تحميل رواية «مأساة حنين» PDF
بقلم ايه الفرجاني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اسمى حنين... عندى ١٧ سنة، بس لو شفت شكلى هتفتكرنى عديت التلاتين يمكن من كتر التعب أو يمكن من كتر الوجع اللى شيلته على كتافى وأنا فى السن ده... أنا مش زى البنات اللى عندها حنية أم، ولا حضن أب ولا حتى إخوات يسندونها ويخبّوها من البرد. أنا بنت طردوها بعد موت أهلها. قالولى امشى برا البيت ملكيش حاجة. من غير لا سند، ولا ضهر، ولا حتى رغيف عيش ناشف آخده فى طريقى. يومها ماكنش عادى... كان يوم حر جدًا، الشمس كأنها ناوية تحرقنى وأنا ماشية بشنطتى الصغيرة اللى فيها هدومى اللى عرفت آخدها قبل ما أمشى. مكنتش مصد...
رواية مأساة حنين الفصل الأول 1 - بقلم ايه الفرجاني
اسمى حنين... عندى ١٧ سنة، بس لو شفت شكلى هتفتكرنى عديت التلاتين يمكن من كتر التعب أو يمكن من كتر الوجع اللى شيلته على كتافى وأنا فى السن ده... أنا مش زى البنات اللى عندها حنية أم، ولا حضن أب ولا حتى إخوات يسندونها ويخبّوها من البرد.
أنا بنت طردوها بعد موت أهلها. قالولى امشى برا البيت ملكيش حاجة.
من غير لا سند، ولا ضهر، ولا حتى رغيف عيش ناشف آخده فى طريقى.
يومها ماكنش عادى... كان يوم حر جدًا، الشمس كأنها ناوية تحرقنى وأنا ماشية بشنطتى الصغيرة اللى فيها هدومى اللى عرفت آخدها قبل ما أمشى.
مكنتش مصدقة إن دى آخر مرة هشوف فيها أوضتى، سريرى، ذكرياتى. بابا وهو بيشرب شاى وبيكلمنى. ماما وهى بتزعقلى كل شوية. مكنتش عارفة إنى لما هخرج، مش هرجع تانى.
خرجت... وأنا ماشية كنت بعيط، بس مش بصوت. كنت بعيط من جوه... قلبى بيصرخ، بس صوتى مكسور.
فضلت أمشى، وأمشى، لحد ما رجليا وجعتنى وقعدت ع الرصيف.
الناس ماشية، تبص وتعدّي، ولا حد سألنى مالك؟ ولا حد حتى وقف جنبى.
مليش حد أروحله. اللى المفروض منى رمونى عشان مش عاوزين يصرفوا عليا.
أول ليلة نمت فيها فى الشارع، كانت أكتر ليلة حسيت فيها إنى ولا حاجة. أتمنيت لو إنى مت مع أهلى يومها. بس يمكن ربنا ليه إرادة فى اللى بيحصلى.
برد، خوف، أصوات العربيات بتكلبش فى قلبى والدموع نشفت من كتر ما نزلت.
كنت جعانة... وجعانة أوي... بس أكتر من الجوع كنت عاوزة حضن... حضن يطمّنى، يقوللى "أنا معاكى يا حُنين".
حسيت إنى عاوزة بابا وماما. أترمى فى حضنهم وأنسى العالم كله.
عدّى أول يوم ورا التانى، ورا التالت... كنت بصحى الصبح على صوت الزعيق والشتايم فى الشارع، والبرد لسه لافف جسمى زى التلج، والناس حواليا ماشية بسرعة، وأنا واقفة متسمّرة، مش عارفة رايحة فين...
كنت كل ما أبص فى المرايا المكسورة اللى على جنب محل قافل ألاقى عينى مش أنا.
أنا... عمرى ما كنت كده. عينى فيها خوف، وذل، وانكسار... أنا اللى كنت لما حد يزعقلى أعيط، بقيت ما بدمّعش... من كتر ما اتوجعت، مبقتش بحس!
فى يوم وأنا قاعدة على رصيف تحت كوبرى شبرا كنت جعانة أوي... معدتى بتقرّصنى كأنها بتقطع فيا.
قعدت ألف حوالين العربيات اللى بتبيع سندويتشات على أمل حد يدينى لقمة...
الكل بيبصلى بريبة، كأنى حرامية أو مجنونة!
وفجأة... شفت شخص ساند على عربية وبيأكل. كان شاب فى أواخر العشرينات، شكله شيك ولبسه نضيف، وكان شايل كيس فيه أكل وشاى سخن.
كنت ببصله وهو أخد باله منى فجأة. قرب منى وقال بابتسامة وهو بيقرب الكيس منى:
= انتى جعانة؟
أنا ما رديتش... خفت... بس جسمى هو اللى جاوب، عينى اللى دمعت، ويدى اللى خدت الأكل بسرعة... كنت باكل وأنا ببصله بخوف.
قالى باستغراب من حالتى:
= كلى واطمنى... أنا مش هأذيكي.
أكلت... وكان أول لقمة سخنة تدخل بطنى من أيام... كنت بأكل وأنا بعيط... عياط مكتوم من غير صوت.
قعد جنبى وفضل يبصلى باستغراب.
= انت اسمك إيه؟
قلتله بصوت واطى:
= حُنين...
ابتسم وقال:
= اسمك حلو... بس باين عليه قلبك اتكسر كتير.
كمان مش واضح إنك بنت شوارع. إيه عمل فيكى كده؟ احكى لو أقدر أساعدك.
سكت... ما عرفتش أرد... أنا فعلاً قلبى اتكسر، واتردم عليه، واتنداس.
لما مردتش عليه قالى:
= أنا اسمى كريم... لو عاوزة مكان تنامى فيه أنا ساكن لوحدى، وفى أوضة فاضية، تقدري ترتاحى فيها... مش لازم تفضلى فى الشارع كده لأنه مش أمان لبنت زيك.
بصيتله ومخى كان بيودى ويجيب... هو بيطّمنى؟ ولا بيصطادنى؟
بس وقتها مكنش عندى رفاهية أختار... كنت بردانة، مرهقة، ومفيش أي باب في الدنيا مفتوح ليا غير الباب اللى هو فتحه.
رحت معاه.
كان ساكن فى شقة صغيرة فى عمارة قديمة... طلعنا السلم وأنا خايفة وقلبى مش مطمئن. دخلنا.
قالى بهدوء وهو بيشاور على الأوضة:
= دى الأوضة أهي. اقفلى عليكِ الباب ونامي، وأنا مش هأقربلك متخافيش.
هزيت دماغى وكنت مرعوبة بس دخلت. الأوضة شكلها نضيف ومترتبة. قفلت الباب كويس. وأول ما وصلت السرير فعلاً نمت...
بعد ساعات معرفش عددها قد إيه قمت وأنا مرعوبة. ببص على هدومى. شكلى.
= أنا شكلى نمت كتير ولا إيه.
أول مرة أحس إن في سقف فوق دماغى من أيام.
صحيت على ريحة فطار... بيض مسلوق، عيش، وشاى.
فتحت الباب وخرجت. كان واقف بيعمل الأكل. أول ما شافنى ابتسم.
كريم كان بيحاول يخلينى أطمن. فقالي:
= صباح الخير يا حنين.
سكت وأنا مش عارفة أرد. هزيت دماغى بخجل.
بصلى بابتسامة وقال:
عارف إنك خايفة بس... أنا مش زيهم. أنا عارف إنك موجوعة، ومكسورة. وقت ما تحبى تحكى لى أنا جاهز.
صدقته... لأنى كنت محتاجة أصدق... أنا مكنتش بدور على راجل... كنت بدور على أمان، بس للأسف... ما كنتش أعرف إن الأمان ساعات بيبقى فخ.
بقيت أقعد معاه فى الشقة، أنضف، أطبخ، وبيصرف عليا... وأنا شايفة نفسي برجع للحياة... بس مش حياتى!
وفى يوم... دخل الأوضة من غير ما يخبط وشكله كان غريب... وو... حصل.
رواية مأساة حنين الفصل الثاني 2 - بقلم ايه الفرجاني
دخل الأوضة من غير ما يخبط.
بصلي بنظرات غريبة.
اتخضيت ووقفت من على السرير.
قرب مني وهو بيقول:
= أنا مش طالب حاجة… بس أنتي عارفة إن اللي زيي لما يساعد، لازم بيبقى ليه مقابل صح؟
ساعتها قلبي وقع.
مكنتش فاهمه قصده إيه.
لاقته عمال بيقرب أكتر.
وأنا من خوفي نزلت من على السرير.
كنت بتكلم وأنا خايفة جدًا.
أول مرة أشوفه كده من يوم ما شفته.
= مش فاهمه إنت عاوز إيه.
إنت بتقرب كده ليه؟
بالله عليك يا كريم، إنت قولتلي إنك مش زيهم صح؟
ضحك ضحكة خبيثة وقال:
= كلهم بيقولوا كده في الأول يحلوة…
اتصدمت.
حسيت قلبي هيقف.
حسيت إني متكتفة من جوه.
كأني رجعت تاني للشارع.
بس المرة دي جوا شقة.
يعني لا أمان، ولا سقف، ولا حتى جدران تحميني.
قولتله بدموع:
= لو كنت أعرف إنك هتبقى كده ما كنتش جيت معاك.
أنا عاوزة أمشي.
لسه بحاول امشي.
ضحك وقرب مني جامد وقال:
= وهو أنا قلتلك إن الحياة ببلاش؟
دموعي سبقتني.
كنت بدأت أحس بأمان خلاص.
رغم إني عارفة إن ممكن يطلع كده، بس صدقته من كلامه.
حاولت أتكلم معاه وأترجاه:
= كريم بالله عليك.
أنا لسه صغيرة… أنا في سنة تانية ثانوي.
اعتبرني أختك وسيبني امشي.
والله همشي مش هعمل حاجة.
قال بسخرية:
= أختي وصغيرة؟
دا إنتي كبرتي قبل أوانك يا حنين… وشكل الشارع علّم فيكي أكتر من المدرسة!
اللحظة دي… حسيت بجسمي بيترعش.
دموعي نزلت وزادت غصب عني.
مكنتش قادرة أصرخ ولا أتكلم.
بدأ يقرب مني وأنا أرجع لورا لحد ما لزقت في الحيطة.
وأخيرًا قدرت أتكلم وأنا بحاول أبعده عني.
= متقربليش… بالله عليك…
بس هو ما كانش سامع غير نفسه وبس.
زقني على السرير وبعدها محستش بحاجة.
بعد وقت معرفش قد إيه، صحيت وأنا حاسة إني ولا حاجة.
مش قادرة أبص في المراية.
حاسة إني ميتة بالحياء.
أول مرة أحس بكسرة بجد.
كسرة ضهر وكرامة وزل وشرف.
ما كانش فيه صريخ… كان فيه خرس.
كأني اتخرست مش قادرة لا أبكي ولا أتكلم.
جوايا حاجة اتكسرت.
أنا اللي كنت بحاول أعيش، بقيت جسد ماشي على رجليه بس جسد بدون روح.
قمت وقفت قدام المراية ببص لنفسي لجسمي.
مقدرتش، وقعت على ركبي وأنا بنهار.
= يااااااااارب يااااارب أنا معملتش حاجة عشان يحصل معايا كده.
ي ماما ياريتني كنت مت معاكم.
دموعي نزلت لأول مرة بالطريقة دي.
أول مرة أحس بجد يعني إيه كسرة بجد.
قمت بعدها استحمت وصليت.
معرفتش أخرج من الأوضة.
كان قافل عليا خايف إني أهرب منه.
حاولت كتير أكسر الباب أو أفتحه.
معرفتش.
كان بيرجع يعمل الأكل ويفتح الباب ويحطه من غير ما يتكلم.
كنت بحس إنه ندمان على اللي عمله.
فضلت في الشقة يومين بعد اللي حصل.
مش قادرة أطلع وهو قفل عليا الباب.
بس الغريبة إنه محاولش يقرب مني تاني.
حتى كان بيعاملني كأني شخص مش موجود.
حسيت ولا كأني كنت طفلة في يوم.
وفي يوم صحيت على صوته واقف جنبي وأنا نايمة.
اتخضيت.
رجعت لورا شديت الغطا عليا وأنا ببصله بخوف ورهبة.
لقيته بيقول:
= اللي حصل حصل… انسي وحطيه ورا ضهرك وخلينا نعيش سوا بقى كده على طول.
كده كده إنتي مالكيش حد وأنا مليش حد.
اتصدمت.
مكنتش مصدقة اللي بيقوله.
قولته بزعيق:
= إنت إيه معندكش دم ولا ضمير؟
هتروح من ربنا فين؟
إنت فاكر إني عشان مليش أهل أبقى لعبة في إيدك؟
إنت كسرتني وخدت أهم حاجة في حياتي.
على قد ما قعدت في الشارع محدش فكر يعمل اللي إنت عملته فيا.
دموعي نزلت ومقدرتش أكمل.
قالي وهو بيخرج:
= "اللي زيك ميختارش… إنتي لو مشيتي من هنا هترجعي الشارع، والشارع خلاص عرف طعمك!
أظن مش هتلاقي مكان زي ده تاني أكل وشرب وسكن ببلاش.
كل اللي مطلوب منك إنتي عارفاه.
قالي كده بغمزة ومشي بعدها وقفل الباب.
قررت أهرب.
وفعلاً حاولت كتير أفتح الباب وفعلاً فتحته.
حمدت ربنا مكنش موجود في البيت.
نزلت جري.
مكانش معايا لا فلوس ولا حتى هدومي.
بس خدت نفسي، ونزلت من بيته وأنا بترعش.
كنت ماشية في الشارع زي التايهة، زي المجنونة.
كل الناس تبصلي، واللي يضحك، واللي يشاور، واللي يعاكس.
لحد ما وصلت على "قهوة" صغيرة على جنب.
وقعدت على الرصيف جنبها وعيوني معلّقة في السما.
وبدأت أعيط.
بس المرة دي… دموعي كانت هادية.
دموع حد استسلم.
قعدت يومين مرمية في الشارع.
رجليا مش قادرة تشيلني، وكأن الوجع تقيل عليها.
بطني بتصرخ من الجوع.
ودماغي بتلف من قلة النوم والخوف.
مشفتش كريم بعدها خالص.
حمدت ربنا كنت خايفة يرجع يدور عليا تاني.
كنت بحاول أنام تحت كوبري إمبابة.
وسط ناس شكلي مش فاهمة هم بني آدمين؟ ولا كوابيس ماشية على رجلين.
وفي ليلة… الدنيا كانت بتمطر، وأنا متلحفة بكيس بلاستيك كبير خدته من الزبالة.
كنت قاعدة متكوّرة على نفسي.
حسيت بخطوات حد بيقرب، وصوته غليظ.
كان واضح عليه إنه سكران.
قال:
= أي ده مزة هنا لوحدها في الوقت ده.
دا شكلي حظي من السما انهاردة.
قرب مني وأنا كنت مرعوبة.
مقدرتش أصرخ ولا أتحرك.
ما لحقتش أرد.
كنت بردانة، مرهقة، وكل خلية فيا بتقول "سيبيني فحالي حرام عليكم".
بس ولا كأني بتكلم.
فجأة… إيده مسكت دراعي، وصوت تنفّسه بقى قريب من وشي.
وأنا برتعش…
كل حاجة جوايا بتتكسّر تاني.
قلتله بصوت بيطلع بالعافية:
= "بالله عليك… سبني… كفاية…"
ضحك وقال:
= "كل واحدة بتقول كده في الأول…"
صرخت.
= الحقوني حد يساعدني.
ببص للناس اللي نايمة حواليا، نايمة موت مش نوم.
حاولت أهرب منه مقدرتش.
كنت مرهقة.
حاولت أدور على أي حاجة أدافع بيها عن نفسي.
وايدي وقعت على حديدة في جنب.
ضربته وجرى وسبني.
بعد اللي حصل… مقدرتش أتحرك.
قعدت في نفس المكان يومين تانيين.
مبكلّمش، مبنطقش.
بقالي أربع أيام معدتي ما دخلهاش غير حبة رز لقيتهم في كيس جنب محل فلافل، كانوا مرميين على الأرض.
كنت كل يوم بدوّر في الزبالة.
أي حاجة… قشرة موز، رغيف ناشف، حتى بواقي ساندويتش متعفنة.
مبقتش أشكي.
كنت باكل وأنا دموعي بتنزل.
مش علشان الأكل بايظ.
علشان أنا اللي بقيت تالفة.
الناس بقت تبصلي وتقرف.
والعيال الصغيرة ترميني بالطوب وتضحك.
:= "شوف يا ماما… البت المجنونة بتاعة الكوبري!"
مجنونة؟
لا، أنا صاحية أكتر منكم كلكم.
أنا بس مكسورة… ومحدش سندني.
في يوم وأنا ماشية، هدومي متقطعة، شعري متلبد، ووشي كله تراب.
واحدة ست عدت من جنبي، حطت إيدها على شنطتها وكأنها خايفة إني أسرقها.
ساعتها ضحكت… ضحكت ضحكة وجع.
أنا؟ أسرقك؟
أنا مش لاقية نفسي هاخد منك إيه؟!
رحت على مول كبير ودخلت الحمام.
دخلت من غير ما حد يشوفني.
وقعدت أتمسّح بالمناديل اللي في الأرض.
كنت بدوّر على ريحة آدمية جوايا، بس لقيت بس ريحة الذل، والعار، واللي ضاع.
في اللحظة دي… وأنا قاعدة في الحمام على البلاط.
بصيت لنفسي في مراية مش بتعكس غير الخوف.
قلت بصوت مسموع:
= "أنا حنين… بس مش هي دي أنا".
أنا اللي كنت بحلم أبقى دكتورة، وألبس بالطو أبيض، وأفرح ماما وبابا.
أنا اللي كان عندي كراسة كاتبة فيها "أمنياتي".
دلوقتي أنا مش لاقية رغيف عيش.
ولا حتى هدوم تسترني.
ولا إنسان يسألني "مالك؟"
بس… لسه عايشة.
واللي لسه عايش… لسه في حكاية وراه.
حتى لو الحكاية كلها سواد.
لازم هتيجي لحظة… النور يدخل من شق في الحيط.
وأنا لسه قاعدة جوّه الحمام.
بحاول أمسح وشي، وأرتب شعري بأي شكل.
دخلت واحدة من العاملات، أول ما شافتني… صرخت:
= "إنتي بتعملي إيه هنا؟ إنتي جاية منين أصلاً؟ يلا برااا!!"
أنا اتلبشت، اتجمدت في مكاني.
قلتلها وأنا برتعش:
= "والله ما عملت حاجة… بس كنت عاوزة أغسل وشي… أنا بس…"
قطعت كلامي واحدة تانية دخلت معاها:
= "شوفتي؟ شوفت يا أستاذة سميرة؟ دول بقوا يدخلوا يناموا في الحمامات! دي أكيد شحاتة وحرامية كمان".
وبدأوا يسحبوني من دراعي.
بهدلة.
كل الناس في المول بقت تبص.
أمن جري عليا.
والشتايم نزلت فوق دماغي زي الرصاص.
= "يلا برا قبل ما نوديكي القسم!"
= "إنتي مفكرة المول ده ملجأ ولا عنبر؟!"
وأنا بركع، بعيط، صوتي بيتهز:
= "بالله عليكم… ما تفضحونيش… والله ما عملت حاجة، كنت جعانة… مش ناوية أسرق ولا أأذي حد!"
بكيت قدامهم، بس مافيش رحمة في قلوبهم.
بصيت حواليا بدور على مخرج، على أي وش طيب.
لحد ما شفتها.
ست كبيرة، شيك جدًا، لبسها نضيف ومحترم، شعرها أبيض، ووشها فيه هيبة.
كانت واقفة قدام محل كبير.
وبتبصلي بنظرة غريبة.
مش نظرة اشمئزاز، نظرة حزينة.
كأنها شايفة نفسها فيا.
قربت منهم، بصوت هادي بس حاسم:
= "في إيه؟ مالها دي وليه بتعملوا كده؟"
الأمن قاللها:
= "دي واحدة شحاتة داخلة الحمام، ومبهدلة المكان. مدام عاوزين نخرجها ومش راضية".
الست ردت بثقة:
= شحاتة؟ دي باين عليها متبهدلة.
مش جاية تسرق.
هاتها هنا.
بصتلي وقالت:
= تعالي يبنتي.
أنا كنت مرعوبة.
بس قربت منها.
ووقفت قدامها ودموعي بتنزل.
= "اسمك إيه يا بنتي؟"
= "حُنين…"
قالتلي:
= "طب تعالي معايا… تعالي متخافيش".
مسكتني من ايدي وخرجت بيا من المول.
ركبت معاها عربيتها.
طول السكة وأنا مش مصدقة.
مش عارفة هيا عاوزة إيه بس كنت ساكتة.
وهي كانت بتبصلي كل شوية ووشها حزين أوي كأنها عارفة أنا مين.
وصلنا على بيت كبير، نضيف، شكله دافي.
دخلتني، وندت على الشغالة:
= هاتي أكل… وبعدين هدوم نظيفة للبنت دي… وامليلها البانيو سخن عاوزها تبقي عروسة انهارده.
أنا كنت قاعدة متخشبة.
بعدين قلتلها بصوت مكسور:
= "أنا… أنا مش متعودة على كده. انا عاوزه امشي".
قالتلي وهي قاعدة جنبي:
= "احكيلي يا حنين… احكيلي إيه اللي وصلك كده؟"
أنا متأكدة إنك مش كده.
وقعدت أحكي.
من أول ما طردوني من البيت، ولحد ما قعدت على الرصيف، ولحد كريم.
بس خفت أقول اللي عمله أحسن تطردني.
والكوبري والزبالة والبهدلة في المول.
وأنا بحكي، كنت بعيط زي العيال الصغيرة.
وصوتي بيرتجف، بس هي كانت ساكتة.
ووشها بيتغير.
ولما خلصت قالتلي بصوت مش متوقع:
= فين أهلك؟
= "ماتوا… ومحدش سأل فيا… كنت ساكنة مع عمتي، وطردتني بعد شوية مشاكل".
سكتت شوية، وبعدين قالت:
= "أنا اسمي مدام سميحة… كان عندي بنت في سنك ماتت من كام سنة… بس إنتي من اللحظة دي مش هتباتي في الشارع تاني…"
بصيتلها وأنا مش قادرة أنطق.
قالتلي وهي بتشد إيدي:
= "هتعيشي معايا وهتبقي في أمان… أنا مش هسيبك".
فرحت جدا حسيت إني ممكن أرجع ألاقي الأمان تاني.
عدّى أول أسبوع عند "مدام سميحة".
كنت حاسة إني بدأت أتنفّس.
كان أول مرة أنام في سرير براحة.
أول مرة آكل من غير ما أبص في الطبق بخوف.
وأول مرة أصحى ومفيش حد هيضربني أو يشتم.
مدام سميحة كانت طيبة.
كنت بحس إنها بتعوض بنتها فيا.
حبتها جدا لما تبقي موجودة في البيت.
كانت بتنده عليا:
= "حنين… تعالي ساعديني في المطبخ".
أو
= "تعالي شوفي الفيلم ده معايا…"
وكنت كل مرة بسمع صوتها باسمي.
قلبي بيدق، كأني نسيت إني كنت متعلقة من رقبتي على أرصفة القاهرة.
بس… يوم… حسيت بدوخة.
وكل يوم معدتي بتوجعني.
ونفسي مش بيطلع.
مدام سميحة قالتلي:
= هنروح للدكتور، شكلك تعبانة.
رحنا.
وعملت تحاليل.
وفي اليوم التاني، وهي راجعة من العيادة.
دخلت عليا الأوضة، وشها كان متجمّد، عنيها ما فيهاش لون.
لما شفتها كده والتحاليل في إيدها حسيت إن في حاجة غريبة.
مكنتش أعرف إنها صدمة عمري.
= إنتي… حامل؟
رواية مأساة حنين الفصل الثالث 3 - بقلم ايه الفرجاني
"إنتي... حامل؟"
اتجمّدت. ما عرفتش أرد إزاي. ما كنتش عارفه، لالا، ما كنتش عاوزة.
قربت مدام سميحة مني وهي بتبص لي بريبة.
"إنتي... ي حنين... إزاي؟ إمتى؟ ومين؟ انتي إزاي متقوليش إن حد عمل معاكي حاجة زي كده؟"
قعدت على الأرض. ما كنتش مستوعبة الصدمة والي حصل. بكيت. بكيت زي العيال، زي طفل تايه مش عارف هو مصيره إيه. كل ما أقول بدأت تضحك ليا، ترجع تاني. واضح إني مش مكتوب لي أعيش في أمان.
كنت بتكلم وأنا مصدومة.
"أنا مغلطتش... والله مغلطتش... هو.....هو اللي عمل كده....هو اللي ظلمني......ك... كريم... أنا ماليش ذنب والله ما عملت حاجة. هو....هو اعتدي عليا عشان.....عشان كده سبته وهربت... خفت أحكي لكِ اللي حصل تسبيني وأنا معنديش مكان تاني أروح له."
كانت مصدومة. بصت لي كأنها مش مصدقاني.
"أنا مش قادرة أستوعب... إزاي ي حنين إزاي تخبي عني حاجة زي كده...... ده بيت محترم وأنا مش فاتحة بيتي للحوامل اللي جايين من الشارع."
بصت لي وأنا مصدومة من كلامها. مقدرتش أرد. فقالت:
"هديكي يومين... تفكري فيهم هتروحي فين."
مشيت وسابتني قاعدة مكاني. من صدمتي مقدرتش أتحرك. فضلت قاعدة مكاني لحد ما الجو بقى ليل.
"هتروحي فين تاني ي حنين؟ يظهر إن ده نصيبك في الحياة. متفرحيش... ملكيش أمان ولا... مكان."
عيوني دمعت. افتكرت إني دلوقتي مبقتش لوحدي. بقى في روح كمان جوايا. حطيت إيدي على بطني.
"أنا مكنتش عارفة أعيش لوحدي. دلوقتي انتي كمان... هنعمل إيه؟ ملناش مكان نروح فيه. ما كناش لازم نكون هنا."
بكيت كتير لحد ما دموعي نشفت. حاولت أقوم. كنت مرهقة، بس كان لازم أعمل حاجة. فكرت كتير. لو خرجت من هنا هرجع تاني للبهدلة والشارع. والطفل اللي جاي ده إيه هيحصل فيا في النهاية؟ هو ملهوش ذنب. يمكن ربنا كتب إنه يجي عشان يكون ليّا حد في الدنيا أعيش عشانه. على قد ما كنت حزينة إنه هييجي بالطريقة دي، على قد ما كنت فرحانة إنه هيكون عندي حد ليّا في العالم ده.
قمت وأنا بمشي بالعافية، واستندت على الحيطان لحد ما وصلت لباب الأوضة بتاعتها. قعدت عند باب أوضتها. ما نمتش. فضلت أبكي وأترجاها. النهار طلع وأنا لسه مكاني. الخدم كانوا بيبصولي بنظرة شفقة. ومدام سميحة كانت ساكتة. حتى مفكرتش ترد عليا. خرجت وشافتني ومشيت بدون أي حاجة.
الخدامة قومتني وخدتني الأوضة وأكلتني. بس أنا مكنتش عاوزة كده. أنا عاوزاها تخليني أقعد عندها حتى لحد ما أولد.
فضلت كده كل ليلة أعيط وأقول لها:
"بالله عليكي... سبيني هنا... مش عشان أنا عايزة أعيش... علشان البيبي ده... ملوش ذنب... أنا مش بطلب شفقة، بطلب بس مكان أمان... هشتغل خدامة عندك والله هعمل كل حاجة تقولي عليها بس بالله عليكي مش عاوزة أرجع الشارع تاني."
ما كانتش بترد. بس كنت كل ما أبص في عينيها، ألاقي دموع محبوسة. بس مكنتش بتدي أي ردة فعل.
وفي ليلة... وأنا نايمة على الأرض قدام باب أوضتها... فتحت الباب.
"العيّل ده ملوش ذنب... بس لو هتفضلي، يبقى تسمعي كلامي حرف بحرف."
وقفت وأنا مبسوطة جداً. قلت لها ودموعي مغرقاني:
"حاضر... والله حاضر... هعمل أي حاجة تقولي عليها."
طلبت مني طلب غريب.
"بُصي يا حنين... أنا مش هكدب عليكي، اللي حصل حصل... والولد ده جه للدنيا خلاص... بس لازم نفكر بعقل. الناس برا ما بيرحموش، وكل خطوة لازم تتحسب صح."
حنين: "أنا مش هسيبه... حتى لو الدنيا كلها ضدي. بس أنا ماليش غيره."
"عارفة... بس علشان تعيشي انتي وهو من غير متاهات ولا فضايح... لازم نلاقي طريقة الناس ما تسألش... ولا تجرّح. وعشانك انت في المستقبل."
حنين بقلق: "زي إيه؟"
"في دور أيتام بتسجل الأطفال اللي مالهمش أهل معروفين... إحنا ممكن نعمل ورق كفالة كأنك اتبنيتيه... يبقى قانوناً معاكِ... والناس تفكر إنك بتربيه ...مش عشان هو ابنك. وعشان انت لسه السن القانوني يمنع إنك تعملي كده. أنا هتكفل بيه. كده محدش هيتكلم. أنا عندي بيت ودخل وسني مش كبير قوي."
حنين بصدمة: "يعني أعيش أمّه... بس على الورق أبقى متبنياه؟"
"دي أنضف طريقة قدام الناس... وبدون أب، مش هتقدري تسجليه باسمه... ولو عملنا عقد زواج مزور هتقعي في مصيبة. إنما دي طريقة قانونية... والمهم الطفل يفضل في حضنك."
حنين بدموع: "هعمل أي حاجة عشان أفضل معاه..."
فضلت عايشة معاها. وكل يوم كانت بتتعلّق بيا. تعاملني زي بنتها. تجيب لي لبس الحمل، وتطبخلي أكل مخصوص. وتنده للشغالة:
"حنين محتاجة عصير... بسرعة."
كنت حاسة إني رجعت بني آدمة. والبيبي اللي جوايا... بقى هو الأمل. هو اللي هعيش عشانه.
كانت بتحط إيدها على بطني، وتضحك، وتقول:
"شايفة؟ ده رزقك يا حنين..."
قبل الولادة بشهرين... كانت بتكح كتير، وتتعب، بس تقول لي:
"دوخة بس... مفيش حاجة."
وفي يوم... صحيت الصبح كعادتي. نديت عليها، مردتش. استغربت... دخلت أوضتها على أطراف صوابعي. كانت نايمة، ووشها هادي... أوي... هادي لدرجة خلت قلبي يدق فجأة. نديت عليها... قلت يمكن سمعي بيغشّني. هزيت كتفها بلطف... بس مفيش... مفيش نفس، مفيش نبض، مفيش صوت. كانت نايمة، بس مش نايمة. كانت راحت... رايحة من غير ما تقول وداع. راحت هيا كمان وسبتني. راحت من غير ما توصي عليا حد. ولا تبص لي النظرة الأخيرة اللي كنت محتاجاها.
صوتها... اللي كان بيصحيني، اللي كان بيطمني، اللي كنت بسمعه حتى وهي ساكتة... مات.
"صرخت... صرخت كأني بصرخ لأول مرة في حياتي... يااااه!!! مدام سميحة!! قومي... بالله عليكي قومي!!"
وقعت على الأرض جنب السرير. وإيديا كانت بتترجّف وهي بتشد الغطا. صوتي خرج مش صرخة... كان زي الزئير... زي الحيوان اللي انضرب بالنار وبيطلع آخر نفس.
"مداااام سميييييحة!!!!"
صوتي رج السما... كان بيخرج من حنجرتي بس... بس طالع من قلبي، من ضهري، من سنيني كله. "ما تسبنييش!! أنا مالييش غيرك!!!"
حضنتها. حضنتها بقوة... وبعيط زي العيال... بدموع ملهاش آخر، بصوت بيوجع الحيطان. "أنا لسه ما صدقت إني لقيت حد يحبني... إزاي تموتي دلوقتي؟! إزاي تسبيني لوحدي؟!"
كنت بكلمها كأنها سامعة. كأنها هتفتح عينيها وتقول لي "اهدّي يا حنين... أنا معاكِ." بس هي ما فتحتش. قربت بقي من صدرها... كنت بدور على النبض... على النفس... على أي حاجة تقول لي إنها لسه هنا... بس لأ. كل حاجة بقت ساكتة.
حتى الساعة اللي في الحيطة وقفت. والنور اتطفي. والدنيا بقت عتمة جوايا. وقتها... صرخت تاني. صرخة مفيش بعدها حاجة.
"يااااااااااااااااااااااااااارب!!! ليه كل حاجة حلوة بتروح مني؟! أنا تعبت... أنا مش قادرة أكمل..."
وقعدت على الأرض بحضن رجليها بإيدي. وكل جسمي بيرتجف. الموت خبط على بابي وأنا لسه بتعلم يعني إيه أمان. وسابه مفتوح... وسابني بردانة، ضايعة... ومكسورة أكتر من أي وقت قبل كده.
في جنازتها، محدش من قرايبها جه. كانت وحيدة في الدنيا، زيي... يمكن ده اللي جمعنا. بعد الدفن، الناس مشيت. والبيت سكت. أنا رجعت أقعد على الكنبة اللي كنت بقعد فيها وهي بتتفرج على التليفزيون. وحسيت إن البيت بارد... مش من الهوا. من الغياب. بس أنا مش لوحدي... أنا بقيت اتنين... أنا وبيبي.
وأقسمت وأنا حاطة إيدي على بطني:
"عمري ما هسيبك... ولا هسيب الدنيا تضحك عليّا تاني."
عدّى أسبوع على موت مدام سميحة. والبيت بقى بارد... والشمس اللي كانت بتدخل من الشبابيك، بقت تخبط وتطلع كأنها هي كمان مش طايقة المكان. بعد ما راحت الست الطيبة.
وفي يوم... كنت واقفة في المطبخ، بغلي ميه... الجو ساكت والبيت حزين بعد ما مدام سميحة راحت لربها. كل حاجة فيها نقص، وكل صوت بيزن في ودني كأنها بتناديني من العالم التاني. ولولا الحمل اللي في بطني، كان زماني مشيت من غير حتى ما أبص ورايا.
وفجأة... صوت المفتاح وهو بيُفتح الباب. قلبي اتنفض. البيت مقفول، والمفروض مفيش حد معاه نسخة المفتاح غيري. خطيت خطوتين ناحية الباب، وبصيت من فتحة الممر. شخص داخل... راجل... طويل، لابس بدلة رمادي، شنطة في إيده، بيبص حوالين البيت بعيون غريبة... مش زائر، لا... ده راجع لبيته.
اتصدمت. أنا مش مصدّقة. ده... هو. كريم. رجليا اتلجت، ودماغي لفت. لفيت وشي بسرعة، ودخلت أوضة مدام سميحة. كنت هاقفل الباب، بس صوته جه أسرع من إيدي:
"إنتي؟!!"
"استنى عندك. انت مين؟"
وقفت. لفيت وأنا زي التمثال. زيّنا احنا الاتنين. هو شايفني، وأنا شايفاه. كل حاجة حواليّ اختفت، مفيش غيرنا احنا في الدنيا دي. كل حاجة وقفت في اللحظة دي. وشه اتقلب... مش مصدّق. مش متأكّد. مش فاهم.
"إنتي إزاي هنا؟!" و "بتعملي إيه؟"
كلامه طلع باندفاع، وأنا ببص له كأني بشوف شبح... شبح اللي كان السبب في موتي الأولى. رديت بصوت مبحوح، كأن الحروف مش راضية تطلع:
"أنا... كنت عايشة هنا مع مدام سميحة..."
قاطعني، وبص لي بنظرة فيها مزيج من الذهول والخوف والذنب:
"مدام سميحة؟ هي... راحت فين؟"
دموعي نزلت قبل ما أنطق، وبصيت له بوجع:
"ماتت."
سكت. قعد على الكرسي اللي جنب الباب. مفكرتش. مقدرتش. ولا حتى سألني ماتت إزاي ولا أنا وصلت هنا إزاي. سأل سؤال واحد:
"إنتي... ليه ما اختفيتيش للأبد؟"
بصيت له بكل الشهور ولايام اللي قضيتها مكسورة، وقلت بهدوء:
"مكنتش ناوية أرجع... بس اللي في بطني... رجّعني للحياة."
قرب مني، بص عليا من فوق لتحت، وبص على بطني... ضحك ضحكة كلها سخرية:
"ما شاء الله... يعني جايبة العيال وتربيهم هنا؟"
قلت له بغضب:
"العيّل ده ابنك يا كريم..."
وشه اتبدّل... اتنفخ... واتحول لصخر:
"ابني؟ هو أنا شفتك تاني بعد ما مشيتي؟ جايه بعد شهور تقولي لي ابني؟"
صرخت:
"إنتَ اللي ضيعتني! إنتَ اللي بهدلتني! أنا ما جيتش برجليا... أنا كنت بدور على أمان!"
قال:
"إنتي كنتي شحاته... وأنا بس ساعدتك... مش مسؤول عن العيال اللي تطلع منك. وبعدين، البيت ده بتاعي... أنا الوارث الوحيد لـ عمتي، مش هسيبك تسكني فيه وتورّثي العيل كمان!"
قلت له وأنا بعيط:
"أنا مش طالبة منك حاجة... مش عايزة ورث... سيبني بس أكمل حملي هنا... أولد في أمان... بعد كده أمشي..."
"لأ... إنتي هتمشي دلوقتي. وبالعيّل كمان. أنا مش عاوز فضايح، ولا عاوز حد يقول لي إن ليا ابن من واحدة كانت في الشارع."
بصيت له وأنا مرعوبة:
"ده مش زنبه! الطفل ملوش ذنب! ده ضناك يا كريم..."
قال:
"أنا قولت اللي عندي... قدامك ساعتين... وإلا هكلم البوليس وأقول إنك اقتحمت البيت بعد موت عمتي."
جمعت هدومي، ولفيت بطني بشال قديم. والشغالة رجعت. كانت واقفة بتبص لي. وقالت لي بصوت خافت:
"أنا آسفة... بس مقدرتش أعمل حاجة."
قلت لها:
"أنا خلاص... ما بقيتش مستنية من حد حاجة."
وخرجت من باب البيت. بس المرة دي... ما كنتش ماشية في الشارع زي زمان. كنت ماشية وأنا شايلة روحي وابني في بطني، شايلة كرامتي اللي ما فضلش منها غير فتافيت، وشايلة ذكريات ستّ طيبة... كانت آخر حضن في الدنيا.
ومشيت... ومفيش غير دموعي بتسلّك الطريق. مكنتش عارفة أنا رايحة فين وهل هقدر أكمل تاني. وإيه مستنيني في الحياة دي؟
رواية مأساة حنين الفصل الرابع 4 - بقلم ايه الفرجاني
وأنا خارجة مش عارفة رايحة فين. دموعي نزلت لوحدها. بطني حسيت إنها بقت تقيلة وعنيا اللي مش شايفة بيها من الدموع.
سمعت صوت ورايا بينده عليا.
همس: حنين…
لفيت بسرعة… كانت "هدى"… واحدة من الشغالات اللي كانت بتساعد مدام سميحة.
قربت مني قالتلي بسرعة: استني يبنتي متروحيش… متروحيش في مكان دلوقتي وانت بالشكل ده. على القليل لحد ما تولدي كلها شهر.
في أوضة في البدروم… تحت السلم… محدش بينزلها خالص. تعالي وأنا هساعدك تباتي فيها، وهجيبلك أكل كل يوم. كريم ما يعرفش عنها حاجة… ولا هيفكر ينزل هناك.
أنا وقفت… وقلبي بيرجف: أنا مش عاوزة ارجعله بس… لو عرف؟
= يحبتتي هتروحي فين بس وانت كده. على القليل أنا ممكن آخد بالي منك وبعدين هو مش هيعرف… أنا بشتغل هنا من ١٤ سنة محدش بيدخل البدروم غيري متخافيش.
كنت مترددة مش عاوزة أشوفه تاني مش عاوزة أحس إني بقلل من نفسي أكتر من كده. حطيت إيدي على بطني وافتكرت إني مبقتش لوحدي ولازم أتخلى عن أي حاجة عشان أحافظ عليه.
مدام هدى مسكت إيدي وهي بتقول: سيبيني أساعدك يا حنين… الست الله يرحمها كانت بتحبك وأنا كمان تعلقت بيكي وأنتي زي بنتي.
مشيّت معاها كان كريم في أوضته وقتها مشافنيش.
نزلت معاها بالليل من باب صغير ورا المطبخ. سلم حديد ورطوبة تخنق النفس بس مكنش قدامي حل تاني ومهما كان ده أفضل من الشارع مليون مرة.
دخلت أوضة صغيرة فيها مرتبة قديمة، وبطانية مرمية. وفي ركن… شنطة فيها هدوم كانت بتاعة بنت مدام سميحة الله يرحمها.
قالتلي: هتقعدي هنا… وأنا كل يوم قبل ما أمشي هجيبلك أكل… وخليكي هادية… لو سمعك أو حس بحاجة هتروحي في داهية. وفي حمام هو قديم شوية بس شغال. بس مهما كان إنتي هنا في أمان…
حضنتها وأنا بعيط: أنا مش عارفة أقولك إيه… أنا بدعيلك من قلبي.
قالتلي بحب: ربنا كبير يا بنتي… وحيجي اليوم اللي ترفعي فيه راسك.
سبتني ومشيت. قعدت أبص في أركان الأوضة حسيت بالخوف بس شجعت نفسي.
الأوضة كانت ضلمة مفيهاش شباك بس كانت فيها أمان صغير… أمان إن مفيش حد هيزعقلي ولا هيطردني ولا هيقولي "اطلعي برا".
قعدت فيها واتغلبت على الخوف اللي جوايا.
كل يوم هدى كانت تنزلي الأكل. سندويتش، شوية رز، شربة. وأحيانًا قطعتين فاكهة لما تقدر.
كنت أسمع صوت كريم فوق… صوته وهو داخل من الباب، صوته وهو بيزعق في التليفون، صوته لما يرجع من الشغل متعصب: "فين الغدااااا؟!!"
وأحيانًا… أصوات ضحك بنات… وأنا سامعة صوت الكعب العالي بيخبط على السيراميك وسكوته، ثم همسات، ثم صوت باب الأوضة بيتقفل، وهدوء مريب.
كنت أحط إيدي على بطني، وأقول: "متخافش… ماما هنا. حتى لو إحنا تحت الأرض… بس أنا مش هسيبك".
عدت الأيام… بقيت عايشة تحت الأرض تحت الرجلين. على قد ما كنت زعلانة على نفسي على قد ما كنت حاسة بأمان. حتى لو وراه خوف من اللي جاي واللي ممكن يحصلي بعدين.
كريم كان عايش حياته وأنا كنت تحت رجليه… بس مش باينة ليه.
كنت شبهه بنت، بس دلوقتي… أنا بقيت ظل، بقيت نَفَس متخفي في بيت كبير. كأني روح مدام سميحة لسه عايشة… بس في صورة حنين.
وفي يوم كنت قاعدة على المرتبة القديمة. ضهري واجعني، ورجلي مش قادرة أحركها، بطني بتشد عليا والنفس بيطلع بالعافية. الوجع كان طالع من تحت ضلوعي… زي حد بيقطعني بسكينة باردة.
بس أنا ساكتة… مش عاوزة أصرخ. أنا في بيت مش بيتي. وكل صوت ممكن يكون نهايتي.
بس الوجع غلبني… صرخة خرجت مني غصب عني. صرخة مكنتش صوت، كانت عمر بيطلع من جوّه.
في نفس اللحظة… كريم كان راجع. معاه بنت زي اللي بيجبهم على طول معاه. ضحكة عالية، ومفاتيح بتترمي على الترابيزة، وهو بيقول: ادخلي جوّه… أنا جايلك.
لكن قبل ما يفتح باب الأوضة… سمع الصرخة. وقّف… اتجمّد في مكانه.
البنت سألته باستغراب: فيه إيه؟
ردّ وهو بيشد نفسه: استني لحظة كده.
نزل السلم… صوت قلبه بيدق. خطواته بتسرّع. بيفتح باب البدروم، وهو مش مصدق عنيه.
كنت مرمية، مبلولة عرق، وشي شاحب، إيدي ماسكة بطني وعيني كلها دموع.
أول ما شفته نسيت كل حاجة. مش بفكر غير الوجع اللي بيقتلني بالحيا.
بصتله برجاء ودموعي مغرقاني: ك… كريم… بالله عليك… أنا بموت ساعدني.
هو اتصدم. اتجمّد وكان هيزعق بس سكت لما شاف حالتي.
قال بصدمة: حنين انت هنا ازاي؟
البنت اللي فوق سمعته بيقول اسمي. قربت ولما شافت المنظر من فوق السلم… شهقت وقالت: دي… دي عايشة هنا ازاي؟ إنت مجنون؟
كريم لف ناحيتها وقال بعصبية: اطلعي برا… امشي!!
البنت جريت بسرعة ومشيت مرعوبة، مش فاهمة حاجة.
أما هو… كان واقف متوتر، مش عارف يعمل إيه، بس عينيه كانت بتقول إنه ضايع.
قرب منها ولأول مرة، بصّلها بجد… وشافها… مش الشبح اللي كان بيتهرب منه. شافها… بني آدمة موجوعة… بتولد من غير ضهر.
وطى عليها وشالها بحضنه وهي بتبكي وبتتلوى من الوجع.
طلع بيها على طول… دخل العربية، وأول مرة في حياته يسوق وهو بيبص في المراية مش عشان شكله… عشان يشوف عينيها… خايف عليها.
= استحملي… استحملي بس شوية ونوصل.
هي كانت بتهمس: "أنا خايفة… أنا لو جرالي حاجة… حافظ على إبنك".
سكت… بس نظرته كانت بتترعش.
وصلوا المستشفى، دخل بيها على الطوارئ، الدكاترة خدتها بسرعة، وهو واقف برا… مش قادر يقعد. إيده على رأسه، ووشه بين إيديه كأنه بيلوم نفسه على كل حاجة.
بعد ربع ساعة، خرج الدكتور وقاله: الولادة كانت صعبة جدًا… وفي نزيف شديد حصل.
وقت ما كان الدكتور بيكلمه... خرجت وراه ممرضة… شايلة في إيديها لفة صغيرة… جواها كائن بيصرخ صرخة أول مرة يشوف فيها الدنيا.
= مبروك… ولد.
كريم وقف واتجمد. اتسند على الحيطة وسأل بصوت ضعيف: "هي… بخير؟"
الدكتور قال: حالياً مستقرة… النزيف وقف بعد تعب، بس محتاجة تتابع كويس.
الراحة نزلت على قلبه، بس مش كاملة… لسه في حاجة ناقصة.
بص على الممرضة… اللي قربت منه ومدتله الولد.
= تحب تشيله؟
قال وهو بيبص للبيبي: "أنا؟…"
رواية مأساة حنين الفصل الخامس 5 - بقلم ايه الفرجاني
"تحب تشيله؟"
قال وهو بيبص للبيبي.
"أنا؟…"
إيده اتمدت ببطء.
ولما الطفل استقر على دراعه، كان خفيف، بس تقيل على قلبه.
أوبص في وش الطفل، وشه مجعلك، صغير قوي، بيبصله كأنه بيقوله: "أنا منك… غصب عنك."
الولد كان بيعيط.
بس لما كريم حضنه على صدره، سكت.
وكان الدنيا كلها سكتت معاه.
صوت الممرضة، صوت الدكتور، صوت الحزن نفسه.
مش محتاج يأكد إنو فعلاً منه.
الإحساس كان كافي إنو يثبت ليه ده.
كان حاسس بحاجة بتتحرك بوجع جواه.
بس وجعها حلو قوي.
زي ما تكون كتلة حجر كانت على قلبه ووقعت اتفتفت.
قال لنفسه: "ده أنا… أنا اللي عملت كده… أنا اللي جبت البريء ده للدنيا وكنت هرميه… من غير حتى ما أشوفه."
الممرضة قالتله وهي بتبص للولد: "هو شبهك… قوي ماشاء الله ربنا يحميه ليكم."
كريم مسح دمعة نزلت من غير ما يحس.
قعد على الكرسي، والولد على صدره.
ابتدى يهزّه بإيده، يهدده.
هو مش بيعرف، بس إيده كانت بتعملها لوحدها.
زي الغريزة… زي الفطرة اللي اتولدت لوحدها.
قال بصوت واطي: "أنا آسف… أنا كنت غبي… بس إنت علّمتني درس مش هنساه."
"شكلك كده صحى فيا حاجات كتيره."
بعد ساعات، الممرضة خرجت عليه وقالت: "هي فاقت دلوقتي… وعايزاك."
قام والطفل معاه.
ودخل على أوضتها.
حنين كانت نايمة، وشها مجهد.
بس عينيها فتحت ببطيء.
أول ما شافته… وشافته شايل الطفل ودموع في عينيه… اتنهدت وقالت: "ولد؟"
هز راسه: "أيوه… ادهولها."
بهدوء، خدته منه.
قربته ليا.
أول ما شفته دمعت.
نسيت أي حاجة حصلت.
ابتسمت من بين دموعي.
يمكن ده أحلي حاجة حصلتلي لحد دلوقتي.
بس مقدرتش أتكلم.
كنت مرهقة جداً.
البنج مأثر عليا.
بصيت لكريم وعيوني بتقفل.
كنت بجاهد نفسي إني أفضل صاحية، بس مقدرش ونمت.
نمت وأنا خايفة أقوم ملقاهوش جنبي.
قمت بعدها بكام ساعة.
كنت نايمة، بس مش نايمة.
كنت بحلم أحلام غريبة إنو كريم أخده مني ومشي.
الوجع الوحيد اللي مش هقدر استحمله.
فتحت عيوني وأنا خايفة.
ببص عليه قلبي ارتاح.
لقيته جنبي وكريم قاعد على الكرسي بيبصلي بنظرة مقدرتش أفهمها.
هل حزن ولا حب ولا إيه بالظبط.
زي ما يكون بيفكر في اللي جاي.
اتنفست براحة لما شفت ابني جنبي.
كنت كل ثانية ببص عليه.
بشمّه… بلمس صوابعه الصغيرة… وبحاول أصدق إنه فعلاً ليا.
وإنه ماخدوش مني.
لكن عينيّ كانت على كريم، واقف جنب الحيطة ساكت.
بس عينيه على الطفل.
وكل لحظة يبص له… قلبي يضرب أكتر.
الخوف جوّه بيكبر.
مش عارفة هيعمل إيه.
الممرضة دخلت تشوف المحلول اللي في إيدي وخرجت بدون كلام.
أول ما خرجت وبقينا لوحدنا تاني.
قمت ونزلت وقعت على الأرض.
وكنت بعيط بصوت مكتوم: "كريم… بالله عليك… متاخدوش مني… خد أي حاجة… خد عمري، بس… متاخدوش هو. أنا عايشة عشانه… ولو هتطردني، اطردني… بس سيبه معايا بالله عليك. وأنا أوعدك هختفي من حياتك نهائي."
كان باصصلي… ووشه مش باين فيه غضب.
ولا سخرية.
ولا حتى قسوة زي زمان.
كان باين عليه إنه موجوع.
وقاللي وهو بيوطّي عليا: "أنا مش هعمل كده يا حنين… أنا مش هكرر نفس الغلط مرتين. هو ابنك قبل ما يكون ابني… وإنتِ أمه… ومفيش حد هيقدر ياخد مكانك."
بصتله وأنا مش مصدقة اللي بيقوله.
بس صدقت نظرته كانت صادقة وصوته.
قومني وقعدت على السرير تاني.
وهو قال: "هروح أجيب أكل وأجي. أكيد إنت جعانة. كمان الدكتور قال إنو حالتك شبه مستقرة عشان كده هنضطر نقعد هنا يومين."
هزت دماغي ليه وأنا ببصله بهدوء.
كأني بقوله: إنت صادق ولا بتخطط لحاجة تكسرني بيها تاني.
بعد يومين.
خرجنا من المستشفى.
أنا ماسكة ابني، حضناه كإني خايفة حد يخطفه من إيدي.
حتى وهو سايق… كل ما يبص في المراية، ألاقي عينيه على الطفل.
كنت بحاول أخبي القلق اللي حاسة بيه.
بس جسمي بيترعش لوحده من الخوف.
مش عارفة أصدقه… هو بجد هيوديني معاه؟
ولا دي خطة؟
ولا ضعف لحظي؟
ولا ندم هيروح بكرة؟
وصلنا البيت.
أنا نزلت بسرعة، واخدت طريق البدروم.
رجلي رايحة لوحدها.
المكان اللي اتعودت أستخبى فيه… مكان الأمان الوحيد في بيت الرعب.
بس وأنا داخلة السلم الحديد… سمعته بينادي عليا: "حنين!!"
اتجمد قلبي وقع.
وضميت ابني أكتر.
مشيت أبطأ.
كنت هقول له "حاضر" وأنا نازلة.
بس اتفاجئت.
قال بصوت هادي: "مش هتنامي تحت تاني… في أوضة فوق… جنب أوضتي. مفتوحة ليكي، ولابنك."
بصيت له.
الدنيا لفت بيا.
قولتله بسرحان وسؤال محتاجة أسمع إجابته: "ليه؟"
ردّ وقال: "علشان تستاهلي تعيشي زي بني آدمة… ولإن ده بيتك برضو، غصب عني وعن الدنيا."
دخلت الأوضة نفسها اللي كنت قاعدة فيها من أيام ما مدام سميحة كانت عايشة.
الأوضة كانت واسعة… سرير نضيف… شمعة خفيفة من نور السما.
قعدت وابني في حضني.
وكريم واقف عند الباب.
مابيتكلمش.
بس عينيه بتقول كتير.
وأنا… كنت لسه خايفة.
لسه مش مصدقة.
بس جوايا صوت بيهمس: "يمكن… يمكن لسه فيه أمل...."
لقيت هدى جايه تجري عليا بخوف.
اتخطت كريم اللي واقف مكانه.
مش عارفة هو عاوز إيه.
"حمدلله على سلامتك يا بنتي، قلقت عليكي خالص. بس أستاذ كريم طمني إنك بخير."
بصيت للبيبي وبصتلي جامد.
وبعدين بصت على كريم وقالت: "د....دا شبه دا شبهو إزاي...هو.....كريم ده...هو نفسه اللي حكيت عنه قبل كده."
بصتلها وأنا متوترة ومش عارفة أتكلم.
بصت لكريم بخنقة وهو بص في الأرض وخرج بدون كلام.
مسكت إيدي وقالت: "شايفة إنو بدأ يحن بسببه. يمكن ربنا شايلك حاجة حلوة وأنا متأكدة. ومدام جابك معاه يبقي نيته خير إن شاء الله."
قامت وهي بيتقول بابتسامة: "هعملك فرخة مسلوقة كده حلوة وأجي."
خرجت وقابلت كريم في وشها.
بصتله بعصبية وكانت لسه هتتكلم.
بس هو قال: "عارف عاوزه تقولي إيه. متخافيش. أنا يمكن وحش، بس مش ندل لدرجة إني أتخلى عنه."
بصتله بصمت ومشيت.
تاني يوم…
كنت لسه نايمة وابني في حضني.
وبفكر: هل اللي حصل امبارح حلم؟
ولا الدنيا قررت تصالحني شوية؟
وياتري إيه ممكن يحصلي بعدين؟
فجأة.
باب الأوضة اتفتح فجأة.
كريم دخل… ومعاه راجل كبير، لابس جلابية، وعمته بيض.
وكان باين عليه إنه شيخ من بتوع ربنا اللي وشه كان منور.
أنا اتفزعت.
حضنت ابني أكتر.
والراجل دخل بصلي باستغراب.
كريم قال بصوت ثابت: "يا شيخنا… دي مراتي. كنا متجوزين عرفي… وحصل حمل… ودلوقتي عايزين نكتب رسمي، عشان نسجل الطفل......"
الشيخ بصله وقال:......
رواية مأساة حنين الفصل السادس 6 - بقلم ايه الفرجاني
وعينه وسعت وقال:
= إنت بتقول إيه يا ابني؟ اتجوزتوا عرفي من غير شهود ولا ولي؟ والله دا مش جواز دا لعب في الحرام! وحملت منك؟ إزاي؟ تقبل كده واستنيت لحد ما ولدت ولسه بتفكر تعقدوا رسمي؟ أي عقل بشري أنتوا؟
كريم بص في الأرض وسكت.
أول مرة أشوفه بيتكسف بالشكل ده.
والشيخ فضل يقول:
= اتقِ الله يا ابني... إنت راجل وعارف الدين كويس. ورغم كده سبتها لحد ما تولد والنهارده جاي تكتب ورق عشان العيل يتسجل؟ ربنا فاكره غايب عنك دا؟ شايفك كويس؟
أنا كنت ساكتة وأنا بسمعه وعيوني على كريم اللي مش قادر حتى يرفع عيونه للشيخ.
كل كلمة من الشيخ كانت بتخبط فيا... وفيه بس ما كنتش برد.
كنت ضامة ابني... وساكتة كأني مش هنا.
الشيخ تنهد.
وبعدين قال:
= خلاص... هنكتب العقد وهجيب الشهود وهنسجله بتاريخ قديم. وربنا غفور رحيم.
كل خلية في جسمي بتترعش... مش عارفة إيه اللي بيحصل.
الشيخ قرب مني. سلّم عليا وقال بابتسامة خفيفة:
= أهلاً بيكي يا بنتي... أنا عرفت إنك متجوزة من كريم عرفي وإنك حملتي منه. وجايين نكتب الجواز رسمي علشان نثبت النسب. وده شيء محترم... وربنا بيحب الإصلاح ومش هلومك على حاجة ولا هسأل.
بس كنت ساكتة، ما أقدرش أنطق... لو الشيخ عرف الحقيقة؟ لو عرف إن مفيش جواز، وإن الحمل جه من وجع وخديعة؟ ساعتها كريم هينهار، والشيخ هيمشي، وابني... مش هيكون ليه حتى اسم.
فضلت ساكتة.
بس كريم... كان باين عليه إنه شايل جبل فوق كتافه. ساعتها حسيت إنه بيبص للشيخ زي اللي بيطلب غفران منه.
مش مجرد عقد.
جه الشهود.
والشيخ بدأ في الإجراءات. كله بيتم زي ما بيقول الشرع. وكريم بيرد على الأسئلة.
وأنا... كل كلمة بتمضي على قلبي مش على الورقة.
لما جه الشيخ سأل على اسم البيبي.
أنا أتكلمت بسرعة:
= اسمه محمد... على اسم النبي.
كريم بصلي بابتسامة وسكت.
الشيخ ابتسم وقال:
= اللهم صلّ وسلم عليه... اسم جميل، وإن شاء الله يكون من الصالحين.
وبعد ما كتبنا وكله خلص. الشيخ لف لنا وقال وهو خارج:
= ربنا جمعكم بالحلال... ابدأوا صفحة جديدة. وخلوا ابنكم يكون شاهد على حياة فيها طهارة وسُترة.
أنا كنت باصّة في الأرض. ومافيش صوت طالع مني.
أما كريم... كان باصص لي. بس نظرته مش نظرة راجل كسب. كانت نظرة حد خسر كتير... وبيحاول يرجع اللي يقدر عليه.
لما الشيخ مشي. وإحنا بقينا لوحدنا. حتى هدى مشيت.
كريم مقرب. قعد بعيد، بس مش بعيد قوي.
= أنا عارف إنك ساكتة... بس سكاتك ده أعلى من أي صوت. وعارف إنك بتفكري أنا ليه عملت كده؟
الشيخ ميعرفش... أو أنا ليه كذبت. بس أنا... أنا مقدرش أكذب على نفسي. أنا بكتب دلوقتي لأني كنت جبان. ويمكن مش عايزك تسامحيني. بس عايز ابني يعرف إن أمه ستّ عظيمة... اتظلمت واتكسر قلبها. بس ما رضيتش ترجع للغلط.
أنا ما سألتوش قدام الشيخ... بس وأنا قاعدة، وابني نايم، ببص عليه. وفجأة سألت وأنا عيني ليه:
= هو انت عملت كده عشان تبقى أب؟ ولا عشان تخليني مراتك؟ ولا عشان تلمّ الجرح... وتلمّ صورتك قدام الناس وقدام نفسك؟
سكت. ما ردش. بس لأول مرة شفت عينه بتحمر من الدموع.
قعد على الكرسي اللي جنب السرير. وأنا كنت على طرف السرير. وابني نايم في حضني.
كنت سامعة كل نفس بيطلع منه.
وفجأة قال بصوت واطي... صوت غريب، مش متعوده عليه منه:
= أنا عمري ما كنت بني آدم طبيعي.
سكت. حسيت فيه كلمة كبيرة جاية.
وهو كمل:
= أبويا مات وأنا صغير. وأمي اتجوزت راجل تاني. وسابتني. قالتلي هتعيش مع عمتك. وعشت فعلاً. بس طول عمري كنت ضيف تقيل... مش ابن البيت.
كان صوته فيه وجع. مش صوت راجل... صوت ولد صغير تايه.
= كبرت. ودخلت جامعة، واتخرجت، واشتغلت في شغل أي كلام. بس مكنتش بشوف بكرة. مفيش هدف، مفيش حب. كنت ماشي وخلاص. والحرام كان دايمًا أسهل طريق قدامي. كنت بغلط... وأضحك... وأنام. وعشان عمتي مكنش عاجبها حالي فسبتها. رغم إنها كانت في أشد الحاجة ليا. بنتها ماتت وملهاش حد. وأنا كنت شايف نفسي وبس. وعاوز أعيش بالطريقة اللي أنا شايفها صح.
سكت تاني.
وأنا ما قطعتوش... ولا بصيت له. بس قلبي كان بيسمع.
= أول مرة شفتك. كنتي بتعيطي قدام المستشفى. كنتي متبهدلة. بصراحة؟ أنا ما كنتش بفكر أساعدك... بس حاجة فيكِ شدتني. يمكن ما كنتش عارف وقتها دي شفقة؟ ولا فضول؟ ولا يمكن ضعف مني؟ بس قربت. وكنت باين عليا إني بعمل خير. بس الحقيقة... الشيطان كان سابقني بخطوة.
قالها. وبص في الأرض.
= أنا غلطت. وكنت عارف إني بغلط، بس عملتها. ولما عرفت إنك حامل. اتجننت. مش عشان الولد. لأ... عشان اتحطيت قدام حاجة عمري ما واجهتها: المسؤولية.
= كنت عايز أهرب. زي كل مرة بهرب فيها من كل حاجة. بس يوم ما سمعت صوتك من تحت. وأنتي بتصرخي في البدروم. قلبي اتحرك. لأول مرة من سنين... مشيت ناحيتك. ولقيت نفسي بشيلك. وبجري بيكي. كنت خايف. بس في نفس الوقت، حسيت إن ربنا بيديني فرصة.
العيّل اللي في حضنك ده؟ هو الباب اللي رجعني للحياة. رجعني لبني آدم كنت ناسيه جوايا.
أول ما شلته حسيت بإحساس غريب عليا. أول مرة أحس بيه. إحساس قوي جدا على قلبي. كأني كنت تايه ولقيت نفسي في لمسته. كانت كأنها دار أمان.
دموعي نزلت من غير ما أحس. لدرجة إني استغربت نفسي. إزاي... إزاي ممكن طفل يعمل كده فيا. لحد ما أيقنت إنه فعلاً ده شعور الأبوة. يمكن كنت محتاجه من زمان. ولأني اتحرمت منه وأنا صغير. حسيت قد إيه الشخص بيبقى محتاج الشعور ده.
سكت. ودموعه نزلت. وبعدين رفع راسه. بصلي وقالها... من غير ما يرفع صوته:
= أنا آسف يا حنين. آسف على كل ثانية ظلمتك فيها. وكل لحظة كنت فيها جبان. آسف إني سبتك تولدي لوحدك. وتتعبي. وتخافي. وتنهاري. وأنا شايف وساكت.
أنا ما رديتش. كنت ببص على ابني. بس دموعي كانت بتنزل. من غير صوت.
وسألني:
= "هتقدري تسامحيني؟"
سكت. بس كنت بقول جوايا:
= لسه... بس يمكن يوم ما... بس مش دلوقتي.
بعدها الأيام كانت بتمر.
كنا عايشين... زي اتنين غرباء. في بيت واحد. لكن كل واحد فينا في عالم تاني. الورق مكتوب، والاسم اتسجل. بس القلب لسه زي ما هو.
كريم كان بيحب محمد. وأنا كنت شايفة ده. شايفة نظراته. والخوف في عينه عليه. والندم في كل حركة منه ناحيته. بس عمره ما حاول يلمسني. ولا حتى يقرب. كأنه بيقول لي: "أنا هنا... بس مش هدوس على وجعك تاني".
في يوم. كنت في الحمام. وبستحمى. ومحمد فجأة عيط. كان صوته عالي. وأنا قلبي وقع. لكن قبل حتى ما ألف فوطة وأخرج. سمعت صوت كريم بيفتح الباب. وبيدخل جريه. وكان لسه راجع من الشغل. وما استنى. دخل على طول يشوف فيه إيه.
خرجت بسرعة. ملفوفة. وبحاول أغطي نفسي. لكن اتفاجئت بيه واقف في الأوضة. شايل محمد. وعينيه عليا.
أنا اتجمدت. حاولت أخبي نفسي. لكن معرفتش. كان باصص لي... نظرة غريبة. فيها استغراب، وكسوف، وشيء تاني... مش مفهوم.
محمد كان هادي. ساكت في حضنه. وكأنه حاسس إن أبوه هو اللي طمّنه.
كريم لف وشه. حط محمد على السرير. وساب الأوضة. من غير كلمة.
أنا فضلت واقفة. مكتفة نفسي بالفوطة. وراسي مليانة أسئلة. ليه بصلي كده؟ ليه مشي؟ هو خايف؟ ولا بيحاول يحترمني؟ ولا بيهرب من إحساس لسه مش مستوعبه؟
وفي اللحظة دي... حسيت بحاجة غريبة جوايا. أنا اللي بقالها شهور بترجف من اسمه. النهارده قلبي دق. بس مش من خوف. من حاجة تانية... حاجة أخطر: الاحتياج.....الاحتواء...الأمان....الحب.
وعند آخر نقطة وقفت. هل أنا ممكن أحبه فعلاً؟ ولا ده مجرد سؤال؟
من بعدها بقينا بنشوف بعض أكتر. بس من بعيد برضو. أنا بقيت أحس إنه بيبص لي... مش زي زمان. مش نظرة امتلاك، ولا نظرة ذنب. نظرة حد شايفني... شايف ستّ اتغيرت، واتكسرت، وقاومت ولسه عايشة.
وأنا؟ بقيت لما أسمع مفتاحه في الباب. قلبي يتحرك. مش عشان بحبه. ولا عشان نسيت اللي عمله. بس علشان... ما عدتش حاسة إني لوحدي تمامًا.
الخدم كانوا مبسوطين. شافوا في عنينا حاجة اتغيرت. أنا مش عارفة هي إيه بالظبط. بس كانت شبه الراحة.
كريم بقى بيضحك. وبقى بيشيل محمد من نفسه. وبيسألني لو عاوزة حاجة. مش أمر... سؤال حقيقي.
وفي يوم قال لي واحنا قاعدين على السفرة:
= أنا قررت أبيع الشقة القديمة بتاعتي. والمحل بتاع عمتي... هفتح شركة صغيرة. أنا خريج بزنس. وآنه الأوان أشتغل على حلمي.
وأنا سكتة. بس جوايا صوت بيقول: يعني ناوي تعيش بجد؟ مش تهرب؟
وفعلاً كريم فتح شركته صغيرة ليه. وبدأ يشتغل جد. وفلوس بقت تدخله. وحياتنا بقت أهدى. الأوضة بقت أنضف. اللبس بقى جديد. الأكل بقى من بره. وحتى محمد بقى عنده عربية أطفال شيك.
بس كل ده؟ ما كسرش المسافة بيني وبينه. بقينا زوجين قدام الناس. بس أنا عارفة... ومتأكدة. إننا جوه البيت... غرباء.
هو مش بيقرب. ولا بيطلب، ولا بينادي بـ"مراتي". وأنا؟ مش قادرة أقوله "جوزي". حتى وأنا متجوزاه.
كل يوم بيرجع من الشغل. يحضن محمد. ويبص لي ويقول:
= عايزة حاجة؟
وأنا أقول له:
= "لأ... شكراً".
أسكت. بس جوايا سؤال بيصرخ: هو لسه خايف يقرب؟ ولا هو شايفني لسه موجوعة؟ ولا هو... مش قادر يحبني؟
وكل يوم بننام في أوضتين. وبنعيش كأننا في فيلم صامت. نفس المشهد... بيتكرر. بس ولا كلمة بتتغير.
بس الحياة مش دايما حلوة. عشان كده لازم ترجع تدبحني. لأن اللي حصل بعد كده كان قساوة جديدة من البشر. وكان الحياة بتقول لي متفرحيش قوي.
في يوم كريم كان راجع من الشغل. وزي العادة دخل لعب مع محمد شوية. وبص لي بابتسامة ونظرة غريبة. ومشي. استغربت. أول مرة يبص لي كده. هل دي نظرة الحب اللي بيقولوا عليها؟ هو كريم ممكن فعلاً يحبني؟
قطع تفكيري صوت جرس الباب.
= هدى لو سمحت ممكن تفتحي الباب.
خرجت هدى من المطب بابتسامة.
= حاضر يا ست البنات… جاية أهوراح.
راحت تفتح الباب. وهي لسه مبتسمة.
لكن أول ما الباب اتفتح، وشها ات بدل في لحظة. الابتسامة اختفت. عينيها وسعت. بصّت قدامها وقالت بصوت واطي:
= إنتِ؟!
الست اللي واقفة كانت لابسة شيك. واقفة بثقة. بصتلها وقالت بهدوء مميت:
= إيه يا هدي؟ مش فكراني ولا إيه؟
هدى اتلخبطت.
= لأ… يعني… مش معقول…
رواية مأساة حنين الفصل السابع 7 - بقلم ايه الفرجاني
من عيوني يا ست البنات..... جايه اهو.
فتحت الباب، وهيا بتبتسم بس الابتسامه اختفت فجأة.
وقفت مكانها مصدومة، عينيها اتسعت، ولسانها اتلجم.
"إنتي...؟!"
الست اللي قدامها كانت لابسة شيك، برفانها تقيل، ولمعة عنيها فيها خبث مفتعل.
"إيه يا هدي؟ مش فكراني؟ بقيتي تنسي الوشوش كده؟!"
هدي رجعت خطوة ورا، مرتبكة.
"حضرتك... يعني مش ممكن تكوني..."
الست دخلت من غير استئذان، وعنيها بتتمشى في الصالة... لحد ما وقعت على حنين، اللي كانت قاعدة في الركنه.
بصّت لها من فوق لتحت وقالت بلهجة مستفزة وهيا بتقعد.
"قومي يا بت هاتيلي فنجان قهوة مظبوط... ولا أقولك اعمليه زيادة سنة كده، دماغي هتتفرتك من السفر."
حنين بصت لها باستغراب وخوف... بس ما اتحركتش.
وشها كان متجمد ونظراتها بتقول: "أنا مش فاهمة حاجه."
الست رفعت حاجبها وقالت بحدة.
"مش سامعة؟ قومــي يابت! ولا أجي أنا أقومك؟!"
"دا اي الاشكال دي."
هدي قربت منها بسرعة، بتحاول تهدي الموقف.
"حضرتك.... دي مش..."
الست قاطعتها وهي بتلوّح بإيدها.
"انا مش فايقلكم، أنا داخلة لكريم… هو هنا، صح؟ حد يشوف البت دي ويشيلها من وشي، انا مش ناقصه."
عنيها وقعت على محمد النايم على الكنبة.
ابتسمت بسخرية.
"ومعاكي عيل كمان؟ حافظي على شغلك عشانه بقى!"
وفي اللحظة دي… الباب اتفتح.
كريم خرج على الصوت، لابس بيچاما… بس أول ما شاف الست… اتجمد.
حنين وقفت من غير وعي وقلبها بيدق بسرعة مش مفهومة.
الست جريت عليه بلهفة.
"ابني! كريم! يا حبيبي… وحشتني قوي!"
حضنته وهي بتحاول تزرع الحنين اللي ما بقاش… بس كريم ما اتحركش… ما مدش إيده… ما ابتسمش حتى.
قال بنبرة باردة.
"انتي بتعملي إيه هنا؟"
الست ارتبكت.
"جيت أشوفك… مش من حقي أشوف ابني؟"
كريم بص ناحية حنين.
الست لحظت نظرته، لفت بسرعة، بصت لحنين.
"البنت دي؟!"
وقالت بنبرة ضيق.
"انا كنت بطلب منها تعمل لي قهوة، وقاعده قدامي بابنها كأنها مالكة المكان. انت ازاي مشغل ناس كده عندك."
كريم قال بهدوء قاطع.
"اللي انتي بتتكلمي عنها دي مراتي. والمكان ده بيتها."
الست اتخضّت.
"مراتك؟! إمتى؟ إزاي؟ وانا آخر من يعلم؟"
كريم بص لحنين، وقال بهدوء.
"ادخلي أوضتك يا حنين وخدي محمد معاكي."
حنين بصت لهم بخوف، وخدت محمد وسابتهم.
الست قربت منه وقالت بهمس باكي.
"كريم… أنا أمك ليه بتعملني كده؟"
رد عليها وهو مكسور بس ثابت.
"كنتي أمي… دلوقتي انتي ضيفة مش مرغوب فيها."
الست بصت له بذهول… وبعد لحظة، بصت لحنين اللي كانت ماشية… وقربت منه.
لمحت الطفل في حضنها وقالت بفرحة مصدومة.
"ده... ده ابنك؟ أنا مش مصدقة! امتى وازاي!!!"
بصت لحنين وقالت بحماس.
"بس اتجوزتوا إمتى؟ وهوه مش انت كنت خاطب؟! يا كريم؟ انت كنت خاطب صح انا فاكره."
كريم رد وهو بيحاول يلم أعصابه.
"كفاية أسئلة. وجودك هنا مش مناسب. خدي هدومك… وامشي قبل ما أطلب من الأمن يخرجوكي."
مردتش عليه. قعدت علي الكنبه وعيونها بتلف على كل ركن في البيت كأنها بتحاول تزرع نفسها فيه.
كريم واقف بعيد، متكتف، مش قادر يقرب خطوة.
هي بصّت لحنين الي لسه واقفه مش فاهمه حاجه غير انها ام كريم، قالت بنبرة واطية فيها دموع مصطنعة.
"شكلك طيبة يا بنتي.. بالله عليكي كلميه قولي له يخلي أمه تقعد شوية. ده بيتي برضو.. مش كده؟"
حنين اتلخبطت، بس طيبتها سبقتها قبل ما عقلها يفكر.
قربت من كريم وقالت بنعومة.
"خليهـا تقعد يومين يا كريم.. هيا مش غريبة؟"
"غريبة؟"
رد كريم وهو بيضحك بسخرية.
"دي ما تبقاش حتى قريبة!"
"بس يا كريم مش حلو كده، مهما كان دي..."
قطع كلامها وقال ببرود.
"دي سابتني وانا عيل ومحاولتش تسأل عني غير لما جوزها وعايلها سافروا. فاكراني مش عارف... دي اخر مره شفتها فيها من عشر سنين."
"بس.. هي محتاجاك.. وانت ابنها في الآخر."
سكت كريم لحظة.
كان فيه صراع في عينه، بين وجع قديم وعشم مات من سنين.
وبعدين بص لحنين، وقال.
"عشان خاطرك إنتِ.. يومين بس."
وبص لأمه بجمود.
"بس إوعي تفتكري إن ده عشانك."
طلع كريم وسابها مع حنين الي بصتلها بابتسامة ومشيت.
بعد وقت ....
البيت كان هادي بعد ما وافق كريم بالعافية تفضل، بس هو لسه مش طايق وجودها.
كانت بتتحرك في البيت براحتها كأنها صاحبة المكان، وحنين بتحاول تبين أدبها بس جواها خايفه.
بالليل وهما قاعدين على العشا، بدأت تهزر وتفتح كلام باين فيه سم.
"هو أنت يا كريم لسه فاكر خطيبتك القديمة؟"
كريم بيرفع عينه من الطبق، وبيلمح نظرة حنين اللي اتشدت فجأة.
"خطيبتي؟!"
"أيوه يا حبيبي مش كنت خاطب البنت اللي اسمها... إيه؟ آآه، نجلاء! عرفت من عمتك كانت دايمًا تحكيلي عنكوا وانت صغير وتقوللي نجلاء دي هتبقى مرات كريم."
حنين سابت المعلقة في الطبق وبصّت لكريم من بعيد.
وحسّت بغصة فـ قلبها.
كريم عض شفايفه وضغط بإيده على رجله من تحت الترابيزة، وقال ببرود.
"خلصنا الكلام من زمان... والموضوع اتقفل ومات من زمان."
"مات؟ ليه ي ابني ؟"
قالتها الأم بصوت شبه مصدوم.
"يا حبيبي دي نجلاء سمعت انها بنت راجل اعمال ليه مكانه وامها كانت صاحبت عمك."
قالت كده وهيا ماسكة فنجان القهوة اللي حنين جابته ليها.
أكملت بتساؤل.
"طب ما تقوللي يا كريم… إزاي اتجوزتها؟ وامتى؟ دي بنت مين أصلاً؟"
كريم بيرد ببرود.
"ملكيش دعوة."
سماح بسخريه.
"إزاي يعني؟ أنا أمك ولا مش أمك؟ ولا عشان بقالي سنين ماشوفتكش بقيت غريبة؟"
كريم بنفس البرود بس نبرة صوته بدأت يعلى.
"آه… بقيتي غريبة وغريبة جدًا كمان. بتسألي عن مراتي كأنك جاية من النيابة."
سماح بنبره مستفزة بصوتها ولسانها بيشرّ شر.
"ي حبيبي مش قصدي بس الي سمعته ان نجلاء كانت مناسبه جدا لك… دي بنت راجل اعمال وكنتوا هتتخطبوا بس حظي اللي أسيبك يومين لقيتك جايبلي البت دي! وبتقول مراتي فلازم اعرف هيا مين."
بيتحول صوته لغضب مكتوم، وبيقطع كلامها فجأة.
"نجلاء سافرت تكمل تعليمها… وأنا قررت أكمل حياتي. أظن الموضوع خلص كده."
سماح بتبص لحنين بنظرة غل وخبث وبتقول بنبرة قاسية.
"ودي؟ بنت مين يعني؟ شكلها مش من مستوانا!"
حنين وشها بيحمر من الإحراج، بتبص في الأرض وساكتة، عينيها بتلمع بدموع محبوسة.
كريم بيزعق و بحدة مفاجئة.
"قلتلك متتكلميش عن مراتي وهيا فوق أي مستوى انتي بتفكري فيه… ومحدش ليه دعوة بحياتي دلوقتي لا انتي ولا غيرك."
سكتت لحظة من الصدمة من طريقته، وبعدين رمت الجملة وهي بتضحك ضحكة فيها غيظ.
"أنا مش جاية أعمل مشاكل… أنا جاية أشوف ابني بس شكلي غلطت في العنوان."
كريم وهو واقف بعصبيه ومشي ناحية الباب.
"لو عايزة تقعدي… اقعدي عشان حنين طلبت مش عشاني بس حطي في دماغك… مش هتكسري قلبي تاني زي زمان."
"بصدمه:زمان؟! أنا اللي كسرته؟"
بيفتح الباب وبيبص فيها بقسوة.
"كل حاجة باظت من يوم ما قررتي تمشي وتسيبيني لوحدي. دلوقتي متلعبيش دور الأم الطيبة… مش هينفع."
حنين بتبصله بحزن عليه وهو بيخرج وسامح عيونها بتتملي دموع وهيا بتقول.
"كنت عاوزني اعمل اي ي عني ي كريم كان عمري 22سنه لما ابوك مات وبعدها اختي ماتت وهيا بتولد وامنتني علي بنتها وبعدها ملقتش نفسي غير اني اتجوز جوزها عشان اربيها وانت رفضت تعيش معايا اعمل اي انا يعني."
كريم وقف على الباب، عينه بتلمع بوجع مكتوم بس صوته كان ثابت.
"أنا مكنتش محتاجك تفضلي معايا… كنت محتاجك تفتكري إني ابنك… ولو حتى مرة."
سماح حاولت تمسك دموعها لكنها فجأة انفجرت بصوت عالي زي اللي عايز يبرر نفسه بأي تمن.
"أنا مكنتش قدّها يا كريم… كنت لوحدي وعمرك ما بصيتلي غير نظرة كره...انت سبقتني فالبُعد!"
كريم بصّ لها بنظرة مكسورة وقال بنبرة أهدى بس فيها خنقة.
"ومع ذلك… عمر ما يوم عدى وما استنيتش إنك ترجعي لي… تسألي… تحاولي! بس إنتِ مارجعتيش غير لما اتأكدتي إن عندي شركة وإن ليّا قيمة دلوقتي."
سماح قعدت تضحك ضحكة باهتة مليانة مرارة.
"أنا أمك ي كريم … مش هيفضل في قلبك شوية حنيه ليّا؟!"
كريم ساب الباب مفتوح وقال وهو بيبص لحنين.
"أنا قررت أبدأ من جديد… والي جانبك دي مراتي… وفوق أي حسابات ات احطها في دماغك … ولو على اللي فـ قلبي من نحيتك هو اتحرق وانتهى من زمان."
قال كده وخرج.
سماح بصّت لحنين بقهر بس معرفتش ترد.
حنين بصتلها وقالت بهدوء.
"حضرتك اكيد تعبانة من السفر… نامي النهاردة. وبكره نتكلم ونفهم كل حاجة بهدوء عشان كريم دلوقتي مش هيسمع حاجه."
سماح رفعت حاجبها وبصتلها وقالت.....
رواية مأساة حنين الفصل الثامن 8 - بقلم ايه الفرجاني
رفعت سماح حاجبها وبصت لها وقالت:
"وانتِ فاكرة إني هسمع لك؟ كريم ابني أنا، ومش هاخد إذن منك عشان أتكلم مع ابني."
حنين بصت لها باستغراب، وهي مشيت وسابتها.
الساعة عدّت نص الليل، وكريم لسه مرجعش. أول مرة يعملها من يوم ما اتجوزوا. مش عارفة هي خايفة عليه ليه، بس مش قادرة تنام وهي عارفة إنه مش موجود، خصوصًا إنه خرج مدايق. فضلت رايحة جاية قدام الباب، كل شوية بتبص في الساعة، والقلق باين عليها.
أول مرة تحس إنه بعيد ومحتاج حد يطبطب عليه، وهي مش عارفة تعمل إيه.
صوت المفاتيح رن في الباب. لفت بسرعة، وقفت قدامه، قلبها بيدق وهي بتحاول ترتب ملامحها. دخل كريم، كان باين عليه التعب، بيترنح في مشيته. ريحة الخمرة كانت واضحة وعينيه حمرا.
بص لها وابتسم ابتسامة صغيرة وقال بصوت مبحوح:
"لسه صاحية ليه يا حنين؟"
ردت بسرعة وهي بتهرب:
"مكنش جايلي نوم، كنت لسه هقوم اهو."
حاولت تعدّي من جنبه تروح أوضتها، بس هو مدّ إيده مسك إيدها. وقال بحب:
"استني."
بصت له وهي متفاجأة منه. قرب منها، عينيه كانت كلها وجع. مسك وشها بإيده وهو بيقول:
"أنا تعبان يا حنين، أنا مش كويس. خليكي جنبي متسبنيش انت كمان زيهم."
حنين اتلخبطت، قلبها دق جامد. بتحاول تبان إنها طبيعية. مش قادرة تبص في عيونه. قالت وهيا بتهرب من نظراته:
"طيب تعالى نطلع الأوضة، شكلك تعبان."
لفت إيدها على كتفه وسندته. كان ماشي بتقل، زي اللي شايل وجع سنين فوق كتافه. بيبصلها بحب.
دخلوا الأوضة، ولما قرب من السرير ونام عليه، مسك إيدها وشدها ناحيته. هزّ راسه وقال بهمس:
"أنا آسف."
حنين قالت وهي بتحاول تبعده:
"خلاص، نام دلوقتي، بكرة نتكلم."
قام قعد على السرير، وبص لها. عينه كانت زيغة، بس كلامه طالع من جوه قلبه:
"أنا آسف عشان كل حاجة. أنا آسف إنك في يوم انتِ بكيتِ بسببي."
حنين وقفت مكانها، مش قادرة ترد. هو كمل بكلام متقطع:
"بس أنا كمان... أنا موجوع. كنت وحيد طول الوقت. كنت محتاج حد... وانتِ جيتي فجأة... وأنا كان عادي عندي، مكنتش عارف أميز بين الغلط والصح. بس لما جبتي محمد، غيرتي حاجات كتير. كنت كل يوم ببص لك... وأقول: 'هي دي؟ هي دي اللي ربنا بعتهالي؟'"
سند بضهره على السرير. كانت هتمشي، بس هو قرب منها. وفجأة، وهو نايم، مسك إيدها:
"متروحيش... متمشيش."
اتلخبطت وقالت بتوتر:
"كريم... نام، انت مش كويس دلوقتي."
شدها أكتر... وقعت على صدره. وبص في عنيها... سكتت مش قادرة تتكلم. كان فيه لحظة سكون... غير كل اللي فات.
"عينيكي حلوة أوي..." قالها بصوت واطي، وإيده لفت عليها بهدوء. "أول مرة أحس إني عايز أعيش. كنت ببصلك وانتي نايمة جنب محمد، قولت: 'أنا عايز بيت زي ده'... بس معرفتش أقولك... كنت خايف."
حنين حاولت تقوم، بس هو ضمّها أكتر.
"أنا بحبك..." قالها بصوت مكسور وهو بيقفل عينه وينام. وهي كانت لسه في حضنه، ساكتة... بس قلبها بيدق بجنون. اتصدمت من اللي قاله. كانت بتحاول تقوم من حضنه... بس إيده كانت متثبتة عليها.
قلبه بيدق في صدره وهي سامعة صوته:
"كريم... سيبني..." قالتها بهمس مرتبك. مش عارفة هي خايفة منه ولا عليه. بس هو كان مغمّض، وشه هادي لأول مرة من سنين، وصوته طالع ناعم كأنه بينام على أمل:
"خليكي كده... متتحركيش..."
قلبها دق أكتر... وفيه حاجة جواها بدأت تتحرك وهو بيقول لها الجملة دي. قالتها وهي بتبلع ريقها:
"طب... ومحمد؟!"
فتح عينه لحظة، عينه كانت دبلانة... بس جواها وجع بيطلب الطبطبة:
"متخافيش عليه… هو نايم... وبعدين ضمّها أكتر، كأن حضنها المأوى الوحيد اللي بيحس فيه إنه بني آدم مش حتة حجر متشقق من جواه. كان بيتنفس بصوت تقيل… وهي بتحاول تهدي دقات قلبها اللي بتصرخ: 'ابعدي، ده خطر، ده اللي اذاكي'. بس جزء تاني منها كان بيقول: 'سيبيه… يمكن دي أول مرة يحس إنه مش لوحده، هو محتاجك'."
هو كمل بكلام متلخبط وهو بيغرق في النوم:
"أنا كنت بردان… بس دلوقتي دفيت… كنت خايف… بس انتِ هنا… بقيت مستريح."
وغمض عينه تاني… وبإيده كان لسه ماسك إيدها كأنه بيمسك الحياة كلها. وحنين… كانت ثابتة، لا بتتحرك ولا بتتنفس… كلها ارتباك وتوهان. بس جواها حاجة بتتبدل… لحظة كانت بين "هو عاوزني؟" وبين "هو أنا... لسه خايفة منه؟ ولا خلاص؟". سابته… ينام وهي لسه في حضنه، سايبة كل الأسئلة في عقلها … وكل الإجابات في حضنه، بس بيجاوب عليها.
الصبح... حنين فتحت عينيها على نور الشمس اللي بدأ يتسلّل من الشباك. وبسرعة اتفاجئت… لسه في حضنه! كريم نايم جنبها، وشه هادي… ملامحه ساكنة، كأنه ولد صغير مرمي من التعب. فضلت تبص له لحظة… وقد إيه كان شكله بريء وهو نايم… عينه مقفولة، بس ملامحه فيها حزن غريب. مدّت إيدها بتردد… ولمّا لمست خده بإيدها، اتحركت شفايفه تلقائي، وابتسم…
وبهدوء… فتح عينه. بصلها بثقل نوم، وبصوت مبحوح قال:
"صباح الخير."
حنين اتكسفت… وشالت إيدها بسرعة. وقامت تتحرك بسرعة تقوم، بس أول ما قامت من السرير، كريم وقف وسبقها. وقف قدام الباب، وسند جسمه عليه وقال بحزن:
"مش ناويه تسامحيني؟"
حنين اتلخبطت… وسكتت. تقرب منها، مسك إيدها بلُطف، وسحبها بخفة، وقعدها على السرير، وقعد هو على الأرض قدامها، زي طفل بيترجا حنية أمه:
"حنين… صدقيني أنا اتغيرت، والله اتغيرت. أنا عارف إنك لسه خايفة مني، ومش واثقة فيا، بس أنا... أنا بحبكمعرفش إزاي، ولا امتى، بس كل مرة ببص في عينيك بحس إني لقيت نفسي ببقى مبسوط جدا."
حنين عينيها بتهرب من عينيه… قلبها اتلخبط، ولسانها مش عارف يقول إيه، بس قالتها:
"لأ… يا كريم، لسه متغيرتش بجد. وأنا مش هقدر أثق فيك… غير لما أتأكد إنك فعلا اتغيرت."
بصت له بتركيز، فأكملت:
"لما تقترب من ربنا وتنسى الحياة اللي كنت عايشها كلها."
كريم بص لها باستغراب وتوهان:
"ربنا؟!"
"آه… امبارح كنت سكران. وطول ما إنت بعيد عن ربنا، أنا هفضل شايفاك بعيد. وكل مرة هتقرب هفضل خايفة… منك."
سكت، وبعدين قال بصوت مبحوح:
"بس.... أنا..... أنا حاولت... بس مقدرتش."
رفع عينه وقال بندم:
"تفتكري… ربنا ممكن يسامحني على اللي عملته؟"
حنين ابتسمت ابتسامة كلها نور وقالت:
"ربنا قال: 'قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا'. ربنا مش بينسى حد… لو خبطت على بابه وقولت يارب هتوب، هيفتحلك كل الأبواب. أقرب طريق للأمان… هو ربنا."
كريم فضل ساكت… عينيه مليانة دموع. ابتسم وقال:
"إنتِ عرفتِ ده كله منين؟"
"بابا… كان بيحب الدين وبيحببنا نحب ربنا. كان دايمًا يحكيلي عن الصحابة، ويحفظني قرأن. بس بعد ما مات… كل حاجة اتشقلبت."
سكتت لحظة… وكريم سألها بصوت هادي:
"هو أنا ممكن أسألك سؤال؟"
بصت له بتوتر:
"إيه اللي خلاكي تسيبي بيتكم؟"
حنين قامت تقف… كانت هتهرب بس صوته رجّعها:
"مش عشان حاجة… بس نفسي أعرف. نفسي أفهمك."
عينيها دمعت… صوتها اتكسر وهي بتحكي:
"بعد ما بابا وماما ماتوا… عِشت مع عمتي. جابت عيالها وسكنت معانا، جوزها كان ميت. كان عندها بنت وولد… ابنها… كان بيبص لي دايما بالشكل مش مريح، نظراته غريبة، دايما كان بيحاول يضايقني ويقرب مني بأي طريقة، كنت بصده وأهرب منه. وفي مرة وأنا نايمة، صحيت على إيده......"
كانت… سكتت فجأة. وكملت:
"كانت فوق جسمي."
صوتها اتقطع… لكن كملت وهي بتبكي:
"صرخت، زقيته بعيد عني. بس هو كمّم بُقي لحد ما حسيت إن نفسي هيتقطع. بعدين مشي. ولما حكيت لعمتي، ضربتني، وقالت إني كدابة… واتهمتني إني بحاول أوقع ابنها. كل حاجة بعد كده كانت سواد. بقيت تعاملني كخدامة، وبنتها كانت بتكرهني. وفي يوم.... حاول إنو... إنو يع*ت..."
سكتت. طلعت تجري على بره، وعمتي كانت قاعدة، مسألتنيش حتى في إيه. بعدها بقيت خايفة منهم، مكنتش قادرة أقعد أكتر من كده. لما قولت لها ترجع بيتها تاني عشان عاوزه أقعد لوحدي، رفضت وضربتني واتهمتني إني بعمل كده عشان عاوزه.... إني..."
مقدرتش تكمل وسكتت. بس هو فهم قصدها. لحد ما قررت أهرب… ومشيت.
حنين كانت بتبكي… صوتها بيتهز مع كل كلمة. كريم كان قلبه بيولع نار… غيرة… وحزن… وقهر. قام، وقعد جنبها. وبمنتهى الحنية… حضنها. حنين حضنته حضن طفل تايه لقى حضن أمه. كانت بتبكي جوه صدره، وكان هو ساكت… بس عينيه بتتكلم. كانت بيحلف إنه هيرجع حقها بأي طريقة.
بعد لحظة… حنين اتكسفت ولحّظت وضعها، وبعدت عنه، قامت ماشيه بسرعة… بس هو… فضل باصص لطفها، وابتسم… ومد إيده على شعره بتوتر، وقال بهمس:
"يا رب… ساعدني أكون قدها وأخليها تسامحني...."
بعد وقت على السفرة، قاعد على طرف السفرة بينه وبين الكرسي التاني مسافة… بس عينه على اللي قاعدة قدامه ومركز في كل تفصيلة بتعملها. كان بيبصلها وهي بتحط الأكل على الترابيزة، كل حركة منها بتزود مشاعره أكتر وبتخليه يبتسم… كأنها بتتحاشى تلمس إيده بالغلط وهي بتاكله. وبكل بساطة… كان مبتسم. ابتسامة باينة في عينه… باصص ليها كأنه أول مرة يشوفها، بيشوف ملامحها وهي مركزة في الأكل، أو وهي بتعدل كُمّها وهي بتقعد… كل تفصيلة منها خدت جزء من قلبه، وهو حتى مش بيقاوم!
حنين قعدت قدامه، وابتدت تاكل في هدوء… بس حسّت بعينه اللي عالياها، اتحركت في مكانها بتوتر خفيف. بصّت في طبقها، وبصّت ناحيته بسرعة… ولما شافته لسه بيبص، وشها احمر فجأة. وخبطت في الكوب بالغلط، وقّعته.
"آسفة… مكنتش قصدي…"
كريم ضحك بخفة، وقال وهو بيعدل الكوب:
"إهدي مفيش حاجة حصلت…"
سماح قاعدة على الكرسي التالت، باصة للاتنين بنظرة فيها استغراب وقرف متغلف باستنكار. بصّت لحنين وهي بترتب العيش، وبعدين لكريم اللي مبسوط ومش واخد باله منها… سكتت شوية وبعدين قالت بحدة قطعت كل حاجة:
"هو في إيه بالظبط؟!"
أكريم بص لها ببرود، وقال:
"أظن شيء ميهمجكيش قوي..."
سماح عضّت على شفايفها من الغيظ، وحنين بصّت في الأرض… واتكسفت. بس لأول مرة، في لمحة صغيرة، عرفت إنها مش لوحدها.
في مكان تاني، تحديدًا في مطار القاهرة، بنسمع صوت إعلان وصول الطائرة:
"السادة الركاب القادمين على متن رحلة رقم ٩٤٣ القادمة من نيويورك، نحب نبلغ حضراتكم إنكم وصلتم بسلامة الله إلى مطار القاهرة الدولي… ونتمنى لكم إقامة سعيدة في وطنكم."
الأبواب الزجاجية اتفتحت، وخرج شاب منه… كان لابس قميص أبيض مفتوح من فوق زرارين وبنطلون جينز غامق، وجاكيت جلد شيك متعلق على كتفه. وفي شنطة صغيرة ماسكها في إيده، ونضارة شمس سودة على عينه، دقنه خفيفة وشعره متسرّح بترتيب بسيط. مشي بخطوة واثقة.
أول ما عدّى الزحمة… سمع صوت جه من بعيد وهو بيقرب منه:
"نــورت مصر يا بطل! حمدلله على السلامة."
صاحبه حضنه بشوق جامد وقال:
"حمد لله على السلامة يا جدع… والله البلد نورت برجوعك."
ابتسم وهو بينزل نضارته شوية على مناخيره وبص له وقال بهدوء:
"الله يسلمك يا صاحبي…"
رواية مأساة حنين الفصل التاسع 9 - بقلم ايه الفرجاني
وقفوا قدام مبنى فخم. مدخل شيك، وسكون راقي حوالين المكان.
خالد وهو بيوقف العربية قال بخفة:
= أهو يا سيدي وصلت القصر الملكي… دول مستنينك على نار يا نجم. محدش مصدق إنك رجعت سالم منها.
إسلام نزل بهدوء. فتح الباب، طلعوا سوا.
ومجرد ما فتحوا باب الشقة… كام الشباب اللي قاعدين أول ما شافوا إسلام قاموا كلهم وكأن قائدهم رجع من معركة ناجحة.
وبدأت التهاني والاحضان واحد ورا التاني.
= ألف مبروك يا باشا!
= نورت المكان والله!
= فرحتنا برجوعك بسلامة الله.
= محدش مصدق رجوعك.
في آخر الصالة، كان فيه راجل كبير في السن، هيبة باينة في وقفته وابتسامة فخر باينة على وشه.
فضل يسقف بإيده وهو بيقرب منه وبيقول:
= أنا بصراحة… متوقعتش إنه في خلال سنتين بس… المنظمة كلها تقع على إيدك! إنت مش بس شاطر… إنت أسطورة يا بطل. رفعت راسنا كلنا.
إسلام بهدوء واتزان:
= ده واجبي يا فندم… وبعدين أنا تلميذك في الأول والآخر يا باشا.
بيحضنه بحفاوة وهو بيقول:
= أنا فخور بيك، وفخور إني سلّمت المهمة لحد زيك. وبالمناسبة… الوزارة قررت تصرفلك مكافأة مالية محترمة. المكان موجود في التجمع، شيك ومجهز ليك بالكامل. تعبير عن حبهم ليك.
إسلام بابتسامة بسيطة:
= مفيش حاجة تستاهل قد شرف المهمة يا فندم.
الراجل بنبرة جادة وباهتمام:
= بس اللي عملته تتستاهل أكتر من كده. وعشان ترتاح شوية… ليك 3 شهور أجازة. أول ما توصلنا المهمة الجاية، هنبلّغك.
إسلام بيسلم عليه:
= شكرًا يا فندم. تؤمرني بحاجه تانيه ي فندم؟
= لا يبطل، اجازه سعيده.
بعد دقائق…
إسلام نازل السلم وخالد وراه.
خالد بينادي عليه:
= استنى يا بني! هوصلك… معقول هتروح البيت ماشي؟
إسلام بضحكة خفيفة:
= ما كنت هاخد عربيتك.
خالد بيقف ويضحك باستغراب:
= إزاي يعني؟! المفتاح معايا!
يحط إيده في جيبه بسرعة… يكتشف إن المفتاح مش موجود. يلف بسرعة يلاقي إسلام بيرميله المفاتيح.
إسلام ببرود:
= انت لسه هتدور؟ اهو خد. يلا… عشان أنا مستعجل.
خالد بضيق وهو بيركب:
= نفسي أفهم إزاي دايمًا بتقلبني كده.
إسلام بهدوء وابتسامة جانبية وهو بيقعد جنبه:
= حاجة خاصة بيا… ومش ناوي أقولك عليها.
بعد مده صغيره...
العربية وقفت قدام عمارة قديمة، الطابع الشعبي باين عليها بس فيها دفء.. ذكريات وريحة أهل.
خالد بدهشة وهو بيبص على العمارة:
= لسه ساكن هنا؟!
إسلام بنظرة هادية وملامح فيها شجن:
= مينفعش أسيب الذكرى الوحيدة منهم… وبعدين أختي لسه قاعدة هنا.
خالد اكتفى بنظرة احترام وساب إسلام ينزل بهدوء.
إسلام طلع السلم بخطوات فيها توتر وشوق في نفس الوقت… كل درجة بيطلعها، قلبه بيدق أسرع مش قادر يصدق إنه أخيرًا هيدخل البيت ده… بعد سنين.
وصل قدام الباب… واقف لحظة، وبعدين خبط خبطة خفيفة.
بعد ثواني الباب اتفتح.
بنت صغيرة في أوائل العشرينات، وشها مألوف شوية، لكن ملامحها ارتبكت لما شافته… اتجمدت مكانها، عينيها اتسعت، وكأن الزمن وقف للحظة.
إسلام بابتسامة دافية:
= السلام عليكم…
البنت ابتعلت ريقها بصعوبة، وبلسان متلخبط:
= اس… اسلام…
حاولت تهدي ريقها و…
= وعليكم السلام. اتفضل.
فتحت الباب أكتر وإسلام دخل بخطوات هادية… عينه بتتحرك في المكان بسرعة، كأنه بيحاول يلم كل تفصيلة نسيها.
دخل الصالة لقى "إلهام" عمته قاعدة، جنبها ابنها.
أول ما شافوه… اتفاجئوا ووقفوا.
رمزي قام بسرعة وهو مصدوم.
إلهام اتلبخت والموبايل وقع من ايدها.
إسلام بنبرة فيها شوق ودهشة:
= إزايكم؟ أنا جيت… إيه مالكم مصدومين كده ليه؟
رمزي حاول يضحك ضحكة باهتة وهو بيقرب منه:
= ياااااه… نورت يا راجل! مش مصدق نفسي والله!
إسلام زقه بعيد بقرف.
إلهام قامت بسرعة، بتحاول تخبي ارتباكها:
= ده انت نورت البيت! إمتى جيت يا ابني؟! قصدي يعني مش كنت تقولنا إنك جاي.
إسلام وهو بيبص حواليه:
= حبيت اعملهالكم مفاجأة…. ولسه واصل من شويه.
عنييه بتدور… بتدور على أغلى حد عنده.
إسلام بصوت أهدى وهو بيركّز في ملامحهم:
= امال فين حنين؟
سكون لحظة… الكل بيبص لبعض، والتوتر باين.
رمزي بيتكلم بسرعة:
= خرجت مع صحبتها… كانت محتاجة تغير جو. متعرفش إنك جاي.
إسلام بهزة راس هادية:
= تمام… أنا هدخل أنام شوية لحد ما ترجع عشان تعبان من السفر.
سابهم واقفين… كلهم في حالة ارتباك، نظراتهم بتتهرب، ووشوشهم متشددة.
إسلام دخل الأوضة… وقف لحظة قبل ما يقفل الباب، وبص لهم نظرة طويلة…
وبهـدوء قفل الباب وراه.
حاول ينام… بس فيه حاجة خنقاه حاجة مش مفهومة… إحساس إنه في حاجه هما مخبينها عليه.
فضل يفكر وهو قاعد على السرير.
بعد شويه قام… خرج.
مفيش حد في الصالة… بس سمع صوت عمته خارج من الأوضه بتتكلم بصوت مرتعش بس واضح إنها متعصبه.
وقف ورا الباب بيسمع.
عمته بهمس مرتبك:
= يا رب تستر… يا رب ما يكونش عرف… لو إسلام عرف إن حنين سابت البيت وهربت من سنة ونص إحنا هنتفضح! مش بعيد يقتلني.
رمزي ببرود وقرف:
= هيعمل إيه يعني؟ ما خلاص البت مشيت! هو احنا اللي مشيناها يعني. وبعدين ميقدرش يعمل حاجة. دا حتى سباك لا راح ولا جه. قال كان مسافر عشان يشتغل بره. اهو راجع ايد ورا وايد قدام.
بتضربه على وشه وهيا بتقول:
= انت تخرس خالص! انت بالذات تخرس! البت مشيت بسببك بعد ما حاولت حضرتك تتعدى عليها أكتر من مرة يا حيوان! نسيت ولا أنسّيك؟!
إسلام اتجمد… النفس اتحبس في صدره… جواه حاجه بتتكسر.
رجليه هبدوا الباب ودخلوا لوحدهم…
إسلام بصوت مش مفهوم أوله، واطي، بيرتفع مع كل كلمة:
= إيه؟! مين اللي حاول يعتدي عليها؟! أنا عاوز افهم كل حاجه دلوقتي.
الكل اتجمد… رمزي واقف محله ووشه اتصفّر، وامه بترتعش وهي تبص لإسلام.
إسلام بيقرب منهم وعنيه مولعه، صوته بيرتجف:
= يعني… يعني مشيت؟ حنين مشيت من سنة ونص… وإنتو مخبّيين؟! لا وقاعدين عادي كده. وإنت… إنت اللي كنت السبب؟!
إسلام بيبص لرمزي واللحظة دي كان فيها كل القهر… كل النار… كل الحنين… وكل الغضب اللي اتحبس سنين… وفجأة…
إسلام:
= إنت عملت فيها إيه؟! اتكلم يا ابن الك"لب!
وبيهجم عليه ويوقعه على الأرض، بيضرب فيه بكل غِل.
إلهام بصراخ:
= إسلااااام! بلاش! احنا منعرفش عنها حاجة.
إسلام وهو بيضرب أكتر:
= … ده خنزير! ده اللي خلّى أختي تهرب! عملتلها ايييييك. كنتوا ساكتين ليه؟! ساكتين لييييييه؟! هقتل*كم.
الضرب بيزيد… رمزي بيصرخ… وإسلام مش سامع غير صوت أخته في خياله وهي بتعيط… مشهد ليها وهي بتهرب… وهي بتجري في الشارع…
= بقولك حنين راحت فين.... قالها بصوت عالي مجروح بس مليان غضب… زي اللي خلاص فقد عقله ومبقاش شايف قدامه.
كانت واقفة قدامه، جسمها بيرتعش، وعينيها مليانه دموع على ابنها اللي وشه بقى خرائط من الضرب. شوارع حمرا مرسومة على وشه بإيده كأنه بينتقم من كل السنين.
ردّت بصوت متكسر:
= والله ما أعرف… هي اللي مشت، والله العظيم ما نعرف راحت فين!
وطّت على الأرض تبوس رجله وهي بتبكي:
= سيبه يا إسلام… هيموت في إيدك… أبوس إيدك… دي هيا اللي هربت من نفسها والله ما نعرف عنها حاجة!
رمى الولد عليها وصوته طلع بغضب من جواه وهو بيقول:
= عاوزاني أصدق إن حنين سابت البيت كده؟!
ضحك ضحكة كلها سخرية وقال ببرود بيغلي:
= فاكراني عيل؟ هتضحكي عليا بكلمتين دول؟ أقسم بالله العلي العظيم… لو ما عرفتش حنين فين، لأولع في البيت ده بيكم كلكم… وانتو جواه.
اتجه للأوضة، فتح الباب برجله، وبدأ يقلب في كل حاجة كأنه بيقلب وجعه مش أثاث قديم… كل ركن بيتقلب، كل درج بيتفتح بعصبية، لحد ما عينه وقعت على تليفونها في درج.
مسكه وخرج بيه، ورماه على بنتها اللي كانت قاعدة زي التمثال وقال بصوت حاد:
= افتحيه… أهو ده التليفون اللي كنتوا بتردوا عليا منه، مش كده؟
وطت خدته وهي بتترعش، فتحته...
خطفه منها وبدأ يقلب في الرسائل… كل كلمة بتقطع فيه أكتر من اللي قبلها…
= سنة ونص… سنة ونص وأنا كل ما أكلمها تفصل، كل ما أبعَت، تبعتلي "أنا كويسة'... وبس! سنة ونص… وقلبي يقوللي يمكن مش قادرة، يمكن بتخبي وجعها عشان بعيد عنها …بس كل ده؟ كل ده كان كدب؟ بنتك هي اللي بترد عليا؟ وانتو… انتو عاملين عليا فيلم ومصدقين نفسكم؟!
لفّ عليهم فجأة، وعينه بتلمع بغصة مكسورة:
= ولما هيا مشيت… مقولتيش ليه؟ ليه كملتوا تمثيل؟ ليه خليتوني أصدق انها عايشة؟ كنت خايفين علي الفلوس اللي ببعتها وأنا فاكرها....هنا؟!
صوته علي بغضب وهو بيتوجع وبيلوم نفسه:
= عشان ابنك الصايع صح؟! اللي مش لاقي شغل؟ عشان الفلوس؟ كنتوا خايفين الفلوس اللي ببعتها تقف؟ اختي كانت تمن كام في الحكاية دي؟!
قعد على الكرسي، عينه مفيهاش دموع … بس كلها وجع اتجمع في لحظة.
= أقسم بالله… لو ما لقيتش حنين… لهتشوفوا جهنم في حياتكم وانتم عايشين.
كل ثانية.
وقف وقال بصوت رج البيت:
= قدامكم نص ساعة… أرجع مشوفش وشكم هنا؟ والا وقتهاتبقوا استنيتوا نهايتكم على ايدي؟!
لفّ عشان يخرج، جريت عليه عمته، مسكته من هدومه وهي بتبكي:
= بالله عليك يا إسلام… هنروح فين؟ أنا كنت ساكنة إيجار… ومعيش ولا جنيه… هنتشرد!
زقها بغل وقال:
= مفكرتيش في أختي ليه اللي أصغر من عيالك لما رمتيها. مفكرتيش في دموعها؟ في خوفها؟ في لياليها لوحدها؟ احمدي ربنا… احمدي ربنا إني هرميكم بسم مش هدّفنكوا بالحيا …وادعي ربنا تكون بخير عشان وقتها هنسى إنك كنت في يوم عمتي...
"يا عمتي" قالها بسخرية وأكمل وهو بيفتح الباب عشان يخرج.
= بس ما تفرحيش. أنا لسه ما فتحتش أول صفحة من حسابي معاكم…
= ولحد ما ألاقي حنين… كل يوم هيبقى عليكم… لعنة يخليكم تتمنوا الموت.
حنين قاعدة على الأرض جنب "هدي" و"محمد" نايم على رجلها.. الجو هادي، وهي بتتكلم ببساطة وهي بتهوي على الطفل بمروحة يد.
حنين بابتسامة هادية:
= عارفه يا هدي؟ أنا كنت فاكرة إن مش هيتغير. بس لأ.. كريم بيحاول يتغير.. بيحاول بجد.. يمكن مش بيعرف يعبر.. يمكن لسه مش متعود يقول اللي جواه. بس كل تصرف بيعمله.. بحسّه بيقولي "أنا آسف.. ومستعد أعوضك".
هدي بتبصلها وهي مستغربة شوية بس مبسوطة وبتفضل ساكتة تسمع.
حنين (تكمل، وهي عينيها على محمد):
= مش دايمًا اللي بيغلط هو وحش.. أوقات الغلط بييجي من وجع.. وأوقات ربنا بيرجع ناس لبعضهم عشان يشفيهم سوا.
في اللحظة دي بيكون كريم راجع من الشغل، تعبان، وبيعدي قدام باب المطبخ المفتوح.
بيسمع صوت حنين وبيسمع اسمه، بيقف بيقرب.
بيبص جوه من غير ما حد ياخد باله، يلاقيها قاعدة وبتتكلم.. قلبه بيدق.
حط إيده على ضلفة الباب بيستند عليه، ويبصلها بحنية، وكل اللي في وشه بيقول: "أنا فعلاً بحاول".
هدي بتشوفه عينيها بتلمع ولسه هتقول " كريم!" بس كريم بسرعة بيشاورلها بصباعه على بقه، كأن بيقولها: "هشش.. ما تقوليش".
هدي تضحك بخبث طفولي وتهز راسها وتسكت.
حنين لسه مش واخدة بالها.. بتكمل كلامها وهي بتزق شعرها من وشها، وتبص لمحمد وتهمس:
= يا رب.. يكون يستاهل فعلاً ويتغير. وقتها فعلا هكون مبسوطة وهديله فرصه تانيه.
كريم يطول في البصة.. ياخد نفس ويكتمه ويرجع يمشي على أطراف صباعه من غير ما يعمل صوت.
بيسيبهم ويدخل أوضته.. والابتسامة على وشه وهو بيفكر في حاجة وبعدين بيقفل الباب.
سماح في الأوضة رايحة جايه بتكلم حد في التلفون:
= طلع متجوز وعنده ولد كمان. اااه زي ما بقولك كده. بس البت اللي متجوزها دي محبتهاش. حساها عيلة صغيرة. وبعدين جوازهم مش طبيعي. حساهم مخبينين حاجة وكل ما أسألهم ميقولوش حاجة.
تسكت شوية وهي بتسمع صوت اللي في السماعة ترد بغيظ:
= لأ… لأ… مش طبيعية الحكاية دي… البت اللي متجوزها دي مش داخلة دماغي خالص… صغيرة كده ومعرفش… فيها حاجة مش مريحة…
تتنهد وتحط إيدها على وشها:
= وبعدين جوازهم كله غريب… كل ما أسألهم يقولولي: "خلاص… اتجوزنا ملكيش دعوه".
تسكت شوية وبعدين تكمل بغيظ:
= لا… لا والله… لو الموضوع فيه حاجة… هعرفها… هعرفها غصب عنهم!
الطرف التاني قال حاجة واضح إنها عجبت سماح. بابتسمت بخبث وهي بتقول:
= دا انت تنوري ي عيوني. هستناكي.
رواية مأساة حنين الفصل العاشر 10 - بقلم ايه الفرجاني
كريم كان قاعد على السرير، ماسك الموبايل في إيده بس دماغه في حتة تانية. كان بيفكر، يعمل إيه؟ إيه الحاجة اللي تكسر الحاجز اللي بينهم؟ إيه الحاجة اللي تخليها تحس إنه بيقرب، بس من غير ما يوجعها؟
فضل ساكت، وعينيه بتتحرك شمال ويمين، لحد ما ابتسم فجأة. مسك الموبايل، وطلب أوردر. هو نفسه ما كانش مصدق إن الفكرة دي اللي جت على باله، بس عجبته. قفل التليفون وهو لسه مبتسم.
فرد دراعاته على السرير، وعينيه في السقف كأنها بتحاول تتخيل رد فعلها. اتنفس نفس طويل. حاسس إنه عامل حركة حلوة. يا ترى هتفرح؟ ولا هتستغرب؟
بعد نص ساعة تقريباً جاله إشعار إن الطلب وصل. قام بسرعة ونزل السلم بخطوات خفيفة. كان بيدندن وهو نازل. كل شوية يبص حواليه، مش عاوز حد يشوفه. كأنه بيخبي فرحته.
كانت أمه واقفة جنب السلم. شافته مستغربة الضحكة اللي على وشه. ما فهمتش هو ماله. فضلت بصاله من ورا العمود.
شافته وهو بيفتح الباب، وبيستلم الكيس. دفع الحساب وهو بيقول للراجل: "شكرًا..."
فتح الكيس وهو لسه واقف وبص جواه. ضحك لوحده، وطلع أوضته بسرعة، وقفله وراه. أمه لسه واقفة مكانه. بصت ناحيته، وقالت لنفسها: هو ماله الواد ده؟ من إمتى بيضحك كده؟ شكله اتجنن ولا إيه؟
زت كتفها وسابت المكان ورجعت أوضتها.
بعد دقايق، كان كريم واقف قدام أوضة هدى. بيخبط عليها.
هدى فتحت وهي مستغربة وقالت:
"أستاذ كريم... حضرتك محتاج حاجة؟"
بصلها كريم وهو ساكت لحظة وبعدها طلع كيس من ورا ضهره وقال بهدوء:
"ممكن توصله لحنين؟"
هدى خدت الكيس باستغراب، وقالتله:
"حاضر."
ومشت ناحية أوضة حنين.
حنين كانت قاعدة على السرير بتلاعب محمد. هدى فتحت الباب بهدوء وقالت لها:
"كريم سابلك الكيس ده. قالي أوصله ليك."
حنين بصتلها وقامت بسرعة خدت الكيس من إيد هدى واديت محمد ليها. فتحت الكيس... عينيها وسعت من الدهشة. فستان شيك جدًا، لونه هادي وناعم، ومعاه هيلز بسيط أنيق وكمان طرحة جميلة بلون الفستان.
وقفت حنين تبص فيهم كأنها مش مصدقة، وهدى وراها بتبتسم بفرحة حقيقية ليها. وبينما حنين بتفرد الفستان على السرير، وقعت منه ورقة صغيرة. خدتها بهدوء وفتحتها، وكانت مكتوب فيها بخط كريم:
"هدية بسيطة... بس فيها كل الإعجاب اللي معرفتش أقوله بلساني. هستناكي تحت الساعة ٧ لو وافقتي، هتكوني أسعدتي قلبي."
حنين فضلت ماسكة الورقة... وابتسامة صغيرة على وشها.
هدى قربت منها وقالت:
"في إيه؟"
حنين قالت بخجل وهي بتلمس الفستان بإيدها:
"عاوزني أخرج معاه..."
هدى فرحت وقالت بحماس:
"طيب يلا يا بنتي روحي اجهزي. لسه هتفكري؟"
حنين بصت ناحية محمد اللي كان بيضحك في حضن هدى. هدى فهمت وقالت بهدوء وبحب:
"متخافيش، سيبيه معايا... هستناك لحد ما ترجعي."
بعد ساعه قدام باب البيت.
كريم واقف قدام العربية بيبص في الساعة كل شوية وبيتنهد. كان بيعدي في دماغه ألف سيناريو وسيناريو. هي هتيجي؟ هتفرح؟ هتتكسف؟ ولا يمكن ترفض وتحرجه؟ عينيه بتروح وتيجي عالشارع. بيلف حوالين نفسه زي اللي داخل لجنة ثانوية عامة.
كريم بيكلم نفسه وهو بيتنفس ببطء:
"اهدأ يا كريم... دي خروجة مش عملية قلب مفتوح... بس برضو..."
وبيسكت وهو بيضحك لنفسه بخوف.
فجأة بيقطع تفكيره صوت خفيف من وراه، حد بيتنحنح. بيلف بسرعة. بيتسمر مكانه. كانت هي... واقفة على أول سلمة. لابسة الفستان اللي جابهولها. وشعرها متغطي بالحجاب مديها لمسة ملايكة. عيونها فيها لمعة خجل. وشفايفها بتتحرك بخفة كأنها بتسأل من غير كلام: "حلو؟"
كريم بيتأملها بثواني صمت، كأن الزمن وقف. وبعدين قالها بصوت واطي وعيونه مش بتفارقها:
"إنتي... طالعة نور. قسمًا بالله أول مرة أحس إني عملت حاجة صح ف حياتي لما قررت أشتري الفستان ده."
قرب منها بخطوة. ومد إيده من غير ما يفكر. مسك إيدها بحنية، بس بحزم، كأنه بيقولها: أنا هنا... وهفضل.
كمل بصوت هادي فيه انبهار صادق:
"أنا كنت فاكر إنك جميلة... بس دلوقتي؟... أنا مش مصدق إنك بالجمال ده."
حنين كانت متلخبطة. ضحكت من خجلها وقالت:
"هو انت دايمًا بتتكلم كده؟"
ضحك وقال:
"أنا؟ ده أنا كنت فاكر نفسي غلس... بس شكلي لما شوفتك النهارده، اتعلمت الغزل في ثانية!"
وفتح باب العربية، وساعدها تركب. وهو لسه مبهور بيها كأنها ملاك نازل من السما.
بعد دقايق في العربية.
كريم سايق ووشه كله ابتسامة، ودماغه مشغولة بيها أكتر من السواقة نفسها. كل شوية يبص لها من طرف عينه، يقول كلمة، يضحك، وهي ترد عليه بنص ابتسامة وخجل باين.
كريم، بصوت هادي:
"كنتي فين من بدري؟ يعني الدنيا دي كلها وأنا ماشي فيها لوحدي... كان فينك من زمان؟"
حنين بتتكسف وبتضحك، بتحاول ترد بـ "ربنا بيختار الوقت الصح" بس لسانها مش طالع منه صوت.
كريم بغمزة وهو بيبصلها:
"وربنا أنا ربنا بيحبني."
حنين بخجل:
"كريم بص قدامك هنعمل حادثة."
كريم بضحك:
"متخافيش أنا متمكن كويس."
بعد دقايق.
بيوصلوا قدام مطعم شيك جدًا. نور هادي، لافتة أنيقة، والمكان من بره أصلاً بيقول "خصوصية".
كريم بينزل بسرعة، ويفتح الباب لحنين زي الأفلام كده. ينحني لها بإيده، ويقول بصوت مائل على الفرنسي:
"مادام... الشرف ليا إنك تنوري مملكتي المتواضعة."
حنين بتضحك وبتبص له كأنها أول مرة تشوفه. هو بيضحك على نفسه، وبيقول بصوته العادي:
"ياااه... ده أنا طالع أهبل... بس مبسوط، أهو ده المهم."
بيدخلوا المطعم. حنين بتبص حواليها، تستغرب المكان فاضي تمامًا. الأنوار خافتة، الترابيزة اللي قاعدين عليها متزينة بوردة بيضا، وكل حاجة هادية كأن الزمن وقف.
حنين بهمس وهي بتبص له:
"هو... المطعم فاضي كده ليه؟"
كريم وهو بيسحب ليها الكرسي:
"علشان حبيت نكون لوحدنا... أنا وانت، بس مش عايز حد يشاركنا اللحظة دي."
بتقعد ولسه مش مستوعبة الرقي اللي حواليها. كأنها في حلم. هو بيقعد قدامها، وساكت شوية، بيتأمل ملامحها. وهيا في خجل منه مش قادرة تتكلم.
بييجي النادل وبيشوف طلباتهم. كل حاجة متحضرة، شكل الأطباق كأنها لوحة. وكريم بيشاور للنادل بعنيه يمشي.
حنين قاعدة قدامه متوترة، بس ملامحها مش قادرة تخبي الفرحة اللي في عينيها. كريم بيراقبها، ومش قادر يبطل يبتسم.
كريم وهو بيبص لها بتركيز:
"أنا أول مرة أشوف الجمال لابس حجاب... كان ناقصه إيه يعني؟ ولا الفستان هو اللي اتشرف بيكي؟"
حنين بتضحك بخجل وبتمسك طرف الطرحة كده بتلعب فيه وبتقول له:
"كريم... بلاش الكلام ده عشان بتوترني بجد."
كريم وهو بيحط كوعه على الترابيزة ويميل عليها شوية:
"أنا مش بقول كلام... أنا بوصف مشهد قدامي مش مصدق إنه حقيقي."
بييجي النادل ويفصل اللحظة دي، بيحط الأطباق قدامهم. كريم بيشكره وهو بيبص لحنين ولسه عينه مش عايزة تسيبها.
كريم:
"عارفه؟ من يوم ما جيتي البيت وأنا حاسس إني مش لوحدي... كنت دايمًا داخل وخارج كأني تايه في شقة كبيرة فاضية. لما بشوفك مع محمد، بحس إني بنيت أسرة وأنا مش واخد بالي."
حنين بتبص له، ملامحها بتهدى، بتحس بالصدق وبتقول له وهي بتطمنه بعينيها:
"هو كمان مش لوحدك يا كريم..."
هو بيرمش كده وبيضحك بهدوء وهو بيقول:
"دي أخطر جملة ممكن تتقال النهاردة."
&&&&&&
إسلام ماشي بسرعة رجله بتجري لوحدها بدون هدف. بيدور في الشارع بس كأنه بيدور على إبرة في كومة قش. مش شايف قدامه، مش سامع غير صوت أنفاسه. كل ما يتخيل، كل ما يتخيل إنها لوحدها، أو في خطر. كل ما صورة من الماضي تطق قدامه. هي صغيرة، ضحكتها، خوفها، حضنه ليها. بيمسح عرقه بإيده. دماغه هتفرقع من كتر الهواجس. "راحت لمين؟ مين خدها؟"
يقف قدام باب شقة. نَفَسه بيعلو، كأنه طالع جبل مش سلم. إيده بتخبط بالعافية كأن رجله هي اللي وصلته مش وعيه. الباب بيتفتح. بنت ملامحها هادية بتتفاجئ بيه بتقول بحذر:
"أيوه؟ مين حضرتك؟"
إسلام باين عليه التعب. عرق نازل من جبينه، هدومه مبهدلة، شعره منكوش، عينيه غريبة. كأنه جاي من خناقة.
إسلام بصوت مبحوح:
"دي شقة خالد؟"
البنت بتبص له بتوتر وتهز راسها:
"آه..."
إسلام بهدوء:
"قولي له... قولي له إسلام واقف بره."
البنت بتبص له ثواني، وبعدين تدخل بسرعة. إسلام واقف مش ثابت على رجله، بيبلع ريقه، عينيه بتلف في المكان.
بعد لحظات، الباب بيتفتح من تاني. خالد بيظهر لابس تريننج، متفاجئ جدًا وهو بيقول:
"إسلام؟!"
إسلام بيرفع عينه له، مش قادر يتكلم.
خالد بسرعة وهو بيسحبه جواه:
"ادخل، ادخل بسرعة... مالك؟ إيه اللي حصل اي عمل فيك كده؟!"