تحميل رواية «مأساة حنين» PDF
بقلم ايه الفرجاني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اسمى حنين... عندى ١٧ سنة، بس لو شفت شكلى هتفتكرنى عديت التلاتين يمكن من كتر التعب أو يمكن من كتر الوجع اللى شيلته على كتافى وأنا فى السن ده... أنا مش زى البنات اللى عندها حنية أم، ولا حضن أب ولا حتى إخوات يسندونها ويخبّوها من البرد. أنا بنت طردوها بعد موت أهلها. قالولى امشى برا البيت ملكيش حاجة. من غير لا سند، ولا ضهر، ولا حتى رغيف عيش ناشف آخده فى طريقى. يومها ماكنش عادى... كان يوم حر جدًا، الشمس كأنها ناوية تحرقنى وأنا ماشية بشنطتى الصغيرة اللى فيها هدومى اللى عرفت آخدها قبل ما أمشى. مكنتش مصد...
رواية مأساة حنين الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ايه الفرجاني
قاعدين في مكان عام منعزلين وبيتكلموا.
إسلام كان قاعد قدام كريم، عينه ثابتة عليه بتركيز.
– بص… عاوزك تحكيلي كل حاجة من الأول للآخر. متتخبيش ولا تفصيلة. أي كلمة صغيرة ممكن تبقى مهمة.
كريم خد نفس عميق، كان باين عليه التوتر. مسك كوباية القهوة وهو بيحركها من غير ما يشرب.
– الموضوع بدأ من زمان… قبل ما أعرف حنين.
– إزاي يعني؟
كريم بيبص لتحت، وبنبرة مترددة.
– كنت… أعرف بنت شغالة في النادي.
إسلام بيرفع حواجبه، بس سابه يكمل.
– الموضوع كان بسيط في الأول… مجرد صحوبية. بس هي كانت فاكرة إن ممكن يتطور أكتر. زي… علاقة يعني.
إسلام قاطعه بحدة وهو فاهم.
– قصدك إنك كنت معاها… بالمعنى اللي في دماغك؟
كريم بصله بضيق.
– ما تمسكش عليا كلمة… أنا بقولك عشان تفهم الصورة كاملة. وبعدين محصلش... احم أنا.... يعني معملتش علاقة كاملة غير مع حنين بس.
إسلام بصله بضيق وهورجع يحرك الكوباية وقال.
– المهم بعد ما فتحت الشركة، لقيتها بتتقرب مني أكتر. وأنا… كنت بأبعد. من أول يوم اتجوزت فيه حنين وأنا بعدت عنهم كلهم. اقسم بالله.
– تمام. كمل.
– في يوم اتصلت بيا، وقالتلي إنها قابلت واحد عندها في الشغل، وقالها على بيزنس ممكن تقنعني بيه. ساعتها كنت لسه ببدأ، وكنت محتاج أي فرصة. بس الحمد لله، بمساعدة سيادة اللواء، قدرت أوثق شغلي بسرعة واشتغلت مع مؤسسات حكومية. وقتها حسيت إني بقيت في أمان. ومكنتش لسه اتعرفت عليهم. وقفلت معاها الموضوع.
سكت شوية شرب من الكوباية وهو بيتهرب بعينه.
– وبعد كده؟
– من بعدها بدأت تتغير. كل شوية ترن عليا وتطلب إني أروح لها. وأنا كل مرة أرفض. وأسمع تهديدات… تقولي: لو ما نفذتش اللي هما عايزينه، هيأذوك.
– هما مين؟
كريم هز راسه بغيظ.
– ما أنا معرفش … كنت كل مرة أسألها تقولي معرفش.
– وبعدين؟
كريم صوته واطي، بس عينيه مليانة قلق.
– لحد امبارح بعد اللي حصل مع عمتك وولدها… لقيت رسالة فيها فيديو. وأنا واقف قدامهم وهم مربوطين… يعني باين قوي إني أنا خاطفهم.
إسلام اتسمر مكانه.
– إيه؟!
– وهددوني. قالولي لو ما سمعتش الكلام… هيسلموا الفيديو للشرطة ويتهموني بقتلهم.
– …
كريم كمل بسرعة، وهو باصص حواليه.
– اكتشفت إنهم قاعدين قدام البيت بيراقبوني. يعني حتى وأنا جاي أقابلك دلوقتي… خرجت من الباب الخلفي، ومن غير عربيتي.
سكت، وحط إيده على وشه، وكأنه لأول مرة بيقول السر ده ومش عارف يواجه نفسه.
إسلام باصص في وش كريم بحدة.
– طب قوللي… هما عرفوا منين إنك خطفتهم؟
كريم هز كتفه بحيرة وعصبية.
– معرفش… والله ما عارف.
إسلام سرح لحظة، وافتكر صورة الراجل اللي كان واقف قدام بيته.
– استنى… أنا شوفت واحد غريب واقف قدام العمارة عندي يوم ما اخدتكوا الفيلا. أكيد دول كانوا لسه رابطين هناك… وشافوهم وهما بيخطفوهم. وبعدين ما تنساش… الناس اللي شغالة عندك نصهم معروفين في السوق، سهل يتتبعوهم.
كريم عض شفايفه بضيق.
– ممكن…
إسلام خبط بكفه على الترابيزة بقوة، صوته علي.
– أنا قولتلك مليون مرة… متعملش حاجة من غير ما ترجعلي!
كريم اتنفض.
– أنا ماكنتش ناوي أخطفهم بالشكل ده…
إسلام قاطعه بعصبية.
– أمال ده اسمه إيه؟ لعب عيال؟! أنا لما عرفت إنك ناوي تتحرك، قلت لنفسي هيعمل قرصة ودن… تهديد بالكلمة لكن خطف؟! انت جننت؟!
كريم حاول يدافع عن نفسه، صوته متوتر.
– أنا كنت مضغوط… وكنت عايزهم يعرفوا إن اللي عملوه في حنين مش هيعدي بالساهل. ماكنتش متخيل إن الموضوع هيتقلب كده!
إسلام واقف، عينه مولعة غضب.
– "ما كنتش متخيل" دي مش حجة! دلوقتي أنت مش بس حطيت نفسك في خطر… لا، أنت كمان جبتهم على دماغنا كلنا!
كريم مطأطئ راسه، مش قادر يرد.
– أنا حرفيًا محاصر من كل ناحية، لا قادر أتحرك ولا عارف مين اللي بيشد الخيوط.
إسلام مسند ضهره وبيفكر بتركيز.
– أول حاجة… حنين ومحمد دول أمانة، ومهما حصل محدش يقربلهم.
كريم بسرعة.
– الحمد لله هما في الفيلا ومحدش يعرف مكانها.
– لأ، كده كده في ناس مرقبينك. أي غلطة منك ممكن توصلهم لحد باب الفيلا. لازم نزود الحراسة فورًا، ونغير الروتين.
– يعني إيه؟
– يعني ولا خروجات، ولا حد يدخل أو يخرج غير ناس أنا واثق فيهم. حتى الشغالة لازم نراقب تحركاتها. هنعتبر الفيلا ساحة حرب.
كريم هز راسه موافق، لكن بنبرة يائسة.
– تمام… بس وبعدين؟ هنعمل إيه في اللي ماسك عليا الفيديوهات؟ لو سلمهم للشرطة، أنا هدخل السجن مؤبد.
إسلام مال لقدامه، عينه مركزة.
– بص… أي حد بيهددك بحاجة زي دي، هو نفسه عنده نقطة ضعف. مفيش حد بيمسك خيوط لعبة كبيرة زي دي من غير ما يسيب أثر.
– قصدك إيه؟
– قصد إني لازم أوصل للرأس الكبيرة اللي ورا الموضوع اللي بيلعب معانا من بعيد. هو اللي لازم نجيبه.
– وإزاي؟
إسلام بابتسامة باهتة.
– أنت هتعمل نفسك بتستسلم… هتوريهم إنك هتمشي على كلامهم وتدخل بضاعتهم. وفي نفس الوقت… أنا هتابع كل تحركاتهم.
كريم اتوتر.
– مخاطرة كبيرة جدًا…
– ماعندناش اختيار. يا إما نلعب لعبتهم لحد ما يكشفوا نفسهم… يا إما هتخسر كل حاجة: شغلك، وسمعتك، ويمكن حنين. ودا أنا مش هسمح بيه.
كريم اتوتر بيهز رجله من تحت الترابيزة.
– إزاي هنتصرف؟ أنا محاصر… أي خطوة غلط ممكن تدمرني.
– عشان كده محتاجين خطة وأنا عندي حل.
كريم بيرفع حاجبه.
– قول.
إسلام بيقرب بجسمه لقدام، صوته واطي وحازم.
– من النهاردة… أنا هبقى واحد من رجالتك.
– إزاي يعني؟
إسلام بابتسامة باهتة.
– هيدخلوا ناسك ويشوفوا مين حواليك. مش هيلاقوني وسط رجالتك. أنا هكون "الوجه الجديد" اللي محدش يعرف عنه حاجة. هتقولهم إني شغال معاك في الشغل من زمان، وإني إيدك اليمينك.
– بس… لو شكوا فيك؟
إسلام ببرود.
– مش هيشكوا. أنا عارف أتصرف إزاي، وعارف ألبس الدور كويس. المهم، أنت هتظهر قدامهم إنك بتسمع الكلام… وأنا اللي هقف ورا كل خطوة.
كريم بياخد نفسه ببطء، كأنه بدأ يتنفس.
– يعني تبقى واحد من رجالي… وتتحكم في اللعبة من وراهم.
إسلام وهو بيحط الكوباية على الترابيزة.
– بالظبط. أنا أتحرك في الخفاء، وأنت تفضل "الواجهة". كده نقدر نكسب وقت ونوصل للرأس الكبيرة اللي ورا الموضوع.
كريم بعد صمت قصير، يهز راسه موافق.
– تمام… بس خلي بالك، أنا مش مستعد أخسر حنين ولا محمد.
إسلام بابتسامة واثقة.
– دي أهم أولوية عندي… صدقني.
داخل الفيلا حنين قاعدة وشايلة محمد.
مش عارفة في أي. إسلام خرج من غير ما يقول لها. وكريم لحد دلوقتي مرجعش. حتى مش معاها فون تكلمهم. افتكرت إن كريم كان جاب لها واحد بس نسيته لما إسلام خدها.
حنين بضجر.
– ي ربي دا أنا حتى نسيت الهدوم وكل حاجة. مش عارفة هما راحوا فين دول وسبوني أنا وانت هنا لوحدنا.
قالت كده لمحمد اللي بيبصلها كأنه فاهم هيا بتقول.
وفجأة سمعت أصوات بره البيت.
حراس جدد بيتوزعوا حوالين البيت.
راحت ناحية الشباك، حست إن الجو مش طبيعي.
وفجأة دخل إسلام وكريم مع بعض.
بصتلهم باستغراب وقالت.
– إسلام… إيه اللي بيحصل؟ ليه كل الرجالة دول حوالينا؟
إسلام وهو بيحاول يطمنها.
– دي مجرد إجراءات احتياطية عشان أنتِ ومحمد تبقوا في أمان، وده أهم حاجة دلوقتي.
حنين بترفع حاجبها بتوتر.
– يعني قصدك في خطر؟ بس من أي. وبعدين انت سبتنا هنا ليه!؟
إسلام بابتسامة صغيرة.
– هو المكان مش عاجبك ولا إيه.
– لا المكان جميل بس بسأل يعني.
كريم وهو بيحاول يخلي صوته عادي.
– دول ناس زيادة خليتهم يجوا يساعدوا. الفيلا كبيرة ومحتاجة متابعة.
إسلام بيبص لها بابتسامة صغيرة.
– يعني لو احتجتي حاجة تلاقي اللي يجيبلك، ولو في أي مشوار بره يقولولنا. بس لحد ما نقول، متخرجيش.
حنين رفعت حاجبها.
– مخرجش؟ ليه يعني؟
كريم بسرعة.
– عشان إحنا مشغولين في الشغل ومش عاوزك تفضلي لوحدك أو تتعبي في حاجة. خليكِ هنا واعتبريها إجازة.
إسلام وهو باصص لمحمد.
– وبعدين اللي معاك ده عامل شغلانة كفاية مش هيخليكي تخرجي أصلاً.
حنين ضحكت غصب عنها وهي بتبص لمحمد.
– والله عندك حق.
كريم قعد جنبها بهدوء.
– صدقيني يا حنين… كل ده عشانكم.
حنين سكتت وبصت لهم باستغراب، كأنها مستغربة إنهم بقى بينهم تفاهم بعد الخلاف اللي كان.
– بس غريبة من امتى وانتوا متحدين كده. وانتوا كنتوا مختلفين في كل حاجة.
إسلام ضحك ضحكة صغيرة وهو بيبصلها.
– الخلافات دي ما تخصكيش… خلّيكي مطمنة إن أنا وهو على نفس الكلمة دلوقتي.
حنين رفعت حواجبها بعدم اقتناع.
– آه يعني خلاص بقيتوا فريق فجأة؟
كريم قرب منها وقال بهدوء.
– الفريق ده معمول عشانك. وبعدين افرحي إننا هنكون مع بعض بقي.
إسلام بصله بضيق وكريم ابتسم.
حنين سكتت لحظة، بصتلهم مش مقتنعة وحاسة في حاجة أكبر من كده.
إسلام وهو بيخرج.
– إحنا هنخرج دلوقتي وانت متخرجيش من هنا أبدا. أي حاجة تحتاجيها الحراس هيجيبوها. تمام.
حنين هزت دماغها وهيا بتبصلهم ومش مطمنة.
في نادي ليلي...
كريم داخل ومعاه إسلام، اللي ماشي جنبه زي الحارس الشخصي.
كان في بنت قاعدة مستنياهم، أول ما شافتهم رفعت حواجبها.
– هو ده معاك ليه؟
كريم ببرود.
– إسلام… شغال معايا. أي مشكلة؟
البنت بصت لإسلام من فوق لتحت، عينيها وقفت على ملامحه الحادة وجسمه الرياضي، ابتسامة صغيرة ظهرت من غير ما تاخد بالها.
إسلام لمح النظرة، وكريم كمان… بس كأنه مش شايف.
قعدوا التلاتة، الجو فيه توتر خفيف.
كريم وهو بيولع سيجارة.
– بلغيهم… أنا موافق.
البنت مسكت موبايلها بسرعة، عينيها معلقة بإسلام اللي بيبص حواليه بهدوء، وكأنه بيحسب كل زاوية في المكان.
بصوت واطي كلمت حد.
– أيوه… كريم وافق على الشغل.
الطرف التاني ضحك، صوته باين من السماعة على خفيف.
– أخيرًا بدأ يفكر صح… قولي له يبلغنا بميعاد الشحنة وإحنا هنتواصل. أهم حاجة الطريق يبقى نظيف.
البنت قفلت الموبايل وبصت لكريم.
– بيقولوا مستنيينك تحدد الوقت دخول الشحنة… هيكلموك قريب.
كريم بهدوء مصطنع.
– ماشي.
إسلام كان سايبهم يتكلموا، لكن عينه ما فارقتش البنت لحظة. كأنه بيقيس مدى الخطورة منها.
لاحظ إنها رجعت تبصله تاني وقالت بابتسامة خفيفة.
– واضح إنك اخترت رجالة غير شكل المرة دي.
إسلام رفع حاجبه.
كريم قطع الحوار بسرعة وهو بيقوم.
– يلا بينا.
قبل ما يخرجوا من الباب، كانت بتنادي عليهم ووقفت قدام إسلام بابتسامة فيها جرأة.
– … ممكن رقمك؟
إسلام رفع حاجبه.
– ليه؟
اتلخبطت لحظة، بس بسرعة قالت.
– يعني… لو حصل أي حاجة وكريم مشغول أو مش متاح… أعرف أوصل لك.
كريم كان واقف جنب العربية، سامع الحوار، بس مش فارق معاه. ابتسم بسخرية.
إسلام ببرود طلع موبايله ومد إيده.
– هاتي تليفونك.
ادته الموبايل، وفضلت تراقبه وهو بيسجل رقمه. عينيها فضلت معلقة على تفاصيل وشه، ونبرة صوته.
وهي بتاخد الموبايل.
– ميرسي… أكيد هحتاجك قريب.
إسلام رجع الموبايل وهو بيبصلها بنظرة سريعة فاحصة بس ماقالش حاجة.
ركب جنب كريم، اللي أول ما قفلوا الأبواب بص له وقال.
– شايف؟ من أول مقابلة دخلت دماغها.
ابتسم بخبث وهو بيشغل العربية.
– خلي بالك … شكلها مش طالبة رقمك للشغل وبس.
إسلام رد وهو بيربط الحزام.
– وأنا كمان شايف كده… ودي ميزة لينا مش عيب.
بص لقدام بعينين مركزة.
– خليها تفتكر إنها ماشية تمام … واحنا اللي هنستفيد من كل خطوة.
بالليل.
حنين نايمة ومحمد نايم جنبها.
فجأة حست بإيد دافية بتلمس جبينها بخفة. قلبها دق بسرعة، قامت مفزوعة وهي بتحاول تبعد الإيد.
حنين بصوت مبحوح.
– مين!!
النور الخفيف من الأباجورة كشف وش كريم، واقف جنبها ملامحه هادية لكنه عينه فيها قلق.
كريم بسرعة.
– اهدي… دا أنا.
حنين لسه متنفضة.
– إيه اللي بتعمله؟! خوفتني!
كريم قعد على طرف السرير، صوته واطي.
– كنت بس عاوز أطمن عليك… وشوفتك بتتقلبي في النوم فـ…
حنين مقطبة حواجبها.
– يعني لازم تصحيني كده؟!
اتنهيدة و إيده رجعت تتحرك ناحية محمد وهو بيبص له.
– أنا آسف إني خضيتك بجد.
حنين بخجل خفيف.
– كريم… روح نام، بكرة عندك شغل.
وابتسم ابتسامة دافية، بصوت واطي.
– الشغل مش مهم دلوقتي… المهم إني لما أبصلك كده أحس إن كل الدنيا أمان.
قالها وهو بيمد نفسه على السرير، من الناحية التانية، بهدوء.
اتفاجئت، بس لقت نفسها مش قادرة تقول حاجة. قلبها دق بسرعة، لكنها اكتفت إنها تصلح الغطا على محمد وكأنها مش واخدة بالها.
كريم مد إيده وحطها فوق إيدها اللي ماسكة محمد، صوته واطي جدًا.
– كده بس… أحس إن الدنيا تمام.
حنين اتجمدت لحظة، قلبها بيرتعش من جوة. بصت له باستغراب، لقت عينيه مغمضة وكأنه خلاص نام.
فضلت ساكتة، تبص له بحذر… بس في نفس الوقت حسّت بحاجة غريبة، أمان ممزوج بدفا، حاجة مكنتش متوقعها.....
وبينما النوم بيرجع يسيطر عليها، آخر فكرة عدّت في بالها:
"أنا إزاي سايبه ينام جمبي كده…؟"
الصبح.
حنين صحيت، لاقت كريم مش جنبها. بصت حواليها بارتباك.
لاقته سايب ورقة صغيرة على الكومودينو مكتوب فيها:
"أنا نازل شغل مهم، متقلقيش. خلي بالك من محمد، أنا هرجع بسرعة."
بصت في الورقة، وحست إن في حاجة ناقصة… كأن الورقة دي مش مجرد غياب عادي.
بصت من الشباك، كان كريم خارج مع إسلام في العربية، الحرس بيتحركوا كأن في حالة طوارئ.
قلقها يزيد قلق.
تفكر: هو إيه اللي بيخبيه عليّ؟ وليه حاسة إن الليلة اللي فاتت دي كانت مجرد لحظة سراب قبل ما العاصفة تيجي؟
في كافيه هادي وصل كريم واسلام.
كريم كان قاعد على الترابيزة، وإسلام جنبه بنفس هدوء مستنين نفس البنت.
وهي داخلة أول ما عينيها وقعت على إسلام ابتسمت ابتسامة صغيرة باينة جدًا إنها مش بريئة.
كريم، بلهجة حازمة.
– اتأخرتي.
البنت وهي بتتجاهل كلامه وبتركز في إسلام.
– إيه يا وسيم… مش بترد على الرسايل ليه؟
إسلام بيرفع حاجبه بهدوء وهو ماسك نفسه من الرد، اكتفى إنه يديها نظرة باردة.
كريم قاطع الموقف بسرعة.
– خلينا في المهم.
البنت قعدت، بس عينيها لسه معلقة على إسلام.
كريم بصوت منخفض.
– الموضوع اتغير. الشحنة من اليونان اتقدمت يومين. هتخرج بكرة بالليل، وتدخل ميناء إسكندرية بعد ٣ أيام. أنا دوري يقف هنا. إزاي هتتصرفوا وتدخلوا بضاعتكم… ده مش اختصاصي.
البنت بلعاب لسانها وهي عينيها علي إسلام.
– تمام. المهم إننا عارفين التوقيت.
سحبت موبايلها وبعتت ڤويس قصير. بعد ثواني رد عليها حد بنبرة جادة وضحكة صغيرة.
– كريم كده بقى بيفكر صح. قولي له إحنا في انتظاره.
قفلوا. البنت رجعت تنظر لكريم.
– هما راضيين… عاوزين منك تحديد الساعة بالضبط.
كريم وهو بيقوم.
– هيوصلهم.
قام و وراه إسلام. البنت وقفت هي كمان، وبنظرة كلها تحدي لإسلام.
– المرة الجاية بقى… لو كريم مشغول، ممكن أنت اللي تيجي لوحدك.
إسلام اكتفى بابتسامة صغيرة بااااردة جدًا وقال.
– ما تقلقيش… هتشوفيني وقت ما لازم تشوفيني.
نظرتها فضلت معلقة عليه لحد ما مشوا.
كريم وهو خارج مع إسلام بص له بتهكم.
– واضح إنك عجبها قوي.
إسلام رد ببرود.
– لا … هي اللي عاجبها إنها مش عاجباني.
المكان مظلم الدخان مالي الجو، وصوت الطاولة الحديد بيدق من كتر اللعب في الكوتشينة.
واحد من التجار سامي.
– بصوا يا رجالة… كريم ده مش عيل صغير نلعب بيه.
التاني رجب.
يهز راسه ويولع سيجارة.
– ما هو عشان كده إحنا واقفين مكانّا. كل يوم الشحنة بتتأجل، والزبون مستني. وده واقف قصادنا عامل فيها شريف… رضي يدخل معانا يوم ويبلغ بكرة!
سامي.
– لأ هو مش هيسلم بسهولة… بس كل واحد ليه نقطة ضعف.
رجب.
بضحكة مريبة.
– مراته! وابنه.
التالت صبري.
يميل عليهم ويقول بصوت واطي.
– بس هو خفيها… محدش يعرف ليها مكان. حتى العيال اللي عندنا في البلد دَوَّروا مش لاقيين ليها أثر.
سامي.
– يبقى نلعبها صح. نرمي طُعم… نخليها هي اللي تيجي لنار.
– إزاي يعني؟
سامي بخبث.
– إحنا عارفين إن كريم مش سايب غير اتنين بيقربوا منها. الخادمة اللي في البيت… وواحدة صاحبتها قريبة كريم. دي اختفت من فترة.
صبري.
ينفخ دخان السجارة.
– يعني ندوس عليهم لحد ما يدلونا؟
سامي.
– بالظبط. ولو معرفناش نجيبها بالسهولة دي… نخلي كريم نفسه هو اللي يجيبها برجليه.
– إزاي؟
سامي.
– نخليه يفتكر إن في خطر على ابنه. ساعتها، غصب عنه، هيطلّع مراته من مخبأها.
ضحكة شيطانية صغيرة تتبادل بينهم، الكوتشينة.
رواية مأساة حنين الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ايه الفرجاني
بقى دي عيشة؟ قاعدة محبوسة زي المجرمين… لا خروج، لا ناس… حتى هدوم نظيفة مش معايا… بجد أنا مخنوقة.
بصت لابنها وهو بيضحك.
ابتسمت غصب عنها:
– إنت بس اللي مخليني مستحملة يا حبيبي.
سكتت لحظة، بصت في السقف واتنهدت بحزن:
– يا ترى هدي بتعمل إيه دلوقتي؟ وحشتني موت… لو كانت هنا كان زمانها مهوّنة عليّ شوية.
آه ي ربي اعمل إيه في الزهق ده.
سكتت لحظة وهي بتسند راسها على الحيط.
– طب ما أنا ممكن أطلب من كريم يجيب هدى هنا تعيش معانا… هي أمينة وعمرها ما خانتني… وكده أبقى مطمنة وألاقي اللي يونسني.
اترددت شوية، وعضت على شفايفها بتوتر:
– بس كريم مش هيوافق… هيقول لي مينفعش حد يعرف… لأ… لأ… طب أعمل إيه؟
لمحت على الطاولة ورق وقلم، قربت منها وقعدت تكتب بخط مهزوز:
نفسي أشوفك يا هدى… تعالي الخ...
كتبت كل اللي في قلبها وطوت الورقة في إيدها وفضلت تبص فيها كأنها مش قادرة تاخد القرار.
فضلت ماسكة الورقة في إيدها… عينيها بتزوغ قلبها متلخبط. بعدين اخدت القرار.
قامت واقفة، وخدت نفس عميق وقررت.
خطواتها كانت بطيئة وهي خارجه. فتحت الباب شوية، لقت الحارس واقف على جنب بيشرب سيجارة.
قلبها دق أسرع… اترددت لحظة، وبعدين نادت بصوت واطي:
– بس… بس… أيوة انت… تعالي.
الحارس بص لها باستغراب، قرب منها، نفخ دخان السيجارة وقال:
– حضرتك عاوزة حاجة؟
حنين حست إن صوتها بيرتعش، مدت الورقة ليه بسرعة كأنها خايفة تتراجع:
– الورقة دي… لو سمحت وصلها لهدى. انت أكيد عارف بيتنا صح؟ هتلاقيها هناك… بس من غير ما حد يعرف أرجوك قولها كده.
الحارس خد الورقة وبص لها بشك لحظة، بس ما قالش حاجة. غمغم بكلمة صغيرة وهو بيطفي السيجارة في الأرض:
– تمام يا مدام.
رجعت جوة تاني بس فضلت واقفة ووشها مبلول عرق من التوتر… وبعدين دخلت جوة وهي مبتسمة ابتسامة صغيرة.
– أخيرًا… هشوفك يا هدى.
***
بعد وقت الحارس كان وصل المكان. وقف قدام الباب وخبط.
لحظات وفتحت هدى الباب. استغربت الي قدامها وقالت:
– خير؟ انت مين؟
الحارس بصوت واطي:
– الورقه دي من مدام حنين… وقالت محدش يعرف حاجة عنها.
اخدت الورقه منه وبصتله بصدمه.
– حنين؟!
الحارس مردش عليها ومشي وهيا قفلت الباب وفتحت الورقه بتوتر.
...
بره قدام البوابه كان راجل من العصابة واقف بيتابع كل ده. أول ما شاف الحارس وهو خارج، كلم حد في الموبايل.
– كان في شاب معاه ورقه سلمها للست اللي في البيت ومشي.
– لي علي الفون رد عليه:
– استني شويه هبعتلك حد تعرفوا منها العنوان فين بالظبط....لان دا اكيد من جاي من مرات كريم...
– ماشي.
***
عند هدي بعد ما فتحت الرساله والي كان محتواها...
– وحشتيني يا هدى… مليش غيرك… نفسي أشوفك… نفسي ألاقيكي جنبي. محدش يعرف يا هدى اني بعتلك … أنا قاعده لوحدي … بس محتاجاكي قوي. هاتيللي هدومي وتعالي العنوان ده… بس بالله محدش يعرف عشان كريم واسلام محزرني اكلم حد او اخرج...
خلصت قراءة الرسالة ابتسمت بخفة، دموعها في عينيها، حطت الورقة على الكرسي و قامت بسرعة دخلت تجهز الشنطة. حطت فيها كل الهدوم وبعد وقت، خرجت وهي ماسكة الورقة في إيدها. فتحت الباب لكن أول ما الباب بيتفتح، اتفاجأت بثلاثة واقفين قدامه ساندين على الحيطة، عيونهم كلها خبث. وقفت متسمّرة مكانها، قلبها وقع في رجلها.
واحد منهم بصوت تقيل ساخر:
– هو إحنا اللي جينا لك… ولا إنتي اللي خارجة لنا؟
ترجّعت نص خطوة، ضمّت الورقة في إيدها بسرعة.
– إنتو مين؟ عاوزين إيه؟
واحد منهم قرب منها:
– إحنا عاوزين حاجة صغيرة كده… مكان مرات كريم.
بلعت ريقها، وهي بتحاول تسيطر على نفسها والرعشه اللي حست بيها:
– معرفش… والله ما عرفش هي فين.
واحد منهم يشدها من دراعها بعنف:
– سيبني!
التالت بعصبية:
– ما تلعبِيش علينا… أكيد عندك خبر عن مكنها!
ضربها كف خلها تقع على الأرض، الورقة كانت هتقع من إيدها، لكنها بسرعة لحقها وخبيها ورا ضهرها.
اتكلمت بصوت مبحوح:
– ماعرفش… بقولكم ماعرفش!
يبدأوا يضربوها أكتر: ركلات، كفوف، شد في شعرها. صراخه. واحد منهم لاحظ الورقة اللي بتحاول تخبيها اتكلم:
– إيه اللي في إيدك؟
مد إيده بعنف، خطف الورقة منها رغم مقاومتها. بص فيها دقيقة، قرأ العنوان، وابتسم بخبث.
رفع الورقة:
– هاها! أهو العنوان يا رجالة. يلا بينا!
التاني ضحك ويشد شنطتها من إيدها ومشي. سيبوها واقعة على الأرض، بتبكي. الورقة راحت من إيدها، وبقت هي الخيط اللي هيوصلهم لحنين.
حاولت تقوم لحد ما وصلت للفون للارضي. بعد دقايق جالها الرد، ردت بصوت مبحوح.
– الحقني......
***
غرفة صغيرة مقفولة، إضاءة خافتة، ترابيزة خشب وسط المكان. إسلام قاعد ومعاه خالد، طارق، حسن. كلهم باين عليهم الجدية والتركيز. على الترابيزة كان في خريطة كبيرة لميناء الإسكندرية وصور أقمار صناعية مطبوعة.
طارق وهو مشبك إيديه قدام صدره:
– بصراحة… أنا مش مطمن. الناس دي مش هيثقوا في كريم بالساهل. الراجل طول الوقت رافض يدخل معاهم، فجأة يقولهم موافق؟! هيتشكوا فيه فورًا.
إسلام بهدوء لكن صوته ثابت:
– عندك حق… وأنا اللي عايش معاهم الدور ده ومتاكد انهم شاكين في، لكن دلوقتي الوضع اختلف. هما حسّوا إننا مأمّنين حنين وابنها… ودي نقطة ضعفه. لو لعبناها صح هيصدقوا إن كريم بقى تحت إيدهم.
خالد ميل لقدام عينيه سابتة على الخريطة:
– طيب… وموضوع الشحنة اللي جاية من اليونان؟ دي فرصتنا … إحنا لازم نكون مستنيين وقتها.
حسن بصوت عملي وهو بيشاور على نقطة في الخريطة:
– الشحنة هتوصل مينا إسكندرية هنا. لازم نجهز قوة كفاية تستلم البضاعة في اللحظة اللي يوصلوا فيها لا قبلها ولا بعدها.
طارق بيقاطعه بنبرة حادة:
– وأنا شايف برضه إننا محتاجين خيط مضمون لو حصلت أي غلطة… التجار ممكن يشكّوا ويغيروا الخطة كلها.
إسلام بينحني على الخريطة، صوته فيه إصرار:
– الخيط موجود… وهو كريم نفسه. لانهم اكيد هيطلبوا منه هو يستلم البضاعه. وهو لازم يفضل مصدق إننا قادرين نحميه من التجار… وكمان هما هيبقوا واثقين إنهم ماسكينه من رقابته.
لحظة صمت، الكل بيفكر. خالد رفع راسه وبص لإسلام.
خالد:
– يعني باختصار… نخليهم يبتلعوا الطُعم لحد ما الشحنة تدخل… وساعتها نقفل المينا عليهم ونقبض على الكبير والصغير.
إسلام بعزيمة:
– بالظبط. المرة دي مفيش مجال للغلط. يا نخلص عليهم… يا هنخسر كل حاجة.
فجأة موبايله إسلام بيرن. يشوف الشاشة بيلاقي اسم كريم. يفتح الخط بسرعة:
إسلام:
– أيوة ي كريم؟
كريم صوته متوتر، ومتقطع:
– إسلام…في كارثة! العصابة عرفت مكان حنين… أنا طالع على الفيلا دلوقتي!
إسلام فتح عينيه بذهول، قام من علي الكرسي بعنف. صحابه بصوا له باستغراب.
إسلام بعصبية:
– إزاي؟! مين اللي قالك؟
كريم بنبرة مقهورة:
– حنين بعتت ورقه فيها العنوان ل هدي و هدى… اتهاجمت، ضربوها وخدوا منها الورقة اللي حنين بعتها فيها العنوان… دلوقتي كلهم رايحين لها.
إسلام سكت لحظة عينيه لمعت بالغضب والقلق. ضرب إيده على الترابيزة بقوة:
– أختي يا ولاد ال***! مش هيقربوا منها وأنا عايش.
خالد اتحرك بسرعة من مكانه صوته فيه إصرار.
– يبقى نتحرك فورًا، ما فيش دقيقة نضيعها.
طارق وهو بياخد الجاكت من علي الكرسي:
– إسلام، ركّز. احنا لازم نتحرك بسرعه ونوصل قبلهم...
إسلام رفع راسه، صوته ثابت لكن فيه نار مكبوتة.
إسلام:
– أنا مش هسمح لحد يقرب من حنين ولا من ابنها. المهمة دي مش ورق وخطط… دي دمي ولحمي. اللي هيقرب منها… هخلص عليه.
خد تليفونه وهو بيجري ناحية الباب، كلم كريم بسرعه.
– كريم… اسمعني كويس، استنى هناك ما تتحركش لوحدك! أنا جاي، وهما مش هيلحقوا يلمسوها.
***
عند حنين...
كانت قاعدة على الأرض، ابنها بيسحف قدامها وهو بيضحك. ضحكت غصب عنها ومدت إيديها له:
– تعالا عندي يا حبيبي… يلا حبيب قلب ماما.
ضحك تاني، وهو بيقرب منها، فجأة… اتجمدت.
فيه أصوات برّه خطوات تقيلة، أصوات ناس بتتحرك حوالين البيت. قلبها وقع مكانه. قامت بسرعة وخطفت ابنها في حضنها.
– يا رب استرها… يا رب.
قبل ما تاخد نفسها الباب اتفتح بعنف، رجالة كتير دخلوا، عينيهم كلها غِل. واحد منهم صرخ:
– اهي! امسكوها بسرعة.
اتراجعت لورا وهي بتصرخ:
– انتوا مين؟ ابعدوا عني! ابعدواااا!
واحد منهم قرب بخطوات تقيلة وقال ببرود:
– بالذوق ولا بالعافية؟
– مش هسيب ابني… لو لمستوه هموّتكم كلكم! انتوا عاوزين اي؟!!!
ضغطت علي ابنها في حضنها أكتر، لدرجة إنه عيّط. دموعها نزلت.
اتنين اندفعوا ناحيتها، مسكوها من دراعاتها وهي بتقاوم بجنون:
– سيبوني! سيبونييي!
واحد تاني مد إيده عشان ياخد الولد، لكن حنين زعقت بصوت مفزوع:
– لااااا! مش هسيبوا… ده ابنييي! ابعد عني!
حاولت تعض إيده، ضربته برجليها، أي حاجة عشان تحميه. الراجل اتعصب، ضربها على وشها:
– اخرسي بقى!
اترجعت لورا دمها سال من شفايفها، لكنها لسه ماسكة الولد بكل قوتها.
واحد تاني زمجر:
– خدوهم هما الاتنين وخلاص… مفيش وقت.
جرّوها من شعرها وهي بتصرخ وتعيط، وابنها بيصرخ بصوت عالي:
– كريـــــم! إســــــلام! انتوا فين ساااااعدوني!
صرختها ملّت البيت، شدّوها لبرا وهي متعلقة بابنها كأنه آخر نفس في حياتها.
والباب اتقفل وراهم… بس صداها لسه بيرن في البيت.
رواية مأساة حنين الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ايه الفرجاني
كريم وصل للفلا. أول ما دخل، المنظر خلاه يتجمد. الحراس كلهم مرميين على الأرض، بعضهم مش قادر يتحرك، وبعضهم مكسور. وكل ده أكد له حاجة واحدة، إنهم وصلوا قبله.
وطي على حارس منهم، صرخ فيه، صوته بيتهز من الغضب والقلق:
– فين… حنين راحت فين؟ انطقوا!
محدش اتكلم ولا حد رد عليه. رجله أخدته وهو بيركض جوه البيت. عينه كانت بتدور في كل مكان، النفس اتقطع، مش قادر ياخد خطوة.
واقف مكانه، مفيش أثر ليهم.
فجأة، على الأرض، لمح حاجة صغيرة. لعبة محمد. قلبه انفطر. خدها، بص لها، وقلبه بيتقطع. دموعه في عينه مش قادر يمنعها. لأول مرة بجد يحس بالإحساس ده.
قعد على الأرض، وهو ماسكها بإيد واحدة، وغمض عينيه. حاسس بغصة تقطع حلقه. إحساسه بالذنب، الخوف، والغضب كله مجتمع في لحظة واحدة.
بعد دقايق، الباب اتفتح. إسلام دخل جري ومعاه خالد وطارق وحسن. كل واحد فيهم عيونه بتدور في المكان.
إسلام لما شاف كريم كده ووضع الحراس اتصدم. قرب من كريم اللي كانت نظرته كلها غضب وقلق ودموع متجمعة في عينه:
– كريم…؟
كريم رفع راسه وبصله. صوته متقطع من الغضب والخوف:
– خدوها… خدوا حنين… ومحمد… ملحقتهمش. وصلوا. قلبي… لازم نتحرك دلوقتي… مش هنستنى ثانية!
قام وقف وكان خارج، بس خالد شده من إيده وقفه وقال بهدوء:
– استنى. هتروح فين وانت مش عارف عنهم حاجة؟ اهدي عشان نعرف نتصرف صح ونشوف هنعمل إيه.
طارق وحسن قربوا منه، وإسلام حط إيده على كتف كريم:
– متقلقش… إحنا مش هنسكت… أكيد… هنوصلها. مش هسمح لحد يقرب منها مهما حصل.
كريم كأن كل الأحاسيس اتجمعت في اللحظة دي في قلبه. من خوفه، غضب، إحساسه بالعجز… كله. بس حبه ليهم خلاه يرفع راسه، يشد إيده على اللعبة. قرر: مهما حصل… إنه هيحميهم، مش هيسمح لحاجة تحصلهم.
***
عند حنين. العربية وصلت بيها لمكان مهجور.
الرجالة نزلت بسرعة من العربية. فتحوا الباب. واحد منهم شد حنين بعنف من إيديها، وهي شايلة ابنها على دراعها. مش فاهمة حاجة. كل إحساسها دلوقتي الخوف على ابنها وبس.
دخل بيها ممر واسع وهو ساحبها ورا منه بالعافية. واقف قدام باب وفتحه ورماها جواه. كانت أوضة ضيقة. الأرض كانت قاسية. وقعت وهي ماسكة ابنها، ضمته لصدرها وكأنها بتحميه من كل الدنيا.
الأوضة كانت شبه خندق، ضيقة، ضلمة تقريبًا، حتى النفس فيها تقيل.
دف بزعيق وهو بيقفل الباب:
– يارب مسمعش نفسك عشان وقتها مش هتشوفي ابنك اللي على إيدك ده.
قفل الباب جامد لدرجة إنها اتعربت منه.
بصت حواليها ودموعها بتنزل وهي ضامة ابنها بصمت.
غمضت عينيها وكل الخوف اللي كان متخبّي جوه قلبها اتجمع في لحظة. رجع إحساسها القديم… ذكرياتها وهي قاعدة تحت الكبري، ولما كانت وحدها في البدروم، الألم اللي عاشت فيه لوحدها، شعور العجز والوجع اللي مرّت بيه قبل كده… كله رجع في ثانية واحدة.
فاقت فجأة، على حركة ابنها… ورجله الصغيرة بتحركت في حضنها كأنه بيقول لها: "أنا هنا… معاك".
قلبها انقبض من الخوف. بصت له، ودموعها سالت من عيونها، صامتة، من غير ما تتكلم. بس كل دمعة كانت بتحكي عن خوفها، وألمها.
ضمّت ابنها ليها، وكأنها بتحاول تحوّط كل الألم اللي فيها في حضنه. وفي نفس الوقت، كانت عارفة… مهما حصل، ده ابنها، وهو سبب قوتها دلوقتي. مش هتسمح لحد يجي ناحيته بأي طريقة.
فضلت قاعدة على الأرض، ابنها في حضنها، بتحاول تسكته وهو بيعيط.
فجأة الباب اتفتح بعنف. دخل واحد من رجالة ماسك موبايل بيصور.
الراجل بص لها باستخفاف:
– يلا قومي… الريس عاوز رسالة صغيرة توصل لجوزك.
حنين ضمت ابنها أكتر:
– "مش هعمل أي حاجة. انتوا عاوزين مننا إيه؟! ليه خطفتنا؟!"
الزعيم ظهر من وراه، لابس قناع على وشه. صوته كان يخوف. قال:
– السؤال ده إجابته عند جوزك. بس عشان هو مش موجود، فانا هجاوبك.
قرب منها وقعد نص قعدة على الأرض وهو بيبصلها:
– بصي ي حلوة، جوزك انطلب منه مهمة سهلة جدا. كان هيكسب منها دهب لو وافق بالهدوء. لكنه عامل لي فيها دور الشريف اللي بيخاف على البلد، فكان لازم نعمل له قرصة ودن. فدلوقتي زي الشاطرة كده… هتسمعي الكلام ولا آخد الولد.
قال كده وهو بيمد إيده عليه، بس حنين رجعت لورا وضمته ليها أكتر.
كمل:
– مدام خايفة عليه كده يبقي تسمعي الكلام. عشان كل ثانية بترفض فيها… الولد ده هو اللي هيدفع التمن.
حنين عينيها دمعت. قامت واقفة غصب عنها وهي ماسكة ابنها.
الزعيم أشار للكاميرا:
– "ابدئي. هنوصل لجوزك الحلو كلمتين تعرفيه إنك معانا. هو كده كده عارف".
الموبايل اتوجه لوش حنين. وشها كان باين فيه خوف وتعب، بس عنادها ظاهر.
حنين بصت في الكاميرا، صوتها بيرتعش:
– "كريم…… لو بتحبنا بجد متعملش اللي هما عايزينه… متخونش بلدك عشانّا. أنا مستحملة… بس إنت متتوقعش. أنا متأكدة إنك هتلاقينا".
الزعيم ضحك. خطف الموبايل من الراجل، قرب الكاميرا على وشه هو وقال ببرود:
– "سمعت يا كريم؟ مراتك وابنك عندنا… أي غلطة منك، أي حركة غدر، صدقني مش هتشوفهم تاني. عايزهم يرجعوا؟ يبقى تسمع كلامنا زي الولد الشاطر. وأي خطوة غلط هما اللي هيدفعوا التمن......"
والفيديو اتقفل.
***
كريم واقف وسط إسلام والظباط. إيده بتترعش وهو بيشوف الفيديو على الموبايل. وشه متغير، عينه كلها دموع وغضب.
كريم بصوت مبحوح:
– أنا مش هسيبهم… مش هسيبهم في إيد الزبالة دي أكتر من كده. كل خطوة فيها خطر أكبر عليهم.
إسلام شد الموبايل منه، صوته كان حاد:
– وده اللي هما عايزينه… يكسروك. اسمعني يا كريم… حنين هترجع، بس لو لعبنا صح. غير كده… هتضيع للأبد.
كريم صرخ:
– دي مراتي وابني يا إسلام! إنت عايزني أقف أتفرج؟ استنى لحد إمتى؟
إسلام، لأول مرة صوته اتكسر، عينه مغرغرة:
– وأنا دي أختي يا كريم! أنا قلبي مولع زيك بالظبط… بس لو مشينا ورا قلوبنا، هنخسر.
لحظة صمت. كل واحد بيفكر هيعمل إيه. فجأة الموبايل بتاع كريم رن برقم غريب. الكل بص لبعض. إسلام شاور له يفتح. كريم رد وفتح الاسبيكر. صوته كان مليان غضب وتوتر:
– الو!
جاله صوت ضخم، نفس اللي سمعه في الفيديو:
– كويس إنك شفت الفيديو… مراتك وابنك زي القمر أهو… بس مش عارف هيفضلوا لحد إمتى كده صراحة.
كريم ضغط على أسنانه بغضب:
– لو لمستهم… أقسم بالله ل…
الزعيم قاطعه بضحكة باردة:
– إنت اللي هتكون السبب يا حبيبي… لو ما عملتش اللي هنقولك عليه. إحنا عاوزين معاد الشحنة يتقدّم… الليلة مفيش بكرة. الليلة يا كريم.
كريم اتجمد، قلبه بيخبط:
– الليلة؟! مستحيل… ده محتاج ترتيبات.
الزعيم صوته حاد فجأة:
– متقولش مستحيل! إنت اللي في إيدينا دلوقتي… قدم المعاد الليلة، وإلا مراتك وابنك هيتبخروا من حياتك للأبد.
صوت بكاء ابنه مسموع من بعيد في الموبايل. كريم اتشنج، عينه دمعت، مسك راسه بإيده.
كريم بصوت مبحوح:
– سيبوهم… أرجوكم.
الزعيم ضحك بخبث:
– سيبناهولكم أهو… بس افتكر. الشحنة لازم تطلع الليلة. هنديك ساعة تبلغ فيها عن تقديم الشحنة. الساعة تعدي، هنكلمك. متمتش… دي تبقى آخر مرة تسمع فيها صوتهم.
المكالمة اتقفلت.
كريم وقع على الكرسي، إيده ماسكة الموبايل جامد لدرجة صوابعه بتترعش.
إسلام خطف الموبايل منه بسرعة، صوته مليان غضب مكبوت:
– دلوقتي الصورة وضحت… عايزين يضغطوا عليك عشان تفتح لهم الطريق. بس أنا مش هسيبهم يا كريم… لا أختي ولا ابن أختي.
كريم بص له بعيون حمراء:
– إنت بتقول نعمل إيه؟! قدامنا ساعة بس… وهما في إيدهم حياتها.
إسلام رمى الموبايل لحسن وهو بيقول:
– حدد لي مكان المكالمة دي بسرعة.
حسن بتأكد:
– دقايق وهيكون عندك. وانت ي كريم هتعمل اللي قالوا عليه.
كريم كان واقف عينيه حمرا من القلق.
إسلام واقف، إيده ورا ضهره، صوته حاد:
– هتعمل بالظبط زي ما يقولوا… أول ما يتصلوا عليك، تقول إن معاد الشحنة اتقدم الليلة، وهتوصل بكرة. هنخليهم يصدقوا إنك متلخبط وخايف.
حسن دخل بسرعة وهو ماسك اللابتوب:
– تم تحديد موقع المكالمة الأخيرة… المنطقة الصناعية القديمة جنب المينا. دي غالبًا وكرهم الأساسي.
طارق:
– يعني لازم نتحرك على محورين… جزء يتابع الشحنة، وجزء يراقب المكان ده.
إسلام:
– بالظبط. خالد، انت وفريقك على المينا… مش هيفلت كرتونة من تحت عينكم. وانت ي كريم هتكلم المسؤلين تبلغهم بإنك محتاج الشحنة توصل الليلة. هما أكيد مستنينهم في نص البحر عشان البضاعة اللي هيدخلوها جوه الصناديق. طارق، انت وحسن معايا… هنراقب المنطقة الصناعية. حنين وابنها هم الطُعم… هما فاكرين إنهم مسيطرين، لكن إحنا اللي هنشد الخيط.
خالد بجدية:
– الخطر إنهم لو شكوا في لحظة… هيصفّوها قبل ما نلحق.
إسلام صوته طلع غليظ وهو يبص لكريم:
– عشان كده أي حركة منك يا كريم برا النص… هتكون رصاصة في قلب حنين. فاهم؟
كريم يهز راسه وهو بيعض على شفايفه:
– "فاهم… بس أوعى يحصلها حاجة يا إسلام".
إسلام ياخد نفس عميق، عينه كلها نار:
– "مش هيحصل… هنوقع العصابة كلها نفر نفر. الليلة هتبقى النهاية بتاعتهم".
الكل خرج بخطوات سريعة. كريم لبس الجاكيت، واتحرك وراهم.
إسلام لف فجأة ومسكه من دراعه بعنف:
– رايح فين؟
كريم بعصبية:
– "رايح أجيب مراتي وابني! إنت عايزني أقعد هنا زي المتفرج؟!"
إسلام يقرب منه، صوته منخفض بس مليان غضب:
– إنت هتودينا في داهية! وجودك هناك يفضحنا. إنت متهور… العصابة مش أغبيا، هيشموا ريحتك من بعيد!
كريم بعناد:
– أنا مش قادر أسيبها… مش قادر أسيبهم في إيدهم ثانية واحدة! لو حصلها حاجة… أنا هموت.
إسلام شده ناحية الحيطة، قرب وشه من وشه:
– اسمعني كويس… الليلة دي مش عنك ولا عن مشاعرك. الليلة دي عن حياة أختي… وعن مهمة لو فشلت، هيموت ناس أكتر بكتير.
كريم يحاول يفلت دراعه:
– بس دي مراتي وابني. أنا مش هقدر!
إسلام زقه على الحيطة بكل قوته، صوته هادر:
– هتقدر غصب عنك! أنت هتعمل اللي أقولك عليه بالحرف… وأقسم بالله لو خرجت خطوة ورايا… هعتبرك واحد منهم.
كريم بعناد:
– … مش هتروحوا من غيري.
إسلام صوته غاضب:
– قلت لك وجودك خطر… هتخرب كل حاجة!
كريم يرفع عينه فيه، حادة، حمراء من القلق:
– خطر ولا مش خطر… دي مراتي وابني. مش هستناكم هنا. لو هي هناك… فأنا كمان لازم أكون هناك.
إسلام يقرب وشه، صوته خافت لكنه ناري:
– "إنت مش فاهم إن وجودك ممكن يبوظ العملية كلها؟! دي مش لعبة يا كريم!"
كريم بيرتعش من جوه بس بيبان عنيد:
– "أنا مش فارق معايا… أعيش أو أموت، المهم أوصل لهم ومش هتمنعني".
إسلام عض على شفايفه، بغضب سابه فجأة. لف ظهره، وبعدين رجع له بسرعة ويقول بصرامة:
– "تمام… هتيجي. بس تسمع كويس: كلمة واحدة منك غلط… حركة واحدة برا الخطة… هتكون إنت السبب في موتها وموت ابنك. ساعتها…… هعتبرك عدو".
الجو كله توتر. كريم يهز راسه بقوة، صوته مبحوح:
– "موافق… بس خليني أروح معاك".
إسلام يبعد بنظره عنه، أخد نفس طويل، وبعدين قال للفريق:
– يلا بينا.
رواية مأساة حنين الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ايه الفرجاني
كانت قاعدة على الأرض… الحيطان حوالين منها ضيقة بتخنقها، حضنها هو الملجأ الوحيد لابنها اللي نايم في أمان مش عارف حجم الكابوس اللي هما فيه. ضاماه جوه صدرها، كل نفس بتاخده بيرتعش… جسمها كله بيرتعش من الخوف.
دموعها نازلة في صمت، بتحاول تكتم صوتها عشان ما تصحيش ابنها… بس جوه قلبها كان في خوف...خوف وبس.
النوم خدها وهي قاعدة، غصب عنها، بس العقل ما سابهاش في حالها… الذكريات رجعت زي السكاكين. افتكرت وهي قاعدة تحت الكوبري، والبرد قارس، والدنيا سودة… لما واحد كان ماشي مترنح من السُكر، قرب منها بخطوات تقيلة، ريحته خانقة، عينه فيها جوع مرعب. وقتها قلبها كان بيدق زي دلوقتي… نفس الرعب، نفس العجز بالظبط.
افتكرت كل الأيام الوحشة اللي فاتت… البدروم الضلمة، الوحدة، الجوع، الإهانة… إحساس إنها محاصرة ومفيش مهرب.
فجأة صحيت على شهقة صغيرة وهي بتبص لابنها… مدّت إيديها مسحت دمعة وقعت على وشه من غير قصد. حضنته أقوى، كأنها بتقسم جوا نفسها:
"مش هسيبك… مش هخليهم ياخدوك مني… حتى لو آخر يوم في عمري."
جأة الباب اتفتح… صوت الحديد وهو بيتزق على الأرض عمل صدى في الحجرة الضيقة لدرجه هيا نفسها جسمها قشعر منها.
دخل واحد من رجال العصابة، في إيده طبق فيه أكل … بس عينه ما كانتش على الأكل. كان بيبص ليها بنظرات غريبه، فيها خبث وشيء تانى خلى الدم يجمد في عروقها. ابتسامته باينة على وشه كأنها مش ابتسامة، دي اقرب لشيء تاني هيا مش عارفه تفهمه.
وقف قدامها، مدّ الطبق ناحيتها وهو بيقول بصوت غليظ:
"كلي… عشان تعرفي ترجعي قوية … الريس مش عاوزك تموتي بدري."
عينه ما تحركتش من عليها، كان بيتفحصها بطريقة خلتها تشد ابنها أكتر لحضنها من الخوف. كأنه هو الي هيحميها منهم.
حاول يقرب خطوة منها … عمل حركة غريبة بإيده كأنه بيهدد أو بيستهزأ، وضحك بخفوت وهو لسه مركز نظراته عليها.
قلبها اتقبض، بترتعش من الرعب، بتحاول تمسك نفسها، ودموعها على وشها، مش قادرة حتى ترد بكلمة. اللحظة دي كانت زي الكابوس، لحد ما فجأة…
ضحك ضحكة قصيرة، ورمى الطبق جنبها على الأرض.
وبص لها مرة أخيرة بنظرة كلها قذارة، وقال بسخرية:
"خلي بالك من نفسك… لسه اللي جاي أصعب."
قفل الباب بعنف وخرج.
فضلت مكانها… إيدها بتترعش وهي ماسكة ابنها، عينيها سابحة في دموعها… بتقول لنفسها بصوت واطي كأنها بتحاول تقنع روحها:
"مش هيسيبني ربنا… مش هيسيبني."
***
العربيات كلها اتحركت… كريم قاعد في الكرسي جنب إسلام، في إيده كانت اللعبة الصغيرة بتاعة محمد، عينه مش بتفارقها. نفسه بيتسارع، مش قادر يهدى.
إسلام سايق وهو بيبص قدام، صوته هادي لكنه مش سايب فرصة لكريم يرد:
"ركّز في اللي قولته… أي كلمة زيادة منك هتكون سبب في موتهم."
كريم بحشرجة:
"إنت فاكر إني مش عارف؟! أنا كل ثانية بحس إنها آخر نفس ليها."
إسلام ضغط على الدريكسيون أكتر، عينه فيها نار:
"وأنا قلبي مولّع أكتر منك… دي أختي الوحيدة بس لو مشينا ورا قلبنا، هتضيع للأبد."
لحظة صمت خانقة.
كريم ضم اللعبة لصدره كأنه بيحضن محمد… دموعاتجمعت في عينه وهو بيفتكر صوته الي سمعه في السماعه.
العربية وقفت فجأة… كان فيه نقطة تجمع. خالد وطارق نزلوا يراجعوا خطة المداهمة. حسن واقف بلاب توبه، مركز على الموجات، صوته واضح:
"الإشارة سابتة… المكان جوه المنطقة الصناعية القديمة. كل الاتصالات بتخرج من هناك. ومدام قدرنا نوصل لهنا قبل معاد الشحنه هنتعاون كلنا هنا."
إسلام رفع صوته للكل:
"تمام كل فريق عارف مكانه. مفيش طلقة هتخرج غير بإشارة. أول ما نتأكد إن الرهينة جوه… بنضرب. بس خدوا بالكم الرهينه تخرج سالمه مش عاوز غلطه."
كريم قطع الكلام بغضب:
"رهينة؟! دي مش رهينة… دي مراتي وابني!"
إسلام لفله بحدة، صوته كالعادة قاطع:
"ركّز يا كريم! لو فضلت تفكر كده… مش هتشوفهم تاني! خليك هنا متتحركش انت."
كريم عض على شفايفه، صوته مبحوح:
"بس لو اتأخرنا ثانية… هيضيعوا. انا..."
إسلام قاطعه و قرب منه وقال بنبرة منخفضة لكن مليانة نار:
"مش هيضيعوا… الليلة نهايتهم."
***
عند حنين…
الأوضة كانت أظلم من قبل ابنها نايم في حضنها، وهي لسه ماسكة إيده الصغيرة. صوت خطوات تقيلة قرب من الباب… قلبها وقف.
الباب اتفتح فجأة، النور دخل من ورا الراجل اللي واقف، وراه الزعيم. عينه تقيلة، وصوته مسموم:
"اجهّزي… الليلة دي ليلة عمرك."
حنين رفعت راسها بخوف وعناد في نفس الوقت:
"عايز إيه مني تاني؟"
الزعيم ضحك بسخرية وهو يقرب:
"أنا؟ ولا جوزك؟ … جوزك دلوقتي بيبيع نفسه عشانك. والليلة دي… يا يسلّمنا البضاعه، يا إما ابنك مش هتشوفيه تاني. أو هيستلمكم انتوا الاتنين. لسه مش عارف بقي الصراحه."
حنين ضمّت ابنها أكتر، دموعها وقعت غصب عنها:
"حرام عليكم… ده طفل. انتوا بتعملوا معنا كده ليه؟!"
الزعيم قرب وشه منها، صوته واطي بس بيخرّع:
"الأطفال ساعات بيكونوا ورقة ضغط أحلى من الكبار."
غمضت عينيها بقهر، وهي سامعة صوت ضحكته، وحسّت إن الدنيا كلها بتقفل حواليها.
***
إسلام بيجهّز فريقه عند البوابة الخلفية للمنطقة الصناعية، صوته واضح:
"استعدوا… أول ما نوصل الإشارة، ندخل."
كريم واقف وراه، قلبه على وشك ينفجر… كل ثانية بتعدي كأنها سنين عليه. المنطقة الصناعية كانت مهجورة… عتمة وضباب بيطلع من مواسير مكسوره. صمت مخيف، بس كلهمهاب.
إسلام رفع إيده إشارة… الفريق انتشر في الظلام.
خالد معاه رجالة على البوابة الأمامية، وطارق وحسن متقسمين نواحي الجوانب.
كريم واقف وراهم، قلبه هيخرج من مكانه… عينه مش شايفة غير صورة حنين وهي في الفيديو، وابنه بيعيط.
إسلام بصله بحدة، وهمس:
"آخر إنذار يا كريم… ما تتحركش غير لما أديك الإشارة او الافضل نتتحركش اصلا عشان متضيعش نفسك."
كريم ما ردش، بس عينيه فضحت كل حاجة… كان متحفّز ينفجر.
جوه…
الزعيم قاعد على كرسي معدن، ماسك سيجارة. قدامه واحد من رجاله بيضحك وهو بيصور حنين وابنها بالكاميرا.
الزعيم قال ببرود:
"خلال نص ساعة… لو ما سمعناش منه إن الشحنة اتحركت… هنعلّمه يعني إيه يخسر كل حاجة."
حنين ضم ابنها أكتر، دموعها نازلة من غير صوت.
فجأة… قنبلة دخان اترمت من الشباك المكسور! المكان كله اتملّى غبار، أصوات رجالة العصابة اتلخبطت:
"إيه ده؟!"
"في حد دخل!"
رصاص بدأ يتبادل، الطلقات بترنّ في الجدران القديمة.
إسلام دخل من الناحية الخلفية مع طارق وحسن، صوت خطواتهم سريع ومنظم.
إسلام صرخ:
"فريق (أ) غطّونا!"
"فريق (ب) تقدّم!"
الزعيم وقف وهو بيزعق للرجاله:
"امسكوهم! متخلوش حد يقرب ليهم. دول الي هيخرجونا من هنا."
كريم كان واقف … ما استناش. أول ما سمع صوت الرصاص وصوت حنين بتصرخ من بعيد… انفجر.
"حنييييييييييييييييين!"
جري من مكانه بكل قوته. إسلام صرخ وراه:
"كريييييييم! ارجع دلوقتي انت رايح فين!"
لكن كريم كان خلاص… مش سامع.
دخل وسط الدخان، الطلقات بتعدي من جنبه، وهو بيزق أي حد يقابله. مسك ماسورة حديد من الأرض وضرب بيها واحد من رجالة العصابة وقع على طول.
عينه وقعت على الباب اللي وراه صوت ابنه… قلبه ولّع.
"محمد!"
كسر الباب برجله، لقى حنين متكوّرة في الركن وهي ضامة ابنها، وراها واحد من العصابة ماسك سلاح ورافعه عليها.
كريم ما فكرش ثانية… هجم عليه بكل غضبه، مسك إيده قبل ما يضغط الزناد، وضربه بالماسورة على وشه لحد ما وقع غرقان دمه.
حنين صرخت:
"كرييييييييييييييم!"
جري عليها وحضنها وابنه، قلبه بينفجر من جوه:
"أنا جيت… مش هسيبكم تاني أبداً… متخافيش هنخرج من هنا يلا."
حنين مش مصدقة، مسكت فيه بكل قوته.
بس ماكانش في وقت… الزعيم بنفسه دخل ومعاه رجالة، رفع مسدسه عليهم:
"نهايتك النهاردة يا كريم! قولت اي غلطه هدفعك غالي مسمعتش الكلام بقي حد يرفض عرض زي ده انت غبي قوي كنت هتتحول من مبتدأ لرجل اعمال ناجح بس انت اخترت الطريق الصعب كان لازم تدفع التمن."
كريم مردش عليه. وقف قدام حنين وابنه، فاتح دراعاته يحميهم، صوته هادر:
"لو هتقرب منهم … لازم تعدي على جثتي الأول."
الزعيم رافع المسدس، ضحكته كلها سخرية:
"خلاص يا بطل… الفيلم خلص وانت جيت برجلك."
كريم شد حنين ورا ضهره، حضن ابنه بإيده التانية. عينه كلها تحدي:
"اقتلني أنا… بس مش هتلمسهم برضوا."
الزعيم ضغط على الزناد…
الطلقة خرجت، كريم اتفاجأ بيها وهي تخترق جنبه. وقع على ركبته وهو بيشهق، الدم نازل بغزارة.
حنين صرخت بأعلى صوتها:
"كرييييييييييييييم!!!"
لفت ليه وهي ماسكة محمد، وقعت على الأرض جنبه، إيدها بترعش وهي بتحاول توقف الدم بإيديها، دموعها نازلة بغزارة:
"اصحى يا كريم… بالله عليك ما تسيبنيش… ما تسيبناش!"
كريم بص لها بعين نصها مغمض، صوته ضعيف بيتقطع:
"أنا… كويس… متخافيش… أنا وعدتك مش هسيبك."
حنين قربت منه، دموعها مغرقاها، لحد ما صرخة خرجت من قلبها، وعيونها غمضت فجأة من شدة الصدمة… وقعت فاقدة الوعي وهي حاضنة ابنها.
في اللحظة دي إسلام والفرقة دخلوا باقتحام!
ضربوا الي واقف من ضهره وقع علي الارض. وأصوات الطلقات رجّت المكان، الظباط بيغطّوا كل المداخل.
إسلام أول ما شاف المشهد… اتصدم. أخته مرمية على الأرض فاقدة الوعي، وابنها في حضنها، ووراها كريم غرقان في دمه.
قلبه وقف!
جرى عليها الأول، ركع جنبها يهزّها وهو مرعوب:
"حنيييين! حنين اصحى بالله عليكي!"
إيده بتترعش وهو يشوف محمد نايم في حضنها، مسكه بسرعة وحطه جنبه.
بص في وشها… لقاها بتتنفس ببطء. اتنهد براحه:
"الحمدلله… لسه عايشة."
بعدين رفع راسه… عينه وقعت على كريم اللي بينزف وبيترعش على الأرض.
"كرييييم!"
وطي عليه بسرعة، ضغط على النزيف بكل قوته، صوته متقطع من الخوف:
"استحمل… متخافش استحمل!"
كريم حاول يرفع عينه، صوته مبحوح:
"حنين… وابني… احميهم."
إسلام شد إيده وقال بحرقة:
"هحميهم… هحميكم كلكم! بس إنت خليك جامد!"
أصوات الصراخ والطلقات خلاص سكتت… العصابة كلها على الأرض، متكبلة ومش قادرة تتحرك.
كريم غرقان في دمه، محمول على نقالة، وحنين مغمى عليها على نقاله اخرى. صفارات الإسعاف مولعة، والنور الأحمر والأزرق بيخبط في عيون كل الموجودين.
إسلام واقف مكانه، صدره بيتنهّد بعنف، عينه ما بتفارقش حنين وكريم وهما بيتحطوا جوه عربية الإسعاف. قلبه كان عايز ينفجر.
محمد كان في حضن العسكري، بيعيط بخوف. إسلام قرب بسرعة، إيده على كتف العسكري وهو بيقول بصوت مهزوز:
"هات الولد."
العسكري سلّمه، ومحمد رمى نفسه في حضن خاله وهو بيبكي.
إسلام ضمّه جامد، قلبه بيتقطع، مسك راسه وحطه على صدره وهو بيحاول يطبطب عليه رغم إن إيده بتترعش.
خالد قرب منهم، بص لإسلام وقال بحزم:
"هاته معايا أنا… خليك انت جنبهم."
إسلام اده محمد بالعافية، عينه مش راضية تسيبه، بس سابه في حضن خالد.
في اللحظة دي، طارق وحسن جم بسرعة، وشوشهم كلها إرهاق وتراب ودم، وقالوا لإسلام:
"إنت وخالد روحوا المستشفى دلوقتي… إحنا هنقفل المكان ونتصرف مع باقي العصابة. متشيلش هم."
إسلام اخد نفسه، وهز راسه موافق.
بص لآخر مرة على النقالات وهي بتدخل عربية الإسعاف… صوته طلع مبحوح وهو يهمس:
"استحملي يا حنين… أنا وراك."
بعد وقت...
أبواب المستشفى اتفتحت بسرعة، المسعفين نازلين بيجروا بالنقالات… كريم داخل العمليات ودمه مغرق القماش الأبيض، وحنين لسه مغمى عليها.
إسلام وخالد دخلوا وراهم، محمد في حضن خالد صغير ومرعوب، ماسك في هدومه جامد وهو بيعيط بصوت مكتوم.
الوقت عدى تقيل… صمت المستشفى كان أقتل من الرصاص.
إسلام قاعد على الكرسي، راسه في إيده، رجليه بتتهز من التوتر. خالد بيحاول يهدي محمد اللي مش سايب هدومه، كل شوية صرخة صغيرة تطلع منه وتقطع قلوبهم.
بعد وقت طويل، الباب اتفتح وخرج دكتور لابس البالطو الأبيض، عرقان من الإرهاق. الكل قام بسرعة.
إسلام بصوت متوتر:
"خير يا دكتور؟ أختي عاملة إيه؟ وكريم؟"
الدكتور طمّنهم بابتسامة صغيرة:
"أختك تمام… الإغماء ده نتيجة خوف شديد وصدمه بس هتفوق بعد شويه متقلقش."
بعدين وشه اتغير وهو يكمل:
"لكن كريم… حالته أصعب شويه. النزيف كان شديد، وهو دلوقتي في العمليات… بندعيله يعدي منها."
الكلمات نزلت تقيله علي إسلام. مسك الكرسي وعض على شفايفه، وكأنها أول مرة يحس إن إيده مربوطة ومش قادر يعمل حاجة.
بعد وقت غرفة حنين اتفتحت، وهيا بدات تفوق. كانت بتتحرك ببطء على السرير. عينيها فتحت دموعها نزلت من غير ما تنطق. أول ما شافت إسلام قاعد جنبها ومحمد في حضنه، دموعها نزلت أكتر.
حنين بصوت مبحوح ضعيف:
"كريم… فين كريم؟"
إسلام قرب منها بسرعة، مسك إيدها وهو يحاول يسيطر على نفسه:
"اهدي يا حنين… إنتي كويسة… وابنك معانا."
هي زادت دموعها، قلبها بيتقطع:
"هو… هو مات؟! قولّي الحقيقة يا إسلام… متكدبش عليا!"
إسلام مسك إيدها أكتر، عينه مليانة دموع بس صوته ثابت بالعافية:
"كريم لسه عايش… هو في العمليات دلوقتي حالته صعبة… بس هيعدي منها متخافيش."
حنين حطت إيدها على وشها وانهارت في البكاء، صوتها بيتهز. محمد شاف دموعها فابتدى يعيط أكتر، مد إيديه الصغيرتين ناحية أمه وهو بيرتعش.
إسلام بسرعة حط الطفل جنبها على السرير، حنين ضمّته لحضنها وهي بتبكي بحرقة.
إسلام غمض عينه وهو يهمس لنفسه:
"استحمل يا كريم… كلنا مستنيينك."
الليل عدى بكل ما فيه.
تاني يوم الصبح… الشمس خافتة داخل من شبابيك المستشفى، ومعاها إحساس بالتعب اللي ما خلّاش حد فيهم يعرف ينام طول الليل.
خالد قاعد على الكرسي، عينه محمرة من السهر، محمد نايم في حضنه متكوّر زي الكتكوت. حنين على السرير في أوضة جنب أوضة كريم، مش قادرة تهدى، كل شوية تبص على الباب كأنها مستنية خبر يطمنها.
إسلام واقف في الممر، ضهره للحائط، ساكت بشكل يثير القلق. عينه مركّزة في الأرض، وكأنه غرقان في أفكار تقيلة.
بعد ساعة تقريبًا… الدكتور خرج من أوضة الانعاش، الكل جري عليه.
الدكتور بنبرة هادية:
"هو بدأ يفوق من البنج… حالته مستقرة لحد دلوقتي، بس لسه ضعيف جدًا محتاج راحة تامة وما يتعصبش أو يتوتر."
حنين دموعها نزلت وهي سامعه صوت الدكتور. اتنفست براحة:
"الحمد لله… الحمد لله يا رب."
خالد دخل ليها بابتسامة مطمئنة:
"شايفه؟ كريم راجل قوي… هيعدي منه."
لكن إسلام… ملامحه ما كانتش بتقول إنه مبسوط زيهم. هو اكتفى بإيماءة صغيرة من غير ما يتكلم.
عينه راحت ناحية أوضة كريم، نظرة فيها غموض… زي اللي بيفكر في حاجة محدش يعرفها.
خالد لاحظ سكوته، خرج و قرب منه:
"إيه يا إسلام؟ مش مبسوط إن العملية عدّت؟"
إسلام بص له ببرود وهو يسيب الجدار ويمشي خطوتين بعيد:
"أنا مبسوط لأختي وابنها… بس لسه الموضوع مخلص لحد هنا."
خالد قطب حواجبه:
"تقصد إيه؟"
إسلام رد بنبرة غامضة وهو يبص ناحية أوضة كريم:
"قصدي… إن لسه في حاجات لازم تتعمل… وأنا اللي هعملها، حتى لو محدش وافق."
سابه ومشي في الممر، خطواته تقيلة بس وراها إصرار في دماغه، مشهد واحد مسيطر… مش بس إنقاذ أخته، لكن كمان خطة أكبر هو ناوي ينفذها، والكل هيفاجأ بيها.
***
بعد مرور أسبوع…
البيت هادي، كريم قاعد على الكنبة، جسمه لسه ضعيف بس ابتسامته الصغيرة واضحة وهو شايف حنين مش بتسيبه لحظة، قاعدة جنبه، تسنده في كل حركة.
هو مد إيده ويمسك إيدها:
"أنا مش عارف من غيرك كنت عملت إيه… إنتي روحي يا حنين."
حنين دموعها نزلت وهي تبتسم له:
"وأنا عمري ما هسيبك يا كريم… مهما حصل."
اللحظة اتقطعت فجأة بصوت باب بيتهم بيتفتح بعنف. حنين اتفاجئت، وكريم بص بعينه ناحية الباب، قلبه اتقبض… من دخول إسلام كده. كان شكله مختلف… ملامح حادة، خطواته تقيلة، عيناه بتلمع بغضب مكبوت.
كريم حاول يقوم لكنه اتألم:
"إسلام… خير؟"
إسلام بص له ببرود:
"خير؟ أنت لسه عندك وش تقول كلمة زي دي؟"
حنين اتوترت، قامت بسرعة:
"إسلام، بالله عليك… ما تبدأش مشاكل دلوقتي. كريم لسه تعبان."
إسلام رفع إيده يسكتها:
"مشاكل؟ لا… دي مش مشاكل دي حياة أو موت. أنا استنيت لحد ما يخف… عشان أخلص الموضوع ده."
"كريم بعصبية رغم ضعفه:
"موضوع إيه؟"
إسلام قرب منهم، صوته عالي:
"الموضوع إنك مش هتكمل مع أختي… مش هسمحلك! إنت اتجوزتها غصب عشان غلطتك… وجبت منها ولد… بس إنت السبب إنها كانت هتموت، السبب إنها اتخطفِت. السبب إن حياتها بقت كلها دموع وخطر!"
حنين بصوت متقطع، دموعها نازلة:
"إسلام! كفاية… هو مش ذنبه لوحده… أنا كمان اخترته، أنا بحبه."
إسلام مسكها من دراعها يشدها بعيد:
"انتي صغيرة ومش فاهمة حاجة! الحب مش أكل عيش. الحب مش يجيبلك رصاص وخطف وموت! أنا أخوكي… ومش هسيبك تضيعي حياتك في إيده."
كريم حاول يقوم، صوته مبحوح:
"إسلام… بلاش تعمل كده… أنا بحبها، وهي بتحبني وقدرنا نتخطي الي حصل وهبدا نعيش مع بعض عادي."
إسلام التفت له بحدة:
"حب إيه؟ أنت حتى مش قادر تقف على رجلك! إنت اللي جبتلها كل الوجع ده. خلاص… من النهارده مش هتشوفها."
حنين صرخت وهي بتحاول تفلت من إيده:
"مش هسيب كريم! مش هبعد عنه!"
إسلام شدها أكتر، صوته حاد:
"هتبعدي… فترة لو بعد كده لقيتي نفسك عاوزاه… وقتها مش هقف قصادك. بس دلوقتي… هتعيشي بعيد عنه، وتفكري كويس عشان اللي بينكم ده… مش حب، دي فوضى وتعلق."
كريم بيحاول يقف لكنه بيقع تاني على الكنبة، صوته مبحوح وهو يمد إيده ناحية حنين:
"حنين… متروحيش… بالله عليكي متسيبنيش."
حنين منهارة، عيونها كلها دموع:
"كريم… بس…"
إسلام شدها من دراعها وخرج بيها من البيت، الباب اتقفل وراه بعنف… وصوت بكاء حنين بيختفي تدريجيًا مع خطواتهم.
كريم قعد وحيد، إيده ممدودة في الفراغ، دموعه نازلة بصمت… وهو مش قادر يتحرك.
***
بعد يومين من الحبس اللي عامله إسلام لحنين، وهي مش قادرة تخرج من الفيلا ولا حتى تكلم كريم… الباب بيتفتح فجأة، وإسلام داخل، وشه متجمد، في إيده ظرف بني.
حنين قامت بسرعة من على الكنبة، عينيها مليانة قلق:
"في إيه يا إسلام؟"
إسلام رمى الظرف على الترابيزة قدامها، قعد بهدوء بس نظرته تقطع:
"افتحيه."
حنين مدّت إيدها بخوف، طلعت جواز سفرها… ومعاه تأشيرة جديدة. عينيها اتسعت:
"دي… دي تأشيرة سفر؟! المانيا؟!"
إسلام بص لها مباشرة:
"أيوة… هتسافري تكملي تعليمك هناك تعيشي حياتك بعيد عن دوامة كريم وتبدأي من جديد وتشوفي نفسك انتي عاوزة اي بجد."
حنين وقفت مصدومة، دموعها نزلت:
"انت بتقرر عني! أنا مش عايزة أسافر! أنا عايزة أعيش مع جوزي وابني… إنت عارف إني بحبه."
إسلام صوته اتغير، فيه وجع وغضب مكتوم:
"حب إيه يا حنين؟! حبه رجّعك تاني تعيشي في خوف… في وجع… في دم! ده مش حب… ده سجن. وأنا مش هسيبك تضيعي بالطريقه دي."
حنين قربتله، صوتها بيتقطع:
"إسلام… بالله عليك… متحرمنيش منه. كريم عمره ما أذاني… هو ضحّى بنفسه عشاني! هو اتحط في النص غصب عنه."
إسلام شد نفسه للخلف، صوته قاسي:
"لو بتحبيه زي ما بتقولي… يبقى تفكري في نفسك وفي مستقبلك. تسافري… تدرسي… تكبري. ولو لسه عايزة ترجعي له بعد ما تعقلي وتفهمي الحياة… وقتها محدش هيقف قصادك. بس دلوقتي… هتسافري. وإلا… انسَيني للأبد."
حنين انهارت، قعدت على الأرض تبكي، دموعها مش بتقف:
"إزاي أعيش من غيره؟… إزاي؟"
إسلام بص لها بحدة:
"هتعيشي عشان ابنك. هو هيفضل معاكي. كريم مش هيسحبه منك. لكن هو مش مستقبلك دلوقتي."
بعد لحظة صمت طويلة، بكاء مرير، حنين رفعت عينيها المبلولة، صوتها واطي:
"موافقه… هسافر عشان انا فعلا محتاجه اخد وقت لنفسي شويه احاول انسى الي حصل."
إسلام نفسُه اتقطع، بس أخفى تعبيره وقال بجمود:
"جهزي نفسك… طيارتك الصبح."
***
كانت واقفه في المطار، سلم الطيارة قدامها، ماسكة ابنها على دراعها، وجهها شاحب، دموعها متجمدة في عينيه.
بصت حواليها في المطار كأنها مستنية كريم ييجي فجأة ويوقفها… بس مفيش.
اخدت نفس طويل، طلعت أول خطوة على السلم… وبصوت داخلي مكسور:
"سامحني يا كريم..."
الطيارة بتقفل أبوابها وبتطير ببطء.
رواية مأساة حنين الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ايه الفرجاني
بعد مرور خمس سنوات...
أصوات ضحك مالية البيت، وهي بتجري ورا محمد اللي كبر وبقى عنده خمس سنين.
محمد بيجري برجليه الصغيرة ويضحك بصوت عالي:
– مش هتلحقيني يا مامي!
حنين بتضحك وهي بتجري وراه:
– وقف يا شقي… إنت فاكر نفسك سريع كده أنا نفسي اتقطع وتعبت.
فجأة اختفى من قدامها.
حنين بدأت تبص يمين وشمال:
– محمد! انت رحت فين؟
فضلت تلف في الصالة لحد ما لمحت رجليه الصغيرة تحت السفرة.
انحنت وبصت… لقته قاعد ماسك علبة كريم وبيحط على شعره ودماغه وهو مبتسم.
حنين فتحت عينيها بصدمة:
– ي مصبتي!؟ إنت بتعمل إيه يا حبيبي؟!
محمد رد ببراءة ولسانه متلخبط:
– بحط كيم زي كيم… حلو يامامي ثح!
حنين وقفت لحظة مش مصدقة، وبعدين انفجرت ضحك وهي شايفة وشه كله أبيض:
– يا نهارك أبيض! شكلك عامل زي العفريت… أبوك لو شافك هيعمل مننا كفتة.
مدت إيدها خرجته وهيا بتمسح وشه، وهو بيتحرك بعيد عنها بضحك:
– يحبيبي اقف بقى هيدخل عيونك و...
مكملتش الجملة.
فجأة… كريم خرج من الأوضة لابس بنطلون وماسك فرشة شعر في إيده.
– حنين… متعرفيش الكريم اللي جبته امبارح في؟
مكملش الجملة وعينه وقعت على اللي قاعد شكله أبيض قدامه.
وقف مكانه مصدوم… والعلبة فاضية تقريبًا.
كريم بص للعلبة ثم لحنين بدهشة وغضب مكبوت:
– نهار أُمك مش فايت… إنت جبته منين؟!
حنين اتجمدت مكانها، مش عارفة ترد.
كريم قرب بسرعة، صوته علي:
– محمد! تعالى هنا! هات إلى معاك ده.
محمد بسرعة اتخبى ورا حنين وهو بيترعش، صوته واطي:
– مامي… خبيني، بابي هيزعقلي!
كريم حط إيده على وسطه وبص لحنين بعيون مشدودة، بين الغضب والضحك اللي بيكتمه.
اتقدم خطوتين، صوته علي:
– تعالى هنا إنت فاكر الكريم ده لعبة؟ ده غالي يا حبيبي، دا مش لبن بودرة!
محمد طل من ورا حنين ولسانه متلخبط:
– أصل أنا عاوز شعييي يبقي طويل زيك.
كريم مسك العلبة الفاضية، ضربها بخفة على إيده:
– شوف… خلصتها كلها في قعدة واحدة! أنا بستخدمها شهر كامل اعمل فيك اي دلوقتي.
حنين كانت بتحاول تكتم ضحكتها، بس صوتها خرج وهي تقول:
– عادي يا كريم سيبه، ده عيل… وبعدين هو كان عايز يقلدك.
كريم اتنفس بعصبية، قرب منه وهو مبرق:
– بص يا محمد… آخر مرة تلمس حاجة من غير ما تقول لمامتك، فاهم؟
محمد ضحك فجأة وقرب ومسح باقي الكريم اللي في إيده على بنطلون كريم:
– كيم… بابي كيم! يحته حلوه.
كريم اتشنج، فتح عينيه بدهشة:
– إييييه؟! إلى انت هببته ده اعمل في امك اي.
حنين انفجرت ضحك، وقعدت على الكنبة وهيا ماسكة بطنها.
محمد جري بعيد وهو يضحك.
كريم فضل واقف في نص الصالة، بنطلونه كله كريم، بيبص لحنين بغيظ:
– حنين… الولد ده نسخة منك، عايز رباية من أول وجديد.
– قصدك اي ي حبيبي لا ، دا نسخة مصغرة منك… الشقاوة دي منك إنت مش مني انا وبعدين ده حمو عسل.
حط إيده على راسه ويقول بغضب ساخر:
– اللهم طولك يا روح… أنا في بيت فيه اتنين مجانين!
قعد جنبها بهدوء وهو بيبص على العلبه الفضية في إيده وبنطلونه بخيبة أمل.
وحنين فردت ضهرها علي الكنبة وايدها علي بطنها المنتفخة و إيد على ظهرها من التعب.
فجأة محمد جيه جري رمى نفسه في حضنها، بص على بطنها بفضول وقال:
– مامي… هو النونو هيجي امتى؟ عشان نحط كيم سوا… أنا هعلمه كل حاجة!
حنين ضحكت بوجع وبصتله بحنية، وكريم قال بغيظ:
– مش كفاية واحد مطلع عيني… هتزودولي واحد كمان؟! أنا مش ناقص اتنين يتفقوا عليا.
– يا ابني، إنت ومحمد شبه الضراير ليه دا ابنك مش عارفه بتتعامل معاه كده ليه بجد.
محمد غمز لحنين واشار لها توطي، ولما نزلت لمستواه قال بصوت مسموع لكريم:
– مامي… ما نفتح بطنك ونطلع النونو نلعب معاه… وبعدين نرجعه تاني!
حنين شهقت:
– إيه اللي بتقوله ده يا محمد؟!
كريم انتفض، صوته عالي:
– ولااا! ابعد عن البت ياض… يا أنا أخلص منك دلوقتي! أنا مش ناقص جنانك! سيب البت تتولد بهدوء يمكن هيا الي تطلع منكم.
محمد اتجاهله تمامًا وبص لحنين بعيونه البريئة:
– مامي… هو إنت هتحبيني أنا والنونو زي بعض… ثح؟
حنين بحنية:
– أيوه يا حبيبي… هحبكم الاتنين زي بعض.
محمد كشر وزعلان:
– لا… إنتي هتحبيه أكتر مني… بابي قال كده!
حنين طبعت قبله على خده:
– لأ يا روحي… بابي بيهزر معاك، هو بيحبك.
محمد نفخ:
– لأ… هو مش بيحبني بيزعقلي.
حنين طبعت قبله في الخد التاني:
– لا بيهزر هو بيحبك، خلاص كده بقي؟
محمد رد بزعل:
– لأ انا زحلان ي مامى.
حنين طبعت قبله على عيونه الاتنين:
– طب وكده؟ لسه زعلان برضوا.
محمد يهز راسه:
– اه محمد زعلان حنين مش بتحبه ولا كيم بيحبه هما بيحبو النونو وبس.
حنين ابتسمت ولسه هتقرب من بقه:
– انا عرفت انت بتتدلع صح تعالى طب أهو كده بقى—
فجأة اتسحب من مكانه، وهو متشال من ياقة التيشيرت ومتعلق في الهوا!
كريم واقف مبرق، رافعه لفوق بغيظ وهو يقول:
– تعالى هنا … إنت فاكر نفسك اي تتباس كده من كل ناحية مفيش احترام ليا خالص.
محمد رفس برجليه في الهوا ويصرخ وهو بيضحك:
– ي ماميييي… بابي مش بيحبني!
كريم بغضب ساخر:
– أهو دلوقتي هتشوف الحب عملي! ي روح مامي.
حنين قاعدة ماسكة بطنها من كتر الضحك:
– كريم… سيبه ينزل يا أخي، دا عيل!
كريم برق فيها:
– عيل؟! ده طلعلي قرون يا حنين… أنا والواد ده هنتحاسب قريب قوي!
فجأة الباب اتفتح بعنف…
إسلام داخل البيت، صوته عالي:
– إيه الهبل اللي بيحصل هنا؟! انت رافع الولد كده ليه سيبه.
كريم كان لسه شايل محمد من ياقة التيشيرت ورافعه لفوق، وحنين قاعدة عالكنبة ماسكة بطنها من كتر الضحك.
محمد أول ما شاف إسلام، عينه نورت، صرخ بفرحة:
– خالووو!
وفجأة نزل من إيد كريم اللي سابه غصب عنه، ورمى نفسه في حضن إسلام بسرعة.
مسك إيده وتعلق بيه كأنه لقى الحماية:
– وحشتني ي خالوا بابي بيضربني… إلحقني يا خالو!
إسلام شال محمد بإيده وفضل ماسكه، وبص لكريم بحدة:
– إنت مش هتعقل بقى؟! الواد لسه صغير!
كريم رفع حاجبه بغيظ:
– صغير إيه؟ ده بيطلعلي قرون وانا واقف … أنا مش ناقص جنان بس هقول اي تربيتك.
محمد مسك رقبة إسلام وهو متعلق بيه، وبص بخوف لحنين:
– مامي… بابي وحش! أنا هروح مع خالو.
إسلام حك راس محمد بحنية وقال وهو باصص لكريم:
– شايف؟ العيل نفسه مش طايقك.
كريم بزمجرة:
– كله بسببك لو سبتني اربيه بطرقتي كان هيسمع الكلام... بس شكلك موصيه انت تمشي وهو يقعد مكانك بتعملوا عليا مناوبه...
إسلام قرب من حنين وحضنها من كتفها بهدوء متجاهل كريم وهو لسه شايل محمد:
– عامله اي ي حببتي دلوقتي..شكلك تعبانه.
حنين بحب:
– لا انا بخير الحمدلله انت شكلك تعبان روح ارتاح ونزل الشقي ده مطلع عيني من الصبح بص عامل في شعره اي.
إسلام ابتسم ولسه هيتكلم:
– محمد شد وشه ناحية وقال بضحكة صغيرة:– أنا وحشتك يا خالو صح؟
إسلام باسه من راسه:
– قد الدنيا يا بطل… إنت مكاني في غيابي، مش كده؟
محمد هز راسه ببراءة:
– آه، أنا بخلي بالي من مامي! مش بزعلها خالص.
كريم كان واقف، إيده متشنجة على ضهر الكنبة، عيونه مثبتة في إسلام اللي واقف قدامه بدور الحامي.
حنين بصت يمين وشمال بين الاتنين من غير ما تنطق، عارفه انو بعد كل الى حصل لسه العلاقه بينهم شبه القط والفار.
اتنهدت بهدوء.
إسلام نزل محمد على الأرض، وبص لكريم نظرة فيها تحدي صامت وقال:
– أنا هطلع أرتاح شوية…
مسك إيد محمد وقال له:
– بص ي بطلي انا هطلع انام وانت تقعد ساكت اوك مش عاوز صوت لحد ما اقوم وبعدين نقعد مع بعض نتكلم بقى ماشيمحمد جري عليه وباسه من خده:– اوك ، تصبح علي خير يا خالو.
إسلام باسمه من خده ومشى.
بعد ما إسلام طلع فوق، محمد جري يلعب في الجنينة، حنين مسكت إيد كريم وسحبته يقعد جنبها على الكنبة.
قعد مكشر، صدره طالع نازل من الغضب.
حنين لمست إيده بهدوء وقالت:
– إنت ليه متعصب كده؟
كريم رفع حاجبه بضيق:
– إنتي مش شايفة؟ الواد طالع لخاله … وهو واقف بيتفرج ومبسوط أنا بقى إيه؟ كومبارس في حياتكم؟
حنين ابتسمت بخفة، هزت راسها وقالت:
– كريم… بلاش تكبر الموضوع إسلام بيحب يدايقك… عشان يشوف رد فعلك مش أكتر هو كده من زمان، عارف إنك بتنفعل بسرعة.
كريم بص لها بعصبية مكبوتة:
– والواد؟ الواد بيقلد خاله في كل حاجة! بيسمع كلامه أكتر مني.
حنين قربت أكتر ولمست كتفه:
– لأن إسلام غالي عليه… هو اللي لعب معاه من وهو صغير، وكان بيحس بعوضه عنك لما كنت تعبان أو مشغول بس ده ما يمنعش إنك في عينه… باباه اللي بيحبه.
كريم نفخ وأشاح بوشه بعيد:
– حب إيه… ده الواد أول ما يزعل يروح جري لحضنه وأنا؟ كل ما أفتح بقي ألاقي نفسي الشرير في الحكاية.
حنين ابتسمت بحنية ورفعت وشه بإيدها:
– كريم… اللي بيحصل ده بدافع حب… غيره بينكم على بعض إسلام بيحبني، وبيغير عليا منك من غير ما يحس، وبيعتبر نفسه لسه مسؤول عني ومحمد بيحبك… وبيغير منك عليا كل ده حب متلخبط، مش عداوة زي ما إنت فاكر.
كريم سكت لحظة، عينيه بتلمع بمشاعر متناقضة.
سألها:
– يعني إنتي شايفة إن أنا غلطان؟
حنين ضحكت بخفة:
– أنا شايفة إنكوا الاتنين عنادكم بيولع البيت من غير لازمه... صدقني… لو نزلت الغيرة دي من قلبك هتشوف قد إيه هما بيحبوك.
كريم حط راسه ورا وضحك ضحكة قصيرة فيها سخرية:
– حب إيه يا بنتي… دا أنا طالع عيني بينكوا.
حنين قربت منه أكتر، حطت راسها على كتفه وقالت بهدوء:
– طالع عينك عشان إحنا محتاجينك… مش عشان مش بنحبك إنت مركز القصة يا كريم… بس إنت اللي مش واخد بالك.
كريم فضل ساكت، إيده شدت على إيدها من غير ما يحس، والغضب اللي كان مالي عينيه ابتدى يلين.
كريم بحب ضمها ليه اكتر وقال:
– مش عارف لو مكنتش لاحقت يومها كان اي الي هيحصل....
بصتله وافتكرت يوم ما كانت هتسيبه وتمشى.
كانت قاعدة في الطيارة، حضنه محمد وهو نايم على صدرها دموعها نازلة من غير توقف، عينيها حمرا، ومش سامعة أي صوت حواليها.
المضيفة بتتكلم عن تعليمات السلامة، وهي كأنها في عالم تاني… عالم كله وجع.
فجأة، حسّت بحد بيقرب منها.
راجل قاعد جنبها مد إيده بابتسامة هادية وقال:
– هاتيهولي أشيله عنك شوية.
حنين بسرعة هزت راسها، صوتها مبحوح من كتر البكاء:
– لأ… شكراً لحضرتك.
مدت إيدها تمسح دموعها… ولما رفعت عينيها تبصله بوضوح، اتجمدت.
شهقت، قلبها وقف لحظة:
– ك… كريم؟!
كريم كان قاعد جنبها، شكله تعبان، ملامحه مرهقة، بشرته شاحبة بس عينيه… عينيه مليانة دفء، وعلى شفايفه ابتسامة غريبة، خليط بين الوجع والفرحة:
– أنااكيد … مكنتش هسيبك تمشي لوحدك أبدًا يعني.
حنين اتنفضت بفرحه، حضنت محمد أكتر وهي مش مصدقة:
– إزاي؟! إزاي جيت؟ أنت لسه تعبان… المفروض في تكون في السرير!
كريم مد إيده، لمس أصابعها المرتعشة بحنان وقال:
– يمكن جسمي لسه ضعيف… بس قلبي أقوى لما يكون معاكي خلي أخوكي يعمل اللي هو عاوزه… بس أنا مش هتخلى عنكم.
دموعها زادت أكتر، وشها بين الخوف والحب، وصوتها واطي بيرتعش:
– طب… طب لو إسلام عرف؟! مش بعيد يقتلك يا كريم.
كريم ابتسم ابتسامة باهتة، عينيه ثابتة عليها:
– يبقى يموتني… بس أموت وأنا جنب مراتي وابني، مش بعيد عنكم.
دموع حنين غلبتها، سكتت وماعرفتش ترد.
راسها وقعت على كتفه بهدوء، وكريم رفع محمد من حضنها، باس راسه بحنان وهو يهمس:
– إحنا مع بعض… وده كفاية.
رجعت من الذكرى، عينيها مغرقة دموع وهي تبص له.
ابتسمت وقالت بصوت مبحوح:
– عمرها ما هتتنسي.
كريم شدها أقرب، وبص لها بنظرة كلها حب وصبر:
– وعمرنا ما هنسيب بعض.
سكت لحظة، وعينيه سرحت بعيد… كأنه رجع لورا بالزمن.
لليوم اللي اتاخدت فيه حنين غصب عنه…
كان قاعد على الكرسي، تعبه باين على ملامحه، نفسه قصير، وعينيه مفيهاش غير قلق.
قال لهدي الي كانت واقفه بتابع الامر بقلق.
وصوته خرج مبحوح:
– هدي… روحي شوفي حنين طمنيني عليها اكيد اسلام مش هيسبها ترجع تاني.
هدي بقلق:
– بس انت تعبان هسيبك ازاي.
– متقلقيش عليا، بس انا واثق انو اسلام هيعمل حاجه عاوزك تراقبيه اي حاجه يعملها تبلغيني بيها لحد ما اشوف هنعمل اي.
هدي دمعت وهي تهز راسها:
– حاضر يا ابني… هروح أشوفها بعنيا ربنا يستر.
بعد ساعات.
هدي رجعت خطواتها كانت بطيئة، لكن وشها كان باين عليه القلق.
كريم أول ما لمحها، وقف بالعافية وسند إيده على الحيط.
قرب منها بصوت مخنوق:
– ها… قوليلـي في اي.
هدي بصت له، قلبها بيتقطع عليه وعلى حنين في نفس الوقت:
– شوفت إسلام يا كريم… كان بيتكلم في التليفون وانا خارجه كان بيحجز لحنين تذكرة طيارة… ل ألمانيا.
كريم اتجمد مكانه، إيده نزلت ببطء، عينه بتلمع بغضب:
– ألمانيا؟! ازاي يعني هيسيبها تمشي لوحدها؟! عاوزه يسفرها عشان يبعدها عني.
هدي قربت منه، إيدها على دراعه كأنها بتحاول تهديه:
– ما قدرتش أقرب منهم أكتر… بس سمعت الاسم بوضوح كان ألمانيا، حتي انو حنين تقريبا متعرفش.
كريم اتنفس بصعوبة، وقعد على الكرسي وهو ماسك راسه:
– يبقى لازم أعرف هتروح فين بالظبط... مش هسبها مش بعد دا كله هنتفرق.
في نفس الليلة، رغم مرضه وتعبه، راح المصنع اللي محبوس فيه معتز واللهام ومي.
الحراس بصوا له باستغراب، وشه كان باين عليه المرض لكن عينيه كلها إصرار.
دخل عليهم، وقف قدامهم والجو كله توتر.
صوته كان واطي، بس فيه قوة:
– هسألكم شوية أسئلة… لو جاوبتوا، هتخرجوا من هنا وهنسى كل حاجه عملتوها.
معتز حاول يبان قوي:
– وإحنا لو رفضنا؟
كريم أشار للحراس، والحديد اتخبط في بعض بصرخة مرعبة.
ابتسامة باردة طلعت من على وشه:
– جرّبوا.
اللهام بسرعه قالت:
– قول اي حاجه هنجاوب عليها بس خرجنا من هنا.
كريم قعد علي الكرسي سكت لحظه وقال:
– حنين وإسلام… ليهم قرايب في ألمانيا؟
اللهام عضت شفايفها، وهي باصّة للأرض. مي بصتلها بخوف كأنها بتقول: اتكلمي.
لكن كريم صوته علي فجأة:
– هتردى ولا أسيب الحراس يتصرفوا؟
اللهام اتلخبطت، بصت لمعتز، وبعدين بسرعة قالت:
– حنين… ليها خوال في ألمانيا قاعدين هناك من زمان.
كريم رفع راسه بسرعة ومد ورقه ليها وشاور للحارس يفكها وقال:
– أسماء… عناوين دلوقتي.
اللهام فضلت لحظة مترددة، بس أول ما شافت عينه، مدّت إيدها وكتبت على الورقه.
قدّمتها له من بعيد، كأنها خايفة تلمسه.
– دا الي فكراه مش عارفه هما غيروا العنوان او لا.
أخد الورقة، قراها كويس، بعدين بص لهم ببرود:
– كفاية سيبوهم.
مشي خطوه وبصلهم بتحزير.
– اخر مرة اشوفكم في حياتي او في حياة حنين المرة الجاية هخلص عليكم فاهمين.
الحراس فتحوا الباب وسبوهم يخرجوا وكريم ركب عربيته ومشي.
الورقة في إيده، قلبه بيدق بسرعة.
صوته طلع مبحوح، لكنه مليان إصرار:
– مش هسيبها تمشي لوحدها… انا عارف انا هعمل اي كويس.
رواية مأساة حنين الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ايه الفرجاني
في المطار، في صالة الوصول، كان يقف رجل وامرأة، عيناهما تبحثان في وجوه النازلين من الطائرة. كانتا تبحثان عن حنين.
بعد دقائق، ظهرت. حنين تسير ومعها حقيبة صغيرة، وجهها شاحب ويظهر عليه التعب، ومحمد نائم على كتفها.
خالها جرى عليها بفرحة هو ومن معها، لكن أول ما اقتربوا منها، تجمدوا. اتسعت أعينهم عندما رأوا رجلاً يمشي بجانبها، يمسك حقيبة بيده الأخرى، ووجهه يبدو عليه التعب.
خالها قال لها باستغراب:
– حنين، حمد الله على سلامتك. وحشاني.
عانقها بحب، وهي ابتسمت. ثم ابتعد عنها ونظر إلى كريم وقال:
– دا مين؟
حنين وقفت متوترة، شفتاها ترتعشان، ولم تجد كلاماً تقوله. لكن كريم سبقها. رفع حاجبه بابتسامة هادئة وهو يمد يده لخالها:
– أنا كريم… جوزها.
زوجة خالها قالت بصدمة بعد أن سلمت على حنين:
– جوزها؟! بس إزاي… إسلام قال…
كريم قطع كلامها بثبات:
– في سوء تفاهم حصل. أكيد إسلام قال إننا انفصلنا أو كده، بس الحقيقة إن محدش طلق. إحنا مع بعض… وجايين نقضي شوية وقت هنا ونمشي تاني، يعني مجرد فترة راحة نهدى فيها، مش أكتر.
محمد تحرك فجأة في حضن حنين وبدأ يعيط. حنين تلخبطت، حاولت تهديه وهي لا تستطيع التركيز مع الكلام.
كريم بسرعة مد يده وأخذه منها بهدوء، يهزه برفق كأنه متعود. وأول ما كريم شاله، محمد سكت، وصوته تحول لهديل صغير وهو متعلق في قميص كريم.
المنظر كله كسر حدة اللحظة.
جعل الواقفين ينظرون لبعضهم، ملامحهم لانت غصباً عنهم لفرح بالمشهد.
الخال تنحنح، وصوته نزل:
– طيب… نمشي. وفي البيت نتكلم.
كريم هز رأسه بهدوء، وضع يده على ظهر حنين يطمئنها، ومشى معهم.
في نفس الوقت، عند إسلام. كان قاعداً على الكنبة، قلقاناً، ينتظر خبر وصول حنين. الموبايل رن، رقم من ألمانيا. فتح بسرعة:
– ألو؟ وصلت؟
صوت الخال:
– آه… وصلت. بس… مش لوحدها.
إسلام شد نفسه فجأة:
– مش لوحدها؟! يعني إيه؟!
الخال تردد لحظة، وبعدين قال:
– جوزها معاها… كريم.
إسلام صرخ:
– إيه؟! إزاي سمحتوا بكده؟! أنا مأمنكم تاخدوا بالكم منها مش… إزاي وصل عندكم وعرف منين؟
صوته كان يعلو ويعلو، عيناه مولعة. لكن خالد كان قاعداً بجانبه، مسك كتفه بقوة:
– اهدى يا إسلام!
إسلام بغضب:
– إزاي يسيبوها معاه؟! ده وصلها وعرف هي رايحة فين. استغلت بيه وقلت تعبان مش هيقدر يعمل حاجة، بس طلع ثعبان وعرف وسافر معاها كمان. ودلوقتي بعد فترة هيرجعوا مع بعض تاني، وابقى معملتش أي حاجة!
خالد قرب منه، صوته هادئ وحكيم:
– إسلام… ممكن تسمعني. اللي بينك وبين كريم كله قديم. في الآخر… هو جوزها، وأبو ابنها. مش طبيعي يسيبها تمشي لوحدها بالبيبي. هو ضحى بحياته عشانها قبل كده… لو فاكر؟ ومش عشان اتجوزوا من وراك يبقى تدمر حياتهم. فكر بالعقل.
إسلام يده شدت في شعره وهو يتنفس بسرعة.
خالد كمل:
– اللي حصل خلاص… بقى ماضي. دلوقتي عندهم طفل محتاج أب وأم مع بعض. لو بتحب أختك… سيبهم يعيشوا حياتهم. ده حقهم، وانت مش من حقك تمنعهم حياتهم. هما حرين فيها. أختك مش طفلة وعارفة تختار كويس. بلاش تفضل دور المقرر عنها كتير. أنا عارف إنك بتلوم نفسك على اللي حصلها، بس مش عشان تصلح حاجة تدمر حياة طفل قبلهم.
إسلام سكت… عيناه محمرة، قلبه يغلي، بس الكلام رسخ بداخله. مسح وجهه بيده بقهر، وصوته طلع واطئ:
– أنا… أنا مش قادر أبعدهم وأنا عارف إنه غلط… بس مش قادر أسامحه.
خالد شد كتفه بحنان:
– متسامحوش دلوقتي… يكفي إنك تسيبهم يعيشوا، والباقي الزمن هيعمله.
إسلام غمض عينيه، تنهيدة ثقيلة خرجت منه… كأنه استسلم.
خالد ابتسم وقال:
– عشان حتى تكون خال كويس.
إسلام ابتسم رغم عنه وقال:
– هحاول إن شاء الله.
&&&&&---_______
الأيام الأولى في ألمانيا كانت كلها ارتباك.
خوال حنين في الأول كانوا يبصون لحنين وكريم بشك… كل واحد فيهم بيسأل نفسه: هو فعلاً جوزها؟ ولا كلام عشان يغطوا على حاجة؟
لكن مع الوقت… الصور ابتدت تتضح.
حنين كانت أغلب الوقت مع محمد. أما كريم، رغم إنه لسه ضعيف من مرضه، كان يقوم من غير ما تطلب… يشيله عنها، يهزه على دراعه، ويهمس له بكلمات بسيطة تخليه يسكت.
المشهد ده كسر حاجز كبير عند خوالها.
خلت زوجة خالها تقول بين نفسها:
– اللي بيعمله ده… مش تمثيل. دا أب بحق. أمال ليه إسلام قال إنه مستهتر ومش بتاع مسؤولية؟
كريم نفسه… كل يوم صحته تتحسن أكتر. الدوخة اللي كانت بتجيله راحت تدريجياً. الألم اللي كان مكسّر جسمه، بدأ يخف. بقوا يشوفوه بيتمشى في حديقة البيت مع محمد على كتفه، أو قاعد يقرأ جريدة بصوت مسموع كأنه بيحكي حكاية للبيبي.
الخالات لاحظوا… وابتدوا يقتنعوا. واحدة فيهم قالت للتانية وهي بتبص من الشباك:
– شكلهم… أسرة بجد. مش عايزة أقولها، بس… يمكن إسلام ظلمهم.
في يوم جمعة، بعد ما اتغدوا كلهم على ترابيزة كبيرة، كريم رفع كباية عصير وقال بهدوء:
– أنا عارف إن وجودي هنا كان مفاجأة… ويمكن عامل قلق. بس إحنا مش جايين نعمل مشاكل. إحنا جايين نعيش كام يوم… كأنهم شهر عسل اتأجل كتير، وبعدين هنرجع.
الجملة وقعت زي البلسم على الجميع. اللي شافوا فعلاً إنه كريم إنسان كويس ويستحق حنين، بعد ما شافوا معاملته معاها وقد إيه واضح إنه بيحبها ومتعلق بيها، وده اللي كان كريم بيحاول يظهره للجميع.
الخالات اتنفسوا الصعداء. حتى الخال الكبير، اللي كان أشد واحد فيهم، اكتفى بهزة رأس وقال:
– المهم إنكم بخير… ومحمد في حضن أبوه وأمه. وده اللي إحنا عايزينه. لما إسلام قالنا إن حنين اتطلقت عشان جوزها مهمل ومش بيحبها، وإنها هتيجي تعيش هنا، في الأول اتصدمنا. يعني مكناش نعرف إنها اتجوزت عشان تتطلق. بس في النهاية وجبنا نقف جنبها. بس بعد ما شفتك… أقدر أقول إنك شخص كويس. وكمان أي اتنين لازم يحصل بينهم مشاكل… بس الأهم نحلها بينا، وبلاش ندخل حتى أقرب الناس لينا. لأنهم بيبقوا الهدف يساعدونا، بس في الحقيقة بيدمروا حياتنا من غير ما نحس. وأنا مبسوط إنكم مسمعتوش لإسلام وكملتوا.
كريم ابتسم وبص لحنين اللي كانت محرجة من الكلام.
الليل جيه… حنين كانت قاعدة جنب كريم في الأوضة اللي قاعدين فيها. محمد كان نايم في سريره الصغير. التلفزيون شغال على خفيف، بس مفيش حد سامع.
كريم حط إيده على إيدها وقال بهدوء:
– شايفة؟ الدنيا هديت… ومفيش حد واقف بينا.
حنين توترت، قلبها دق بسرعة. رفعت عينيها له، وبصوت واطي ردت:
– لسه الطريق طويل يا كريم.
ابتسم، وضغط على صوابعها بحنان:
– بس أهم حاجة… إننا ماشيين فيه مع بعض.
مر شهر بين حب كريم اللي بيظهره كل يوم لحنين، وخروجاتهم اللي بتزيد يومياً، وحبهم اللي بدأ يكبر، والحاجز بينهم بدأ يتلاشى، مع وجود محمد طبعاً، واللي كان دايماً سبب إنهم يقربوا من بعض من غير ما يحسوا.
وفي ليلة… الجو كان هادي، الليل ساكن، مفيش غير صوت تنفس محمد وهو نايم في سريره. وكريم اللي واقف في نص الأوضة، ملامحه باين عليها الحيرة والتردد… بس قلبه مش قادر يسكت أكتر. بص لحنين، كانت واقفة جنبه، إيدها متشابكة قدامها، ووشها هادي.
أخد نفس عميق وابتدى كلامه:
– حنين… أنا لازم أتكلم معاكي. يمكن طول الشهر ده حاولت أبين إني طبيعي… بس الحقيقة إني كنت كل يوم بحارب نفسي عشان ما أقولش إني… أنا… بحبك. بحبك بجد من أول يوم شوفتك فيه لحد دلوقتي.
سكت لحظة، كأن الكلمات تقيلة على صدره، وبعدين كمل:
– عارف… عارف إن اللي عملته زمان مش سهل يتغفر. عارف إني جرحتك وكسرت قلبك. والله لو قضيت عمري كله باعتذر، مش هيكفي… بس أنا عمري ما اعتبرتك أي حاجة غير مراتي. مراتي… وأم ابني. وحابب نكمل ونستمر مع بعض.
حنين ساكتة. عينها نازلة على الأرض، وإيدها بتتحرك بتوتر، بس لسانها مش قادر ينطق.
كريم ابتسم ابتسامة باهتة، فيها وجع أكتر من أي حاجة:
– كنت أتمنى… كنت أتمنى إنك ترجعي معايا. نرجع بيتنا… نعيش زي أي أسرة. بس شكلك… مش عايزة.
صوته بدأ يضعف، عينه اغمضت ثواني وهو بيكتم نفسه:
– أنا خلاص… يمكن مكنش عندي حق من البداية. بس حبيت أقولك… قبل ما أمشي.
كريم سكت، وبص لها باستسلام. السكوت طول، قلبه بيغرق أكتر، حس إن الأمل اللي كان ماسكه بدأ يسيب إيده. مد إيده على راسه، كأنه بيخفي ارتباكه، وقال بصوت مبحوح:
– خلاص… مش هضغط عليكي تاني. سامحيني، لو تقدري.
تنفّس نفس تقيل، وابتدى يلف عشان يمشي من قدامها. خطواته تقيلة، كأنها بتسحب قلبه بعيد عنها. قبل ما ياخد أول خطوة… وقف فجأة. مش صوته هو، صوتها.
– كريم…
اتجمّد مكانه، قلبه خبط في صدره. لفّ ببطء، عينه مترددة، خايف من اللي هيتقال.
حنين رفعت وشها له، دموعها مالية عينيها، لكنها بتبتسم ابتسامة صغيرة مرتعشة:
– أنا… أنا كمان بحبك.
الكلمة وقعت على ودانه زي حلم. وشه اتغير في ثانية، كل التعب اللي جواه اختفى، عينيه بتلمعوا، وصوته مبحوح وهو بيقرب منها:
– إيه؟ قوليها تاني… بالله عليك.
حنين مسكت إيده اللي كان بيرتعش، وقالت بهدوء وهي بتبص في عينيه:
– عايزة أعيش معاك… أكون معاك، ونبتدي من جديد.
الدموع غرقت عيون كريم، ضحك بخفة وهو مش مصدق، وبعدين فجأة سحبها لحضنه بقوة، كأنه مش هيقدر يسيبها تاني.
– يا رب… يا رب ما يحرمنيش منك.
بعد عنها، مسح دموعها بإيده وقال:
– من النهارده، مفيش وجع… مفيش خوف. إحنا هنعيش زي ما كنا لازم من الأول… أنا وإنت ومحمد.
قرب منها وباس جبينها بحنان، لمسة كلها عهد جديد بينهم.
بعد أسابيع – في المطار.
الطيارة هبطت في القاهرة. كريم ماسك إيد حنين ومحمد في حضنها. وشهم مريح، غير التعب اللي كان في عينيهم من شهور.
أول ما خرجوا من صالة الوصول، هوا مصر لفحهم، وكريم ابتسم وقال:
– أهو… رجعنا. بس المرة دي… مع بعض ولبعض.
حنين ابتسمت وهي تبص له:
– وهنفضل مع بعض.
كريم شد إيدها أكتر، وهو عينه فيها قوة وطمأنينة:
– لحد آخر العمر.
بعد ساعات قليلة، كريم وحنين وصلوا البيت ودخلوا بهدوء وابتسامة على وشهم. الباب اتفتح بهدوء، حنين دخلت وهي شايلة محمد. كريم وراها شايل شنط السفر.
البيت ساكن تماماً.
وفجأة، صوت هادي بس تقيل كسر الصمت:
– أهــلًا برجوعكم.
الأنوار اشتغلت، ظهر إسلام قاعد في الصالة، رجل على رجل، ضهره مفرود، وعينيه سابته على الاثنين.
حنين شهقت بخوف، فوراً رجعت ووقفت ورا كريم كأنها بتستخبى.
كريم نفسه قلبه دق بعنف، بس عضلاته شدت وصوته طلع ثابت رغم التوتر اللي جواه:
– إسلام… إحنا مش جايين نخبّي حاجة. أنا وحنين… مع بعض. أظن الموضوع مش محتاج تفسير أكتر من كده.
إسلام رفع حاجبه، ابتسامة باهتة فيها غضب:
– مع بعض؟!… بعد اللي عملتوه؟ بعد ما سافرت وراها وجبتها وجيت تاني؟
حنين دموعها قربت تنزل، حاولت تتكلم:
– إسلام… اسمعني بس… أنا…
إسلام ضرب بكفه على الترابيزة بعنف، الصوت رجّ البيت:
– اسكتـــي!
حنين اتجمدت، وخبت راسها أكتر في ضهر كريم.
كريم وقف قدامها، مد ذراعه وراها يحميها:
– عايز تعاقبني؟ عاقبني أنا. لكن حنين مش هتتعاقب. خلاص… إحنا اخترنا بعض، واظن إحنا مش صغيرين.
إسلام سكت لحظات، عيناه بتلمع نار، بيبص في وش كريم كأنه بيقيس شجاعته. الجو كان تقيل، وكريم رغم الخوف اللي جواه، عينه ما اهتزتش.
وفجأة… إسلام تنهد ببطء، ورمى نفسه ورا على الكنبة:
– عارف يا كريم؟… أنا كان ممكن أنهي الموضوع ده من زمان. كان ممكن أخليك تندم إنك اتولدت. لكن…
سكت ثواني، وبص لحنين اللي عينيها مليانة خوف:
– بس هديت وفكرت لقيت إني طول عمري كنت أتمنى ليها الأمان والحب. صح بغار عليها… وبحاول أتحكم في حياتها، وده خلاني أخسرها أكتر من مرة.
كريم اتفاجئ، ما نطقش.
حنين دموعها نزلت من غير ما تاخد بالها.
إسلام كمل:
– أنا مش هكون سبب خراب بيتك. مش هكون العدو. من النهارده… ليكوا فرصة تعيشوا زي ما عايزين. أنا هسيبكم.
الجملة وقعت زي الصاعقة. كريم اتجمد مكانه مش مصدق، وحنين دموعها نزلت أكتر وهي تبص له بعدم استيعاب.
إسلام وقف، عدّى من جنبهم، وقف عند الباب، وبص لمرة أخيرة:
– حافظ عليها يا كريم… ومتخلنيش أندم إني سبتك.
وخرج.
الأيام ابتدت تمشي بهدوء غير متوقع. إسلام رجع الشغل تاني، بس المرة دي كان مختلف. وكأنه سلّم الأمر. كل فترة يعدي يشوف محمد، يلعب معاه ويطمن عليهم ويمشي.
حنين كانت بتتفرج عليهم من بعيد، قلبها بيرتاح إنها رجّعت أخوها بطريقة أو بأخرى. أما هي، رجعت تكمل دراستها… مع إن البداية كانت صعبة، لكن وجود كريم في حياتها خلاها أقوى. كان بيساندها، يشجعها، وأوقات يراجع معاها كأنه هو اللي طالب.
كريم نفسه… بقى أنجح في شغله. رجع أقوى، عارف يوازن بين مسؤوليته تجاه بيته وشغله.
لكن جو البيت… كان مختلف. حنين وكريم بقوا عايشين حياة مستقرة، بس عمرهم ما خلوا الروتين يسيطر عليهم. كانت بينهم خناقات صغيرة كوميدية شبه يومية:
– يا كريم! إنت شربت القهوة كلها ومسيبتليش حاجة؟!
– إنتِ كنتي نايمة لحد الضهر، أعمل إيه بالقهوة تبرد؟
أوقات تانية: حنين تبقى قاعدة تذاكر، تركز جداً، فجأة كريم يدخل:
– يا حنين، تعالي شوفي محمد أنا زهقت.
– يا كريم! عندي امتحان بكرة.
– امتحان إيه أهم من ابنك؟
بالليل، بعد ما ينام محمد، يقعدوا يحكوا ويضحكوا على مواقف النهار. كريم يمازحها إنه "مظلوم" في البيت، وهي ترد عليه:
– "مظلوم إيه يا عم! ده أنا اللي مستحملة جنانك."
وهو يقرب منها، يمسك إيدها بابتسامة:
– وجنانك… أحلى حاجة في حياتي.
رواية مأساة حنين الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ايه الفرجاني
رواية مأساة حنين الفصل السابع و العشرون 27 - بقلم ايه الفرجاني
بعد سنتين..
حنين واقفة قدام المراية، لابسة لبس الجامعة لأول مرة، شنطتها على ضهرها…
وشها فيه رهبة وفرحة:
– ياااه… أول يوم جامعة اخيرا
محمد الي عنده حوالي سنتين ونص. ....
ماسك طرف هدومها، وشه معبّر عن رفض تام:
– مامااا… لاااا! تروحيشىىىى
قعد على الأرض، وشه بيحمر، ومسك الشنطة بإيديه الصغيرين
حنين قاعدت بتحاول تهديه:
– يا قلب ماما… ده مش غياب، هرجعلك تاني
كريم كان واقف في الصالة لابس بدلة وشكله متوتر، بيبص في ساعته:
– حنين بالله عليكي خلّصي… عندي اجتماع مهم النهاردة
حنين بغيظ:
– يعني أنا أسيب محمد بيعيط كده وأمشي؟!
محمد فجأة صرخ:
– "ااااااااشييش!"
ورمى الشنطة بعيد
كريم مسك راسه:
– يا نهار أبيض… هنروح في داهية!
بعد جدال طويل… اكتشفوا إن مفيش حل غير يسيبوه مع إسلام اللي واخد أجازة وموجود
حنين مترددة:
– إسلام؟! هو آخر مرة اخده رجّعه متبهدل
كريم:
– ما هو مفيش غيره، هدي في اجازه … يلا قبل ما نتأخر
في بيت إسلام بعد ما حنين طلعت خبطت واسلام فتح الباب واتفجأ بيها لسه هيتكلم:
=بالله عليك ي اسلام انهارده اول يوم جامعه وكريم مش فاضي وهدي اجازه خليه معاك
اسلام لسه هيرد
حنين سابت محمد وجريت
اسلام بصله برفعه حاجب ومحمد كان بيبكي خده و
قعد على الكنبة، محمد بقى بيتمرمغ
إسلام بيبص له بزهق:
– إيه في اي ؟ هو أنا خطفتك؟! مامتك هترجع دا اي التدبيسه دي
محمد دموعه نازلة:
– مامااا… مامااا!
إسلام حاول يلهيه، جاب عربية لعبة:
– بص يا بطل… عربية! ڤررروممم!
محمد رمى العربية من البلكونة
إسلام نط واقف:
– إيه دا؟! يا نهار أسود! العربية دي كانت بتاعتي من وأنا صغير!
بعدها جاب له شوكولاتة:
– طب خد دي
محمد مسكها، فتحت في إيده وسيحها على هدوم إسلام كلها
إسلام رفع إيده للسماء:
– يا رب… أنا أخوها الكبير ولا المربية بتاعته؟! ورطتوني!"
بعد كام ساعة، لما رجع كريم وحنين، لقوا إسلام شعره واقف، هدومه متبهدلة، والبيت مقلوب
محمد قاعد على الأرض مبسوط بيضحك
إسلام واقف بعصبية:
– خدوا العفريت بتاعكم… ده مش طفل، ده طاقة نووية!
كريم بضحم:
– الله ينور عليك يا حبيب قلب ابوك … واضح إنه اتبسط معاك
إسلام ببص لهم بعيون مولعة:
– أنا عمري ما هاخد أجازة تاني طول ما الواد ده عايش
حنين مش قادرة تمسك ضحكها، وهي شايلة محمد اللي بيضحك ويقول:
– خاااالو إساااام!
مر حوالي سنه بعد الموقف ده
وفي يوم.....
الكل كان متجمع عند في بيت حنين وكريم
كريم، حنين، إسلام… ومحمد اللي كبر شوية وبيلعب حوالين الترابيزة
جو دافي وهادئ، ضحك خفيف بينهم
فجأة، حنين وهيا واقفه ابة الفرجاني بتحط الاكل وشها بيصفر، إيدها تمسك بطنها وبتتنفس بصعوبة
إسلام بسرعة يقوم عليها:
– حنين! مالك؟
قبل ما حد يلحقها، حنين عينيها بتتقفل، وتنهار على الأرض
كريم يصرخ:
– حنــــــين!
جري شيلها بسرعة
إسلام واقف مصدوم، قلبه بيدق لكنه بص بحدّة على كريم:
– إنت السبب! أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي… طول عمرك بتجيب ليها التعب!
كريم بصوت متوتر ومكسور:
– إسلام بالله عليك دلوقتي مش وقت كلام… ننقذها الأول ونشوف مالها
في المستشفى
الكل واقف متوتر
كريم واقف قدام باب الطوارئ، راسه في إيده، عينه محمرة من القلق
إسلام واقف قدامه، إيده في جيبه، متوتر، ومش قادر يكتم غضبه
إسلام فجأة ينفجر فيه:
– قولتلك! كنت عارف إنك هتبوظ حياتها… إنت مش قدها يا كريم!
كريم رفع راسه، عينيه كلها دموع:
– أنا عمري ما هسمح لنفسي أوجعها… بس إنت مش فاهم! انا مش عارف اي الى حصل ليها
الخناق يعلى، صوتهم يملأ الطرقة…
لحد ما فجأة باب غرفة الكشف يتفتح، والدكتور خرج....
الدكتور بابتسامة صغيرة:
– مين كريم؟ مين جوز المريضة؟
كريم وقف بسرعة، صوته بيرتعش:
– أنا… إيه اللي حصل؟ هي بخير؟!
الدكتور ابتسم أوسع:
– مبروك يا استاذ … مراتك حامل
الطرقة كلها سكتت فجأة
كريم عينه اتسعت، قلبه وقع من الفرح والدهشة
إسلام واقف متجمد، مش قادر ينطق
كريم بصوت متكسر من التأثر:
– ح… حامل؟! يعني… هبقى أب تاني؟!
الدكتور ابتسم وهو بيكتب في الملف:
– بالظبط… التعب اللي حصلها طبيعي جداً في أول الحمل محتاجة بس ترتاح وتخلي بالها
كريم مش قادر يسيطر على نفسه، دموعه نزلت
مسك راسه بإيده وقال همس:
– الحمد لله… يااا رب
إسلام لسه واقف في صدمة، قلبه بيتقلب من جواه… يبص لحنين من بعيد وهي قاعده على السرير، ودموع صغيرة نزلت من عينه وهو يهمس لنفسه:
– أهو خلاص… حياتها بقت معاه هو..... واضح انهم استقروا بجد
رجوع للوقت الحالي.....
كانوا لسه قاعدين سوا، الجو هادي وحنين في حضن الذكريات مع كريم… فجأة ابتسمت بهدوء، وقامت وهي بتبصله لاقته غارق في النوم، ومحمد نايم فوق صدره بإيد صغيرة متشبثة فيه المنظر خلّى قلبها يدق أسرع وهي تتمتم:
– يا ربي عالجمال ده
بصّت في الموبايل، اتفاجئت بالساعة:
– يا نهار أبيض! الوقت جري كده وانا قاعده بعيد الذكريات؟!
مدّت إيدها تهز كريم:
– كريم… اصحى
فتح عينه بتقل، أول ما شاف محمد نايم عليه ابتسم بنعاس:
– شكله لزق فيا مش عايز يسيبني
حنين بخفة:
– قوم بقى… أنا هقوم أجهز الأكل، وانت صحّي إسلام
أول ما سمع اسم "إسلام"، كريم قفز كأنه أخد شحنة كهربا:
– لأاا، أنا هصحّي محمد! وهو يصيحيه
قام بسرعة يهز محمد بخفة
– يلا يا بطل، قوم معايا نصحي خالك
محمد بصوت متقطع من النوم:
– خالوو… إسلام؟!
ضحكة عالية خرجت من كريم وحنين في نفس اللحظة، الجو امتلأ بخفة دم بعد اللحظة التقيلة اللي كانوا فيها
حنين وقفت قدام كريم، وهي بتضحك بخفة:
– بص… بدل ما تعمل فيها شجاع، خُد محمد معاك، وهو اللي يصحي خالو إسلام
كريم فتح عينيه بدهشة:
– إيه ده! عايزاني أبعته في مهمة انتحارية؟!
محمد الصغير كان لسه بيتمطع وهو نايم على كريم حنين مسكته برفق، وباست راسه وقالت له:
– يلا يا حبيبي… روح فوق خالك
محمد مسك إيد كريم وهو لسه نص نايم، وبيمشوا سوا لحد أوضة إسلام
كريم واقف بعيد عند الباب، بيشاور لمحمد:
– يلا… خش إنت
محمد دخل بحماس الطفولة، طلع على السرير وهو يضحك، قعد يهز في إسلام ية الفرجاني ويقول بصوته الطفولي:
– خالووو… قوم بقى!
إسلام اتقلب ببطء، وفتح عين واحدة، أول ما شاف محمد فوقه، ابتسم وسحبه في حضنه:
– إيه ده… أنت اللي جاي تصحيني مش باباك الجبان؟
كريم من بره اتنفض:
– سمعتك على فكرة!
إسلام ضحك، ومحمد كمان ضحك بصوت عالي
كريم داخل بخطوة مترددة:
– يلا بقى، قوم عشان نتعشى قبل الأكل ما يبرد
حنين في الوقت ده كانت في المطبخ بتحضر الأكل، وبتسمع الضحك بين التلاتة، ابتسمت وهي بتحس بدفا غريب لأول مرة من زمان
دخلوا المطبخ سوا، بيحطوا الأطباق على السفرة فجأة، صرخة حادة قطعت الجو:
– آااااه!
حنين مسكت بطنها بقوة، وقع الطبق من إيدها على الأرض واتكسر
في نفس اللحظة دخل إسلام حامل محمد على كتفه وهما بيضحكوا:
– جهزين ناكل ولا لسه؟
لكن الضحكة وقفت لما سمعوا الصرخة عيونهم اتسعت، كل واحد جري عليها من ناحية:
– حنين!
– مالك؟!
إسلام بيحاول يشيلها، كريم ماسك إيدها وهو تايه، ومحمد عمال يعيط من المنظر
حنين بصوت عالي متقطع من الألم:
– مش عاوزة هري… ودّوني المستشفى دلوقتي!
كريم وإسلام بصوا لبعض بصدمة… وبعدها الاتنين اتحركوا مرة واحدة
المستشفى كانت مليانة توتر… كريم ماشي رايح جاي قدام باب غرفة الولادة، ووشه شاحب من القلق إسلام قاعد على الكرسي، ماسك راسه بين إيديه، ومحمد نايم على حجره متعب من العياط
الممر كله هادي بعد ما صوت صرخات حنين اختفى…
كريم و إيده ماسكة المصحف، عينيه غرقانة دموع، كل ثانية بتعدي كأنها سنة
إسلام واقف جنبه، لأول مرة من غير عناد، صوته واطي وهو بيقول:
– متقلقش… ربنا هيقومها بالسلامة
كريم بص له بسرعة، وابتسامة صغيرة ارتسمت على وشه:
– أول مرة أسمع منك الكلمة دي من قلبك
إسلام هز راسه وهو متوتر، لكن ملامحه فيها صدق
الباب اتفتح بعد دقايق والممر اتملأ بصوت بيبي صغيرة بتعيط
كريم شهق ووقف مكانه، قلبه بيدق بجنون.
الدكتور خرج بابتسامة واسعة:
– مبروك يا جماعة… المدام بخير، وجابتلكم أميرة صغيرة
كريم ما قدرش يمسك نفسه، وقع على ركبته وهو بيضحك ويبكي في نفس الوقت
إسلام أول واحد ساعده يقف، حضنه وقال له:
– مبروك… بقيت أبو بنات
بعد دقايق حنين انتقلت اؤضه تانيه وكريم ومحمد دخلوا لبها ومعاهم الطفله
حنين كانت نايمه على سرير ، وشها تعبان لكن عنيها مليانة فرحة، ماسكة الطفلة الصغيرة في حضنها كريم قعد جنبها، إيده في إيدها وهو بيبصلها بحنان
محمد قريب منهم، بيتفرج على أخته بنظرة انبهار:
محمد بحماس طفولي:
– مامي… هي دي أختي؟
حنين بابتسامة:
– أيوه يا حبيبي… دي أختك
محمد يقرب أكتر ويلمس إيد الصغيرة بحذر:
– صغننة قوي… هتكبر ولا لأ؟
كريم يضحك بخفّة:
– لأ هتفضل كده على طول
محمد يبصله بجدية:
– بجد؟!
حنين تضرب كريم بنظرة:
– بطل تضحك عليه يا كريم
كريم يضحك أكتر:
– ما هو بيصدق أي حاجة
الباب بيتفتح بهدوء… إسلام داخل بس قبل ما يخطو خطوته التانية، لاقي واحدة واقفة على الباب مترددة تدخل
إسلام يوقف مكانه:
– أيوة؟ محتاجة حاجة؟
البنت بابتسامة متوترة:
– حضرتك… إسلام، أخو حنين، صح؟
إسلام يضيق عينيه باستغراب:
– أيوه… أنا وإنتي مين؟
– أنا نادين… بنت خالة كريم.
تمد إيدها تسلم
– يمكن ما تفتكرنيش، بس أنا شفتك قبل كده… يوم المشكلة اللي حصلت بينك وبين كريم
إسلام اخد لحظة، يفتكر، وبعدين رد:
– آه… فاكر بس وقتها ما كانش في فرصة نتكلم
نادين بهدوء:
– مضبوط… وأنا أصلاً كنت مسافرة رجعت النهارده وبالصدفه عرفت من هدي إن حنين هنا، قلت أعدي أطمن عليها
إسلام يومئ برأسه باحترام:
– اتفضل.
يدخلوا سوا الأوضة
نادين أول ما تشوف حنين، عينيها تلمع:
– يا حبيبتي… ألف مبروك، ما شاء الله قمر
حنين بابتسامة:
– الله يبارك فيكي يا نادين… وحشتيني رجعت امتى وعرفت ازاي اني هنا
نادين بابتسامة ودودة:
– لسه راجعه انهارده وصلت الشنط الشقه وقولت اعدي عليكم عرفت انكم هنا
بصت ل كريم وقالت:
ألف مبروك يا كريم.
كريم بابتسامة قصيرة:
– الله يبارك فيكي
محمد بص فيها بفضول:
– إنتي مين؟
نادين تنزل لمستواه وتضحك بخفة:
– أنا نادين… يعني ابقى عمتك
محمد يفتح عينيه بدهشة:
– بجد؟ عندي عمه؟
كله ضحك عليه حتى إسلام ابتسم بخفة
نادين بعد لحظة بصت لاسلام ةقالت:
– حضرتك لسه راجع من الشغل ولا واخد أجازة مخصوص عشان حنين؟.
إسلام يرد بهدوء:
– أجازة لازم أكون معاها وقت زي ده
نادين بابتسامة صادقة:
– واضح إنك أخ حقيقي قوي
إسلام رفع حاجبه شوية، مش متعود يسمع الكلام ده، ورد بجملة قصيرة:
– بحاول
نادين:
– واضح إنكم هنا عيلة مترابطة أوي بجد مشوفتش كده قبل كده
إسلام بابتسامة بسيطة:
– العيلة دي هي كل حاجة عندي يمكن أوقات بنختلف… بس في الآخر بنقف جنب بعض
نادين بهدوء:
– الاختلاف ده صحي على فكرة… يخلي كل واحد يكتشف التاني أكتر.
إسلام يبص لها باهتمام:
– بتتكلمي كأنك جربتي ده
نادين تضحك بخفة:
– طبعاً… أنا عندي إخوات، بس الحقيقة ما حدش بيزعلني قدهم… وبرضه ما حدش بيساعدني زيهم.
إسلام يبتسم أكتر:
– آه… ده تعريف الأخوات فعلاً
حنين بصت لكريم همست:
– شايف؟ أول مرة أشوفه بيطوّل الكلام كده
كريم بخبث:
– وأنا كمان… شكلها فتحت معاه مواضيع
نادين كمّلت وهي بتبص للطفلة:
– على فكرة… البنت شبهك أوي يا حنين بس واخدة من كريم العيون
كريم ضحك بخفة:
– اي ده بجد
إسلام يرد فجأة:
– أنا شايف إنها شبه محمد نفس الفضول اللي في عينيه
محمد يفتح عينيه بدهشة:
– إزاي وهي لسه صغيرة؟
نادين تضحك:
– الأطفال شبه بعض في الأول يا محمد… بس تلاقي شخصيتهم بتبان بدري
إسلام يومئ برأسه:
– صح… ويمكن أهم حاجة إنهم يتربوا في حضن ناس بتحبهم.
نادين تنظر له بإعجاب صامت:
– واضح إنك بتفهم قوي في التربية
إسلام بابتسامة جانبية:
– مش قوي… بس اتعلّمت مع محمد خلاني أتعلم الصبر
نادين ضحكت بخفة:
– لو عرفت تتعامل مع طفل زي محمد، يبقى تقدر تتعامل مع أي حد
كله ضح
حنين ضغطت على إيد كريم وهمست بخبث:
– إيه رأيك لو نسيبهم يطولوا الكلام شوية؟
كريم يرد بنفس الهمس:
– أنا شايف إنهم مش محتاجين مساعدتنا أصلاً
إسلام لاحظ نظراتهم، فسكت فجأة وبص لنادين:
– الناس هنا شكلهم فاهمين غلط
نادين تتكسف وتعدل جلستها:
– لأ خالص… إحنا بس بنتكلم احنا لنتكلم عادي
حنين بابتسامة واسعة:
– ما هو الكلام بداية كل حاجة
كريم رفع حاجبه ويضاف بخبث:
– وخصوصاً لو في تفاهم
إسلام حدّق فيهم باستغراب، بينما نادين ضحكت وهي بتقول:
– بجد أنتو ما بتسيبوش فرصة غير لما تزوّدوا عليها تاتش
حنين:
– إحنا بس بنحب نفرح ي ستي
إسلام قطع الموقف:
– أنا… هخرج أشم هوا شوية
نادين بسرعة:
– أجي معاك؟
إسلام يبص لها باستغراب بسيط، بس يرد بهدوء:
– ماشي
وخرجوا مع بعض
حنين لكريم بابتسامة:
– بتفكر في اللي بفكر فيه؟
كريم رد بخبث واضح:
– أيوه… وأكتر كمان
بعد يومين...
الليل كان ساكن… ضيّ القمر داخل من شباك أوضة حنين وهي قدام الشباك، لابسة جلابية بيت مريحة، شايلة بنتها الصغيرة بحنان، عينيها مليانة فرحة وهي بتبص لتحت
إسلام قاعد على الدكة الخشب، محمد قاعد جنبه بيحكيله حكاية ببراءة، ونادين قاعدة معاهم بتضحك بخفة على تعليقاته الجو كله دافي وهادي
حنين ابتسمت،و دموع خفيفة لمعت في عينيها من السعادة… فجأة حست بذراعين بيحضنوها من وراها، وصوت كريم الواطي بيهمس في ودنها:
– عارفة يا حنين… كل اللي عدي… كل التعب والخوف والدموع… كان عشان نوصل للحظة دي
حنين تميل براسها على صدره، وتقول بهدوء:
– فعلاً… استاهلنا نستنى ونستحمل… ربنا عوضنا
كريم بص للبيبي الصغيرة وهي نايمة بين إيديها، وكمل بابتسامة صافية:
– أنتي… ومحمد… وهي… إنتوا حياتي كلها مفيش حاجة أتمناها بعد كده
حنين لفت راسها بصتله بابتسامة فيها حب وامتنان:
– وانا كمان… وجودك جمبي هو اللي مخليني واقفة هنا دلوقتي....
كريم ضحك بخفة وطبع قبلة رقيقة على جبينها، وبعدين بص معاها من الشباك لتحت:
– شايفة؟ حتى إسلام يمكن يلاقي اللي يسنده يمكن خلاص… مفيش خوف بعد النهاردة
حنين ضحكت وهي مسحت على شعر طفلتها:
– يمكن… دي البداية الجديدة لينا كلنا
تمت🌷💞♥ اتمني اكون عرفت اكتب النهاية الي تليق بيهم رغم التعب الي انا في والحمد لله الذى عافني ممنا ابتلى به غيري...
"*يمكن تكون الرواية دي مجرد حروف مكتوبة على ورق أو شاشة… لكن الحقيقة إنها كانت رحلة طويلة مليانة مشاعر، وقت، دموع وضحك، خوف وأمل.
خدت مني مجهود كبير ووقت يمكن محدش يتخيله، بس كل لحظة كتبتها كنت حاسة إني قريبة منكم… قريبة من كل قلب بيقرأ، يمكن لأنه شايف نفسه جوا السطور، أو لقى في الأحداث لمحة من وجعه أو حلمه.
القصة دي بدأت من حكاية حقيقية… حكاية بنت معرفش فين بقيت دلوقتي، ولا إزاي شكل حياتها، ولا إذا لقت العوض اللي تستحقه ولا لأ.
بس أتمنى من قلبي إنها تكون بخير… تكون ابتسمت تاني بعد البكاء، وتكون لقت قلب يحتويها ويصونها.
الحكاية كبرت واتغيّرت واتزود عليها تفاصيل من خيالي، بس ظل جوهرها دايمًا هو الأمل… الأمل إن حتى بعد الألم في حياة، وبعد الكسر في جبر، وبعد الضلمة في نور.
أنا بهدي الرواية دي:
لكل القلوب الحزينة اللي اتأذت في يوم، واتكسرت وما حدش حس بيها
لكل حد اتظلم أو اتخلى عنه أو لقى نفسه وحيد
لكل بنت أو ولد شالوا أكتر من طاقتهم، وفضلوا قاوموا عشان يعيشوا.
بهديها لكل اللي فقدوا الأمان… عشان يفتكروا إن في رب كريم اسمه "السلام"، وما يسيبش عبد لجأ له إلا ويديله راحة.
قال الله تعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا." [الشرح: 5-6]
وقال رسول الله ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير
الكلمات دي مش مجرد آيات وحديث… دي وعد من ربنا إن بعد كل تعب هييجي فرج، وبعد كل دمعة هتنزل، في ضحكة مستنياك
وإنتوا كمان، اللي قرأتوا وكملتوا للآخر… الرواية دي مش بس روايتي، دي روايتكم لأن أي نص من غير قارئ ملوش روح
أنا كتبت… لكن أنتم اللي أحييتوا الحكاية
فشكراً لكل عين قرأت، ولكل قلب عاش معايا اللحظة.
ويا رب كل اللي داق مرارة الألم، يدوق بعدها حلاوة العوض… عوض يليق بقلبه وصبره.
دي مش نهاية، دي بداية جديدة… بداية لوجع خف، وبسمة تكبر، وأحلام تتولد من جديد.
وخليكم فاكرين: الحب الحقيقي مش دايمًا بين اتنين بس… أوقات بيكون بين الإنسان وربه، بينك وبين نفسك، بينك وبين الحياة.
وللبنت اللي كانت أصل الحكاية… يمكن عمرك ما تعرفي إن قصتك فضلت عايشة في قلبي واتكتبت بألف صورة يمكن عمرك ما تقري الرواية دي… لكن بدعيلك من قلبي:
ربنا يديكي السعادة اللي تستاهليها، ويعوّضك عن كل لحظة كسرتك
وأختم كلمتي دي بجملة بسيطة:
مهما اتوجعتوا… ما تفقدوش الإيمان ولا الأمل لإن الحياة، بكل قسوتها، دايمًا عندها مفاجأة حلوة مستخبية🌹
انتظروا بكره اسكريبت اصداء قلب قصه حب خقيفه علي قلبك 💚@االكاتبة_اية_الفرجاني
صلوات ربي عليك ي خير الهدي ❤💞♥
وطبعا عشان اخر بارت مش هلاقي حد يتفااعل صح 😢
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية