تحميل رواية «مهمة زواج» PDF
بقلم دعاء فؤاد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مساء إحدى ليالي أغسطس الدافئة، يقف بحلته السوداء الأنيقة التي جعلته أميراً من أمراء حكايا ألف ليلة وليلة. يقف بساحة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، ينظر إلى ساعته النفيسة بتأفف كل حين وآخر في انتظار وصول الطائرة القادمة من نيويورك. وهناك خارج المطار تنتظر أسرته في سيارة أخرى، وهم والدته وشقيقته وزوجها ليستقبلوا العروس. بعد عدة دقائق أعلن المذيع الداخلي عن هبوط الطائرة القادمة من نيويورك، وحينها انتابته حالة من التوتر. لا يدري كيف سيكون شعوره حين يقابلها، بالأحرى كيف سيعرفها وهو لم يلتقِ بها سو...
رواية مهمة زواج الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دعاء فؤاد
طرقت ريم باب غرفة ندى وكانت تحمل جهاز الضغط خاصتها والسماعة الطبية.
لم يأتها رد، فاضطرت لفتح الباب والدخول لكي تطمئن عليها.
وجدتها نائمة ووجهها شاحب للغاية.
اقتربت منها تتحسس جبينها لتجد حرارتها مرتفعة قليلاً، فلم تجد بداً من إيقاظها للكشف عليها.
"ندى.. ندى.. اصحي يا ندى. عايزة أقيسلك الضغط وأشوف مالك. ماما قلقانة عليكي أوي."
حاولت النهوض وهي تفتح عينيها بصعوبة.
أسرعت ريم تسندها لتساعدها في الجلوس.
"هاتي دراعك كدا."
مدت لها ذراعها بضعف.
قامت ريم بقياس ضغطها لتجده منخفضاً للغاية.
تدخلت السيدة تيسير في تلك اللحظة لتسألها بقلق:
"ها يا ريم؟! ضغطها عامل إيه يا حبيبتي؟"
"ضغطها واطي أوي يا ماما."
"أكيد من قلة الأكل، ماهي مأكلتش حاجة من الصبح."
كانت ندى في عالم آخر من فرط الآلام المنتشرة بعظامها، وخاصة رأسها.
أنفاسها كانت غير منتظمة وتلتقطها بصعوبة.
جلست تيسير بجوارها، ثم ربتت على كتفها وهي تسألها بتوجس:
"هو التعب دا ممكن يكون سببه حمل يا ندى؟"
انتبهت حواس ندى حين تفوهت حماتها بتلك الكلمة.
اتسعت عينيها قليلاً بصدمة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة لتقول بنبرة واهنة للغاية:
"لا.. لا يا ماما مفيش حمل ولا حاجة."
"متأكدة يابنتي؟"
تدخلت ريم لتقول:
"خلاص يا ماما، هي أدرى بنفسها. أكيد لو متأكدة هتقولنا."
تهدلت كتفي تيسير بحيرة لتقول:
"أومال مالك بس يا ندى؟"
أخذت ريم تفكر قليلاً بعدما لاحظت صعوبة تنفسها واحتقان وجهها بالدم.
ثم سألتها بقلق:
"وصفيلي انتي حاسة بإيه بالظبط يا ندى."
ابتلعت ريقها ثم قالت بوهن:
"حاسة إن جسمي كله متكسر وصداع جامد ومش قادرة آخد نفسي كويس وضربات قلبي سريعة."
أجفلت ريم بقلق شديد حين سمعت شكواها.
ثم قالت بإصرار:
"قومي يا ندى حالا خودي شاور عشان نروح نكشف عليكي عند دكتور متخصص."
أخذت تهز رأسها برفض:
"لأ أنا هاخد قرصين بانادول وهبقى كويسة، متقلقيش."
"مش هينفع، مش هيعملك حاجة. لازم تتشخصي وتاخدي علاج مظبوط."
ردت عليها باستعطاف:
"عشان خاطري يا ريم سيبيني أنا مش قادرة أتحرك. هاتيلي أي حاجة تريحني دلوقتي وبكرة هكشف. عشان خاطري."
سكتت ندى وهي تشعر بالعجز.
تدخلت تيسير:
"يابنتي إحنا خايفين عليكي وعايزينك تكوني كويسة. وبعدين عايزة أدهم ييجي يلاقيِكي تعبانة كدا ويتهمنا بالتقصير؟"
ردت ندى بإصرار:
"أنا حاسة إني بكرة هكون كويسة إن شاء الله. بس سيبوني دلوقتي مش قادرة أتحرك من مكاني."
تنهدت ريم بإحباط.
ثم قالت بإصرار:
"طالما انتي مش عايزة تقومي تكشفي يبقى تسمعي كلامي ونشوف لو اتحسنتي تمام. لو لا قدر الله فضلتِ تعبانة يبقى هنكشف يعني هنكشف يا ندى."
أومأت ندى بقلة حيلة.
نهضت معها بصعوبة إلى المرحاض لتستحم، لعلها تستعيد بعضاً من نشاطها.
طلبت لها ريم مجموعة من أدوية البرد والمسكنات لترى إذا ما ستتحسن بهذه الأدوية أم لا.
في اليوم التالي، دلفت ريم إلى غرفة ندى لتتفقد حالتها.
وجدتها نائمة تتنفس بصعوبة ووجهها محمر للغاية من شدة الحرارة.
تحسست جبينها لتجده ملتهباً بحرارة بالغة.
أصابها الفزع ونادت أمها على الفور لتساعدها في تبديل ملابسها.
أسندتها مع وفاء الخادمة لتأخذها بسيارة أجرة إلى أقرب مشفى خاص لسكنهم بالتجمع الخامس.
"ماما خليكي في البيت عشان أدهم لو رجع وإحنا بره ميقلقش."
"طيب طمنيني يا ريم كل شوية بالتليفون."
"حاضر يا ماما، ربنا يستر."
انطلقت السيارة إلى المشفى فوراً.
بقيت تيسير بالمنزل تدور به ذهاباً وإياباً من شدة القلق.
في تلك الأثناء تماماً، كان أدهم يضب أغراضه بحقائبه وهو يدندن بسعادة استعداداً لعودته إلى حبيبته.
كان يتحرق شوقاً إليها، يُصبر نفسه بقرب لقائها.
حينها لن يضيع لحظة واحدة ليعترف بعشقه لها حتى يجعلها تندمج مع جسده كعطره.
كان آسر أيضاً يضب أغراضه ويراقبه وهو يضحك على أدهم الجديد الذي يراه لأول مرة.
تمنى له السعادة على أية حال وألا يصيبه من الحب ما أصابه.
قاربت الساعة على الثانية بعد الظهر ولم تعد ريم وندى حتى الآن.
كان أدهم قد اتصل بوالدته أخبرها بقرب وصوله، ولكنها لم تخبره لئلا ينزعج ويقلق في طريق العودة.
بعد نصف ساعة، وصل أدهم ليلقي بحقائبه ويرتمي بأحضان والدته.
شددت من احتضانه من شدة اشتياقها البالغ وتتمتم بسعادة:
"الحمد لله يا حبيبي إنك رجعت بالسلامة. متعرفش أنا كنت قلقانة عليك قد إيه يابني. الحمد لله.. الحمد لله يا حبيبي."
طال العناق لدقيقة أو دقيقتين.
ابتعد عنها قليلاً وهو يبحث بعينيه عنها في أرجاء الشقة ليتساءل بنفاذ صبر:
"أومال ندى و ريم فين؟"
لم تكد ترد عليه والدته حتى انفتح الباب لتطل عليهما ريم مرتدية كمامة وتسند ندى التي كانت أيضاً ترتدي كمامة وبيدها كانيولا صفراء بلاصق طبي.
اتسعت عينا أدهم بصدمة وركض إليها ناسياً غيابه عنهم وهو يتمتم بقلق بالغ:
"مالك يا ندى إيه اللي حصل؟"
قبل أن يصل إليها، أسرعت بإيقافه بإشارة من يدها وهي تصرخ بإعياء:
"متقربش، خليك عندك."
وقف يناظرها باستنكار.
أسرعت ريم موضحة:
"ندى اتشخصت اشتباه كورونا يا أدهم والدكتور قال لازم تتعزل في أوضة لوحدها لمدة أسبوعين على الأقل ومحدش يختلط بيها عشان ميعديش منها. ولازم كلنا نلبس كمامات."
وقع قلبه بين قدميه ليسألها بقلق شديد:
"إزاي؟! والكورونا هتجيلها منين؟"
ردت ريم بجدية:
"الكورونا موجودة يا أدهم مانتشتش. وفعلاً اليومين دول بيدخلنا المستشفى حالات اشتباه كتير. بس متقلقش الكورونا معدتش خطيرة زي الأول."
"طيب دخلي ندى أوضتها الأول عشان ترتاح وبعدين نبقى نتكلم."
أسندتها ريم حتى دلفت غرفتها.
ارتدى أدهم كمامة على عجالة ثم لحق بهما.
أجلس ندى على حافة الفراش وأسندها جالساً بجوارها.
استخرجت لها ريم بيجامة بأكمام طويلة ثم قالت:
"ألبسها ولا تلبسها انت؟"
نظر لندى بتردد فوجدها تهز رأسها بخجل.
رفعت رأسها لتلتقط الملابس من ريم وهي تقول بتعب:
"اخرجوا انتوا وأنا هغير هدومي لوحدي. أنا بقيت كويسة."
غمز أدهم بعينه لريم لكي تخرج.
بالفعل خرجت بهدوء دون أن تتفوه معها بشيء.
بمجرد أن انغلق الباب، قالت ندى بنبرة شبه باكية:
"حمد الله على سلامتك يا أدهم. مكانش نفسي ترجع تلاقيني كدا بس الحمد لله على كل شيء."
اقترب منها قليلاً فابتعدت بمجرد أن لمس فخذه فخذها.
قالت برجاء:
"عشان خاطري خليك بعيد أنا خايفة عليك."
رد بحدة طفيفة:
"ما أنا لابس الكمامة أهو يا ندى. متخافيش بقى. وبعدين هتفضلي قاعدة بهدومك دي لحد إمتى؟"
"ما أنا مستنياك تخرج وبعدين هغير."
لم يكترث لكلامها.
اقترب مجدداً حتى التصق بها، ثم قام مباشرة بفك الكمامة تحت مقاومتها واعتراضها.
قبض على كفها بقوة ليوقفها حتى استكانت واستسلمت حين لمست إصراره وعدم تراجعه.
فك حجابها بالكامل وفك أيضاً عقدة شعرها ونزع دبابيس غرتها لتنسدل الغرة على جبينها وينسدل شعرها حول وجهها.
تسارعت دقات قلبه شوقاً لوجهها الجميل الذي أطفأ ضيّه المرض.
أخذ يخلل أصابعه بين خصلات شعرها تارة، وتارة أخرى يزيح الغرة جانباً لكي تتضح له عينيها الناعستين من أثر المرض.
كان يتأملها بشغف بالغ وكأنه غاب عنها لسنوات.
يلعن ذلك الحظ الذي سيحرمه منها وسيفسد كل مخططاته التي كان ينوي تحقيقها فور عودته سالماً إليها.
كانت تنظر إليه بعينين مسبلتين بتيه.
تبتلع ريقها بصعوبة من فرط توترها من حركاته الرومانسية المثيرة.
لو كانت سليمة لما ترددت في تقبيله الآن والاستلقاء بين أحضانه الدافئة.
تنهد بثقل وهو يحاول السيطرة على ثورة مشاعره تجاهها.
رأسه تنجذب للغاية نحو رأسها يريد تقبيلها وأخذها بين أحضانه لربما يقل اشتياقه لها ولو قليلاً.
يعود ويلعن ذلك المرض الذي حال بينهما في وقت قاتل.
"وحشتيني أوي. اليوم كان بيعدي عليا كأنه سنة بالذات وأنا مكنتش عارف أكلمك ولا أطمن عليكي."
ردت بصوت متعب:
"وانت كمان وحشتني وكنت بستنى تكلمني بفارغ الصبر وكنت بضايق أوي لما الشبكة بتفصل. بس الحمد لله إنك رجعت بالسلامة."
ظل يستمع إليها وهو يجاهد نفسه لألا يتجرأ ويعترف بعشقه لها وهي في تلك الحالة السيئة.
أمر كهذا يتطلب أن يكونا على أتم استعداد له حتى يذيقها من رحيق حبه وتندمج روحيهما كروح واحدة في جسدين.
حانت منه نصف ابتسامة.
أخذ يمسد على ذراعيها صعوداً وهبوطاً وهو يقول:
"طيب قومي يلا خودي شاور عشان حاسس إن جسمك دافي. والبسِ عشان لو لسة فيه دوا مأخدتيهوش تاخديه."
أومأت بموافقة.
نهضت بمساعدته وأسندها حتى دلفت إلى المرحاض.
أغلق بابه وتركها ليجلس بحافة الفراش يدفن رأسه بين كفيه ويخلل أصابعه بين خصلات شعره كناية عن ضيقه وتوتره.
نهض ليخلع ملابسه، فقد آلتهى بحبيبته ونسي أن يبدلها.
فتح الخزانة واستخرج تي شيرت وبنطال قطني وارتداهما على عجالة.
جلس ينتظر خروجها بعدما ارتدى الكمامة مرة أخرى.
في الخارج، أنهت ريم لتوها مكالمة مع معتصم يؤكد فيها على ضرورة حضورها مع عائلتها لحفل زفاف حمد.
أخبرته أنها ستتحدث مع أخيها في ذلك الأمر.
لاحظت تيسير شرودها بعد تلك المكالمة.
أدركت ما يدور بخلد ابنتها الحبيبة.
ربتت على فخذها وهي تقول ببسمة مطمئنة:
"متحمليش هم الموضوع دا. أنا هكلم أدهم."
"مش هينفع نسيب ندى وهي في الحالة دي يا ماما ونسافر."
"وأنا روحت فين؟! ندى دي بنتي التالتة وأنا عمري ما هقصر معاها أبداً. روحي يا حبيبتي انتي وأخوكي وأنا هخلي بالي منها وهديها أدويتها في مواعيدها بالساعة."
"ما أنا خايفة عليكي برضه يا ماما تتعدي منها."
ردت بنبرة قاطعة:
"سواء انتوا هنا أو لأ أنا مش هسيب ندى أبداً وأنا برضو اللي هراعيها وهديها أدويتها. لا أدهم هينفع يسيب شغله ويقعد جنبها ولا انتي برضه هتسيبي شغلك وتقعدي جنبها. في كل الأحوال ندى مهمتي أنا."
تنهدت ريم بحيرة.
نظرت لها أمها بنظرة مطمئنة مغذاها ألا تقلق.
هزت رأسها باستسلام ثم احتضنتها بشدة وهي تقول:
"ربنا يخليكي لينا يا ماما وميحرمنيش منك أبداً."
شددت أمها من احتضانها وهي تدعو لها:
"ربنا يفرح قلبك يا حبيبتي ولو كان فيه خير ليكي يجعله من نصيبك."
"يا رب يا ماما.. يا رب."
بعد حوالي ساعة، خرج أدهم من غرفة ندى ليذهب إلى حيث تجلس أمه وأخته.
بمجرد أن وقف قبالة أخته ابتسم لها قائلاً وهو يمد ذراعيه لها:
"تعالي يا بت انتي هاتي حضن مسلمتش عليكي."
وقفت ريم على الفور ترمي بين ذراعيه وهي تقول:
"طبعاً من لقى أحبابه نسي أصحابه."
ضحك أدهم وهو يربت على ظهرها:
"انتي الحب الأول والأخير يا ريمو. وحشتيني ووحشتني شقاوتك."
ابتعدت عنه قليلاً ثم قالت بنبرة متأثرة:
"وانت كمان يا حبيبي وحشتني أوي."
كانت أمهما تراقبهما وهي في قمة سعادتها.
جلس بجوار أمه ثم قال:
"عايز أروح أشوف روان ومحمود، وحشوني من زمان مشوفتهمش."
ردت ريم:
"يا ريت تروح تسلم عليهم في بيتهم وبلاش تخلي روان تيجي هنا لحد ما ندى تخف بالسلامة. الحمل مخلي مناعتها وحشة وممكن تتعدي من البيت بسهولة."
قالت تيسير وكأنها تذكرت شيئاً ما للتو:
"بمناسبة الحمل يا أدهم.. تصور كنا فاكرين إن تعب ندى من الحمل؟"
تجمد جسده لوهلة بصدمة بالغة.
سرعان ما ابتسم بحالمية وهو يفكر بجدية في ذلك الأمر ليقول مبتسماً:
"قريب أوي يا ماما إن شاء الله."
ربتت أمه على فخذه وهي تدعو:
"ربنا يرزقك بالذرية الصالحة يا حبيبي."
غمزت ريم لأمها لكي تتحدث بخصوص أمر سفرها لمعتصم في الغد.
هزت رأسها ثم توجهت لأدهم بالحديث في محاولة لإقناعه بالذهاب على أن تتولى أمه رعاية ندى.
في بادئ الأمر طلب منها تأجيل الذهاب.
مع عدة محاولات لإقناعه، أصرت والدته على ألا يكسر خاطر أخته.
فلم يجد بداً من الموافقة مع إصرار والدته الشديد، على أن يذهبا ويعودا في نفس اليوم.
بالفعل صباح اليوم التالي، اطمئن أدهم على ندى وأوصى أمه عليها كثيراً.
استقل سيارته بصحبة شقيقته وانطلقا سوياً إلى محافظة سوهاج.
كان الجميع يقفون على قدم وساق يجهزون لحفل الزفاف بالقرية.
كانت الأجواء احتفالية والطبل والمزمار لم يتوقف طوال اليوم في الدوار.
وصل أدهم وشقيقته إلى البلدة عند منتصف النهار.
كان معتصم وعائلته في استقبالهما.
تعرف أدهم على معتصم ووالدته وأشقائه.
لفت نظره وسامة معتصم الزائدة علاوة على بنيته الجسدية الملفتة وشخصيته الواثقة.
أقلقه خشية أن تكون ريم قد انبهرت به فقط لتلك الأمور السطحية من وجهة نظره، خاصة أنه استقبله بملابس عصرية أظهرت مدى وسامته وأناقته.
تناول أدهم وليمة الغداء مع الرجال.
ذهبت ريم مع وليمة النساء بصحبة عائشة ومارتينا.
عندما حل المساء، بدأت الاحتفالات الحقيقية.
انقسمت حديقة الدوار لقسمين كما كانت في حفل الخطبة.
وصل حمد مرتدياً جلبابه الصعيدي وبصحبة عروسه الجميلة.
وقف وسط الحفل بجوارها والجميع يصفق.
الرجال يرقصون بالعصا والخيول.
أخذها إلى مجلس النساء وأجلسها بينهن.
عاد لضيوفه بمجلس الرجال يرقص بينهم.
يحاول أن يتجاهل قلقه من أيامه القادمة مع زوجته الصامتة.
يحاول الاستمتاع بالأجواء وصرف تفكيره عن حياته التي تبدو وكأنها ستكون عسيرة عليه.
لم يترك معتصم صهره المستقبلي أدهم ولا لحظة، مظهراً له اهتماماً شديداً لعله يخطب وده.
تحدث معه في مواضيع شتى وحكى له مسيرته حتى أنشأ تلك الشركة.
لم يتطرق إلى الحديث عن نرمين ومساعدتها له حتى وقف على قدميه في مقابل زواجه بها.
انبهر حقاً بحديثه ومسيرته الناجحة.
رغم ذلك، لم يصدقه تماماً وأحس بوجود خطب ما ولم يشعر تجاهه بالارتياح الكامل.
استدرجه أدهم في الحديث حتى يأخذ منه أكبر قدر من المعلومات عنه بما في ذلك عنوان شركته ومصنعه.
اند.جت ريم كثيراً مع الفتيات حتى أن واحدة منهن جذبتها لترقص بينهن.
استجابت لها وبدأت تتمايل بسعادة.
الأجواء مثيرة للغاية والأغاني الصعيدية التي يدندن بها ممتعة.
بعدما تعبت من الرقص، جلست جانباً لتتفقد هاتفها.
وجدت مكالمة فائتة من أمها لم ترد عليها.
خشيت أن تكون ندى قد أصابها مكروه.
تسللت من بين النساء حتى خرجت من المكان وابتعدت قليلاً حتى تتمكن من سماع الصوت.
استندت إلى جذع شجرة كبيرة ثم اتصلت بأمها وأخذت تسألها على ندى.
سمعان في تلك الأثناء يحرس الحفل بالخارج.
رأى ريم وهي تبتعد عن الدوار.
خشي أن يحدث لها مثلما حدث في المرة السابقة حين ضلت الطريق.
حسم أمره بإخبار معتصم عبر الهاتف وقد فعل.
حين علم معتصم بذلك، استأذن من الحضور وكان من بينهم أدهم.
خرج يتفقد ذلك الأمر خشية أن يفقدها مرة أخرى.
استغل أدهم فرصة ابتعاد معتصم وقام في الحال بالاتصال بصديقه آسر:
"ألو.. آسر أنا هبعتلك ع الواتس بيانات واحد كدا معرفة وهبعتلك عنوان شركته. عايزك تعرفلي كل حاجة عنه من يوم أمه ما ولدته وكل حاجة عن شغله ومعارفه وشركائه. كل حاجة كبيرة وصغيرة مهمة أو مش مهمة يا آسر. هقولك بعدين. تمام مش عايز أستنى كتير يعني على بكرة بالليل لو أمكن. راضي المخبرين بتوعك وأنا هحاسبك لما أشوفك. تمام سلام."
أنهى المكالمة وهو يبتسم بغموض ويتمتم لنفسه بخفوت:
"أنا من الأول قولت مش مرتاحلك يا سي معتصم. أما نشوف إيه اللي وراك."
حين رآها تقف مستندة إلى جذع الشجرة وبيدها الهاتف، أخذ يهز رأسه بغيظ.
سار نحوها ببطء حتى لا تشعر به إلى أن صار خلفها.
باغتها بصياحه:
"تاني يا ريم."
صرخت ريم حين أتاها صوته بغتة.
حتى الهاتف وقع من يدها وأصبح جسدها كالهلام من فرط الفزع حتى كادت أن يُغشى عليها.
أسرع معتصم بمسكها من خصرها حتى لا تسقط على الأرض ويقول بنبرة مطمئنة:
"متخافيش يا ريم دا أنا.. أنا معتصم."
نظرت له وهي تلتقط أنفاسها المتلاحقة بصعوبة وقد خرجت عن السيطرة تماماً.
أخذ يمازحها قائلاً:
"وبعدين بقى.. انتي شكلك مش هتهدي غير لما أحضنك."
اقترب منها للغاية وكأنه سيحتضنها، ولكنها ابتعدت سريعاً للخلف.
تراجع وهو يضحك بقهقهة.
نظرت له بغيظ.
سرعان ما تحولت تلك النظرات لإعجاب من ضحكته الجميلة التي أظهرت أسنانه البيضاء المتناسقة والتي تراها لأول مرة.
لم تكن ترى منه أكثر من ابتسامة فقط بشفتيه.
لاحظ معتصم شرودها وتأملها لخلقته.
تحولت ضحكاته لبسمة هائمة:
"حلو أنا عارف."
عادت ترمقه بغيظ وهي تقول:
"وعارف كمان إنك مغرور؟"
أجابها برقة بالغة:
"لو هتغر ع الدنيا كلها، مش هتغر عليكي أبداً."
ابتسمت بخجل.
قالت بجرأة:
"انت عارف أول مرة شوفتك فيها استغربت إزاي في راجل بالجمال والهيئة والشياكة دي في البلد دي. اللي زيك بنشوفهم ع الشاشات بس. ساعتها قعدت أقول في سري سبحان من صورك. بس لما شوفت الحاجة والدتك عرفت إنك وارث ملامحك الحلوة دي منها."
استند بذراعه إلى جذع الشجرة.
نظر لها ببسمة هائمة سلبتها عقلها:
"أومال أنا أقول إيه في جمالك ورقتك وشقاوتك اللي طيرت النوم من عيني!"
أسبلت جفنيها بخجل وهي ترفرف بأهدابها.
تحدث معتصم يسألها بجدية وكأنه تذكر شيئاً لتوه:
"أيوه صحيح انتي مبتحرميش؟! إيه اللي خلاكي تبعدي عن الدوار. افرض توهتي زي المرة اللي فاتت؟"
ردت بعناد:
"ما أنا أكيد المرة دي هاخد بالي يعني."
"ولو أنا مكنتش شوفتك كان مين هيدور عليكي ويلاقيكي."
ردت برقتها المعهودة:
"أدهم كان هيلاقيني. طول ما أدهم معايا أنا مبقلقش."
ضيق عينيه وهو يتأملها بدهشة.
قال بنبرة مغتاظة:
"أنا بدأت أغار من أدهم."
تبسمت ضاحكة بخجل.
استرسل يسألها بجدية:
"بس قوليلي بقى إيه حكاية الـ panic attack اللي بتجيلك دي؟! وكم واحد حضنك غيري وقت النوبة؟"
ضحكت ريم بملء فمها.
اغتاظ معتصم من ضحكها.
تمتم وهو يطبق فكيه:
"اممم… شكلهم كتير."
"لأ والله هو أدهم بس."
سكتت ملياً ثم استرسلت بنبرة أليمة:
"أول مرة جاتلي لما شوفت بابا وهو بيتقتل قدام عنيا بعد ما المافيا ضربته بالرصاص في صدره. كان لسه خارج من البيت رايح على شغله وأنا جريت وراه عشان أحضنه قبل ما يمشي. ملحقتش أوصله. كان وقع ع الأرض وغرقان في دمه. ساعتها وقفت مكاني وجسمي ارتعش ونفسي ضاق لدرجة إني كنت حاسة إني بموت. كل اللي في البيت خرجوا ع صوت الرصاص وجروا ع بابا ومحدش خد باله من حالتي لحد ما حالتي ساءت وجالي انهيار عصبي. المشكلة إني مبعرفش أخرج من الحالة دي بإرادتي. بعد ما أدهم اتأكد إن خلاص بابا مات بعد ما وقع ع الأرض انهار بس شافني أنا كمان منهارة وبطلع في الروح. جري عليا بسرعة وأخدني في حضنه وقعد يهديني بالكلام ويطبطب عليا لحد ما جسمي هدي وأغمى عليا بعدها. فضلت فترة كبيرة بعدها بتعالج نفسياً والكوابيس مكانتش بتسيبني. الحمد لله بقيت أحسن دلوقتي بس المشهد لسه سايب أثر جوايا. ندبة كبيرة مبتروحش."
تأثر معتصم كثيراً لما رأته حبيبته.
يود لو يمحي ذلك الألم وتلك الندبة، ولكن ليته بيده.
"كنتي صغيرة؟"
مسحت دمعة فرت من عينها ثم هزت رأسها بإيجاب:
"أيوه… كان عندي حوالي ١٢ سنة."
سكتت ملياً ثم استرسلت بحزن:
"من ساعتها وأدهم بيخاف عليا من الضغوط النفسية وبيحاول بكل الطرق إنه ميزعلنيش عشان حالتي ماتسؤش. كان خايف يدخلني كلية الطب عشان مشوفش جثث في التشريح بس أنا صممت وقعدت أطمنه إن النوبة دي ملهاش علاقة بالجثث. مرتبطة أكتر بالخوف والقلق. وتاني مرة جاتلي فيها لما ماما جتلها أزمة قلبية ووقعت من طولها قدامي. خوفت تروح مني زي بابا ما راح. ساعتها مقدرتش أسيطر ع نفسي والحالة جاتلي وأدهم حضني وبرضو قعد يهديني بالكلام ويطبطب عليا ويطمني لحد ما بقيت كويسة."
رفعت كتفيها لأعلى وهي تقول بشبه ابتسامة:
"وبس كدا. وتالت ورابع مرة بقى انت عارفهم."
أمال رأسه قليلاً لمستوى رأسها ثم قال بنبرة هائمة:
"وإن شاء الله مش هيكون فيه بعد كدا. ويوم ما هحضنك تاني… هحضنك وانتي مراتي."
في تلك اللحظات، رن هاتفها.
نظرت إلى الشاشة لتجد أخاها من يتصل.
"دا أدهم. أكيد بيدور عليا. أنا هروح أشوفه."
استدارت لتغادر من أمامه بخطوات أشبه بالركض.
استوقفها منادياً بعدما ابتعدت عنه مقدار ثلاث أو أربع خطوات.
وقفت تنظر إليه باستفهام.
سألها بهيام:
"هو أنا قولتلك قبل كدا إني بحبك؟"
ابتسمت حتى ظهرت نواجذها وهزت رأسها بنفي.
اتسعت ابتسامته الهائمة.
استدارت لتغادر مرة أخرى وهي تقول بصوت خافت لم يصل إليه:
"وأنا كمان بحبك أوي يا معتصم."
استند بجسده إلى جذع الشجرة.
نظر للسماء وما زالت البسمة الهائمة تزين وجهه البهيّ.
تمتم بهمس:
"بحبها أوي. بعشقها يا ليل….. يا رب تمم فرحتي بيها على خير."
رواية مهمة زواج الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم دعاء فؤاد
انتهى حفل الزفاف وغادر أدهم وشقيقته عائدين إلى القاهرة، بينما أخذ حمد عروسه إلى شقته بالطابق الثالث بالدوار.
دلف بها الشقة وهو يسمي بسم الله، ثم أغلق الباب في وجه حماته التي كانت تصر على الدلوف مع ابنتها.
وقفت صافية في منتصف الصالة وهي تطأطئ رأسها بخجل. فخلع حمد جلبابه وألقى به على أقرب كرسي، ثم وقف قبالتها ورفع رأسها لمستوى وجهه يتأملها بإعجاب، فقد كانت جميلة حقاً.
"هتفضلي باصة للأرض كتير؟"
أخذت تحرك عينيها في كل اتجاه عداه، غير قادرة على النظر في عينيه من فرط الخجل.
"بصيلي يا صافية."
بالكاد نظرت في عينيه، فابتسم بإعجاب من فرط خجلها، فابتسمت هي أيضاً حتى ظهرت غمازتها اليمنى.
"تعالي ندخل قوضتنا نغير هدومنا."
هزت رأسها بإيجاب، ثم قبض على كفها البارد ودلفا سوياً لغرفة النوم.
"هتعرفي تقلعي الطرحة والحجاب ولا أساعدك؟"
هزت رأسها ولم تتكلم. فزفر بملل ثم قال بحدة طفيفة:
"أنا لحد دلوقتي مسمعتش صوتك… أنا قربت أنساه أصلاً."
جعدت ملامحها بضيق:
"باه! أجول إيه عاد؟"
رد بنفاذ صبر وهو يدير ظهرها نحوه:
"ولا حاجة… لفي."
أخذ ينزع دبابيس الطرحة والحجاب واحداً تلو الآخر، ثم أزال الحجاب حتى بدا لها شعرها الأسود الغجري. فقام بفك عقدته حتى انسدل على ظهرها ووصل إلى آخره، فحانت منه نصف ابتسامة إعجاباً به، ثم سألها بنبرة هادئة:
"أفتحلك السوستة ولا هتعرفي تفتحيها؟"
ردت بغباء:
"أمي جالتلي خلي عريسك يفتحلك سوستة الفستان."
اصطكت فكيه بغيظ، ثم دون أن يتفوه بشيء، قام بازاحة شعرها جانباً وفتح السحاب. ثم تركها واتجه نحو الخزانة، استخرج ملابس للنوم، ثم قال بضيق:
"أنا هطلع برا آخد شاور وأغير هدومي على ما تكوني غيرتي انتي كمان."
لم ينتظر ردها، فهي لم تكن لترد من الأساس، ثم خرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه.
بعد حوالي نصف ساعة، عاد إليها مرتدياً بنطال وتيشيرت منزلي، فوجدها تجلس على حافة الفراش مرتدية قميص أبيض من الستان يعلوه روب أبيض من نفس الخامة، وشعرها منسدلاً على ظهرها وكتفيها. فابتسم بسخرية حين ورد على عقله أن بالتأكيد أمها من قالت لها ترتدي ذلك الرداء.
تقدم منها حتى جلس بجوارها، ثم سألها بجدية:
"انتي عارفة إحنا المفروض نعمل إيه دلوقتي؟"
هزت رأسها بنفي. فتنهد بنفاذ صبر:
"قومي نبدأ حياتنا بالصلاة ونتعشى وبعد كدا ربنا يفرجها."
نهضت معه، ثم ارتدت إسدال الصلاة وصلى بها المغرب والعشاء جماعة. ثم قامت بتجهيز الطعام وتناولا بعض لقيمات صغيرة في جو من الصمت التام.
انتهيا من الطعام، ثم دلف حمد الغرفة فلحقت به. وجدته يقف أمام المرآة يمشط شعره، فوقفت خلفه تفرك كفيها بتوتر وخجل. فبالطبع رأى حالتها تلك عبر المرآة، فاستدار لها يتأمل خجلها قليلاً. ثم مد يديه إلى كتفيها يزيح كمي الروب عنهما. فأبعدت كفيه وهي تغطي نفسها وتقول بغضب:
"باه! بتعمل إيه عاد؟!"
رد عليها بسماجة:
"إيه؟ أومال انتي لابسة كدا ليه؟!"
أجابته بعفوية:
"أمي جالتلي البس الجميص الأبيض ليلة الدخلة."
ضحك حمد بملء فمه، فلم يخطئ حدسه. فعاد يمسك يديها التي تغطي بهما مقدمة صدرها وأنزلها إلى جانبيها، ثم أزاح الروب عن كتفيها مرة أخرى حتى أسقطه على الأرض. فهاله ما رأى من جمال بشرتها البيضاء الناعمة نعومة الأطفال. وأخذ يبتلع ريقه وهو يتحسس بشرة كتفيها بأصابعه ويقول بنبرة مثيرة:
"وأمك مقالتلكيش إني هخلعك الروب؟"
أطرقت رأسها بخجل من لمسته ونبرته التائهة وهي تهز رأسها بإيجاب. فابتسم بسخرية، ثم لف ذراعيه حول خصرها يضمها إلى جسده قليلاً وسألها وما زالت عيناه تتأمل بشغف ما يظهر من قميصها:
"وقالتلك هعمل إيه تاني؟"
انسحبت بغتة من أمامه، تاركة يديه معلقة في الهواء. ثم اتجهت نحو خزانة ملابسها، استخرجت منها قطعة قماش ناصعة البياض، ثم عادت له تمد يدها إليه بتلك القماشة وهي تقول بعفوية كعادتها:
"جالتلي ألفّك الجماشة دي لاجل ما تشوفها في الصباحية، وأبويا كمان عيشوفها لأجل ما يطمن عليا."
تجمد جسد حمد وكأنها سكبت على رأسه دلواً من الجليد. هل ما زالت أمور الجهل هذه يهتمون بها؟!
أثارت تلك الجملة غضبه البالغ وأخرجته من الحالة الرومانسية التي قد دخل بها. فالتقط منها قطعة القماش ثم ألقاها بعنف في سلة المهملات وهو يصيح بغضب بالغ:
"طب والله ما أنا عامل حاجة، وابقي وريني أمك هتعمل إيه؟!"
انكمشت صافية على نفسها خوفاً من غضبه التي لم تستطع فهم سببه. فعاد ينظر إليها بشر وهو يقبض على رسغها بقسوة ويصيح بانفعال بالغ:
"انتي عارفة لو سمعتك تقوليلي أمي جالتلي دي تاني هعمل فيكي إيه؟! حسك عينك تحكيلها على أي حاجة بتحصل بينا، انتي فاهمة؟!"
ردت بخوف وهي تضع كفها أمام وجهها متخذة منه درعاً واقياً:
"كيف يعني؟ أنا ما أعمل حاجة واصل من غير مشورة أمي.. لازمن توعيني وتعلمني."
غلّى الدم في عروقه أكثر. فكل كلمة تتفوه بها تنم عن جهلها وغبائها ما يثير عصبيته وغضبه. فأخذ يصطك فكيه من الغضب وهو يصرخ بها:
"قسماً عظماً إن نطقتي معاها بحرف لتكوني طالق يا صافية… انتي فاهمة الكلام اللي أنا بقوله ولا أروح أجيبلك أمك تفهمك؟!"
ردت بنبرة باكية:
"مبخبرهاش… مفهمهاش."
ترك رسغها وجذبها من شعرها لترتفع رأسها لأعلى لا إرادياً فصرخت بألم ليقول بوعيد:
"لو عايزة ترجعي لأمك في يوم صباحيتك ابقي اعمليها واحكيلها إحنا عملنا إيه في ليلة دخلتنا… دي هتبقى ليلة طين على دماغك."
ألقى بوعيده ثم دفعها بعيداً عنه لتسقط على الأرض وهي تبكي. فاسترسل زئيره الغاضب:
"أنا هنا بس اللي تسمعي كلمتي… أنا اللي أقول تعملي إيه ومتعمليش إيه… محدش غيري هيعلمك ويوعيكي.. أنا عايزك تمحي أمك دي من قاموس حياتك.. دا لو عايزة تعيشي زي مخاليق ربنا وتبقي بني آدمة… انتي فاهمة ولا أعيد تاني؟!"
أخذت تهز رأسها بإيجاب وهي تبكي منكسة الرأس وشعرها الطويل يحجب عنه وجهها الباكي. فأشفق عليها حمد وشعر بالغضب من نفسه أن قسى عليها لتلك الدرجة، ولكن هي من استفزته لتنقلب ليلتها الأولى إلى نواح وبكاء.
ألقى عليها نظرة أخيرة متردداً أيحملها ويضعها على الفراش أم يتركها ولا يعيرها اهتماماً؟… ولكن لم يطع قلبه الذي حثه على أخذها بين أحضانه والاعتذار إليها. فلم يكن ذنبها أنها بريئة ونقية لتحولها أمها إلى آلة تحركها كيفما شاءت. ثم ذهب من أمامها تاركاً الغرفة صافعاً بابها خلفه واتجه إلى غرفة أخرى ليقضي ما تبقى من ليلته بها.
وصل أدهم بشقيقته إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل، وبمجرد دخولهما اتجه مباشرة إلى غرفة ندى. فاستوقفته ريم منادية عليه، فنظر لها باستفهام فقالت بجدية:
"البسي الكمامة قبل ما تدخل… وبلاش تنام جنبها.. معلش استحمل الأسبوعين دول كفاية علينا ندى… مش هتكون انت وهي عيانين ونايمين في السرير."
هز رأسه بموافقة وهو يزفر أنفاسه بضيق، ثم دلف غرفته بدل ملابسه بسرعة وارتدى كمامة ثم ذهب لغرفتها مرة أخرى.
دلف الغرفة ليجدها مستغرقة في النوم ولكنها تتنفس بسرعة نوعاً ما كأنها تركض، الأمر الذي أقلقه للغاية.
جلس على حافة الفراش بجوارها ثم أخذ يزيح غرتها عن جبينها ليتحسس حرارتها فوجدها طبيعية إلى حد ما.
"ندى.. ندى.."
همهمت بكلمات غير مفهومة ليبتسم وهو يقول:
"عاملة إيه يا حبيبتي؟"
هزت رأسها وما زالت مغمضة العينين لترد بصوت ناعس:
"الحمد لله."
"طب بتنهجي كدا ليه؟"
فتحت عينيها وهي مقطبة الجبين وأخذت تتأمله وكأنها تحاول تذكره، إلى أن انتبهت أخيراً، فابتعدت عنه لآخر الفراش وهي تقول:
"يا أدهم حرام عليك هتتعدي مني."
زم شفتيه بغضب مصطنع:
"هي دي حمد الله ع السلامة اللي بتقوليهالي؟"
تنهدت بضيق ثم قالت بجدية:
"أنا طبعاً مش قصدي كدا… بس أنا خايفة عليك بجد… يعني ينفع إحنا الاتنين نكون تعبانين؟"
جذبها عنوة حتى التصقت به غير مكترثاً بكلامها ليقول بنبرة هائمة:
"يا ريت أتعب أنا كمان عشان أنام جنبك ومفضلش بعيد عنك كدا… يعني مش كفاية الأسبوعين اللي فاتوا؟!.. عايزة تحرميني منك كمان أسبوعين؟!"
كانت تستمع إليه وهي تنظر له مشدوهة الملامح… ماذا تعني كلماته تلك إذن؟… هل تعتبر هذا تصريحاً منه عن وقوعه بحبها؟!..
ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة مهزوزة من فرط الارتباك:
"متقولش كدا.. وأنا مش هفرح بنومتك جنبي وانت تعبان."
أغمض جفنيه يحاول السيطرة على مشاعره التي تطالبه بتقبيلها، ولكن جذبها إلى حضنه لعله يهدأ قليلاً، بينما ندى كانت تقاومه لئلا تصيبه العدوى، ولكن أبى أن يتركها فاستسلمت بقلة حيلة حتى أنها أحست بنبضات قلبه التي كانت تضرب صدره كالمطرقة. وحين أحس بأن اشتياقه لها يزيد ابتعد عنها بغتة ثم قال وهو يبتسم نصف ابتسامة متنهداً بعمق:
"كملي نومك بقى.. تصبحي على خير."
تركها بحالة هائمة سلبت النوم من عينيها وذهب إلى غرفته ثم أخذ حماماً بارداً وتقلب بفراشه حتى نام بعد معاناة.
تمدد حمد بالفراش وهو يشعر بالذنب تجاهها، تقلب بالفراش لمدة طويلة وشيطانه على رأسه يلح عليه بعدم الذهاب إليها. وبعد عدة محاولات غفى أخيراً دون أن يشعر.
استيقظ من غفوته على صوت أذان الفجر، فنهض يمسح وجهه من أثر النوم وهو يردد الأذان. ثم حسم أمره ليتفقدها ويطمئن عليها بعدما نامت باكية.
فتح باب الغرفة ليجدها نائمة على الأرض بمكانها كما تركها، فأخذ يؤنب نفسه ثم تقدم منها لينحني يحملها بخفة ثم وضعها بمنتصف الفراش وجلس بجوارها.
أعاد خصلات شعرها التي التصقت بوجهها بسبب الدموع، ثم أخذ يمسد على شعرها بحنو وهو يتأملها بشغف. فلولا عفويتها الزائدة تلك لما انقلبت تلك الليلة لجحيم هكذا.
انحنى يقبل وجنتها وهو يتمتم بهمس:
"أنا آسف.. حقك عليا."
تنهد بعمق ثم دثرها بغطاء خفيف ونهض خارجاً من الغرفة متجهاً نحو المرحاض ليتوضأ ويصلي الفجر.
عند تمام التاسعة صباحاً، ارتدى معتصم بنطال جينز وقميص يعلوه جاكت وانتعل حذائه والتقط هاتفه ومفاتيح سيارته، ثم صعد إلى شقة حمد بالطابق الذي يعلوه ورن جرس الباب عدة مرات حتى فتح له شقيقه وتبدو آثار النوم على وجهه.
"صباحية مباركة يا عريس…"
احتضنه وهو يضحك:
"حد يصحّي عريس يوم صباحيته الساعة تسعة الصبح يا راجل."
ضحك معتصم ثم ابتعد عنه وهو يقول:
"معلش بقى أنا عارف إني رخم."
أفسح له حمد لكي يدخل، ولكن رفض قائلاً بجدية:
"لا أنا مش داخل."
"ادخل يابني هنتكلم ع الباب كدا؟!… وبعدين لابس ومتشيك كدا رايح على فين؟!"
"هقولك."
ثم تحولت نبرته إلى همس:
"بس قولي الأول عملت إيه؟"
رد حمد بعدم فهم:
"عملت إيه في إيه؟"
"انت هتصيع عليا يلا… عملت إيه في ليلة دخلتك ياد انت؟!"
رد حمد بسماجة:
"وانت مالك!! أنا كنت سألتك عملت إيه في ليلة دخلتك؟!"
حقا ندم معتصم أن سأله، لو كان يعلم أنه سيذكره بنرمين حتماً ما سأله.
"انت دايماً كدا بتحب تفكرني بنرمين… عملي الأسود."
ضحك حمد بقهقهة ثم قال:
"انت محسّتش إنها عملك الأسود غير بعد ما عرفت ريم."
هز رأسه بموافقة:
"فعلاً يا حمد معاك حق… عمري ما حسيتها عبء عليا غير بعد ما حبيت ريم…. المهم أنا مسافر القاهرة دلوقتي عشان عايز أخلص من حوار نرمين ده في أسرع وقت قبل ما أدهم أخو ريم يسأل عليا."
رد حمد بجدية:
"متقلقش أنا مظبط الدنيا ومفهّم أفراد الأمن إنهم ميجيبوش سيرة لأي مخلوق غريب عن جوازك منها، ومفهّم موظفين الاستقبال إن مدام نرمين بالنسبالنا مجرد شريكة مش أكتر، ومأكد عليهم ميدوش أي معلومة لأي بني آدم برا الشركة… يعني لو لا قدر الله عرف عن جوازك حاجة هيكون من طريق بعيد عننا."
هز رأسه عدة مرات وهو يتنهد بقلق:
"ربنا يستر ويعديها على خير."
ربت حمد على كتفه:
"ربنا معاك يا حبيبي."
احتضنه بحب وهو يقول:
"مكنتش عايز أسيبك كدا وانت عريس بس مضطر."
ابتعد عنه وهو يبتسم بود:
"ولا يهمك يا صاحبي."
"مش هوصيك على صافية… طول بالك عليها شوية لحد ما تتأقلم على طباعك."
هز رأسه بشبه ابتسامة دون أن يتحدث بشيء حتى لا يثير ريبة أخيه، ثم ودعه معتصم وانصرف نحو سيارته ليستقلها وينطلق إلى القاهرة.
في الطريق، قام معتصم بالاتصال بنرمين يخبـرها بعودته وطلب منها مقابلته في شقتهما. فتركت ما بيدها من أعمال بالشركة وأخبرت السكرتيرة بتأجيل كافة المواعيد مع العملاء، ثم استقلت سيارتها وانطلقت نحو شقتها التي تعيش بها مع معتصم منذ أن تزوجا.
حين وصلت إلى الشقة قامت بترتيبها سريعاً، ثم طلبت غداء فاخراً من أحد المطاعم الفاخرة، ثم اعتكفت بغرفتها لتشرع في تنظيف بشرتها باستخدام الماسكات وما إلى ذلك، ثم قامت بتصفيف شعرها ووضع مساحيق التجميل والزينة وارتدت قميصاً من اللون الأسود شبه عاري تقريباً مظهراً مدى بياض بشرتها.
وحين انتهت ألقت نظرة أخيرة على مظهرها الذي يخطف الأنفاس أمام المرآة، ثم أخذت تنظر لنفسها بتباهٍ وافتخار.
قاربت الساعة على الثانية بعد الظهر، وكان الطعام قد وصل. نرمين قامت بتجهيزه على سفرة الطعام وقامت بسكب العصائر الباردة فجعلتها مميزة حقاً.
كانت كل حين وآخر تنظر في ساعتها تنتظره على أحر من الجمر، فقد اشتاقت إليه كثيراً.
بعد نصف ساعة، انفتح الباب ليطل عليها معتصم. فحين سمعت صوت الباب ركضت إليه وهي تبتسم بسعادة بالغة، ثم ألقت بجسدها على جسده تحتضنه باشتياق بالغ متمتمة بهيام:
"وحشتني أوي يا معتصم… حاسة إني بقالي سنة مشوفتكش."
بادلها العناق على استحياء، ثم أبعدها قليلاً عنه وهو يقول بتجهم:
"نرمين أنا تعبان وعايز أغير هدومي دي قبل أي حاجة."
نظرت له بصدمة لوهلة، لكن سرعان ما ابتسمت وهي تأخذ بيده نحو غرفة النوم وهي تقول:
"أنا آسفة يا حبيبي من كتر ما انت واحشني مقدرتش أستنى."
دلفا الغرفة سوياً، ثم قامت بمساعدته في خلع الجاكت. ثم وقفت في مواجهته تفك أزرار قميصه واحداً تلو الآخر حتى بدا لها صدره العضلي العريض، فأخذت تبتلع ريقها وهي تتحسس بشرة صدره. فتنهد معتصم بضيق. هو لا يريد ما تريده هي الآن.
قبض على كفيها يقيد حركتهما لينزلهما إلى جانبيها، ثم قال ببرود:
"أنا هغير لوحدي."
نظرت له وهي تصطك فكيها من الغيظ، ولكنها تجاوزت ذلك وجلست بحافة الفراش تراقبه وهو يبدل ملابسه حتى انتهى.
انتبه لتوه إلى ذلك القميص الفاضح التي ترتديه وإلى زينتها وقصة شعرها، فابتسم بسخرية من تلك المرحلة التي وصل إليها. فقد كان سابقاً يشعر بالزهو حين تتزين له وتهتم به، إنما الآن لا يعنيه كل ما تفعله من أجله ولو افترشت له الأرض حريراً.
ارتدى لتوه بنطال قطني رصاصي وتيشيرت أبيض ضيق أظهر عضلات جزعه العلوي، وكانت نرمين تتأمله بحب وانبهار.
نهضت لتقف خلفه وهو يمشط شعره أمام المرآة، ثم احتضنته من الخلف وهي تتنفس رائحة شعره، فقد كان طولها يصل لطوله تقريباً.
"إيه يا عصوم؟ مالك؟ متغير عن كل مرة ليه؟ مش دا عصوم اللي أنا عارفاه."
كان يستمع إليها وهو ينظر لوجهها عبر المرآة وملامحه متجهمة بضيق. ففك عقدة يديها من حول خصره ثم استدار لها وهو يقول بنفاذ صبر:
"عايزة إيه يا نرمين؟"
ردت بنبرة هائمة وهي تكاد تلتهمه بعينيها:
"عايزاك يا حبيبي…"
أخذ يتنفس بعنف وهو بين نارين. يريد إنهاء ارتباطه بها وفي ذات الوقت يريد تلبية رغبتها لآخر مرة قبل أن ينفصل عنها، لعله يتخلص من شعوره بالذنب تجاهها. فليس ذنبها أن أحب غيرها كما أنها لم تقصر معه كزوجة قط.
حسم أمره بتلبية رغبتها ولتكن المرة الأخيرة، ثم يتحدث معها في أمر الانفصال بعد ذلك، فقبض على خصرها يضمها إليه ثم انقض عليها يقبلها، فتعلقت بعنقه وسحبته إلى الفراش لترتمي عليه وهو فوقها حتى اندمجا سوياً لوقت لم يشعر خلاله سوى بشعور الخيانة لحبيبته وكأنه يفعل جرماً محرماً.
في تلك الأثناء تماماً، دلف آسر غرفة مكتب أدهم بمبنى العمليات الخاصة وبيده ملف، ثم جلس قبالته فتحدث بفخر واضعاً الملف أمامه على المكتب:
"اتفضل يا باشا جبتلك كل اللي طلبته وفي وقت قياسي… رغم إن العيال بتوع شركته متوصين ميطلعوش معلومة براها، بس الرجالة ظبطوهم."
تطلع للملف ثم أعطاه لصديقه مرة أخرى:
"خود اقرالي اللي فيه وهات الخلاصة… ماليش خلق للقراية."
فتح آسر الملف ثم وضع ساقاً فوق الأخرى وهو يقول:
"أنا أصلاً قريته كله قبل ما أجبهولك… اسمع يا سيدي… معتصم حمدان البدري ٣٢ سنة خريج كلية اقتصاد وعلوم سياسية.. الأخ الأكبر عنده أخت أصغر منه متجوزة ومقيمة في القاهرة مع جوزها.. جوزها اسمه هشام وعضو في مجلس إدارة الشركة اللي صاحبها ومديرها معتصم…"
"معتصم البدري متجوز من…"
انتفض أدهم من مكانه حين سمع تلك الكلمة ليصيح بزمجرة:
"متـ إيه ياخويا؟!"
نظر له آسر بدهشة قائلاً:
"متجوز يا أدهم إيه الغريب في كدا؟!"
ثم ضيق جفنيه بشك يسأله:
"انت تعرفه منين وبتسأل عليه ليه؟"
عاد أدهم ليجلس بمكانه وقد زادت وتيرة تنفسه من فرط الغضب، ثم حث آسر على إكمال ما بدأه:
"كمل يا آسر وبعدين هعرفك كل حاجة."
استرسل آسر بنبرة هادئة:
"متجوز من واحدة اسمها نرمين الأنصاري بنت رجل أعمال وصاحب مجموعة شركات الأنصاري للمعمار، وأرملة رجل الأعمال المعروف عادل الزهار الله يرحمه بقى."
هز أدهم رأسه بعصبية وهو يقول بغضب مكتوم:
"وهو متجوز أرملة كمان؟!"
رد آسر وهو يضحك:
"أومال لما تعرف التقيلة بقى."
انتبهت كامل حواسه ليقول آسر:
"نرمين أكبر من معتصم بعشر سنين… يعني عندها ٤٢ سنة حالياً، ومعتصم متجوزها من حوالي خمس سنين… يعني تقريباً كان لسة عنده ٢٧ سنة بس لما اتجوزها."
رد أدهم وهو يحاول السيطرة على أعصابه:
"طب معرفتش إيه اللي لم الشامي ع المغربي؟"
"عيب عليك يا باشا… عرفت طبعاً."
رد بانفعال:
"ماتقول علطول يا آسر أعصابي مش مستحملة."
رمقه باستنكار ثم استرسل بجدية:
"اللي عرفته بس مش متأكد إذا كان الكلام ده صحيح ولا لأ إن نرمين اتعرفت عليه في مؤتمر لرجال الأعمال وكان ساعتها لسة بيبتدي مشواره في البيزنس، اتكلمت معاه عجبها عرضت عليه الجواز مقابل إنها تموله شركته وتكبرهاله…"
هز أدهم رأسه بتفهم وهو يقول:
"وطبعاً البيه وافق يتجوز ست أكبر منه بعشر سنين عشان يكبر على قفاها…"
قاطعه آسر:
"خاصة كمان إنها عقيم ومبتخلفش."
"يعني جوازة مش هتكلفه حاجة… فلوس ومفيش لا مسؤولية ولا عيال ولا وجع دماغ، وطبعاً شايف مزاجه معاها وهو مش قلقان من حاجة."
رد آسر بسخرية:
"والله يا جوازة زي دي يا بلاش… بس البنت فورتيكة يا أدهم لو شفتها مش هتصدق إنها معدية الأربعين… هضبة…"
"وانت شفتها فين يلا؟!"
"المخبر صورها لي وهي داخلة الشركة وبعتلي الصورة ع الواتس."
"مش عارف ليه شامم ريحة شبهة في الجوازة دي!"
"قصدك إيه؟"
"يعني ست أرملة ومبتخلفش تلف على حتة عيل شكله حلو وجسمه رياضي وبتاع.. ط لا وكمان تدفعله.. عشان إيه؟"
"عشان مزاجها طبعاً."
"يعني من الآخر كدا جواز متعة… واللي يزهق من التاني يسيبه."
أومأ آسر بتأييد:
"طبعاً وسيادته مسيره هيزهق ويدور على غيرها… على الأقل عشان يستقر ويعمل أسرة وأولاد…"
أخذ أدهم يصطك فكيه ويشدد من قبضته من شدة غضبه وغيظه، فاسترسل آسر وكأنه تذكر شيئاً:
"آه نسيت أقولك إنه صعيدي أصله من سوهاج ومقضيها بين هنا وهنا…. ووالدته متعرفش بموضوع جوازه من الست دي."
رفع حاجبيه بتفاجؤ ليقول بانفعال:
"كمان! دا كدا الحساب تقل أوي."
قطب جبينه متسائلاً باستغراب:
"إيه حكايتك مع الواد ده يا أدهم؟"
نظر في اللاشيء بشرود لبرهة ثم عاد ينظر لصاحبه وهو يقول:
"هقولك…………"
رواية مهمة زواج الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دعاء فؤاد
خرج معتصم لتوه من المرحاض ليجد نرمين قد بدلت ملابسها إلى بيچامة حريرية بحمالات رفيعة.
ارتدى ملابسه ثم أخذته من يده نحو طاولة الطعام و هي تقول بحماس:
"يلا يا حبيبي نتغدى… الأكل لسة سخن و تحفة."
نزع يده من يدها برفق ثم قال بضيق:
"انا ماليش نفس مش هقدر اكل."
اقتربت منه حتى التصقت به و أخذت تتحسس صدره و هي تقول بدلال:
"عشان خاطري يا عصومي تعالى نتغدى سوى… من زمان مأكلناش مع بعض."
زفر بضيق ثم اضطر لمجاراتها و جلس قبالتها على الطاولة و شرع في الطعام و أكل بعض لقيمات بسيطة و هو شاردا حتى أنه كان لا يدري ماذا يأكل و نهض سريعا و اتجه نحو غرفة الاستقبال ثم جلس بأحد الأرائك ينتظرها حتى تنتهي لينهي مسيرته معها.
بعد دقائق أتت اليه ثم جلست قبالته على حافة الطاولة الصغيرة القريبة من أريكته حتى يكون وجهها قريبا من وجهه ثم مدت يدها اليمنى تتحسس لحيته النامية الناعمة و هي تقول برقة:
"مالك يا حياتي؟!… مزاجك مش حلو ليه؟!"
نظر لها يتأملها قليلا بشرود و هو يفكر ثم تحدث بنبرة جادة و هو يزيح يديها من على لحيته:
"لحد هنا و كفاية بقى يا نرمين.. انتهينا."
نظرت له مقطبة الجبين باستنكار، فاسترسل بجدية تامة:
"أنا قررت أتجوز."
للحظة انتابتها صدمة قاتلة و لكن سرعان ما استعادت رشدها لتبتسم باصطناع ثم قالت:
"و ماله يا حبيبي… اتجوز.. و انا زي ما اتفقنا قبل كدا مش هتدخل في حياتك مع مراتك التانية ولا هأثر عليها."
رد عليها ببرود:
"دا كان على أساس اني هتجوز في البلد و هسيبها في الدوار مع أمي… انما البنت اللي عايز اتجوزها من هنا من القاهرة و مش هتقبل انها تكون زوجة تانية."
تحولت ملامحها للوجوم ثم قالت بتجهم:
"بس دا مكانش اتفاقنا."
رفع كتفيه لأعلى و هو يقول:
"أنا فعلاً مكانش في نيتي ابدا اني أخلف اتفاقي معاكي… و كنت باقي عليكي لآخر لحظة في عمري.. لكن.."
ردت تسأله بنبرة أليمة:
"لكن ايه؟!… متقوليش انك حبيتها."
هز رأسه بموافقة، فضحكت نرمين بسخرية بملئ فمها ثم تحولت ملامحها للوجوم فجأة و هي تسأله بتهكم:
"هو انت بتحب زي الناس عادي كدا؟!… طاب يا ترى شوفتها فين و حبيتها امتى؟!.. شكلها ايه دي اللي قدرت توقع معتصم البدري؟.. أحلى مني مثلا؟!"
أخذ يطالعها بنفاذ صبر ثم رد ببرود:
"لو على الحلاوة انتي أحلى… لكن القلب بقى و ما يريد."
سكتت تتنفس بوتيرة سريعة و هي غير قادرة على ابداء أية ردة فعل… هي لا تريد خسارته، فحتما حبه لأخرى مجرد نزوة و ستمر أو هكذا تظن.
بركت على ركبتيها و استندت بذراعيها على فخذيه ثم تحدثت و هي تتوسل إليه:
"معتصم انا… انا مقدرش اعيش من غيرك.. انت كل حاجة ليا… انت الحاجة الحلوة اللي في حياتي.. حِب و اتجوز بس متسبنيش… انا هضيع من غيرك يا معتصم."
رد برجاء و هو ينظر لعينيها:
"لو بتحبيني بجد متقفيش في طريق سعادتي… و سيبيني أعيش اللي معرفتش أعيشه معاكي."
ردت بانفعال طفيف:
"ايه اللي انت معرفتش تعيشه معايا… انا اديتك كل حاجة.. كنت بفهمك من نظرة عينيك..كنت محتارة اسعدك ازاي.. معصتش ليك أمر.. ايه اللي كان ناقصك معايا يا معتصم؟!"
هب من مكانه يرد عليها بانفعال أشد:
"ناقصني استقرار…ناقصني حب… ناقصني بيت و اولاد.. ناقصني حياة كاملة مشوفتهاش معاكي يا نرمين."
أغمضت عينيها بألم من سهام كلماته القاتلة، ثم ابتلعت ريقها بصعوبة محاولة السيطرة على موجة غضبها و نهضت لتقف أمامه و تقول بانكسار:
"معرفش مين فينا اللي أناني.. بس اللي انا عارفاه و متأكدة منه اني بحبك بجنون و مهما تعمل حبك جوايا مش هيقل."
رد بنبرة معذبة:
"احنا الاتنين أنانيين…كل واحد فينا عايز يرضي قلبه و بس مهما كانت الطريقة حتى لو هيدوس على التاني…بس صعب عليا اكسر قلبي و قلب الانسانة اللي حبيتها عشان مكسرش قلبك يا نرمين…يا ريت تقدري تفهميني.. يا ريت."
عم عليهما صمتا بليغا.. نرمين تنظر لمعتصم بلوم و عتاب و معتصم يناظرها ببرود و كأنها تذكره بخطيئته التي ربما تحول بينه و بين حبيبته الى أن نطق أخيراً و قال بثبات:
"انتي طالق يا نرمين."
بدأت الدموع تغشي عينيها و هي تنظر له و تهز رأسها بعدم تصديق، فاسترسل بمزيد من البرود:
"لو عايزة تنهي الشراكة اللي بينا و كل واحد ياخد نصـ…"
قاطعته بوضع سبابتها على شفتيه ثم قالت ببكاء:
"متكملش…انت كمان عايزنا ننهي الحاجة الوحيدة اللي هتربطني بيك!!.. لا.. مقدرش.. كفاية اني هشوفك حتى لو مش هتكون من حقي.. كفاية اني هسمع صوتك هشم ريحتك هشوف ملامحك اللي بتوحشني حتى و انت معايا…و حياة العشرة اللي بينا خليني جنبك حتى لو هنكون مجرد شركا."
تأثر كثيراً من تلك الحالة الموجعة التي أصابتها حتى أنه شعر بمدى أنانيته معها، فهو قد جرب الحب و يدري جيدا كم هو موجع فراق المرء لمن يحب… و لكنه أيضاً ليس بامكانه التضحية بمن عشقها من أجلها.
مسد على شعرها و هو يقول باشفاق:
"خلاص يا نرمين اهدي… خلاص شراكتنا هتستمر بس مش عايز أي تجاوز منك… عايزك تعامليني كأني شخص غريب عنك."
ارتمت بحضنه و أجهشت في بكاء مرير و هي تضرب ظهره بكفيها و تهذي بلاوعي:
"ازاي.. ازاي.. ازاي.."
أخذ نفسا عميقا محاولا لملمة شتات نفسه ثم زفره ببطئ و هو يبعدها عن حضنه و يقول برجاء:
"لو بتحبيني و عايزاني مقطعش علاقتي بيكي اسمعي كلامي.."
ثم أخذ يهزها من ذراعيها و هو يصيح بعصبية و غضب:
"متخلنيش أتخنق منك يا نرمين…قولتلك خلاص انتهينا."
أطبقت جفنيها محاولة السيطرة على سيلان دموعها ثم فتحتهما لتقول و هي تهز رأسها عدة مرات:
"حاضر… هسمع كلامك و مش هضايقك."
أشاح بوجهه للجهة الأخرى و هو يزفر بضيق من نفسه و من الموقف برمته ثم عاد ينظر اليها ليقول بنبرة جادة:
"أنا هسيبلك الشقة دي تعيشي فيها و انا هقعد مع عيشة لحد ما اشوفلي شقة تانية."
أخذت تمسح عبراتها بيديها ثم قالت بنبرة متحشرجة من أثر البكاء:
"لا انا هرجع الفيلا بتاعتي… بكرة الصبح هلم هدومي و حاجتي و هروح على هناك."
أومأ بوجوم و هو يقول:
"تمام اللي يريحك.. أنا لازم أروح الشركة دلوقتي…. و انتي اقعدي مع نفسك و راجعي حساباتك و بلاش تيجي الشركة النهاردة."
هزت رأسها بموافقة دون أن تتحدث، فلم يعد لديها طاقة للكلام بعد تلك الصفعة القاسية التي تلقتها منه على حين غرة.
تركها بمكانها و دلف غرفة النوم ليرتدي بدلة رسمية سوداء بدون رابطة عنق ثم أخذ هاتفه و مفاتيح سيارته و غادر الشقة متجها الى شركته.
بعد حوالي ربع ساعة وصل شركته و أخذ يتفقد ملفاته و جدول أعماله مواصلا العمل مع زوج شقيقته بلا انقطاع الى أن بدأت الشمس في المغيب و حينها رن هاتفه برقم أدهم، دق قلبه بقلق ربما.. و لكنه لا يدري لما انتابته تلك الحالة حين رأى اسمه على شاشة الهاتف و لكنه أجابه على أية حال:
"ألو أدهم باشا عامل ايه؟!"
"بخير يا معتصم بيه… أنا كنت عايز أقابلك بس يا ريت نكون لوحدنا على انفراد."
سكت معتصم مليا يفكر ثم قال:
"تمام يا باشا… ايه رأيك تشرفني في شركتي… هنكون براحتنا أكتر."
استحسن أدهم الفكرة ثم أومأ بموافقة:
"تمام مفيش مشكلة… فاضي أجيلك دلوقتي؟!"
"و لو مش فاضي أفضالك."
ابتسم أدهم بسخرية متوعدا له في نفسه ثم قال:
"طاب يا ريت تبعتلي location بتاعك و انا نص ساعة بالكتير ان شاء الله و هكون عندك.."
"تمام يا باشا في انتظارك.. مع السلامة.."
اغلق معتصم المكالمة ثم أرسل له موقعه عبر رسالة نصية ثم عاد يستكمل أعماله بذهن شارد بعدما أعطى اوامره للسكرتيرة بحسن استقبال الضيف القادم في خلال نصف ساعة.
بعد حوالي خمسة و ثلاثين دقيقة حضر أدهم و قد استقبلته السكرتيرة بحفاوة ثم أدخلته الى معتصم الذي استقبله استقبالا حارا و أجلسه في الصالون ذي الأرائك الجلدية الفاخرة و طلب له القهوة.
جلس أدهم و هو يدور بعينيه في انحاء الغرفة ثم قال بنبرة جليدية:
"ما شاء الله المكان فخم أوي يا معتصم… اسمحلي اقولك معتصم من غير القاب؟!"
"أه طبعاً يا أدهم باشا احنا اخوات."
هز رأسه عدة مرات ثم تحدث بنبرة ذات مغذى:
"بجد انا مبهور من شاب زيك لسة في مقتبل العمر و قدر يأسس شركة فخمة زي دي بدون مساعدة حد."
أحس معتصم بعدم الارتياح من نبرته التي يتحدث بها، و لكنه تجاوز ذلك قائلا:
"أنا بايع كتير من ورثي من ابويا الله يرحمه في تأسيسها."
تجاوز أدهم رده و كأنه لم يسمعه ثم استرسل بنبرة مبطنة بالسخرية:
"بس انت فعلاً عاجبني… جريئ.. جريئ أوي.."
بدأت نبرته تحتد و هو يقول:
"جريئ لدرجة انك تتقدم لأختي و انت متجوز غيرها و بتخدعنا كلنا."
سكت معتصم بصدمة و أحس أن الأرض تهيم به، فقد انسحب البساط من تحت قدميه دون أن يشعر، و لكنه حاول التحلي بالثبات ثم قال:
"أنا طلقتها… و بعدين مكنتش ناوي أخبي عليكم.. كنت هقول في الوقت المناسب."
لوى أدهم فمه بسخرية:
"كنت هتقول امتى و انت المفروض مستني مني الموافقة.. انت انسان كداب."
ابتلع ريقه ثم تحدث بثبات:
"الموضوع دا يخصني انا و ريم…كنت هقولها و هفهمها انا اتجوزت ليه و ازاي.."
"لا متتعبش نفسك… انا هفهمها انت اتجوزت ليه و ازاي.."
"جوازة رخيصة زيك بالظبط عشان متعتك و مزاجك."
أخذ يهز رأسه بنفي و هو يتحدث بانفعال نوعا ما:
"لا يا أدهم باشا مش انا…يعلم ربنا ان الست اللي اتجوزتها دي مكنش في نيتي أبداً اني أطلقها… بس الظروف فاجئتني و حبي لريم لغبطلي كل حاجة… حبيتها و عايزها معايا علطول.. ايه يا أخي الحب معداش عليك؟!"
رد أدهم بانفعال أشد:
"الحب اني اصارح اللي حبيتها بكل حاجة من اول لحظة.. مش أعلقها بيا و بعدين أقولها اسف انا كنت هقولك.."
أخذ معتصم يتنفس بوتيرة عالية غير قادرا على تعزيز موقفه أمام أدهم، فاسترسل أدهم بنبرة جليدية باردة:
"بس الحمد لله ان ربنا كشفك ليا في الوقت المناسب… مكنتش اتوقع انك دنئ و حقير كدا."
وقف معتصم بعصبية يجذبه من تلابيبه و يصيح بغضب:
"أنا مش حقير.. انت فاهم؟!"
ناظره أدهم ببرود ثم نزع يديه الممسكة بياقته و هو يقول ببرود:
"ايه؟!.. وجعتك؟!.. معلش.. اصل دايما الحقيقة كدا بتوجع.."
أخذ معتصم يطالعه بشر يود لو يلكمه في وجهه لعله يسترد بعضا من كرامته التي بعثرها له و لكنه تراجع فقط لأجلها، فاسترسل أدهم و هو ينوي انهاء ذلك الحوار السخيف:
"اسمع يلا… ريم دي أغلى حاجة في حياتي و بحبها أكتر من نفسي.. معنديش استعداد أجوزها لواحد second hand.. و اياك….اياك تحاول تقرب منها او تكلمها… ساعتها همحيك من على وش الدنيا.. كفاية الصدمة اللي هتحصلها لما تعرف حقيقتك."
ألقى بكلماته ثم استدار مغادرا من أمامه و عروق رقبته منتفخة من فرط الغضب، فخرج من الغرفة و هو يسير بسرعة حتى أنه اصطدم بنرمين و لم يلتفت اليها حتى ليعتذر، فصرخت به بعدما تخطاها:
"ايه قلة الذوق دي؟!"
لم يكترث لها و انما استمر في طريقه الى ان سمع صوت السكرتيرة ترحب بها قائلة: "أهلا يا مدام نيرمين".
قاده فضوله لمعرفة شكلها فوقف بغتة و استدار يطالعها بنظرة شمولية، فقد كانت طويلة القامة ذات قوام أنثوي لا يقاوم، ترتدي بنطال اسود جلدي يلتصق بساقيها تعلوها كنزة قصيرة للغاية بنصف كم بالكاد تغطي بطنها و شعرها الأشقر المموج منسدلا على ظهرها علاوة على مستحضرات التجميل الصارخة التي صبغت بها وجهها، فأخذ ينظر اليها باشمئزاز و هو يتمتم بصوت خافت: "ليه حق يريل عليها" ثم بصق على الأرض من شدة اشمئزازه منهما و استكمل طريقه مغادرا الشركة بأكملها.
بينما معتصم اخذ يدور بالغرفة بعصبية و هو يجذب خصلات شعره من شدة انفلات اعصابه، ثم قام بالاتصال بهشام و بمجرد ان رد عليه صرخ به:
"شوفلي شوية البهايم اللي في الشركة ازاي يطلعوا اسرارنا براها… ازاي دا يحصل؟!.. أنا مش عايز أشوف وشهم تاني في الشركة.. اقسم بالله حسابهم هيكون عسير معايا.."
اغلق المكالمة دون أن يستمع لرده، فقد كان في حالة لا تسمح له بجدال أي شخص حاليا، علت وتيرة تنفسه للغاية و هو يشعر بالضياع… لا يدري كيف سيصلح تلك المعضلة و كيف سيكون موقف ريم ان أخبرها أخوها بما علم..
فقام بالاتصال بها ليكون هو أول من يخبرها قبل أن تعلم من غيره حتى يتمكن من شرح مبرراته و أسبابه ربما تلتمس له العذر و تتجاوز عن ذلك الذنب الذي اقترفه في حق نفسه و حقها..
"ألو.. ريم أنا عايز أقابلك دلوقتي."
"دلوقتي؟!.. ليه في ايه قلقتني.."
"هقولك بس لما أقابلك… مش هينفع اقول اي حاجة في التليفون."
سكتت قليلا تفكر بحيرة و لكنها أحست من نبرة صوته أن الأمر جلل، فحثها معتصم قائلا برجاء:
"عشان خاطري يا ريم لازم اشوفك دلوقتي…متقلقيش مش هأخرك.."
تنهدت بقلة حيلة ثم قالت:
"حاضر يا معتصم… اقابلك فين؟!"
"قبل اي حاجه متقوليش لأدهم انك هتقابليني لأنه أكيد هيرفض و هيمنعك… أنا آسف اني هحطك في الموقف دا بس صدقيني غصب عني.. مضطر."
"ماشي يا معتصم… بس يكون في علمك مش هقابلك تاني ابدا بدون علم أدهم.."
"ماشي يا حبيبتي… ابعتيلي بس اللوكيشن بتاعك و انا هستناكي في العربية برا الكومباوند.. عربيتي چيب سودا."
"تمام هلبس و هرن عليك.. باي."
أغلقت الهاتف و هي في حالة من القلق من مقابلة معتصم من ناحية و من خروجها بدون علم شقيقها من ناحية أخرى.
بينما معتصم التقط مفاتيح سيارته ثم خرج مسرعا من غرفة مكتبه ليصطدم هو الآخر بنرمين حيث كانت في طريقها لغرفته و لكنه تجاوزها دون أن ينبس ببنت شفه مستكملا طريقه خارج الشركة الى حيث يصف سيارته.
اخذت نرمين تضرب الأرض بقدميها بغيظ منه، فخرجت هي الأخرى لتستقل سيارتها ثم أخذت تسير في الطرقات بلا وجهة محددة تحاول التفكير بهدوء أعصاب ربما تجد حلا تستعيد به معتصم الى أن اهتدت الى الاتصال بشقيقها المقيم بالامارات العربية المتحدة ربما يستطيع مساعدتها.
اتصلت به و بمجرد أن أجابها أخذت تبكي و تتحدث بانهيار:
"الو… الحقني يا نادر معتصم طلقني."
"ايه؟!.. طاب اهدي يا حبيبتي بس و فهميني.. ايه اللي حصل؟!"
"اتعرف على بنت و حبها و عايز يتجوزها… طلقني عشان يتجوزها يا نادر.."
أخذ يعتصر كفيه بغضب ثم قال بهدوء مصطنع:
"طاب سيبيني شوية كدا يا نرمين أفكر في حل… لازم يبعد عن البنت دي عشان يرجعلك تاني.. يا إما لو عايز يتجوزها يسيبك على ذمته."
"قولتله يتجوزها و يخليني معاه بس رفض… قالي انها مش هتقبل تكون زوجة تانية."
"خلاص يبقى هو اللي جابه لنفسه و يستحمل بقى اللي هعمله فيه.."
"لأ… لأ يا نادر اوعى تأذيه.. أنا بحبه و عايزاه يرجعلي بأي طريقة و بأي تمن."
"متخافيش يا قلبي مش هأذيه… و هرجعهولك يا نيرو… و غلاوتك عندي هيرجعلك و هيندم على اليوم اللي فكر يسيبك فيه و من غير ما أذيه متقلقيش.."
تنهدت بارتياح قليلا ثم قالت بامتنان:
"ربنا يخليك ليا يا نادر… مش عارفه لو انت مش موجود في حياتي كنت عملت ايه.."
"حبيبتي انتي اختي و حتة مني و ان موقفتش جنبك مين يعني اللي هيقف جنبك في مشكلة زي دي… مش عايزك تفكري و سيبي الموضوع دا عليا… هحسب حسبتي كدا و هكلمك تاني عشان افهمك هتعملي ايه بالظبط."
"حاضر يا حبيبي… هستنى مكالمتك بفارغ الصبر.. بوسلي هايدي و سلملي عليها.."
"حاضر يا قلبي… مع السلامة"
بعد حوالي ربع ساعة انتهت من تجهيز حالها ثم التقطت هاتفها وضعته في جيب بنطالها ثم خرجت من غرفتها تتفقد أمها فوجدتها نائمة بغرفتها و أيضاً ندى كانت نائمة، فاتجهت نحو باب الشقة تفتحه في نفس اللحظة التي كان يفتح فيها أدهم الباب لتتفاجئ بمثوله أمامها، فتحدث و الغضب يكسو ملامحه:
"رايحة فين؟!"
سكتت تنظر له و هي تبتلع ريقها بخوف ثم لم تجد بدا من البوح بالحقيقة حيث قالت بتوتر:
"مـ معتصم كلمني عايز يقابلني دلوقتي في موضوع ضروري و أناااا…"
قاطعها و هو يجذبها من رسغها الى داخل الشقة يجرها خلفه بعدما أغلق الباب حتى دلف غرفتها ثم تركها ليقول بحدة:
"أنا هقولك هو كان عايزك ليه؟!"
تطلعت اليه باستغراب و خوف في ذات الوقت في انتظار ما سيقوله ليتحدث أدهم بانفعال:
"الباشا طلع متجوز و مخبي علينا… و سيادته طبعاً عايز يقابلك عشان يعترفلك بنفسه قبل ما تعرفي مني.."
اتسعت عينيها بصدمة بالغة و هي تهز رأسها بعدم تصديق:
"متجوز!!… ازاي… لأ… معتصم ميعملش كدا… كان هيقولي.. لا أكيد انت فهمت غلط يا أدهم… في حاجة غلط."
هزها من كتفيها و هو يصرخ:
"هي دي الحقيقة… متجوز من خمس سنين ست أرملة و أكبر منه بعشر سنين.."
ازدادت وتيرة تنفسها للغاية و أخذ صدرها يعلو و يهبط من فرط الصدمة، فاسترسل أدهم بمزيد من الحدة:
"الواطي الحقير متجوزها جواز متعة و لما حب غيرها رماها و طلقها و كل دا و احنا نايمين على ودانا و بيخدعنا."
انتبهت حواسها لهاتين الكلمتين “جواز متعة” فسألته:
"يعني ايه جواز متعة؟!"
سكت أدهم لا يدري كيف يشرح لها معناها الى أن قال:
"يعني متجوزها بغرض اشباع رغباته مش بغرض الاستقرار و تكوين بيت و أسرة… و دا في حد ذاته فيه شبهة شرعية دا ان مكانش جواز باطل من الأساس."
اتسعت عينيها بصدمة أخرى لتشعر بمدى دنائته و انحطاطه و انتابها شعور آخر بالاشمئزاز منه و من نفسها أن انساقت خلف أكاذيبه و وقعت في حب ذلك الحقير.
في تلك اللحظة رن هاتفها في جيبها، فقال أدهم:
"هو اللي بيرن؟!"
اخرجت الهاتف من جيبها تتفقده فوجدته هو فهزت رأسها بايجاب، فرد أدهم بجدية:
"ردي عليه انهي معاه كل حاجة…و فهميه ميحاولش يتصل بيكي تاني."
ألقى بأوامره ثم استدار مغادرا الغرفة، ففتحت المكالمة ليأتيها صوته الملهوف:
"ريم انتي اتأخرتي كدا ليه؟!.. انا مستنيكي عند بوابة الكومباوند."
حاولت السيطرة على أنفاسها المتسارعة لتقول بغضب مكتوم:
"خلاص مالوش لزوم… مفيش كلام يتقال بعد اللي عرفته."
علم من ردها أن أدهم قد سبقه و تحدث معها، فرد عليها بعصبية:
"لا يا ريم انتي متعرفيش حاجة… لازم تسمعي مني."
"مش عايزة أسمع حاجة من واحد واطي و كداب زيك.."
"ريم أدهم فاهم غلط…اه انا كنت متجوز و خبيت عليكي بس لازم تعرفي مني القصة كلها مش من اخوكي… الكلام اللي أدهم قالهولك عني مش صحيح.. هو حلل اللي عرفه عني بطريقته.. بس انا مش حقير زي ما فهمك… انتي لازم تسمعيني يا ريم."
صرخت به و هي تبكي:
"خلااااص… مش عايزة أسمع اي حاجة… كفاية بقى.. كفاية.. ابعد عني و انسى انك عرفتني في يوم من الأيام…"
أغلقت المكالمة قبل أن يرد ثم أغلقت الهاتف بالكلية ثم ارتمت على سريرها تدفن وجهها في وسادتها و هي تبكي بحرقة… تبكي حبا قد تملك منها حتى ظنت أن السعادة قد فتحت لها بابها لتعيش معه حالة من العشق كم حلمت بها و لكن صار الحلم هباءا بل تحول لكابوس.
على الناحية الأخرى أخذ معتصم يضرب عجلة القيادة بقبضة يده مرات كثيرة يفرغ بها غضبه بعدما انقلبت مخططاته كلها ضده في لمح البصر.
يتبع…
رواية مهمة زواج الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دعاء فؤاد
قبل ما نبدأ في الأحداث الجديدة أحب أنوه إن التفاعل على الرواية قل جداً، وده طبعاً بيقلل وصولها للمتابعين.
يعني بجد حرام أبقى عاملة فيها مجهود، وكثير جداً بيستنوها، والحمد لله أنا واثقة إنها من الروايات المشوقة، ومع ذلك مش لاقية تقدير متكافئ ولا تفاعل يستحق الاستمرار في النشر.
فضلاً اتفاعلوا وقولوا رأيكم وارفعوا الفصول بكومنتات كتير.
بينما كان آسر جالساً بفراشه شارداً في ذكرياته مع حبيبته الراحلة، يسترجعها من خلال صورهما المحفوظة بهاتفه بعدما جافى النوم عينيه، أتاه اتصال مكالمة فيديو من حماه السابق محمد.
للوهلة الأولى شعر بالخجل من نفسه لأن حماه من بادر بالاتصال به، مع أنه من المفترض أن يبادر هو بالسؤال عليه ومتابعة أخباره أثناء اغترابه بابنته المريضة، ولكنّه لا يدري كيف فاته ذلك الأمر.
لكنّه في الأخير اعتدل بجلسته ثم فتح المكالمة ليجيب:
"ازيك يا عمو محمد أخبارك إيه؟"
"الحمد لله يابني بخير… يااه يا آسر مكانش العشم."
حمحم بحرج وهو يبتلع ريقه:
"أنا عارف إنّي مقصر معاكم بس اعذرني انشغلت شوية في الشغل."
"أنا بعاتبك لأني بعتبرك ابني اللي مخلفتهوش.. ومكنتش أتمنى أبداً إنك تقطع علاقتك بينا بعد وفاة ميري."
"ماتقولش كدا يا عمي… حضرتك في مقام والدي بالظبط ومودة كمان زي أختي… بالمناسبة هي عاملة إيه بعد العملية؟!"
"الحمد لله في تحسن كبير.. استردت وعيها إلى حد ما.. بس طول اليوم نايمة وبتصحى دقايق بسيطة وبتنام تاني."
"أكيد جسمها مجهد بعد كل اللي مرت بيه.. ربنا يتمم شفاها على خير."
"يا رب يابني… كل ما بتصحى بتسألني عليك.. وبتسألني على ميري… مش عارف أقولها إيه؟!"
أجهش محمد في البكاء ثم قال بنبرة باكية:
"أنا محتاجك جنبي يا آسر… محتاج مساعدتك في إن مودة تتخطى أزمة موت اختها بدون ما تتأثر.. أنا بجد محتار ومش عارف أعمل إيه… خايف.. خايف أوي لتروح مني هي كمان…"
أجهش مرة أخرى في البكاء، لينخلع قلب آسر لمظهره الأليم فأخذ يواسيه:
"عمو محمد استهدى بالله… كل حاجة هتعدي بإذن الله وهتبقى زي الفل.. أنا على أتم استعداد إني أجيلك ألمانيا.."
أخذ يمسح عبراته من وجنتيه وهو يقول:
"لا يا آسر إن شاء الله هحاول أسرع إجراءات رجوعنا وكدا كدا هي لسة محتاجة رعاية في المستشفى وهتكمل في مستشفى الدكتور رؤف إن شاء الله."
"تمام يا عمو… وأنا إن شاء الله هكلمك كل يوم عشان أطمن عليكم.. وأنا متأسف جداً على تقصيري الأيام اللي فاتت."
"لا يا حبيبي ولا يهمك… إنت غالي عندي أوي يا آسر.. غلاوتك من غلاوة ميري الله يرحمها… كفاية إنك من ريحتها وأكتر واحد كانت بتحبه."
اغرورقت عينا آسر بالعبرات من كلمات حماه المؤثرة ثم قال وهو بالكاد يتمالك نفسه:
"سلم لي على مودة لما تصحى."
"هخليك تكلمها فيديو المرة الجاية إن شاء الله…"
"تمام يا عمو في الانتظار… في رعاية الله يا حبيبي.."
أغلق المكالمة ثم استند بظهره إلى الوسادة وهو يشعر بالضياع والحزن الشديد… يا الله متى يأتي لهذا الحزن أن يزول!!
بقي أدهم في غرفته شارداً بحزن بعدما أخبر شقيقته بما عرفه عن معتصم.
كان يفكر بريم وكيف سينكسر قلبها بعدما تعلقت به، وهامت به الأفكار من هنا لهناك حتى أنه مرت عليه أكثر من ساعة ولم يتذكر حتى أن يطمئن على ندى منذ مجيئه من الخارج.
بعد تفكير طويل استقر أن يتفقد ريم أولاً، ربما تسوء حالتها النفسية وهي لا ينقصها… فهي أساساً غير متزنة نفسياً منذ تلك الحادثة الأليمة التي تعرضت لها في طفولتها وجعلت أعصابها تتلف من أقل شيء.
بدل ملابسه لأخرى بيتية ثم خرج من غرفته وسار باتجاه غرفة ريم، ثم طرق الباب عدة مرات ولكنها لا ترد، الأمر الذي أقلقه للغاية، ففتح الباب فوراً ودلف ليجدها متمددة على الأريكة الكبيرة بالغرفة ويبدو أنها شاردة للغاية حتى أنها لم تسمع طرقه.
اقترب منها ثم برك أمامها على ركبتيه ثم أخذ يهزها من كتفها برفق:
"ريـم…. مالك يا حبيبتي؟!"
نظرت له بملامح ذابلة وتبدو آثار البكاء عليها، فآلمه قلبه للغاية لأجلها فاسترسل بجدية وهو يمسد على شعرها بحنو:
"صدقيني يا حبيبتي ميستاهلش دمعة واحدة من عيونك الحلوين دول.. ارميه ورا ضهرك يا ريم وكأنك معرفتيهوش."
بدأت ملامحها تنكمش وكأنها توشك على البكاء ثم تحدثت بنبرة شبه باكية وهي تضع يدها على موضع قلبها:
"قلبي بيوجعني أوي يا أدهم… مش قادرة أصدق إن… إن معتصم يبقى كدا…"
أطبق جفنيه بغضب من مجرد ذكر اسمه… ثم سيطر على غضبه متسائلاً بترقب:
"انتي بتحبيه يا ريم؟!"
اعتدلت لتجلس فنهض أدهم وجلس بجوارها فسكتت قليلاً تفكر ثم رفعت كتفيها لأعلى وهي تقول بذات النبرة الباكية:
"مش عارفه… يعني متكلمناش كتير… وكنت دايماً بكلمه بحدود.. بس أكيد كنت معجبة بيه مش هكدب عليك… بس هل حبيته.. مش قادرة أقول آه ومش قادرة أقول لأ.."
استرسل يسألها بحنو:
"طب إيه اللي عجبك فيه؟!"
سكتت ملياً تتذكر بعض المواقف التي مرت بهما سوياً ثم حانت منها نصف ابتسامة وهي تقول:
"عجبني فيه شخصيته المختلفة… كان قوي وفي نفس الوقت هادي ورزين… شديد وفي نفس الوقت حنين ورقيق… كنت بشوفك فيه يا أدهم… يعني بشوف فيه السند اللي أعتمد عليه واللي ممكن أرمي نفسي في النار ومخافش طالما هو معايا.. هو بالنسبالي كان نسخة تانية من أدهم حبيبي."
"اممممم… وإيه تاني اللي عجبك فيه؟!"
أطرقت رأسها بخجل ثم نظرت بعينيه وهي تقول بجدية:
"انت عارف إني مش بحب أخبي عليك حاجة.. وبتكلم معاك كأني بتكلم مع نفسي.."
هز رأسه عدة مرات وهو يحثها برفق:
"اتكلمي يا ريم متتكسفيش مني."
ابتلعت ريقها بتوتر ثم قالت:
"أنا أعجبت بشكله كمان… يعني هي مين أصلاً اللي ممكن تشوفه ومتعجبش بيه… ده حتى مارتينا صحبتي الصيدلانية اللي عرفتك عليها في فرح حمد امبارح… فاكرها؟!"
"اه اه فاكرها.."
"رغم إنها مسيحية بس هي كمان كانت كل يوم تقعد تقولي أشعار في شكله وجسمه وشعره و و… كانت بتقولي لو مكنتش مسيحية كنت اتجوزته.. ههه.. قولت لها يجوز تتجوزيه على فكرة… قالت لي هو يستاهل إني أضحي عشانه بكل حاجة بس مش لدرجة إني أضحي بعمري يا حبيبتي… ده أهلي يدبحوني قبل ما أعملها… هههه.."
ضحك أدهم ضحكة بسيطة فاسترسلت ريم بجدية:
"يعني ممكن أكون انجذبت لشكله الحلو شوية… أو كتير ممكن.. كل حركة بشوفها منه كانت بتشدني ليه أكتر… طريقة كلامه… وقفته.. ابتسامته… ضحكته.. كل حاجة فيه حلوة… آه سبحان من صوره يا أدهم."
حانت منه نصف ابتسامة ليقول بسخرية:
"إنتي في لحظة كدا نسيتي اللي عمله وعمالة تتغزلي فيه وكأنك ما صدقتي إني أسألك عنه."
تنهدت بعمق ثم قالت:
"أنا بس بفضفض معاك.. يمكن أهدى شوية وأنسى الوجع اللي جوايا."
قبض على كفها المستقر بجوارها ثم قال بجدية تامة:
"إنتي عارفة يا ريم؟!… ساعات الجمال بيبقى لعنة على صاحبه.. وفتنة للي حواليه.. يعني سيدنا يوسف عليه السلام جمال خلقته خلى زوجة العزيز تفتتن بيه وكانت سبب في دخوله السجن كام سنة لحد ما ربنا أذن بخروجه.. يعني لو مكانش جميل مكانش اتعرض للكرب ده.. ومعتصم شكله هو اللي خلى واحدة زي الست اللي اتجوزها دي إنها تعرض نفسها عليه مقابل إنها تأسس له شركة ضخمة زي اللي بيديرها حالياً… يعني أنا مش ببرر له بس طبعاً كان عرض لا يقاوم."
اتسعت عينا ريم بصدمة لتسأله باستنكار:
"هي اللي طلبته للجواز؟! انت قصدك إنها اشترته بفلوسها؟! يعني معتصم باع نفسه ليها!!.. معتصم!!"
رفع كتفيه لأعلى وهو يقول:
"مش بقولك الجمال أحياناً بيبقى لعنة لصاحبه."
تنهد بعمق ثم استرسل بجدية وحنو في آن واحد:
"عايزك تنسيه وتلتفتي لشغلك ومستقبلك… وصدقيني يا ريم لو كان ليكي نصيب فيه لو الناس كلها اجتمعت عشان ما يكونش ليكي.. هيكون مهما حصل.. إنتي مش صغيرة وفاهمة اللي بقوله كويس."
ردت بنبرة حزينة:
"متقلقش يا أدهم… هو أصلاً نزل من نظري بعد ما كان حاجة كبيرة أوي في عيني… واللي حصل ده درس اتعلمت منه إن الشكل مش كل حاجة… وإن الجمال جمال الروح."
مسد على شعرها وهو يبتسم لها بفخر ويقول:
"وهي دي ريم بنتي اللي ربيتها وفخور إنها أختي."
ابتسمت له ثم احتضنته بحب أخوي وهي تغتصب ابتسامة على شفتيها لعلها تخرج من حالة الاكتئاب التي أصابتها.
خرج من عندها وهو يشعر بالارتياح قليلاً متمنياً في نفسه أن تتخطى تلك الأزمة بأقصى سرعة، ثم سار باتجاه حبيبته الثانية ليطرق باب غرفتها فسمعها تأذن له بالدخول، ففتح الباب ليجدها تجلس بمنتصف الفراش وتنظره بعتاب، فدلف الغرفة مغلقاً الباب خلفه ثم وقف أمامها يتأمل ملامحها الغاضبة وحركة صدرها السريعة ليقول من مكانه:
"أنا عارف إنك زعلانة مني عشان مسألتش عليكي النهاردة ولا شوفتك… بس لو عرفتي أنا كنت مشغول قد إيه هتعذريني.."
سار نحوها ولكنها استوقفته سريعاً لينظر لها بعتاب، فأسرعت باستخراج كمامة مغلفة من أسفل الوسادة ثم أعطتها له وهي تقول:
"عشان خاطري متقربش مني غير لما تلبس الكمامة الأول."
تنهد بنفاذ صبر ثم أخذها منها وارتداها ثم سار نحوها حتى جلس بجوارها بالفراش والتقط كفيها يحتضنهما بين كفيه وينظره لها بهيام:
"عاملة إيه النهاردة؟!… في تحسن يعني؟!"
"الحمد لله أحسن كتير."
"أومال لسة بتنهجي ليه؟"
"متقلقش يا أدهم النهجان ده طبيعي… هياخد فترة كدا وهيعدي إن شاء الله."
هز رأسه عدة مرات وهو يتأملها بعشق، فقد افتقدها كثيراً، الأمر الذي أثار خجلها من نظراته المصوبة عليها تماماً… فهي لا ترى سوى عينيه بسبب تلك الكمامة، ولكنها حمحمت بتوتر ثم سألته لتتهرب من نظراته:
"احم.. قولي بقى إيه اللي كان شاغلك؟!"
تنهد بحزن ثم قال:
"قابلت معتصم النهاردة."
سألته بحماس:
"أكيد طبعاً بلغته موافقتك."
هز رأسه بنفي ثم قال بشجن:
"كان نفسي أوافق خاصة لما حسيت إن ريم مبسوطة بيه وبتحبه… بس للأسف عرفت إنه متجوز من فترة ومخبي.. ولولا إني كلفت حد يجيبلي أخباره مكنتش عرفت."
حزنت ندى كثيراً لأجل ريم ثم قالت بخيبة أمل:
"أوف ليه كدا بس… دي ريم كانت فرحانة أوي وكلمتني وهي هناك حسيتها طايرة من الفرحة… ليه يخبي عليها حاجة مهمة زي دي."
"مفيش نصيب.. الحمد لله إننا عرفنا بدري قبل ما كانت تتعلق بيه أكتر من كدا… ساعتها الصدمة كانت هتكون شديدة."
"قدر الله وما شاء فعل."
سكتا قليلاً بشرود ثم عاد أدهم ينظره لها بهيام:
"المهم عايزك تخفي بسرعة بقى عشان محضر لك مفاجأة.."
"مفاجأة إيه؟… قول دلوقتي.."
ضحك وهو يقول:
" ودي هتبقى مفاجأة إزاي؟… وبعدين مفاجأتي عايزاكي تبقي كويسة وصحتك بمب."
تبسمت ضاحكة وهي تقول:
"شوقتني يا أدهم قول بقى."
"تؤتؤ… مش هقول دلوقتي.. متحاوليش… أخدتي علاجك؟!"
"أيوة أخدته."
"طيب نامي بقى عشان ترتاحي وتخفي بسرعة."
تزمرت ملامحها بضيق وهي تقول:
"أوف أنا زهقت من النوم والحبسة في الأوضة."
ضحك وهو يقرصها من وجنتها:
"لاحظي إن معداش غير يومين من الأسبوعين… خلي نفسك طويل يا روحي."
هزت رأسها وهي تتنهد بقلة حيلة، فعدل الوسادة خلفها ثم ساعدها على الاستلقاء ودثرها جيداً بغطاء خفيف ثم نظر بعينيها بعشق مخللاً أصابعه بين خصلات شعرها الناعمة وهو يقول برقة بالغة:
"تصبحين على خير.."
بالكاد خرج صوتها وهي تقول:
"وإنت من أهل الخير."
ابتسم لها بسمته الجذابة التي انعكست على عينيه ثم تركها وسار نحو الباب بخطى بطيئة للغاية وكأنه لا يريد تركها ولكن حسنا… فليصبر إلى أن تُشفى تماماً.
عاد معتصم إلى شقته في ساعة متأخرة بحالة يرثى لها، فقد كان شعره أشعث من كثرة عبثه به من فرط غضبه، وأزرار قميصه العلوية مفتوحة من شدة ما جثم على صدره حتى جعل تنفسه بحرية أمراً عسيراً، وجاكت بدلته يمسكه بإهمال، وبمجرد أن دلف الشقة ألقى بالجاكت على أقرب كرسي ثم سار إلى الغرفة وفتحها ليتفاجأ بنرمين نائمة بالفراش وكأنه قد نسيها تماماً، فدلف الغرفة بهدوء وفتح خزانته ليستخرج منها ملابس للنوم ثم خرج بهدوء حتى لا يوقظها ثم اتجه إلى غرفة أخرى وأخذ حماماً بارداً وبدل ملابسه ثم استلقى بفراشه.
شرد قليلاً بما حدث في ذلك اليوم الصعب، ثم التقط هاتفه ليفتحه على تلك الصورة الوحيدة التي التقطها لها دون أن تشعر حين كانت تصفق بسعادة في حفل خطبة حمد حين ارتدت ذلك الفستان الأبيض المزرقش بالزهور الحمراء.. كانت رقيقة وبريئة حقاً… وجهها يشع ببراءة لم يرها من قبل.
رغم الموقف البغيض الذي اتخذه من شقيقها إلا أنه يشعر نحوه بالامتنان أن قام بتربيتها على أحسن ما يكون.
أخذ يتأمل الصورة طويلاً وهو يتحسسها بأنامله وكأنها أمامه الآن حتى آلمه قلبه بشدة حين خطر بباله أنه من الممكن أن يخسرها للأبد.
أطبق جفنيه بقوة يحاول عدم التفكير في ذلك الأمر وإلا تعست حياته، ثم فتح عينيه وهو ينوي بإصرار عدم الاستسلام بسهولة وأن يفعل ما بوسعه لربما تسمعه وتسـامحه.
أما حمد أيضاً لم يكن يومه الأول مع زوجته على خير ما يرام، بل أبداً لم يستطع التعامل معها بطبيعته، فما زال متخذاً منها موقفاً بسبب غبائها في ليلتهما الأولى… كان يتعامل معها بصمت تام فقط يطلب الطلب ولا يطيل.
أما صافية فقد استقبلت أمها وأخواتها وهي في حالة من الرعب خشية أن ينفلت لسانها بشيء يغضبه.
ليس حباً فيه ولكن خوفاً من بطشه الذي لاقته منه في أول ليلة لهما… تلك البريئة لم تفهم بعد قيمة زوج كحمد… ما زالت تعيش بقوقعة أمها المتسلطة.. لم تفهم معنى الزواج ولا عش الزوجية وما به من أسراره الخاصة… لم تذق طعم الحب بعد.. ولكن هل سيستطيع حمد أن يستخرجها من شرنقة أمها لتتحول إلى فراشة حرة تحلق في سماء حياته؟!
نام بجوارها تلك الليلة ولكن دون أن يلتفت لها رغم اشفاقه عليها من تلك السذاجة التي ستجعل مهمته معها عسيرة للغاية.
كانت ليلة سيئة حقاً على الجميع.
ريم نامت باكية على أطلال حبها لمعتصم.
معتصم نام والهاتف مفتوح على صورتها بيديه. نام بعدما تألم قلبه واحترق من شدة الألم.
ندى نامت وقلبها يتحرق شوقاً لقرب حبيبها.
أدهم نام وهو يحصي الليالي والأيام حتى يعترف لها بحبه الذي ينمو بسرعة هائلة بداخله وكأن البعد كان امتحاناً قاسياً له ليدرك مدى محبته لها.
آسر نام بعدما أثارت مكالمة محمد بداخله براكين الأحزان حتى أدمعت عيناه وهو يتذكر حبيبته الراحلة… لوهلة تمنى لو يلحق بها لعله يتخلص من هذا العذاب.
بينما محمد نام وهو حزيناً على ابنته التي تخطو نحو حياة جديدة ولا ينفك لسانها عن ذكر آسر حبيب شقيقتها في نومها ويقظتها… يبدو أن القلب يدق ويحن لحبيبه وإن لم يكن بداخل أحشاء صاحبته الحقيقية.
أما حمد نام بصعوبة وهو يفكر هل حقاً ستستمر حياته مع صافية على هذا المنوال… يا لها من حياة قاسية حقاً، لا يدري من أشدهم قسوة عليها من الآخر هل سيكون هو أم ما عاشته مسبقاً في كنف أمها.
رواية مهمة زواج الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دعاء فؤاد
استيقظ معتصم قبيل الفجر بنصف ساعة، فكان نومه متقطعاً لم يخلو من الكوابيس.
جلس بالفراش قليلاً يستجمع نفسه، ثم نهض إلى المرحاض فتوضأ وعاد ليصلي ركعتين قضاء حاجة تضرع فيهما إلى الله بألا يحرمه من ريم وأن يجعل له فيها نصيباً.
لم ينقطع دعاؤه حتى صدح أذان الفجر في الأرجاء، فقام بأدائها وجلس يدعو الله مجدداً إلى أن أشرقت الشمس.
فنهض ودلف غرفته التي يشاركه فيها نرمين، وبمنتهى الحذر التقط بنطال جينز أسود وقميص رصاصي وبليزر أسود كاجوال، وأخذ حذاءه وجواربه وخرج على أطراف أصابعه حتى لا تستيقظ نرمين وتبدأ معه استجواباً هو في غنى عنه.
عاد إلى الغرفة وأخذ حماماً سريعاً، ثم ارتدى ملابسه ومشط شعره ونثر عطره، ثم ارتدى حذاءه وساعة اليد.
وبعدها وقف أمام المرآة يتأمل نفسه قليلاً، فأخذ يتحدث إليها بشجن:
"إيه اللي أنت عملته في نفسك دا يا معتصم؟!.. يا ترى أنت كنت صح لما قبلت تتجوز نرمين؟!.. ولا كانت غلطة وانت بتدفع تمنها دلوقتي؟!.. أقول إيه؟.. أقول يا ريتني ما كنت قابلت ريم ولا حبيتها؟!.. بس متنكرش إن هي اللي نورت حياتك وخلت فيها روح بعد ما كانت فاضية وباردة ومالهاش طعم… بس يا خسارة أخدت روحي معاها ومشيت.."
تنهد بحزن شديد وهو ينظر إلى السقف ويضع يديه في جيبي بنطاله، لعله يهون من عاصفة الأفكار التي تضرب رأسه.
ثم استجمع حاله مرة أخرى والتقط مفتاح سيارته من على الكومود وخرج من الشقة بهدوء، ثم استقل سيارته وانطلق في ساعة مبكرة جداً إلى الشركة.
بعد حوالي ربع ساعة كان جالساً بغرفة مكتبه بالشركة والموظفون لم يحضروا بعد، فشغل نفسه في العمل لعله يتناسى ما به من حزن وكآبة.
فأخذ يراجع بعض الملفات وينظم بعض المواعيد ويفحص العقود وما إلى ذلك، حتى بدأت ساعة الحضور وبدأ الموظفون في التوافد على الشركة.
دلفت السكرتيرة ترحب به، فطلب منها وجبة خفيفة مع فنجان القهوة خاصته وأخبرها بإدخال هشام له فور مجيئه.
بعد نصف ساعة دخل إليه هشام زوج عائشة شقيقته، وجلس بالكرسي المقابل له بعدما ألقى عليه تحية الصباح.
فتحدث معتصم بجدية وملامحه عابسة:
"عملت إيه مع موظفين الأمن والاستقبال؟!"
تنهد هشام بضيق ثم قال:
"موظفين الاستقبال اديتهم قرصة ودن مع خصم خمس أيام."
ضرب سطح المكتب بانفعال:
"يترفدوا يا هشام… أنا قولت يغوروا من هنا.."
رد هشام بعقلانية:
"صعب يا معتصم نلاقي غيرهم دلوقتي… وبعدين الشباب معذورين، انضغط عليهم من شوية مخبرين وهددوهم بتلفيق قضايا مخدرات ليهم لو مقالوش على كل اللي يعرفوه عنك وعن نرمين… ونفس الحكاية مع البودي جارد.. بس دول بقى غيرتهم. الشركة اللي بنتعامل معاها بعتتلنا ناس جديدة النهاردة."
زفر معتصم بضيق بالغ، ثم استرسل بجدية:
"هشام أنا مش عايز نرمين تعرف أي حاجة عن ريم… ولا حتى اسمها… استسلامها بسهولة لموضوع الطلاق دا مش مريحني… انت عارف إن الأذية بتجري في دمها وممكن تنسف أي حد يفكر ياخد منها حاجة… وانت شوفت بنفسك كانت بتعمل إيه مع الشركات المنافسة أثناء المناقصات.. بس كنت سايبها بمزاجي لأنه في الآخر كان بيصب في مصلحة الشركة… إنما إنها تفكر تأذي ريم فدا اللي مش هسمح بيه أبداً."
لوى شفتيه ببسمة ساخرة وهو يقول:
"والله لو رجعتلها مش هتفكر حتى تعرف اسمها… نصيحة مني يا معتصم طالما جوازك من ريم بقى صعب.. انساها وكمل حياتك زي ما كانت ماشية مع نرمين… انت كنت مرتاح أكتر قبل ما تقابلها.."
تنهد معتصم بعمق ولم يبدِ أي ردة فعل، فظن هشام أنه قد اقتنع بكلامه، ولكن هيهات… لقد أقسم أن يفعل ما بوسعه لربما تعود له، ولكنه أسرَّ ذلك الأمر لنفسه ولم يبده له.
استيقظت ريم أيضاً مبكراً وترددت كثيراً أتذهب لعملها اليوم أم لا، فهي ليس لديها طاقة للعمل.
وبعد تفكير طويل أقرت أن تذهب لعلها تلهي نفسها عن التفكير في أحداث الأمس.
وصلت المشفى في الوقت، ثم ارتدت المعطف الطبي خاصتها وبدأت عملها بعدما أقرت في قرارة نفسها ألا تفكر بمعتصم أبداً بعد ذلك لا بالخير ولا بالشر.
تريد أن تمحي صورته الجميلة من عقلها وكأنها لم تراه من قبل، وإن كان ذلك الأمر صعباً ولكنها ستصر على ذلك.
بعد الكشف على بعض الحالات عادت لتأخذ استراحة قصيرة بمكتب الأطباء بقسم الاستقبال والطوارئ الذي تعمل به، ليدخل إليها خالد.
فجلس بالاريكة المقابلة لها وتبدو على ملامحه الإرهاق:
"صباح الخير يا ريم."
"صباح النور.. إزيك يا خالد."
"بخير الحمد لله… انتي اللي أخبارك إيه."
"أنا تمام."
تأملها قليلاً بإعجاب بالغ، ثم حمحم ليتحدث بتردد:
"ريم… احم.. أنا كنت مستني فرصة مناسبة عشان أكلمك في موضوع كدا بس بصراحة مش لاقي أي فرصة… تسمحيلي نتكلم دلوقتي بما إن مفيش حد قاعد غيرنا؟!"
ردت بعفوية:
"آه آه طبعاً أنا سامعاك.."
حمحم ثم استرسل بجدية تامة:
"أنا معجب بيكي وعايز أتقدملك وأطلبك للجواز."
تجمدت ملامحها بصدمة، فلم تتوقع ذلك أبداً منه، لم تشعر ناحيته سوى بأنه زميل فقط وحتى لم تلحظ إعجابه بها.
وحين طال سكوتها، تجهمت ملامحه بحزن ليقول:
"واضح إن طلبي مرفوض.."
عادت لتستجمع حالها ثم ابتلعت ريقها وهي تقول بتوتر:
"لا أبداً أنا… أنا بس اتفاجئت.."
حانت منه نصف ابتسامة:
"الحقيقة أنا مش معجب بيكي بس… لا دا أنا بحبك يا ريم… بحبك من أيام ما كنا مع بعض في الكلية بس مكانش ينفع أتكلم معاكي في أي حاجة واحنا لسة بندرس خاصة إني كنت حاسس وما زلت إنه حب من طرف واحد… بس أتمنى تفكري مع نفسك وتحاولي تغيري نظرتك ليا كزميل مهنة وتشوفيني خالد اللي بيحبك وبيتمناكي من زمان أوي."
توترت حالتها للغاية ولم تدري بما يجب عليها أن ترد الآن، لقد وضعها في مأزق صعب.
كيف ذلك وقلبها مازال متعلقاً بآخر؟
ولكن لا.. فقد قررت نسيانه للأبد.
ويبدأ أن ما حدث من خالد الآن ما هو إلا اختبار لها أتكون صادقة مع نفسها أم أن قراراتها ستكون هباءاً منثوراً.
لمس خالد توترها الشديد فأراد أن يقلل من وطأة ارتباكها، فنهض واستأذن منها بالخروج قائلاً:
"أنا هخرج دلوقتي أكمل شغلي وانتِ فكري واتكلمي مع عيلتك وهستنى رأيك… وأياً كان هو إيه مش هيقلل من حبي واحترامي ليكي يا ريم."
هزت رأسها عدة مرات بارتباك وهي تتحاشى النظر بعينيه إلى أن خرج من الغرفة، فتنفست الصعداء وتشوش تفكيرها أكثر.
ولكنها آثرت عدم التفكير في أي أمر الآن ولتتحدث مع أدهم لاحقاً.
فهو أكثر من يعلم خباياها وأكثر شخص سيساعدها في تخطي أمور كهذه.
عودة لشركة معتصم.
حين ثقل عليه حمل العمل أخذ يدلك جانبي جبهته بأصابعه، لعله يستعيد تركيزه ويشعر بالارتخاء قليلاً.
وإذا به يفتح هاتفه ليأتي بصورتها ويتأملها بروح معذبة، ولكن يكفيه النظر لملامحها التي يعشقها، فهي كفيلة بأن تنسيه همومه ولو قليلاً.
بدون سابق تخطيط منه وجد نفسه يرسل لها رسالة عبر الواتساب كتب فيها:
"عمري ما ندمت في حياتي على حاجة عملتها قد ندمي على جوازي من غيرك… بس والله العظيم لو كنت أعرف إني هحبك ما كنت اتجوزت قبلك أبداً.. أنا عارف إني غلطت إني خبيت عليكي من الأول بس كنت خايف تكرهيني وتبعدي عني.. عايزك تسمعيني لو مرة واحدة بس وبعدين قرري.. وأياً كان قرارك هقبله يا ريم مهما كان."
تردد كثيراً أيرسل لها تلك الرسالة أم يمحوها.
وبعد تردد كبير قام بلمس أيقونة الإرسال، ثم وضع الهاتف على سطح المكتب وهو يزفر بعنف.
فهو أبداً لم يكن لزجاً ولم يحدث من قبل أن توسل لفتاة.
ولكنها ليست أي فتاة… لأجلها يفعل المستحيل.
في تلك الأثناء تماماً دلفت إليه نرمين وألقت عليه تحية الصباح وسارت باتجاه مكتبه لتجلس أمامه وتضع ساقاً فوق الأخرى، ثم تحدثت بدلال:
"مالك يا حبيبي قاعد زعلان كدا ليه؟!.. هي العروسة قافشة عليك ولا إيه؟"
ضرب سطح المكتب بقبضة يده بعصبية ليصيح بانفعال:
"الزمي حدودك ومسمعكيش تتكلمي عنها تاني.. مفهوم؟!"
لم تعير كلامه اهتماماً واسترسلت بمزيد من الاستفزاز:
"ليه؟!.. مش ناوي تعرفني عليها؟!.. ولا هتستنى بقى ليوم الخطوبة؟… امممم.. طب اسمها إيه؟!.. مش معقول كمان مش هتقولي على اسمها."
كان يستمع إليها وهو يحاول السيطرة على تلف أعصابه، فهو يدرك جيداً أنها تريد الوصول إلى ذلك.
فأجابها ببرود:
"متقلقيش هتعرفيها قريب… قريب أوي كمان."
هزت رأسها وهي تحاول كبت غيظها بصعوبة، فاسترسلت حديثها ولكن تلك المرة بجدية:
"أنا بعت هدومي وحاجاتي على الفيلا الصبح قبل ما أجي الشركة… تقدر تنام في أوضتك براحتك."
هز رأسه بإيجاب دون أن يتكلم، فسكتت قليلاً ثم نظرت إليه مجدداً وهي تقول باستعطاف:
"أنا هعتبر إن طلاقنا دا مجرد هدنة ليك عشان تفكر إذا كنت فعلاً واثق من قرارك دا ولا لأ… وأنا زي ما قولتلك هفضل أحبك مهما حصل وباب قلبي مفتوحلك في أي وقت.. مهما حصل يا معتصم مش هلومك أبداً لو حبيت ترجعلي وهفتحلك دراعاتي ومش هسألك رجعت ليه.. صدقني.. مش هتلاقي حد يحبك قدي."
تنهد معتصم وهو ينظر للجهة الأخرى، ثم عاد لينظر إليها ليقول بجدية تتخللها نبرة سخرية:
"تمام… وأنا طبعاً مش هنسالك وقفتك جنبي.. ومقدر قد إيه انتي بتحبيني… بس زي ما قولتي اديني هدنة وسيبيني أجرب.. يمكن أكون غلطان فعلاً… بس من هنا لحد ما أعرف غلطي يا ريت تحاولي تفتكري دايماً إننا مجرد شركاء وبس… اتفقنا يا نرمين؟!"
أصابتها حالة من الإحباط ولكنها على أية حال أومأت بموافقة ثم استأذنت منه بالخروج.
زفر أنفاسه بعنف فقد استطاعت إتلاف أعصابه للغاية وهو بالكاد يسيطر عليها.
تفقد هاتفه ليرى إذا ما كانت ريم قد رأت رسالته، فوجد أنها قرأتها ولكن لم ترد، فاغتاظ كثيراً وتلفت أعصابه أكثر وبدون وعي منه وجد نفسه يتصل بها.
على الناحية الأخرى بعدما قرأت رسالته شعرت بالبغض الشديد تجاهه ولم تهتز مشاعرها نحوه قيد أنملة بل ازداد سخطها عليه أكثر، وأعادت الهاتف إلى جيب معطفها مرة أخرى وتابعت طريقها نحو غرفة سكن الطبيبات.
بعد دقائق رن هاتفها برقمه، فقررت أن ترد عليه الرد الأخير والذي ستنهي به على ما تبقى بينهما.
"ألو… ريم أظن انتي شفتي رسالتي.. يعني مجاش على بالك تردي عليا؟!"
أجابته ببرود تام:
"معادش فيه بينا كلام يتقال.."
أجابها بإصرار:
"لأ فيه.. لازم تسمعيني.. لازم نتقابل وأتفهمي كل حاجة وبعدها قرري."
ردت بنبرة موجعة:
"صدقني مش هتفرق كتير… قراري مش هيتغير.."
"بس على الأقل متسبينيش وأنا صغير في نظرك."
أجابته وهي تشعر بوخذات أليمة بقلبها:
"صغير أو كبير.. مفيش بينا حاجة تستاهل اللي انت بتعمله دا كله.."
أجابها بانفعال:
"لأ في يا ريم… في بينا حب يستاهل أعافر عشانه.. أنا بحبك وانتي بتحبيني و…"
قاطعته بقولها:
"لحظة كدا… أنا إمتى قولتلك إني بحبك؟!"
سكت وكأنها سكبت دلواً من الثلج على رأسه، ولكن سرعان ما عاد ليقول بنبرة أليمة:
"مقولتيش بس حسيت منك كدا.. شوفتها في عنيكي.. في كلامك.. في ابتسامتك.. يعني أكيد إحساسي مش غلط."
ردت بسخرية:
"لأ تقريباً كدا أنت محتاج تكشف على نظرك.. مش معنى إني وافقت إننا نرتبط يبقى أنا حبيتك.. بدليل إني اتخطيتك وهتخطب لواحد تاني عادي جدا."
سكت معتصم مصدوماً مما تقوله، وعلت وتيرة تنفسه للغاية من فرط الصدمة.
فاسترسلت ريم بمزيد من الضغط وكأنها تضربه بقبضتيها على جرح عميق في قلبه ينزف بضراوة حتى كاد أن يودي بحياته:
"يا ريت بقى تنسى إنك عرفتني ومتحاولش تتصل بيا تاني لأني هكون ملك واحد تاني يا معتصم بيه."
أغلقت الخط، ثم بدأ صدرها يعلو ويهبط بشدة وعباراتها تهطل بغزارة من عينيها.
لا تدري كيف خطر ببالها أن تنتقم منه بهذه الطريقة وتخبره بأمر خطبتها لغيره ولو بالكذب؟!
وحين علت وتيرة تنفسها وزاد ارتجاف جسدها احتضنته بذراعيها ربما تنتظم أنفاسها، ولكن هيهات.
إنها تحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضى.
إنها تريده أمامها الآن ليحتضنها وينتشلها من تلك الحالة التي أزهقت روحها.
رباه ماذا فعلت بنفسها؟!
إنها تعاقب نفسها أكثر مما تعاقبه.
حمدت الله أنها الآن بغرفة السكن بمفردها وإلا كانت الأعين ستنظر إليها بالفضول.
بقيت قرابة النصف ساعة تحتضن جسدها وتحاول تهدئة نفسها إلى أن غفت بمكانها على الكرسي دون أن تشعر.
بينما معتصم هامت به الدنيا حتى شعر بالاختناق، فنهض ليخلع سترته ثم فك أزرار قميصه العلوية، ربما يستطيع التنفس بعدما خنقته بكلماتها القاسية وغرست سكيناً ملتهباً في عمق قلبه.
مساءاً عاد آسر إلى منزله وتناول العشاء مع والده، ثم دلف غرفته ليأخذ قسطاً من الراحة.
فخطر بباله أن يتصل بعمه محمد ليطمئن على مودة كما وعده أمس.
ولحسن الحظ كانت مودة في ذلك الوقت مستيقظة، وحين أتى محمد اتصال آسر انفرجت أساريره وراح يقول لابنته:
"أهو يا ستي آسر بيتصل على السيرة… أنا هكلمه كلمتين وبعدين هديكي الفون تكلميه فيديو.. تمام؟!"
ردت بصوت مجهد قليلاً:
"تمام يا بابا."
فتح المكالمة ليظهر أمامه آسر على شاشة الهاتف، فابتسم محمد بحبور:
"والله فيك الخير يابني.. مخالفتش بوعدك."
ضحك آسر:
"مقدرش أخلف وعدي معاك يا عمو… عامل إيه يا حبيبي وصحتك أخبارها إيه؟!"
"والله يابني أنا كويس طول ما انتو كويسين."
"وميري أخبارها إيه؟!"
سكت محمد وهو يبتلع ريقه فقد أخطأ في ذكر اسم مودة، ليحمحم مصححاً له:
"مودة بخير يا حبيبي… عايزة تكلمك.."
حمحم آسر بحرج بعدما أدرك خطأه ودعا بألا تلحظ مودة ذلك، فالتقطت الهاتف لتظهر أمامه آسر بوجه مستدير تغطي شعرها بغطاء طبي أزرق مظهراً رقبتها الطويلة البيضاء وترتدي أيضاً مريلة طبية زرقاء.
فاخذ آسر يتأملها بتعجب.
إنه يراها وكأنه يرى ميريهان أمامه، فدق قلبه بعنف وأخذ يبتلع ريقه بتوتر من تلك الحالة الغريبة التي انتابته.
ولم يكن حالها أقل منه، بل أيضاً دق قلبها بشدة حين تمثلت صورته أمامها وكأنها تراه لأول مرة، اختلفت نظرتها له كثيراً.
فأخرجته من تلك الحالة بصوتها الرقيق:
"إزيك يا آسر عامل إيه؟!"
عاد لوعيه حينها ليرد عليها بابتسامة صافية:
"أنا تمام يا ميري… يا مودة بخير الحمد لله.. انتي اللي عاملة إيه؟!"
ابتسمت له برقة فاختطفت قلبه ببسمتها:
"أنا الحمد لله بقيت كويسة.."
زادت بسمته اتساعاً ليقول والدهشة بادية على وجهه:
"سبحان الله كأني شايف ميري قدامي دلوقتي.."
ضحكت ضحكة بسيطة لتقول:
"ما هي ميري أصلاً فيها شبه كبير مني.. بس انت اللي مكنتش واخد بالك.."
رفع كتفيه لأعلى:
"يمكن.. بس أول مرة فعلاً أحسن إنها شبهك أوي كدا.."
تحولت ملامحها بحزن لتسأله بترقب:
"هي عاملة إيه يا آسر… تفتكر ممكن تعدي من الغيبوبة دي؟!"
احتلت الصدمة ملامحه، فلم يخبره أبوه بما قاله لها بالضبط، فتدخل محمد سريعاً يقاطعهما:
"بقولك إيه يا آسر يا حبيبي.. أنا هروح أشوف الدكتور رؤوف وهاراجعلك تاني.. سلام يا حبيبي.."
"تمام يا عمو مع السلامة… في رعاية الله."
تنفس آسر الصعداء وحاول لملمة شتات نفسه بعدما أخطأ في نطق اسمها وارتباكه حين سألته عنها، وحالة التشوش التي انتابته حين رآها وكأنه رأى حبيبته.
حقاً لا يدري ماذا حل به.
ولكنه لا ينكر أن رؤيتها هونت من حزنه على ميريهان وكأنها حية وتعيش بدنيياه.
بينما محمد غادر من أمام مودة سريعاً قبل أن تستجوبه بخصوص شقيقتها، واتجه إلى مكتب الدكتور رؤف.
"انت فعلاً كان عندك حق يا رؤف… مكالمة مودة مع آسر خلتها واحدة تانية خالص.. وصوتها فجأة بقى طبيعي بعد ما كان طول الوقت تعبان."
ابتسم رؤف بسعادة ليقول بجدية:
"يبقى توقعي طلع صحيح… رغم إن الدراسات والأبحاث اللي اتعملت على مرضى زراعة القلب أثبتت إن القلب المزروع ملوش علاقة بالمشاعر بس مرضى كتير حكوا تجربتهم إن فعلاً مشاعرهم وطباعهم اتغيرت بنسبة ما بعد الزرع… وبقى بيحبوا حاجات مكنوش بيحبوها قبل الزرع وده بيرجع لقلب المتبرع وحبه وكرهه للحاجات دي.."
أخذ محمد يهز رأسه بتعجب وهو يقول:
"سبحان الله… له في خلقه شؤون."
استند رؤف بذراعيه إلى سطح المكتب ليقترب برأسه من محمد ثم قال:
"أنا رأيي إنها ترجع مصر بقى والتواصل بينها وبين آسر يزيد.. ده هيحسن نفسيتها جداً وهنضمن إن العملية نجحت بنسبة مية في المية."
تنهد محمد بقلق:
"لو شوفتهم وهما بيتكلموا مع بعض من شوية هتحس فعلاً إنهم اتنين حبيبة… بس آسر بطبيعته شخصية عاطفية ورومانسي وأسلوبه كدا في الكلام… ده العادي بتاعه… يعني خايف ميتقبلش إن مودة تحل محل ميري في قلبه.. مش عارف أعمل إيه.."
"دي مهمتك بقى يا محمد… حاول تخترع حجج عشان يقربوا من بعض واديله انطباع إنك مش مانع ارتباطهم وإن ميري مش عائق بينهم أبداً."
أومأ عدة مرات وهو يفكر بشرود.
فانفجر رؤف في الضحك فجأة ليرمقه باستنكار وهو يسأله:
"إيه يا رؤف؟!.. بتضحك على إيه؟!"
رد وهو يضحك:
"يا أخي انت خلتني أسيب الطب وأشتغل خاطبة عشان خاطر سيادتك.."
ضحك محمد على كلامه وهو يهز رأسه بسخرية ثم قال من بين ضحكاته:
"بس يارب نصايحك تيجي بفايدة…"
يتبع…
رواية مهمة زواج الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دعاء فؤاد
مساءً عادت نرمين من الشركة إلى فيلتها التي تعيش فيها بمفردها مع الخادمة والبستاني.
قامت بركن سيارتها ثم صعدت إلى غرفتها وقامت بالاتصال بشقيقها بعدما أرسل لها رسالة برقم شخص يدعى راغب.
"ألو… أيوه يا نادر.. رقم مين ده اللي أنت بعتهولي؟"
رد عليها ببسمة واثقة:
"ده يا ستي رقم أشطر هاكر في مصر والشرق الأوسط..واد داهية مالهوش حل."
قطبت جبينها باستغراب:
"هاكر؟!.. وده هعمل بيه إيه؟!"
رد ببسمة ماكرة:
"هقولك بس ركزي معايا كويس قوي…"
استمرت المكالمة بينهما قرابة الساعة يشرح لها خطته اللئيمة وهي تستمع له بانبهار، فتلك الخطة سوف تقضي على العلاقة بين معتصم وحبيبته تمامًا دون أن يشعر بأن لها يد في ذلك.
بمجرد أن أنهت المكالمة معه لم تكذب خبرًا وبدلت ملابسها فورًا واتصلت بالمدعو راغب وعرفته بنفسها وأخبرته أنها تريد مقابلته الآن، فرحب بذلك وأرسل لها مكانه عبر رسالة على الواتساب.
قادت سيارتها قرابة النصف ساعة حتى وصلت إلى مركز لصيانة المحمول وهو صاحبه، فقط يتخذ منه ستارة يواري بها أعماله المشبوهة في تهكير الهواتف والحواسب النقالة وغيره، والتي تدر عليه أموالًا طائلة.
استقبلها راغب استقبالًا حارًا وجلسا سويًا في ركن بالمركز به صالون صغير، فأدار دفة الحديث قائلًا بجدية:
"عشان نكون متفقين يا هانم…العملية دي هتكلفك كتير."
ردت بلهفة:
"أنا ميهمنيش الفلوس خالص…أهم حاجة تنفذ اللي أنا عايزاه بالحرف وبدون أي غلط."
"من الناحية دي متقلقيش.. حضرتك هتاخدي من إيدي شغل احترافي."
تحمست للغاية وهي تقول:
"تمام يلا نبدأ."
أعطاها ورقة وقلم ثم قال:
"اكتبيلي هنا رقم تليفون الباشا وحساباته على الفيس والإنستا وإكس وكل مواقع السوشيال ميديا اللي مشترك فيها."
بدأت تكتب كل ما تتذكره وتعرفه واستعانت بالطبع بهاتفها ثم سألته وهي تكتب:
"على فكرة أنا مش عارفة أي حاجة عن البنت اللي بيحبها ولا حتى اسمها."
رد بثقة:
"متقلقيش يا هانم..دلوقتي هفتحلك الواتس بتاعه وهتشوفي محادثاته كلها، وأكيد طبعًا في بينهم كلام على الواتس وهقدر أوصلها وأهكر الواتس بتاعها بسهولة."
ازدادت بسمتها اتساعًا وهي تفكر بحماس في نجاح تلك الفكرة الشيطانية.
"هاتي تليفونك."
نظرت له بشك:
"ليه؟!"
"هفتحلك الواتس بتاعه من تليفونك عشان تتعاملي براحتك في أي مكان وتبعثي الرسايل اللي انتي عايزاها من رقمه كأنه هو اللي بيبعتها."
ابتلعت ريقها بقلق لتسأله:
"طب هو كده مش هيكشفني ولا هياخد باله؟!"
"لأ ما أنا هعلمك إزاي تبعتي من غير ما يكتشف إن في حد بيبعت من رقمه غيره."
أومأت وهي تعطيه الهاتف بعدما فتحته له، فأخذه منها ثم أخذ يعبث به حوالي عشر دقائق حتى تمكن من فتح تطبيق الواتساب الخاص بمعتصم من هاتفها، فاتسعت عيناها بدهشة بالغة وهي ترى محادثاته كلها أمام عينيها على هاتفها، وكادت أن تطير من السعادة لنجاح أولى خطوات خطتها، فأخذت الهاتف وتفقدت المحادثات الواحدة تلو الأخرى حتى فتحت محادثته مع ريم وقرأت آخر رسالة منه لها والتي كتب فيها:
"عمري ما ندمت في حياتي على حاجة عملتها قد ندمي على جوازي من غيرك… بس والله العظيم لو كنت أعرف إني هحبك ما كنت اتجوزت قبلك أبدًا.. أنا عارف إني غلطت إني خبيت عليكي من الأول بس كنت خايف تكرهيني وتبعدي عني.. عايزك تسمعيني لو مرة واحدة بس وبعدين قرري.. وأيًا كان قرارك هقبله يا ريم مهما كان."
حين قرأت تلك الرسالة انتفخت أوداجها بغضب بالغ بسبب تقريره بندمه على زواجه بها، ولكن ما هون عليها الأمر قليلًا أن بدا من محتواها أنها ترفضه، فحانت منها نصف ابتسامة وهي تقول بسخرية:
"غبية.. في واحدة عاقلة ترفض عصومي!"
رد عليها راغب باستغراب:
"نعم؟!"
"ها؟!.. لأ ده أنا بتكلم مع نفسي.. بجد ميرسي قوي يا راغب.. بص كده.. ده رقم البنت اللي بيحبها."
أخذ منها الهاتف ثم دون الرقم بورقة، وفي خلال عشر دقائق أخرى كان قد فتح الواتس الخاص بريم أيضًا، فازدادت بسمة نرمين اتساعًا وانبهارًا وأحست أنها قد سيطرت عليهما وأنهما أصبحا لعبة بيديها.
استمرت جلستها معه لساعة أخرى يشرح لها كيف يمكنها إرسال الرسائل من أرقامهما من هاتفها دون أن يكتشف ذلك أي منهما، وفي نهاية الجلسة قامت نرمين بتحويل مبلغ هائل لراغب على حسابه البنكي الأمر الذي زاد من حماسته للعمل معها.
نهضت أخيرًا لتمد يدها تسلم عليه وهي تقول:
"بجد أنت أبهرتني… وطبعًا دي مش هتكون أول مقابلة لينا."
"أنا تحت أمرك يا هانم… وإحنا مع بعض على التليفون…. بس كل طلب بحسابه."
حانت منها بسمة صفراء وهي تقول:
"آه طبعًا حقك… أنت تستاهل تلقى دهب."
هز رأسه وهو يبتسم لها ثم قام بتوصيلها إلى حيث صفت سيارتها، فاستقلتها وانطلقت عائدة إلى منزلها وهي تشعر بنشوة الانتصار.
فقد معتصم كامل تركيزه في أعماله بعدما أخبرته ريم بأنها ستخطب لشخص آخر، وأخذت الأفكار تتوالى على رأسه… ترى من يكون؟!.. هل هو أفضل منه؟!.. هل تحبه؟!.. هل يحبها؟!.. هل وهل وألف هل سألها لنفسه، إلى أن نفذ صبره وضاق أنفاسه من فرط التفكير.
بعد وقت طويل من التفكير وعدم التركيز تحدث مع نفسه بصوت عالٍ:
"لأااا أنا هفضل قاعد في مكاني كده وأقعد أقول يا ترى!!"
التقط هاتفه ثم استخرج رقمًا ما ومن ثم قام بالاتصال به فرد عليه الطرف الآخر ليقول معتصم:
"فريد باشا كنت عايز حضرتك تبعتلي بودي جارد يكون ثقة.. مش شرط يكون طول وعرض وعضلات.. أنا عايز واحد عادي هكلفه بحراسة حد عزيز عليا….. تمام يا باشا.. يا ريت تبعته بعربية من عندك وضيف حسابها عليا… يا ريت دلوقتي لو أمكن… تمام أنا في الانتظار.. مع السلامة."
أغلق الخط ثم عاد يستند إلى كرسيه وهو يزفر أنفاسه بضيق ويفكر فيما نوى عليه لعله يرتاح قليلًا.
في المساء تناولت ريم وجبة العشاء مع أمها وشقيقها وهي شاردة في مكالمة معتصم وأيضًا طلب خالد الذي جاء في وقت قاتل، لتقرر أن تتحدث مع أدهم ليتناقشا سويًا.
"أدهم كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع كده بعد العشا.."
أومأ وهو يمضغ الطعام بفمه:
"ماشي يا حبيبتي أنا تحت أمرك."
ابتسمت له بحب وامتنان وبعدما انتهوا قامت ريم بإعداد الشاي ومن ثم قدمته له لتجلس بجواره وأدارت دفة الحديث قائلة:
"في دكتور زميلي أعرفه من أيام الكلية.. بالصدفة قابلته في المستشفى بعد ما نقلت وشغال معايا في قسم الاستقبال… هو أكبر مني بسنتين.. والنهاردة اتكلم معايا واعترفلي إنه بيحبني وعايز يتقدملي."
سكت أدهم مصدومًا من كلام شقيقته، كيف تسأله عن مسألة محسومة كهذه… يبدو أن مشكلة معتصم قد أثرت على نفسيتها ما جعلها تتخطى ذلك بتصرف خاطئ كهذا.
"إيه يا أدهم… أنت ساكت ليه؟!"
"لأ ما أنا مستني أشوفك بتتكلمي بجد ولا بتهزري."
"بتكلم بجد طبعًا يا أدهم… هي المواضيع دي فيها هزار؟!"
"ماهو ده بالظبط اللي عايز أقولهولك."
"بمعنى؟!"
"بمعنى إنك لسه مفوقتيش من صدمة معتصم وإن تفكيرك في غيره بالسرعة دي يعتبر هذيان من الصدمة."
هزت رأسها بنفي لترد بإصرار:
"لأ يا أدهم الحكاية مش كده خالص."
"فهميني الحكاية إيه؟!"
"معتصم رميته ورا ضهري من اللحظة اللي عرفت فيها حقيقته… معادش فارق معايا.. أنا أصلًا مشاعري ناحيته كانت هشة بدليل إني اتخطّيته بسرعة."
نظر في عمق عينيها ليسألها وهو يضيق جفنيه:
"انتي متأكدة إنك اتخطيتيه؟!"
سكتت لوهلة ثم سرعان ما أومأت بتأكيد:
"أيوة متأكدة."
"و بالنسبة لزميلك ده… إيه مشاعرك ناحيته؟!"
هزت كتفيها لأعلى:
"مفيش مشاعر تقريبًا.. بس هو محترم جدًا وطول دراستي معاه مشوفتش منه حاجة وحشة ده غير سمعته الطيبة في الكلية وحاليًا في المستشفى كمان."
"يعني ده في رأيك كافي لإنك ترتبطى بيه؟!"
ردت وهي ترفع كتفيها لأعلى وتهز رأسها بتعجب:
"أيوه طبعًا كفاية… بعد اللي مريت بيه مع معتصم اكتشفت إن أهم حاجة الاحترام والوضوح."
"والحب يا ريم؟!"
حانت منها بسمة متهمة لتقول:
"حب؟!… الحب ممكن ييجي بعد الجواز عادي."
رفع حاجبيه بتعجب من رأيها فاسترسلت بجدية تامة:
"يعني انت مثلًا أقرب مثال… أنت اتجوزت ندى ومكنتش تعرف حتى شكلها إيه؟!.. ومع العشرة واضح إنك حبيتها… تنكر؟!"
رد بجدية وهو في حالة ذهول من تفكيرها وحوارها بالكلية:
"لأ منكرش طبعًا… أنا فعلًا حبيت ندى بعد الجواز.. بس دي مش قاعدة."
أمسكت كفيه لتضغط عليهما برجاء:
"سيبني أجرب."
"الجواز مينفعش فيه تجارب.. دي حياة كاملة وخطوة لازم تخططي لها كويس وتفكري ألف مرة قبل ما تخطيها."
"هنتخطب لفترة يا أدهم و أكيد خلال الفترة دي هكون أخدت قراري الصحيح."
"أنا خايف تاخدي الخطوة دي بهدف الانتقام من معتصم.. أو عايزة ترديله الضربة مثلًا… ساعتها هتلاقي نفسك بتنتقمي من نفسك مش منه."
"لأ لأ لأ مش كده خالص يا أدهم… معتصم غلطة وندمت عليها وخلصنا.. مش بفكر انتقم ولا أي حاجة من اللي في دماغك دي."
نظر لها مطولًا ثم تنهد وهو يقول:
"أتمنى ذلك."
"يعني مقولتش رأيك برضو."
"أقول إيه.. أنا شايف إنك واخدة قرارك أصلًا.. بس مترجعيش تلومي إلا نفسك."
ضغطت على كفيه وهي تقول بجدية:
"إن شاء الله مش هيحصل لوم ولا عتاب."
هز رأسه عدة مرات ثم قال:
"ابعتيلي اسمه وعنوانه وكل اللي تعرفيه عنه في رسالة على الواتس عشان أسأل عنه."
احتضنته بامتنان وهي تقول:
"ربنا ما يحرمني منك يا حبيبي."
في مكتب معتصم يجلس أمامه شاب طويل في الثلاثين من عمره أرسله مدير شركة الأمن الذي يتعامل معها معتصم كما طلب منه آنفًا.
"أهلاً يا عمر… أنا عايزك في مهمة محددة الهدف منها تراقبلي بنت أمرها يهمني جدًا وفي نفس الوقت تحرسها وتحميها من أي أذى ممكن تتعرضله."
أومأ الحارس باحترام، فاسترسل معتصم موضحًا أكثر:
"أنا عايزك معاها زي ضلها.. أي حاجة غريبة تشوفيها تبلغني بيها فورًا.. أي حد يكلمها أو تخرج معاه تصوره وتبعثلي الصور على الواتس.. خط سيرها تبلغني بيه… متقلقش المهمة هتكون سهلة لأن هي مالهاش أي علاقات وغالبًا من البيت للشغل ومن الشغل للبيت."
أومأ وهو يقول:
"أنا تحت أمرك يا فندم.. فهمت اللي حضرتك عايزه."
هز رأسه عدة مرات ثم قال:
"هبعتلك اسمها ومكان شغلها وكل اللي أعرفه عنها في رسالة… بس عايزك تعرفلي بالظبط عنوان بيتها لأن ده بقى اللي معرفهوش… هي ساكنة في كومباوند في التجمع الخامس بس معرفش مكان البيت بالظبط… وأهم حاجة مش عايزها تحس إنك بتراقبها… مفهوم؟!"
أومأ بجدية:
"مفهوم طبعًا يا فندم حضرتك مش محتاج تنبه عليا في حاجة زي دي."
"تمام… مهمتك هتبدأ من بكرة الصبح… هتستناها قدام المستشفى قبل معاد حضور الموظفين عشان تشوفها وتتعرف عليها…"
فتح هاتفه على صورتها وأعطاه الهاتف لكي يراها ويعرفها، فتمعن عمر فيها النظر ليطبع صورتها بذاكرته ثم أعاده لمعتصم وهو يقول:
"تمام يا فندم أنا كده حفظت شكلها."
هز رأسه عدة مرات ثم قال:
"لو نفذت أوامري بالحرف واتبسطت منك هيكون ليك مني مكافأة بخلاف مرتبك من فريد بيه."
اتسعت ابتسامته وهو يقول:
"إن شاء الله يا فندم أكون عند حسن ظن سيادتك."
"إن شاء الله… ده الكارت بتاعي يا ريت تبعتلي رسالة برقمك."
أخذ منه الكارت ثم نهض من مكانه وهو يقول:
"أي أوامر تانية يا فندم؟!"
نهض معتصم ثم مد يده يسلم عليه ليقول مبتسمًا:
"متشكر جدًا يا عمر… فرصة سعيدة.. مع السلامه.."
خرج عمر من المكتب مغلقًا الباب خلفه، فعاد معتصم لكرسيه مسترخيًا عليه وهو يتنهد بارتياح… فعلى الأقل سيعرف إن كانت تتلاعب به أم أنها جادة فيما يخص خطبتها من آخر.
عودة لحمد بمحافظة سوهاج…
لاحظ أن صافية لم تصل منذ صلى بها ليلة الزفاف، فانتهى من تناول غدائه معها ثم أجلسها بجواره على الأريكة وأدار دفة الحديث قائلًا برفق:
"صافية انتي مبتصليش ولا إيه؟!"
أطرقت رأسها بخجل وهي تقول:
"لأه."
"ليه؟!.. عندك عذر يعني يمنعك من الصلاة؟!"
رفعت رأسها له لترد بعفوية:
"لأه.. بس أمي…"
لم تكمل كلامها وأسرعت تكمم فمها بكفها خوفًا من تحذيره السابق من ذكر سيرة أمها أمامه، فضيق جفنيه بترقب متسائلًا:
"إيه؟!.. أوعي تقوليلي إن أمك قالتلك متصليش؟!"
أسرعت تصحح بعفوية:
"لأه.. إني كنت هقول أمي معلمتنيش الصلاة… يعني بصلي كده كل فين وفين."
هز رأسه بعدم رضا ليقول بنبرة لينة:
"طب ينفع بنوتة كبيرة زيك كده متصليش؟!"
زمت شفتيها وهي تقول:
"مبعرفش… بس بدي أشوف حد بيصلي وأني راح أصلي زيه."
"قصدك حد يشجعك يعني؟!"
هزت رأسها بإيجاب فابتسم لها وهو يقول:
"وأنا روحت فين؟!.. من النهاردة نشجع بعض ونصلي سوا… تمام؟!"
ابتسمت وهي تومئ بموافقة، فشعر بكثير من الارتياح، على الأقل بدأت تستجيب.
"حمد."
"اممم."
"عايزة أقولك على حاجة بس سايق عليك النبي ماتزعلش عليا."
"قولي متخافيش."
أخذت تفرك كفيها بتوتر وهي تقول:
"أمي اااااا….."
حثها بقوله:
"كملي.. قالتلك إيه؟!"
"سألتني على الجماشة البيضا."
انتفخت أوداجه بغضب ولكنه كظم غيظه وهو يسألها:
"و قولتلها إيه؟!"
ردت بعفوية:
"قولتلها إنك لحجتها (رميتها) في الزبالة."
"اممم وقالتلك إيه؟!"
"زعجت عليا وقالت أبصر شرفك ولا مدري كيف… مفهمتش من كلامها حاجة واصل."
ضحك حمد بملء فمه وهو يقرص وجنتيها ويقول:
"طفلة يا ربي… والله طفلة."
أنزلت يده بغضب وهي تقول بضيق:
"لأه إني مش طفلة يا حمد… إني زميلاتي اتجوزوا وخلفوا كمان."
سكت مليًا يتأمل ملامحها المتذمرة بغضب طفولي، ثم احتضن كفيها بين كفيه وهو يقول:
"أنا خايف عليكي يا صافية… انتي صغيرة أوي على الجواز ومسؤولياته… انتي اللي قدك لسه بيلعبوا وبيتعلموا وبيخرجوا وبيتفسحوا.. لسه بدري على الخطوة دي."
ردت عليه ببراءة وهي تضحك:
"الكلام اللي بتقوله ده بيحصل في الأفلام بس يا واد عمي… خيتي كريمة عنديها عشرين سنة ومعاها أربع عيال ربنا يخليله."
ضحك حمد من تلك العقيدة المترسخة في ذهنها كما لقنها والديها والناس من حولها ثم سألها وهو يرفع حاجبيه بمكر:
"طب انتي عارفة الناس بتخلف العيال إزاي؟!"
اقتربت برأسها من أذنه فقام بدوره بتقريب رأسه منها وهو في حالة من الدهشة ثم تحدثت بهمس وكأن أحدهم سيسمعها:
"إني سألت كريمة خيتي كتير… بس مراضيتش تجولي… طوالي تزعج عليا وتجولي اتحشمي يا بت.. هتعرفي لما تتجوزي."
رفع حاجبيه وكأنه متفاجئ يسألها بذات الهمس:
"بجد؟!"
هزت رأسها بإيجاب وهي تقول بثقة هامسة:
"أيوه… زي ما بجولك كده."
ضحك للمرة التي لم يعرف عددها وهو يجذبها إلى حضنه ويحيطها بذراعيه ويقول بخفوت:
"والله يا ربي متجوز طفلة."
سمعته لتضرب صدره بكفها الصغير بتذمر وهي تتمتم بغضب:
"سامعاك يا واد عمي."
"أي إيدك تقيلة يا طفلة."
أخذت تزيد في ضربه كلما نعتها بتلك الكلمة وهو لا يتوقف عن ترديد تلك الكلمة عنادًا لها ولكي يرى غضبها الطفولي الذي أحبه منها ووجهها المرح الذي يراه لأول مرة.
ترك أدهم شقيقته بتخبطها ثم سار نحو غرفة ندى، وحين دخل الغرفة وجد أمه تجلس معها في انتظاره لتسأله بقلق:
"إيه يا أدهم… ريم كانت عايزراك ليه.. أنا سبتكم تتكلموا براحتكم عشان هي بتضايق لما بتدخل بينكم."
"قبل كفها بحب:
"حبيبتي انتي تدخلي زي ما انتي عايزة…دا انتي الخير والبركة يا ست الكل."
"يابني قول قلقتني."
تنهد بعمق ثم قال:
"مش هتصدقي يا ماما…بتكلمني على واحد زميلها في المستشفى عايز يتقدملها."
اتسعت عينيها بدهشة:
"نعم؟!..هي اتجننت دي ولا إيه؟!"
"وده بالظبط كان رد فعلي."
"طب وبعدين…انت عارف إنها بتتصرف كده من صدمتها..و أكيد هي مش واعية للي بتعمله ده..آه يا ريم هتجننيني."
"أنا عارف يا ماما إن تفكيرها في الوقت الحالي مشوش بس للأسف هي مصممة تخوض التجربة…انتي عارفاها عنيدة قد إيه؟..ومبتقتنعش غير لما تنفذ اللي في دماغها."
"آه انت هتقولي…فاكر لما صممت تستلم شغلها في الصعيد؟!..مع إنك كنت هتنقلها في لحظة بس هي صممت وفي الآخر مكملتش هناك شهر ورجعت تقول يا ريتني."
هز رأسه بقلة حيلة:
"أنا بحاول مزعلهاش عشان حالتها النفسية مش مظبوطة وبسيبها تجرب بنفسها عشان تتعلم… بس الظاهر إني كنت غلطان… وكان لازم أشد عليها شوية."
تدخلت ندى في الحديث قائلة:
"اسمحيلي يا أدهم… ريم شخصيتها قوية جدًا وفي نفس الوقت هشة جدًا وأقل حاجة بتدمرها… فخليها تكتشف بنفسها إيه القرار الصح وإيه الغلط ساعتها هتكون مقتنعة أكتر… وفي الأول والآخر دي هتكون مجرد خطوبة.. لو ليهم نصيب في بعض هيكملوا.. والعكس صحيح."
هز رأسه عدة مرات ثم قال بجدية:
"أنا للأسف مضطر أسايرها المرة دي كمان لحد ما نشوف آخرتها إيه؟!"
ربتت أمه على فخذه تطمئنه:
"خير يا حبيبي إن شاء الله… خير."
توالت الأيام على الأبطال دون جديد يذكر سوى أن عمر يراقب ريم كما أمره معتصم وقد عرف عنوانها تفصيليًا وأرسله إليه، كما أنه التقط لها صورًا مع خالد أثناء خروجهما من المشفى وأرسلها أيضًا إلى معتصم.
علم عمر مؤخرًا من رجال الأمن بقسم الاستقبال أن حفل خطبة خالد وريم ستقام يوم الخميس المقبل وهو آخر يوم لندى في أيام عزلها بسبب الكورونا.
بالطبع أصابته صدمة بالغة وشعر أن الدنيا تهيم به وأحس بالعجز التام… فحبيبته التي يحلم ليل نهار باقتران اسمها باسمه ستكون ملكًا لغيره.
وبالطبع نرمين تلك الأفعى مازالت تراقب محادثات معتصم ورأت محادثته مع عمر وما يرسله له من صور لريم، الأمر الذي جعلها تكاد تفقد عقلها… ألهذا الحد قد هُوِسَ بها معتصم؟!.. لدرجة أن يراقبها وينتظر أخبارها؟!
كانت ريم تتزين في غرفتها ومعها ندى وقد تحسنت كثيرًا و لكن لا تزال ترتدي الكمامة، وشقيقتها روان استعدادًا لحفل خطبتها على خالد.
ولكن رغم أنه كان من محض اختيارها إلا أنها لم تكن سعيدة أبدًا، كانت تغتصب الابتسامة على شفتيها… فقد سيطرت صورة معتصم بوسامته وهيبته على عقلها تمامًا خاصة في هذا اليوم بالذات، ولكن لا مجال للعودة والتراجع.
طرقت وفاء الخادمة الباب لتفتح لها ندى، فاعطتها باقة رائعة من زهور الأورجانزا ثم قالت:
"في واحد جاب البوكيه ده للدكتورة ريم."
التقطته منها وهي تتأمله بإعجاب بالغ:
"متعرفيش مين ده؟!"
"لأ يا هانم.. تقريبًا واحد من عمال المحل."
هزت رأسها بإيجاب ثم شكرتها وأغلقت الباب، ثم سارت نحو ريم وأعطتها الباقة:
"ريم حد باعتلك البوكيه ده."
"مين يا ترى؟!"
التقطت الباقة ثم لمحت تلك البطاقة الحمراء المدون عليها بعض الكلمات فقامت بقرائتها حيث كتب فيها:
"مبارك الخطوبة … بتمنالك السعادة من كل قلبي.. وبتمنى إنك تكوني مبسوطة بحياتك الجديدة.. بس للأسف عارف إنك مش مبسوطة…. معتصم."
حين انتهت من قرائتها بدأت يديها ترتجفان وعينيها تتساقط منها العبرات ثم ضاقت أنفاسها قليلًا وعالت شهقاتها، فاحتضنتها روان وهي تصيح بها:
"ريـم… مالك يا حبيبتي.. اهدي.. اهدي يا ريم.. إيه اللي حصل بس… ندى بسرعة نادي أدهم."
خرجت ندى وهي تركض لتستدعي أدهم لغرفة شقيقته، فدلف الغرفة مذعورًا ليصعق بمظهر ريم المذري ليبعد روان عنها ويحتضنها وهو يقول بحنو:
"اهدي.. اهدي يا حبيبتي خلاص أنا معاكي.. إيه اللي حصل يا روان؟!"
أعطته تلك البطاقة التي قرأتها ريم للتو فأخذها منها ليقرأها، فانتفخت أوداجه بغضب وهو يسب ويلعن به بخفوت وألقى بها على مد ذراعه ثم عاد يشدد من احتضان أخته المذعورة وهو يتمتم بهمس حانٍ:
"ريـم اسمعيني… لو عايزاني أطلع دلوقتي أنهي كل حاجة وأعتذر لخالد هعمل كده لو ده هيريحك… انتي قلبك مش معاكي يا ريم… اسمعيني يا حبيبتي متضغطييش على نفسك أكتر من كده."
بدأت شهقاتها تقل رويدًا رويدًا إلى أن هدأت تمامًا ثم ابتعدت عن حضنه وقالت بجدية تامة:
"لأ يا أدهم…في الأول والآخر استحالة هرجعله بعد اللي عمله.. مفيش داعي للي انت بتقوله.. أنا بس كانت أعصابي تعبانة شوية فعيطت غصب عني.. بس الحمد لله أنا بقيت أحسن دلوقتي.. هغسل وشي وهظبط الميكاب وأخرج… زمان خالد وعيلته على وصول."
نظر لها مطولًا ثم سألها بتوجس:
"متأكدة إنك كويسة يا ريم؟!"
هزت رأسها وهي تبتسم له حتى لا تثير ريبته وقلقه، فتركها وهو يتوعد في نفسه لمعتصم أن أحزن شقيقته وأوصلها لتلك الحالة السيئة.
لم يكن أحد سعيدًا في ذلك الحفل سوى خالد وعائلته، بينما ريم كانت تتظاهر بالسعادة وأدهم لم يستطع أن يغض الطرف عنها ولو لحظة، فقد كان قلقًا عليها للغاية ويشعر بها تمامًا وما يموج بقلبها من تخبط.
انتظر أدهم بزوغ شمس اليوم التالي بفارغ الصبر ليلقن ذلك الأرعن درسًا نظير فعلته بأخته بالأمس.
من حسن حظ أدهم أن معتصم بات تلك الليلة العصيبة بمكتبه بالشركة، فقد كانت حالته سيئة لدرجة لا تسمح له بمواجهة أي شخص ما.
استقل سيارته في الصباح الباكر ليأخذ طريقه إلى شركة معتصم وهو يتوعد له.
وصل إلى الشركة وصعد إلى الطابق الذي يقطن به مكتبه، فتخطى السكرتيرة ودلف مباشرة إليه دون أن ينبس ببنت شفة، وحين انفتح الباب فجأة وقف معتصم ليتفاجأ بمثول أدهم أمامه وشرارات الغضب تتطاير من عينيه، فأدرك أنه جاء ليحاسبه على فعلته بالأمس.
"مش عيب يا أدهم بيه لما ضابط محترم زي حضرتك يتهجم على واحد في محل عمله."
سار إليه بخطى واسعة حتى أمسكه من تلابيبه وهو يصيح بغضب:
"هو انت لسه شفت عيب يا ابن الـ…"
نفض معتصم ذراعيه وهو يرد بانفعال:
"احترم نفسك ومتشتمش… متنساش إنك في مكتبي."
"تصدق خوفت يلا…انت عايز إيه بالظبط من اختي… هو أنا مش حذرتك متقربش منها يا حيوان."
رد معتصم وهو يصيح بغضب:
"قولتلك متشتمش…"
ثم تحولت نبرته للبرود وهو يضع يديه في جيبي بنطاله:
"وبعدين حبيت أبارك للدكتورة ريم…. مغلطتش يعني."
صاح به بغضب بالغ:
"وتباركلها بصفتك إيه؟!.. ها؟!.. وبالنسبة للي كتبته على الزفت؟!"
رد عليه بنبرة باردة:
"أنا مكتبتش حاجة عيب ولا غلط… أنا كتبت الحقيقة.. آه معلش أصل هي دايمًا كده الحقيقة بتوجع."
أخذ أدهم يضغط فكيه بتغيظ شديد، فإنه يذكره بكلماته التي قالها له آنفًا.
اقترب أدهم برأسه إلى رأسه للغاية ثم قال بصوت كالفحيح:
"وغلاوة ريم عندي لو فكرت تقربلها أو تضايقها لكون حابسك في تأبيدة يا.. يا معتصم بيه."
رفع حاجبيه وهو يرد عليه بنبرة تمثيلية:
"لأ بجد خوفتني…"
ثم علت نبرته ليقول بانفعال بالغ:
"اسمع يا أدهم باشا… ريم هتفضل حبيبتي لآخر يوم في عمري شئت أم أبيت.. وأوعى تفتكر إني خايف منك.. أنا قادر أغلط فيك زي ما بتغلط فيا وأضربك كمان لو لزم الأمر… بس أنا عامل خاطر لريم لأنك أخوها اللي بتحبه وبتحترمه… ولولا ريم بينا لكنت شوفت مني وش ربنا ما يوريهولك."
حانت من أدهم بسمة ساخرة ليقول بوعيد:
"هدد براحتك يا سي معتصم… وعلى جثتي إن ريم تكون ليك."
بالكاد سيطر معتصم على أنفاسه المتسارعة ثم وضع يديه في جيبي بنطاله وهو يقول بنبرة غليظة:
"شرفت يا أدهم بيه."
ألقى عليه أدهم نظرة حارقة ثم تركه وعاد إلى سيارته وهو يستشيط غضبًا من ردود فعل معتصم الباردة المستفزة، فقرر العودة للمنزل ليرتدي ملابسه الميري ليستكمل عمله على أية حال.
رواية مهمة زواج الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دعاء فؤاد
حين خرج أدهم من غرفة مكتبه، وقف معتصم ينظر في أثره وصدره يعلو ويهبط، وملامحه منكمشة من فرط الانفعال. فوجد نفسه يطيح بكل ما على سطح المكتب بيده وهو يصرخ بعصبية، لعله يفرغ غضبه في تلك الجمادات. فاستند بكفيه إلى حافة المكتب وهو يحاول السيطرة على عصبيته الزائدة.
وبعد ثوانٍ، قام بإطفاء المكيف ثم فتح نافذة الغرفة الكبيرة على آخرها، والتي تطل على الطريق. وأخذ ينظر من خلالها في اللاشيء وهو يستنشق الهواء، لعل صدره يتسع بعدما ضاق لحد الاختناق.
بعدما هدأ تمامًا، أمسك هاتفه وأتى برقم ريم. ينظر له ونفسه تراوده بأن يتصل بها ويحاول إقناعها مجددًا، لعله ينجح تلك المرة. ولكن عاد لينهر نفسه ويحدثها:
"إيه يا معتصم، اتغيرت أوي… كفاية بعثرة في كرامتك لحد كده.. من امتى وانت بتجري ورا حاجة مش ليك.. كفاية عليك الكام ذكرى اللي عيشتهم معاها، وسيبها بقى تعيش حياتها زي ما اختارتها وحافظ على شوية الكرامة اللي باقيين لك."
ألقى بالهاتف على سطح المكتب، ثم طلب من السكرتيرة أن ترسل عاملًا لتنظيف المكتب وإعادة ترتيبه.
حاول أن يستعيد تركيزه قدر المستطاع حتى يتمكن من استئناف أعماله. وفي خضم انشغاله، دخلت إليه نرمين وجلست قبالته بعدما ألقت عليه التحية.
ترك ما بيده من عمل، ثم نظر لها بملامح واجمة في انتظار ما ستقوله. فحمحمت لتقول بتوتر وهي تفرك كفيها:
"معتصم… مش هنرجع لبعض بقى؟!"
قطب ما بين حاجبيه ناظرًا لها باستفهام، وكأنه يقول: لماذا؟ فأسرعت ترد موضحة:
"يعني البنت اللي انت طلقتني عشانها اتخطبت لواحد تاني خلاص والموضو…"
قاطعها ليسألها بدهشة:
"انتي عرفتي منين إنها اتخطبت؟!"
ارتبكت وأخذت تحاول اختلاق كذبة لإنقاذ نفسها من ذلك المأزق، إلى أن قالت وهي تبتلع ريقها بتوتر:
"هشام…. هشام قالي… بس أنا اللي ألحيت عليه يعني… ماكنش راضي يقولي.. بس أنا ذنيت على دماغه لحد ما قالي."
أخذ ينظر لها بشك، فقد كانت حالتها مثيرة للشك حقًا، ولكن تجاوز ذلك على أية حال، ثم قال بجدية:
"مفيش حاجة هتتغير يا نرمين… خلينا كده أحسن.. أنا كده مرتاح أكتر."
"بس أنا مش مرتاحة وأنا بعيد عنك."
هز كتفيه لأعلى ليقول وهو يزم شفتيه:
"دي مشكلتك انتي مش مشكلتي.. وبعدين ما إحنا مع بعض طول الوقت في الشركة، ومافيش يوم بيعدي من غير ما أشوفك."
تنهدت بضيق ثم قالت:
"معتصم، أظن أنا مش محتاجة أشرحلك قصدي إيه ببعدي عنك.."
اقترب برأسه من رأسها ليقول وهو يصوب عينيه لعيينها، لعلها تفهم أكثر:
"قولتلك مفيش حاجة هتتغير.. وأظن مش محتاج أشرحلك أكتر من كده."
بادلته النظرة بأخرى ساخطة، ثم قالت بنبرة مغتاظة:
"واضح إن لسه عندك أمل إنها ترجعلك."
رمقها بنظرة حارقة ليصيح بها بعصبية:
"ميخصكيش… واتفضلي برا.. وقتك خلص."
نهضت وهي ترمقه بنظرات متوعدة، ولكن لم يهتم بنظراتها. وبمجرد أن خرجت وأغلقت الباب من خلفها، دار بكرسيه حول نفسه وهو يضرب المكتب بقبضته ويصرخ بعصبية:
"أنا كنت ناقصك انتي كمان… سيبوني بقى.. عايزين مني أييييه!!"
دفن رأسه بين كفيه وهو يتنفس بسرعة، وبقي على تلك الحالة لفترة طويلة. فلم يستطع البقاء بالشركة أكثر من ذلك، وترك ما أمامه من ملفات والتقط سترته ومفتاح سيارته وغادر الشركة بأكملها إلى حيث لا يعلم بعد.
خرجت نرمين من مكتب معتصم وهي تستشيط غيظًا. فذهبت إلى غرفة مكتبها بالطابق العلوي، وحين دخلتها أخذت تدور حول نفسها بغضب وهي تتحدث مع نفسها:
"هي للدرجادي واكلة عقلك يا معتصم… بجد أنا مش مصدقة… آه لو أشوفك يا زفتة انتي.. والله ما أخلي فيكي حتة سليمة.. نفسي أعرف فيكي إيه مش فيا.."
استخرجت هاتفها من حقيبتها، ثم قامت بالاتصال براغب، وبعد قليل أتاها رده لتقول:
"ازيك يا راغب عامل إيه؟!"
"تمام يا هانم… إيه الأخبار؟!"
"لسة مش قادرة أوصل لحاجة… رغم إنها اتخطبت لكن لسة بيحبها ومنتظر ترجعله ومش عايزنا نرجع لبعض تاني."
"اصبري شوية يا هانم… لسة الجرح مفتوح."
"أصبر لحد امتى… لحد ما شهور العدة تخلص ويبقى طلاق رسمي!"
سكتت مليًا، ثم أخذت تقول وهي تعض أناملها من الغيظ:
"أنا نفسي أمسك البت دي أديها علقة موت وأشفي غليلي منها."
حانت منه بسمة ماكرة وهو يقول:
"سيبي الموضوع ده عليا يا هانم؟!"
قطبت جبينها باستغراب:
"قصدك إيه يعني؟… هتضربها؟!"
"لأ طبعًا مش هينفع أضربها أنا… بس عندي اللي هيجيبهالك من شعرها قدام عينيكي وأشفي غليلك براحتك… بس كله بحسابه."
هزت رأسها بحماس:
"تمام، اوكي حلو أوي… وطبعًا اللي تطلبه أنا تحت أمرك."
"تمام.. ابعتيلي بس عنوان شغلها وخلّي الباقي عليا."
"اوكي.. معتصم كان بعت عنوان شغلها للي اسمه عمر ده ع الواتس.. هبعتهولك حالا.."
"تمام… وساعة التنفيذ هكلمك عشان تشوفيها وهي بيتعمل معاها الجلاشة.. سلام يا هانم."
أغلقت المكالمة وهي تبتسم بشماتة وتمني نفسها برؤية تلك الدخيلة وهي تنزف دمًا نظير سرقتها لأغلى ما تملك كما تظن.
أخيرًا، عادت مودة إلى أرض الوطن وتم حجزها بمشفى الدكتور رؤوف لاستكمال فترة النقاهة، وقد استعادت قدرًا كبيرًا من عافيتها. ولكنها منذ وطأت قدماها أرض الوطن لم تنفك عن السؤال عن أختها ورغبتها الشديدة في رؤيتها، وإن كانت مازالت نائمة في غيبوبتها العميقة. ولكن محمد لم يعد يجد من المبررات ما يمنعها من رؤيتها، إلى أن نفذ صبره واستدعى آسر، الذي وعده بالمرور إليه عقب انتهاء عمله مباشرة.
قبل أن يدخل آسر إلى مودة، استوقفه محمد ليأخذه إلى المقهى الملحق بالمشفى حتى يتحدثان بأريحية أكثر.
"آسر… أنا مش قادر أقول لمودة خبر موت أختها.. خايف عليها وفي نفس الوقت مش هقدر أشوفها وهي منهارة… عشان كده أنا وكلتك انت للمهمة دي.. أنا عارف إنها هتكون صعبة عليك.. بس أنا متأكد إنك هتعرف تهديها أكتر مني.. أنا أصلًا قلبي مش مستحمل وهنهار قبل منها."
سكت آسر مليًا يفكر في طلب حماه، إلى أن قال بحزن:
"كتير عليا أوي يا عمو محمد… انت كده هتحطني في موقف صعب ومش قادر أتوقع رد فعلي لو مودة انهارت قدامي… هتقلب عليا المواجع والأحزان."
ربت على كتفه بحب وهو يقول ببسمة واثقة:
"أنا متأكد إنك قدها يا آسر… معلش يابني أنا عارف إني بتّقل عليك… ومش هنسالك الجميل ده أبدًا."
تنهد بقلة حيلة ثم هز رأسه بموافقة، فاتسعت بسمة محمد واسترسل قائلًا:
"اطلع لها دلوقتي سلم عليها وقولها ع الحقيقة وأنا هستناك هنا… مش هقدر أشوفها بعد ما تعرف."
أومأ بموافقة ثم نهض وهو يقول:
"عن إذنك يا عمو…"
صعد آسر إلى غرفتها، وقبل أن يطرق الباب أخذ نفسًا عميقًا وهو يغمض عينيه استعدادًا لهذا الموقف الثقيل، ثم طرق الباب ودلف إليها ليجدها تجلس بمنتصف الفراش وبيدها هاتفها تتصفحه. وبمجرد أن التفتت له تنظر بابتسامتها الجميلة، دق قلبه بعنف وكأنه يرى ميريهان أمامه للمرة الثانية، ولم يكن حال مودة بأقل منه، فقد كاد قلبها أن يخرج من مكانه حين طل عليها.
حاول آسر السيطرة على حالة التخبط التي أصابته، ثم أخذ نفسًا عميقًا وتقدم من فراشها وهو يقول برسمية:
"حمد الله على سلامتك يا مودة… نورتي مصر كلها.."
ردت برقتها المعهودة:
"الله يسلمك يا آسر.. مصر منورة بأهلها."
جذب كرسيًا وجلس بجوار فراشها، ثم سألها بابتسامة سحرتها:
"ها يا جميلة… عاملة إيه النهاردة؟!"
تاهت منها الكلمات وهي تتأمله عن قرب وكأنها تراه لأول مرة. لم تكن تلك أبدًا نظرتها له سابقًا، ماذا تغير إذن؟ نهرت نفسها أن فكرت في خطيب أختها بتلك الطريقة، ثم ابتلعت ريقها وهي تقول:
"الحمد لله أنا بقيت كويسة ونفسي أخرج عشان أشوف ميري."
حمحم آسر بتوتر وهو ينظر للجهة الأخرى يحاول استجماع الكلمات التي سيقولها ليخبرها بالحقيقة، إلى أن قال بجدية:
"هتقدري تقومي من السرير؟!.. تعالي نقعد على الكنبة دي عشان عايز أتكلم معاكي في موضوع كدا."
هزت رأسها بإيجاب، ثم تزحزحت حتى وصلت إلى حافة الفراش، ثم أنزلت قدميها على الأرض. وبمجرد أن وقفت أصابها دوار طفيف وكادت أن تقع، ولكن آسر أسرع بإسنادها من خصرها. فتوترت كثيرًا من قربه واحمرت وجنتاها خجلًا، بينما هو تسارعت دقات قلبه أكثر، ورغمًا عنه أخذ نفسًا عميقًا يستنشق عبيرها، إلى أن عاد إلى وعيه وقال بتوتر وهو مازال يسندها:
"خلاص خليكي في السرير طالما بتدوخي."
هزت رأسها بنفي:
"لأ لأ أنا زهقت من رقدة السرير.. اسندني بس لحد الكنبة."
أومأ وهو يبتلع ريقه من فرط الارتباك، ثم أسندها إلى أن جلسا على الأريكة. فنظر آسر في عينيها ثم قال بجدية:
"مودة انتي عارفة إن ميري حالتها كانت وحشة بسبب الحادثة، وانتي كمان ساءت حالتك أكتر، ولكِ أن تتخيلي باباكِ كانت حالته عاملة إيه وهو حاسس إن بناته اللي طلع بيهم من الدنيا خلاص هيروحوا منه… بس ربنا أراد إنه يتكتب لكِ عمر جديد عشان يخفف عن والدك شوية… بس للأسف ميري… ميري مكملتش واتوفت."
انكمشت ملامحها بعدم تصديق أو ربما عدم استيعاب، وأخذت تهز رأسها والدوع تنهمر من عينيها بغزارة وتهذي بلا وعي:
"لأ.. انت بتقول إيه؟!.. المفروض أنا اللي كنت أموت… ميري لأ.. أنا.. أنا كنت مستنية موتي إنما هي لأ.."
أخذت تهذي بتلك الكلمات وهي تلوح بيديها هنا وهناك، وجسدها ينتفض بعنف من فرط الصدمة، وآسر يحاول تهدئتها ولكن بلا فائدة، فقد خرج الأمر عن سيطرتها.
أخذت تبكي بحسرة بكاء هيستيري وهي تتأوه بصوت عالٍ وتمسك موضع قلبها، وآسر يحاول معها بشتى الطرق، فتارة يقيد يديها وتارة يحيط وجهها بكفيه ويهدئها بالكلمات، ولكن أيضًا بلا فائدة، إلى أن ساءت حالته هو أيضًا وكأن عدوى الصدمة انتقلت إليه، فبكى رغمًا عنه وهو يراقب انفعالاتها بقلب مكلوم.
من فرط صدمتها، نهضت من مكانها تحاول السيطرة على نوبة البكاء الهيستيري التي أصابتها، فنهض آسر سريعًا يسندها من كتفيها قبل أن تسقط. فأمسكته من ياقة قميصه وأخذت تهذي وهي تبكي:
"مش هشوفها تاني يا آسر؟!.. إزاي هعيش من غيرها.. ها قولي.. أنا عايزة أشوفها.."
رد عليها وهو بالكاد يسيطر على أعصابه:
"مودة انتي إنسانة مؤمنة وعارفة إن كل واحد لينا له عمر وساعة… وهي خلاص عمرها خلص.. احمدي ربنا إنك لسة عايشة وإلا باباكِ كان هيجراله حاجة."
ردت وهي مازالت تبكي بهذيان:
"أنا كده كده هموت.."
لم يتحمل كلمتها وكأنه تخيل فراقها وانشطار قلبه للمرة الثانية، فجذبها إلى حضنه وهو يقول بنبرة شبه باكية:
"لأ متقوليش كده… إن شاء الله هتعيشي كتير وهتتجوزي وهتخلفي.. الدكتور رؤوف قال إن انتي اتحسنتي كتير بعد العملية وتقدري تمارسي حياتك زي أي شخص عادي."
بدأت شهقاتها تقل رويدًا رويدًا وكأنها عادت لوعيها، فابتعدت عن حضنه وهي تسبل جفنيها بخجل، فابتسم آسر من بين ملامحه الحزينة، ثم استرسل بجدية:
"ميري زمانها مبسوطة دلوقتي إنك رجعتي تاني للحياة… وإنك هتقدري تعملي كل حاجة كنتي محرومة منها… عشان خاطري يا مودة.. لو ليا عندك خاطر، جمدي قدام باباكِ.. هو فيه اللي مكفيه وخلاني أقولك أنا خبر وفاتها لأنه مش مستحمل يشوفك وإنتي منهارة."
أخذت تمسح عبراتها من وجنتيها وهي تومئ برأسها، ثم سارت إلى الفراش حتى جلست على حافته، ولكنها لم تستطع أن توقف عينيها عن زرف العبرات. فتركها آسر تفرغ ما بجعبتها من حزن وعاد يجلس على كرسيه مرة أخرى وهو يراقبها بحزن شديد.
مساءً، عاد أدهم لتوه مع ندى من عند طبيب الصدر التي تتابع زوجته معه منذ أن أصيبت بالكورونا. فتح باب الشقة والابتسامة الواسعة لم تفارق محياه، فدلفَت ندى ودلف خلفها يحيط كتفيها بذراعه، ثم سار بها مباشرة إلى غرفته تحت دهشتها واستغرابها. فضحك وهو يجرها إلى الغرفة ويقول:
"هش… من النهاردة مفيش اعتراض على أي حاجة… من النهاردة مش هتباتي برا الأوضة دي."
ضحكت وهي تقول:
"طيب اصبر بس آخد نفسي وأطمن ماما."
"بعدين بعدين."
سارت معه باستسلام، ولكن استوقفتهما تيسير قبل أن يفتح باب الغرفة وهي تسأل بتفاجؤ:
"إيه ده انتوا جيتوا امتى؟!"
استدارا إليها لينظر لها أدهم باحباط ثم قال بعجلة:
"الدكتور قال إنها بقت كويسة الحمد لله.. عن إذنك يا ماما.."
قالها وهو يستدير ويضع يده على مقبض الباب، فرفعت تيسير حاجبيها باستنكار لتقول بغضب:
"ما تستنى يبني فهمني الدكتور قال إيه بالظبط؟!"
تنهد بنفاذ صبر ثم عاد ينظر لها بضيق يحاول إخفاءه فقال:
"كويسة يا ماما.. كويسة.. إيه اللي مش مفهوم في كلامي؟!"
كممت ندى فمها لتوري ضحكتها التي تكتمها بصعوبة، فرمقها بغيظ، ثم وضع يده على المقبض للمرة الثالثة وهو يقول:
"عن إذنك يا ماما.."
ثم فتح الباب ودفعها إلى داخل الغرفة، ومن ثم نظر لأمه وهو يبتسم بسماجة ثم أغلق الباب. كل ذلك تحت نظراتها المتعجبة من تصرفاته الغريبة، فانفجرت في الضحك بمجرد أن انغلق الباب، ثم أخذت تهز رأسها يمنة ويسارًا وذهبت لغرفتها.
أما بالداخل، أخذت ندى تفرك كفيها بتوتر من نظرات أدهم الهائمة، فقالت بارتباك حتى تهرب من نظراته:
"أنا هروح أوضتي أجيب هدوم ليا عشان آخد شاور وأغير."
استند بجسده على الباب وكأنه يمنعها من الخروج، ثم قال بمراوغة:
"انتي ناسيه إن ليكي هدوم هنا… وبعدين مش عاجبني حوار أوضتي وأوضتك دي."
رفعت حاجبها وهي ترد بتحدي:
"مش ده كان اختيارك من الأول؟!.. وبعدين في الأساس أوضتي دي كانت أوضتنا اللي المفروض ننام فيها سوا لو تفتكر."
لوى فمه ببسمة معجبة، ثم سار نحوها بخطى متمهلة ما زاد من توترها أكثر حتى أصبح في مواجهتها تمامًا وتفصلهما إنشات قليلة. فمد يده فك حجابها وألقاه على الفراش، ثم فك عقدة شعرها وسمح لغرتها أن تنسدل على جبينها، ثم أخذ يتأملها بهيام وهو يقول بنبرة مبحوحة:
"كنت مغفل."
ابتسمت وهي تطرق رأسها بخجل، ثم تهربت من مرمى عينيه وهي تقول بنبرة مهتزة:
"احم… طيب أنا.. أنا هدخل آخد شاور.."
ثم فرت سريعًا من أمامه إلى المرحاض الداخلي بالغرفة، وتركته يضحك باستمتاع متمتمًا بخفوت:
"كويس إنها نسيت تفتح الدولاب.. ههههه."
بعد ثوانٍ نادته:
"أدهم ناولني بيجامة من الدولاب.. نسيت آخدها."
سكت لوهلة يفكر ماذا سيقول لها، إلى أن رد:
"اخرجي بالبرنس واطلعي لنفسك.. أنا مش هعرف أطلعلك هدوم."
ضربت الأرض بقدمها وهي تقول بغيظ:
"مش هينفع… يلا يا أدهم بطل غلاسة."
رد بعناد:
"طيب غلاسة بغلاسة بقى مش جايب حاجة…"
أصدرت صوتًا مكتومًا كناية عن غيظها البالغ، فضحك بخفوت وهو يقول:
"متخافيش أنا هدخل بعدك طولًا ومش هخرج من الحمام غير لما تخلصي لبس."
استخرج من الخزانة ملابس له، وكانت بادي أبيض كات وبنطال قصير بالكاد يغطي الركبتين من اللون البيج، ثم جلس بحافة الفراش ينتظر خروجها وهو يتحدث مع نفسه بصوت خافت:
"يا رب تكوني عملتي اللي قولتهولك عليه يا ريم واللي فكرت فيه يحصل زي ما أنا عايز."
بعد دقائق قليلة خرجت ندى مرتدية برنس الاستحمام، فدلف أدهم خلفها مباشرة دون أن ينبس ببنت شفة حتى لا يثير خجلها أكثر ولتكون أكثر استعدادًا للحظات القادمة.
فتحت درفتها لتجدها خالية إلا من رداء واحد فقط عبارة عن هوت شورت قصير جدًا جدًا وبادي بحمالات بالكاد يغطي الصدر ويظهر البطن. كممت فمها وهي تنظر لهاتين القطعتين بذهول. لقد اشترت مثلها الكثير من الولايات المتحدة، ولكن لترتديها أسفل ملابسها أو حين تكون بمفردها في غرفتها المغلقة عليها. متى أتت بهما إلى تلك الخزانة… حقًا لا تتذكر.
"يا ربي هلبس دول قدامه إزاي.. لأ ده أنا كده هيغمى عليا من الكسوف.. أووف."
خطرت لها فكرة، فقامت بارتداء القطعتين سريعا قبل أن يخرج أدهم، ثم فتحت ضرفته و……
بعد دقائق قليلة خرج من المرحاض ليتفاجأ بها تجلس في شقها من الفراش وترتدي تي شيرت خاص به وتغطي ساقيها بالغطاء، وتنظره بابتسامة مصطنعة تواري بها فعلتها.
تسمر بمكانه ينظر لها بذهول إلى أن نطق أخيرًا:
"انتي لابسة التيشيرت بتاعي؟!"
هزت رأسها وزمت شفتيها:
"ملقتش هدوم ليا في الدولاب."
اتسعت عيناه وهو يحدث نفسه:
"يخربيت غبائك يا ريم انتي نسيتي تسيبلها هدوم!"
ولكنه قال بتوتر:
"ملقتيش أي هدوم خالص؟!"
ردت بخجل:
"لقيت اندر وير بس ولبست عليهم التيشيرت بتاعك."
أخذ يضرب فكيه بغيظ وهو يسب ريم في سره، فذلك لم يكن اتفاقه معها.
"ممكن تخرج بقى تجيبلي بيجامة من أوضتي."
لم يكترث لطلبها، وإنما ذهب ليجلس بشقه بالفراش بأريحية ثم قال ببرود:
"اللي عايز حاجة يجيبها لنفسه."
"أوفف.. يا أدهم هخرج إزاي بهدومك… افرض ماما ولا ريم شافوني ماشية في الشقة كده هيقولوا عليا إيه؟!"
"خلاص اقلعي هدومي… أنا أصلًا عايز التيشيرت بتاعي."
نظرت له بتغيظ شديد أثار استمتاعه، ولكن بادلها بنظرة باردة ليثير استفزازها، فازاحت عنه الغطاء بعصبية فكشف عن ساقيها المثيرتين، ولكنها لم تهتم من فرط غيظها. فأخذ أدهم يراقبها بابتسامة ماكرة وهو يقول:
"هتخرجي برا كده؟!"
ردت بانفعال طفيف:
"أيوه."
فتحت باب الغرفة ثم أغلقته سريعًا وهي تستند إليه من الداخل وهي توشك على البكاء، فضحك أدهم بقهقهة على مظهرها وسألها من بين ضحكاته:
"مروحتيش ليه؟!"
ضربت الأرض بقدميها وهي تقول:
"ريم قاعدة برا."
قفز من الفراش بحركة رشيقة ثم سار نحوها حتى احتجزها بجسده بينه وبين الباب واستند بكوعه إلى الباب من خلفها، واقترب بوجهه من وجهها حتى اختلطت أنفاسهما، ثم قال بصوت مبحوح:
"مش مهم خليكي بالتيشيرت… أصلًا هياكل منك حتة.. وبعدين مش أول مرة أشوفك بالهوت شورت."
رمشت بأهدابها عدة مرات من فرط الخجل والتوتر من ناحية، ومن قربه المهلك من ناحية أخرى.
ابتعد قليلًا عنها رأفة بخجلها، ثم أطبق على كفها وسار بها إلى الأريكة أجلسها عليها، ثم سحب الكرسي الصغير الخاص بطاولة الزينة وجلس عليه قبالتها تمامًا بحيث أصبحت ساقاها المضمومة بين ساقيه. ثم أمسك كفيها يحتضنهما بين كفيه وبدأ حديثه بنظرة مطولة هائمًا بملامحها التي عشقها وذاب بها، ثم قال بنبرة هائمة:
"كنت عايز أسألك في حاجة وأتمنى تفيديني."
أومأت دون أن تنطق، فقد أفقدها وضعها المخجل أمامه قدرتها على النطق، فاسترسل حديثه بنبرة مبحوحة:
"لما يكون في حد شاغل تفكيري أوي وبيوحشني دايما حتى وهو معايا.. تفتكري ده يبقى إيه؟!"
نظرت له بشبه ابتسامة وكأنها تنتظر أن يقول المزيد، فاسترسل حديثه:
"طيب لما أحس إن قلبي هيخرج من مكانه وهو قدامي ومابكونش قادر أشيل عيني من عليه طول ما أنا شايفه… تفتكري ده يبقى إيه؟"
ازدادت بسمتها وضوحًا وهي مازالت تتأمله، فاسترسل حديثه:
"طيب لما أحس إني عايز أقرب منه أوي وأحضنه وأدخله جوايا…"
قال تلك العبارة وهو يقف ويوقفها معه، ثم جذبها إلى صدره وطوق خصرها بذراعيه، فقامت بلف ذراعيها حول عنقه. فأحس بانهيار كامل دفاعاته أمامها، فتجرأ ورفع التيشيرت حتى نزعه من عليها، ولم تقاومه، بل تركت نفسها له يفعل بها ما يشاء، فأخذ يتأملها بإعجاب بالغ وهو يقول بهيام مستندًا بجبهته إلى جبهتها:
"أنا شايف قدامي جمال أمريكاني محصلش.."
ابتسمت وهي تقول بخجل:
"ماهو ده يعتبر الزي الرسمي للبنات هناك."
أغمض عينيه بإستمتاع بحالة العشق التي غمرته، وأخذ يتمتم بصوت مبحوح:
"متعرفيش أنا مستني اللحظة دي بقالي قد إيه؟!"
ابتسمت وهي تشدد من عناقه كناية عن مبادلتها له لنفس المشاعر، فاتسعت ابتسامته الهائمة وهو يسألها:
"عرفتي ده يبقى إيه؟!"
أومأت برأسها وهي تدفن وجهها في تجويف عنقه، فاسترسل قائلًا:
"عايز أسمعك."
ردت بنبرة خافتة:
"بحبك…"
انفرجت أساريره بابتسامة واسعة، وكاد أن يرد عليها معبرًا عن مشاعره تجاهها، إلا أن رنين الهاتف قطع تلك اللحظات النادرة، ليتأفف أدهم بضجر وهو يبتعد قليلًا:
"أوووف… نسيت أقفل التليفون… لحظة واحدة خليكي زي ما انتي هقفله وأرجعلك."
هزت رأسها بصمت، فتركها على مضض وذهب إلى الكومود حيث وضع الهاتف، فتفقده ليجد أن اللواء سامي هو من يهاتفه، فلم يستطع تجاهل الأمر. فطالما أنه يتصل بنفسه إذًا الأمر لا يحتمل التأجيل. نظر لها بأسف:
"معلش يا ندى مضطر أرد."
هزت رأسها وهي تقول:
"عادي رد يمكن حاجة مهمة."
فتح الخط ليأتيه صوت اللواء المذعور يقول:
"أدهم لو ندى جنبك ابعد عنها.. مش عايزها تسمع أو تحس باللي هقوله."
استأذن من ندى بالخروج متعللًا بأن الشبكة سيئة بالغرفة، ثم خرج إلى الشرفة:
"اتفضل يا فندم أنا بعدت عنها."
"مصيبة يا أدهم… المافيا قتلت أنور أبو ندى واتنين من الحرس اتصابوا وواحد مات."
"إيه؟!"
رواية مهمة زواج الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم دعاء فؤاد
تجري على شاطئ البحر وهي تضحك، وضحكاتها تدوي خلفها. وهو يركض ضاحكًا خلفها لعله يلحقها، وكلما اقترب منها تزيد من سرعتها وهي تصرخ بضحكة عالية إلى أن أمسك بها. ومن فرط سرعتها وقعت ووقع فوقها، لتواجه عينيه المبتسمة عينيها، لا يفصلهما سوى إنس واحد ليقول بنبرة هائمة سلبت عقلها:
"بحبك يا ريم"
وفجأة صرخت ببكاء وكأنها كانت بغيبوبة واستيقظت منها، وأخذت تركله وتبعده عنها تحت دهشته البالغة، فاضطر إلى أن ينهض ويبتعد عنها. فنهضت وركضت بعيدًا عنه حتى اختفت تمامًا وهو يناديها مرة واثنتين وثلاثًا:
"ريم... ريم... ريم"
إلى أن فتح عينيه فجأة ليجد نفسه نائمًا على الأريكة الجلدية بمكتبه بالشركة.
أخذ يدور بعينيه في أنحاء الغرفة ويستغفر ربه ويمسح وجهه وشعره من أثر النوم ويستعيد أحداث ذلك الحلم القصير وهو يفكر بها... متى ستخرج من رأسه يا ترى؟... لقد شغلته إلى الحد الذي أصبحت فيه تراوده بأحلامه وتؤرق نومه من كثرة التفكير بها... كيف سيتركها وشأنها إذن؟! كيف سينساها ويكمل طريقه بدونها إذن؟!
عودة إلى أدهم..
خرج من الشرفة بعدما تلقى ذلك الخبر الصادم من اللواء سامي، ليدلف إلى الغرفة متهدل الكتفين وملامحه واجمة ينظر إليها بارتباك، لا يدري كيف سيخبرها بمقتل أبيها الذي لم يبق لها سواه في هذه الدنيا.
كانت حينئذ جالسة على الأريكة تنتظره، فنظرت له باستفهام:
"مالك يا أدهم، شكلك متغير كدا ليه؟! في حاجة حصلت في الشغل؟!"
تقدم منها حتى أوقفها أمامه ثم قبض على خصرها بتملك حتى لا تسقط منه حين تسمع الخبر:
"بصي يا ندى... عايزك تتأكدي إن أنا هفضل معاكي لحد آخر نفس فيا ومش هسيبك أبدًا مهما حصل... أنا ليكي كل حاجة في الدنيا... أنا جوزك وأبوكي وأخوكي وصاحبك وعمري ما هتخلى عنك أبدًا... أنتي فاهمة؟!"
هزت رأسها بصمت وقد انتابها القلق الشديد بعد تلك المقدمة المؤثرة، ثم سألته بقلق:
"في إيه يا أدهم؟!"
ترك خصرها ثم أمسك وجهها بين راحتي يديه وابتلع ريقه وهو يقول:
"المافيا اغتالت والدك في بيتكم اللي في أمريكا... البقاء لله."
اتسعت عينيها ثم ما لبثت أن امتلأت بالدموع التي عرفت مجراها على وجنتيها فانهمرت بغزارة، وهي تهز رأسها بعدم تصديق:
"بابا؟! لأ... بابا... هو فين؟! لا إله إلا الله... إنا لله وإنا إليه راجعون... لا لا... أنا عايزة أشوفه... هو فين؟! وديني لبابا يا أدهم..."
تركته وأخذت تفتح درف الخزانة واحدة تلو الأخرى تبحث عن ملابس لها ترتديها لتذهب إليه، ولكنها تبحث بعشوائية وكأنها لا تعي ما تفعله، تفتح الدرفة وتغلقها ثم تفتحها مرة أخرى وهي تبكي بانهيار إلى أن خارت قواها وسقطت على حافة الفراش وأدهم يراقبها بقلب منفطر.
جذبها إلى صدره وهو يحتضنها بشدة ويواسيها بالكلمات بينما هي انخرطت في بكاء مرير ازداد أكثر من ذي قبل وهي تقول:
"كان نفسي أشوفه يا أدهم... كان عندي أمل أرجعله ونعيش سوا... كان خايف عليا... يا ريتني فضلت معاه وكنا متنا احنا الاتنين وما كانش سابني لوحدي... آآآه..."
فرت دمعة من عينه حين لفظت تلك الآهة التي تردد صداها بصدره فشعر بمدى ألمها وانكسار قلبها، فشدد من احتضانها أكثر وهو يسألها بلوم:
"لوحدك ليه يا ندى؟! طاب أنا روحت فين؟! أنا معاكي يا حبيبتي ومش هسيبك! أمي هي أمك وأختي هي أختك... احنا عيلتك وأنتي مش لوحدك يا حبيبتي..."
أبعدها قليلًا عن صدره وحاوط وجهها براحتي يديه ثم أخذ يمسح عبراتها بإبهاميه وهو يقول:
"أنتي مش لوحدك يا روحي... أنتي أحلى هدية باباكي قدمهالي... ووعد هحافظ عليكي وأفديكي بروحي كمان... اصبري... اصبري يا ندى ورددي إنا لله وإنا إليه راجعون."
أخذت تشهق وهي تردد خلفه إلى أن هدأت قليلًا ثم تركته ودلفت إلى المرحاض تغسل وجهها بينما هو بدل ملابسه لينطلق إلى مبنى العمليات الخاصة لمقابلة اللواء سامي ليتفقد موعد وإجراءات استلام الجثمان لدفنه بالأراضي المصرية...
بينما بقيت ندى بحضن تيسير تبكي وبجوارهما ريم تواسيها في انتظار مكالمة من أدهم يخبرهم بها بموعد وصول جثمان والدها الحبيب.
مرت عدة أيام عسيرة على ندى وكانت حالتها النفسية سيئة للغاية حتى أنها كانت تنام بغرفتها بعيدًا عن أدهم من فرط الكآبة وحتى لا يراها بتلك الحالة.
بينما هو بقي بغرفته ينعي نفسه مرة لفقدان حماه ومرات لعدم تمكنه من الحصول على لذة حياته مع زوجته التي عشقها حتى النخاع.
في شركة معتصم...
أمر السكرتيرة بإبلاغ الموظفين بعقد اجتماع بعد نصف ساعة في قاعة الاجتماعات...
وفي الوقت المحدد التف الموظفون حول طاولة الاجتماعات الكبيرة وكان من بينهم نرمين وهشام، ليدلف إليهم معتصم فحياهم باحترام ثم جلس على رأس الطاولة وأدار دفة الحديث قائلًا برسمية:
"طبعًا سمعتوا في الآونة الأخيرة عن شركة الرشيدي للمعمار واللي ماسكة مشروعات ضخمة في العاصمة الجديدة... هما عاملين حفلة افتتاح ضخمة لمول تجاري متكامل بيعرض كل اللي يخطر على بالكم من أول المواد الغذائية لحد الأجهزة الطبية وتجهيزات العيادات والشركات ومكاتب المحاماة... مشروع ضخم جدًا... ومن حسن حظنا إن أحد شركاء المشروع يبقى صديق قديم من أيام الجامعة وبعتلي ٥٠٠ دعوة لحفلة الافتتاح... طبعًا الدعوات دي هتتوزع على كل موظفين الشركة ومسموح لكل شخص ياخد دعوتين أو تلاتة على حسب العدد... ممكن يهادي بيها أصحابه أو حد من عيلته... وطبعًا دي خطة دعائية ذكية جدًا عشان صيت المشروع يوصل لأكبر عدد من الشركات وكل من يهمه الأمر... الأستاذة هدى هتوزع عليكم الدعوات... وعايزكم تشرفوا شركتنا في الحفلة... بالتوفيق..."
نهض معتصم من كرسيه مغادرًا الغرفة، بينما بطاقات الدعوة تقوم السكرتيرة بتوزيعها، وفي تلك الأثناء شردت نرمين التي كان رأسها مشغولًا بمعتصم وعلاقته بحبيبته السابقة ومحاولاتها المتكررة لرده لها، بينما دائمًا يقابلها بالرفض.
كان هذا هو شغلها الشاغل وهمها الأكبر... أن يخرج حبيبته من رأسه وينعدم أمله في عودتها إليه..
فخطرت ببالها فكرة شيطانية ربما تستطيع بها التفريق بينهما وقطع كل الطرق التي من الممكن أن تجمعهما من جديد لعله يعود لرشده كما تظن.
التقطت خمس بطاقات ثم دستها في حقيبتها وهي تبتسم بمكر وشكرت الظروف التي هيأت لها تلك الخطة.
في اليوم التالي بالمشفى أقبل خالد على ريم بابتسامة واسعة وبيده بطاقتان وحين وقف أمامها تحدث بسعادة:
"ريم... جاتلنا فرصة خروجة ما حصلتش."
مد يده لها بالبطاقتين فأخذتهما وفتحت إحداها تقرأها بينما هو استرسل حديثه بحماس:
"الدكتور سالم مدير المستشفى بعت الدعوتين دول لينا ومعانا ٣ دكاترة تانيين لحضور حفلة افتتاح مول ضخم في العاصمة الجديدة."
نظرت له باستغراب:
"واحنا مبعوت لينا دعوات بصفتنا إيه مش فاهمة؟!"
زم شفتيه ليجيبها بلامبالاة:
"عادي يعني يا ريم... أصحاب المشروع عاملين دعوات لكل الكوادر المهنية كنوع من أنواع الدعاية لأن المشروع فيه أقسام مختصة بتجهيز العيادات والمستشفيات... فطبيعي إنهم يدعونا كدكاترة."
"أيوه يعني إشمعنا احنا بالذات... أنا وإنت؟!"
رفع كتفيه لأعلى قائلًا:
"مش عارف... المدير هو اللي اختارنا... يمكن عشان احنا كابل... بس أكيد مش هقوله اختارنا ليه يعني... المهم إننا هنخرج وهنغير جو وهنشوف أجواء مختلفة بعيدًا بقى عن المرضى والمستشفى..."
نظر في عينيها بعمق وهو يقول بهيام:
"من ساعة ما اتخطبنا وأنا نفسي أخرج معاكي بس أنتي مش سايبالي أي فرصة."
أخذت تفرك كفيها بتوتر وهي تتحاشى النظر بعينيه وتقول:
"آآآ أنت عارف إن أدهم ما بيحبش كدا وأنا بحترم رغبته..."
ثم ابتسمت لتسترسل حديثها بحماس:
"بس خلاص إن شاء الله نروح الافتتاح دا طالما أنت متحمسله كدا..."
ضحك وهو يقول:
"يعني أعتبر إنك كدا بتصالحيني... أو بتعوضيني عن رفضك للخروج؟!"
لكمته في كتفه وهي تقول بتذمر طفولي:
"خالد بقى... لا طبعًا... عادي يعني عايزة أكون مبسوط."
تأملها بنظرة هائمة:
"بجد؟! عايزاني أكون مبسوط؟!"
أومأت بخجل فاسترسل حديثه بمزيد من الهيام:
"طول ما أنتي معايا هكون دايما مبسوط."
ابتسمت بمجاملة، فحقا مهما أسمعها من غزل لا يحرك بها ساكنًا ولكنها مضطرة لمجاراته ربما يهتز له قلبها يومًا.
عاد أدهم من عمله بعد يوم طويل في التحقيقات في جريمة قتل حماه ودوافع وأسباب تلك العصابة التي أدت بهم إلى قتله وعما كانوا يبحثون في منزله الذي كان منقلبًا رأسًا على عقب ويبدو أنهم لم يجدوا ضالتهم فاضطروا إلى قتله ليتخلصوا من خطر تهديده لهم بما لديه من مستندات وأسرار.
رغم غضبه منها لأنها اعتزلته بغرفتها كل تلك الفترة منذ مقتل والدها إلا أنه مشفق عليها للغاية، فقد كان الخطب جلل والامتحان صعب وأي شخص مكانها ربما لما تحمل فقدان عزيزه بطريقة قاسية كتلك مع بعد المسافات بينهما.
تحامل على نفسه ليذهب إلى غرفتها لكي يطمئن عليها، فمنذ ذلك الحادث وهي تتحاشاه وكأنه هو من قتل أباها ولم تسأل عنه ولو مرة...
طرق باب غرفتها فلم ترد، زفر بعنف من فرط غضبه ولكنه حاول السيطرة على نفسه ثم فتح الباب ودلف مباشرة مغلقًا خلفه، فوجدها نائمة بوسط الفراش متكومة على نفسها وكأنها في ملكوت آخر..
ذهب إلى فراشها واستلقى بجوارها ثم أخذ يزيح غرتها من على جبينها ليرى عينيها وهو يناديها برفق إلى أن فتحت عينيها وليتها لم تفتحهما، فقد صعق من شدة احمرارهما وتلك الهالات السوداء التي ظهرت أسفلهما..
"ليه عاملة في نفسك كدا يا ندى؟! بقى أنتي ندى المؤمنة اللي محافظة على صلاتها وأذكارها ووردها القرآني؟! ما كنتش أصدق أنك تتحولي كدا مهما كان صعوبة الابتلاء.."
تنهدت بعمق ثم نهضت من نومتها فأسندها حتى جلست بالفراش ثم قالت بنبرة حزينة وعينين زائغتين:
"الحمد لله أنا راضية بقضاء الله وقدره... ورغم حزني الكبير أوي على بابا بس ما قصرتش أبدًا في صلاتي ولا أذكاري... بالعكس بقيت أصلي أكتر وأدعي ربنا أكتر إنه يرحم بابا ويغفرله ويصبرني على ابتلائي."
مسد على شعرها ثم اقترب منها حتى التصق بها وأسند رأسها إلى صدره وهو يقول بنبرة حانية:
"أومال مالك بس يا حبيبتي... شكلك اتغير ونفسيتك وحشة والدنيا معاكي مش تمام خالص يا ندى."
بدأت شهقاتها بالبكاء في الظهور وهي تجيبه:
"غصب عني يا أدهم... أنا بشر واللي حصل كان فوق احتمالي... حاسة إني فقدت الشغف في كل حاجة... ما ليش نفس أعمل أي حاجة... أنا بحمد ربنا إني لسه قادرة أصلي... حاسة إني مشلولة... اتكسرت بعده... كان نفسي بس أكون معاه... ما كنتش عايزاه يموت وأنا بعيدة عنه... أنا ندمت إني وافقته ورجعت مصر وسبته هناك لوحده... حاسة إني هموت من إحساسي بالذنب..."
هموت يا أدهم... هموت...
ظلت تردد تلك الكلمة وهي تبكي بحرقة، بينما هو أخذ يشدد من احتضانها ويمسد على شعرها لعلها تهدأ قليلًا.
أدهم: عشان خاطري اهدي... كفاية عياط... عنيكي مش حمل العياط دا كله... يا ريته بيرجع حبيب يا ندى.. مكناش بطلنا بكى.
ابتعدت قليلًا عنه ثم أخذت تجفف عينيها وهي تقول باعتذار:
ندى: أنا عارفة إني زودتها معاك قوي، وعارفة إن هجري ليك دا إثم عليا... بس أتمنى إنك تعذرني وتسامحني عشان أنا مش قد الوزر دا.
تنهد وهو يبتسم شبه ابتسامة ليقول بنبرة حانية:
أدهم: ولا يهمك يا حبيبتي... يعني من جملة الأيام اللي كنا فيها بعيد.
رغمًا عنها ابتسمت بسخرية من تلميحه الذي فهمته جيدًا لتشدد من قبضتها على كفيه وتقول بنبرة حزينة:
ندى: لسه ما آن الأوان.
نظر لها متأملًا ملامحها التي افتقدها كثيرًا، ثم قال بنبرة هائمة:
أدهم: كله يهون يا روحي... أهم حاجة إنك تكوني بخير ومعايا دايمًا.
أطرقت رأسها بخجل من إطراءاته، فقبل رأسها ثم قال:
أدهم: تصبحي على خير يا حبيبتي.
رفعت رأسها لتجيبه:
ندى: وأنت من أهل الخير.
رفع حاجبيه كناية عن عدم رضاه عن ردها، فابتسمت لتستكمل ردها:
ندى: يا حبيبي.
اتسعت ابتسامته الهائمة ثم تركها على مضض وعاد لغرفته... لم ينكر أنه انتظر أن تعود معه، ولكنها خيبت آماله وتركته يذهب وحيدًا وحتى لم تطلب منه البقاء معها بغرفتها، ولكنه أقنع نفسه بالصبر، فمصابها لم يكن بالهين.
قابلته ريم في طريقه إلى غرفته لتقول له:
ريم: أدهم... كنت عايزة أستأذنك في حاجة كدا...
أدهم: قولي بسرعة لأني مرهق جدًا وعايز أنام.
ريم: حاضر حاضر... إحم... أنا وخالد جات لنا دعوة لحفلة افتتاح مول تجاري في العاصمة الجديدة، ونفسنا نحضر الحفلة دي... ممكن؟!
قطب جبينه باستغراب:
أدهم: وأنتوا إيه علاقتكم بالمول دا؟!
ريم: مؤسسين المول دعوا كل الكوادر المهنية؛ لأن عندهم أقسام لكل ما يخص كل المهن، ومنهم مهنة الطب... والدعوات وصلت لمدير المستشفى، والمدير اختارنا أنا وخالد وثلاثة تانيين من الزملاء.
سكت أدهم قليلًا يفكر، فنظرت له ريم باستعطاف وهي تتوسل إليه:
ريم: عشان خاطري يا أدهم ما تكسفنيش معاه... وبعدين دا مكان عام وهيكون مليان ناس أشكال وألوان... يعني خليك كول بقى.
حانت منه نصف ابتسامة ثم قال بجدية:
أدهم: ماشي يا لمضة روحي... بس طبعًا، مش هوصيكي تـ..
قاطعته وهي تومئ برأسها:
ريم: تمام تمام ما تقلقش... حافظة الوصايا العشر ومش هنساهم.
قرصها من وجنتها:
أدهم: مش بأقول لك لمضة... وغلباوية كمان.
ضحكت بملء فمها:
ريم: تربيتك يا حضرة الظابط.
حمحم وكأنه تذكر شيئًا للتو:
أدهم: ريم... عايزك تقعدي مع ندى وتحاولي تخرجيها من جو الكآبة اللي هي فيه.
ريم: على فكرة كل يوم بأدخل لها أقعد معاها وبنتكلم، بس هي معذورة مش قادرة تتخطى اللي حصل بسهولة وبسرعة كدا... بصراحة يا أدهم الله يكون في عونها... اللي حصل دا ما كانش سهل أبدًا... ربنا يصبرها.
تنهد بحزن وهو يردد:
أدهم: يا رب... طيب أنا هاروح أنام بقى... تصبحي على خير.
ريم: وأنت من أهل الخير يا حبيبي.
مرت ثلاثة أيام أخر، وها هو يوم حفل الافتتاح التي انتظرته نرمين طويلًا لكي تكتمل خطتها بعدما أرسلت خمس بطاقات لمدير المشفى التي تعمل بها ريم عن طريق أحد الوسطاء، والذي أوصاه بإعطاء اثنتين منهم إلى خالد وخطيبته بالذات، وقد حصل ما أرادت وكان عرضًا مغريًا لخالد.
أرادت لريم أن ترى معتصم حبيبها بصحبتها بصفتها زوجته الأولى التي أخفاها عنها حتى تقطع بينهما سبل العودة إلى الأبد... فهل يتحقق ما أرادت؟!
مر خالد على ريم بمنزلها ليأخذها بسيارة أجرة ويذهبا سويًا إلى الحفل، وبالطبع رآها عمر الذي لم تنتهي مهمته معها بعد واستقل سيارته وسار خفية خلفهما، وحين تبين وجهتهما قام بالاتصال بمعتصم ليخبره ولكنه لم يسمع رنين هاتفه من أصوات الموسيقى الصاخبة والازدحام... حاول كثيرًا التواصل معه وإخباره بأن ريم في طريقها لذلك الحفل ولكن دون جدوى.
بينما نرمين أخذت تسير بين المدعوين بفستانها الأزرق الملكي المجسم ذو الحمالات العريضة والطويل وبفتحة كبيرة تصل حتى ركبتها، وأسدلت شعرها الأشقر المموج على ظهرها وكتفيها فكانت فاتنة... كتلة فتنة متحركة.
أخذت تبحث بعينيها في كل ركن بالحفل عن ريم ولكنها لم تجدها، فأخذت تحدث نفسها بضجر:
نرمين: وبعدين بقى... هي مش هتيجي ولا إيه... أوف... وأصلًا لو جات هأشوفها إزاي في وسط الناس دي كلها.
أقبل عليها معتصم بملامح لا تنذر بالخير أبدًا، إلى أن وقف قبالتها وقال بغضب مكتوم:
معتصم: إيه اللي أنتي لابساه دا يا مدام نرمين؟! هو ما فيش فايدة فيكي أبدًا... ما فيش مرة تخيبي ظني وتلبسي لبس محترم زي الستات المحترمة.
ردت عليه بتذمر:
نرمين: قصدك إيه بقى يا معتصم؟! عايز تقول إني ست مش محترمة؟!
رد بانفعال طفيف حتى لا يثير انتباه الناس من حوله:
معتصم: أنتي شريكتي، وأي تصرف منك أو أي مظهر بتظهري بيه بيسيئ لي قبل ما بيسيئ لك يا هانم... وأنتي عارفة كويس إني ما بأحبش أخرج معاكي وأنتي لابسة اللبس المفتوح دا... أنا مهما كان صعيدي ودمي حر.
نظرت له بشبه ابتسامة وهي تعدل من ربطة عنقه وتقول بدلال:
نرمين: أنت بتغير عليا يا عصومي.
أنزل يديها وهو يصك فكيه بغيظ:
معتصم: بأغير على شكلي وسمعتي وشركتي يا نرمين هانم.
قال تلك العبارة ثم تركها تغلي من الغيظ وذهب ليسلم على أحد أصدقائه.
وصلت ريم مع خالد ودلفا سويًا إلى الحفل، فقد كان خالد يرتدي بدلة رسمية كاجوال من اللون الأسود، وريم ارتدت فستان أسود من الستان ضيق من الصدر والخصر ثم يتسع من الخصر للأسفل، وارتدت حجاب قصير فضي اللون مع قليل من الزينة ومستحضرات التجميل فكانت حقًا جميلة رقيقة هادئة تسر من ينظر إليها.
تجولت معه في المكان الواسع من هنا إلى هناك، وأخذت تراقب الحضور بمختلف طبقاتهم وبالطبع النساء منهم خاصة، وقد كانت مستمتعة بالأجواء.
شعرت نرمين بأن عيناها سيصيبها الحول من كثرة بحثها عن ريم، فاعتقدت أنها لن تأتي واستسلمت للأمر الواقع وأقرت بفشل خطتها.
بينما في تلك الأثناء كانت ريم مع خالد في الطابق العلوي حيث يتجمع مجموعة من الأطباء والطبيبات يتعرفن إلى بعضهم البعض، فصدح في الأجواء صوت موسيقى هادئة جعلت كل زوجين يرقصان الرقصة البطيئة المعروفة "slow"، فأثار المشهد فضولها وهمست بأذن خالد:
ريم: خالد أنا هأنزل أتفرج عليهم من تحت، ولما تخلص كلامك انزلي.
خالد: هألاقيكي إزاي؟! أنتي مش شايفة الزحمة؟!
ريم: اتصل بيّ، وأنا ها أخلي التليفون في إيدي.
خالد: تمام... ما تبعديش ولو روحتي أي مكان كلميني.
ريم: حاضر... باي.
في الأسفل، ذهبت نرمين إلى معتصم الذي كان مشغولًا بالتحدث مع أحد عملائه، فاستغلت الموقف واستندت على كتفه لتقول بدلال:
نرمين: بعد إذنك يا فندم هآخد منك عصومي خمس دقايق... هنرقص سلو مع بعض.
لم يستطع الرفض بعدما أحرجته أمام العميل، خاصة وأن تلك الشكليات مهمة في محيط عمله، فاستأذن باحترام من الرجل وذهب معها على مضض إلى ساحة الرقص وقبض على خصرها وهو في قمة غضبه منها ولكنه حاول السيطرة على ملامحه الغاضبة وبدأ يتمايل معها على أنغام الموسيقى الهادئة وهو يبتسم بتمثيل أمام الناس.
بينما هناك ريم تقف في ركن ما تراقب ساحة الرقص بانبهار وتتمايل برأسها مع الموسيقى باندماج إلى أن ظهر أمامها معتصم الوسيم وهو يحتضن تلك الفاتنة التي يصل طولها لطوله تقريبًا، ويبتسم لها بسعادة، فتسمرت قدماها وتجمد جسدها من الصدمة، أيعقل وسامته الفتاكة تلك التي خطفت أنظار النساء وهيبته التي سلبت عقولهن بين يدي أنثى أخرى غيرها؟! وأي أنثى هذه؟... إنها تفوقها جمالًا وقوامًا... إنه شيء يدعوها للحسرة.
لو كانت الغيرة تقتل لأردتها صريعة الآن... ولكنها تشعر بأن قلبها يشبه الجبل الذي رغم رساخته انهار حتى استوى بالأرض.
بدأت أنفاسها تتسارع وهي تنظر إليهما بحملقة، لا تستطيع زحزحة عينيها عنه... لا تدري أمن الاشتياق أمن تلك النيران المستعرة بصدرها كالجحيم.
لم يكن بمخيلتها أن هذا سيكون حالها حين تراه مع زوجته الفاتنة التي أخفاها عنها... ليتها لم تراه... ليتها لم تأتي من الأساس.
بالطبع كان معتصم زائغ العينين يتحاشى النظر إلى عيني نرمين حتى لا يرى رجائها المستمر بهما، كان ينظر في كل مكان عداها هربًا من نظراتها الهائمة، إلى أن التقت عيناه بتلك العينين المتلألئتين بالدموع، وهي تنظر إليه بعتاب، فتجمد جسده وتوقف عن التمايل، فرمقته نرمين باستغراب:
نرمين: إيه يا عصومي وقفت ليه؟!
في تلك اللحظة أدركت ريم أنه رآها ففرت من أمامه قبل أن يرى عبراتها التي تمردت وسقطت من عينيها وركضت وهي تتخبط بالناس إلى خارج الحفل.
معتصم: نرمين لحظة بس... في واحد مهم بيشاور لي هاروح أكلمه وهأرجع لك.
تركته وهي تتأفف بضيق وذهبت إلى المرحاض لتعدل من زينة وجهها بينما هو ركض باتجاه باب الخروج ليجد ريم تسير أمامه بخطى سريعة وكأنها على وشك الركض.
معتصم: ريم... ريم... ريم استني.
لم تلتفت له وكأنها لم تسمعه، فأسرع الخطى حتى لحق بها وأمسك معصمها ليوقفها.
استدارت له لتنزع معصمها من يده وتنظر له باشمئزاز بينما هو لا يصدق أنها أمامه الآن، تلك الغزالة المتمردة التي أفقدته عقله... كم هي رقيقة وأنيقة... رغم ملامحها المشمئزة إلا أنها سحرته بإطلالتها بتلك اللحظة... رغم تفاجئه بها وهو في وضع غير محبذ ورغم دموعها المتحجرة في عينيها... ورغم نظرة الكره ورغم كل شيء إلا أنه لم يسعده شيء في تلك الليلة بقدر سعادته برؤيتها الآن.
ريم: نعم؟! حضرتك جاي ورايا عشان تفضل تبص لي كدا.
أخيرًا استعاد إدراكه بعدما أفقده رؤيتها توازنه وسألها بجدية:
معتصم: إيه اللي جابك هنا؟!
نظرت له بغيظ وهي تقول بحدة:
ريم: والله اللي جابك هو اللي جابني.
معتصم: يعني اتبعت لك دعوة؟!
ردت بسخرية:
ريم: من سوء حظي... ولو كنت أعرف إنك موجود استحالة كنت جيت.
رد ببسمة أربكتها:
معتصم: بس من حسن حظي إنك موجودة.
أطرقت رأسها وهي تتمالك نفسها وتبتلع ريقها، فوقوفه أمامها بهيبته وأناقته المفرطة ونبرته الحنونة أضعفت دفاعاتها تمامًا، فاقترب منها مقدار خطوتين ثم استرسل بنبرة كادت أن تفقدها وعيها:
معتصم: ما تعرفيش أنتي وحشاني قد إيه... ومبسوط قد إيه إني شوفتك.
ابتلعت ريقها ثم سألته بتوتر لتغير مجرى الحديث:
ريم: أممم... واضح... مراتك دي اللي كنت بترقص معاها؟!
هز رأسه بإيجاب ثم أسرع يصحح لها:
معتصم: كانت مراتي... أنا طلقتها.
ريم: تؤتؤتؤ... ليه؟!
يا خسارة... حد عاقل يسيب الجمال ده كله؟!
اقترب برأسه من رأسها ليقول بهمس مثير:
- معلش أصل أنا مجنون... في واحدة تانية سحرتني خلتني مش شايف حد غيرها.
ابتلعت ريقها بتوتر ثم قالت بنبرة ذات مغزى متهربة من تلميحاته:
- بس بجد اللي يشوفها ما يصدقش إنها أكبر منك بعشر سنين... ليك حق تتجوزها وتعيش لك معاها يومين... بجد عذرتك لما شفتها... لايقين على بعض قوي.
أغمض عينيه للحظة محاولًا السيطرة على انفلات أعصابه من تلميحها السخيف، ثم رد بانفعال طفيف:
- ريم أنت فاهمة غلط... أنا ما اتجوزتهاش عشان أعيش لي معاها يومين وأسيبها زي ما أخوكي مفهمك... قلت لك قبل كده مش أنا اللي أعمل كده...
سكت يزفر أنفاسه بعنف، فردت عليه بحدة وكبرياء:
- أنا ما يهمنيش كل اللي أنت بتقوله ده... أنت أصلاً بالنسبة لي ولا حاجة ومش عايزة أعرف حاجة عنك.
رد بحدة أجفلت منها:
- لا لازم تعرفي... تعالي معايا.
قبض على رسغها ثم جرها خلفه إلى حيث صف سيارته وهي تقاومه وتحاول نزع رسغها من قبضته ولكن بلا جدوى، فقد كانت قبضته فولاذية، إلى أن وصل إلى سيارته وفتح بابها، فقامت بغلق الباب واستندت إليه وهي تصرخ بعصبية:
- إيه اللي أنت بتعمله ده؟! أنت فاكرني إيه؟!
احتجزها بذراعه بين باب السيارة المنغلق وبين جسده فكاد أن يلتصق بها حتى لا تهرب منه، ثم قال بنبرة لينة مترجية:
- عايزك تسمعيني وتفهميني... اديني فرصة واحدة بس... هتركبي معايا دلوقتي ونروح مكان هادي نتكلم فيه براحتنا... ممكن؟!
ردت بحدة:
- لا طبعًا! مش ممكن...
أشهرت خاتم خطبتها ببنصرها الأيمن أمام عينيه لتسترسل كلامها:
- أنا مش حرة نفسي على فكرة... ما تنساش إني مخطوبة لواحد تاني...
أزاحت ذراعه الذي احتجزها به وقد استسلم لها وأنزلها وغادرت من أمامه فاصطدم كتفها بكتفه ولكنه بقي متصنمًا بمكانه من فرط انكساره، فاستند بجسده إلى السيارة وكأنه يلحق نفسه من السقوط ونظر لأثرها الفارغ بحسرة وهو يضع يديه في جيبي بنطاله.
رواية مهمة زواج الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دعاء فؤاد
حين كانت ريم تخطط بغضب إلى داخل الحفل، اصطدم كتفها بكتف نرمين التي كانت في طريقها إلى الخارج بحثًا عن معتصم.
صرخت نرمين بألم:
ــ أي.. إيه! ماشية تخبطي في الناس كدا ليه؟!
نظرت لها ريم نظرة شاملة، وبالطبع عرفتها، فقالت بأسف مصطنع:
ــ آه، سوري، ما أخدتش بالي.
لم تخفَ على نرمين معرفة ريم بها أيضًا، فابتسمت بانتصار لوصولها لبغيتها، وسألتها بميوعة كي تستفزها:
ــ بقولك، مشوفتيش شاب حتة كدا لابس بدلة رصاصي كاجوال وشعره بني وناعم وعينه عسلية واسمه معتصم؟!
رفعت إحدى حاجبيها باستنكار، ولكن بالطبع لم يخفَ عليها كيدها، فردت باستفزاز:
ــ آه، اللي كل البنات كانت بتعاكسه؟!.. اممم، كان برا من شوية.. تعرفيه منين؟!
اتسعت ابتسامتها بافتخار:
ــ الحتة ده يبقى جوزي.
فتحت فمها بتفاجؤ مصطنع وهي تضع أطراف أصابعها عليه:
ــ إيه دا بجد؟!.. مع إن اللي يشوفك ويشوفه يقول إنك أكبر منه بعشر سنين… لا بجد مش لايقة عليه خالص.
انتفخت أوداجها بغضب بالغ، فاسترسلت بمزيد من الاستفزاز:
ــ من شوية شوفته واقف مع بنت جميلة وصغيرة، افتكرتها مراته… كانت لايقة عليه أكتر.
جذبتها من كتفها لتنحني برأسها إلى رأس ريم وهي تجز على أسنانها بغيظ تريد سحقها، ولكن في تلك اللحظة قطع تواصلهما البصري نداء معتصم لنرمين التي كانت على وشك ضرب ريم. فخطى نحو الغريمتين بسرعة قبل أن تضرب إحداهما الأخرى، إلى أن أصبح قبالتهما.
نظر لمعتصم بغضب بالغ، وقام بإنزال يدها عن كتف ريم وهو يقول بغضب مكتوم:
ــ إيه اللي انتي بتعمليه دا؟! مش ملاحظة إن شكلك ملفت للنظر؟!
نظرت له بعينين تنطقان بالشر، فتجاوزها ونظر لريم قائلاً باعتذار دون أن يلفظ اسمها:
ــ أنا آسف… اتفضلي.
رمقته ريم بازدراء، ثم تركتهما وذهبت باتجاه الدرج المتحرك لتبحث عن خالد بالأعلى.
بينما هو بقي مع نرمين ليسألها بحدة:
ــ ممكن أفهم إنتي قولتي لها إيه؟! وإنتي تعرفيها منين أصلًا؟!
أصابها بعض الارتباك لتقول بنبرة مهتزة:
ــ مـ.. معرفهاش…
ثم استرسلت بوافر من الغل:
ــ هي اللي واحدة حيوانة ماشية زي الطور وخبطتني في كتفي وهي ماشية.
علت نبرته بنبرة تحذيرية:
ــ نرمين… الزمي حدودك.
ــ إيه مالك اتحمقت كدا ليه؟! إنت تعرفها؟!
رمقها بنظرة غاضبة، ثم تركها دون أن ينبس ببنت شفة وغادر إلى الخارج. استقل سيارته إلى حيث لا يدري، لعله ينفس عما يكتظ بصدره من دوامة مشاعر متضاربة ما بين الغضب والحنين.
بينما نرمين، أخذ صدرها يعلو ويهبط من فرط الغضب والغيظ. فسحبت هاتفها من حقيبة يدها لتتصل براغب، وحين رد عليها قالت بغل:
ــ راغب، نفذ اللي اتفقنا عليه بكرة… بكرة يا راغب.. أنا مش عايزاها تعرف نفسها من كتر الضرب اللي هتاكله يا راغب… مفهوم؟!….. هحولك الفلوس بكرة الصبح قبل التنفيذ… عرفني بالموعد عشان أتفرج بنفسي وهي بتاخد علقة عمرها.. تمام… سلام..
تنفست براحة وهي تتخيل غريمتها تتلقى ضربًا مبرحًا نظير سرقتها لقلب وعقل زوجها.
ألحت ريم على خالد لمغادرة الحفل بعدما تعكر مزاجها بسبب ما حدث مع غريمتها، فاضطر لأن يرضخ لرغبتها. ومن ثم غادرا الحفل واستقلا سيارة أجرة أقلتهما أولًا إلى منزل ريم، ثم أوصلت خالد إلى منزله.
دَلفت ريم المنزل وهي شاردة حزينة، تشعر وكأن قطعة غالية من قلبها قد فارقتها، خاصة بعدما رأت معتصم "الحبيب الخائن". لقد انقلب حالها وانهار كيانها بعد تلك الدقائق القليلة التي تحدثت إليه فيها. لا تستطيع أن تنسى نظرته الهائمة بها ونبرته الحنونة وقربه المهلك. "ويحك يا معتصم، ماذا فعلت بقلبي الصغير؟!"
ألقت بحقيبتها على أقرب كرسي لها، ثم خرجت منها تنهيدة عميقة تحمل الكثير من المشاعر التي لا تستطيع كتمانها أكثر من ذلك.
حسمت أمرها أن تذهب إلى ندى تشاركها ما يجول بصدرها، لعلها ترشدها لرأي صائب وتخفف عنها حمل تلك المشاعر.
طرقت باب غرفتها، فسمعتها تأذن لها بالدخول. فدخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم سارت إلى حيث تجلس بالفراش. ودون أن تنبس ببنت شفة، اعتلت الفراش وقامت بإسناد رأسها إلى فخذ ندى وتمددت بجسدها، ثم عادت لشرودها مرة أخرى. ففهمت ندى أن هناك خطبًا ما يحدث مع ريم هو ما جعلها ضائعة هكذا ودفعها إليها لعلها تساعدها.
مسدت ندى على حجابها الذي لم تخلعه بعد، ثم قالت بنبرة لينة:
ــ الجميل ماله سرحان في إيه؟! يا ترى إيه اللي حصل في الحفلة خلاكي سرحانة كدا.
ردت بشرود وهي تنظر في اللاشيء:
ــ شفته يا ندى.
قطبت ما بين حاجبيها تسألها بترقب:
ــ هو مين؟!
زفرت أنفاسها ببطء ثم قالت:
ــ معتصم.
شهقت ندى وهي تكمم فمها بيدها، ثم قالت:
ــ مش دا الصعيدي اللي كان متقدملك؟!
هزت رأسها بإيجاب، ثم قالت بنبرة تائهة:
ــ آآآه… لما شوفته مقدرتش أشيل عيني من عليه… كان حلو بشكل يخطف القلب… في لحظة مقدرتش افتكرله أي حاجة وحشة.. محستش غير إنه واحشني وبس.. قلبي كان هيخرج من مكانه.. قلبي بيدق بسرعة أوي يا ندى.
هزت ندى رأسها بعدم رضا، ثم قالت بعتاب:
ــ وإنتي خالد فين من دا كله يا ريم؟!
تنهدت بحيرة ثم قالت:
ــ خالد مكانش معايا ساعة ما شفته.. أنا أصلًا نسيت حاجة اسمها خالد… مفتكرتهوش غير لما أخدني من إيدي وكان عايز يركبني عربيته عشان يشرحلي هو ليه اتجوز الست دي.. بس أنا زعقتله وقلتله إني مخطوبة لواحد تاني وسبته ومشيت.
حانت من ندى بسمة ساخرة لتقول:
ــ وطبعًا الكلام دا كان من ورا قلبك!
ــ مكدبش عليكي يا ندى.. أنا فعلًا كنت بزعق من ورا قلبي.. يعني كان نفسي أسمعه وألاقي له عذر أو مبرر.. بس كرامتي مسمحتليش.. حسيت إني هأهين كرامتي لو كنت وافقته.
هزت رأسها لتقول بوجوم:
ــ إنتي لسه بتحبيه يا ريم.
سكتت ريم كناية عن إقرارها بذلك. فاسترسلت ندى بجدية تامة:
ــ طالما لسه بتحبيه يبقى مينفعش تكملي مع خالد.. إنتي كدا هتظلميه وهتظلمي نفسك معاه.
أومأت بتأييد لتقول بجدية:
ــ أنا محستش إن علاقتي بخالد هشة أوي غير لما لقيت كياني اتلغبط لما شفت معتصم.
سكتت ندى تفكر بحيرة وتردد، إلى أن قالت:
ــ طب… طب اديله فرصة تانية واسمعيه… يمكن يكون فعلًا معذور.. وجايز أدهم فهمه غلط، وبالتالي حكمه عليه كان غلط من وجهة نظره… يعني إنتي أكيد هتفهميه أكتر من أدهم.
سكتت ريم لبرهة ثم قالت بشرود:
ــ أنا بفكر في كدا… نفسي أشوفه تاني.. حاسة إني ناقصني حاجة كبيرة أوي من غيره.
عادت لتمسد على حجابها وتقول بنبرة حالمة:
ــ يا حبيبتي، لو كان فيه خير ليكي ربنا يجعلك نصيب فيه.. بس عشان متوقعيش نفسك في غلط كبير، انهي خطوبتك بخالد طالما قلبك متعلق بغيره.
هزت رأسها بإيجاب، ثم نهضت لتقبل ندى من وجنتيها وشكرتها كثيرًا. ومن ثم عادت إلى غرفتها وبدلت ملابسها، ثم استلقت على الفراش تستعيد لقاءها بحبيبها الوسيم.
في ذات التوقيت بمشفى الدكتور رؤوف.
استعار آسر سيارة أدهم ليقل مودة إلى شقة أبيها الذي استأجرها فور عودته من ألمانيا، بعدما باع ما يقرب من ثلاثة أرباع أملاكه لكي يتمكن من إجراء عملية زراعة القلب لابنته الغالية. فقد قرر الدكتور رؤوف بإمكانية خروجها إلى المنزل مع اتباع أقصى وسائل التعقيم والنظافة لكي تحافظ على جهازها المناعي، بعدما تعاطت ما يكفي من مثبطات المناعة لكي لا يرفض جسدها القلب المزروع.
ــ حمد الله على سلامتك يا مودة… هتنوري الشقة الجديدة.
ابتسمت بسعادة:
ــ الله يسلمك يا آسر… معلش بقى تعبينك معانا.. مرة تجيبني من المطار ومرة توصلني البيت.. والله بجد بقيت محرجة منك..
اقترب منها ثم مال بجسده إليها ليقول بنبرة لينة:
ــ عيب يا مودة متقوليش كدا… إنتي أختي.
نظرت له بوجوم حين نعتها بتلك الصفة، وكأنها لم تعجبها الكلمة. وفي تلك اللحظة اقتحمت عليهما الغرفة والدتها التي وصلت لتوها من المطار لكي ترى ابنتها بعدما تماثلت للشفاء.
ركضت أم مودة إليها ثم احتضنتها بلهفة وهي تردد:
ــ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي… الحمد لله إنك بقيتي كويسة… أنا مش مصدقة نفسي إنك أخيرًا هترجعي البيت وتعيشي حياتك اللي اتحرمتي منها يا قلب أمك.
بمشاعر باردة بادلتها مودة العناق، وكأنها فقط تعانقها من باب الواجب وليس من باب المحبة. وقد كانت في حالة من التعجب من نفسها… أين ذهبت لهفتها على أمها؟!.. أين تلك البسمة المحبة التي عادة ما كانت تستقبلها بها؟!.. حقًا لم تستطع رسمها على شفتيها ولو بالكذب.
بينما آسر يراقبهما بدهشة بالغة: هل يعقل أن تكون هذه مودة التي يحفظها عن ظهر قلب؟!.. حقًا وكأنه يرى أمامه ميريهان للمرة الثالثة… يرى عنادها وقسوة قلبها مع أمها متمثلة في عناقها البارد لوالدتها.
ابتعدت أمها عنها قليلًا لتحاوط وجهها بين كفيها وهي تذرف دموع الفرح وتقول بسعادة بالغة:
ــ الحمد لله يا قلبي… الحمد لله إن ربنا حفظك ليا ورجعك لينا بالسلامة وفي أحسن حال.
أومأت برأسها إيماءة بسيطة دون أن تنطق. فتجعدت ملامح أمها بدهشة بالغة:
ــ مالك يا مودة؟! إنتي زعلانة مني يا بنتي؟!
سكتت ولم ترد، فاسترسلت أمها بتوضيح:
ــ حقك عليا يا حبيبتي… أنا عارفة إني مقصرة معاكي بس والله غصب عني… كان نفسي أكون معاكي في ألمانيا بس الظروف مسمحتش… وكنت كل يوم بكلم باباكي أسأله عليكي وكنت بدعيلك في صلاتي إن ربنا يتم شفاكي على خير… عمري ما نسيتك لحظة… لا إنتي ولا أختك الله يرحمها.
أدمعت عينيها على ذكر شقيقتها المتوفاة. فتدخل آسر في الحديث:
ــ ومن إمتى مودة بتزعل منك يا طنط!! هي عارفة ظروفك كويس ومقدرة… مش كدا يا مودة؟!
نظرت له مودة بحيرة، ثم أومأت في الأخير ولم تستطع أن توافقه الرأي بلسانها حتى لا تكسر خاطر أمها.
في تلك اللحظة دلف إليهم محمد وبيديه عدة أوراق تشمل تقارير وأشعة وتحاليل معملية خاصة بمودة، بالإضافة إلى خطة العلاج التي ستتلقاه في المنزل. فقام بتحية زوجته السابقة، ثم وجه حديثه إلى مودة:
ــ يلا يا قمري عشان نرجع على الشقة الجديدة… بإذن الله هتعجبك لأني مشطبها على ذوقك.
ابتسمت له بحب:
ــ أكيد هتعجبني طالما حضرتك اللي مختارها يا بابا.
أحست أمها ببعض الغيرة حين ابتسمت لأبيها ولم تنل منها تلك البسمة الصافية المحبة، وأدركت أن هناك شيئًا ما يجري بغرابة في ابنتها الحبيبة… فلم يكن ذلك موقفها منها مسبقًا.
قام والدها بإسنادها حتى جلست على الكرسي المتحرك، ثم خرجوا جميعًا من الغرفة باتجاه المصعد حتى خرجوا من المشفى متجهين إلى سيارة أدهم.
فتح آسر الباب الخلفي لمودة، ولكنها لم تستطع الركوب نظرًا لقلة لياقتها من طول فترة مكوثها بالفراش. فهز رأسه وهو يقول لها بلطف:
ــ خلاص متضغطييش على نفسك… أنا هساعدك.
قاطعه محمد قائلًا:
ــ طب على ما تركبها هروح الاستقبال أتأكد إن الحساب خلصان.
ــ تمام يا عمو اتفضل إنت.
تدخلت أم مودة:
ــ طب افتحلي شنطة العربية عشان أشيل الشنط دي فيها.
ــ حاضر يا طنط.
فتح لها حقيبة السيارة، ثم تركها تضب أغراض مودة وعاد إليها. فقام بإسنادها من خصرها لتدخل السيارة، ولكن قربه منها بهذه الطريقة قضى على ما تبقى لديها من ثبات وأصبحت قدماها كهلام، فلم تستطع رفعهما. فتنهد بحيرة ولم يجد بدا من حملها، فهي في كل الأحوال خفيفة الوزن ولن تجهده.
باغتها بانحنائه عليها وحملها حتى أسندها إلى صدره، ثم دلف بها إلى السيارة. وحين وضعها على المقعد اصطدم رأسه برأسها لينظر لها معتذرًا. فرآها تبادله بنظرة هائمة وكأنها مغيبة… وكأنهما انفصلا عن العالم في لحظة من التواصل البصري تسارعت خلالها نبضات قلبيهما. فبدون وعي من مودة أمسكت بكفه ووضعته على موضع قلبها، ثم قالت له بنبرة تائهة وهي تبتلع رمقها:
ــ حاسس بقلبي.
كان قلبها حقًا يقرع بصدرها كالطبول، ينبض بعنف تحت كفه، ولم يكن حال قلبه أقل منها. تزلزل كيانه وتبعثرت روحه خلال تلك اللحظات التي قطعتها مجيء والدتها تقول بصوت مرتفع:
ــ خلاص يا آسر مودة قعدت؟!
عاد لرشده بعدما ابتعد عنها بتوتر، خارجًا برأسه من السيارة، ثم هز رأسه بموافقة وهو يبتلع رمقه بارتباك:
ــ آه آه تمام… أنا هدور العربية على ما عمو محمد ييجي.
بعد عدة دقائق كان آسر قد انطلق إلى منزل حماه، وقد كان يقود وهو شارد فيما حدث بينه وبين مودة قبل قليل، حتى أنه من فرط شروده ضل الطريق. ولم يكن حال مودة بأقل منه، فتارة تهيم به وبعينيه عبر مرآة السيارة الأمامية، وتارة أخرى تنهر نفسها وتشعر بالذنب تجاه أختها أن دق قلبها لقلب يخصها.
يوم جديد أتى بأحداث جديدة… حيث أرسل راغب سيدتان غليظتان تبدو عليهما أمارات العنف والإجرام، قامتا بمراقبة المشفى ينتظران خروج ريم حتى تنفذا المهمة المسندة إليهما. كانت ريم قد نوت التحدث مع خالد لإنهاء الخطبة حين وُضع قلبها في ذلك الاختبار الذي بيّن لها مدى تعلقها بمعتصم وعدم قدرتها على العيش مع غيره، وإن لم يكن لها فيه نصيب، على الأقل في الوقت الحالي إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
لسوء حظها أن خالد طرأ له طارئ ولم يأتِ إلى المشفى، فقررت تأجيل قرارها لحين عودتها إلى المنزل والاتصال به.
في تمام الثانية بعد الظهيرة، خرجت ريم من المشفى وعبرت إلى الجانب الآخر من الطريق لتأخذ تاكسي إلى منزلها، ولكن السيدتين رأينها وأقبلتا عليها لتسألها إحداهما:
ــ لو سمحتي يا أبلة أروح مستشفى الأطفال منين؟!
ردت ريم بعفوية:
ــ هتمشي من الشارع الجاي دا لآخره وبعدين…
قاطعتها بقولها وهي تنظر بعيدًا لكي تستدرجها إلى مكان أبعد بعيدًا عن المارة:
ــ فين كدا؟! من هنا؟!
ــ لأ… بصي تعالي ورايا كدا.
ابتسمت السيدة بمكر لتأخذهما ريم إلى ناصية الشارع، وقد بعدت قليلًا عن المشفى. وفي تلك اللحظات كانت نرمين تركب سيارة راغب وتتخفى بنظارة شمس وترتدي كمامة، وتنتظر على جانب الطريق حتى ترى ما سوف يحدث لريم لتشفي غليلها منها.
وفي ذات الوقت لم تغفل عيني عمر عن مراقبة ريم، وقد شك في أمر تلك السيدتين وتعقبهما أثناء سيرهما معها. وفي لحظة كانت السيدة الأخرى تجذب ريم من ملابسها لتوقفها خلف شجرة ضخمة، ثم صفعته صفعة قوية جعلت الدم يسيل من أنفها. ليصعق عمر حين رأى ذلك من بعيد، وقام فورًا بالاتصال بمعتصم ليرد عليه بعد ثوان قليلة:
ــ الحق يا معتصم بيه… في اتنين ستات بلطجية بيضربوا الدكتورة ريم وأنا مش عارف أتصرف إزاي عشان مااتكشفش.
نهض معتصم بسرعة وخرج من مكتبه باتجاه سيارته وهو يتحدث مع عمر:
ــ روح عليهم بسرعة وحجز بينهم كأنك واحد ماشي في الشارع وشوفتهم… حاول تعطلهم لحد ما أجلك يا عمر… إن شاء الله عشر دقايق بالكتير وأكون عندك… سلام.
ركب سيارته وانطلق بها بسرعة هائلة لدرجة أن إطاراتها احتكت بشدة بالأرض مصدرة صريرًا عاليًا مخلفة غيمة كبيرة من الغبار.
فعل عمر كما أمره معتصم ليصل إلى السيدتين، فوجد ريم تنظر لهما بصدمة ولسان حالها يقول: "ماذا فعلت لأصفعاني؟!" وقد احمر وجهها بشدة وزادت وتيرة تنفسها وارتعش جسدها. فحال عمر بينها وبينهما ليقول بغلظة:
ــ إيه يا ست إنتي… إنتو مستفردين بالدكتورة ليه؟!
ثم نظر لريم:
ــ لا مؤاخذة يا دكتورة أنا عارفك.. أصلك كنتي كاشفة على مراتي في الاستقبال من يومين ولسة فاكرك.
لم تعقب ريم فلم تزل في صدمتها. فزاحته السيدة من كتفه وهي تصيح بنبرة غليظة:
ــ وإنت مالك إنت… دا حساب بينا وبينها متدخلش أحسن لك.
أخذت ريم تتلفت حولها تريد الهرب من ذلك الكابوس. فكادت أن تركض، ولكن لحقتها الأخرى لتجذبها من ذراعها بقوة آلمتها:
ــ إنتي رايحة فين يا حلوة تعالي هنا لسه مخلصناش.
لتصرخ ريم من شدة الألم، بينما عمر انشغل بشجاره مع الأولى. وحين همت الأخرى برفع كفها لتصفعها مرة ثانية، تعلق كفها في الهواء بغتة. لتنظر إليه لتجد شابًا طويلًا وسيم الخلقة يقيد كفها وينظر لها بشر. فارتعدت أوصالها وظنته ضابط شرطة.
فسألها وهو يجز على أسنانه:
ــ إيدك لو اتمدت عليها هقطعهالك.
قام بسحب ريم ليوقفها خلفه متخذًا من نفسه درعًا واقيًا لها. فاسترسل حديثه مع السيدة:
ــ مين اللي بعتك يا بت؟!
ارتعش جسدها وخافت أن ترد، ليصرخ فيها بقسوة:
ــ انطقي يا بنت الـ…. قولي مين اللي بعتك يا أما، وربنا هكون ملبسك قضية وواخدك حالا ع المركز… ومش بس كدا… دا أنا هوصي عليكي كمان عشان يظبطوكي إنتي والزبالة اللي معاكي.
حين استمعت الأولى لحديثه خافت وركضت بعيدًا، تاركة زميلتها تتلقى مصيرها المجهول. فأخذت الأخرى تسبها، ثم قالت من فرط خوفها وهي تتلعثم في الكلام:
ــ هقولك.. هقولك يا باشا.. اللي.. اللي متفق معانا واحد اسمه راغب.. معرفهوش.. مش عارفه غير اسمه.. حتى كان قايلنا إنه اسمه أشرف وبعدين غلط في الكلام وقالنا اسمه الحقيقي وهو مش واخد باله.. وعطانا المبلغ اللي اتفقنا عليه والعنوان وإحنا جينا نعمل اللي اطلب مننا.. بس يا باشا هو دا اللي حصل.
في تلك اللحظة قبضت ريم على قميصه من الخلف وكأنها تتمسك به حتى لا تسقط على الأرض من فرط انفلات أعصابها. فاضطر لأن يؤجل ذلك التحقيق لحين الاطمئنان عليها. فترك السيدة وهو يتوعد لها ولمن أرسلها. ثم استدار إلى ريم التي ساءت حالتها للغاية، وقام بإسنادها من كتفها حتى أوصلها إلى سيارته بعدما أومأ برأسه إلى عمر لينصرف. ثم أجلسها في المقعد الأمامي بجواره، وقد كانت مستسلمة له تمامًا… فقد كانت في حالة لا تسمح لها بالمقاومة.
استقل مقعد السائق ثم أدار السيارة وانطلق بها، وقبض على كفها الأيسر وهو يقود، فوجده باردًا للغاية. فأخذ يردد عليها بنبرة حنونة:
ــ ريم… اهدي يا حبيبتي ومتخافيش من حاجة… خلاص إنتي دلوقتي بقيتي في أمان… اهدي وخدّي نفسك براحة.. أنا معاكي ومش هسيبك.
استجابت له وأخذت تتنفس ببطء حتى هدأت أنفاسها قليلًا. وظل قابضًا على كفها لم يتركه، وكأنه يبثها الأمان من خلال لمسته لها، حتى استكانت ونامت كعادتها حين تأتيها تلك النوبة.
تنهد معتصم بارتياح قليلًا… فعلى الأقل هي بجواره الآن وتشعر بالأمان بوجوده معها. ولكنّه ظل غاضبًا متوعدًا في نفسه بالويلات لمن فعل بها هذا.
رواية مهمة زواج الفصل الثلاثون 30 - بقلم دعاء فؤاد
كانت نرمين تراقب ما حدث بنيران مشتعلة بصدرها، فقد انقلب سحرها عليها. بدلاً من أن تشفي غليلها من غريمتها، قربتها أكثر من معتصم بمكيدتها الفاشلة التي حاكتها لها.
انطلقت خلف سيارة معتصم تتفقد أثره بعدما قادتها غيرتها بتعقبه لتكون على علم بمدى تطور علاقته بها.
وأثناء سيرها خلفه بحذر، قامت بالاتصال براغب تخبره بما حدث ولتحيك معه مؤامرة أخرى ضد تلك المسكينة.
«ألو. أيوة يا راغب… ملحقتش تاكل العلقة بنت الـ… مكنتش اعرف ان الزفت اللي اسمه عمر دا لسة بيراقبها و بينقله أخبارها…. ايوة هو اللي كلمه و جه جري خلصها من ايديهم…. ماهو لما بطل يبعتله رسايل بصورها ع الواتس افتكرته بطل يراقبها…. المهم اسمعني كويس.. هتروح دلوقتي على الفيلا بتاعتي تاخد مفتاح شقة معتصم من الشغالة و هبعتلك العنوان بعد ما اقفل معاك ع الواتس…. في خطة كدا في دماغي هعملها و اهي محاولة يا تصيب يا تخيب.. المهم هتروح الشقة و تاخد معاك…»
ظلت طوال طريقها خلف معتصم تسرد له تفاصيل خطتها اللئيمة.
بينما معتصم يقود السيارة وريم بجواره نائمة بسكينة، كان في حيرة من أمره إلى أين سيذهب بها وهي بتلك الحالة. إلى أن هداه تفكيره لمكان هادئ وهو عبارة عن قرية سياحية جديدة تحت الإنشاء توقفت أعمال البناء بها منذ فترة، ولا يوجد بها سوى أحد الخفر يتناوب مع الآخر على حراستها على أطراف التجمع الخامس.
ولكن تلك القرية تابعة لزوج نرمين المتوفي وقد ورثتها عنه نرمين وقد عمل معتصم على استكمال بنائها، ولكن توقفت لعدم توفر سيولة لاستكمالها.
حين تبينت له وجهته، أخذت تجز على أسنانها بغيظ وهي تردد بحقد:
«هي حصّلت تاخدها ع القرية بتاعتي كمان؟! يا بجاحتك يا أخي.»
عبر معتصم عبر بوابة القرية بعدما اتصل بحارسها ليفتح له بابيها على مصرعيها ثم دخل وأغلق خلفه البوابة ليسير عدة أمتار إلى الداخل ثم قام بصف السيارة أمام إحدى المباني وقام بإيقاف محرك السيارة ثم أراح جذعه العلوي إلى الخلف وهو يتنهد بتعب مغمضاً عينيه لعدة ثوانٍ ثم فتحهما ليدير رأسه إليها يتفقدها فوجدها كما هي ساكنة تتنفس ببطء.
حانت منه نصف ابتسامة فهو لا يصدق أن القدر أتاح له تلك الفرصة التي انتظرها طويلاً وفي مكان ملائم تمامًا، فلا مهرب لها منه.
بينما نرمين قامت بصف السيارة بعيدًا عن بوابة القرية حتى لا يراها أثناء خروجه، فإن تتبعته إلى الداخل حتمًا سيكشف أمرها، فأوقفت محرك السيارة وجلست تنتظر خروجه وهي تتخيل نجاح خطتها الجديدة التي رسمتها جيدًا. ربما تأتي بثمارها كما أرادت ولتكن تلك القاضية.
لم يشأ أن يوقظها فتركها نائمة واستخرج هاتفه يعبث به قليلاً، تارة ينهي بعض الأعمال العالقة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي وتارة أخرى يتصفح الأخبار وبقي على ذلك الحال قرابة الساعة حتى بدأت تتململ في نومتها وتأن بخفوت، فترك الهاتف جانبًا ثم أبعد ناظريه عنها حتى لا تتوتر حين تراه.
فتحت عينيها وأخذت تعاين ما حولها وهي تحاول أن تتذكر آخر ما حدث لها إلى أن وقعت عينيها عليه وكان حينئذ ينظر إليها بطرف عينه، فتذكرت فورًا ما حدث واعتدلت في جلستها لتقول بفزع:
«إحنا فين؟! أنا نايمة من امتى؟! و ليه سيبتني أنام أصلاً..»
اقترب منها قليلاً وهو يقول برفق:
«ريم اهدي شوية… قبل أي حاجة خودي موبايلك و كلمي مامتك طمنيها عليكي… رنت عليكي كذا مرة.. و واحدة تانية اسمها ندى رنت عليكي برضو…. يا ريت تقوليلها ان عندك نبطشية و هتتأخري لأني مش ناوي أروحك دلوقتي.»
رمقته بعينين مشتعلتين بالغضب ثم صاحت به:
«يعني ايه مش ناوي تروحني دلوقتي؟… خطفتني مثلا و انا مش حاسة؟!»
رد بنبرة باردة:
«اعتبريها كدا.»
اصتكت فكيها من الغيظ ثم رأت أن تطمئن أمها أولاً ثم تحاسبه على كلامه لاحقًا.
«ألو أيوة يا ماما يا حبيبتي انا اسفة مسمعتش الفون….. لا هتأخر شوية… هكمل النبطشية مكان واحدة زميلتي… تمام يا حبيبتي ابقي طمني ندى لأنها رنت عليا… مع السلامة..»
أغلقت المكالمة ثم نظرت إليه ليسألها بفضول:
«ندى دي تبقى أختك؟!»
ردت بجمود:
«لأ… مرات أدهم..»
رفع حاجبيه متفاجئًا:
«هو أدهم متجوز؟!»
«ايوة… متجوز من قريب.»
«و يا ترى بقى متجوزها عن حب؟!»
ردت بنظرة مطولة كناية عن ضيقها البالغ من تدخله وفضوله ثم قالت:
«و دا يخصك في ايه؟!»
رفع كتفيه لأعلى:
«عادي.. فضول مش أكتر… مع اني متوقع انه مجربش الحب قبل كدا و إلا كان عذرني.»
ردت بصوت مرتفع:
«انت مالكش أي عذر.»
رد بنبرة أعلى:
«لأ ليا….. لما أحبك في وقت مكنتش متخيل فيه اني ممكن اقع في الحب بعد ما كنت اقلمت حياتي و اكتفيت بالست اللي اتجوزتها… لما حبك كل مدى يتمكن مني مع اني قاومته و كنت كل ما بقاومك بتشد ليكي أكتر… لما عرفت يعني ايه اني احب و روحي تتعلق بيكي لدرجة اني أخاف من فراقك مع ان عمري ما عرفت يعني ايه خوف… حطي نفسك مكاني.. كنت متأكد انك لو عرفتي اني متجوز هتعملي اللي عملتيه.. اضطريت اطلبك للجواز قبل ما ترجعي بيتك و تنقطع علاقتنا للأبد… طلبتك للجواز قبل ما اصلح الغلطة اللي دمرتني… و للأسف محستش انها غلطة غير لما حبيتك…»
قاطعته بانفعال:
«أنا مش بحاسبك على حاجة عملتها من قبل ما تعرفني.. مع ان مش غلط انك تتجوز.. بس الغلط هو انك تحب واحدة و انت في انسانة في حياتك.. الغلط انك تخليني أتعلق بيك و أحبك.. لو كنت صارحتني من أول لحظة مكنتش سمحت لنفسي اني أكلمك و لا سمحت لعلاقتنا انها تتطور… كنت هعرف ازاي اوقفك عند حدك و اخليك تصرف نظر عني تماما و كأنك معرفتنيش… بس دي غلطتك انت.. انت خدعتني و خدعت نفسك و خدعت مراتك.»
ضرب تارة القيادة بعصبية و هو يصرخ:
«كنت هقولك… مكنتش هخبي عليكي..»
«بعد ايه؟!.. بعد ما خلاص كنا هنتخطب… اتأخرت… اتأخرت أوي يا معتصم بيه..»
ثم قامت بفتح باب السيارة لتخرج منها الا أنه قبض على ساعدها ليقيد نزولها فنظرت له بغضب و لكنه لم يبالي:
«غلطت و عايز أصلح غلطي…. ريم انا خلاص طلقتها… هي من اول يوم في جوازنا و هي عارفة اني هتجوز غيرها لأنها مش مناسبة ليا بس أنا كنت مضطر أوافق على جوازي منها لأسباب هقولهالك بعدين.. بس كانت نيتي اني هتجوز بنت من البلد زي ما امي بتتمنى.. جواز صالونات يعني.. لأني كنت مخرج موضوع الحب دا من حساباتي… ببساطة كنت شايف ان كل البنات اللي اتعاملت معاهم تافهين و سطحيين.. مفيش واحدة فيهم لمست قلبي.. و كان انطباعي عن البنات كدا.. بس لما قابلتك و شوفت كبريائك و عنيكي اللي كانت كلها ثقة و قوة.. حسيت انك غير.. حسيت انك عاقلة و مش تافهة و متأثرتيش بشكلي ولا مظهري.. يعني مش عارف قلبي و كل كياني اتحركو تجاهك في لحظة ازاي.. انتي قلبتي كل موازيني يا ريم.. لقيت نفسي اتغيرت و كل معتقداتي اتغيرت… بس للأسف كنت متنيل متورط في جوازي من نرمين..»
كانت تستمع إليه وملامحها متأثرة بكلامه وتنظ ر أمامها بتفكير وحيرة، فقال برجاء:
«بصيلي يا ريم.»
نظرت له والتردد باديا على وجهها، فاسترسل كلامه بنبرة صادقة:
«و الله لو كنت أعرف اني هحبك.. مكنتش فكرت أبداً اني أتجوز قبلك لو هنام على الحصير.»
قسمه الصادق لمس قلبها وعزف على وترها الحساس، فهي في كل الأحوال تحبه بل تعشقه وتتمنى مرافقته لآخر لحظة بعمرها، فأطرقت رأسها وهي لا تدري ترى ماذا يكون جوابها؟! هل ترضخ له بهذه السهولة؟!
فتحت الباب ونزلت ولكنه تلك المرة تركها تفعل ما يحلو لها، فنزل خلفها ليراها تستند إلى الباب مولية ظهرها له وتأخذ نفساً عميقاً، ولكن كان الجو بارداً قليلاً، فقد أقبل الخريف بنسماته الليلية الباردة، فأخذت تفرك ذراعيها لعلها تستمد منهما الدفء.
فتح معتصم الباب الخلفي واستخرج من المقعد معطف شتوي ثم استدار لها ودون أن ينبس ببنت شفة قام بوضعه حول كتفها فنظرت له بخجل وقاومته قليلاً ولكنه أصر وهو يقول بنبرة حانية أفقدتها ما تبقى من ثباتها:
«هشششش.. جو العربية كان دافي و كدا هتاخدي برد..»
استسلمت لإصراره خاصة بعد تلك النبرة التي أصابتها بالثمالة حرفياً وجعلتها تدرك أنها وقعت بشباكه لا محالة ولا مجال للفرار من أسر عشقه.
وما زاد الأمر وبالاً رائحته العالقة بالمعطف والتي داعبت أنفها وجعلتها تستنشقها باستمتاع بالغ… فكيف لها أن تبتعد بعدما سقطت أسيرة عشقه.
أخذت تدور بعينيها في المكان بعدما أدركت أخيرًا خلوه من الناس، فسألته بدهشة:
«هو احنا فين دلوقتي؟! و ايه المكان اللي مفيش فيه ناس دا؟!»
«دي قرية تحت الإنشاء تبع شركتي لسة متسكنتش… ملقيتش احسن من المكان دا نتكلم فيه براحتنا و نتفاهم لحد ما نوصل لحل.»
«حل ايه اللي انت عايز توصله يا معتصم؟!»
اقترب خطوة وهو يقول بنبرة هائمة:
«عايزك يا ريم… عايزك مراتي و شريكة عمري و أم ولادي.»
تنهدت بحيرة وهي تنظر في اللاشيء بتفكير وشرود، ليسترسل حديثه بمزيد من الجدية:
«عايزك انتي و بس… نرمين صفحة و قطعتها و استحالة هرجعلها حتى لو محصلش بينا نصيب لا قدر الله.. هي أكبر غلطة عملتها في حياتي و ندمان عليها فوق ما تتصوري.»
استخرجت هاتفها لتتفقد الساعة تهربًا من حصاره لها وقالت بتوتر:
«أنا اتأخرت… أنا لازم أمشي..»
تملصت منه وسارت خطوتين بعيدًا عنه ليصيح بها:
«انتي رايحة فين؟… أنا هوصلك.»
ردت بإصرار:
«لأ طبعاً مش هينفع… أنا هاخد تاكسي.»
«مش هكون مطمن عليكي.»
«لأ اطمن أنا مش صغيرة… و بعدين هتحصل مشاكل كتير لو حد شافني و انا راكبة معاك و أظن انك مترضاش بكدا..»
هز رأسه بموافقة فسألها بتوجس:
«بس انا مسمعتش رأيك في كلامي.»
نظرت له مطولًا بحيرة ثم قالت بجدية:
«اديني فرصة أفكر شوية مع نفسي.»
ابتسم بعدما تخلل الأمل جوارحه، فحانت منها شبه ابتسامة هيامًا به فأخفتها سريعا ولكن بالطبع لاحظها ثم أكملت سيرها نحو بوابة القرية الظاهرة أمامها.
وحين ابتعدت عنه مقدار ثلاث خطوات فقط ناداها لتلتفت له لتجد نفسها في خلال لحظة واحدة رأسها مستقرة على صدره وذراعه الأيمن قابضًا على ذراعها الأيسر ويده اليسرى على ظهرها تضم جسدها إليه على استحياء قاصدًا عدم ضمها بقوة.
لم يكن ينوي فعل هذا ولكن قلبه ألح عليه بشدة حتى انجذب إليها تلقائيًا وبعدم تخطيط مسبق منه ورغم مقاومته لنفسه الأمارة بالسوء.
حين انتهى سحرها باللحظة عادت لرشدها سريعًا فقامت بدفعه عنها بقوة حتى ارتد خطوة إلى الخلف وأخذت تناظره بغضب ثم صاحت بانفعال:
«ايه اللي انت عملته دا؟!.. مش معنى انـ…»
لم يستطع منع نفسه من الابتسام فرحة بقربها الذي تتوق إليه كثيرًا، فقاطعها وما زالت البسمة الواسعة مرتسمة على ثغره:
«آسف… معرفش انا عملت كدا ازاي.»
ناظرته بغيظ وهي تقول:
«واضح اوي انك آسف بدليل ابتسامتك اللي مالية وشك.»
رغمًا عنه ضحك بدون صوت حتى ظهرت نواجذه، فرمقته بنظرة مشتعلة ثم أولته ظهرها لتخطو إلى الخارج ولكنها هي أيضًا لم تستطع نفسها من الابتسام، فرغم يقينها بخطيئته إلا أن قلبها يرفرف بين جنباتها من السعادة.
بالطبع رأتها نرمين تخرج من البوابة والبسمة الواسعة تزين ثغرها، الأمر الذي جعلها تشتعل غيظًا وحقدًا وإصرارًا على استكمال خطتها والتفريق بينهما حتى ولو لم يعد لها معتصم انتقامًا منه.
رأتها تستقل سيارة أجرة بمفردها، فأدارت سيارتها وغادرت سريعًا قبل أن يخرج معتصم ويلمحها.
بعد مرور حوالي عشر دقائق كان معتصم لا يزال متأثرًا بعناقه القصير لها جالسًا بسيارته شارداً في الدقائق القليلة التي قضاها بصحبتها ممنيًا نفسه بليان قلبها وعودتها إليه هائمة.
وبينما هو في خضم شروده وصلته رسالة من ريم كتبت فيها:
«يا ريت متفكرش تتعرضلي ولا تكلمني تاني.. كفاية بقى و خلي عندك كرامة و ابعد عني.»
تحولت كامل جوارحه إلى صدمة عارمة، تهدمت أحلامه وانهارت طموحاته بمجرد أن قرأ تلك الكلمات، فكتب لها بأنامل مرتعشة:
«مع ان كلامنا مع بعض و شكلك و ردود افعالك مكانتش بتقول كدا… ايه اللي حصل فجأة كدا؟!.. انا هكلمك.»
«لأ.. انا في التاكسي و في ناس غريبة راكبة معايا متحاولش تكلمني.»
«ايه اللي حصل يا ريم فهميني.»
«انا بس كنت بجاريك لحد ما امشي من المكان المقطوع اللي كنت حابسني فيه.. خوفت لو قولتلك كدا في وشك تعمل فيا حاجة وحشة.»
أخذ يهز رأسه بعدم تصديق وقد انهارت أعصابه للغاية ثم كتب:
«خوفتي؟»
«أيوة طبعا خوفت منك.»
«أنا مش مصدقك… انا اكتر انسان في الدنيا دي بتحسي معاه بالأمان.. لو بتخافي مني ازاي كنتي بتهدي و بتنامي اول ما بحضنك لما بتجيلك النوبة.. دا انتي مجرد بس ما شوفتيني النهاردة بعد اللي حصل معاكي اطمنتي.. ما تقولي كلام يتصدق.»
انتظر طويلاً حتى أتاه ردها مكتوبًا:
«في كل الأحوال احنا مننفعش لبعض.. انساني بقى و متكلمنيش تاني.. أنا ليا أخ بيعرف يحميني كويس.. أنا اسفة بس مضطرة أعملك بلوك.»
لم تنتظر رده وإنما قامت على الفور بعمل حظر له من التطبيق ومن المكالمات أيضاً، الأمر الذي جعله يشعر بالخذلان وكأنها طعنته بخنجر مسموم.
هامت به الدنيا وزادت وتيرة تنفسه، فأخذ يحاول التنفس ببطء لعله يهدأ قليلاً ويسيطر على نبضاته المتسارعة، يتمنى لو كان ذلك حلماً ويستيقظ منه سريعاً..
أبعد ما حلق في السحاب يسقط على عنقه بغتة وفي غضون عشر دقائق فقط؟! الويل لك يا معتصم.