تحميل رواية «ما وراء الماضي» PDF
بقلم دودو محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلست فتاة يظهر عليها الخوف والارتعاش بجوار الحائط. ضمت قدميها بالقرب من صدرها ووضعت رأسها عليهما وظلت تبكي بخوف شديد. في ذلك الوقت، اقتربت إليها فتاة ترتدي ملابس تبرز جميع مفاتنها وهي تمضغ العلكة بفمها. وقالت بصوت ساخر: "شوفتوا يا بنات الاخت صاحبة الشرف والعفة نورت معانا السجن وبقت يا حرام زيها زينا. بس ناقص بس تتختم بختم الشغل بتاعنا وتبقى أحلى فتاة ليل. مع أن مافيش راجل هيرضى يلمسها." رفعت رأسها إلى الأعلى ونظرت لها بأعين حزينة والدموع ظلت تنهمر من عينيها. اقتربت إليها فتاة أخرى لا تقل عن السا...
رواية ما وراء الماضي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دودو محمد
جلست بتول ببهو الفيلا الخاصه بها تحتسي فنجان القهوة الخاصه بها تائهه مع ذكرياتها هى ووليد.
تسابقت عبراتها على وجينتها دون أن تشعر، ولكن ما جن جنونها عندما تخيلت وليد يجلس أمامها على المقعد كما اعتادت سابقا.
ابتسمت من بين دموعها وقالت بصوت مرتعش:
- و و وليد واحشتني اوى كده اهون عليك تبعد وتسيبني؟ الايام مبقاش ليها طعم من غيرك، كلها بقت شبه بعضها. واحشني غزلك فيا فى اي وقت واي مكان، واحشني حضنك اللى هموت وانام فيه. ليه موت وسيبتني لوحدي؟ كنت خدنى معاك طيب.
ابتسم لها ابتسامته المعتادة وحرك يده على وجهها وازال عبراتها من على وجهها. شعرت بلمسته وكأنها حقيقه، ازدادت دموعها أكثر.
ولكنها انتبهت على صوت رهف وهى تمسح لها دموعها قائله بصوت حزين:
- طنط بتول حرام عليكى نفسك، انتى كده بتعذبي نفسك. أنا دخلت لاقيتك بتكلمي نفسك ودموعك نازله على خدك، ولما نديت عليكى مسمعتنيش حتى لما مسحت ليكى دموعك فكرتي ان عمو وليد الله يرحمه هو اللى بيمسحها ليكي.
نظرت لها بدموع وقالت بحزن:
- فقدان شخص عزيز عليكى صعبه اوى يا بنتي، بتتمنى أن يرجع لو ثانية واحده تحضنيه تكلميه تشوفيه. اصعب حاجه هو الفراق، وانا انكويت بنار الفراق مرتين. مره لما أبوكي سابني ومره لما وليد مات. بس لما ابوكى سابني ربنا بعت ليا الحضن اللى خفف عني وجعي. إنما لما مات وليد والحضن الامان بالنسبه ليا ملاقيتش اللى يخفف عني فراقه. علشان من الاخر كده مافيش حاجه فى الدنيا دى تعوض غياب وليد عني.
أخذت نفس عميق وتكلمت بصوت مختنق:
- بابا محتاجك جنبه يا طنط، بعد ما قعد على كرسي متحرك. وانتي كمان محتاجه جنبك يعوضك عن فقدان عمو وليد. انتوا الاتنين محتاجين بعض.
ابتسمت لها بحزن وقالت بصوت مختنق:
- مبقاش ينفع يا بنتي، لأسباب كتير اوى. أولهم أنك انتي وامك واختك اولى بأبوكي، وكمان انا عمري ما هقبلها على ولاد وليد وهما كبار كده اجبلهم جوز ام. هتقوليلى ما انتي جيبتي لعدي؟ هقولك عدي وقتها كان طفل صغير وكان بيحب وليد اصلا وبيقوله بابا فعلا علشان هو اللى مربيه من وهو حتة لحمه حمرا وعدي اللى كان عايز كده لانه بالفعل اخد على وجوده معانا. إنما دلوقتي زين راجل وفرح عروسه، مينفعش اتجوز واجيب ليهم جوز ام. ده غير أن سنى ميسمحش بكده. عارفه أن فيه فى سنى بيتجوزوا عادي بس مش أنا. واهم ما في الموضوع كله أنا مقدرش اكون فى حضن اي راجل تاني بعد حضن عمك وليد، لان مافيش اي راجل هحس معاه الاحساس اللى كنت بحسه وانا فى حضنه. أنا هعيش مع ذكريات وليد وبس، وده اقل شئ اعمله علشان ارد لو جزء بسيط جدا من اللى كان بيعمله معايا.
حركت رأسها بالرفض وقالت بترجى:
- ارجوكى وافقي يا طنط، بابا والله العظيم حالته صعبه وبالذات بعد اللي حصله ده. أما موضوع أن احنا أحق بي، بابا وماما اصلا انفصلوا قبل موضوع الحادثه دي ومستحيل يرجعوا لبعض تاني لان بابا عمره ما حب ماما ولا هيقدر يحبها لان ما فيش غير انتي اللي في قلبه وماما عارفه ده ومقدرتش تستحمل تكمل معاه وهي شايفة حبه ليكي. واحنا مش صغيرين وفاهمين كل حاجة. وانا بنته اهو وجاية بنفسي اترجاكي تدي لبابا فرصة تانية. وبالنسبة لزين وفرح كل واحد منهم هيتجوز ويسيبك لوحدك في الآخر. واعتقد عدي مستحيل يرفض رجوعك لابوه، اكيد دي حاجة هتفرحه. وعمو وليد ربنا يرحمه مات خلاص والحي ابقى من الميت.
نظرت لها نظرة مطولة وقالت بتوضيح:
- أنا متأكده أن وجودك هنا وكلامك ده ابوكى اللي بعتك ليا. قوليله ينسانى يا رهف. وليد اه مات بس عايش في قلبي وكل لحظة عشتها معاه هتفضل محفورة جوايا. مش هكدب عليكي واقولك اني نسيت ابوكى ولا كرهته، بالعكس حبه عايش جوايا بس اخلاصي لوليد اكبر من حبي لريان.
تنهدت بقلة حيلة وهبت واقفه وقالت:
- تمام يا طنط، هبلغ بابا بالكلام ده. بس بعد اذنك ليا طلب أخير، ممكن تيجي تزوري بابا لو لاخر مرة لانه نفسه يشوفك جدا وموضوع الكرسي ده مانعه عنك.
أومأت رأسها بتفهم وقالت:
- إن شاء الله يا حبيبتي. احنا كده كده هنتقابل عند عمك أيوب علشان عدي قرر يتقدم لنغم.
نظرت لها بسعادة وقالت:
- بجد!! مبروك يا طنط، أنا فرحتله أوي ربنا يسعدهم يارب.
ابتسمت لها وقالت بنبرة حنونة:
- ويسعدك يا بنتي. ممكن أنا بقى أطلب منك طلب؟
أومأت رهف رأسها بالموافقة وقالت:
- طبعًا يا طنط، اتفضلي.
تكلمت بترجى وقالت:
- علشان خاطري حاولي تصلحي الأمور بين ابوكى وأمك ورجعيهم لبعض، هما أولى ببعض دلوقتي خليهم يعيشوا أيامهم قبل فوات الأوان، علشان أنا جربت نار الندم في وقت مينفعش فيه الرجوع.
ابتسمت لها بامتنان وقالت:
- حاضر يا طنط، ربنا يريح قلبك ويخليكي لينا يارب.
ثم مالت بجسدها قبلت رأس بتول وتحركت إلى الخارج وصعدت سيارتها واتجهت بها إلى العمل.
نظرت بتول إلى أثرها وابتسمت بحزن وفرت دمعة من عينيها وتكلمت بوجع:
- ياريت كان ينفع يا ريان، إحنا اتكتب الفراق على قصتنا خلاص.
ثم تنهدت بألم ونهضت من على مقعدها ودلفت إلى الداخل.
***
جلست حور خلف مكتبها تتابع عملها بأهتمام شديد. سمعت صوت طرقات على الباب. أذنت لطارق بالدخول.
انفتح الباب ودخل سيف بأبتسامة هادئة وقال بصوت رجولي:
- عاملة إيه يا آنسة حور؟
أغلقت عينيها بضيق وتذكرت كلام والدها في الصباح. حاولت أن تهدأ ثم نظرت له بابتسامة مجاملة وقالت:
- الحمد لله يا أستاذ سيف، خير حضرتك فيه حاجة؟
جلس على المقعد المتواجد أمام المكتب الخشبي ووضع ساق فوق الأخرى وتكلم بتوضيح:
- خير إن شاء الله. جيت ليكي من عند أستاذ أيوب علشان تساعديني في تحضرات الحفلة بتاعة العقود.
جحظت عيناها بصدمة ونظرت له بعدم تصديق وقالت:
- بابا هو اللي قالي كده؟!
أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
- أيوه، ولو مش مصدقاني روحي اسأليه.
أغلقت عينيها بضيق وتكلمت بصوت هامس وقالت:
- ليه يا بابا بس، ده لو زين شم خبر بموضوع شغلي مع الزفت ده هينيل عيشتي.
كان سيف يتابعها بابتسامة وقال بتساؤل:
- ها قولتي إيه يا آنسة حور؟
حركت رأسها بتوتر وقالت:
- م م ماشي، بس هو مافيش موظفة عندك تساعدني هي في الموضوع ده بدل ما تتعب نفسك.
نظر لها نظرة مطولة ثم قال:
- وأضيع فرصتي ليه أن أبقى جنبك، ده أنا ما صدقت أن لقيت حاجة تقربني ليكي.
اتسعت عيناها بصدمة ونظرت له بغضب وقالت:
- لو سمحت ياريت تلتزم حدودك، مينفعش تتكلم معايا كده. احترم نفسك، أنا واحدة مخطوبة ولو خطيبي شم خبر أن شغالة معاك هيهد الدنيا.
نظر لها بصدمة وقال بعدم تصديق:
- مخطوبة!! طيب إزاي وإنتي مش لابسة دبله؟
ردت عليه بتوضيح وقالت:
- لأنها لسه اتفاق. هو أصلاً ابن خالتي ومتربيين مع بعض علشان كده مجرد اتفاق والخطوبة قريب إن شاء الله.
ابتسم لها ابتسامة ذات مغزى وقال:
- لا مدام كده أوك، إنتوا لسه على البر وده هيسهل حاجات كتير.
نظرت له بعدم فهم وقالت بتساؤل:
- يعني إيه مش فاهمة؟
حرك رأسه سريعاً وقال:
- لا ولا حاجة. يلا نشوف هنبدأ بأيه علشان ننجز وقتنا لأن مافيش وقت.
شعرت بالخوف من طريقته الغريبة معها. ابتسمت بتوتر وأومأت رأسها بالموافقة وبدأوا يتابعوا عملهم.
***
أنهت نغم العمل الخاص بها ونظرت إلى زين وأنس بأرهاق شديد وقالت:
- أنا تعبت أوي النهاردة، معرفش إنكم كنتوا بتتعبوا أوي كده غير لما جربت بنفسي.
تكلم زين بابتسامة وقال:
- الموضوع مرهق بس علشان في أوله، بس لما تفهمي كل حاجة هتحبي الشغل وهتلاقيه حاجة ممتعة جدا ومش هتحسي بالارهاق ده تاني.
ابتسمت له وقالت بمزاح:
- أيوه يا عم، مين قدك النهاردة بابا أيوب كان بيمدح فيك على الفطار وفخور بيك أوي.
نظر لها بعدم تصديق وقال:
- احلفي!! عمو أيوب قال كده فعلاً عليا.
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
- أيوه والله العظيم قال أنه فخور بيك وأنه فرحان بشغلك وشايفك هتبقى في المستقبل من أحسن رجال الأعمال وأنك هتنقل الشركة دي للعالمية.
تراقصت دقات قلبه بسعادة وتكلم بابتسامة وقال:
- أنا فرحان أوي بجد، عمو أيوب طول عمره قدوتي وكان نفسي أوي أبقى شبهه في كل حاجة لدرجة أني سبت بابا الله يرحمه شغال لوحده علشان أبقى جنب عم أيوب وأتعلم منه كل حاجة وأبقى شبهه. وبعد الكلام اللي قولتي ده حاسس أن قلبي هيوقف عليا من كتر السعادة أن قدرت أحقق حلمي ويفتخر بيا.
نظرت له باستغراب وقالت بتساؤل:
- للدرجاتي!!
أومأ رأسه بالتأكيد وقال بنبرة كلها فخر:
- أيوه وأكتر يا بنتي. إنتي عارفة عمو أيوب ده عنده كمية صبر في شغله غريبة، طرق وحيل عجيبة بيعرف امتى يستخدمها علشان يسيطر على السوق ده غير طبعاً التزامه بالمواعيد واهتمامه بكل كبيرة وصغيرة في الشغل. التنظيم شيء أساسي عنده، حكمة وهدوء غريب وفي نفس الوقت عصبي و متهور لو الشغل مطلعش زي ما هو عايز ولا شاف حد بيدلع في الشغل. طيب إنتي عارفة أكتر المشاكل اللي بتحصل ما بين عم أيوب وحور هو عدم التزامها بالمواعيد والاستهتار علشان كده مش بيفوت ليها غلطة. أنا الصراحة معاه في الموضوع ده لأن لازم يأَسس حور صح علشان تحافظ في المستقبل على كل اللي عمله ده وتبقى ماشية صح ومكملة بنفس الطريقة بتاعته. يعني أنا لو مكنتش اتعلمت صح منه مكنتش هقدر أمسك شركة زي دي وأديرها لوحدي وده الفضل كله يرجع لعمو أيوب.
شعرت بالفخر الشديد بعد كلام زين على أيوب وابتسمت له بسعادة وقالت:
- أنا فخورة جداً أن ربنا رزق ماما بواحد زي بابا أيوب ده عوضها عن وجعها من بابا زمان وعوضني بعد رجوعي حنان الاب اللي فقدته من وأنا صغيرة أو تقدر تقول معشتش أصلاً حنان الأب ده زمان. ربنا يخليه لينا يارب.
ابتسم لها بتمني وقال:
- يارب يا نغم…
ثم نظر إلى أنس باستغراب وقال بتساؤل:
- إنت فيه إيه ساكت ليه كده مش عوايدك؟
زفر بضيق وقال بصوت مختنق:
- ما فيش.
نهض من على مقعده واقترب من أنس وربت على كتفه وقال:
- مالك يا أنس شكلك مضايق؟
وقفت نغم بابتسامة وقالت:
- طيب أسيبكم تتكلموا براحتكم.
حرك أنس رأسه بالرفض وقال:
- لا خليكي يا نغم اقعدي، ما فيش حاجة تستخبي عليكي.
ثم نظر إلى زين وقال بصوت مختنق:
- رهف واحشاني أوي يا زين من ساعة ما كنا في المستشفى وأنا مشوفتهاش.
اتسعت عين نغم بصدمة وقالت بعدم تصديق:
- إنت بتحب رهف أخت عدي؟!
أومأ رأسه بالتأكيد وقال بنبرة عاشقة:
- أنا الأول كنت بحبها إنما بعد الأحداث الأخيرة ووجودي جنبها في المستشفى باستمرار عشقتها. كل حاجة فيها جميلة خطفت قلبي بطيبتها ورقتها وضحكتها اللي بتجيب قلبي الأرض ونظرة عيونها البريئة اللي سحرتني. أنا كنت ناوي أخطبها أول ما الدنيا تهدأ بس جه موضوع شلل أبوها وكمان شوية مشاكل عندي في البيت خلتني أجل الفكرة شوية بس هموت وأشوفها واحشاني أوي وهي مش من النوع اللي بترضى تخرج مع أي شاب حتى لو بتموت فيا. وكمان أنا مش هرضاها الصراحة لعدي. مش عارف أعمل إيه هتجنن ومش قادر أركز في أي حاجة.
شعرت بالاشفاق على حال أنس. تكلمت سريعاً وقالت:
- أنا ممكن أخليك تشوفها النهاردة، إيه رأيك؟
نظر لها بعدم تصديق وقال بسعادة:
- بجد! طيب إزاي يا نغم قوللي؟
أجابته بابتسامة قائلة بتوضيح:
- أنا هروح الشركة علشان عايزة حور أختي في موضوع وانت توصلني هناك بحجة إن زين مش فاضي يوصلني، عدي عنده شغل وقالي مش فاضي خلي أخويا يوصلك. وبكده هيكون عندك سبب تدخل بي الشركة وتقابل رهف في مكتبها. كمان إيه رأيك.
نظر لها بسعادة وقال:
- ينصر دينك يا شيخة، بجد دماغك دي ألـمـاظ. قومي يلا بسرعة.
ابتسم زين بسعادة وقال بدعابة:
- استني عندك، دي بنت عمي وأخويا وموصيني عليها ولازم أروحها بنفسي وأنا خلصت شغل ومش ورايا حاجة والصراحة بقى أنا كمان عايز أشوف حور علشان واحشاني.
نظر له بضيق وتكلم بنفاذ صبر:
- بلاش غتاتك دي يا أخويا، ما إنت تقدر تشوف بنت خالتك في أي وقت إن شاء الله لو روحت ليهم الفيلا محدش هيقولك حاجة. إنما أنا مش هعرف أشوفها غير بالطريقة دي. اهدا بقى وخليني أنا أوصلها.
حرك رأسه بالرفض وتكلم وهو يكبت ضحكاته قائلاً:
- لا أنا اللي هوصل نغم.
هب واقفاً بحزن وقال بصوت مختنق:
- براحتك، عن إذنكم.
تعالت ضحكات زين وقال بمزاح:
- بلاش قمص النسوان ده يا أخويا، أنا أصلاً بهزر معاك. روح وصل نغم وخلي بالك منها.
نظر له بسعادة وارتسمت ابتسامة على وجهه وقال بامتنان:
- بجد يا صاحبي، مش عارف أقولك إيه بجد شكراً يا زين. أردها ليك يوم ما عم أيوب يقفشك في وضع من اللي بقفشك فيه مع البت حور دايماً يارب.
أمسك زين شيئاً من أمامه وألقى على أنس وقال بمزاح:
- تصدق أن أنا غلطان علشان بعمل معاك معروف أساعدك بيه وإنت بتدعي عليا أنا والبت الغلبانة اللي هناك دي.
تعالت ضحكات نغم وتكلمت بصعوبة وقالت:
- إنت بتدعيله ولا بتدعي عليه؟ يخربيت دماغك السايحة دي، إمشي يلا هنتأخر والبت هتمشي من قبل ما تشوفها.
ركض أنس سريعاً وفتح باب الغرفة لها وقال بطريقة مرحة:
- برنسيس نغم اتفضلي جنابك.
ابتسمت على جنان أنس وتحركت إلى الخارج وهبطوا الاثنين إلى الأسفل صعدوا السيارة واتجهوا إلى شركة أيوب.
***
جلس عدى على مكتبه بغضب شديد وتكلم بصراخ:
- إزاي هرب من تحت إيديهم ده واحد محكوم عليه بالإعدام المفروض يكون عليه حراسة مشددة، إحنا كلنا كده في خطر يا تميم.
تكلم تميم بضيق وقال بتوضيح:
- أنا شاكك في أن اللي هربه من جوه السجن حد مسؤول، أصل مستحيل يعرف يهرب من تحت إيد الحراسة دي كلها بسهولة كده.
رجع بظهره إلى الخلف وتكلم بقلق:
- أنا خايف على نغم أوي يا تميم، هي أكتر واحدة هتتأذى منه وطبعاً كل العيلة بلا استثناء معرضين للخطر.
أومأ تميم رأسه بالتأكيد وقال:
- أيوه يا عدي، كلكم معرضين للخطر بس أولهم إنت ونغم علشان كده لازم تزود الحراسة أكتر من كده تاني ولو تعرف تمنع خروج الحريم خالص الفترة الجاية هيكون أحسن، بس أهدى ومتتوترش. هو استحالة يعمل حاجة دلوقتي هو هيحاول يداري فترة بعيد عن العين علشان متأكد أننا هندور عليه في كل مكان والحكومة مش هتسكت. هيظهر بس بعد الفترة وتكون الأمور هدت من كل الاتجاهات.
تنهد بحزن ثم قال:
- أنا مش عارف ليه مش مكتوب لينا الفرحة، كل ما نقول يا هادي نبدأ صفحة جديدة ونقطة من أول السطر يظهر خزوق يشقلب حالنا وترجع الأمور أنيل من الأول.
ابتسم على كلمات عدي بحزن وقال:
- سيبها على ربنا وهو قادر يعدي الغمة دي بعيد عنكم، قوم يا صاحبي روح وبلاش تقلق حد بخبر هروب محروس ده وبالذات نغم لأنها هتبقى قلقانة طول الوقت.
أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
- ما هو ده اللي ناوي أعمله، مش هعرف حد بهروب محروس ده وربنا يستر.
استقام بجسده ونظر إلى تميم وقال:
- أنا همشي دلوقتي ولو جدت حاجة تاني بلغني بيها على طول وحاول أعرف مين ساعده يهرب من المكان ده بسهولة كده.
رد تميم عليه بابتسامة هادئة:
- حاضر هحاول أعرف مين، مع أن هيكون صعب يتعرف حاجة أكيد مش هيكونوا سايبين أثر وراهم عارفين شغلهم كويس أوي.
تحرك باتجاه الباب وتكلم بصوت مختنق:
- ربنا يعدي الفترة دي على خير يارب.
أنهى كلامه وخرج من مكتبه هبط إلى الأسفل صعد سيارته واتجه إلى الفيلا الخاصة بريان. أخذ قرار لا راجعة فيه سوف يتمم زواجه من نغم بأسرع وقت حتى يتمكن من حمايتها طول الوقت.
***
جلست أميرة داخل جامعتها الخاصة بها تتذكر حوارها مع فريد ابن خالتها دنيا في إحدى الكافيهات بسعادة والابتسامة مرسومة على شفتيها.
**فلاش باااك….**
جلس فريد على المقعد المقابل لها ونظر لها بابتسامة وقال:
- أميرة أنا بحبك.
اتسعت عينيها بصدمة والكلام وقف بحلقها. احمرت وجنتيها بخجل وتكلمت بصعوبة:
- ها ب ب بتحبني ط ط طيب امته وازاي؟ ا ا احنا مش بنشوف بعض غير كل فين وفين؟ أنا آخر مرة شوفتك فيها كنا لسه صغيرين. اه منكرش إنك المرادي شكلك مختلف عن كل مرة بس معرفش حتى طبعك إيه.
ابتسم على كلماتها وقال:
- أولاً آخر مرة شوفنا بعض فيها مكنتش طفل، كنت في تانية كلية وإنتي كنتي في تانية ثانوي. وأنا بحبك من واحنا أطفال فعلاً في كل إجازة كنا بننزل فيها كنت بتعلق بيكي أكتر بس مكنش عندي الجرأة اللي أفتح بيها الموضوع ده وأعترفلك بحبي. بس المرادي غير، نظرات الإعجاب اللي في عيونك ليا هي اللي شجعتني أجي أعترفلك بحبي.
نظرت إلى الأرض بخجل وقالت بتلعثم:
- ها ش ش شجعتك نظراتي ليك؟ ع ع عادى يعني نظراتي ليك زي كل مرة.
حرك رأسه بالرفض وقال بتوضيح:
- لا يا أميرة. نظراتك مش زي كل مرة، المرادي شايف لمعة جميلة فيهم كل ما تبصي ليا، شايف توترك وكسوفك، كل ما تشوفيني. من الآخر أنا بحبك من زمان وإنتي بدأتي تحبيني.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
- ف ف فريد متكسفنيش بقى و و ويلا بينا علشان اتأخرت على الجامعة.
امسك يدها وقال بحب:
- أميرة أنا عايز أتأكد من مشاعرك ليا علشان لو إحساسي صح أخطبك المرادي قبل ما أسافر والإجازة الجاية نتجوز.
نظرت له بصدمة وقالت بتوتر:
- ت ت تخطبني و و و نتجوز بالسرعة دي؟
أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
- أيوه أخطبك ونتجوز، وبعدين أنا قولتلك بحبك من زمان، فين السرعة دي؟
حركت رأسها بالموافقة وقالت بخجل:
- م م موافقة ب ب بس كلم أخويا أنس واللي هيقول عليه هو اللي هيمشي.
نظر لها باستغراب وقال بتساؤل:
- أنس!! طيب ما أكلم باباكِ هي دي الأصول يا أميرة.
نظرت له بحزن وحركت رأسها بالرفض وقالت بصوت مختنق:
- لا يا فريد ارجوك لو عايزني بجد اطلبني من أنس أو عمو أيوب أو حتى من عمو معاذ، إنما بابا لا بلاش بترجاك يا فريد.
شعر بحزنها ربت على يدها بحنو وقال:
- ماشي يا أميرة، اللي يريحك أنا هكلم أنس وخالو أيوب، وأطلبك منهم.
ابتسمت له ابتسامة حزينة وتكلمت بصوت هادئ:
- تمام، مش يلا بينا بقى علشان اتأخرت على المحاضرة.
أومأ رأسه بالموافقة وهب واقفاً ووضع الحساب على الطاولة وقال:
- يلا تعالى أوصلك وأسيبلك العربية وأروح بأي مواصلة آخد عربيتي من عندكم وبعد كده أروح على الفيلا عندنا أ فاتح ماما في موضوعنا.
نهضت أميرة من على مقعدها بخجل وتحركت إلى الخارج صعدت السيارة على المقعد الأمامي وصعد فريد أمام المقود وتحرك بها متجهاً إلى الجامعة.
**باااك….**
تنهدت بحب وقالت بصوت هامس:
- اااه لو تعرف أن أنا كمان كنت بحبك من زمان أوي يا فريد وكنت بستنى نزولكم مصر بفارغ الصبر علشان أشوفك. أنا اتخطيت الحب ده من زمان أوي أنا دلوقتي بعشقك. يارب قرب البعيد وأجمعني بيك في أقرب وقت.
أنهت كلامها ونهضت من على مقعدها صعدت سيارتها وعادت إلى المنزل.
***
وصل أنس ومعه نغم إلى الشركة الخاصة بأيوب. تعالت دقات قلبه بسعادة وكادت أن تخترق صدره. نظرت إليه نغم وابتسمت على تعبيرات وجه وقالت:
- ما تهدى يا ابني، ده إنت باين عليك اللهفة بطريقة مش معقولة. لو بابا شافك بالمنظر ده صدقني هيفهم وهينفوخك.
تنهد بحب وقال بصوت هامس:
- أعمل إيه بس، واحشاني أوي وهتجنن عليها. ربنا يقدرني بس وأول ما أشوفها محضنهاش وأكسرها عضمها من كتر اشتياقي ليها.
ابتسمت على كلمات هذا المختل وقالت:
- ربنا يعينها عليك الصراحة، ربنا ابتلاها بواحد مجنون رسمي. إمشي يلا.
تحركوا إلى الداخل وسألت أنس عن مكان مكتب حور وأشار إليه بأصابعه وتركها واتجه إلى المكتب الخاص برهف وطرق على الباب وسمع صوتها من الداخل تأذن له بالدخول. أعلن قلبه عن اندلاع حرباً داخله بين رغبته الملحة في أفعال أشياء متهورة وبين التحكم في مشاعره وإظهار لها عكس ما يدور بداخله. أخذ نفس عميق ويحدث ما يحدث خلال هذه اللحظة. فتح الباب ودلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه وظل ينظر لها في صمت يملأ عينيه منها. ارتبكت من نظراته لها ولكنها كانت مشتاقة له أيضاً. ابتسمت ابتسامة هادئة عكس ما يدور داخلها من مشاعر وقالت:
- أنس، إنت بتعمل إيه هنا في الشركة؟
ابتلع ريقه بتوتر وتكلم بصعوبة:
- أنا جاي علشانك، واحشاني أوي يا رهف.
أرجعت شعرها خلف أذنيها وتكلمت بتوتر:
- ا ا اتفضل ادخل اقعد واقف عندك ليه.
تكلم بنبرة عاشقة وقال:
- واقف عندي علشان كل خطوة هقربها ناحيتك هتزيد جوايا رغبة أن أحضنك، أنا مانع نفسي بالعافية والله.
اتسعت عيناها بصدمة وقالت بضيق:
- أنس، إيه اللي إنت بتقوله ده؟ احترم نفسك.
تحرك بصعوبة وجلس على المقعد وتكلم بنفاذ صبر:
- رهف، أنا خلاص مش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كده، تتجوزيني؟
نظرت له بتوتر وتكلمت بصعوبة:
- ت ت تتجوزني؟!
أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
- أيوه يا رهف نتجوز، إيه المشكلة؟!
تنهدت بحزن وقالت بصوت مختنق:
- المشكلة هي بابا يا أنس، مش هقدر اتجوز وأعيش حياتي وهو في الحالة دي. مش هكون مطمئنة عليه وهو كده، أجل الموضوع ده لحد ما بابا يعمل العملية ويبقى كويس ويرجع يمشي على رجليه.
رد عليها بضيق وقال:
- بس ده بعيد أوي يا رهف، طيب ما نتجوز دلوقتي ولما يعمل العملية أبقى خليكي جنبه مش همنعك من أبوكي صدقيني. أنا مش قادر على بعدك عني. الأول كان اللي بيصبرني لما بشوفك كل يوم هنا، لكن دلوقتي أنا في مكان وإنتي في مكان تاني وكل فين وفين لما بشوفك. أنا النهاردة كنت هتجنن عليكي وصعبت على نغم وقررت تساعدني علشان أجلك. ارحمي قلب أمي المتشحف عليكي ده بقى.
ابتسمت على كلماته وقالت بترجى:
- ارجوك يا أنس متضغطش عليا أكتر من كده، أنا مش هكون سعيدة معاك ولا هقدر أسعدك علشان فكري هيكون مشغول طول الوقت على بابا. الموضوع مش بعيد ولا حاجة، عمو أيوب خلاص قرب ميعاد العملية وهتكون خلال الشهرين الجايين دول.
زفر بضيق وتكلم بقلة حيلة وقال:
- ماشي نأجل موضوع الجواز ده لبعد العملية، بس حتى أخطبك الفترة دي وتبقى بتاعتي علشان أقدر أشوفك براحتي.
ابتسمت له وأومأت رأسها بخجل وقالت:
- م م ماشي، م م موافقة على الخطوبة.
وقف بسعادة وصفق بيده وقال:
- أيوه بقى هو ده! من بكرة هكون عندكم في الفيلا وأطلب إيدك. لا بكرة إيه ده بعيد أوي، من النهاردة هتكوني خطيبتي من دلوقتي وحياتك هطلع من عندك على عم ريان على طول.
نظرت له بصدمة وقالت بنفاذ صبر:
- إنت مجنون يا أنس! دلوقتي إيه اللي تخطبني وأنا في الشغل؟ ما تصبر لما أروح وأقول لبابا على الموضوع وأجبلك منه ميعاد.
حرك رأسه بالرفض وقال:
- ميعاد إيه بس اللي تجيبه، هو إحنا أغراب؟ دي أمي تبقى بنت خالة أبوكي يعني مننا وعلينا. يلا بالاذن أنا بقى علشان الحق أخطبك ومتتأخريش ها هستناكي هناك بااااي.
وخرج سريعاً من عندها دون أن يستمع منها أي رد.
نظرت إلى أثره بصدمة وتكلمت بعدم تصديق:
- إيه ده!! إيه المجنون الرسمي ده، يا لهوي ده شكله رايح بجد، يارب صبرني على الشخص فاقد الأهلية ده.
ثم ابتسمت بسعادة وقالت:
- مجنون بس دمه شربات ويتاكل أكل من حلاوته بموت فيه ابن الذين.
أنهت كلامها وبدأت تتابع عملها بسعادة.
***
**في مكتب حور….**
تفاجئت بدخول نغم عليها. نهضت سريعاً واحتضنتها بسعادة وقالت:
- نورتي مكتبي يا نغومتي والله، إيه المفاجأة الحلوة دي.
ربتت على ظهرها وقالت بنبرة هادئة:
- المكتب منور بيكي يا قلب أختك، أنا جيت أطمن عليكي، عاملة إيه دلوقتي؟
ابتعدت عن حضنها وابتسمت لها بحب وقالت:
- الحمد لله كويسة. كلام بابا طيب خاطري وطبطب على قلبي ونساني كل اللي حصل، بس….
صمتت بتوتر ونظرت إلى نغم بقلق.
ظلت تتابعها باستغراب وقالت بتساؤل:
- بس إيه؟ اتكلمي يا حور متقلقنيش.
جلست على الأريكة ونظرت إلى نغم وتكلمت بصوت مختنق:
- عارفة أصحاب الشركة اللي كنت بتكلم مع بابا عليهم امبارح وحصلت المشكلة بسببهم؟!
أومأت نغم رأسها بالتأكيد وقالت:
- أيوه فاكرة، مالهم؟!
أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء حتى تستطيع أن تتكلم وقالت:
- ابن صاحب الشركة ده اسمه سيف. من أول ما شافني امبارح وهو نظراته ليا مش طبيعية مش بينزلها من عليا وأنا ضقت منه في الاجتماع وما صدقت أنه خلص وخرجت وسيبته مع بابا بس هو خرج ورايا وقعد يقولي كلام غريب واحفظي اسمي كويس علشان ليه دور في حياتك الفترة الجاية. ده غير أنه طلب مكتب عندنا في الشركة وأنا متأكدة أنه عمل كده علشان يكون موجود جنبي. والنهاردة اتفاجئت بيه جاي يقولي أن أنا وهو هنظم حفلة توقيع العقود مع بعض وبناء على طلب بابا منه. ولما طلبت أنظم الحفلة مع أي موظفة عنده قال لي أنه ما صدق لاقى حاجة تقربني ليه. ولما قولتله أنه يلتزم حدوده علشان مخطوبة طريقة كلامه مطمنتنيش. حاسة أن هتحصل مشاكل كتير أوي ليا بسببه وبالذات أن زين بيغير عليا أوي ومانعني أشتغل مع رجاله من أساسه وخايفة لما يعرف بموضوع سيف ده ينيل عيشتي؛ أنا هتجنن يا نغم ومش عارفة أتصرف إزاي.
كانت نغم تستمع لها وهي تشعر بالقلق من هذا الشخص المجهول. تنهدت بتوتر وابتسمت لها وأظهرت لها عكس ما يدور بداخلها وقالت:
- ولا فيه أي حاجة، إنتي مكبرة الموضوع على الفاضي يا بنتي. إنتي جميلة أوي أمورة ماشاء الله وطبيعي تخطفي عيون وقلوب الشباب لما يشوفوكي وتلاقي اللي اسمه سيف ده أعجب بيكي وهو معذور الصراحة. فكك منه ومتحطيش في دماغك حاجة من دي. وبالنسبة لزين إنتي شغالة في شركة كبيرة يا ماما ووارد جداً إنك تشتغلي مع رجالة مدام في حدود الأدب مفيهاش مشكلة. لازم يكون عنده ثقة فيكي أكتر من كده. أهدي كده ومتفكريش في أي حاجة وركزي في شغلك.
ابتسمت لها بحب وقالت:
- طيب أنا أحبك أكتر من كده إيه بس، يا بنتي أقسم بالله وجودك في حياتي خلاها اختلفت كتير وفرقت معايا. ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبداً يارب.
جلست بجوارها واحتضنتها بسعادة وقالت:
- وإنتي وجودك في حياتي خلاها أحلى بكتير. وجودي وسطكم حسسني بأهميتي وخلى عندي ثقة بالنفس، إنتوا عزوتي في الدنيا بحبكم أووووي.
تمسكت نغم بحور بقوة وانهمرت دموع السعادة وتمنت أن تبقى الحياة هكذا بجوار من تحب دائماً، ولكن للدنيا رأي آخر لن ولن تستكين لرغبتنا أبداً.
رواية ما وراء الماضي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم دودو محمد
وصل عدي إلى الفيلا الخاصة بريان.
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء.
ضغط على زر الجرس، وفتحت له الخادمة.
ابتسمت له بترحاب وقالت:
- أستاذ عدي، نورت الدنيا يا باشا.
ابتسم لها ابتسامة هادئة وقال:
- بنورك يا دادا. بابا صاحي ولا نايم؟
فسحت له الطريق وقالت:
- لا صاحي، وأستاذ أنس عنده جوه.
نظر لها باستغراب وقال:
- أنس عنده جوه!! ده بيعمل إيه هنا ده؟
تحرك إلى الداخل، وجد والده يجلس على مقعده المتحرك.
شعر بنغزة بقلبه، لكنه حاول أن يهدأ حتى لا يظهر حزنه.
اقترب منه ومال بجسده، قبل رأسه وقال:
- حبيبي عامل إيه، واحشتني.
نظر له بلوم وقال بصوت مختنق:
- يا سلام، أخيرًا افتكرت أبوك. طيب الأول لما كنت بتوحشني كنت بجيلك لحد عندك، إنما دلوقتي بقيت واحد مشلول ومش عارف أتحرك بالكرسي ده. أنا عارف إنك عمرك ما هتحبني زي وليد، بس متنساش إن أنا أبوك الحقيقي وليا حقوق عليك، وبالذات في الظروف اللي أنا فيها دي.
جثا على ركبتيه أمام ريان وأمسك يده.
قبلها بحب وتكلم بأسف:
- أنا آسف والله، غصب عني. الشغل أخد كل وقتي، والقضية اللي ماسكها بتتعقد أكتر من الأول. وبعدين متقولش كده تاني، أنت غلاوتك في قلبي كبيرة، حبك عندي بالفطرة، ربنا نزله جوايا من أول لحظة جيت فيها الدنيا. أنت الخير والبركة، حبك أنت وبابا وليد واحد زي بعضه. هو الله يرحمه رباني وفضله كبير عليا، وحضرتك كنت السبب في وجودي في الدنيا. ربنا يخليك ليا ويديك الصحة. ووعد مني مش هغيب عنك تاني وهسأل عليك باستمرار. وإن شاء الله لما تيجي تسافر تعمل العملية هكون معاك ومش هسيبك لحظة. أبوس إيدك سامحني ومتزعلش مني.
قبل رأسه بحب وتكلم بنبرة حنونة:
- مقدرش أزعل منك يا حبيبي، أنت ابني ضنايا، حتة مني. ومهما عملت هتفضل عايش جوه قلبي ومتربع. ده أنت أول ما العين شافت يا عدي.
نظر أنس لهم بحزن شديد.
تمنى يعيش هذا الإحساس لو للحظة واحدة.
انقسم قلبه نصفين عندما وجد ريان يحتضن عدي ويتكلم معه بحنان.
قطع هذا الإحساس عندما دوى جرس الباب.
نظر باتجاه، وجدها رهف قد عادت من العمل.
ابتسم بسعادة، فهي دائمًا مخرج له من جميع أحزانه.
تكلمت رهف بسعادة وقالت:
- أخيرًا سي عدي حن علينا ونور بيتنا المتواضع. كفارة يا أخويا.
نهض من على الأرض واحتضنها بحب وقال:
- اهدّي يااا ولعة، أنا ما صدقت الراجل سامحني.
ابتسمت على كلمات أخيها وقالت بمزاح:
- لا غلطان، كان لازم يطلع عينك لحد ما يسامحك علشان تعرف قيمته. بس نقول إيه، سي ريان قلبه حنين.
تكلم أنس بنفاذ صبر وقال:
- مااا خلاااص يا عم الأمور أنت وهي. ابعد يااااد عن خطيبتي.
نظر عدي إليه باستغراب وتكلم بتساؤل:
- هي مين دي اللي خطيبتك؟!
أجابه ريان بسعادة وقال:
- أنس خطب أختك مني يا عدي، ولسه كنت هقولك بس هو سبقني.
احتضن رهف مرة أخرى وقال بسعادة:
- مبروك يا قلب أخويا. يعني لو مكنتش جيت دلوقتي كنت هعرف زي زي الغريب.
حركت رأسها بالرفض وقالت:
- لا والله، طبعًا كنت هكلمك أقولك كل حاجة. بس أصلًا المجنون ده طلعت في دماغه دلوقتي، مستناش حتى لما أروح من الشغل. جه سبقني وطلب إيدي من بابا. وأنت شايف أهو لسه راجعة قصاد عينك.
إلى هنا ولم يستطع أنس تحمل هذا المشهد.
نهض من على مقعده وأمسك رهف من يدها وقال بتهكم:
- ما خلااااص يا أخويا، شغال أحضان وتفعيص قصادي ولا كأني موجود. راعي إن أنا محروم منها.
رفع إحدى حاجبيه إلى الأعلى وقال بتهكم:
- أنت عبيط يلا، دي أختي. وبعدين إيه محروم منها دي؟ وأنت تستجرأ تقرب منها أصلًا قبل ما تبقى مراتك؟ ده أنا أمحيك يا حليوة أنت يا طعم. سيب إيد البت يا ننوس عين أمك.
رد عليه بضيق وقال:
- ربنا على المفتري يا شيخ. كل واحد فيكم نحنوح مع اللي بيحبها وتيجي لحد عندي وتنشفوها عليا.
كان ريان يتابع ما يحدث بابتسامة وتكلم بنفاذ صبر:
- تعالوا اقعدوا يا ولاد المجانين. منك ليه بتتخانقوا على بنتي قصادي. عوض عليا عوض الصابرين.
تعالت ضحكات رهف على خناق أنس وعدي. أكثر اثنين مقربين لقلبها.
جلست بجوار والدها وقبلت وجنته وقالت:
- واحشتني أوي يا ريان قلبي.
قبل ريان رأسها وقال بحب:
- وأنتي أكتر يا روح قلبي.
زفر أنس بضيق وقال بنفاذ صبر:
- اللهم طولك ياروح. ده إيه العيلة دي ياربي. ما ترحموا غيرة أمي. حبكت يعني البوس والأحضان قصاد عيني دلوقتي.
رد عليه ريان بغضب مزيف قائلاً:
- ما تتلم يا ابن الكلب. أنت يعني لسه جاي تخطبها مننا دلوقتي وعايز تمتلكها مننا. دي بنتنا يا متخلف. هتتعدل ولا أحلف مافيش جواز وأقولك روح لامك.
حرك رأسه سريعا وقال بتوتر:
- ها لا طبعًا، دي بنتكم وأنتم حرين. ده أنا أموت فيها لو رفضوا الجوازة دي.
تعالت ضحكات عدي وقال:
- أيوه كده، ناس متجيش غير بالعين الحمرا.
نظرت رهف إلى عدي وقالت باستغراب:
- بس إيه سر الزيارة الغريبة دي يا عدي؟ حاسة إن وراها مصلحة.
داعب شعرها بابتسامة وقال:
- آه منك انتي يا أروبة.
ثم نظر إلى والده وقال:
- بابا، أنا عايز أتجوّز نغم. أنا استنيت كتير أوي لحد ما رجعت ليا ومش قادر أستحمل بعدها عني أكتر من كده.
ابتسم بسعادة وقال:
- يا فرحة قلبي. يعني ابني وبنتي في يوم واحد. ربنا يسعدكم يا ولاد. ومش هلاقي ليك يا عدي أحسن من نغم. وأنتي يا بنتي مش هلاقي ليكي أحسن من أنس. عقبال ما أفرح بأختكم رغد وأبقى اطمنت عليكم قبل ما ربنا يسترد أمانته.
تكلمت رهف سريعا وقالت:
- متقولش كده تاني يا بابا. ربنا يبارك لنا في عمرك ويديك الصحة يارب.
تكلم أنس بسعادة وقال:
- ربنا يخليك لنا يا عم ريان. أنت الخير والبركة. وأنا إن شاء الله هبلغ ماما وعم أيوب. والميعاد اللي هتقول عليه هنيجي نطلب من حضرتك إيد رهف رسمي.
نظر ريان له باستغراب وقال بتساؤل:
- وأبوك فين يا أنس؟ مش هييجي؟
تنهد بحزن وقال بتوضيح:
- لا يا عم ريان، مش هييجي. لأن أنا مش ناوي أقوله. كفاية أوي اللي شوفناه ولسه بنشوفه منه.
ربت على ساقه بحنو وقال بتفهم:
- ربنا يهديه ليكم يا حبيبي. أنا كنت ناوي أكلمه وأتصرف معاه على اللي عمله فيكم. بس أديك شايف الظروف والحالة اللي بقيت فيها.
ابتسم له بامتنان وقال:
- ربنا يخليك يا عم ريان. أنا كلمة إخواته وهما هيتصرفوا معاه علشان يبعد عن السكة اللي ماشي فيها دي.
نظرت له رهف باشفاق. شعرت بوجعه وحزنه. ابتسمت له ابتسامة هادئة حتى تواسيه على ما هو فيه. وهو ما عليه غير أنه قابل ابتسامتها بسعادة وغمز لها بعينيه كدعابة، حتى احمرت وجنتاها بخجل.
نظر ريان إلى عدي وقال بتساؤل:
- حددت ميعاد مع عمك أيوب علشان نروح نتقدم ولا لسه يا عدي؟
حرك رأسه بالرفض وقال:
- لا يا بابا، لسه. قولت أجلك الأول وبعد كده أكلمه.
أومأ رأسه بتفهم وقال:
- خلاص يا حبيبي. أنا هكلم عمك أيوب وأتفق معاه على ميعاد ونروح نطلبها ليك. وأنت يا أنس اعمل حسابك إنك هتتقدم كمان لرهف عند عمك أيوب ونقرأ الفاتحة عنده. وهنحدد الخطوبة ليكم انتوا الاتنين في يوم واحد.
اتسعت عينا أنس بعدم تصديق وقال بسعادة:
- بجد؟ احلف كده. يعني كده حضرتك موافق؟ أنا مش مصدق نفسي.
ثم فتح ذراعيه ونظر إلى رهف وقال بمزاح:
- بالحظن يا فواز.
أمسكه عدي من تلابيبه وقال بتهكم:
- نعم يا أخويا، هو إيه ده اللي بالحضن.
ابتسم له بتوتر وقال:
- بقولك أنت بالحضن. مش ليلتنا واحدة.
أحضنه ريان بقوة حتى كادت عظامه تنكسر بين ذراعيه وقال بمزاح:
- حبيب أخوك يا فواز.
تألم بصوت مرتفع وقال:
- ربنا ينتقم منك يا عدي يا ابن أم عدي.
دقات قلب ريان ازدادت ونظر إلى رهف وقال بصوت هامس:
- عملتي إيه معاها يا حبيبتي؟ طمنيني.
نظرت له بأسف وقالت:
- للأسف يا بابا، رفضت. وقالت مستحيل تقبل براجل تاني في حياتها بعد عمو وليد. وطلبت مني أقولك تنساه. ولما طلبت منها تيجي تشوفك قالتلي إنكم كده كده هتتقابلوا عند عمو أيوب في خطوبة عدي.
تنهد بحزن وقال بصوت مختنق:
- كنت عارف إنها هترفض. بس أنا مش هييأس. وعندي أمل في ربنا كبير إن هييجي يوم ويجمعني بيها.
حركت رأسها بالرفض وقالت:
- معتقدش يا بابا.
نظرت عيونها كانت فيها تحدي وإصرار غريب. وكانت واثقة في كل كلمة بتقولها. هي قالتلي إنها لسه بتحبك، بس إخلاصها لعمو وليد أكبر من حبها ليك.
تكلم عدي باستغراب وقال بتساؤل:
- أنتوا بتقولوا إيه وبتتكلموا بصوت واطي كده ليه؟
ابتسمت رهف له بتوتر وقالت بتلعثم:
- ها د د ده كان بيسألني رأي إيه في موضوع أنس.
نظر أنس لها بتوتر وقال بمزاح:
- أوعي تكوني رفضيني. ده أنا أروح فيها. ده أنا أنتحر ليكم من فوق الكنبة دي.
تعالت ضحكاتهم وتكلم ريان بنفاذ صبر:
- ربنا معاكي يا بنتي ويقويكي على المجنون ده.
ابتسمت رهف بخجل وقالت:
- أنا طالعة أوضتي. عن إذنكم.
وتحركت باتجاه الدرج. ثم استدارت إلى والدها وقالت بتساؤل:
- هي ماما هنا ولا مشيت؟
أجابها ريان بصوت مختنق وقال:
- أخدت أختك ومشيت.
أومأت رأسها بحزن وصعدت إلى غرفتها.
نظر أنس إلى أثرها وتنهد بضيق وقال بصوت هامس:
- محدش مرتاح. لا اللي معاها أبوها ولا اللي معاه أمه.
ثم نظر لهم وقال:
- همشي أنا بقى. عايزين حاجة.
تكلم عدي سريعا وقال:
- وأنا كمان همشي.
نظر لهم ريان وقال:
- طيب خلّيكم ناكل لقمة مع بعض.
تكلم عدي وقال بابتسامة هادئة:
- معلش يا بابا، علشان ماما مش بترضى تاكل غير لما كلنا نتجمع على السفرة.
تنهد بوجع وقال بصوت مختنق:
- ماشي يا حبيبي. وابقى سلملي عليها.
قبل رأسه بحب وقال:
- حاضر يا حبيبي. وأنت خلي بالك من صحتك. وأنا هتصل بيك كل يوم أطمن عليك.
ابتسم ريان له بحنو وقال:
- ربنا يبارك لي فيك يا حبيبي.
خرج كلا من أنس وعدي وصعدوا السيارات الخاصة بهم واتجهوا إلى منازلهم.
***
عند عامر.
جلست دنيا بضيق. وجلس بجوارها معاذ وتكلم بنفاذ صبر:
- أنا مش عارف ابنك ده إيه اللي في دماغه. الواحد فكر إن ربنا هداه وبقى عنده عيلة واحترم نفسه. بس نقول إيه، ديل الكلب عمره ما يتعدل أبدًا.
نظرت له هدي بضيق وقالت:
- خلاص، أخوكم عامر بقى وحش والكل جاي عليه؟ ما هو معذور برضه، لا اتهنى بجوازه ولا شاف يوم حلو مع مقصوفة الرقبة دي. يمكن لو ربنا كان كرمه بواحدة بنت حلال كويسة وتحبه مكانش ده بقى حاله.
نظرت دنيا لها وتكلمت بضيق:
- يا ماما، قولي كلمة حق. مش علشان يعني إنتي مكنتيش طايقة أسيل يبقى تقولي عليها كده. شهادة لله، كانت قايدة صوابعها العشرة شمع لابنك. وهو اللي كان على طول يكسرها ويجرحها. يكفي إنها جابت ليه قمرين يملوا حياته ويكونوا سند ليه. والصراحة بقى، حضرتك اللي قسيتي قلبه عليها من كتر كرهك ليها وكلامك الوحش عنها.
نظرت لها بغضب وقالت:
- أنا يا دنيا!! يعني المشكلة كلها فيا أنا دلوقتي؟ طيب أه، مش بطيق اللي اسمها أسيل دي ومكنتش أتمناها لابني. وطول السنين دي كنت بزن على ودان أخوكي علشان يطلقها وأجوزه ست ستها، واحدة تستاهله بجد. مش الصفرا اللي قلبها شبه وشها دي.
حرك معاذ رأسه بعدم رضا وقال:
- بس أسيل مش وحشة يا ماما. واحدة تانية غيرها كانت ردت فيكي كل اللي بتعمليه فيها. بس طول عمرها تسمع منك الإهانة وابنك يمد إيده عليها. وهي كانت تتقبل ده منكم وتسكت. اتقوا الله بقى وكفاية ظلم. وعقلي ابنك وخليه يرجع مراته وعياله بدل السكة الوسخة اللي ماشي فيها دي.
أكملت دنيا بضيق وقالت:
- عجبك منظره وهو راجعلك الفجر سكران؟ وأنتي عارفة طبعًا كان سهران فين وبيعمل إيه؟ إنه أحسن لك يبقى عايش متهني مع مراته وسط عياله وباحترامه. ولا كل يوم سهران في الشقق المشبوهة وبيعمل كل اللي ربنا محرمه. وتبقى سيرته على كل لسان.
نظرت هدي لهم بتوتر وقالت:
- و و وأنا يعني عايزة تعبه؟ ما أنا نفسي أشوفه أحسن الناس ويبقى مبسوط وسعيد.
تكلم معاذ بتوضيح وقال:
- إحنا عارفين يا ماما. بس حبك لعامر الزيادة وصله للي هو فيه ده. عقلي وامنعيه يروح الأماكن دي تاني. وقوليله كلمتين حلوين على مراته واقنعيه يرجعها هي وعياله. ويبقى شخص محترم لو لمرة واحدة في حياته.
أومأت رأسها بحزن وقالت:
- ربنا يهديه ويصلح حاله. لما أقوم أحضر الأكل على السفرة.
تحركت هدي واتجهت إلى المطبخ. ونظرت دنيا إلى معاذ وقالت بمرح:
- تعتقد يلا أمك هتغير أسلوبها من حماتي قنبلة ذرية للحموات الفاتنات؟
نظر اتجاه المطبخ وقال بمزاح:
- دي مش بعيد تولعها أكتر. أمي وأنا عارفها.
تعالت ضحكات دنيا وقالت:
- والله زمان يا معاذ. واحشتني أوي قعدتنا مع بعض وهزارنا. فاكر.
ابتسم لها وقال بتمني:
- ياريت الأيام دي ترجع تاني. بس سفرك بره وبعدك عننا ضيع الأيام الحلوة دي. يلا المهم ربنا يسعدك في حياتك ويفرحك بولادك.
نظرت له باستغراب وقالت بتساؤل:
- هو إنت ليه مجبتش غير بنتك ريفال يا معاذ؟
زفر بضيق وتكلم بصوت مختنق:
- معرفش. حاولنا كتير وروحنا لدكاترة مالهمش حصر. وكلهم نفس الكلام. مفيش أي مانع عندكم. بس هو إرادة ربنا فوق كل شيء. لحد ما رضينا بالأمر الواقع. وبقت ريفال هي كل حياتنا. وبنعوضها وحدتها لأنها على طول حاسة بالنقص. وكان نفسها يبقى عندها اخت أو أخ. حتى حاولنا كتير نقربها لحور بنت عمها ورهف بنت عامر. قولنا تبقى وسطهم. بس هي رفضت. وخدت جنب مع نفسها كده.
نظرت له باشفاق وقالت:
- ربنا يعوض صبركم خير يا حبيبي. أنا كل إجازة أحاول أشوفها. بس هي حابسة نفسها في أوضتها. مشوفتهاش غير مرة أو اتنين من زمان أوي.
أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
- أيوه، ما هي مع كله كده. حتى معانا كده في البيت. قليل أوي لما تطلع تاكل معانا ولا تشاركنا مناسبة.
تكلمت بقلق وقالت:
- بس هي كده محتاجة تتعرض لدكتور أمراض نفسية. لأن اللي هي فيه ده مش طبيعي يا معاذ. إنتوا إزاي ساكتين عليها كده.
رد عليها بعدم فهم وقال:
- أمراض نفسية!! بس أنا بنتي مش مجنونة يا دنيا. هي انطوائية بس مش أكتر.
رفعت إحدى حاجبيها إلى الأعلى وقالت:
- مجنونة!! أنت عبيط يا ابني. مين قالك إن المريض النفسي مجنون؟ هو بس بيعاني من شوية اضطرابات نفسية ومحتاج تأهيل بطريقة معينة. استنى أناديلك مهاب ابني. هو دكتور أمراض نفسية.
ثم هتفت بصوت مرتفع. جاء إليها من الخارج ونظر لها بتساؤل:
- خير يا ماما. فيه حاجة؟
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
- أيوه يا حبيبي. تعالى اقعد. عايزاك.
جلس بجوارها ونظر لها باهتمام.
قصت دنيا له عن ابنة خاله ثم قالت بتساؤل:
- مش كده تبقى محتاجة تأهيل نفسي؟
أومأ رأسه بالتأكيد وقال بتوضيح:
- أيوه يا ماما. محتاجة كمان جلسات مكثفة. لأنها واضح جدًا إنها بتعاني من اضطرابات نفسية. وعندها رهاب اجتماعي أو ما يسمى اضطراب القلق الاجتماعي.
نظر له بقلق وقال بتساؤل:
- يعني إيه اللي قولته ده يا ابني؟ طمني.
أجابه بنبرة هادئة وقال بتوضيح:
- يعني يا عمو معاذ، هي حاليًا بتعاني من الرهاب الاجتماعي. هتلاقيها متوترة جدًا. الكلام بيخرج منها بصعوبة أو ممكن تمتنع عن الكلام نهائي بمزاجها. بترفض تروح الكلية بتاعتها علشان بتخاف تتعامل مع أي حد ينتقدها بالسلب. أو مثلًا بتعرق كتير وبتبقى مكسوفة لو غصبوا عليها تقعد في مكان فيه ناس كتير. أو مثلًا تهرب من حالتها دي بشرب كمية كبيرة من الكوفي. على طول عصبية، مش مركزة، عدم الثقة في النفس، التوتر المبالغ فيه. كل دي أعراض عندها. وإهمالكم لعلاجها وصلها لمرحلة متأخرة. بس طبعًا مش هقدر أقولك حالتها إيه بالظبط. غير لما أقعد معاها وأشوف حالتها بنفسي.
تنهد بقلق وقال بتساؤل:
- طيب ده فيه خطورة عليها؟ ممكن تأذي نفسها يعني.
أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
- وارد جدًا. بس حالات بسيطة وبتبقى نتيجة إهمال العلاج. وتوصل لكره نفسها وانتقاد أفعالها بنفسها لدرجة إنها أول فكرة بتيجي في دماغها هي إنهاء حياتها والتخلص من حالة التوتر اللي حاسة بيها.
حرك رأسه بخوف شديد وقال بترجّي:
- طيب ارجوك يا ابني انقذ بنتي. ده أنا وأمها مالناش غيرها.
تكلم بنبرة هادئة وقال:
- اهدا يا خالو. متقلقش. أنا هاجي عند حضرتك وأقعد معاها وأعرف حالتها وصلت لإيه بالظبط. والوقت اللي إحنا قاعدين فيه هنا هعمل اللي عليا. وبعد كده هفهم حضرتك تكمل معاها إزاي.
ابتسم له بامتنان وقال:
- ربنا يبارك لي فيك يا ابني ويحميك لشبابك.
استقام بجسده وقال بابتسامة هادئة:
- ميرسي يا خالو. عن إذنكم.
تكلمت دنيا سريعًا بتساؤل وقالت:
- أخوك فريد جه ولا لسه؟
حرك رأسه بالرفض وقال:
- لا يا ماما. لسه.
قال كلامه وخرج إلى البهو الملحق بالفيلا.
نظر معاذ إلى أثر مهاب وقال:
- ربنا يبارك لي فيهم يا حبيبتي. بقوا رجالة طول بعرض ماشاء الله.
ابتسمت له بحب وقالت:
- اللهم آمين. ويخليلك بنتك وتفرح بيها يا حبيبي.
وفي ذلك الوقت هتفت هدي عليهم حتى يأتوا إلى الطاولة ليتناولوا الطعام.
***
تسطحت حور على فراشها بإرهاق شديد وأغلقت عينيها حتى تنام.
لكن في ذلك الوقت أعلن هاتفها عن وجود اتصال.
نظرت به اعتقادًا منها زين، لكنها تفاجأت برقم غير معروف.
أجابت عليه سريعًا وقالت:
- السلام عليكم. مين معايا؟
أتاها صوت رجولي غير مألوف لها قائلاً:
- عاملة إيه يا آنسة حور. أنا سيف السيوفي.
اتسعت عيناها بصدمة وتكلمت بغضب شديد وقالت:
- أنت!! أنت جبت رقمي منين وإزاي تتصل بيا في وقت زي ده؟!
أجابها بنبرة هادئة وقال:
- جبت رقمك منين دي حاجة سهلة أوي بالنسبالي. أما بقى متصل بيكي دلوقتي ليه، علشان واحشتيني أوي ومش هعرف أنام غير لما أسمع صوتك الأول.
اعتدلت على فراشها وتكلمت بنفاذ صبر قائلة:
- لآخر مرة هقولها ليك، الزم حدودك واحترم نفسك. أنا مخطوبة، مخطووووبة. مينفعش اللي بتعمله ده. لو خطيبي شم خبر والله ما هيحصل كويس. آخر مرة تكلمني على التليفون فاهم؟ أحسن والله هقول لبابا يتصرف معاك بطريقته بقى.
وفي ذلك الوقت ظهر على الشاشة اتصال زين.
تعالت دقات قلبها بخوف شديد وتكلمت بترجّي:
- لو سمحت اقفل بقى. خطيبي بيتصل بيا. وأكيد شافني call waiting وهيسألني مليون سؤال. منك لله، عملتلي مشكلة معاه.
ثم ضغطت على الشاشة بأصابع مرتعشة وقالت بصوت مرتبك:
- خ خ خير يا زين. فيه حاجة؟
رد عليها بغضب وقال بتساؤل:
- بتتكلمي مع مين في وقت زي ده؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بتلعثم:
- ها ك ك كنت بتكلم م م مع رهف.
تكلم بعدم تصديق قائلاً:
- رهف دلوقتي؟!
تكلمت بصعوبة وهي تشعر بقلبها سوف يقف عليها من شدة الخوف:
- ا ا أيوه يا زين. ي ي يعنى هكون بكلم مين يعني؟
زفر بضيق وقال بصوت مختنق:
- حور، أنا حافظك أكتر من نفسي. وخوفك وارتباكك ده بيقول إن فيه حاجة مخبياها عليا. قولي إيه هي وخليني أعرفها منك أحسن ما أعرفها من بره. ووقتها رد فعلي مش هيعجبك.
ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بصوت مرتعش:
- ق ق قولتلك مفيش حاجة يا زين. م م متكبرش الموضوع على الفاضي. دي كانت رهف.
صمت للحظات ثم تكلم بهدوء حذر:
- تمام يا حور. مصدقك خلاص. يلا أنا قولت أسمع صوتك وأطمن عليكي قبل ما أنام. تصبحي على خير.
أنهى كلامه وأغلق الخط دون أن يستمع منها رد.
نظرت حور إلى الهاتف بخوف شديد وقالت:
- أنا متأكدة إنه مقتنعش بكلامي. وهدوئه ده وراه كارثة. ربنا يستر.
ثم قامت بالاتصال على رهف وانتظرت الرد. لكنها لم تجيب عليها. علمت أنها نائمة لأن الوقت متأخر. أرسلت لها رسالة على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي. ثم وضعت الهاتف بجوارها وأغلقت عينيها وذهبت في سبات عميق.
***
تسطح أيوب على فراشه وأخذ قمر داخل أحضانه مقبلًا رأسها بحنان محاوطًا بذراعيه بقوة وقال بسعادة:
- ريان كلمني من شوية علشان عايزين يجوا يتقدموا لنغم. إيه رأيك.
نظرت له بحزن وقالت:
- عارفة. بتول كلمتني علشان كمان زين وحور. بس بسرعة كده، أنا ملحقتش أشبع منهم.
ابتسم لها وبنبرة هادئة:
- يا حبيبتي، عدي بيحبها واستناها كتير أوي ورفض يحب ويكون لغيرها. وهي كمان بتحبه. خلينا بقى نجمع الأولاد مع بعض وقلوبنا ترتاح من ناحيتهم.
تنهدت بضيق وأومأت رأسها بالموافقة وقالت:
- ماشي يا حبيبي. اللي تشوفه. حدد ميعاد معاهم وخليهم يجوا.
قبل رأسها بحب وقال:
- ربنا يسعدهم يارب ونشوف ولادهم وتبقى تيته زي القمر. وأحكي لأحفادنا عن أحلى وأجمل قصة حب بتاعتنا.
تمسكت به بقوة وقبلت يده بحب وقالت:
- وأنا هحكيلهم إن أحن وأطيب راجل في الدنيا اللي دخل قلبي من أول لحظة عيونا اتقبلت فيها. صحيح كنت خايفة منك بسبب الحلم ده. بس قلبي دق ليك أول دقة. ومن وقتها كل دقة في قلبي بدق باسمك أنت.
ابتسم لها بحب وقال بمزاح:
- تعرفي أول مقابلة اتقابلنا فيها أنا وأنتي لما كنتي هتوقعي في المترو وأنا لحقتك. اتشديت أوي لعيونك. بس لما شفت حركاتك الغريبة قولت إيه البت المجنونة دي. وبعد كده كترت الصدف ما بينا. وفي كل مرة تشوفيني تهربي. وأنا كنت هتجنن. لحد ما مامتي الله يرحمها تعبت وطلبت تقابلني في أوضتها. وقتها حكت ليا عن الحلم. وقدرت أفهم تصرفاتك معايا وحركاتك الغريبة. آه، اضايقت منكرش. بس في نفس الوقت حبيتك وحسيت إنك ملزمة مني. وأخدت عهد على نفسي هفضل أحميكي لحد آخر يوم في عمري. لحد بقى اللي حصل وحبس مروان ليا وجوازه منك ومحاولته لقتلي وتهريبي بره مصر ورجوعي تاني ليها. وأنا كانت عندي رغبة انتقام منك ومنه. لحد ما طلبتي حمايتي. الأحداث دي كلها رغم قسوتها إلا إنها قوة حبنا لبعض. راحت أيام كتير حلوة في دموعك وحزنك على غياب نغم عنك. بس في الآخر ربنا عوضنا وجبر بخاطرنا ورجع نغم لحضننا. وأدينا أهو هنجوزها هي وأختها وهسلمهم لرجالتهم بنفسي. ياااه قلبي بيرقص من الفرحة. صحيح الفرحة لما بتيجي بعد صبر بيبقى إحساسها مختلف وحلو أوي.
لمعت عينيها بعشق أيوب ونظرت له على أنه أعظم انتصاراتها. وقالت بصوت هامس:
- بعشقك يا أيوب. كل حتة فيا بتموت فيك. ربنا يخليك ليا، ويديم علينا سعادتنا.
ملس بيده على شعرها وتكلم بسعادة:
- هتفضلي أعظم انتصاراتي يا قمري. تصبحي على خير يا عمري.
دقائق معدودة واستسلم كل منهما إلى النوم.
***
في صباح اليوم التالي.
استيقظت نغم من نومها على صوت رنين الهاتف الخاص بها.
نظرت به بأعين ناعسة وارتسمت ابتسامة على شفتيها.
أجابت بتثاؤب قائلة:
- صباح الخير يا عدي. مش ملاحظ إنك صحتني بدري أوي النهارده.
ابتسم على كلماتها وقال بنبرة هادئة:
- أعمل إيه. لسه راجع من الشغل وكنت هموت وأسمع صوتك قبل ما أنام شوية.
اعتدلت على فراشها وتكلمت بحب:
- وأنا مضايقتش على فكرة. ده بالعكس. اليوم اللي أصحى فيه على صوتك بحسه إنه جميل ومختلف.
تعالت ضحكاته وقال بمزاح:
- اومال لو تجربي بقى تصحي وإنتي في حضني. ده بقى إحساس من نوع تاني خالص.
اتسعت عينيها بخجل شديد وتكلمت بصعوبة:
- ع ع عدي بطل قلة أدب أحسنلك.
زفر بنفاذ صبر وقال:
- ياااه. امتى بقى تبقي بتاعتي ومعايا. هتجنن عليك يا نغم قلبي.
ردت عليه بخجل وقالت:
- ا ا أنت شكلك طالب معاك رومانسية على الصبح. و و وأنا الصراحة نفسي بتجزع.
تعالت ضحكات عدي وتكلم بصعوبة:
- نفسك إيه يا أختي؟ تجزع!! آآآه يا بختك المنيل يا عدي. يعني أقعد مستنيكي طول السنين دي كلها. وفي الآخر تقوليلي نفسي بتجزع من الرومانسية. أشوف فيكي يوم يا نغم يا بنت أم نغم.
ابتسمت على كلماته وقالت:
- لا، نفسي بتجزع من الرومانسية الأوفر. إنما بقى بحبك واحشتني. الكلام المحترم ده بيفتح النفس.
تكلم بلؤم وقال بدعابة:
- اممم. يعتبر الكلام ده بيجر لحاجة تانية.
تكلمت بنفاذ صبر وقالت:
- عددددي. بقولك اتلم أحسنلك.
ظل يضحك بقوة على رد فعل نغم وتكلم بصعوبة:
- أقسم بالله أحلى ضحكة بتطلع من القلب معاكي انتي. ربنا يديمك في حياتي وميحرمنيش منك يارب.
ثم تنحنح بتوتر وقال:
- ن ن نغم. عايز أطلب حاجة منك. ممكن.
شعرت بتوتر من طريقة كلامه وقالت بتساؤل:
- خير يا عدي. إيه هو الطلب؟
أجابها بتوتر وقال بتوضيح:
- نغم، مش عايزك تنزلي الشركة اليومين دول. لأن هكون مشغول. عندي قضية مهمة ومش هكون فاضي أحميكي. ومش هكون مطمن ولا هركز طول ما أنا قلقان عليكي.
تكلمت بضيق وقالت بتذمر:
- بس أنا فرحانة أوي إن بدأت أستوعب الشغل وأتعلمه. ومش عايزة أرجع أقعد في البيت. ولو على قلقك عليا، أنا ببقى موجودة مع زين و أنس. يعني متقلقش. ولو مش هتقدر توصلني، الصبح انزل مع بابا أيوب يوصلني على سكتُه. وبعد الشغل هخلي زين أو أنس يوصلوني. ارجوك وافق يا عدي. بلاش توقف في طريقي وتمنعني من حاجة بحبها.
زفر بضيق وقال بتوضيح:
- يا حبيبتي والله مش عايز أمنعك من حاجة بتحبيها. بس أنا بخاف عليكي أوي وبالي بيبقى مشغول بيكي طول ما انتي بعيدة عني. ولو نزلتِ الشغل ده هيقلل تركيزك ومش هعرف أشوف شغلي. استحملي بس الشهر ده. وبعد كده أخليكي ترجعي تاني براحتك.
ظلت صامتة ولم ترد عليه.
تكلم عدي مرة أخرى وقال بترجّي:
- علشان خاطري يا نغم. استحملي الأيام دي لحد ما أخلص من القضية اللي ماسكها. وبعد كده اعملي اللي عايزه تعمليه.
شعرت بدقات قلبها تتسارع بقوة من شدة الخوف وتكلمت بتساؤل:
- هما نفذوا حكم الإعدام في محروس ولا لسه يا عدي؟
ابتلع ريقه بصعوبة وتكلم بتوتر:
- ها و و وبتسألي ليه يا نغم؟
تكلمت بضيق وقالت بترجّي:
- علشان خاطري رد عليا يا عدي. اتنفذ الحكم ولا لسه؟
تنحنح برجولة وقال بصوت مرتبك:
- ل ل لسه يا نغم.
أخذت نفس عميق وأخرجته بهدوء وقالت بقلق:
- أوعى تكون القضية اللي مشغول بيها دي تكون بتاعة محروس. ا ا أصل إيه هيخليك تخاف عليا أوي كده غير حصل حاجة عندك في قضيته.
رد عليها سريعا وقال بتوتر:
- ا ا أنتِ عبيطة يا بنتي. ح ح حاجة إيه دي اللي هتحصل في القضية؟ ده واحد اتحكم عليه بالإعدام خلاص ومنتظر في أي وقت بتنفذ فيه. قلقي عليكي من كتر حبي فيكي يا نغم ملوش دعوة بمحروس خالص.
رغم إنها لم تطمئن من طريقة كلام عدى بس ردت عليه بالطاعة وقالت:
- حاضر يا عدي. هأجل نزولي الشركة شوية. بس مش كتير. فاهم.
تنهد بارتياح وأجابها بسعادة وقال:
- هي دي بنوتي الشاطرة. أخلص بس من شغلي ده وهترجع كل حاجة زي الأول وأحسن.
تكلمت بصوت مختنق وقالت:
- ماشي. أنا هقفل بقى علشان أجمل نومي. باااي.
أغلقت الخط معه ونظرت أمامها بقلق بالغ وقالت بصوت مرتعش:
- ربنا يستر. قلبي مش مطمن وحاسة إن الموضوع ده يخص محروس.
تمددت مرة أخرى على تختها وظلت تنظر إلى الأعلى تتذكر حوارها مع عدي ودقات قلبها تتعالي بخوف شديد مما هو آتٍ.
رواية ما وراء الماضي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دودو محمد
بغرفة زياد استيقظ من نومه على صوت رنين الهاتف الخاص به، أجاب عليه دون أن ينظر للشاشة وتكلم بصوت ناعس:
- السلام عليكم.
أتاه صوت أنثى غير مألوف له:
- صباح الخير يا زيزو، صحى النوم، يلا هتتأخر على الجامعة.
عقد حاجبيه باستغراب ونظر إلى شاشة الهاتف، وجده رقمًا غير معروف. وضعه مرة أخرى على أذنه وقال بتساؤل:
- مين معايا؟
أجابته بصوت هامس وقالت:
- أنا رحمة، يا زيزو معقولة مش عارف صوتي؟
أغلق عينيه بضيق وتكلم بصوت مختنق:
- رحمة! انتي جبتي رقمي منين؟
تعالت ضحكاتها وقالت بتوضيح:
- دي حاجة سهلة أوي يا زيزو، ما أنا معايا تليفون فرح على طول واخدت منه رقمك، مش قصة يعني.
ضغط على أسنانه بنفاد صبر وقال:
- وخير، متصلة بيا ليه؟
أجابته بصوت هادئ قائلاً:
- متصلة أصحيك عشان متتأخرش على الجامعة، وكمان قولت أسمع صوتك بالمرة.
رد عليها بصوت منزعج وقال:
- طيب بعد كده متشغليش بالك بصحياي، لأن عندي منبه وماما بتصحيني. أما بقى صوتي اللي عايزة تسمعيه، فأنا مش عايزك تتعشمي بحاجة. لمجرد اتكلمت معاكي كويس ومافيش ما بينا أي حاجة تربطنا ببعض، لأن أنا باختصار بعشق فرح، ياريت يكون وضحتلك الصورة، مع السلامة.
أنهى كلامه وأغلق الخط دون أن يستمع منها ردًا. ولكن تفاجأ بوجود اتصال لفرح، وذلك ما جعل قلبه يتراقص من شدة السعادة. لأول مرة تفعلها، وهذا مؤشر جيد لعلاقتهم. ضغط على الشاشة وأعاد الاتصال بها، ثوانٍ معدودة وسمع صوتها المتحشرج من البكاء تقول له:
- انت كنت بتكلم مين في وقت زي ده؟
حاول أن يخفي السعادة الواضحة في نبرته وأجابها بصوت أكثر هدوءًا:
- عادي يا فرح، كنت بكلم رحمة. ولما خلصت مكالمتها ببص لقيت اتصالك على الشاشة، خير فيه حاجة؟
عند سماعها كلماته، شعرت وكأن خنجرًا رشِق بقلبها مزقه إربًا. تكلمت بصوت واضح عليه الحزن وقالت:
- رحمة!! هـ هي علاقتكم وصلت لمكالمات التليفون؟
شعر بحزنها، ولكن ما أسعد قلبه الغيرة الواضحة من نبرة صوتها. تكلم بهدوء عكس ما يشعر به:
- يعني بتتصل بيا الصبح تصحيني، بليل بنتكلم نطمن على بعض قبل ما ننام، كده يعني.
تعالت شهقاتها، اخترقت أذنيه عبر الهاتف وتكلمت بصعوبة:
- مـ مـ ماشي يا زياد، أنا هقفل عشان أجهز للجامعة.
تكلم سريعًا وقال بتساؤل:
- استني، هو انتي كنتي متصلة ليه؟
ردت عليه بصوت مختنق وقالت:
- خلاص، اللي كنت متصلة عشان أعمله فيه غيري سبقني، سلام.
أنهت كلامها وأغلقت الخط دون أن تستمع كلمة أخرى منه. نظر إلى الهاتف بسعادة وتعالت ضحكاته، ونهض من على سريره وظل يدور بغرفته بطريقة كوميدية ويقول بعدم تصديق:
- فرح بتحبني وبتغير عليا، أخيراً! مش مصدق نفسي، حاسس إني طاير من الفرحة.
وفى ذلك الوقت انتفض على صوت قمر وهي تقول له بنفاد صبر:
- يا ابني انت اتجننت ولا إيه؟ عمال تلف حوالين نفسك في الأوضة كده وعمال تكلم في نفسك شبه المعاتيه كده ليه.
نظر لها بخضة وتكلم بصوت كوميدي:
- موتيني على إيدك يا قمر، في مرة هتخضيني بالشكل ده؟ قلبي هيطب ساكت منك، فيه اختراع اسمه خبط على الباب، ده كل من هب ودب يدق على باب أنثى السنجاب، وانتي مش عارفة تدقي على بابي قبل ما تدخلي.
اقتربت منه وصفعته بخفة على رأسه وقالت:
- يا ابني انت هتعقل امتى؟ مش صغير على اللي بتعمله ده والله.
جلس على السرير وقال بثقة:
- هعقل بس بشرط واحد، جوزيني بنت اختك، أحسن أخطفها وأغتصبها وساعتها هتجوزها برضه غصب عنكم.
اتسعت عيناها بصدمة وحركت رأسها بعدم تصديق وقالت:
- انت يا ابني متخلف، إيه اللي بتقوله ده؟
ابتسم ببلاهة وقال بغمزة:
- تجوزهالي بما يرضي الله، ولا أخطفها وأتجوزها بما لا يرضيكم.
جلست أمامه وتكلمت بنبرة جادة وقالت:
- يا زياد، بتكلم بجد، مش هينفع دلوقتي، لازم الأول تخلصوا دراستكم وكل واحد يمسك مكانه في شركته وتستقروا، وبعد كده تشوفوا موضوع الجواز ده. مش عايزكم تتسرعوا، انتوا لسه صغيرين، مش عايزة يحصلكم زي ما حصل مع خالتك بتول وعمك ريان، وفي الآخر بعد ما اتحدوا العالم واتجوزوا وهما لسه صغيرين، مكملوش أسبوع جواز وطلقها. ولحد دلوقتي الاتنين بيتحملوا نتيجة تسرعهم ده. لو كانوا صبروا شوية لحد ما خلصوا تعليمهم ونضجوا شوية، كان ممكن حياتهم اختلفت دلوقتي. اللي عايزة أقوله ليك يا ابني، التسرع أسوأ حاجة موجودة في الدنيا دي وعواقبه صعبة، هتفضل ندبة موجودة في قلب كل واحد فيكم وعمرها ما هتلتئم. علشان كده بيقولوا في المثل، "في العجلة الندامة وفي التأني السلامة".
أومأ رأسه بتفهم وتكلم بنبرة هادئة متزنة:
- أنا عارف يا ماما إن لسه بدري على الخطوة دي، وإن لسه قصادنا مشوار طويل قبل خطوة الجواز. أنا عايز بس أخطبها دلوقتي عشان أطمن إنها هتبقى ليا وأقدر أكون جنبها بحاجة رسمية، والفرح بقى والجواز هيكون بعد التخرج.
ربت على يده بحنو وقالت بنبرة أم:
- أنا مش عايزك تزعل مني يا زياد، أنا أمك وعايزة مصلحتك. وشوفت نفس قصتكم دي مع خالتك بتول وعمك ريان، ومن واجبي كأم أنصحك وأوجهك للصح يا حبيبي.
قبل يدها بحب وقال بابتسامة هادئة:
- ربنا يخليكي ليا يا ست الكل، وتفضلي ظلي وحمايتي لآخر يوم في عمري.
نهضت قمر بابتسامة وقالت:
- ويخليكم ليا يا حبيبي، هروح بقى أحضرلكم الفطار على ما تجهزوا.
خرجت قمر من عنده، وظل يتابعها حتى اختفت من أمام نظره. قفز بسعادة وقال بعدم تصديق:
- فرح بتحبني وبتغير عليا، مش قادر أصدق نفسي.
ثم تحرك بسعادة باتجاه المرحاض حتى يجهز حاله.
***
في غرفة حور، استيقظت حور على رنين الهاتف الخاص بها، نظرت به وجدتها رهف. اعتدلت سريعًا وأجابت عليها بقلق وقالت:
- الله يخربيتك، كل ده نوم؟ أنا رنيت عليكي كتير أوي امبارح.
ردت عليها بنفاد صبر وقالت:
- ابلعي ريقك، خليني أقولك الكلمتين بسرعة.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت بتساؤل:
- زـ زـ زين كلمك صح؟
ردت عليها بتوضيح وقالت:
- أيوه، صحيت على اتصاله ولاقيته بيسألني إذا كنت كلمتك بليل متأخر ولا لا. المشكلة إن لما رديت عليه مكنتش لسه شفت رسالتك، بس حسيت إن الموضوع فيه حاجة. قولتله أيوه، بس زين مش سهل. سألني الكلام ده كان الساعة كام، فتحت الاسبيكر بسرعة وقولت أكيد انتي بعتي ليا رسالة، وفعلاً شفت وقت الرسالة بتاعتك ونقصت دقيقتين منها وقولتله الوقت. بس برضه كان فيه مشكلة تانية، هو لما قفل معاكي بليل رن عليا على طول، وانتي عارفة إن بعمل الفون سايلنت قبل ما بنام. لاقيته بيقولي: "ولما انتي اللي كنتي بتكلميها ليه مردتيش عليا لما اتصلت بيكي؟". ستر ربنا، جه الرد المناسب على طول على لساني وقولتله إني قفلت معاكي وعملت الفون صامت ونمت على طول ومشوفتش اتصاله. وقتها حسيت إنه مش مقتنع بأي حاجة من اللي قولتها، والشك مالي قلبه. خدي بالك بقى عشان عينه هتفضل عليكي اليومين الجايين من غير ما تحسي.
زفرت بضيق وتكلمت بصوت مختنق:
- يـ ـياربـ ـي، بقي أعمل إيه في المصيبة السودة دي؟ لو زين شم خبر إن شغالة مع اللي اسمه سيف ده مش هيعديها على خير وهيربط الخيوط ببعضها وهيعرف إن اللي كان بيكلمني امبارح ده سيف.
ردت عليها بعدم فهم وقالت بتساؤل:
- طيب وده كان بيكلمك امبارح ليه؟
تكلمت بصوت مرتعد وقالت:
- معرفش يا رهف، معرفش. أنا خايفة أوي وشكل الزفت ده مش ناوي على خير معايا. قوليلى اتصرف إزاي في الموضوع ده.
شعرت بخوف حور الواضح في كلامها وأشفقت عليها وقالت:
- طيب ما تروحي تقولي لعمو أيوب وهو يتصرف معاه.
ابتسمت بحزن وقالت:
- بابا!! ده أي حاجة بقولها ببقى غلط فيها ومش هيصدقني لو قولته، وهيقول إن بقول كده عشان رافضة وجودهم في الشركة. أنا حاسة إني تايهة أوي يا رهف ومش عارفة أتصرف إزاي.
تنهدت بوجع على حال صديقتها حور وقالت:
- طيب قومي دلوقتي اجهزي وتعالي الشركة عشان متتأخريش وتحصل مشكلة مع عمو أيوب. ولما تيجي نفكر بهدوء هنعمل إيه في المصيبة دي.
تكلمت بحزن وقالت بصوت مختنق:
- ماشي، باي.
أغلقت الخط وألقت الهاتف بجوارها، وأرجعت شعرها إلى الوراء وتكلمت بتيه:
- يارب حلها من عندك، أنا بحب زين ومقدرش على زعله ولا هستحمل أعيش يوم واحد بعيدة عنه.
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته بهدوء، ثم نهضت من على فراشها واتجهت إلى المرحاض.
***
تجمعت عائلة أيوب حول طاولة الطعام. نظر إلى أبنائه باستغراب، ثم نظر إلى قمر وقال بتساؤل:
- اومال نغم فين؟ منزلتش ليه لحد دلوقتي؟
أجابته بعدم فهم وقالت:
- مش عارفة، قالتلي إنها مش هتنزل الشركة اليومين دول.
عقد حاجبيه باستغراب وقال:
- مش هتنزل الشركة؟! إزاي؟ دي كانت فرحانة أوي بنزولها الشركة، هي اتخانقت مع عدي ولا إيه؟
حركت يدها وقالت بعدم معرفة:
- مش عارفة والله يا أيوب، هي مقالتش حاجة غير إنها مش هتقدر تنزل الشركة اليومين دول ونامت. وأنا مرضتش أضغط عليها وسيبتها براحتها.
أومأ رأسه بتفهم وقال:
- تمام، أنا لما أرجع بليل ابقى أقعد معاها وأعرف السبب إيه.
ثم استقام بجسده ونظر إلى حور وقال:
- عايزك تكوني قبلي في الشركة، فاهمة.
أنهى كلامه وخرج، صعد سيارته واتجه بها إلى الشركة.
نظرت حور إلى أثره بضيق وتكلمت بتهكم وقالت:
- ده على أساس إني هروح في طيارة! ما أنا هروح بالعربية زيه، ده إيه الغلب ده يا ربي؟ هلاقيه منين بس ولا منين.
نظرت لها قمر بلوم وقالت:
- عيب يا حور، اتكلمي على أبوكي بأدب.
استقامت بجسدها بحزن شديد وقالت:
- حاضر يا ماما، حاضر.
وتركتها وخرجت بغضب شديد. صعدت السيارة الخاصة بها واتجهت إلى الشركة بسرعة جنونية.
نظر زياد إلى أثر حور باستغراب وقال:
- ماما، حور شكلها مضايقة بجد وفيه حاجة مزعلاها وضغطة على أعصابها. ابقي اقعدي معاها أو نغم تقعد معاها، شوفوها مالها.
أومأت رأسها بالموافقة وقالت:
- ماشي يا حبيبي، بليل لما ترجع من الشغل ابقى أقعد معاها وأشوف مالها.
ابتسم لها بحب وهب واقفًا وقال:
- هروح أنا بقى يا قمري وهبقى أكلمك وأنا راجع آخر النهار عشان لو محتاجة حاجة.
ومال بجسده مقبلاً رأسها وتحرك إلى الخارج. صعد سيارته واتجه إلى الجامعة.
***
استيقظ عامر بوجه عابس، فهو ظل حبيسًا بغرفته طوال اليوم السابق حتى لم يذهب إلى الأماكن المشبوهة كالمعتاد. نهض من على فراشه واتجه إلى المرحاض، أخذ حمامًا دافئًا وخرج. ارتدى ملابسه ومشط شعره وهبط إلى الأسفل. وجد والدته تجلس على الأريكة، تكلم بصوت مختنق وقال:
- صباح الخير.
نظرت له بابتسامة وقالت سريعًا:
- صباح النور يا حبيبي، هقوم أحضرلك الفطار بسرعة قبل ما تمشي.
حرك رأسه بالرفض واتجه إلى الباب وتكلم بصوت مختنق:
- مش عايز، ماليش نفس.
أنهى كلامه وصعد سيارته وتحرك باتجاه الشركة الخاصة بسيف السيوفي حتى يستلم مكتبه الجديد بهذه الشركة كما اتفقوا في الاجتماع. وعندما ذهب هناك، تم الترحيب به ورافقته إحدى الموظفات العاملات بالمكان إلى غرفة مكتبه، وقالت بترحاب:
- منور يا أستاذ عامر، أستاذ سيف مأكد علينا كلنا إننا نكون تحت أمرك وننفذ طلباتك بالحرف.
نظر لها نظرات ذات معنى، لم يترك انش بها إلا وعلق نظره عليه. ابتسمت هذه الفتاة من نظرات عامر الجريئة واقتربت منه أكثر وقالت:
- بتمنى يكون أستاذ عامر راضي عن المكتب ده، ذوقي على فكرة.
ابتسم لها وقال بصوت هامس:
- عجبني المكتب واللي نفذته أوي، وشكل الأيام الجاية هتكون مسلية أوي.
أنهى كلامه بغمزة.
تعالت ضحكاتها الرقيقة وقالت بنبرة ذات معنى:
- شكلك مش سهل خالص، وهشوف منك كتير الفترة الجاية.
حرك يده على ذراعها العاري وتكلم بغمزة:
- وانتي شكلك شقية وهستنى منك كتير.
تعالت ضحكاتهم، وكل منهما ينوي شيئًا ما بداخله، وكأن لعب الشيطان دوره ليعقد اتفاقًا فاسدًا كالمعتاد مع بني آدم غير مبالٍ بعقاب الله الشديد المنتظر.
***
وصلت حور إلى الشركة وتحركت سريعًا إلى المكتب الخاص بها. وجدت زين يجلس بداخلها بوجه عابس ينتظرها. ابتلعت ريقها بتوتر وابتسمت له خوفًا وتكلمت بتلعثم:
- زـ زـ زين، نـ نـ نورت المكان يا حبيبي، بس خير، إـ إـ إيه سر الزيارة المفاجئة دي؟
نهض من على مقعده واقترب منها ونظر لها بتعمق وتكلم بهدوء حذر وقال بتساؤل:
- لآخر مرة هسألك يا حور، مخبية إيه عني؟
تعالت دقات قلبها بخوف شديد وتكلمت بصعوبة:
- وـ وـ وأنا لآخر مرة بقولك، مـ مـ مافيش حاجة مخبيها عـ عـ عليك يا زين، وـ وـ وبعدين إيه شغل قلة الثقة ده؟ إزاي تتصل برهف وتسألها إذا كانت هي اللي بكلمها ولا لا؟ لدرجاتي انت مش واثق فيا يا زين.
تكلم بغضب وقال:
- بلاش شغل قلب الترابيزة ده يا حور، انتي عارفة ومتأكدة إن أنا بثق فيكي وعارفة برضه إن أنا بفهمك من نبرة صوتك كويس أوي، وده اللي مأكدلي إنك مخبية حاجة عني، وانتي عمرك ما عملتيها يا حور.
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
- لـ لـ لا يا زين، شغل قلب الترابيزة ده انت اللي بتعمله مش أنا. وبعدين يعنى هخبي عنك إيه بس؟ ما انت عارف كل حاجة وعمري ما داريت حاجة عليك. متجيش بقى تراقبني وتسأل من ورايا بتكلم مين في التليفون؟ طيب لو أنا اللي عملت كده واتصلت بأنس بعد ما قولتلي بتكلمه وسألته زين كان بيكلمك انت ولا لا؟ مش هتزعل إن مش واثقة فيك وبكذب كلامك وبسأل من وراك؟ قول كلمة الحق يا زين.
زفر بضيق وتكلم بصوت مختنق:
- لو كذبت عليكي من حقك تشكي فيا وتسألي من ورايا، بس أنا براعي ربنا فيكي وعمري ما خبيت عنك حاجة. حياتي كتاب مفتوح ليكي يا حور، وانتي كنتي كده لحد امبارح. الكتاب اتقفل ومش قادر أفك شفرته، وده اللي مجنني.
تجمعت الدموع في عينيها واقتربت منه وأمسكت يده وقالت بصوت مختنق:
- زين، أنا بحبك والله العظيم بموت فيك. متخليش الشك يدخل ما بينا ويدمر حبنا. أنا فتحت عيني على حبك، انت كبرت وكبر جوايا. ورجالة العالم ده كلها متمليش عيني، انت وبس اللي مستحوذ على كل حاجة فيا ومستحيل ضفر واحد مني يبقى لغيرك. بس ثق فيا، أرجوك.
أغلق عينيه حتى يهدأ قليلاً وأخذ نفسًا عميقًا ثم اقترب منها وكوب وجهها بين يديه ونظر لها بوجع وقال:
- دموعك غاليين أوي عليا يا حور. أنا متأكد من أخلاقك لأنك متربية على إيدي وعارف تربيتي عاملة إزاي، بس إحساسي هيجنني. متأكد إنك مدارية عني حاجة. بصي أنا مش هضغط عليكي وهسيبك تاخدي وقتك، بس مش كتير. تعالي قوليلي ومهما كانت الغلطة كبيرة هسامحك عليها لو عرفتها منك، بس أقسم بالله لو عرفت اللي مخبياه عليا من بره ما هرحمك وهتنسي إن كان في حياتك واحد اسمه زين نهائي، عشان هتبقى كتبتي نهاية حكاياتنا بإيدك، ماشي.
زاغت ببصرها بعيدًا عنه وأومأت رأسها بالطاعة.
أومأ رأسه بعدم ارتياح وقال بصوت مختنق:
- ماشي، هروح أنا عشان اتأخرت على الشركة وهستناكي تقوليلي كل حاجة. متتأخريش عليا.
وخرج من عند حور، هبط إلى الأسفل، وعند وقوف المصعد تحرك زين إلى الخارج متزامنًا مع دخول سيف إلى الداخل. نظر له زين باستغراب حتى انغلق الباب وبدأ المصعد يتحرك إلى الأعلى. شعر زين بعدم الارتياح، حرك رأسه بالرفض واتجه إلى سيارته وتحرك بها مسرعًا إلى الشركة.
***
وصل مهاب عند منزل معاذ بعدما هاتفه على المحمول وطلب منه أن يحضر إلى منزله كما اتفقوا. ضغط على زر الجرس وثوانٍ معدودة فتح له معاذ بترحاب. احتضنه بقوة مطالبًا منه إنقاذ ابنته الوحيدة. تحرك إلى الداخل وجد زوجة خاله، ابتسم لها وصافحها باحترام وتكلم بتساؤل:
- هي فين؟ ممكن أقابلها؟
حركت زوجة معاذ رأسها بحزن وقالت:
- للأسف يا ابني، هي بترفض تخرج من أوضتها أو تتكلم مع أي حد.
ابتسم لها ابتسامة مطمئنة وقال:
- متقلقيش يا طنط، أنا هعمل ما في وسعي عشان تبقى كويسة. ممكن بس تقولي لها إن ابن عمتها عايز يقعد معاها.
أومأت رأسها بالموافقة ونهضت من على مقعدها واتجهت إلى غرفة ابنتها وطرق على الباب وقالت بصوت هامس:
- ريفال، مهاب ابن عمتك بره وعايز يقابلك.
حركت رأسها بالرفض وقالت:
- مـ مـ مش عايزة، اـ اـ أقابل حد، ممكن؟
تكلمت بترجي وقالت:
- عشان خاطري يا ريفال.
تكلمت بغضب وقالت:
- قولتلك لـ لـ لا يا ماما.
وفي ذلك الوقت تفاجأوا بصوت مهاب يقول لهم:
- خلاص يا طنط، روحي انتي.
اتسعت عيناها بصدمة ووقفت بغضب شديد وقالت:
- اـ اـ انت إزاي يا بني آدم تـ ـتدخل عليا اـ اـ أوضتي كده؟ اـ اـ انت اتجننت.
نظر إلى زوجة خاله وقال بابتسامة هادئة:
- روحي انتي يا طنط، متقلقيش ولا تشغلي بالك.
أومأت رأسها بالطاعة وتحركت إلى الخارج وأغلقت الباب خلفها.
نظرت له بغضب شديد وتكلمت بصراخ:
- اطلع برررره بقولك، مش عايزة أتكلم مـ مـ مع حد، اتفضل بره أوضتي احسنلك.
جلس على المقعد الخشبي أمام المكتب الخاص بها بابتسامة هادئة وقال:
- اقعدي يا ريفال، أنا ابن عمتك وعايز أتكلم معاكي كلمتين، مش هاكلك يعني.
شعرت بارتياح من طريقة كلامه وجلست على السرير دون أن تتكلم بحرف واحد، لكنها كان يظهر عليها الارتباك الشديد.
أخرج حباية من جيب بنطاله وقال بتساؤل:
- تحبي تاخدي حباية تهديكي شوية؟
هدرت به بغضب وقالت:
- تهديني!! ليه؟ حد قالك عليا إني مجنونة وبشد في شعري.
ظل محتفظًا بابتسامته الهادئة الجميلة وقال:
- وأنا مقولتش إنك مجنونة، بالعكس انتي عاقلة وست العاقلين، بس الحباية دي بتساعدك تكوني هادية جدًا. أنا أصلاً باخد منها على طول، وعلشان تصدقي هاخد واحدة منها قصادك.
وأوهمها أنه وضع حباية داخل فمه وارتشف من الماء المتواجد أمامه وقال:
- امم، إيه رأيك كده؟ يلا خدي انتي كمان.
نظرت له بتوتر وأخذت من يده الحباية ووضعتها بفمها وابتلعتها بالماء.
ظل يتابعها بهدوء تام حتى شعر بارتخاء أعصابها. تكلم بتساؤل وقال:
- عاملة إيه دلوقتي.
أومأت رأسها بهدوء وقالت:
- كـ كـ كويسة.
أخرج ورقة وقلم ونظر لها وقال:
- ممكن بقى نتكلم مع بعض شوية وتحكيلي حياتك عاملة إزاي، بتفكري في إيه، نفسك تعملي إيه ومعملتيهوش.
تنهدت بوجع وقالت بصوت فاقد للحياة:
- هتصدقيني لو قولتلك مش نفسي في أي حاجة خالص. حياتي فاضية، لا كان فيها اللي بيشغلها ولا هيكون فيه.
نظر لها بترقب وقال بتساؤل:
- ولا حتى حبيتي قبل كده؟
تجمعت الدموع في عينيها والتزمت الصمت.
أعاد عليها السؤال بصيغة أخرى وقال:
- الحب بالنسبة لك إيه؟
تكلمت بصوت مختنق وقالت:
- أكبر كذبة موجودة على الأرض.
- ليه؟! قالها مهاب وهو يتابعها بترقب.
أجابته بدموع وقالت:
- عشان الناس كلها بتستخدمه كوسيلة لغرض ما أو لمصلحة أو لتحقيق أهداف شخصية أو...
ازدادت دموعها وقالت بصوت متحشرج من شدة البكاء:
- أو رهان يلعبوا بـ ـبـ ـبنات الناس.
وصل مهاب إلى مبتغاه، أومأ رأسه بابتسامة وقال بتوضيح:
- بس دول مجرد فئة قليلة موجودة في المجتمع عشان تفسده. إنما الناس كلها مش وحشة ولا كلها بتستخدم الحب غلط. فيه ناس الحب ده شيء أساسي في حياتهم. الحب بالنسبة ليهم هو الحياة. بصي على صوابع إيدك، كلها مش زي بعضها. زي الناس بالظبط مش زي بعضها. قبلتك قلة من قاع المجتمع، دوري تاني وتالت هتلاقي ناس تشبهك وبتحبك. وأول ناس دوري عندهم هما أهلك. شاركيهم يومك، اهتماماتك، فرحتك، حتى حزنك. هتلاقي فكرتك اتغيرت عن المجتمع. هتلاقي نفسك انفتحتِ للحياة، شفتيها بشكل تاني. هتظهر في حياتك ناس جديدة بصدمات جديدة وأحداث جديدة، وكل صدمة هتقابلك هتقويكي أكتر من الأول. لحد ما تلاقي نفسك شخص جديد، فاهمة الدنيا صح، مبيضحكش عليكي بسهولة. ويمكن يجي يوم وانتي اللي تعلمي على الناس دي بشخصيتك القوية وحضورك اللي بيفرض نفسه في أي مكان تروحيه.
شعرت بالطاقة داخلها ترتفع إلى أعلى مستوياتها، وهذا الشيء لم يحدث منذ زمن طويل. ابتسمت له باستغراب وقالت بتساؤل:
- هو انت إزاي كده؟
حرك رأسه بعدم فهم وسألها باستغراب:
- كده إزاي؟ مش فاهم.
أجابته بتوضيح وقالت بابتسامة هادئة:
- مش عارفة، طريقة كلامك بتدي طاقة غريبة بتخلي الواحد غصب عنه، نظرته تتغير للحياة.
ابتسم لها برجولة وقال بمزاح:
- لا أنا كده اتغر بقى.
تعالت ضحكاتها وقالت:
- لا والله بتكلم بجد، طريقتك غريبة، عندك حاجة زي المغناطيس بتسحب من جوايا الطاقة السلبية.
تنهد بهدوء وتكلم بنبرة جادة وقال:
- لو عايزة ترجعي ريفال بتاعة زمان، سيبى ليا نفسك ونفذي اللي هطلبه منك بالحرف.
نظرت له بقلق وتراجعت إلى الخلف وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
- قصدك إيه؟ اـ اـ انت عايز إيه مني؟
حرك رأسه بالرفض وقال بابتسامة:
- هعوز منك إيه بس؟ أنا ابن عمتك وانتي بنت خالي وأبوكي قاعد بره وعارف إني معاكي هنا في الأوضة ومديني الثقة الكاملة. وانتي جاية تخافي مني وتسأليني عايز منك إيه؟ شيلي الأفكار دي من دماغك.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت بأسف:
- اـ اـ أنا آسفة.
تكلم سريعًا وقال بصوت هادئ:
- أول حاجة هطلبها منك هي الثقة بالنفس. أياكي تقولي آسفة لأي حد إلا للشديد القوي. انت أميرة نفسك ومحدش يستحق ضعف أو يستقل بيكي. آه الاعتذار مطلوب بس مش في كل الأوقات ولا لأي حد وخلاص.
أومأت رأسها بالموافقة وانتظرت منه المزيد.
أكمل كلامه وقال بصوت هادئ:
- انتي جميلة أوي وملامحك هادية وشكلك شيك وتتحبي زي ما انتي. خلي قلبك عزيز عليكي وميروحش غير للي يستحقه.
ابتسمت له وكأنه وصل لحلقة مفقودة داخلها. تكلمت بتساؤل وقالت:
- يعني أنا فعلاً حلوة ولا انت بتقول كده مجاملة.
حرك رأسه بالرفض وقال بتأكيد:
- طبعًا حلوة. مافيش إنسان خلقه ربنا وحش، كل واحد فينا ربنا ميزه بميزة. أهم حاجة تحبي نفسك أوي وترضي بشكلك. وقتها الناس هتحبك لحبك لنفسك.
نظرت له بعدم فهم وقالت بتساؤل:
- يعني إيه أحب نفسي؟ أكون أنانية يعني.
ابتسم على سذاجتها وقال بتوضيح:
- لا طبعًا مش ده قصدي. قصدي حبّي ملامحك، شكلك، جسمك، لبسك، شعرك. حبي كل حتة فيكي وشوفي نفسك مميزة كمان. وقتها إحساسك ده هيوصل لناس وهما كمان هيحبوكي لحبك لنفسك. خلي عندك ثقة بالنفس لأن انتي تستحقي تكوني كده.
نظرت إلى الأرض وقالت بصوت مختنق:
- بس أنا بخاف.
لم يريد أن يضغط أكثر من ذلك عليها. استقام بجسده وقال بابتسامة:
- إيه رأيك أمشي دلوقتي وابقى أجلك تاني.
نظرت له بحزن وقالت بصوت منكسر:
- انت كمان هتمشي زيهم وتسيبني؟ زهقت مني زي ما كله بيزهق مني.
حرك رأسه بالرفض وتكلم بابتسامة هادئة:
- لا طبعًا مزهقتش منك خالص، بالعكس أنا حبيت الكلام معاكي أوي. بس كل الحكاية عمتك دنيا هتنفخني عشان اتأخرت على الأكل وكسرت لوحة القوانين.
ابتسمت على كلماته ونظرت له بعدم تصديق وقالت:
- يـ يـ يعني هتيجي ليا تاني؟
أجابها سريعًا وقال:
- أيوه هجيلك تاني وتالت. إيه رأيك نبقى أصحاب؟
نظرت له بتوتر وقالت بدموع:
- بلاش أصحاب عشان كل ما أصاحب حد يزهق مني ويسيبني.
مد يده لها حتى يصافحها وقال بنبرة حماسية:
- اللي يسيبك إياكي تزعلي عليه. لأنك كده ربنا بيحبك عشان شاف نيته إيه من ناحيتك وبعده عنك. شاف إن قلبك أبيض ونضيف وتستحقي اللي أحسن منه.
ابتسمت له بسعادة وقالت:
- هستناك تيجي تاني.
أومأ رأسه بالتأكيد قائلاً:
- أكيد جاي تاني. ومن هنا لحد ما أجيلك ليا طلب صغير عندك.
نظرت له بترقب.
فأكمل كلامه قائلاً:
- بلاش جو الأوضة ده. يعني اخرجى منها شوية، شاركي مامتك في البيت، اقعدي اتكلمي مع باباكي شوية. متنسيش إنك بنتهم الوحيدة ومحتاجين وجودك في حياتهم.
ابتسمت له وقالت بنبرة هادئة:
- حاضر.
تحرك باتجاه باب الغرفة وقبل أن يخرج منه وقف مكانه عندما سمع صوتها تقول له.
رواية ما وراء الماضي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دودو محمد
تحرك مهاب باتجاه باب غرفة ريفال، وقبل أن يخرج منه، وقف مكانه عندما سمع صوتها تقول له:
- بابا وماما هما اللى طلبوا منك تكلمني؟
استدار ونظر لها بابتسامة وتكلم بهدوء:
- وده هيفرق معاكي في حاجة؟ اعتبريها بداية جديدة وانسي الأسباب.
أنهى كلامه وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه.
نظرت إلى أثره باستغراب وشعرت بشيء ما سيحدث أثر هذا اللقاء.
عندما ظهر مهاب من خلف الباب، ركض معاذ إليه بقلق وقال بتساؤل:
- طمني يا ابني، إيه الأخبار؟
ظل محتفظًا بابتسامته الهادئة وتكلم بتوضيح:
- يا خالو، اهدا. ملوش داعي اللي حضرتك عامله ده. أنا اتكلمت معاها وكان عندها قبول جدًا للحوار معايا واتفقنا هاجي ليها تاني.
تكلمت زوجة معاذ وقالت بتساؤل:
- طيب قالتلك إيه؟ طمني؟
حرك رأسه بالرفض وقال:
- أنا آسف يا طنط، مش هقدر أقولك الكلام اللي قالته ليا ده سر المهنة. بس اللي أقدر أقوله إن هي ما شاء الله عليها مستجابة جدًا معايا وأول جلسة نجحت بنسبة خمسين في المية. أنا طلبت منها إنها تخرج تساعدك في شغل البيت، تتكلم معاك يا خالو. لو لاقيتوها عملت كده، متحاولوش تظهروا ليها أي رد فعل، إذا بالفرحة أو الاستغراب أو الحزن أو الشفقة. اتعاملوا معاها عادي خالص كأنها بتعمل كده معاكم كل يوم، لأن ردود أفعالكم هيوترها وهيخليها تنسحب تاني لأوضتها.
أومأ معاذ رأسه بالموافقة وقال:
- ماشي يا ابني. انت هتيجي ليها امتى تاني؟
حرك رأسه بعدم معرفة وقال:
- مش عارف لسه. هشوف وقتي يسمح ليا امتى وهتصل بحضرتك وأبلغك.
تحرك باتجاه الباب وأوصله معاذ وتكلم بشكر وامتنان:
- شكرًا يا ابني. مش عارف أقولك إيه على اللي بتعمله معايا. ربنا يسعدك ويحققلك كل اللي بتحلم بيه يارب.
ربت على كتفه بابتسامة وقال:
- أنا معملتش حاجة يا خالو، ده واجبي اتجاهها وإن شاء الله قريب أوي تبقى في أحسن حال.
أنهى كلامه وخرج من الباب. هبط إلى الأسفل، صعد سيارته وعاد إلى الفيلا الخاصة بهم.
***
بالجامعة…
وصل زياد إلى حرم الجامعة وجد رحمة تنتظره بابتسامة. زفر بضيق وتكلم بصوت هامس:
- يخربيت أم اللزقة دي. بني آدمة باردة…
ثم اقترب إليها بابتسامة باهتة وقال:
- خير يا رحمة؟ كنتِ بتتصلي بيا ليه بعد الكلام اللي قولته ليكي؟
تكلمت بنبرة عاشقة وهي تنظر له قائلة:
- مهما تقول لي، عمري ما أزعل منك يا زيزو. وانت قلت إحنا أصحاب وأنا راضية بكده حاليًا وهستنى اليوم اللي هتتغير فيها مشاعرك اتجاهي.
أغلق عينيه حتى يهدأ قليلاً وتكلم بنفاد صبر:
- قلت لك مليون مرة قلبي فيه واحدة وبس، فرح هي اللي متربعة فيه ومحدش هيقدر ياخد مكانها مهما حصل.
اشتعلت نيران الحقد داخل قلبها، ولكنها حافظت على إظهار هدوئها وقالت:
- وأنا مش هزعل مدام سعادتك معاها، بس يكفيني أكون جنبك حتى لو أصحاب.
وفي ذلك الوقت، وصلت فرح وعينيها متورمة من كثرة البكاء. ابتسمت رحمة بحقد واقتربت أكثر من زياد وهتفت عليها قائلة:
- فرح يا روحه، تعالي رايحة فين!
نظرت لهم بحزن شديد وتجاهلت نداء رحمة وابتعدت عنهم.
نظر زياد لها بحزن وشعر بتأنيب الضمير وتحرك سريعًا إليها وأمسك ذراعها وقال باستغراب:
- فرح، مش رحمة بتنادي عليكِ، مش بتردي ليه؟
أغلقت عينيها بوجع وقالت بصوت مختنق:
- مسمعتهاش. معلش اعذروني، متأخرة على المحاضرة.
ونظرت إلى يده الممسكة بذراعها وقالت:
- سيب دراعي يا زياد علشان أمشي.
نظر بعينيها نظرة مطولة، ثم أرغمها على التحرك معه وابتعد بها لمكان لا يوجد به أحد وتكلم بصوت مختنق وقال:
- ممكن بلاش دموعك اللي في عيونك دي وتقوليلي مالك؟
نظرت الاتجاه الآخر وتكلمت بصوت مختنق وقالت:
- بابا واحشني أوي.
حرك رأسه بالرفض وقال:
- لا، مش هو ده السبب. أنا عارف إن عمو وليد واحشك وواحشنا كلنا، بس السبب حاجة تانية خالص.
تنهدت بوجع وحاولت تمنع دموعها من الهطول وتكلمت بصعوبة:
- انت جاي ورايا ليه دلوقتي؟ عايز مني إيه يا زياد؟ روح عند رحمة وسيبني في حالي، أرجوك.
أسند ظهرها على الحائط واقترب منها وحرك يده على وجنتيها وأزال عبراتها وتكلم وهو ينظر بعينيها:
- قلت لك بلاش دموع يا فرح. قلبي مش بيقدر يستحمل يشوف دموعك.
توترت من قربه لها وتكلمت بصعوبة:
- ز، ز، زياد، انت ب، ب، بتعمل إيه؟ ابعد لو سمحت.
تعالت أنفاسه وتكلم بنفاد صبر:
- أنا بحبك انتِ يا غبية. حتى لما حاولت أقسى عليكِ مقدرتش. حاولت أظهر لكِ إنك مش في بالي بس عيوني فضحتني. قلت هشغل وقتي مع غيرك بس معرفتش. أنا بحبك وانتي كمان بتحبيني. كفاية نهرب من مشاعرنا أكتر من كده يا فرح.
تراقصت دقات قلبها بسعادة وتكلمت بتلعثم وقالت:
- ي، ي، يعني ما فيش أي حاجة بينك انت ورحمة؟
ابتسم لها وحرك رأسه بالرفض وقال بصوت هامس:
- ولا أي حاجة. هي بتحاول تقرب مني وأنا ولا شايفها أصلًا لأنك انتِ اللي ساكنة هنا وما فيش غيرك فيه.
وأشار إلى قلبه.
نظرت إلى الأرض بخجل وقالت بتوتر:
- ط، ط، طيب ممكن تبعد بقى؟ مينفعش اللي انت عامله ده.
ابتعد عنها بابتسامة وقال بغمز:
- أنا بعد بس علشان خدودك اللي احمرت دي. إنما الصراحة كان نفسي أكم…
تدخلت سريعًا وقالت بضيق:
- زياد اتلم. انت اتجننت ولا إيه؟ مينفعش اللي انت بتعمله ده.
نظر لها بزعل مزيف وقال بطريقة كوميدية:
- آه منك انتِ يا قاسية يا مفترية. اكمني بحبك وبموت فيكي بتعملي فيا كده. اخس عليكِ والف خساية.
ابتسمت على كلماته ونظرت الاتجاه الآخر وعقدت ذراعيها على صدرها وقالت:
- مجنون على فكرة. مش طبيعي.
أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
- أيوه فعلاً. بس مجنون بحبك.
وضعت يدها على وجهها وتكلمت بخجل وقالت:
- يا ابني بقى كفاية حرام عليك. هموت منك من الكسوف. مش كده يا أخي؟
رفع إحدى حاجبيه إلى الأعلى وتكلم باستغراب:
- يا ابني!! يا أخي! انتِ ناوية تجلطيني؟ بتنادي عليا بألقاب متنفعش خااالص ما بينا.
حركت رأسها بنفاد صبر وقالت:
- ربنا يصبرني عليك وعلى حبك المجنون ده.
أنهت كلامها وركضت سريعًا من أمامه بابتسامة مرسومة بسعادة على وجهها.
نظر إلى أثرها بسعادة وتنهد بحب وقال بتمني:
- يااارب قرب البعيد وأجمعني ببنت سلطح ملطح اللي مجننانى دي.
كانت رحمة تتابعهم من بعيد والنار مشتعلة بداخلها تحاول إخمادها، لكن ذلك أحرق روحها أكثر. نظرت أمامها توعد إلى فرح وتتعهد لنفسها أن زياد سوف يكون لها هي فقط لا غير.
***
جلست حور خلف المكتب الخاص بها تفكر في حل تخرج به من هذا المأزق. زين إذا وضع شيء برأسه فلا مفر من علمه به. تعالت دقات قلبها بخوف وهي تتخيل رد فعله عندما يعلم بوجود سيف وبما يفعله معها. حركت رأسها بخوف وقالت:
- لا لا لا. إن شاء الله مش هيعرف حاجة. ده ممكن يطبّق الدنيا كلها فوق دماغنا وممكن يبعد عني ويسيبني. أنا أروح فيها لو ده حصل. يارب حلها من عندك.
وفي ذلك الوقت، سمعت صوت طرقات على الباب. أذنت لطارق بالدخول، وفي ذلك الوقت انفتح الباب وظهر أمامها سيف بطلته الرجولية والابتسامة مرتسمة على وجهه وقال:
- واحشيني.
أغلقت عينيها بغضب وتكلمت بنفاد صبر:
- لو سمحت اطلع بره. كفاية أوي اللي بيحصلي بسببك.
جلس على المقعد أمامها، لم يبالي بما قالته وتكلم بنبرة هادئة:
- أوعى يكون خطيبك من النوع الشكاك؟ لا خلي بالك لو فعلاً كده هتتعبى أوي معاه. أساس أي علاقة الثقة.
نظرت له بضيق وتكلمت بترجّي:
- لو سمحت بترجاك ابعد عني وسيبني في حالي. حياتي ملكش دعوة بيها. أنا وخطيبى حرين. انت طلعت لي منين بس؟
نهض من على مقعده واقترب منها وجلس على حافة المكتب أمامها ونظر لها نظرة ذات مغزى وتكلم بنبرة حذرة:
- والله ده مش بإيدي. من النادر جدًا أن سيف السيوفي يتعلق بواحدة وأنا اتعلقت بيكي ومش هسيبكِ وهتبقي بتاعتي أنا وبس.
حركت رأسها بغضب وقالت بتحذير:
- أنا بتاعة زين الديب وبس وعمري ما هكون لغيره. متحلمش كتير علشان مش هيتحقق.
مال بجسده إليها ونظر بعينيها بتحدي وتكلم بهمس:
- هنشوف يا حوري.
وملس بأنامله على وجنتيها وغمز لها ثم استقام بجسده وهندم ملابسه وتحرك باتجاه الباب ثم استدار لها وقال:
- صح نسيت أقولك. عندنا مقابلة بليل في فندق (…) علشان ترتيبات الحفلة.
اتسعت عيناها بصدمة وحركت رأسها بالرفض وقالت:
- ل، ل، لا مش هينفع. أرجوك روح انت وخلص كل حاجة.
ابتسم لها بهدوء وقال:
- لازم تكوني موجودة يا حلوة. هعدي عليكِ بعربيتي الساعة تمانية. باي.
أنهى كلامه وخرج من عندها وأغلق الباب خلفه.
نظرت إلى أثره بدموع وتكلمت بخوف شديد:
- يا مصيبتك السودة يا حور. هعمل إيه في المشكلة دي؟ خروج كمان معاه. ده زين مجرد كلام وهينيل عيشتي محال لو عرف إني خرجت معاه.
هبت واقفة وتكلمت بنفاد صبر:
- لا أنا لازم أكلم بابا يشوف صرفة للموضوع ده.
وتحركت إلى الخارج واتجهت إلى المكتب الخاص بوالدها. طرقت عليه وسمعت صوته يأذن لها بالدخول.
دَلفت إلى الداخل وتكلمت بصعوبة:
- ب، ب، بابا. ا، ا، أنا عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع اللي اسمه سيف ده لو سمحت. مش عايزة أتعامل معاه خالص. ممكن تخلي أي موظف تاني يكمل معاه.
نظر لها باهتمام وقال بتساؤل:
- ليه؟ تخطى حدوده معاكِ؟
ابتلعت ريقها بتوتر وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها من عواقب ما سينطقه لسانها قائلة بتلعثم:
- ها، ل، ل، لا. ب، ب، بس لو زين عرف ب، ب، بموضوع سيف ده مش هيحصل خير.
نظر لها نظرة مطولة وطرق بيده على سطح المكتب وتكلم بعصبية:
- وإحنا نوقف مصلحتنا وشغلنا علشان سي زين بتاعك؟ بلاش محن في شغلنا الله لا يسيء لك. بدل ما أحلف ما فيه خطوبة من أساسه وينهي الموضوع قبل ما يبدأ.
انتفضت مكانها بخوف شديد وانهمرت دموعها بغزارة وتكلمت بلوم:
- ليه يا بابا؟ ليه مصمم تمحي شخصيتي؟ أنا متأكدة إنك بتحبني وبتخاف عليا بس مش قادرة أستحمل يا بابا. نفسي تفهمني لو لمرة واحدة بس. نفسي تاخد برأيي وتعمل بيه. نفسي مرة أكلمك في حاجة من غير ما تزعقلي وتوجعني. سيف مش ملاك وأنا مش مرتاحة لكلامه وحركاته. طريقته فيها حاجة غلط وأنا مش بقول كده دلع ولا علشان مش حابة، بس فعلاً أنا مضايقة من طريقته دي ولازم حضرتك تحترم رغبتي في إن مش عايزة أشتغل معاه.
أغلق عينيه محاولًا الهروب من نظرة عينيها وتكلم بأمر:
- وأنا قلت لك هتشتغلي معاه يا حور وكلمتي أنا اللي هتمشي. اتفضلي روحي على مكتبك.
نظرت له بحزن وكسرة وركضت سريعًا إلى المكتب الخاص بها. جلست على مقعدها وظلت تبكي حتى تقطعت أنفاسها.
***
استيقظ عدي من نومه ونظر بالهاتف على الوقت وزفر بإرهاق شديد. ثم نهض من على فراشه واتجه إلى المرحاض وبعد وقت خرج وارتدى ملابسه ومشط شعره وهبط إلى الأسفل. وجد فرح وزين وبتول حول طاولة الطعام. نظر إلى مقعد وليد بحزن وتذكر عندما كان يهبط من الأعلى ويرى ابتسامته الحنونة على وجهه. تنهد تنهيدة حارة وتحرك باتجاههم. قبل رأس والدته وجلس بجوارها وقال:
- مالكم مش بتاكلوا ليه؟
أجابته فرح بتوضيح وقالت:
- ما فيش. طلعت علشان أصحيك تنزل تاكل لاقيتك في الحمام وسمعت صوت الميه عرفت إنك بتاخد شاور. نزلت قولت لماما وقعدنا نستناك.
ابتسم لها ابتسامة حنونة وقال:
- ماشي يا حبيبتي. كلي يلا.
ظل زين يعبث بالطعام بالملعقة دون شهية. تابعته بتول باستغراب وقالت بتساؤل:
- زين مش بتاكل ليه؟
انتبه لها وابتسم بحزن وقال:
- شبعت الحمد لله يا ماما.
نظر له عدي وقال بقلق:
- مالك يا زين؟ إيه اللي مضايقك؟
حرك رأسه بضيق وقال:
- ما فيش يا عدي. أنا كويس.
ثم استقام بجسده وقال بصوت مختنق:
- تصبحوا على خير.
قالها وصعد على غرفته دون أن يستمع كلمة أخرى من أحد.
نظرت بتول إلى أثره بقلق وقالت:
- عدي، أخوك مش طبيعي. فيه حاجة مزعلاه.
أومأ رأسه بالتأكيد وتكلم وهو يستقام بجسده قائلاً:
- أيوه يا ماما باين عليه. بس شكله زعلان هو وحور ولا حاجة. الصبح لما أرجع من الشغل إن شاء الله أبقى أقعد أتكلم معاه وأعرف ماله.
مال بجسده مقبلًا يديها وتحرك باتجاه الباب ولكنه وقف مكانه عندما استمع صوت بتول تقول له بتساؤل:
- روحت لابوك يا عدي؟
استدار لها وأومأ رأسه بالتأكيد قائلاً:
- أيوه يا ماما روحتله وقالي إنه هيكلم عمو أيوب ويتفق معاه على ميعاد. وكمان انس متقدم لأختي رهف وقال هيخلينا في يوم واحد مع بعضينا.
تنهدت بتوتر وقالت بتساؤل:
- عامل إيه دلوقتي وهو قاعد على كرسي متحرك؟
تكلم بصوت مختنق وقال:
- مضايق وحزين والوجع مالي عينيه بس بيحاول يداري ده عني.
أغلقت عينيها بحزن وقالت:
- ماشي يا حبيبي. روح يلا شغلك علشان متتأخرش.
ابتسم لها ابتسامة هادئة وتحرك إلى الخارج. صعد سيارته متجهًا إلى عمله.
نظرت بتول إلى فرح وقالت:
- أنا هدخل أنام وانتي خلصي أكلك وشيلي الأطباق. تصبحِ على خير.
أومأت رأسها بالطاعة وقالت:
- حاضر يا ماما. وانتي من أهله.
دخلت بتول غرفتها. نظرت إلى الصورة الخاصة بوليد وابتسمت لها بحزن وقالت:
- واحشني أوي يا وليد. الأيام ملهاش معنى من غيرك. كلها بقت شبه بعضها والبيت بقى كئيب من بعد غيابك يا حبيبي. ربنا يرحمك ويصبر قلبي على فراقك.
أنهت كلامها وتمددت على تختها وظلت تنظر إلى الأعلى تسترجع ذكرياتها مع وليد حتى غالبها النوم وذهبت في سبات عميق.
***
عند حور كانت تتجهز للذهاب مع سيف إلى الفندق للاتفاق على حفلة توقيع العقود والدموع تتسابق على خديها. وفي ذلك الوقت دخلت عليها قمر ورأت الدموع على وجهها. اقتربت منها سريعًا وتكلمت بقلق:
- حور مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟
ارتمت داخل أحضان قمر وتكلمت بدموع:
- مش عايزة أعمل كده يا ماما. زين لو عرف هيبعد عني وأنا مقدرش أعيش من غيره.
تكلمت بعدم فهم وقالت بتساؤل:
- مش عايزة تعملي إيه؟ وإيه ده اللي لو زين عرف هيبعد عنك بسببه؟
ابتعدت عن حضنها ونظرت لها بدموع وقالت:
- الشركاء الجداد اللي معانا في الشركة فيهم واحد اسمه سيف مش كويس ومش مرتاحة له وبابا مصمم إن أشتغل معاه وزين أصلًا أكد عليا مشتغلش مع رجالة ولا أتعامل معاهم نهائي. وده كل شوية مكالمات وكل شوية ينط لي في مكتبي وكلامه مش مريحني أصلًا. ولما قولت كده لبابا زعق لي وصمم إن أكمل شغل معاه وكمان هيجي ياخدني دلوقتي نروح الفندق اللي هيبقى فيها القاعة بتاعة الاحتفال.
نظرت إلى ابنتها بحزن وربتت على يدها وقالت بصوت هادئ حنون:
- طيب اهدي دلوقتي وروحي معاه وأنا هكلم أبوكي يشوف حد غيرك يشتغل مع اللي اسمه سيف ده.
ابتسمت لها بسعادة وقالت:
- بجد يا ماما؟ أنتِ أجمل أم في الدنيا كلها. بحبببببك.
ابتسمت على حركات ابنتها المجنونة وقالت:
- ربنا يصبرني على جنانك انتِ وأخوكي زياد. هروح أنا أشوف اختك اللي نايمة من بدري في أوضتها.
ابتسمت لها بامتنان وأومأت رأسها بالموافقة.
تحركت قمر من الغرفة وتركت حور بمفردها سعيدة بمساعدتها لها والتخلص من الشخص المسمى بسيف.
أعلن هاتف حور عن وجود اتصال. نظرت له بتوتر وابتلعت ريقها بصعوبة وأخذت نفس عميق ثم أجابته قائلة:
- ز، ز، زين، عامل إيه دلوقتي؟
أجابها بصوت مختنق وقال:
- مضايق يا حور ومش هرتاح غير لما أعرف انتِ مدارية عليا إيه.
تكلمت بصعوبة وقالت بصوت مختنق:
- ت، ت، تاني يا زين؟ انت مبتزهقش؟ ما قولتلك م، م، ما فيش حاجة. انت أوڤر أوي على فكرة ومكبر الموضوع وهو مش موجود من أساسه.
وفي ذلك الوقت، أضاء هاتفها أثناء المكالمة وكان المتصل سيف. تعالت دقات قلبها بخوف شديد وقالت:
- ز، ز، زين، ا، ا، أنا هقفل معاك بقى ع، ع، علشان هنام. تصبح على خير.
لم تنتظر رد منه وأغلقت الخط سريعًا وأجابت على اتصال سيف بضيق وقالت:
- عشر دقايق وأكون عندك. سلام.
أغلقت الخط وبدأت تستكمل ما كانت تفعله. ودقائق معدودة كانت حور تقف أمام سيف الذي انبهر بجمالها وقال بإعجاب واضح:
- انتِ حلوة أوي كده إزاي؟
أغلقت عينيها حتى تهدأ وتكلمت وهي ضاغطة على أسنانها قائلة:
- مش عارفة للمرة الكام الصراحة اللي قولتلك فيها ألزم حدودك. بس كأني بقولك العكس. حاجة مقرفة الصراحة.
اقترب منها ونظر لها نظرات جريئة وقال:
- حد يبقى شايف القمر ده كله قصاده ويقدر يتحكم في نفسه؟ ده أنا آخد جايزة نوبل والله في الصبر.
نظرت له بضيق وحركت رأسها بعدم رضا وتحركت باتجاه الباب الخلفي وصعدت السيارة وأغلقت الباب خلفها.
ابتسم على حركاتها المحببة لقلبه وصعد أمام المقود وأدار السيارة ونظر لها بالمِرآة وغمز لها وتحرك بها مسرعًا إلى الفندق.
***
استيقظت نغم على صوت والدتها. ابتسمت لها بعينين ناعستين وقالت:
- صباح الخير يا ماما. هي الساعة بقت كام؟
جلست بجوارها وملست على شعرها وقالت بقلق:
- إحنا بقينا الساعة تمانية بليل يا حبيبتي. انتِ تعبانة ولا إيه؟ أول مرة تنامي النوم ده كله.
اتسعت عيناها بعدم تصديق وقالت:
- إحيه بجد. معقولة أكون نمت النوم ده كله! غريبة. مش عارفة مالي. زي ما صدقت أرتاح من الشركة يومين أريح فيهم جسمي. أحسن قرار أخدته.
نظرت لها بعدم تصديق وقالت بتساؤل:
- يعني انتِ عايزة تقولي لي إن القرار ده قرارك انتِ مش قرار سي عدي؟
زاغت بعينيها بعيدًا عنها حتى لا ينكشف أمرها وقالت بتوتر:
- ع، ع، عدي. وهو ليه هيمنعني أنزل الشغل؟ يا ماما إذا كان هو اللي أقنعني أنزل الشركة وأتعلم كل حاجة فيها.
حركت كتفيها بعدم معرفة وقالت:
- مش عارفة بقى يا بنتي. أصل اللي يشوف حماسك أول يومين في الشغل يقول إنك هتنامي في الشركة من كتر فرحتك. واتفاجئت بقرارك إنك مش هتنزلي الشركة الفترة دي.
اعتدلت على فراشها وامسكت يد قمر وقالت بتوضيح:
- يا قمري يا حبيبتي. أنا لحد دلوقتي متحمسة لشغل وعندى طاقة رهيبة للشركة. بس علشان جديدة لسه مش متعودة. قولت أريح يومين وأرجع تاني.
حركت رأسها بتفهم وقالت بابتسامة حنونة:
- ربنا يريح قلبك ويسعدك ويجعلك في أعلى المراكز يارب يا نغم يا بنت قمر.
قبلت يدها بحب وقالت بسعادة:
- ويخليكي ليا يا أحن وأجمل أم في الدنيا.
وفي ذلك الوقت، أعلن هاتفها عن وجود اتصال. نظرت به وجدته عدي. ابتسمت بحب ونظرت لوالدتها التي فهمت عليها وخرجت من الغرفة حتى تعطيها الخصوصية. أجابت على الهاتف وقالت بحب:
- واحشني أوي بقى وقلة نزولي الشركة هيمنعني أشوفك كل يوم زي ما اتعودت. اتصرف مليش دعوة.
تعالت ضحكاته الرجولية على تذمرها الطفولي وقال:
- يا بت اديني فرصة أتكلم. راديو واتفتح.
ردت عليه بزعل طفولي وقالت:
- آهو اتخرست.
تكلم سريعًا وقال بضيق:
- بعد الشر. متقوليش كده تاني يا نغم. أيام ربنا ما يعدها. وعمومًا انتِ كمان واحشاني أوي أوي وعندى خبر ليكي هيخليكي تطيري من الفرحة.
تكلمت بحماس وقالت:
- إيه هو الخبر؟ اتكلم بسرعة.
تكلم بسعادة وقال:
- بابا كلم عمو أيوب واتفقوا على يوم الجمعة الجاية علشان نتقدم لكِ.
اتسعت عيناها بصدمة وتكلمت بعدم تصديق:
- إحلف!! يعني هما اتفقوا على يوم الجمعة اللي بعد بكرة ده؟ يعني يومين بالظبط وهتبقي خطيبي رسمي؟!
دقات قلبه كانت تتراقص بسعادة وهو يسمع نبرة السعادة التي تتكلم بها نغم. أجابها بصوت هامس وقال:
- لا. أنا على الفرحة دي هخليها كتب كتاب على طول. إحنا لسه هنتخطب ونتعرف على بعض. أنا حافظك أكتر من نفسك يا روحي.
ابتلعت ريقها بخجل وشعرت باندفاعها تكلمت بصعوبة وقالت:
- ها، ع، ع، عدي. متكسفنيش بقى. بطل غلاسة.
تنهد بحب وتكلم بنبرة هامسة:
- نغم. انتِ أجمل حاجة حصلت لي في حياتي. ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدا يارب. يلا هسيبك بقى وأشوف شغلي. لما بابا كلمني وقالي الخبر قولت أتصل بيكي أفرحك. بعشقك يا أجمل ما في حياتي.
احتضنت نغم الهاتف بسعادة وقالت بتمني:
- يارب يا دنيا متكونيش ناوية على خزوق تاني تكسري بيه فرحتنا. أحسن أنا حفظتك صم وعارفة إن مش بيهون عليكِ تشوفينا مبسوطين.
ثم نهضت من على فراشها واتجهت إلى المرحاض حتى تأخذ حمامًا دافئًا.
***
مر اليومين سريعًا دون أحداث تذكر باستثناء تغير معاملة زين مع حور والابتعاد عنها تمامًا. وذلك ما حيرها ولم تستطع الوصول إليه. ولكن ما أراح قلبها قليلًا هو حضوره اليوم مع أخيه لخطبة نغم. كانت تعد الساعات حتى يأتي الليل ويجتمع العائلات في هذه المناسبة السعيدة.
ظلت حور تتجول بغرفة نغم ذهابًا وإيابًا بتوتر واضح. وهذا ما أثار غضب نغم وتكلمت بنفاد صبر:
- اقعدي بقى. خيلتيني. فيه إيه يا بنتي؟ أهدي.
نظرت لها بحزن وتكلمت بصوت مختنق:
- هتجنن عليه يا نغم. من يوم ما كلمني بليل وأنا رايحة مع زفت الطين ده الفندق وهو مش بيكلمني ولا بشوفه. ولما عملت نفسي رايحة أزور خالتي بتول وسألت عليه مكانش في البيت ودى أول مرة تحصل. معرفش كان فين وقتها وكمان بتصل بي شكله حطتني على البلاك ليست. معرفش في دماغه إيه بالظبط. أنا خايفة أوي يكون زعلان مني ولا يكون عرف حاجة عن سيف.
ثم حركت رأسها بالرفض وقالت بخوف:
- لا لا لا. إن شاء الله مش هيكون كده. يااااربي بقى هتجنن والله.
احتضنتها نغم بقوة حتى تهدأ وقالت بصوت حنون:
- أهدي يا حور. تلاقي بس مشغول بالشغل ولا حاجة. لأن عدي قالي إنه مش بيروح البيت غير متأخر. واضحة بقى إنه ضغط شغل مش أكتر. عمومًا أهدي. كلها دقايق ويجي وتتكلمي معاه وتفهمي الموضوع بالظبط.
تمسكت بها بقوة وانهمرت دموعها بغزارة وتكلمت من بين شهقاتها وقالت:
- أنا بحب زين أوي يا نغم ومقدرش على بعده. أنا اليومين اللي فاتوا دول ربنا يعلم عدوا عليا إزاي.
ربتت على ظهرها بحنو وقالت:
- بس يا حبيبتي بلاش عياط في يوم جميل زي ده. وصدقيني هتلاقي الشغل هو اللي كان واخده منك اليومين اللي فاتوا دول. يلا بقى ظبطي الميكاب اللي ساح عندك من العياط ده.
أومأت رأسها بالموافقة وبدأت تفعل كما قالت لها نغم. ثوانٍ معدودة وسمعت عجلات السيارات وهي تقترب منهم. ركضت سريعًا باتجاه شرفة الغرفة ونظرت منها متحمسة لرؤية زين. وبالفعل هبط زين مع عدي بطلته الرجولية المحببة لقلبها. شعرت بدقات قلبها تتسارع بقوة وكادت أن تخترق صدرها. وما جعلها غير قادرة على الوقوف على قدميها عندما رأت نظرات زين الغاضبة وهو ينظر إليها من الأسفل. تراجعت إلى الخلف سريعًا وكادت أن تقع ولكن نغم أمسكتها سريعًا.
حركت نغم رأسها بنفاد صبر وتحركت باتجاه الباب وقالت:
- امشي يلا يا مجنونة ننزلهم تحت.
ركضت سريعًا وامسكت في يد نغم كطفلة صغيرة خائفة من أن تضيع منها.
نظرت إلى يد حور باستغراب وقالت:
- حور انتِ إيدك بتترعش!!
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
- أيوه يا نغم. خايفة أوي مش عارفة ليه.
تنهدت نغم بقلق وهبطوا الاثنين إلى الأسفل ورحبوا بالجميع وجلسوا بجوار أيوب تحت نظرات عدي العاشقة ونظرات غير مفهومة من زين لحور.
دقائق معدودة وصل ريان على مقعده المتحرك برفقة رهف ومنى ورغد بعد إصرارهم على الحضور. عندما رأتهم بتول ابتسمت ابتسامة هادئة اعتقادًا منها أن الأمور عادت كما كانت بين منى وريان.
اقترب ريان بمقعده بمساعدة رهف عند بتول. نظر لها نظرة مطولة، نظرة اشتياق وترجّي، نظرة امتنان وحب، نظرات كثيرة أرسلها ريان إلى بتول وما عليها إلا استقبال هذه النظرات بابتسامة هادئة محاولة إخفاء ما يحدث داخلها من أعاصير قائلة بترحاب:
- منور يا أبو عدي.
هذا النداء جعل دقات قلبه تتعالى كالطبول. ولأول مرة تنادي بتول بهذا اللقب. ابتسم لها وقال بسعادة:
- بنورك يا أم عدي. حقك عليا معرفتش أكون جنبك في الظروف الصعبة. انتِ طبعًا عارفة أنا كنت فين ورجعت علشان خاطر مين.
أغلقت بتول عينيها بحزن قائلة بصوت مختنق:
- ريان، ركز في حياتك ومع بناتك وأمهم دول اللي محتاجين تكون جنبهم. شيل أي حاجة تانية في دماغك مستحيل إنها تحصل. ربنا يخلي لك بناتك ويسعدهم ليك ويفرحك. عدي بأحفاد كتير ويفرح أبوه وليد لأن ده كان حلمه يشيل حفيده من عدي على دراعه. ربنا يرحمه.
تنهد بوجع. فهي تحاول دائمًا كسر ما تبقى من أمل داخله. حتى بعد موت وليد وإخلاء الطريق لهما، إلا أنه يشعر دائمًا بينهم ألف جدار وجدار. كلما تخطى واحد وجد أمامه الكثير.
تدخل أيوب سريعًا حتى ينهي هذا الحوار قائلاً بترحاب:
- نورت بيت أخوك يا ريان والله. وجه اليوم اللي نتجمع فيه علشان الأولاد. ربنا يسعدهم يارب.
حركت رهف المقعد المتحرك لوالدها واتجهت إلى مكان بجوار أيوب وتركته وجلست بجوار نغم وحور.
كانت منى تتابعهم بكره وحقد شديد وهي ترى ما تمنت أن تراه لها بعين ريان. نظرة تبث كم يعشق بتول. تنهدت بوجع واحتفظت بصمتها.
وصلت دنيا ومعها معاذ وابناءها وقالت بسعادة وطريقة مرحة:
- وبسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة.
نهض أيوب واحتضنهم بشدة وقال بمرح:
- يا بنتي ولادك بقوا أطول منك وانتِ لسه هيفا زي ما انتي.
تكلمت بمرح وقالت:
- مين يصدق أن البغلة دول يبقوا ولادي؟ آه يا دنيا الدنيا غارت منك وغدرت بيكي اكمني حلوة ومزة وهي دنيا سيكى ميكى.
صفق لها معاذ وقال بمزاح:
- الله عليكِ يا فنانة وعلى أشعارك! بس عندي سؤال واحد بس مجنني. هو جوزك عيونه كانت فين وهو بيتجوزك؟ دول ذنبهم إيه أن يبقى معاهم أم جاية من العباسية.
تعالت ضحكات الجميع على كلمات دنيا ومعاذ. وفي ذلك الوقت وصلت أسيل ومعها انس وأميرة ورحبوا بهم الجميع. وبعد وقت تكلمت بتول وقالت:
- ممكن بقى يا أبو عدي تتكلم في الموضوع.
ابتسم لها بحب وأومأ رأسه بالموافقة ونظر إلى أيوب وقال:
- طبعًا يا أيوب. انت عارف إحنا هنا ليه؟ علشان نطلب إيد بنتي نغم لابنكم عدي. وطبعًا مش محتاجين نتكلم في تفاصيل لأن كل حاجة هتطلبوها بعد كده هتتنفذ من غير أي اعتراض. نغم بنتنا وعدي ابنكم والحكاية مش غريبة.
أومأ أيوب رأسه بالموافقة وقال بسعادة:
- طبعًا مش محتاج آخد رأي العروسة علشان أنا عارف رأيها كويس أوي. ربنا يسعدكم يا ولاد يارب. أنا بقول نعمل الخطوبة الأسبوع الجاي على الضيق مننا في بعضينا. كده كده هنعمل ليهم إن شاء الله فرح أسطوري الدنيا كلها تتكلم عليه.
تكلم عدي وهو ينظر إلى نغم بحب وقال:
- طيب ما تعمل معايا دور واجب يا عمي وخليها كتب كتاب على طول.
رفع أيوب إحدى حاجبيه إلى الأعلى وتكلم باستغراب:
- هو إيه اللي كتب كتاب على طول؟ هو سلق بيض ولا إيه؟ ده جواز فاهم.
زفر بضيق ونظر إلى نغم وجدها تبتسم على تذمره. رد إليها الابتسامة وغمز لها كمداعبة.
تكلم انس سريعًا وقال بصوت متحمس:
- بما إنكم كلكم موجودين فأنا بستأذن عم أيوب يطلب لي رهف من عمو ريان بما إنه الكبير بتاعنا ويبقى خطوبتنا كلنا مع بعض.
ابتسم أيوب له بسعادة وقال:
- طبعًا يا حبيبي. ده يوم السعد والهنا… ثم نظر إلى ريان وقالت:
- طبعًا مش محتاج أقولك حاجة غير إن هناخد رهف لانس.
ابتسم ريان بسعادة وأومأ رأسه بالموافقة قائلاً:
- موافق طبعًا. انس ده تربية إيدي وعارف هو إيه. ربنا يسعدهم.
السعادة ارتسمت على وجوه الجميع، وبدأوا يقرأون الفاتحة. لكن بتول تكلمت سريعًا وقالت:
- استنوا بالمرة نطلب إيد حور لزين…
كان هدوء زين منذ أن دخل ما هو إلا هدوء ما يسبق العاصفة. وعندما سمع زين هذا الكلام انتفض من مكانه وقال بغضب شديد:
- بس أنا مش عايز أخطبها.
اتسعت أعين الجميع بصدمة، وتكلم أيوب بضيق وقال:
- انت اللي مش عايز بنتي؟! شكلك اتجننت يا زين. أنا بنتي أكبر رجال الأعمال في البلد هيموتوا عليها ونفسهم أوافق عليهم. قبل ما تقول حاجة فكر فيها مليون مرة، علشان هندمك على كل حرف نطقته، فاهم.
استقام بجسده وأمسك ظرفًا وألقاه بالأرض وقال بغضب شديد:
- رجالة زي دي مثلًا؟
اتسعت أعين الجميع بصدمة عندما رآها بالقرب من سيف.
وقفت حور بصدمة وحركت رأسها بعدم تصديق والدموع تتسابق على خدها. اقتربت منه بقدم مرتعشة حتى وقفت تمامًا أمامه ودون سابق إنذار رفعت يدها إلى الأعلى وهوت بها على خده و…
رواية ما وراء الماضي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دودو محمد
اتسعت أعين الجميع بصدمة عندما رأوا حور بالقرب من سيف.
وقفت حور بصدمة وحركت رأسها بعدم تصديق والدموع تتسابق على وجنتيها. اقتربت منه بقدم مرتعشة حتى وقفت أمامه، ودون سابق إنذار رفعت يدها إلى الأعلى وهوت بها على خده وهدرت به بغضب قائلة:
"اخرس، قطع لسانك. أنا شريفة، مش حور أيوب اللي يتمسك عليها شوية صور زي دي."
ثم مالت بجسدها وأخذت إحدى الصور وتكلمت بوجع وكسرة:
"مين ده يا بابا؟ مش ده سيف السيوفي اللي حضرتك صممت أن أشتغل معاه؟ والصورة دي كانت في اليوم اللي روحت معاه الفندق اللي هيتعمل فيه الحفلة. وقربه ده لأنه بيحاول معايا، بس أنا في كل مرة بوقفه عند حده. مكانش على لساني غير كلمة واحدة بس: أنا بحب خطيبي اللي هو مفروض حضرتك. وكنت بقوله: عيوني مش شايفة غيرك، قلبي مستحيل يبقى لغيرك. بس للأسف طلعت عبيطة وحبيت واحد شكاك معندوش ذرة ثقة فيا ولا في حبي ليه، لدرجة إنك بتراقبني وبتصورني كمان."
صفقت بيدها بدموع وقالت:
"لا، براڤوا عليك. أنت كده راجل أوي. أنا اللي بقولها قصاد الكل أهو: مش عايزاك. ولو أنت آخر راجل في الدنيا كلها، برضه مش هكون ليك. وبكرة تيجي ليا تبكي بدل دموعك دم عشان أسامحك يا زين، بس خلاص فات الأوان."
أنهت كلامها وركضت إلى غرفتها.
ظل أنظار الجميع الغاضبة متجهة إلى زين. نظر لهم بنفاذ صبر وقال:
"خلاص، الكل شايفني أنا الجاني وهي المجني عليها. الكل اتعاطف مع دموعها، ومحدش فيكم اتعاطف مع رجولتي ليه؟ أنا جيت ليها وقولتلها: قوليلي أنتِ مدارية عني إيه؟ اديتها الأمان وقولتلها: مهما كانت الغلطة وحجمها، هسامحها عليها، بس لو هي اللي قالتها. كذبت عليا وأنكرت. حتى لو شغل، أنا قولتلها ممنوع تتعامل مع رجالة. لما كنت معاها في الشركة، كنت ببعد عنها أي شغل فيه احتكاك بالرجالة. أنا كده، طبعي كده، ده بغير عليها ومبحبش أشوفها تتكلم مع راجل غيري. وشوفتوا بعيونكم لما اتعاملت مع راجل إيه حصل؟ طمع فيها وكان بيحاول يقرب منها. أنتوا لو حصل معاكم كده، مش كنتوا هتتصرفوا زي كده؟ عموماً، أنا وحور حكايتنا انتهت لحد كده. وأنت يا عم أيوب، ابقى جوزها واحد من رجال الأعمال اللي هتموت عليها بقى."
أنهى كلامه وخرج مسرعاً. صعد سيارته وتحرك بها بسرعة جنونية.
الجميع كانوا يجلسون في ذهول مما حدث. نظر لهم ريان وتكلم بصوت هادئ حتى يلطف الجو:
"حصل خير يا جماعة. شباب لسه صغير، ولما يهدوا ابقوا اقعدوا معاهم واتكلموا بهدوء."
ثم نظر إلى بتول وقال بندم:
"لازم يتعلموا يحافظوا على الحب الأول عشان ميضيعوش من بعض ويفضلوا عمرهم كله يندموا على لحظة غضب فرقت ما بينهم."
كانت بتول تستمع كلمات ريان وقلبها يتمزق من شدة الوجع. ذكرياتها معه وكلمة الطلاق تتردد في رأسها. في ذلك الوقت، فرت دمعة أزالتها سريعاً وتكلمت بصوت مختنق:
"طيب يا جماعة، بما إننا اتفقنا على الخطوبة يوم الجمعة وعلى كل حاجة، نمشي بقى وهما الأولاد يخرجوا يقضوا اليوم مع بعض."
كانت قمر تجلس حزينة على ما حدث لابنتها حور. نهضت بتول وجلست بجوارها على الأريكة. ربتت على قدميها وقالت بأسف:
"أنا آسفة نيابة عن ابني زين. حقك على راسي. حور غالية أوي عندي، وأنا مش هعدي له اللي عمله ده بالساهل. متزعليش يا أختي، كله إلا زعلك."
ابتسمت لها بحزن وتكلمت بصوت مختنق:
"مقدرش أزعل منك يا بتول. أنتِ أمي وأختي وبنتي. أنتِ غالية أوي عليا، ومهما يحصل ما بين الأولاد، عمره ما هيقصر على علاقتنا أنا وأنتي يا بتول."
قبلت بتول رأسها بحب وقالت:
"ربنا يخليكي ليا يا ضي عيني. أنا همشي دلوقتي وليا كلام مع حور بعدين، بعد لما تهدى شوية."
أومأت رأسها بالموافقة وقالت:
"إن شاء الله يا حبيبتي. بيتك تيجي فيه في أي وقت."
استقامت بجسدها ونظرت إلى فرح وقالت:
"يلا يا حبيبتي نمشي."
نهضت فرح وقالت:
"يلا بينا يا ماما."
نهض عدى وقال:
"تعالوا يلا أوصلكم."
حركت بتول رأسها بالرفض وقالت:
"لا يا حبيبي، خليك أنت قاعد شوية مع خطيبتك. أنا هسوق العربية."
وقف زياد سريعاً وقال:
"أنا هروح أوصلهم، متشغلش بالك أنت يا عدى."
ربت عدى على كتف زياد وقال:
"تسلم يا غالي. سوق بس براحة، خلي بالك عليهم."
أومأ رأسه بالموافقة وخرج مع فرح إلى الخارج. نظرت بتول نظرة أخيرة إلى ريان وتحركت خلف فرح وزياد. صعدوا السيارة وتحرك بهم إلى المنزل.
ظل يتابعها ريان بقلب مفطور ثم تنهد بحزن وقال:
"واحنا كمان يلا بينا."
تكلم أيوب بصوت مختنق وقال:
"خليك يا ابني، لسه بدري."
حرك ريان رأسه بالرفض وقال:
"معلش يا أيوب، يدوب أروح آخد علاجي وأنام."
تكلم سريعاً وقال:
"إن شاء الله تعمل العملية وبعد كده تعمل علاج طبيعي وترجع تنور شركتنا من تاني."
ابتسم له بحزن وتنهد بوجع وقال:
"إن شاء الله. يلا بينا يا رهف."
تكلم أنس بضيق وقال:
"يعني أنا اللي وقعت من قعر الأوفه؟ ما عدى هياخد خطيبته ويخرجوا مع بعض. أنا كمان عايز آخد رهف ونخرج معاهم."
نظر ريان له بضيق وتكلم بنفاذ صبر:
"إحنا هنبدأ من أولها ولا إيه؟ لأ بقول إيه، إحنا لسه على البر."
تكلمت أسيل سريعاً وقالت بابتسامة:
"بلاش تلعب بأعصاب الولا يا ريان، سيبهم يفرحوا زي عدى ونغم."
تكلم أيوب أيضاً وقال:
"اسمع الكلام بقى يا ابني وسيبهم، ما هتبقى مع أخوها يخرجوا الأربعة سوا."
أومأ ريان بالموافقة وقال:
"ماشي، بس متتأخروش."
نهض عدى ومعه نغم وهي حزينة على أختها حور وما حدث لها. وأيضاً رهف كانت حزينة على صديقتها وهي تعلم مدى حبها له. وخرجوا الأربعة بسيارة واحدة وتحركوا بها حتى يقضوا السهرة في مكان آخر.
تكلم معاذ وهو يستقيم بوقفته وقال:
"تعالى يا ريان أوصلك أنت ومراتك وبناتك على طريقي."
أومأ رأسه بالموافقة ونظر إلى منى ورغد بضيق وأمرهم يتحركوا إلى الخارج. وحرك معاذ المقعد المتحرك بريان ثم وضعه بالسيارة. وصعدت منى ورغد وتحرك بهم. أوصل منى ورغد إلى منزل والدها، وأوصل ريان إلى الفيلا الخاصة به، ثم اتجه إلى منزله.
وقفت دنيا هي وأبناؤها وقالت بصوت مختنق:
"مش مكتوب لينا الفرحة. كنت ناوية أنا كمان أخطب أميرة بنت عامر لابني فريد عشان عايزها، بس الوقت مسمحش. هحدد يوم مع أمها وهبقى أبلغكم بقى."
نظرت أميرة إلى الأرض بخجل وابتسمت أسيل بسعادة وقالت:
"ده يوم السعد ويوم الهنا. أنا مش هلاقيلها لبنتي راجل يصونها زي ابنك."
ربتت دنيا على ظهرها بامتنان وقالت:
"تسلمي يا حبيبتي، دي بنتك أميرة هي اللي زينة البنات. ربنا يسعدها يا رب. قومي يلا نوصلكم على سكتنا."
أومأت رأسها بالموافقة ونهضت أميرة مع والدتها أسيل وصعدوا السيارة مع مهاب وفريد ودنيا وذهبوا إلى المنزل الخاص بأسيل.
تنهدت قمر بحزن شديد ونظرت إلى الصور المتواجدة على الأرض الخاصة بابنتها حور وتكلمت بصوت مختنق:
"قولتلك بلاش يا أيوب، بنتك قلقانة من موضوع الشاب اللي اسمه سيف ده. صممت وقولتلي ده شغلك ومحدش يدخل فيه. عجبك كده لما كسرت قلبها؟ عجبك وجعها وكسرتها قصاد الكل؟ استفدت إيه دلوقتي يا أيوب؟"
نظر لها نظرة مطولة ونهض من على مقعده دون أن يجيب عليها وصعد الغرفة الخاصة بحور. طرق على الباب ودلف إلى الداخل. وجدها ملقاة على سريرها وتبكي بوجع. تنهد بضيق وتحرك اتجاهه وجلس بجوارها وربت على ظهرها وقال:
"حور، اهدى. عايز أتكلم معاكي كلمتين، وبعد كده اللي أنتِ عايزاه هنفذه ليكي."
اعتدلت أمامه والدموع تتسابق على وجنتيها. نظرت له نظرة وجع وخذلان وقهرة.
أغلق أيوب عينه حتى يهرب من نظراتها التي تخترق قلبه وتكلم بنبرة حنونة:
"حور، أنتِ عندك شك لو واحد في المية إن أنا بكرهك وعايز أسعدك؟"
أغلقت عينيها بدموع وظلت صامتة.
زفر بضيق وتكلم بنبرة مختنقة:
"أنا عمري ما كرهتك، لا أنتِ ولا أخواتك. بالعكس، أنا كل حاجة بعملها بحط صورتكم قصاد عيني. أنتوا الدافع اللي عايش علشانه لحد دلوقتي. بقسي عليكي أيوه، بس ده لمصلحتك. أنا لو حصلي حاجة وجه أجلي، هتبقى لوحدك. معندكيش الضهر اللي تسندي عليه زي دلوقتي. هتلاقي وحوش في غابة، كله عايز ينهش لحمك. هيشوفوا إنك بنت ولقمة سهلة ممكن ياكلوها. أنا أهو، كراجل في أول طريقي، اتنهشت واتخدعت واتظلمت. شفت العذاب ألوان عشان كان عضمي طري، مكانش عندي أب اللي يقويني ويوقف في ضهري. كنت وحيد، رغم إن جدك كان عايش. كان نفسي يعمل معايا زي ما بشوف الآباء بيعملوا مع ولادهم. طيب، على أقولك حاجة؟ كان نفسي يزعقلي ويضربني أو يعاقبني، يوجهني لطريق الصح، بس ده محصلش. مشيت الطريق لوحدي، وده اللي خلى الكل يشوفني لقمة سهلة وحصل اللي حصلي. عشان كده أنا بعمل معاكي اللي كان نفسي أبويا يعمله معايا. عارف إنك بنت مش زي راجل، بس ده يخليني أشد عليكي أكتر عشان تقدري تصدي. لما تكوني لوحدك، تكوني قوية كفاية وتسندي نفسك بنفسك. محدش يقدر يقرب منك. لو ده حصل، تاكلي بسنانك، تخليهم يندموا إنهم فكروا يلعبوا عليكي ولا يستغلوا بيكي عشان أنتِ ست. أنا مش هعيشلك العمر كله، وهتعرفي معنى كلامي ده لما أموت وتبقى لوحدك وسطهم، وتقدرى توقفي قصاد الكل وتلاقي نفسك أقوى واحدة في السوق."
تكلمت من بين دموعها:
"بعد الشر عليك يا بابا، ربنا يجعل يومي قبل يومك. أنا عارفة إن حضرتك بتحبني، بس ضغطت عليا في الشغل أوي وده أثر على حياتي الشخصية، خلاني شخصية سلبية وجبانة. أنا بخاف أتكلم مع حضرتك كلمتين على بعض. جيت قولتلك إن مش مرتاحة لسيف ده، صممت أشتغل معاه. قولتلك إن لو زين عرف هخسره، وده اللي حصل وخسرت زين للأبد. أنا بحبه يا بابا ومش متخيلة حياتي من غيره."
ابتسم لها بهدوء وقال بتوضيح:
"لو هو بيحبك بجد، مكانش شك فيكي. كان هيبقى واثق فيكي لو شغالة وسط مليون راجل. زين رجل أعمال ناجح جداً، بس فاشل جداً في حياته العاطفية. لو قبلتي باللي بيعمله معاكي دلوقتي، يبقى آخرتك البيت وتربية العيال. وكل اللي بيعمله ده هيروح على الأرض. للأسف، زين من الشخصيات المتسلطة اللي عايز يفرض رأيه وسيطرته عليكي، وده هيتعبك كتير أوي في حياتك. لازم نفرق بين الشغل وحياتنا الشخصية، وهو للأسف بيخلط ما بين الاتنين."
تكلمت بوجع وقالت بنبرة منكسرة:
"بحبه يا بابا. حضرتك عارف يعني إيه تكون بتحب حد أوي وروحك متعلقة بيه لدرجة إنه ممكن تموت لو الشخص ده بعد عنك؟ أنا كده حاسة إن روحي بتروح مني. مجرد التفكير إن زين مش هيبقى ليا، الفكرة بتموتني والله."
رد عليها بهدوء قائلاً:
"وهو كمان بيموت فيكي وميقدرش يعيش من غيرك. بس هو بيحاول يستخدم معاكي أسلوب الضغط اللي هو: يا تعملي اللي قولتلِك عليه، يبقى يا أنا يا الشغل. وأنتِ زي الهبلة هتختاري سي زين، وتضيعي سنين تعبتي فيها عشان أسسك في الشركة. سبيه يتربى شوية، ولما يلاقي إن طريقته دي منفعتش معاكي، هيجيلك راكع تحت رجليكي يطلب منك السماح. وساعتها بقى أنا اللي هسويه على نار هادية."
ابتسمت له من بين دموعها.
سحبها داخل أحضانه وتكلم بنبرة أبوية حنونة:
"أنتِ غالية أوي عندي يا حور، متزعليش مني يا حبيبتي."
تمسكت به بقوة وتعالت شهقاتها وتكلمت بصعوبة:
"وأنا بحبك أوي يا بابا، متزعلش مني إن بتعبك معايا، وإن شاء الله هكون زي ما أنت عايز وأحسن كمان. وموضوع زين هسيبه على جنب، آه هتعب أوي في بعده، بس لازم يحترم شخصيتي ويكون عنده ثقة فيا أكتر من كده."
ربت على ظهرها بحنان وقال:
"ربنا يريح قلبك ويسعدك يا حبيبتي. يلا اغسلي وشك وتعالي تحت عشان نتعشى."
أومأت رأسها بالموافقة وابتعدت عن حضن أبيها.
قبل رأسها بحنان وابتسم لها ابتسامة حنونة وربت على وجنتيها وخرج من الغرفة وهبط إلى الأسفل.
نظرت إلى أثره بحب وتنهدت بقلب موجوع من أفعال زين معها، ونهضت من على مقعدها واتجهت إلى المرحاض.
***
عند عدي
جلست نغم بجوارها رهف بوجه عابس يشعرون بالحزن تجاه حور وما حدث معها. نظر عدى وانس إلى بعض بضيق وتكلم عدى بنفاذ صبر:
"هو إحنا جايين هنا عشان تبقوا بالمنظر ده ساكتين وبوزكم شبرين؟"
زفرت نغم بضيق وقالت بلوم:
"مكانش ينفع أسيب أختي حور وأجي معاكم. أكيد مفلوقة من العياط عشان اللي حصلها ده. أنا واحدة أنانية مش بفكر غير في نفسي."
تكلم انس بتوضيح وقال:
"طيب ما إحنا زعلانين عليها وعلى زين، هو كمان. بس متقلقوش، هما هيقعدوا مع نفسهم شوية وبعد كده كل حاجة هترجع زي الأول. أصلاً الاتنين ميقدروش يبعدوا عن بعض."
ردت عليه رهف بصوت مختنق وقالت:
"بس زين ده حيوان عشان مقدرش حب حور ليه وعمل فيها كده ليه؟ يشك فيها ويراقبها لدرجة لما كانت بتكلمني ويرن عليها يتصل بيا يسألني أنا اللي كنت بكلمها ولا لأ؟ أساس أي علاقة الثقة، وزين للأسف مكانش عنده ثقة في حور."
نظر عدى لها بضيق وقال بتوضيح:
"لأ خالص، زين مش من النوع ده. ومدام عمل كده أكيد حس بحاجة غريبة من حور خلاه يشك بالطريقة دي. هو أصلاً بقاله كذا يوم متغير، لا بياكل ولا بيشرب وعلى طول سرحان. أكيد حصلت حاجة خلته يعمل كده."
تكلمت نغم بنفاذ صبر وقالت بغضب:
"مهما كانت أسبابه، ده ميدهوش حق يراقبها بالشكل ده. أوقات الصورة مبتكونش موضحة الحقيقة كاملة. الأحسن كان واجهها بينه وبينها واتكلموا مع بعض وعرف منها الحقيقة بوضوح. إنما ده أدامها على طول وحطها في وضع المذنبة. اللي زي ده هيفضل شكاك و متهور طول عمره ومش هيتغير. وحور كانت هتتعب أوي معاه."
تكلم انس بغضب وقال:
"وليه كلكم جايبين الغلط على زين؟ مع إن لو بصيتوا من اتجاه تاني هتلاقوا إن حور بالفعل غلطانة، لأنه من الأول طلب منها ميكونش فيه شغل مع الرجالة وهي وافقت، وبعد كده كذبت عليه ومقالتش على شغلها مع اللي اسمه سيف ده. أي راجل مكانه كان هيعمل زي زين وأكتر. مش حور أختي أهي؟ وبحبها زي أميرة بالظبط، بس أنا كمان زعلت منها أوي. كانت ممكن تيجي وتقولي كل حاجة، وأنا كنت هتصرف، إن شاء الله لو كنت رجعت الشغل في الشركة تاني واستلمت الشغل مع الراجل ده. إنما هي احتوتني واحتوت زين من قاموسها ودارت علينا كلنا."
ردت عليه رهف بغضب شديد وقالت:
"هي مش ملزمة إنها توقف شغلها عشان تحكمات سي السيد. هي شغالة ووارد جداً إنها تشتغل مع الصنفين. والمفروض زين يكون واثق فيها أكتر من كده. وعلى فكرة، هي لو مكانتش خايفة منه من أساسه، كانت قالتله كل حاجة. كفاية بقى ضغط عليها. هي هتلاقيها منين ولا منين؟ ضغط عم أيوب عليها، وضغط سي السيد بتاعها عليها، وضغطك أنت يا أنس عليها اللي المفروض تكون في ضهرها تدعمها. كفاية بقى، الضرب في الميت حرام."
تكلم انس معاها بنفس نبرتها الغاضبة وقال:
"أنتِ مش هتزعلي ولا هتخافي على حور أكتر مني، لأنها أختي فعلاً في الرضاعة، واللي يوجعها يوجعني. وأنا زعلي منها على قد حبي ليها، عشان كده أيًاكي تقللي من حبي لأختي، فاهمة؟"
شعرت نغم بتأزم الوضع بين أنس ورهف. نظرت إلى عدى حتى يتدخل وينهي هذا الحوار. أومأ رأسه بتفهم وتكلم بنبرة هادئة:
"صلوا على النبي يا جماعة. إحنا خارجين ننبسط بالمناسبة السعيدة دي، مش عايزين حاجة تعكنن علينا. وزين وحور مسيرهم يرجعوا لبعض ويحلوا مشاكلهم مع نفسهم. محدش ليه دخل."
نظرت رهف الاتجاه الآخر وألتزمت الصمت.
استقام عدى بجسده وأمسك يد نغم وارغمها على الوقوف وقال:
"تعالي، عايز أتكلم معاكي كلمتين."
أومأت رأسها بتفهم وتحركت معه وتركوا أنس مع رهف بمفردهم.
نهض أنس من على مقعده وجلس على المقعد المجاور لمقعد رهف وتكلم بنبرة هادئة:
"أنا زعلت منك مرتين يا رهف. أول مرة لما صوتك علي عليا، وتاني مرة لما شككتي في حبي لحور. إحنا لسه في بداية علاقتنا، في أول سلمة، ولازم يكون النقاش ما بينا أهدى من كده. وإن مهما كان اللي بيحصل حوالينا ده، ميأثرش على علاقتنا ببعض. نشارك في حل مشاكلهم بهدوء، بس من غير ما ندخل ده في حياتنا."
نظرت له بضيق وقالت بصوت مختنق:
"غصب عني يا أنس. أنا زعلانة أوي عشان حور، عشان أنا أكتر واحدة عارفة هي بتحب زين قد إيه، وكانت خايفة إزاي الفترة اللي فاتت من رد فعله لما يعرف بموضوع شغلها مع سيف ده. وحاولت كتير أوي تقنع عمو أيوب يشوف حد بدالها يشتغل معاه، بس هو كان مصمم إن حور هي اللي تكمل معاه."
أومأ رأسه بتفهم وقال:
"أنا عارف أختي إيه ومتأكد من أخلاقها يا رهف، بس أنا كان نفسي تلجئي ليا، وأنا كنت حاولت أحل المشكلة دي بطريقتي. مكانش زمان كل ده حصل. بس هي مشكلتها هبلة ومبتعرفش تتصرف صح، وبالذات وهي خايفة ومتوترة. تحسي إن دماغها بتوقف في الوقت ده. المهم، هسيبهم هما الاتنين يهدوا شوية، وبعد كده هحاول أحل الموضوع ما بينهم. خلينا دلوقتي في فرحتنا. أنا مش مصدق نفسي إن يوم الجمعة هتبقى خطوبتنا. اينعم كان نفسي يبقى كتب كتاب، بس أهو نص العمى ولا العمى كله. المهم إن هيبقى فيه حاجة ما بينا رسمي."
ابتسمت له بخجل وقالت:
"و و وأنا كمان فرحانة أوي. ت ت تعرف إن دي أول مرة أخرج مع شاب غريب لوحدينا؟"
رفع أحد حاجبيه إلى الأعلى وقال بتهكم:
"لوحدينا!! أومال أخوكي عدى وخطيبته دول إيه؟"
ابتسمت على كلماته وقالت:
"ما هو طلع عنده ذوق أهو وسابنا لوحدينا على الترابيزة وأخد خطيبته وراحوا قعدوا لوحدهم هناك."
حرك شفتيه بطريقة كوميدية وقال:
"يا شيخة اتنيلي، ده تلاقيه مزنوق في كلمتين لنغم عشان كده أخدها ومشي."
تعالت ضحكاتها على حركات أنس المضحكة وقالت:
"أنت فظيع بجد. أنا كنت راسمة ليك شخصية تانية خالص، متوقعتش إنك كوميدي بالطريقة دي."
نظر لها باستغراب وقال بتساؤل:
"شخصية تانية اللي هو إزاي؟"
أجابته بتوضيح وقالت:
"يعني قصدي إني كنت مفكراك شخص جاد أوي كده وخلقك عند مناخيرك ومتعجرف ومبتحبش الهزار ودمك تقيل. اتفاجئت إنك شخصية لذيذة ودمك خفيف والضحكة مش بتفارق شفايفي طول ما أنت موجود."
امسك يدها بحب وقال بسعادة:
"بجد يا رهف، يعني أنتِ حابة شخصيتي كده؟"
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت بخجل:
"ا ا أيوه، شخصيتي جميلة أوي."
ابتسم لها وقال بحب:
"تعرفي إن أنا مكنتش كده. شخصية جد أوي في الشغل، معنديش يا أما ارحميني. اسأل حور بعمل معاها إيه ساعة الجد في الشغل. إلا أنتِ يا رهف، ببقى هادي جداً في الشغل وفي أي وقت طول ما أنتِ موجودة. حتى الكل مستغرب إزاي أنس عامر اللي في الشغل بيهد الدنيا معاكي هادي أوي كده ليه."
نظرت له بعينيه وقالت بتساؤل:
"ليه؟"
سرح في عينيها وقال:
"عشان بعشقك. تخطيت مراحل الحب من زمان. أنا بموت في كل حاجة فيكِ ووجودك جنبي معنى الحياة."
نظرت إلى الأرض بخجل وابتسمت بتوتر وقالت:
"ط ط طيب، مش ناوي تطلبلي حاجة أشربها ولا إيه."
ابتسم على خجلها وتهربها من الكلام وأشار إلى النادل حتى يأتي لهم ما يريدون.
***
عند عدى ونغم
جلست نغم بابتسامة حزينة وتكلمت بصوت مختنق:
"خير يا عدى؟"
امسك يدها وقبلها وقال بأسف:
"أنا آسف، متزعليش مني لو انفعالت عليكي."
حركت رأسها بالرفض وقالت سريعاً:
"يا حبيبي، أنت منفعلتش عليا ولا حاجة. أكيد كلنا أعصابنا مشدودة بسبب اللي حصل ما بين زين وحور، وإن شاء الله تتصلح الأمور ما بينهم."
ابتسم لها بحب ونظر بعينيها بعشق وقال:
"يارب يا حبيبتي. المهم أنا بحبك، وكلها أيام وتكون دبلتك منورة صباعي ودبلتي منورة صباعك."
نظرت له بخجل وابتسمت له بتوتر قائلة:
"و و وأنا كمان مبسوطة أوي بالتقدم ده في علاقتنا وبتمنى من ربنا ميبعدناش أبداً عن بعض."
رد عليها بتمنى وقال:
"يارب يا حبيبتي، وتفضلي منورة حياتي."
نظرت له بخجل واحتفظت بابتسامتها المرتسمة على شفتيها وظلت صامتة حتى انتبهت على صوت عدى وهو يهتف على النادل حتى يأتي لهم بالمشروبات.
***
عند زين
كان يدور بسيارته بالشوارع المظلمة دون هدف وكانت تتسابق الدموع على وجنتيه. لم يتوقع ما فعلته حور أمام الجميع، فهو صاحب الحق من وجهة نظره. ظل يتذكر كيف كان يراقب تحركات حور مع هذا الرجل، كيف كانت تستغفله عندما قالت له إنها ستنام وأغلقت الخط قبل أن يتفوه بحرف واحد. ضرب المحرك بيده بغضب شديد وتكلم بصراخ:
"لييييه تعملي فيا كده يا حور؟ جيت لحد عندك، طلبت منك تقوليلي الحقيقة، اديتك الأمان عشان متخافيش، قولتلك لو عرفت من بره هتخسريني، وأنتِ استمرتي في كدبك عليا، استغفلتيني وبعدتيني بأقل مجهود منك. بس لأ، مش أنا اللي تكسرني واحدة. مهما كانت دي مين، صفحتك هقطعها من حياتي يا حور. هعتبرك ماضي وانتهى، وأعيش الحاضر ليا وبس. وهنشوف أنا ولا أنتِ اللي هيبكي بدل دموعه دم."
ضغط بنزين أكثر وتحرك بسيارته بسرعة جنونية. عاد إلى المنزل وجد بتول تجلس على الأريكة تنتظره. نظر لها بضيق وتحرك باتجاه الدرج، لكنه وقف على صوت هتاف والدته الغاضب وهي تقول له:
"استنى عندك هنا، ممكن بقى تفهمني إيه اللي أنت عملته عند خالتك ده؟"
أغلق عينه بضيق وتكلم بصوت مختنق وقال:
"أبوس إيدك يا ماما، مش وقته الكلام ده. أنا تعبان وعايز أطلع أنام عشان أقدر أصحى لشغل الصبح بدري."
اقتربت منه بغضب ونظرت له نظرات نارية وقالت بصوت جهوري:
"أنت مفكر يعني عشان أبوك مات البيت مش هيكون له كبير؟ لأ يا زين، فوق. أنا لسه عايشة وكلمتي تمشي سيف على رقبة الكل."
ابتسم بتهكم وقال:
"أهي الكلمة دي بقى هي سبب المشاكل كلهااااا."
نظرت له بعدم فهم وقالت بتساؤل:
"كلمة إيه دي؟"
أجابها باقتضاب:
"سيف يا ماما. تصبحي على خير."
أنهى كلامه وتركها وصعد إلى غرفته.
نظرت إلى أثره بحزن وقالت بصوت مختنق:
"فينك يا وليد؟ كنت شايل عني حاجات كتير أوي. الحمل تقل على كتافي بعدك. ربنا يرحمك يا حبيبي ويصبرني على فراقك."
من ثم تحركت إلى غرفتها تمددت على فراشها وبعد وقت ذهبت في سبات عميق.
***
في مكان آخر
تسطح محروس على سريره الفخم بغرفته في إحدى القصور وتعالت ضحكاته الشيطانية قائلاً بتوعد:
"اصبروا عليا بس تهدى الأمور شوية وهعرفكم مين هو محروس وهشرب من دمكم واحد واحد."
أنهى كلامه وظل تتعالى ضحكاته وتتردد بالمكان. نظر حوله بارتياح وأمسك سيجار من أفخم أنواع الكوبى وأشعله وظل يفكر بطرق عديدة لبدء خطة انتقامه في القريب العاجل.
وفي ذلك الوقت انفتح الباب ودلف عليه سيف بابتسامة هادئة قائلاً…
رواية ما وراء الماضي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دودو محمد
في مكان آخر، تسطح محروس على سريره الفخم بغرفته في إحدى القصور، وتعالت ضحكاته الشيطانية قائلاً بتوعد:
"اصبروا عليا بس تهدأ الأمور شوية، وهعرفكم مين هو محروس، هشرب من دمكم واحد واحد."
أنهى كلامه وظلت ضحكاته تتعالى وتتردد في المكان. نظر حوله بارتياح، وأمسك سيجاراً من أفخم الأنواع وأشعله، وظل يفكر بطرق عديدة لبدء خطة انتقامه في القريب العاجل.
وفي ذلك الوقت، انفتح الباب ودلف عليه سيف بابتسامة هادئة قائلاً:
"نورت قصر ابنك يا بابا، من زمان أوي وأنا بحلم باليوم اللي هتعيش معايا فيه."
اعتدل محروس على فراشه ونظر له بانتصار وقال:
"طلعت ابن أبوك بجد، ونفذت وعدك ليا وخرجتني من المكان اللي كنت فيه بكل سهولة."
جلس سيف بجواره وقال بتوعد:
"ولسه هتفتخر بيا بجد لما أحرق قلبهم على كل عزيز ليهم."
ربت محروس على كتفه وقال بابتسامة شر:
"راجل من ضهر راجل، رغم إني كنت رافض وجودك من الأول، بس بعد كدة عرفت إنك عزوتي وضهري. بس أمك وقتها راحت اتجوزت شريف السيوفي، ده بعد ما أوهمته إنها حامل منه من الليلة اللي قضاها معاها. دي من أحسن الزباين عندي في الشقة، وأمك كانت حلوة وعليها الطلب. وشريف ده لما شافها رِعل عليها. وبعد ما أنت جيت بكام سنة مات، وكل أملاكه بقت باسمك أنت، بما إنه ملوش ولاد غيرك. ومن وقتها أنت قصاد الناس كلها ابن شريف السيوفي، حتى هو كان فاكر كده. إنما الحقيقة أنت ابني أنا، سيف محروس."
ابتسم له سيف بشر وقال بتوعد:
"وغلاوتك عندي، كل من كان ليه يد في حبسك هدفعُه التمن غالي أوي، خليك أنت هنا واتفرج على اللي هيعمله ابنك من بعيد، وافتخر إنك جبت راجل بجد."
تمدد محروس على فراشه بسعادة وقال:
"ياااااه، الواحد ضهره اتكسر من نومة السجن. هنام شوية، ولما أصحى نتكلم مع بعض كتير وأقولك هنبدأ بمين."
أومأ سيف برأسه بالموافقة، واستقام بجسده وتحرك إلى الخارج وأغلق الباب خلفه. اتجه إلى غرفته وتسطح على سريره، وأمسك الهاتف الخاص به وأجرى اتصالاً وانتظر الرد. ثوانٍ معدودة وسمع صوت حور تقول له:
"السلام عليكم، مين معايا؟"
رد عليها بصوت هامس وقال:
"لا أنا أزعل منك أوي كدة، إزاي مش مسجلة رقمي يا حوري؟"
تكلمت حور بغضب شديد وقالت:
"أنت!! متصل بيا ليه؟ كام مرة أقولك ملكش دعوة بيا، ابعد عن طريقي يا بارد، ده أنت واحد معندكش دم بجد."
تعالت ضحكات سيف وتكلم بصعوبة:
"عسل وربنا، بس مش هاخد على كلامك دلوقتي. عارف إنك زعلانة بسبب اللي عمله معاكي زين من شوية، بس تصدقي طلعتي عبيطة، يعني كنتي تديله قلمين تلاتة، واحد قليل أوي عليه. ده بني آدم شكاك، وصلت معاه إنه يصورك وإنتي في حضني ويفرج صورنا لكل. لا يا حوري، مش ده اللي يستاهلك، أنتِ عايزة راجل بجد يصونك ويحفظك، أصلك جوهرة غالية أوي ومحتاجة اللي يقدرك."
كانت حور تستمع لكلماته بصدمة. ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بصوت مرتعش:
"ا ا أنت عرفت كل ده إزاي؟ اللي حصل ده كان ما بينا، ما كانش فيه حد غريب؟"
ظل سيف يضحك بقوة وقال بتوضيح:
"يا حبيبتي، أنا أعرف أنتِ لابسة إيه دلوقتي في أوضتك وبتكلميني وإنتي عاملة إزاي. أصل مدام سيف السيوفي أعجب بيكي وحطك في دماغه، مش هسيبك غير وإنتي في حضني."
شعرت حور بالخوف من تصرفات هذا المختل. تكلمت بتوتر وقالت بتحذير:
"ط ط طيب، حسك عينك تتصل بيا تاني يا سيف. ولو مبطلتش أسلوبك ده معايا، أنا هخلي بابا يتصرف معاك."
رد عليها سيف سريعاً وقال:
"بابا اللي بتخافي تتكلمي معاه كلمتين على بعض من خوفك منه ومن طريقته معاكي، لا خوفتيني الصراحة. بصي بقى يا قطة، اسمعي الكلمتين دول وحطيهم في دماغك، مش سيف السيوفي اللي تعجبه واحدة وتتعزز عليه. علشان أنا مدام عجبتيني مش هعتقك لو حصل إيه، فخليها برضاكي أحسن ما هتبقى غصب عنك، وفي الآخر هتبقى ليا أنا يا حلوة. وأه لو بتحبي زين ده أوي، يبقى ابعدي عنه أحسنلك. بااااااي."
أنهى كلامه وأغلق الخط معها دون أن يستمع كلمة أخيرة منها. ألقى الهاتف بجواره وتعالت ضحكاته الرجولية، ونظر أمامه بتوعد وقال:
"دي لسه البداية، واللي جاي هيكون دمااار."
***
مرت عدة أيام، ظلت حور بين حزنها على بعد زين عنها، وبين محاولاتها لإثبات نفسها بالعمل حتى تحقق ما يريده أيوب ويفتخر بها.
ظلت نغم تؤازر أختها حور في وجعها، ولم تذهب الشركة كما طلب منها عدي.
أما عدي، فكان مشغولاً بالبحث عن محروس، والقلق يزداد في قلبه خوفاً من إيذيته لأسرته كما وعدهم بقاعة المحكمة.
ظلت ريفال حبيسة بغرفتها، لم تخرج منها كما طلب منها مهاب، لكنها كانت تريد أن تتحدث معه بشدة، ربما وجدت ضالتها معه.
في صباح يوم جديد، استيقظت ريفال من نومها على صوت هتاف والدتها وهي تقول لها:
"ريفال اصحي يا حبيبتي، مهاب ابن عمتك برة وعايز يقعد معاكي شوية."
عندما سمعت اسم مهاب، نهضت سريعاً من على فراشها وتكلمت بسعادة:
"بجد يا ماما؟ ط ط طيب اصبري أجهز نفسي، وبعد كدة دخليه."
حركت والدتها رأسها بالرفض وقالت:
"لا، هو قال إنه هيستناكي في أوضة الضيوف."
أومأت ريفال رأسها بالموافقة وقالت:
"ماشي، روحي وأنا وشوية وجاية."
ابتسمت لها بسعادة وخرجت من الغرفة وتركها. تحركت ريفال سريعاً باتجاه خزانة الملابس الخاصة بها، أخرجت ملابس لها واتجهت إلى المرحاض. أخذت حماماً دافئاً وخرجت، ارتدت ملابسها، ثم خرجت من غرفتها واتجهت إلى غرفة الضيوف. عندما رأته ابتسمت له ابتسامة هادئة وقالت بتساؤل:
"أتأخرت أوي كدة ليه؟ استنيتك كتير، قلت إنك مش جاى تاني."
حرك مهاب رأسه بالرفض وقال بتوضيح:
"لا، متأخرتش عنك ولا حاجة، دول كلهم كام يوم، وبعدين أنا وعدتك هجيلك وكان لازم انفذلك وعدي وجيت فعلاً، بس أنتِ اللي منفذتيش وعدك ليا يا ريفال."
نظرت له ريفال بعدم فهم وقالت:
"وعدي ليك اللي هو إيه؟"
أجابها بتوضيح وقال:
"قلتلك اخرجي من أوضك، ساعدي أمك في البيت، اتكلمي مع أبوكي، حسسيهم بوجودك، بس أنتِ معملتيش كده."
نظرت له ريفال بحزن وقالت بصوت مختنق:
"مقدرتش أعمل كده."
شعر مهاب بتوترها، أخرج حباية وأعطاها لها وقال:
"خدي دي الأول يا ريفال."
أومأت ريفال بالموافقة وأخذتها منه وارتشفت خلفها قليلاً من الماء، ثم نظرت إلى مهاب وقالت:
"حاولت أعمل زي ما قولتلي، بس حاسة إن بره أوضتي ده عالم كبير أوي ومخيف، دقات قلبي بتسرع وببقى خايفة متوترة."
ابتسم لها مهاب وقال باستغراب:
"طيب ما أنتِ بره أوضك أهو، مخوفتيش ولا حاجة وقاعدة وبتتكلمي معايا عادي، إيه المخيف بقى في كده؟"
نظرت له ريفال بتوتر وقالت:
"ما هو ده اللي مستغرباه، إن أنا قاعدة دلوقتي عادي ومش خايفة. بس لما مشيت وحاولت أخرج خوفت، مش عارفة إيه اللي بيحصل ولا فاهمة حاجة."
أومأ مهاب رأسه بتفهم وقال:
"اممم، طيب خلي الموضوع ده بعدين، خلينا بقى نتكلم عند آخر حاجة وقفنا فيها المرة اللي فاتت. قولتي إنك بتخافي، عايز تكلميني عن مخاوفك دي."
تنهدت ريفال بوجع وقالت بصوت مختنق:
"بخاف الناس تنتقد شكلي، كلامي، أسلوبي، تضحك على حاجة بقولها، تستهزأ بيا. لما بكون في مكان فيه ناس بحس الناس كلها مركزة عليا أنا، وده بيخليني أقطع في الكلام أو حتى معرفش أرد أقول إيه على كلام الشخص اللي قصادي. مبقاش مركزة على حاجة من كتر ما أنا عمالة أتلفت حواليا أشوف الناس بتبص عليا ولا لأ، أو مين بيضحك عليا. ده أنا لما بشوف اتنين بيتكلموا مع بعض شوية بحس إنهم بيجيبوا سيرتي وبيستهزأوا عليا، علشان كده بخاف أخرج من أوضتي وأشوف أي حد، حتى لو كان بابا وماما."
نظر لها مهاب باهتمام وقال بتساؤل:
"احكيلي يومك كان بيعدي إزاي في مدرستك وإنتي صغيرة، فاكرة؟"
نظرت ريفال أمامها بدموع وبدأت تتذكر ما كان يحدث معها في الطفولة قائلة:
"أنا من أول يوم مدرسة كنت خايفة، لأن أول مرة أبعد عن ماما وأكون لوحدي. كنت بعيط كتير وأقولهم عايزة ماما. لحد ما شوية بشوية أخدت على المكان، بس كان فيه لسه رهبة جوايا. كنت لما أجي أتكلم مع أي حد من اللي في سني أحس نفسي خايفة وأتهته في الكلام، كانوا يفضلوا يضحكوا على طريقتي وطلعوا عليا 'ريفال تهته'. كنت أفضل أعيط من طريقة استهزاء الكل عليا، وبقيت آخد جنب لوحدي وأبعد عنهم. وفي تاني سنة جسمي تخن وبقيت قلبوظة، بقوا يقولوا ليا 'أم كرش أهي، أوعي تاكلينا'. ولما أقعد جنب حد يبعد عني كأني جرثومة هتعديهم. بقيت أتهته أكتر، ومع جسمي كنت عبارة عن أضحوكة لكل الأطفال. حتى أوقات كان فيه مدرسين بيتنمروا عليا، لدرجة إن حالتي النفسية ساءت وطلبوا من ماما إنها تعرضني على دكتور أخصائي بحالتي، بس ماما رفضت وخلت بابا نقلني مدرسة تانية، كانت فيها ناس كويسة أحسن من التانية. آه، كان فيه ناس بتتريق عليا، بس اتعرفت على أصحاب فيها. عدت كام سنة وبقيت أتخن أكتر من الأول، وأصحابي دول كانوا يقولوا كلام صعب على هيئة هزار، يتنمروا على جسمي وعلى سذاجتي وكده. ومرة واحدة لقيتهم بيبعدوا عني وبقيت وحيدة تاني. دخلت على مرحلة الإعدادي ودي كانت بداية معاناتي اللي بجد. كنا إنسات برضه وفاهمين ودخلنا على سن المراهقة، كنت بشوف البنات والأولاد بيعجبوا بيهم، وأنا يضحكوا على جسمي وطريقة لبسي. أخدت قرار مع نفسي إن أخس عشان أهرب من التنمر على جسمي، وفعلاً خسيت وجسمي بقى مثالي. حسيت بثقتي في نفسي رجع منها جزء بسيط، بس كل ما أتعرف على أصحاب يومين ويسيبوني بعد ما يتنمروا عليا إني عبيطة ومش بعرف أتكلم كلمتين على بعض. خلصت من مشكلة جسمي دخلت على مشكلة أسلوبي وكلامي، ودي ملهاش حل. دخلت ثانوي ونفس الشيء في الجامعة، بقى مكنش ليا أصحاب خالص. والصراحة أنا اللي كنت بهرب، خوفاً من إني أكون أصحاب يومين تلاتة ويسيبوني عشان طريقة كلامي. وفي يوم حبيته شاب وقولت مستحيل هيبص ليا، أنا طول عمري مافيش شاب أعجب بيا، حتى البنات بيرفضوا إننا نكون أصدقاء. لاقيت الشاب ده نظراته متعلقة عليا، قلبي كان بيرقص من الفرحة وحسيت إن الدنيا مش سيعاني. وهو بدأ يتقرب مني ويعرفني على نفسه، ولأول مرة اتكلم من غير لخبطة في الكلام، وكنت على طبيعتي الحقيقة معاه. وفي يوم سألني إذا كنت بحبه ولا لأ."
وفي ذلك الوقت، انهمرت دموعها بغزارة ولم تستطع أن تتكلم.
تدخل مهاب سريعاً وقال:
"خلاص يا ريفال، النهاردة نكمل بعدين. اهدى خلاص."
نظرت له ريفال بدموع وقالت:
"زهقت أنت كمان مني ومن كلامي وعايز تمشي وتسيبني زيهم."
حرك مهاب رأسه بالرفض وقال:
"لا طبعاً، مزهقتش منك ولا حاجة، بس حسيت إن انتي كده بتضغطي على أعصابك. وقفتك، وقلت المرة الجاية نكمل تكوني هديتي شوية."
تكلمت ريفال بتوتر وقالت بتساؤل:
"يعني هتيجي تاني؟"
أومأ مهاب برأسه بالتأكيد وقال:
"تاني وتالت ورابع، لحد ما أنتِ بنفسك تقوليللي زهقت منك يا ابن عمتي ومتجيش تاني."
ردت عليه ريفال سريعاً وتكلمت باندفاع:
"أنا عمري ما أزهق منك، بالعكس أنا بستناك بفارغ الصبر."
ابتسم مهاب على كلماتها وقال:
"وأنا مش هخليكي تستني كتير المرة الجاية. بس اوعديني المرة دي بجد إنك هتحاولي تخرجي من أوضتك وتنفذي اللي اتفقنا عليه المرة اللي فاتت."
أومأت ريفال بالموافقة وقالت:
"ح ح حاضر."
استقام مهاب بجسده وقال بابتسامة هادئة:
"أنتِ هتخرجي معايا دلوقتي من هنا، لما أمشي مترجعيش أوضتك، خليكي قاعدة مع مامتك، استني رجوع أبوكي من الشغل، صدقيني هيفرحوا أوي بالخطوة دي، جربي ومش هتندمي."
أنهى كلامه وتحرك باتجاه باب الغرفة وفتحه، ونظر إلى ريفال حتى تتحرك إلى الخارج.
نظرت له ريفال بتوتر وتحركت إلى الخارج بقدم مرتعشة. أغلقت عينيها حتى تهدأ، لكنها شعرت بيد مهاب تربت على ظهرها ويتكلم بهمس بجوار أذنيها:
"افتحي عينك يا ريفال، شوفي نظرة السعادة اللي في عيون مامتك وهي شايفاكي واقفة قصادها."
فتحت ريفال عينيها ببطء شديد، ونظرت إلى والدتها وجدتها تنظر لها بابتسامة حنونة. ابتسمت لها، ثم نظرت إلى مهاب الذي حثها على التحرك معه إلى الأريكة. وبالفعل تحركت معه عند الأريكة وجلست عليها، وجلست بجوارها والدتها، وجلس مهاب على المقعد الآخر وقال:
"طنط ريفال عندك أهي، وهي مستعدة تساعدك في البيت."
تذكرت حديث مهاب لهم في ذلك اليوم وعن عدم إظهار أي رد فعل. تكلمت والدتها بنبرة هادئة:
"ياريت أحسن ضهري اتقضم من شغل البيت اللي مش بيخلص ده."
ابتسمت ريفال على كلمات والدتها وقالت بترحاب:
"أنا هساعدك في شغل البيت كله، قوليلى عايزة إيه ومش هتندمي."
دقات قلب والدتها تراقصت بسعادة وتكلمت بنبرة هادئة:
"ياريت يا بنتي تشيلي عني التعب شوية."
هبت ريفال واقفة وقالت بابتسامة:
"أنتِ تأمري، بس والبيت كله هيبقى فلة."
أنهت كلامها وتحركت سريعاً من أمامهم.
نظرت ريفال إلى مهاب وقالت بشكر وامتنان:
"شكراً يا مهاب إنك رجعتلي بنتي."
حرك مهاب رأسه بالرفض وقال:
"لا طبعاً، ريفال متعالجتش، إحنا لسه في أول الطريق، هي بتعمل كده بناءً على طلبي أنا. مش عايز نظرات عيونك يظهر فيها أي تعبيرات، إذا كانت بالسعادة ولا الفرحة ولا حتى تفتحي معاها مواضيع من بتاعة زمان، اتعاملي معاها عاااادي خالص."
أومأت والدتها بالموافقة وقالت:
"حاضر يا دكتور، ربنا يحميك لشبابك يا حبيبي."
ابتسم مهاب لها بأدب:
"شكراً يا طنط، عن إذنك لازم أمشي دلوقتي، سلميلي على خالو مازن."
أنهى كلامه وتحرك باتجاه الباب وغادر سريعاً.
***
عند حور، استيقظت من نومها على صوت نغم وهي توقظها بسعادة، فاليوم خطبتها على عدي. تكلمت بفرح وقالت:
"حور، حوري، اصحي يلا، النهاردة أجمل يوم في حياتي، حوووور اصحي يلا."
فتحت حور عينيها المتورمتين من كثرة البكاء وتكلمت بصوت مختنق:
"صباح الخير يا نغم، صحيت خلاص."
جلست نغم بجوارها وتكلمت بحزن وقالت:
"عجبك منظر عيونك كده يا حور؟ يا بنتي انسى بقى، هو مسألش فيكي من يوم اللي حصل ولا حتى حد فتح الموضوع."
انهمرت دموع حور على وجنتيها وقالت بوجع:
"الكلام سهل يا نغم، الفعل صعب أوي والله، مش قادرة أنسى زين، لسه بحبه أوي يا نغم، صدقيني الموت أهون مليون مرة من بعده عني."
ثم أخذت نفساً عميقاً وأخرجته بهدوء وقالت:
"بلاش نكد، النهاردة ده أجمل يوم في حياتنا كلها، خطوبة أجمل وأحلى بنوتة على حب عمرها، ربنا يسعدك يا حبيبتي ويفرح قلبك."
احتضنتها نغم بقوة وقالت بحزن شديد:
"حقك عليا يا ضي عيني، لو بإيدي كنت أجلت كل حاجة لما الأمور اتصلحت بينك وبين زين. بس عدي بيقولي كده أحسن، ربما النهاردة تتقابلوا وقلوبكم تحن على بعض وكل حاجة ترجع زي الأول."
حركت حور رأسها بالرفض وتكلمت بغضب:
"لا يا نغم، أنا مش تحت أمر زين، زين ورقة وقطعتها من حياتي، آه بتعذب وبموت كمان من بعده، بس مش حور اللي تستنى حد يعطف عليها."
ثم استقامت بجسدها وقالت:
"يلا ورانا حاجات كتير، هدخل الحمام وهاجي وراكي على طول."
أومأت نغم رأسها بحزن وهبت واقفة وتكلمت بصوت مختنق:
"أنا هنزل أستناكي تحت."
وتحركت باتجاه الباب وخرجت وتركت حور بمفردها. بمجرد ما أغلقت نغم الباب، انهمرت الدموع مرة أخرى على وجنتيها وتكلمت بوجع وقالت:
"لازم أنساك يا زين، حتى لو هموت من بعدك."
وتحركت باتجاه المرحاض وبدأت تتجهز للهبوط للأسفل.
***
عند بتول، استيقظ زين من نومه على صوت والدته الغاضب وتكلمت بنفاذ صبر:
"قوم يا آخرت صبري، عايزة أتكلم معاك كلمتين."
زفر زين بضيق واعتدل على فراشه ونظر إلى والدته وتكلم بصوت مختنق:
"خير يا ماما، لو جاية تتكلمي معايا على نفس الموضوع بلاش منه أحسن، علشان هيكون هو هو نفس الرد، حور خلاص انتهت من حياتي، ولو آخر واحدة مش هفكر فيها تاني."
هدّرت به والدته بغضب أفزعته من مكانه وقالت:
"هو أنت أصلاً نسيتها؟ بلاااااش تفكر بدماغي، زمان هتندم يا زين. أنا عملت زيك كدة ودفعت تمن عنادي العمر كله. أنا شايفة نفس السيناريو بيتكرر قصاد عيوني، شايفة اتنين بيتعذبوا من البعد والعند مسيطر عليهم، شايفة قصتي أنا وريان. بلاش يا ابني، بترجاك، مش هتقدر تستحمل وجع إنك تشوفها مع واحد تاني، دي هتموتك في اليوم مليون مرة. فوق يا زين، فوق يا حبيبي قبل فوات الأوان."
نظر زين لها بوجع وقهراً وتكلم بغضب:
"مش هقدر أغفرها اللي عملته يا ماما، دي كسرت كلمتي وكذبت عليا. كنت هبوس إيديها عشان تتكلم، بس هي فضلت مصرة على موقفها. قولتلها إن هو ده اللي هيحصل بينا لو عرفت حاجة من برة، استهترت بكلامي وكملت طريقها، يبقى محدش يلوم عليا. أنا معملتش كده من فراغ ولا جيت عليها وظلمتها، هي اللي اختارت نهايتنا. آه بتعذب من بعدها، بس لازم أتعود عليه، مش هيبقى عندي ثقة فيها تاني."
حركت والدته رأسها رافضة ما قاله وقالت:
"غبي وحمار، فيه مليون طريقة تعاقبها بيها غير الفراق، أنت اخترت الطريقة الغلط، اخترت موتكم يا متخلف."
نظر زين الاتجاه الآخر وتكلم بصوت مختنق:
"حتى لو الطريق ده فيه موتي، هكمله، مش هرجع في قراري يا ماما."
هبت والدته واقفة وتكلمت بغضب:
"وأنا مش هقعد وأتفرج على موت ابني، مبقاش أنا لو مكنتش جوزتكم انتوا الاتنين، إن شاء الله ولو بالغصب."
أنهت كلامها وخرجت من الغرفة تاركة إياه بين أوجاعه.
***
بالمساء، اجتمعت العائلة وبعض الأصدقاء والمقربين في الفيلا الخاصة بأيوب.
تجهزت نغم ورهف، وبدأت الحفلة في الاستعداد لاستقبال العرائس، كانوا في قمة الجمال والرقة. صعد لهم أيوب ونظر لهم بسعادة وقال:
"مبروك يا بنات، ماشاء الله قمرات، عقبال الفرحة الكبيرة يارب، وأنا برضه اللي أسلمكم لعرسانكم."
تكلمت رهف بحزن وقالت:
"الله يبارك فيك يا عمو."
شعر أيوب بحزنها، ربت على يدها وقال:
"أنا عارف انتي زعلانة ليه، كان نفسك أبوكي هو اللي يكون مكاني، بس متزعليش، اللي هو فيه ده مؤقت، وبكرة يعمل العملية ويسلمك هو لعريسك في الفرحة الكبيرة."
نظرت له رهف بأسف وقالت:
"أنا آسفة يا عمو، مش قصدي والله، بس أنا زعلانة على إحساسه دلوقتي، تلاقيه قاعد على كرسيه حاسس بالعجز، كان نفسه يبقى واقف جنبي دلوقتي. أنا عارفة بابا حاسس بإيه."
قبل أيوب رأسها بحنو وقال:
"معلش يا حبيبتي، ده ظرف مؤقت وكل حاجة هتبقى أحسن من الأول."
نظرت نغم لأيوب بحب وقالت:
"بابا أيوب، أنا بحبك أوي، وماما فعلاً محظوظة براجل زيك."
احتضنها أيوب بسعادة وربت على ظهرها وتكلم بنبرة حنونة:
"وأنا بموت فيكي يا قلب أبوكي، ومحظوظ إني عندي عيلة زيكم. أنتوا أجمل حاجة في حياتي وعايش عشانكم وبس. ربنا يسعدك ويفرح قلبك يا حبيبتي."
ابتعدت نغم عن حضنه ونظرت له بترجّي وقالت:
"بابا، ممكن أطلب منك طلب؟"
أومأ أيوب بالموافقة وقال:
"طبعاً يا حبيبتي، اطلبي."
تنهدت نغم بحزن وقالت:
"ممكن تحاول تدخل في موضوع حور وزين؟ الاتنين بيموتوا من بعدهم عن بعض، والمشكلة إن الاتنين أعند من بعض. حاولت أتكلم مع الاتنين، نفس الرأي ونفس الكلام. لازم حد حكيم زي حضرتك يتصرف في الموضوع ده."
حرك أيوب رأسه بالرفض وقال:
"مقدرش أوعدك بحاجة زي كده يا نغم، لأن دي كرامة بنتي ومستحيل التهاون فيها يا حبيبتي، واللي عمله زين مع حور مش حاجة هينة. بس متقلقيش، في الوقت الصح هتدخل. سيبك أنتِ من أي حاجة دلوقتي ويلا بينا، عدي وانس تحت مستنيين نزولكم."
تنهدت نغم بحزن على حال حور وأومأت رأسها بالموافقة وتحركت معه هي ورهف وخرجوا من الغرفة وهبطوا إلى الأسفل. صافح أيوب كلاً من عدي وانس وأخذوا منه البنات. كانوا منبهرين بجمالهم ونظراتهم العاشقة معلقة عليهم. تكلمت رهف بخجل وقالت:
"ا ا انس، ممكن نروح عند بابا؟"
أومأ انس بالموافقة وتكلم بسعادة:
"طبعاً، أنتِ تأمري يا أجمل ما في حياتي."
نظرت رهف إلى الأرض بخجل وتحركت معه عند ريان، وقبلت رأسه وجثت على ركبتيها ونظرت إليه بحب وقالت:
"اوعى تفكر إن ممكن أي حد ياخدني منك، أنت هتفضل في قلبي وفوق راسي، أجمل وأعظم أب في الدنيا. أنت أول حب اللي هيعيش معايا لآخر نفس فيا."
قبل ريان يدها بدموع وقال:
"حقك عليا يا بنتي، كان نفسي أكون واقف جنبك في فرحتك، بس زي ما أنتِ شايفة، واحد عاجز قاعد على كرسي، لا حول له ولا قوة."
أزالت رهف عبراته سريعاً وقالت:
"متقولش كده، وغلاوتك عندي أنت جنبي فعلاً، ولسه فيه الفرحة الكبيرة هتخدني بنفسك تسلمني لعريسي وهمشي جنبك وأنا فخورة إني بنت أعظم راجل في الدنيا دي كلها."
احتضنها ريان بقوة، بث لها جميع مشاعره الأبوية وقبل رأسها بحب وقال:
"ربنا يسعدك يا بنتي ويفرح قلبك يا حبيبتي."
ثم صافح انس واحتضنه وقال:
"حسك عينك تزعل بنت قلبي، أنتوا لسه على البر، يعني آخرك دبله هرميها ليك وأنا بتلكك أصلاً."
تعالت ضحكات انس الرجولية وتكلم بمرح:
"صلي على النبي في قلبك، أسيب مين بس دي روحي، ولو بعدت عني أموت."
ابتسم ريان بسعادة وقال:
"أنا واثق فيك يا انس، ربنا يفرح قلوبكم يا حبيبي، يلا روحوا."
كان الجميع يشاهدون هذا الموقف المؤثر.
نظر عدي إلى نغم بحب وقال:
"النهاردة فرحتي فرحتين، فرحتي بأختي وفرحتي بيكي يا نغم حياتي، مش قادر أصدق إن خلاص حلم حياتي بيتحقق جزء منه دلوقتي، أخيراً بقيتي خطيبتي وكلها شهور وتبقى مراتي وفي حضني."
نظرت له نغم بخجل وقالت بصوت هامس:
"ا ا أنا اللي مش مصدقة نفسي إن حلمي بيتحقق دلوقتي، تعبت أوي على ما وصلتله بعد ما كنت فاقدة الأمل في إننا نتجمع مع بعض تاني."
كوّب عدي وجهها بين يديه وقال بحب:
"وعد مني هعوضك عن كل دقيقة بعدنا فيها عن بعض، مش هحسسك إن مر العمر ده كله واحنا بعاد عن بعض أبداً."
أومأت نغم بأبتسامة وقالت:
"وأنا واثقة فيك إنك هتكون قد وعدك يا حبيبي."
ابتسم لها عدي بحب وتكلم بنفاذ صبر:
"والله العظيم لو مكنش عم أيوب هيعلقني دلوقتي، كان زماني حضنك ومكسر عضمك بين دراعي."
لكزته نغم بخفة بصدره وقالت بخجل:
"اتلم يا قليل الأدب وامشي بقى، الناس مركزة معانا."
تعالت ضحكاتهما وتحركوا باتجاه المقعد الخاص بهم وجلسوا عليه.
بحث أيوب باستغراب عن قمر ولم يجدها. اتجه إلى غرفتهم وجدها تجلس وتبكي. اقترب منها وجلس بجوارها وربت على ظهرها باستغراب وقال بتساؤل:
"قمري مالك يا قلبي؟"
تكلمت قمر من بين شهقاتها وقالت:
"مش قادرة أصدق إن نغم بنتي رجعت لحضني وكمان بتتخطب لحب عمرها. خايفة أكون بحلم، خايفة أفرح والدنيا ترجع تاخد مني الفرحة من تاني."
حرك أيوب رأسه بنفاذ صبر واحتضنها بقوة وقال:
"يا حبيبتي عيشي اللحظة وافرحي، نغم معانا وفي حضننا وبقت عروسة زي القمر أهي. عارف نار الفراق نهشت قلبك طول السنين اللي فاتت دي، بس ربنا عوضك برجوعها وبنشاركها فرحتها دلوقتي، اشكري ربنا على عوضه لينا وانسي كل اللي فات."
تمسكت به قمر بقوة وتكلمت بصوت مختنق:
"نفسي كان ربنا كمل فرحتنا على خير مع حور بنتي، بتموت بالبطيء يا أيوب."
ابتعد عنها أيوب وكوّب وجهها بين يديه ونظر في عينيها وقال بنبرة هادئة:
"حور بنتي قوية، وده الوقت اللي هيظهر فيه اللي زرعته فيها طول السنين اللي فاتت دي. أنا واثق منها ومتأكد إنها هتثبت ليا ولكل إنها بنت أيوب اللي مافيش حاجة تكسرها، والضربة دي هتقويها أكتر من الأول. متقلقيش، واثقي في تربيتي ليها."
أومأت قمر بفهم وقالت:
"ربنا يريح قلبها يا رب. يلا يا حبيبي نطلع للناس برة."
نهض أيوب وأمسك يد قمر وخرجوا من الغرفة.
بحث ريان عن بتول وجدها تجلس على الأريكة بحزن. تحرك بالمقعد اتجاهه وقال بصوت هامس:
"مبروك يا أم عدي."
ابتسمت له بتول بحزن وقالت:
"الله يبارك فيك."
تكلم ريان بقلق وقال بتساؤل:
"مالك يا بتول، مهمومة ليه وحزينة في يوم زي ده؟"
نظرت له والدموع تتجمع في عينيها وقالت:
"كان نفسي وليد يكون معانا في يوم زي ده، كان بيحلم باليوم ده من زمان أوي."
شعر ريان بالغيرة في قلبه وتكلم بصوت مختنق:
"طبعاً الله يرحمه وكل حاجة، بس ده ابني أنا وفرحتي أنا، ومكانش من حق أي حد يستنى الفرحة دي غيري أنا."
نظرت له بتول بضيق وتكلمت بصوت مختنق:
"لا يا ريان، عدي كان ابن وليد زي ما هو ابنك. بالعكس، كان أكتر هو اللي عاش معايا مراحل حمله، تعب معايا كتير أوي وأنا حامل. أول من شاله بين إيديه هو وليد، أول كلمة 'بابا' اتقالت كانت لوليد، أول يوم مدرسة كانت مع وليد، لما كان بيتعب وهو صغير كان وليد هو اللي بيجري بيه، اللي شال هم عدي لحد ما بقى راجل طول بعرض ودخل الشرطة. هو وليد، متجيش بعد مماته تنكر كل ده وتنسبه ليك لوحدك، وليد ليه في عدي أكتر منك كمان، فاهم."
أغلق ريان عينيه بحزن وتكلم بصوت مختنق:
"ومين اللي حرمني أعيش كل اللحظات دي؟ مش أنتِ؟ لما مقولتيش ليا إنك حامل. لو كنتي قولتيلي، كانت حاجات كتير أوي اتغيرت يا بتول، كنت زماني عايش كل لحظة في حياة ابني."
ابتسمت بتول بانكسار وقالت:
"ومين رماني من أول مشكلة قابلتنا في حياتنا؟ مين كان سبب وجعي ودموعي؟ مين كان بكلمة من أمه يتحرك؟ 'طلق مراتك حاضر'، 'انت طالق'، 'اتجوّز بنت خالتك حاضر هتجوز'. ده أنت حتى مهانش عليك تسأل عليا بعد كده. يمكن لو كنت كلفت نفسك وسألت مرة واحدة عليا، كنت هتعرف إن أنا حامل في ابنك. بس لا، إزاي حضرتك مش بتغلط؟ أنا الغلط كله عندي. عارف ليه؟ عشان مسمعتش كلام ماما عليكي لما قالتلي: 'انتوا فرحانين بمشاعركم دلوقتي، بس لسه عضمكم طري، مع أول مشكلة هتقابلكم هيبان ضعفكم، وكل واحد فيكم هيروح من طريق، بس وقتها الوجع هيكون مضاعف'. كل كلمة قلتها اتنفذت بالحرف. ربنا يرحمك يا أمي، ويرحمك يا وليد اللي كنت دوا لكل جروحي. عن إذنك."
ونهضت بتول من على الأريكة وتركته بقلب مفطور من شدة الوجع.
وصل زين بعد وقت بوجه عابس. بارك للعرسان وجلس على مقعده يبحث بعينه عن حور التي لم تظهر بعد. دقائق وكانت تهبط من أعلى الدرج. التفت إليها الجميع بانبهار، فكانت في قمة الجمال وخطفت أنظار الجميع. تعالت دقات قلب زين بشدة، لم يتوقع أن هذا يحدث له عندما يراها بهذه الطلة التي تخطف الأنظار. نهض وتحرك اتجاهها ببطء شديد، كأنه آلة تتحرك دون إدراك منه. ولكن ما جعله يقف مكانه مشدوهاً، عندما رأى سيف يقترب من حور ويستقبلها مقبلاً يديها برقة وهي تبتسم له بترحاب.
رواية ما وراء الماضي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دودو محمد
وصل زين بعد وقت بوجه عابس.
بارك للعرسان وجلس على مقعده يبحث بعينه عن حور التي لم تظهر.
بعد دقائق كانت تهبط من أعلى الدرج.
التفت إليها الجميع بانبهار، فكانت في قمة الجمال وخطفَت أنظار الجميع.
تعالت دقات قلب زين بشدة. لم يتوقع أن هذا يحدث له عندما يراها بهذه الطلة التي تخطف الأنظار.
نهض وتحرك اتجاهها ببطء شديد، كأنه آلة تتحرك دون إدراك منه.
ولكن ما جعله يقف مكانه مشدوهًا عندما رأى سيف يقترب من حور ويستقبلها مقبلاً يداها برقة، وهي تبتسم له بترحاب.
نظرت حور إلى زين الذي ينظر إليها بغضب شديد.
وتكلمت بابتسامة:
"منور يا أستاذ سيف ومبسوطة إنك قبلت دعوتي وجيت حفلة خطوبة أختي."
ابتسم لها بسعادة وقال بنبرة هادئة:
"بنورك يا ست البنات، بس بلاش ألقاب ما بينا، قولولي سيف على طول. وبجد مبسوط أوي بدعوتك ليا، مكنتش مصدق نفسي وإنتي بتطلبي مني أحضر حفلة خطوبة أختك."
تعالت ضحكاتها وقالت بتوضيح:
"لا ما إحنا لازم ناخد على جو الاحتفالات المشترك ده، إنت ناسي الحفلة اللي بنظمها سوا ولا إيه."
أجابها بصوت مرتفع نسبيًا:
"اممم ربنا يكتر من حفلاتنا ويكون في مرة حفلة تخصنا أنا وإنتي."
نظرت له بتوتر وابتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"إن شاء الله. يلا تعالى معايا عند بابا."
أومأ رأسه بالموافقة ونظر إلى زين وابتسم لها، سعيدًا بتحقيق أول هدف في طريقه.
وتحرك معها إلى أيوب.
نيران الغضب اشتعلت داخل قلب زين. لم يتوقع أن تستخدم حور هذه الحيلة الرخيصة حتى تشعل الغيرة عنده.
تحرك سريعا عندها. وجدها تقف مع سيف في مكان بعيد عن الموجودين وتتكلم معه.
اقترب منها وأمسكها من ذراعها وتكلم بغضب وقال:
"امشي معايا."
دفعت يده بعيدًا عنها وتكلمت بغضب:
"إياك تلمسني تاني فاهم، واتفضل بقى شوف رايح فين عشان أنا مش هتحرك معاك في حتة."
وعادت مرة أخرى عند سيف وقالت:
"آسفة يا سيف، كنا بنقول إيه."
ضغط زين على أسنانه بغضب واقترب منها مرة أخرى.
وقبل أن يمسك ذراعها، أمسك سيف يده وتكلم بغضب:
"قالت لك إياك تلمسها تاني، إيه مبتفهمش."
نظر له بغضب وقال:
"لا مبفهمش يا روح أمك."
لكمة في وجه.
ونظر إلى حور وتكلم بغضب:
"قولتلك امشي معايا."
انتفضت حور بخوف شديد وحركت رأسها بالرفض وتكلمت بدموع:
"مش هتحرك معاك يا زين في حتة وكفاية لحد كده لو سمحت، بدل ما أبلغ بابا باللي إنت بتعمله ده."
وتحركت باتجاه سيف وقالت بتساؤل:
"إنت كويس يا سيف."
أغلق زين عينه بغضب واقترب منها مرة أخرى وأمسكها من ذراعها وحركها معه غصبًا عنها.
تحرك سيف سريعا ولكم زين بقوة في وجه وأمسك يد حور وتكلم بغضب:
"مش سيف السيوفي اللي تتاخد منه حاجة تخصه."
صرخت حور بقلق وتكلمت بغضب وقالت:
"إنت اتجننت إزاي تمد إيدك عليه يا حيوان."
وأبعدت يد سيف عنها وجلست على الأرض بجوار زين.
تكلمت بدموع وقالت:
"زين إنت كويس."
نهض من على الأرض بغضب وقال:
"إنتي واحدة رخيصة وأنا غلطان إني حبيت واحدة زيك في يوم من الأيام. ومن النهارده حتى القرابة اللي ما بينا هنساها."
أنهى كلامه بغضب وخرج سريعا وتركهم.
نظرت إلى أثره وانهمرت دموعها بغزارة وتكلمت بحزن شديد:
"أنا بكرهك يا زين بكرهك."
ابتسم سيف بلؤم ومد يده لها وقال:
"قومي يا حور، ده واحد حمار عشان يكون هو السبب في دموعك بالشكل ده."
نظرت إليه بتوتر ومن ثم نظرت إلى يده الممدودة إليها وابتلعت ريقها بصعوبة.
ثم حركت يدها ببطء شديد ووضعتها بيد سيف ونهضت من على الأرض.
تكلمت بشكر وقالت بتلعثم:
"ش ش شكراً."
ابتسم لها ابتسامة ذات مغزى وقال بنبرة هادئة:
"العفو، تعالي بقى نسلم على أستاذ أيوب عشان كنا بندور عليه مش لاقيينه."
نظرت إلى وجهه المحمر من أثر لكمة زين وقالت:
"ب ب بس وشك باين عليه إنك كنت بتتخانق مع حد."
حرك رأسه بعدم اهتمام وقال بابتسامة:
"عادي، أنا أصلاً مبسوط من اللي حصل عشان ده قربني منك أكتر."
قال كلامه وأمسك يدها وأرغمها على التحرك معه للبحث عن أيوب تحت حزنها واستغرابها من كلمات سيف.
***
عند زياد كان يبحث عن فرح في المكان.
وأثناء بحثه حضر ما كان يحدث بين حور وزين وهذا الرجل الغير معروف له.
وظل يتابع الأحداث من بعيد حتى رأى زين يخرج بغضب شديد.
ركض سريعا خلفه وهتف عليه قائلاً:
"زين يا زين استنى إنت يا ابني رد عليا."
لم يجيب عليه زين وصعد سيارته وتحرك بها مسرعًا.
زفر زياد بضيق وعاد مرة أخرى إلى الداخل.
وجد فرح تنظر له باستغراب قائلة بتساؤل:
"زياد كنت فين كده."
لم يرد إخبارها بما حدث منذ قليل.
تكلم كاذبًا قائلاً:
"ك ك كنت بدور عليكي ومكنتش لاقيكي، طلعت أدور عليكي بره."
أومأت رأسها بتفهم وقالت بتوضيح:
"أنا كنت بساعد خالو قمر في تحضير صينية الشبكة بتاعة نغم ورهف."
ابتسم لها بحب وقال بصوت هامس:
"عقبالنا يارب، أحسن خلاص هتجنن عليكي."
نظرت له بخجل وقالت بتلعثم:
"و و وحد منعك ما تكلم ماما."
زفر بضيق وقال بتوضيح:
"قلت لماما قالت استنى بعد الامتحانات."
أومأت رأسها بتفهم وقالت:
"مش مشكلة يا زياد، دي كلها شهر ونخلص امتحانات."
اقترب منها وقال بهمس:
"تعرفي إن أنا كان نفسي أوي بعد الشهر ده يكون فرحنا، نفسي أحضنك أوي يا قلبي."
تراجعت إلى الخلف وتكلمت بتوتر وقالت:
"ز ز زياد إيه اللي إنت بتقوله ده، احترم نفسك و و وبطل تقرب مني بالشكل ده."
اقترب أكثر لها وأسند ظهرها على الحائط وقال بمداعبة:
"هو أنا لو خطفت منك حاجة كده هيحصل حاجة."
جحظت عيناها بصدمة والكلام وقف بحلقها وأغلقت عينيها وتكلمت بصعوبة:
"ز ز زياد بس قلة أدب وابعد حد يشوفنا."
وفي ذلك الوقت سمعوا صوت أنس وهو يقول لهم:
"الله يحرقكم عيلة إنتوا إيه مش بتتعبوا تلزيق ماشاء الله عليكم، والله أشوف فيكم يوم زي ما إنتوا مبسوطين كده وأنا متشحتف على مسكة إيد البت ومش عارف أمسكها."
استدار زياد له بضيق وتخفت فرح خلف ظهره بخجل وتكلم بنفاد صبر:
"ده وقته بذمتك تيجي فيه، ارحم أمي القصيرة حرام عليك قطعت اللحظة الرومانسية."
عقد ذراعيه على صدره وتكلم بصوت هامس:
"احمد ربنا إني أنا اللي قطعت عليكم اللحظة الرومانسية دي يا أخويا، بدل ما أخوها كان هو اللي قطع عليكم وكان زمانه قااااطع إنت فاهم بقى. لم الدور وسيب البت تمشي من قصادك دلوقتي."
تنحنح بإحراج وقال بابتسامة:
"أخويا الغالي أبو الرجولة كلها، مبروك خطوبتك يا برنس، اتفضل إنت واللي عايزه هيكون عندك."
تعالت ضحكات أنس وغمز له وقال:
"تسلم يا غالي، ده العشم برضه هااا."
أنهى كلامه وتحرك من أمامهم وعاد مرة أخرى عند رهف.
ظلت فرح متمسكة بملابس زياد من الخلف بخوف شديد.
ابتسم على حركتها الطفولية وتكلم بابتسامة:
"سيبيني طيب عشان أعرف أبصلك."
تركته بخجل شديد وتكلمت بصعوبة:
"ع ع عجبك اللي حصل ده، ك ك كله بسببك، قولتلك اتلم وبطل قلة أدب، أ أ أهو أنس شافنا وممكن يروح يقول لزين أو لعدي."
حرك رأسه بالرفض وتكلم بابتسامة:
"أنس عمره ما هيقول حاجة لحد، متقلقيش، وأنا آسف يا فرح، مكانش ينفع أعمل كده بس اندفعت بمشاعري شوية، متزعليش مني، ووعد مش هعمل معاكي كده غير لما تبقي مراتي."
ابتسمت له بحب وقالت بخجل:
"و و وأنا واثقة فيك."
غمز لها وقال بدعابة:
"مش وعد أوي يعني، أنا ممكن أضعف في أي لحظة بسبب الضحكة القمر دي."
تعالت ضحكات فرح على كلمات زياد وتحركت سريعا من أمامه.
نظر إلى أثرها بابتسامة حب وقال:
"يااارب قرب البعيد، إنت عارف بقى وحاسس بيا."
أنهى كلامه وعاد مرة أخرى عند الجميع.
***
خرجت رغد إلى الخارج بضيق، فهي لم تستطع التكيف مع هذه العائلة.
وقفت تستنشق الهواء الطلق.
وفي ذلك الوقت وقف مجموعة من الشباب وبدأوا بمضايقتها.
تراجعت إلى الخلف بخوف وتكلمت بصعوبة:
"ل ل لو سمحتوا احترموا نفسكم، أ أ أنا أخويا ظابط وممكن يرميكم كلكم في الحبس."
تكلم أحد الشباب وقال بتهكم:
"ظابط! طيب ظابط نفسه على الساعة كام."
تعالت ضحكاتهم وتكلم شاب آخر وقال:
"لا لا لا يمكن تقصد أخوها ظابط بس ظابط إيقاع."
ردت عليهم بدموع وقالت:
"أ أ إنتوا عايزين مني إيه."
أجابها إحدى الشباب وقال:
"ولا حاجة يا قمر، تيجي معانا نقضي ليلة لذيذة وكله بتمنه."
حركت رأسها بخوف شديد وقالت بدموع:
"أ أ إنت قليل الأدب و و وقح، ولو ممشيتش إنت وهو هدخل أجيب لكم أخويا يتصرف معاكم."
تعالت ضحكاتهم على سذاجتها.
ولكن في هذا الوقت تفاجأوا بشاب يقترب منهما وهو يرتدي البدلة الميري وموجه سلاحه لهم وقال بتحذير:
"تحبوا أفرغ سلاحي ده فيكم كلكم ولا تمشوا حالا من هنا."
قبل أن ينهي كلامه، كانوا ركضوا من أمامه بخوف شديد.
نظرت له بامتنان وقالت:
"ش ش شكراً حضرتك، كويس إنك جيت في الوقت المناسب."
ابتسم لها بهدوء وقال:
"م كانش ينفع تخرجي من جوه لوحدك في وقت زي ده."
نظرت له باستغراب وقالت بتساؤل:
"هو حضرتك كنت في الفرح جوه."
أومأ رأسه بالتأكيد وقال بتوضيح:
"أيوه أنا تميم صاحب عدي أخوكي، ولما شفتك خارجة في وقت زي ده واتأخرتي بره قلقت ليكون حصلك حاجة، واللي توقعته فعلاً لقيته. اتفضلي يلا معايا جوه."
أومأت رأسها بالموافقة وتحركت معه إلى الداخل وجلست على المقعد.
ابتسم لها ابتسامة هادئة وقال:
"اقعدي هنا ومتطلعيش بره تاني لوحدك، إنتي شوفتي بنفسك كلاب السكك عاملين إزاي بره."
نظرت له بإحراج واومأت رأسها بالموافقة وقالت:
"ح ح حاضر، بس ياريت متقولش اللي حصل ده لعدي."
رد عليها بالتأكيد وقال:
"طبعًا مش هقوله حاجة زي كده. هسيبك بقى وأروح عنده، ولو احتاجتي حاجة دلوقتي من بره قوليلي وأنا هجبهالك."
أنهى كلامه وتركها وذهب عند عدي.
نظرت رغد إلى أثره باستغراب وابتسمت على شجاعته وعندما كان يقف أمامها كسد يحميها.
***
وصل عامر ومعه فتاة ترتدي ملابس تبرز ملامح جسدها ممسكة بذراعه.
تحرك باتجاه أيوب وتكلم بصوت غاضب:
"عداك الأصول المرة دي يا ابن أبويا، المفروض تفهم ابني إن ليه أب لسه عايش، مش تقوم إنت بدوري وأنا موجود في الدنيا."
نظر أيوب إلى الفتاة باشمئزاز وقال بتهكم:
"مش لما يكون الأب ده عاقل وأفعاله محترمة ويفتخر بي، مش كل يوم مع واحدة زبالة."
أحاط خصر هذه الفتاة وتعالت ضحكاته وقال:
"وهو فيه أحسن من النسوان الزبالة دي، حتى دول اللي بيعرفوا اللي في دماغ الواحد إيه وينفذوه بالظبط. تحب تجرب، صدقني مش هتندم."
أغلق أيوب عينه بغضب حتى يتحكم في أعصابه ولا يتهور.
كان معاذ يتابعهم وعندما رأى ملامح أيوب تهجمت اقترب منهم سريعا وأمسك ذراع عامر وتكلم بصوت مختنق:
"امشي معايا يا عامر."
دفع معاذ بعيدًا عنه وتكلم بغضب:
"مش هتحرك من هنا، دي خطوبة ابني."
سمع أنس صوت والده وأتى إليهم ونظر إلى الفتاة المتواجدة معه وتكلم بصوت مختنق:
"إنت إيه اللي جابك."
تكلم بغضب وقال:
"إيه مش عايز أبوك يحضر خطوبتك كمان، مش كفاية اتقدمت وعملت كل حاجة من غير ما ترجعلي."
تنهد أنس بوجع وزفر بضيق وقال:
"إنت ليه غاوي تعكنن عليا فرحتي، ليه مصر تكرهني فيك. مش معترض والله إنك تحضر خطوبتي، اعتراضى على تصرفاتك. دي لازمتها إيه معاااك، تقصد إيه بوجودها هنا بالشكل ده، عايز تغيظ أمي مثلاً. لا اطمن هي رمت طوبتك من زمان. عايز تقلل مني أنا وعمي أيوب وتكسفنا. متقلقش صورك موجودة في كل مكان والحمد لله بيتحرق دمنا بسبب منظرك وإنت في أحضان البنات وسكران طينة. كفاية اللي إنت بتعمله ده، حرام عليك احترم سنك يا أخي بقى، كفاااايه."
أنهى كلامه وتحرك من أمامه بغضب شديد.
نظر له أيوب ومعاذ وحركوا رؤوسهم بعدم رضا وتكلم أيوب بنفاد صبر قائلاً:
"عجبك الحالة اللي وصلت ابنك ليها دي، عجبك صورتك قدام ولادك دي. كفاية اللي بتعمله فينا هما مش ذنبهم حاجة غير إنهم موجودين في الدنيا بسبب أب ناقص زيك. خد الزفتة اللي معاك وغور من قصادي في ستين داهية."
قبل أن يتكلم عامر، أمسكه معاذ وأرغمه على التحرك معه إلى الخارج.
كانت أميرة تتابع ما يحدث والدموع تتسابق من عينيها.
اقترب فريد منها وربت على يدها وقال:
"اهدي يا أميرة عشان خاطري."
تكلمت من بين شهقاتها وقالت:
"هو ليه مصمم ينزل نفسه من عينينا، حاولت كتير أتقبل أفعاله بس في كل مرة بيخذلني فيها. أنا نفسي أفتخر بيه زي أي بنت بتفتخر بأبوها. أنا تعبت يا فريد من حرب الأعصاب اللي عايشة فيها دي، ما فيش مرة شفته فيها إلا كان سبب دموعي."
رد عليها بنبرة هادئة وقال:
"أنا عارف إنها صعبة عليكي بس للأسف إحنا كأبناء ملزمين نتقبل أفعاله، ما نقدرش نغلط فيهم مهما كان حجم أخطائهم لأن ربنا اللي أمرنا بكده. أمرنا إننا ملناش علاقة بأفعالهم، لينا إننا نطيعهم ونقول ليهم قولا كريما وندعيلهم بالهداية وحسابهم عند ربنا مش عندنا إحنا. ادعيله يا أميرة ربنا يهديه ويصلح حاله، وإن شاء الله ربنا هيشيل الغمامة دي عن عينه وهينور بصيرته."
تكلمت بدموع وقالت:
"ربنا يهديك يا بابا، أنا محتاجاك أوي بجد في حياتي."
ابتسم لها بحب وقال:
"الله ينور عليكي، ادعيله على طول كده. امسحي بقى دموعك عشان عيونك غاليين عندي أوي ومش قادر أستحمل أشوفهم كده."
ابتسمت له بحب وقالت بخجل:
"ح ح حاضر."
وازالت دموعها بكف يدها وظلت تنظر حولها بتوتر من نظرات فريد لها.
***
تم تلبس محابس الخطبة لكلا من عدي ونغم وأنس ورهف.
وبعد المباركة لهم من الجميع انتهت الخطبة وعاد الجميع إلى منازلهم.
وانتهى اليوم بين سعادة البعض والوجع والحزن للبعض الآخر.
في صباح يوم جديد استيقظت نغم على صوت الهاتف الخاص بها.
أجابته بابتسامة وتكلمت بصوت ناعس:
"صباح الخير يا قلبي."
أجابها عدي بحب وقال بسعادة:
"صباح النور يا عمري، تصدقي إن إمبارح كان أسعد يوم في حياتي، آه مش الفرحة الكبيرة بس يكفي إن بقى فيه حاجة رسمي بينا. أنا عمال أبص على دبلتك اللي في إيدي مش مصدق نفسي."
اعتدلت على فراشها ونظرت إلى يدها بسعادة وقالت:
"ولا أنا كمان مش مصدقة إن دبلتك في إيدي، ياااه حلم جميل أوي مش عايزة أصحى منه يا عدي، خايفة أوي السعادة دي تتخطف مننا."
شعر بدقات قلبه تتزايد بخوف شديد وتكلم سريعا وقال:
"متقوليش كده يا نغم، أنا معاكي وإنتي معايا وهنعيش أجمل أيام حياتنا وهتبقي معايا وفي حضني وهنبقى أجمل وأحلى بابا وماما. وبكرة نحكي حكايتنا لأولادنا وعن قصة حبنا اللي عاشت في قلوبنا من وإحنا أطفال واتفرقنا وفضل حبنا عايش جوانا مفقدناش الأمل إننا نتجمع تاني وربنا عوضنا خير في الآخر، بكرة نضحك على تفكيرنا الساذج ده ونقول قد إيه كنا محدودين الفكر والإيمان بالله وإن ربك رب الخير كله."
ابتسمت بحب وقالت:
"ونعم بالله يا حبيبي. إيه عندك شغل الصبح ولا بليل."
أجابها عدي بإرهاق وقال:
"هو المفروض عندي بالنهار بس تميم هيمسك مكاني عشان جسمي متكسر ومش قادر، تحضيرات امبارح هدّت حيلي بصراحة، وفي الآخر كله على الفاضي، كل واحد منا نام في أوضة."
تعالت ضحكات نغم وقالت بتهكم:
"تصدق صعبت عليا يا حرام، ما تتلم يا ابني وانشف كده، بلاش شغل النحنحة ده مش بيجي معايا سكة، عيبه في حقك كظابط على فكرة."
ابتسم على كلماتها وقال:
"هو عشان أنا ظابط معرفش أقول كلمتين حلوين ولا إيه، ده أنا حتى آداب بشوف الانحراف كله قصاد عيني، بس إنتي وبس اللي في قلبي."
تكلمت بضيق وقالت:
"وحياة أمك طب فكر تبص لواحدة كده ولا كده هخزقلك عينك يا حليوة."
تعالت ضحكاته وتكلم بصعوبة وقال:
"أموت فيك إنت يا شرس. يلا بقى هقفل معاكي عشان أروح أدي ماما علاجها."
ردت عليه بابتسامة وقالت:
"ماشي يا حبيبي، ربنا يجعله ليها بالشفا يارب."
أغلقت الخط معه ونهضت من على تختها واتجهت إلى المرحاض، وبعد دقائق خرجت وارتدت ملابسها وأدت فرضها وخرجت من غرفتها واتجهت إلى غرفة حور.
طرقت على الباب ودلفت إلى الداخل، وجدتها تجلس على السرير بحزن شديد.
تنهدت بوجع وتحركت باتجاهها وجلست بجوارها وربتت على ظهرها وقالت بصوت مختنق:
"صباح الخير يا حبيبتي."
تكلمت حور بحزن وقالت:
"صباح النور يا نغم."
نظرت نغم لها بتوتر وقالت بتساؤل:
"ع ع عملتي إيه مع زين امبارح."
حركت يدها بعدم اهتمام وقالت:
"ولا حاجة."
ردت عليها بعدم فهم وقالت:
"ولا حاجة إيه مش فاهمة. وبعدين مين اللي كان معاكي ده يا حور طول الحفلة."
تجمعت الدموع في عينيها وقالت بصوت مختنق:
"ده سيف اللي حكيتلك عليه قبل كده."
اتسعت عيناها بصدمة وقالت:
"اللي كنتي خايفة منه ومش مرتاحة ليه."
حركت رأسها بالرفض وقالت بتوضيح:
"أنا مكنتش خايفة منه، أنا كنت خايفة زين يعرف بشغلي معاه وتحصل مشكلة، واللي كنت خايفة منه حصل وزين سابني بسببه. إنما موضوع مش مرتاحة ليه، فهو فعلاً أنا لسه مش مرتاحة ليه. نظراته، حركاته، حتى ضحكته بتقول إن وراه الشخص ده حاجة مريبة مش طبيعية."
تكلمت نغم بتوتر وقالت بتساؤل:
"اسمه سيف إيه يا حور."
أجابته بصوت مختنق وقالت:
"اسمه سيف السيوفي، أو بمعنى أصح اسمه سيف شريف السيوفي. بس بتسألي على اسمه ليه."
ردت عليها بارتياح وقالت:
"تعرفي إنه فيه شبه كبير من خالك محروس، تحسي إنه فولة وانقسمت نصين منه. بس بعد ما عرفت اسمه اطمنت الحمد لله."
نظرت لها بعدم فهم وقالت بتساؤل:
"خالك محروس مين ده وتعرفيه منين."
تجمعت الدموع في عين نغم وتكلمت بصعوبة:
"هقولك حاجة أوعي تقوليها لماما يا حور."
حركت رأسها بالنفي وقالت:
"قولي يا نغم متقلقيش، والله محدش هيعرف بحاجة."
أخذت نفس عميق وقالت:
"خالك محروس ده هو السبب في كل حاجة وحشة عشناها. هو اللي قتل بابا مروان وهو اللي كان خطفني وهو اللي كان بيضربني ويعذبني بالساعات وكان بيسبني من غير أكل في الأوضة بالأيام، لدرجة إنه كان عايزني أعمل حاجات وحشة مع الرجالة لولا ستر ربنا ومحدش قرب مني لحد ما جاتلي الفرصة والشرطة هاجمت على الشقة وأخدوني مع البنات وهناك شفت عدي والباقي إنتي عارفة."
كانت حور تستمع كلمات نغم بعدم تصديق. لم تتخيل أن يكون لديها خال بهذه الحقارة.
تكلمت بصعوبة وقالت:
"أنا مصدومة بجد، يعني عندي خال حقير بالشكل ده. طيب إزاي ماما مقالتش ليا حاجة زي دي قبل كده؟ وازاي واحد زي ده يقبل يعمل كده في بنت أخته، ده المفروض الخال والد يعني يكون مكان أبوكي. أنا حاسة إني بحلم."
حركت رأسها بدموع وقالت:
"محروس ده أحقر من الحقارة نفسها. عشان كده مقولتش لماما الحقيقة لحد دلوقتي لأن صدمتها هتبقى كبيرة أوي والله أعلم إيه ممكن يحصلها بسبب خبر زي ده. أهم حاجة أوعي تقولي حاجة لماما، هو كده كده اتمسك خلاص وهيتنفذ حكم الإعدام فيه خلال أيام ونرتاح منه للابد."
أومأت رأسها بتفهم وقالت:
"حاضر يا نغم، متقلقيش مش هقول حاجة لماما. بس إنتي بتقولي إن سيف شبه أوي، إنتي شاكة في حاجة ولا إيه."
ابتسمت لها ابتسامة هادئة وقالت:
"كنت شاكة إنه يكون ابنه من العلاقات الزفت اللي كان بيعملها مع البنات، بس إنتي بتقولي اسمه سيف شريف السيوفي، يعني ابن حد تاني خالص. بس زي ما بيقولوا يخلق من الشبه أربعين، واللي اسمه سيف ده مجرد شبه من الزفت محروس مش أكتر."
ثم استقامت بجسدها وقالت:
"يلا بقى هسيبك تجهزي عشان متتأخريش على شغلك."
وخرجت من الغرفة وتركتها.
نظرت حور إلى أثر نغم وتنهدت بحزن وقالت:
"اتعذبتي كتير أوي يا نغم، محدش مرتاح في الدنيا دي، كل واحد لازم ينول من الوجع نصيبه، مافيش مفر منه."
***
استيقظ أنس من نومه على صوت رنين الهاتف الخاص به.
نظر به بأعين ناعسة وجدها رهف.
أجاب عليها بحب وقال:
"صباح الفل يا عمري."
ردت عليه بصوت هادئ وقالت:
"صباح النور يا أنس، عامل إيه دلوقتي طمني عليك."
تنهد بحزن وقال بصوت مختنق:
"كويس يا رهف، خلاص اتعود مبقيتش أتفاجئ من أفعاله، وبالذات لما يلاقينا مبسوطين شوية يعمل بكل طريقة عشان يكسر فرحتنا."
تكلمت بنبرة حنونة:
"معلش يا أنس، هو بس أخد على خاطره إنك عملت خطوبتك ومقولتلوش."
ابتسم بوجع وقال:
"والله إنتي اللي طيبة وعلى نياتك. المهم سيبك مني، قومي جهزي وإياكي تخرجي من البيت قبل ما أجلك. اعملي حسابك إن هوصلك كل يوم الشركة ولما تخلصي هاجي أخودك أوصلك البيت."
ردت عليه بضيق وقالت:
"ليه يعني صغيرة ومش هعرف أسوق عربيتي وأروح الشغل لوحدي."
رد عليها سريعا وقال بتوضيح:
"لا يا قلبي مش عشان كده، بس اهو فرصة أشوفك كل يوم الصبح وبليل وبالمرة أوصلك وأكون مطمن عليكي."
تكلمت بتوتر وقالت:
"م م ماشي، بس متتأخرش عليا، إنت عارف عمو أيوب مش بيحب حد يتأخر على الشغل."
تنهد بحب وقال بابتسامة:
"يا خراشي يا ناس على الرقة، حرام عليكي ارحمي قلب أمي من رقتك دي، يخربيت أم جمالك يا شيخة، اقفلي جتك القرف في حلاوتك."
تعالت ضحكاتها على كلامه وقالت:
"والله العظيم إنت مجنون، مش طبيعي. سلام."
أغلق أنس الخط معها وابتسم على كلماتها ثم نهض من على فراشه واتجه إلى المرحاض ودلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه.
***
كانت بتول تجلس على الأريكة بحزن شديد، لقد اشتاقت إلى رفيق دربها.
هبطت دمعة مسحتها سريعا قبل أن يراها أحد.
وفي ذلك الوقت دخلت أسيل إليها وقالت بابتسامة:
"صباح الخير يا بتول."
نظرت لها باستغراب وقالت:
"صباح النور يا أسيل، اتفضل."
جلست أسيل بتوتر ونظرت لها قائلة:
"بتول أنا عازماكي النهاردة عندي على الغدا، بس ياريت تيجي وقت ما يكون الأولاد في شغلهم وبنتك في الجامعة."
نظرت لها باستغراب وقالت بتساؤل:
"عازماني أنا على الغدا! طيب والأولاد ليه مش عايزاهم يكونوا موجودين."
تنحنحت بتوتر وقالت:
"ها ل ل لا عادي، أنا قولت تبقى قاعدة ليا وليكي بس نتكلم براحتنا."
ابتسمت لها بعدم ارتياح واومأت رأسها بالموافقة وقالت:
"تمام مافيش مشكلة، هكون عندك على العصر إن شاء الله."
هبت واقفة بسعادة وقالت:
"إن شاء الله هروح أنا بقى عشان ألحق أحضر الأكل بإيديا دول."
وتحركت باتجاه الباب وهي مرتسمة الابتسامة على وجهها بسعادة، ناوية على شيء ما، اعتقادًا منها أنها سوف تستطيع إعادة الحياة إلى من فقد الحياة.
رواية ما وراء الماضي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم دودو محمد
وصلت حور إلى الشركة وصعدت مكتبها سريعاً.
جلست على مقعدها ونظرت أمامها بوجع وألم.
ظلت تضرب موضع قلبها قائلة بدموع:
"بطل تدق ليه بطل تشتاق ليه، ليه ارغمتني أروح أشوفه من بعيد عند شركته. مش كفاية اللي قاله امبارح واللي عمله، كفاااايه بقى كفايه حرام عليك."
وتفاجئت بالباب ينفتح ويظهر أمامها سيف بطلته الرجولية وابتسامته السامجة.
تكلمت بغضب شديد وقالت:
"انت إزاي تدخل عليا مكتبي من غير ما تخبط؟"
تحرك باتجاهها وجلس على المقعد ووضع قدم فوق الأخرى وقال بصوت هادئ:
"سمعت صوت عياطك قولت أدخل أطمئن عليكي، أكيد سبب دموعك دي الحيوان اللي اسمه زين ده."
أغلقت عينيها بنفاذ صبر وتكلمت وهي تضغط على أسنانها:
"وانت مالك، بتدخل في اللي ملكش فيه ليييه."
نهض من على مقعده واقترب منها بغضب وأسند يده على مقعدها واقترب من وجهها ونظر في عينيها وقال بنبرة مخيفة:
"ما هو أنا مش هكون كوبري لجنابك تتصلي بيا وتقوليلي تعالي حفلة الخطوبة علشان تغيظي بيا المحروس بتاعك وتشعليلي النار بقلبه."
اقترب أكثر لها وتكلم بهمس بجوار أذنيها:
"انتي بقيتي بتاعتي أنا والتاني لو مطلعتهوش من دماغك همحيه من على وش الأرض لو خايفة عليه بجد أياكي تفكري فيه ولا تسمحي له يقرب منك فاااهمه."
ثم ابتعد عن أذنيها ونظر في عينيها وقال:
"فهمتي يا حوري."
تعالت دقات قلبها من شدة الخوف. الكلام وقف بحلقها وهي ترى نظرة الشر بعينيه. تكلمت بصعوبة وقالت:
"ا ا انت عايز مني إيه ب ب بالظبط وايه النظرة اللي في عيونك دي حاسة إن وراها أسرار مخيفة أوي."
ابتعد عنها وتعالت ضحكاته الشيطانية وعاد مرة أخرى على مقعده وقال بلهجة تحمل خلفها الكثير:
"تقريباً كده وصلتي للي ناوي أعمله انتي بنوتة ذكية وده هيساعدني كتير أوي في اللي جاي."
ثم ارتسمت الجدية على وجهه وقال بتحذير:
"بس لو تعبتيني يبببقى استحملي اللي هيحصل يا قطة."
أنهى كلامه ونهض من على مقعده وتحرك باتجاه الباب وقبل أن يخرج نظر لها وقال بأمر:
"جهزي نفسك بليل هعدي عليكي آخدك بعربيتي."
اتسعت عيناها بصدمة وتكلمت برفض:
"لا طبعاً مش هروح معاك في حتة."
ابتسم لها بثقة وقال:
"هستناكي في عربيتي بليل."
أنهى كلامه وأغلق الباب خلفه.
انهمرت دموع حور بغزارة. شعرت بالخوف يجتاح قلبها بشدة. لا تعلم ماذا تفعل. حركت رأسها بالرفض وقالت:
"أعمل إيه ياربي البني آدم ده شكله مجنون ومش ناوي على خير. اتصرف إزاي وأقول لمين. بابا هيفكر إن بقول كده عشان خاطر زين وزين ممكن المجنون ده يأذيه. عدي لا لا لا مش هينفع. أنسى بس هيتصرف معاه إزاي وكمان كفاية عليه مشاكله مع أبوه. هوف بقى أنا خايفة أوي."
وضعت يدها على وجهها وأجهشت بالبكاء حتى شعرت بأنفاسها تقطعت.
***
وصلت فرح الجامعة وكانت تبحث عن زياد لكنها لم تجده.
أخرجت هاتفها وقبل أن تتصل به وجدت رحمة تقف أمامها وتبتسم لها ابتسامة لئيمة وتكلمت بنبرة هادئة:
"فروحة حبيبتي فينك يا بنتي مش بتردي على مكالماتي ليه؟"
زفرت بضيق ونظرت الاتجاه الآخر وقالت بنبرة مختنقة:
"مافيش مش فاضية بذاكر عشان الامتحانات."
أومأت رأسها بنفس الابتسامة وقالت:
"اممم طيب أنا عندي خبر ليكي تحفة."
نظرت لها باستغراب وقالت بتساؤل:
"خبر إيه ده؟"
نظرت خلفها وجدت وائل يقترب منهما. ابتسمت بلؤم وقالت:
"وائل حس بغلطه وندمان على اللي قاله وجاي يصالحك."
اتسعت عيناها بصدمة وتكلمت بغضب وقالت:
"قولي للبني آدم ده يمشي حالا من هنا. ده كان غباء مني لما فكرت أعرف واحد ندل زيه."
اقترب وائل منها ونظر إليها بزعل مزيف وقال:
"أنا آسف يا فرح مش عارف أنا قولتك كده إزاي بس كنت متغاظ أوي من اللي عمله ابن خالتك ده فيا. إنما أنا بحبك أوي ومش قادر أعيش من غيرك."
أغلقت عينيها بغضب وتكلمت بنفاذ صبر:
"قولتلك امشي حالا من قصادي مش طايقة أسمع صوتك ولا أشوف وشك."
نظر إلى رحمة وغمز لها بعينه حتى تتحرك وتتركهم بمفردهم.
ابتسمت له بشر وتحركت بعيداً عنهم وتركتهم.
اقترب وائل أكثر منها وأمسك يدها وقال:
"عشان خاطري سامحيني يا فرح أنا بحبك أوي وحياتي ملهاش طعم من غيرك. طيب انتي عارفة أنا كلمة بابا عليكي ووعدني إن هيخطبك ليا بعد الامتحانات على طول."
أبعدت يده عنها وتكلمت بغضب:
"انت عبيط يا ابني بقولك مش طايقة أشوف شكلك. أنا مش عارفة إزاي كنت مغفلة وحبيت واحد زيك. أنا بحمد ربنا إن عرفت حقيقتك وربنا نور بصيرتي قبل ما تأذيني. انت شيطان ماشي على الأرض."
أمسك ذراعها وارغمها على التحرك معه وأبعدها في مكان خالٍ لا يوجد أحد فيه. وأسند ظهرها على الحائط واقترب منها تحت محاولاتها لإبعاده عنها، لكن مع ضعف جسدها وحجم جسده لم تستطع إبعاده. تكلمت بدموع وقالت بغضب:
"ابعد عني يا حيوان. هوديك في ستين داهية يا قذر."
حاول التهجم عليها وفعل شيء يكسر بها عينها بمساعدة رحمة وهي تحاول تصويرهم بالهاتف.
وفي ذلك الوقت شعر بيد تدفعه بقوة بعيداً عن فرح وأمسك به وظل يلكمه بوجهه عدة لكمات حتى سالت الدماء من أنفه وسقط على الأرض غير قادر على المقاومة.
ركضت رحمة بخوف شديد بعيداً عن المكان حتى لا يراها زياد ويؤذيها.
ارتمت فرح داخل أحضان زياد بجسد مرتعش وتمسكت به بقوة وظلت تبكي.
ربت على ظهرها بحنو وتكلم بصوت هادئ حنون:
"شش أهدى يا فرح انتي خلاص في حضني محدش هيقدر يقرب منك."
تكلمت من بين شهقاتها وقالت:
"ح ح حاول يلمسني يا زياد الحيوان. أنا رفضت أتكلم معاه بس هو حركني معاه بالعافية وجابني هنا. ر ر رحمة ه ه هى اللي ساعدته أنا معملتش حاجة يا زياد والله."
ضغط على أسنانه بغضب وقال:
"والله لأدفعهم تمن كل دمعة نزلت منك. أنا واثق فيكي يا فرح ومتأكد إنك مستحيل تعملي حاجة غلط. أهدى بقى وبلاش دموعك دي عشان خاطري."
أومأت رأسها بالطاعة وابتعدت عن حضنه بخجل وقالت:
"خ خ خلاص هديت."
تكلم بزعل مزيف وقال:
"ليه كده بس تعالي في حضني يا ضنايا انتي لسه زعلانة."
ابتسمت له بخجل وقالت:
"زياد اتلم بقى."
زفر بضيق وقال بتهكم:
"وأنا جاي وعامل نفسي سوبر هيرو وشخرمت الولد. وفي الآخر تقوليلي زياد اتلم منك له يا بعيدة. امشي يا اختي يلا قدامي."
تعالت ضحكاتها على كلماته وتحركت سريعاً من أمامه.
نظر إلى أثرها بحب وقال:
"قمر يخربيت كده يا جدعااان."
***
وصلت بتول عند أسيل وضغطت على زر الجرس وانتظرت أحداً يفتح لها.
ثوانٍ معدودة فتحت لها بترحاب وقالت:
"نورتي يا حبيبتي اتفضلي."
شعرت بدقات قلبها تزداد. أغلقت عينيها بضيق وقالت بتساؤل:
"ريان هنا يا أسيل؟"
نظرت لها باستغراب وقالت:
"أيوه، انتي عرفتي إزاي وانتي لسه مدخلتيش؟"
تكلمت بغضب وقالت:
"احنا مش كبرنا عن شغل الوسايط ده والمقابلات يا أسيل."
تكلمت بأسف وقالت بصوت مختنق:
"أنا آسفة يا بتول بحاول أصلح اللي أنا عملته زمان صدقيني. هو كان عارف إنك هتضايقي من الحركة دي وكان رافض يجي وأنا اللي صممت إنه يكون موجود وأجيبك عشان خاطري. ادخلي أديله فرصة واتكلموا مع بعض بهدوء."
ابتسمت لها بضيق وقالت:
"المشكلة إن مبقاش فيه كلام خلاص يتقال. كل حاجة اتقالت خلاص."
وفي ذلك الوقت سمعت صوته يأتي من خلف أسيل على مقعده المتحرك:
"أنا لو فضلت أتأسف ليكي لآخر يوم في عمري مش هكفر عن اللي عملته فيكي يا بتول. أنا عارف إن كنت غبي وحمار واحد ضعيف معندوش شخصية باعك ومهتمش بسمعتك ولا بوجعك. عارف إن أنا واحد ندل هربت وسيبتك وحيدة في أصعب وقت ليكي. عارف إن وجعتك لما شفتيني بتجوز واحدة غيرك في نفس الشهر اللي سيبتك فيه. عارف إن أنا كل ده بس أنا عشت عمري كله بكفر عن ذنبي ده. عشت بتعذب وبدفع تمن كل لحظة غباء مني. عشت بنار الندم تنهش قلبي. عشت جسد من غير قلب لأن قلبي كان معاكي ومازال يا بتول قلبي معاكي وفي إيدك ترجعي ليا وترجعي ليا الحياة بمسامحتك ليا وتديني فرصة أصلح كل اللي فات."
كانت بتول تستمع كلماته والدموع تنهمر على وجهها كالشلال. حركت رأسها بالرفض وقالت:
"كلامك ده متأخر أوي يا ريان. مبقاش ليه طعم ولا معنى. يمكن لو قولته من كام سنة فاتوا كان قلبي رقص من الفرحة وجريت عليك وسامحتك. إنما بعد موت وليد بقى صعب. مستحيل أفكر أخون حب وليد ليا. مستحيل أفكر أكون مع راجل غيره. وهو عاش عمره كله يديني الحب والحنان من غير ما يستنى مني مقابل. ده وقتي بقى أديله الإخلاص وأعيش على كل ذكرى عشناها سوا."
تكلم بدموع وقال بصوت مختنق:
"طيب وأنا وحبنا اللي عايش في قلوبنا ومش قادرين نتخلى عنه من سنين."
نظرت له بدموع وقالت:
"مبقاش من حقنا يا ريان. عشان خاطري لو بتحبني بجد رجع مراتك مني وعوضها عن وجعها منك. اشبعوا من بعض لأن الفراق والندم لما بيجتمعوا مع بعض بيبقى حاجة صعبة تحملها قوي يا ريان."
أنهت كلامها وأعطته ظهرها وقبل أن تتحرك سمعت صوته يقول لها:
"هو مش أحسن مني في حاجة وزي ما هو عاش لآخر نفس فيه بيحبك أنا كمان هفضل لآخر نفس فيا أحبك يا بتول."
أغلقت عينيها بوجع وألم وتحركت سريعاً من أمامه. صعدت سيارتها وتحركت بها إلى المقابر وبعد وقت هبطت منها واتجهت إلى الداخل. وقفت أمام قبر وليد وتكلمت من بين شهقاتها:
"محتاجك جنبي أوي يا وليد أنا تعبانة من غيرك. عايزة أهرب من حبه ومش عارفة أهرب فين. محتاجة حضنك أترمى فيه وأحس بالأمان. محتاجة إيدك تطبطب عليا وتمسح دموعي. محتاجة نظرة عيونك اللي كانت بتديني الأمل إن بكرة هيبقى أحلى. الحياة صعبة أوي من غيرك. ربنا يصبرني على فراقك ويقرب لقائي بيك."
أنهت كلامها وصعدت مرة أخرى سيارتها وعادت مرة أخرى إلى المنزل.
***
عند زين.
جلس زين على مقعده الجلدي خلف مكتبه الخشبي بوجه عابس وظل ينظر أمامه بملامح خالية.
دلف أنس ونظر إليه بحزن وجلس على المقعد وتكلم بصوت مختنق:
"زين وآخر اللي انتوا فيه ده إيه. انتوا الاتنين أعند من بعض وبتموتوا نفسكم بالبطيء."
تكلم بصوت جهوري وقال بتحذير:
"ااااانس قفل على الموضوع ده مش عايزك تنطق بحرف فيه أحسنلك وياريت تتفضل تروح تشوف شغلك وتسيبني لوحدي دلوقتي."
حرك رأسه بالرفض وتكلم بنفاذ صبر:
"لا مش هسكت يا زين لما أشوف أختي وصاحب عمري بيضيعوا حبهم بسبب عنادهم يبقى لازم أدخل. عارف إن حور غلطانة إنها مسمعتش كلامك وكدبت عليك بس متنساش إنها أول غلطة عمرها ما عملت كده. اديها أسبابها يمكن لما عم أيوب غصب عليها خافت تقوله لا وخافت تقولك تزعل منها. ما انت عارف حور جبانة إزاي وعبيطة أوي وعلى نياتها. بلاش توقف ليها على أول غلطة بلاش تستخدم سذاجتها دافع للفراق يا زين."
تعالت ضحكاته بغضب وتكلم بصوت مغلول:
"مين دي اللي عبيطة وساذجة؟ حور! والله انت اللي عبيط وعلى نياتك يا حبيبي. دي اتصلت باللي شغال معاه امبارح مخصوص عشان تستفزني وتغيظني. بسببها اتخانقت معاه ومسكت أعصابي بالعافية عشان مرتكبش جريمة. قولي واحدة بأفعالها دي ساذجة إزاااااى."
ابتسم له بهدوء وقال:
"أفعالها دي بتثبت كلامي. لو مش عبيطة وساذجة مكانتش جابته في الحفلة واستفزتك بالطريقة دي. هي مفكرة كده إنها بتحرق دمك متعرفش إنها بتزيد المشكلة. صدقني حور أختي ومتربيين مع بعض وعارف دماغي كويس أوي. هي بتعمل الحاجة من غير ما تفكر في توابعها."
نظر الاتجاه الآخر وتكلم بصوت مختنق:
"قفل يا أنس خلاص عن الموضوع ده. حور صفحة قديمة وقطعتها من حياتي. ياريت تحترم قراري ومتفتحش الموضوع تاني."
حرك رأسه بعدم رضا وقال:
"براحتك يا صاحبي بس صدقني هتندم أوي بعدين. ربنا يستر بس وتفوق قبل فوات الأوان. أنا همشي هروح آخد رهف من الشركة وآخد حور على طريقي أروحها. سلام."
خرج أنس من عند زين وهو يشعر بضيق. يريد تكسير هذا الرأس اليابس. كان يأمل أن يصلح الوضع لكنه أصبح أكثر تعقيداً.
***
كانت تجلس قمر على الأريكة تحتسي فنجان من القهوة. وفي هذا الوقت جاء بتفكيرها أخيها محروس. شعرت بالحنين إليه فرت دمعة من عينيها وتكلمت بلوم:
"كده برضه يا محروس يهون عليك السنين دي كلها متسألش على أخواتك. يا ترى شكلك بقى إيه دلوقتي ولا عايش إزاي. يا ترى اتجوزت وعندك أولاد ولا لسه زي ما انت؟"
وفي ذلك الوقت جاءت نغم واستغربت حال والدتها. جلست بجوارها وقالت بتساؤل:
"ماما انتي قاعدة بتكلمي نفسك ولا إيه؟"
أومأت رأسها بالتأكيد وتكلمت بصوت مختنق:
"أيوه يا بنتي محروس أخويا واحشني أوي. نفسي أشوفه وأطمئن عليه. هو طول عمره قلبه جاحد علينا أنا وخالتك بتول وهو كان سبب العذاب اللي شوفته على إيد مروان. بس الدم عمره ما يبقى مايه."
هرب الدم من جسدها عند ذكر قمر لاسم محروس. شعرت وكأن لسانها انعقد مرة أخرى ولم تستطع التحدث. لاحظت قمر تغير حال نغم تكلمت بقلق وقالت:
"نغم يا حبيبتي مالك، وشك أصفر كده ليه؟"
أغلقت عينيها حتى تمنع الدموع تنهمر منها وتكلمت بصعوبة:
"م م مافيش يا ماما انتي بس ص ص صعبتي عليا وانتي زعلانة دلوقتي."
احتضنتها بحب وتكلمت بنبرة حنونة:
"يا حبيبتي ربنا ميحرمنيش من حنيتك عليا، خلاص أهدى أنا كويسة أهو ومفيش حاجة."
تمسكت نغم بوالدتها بقوة كأنها تتحمى بها من شيء ما يخيفها وتكلمت بصوت مختنق:
"انتي جميلة أوي وطيبة أوي أوي يا ماما ربنا يخليكي ليا يارب."
قبلت رأسها بحب وقالت:
"ويخليكي ليا يا ضي عيني وأفرح بيكي وانتي في بيت جوزك يارب."
تكلمت بتمني وقالت بسعادة:
"يارب يا حبيبتي يارب. أنا هطلع أوضتي أذاكر شوية أحسن مستر أشرف هيعلقني لو محفظتش."
ابتسمت لها بحب وقالت:
"روحي يا حبيبتي ربنا معاكي وينجحك يارب."
نهضت نغم سريعاً وصعدت غرفتها وارتمت على فراشها وقالت:
"ربنا يستر عليكي يا ماما من الصدمة لما تعرفي إن اللي حرق قلبك وفرقنا عن بعض طول السنين اللي فاتت دي هو أخوكي اللي مشتاقة ليه دلوقتي."
***
وصل عدى إلى مكتبه وجلس عليه بضيق وطلب تميم يحضر له.
ثوانٍ معدودة وكان يقف أمامه تكلم عدى بتساؤل وقال:
"لسه موصلتش لحاجة يا تميم؟"
حرك رأسه بالرفض وجلس على المقعد بضيق وقال:
"ولا ليه أي أثر ومش واضح مين اللي هربه. عاملين خطة محكمة وعارفين هما بيعملوا إيه بالظبط."
طرق على مكتبه بغضب وقال:
"يعني إيه مش لاقيين ليه أثر؟ محروس لازم يظهر ويرجع السجن. وجوده بره ده خطر على الكل. أنا مش بنام من القلق خايف يوصل لأي حد من أهلي. خايف أتوجع في أي حد بحبه. أنا قلبي خلاص مبقاش حمل فراق تاني."
تنهد تميم بحزن على حال عدى وقال:
"اهدى بس يا عدي هو مستحيل يظهر دلوقتي وهو متأكد إننا بندور عليه. معانا وقت نفكر هنجييه إزاي ونشدد الحراسة أكتر عليهم."
وضع يده على وجهه وتكلم بصوت مختنق:
"تعبت من إن أمثل قصاد الكل إني عادي والأمور طبيعية. لازم أضحك وأهزر معاهم وأكون طبيعي قصادهم عشان محدش يشك في حاجة. طيب انت عارف إن نغم شكت إن محروس هرب لما طلبت منها متروحش الشركة اليومين دول. لو تشوف شكلها وهي خايفة وبتسألني إذا كان محروس هرب ولا إيه. بصعوبة شلت الفكرة من دماغها أو أنا مفكرها كده وهي بتحاول تخفي خوفها عني لما لاقيتني قلقان عليها."
أومأ رأسه بتفهم وتكلم بنبرة هادئة:
"متقلقش يا صاحبي هي مسألة وقت مش أكتر ومسيره يوقع في إيدينا محروس الكلب والايد اللي بتساعده."
ثم استقام بجسده وقال:
"هروح أنا بقى أشوف شغلي."
وتحرك إلى الخارج وأغلق الباب خلفه.
أمسك عدى الهاتف الخاص به وأجرى اتصالاً وانتظر الرد. ثوانٍ معدودة وسمع صوت نغم المختنق تقول له:
"عامل إيه يا حبيبي روحت الشغل ولا لسه."
أجابها باستغراب وقال:
"أنا في الشغل دلوقتي، مالك يا قلبي صوتك مخنوق كده ليه؟"
أجابته بصوت مختنق وقالت:
"ماما كانت جايبة سيرة محروس دلوقتي قال إيه وحشها. خايفة تعرف الحقيقة يا عدى. ماما مش حمل صدمات."
ابتلع ريقه بصعوبة وتكلم بتلعثم:
"ها ا ا اوعي يا بنتي توقعي بلسانك وتعرفيها حاجة مش هتستحمل الصدمة."
تكلمت سريعاً وقالت:
"لا طبعاً متقلقش مستحيل أعرفها حاجة زي دي."
تنهد بوجع وقال:
"شطورة بنت قلبي وعمري كله، يلا هقفل أنا عشان أتابع شغلي بااااي."
أغلق الخط معها وقال بتمني:
"يارب نخلص من موال محروس ده أحسن أنا تعبت منه ونفسي أرتاح بقى."
أنهى كلامه وأرجع جسده إلى الخلف وزفر بضيق حتى يهدأ قليلاً.
***
عند معاذ.
كان معاذ يجلس على الأريكة يشاهد التلفاز وتفاجئ بخروج ريفال من غرفتها وتجلس بجواره. حاول أن يفعل كما أمره مهاب. ابتسم لها ابتسامة هادئة وقال بتساؤل:
"أكلتي يا حبيبتي ولا لسه؟"
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
"ا ا أكلت من شوية."
تنحنح بتوتر وظل يتابع التلفاز وينظر إلى ابنته بطرف عينه.
تكلمت ريفال بتوتر وقالت بتساؤل:
"ه ه هو مهاب هيجي تاني امتى؟"
أجابها معاذ باستغراب وقال:
"مش عارف يا حبيبتي هو بيستأذن قبل ما ييجي على طول. بس بتسألي ليه عليه؟"
تكلمت بتوتر وقالت:
"ها ب ب بسأل عادي يا بابا. عن إذنك أنا داخلة أوضي."
انتهت من كلماتها وركضت سريعاً إلى غرفتها.
نظر معاذ إلى أثرها بقلق وقال:
"ربنا يستر وميكونش اتعلقتي بيه يا ريفال وبدل ما نعالجها من حاجة واحدة هيبقوا نعالجها من حاجتين."
***
جلس عامر على مقعده وأجلس الفتاة على قدميه وحرك يده بحركات جريئة على جسدها وتكلم بهمس:
"ده انتي طلعتي مش سهلة خالص."
تعالت ضحكاتها الرقيقة وأحاطت رقبته بذراعيه وقالت بدلال:
"ده انت اللي طلعت خلبوص ومش سهل خالص يا عمورتي."
همس بشيء داخل أذنيها مما جعل ضحكاتها تتعالى. ثم ابتعد عنها وقال:
"أنا لو أعرف الشغل في الشركة دي حلو أوي كده كنت جيت اشتغلت فيها من زمان أوي."
هبت واقفة وقالت:
"عموري لو بتحبني بجد هطلب منك حاجة بس مش دلوقتي بليل لما تجيلي في الشقة."
أومأ رأسه بالموافقة وقال:
"انت تأمر يا قمر وعليا التنفيذ."
ابتسمت بسعادة على تحقيق أول أهدافها وتحركت إلى الخارج وتركته ينظر أمامه يرسم بمخيلاته أشياء محرمة.
***
خرجت حور من العمل بعد انتهاء الوقت الرسمي لها. هبطت إلى الأسفل واتجهت إلى السيارة الخاصة بها وفتحت الباب وقبل أن تصعد بها وجدت أحد يبعدها عن السيارة ويغلق الباب بقوة. انتفضت من مكانها واستدارت سريعاً وجدته أنس. تكلمت بغضب وقالت:
"أنا بتستهبل يا أنس خضتني."
رفع أحد حاجبيه إلى الأعلى وقال باستنكار:
"اتخضتي! ليه يعني مين هيخطفك؟"
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت بصوت مختنق:
"م م مش قصدي حد يخطفني. ا ا أنا أقصد اتفجعت بس مش أكتر."
حرك رأسه بعدم تصديق وقال بنفاذ صبر:
"بت انتي بتستهبلي إيه اللي عملتيه امبارح في الخطوبة ده. مين ده اللي كنتي معاه طول الوقت."
نظرت الاتجاه الآخر حتى لا يرى ما بعينيها وقالت بصوت مختنق:
"د د ده اللي شغال معانا جديد وأنا بساعده في الشغل وعزمته على الخطوبة مفيهاش حاجة يعني."
هدر بها بغضب وقال:
"والله ولما مفيهاش حاجة ليه خايفة تبصي في عيوني. حور أنا حافظك كويس أوي وعارف لما بتبقى فيه مصيبة مش بترضي تبصي في عيون حد. اتكلمي قوليلى مخبية إيه عني."
حركت رأسها بالرفض وقالت بدموع:
"مافيش يا أنس. بترجاك سيبني أمشي."
امسكها من ذراعها وتكلم بنفاذ صبر:
"قسماً بالله لو ما اتكلمتي يا حور وقولتي فيه إيه لكون مكسر دماغك دي. انطقي اخلصي."
نظرت له بدموع وقالت بخوف شديد:
"أنا خايفة أوي يا أنس ومتسألنيش من إيه. ارجوك بس أنا حاسة الأيام الجاية هتبقى مخبية لينا كتير. أنت أقرب حد ليا وبتفهمني من غير ما أتكلم. لو في يوم حصل مني أي رد فعل مش طبيعي اعرف إن دي مش أنا."
شعر بالقلق الشديد عليها تكلم بصوت مهتز وقال بتساؤل:
"حور مالك متقلقنيش عليكي. انتي عارفة حاجة ومخبيها عني؟"
انهمرت دموعها منها كالشلال وتكلمت بصعوبة:
"أنا بحب زين أوي يا أنس. ولما كذبت عليه ده لأني كنت خايفة من ردت فعله اللي كنت متوقعها أصلاً. بس دلوقتي هو اختار البعد. اختار الطريق السهل الممتنع وده سهل على ناس تانية حاجات كتير أوي. هو رماني بإيده في النار وأنا ملزمة أحميه من لهيبها. عايزاك بس توصله إن الحب أفعال مش مجرد أقوال. وإذا كان هو وعد ومنفذش وعده ليا إنه هيفضل جنبي مهما حصل أنا بوعده إني هحميه لآخر يوم في عمري وهنفذ وعدي ده لو على رقبتي."
حرك يده على شعره بغضب وتكلم بنفاذ صبر:
"حووووور كفاية كلام بالألغاز وقوليلي انتي مخبية إيه عني وإيه معنى كلامك ده. بلاش فوازير رمضان دي الله يكرمك لأن الوضع مش مستحمل."
مسحت دموعها وحركت رأسها بالرفض وقالت:
"مافيش يا أنس. وصلوا كلامي ده زي ما قولته ليك بالحرف. وهو لو بيحبني بجد هيفهم كلامي وهييجي يخرجني من النار اللي رماني فيها بنفسه."
ثم اتجهت إلى سيارتها صعدت بها وتحركت سريعاً من أمامه واتجهت إلى المنزل.
القلق اجتاح قلب أنس بعد كلماتها الغامضة له. شعر إنها تتجه إلى طريق لا راجعة فيه. حرك رأسه بالرفض يبعد هذه الأفكار من رأسه وتحرك إلى المكتب الخاص برهف.
***
بالمساء.
تجهز سيف بغرفته وخرج منها وجد محروس يتمدد على الأريكة. ابتسم بسعادة واقترب منه وقال:
"أبو العريس بيفكر في إيه."
نظر له بابتسامة وقال بتساؤل:
"عريس! خلاص ناوي تنفذ النهارده؟"
أومأ رأسه بالتأكيد وقال:
"خير البر عاجله يا أبو سيف وبصراحة البت هتجنن عليها عايز أتمتع بيها شوية قبل ما أخلص."
تعالت ضحكات محروس الشيطانية وقال:
"ابن ابوك وصاحب مزاج زيه. عيش واتمتع. إحنا ورانا حاجة غيرهم."
ابتسم على كلمات والده وقال:
"مش ناسيك يا أبو سيف. أحلى مزة هتكون عندك عشان مزاجك. ولما تزهق منها أجيبلك غيرها اتنين وتلاتة وعشرة. انت تأمر بس."
نظر له نظرة فخر وقال بسعادة:
"تسلم راس أمك يا ابن محروس. روح يا حبيبي وهستنى المزة على نار."
تعالت ضحكات سيف وخرج من الفيلا. صعد سيارته وتحرك إلى الفيلا الخاصة بأيوب وبعد وقت كان يقف بسيارته أمام الفيلا منتظراً حور. لقد راهن نفسه على حضورها ومنتظر تحقيق الرهان ليكون دائماً الفائز الأول في جميع أوقاته حتى على نفسه.
مرت الدقائق وبدأ يشعر بالضيق والغضب يسيطر عليه. لمجرد إحساسه بالهزيمة بدأ يفقد أعصابه وأمسك هاتفه حتى يقوم بالاتصال بها وقبل أن يضغط على الشاشة اتسعت عيناه بصدمة عندما رأى...
يتبع...
رواية ما وراء الماضي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دودو محمد
مرت الدقائق وشعر سيف بالضيق والغضب يسيطر عليه. لمجرد إحساسه بالهزيمة، بدأ يفقد أعصابه. أمسك هاتفه حتى يقوم بالاتصال على حور.
وقبل أن يضغط على الشاشة، اتسعت عيناه بصدمة عندما رأى حور تقترب منه، بطلة تخطف الأنفاس. هبط سريعًا من سيارته واقترب منها، مقبلاً يدها برقة.
تكلم بصعوبة:
– انتي إزاي بالجمال ده كله؟ طيب، أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ أعاقبك على تأخيرك عليا؟ ولا أعاقبك على خطفة قلبي مني بالشكل ده؟ ولا أعاقبك على إنك هديتي كل حصون سيف السيوفي؟
أغمضت عينيها بدموع وتكلمت بصعوبة:
– سيف، أنا عايزة أفهم. أنت ليه بتعمل كده؟ عايز مني إيه؟ ليه أنا بالذات اللي بتحاول تخرب عليها حياتها؟ أنا متأكدة إن ظهورك في الوقت ده بالذات وراه حكاية، بس إيه هي؟ مش واضحة الصورة بالنسبالي.
اقترب منها حتى تقلصت بينهما المسافات وتكلم بصوت هامس:
– عايز أدمركم كلكم، بس اللي مكانش في الحسبان إنك تظهري انتي وتخطفي قلبي بالشكل ده.
ثم اقترب أكثر من أذنيها وتكلم بصوت هامس، ضاغطاً على كل حرف ينطقه:
– بحبك وناوي أتزوجك.
انتفضت مكانها بخوف شديد وابتعدت عنه وتراجعت إلى الخلف قائلة بغضب:
– أنت اتجننت؟ تتجوز مين؟ أنا بحب زين ومستحيل أكون لحد غيره.
تعالت ضحكاته وتكلم بثقة قائلاً:
– لا، هتبقي بتاعتي يا حوري وهتجوزك قريب قوي.
ردت عليه بنفس الثقة وقالت:
– بتحلم يا سيف. أنا مش هكون غير لزين وبس.
أومأ رأسه بعدم رضا وتكلم بهدوء حذر:
– متقوليش كلام هتندمي عليه بعدين. تعالي معايا دلوقتي، هوريكي حاجة وبعد كده قرري.
شعرت بالخوف من طريقة كلامه. نظرت حولها تستنجد بأحد. وهو لاحظ خوفها هذا، اقترب أكثر لها وأحاط خصرها بذراعيه وتكلم بصوت هامس:
– ششش، أهدي يا حوري. الخوف ده بدري قوي، أنا لسه في البداية. عايزك تقوي قلبك، ما هو اللي جاي مش سهل برضه.
حاولت إبعاده عنها لكنها لم تستطع. انهمرت دموعها بغزارة وتكلمت بترجّي:
– ابعد عني أرجوك. حرام عليك، كفاية لحد كده.
حرك يده وأزال عبراتها بأصابعه وقال:
– لا، بلاش دموع عشان دول غاليين قوي عليا.
وفي ذلك الوقت سمعوا صوت عدّي الغاضب وهو يقول لهم:
– انتوا بتعملوا إيه؟
ابتعد سيف سريعًا عن حور وضغط على أسنانه بغضب واستدار إلى عدّي وقال بصوت هادئ:
– أنا شريك أستاذ أيوب في الشركة وجاي آخد أستاذة حور، عشان النهاردة اليوم الأخير اللي قبل الحفلة ولازم نتأكد إن كل حاجة تمام.
نظر إلى حور بضيق ثم نظر إلى عدّي وقال بغضب:
– وهو اللي بياخد حد عشان شغل يكون مقربه منه بالمنظر المقرف ده؟
ثم نظر إلى حور وتكلم بغضب:
– وانتي يا هانم، إزاي تسمحي لحد يقرب منك بالشكل ده؟ انتي بتستهبلي؟
تكلمت حور بتوتر وقالت:
– ها... م... ما هو اللي قرب مني وأنا كنت لسه بقوله يبعد، والله.
ابتسم سيف بثقة وكأنه فهم ما يدور برأسهم. تكلم بصوت رجولي قائلاً:
– هو فعلًا ميصحش اللي حصل ده وأنا بتأسف عليه، بس غصب عني. أنا بحب حور وعايز أتجوزها.
جحظت عيناهما بصدمة، فهم لم يتخيلوا ما تفوه به سيف لتوه. نظرت حور إلى عدّي حتى ينقذها من هذا الموقف. وما على عدّي غير أن يتكلم بغضب واضح، فإنها حبيبة أخيه وابنة خالته:
– بتحبها وتتجوزها إزاي يعني؟ حور شبه مخطوبة لأخويا زين والاتنين بيحبوا بعض.
ابتسم لهم بكل هدوء وقال بنبرة هادئة مخيفة:
– على حد علمي إن أخوك سابها، وكمان مافيش أي حاجة رسمية تمنع إن أتقدم ليها. وكماااان الأنسة حور هي اللي فتحت ليا السكة للموضوع ده. والأهم من كل ده إن أنا بحبها، ومدام حبيتها فده شيء نادرًا لما بيحصل. وعلشان كده أنا مش هتخلى عن حور مهما حصل.
أنهى كلامه وهو ينظر إلى حور بتوعد قائلاً:
– مش يلا بينا يا آنسة حور؟ هنتأخر على ميعادنا.
نظرت له بخوف شديد وأومأت رأسها بالطاعة وتحركت معه وهي تنظر إلى عدّي. ثم صعدت معه السيارة وصعد بجوارها سيف وتحرك بها سريعًا تحت نظرات عدّي الغاضبة.
وقف عدّي مكانه بغضب ونظر إلى أثرهما بعدم تصديق وقال بصوت مرتعش:
– ده... ده شبه محروس بالمللي! معقول يكون ابنه...؟
حرك رأسه باستنكار مكملاً:
– لا، لا، لا مستحيل. أكيد الشبه صدفة. بس ليه ظهر في الوقت ده بالذات؟ بس ده اسمه سيف السيوفي، ما عادي ممكن يغير اسمه...
ثم حرك يده على رأسه بنفاذ صبر وقال:
– أنا هتجنن. ده لو ابنه بجد، الأيام الجاية مش هتعدي على خير والكل هيكون معرض للخطر. حاسس نفسي تايهة. أنا لازم أعرف كل حاجة عن الشخص ده، وربنا يستر من اللي جاي.
أنهى كلامه وصعد سيارته وتحرك بها مسرعًا إلى منزله.
***
كانت تجلس أسيل على الأريكة تشاهد التلفاز. وفي ذلك الوقت سمعت صوت الجرس. نظرت بالساعة باستغراب ونهضت اتجهت إلى الباب وفتحته. واتسعت عيناها بصدمة عندما وجدت عامر يقف أمامها ويتأرجح بسكر. تكلمت بغضب وقالت:
– أنت إيه جيبك هنا؟
دفعها بقوة أبعدها من أمامه وتحرك إلى الداخل وهو يتأرجح بشدة وتكلم بسكر:
– ده... ده بيتي، أجي فيه وقت ما أحب. مش واحدة شمال زيك تطردتني من بيتي.
أغلقت عينيها بدموع وتكلمت بصوت مختنق:
– كفااااية بقى حرام عليك. مش عشانّي، كفاية عشان ولادك اللي ملهومش ذنب غير إنك أبوهم. كفاية تصغر من نفسك في عينيهم. أنت بتعمل فينا كده ليييه؟
تعالت ضحكاته وتكلم بتهكم:
– قال يعني انتي اللي أم تشرف اوووي. طيب أقولهم أنا عرفتك إزاي وأول مقابلة ما بينا كانت فين؟ خليهم يعرفوا أمهم على حقيقتها.
وضعت يدها على فمه وتكلمت بترجّي:
– أبوس إيدك اسكت. كفاية قلة مني قصاد ابنك، أرجوك وطّي صوتك. أميرة رقيقة ومش هتقدر تستحمل الكلام اللي بتقوله ده. أبوس رجلك اعتقنا أنا وولادك من أفعالك دي.
أبعد يدها بغضب وتكلم بصوت مرتفع وهو يتأرجح بسكر:
– يا سمنة أميرة تعالي، يا رقيقة ومرمرة وخفيفة على المعدة، تعالي أعرفي حقيقة أمك الشريفة.
هرول كل من أنس وأميرة إلى الأسفل على صوت عامر وتكلم أنس بغضب:
– أنت بتعمل إيه هنا بمنظرك ده؟
اقترب من أميرة وتكلم بابتسامة بلهاء:
– جاي أعرفكم حقيقة أمكم الشريفة اللي كانت معايا على السرير وفي حضني من أول مرة اتقابلنا فيها.
حركت أسيل رأسها بدموع وقالت بترجّي:
– بس كفاية، أرجوك بس.
اقترب أنس منه بغضب ودفعه بقوة حتى يخرج وقال:
– اطلع بره، متنطقش بحرف تاني، برررره.
نظر عامر إلى أميرة وقال:
– أمك ست خائنة، خانت جوزها معايا وحملت في أخوكي وهي متجوزة راجل تاني وبتنام في حضني.
وضعت أميرة يدها على أذنيها حتى لا تسمع ما يتفوه به هذا المعتوه والدموع تنهمر من عينيها كالشلالات.
عندما رأى أنس حالة أخته، أمسك عامر من ذراعه بغضب ودفعه بقوة خارج الباب ودفعه بوجهه.
اقتربت أسيل من أميرة وقالت بدموع:
– أميرة يا بنتي، متصدقيش كلام أبوكي. ه... ه... هو بيعمل كده عشان يستفزنا، بس. أميرة ردي عليا.
ابتعدت عنها بدموع وظلت تحرك رأسها بالرفض.
تكلم أنس بصوت مختنق وقال:
– أميرة، أميرة اسمعينا. ا... ا... انتي مش عارفة أسلوب الراجل ده معانا عامل إزاي. متصدقيش كلامه، هو قاله عشان يعكنن علينا، طيب م... م... ما أنا سمعته زيك أهو، بس مصدقتش الكلام ده على ماما. أميرة ردي علينا.
نظرت لهم بدموع وصعدت تركض إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
ركضت أسيل ومعها أنس وتكلمت بدموع:
– أميرة افتحي الباب عشان خاطري. أميرة متعمليش في أمك كده، أنا أموت لو حصلك حاجة. منك لله يا عامر، ينتقم منك ربنا.
تكلم أنس بوجع وقال:
– ابعدي يا ماما، هكسر الباب عليها.
تراجعت أسيل إلى الخلف وبدأ أنس يدفع الباب بقوة حتى استطاع فتحه. وجدها تجلس على الأرض وضامة قدميها بالقرب من صدرها وتبكي بوجع وقهر.
جلست أسيل بجوارها وربتت على ظهرها وتكلمت بدموع وقالت:
– عشان خاطري اهدّي يا أميرة. أنا بحبكم، انتوا أغلى حاجة عندي. عشانكم أنا اتغيرت كتير، بقيت واحدة قد المسؤولية. استحملت كتير أوي عشانكم. الموت عندي أهون مليون مرة من نظرة الشك اللي في عيونك ليا يا بنتي.
ارتمت داخل أحضان أمها وتمسكت بها بقوة وتكلمت من بين شهقاتها:
– أنا بحبك أوي يا ماما وعمري ما أقدر أكرهك. انتي أجمل شيء في حياتنا. أنا صعبان عليا نفسنا واللي البني آدم ده بيعمله فينا. أنا بكرهه وبكره اسمه اللي مكتوب وراه اسمي. مش كفاية حرمنا من حنان الأب وهو عايش؟ بقيت أتكسف أقول إن عندي أب، بقول عليه ميت لأي حد أعرفه وهو فعلًا ميت في نظرنا وفي قلوبنا.
احتضنتها أسيل بقوة وتكلمت بدموع:
– منك لله يا عامر على اللي أنت عمله في ولادك ده. ينتقم منك ربنا، حسبي الله ونعم الوكيل.
نظر لهم أنس بحزن شديد تركهم وذهب غرفته. ارتمى على فراشه بقلب موجوع ومكسور وحاول يمسك دموعه لكنه لم يستطع. انهمرت منه بغزارة وتعالت شهقاته مثل الطفل الصغير.
***
وصل سيف بسيارته أمام إحدى الفنادق ونظر إلى حور بغضب وتكلم بأمر:
– انزلي!
نظرت من خلف زجاج النافذة وتكلمت بخوف وقالت:
– ا... ا... أنزل فين؟ ده... ده مش الفندق اللي هيتعمل فيه الحفلة.
زفر بضيق وهبط من السيارة وتحرك باتجاه الباب الآخر وفتحه وأمسك ذراع حور وأرغمها على الهبوط رغم محاولاتها لإبعاده عنها. دفع الباب بقوة وتحرك بها إلى الداخل ونظر إلى الموظف وقال بتساؤل:
– الأوضة جاهزة؟
أومأ الموظف رأسه بالتأكيد وقال:
– جاهزة يا فندم.
تكلمت حور بدموع وقالت:
– أرجوك انقذني. الراجل ده خطفني.
نظر الموظف إلى الأرض ولم يجيب عليها.
تعالت ضحكات سيف الشيطانية وتكلم بتهكم:
– متحاوليش. كلهم هنا تبعي ولا بيسمعوا ولا بيشوفوا. لأن من الآخر الفندق ده بتاعي. امشي يا قطة، ليلتنا النهارده نااار.
حركت رأسها بالرفض وقالت بدموع:
– لا، لا، لا. أبوس إيدك، أرجوك سيبني أمشي.
أرغمها تتحرك معه إلى إحدى الغرف ودفعها بقوة أسقطها على الأرض وأغلق الباب بإحكام وتحرك باتجاه المقعد جلس عليه ووضع ساق فوق الأخرى ونظر لها بابتسامة وقال:
– نورتي أوضتك يا قطة.
تراجعت إلى الخلف وهي جالسة بالأرض بخوف شديد حتى وصلت عند الحائط أسندت ظهرها عليها وتكلمت بترجّي:
– أبوس إيدك سيبني أمشي.
ظل يتابعها بصمت تام ونظراته تخترق كل شبر بجسدها ثم تكلم بنبرة تملؤها الرغبة:
– طيب أسيبك تمشي إزاي؟ ده حتى عياطك مثير ويجنن.
ثم استقام بجسده واقترب منها ومال بجسده إليها وحرك يده على وجنتيها وتكلم بنبرة هامسة:
– قدامك خيارين. أول خيار إنك توافقي بكرة على طلب جوازي منك في الحفلة وتقنعي أبوكي إنه يوافق عليا. وتاني خيار، وأتمنى إنك تختاريه، هو إن آخد منك اللي أنا عايزه دلوقتي وأعيش معاكي ليلة ولا ألف ليلة وليلة، وساعتها بقى هتبقي برضه مجبرة توافقي بكرة على جوازنا.
حركت رأسها بخوف شديد وتكلمت من بين شهقاتها:
– بس أنا بحب زين ومش هقدر أكون مع راجل غيره.
ضغط على أسنانه بغضب وبحركة مفاجئة مزق البلوزة التي ترتديها ونظر إلى جسدها وقال:
– يبقى اخترتي الخيار التاني، وأنا كنت بتمنى الصراحة.
دارت جسدها بذراعيها وتكلمت بدموع وقالت:
– لا، لا، لا. أبوس إيدك ابعد عني، متلمسنيش.
حرك أصابعه على ذراعها وتكلم بصوت هامس:
– هنفذلك اللي عايزاه، بس انتي كمان تنفذي اللي أنا عايزه، هااا؟ قولتي إيه؟
أومأت رأسها بدموع وتكلمت من بين شهقاتها:
– ه... ه... هنفذلك اللي انت عايزه، والله. ب... بس متلمسنيش.
حرك يده وأزال دموعها من على خدها وقال:
– لا، بلاش دموعك دي عشان أنا قلبي رهيف وهيخليني أعمل حاجات كتير قوي.
وضعت يدها على فمها حتى تمنع شهقاتها وتكلمت بترجّي:
– س... س... سكت أهو. سيبني بقى بترجاك.
استقام بجسده وأمسكها من ذراعها وأرغمها على الوقوف ثم حركها باتجاه المقعد أجلسها عليه وقال:
– اقعدي هنا.
وتحرك باتجاه مبرد صغير واخرج منه عصير معلب وعاد إليها وقال:
– خدي اشربي ده.
حركت رأسها بدموع وقالت:
– م... م... مش عايزة. أنا عايزة أي حاجة ألبسها.
أومأ رأسه بهدوء وقال:
– اشربي ده وأنا هجيبلك حاجة تلبسيها.
حركت يدها المرتعشة وأخذته منه وبدأت ترتشف منه وتنظر إلى سيف بدموع.
ارتسمت ابتسامة على ثغره بلؤم وظل يتابعها.
بدأت الصورة تتلاشى من أمام عين حور. أمسكت رأسها بيدها ومال جسدها إلى الأمام وأسندت رأسها على سيف وفقدت الوعي. لم تشعر بأي شيء آخر.
مال سيف بجسده حملها بين ذراعيه وتحرك بها باتجاه التخت وضعها عليه و...
***
بالفيلا الخاصة ببتول..
جلست بتول على مقعدها مترأسة طاولة الطعام وجلس عدّي وفرح. نظرت لهم بغضب وقالت:
– البيه برضه رافض ينزل يأكل معانا.
أومأت فرح رأسها بالتأكيد وقالت:
– أيوه يا ماما. قولتلُه قال لي مليش نفس للأكل ومرضاش ينزل.
هبت واقفة بغضب وقالت:
– هو مفكر إن الفيلا هنا ملهاش كبير ولا إيه بعد موت أبوه؟ أنا هعرفه يحترم المكان اللي عايش فيه إزاي.
وقبل أن تتحرك، أمسك عدّي يدها مانعًا إياها وتكلم بصوت مختنق:
– خليكي انتي يا ماما، أنا هطلع له.
نظرت له وتكلمت بغضب وقالت:
– عقله يا عدّي أحسن. أقسم بالله أطلع أكسر دماغه الناشفة دي. هو مفكر نفسه عشان طول شوية مش هعرف أربيه.
أومأ رأسه بالطاعة وقال:
– حاضر يا ماما. أهدي انتي بس عشان متتعبيش واللي عايزاه هيحصل.
جلست بتول مرة أخرى على مقعدها وتحرك عدّي إلى الأعلى واتجه إلى غرفة زين. طرق على الباب ثم فتحه ودلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه وقال:
– ممكن أدخل؟
ابتسم بتهكم وقال:
– ما أنت دخلت خلاص. تعالي.
تحرك عدّي باتجاه التخت الخاص بزين وجلس بجواره وقال بتساؤل:
– منزلتش أكلت معانا ليه؟
تكلم بصوت مختنق وقال:
– مليش نفس. كلوا انتوا.
حرك عدّي رأسه بعدم رضا وتكلم بضيق:
– مش وضع اللي انت عامله في نفسك ده. مدام بتحبها أوي كده ما تتنازل شوية عن كبريائك ده وسامحها بدل ما انت مشحطت قلبها معاك كده.
زفر بضيق وتكلم بصوت غاضب:
– عدّي، اقفل انت كمان على الموضوع ده. مش كل شوية حد يكلمني فيه. حور غلطت غلطة كبيرة أوي بالنسبالي ومستحيل أسامحها عليها. أنا قولت لها كذا مرة قولي لي الحقيقة وأنا مستعد أسامحك عليها مهما كان حجمها، بس هي استقلت بيا وفضلت مكملة في كدبها. وفوق كل ده رايحة تجيبه في حفلة خطوبتكم. هي اللي كتبت نهاية قصتنا بأيديها مش أنا يا عدّي.
أخذ عدّي نفس عميق وتكلم بتوتر:
– زين، حور ممكن تكون في خطر.
نظر له بعدم فهم وقال:
– خطر!! ده اللي هو إزاي مش فاهم.
تكلم عدّي بتوضيح وقال:
– مش مهم إزاي، بس واضح إن اللي اسمه سيف ده وراه قصة كبيرة.
ابتسم بعدم اهتمام وقال:
– حتى لو هو كده، ده شيء ميخصنيش. هي حرة تختار الطريق اللي هي عايزاه.
هدر به بغضب وقال:
– أنت إيه يا أخي؟ دي حتى تبقى بنت خالتك قبل أي شيء والمفروض تخاف عليها وتحميها.
نظر الاتجاه الآخر وتكلم بعدم اهتمام:
– هي مش صغيرة، دماغها فيها وتعرف تتصرف إزاي.
أغلق عينه حتى يهدأ قليلاً وتكلم بنفاذ صبر:
– هتقدر تشوفها مع راجل غيرك وتكون من نصيبه؟
جحظت عيناه بصدمة وتكلم بصوت مختنق:
– ها... ا... ا... أنت عارف حاجة ومداريها عليا يا عدّي؟
أومأ رأسه بالتأكيد وتكلم بغضب:
– أيوه. سيف شكله مش سهل والمنافسة على حور مش سهلة، وخصوصًا أنا شفت نظرة الإصرار اللي في عيونه. خد بالك بقى، عقلك في راسك تعرف خلاص
رواية ما وراء الماضي الفصل الثلاثون 30 - بقلم دودو محمد
نظر سيف إلى حور نظرة مطولة وتكلم بتوضيح:
- ملمستكيش علشان عايز كل حاجة رسمي. أما بقى عملت فيكي كده ليه؟ ده لأني أخدت ليكي كام صورة وأنتي بالمنظر ده. عشان لو عقلك فاق وحبيتي تعملي ذكية عليا. تظهري قصاد الكل وحبيب القلب بقى يشوفك وأنتي في حضني بالمنظر ده.
اتسعت عيناها بصدمة وحركت رأسها بعدم تصديق وتكلمت بدموع وقالت:
- أنت إيه يا أخي شيطان؟ حرام عليك، أنا بكرهك يا سيف بكرهك.
ووضعت يدها على وجهها وظلت تبكي بقهرة.
استقام بجسده وتكلم بأمر:
- قومي يلا، البسي هدومك عشان الوقت اتأخر. وزمانهم في البيت قلقانين عليكي.
تحركت ببطء شديد وأنذلت قدميها إلى الأرض ومالت بجسدها وأخذت ملابسها من على الأرض وتحركت بضعف شديد إلى المرحاض. دقائق معدودة خرجت والدموع تنهمر منها وقالت بصوت منكسر:
- أنا خلصت، أرجوك روحني.
نظر لها بضيق واقترب منها وأزال عبراتها وتكلم بتحذير:
- حسك عينك الشيطان يوزك وتفكري تلعبي معايا يا حور. عشان ساعتها هتشوفي وش تاني خالص مني. أتمنى إنك متشوفوش. أنا كل ده حنين عليكي وبعاملك بهدوء تام. اللي قولته ليكي هيتنفذ بكرة بالحرف. هطلب إيدك من أبوكي وأنتي هتوافقي وهتظهري كمان فرحتك قصاد كل الموجودين. فاهمة؟
أومأت رأسها بدموع وقالت:
- ف ف فاهمة.
ربت على وجنتيها وتكلم بابتسامة:
- شطورة يا حوري، امشي يلا.
تحركوا إلى خارج الغرفة وهبطوا إلى الأسفل. صعدوا السيارة وعادوا إلى المنزل.
***
في صباح اليوم التالي، ظلت حور مستيقظة بغرفتها تبكي. فهي منذ أن وصلت ليلاً وصعدت غرفتها لم تخرج منها. سمعت صوت طرقات على الباب. أزالت عبراتها وأذنت لـ "نغم" بالدخول. انفتح الباب ودخلت نغم ونظرت إلى حور بقلق وقالت بتساؤل:
- حور، أنتِ من ساعة ما جيتي امبارح بليل وأنتي حابسة نفسك في أوضتك ليه؟ ومال عيونك وارمة أوي من كتر ما أنتِ معيطة؟ طمنيني أرجوكي، فيكي إيه مخبياه عليا؟
نظرت الاتجاه الآخر حتى تهرب من نظرات نغم لها وتكلمت بصعوبة:
- مفيش يا نغم، أنا بس مخنوقة من اللي بيحصل. من زين مكنتش متوقعة إنه يبعد عني بسهولة كده.
أمسكت يدها وربتت عليها وقالت بنبرة حنونة:
- متزعليش يا حور، عدى مش ساكت والله وبيحاول يتكلم معاه. بس هو لسه واخد على خاطره من اللي حصل.
تنهدت بوجع وتكلمت بدموع وقالت:
- هو حر بقى، أنا مش هقعد مستنية حضرته لما يحن عليا.
شعرت بالقلق يجتاح قلبها. نظرت لها بتوتر وقالت بتساؤل:
- قصدك إيه يا حور؟ مش فاهمة؟
تكلمت بصوت مختنق من كثرة البكاء وقالت:
- مفيش يا نغم. بس أنا خلاص هشيل زين من قلبي وهفكر في حياتي ومستقبلي بعيد عنه.
هدرت بها بغضب وقالت:
- أنتِ اتجننتي؟ زين مين ده اللي هتشوفي مستقبلك بعيد عنه؟ أنتوا مال حبكم ضعيف أوي كده؟ من أول مشكلة واخترتوا الطريق السهل؟ فين حبكم؟ فين إصراركم على بعض؟ فين التماسك اللي بيقوي أي علاقة؟ المفروض تكونوا أقوى من كده وتتحدوا العالم كله بحبكم. ازعلوا عادي من بعض بس شوية وترجعوا. إنما تقوليلي هشوف مستقبلي بعيد عنه ده جنان وحب ضعيف جدا.
إلى هنا ولم تستطع حور التماسك. انهارت جميع حصونها وتكلمت بصراخ والدموع بتتسبق على وجنتيها:
- أنتوا كلكم بتلوموا عليا أنا ليه؟ محدش حاسس بيا؟ ضغط ضغط ضغط مش بترحموا ليه؟ أنا خلاص مبقتش قادرة. كل اللي بعيشه دلوقتي بسبب بابا وعدم اهتمامه برأيي. محدش فيكم مقدر إني بني آدمة وعندي مقدار معين من الطاقة وخلاص خلصت. أنا مش فرحانة باللي وصلنا له بس لا هو قدر موقفي ولا بابا كمان. أنتِ عارفة المشكلة إيه؟ إن زين وبابا نسخة واحدة. عندهم رأيهم هما الأهم. عندها تسلط وتملك غريب. المهم نفسهم وغيرهم يولع. وأنا بقى لعبة ما بين الاتنين، كل واحد فيهم بيلعب بيا شوية ويرميني للتاني.
ثم جلست على الأرض بدموع وتكلمت من بين شهقاتها وقالت بوجع:
- أنا بحب زين يا نغم. وبعده عني يعني موتي. بس اللعبة اللي أنا فيها دي مش أنا اللي بحرك نفسي فيها. أنا فيه صوابع هي اللي بتحركوني. أنا تعبت وعايزة أرتاح. نفسي حد يفهمني لو لمرة واحدة بس.
كانت نغم تستمع كلمات حور بقلب مفطور والدموع تتسابق على وجينتها بقهر على حالها. جلست بجوارها وأخذتها داخل أحضانها وتكلمت من بين شهقاتها:
- فيكي إيه يا قلب أختك وصلك للحالة دي؟ اتكلمي يا حور ووعد مني هساعدك وأخد بأيدك لطريق الصح.
تمسكت حور بنغم بقوة وظلت تبكي بحزن ووجع. تقطعت أنفاسها من شدة البكاء. وبعد وقت ابتعدت عن حضنها وتكلمت بصوت مختنق:
- نغم، هطلب منك طلب ممكن.
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
- طبعًا يا حبيبتي، أؤمري.
نظرت لها بدموع وقالت.
***
في الغرفة الخاصة بأيوب وقمر.
تكلمت قمر بغضب لاول مرة بحياتها مع أيوب وقالت:
- أنت إيه؟ كفاية اللي بتعمله في بنتي يا أيوب، حرام عليك. هتضيعها مني. البت طول الليل تعيط. سامعة صوت شهقاتها من ورا بابها.
نظر لها بغضب وتكلم بتحذير:
- قمرررر. إياكي صوتك يعلى عليا تاني. فاهمة؟
ردت عليه بغضب ونفاذ صبر:
- هو ده كل اللي يهمك؟ صوتي ميعلاش عليك؟ طيب وبنتك مش همك؟ حالتها اللي وصلت ليها دي؟ مش هقعد أتفرج على بنتي وهي بتضيع مني يا أيوب. وأنت كمان مجبر تساعدني، فده لأنك السبب الرئيسي اللي وصل حالتها لكده. تكبرك وعنادك هما السبب. جيت قولتلك يا أيوب بلاش تخليها تشتغل مع الراجل ده، عندت وقولتلي ده شغلك ومليش إني أدخل فيه. قولتلك بنتك مضايقة، قولتلي بنتي مش هتمشيني على مزاجها. وفي الآخر إيه اللي حصل؟ بقت وردة دبلانة بسبب بعد زين عنها. أنا مش هقبل بوجع بنتي يا أيوب. فاااااهم.
ضغط على أسنانه بغضب ونظر لها نظرة مطولة وتكلم بهدوء حذر:
- أنا لولا عامل حساب الحب والعشرة اللي ما بينا كان هيبقى ليا تصرف تاني معاكي يا قمر. أنا ماشي.
أنهى كلامه وتحرك سريعًا إلى الخارج بغضب شديد.
نظرت إلى أثره بدموع وجلست على الأريكة بغضب شديد.
***
استيقظت أميرة على صوت والدتها وهي توقظها بصوتها الهادئ الحنون وتقول لها:
- صباح الخير يا قلب ماما. اصحى يلا، عمتك دنيا تحت وعايزة تتكلم معاكي.
اعتدلت على فراشها ونظرت لها بحزن وقالت:
- حاضر يا ماما، هجهز وهنزلها على طول.
قبلت رأسها بحب وقالت:
- ماشي يا حبيبتي، متتأخريش.
خرجت أسيل من الغرفة ونظرت أميرة إلى أثر والدتها وتذكرت ما حدث ليلة أمس. هبطت دمعة من عينيها، أزالتها سريعًا ونهضت من على فراشها واتجهت إلى المرحاض. دقائق معدودة وكانت تجهزت وهبطت إلى الأسفل. ابتسمت بسعادة عندما وجدت عمتها دنيا ومعها فريد. اقتربت منهم وقالت:
- ص ص صباح الخير.
نهضت دنيا واحتضنتها بحب وقالت:
- صباح النور يا قلب عمتك. هو فيه حد يصحى من نومه يبقى قمر كده؟ يا بختك يا اللي في بالي هتفتح عيونك على القمر ده كل يوم.
احمرت وجنتيها بخجل وتكلمت بصعوبة:
- ش ش شكراً يا عمتو.
أمسكت يدها وأجلستها بينها هي وفريد وتكلمت بحب:
- أنا فرحت أوي لما فريد قال لي إنه بيحبك وعايز يتجوزك. مكنتش هلاقي لابني عروسة زي القمر زيك كده. ربنا يسعدكم ويهنيكم يارب. أنا كلمت مامتك وإن شاء الله هنعمل الخطوبة قبل ما نسافر والاجازة الجاية الفرح.
أومأت رأسها بالموافقة وظلت تنظر إلى الأرض بخجل وقالت:
- ممكن أطلب منك طلب يا عمتو؟
أومأت رأسها بالتأكيد وقالت:
- طبعًا يا قلب عمتك، قولي اللي أنتِ عايزاه.
نظرت إلى والدتها بحزن وقالت بصوت مختنق:
- ممكن أجي أعيش معاكم هناك؟
اتسعت عين أسيل بصدمة وتكلمت سريعًا وقالت:
- أنتِ عايزة تمشي وتسبيني يا أميرة؟ أنتِ لسه مصدقة اللي قاله أبوكي امبارح؟
حركت رأسها بدموع وقالت:
- مش أنتِ السبب يا ماما، أنا عايزة أروح أي مكان تاني بعيد عن المكان اللي جوزك عايش فيه. مش عايزة أشوفه ولا أسمع صوته. أنا بكرهه وكل ما بشوفه قلبي بيوجعني أوي.
تكلمت بدموع وقالت بترجّي:
- عشان خاطري يا أميرة، متعمليش فيا كده. مش هقدر أستحمل بعدك عني.
تكلمت دنيا وقالت بتوضيح:
- اهدي يا أسيل، بنتك كده كده هتسافر معانا. بعدين بقى ولا دلوقتي مش هتفرق. ومدام دي رغبتها يبقى نعمل خطوبة وكتب كتاب وتسافر معانا المرة دي.
حركت أسيل رأسها بالرفض وقالت:
- أنا كنت فاكرة إنها هتعيش هنا جنبي وابنك هيفضل معاها. متوقعتش إنها هتسافر وتبعد عن حضني.
نظرت إلى فريد ووجدته صامت. فهمت أنه يريد أن يتحدث مع أميرة. نهضت دنيا وأمسكت يد أسيل وقالت:
- تعالي معايا، أنا هفهمك الوضع.
وتحركوا إلى الخارج وتركوهم بمفردهم.
اقترب فريد منها وأمسك يدها وقال بنبرة مختنقة:
- ممكن بعد كده مشوفش دموعك دي تاني. عشان أنا كان هاين عليا أمد إيدي وأمسحهم من على خدك قصادهم.
نظرت له بخجل وأومأت رأسها بالطاعة.
قبض وجهها بيديه ونظر في عينيها وقال بوعد:
- وحياة أغلى حاجة عندي اللي هي أنتِ، هعوضك عن كل دمعة نزلت من عيونك بسبب أي حد تاني. هخليكي أسعد واحدة على الأرض. أنا بعشقك يا أميرة وفرحت أوي لما ماما قالت إننا هنتجوز الإجازة دي وهتيجي معانا. أنا مش مصدق نفسي. كلها أيام وتبقى معايا. يااااه، فرحان أوي يا أميرة قلبي من جوه.
ابتسمت له بخجل وتكلمت بتلعثم وقالت:
- ا ا أنا هروح أشوف ماما وعمتو فين.
أمسك يدها وقال بابتسامة جميلة:
- استني هنا. إذا كان ماما أخدت أمك وطلعوا الجنينة عشان يسبونا نتكلم شوية مع بعض هنا.
نظرت إلى يده الممسكة بيدها بخجل وتعالت دقات قلبها بسعادة وظلت صامتة.
ابتسم فريد على خجلها وظل يتابعها باستمتاع ودقات قلبه تتزايد حتى كادت أن تخترق ضلوعه من شدة حبه لها.
***
عاد عدي من عمله وتمدد على فراشه وأمسك هاتفه وأجرى اتصالاً بمحبوبته وانتظر الرد ثواني معدودة وسمع صوتها الباكي يخترق أذنه. تكلم بقلق وقال بتساؤل:
- نغم، أنتِ بتعيطي ليه؟ حصل حاجة عندك ولا إيه؟
تكلمت من بين شهقاتها وقالت بصوت مختنق:
- حور يا عدي، مدمرة خالص بسبب بعد زين عنها. كلامها كمان قلقني أوي. أنا حاسة إنها في خطر بس مش عارفة إيه هو. بس كل اللي فهمته من كلامها إن فيه خطوة مهمة هتاخدها النهارده ومرضتش تقولي إيه هي. بس شكلها كده مش طبيعي.
أغلق عينيه بتوتر وتكلم بتحذير:
- قولي لحور بلاش. هي مش فاهمة خطورة الخطوة دي إيه.
تكلمت سريعًا وقالت بتساؤل:
- هو أنت عارف هي ناوية تعمل إيه النهارده؟
أجابها بصوت مختنق وقال:
- هو استنتاج مش أكتر. بس لو صح يبقى أختك هترمي نفسها في النار.
زفرت بضيق وتكلمت بنفاذ صبر وقالت:
- ما تقول على طول يا عدي. هي ناوية على إيه؟ متزودش الضغط عليا أكتر ما هو.
رد عليها بضيق وقال:
- مش هقدر أقولك حاجة دلوقتي غير لما أتأكد من حاجة. بس حاولي تخلي أختك تتراجع عن اللي في دماغها.
ظلت صامتة لوقت وتكلمت بصوت مختنق:
- ماشي يا عدي. بس أرجوك خليك جنبها. أوعى أختي تتأذى. عشان خاطري، مش هستحمل أذية أي حد فيكم.
حاول أن يتكلم بهدوء عكس العاصفة التي تجتاح قلبه وقال:
- وحياتك عندي هعمل ما في وسعي عشان أحميها وأجمعها مع أخويا زين. يلا، أنا هقفل دلوقتي وبليل هرن عليكي عشان نروح الحفلة سوا.
ابتسمت بحزن وقالت:
- حاضر يا حبيبي، مع السلامة.
أغلق عدى الخط بقلق شديد ونظر أمامه وقال:
- المعلومات مش مبشرة خالص على اللي اسمه سيف ده. وحاسس لما تكتمل الصورة هيكون فيه مفاجآت كتير أوي.
أنهى كلامه ونهض من على فراشه واتجه إلى المرحاض بدل ملابسه وخرج. تمدد على فراشه وظل يفكر في حل هذا اللغز حتى استسلم إلى نوم عميق.
***
وصلت رهف إلى الشركة وجلست على مقعدها باستغراب. فاليوم لم يأتِ أنس كالمعتاد لتوصيلها ولم يهاتفها منذ الأمس. شعرت بالقلق اتجاهه. أمسكت هاتفها وأجرت اتصالاً وانتظرت الرد ثواني معدودة وسمعت صوته المختنق قائلاً:
- صباح الخير يا رهف.
أجابته سريعًا وقالت بقلق:
- صباح النور يا أنس. مالك؟ أنت كويس؟
خرجت تنهيدة حارة اخترقت أذنيها عبر الهاتف وتكلم بصوت مختنق:
- طول ما هو موجود في الدنيا مش هبقى كويس. هو سبب وجعي وحزني. هو سبب قهرتي. هو الوحيد اللي بيحسسني بعجزي. عاجز عن مواجهته. عاجز من أخد قرار حاسم معاه. عاجز لأنه هو أبويا ومقدرش أعمل كل ده.
شعرت بوجعه وتكلمت بتساؤل:
- هو حصل حاجة تاني؟
أجابها بوجع وقال:
- وهو هيحصل إيه تاني بعد عمايله دي كلها يا رهف؟ أنا زهقت ونفسي أرتاح. بضحك وبهزر وبأزر كل اللي بحبهم. بس أنا فعلًا محتاج حد ياخد بأيدي يخرجني من الدايرة اللي أنا فيها دي. عايز حياتي تبقى هادية بعيد عن مشاكله اللي مالية حياتنا.
تكلمت بنبرة هادئة وقالت:
- أنا جنبك معاك ومش هسيبك. هاخد بأيدك لبر الأمان. بس أنت ادعيله بالهداية وربنا ينور بصيرته ويبعد عنه شيطانه. عمو عامر معدنه طيب بس شيطانه غاوي ومغمي عيونه. مصور إن لذة الحياة دي هي الجنة ونعيمها. عامي عيونه عن الآخرة وعقاب ربنا. حاول تتقرب منه، صاحبه ورافقه طول الوقت. بلاش تديله الفرصة اللي يكون فيها وحيد وهتلاقي نتيجة حلوة أوي.
تنهد بضيق وتكلم بصوت مختنق:
- هحاول. واللي ربنا رايده هو اللي هيكون. معلش يا حبيبتي مقدرتش أجي أوصلك النهاردة زي ما متعود. بس هاجي آخدك ساعة الحفلة نروح سوا.
ردت عليه بتفهم وقالت:
- ولا يهمك يا أنس. المهم إنك بخير. هستناك بليل، باي.
أغلقت الخط معه وتكلمت بتمني:
- ربنا يهديك يا عمو عامر عشان خاطر ولادك اللي مالهمش ذنب دول.
أنهت كلامها وبدأت تتابع عملها.
***
كان مهاب جالسًا على مقعده خلف المكتب الخاص به بغرفته يقرأ كتابًا علميًا ذا صلة بتخصصه. وفي ذلك الوقت أعلن هاتفه عن وجود اتصال. نظر به وجده خاله معاذ. نزع نظارته الخاصة بالقراءة وأجاب عليها قائلاً:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ازيك يا خالو.
تكلم معاذ بصوت مختنق وقال:
- وعليكم السلام. بخير يا ابني. لو فاضي عايز أقابلك ضروري.
أجاب عليه بكل هدوء قائلاً:
- حاضر يا خالو. نص ساعة بالكتير وأكون عندك حضرتك في البيت.
رد عليه سريعًا وقال:
- لا مش في البيت. عايز أتكلم معاك كلمتين ومحدش يسمعنا. تعالى على كافيه (...) هستناك. متتأخرش عليا. سلام.
أغلق الخط باستغراب ونهض من على مقعده بدل ملابسه وهبط إلى الأسفل. لم يجد والدته ولا أخيه. تحرك إلى الخارج صعد سيارته وتحرك بها دقائق معدودة كان يقف أمام الكافيه. ترجل منها ودلف إلى الداخل. بحث بعينه عن معاذ حتى وجده. ذهب إليه وجلس على المقعد بابتسامة وقال:
- أنا آسف لو اتأخرت عن حضرتك.
حرك رأسه بالرفض وقال:
- متأخرتش ولا حاجة يا ابني. معلش لو عطلتك على حاجة يا حبيبي.
نظر له باستغراب وقال:
- مفيش عطلة ولا حاجة يا خالو. بس خير، ريفال فيها حاجة؟
تنهد بضيق وقال:
- ريفال اتحسنت الحمد لله. بتخرج من أوضتها أوقات تساعد مامتها في البيت. تقعد تاكل معانا. بس طبعًا لسه رافضة فكرة الخروج من البيت.
أومأ رأسه بتفهم وقال:
- ده طبيعي جدًا. واحدة واحدة هتتعود. هتخرج تقعد معاكم شوية. هترجع تاني تقفل على نفسها أوضتها. هتفضل كده لحد ما تكمل قرص العلاج بتاعها كله وبعد كده كل حاجة هتبقى طبيعية.
نظر له بتوتر وقال:
- مهاب، ريفال شكلها اتعلقت بيك. على طول بتسأل عليك وكأنها بتدور عليك في كل واحد فينا. أنا خايف نعالجها من حاجة ونوجعها في حاجة تانية. دي بنتي الوحيدة وحقي إني أخاف عليها يا ابني.
ابتسم له ابتسامة هادئة وقال بتوضيح:
- متقلقش يا خالو. ده طبيعي في الشغلانة بتاعتنا. لأن المريض بيبقى مريض نفسي. وبحكم الوقت اللي بنقضيه مع بعض والخصوصيات اللي بيتكلموا فيها معانا بكل صراحة بيحسوا بمشاعر لينا بتتولد جواهم وبيفكروا إننا إحنا الشخص الوحيد اللي بنفهم عليهم. بس أثناء قرص العلاج اللي ممكن يتخطى سنين بنزرع جواهم إننا إحنا مجرد أشخاص عابرين في حياتهم والشخص الصح ربنا هيبعته ليهم في الوقت المناسب. ومع اكتمال العلاج هيتقبلوا الفكرة وبنبقى مجرد أصدقاء. ريفال مش أول حالة يحصل معاها كده. تقريبًا معظم اللي اشتغلت معاهم حصلهم كده. ودلوقتي مفيش حاجة. متقلقش يا خالو.
تنهد بحزن وقال بتساؤل:
- وهو قدامها كتير على ما تتعالج من اللي هي فيه ده؟ يعني ممكن نقعد سنين زي ما قولت؟
حرك رأسه بعدم معرفة وقال:
- لسه مش واضح يا خالو. إحنا لسه في تاني جلسة. وقصادنا وقت على ما أسافر. وقبلها هأهلها على كده وهشوف دكتور كويس يكمل معاها بعدي عشان مجهودي ما يروحش على الفاضي. وأنا هتابع معاه من هناك أول بأول.
ابتسم له بامتنان وقال:
- شكرًا يا ابني على اللي بتعمله معانا. جميلك ده مش هنساه أبدًا.
تكلم بلوم وقال:
- كده برضه يا خالو؟ هو فيه شكر ما بين الأب وابنه.
ربت على يده وقال بحب:
- ربنا يبارك فيك يا حبيبي ويسعدك. معلش بقى مضطر أمشي عشان اتأخرت على الشغل النهارده.
أومأ رأسه بتفهم وقال:
- ربنا يقويك يارب. بكرة إن شاء الله الجلسة التالتة لريفال.
رد عليه بترحاب وقال:
- بيتك ومطرحك يا حبيبي.
أنهى كلامه وتحرك إلى الخارج صعد سيارته واتجه إلى العمل.
نهض مهاب من على مقعده وخرج صعد سيارته وعاد إلى المنزل مرة أخرى.
***
بالمساء…
ظل أيوب متجنبًا قمر منذ أن عاد من الشركة وهي أيضًا تفعل بالمثل. ولاول مرة منذ أن تزوجا يحصل شيء كهذا.
ظلت حور حبيسة غرفتها حتى المساء والدموع لم تتوقف من عينيها. وكذا الأمر عند نغم.
تجمعت العائلة لذهاب إلى حفل توقيع عقود الاشتراك بين شركة أيوب وشركة السيوفي.
نظرت حور إلى والدها بحزن شديد وخرجت. صعدت السيارة مع عدي ونغم وتحركوا جميعًا إلى مقر الحفلة المقامة في أفخم القاعات بحضور أكبر رجال الأعمال في الوطن العربي. بعد الترحاب والكلمة الافتتاحية الخاصة بأيوب وسيف. اقترب من حور الواقفة بجوار أيوب وتكلم بهدوء قائلاً:
- آنسة حور، ممكن تشاركيني الرقصة دي؟
نظرت إلى والدها بحزن وقبل أن تتكلم رد عليه أيوب بنبرة جادة قائلاً:
- مش هينفع ترقصي مع راجل غريب.
نظر بتحذير لحور وتكلم بهدوء حذر:
- طيب مش تسأل الآنسة حور الأول؟ يمكن ليها رأي تاني.
ضغط على أسنانه بغضب وتكلم بتحذير:
- مش أيوب اللي ياخد رأي حريم بيته في حاجة زي كده. أنا قولت لا يعني لا.
كانت حور تشعر بسعادة عارمة لاول مرة والدها يأخذ صفها. لاول مرة تشعر بالاطمئنان. اقتربت أكثر لوالدها وتخفت خلف ظهره كأنها تطلب منه الحماية بطريقة غير مباشرة.
ابتسم سيف بتوعد وقال:
- طيب بالمناسبة السعيدة دي، أنا جاي أطلب إيد الآنسة حور.
حركت حور رأسها من خلف ظهر والدها رافضة ما قاله والدموع تنهمر من عينيها متخوفة من رد والدها.
نظر أيوب له نظرة ذات مغزى وابتسم له بثقة وقال:
- بس أنا معنديش بنات للجواز. الاتنين عندي مخطوبين.
تعالت ضحكاته الغاضبة وتكلم بنبرة مخيفة:
- طيب مش تسألها الأول. أنا متأكد إن رأيها غير رأيك تمامًا.
نظر خلفه إلى حور ورأى الدموع تنهمر من عينيها. حرك ذراعه لها أحاطها به حتى يطمئنها وقال:
- وأنا واثق من بنتي ومتأكد من رأيها.
صك على أسنانه ونيران الغضب اشتعلت بداخله وقال بتحذير واضح:
- ما هو انت برضاك أو غصب عنك هتوافق.
تعالت ضحكات أيوب ونظر خلف سيف وقال بتهكم:
- ما أنا مش مستعد أجوز بنتي لتاجر سلاح زيك.
اتسعت أعين الجميع ونظر سيف خلفه وجد الشرطة تقترب منه. تكلم أيوب بتوضيح وقال:
- ما هو مش عيل ابن امبارح هيعمل عليا ناصح مفكر مش فاهم حاجة ولا عارف إيه سبب الشراكة دي. ده أنا أيوب يا لا.
الابتسامة ارتسمت على شفاه حور. لم تستطع تصديق ما تسمعه بأذنيها. نظرت إلى والدها بدموع وقالت:
- ب ب بجد يا بابا؟ ي ي يعني أنت كنت مصدق كلامي؟
ابتسم لها ابتسامة حنونة وافتخار وقال:
- أنا فخور بيكي يا حور عشان قدرتي تفهمي كل حاجة وقدرتي تحللي الأمور صح. بس كان لازم أعمل معاكي كده وأنكر عشان مفيش حاجة تنكشف من اتفاقنا أنا والشرطة.
نظر لهم سيف بغضب وقال بتهديد:
- أنت مفكر نفسك ناصح وخلصت مني؟ أنا سيف السيوفي ومش بسهولة كده هتخلص مني.
تكلم عدى بتهكم وقال:
- يا سبحان الله، نفس الكلمة دي اتقالتلي بس فين يا عدي؟ فين يا عدي؟ آآه افتكرت. سمعتها من أبوك محروس.
اتسعت أعين الجميع بصدمة حتى أيوب. اقتربت نغم منهما بدموع وقالت بتساؤل:
- م م محروس مين؟ ها ا ا أوعى تقول لي اللي فهمته صح؟ رد عليا يا عدي. سيف ابن محروس مين؟
أجابها عدى بتوضيح وقال:
- من غير ما أوضح يا نغم. ملامحه موضحة كل حاجة.
اقتربت من سيف ونظرت له بكره وغضب ووجع وامسكت به بصراخ وقالت:
- كفاااايه بقى. أنتوا عايزين منا إيه؟ أبوك قتل بابا وخطفني وأنا صغيرة. عذبني بأقصى ما عنده. كنت كل يوم بشوف بعيني قذارات صعب تتشاف. لدرجة كان عايز يخليني أعمل حاجات وحشة. ودلوقتي ظاهر أنت في حياتنا عشان تدمرها تاني. آآه، إيه؟ كفاية بقى. كفاية.
تكلم أيوب باستغراب وقال بعدم فهم:
- إزاي ده؟ أنت عرفت إزاي يا عدي؟
أجابه عدى وهو يمسك يد نغم ليبعدها عن سيف قائلاً بتوضيح:
- ما فيش يا عم أيوب. امبارح لما شوفت شكله شكيت إنه ليه علاقة بمحروس. وأثناء ما كنت ببحث عن ملفاته من واحد صاحبي عرفت منه على الخطة المتفقة بينك وبين الشرطة على إنك توقعه. وعرفت إن خلال الحفلة هيتم استلام شحنة أسلحة في الفندق والحفلة دي طعم ليهم. ومن خلال البحث عرفت إن سيف ابن محروس من علاقة مشبوهة. وشريف السيوفي ده كان من زباين المكان اللي بيتردد عليه. وأوهمته إنها حامل منه واتجوزها ومات وهو مفكر إن سيف ابنه. ووجوده في شركتك ده لسببين. أول سبب عشان ينتقم لأبوه. وتاني سبب هو استخدم اسم شركتك للأعمال المشبوهة.
في ذلك الوقت سقطت قمر على الأرض فاقدة للوعي.
ركض أيوب إليها ومال بجسده حملها بين ذراعيه وخرج يركض بها إلى السيارة. توجه إلى المشفى.
الشرطة أخذت سيف وهو يتوعد لهم جميعًا بأشد الانتقام.
كانت حور تبحث عن زين بالحفلة لكنها لم تجده. والواضح أنه لم يأتِ من الأساس.
نغم كانت الدموع تتسابق على وجينتها وهي تتذكر الماضي الأليم مع محروس وطفولتها المشتتة.
انتهت الحفلة وانتهى معها مسار لم يبدأ بعد. ولكن ستبقى حلقة وصل مفقودة بينهم طالما ظل رأس الأفعى هاربًا.