال باعتذار:
"حجك عليا يا ست الحبايب... ما أعملهاش تاني واصل."
أخذت تتأمله بوله لتنتبه إلى لمحة الحزن التي كست ملامحه لتقول بوجع:
"مالك يا ولدي؟!... لتكون لسة زعلان عشان محصولش نصيب في چوازك من الدكتوراه."
حاول قدر الإمكان أن يبدو طبيعيًا رغم نصال الألم التي تمزق بقلبه، ثم قال ببسمة مصطنعة:
"هزعل ليه عاد؟... أديكي قولتي محصولش نصيب."
وضعت كفها على وجهه تحتضن وجنته براحتها وهي تقول بحنو:
"شاور إنت بس هتلاقي العرايس بتترمى تحت رجليك... ألف مين يتمنى يناسب معتصم البدري كبير البلد وحاكمها."
غالب الحزن الذي خيّم عليه رُغمًا عنه ليتهرب من تلك المشاعر بقوله:
"أومال فين حمد؟"
نادت السيدة آمنة والدته بعلو صوتها على الخادمة لتهرول إليها بعد ثوانٍ، فأمرتها بإخبار حمد بوصول شقيقه معتصم.
فعلت ما أمرتها به سيدتها ليخبرها حمد بقدومه بعد دقائق.
كان يرتدي ملابسه حين وقفت خلفه صافية تناظره بضيق بالغ كان متجليًا على ملامحها. لينظر لها عبر المرآة وهو يمشط شعره ويسألها بتوجس:
"خير؟! إيه الوش دا؟"
ربعت ذراعيها أمام صدرها وسألته بترقب:
"إنت هتسافر مصر ميتى؟"
"بكرة إن شاء الله."
"وهتسافر وتسيبني أكده لا طولت سما ولا أرض؟"
توقف عن تمشيط شعره حين لمح تغير نبرتها في الحديث وتكلمها بطريقة مبهمة، ليسألها بدهشة:
"بمعنى؟"
"يعني إني هحمل إزاي وإنت بعيد عني يا حمد؟"
استدار إليها بعدما وضع الفرشاة جانبًا ثم سألها:
"وإنتِ عايزة تحملي يا صافية؟"
ردت بتصميم:
"أيوه... ومحملش ليه عاد؟"
"إنتي عارفة إنتي عندك كام سنة؟! دا إنتي لسة عيلة مكملتيش ١٥ سنة."
ردت بوقاحة وبصوت مرتفع:
"متجوليش عليا عيلة... إني زينة البنات كلها."
رد عليها بنبرة أعلى:
"والله عال... كبرتي وبقيتي تعلي صوتك عليا كمان."
تجاهلت كلامه لتسترسل حديثها بوقاحة:
"إني مش أقل من أي واحدة عشان تهملني أكده وتروح لبنت مصر اللي على كيفك... إني خابرة زين إنك هتسافر عشان تشوفلك بنت زينة من بنات بحري المايصين... بتوع بابي ومامي كيف ما بنشوفهم في التلفزيون... ماهو إني مش كد المجام."
أخذ ينظر لها بذهول تام، أيعقل أن تكون هذه صافية؟ متى أصبحت متمردة هكذا؟
"إنتي جايبة الكلام دا منين؟! دا مش كلامك يا صافية... دا كلام الست أمك."
ردت عليه بصوت مرتفع للغاية وصل إلى مسامع الموجودين بالدوار:
"ماله كلام أمي... أمي هي اللي عرفتني كل حاجة وفتحت عيني على حاجات مكنتش أعرفها... إني عرفت دلوقتي إنت مرايدنيش أتحدت معاها ليه."
علا صوته أكثر مما جعل معتصم يهرول إليه ومن خلفه أمه حيث صاح بعلو صوته:
"أنا كام مرة حذرتك متمشيش ورا كلام أمك؟! أمك دي هي اللي هتخرب عليكي... إنتي إمتى بقى هتفكري بدماغك زي البني آدمين يا شيخة؟!"
في تلك اللحظة، طرق معتصم باب شقته بإلحاح ليتركها ويفتح له الباب ليدخل معتصم وهو يصيح:
"إيه في إيه؟! صوتكم واصل آخر الدوار."
اندفعت صافية لتقول ببكاء:
"حمد مرايدش مني عيال يا كبير."
نظر لها حمد بصدمة، لترد عليها السيدة آمنة والدته:
"لسة ماناش الأوان يا بتي."
ردت بعدم وعي:
"وهيجي ميتى يا خالة وإني وهو عايشين مع بعضنا كيف الأخوات."
اتسعت عينا حمد بصدمة بالغة، فقد وضعه في وضع حرج للغاية. بينما معتصم نظر له بخيبة، أما السيدة آمنة شهقت بذهول وهي تضرب بكف يدها على صدرها مرددة:
"يا فضيحتك يا آمنة... يا مرارك الطافح يا آمنة..."
حاوطها معتصم من كتفها وهو يقول:
"معلش يا أمايا انزلي دلوقتي وكل حاجة هتتحل."
استجابت له أمه بعدما ألقت نظرة حارقة على حمد لتنزل وهي تندب حظها وتخشى من الفضيحة.
في تلك اللحظة، انقض حمد على صافية يجذبها من شعرها لتصرخ بألم وهو يصيح بها بغل:
"إيه اللي إنتي قولتي دا يا بنت الـ...، إنتي اتجننتي.. إنتي خلاص عيارك فلت... أنا خلاص مش عايزك ولا عايز أشوف خلقتك."
ثم ألقاها على الأرض بينما معتصم جذبه من ذراعه لينهره بحدة:
"بس بقى... إنت فاكر إن إنت كدا بتداري على خيبتك؟"
صاح به بانفعال:
"مسمحلكش تقولي كدا يا معتصم."
"ياخي بقى تسمح ولا ماتسمحش... إنت إزاي تعمل فينا كدا؟! مفكرتش إن لو حد عرف الكلام دا هيقول عليك إيه؟"
"عارف... عارف كويس أوي عقلية الناس اللي هنا... طبعًا محدش فيهم هيقدر إني خايف عليها وعملت كدا لمصلحتها... هي نفسها مقدرتش."
"اسمع يا حمد... هي كلمة ومش هتنيها... دخلتك عليها هتكون الليلادي."
أخذ يلوح بيديه بغضب بالغ وهو يقول بانفعال:
"مش هيحصل... مش دي كمان هتغصبني عليها."
صاح به بنبرة تحذيرية:
"حمد... إنت عايز تجرسنا في البلد؟"
"أنا مش قاعدلكوا في البلد دي تاني... أقولك أنا هريحكم مني خالص..."
ثم نظر لصافية المسجية على الأرض تبكي بحسرة:
"إنتي..."
لم يكمل كلامه حيث انقض عليه معتصم ليكمم فمه بيده قبل أن ينطق كلمة الطلاق ليقول له بنبرة قاسية:
"وربي إن نطقتها لا إنت أخويا ولا أعرفك... ومتورينيش وشك للأبد."
نزع حمد يد معتصم من على فمه ثم تركه وغادر من أمامه مخلفًا وراءه عاصفة من الغضب والخذلان. وبقي الآخر ينظر في أثره وهو يصك فكيه من الغيظ.
يتبع...
رواية مهمة زواج الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم دعاء فؤاد
بعد الكثير من الإقناع من قبل خالد وافق أدهم أخيرًا على تقديم موعد الزفاف لبعد أسبوعين من اليوم واتفقوا على بدء التحضيرات من الغد من شراء فستان الزفاف وحجز الفندق الذي سيقام فيه الحفل وطباعة الدعوات وما إلى ذلك.
حين غادرت أسرة خالد استأذنت ريم من أسرتها بالدخول إلى غرفتها لتنام فهي لم تنم بما فيه الكفاية حيث انشغلت بتجهيز نفسها لاستقبال خالد وأسرته، بالطبع كانت تلك حجتها للهرب منهم حتى لا يلاحظوا ندمها على قرارها المتهور، ولكن في كل الأحوال عنادها كان أقوى من أن يجعلها تتراجع.
بينما ندى تحججت بالدخول إلى المطبخ لتعد لنفسها مشروبًا ساخنًا، فانتظر أدهم لحظات ثم دلف خلفها ليجدها واقفة أمام الموقد شاردة ولا تفعل أي شيء.
حتى أنها لم تشعر به حين وقف خلفها منتظرًا أن تلتفت له، ولكن لا حياة لمن تنادي.
أحاط خصرها بذراعيه من الخلف ففزعت من لمسته وهمت لتستدير له إلا أنه ثبتها بجسده ثم همس بجوار أذنها:
"متخافيش يا ندى.. دا أنا يا حياتي."
توترت أوداجها لتقول:
"أدهم ميصحش كدا.. ممكن حد يدخل علينا فجأة."
قام بفك حجابها التي كانت ترتديه أثناء تواجد الضيوف ثم حرر عقدة شعرها ليتنفس رائحته الذكية باستمتاع وهو يقول بنبرة هائمة ومازال محتضنها من الخلف:
"متقلقيش محدش هيدخل.. ريم نامت وماما بتصلي القيام في قوضتها ووفاء مشيت."
ترك خصرها وامتدت يديه ليمسكا يديها المتدلية بجانبها فشعر ببرودتهما، فتجعد جبينه باستغراب:
"مالك يا ندى.. ايديكي باردة كدا ليه؟!"
لم ترد وبدا عليها التوتر الشديد فظن أن ذلك بسبب خوفها من لقائهما المرتقب.
حانت منه ابتسامة عاشقة حين وردت على رأسه تلك الفكرة فضم جسده إليها أكثر ثم قال بنبرة زلزلت كيانها:
"ندى أنا بحبك.. ومن اللحظة اللي قلبي دقلك فيها وأنا مستني الليلة اللي هنكمل بعض فيها ونكون روح واحدة.. مينفعش تخافي مني أصلاً.. يعني المفروض انتي كمان تكوني حاسة باللي حاسس بيه دلوقتي."
بدأت عينيها تتلألأ بالدموع، لو يعلم كم تمنت تلك اللحظة وانتظرتها لما ظن تلك الظنون الخاطئة.
لو يعلم أنها تريد أن تندمج مع جسده كعطره بلا خجل أو حياء لما قال لها ذلك.
ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، والفراق قادم لا محالة.
استرسل كلامه بمزيد من الاشتياق ويديه تضغط على كفيها:
"ضيعنا وقت كتير أوي يا حبيبتي.. كفايا بعاد بقى.. قلبي معادش مستحمل بعدك عني.. دايما وحشاني رغم إننا عايشين تحت سقف واحد.. بس الظروف دايما بتبعدنا لدرجة إني ساعات بحس إن مش مكتوبلنا نكون لبعض.. بس برجع وأستعيذ بالله من الشيطان وبحاول أقنع نفسي إنها مسألة وقت مش أكتر."
كلماته أشعلت فتيل همومها المكبوتة بداخلها منذ تلك الحادثة اللعينة فجاهدت عبراتها لألا تسقط، فيبدو أن شعوره في محله تمامًا.
تركها على مضض فاستدارت لتواجهه بعدما حاولت السيطرة على كآبتها لتبدو طبيعية، فتحدث بنبرة ذات مغزى:
"أنا هدخل آخد شاور وأغير هدومي…"
انحنى ليطبع قبلة على وجنتها ثم قال بغمزة عين:
"هستناكي."
أومأت برأسها وانتظرته حتى خرج من المطبخ ودلف غرفته، فسقطت على الأرضية متكومة على نفسها ثم انخرطت في بكاء مرير. أبعد أن امتلكت قلبه وأصبح اللقاء وشيكًا تنهار آمالها لتذهب مجددًا إلى نقطة البداية؟!.. ولكن تلك المرة ستكون ذهابًا بلا عودة.
بعد دقائق قليلة خرجت من المطبخ ثم ذهبت مباشرة إلى غرفتها وجلست قليلًا تفكر في حجة لتمرر بها الليلة دون أن يلتقيا كما أخبرها مسبقًا.
وفي تلك اللحظة رن هاتفها برقم غير مسجل فارتعش جسدها من الخوف ثم لمست أيقونة الإجابة بيد مهتزة لتجيب المتصل:
"ألو.."
رد عليها رجل يقول بنبرة مخيفة:
"الباشا بيقولك قدامك يومين بالظبط وتنفذي اللي قولنالك عليه."
انهمرت دموعها بغزارة لتقول برجاء:
"لا لا مش هينفع والله… بالله عليك استنى بس بعد ما فرح أخته يعدي.. أنا مش ههرب منكم ولا عندي استعداد أخسر أدهم بس اديني بس أسبوعين على ما الفرح يعدي."
سكت الرجل قليلًا ينتظر رأي سيده الذي أومأ له بالموافقة، فرد عليها بنبرة تحذيرية:
"الباشا بيقولك تاني يوم الفرح الصبح لو ما سيبتيش البيت وسلمتينا الحاجة يبقى انتي كدا بتحكمي بموت حبيب القلب."
ردت باندفاع:
"لا أدهم لا.. هسيب البيت ومش هيشوف وشي تاني ولا هيعرف أي حاجة وهعمل كل اللي هتقول عليه… بس الله يخليك متأذيهوش.."
"تمام يا بنت أنور باشا."
أغلقت الهاتف وتجعدت ملامحها باشمئزاز وهي لازالت تبكي بحرقة.
وفي الناحية الأخرى..
طال انتظاره لها حتى تسلل إليه الشعور بالضيق وبدأ يزفر أنفاسه بعنف من ملل الانتظار، ترى لما لم تأت بعد؟!
حين ضاق ذرعًا من الانتظار لم يجد بد من تفقدها لعل هناك أمرًا ما.
طرق الباب ودلف مباشرة فقامت بإخفاء الهاتف سريعًا أسفل الوسادة، فنظر لها باستغراب بعدما لمح وجنتيها المبللتين بالدموع وركض إليها مذعورًا ليحيطها بذراعيه وهو يقول بقلق:
"مالك يا ندى بتعيطي ليه."
لم تستطع منع عينيها من البكاء مجددًا خاصة بعدما شعرت بدفئ حضنه التي ستحرم منه.
أخذ يمسد على شعرها وظهرها وهو يضمها إلى صدره أكثر ويسألها بقلق:
"مالك بس يا حبيبتي… في حاجة بتوجعك؟!"
فقط هزت رأسها بإيجاب فسألها وهو مازال يمسد على ظهرها:
"طاب إيه اللي بيوجعك."
وضعت يدها على قلبها فازداد نحيبها أكثر وهي تخفي وجهها بصدره ثم سرعان ما أنزلت يدها لبطنها وهي تقول ببكاء:
"بطني بتوجعني."
"بتوجعك من إيه؟! يعني واخدة برد ولا إيه بالظبط؟!"
"عندي مغص.. مغص يا أدهم.."
"طاب البسي وتعالي نروح لدكتور."
ردت بتوتر وهي تقول بكذب:
"لا المغص دا مش محتاج دكتور.. أنا عارفة سببه… هاخد حاجة مسكنة وأشرب حاجة دافية وإن شاء الله هبقى كويسة."
رد بانفعال طفيف:
"طاب عرفيني إيه السبب عشان أكون مطمن عليكي."
نظرت له بخجل وهي لا تدري كيف تشرح له ذلك الأمر ولو بالكذب، فردت وبؤبؤي عينيها يتحركان بعشوائية:
"مغص.. يعني… بيحصل لكل البنات."
سكت قليلًا يحاول فهم ما تقصده إلى أن فهم بالفعل ما ترنو إليه، فهز رأسه بإحباط وهو يقول بوجه متجهم:
"آه فهمت… تمام.. ألف سلامة عليكي."
نظرت إليه وهي تشعر نحوه بالذنب لتسأله بترقب:
"انت زعلت يا أدهم؟!"
حانت منه شبه ابتسامة ثم نظر لها بملامح عادية وهو يقول:
"لا أبداً يا حبيبتي.. دي حاجة انتي مالكيش ذنب فيها."
عادت تدفن رأسها في صدره بينما هو يردد في نفسه "يا الله لسة مآنش الأوان…الصبر"
باغتها بسؤاله بنبرة محبطة:
"فاضل كام يوم؟!"
بهتت من سؤاله ومن اضطرارها للكذب عليه للمرة التي لم تعد تعرف عددها…
لترد عليه بضمير معذب:
"خمس أيام."
زفر أنفاسه على مهل محاولًا السيطرة على ضيقه ثم أسند ذقنه إلى رأسها وظلا على هذا الوضع إلى أن غلبهما النوم وسقطت رأسيهما على الوسادة.
كان معتصم يتفقد خيوله في اسطبل الخيول حين أقبل عليه خفيره سمعان يخبره بأن حمد يضب أغراضه وملابسه مصرًا على المغادرة الليلة.
ترك ما بيده وركض إليه وهو يسب غباء شقيقه وتهوره الذي ليس له أي داعي.
بعد دقائق فتحت له صافية الباب ليجد آثار البكاء على وجهها ليسألها:
"انتي لساتك بتبكي يا صافية؟!"
ردت بعدما أجهشت في البكاء من جديد:
"حمد بيلم هدوماته وهي يسافر برة البلد يا كبير؟!"
"برة البلد كيف يعني؟!"
تخطاها ليدخل إلى غرفة شقيقه، وراح ينهره بحدة وهو يجمع أغراضه بحقيبة كبيرة:
"انت بتعمل إيه يا حمد؟!"
رد بلامبالاة:
"زي ما انت شايف كدا… هسافر القاهرة الليلة عشان من الصبح هبدأ في إجراءات السفر لـ لندن؟!"
"نعم ياخويا؟!.. لندن؟!.. إحنا هنرجع تاني للكلام الفارغ دا؟!"
ألقى بذلك القميص الذي كان يضعه في الحقيبة بعصبية ثم نظر له بحدة وهو يقول:
"أنا خلاص خدت قراري ومش راجع فيه.. ومافيش قدامي وقت.. الدراسة بدأت بقالها أسبوعين."
صاح به بانفعال:
"ماقولتلك ميت مرة حضر الماچيستير هنا وانت كنت اقتنعت.. إيه علاقة اللي حصل بينك وبين مراتك بقرارك دا يا حمد؟!"
"عشان أريحكم مني خالص.."
سكت معتصم يناظره بغضب يود لو يكسر رأسه، فهتف به حمد برجاء:
"معتصم عشان خاطري متقفش في طريقي… أنا لو مسافرتش مش هيحصل طيب.. والإنسانة اللي برا دي مش هخليها على ذمتي بعد اللي عملته النهاردة… فسيبني بقى أبعد بدل ما أعملها وأطلقها وأجرسكم في البلد."
"هو لوي دراع يا حمد؟!"
"مش لوي دراع ولا حاجة… بس أنا فعلاً اتقفلت منها ومن البلد كلها… سيبني أفصل شوية بقى وأحاول أنسى اللي حصل."
"طاب ما انت كنت هتسافر مصر بكرة.. وأهو هتكون بعيد عنها برضو."
"يا سيدي وأنا عايز أكمل دراسات عليا.. طموحي موديني على لندن والفرصة لسة قدامي والتقديم لسة مفتوح… ومش عايز أضيع الفرصة دي بعد إذنك يا معتصم."
"أمك هتزعل ومش بعيد تتعب يا حمد."
"هتزعل شوية وبعد كدا هتتعود.. وأنا هقنعها متقلقش."
كان ذلك الحوار دائرًا ويبدو على حمد الإصرار حيث لم يتوقف طيلة حديثه عن جمع ملابسه وأغراضه وأوراقه الضرورية.
"طاب سافر الصبح.. يابني الصباح رباح."
"يووه يا معتصم.. ياخي بقى سيبني براحتي.. قولتلك مفيش قدامي وقت كتير… وممكن تخرج عشان أغير هدومي؟!"
نظر له وهو يغلي من الغيظ ثم تركه وغادر غير راضٍ تمامًا عما هو مقدم عليه من تهور.
هبط إلى أمه التي كانت تبكي منذ أن علمت بذلك الخبر، ليجلس بجوارها ثم انحنى يقبل يدها ورأسها وقال بجدية:
"متحزنيش نفسك يا امايا… حمد مجروح وف نفس الوقت محروق من الكلام اللي صافية قالته قدامنا.. مكانيش يصح منها تجول الكلام ده في وجودنا."
أخذت تمسح وجهها من الدموع وهي تقول:
"طاب خليه يجعد وينسى اللي حصل يا ولدي وإني مش راح أتحدت امعاه واصل فيه."
ربت على كتفها:
"معلهش ياما خلي جلبك جامد اكده وسيبه يجرب يجعد بعيد عنها هبابة… يمكن يعجل وربنا يهديه… ما انتي خابرة إنه مكانيش رايدها من الأول… أهم حاجة تفضل على ذمته وتعيش وسطنا."
أخذت تهز رأسها بحسرة وهي ما زالت تبكي، فاسترسل معتصم حديثه بنبرة جادة:
"مجداميش حل يامايا غير إني أبعت صافية لعيشة في مصر تكمل مدرستها هناك كيف ما أبونا اللي يرحمه عمل امعانا… يمكن لما تتعلم ويبجى معاها شهادة كبيرة حمد يحس إنها اتغيرت وبجت تليق بيه بحق."
ردت أمه بذهول:
"باه…هنعيده تاني يا معتصم…مصر عتاخدكم كلكم من حضني يا ولدي؟!"
قبل كفها وهو يقول برجاء:
"على عيني والله يا ست الحبايب…بس حمد مش راح يجبل بصافية غير لما تبعد عن أمها ودماغها اللي زي الصرمة الجديمة دي تتنور وتفهم كيف الخلج…"
نظر أمامه ليقول بتفكير:
"أني خابر إنه مش هيكون سهل عليكي ولا عليها يامايا..بس هو تحدي ويا نكسبه يا نخسره."
بالفعل نفذ حمد ما نوى عليه وحين وصل القاهرة في الصباح الباكر بدأ مباشرة في إجراءات سفره إلى لندن كسائح على أن يكمل إجراءات تقدمه لدراسة الماجيستير هناك بعد وصوله الأراضي البريطانية.
لم يخبره معتصم بنيته في استكمال صافية لدراستها في القاهرة، فقد أوصى عائشة بتقديم أوراقها في إحدى مدارس الثانوية العامة الدولية (international) والاتفاق مع إحدى مدرسات الإتيكيت لتدريبها على التحدث والتعامل بلباقة لعلها تتحرر من قوقعة الجهل التي حبستها بها أمها وتليق برجل الأعمال المستقبلي حمد البدري.
قضى معتصم أسبوعًا مع أمه محاولًا خلال تلك الأيام القلائل نسيان من أحبها ولكن كيف وكل مكان في البلدة تذكره بها.
حتى تلك المهرة الصغيرة التي يقضي ساعات طوال بصحبتها أكثر ما تذكره بها، فقد أسماها على اسمها "ريمان".
تنهد بعمق وهو يمسح على رأسها ويحدثها وكأنها تفهمه:
"مش قادر أصدق اللي حصل…عقلي لحد دلوقتي مش مستوعب إنها كانت بتمثل عليا عشان خايفة مني…ريم مستحيل تخاف مني…أنا حافظها أكتر من نفسي…معقول كانت بتقول كدا عشان تخليني أبعد عنها؟!…لا لا لا…كانت هتقولي في وشي عادي..مكانتش هتخاف…أيوة يا مهرتي الحلوة مكانتش هتخاف..أنا بالنسبالها الأمان…والذكريات اللي بينا تشهد بكدا."
أخذ يردد عبارته الأخيرة وهو ينظر أمامه شاردًا في اللاشيء إلى أن تعب وعاد إلى غرفته ليستعد صباح الغد للعودة إلى القاهرة ومعه زوجة أخيه.
قام راغب بالاتصال بنرمين يطلب منها مقابلتها وحين راوغته وتهربت منه قام بتهديدها بإخبار معتصم بكل شيء فوافقت على الفور.
تخفت ليلاً لتقابله في المحل الخاص بتجارته في الإلكترونيات.
"ايه يا مدام نرمين… انتي فاكرة إنك هتعرفي تهربي مني؟!.. أنا كام مرة أكلمك وأقولك عايز حقي.."
ردت بحدة طفيفة:
"حق إيه اللي انت عايزه… كل حاجة عملتها أخدت تمنها وزيادة."
ضيق عينيه بشر:
"تمن سكوتي يا هانم.. كل حاجة متسجلة عندي… مكالماتك ورسايلك حتى الفيديو اللي اتصور ليكي انتي والباشا واتبعت لحبيبته…"
بهتت من كلامه وجف حلقها حين تخيلت أن يكتشف معتصم مصائبها في حقه، فنظرت له بتغيظ قليلًا ثم سألته بقلة حيلة:
"عايز كام؟!"
رد بعنجهية وطمع:
"عربية بورش موديل السنة."
اتسعت عينيها بصدمة لتقول بذهول:
"نعم؟!.. انت اتجننت؟!.. انت عارف تمنها يبقى كام؟!"
رد بنبرة بها لمحة من التهديد:
"يبقى زي ما يبقى.. انتي برضو مش شوية."
سكتت قليلًا تنظر له بغضب بالغ وهي تشعر بالعجز. ثم قالت بحدة:
"وأنا إيه اللي يضمنلي إنك مترجعش تهددني تاني؟!"
"متقلقيش أنا هصفي شغلي وهسافر برا ومش هتشوفي وشي تاني…"
"كلامك دا مش كفاية."
حك ذقنه بتفكير لبرهة ثم قال:
"هفرمط موبايلي وكل اللي معايا ليكي قدام عنيكي… أظن كدا عداني العيب؟!"
هزت رأسها بإيجاب ثم قالت باستسلام:
"تمام… بكرة هبعتلك عنوان المعرض اللي بتعامل معاه وأنا هكلم صاحب المعرض عشان أشرحله اللي انت عايزه… اختار عربيتك واكتب عقدك وأنا هحاسبه."
حانت منه ابتسامة انتصار بعدما وصل لما أراده وخطط له منذ التقى بها وشعر بمدى ثرائها.
استغلت نرمين فرصة سفر معتصم وعدم وجوده بالشركة وقامت بالاتصال بصاحب معرض السيارات وشرحت له الأمر ثم في الأخير طلبت منه إنهاء ذلك الأمر على وجه السرعة قبل عودة معتصم من بلدته وإرسال الفاتورة مع صورة من العقد إلى سكرتيرتها الخاصة بمكتبها وأكدت عليه عدم تسليمه لأي شخص سواها حتى لا تقع في يد الشخص الخطأ.
مر ذلك الأسبوع وكان أدهم ينتظر من ندى أن تفاجئه بطريقة ما ولكن يبدو أنها انشغلت كثيرًا بدراستها وانتهت المدة التي أخبرها بها ولكن لا جديد بأحوالهما.
فما زال البعد قائم.
تناولوا العشاء وتحدثوا في أحاديث جانبية تخص الاستعداد لزفاف ريم، وحين حان وقت النوم ذهبت كل من ريم وتيسير إلى غرفتيهما، بينما بقي أدهم يجلس قبالة ندى يناظرها بنظرات غامضة ينتظر رد فعلها القادم. لقد وضعها في مأزق صعب، ترى كيف عساها أن تتصرف؟ كيف ستهرب منه تلك المرة وبأي حجة؟ لقد انتهت كل حججها.
ولكن أدهم أقسم بينه وبين نفسه أنه إن أحس منها رغبة في الابتعاد سيبتعد ولن يعاتبها حتى، فقد طفح الكيل.
توترت ندى للغاية وأخذت تفرك كفيها بارتباك وهي تفكر في حجة جديدة تتحجج بها تحت نظرات أدهم المصوبة تجاهها ولسان حاله يقول "وماذا بعد؟!"
تظاهرت بالتعب وأخذت تتثاءب عدة مرات لتقول بتمثيل:
"تعبت أوي النهاردة في الكلية وكمان لفينا كتير أنا وريم في المولات… آه مش قادرة أفتح عينيا من الصداع."
نظر لها بخواء، لأول مرة يعرف أنها تجيد التمثيل ولكن كذبتها لم تنطلي عليه وأيقن أنها بالفعل تحاول تأجيل اللقاء لا يدري لما… ولكن هو لن يموت شوقًا لها… وليكن لها ما أرادت.
نهضت لتسير باتجاه غرفتها وهي تقول:
"معلش بقى يا أدهم أنا هنام لأني خلاص مش قادرة أقعد أكتر من كدا."
لم يبدي أية ردة فعل الأمر الذي زادها قلقًا وتوترًا، وحين عبرت من جانبه وأدبرت عنه نهض ليسير خلفها ثم جذبها من معصمها بقوة فاستدارت إليه تلقائيًا ليرتطم جسدها بصدره، فنظر لها مطولًا نظرة غامضة وملامحه متجهمة وجبينه مجعد متنفسا بوتيرة عالية إلى أن نطق أخيرًا بنبرة حادة:
"مالهاش لازمة الحجج الفارغة دي كلها… إذا كنتي مش عايزاني قيراط… فأنا مش عايزك ٢٤… ويا ريت تعتبريني مش موجود معاكي في البيت دا.. وهنرجع تاني لنقطة البداية يا ندى."
نزعت معصمها من يده وهي تنظر له بتحدي ظاهريًا ولكن قلبها يتمزق داخليًا ثم قالت بكذب:
"يكون أحسن… أنا أصلاً مكنتش مستعدة للخطوة دي وكنت حاسة إنك عايز تجرب وبس.. وكلامك دا أثبتلي شكوكي."
أخذ ينظر لها بعدم تصديق من تغيرها الجذري في طريقة تفكيرها وكلامها… ترى ما الذي أودى بها إلى تلك الحالة الغريبة…
اقترب منها بشدة ليقول بصوت كالفحيح:
"انتي استحالة تكوني ندى اللي حـ…"
بتر كلمته ثم ابتلع ريقه مسترسلًا بوجع:
"امشي..امشي من قدامي….وانتي من النهاردة مجرد أمانة مسئووليتي إني أحافظ عليها وبس."
نظرت له باستجداء وعينيها ممتلئة بالدموع ولكنها لم تنكر كلامه.. لم تدافع عن نفسها… فهذا تمامًا ما أرادت أن تصل إليه وقد سهل عليها المهمة.
تركها واقفة بمكانها وسار إلى غرفته بخطى سريعة وهو يشعر وكأنه على حافة الانهيار.
رواية مهمة زواج الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم دعاء فؤاد
عاد معتصم إلى القاهرة بسيارته الخاصة، وقد قام بتوصيل صافية إلى منزل شقيقته عائشة وانصرف مغادرًا إلى شركته بعدما أوصاها عليها.
كان معتصم يحمل حقيبة اللاب توب في يده حين كان يعبر من بوابة الاستقبال الخاصة بالشركة، مرتدياً بدلة رسمية سوداء ونظارة شمس. تحيطه هيبة من الوقار.
وقف موظف الأمن احتراما له، ليقف فجأة قبل أن يصل إلى المصعد بعدما ناداه أحد موظفي الاستقبال.
"معتصم باشا."
التفت ينظر له باستفهام، فاسترسل الموظف باحترام:
"الأستاذ ده جايب ظرف لنرمين هانم وبيسأل على مكتب السكرتيرة بتاعتها. ممكن حضرتك تاخده معاك في الأسانسير؟"
هز رأسه بموافقة، فتتبعه الرجل وترجل معه المصعد. فسأله معتصم وهو يضغط على رقم الطابق:
"حضرتك مندوب توزيع؟"
"لأ يافندم. أنا جاي من طرف حسين باشا صاحب معرض الحسين للسيارات. باعتني بعقد العربية اللي نرمين هانم اشترتها امبارح."
هز رأسه بإيماءة وهو يفكر باستغراب، لما ستشتري نرمين سيارة جديدة؟ وهل ستشتريها دون أن تخبره؟! ولكن، أضمر شيئًا في نفسه.
حين وصل معتصم لطابقه قال:
"مكتب نرمين هانم في الدور اللي فوق ده علطول. والسكرتيرة اسمها مروة. ممكن لو ملقيتش مدام نرمين تسيبهولها، وهي لما تيجي هتسلمهولها."
أومأ الرجل بابتسامة ممتنة:
"متشكر جدًا يافندم."
أماء معتصم، ثم توجه مباشرة إلى مكتبه وألقى حقيبته ومعها نظارته على سطح المكتب، وهو ما زال يفكر بفعلة نرمين التي أخفتها عنه.
وقف خلف النافذة الزجاجية يراقب الطريق، وحين رأى ذلك الرجل يخرج من الشركة، أسرع بالاتصال بمروة، سكرتيرة نرمين، لترد عليه بعد ثوانٍ فيقول لها بنبرة صارمة:
"مروة.. حسين صاحب معرض العربيات بعتلي ظرف فيه عقد عربية. ابعتهولي حالا."
"يافندم الظرف جاي باسم مدام نرمين."
"أيوه بعته بالغلط. حصل لبس وكان فاكر إن نرمين اللي اشترت العربية. حالا تنزليلي العقد."
"تمام يافندم. ثواني وهكون عند حضرتك."
"نرمين وصلت؟"
"لأ لسة يافندم."
"تمام متتأخريش."
بعد حوالي خمس دقائق، كان الظرف على مكتب معتصم وبين يديه، وبمجرد أن خرجت مروة من المكتب، قام بفتح الظرف وقرأ العقد ليجد أن اسم المشتري ليس نرمين، وإنما كان لشخص يدعى راغب، كما أن الفاتورة الملحقة بالعقد باسم نرمين. إذن، نرمين اشترت تلك السيارة الباهظة الثمن لذلك الشخص الغريب؟ لذلك أخفت عنه ذلك الأمر.
بدأت الشكوك تساوره، ونيران الغضب تشتعل بصدره. هل قامت بالتعرف على رجل آخر وهي ما زالت في شهور العدة؟ والأدهى من ذلك، تشتري له سيارة باهظة الثمن من آخر طراز؟ هل جنت هذه أم ماذا؟
نقح عليه عرقه الصعيدي، وقام على الفور باستدعاء هشام وأعطاه العقد ليطلع عليه، الأمر الذي أيضًا أثار شكوك هشام. فقال معتصم بحدة:
"هشام، الراجل ده عايز أعرف عنه كل حاجة. عرفها إزاي وإيه شغله وعلاقته إيه بيها بالظبط؟ وإزاي قدر يستغلها بالطريقة دي؟ معاك رقم بطاقته وتليفونه مكتوبين في العقد. في خلال كام ساعة تكون جبتلي الراجل ده بأي طريقة. عايزك لما توصله تستدرجه لمصنع 6 أكتوبر، وأول ما تجيبوه هناك كلمني وهكون عندك في خلال ربع ساعة. تمام؟"
أومأ بموافقة:
"حاضر يا معتصم. ربنا يقدرني وهحاول أوصله في أسرع وقت."
"ضروري يا هشام تخلص الحكاية دي النهاردة. أنا في نار جوايا ومش هتنطفي غير لما أوصل للحيوان ده."
"ماشي، أنا هخرج حالا أبعت بطاقته لواحد حبيبي في السجل يجبلي كل بياناته. ولما أعرف هو بيشتغل إيه، هكلمه على أساس إني عميل وعايزه في شغل، وهحاول أجرّجره وأجيبهولك ع المصنع."
أومأ بامتنان:
"هعتمد على الله وعليك يا اتش."
"حبيبي يا عصوم، أنت تؤمر."
انصرف هشام تاركًا صهره يفرك كفيه وهو يفكر ويتوقع ويرسم قصصًا في خياله عن علاقة نرمين بذلك الرجل، إلى أن صرف عقله قليلًا عن ذلك الأمر حتى يأتيه هشام بالخبر اليقين، واستكمل باقي أعماله واجتماعاته.
أتت نرمين لاحقًا، وقد نسيت مروة أمر ذلك العقد تمامًا، وكذلك ظنت نرمين أن صاحب المعرض لم يرسله بعد، أو قد ربما يرسله في الغد.
انقضى النهار سريعًا، حين اتصل هشام بمعتصم، وحين رد عليه قال ببسمة انتصار:
"تمت المهمة بنجاح يا عصوم."
"احجزه عندك في المخازن يا هشام. ربع ساعة وهكون عندك."
"حصل يا باشا. ومربطينه كمان ومعانا البودي جارد عشان لو لازم الأمر واضطرنا نستعمل معاه العنف."
"وأنا رحت فين؟ أنا هعرف أجيب قراره كويس أوي."
"وتوسخ إيدك ليه يا عصوم؟ تعالى بس وبعدين هنشوف."
"تمام.. سلام."
هبط معتصم عبر المصعد إلى الطابق السفلي، ومنه إلى سيارته. استقلها وقادها على أقصى سرعة إلى أن وصل إلى المخزن المحتجز به راغب.
كان راغب مقيدًا بالأغلال على كرسي متين، وهو في حالة من الذهول. لا يدري من الذي أتى به إلى ذلك المكان وما سبب وجوده.
وحين أقبل عليه معتصم وملامحه لا تنذر بالخير، عرفه على الفور. فدب الرعب في أوصاله وأيقن أنه هالك لا محالة. فيبدو أنه اكتشف أمره. ولكن، ترى كيف اكتشفه؟
صُعق معتصم حين وجده شابًا يافعًا لا يتخطى الثلاثين حتى. فهل نرمين مغرمة بمن هم أصغر منها بعشرات السنوات؟
"انت مين يلا وتعرف نرمين منين؟"
رد بنبرة مرتعشة:
"نـ نرمين مين بس يا باشا؟"
صفعه بكفه صفعة قوية، ثم زمجر به بشدة:
"انت هنا مش في نيابة يا روح أمك. وإن مقولتش على اللي عندك كله، يبقى قول على روحك يا رحمن يا رحيم."
رد وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
"يا باشا فهمني بس أنت عايز تعرف إيه؟"
رد بصوت كالفحيح:
"كل حاجة. اتعرفت على نرمين امتى وفين وإزاي؟ وإيه اللي يخليها تشتريلك عربية آخر موديل تمنها مليون جنيه؟ ماسك عليها إيه يلا انطق."
يبدو أنه لا مفر من الاعتراف وإلا سيكسر عظامه، وقد أدرك ذلك جيدًا حين نظر لذلك الرجل العملاق الذي يقف خلف معتصم متأهبًا لأمر الهجوم في أي لحظة، فأخذ يبتلع ريقه بصعوبة، ثم قال بخوف:
"هقولك يا باشا بس تطلعني من هنا سليم، ووعد مش هتشوف وشي تاني ولا هتعرض لسيادتك في أي حاجة."
رد معتصم بنبرة مخيفة:
"لما أعرف الأول أنت نيلت إيه وبعد كده هقرر."
نظر له راغب برعب، ثم التقط نفسًا عميقًا، وبعدها بدأ يسرد له طريقة تعرفه على نرمين عبر شقيقها نادر وما أسدى لها من خدمات ومساعدتها في تهكير هاتفه وهاتف ريم، وكيف أنها قامت باستغلال ذلك في التفريق بينهما. ولكن، لم يتطرق إلى استئجار السيدتين اللتين قامتا بالهجوم عليها حتى لا يزداد غضبه عليه، وأمر ذلك الفيديو الذي تم تصويره بين معتصم ونرمين حين كان مغيبًا عن الوعي.
كان يستمع وهو في حالة من الذهول. كيف لتلك الأفعى أن يصل تفكيرها لهذا المستوى من الشر؟ لقد ظن أنها قد استسلمت للأمر الواقع في مقابل بقائها بجواره كما طلبت منه في بادئ الأمر، ولكنها كانت تضمر شرًا وفيرًا وتخطط وتنفذ وهو لا يدري.
أطلعه راغب على رسائل نرمين ومكالماتها المسجلة بينهما، ومكالماتها لريم أيضًا. فقد قام راغب بتهكير هاتف نرمين تحسبًا لأي غدر منها وحتى يضغط على نقاط ضعفها كما يشاء.
انكشفت كل الأوراق أمام معتصم وأصبح كل شيء واضح أمامه، واكتشف الآن أن ريم لم تكذب عليه تمامًا كما كان يشعر طوال الوقت. فقد كانت مشاعره تجاهها دومًا صادقة، وأنها ابتعدت عنه حين ظنت أنه كذب عليها بادعائه بأنه لن يعود لنرمين وفي ذات الليلة ينام بين أحضانها. تلك الملعونة نفذت الخطة وأحكمتها حبكة محكمة حتى وصلت لما أرادت.
لقد جعلت كل منهما كاذبًا مخادعًا في نظر الآخر وبمنتهى السهولة.
"هتعمل إيه يا معتصم؟"
كان ذلك صوت هشام الذي انتزعه من صدمته ودوامة استنتاجاته.
نظر له بتفكير، ثم نظر لذلك المذعور قائلًا بنبرة مخيفة:
"اسمع يلا. زي ما ساعدتها في مراقبتي، هتساعدني في مراقبتها وهتهكرلي موبايلها وكل حساباتها. عايز أكون أنا المتحكم في كل حساباتها حتى حساباتها البنكية."
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال برجاء:
"يا باشا أهكر موبايل آه، بس حساب بنكي مش شغلتي."
رد بانفعال:
"اتصرف. لو عايز تخرج من هنا على رجليك، اعمل اللي بقوله بالحرف."
"حـ حاضر يا باشا. هشوف حد من معارفي يساعدني. حـ حاضر."
"ولو فكرت تغدر أو تهرب، هعرف إزاي أجيبك. لأني ببساطة هعين واحد يراقبك زي ضلك. وأي حركة كذا ولا كذا هيجيبك من قفاك ومش هيكون فيها سماح. أنت فاهم."
رفع يديه أمام وجهه بخوف وهو يرتد للخلف قليلًا متمتمًا:
"فاهم. فاهم يا باشا."
نظر للحارس الضخم قائلًا:
"خليه مرمي هنا لحد ما أقولك سيبه يمشي. وعينك متغفلش عنه."
أومأ الحارس بإذعان، ثم أخذ معتصم هشام وخرجا من المكان، وركبا سويًا السيارة. وبمجرد أن تحرك بها معتصم، تحدث إلى صاحبه:
"هشام.. هتاخد العقد والفاتورة وتحطهم في ظرف جديد ومقفول كويس. وكنت كلمت المحامي يعملي توكيل عام من نرمين ليا، بس هي طبعًا متعرفش ولسه موقعتش عليه. عايزك تحطها في خانة اليك وتمضي ع التوكيل من غير ما تاخد بالها."
قطب ما بين حاجبيه بتفكير متسائلًا:
"و دي هعملها إزاي يا معتصم؟"
"لما تدخل عليها بعقد العربية، هتخاف تكون فتحته واكتشفت لعبتها وهترتبك وتتلغبط. وفي عز لغبطتها هتحط التوكيل في وسط شوية ورق وتمضيها عليهم كلهم. طبعًا من ارتباكها وخوفها مش هتركز هي بتمضي على إيه أصلًا."
"طب هقولها إيه على الظرف ده."
"هتقولها إن مندوب المعرض قابلك وسألك على مكتبها، وأنت قلتله إنك طالع لها وأخذت منه الظرف عشان توصلوهولها."
استرسل معتصم بمكر:
"عايزك توترها وتسألها كتير عن الظرف، وبكده هتمضي بسرعة عشان تخلص منك وتخرج وتسيبها."
رمقه هشام بذهول ليقول بإعجاب:
"يخربيت دماغك يا عصوم. إيه يا ابني الدماغ دي؟"
"دي أقل حاجة أعملها فيها نظير اللي عملته فيا أنا وريم. ورحمة أبويا وغلاوة أمي عندي مش هخلي حيلتها حاجة. هشام بكرة الصبح تكون أنجزت المهمة دي. عايز بكرة ألاقي التوكيل متوقع عليه منها وموجود على مكتبي."
"بسيطة إن شاء الله يا عصوم. طب وريم؟ هتعمل معاها إيه؟"
تنهد معتصم بعمق وهو يقود ناظرًا أمامه إلى الطريق، ثم قال ويخالجه شعور بالعجز واليأس:
"مش عارف. هي دلوقتي مخطوبة وأكيد بعد الفيديو اللي شافته ده كرهتني ومش طايقة تشوف وشي."
"بصراحة ليها حق. نرمين لعبتها صح."
رد بغضب بالغ وهو يعتصر المقود بيديه:
"مش عايز أسمع اسمها تاني يا هشام. سيرتها بقت بتعصبني."
قام بتوصيل هشام إلى منزله، ثم أدار سيارته واتخذ طريقه إلى شقته.
بمجرد أن دلف شقته، أتاه اتصال من عمر لينظر إلى اسمه باستغراب. لقد نسي أمره تمامًا. كما أنه نسي أن يعفيه من مهمته بعدما افترق عن ريم إلى أجل غير مسمى. ولكن، فتح الخط يجيبه بترقب. وبعدما تبادلا التحية، قال عمر بحزن:
"معتصم باشا.. يؤسفني إني أقولك إني عرفت إن الدكتورة ريم طبعت دعوات فرحها. والفرح هيكون الخميس الجاي في فندق الفور سيزون."
سكت معتصم مصدومًا يحاول استيعاب ما سمعه للتو، حتى أن عمر ظن أن الاتصال قد انقطع.
"ألو.. معتصم باشا."
رد أخيرًا بنبرة مهزومة:
"عرفت إزاي؟"
"يافندم ما أنا متابع الدكتورة ومصاحب أفراد الأمن اللي على بوابة الاستقبال وهما اللي قالولي إنهم معزومين على فرح الدكتورة الخميس الجاي زي ما قولت لحضرتك. وكمان..."
سكت عمر قليلًا، فحثه معتصم على التحدث، ليحمحم قائلًا:
"كتب الكتاب كان النهاردة."
بُهت معتصم وتجهمت ملامحه بصدمة كادت أن تودي بحياته. إذن، كُتبت على اسم رجل آخر. أصبحت ملكًا لغيره. ضاعت حبيبته من بين يديه ولا أمل في العودة. أُغلقت كل الطرق المؤدية إليها.
أغلق عمر الاتصال حين سكت معتصم تمامًا مشفقًا على قلبه الجريح، بينما معتصم جلس على أقرب كرسي خلفه بعدما تخدرت حواسه من الصدمة، وأصبحت قدماه كهلام غير قادرتين على حمله.
آلمه قلبه كثيرًا وكأنه طُعن لتوه بسكين غليظة. لقد ذبحته حبيبته بلا شفقة. أخذ جسده يتصبب عرقًا وينتفض غير مصدق ما حدث وكأنه مذبوح وروحه تستعد لمغادرة جسده.
بقي على ذلك الوضع لوقت لم يعلم مدته، إلى أن عاد قليلًا إلى رشده وبدأ في لملمة شتات نفسه، فتوجه إلى المرحاض يأخذ حمامًا باردًا رغم برودة الجو، ليقف أسفل الماء الجاري البارد لوقت طويل وهو يتنفس بوتيرة سريعة وملامحه متجعدة بحزن قاتل، إلى أن خرج أخيرًا من المرحاض واستلقى على الفراش وهو يرتدي شورتًا قصيرًا فقط، فقد أفقدته صدمته شعوره ببرودة الجو وأيضًا إحساسه بالوقت.
توالت الذكريات على عقله وكأنه شريط سينمائي يُعرض أمام عينيه، يشعر بحنين جارف تجاهها خاصة بعدما عرف بالمكيدة التي حاكتها نرمين للتفريق بينهما. لقد كان قاب قوسين أو أدنى من عودتها له لولا ما فعلته تلك الأفعى. إنما الآن، وكأنه فقد قطعة غالية من قلبه. وكأن روحه غادرت جسده. لو اكتشف ما عرفه اليوم من يومين أو بالأمس فقط؟ ربما تغيرت الأقدار.
خانته دمعة فرت من جانب عينه، أزالها سريعًا، فالبكاء كالنساء ليس من شأنه. ثم نهض يبحث عن قرص منوم لينام ربما يهرب من تلك المشاعر القاتلة، إلى أن وجد شريطًا التقط منه قرصين تجرعهما بشربة ماء، ثم اعتدل بفراشه متخذًا وضعية النوم محاولًا عدم التفكير أو الإحساس بأي شيء إلى أن نام كيف ومتى لا يدري.
رواية مهمة زواج الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم دعاء فؤاد
عاد معتصم إلى القاهرة بسيارته الخاصة، وقد قام بتوصيل صافية إلى منزل شقيقته عائشة وانصرف مغادراً إلى شركته بعدما أوصلها إليها.
كان معتصم يحمل حقيبة اللابتوب في يده حين كان يعبر من بوابة الاستقبال الخاصة بالشركة مرتدياً بدلة رسمية سوداء ونظارة شمس تحيطه هيبة من الوقار.
وقف موظف الأمن احتراماً له، فوقف فجأة قبل أن يصل إلى المصعد بعدما ناداه أحد موظفي الاستقبال:
ـــ معتصم باشا..
التفت ينظر له باستفهام فاسترسل الموظف باحترام:
ـــ الأستاذ ده جايب ظرف لنرمين هانم وبيسأل على مكتب السكرتيرة بتاعتها… ممكن حضرتك تاخده معاك في الأسانسير؟!
هز رأسه بموافقة فتبعه الرجل وتركب معه المصعد فسأله معتصم وهو يضغط على رقم الطابق:
ـــ حضرتك مندوب توزيع؟!
ـــ لأ يا فندم… أنا جاي من طرف حسين باشا صاحب معرض الحسين للسيارات.. بعث لي بعقد العربية اللي نرمين هانم اشترتها امبارح.
هز رأسه بإيماءة وهو يفكر باستغراب لما ستشتري نرمين سيارة جديدة وهل ستشتريها دون أن تخبره؟!… ولكنه أضمر شيئاً في نفسه.
حين وصل معتصم لطابقه قال:
ـــ مكتب نرمين هانم في الدور اللي فوق ده علطول.. والسكرتيرة اسمها مروة… ممكن لو ملقيتش مدام نرمين تسيبهولها وهي لما تيجي هتسلمهولها.
أومأ الرجل بابتسامة ممتنة:
ـــ متشكر جداً يا فندم..
أومأ معتصم ثم توجه مباشرة إلى مكتبه وألقى حقيبته ومعها نظارته على سطح المكتب وهو ما زال يفكر بفعلة نرمين التي أخفتها عنه.
وقف خلف النافذة الزجاجية يراقب الطريق، وحين رأى ذلك الرجل يخرج من الشركة أسرع بالاتصال بمروة سكرتيرة نرمين لترد عليه بعد ثوانٍ فيقول لها بنبرة صارمة:
ـــ مروة.. حسين صاحب معرض العربيات بعث لي ظرف فيه عقد عربية.. ابعتيهولي حالا.
ـــ يا فندم الظرف جاي باسم مدام نرمين.
ـــ أيوة بعته بالغلط… حصل لبس وكان فاكر إن نرمين اللي اشترت العربية… حالا نزليلي العقد.
ـــ تمام يا فندم.. ثواني وهكون عند حضرتك.
ـــ نرمين وصلت؟!
ـــ لأ لسة يا فندم.
ـــ تمام متتأخريش.
بعد حوالي خمس دقائق كان الظرف على مكتب معتصم وبين يديه، وبمجرد أن خرجت مروة من المكتب قام بفتح الظرف وقرأ العقد ليجد أن اسم المشتري ليس نرمين وإنما بل لشخص يدعى راغب كما أن الفاتورة الملحقة بالعقد باسم نرمين… إذن نرمين اشترت تلك السيارة الباهظة الثمن لذلك الشخص الغريب… لذلك أخفت عنه ذلك الأمر.
بدأت الشكوك تساوره ونيران الغضب تشتعل بصدره… هل قامت بالتعرف على رجل غيره وهي ما زالت في شهور العدة… والأدهى من ذلك تشتري له سيارة باهظة الثمن من آخر طراز؟!
هل جنت هذه أم ماذا؟!
نزح عليه عرقه الصعيدي وقام على الفور باستدعاء هشام وأعطاه العقد ليطلع عليه، الأمر الذي أيضاً أثار شكوك هشام فقال معتصم بحدة:
ـــ هشام الراجل ده عايز أعرف عنه كل حاجة.. عرفها ازاي وبيشتغل إيه وعلاقته إيه بيها بالظبط.. وازاي قدر يستغلها بالطريقة دي… معاك رقم بطاقته وتليفونه مكتوبين في العقد… في خلال كام ساعة تكون جبتلي الراجل ده بأي طريقة.. عايزك لما توصله تستدرجه لمصنع ستة أكتوبر وأول ما تجيبوه هناك كلمني وهكون عندك في خلال ربع ساعة… تمام؟!
أومأ بموافقة:
ـــ حاضر يا معتصم… ربنا يقدرني وهحاول أوصله في أسرع وقت.
ـــ ضروري يا هشام تخلص الحكاية دي النهاردة… أنا في نار جوايا ومش هتنطفي غير لما أوصل للحيوان ده.
ـــ ماشي أنا هخرج حالا أبعت بطاقته لواحد حبيبي في السجل يجيبلي كل بياناته ولما أعرف هو بيشتغل إيه هكلمه على أساس إني عميل وعايز في شغل وهحاول أجرجره وأجيبهولك ع المصنع.
أومأ بامتنان:
ـــ هعتمد على الله وعلىك يا هش.
ـــ حبيبي يا عصوم أنت تؤمر.
انصرف هشام تاركاً صهره يفرك كفيه وهو يفكر ويتوقع ويرسم قصصاً في خياله عن علاقة نرمين بذلك الرجل إلى أن صرف عقله قليلاً عن ذلك الأمر حتى يأتيه هشام بالخبر اليقين واستكمل باقي أعماله واجتماعاته.
أتت نرمين لاحقاً وقد نسيت مروة أمر ذلك العقد تماماً وكذلك ظنت نرمين أن صاحب المعرض لم يرسله بعد أو قد ربما يرسله في الغد.
انقضى النهار سريعاً حين اتصل هشام بمعتصم، وحين رد عليه قال ببسمة انتصار:
ـــ تمت المهمة بنجاح يا عصوم.
ـــ احجزه عندك في المخازن يا هشام.. ربع ساعة وهكون عندك.
ـــ حصل يا باشا… ومربطينه كمان ومعانا البودي جارد عشان لو لزم الأمر واضطرينا نستعمل معاه العنف.
ـــ وأنا روحت فين… أنا هعرف أجيب قراره كويس أوي.
ـــ وتوسخ إيدك ليه يا عصوم؟!… تعالى بس وبعدين هنشوف.
ـــ تمام.. سلام.
هبط معتصم عبر المصعد إلى الطابق السفلي ومنه إلى سيارته استقلها وقادها على أقصى سرعة إلى أن وصل إلى المخزن المحتجز به راغب.
كان راغب مقيداً بالأغلال على كرسي متين وهو في حالة من الذهول.. لا يدري من الذي أتى به إلى ذلك المكان وما سبب وجوده..
وحين أقبل عليه معتصم وملامحه لا تنذر بالخير عرفه على الفور، فدب الرعب في أوصاله وأيقن أنه هالك لا محالة… فيبدو أنه اكتشف أمره.. ولكن ترى كيف اكتشفه؟!
صُعق معتصم حين وجده شاباً يافعاً لا يتخطى الثلاثين حتى…. فهل نرمين مغرمة بمن هم أصغر منها بعشرات السنوات؟!
ـــ أنت مين يلا وتعرف نرمين منين؟!
رد بنبرة مرتعشة:
ـــ نـ نرمين مين بس يا باشا؟!
صفعه بكفه صفعة قوية ثم زمجر به بشدة:
ـــ أنت هنا مش في نيابة يا روح أمك.. وإن مقولتش على اللي عندك كله يبقى قول على روحك يا رحمن يا رحيم.
رد وهو يبتلع ريقه بصعوبة:
ـــ يا باشا فهمني بس أنت عايز تعرف إيه؟!
رد بصوت كالفحيح:
ـــ كل حاجة.. اتعرفت على نرمين إمتى وفين وازاي؟!.. وإيه اللي يخليها تشتريلك عربية آخر موديل تمنها مليون جنيه؟!.. ماسك عليها إيه يلا انطق.
يبدو أنه لا مفر من الاعتراف وإلا سيكسر عظامه، وقد أدرك ذلك جيداً حين نظر لذلك الرجل العملاق الذي يقف خلف معتصم متأهباً للهجوم في أي لحظة، فأخذ يبتلع ريقه بصعوبة ثم قال بخوف:
ـــ هقولك يا باشا بس تطلعني من هنا سليم… ووعد مش هتشوف وشي تاني ولا هتعرض لسيادتك في أي حاجة.
رد معتصم بنبرة مخيفة:
ـــ لما أعرف الأول أنت نيلت إيه وبعد كدا هقرر.
نظر له راغب برعب ثم التقط نفساً عميقاً وبعدها بدأ يسرد له طريقة تعرفه على نرمين عبر شقيقها نادر وما أسدى لها من خدمات ومساعدتها في تهكير هاتفه وهاتف ريم وكيف أنها قامت باستغلال ذلك في التفريق بينهما، ولكنه لم يتطرق إلى استئجار السيدتين اللتين قامتا بالتهجم عليها حتى لا يزداد غضبه عليه، وأمر ذلك الفيديو الذي تم تصويره بين معتصم ونرمين حين كان مغيباً عن الوعي..
كان يستمع وهو في حالة من الذهول… كيف لتلك الأفعى أن يصل تفكيرها لهذا المستوى من الشر.. لقد ظن أنها قد استسلمت للأمر الواقع في مقابل بقائها بجواره كما طلبت منه في بادئ الأمر.. ولكنها كانت تضمر شراً وفيراً وتخطط وتنفذ وهو لا يدري.
أطلعه راغب على رسائل نرمين ومكالماتها المسجلة بينهما ومكالماتها لريم أيضاً، فقد قام راغب بتهكير هاتف نرمين تحسباً لأي غدر منها وحتى يضغط على نقاط ضعفها كما يشاء.
انكشفت كل الأوراق أمام معتصم وأصبح كل شيء واضح أمامه، واكتشف الآن أن ريم لم تكذب عليه تماماً كما كان يشعر طيلة الوقت، فقد كانت مشاعره تجاهها دوماً صادقة، وأنها ابتعدت عنه حين ظنت أنه كذب عليها بادعائه بأنه لن يعود لنرمين وفي ذات الليلة ينام بين أحضانها… تلك الملعونة نفذت الخطة وأحبكتها حبكة محكمة حتى وصلت لما أرادت.
لقد جعلت كل منهما كاذباً مخادعاً في نظر الآخر وبمنتهى السهولة.
ـــ هتعمل إيه يا معتصم؟!
كان ذلك صوت هشام الذي انتزعه من صدمته ودوامة استنتاجاته.
نظر له بتفكير ثم نظر لذلك المذعور قائلاً بنبرة مخيفة:
ـــ اسمع يلا.. زي ما ساعدتها في مراقبتي هتساعدني في مراقبتها وهتهكرلي موبايلها وكل حساباتها… عايز أكون أنا المتحكم في كل حساباتها حتى حسابتها البنكية.
ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال برجاء:
ـــ يا باشا اهكر موبايل أه بس حساب بنكي مش شغلتي.
رد بانفعال:
ـــ اتصرف… لو عايز تخرج من هنا على رجليك اعمل اللي بقوله بالحرف.
ـــ حـ حاضر يا باشا.. هشوف حد من معارفي يساعدني.. حـ حاضر..
ـــ ولو فكرت تغدر أو تهرب هعرف ازاي أجيبك.. لأني ببساطة هعين واحد يراقبك زي ضلك.. وأي حركة كدا ولا كدا هيجيبك من قفاك ومش هيكون فيها سماح… أنت فاهم..
رفع يديه أمام وجهه بخوف وهو يرتد للخلف قليلاً متمتماً:
ـــ فاهم… فاهم يا باشا.
نظر للحارس الضخم قائلاً:
ـــ خليه مرمي هنا لحد ما أقولك سيبه يمشي..
و عينك متغفلش عنه.
أومأ الحارس بإذعان ثم أخذ معتصم هشام وخرجا من المكان، وركبا سوياً السيارة وبمجرد أن تحرك بها معتصم تحدث إلى صاحبه:
ـــ هشام.. هتاخد العقد والفاتورة وتحطهم في ظرف جديد ومقفول كويس.. وكنت كلمت المحامي يعملي توكيل عام من نرمين ليا بس هي طبعاً متعرفش ولسة موقعتش عليه.. عايزك تحطها في خانة الإيك وتمضي على التوكيل من غير ما تاخد بالها.
قطب ما بين حاجبيه بتفكير متسائلاً:
ـــ ودي هعملها ازاي يا معتصم؟!
ـــ لما تدخل عليها بعقد العربية هتخاف تكون فتحته واكتشفت لعبتها وهترتبك وتتلغبط.. وفي عز لغبطتها هتحط التوكيل في وسط شوية ورق وتمضيها عليهم كلهم.. طبعاً من ارتباكها وخوفها مش هتركز هي بتمضي على إيه أصلاً.
ـــ طاب هقولها إيه على الظرف ده.
ـــ هتقولها إن مندوب المعرض قابلك وسألك على مكتبها وأنت قولتله إنك طالع لها وأخدت منه الظرف عشان توصلوهولها.
استرسل معتصم بمكر:
ـــ عايزك توترها وتسألها كتير عن الظرف وبكدا هتمضي بسرعة عشان تخلص منك وتخرج وتسيبها.
رمقه هشام بذهول ليقول بإعجاب:
ـــ يخربيت دماغك يا عصوم.. إيه يا بني الدماغ دي؟!
ـــ دي أقل حاجة أعملها فيها نظير اللي عملته فيا أنا وريم… ورحمة أبويا وغلاوة أمي عندي مش هخلي حيلتها حاجة.. هشام بكرة الصبح تكون انجزت المهمة دي.. عايز بكرة ألاقي التوكيل موقّع عليه منها وموجود على مكتبي.
ـــ بسيطة إن شاء الله يا عصوم…… طاب وريم؟!.. هتعمل معاها إيه.
تنهد معتصم بعمق وهو يقود ناظراً أمامه إلى الطريق ثم قال ويخالجه شعور بالعجز واليأس:
ـــ مش عارف.. هي دلوقتي مخطوبة وأكيد بعد الفيديو اللي شافته ده كرهتني ومش طايقة تشوف وشي.
ـــ بصراحة ليها حق… نرمين لعبتها صح.
رد بغضب بالغ وهو يعتصر المقود بيديه:
ـــ مش عايز أسمع اسمها تاني يا هشام.. سيرتها بقت بتعصبني.
قام بتوصيل هشام إلى منزله ثم أدار سيارته واتخذ طريقه إلى شقته.
بمجرد أن دلف شقته أتاه اتصال من عمر لينظر إلى اسمه باستغراب، لقد نسي أمره تماماً.. كما أنه نسي أن يُعفيه من مهمته بعدما افترق عن ريم إلى أجل غير مسمى، ولكنه فتح الخط يجيبه بترقب، وبعدما تبادلا التحية قال عمر بحزن:
ـــ معتصم باشا.. يؤسفني إني أقولك إني عرفت إن الدكتورة ريم طبعت دعوات فرحها.. والفرح هيكون الخميس الجاي في فندق الفورسيزون.
سكت معتصم مصدوماً يحاول استيعاب ما سمعه للتو، حتى أن عمر ظن أن الاتصال قد انقطع.
ـــ ألو.. معتصم باشا..
رد أخيراً بنبرة مهزومة:
ـــ عرفت ازاي؟!
ـــ يا فندم ما أنا متابع الدكتورة ومصاحب أفراد الأمن اللي على بوابة الاستقبال وهما اللي قالولي إنهم معزومين على فرح الدكتورة الخميس الجاي زي ما قولت لحضرتك… وكمان..
سكت عمر قليلاً فحثه معتصم على التحدث،
قال عمر قائلاً:
ــ كتب الكتاب كان النهاردة.
بُهت معتصم وتجهمت ملامحه بصدمة كادت أن تودي بحياته،
إذن كُتِبَت على اسم رجل آخر…
أصبحت ملكاً لغيره..
ضاعت حبيبته من بين يديه ولا أمل في العودة..
أُغلقت كل الطرق المؤدية إليها..
أغلق عمر الاتصال حين سكت معتصم تماماً مشفقاً على قلبه الجريح،
بينما معتصم جلس على أقرب كرسي خلفه بعدما تخدرت حواسه من الصدمة،
وأصبحت قدماه كالهلام غير قادرتين على حمله.
آلمه قلبه كثيراً وكأنه طُعن لتوه بسكين تلمة،
لقد ذبحته حبيبته بلا شفقة…
أخذ جسده يتصبب عرقاً وينتفض غير مصدقٍ ما حدث
وكأنه مذبوح وروحه تستعد لمغادرة جسده.
بقي على ذلك الوضع لوقت لم يعلم مدته،
إلى أن عاد قليلاً إلى رشده وبدأ في لملمة شتات نفسه،
فتوجه إلى المرحاض يأخذ حماماً بارداً رغم برودة الجو،
ليقف أسفل الماء الجاري البارد لوقت طويل وهو يتنفس بوتيرة سريعة
وملامحه متجعدة بحزن قاتل
إلى أن خرج أخيراً من المرحاض واستلقى على الفراش وهو يرتدي شورت قصير فقط،
فقد أفقدته صدمته شعوره ببرودة الجو وأيضاً إحساسه بالوقت.
توالت الذكريات على عقله وكأنه شريط سينيمائي يُعرض أمام عينيه،
يشعر بحنين جارف تجاهها خاصة بعدما عرف بالمكيدة التي حاكتها نرمين للتفريق بينهما،
لقد كان قاب قوسين أو أدنى من عودتها له لولا ما فعلته تلك الأفعى،
إنما الآن…
وكأنه فقد قطعة غالية من قلبه…
وكأن روحه غادرت جسده…
لو اكتشف ما عرفه اليوم من يومين أو بالأمس فقط؟!…
ربما تغيرت الأقدار…
خانته دمعة فرت من جانب عينه أزالها سريعاً،
فالبكاء كالنساء ليس من شأنه
ثم نهض يبحث عن قرص منوم لينام ربما يهرب من تلك المشاعر القاتلة،
إلى أن وجد شريط التقط منه قرصين تجرعهما بشربة ماء
ثم اعتدل في فراشه متخذاً وضعية النوم محاولاً عدم التفكير أو الإحساس بأي شيء
إلى أن نام كيف ومتى لا يدري….
رواية مهمة زواج الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم دعاء فؤاد
لم ينتهي حفل الزفاف بعد.
بعدما غادر معتصم منكسرا منهزما، انتهت الرقصة لتعود ريم إلى مقعدها معتذرة من خالد عن عدم مقدرتها على المزيد من الرقص بسبب إرهاقها طيلة اليوم.
بينما استمرت شيرين في الغناء لتغني أغنيتها الثالثة والأخيرة، فقد اتفق معها معتصم على ثلاث أغاني فقط اختارها بنفسه كتعبير منه عن مشاعره تجاهها.
بدأت موسيقى الأغنية تصدح رويدًا رويدًا، فقامت تيسير بوكز أدهم من ذراعه لتقول له وهي تشير برأسها إلى ندى:
قوم ارقص مع مراتك… عوض الرقصة اللي زي الزفت اللي رقصتها معاها يوم فرحكو.
أخذ يزفر أنفاسه بضيق، فهو لا يريد الاجتماع بها مرة أخرى أيا كانت الأسباب بعدما جرحت كرامته بلا أدنى شعور بالذنب من جانبها، ولكن أمه نظرت له نظرة تحذيرية كناية عن عدم وجود فرصة للرفض، فقال بضيق بالغ:
ماما انتي عارفة اني ماليش في جو الرقص والكلام الفارغ دا.
ناظرته بتغيظ شديد لتقول بسخرية:
يابني هو أنا بقولك قوم اشقطلك واحدة ارقص معاها… دا أنا بقولك قوم ارقص مع مراتك.
ضحكت روان لتقول:
يابني دي فرصة كل المتجوزين بيستنوها. عارف لو مكانتش رجلي وارمة والله ما كنت سايبة محمود.
ثم صدرت منها ضحكة لفتت انتباه ندى التي كانت شاردة في عالم آخر لتنظر لها بتساؤل، فردت عليها بنبرة ذات مغذى:
دا أدهم يا ستي عايز يرقص معاكي.
نظر لها شقيقها بغيظ فقالت تيسير بحماس وهي تدفع أدهم للوقوف:
يلا يلا بسرعة الأغنية بدأت.
اضطر أن يرضخ لرغبتها حفاظًا على المظهر العام أمام الناس، فمد يده لندى التي عانقت كفه بكفها ليذهبا سويا إلى ساحة الرقص.
وضعت كفيها على كتفيه على استحياء بينما هو أحاط خصرها بذراعيه وقلبه يدق بعنف من ذلك القرب الذي تمناه كثيرا ولكن لم يناله بعد.
بتوحشني
بتوحشــني وأنا وياك .. بتوحشــني
وكل يوم بشوفه معاك
بيوحشــني
وكل ثانية مش وياك
بتدبحني .. وكل ليله بعيشها معاك
تفرحني تخوفني وتجرحني
وأخاف بكره يفوت عمري
وأنا لسى بتوحشــني
يتوعدني آه مفيش بكره .. مفيش بعده .. مفيش ولا لحظه من غيرك
وترجع تاني تتأخر وتوحشــني .. وأعمل إيه، أعمل إيه مليش غيرك بيوحشــني
بترسملي حجات أكتر.. وعود أكبر وألقى نفسي من غيرك
وتبنيلي أمل تاني .. وأعيش تاني أعيش بعذابي من غيرك
وأنا وياك .. بتوحشــني
وأنا وياك .. بتوحشــني
وكل يوم بشوفه معاك
بيوحشــني
وكل ثانية مش وياك
بتدبحني .. وكل ليله بعيشها معاك
تفرحني تخوفني وتجرحني
وأخاف بكره يفوت عمري
وأنا لسى بتوحشــني
آاااااااهٍ يا الله…. ما بكِ يا شيرين!!… تضغطين على الجراح وأنتِ لا تدرين.
كانت كل كلمة يسمعها أدهم وكأنها تخرج من قلبه لتلك التي بين ذراعيه ساكنة، تتمايل معه بذهن شارد وملامح حزينة.
تنظر في عينيه كل حين وكأنها ستأكله بعينيها وقد لاحظ ذلك جيدا. إذن لماذا الفراق؟!
إن عينيها تصرخان بعشقه ويرى جيدا ذلك الهيام الذي تحاول إخفاؤه عنه بإخفاض عينيها حين تلتقي عيناه بهما.
وحين تطمئن أنه قد أبعد ناظريه عنها تعود وتتأمله من جديد وكأنها تراه لأول مرة. أو ربما لأنها تراه لآخر مرة.
"الشخص الذي يحبك هو أكثر شخص يتأملك حين يطمئن أنك لا تراه".
قرأها في أحد الكتب وتجسدها ندى له الآن بالحرف.
ليه؟!
نظرت له باستفهام، ليرد بوجع:
لما انتي بتحبيني بتعملي فينا كدا ليه؟!
لم ترد وإنما اكتفت بتنكيس رأسها للأسفل ليسترسل بمزيد من الوجع:
إيه اللي غيرك فجأة؟! الليلة اللي قبل ما تنزلي فيها الكلية كنتي بتعترفيلي إنك بتحبيني من سنين. معقول فجأة كدا عقلتي وحسيتي إنك كنتي غلطانة؟!
توترت وصالها وأخذت تبحث في عقلها عن سبب مقنع، ولكن لم يسعفها عقلها لقول أي شيء، فسألها بترقب:
ولا يمكن قابلتي في الكلية حب جديد؟!
اتسعت عينيها بصدمة مما وصل إليه عقله، لترد بانفعال مكتوم:
لا حب جديد ولا قديم يا أدهم. أنا حاسة إني هنفجر من الوجع اللي جوايا وأنت زي ما تكون قاصد تزيدني منه. من ساعة موت بابا وأنا بنهار وأنت مش حاسس. آه اعترفتلك بحبي ليك بس مش قادرة أكمل وأنا ميتة من جوايا. اديني فرصة أتعافى من المحنة اللي أنا فيها. اديني فرصة بقى حرام عليك.
بدأت عينيها تتلألأ بالدموع، فقد جعلها تبوح بمشاعرها بعدما فاض بها الأمر، ولكن حمدت الله أنها استطاعت أن تتحكم في لسانها من أن يذل.
فضمها إلى صدره حين أشفق عليها وقال بخفوت:
اهدي يا ندى الناس هتاخد بالها إنك منفعلة وبتعيطي.
تمالكت نفسها حتى لا يلاحظ الضيوف تغير شكلها خاصة أن الأعين كانت تتابعهم.
وضع كفه على ظهرها والأخرى مازالت حول خصرها يتمايل معها على أنغام الأغنية الرومانسية وهو شاردا بكلامها.
إذن هي قصدت الابتعاد عنه لأنها نفسيا غير متزنة.
غير مؤهلة نفسيا للانخراط معه في تلك الحياة الوردية التي رسمها برفقتها.
إنها تذكره بأخته ريم ومأساتها النفسية حين فقدوا أباهم.
شعر حينها أنه قد ظلمها خاصة حين لمس صدق نبرتها المهمومة وأنه قد ضغطها نفسيا.
ولكنه أبدا لم يكن يقصد أن يقسو عليها. لو شرحت له ما تمر به لما وصلا بهما الأمر إلى ذلك النفق المسدود.
مقولتيش ليه كدا من الأول؟! بدل ما الشيطان يلعب في دماغي ويوصلني للافتراضات دي.
هتف بتلك الكلمات بعتاب ومازال يضمها إلى صدره.
حرفيا تريد أن تبكي. لم تعد تتحمل التمادي في الكذب والتمثيل إلى هذا الحد، ولكنها ليس أمامها الآن إلا أن تجاريه فيما فهم منها لتقول:
أظن عزلتني في أوضتي كانت أكبر دليل على إني كنت فعلاً مش قادرة أرجع لحياتي معاك. ومع ذلك قاومت بس مقدرتش أضغط على نفسي أكتر من كدا وفضلت أتهرب منك يمكن تفهم أو تقدر بس أنت فكرت في أسوأ الاحتمالات.
تنهد بضيق من نفسه، كم كانت بارعة في جعله يصدقها. لدرجة أنه قد تجاوز عن غضبه منها الأيام السابقة وقرر مساعدتها لتتخطى محنتها وأن تتطلب الأمر أن يعرضها على طبيب نفسي.
انتهت الأغنية سريعا وانتبها لذلك حين تعالت الصيحات من الحضور بعدما حيتهم المطربة بحرارة وقامت بتوديع العروسين ومن ثم غادرت الفندق.
قبض أدهم على كف زوجته وعادا إلى الطاولة وهو يشعر بقليل من الارتياح بعد تصريحاتها تلك، كما أن ندى شعرت وكأنها أزاحت عن كاهليها حملا ثقيلا، فعلى الأقل ستتركه وهو راضٍ عنها بعدما محت الظنون السيئة من رأسه ولو بالكذب.
بينما هناك في زاوية أخرى يجلس آسر برفقة مودة وهو شاردا تماما، فقد كان يتمنى لو كانت ميريهان معه الآن ورقص معها تلك الرقصة الرومانسية.
كان يختلس النظر بين الحين والآخر إلى شقيقتها ولكن هيهات. لم تستطع مودة أن تحل محلها بقلبه رغم يقينه بمحاولاتها التقرب منه بشتى الطرق، فحتى ذلك الزفاف طلبت منه الذهاب معه وآسر بطبعه شاب حنون فلم يتمكن من رفض طلبها رغم رفض عقله محاولاتها المتكررة للتقرب منه. هو يعشق ميريها ولن يكون لشقيقتها مهما فعلت. أو هكذا يقنع نفسه.
آسر ما تيجي نرقص سلو مع بعض.
نظر لها آسر بصدمة، حتى أنها ندمت على ما تفوهت به، فهي لم تكن يوما متهورة أو مندفعة في كلامها إلى هذا الحد. فزجرها بنظرة حارقة ثم قال بانفعال.
رواية مهمة زواج الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم دعاء فؤاد
قبل الظهيرة، كانت ندى تجلس بالميكروباص برفقة رجل ضخم تابع لتلك العصابة في طريقها إلى محافظة الإسماعيلية.
قبل الوصول إلى الوجهة المقصودة، استوقف ذلك الرجل السائق ليقف به في طريق خالٍ تماماً من المباني السكنية، كما أنه حرص ذلك الرجل على خلوه أيضاً من الكاميرات بما فيها كاميرات الرصد.
نزل الرجل ونزلت خلفه ندى، ثم سار بها بضع خطوات حتى اختفت السيارة، ثم أوقفها على جانب خالٍ قائلاً بنبرة غليظة:
ـ اطلعي بالأمانة يلا.
فتحت حقيبة يدها واستخرجت فلاشة، ناولته إياها، فأخذها ودسها في جيب سترته ليقول بنبرة تحذيرية:
ـ الباشا بيقولك لو في يوم اكتشفنا إنك سايبة نسخة منها سواء على اللاب بتاعك أو أي لاب تاني أو حتى طبعها على ورق هيولع فيكي وفي بيت أدهم باللي فيه، ومحدش هيقدر يكتشف إنها حريقة بفعل فاعل.
ابتلعت ريقها بخوف ثم هزت رأسها وهي تقول:
ـ لا أنا منسختهاش خالص، لأنكم سبق وحذرتوني من كدا، وأنا عملت كل حاجة بالحرف.
أومأ وهو يعطيها شريحة اتصالات ثم قال بغلظة:
ـ خدي الشريحة دي، بمجرد ما توصلي الشقة اللي قولنالك عليها هتكسري شريحتك وتحطي دي مكانها، وحذاري تحتفظي بأي أرقام غير أرقامنا إحنا بس، دلوقتي هتمشي من الاتجاه دا حوالي نص كيلو هتلاقي طريق رئيسي هتاخدي من هناك تاكسي وتقوليله على عنوان الشقة في القصاصين، ومت حاولييش تتصرفي من دماغك لأن إحنا عينينا عليكي ومراقبينك.
هزت رأسها بإيجاب، ليتركها الرجل ويسير في اتجاه معاكس. شعرت حينها أن الأرض تهيم بها وكأنها في كابوس مزعج تتمنى لو ينتهي سريعاً وتعود لحصنها الآمن وحضنها الدافئ مع أدهم.
فعلت كما قال لها وأشارت لتاكسي كانت به فتاة في نفس عمرها تقريباً تجلس في الكرسي الأمامي بجوار السائق، فركبت بالمقعد الخلفي بعدما أملته العنوان، وقد كانت نفس وجهته.
بعدما ركبت ندى، شعر السائق المسن الذي كان قد تجاوز الخمسين عام بأن هناك سيارة سوداء مفيمة بالكامل تتتبعه منذ ركوب ندى، الأمر الذي أثار قلقه وشكوكه حول تلك الفتاة، ولكن حاول تجاوز الأمر واستمر في طريقه.
حينها أسندت ندى رأسها للخلف وأغمضت عينيها وكأنها تحاول النوم لتعود بذاكرتها إلى أحداث ذلك اليوم المشؤوم، اليوم الذي فكرت فيه أن تعود لاستكمال دراستها بكلية الصيدلة، وليتها لم تفعل.
فتحت عينيها بعدما استردت وعيها لتجد نفسها مقيدة بكرسي خشبي متين في غرفة خالية تماماً بها ضوء خافت للغاية وأمامها شاشة كبيرة وسماعة معلقة.
ليأتيها صوت غليظ قائلاً:
ـ أهلا يا بنت أنور عبد الحميد، فين الفلاشة اللي أبوكي مسيف عليها بياناتنا.
ردت بنبرة واثقة:
ـ فلاشة إيه؟ أبويا الله يرحمه مسابش معايا حاجة، ومكنش بيعرفني أي حاجة عن شغله.
صاح الرجل بانفعال:
ـ الفلاشة معاكي يا بنت، إحنا متأكدين إنها معاكي، إحنا قلبنا بيتكم اللي أمريكا حتة حتة ومش لاقيينها، ده معناه إنها معاكي انتي.
ردت بثقة متناهية:
ـ قولتلك مش معايا حاجة.
أتاه صوته الذي قد تحول لفحيح أفعى:
ـ تمام يا بنت أنور، أنا مش هتعب نفسي معاكي، ومعنديش وقت أضيعه أكتر من كدا، بس انتي كدا اللي جبتيه لنفسك.
ردت بنبرة واثقة شجاعة:
ـ إيه؟ هتعملوا فيا إيه يعني؟ هتقتلوني زي ما قتلتم بابا وماما؟ عادي اقتلوني، معادش عندي حاجة أبكي عليها ومش فارق معايا، على الأقل هموت شهيدة.
رد الآخر بنبرة ذات مغزى:
ـ متأكدة إنك معندكيش حاجة تبكي عليها؟
ردت بثقة:
ـ أيوه معنديش، أغلى اتنين عندي راحوا خلاص.
ـ ولا حتى أدهم؟
انقبض قلبها حين أتى بذكره، ما معنى ذلك؟ هل سيساومها على حياته؟
تحدث بانتصار بعدما استطاع أن يرى ملامحها الثابتة تتحول للخوف:
ـ اعرض الفيديو.
لتضيء الشاشة الكبيرة بذلك المقطع سابق الذكر: "أدهم يترجل من سيارته بعدما وصل مبنى العمليات، وهناك أعلى مبنى مرتفع مقابل لمبنى العمليات الخاصة رجل ملثم يصوب سلاح الكلاشنكوف ناحية رأس أدهم، وتلك النقطة الحمراء تتحرك مع حركة رأسه إلى أن اختفى داخل المبنى".
اسود وجه ندى حين رأت ذلك المقطع وبهتت ملامحها، بعدما استطاع ذلك الرجل هزيمتها وكسر عنادها بذلك المقطع، ليأتيها صوته البغيض قائلاً بتهديد ووعيد:
ـ القناص اللي انتي شايفاه ده مستني بس إشارة مني عشان يفرتك دماغ حبيب القلب، فكري كدا بالعقل، مش هتخسري حاجة لو سلمتينا الفلاشة، إنما لو فضلتِ معاندة يبقى تقري الفاتحة على روح أدهم.
حاولت قدر الإمكان أن تستعيد ثباتها لتقول:
ـ انتو لو عايزين تقتلوه كنتوا قتلتوه من زمان، مش هتقتلوه لمجرد إنكم تهددوني.
رد الرجل بجدية:
ـ قتله مش هيهمنا في حاجة، بالعكس هيفتح عين الحكومة علينا وإحنا مش عايزين ندخل في مهاترات ملهاش داعي معاهم، بس لو لزم الأمر إننا نقتله في سبيل حصولنا على الفلاشة دي هنقتله، لأن السبب يستاهل المناوشة مع الحكومة، طبعاً انتي عارفة الفلاشة دي فيها إيه؟
ردت بنبرة مليئة بالكره والغل لتلك العصابة الجائرة:
ـ طبعاً، رجال أعمال وموظفين مهمين في الدولة بيدعوا الفضيلة وحب البلد والمساهمة في تعميرها، وهما في الحقيقة أكتر ناس بتهدم وبتفسد فيها، ناس مش بتفكر غير في نفسها وبس، عايزين يكبروا بأي طريقة، سواء كانت مشروعة أو لأ، مش فارق معاهم الحلال من الحرام، تجارة أعضاء ماشي، تجارة سلاح ومخدرات ميضرش، قتل وتهديد وعمليات قنص كله شغال، أهم حاجة.
قاطعها بصرخة قوية أجفلت منها:
ـ اخرسي، خلي خطبك ومحاضراتك لنفسك يا ست الحكيمة، صحيح تربية أنور عبد الحميد، بس شكلك نسيتي الفيديو، شغله تاني يابني.
ظهر المقطع مرة أخرى ليسترسل الرجل بنبرة شريرة للغاية:
ـ انتي يا اللي اسمك ندى، إحنا مبنهددش، إحنا بننفذ علطول، هتسلمينا الفلاشة ولا أكلم القناص قدامك حالا ينفذ القنص، ومش هتمشي من هنا غير لما تشوفي أدهم باشا وهو بيضرب بالكلاشنكوف وبيطلع في الروح.
صرخت بفزع:
ـ لااااا، أدهم لااااا.
ابتسم الآخر بانتصار:
ـ يعني أفهم من كدا إنك هتسلمينا الفلاشة؟
ابتلعت رمقها وهي تشعر بالحسرة والهزيمة، فقد قاموا بالضغط على نقطة ضعفها بدهاء، لتنكس رأسها بانكسار وهي تقول:
ـ هسلمهالك.
ثم رفعت رأسها لتقول بشراسة:
ـ بس حذاري تقرب منه، إنت فاهم.
ـ تمام، لو انتي فعلاً خايفة عليه ومش عايزانا نقرب منه هتنفذي اللي هنقولك عليه بالحرف.
فهزت رأسها بموافقة وهي متجهمة الملامح ليسرد لها أوامره بالاختفاء من حياة أدهم إلى الأبد، وكان هدفه من ذلك هو ضمان عدم حصوله على ما بالفلاشة من معلومات من شأنها القضاء على رجال المافيا المستترين خلف قناع النزاهة والوطنية، وأمرها بعدم ترك أي دليل خلفها يدل على تواصلها معهم حتى لا ينبش عشهم، وبالطبع مع التهديد المستمر بقتله إن أخطأت أو خالفت التعليمات.
عادت ندى إلى البيت متهدلة الكتفين بعدما عصبوا عينيها مرة أخرى وأعادوها إلى الجامعة، وطيلة الطريق تفكر في كيفية تنفيذ تلك الأوامر المجحفة، كيف ستتحمل فراقه.
بعدما ضحكت لهما الدنيا وكادا أن يندمجا كما الأزواج الطبيعيين، تحدثت تلك المصيبة وافترقا؟
إذن إن كان الفراق محتوماً حفاظاً على حياته، فلا بد ألا يتعلق بها، فإن حدث وتم زواجهما ثم افترقت عنه فحتماً سيصعب الفراق وستتفاقم الحسرة في قلبيهما، خاصة وإن حملت في قطعة منه، لا تدري حينها كيف ستسير الأمور.
لا هي لن تتهور ولن تسمح لنفسها بحمل طفل بين أحشائها إن خرج للحياة ربما يرى العذاب لاحقاً.
لا بد وأن تحافظ على مسافة جيدة بينهما حتى لا تقتلهما الحسرة حين يحين الانفصال.
عادت من ذكرياتها المؤلمة لتنحدر دموع الحزن من مآقيها فتنتبه أنها مازالت بالتاكسي.
ازداد قلق السائق أكثر حين كان يغير اتجاهاته ومازالت السيارة أيضاً تسير خلفه أينما اتجه وكأنها تطارده، فتوجه بالحديث لندى قائلاً بحدة:
ـ خير يا أستاذة، انتي عاملة عملة ولا قاتلة قتيل ولا انتي حكايتك إيه بالظبط؟
شهقت الفتاة بجواره وهي تقول بعتاب:
ـ إيه الكلام ده بس يا اسطى، دي البنت شكلها غلبانة وفي حالها.
حمحمت ندى لترد بتوتر:
ـ في إيه ياسطى ليه كدا؟
رد بغلظة:
ـ ماهو من ساعة ما ركبتي وفي عربية متفيمة ماشية ورايا، لا يا بنتي كدا مش هينفع، أنا راجل على باب الله وبربي في كوم لحم ومش ناقص لبش.
قال جملته وقد بدأ في تقليل سرعته استعداداً للوقوف:
ـ أنا هنزلك على الطريق هنا و خدي تاكسي تاني ولا انتي حرة.
ردت الفتاة الغريبة:
ـ استهدى بالله ياسطى هتنزلها فين، ده طريق زراعي وشبه مقطوع.
ـ خلص الكلام يا أستاذة، أنا عايز أروح لعيالي سليم.
وحين وقفت السيارة على جانب طريق زراعي من الناحيتين، وقفت الأخرى ليقول أحدهم من داخلها:
ـ نفذ.
لم تكد ندى تفتح باب السيارة وتنزل بقدمها على الأرض وبيدها حقيبتها حتى انفجر التاكسي في الحال مُصدراً دوياً عالياً واختفت ملامح السيارة ومن بها داخل غيمة كبيرة جداً سوداء تتخللها ألسنة من اللهب، فادار الآخر السيارة السوداء وانطلق بها سريعاً قبل أن تلتم حولها السيارات الأخرى ويكشف أمرهم.
حين ابتعدت تلك السيارة كثيراً عن مكان الحادث، قام السائق بالاتصال بسيده وحين أتاه رد الطرف الآخر قال ببسمة شريرة:
ـ تم يا باشا، التاكسي ولع باللي فيه ومحدش هيقدر يتعرف عليهم أساساً لأنهم ببساطة كدا اتفحموا، اتصلوا بالمطافي والإسعاف بس على ما يوصلوا العربية هتكون بقت تراب.
اقتربت الشمس من المغيب ولم تأتي ندى بعد وكانت تيسير في غاية القلق، خاصة أنها اتصلت بها عشرات المرات ولم ترد، وحين لم تجدا بدا من إخبار أدهم اتصلت به وأخبرته، فقام بالاتصال بها أيضاً عشرات المرات إلى أن رد أخيراً رجل غريب فقال له:
ـ مع حضرتك النقيب محمد مصطفى من قسم القصاصين.
قطب جبينه بدهشة، ما الذي أتى بهاتف زوجته إلى هذا المكان ومع ذلك الرجل؟ فرد بقلق بالغ:
ـ أنا الرائد أدهم من العمليات الخاصة، حضرتك التليفون ده بتاع مراتي، أنا عايز أفهم إيه اللي وصله للقصاصين وهي فين دلوقتي؟
سكت الضابط الغريب قليلاً ثم قال بأسف:
ـ الحقيقة يا فندم إحنا لقينا شنطة المدام جنب تاكسي مولع بالسواق والراكب اللي فيه، للأسف الجثتين متفحمين ومش عارفين إذا كانت الشنطة دي تخص الجثة اللي كانت راكبة جنب السواق ولا لأ، فيا ريت حضرتك تيجي بنفسك تعاين الجثة وتأكدلنا هي ولا لأ.
كاد الهاتف أن يسقط من يده من فرط رعبه عليها، لا يصدق ما يسمعه بأذنيه، وكأنه داخل كابوس مزعج ليقول أخيراً بعدما ابتلع غصة مؤلمة بحلقه:
ـ العنوان فين بالظبط؟
أملأه الضابط العنوان بالتفصيل ثم خرج راكضاً من غرفة مكتبه ليصطدم بآسر في الرواق الخارجي فاوقفه يسأله بقلق:
ـ على فين يا أدهم، بتجري كدا ليه؟
رد عليه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
ـ سيبني دلوقتي يا آسر، رايح أدور على ندى.
تركه وركض إلى خارج المبنى ليلحق به آسر ويركب السيارة بجواره ليصرخ أدهم بنفاذ صبر:
ـ انزل انت رايح فين، انت عارف أنا رايح على فين دلوقتي؟
ـ مش هسيبك لو هتدور عليها في المريخ.
لم يجادله أدهم كثيراً فقد كان في حالة رثة لا تسمح له بذلك وانطلق بالسيارة على أقصى سرعة مرتاداً طريق القاهرة الإسماعيلية.
ـ إيه اللي حصل يا أدهم؟
رد وهو يقود:
ـ معرفش، أنا لقيت ماما بكلمني وبتقول إن ندى لحد دلوقتي مرجعتش من الجامعة وبترن عليها كتير ومبتردش، رنيت عليها كذا مرة لحد ما ظابط في قسم القصاصين رد عليا وقالي إنهم لقوا شنطتها مرمية جنب عربية تاكس مولعة باللي فيها ومش عارفين إذا كانت صاحبة الشنطة كانت في العربية ولا لأ.
انقبض قلبه حين تخيل أنه فقدها تماماً كما فقد حبيبته، ثم سأله باستغراب:
ـ طب إيه اللي هيوديها المكان البعيد ده؟
أخذ أدهم يضرب تارة القيادة بكفه وهو يصرخ:
ـ معرفش، معرفش، ماهو ده اللي هيجنني، ندى ماتعرفش تروح أي مكان لوحدها، متعرفش غير الطريق من البيت للجامعة ومن الجامعة للبيت، مكانتش بتخرج أصلاً من يوم ما اتجوزنا.
أشفق آسر عليه وعلى ما أصابه من ذعر ورعب، بينما أدهم قد انفلتت أعصابه للغاية حتى أنه كاد أن يصطدم بما حوله من سيارات عدة مرات فصرخ به آسر في آخر مرة:
ـ وقف العربية يا أدهم، وقفها وسيبني أنا أسوق، انت أعصابك بايظة ومش مركز أساساً في الطريق.
أوقفها بطريقة مباغتة على جانب الطريق حتى أن احتكاك الإطارات بالأسفلت أصدر صريراً عالياً فارتد أدهم للخلف وهو يغمض عينيه متنفساً بوتيرة عالية من فرط قسوة التوقعات التي ترد على عقله، ولكن نزل سريعاً في الوقت الذي نزل فيه آسر ليستقل مقعد السائق ويجلس أدهم مكانه، فأدار السيارة وانطلق بها بسرعة عالية ولكن كان أكثر تركيزاً على الطريق.
أثناء سيرهما بطريقهما إلى محافظة الإسماعيلية قام أدهم بعدة اتصالات منها اتصاله باللواء سامي مديره لكي يساعده في تلك الورطة ربما يأتي له بمعلومة يفك بها شفرة الأحداث المبهمة.
رواية مهمة زواج الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم دعاء فؤاد
بقلب ممزق وروح تائهة، يقف أدهم في مقدمة صفوف العزاء، يتلقى التعازي بصمتٍ وجمود، وعلى يمينه آسر، ثم محمود، ثم خالد. مشاعر الحزن تكسو ملامحه، ورغم محاولاته لإخفاء الألم، كان واضحًا للجميع أن روحه قد انكسرت بفقدان ندى.
بعد أن تلاشت كل الآمال في حل لغز ذلك الحادث الغامض، وتوقفت التحقيقات دون أدلة كافية لإثبات أن الحادث كان بفعل فاعل، استقرت الاستنتاجات على أنه مجرد انفجار عَرَضي، سببه ارتفاع حرارة “الريداتير” مما أدى إلى سخونة المحرك وانفجاره. حتى هاتفها لم يحمل أي دليل يوصلهم إلى شيء. فندى، بأوامر صارمة من العصابة، كانت تمحو الرسائل وسجلات المكالمات أولاً بأول.
الخيمة كانت مكتظة بالمعزين من مختلف فئات ومراتب الشرطة والجيش، في لحظة مهيبة يجتمع فيها الألم والحزن والمواساة.
وبين الحضور ظهر معتصم الذي ما ان علم بالخبر حتى أصر على أداء الواجب رغم ما بينه و بين ادهم من خلافات.
عند دخوله لم يُبدِ أدهم أي رد فعل، فلا مكان للجدال أو الانفعال وسط هذه الدوامة من الحزن، جلس معتصم عدة دقائق يستمع لآيات القرآن، ثم نهض ليصافح أدهم ويغادر.
خرج معتصم من الخيمة وأخذ يسير بعيداً عن الضوضاء قليلاً، وما إن بدأ يتنفس هواء الليل الهادئ حتى لحق به خالد، يناديه بصوت خافت:
“معتصم بيه، لو تكرمت ممكن تديني رقم تليفونك؟ في موضوع مهم حابب أكلم حضرتك فيه بس الوقت مش مناسب دلوقتي.”
أومأ معتصم دون تردد، مستخرجاً بطاقة مدون عليها اسمه وأرقام هواتفه، وسلمها لخالد الذي نظر إليها بتمعن.
بينما كان خالد يقرأ البطاقة، ركضت وفاء الخادمة نحوهما، وجهها يشي بالقلق، وقالت بنبرة متوترة:
“دكتور خالد، الدكتورة ريم جاتلها الحالة و مش قادرة تتنفس… تعال الحقها بسرعة.”
تجمدت ملامح معتصم للحظة، قبل أن تتسارع دقات قلبه.
ورغم تحفزه للركض نحوها، حاول تمالك نفسه قدر المستطاع، بينما خالد عقد حاجبيه بدهشة:
“حالة إيه؟ مش فاهم…”
لم يحتمل معتصم تردده، فصاح به بحدة:
“Panic attack… انت لسة هتسأل؟!”
نظر له خالد نظرة متفحصة، كمن يحاول فك شفرة الكلمات… من أين يعرف معتصم بهذه النوبات التي تصيب ريم، وهو زوجها ولم يكن على علم بها؟ أدرك معتصم الحيرة التي تعتري خالد، فوضع يده على كتفه بقوة، كأنه يدفعه دفعاً نحو خيمة النساء، وقال بصوت واثق مليء بالإصرار:
“اتحرك، ما فيش وقت للشرح!”
نفض عن عقله استغرابه و واصل طريقه الى خيمة النساء ركضا، و لم يستطع معتصم منع نفسه من الذهاب خلفه لكي يطمئن عليها، فقلبه لن يهدأ طالما أنه عرف بتدهور حالتها.
دخل خالد الى زوجته مسرعا بينما بقي معتصم بالخارج يراقب المشهد، حيث كانت ريم متشحة بالملابس السوداء و تتنفس بوتيرة عالية و دموعها منحدرة بغزارة من فرط صدمتها مما حدث لندى، كانت تحتضن جسدها بذراعيها لعلها تهدأ و لكن بلا جدوى، و حين وصل لها خالد احتضنها بحب وافر فهو بالطبع طبيب و يعلم أن احتضانها سيجعل شعور الأمان يتسلل إليها مما يرفع من هرمون السيروتونين و تعود لحالتها الطبيعية رويدا رويدا.
حين احتضنها خالد ازداد بكائها أكثر و كأنه قد أثقل حزنها و ذكرها بقرار كم ندمت عليه، الا و هو زواجها به.
الأمر الذي جعل قلب معتصم ينشطر لنصفين، يدرك جيدا أنها تحتاجه هو دون غيره… هو فقط من يستطيع تخليصها من تلك النوبة المزعجة.
تنهد بعدما تسلل إليه شعورا بالعجز، فقد عزَّ عليه أن يراها تتحمل كل هذا الضغط، و لكن لحظة… هناك شخصا آخر يستطيع انقاذها من تلك النوبة.
أسرع بالعودة الى خيمة الرجال ليقترب من أدهم يهمس في أذنه:
“أدهم بيه يا ريت تروح تهدي ريم… نوبة الهلع جاتلها و خالد مش عارف يتصرف معاها…”
لم تكن دهشة ادهم بأقل من خالد… يتسائل بداخله من أين يعلم بتلك النوبة التي تأتيها؟!.. هل كانت ريم تحبه لدرجة أنها أفصحت له عما ينتابها من تغيرات نفسية؟!
أدرك معتصم ما يدور في خُلد أدهم من خلال نظرة الشك التي أرسلها له، فقال بجدية بعدما رمش بأهدابه:
“متستغربش… انا كنت عارف بظروفها النفسية.. بس مش وقت شرح و توضيح دلوقتي.. يا ريت تروحلها قبل ما تفقد وعيها.”
هز رأسه بتفهم ثم اوصى محمود بتلقي التعازي لحين عودته.
بقي معتصم ينظر في أثره بتأثر، ثم اطمئن قليلا بعدما تأكد أنها ستكون بخير بين أحضان توأم روحها أدهم و استدار مغادرا عائدا الى بيته.
استطاع أدهم بحضنه الدافئ الحاني أن ينتزع شقيقته الصغرى و التي هي بمثابة ابنته من تلك الحالة السيئة حتى هدأت و استكانت بعدما همس لها ببعض الكلمات الحانية، بينما كان خالد يراقبهما بمشاعر مختلطة ما بين الدهشة و الضيق في ذات الوقت، لأنه لم يستطع أن يصل بها الى تلك المرحلة من السكينة على اعتباره زوجها و أقرب الناس إليها.
انتهى العزاء أخيراً و اختفت الأصوات ليعم السكون ليل أدهم الحزين.
تلك الليلة قضاها في غرفة ندى جالسا بمنتصف الفراش متجهم الملامح بعدما أخذ منه الحزن مأخذه.
كانت عيناه تدوران في أركان الغرفة، تتفحص كل قطعة بها، فهنا ضحكت معه.. و هناك عاتبته.. قرأت معه ذلك الكتاب.. و ارتدت أمامه تلك المنامة.. نام بجوارها على هذا الفراش.. و جلسا سويا على تلك الأريكة.
مازالت رائحتها العبقة عالقة بكل ما بالغرفة… لم يعد يتحمل… قلبه يوشك على الانفجار.. يا الله كيف سيتحمل العيش بدونها.. فشعور الفقدان من أصعب ما قد يمر بالمرء.
في صباح اليوم التالي، اقتحمت نرمين مكتب معتصم كعاصفة هائجة.
عيناها تقدحان شررًا، والورقة التي تحمل إفادة نقل الملكية إلى معتصم ترتعش بين يديها.
“إيه اللي انت عملته دا يا حرامي يا نصاب؟! بتسرقني؟! بقى دي أخرتها؟! بعد ما عملت منك بيزنس مان وشهّرتك في وسط رجال الأعمال تسرقني يا فلاااااح!”
رفع معتصم بصره إليها بهدوء يشبه السكون الذي يسبق العاصفة، نهض ببطء من كرسيه، يداه تتسللان إلى جيوبه ببرود متعمد، ثم دار حولها كصياد يُطوق فريسته، توقف أمامها وألقى بنبرة باردة كالجليد:
“امممم… وإيه كمان؟!”
اشتعل غضبها كوقود أُلقيت عليه شرارة.
ضربته بقبضتها في صدره وهي تصيح بصوت مرتفع:
“أنا هفضحك يا معتصم! انت فاكر إنك ممكن تاخد مني أملاكي بالنصباية اللي عملتها دي؟!”
لكن صوت معتصم ارتفع فجأة، كصفعة صوتية جعلتها تتراجع خطوتين للخلف:
“قلم قصاد قلم… ولو عايزة تفضحيني زي ما بتقولي، يبقى فضيحة قصاد فضيحة… أقصد فضايح… يا مدام نرمين.”
اهتزت للحظة، وظهرت لمحة من التوتر على ملامحها. لكنها سرعان ما أعادت بناء قناع الثبات، قائلة بسخرية مستترة:
“انت متقدرش تعمل حاجة… عارف ليه؟! لأنك من غيري ولا حاجة.”
ابتسم بسمة ساخرة، ومال قليلاً نحوها قائلاً بصوت أشبه بالهمس:
“يظهر إنك لسة معرفتنيش بعد السنين دي كلها…”
رواية مهمة زواج الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم دعاء فؤاد
بعدما تركته ريم وركضت للخارج، رأته إحدى الممرضات. لفت انتباهها مظهره الأنيق رغم حالته الرثة ورأسه المطأطأة، فتقدمت منه تسأله بحذر:
"حضرتك محتاج حاجة؟"
رفع رأسه لينظر لها بتيه، وكأنه قد نسي يده المجروحة، ليستدرك حاله سريعا ثم سألها باحترام:
"ممكن بس تغطي الجرح دا بشاش؟"
تفحصت الجرح لتقول:
"دا محتاج أقل حاجة ٣ غرز.. لحظة هقول لدكتور خالد ييجي يخيطهولك."
أسرع يستوقفها هاتفا برفض قاطع:
"لا لا لا.. أنا مش هخيطه.. لفيه بس بشاش عشان مستعجل."
"بس كدا هياخد وقت طويل لحد ما يلتئم وممكن يلتهب."
رد بنفاذ صبر:
"تمام مش مشكلة، أنا هتصرف… بس بسرعة بس عشان ورايا شغل."
أومأت الممرضة بقلة حيلة، ثم بدأت تلف الشاش المعقم حول يده المجروحة. وما إن انتهت حتى شكرها معتصم، والتقط سترته وغادر المشفى بخطى سريعة حتى استقل سيارته وعاد إلى شركته يستكمل أعماله رغم شرود روحه وانشطار قلبه.
دلف مكتبه بارهاق ظاهر على ملامحه، ثم جلس بكرسيه يستطلع حاسوبه مستأنفا آخر ملف كان بحوزته بالأمس.
تسلل صوت رنين الهاتف ليقطع السكون المحيط. أخرج هاتفه من جيبه بتثاقل، ليرى الرقم الذي كان مألوفا للغاية، رقم خفير البلدة. أجاب بصوت خافت:
"إيوة يا سمعان… مالك؟"
جاء صوت الخفير حزينًا، متوترًا كأنه يحاول اختيار الكلمات بعناية:
"يا كبير… لازم تاچي البلد النهارده… الحچة عيانة جوي."
شعر معتصم بتوقف أنفاسه للحظة، وكأن كل المشاعر التي حاول دفنها عادت دفعة واحدة، فتمتم بصوت متحشرج:
"عيانة كيف يا سمعان؟! عنديها ايه؟"
أكمل الخفير بحزن:
"الدكاترة بيجولوا چاتلها چلطة ع المخ."
توسعت عيناه بصدمة وخوف في آن واحد، ثم أغلق معتصم المكالمة بسرعة، وأسند رأسه إلى الحائط. داخل قلبه، كانت المعركة دائرة: هل هو بالفعل قادر على ترك كل شيء والعودة إلى بلدته؟ وهل سيمنحه هذا العزاء الذي يبحث عنه؟
بعد دقائق من الصمت، اتخذ قراره… عليه أن يكون بجوار والدته مهما كانت الظروف.
في مكتبه الواسع، جلس هشام، زوج عائشة، يراجع الأوراق والملفات. اقتحم معتصم المكان بخطوات واسعة وحازمة، لكن تعابيره حملت مزيجًا من الإرهاق والعزيمة.
"هشام، لازم أسافر للبلد النهارده… أمي تعبانة جدا، وأنا مش عارف هرجع امتى."
نظر إليه هشام بدهشة:
"سلامتها يا كبير… بس متتأخرش.. الشركة هنا محتاجة وجودك…. وإحنا في نص موسم الشغل."
رد معتصم بنبرة قاطعة:
"عارف، بس مضطر… الشغل كله هسيبه في إيدك. عايزك تتابع كل حاجة وتبعتلي تقارير أسبوعية."
أومأ بتأكيد:
"حاضر يا معتصم متقلقش… متشيلش هم حاجة.. وأنا من ناحيتي هخلي عيشة تسافرلك بكرة تخلي بالها منها."
رفع يده بإشارة رفض:
"لأ… خلي عيشة دلوقتي تهتم بنفسها وبالجنين… إحنا ما صدقنا ربنا كرمكوا بعد السنين دي كلها… أنا هتكفل بأمي لو هقعد تحت رجليها العمر كله."
حانت من هشام بسمة إعجاب ليقول بصدق:
"ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا كبير."
ربت على كتفه وهو يقول بجدية تامة:
"هشام أنا هعتمد على الله ثم عليك في إدارة أملاكنا اللي هنا… لو في أي مشكلة تبلغني بيها فورا ونحاول نحلها سوا."
"تمام يا معتصم… مش عايزك تقلق."
نظر له بابتسامة محبة:
"أنا مش قلقان طول ما انت معانا… انت أخويا التاني يا اتش."
احتضنه بحب وافر، ثم ودعه معتصم وخرج من الشركة ليستقل سيارته متجها إلى شقته ليأخذ بعض الأشياء المهمة، ثم استقل سيارته مرة أخرى مودعا القاهرة، تاركا قلبه فيها مع حبيب قد فقد أمله في رجوعه.
في الطريق إلى بلدته، حاول معتصم الهروب من أفكاره المتشابكة. كان الطريق طويلا، مليئًا بالذكريات المتناثرة، حيث بدا كل شيء يذكره بريم، تلك المرأة التي تخللت حياته وصارت جزءا من روحه. حاول إقناع نفسه بأنها أصبحت من الماضي، لكنها كانت حاضرة في كل نفس يتنفسه.
عندما وصل، وجد البلدة في حالة من السكون المريب، وكأن الأرض نفسها تتنفس بصعوبة. دخل الدوار حيث استقبلته والدته المسجاة بفراش المرض بابتسامة باهتة تخفي خلفها أوجاعا لا تعد. جلس بجانبها، أمسك يدها وكأنها حبل النجاة الوحيد الذي يبقيه ثابتا.
قال بهدوء:
"أني هانا عشانك يا أمايا… مش هسيبك مهما حاصل."
نزلت دمعة على وجنتها الباهتة من أثر المرض، ثم تحدثت بصعوبة:
"ربنا… يخليك.. ليا.. يا ولدي… اتو.. حشتك.. جوي."
احتضنها باشتياق بالغ مع حزن ملأ قلبه على ما وصلت إليه حالتها الصحية، ثم التزم الفراش بجانبها ليرعاها ويمرضها ويؤازرها في مرضها.
تدريجيًا، انغمس معتصم في حياة البلدة. كان يحرص على رعاية أمه بنفسه مع متابعة المزرعة وحل مشاكل الفلاحين بجدية، لكن شيئا بداخله كان لا يزال معلقا بين الرحيل والبقاء. حاول ألا يفكر في ريم، في الجنين، في كل شيء تركه خلفه، لكنه كان يعلم أن النسيان ليس سوى وهم يطاردنا بلا هوادة.
في مكتب مظلم داخل منزله القديم في البلدة، كان معتصم جالسًا، يراقب الورق الذي أمامه دون تركيز. هاتفه بجواره يهتز بخفة، ليظهر اسم حمد على الشاشة. اعتدل في جلسته والتقط الهاتف بصوت خافت يحمل مزيجا من الدفء والتعب.
"أيوة يا حمد… وحشتني ياخويا."
جاء صوت حمد من الطرف الآخر واثقًا، لكنه يحمل مسحة من البُعد:
"وأنت كمان يا كبير… أخبارك إيه؟ كله تمام؟"
"الحمد لله، أنا في البلد اليومين دول وبراعي المزرعة واهي ماشية زي ما هي… أنت كيفك؟ الدراسة في لندن شكلها واكلة وقتك كله؟"
"آه، مش بطال… أهو بنحاول نوصل للي عايزينه."
ابتسم معتصم بخفة، لكنه عاد إلى نبرة الجدية سريعا:
"حمد، كنت عايز أتكلم معاك في موضوع."
تغيرت نبرة حمد إلى التحفظ:
"عن صافية؟"
أومأ معتصم وكأنه أمامه، رغم أن المكالمة لا تحمل رؤى، وقال:
"أيوة عنها."
سكت للحظات وكأنه يفكر في طريقة مناسبة لفتح الموضوع، ثم قال:
"يا حمد البنت صغيرة… اللي حصل منها كان غلطة… لكن والله العظيم اتغيرت."
قاطعه حمد بصوت حازم:
"معتصم لو سمحت… أنا مش عايز أتكلم عن الموضوع ده… لما بفتكر بتعصب وأنا عايز أفضل هادي عشان أركز في دراستي."
"يا حمد استنى… لو تسمعني بس هتعرف."
"مفيش حاجة أسمعها… معتصم القرار أنا أخدته من زمان ومش هرجع فيه."
كان صوته قاطعا، لكن معتصم لم يستسلم. استند إلى الطاولة وقال بنبرة أكثر هدوءا:
"طيب، مش عشانها… عشان أمك… أمي عايزة تشوفكم مع بعض."
هنا، ارتفعت نبرة حمد، لكنها لم تفقد السيطرة:
"أمي هتفهمني زي ما فهمتني قبل كده… أنا مش طفل يا معتصم… الموضوع ده منتهي بالنسبالي."
يتبع…
رواية مهمة زواج الفصل الأربعون 40 - بقلم دعاء فؤاد
كان صباح البلدة باكرًا، تسيطر عليه الأجواء الهادئة التي سبقت الحدث الجلل، ومع أول أشعة شمس تعكس ضوءها على الأرض، كان معتصم جالسًا بجانب سرير والدته، ملامحه شاحبة، وعينيه غائرتين من السهر والهموم.
كانت الأم التي طالما كان يراها في صورته المثالية، في حالة من المرض الذي أخذ منها كل شيء، قلبه كان يعتصره الألم، وتساءل في نفسه ما إذا كان قد فعل ما يكفي لها طوال حياتها.
منذ أكثر من عامين قرر ترك كل شيء في القاهرة؛ أعماله، وأصدقائه، وكل شيء كان يتعلق بحياته المزدحمة، ليعود إلى البلدة التي نشأ فيها، ليكون بجانبها، يعتني بها في أيامها الأخيرة.
كل تلك الأيام التي قضاها بجانبها، غارقًا في محاولاته المستمرة للسيطرة على مشاعره، خوفًا من الفقد، كانت تنتهي الآن بموتها.
وفي لحظة الوداع، التي كانت أكثر صمتًا من أي وقت مضى، توفيت الأم بين يديه، وسط صرخات من أخوته الذين تجمعوا حول السرير، مشهد لا يمكن لعقل معتصم أن يتخيله، حتى وهو يشاهد اللحظة بعينيه.
معتصم: خلاص يا امايا؟
كان صوته خافتًا، يكاد لا يُسمع، ولكن الكلمات كانت تطير من بين شفتيه، عجزًا عن تحمل الحقيقة.
أخوته بدأوا في البكاء، وصوت العويل ملأ المكان، أما البلدة كلها فقد أصابها الحزن العميق، حيث توافد الجيران والأصدقاء لتقديم واجب العزاء، كانت أجواء البلدة تُشبه السكون بعد العاصفة، الجميع متأثر بالحزن الذي لا يُحتمل.
لم يكن الأمر مجرد فقد شخص عزيز، بل كان فقدًا لحياة كاملة، لأم كانت تعتبر عماد الأسرة، وصوتها الذي كان يملأ المكان. معتصم شعر وكأن قلبه قد انكسر، والوقت توقف بين يديه، وكأن العالم كله ينهار من حوله.
منذ اللحظة التي قرر فيها أن يترك كل شيء ويعود ليكون بجانبها، وهو لا يعلم أن هذا القرار سيتحول إلى آخر لحظات حياته التي سيقضيها في رعايتها.
كان يراقبها بحب، يحاول أن يعوض كل لحظة غياب، وكل لحظة كان يعتقد أنه كان يستطيع أن يساندها أكثر فيها.
أما البلدة، فكانت حزينة على فقدان السيدة التي لطالما كانت رمزًا للطيبة والنبل، ومنذ أن شاع الخبر، انحنى الجميع احترامًا لها، لم يتوقف أحد عن التحدث عنها، عن كم كانت تعني لهم جميعًا.
كانت البلدة تُشبه السجن الكبير، الكل يتحدث عن الحزن، والكل يشعر بفراغ في قلبه، وكأن هذا الفقد مشترك بينهم جميعًا.
وفي تلك اللحظات، كان معتصم يعرف أن الحياة لن تكون كما كانت بعد الآن.
بقي معتصم في البلدة أسبوعين بعد وفاة غاليته و لكنه استوحش الدوار بدون قرة عينه حتى ضاقت نفسه ذرعا و ترك البلدة و مزرعته و أراضيه برعاية رجاله الأوفياء و قرر العودة الى القاهرة التي أصبحت ملاذه، و اشتاق لها و لمن هم من رائحتها.
بينما عاد حمد الى لندن ليستكمل دراسته التي لم يتبقى على انتهائها سوى القليل، و ترك صافية مع عائشة في القاهرة حتى تكمل دراستها بعدما تحسنت علاقته بها أخيراً و لولا دراسته العالقة لما تركها بعدما ذاق حلاوة قربها.
في إحدى قرى البحر الأحمر السياحية، كانت السماء صافية، والمياه تتلألأ تحت أشعة الشمس، ما يضفي على المكان جمالًا استثنائيًا. كان معتصم يتجول في أنحاء المنتجع، يتمعن في تفاصيل التصميمات الحديثة والطبيعة المحيطة. لم يكن يدري أن هذه الرحلة ستأخذه إلى لقاء غير متوقع.
بينما كان يستريح بجوار المسبح بعدما أنهى صفقة مهمة مع أحد العملاء المهمين، لمح وجهًا مألوفًا يتقدم نحوه.
كان مروان، صديقه القديم، الذي لم يره منذ سنوات. ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه مروان وهو يقترب:
مروان: معتصم! معقول؟! الدنيا صغيرة أوي.
نهض معتصم ليصافحه بحرارة:
معتصم: مروان! ياااه، فينك يا راجل؟ كنت فاكر إنك اختفيت من على وش الأرض.
ضحك مروان، وأشار نحو طاولة قريبة:
مروان: تعالى نقعد… بعد الغيبة دي كلها لازم نتكلم للصبح.
جلسا معًا، وبدأ الحديث بينهما يأخذ طابع الحنين إلى الماضي، يتذكران أيام الجامعة والمواقف الطريفة. فجأة، اقتربت فتاة ذات ملامح جذابة وشعر أسود طويل و عينين خضراوتين ترتدي بنطال برمودا أبيض و كنزة بيضاء بنصف كم، تحمل كوبين من القهوة.
ابتسم مروان وهو يشير إليها:
مروان: تعالي يا ألارا مفيش حد غريب..
ثم نظر لصديقه و هو يقول:
مروان: معتصم، دي ألارا، بنت عمو نديم لسة راجعة من تركيا.. كانت عايشة هناك مع أهل والدتها الله يرحمها.
ابتسمت ألارا بلطف ومدت يدها:
ألارا: أهلاً، تشرفنا.
صافحها معتصم بابتسامة مقتضبة:
معتصم: أهلًا بيكِ، تشرفنا.
جلسوا معًا، وبدأ الحديث يأخذ منحى خفيفًا. مروان تحدث عن أعماله ومشاريعه في القرية السياحية، بينما شاركت ألارا ببعض الملاحظات عن الحياة في تركيا. كانت تتحدث بلغة بسيطة، وكأنها تستكشف العالم من جديد بعد عودتها.
لاحظ معتصم خجلًا خفيفًا في طريقة حديثها، لكنه لم يعطِ الأمر اهتمامًا كبيرًا. بالنسبة له، كانت مجرد فتاة جميلة تعرف عليها بالصدفة.
أنهى مروان اللقاء بقوله:
مروان: لازم تشرفنا دايمًا يا معتصم… وأنا وألارا هنكون موجودين هنا لو حبيت تعدي.
هز معتصم رأسه بابتسامة:
معتصم: أكيد، ده واجب… و انت كمان لازم تجيلي القاهرة.
مروان: طبعاً أكيد.. كلها كام يوم و راجعين القاهرة… عمو نديم عنده بيت واسع في مصر الجديدة و هنعيش انا و هو و الارا هناك بعد ما رجعنا من تركيا.
لم يكن معتصم يدري أن هذا اللقاء العابر سيغير مجرى الكثير من الأمور في المستقبل.
كانت مودة جالسة في غرفتها، يحيطها صمت يخفي صخبًا داخلها، ستارة النافذة تتحرك بخفة مع نسيم المساء البارد، شعورها بالحيرة بدا جليًا في نظرتها، وعينيها اللتين تسكنهما غيمة من الذكريات.
عادت أفكارها إلى ذلك اليوم، حين وقفت بجوار ابيها تستمع لصدمة موت دماغ شقيقتها في اللحظات الأخيرة. والآن… هي تحمل قلب أختها في صدرها و هي لا تعلم، لكن عقلها ما زال يعذبها بسؤال لم تجد له إجابة: “هل أخون ميريهان بحبي لآسر؟… بينما هي فقط تحبه بقلبها الذي كان يومًا قلب أختها؟”
عادت إلى ذكريات اليوم الذي التقت فيه آسر بعد غياب طويل. كلماته كانت قليلة، لكن نظراته حملت أشياء لم تنطقها شفتاه.
آسر: مودة… إزايك؟
كانت نبرته عادية، لكن تلك العادية هي ما أصابتها بالارتباك. مر عامان على رحيل ميريهان، وعامان على كل لقاءاتهما المحدودة، التي دائمًا كانت تنتهي قبل أن تبدأ.
وعلى ناحية أخرى
كانت مودة جالسة في صالة المنزل، تتلاعب بيدها بكوب شاي دافئ، لكن حرارة المشروب لم تستطع أن تدفئ اضطراب قلبها.
في الزاوية الأخرى، كان محمد يجلس على كرسيه المعتاد، يتأمل ابنته بنظرة مثقلة بالهموم. هو يعرف السر الذي لم يبح به قط، ويشعر بثقل الكلمات التي يود أن يقولها لكن لا يجد لها توقيتًا مناسبًا.
محمد: مودة يا بنتي… عايز اتكلم معاكي شوية.
قال بصوت هادئ، كأنما يخشى أن يزعزع سلامًا هشًا.
رفعت مودة عينيها إليه، كأنها أدركت أن هذا الحديث لن يكون عاديًا.
مودة: خير يا بابا؟
تردد لثوانٍ قبل أن يرد:
محمد: حكاية آسر… وإنتِ، مفيش داعي إنها تفضل عاملة البلبلة دي في قلبك… أنا شايفك متوترة و متلغبطة و مش زي الأول.
أشاحت بوجهها للحظة، تخفي ارتباكها:
مودة: الموضوع مش كده، أنا بس… أنا حاسة إني بغلط، أو يمكن… مش عارفة أوصف إحساسي.
محمد نظر إلى وجهها الصغير الذي تحمل عبئًا أكبر من سنواتها، وشعر بوخز في قلبه.
هو من أخفى الحقيقة عن ابنته وعن آسر، معتقدًا أنه بذلك يحميهما. لكنه الآن يدرك أن الأسرار لا تفعل إلا أن تعقد الأمور.
محمد: مودة.. الحب مش حاجة غلط… لكن أوقات كتير اللي بيحصل حوالينا بيلخبطنا… آسر ممكن يكون تايه زينا، مش عارف يحدد إيه اللي جواه، بس ده مش معناه إنك تخافي… إنتِ بني آدم مستقل، ليكِ مشاعرك وحياتك.
مودة استدارت نحوه، عيناها تمتلئان بالدموع:
مودة: بس يا بابا.. إنت مش فاهم… كل مرة بشوفه، بحس إن اللي بينا مربوط بميريهان… بحس إن قلبي بيخونها… حتى وأنا مش عارفة ليه قلبي بيروح له.
كلماتها أصابت محمد في الصميم. كيف له أن يكشف الآن أن قلبها فعليًا هو قلب أختها؟ وكيف سيواجه آسر بهذا السر، وهو الذي كان يومًا جزءًا من حياة ميريهان؟
محمد: بصي يا مودة… يمكن اللي جواكي مش سهل… وأنا مش هقولك إن الحكاية دي هتتحل بسهولة… لكن اللي أقدر أقولهولك إن ميريهان كانت بتحبك أكتر من أي حد… وصدقيني.. لو هي هنا كانت هتدعمك.. كانت هتقولك ما تخافيش.
تردد قبل أن يكمل:
محمد: ومهما كان السبب اللي بيخليكي تحسي كده، لازم تثقي إن ربنا مش بيكتب حاجة من غير حكمة.
لكن محمد كان يعلم أن حديثه لم يشفِ ألمها بالكامل. وهو نفسه ظل صامتًا بعدها، غارقًا في أفكاره، يواجه معضلته الخاصة: هل الوقت قد حان ليخبرهما الحقيقة؟ أم أنه سيزيد الأمر سوءًا؟
محمد عاد لغرفته تلك الليلة وهو يشعر بأنه قد شارك جزءًا من مشاعره دون أن يشارك الحقيقة.
قرار كشف السر أصبح معلقًا، لكنه يدرك أن هذه اللحظة آتية لا محالة.
ادهم بفطنته و ذكائه استطاع أن يقنع اللواء عبدالله الخولي صاحب أكبر شركة أمن في القاهرة بدمج شركته الصغيرة حديثة الانشاء الى شركاته ما يزيد من شهرته و يوسع من دائرة انتشاره.
تلك الشركة التي يتعامل معها الكثير من اصحاب الشركات و المصانع و المنشآت الحيوية..و قد كان معتصم من ضمن عملاء اللواء عبدالله.
أقام أدهم حفلا كبيرا للاحتفال بالدمج و دعا الكثير من أصدقاءه و عملائه من أصحاب الشركات و المصانع، و اللواء عبدالله من ناحية قام بدعوة عملائه بما فيهم معتصم.
معتصم وجدها فرصة جيدة لكي يلتقي بصديقه الغائب مروان في ذلك الحفل ربما يكون حلقة وصل بينه و بين شركة اللواء المتقاعد.
بالطبع رحب مروان بدعوة معتصم و أقر أن يحضر الحفل برفقة ابنة عمه و بعد انتهاء الحفل يعودا الى منزل والدها بمصر الجديدة.
في طريقه من البحر الأحمر الى القاهرة تعطلت السيارة على مشارف المدينة، و قد كان العطل معضلا يحتاج لوقت طويل من التصليح لدى الميكانيكي.
لم يجد مروان بدا من الاتصال بمعتصم لعله يساعده.
بعد حوالي ساعة من الانتظار قام معتصم بجر السيارة الى أقرب ميكانيكي و اضطر مروان الى البقاء مع الميكانيكي لحين إصلاح السيارة و أرسل ألارا مع معتصم على أن يلحق بهما فور انتهاء الميكانيكي من إصلاحها.
كان الحفل يعج بالحضور، أضواء القاعة الهادئة تراقص الجدران مع نغمات الموسيقى الراقية التي تسري في الأجواء، تضفي على المناسبة طابعًا احتفاليًا أنيقًا.
عند مدخل القاعة، اقترب معتصم من البوابة برفقة ألارا، التي كانت تستند بخفة على ذراعه. كانت إطلالتها ملفتة: شعرها الأسود الطويل المتناثر حول وجهها، عيناها الخضراوان اللتان تشعان بريقًا، وملابسها التي جمعت بين الجرأة والأناقة. لم تكن فقط جميلة، بل تحمل في ملامحها تلك الجاذبية التي تأسر الأنظار دون مجهود.
في البداية، بدا معتصم منشغلًا بتفاصيل المكان، ثم لاحظ وسط الحضور ريم واقفة مع شقيقتها روان. بجوارهما طفلة صغيرة تتشبث بثوب والدتها، فتاة لا تتخطى العامين، توقف بصره للحظات عند تلك الطفلة، وسرح ذهنه:
معتصم: أيمكن أن تكون ابنتها؟ ريم أصبحت أمًا…
أبعد تلك الأفكار سريعًا، وأعاد تركيزه على المناسبة، يحاول التماسك، وهو الذي بالكاد بدأ في دفن مشاعره القديمة تجاهها.
بينما شق طريقه إلى وسط القاعة، لم يكن يعلم أن شيئًا أكثر زلزلة ينتظره.
في الجهة المقابلة:
كان أدهم يقف بين مجموعة من الأصدقاء، يتبادل حديثًا وديًا. لكنه شعر بحركة على أطراف القاعة، التفت بعفوية، فقط ليجد عينيه تتوقفان عند معتصم. لكن لم يكن معتصم هو ما لفت انتباهه… بل الفتاة التي كانت تمسك بذراعه.
عيناه اتسعتا ببطء، كأن الزمن قد توقف. ملامح وجهه تغيرت في لحظة؛ صدمة ارتسمت على وجهه، وتراجع خطوة دون أن يدري.
أدهم: ندى؟!
لم ينطق بالكلمة، لكنها صرخت داخل عقله بكل وضوح.
أدهم تجمد في مكانه، يحدق في ألارا كأنها شبح خرج من الماضي. كانت الملامح متطابقة تقريبًا، لكن شيئًا ما كان مختلفًا. شعرها الأسود الطويل الذي لم تعتده ندى، عيناها الخضراوان… وحتى ملابسها الجريئة التي لا تشبه ندى أبدًا.
لكنه رغم ذلك لم يستطع أن يقنع نفسه بأنها ليست هي. قلبه أخبره بشيء آخر.
أدهم: مستحيل… كيف يمكن أن تكون هنا؟ كيف يمكن أن تعود من تحت الثرى؟
بينما كان يتأملها، شعرت ألارا بثقل نظراته. رفعت عينيها نحوه بتلقائية، ثم توقفت للحظة.
أدهم لم يدرِ إن كانت لاحظت صدمته، لكنها بدا عليها بعض الارتباك. كانت وكأنها ترى شخصًا غريبًا، ولم يُظهر وجهها أي علامة تدل على معرفته أو تذكره.
داخل أدهم، كان الصراع مستعرًا:
أدهم: إنها ليست هي… أو ربما هي؟ مستحيل أن أخطئ هذه الملامح…
لكن الوقت لم يسعفه لمزيد من التفكير. معتصم اقترب منه، وحيّاه بحرارة:
معتصم: أدهم باشا إزيك؟..ألف مبروك على الدمج…
بصعوبة استطاع أدهم أن يحول نظره عن ألارا، وينظر إلى معتصم:
أدهم: الله يبارك فيك.. و شكرا على حضورك.
حين رآه معتصم ينظر لألارا بهذا الشغف حانت منه نصف ابتسامة ظنا منه أنها أعجبته، فأردف بمكر:
معتصم: أحب أعرفك على ألارا…. بنت عم مروان صديقي…
أماء لها برأسه و هو يبتلع رمقه بصعوبة:
أدهم: أهلا… أهلا بيكم.
كلماته خرجت بصوت خافت، وهو يكاد لا يصدق ما يحدث.
بينما ظل أدهم يحاول السيطرة على تعابيره التي كادت أن تفضح صدمته، ألقت ألارا نظرة قصيرة عليه. شعرت بنظراته الثقيلة التي لم تفارقها منذ أن اقتربت مع معتصم، وكأنها تحت المجهر. شيء ما في طريقة نظره جعلها تشعر بعدم الراحة، لكنها لم تتوقف عنده طويلًا.
تابعت حديث معتصم بلباقة وهي تلقي التحية الرسمية، لكن عقلها بدأ يعمل دون أن تدري:
ألارا: مين الراجل ده؟ ليه بصته كانت غريبة كده؟ كأنه يعرفني؟
أثناء ذلك، بدا أدهم غارقًا في دوامة من التساؤلات:
أدهم: لو هي ندى، ليه بتتصرف كأنها ما تعرفنيش؟ وإن ما كانتش هي، إزاي شبهها للدرجة دي؟
رفع أدهم نظره إلى معتصم مرة أخرى، ثم إلى ألارا، محاولًا أن يبدو هادئًا. لكنه لم يستطع أن يمنع صوته من التلعثم:
أدهم: تشرفنا يا ألارا.
نظرت ألارا نحوه بإيماءة خفيفة، ثم عادت لتبتسم لمعتصم، وكأنها تحاول صرف الانتباه عن التوتر الخفي الذي شعرت به للحظات.
بعد دقائق قليلة، وبينما كان الجميع يواصل حديثهم، شعرت ألارا بحاجتها إلى التنفس بعيدًا عن ضغط الحفل. همست لمعتصم:
ألارا: هخرج أشم شوية هوا.
تبعها معتصم بنظره للحظات، ثم عاد ليكمل الحديث مع أدهم. لكن أدهم كان بالكاد يستمع. عيناه ظلتا تراقبان ألارا وهي تشق طريقها نحو الشرفة المفتوحة. قلبه لم يتوقف عن التردد:
أدهم: لازم أعرف الحقيقة… مش معقول الشبه دا يكون حاجة طبيعية.
بعد أن خرجت ألارا إلى الشرفة، وقفت بجانب الحاجز الزجاجي، تستنشق الهواء بعمق وهي تحاول تهدئة نبضات قلبها. كانت تشعر بشيء غريب، إحساس لم تستطع تفسيره. ربما كان بسبب عيون أدهم التي شعرت وكأنها تلتهمها بالأسئلة، أو ربما كان ثقل المكان نفسه الذي بدا كأنه يحمل قصصًا لم تعشها لكنها تطاردها بشكل ما.
في الداخل، لم يتمكن أدهم من الصمود أكثر. تبادل نظرة سريعة مع معتصم ثم أعطاه عذرًا للخروج للحظات. لم يلاحظ معتصم اضطرابه، بل بدا مشغولًا بتبادل الحديث مع ضيوف آخرين.
وصل أدهم إلى الشرفة بهدوء، وتوقف للحظة قبل أن يخترق المساحة التي وقفت فيها ألارا. ظلت هي تنظر إلى الأفق، لكن صوت خطواته خلفها جعلها تلتفت ببطء.
أدهم: يا ترى جو الحفلة عجبك؟
سألها بصوت متزن، محاولًا أن يخفي اضطرابه.
نظرت إليه للحظات، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة:
ألارا: أه طبعًا… الحفل رائع. الجو هنا مريح شوية بعيد عن الزحمة.
هز رأسه بإيماءة موافقة، لكنه كان يبحث في عينيها عن أي أثر. ملامحها… نبرة صوتها… كل شيء يشبه ندى بطريقة مخيفة… لكنه قرر أن يكون حذرًا… هذه ليست اللحظة المناسبة لطرح أسئلته.
أدهم: أحيانًا… الزحمة دي بتكون أكتر من مجرد ناس حوالينا، صح؟
قالها وهو ينظر مباشرة إلى عينيها، محاولة لمعرفة أي شيء من رد فعلها.
ابتسمت بخفة، لكنها بدت وكأنها تحاول فك شيفرة كلماته:
ألارا: يمكن… بس أوقات الواحد بيلاقي الراحة وسط الزحمة كمان… لو كان مع الناس الصح.
نظر إليها بصمت، وكأن كلمتها الأخيرة ضربت وترًا حساسًا في داخله. أدار وجهه للحظات، محاولًا ألا يظهر صراعه الداخلي.
بينما بدأ يشعر بأن وجوده قد يثير الشكوك، قرر العودة إلى القاعة.
قبل أن يغادر، قال بنبرة هادئة لكنها مليئة بالإيحاء:
أدهم: تشرفت بلقائك يا ألارا…بس أكيد الأيام هتجمعنا تاني.
تركها خلفه، لكنها شعرت بشيء غريب في طريقته. وكأن كلماته لم تكن عادية، وكأن هذا اللقاء يحمل في طياته شيئًا أعمق مما يبدو عليه.
في تلك الأثناء تماما و قبل عودة أدهم للقاعة..
كانت ريم تقف أمام الطاولة الصغيرة في زاوية القاعة، تنظم بعض الأوراق وترتب تفاصيل الحفل. مظهرها متماسك، عينان تحملان القوة رغم تلك الذكرى التي خلفها الزمن في طياتها.
مرت عامان منذ أن رأته آخر مرة، عامان من الصمت والابتعاد، لكنها اليوم لم تتوقع أن يكون جزءًا من الحضور.
بينما هي منغمسة في عملها، شعرت بأنفاسها تتباطأ فجأة، وكأن شيئًا ثقيلًا يطرق قلبها. رفعت عينيها، فقط لتلتقي بشخص مألوف يخطو بثبات نحو المكان. كان معتصم.
تجمدت في مكانها، كأن الزمن توقف للحظة. شعرت بدقات قلبها تتسارع بشكل غير متوقع، رغم محاولتها الحفاظ على هدوئها.
معتصم كان يبدو مختلفًا؛ مظهره أنيق، لكن عينيه حملتا بعض التعب، وكأنه كان يحمل ثقله الخاص معه.
لاحظها من بعيد، لكنه لم يتوقف. خطا خطواته نحو مجموعة من الأشخاص الذين كانوا بالقرب منها، لكنه تجنب النظر إليها بشكل مباشر.
ريم ظلت تراقبه، تستعيد في لحظة واحدة كل شيء: حديثهما الأخير، كلمات الفراق التي لم تُقل، والصمت الطويل الذي تلا ذلك.
شعرت بمزيج غريب من الألم والغضب والحنين، لكنها لم تكن متأكدة مما يجب أن تشعر به حقًا.
روان، التي كانت تقف بجوارها، لاحظت تغير ملامحها، فاقتربت وسألتها بخفوت:
روان: ريم، إنتِ كويسة؟
هزت ريم رأسها سريعًا، محاولة نفي أي أثر للمشاعر التي بدت واضحة على وجهها:
ريم: أيوة، تمام…
لكن صوتها المرتبك كشف عكس ذلك.
روان نظرت نحو الاتجاه الذي كانت ريم تراقبه، ورأت معتصم. شهقت بصوت منخفض وقالت:
روان: ده معتصم؟!
ريم قطعت حديثها بصوت منخفض لكنها حاد:
ريم: روان، اسكتي.
لكنه كان قد لاحظ. رمقها أخيرًا بنظرة عابرة، لكنها لم تكن مجرد نظرة. كانت تلك النظرة التي تحمل في طياتها ألف كلمة لم تُقل. تبادل الاثنان لحظة من الصمت عبر المسافة، وكأنهما يتحدثان دون أن ينطق أحدهما بشيء.
معتصم حرك رأسه بتحية خفيفة، لكنه لم يقترب. اكتفى بالنظر لثانية أطول مما ينبغي، ثم أكمل طريقه نحو الجهة الأخرى من القاعة.
ريم تنفست ببطء، وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال الوقت. نظرت إلى روان وقالت:
ريم: تعالي، نكمل شغلنا.
لكن عينيها ظلت تلاحقه دون أن تدري، وكأنها لم تستطع الانفصال عن تلك اللحظة التي أعادتها لعامين مضيا.
مرت بعض الدقائق حتى استطاعت ريم لملمة شتات نفسها و حاولت ان تعتاد وجود معتصم حولها بنفس المكان.
وسط القاعة، حيث كانت ريم وروان تتحدثان قرب طاولة مليئة بالمشروبات، سحبت ريم إحدى الكؤوس وأخذت ترتشف منه بهدوء.
كانت روان بجوارها، تمزح بشأن الحفل والوجوه الجديدة التي بدأت تظهر في الأجواء. فجأة، تجمدت ملامح ريم، وعينيها مثبتتان على شيء خلف ظهر روان.
ريم: روان… شوفي اللي داخلة من البلكونة و رايحة ناحية معتصم…
قالتها بصوت خافت، لكنه كان مشحونًا بالدهشة، وكأن الكلمات بالكاد خرجت من حلقها.
استدارت روان ببطء، وعندما وقعت عيناها على ألارا، انكمشت ملامحها. عيناها ظلتا مثبتتين على الفتاة، بينما شهقت بصوت منخفض:
روان: ندى؟!
كان الصمت هو سيد الموقف للحظة، كلاهما تحدقان في ألارا التي كانت تقف بجوار معتصم، تبتسم بخفة وتتبادل الحديث معه ومع شخص بجواره.
روان همست، وهي تمسك بذراع ريم بشدة:
روان: مش ممكن… دي ندى… بس شعرها… وعيونها… إزاي؟
ريم ردت بنبرة مترددة:
ريم: شكلها زيها بالظبط… لكن… ندى عيونها كانت بنية. مستحيل تكون هي.
روان ظلت تحدق، غير قادرة على تصديق ما تراه:
روان: بس يا ريم… النظرة، طريقة الضحك… حتى الوقفة دي… شبهها جدًا…
ريم، التي كانت دائمًا الأكثر تماسكًا بين الشقيقتين، حاولت السيطرة على أفكارها. لكن شيئًا ما داخلها كان يخبرها بأن ما تراه ليس صدفة.
بينما بقيتا في حالة من الصدمة، رفعت ألارا عينيها فجأة نحو مكانهما، ثم توقفت للحظة، وكأنها لاحظت نظراتهما. بابتسامة صغيرة ومتوترة، ألقت نظرة خاطفة، ثم عادت تتحدث مع معتصم، محاولة تجاهل التوتر الذي شعرت به.
روان قالت باندفاع:
روان: ريم، لازم نسأل أدهم. ده أكيد يعرف مين دي.
لكن ريم، بعد أن استوعبت الصدمة الثانية بعد رؤية معتصم، ردت بحزم:
ريم: لا، استني… متسرعيش. خلينا نشوف الأول هي مين بالظبط، وما نلفتش الانتباه.
روان، رغم رغبتها في مواجهة الموقف، هزت رأسها ببطء موافقة. كانت كلتاهما تعلم أن هذا اللقاء لن يمر بسهولة، وأن الإجابة على هذا اللغز قد تقلب الحفل بأكمله.
و لكنها اخذت تردد بداخلها بدهشة اصابتها بالتشوش:
روان: معتصم و ندى؟!… طاب ازاي؟!.. دي أكيد شبهها بس مش أكتر… بس معقول يكون معتصم على علاقة بشبيهتها!!… أووف يا ربي قلبي مش هيرتاح أبداً.
وقف محمد عند أحد الأركان، ممسكًا بكوب من العصير لم يذق منه شيئًا، يراقب المشهد بعينيه المثقلتين بالهموم.
على بعد خطوات منه، كانت مودة وآسر يتبادلان الحديث. مودة تبدو متوترة قليلاً، بينما يحاول آسر أن يخفي اضطرابه بابتسامة باهتة. محمد شعر وكأن الزمن يتباطأ أمام عينيه، تلك المشاهد أعادته إلى الوراء، إلى الأيام التي كانت فيها ميريهان هي محور الكون.
محمد: يا ترى لو ميريهان هنا… كانت هتبقى مبسوطة؟
همس لنفسه، وهو يحاول أن يتجاهل شعور الذنب الذي ينهش قلبه.
عيناه تجولت بين مودة وآسر. رأى في نظرات آسر محاولة لاستيعاب شيء أعمق من مجرد مشاعر الحب، ورأى في عيني مودة صراعًا مريرًا بين قلبها الذي يجرها نحوه وعقلها الذي يوبخها كل لحظة.
محمد: أنا السبب…
فكر، قلبه مثقل بالندم. أنا اللي خبيت عنهم… أنا اللي خليتهم يعيشوا الصراع ده.
لكنه في الوقت نفسه، كان يدرك أن السعادة لم تكن يومًا من نصيب مودة. لطالما كانت تعيش في ظل مرضها القاسي… والآن، بعد أن فقدوا ميريهان، أراد بشدة أن ترى مودة لحظة من السعادة التي حرمت منها.
بجانب آسر، لمحها وهي تبتسم للحظة، ابتسامة قصيرة لكنها حقيقية. كأنها لحظة اختطفتها من الألم الذي يثقل كاهلها. هذه الابتسامة أشعلت في قلبه رغبة متضاربة:
محمد: لو كنت صارحتها من البداية… هل كان ممكن تكون الحياة أسهل؟
حين اقترب منه أحد المدعوين لمصافحته، استقبلهم بابتسامة مهذبة، لكنه سرعان ما عاد للتأمل في المشهد أمامه. كان يتمنى لو كان يستطيع إصلاح الأمور دون أن يفتح جراحًا قديمة.
لكنه كان يعلم أنه مهما حاول، فإن الحقيقة ستطفو على السطح يومًا ما، ومعها كل الأسئلة التي كان يخشاها.
عاد أدهم إلى القاعة، لكن ملامحه كانت تحمل ظلالًا من القلق والتساؤل الذي لم يستطع دفنه. استقبل معتصم بابتسامة مصطنعة وبدأ معه حديثًا سريعًا ليتجنب لفت الانتباه.
على الطرف الآخر، عادت ألارا لتقف مع معتصم الذي كان يقوم بدور مروان ابن عمها في ذلك الحفل،فلم تكن تعرف سواه. كانت تعلم أن هناك شيئًا غريبًا في نظرات أدهم، في كلماته… لكنها لم تكن تستطيع تحديد ماهيته.
بينما أدهم وسط الحضور، بدأت أفكاره تتشابك:
أدهم: ندى؟ مستحيل تكون هي… لكن تشبهها لدرجة تخليني أشك في كل شيء. يمكن تكون مجرد صدفة.
لكنه عاد وأقنع نفسه أن من الأفضل أن يظل صامتًا حتى يتأكد.
لاحقًا تلك الليلة:
أثناء خروج الجميع، كان أدهم يقف بجوار أحد الأصدقاء بالقرب من المخرج. لمح ألارا وهي تقترب من معتصم، تبدو منشغلة بالحديث معه. ابتسم معتصم عندما لاحظ أدهم، ثم أشار نحوه قائلاً:
معتصم: أدهم..مبروك مرة تانية على الدمج..و ان شاء الله يكون في بينا شغل..نستاذن احنا بقى.
هز رأسه بأيماؤة بسيطة فقد كان ذهنه منشغلا للغاية بتلك الفتاة التي ستفقده عقله بشبهها الكبير بينها و بين فقيدته، و لكنه صافحه بحرارة متناسيا ما بينهما من خلافات قديمة.
مد أدهم يده لها مصافحًا، لكنه شعر بالرجفة الطفيفة في يدها.
ابتسم بخفة وقال:
أدهم: تشرفنا يا ألارا.
ردت بصوت هادئ:
ألارا: الشرف ليّا يا فندم… الحقيقة شرف كبير أكون جزء من الليلة دي.
كلماتها كانت عادية، لكن وقعها كان ثقيلًا على أدهم. الملامح، النبرة، وحتى الطريقة التي تتحدث بها… كلها أعادت إلى ذهنه ذكرى شخص لم يكن يتوقع أن يواجهها مجددًا.
بينما غادرت ألارا مع معتصم، بقي أدهم واقفًا، يتأمل ظهرها وهي تبتعد. لم يستطع منع نفسه من الهمس بصوت خافت:
أدهم: ندى… يا ترى إيه الحكاية؟