تقف أمام الضابط وبجوارها المحامي الذي كلفه ابن خالتها من أجل محضر اختطافها عنوة والتعدي عليها. في زاوية يقف هذا الهمجي مقيد اليدين، وبجواره العسكري يمسك ذراعه. تحدقه بطرف عينيها، ولم تصدق في يوم من الأيام أن هذا كان زوجها ولديهما أطفال. كيف سولت إليه نفسه بأن يفعل بها ما اقترفه من تعدٍ، من الممكن قد يصل إلى القتل إذا لم تبلغه عن مكان أمواله. "مدام هدى، أمضي هنا."
قال لها الضابط ويشير إلى نهاية الورقة. أخذت القلم وترددت في الإمضاء. نظر إليها المحامي وأومأ لها، فقامت بتوقيع اسمها ثم عادت حيثما تقف. نظر الضابط إلى حبشي بازدراء، ثم عاد ببصره إلى هدى وقال لها: "حضرتك كده في أمان، الأستاذ هيتحول على النيابة وبالمحضر ده لو رفعتي قضية طلاق هتكسبيها على طول، لأنه زوج غير مؤتمن وغير أهل للثقة، ولا عليكِ ولا على عياله." نظر إلى العسكري وبأمر أردف: "خد المتهم على الحجز." ثم قال لـ هدى:
"تقدري حضرتك تروحي دلوقتي." أومأت في صمت وذهبت. وفي الخارج وجدت خالتها التي جذبتها بين ذراعيها: "هدى حبيبتي، عامل فيكِ إيه ابن الحرام ده؟ تدخل شريف قائلاً: "يلا يا أمي خلينا نمشي من هنا." كان لا يتحمل النظر إلى حبشي، وود لو قام بطرحه أرضاً وينال عليه باللكمات، وهذا لما فعله في ابنة خالته. وهذا ليس بدافع الحب بل بدافع الغيرة والمروءة، يبغض الرجال الذين يحللون لأنفسهم التعدي على المرأة.
دلفت هدى إلى داخل سيارة شريف وكذلك خالتها بجوارها. كانت الأخرى تلتزم الصمت وتلاحظ نظرات شريف لها عبر المرآة، وكأنه يسألها ماذا بعد؟ وصل ثلاثتهم إلى المنزل، وكانت تمسك الخالة بيد هدى: "تعالي يا حبيبتي، تعالي أقعدي ارتاحي." كانت تبحث بعينيها عن شيء ما، فسألتها: "فين ولادي؟ أجابت الخالة وتربت عليها بحنان:
"ما تقلقيش عليهم، أول ما وصلهم شريف أكلتهم وحمتهم وأخذتهم في حضني لحد ما ناموا. صعبوا عليا لما فضلوا يعيطوا خايفين عليكِ. منه لله أبوهم." عقب ابنها قائلاً: "خلاص هانت، بكرة المحامي هيرفع قضية الطلاق." فقالت الخالة: "اصبر عليها يا ابني لما تاخد نفسها وترتاح لها يومين، وبعدين ده قرارها هي اللي تقول تطلق ولا لأ." نظرت إلى هدى الشاردة في الفراغ وسألتها: "ناوية على إيه يا بنتي؟
انتبهت إلى سؤال خالتها ورمقتها بتيه. نظرت إلى شريف المحتقن وجهه بالدماء من حالة الغضب التي يشعر بها كلما ينظر إلى آثار أيدي حبشي على وجهها والدماء المتجلطة على جانب شفتيها. أجابت والحيرة تغلب أمرها: "مش عارفة." ليتها ما نطقت. هنا تحول شريف المعروف بهدوء طباعه إلى شخص آخر، صاح بصوت جهوري: "مش عارفة إيه! أنتِ لسه باقية على واحد لولا جينا أنقذناكِ منه كان زمانه قتلك عشان شوية فلوس اللي عنده أهم منك ومن ولاده!
أجهشت في البكاء. حدقته والدته بعتاب ولوم: "وطي صوتك يا شريف واهدي، مالك بتزعق لها كده ليه، الست في حالة يعلم بها ربنا مش قادرة تفكر، تيجي أنت والزمن عليها." ابتعد عنهم قليلاً، ولي ظهره إليهما ويزفر بقوة لعل يهدأ من روعه ويخبو غضبه الثائر. ألتفت إلى والدته وقال: "عن إذنك يا أمي، سبينا لوحدنا خمس دقايق." فقالت الأخرى وتخشى على ابنة شقيقتها من غضب ولدها: "عارف لو زعلتها والله يا...
"ما تخافيش يا أمي، عمري ما أقدر أزعلها وأنتِ أكتر واحدة عارفة كده." نهضت الخالة قائلة: "إذا كان كده ماشي، هدخل أقعد جنب الأولاد وخمسة وراجع لكم." وعندما دخلت الخالة في إحدى الغرف، سار الآخر إلى الكرسي المقابل لـ هدى وجلس وبهدوء تحدث:
"حقك عليا ما تزعليش مني، أنتِ ما تعرفيش جوايا إيه كل ما أبص لوشك وأشوف آثار ضربه ليكِ المعلمة على وشك. بصي أنا مش هجبرك على حاجة، وهاقف جمبك لحد ما تقفي على رجلك وأي حاجة أنتِ عايزاها هتتنفذ، بس عايزك تفكري في نفسك وفي عيالك قبل أي شيء." نظرت إلى عينيه التي تخبرها بمدى حبه إليها وكيف يريدها أن تكون إليه زوجة وحبيبة، بينما عقلها بداخله صراع دائر لا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
"أنا حالياً كل اللي في دماغي عيالي وعشانهم استحمل أي حاجة." اندفع الآخر قائلاً: "ولادك هيبقوا عيالي وهخليهم يعيشوا حياة وتعليم ومستقبل أحسن، وطبعاً حقهم يشوفوا أبوهم بس طبعاً لازم يكون في محيط آمن ليهم." حديثه كان صريحاً على طلبه للزواج منها، وهي الآن ما زالت على ذمة زوجها العفن البخيل. نهضت وقالت: "شريف، اديني فرصة حتى لو أطلقت لسه فيه تلات شهور عدة، ما ينفعش أتكلم ولا أقول حاجة غير لما يخلصوا." أخبرها بإصرار:
"وأنا مش عايز حاجة غير كلمة موافقة وهاستنى حتى لو سنة مش تلات شهور بس، ده أنا أكتر واحد يعرف معنى الصبر." شعرت بالضغط وهي في حالة لا تسمح بأي قرار حتى لو كانت لديها موافقة: "وأنا مش قادرة أتكلم دلوقتي." عقد ما بين حاجبيه وظل ينظر لها ثم قال: "على راحتك، أنا على أي حال مشغول اليومين دول يعني مش هاتشوفيني كتير، ده غير إني مسافر بعد شهرين واحتمال هقعد فترة كبيرة برة." سألته والحزن جلي في صوتها: "وهترجع إمتى؟ نهض
ووقف أمامها بمسافة قصيرة: "مش عارف، بس بكلمة منك ممكن أرجع عن قرار السفر خالص، كله بأيدك أنتِ." *** أمام مكتب الضابط داخل قسم إمبابة، يجلس المحامي الموكل في قضية ليلة. يمسك بمجموعة من الأوراق:
"دي يا فندم بيانات بكل الأرقام والرسائل الصادرة والواردة للقتيل عمار، وواضح إن حد مسحهم وقت وقوع الجريمة وبحكم مهنتي وخبرتي قدرت أوصل لصاحبة رقم كانت بتبعت له رسايل مضمونها إنها بتحرض القتيل إنه يبتز مدام ليلة أو يبلغ جوزها الأستاذ معتصم إنهم كانوا على علاقة ببعض." سأله الضابط المحقق وينظر إلى الأوراق: "ودي مين دي اللي من مصلحتها تخلص من ليلة؟ ابتسم الآخر بثقة ويضبط من عويناته قائلاً:
"تبقى الأستاذة عايدة مرات أخو معتصم." *** وفي مكان آخر موحش ألا وهو الزنزانة، حيث تجلس في ركن بعيد عن تلك النسوة والفتيات اللاتي يضحكن ويتغامزن بينهن. قالت إحداهن بصوت مرتفع حتى تسمعه الأخرى: "ومالها دي من وقت ما جت عمالة تعيط زي اللي مات لها ميت." عقبت فتاة أخرى بسخرية: "لأ دي شكلها اتمسكت في شقة." ردت فتاة ثالثة: "دي شكلها صغير على كده، دي هتلاقوها اتقفشت مع الواد بتاعها بعد ما خرجوا من الدرس."
"يا ضنايا، صعبت عليا." قالتها إحداهن، فأطلق الباقي ضحكات سافرة. "طب استنوا هاروح أسألها مش ممكن تكون زميلة لينا في الكفاح." قالتها امرأة ترتدي ثوباً فاضحاً، يبدو على مظهرها إنها من فتيات الليل الماجنات. اقتربت منها وجلست بجوارها تتشدق بالعلكة: "مال القمر قاعد لوحده ليه وعمال يعيط، ما تفرفشي كده محدش واخد منها حاجة." رمقتها ليلة بازدراء ثم نظرت بعيداً، مما أثار حنق الأخرى، فصاحت:
"لأ يا حبيبتي ده أنتِ بصي عدل بدل ما أخزوق لك عينيك الحلوين دول، شايفة نفسك على إيه يا بت." وكادت تدفعها من يدها، أوقفها صوت امرأة: "نعيمة، أقصري الشر وابعدي عن البنت." نظرت المرأة إلى تلك السيدة الوقور وقامت بإحترام قائلة: "أمرك يا حاجة كوثر يا بركة القسم كله." عادت إلى أدراجها، وقامت السيدة بالإشارة إلى ليلة: "تعالي يا بنتي اقعدي جنبي." توقفت ليلة عن البكاء وترددت في الذهاب إلى الأخرى التي أدركت هذا فأردفت:
"تعالي يا حبيبتي، ما تخافيش أنا زي والدتك." نهضت وذهبت إليها وبحذر جلست بمسافة قليلة. تمكنت رؤية وجه تلك السيدة بوضوح، وجهها كالبدر المنير في ليلة التمام، وعليه إمارات الخير والسماح.
"أنا اسمي كوثر، دخلت هنا بسبب اشتريت معظم جهاز بنتي بالقسط، قدرت أدفع قسط ورا الثاني ومن أول خامس قسط مقدرتش، الأسعار ولعت وما بقتش قادرة على طلبات ولادي ولا جهاز أختهم اللي ما بيخلصش، صاحب المحل مقدرش يصبر عليا أكتر من خمس شهور، راح قدم فيا محضر وجابوني على هنا، مش هأنكر قلبي واكلني على عيالي، بس اللي متأكدة منه ليهم رب يحميهم ويحفظهم لحد ما أرجع لهم، بدعي لهم ربنا يوقف لهم ولاد الحلال، أنتِ بقى اسمك إيه؟
أجابت الأخرى باقتضاب: "ليلة." ابتسمت إليها وقالت: "اسمك حلو أوي يا ليلة، بس شكلك صغير إنك تدخلي في مكان زي ده، عملتي إيه خلاهم يقبضوا عليكِ؟ أجابت الأخرى قائلة بحزن دفين:
"أنا صغيرة في العمر فعلاً، بس لحد دلوقتي الدنيا علمتني فوق عمري عمر تاني، كفاية إحساس الظلم في حاجة ما عملتهاش، يمكن ربنا بيعاقبني عن ذنوب استهونت بيها، أو بدفع تمن غبائي لما خبيت عن جوزي حاجات يمكن لو حكيتها له من يوم ما عرفته، ما كانش بقى ده حالي." لم تفهم السيدة السبب كاملاً، لكنها أدركت بأن ليلة وقعت في براثن الظلم، وتنتظر العدل من رب العباد. ربتت عليها وأخبرتها:
"بصي يا بنتي، خديها نصيحة من واحدة شافت قد اللي شوفتيه ميت مرة، مهما الدنيا غدرت بيكِ مفيش غيره اللي تلجأي له في أي محنة، ارفعي إيديكِ وقولي يارب واشكي له همك وأدعي يقف جمبك ويظهر الحق وبراءتك لو كنتِ مظلومة." عقبت الأخرى بكل ما يدور في رأسها ويفيض به قلبها الملتاع:
"أنا فعلاً مليش غير ربنا، من وقت ما بابا وماما اتوفوا وسابوني لأخ عمري ما شوفت معاه حنية أخوه وأهله الجنيه وبس، وثقت وحبيت واحد وقولت يمكن ده اللي هلاقي معاه اللي اتحرمت منه من حب وحنان، أتاريه كان بيخدعني وبيتسلى بيا، ويوم ما ضحكت لي الدنيا وربنا رزقني بالراجل الحنين اللي كنت بحلم بيه، حبني وحبيته وكأن الدنيا استكترته عليه، في يوم وليلة فرقتني عنه ويا عالم دلوقتي لسه بيحبني ولا كرهني بعد اللي حصل وهيبعد عني هو كمان زي كل اللي بعدوا وراحوا، أنا تعبت أوي، مبقتش قادرة، يارب."
ضمتها الحاجة كوثر إلى صدرها وأخذت تربت عليها: "اهدي يا بنتي، سمي الله واستغفريه، وادعي بكل اللي نفسك فيه، ربنا أقوى وأحن من أي بشر." "ونعم بالله." قالتها ليلة وأخذت تبكي بحرقة وبألم، تنادي ربها من أجل نصرتها في تلك المحنة ويلهمها الصبر على هذا الابتلاء. ***
وفي الخارج كان المحامي قد انتهى من ما جاء إليه وتقديم بعض الأدلة التي ربما يجد بها براءة ليلة. قابله معتصم الذي ينتظر خارجاً ويحمل أكياساً كثيرة مليئة بالطعام وبعض المستلزمات. "ها عملت إيه يا متر، الظابط شاف السجل والرسائل؟ كان سؤال معتصم، والذي أجاب عليه المحامي قائلاً:
"قالي مش كفاية لنفي التهمة عن مدام ليلة، بس قالي لسه المعمل الجنائي والتحريات شغالة لأن فيه دايرة مفقودة، برغم إنهم لقوا أداة الجريمة والتليفون اللي جالهم من مجهول إن مدام ليلة المتهمة، لكن مفيش بصمات ليها، طبعاً ممكن يقولوا كانت لابسة جوانتي أو حاجة عازلة عشان البصمات، بس أحسن حاجة إن التحريات شغالة ولسه فيه أمل."
أغمض الآخر عينيه، كم هو قلبه يموت من الخوف والقلق عليها بالرغم من صدمته بعد علمه بكل شيء وموقفه الذي اتخذه اتجاهها، لكن هذا لم يمنعه عن الوقوف بجوارها ومساعدتها حتى إظهار براءتها. ذهب إلى إحدى العساكر وأعطاه ورقة مالية من أجل أن يقوم بإيصال ما جلبه إليها من طعام وأشياء أخرى. *** بداخل هذا البناء القديم، يتسلل اثنان من الرجال الملثمين حتى وصلا كليهما إلى أعلى البناء حيث يوجد مسرح الجريمة. توقف أحدهما وقال للآخر:
"بقولك إيه يا واد يا مسعود، اللي بنعمله ده خطر أوي لو المعلم كشف الحكاية هيخلينا نحصل المرحوم، ولو البوليس طلع مراقب المكان هنروح في ستين داهية وبرضو المعلم هيبعت اللي يخلص علينا عشان ما نعترفش عليه للحكومة." لكزه الآخر وأخبره بصوت خافت:
"فال الله ولا فالك، ما تبطل نواح زي غراب البين، قولت لك نلاقي بس البضاعة وناخدها ونقول يا فكيك ولا من شاف ولا من دري، وافترضنا الحكومة كانت مراقبة المكان، كده كده مخبيين وشوشنا وساعة القدر برضو نجري." تراجع الأول وقال بتردد: "لأ يا عم أنا قلبي مقبوض، والمصلحة دي شكلها هتبقى خراب فوق دماغنا، تعالي نمشي." "بطل ياض يا جبان وانجز، تعالي دور معايا نشوف المرحوم كان مخبي الحاجة فين، أهو نصرفها ونطلع لنا بقرشين حلوين."
أذعن الآخر في النهاية، وذهب معه وأخذ كليهما يبحثان، بينما توقف أحدهما في مكانه فسأله الذي يدعى مسعود: "مالك ياض واقف كده ليه، ما تدور معايا." "أصلي مزنوق وعايز أدخل الحمام." حدقه الآخر بإشمئزاز قائلاً: "روح الله يقرفك، فك زنقتك بره بعيد عني." خرج وابتعد عن الغرفة، أخرج هاتفه من جيبه وقد ظن أن الآخر لا يراه، بل كان مسعود يشعر بالخوف من أن صاحبه يوشي به إلى المعلم. خرج ليطمئن قلبه، لكن رأى ما كان يخشاه.
صاح ويوجه لكمة لصاحبه: "يا ابن الـ... بتسلمني للمعلم يالا." دافع الآخر عن نفسه: "أنت فاهم غلط، ده تليفوني جاله مكالمة، اسمعنـ... سدد له لكمة أخرى قوية، أخذ كل منهما يضرب الآخر ولا يدركان ما يحدث بالأسفل، فبعد أن صعد كليهما، قام مراقب العمارة بإبلاغ الضابط والذي أرسل قوة للقبض عليهما. "وقف ضرب منك ليه وسلموا نفسكم." صاح بها الضابط، فقال مسعود: "إيه ده يا باشا والله ما عملنا حاجة، ده إحنا كنا بنهزر مع بعض مش أكتر."
حدقه الضابط بازدراء وأخبره: "جايين تهزروا في مكان حصل فيه جريمة قتل! هاتهم على البوكس." *** وفي المخفر صاح مسعود بألم بعد أن لطمه بقوة مساعد الضابط: "وعليا النعمة يا باشا معرفش حاجة أزيد من اللي قولته لك، إحنا كنا جايين نشقر على عمار ومنعرفش إنه اتقتل." حدقه الضابط بابتسامة ساخرة قائلاً: "وأنا مقلتش إن عمار اتقتل، أديك وقعت بلسانك وكدبك اتكشف، ها مش ناوي برضو تقول مين اللي قتل عمار وإيه السبب؟ وإلا...
نظر الضابط إلى مساعده والذي التقط شيئاً من منضدة خلفه فكان صاعق كهربائي، وعندما رآه مسعود، لا سيما قام الضابط بتشغيله فأصدر أزيزاً، صاح بذعر مبالغ به: "لأ، كهرباء لأ، مش عايز أموت، أبوس إيدك يا باشا هعترف بكل حاجة بس بلاش كهربا." استنتج الضابط من علامات الفزع على وجه مسعود إنه لديه رهاب من الكهرباء، وبابتسامة انتصار قال: "انجز وقول وإلا أنت عارف." هز الآخر رأسه وعينيه لا تحيد عن الصاعق بذعر:
"هقول، هقول يا باشا، الحكاية هي إن عمار خد بضاعة مخدرات برشام على حشيش على كوك من المعلم بحوالي ربع مليون جنيه يمكن أكتر، المعلم أداله مهلة لو خلصت تكون فلوس البضاعة عنده وهدده وقاله لو ماجبتش الفلوس ولا البضاعة رقبتك هتكون التمن، المعلم افتكر إن عمار هيغدر بيه بعت واحد اسمه التروبيني، ده تخصصه يخلص أي عملية انتقام للمعلم من غير ما يسيب وراه دليل ضده." أمره الضابط الذي ينصت له: "ها، كمل وبعدين."
أجاب الآخر بتردد وخوف: "والله يا باشا زي ما حكيت لك بالظبط والباقي حضرتك عارفه وهو قصة قتل عمار، والمعلم اطمن لما استقص وعرف إن حد شال الموضوع، وده خلاني أنا والواد مدبولي نيجي عشان ندور على البضاعة اللي مرجعهاش عمار وقولنا خلينا نسترزق منها ومن غير ما يعرف المعلم." مد الضابط الصاعق بالقرب منه ويسأله: "مفيش حاجة تاني؟ صرخ الآخر بخوف وفزع: "أقسم بالله يا باشا ده كل اللي أعرفه وقولته لسعادتك."
"كده حلو أوي، يلا يا عسكري خدوهما الاتنين على الحجز." نفذ الآخر الأمر على الفور، فقام الضابط بالاتصال: "حضروا لي قوة بسرعة عندنا طالعة في المنيب." *** وفي اليوم التالي استيقظت ليلة على نداء العسكري لها: "ليلة محمد نصار." نهضت وأجابت: "حاضر." وقبل أن تغادر الزنزانة رمقتها السيدة كوثر بابتسامة مشرقة وأخبرتها: "أنا حلمت لك حلم جميل أوي، أبشري يا بنتي." أومأت لها الأخرى وذهبت مسرعة عندما كرر النداء عليها مرة أخرى. ***
وفي مكتب الضابط، أشار إليها قائلاً: "تعالي يا ليلة اتفضلي اقعدي." وجدت المحامي يجلس والضابط تظهر على ثغره بسمة، جعلتها توترت أكثر. جلست بتوجس وسألته: "خلاص هترحلي على النيابة؟ أجاب الضابط: "لأ هتترحلي على بيتكم، الحمدلله قبضنا على المجرم امبارح وجاري التحقيق معاه، لأن طلع الموضوع وراه عصابة مخدرات كبيرة كان شغال معاهم القتيل." تذكرت أمر مكالمة عمار لها حين اتصل عليها ليستغيث بها ويريد المال. "يعني أنا كده براءة؟
أجاب المحامي الذي يجلس في سعادة من أجل موكلته: "هنخلص حضرتك شوية إجراءات بسيطة." وعقب الضابط: "هتخرجي بضمان محل إقامتك وهتفضلي تحت المراقبة لحد ما تخلص التحقيقات مع المجرم، ألف مبروك على البراءة." "الله يبارك في حضرتك." قالتها بشبه ابتسامة، وبعد أن انتهت من إجراءات إخلاء سبيلها، خرجت من القسم لم تجد أحد. كانت تود أن يكون في انتظارها، لكن خاب ظنها. وجدت المحامي يقف بجوار سيارة أجرة وأخبرها:
"مدام ليلة، تعالي اركبي السواق هيوديكي على البيت." ذهبت ودلفت إلى داخل السيارة، أخذت تراقب الطريق من خلف النافذة وتبكي وتقول داخل رأسها: "للدرجدي هونت عليك يا معتصم، بالتأكيد المحامي اتصل عليك وقال لك إن أنا بريئة، آه لو تعرف أنا بحبك قد إيه وصعب عليا بعدك عني." *** وصلت السيارة داخل الحارة ونزلت ليلة لتجد السيدات تتهافت عليها بسعادة: "حمد الله على السلامة يا ليلة." وقالت أخرى:
"والله كنا بندعي لك يا بنتي، أصل معدنك طيب وعمرك ما تعملي اللي سمعناه ده." هزت ليلة رأسها بامتنان: "شكراً." أطلقت أخريات الزغاريد التي وصلت إلى والدة معتصم وعايدة التي نهضت من أمام التلفاز لترى مصدر الزغاريد. وقفت هي وحماتها في الشرفة ليجدن الجارة المقابلة تخبرهما بفرح: "ألف مبروك يا أم معتصم، ليلة خرجت بالسلامة بس بيقولوا راحت عند بيت أخوها." ردت الأخرى بسعادة عارمة: "يا فرج الله، لما أروح أكلم معتصم وأقوله."
وكانت عايدة تقف والشر يتطاير من عينيها تقول بصوت خافت: "هي البت دي مش عارفة أخلص منها! صبرك عليا يا ليلة يا أنا يا أنتِ في البيت ده." كانت نفيسة تتصل بولدها لكنه لم يرد كالعادة، فقالت: "الله يسامحك يا معتصم، لازم أنزل أدور عليه وقبلها هاروح لـ ليلة أطمن عليها وأخليها ترجع لبيتها عقبال ما معتصم يرجع هو كمان، وينوروا عليا البيت." بعد قليل... أخذت تطرق الباب، نهضت ليلة من فوق الأريكة بصعوبة: "حاضر."
قامت بفتح الباب فوجدت والدة زوجها التي بمجرد رؤيتها قامت بعناقها: "حمد الله على السلامة يا حبيبتي، والله فرحت لك لما خرجتي وطلعتي براءة." "الله يسلمك يا خالتي، اتفضلي اقعدي، تشربي إيه؟ قالتها وهمت بالذهاب إلى المطبخ، فأوقفتها الأخرى وقالت: "تعالي هنا أنا مش جاية عشان أشرب، يلا تعالي معايا على بيت جوزك." وقفت ليلة وحدقتها بنظرة ساخرة: "وفين جوزي أصلاً؟
مجيت حضرتك على عيني وراسي، لكن أنا مش راجعة وقولي لابنك ما تقلقش أنا مش عايزة أي حاجة منك، أنا ليا ربنا اللي أحن من الكل." حدقتها الأخرى بحزن وسألتها: "ليه بتقولي كده يا حبيبتي، كفى الله الشر، إيه اللي حصل." شعرت بدوار مفاجئ لاسيما بعد أن ازداد التوتر لديها: "ما فيش يا خالتي، كل اللي أقدر أقوله لك مش راجعة البيت تاني و...
لم يتحمل جسدها أكثر من ذلك، يكفيها ما تحملته الأيام السابقة وكانت لا تأكل وتكتفي بشرب الماء فقط مما جعلها نقصت وزناً قليلاً، وحول عينيها بدأت الهالات السوداء في الظهور. وقعت مغشياً عليها، صرخت والدة معتصم: "ليلة؟ يتبع....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!