الفصل 17 | من 20 فصل

رواية ما بين الحب و الحرمان الفصل السابع عشر 17 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
20
كلمة
4,329
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

تتلاطم الأمواج على صخور شاطئ عروس البحر. توقفت سيارة أجرة جماعية أمام أحد الشوارع القريبة من الكورنيش، وترجل منها حبشي ذو الهيئة المزرية وشعره المبعثر، يبدو كالذي فقد رشده. صعد أعلى الرصيف، ثم أخرج من جيبه ورقة مدون بها العنوان. وعندما وجد أنه وصل إلى المكان المنشود، مسح على شاربه وقال بتوعد: -هانت يا هدي، أبقى وريني منظرك وأنتِ بتبوسي إيدي عشان أرحمك. هوريكي وش حبشي التاني اللي عمرك ما شوفتيه.

وتجلت ابتسامة شيطانية على ثغره. وعلى بعد أمتار، بداخل بناء مرتفع، تجلس هدي أمام التلفاز، لكنها لم تنظر إليه، بل تتأمل صغيريها وهما يلاعبان ويركضان في الردهة. ويدور ذهنها عدة أفكار عديدة عندما تتذكر أمر زوجها الذي سرقت أمواله وهربت. أحياناً تشعر بالندم، لكن عندما تعود ذاكرتها عليها بما كان يفعله معها من معاملة قاسية، ويدخر أمواله ويبخل عليها وعلى أولادهما، كان ذلك كافياً ليجعل الشعور بالندم سرعان ما يتبدد على الفور.

-يلا يا محمد، يلا يا بسنت، تعالوا يا ولاد كُلوا الفشار والتسالي. كان صوت خالتها التي خرجت من المطبخ وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بأطباق التسالي وذرة الفشار. ترك الأطفال اللعب وركضوا إليها. وقبل أن يتناول أي منهما شيئاً، توقفا ينظران إلى والدتهما. فسأل الولد والدته: -أكل يا ماما؟ انتبهت هدي إليه وربتت عليه: -كُل يا حبيبي. نظرت إليهم الخالة بشفقة وقالت:

-أنتو بتستأذنو في بيت خالتكم كده، هزعل منكم. كُلوا يا حبايبي، الخير كتير. عقبت هدي على ما حدث: -معلش يا خالتي، أصل أبوهم معودهم ياكلوا ويشربوا بستأذان. -ماشي يا بنتي، ده لو كان هما في بيت حد غريب. لكن هيستأذنوا في بيت أبوهم! ابتسمت الأخرى بسخرية وقالت: -دي أقل حاجة يا خالتي، لو حكيت لك على اللي كان بيعمله مش هاتصدقي. يلا الله يسامحه. ربتت خالتها عليها وسألتها: -لسه بتحبيه رغم كل اللي شوفتيه معاه؟ أطلقت تنهيدة ثم

أجابت ودموعها تجمعت للتو: -للأسف يا خالتي، برغم كل ده لسه بحبه. قلبي بيحبه وعقلي كارهه، مش عارفة أعمل إيه. أنا في دوامة وخايفة وتايهة. حسبي الله ونعم الوكيل. وأطلقت سراح دموعها الأسيرة. فاحتضنتها خالتها وأخذت تربت عليها بحنان ومواساة: -ما تخافيش يا حبيبتي، أنتِ هنا في أمان. والحمد لله إنه ما يعرفش أنا عايشة هنا، يعني عمره ما يقدر يوصلك. وربنا يريح بالك ويشيل الحزن من قلبك. صدح رنين جرس الباب. نهضت الخالة قائلة:

-هتلاقيه عمك مراد، بس إيه اللي رجعه من الشغل بدري كده. وبمجرد أن فتحت الباب، وجدت من يدفعها من أمامه ويصيح بصوت غليظ وجهوري: -هي فين الخاينة الحرامية؟ انتفضت هدي ونهضت. ركض نحوها الصغيران يرتجفان بخوف. لحقت به الخالة توبخه: -أنت مين سمح لك تدخل وكمان بالطريقة الهمجية دي! أزاحها بيده من طريقه قائلاً: -والنبي أركني على جنب يا حاجة، أنا جاي آخد مراتي عشان ليها عندي حساب عسير. صرخت هدي وكان الخوف يبدو عليها:

-ده بعينك، عمري ما هرجع لك تاني يا بخيل يا معفن. وفي لحظة، كان شعرها في قبضته، ويخبرها بتهكم وصياح: -مين البخيل والمعفن يا حرامية يا بنت الـ.... حاولت الخالة دفعه وتخلصها من يده: -ابعد عنها يا حبشي، وعيب اللي بتعمله ده. ابعد أحسن ما أتصل بالبوليس. رمقه بنظرة من نار قائلاً بتحدي: -اتصلي يا ست الحاجة، بس هييجوا ياخدوا بنت أختك الحرامية اللي سرقت شقي عمري. ردت الخالة بصياح:

-مفيش اللي أنت بتقوله ده، وابعد إيدك عنها أحسن لها. -يا ولية، غوري من وشي. أنا محترم سنك ومحترم إنك في بيتك. صرخت هدي وهي تحاول التملص من قبضته: -اتصلي بالبوليس يا خالتي. فقالت الخالة: -أنت بني آدم قليل الأدب وزبالة، واستحالة هدي تقعد على ذمتك دقيقة كمان. صرخت هدي: -طلقني يا حبشي. أخذ يدفعها ذهاباً وإياباً وشعرها ما زال في قبضته: -خد فلوسي الأول يا حرامية، وهاطلقك بالتلاتة. رمقته بغضب وعيناها باكية:

-ده على جثتي. الفلوس دي حق سنين عمري اللي ضاعت معاك، وصبري على بخلك، وحق عيالك اللي فضلت حارمهم من كل حاجة. ما زاده حديثها سوى تأججت نيران مراجل غضبه أكثر فأكثر. بدلاً من أن يعترف بخطئه، قال لها: -على جثتك! استحملي بقى اللي هعمله فيكي. وكاد يصفعها حتى وجد قبضة قوية. صاحت الخالة: -شريف! فسأله حبشي باستهازاء، ويبدو على وجهه إمارات الشر وعلى وشك أن يهاجمه: -ومين أنت يا عم الأمور؟

كان شريف ينظر إلى هدي التي تسمرت في تلك اللحظة ونظرات الخوف تنضح من عينيها. بينما قالت الخالة: -شريف يبقى ابني يا حبشي. نظر شريف إلى والدته وقال لها: -ماما، خدي هدي والولاد وادخلوا جوه. وقبل أن تخطو هدي خطوة، أوقفها حبشي ويقبض على ساعدها: -مش هاتخطي غير رجلها على رجلي. وأنت مالك وواحد جاي ياخد مراته، إيه اللي يحشرك ما بينا. رمقه شريف بتهديد جلي وأخبره:

-احمد ربنا إن أنا جيت في الوقت المناسب. وزي ما هي مراتك، أنا أبقى ابن خالتها. ولما ألاقيك تمد إيدك عليها، مش هاسكت لك. ترك حبشي ذراعها وابتسم بتهكم وسأله: -مش هاتسكت إزاي يا عم شريف! طيب، وعليا الطلاق لأنا واخدها حالاً. ولو دكر، أبقى أتكلم حتى. وجذب زوجته من خصلاتها مرة أخرى، مما جعل الآخر ينفذ صبره ولم يتحمل حماقة ذلك الوغد. فزمجر كالوحش قائلاً: -الظاهر الذوق والأدب ما ينفعوش مع واحد حيوان زيك.

وأخذ يكيل له اللكمات والركلات. بينما ركضت هدي بعيداً عندما حررها زوجها خصلاتها من قبضته، وأخذت تصرخ بتوسل: -خلاص يا شريف، بالله عليك. *** تمكث عايدة في غرفتها منذ أن عادت، وبعدما علمت من نفيسة أن كلا من معتصم وليلة غادرا المنزل. أخذت تفكر فيما هي مُقبلة عليه، وحينما تتخيل نجاح تلك الخطة الشيطانية، فقلبها يتراقص من السعادة. تريد إزاحة ليلة بشتى الطرق من أمامها.

ودقائق كانت تخطو بخفة بعد أن سرقت مفتاح شقة معتصم من نفيسة التي تغط في النوم منذ قليل. أدارت المفتاح داخل قفل الباب وولجت إلى الداخل. ذهبت إلى المطبخ، فتحت الضلفة العليا لتضع بها السكين الملفوف، لكنها تراجعت. خرجت واتجهت إلى غرفة النوم وقررت أن تضعها داخل خزانة الثياب، لاسيما الرف الذي يخص ثياب ليلة. وقامت بدسها أسفل الثياب المطوية. وما أن انتهت من مهمتها، غادرت على الفور.

دلفت إلى غرفتها وأمسكت بالهاتف. وقامت بإدخال شريحة ثم أجرت اتصالاً: -ألو، أنا عايزة أبلغ عن جريمة قتل! *** داخل قسم الشرطة، يقف كلا من حبشي ويكبل أحد يديه أصفاد حديدية، طرفها الآخر بيد العسكري. وجهه ملئ بالكدمات، مما زاد مظهره رعباً. وتجلس هدي التي تبكي أمام مكتب الضابط، وأمامها يجلس شريف ابن خالتها. قال الضابط: -أهدي يا مدام هدي وبطلي عياط عشان عايز أسمع أقوالك. مال شريف للأمام قليلاً نحوها وأخبرها: -بتعيطي ليه؟

إحنا هنا أصحاب حق والرائد عماد يبقى صاحبي. صاح حبشي بصوت كالحمل الوديع المجني عليه: -يا باشا، أنا اللي المفروض أقدم بلاغ فيهم هما الاتنين. مراتي الحرامية اللي سرقت فلوسي وهربت على هنا. ولما روحت لها عند خالتها وسألتها الفلوس فين، جه ابن خالتها اللي قاعد قدامك ده ونزل فيا ضرب. يعني أنا بقدم بلاغين كده. عاد الضابط بظهره إلى الوراء ورمق حبشي بسخرية وأخبره:

-أولاً، مراتك لو خدت منك فلوس في عرف القانون ما تبقاش جريمة سرقة. إلا إذا زورت في أوراق باسمك بيع وشراء عقود ملكية. لكن خدت فلوس منك، دي مسألة تحلوها ما بينكم ومن غير تعدي أي طرف فيكم على الثاني. وشها عليه آثار ضرب. أما بالنسبة لأستاذ شريف ده، فيبقى بيته هو ووالدته، وأنت اللي جيت تعتدي عليهم بالضرب والسب والقذف. والجيران تشهد، وشيء طبيعي هيدافع عن نفسه وعن أهل بيته، حتى بنت خالته اللي تبقي مراتك. صاح

حبشي مرة أخرى بسخط وإساءة: -آه، هي بقت كده؟ واللي سمعته ده صح؟ أنت وهو أصحاب، فايز توجب مع صاحبك وتلبسوني مصيبة؟ وأنا مش هاسكت. -اخرس يا متهم، وخذوه يا عسكري تحت في الحجز. نظر إلى كاتب المحضر وأمره: -ضيف عندك على المحضر تهمة التعدي على السلطات. خليه يتعلم الأدب ويتربى له كام سنة في السجن. هنا توقفت هدي عن البكاء ونهضت لتتوسل الضابط: -أرجوك يا بيه، أنا خلاص متنازلة، بس بلاش تحبسه. رمقها شريف بصدمة، فقال للضابط:

-معلش يا عماد، ممكن أتكلم معاها دقيقتين على انفراد. لبي الآخر طلبه، وحينما أصبح كلاهما بمفردهما، قال لها: -هتتنازلي عن حقك؟ بعد ما ضربك وبهدلك، ولولا أنا جيت في الوقت المناسب، الله أعلم كان عمل فيكي إيه! أزاحت عبراتها بأطراف أناملها من عينيها ثم قالت: -يا شريف، إحنا ملناش غيره، أنا والعيال. لو طلقني، مين اللي هايستحملني بولادي وأمي؟

يادوب معاش أبويا يكفيها بالعافية. وغير المصاريف، العيال محتاجين أبوهم زي ما هم محتاجيني. عقد حاجبيه وهز رأسه برفض: -أنا مستغرب تفكيرك. إزاي تقبلي تعيشي مع واحد، حسب ما سمعت، إنه بخيل ومجوعك وبيعملك أسوأ معاملة من ضرب وإهانة؟ إزاي تقابلي كل ده على نفسك. أطلقت زفرة، لعلها تزيل ولو قليلاً عما بداخلها من حزن دفين، ثم قالت:

-ساعات الظروف والحياة بيحكموا عليك ترضي بالأمر الواقع. وكمان لما تبقي مسئولة عن أطفال، يبقى لازم تفكري فيهم قبل نفسك. -غلط يا هدي. لو كنتِ فاكرة إن اللي بتعمليه ده عمل بطولي وأهم حاجة سعادة ولادك حتى لو على حساب حياتك، ده يبقى اسمه انتحار. عايشة مجرد جسد من غير روح. وليه كل ده؟ وأنتِ ربنا ودينك حافظ لك حقوقك. لما تلاقي عيشتك مع جوزك مستحيلة وفيها ضرر نفسي ومادي عليكي وعلى أولادك، ليه تكملي؟

ليه تيجي على نفسك لحد ما في يوم يسبب لك عاهة مستديمة، ولا لا قدر الله يديكي خبطة تموتي فيها؟ ساعتها هترتاحي، بس هاتسيبي عيالك هيتبهدلوا مع أب ظالم وبخيل وما فيش في قلبه رحمة. ردت بتأفف وإصرار: -في ستات كتير عاشت واستحملت وكان بيحصلهم اللي أسوأ من الضرب، وبرغم كده كملوا عشان خاطر ولادهم. أخبرها بتهكم وغضب: -وفي الآخر يطلعوا لنا عيال معقدة نفسياً ويكملوا مسيرة أبوهم في الهمجية والقرف اللي ما بيخلصش.

صمتت ولم تعلم بماذا تجيب عليه، فلديه حق، لكن ما بيدها حيلة أو شيء تفعله. تخشى كلمة مطلقة، وكذلك حمل مسئولية طفليها بمفردها وما ستواجهه من بطش زوجها بعد الطلاق من مضايقات والتهرب من دفع النفقة. -أنت بتتكلم بقلب جامد يا شريف عشان أنت مش في مكاني، واللي إيده في الميه مش زي اللي في النار. نهض ووقف أمامها ليدافع عن نفسه من ذلك الاهتمام ويفجر لها ما بداخله:

-أنا قلبي اللي في النار من زمان يا هدي. من وقت ما اتفاجأت زي أي حد غريب وعرفت بخبر جوازك في نفس يوم الفرح. وبرغم كده جيت، بس وقفت من بعيد عشان أقدر أشوفك. لاقيتك فرحانة، وأنا عشان بحبك كنت بتمنى لك تكوني سعيدة، أهم حاجة. اتسعت عيناها وغرت شفاها بصدمة، فأردف:

-أيوه بحبك وما زلت بحبك. وكنت بتابع أخبارك من بعيد لبعيد. أنا لما شفته وهو بيمد إيده عليكي، كان نفسي أقطع له إيده. دمي غلي وما استحتملتش. يا هدي، أنتِ اللي زيك يتشال على الراس ويتحط جوه العين. نهضت وتهربت من النظر إليه، أمسكت بمتعلقاتها قائلة: -أنا عايزة أمشي. عقد حاجبيه بضيق، فسألها: -أنا عارف كلامي مش وقته، بس ارجوكِ فكري في الكلام التاني وبصي ليكي ولولادك. لو التنازل عن المحضر هيرضيكي، هعمل اللي يريحك.

-أنا هتنازل عن المحضر عشان مش عايزة حد في يوم من الأيام يعاير عيالي ويقولهم: "يالا يا اللي أمكم سكنت أبوكم" أو "يالا يا اللي أبوكم رد سجون". *** يمسك في يديه كوبين من مشروب حمص الشام الساخن ويسير نحو تلك الجالسة أعلى السياج على كورنيش النيل، كانت تغني مع الأغنية الصادرة من المركب الراسية على الشاطئ: -على عش الحب طير يا حمام... صمتت عندما وجدته يقف أمامها ويتأملها بابتسامة حالمة، فقال لها: -كملي، وقفتي ليه.

ضربت حمرة الخجل خديها، فأشاحت وجهها ونظرت نحو مياه النيل المتلألأة: -أصل بتكسف أغني قدام حد. أخري أدندن مع نفسي لما بكون فرحانة ومبسوطة. عقد حاجبيه بحزن زائف: -وأنا بالنسبة لك أبقى حد! هزت رأسها بالنفي ثم أجابت: -أنتَ ليا العالم كله. غر فاهه بسعادة وترك الكوبين جانباً على السياج واقترب منها ليخبرها بحماس شديد: -عارفة أنا لو قولت لك حاسس بإيه دلوقتي ونفذت اللي حسه، هانتمسك بفعل فاضح في الطريق العام.

أطلقت ضحكاتها إلى العنان وشاركها الضحك أيضاً، حتى توقفت عن الضحك وعقبت: -خير اللهم اجعله خير، قلبي حاسس آخرة الضحك دي نكد مستنينا. أمسك يدها بحنان وقال: -طول ما أنتِ جنبي، فرحة الدنيا وما فيها. يبقى النكد هيجي منين! رمقته بعتاب وأجابت باللوم: -جوازك من عايدة ده يبقى إيه إن شاء الله. تذكر إلحاح والدته وما حدث في الأيام المنصرمة. أطلق زفرة من أعماقه ثم أخبرها:

-بصي، للمرة الأخيرة بقولها لك يا ليلة، أنا قلبي اللي يملكه واحدة بس. هي اللي خطفتني من أول نظرة لدرجة ما بقتش شايف غيرها وبس. صدق كلماته اخترق فؤادها فأصابه كالسهم، مما جعل بريق عينيها قد توهج وأصبحت تلمع كالنجوم في سماء ليلة شاعرية صافية. اتسع ثغرها ببسمة تنضح بعشق غامر: -أنا بحبك أوي يا معتصم، حب عمري ما سمعت عنه ولا هايكون زيه. نزلت من فوق السياج ورمقته بسعادة تملأ الكون بهجة وسرور، قائلة:

-بمناسبة اللحظة الحلوة أوي دي، ليك عندي مفاجأة. قطب ما بين حاجبيه ورمقها بفضول فسألها: -ممكن أعرف إيه هي ده لو معندكيش مانع يعني. ابتسمت وقامت بالضغط على وجنتيها بإصبعيها السبابة والإبهام: -ولما هقولها لك هتبقى مفاجأة إزاي! أمسكت بيده وخللت أناملها الرقيقة بين خاصته الغليظة وأردفت: -يلا بينا نروح، ولما نوصل بيتنا هحكي لك عن المفاجأة عشان دي محتاجة طقوس خاصة. *** -يا بنتي، هاتروحي فين الساعة دي؟ عيب اللي بتعمليه ده.

قالتها خالة هدي، التي ردت وهي تتجنب النظر إلى شريف الجالس في حالة صمت: -معلش يا خالتي، أنا هانزل في أي فندق وأشوف لي شقة إيجار. رمقتها بغضب وقالت: -فندق وشقة إيجار وأنا موجودة! ما تقولها حاجة يا شريف. وقبل أن يتحدث الآخر بحرف واحد، سبقته بإصرار ولهجة حادة موجهة إليه: -خالتو، أنا مش صغيرة. وبعدين أنا عايزة أبقى على راحتي. نهض شريف وينظر إليها بامتعاض: -أنا أصلاً رايح أقعد في الشاليه، اتفضلي خليكِ هنا على راحتك.

رمقته بتحدي وإصرار عاقدة ساعديها: -وأنا قولت هامشي يعني هامشي. زفرت الخالة بسأم وقالت: -على راحتك يا بنتي، وأنا شقتي مفتوحة ليكِ في أي وقت. ابتسمت لها هدي: -شكراً يا خالتو. وهمت بالذهاب، فقامت بالنداء على صغيريها. وقبل أن تفتح الباب وتغادر، أوقفها شريف قائلاً: -استني، هاجي أوصلك. رفعت إحدى حاجبيها والرفض يبدو على ملامحها: -شكراً، أنا هاخد تاكسي.

أطلق زفرة بنفاذ صبر، وقبل أن يتهور بفعل أهوج، تركها ودلف إلى الداخل. بينما هي ذهبت برفقة صغيريها. وصلت إلى نهاية الشارع الذي يعمه الهدوء. انتظرت لدقائق علها تجد سيارة أجرة، حتى توقفت أمامها سيارة أجرة خاصة. سألت السائق الذي يرتدي قبعة ونظارة شمسية يخفي بها معظم وجهه: -في فندق قريب من هنا يا سطا؟

اكتفى بالإيماءة، ولن تدقق في ملامح هذا الغريب. فتحت الباب، فولج الأولاد إلى داخل السيارة ووضعت الحقائب جوارهما، بينما هي جلست في المقعد الأمامي بجوار السائق. الذي بمجرد أن دخلت وأغلقت الباب، انطلق بسرعة جعلتها تشعر بالقلق، لاسيما بعد أن وجدته يضغط على زر أوصد كل الأبواب والنوافذ. التفتت إليه وسألته بخوف جلي: -أنت بتقفل الأبواب ليه؟ رفع زاوية فمه بابتسامة ساخرة، ثم بدأ يخلع القبعة والنظارة، ورمقها بنظرة تكفي أن تخبرها

بالذي ينتظرها من أهوال: -معقول يا دودو معرفتيش حبشي جوزك حبيبك أبو عيالك. أطلقت صرخة، فقام بدفع رأسها إلى الأمام ويصيح بها: -اخرسي، أنا لسه عملت فيكي حاجة! اصطدمت جبهتها في التابلوه مما أفقدها الوعي في التو، وهذا كان على مرأى ومسمع الصغار. اكتفى كلاهما بالبكاء وجسدان يرتجفان بشدة من الخوف. ***

ولنعود إلى معتصم وليلة، التي تعد ليلة ولا ألف ليلة. حيث طلبت منه بأن ينتظرها في الأسفل ويصعد إليها بعد أن تقوم بمهاتفته ريثما تنتهي من إعداد طقوس مفاجأتها. كان يقف داخل الشرفة لدى منزل والدته، وكانت تتحدث في الهاتف، بينما هو ينفث دخان سيجارته في الهواء الطلق. فشعر بخطوات خلفه، علم في الحال صاحبة الخطوات: -عايزة إيه يا عايدة؟ ولا تكوني ناوية تعترفي وتقولي مين أبو اللي في بطنك!

وابتسم بتهكم. فوقفت جواره وارتسمت على ملامحها إمارات القلق والخوف: -اللي في بطني يبقى ابن عشيق مراتك. وفي لحظة، كانت تلابيب عباءتها في يديه، قائلاً بغضب من بين أسنانه: -أقسم بالله، كلمة تانية على مراتي لهكون رميك من البلكونة وما يهمني. أمسكت بيديه ورمقته بتمثيل متقن لتكمل له السيناريو الذي على وشك أن يتم:

-ورحمة أخوك ما بكذب، ليلة فعلاً كانت على علاقة بواحد اسمه عمار. ولما أنت اتجوزتها، فضل يكلمها ومرة جالها هنا. ولما نزلت السوق، كان مستنيها يشوفها. فضلت مراقباها لحد ما عرفت إنها بتروح له المكان اللي عايش فيه. شافتني وهددتني إن لو ما بعدتش عنها ولو اتكلمت بحرف، هتخلي اللي اسمه عمار يدلق على وشي مية نار. وفي آخر مرة سمعتها بتقول إنها رايحة له، روحت هناك عشان أصورهم وأبعت لك الصور كدليل بدل ما أنت ما بتصدقنيش. أتاريه كان كمين من عشيقها، ضربني على راسي وفوقت لاقيته ربطني في السرير و...

تصنعت الحرج فأردفت: -وعمل اللي عمله معايا بالغصب وصور فيديو بكده وهددني لو اتكلمت هينشر الفيديوهات دي على النت. مراتك جت لي بعدها بيومين وعرفت اللي حصلي، فضلت تشتم وتزعق إنه إزاي عمل معايا كده. تقدر تقول غارت، واستحلفلت لي إنها هاتدفعني تمن اللي حصل ده غالي. أنا عارف إنك مش مصدقني، بس مصير الأيام تثبت لك.

كانت نظرات عينيه كالذي فقد صوابه، جاحظة من صدمة ما سمعه للتو. فقاطع أفكاره المظلمة في تلك اللحظة صوت سيارة الشرطة التي توقفت أمام منزله وترجل منها رجال الشرطة. وبالأعلى، قد انتهت للتو من إعداد السهرة الرومانسية وأضواء الشموع وصوت الموسيقى. الذي قاطعها رنين الجرس وطرقات شديدة على الباب. ظنت إنه هو فقالت: -للدرجة دي مش قادر تصبر! حاضر، أنا جاية أ...

فتحت الباب، فـ تفاجأت برجال الشرطة أمامها. شدت من طرفي مأزرها وتناولت وشاحها الموضوع أعلى منضدة بجوار باب المنزل. ارتدت الوشاح على رأسها بعشوائية، والضابط يسألها: -أنتِ ليلة محمد نصار؟ ابتلعت ريقها بخوف ورهبة ثم أجابت: -أيوه أنا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...