تحميل رواية «ليتني مت قبل هذا» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل عريق بحي راقي بالإسكندرية تجتمع أسرة ميسورة الحال حول مائدة فخمة تحتوي على كل ما لذ وطاب احتفالاً بفطور أول أيام شهر رمضان المبارك. كان يترأس المائدة كبير الأسرة "علي الهنداوي"، رجل ذو هيبة ووقار قد زيّن الشيب رأسه ليفصح عن بلوغه السبعين عاماً أو يزيد. يجاوره عن يمينه ولده الأكبر "سليمان" ذو الأربعين عاماً وزوجته "صافيه" تجلس أمامه على الجانب الآخر للمائدة. يتبعه الأخ الأوسط "عبدالقادر" والذي يبلغ خمسة وثلاثين عاماً وزوجته "زينب" تجلس إلى جانب "صافيه". يتلوه الأخ الأصغر "يحيي" ابن الثلاث...
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نعمة حسن
نظروا جميعاً لبعضهم البعض.
فتسائل الجد: "مين يا زياد؟!"
نظر إليهم الطفل بإبتسامة متسعة وقال: "بابا، بابا رجع يا جدو."
نهضوا جميعاً من حول المائدة ليتحققوا من حديث الصغير، قبل أن يستوقفهم دخول يحيي إلى البيت مبتسماً بأعين باكية ويقول: "أنا يابا."
"يحيي؟!!"
تمتم بها الكل بذهول، وأولهم كانت تلك التي تراجعت للخلف وهي تهز رأسها بنفي وعدم تصديق.
هرول الأب تجاهه يحتضنه بإشتياق كبير، وقد سالت دمعاته بخليط من الفرح والحزن معاً. فقبّل يحيي رأسه ويداه واحتضنه قائلاً: "وحشتني يابا، وحشتني أوي."
ركض عبدالقادر نحوه واحتضنه بقوة وهو يقبل رأسه ويقول: "مش معقول، وحشتني أوي يا يحيي."
التف حوله أطفاله ليجثو على ركبتيه أرضاً ويقوم باحتضانهما سوياً، وهو يتأمل صغيرته التي كبرت قليلاً وأغدقها بالقبل والأحضان ودمعاته تسيل على خديه بغزارة.
لينظر أرضاً فوجد ذلك الرضيع يزحف نحوه، لينظر إليه مبتسماً ويقول محدثاً أخاه عبدالقادر: "ده ابنك يا قدّورة!"
أومأ عبدالقادر موافقاً وقال: "يحيي الصغير."
تفاجأ يحيي كثيراً وحمله إليه، ليجد زينب وقد تقدمت نحوه بابتسامة صادقة واحتضنته بفرحة. ليقبل رأسها باحترام ويقول: "أومال فين سليمان؟"
شحب وجه سليمان واصفر كاصفرار وجه الميت، ونظر إلى أبيه بصدمة. فقال يحيي متقدماً منه: "مش هتسلم عليا ولا إيه يا سليمان؟"
ثم احتضنه بشدة، ليربت سليمان على ظهره بخوف وبكاء ويقول: "حمدلله على السلامة يا يحيي."
قبل يحيي يداه وأعاد من احتضانه وقال: "متعيطش يا سليمان، أنا بخير الحمدلله، إنكتبلي عمر جديد وربنا أراد أرجع لكوا من تاني."
ثم راح يتلفت حوله ويقول: "فين يُسر؟ وفين صافيه؟"
التزم الجميع الصمت ونكس رأسه أرضاً. لينظر إليهم ويقول: "يُسر فين؟ عند مامتها ولا إيه؟"
قال زياد: "ماما دخلت الأوضة." وأشار بيده إلى غرفة نوم جده.
ليضحك يحيى قائلاً: "إيه مش عاوزة تشوفني ولا عاوزاني أنا أدور عليها؟ يُسر!"
صدح صوته منادياً باسمها، ثم أدار مقبض الباب لتجفل هي وتنتفض بفزع عندما رأته.
افتر ثغره عن ابتسامة واسعة حنونة وهو يتقدم منها ليحتضنها بقوة ويرفعها عن الأرض بحب بالغ، وقد أغمض عينيه وهو يشدد من احتضانها يكاد يعصرها بداخله، بينما تيبست أطرافها واهتز قلبها بين أضلعها.
فنظر إليها وقال: "مالك يا يُسر؟" ثم ابتسم لها وقال: "مش مصدقة نفسك مش كده؟"
أومأت برأسها أن نعم، ليعود ويضمها إليه مجدداً قبل أن يلاحظ شيئاً غريباً. فابتعد عنها ببطء ونظر إلى بطنها المنتفخ ونظر إليها مقطب الحاجبين.
ليجدها تغلق عينيها بشدة ودمعاتها تتساقط على وجنتيها وهي تزدرد ريقها بخوف وترقب. فقال: "إيه ده؟"
نظر إليها مستفهماً، فلم تجبه. لينظر خلفه فوجد الجميع يقف مذعوراً باكياً. فقال بتعجب: "إنتي حامل؟"
لم تنبس بكلمة. فقال وهو يجيب سؤاله: "حامل إزاي وأنا غايب بقالي سنة!"
نظرت إليه بخوف وندم. فقال بهدوء: "ردي عليا، أنا مش فاهم حاجة، إنتي حامل؟"
نظرت إلى سليمان لكي يغيثها، ولكنه كان بحاجة لمن يغيثه الآن. فنظر أرضاً بخزي ولم ينطق.
برز صوت زينب بقوة حيث قالت: "أيوة حامل."
ضيّق يحيي ما بين حاجبيه مذهولاً ونظر إليها وقال: "حامل إزاي يعني؟ أنا مش فاهم حاجة!"
تولّت زينب تلك المهمة التي لن يقدر عليها سواها، وتقدمت من يحيي وقالت: "يُسر إتجوزت يا يحيي."
جحظت عيناه بذهول حتى كاد أن يسقط لولا أن تمسك بتلك الطاولة الخشبية من خلفه وقال: "إتجوزت؟ إتجوزت إزاي؟"
أردفت زينب وهي تطالع يُسر بشماتة وتقول: "إزاي دي إجابتها عندك إنت، لما عملت الحادثة سلمّونا جثة من المشرحة على أساس إنها جثتك وإحنا دفناها على أساس إنها إنت."
ضيّق عينيه بتعجب وعدم فهم، وراح ينظر إليهم واحداً تلو الآخر بتعجب وهو يقول: "جثة إيه ومشرحة إيه؟ أنا اللي فاكرة يوم الحادثة إني وقعت من العربية قبل ما تنفجر..."
قاطعه عبدالقادر قائلاً: "طب والجثة اللي لقوها متفحمة في العربية دي جثة مين؟"
نظر إليهم وقال: "بَسّام.. أكيد جثة الراجل اللي كان معايا يومها في العربية."
نظر الجميع إليه بذهول، وباتت الأسئلة تتراقص في عقولهم وعقله من قبلهم. لينظر نحو يُسر مجدداً ويقول: "كلامهم ده صح؟ إنتي إتجوزتي؟ صدقتي إني مت وإتجوزتي؟ ولا ما صدقتي إني مت وإتجوزتي؟"
نظرت إليه بخوف شديد وقالت: "يحيي اسمعني..."
ليقاطعه قائلاً: "اسمع إيه وزفت إيه؟ أنا مش قادر أستوعب اللي بسمعه! إتجوزتي يا يُسر؟ وحامل؟ حتى مصبرتيش يعدّي سنة على خبر موتي!!"
أجهشت بالبكاء، ليردف بقوة وحدّة امتزجت بالغضب: "وقاعدة هنا ليه؟ لما إنتي إتجوزتي إيه اللي لسه مقعدك في البيت ده."
ونظر إليهم وصدح صوته الجهوري غاضباً يقول: "وإنتوا إزاي تسمحوا لها تفضل هنا؟ مخدتوش منها العيال ورميتوها بره ليه تروح للي إتجوزته."
هنا برز صوت زينب تقول بغل وتشفي: "يُسر إتجوزت عمي سليمان."
نزل الخبر على أذنيه كالصاعقة، وتجمدت حواسه. لينظر إليهم فاغراً فاه وظل يتمتم بذهول وهيستيريا: "سليمان مين؟ قصدي سليمان إزاي يعني؟"
ابتلع سليمان لعابه بتوتر وتنحنح بخوف وقال: "يحيى إنت لازم تقعد وتسمع مننا اللي..."
قاطعه يحيى قائلاً بصدمة هزت كيانه: "أقعد وأسمع!! يعني الكلام ده صحيح؟"
أخفض سليمان بصره أرضاً. لينظر يحيي إلى أخيه الذي أشاح بوجهه للجانب، لينظر بعدها إلى أبيه الذي كان ينظر نحوه بأسف وشفقة. فقال: "الكلام ده صحيح يابا؟ يُسر إتجوزت سليمان فعلاً؟"
لم يجبه والده. فنظر إليهم تباعاً قبل أن ينفجر ضاحكاً حتى تحولت ضحكاته إلى قهقهة هيستيرية وهو يضرب بيده الطاولة من جانبه بعدم تصديق ويقول: "إيه يا جماعة اللي إنتوا بتقولوه ده؟ إنتوا بتهزروا أكيد.. صح؟!"
انفجرت يُسر باكية، لينظر إليها ويقول: "إنتي بتعيطي ليه؟ إنتي عملتي كده فعلاً؟ إتجوزتي أخويا؟"
نظرت إليه باكية وقالت: "يحيي أنا.."
ليقاطعه قائلاً: "إنتي إيه؟ إنتي إيه؟ ده أنا كنت راجع وقلبي هيقف من كتر التفكير فيكي ومن كتر ما إنتي وحشاني، أرجع ألاقيِك متجوزة وحامل؟ ومن مين؟ من أخويا؟ طب إزاي؟ متجوزة إزاي أومال أنا أبقى مين؟ يعني أنا دلوقتي اللي جوزك ولا هو؟ حد يفهمني."
اقترب عبدالقادر منه وأمسك بيده يقول: "إهدي بس يا يحيي وإحنا هنفهمك كل حاجة.."
لينتزع يحيي يده من قبضة أخيه وصاح بتشنج وعصبية بالغة وقال: "متقوليش إهدي، أهدي إزاي يعني؟"
قرر سليمان التخلي عن صمته واستعمال الخطة البديلة والأكثر فعالية. فقال: "يحيى صدقني أنا عملت كده على أساس شهادة الوفاة اللي كانت بين إيديا، إحنا دفنا جثة على أساس إنها جثتك وخدنا العزا وعدى شهر واتنين وتلاتة وأربعة ويُسر خلصت عدتها وإنت مظهرتش، بدأ يتقدملي ناس عايزين يخطبوها وكلهم فرص أحسن من بعض وأنا خوفت على عيالك وخوفت هي تاخدهم وتمشي بيت أمها أو تتجوز وتاخد العيال ومنقدرش ناخدهم أو حتى نشوفهم تاني، صدقني يا يحيى أنا عملت كده خوفاً على عيالك لإني كنت عايز أراعيهم وأواليهم، كان كل همي ألم لحمك..."
قاطعه يحيي وقال بإستهجان: "تلم لحمي؟ وهو مينفعش تلم لحمي من غير ما تتجوز مراتي؟"
ثم نظر إليهم جميعاً وقال: "مكانش ينفع تسيبوها عايشة في وسطكوا تربي العيال وتصرفوا عليهم؟ حتى لو كانت هتتجوز مكنش من حقها تاخد نور وزياد، كان وقتها أمها أحق بحضانتهم وإنتوا عارفين إنها مش حِمل حضانة عيال تانية.. يعني كده كده مرجوعهم ليكم في الآخر."
ثم نظر إلى سليمان بقوة وغضب عاصف وقال: "ده عذر أقبح من ذنب يا أخويا، إنت بتبرر خيانتك لأمانة أخوك بمبرر حقير."
"_يحيي.. اسمعني يبني."
قالها والده بوهن وضعف وهو يتقدم منه، ليقاطعه يحيي بحدة قائلاً: "أسمع إيه تاني ما خلاص سمعت كل حاجة، هتقولي إيه يابا؟ هتقولي أنا آسف عشان وافقت على حاجة زي كده؟"
وراح ينقل بصره بينهم جميعاً ويقول: "هتقولولي إيه كلكم ما خلاص معدش في حاجة تتقال." وتابع بحسرة وصوتٍ باكي: "يا ريتني مت قبل كل ده ما يحصل، يا ريتني ما كنت رجعت وكنت مت يومها، يا ريتني ما رجعتلي الذاكرة ولا افتكرتكوا ولا افتكرت أنا مين، يا ريتني مت."
أنهى كلماته ليخرج من الغرفة بقوة متخذاً سبيله نحو الخارج ركضاً، بينما تهاوت يُسر إلى المقعد من خلفها وانتابتها حالة من البكاء الشديد ندماً على ما ضيّعت وما فقدت.
~~~~~~~~~~~~~~
خرج يحيى من بيته مصدوماً، لا يعرف أنى له أن يصف حاله وما يشعر به.
إنه يشعر بالخذلان كما لم يشعر من قبل. أحس ويكأنه كالغريب الذي لا مأوى له ولا بيت، كاليتيم الذي فقد عائلته بين ليلة وضحاها، كالأسير التائه المشرّد.
ثمة أحاسيس بداخله لم يستطع تمييزها أو وصفها. كان يجر قدميه جراً كمكبّل بالأغلال ولا يعلم إلى أين سيذهب مجدداً، ف راح يلعن حاله إذ أنه عاد موهوماً بأنهم ينتظرونه ليفاجأ بأن كلاً منهم يعيش حياته بأريحية وكأنه لم يكن يوماً على قيد تلك الحياة.
ألقى بجسده إلى مقعد من مقاعد ذلك المقهى بشرود وهو يتذكر ما حدث، لتسقط دموعه بحزن وقهر لم يشعر به من قبل. لأول مرة في حياته يتمنى الموت، يكاد يقسم أنه لن ينجو تلك المرة أبداً وراح يقول: "يا ليتني مت قبل هذا."
التف حوله جميع الجيران والأصدقاء الذين يعرفونه، وكلاً منهم يقلب كفيه عجباً على ما يرونه الآن، لينصرف الجميع حتى يبلغوا أهلهم وذويهم بتلك المفاجأة التي لم تكن متوقعة بالمرة.
"_إلطف بينا يا رب، الراجل رجع من الموت لقي أخوه متجوز مراته!"
إستطاعت تلك الأحرف المتعجبة أن تصل إلى مسامعه بسلاسة وسهولة دون أدنى مجهود منه، لينهض فوراً ويبتعد عن الحي بأكمله متوجهاً نحو اللامكان.
سار بشرود لا يعلم إلى أين يذهب، ف صار يتطلع حوله وكأن المكان من حوله أصبح غريباً عليه. ضاقت عليه الأرض بما رحبت فلم يجد سوى بيت الله. ذهب إلى المسجد ليجده مكتظاً بالمصلين الذين ينتظرون صلاة التراويح، ف دخل بتؤدة ورفق وتوضأ ليقف بين صفوف المصلين وبدأ الصلاة، ولكن عقله كان مغيباً شارداً يسترجع الكثير والكثير من الذكريات لينخرط في بكاء مرير.
~~~~~~~~~~
على الجانب الآخر كان الجميع يجلس مطأطئ الرأس، حالة صدمة وذهول تعتري الكل، وخاصةً تلك التي كانت تنظر أمامها بشرود وتيه شديدان.
كان الأب يرتكز بكلتا يديه على عصاه ويسند جبينه على يديه مغمض العينين وهو يشعر أنه يكاد يفقد عقله. ف نظر إلى عبدالقادر وقال: "إنت هتفضل قاعد كده وإحنا مش عارفين أخوك راح فين؟ قوم روح وراه بسرعة وشوفه."
نظر إليه عبدالقادر باكياً وقال: "مليش عين يابا، مش هعرف أرفع عيني في عينه، يحيي إتصدم فينا كلنا."
هز الأب رأسه يميناً ويساراً بحسرة وهو يقول: "آااه يا يحيي، آااه يبني على وجع قلبك، ياااارب، يارب إلطف بيه وعدّيه منها على خير يا رب."
ثم تابع بحزن شديد يتغمده وقال بعتاب لا يفيد: "قولتلك بلاش يا سليمان، قولتلك بلاش مرات أخوك، كان قلبي حاسس إن الجوازة دي باطلة، ليه يبني مطاوعتنيش وسمعت كلامي؟"
ثم أكمل باتهام صرف: "إنت طمعت يا سليمان!"
نظر إليه سليمان بذهول، ليستطرد الأب حديثه قائلاً: "أيوة طمعت، طمعت في مرات أخوك وفضلت تألف وتكذب عشان تتجوزها.. تقول لي صافيه موافقة وتقول لـ صافيه أبويا اللي غاصبني على الجوازة، كنت مع كل واحد فينا بـ وش وأدي النهاية أهي، كل ده حرااام."
آثر سليمان الصمت ولم يتفوه بكلمة. ليتمتم والده بنحيب: "اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ياااارب."
نظرت يُسر إليهم بشرود وهي تقول: "هو يحيي فين؟ يحيي راح فين؟ إنتوا سيبتوه يمشي ليه؟"
نظر إليها سليمان نظرات فارغة وقد تبدلت كل مشاعره تجاهها بلحظة، لا يعلم هل ذلك نفور أم حقد أم غيرة أم صدمة؟
وقفت يُسر ببطء وهي تمسك ببطنها بكلتا يديها ونظرت إليهم وقالت: "يعني إيه؟ يعني اللي في بطني ده ابن حرام؟"
اعتصر سليمان عينيه بألم وغضب، لتعاود تساؤلاتها وتقول: "طب أنا مرات مين دلوقتي؟ مرات يحيي ولا سليمان؟"
نظرت إليها زينب شامته وأطلقت ضحكة مقتضبة متهكمة. فنظرت إليها يُسر بالصمت ولم تعقب، لتشعر بأن الآلام تفتك بها. فأمسكت بأسفل بطنها وهي تجاهد لكي تتحمل ذلك الألم الشديد، ولكنها لم تستطع. لتنفلت منها صرخة هزت جدران المنزل وشعرت بأنها تنزف قد سال على جانبي قدميها. لتنظر إليهم بذعر وتقول: "أنا بولد!"
هرع سليمان نحوها وقال مذعوراً: "في إيه يا يُسر؟ تولدي إيه؟ إنتي مش لسه في السادس؟"
قالت ببكاء وخوف: "أنا بولد يا سليمان، وديني المستشفى بسرعة الله يخليك."
لم يتمهل وحملها على الفور ليهرول باتجاه سيارته ويضعها على المقعد الخلفي بسرعة، ثم استدار ليركب خلف المقود فوجد الباب المجاور له قد فُتح لتركب زينب إلى جانبه. فانطلق بالسيارة نحو المستشفى.
~~~~~~~~
بعد انتهاء صلاة التراويح، انزوى يحيي إلى ركن بجانب المنبر وجلس يضم ركبتيه إليه ودمعاته لا تتوقف عن السقوط.
رآه الإمام ليقترب منه ويجلس إلى جانبه مربتاً على كتفه وهو يقول: "مالك يبني بتبكي ليه؟ سلّم أمرك لله وكله بيعدي."
قال يحيي بصوت حزين متقطع: "ونعم بالله يا سيدنا."
ابتسم الإمام وقال: "اسم الكريم إيه؟"
"_يحيـي."
ربت الإمام مجدداً على كتفه وقال: "طيب يا يحيي، خد المصحف ده اقرأ فيه على ما تقدر لحد ما تلاقي نفسك هديت وقلبك اطمئن، مش ربنا سبحانه وتعالى بيقول 'ألا بذكر الله تطمئن القلوب'؟"
أومأ يحيى موافقاً، فأضاف الإمام قائلاً: "يبقى خد اقرأ في كتاب ربنا وهو اللي هيريح قلبك ويشرح صدرك إن شاء الله."
نظر يحيي إلى الإمام وبـاغته قائلاً: "هو لو واحد يائس من الدنيا دي يا سيدنا واتظلم وحاسس إنه ملوش مكان.. في حالته دي الانتحار يبقى حرام؟"
قطب الرجل حاجبيه بتعجب وقد علم بأن المصاب جلل، فجلس متورّكاً إلى جانب يحيي وقال: "الانتحار في كل الأحوال حرام يبني، مهما اشتد ضيقك وحزنك ويأسك مينفعش أبداً تفكر في الانتحار، لازم تلجأ لربنا سبحانه وتعالى وتدعيه يفرج همك وكربك ويزيح عنك وربنا بإذن الله هيساعدك ويخفف عنك، إنما مينفعش تفكر في الانتحار كده إنت بتكفر والعياذ بالله."
تمتم يحيي مستغفراً وهو يمسح وجهه ويقول: "أستغفر الله العظيم من كل ذنبٍ عظيم."
ربت الإمام على فخذه وقال: "استهدي بالله بس كده وروّق، كل حاجة وليها حل بإذن الله."
أومأ يحيى نافياً وقال: "إلا مصيبتي يا سيدنا، ملهاش حل أبداً."
نظر إليه الإمام مبتسماً وقال: "طب إيه رأيك تحكي لي وتفضفض بدل ما تكتم في قلبك، وبإذن الله أقدر أساعدك."
نظر إليه يحيى شارداً وقال: "أقول إيه بس، الحكاية باختصار إني من سنة حصلت لي حادثة والعربية بتاعتي اتحرقت وفيها واحد كان ركب معايا من عالطريق وجثته اتفحمت، ف أهلي استلموه من المشرحة على أساس إنه أنا واتدفن وطلع له شهادة الوفاة على أساس إنه أنا، وبعد ما مراتي تمت العدة اتجوزت أخويا على أساس إني ميت."
تمتم الإمام آسفاً وقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله، طب وإنت كنت فين طول السنة دي ولسه راجع النهارده؟"
قال يحيي: "يومها لما وقعت من العربية معرفش إيه اللي حصل بعدها بس فوقت لقيتني متكتف ومربوط على سرير مصفح من بتوع التشريح، كنت واقع في إيد عصابة من اللي بيسرقوا الأعضاء واللي أنا فاكره إني هربت منهم بمساعدة واحد فيهم وبعدها حد ضربني على دماغي وقعت فقدت الذاكرة ومن يومها لحد النهارده كنت قاعد عند ناس طيبين هما اللي ساعدوني وعالجوني..."
قاطعه الرجل متسائلاً: "يعني إنت فضلت فاقد الذاكرة طول المدة دي؟"
أومأ يحيى موافقاً وقال: "أيوة، وكنت شغال في مخزن قطع غيار فوقع على دماغي كوريك، تقريباً صدمة الكوريك دي هي اللي رجعت لي الذاكرة."
كان الإمام يستمع له مذهولاً فقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله، والله يبني إنت حكايتك تتعمل فيلم، مش عارف أقول لك إيه ولا أواسيك بإيه بس اللي أعرفه إن برجوعك كده زواج أخوك من زوجتك باطل!! بس كمان أنا مش أهل للفتوى يعني في ناس أفقه مني وأكثر مني دراية وعلم بالأمور دي وهي اللي تقدر تفيدك وتقول لك الفتوى السليمة في حالتك دي."
تنهد يحيي بثقل ومسح آثار دموعه، ليربت الإمام على كتفه وقال: "معلش يبني وحد الله، ربنا بيسبب الأسباب سبحانه وتعالى أكيد له حكمة في اللي حصل لك ده لا إنت ولا أنا نعلمها، إنت كل اللي عليك دلوقتي ترسل بسؤالك ده لدار الإفتاء وهما هيردوا عليك بالفتوى الصحيحة بإذن الله."
أومأ يحيى موافقاً ليقول الآخر: "يلا قوم صلي ركعتين لله وادعي ربنا يقدم لك اللي فيه الخير والصلاح.. ومتقلقش، ما ضاقت إلا وفرجت."
نهض يحيي وتوضأ مجدداً ووقف بين يدي ربه يصلي ويناجيه أن ينجيه مما قد حل به ويسر له أمره وألهمه الصبر.
~~~~~~~~~~~~~~~
كان سليمان يقف بالخارج بردهة الانتظار في المستشفى أمام الغرفة الموجود بها يُسر، وزينب تجلس على مقعد مقابل له تتأمله وتتفحص لهفته وخوفه بأعين مستنكرة.
"_شوفوا الراجل هيموت روحه عشانها إزاي، الله يرحم أيامك يا صافيه والله إنتي الكسبانة إنك بعدتي عن جوز التعابين دول، إنفخ يا أخويا إنفخ دلوقتي تقوم تتنطط زي القردة."
تمتمت زينب بتلك الكلمات في نفسها بصمت، ثم أشاحت بوجهها إلى الجانب وأطلقت زفرة ملولة. ثم نهضت واقفة. ليقول سليمان: "هما اتأخروا كده ليه؟"
نظرت إليه ببرود وقالت: "دلوقتي يطمنونا."
انفرج باب الغرفة بغتةً ليخرج الطبيب نازعاً عنه قناعه الطبي وزفر مطولاً قبل أن يهرول سليمان نحوه قائلاً بلهفة: "طمني يا دكتور؟"
نظر إليه الطبيب بأسف وقال: "للأسف فقدنا الجنين، لكن الأم بخير وهتتعافى قريب، ربنا يعوض عليك."
بتلك الكلمات المقتضبة أخبره الطبيب بكل سلاسة بفقدان طفله المنتظر وانصرف بعدها. لينفجر سليمان باكياً بحسرة ونظر إلى زينب قائلاً وسط بكاؤه: "فضل مات يا زينب، فضلت مستنية عشرين سنة ولما فرحت بيه أخيراً مات."
نظرت إليه زينب بأسف وحزن صادق وقالت: "معلش يا عمي سليمان، ربنا يصبرك ويِخلف عليك."
بالداخل كانت تجلس يُسر في فراشها بعد إفاقتها تبكي وتنتحب بشدة. فقالت زينب: "حمد الله على السلامة يا يـسر، محتاجة حاجة أعملهالك؟"
أومأت برأسها أن لا، وباغتها قائلة: "يحيي فين؟"
نظرت إليها زينب بدهشة وقالت: "تقصدي عمي سليمان؟ هو تحت بيجيب لك أكل..."
قاطعتها يُسر ببكاء وقالت: "يحيي فين؟ محدش كلمه؟"
"_يا بجـاحتـك!!"
قالتها زينب في نفسها، ثم نظرت إلى يُسر وقد عاد إليها برودها فقالت: "معرفش حاجة أنا معاكي في المستشفى من وقتها." وأضافت بنظرة ذات مغزى: "يحـيي الله يكون في عونه ويصبره على حاله بقا. مسكين!"
قالت الأخيرة وأشاحت بوجهها جانباً، ليدلف سليمان إلى الغرفة وملامح الحزن تكسو وجهه وجلس إلى جانب يُسر وقال وهو يمد يده إليها بالطعام: "معدتيش تعيطي يا يُسر عشان متتعبيش، خدي اشربي العصير ده."
أومأت بالنفي ليقول: "خلاص قدر الله وما شاء فعل متزعليش نفسك، ملناش نصيب فيه."
وهنا كانت صدمته الثانية. حيث نظرت إليه بقوة وغضب جامح وانفجرت به بقوة تقول: "أنا في إيه وإنت في إيه؟ كل همك في ابنك اللي مات؟ ده كويس إنه مات، يا ريتني كنت مت أنا كمان وارتحت."
نظر إليها بذهول وقال: "يُسر إنتي بتقولي إيه؟"
أردفت متسائلة باستنكار شديد وقالت: "إيه مالك مصدوم كده ليه؟ تقدر تقولي لو كان اتولد كان هيبقا مصيره إيه؟ إذا كان جوازنا كله بااطل كنا هنربي الطفل ده على أي أساس؟"
لم يعرف بما يجيبها، ف راح يتطلع نحوها بصمت. لتقول بحسرة: "أنا مش زعلانة إنه مات، أنا زعلانة إني أنا اللي عايشة، يا ريتني كنت مت وارتحت من العذاب اللي مستنيني."
تشنّج وجهها وجسدها بالأكمل لتنتابها حالة بكاء هيستيرية وراحت تردد بحسرة: "يا ريتني مت قبل كل ده ما يحصل، يا ريتني مت..."
اقترب منها يحاول تهدأتها لتبتعد عنه بحدة وتدفعه بعيداً عنها بقوة وصرخت قائلة: "إبعد عني، إبعد عني إنت مش من حقك تلمسني، إنت السبب!"
وقف مشدوهاً لما يصدر منها، فقالت بقوة واتهام واضح: "أيوة إنت السبب، إنت اللي فضلت تزن عليا عشان نتجوز وفضلت تقول لي عشان العيال والزفت لحد ما وافقتك وخسرت كل حاجة؟!"
"_يُسر اهدى، إنتي مش واعية للي بتقوليه!"
أعادت النظر إليه بقوة وتحدٍ وقالت: "ليه شايفني اتجننت؟ ولا مش مصدق اللي بتسمعه؟" وتابعت بحزم: "خلاص يا سليمان مبقاش فيها كلام، حتى الكلام بقى حرام، اللي بيننا ده كله كان باطل وربنا نجدنا إن الطفل ده متولدش."
أنهت حديثها المفاجئ له كلياً وأشاحت بوجهها جانباً. ليقول مخاطباً زينب: "خليكي معاها يا زينب لحد ما تخرج من المستشفى، وأنا هدفع حساب المستشفى." وغادر مسرعاً ليستقل سيارته منطلقاً بها لا يعلم أين!
كانت زينب تجلس برفقة يُسر في الغرفة بالمستشفى لا تطيق الانتظار وكأنها تفترش الجمر من أسفلها. فنهضت قائلة: "طيب يا يُسر أنا مضطرة أمشي عشان العيال ويحيي الصغير سايباه لوحده وإنتي ماشاء الله بقيتي زي القر.... قصدي زي الفل أهو."
نظرت إليها يُسر بتعجب وقالت: "هتسيبيني لوحدي أومال مين اللي هيساعدني؟"
"اللي بيساعد العباد ربنا يا حبيبتي وبعدين اتصلي على أمك تيجي تقعد معاكي، إنما أنا مش فاضية يا حبيبتي ورايا عيال وعيالك كمان أمانة في رقبتي لحد ما تقومي بالسلامة."
نظرت إليها يُسر بغيظ وقالت بحدة: "امشي مش عاوزة حد معايا."
أومأت زينب بموافقة وقالت: "ماشي يا حبيبتي تقومي بالسلامة، أنا هتصل لك بأمك تجيلك ويستحسن ترجعي معاها بيتكم على ما الجو يهدى وتشوفي هتعملوا إيه في المصيبة دي."
ألقت كلماتها المستفزة ثم منحتها نظرة شامته وانصرفت.
********************
بات يحيى ليلته بالمسجد، لم يكحل النعاس جفنيه فظل شارداً يفكر بما حدث وما رآه اليوم، وكلما استعادت ذاكرته ذلك المشهد انخرط في البكاء بشدة.
لطالما تمنى أن تعود إليه ذاكرته وأن يستطيع العودة إلى منزله وعائلته التي كان على يقين بأنهم ينتظرون عودته بالرغم من جهله لهم، ليعود اليوم فيجد زوجته المصونة قد تزوجت بأخيه الأكبر والذي كان بمثابة أب له وأخ لها، فكيف استطاعت فعل ذلك!
يشعر أنه الآن على حافة الجنون وأنه حتماً لن ينجو تلك المرة. بطش عائلته به كان أشد وطأة على نفسه أكثر مما رآه منذ عام مضى بكل تفاصيله وبكل ما مر عليه فيه.
دفن رأسه بين كفيه ينتحب بقوة علّه يطفئ تلك النيران التي اشتعلت بقلبه ليجد من يربت على ظهره. فمسح وجهه ونظر إليه ليتجهم وجهه ونظر بغضب للجهة الأخرى وقال: "جاي ليه يا عبدالقادر؟"
جلس أخيه إلى جانبه وقال: "جايلك يا يحيى، جاي لأخويا..."
قاطعه يحيي بغضب وقال: "أنا ماليش إخوات، امشي واعتبرني أو اعتبروني كلكم إني لسه ميت."
نظر إليه عبدالقادر بحزن وأسف، فأردف يحيي وقال: "اعتبروا إن اللي حصل ده مجرد كابوس، وأنا كمان هعتبر إنه كابوس هرجع مطرح ما جيت."
نظر إليه عبدالقادر بلهفة ووضع يده على كف أخيه وانحنى بجزعه أكثر ليقترب منه وقال: "ترجع فين يا يحيى ده إحنا ما صدقنا إنك رجعت..."
قاطعه يحيي مرة أخرى متهكماً وقال: "هه.. إنت بتضحك عليا ولا على نفسك يا قدّورة؟ محدش فيكم كان يتمنى إني أرجع أبداً وأولكم هو وهي."
شخص الآخر بصره أرضاً لا يعرف بما يبادله الحديث. ليقول يحيي: "قوم روح بيتك يا عبدالقادر واطمن من ناحيتي لو قلقان يعني.. مش هيجرالي حاجة أسوأ من اللي شفته."
نظر إليه عبدالقادر وقد أطفرت دمعاته بندم وقال: "والله يا يحيى كلنا فكرنا في مصلحة...."
قاطعه يحيي بإشارة من يده وقال: "عشان خاطر ربنا أنا مش متحمل كلام في الموضوع ده دلوقتي."
أومأ موافقاً والتزم الصمت. ثم تساءل بحذر: "طيب إنت ناوي تعمل إيه دلوقتي؟ أقصد يعني وضعك معاها إيه؟"
آثر يحيي الصمت. ليردف أخيه قائلاً: "على فكرة هي تعبت امبارح وولدت والعيل نزل ميت."
لم يجبه يحيي بل أومأ باقتضاب وقال: "هطلع دلوقتي على دار الإفتاء وهسأل وأشوف المفروض إيه اللي يحصل."
"_طب تعالي نروح سوا.. ثواني وهجيب العربية."
أومأ يحيى برفض وقال: "لا أنا هروح لوحدي مش عايز حد معايا."
تبين أخيه ضيقه فلم يكرر سؤاله وأومأ بهدوء مربتاً على رأسه ونهض قائماً. ثم قال: "طيب إنت هترجع البيت امتا؟"
نظر إليه يحيي مطولاً وقال: "البيت لأصحابه يا عبدالقادر، وأنا خلاص بقيت غريب مليش مكان في البيت ده."
همّ عبدالقادر بالحديث مجدداً ليقاطعه يحيي بحزم ويقول: "إمشي يا عبدالقادر، إمشي ومتحاولش تدور على مكاني تاني ولا تحاول تعرف أنا فين لإنك مش هتلاقيني وحتى لو لقيتني هتلاقيني شخص تاني إنت متحبش تشوفه ولا تكون لك بيه أي صلة!"
هكذا خرجت تلك الأحرف العارية من فم يحيي ولكنها كانت تحمل كنايات أخرى مغايرة تماماً لم يستطع أخيه فهمها، ولكن الأيام كفيلة بها.
انصرف عبدالقادر عائداً نحو المنزل، بينما غادر يحيي المسجد على الفور متجهاً نحو دار الإفتاء لكي يقدم فتواه وبدأ بسرد كل ما حدث منذ ذلك اليوم. ليقول المفتي: "بسم الله الرحمن الرحيم فالزوجة إذا بلغها خبر وفاة زوجها الغائب، ثم اعتدت وتزوجت، ثم ظهر زوجها الأول. فإن كان ذلك قبل أن يدخل بها الزوج الثاني، فإنها ترد للأول، وإن كان الزوج الثاني قد دخل بها؛ فإنها لا تفوت بالدخول بل تعود للزوج الأول أيضاً بعد أن تنقضي عدتها من الزوج الثاني وبحدوث الإجهاض تسقط العدة..."
نظر إليه يحيي مشتتاً وقال: "أنا مش فاهم حاجة يا شيخنا ياريت معلش تبسطهالي."
ابتسم المفتي قائلاً: "حضرتك بتقول إنك غبت سنة وكنت فاقد الذاكرة وأول ما الذاكرة رجعتلك رجعت بيتك لتجد زوجتك متزوجة من أخيك."
أومأ يحيى بتأكيد. ليضيف المفتي قائلاً: "وكانت حامل في شهورها الأخيرة، مظبوط؟"
أومأ يحيى موافقاً ليقول الآخر: "إذاً بمجرد ظهورك فإن زواجها من الثاني اللي هو أخوك باطل وترد إلى عصمتك ولكن بعد قضاء عدتها من أخوك وبما إنها كما تقول وضعت اليوم والجنين قد مات بأحشائها إذاً لا عدة لها عملاً بقوله في كتابه الكريم "وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ " يعني يا أستاذ يحيي هي زوجتك وتحل لك بإذن الله."
غادر يحيي شارداً، لم تزده تلك الفتوى إلا حيرة وتخبط وجلس بتعب إلى مقعد مقابل للمبنى وشرود بما ينتظره.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نعمة حسن
كعادتها لا تطيق الانتظار عندما تحوي بجعبتها أخباراً جديدة، فأمسكت بهاتفها على الفور وقامت بالاتصال بصافية التي أجابتها بهدوء وقالت:
أيوة يا زينب.
ألو، إزيك يا صافية عاملة إيه؟
الحمد لله يا زينب، العيال عاملين إيه؟
كلهم بخير الحمد لله، غزل حبيبتي أخبارها إيه؟
تنهدت صافية بحزن عميق وقالت: الحمد لله على كل حال، هتعمل إيه حبيبتي أهي نايمة، ادعيلها ربنا يصبرها.
تمتمت زينب بأسف شديد وقالت: ربنا يخلف عليها ويعوضها يا رب.
يا رب.
مش هتصدقي اللي حصل امبارح!
قالتها زينب بحماس ومراوغة لتتساءل صافية بتعجب: إيه اللي حصل؟ أيوة صح مش انتوا كنتوا بتفطروا سوا امبارح، خير حد اتخانق ولا إيه؟
يحيي رجع!
قالت صافية بتلقائية شديدة: رجع منين؟
جرا إيه يا صافية بقولك يحيي رجع!
نهضت صافية واقفة وقالت: انتي بتقولي إيه؟ انتي أكيد بتهزري.
ابتسمت زينب وقالت: وهي الحاجات دي فيها هزار يا صافية؟ ده انتي فاتك عمرك كله امبارح مش بس نص عمرك.
تساءلت صافية بلهفة وقالت: رجع إزاي وكان فين طول السنة اللي فاتت دي؟
في إيه يا عمتو؟ هو مين اللي رجع؟
كان هذا الحديث منبعثاً من غزل التي ركضت سريعاً من فراشها تتساءل بلهفة.
فنظرت إليها صافية وقالت بفرحة: زينب بتقول إن يحيي رجع!
تساءلت غزل بترقب وعدم تصديق فقالت: رجع منين؟
نظرت إليها صافية ثم إلى الهاتف بين يديها وقامت بتشغيل مكبر الصوت وتحدثت إلى زينب فقالت: معلش يا زينب قولي من الأول، هو إيه اللي حصل امبارح؟
قالت زينب بحماس يتطاير من عينيها: امبارح وقت الفطار لقينا يحيي داخل...
لم تكمل غزل الاستماع إليها حيث أنها لم تستطع التماسك لتسقط أرضاً مغشياً عليها.
***
في فراشه يرقد بتعب وقد تهالك جسده القوي بين ليلة وضحاها وأخذ منه التعب كل مأخذ.
كان ينظر أمامه نحو اللاشيء وعيناه مشخصان للفراغ قبل أن يدخل عبدالقادر إلى غرفته ويجلس إلى جانبه ممسكاً بيديه يقول بنبرة واهية:
إزيك دلوقتي يا بابا؟
نظر إليه والده وقال بصوت مهزوز:
يحيي فين يا قدورة؟
زم عبدالقادر شفتيه بأسف وقال متنهداً:
مشوفتهوش من بعد ما كنا في الجامع، هو قالي متدورّش عليا.
قاطعه والده قائلاً بعصبية مفرطة:
وهو عشان قال لك متدورّش عليا يبقى تسيبه؟ انتوا دماغكوا دي فيها إيييييه؟ جايلك قلب تقعد هنا وأخوك منعرفش عنه حاجة؟ مش كفاية اللي هو فيه؟
ماهو عشان كفاية اللي هو فيه يبقى لازم أسيبه يا بابا، يا بابا افهمني. يحيي فقد الثقة فينا كلنا ومش عايز يشوف حد فينا، مينفعش آجي في عز وجعه وأجبره يشوفني أو يتعامل معايا، هو مش ناقص.
أمسك الأب بحافة الفراش وبيده الأخرى كان يحاول التقاط عصاه ليقول عبدالقادر متسائلاً:
رايح فين يا بابا؟
رايح أشوف ابني فين.. رايح أشوف أخوك فين يا عبدالقادر، أنا مش هسكت تاني.
قالها بنبرة صارمة وصوت قوي لا يقبل المناقشة، فقال عبدالقادر وهو يحاول ثنيه عن قراره:
يا بابا استنى بس، انت تعبان مش هتقدر تلف في الشوارع.
نزع "علي" يده من بين يدي ابنه وقال:
حاسب يا عبدالقادر، اوعى، أنا مش هستنى تاني، أنا غلطت لما كذبت إحساسي في كل مرة كان بيقولي ابنك مماتش، يمكن لو كنت تعبت نفسي شوية ودورت على الحقايق مكانش كل ده حصل، أنا أول واحد غلطت في حق أخوكم.
بوهن ويدان ترتجفان التقط عصاه وهرول نحو الخارج ليلحق به عبدالقادر ويتجهان نحو المسجد أملاً منهما أن يجدونه هناك.
***
كان يجلس على مقعد بالشارع ويضم يديه إلى بعضهما البعض يحيط بهما نفسه، شارداً ينظر إلى الفراغ من أمامه غير آبه بما يحدث حوله وكأنه مغيباً.
جلس إلى جواره رجل أربعيني فلم يكترث وتحاشى النظر إليه ليجده يمد يده إليه بسيجارة فنظر إليه يحيي نظرة خاطفة وقال:
شكراً مش عايز.
قال الرجل دون أن ينظر إليه:
يا عم متتأمرش وخدها، أهي حاجة تطلع فيها غلّك وقرفك، ولا إنت مش قرفان؟
قال الأخيرة بسخرية ليلتقط يحيي السيجارة من بين أصبعيه ويشعلها بواسطة قداحته ويبدأ في تدخينها بشراهة ثم نظر بعدها إلى الرجل مجدداً وقال:
هات سيجارة كمان!
نظر إليه الآخر ضاحكاً وقال:
للأسف لقد نفذ رصيدي، بس معايا اللي أقوى منها.
وأخرج من جيب سترته الداخلي قنينة خمر ناولها إلى يحيي وهو يقول:
خد بل ريقك.
نظر إليه يحيي بتفحص وقال:
لا مبشربش.
يا عم متعملش فيها داعية إسلامي بقى، يعني الخمرة حرام والسجاير لأ؟ خد اشرب وانسى، بؤ واحد هيخليك تطير وتنسى إنت مين وابن مين.
ضحك يحيي ساخراً وفك وثاق ساعديه عن بعضهما ونظر إليه قائلاً:
حلو ده أنا عايز أنسى، هات.
التقط قنينة الخمر من بين يديه وتجرعها بأكملها جرعة واحدة ليمتعض بعدها امتعاضاً شديداً ونظر إلى الرجل فقال:
إيه ده طعمها مقرف أوي.
أومأ الآخر مؤيداً وقال:
أيوة طعمها مقرف بس مفعولها سحري.. بص قدامك كده وعد لحد خمسة هتلاقي نفسك بتطير.
نظر إليه يحيي متعجباً ثم انفجر ضاحكاً بقوة فضحك الآخر بدوره وقال:
ها طيرت ولا لسه؟
حاول يحيي كبح جماح ضحكاته وقال:
آه بطير أهو.
أومأ الآخر بجدية وقال:
طب امسك فيا بقى لأحسن نقع احنا الاتنين.
ثم نهض واقفاً ونظر إلى يحيي ثم قال:
قوم يا امسك فيا.
نهض يحيي عن مقعده بتثاقل وهو يترنح يميناً ويساراً ويقول:
أنا مش شايف قدامي.
أسنده الرجل وسار باتجاه سيارته وفتح الباب ثم قال وهو يتخذ مكانه خلف طارة القيادة:
اركب يلا.
دلف يحيي إلى السيارة واستقل المقعد المجاور له ثم قال:
اركب فين يا عم.. مش راكب.
نظر إليه الآخر وارتفعت ضحكاته وقال:
يبني ما انت ركبت خلاص.
نظر يحيي حوله وقال:
إيه ده هو أنا ركبت بجد!
أومأ الآخر موافقاً ليقول يحيي:
طب طالما ركبت نزلني بقى على جنب.
ثم انفجر ضاحكاً بهيستيرية ليترنح فاصطدمت رأسه بالمقعد من خلفه ليسبح في النوم سريعاً فنظر إليه الرجل وقال بثمالة:
إيه ده هو نام؟
ثم نظر إلى انعكاس صورته بالمرآة وقال:
أكيد يعني نام مش سامعه بيشخر؟
لينخرط بعدها في نوبة ضحك هيستيريه هاجمته مجدداً ثم انطلق بالسيارة نحو منزله.
***
كانت صافية تجلس برفقة إبراهيم إلى جانب غزل ينتظرون إفاقتها فقال إبراهيم بخوف:
ما كنا نجيب لها دكتور يا صافية، جايز حامل!
نظرت إليه صافية وهمت بإخباره بحقيقة الأمر قبل تتململ غزل في فراشها وقد بدأت تستعيد وعيها فقال والدها:
هه.. الحمد لله فاقت أهي.
أمسك بكلتا يديها بين يديه ونظر إليها مبتسماً وقال:
حمد الله على سلامتك يا روح أبوكي.
نهضت غزل لتعتدل في جلستها ونظرت إلى عمتها وقالت بخوف:
هو أنا كنت بحلم يا عمتو ولا يحيي رجع فعلاً؟
ربتت صافية على ذراعها بلين وقالت:
لا يا حبيبتي مكنتيش بتحلمي، زينب بتقول إنه رجع امبارح فعلاً بس يا حبيبي محدش عارف هو فين دلوقتي.
هز إبراهيم رأسه بشفقة وقال:
مسكين يحيي، صدمة كبيرة أنا مش عارف هيتجاوزها إزاي ربنا يكون في عونه.
حاولت غزل الخروج من فراشها فقال والدها وهو يمسك يدها يمنعها:
رايحة فين؟
هنزل أدور على يحيي يا بابا!
قالتها بكل بساطة ليردف بقوة ويقول:
انتي اتجننتي؟ تنزلي إزاي؟ أولاً إنتي مفاتش على وفاة جوزك الله يرحمه أسبوع، ثانياً إنتي تعبانة، ثالثاً بقى والأهم هتنزلي تدوري عليه بصفتك إيه؟
تراجعت بصمت فأضاف قائلاً:
اعقلي كده ومتخليش حد يتكلم علينا كلمة ملهاش لازمة.
هكذا أعطاها أوامره وخرج من الغرفة ليتركها هي تائهه تسبح في بحور من ضياع.
***
كانت يسر تجلس في منزل والدتها شاحبة الوجه ترتسم سيماء الحزن والندم على وجهها بوضوح.
جلست والدتها إلى جوارها وتنهدت قبل أن تقول:
وبعدين يا يسر؟ هتفضلي متعلقة كده لا طايلة سما ولا أرض؟
دون أن تنظر إليها أطلقت زفرة رتيبة وقالت:
هعمل إيه بس؟ عمّالة أتصل بالزفتة زينب عشان أعرف منها آخر الأخبار مبتردش عليا.
توقفت لبرهة ثم قالت بحماس:
أنا عندي فكرة!
هزت والدتها رأسها بتساؤل لتردف الأخرى قائلة:
أنا هروح بحجة إني أجيب زياد ونور وهناك هشوف الوضع عامل إزاي وإذا كان يحيي موجود ولا.
أنظرت إليها والدتها بتعجب وقالت:
عايزة تخرجي وإنتي تعبانة كده؟ مينفعش طبعاً إنتي عايزة الناس تقول عليكي إيه؟
تأففت بملل وقالت:
بلا ناس بلا زفت، أومال عايزاني أقعد هنا وأنا مش عارفة أنا مصيري إيه؟
لتعود والدتها وتنظر إليها قائلة:
طب حتى اثبتي إنك تعبانة ومتأثرة باللي حصل، إنما لما تخرجي تاني يوم كده هيقولوا إيه؟ وبعدين متستعجليش يا خبر النهارده بفلوس بكرة يبقى ببلاش.
قاطع حديثهم دخول زوج والدتها يحك ذقنه محدثاً صوتاً غليظ أشبه بالخشخشة وجلس أدعالي حافة الفراش الذي ترقد عليه يسر وقال محدثاً زوجته:
هو مفيش عشا ولا إيه؟ هتفضلي قاعدة جمب سوسو طول النهار ونضيع إحنا ولا إيه؟
نظرت إليه يسر بغيظ وحنق فاضا من عينيها وقالت:
قومي يا ماما اعمليله أكل أصل ده لو جاع ممكن ياكلنا.
نظر إليها غير مبالياً وهز رأسه باستهجان وقال:
إلا قوليلي يا سوسو؟ ناوي تقعدي هنا لحد إمتى؟
نظرت إليه زوجته باستياء وهي تمنعه عن الإسهاب في حديثه بعينان زاجرتان ليتجاهلها ويكمل قائلاً:
أقصد يعني هترجعي لجوزك إمتى؟
راحت يسر تنظم أنفاسها تأخذ شهيقاً وتزفره ببطء لتمنع نفسها من الانفعال وقالت:
أنا تعبانة وعايزة أنام.
أومأ موافقاً ونهض واقفاً ثم قال:
نوم العوافي يا بنت مراتي، تصبحي على خير.
وخرج من الغرفة ليتركها تغلي وتزبد من فرط الغيظ فاقتربت منها والدتها وربتت على كتفها بأسف وقالت:
معلش يا حبيبتي هو إسماعيل كلامه دبش كده متاخديش على خاطرك منه.. البيت بيتك يا قلب أمك.
نظرت إليها يسر بصمت وخانتها دمعة من عينها كانت تجاهد كي لا تسقط وقالت:
أنا اللي أستاهل كل اللي بيحصل لي ده يا ماما.
قاطعتها والدتها حيث قالت:
متزعليش نفسك يا حبيبتي انتي معملتيش حاجة حرام ولا حاجة تتكسفي منها ده انتي اتجوزتي على سنة الله ورسوله، وبعدين هو إبليس اللي اسمه سليمان ده هو اللي فضل يحوم حواليكي لحد ما اتجوزك يعني انتي ملكيش ذنب في حاجة.
نظرت إليها يسر بفرحة وقالت بأمل:
بجد يا ماما؟ تفتكري فعلاً يحيي ممكن يسامحني؟
أومأت والدتها بتأكيد وقالت:
طبعاًااااا، وهو يقدر يعيش من غيرك إنتي وعياله؟ متبقيش عبيطة أوماال، أومال فين يسر اللي طول عمرها دماغها توزن بلد! متقلقيش انتي بس وإن شاء الله هي فترة وتعدي ويحيي مجرد ما يفوق من صدمته هيرجعلك أوام إنتي والعيال.
أومأت يسر بموافقة وقالت:
معاكي حق يا ماما، بس انتي متأكدة من الكلام بتاع جوز خالتي ده؟
أومأت والدتها أن نعم وقالت:
طبعاً متأكدة هو أنا هسأل أي حد بردو، جوز خالتك ده أخوه الصغير بيدرس في الأزهر وسأل شيوخ كتير وكلهم قالوله إن طالما الزوج الأولاني رجع يبقى مراته من حقه بس لما تخلص عدتها من الأولاني وانت سقطتي يعني ملكيش عدة يعني ترجعوا لبعض في أي وقت عادي.
نظرت يسر أمامها بأمل وأومأت بابتسامة وقالت:
إن شاء الله ده اللي هيحصل، أنا عارفة إن يحيي بيحبني وهيسمعلي.
ربتت أمها على رأسها وقالت:
إن شاء الله يا حبيبتي، يا نامي انتي وارتاحي، تصبحي على خير.
خرجت والدتها من الغرفة بينما ظلت هي تتطلع أمامها بابتسامة حالمة وهي تمني نفسها بعودة يحيي قريباً.
***
استيقظ بتعب شديد وهو يشعر بأن أحدهم قد أبرحه ضرباً ليتأوه بشدة وهو يحاول الاعتدال بمجلسه ناظراً حوله بتعجب جم وهو يحاول معرفة هوية المكان المتواصل به قبل أن تقع عيناه على زجاجات خمر متعدده ملقاه بإهمال في كل مكان بعشوائية.
فنهض قائماً يضع يده فوق جبهته بشرود والأخرى تخصّر بها وتمتم بخوف:
إيه ده؟ هو أنا هببت إيه؟
استمع إلى صوت خطوات أقدام آنية من مكان ما لينظر حوله فوجد رجلاً أربعينياً وسيم للغاية يقترب منه فنظر إليه يحيي وقطب حاجبيه مندهشاً في حين بادله الآخر ذات النظرات المتعجبة وقال:
إنت مين؟
نظر يحيي حوله بشرود وقال:
انت اللي مين وايه اللي جابني هنا؟
نظر إليه الرجل بشك وهو يدنو منه وقال:
انت حرامي ولا إيه؟
نظر إليه يحيي بقوة وقال:
حرامي مين يا أخينا انت فوق كده واعرف انت بتكلم مين.
نظر الآخر حوله ودقق نظره نحو زجاجات الخمر الملقاه أرضاً وقال متذكراً:
أيوة أيوة صح، انت اللي قابلتك امبارح عالـبحر وركبت معايا العربية.
قاطعه يحيي بإيماءة من رأسه وقال:
أيوة فعلاً كلامك صحيح.. لا مؤاخذة أنا مكنتش واعي وقتها ودلوقتي كنت ناسي اللي حصل.
ابتسم الرجل ببشاشة وقال:
ولا يهمك، حصل خير، وأنا كمان مكنتش مركز امبارح وكنت متقل في الشرب ومعرفش حصل إيه.
ثم مد يده ليصافح يحيي وقال:
أعرفك بنفسي.. قاسم عبدالرحمن.
صافحه يحيي بود وقال:
يحيي الهنداوي.
ابتسم قاسم قائلاً:
أهلاً بيك يا يحيي اتشرفت بمعرفتك.
بادله يحيي الابتسام وقال وهو ينحني ليلتقط سترته من على الأريكة:
الشرف ليا وآسف على الإزعاج.
قاطعه قاسم قائلاً:
لا طبعاً مفيش إزعاج ولا أي حاجة، إنت رايح فين؟
أجابه يحيي بهدوء:
هستأذن أنا بقى.
ليقاطعه قاسم قائلاً:
لا طبعاً مش قبل ما نفطر مع بعض.
ابتسم يحيي ببشاشة وقال:
معلش اعذرني لازم أمشي.
يا عم هتمشي تروح فين بس؟
استوقفته تلك الكلمات وانتبه لسؤال قاسم ليتساءل بداخله "أين سأذهب حقاً؟!".
فأعاد النظر نحوه وضحك بخفة وقال:
مش عارف والله.
ابتسم قاسم بلطف واقترب منه ليجلس بأريحية على الأريكة ويشير له بالجلوس قائلاً:
اقعد اقعد انت شكلك حكايتك حكاية.
جلس يحيي مستسلماً وشرد أمامه وقال بعد أن أطلق تنهيدة محملة باليأس:
لا حكاية ولا رواية، عادي.
نظر إليه قاسم بتفحص ثم قال:
عادي إزاي بقى ده انت شكلك شايل كتير.. زيي كده.
قال الأخيرة متهكماً يسخر من حاله فنظر إليه يحيي وابتسم قائلاً:
أوقات كتير بيبقى الواحد شايل في قلبه ياما مبيقدرش يحكيه، لا في طاقة يحكي ولا عايز حد يواسيه ويقول له معلش حتى، بيبقى كل اللي عايز يعمله إنه ينسى ويا سلام لو يفقد ذاكرته ويرجع لنقطة البداية كإنه لسه مولود دلوقتي حالاً.. يسلاااااام راحة مجربتهاش انت.
تساءل الآخر ضاحكاً وقال:
على أساس إنك انت اللي جربتها؟
أومأ يحيى موافقاً وقال:
أيوة جربتها سنة كاملة، كنت عايش ملك، بس كنت غبي مش مقدر قيمة النعمة اللي أنا فيها.
نظر إليه قاسم مطولاً وقال:
مش بقوللك حكايتك حكاية! انت شغال إيه يا يحيي؟
أجابه يحيي بهدوء وقال:
إحنا تجار قماش أصلاً أبًا عن جد، كل واحد منا أنا وإخواتي كان له محل، بالرغم من إني معايا بكالوريوس تجارة وكان طموحي غير كده خالص بس والدي أصر إني أكون تاجر زي إخواتي.
أومأ قاسم متفهماً وقال بغتةً:
تشاركني؟
نظر إليه يحيي متعجباً وقال:
أشاركك؟! إزاي مش فاهم؟
اعتدل قاسم بمجلسه وبدأ حديثه قائلاً:
أنا عندي شركة استيراد وتصدير.. يعني مجالك.. حابب تدخل شريك بالخبرة والمجهود تمام، حابب تدخل شريك بالمال والخبرة والمجهود تمام، اللي يريحك ويناسب إمكانياتك، ونكبر الشركة أنا وانت وبدل ما يبقى فرع يبقى فروع. إيه رأيك؟
نظر إليه يحيي شارداً حيث كان يحاول لملمة شتات نفسه والتركيز بحديث الآخر فقال:
معلش اعذرني أنا حالياً مش مركز ولا قادر أستوعب حاجة، سيبني فترة أفكر وهرد عليك إن شاء الله.
أومأ قاسم موافقاً وقال:
اللي تحبه طبعاً وأي قرار تختاره أنا معاك فيه، بس نصيحة مني الشغل هو اللي هينسيك كل حاجة ويخليك تقدر تقف على رجليك من تاني.
أومأ يحيى بتأكيد ليضيف ويقول:
بإذن الله هفكر في الموضوع بجدية وهرد عليك في أقرب وقت.
ثم نهض واقفاً لينظر إليه قاسم ويقول:
رايح فين تاني؟
معلش لازم أمشي.. كفاية الإزعاج اللي عملتهولك امبارح.
لا أبداً ولا إزعاج ولا حاجة، وبعدين حتى استنى نفطر سوا ولو مصمم تمشي بعدها ابقى امشي.
أومأ يحيى موافقاً وجلس من جديد منصاعاً خلف حديثه.
***
كانت تجلس إلى جانب صافية وهي تقوم بمهاتفة زينب حيث كانت تنقل لها آخر التطورات التي طرأت عليهم منذ عودة يحيي فقالت:
من يوم ما رجع منعرفش عنه حاجة يا صافية.. كإنه فص ملح وداب والله.. أبوه هيتجنن عليه وقدورة كل يوم ينزل يستناه في الجامع على أساس إنه جاي أو هييجي ويرجع مهموم وحزين.. حتى عياله كل شوية يسألوا عليه وزياد ابنه مش مبطل سؤال عنه وكل شوية يسأل جده ويقوله هو بابا راح فين تاني.. واللي زاد وغطى سليمان كمان مش عارفين له طريق جرّه من يومها طلع بعربيته مرجعش البيت ومحدش عارف هو فين.
تنهدت صافية بضيق شديد وقالت:
هيكون فين بس؟ أنا قلقانة عليه والله لو ينفع انزل أدور عليه هعمل كده.
قالت زينب بتعجب:
بعد كل اللي شوفتيه منه يا صافية ولسه بتفكري فيه؟
قاطعتها صافية بحنق وقالت:
بتقولي إيه انتي كمان أنا قصدي على يحيي.. طيب ويُسر أخبارها إيه بعد موت البيبي؟
أجابت زينب ببساطة وهدوء:
هي دي بتتهد ولا بتزعل على حاجة، أهي من يومها وهي متلقحة عند أمها.
تنهدت صافية بسأم وقالت:
ربنا يعديها على خير ويسترها معاه ويرجع بالسلامة.
ياااارب.
تمتمت بها زينب وقالت:
غزل عاملة إيه؟
نظرت صافية إلى تلك الباكية صاحبة الوجه الهزيل التي تجلس إلى جانبها وقالت:
هتعمل إيه، الحمد لله على كل حال.
سلمي عليها كتير وهبقى أكلمك وقت تاني.
أنهت صافية الاتصال لتنظر إلى غزل والتي كانت تبكي بحرقة وقالت:
يعني بعد ما يرجع وأقول أخيراً رجع يختفي تاني وبالشكل ده؟
ربتت صافية على رأسها وجذبتها إلى صدرها تهدئ من روعها وتقول:
معلش يا حبيبتي كله مقدر ومكتوب، ربنا يكون في عونه يحيي مصيبته كبيرة.
نظرت غزل إليها وقالت والعشق يفيض من عينيها:
تفتكري هيرجع يا عمتو؟ لو مرجعش المرة دي أنا هموت فيها بجد.
أومأت صافية بتأييد وقالت:
أكيد هيرجع أنا متأكده.. بس متأكده كمان إنه هيرجع واحد تاني خالص، يحيي على قد ما كان طيب وهادي بس لو حد ظلمه مبينساش أبداً وهو متظلمش من واحد بس، ده احنا كلنا ظلمناه بموافقتنا على الجوازة دي.
وانتي ذنبك إيه يا عمتو؟ انتي انضحك عليكي وأكتر واحدة اتظلمتي في البيت ده وبسبب الجوازة دي.
تنهدت صافية بحزن وقالت:
ذنبي إني كنت سلبية.. في أوقات كتير يا غزل مينفعش تتنازلي عشان خاطر حد حتى لو الحد ده أقرب حد ليكي، لإنك متعرفيش هتدفعي تمن تضحيتك وتنازلك ده إيه! لازم تعرفي إن القلوب بتتقلب ومحدش ضامن اللي قدامه ده لو بيحبه وروحه فيه النهاردة، بكرة هيبقى شعوره إيه من نحيته.. فإنتي مهما كان مينفعش تقدمي حاجة فوق طاقتك واحتمالك لإن ممكن ييجي اليوم اللي تندمي فيه على تضحياتك دي وتقولي زيي كده يا ريتني مت قبل ما أوافق على حاجة زي كده.. لإن في النهاية مهما تعملي مش هترضي الناس ولا حد هيقدر اللي عملتيه عشانه ولا حتى هيشيلوهالك جميلة.. يبقى انتي تعملي اللي تقدري عليه وبس وإووعي في حياتك مرة تضغطي على نفسك ولا تجبريها عشان خاطر حد. محدش يستاهل!
أومأت غزل بموافقة واقتناع عندما اختتمت صافية حديثها النادم بتنهيدة يائسة بينما شردت الأخرى بحديثها وهي ترجو الله في نفسها بأن يعود سريعاً.
***
كانوا جميعاً يجلسون حزاني شاردون، يفكرون بما يحدث حولهم من أحداث متلاحقة.. عودة يحيي ومن ثم اختفاؤه مرة أخرى، غياب سليمان أيضاً والذي زاد من حيرتهم وقلقهم.
مفيش أخبار عن إخواتك يا قدورة؟
تساءل الأب حيث كان يجلس متكئاً بكلتا يديه على عصاه كعادته يستند عليها ليقول عبدالقادر:
مفيش يا بابا.. سليمان مبيفتحش المحل ولا بيروح عند حد من معارفه وحتى كان في بضاعة المفروض هو اللي يستلمها لسه في المصنع، ويحيي كإنه فص ملح وداب محدش عارف عنه حاجة.
بتر حديثه عندما استمع إلى طرقات على باب المنزل فقال محدثاً ابنه:
شوف مين يا سيف.
فتح ابنه الباب لينظر إليهم بفرحة ويقول:
ده عمو يحيي.
دخل يحيي واحتضن الصغير مربتاً على رأسه كعادته السابقة لينهضوا جميعاً راكضين نحوه قبل أن يستوقفهم بإشارة من يده ويقول:
زي ما انتوا.
توقف والده متعجباً ونظر نحوه بتفحص فقال وهو يتلاشى النظر لأبيه:
أنا مش جاي أقعد.. أنا جاي أقولكوا كلمتين وأمشي.
تجاهل والده حديثه واقترب منه أكثر ووقف أمامه قائلاً بهدوء:
هتتكلم وانت واقف يا ابني؟
نظر يحيي أرضاً وقال:
معلش، هما كلمتين عالسريع وهمشي.. لو سمحتي يا أم سيف تلبسي نور وزياد وتجهزي حاجتهم.
نظروا جميعاً لبعضهم البعض بتعجب وقال والده:
ليه انت عايز حاجتهم ليه؟ انت ناوي على إيه بالظبط؟
نظر إليه والده بقوة وأضاف قائلاً:
ناوي آخد عيالي وأمشي، إيه حد عنده اعتراض؟
دنا منه شقيقه وقال مستفهماً:
تاخدهم وتمشي إزاي يا يحيي؟ تمشوا تروحوا فين؟
أي مكان بعيد عن هنا هيبقى أحسن ليا وليهم، وأظن هما مش محتاجين غيري دلوقتي.
هكذا خرجت تلك الكلمات الحادة من فم يحيي ليقول والده محاولاً تهدئته:
اصبر بس يا ابني واستهدي بالله.. هتروح فين وتسيب بيتك؟ وبعدين ذنبهم إيه العيال يتبهدلوا؟
نظر إليه يحيي وقال:
ذنبهم إنهم عيالي.. ومضطرين يستحملوني سواء حلو أو وحش.. وأنا مصمم آخدهم معايا مطرح ما أروح حتى لو هموت أنا وهما هيكون أحسن ليهم من إني أسيبهم وسطكوا.
تفاجأ والده بتلك الكلمات ليقول بصوت مختنق:
كده يا يحيى؟ ده كلام يتقال يا ابني؟ انت مش مصدق إني وافقت عشانهم؟
قاطعه يحيي بغضب عاصف وقال:
لو سمحت يا حج بلاش كلام في الموضوع ده.. أنا قفلت الموضوع ده بالضبة والمفتاح.. ومش هقبل فيه أي أعذار أو حجج ملهاش لازمة.. انت بالذات كان بإستطاعتك تربي عيالي وتصرف عليهم بدل ما تجوز أمهم لابنك.
قال والده بحزن:
خوفت يا يحيي، مراتك كان بيتقدملها كل يوم والتاني راجل شكل وخوفت تتجوز وتاخد العيال أو العيال يروحوا لأمها وأتحرم منهم.
قاطعه يحيي مجدداً وقال متهكماً:
ده كلامه مش كده؟! هو اللي أقنعك بكده عشان تبارك الجوازة! وانت طبعاً وافقت وقولت تضرب عصفورين بحجر.. عيال ابنك يبقوا معاك وأهو فرصة ابنك التاني يخلف ويبقى له عيال وأهو الله يرحم اللي مات.
أومأ والده بنفي وقال:
أبداً والله يا ابني، والله ما فكرت في حاجة أبداً غير فيك وفي عيالك.
أومأ يحيى برأسه بهدوء وقال:
مبقاش ييجي منه يا بابا، اللي حصل حصل خلاص.. وأنا روحت المحكمة النهاردة وثبت إني لسه حي أُرزق وسألت في دار الإفتاء وقالولي إنها رجعت لعصمتي.
تساءل أخيه بترقب وقال:
وإمتى هترجعها؟
أجاب باقتضاب:
مش هرجعها.
فقالت زينب بفضول:
هتطلقها؟
أومأ موافقاً وقال:
طلقتها!
تهللت أساريرها وابتسمت بحماس لم تستطع إخفاؤه ليقول والده:
وهي خدت خبر بالكلام ده؟
ورقتها هتوصلها النهارده إذا مكانتش وصلتها.
قال والده بحزن:
طب والعيال؟ هتسيبهم لها؟
نظر إليه والده بقوة وصرامة وقال:
عيالي مش هسيبهم لحد قلت، هيفضلوا معايا أنا غصب عن عينيها وعينين التخين.
وتابع بصوت جهور:
يلا يا زينب هاتي حاجتهم خلينا نمشي.
أومأت زينب بموافقة وأسرعت على الفور تقوم بتجهيز أغراض الصغار بينما نظر يحيي إلى أبيه وقال:
أنا عايز فلوسي.
قطب والده حاجبيه بتعجب وقال:
الفلوس كلها تحت رجليك يا ابني، شاور وخد اللي انت عايزه.
أضاف بنبرة جامدة:
أنا مش هاخد حاجة زيادة ولا حاجة مش من حقي، أنا عايز فلوسي اللي اشتغلت بيها من يوم ما وعيت عالدنيا ونزلت السوق.. وعايز الـ 200 ألف اللي عند سليمان اللي كان واخدهم مني عشان شقة القاهرة.
برز صوت عبدالقادر حيث قال:
حقك يا يحيي.. متقلقش أنا هتصرف في الموضوع ده وفلوسك كلها هتبقى عندك في ظرف يومين.
أومأ موافقاً ليقول والده:
انت ناوي على إيه يا يحيي؟
نظر إليه يحيي وقال:
ناوي على كل خير.. ناوي أشوف حياتي وأبدأ من جديد.
زفر والده بتعب وقال:
ربنا ييسر لك أمرك يا ابني.. وهترجع إمتى تعيش وسطنا؟
ابتسم يحيي متهكماً وقال:
مبقاش ينفع يا بابا.. البيت ده مبقاش يسعنا احنا الاتنين.. وأنا هقدر أصرف أموري إنما هو ملوش مكان تاني يعيش فيه.
قال عبدالقادر:
هو من يومها واحنا منعرفش عنه حاجة.. أكيد مش عارف يواجهك ومكسوف منك.. صدقني يا يحيي.
قاطعه يحيي ناهياً ذلك الحوار وقال:
وليه متقولش إنه متأثر بموت ابنه اللي كان مستنيه وكلها يومين ويرجع تاني؟ مفيش حاجة اسمها مكسوف يا عبدالقادر.. اللي اختشوا ماتوا.
ألقى بكلماته بقوة وذهب ليحمل حقائب الأغراض الخاصة بأطفاله واصطحبهما ليخرج من الباب فاستوقفه والده قائلاً بلهفة:
هنشوفك تاني إمتى يا يحيي؟
نظر إلى والده وقال:
هاجي يا بابا.. متقلقش!
خرج برفقته أطفاله واستقل سيارة قاسم الذي كان ينتظره بالخارج فقال مرحباً بالأطفال:
أهلاً أهلاً يا حلوين.. هاتي بوسة.
قالها مقبلاً نور التي منحته ابتسامة واسعة ثم قال مخاطباً يحيي:
هاا عملت إيه؟
قال يحيي باقتضاب:
بلغتهم باللي حصل وجبت حاجة زياد ونور.
أومأ قاسم موافقاً وقال:
بلغتهم إنك طلقتها؟
أومأ يحيى موافقاً وقال:
أيوة قلتلهم.. معلش يا قاسم هنتقل عليك أنا والولاد على ما الفلوس تيجي واشتري شقة.
نظر إليه قاسم بعتاب وقال:
متقولش كده يا يحيي انت زي أخويا الصغير، وأنا قولتلك القدر هو اللي وقعك في طريقي ووقعني في طريقك، يعني لبسنا يا معلم.
قالها ممازحاً إياه ليبتسم يحيي بخفة فقال له:
روق كده.. أهم حاجة إن عيالك معاك والبااقي يتعوض.
أومأ بتأكيد واحتضن طفليه بشدة يعوض فقدانه لهما طيلة الأيام الماضية.
***
كانت تقف أمام مرآتها تستعد للمغادرة قبل أن تدخل والدتها إلى غرفتها وتتساءل قائلة:
أومال انتي رايحة فين يا يسر؟
برز صوت زوجها من خلفها يقول:
جايز زهقت من القعدة ونزلت تدور على شغل.
رمقته يسر بضيق واشمئزاز وقالت لوالدتها:
رايحة أجيب عيالي يا ماما.
قال زوج والدتها قاصداً إثارة غضبها وحنقها:
رايحة تجيبي عيالك بردو ولا تطمني على حبيب القلب.
تجاهلته ونظرت إلى والدتها وقالت:
لازم أشوف آخرة اللي أنا فيه ده إيه يا ماما.. نور وزياد هما آخر أمل قدامي والحاجة الوحيدة اللي هترجعلي يحيي.. مش هتأخر هجيبهم وأجي أوام.. حضري المكرونة والبانيه لزياد على ما نرجع.
قالت الأخرى بابتسامة ليقول إسماعيل:
حيلك حيلك.. بتتشترطي كده ولا كأنك قاعدة في فندق خمس نجوم.
ثم حك ذقنه قائلاً:
هو مش الأكل ده يلزمه فلوس ولا البعيدة مبتشوفش.. ده حتى على رأي المثل، اللي ميشوفش من الغربال يبقى أعمى!
نظرت إليه يسر بغضب شديد وقالت:
أما قليل الذوق بصحيح.. عالعموم أنا هجيب فلوس من جد زياد ونور وأنا جايه وهصرف على نفسي وعيالي.. ربنا ما يحوجنا لأمثالك.
أومأ ساخراً وقال:
ماااشي.. مقبولة منك يا بنت مراتي.. بس زودي المعلوم شوية ألّا العيشة غليت.
لم تجبه وانصرفت مغادرة على الفور في طريقها نحو منزل عائلة الهنداوي.
***
وصلت أمام المنزل لتطرق الباب بأيدي مرتجفة من فرط التوتر فانفرج الباب لتظهر زينب من خلفه التي تفاجأت بقدومها فنظرت إليهم بالداخل وقالت:
دي يسر.
ثم نظرت إلى يسر بابتسامة مصطنعة وقالت:
يا خسارة حظك زفت.
نظرت إليها يسر بتعجب لتستطرد حديثها وتقول:
أصل يحيي كان هنا ولسه ماشي حالاً.
اهتز قلبها بين أضلعها وتسارعت نبضاته لتتمتم بذهول:
يحيي؟! بجد؟!
أومأت زينب برأسها أن نعم ولم تنطق فدخلت يسر تمشي على استحياء وألقت تحية السلام باقتضاب ثم قالت:
أومال نور وزياد فين؟ ناموا بدري كده؟
نظر إليها "علي" وقال:
عيالك مع أبوهم يا يسر.
ضيقت عينيها باستفهام وقالت:
مع أبوهم فين؟
تولت زينب مهمة إخبارها وقالت:
يحيي خدّهم وخد هدومهم وكل حاجتهم كمان.
اعترتها الصدمة ونظرت إليهم واحداً تلو الآخر بذهول وقالت:
خدهم إزاي يعني؟ وخذهم على فين؟
رفعت زينب كتفيها بجهل ليجيبها عبدالقادر قائلاً:
منعرفش يا يسر خدّهم على فين.. كل اللي نعرفه إنهم هيفضلوا معاه.
طب وأنا؟
تساءلت بلهفة وأضافت:
أقصد أنا موقفي إيه يعني من كل ده؟
هنا نطق "علي" قائلاً:
المحكمة حكمت برجوعك لعصمة يحيي.
أغتر ثغرها عن ابتسامة عريضة لتنقشع بغتةً عندما أضاف:
ويحيي طلقك!
تجهم وجهها بقوة وكادت الدماء أن تنفجر من عينيها وقالت بصوت متقطع:
طلق... طلقني إزاي يعني؟
أجابتها زينب بشماتة وقالت:
طلقك في المحكمة وورقتك هتوصلك قريب.
تملكتها الصدمة وشعرت بأن الأرض تميد بها وابتلعت لعابها بصدمة ثم نظرت لهم تباعاً وقالت:
هو يحيي اللي قال إنه طلقني فعلاً؟ يعني هو معدش عاوزني؟
أومأ عبدالقادر بأسف وقال:
يحيي اتغير يا يسر.. الصدمة خلته إنسان تاني خالص.. حتى مع أبوه.
نظرت إليه وقد سالت دمعاتها وقالت:
طب وانتوا مدفعتوش عني ليه؟ كنتوا قولوا له إنه غصب عني وإن سليمان اللي فضل يزن عليا لحد ما وافقت.
نظرت إليها زينب بصدمة وتعجب وتمتمت بصوت خافت:
يخرب بيت شيطانك!
تابعت يسر ببكاء حار:
أنا دلوقتي ذنبي إيه؟ إنتوا عارفين إني كنت بعشق التراب اللي يحيي كان بيمشي عليه.
نظر إليها "علي" وقال:
والله يا بنتي منا عارف أقوللك إيه.. أنا ذات نفسي مبقتش فاهم حاجة.. ولا بقيت عارف مين الظالم ومين المظلوم.. كل اللي أقدر أقولهولك ربنا يعينك.
خارت قواها وأجهشت بالبكاء وقالت:
طيب وزياد ونور ذنبهم إيه يتحرموا من أمهم؟ هو يحيي ناوي يعاقبني بيهم هما كمان؟
نظرت إليها زينب بملل وقالت ببرود:
والله يا يسر إحنا منعرفش يحيي ناوي على إيه بالظبط.. هو جه خد عياله ومشي أوام.
وأضافت:
أجيبلك كرسي تقعدي ولا هتمشي؟
نظرت إليها يسر مطولاً حيث كانت زينب تبادلها النظرات بتحدٍ ثم انصرفت مغادرة بصمت.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نعمة حسن
كانت الأيام تمر ببطء شديد علي الجميع و أولهم يحيي الذي لا يزال شارداً و لا يعلم أنًي له الصبر علي ما أصابه.
جلس قاسم إلي جانبه و هو يمد يده إليه بـِ فنجالاً من القهوة فنظر إليه يحيي مبتسماً و أخذه منه وهو يقول:
شكراً يا قاسم تاعبك معايا.
ربت قاسم علي فخذه وقال بإبتسامه:
لا يا يحيي متقولش كده إنت زي أخويا و ربنا العالم أنا بعزك إزاي كإني أعرفك من سنين،مش شوية أيام.
اومأ يحيي مؤكداً علي حديثه لينظر قاسم أمامه و يتنهد مطلقاً العنان لخيالـهِ وقال:
تعرف يا يحيي...
نظر إليه يحيي بإهتمام ليستأنف حديثه و يقول:
في ناس ممكن أول مرة تشوفها بس تحس إنها قريبه منك و روحها مألوفه بالنسبه ليك و لما تتعامل معاها بتتعامل بأريحية كإنك تعرفها من سنين..زيك كده.
نظر إليه يحيي بإبتسامه ليستطرد حديثه قائلاً:
و في ناس ممكن تفضل معاشرها سنين طويله و روحكوا متتقابلش أبدأ و تبقي إنت كل ده بتحاول تتعود عليهم و تفهمهم عشان تكملوا سوا و في الآخر تفشل بردو..و تيجي تشوف في الآخر تلاقي نفسك غلطان و ضيعت سنين من عمرك هدر!
أومأ يحيى مؤيداً لحديثه ثم نظر إليه وقال:
ده إنت فيلسوف بقا و أنا مش عارف.
إبتسم قاسم متهكماً و قال:
الدنيا بتعلم ياامااا أوي و أنا كنت ناقص علام و قامت معايا بالواجب.
لم يجيبه يحيي و بالأساس لم يعرف بما يُجِبه فظل يتطلع نحوه بشرود ليقول وهو يرتشف أول رشفةٍ من قهوته:
فتش عن المرأه!!
نظر إليه قاسم بإستفهام ليكمل يحيي موضحاً:
دي مقوله قالها الشاعر الفرنسي إلكسندر دوماس.
ثم صمت لبرهة ليقول قاسم:
قال إيه سي إلكسندر يا فيلسوف عصرك؟
نظر يحيي نحو الفراغ من أمامه و قال:
قالك لما تحصل أي مصيبه لراجل أو يتصرف بغباء يوقعه في ورطه و متلاقيش أسباب أو دوافع واضحه للتصرف ده يبقا فتّش عن المرأه..أكيد في واحده ست في حياته أيّاً كانت صلتها بيه إيه هتكون هي المسئولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن المصيبه دي.
ضحك قاسم ساخراً من حاله و قال:
والله صدق.
ثم نظر إلي يحيي و من ثَمّ نظر إلي الفراغ من أمامه وقال:
أنا بقا يا سيدي حكايتي ملهاش مثيل..راجل متجوز و عايش حياتي فل الفل و مستقر إلي حد كبير جداً..لكن ربنا مرزقنيش بأولاد..كنت متجوز واحده أصغر مني بـ15 سنه.. قعدت معاها خمس سنين حب و دلع و سفر و تنطيط من البلد دي للبلد دي و كله زي الفل..فجأة لقيتها إتغيرت و بقت واحده تانيه..ليه معرفش..بدأت أتكلم معاها يا بنتي مالك،طب إيه اللي مزعلك مني و أنا أغيره،طب خدي الفلوس دي و روحي إعملي شوبينج إنتي صحتك بتيجي ع الشوبينج..هوب أنا عايزة أتطلق.
نظر إليه يحيي بإنتباه ليستكمل حديثه ويقول:
أنا طبعاً إتصدمت و بقيت شبه المراهقين قدامها و قعدت أتحايل عليها..طب إيه السبب،طب نتفاهم،طب كاني ماني،ركبت دماغها و عايزة أطلق يعني عايزة أطلق..حاجه جوايا قالتلي إن الحكايه فيها إن..قولتلها طيب إستهدي بالله و نامي دلوقتي و بعدين نشوف الموضوع ده.
توقف عن الحديث لينظر إلي يحيي قائلاً بتأثر:
تعرف يا يحيي أنا كنت بعتبرها بنتي!..يمكن بحكم فرق السن بيننا و عشان مخلفناش،كنت حنين عليها جداً و بعاملها كإنها بنتي..المهم..يومها هي نامت و أنا فضلت صاحي مش جايلي نوم بسبب قرارها المفاجئ ده و بالصدفه يشاء ربنا إن تليفونها يرن الساعه 4 الفجر..مسكت التليفون عشان أشوف مين اللي بيتصل لقيت واحده صاحبتها..حسيت إن في حاجه مش طبيعيه ففتحت تليفونها لقيت مكالمات بينها و بين صاحبتها دي بالساعات..و بالصدفه البحته جاتلها رساله من صاحبتها دي و التليفون في إيديا بتقوللها فيها" إتكلمتوا في موضوع الطلاق ولا لسه عشان أبدأ أمهد لأهلي في موضوع جوازنا"!!
زمّ يحيي شفتيه بأسف ليقول الآخر:
بالرغم من إني كنت حاسس بس إتفاجئت..و خصوصاً لما قرأت الشات بتاعهم و إتصدمت كإني بعرفها لأول مرة.
"و عملت إيه؟!" تسائل يحيي ليجيبه قاسم قائلاً:
ولا حاجه..واجهتها و هي إعترفت بكل صراحه إنها بتحب واحد من سنها و هو بيحبها و يعرفوا بعض من سنتين و إنها عايزة تطلق مني و تعيش حياتها.
و أطلق تنهيدةٍ مهمومه وقال:
يومها رميت عليها اليمين في الحال و سيبتلها البيت و مشيت يوم ما قابلتك علي البحر.
أومأ يحيي متذكراً فأكمل قاسم قائلاً:
بالرغم من إني كنت بحس إنها زي بنتي بس إكتشفت وقتها إني كنت بحبها و حابب وجودها في حياتي و حسيت إني إتخنت فعلاً و رجولتي إتجرحت جدآ..مشيت يوميها مكسور مش عارف أعمل إيه و لا أروح فين لحد ما لقيتك قاعد و الباقي إنت عارفه بقا.
أومأ يحيى متفهماً وقال:
يعني إحنا الإتنين ضحابا المرأه!!
و إنفجر ضاحكاً ليشاركه قاسم الضحك ثم قال:
يا سيدي محدش بيتعلم ببلاش و وجود ولادك معاك دي بالدنيا و إن شاء الله ربنا يعوضك فيهم خير.
"يااارب.." تمتم يحيي داعياً ثم قال:
النهاردة هقابل أخويا عبدالقادر و هاخد منه الفلوس و من بكرة إن شاء الله نتمم الشراكه و بالفلوس اللي تتبقي هشتري شقه صغيره نعيش فيها أنا و نور و زياد.
نظر إليه قاسم بعتاب وقال:
نعم؟! ليه هو إنتوا مضايقين هنا ولا إيه؟
إبتسم يحيي قائلاً:
بالعكس والله..بس معلش خلينا نستقر بقا و أظبط اموري بدري بدري.
أومأ قاسم موافقاً وقال:
ربنا ييسر لك الحال يا يحيي و أي حاجة فيها مصلحتك أنا معاك فيها.
ربت يحيي علي فخذه وقال:
تسلم يا قاسم،إبن أصول بصحيح..هقوم بقا ألحق أجهز عشان أقابل عبدالقادر .
و إنصرف ليستعد لمقابلة أخيه الذي كان ينتظره في أحد المطاعم بناءً على رغبة يحيي فكان يصطحب ولده يحيي برفقته.
وصل يحيي إلي المكان الذي كان ينتظره به عبدالقادر ليبتسم ببشاشة تلقائياً فور أن رأي الصغير يحيي.
دخل إلي المطعم ليحمل الصغير أولاً و يحتضنه مقبلاً إياه ثم ألقي تحبة السلام علي أخيه بإقتضاب و رسمية شديدة قائلاً:
إزيك يا عبدالقادر؟
نظر إليه أخيه بحزن وقال:
لسه زعلان مننا يا يحيي.. والله يا يحيي إحنا ما لينا ذنب.. كلنا إتحطينا قدام الأمر الواقع فجأه و جواز سليمان من يُسر مكانش متخطط له ولا حد يعلم بيه إلا قبلها علي طول.
أومأ يحيى وقال:
مبقاش ييجي منه يا قدورة خلاص..اللي عايز أفهمه بس..إزاي تسمحوا له يفرط في واحده زي صافيه!
نظر عبدالقادر إليه مستاءً وقال:
صافيه إستحملت منه و منها كتير و جت علي نفسها كتير..لحد ما حد إبن حرام اتهمها إنها كانت عايزة تعمل عمل لـ يسر و سليمان صدق و طلقها.
ضحك يحيي ساخراً بإستهجان و قال:
و معقول معرفتوش مين الحد إبن الحرام ده؟
أومأ الآخر نافياً ليومأ يحيي قائلاً:
علي العموم صافيه هي الكسبانه.
نظر إليه عبدالقادر بحزن و قال:
أبويا بيسلم عليك يا يحيي.
إهتز قلبه و إنفطر لإشتياقه لوالده فنظر إلي أخيه و تصنع عدم الإكتراث و قال:
هو كويس؟
أومأ عبدالقادر موافقاً وقال:
كويس بس عايز يشوفك.
أجاب بإقتضاب وقال:
إن شاء الله.
ثم سحب حقيبة النقود من بين يدي أخيه و نهض واقفاً وقال:
أنا همشي دلوقتي عشان العيال لوحدهم.
إستوقفه أخيه قائلاً:
طيب عرفني إنت قاعد فين أو علي الأقل هات رقم تليفونك عشان أطمن عليك و علي العيال.
"متقلقش يا عبدالقادر إحنا بخير..و لما أحب أشوفك هبقا اكلمك أنا من أي تليفون و أقول لك نتقابل فين."
ثم غادر مسرعاً قبل ان يتبدل موقفه و ينهزم أمام الحنين!
~~~~~~~~~~~~~~~
تقبع خلف زجاج نافذتها تطالع الغادي و الراحل بشرود وهي تفكر بهِ و تحاول إختلاق ذريعةً لكي تذهب إلي منزل العائلة للتقصّي حول أخباره فإذ بالباب ينفرج بغتةً و تدخل والدتها وعلي وجهها ترتسم أمارات الضيق و الحزن بوفرة و وضوح فقالت لها:
مالك يا ماما فيكي إيه؟
نظرت إليها والدتها و قالت:
مفيش يا حبيبتي أنا بس.....
قاطعها دخول زوجها بعصبيه وقد كاد أن يقتلع الباب من أمامه من فرط عصبيته وقال بصوتٍ جهور:
لا في يا حبيبتي منا مش فاتحها ملجأ للي ملوش ملجأ..أنا عندي كومة لحم مش عارف أصرف عليهم و إنتي يا ست يُسر عامله ودن من طين و ودن من عجين،هما مش دول اخواتك بردو؟
تسائل مستنكراً لتنظر إليه بملامح ممتعضه و تقول:
في ايه عالمسا يا اسماعيل أفندي؟!
أجابها ساخراً:
لا أفندي ولا باشا..الحكايه و ما فيها إن اللي عايز يقعد هنا يبقا يشارك في مصاريف البيت و مصاريف التيران دي..و بعدين إنتي لو شغلتي دماغك هتاكلي و تأكلينا الشهد بس إنتي مخك متربس شبه أمك.
نظرت إليه بحنق وقالت:
أشغل دماغي أعمل إيه يعني يا جوز أمي؟!أبيع مناديل في الإشارات ولا أنزل أشتغل رقاصه عشان أصرف عليكوا؟
أجابها ببرود وقال:
والله الشغل مش عيب ولا حرام.. وبعدين بدل ما تتريقي حضرتك شوفي جوزك و عيالك فين و إلزقي فيهم..حتي إنتي لسه مخلصتيش عدتك يعني لو عرفتي تلاقي مطرح جوزك فين و ضحكتي عليه بنظرة و إبتسامه هيردك ليه تاني.
نظرت إليه بغيظ وقالت بحسرة:
علي أساس إن أنا لو عارفه جوزي و عيالي فين كنت قعدت في بيتك؟!ليه غاويه رمرمه؟!
نظر إليها فاغراً فاه و قال بصوتٍ غاضب:
غاويه رمرمه؟!طب عليا الطلاق من أمك بالتلاته لو مكنتيش من بكرة الصبح تنزلي تشوفي شغل و تصرفي معايا علي اخواتك لتمشي من البيت ده انتي و امك و اخواتك قبل منكوا و ابقوا وروني بقا هتروحوا فين.
ألقي بكلماته المتوعده ثم خرج من الغرفه كالعاصفه ليتركها هي في أوجّ غضبها و يأسها.
~~~~~~~~~~~
بعد مرور أربعة أشهر كان يحيي قد إنتقل و بصحبته أطفاله للعيش في البيت الذي إشتراه مؤخراً و بدأت حياتهم تستقر إلي حدٍ ما.
كان يقف أمام مرآة غرفته الفخمـه يعدّل هندامه للمرة الأخيره قبل أن يغادر الى مقر الشركة التي أصبح شريكاً رسمياً بها مع قاسم.
إنتهي من تجهيز حاله و بدأ بإعطاء الأوامر للصغار كعادته كل يوم قبل المغادره فقال:
خلص فطار يا زياد إنت و أختك و إقعدوا إتفرجوا علي كارتون و متعملوش شقاوة و ممنوع تقفوا في شباك أو بلكونه.
تأفف الصغير قائلاً:
هو كل يوم نفس الحاجات يا بابا..إحنا بنزهق و نور بتقعد تعيط و مش ببقا عارف أعملها حاجه.
نظر إليه يحيي بضيق وقال وهو يمسح على رأسه:
معلش يا زياد أنا هتصرف في الموضوع ده و هشوف حد يقعد معاكوا لحد ما أرجع من الشغل،بس من هنا لحد ما أشوف حد تسمع الكلام اللي بقوللك عليه.
ثم عاد يكرر تعليماته قائلاً:
إوعي يا زياد تقفوا في الشباك ولا تخرجوا البلكونه..
عشان خاطري.
أومأ زياد موافقاً وقال:
ماشي يا بابا حاضر.. وهاتلي و إنت جاي كل الحاجات اللي قولتلك عليها.
جلس يحيي القرفصاء ونظر إليه بإبتسامة حنونة وقال:
من عنيا الاتنين حاضر.. يلا أنا همشي و خلي بالك من نور.
أومأ الطفل بتأكيد ليغادر يحيي منصرفاً نحو الخارج متجهاً إلي الشركة.
كان يجلس خلف مكتبه يحتسي قهوته و يدخن سيجارة ينفث معها كل ما يملأ صدره، وبيده الأخرى يقوم بتصفّح الأوراق الموجودة أمامه و يراجعها. توقف فجأة زافراً بقوة وهو يفرك مقدمة رأسه بتعب. قام بإطفاء السيجارة ثم إرتشف آخر رشفةً من فنجان قهوته، ليمسك بعدها بهاتفه ويقوم بالإتصال بالهاتف الموجود بالمنزل.
كرر الإتصال عدة مرات و أحدٌ لم يجيب. لينهض عن مقعده بتوتر و يحاول الإتصال مجدداً. ليصله صوت زياد الضاحك بشدة، فتنهد بارتياح وقال:
إنت فين كل ده يا زياد؟ قلقتني عليكوا.
قال زياد من بين ضحكاته المرتفعة:
كنت بلعب أنا و نور استغماية و شافتني...
وعاد ليضحك بقوة.
فقال يحيي وهو يهز رأسه بيأس:
طيب خلي بالك منها وأنا شوية و جاي مش هتأخر.
_بس إحنا بقينا جعانين أوي يا بابا.. أدخل أعمل أكل لنور؟
قاطعه والده قائلاً:
لا إوعي تيجي جمب حاجة، أنا هاجي دلوقتي حالاً و أعمل لكوا اللي إنتوا عاوزينه.. تمام؟
_حاضر.
أنهى الإتصال على الفور و إلتقط سترته من على ظهر المقعد وخرج من مكتبه ليلتقي بـ قاسم في طريقه. الذي نظر إليه متعجباً وقال:
رايح فين يا يحيي؟!
_معلش يا قاسم كمل إنت بقية الورق لإن زياد و نور جعانين و لازم أرجع البيت حالاً أعمل لهم أكل.
= بس ده مش هينفع يا يحيي، إنت كده مقصر جامد في شغلك و مش عارف تركز.
أومأ يحيى موافقاً وقال:
معاك حق، أنا مش عارف أعمل إيه.. كل ما أجيب واحدة تخدمهم و تقعد معاهم تزهق من طلباتهم و شقاوتهم و تقول لك: "أنا ست صحتي على قدي و عيالك أشقيا" و مش عارف إيه..
قال قاسم ببساطة:
طيب هاتلهم "جليسة" تفضل معاهم الوقت اللي إنت تحدده و تمشي بعدها و دي هتبقى وظيفتها يعني هتتقبل منهم كل حاجة و هتقيم سلوكهم كمان و وتساعدك كتير.
نظر إليه يحيي مستبشراً وقال:
تصدق فعلاً ده الحل الصحيح.. أنا هشوف الموضوع ده في أقرب وقت و إن شاء الله يتحل.
أومأ قاسم وقال:
ده هيريحك كتير و هيخليك تعرف تركز في شغلك و في نفس الوقت تبقى مطمن عليهم.
أومأ يحيي بتأكيد ليضيف قائلاً:
معاك حق.. أنا همشي دلوقتي و من بكرة بإذن الله هدور على "جليسة" تقعد معاهم.
إنصرف سريعاً ليعود إلى بيتهِ في أقل من نصف الساعة ليجد أطفاله في انتظاره. وبمجرد ما إن دلف إلى البيت حتى ركض كلاهما نحوه ليحملهما سوياً و يمنح كلاً منهما قبلةً عميقة.
فقالت نور:
بابا، نور جعانة.
إحتضنها بقوة وقال:
يا روح بابا يا نور.. شوية صغيرين خالص و هناكل.
نظر إليه زياد وقال:
عايز مكرونة و بانيه يا بابا.
أومأ موافقاً وقال ضاحكاً:
تصدق يا زيزو نفسى راحت له.. ما أكلتوش من إمبارح.
و أضاف ساخراً:
هو أبوك بيعرف يعمل غيرهم يا سي زياد.. يلا خلي بالك من نور على ما أجهز الأكل.
أعدّ الطعام لهم سريعاً قدر الإمكان و من ثمّ بدأ بترتيب الفوضى التي صنعوها. ليبدأ بعدها في إكمال عمله الذي لم ينجزه بالمكتب. و بعدها بدأ بالبحث عن مراكز توظيف جليسات.
توصل إلى رقم قام بالإتصال به فأجابته مديرة المركز قائلة:
أهلاً وسهلاً بحضرتك يا فندم!
_أهلاً بحضرتك.. الحقيقة كنت عايز "جليسة" من عندكوا لمرافقة طفلين 3 و 5 سنين.
= تحت أمرك يا فندم و حضرتك تحب تحدد ساعات العمل؟!
_ آه ياريت يكون من 10 الصبح لـ 6 المغرب.
= تمام.. هنحتاج من حضرتك العنوان و تسيبلنا رقم تليفون نتواصل مع حضرتك من خلاله و في خلال يومين بإذن الله هنرد عليك.
_ تمام بس ياريت مش أكتر من يومين.
ثم أملاها عنوان منزله و رقم هاتفه وأنهى المكالمة. ليذهب و يقوم بتحضير طعام العشاء لأطفاله و من بعدها جلسوا ليتناولوا عشائهم سوياً.
_بابا هي ماما مش هتيجي تقعد معانا ليه؟
تسائل زياد بعفوية و براءة.
فقال يحيي بتخبط:
ليه هو أنا مش كفاية يا زياد؟
نظر إليه الطفل بعدم استيعاب ليقول هو ببساطة:
هو أنا مش بعمل لكوا كل اللي إنتوا عاوزينه يا زياد؟! و من بكرة واحدة هتيجي تقعد معاكم و تلعب معاكم و تخلي بالها منكم على ما أرجع من الشغل.
أومأ الطفل بهدوء و كأنه لم يفهم شيئاً أو لم يصل للإجابة التي كان ينتظرها منه.
ليعود يحيي و يقول بنبرة أكثر حناناً:
بص يا زيزو.. من هنا ورايح أنا و إنت و نور هنعيش مع بعض هنا...
قاطعه الصغير متسائلاً:
طيب و ماما؟
أشاح يحيي بوجهه للجانب وقال:
مش هتبقى معانا.
_هتفضل مع عمو سليمان و النونو فضل؟
نظر إليه يحيي بقوة وقال بإستنكار:
فضل مين؟
أجاب زياد:
النونو بتاع ماما و عمو سليمان.. عمو سليمان قالي إن ماما هتجيب لنا نونو إسمه فضل...
إحمرّ وجهه وبرزت عروق وجهه الغاضبة بشدة ليصيح بعصبية بالغة وقال:
كمل أكلك يا زياد عشان تدخلوا تناموا يلاااا.
نظر إليه ابنه شاحب الوجه و أدمعت عيناه مما أثار غضبه أكثر و جعله يلقي بملعقته من بين يده وينهض عن المائدة بغضبٍ جَمٌ. ثم ذهب إلى الشرفة و وقف يدخن سيجارة تلتها أخرى وأخرى كثيرات وهو مغمض العينين شارداً بها.
وحدها هي من امتلكت قلبه واستطاعت الاستحواذ عليه. ووحدها من استطاعت النيل منه ومن قلبه ودمرت حياته. وحدها أيضاً من جعلته يتمنى الموت آلاف المرات.
تذكر ضحكتها، ابتسامتها المشرقة، عيناها اللامعة التي طالما بات يتأملهما، شفتاها المرسومتان بدقة وعناية اللتان طالما تذوق شهدهما وغرق بهما. تذكر كل حركاتها وسكناتها، ضحكاتها ودمعاتها، حديثها وصمتها. تذكر كل تفصيلةٍ كان يدقق النظر بها يومًا ولم يكن يعلم أنها ستصبح يومًا مجرد ذكرى.
~~~~~~~~~~~
بين بكاءٍ ونحيب كان يتبدل حالها. من سيء إلى أسوأ كانت تمر أيامها. فقدت لذة الحياة منذ أن رحل الجميع من حولها وأولهم كان هو. ومن بعد أن بدأت تصمد وتواجه مجددًا سددت لها الحياة ضربة قاسية أودت بها.
مرّ أكثر من أربعة أشهر على وفاة أكرم ووالدته، ومثلهم على عودة يحيي الذي لا تعرف عنه سوى أنه على قيد الحياة.
كانت تنفرد بآلامها وتجلس بغرفتها وحيدة قبل أن تستمع إلى طرقات على باب غرفتها. فأذنت بالدخول لتجد والدها وعمتها يتقدمان نحوها. ومن ثم جلسا إلى جوارها. فبادر والدها بالحديث قائلاً:
مالك يا غزالة؟! شاردة لوحدك ليه؟
ابتسمت لتشبيه والدها وقالت:
مفيش يا بابا أنا كويسة الحمد لله.
ربت على ذراعها بحنان وقال:
المحامي بتاع أكرم الله يرحمه كان بيكلمني دلوقتي و بيقول لي إنه هييجي بكرة يتكلم معاكي عشان موضوع الورث وكده.
قالت بهدوء:
ورث إيه؟ أنا مش عايزة حاجة يا بابا.
قال والدها متفهماً:
يا حبيبتي جوزك الله يرحمه مكانش ليه حد.. وكل اللي يملكه ده من حقك.. لكن دي حريتك الشخصية لو مش عايزة حاجة ممكن تتبرعي بالفلوس دي للجمعيات الخيرية أو تفتحي بيها مشروع خيري يكون صدقة جارية على روحه وروح والدته الله يرحمها... اللي تشوفيه إنتي.
ابتسمت وقالت:
معاك حق يا بابا أنا هعمل كده فعلاً.
أومأ موافقاً ثم قال:
بإذن الله لما المحامي ييجي خليه يفهمك إيه اللي المفروض يتعمل و يساعدك هو في الموضوع ده.
برز صوت صافية تقول بهدوء:
زينب كانت بتكلمني من شوية.
ارتسم الفرح والسرور على محياها وقالت بلهفة:
في أخبار عن يحيي؟
نظر إليها والدها بيأس لتنكمش ملامح وجهها وهي تحاول مداراة لهفتها. لتكمل صافية حديثها وتقول:
يحيي راحلهم البيت.
بتلقائية شديدة ودون وعي منها امتدت يدها لتضعها فوق صدرها موضع قلبها تحاول تهدئة ضربات قلبها المتلاحقة وقالت بصوتٍ مهزوز:
وبعدين؟
_بتقول لي كان زعلان جداً و واخد موقف منهم كلهم حتى أبوه مش قابل يكلمه و خد عياله و حاجتهم و مشي.
أومأت غزل برأسها تستحثها بحماس عينيها على استئناف حديثها. فقالت:
و بتقول إنه طلق يسر.
اتسعت ابتسامتها وانشرح قلبها فتساقطت العبرات من عيناها لا إرادياً وتمتمت في نفسها تحمد الله.
قال إبراهيم متحفزاً:
وبعدين؟
أجابت صافية قائلة:
و بتقول كمان إنه صفّى فلوس المحل بتاعه و طلب منهم الفلوس اللي كان عاطيها لـ سليمان أيام الشقة بتاعة القاهرة اللي كان باعها و خسر فيها دي.
أومأ إبراهيم متفهماً وقال:
يحيى هينتقم من أخوه و مراته.. قلبه اسودّ من الصدمة والقهرة وبقى إنسان تاني.
_حقه يعمل أكتر من كده!
نطقتها غزل باندفاع لينظر إليها أبوها ويقول:
البني آدم لو ساب نفسه للانتقام يبنتي يبقى كده بيظلم نفسه.. بيتحول بالتدريج من شخص طيب وهادي ونضيف لشخص تاني أسود ومليان كره وغل وحقد على اللي حواليه وتيجي تبص تلاقي نفسك مش طايقة تعاشريه ولا تتكلمي معاه عشر دقايق على بعض حتى.
شردت غزل بحديثه بينما نهض هو واقفاً وقال:
أنا هدخل أنام و خليكوا انتوا قاعدين.. تصبحوا على خير.
كان متجهاً نحو غرفته قبل أن يستوقفه رنين هاتف غزل. فتسائل:
مين يا غزل؟
أجابته وهي تجيب الاتصال:
ده تليفون من الشغل.
_ألو.. أيوه يا أستاذة رضوى إزيك؟
= الحمد لله يا غزل إنتي أخبارك إيه؟
_ بخير والحمد لله.. أؤمريني؟
= بصي يا غزل.. في واحد محتاج جليسة لطفلين عندهم 5 و 3 سنين.. كلمت إسراء و لبنى قالولي كلمي غزل هي نفسها من زمان ترافق أطفال في السن ده فقولت أكلمك و أشوف لو مستعدة للشغل في الفترة دي أو لا.
نظرت غزل إلى أبيها الذي هز رأسه مستفهماً. فقالت:
تمام يا أستاذة رضوى هشوف رأي بابا و أرد عليكي.
أنهت الاتصال فقال والدها:
في إيه يا غزل؟
قالت وهي تعلم جوابه:
أستاذة رضوى بتقول لي إن في واحد محتاج جليسة لطفلين و هي رشحتني ليه يعني....
قاطعها قائلاً:
لأ طبعاً مينفعش خروج اليومين دول.
نظرت إليه صافية وقالت:
ليه يا إبراهيم مهي كملت عدتها خلاص.
وبعدين إنت مش شايف نفسيتها تحت الصفر إزاي؟
نظر إلى صافيه محذراً وقال:
صاااااااافيه.. مش عايز كلام كتير في الموضوع ده.. قلت لأ يبقى لأ.
نظرت غزل إلى والدها بحزن شديد مما جعله يزفر مستغفراً ثم قال:
إنتي بتبصيلي كده ليه؟
نظرت إليه قائلة:
مفيش يا بابا.
اقترب منها وجلس إلى جوارها مجدداً وقال:
يا غزل أنا خايف عليكي.. إنتي دلوقتي بقيتي أرملة يا بنتي يعني الحال اتغير.. إنتي مش صغيرة وعارفة الناس في مجتمعنا بقت مريضة إزاي.. أنا مش عايز حد يضايقك بكلمة.
نظرت إلى والدها بضيق وقالت:
لحد إمتى يا بابا هتفضل خايف عليا؟
لحد ما أموت.
أجابها ببساطة لتتنهد قائلة والدموع تملأ عيناها:
بعد الشر عنك.. يا بابا اسمعني لو سمحت.. أنا محتاجة أرجع الشغل جداً الفترة دي.. تعبت من القعدة وزهقت وعندي طاقة محتاجة أستغلها.
نظر إليها بتفحص وقال:
تضمنيلي إن محدش يضايقك؟
أجابت بمنطقية شديدة:
لأ طبعاً مقدرش أضمن لك حاجة زي دي.. لازم هتعرض لمضايقات ومواقف تزعلني، أنا مش هعيش لوحدي، أنا لازم هختلط ببشر وهقابل منهم الكويس والوحش وفي كلتا الحالتين أنا هستفيد.
أضافت صافيه بالمزيد تحاول إقناعه وقالت:
غزل معاها حق يا إبراهيم.. التعامل مع الناس هو اللي هيقويها ويخليها تعرف تميز بين المعادن اللي قدامها ومتنخدعش في حد بسهولة.
نظر إليهم ينقل بصره بينهما وقال:
خلاص اتفقتوا عليا إنتوا الإتنين؟! اعملوا اللي إنتوا عايزينه.
نظرت غزل إلى صافيه بفرحة شديدة واحتضنتها ومن بعدها احتضنت والدها بقوة وقالت:
متحرمش منك أبداً يا بابا..
ربت على ظهرها وقال:
ولا أتحرم منك يا حبيبة أبوكي.. يلا نامي وإنتي مبسوطة بقى و قومي بكرة روحي شغلك وافرحي.. أهم حاجة ترجعي غزل بتاعة زمان اللي كلها شقاوة ودلع.
أومأت بموافقة وعلى الفور قامت بإبلاغ مديرة المركز بموافقتها فأعطتها العنوان الذي ستذهب إليه في الصباح لتخلد إلى النوم سريعاً وهي تمني نفسها ببداية جديدة.
استيقظت غزل بنشاط وهمة قد استعادتهما مجدداً بعد أن فقدت كل شيء حتى شغفها بالحياة منذ الأحداث المتوالية مؤخراً.
استعدت وتأنقت وارتدت أحلى ثيابها وخرجت من بيتها قاصدة ذلك العنوان الذي أعطته لها مديرة المركز فاستقلت سيارة أجرة واتجهت نحوه.
في طريقها تلقت اتصال هاتفي من والدها الذي لم يهدأ له بال فهزت رأسها بيأس وأجابت قائلة:
أيوة يا بابا.
أيوة يا غزل وصلتي ولا لسه؟
ابتسمت بعدم تصديق وقالت:
يا بابا يا حبيبي ما حضرتك لسه قافل معايا من خمس دقايق وقولتلك لسه في الطريق.
تأفف قائلاً:
مش عارف أنا المشوار ده مش مرتاح له ليه!
ابتسمت بلطف وقالت:
يا حبيبي متقلقش أنا مبسوطة ومرتاحة والدنيا زي الفل الحمد لله.. يلا أنا وصلت أهو.. شوية وهكلمك أطمنك عملت إيه.
ماشي وخلي بالك من نفسك وقبل ما تدخلي اتأكدي تاني إن الصاعق معاكي.
أجابته بتلهف وعدم تركيز:
حاضر حاضر متقلقش.. يلا باي.
قال حانقاً:
طبعاً مش فاضيالي.. مستعجلة حضرتك.
ضربت جبهتها بيأس وقالت:
يا بابا يا حبيبي أنا وصلت متأخرة عن الميعاد اللي كان المفروض أوصل فيه.. يعني شكلي زبالة من أول يوم وإنت عارف الانطباعات الأولى تدوم وأنا مش عايزة الباشمهندس ياخد عني انطباع إني مش ملتزمة في مواعيدي من أولها.
تنهد والدها بصوت مسموع وقال:
طيب يا ست غزل اتفضلي.. لما نشوف آخرتها إيه.
آخرتها فل إن شاء الله.. يلا أنا طالعة على السلم أهو.. هكلمك بعدين.
أنهت المكالمة وهي تضع هاتفها بحقيبتها وباليد الأخرى تطرق الباب لينفرج فوراً قبل أن تنظر إلى الواقف أمامها وتقول:
صباح الخي...
بترت كلمتها عندما رأته يقف أمامها لتتمتم بذهول وعدم تصديق وقد شعرت بأن قلبها سيتوقف من شدة الصدمة وقالت:
يحيي؟!
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نعمة حسن
رت كلمتها عندما رأته يقف أمامها لتتمتم بذهول وعدم تصديق، وقد شعرت بأن قلبها سيتوقف من شدة الصدمة، وقالت:
يحيي؟!
نظر إليها يحيي بذهول لا يقل عن ذهولها وتمتم:
غزل؟! مش معقول!!
في غضون ثوانٍ معدودة كانت قد طوّقت عنقه بكلتا يديها تحتضنه بكل ما أوتيت من قوة، وقد نسيت العالم بأكمله من حولها.
تفاجأ قليلاً، ولكنّه ربت على ظهرها مبتسماً. لتبتعد هي عنه وقد نبهها عقلها على الفور بما فعلته، لتنظر إليه بأعين باكية وقالت ودموعها تهطل على وجنتيها:
يحيي؟! أنا مش مصدقة نفسي!
اتسعت ابتسامته وقال:
إزيك يا غزال؟
تراقص قلبها فرحاً فور أن استعادت لقبها القديم، لتضحك بقوة وقد فقدت السيطرة على جميع انفعالاتها، وقالت بصوت مهزوز:
الحمد لله، انت إزيك؟
أومأ بهدوء وقال:
الحمد لله.. انتي بقا السيتر يا ستي؟
هزت رأسها بحماس أن نعم، ليبتسم قائلاً:
طب تعالي ادخلي.
وأضاف مازحاً:
جيتي لقضاكي!
ضحكت بشدة ليقول:
البرنس زيزو والبرنسيسة نور أمانتك لحد ما أرجع.
التقط جاكيت بدلته وهو يستعد للمغادرة، لتستوقفه قائلة:
انت كنت فين كل المدة دي؟!
نظر إليها مبتسماً بلطف وقال:
بعدين هنبقى نتكلم لإني حالياً متأخر عن الشغل بسبب سيادتك، مخصوم منك خمسين قرش غرامة تأخير.
ارتفعت ضحكاتها ليضحك بدوره، ثم قال:
يلا ربنا معاكي ولو احتاجتوا حاجة كلموني على تليفون الشغل هتلاقي الرقم جنب التليفون.
أومأت غزل بتأكيد وقالت:
متقلقش.. تروح وترجع بالسلامة إن شاء الله.
ابتسم ببشاشة وقال:
إن شاء الله.. يلا مع السلامة.
ثم انحنى ليمنح كلّاً من طفليه قبلة حانية ودعهم بها وانصرف مغادراً لعمله.
أغلقت الباب خلفه لتستند بظهرها عليه وهي تنظر أمامها بابتسامة حالمة ودموعها تهطل فوق وجنتيها بفرحة، لتسرع على الفور وتقوم بالاتصال بـ صافيه التي أجابت بهدوء قائلة:
أيوة يا غزل، وصلتي يا حبيبتي؟
_ عمتو أنا شفت يحيي!! هكذا أجابت غزل إجابة لا تمت للسؤال بصلة، لتتساءل صافيه بتعجب وقالت:
بتقولي إيه؟ شوفتي يحيي؟
أومأت غزل برأسها وهي تمسح دموعها وقالت:
أيوة شوفته، مش هتتخيلي فين؟
تساءلت صافيه بلهفة وقالت:
شوفتيه فين؟!
أجابت غزل وقالت:
عنده في البيت!
_ إيه؟! عنده في البيت؟ عنده في البيت إزاي يعني؟
ابتسمت غزل وأردفت:
هو يبقى الباشمهندس اللي عايز جليسة لأولاده.
ارتفع حاجبا صافيه بتعجب وقالت:
معقولة!! طيب أنا عايزة أكلمه.. ولا أقولك اديني العنوان وأنا جايه.
قاطعتها غزل قائلة:
لا جايه فين استني، هو مشي أساساً راح شغله.. وبعدين بلاش تستعجلي إحنا مش عارفين هو دماغه فيها إيه دلوقتي.
اقتنعت صافيه بحديثها فقالت:
معاكي حق، طيب اقفلي دلوقتي لما أروح أقول لإبراهيم.
_ لااااا.
صدح صوت غزل جهوراً وهي تنهي صافيه عن فعل ذلك، ثم قالت:
لا يا عمتو اوعي تقولي لبابا أنا ما صدقت وصلت ليحيي.
ثم استأنفت حديثها تقول بتوضيح أكثر:
انتي عارفة موقف بابا من يحيي إيه ومن قبل ما يرجع، ما بالك بقا لو عرف إني شغالة جليسة لأولاده وبقعد عنده في البيت كل الفترة دي وبشوفه وبيشوفني كل يوم.
تساءلت صافيه بصوت خافت وقالت:
يعني إيه؟! مش هتقوليله؟!
_ أيوه مش هقوله، أخوكي راسه ناشفة وانتِ عارفة، وأنا معنديش استعداد بعد ما لقيت يحيي أتحرم منه تاني!
= بس ده لو عرف إنك مخبيه عليه هيزعل منك زعل جامد يا غزل ومش بعيد يقاطعك فيها، أنا شايفه إن الصراحة أقصر الطرق لإقناعه بدل ما تخبي عليه ويعرف ويزعل منك.
_ لا إن شاء الله مش هيعرف، سيبيها بس لوقتها وبعدين ربنا يسهل.
= ربنا يستر يا بنتي وتعدي على خير، وانتي بتعملي إيه دلوقتي؟
_ أنا هقفل معاكي وأشوف زياد ونور بقا.
تمتمت صافيه بصوت حنون وقالت:
حبايبى وحشوني أوي، بالله عليكي صوريهم وابعثيلي الصورة أشوفهم.
ابتسمت غزل وقالت:
حاضر يا عمتو، من عنيا.
وأنهت المكالمة لتتقدم من زياد ونور اللذان كانا يلتفان حول الطاولة الصغيرة يتناولان فطورهما، ليبتسم زياد ابتسامة مشعة فور أن رآها وقال:
غزل، وحشتيني.
قال الأخيرة وهو يحتضنها بشدة، لتضمه إليها بشوق كبير وتشتم رائحته التي اشتاقتها وقالت:
وانتوا كمان وحشتوني أوي يا زياد.
وحملت الصغيرة تنهال عليها بالقبلات والأحضان، فقال زياد:
إنتي جايه تعملي إيه عندنا؟
تصنعت الغضب وقالت:
إيه ده، هو انت مش عايزني ألعب معاكوا وأقعد معاكوا نرسم ونلون ونعمل كل الحاجات اللي بتحبها على ما بابا يرجع من الشغل؟
انبسطت أساريره فرحاً وقال:
إيه ده بجد! يعني هتقعدي معانا حبة كتير ومش هنقعد لوحدنا تاني؟
أومأت بابتسامة وقالت:
أيوووون، ويلا بينا نخلص فطارنا بقا عشان نبدأ نلعب سوا ونتسلى.
تحمّس زياد كثيراً وراح يلتهم ما تبقى بطبقه بشغف كبير، بينما كانت هي تتطلع نحوهما بحب كبير وهي تستعيض بهم عن ما فقدته في أبيهم من فراق وغياب طال كثيراً، آملة أن القادم لن يحمل لها في طياته سوى كل شيء جميل والذي سيكون بإمكانه أن يضمد جراحها ويجبر كسرها ويعيد إليها روحها.
***
كانت تجلس بغرفتها تتطلع نحو الفراغ من أمامها، وسمحت لدموعها أخيراً بالفرار من بين محجريها بعد أن حاولت منعهم طويلاً حتى تبدو صامدة كل الوقت.
لم تكن تتخيل يوماً أن تكون تلك نهايتها وأن تفقد أولادها أيضاً وتبقى صفر اليدين.
ازداد بكاؤها الحار بقهر لتتمتم في نفسها:
اصبري يا يُسر لسه الحكاية منتهتش.. يحيي هيفضل ليكي طول العمر بس انتي شغلي دماغك وإلعبيها صح.
أمسكت بهاتفها وقامت بالاتصال بصديقتها التي أجابتها قائلة:
أيوة يا سوسو عاملة إيه يا حبيبتي؟
_ الحمد لله يا إيمان انتي أخبارك إيه؟
= أنا كويسة الحمد لله.. طمنيني وصلتي لفين؟ ورجعتي لجوزك ولا لأ؟
ابتسمت يُسر بسخرية وقالت:
هه.. أنهو واحد فيهم؟
_ يحيي طبعاً يا بنتي ده انتي مش هتصدقي جوزي بيقوللي إيه امبارح.. كان سهران مع جماعة أصحابه في نايت كلاب على البحر لقيته جاي بيقوللي مش هتصدقي شفت مين هناك.
= همممم؟؟
_ بيقوللي شفت يحيي الهنداوي ومعاه واحد كده اتهيألي إنه هو سليمان أخوه بس لما ركزت لقيته قاسم عبدالرحمن صاحب شركة الاستيراد والتصدير اللي ابن عمته شغال أمن فيها.
= بتقولي إيـه؟!
قالتها يُسر بلهفة وهي تجلس متأهبة بحماس للاستماع للمزيد، فقالت صديقتها:
والله يا بنتي زي ما بقوللك كده.. وبيقوللي إن يحيي اتغير أوي وبقى حاجة كده هاي كلاس شبه رجال الأعمال بجد.
تمتمت يُسر بذهول:
معقولة!
_ أه والله يابنتي زي ما بقوللك كده.. يحيي بقى حاجة كبيرة اشبطي فيه بإيديكي وسنانك بقا.
تنهدت يُسر بلوعة وقالت:
بعد إيه بقا ما خلاص، كل اللي بينا انتهى.
= يا غبية انتي شغلي دماغك، طول ما بينكم ولاد يبقى مفيش حاجة انتهت وانتي من حقك حضانة ولادك ولو حرمتيه منهم هتلاقيه هو اللي بيلف حواليكي عشان عياله.
اعتدلت يُسر بمجلسها وقد اتخذ الحديث مجرى جدياً أكثر وقالت باهتمام:
تفتكري يا إيمان؟
قالت الأخرى ببساطة:
أيوة طبعاً.
عالعموم هقفل أنا عشان خارجة وهستناكي تبقي تطمنيني عليكي.
أنهت يُسر المكالمة وألقت بالهاتف إلى الفراش بإهمال وراحت تتفكر وتتدبر كيف لها أن تحتل قلبه من جديد!
***
عند غَزل والتي كانت تجول وتصول بالمنزل تشتم رائحة عطر يحيي التي تفوح بكل أرجاء المنزل، تتلمّس أغراضه وتطوف يداها على ملابسه بخفة وهي تحتضن ثيابه عوضاً عنه، تتخيل أنه ها هنا ينام وهنا يجلس وهناك يأكل، تتأمل تفاصيل المنزل بأعين عاشقة منذ الصغر.
قامت بفتح كل نوافذ البيت كي تسمح لأشعة الشمس أن تحتضن البيت وتغمره بالكامل، ثم بدأت في ترتيب الفوضى التي صنعاها نور وزياد، وبعد أن انتهت جلست إلى جوارهما وتساءلت بلطف:
هاا يا سكر منك ليها، تحبوا تاكلوا إيه على الغـدا.
أجاب زياد بغتةً:
أي حاجة غير مكرونة وبانيه، بابا كل يوم بيعملهم.
ابتسمت وقالت:
بلاش مكرونة وبانيه، انت نفسك تاكل إيه وأنا أعمله.
راح الصغير يدق بإصبعه على ذقنه بتفكير ثم قال:
اعملي رز وبطاطس لونها أحمر وكرات لحم.
_ كرات لحم؟! انت بتكلمني بالفصحى يا زياد فكرك مش هفهم؟!
قالتها وهي تداعب الصغير وتدغدغه بقوة لينفجر ضاحكاً بقوة، قبل أن تتقدم منها نور وتقول:
غزل، زغزغيني.
ضحكت غزل باتساع وحملتها محتضنة إياها بشدة وهي تقول:
انت تتاكل يا جميل انت، هاتي بوسة كبيرة.
أغرقت الصغيرة وجهها بالقبلات، لتقول غزل:
يلا اقعدوا كملوا التلوين ده وأنا هدخل أعمل الأكل.
ثم نظرت إلى زياد وقالت مصطنعة الجدية:
هل تريد شيئاً إضافياً بجانب الأرز وكُرات اللحم يا سيدي المبجل؟
أومأ زياد نافياً بابتسامة، لتنصرف هي نحو المطبخ ثم بدأت في إعداد الطعام لهم، ليرتفع رنين هاتفها، فنظرت بالهاتف لتجد والدها يقوم بالاتصال بها، فأجابت بتوتر:
أيوة يا بابا.
_ إيه يا غزل مبترديش لي؟! التليفون سخن في إيدي من كتر مانا عمال أكلمك بقالي ساعة.
= معلش يا حبيبي والله أنا آسفة، كنت بس بجهز أكل للكتاكيت اللي أنا قاعدة معاهم.
_ أه.. وايه الأخبار؟
= كله فل الحمد لله.. هرجع الساعة 7 بإذن الله.
_ بإذن الله، تيجي بالسلامة، وخلي بالك من نفسك، أول ما أبوهم يرجع تنزلي فوراً.
أومأت بابتسامة وقالت:
حاضر والله متقلقش.
_ ربنا معاكي.
= يااارب يا حبيبي، هقفل دلوقتي بقا عشان بعمل الأكل، يلا باي.
أنهت المكالمة وشرعت في إعداد الطعام بهمة لتنجزه سريعاً، وقامت بإطعام الصغار والذين تناولوا طعامهم بشهية مفتوحة مما أسعدها كثيراً، ومن بعدها بدأت في اللعب معهم قبل أن تشير عقارب الساعة إلى السادسة مساءً، ليرتجف قلبها بشدة منتظرة بلهفة عودة ساكنه.
أنهت ما بيدها سريعاً وقامت بتعطير المنزل وجلست برفقة أبناءه تنتظر عودته، لينفرج الباب ويظهر هو من خلفه متهالكاً بتعب، سرعان ما تحول إلى ارتياح ثم إلى بهجة عندما رأى آثار ما فعلته بالبيت، وانتشت جميع حواسه بمجرد ما إن دخل إلى البيت، فوقفت هي تستقبله بابتسامة رقيقة وقالت:
حمدالله على السلامة.
نظر إليها مبتسماً وقال:
الله يسلمك يااارب....
بتر كلماته، ركض أطفاله نحوه ليحمل نور وينحني جاثياً على إحدى ركبتيه وهو يحتضن زياد الذي قال:
شوفت يا بابا غزل خلت البيت جميل إزاي.
نظر يحيي إليه مبتسماً ثم إلى غزل التي كانت تتفحص ملامحه باشتياق، لينهض قائماً ويقترب منها مبتسماً بلطف وأردف قائلاً:
شكراً يا غزل، ليه تعبتي نفسك.
ارتبكت غزل من قربه الأول منها وحاولت تجنب النظر إليه، ولكن كل محاولاتها قد باءت بالفشل، فابتسمت ونظرت أرضاً بتوتر ثم قالت:
لا مفيش أي تعب، تعبك راحة.
ابتسم يحيي ببشاشة وباغتها قائلاً:
تصدقي يا غزال إنك كبرتي وإحلويتي! زي ما يكون فات سنين مش سنة واحدة.
ابتسمت قبل أن تومأ برأسها بتأييد، ليتساءل قائلاً:
لسه بردو منشفة راسك ومش عاوزة تتجوزي؟!
تجهم وجهها فجأةً وقالت:
لا منا اتجوزت!
اتسعت عيناه بدهشة، فنظر إليها بضع ثوانٍ قبل أن يتمتم بذهول:
اتخطبتي؟ بتهزري؟!
هزت رأسها بنفي وقالت:
لأ مش بهزر، اتخطبت بس...
قاطعها قائلاً:
لاا استني ده انتي تقعدي وتحكيلي كل حاجة بالتفصيل الممل.
نظرت إلى الساعة من خلفها وقالت بتوتر:
لا معلش خليها مرة تانية لإن بابا مستنيني من بدري ومش عايزة أزعله مني من أول يوم.
قال مبتسماً:
صح عمي إبراهيم أخباره إيه؟! وصافيه؟!
نطق بالأخيرة بتأثر، لتومأ هي بابتسامة وتقول:
الحمد لله كويسين، على ما تغير هدومك هكون حضرتلك العشا بسرعة وبعدها همشي.
_ لا يا غزل.. أنا هعمل أنا الأكل متتعبيش نفسك.
أومأت بموافقة وقالت:
طيب اتفضل ادخل غير هدومك وأنا هجهز وأنزل.
بمجرد ما إن انصرف إلى غرفته، قامت هي بتحضير طعام العشاء له ووضعته على الطاولة، ليخرج من غرفته وقد اشتم رائحة الطعام ليقول:
إيه ده انتي اللي عملتي الأكل ده؟
أومأت بابتسامة وقالت:
أيوة بألف هنا.
نظر إليها يحيي بتركيز ثم قال:
يا ريت بعد إذنك متتكررش تاني يا غزل.
تجهّم وجهها، ليستطرد حديثه قائلاً:
أنا مقدر إنك بتعتبري إننا واحد وأنا زي أخوكي وبتعملي كده بحب وود.. بس معلش بلاش ده يتكرر تاني.. انتي هنا ستيتر لزياد ونور بس يعني تقعدي معاهم وتلعبي وتتسلي على ما أرجع، إنما مش مطلوب منك أي حاجة تانية.. في واحدة مسئولة عن التنضيف بتيجي كل يومين والأكل إحنا بنطلبه جاهز يعني ملوش لزوم تتعبي نفسك.
بالرغم من صحة كلامه، إلا أنها شعرت بالضيق بشدة واعترتها رغبة شديدة في البكاء، ولكنها تماسكت وقالت بنبرة صوت مهزوزة:
أنا متعبتش خالص لإني معملتش حاجة وكمان زياد كان بيساعدني وبيرتب معايا، وبالنسبة للأكل ده في حدود شغلي بردو لإن الطبيعي إني بقعد معاهم فترة مش قصيرة ومن واجبي أعمل لهم أكل وأخد بالي منهم في كل حاجة لحد ما انت ترجع.. ده اختصاص أي جليسة أطفال يعني أنا معملتش حاجة مخصوص أو زيادة، واللي عملت لهم ياكلوا منه انت كمان اكلت منه يعني أنا معملتش حاجة مخصوص عشانك.
ثم قالت بهدوء:
بس دي كل الحكاية.
ابتسم بتقدير وأضاف مبتسماً:
منتحرمش منك يا غزل، تحبي أوصلك؟
رسمت ابتسامة مقتضبة على شفاها وقالت:
لا ميرسي أنا طالبة أوبر.. يلا عن إذنك.
قبّلت الصغار وودعتهم ثم انصرفت مغادرة البيت، بينما جلس هو ليتناول طعامه بنهم شارداً بالأيام التي دائماً ما كانت تقضيها غزل في بيت العائلة برفقتهم جميعاً قبل أن يتبدل الحال ويفترق كلٌّ منهم لطريقٍ مختلف.
***
كان "علـي" يجلس حزيناً شارداً لا يفعل شيئاً سوى أنه يرجو من الله أن يطمئن قلبه على أولاده ويقرّ عينه بعودتهما إليه.
دخل عبدالقادر إلى غرفة والده ليجده ممدداً في فراشه بحزن شديد فقال:
إزيك يابا؟!
دون أن ينظر إليه أجابه:
أنا كويس يا قدوره، اخواتك اللي مش كويسين، أنا قلبي حاسس بيهم ومش مطمن!
زفر عبدالقادر بتعب وهو يجلس إلى جوار أبيه وقال:
سليمان مش عارف أوصل له، عملت البدع، سألت في كل الأماكن اللي كان متعود يقعد فيها، اصحابه اللي كان بيسهر معاهم، المصانع اللي كان بيستلم منها بضاعة، مسيبتش حتة إلا وسألت فيها حتى المستشفيات، الاقسـام، فص ملح وداب!
أسند الأب رأسه إلى السرير من خلفه بحزن وقال:
يااارب انت قادر على كل شيء.
نظر إليه ابنه بشفقة من حالته المتدهورة وقال:
بس يحيي بخير الحمد لله.. تحب تشوفه يابا؟
نظر إليه والده بلهفة وقال:
وحد يكره يملّي عينه بشوفة ضناه! وصلني بيه أوام.. انت تعرف طريقه.
_ أنا آخر مرة كلمني عشان موضوع الفلوس عرفت إنه بيتكلم من تليفون في الشارع، واحد معرفه جابلي عنوان الكشك اللي فيه التليفون، هروح هناك وأسأل وبإذن الله واثق إني هوصل له، ولو ربنا وفق ووصلتله هقولله إن صحتك تعبانة وطالب تشوفه وهو مش هيتأخر، أنا متأكد.
= المهم يرضى ييجي.
قالها الأب بيأس ليطمئنه عبدالقادر قائلاً:
لا أنا واثق إن يحيي لسه من جواه يحيي بتاع زمان، المعدن الأصيل ميتغش أبدأ يابا مهما شاف ولا جار عليه الزمن، ويحيي معدنه أصيل ولسه بيحبك زيادة عن أي واحد فينا.
قال الأخيرة مبتسماً ثم عاد ليقول:
مش ده كلامك يابا؟! طول عمرك تقول يحيي بيحبني أكتر واحد فيكوا، انتوا ولاد زاهيـه.
هز الأب رأسه بحزن شديد وغمغم قائلاً:
الله يرحمـها.
_ الله يرحمها ويرحم أموات المسلمين أجمعين.. أنا هخرج بقا أشوف المشوار ده ودعواتك ربنا ييسر.
خرج عبدالقادر ليستقل سيارته وينطلق بها نحو رحلته القصيرة في البحث عن يحيي راجياً من الله أن تكلل بالنجاح تلك المرة.
وصل إلى المكان الموجود به ذلك الدكان الخشبي الصغير وتوقف أمامه بسيارته ثم نزل ليتقدم من صاحبه وقال ببشاشة:
السلام عليكم يا زوق، لو سمحت والله كنت عايز أعرف لو تعرف سكان المنطقة هنا كنت عايزك تدلني على واحد اسمه يحيي الهنداوي.
تمتم الرجل بتفكير وقال:
الصراحة مش واخد بالي.. بس ممكن بمرة تيجي لعم سلامه اللي واقف أمن الكومباوند اللي جمبنا هو اللي يعرف سكان المنطقة هنا نفر نفر وهيساعدك إن شاء الله.
لينصرف عبدالقادر محملاً بالخيبة عائداً نحو بيته.
________________
في صباح يوم جديد كانت تجلس بغرفتها تتمدد بفراشها بأريحية وهي تحاول الوصول إلى يحيي وأطفالها كذلك.
مرت الأيام والأسابيع وهي لا تعلم شيئاً عن صغارها، فكأنما قد انشقت الأرض وابتلعتهما برفقة والدهما الذي يخفيهما عنها ولا تعلم للوصول إليهم سبيلاً، بعد أن صبرت ونفذ صبرها لم تجد بُدّاً من الاتصال بصديقتها إيمان والتي تنقذها دائماً في مثل تلك العثرات.
تنحنحت بتحفظ وقالت:
ألو.. أيوة يا مون عاملة إيه؟!
_ حبيبتي يا سوسو أنا كنت لسه هكلمك.
= القلوب عند بعضها، أخبارك إيه؟
_ أنا كويسة الحمد لله انتي عاملة إيه طمنيني؟
تنهدت يُسر بضيق وقالت:
الأخبار زي الزفت، ويبقي الوضع على ما هو عليه.. الأستاذ يحيي مختفي بالولاد ومش عارفة أوصله.
ضحكت صديقتها بقوة وقالت:
ما هو انتي لو شغلتي دماغك كنتي هترتاحي بس انتي مقفلة مخك وعايزة يحيي يجي لحد عندك وانتي قاعدة معززة مكرمة.
تمتمت يُسر بحنق وقالت:
ما تخلصي بقا يا إيمان من غير لت وعجن كتير، أعمل إيه يعني؟
_ بصي يا ستي، أنا هجيبلك عنوان الشركة بتاعة قاسم عبدالرحمن وانتي وحظك بقا.. تروحي وتسألي عليه هناك ولو لقيتيه خير ملقيتيهوش تاخدي منهم عنوان البيت أو الشركة بتاعته!
قالت يُسر بتعجب:
الشركة بتاعته؟!!
= اومال انتي فاكرة إيه.. الشركة بقت شركات يا ماما، يحيي وقاسم عبدالرحمن عاملين بيزنس عالي جداً وكل واحد ماسك منصب رئيس مجلس إدارة في شركة لوحده، يعني لو عرفتي تشبكي يحيي الهنداوي دلوقتي تبقى بضالك في القفص يا جميل.
ابتسمت يُسر بغرور وأضافت وبريق الخبث يلمع بعينيها:
يحيي ده أنا مشكلاه على إيديا من سنين يا ماما، بعرف إزاي أوديه وإزاي أجيبه، هو يحن بس والباقي كله سهل.
= سيدي يا سيدي، طيب يا ستي ربنا معاكي ونشرب الشربات قريب.
_ هتشربي متقلقيش، عالعموم شكراً يا مون، هستنى منك رسالة بالعنوان ولو حصل جديد هقوللك.
على الفور أنهت المكالمة فأرسلت لها صديقتها عنوان الشركة، فقامت بالاتصال بأحدهم قائلة:
أيوة يا زكريا.. عايزاك معايا في مشوار ضروري دلوقتي ولك عندي حلاوة كبيرة أوي.
وافقها الشاب دون جدال لتهم مسرعة وتبدل ملابسها بأحسن الثياب عندها وتعتزم طريقها نحو الشركة.
***
كان يحيي يجلس منهمكاً بين أوراقه يتابعها بتركيز، لتدلف سكرتيرته الخاصة إلى المكتب بعد إذن لها بالدخول فقالت:
باشمهندس يحيي، في واحدة بره عايزة تدخل لحضرتك.
دون أن يرفع ناظريه أجابها متسائلاً:
واحدة مين؟
_ بتقول مدام حضرتك!
انتبه لها مسرعاً وقال بلهفة فشل في إخفائها:
دخليها بسرعة.
أومأت بموافقة وانصرفت، ليستوقفها قائلاً:
ولا أقولك.. متدخليهاش غير لما أقولك.
أومأت مجدداً وقالت:
تحت أمرك.
خرجت من الغرفة وأبلغتها بأن تنتظر قليلاً، لتجلس بتوتر وهي تهز قدميها بقلق وخوف وقالت:
إنتي قولتي له إن مراته اللي عايزاه.
أومأت الأخرى بتأكيد وقالت:
أيوة حضرتك بلغته وقاللي تنتظري لما أبلغك تدخلي.
انقبض قلبها وقد تيقنت بأن القادم لن يكون يسيراً عليها، بينما كان يجلس هو بالداخل وقد اعتدل بمجلسه بأريحية وأخرج غليونه الفاخر وبدأ بتدخينه، ثم ضغط الزر الموجود أمامه على المكتب قائلاً باقتضاب:
دخليها!
ارتفعت دقات قلبه بشدة كطبول حرب قد قرعت معلنةً عن ساعة النزال، ليأخذ شهيقاً عميقاً ملأ به رئتيه وزفره ببطء محاولاً تهدئة انفعالاته المتزايدة، قبل أن يستمع إلى طرقات على باب المكتب فأذن بالدخول، لينفرج الباب وتدلف هي محاولة تصنع القوة والثبات كعادتها، ولكن قواها قد خارت فور أن رأته يجلس أمامها.
دون أن ينظر إليها أشار لها بالجلوس، وهو لا يزال يطالع الأوراق الموجودة أمامه على المكتب متصنعاً عدم الاكتراث لأمر وجودها.
طال انتظارها وهو لا يزال يتفحص الأوراق الخاصة به، لتحمحم بنعومة لتلفت انتباهه، فنظر نحوها بطرف عينه ليجدها تنظر نحوه نظرات ثاقبة، فرفع وجهه لينظر إليها قائلاً ببرود مصطنع:
جايه ليه يا يُسر؟
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
إيه الكلام ده يا يحيي!.. بقا دي مقابلة تقابلني بيها بعد كل الوقت ده؟
رفع كتفيه بعدم اكتراث وقال ساخراً:
أومال عايزاني أقابلك إزاي؟! بالأحضان؟!
تنفست الصعداء وقالت:
وحشتني يا يحيي!
ابتسم متهكماً وتجاهل كلماتها، ثم ضغط زر المكتب لتدلف السكرتيرة فقال:
هاتيلي قهوة يا هند وشوفي المدام تشرب إيه.
نظرت إليها يُسر بترفع وقالت:
وأنا قهوة زي يحيي!
أومأت السكرتيرة وخرجت من المكتب، فعادت هي لتنظر نحوه بتعجب حيث كان يتعمد تجاهلها، لتعود قائلة:
يحيي!! انت مش سامعني؟! بقوللك وحشتني.
أطربه سماعها لاستجدائاتها بإلحاح، ليستمر في تدخين غليونه وهو يتلاشى النظر داخل عينيها التي طالما بات يتطلع نحوهما بشغف لم يعد له مكان الآن، ثم رفع قدمه ليضعها على المكتب من أمامه يصوبها نحوها بكل عنجهية وغرور وأردف بقوة قائلاً:
يحيي بتاع زمان انسيه يا يُسر، اعتبري إنه لسه تحت التراب.
نظرت إليه بصدمة وقالت:
صدقني يا يحيي أنا اتغصبت على الوضع ده، سليمان منه لله فضل يجري ورايا ويزن على دماغي ويهددني بالعيال لحد ما وافقت اتجوزه.
ابتسم باقتضاب ساخر وارتكز بكلتا يديه على المكتب من أمامه وهو يقترب بجذعه منها أكثر وقال بصوت هامس وكأنما يخبرها سراً:
وفضل باشا جه إزاي؟! بالزن والتهديد بردو؟!
ابتلعت لعابها بتوتر وأضافت:
صدقني والله هو اللي غصب عليا وأنا مكنتش موافقة نهائي بس معرفتش أوقفه.. كان سكران يومها ومكانش في وعيه....
قاطعها بإشارة من يده، ثم رفع الهاتف وأجرى اتصالاً بأحد الموظفين استغرق حوالي عشر دقائق كانت كفيلة بإصابتها بالتوتر والانزعاج، ثم أنهاه عندما دلفت السكرتيرة إلى المكتب، تقدم القهوة لهما وخرجت، فنظر هو إلى يُسر وقال:
من غير كلام كتير يا يُسر.. اللي انتي جاية عشانه مش هيحصل!
زرفت الدمعات وانتحبت سريعاً ثم قالت:
أنا عارفة إن موقفي ملوش تبرير.. بس عشان خاطري يا يحيي أنا محتاجالك.. أنا مش بنام الليل من كتر التفكير فيك.
راقها حديثها كثيراً، ليسدد نحوها نظرات متلاعبه، ثم أردف قائلاً:
وأنا موجود.. في أي وقت تحبي تشوفيني فيه تعالي البيت نقضي يوم حلو سوا وتروحي.
وهمس بخبث صدمها:
ولا من شاف ولا من دري!
قطبت حاجبيها بتعجب ودهشة وقالت:
إيه اللي انت بتقوله ده يا يحيي؟! عايزنا نمشي في الحرام بعد ما كنا متجوزين؟!!
_ كنا.
نطقها وهو ينفث دخان غليونه الكثيف ليصنع غمامة أمامها، فقالت:
بس ده مينفعش يا يحيي؟! أنا عايزة نرجع في الحلال ونربي عيالنا سوا.
قال متهكماً:
جري إيه يا مدام يُسر، انتي ناسيه إنك دلوقتي بقيتي طليقتي وخلصتي عدتك.
و أضاف ساخراً:
ولا صح أنا نسيت.. الموضوع بقا بالنسبة لك عادي.
ضغط على أعصابها بشدة لتنفجر باكية، فنظر هو نحوها ببرود وقال:
من غير شحتفة ودموع تماسيح، عايزاني أرجعلك فعلاً يبقى تنفذي اللي قولتهولك عليه! ومافيش جواز بعدها كمان، عايزة تكتفي بإنك تبقي زي أي واحدة في حياتي بشوقك، مش عايزة يبقى خير وبركة.
صَدَمها تعنّته الجديد عليه كلياً، لتتململ بجلستها ونهضت من مقعدها لتقف أمامه وأضافت بنبرة باكية:
إنت بتتكلم إزاي يا يحيـي؟! ده حرام!
رفع كتفيه بعدم اكتراث وقال بجمود:
ده اللي عندي.
نظرت إليه مطولاً وقالت:
طيب حتى نتجوز عرفي!
نظر إليها بترفع وأشار لها بإصبعه لتقترب منه، فانحنت بجزعها لمستواه، فإذ به ينفث دخان سيجارته بوجهها وأردف ساخراً:
جواز لأ يا يُسر، كان فـي و خِلِص!
ثبتت ناظريها نحوه بقهرٍ صادق استشعرته، ليتجاهلها هو ونهض من على مقعده ليدور حول المكتب ويقول:
وعلى فكرة انتي متملكيش رفاهية التفكير، يعني مفيش عندك فرصة تفكري، عايز أسمع جوابك حالاً.. موافقة ولا لأ؟!!!!!!!!!!
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نعمة حسن
كانت تجلس برفقة نور وزياد تطعمهم وتلاطفهم بعد أن أنهت كل واجباتها اليومية والتي اعتادت أن تفعلها بحب بالغ.
قبل أن ينفرج الباب بغتةً لتلتفت بلهفة ظناً منها بأن يحيي قد عاد باكراً.
لتتفاجأ به يدلف إلى البيت ويسر تتأبط ذراعه بكل كبر وغرور.
ليتجهم وجه كل منهما فور رؤيتها للأخرى.
ولكن انقباضة قلب غزل كانت أشد حيث خفق قلبها بشدة وهي تنقل نظراتها بينهما باستفهام وتعجب.
ليتقدم يحيي منها ويقول وهو يتلاشى النظر إلى عينيها:
شكراً يا غزل، تقدري تتفضلي إنتي دلوقتي.
نظرت إليها يسر بتحدٍ وغرور يفيضان من عينيها.
لتومئ هي بموافقة مقتضبة وتلتقط حقيبتها من أعلى الطاولة التي كانت تجلس خلفها.
وانصرفت على الفور تحاول كبح جماح دموعها اللعينة التي كانت تود الفرار بإلحاح.
التف كل من زياد ونور حول أمهم يحتضنونها بقوة واشتياق.
بينما أغدقتهم هي بالقبل والأحضان باشتياق أكبر.
فقال الصغير زياد:
ماما إنتي خلاص هتقعدي معانا كل يوم؟
أومأت يسر بتأكيد وقالت:
أيوه يا حبيبي.
ونظرت إلى يحيي بملامح وجه تشي بالضيق وقالت:
هي البنت دي كانت بتعمل إيه هنا؟
ابتسم لرؤية غيرتها من غزل والتي لم تتبدل أبداً.
فقال بعدم اكتراث:
غزل تبقى الجليسة اللي بتقعد مع نور وزياد لحد ما أرجع من الشغل، وكتر خيرها شايلة عني كتير جداً.
تجهم وجهها وقالت بحدة:
وإنت الدنيا ضاقت في وشك ملقيتش غير دي؟
أومأ بتأكيد وقال:
هي ضاقت في وشي فعلاً وملقتش غير دي!
ثم نظر يحيي إليها بخبث وهي تتطلع نحوه.
وقبض على خصرها بأصابعه قبضة خفيفة ولكنها كان لها أثقل تأثير عليها.
فنظرت إليه بابتسامة متسعة وأحاطت جيده بكلتا يديها وهي تنظر داخل عينيه بثبات ولا تحيد النظر عنهما.
لينظر إليها وينظر إلى أطفاله ويقول:
اقعد يا زياد اكتب واجبك وخلي بالك من نور، أنا هقول لماما كلمة وجايين فوراً.
اتجه بها نحو غرفة نومه وقلب كل منهما يكاد يتوقف من شدة التوتر والترقب.
فدلف إلى الغرفة لتدخل هي خلفه تتطلع إلى الغرفة بإعجاب شديد وقالت:
البيت ده ذوقه حلو قوي يا يحيي.. بس في حاجات محتاجة تعديل نبقى نعدلها سوا بعدين بقى.
نظر إليها باقتضاب هازئاً وأومأ موافقاً.
ثم خلع سترته عنه وألقاها على مد ذراعه إلى الفراش من خلفه.
وااقترب منها بغتةً يحيط خصرها بكلتا يديه.
لتنظر له بأعين دامعة واحتضنته بقوة وقالت:
وحشتني قوي يا يحيي، والله العظيم وحشتني.
إنت مش متخيل أنا كنت بموت إزاي في بعادك كل يوم، أنا كنت ميتة والروح ردت فيا لما إنت رجعت.
ربت على ظهرها وقال وهو ينظر إليها بقوة:
ولسه الروح هترد فيكي كمان وكمان!
ثبتت وجهها بضعف أمام وجهه وهي تصوب نحوه نظرات لا يغفل عن مفادها أبداً.
وقد أوصدت عيناها كدعوة صريحة منها.
ولكنه لم ينصاع لرغبتها.
لقد أراد أن يتلذذ برؤية احتياجها له.
ومجرد انصياعها خلف رغبته قد أشعره بالزهو وملأ قلبه بالراحة.
ثمة أحاسيس شعر بها ولكنهم لم يهتم بتفسيرها الآن.
وظل ينظر إليها وهي تنتظر قربه منها.
حتى فتحت عينيها باستفهام واستهجان.
وااقتربت منه أكثر وهي تقول:
مالك يا حبيبي؟! إنت مش في المود؟
نظر إليها ساخراً وقال:
وهو في واحد يبقى معاه واحدة زيك وميبقاش في المود؟!
لم تروقها نظراته ولا تلميحاته.
فقالت بضيق طفيف:
في إيه يا يحيي؟! إنت جايبني هنا ليه بالظبط؟
اقترب منها ليقف أمامها مباشرةً وتحدث بصوت هامس وقال:
مش أنا اللي جيبتك يا يسر، أنا مجرد عرضت عليكي نقضي وقت حلو سوا وإنتي وافقتي!
ازدردت ريقها بتوتر وقالت:
قصدك إيه يعني؟ وبعدين مش إنت اللي صممت إنك مش هترجعني ليك غير بالطريقة دي، أعملك إيه أكتر من كده يعني؟!
أحاط وجهها بكفيه وقال بنبرة أكثر لطفاً:
مالك بس يا روحي اتضايقتي كده ليه؟ أنا مش قصدي أضايقك!
هدأ توترها قليلاً لتحيط عنقه بقوة وأغمضت عيناها وهي تقترب منه لتقبله قبلة أثارت الاشمئزاز في نفسه.
لم يبادلها ولم يبتعد أيضاً.
كان ينظر إليها وهي تحاول الوصول إليه بأي شكل.
لتشعر هي بالبرود من ناحيته.
ففتحت عيناها وهي تهمس أمامه بدلال مغوي:
مالك بقى يا يحيي؟!
إمشي يا يسر!
نطقها بحدة هادئة وهو لازال ينظر إليها بثبات.
فابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
نعم؟!
إمشي بقول لك!
كرر كلماته لتنفجر الدماء بوجهها غضباً وقالت بصوت حاد جهور:
هو إيه اللي أمشي دي؟! أومال إنت جايبني هنا ليه؟!
رفع كتفيه باكتراث وقال:
كيفي كده.. كنت عايز أثبت لنفسي حاجة وخلاص أثبتها.
حاجة إيه دي إن شاء الله؟
قالتها وهي تتخصر بيديها.
لينظر نحوها مبتسماً بتهكم وقال:
مش مهم تعرفي، أهم حاجة إني أنا عرفت.. وعالعموم لو زعلانة إنك جيتي عالفاضي.. اتفضلي!
برز صوته بالأخيرة وهو يستل جزدانه من جيب سرواله ويخرج منه النقود ويمد يده إليها قائلاً:
اعتبري دول حق المشوار.
غضبت وزمجرت وعبست واغتاظت فقالت:
هي حصّلت يا يحيي!!!
زفر بملل وقال:
يوووه يا يسر، الواحد مبقاش فاهم دماغك بصراحة ولا عارفة إنتي عايزة إيه بالظبط؟!
ثم نظر إليها بهدوء وأردف مصطنع الجدية فقال:
طب قوليلي الفلوس قليلة؟! تحبي أزودهالك؟!
ثم زم شفتيه باستغراب وقال:
مع إني شايف إن المبلغ كويس جداً، دول ألف جنيه وإنتي معملتيش حاجة يعني!
وابتسم وهو يحك ذقنه قائلاً:
ده أي واحدة لو جت اتشقلبت هنا مش هتاخد نصهم وهتبوس إيديها وش وضهر!
إلى هذا الحد ولم تحتمل أكثر.
فالتقطت حقيبتها بحدة وهندمت ثيابها سريعاً وخرجت من الغرفة مسرعة باتجاه الباب لتصفقه خلفها بقوة.
مما جعل أطفالها يسرعون من غرفتهم إلى غرفة أبيهم ويقولون:
في إيه يا بابا؟
نظر إليهم يحيي بأعين مشتعلة وقال بصوت حاول أن يكون هادئاً قدر استطاعته:
خد أختك وادخلوا الأوضة بتاعتكوا وناموا.
بس إحنا مش عايزين ننام.....
قاطعه والده صارخاً بعصبية بالغة وقال:
زيااااااد.
على الفور هرع زياد إلى غرفته مصطحباً أخته وأغلق الباب بخوف شديد واحتضنها متدثرين بغطاء واحد وظلا يبكون في صمت.
أمّا هو.... ظل يتنفس بقوة وهو يشعر أن الهواء قد نفذ من رئتيه.
يحاول تنظيم أنفاسه المضطربة المتلاحقة بصعوبة.
أشد ما يحتاج إليه الآن هو إفراغ غضبه حتى لا يموت غيظاً في التو.
ظل يتطلع حوله بشرود حتى امتدت يده إلى مزهرية صغيرة موضوعة بجانب سريره.
فالتقطها بقوة وألقاها بجبروت تجاه المرآة لتسقط أرضاً على الفور وقد تهشمت وتحولت إلى فتات منثور يملأ المكان.
آااااااااااااااااااااه.
صرخ بها يحيي بقوة وهو يشعر بأن قلبه سيقفز خارج صدره من فرط الآلام التي يشعر بها.
ليكرر صرخاته المقهورة مراراً وتكراراً عله يهدأ قليلاً.
ثم جثا أرضاً على ركبتيه وقد خارت قواه بالكامل لينفجر باكياً بقوة وقد اعتلى صوت نحيبه.
لأول مرة يمر بمثل هذا الموقف أو يشعر مثل هذا الشعور.
إنه حتى لا يستطيع وصف ما يشعر به الآن.
ليضم ركبتيه إليه وأسند رأسه إلى يديه اللتان تحيطان جسده وانخرط في بكاء مرير.
بتوتر وضيق وملامح وجه متجهمة إلى أبعد حد..
كانت يسر تزرع الغرفة ذهاباً وإياباً وعقلها ما زال لا يستوعب ما تعرضت له اليوم.
ماشي يا يحيي، ورحمة أبويا لأردلك القلم عشرة.
تمتمت بتوعد وغضب.
لينفرج الباب بقوة ويدخل زوج والدتها يتفحصها بهدوء ثم بسط كفه أمامها وقال:
إيدك عالمعلوم.
نظرت إليه بكره شديد وقالت:
بقوللك إيه إنت كمان إخفي من وشي الساعة دي أنا عفاريت الدنيا بتتنطط قدامي.
هأوأوأووو..لا يا حبيبتي شغل السبع ورقات ده ميمشيش معايا يا روح ماما، إنتي مش كنتي عند طليقك النهارده في شقته؟
ارتفع حاجبيها بتعجب وقالت:
إنت مراقبني يا إسماعيل أفندي؟ والله عال.
أيوة طبعاً مراقبك وعارف بتروحي فين وتيجي منين، أصل اللي زيك مش مضمون بصراحة، فأنا لازم أكون مأمن نفسي.
طالعته باحتقار ليقول ببرود:
متبصيليش بقرف كده يا سوسو وقِبي بالجنيهات.
صاحت بعصبية مفرطة:
مفيش زفت.. يحيي طردني من بيته أصلاً.
قهقه ساخراً وقال:
اخص، حد يطرد حتة الجمارة دي، والله راجل دغف ولا بيفهم.
أزادت كلماته من حنقها وضيقها لتتمتم قائلة:
ماشي يا يحيي وديني لأربيه وهاخد عيالي منه وهحرق قلبه عليهم وأخليه يبوس رجلي عشان يشوفهم بس.
لااا.. عيال مين إنتي كمان؟! المشرحة مش ناقصة قتلي يا بنت مراتي وأديكي شايفه، اعقلي كده وسيب العيال عايشين متبغددين في عز أبوهم بدل ما تجيبيهم هنا يسرحوا مع اخواتك بمناديل في الإشارات.
نظرت إليه بتفكير قليلاً ليستطرد حديثه قائلاً:
وبعدين إنتي كلها خمس ست شهور وتتجوزي تاني، قصدي تالت، وساعتها كده كده العيال هيرجعوا لأبوهم، أديكي شايفة أمك الغلبانة مش ملاحقة على مصاريف ولا خدمة اخواتك، يبقي تفكري بالعقل كده ومتخسريش واحد زي يحيي.
زفرت بقوة ثم قالت:
أعمل إيه يعني؟
اقترب منها ووقف إلى جانبها وهو يشير إلى عقلها بإصبعه وقال:
تشغلي ده!.. الراجل لما بيلاقي الواحدة مدلوقة عليه زي الهبلة شبهك كده بيركب ويدلدل رجليه ويقول شي كمان، إنما بقا لو لقاها عاشت حياتها وعرفتي غيره ورمتي طوبته عرق الكرامة ينقح عنده وهو اللي يلف وراها من تاني.
ابتسمت بخبث ومكر قد إلتمعت عيناها بهما ليقول:
سيبي الموضوع ده عليا وأنا أرجعلك يحيي الهنداوي خاتم في صباعك.. بس ساعتها متنسيش جوز ماما بالحلاوة يا حلو إنت يا حلو.
عادت غزل إلى بيتها ودخلت غرفتها بهدوء أثار حفيظة والدها وعمتها.
فقال إبراهيم:
مالها دي؟! لما أقوم أشوفها!
استوقفته صافيه قائلة:
لا يا إبراهيم بلاش دلوقتي، هي شكلها راجعة مضايقة سيبها براحتها.
وإيه اللي مضايقها؟! ليكون صاحب الشغل هو اللي مضايقها...
قاطعته قائلة:
لا متقلقش أكيد مش كده، هي ممكن بس مرهقة شوية ولا حاجة، أنا هقوم أشوفها دلوقتي.
دلفت غزل إلى غرفتها محاولة التماسك بكل ما أوتيت من قوة.
وبمجرد ما إن أغلقت الباب حتى أجهشت في بكاء ضارٍ أعياها وأنهك روحها الهشة.
فراحت تنتحب بقهر وذلك المشهد يأبى الفرار من مخيلتها.
بعجالةٍ.. امتدت يداها تزيل تلك الدموع عن وجهها فوراً عندما استمعت إلى صوت طرقات الباب.
فأذنت بالدخول لعمتها والتي تعلم بصوت طرقاتها المميزة.
فقالت:
ادخلي يا عمتو.
أدارت صافيه مقبض الباب ببطء وتقدمت للداخل لتجد غزل تقبع فوق فراشها وملامحها يكسوها الحزن والأسى.
فـاقتربت منها وجلست إلى جوارها واضعة إحدى يديها على كتفها وقالت باهتمام:
مالـك يا غزل؟
كأنما كانت غزل تنتظر ذلك السؤال البسيط لتدخل في نوبة بكاء أخرى أقوى وأعتى من ذي قبل.
وقالت بصوت متهدج:
رجعلها يا عمتو!
انزوى كلا حاجبيها وتسائلت:
تقصدي مين؟!
يحيـي رجع لـ يسر!
حملقت بها صافيه بدهشة وقالت:
بتهزري! معقول ده؟!
أومأت غزل بتأكيد وقالت:
لقيته النهارده جاي وإيديها في إيديه وقاللي تقدري تروحي إنتي!
هزت صافيه رأسها تباعاً بعدم تصديق وقالت:
لأ مستحيل، أنا واثقة إن في حاجة غلط.
ابتسمت غزل بتهكم وقالت:
لأ يا عمتو مش مستحيل، يحيي لسه بيحبها والدليل إنه رجعها معاه شقته النهارده وكله حماس وفرحة، أنا شوفت كده في عينيه، شوفت فرحة مستخبية ولهفة بيحاول يداريها مش عارف، وهـي كانت كل نظراتها بتتحداني كإني عدوتها، زي ما تكون بتقوللي أدبيني خدته منك تاني أهو.
ثم تابعت ونظرت لـ صافيه وتسائلت بحزن:
هو أنا للدرجة دي يا عمتو باين عليا إني بحبه!
طالعتها صافيه بأسى واشفاق.
لتستأنف حديثها وهي تنظر أمامها بشرود وقالت:
طب لما هو باين عليا كده، مخدش باله مني ليه؟!
وأكملت بشهقات متوالية:
ده أنا طول عمري جنبه وقدام عنيه، عمره ما فهم يوم إني بحبه، مع إنه لو كان بيفهم كان فهم إن محدش حبه ولا هيحبه زيـي، أنا اللي عيشت عشانه سنين من عمري من غير ذرة أمل إنه يكون ليا في الأيام، عيشت عشانه وفضلت وفية ليه حتى بعد ما قالوا مات، مراته دي عاشت حياتها بالطول والعرض وأنا اللي حزنت عليه من قلبي، حتى لما وافقت واتجوزت أطيب واحد في الدنيا منعت نفسي عنه عشان مكنتش عارفه أخون يحيي، مع إني في الحقيقة كنت بخون جوزي لمجرد تفكيري في واحد تاني وأنا على ذمته!.. بس خلاص.
أردفت بالأخيرة وهي تمسح دموعها مجدداً وقالت بجدية:
خلاص كل الهبل اللي أنا كنت فيه ده لازم أفوق منه، كويس إنه رجعلها أصلاً يشبعوا ببعض.
تصنعت عدم الاكتراث وهي تنطق بالأخيرة.
فـنظرت لها صافيه وقالت:
يعني ناوية على إيه؟
قالت بصرامة:
ولا حاجة، مش هروح هناك تاني، مامتهم ترعاهم بقا، حتى لو هـ......
بترت كلمتها عندما ارتفع رنين هاتفها فأجابت:
ألو؟
أيوة يا غـزل، إلحقي إحنا خايفين أوي، بابا بيكسر في الشقة وهييجي يكسر الأوضة بتاعتنا كمان!
كانت تلك كلمات زياد الذي ألقاها بخوف وصوت مرتعش.
لتنهض مسرعة وهي تقول بلهفة:
في إيه يا زياد ماله بابا؟
اختفى صوت نشيج الصغير بينما برز صوت تهشيم فوضوي جعل قلبها يسقط أرضاً بهلع.
وخرجت من غرفتها ملتقطة حقيبتها وأسرعت نحو الباب بهلع متجاهلة نداءات والدها المتكررة.
على الفور أوقفت سيارة أجرة واستقلتها متوجهة نحو بيت يحيى.
لتتلقى اتصال من والدها أجابته بسرعة:
أيوة يا بابا، معلش أنا آسفة على اللي حصل.
في إيه يا غزل إنتي جريتي كده رايحة فين؟
تلعثمت قليلاً ثم قالت:
جالي تليفون من الولاد اللي بقعد معاهم بيقولوا إن باباهم بيكسر في الشقة وخايفين يأذيهم.
قال إبراهيم محوقلاً:
لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، طب وإنتي هتعملي لهم إيه يا بنتي ده أبوهم! ارجعي ليعمل فيكي حاجة إنتي كمان.
أرجع إزاي يا بابا؟! وإفرض عايزين مساعدة!
أيوة هنا لو سمحت.
قالت الأخيره وهي تنزل من التاكسي مسرعة.
وقالت لوالدها:
أنا وصلت أهو، بعدين هكلمك.
أنهت المكالمة وصعدت إلى الشقة فوراً وطرقت الباب بحدة طفيفة.
لينفرج الباب ويظهر من خلفه زياد والذي يضع يده فوق فمه يكتم صوت بكاؤه حتى لا يستمع إليه أبوه.
فجثت غزل على كلتا ركبتيها واحتضنته بقوة ليقول:
أنا خايف يا غزل، ونور كمان بتعيط وخايفة.
ربتت على وجنتيه بكفيها وقالت:
متخافش يا حبيبي إدخل على أوضتك وأنا معاكوا هنا متخافش.
هرول الصغير مسرعاً لغرفته.
في حين تقدمت غزل بتوتر ووجل من غرفة يحيي لتجده يجلس على الأرض بعشوائية وبيده سيجارة يبدو أنها قد سبقها كثيراً نظراً لتلك المنفضة المكتظة ببقايا السجائر.
وقفت أمام باب الغرفة بقلق، لا تدري هل تتقدم أم تتراجع.
وقبل أن تحسم أمرها وجدته ينظر نحوها متعجباً ثم قال:
غزل؟! إيه اللي رجعك تاني!
دلفت إلى الغرفة وااقتربت منه قليلاً ثم وقفت أمامه وقالت:
زياد كلمني وقاللي إنك بتكسر في الشقة وكان مرعوب.. في إيه؟
قالتها وهي تجوب ببصرها أنحاء الغرفة ثم عادت لتنظر إليه فوجدته شارداً ينظر إلى نقطة وهمية مصمتة ويقول:
في رُخـص!
قطبت حاجبيها بتعجب واستفهام.
بينما استطرد هو قائلاً:
دناوة، جشـع، في قلوب سودا وعينين ميملهاش غير التراب.
تنهدت بحيرة وجلست إلى جانبه تستمع إلى ما يقوله باهتمام.
لينظر إليها قائلاً:
كانت مفكرة إني هقبل بيها تاني!
وانفجر ضاحكاً بهستيرية تحت نظراتها المندهشة ليقول:
هو أنا كان المفروض أرجعها ليا من تاني يا غزل؟!
إلتزمت الصمت ولم تجيب.
فقال:
مهما كنت بحبها، والله لو الهوا اللي بتنفسه بين إيديها، أهون عندي أموت ولا أعيش مع إنسانه زي دي تاني.
ساد الصمت بعدها لدقائق.
كان هو قد أخرج سيجارة أخرى وهم بإشعالها قبل أن تنتزعها من بين إصبعيه بغتةً وتلقيها أرضاً بحدة وهي تقول:
كفـاية زفت بقا!
نظر إليها متعجباً لتقول:
ولما إنت مش عايز ترجعها ولا طايق تشوفها زي ما بتقول كده، كنت جايبها معاك ليه؟!
اعتدل بمجلسه ناظراً إليها بثبات وقال:
كنت عايز أشوف نظرة الذل في عينيها مش أكتر!
نظرت إليه بإصغاء ممعن.
فقال:
كنت عايز أنتقم منها على كل دقيقة ضيعتها ببكي وقلبي محروق عشان أفتكر أنا مين ونفسي أرجع لأهلي.
وإنتقمت؟!
تسائلت غزل بفضول أقرب منه للتهكـم.
ليومأ هو موافقاً وقال:
عرفتها قيمتها إيه.. كرهتها فيا وفي نفسها.. خليتها بعد كده تفكر مين هو يحيي اللي كانت متجوزاه قبل كده ومين يحيي اللي شافته النهارده.
وأكمل قائلاً:
هي السبب!، كل حاجة في حياتي باظت وإتلخبطت بسببها، من أول علاقتي بأمي الله يرحمها اللي كانت دايماً في شد وجذب بسببها لحد ما اتسببت إن بيتنا اتفكك وكل واحد فينا في ناحية دلوقتي.
ظلت صامته.
لينظر نحوها والحزن يطغي على ملامحه وقال:
هو أنا وحش للدرجة دي يا غزل؟! يعني متحبش؟
إنفطر قلبها لرؤيته هكذا وأدمعت عيناها.
ليعود ويكمل تساؤلاته قائلاً:
هو أنا مستاهلش إني أتحب بصدق؟!
أكيد تستاهل يا يحيي!
أجابته بلهفة وقالت:
أكيد تستاهل، بس مش شرط تكون دي بس اللي بتحبك، جايز ربنا زرع حبك في قلب واحدة تستاهلك وبتحبك أكتر من دي مليون مرة.
ابتسم ساخراً وقال:
لأ كل دي خرافات، إذا كانت عشرة عمري وأم اولادي محبتنيش، مين دي اللي هتحبني؟!
آ.. أنا يا يحيي!
نظر إليها يحيي مصدوماً وسرعان ما تحولت صدمته إلى ضحكات متتابعة جعلتها تشعر بأن الدماء ستنفجر من عينيها.
لينظر هو نحوها ويقول:
أنا بتكلم في إيه وإنتي بتتكلمي في إيه يا غزل! أنا أقصد حب من......
لم يكمل حديثه وأشار لها قائلاً:
خلاص خلاص إنسي.
قهرت دمعاتها كي لا تسيل وتزيد الأمر سوءً.
وأومأت باقتضاب.
ليقول متسائلاً:
إنتي رجعتي تاني إزاي وجوزك سمحلك أصلاً؟
نهضت وقالت باقتضاب حاد:
أنا جوزي متوفي يا يحيي.
نهض سريعاً خلفها وقال باهتمام متعجب:
بجد؟
دون أن تنظر له أكدت بإيماءة من رأسها ثم قالت:
الله يرحمه، مات بعد فرحنا بأسبوع.
فرغ فاه من فرط الصدمة وغمغم بحزن وتأثر شديد قائلاً:
لا حول ولا قوة الا بالله، ربنا يرحمه يا غزل أنا آسف مكنتش اعرف...
هزت رأسها بهدوء وقالت:
حصل خير، أنا همشي بقا بما إني اتطمنت عليكوا، وادخل هدّي زياد ونور عشان خايفين منك.
مسح وجهه بضيق وأومأ موافقاً.
فقالت:
ويستحسن تنام معاهم في أوضتهم النهارده لحد ما المكان ينضف بكرة.
أومأ قائلاً:
بكرة الست اللي بتنضف هتيجي متشغليش دماغك إنتي، بس يا ريت لو أمكن تيجي بدري شوية عشان عايز أنزل بدري ومش هينفع أسيبهم لوحدهم على ما إنتي تيجي!
بهدوء.. وافقته بإيماءة وقالت:
إن شاء الله، تصبح على خير.
غادرت الغرفة والمنزل بأكمله.
وأوقفت تاكسي عائدة به إلى البيت وعقلها لا يزال شارداً يستذكر ما حدث.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل السادس عشر 16 - بقلم نعمة حسن
بمجرد عودتها إلى البيت، استوقفها والدها بحدة، وعيناه تنطق عن كم الغضب الذي يخفيه. حاول أن يتماسك وألا يثور منفعلاً عليها، فقال بحدة هادئة:
"حمد الله على السلامة يا أستاذة غزل."
"الله يسلمك يا بابا."
قالتها وهي غير منتبهة لوجهه الغاضب المتجهم. لكنها التفتت إليه بصدمة عندما قال:
"يحيى عامل إيه؟"
نقلت بصرها بينه وبين صافية التي كانت تقف تنظر أرضاً بخزي، قبل أن ترمقها بأسف. لتبتلع غزل ريقها في توتر، وعادت تنظر إلى والدها الذي تفاقمت حدته وقال:
"إيه مش سامعاني؟ بقول لك أخبار يحيى إيه؟ مش إنتي لسه راجعة من عنده؟ ولا ناويه تكذبي تاني؟"
أدركت أنه لا سبيل للفرار من المواجهة، فاقتربت من والدها وقالت بلين:
"أنا آسفة..."
قاطعها قائلاً بضيق واستهجان:
"آسفة؟ بتكذبي على أبوكي عشان خاطر إيه؟ عشان خاطر واحد زي ده؟"
اعتري الضيق ملامحها فقالت:
"ماله يحيى يا بابا؟"
"ماله يحيى؟ ماله ولا مالوش ده ما يخصناش. إنتي إيه يا بنتي؟ مفرطة في كرامتك وعزة نفسك ليه كده؟ واحد عمره ما حس بيكي ولا هيحس في يوم من الأيام، ترمي نفسك عليه ليه؟ فاكرة إنك كده هتكسبيه مثلاً؟"
تعجبت من أسلوب والدها ومنطقه! لماذا كل هذا التعسف تجاه يحيى، والذي لم ير منه أبداً سوى الخير!!
"حضرتك أنا مش فاهمة موقفك تجاه يحيى حاد أوي كده ليه؟ إحنا طول عمرنا متربيين سوا وما شفناش منهم غير الخير!"
"خير؟!"
تساءل والدها مستنكراً وأضاف:
"أنهي خير ده سيادتك؟ ممكن تعرفيني إيه هو مفهوم الخير من وجهة نظرك؟ الخير اللي عمله أخوه لـ عمتك لما اتجوز عليها؟ ولا الخير اللي عملته مراته ليها لما خربت بيتها وظلمتها واتسببت في طلاقها؟ ولا يكونش الخير اللي عمله أبوه لما وقف يتفرج عليهم وهما بيفتروا عليها وسكت! فهميني أنهي خير! دي عيلة كلها معدنها مغشوش وملهاش أصل. إشمعنى سي يحيى بتاعك ده اللي هيبقى الحلو اللي فيهم؟"
"مش شرط عشان كلهم وحشين يبقى هو كمان زيهم. أي عيلة فيها الكويس وفيها الوحش."
"آآه.. ويحيى بيه هو الفرع العِدِل الوحيد بين كل الفروع المايلة دي، مش كده؟"
همّت بقول شيء ما ليعلو صوت رنين هاتفها قبل أن يجتذبه والدها من بين يديها بحدة وهو ينظر به قائلاً:
"ده يحيى باشا.. بيطمن عليكي وصلتي ولا لسه. ليه حق طبعاً مش الخدامة بتاعة عياله!"
حملقت به بذهول لتجده يجيب المكالمة بحدة ويقول:
"ألو؟"
على الجانب الآخر، قطب يحيى حاجبيه بتعجب وقال:
"ألو، ده رقم غزل؟"
"لا يا سيدي ده رقم مدام غزل، أي خدمة؟"
"حضرتك عمي إبراهيم؟"
"أيوة أنا عمك إبراهيم، مين حضرتك؟"
"أنا يحيى يا حج إبراهيم، إزي حالك؟"
"كويس، يلزم خدمة؟"
ازداد تعجب يحيى من أسلوبه المقتضب وحدته غير المبررة بالنسبة له فقال:
"لا أبداً.. كنت عايز أبلغ مدام غزل إني مش هنزل الشغل بكرة، تقدر ترتاح هي."
"كويس أوي، وبالمناسبة أحب أبلغ حضرتك إن مدام غزل هترتاح على طول، تقدر تشوف لعيالك جليسة تانية تقعد معاهم. مع السلامة."
أنهى إبراهيم المكالمة باقتضاب وألقى بالهاتف إلى الطاولة المجاورة له تحت نظرات غزل المندهشة والتي قالت:
"حضرتك عملت ليه كده يا بابا؟"
"عشان ده الصح. مرور عند يحيى ده تاني لأ. كفايانا أوي اللي خدناه من العيلة دي لحد كده. أنا معنديش استعداد أختلط بحد منهم تاني."
دخل إلى غرفته بهدوء ينافي الفوضى العارمة التي صنعها بقلب ابنته، فقد ألهب بقلبها ضجيجاً لا ينضب.
بأعين دامعة، نظرت إلى صافية التي اقتربت منها وتحدثت بنبرة آسفة:
"أنا آسفة والله يا غزل، حلّفني برحمة أبويا وأمي وما عرفتش أكدب عليه واضطريت أقول له إن الباشمهندس ده يبقى يحيى."
"إنتي سمعتي اللي قاله يا عمتو؟ ده قال ليحيى إني مش هروح هناك تاني!!"
ربتت صافية على وجنتها تحاول مواساتها وقالت:
"معلش يا غزل، إن شاء الله ليها حل. هو بس مضايق إننا خبينا عليه، لكن مجرد ما يروق هيوافق ترجعي بإذن الله."
هزت غزل رأسها بيأس وقلة حيلة، ثم التقطت هاتفها ودلفت إلى غرفتها وقامت بمهاتفة يحيى، الذي أجاب على الفور قائلاً:
"أيـوة؟"
"أيوة يا يحيى."
"أيوة يا غـزل، فـي إيـه؟ عمي إبراهيم كان بيكلمني ليه كده؟"
زفرت غزل بتعب وقالت:
"أصل أنا كنت مخبية عليه إني sitter لعيالك، كنت قيلاله إني بروح لناس تانية، ولما عرف النهارده اتخانق معايا وقال لك الكلام اللي قاله ده."
"طب وليه كنتي مخبية عليه؟"
"مش فاهم."
"لإنه لو كنت قلت له ما كانش هيوافق. بابا من ساعة اللي أخوك عمله مع عمتي وهو واخد موقف من العيلة كلها."
لعن تحت أنفاسه غاضباً وقال:
"هو أنا مالي ومال اللي عمله أخويا؟ هو مكتوب عليا أتحاسب على عمايل أخويا طول العمر ولا إيه؟"
صاحت بحدة:
"مش عارفة بقا يا يحيـي، أهو ده اللي حصل."
"طب إهدي خلاص، أنا هتصرف."
تساءلت بفضول وترقب:
"هتتصرف إزاي يعني؟"
"بكرة هاجي أتكلم معاه وأستأذنه ترجعي تاني."
قالت بيأس:
"لا متتعبش نفسك، بابا ما بيرجعش عن موقفه بسهولة."
"يستي هنحاول، ماهو بصراحة إحنا مش هنقدر نستغني عنك، زياد ونور اتعلقوا بيكي وأنا مش هآمن عليهم مع حد غيرك."
ابتسمت بسخرية وقالت:
"شكراً على ثقتك فيا يا يحيى، عالعموم اللي يريحك اعمله. تصبـح على خير."
أنهت المكالمة وأغلقت الهاتف، ثم وضعته أسفل وسادتها بملل، وبدلت ثيابها لتتدثر بعدها بغطائها مستسلمة إلى سلطان النوم.
لم يكحل النعاس جفنيه، بات ليلته شارداً يفكر بما حدث اليوم. لقد تلقى أكبر صفعة في حياته اليوم!
لم يغفل عن خضوعها واستسلامها إليه حتى تنال مرادها وتستحوذ عليه كما كانت تفعل سابقاً، لتنفلت منه ابتسامة متكبرة وهو يتذكر كيف كان يبسط لها ذراعيه ممدودتين بكل ما تشتهي نفسها قبل أن تطلب.
الآن فقط تيقن أنه كان مخطئاً بحق نفسه قبل الآخرين، لقد تهاون كثيراً حتى فقد كل شيء.
حاول أن يسبل جفنيه مستسلماً للنوم، ولكن صورة أطفاله قفزت إلى خياله، فنهض سريعاً وذهب إلى غرفتهم وألقى بجسده المنهك إلى الفراش الفارغ بالغرفة، وراح يتطلع نحوهم بأعين آسفة نادمة.
"أنا عارف إن مش من حقي أحرمكم منها، إنتوا مالكمش ذنب في كل اللي بيني وبينها ودي مهما كان أمكم، يمكن تكونوا محتاجينها أكتر مني، دي حاجة متزعلنيش! أيوة متزعلنيش إنتوا لسه صغيرين متفهموش حاجة، حتى لو بتحبوها أكتر مني دي حاجة متزعلنيش بردو! أهم حاجة متزعلوش مني ومتتظلموش بسببي، بكرة لازم أخَيِّركم تفضلوا معايا ولا ترجعوا لها، وأيّاً كان قراركم أنا موافق أهم حاجة راحتكم وسعادتكم."
هكذا حدث نفسه بما يشغل باله وقلبه، ليعتزم أمره بأنه سيخيرهم بالبقاء معه أم الذهاب إلى والدتهم، وليكن ما يختاروه، ثم أغمض عينيه غارقاً في نوم عميق.
"إنت متأكد من اللي بتقوله ده يا جوز أمي ولا هتودينا في داهية؟"
تساءلت يسر بخوف يتملك منها، ليجيبها إسماعيل بتأكيد ويقول:
"إلا متأكد.. زي ما الست ميجيبهاش غير ست زيها، كمان الراجل ميكسرش شوكته غير راجل زيه، إمشي ورايا تاكلي الشهد."
مسحت على وجهها بتوتر وتساءلت:
"طب افرض يحيى فهم الموقف غلط وبقت فضيحة! يبقى إزاي الحال ساعتها؟"
"يفهم غلط إيه يا غبية إنتي، هو له هيوقفك في وضع مخل لا سمح الله! كل الحكاية إننا هنخليه يتلحلح، هنخلي نار الغيرة تاكل قلبه من تاني ويقول حقي برقبتي."
"ربنا يستر بقا، أنا قلبي مش مطمن."
"لا يختي اطمني وخلي قلبك يطمن، بس أمانة عليكي لما ترجعي مرات يحيى الهنداوي من تاني متنسيش عمو إسماعيل اللي كان السبب."
لم تجبه، فقال:
"قومي يلا البسي كده واتغندري وانزلي هتلاقي الواد زيكا واقف مستني بالتاكسي، اطلعي معاه وزي ما اتفقنا اعملي."
فعلت يسر كما أخبرها واستعدت، ثم ذهبت برفقة ذلك الشاب إلى تلك الشقة التي قاموا بتأجيرها لتنفيذ مخططهم الفاشل بها.
كانت يسر تجلس والتوتر يأكل داخلها، تفرك يديها بقلق وهي تنتظر ما سيحدث عما قريب، آملة أن تجدي تلك الخطة ثمارها.
"فـي هدية حلوة مستنياك في العنوان ده دلوقتي، متتأخرش!"
بينما كان يحيى يقوم بإعداد الفطور لأولاده، وصلته تلك الرسالة التي قرأها بقلبٍ وجل وهو يحاول تخمين مفادها، ولكن تغلب عليه الفضول ليسرع بتبديل ملابسه والذهاب إلى العنوان المرسل إليه.
صعد درجات السلم بتوتر وتوقف أمام الشقة ليطرق بابها بترقب، ففتح له شاب في مقتبل العشرينيات من عمره، هز رأسه متسائلاً:
"عايز مين حضرتك؟"
ظل يحيى ينظر إليه بهدوء ثم قال:
"لا أبداً، الظاهر العنوان غلط!"
همّ بالانصراف ليستوقفه ذلك الصوت الذي يحفظه عن ظهر قلب:
"ميـن يا زيـكـا؟"
هوى قلبه أرضاً فور أن استمع لصوتها، فعاد ينظر خلفه وهو يدقق النظر بداخل الشقة، ثم دفعه إلى الداخل ودلف مسرعاً ليجدها تجلس بأريحية على الأريكة وتتناول الفاكهة ببساطة، وأمامهما زجاجتي خمر وبعض التسالي.
وقف يحيى يطالعها مشدوهاً ويقول:
"إنتي بتعملي إيه هنا؟!"
لم تتصنع الخوف والقلق، فقد انبعثا من عينيها صادقين، فقالت:
"يحيى...."
بخطوة متسعة، كان هو يقف أمامها يقبض على شعرها بقبضة فولاذية وهو ينظر إليها شزراً، ثم قال:
"يحيى إيه وزفت إيه؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟ هي حصّلت تروحي شقق؟"
رأت أن الأمر يتخذ مساراً غير الذي كانت تبغي، فقالت بعينين باكيتين:
"استني بس يا يحيى أنا هفهمك، والله العظيم الموضوع مش زي ما إنت فاهم."
قاطعها صارخاً بغضب هادر:
"مش زي ما أنا فاهم، زي ما أنا شايف، بيرة ومَزّة والدنيا حلوة."
أضاف الأخيرة وهو يصفعها بقوة بكل ما يملك من غضب ونفور، لتنفجر هي باكية وتقول:
"صدقني يا يحيى والله العظيم ده...."
"اخرسـي.. متتكلميش اسم ربنا على لسانك الوسـ..خ ده، إنتي إيه يا بنتي، إيــــه يا بنتي الزبالة اللي إنتي عايشة فيها دي؟ هو أنا كنت أعمى عن حقيقتك للدرجادي، كنت مغفل وبرياله للدرجادي، كنت إزاي واحدة زيك في بيتي؟!!"
نظرت إليه باستعطاف واستجداء وقالت:
"والنبي يا يحيى اسمعني، اديني فرصة أشرح لك."
همس إليها بصوت مخيف أثار الرعب في قلبها فقال:
"أنا مش عايز أسمع صوتك، صوتك ده بيقرفني وبيخليني مش طايق نفسي، اخرسي خالص."
وراح من ثم يتطلع حوله بعينيه القلقتين، ثم نظر إليها بثبات وقال بضعف:
"أعمل فيكي إيه؟ أولّـ.ـع فيكي ولا أدبحـ.ـك وأشرب من دمك! بس المـ.وت خسارة فيكي لإنك هترتاحي، أعمل فيكي إيه؟ أفضـ.ـحك وأوديكي في داهية؟ بس عيالك! عيالك ذنبهم إيه تبقى أمهم بالأخلاق دي؟"
أجهشت في بكاء قوي، لينظر إليها باشمئزاز ويقول:
"بتعيطي؟ بذمتك مش مكسوفة من نفسك؟ مفكرتيش في بنتك؟ بنتك دي ذنبها إيه تكبر تلاقي أمها واحدة **** زيك؟"
انحنت تقبّل يديه ببكاء واستعطاف وقالت:
"عشان خاطري يا يحيى اسمعني، والله العظيم إنت فاهم غلط، طب عشان خاطر عيالنا....."
أشار لها بسبّابته وهو يهز رأسه بإيجاب ويقول:
"عشان خاطر عيالنا فعلاً.. عشان خاطر عيالنا."
استل هاتفه من جيب سترته وقام بالاتصال بمحاميه الخاص يستدعيه للحضور إليه على وجه السرعة.
أنهى المكالمة ونظر إليها بتحفز وقال:
"المحامي جاي، هتمضي على تنازل عن حضانة زياد ونور بالذوق لإما هلبسك قضية وأرميكي في السجن مع اللي شبهك!"
هنا انفجرت في بكاء وعويل أذهب صوتها وهي ترجوه دون أن يرف جفنه أو ينصت إليها.
"عشان خاطري يا يحيى، ورحمة أمك اسمعني."
أشار لها واضعاً سبابته على فمه وقال:
"هش.. اخرسي مش عايز أغلط فيكي أكتر من كده.. سيرة أمي متجيش على لسانك نهائي.. ووفري دموع التماسيح دي للي جاي بعدين."
ارتفع رنين جرس الباب معلناً عن قدوم المحامي، ففتح له يحيى وقال باقتضاب:
"بسرعة يا متر، جهز أوراق التنازل عن حضانة زياد ونور وخليها تمضي عليهم."
نظرت إليه تحاول ثنيه عن قراره بعينين باكيتين، ليقول بحدة:
"امضي وانفدي بجلدك بدل ما أخلي عيشتك سواد إنتي واللي جايبينك.. وإنتي عارفة أنا ممكن أعمل إيه."
بقلب مشتعل وأعين غاضبة مستنكرة، كان يقف يتطلع نحوها وهي تقوم بتوقيع الأوراق حتى فرغت، ليأخذ المستند من المحامي وينظر إليها بامتعاض ونفور ويقول:
"مش عايز أشوف وشك تاني ولو صدفة حتى! وانسى إن ليكي عيال عندي."
ألقى كلماته الصارمة الصادمة، ثم غادر مسرعاً وتركها تبكي وتنوح وهي تلعن غباءها الذي أودى بحياتها.
مع رنين جرس الباب، ارتفعت دقات قلبها بضجيج وفوضى وازداد توترها، فنظرت إلى صافية وقالت:
"ده أكيد يحيى يا عمتي."
تركت صافية ذلك الكتاب الذي كانت تقرأه ونهضت من مقعدها متسائلة بتعجب:
"يحيى؟ ويحيى إيه اللي هيجيبه هنا؟"
"قال لي إنه هييجي يستأذن بابا إني أرجع الشغل تاني."
زفرت صافية بتوتر وقالت:
"طيب خليكي هنا وأنا هخرج أشوف إيه الأخبار."
خرجت صافية لتجد إبراهيم قد فتح الباب ليتفاجأ بيحيى الذي يقف أمامه يبتسم بهدوء وترقب، استوعبه هو فقال باقتضاب:
"أهلاً وسهلاً."
"أهلاً بيك يا عمي، ممكن أدخل؟"
أفسح له المجال قائلاً بترحيب مصطنع:
"اتفضل."
دلف يحيى ليتفاجأ بـ صافية التي ركضت نحوه تحتضنه باشتياق كبير، ليضمها هو بتقدير واحترام، ثم قبل رأسها ونظر إليها مبتسماً فقال:
"عاملة إيه يا صافية؟"
نظرت إليه صافية بحزن وشفقة، ولمعت عيناها فقالت:
"الحمد لله يا حبيبي إنت عامل إيه؟ ونور وزياد عاملين إيه؟ مجبتهمش معاك أشوفهم ليه؟"
أجابها بهدوء وقال:
"كويسين الحمد لله، مرة تانية أبقى أجيبهم."
"اتفضل يا باشمهندس!"
برز بها صوت إبراهيم مقتضباً، ولكن جلس على كل حال، ثم نظر إلى إبراهيم ليجده يقول لصافيه:
"اعمليلي شاي يا صافية وشوفي الباشمهندس يشرب إيه؟"
"يشرب قهوة مظبوط، مش كده يا يحيى؟"
قالتها صافية لتحصل على ابتسامة هادئة مرفقة بإيماءة مؤكدة من يحيى، فذهبت على الفور إلى المطبخ.
"اتفضل يا أستاذ يحيى، خير؟"
نظر إليه يحيى منتبهاً ثم قال:
"أولاً يا عمي إبراهيم، اسمح لي أعتذر عن الزيارة من غير ميعاد سابق."
أومأ إبراهيم ببساطة وقال:
"ولا يهمك، حصل خير."
حمحم يحيى واستطرد حديثه قائلاً:
"ثانياً.. ممكن أعرف إيه سبب موقفك الحاد ناحيتي؟ حضرتك مكانش ده أسلوبك معايا أبداً قبل كده! ويهمني أعرف إيه السبب، جايز أكون أخطأت بدون علمي لا سمح الله."
تجاهل إبراهيم حديثه وقال باستهجان مبطن:
"وثالثاً؟"
"اتفضلوا أدي الشاي، والقهوة بتاعتك أهي يا يحيى، يا رب أكون لسه بعملها حلو زي زمان."
قاطعهم دخول صافية تحمل آنية المشروبات، فنظر إليها يحيى مبتسماً وقال:
"تسلم إيديكي."
أومأت بابتسامة وانصرفت، ليعود وينظر باتجاه إبراهيم الذي كان يسفّ ويحد النظر إليه، ثم قال:
"لو سمحت يا عمي إبراهيم أنا حاسس إن وجودي مش مرحب بيه. لو ده صحيح ممكن حضرتك تقولي أنصرف بهدوء."
تنهد إبراهيم بضيق وتمتم مستغفراً، ثم قال:
"لا يبني العفو، اتفضل كمل كلامك أنا سامعك."
أومأ يحيى بارتياح بعض الشيء، ثم استكمل حديثه فقال:
"كنت بسأل حضرتك إيه سبب معاملتك الحادة معايا؟"
ارتشف إبراهيم أول رشفة من كوب الشاي خاصته، ثم قال:
"بص يا يحيى، إنت عارف إني راجل دوغري وماليش في الكلام المزوق ولا المجاملات."
أومأ يحيى موافقاً ليكمل الآخر كلامه قائلاً:
"بصراحة أنا بقيت بخاف من أي احتكاك أو تعامل يربط بيني أو بين حد من عيلتي وبينكوا إنتوا عامةً كعيلة."
ابتسم يحيى وأومأ بتفهم، ليستطرد إبراهيم حديثه ويقول:
"أنا اللي شوفته من عيلتك مش قليل، كفيل يقطع كل حبال الود اللي كانت بيننا. معلش أنا يمكن دقة قديمة أو عقلية رجعية على رأي شباب اليومين دول، بس أنا دماغي كده وسواء بنتي ولا أختي مجبرين يمشوا زي ما دماغي ماشية."
لم يتحدث يحيى وأعطاه فرصته كاملة للإسهاب في كل ما يجول بخاطره، فأكمل قائلاً:
"أخوك أذى أختي أذية لا تحتمل وأخطأ في حقها خطأ لا يغتفر، وأظن إنت عارف التفاصيل، فـ ملوش داعي نقلب في الماضي، وبناءً عليه أنا ليا كل الحق آخد موقف من أي طرف يقرب لكوا من قريب أو من بعيد.. خصوصاً إن محدش وقف جنب أختي ولا رد الظلم عنها.. ومتهيألي حقي إني أخاف على بنتي من الاختلاط بيكوا من تاني. عشان كده منعتها إنها تيجي للولاد تاني، ما أنا مش لاقيهم في الشارع.. ولا إيه؟"
سحب يحيى شهيقاً طويلاً ملأ به رئتيه وزفره ببطء، ثم أردف قائلاً:
"حضرتك كل كلامك صحيح مية في المية، أنا مش معارضك في ولا حرف، بس عندي استفسار صغير."
هز إبراهيم رأسه متسائلاً وقال:
"إيه هو؟"
تحامل يحيى على آلامه وقال مستفهماً:
"هل مهما كان حجم الظلم اللي اتظلمته صافية من عيلتي، يساوي الظلم اللي اتظلمته أنا؟"
نظر إليه إبراهيم بعين الشفقة والعطف، ليكمل يحيى حديثه قائلاً:
"أنا اللي خسرت كل حاجة بين يوم وليلة، مهما أحكيلك عمرك ما هتتخيل ذرة من العذاب اللي أنا شوفته واللي مازلت بشوفه. أنا شفت الموت بعيني أكتر من مرة، أول مرة ساعة الحادثة وبعدها لما وقعت في إيدين تجار أعضاء وكانوا بالفعل هيفضوني لولا إرادة ربنا اللي كانت أقوى من كل شيء، وبعدها لما وقع عليّ راسى كوريك وأنا شغال عتّال في مخزن قطع غيار، تخيل! كوريك ميتسببش في موتي، بالعكس اتسبب إن الذاكرة ترجع لي وأعرف أنا مين وأهلي فين بعد سنة بحالها كنت عايش مجهول الهوية، نفس داخل وخارج مش أكتر! شوفت كل موته أصعب من اللي قبلها وعمري ما تمنيت أو قلت يا ريتني مت، ما عدا اليوم اللي رجعت فيه ولقيت مراتي حامل من أخويا وأبويا مبارك الجوازة وعايشين حياتهم ولا كأن مر عليهم واحد اسمه يحيى!! يومها بس قلت يا ريتني مت قبل كل ده.. لو كنت مت فعلاً من ساعتها كانت كل حاجة هتبقى كويسة وطبيعية، كانوا هيزعلوا يوم، شهر، سنة وفي الآخر هينسونى وسيرتي هتدفن معايا تحت التراب."
شعر إبراهيم بوخزات في صدره من فرط التأثر والشفقة اللذين شعر بهما تجاه يحيى، والذي أضاف بنبرة منكسرة فقال:
"تفتكر بعد ده كله مين أكتر حد اتظلم منهم؟ مين أكتر حد كرههم ومبقاش طايق يسمع عنهم؟ مين أكتر حد بيتجنب إنه يشوفهم أو يختلط بيهم؟"
ثم اتكأ على ساعده وأضاف بهدوء مقهور:
"مين أكتر حد بقى يخاف يظلم لإنه داق مرارة الظلم؟!!"
تنهد إبراهيم بقلة حيلة لا يدري بما يجيبه، فالتزم الصمت، ليقول يحيى:
"متقلقش يا عمي إبراهيم أنا لا عايز يكون ليا صلة بيهم من قريب ولا من بعيد، وبالنسبة لـ غزل تأكد إنها عمرها ما هتتمس بسوء أبداً."
أنهى كلماته ليرفع فنجال قهوته عن الطبق ويحتسيه بهدوء، قبل أن ينظر إليه إبراهيم قائلاً:
"والله يا يحيى يبني منا عارف أقول لك إيه، طيب قول لي طلباتك إيه؟"
وضع يحيى فنجال القهوة من يده ونظر إليه بتركيز وثبات ثم قال:
"أنا طالب إيد غزل!"
حملق به إبراهيم بدهشة، ليعود يحيى ويقول:
"أنا عارف إن طلبي مفاجأة بالنسبة لحضرتك و أكيد بالنسبة لـ غزل كمان، بس أتمنى حضرتك تفهمني، أنا محتاج غزل في حياتي جداً ومش هكذب عليك ولا هداري، نور وزياد متعلقين بيها جداً جداً ويعتبر هي اللي مقضية معاهم أغلب اليوم وعارفة كل حاجة عنهم، أنا بحاول أأسس نفسي وضغط على نفسي في الشغل عشان أكبر ويبقالي وزن في السوق وللأسف كل ده على حساب علاقتي بيهم، هما محتاجين غزل يمكن أكتر مني كمان الفترة دي وبالنسبة لأمهم فهي اتنازلت عن حضانتهم والوضع بقى أصعب كمان.. أنا صارحتك بحقيقة الأمر و أتمنى حضرتك تتفهم موقفي وصراحتي دي تشفع لي عندك، وفي الأول والآخر أنا مستني رأي غزل لإن ده الأهم من كل شيء."
تجهم وجه إبراهيم وتدفقت الدماء به بغزارة وآثر الصمت، فقال يحيى وهو ينهض عن الأريكة:
"أنا مش مستعجل على الرد، خدوا وقتكم خالص وبلغوني بقراركم وإن شاء الله أنا واثق إن حضرتك هتحكّم عقلك وهتحسن التصرف.. عن إذنك."
صافحه يحيى وانصرف، بينما جلس إبراهيم يفكر ملياً بما أخبره به يحيى للتو وعقله يرفض الاستيعاب.
وعلى الجانب الآخر، كانت غزل تقف خلف باب الغرفة تستمع لما يدور بالخارج، ودموعها قد انهمرت بكثرة على خديها من فرط الصدمة والفرحة، وراحت تنظر إلى صافية بعدم تصديق وهي تقول:
"إنتي سمعتي اللي أنا سمعته يا عمتو؟ يحيى عايز يتجوزني؟!!! أنا مش مصدقة نفسي، هو قال أنا طالب إيد غزل بجد؟ يعني أنا سمعت صح؟"
"أيوة سمعتي صح يا غزل، بس أعتقد إنك كمان سمعتي بقية كلامه، قال عشان العيال متعلقين بيها وأمهم اتنازلت عن حضانتهم.. يعني عايز يتجوزك عشان العيال مش أكتر!"
هكذا ألقى والدها كلماته اللاذعة التي أخرجتها من حالة السعادة التي سيطرت عليها، لتنظر إليه بترقب وقالت:
"أيوة يا بابا سمعت، يحيى صريح والمفروض نحترم صراحته، وأظن لو قال غير كده حضرتك ما كنتش هتصدقه."
نظر إليها والدها مستنكراً ثم قال:
"يعني إيه؟ أفهم من كده إنك موافقة؟"
دون تردد ولا لحظة تفكير واحدة، أومأت بموافقة، لينظر إليها أبيها متعجباً وقال:
"موافقة تتجوزيه عشان تكوني دادة لعياله اللي متعلقين بيكي مش أكتر؟ تقبلي على نفسك كده؟"
أومأت بتأكيد، لتتفاقم دهشته، لينظر إليها متسع العينين يطالعها بذهول وقال:
"إنتي واعية للي بيتقال؟ أنا مش مصدقك بجد."
اهتز قلبها بشدة واقتربت من أبيها وأمسكت بيده وقالت:
"لو سمحت يا بابا متصعبش عليا الأمور أكتر من كده، حضرتك عارف اللي في قلبي إيه، أنا عشت عمري كله بستني لحظة زي دي وما كنتش عمري أتخيل إنها تتحقق، فـ لما تحصل أكيد مش هيفرق معايا السبب أو المبرر إيه، أنا راضية بأي تفسير طالما هكون جنب يحيى."
راح يقلب كفيه مذهولاً من حديثها الهزلي بالنسبة له، لتستطرد حديثها وتقول:
"لو سمحت يا بابا، أنا طول عمري بسمع كلام حضرتك، اتخطبت لـ إسلام إرضاءً لرغبة حضرتك واتجوزت أكرم الله يرحمه إرضاءً لرغبة حضرتك بردو، بلاش تستكتر عليا فرصة زي دي وتحرمني من السعادة اللي طول عمري بتمناها."
"سعـادة؟ إنتي بتوهمي نفسك إنك هتكوني سعيدة.. بس الحب عامي عينك عن الحقيقة ومش عايزة تشوفيها.. فوقي يا غزل، ده مش طالب إيدك حباً فيكي ده طالب إيدك عشان عياله!.. يعني متستنيش منه حب ولا يحزنون، هو مش شايفك زوجة أصلاً عشان يعاملك كزوجة."
"هحـاول.. هحاول أحببه فيا وأقرب منه وأقربه مني.. مش عيب ولا حرام.. أكيد من كتر حبي ليه هيحبني."
أردفت بالأخيرة بأمل، فقال:
"هتقدري؟ هتستحملي بعده عنك وإنتوا متجوزين؟ هتستحملي يعاملك زي أخته زي ما هو بيعتبرك وإنتي شيفاه حبيبك وجوزك وحلالك؟"
أومأت بتأكيد وقالت:
"هستحمل كل حاجة طول ما أنا بحبه، طول عمري مستحملة وأنا بعيدة عنه، ويوم لما أبقى مراته مش هستحمل؟!!"
"يوم ما تبقي مراته الأمر هيختلف.. متطلباتك هتختلف.. هتبقي خلاص ملكتيه وشايفة إنه من حقك إنه يكون معاكي بجسده وروحه وعقله وكل ذرة في كيانه.. مش هتقبلي بأقل من كده وقتها."
"إنت ليه بتسبق الأحداث يا بابا؟"
نطقتها بيأس وأضافت:
"هو أنا للدرجة دي متحبش؟"
أحاط وجهها بكفيه وقال بنبرة حنونة:
"تتحبي.. وتتحبي أكتر من أي حد في الدنيا كمان.. بس القلوب دي يبنتي بين إيدين ربنا، مش بإيدينا عشان نتحكم فيها، متقدريش تجبريه يحبك، عمرك ما هتزرعي حبك في قلبه غصب."
"و عشان القلوب بين إيدين ربنا أنا عندي أمل إنه يحس بيا ويحبني، وحتى لو محبنيش كفاية إني بحبه، كتير جداً متجوزين وحب من طرف واحد بس عايشين في منتهى السعادة، مش شرط عشان أكون مبسوطة معاه يكون هو كمان بيحبني."
زفر بقلة حيلة ويأس من إصرارها والذي يبدو أنها لن تتراجع عنه تلك المرة، ليجدها وقد تشبثت بقميصه تستجديه وقالت:
"وحياتي عندك يا بابا، لو بتحبني وعايزني أكون مبسوطة وافق."
رنق النظر إليها ثم تمتم مستغفراً وقال:
"لله الأمر من قبل ومن بعد، اللي يريحك اعمليه يا غزلي."
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل السابع عشر 17 - بقلم نعمة حسن
باتت ليلتها تمنّي نفسها بتلك السعادة التي طالما حلمت بها و كانت تتخيلها، رُغم إحساسها الشبه مؤكد بأنها لن تحصل عليها أبد ما حيت و مهما فعلت.
لكنها اليوم ها هي تنال ما تمنّت طويلاً، ويا لهناءها لقد نالت إرضاء القدر أخيراً و سَمَح بأن يجمعهما مكاناً واحداً، هي و من شَغَل العقل و القلب.
لَمحت هاتفها الصامت مثل قلبها الغَرّ يضئ معلناً عن إتصال وارد من يحيـي، ليرجف قلبها بين أضلعها وهي تجيب الإتصال حيث تهادي صوتها الناعم خَجِلاً وقالت:
ألو.
_ أيـوة يا غـزال.
إبتسمت بسعادة وافرة وقالت:
أيوة يا يحيـي، في حاجه؟!
تسائلت بالأخيرة وهي تحاول فض الحرج المكنون بداخلها و تغيير مجري الحديث الدائر بينها وبين قلبها، ليقول هو:
أه في.. باباكي مقالكيش ولا إيه؟!
إتشح صوته بالضيق قليلاً مما أثار تعجبها و ضيقها أيضاً لتقول:
مال صوتك؟ إنت مضايق ليه كده؟!
_ لا أبـداً مفيش حاجه..يمكن شوية إرهاق بس.
أومأت بتفهم وقالت متخذه الجدية سبيلها:
بابا قاللي يا يحيى.
_ و إيه رايك طيب، أنا مش عايزك تفهمي موقفي غلط، أنا...
قاطعته قائلة:
من غير تبرير يا يحيـي أو تفسير لموقفك أنا متفهمه كل حاجه، و موافـقة.
نطقت بالأخيره ما بين خجلٍ و فرح، ليبتسم هو بسعادة و راحه ثم قال:
تعرفي بالرغم من إني كنت خايف إنك تفهميني غلط أو والدك يأثر عليكي إلا إني كنت شبه متأكد إنك هتوافقي.
قالت بتعجب:
إشمعنا؟
أضاف شارحاً:
كنت حاسس إن غلاوتي عندك هتأثر علي كل الأسباب التانيه اللي ممكن تخليكي ترفضي.. طول عمري غالي عندك زي منتي غاليه عندي كمان يا غزل، و عايز أوعدك إني وحيات ولادي عمري ما هزعلك مني ولا هتشوفي منى غير كل طيب و كل معروف.
تسارعت دقات قلبها معلنه عن كم الفوضي العارمه التي تحتويها.
ثمة أحاسيس ومشاعر متناقضه تشعر بها الآن.. الفرحه، اللهفه، الخـوف، التوتر، الترقب و آخرها و أهمها الرضـا.
لم تمنحه أي رد مقابل كلماته اللطيفه سوي أنها إلتزمت الصمت، ليستأنف حديثه ويقول:
يلا تصبحي علي خير دلوقتي، و بكره بإذن الله هكلم عمي إبراهيم أشوف رده إيه.
_ وإنت من أهل الخير.
أنهت حديثهما الذي كانت تتمني أن يمتد حتي الصباح، لتتدثر بعدها بغطاءها و تسبح في نومٍ عميق.
أنهي إتصاله معها ليتلقي بعدها مكالمه من قاسـم الذي بدأ حديثه قائلاً:
إنت ندل!
ضحك يحيـي ثم قال:
عارف والله.. بس الدنيا ملخبطه معايا اليومين دول و في كذا حوار كده .. كنت ناوي أحكيلك بكرة بس إنت املي سابق بخطوة.
_ الدنيا ملخبطه ليه يبني؟! العيال كويسين؟
= أه الحمدلله كويسين وبخير بس أنا اللي مزاجي مش كويس الايام دي، عالعموم مش وقته الكلام ده، كنت عايزك معايا في مشوار.
_ خير؟
= هخطب غزل!
_ غزل اللي حكيتلي عنها؟! مش دي الsitter بتاعة زياد و نور؟
= أيوة بالظبط هي.. إتقدمتلها النهارده و وافقوا، بس لسه متكلمناش كلام رسمي، هكلم باباها بكرة و أشوف رده إيه ولو تمام إن شاءالله هحدد ميعاد نعمل خطوبه و كتب كتاب علي الضيق كده.
_ بسم الله ماشاء الله.. إيه القرارات السريعه دي؟! عالعموم يبني ربنا يصلحلك الحال و انا معاك في أي وقت تحبه.
= حبيبي يا قاسم متحرمش منك.. بإذن الله بكرة هجيلك أقعد معاك شويه و أبقا أعرفك عملت إيه.. يلا سلام.
أنهي المكالمه بإيجاز و أغمض عيناه دون تفكير ليغط في النوم سريعاً.
***
في حين كان الجميع غارق بالنوم قرير العين كانت هي تنزوي في فراشها تذرف دموع الندم و القهر.
عاد للتو إليها عقلها الذي كان مغيباً عنها و بدأت تستدرك ما كانت غافله عنه.
_ يا ريتني كنت مت ولا سمعت كلامك يا إسماعيل الزفت، ربنا ينتقم منك!
تمتمت يُسر بتلك الكلمات التي لا تَسمن و لا تغني من جوع بندم وهي تتمني أن تعود بها الساعات.. فقط الساعات لتتراجع عن ما فعلت.
الآن فقط تيقنت أنها قد خسرت يحيي إلي الأبد ولا يوجد للرجوع إليه سبيل.
نهضت عن فراشها بتعب وهي تجر قدميها جراً كـ المكبّل بالأغلال قاصده طريقها نحو المغسل لتصطدم بزوج والدتها علي باب غرفتها.
_ بسم الله الرحمن الرحيم، فجعتني!
نطقت بها وهي تضع يدها موضع قلبها الذي قفز بغتةً من الخوف لتجده يطالعها بنظرات متفحّصه ثاقبه لم تروقها أبداً مما جعل الوچل يعرف طريقه نحو قلبها، فإبتلعت لعابها بتوتر وقالت:
في إيه مالك؟! بتبصلي كده ليه؟!
إبتلع لعابه هو الآخر وهو ينظر إليها بخبث و أردف بصوتٍ مهزوز:
أصل..أصل بصراحه أنا كنت جاي أشوفك لسه زعلانه مني ولا لأ.
أشاحت بوجهها بعيداً وهي ترجع للخلف تحاول تلاشي نظراته الماكرة ثم قالت:
زعلانه؟! إنت بتتكلم كده ولا كإنك خربت حياتي و دمرتها بأفكارك الزباله الخايبه اللي شيهك.
و أردفت بحزن:
بس الحق مش عليك، الحق عليا أنا اللي مشيت وراك شبه العيال الصغيره، لا فكرت ولا راجعتك حتي!.. أنا يُسر اللي كانت دماغي توزن بلد أقع في فخ أهبل زي ده يخسرني كل حاجه.
دنا منها أكثر ليقف أمامها مباشرةً و عاد يزدرد لعابه بتوتر وهو ينظر إليها بثبات وقال:
بقوللك إيه يا سوسو.. ما تسيبك من يحيي بتاعك و خليكي معايا أنا....
قاطعته بحدة و إستنكار وقالت:
أخليني معاك إزاي يعني؟! تقصد إيه؟!
" فـي إيه يا يسر؟!"
هنا برز صوت والدتها التي دلفت إلي الغرفه تتسائل بإستفهام، ليضطرب هو بشدة و يحمحم مجيباً بتوتر:
إيه ده إنتي صحيتي إمتا.. تعالي يختي شوفي بنتك اللي مموته روحها من العياط عشان الأفندي بتاعها، داخل اشرب لقيتها بتتنهنه قولت آجي أطيب خاطرها بكلمتين كانت هتاكلني زي منتي شايفه كده.
نظرت إليه يُسر بتعجب بينما توارت نظراته عنها بوچل وقال:
أنا رايح أكمل نوم.. تصبحوا علي خير.
غادر الغرفه مسرعاً ليعود إلي غرفته، بينما تقدمت والدتها منها وقالت:
لسه بتعيطي يا يُسر؟ مش قولتلك يبنتي فوضي أمرك لله.
أومأت يُسر بموافقة وقالت بشرود:
و نعم بالله.
ربتت والدتها علي كتفها وقالت:
يلا يا حبيبتي روحي نامي و إستريحي و سيبيها لله.
غادرت والدتها الغرفه لتسرع هي و تغلق الباب من الداخل بالمفتاح و عادت إلي فراشها و إستسلمت إلي النوم.
***
بعد حصوله علي موافقة إبراهيم و تحديد موعد يوم غد لإقامة حفل الخطوبه و عقد قرانهما كان يستعد لإنهاء ما يشغله من أعمال ليمكنه التفرغ إلي ذلك اليوم.
كان يقبع خلف مكتبه يطالع الأوراق الموجوده أمامه بتفحص و تركيز قبل أن تدلف هند السكرتيره الخاصة به و تقوم بإبلاغه:
في واحد عايز يقابل حضرتك بره بيقول إنه أخوك عبدالقادر.
إرتبك قليلاً و شرد مفكراً لثوانٍ معدودة ثم قال:
دخليه بسرعه.
دلف عبدالقادر علي الفور وهو يتقدم بخطوات متسعه تجاه يحيي الذي قابل لقاؤه الحار المتلهف ببرود مصطنع ثم قال بقلق لم ينجح في إخفاؤه:
أبوك كويس؟
_ أبوك تعبان و نفسه يشوفك يا يحيي! مبينامش بسبب غيابك إنت و سليمان اللي منعرفش عنه حاجه خالص و كل يوم صحته في النازل.. روحتلك عند شركة قاسم عبدالرحمن كذا مرة محدش يرضي يقوللي العنوان بتاعك هنا لحد ما جيبته في الآخر بمعرفتي.
نظر إليه يحيي و ضحك متهكماً ثم قال:
و يا تري عملت إي؟! فتحت المندل ولا قرأت الفنجان؟
نظر إليه عبدالقادر بحزن و قال:
للدرجه دي يا يحيي تعب أبوك مش فارق عندك؟! بقوللك تعبان و عايز يشوفك!
تنهد يحيي بثقل وقال:
إن شاءالله هاجي أشوفه، يومين بس أخلص الزحمه اللي أنا فيها دي و هاجي لحد عنده أشوفه.
زفر عبدالقادر بملل من أسلوب أخيه ثم قال:
طب طمني إنت عامل إيه؟ و العيال عاملين ايه؟!
أومأ يحيي بإقتضاب حيث هز رأسه بتأكيد وقال:
كله كويس.
_ آاااه.. إنت شكلك مش فاضي.. طيب أنا همشي أنا و أبقا أجيلك وقت تاني تكون فاضي بإذن الله.
إنصرف عبدالقادر كما أتي، أصابه اليأس فقد كان أن يرجع إلى والده بالبشري و لكن يحيـي خيّب آماله بتعسفه.
أنهي يحيي عمله ومن ثمّ عاد إلي عمله ليقوم علي الفور بإعداد الطعام إلي أولاده.
توالت الساعات سريعاً ليأتي الغد حاملاً معه بداية جديده ستضاف إلي أيامه القادمه.
بعد أن إنتهي من إعداد أولاده للذهاب برفقته، ذهب هو إلي غرفته سريعاً ليستعد فإرتدي حلةً سوداء فاخرة من ماركة " توكسيدو" ذات الطابع الإيطالي و التي أضفت إليه وقارً و فخامة و جاذبيه أيضاً ثم إختار ربطة عنق باللون الرمادي، و أخيراً نثر زخات من عطره الأرميني الفوّاح الفجّاج الذي منحه حضور قوي و طاغي.
إصطحب أولاده و ذهب إلي منزل قاسم والذي كان بإنتظاره ثم إستقل السياره برفقته و ذهبوا جميعهم إلي بيت غزل.
كان الحفل مقتصراً عليهم و علي عائلة غزل الصغيره فقط فلم يحضر سواهم.
خرجت صافيه تقدّم العصير و الحلوي إليهم لينظر قاسم إلي يحيي و يلكزه بقدمه ثم يقول:
هي دي العروسه؟!
_ عمتها.
أجابه يحيي بإقتضاب ليعاود الآخر تساؤلاته قائلاً:
عمتها؟! إزاي؟! هي دي اللي أخوك كان متجوزها؟!
أومأ يحيي موافقاً ثم قال:
أيوة دي.
_ مش معقول! بقا أخوك يسيب دي و يبص لواحده تانيه؟!
نظر إليه يحيي بضيق إستخلصه هو فقال:
يلا ربنا يصلح حال الجميع.
وضعت صافيه الانيه أمامهما وهما ينظران نحوها ثم قالت بإبتسامة متسعه:
شرفتونا يا جماعه والله.. مبروك يا يحيي.
إبتسم يحيي و أومأ موافقاً ثم قال:
الله يبارك فيكي يا صافيه،، أومال فين غزل؟
_ حالاً جايه.
فور ما إن أنهت جملتها حتي إنفرج الباب لتظهر غزل من خلفه وهي تتهادي بخطواتها الرشيقه الهادئه ثم إقتربت منه قبل أن تمنحه إبتسامه لطيفه حييّه و تصافحه بخجل و توتر ومن بعدها صافحت قاسم الذي قال:
و مين دي؟!
_ غزل!
= أيوة غزل .. و كل أبيات الغزل كمان مش بيت واحد.
إستوقفه يحيي بنظره محذره ،مستنكره ليقطع علي الفور حديثه العابث ذلك متمتماً بالإعتذار.
قدّم يحيي إلي غزل علبةً قطيفه من اللون الأحمر المخملي باطنها حريرياً و بها طقماً كاملاً من الذهب سعدت هي بهِ كثيراً.
حمحم إبراهيم قائلاً:
بص يبني، هلا هلا عالجد و الجد هلا هلا عليه، أنا مش طالب أي حاجة زيادة عن السايد و المعروف، الأصول مفيش أحسن منها وأنا عايز كل حاجه بالأصول، و في نفس الوقت أنا مش هشرط عليك بحاجه إنت شوف اللازم إعمله ، أهم حاجه عندي اضمن حق بنتي بما يرضي الله ثم بما يرضيني و يطمني كأب.
نظرت غزل إلي يحيي بترقب تنتظر رد فعله لتجد الإبتسامه وقد علت شفتيه وهو ينظر إليها ثم إلي والدها بتقدير وقال:
حضرتك غزل في عنيا قبل أي ضمانات و كلمتي لوحدها ضمان.. لكن حفظاً لحقوقها أنا همضي علي المؤخر اللي حضرتك تطلبه و هكتبلها شقة بإسمها و أي حاجة تانيه أنا عنيا ليها.. هي تشاور بس.
إبتسمت غزل بفرحه و سرور إزدادا عندما أتي المأذون ليعقد قرانهما.
كانت تجاهد كي تمسك دمعاتها الوفيره ألا تتساقط أمام الحضور، فرحتها كانت تكفي الكون كله و تزيد، تنظر إلي والدها وهو يضع يده بيد يحيي و يزوجها إليه بمنتهي السعادة التي من الممكن أن يحصل عليها أحدهم حتي إرتقي صوت الزغاريد من حولها لتنظر إلي عمتها بفرحه و إحتضنتها بسعادة غامرة.
وقف إبراهيم أمامها يطالعها بفرحه و حزن في آنٍ واحد ثم قال:
هتسيبيني خلاص يا غزل؟ هيهون عليكي أبوكي؟
نظرت إليه بأعين دامعه وقالت:
عمرك ما تهون عليا يا بابا.. هجيلك في كل وقت و هتصل بيك كل شويه.. إدعيلي يا بابا.
نطقت بالأخيره بصوتٍ مهزوز لينظر إليها بتأثر ويقول:
ربنا يسعدك يبنتي و يروق بالك و يجعل أيامك كلها فرحه.
إحتضنت والدتها بشدة وهي تحاول التماسك، فراقه يصعب عليها كثيراً ولكن ما يطمأنها أنها ستكن بجوار من سكن فؤادها.
ودّعت والدها و عمتها بالأحضان المختلطه بالعَبرات ثم غادرت بيتها إلي بيت يحيي و الذي سيصبح بيتها و ملاذها الأخير.
***
فور أن وطأت قدماها أرض البيت حتي شغرت بأنفاسها تضطرب و قلبها يقفز في صدرها بتوتر و راحت تتطلع نحوها بأعين شاردة.
_ إتفضلي يا غزل إدخلي غيري هدومك و إرتاحي في أوضتك لو حابه.
أخرجها يحيي من شرودها وهو يشير إلي الغرفه الموجودة بين غرفته و غرفة أطفاله لتهز رأسها بإيجاب و دخلت إلي غرفتها و قامت بتبديل ملابسها لأخري رسميه قليلا ً ولكنها مريحه أكثر.
خرجت من الغرفه لتجد يحيي يساعد زياد و نور في تبديل ملابسهما فتقدمت منهم وقالت:
سيبهم يا يحيي أنا هغيرلهم هدومهم.. روح إنت غير هدومك.
أومأ موافقاً و ذهب إلي غرفته بهدوء و جلس علي جانب الفراش واضعاً رأسه بين كفيه و أغمض عينيه شارداً.
_ أنا إيه اللي عملته في نفسي و في غزل ده؟! مش عارف أنا صح ولا غلط، أنا أناني و إختارت نفسي و مصلحة ولادي بس.
تمتم في نفسه بذلك الحوار الصامت قبل أن تطرق غزل الباب فأذن لها بالدخول فدخلت وقالت:
إيه ده إنت لسه بهدومك يا يحيي؟
نظر إليها بإرهاق وقال:
كنت هغير أهو.
_ طيب تحب أحضرلك عشا مع نور و زياد؟!
أومأ نافياً وقال:
لا مش هقدر أكل أي حاجة، لو جعانه إنتي كلي معاهم، أنا هغير و أنام علطول لإني هصحي بدري عشان ورايا شغل متلتل.
أومأت بإبتسامه هادئه وقالت:
ماشي.. تصبح على خير.
غادرت الغرفه متجهمة الوجه و قامت بإعداد الطعام لهم و إنتظرت معهم حتي خلدوا إلي النوم ومن بعدها دلفت إلي غرفتها و جلست في فراشها شاردة بحيرة.
_ متكدبيش علي نفسك و تقولي إنك كنتي مستنيه حاجه غير كده تحصل، إنتي وافقتي و عارفه إنها خطوة مش سهله و قرار مش بسيط، لازم تكوني مستعده للجاي و تبقي صبورة أكتر من كده .. و متقلقيش.. اللي قادر يخلي يحيي يكون من نصيبك بعد ده كله قادر يزرع حبك في قلبه بين ليله والتانيه.
هكذا واست نفسها بتلك الكلمات لتسبل أجفانها و تغرق في سبات عميق.
***
في مساء اليوم التالي دخل يحيـي برفقة قاسم إلي ذلك المكان الذين إعتادوا السهر به أحياناً ليجلسوا حول طاوله صغيرة مستديره حيث هرع النادل نحوهم يقدم لهم المشروب الذين يتناولوه كعادتهم و بدأا يتجاذبان أطراف الحديث قبل أن ينظر يحيي أمامه فاغراً فاه بصدمه عندما رأي آخر شخص كان يتوقع أو يتمني رؤيته ليتمتم بدهشة:
سليمان؟!!
نظر قاسم إلي حيث شرد يحيي بعيناه و قال:
في إيه مالك؟
دون أن يجيبه نهض فوراً عن مقعده و إتجه نحو المسرح حيث يقف سليمان متراقصاً برفقة الفتيات وهو يمسك بزجاجة خمر كان قد إحتسي القليل منها و سكب الباقي منها فوق رأسه و ظل يتمايل وسط تلك المنفلتات ثملاً قبل أن يستوقفه يحيي قائلاً بضجر:
بتعمل إيه بس!
قال كلمته وهو ينتزع من بين يديه تلك الزجاجه الفارغه إلا من قليل و ألقاها بعيداً ليمسك بيدي أخيه يساعده علي النزول من علي المسرح و العدول عن تصرفاته الهوجاء تلك.
نظر إليه سليمان وقال و هو يترنح يميناً و يساراً:
إيه ده ؟! أبيه يحيي؟!
نظر إليه يحيي بثبات و قوة و لم يتفوه بكلمه ثم عاد ليمسك بيده وهو يحاول ثنيه عن تلك التصرفات الطائشه لينتزع سليمان يده من بين قبضتي يحيي بقوة و يصيح به متشنجاً بعصبيه بالغه و يقول:
إبعد إيدك دي عني، متلمسنيش أنا بقوللك أهو.
نظر يحيي نحوه بترقب يدقق التركيز في تصرفاته تلك ليعود سليمان ويقول مشيراً إليه بسبابته:
إنت السبب في كل حاجه.
إنقبض قلب يحيي وهو يخشي أن يسمع من أخيه ما يشعره بالندم ليجفل جسده عندما قال:
إنت إيه اللي رجعك؟!
أغمض يحيي عيناه يحاول منع عَبراته التي تأبي الإنتظار قهرً و صدمةً أودت بحياته للمرة الثانيه و تمتم بحزن:
أنا آسـف، أنا غلطان إني رجعت فعلاً، كنت فاكر إن ليا أهل فارق معاهم و مكنتش أعرف إنهم كانوا يتمنوا موتي من زمان عشان ياخدوا مكاني.
نظر إليه سليمان شارداً وهو لا يَعِي ما يقوله يحيي ثم قال بصوت مضطرب غير متزن فجاء أقرب للهذيان:
كانت كل حاجه ماشيه كويس!.. كانت بتحبني و نسيتك.
سالت دمعات يحيي قهراً و هواناً وهو يستمع إلي حديث أخيه الصادق رغم ثمالته ليستطرد سليمان حديثه قائلاً بحزن طاغي:
و فضـل!
نظر إليه يحيى بإنتباه حيث أكمل قائلاً:
فضل كان جاي خلاص، إنت عارف إني كنت بستناه من عشرين سنه، و لما جيت إنت هو راح!
تبدٌل شعور يحيي بين الغضب و الصدمه و الحزن و الشفقه ليقترب أخيه منه ببطء ويقول:
إنت أناني يا يحيي!
حملق به يحيي مصدوماً ليكمل حديثه ويقول:
أيوة أناني، عايز يبقا معاك كل حاجه، ست جميله و عيال و فلوس و......
_ بسسس يا سليمان!
نطقها يحيي وهو يضغط علي فكّيه بقوة مغمضاً عيناه ،يطبق عليهما بشده حتي كاد يعتصرهما من شدة الغضب و أردف قائلاً:
كفايه كده يا سليمان و يلا من هنا.
نظر إليه سليمان ضاحكاً بسخريه ثم قال:
يلا؟! يلا فين؟! يلا إنت ،أمّا أنا معنديش مكان أروحه.
قبض يحيي علي معصمه بقوة وهو يجبره علي السير معه ويقول:
هتيجي معايا، يـلا.
منصاعاً خلف أوامره، سـار سليمان برفقته غير واعٍ بما يفعل لينظر يحيي نحو قاسم و الذي كان يهز رأسه متسائلاً ليجيبه يحيي و يقول:
سليمان أخويا و واخده معايا علي البيت، أشوفك بكرة.
خرج من الملهي مسرعاً و قام بغتح باب السيارة الأمامي المجاور له ليركب سليمان إلي جواره ملتزماً الصمت بينما إنطلق يحيي بسيارته متجهاً نحو البيت.
وصل يحيي أمام منزله و ترجل من سيارته ليفتح الباب الآخر و هو يساعد سليمان ليترجل بدوره من السيارة ثم وضع يحيي يد سليمان علي كتفه و أحاط خصره بيده و باليد الأخري يمسك بيده التي تحيط عنقه بإحكام حتي لا يسقط مترنحاً و صعد إلى شقته طارقاً الباب بقوة ففتحت غزل علي الفور وهي تقول:
إيه يا يحيي إتأخر......... يلهوي عمو سليمان؟!!!
لم يجيبها يحيي و دخل إلي غرفته و ساعد أخيه ليستلقي علي الفراش ملقياً بجسده بقوةً قبل أن يغط سريعاً في النوم.
وقف يحيي متخصراً بيديه وهو يطالع ذاك المسچيّ فوق فراشه فأطلق تنهيدةً عميقه ثم إقترب من الفراش مجدداً و قام بخلع فردتيّ حذاء سليمان و ألقاهما أرضاً بجوار الفراش ثم ذهب و أخرج ملابس للنوم و أخذها و خرج من الغرفه ليجد غزل تقف تنظر إليه بحيرة و إقتربت منه فور أن خرج من غرفته لتتسائل بلهفه فقالت:
في إيه يا يحيي؟ قابلته فين؟!
نظر إليها زافراً بتعب وقال:
مش وقته يا غزل الكلام ده، بكرة نبقا نتكلم، إدخلي نامي في أوضة زياد و نور و إقفلي عليكوا كويس بالمفتاح من جوه، و أنا هغير هدومي و أنام علطول لإني هلكت.
لم تجادله كثيراً فأومأت بموافقة وقالت:
طيب أعمل لك تاكل؟
هز رأسه أن لا و قال:
لا مليش نفس، يلا تصبحي علي خير.
إنصرفت غزل و دلفت إلي غرفة نور و زياد ثم قامت بإحكام غلق الباب من الداخل كما أمرها يحيي و تدثرت بغطائها إلي جانب نور و بقت شارده طوال ليلتها تفكر فيما جرت إليه الأمور.
كان يحيي يجلس بالخارج علي الأريكـة ممسكاً بملابس نومه في يده، شارداً فيما قاله سليمان وهو يسترجعه بعقلٍ شارد و قلبٍ ينزف دماً.
"إنت إيه اللي رجعك؟!"
بقت تلك الكلمات تتردد علي عقله مراراً و تكراراً لتنهال دمعاته فوق خديه وهو يشعر بمزيج من المشاعر السيـئه التي بإمكانها أن تجعله ينهي حياته علي الفور و لكنّه أغمض عينه بألم وهو يحاول الخلود إلي النوم كي يتوقف عقله عن التفكير في حديث سليمان لتقفز إلي مسامعه كلمات سليمان حيث قال: "إنت أناني، عايز يبقى معاك كل حاجه، ست جميله و عيال و فلوس" و وقتها فقط شَعُر يحيي بـ كم الحقد الدفين الذي يملأ صدر شقيقه تجاهه مما جعله ينخرط في بكـاءٍ مرير و لأول مرة يبكي هكذا وقد بات يشعر أنه قد جاء شيئاً فريّاً عندما قرر العودة إلى بيته و أهله ثم أسبل جفنيه مستسلماً لـسلطان النوم.
في الصباح أفاق سليمان من نومه وهو يمسك برأسه بين يديه بتعب شديد ثم راح يتطلع نحو المكان المحيط بهِ متعجباً قبل أن يستعيد ما حدث ليلة أمس عندما قابل يحيـي ليتذكر ما تفوٌه بهِ ثَمِلاً فأغمض عيناه بقوة نادماً علي ما صدر منه ثم نهض من الفراش الوثير من أسفله و قام بكتابة مكتوب خاص إلي يحيي ثم وضعه علي الفراش و أخذ حذائه و سترته ثم خرج من الغرفه بهدوء وهو يمشي على أطراف أصابعه قبل أن يتوقف أمام يحيي الذي كان نائماً علي الأريكه ليقف أمامه مطولاً ثم فتح باب الشقة مغادراً وهو ينوي الفرار إلي الأبد.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نعمة حسن
يحيـي..أنا عارف إن أي كلام هقوله دلوقتي ملوش لزمه وعارف كمان إن مهما قلت لا يمكن هتسامحني، أنا بس عايزك متزعلش من أبوك لإنه ملوش دخل في اللي حصل وكان رافض الموضوع من الأول خالص بس أنا اللي ضغطت عليه بالعيال عشان يوافق، قدورة كمان ملوش ذنب تقاطعه بسببي، إنت عارف إنه طول عمره مبيحبش يزعل حد وإذا كان وافق فوافق عشان أنا طلبت منه ده، يمكن بعد كلامي ده هتكرهني بزياده بس أنا حبيت أكتب لك اللي في قلبي، أنا ندمان صدقني، ندمان إني جنيت على حقك و ظلمتك و قلبتلك حياتك، عشان كده أنا همشي من اسكندريه خاالص و هروح اي مكان تاني لا حد فيه يعرفني ولا اعرف حد، اخر طلب هطلبه منك انك تطمن ابوك اني عايش و كويس و بلغهم كمان محدش يحاول يدور عليا، أنا كده هبقا مرتاح و إنتوا كمان مرتاحين.. سامحني يا أخويا
إنهالت دمعات يحيـي وهو يقرأ ذلك المكتوب الذي تركه له أخاه ليطوي بعدها الورقه بين قبضة يده بإهمال و يلقي بها إلي سلة القمامه الموجودة بجواره.
ثم نهض واقفاً و قام بتبديل ثيابه و خرج من الغرفه ليجد غزل في طريقها إليه فإبتسمت وقالت:
صباح الخير يا يحيـي.
أومأ بلطف محاولاً إخفاء ضيقه ثم قال:
صباح النور يا غزل، إيه اللي مصحيكي بدري كده؟
_قولت ألحق أعملك تفطر قبل ما تنزل.
إبتسم ثم نظر إليها مطولاً ليردف قائلاً:
أنا آسف يا غزل، إمبارح مزاجي كان زفت و مقعدتش معاكي ولا اتكلمنا خالص، إعذريني.
كلماته البسيطه تلك جعلتها تتيقن أنها لم تتعجل في قرارها ولم تخطئ حينما وافقت على الإرتباط به.
برز صوتها الهادئ قائلة:
متتأسفش عن أي حاجة يا يحيى أنا فاهمه و مقدره كل حاجه.. بس إزاي قابلته و فين؟!
تنهد مطولاً ثم أمسك بيدها وهو يتجه نحو الأريكه و يجلس عليها و جلست هي أيضاً فقال:
إمبارح يا ستي كنت سهران أنا و قاسم في المكان بتاعنا البي بنسهر فيه عادةً، إتفاجئت بيه هناك بيرقص وسط شوية بنات زباله ملمومين حواليه و بيقلبوا اللي في جيبه وهو سكران، روحت كلمته و لقيته بيهرتل بكلام أهبل كده و عرفت انه معندوش مكان يبات فيه، تقريبا كل الفترة دي بينام يا اما في النايت كلاب يا اما عند واحده من اللي كانوا معاه.
كانت غزل تحملق بهِ بدهشه و ذهول بينما إستطرد هو قائلاً:
من غير ما أفكر لقيتني جايبه علي هنا، مع إني مكنتش عايز ولا حابب أشوفه ولا أتكلم معاه بعد اللي قاله.
تسائلت علي إستحياء:
قـاللك إيه؟!
نظر إليها و كإنما ينظر إلي الفراغ من حوله ثم قال:
قال كل حـاجة يا غزل، كل اللي كان في قلبه ظهر فجأه، سليمان من زمان وهو بيبص للي حواليه و مش راضي باللي بين إيديه،كان مستكتر عليا إني متجوز و مخلف و معايا فلوس مع إن ده رزقي الي ربنا قسمهولي، مش عارف ان هو كمان رزقه بيوصله ٢٤ قيراط زيه زيي، بيعلق كله علي شماعة إنه إتحرم من الخلفه.
توقف عن الحديث قليلاً ليتنهد بتعب ثم قال:
للأسف أنا إمبارح بس عرفت إنه كان طمعان فيها لإنه كان عايزها هي مش قصة إنه يخلف ولا الكلام الفاضي ده، بدليل إنه لو كان بيدور علي خلف و فارق معاه أوي كده كان إتجوز من عشرين سنه من اول ما عرف ان مراته مبتخلفش.. بس نفسه المريضه و عينه الفارغه خلوه يبص لمرات أخوه وهي لسه علي ذمته و ما صدق انهم قالوا مات، فرصه و جاتله علي طبق من دهب، قاللك أخيراً هطولها وفي نفس الوقت أهي تجيبله العيل اللي بيستعطف الكل دلوقتي بسببه.
نظرت إليه غزل بحزن وقالت بترقب:
لسه بتفكر فيها يا يحيي؟
نظر إليها يحيي بشرود ثم قال:
مش عارف يا غزل، غصب عني بفكر، اللي حصل ده كله كشفلي كل اللي حواليا و خلاني أشوف حقايق كتيرة كنت مغمّي عنيا عنها.
لم ترغب في الإسهاب في ذلك الحديث الذي لن يجدي نفعـاً لتقول مديرةً دفة الحوار:
خلاص إنسي كل اللي حصل و ركز في حياتك الجديدة أهم.
أومأ موافقاً وقال:
معاكي حق، أنا لازم ألتفت لحياتي و أشوف مستقبلي و مستقبل ولادي أهم من أي حاجة تانيه.
أومأت بإبتسامه لتجده ينظر إليها بثبات وقال:
أنا متشكر جدا يا غزل.. بتقفي جمبي وإنتي مش مجبره أبداً....
قاطعته قائلة:
مفيش حاجه تستاهل الشكر يا يحيى، أنا أسعد إنسانه في الدنيا إني وسطكوا..و ده يكفيني.
ربت علي ذراعها بإمتنان بينما توترت هي قليلاً فنظرت إليه وقالت:
هـاا.. تحب تفطر إيه؟
_لو هتفطري معايا هفطر، مش هتفطري هبقا أفطر في الشركه.
إتسعت إبتسامتها وقالت:
أيوة هفطر معاك.
أومأ مبتسماً وقال:
تمام يبقا اعملي اللي تحبيه بقا وأنا هصحي زياد و نور ونفطر كلنا.
وقفت تعد لهم طعام الإفطار بحب و قلبٍ نابض بالفرح ليتناولوا بعدها طعامهم سوياً ثم ينصرف مغادراً لعمله.
بمجرد ما إن دلف إلي مكتب قاسم ليجده يقف متأهباً وهو يستدير ليجلس علي المقعد المقابل له ثم قال بلهفه:
إتأخرت كده ليه يبني أنا مستنيك من بدري.
ألقي يحيي بجسده بإنهاك إلي المقعد من خلفه وإلتزم الصمت ليتسائل قاسم قائلاً:
هاا عملت إيه مع أخوك؟
تنهد يحيى بثقل ثم أردف قائلاً:
ولا حاجه..متكلمناش في حاجه..هو قام من النوم مشي وأنا كنت نايم.
زم الآخر شفتيه بأسف ليقول:
روق يا يحيي كل حاجه هتتحل إن شاءالله.
_خلاص يا قاسم مبقيتش فارقه..أنا بالنسبه ليا كل حاجه منتهيه من وقتها.
أومأ بهدوء وقال:
يحيي أنا عايزك تساعدني.
نظر إليه يحيي متفحصاً ثم قال:
في إيه عالصبح؟!
_أنا عايز أتجوز عمة مراتك.
نطق بها قاسم مباغتاً يحيى الذي نظر إليه متعجباً ثم قال:
تتجوز عمة مراتي؟! إشمعـنا؟
زفر قاسم بنفاذ صبر وقال:
أنا من يوم ما شوفتها وأنا مش علي بعضي..حاسس إني رجعت مراهق تاني و عايز أروح عند بيتها و أقف تحت شباك أوضتها و أغني...
إرتفعت ضحكات يحيي بصخب ونظر إليه بعدم تصديق وقال:
معقوله؟! ده إنت حالك يصعب على الكافر يا أخي.
نظر إليه قاسم حانقاً وقال:
إنت بتتريق؟! علي فكرة أنا بتكلم جد!
_طيب إهدي بس.. عالعموم أنا مش هتدخل في أي حاجة تخص صافيه تاني، كفايه أوي اللي جرالها من ورانا.
=ليه بس يا يحيي، مانتا عارف إني مش زي أخوك.. و بعدين أنا بفكر في الموضوع بجدية صدقني.
نظر إليه يحيي مرتاباً ثم قال:
قاااسم..أنا مش عايز أتسبب لها في وجع هي في غني عنه، كفايه عليها اللي شافته من سليمان.
_متقلقش والله.. أنا كل اللي طالبه منك بس تمهدلي الطريق.. يعني تساعدني أقعد معاها و نتكلم..بس.
حك يحيي ذقنه بتفكير قليلاً ثم قال:
خلاص سيبني أفكر الأول وبعدين هرد عليك.
أومأ الآخر موافقاً لينهض يحيي عن مقعده قائلاً:
أنا همشي دلوقتي لإن ورايا شغل كتير، هبقي أكلمك.
غادر يحيى منصرفاً إلي مقر شركته الخاصة و دلف إلي غرفة مكتبه و شرع في متابعه عمله محاولاً فض النزاعات الموجودة بداخل عقله و لكن باءت جميع محاولاته بالفشل.
حاول كثيراً أن يصب كل تركيزه بالأوراق الموجوده أمامه ولكن كلمات شقيقه حالت دون ذلك.
"أنا عايزك متزعلش من أبوك لإن ملوش دخل في اللي حصل"
ظلت تلك الكلمات تتردد في عقله بإلحاح ليتنهد بتعب ملقياً بالقلم الموجود بين إصبعيه إلي سطح المكتب بإهمال ووضع رأسه بين كفيه يحاول لملمة شتاته و لكنه نهض واقفاً فجأه وإلتقط سترته ثم غادر المكتب مستقلاً سيارته في طريقه نحو منزل والده.
توقف أمام المنزل ينظر نحوه بضيق و حزن لتقفز إلي مخيلته سريعاً كل الذكريات القديمه التي عاشها في ذلك المنزل برفقة والديه و إخوته و...برفقتـها أيضاً.
ترجل من السياره و دخل إلي البيت بقدمين مرتجفتين ثم توقف أمام شقة والده و طرق الباب بهدوء ينافي ما يحدث بداخله الآن.
إنفرج الباب ليظهر والده من خلفه...نظر يحيـي إلي أبيه بإشتياق كبير..لقد نالت منه الأيام حقاً كما أخبره شقيقه و ظهر عليه تقدم العمر جلياً كما أنه خسر الكثير من وزنه أيضاً و بدا عليه الإعياء واضحاً.
نظر "علـي" إلي إبنه الذي يقف أمامه وكأنه يراهُ لأول مرّة، لقد تغير شكله كثيراً و أضحي رجلاً حزيناً مهموماً.
_يحيـي!!
تمتم بها الأب وهو ينظر إليه بدهشه و عدم تصديق ليحتضنه يحيـي علي الفور و قد قرر التخلّي عن جموده و عن كل ما كان ينوي فعله.
_يااه يا يحيى أخيراً رضيت عن أبوك و جيت تشوفه؟!
قالها الأب وهو يشدد من إحتضانه له ليقبّل يحيي يديه و يقول بأسف:
العفو يابا متقولش كده.
ربت والده علي كفه الذي يحتضن يديه وقال بإبتسامه حنونه:
ادخل يا يحيي..البيت نور.
دلف يحيي إلي شقة والده وهو يجول ببصره يميناً و يساراً يتذكر تلك التفاصيل التي إشتاقها كثيراً بعد أن فقدها بين جنبات ذلك البيت.
جلس والده و جلس هو بِدَورهِ أمامه ثم نظر إلي والده قائلاً:
أخـبار صحتك إيه يابا؟! و عبدالقادر و زينب و العيال عاملين إيه؟!
نظر إليه والده بفرحه وقال:
أنا بقيت كويس لما شوفتك يا يحـيي، قدورة و عياله بخير والحمد لله..طالغين مطروح بقالهم يومين.. طمني عليك إنت عامل إيه و العيال عاملين إيه؟! مجيبتهمش معاك ليه؟ دول وحشوني أوي.
إبتسم يحيي قائلاً:
كلنا كويسين يابا الحمدلله..هبقي أجيبهملك تشوفهم مرة تانيه.
_و سايبهم قاعدين لوحدهم إزاي يبني الدنيا مبقاش فيها أمان.
=قاعدين مع غـزل! مش لوحدهم متقلقش.
إنزوي حاجبي أبيه وتسائل:
غزل؟!
أومأ يحيي مؤيداً وقال:
أيوة يابا.. أنا إتجوزت غزل.
تفاجأ والده و إعتراه شعور بالصدمة فقال:
بتتكلم بجد؟! إمتا و إزاي؟
=لسه من كام يوم بس..هي كانت الجليسه بتاعتهم من فترة و هما كانوا متعلقين بيها عشان كده خدت الخطوة دي، محدش هيعرف يراعيهم زيها ولا أنا هبقا مطمن عليهم مع حد غيرها.
_طب وهي وافقت إنكوا تتجوزوا عشان كده بس!!..يعني وافقت تتجوزك وهي عارفه إنك متجوزها عشان العيال؟
=أنـا صارحتهم بكل حاجه و كنت علي نور معاهم من الأول، وهما وافقوا..و بصراحه غزل متفهمه الموضوع و متقبله كمان.
أومأ والده بهدوء وقال:
وإنت عامل إيه في شغلك..مش محتاج فلوس؟
إقترب يحيي من والده وقال:
أنا كويس يابا الحمدلله..مش محتاج أي حاجة..محتاج رضاك عليا بس.
قال الأخيرة وهو ينحني ليقبل يدي والده مجدداً بينما ربت والده علي رأسه وقال:
راضي يا يحيي..قلبي و ربي راضيين عليك يبني ربنا يسترها معاك دنيا و أخره.
إحتضنه يحيـي بقوة ثم قال:
أنا شوفت سليمان!
جحظت عينا والده بدهشه وقال:
إيه! شوفته فين؟ إتكلمتوا؟! وهو فين دلوقتي؟!!
سرد يحيي لأبيه ما حدث ليلة أمس و الحوار القصير الذي دار بينه وبين سليمان و المكتوب وما إحتواه.
شرد الأب أمامه بتيه وقال بنبرة صوت يغلفها الحزن:
لا حول ولاقوة إلا بالله..لله الأمر من قبل ومن بعد.
ثم نظر إلي يحيي وقال:
متروحش الأماكن دي تاني يا يحيي، إنت طول عمرك تعرف ربنا و بتصلي وتصوم يبني.
ربت يحيي علي كتف والده و قال بعد أن منحه إبتسامه هادئه:
متقلقش عليا يابا أنا عارف أنا بعمل إيه.
نهض واقفاً ليتسائل والده بضيق:
إنت ماشي؟!
_معلش يابا هبقا أجيلك تاني أنا و نور و زياد، بس دلوقتي لازم أروح الشركه عشان عندي شغل.
أومأ والده بموافقه ثم قال:
و تجيب غزل كمان معاك عشان أشوفها.
_حـاضر من عينيا.
ودّع والده و إنصرف عائداً إلى عمله ليتابع عمله الآن بذهنٍ صافٍ و قلبٍ مطمئن.
بعد مرور أسبوع...
كان يحيي يجلس برفقة قاسم و إثنين آخرين من شركائهما في عشاء عمل بإحدي المطاعم الفاخرة ليتلقي إتصال من غزل فإستأذن ليجيب الإتصال و من ثم يعود إليهم مجدداً.
وقف علي منأى من الناس وأجاب:
أيوة يا غزل؟
أتاه صوتها هادئاً ساكناً وكإنما يغلبها النعاس فقالت:
أيوة يا يحيي.. إنت إتأخرت ليه كده؟!
_معلش نسيت أعرفك إن عندي عشا عمل مع ناس في الشغل.. قدامي شويه لسه لو عايزة تنامي إنتي نامي.
أضافت بصوت جاهدت كثيراً أن يبدو طبيعياً:
طيب أنا هنام لإني مش قادره، لما تيجي بالسلامه لو إحتاجت حاجه إبقا صحيني.
ليتسائل هو بشك:
إستني..مال صوتك؟ إنتي تعبانه؟!
تحاملت علي آلامها وقالت:
لا أبداً أنا كويسه..عايزة أنام بس.
_طيب نامي و إرتاحي وأنا شويه وجاي..تصبحي علي خير.
أنهي المكالمه و عاد سريعاً إلي الطاوله التي كان يجلس عليها و عادوا ليستأنفوا عملهم من جديد بينما إنفجرت غزل في البكاء الصامت من قوة الألم الذي يصيبها.
بعد إنتهاء عشاء العمل عاد يحيـي إلي بيته في ساعة متأخرة من الليل ليجد السكون يخيم على المكان من حوله، أدرك بأن الجميع قد خلد إلي النوم فدلف إلي المغسل يأخذ حماماً ساخناً لعله يصيبه ببعض من الإسترخاء ليستمع إلي أنين مكتوم صادر من غرفة غزل فأوصد المياه سريعاً وإرتدي ملابسه سريعاً و خرج من غرفته.
وقف أمام باب غرفتها يرهف السمع مرةً أخري ليستمع إلي صوت بكاء خافت فطرق الباب بقلق ثم أدار مقبض الباب بغتةً و دلف إلي الغرفة بقلق ليجدها منكمشه في فراشها تضم ركبتيها إلي قفص صدرها المغلق بأغلال الضجر و الكدر، تعانق جسدها المنهمك براحة يديها و تذرف الدمعات بصمت.
هرع إليها مسرعاً و إنحني بجزعه إلي مستوي وجهها وقال بلهفه:
مالك يا غزل؟! إيه اللي تاعبك؟
نظرت إليه بأعين باكيه و وجهٍ شاحب و حمحمت تجلي حلقها ثم قالت:
مفيش.. شوية تعب بس و هيروحوا.
جلس إلي جوارها ثم قال:
شوية تعب إيه..أنا كنت شاكك إنك تعبانه من ساعة ما كنتي بتكلميني..قومي بسرعه نروح لدكتور.
هزت رأسها بنفي وقالت:
لا ملوش داعي أنا هاخد مسكن وهبقي كويسه.
_طب إيه اللي بيوجعك بالظبط؟!
أشارت إلي القسم العلوي الأيمن من بطنها وقالت:
هنا.
_دي المرارة! إنتي أول مرة تشتكي منها؟
أومأت بتأكيد ليقول:
طيب أنا هعمل لك حاجه دافيه تشربيها و نشوف لو الألم خف شويه تبقا نوبة بسيطه لو مخفش تبقا محتاجه تتشال بقا نروح لدكتور.
إتسعت عينيها بفزع وقالت:
تتشال؟! لأ طبعاً.
قال ممازحاً:
يستي متتفجعيش كده لو لزماكي أوي ممكن أتبرع لك بالمرارة بتاعتي ولا تغلي عليكي.
ضحكت من بين دمعاتها لينصرف سريعاً و يصنع لها كوباً دافئاً من الأعشاب ثم عاد إليها و ساعدها للجلوس على الفراش فإمتدت يداه خلف ظهرها و الأخري علي خصرها يساعدها في الإعتدال بمقعدها ثم نظر إليها وهو لا يزال ممسكاً بخصرها بيده وقال:
مرتاحه كده؟! ولا تحبي تتعدلي؟
نظرت إليه و إزدردت ريقها بتوتر ،تحاول السيطرة علي مشاعرها و إنفعالاتها من قربه الشديد منها بينما أمدّ هو النظر إلي عيناها اللتان تشبهان عينا الغزال و أنفاسها القريبه منه جعلت قلبه يضطرب بشده ليبتلع لعابه ثم إبتعد قليلاً فإنتبهت هي وقالت:
أيوة كده كويس.
ناولها كوب الأعشاب وجلس إلي جانبها مجدداً بينما بدأت هي تحتسيه بهدوء حتي فرغت منه ليقول:
مش حاسه إنك أحسن شويه؟
أومأت بموافقه دون أن تنطق ليقول:
هتبقي كويسه إن شاءالله.. إنتي أكلتي حاجه حارة؟
_لا أبداً.
=يبقي أكيد نفسيتك تعبانه..بتفكري في حاجه؟! الإنفعالات الزياده هي السبب أكيد.
نظرت إليه مطولاً ثم قالت:
لا أبداً.. أنا كويسه.
أومأ وقال:
طيب يلا حاولي تنامي وأنا هفضل جمبك.. لما تنامي هبقا أروح أوضتي.
أغمضت عينيها سريعاً وغطت في النوم وهي تشعر لأول مرة بالأمان والطمأنينة لمجرد أنه يرقد إلي جانبها.
إنتظمت أنفاسها سريعاً لينظر هو إليها مبتسماً وقد علم بأنها راحت في النوم سريعاً.
إعتدل في مرقده بجانبها و راح
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نعمة حسن
كانت كعادتها تجلس برفقة نور و زياد قبل أن يرتفع رنين جرس الباب معلناً عن قدوم أحدٍ ما.
فنهضت وهي تتسائل بينها و بين نفسها: من القادم يا تري؟
فتحت الباب لتنصدم بـ يُسر تقف أمام الباب و نظراتها تمتلئ بالتحفز و الترقب، قبل أن تتحول إلي تجهم و حدة غاضبه وهي تقول:
هو إنتي لسـه قاعدة معاهم، وسـعي!
قالت الأخيرة وهي تدفعها بصدرها للخلف و تدلف إلي الشقه.
فقالت غزل: إيه اللي إنتي بتعمليه ده؟! جايه ليه يا يُسر و عايزة إيه؟
نظرت إليها يُسر بحنق و طالعتها سخرياً وقالت:
أنا اللي جايه ليه و عايزة إيه! أما إنك بجحه بصحيح.. إنتي اللي قاعده هنا ليه و بترسمي علي إيه بالظبط يا غزل هانم؟!
نظرت إليها غزل بغضب و أعين متسعه ثم قالت:
برسم علي إيه بالظبط؟! هكون برسم علي إيه يا يُسر؟
توقفت أمامها يُسر و نظرت إليها بتحدٍ وأضافت:
بلاش تعملي نفسك عبيطه.. أنا و إنتي عارفين كويس أوي اللي فيها.. إنتي طول عمرك بتحبي يحيـي و عينك منه!
ألقت بكلماتها بغتةً مما جعل غزل تحملق بها بدهشه قبل أن تكمل الأخري حديثها وتقول:
إيه قولت حاجه غلط أنا؟! من أيام بيت العيله و إنتي عينك علي يحيى في الرايحه و الجايه.. و كتير كنت بقول كده محدش كان مصدقني.. عنيكي كانت فضحاكي أوي بس محدش فهم نظراتك غيري.
نظرت إليها غزل بتحدٍ مماثل وقالت:
خلصتي؟!
لم تجبها يُسر فقالت:
أيوة طول عمري بحب يحيـي و هفضل لآخر نفس فيا بحبه، عندك مانع؟!
وقعت كلماتها علي أذن يحيي الذي كان يقف علي باب الشقه يستمع لجدالهما كالصاعقة و أرهف السمع إليهن بعدم تصديق.
إغتاظت يُسر و عبست فقالت بصوتٍ جهور:
يا بجاحتك.. و واخده عيالي حجه عشان تفضلي معاه طول اليوم، مفكره إنه كده هيبصلك ولا يعبرك، إنسي يا ماما...
ثم إقتربت منها و أضافت بهمس وكإنما تخبرها سراً:
يحيـي ده بتاعي!! قلبه ملكي أنا مهما عملتي، طول عمره خاتم في صباعي و هيفضل كده مهما حصل بيننا، متفرحيش أوي إننا إتطلقنا لإنك بكرة هتتصدمي لما تعرفي إننا رجعنا لبعض عشان كده خليكي مستعده للخبر ده في أي وقت.
همّت غزل بالحديث لتتفاجأ بدخول يحيـي المفاجئ وهو يتقدم منهما بخطوات ثابته متزنه و علي محيّاه إبتسامه ساخره.
ثم نظر إلي يُسر وقال:
ده مين اللي فهمك كده؟!
نظرت إليه يُسر بدهشة وقالت:
يحيـي؟! أنا كنت آااا......
بترت جملتها بصدمة عندما رأت يحيـي يقترب من غزل و يحيطها بذراعه ثم يطبع قبلةً قوية علي وجنتها ويقول:
معلش يا حبيبتي إتأخرت عليكوا النهارده، كان عندي شغل كتير.
أجفلت غزل و كادت تهوي أرضاً من فرط الصدمه بينما نظرت إليه يُسر مليّاً و كأنها تتخيل ما يحدث الآن.
ثم رفرفت بعيناها عدة مرات تحاول الإفاقه من ذلك الكابوس الذي رأته للتو و إبتلعت لعابها بتوتر.
لينظر إليها يحيـي بإبتسامه لم تكد تصل إلي عيناه وقال:
نسيت أقوللك إن أنا و غزل إتجوزنا!
وقع الخبر علي مسامعها كالصاعقـة.. مما أثار استياءها و دهشتها و غضبها و جميع مكنوناتها.
فإستطاعت بالكاد أن تنطق قائلة:
إتجوزتوا ؟!
أومأ يحيي موافقاً بإبتسامه ساخرة وقال:
عقبالك كده لما تلاقي إبن الـ......حلال، بس تبقي أجدع مننا و تعزمينا.
ألقي بكلماته اللاذعه التي أخرجتها عن صمتها لتقول بغضب شديد:
إتجوزت يا يحيي؟! بعد ده كله بتتجوز عليا؟! البت دي عرفت تخطفك مني زي ما طول عمرها بتتمني؟!
و أضافت:
أنا كنت عارفه من الأول إن قعادها معاك هنا وراه سبب في دماغها بتسعي ليه، و يا تري بقا ضحكت عليك إزاي يا أستاذ يحيي ولا إيه اللي خلاك تتجوزها؟! أكيد رمت نفسها عليك عشان تدبسك فيها.....
لم تستأنف حديثها بل إزدردت بتوتر عندما هدر يحيٕي قائلاً بغضب:
إخرسي خالص!
إقترب منها و أطبق علي عنقها بقسوة شديدة وهو ينظر داخل عينيها بغضب ويقول:
كلمة تانيه زيادة و هموتك في إيدي، اللي بتتكلمي عليها دي ضفرها بعشرة من صنفك.
ثم نزع قبضته عن عنقها بحدة وقال:
جايه ليه؟! أنا مش قولتلك مش عايز أشوف وشك تاني ولو صدفه؟! إيه اللي جايبك؟
قالت ببكاءٍ صاخب:
جايه أشوف عيالي يا يحيـي.
_ملكيش عيال عندي!
قالها وهو يوليها ظهره و ينصرف.
لتتجه نحوه مهروله ببكاء و أمسكت بيده وهي ترجوه قائله:
عشان خاطري يا يحيي،عشان خاطر ربنا خليني أشوفهم، أبوس إيدك.
نزع يده من بين كفيها بقوة و همً بقول شئٍ ما قبل أن يتوقف عندما إستمع إلي بكاء صغاره وهم يقفون علي باب غرفتهم يطالعون ما يحدث أمامهم ببكاء.
إتجهت يُسر نحوهم علي الفور ليحتضنوها بشدة.
فتعلقت نور بچيدها و قام زياد بالتشبث بذراعها لا يريدان تركها.
بدّل يحيـي بصره بينهما بغيظٍ و غضب و صدح صوته غاضباً يقول:
إدخل يا زياد إنت و أختك علي أوضتكم!
_يحيـي!
قالتها غزل وهي تنظر إليه بإستعطاف ثم وقفت أمامه مباشرةً وقالت:
حرام عليك إنت مش شايفهم متعلقين فيها إزاي.. سيبهم مع مامتهم شويه.
كانت يُسر تنظر نحوهما بترقب وهي تنتظر جواب يحيي.
لتجده قد عاد ينظر إلي أطفاله وهم يختبئون بحضن أمهم و إلتزم الصمت.
مما شجعها أن تقول:
عشان خاطرهم يا يحيي سيبهم ييجوا معايا يومين.
أرشق النظر إليها وقال علي الفور بنبرة صارمه لا تقبل النقاش:
إنتي باين عليكي إتجننتي ؛ عايزة تاخدي عيالي و تمشي؟! و تقعدي عند مين؟! عند إسماعيل اللي مش لاقي يأكل إخواتك؟! الهبل اللي بتقوليه ده تنسيه خاالص.
_عشان خاطري يا بابا ، أنام مع ماما.
نطقتها نور بكل براءة وسط بكاءها المكتوم مما جعل قلبه يهتز بمكانه.
فظل ينظر إليها صامتاً ليرتفع صوت زياد أيضاً ويقول ببكاء:
خلينا نفضل مع ماما يا بابا عشان خاطري!
نظر يحيـي إليهم بحيرة و نظر إلي غزل التي كانت تنظر نحوهم بشفقة و حزن.
ثم نظر إلي يُسر التي كانت تنتظر رده بترقب و لهفه.
ليقول:
عيالي مش هيغيبوا عن عيني لحظه، عايزة تقعدي معاهم يومين يبقا تقعدوا اليومين هنا قدام عينيا و بعدها بالسلامه إنتي إنشالله حتي تباتي في الشارع!!!!!!!
ألجمت الصدمه لسان كلاً من يُسر التي لم تكن تتوقع أبداً ما قاله يحيـي و الذي كان بمثابة طوق نجاة لها، و غزل التي شعرت و كأن أحدهم قد غرس نصل سكيناً بارداً بقلبها و تركه ينزف حتي الموت.
تبدّلت ملامح يُسر الحزينه بأخري فرحه و سعيده وقالت علي الفور:
موافقه.. هقعد معاهم هنا يومين و أمشي لو ده يريحك!
نظر إليها بهدوء يحمل بين طياته الكثير وقال:
إعملي حسابك يومين يعني يومين، يعني النهارده و بكرة بسسس، و بعد بكرة تاخدي بعضك و تتفضلي من سكات، و إعملي حسابك بردو إنها مش هتحصل تاني و بعد كده لو ، و حطي تحت كلمة لو دي 100 خط ، لو وافقت إنك تقعدي معاهم هيبقا في مكان تاني أنا اللي هحدده و أختاره وقتها.. إنتي فاهمه؟!
أومأت بموافقه دون تفكير و إحتضنت أطفالها بفرحه.
ليتركهم يحيـي و ينصرف بإتجاه غرفته.
بينما وقفت غزل كالمتشردة التي لا مأوي لها، تشعر بالضياع و التيه يملؤها.
فراحت تنظر نحو يُسر نظرات فارغه بينما كانت تسدد الأخري نحوها نظرات إنتصار ثاقبه تخفي وراءها الكثير.
_غـزل.
صدح صوت يحيـي منادياً.
لتذهب غزل إلي غرفته بتثاقل وهي تحبس أنفاسها بترقب و خوف.
دلفت إلي الغرفه ليتلاشي النظر إليها ثم قال:
إقفلي الباب و تعالي.
منصاعةً خلف أوامره.. أغلقت باب الغرفه و ذهبت لتجلس إلي جواره علي طرف الفراش وهي لا تزال صامته.
لتجده يقول:
أنا آسف إني حطيتك قدام الأمر الواقع، كان المفروض آخد رأيك الأول بس الظروف حكمت بكده و معرفتش أتصرف.
سحبت شهيقاً طويلاً ملأت بهِ رأتيها في محاولة بائسه منها لكبح جماح دمعاتها اللعينه التي تود السقوط بشدة و إلحاح.
ثم تهادي صوتها مختنقاً فقالت:
مفيش داعي للأسف، البيت بيتك و تقـ.....
قاطعها علي الفور وهو ينظر نحوها بضيق وقال:
إيه اللي إنتي بتقوليه ده يا غزل؟! البيت ده بيتك إنتي قبل ما يكون بيتي، إنتي مراتي و شريكتي في كل حاجه مش بس البيت....
عند هذا الحد لم تستطع التماسك فإنفجرت باكية بقوة مما أثار تعجبه و ضيقه و حزنه في آنٍ واحد.
ليقترب منها أكثر و يزيل دمعاتها بكلتا يديه ثم تسائل بحنو:
مالك يا غزل بتعيطي ليه؟!
هزت رأسها وقالت:
لا أبداً مفيش حاجه.
تسائل مرة أخرى قائلاً:
تحبي أمشيها؟! لو وجودها اللي مضايقك أنا ممكن أخليها امشي حالاً...
أشارت براسها أن لا وقالت:
لا طبعاً ميصحش تمشي عشان خاطر نور و زياد، أنا اللي همشي!
ألقت بالأخيرة دون سابق تفكير منها.
لتراه وقد تحوّلت قسمات وجهه لأخري متعجبه و متجهمه ثم قال بإستنكار:
تمشي؟! تمشي ليه؟!
دون أن تنظر إليه أجابت:
يعني السبب الرئيسي لوجودي هنا هو نور و زياد عشان أشوف طلباتهم بس بما إن مامتهم هتبقا معاهم فأنا شايفه إن وجودي اليومين دول ملوش لزمه...
بغتةً قاطعها قائلاً:
طب و أنا؟!!
رفعت عيناها إليه بعدم فهم.
ليستطرد حديثه قائلاً:
لو كلامك صحيح و عايزة تمشي عشان أمهم هتاخد بالها منهم، طب و أنا؟! هي بردو اللي هتاخد بالها مني؟!!
تسائل بالأخير بحدة طفيفه و إستهجان ثم قال:
مش هتمشي يا غزل، أنا محتاجك أكتر من إحتياج نور و زياد ليكي!
خفق قلبها بشدة و نظرت إليه تستشف مقصده.
لتجده وقد أطلق تنهيدةٍ متعبه و مسح وجهه بضيق.
ثم عاد لينظر إليها بثبات وقال:
بصي يا غزل، أنا عارف إنه موقف صعب و مش من الطبيعي أو المتوقع منك إنك تقبلي بالوضع ده حتي لو كان مؤقت.. بس أنا طمعان في طيبة قلبك إنك تقفي جمبي و تساعديني!
نظرت إليه بإستفهام.
لتمتد يده و تمسك بيديها ثم قال:
أنا عملت بالمثل اللي بيقول " بإيدي ولا بإيد معرفش مين"، مكنتش هستحمل إنهم يغيبوا عني اليومين خصوصاً وأنا عارف إنهم عند جوز أمها في بيته، مش ضامن هيعاملهم ازاي، هيعمل فيهم ايه، هياكلوا ولا لا، هيناموا في حته نضيفه ولا لا، و كمان مكنتش هآمن عليهم معاها.. عشان كده شوفت ان مفيش حل غير انها تقعد معاهم هنا قدام عنيا لحد ما اشوف حل في الموضوع ده و بعد كده لو حبوا يقعدوا معاها يومين كل فتره هبقا أشوف لهم شقه في مكان قريب و موثوق يقعدوا فيها اليومين دول، يعني متقلقيش الوضع ده مش هيتكرر تاني.. و صدقيني لولا إنهم عايزينها أنا مكنتش هقبل أبدأ بوضع زي ده.
هزت رأسها بهدوء وقالت:
براحتك يا يحيـي اللي تشوفه صح و في مصلحة نور و زياد إعمله.
تسائل بتوتر:
يعني مش زعلانه؟!
أومأت بنفي.
بينما أومأ هو بموافقه وقال:
مش عارف أشكرك إزاي يا غزل، أنا عارف إني أناني و باجي عليكي في كل حاجه.
_لا ولا يهمك.
قالتها بإقتضاب.
ثم قالت:
هتاكل دلوقتي أعمللك تتغدي؟!
أومأ موافقاً ثم قال:
ماشي.. إنتوا إتغديتوا؟
_كنا بنستناك.. هجهز الأكل و ناكل سوا.
خرجت غزل من الغرفه لتجد يُسر قد دلفت إلي غرفة أطفالها.
فقامت بتحضير طعام الغداء و من بعدها طرقت باب غرفة زياد و نور قائلة:
يلا الغدا جاهز!
كان يحيـي يجلس في غرفته واضعاً رأسه بين كفيه بتعب و هم.
لتقفز إلي مسامعه بغتةً كلمات يُسر التي إستمع إليها خِلسةً وهي تواجه غزل بـ حُبها لـ يحيـي و عدم إنكار غزل ما قالته.
ليضطرب قلبه بين أضلعه وراح يتذكر مواقف غزل معه التي تؤكد أنها تعشقه و ليس فقط تحبه.
أفاق من شروده عندما رآها تطرق الباب.
ثم دخلت وقالت له:
الغدا جاهز، يـلا.
أومأ موافقاً وقال:
هغير هدومي و جاي وراكي حالاً.
سحبت الباب خلفها وخرجت من الغرفة لتجد زياد يجلس بمقعده بينما يُسر تجلس علي المقعد المجاور له و تحمل نور علي قدميها.
فقالت:
نور بتعرف تقعد و تاكل لوحدها... قعديها علي الكرسي بتاعها و اقعدي جمبها.
_ملكيش دعوة.
ألقتها بفظاظة.
لتنظر إليها غزل بضيق و آثرت الصمت و جلست علي مقعدها تنتظر قدوم يحيى.
خرج يحيـي من غرفته وقد بدّل حلّة العمل بسروال قطني أسود و كنزة قطنيه من نفس اللون.
ولقد بدا وسيماً للغاية مما جعل أعين غزل تنطق بالغضب.
فنظرت علي الفور إلي يُسر لتجدها تطالعه بتفحص و شغف مما جعل النيران تنشب بداخلها.
فنظرت إلي الطعام من أمامها و نهضت لتسكب لـ يحيي طعامه بطبقه.
لينظر إليها مبتسماً ويقول:
تسلم إيدك.
أفتر ثغرها عن إبتسامة مقتضبه ثم جلست مجدداً و بدأت بتناول طعامها.
كان يحيي يتناول طعامه شارداً ولكنه لم يحيد ببصره عن طبقه الموضوع أمامه.
بينما يُسر كانت تختلس النظر إليه بلهفه وهي تتفحص كل إنش بهِ و لكم تمنت أن يرمقها ولو بنظرة واحده.
في حين كانت غافله عن زوج العينين اللتان تراقب كل حركاتها و سكناتها بغضبٍ چم.
فرغ يحيي من طعامه فنهض قائماً و ذهب إلي الشرفة يدخن سيجارةٍ.
بينما بدأت غزل برفع الأطباق و تنظيف طاولة الطعام.
لتجد يُسر وقد نهضت لتقوم بجمع الأطباق الموجودة أمامها.
فقالت غزل بنظرةٍ ذات مغزى:
إرتاحي إنتي، إنتي ضيفه عندنا و ميصحش نتعبك معانا.
نظرت إليها يُسر بحنق و وضعت الأطباق علي الطاوله مجدداً بنزق.
ثم حملت نور و ذهبت بها إلي المغسل ومن بعدها قامت بصنع فنجالاً من القهوة.
و ذهبت إلي الشرفه حيث يقف يحيي شارداً و وضعته أمامه وقالت بإبتسامه:
عارفه إنك بتحب تشرب القهوة مع السيجارة اللي بعد الغدا.
نظر إليها يحيـي مبتسماً وقال بلطف:
تسلم إيديكي.
إتسعت إبتسامتها بشدة.
لتراه وقد صدح صوته الجهور منادياً بقوة علي غزل التي كانت تقف تراقب المشهد بقهرٍ عن بُعد.
فقال:
غـزل.
ذهبت إلي الشرفه حيث يقفا وقالت بهدوء:
نعم؟!
نظر إلي يُسر بإبتسامة مصطنعه ثم تجهم وجهه فجأةً و نظر إلي غزل وقال:
خدي القهوة دي ادلقيها و معلش اعمليلي فنجال قهوه تاني و هاتيه في الاوضه.
إنعقد لسان يُسر و أخذ منها الغيظ كل مأخذٍ.
لتنظر إليها غزل و أفلتت ضحكةٍ لم تستطع منعها.
ثم نظرت إليها وقالت:
إشربيها إنتي بدل ما ادلقها خسارة.
ثم إتجهت إلي المطبخ وقامت بإعداد فنجالاً آخر و حملته إلي غرفة يحيي.
فطرقت الباب و دلفت لينظر نحوها مبتسماً بلطف و أشار لها بالجلوس إلي جواره.
ففعلت.
ليحمحم بقوة ثم قال:
يا ريت لحد ما تمشي تتعاملي بدون تكليف و كإننا زوجين فعليين.
نظرت إليه بعدم فهم وقالت:
إزاي مش فاهمه؟!!
أردف ببساطة قائلاً:
يعني ملوش داعي تخبطي قبل تدخلي، و كمان الليلتين اللي هتبات فيهم هنا تقفلي الاوضه بتاعتك كويس و تيجي تنامي معايا هنا.
أصاب قلبها غصةً وأومأت بهدوء وقالت:
حاضر.
بتر حديثهم طرقات زياد علي باب الغرفه.
فأذن له بالدخول ليدلف قائلاً:
بابا ، ماما عايزة تقوللك حاجه!
ظهرت يُسر من خلفه تقف علي مقربه من باب الغرفه.
فتسائل قائلاً:
في حاجه؟
قالت وهي تفرك يديها بتوتر:
أصل أنا كنت عايزة أنزل أروح البيت يعني عشان أجيب هدوم ليا أنام فيها لإني مش هعرف أنام في الهـ......
قاطعها بإشارةٍ من يده وقال بإقتضاب:
مش مستاهله.. غزل هتجيبلك حاجه من عندها تقعدي فيها لحد بكرة.
ألقت عليهم نظرة عابسه وإنصرفت دون أن تتفوه بحرف.
فنظر يحيـي إلي غزل وقال:
معلش يا غزل اديها اي حاجه من عندك تلبسها لبكرة و اقفلي اوضتك و تعالي عشان ننام.
نهضت غزل إلي غرفتها و أخرجت من خزانتها منامة فضفاضه.
ثم ذهبت إلي الغرفة التي تجلس بها و طرقت الباب فقالت:
خدي البيچاما دي لسه متلبستش نامي فيها.
ثم سحبت الباب خلفها و دلفت إلي غرفتها.
فأخذت ملابسها و أحكمت إغلاق الباب كما أخبرها يحيـي.
ثم دلفت إلي غرفته بهدوء.
لتجده يتمدد فوق فراشه بأريحيه.
فدخلت إلي المغسل و أخذت حماماً ساخناً.
إرتدت منامتها و خرجت من المغسل إلي الفراش و تدثرت بالغطاء بصمت.
قطعه هو قائلاً:
هتنـامـي؟!
إستدارت إليه وقالت:
أيوة ، محتاج حاجه؟!
هز رأسه بنفي وقال:
لأ.. تصبحي علي خير.
إستدارت للجهة الأخري مجدداً و أسبلت أجفانها في محاوله منها في النوم.
ولكنها باءت بالفشل.
شعرت بهِ ينهض من جانبها.
فإلتفتت بقوة و سألته:
رايح فين؟!
تعجب أسلوبها وقال:
خارج البلكونه أشرب سيجارة!
_طب ما تشربها هنا في الأوضه!!
فهم مقصدها للتو ليبتسم بخفه.
ثم عاد ليجلس إلي جوارها وقال مبتسماً بتسلية:
و إيه المشكله يعني إني أخرج أشربها بره؟! إنتي مش عايزاني أخرج ولا إيه؟!
قال الأخيرة بنظرة متلاعبه.
لتضطرب هي و تحتد قائلة:
لا طبعاً براحتك، لو عايز تخرج إتفضل.
وضعت الغطاء فوق رأسها.
ليزيحه عنها ضاحكاً ويقول:
إهدي بس مالك متعصبه كده ليه، عالعموم مش هخرج بس قومي اقعدي معايا لو مش جايلك نوم.
نهضت علي الفور و جلست بإنتباه.
لتتسع ضحكته وقال:
ما صدقتي إنتي هااا؟
إبتسمت بهدوء و قالت:
يحيـي.. هو إنت كنت موجود من زمان ساعة ما كنت بتكلم أنا و هي؟!
فهم تلميحها فأومأ نافياً بجدية وقال:
لأ..يدوب وصلت وهي بتقوللك إننا هنرجع لبعض تاني و خليكي مستعده و العبط ده.
أومأت بإرتياح.
ليتساائل قائلاً:
ليه ؟! في حاجه؟!
_لا أبداً مفيش.. بسأل بس!
هز رأسه موافقا وقال:
ماشي.. صح في موضوع كنت عايز رأيك فيه!
هزت رأسها بإستفهام.
ليقول:
قاسم شريكي عاوز يتجوز صافيه.
حملقت به بدهشه وقالت:
بجد؟! إشمعنا عمتو؟! و شافها فين أصلاً؟
_شافها يوم الخطوبه و من وقتها وهو مصمم إنه يتعرف عليها و يتقدم لها.
=مش عارفه بس معتقدش عمتو توافق.. هي إتعقدت من موضوع الجواز ده للأبد.
_معلش خلينا نحاول.. قاسم راجل محترم و ناضج و واعي و طَموح و مأمن مستقبله كويس.. أنا عن نفسي لو هي أختي هوافق فوراً.. بس عمي إبراهيم بقا دماغه ناشفه و ليه حسابات مختلفه.
= معاك حق.. بابا من النوع اللي مبيقتنعش بأي حاجه بسهوله.. ما بالك بقا لو موضوع زي عمتي كده هي مطلقه وهو مطلق و تحسه مريب كده و غامض .. معتقدش بابا هيوافق أصلاً.
_والله إحنا نحاول مع صافيه الأول، خلينا نعزمها هنا و أنا أعزم قاسم و تبقا فرصه يقعدوا مع بعض و يتكلموا، يا عالم جايز دماغهم تبقا شبه بعض و يحصل نصيب بينهم، أما بالنسبة لباباكي فـ صافيه مش صغيره عشان يفرض رأيه عليها.. هو لو شافها مقتنعه و موافقه هيوافق.
هزت رأسها بتأييد وقالت:
خلاص لما اللي جوا دي تمشي نبقا نشوف وقتها هنعزمهم إمتا.
أومأ شارداً وهو يسحب نفساً من سيجارته.
لتقول هي:
إيه سرحت في إيه؟
إلتهم ما تبقي من السيجارة بنهم و وضعها في المنفضه وقال:
ولا حاجه.. يلا ننام عشان أنا تعبت و بدأت اصدع.
دخل إلي فراشه و إستلقي علي ظهره واضعاً ساعده فوق عيناه و أغمض عيناه بتعب محاولاً الإستسلام للنوم.
بينما ولّته هي ظهرها و غرقت في تفكيرٍ مهلك.
" يا ريت لحد ما تمشي تتعاملي بدون تكليف و كإننا زوجين فعليين..يعني ملوش داعي تخبطي قبل ما تدخلي، و كمان الليلتين اللي هتبات فيهم هنا تقفلي الاوضه بتاعتك كويس و تيجي تنامي معايا هنا"
إسترجعت حديثه و دموعها تنهال فوق خديها بقهرٍ و حسرة.
و راحت تتمتم في نفسها:
كل الحكايه إنه يغيظها بيكي، عايزها تغير عليه و بيستخدمك إنتي لكده، لولا وجودها هنا مكانش عمره هيعرض عليكي إنكوا تناموا في أوضه واحده ولا هيطلب منك تتعاملي و كإنكوا زوجين فعليين.. بابا صح!! عمره ما حبني ولا حس بيا.. و الظاهر كده إنه مش هيحس أبداً.. يمكن يكون مقعدها هنا عشان إشتاق لها مش عشان خاطر العيال زي ما بيقول.. إفضلي انتي فكري و اعصري في دماغك و في الآخر مش هتاخدي منه غير اللي هو عايز يديهولك.. أو الباقي منها بمعني أصح!.
أعلن عقلها عن ضجره و ضيقه بسبب تفكيرها المبالغ به.
لتقرر التوقف عن التفكير و الخلود إلي النوم.
" خلصتي؟! أيوة طول عمري بحب يحيـي و هفضل لآخر نفس فيا بحبه، عندك مانع؟! "
إستعادت ذاكرته كلماتها تلك التي قد صرّحت بها إلي يُسر بكل بساطة.
ليشرد بعيداً وهو يستعيد كل ما كانت تفعله غزل معه و كان يفسره بأنه حب أخوي أو إعتياد كما كان يظن!
" ياااه.. يعني من دون الناس كلها غزل تحبك إنت؟! طب علي إيه؟! و إزاي؟! و إمتا؟! دي طول عمرها بتعتبرك أخ ليها.. ولا إنت اللي كنت شايفها كده!! طب و جوزها الله يرحمه!! إزاي إتجوزته وهي بتحب واحد تاني؟! هو الحب بالنسبه لهم إيه؟! حب بالقلب بس ؟! و الجسد ده ملوش إعتبار؟!"
_غزل.
نطقها بغتةً وهو يناديها.
لتلتفت إليه علي الفور وقالت:
أيوة .. في حاجه؟!
نهض معتدلاً بمجلسه ثم نظر إليها مطولاً قبل أن يتسائل قائلاً:
هو إنتي كنتي بتحبي جوزك الله يرحمه؟! يعني كنتوا واخدين بعض عن حب؟
صمتت لبرهة ثم قالت:
لا خالص.. أنا مجرد كنت جليسه لوالدته المسنّه و هو كان إنسان محترم جدآ الله يرحمه .. ملحقناش نتعرف علي بعض ولا نفهم بعض ولا حتي نحب بعض.. مات بعد فرحنا بأسبوع و والدته إتوفت في نفس اليوم.
سالت دمعه من عينيها.
إلتقطتها هي بسرعة.
لينظر إليها بتفحص ويقول:
كنتي بتحبيه؟!
نظرت إليه بتعجب وقالت:
ما قولتلك مكانش بيننا حب.. بس كنت بحترمه جداً و بعزه جداً جداً.. الله يرحمه كان راجل بجد.. لو كان إتجوز أي واحده غيري كانت هتعشق تراب رجليه مش بس هتحبه!
_ و ليه أي واحده غيرك ؟! ليه إنتي لأ؟!
تلعثمت قليلاً ثم قالت:
مش عارفه.. وبعدين أنا كنت رافضه الجواز نهائي لولا بابا الله يسامحه غصب عليا و خيرني بينه و بين إني أفضل علي قراري.
_و ليه كنتي رافضه الجواز؟!
نظرت إليه بتعجب وقالت:
في إيه النهارده؟!
إبتسم بخفه فقال:
لأ عادي أدينا بندردش.. يعني متجوزين بقالنا حبه أهو و منعرفش حاجه عن بعض.
ثم إقترب منها أكثر و همس إليها قائلاً:
مش المفروض أبقا عارف كل حاجه عن مراتـي؟!
إبتسمت و إضطربت في آنٍ واحدٍ وهي تحاول سبر أغوار عينيه ولكن دون جدوى.
ليعود هو ويقول:
هاا مجاوبتنيش؟
نظرت إليه بإستفهام.
ليقول مجدداً:
كنتي رافضه الجواز ليه؟!
رفعت كتفيها بعدم معرفه وقالت:
يعني.. مكنتش لاقيه اللي روحي ترتاح له.. كنت حاسه إني متغربه و مستنيه الإنسان اللي ألاقي نفسي معاه.
لم يجيبها.
بل كان مشغولاً الآن بتحليل كلماتها.
ليجدها تنظر أمامها بحالميه وتقول:
كان عندي يقين و قناعه تامه إني لازم اللي أتجوزه ده يبقي هو اللي يستاهل كل حاجه حلوة أنا محوشاها عشانه.. مكنتش عايزة أتجوز أي راجل والسلام..لو علي الرجاله فأنا إتقدم لي فرص ذهبية علي قول بابا بس أنا ولا مرة لقيت نفسي في حد منهم، حتي أكرم الله يرحمه بالرغم من إنه كان أطيب حد في الدنيا بس مع ذلك محسيتش معاه بأي حاجه.
باغتها قائلاً:
يمكن عشانك قافله قلبك من نحيته، أو مشغوله بحب تاني مثلاً؟!
إرتبكت و قالت:
حب تاني إزاي؟!
رفع كتفيه بعدم معرفه وقال:
مش عارف أنا بقول مثلاً، بفرض كلام بس.
_آااه.. لأ مفيش الكلام ده.. أنا مفيش حد في حياتي.
مال بجزعه نحوها حتي إقترب منها أكثر و أصبح ملتصقاً بها وقال وهو ينظر إلي عينيها بثبات:
طب و دلوقتي؟!
هزت رأسها بإستفهام وقالت:
دلوقتي إيه؟!
_دلوقتي مفيش حد في حياتك بردو؟!
إبتلعت لعابها بتوتر و تخبط وقالت:
لأ في.
تسائل وهو ينظر إلي ملامحها الفاتنه و التي يراها عن قرب هكذا لأول مرة وقال:
في مين؟!
_ إنت .
قالتها وهي تحاول إلتقاط أنفاسها التي تشعر و كإنها إختنقت أو إحتبست.
ليقول وهو يزيد من بعثرة مشاعرها بنظراته المهلكه:
أنا إيه؟!
_ إنت حـ......
بترت كلمتها عندما إستمعت إلي طرقات علي باب الغرفه.
لينهض يحيـي و من ثَمّ فتح الباب ليجد يُسر تقف أمام الباب و التوتر واضح جلياً علي وجهها.
فقال بتأفف:
أفندم؟
_ نور تعبانه أوي و حرارتها عاليه و مش عارفه أعمل لها إيه؟!
أسرع علي الفور نحو غرفة نور ليجدها مسچاه علي سريرها بوهن.
فوضع يده فوق جبينها يتحسس حرارتها.
لتجحظ عيناه بذهول ويقول:
إنتي عملتي فيها إيه؟!
تمتمت ببكاء و خوف:
إيه اللي إنت بتقوله ده يا يحيى أنا هعمل فيها إيه؟! أنا فجأه لقيتها سخنت و بتترعش كده.
دخلت غزل إلي الغرفه تهرول و بيدها ترمومتر.
إستخدمته لقياس درجة حرارة نور وقالت:
درجة حرارتها 39 و - .. لازم دكتور حالاً.
ثم أسرعت تحضر لها ملابس أخري و همّت بتبديلها لها.
لتجتذبها يُسر بحدة من بين أيديها وهي تقول:
أنا هغير لها.
نظرت إليها غزل بتعجب.
قبل أن يحتد يحيي قائلاً:
إخلصي و غيري لها علي ما ألبس چاكيت بسرعة.
إنصرف إلي غرفته تتبعه غزل.
فقال وهو يرتدي معطفاً ثقيلاً:
خلي بالك من نفسك و من زياد و إقفلي الباب كويس و أنا اول ما نطمن عليها هطمنكوا.
أومأت بهدوء وقالت:
متقلقش إن شاءالله حاجه بسيطة.
ربت علي ذراعها بتعجل و إنصرف إلي الخارج تتبعه يُسر وهي تحمل نور.
بينما وقفت هي تنظر نحوهم بحزن شديد.
نظرت إلي زياد الذي قال:
هي نور مالها يا غزل؟!
جثت علي ركبتيها ونظرت إليه بإبتسامه ثم قالت:
نور عندها حرارة يا حبيبي، بابا و ماما هياخدوها للدكتور و هتبقي كويسه إن شاءالله.
_ هي ماما هتقعد معانا هنا علي طول؟!
تسائل زياد ببراءة.
lyeتقول هي مغيره مجري الحديث:
إنت منمتش ليه كل ده؟!
_ عشان كنا بنتكلم مع ماما.. أصلها وحشتنا أوي.
أضاف الأخيره بفرحه.
فإبتسمت هي بهدوء وقالت:
طيب يلا ننام عشان نقدر نصحي بكرة بدري زي كل يوم.
أومأ زياد موافقاً و سار إلي جانبها.
ثم تدثر بغطاءه و خلد سريعاً إلي النوم.
ظلت هي شاردة.
حتي إستمعت إلي رنين هاتفها.
فأسرعت تجيبه:
ألو.. أيوة يا عمتو.
_أيوة يا غزل ، صحيتك من النوم؟
=لا أبداً انا صاحيه.. عاملين إيه؟
_كويسين يا حبيبتي الحمد لله.. يحيـي و العيال نايمين؟!
تنهدت غزل وقالت:
زياد لسه نايم حالاً ، بس نور تعبت فجأه و يحيـي خدها و نزل للدكتور.
_يا حبيبتي.. طب و منزلتيش معاهم ليه؟
!=مامتها معاها.
ألقت بها بإقتضاب.
لتتسائل صافيه بتعجب فقالت:
مامتها مين؟! تقصدي يُسر؟
=أيوة.
_و دي عرفت منين في الوقت ده؟! مين اللي بلغها؟
=هي كانت موجوده.. أصلها هتقعد يومين مع العيال.
_إيه؟!
قالتها صافيه بقوة و تابعت:
هتقعد يومين مع العيال إزاي يعني؟! و مين اللي سمح بكده؟!
زفرت غزل بتعب وقالت:
الحكايه و ما فيها يا عمتو إنها كانت جايه تاخدهم يقعدوا معاها فـ يحيي طبعاً موافقش و قاللها تقعد هي معاهم قال إيه عشان يبقوا قدام عنيه.
_جوزك ده بيستعبط.. و إنتي إزاي تقبلي بالوضع ده؟! مسيبتيش البيت يرمحوا فيه براحتهم و جيتي ليه؟
!= والله؟! و أسيبه معاها لوحدهم؟! و بعدين أنا فعلاً عرضت على يحيي كده بس موافقش.
_أنا مستغربه والله إزاي واحده تقبل إن طليقة جوزها تقعد معاهم في البيت كده عادي!! أبوكي لو خد خبر بحاجه زي كده هيخرب الدنيا.
قالت الأخري بلهفه:
لا يا عمتو والنبي بلاش تقوليله.. هو وضع مؤقت بس و هتمشي يمكن بكرة ولا بعده.. انا هستحمل و أعديها المرة دي و هو وعدني إنها هتتكرر تاني .. بس متقوليش لـ بابا اصل يعمل مشكله وانا ما صدقت إنه اقتنع بالموضوع ككل.
_ماشي يا غزل مش هقوله متقلقيش.. بس خلي بالك إنتي معاكي حيه في نفس البيت.. يُسر إستحاله تفوت فرصه تقرب بيها من جوزك و ترجعه ليها تاني.. يعني لازم تبقي عينك في وسط راسك.
أومأت غزل بتفهم و تأييد ثم قالت:
ماشي يا عمتو متقلقيش.. هقفل أنا دلوقتي وهبقا أكلمك وقت تاني.. سلام.
أنهت غزل المكالمه بإيجاز و قامت بالإتصال بـ يحيي.
ليصلها صوت هاتفه في الغرفه.
فتنهدت بيأس و ألقت بالهاتف إلي الفراش بإهمال.
ثم توجهت للنافذه و وقفت خلفها شارده تستعيد ما حدث منذ قليل و تتذكر إقتراب يحيي منها و كم كان لقائهم قد دنا و بات أملاً ملموساً.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل العشرون 20 - بقلم نعمة حسن
في المشفى بقسم الاستقبال والطوارئ.
دخل يحيي مهرولاً وهو يحمل طفلته بين يديه، والتي ساءت حالتها وارتفعت حرارتها أكثر. وقف أمام الممرضة التي التقطت منه نور على الفور وذهبت لعمل اللازم، بينما وقف هو أمام الغرفة ينتظر والقلق قد أخذ منه كل مأخذ.
ارتفع رنين الهاتف وكانت غزل، فأجابها بهدوء.
"ألو؟"
"أيوة يا يحيي، طمني، إيه الأخبار؟"
تنهد بتعب وقال: "مش عارف لسه، هما خدواها بيكشفوا عليها في الأوضة جوا وأمها معاها. أنا واقف برا بستني."
"طيب إن شاء الله خير.. لما تطمن ابقى طمني."
"تمام ماشي.. مع السلامة."
أنهى المكالمة بتعجل عندما رأى الطبيب يخرج من الغرفة، فاتجه نحوه مسرعاً وتساءل بلهفة: "مالها يا دكتور؟"
نظر إليه الطبيب بعملية شديدة وأردف قائلاً: "متقلقش هي زي الفل.. عدوى من الجو وكل الأطفال بيصابوا بيها اليومين دول. هي خدت خافض للحرارة وكتبتلها علاج تاخده بانتظام وهتبقى كويسة إن شاء الله.. ألف سلامة."
"الله يسلمك."
ألقاها بإيجاز عندما رأى يسر تخرج من الغرفة وهي تحمل نور، فأسرع نحوها وحملها عنها وهو يتفحصها ويقول: "عملتوا إيه؟"
نظرت إليه يسر بملامح متحفزة وقالت: "الدكتور بيقول إن حرارتها دي بسبب الإهمال في الأكل اللي بتاكله وأكيد أكلت حاجة سخنتها، وكمان أوقات الشاور بتاعها مش مناسب مع الجو البرد اللي إحنا فيه."
نظر إليها متعجباً، فتابعت قائلة: "يعني اللي هي فيه ده بسبب إهمال المدام اللي إنت مسلمها ولادي أمانة في إيديها."
ظل ينظر إليها بثبات حتى توترت وقالت: "إيه مالك بتبصلي كده ليه؟"
"عشان عمرك ما هتتغيري.. اتفضل."
برز صوته بالأخيرة حاداً صارماً لا يقبل النقاش، فانصاعت خلف أمره واستقلت المقعد المجاور له بالسيارة، ليركب هو منطلقاً بالسيارة عائداً نحو البيت.
"أنا مش هسيب ولادي مع واحدة مهملة زي دي تاني."
ألقتها يسر في محاولة منها لجذب طرف الحديث معه، فإذ به يتجاهلها، لتعود قائلة: "يا إما آخد نور وزياد يعيشوا معايا، يا إما أفضل أنا معا..."
"يُسـررررر."
قاطعها بحدة وأكمل: "متخليش عقلك الخايب ده يصورلك إن يحيي هيتضحك عليه تاني.. لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.. وشوفي بقا أنا اتلدعت منك كام مرة.. يعني وفري على نفسك وعليا كل الحوارات دي."
"قصدك إيه؟!!"
تساءلت بغضب، ليجيبها بغضب مماثل: "قصدي إنتي عارفاه وفاهماه.. عيالي هيتربوا معايا أنا ده أولاً.. وإنتي ملكيش قعاد عندي بعد بكرة ده ثانياً."
ثم نظر إليها وأضاف بقوة: "والمدام اللي بتقولي عليها مهملة دي هي اللي بتربي لك عيالك وبتراعيهم أحسن مما كنتي إنتي بتعملي وأنا مش شايف منها أي تقصير أبداً.. بالعكس، وقتها ومجهودها كلهم رايحين عليهم.. وعلى فكرة أنا سألت الدكتور قبل ما تخرجي وقال لي إن دي عدوى من الجو.. بطلي الكذب اللي في دمك ده بقا."
ألقى بالأخيرة وهو يحدق بها بنظرات يائسة، لتلتزم هي الصمت كحالتها حتى وصلوا أمام المبنى، فقال: "تطلعي تاخدي بنتك وعلى الأوضة من سكات.. مش عايز لكلكة فارغة أنا قولتلك أهو."
ترجل من السيارة وحمل نور ثم صعدا إلى الشقة، فقام بفتح الباب لتسرع غزل نحوهم بلهفة وتساءلت: "عملتوا إيه طمنّي؟!"
أومأ بهدوء وقال: "الحمد لله بسيطة، عدوى من الجو."
دخل إلى الغرفة ووضع نور بفراشها، ثم توجه إلى غرفته بصمت، فتبعته غزل، بينما صفقت الأخرى الباب بحدة.
تنهد يحيي بثقل وقال: "زياد نام إمتا؟"
"بعد ما مشيتوا فوراً."
أومأ موافقاً وقال: "أنا هنام يا غزل لإني مش قادر خلاص وحاسس إن جسمي مهمد."
"أجيبلك مسكن طيب؟"
"لأ مش ضروري، هنام وأبقى كويس."
"ماشي، تصبح على خير."
دخلت إلى فراشها كما فعل هو أيضاً ليغط في النوم سريعاً، بينما بقت هي تتطلع نحوه بألم داخلي يملؤها.
كم تمنت أن تحظى بلحظةٍ كهذه، أن تراه عن قرب غافٍ إلى جانبها كما هو الآن، تستمع إلى أنفاسه وتشتم رائحته، تراقب كل حركاته وسكناته حتى أثناء نومه. لم يكن بمخيلتها أبداً أنها ستتمكن يوماً من نيل ما تمنت، ولم تتوقع أيضاً أنها ما إن نالته ستقف مكتوفة الأيدي تشاهد من بعيد ولا تقوى على الاقتراب! ولكنها تستحق ولو فرصة واحدة!
مدت أطراف يدها المرتعشة تتحسس ملامحه الهادئة التي تعشقها، فمررت أصابعها الناعمة على خصلاته السوداء، أنفه المنمق، وجنتيه الدافئتين، شفتيه البارزتين ولحيته النامية قليلاً.
أرادت الاقتراب أكثر والنوم إلى جانبه ففعلت، ثار قلبها وطلب المزيد فلم تبخل عليه، والتصقت به ووضعت رأسها على ساعده المفرود إلى جانبه، ووضعت يدها موضع قلبه تلتمس دقاته بيدها، اشتمت أنفاسه عن قرب فكانت لها بمثابة إكسير للحياة وأكثر.
إنها الآن لا تتمنى أكثر من ذلك، فأسبلت أجفانها ونامت قريرة العين.
استمع هو إلى انتظام أنفاسها، فعلم أنها قد تعمقت في النوم، ففتح عينيه ناظراً أمامه بشرود وهو يتأمل فعلتها تلك!
ألهذا الحد تعشقه؟ وما الذي يجعلها تتحمل وتتحامل على نفسها وتقبل بكل ما يقدمه إليها من فتات المشاعر وبقايا الأحاسيس؟ لما هي التي تعشقه لهذا الحد والأخرى لا؟ ولما لا يستطيع هو أن يمنحها ولو نصف ما تستحقه؟ هل أصبح ظالماً لذلك الحد؟
إنها حتماً تستحق أن يمنح نفسه فرصة ثانية!
أحاطها جيداً بذراعه الذي تستند عليه، ويده الأخرى تزيح خصلات شعرها من فوق جبينها، ليجدها تحيط خصره بيدها بإحكام، مما جعل قلبه يهتز بين أضلاعه وهو يجاهد كي لا يتأثر بقربها الشديد منه، فقرر أن يتجاهل مشاعره وليدة اللحظة تلك وأن يخلد إلى النوم!
***
ظلت يسر بغرفتها مستيقظة، لم يطأ النعاس جفنيها، يتآكل داخلها من فرط الغيظ وقد عبث الفضول بها.
تود لو ذهبت إلى غرفتهم وعلمت ماذا يفعلون!
تحدثت إلى نفسها وقالت: "بقا على آخر الزمن يوصل بيا الحال إني أبقى مع يحيي في نفس البيت وكل واحد منا في أوضة؟! لأ وكمان الحرباية غزل هي اللي نايمة في حضنه!! والله لو كانوا حلفوا لي على المية تجمد إن ده هيحصل ما كنت أصدق أبداً."
وزفرت بقوة وتابعت: "فكري يا يُسـر.. دي فرصتك الأخيرة ولازم تستغليها، إنتي مش ضامنة هتعرفي تيجي هنا تاني ولا لأ.. فكري.. فكري.. بسسس.. لقيتهـا !!!"
دخلت إلى فراشها مجدداً بحماس واستسلمت للنوم وهي تعتزم فعل ما تنويه غداً.
***
تململت غزل في نومها لتشعر وكأنها مقيدة بمكانها، فتحت عينيها لتصطدم بصاحب أكثر وجه تعشقه في العالم يسلط نظره نحوها مبتسماً وهو يحيط خصرها بيمناه، مما أثار ذهولها فقالت وهي تحاول التملص من تحت ذراعه: "صباح الخير."
"صباح النور.. كل ده نوم!"
قالها وهو يزيد من إحكام قبضته على خصرها وأضاف: "هو إنتي بتحلوّي وإنتي نايمة ولا أنا متهيألي؟!"
هوى قلبها أرضاً لمغازلته اللطيفة تلك، فابتسمت ابتسامة مفعمة بالحب، ليبادلها الابتسامة فقالت: "ما شاء الله مزاجك حلو على الصبح، يا رب تفضل كده دايماً."
"هحاول يا غزل، هحاول أفضل كده على قد ما أقدر."
ألقاها بغموض قليلاً، ثم قال مبتسماً وهو يمسح على شعرها بحنان: "سيادتك هتفضلي نايمة كده وتسيبي جوزك من غير فطار؟! يرضيكي أخرج على لحم بطني ولا كإني متجوز؟!"
نهضت بحماس وحيوية وقالت: "حالاً هعمل لك تفطر.. على ما تاخد شاور وتجهز هيكون الفطار جاهز."
ثم خرجت من الغرفة ومنها إلى المطبخ لتجد يسر تقوم بإعداد القهوة، فقالت بإيجاز: "صباح الخير."
"يا أهلاً."
ألقتها يسر بفظاظة، فعادت غزل لتتساءل قائلة: "نور عاملة إيه دلوقتي؟"
"كويسة."
نطقتها بإيجاز وحملت قهوتها وخرجت من المطبخ، ثم عادت إلى الغرفة، بينما أنهت غزل إعداد الفطور وذهبت به إلى غرفة يحيي لتجده يقف أمام المرآة ممسكاً باثنتين من ربطات العنق الخاصة به، فنظر إليها وقال: "إيه رأيك يا غزولة.. الكرافتة الرمادي ولا السودا؟"
دنت منه أكثر ثم طالعتهم سريعاً ونظرت إليه قائلة: "السودا أحلى."
أومأ مؤيداً ثم ارتدها وجلس ليتناول فطوره سريعاً وقال: "هدخل أشوف نور بسرعة وبعدها أنزل عشان عندي شغل كتير."
ذهب إلى غرفة أولاده وطرق الباب بخفة لتفتح يسر مبتسمة، فقال بإيجاز: "نور صحيت؟"
"أيوة من شوية.. وزياد كمان."
دلف إلى الغرفة ليجد زياد يجلس بجانب أخته، فمنحه ابتسامة صافية وقال: "صباح الخير يا زيزو."
"صباح الخير يا بابا."
قبله يحيي وجلس إلى جوارهما ومد يده يتحسس جبين نور وقال مبتسماً: "الحمد لله يا بابا بقيتي جميلة؟"
أومأت الصغيرة بموافقة، فقال: "الحمد لله.. كلي وخذي العلاج عشان لو أخذتي العلاج هنروح الملاهي."
"وماما؟"
تساءلت نور وتابعت: "إيه يا بابا؟!"
تجاهل سؤالها ونهض من جانبها وقال وهو يتجه نحو الخارج: "أنا هروح الشغل ولما أرجع هجيبلك حاجة حلوة."
ثم همس إلى يسر وقال: "متحاوليش تلعبي في عقل العيال وتوعديهم بحاجات مش هتحصل.. عشان في الآخر إنتي اللي هتزعلي."
تركها تغلي وتزبد من شدة الغيظ وغادر منصرفاً إلى مقر شركته.
***
تلقت غزل اتصالاً من صافية، فأغلقت باب الغرفة وأجابتها فقالت: "صباح الخير يا عمتو."
"صباح النور يا حبيبتي.. طمنيني إيه الأخبار؟"
"الحمد لله.. زي ما إحنا."
"والحرباية دي لسه عندك؟"
"أيوة المفروض تمشي النهارده."
"مش هتمشي؟"
"إشمعنا؟"
"يحيي أكد عليها إنها هتمشي النهارده."
"وأنا بقول لك مش هتمشي.. هتعمل أي حاجة وتتحجج وتقعد."
"لأ ده أنا مش هسكت أبداً لو ده حصل."
"بصي.. أنا جايلك، مينفعش تقعدي مع واحدة زي دي لوحدك أصلاً.. ساعة بالظبط وتلاقيني عندك."
"أيوة يا ريت يا عمتو أنا اتخنقت.. يلا هستناكي."
أنهت غزل المكالمة وقامت بالاتصال بيحيي...
"أيوة يا غزل؟"
"أيوه يا يحيى.. بقول لك عمتو جايه تقضي معايا اليوم النهارده.. لسه مكلماني دلوقتي فقولت أعرفك."
"مش محتاجة تبلغيني يا غزل ده بيتك وتستقبلي فيه اللي إنتي تحبيه.. على العموم كويس عشان متقعديش لوحدك.. وأنا هحاول أرجع قبل ما صافية تمشي عشان أشوفها."
"تمام ماشي.. مع السلامة."
***
رن جرس الباب ليهرول زياد نحوه وقام بفتحه لتتهلل أساريره قائلاً: "طنط صافية!!"
احتضنته صافية بقوة وراحت تغدقه بالقبل والأحضان وقالت: "وحشتني أوي يا زيزو.. أخبارك إيه ونور عاملة إيه؟"
"الحمد لله كويسين."
خرجتا كلاً من غزل ويسر من غرفهن في نفس الوقت، فهرولت غزل نحو عمتها تستقبلها، بينما تمتمت الأخرى بنزق: "آاااه.. العصابة كملت!"
دُلفت صافية إلى الداخل وهي تتفحص المكان من حولها وتساءلت بهمس: "هي فين؟"
همست إليها غزل وهي تشير برأسها تجاه الغرفة وقالت: "في الأوضة دي مع نور."
نظرت صافية إلى زياد وقالت: "بسرعة يا زيزو ناد لي نور عشان أشوفها.."
انصرف الطفل على الفور، بينما نظرت صافية إلى غزل وقالت: "محضرة لك حتة مفاجأة إنما إيه؟!"
وقبل أن تتساءل غزل، كان قد ارتفع رنين جرس الباب معلناً عن وصول تلك الضيفة التي قامت صافية بدعوتها.
"زينب؟!"
نطقت بها غزل بابتسامة متحمسة وهرولت تجاهها تحتضنها بشدة، بينما بادلتها الأخرى الاحتضان وهي تقول: "إيه ده يا بت يا غزولة؟ عيني باردة عليكي، احلويتي على الجواز يبت!"
ضحكت غزل باتساع، لتنظر صافية إلى يسر وقالت: "الله أكبر يا زيزي.. إحنا طول عمرنا حلوين يختي."
نظرت إليها زينب وتساءلت بهمس قائلة: "هي فين؟"
ارتفعت ضحكات الجميع، بينما تجلس يسر بالغرفة والغيظ يأكل داخلها، لتنصدم بـ زينب والتي تقف على باب الغرفة وتقول: "ياااه يا سوسو.. مين كان يصدق إننا نتقابل تاني بعد ما يحيي طلقك؟! لأ ونتقابل في بيت يحيي وغزل كمان!!"
زفرت يسر بضيق وتحاهلت حديثها، لتستطرد قائلة: "بس بصراحة لعبتيها صح.. طول عمرك معلمة بردو.. عملتي العيال حجتك عشان تقعدي معاهم هنا ويحيي الغلبان صدقك زي كل مرة!"
نهضت يسر بنفاد صبر وصفقت الباب بغتةً بوجه زينب، التي قالت: "لأ اتفضل فين أنا مش فاضية للضيافة والكلام الفاضي ده.. اتفضل إنتي يا حبيبتي."
انفجرت غزل ضاحكة، بينما صافية كانت تهز رأسها بيأس من أفعال زينب المضحكة ونادتها قائلة: "طب اتفضل بجد بقا وتعالي اقعدي.. خلينا نتكلم شوية قبل ما أروح."
نظرت غزل إلى صافية وقالت: "تروحي إيه؟ هو إنتي لحقتي تقعدي؟"
"نعمل إيه يا حبيبتي حكم القوي.. منتي عارفة أبوكي وتحكماته.. ده كان عايز ييجي معايا عشان يشوفك بس أنا اللي فضلت أتوه في الكلام لحد ما زوغت منه."
قالت زينب: "وحشتيني أوي يا صافية ووحشتني قعدتك وإنتي كمان يا بت يا غزل.. فاكرة أيام رمضان لما كنتي تفطري معانا أول يوم؟"
أومأت غزل بتأكيد، بينما شردت صافية بعيداً ثم تساءلت بإنتباه: "أخبار عمي علي إيه يا زينب؟ كل ما أقول لإبراهيم أروح أزوره ميرضاش."
تنهدت زينب بحزن وقالت: "عمي الحج اتغير أوي.. هزل وكبر ييجي عشرين سنة في السنة ونص اللي فاتوا دول.. ومبقاش لا يضحك ولا يهزر معانا زي زمان.. زعله على ولاده هد حيله.. الله يكون في عونه."
أومأت غزل بتفهم لتعود وتقول: "يحيي كان عنده قريب، الظاهر بدأ ينسى ويسامح.. بس سليمان اللي ميعرفش عنه حاجة غير إنه ساب إسكندرية."
توترت صافية قليلاً وحاولت إخفاء ذلك، ثم تساءلت بفضول: "ساب إسكندرية وراح فين؟"
رفعت كتفيها بجهل وقالت: "محدش عارف."
حاولت غزل تغيير مجرى الحديث فقالت: "بقول لكم إيه.. قوموا نعمل كيك وشاي ونقعد في البلكونة أحسن من القعدة في الخنقة هنا.. الجو بره جميل."
أومأت كلاً من صافية وزينب وذهبوا لإكمال جلستهم بالشرفة، غير غافلين عن زوج العيون الحانق الذي يراقبهم بضيق وغيظ.
***
بعد انصراف زينب ومن بعدها صافية، التي أخبرتها قبل أن تغادر: "خدي بالك وفتحي عينك كويس.. إنتي قاعدة مع حرباية بتتلون على كل لون، شوية أهم حاجة عندها مصلحتها وبس.. ومتستبعديش عنها أي حاجة وتوقعي منها أي شيء، دي إنسانة طماعة واستغلالية وقلبها أسود.. خلي بالك من نفسك ومن جوزك وبيتك وأوعي تسمحي لها تخرب حياتك.. وأهم حاجة قعدتها هنا متطولش وإلا مش هيحصل كويس من وراها."
وأضافت: "لما ييجي يحيي سلمي لي عليه وقولي له إني هبقى أجي وقت تاني وأقعد معاه بس المرة دي سماح عشان خاطر إبراهيم."
أومأت غزل وقالت: "الله يسلمك يا عمتو.. هتوحشيني."
احتضنتها صافية بشدة وقالت: "هجيلك يا حبيبتي.. يلا خلي بالك من نفسك وابقي طمنيني عليكي."
غادرت صافية المنزل لتدلف غزل إلى المطبخ تحاول إنهاء تلك الفوضى العارمة التي حدثت به، قبل أن تصلها رسالة على هاتفها وكان مفادها: "جوزك بيخونك مع واحدة أعرفها.. لو مهتمة ممكن تروحي وتشوفييهم بنفسك في العنوان ده...."
انقبض قلبها وحاولت تجاهل تلك الرسالة العابثة، إلا أنها لم تستطع، فأسرعت تبدل ملابسها وهرولت مغادرة المنزل قاصدة ذلك العنوان.
***
عاد يحيي من عمله فوجد البيت هادئاً ساكناً، راح يتطلع حوله، فظهرت يسر فجأة وهي تبتسم، فقال بوجه متجهم: "غـزل فين؟"
أجابت بخبث: "مش عارفة الصراحة.. هي كانت قاعدة وفجأة تليفونها رن، دخلت البلكونة ترد وبعدها فجأة غيرت هدومها ونزلت جري.. مش عارفة بقا نزلت راحت فين!"
انزوى حاجبيه بتعجب ثم تجاهلها ودلف إلى غرفته وأخرج هاتفه محاولاً الاتصال بها عدة مرات ليأتيه الجواب المعتاد في كل مرة "الهاتف الذي طلبته مغلق".
زم شفتيه بتعجب واستنكار، ثم بدأ بتبديل ثيابه، خلع سترته وفك ربطة عنقه وألقاهم إلى الفراش بتعب، حل أزرار قميصه وهم بخلعه، واستدار ناحية خزانته ليحضر ملابسه، فإذ بالباب ينفرج لتظهر يسر من خلفه ترتدي قميصاً قصيراً خاصاً بغزل.
وقف أمامها متعجباً وهو ينظر إلى هيئتها بإشمئزاز، ثم قال: "إيه اللي جايبك هنا وإيه اللي إنتي عاملاه في نفسك ده؟"
توقفت أمامه مباشرةً ووضعت يدها على صدره موضع قلبه وهي تنظر نحوه بشغف وقالت: "وحشتني يا يحيـي..."
نزع يدها عنه بحدة وقال: "اخرجي بره حالاً قبل ما غزل تشوفك.. واعملي حسابك مش هتقعدي هنا ثانية واحدة بعد كده."
التصقت به أكثر وقالت: "إنت ليه مش حاسس بيا.. بقول لك وحشتني، وأنا متأكدة إني أنا كمان وحشتك وهتموت عليا."
نظر إليها باحتقار بادٍ على ملامحه الممتعضة، لتقول: "متبصليش كده.. أنا عارفة إنك كل ده بتقاوح وبتحاول تنساني بيها بس مش قادر.. بدليل ده."
وأشارت إلى الثوب الذي ترتديه، فنظر إليها باستفهام، لتقول: "ده قميص غزل.. إزاي معرفتوش؟! هو في واحد ميّعرفش هدوم مراته؟! إلا لو كان مبشوفهاش أصلاً!!"
تجهّم وجهه واستشاط غضباً وقال: "وإنتي إيه اللي يخليكي تلبسي لبس غزل؟! روحي اقلعي اللي إنتي لبساه ده حالاً."
"ليه؟ خايف تضعف؟!"
نظر إليها مذهولاً وراح يقلب كفيه بتعجب وقال: "أضعف إيه وزفت إيه؟! كل الحكاية إن اللبس اللي إنتي لبساه ده أنضف من إنه يتحط على لحم رخيص زيك."
أحاطت عنقه بقوة وهي ترغمه على الاقتراب منها وقالت بإصرار: "لما إنت بتحبها كده مقربتش منها كل ده ليه؟! بتنام في أوضة وهي في أوضة ليه؟!"
قطب حاجبيه بتعجب وقال: "مين اللي قال لك الكلام ده؟"
تحاهلت سؤاله وأضافت: "أقول لك أنا ليه، عشان عمرك ما هتلاقي نفسك غير معايا أنا، متضحكش على نفسك يا يحيي إنت لا يمكن هتعرف تبقى لحد غيري."
دفعها بعيداً عنه بحدة وقال: "أنا كرهتك.. كرهتك وقرفت منك وزعلان على نفسي إني في صلة بيني وبينك.. اخرجي من هنا حالاً واقلعي القميص ده وخذي بعضك وامشي من البيت ده ومتفكريش مجرد إنك تمشي من جنبه حتى بعد كده."
تجاهلت حديثه وسارت بخطوات متمايلة نحو الفراش وجلست على طرفه، ليُسرع نحوها ويجذبها من ملابسها بحدة وهو يقول بغضب هادر: "اخرجي بره... إنتي مكانك الزبالة اللي إنتي عايشة فيها طول عمرك مش هنا."
احتدم النقاش بينهما بين شد وجذب، مقاومتها أمام إصراره، غضبه أمام برودها وثباتها، لتنفلت أعصابه فجأةً وزجر بغضب عاصف وقبض على لياقة قميصها بقوة يجبرها على النهوض من الفراش، فانقطع الثوب الذي ترتديه.
استمعت هي لصوت الباب فعلمت بقدوم غزل واقترابها من تحقيق هدفها، لتجذبه من ساعده فجأة بحركة سريعة حتى سقط فوقها على الفراش، فإذ بالباب ينفرج وتظهر غزل من خلفه جاحظة الأعين وهي تنظر إليهم بصدمة، فوضعت يدها فوق فمها تكتم شهقة كادت أن تنفلت منها، بينما سالت دمعاتها بقهر وحسرة وهي تهز رأسها بنفي وعدم تصديق.
تصنعت يسر الخوف والارتباك، فنهضت على الفور وهي تحاول تخبئة ما ظهر من جسدها وانصرفت إلى الغرفة بسرعة.
استغرق الأمر ثوانٍ معدودة حتى استطاع يحيي استيعاب وإدراك ما حدث منذ قليل، فنظر إلى غزل وقال بشفتين مثقلتين: "غزل.. متفهميش غلط، الموضوع مش زي ما متهيألك!"
اقتربت منه تجر قدميها جراً كمُكبّل بالأغلال، وقفت أمامه مشدوهةً ورفرفت بجفنيها تحاول جمع شتاتها.
أصاب جسدها رعشة قوية لم تستطع هزيمتها، فحاولت البقاء صامدة إلى آخر لحظة.
وقفت تطالعه بغموض وهو يحاول تفسير نظراتها، لكن دون جدوى، فقال بصوت مختنق: "صدقيني وحياة ربنا محصلش بيني وبينها حـ......"
صفعته!
هي كل ما ناله منها، لتتسع عيناه بذهول وهو ينظر إليها، فامتدت يده يتفقد أثرها وكأنه يتأكد من أنها قد صفعته فعلاً!
"إنت مفيش عندك ذرة ضمير."
نطقتها غزل بين بكائها، ليتناسى يحيي ما فعلته للتو وعاد إلى إحساسه بالذنب وقال: "غزل، أقسم لك بالله الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة، أنا هشرح لك كل حاجة بس إهدي."
"تشرحلي؟!! تشرحلي إيه وأنا شوفت كل حاجة بعنيا.. هتبرر موقفك إزاي؟! هل إنت متخيل إن في أي مبرر هتقوله للي شوفته ده هيدخل دماغي وأصدقه؟!"
"اللي إنتي شوفتيه ده مجرد فخ معمول لي ولك.. والله العظيم مظلوم."
"كداب.. كداب مش مظلوم يا يحيي.. أنا مش هاممني اللي شوفته لإن ده المتوقع من ناس شبهكوا.. أنا بس عايزة أفهم حاجة."
نظر إليها متسائلاً، فقالت: "لما إنت لسه بتحبها اتجوزتني ليه؟! أو بلاش اتجوزتني ليه لإن الإجابة واضحة.. طلقتها ليه؟! طلقتها عشان تنتقم منها وترد كرامتك مش كده؟! وجوازك مني ده بقية انتقامك.. صح؟!"
أومأ نافياً وقال: "اسمعيني يا غزل.. والله العظيم كل اللي حصل ده تمثيلية يسر عاملاها ومتعمدة إنك تشوفينا بالوضع ده عشان تفرقنا عن بعض."
أطلقت ضحكة ساخرة مقتضبة سرعان ما تحولت إلى قهقهة عالية يتخللها نشيجها وقالت: "تفرقنا؟!"
انتابتها حالة من الضحك الهستيري وأضافت باستنكار: "تفرقنا؟!.. إحنا مفيش حاجة بتجمعنا أصلاً يا يحيي عشان تفرقنا!"
نظر إليها بحزن بالغ على رؤيتها بتلك الحالة واقترب منها، لتمنعه هي بإشارة ناهية من يدها وقالت: "متقربش مني.. خليك بعيد.. أنا بقيت بقرف منك وبكرهك."
ابتلع غصة بحلقه وقال بهدوء: "أنا مش هعرف أتكلم معاكي يا غزل وإنتي في الحالة دي.. أنا هسيبك لوحدك شوية على ما تهدي وبعدها أفهمك كل حاجة."
احتدم صوتها وقالت: "لأ مش هقعد ولا ههدي.. أنا همشي يا يحيي بس الأول تطلقني!"
ارتفع حاجبيه بتعجب وتمتم: "أطلقك؟!!!"
أومأت بتأكيد وقالت: "أيوة هتطلقني، طالما مش قادرين على بعض كده يبقا تطلقني وترجع لها على الأقل هي أحق برعاية أولادها."
"لأ مش هطلقك يا غزل.. إهدي وبعدين نتكلم."
هم بالخروج من الغرفة لتستوقفه هي ممسكة به بكلتا يديها تمنعه من المغادرة وهي تقول: "لأ مفيش كلام بعد اللحظة دي.. ومش هتخرج من الأوضة غير لما تطلقني."
صدح صوته غاضباً يقول: "قلت مش هطلقك يا غزل.. بمزاجك أو غصب عنك لازم هتفهمي اللي حصل وتعرفي إن محصلش بيني وبينها حاجة."
نظرت إليه بعينيه بقوة مصطنعة وقالت: "مش عايزة أفهم.. افهم إنت وخذ عندك كرامة وطلقني.. بقول لك طلقني يا بارد!"
قضم شفتاه بغضب شديد وهو يمسك بذراعيها بكلتا يديه بغلظة ضاغطاً عليهما بشدة دون وعي منه وقال بصوت حاد: "قلت طلاق مش هطلق.. متختبريش صبري عشان أنا مش عارف أتحكم في أعصابي دلوقتي."
نظرت إليه باستخفاف ودفعته بصدره للخلف وهي تقول بتحدٍ: "مش قادر تتحكم في أعصابك هتعمل إيه يعني؟!"
وأعادت الكرة وقالت: "هتضربني؟!"
وفعلتها مرة أخرى وقالت: "اضربني، اضربني مستني إيه؟!"
اعتراه الذهول والتعجب الشديد من أفعالها، ليجدها تدفعه مرة ثانية حتى التصق بجدار الغرفة وقالت: "مهما تعمل فيا مش هيأثر يا يحيي.. أنا خلاص بقيت معدومة الإحساس بسببك.. مبقاش يأثر فيا أي حاجة."
أغمض عينيه بألم لتستطرد حديثها وتقول: "إنت طول عمرك بتموتني بالبطيء يا يحيي بس النهارده خلاص إنت قضيت عليا."
امتدت يداه تحيطان بوجنتيها وقال وهو يقترب بوجهه منها وينظر داخل عينيها بأسف ويقول: "أقسم بالله يا غزل ما عملت معاها حاجة..."
"ليه كده يا يحيـي؟! ده أنا اللي حبيتك بجد!"
قالتها ببكاء تتمزق له نياط القلب ليجيبها قائلاً: "وحياة أولادي إنتي فاهمة غلط."
"ده أنا ضيعت سنين عمري عشانك وحرّمت على عينيّ تشوف ولا تبص لراجل غيرك."
"أنا آسـف."
قالها مغمضاً عينيه وهو يسند جبينه على جبينها وتابع: "سامحيني.. أنا السبب في كل حاجة وحشة حصلت لك."
"إنت أول حب في حياتي يا يحيـي.. من أول ما فتحت عينيّ على الدنيا وأنا بحبك.. كنت بحبك وأنا عارفة ومتأكدة إنك مش هتكون لي.. كنت بحبك وأنا عارفة إنك ميت ومبقيتش موجود.. كنت بحبك وأنا متجوزاك وعارفة إنك مش بتحبني وقلبك معاها لسه.. أنا قبلت بيك في كل الحالات يا يحيي وقبلت بأقل من اللي أستحقه بكتير.. كل ده عشان أكون معاك."
قبّل كلتا عينيها بأسف ومنح جبينها قبلة وأردف: "أنا آسف.. إنتي أنضف إنسانة قابلتها في حياتي.. عشان خاطري سامحيني وصدقيني.. كل اللي أنا طالبه منك تصدقيني وأنا مستعد أحلف لك على كتاب ربنا.."
رفعت عينيها تنظر إليه، ليقول وهو ممسكاً بوجهها بين راحتيه: "هتصدقيني؟!"
كان رجاءً أقرب منه إليها سؤال، فأومأت بموافقة، ليقول: "أنا دخلت لقيتها بتقول إنك جالك تليفون وأول ما رديتي نزلت جري.. حاولت أتصل بيكي كذا مرة تليفونك مش مجمع.. دخلت الأوضة وبغير هدومي لقيتها فتحت الباب ودخلت بالمنظر اللي شوفتيها بيه ده.. قولتلها إيه اللي إنتي عاملتيه في نفسك ده لقيتها قربت أكتر وبدأت تتمايع وتقرب مني بكل بجاحة.. طردتها مرة واتنين مسمعتش مني وراحت قعدت على السرير وقالت لي إن القميص اللي هي لبساه بتاعك وبدأت تلمح تلميحات سخيفة، فانا قربت منها وبشدها بغيظ القميص اتقطع زي ما شوفتي وفجأة هي شدتني عليها ووقعت جمبها زي ما إنتي دخلتي وشوفتينا.. أقسم لك بالله ده اللي حصل بالظبط.. لا أكتر ولا أقل من كده."
بدا عليها الاقتناع قليلاً، فنظرت إليه وتساءلت: "وهي إزاي هتجيلها الجرأة تدخل أوضتك كده وهي عارفة إن إني ممكن أرجع في أي وقت وأشوفكم سوا؟!"
"اعقليها إنتي واربطي الخيوط ببعضها... هي عارفة إنتي نازلة فين وليه وهترجعي امتى.. وكل خطوة عملتها بحساب وكانت مرتبة ليها كويس أوي."
"تقصد إنها هي اللي ورا التليفون اللي جالي ده؟"
أومأ موافقاً وقال: "معنديش ذرة شك."
نظرت إليه بحيرة، ليقول: "لازم أمشيها حالاً.. خليكي هنا هرجع لك."
عدل ثيابه وخرج متحفزاً من غرفته إلى الغرفة التي تختبئ بها، وأدار مقبض الباب ليجده مغلقاً من الداخل، فركله ركلة واحدة من قدمه لينفتح الباب على الفور، فإذ بها تنتفض وهي تجلس تحتمي بأطفالها، ليجذبها من شعرها بقوة متجاهلاً صرخاتها واستغاثاتها وتوسلات أطفالهما، ثم دفعها أمام باب الشقة بقوة لتسقط أرضاً، ثم عاد إلى الغرفة مرة أخرى والتقط ثيابها من على الفراش وأحكم إغلاق الباب على الصغار، ثم أسرع إليها وألقى إليها بملابسها وقال: "دقيقة واحدة تلبسي هدومك ومشوفش وشك هنا."
قالت ببكاء: "عشان خاطري يا يحيي خليني مع زياد ونور."
جلس القرفصاء وهو يقبض بيديه على شعرها قبضة قوية وقال: "مش عايز أشوف وشك تاني.. وانسى إن ليكي عيال من أصله.. لو سمعت اسمك بس بعد كده همحيكي من على وش الدنيا.. هخلي عيشتك جحيم.. إنتي فاهمه؟!"
أومأت بموافقة ملتاعة وهي تحاول الفرار من بين يديه، لينهض وهو يرمقها بكره شديد، فما كان منها إلا أن ارتدت ثيابها سريعاً وانصرفت بصمت.