تحميل رواية «ليتني مت قبل هذا» PDF
بقلم نعمة حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل عريق بحي راقي بالإسكندرية تجتمع أسرة ميسورة الحال حول مائدة فخمة تحتوي على كل ما لذ وطاب احتفالاً بفطور أول أيام شهر رمضان المبارك. كان يترأس المائدة كبير الأسرة "علي الهنداوي"، رجل ذو هيبة ووقار قد زيّن الشيب رأسه ليفصح عن بلوغه السبعين عاماً أو يزيد. يجاوره عن يمينه ولده الأكبر "سليمان" ذو الأربعين عاماً وزوجته "صافيه" تجلس أمامه على الجانب الآخر للمائدة. يتبعه الأخ الأوسط "عبدالقادر" والذي يبلغ خمسة وثلاثين عاماً وزوجته "زينب" تجلس إلى جانب "صافيه". يتلوه الأخ الأصغر "يحيي" ابن الثلاث...
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الأول 1 - بقلم نعمة حسن
في منزل عريق بحي راقي بالإسكندرية تجتمع أسرة ميسورة الحال حول مائدة فخمة تحتوي على كل ما لذ وطاب احتفالاً بفطور أول أيام شهر رمضان المبارك. كان يترأس المائدة كبير الأسرة "علي الهنداوي"، رجل ذو هيبة ووقار قد زيّن الشيب رأسه ليفصح عن بلوغه السبعين عاماً أو يزيد.
يجاوره عن يمينه ولده الأكبر "سليمان" ذو الأربعين عاماً وزوجته "صافيه" تجلس أمامه على الجانب الآخر للمائدة. يتبعه الأخ الأوسط "عبدالقادر" والذي يبلغ خمسة وثلاثين عاماً وزوجته "زينب" تجلس إلى جانب "صافيه". يتلوه الأخ الأصغر "يحيي" ابن الثلاثين عاماً وتجلس أمامه زوجته "يُسر" التي تحمل طفلتها الرضيعة "نور" وإلى جانبها طفلها "زياد".
حمحم الأب بقوة وهو يبسط ساعديه ويثنيهما في حركة سريعة استعداداً لتناول الطعام وقال بصوت قوي:
"كل سنة وإنتوا طيبين يا ولاد.. يلا بسم الله."
ردد الجميع دعاء الإفطار وبدأوا بتناول فطورهم وكلٌ منهم يستعيد ذكريات الأعوام الماضية ليقول "علي":
"ادعوا لـ زاهيه الله يرحمها، النهارده تالت رمضان نفطر من غيرها."
دعا الجميع لها بالرحمة ليبادر سليمان قائلاً:
"ربنا يطولنا في عمرك يابا ودايماً متجمعين على حسك."
هنا برز صوت يُسر تقول:
"أظن بكرة الفطار عندك يا عمو سليمان، إحنا متعودين على كده، وبعد بكرة عند عمو قدّورة."
رمقها سليمان بنظرات خاطفة متفحصة قبل أن يقول:
"أكيد إن شاء الله، هو شهر في السنة اللي بنتجمع فيه."
تداخل صوت زينب وهي تقول:
"وإنتي حسبتي الحسبه كده يا ست يُسر وطلعتي نفسك منها، مش ناويه تعزمينا يوم ولا إيه؟"
"_لاا يا زيزي ما إنتي عارفه إني مليش في جو العزومات والطبخ وكده، لو تحبوا تفطروا ديليفيري ماشي._"
لوت زينب جانب شفتيها بسخرية وقالت:
"ديليفيري؟! لأ يختي منجلكيش في ديليفيري، إحنا رمضان بالنسبة لنا طبيخ كتير وحلل ودوشه وحاجات كده متفهميش فيها إنتي يا بتاعة الديليفري."
أومأت يُسر بموافقة وقالت:
"خلاص هبقى أشوف ولو كده هخلي 'غزل' تطبخ معايا."
انتبه "علي" ونظر إلى صافيه قائلاً:
"أومال صحيح فين 'غزل' يا صافيه؟"
تنهدت صافيه بيأس وقالت:
"غلبت معاها يا حج والله إنها تقعد تفطر معانا بس هي بتتكسف زي ما إنت عارفها.. قاعدة بتفطر جوا مع 'أم حسين'."
صدح صوته الجهوري منادياً:
"غززززززل."
انتبهت "غزل" على نداؤه لتنهض سريعاً عن الطعام وتذهب إلى الخارج تتهادى خطواتها باستحياء ونظرت إليه بابتسامة هادئة وأردفت:
"نعم يا عمو علي؟"
ابتسم هو باتساع وقال:
"مبتقعديش تفطري معانا ليه؟! عايزاني أزعل منك؟!"
أفتر ثغرها عن ابتسامة صافيه وقالت:
"لأ طبعاً يا عمو مقدرش على زعلك، بس أنا بفطر مع خالتي أم حسين عشان متفطرش لوحدها."
أومأ موافقاً وقال:
"ماشي يا آنسة غزل.. وهو كذلك."
برز صوت "يُسر" متأففاً فقالت:
"غزل خدي نور شيليها لأني مش عارفه أفطر منها."
نظرت إليها غزل بتعجب وهمّت بقول شئٍ ما قبل أن يهمس إليها "يحيي" قائلاً:
"وهي غزل مش هتفطر ولا إيه؟! هاتي نور أشيلها أنا."
هنا تفوه الأب قائلاً:
"روحي يا غزل كملي فطارك يلا ولما تخلصي فطار اعمليلي كوباية شاي حلوة من إيديكي."
أشارت غزل إلى عينٍ تلو الأخرى وأردفت:
"من عنيا حاضر."
حمحم سليمان بصوته الغليظ قائلاً:
"الحمدلله.. ربنا يديمها علينا نعمة ويحفظها من الزوال.. كل سنة وإنتوا طيبين جميعاً والفطار بكرة عندي إن شاء الله."
أومأ الجميع موافقاً ليقول "عبدالقادر":
"بإذن الله أنا ويحيي نازلين القاهرة بكرة عشان نستلم البضاعة الجديدة.. لو لحقنا الفطار خير، ملحقناش تتعوض بقا."
أومأ سليمان بتفهم وقال:
"إن شاء الله.. بس قبل ما توصلوا تكلموا التاجر تبلغوه إنكم على وصول عشان يجهز لكوا البضاعة ومتتأخروش شبه النوبة اللي فاتت."
قال يحيي:
"أنا هكلمه على بيات كمان عشان يكون على علم بسفرنا ليه بكرة ويجهز الخامات كلها من دلوقتي."
هز سليمان رأسه بتأييد وقال:
"عفارم عليك.. يلا أستأذن أنا عشان ألحق المغرب.. سفرة دايمة يابا."
"_يدوم عزك يبني.._"
"هاا يا زينب قربتي ولا لسه؟"
قالها متوجهاً بحديثه نحو زينب وهو يشير برأسه إلى بطنها المنتفخ فقالت:
"والله يا حج منا عارفه.. بس هانت أهي."
أومأ مبتسماً وقال:
"ربنا معاكي.. أومال 'سيف' اتأخر ليه مش قولتوا هيخرج من الدرس أذن المغرب؟!"
ليقاطعه دخول "سيف" محدثاً صخباً وقال:
"السلام عليكم.. جعان ياما إلحقيني."
ضحك الجميع فقال جده:
"ابن حلال، لسه جايبين في سيرتك، يلا غسل وشك وإيديك وتعال كل بسرعة."
نهضت يُسر عن الطعام وقالت منادية:
"غزل.. يا غزل."
قالت صافيه:
"عايزة غزل في إيه يا يُسر؟"
"_تيجي تشيل نور على ما أغسل إيديا._"
طالعها يحيي مستاءاً وقال:
"هاتي نور وأنا أشيلها وروحي اغسلي إيديكي."
ثم قال بغضب:
"مش كل شوية يا غزل يا غزل، البنت مش شغالة عندنا."
خرجت غزل من المطبخ تقول:
"أفندم يا أبله يُسر.. عاوزة حاجة؟!"
نظرت إليها يُسر بتجهم وعبس وجهها فقالت:
"إيه أبله دي هو إنتي شيفاني إيه؟!"
نظر إليها الجميع بضيق فقال يحيي:
"خلاص يا يُسر بقا.. روحي إنتي يا غزل خلاص."
أومأت غزل بموافقة وانصرفت لينهض يحيي عن المائدة ويلتقط طفلته من بين يدي أمها ويقول بضيق واضح:
"كل سنة وإنت طيب يا حج وبعودة الأيام."
ثم نظر إلى يُسر وقال:
"أنا طالع.. خلصي وتعالي."
صعد يحيي إلى شقته ليجد زوجته تتبعه على الفور فنظر إليها بضيق وقال:
"مش هتبطلي حركاتك السخيفة دي بقاا يا يُسر؟! قولتلك 100 مرة بلاش تضايقي حد بأسلوبك ده وبالأخص غزل...."
قاطعته وقد اشتعل فتيل غضبها وقالت:
"أيواااا.. إشمعنا غزل بقا اللي هتموت عليها كده ومش عايز حد يمسها بكلمة!"
نظر إليها متعجباً وقال:
"بردو يا يُسر؟! رجعنا لنفس الحوار الأهبل ده؟! قولتلك مليون مرة غزل دي أختي.. أنا اللي مربيها ومن هي عيلة لسه من أول ما بدأت تيجي عند صافيه من سنين السنين.. وبعدين كلنا هنا بنعتبرها من أهل البيت وهي بتحب الكل هنا وبتعاملهم بعشم وأخوية.. وإنتي عارفه إن أبويا بيعزها ودائماً يقول بت يتيمه متكسروش خاطرها."
ثم تمتم باستنكار:
"وبعدين يبقا في تمييز شوية يعني ده أنا أكبر منها ييجي كذا سنة!"
نظرت إليه باستخفاف وقالت:
"بس دلوقتي مبقتش عيلة صغيرة يا يحيي، وبصراحة بقا أنا لما بشوفها هنا بتغم والعفاريت بتركبني."
قلّب كفيه متعجباً وقال:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. وأنا مالي بقت عيلة ولا مبقتش عيلة.. أنا مالي أبويا هو أنا هتجوزها.. وبعدين بقولك أختي.. فاهمة يعني إيه أختي!!"
ثم إن يعني إيه لما بتشوفيها هنا بتتغمي؟! إنتي عايزها تبطل تزور عمتها عشان خاطرك ولا إيه؟!"
قالت بجدال:
"بس الزيارة بتبقى يوم ولا اتنين.. دي لما بتيجي عند صافيه كأنها لزقت بـ غرا..."
قاطعه بعصبية وصاح متشنجاً فقال:
"يُسر بقولك إيه أنا مش رايق لكلام النسوان ده عالمسا.. تقعد يوم تقعد شهر هي مش قاعدة على قلبك.. وإنتي عارفة إن هي بتيجي تقعد مع صافيه تونّسها مش جايه عياقة.. وهعيدها لك لآخر مرة...."
ثم أشار بإصبعه باتجاه رأسها وقال:
"الكلام الفاضي اللي حطاه في دماغك ده هيتعبك.. كبري عقلك كده واعرفي إنتي إيه وهي إيه هتلاقي نفسك ارتحتي."
راقتها كلماته فاقتربت منه لتلصق به بغنج وراحت تعبث بأزرار قميصه وهي تنظر له بخبث وقالت:
"قوللي إنت أنا إيه وهي إيه؟!"
هز رأسه يائساً ثم ابتسم وأحاطها بكلتا يديه يقربه منه أكثر وقال:
"عليا الطلاق إنتي مجنونة ومخك ضارب.. بقا يا عبيطة حد يتجوز برنسيسة زيك ويبص لأي واحدة خلقها ربنا؟! حتى لو كانت حورية نازلة من الجنة."
ابتسمت بسعادة ليستكمل حديثه قائلاً:
"وبعدين يا يُسر إنتي مراتي وأم بنتي.. يعني كل حاجة بالنسبة ليا.. أول واحدة حبيتها وأول واحدة عرفتها وأول واحدة لمستها... هااا."
قال الأخيره غامزاً إياها بعينه وهو يضحك بعبث ويقول:
"واخد بالك إنت يا جميل؟!"
صدحت ضحكاتها عالياً ليقول:
"الله أكبر.. بقولك إيه أنا داخل أريح شوية."
أومأت بموافقة ليسير باتجاه الغرفة وينظر خلفه ليجدها ما زالت بمكانها فقال:
"يا بت بقولك داخل أريح شوية."
ضحكت بشدة وقالت:
"الله.. مش تقول."
قال مشاكسًا:
"ماهو الفجر مبيقولش.. الفجر بيدخل على طول."
***
بالأسفل في شقة "صافيه" كانت تجلس "زينب" تحمل طبقاً كبيراً من الحلويات الشرقية تتناوله بنهم وهي تثرثر قائلة:
"شوفتي السهونة اللي اسمها يُسر وعمايلها.. بت تحسي إنها راضعة سم والعياذ بالله."
أتاها صوت "غزل" من خلفها وهي تلتقط طبق الحلويات من بين يديها وتقول:
"يعني تفضلي صايمة طول النهار يا زوبة وتضيعي صيامك على ست يُسر دي! اتقي الله."
نظرت إليها زينب وقالت:
"يُسر.. وما أدراك بـ يُسر يختي، دي ميه من تحت تبن، حرباية وبتتلون على كل لون شوية اسأليني أنا، أنا اللي عارفاها وحافظاها، سيبك من عمتك دي خايبة وقلبها قلب خصاية وبيتضحك عليها بكلمتين."
غمزتها غزل بمشاكسة وقالت:
"يا واد يا شبح إنت.. بس إيه رأيك في الأكل النهارده؟! كان فخامة مش كده؟!"
لوت زينب شفتيها وقالت:
"بورريه منك يبت وإنتي طالعة لعمتك مبتحبيش تجيبي في سيرة حد.. غيرتي الموضوع في ثانية."
نظرت صافيه وغزل إلى بعضهما البعض ضاحكتين فهزت صافيه رأسها بيأس وقالت:
"مهو ده الصح يا زينب وإحنا يعني هنستفيد إيه لما نتكلم على دي ودي.. دعِ الخلق للخالق."
مصمصت زينب شفتيها وقالت:
"طيب يا شيخة خضرا إنتي وبنت أخوكي فوتكوا بعافية بقا أطلع أجهز لـ قدّورة هدومه عشان ماشي بدري.. تصبحوا على خير."
مشت زينب بخطوات متثاقلة تجر قدماها جراً حتى صعدت إلى شقتها فقالت غزل التي كانت تنظر في أثرها:
"يا ساتر منها.. ربنا ما يوقعنا في لسانها."
ربتت صافيه على كتفها وقالت:
"زينب طول عمرها بتحب الكلام الكتير، مش جديد عليها يعني، المهم قومي يلا نامي عشان هصحيكي على السحور وإنتي لو صحيتي مش هيجيلك نوم تاني، خليكي تمشي بكرة وإنتي فايقة."
تثائبت غزل وقالت:
"أه والله فكرتيني.. والله يا عمتو على عيني إني أسيبك."
غمزتها صافيه وقالت:
"يا بت؟! على عيني إنك تسيبيني أنا بردو؟!"
ابتسمت غزل بحزن وأردفت وهي تنظر للأمام بألم داخلي يسكن بين أضلعها:
"مش فارقة يا عمتي.. القلب اتكسر من زمان وسيبت زي مسيبتش واحد."
ربتت صافيه على خدها برفق وقالت:
"كله نصيب يا غزل يا بنتي.. ربنا يعوض عليكي باللي يريح قلبك ويسعدك."
أومأت غزل بهدوء ونهضت لتدلف إلى غرفتها وتتدثرت بغطائها جيداً وشردت تفكر به مهلك قلبها ومؤرق مضجعها قبل أن يغلبها النعاس وتستسلم لسلطانه.
***
بعد آذان الفجر صلّى يحيي فرضه وودّع زوجته وأطفاله قائلاً:
"إن شاء الله هنحاول نستلم بسرعة ونرجع قبل الفطار ولو ملحقناش هنفطر في الطريق وإبقى افطري إنتي والعيال مع الجماعة عند سليمان."
أومأت يُسر بموافقة ليبتسم لها قائلاً:
"ومش عاوز مشاكل، أنا فهمتك كل حاجة ولما أرجع هفهمك بزيادة."
ابتسمت باتساع وقالت:
"اللهم إني صايمة.. يلا اتكل على الله ومتنساش تجيبلي الحاجات اللي كتبتهالك في الورقة."
أشار إلى عينٍ تلو الأخرى وقال:
"من عنيا الاتنين.. لما نور تصحى بوسيهالي وخلي بالك منها وأكليها كويس."
"_حاضر، مع السلامة._"
نزل يحيي من شقته ليطرق في طريقه باب شقة عبدالقادر قبل أن يفتح له الباب وهو يستعد فقال:
"ثواني بس يا يحيي هجيب الفلوس وأنزل."
قال:
"ماشي براحتك أنا هستناك تحت."
نزل يحيي درجات السلم ليتصادف مع إنفراجة باب شقة سليمان قبل أن تخرج منه "غزل" التي ابتسمت فور أن رأته وقالت:
"صباح الخير."
ابتسم بلطف كبير وأردف:
"صباح الخير يا غزال، على فين كده؟"
اتسعت ابتسامتها أكثر لمناداته لها بذلك اللقب الذي طالما ناداها به منذ طفولتها فقالت:
"ماشية بقا عشان بابا ميفطرش لوحده النهارده كمان."
قال متعجباً:
"ماشية بدري كده! طب استنى لما النهار يطلع طيب."
أردفت بود:
"لأ مفرقتش بقا.. أبو حسين هيوصلني."
أومأ موافقاً وقال:
"توصلي بالسلامة إن شاء الله.. مش عايزة حاجة أجيبهالك من مصر؟!"
تمتمت بهيام دون وعي منها:
"عايزة سلامتك وبس."
ابتسم وقال:
"الله يسلمك يارب.. طب عن إذنك أنا بقا."
ولّاها ظهره لتناديه هي قائلة:
"يحيي."
استدار ناظراً إليها بانتباه مستفهم ليجد وجهها وقد أصبح كتلةً حمراء فعلم بخجلها لأنها نطقت اسمه دون ألقاب فقال:
"نعم يا غزل؟! كنتي عايزة حاجة؟!"
لم تجب سؤاله ولكن امتدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت منها مصحفاً صغيراً وأعطته له وقالت:
"خد المصحف ده خليه معاك.. ترجع بالسلامة إن شاء الله."
اتسعت ابتسامته وقال:
"متحرمش منك يا غزل.. شكراً بجد...."
قاطعه رنين هاتفه فأجاب وهو ينظر لها متعجباً ويقول:
"ده قدّورة."
"=ألو.. أيوة يا قدّورة؟!"
"=أيوة يا يحيي بقولك.. زينب شكلها كده هتعملها النهارده ومش عارف أعمل إيه؟! آجي ولا أخليني معاها."
ابتسم يحيي قائلاً:
"والله مراتك دي مستقصداني، يعني يوم ولادة سيف كنت أنا مسافر ومعرفتش تيجي توصلني ودلوقتي محبكتش تولد غير في يوم زي ده! خليك معاها يا عم وأنا هروح لوحدي."
"=معلش يا يحيي غصب عني والله، بس أنا مش ضامن ترجع تولد وأنا مش هنا ومحدش هيسلك معاها غيري."
"ولا يهمك يا عبدالقادر، ربنا معاها وتقوم بالسلامة إن شاء الله."
أنهى يحيي حواره الهاتفي وقال موجهاً حديثه إلى غزل:
"قدوره مش هيعرف ييجي معايا عشان زينب هتولد.. هضطر أمشي لوحدي بقا."
تهلل وجهها وقالت بحماس:
"بجد زوبة هتولد!! ده أنا كده مش ماشية بقا، أصل أنا بحب اللحظات التاريخية دي."
تشدق ضاحكاً فقال:
"طيب يستي خليكي إنتي احضري اللحظات التاريخية دي وأنا هطير بقا عشان ألحق أوصل قبل الميعاد."
أومأت موافقة وقالت:
"ربنا معاك.. مع السلامة."
نزل يحيي إلى شقة والده وطرق الباب قبل أن يدلف إلى غرفته فوجده قائماً يصلي فانتظر حتى انتهى وتقدم منه مقبلاً يداه وقال:
"أنا ماشي يابا، عايز حاجة؟!"
ربت والده على كتفيه قائلاً:
"ربنا يسهل عليك يبني، تروحوا وترجعوا بالسلامة."
"_قدورة مش جاي أصل مراته شكلها تعبانة وبتولد._"
"وهو كذلك.. ربنا يسترها معاك.. مع السلامة."
انصرف يحيي للخارج واستقل سيارته وانطلق بها نحو القاهرة.
***
ارتفع صراخها وزلزل جدران البيت محدثاً ضجة عارمة، لقد اشتدت آلام المخاض حتى شعرت بأنها ميتة لا محالة، اجتمع الكل في شقة زينب وعبدالقادر ينتظرون قدوم وليدها الذي طال انتظاره بعد مجيء شقيقه الأكبر "سيف" لتعلن صرخاته الضعيفة عن قدومه إلى عالمهم فتهلل وجه الجميع مستبشرين قبل أن تخرج صافيه من الغرفة تحمله بين ذراعيها وهي تضمه إلى صدرها اشتياقاً ولهفة كما لو أنها من أنجبته لتتقدم من الجد الذي نهض يستقبل حفيده الأصغر باسماً وحمله بحب قائلاً:
"بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله ماشاء الله."
ثم انحنى ليطبع على جبينه قبلةً لتقول صافيه:
"شبه مين يا حج؟!"
نظر إليها مبتسماً وقال:
"بالرغم من إن المولود عمره ما تعرفي تحددي له شبه، بس ابن الكلب ده جاي نسخة من عمه يحيي."
أومأت صافيه بموافقة وقالت:
"معاك حق يا حج، أنا كمان أول ما شوفته قولت شبه يحيي، يحيي لما يرجع ويشوفه هيفرح بيه أوي."
أومأ ضاحكاً وقال:
"أومال، الوحيد اللي نصفه وجه شبهه، ده عياله معملوهاش."
تقدمت يُسر منهم بسرعة وهي تحمل الصغير وتقول:
"يااتي على الطعامه يا ناس، فعلاً شبه يحيي خالص، عقبال ما تجيبي يا صافيه."
انقشعت ابتسامة صافيه عن ثغرها وأومأت بهدوء فقالت:
"ربنا يخليكي يا يُسر، عن إذنكم أشوف زينب."
كانت غزل تطالعها بحنق وغضب يملأها حينما رأتها تخرج هاتفها وتقوم بالتقاط الصور للصغير برفقتها فقالت:
"بلاش صور يا أبلة يُسر، ده لسه بيبي مولود مينفعش يتصور."
نظرت لها يُسر بغيظ وقالت:
"ملكيش دعوة يا أبلة غزل، وبعدين أنا مش هوريها لحد يعني ده أنا هبعتها لـ يحيي يشوفها."
قالت غزل باندفاع:
"لأ بلاش، أكيد سايق دلوقتي لما ييجي بالسلامة يبقى يشوفها."
رفعت يُسر إحدى حاجبيها بتعجب لرؤية لهفتها الواضحة وأردفت بفظاظة:
"ملكيش فيه!"
كان "علي" يتابع الحوار بينهما بعين خبيرة التقطت ما يدور في نفس كل منهما تجاه الأخرى ليصدح صوته قائلاً:
"غزل معاها حق يا يُسر، متخليهوش يتلهي عن الطريق."
قالت يُسر مديرة دفة الحوار:
"هتسميه إيه يا بابا الحج؟!"
هندم "علي" شاربه العريض بخيلاء وزهو قبل أن يتمتم قائلاً:
"يحيي."
***
كان يسير في طريقه بتركيز وهدوء قبل أن يتوقف عندما رأى على مدد بصره شاباً يشبهه في الهيئة ويقاربه في السن يقف على جانب الطريق ينتظر مساعدةٍ ما فتوقف أمامه بالسيارة وأنزل زجاج النافذة وقال متسائلاً:
"يلزم خدمة يا ريس؟!"
تحدث الشاب قائلاً:
"معلش يا ذوق تاخدني في طريقك بس للمينا."
"_و ماله يا عم إنت على دماغي.. اتفضل._"
فتح يحيي باب السيارة ليدلف ذلك الرجل وهو يمد يده ليصافحه قائلاً:
"أخوك بسّام."
صافحه يحيي بترحاب وقال:
"عاشت الأسماء يا بسام، يحيي الهنداوي."
"_تشرفنا يا باشا، إنت من عيلة الهنداوي بتوع القماش؟!"_
أومأ يحيي موافقاً ليقول الآخر:
"ما شاء الله، ده انتوا صيتكم ذايع ومعروفين في كل حتة، ربنا يزيد ويبارك."
"تسلم يا بسام، ده من ذوقك. وانت بقا شغال في المينا؟"
أومأ بسّام قائلاً:
"أنا شغال في أي حاجة وكل حاجة بتجيب فلوس، محسوبك فهلوي وبيعرف يجيب القرش من حنك السبع."
هز يحيي رأسه مرات متتالية وقال:
"آاااه فهمت، بتهرب بضاعة مش كده؟!"
مسح بسام جانب فمه وأردف باسماً:
"يعني حاجة زي كده، لو ليك أي مصلحة قوللي وأنا أقضيها لك بعون الله."
أردف يحيي ساخراً:
"يا عم بعون الله إيه، ربنا بريء من أمثالكم، وبعدين أنا مليش في الشمال الحمد لله، أنا باكل لقمتي بالحلال ومقبلش أدخل مليم حرام على ولادي."
ابتسم الآخر متهكماً وقال:
"يعمي متحبكهاش، منا ليا عيال زيك بردو ولو معملتش كده مش هلاقي العيش الحاف آكله ليهم."
قال يحيي معترضاً:
"بيتهيألك، ربنا بيرزق بس إنتوا اللي بتستسهلوا الحرام."
ارتفع رنين هاتف يحيي وكان الاتصال وارد من زوجته ليجيب على الفور قائلاً:
"ألو."
"_أيوة يا يحيي، وصلت ولا لسه؟_"
"عالطريق أهو، إيه الأخبار؟"
"_تمام، زينب ولدت وجابت يحيي._"
"بسم الله ما شاء الله، ربنا يبارك ويخلي، كويس إنك بلغتيني عشان أجيب هدية للأستاذ يحيي وأنا جاي."
"_ليه يعني مش لازم على فكرة؟ المهم اقفل كده هبعتلك صورته._"
"طيب ابعتيها قبل ما التليفون يفصل شحن، يلا سلام."
أنهى المكالمة لتصله على الفور رسالة منها تحتوي على صورة المولود فتحها ليرتفع حاجباه بذهول ويقول:
"يابن الإيييييه، ده شبهي أكتر مني!"
انشغل بتكبير الصورة وهو يحلق بها ويتفحصها جيداً ليتفاجأ بصياح بسّام وهو يحذره من اقتراب سيارة نقل ثقيل "تريلا" ويصرخ قائلاً:
"حااااااااااسب!!!!"
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثاني 2 - بقلم نعمة حسن
كانت الشمس قد نثرت خيوطها الذهبية ليعم ضوءها الكون بأكمله معلناً عن قدوم صباح جديد تتخلله بدايات و نهايات و ما بينهما يذوب القلب ذوباناً.
كان الجميع حاضرون بشقة زينب بعد إستقبال المولود الجديد حيث كانت صافيه تقوم بمراعاة زينب و يُسر تحمل المولود و غزل تساعد "أم حسين" في تدبير شئون المنزل.
نهض "علي" عن مقعده وهو يتحدث إلي عبدالقادر قائلاً:
اللي جابلك يخليلك يا قدّورة و حمدالله علي سلامتهم.
نهض عبدالقادر إحتراماً لوالده وقال:
الله يسلمك يابا و يبارك في عمرك، يتربي في عزك إن شاءالله.
تمتم الأب وهو يتجه بإتجاه باب الشقه:
يتربوا في عزك إنت و أمهم يبني، هنزل أنا بقا أريح شويه قبل صلاة الضهر.
_إتفضل يا حج.
نهض سليمان بدَوْرِه قائماً ليربت علي كتف أخيه قائلاً:
إتجدعن يا قدّورة، حمدلله على سلامتهم.
_الله يسلمك يا سليمان، رايح المحل ولا إيه؟!
أومأ سليمان موافقاً وقال:
أيوة هروح أبص بصه كده و أجي أريح شويه، سي يحيي منيمناش الليل.
إبتسم عبدالقادر وقال:
صحيح إنت مكلمتش يحيي إتطمنت عليه وصل ولا لسه؟
=والله راح عن بالي خالص، بس أكيد وصل دي الساعه داخله علي 11.
_طب كلمه كده قبل ما تنزل ألا أنا إتلهيت أنا كمان.
أخرج سليمان هاتفه و قام بالإتصال بـ هاتف يحيـي ليقطب حاجبيه قائلاً:
التليفون مقفول!
_طيب جرب تاني كده جايز قاعد في حته مفيش فيها شبكه.
حاول سليمان مرات عديدة دون فائدة فنظر إلي أخيه وقال:
بردو مقفول!
ساورهم الشك و إنتابهم القلق ليقول سليمان:
أنا هكلم "حنّا" أسأله إذا كان راحلهم ولا لأ.
علي الفور نطق عبدالقادر قائلاً:
أيوة فكرة، كلّمه.
قام سليمان بالإتصال بـ "حنّا" أمين مخازن القماش بالمصنع الذين يتعاملون معه فأجاب قائلاً:
أيوة يا عم سليمان، كنت لسه هكلمك، التسليم إتأخر و الريس رؤوف مستعجل و عمّال يسأل علي يحيي و عبدالقادر.
إزدادت خفقات قلبه ليردف مستفهماً ويقول:
هو يحيي لسه موصلش؟! ده طالع من الساعه 5 الفجر.
_لأ لسه محدش جه، أعمل إيه دلوقتي في البضاعه بتاعتكوا؟ أقفل و أروّح ولا أستني شويه؟
لم يجيب سليمان بل أنهي المكالممه علي الفور ليعاود الإتصال بـ هاتف يحيـي و لكن الهاتف ما زال مغلقاً مما جعله يضطرب و نظر إلي شقيقه بخوف و قال:
وبعدين يا عبدالقادر؟! يحيي تليفونه مقفول و "حنّا" بيقول إنه مراحش!! هنتصرف إزاي؟
مسح عبدالقادر وجهه بضيق و توتر وقال:
طيب خلينا نستني شوية بدل ما نوتر روحنا عالفاضي، و لو مجاش أخبار تبقا إنت تسافر له.
أومأ سليمان وهو يحاول إخفاء توتره و قال:
تمام، معاك حق، أنا هنزل دلوقتي و لو في جديد هبلغك.
نزل سليمان إلي شقته ليصطدم بـ غزل حيث كانت تفتح الباب لينظر لها ويقول:
مالك يا غزل بتعيطي ليه؟!
جففت وجهها وقالت وهي تنظر بالأرض:
مفيش حاجه يا عمو سليمان.
_لأ في، حد مزعلك ولا إيه؟!
سالت دمعاتها تلقائياً وقالت:
لأ أبداً، أنا قلبي مقبوض بس و حاسه إني مش عارفه أتنفس، قولت أنزل أصلي ركعتين.
أطلق تنهيدة حارة وقال:
ربنا يستر يا بنتي، إنتي طالعه؟
أومأت بتأكيد وقالت:
أيوة هطلع أتطمن علي زوبه و يحيي و همشي بعدها.
ثم رَفَعت ناظريها إليه وقالت بقلق:
كلمت يحيـي ولا لأ يا عمو؟!
مسح وجهه بضيق و زفر مطولاً ثم قال:
والله يا غزل مش عارفين نوصل له، تليفونه مقفول و بكلم الناس اللي مفروض يستلم منهم بيقولوا مجاش، ربنا يستر.
عادت عيناها لتدمع من جديد و إزدادت ضربات قلبها وقالت بخوف:
طيب وبعدين، ما تكلم حد من المرور طيب تسألهم علي نمر العربية و هما يشوفوا إذا كانت عدت ولا لأ.
تهلل وجهه وقال:
عفارم عليكي يا غزل، كانت تايهه عني فين الفكره دي.
علي الفور أخرج هاتفه ليباغته إتصال من هاتف يحيـي ليجيب علي الفور قائلاً بلهفه:
ألو، أيوة يا يحيـي.
_ألو،السلام عليكم، حضرتك أستاذ سليمان؟
=أيوة أنا، مين حضرتك؟!
زم الرجل شفتيه بأسف وقال:
التليفون ده لقيناه علي طريق مصر إسكندريه عند محطة الزكي بتاعة البترول، كان مرمي علي الأرض....
قاطعه سليمان قائلاً:
ده تليفون أخويا يحيي الهنداوي!
أكمل الرجل بأسف وقال:
الحقيقه في حادثة هنا علي الطريق و التليفون كان مرمي علي الأرض و إحنا مش عارفين نوصل لصاحب التليفون ولا للي عمل الحادثه.....
و كأن الأرض ضاقت عليه بما رحُبت حتي أصبح لا يستمع إلي ما قاله ليسقط الهاتف من بين يديه أرضاً وهو يقول:
يحيـي عمل حادثه.
شقّت صرخاتها سكون الكون ليجتمع الكل علي صرخاتها المرتفعه وهم يتسائلون:
في إيه يا سليمان، مالها غزل؟!
تحدث سليمان وهو يشعر بأن الأرض تميد به فقال:
يحيـي عمل حادثة، واحد كلمني من تليفونه دلوقتي و بلغني.
هرع الكل بإتجاه موقع الحادث و القلق يأكل دواخلهم و قد أخذ منهم كل مأخذٍ خاصةً عندما رأوا سيارات الإسعاف و الشرطه و الحشود الغفيره تجتمع علي جانبي الطريق و دخان كثيف يغطي المكان من حولهم.
ترجّل الأب و سليمان و عبدالقادر و يُسر من السيارة يركضون بلهفه و خوف و أمل بداخلهم أن يكون الخبر غير صحيح ليتفدم منهم الشرطي وهو يمسك بـ جزدان تعرّفت يُسر إليه فوراً وقالت:
دي محفظة يحيـي.
نظر الشرطي إليها و غمرهم جميعهم بنظرات آسفه قبل أن يردف قائلاً:
يحيي علي كامل الدمنهوري؟!
أومأ الأب مؤكداً وقال:
أيوة يا حضرة الظابط، إبني جراله إيه؟! و عربيته فين؟!
نظر الظابط إلي الدخان الكثيف و أعاد النظر إليهم ليقول:
عربية يحيي ( س ص ج 6541)؟!
أومأ سليمان قائلاً:
أيوة صح.
تمتم الظابط آسفاً وقال:
الكاميرات اللي في محطة البترول رصدت العربيه وقت لما إصطدمت بـ تريلا و إنقلبت في منطقه منخفضه مما أدي لإشتعالها و تفحمها، و تم نقل الجثه لمشرحة مستشفي الهلال المركزي، البقاء لله.
سقط الأب مغشياً عليه قبل أن يهرع إليه أبناؤه يحملونه مسرعين بإتجاه المشفي.
بعد إفاقة الأب كانوا يتسارعون نحو المشرحه ليستوقفهم الطبيب قائلاً بفظاظة:
يا جماعه الزحمه دي ملهاش لزمه، وبعدين للأسف الجثه متفحمه يعني منصحش حد يدخل يشوفها أصلاً، ياريت تخلصوا الإجراءات و تستلموا الجثه و تتفضلوا.
كان الحزن قد مزّق قلوبهم و بدّد روحهم حتي أنهم أصبحوا كالموتي لا ينطقون ولا يسمعون بل يكادوا يكونوا لا يفقهون شيئاً ولا يشعرون.
عادوا إلي المنزل يحملون جثمانه المشوّه لينتشر علي الفور خبر موتهِ و يبدأون في إجراءات الدفن و العزاء.
كانت "غزل" كالقالب المصمت لم تنتج عنها أية ردة فعل فكانت تجلس بالعزاء تتشح بالسواد في صمت و هدوء حتي أنها لم تذرف دمعةً.
لقد كانت تعاني من أولي مراحل الصدمه النفسيه ألا وهي "الإنكار" حيث أنها لم تكن تصدق ما يدور حولها لتتحدث بشرود إلي عمتها و تقول:
بتعيطي ليه يا عمتي؟ يحيـي كويس والله و راجع بإذن الله، أكيد الخبر ده مش صحيح!
طالعها الجميع بشفقة و أسف ماعدا "يُسر" التي كانت تنظر إليها بغضب و ضيق يتخللهما تعجب من حزنها الغير مبرر من وجهة نظرها و لكنها لم تعقّب علي أية حال.
همست إليها صافيه وقالت:
قومي يا غزل إرتاحي إنتي.
_إشمعنا أنا؟!
نطقت بها غزل بحدة جعلت الكل ينتبه لها و قد دخلت في ثاني مراحل الصدمه و هي "الغضب" فأردفت قائلة:
إشمعنا أنا اللي مفيش فرحه بتكمل لي أبداً، ليه كل ما أحب حد أتحرم منه يا عمتي؟! ده مش عدل أبداً!!
إحتضنتها صافيه لتنفجر باكية وهي تتشبث بها فقالت صافيه:
قومي معايا يا غزل.
نهضت غزل برفقة عمتها لتنزل إلي شقتها و من ثم دخلت إلي غرفتها فجلست صافيه إلي جوارها وهي لا زالت تضمها إلي صدرها وقالت:
إجمدي يا غزل مش كده، الناس كلها خدت بالها منك و من كلامك، أنا عارفه إنه غصب عنك بس لازم تاخدي بالك من تصرفاتك يا حبيبتي.
أجهشت غزل باكية وهي تضرب موضع قلبها بقبضتها و تصرخ بألم يملؤها وقالت:
محدش حاسس بالنار اللي جوايا، يحيـي مات يا عمتي، يحيـي خلاص راح و مش هشوفه تاني، أنا كنت راضيه أعيش العمر كله أحبه من بعيد لبعيد بس أشوفه و أعرف إنه بخير.
ثم صرخت قائلة:
ليه ياارب، يارب إنت عارف إني محبيتش غيره بتحرمني منه ليه؟!
وإنتقلت إلي مرحلة "المساومة" و التي تحتوي على الأمل بأن الفرد يمكنه فعل أي شيء لتأجيل الموت أو الفقد ليتهادي صوتها حزيناً بائساً فقالت:
يااارب، يارب يكون كل ده كابوس و أصحي منه، يارب رجعهولي و أنا مش عايزة حاجة من الدنيا تاني ياارب، ياارب خدني أنا و يحيي يكون عايش و بخير ياارب.
ضمتها صافيه إليها بقوة وهي تقول ببكاء:
إستغفري ربنا يا غزل يا بنتي مش كده!
إعتلّ قلبها و شعرت بأن روحها ستفارق جسدها و أنها هالكة لا محالة لتزداد نوبات بكائها و تقول:
مش عارفه يا عمتي، مش قادرة أتخيل إني مش هشوفه تاني! ليه مات و سابني؟
هاجمتها مرحلة "الإكتئاب" فأردفت بهدوء:
مات و سابني خلاص، يعني حياتي ملهاش لزمه بعده، أعيش أو أموت مش فارقه.
ربتت صافيه علي وجنتها قائلة:
بعد الشر عليكي يا حبيبتي، وحدّي الله.
أومأت غزل بهدوء وقد وصلت لآخر مراحل الصدمه و هي "التقبّل" وقالت:
ونعم بالله، ربنا يرحمه ويغفر له، لو سمحتي يا عمتي أنا عايزة أفضل لوحدي.
أومأت صافيه بموافقه و قبلت رأسها قبل أن تنصرف خارج الغرفه و تتركها بمفردها حيث جلست هي تبكي و تنتحب بصمت و قد إنعدمت لديها جميع المشاعر حتي الألم ما عادت تشعر به.
**قبل أربـع ساعات**
_حاااااااسب!
إنتبه يحيـي علي صراخ بسّام ليفاجأ بسيارة نقل ثقيل تقترب منهم لينحرف بالسياره محاولاً تفاديها لتنزلق السيارة إلي منطقه منخفضه قبل أن ينفرج بابها المجاور لـ يحيـي و الذي سقط من السيارة متدحرجاً قبل أن تبدأ السيارة بالإشتعال ثم إنفجرت.
هرول إليه ذاك الذي يترصد الطريق منتظراً حدوث مثل ذلك الذي صار الآن ثم قام بـ جرّه و سحبه إلي منطقه نائيه و أخرج هاتفه علي الفور ليقوم بالإتصال بصديقه الذي أجب علي الفور:
هااا، مفيش جديد؟!
_الجديد كله هنا، حته بشواتي إنما إيه.. متدبش فيها مقص!
=راجل ولا مره؟!
شاب بعملله بتاع 30سنه، هاا آخده عالمستشفي ولا أسيبه؟!
_تسيب إيه يا غبي، إحنا لاقيين! إيه ظروفه طيب؟ معاه ورق ولا حاجه؟
=واقع من عربيه موديل السنه، و العربيه بقت حتة فحمه أهي! و لا مفيش معاه أي إثبات شخصيه.
_طيب ربنا يسترها، حد شافك؟
!=لا متقلقش، حظه العِثِر موقعه بعيد عن الكاميرات بتاعت المحطة، متخافش مش باين!
_طيب العدّه معاك مش كده! إديله واحده "دورميكيوم" عشان لو لسه فيه الروح، و إطلع بيه عالمستشفى طوّالي وأنا هبلغ الدكتور عز و جايين طوالي.
=ماشي بس متتلكعش، بسرعة قبل ما دمه يبرد.
_ماشي و جهزه علي ما نوصل، سلام.
أنهي الشاب المكالممه ليقوم بِحمل جسد يحيـي و وضعه بسيّارته الخاصه و قام بحقنِه بإبرة مخدّرة و إنطلق به نحو المستشفي الخاصه بهم!
دلف إلي المشفـي يحمله ثم وضعه علي ترولٍ و قام بسحبهِ نحو غرفة العمليات لينقله إلي سرير معدني من الصفيح ثم بدأ بخلع ملابسه و إلباسه ثوب العمليات و من بعدها قام بتكبيل يديه بالأصفاد يميناً و يساراً.
دلف الأطباء إلي المشفي المهجور ليخلع الطبيب سترته و شمر عن ذراعيه ثم حمحم بقوة وهو يتفحص جسد يحيـي المسچي أمامه وقال بتقييم:
عال أوي، شكله بصحته لسه ومش محتاج تحاليل...
قاطعه مساعدهُ قائلاً بسخرية:
ده علي أساس إن إحنا بنعمل بالتحاليل أوي، شوف شغلك يا دكتور قبل ما مفعول حقنة البنج يروح و يصحي!
أومأ الطبيب قائلاً:
جهزته يا عيسوي؟!
هز الآخر رأسه نافياً وقال:
لسه مجيتش جمبه.
_طيب يلا هات القلم و جهز التلج فوراً.
أعطاه القلم ليبدأ بتحديد موضع الكِلي و الكَبِد و القلب ليقول الآخر متعجباً:
إيه ده يا دكتور إنت كده هتفضيه!!
ليقول الطبيب بعدم إكتراث:
شوف شغلك وإنت ساكت..يلا ناولني المشرط.
همّ بإلتقاط المشرط ليعلو رنين هاتفه مسفراً عن مكالمة وارده من زوجته فأجاب سريعاً وقال:
إيه في إيه؟!
_إلحق يا عز، رامي عمل حادثه!
جحظت عيناه بإتساع ليتحدث إليهم قائلاً:
سيبوا كل حاجه زي ما هي!
ثم إلتقط جاكيت بدلته مهرولاً نحو الخارج.
نظر كلاهما لبعضهما البعض بإستغراب فقال أحدهما:
طب وبعدين؟! هنسيبه كده!
تمتم الآخر بلامبالاه فقال:
يا عم إربط الحمار مطرح ما يقول صاحبه، مش هو قاللك سيب كل حاجه زي ما هي! أهم حاجه إنت خد بالك ليتعفن مننا و نروح كلنا في داهيه.
ألقي بكلماته منصرفاً للخارج ليقول الآخر متسائلاً:
إنت ماشي رايح فين؟!
_مروّح يا عم، لما يبقا يجيلنا أوامر نشتغل هبقا آجي، خلي بالك م المصلحه.
أومأ الآخر ثم أخرج سيجار وأشعله و إستل هاتفه من جيبه وجلس يتصفح هاتفه وهو يقوم بتدخين السيجار ثم ألقاها أرضاً و دهسها بقدمهِ قبل أن يصعد إلي سرير آخر بالغرفه ويتمدد عليه حتي غلبه النعاس.
بدأ يحيـي يستعيد وعيِه ليتململ بمرقدهِ ليشعر وكأن شيئاً ما يعتصر يداه و قدماه ليبدأ بتحريكهما ببطء ولكن دون جدوي ليتشنج و يبدأ بتحريكهما بعصبيه أكثر ثم فتح عيناه و راح يجول ببصره هنا و هناك يتفحص المكان الذي يحيط بهِ ثم رفع رأسه قليلاً ليري جسده مسطّح علي سرير معدني و أطرافه مقيده بالأغلال فـ جحظت عيناه وهو يتذكر الحادث الذي تعرّض له منذ ساعات ليطبق جفناه معتصراً عيناه بخوف وقد أدرك ما يحدث الآن و تيقن أنه وقع بيد مافيا تجارة الأعضاء الذين يترصدون الطرق الصحراويه باحثين عن مصابي الحوادث لإستدراجهم و تخديرهم و من ثَمّ سرقة أعضاءهم.
بدأ جسده يتشنج لا إرادياً من الخوف و يرتعش محدثاً ضجه عنيفه أفاق الآخر علي إثرها ليقترب منه بذهول وقال:
هو إنت لسه حي!! يا دي الهباب اللي أنا فيه!
ثم أسرع بجلب حقنة مخدّرة أخري و همّ بحقنِه بها ليستوقفه يحيـي صارخاً بتوسل:
أبوس إيدك أنا عندي عيال!
نظر إليه بلامبالاه ليستجديه يحيـي قائلاً:
عشان خاطر ربنا بلاش، فكنّي وأنا هديك اللي إنت عايزه!
تمتم الآخر منزعجاً وقال:
إسكت بقا يا عم خليني أخلص، و إثبت عشان أعرف أديك الحقنه بدل ما تاخدها غلط.
بدأ يحيـي بالتحرك بعشوائية و فوضي ليصرخ به الآخر قائلاً:
إثبت بقولك خلينا نخلص!
توسل يحيـي إليه قائلاً:
أبوس إيدك فكني وأنا هديك اللي إنت عايزه، إنت كبيرك تاخد 5 تلاف في عملية زي دي، أنا هديك 50ألف جنيه!
نظر إليه الشاب مذهولاً وقال:
بتقول كام؟!
قال يحيـي بأمل:
ولو عايز أكتر من كده أنا موافق بس فكني و خرجني من هنا!
قال الشاب:
هاخد 100أألف.
_موافق.. بس فكني بسرعه.
بدأ الشاب بفك قيودهِ وهو يقول متلهفاً:
بس أنا هاخد منك الفلوس إزاي؟! إوعي تكون نصاب و هتبلغ عني؟
أومأ يحيـي نافياً وقال:
لا والله العظيم وحياة ولادي هجيبلك الفلوس،قوللي إسمك و أنا هحوللك المبلغ من بكرة الصبح، بس عشان خاطر ربنا خليني أخرج من هنا بسرعه.
حلّ الشاب قيوده بالكامل لينهض مسرعاً عن الفراش و يلتقط ثيابه الملقاه أرضاً ثم بدأ بإرتدائها بعشوائيه وهو يركض نحو الخارج متسائلاً:
إسمك إيه؟!
_عيسوي السيد أبو فروه، الفلوس لو متحولتش بكرة هتزعل.
أومأ يحيـي موافقاً وخرج من المشفي يركض يميناً و يساراً بـ تيه قبل أن يتلقي صدمةً برافعه علي رأسه أسقطته أرضاً غارقاً في دماؤه.
_إنت إتهبلت في عقلك؟! بتفكه عشان يبلغ عننا و نروح في حديد؟!
نطق بتلك الكلمات مساعد الطبيب ناهراً عيسوي الذي كان يرتجف من الخوف فقال:
ماهو قاللي هيديني 100 ألف جنيه!
لعن الآخر قائلاً:
100عفريت لما يركبوك.. يلا شيل معايا نرجعه مطرحه.
همّ عيسوي بحمله قبل أن يتمتم فَزِعاً ويقول:
في ناس جايه!
ليركضا فارّين بعيداً و يتركا ذاك الغارق بدماؤه قبل أن تتوقف أمامه سيدة عجوز برفقتها شاب نظرا إليه بذهول فتمتم الشاب:
شكل الشابين اللي جريوا دول هما اللي عملوا فيه كده!
قالت والدته:
شيل يا مصعب معايا خلينا ناخده عالبيت بسرعه!
ليحمله مصعب و يساعد والدته متوجهين نحو بيتهما فقال مصعب:
مش الأحسن ناخده عالمستشفي؟
قالت والدته:
المستشفى يعني سين و جيم يا مصعب و ده شكله غلبان و وراه حكايات كتير، خلينا نعالجه و نسيبه يمشي.
إصطحباه إلي منزلهما و بدأت السيدة بمعالجته و تضميد جراحه ليقول مصعب:
تسلم إيدك ياما.
نظرت إليه السيده وقالت:
خليك معاه يا مصعب يبني علي ما أعمله حاجه يرم بيها عضمه عشان أول ما يفوق ياكل و يعوض الدم اللي نزفه يا حبة عيني.
أومأ مصعب موافقاً و جلس إلي جانبه ينتظر إفاقته ولكنه إنتظر كثيراً دون جدوي لتقول والدته:
ربنا يستر و ميكونش جراله حاجه.
_لا ياما هو بيتنفس أهو، بصي روحي إرتاحي إنتي وأنا هتنّي جمبه لما يفوق.
أومأت والدته بموافقه لتنصرف بينما بقي مصعب إلي جانبه حتي غلبه النعاس.
أفاق يحيـي متأوهاً وهو يمسك برأسه بألم و يإن تعباً ليفيق مصعب علي إثر همهمته فقال:
إنت فوقت، حمدلله على السلامة.
نظر إليه يحيـي متعجباً وقال:
أنا فين؟! و إنت مين؟!
إبتسم مصعب ببشاشة و أردف:
إنت فين يسيدي فـ إنت في بيتنا المتواضع، لقيناك مضروب علي دماغك و مرمي علي الطريق الصحراوي و جيبناك هناك الليله اللي فاتت، أمّا أنا مين بقا فـ أنا أخوك مصعب هلال، و إنت؟!
قال الأخيرة متسائلاً وهو يمد يده إليه ليصافحه فنظر يحيـي إليه وقال:
أنا مين؟! مش عـــارف!
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثالث 3 - بقلم نعمة حسن
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الرابع 4 - بقلم نعمة حسن
مرّت الأشهر المنصرمة عليهِ وكأنها أعواماً لا تُعد ولا تُحصى. كم تمنى بكل يوم يمضي أن تعود إليه ذاكرته ويكتشف هويته، ولكن أحلامه تضيع هباءً منثوراً. كان يأمل في كل مساء أنه سيفيق غداً وقد تذكر من هو وماذا أردى بحياته حتى أصبحت هكذا، ليفاجأ بأنه لا يزال يحمل تلك الذاكرة الفارغة ويعود إليه الإحباط وخيبة الأمل من جديد.
نهض عن فراشه عندما استمع إلى آذان الفجر ليتوضأ ويصلي الفجر، ثم جلس يقرأ بالمصحف الذي لا يعلم هل هو خاصته أم أن أحدهم قد أعطاه له.
ثم انتبه على حركة مصعب وهو يستعد للخروج إلى عمله، فهرول ناحيته وقال:
"مصعب، إنت نازل الشغل مش كده؟"
أومأ مصعب قائلاً:
"أيوة يا محمد، عايز حاجة؟"
"_عايز آجي معاك؟"
نظر إليه مصعب بتعجب وقال:
"تيجي معايا فين؟"
"_هاجي معاك دريم بارك."
قالها يحيى ساخراً، ثم أردف بجدية:
"هيكون فين يعني يا مصعب، هاجي معاك الشغل، أنا زهقت من القعدة وعايز أشتغل."
قال مصعب شارحاً:
"أيوة بس إحنا شغلنا صعب وكله لم خرده وقرف، وإنت إيديك ناعمة شكلك ابن ذوات يعني ومش وش بهدلة."
قال يحيى مستنكراً:
"ملكش دعوة وش بهدلة ولا لأ، أنا مصمم أشتغل معاك في الخردة، هو إنت أرجل مني ولا إيه؟"
ابتسم مصعب قائلاً:
"لا يا عم راجل وزين الرجال، طيب خد إلبس دول وأنا هستناك بره على ما تجهز."
قالها وهو يلقي له بثياب قديمة مهترئة.
ارتداها يحيى بدون تفكير، ثم خرج برفقته إلى العمل، والذي لم يكن هيناً أبداً.
ليقول مصعب وهو ينظر له:
"قولتلك إنت مش وش بهدلة مسمعتش كلامي، أديك هنجت ونفسك اتقطع من أول يوم أهو."
نظر إليه يحيى وهو يزيل بيده حبات العرق المتناثرة فوق جبينه، ثم قال:
"لأ متخافش عليا، ده عشان أول يوم بس.. قول لي بقا بعد ما نخلص لم الخردة دي هنعمل إيه؟"
أجاب مصعب قائلاً:
"هنحملها مع السواقين في العربيات وهنروح عالمخازن ونفرزها هناك وكل حاجة وليها مكانها بقا."
"_زي الزبالة يعني!"
قالها يحيى ليومئ مصعب موافقاً ويقول:
"بالظبط كده، بس الفرق بين جمع الخردة والزبالة إنها أنضف شوية وفلوسها أكتر كمان."
أومأ موافقاً وقال:
"طيب يلا نخلص عشان الوقت ما يسرقناش، بلاش المعلم ياخد مني موقف من أول يوم."
ثم عاد كل منهما يباشر عمله بصمت لم يقطعه أحد منهما.
***
أفاق سليمان من نومه بإرهاق وتعب، ليكتشف أنه فقط كان يحاول النوم عبثاً وأن النعاس لم يكحل جفنيه أبداً طوال تلك الليلة المنصرمة. لينهض عن فراشه مسرعاً وهو ينوي أن ينفذ ما بات يفكر به الليل بأكمله.
لتستوقفه زوجته قائلة:
"صباح الخير يا سليمان، مالك وشك تعبان كده ليه؟"
تنهد بتعب وأردف بصوته الأجش:
"منمتش كويس بس، كملي نومك إنتي لسه بدري."
اعتدلت لتنظر إليه باهتمام، ويدها تمتد إلى وجهه لتختبر حرارته. ليبتعد عنها متأففاً ويقول:
"أنا كويس يا صافية متشغليش بالك بيا."
ثم قام من سريره ليخرج من الغرفة ويذهب إلى الشرفة، مشعلاً سيجارة كان ينفث معها أنفاسه المتلهفة لرؤيتها والشغوفة بها. قبل أن يراها تخرج من المبنى وهي تحمل طفلتها الصغيرة، ليقوم بالاتصال بها على الفور.
فأجابت قائلة:
"صباح الخير يا عمو سليمان."
حمحم بقوة قبل أن يقول:
"صباح النور، خير رايحين فين بدري كده؟"
أدركت أنه يقف بالشرفة، لتستدير وتنظره نحوه، ثم ابتسمت بصفاء. فبادلها هو الابتسامة، قبل أن تستطرد كلماتها وتقول:
"أبداً، كنت رايحة أكشف على نور لأنها تعبانة."
ليقول باقتضاب:
"طيب استني متتحركيش من مكانك وأنا نازل أهو."
بدل ثيابه سريعاً وأخذ أغراضه لينزل من شقته متجهًا نحوها على الفور. فـ توقف بسيارته أمامها، ثم فتح لها باب السيارة لتدلف إلى جواره.
ثم قال متسائلاً:
"إيه مالها نور؟"
"_حرارتها عالية وطول الليل زن ومش عارفة أعمل لها إيه، قولت آخدها أكشف عليها وأجيب لها علاج."
مسح على شعر الصغيرة بحنان وقال:
"طيب كنتي تقولي وأنا آخدها أكشف عليها بدل ما تسيبيها تعبانة طول الوقت ده."
زمّت شفتيها وقالت:
"مرضيتش أقلقك!"
لينظر إليها بشرود، وكم تمنى أن يخبرها بأنه لم يبدد راحته ويقلق منامه سواها. لينتبه على صوتها تقول:
"مكانش له لزوم تعطل مصلحتك عشاننا، أنا كنت هاخدها للدكتور أنا."
نظر إلى الصغيرة قائلاً بابتسامة:
"وده تيجي؟ هو إحنا عندنا كم نور يعني؟"
ثم انطلق متجهاً نحو الطبيب، الذي قام بفحصها جيداً. ثم قال وهو يلاطف الطفلة:
"نور شطورة وهتاخد الدوا مش كده يا نور؟"
أومأت الطفلة بموافقة ليردف قائلاً:
"طيب ونور شطورة زي بابا ولا ماما بقا؟"
ليشعر سليمان داخله بمشاعر متضاربة لا يستطيع تحديد ماهيتها. فقد كانت خليطًا من الإعجاب بكلمة "بابا" التي نطقها الطبيب بجهل منه، وطالما تمنى هو أن يستمع إلى تلك الكلمة مدى حياته. وأسف يملؤه لكونها كلمة ليست من حقه. وخزي يعتريه عندما تذكر أخيه وواجه نفسه بحقيقة ميوله نحو زوجته.
ليقرر إبادة ذلك الصراع الذي يكاد يفتك به، منشغلاً بحديث الطبيب الذي نظر إليه متحدثاً بجدية:
"الحرارة سببها ميكروب من بطنها وعدوى ممكن تكون اتنقلت منها من حد من إخواتها أو من حضرتك أو من المدام...."
رنّ بصره نحوها سريعاً ليجدها وقد أخفضت ناظريها أرضاً. فأكمل الطبيب:
"هكتب لها على مضاد للفيروسات ومطهر معوي والحرارة هتنزل تلقائي أول ما تبدأ تاخد العلاجات."
ثم مد يده نحو سليمان وهو يعطيه روشتة العلاج وقال:
"سلامتها ألف سلامة."
نهض كلاهما عن مقعديهما لينصرفا مغادرين عيادة الطبيب بصمت لم يقطعه أياً منهما. ودلفا إلى السيارة ليدير محرك السيارة منطلقاً في طريقه. قبل أن يتوقف فجأة وينظر إليها ويباغتها قائلاً:
"تتجوزيني يا يُسر؟"
***
تستند إلى مقعدها بمكان عملها الجديد بملل واعتيادية أحبطاها. قبل أن تطرق الباب زميلتها بالعمل وتدخل قائلة:
"يا بنات مين اللي موافقة تروح جليسة مسنين؟"
نهضت هي عن المقعد سريعاً وقالت بلهفة:
"أنا، ربنا يستر إن شاء الله أروح جليسة مجانين حتى، المهم أفك من اللزقة اللي أنا لازقاها دي."
"_طيب تعالي اتكلمي مع الباشمهندس اللي برا وشوفي هيقول لك إيه؟"
خرجت برفقة زميلتها لترى على مد البصر شاب فارع الطول، جسده ممشوق، هندامه مرتب. لتتيقن هي أنه ذات منصب مرموق. اقتربت منه لتردف:
"اتفضل حضرتك!"
استدار ثم نظر إليها لتتسع ابتسامته على الفور ويقول:
"مساء الخير."
أومأت قائلة:
"مساء النور، اتفضل!"
حمحم قائلاً:
"كنت محتاج sitter لوالدتي، هي سيدة مسنة وعندها زهايمر، وللأسف أنا مش عارف أراعيها كويس بسبب شغلي وسفري الكتير وكده!"
أومأت مديرة المركز بترحيب وقالت:
"حضرتك إحنا هنا مركز جليسات أطفال لكن متدربين في البداية على مرافقة المسنين كمان، آنسة غزل مع حضرتك لو تحب تشوف الـ cv بتاعها."
أشارت باتجاه غزل التي ابتسمت بلطف. ليقول:
"من غير ما أشوف حاجة، سيماهم على وجوههم، أنا واثق إنها إن شاء الله هتكون قد المسؤولية ووالدتي معايا في إيد أمينة."
انفرجت شفتا غزل بابتسامة مشرقة وقالت:
"ده شرف ليا حضرتك وشوف تحب أبدأ إمتى وأنا تحت أمرك."
أومأ بهدوء فقال:
"من بكرة بإذن الله، وده العنوان بالتفصيل."
أخرج من جيب سترته كارتاً مدوناً به عنوان منزله. لتهز رأسها بموافقة وتقول:
"تمام حضرتك، بكرة الساعة 10 الصبح بإذن الله هكون موجودة."
أومأ مبتسماً وقال:
"بإذن الله تشرفينا، عن إذنكم."
لينصرف خارج المركز. بينما عادت هي إلى مكانها بسعادة وقامت بالاتصال بوالدها وأخبرته عما حدث بسعادة. فقال متسائلاً:
"بس رعاية المسنين صعبة يا غزل مش زي رعاية الأطفال، هتقدري عليها؟"
أومأت بتأكيد وقالت:
"هقدر أكيد إن شاء الله يا بابا، أنا واثقة. وبعدين كفاية إني هاخد ثواب كبير."
"_معاكِ حق، ربنا يقدم لك اللي فيه الخير يارب.. هتيجي إمتى؟"
"=لسه ساعة تقريباً، إنت خدت علاجك؟"
"_أيوة من بدري، يلا ساعة بالظبط و تبقي في البيت مش عايز تأخير، سلام."
أنهت المكالمة لتشرد بعدها بالأيام التي تنتظرها، والأيام التي ولّت أيضاً لتحتل صورته مخيلتها من جديد.
***
عادت يُسر إلى البيت شاردة تائهة تفكر بالحديث الذي أخبره به سليمان.
**قبل ساعة**
"_تتجوزيني يا يُسر؟!"
احتلت الصدمة معالم وجهها لتحملق به بدهشة وتنفرج شفتاها قائلة بصدمة:
"إيه؟!"
حمحم بقوة وتوتر في آن واحد وقال:
"بقول لك تتجوزيني؟! أنا شايف إن انتي محتاجة راجل في حياتك تتسندي عليه وتتحامي فيه، ونور وزياد كمان محتاجين حد يكون ضهر ليهم، فأنا بعرض عليكي الجواز وبالشروط اللي تحبيها."
نظرت أمامها بتخبط وحيرة وقالت:
"مش عارفة، إنت فاجئتني بحاجة زي كده...."
قاطعها قائلاً:
"بصي يا يُسر عشان نكون صريحين مع بعض أكتر، انتي صغيرة لسه ومش ممكن هتستني بقية عمرك من غير جواز، وبصراحة لا أنا ولا أبويا ولا أخويا هنقبل إن عيالنا تتربي مع حد غريب."
نظرت إليه مستفهمة وقالت:
"وإيه اللي جاب سيرة الجواز دلوقتي؟"
نظر إليها مغتاظاً وقال:
"إيه اللي جاب سيرة الجواز؟! انتي من إمبارح بس بقا متقدملي ييجي خمسة عايزين يتجوزوكي! وأنا برفض من بعيد، بس مظنش إن ده حل. انتي لازم تتجوزي وتقفلي الباب ده نهائي وأنا كمان أحق واحد بتربية نور وزياد."
نظرت إليه مستفهمة ليجيبها بهدوء قائلاً:
"بما إني مفيش معايا ولاد فأنا محتاجهم، وبالإضافة لإني مفيش ورايا مسؤوليات ولا التزامات يعني هعيشهم في نفس المستوى اللي كان أبوهم الله يرحمه معيشهم فيه ويمكن أحسن كمان."
كان بداخلها الكثير من الحديث الذي تود قوله، ولكنها عوضاً عن ذلك آثرت الصمت. ليستكمل حديثه قائلاً:
"بصي أنا مش عايز منك رد دلوقتي، خدي وقتك وفكري في الكلام كويس وفكري كمان في مصلحة عيالك وبعدين ردي عليا."
أومأت بموافقة ليتابع قائلاً:
"بس يا ريت من هنا لحد ما تفكري وتاخدي قرار الموضوع ده يفضل بيننا، ولو حصل نصيب ووافقتي بإذن الله أنا هبقى أبلغهم."
أومأت بصمت يتخلله تفكير عاصف يكاد يهلك رأسها. ليدير محرك السيارة مكملاً طريقه نحو المنزل.
**عودة للوقت الحاضر**
ألقت بجسدها إلى الفراش من خلفها تفكر بحديثه من جميع الجهات. لترنو عيناها إلى صورة "يحيى" المعلقة على الحائط، فأشاحت بوجهها إلى الجانب وكأنها تخشى مواجهته. لتقع عيناها على صورته الموضوعة بجانب الفراش، فتنهدت بحيرة وقد شعرت بأنه يحاصرها. لتمتد يدها إلى هاتفها الملقى بجانبها على الفراش وتقوم بالاتصال بصديقتها التي أجابت على الفور.
"_ألو إزيك يا بت يا يُسر، عاملة إيه؟"
"=الحمد لله يا حبيبتي إنتي عاملة إيه وأحمد عامل إيه؟"
"_الحمد لله كلنا بخير، عاش من سمع صوتك."
"=والله يا إيمان تلاهي كده والولاد صعبين واخدين كل وقتي."
"_عارفة يا حبيبتي، ربنا يعينك عليهم، وإيه أخبارك طمنيني؟"
أطلقت تنهيدة حارة وقالت:
"متلخبطة والله يا إيمان ومش عارفة مالي."
قطبت الأخرى حاجبيها باستغراب وقالت:
"إيه مالك فيكي حاجة ولا إيه؟"
اختنقت العبارات في حلقها لتردف باضطراب وتقول:
"تعرفي عمي سليمان أخو يحيى الله يرحمه؟"
"_عمك سليمان أبو عين زايغة؟"
ضحكت يُسر بضيق وقالت:
"أيوة هو."
"_آه مالو؟ ليكون ضايقك ولا بيغلس عليكي..."
قاطعتها يُسر قائلة:
"لا لا مش كده خالص، هو يعني..."
حثتها إيمان على استئناف حديثها فقالت:
"هااا يعني إيه؟"
"_عايز يتجوزني!!"
نطقتها يُسر فجأةً لتردف صديقتها قائلة:
"يا بنت الإيه يا يُسر حظك في الرجالة دوبل!"
تأففت يُسر وأردفت قائلة:
"بالله عليكي أنا في إيه ولا ف إيه دلوقتي."
"_يا بنتي في إيه ولا ف إيه هو ده موضوع تفكري فيه أساساً، وافقي وش طبعاً انتي هتلاقي أحسن من سليمان الهنداوي فين؟ جمال ودلال وفلوووووس متلتلة ياما لو أكلتيها أكل مش هتخلص، وبعدين الراجل طالبك في الحلال وفي العلن، ولا يكون عايز يتجوزك عرفي؟"
قالت يُسر مسرعة:
"لالالا طبعاً عرفي إيه، رسمي أكيد."
عادت صديقتها لإقناعها قائلة:
"طيب، عايزة إيه أكتر من كده عشان توافقي! وبعدين بدري حبيبتي انتي لسه صغيرة وشابة وجميلة ومليون واحد يتمنوكي وأكيد مش هتعيشي العمر كله بطولك كده."
ازداد تخبطها وحيرتها فقالت:
"بس لما أتجوز يكون أخو يحيى؟! أنا مش قادرة أتقبل الفكرة دي وبعدين يا إيمان أنا بحب يحيى الله يرحمه..."
قاطعتها إيمان قائلة:
"يا حبيبتي الحب حاجة والجواز حاجة تانية، وبعدين الحي أبقى من الميت يا يُسر، وانتي مهما عيشتي حزينة على فراق يحيى مسيرك هتنسي، يبقى ليه تستني لما العمر يجري بيكي وتفوتي فرصة زي دي!"
"_طب وصافية مراته؟! دي طيبة وغلبانة وبتعشق سليمان، وبصراحة مش هاين عليا أعمل فيها كده، أنا لو كنت مطرحها استحالة كنت هوافق إن جوزي يتجوز مرات أخوه."
"=بقول لك إيه يا يُسر يا حبيبتي في مثل بيقول إن قابلك الأعمى كُل غداه منتاش أحن من اللي عماه، يعني فكري في نفسك وفي عيالك وبس."
بدا عليها الاقتناع قليلاً لتردف قائلة:
"انتي شايفة كده؟"
"_أومال.. ده الصح وده اللي هيضمن لك عيشة مرتاحة انتي وعيالك مدى الحياة."
أومأت يُسر قائلة بعد أن زفرت براحة:
"مش عارفة أقولك إيه يا مون، أنا كنت مترددة بس انتي ريحتيني ربنا يريح قلبك."
"_لا يا جميل متترددش، وبعدين في حد يطول يتجوز راجل زي سليمان جاتك خيبة، ده يا ريتني كنت أنا يبنتي."
أطلقت يُسر ضحكة مختالة وقالت:
"لا يا بنتي متقوليش كده ربنا يخلي لك جوزك وابنك."
"_يارب يا حبيبتي، يلا ابقي طمنيني عملتي إيه هستنى منك تليفون."
"=بإذن الله يروحي، مع السلامه."
أنهت المكالمة لتتنهد بارتياح وتقول:
"هي صح أنا لا هعمل حاجة غلط ولا حاجة حرام، بالعكس أنا هعمل كده عشان مصلحة عيالي يعني مش باجي على حد ولا بظلم حد."
ثم بسطت ساعديها على الفراش لتحتل شفتاها ابتسامة غامضة لم تهتم هي بتفسير سببها.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الخامس 5 - بقلم نعمة حسن
كان مقيدًا بأغلال من شوك لم يستطع حلها أو نزعها، ولكن قدماه كانتا محررتان. ليفيق من غفلته ويهرول سريعًا إلى الخارج ليجد امرأة جميلة تقف بعيدًا على مدى بصره. ليركض باتجاهها فإذا بها تعود للخلف، ليعود ويركض نحوها مرة أخرى ليجدها. وكلما اقترب منها ابتعدت أكثر، ليتيقن أنها سراب وأنه لن يتمكن من اللحاق بها. فوقف مستندًا بيديه إلى ركبتيه يحاول التقاط أنفاسه اللاهثة.
ليستمع إلى صوتٍ يصدح بعيدًا، ليعتدل قائمًا، فوجدها تشير له بالإقتراب منها وهي تناديه باسمٍ لم يستطع تمييزه. ليعود ويهرول نحوها مرة أخرى ليسقط في قاع بئر مظلم.
فطفق يصرخ مستغيثًا وهو ينظر للأعلى ينتظر مرور أحدهم. ليراها تقف على حافة البئر وهي تنظر إليه ببكاء وتمد يدها نحوه تريد مساعدته، قبل أن تختفي. وتعود مجددًا وهي تلقي إليه بحبل. أمسك هو به وسحبته للأعلى حتى وصل إلى قمة البئر. لترتفع ضحكاته فرحًا بالنجاة، قبل أن تنقشع عنه مجددًا وتتحول إلى صرخات مستجدية وهو يراها تترك طرف الحبل من بين يديها. ليهوي هو إلى قاع البئر من جديد.
فظل يصرخ ويناديها مستغيثًا، بينما علت ضحكاتها الساخرة لتتركه وتبتعد مختفية عن أنظاره.
انتفض يحيى من نومه بفزع وهو يلهث كأنه كان يركض بنومه. ليزفر براحة عندما تبين له أنه كان مجرد كابوس ليس إلا. لينظر حوله فوجد أن الصباح قد أتى. فقطب حاجبيه متعجبًا ونهض من الفراش وهو ينادي مصعب.
فخرجت والدته من المطبخ تقول بابتسامة:
صباح الخير يا حبيبي، مصعب زمانه جاي.
تساءل بضيق:
هو راح الشغل من غيري ليه النهارده؟
أجابته بلطف:
لا يا حبيبي النهارده مفيش شغل، ومصعب راح يقابل المعلم بتاعه عشان يقبضه. كان عايز يصحيك تروح معاه بس أنا قللتله بلاش خليه نايم الساعتين دول ده شقيان طول الأسبوع.
ابتسم قائلاً:
ماشي ياما، منتحرمش منك.
قالت:
ولا منك يا محمد يبني، يلا بقا عشان تفطر.
أومأ موافقًا بينما انصرفت هي. وعاد هو إلى غرفته شارداً بتفاصيل ذلك المنام الذي رآه قبل قليل.
***
مع صباح يومٍ جديد استيقظت غزل بنشاط ونهضت لتستعد للذهاب لعملها لأول يوم وكلها حماس وشغف. فارتدت من ثيابها أحسنها، وانتقت الألوان الهادئة حرصًا منها على ملائمة الجو والمكان الذي ستذهب إليه. ثم خرجت لتجد والدها ينتظرها قائلاً:
صباح الخير يا غزال.
ابتسمت باتساع وقالت:
صباح النور يا بابا يا عسل إنت، إيه رأيك؟!
قالت الأخيرة وهي تستدير حول نفسها ليبتسم قائلاً:
بسم الله ما شاء الله عليكي يا غزل، امسكي خلي ده معاكي.
قالها وهو يمد يده إليها بصاعق كهربائي. لتنظر إليه بتعجب وتقول:
إيه ده يا بابا؟!
أجاب بهدوء:
ده صاعق!
قالت:
أيوة منا عارفه إنه صاعق، أعمل بيه إيه ده؟
قال:
ده حماية ليكي يا حبيبتي، خليه معاكي.
قالت بضيق:
هو أنا رايحة أحارب يا بابا؟!
ليردف قائلاً:
لا يا حبيبتي مش رايحة تحاربي بس مش عارفه هتقابلي إيه؟! إنتي رايحة بيت شاب يعني مش ضامنه ظروفه إيه.
اقتربت منه وقالت:
يا بابا يا حبيبي خوفك ده ملوش داعي، أنا رايحة أقعد مع واحدة مسنة يعني ملوش لزوم البتاع ده. ده أنا ممكن أصعق نفسي بيه وأنا مش واخده بالي.
قال:
اتريقي أوي، برضو هتاخديه معاكي وممنوع يتشال من شنطتك، يا إما كده يا إما بلاها الشغلانة.
قاطعته قائلة:
لا لا بلاها إيه إنت ما صدقت يا حج ولا إيه، وماله ناخده معانا مفيش حاجة منها ضرر.
افتر ثغرها عن ابتسامة لتحتضن والدها وتقول:
يلا هنزل أنا بقا، دعواتك يا حجوج.
قال:
ربنا معاكي يا حبيبتي وترجعي بالسلامة، خلي بالك من روحك وامشي على جنب.
نظرت إليه بتعجب وقالت:
أمشي على جنب؟! حاضر، ومطوتي في جيبي وسندوتشاتي في كيسي، واللي يقولي أغششه هعوره.
ارتفعت ضحكاته ليردف قائلاً:
وبلاش لماضتك دي مع الناس وخليكي جد وكلامك على القد.
أومأت بموافقة وهرولت من أمامه سريعًا، ثم نزلت من بيتها قاصدة العنوان المدون خلف الكارت الذي أعطاه لها الشاب بيوم أمس.
وصلت إلى العنوان المحدد وصعدت إلى الشقة، ثم توقفت أمام الباب وأخرجت هاتفها لتقوم بالاتصال بالرقم الموجود على الكارت. فأتاها صوته سريعًا يقول:
ألو؟!
حمحمت بهدوء وقالت:
أيوة يا باشمهندس أنا غزل من مكتب الـ sitters.
قاطعها قائلاً:
أيوة أيوة أهلاً يا آنسة غزل.
قالت:
أهلاً بحضرتك، أنا موجودة بره قدام الشقة.
ثوانٍ معدودة وانفرج الباب ليظهر هو من خلفه قائلاً:
يا خبر، إنتي واقفة كل ده قدام الباب، اتفضلي.
ابتسمت بلطف وقالت:
صباح الخير.
بادلها الابتسامة قائلاً:
صباح النور، اتفضلي ادخلي.
دَلفت إلى الشقة بوَجَل وهي تتلفت حولها ويدها تقبض على حقيبة يدها بشدة وهي تتذكر حديث والدها لها، قبل أن تزفر براحة عندما رأت سيدة عجوز تجلس على الأريكة المقابلة لها.
برز صوت الشاب قائلاً:
أعرفكم بعض.. والدتي مدام كاريمان.. والآنسة غزل يا ماما اللي هتقعد معاكي على ما أرجع من الشغل.
قال الأخيرة مشيرًا نحو غزل، التي أومأت بابتسامة مرحبة وتقدمت من السيدة ثم مدت يدها لتصافحها وقالت:
إزي حضرتك يا ماما كاريمان؟!
نظرت إليها تلك السيدة بابتسامة مشرقة وقالت بصوتها الخافت الواهن:
حلوة أوي كلمة ماما كاريمان، طالعة من بؤك زي السكر.
اتسعت ابتسامة غزل والتي قالت:
وإنتي كمان زي السكر وشعرك جميل وعيونك جميلة.
برز صوت الشاب قائلاً:
طيب عال أوي، بما إنكم حبيتوا بعض وبقيتوا أصحاب يبقى أخلع أنا بقا وأشوف شغلي، عن إذنكم.
انصرف، بينما جلست غزل إلى جوار السيدة التي بادرت بالحديث قائلة:
إنتي مخطوبة؟!
ابتسمت غزل وأومأت بالنفي. فسألتها مجددًا:
متزوجة؟!
اتسعت ابتسامة غزل وعادت لتومئ بالنفي مرة ثانية. فقالت السيدة:
يبقي بتحبي!
شردت بها غزل طويلًا ولم تجب. لتبتسم السيدة بود وقالت:
أهل الحب صحيح مساكين وباين في عينيهم زي الشمس ما باينة في السما.
نظرت إليها غزل باستفهام وقالت:
وإنتي عرفتي منين بقا يا ماما كاريمان إني بحب؟!
أردفت كاريمان بهدوء:
منا بقولك باين في عينيكي، حاكم العيون فضّاحة ومتعرفش تخبي مهما اللسان يداري ويقول لأ، وأنا بقا أبص للواحد كده أعرف عيونه جواها إيه وشايلة إيه.
راقتها كلماتها كثيرًا لتضع يدها أسفل وجنتها وتقول:
طيب قوليلي بقا أنا عيوني شايلة إيه؟!
نظرت لها كاريمان نظرة خاطفة ولكنها كانت ثاقبة لتردف سريعًا:
العيون الجميلة دي شايلة كتير، وجع وحيرة وفراق وحزن طوييييل، بس بردو جواها لمعة أمل كده، يمكن حبة الأمل دول اللي مصبرينك ومخلينك عارفه تعيشي، وأقوللك شايلة إيه كمان؟!
أومأت غزل بنعم دون أن تنطق. لتستطرد كاريمان حديثها وتقول:
شايلة عشق!
اضطربت النبضات بقلبها وارتعشت فرائصها، وقد عادت ذكراه تهاجمها من جديد.
عشق عايش فيها من سنين ومش راضي يروح، ومش هيروح أبدًا.
أشارت لها كاريمان بسبابتها بالنفي. لتنساب دمعاتها على وجنتها دون وعي منها. فامتدت يدا كاريمان تمسحها عن وجهها وقالت:
إيه رأيك تعمليلي قهوة من إيديكي الحلوة دي؟
أومأت غزل بموافقة وذهبت على الفور لتعد لها القهوة، ومن ثم جلسا يحتسيانها سويًا وهما يتجاذبون أطراف الحديث.
***
كان سليمان يجلس شارداً وهو يفكر بما سوف تبلغه به يسر سواء بموافقتها أو رفضها. لقد حاول تصنع التريث والصبر ولكن فشل بشدة، فها هو يجلس كمن يتقلب على الجمر وهو لا يطيق الانتظار. يريد الاتصال بها لمعرفة قرارها ولكنه لا يود التسرع.
ليقطع شروده اتصال من والده الذي دعاه للحضور إلى المنزل لأمرٍ ما. فأسرع بإغلاق المتجر وذهب إلى البيت.
دخل إلى غرفة والده ليجده راقداً بفراشه متجهم الوجه. ليقترب منه بلهفة ويقول:
خير يابا، مالك إنت تعبان ولا إيه؟!
نظر إليه والده بحزن وقال:
توّك ما افتكرت يا سليمان بيه؟! بقالك يومين داخل خارج ومفكرتش تيجي تشوف أبوك إذا كان عايش ولا ميت.
انحنى سليمان على يد والده يقبلها بأسف وقال:
بعد الشر عليك يا حج ربنا يطولنا في عمرك، أنا آسف يابا والله الدنيا لهتني عنك وقصرت في حقك.
قال والده ساخرًا:
والدنيا لهيتك عن أبوك ليه يا سليمان؟
تنهد سليمان مطولًا وقال:
بص يابا، أنا مش متعود أخبي عليك حاجة، أنا هحكيلك بس عايزك تفهمني وتسمعني للآخر.
فاجئه والده عندما قال:
نويت تتجوز على مراتك مش كده؟
اتسعت عيناه بصدمة ليضحك والده متهكمًا ويقول:
يبقا ظني طلع في محله، أنا عرفت بردو إن لخمتك اليومين دول وراها واحدة مغلباك ومطيرة النوم من عنيك ومخلياك ناسي نفسك، لا وناوية تاخدك من بينك وبين مراتك!
قال سليمان:
اسمعني بس يابا بالله عليك، الموضوع مش زي منت فاكر، الحكاية وما فيها إني عايز أعمل خير.
قال:
خير إيه اللي هتعمله يا سليمان، هو إنت بتكلم صبي قدامك ولا إيه؟ وبعدين مين اللي إنت عايز تتجوزها دي وعرفتها منين؟
تنحنح سليمان وأردف قائلاً بتوتر:
يسر!
نظر إليه والده بتعجب وقال:
يسر مين؟!
حمحم بقوة وقال:
يسر يابا، هو في كام يسر؟!!
قال والده بذهول:
يسر مرات أخوك؟!
قال بضيق:
أرملة أخويا الله يرحمه يابا.
ألقى والده عليه نظرة قاسية وقد أخذته سورة من الغضب ليردف بحدة ويقول:
وإنت ملقيتش غير أرملة أخوك تتجوزها يا سليمان؟!
قال سليمان معللاً:
يابا مهي عشان أرملة أخويا عايز أتزوجها عشان ألم لحم أخويا الله يرحمه وأراعي عياله وأشوف طلباتهم ومخليهمش يحتاجوا لحد.
قال والده متهكمًا:
وإنت مينفعش تراعي عيال أخوك غير لما تتجوز أمهم؟ إنت بتبرر فراغة عينك بإنك عايز تراعي عيال أخوك، الكلام ده تضحك بيه على حد تاني يا سليمان.
تنهد سليمان بضيق وقال:
يابا إنت مكبر الموضوع ليه؟ هو أنا أول ولا آخر واحد يتجوز أرملة أخوه؟ وبعدين ده لا عيب ولا حرام ولا يعيبني في حاجة.
كان والده يستمع إليه بذهول من منطقه الغريب فقال:
إنت نسيت يحيى كان هو ومراته بيحبوا بعض إزاي؟ ده أخوك الله يرحمه محبش في حياته غيرها يبني، الله يهديك بلاش دي بالذات.
زفر سليمان بضيق وقال:
يابا يحيى الله يرحمه ويحسن إليه، ومراته لسه صغيرة مجابتش الثلاثين سنة، يعني لو صبرت النهارده من غير جواز مش هتصبر بكرة، وبعدين البت شديدة و...
قاطعه والده قائلاً:
بسسس.. إياك تتكلم عن مرات أخوك بالأسلوب ده تاني مرة، عيب عليك.
صاح سليمان مردفاً بعصبية وقال:
هو أنا قولت إيه غلط دلوقتي يابا، قصد كلامي إنها مش هتستنى من غير جواز كتير، عايزني بقا أستنى لما تتجوز وألاقي عيال أخويا بيتربوا مع راجل غريب؟! ولا أولي أتجوزها أنا والواد والبت يفضلوا تحت عنينا وفي حضننا؟!
بدا على والده الاقتناع قليلاً ليعود ويردف قائلاً:
حتى لو كلامك صحيح وحبيت تتجوز مع إني عارف إنها عمرها ما هتتجوز بعد يحيى، هنبقا ساعتها ناخد منها العيال.
قال سليمان حانقًا:
لا مش من حقنا العيال، هيبقوا في حضانة ستهم أم أمهم وانت عارف بقا ستهم دي حالتها عاملة إزاي ومتجوزة راجل شكله إيه، ده غير إن عندها كومة عيال مش لاقية تأكلهم، هتسيب عيال ابنك المدلعين المترفين يروحوا يعيشوا في "أبيس" بعد ما كانوا عايشين في "حي لوران" ويستنوا بقا لما جوز ستهم يعطف عليهم باللقمة ولا ميعطفش.
أخفض الأب رأسه أرضًا وقد أقنعه حديث سليمان لينظر له وقد لمعت عيناه بخبث وقال:
أنا هعمل اللي تؤمرني بيه يابا، وافقت أتجوز يسر وألم عيال أخويا الله يرحمه وأصون أمانته كان بها، موافقتش وعندك استعداد العيال يتبهدلوا لما أمهم تتجوز واحد غريب إنت أدري بمصلحة عيال ابنك.
قاطعه والده قائلاً:
طب وصافية؟!
أدرك سليمان بأنه قد اقترب من مبتغاه ليجلس مجددًا إلى جانب أباه ويقول:
مالها صافية؟! لا هتزيد ولا هتخس.
نظر إليه والده مستفهماً ليقول:
يعني هتفضل زي ما هي يابا، وبالنسبة للموضوع ده أنا عارف هقنعها إزاي ومتأكد إن قلبها أبيض وهتوافق.
زفر "علي" بحيرة وريبة ثم قال:
وإمتا هتفتح يسر في الموضوع؟
حمحم سليمان مردفاً:
أول ما تؤمرني بكده!
أومأ الأب موافقاً وقال:
ماشي يا سليمان اتكل على الله، بس أهم حاجة موافقة مراتك في الأول، ولو وافقت ابقا كلم يسر بعدها.
أومأ سليمان مؤيداً ثم انحنى ليقبّل يد والده قائلاً:
اللي تشوفه يابا.
ثم نظر إلى أبيه وقال:
صدقني يابا أنا مش طمعان فيها لنفسي زي ما بتقول، أنا بعمل كل ده عشان يحيي الله يرحمه يبقى مرتاح في نومته!
هز الوالد رأسه بوقار مرات متتالية وقال:
الله يرحمه ويحسن إليه، ربنا ييسر الحال.
تمتم سليمان قائلاً:
بإذن الله، هطلع أنا بقا أكلم صافية وأشوف رأيها إيه وهبقى أبلغك بالمستجد.
لينسحب بعدها فورًا راكضًا نحو شقته وهو ينوي إخبار زوجته بما قرر فعله.
***
عادت "غزل" من عملها مساءً لتجد والدها في انتظارها. لينهض واقفًا فور أن فتحت الباب ويتمتم شاكرًا:
الحمدلله.
نظرت إليه غزل بابتسامة وقالت:
إيه يا بابا، مالك قلقان كده ليه؟!
أردف بعتاب:
قلقان عليكي يا آنسة غزل، إيه مش من حقي إني أقلق!
احتضنته قائلة:
لا يا حبيبي من حقك، بس اتطمن يا بابا بنتك بمية راجل وميتخافش عليها، وبعدين ما البركة في الصاعق اللي إنت ممشيني بيه ده، والله ده محسسني بالخوف أكتر ما مطمّن.
نظر إليها يائسًا وقال:
المهم يا لمضة، إيه الأخبار؟!
زفرت براحة وقالت:
الأخبار زي الفل الحمدلله، مدام كاريمان اللي حكيتلك عنها في التليفون دي قمررررر وكلامها جميل وست طيبة وبشوشة كده ميتشبعش من قعدتها.
قال مازحًا:
الله.. طب ما تجوزيهالي!
ضحكت قائلة:
أجوزهالك إيه يا برهومي دي قد أمك الله يرحمها.
ارتفعت ضحكاته ليقول:
طيب يلا أنا مجهز العشاء وقاعد أستنى سيادتك بقالي ساعة.
جلست برفقته حول طاولة صغيرة يتناولون طعام العشاء ليردف قائلاً:
طنط سارة جارتنا كانت هنا هي وجوزها من شوية.
نظرت إليه بتعجب وقالت:
كانوا هنا بيعملوا إيه؟!
قال:
عايزة تخطبك لابنها!
ألقت بالملعقة من بين يديها وقالت متذمرة:
يادي العكننة عالمسا، وحضرتك قولتلها إيه؟!
نظر إليها مغتاظاً وقال:
هأقول إيه يعني، لا إله إلا الله، قولتلها لما غزل تيجي وأشوف رأيها إيه؟!
طالتته بحنق قائلة:
تشوف رأيي في إيه؟! ما حضرتك عارف رأيي من غير ما تسألني، لزومه إيه بقا تعشمهم!
زفر بضيق قائلاً:
ماهو إسمعي أما أقوللك بقا، مش كل مرة هتاخديني في دوكة وتقفلي الموضوع، أنا المرة دي مش هسمحلك تمشي اللي في دماغك وتضيعي كل مرة من إيديكي فرصة أحسن من اللي قبلها.
قالت بضيق:
فرصة إيه يا بابا بالله عليك، هو إنت شايف إن اللي زي إسلام ده فرصة!! ده عيل من اللي بيتلقحوا عالناصية ويسقطوا البنطلون ويوقفوا شعرهم بـ جل.. بذمتك إنت لسه حد بيسقط البنطلون! لسه في حد بيحط جل!
نظر إليها بتحدي وقال:
طب ما إنتي اتقدملك مية واحد كلهم أحسن من بعض، اللي مهندس واللي دكتور واللي مدرس وغيرهم كتير مكانش فيهم واحد عينه بتوجعه.
قاطعته قائلة:
آااه، وكل واحد من دول عنده علة جاي يداويها عندي أنا، الدكتور مطلق وعايز خدامة لعياله، والمهندس وحيد أمه وعايز خدامة لأمه، والمدرس باعتلي أمه اللي عاملالي فيها ماري منيب وجاية عشان تعاين البضاعة وكان تكه كمان وهتخليني أكسر لها البندق بإسناني.
قاطعه قائلاً:
مش هتقلبيها هزار زي كل مرة يا غزل.
زفرت بقلة حيلة لتنساب دمعاتها على وجنتيها بألم داخلي يملؤها وقالت:
عشان خاطري يا بابا متضغطش عليا، أنا مش عايزة أتجوز ولا أتنيل، أنا مرتاحة كده.
نظر إليها وقلبه يكاد ينفطر لرؤية دمعاتها وقال:
لحد إمتا يا غزل؟! لحد إمتا هتفضلي عايشة في الوهم ده؟! الأول كنت بقول مسيرها هتفوق وترجع لعقلها لما تشوفه سعيد مع مراته وعياله، لكن دلوقتي!! دلوقتي يحيى مبقاش موجود أصلاً عشان تعلّقي نفسك بيه وتربطي مصيرك بمصيره، افوقي بقا يا بنتي!
أردف بالأخيرة بصوت جهور ليتمتم بعدها مستغفرًا. ثم نظر إليها وهي تنتحب بشدة وقال بيأس:
أنا مش هغصبك عالجواز يا غزل، بس اللي لازم تعرفيه إني مش هسيبك تضيعي شبابك وعمرك يروح من بين إيديكي عشان وهم وأقف أتفرج!
ثم نهض عن مقعده ودخل إلى غرفته. بينما انفجرت هي بالبكاء وقد علت شهقاتها وهي تتذكر ملامحه المحفورة بذاكرتها وبقلبها إن أردنا الدقة. ثم نهضت هي الأخرى ودخلت إلى غرفتها وألقت بجسدها إلى الفراش تنتحب بصمت.
***
صعد سليمان إلى شقته ودلف ليجد صافية تتحدث إلى "غزل" عبر الهاتف. ليشير إليها مبتسمًا وقال:
سلميلي عليها وقوليلها إني مخاصمها.
ابتسمت صافية وقالت لغزل:
عمك سليمان بيقولك إنه مخاصمك.
ثم نظرت إلى سليمان وقالت:
بتقولك متقدرش على زعلك بس الشغل الجديد لخّمها.
أومأ موافقًا لتقول صافية:
ماشي يا حبيبتي، على العموم خلي بالك من نفسك واسمعي كلام بابا هو عارف مصلحتك، وأنا هبقى أكلمك وقت تاني!
أنهت المكالمة لتتقدم من سليمان وتجلس إلى جانبه مبتسمة بلطف وقالت:
إيه يا حبيبي أعملك تتعشى؟
تصنع الضيق وزفر مطولاً ثم مسح وجهه بغضب. لتتسائل بقلق وقالت:
مالك يا سليمان، فيك إيه؟!
نظر إليها كثيرًا ثم تمدد على الأريكة ليضع رأسه على قدمها ويقول بنبرة حزينة أتقن صنعها:
تعبان يا صافية.
تسائلت بلهفة وأسى وقالت:
مالك يا حبيبي تعبان من إيه، كفى الله الشر.
قال:
أبويا مخاصمني ومش راضي يكلمني من امبارح، جيت دلوقتي أتكلم معاه مرضيش يكلمني وقاللي مليش كلام معاك غير لما تنفذ اللي قلتلك عليه.
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
طيب ما تعمله اللي هو عايزه يا سليمان، ما إنت عارف عمي الحاج طيب وأكيد مش هيطلب منك غير الصالح يعني.
زفر متهكمًا وقال:
أصلك متعرفيش هو عايز إيه!
ضيّقت بين حاجبيها باستفهام وقالت:
هيكون عايز منك إيه يعني؟!
باغتها قائلاً:
عايزني أتجوز يسر!
اصفر وجهها وشحب لونها كالموتى. ليبتلع هو لعابه بتوتر قبل أن تقول هي مستفهمة:
تتجوز يسر؟!
قال مصطنعًا الغضب:
شفتي المصيبة اللي أنا فيها؟!
لتعاود هي السؤال مرة أخرى فقالت:
ليه يعني مش فاهمة؟! تتجوز يسر ليه!!
نهض معتدلاً بجلسته وقال:
بيقول إنه خايف إنها تتجوز وتاخد العيال معاها.
قالت:
لأ طبعًا هي لو اتجوزت ساعتها العيال مش هتبقى من حقها.
أومأ قائلاً:
قلتله كده قاللي هيروحوا لجدتهم أم أمهم وهي ظروفها متسمحش إن زياد ونور يعيشوا هناك وهيتبهدلوا وكلام زي كده.
نظرت صافية أمامها بشرود وقالت:
طيب و.. و أشمعنا إنت اللي تتجوز يسر؟! ليه مش قدورة اللي يتجوزها؟!
قال:
قال إيه بيقوللي عشان أنا مفيش ورايا مسؤوليات وأقدر أصرف عليهم كويس إنما قدورة عنده عياله ويا دوب شايل شيلته.
ابتسمت بألم داخلي يملؤها وقالت:
آاه.. يقصد يقوللك إنك يا حرام مفيش عندك عيال فإنت أولى واحد بعيال أخوك عشان يعوضوك عن الحرمان من الخلفه.. مش كده؟!
احتضن يديها بين كفيه وقال:
صافية أنا مش عايزك تاخدي الكلام بحساسية، عشان خاطري متضغطيش عليا أنا اللي فيا مكفيني.
قال الأخيرة وهو يضع رأسه بين كفيه. لتنظر إليه بشفقة وقالت:
طيب وإنت رأيك إيه؟!
قال دون أن ينظر إليها:
رأي إيه وزفت إيه يا صافية إنتي مش شايفة حالتي عاملة إزاي؟! أنا بين نارين يا صافية ومش عارف أعمل إيه، من جهة مش قادر على خصام أبويا وزعله مني ومن جهة تانية مش قادر أتقبل ولا أتخيل إني آخد مكان يحيى الله يرحمه.
ثم أردف مستاءً:
أنا دماغي هتشت مني يا صافية، دليني إنتي أتصرف إزاي؟!
نظرت إليه صافية بأسف وقالت:
مش عارفة أقول لك إيه يا سليمان!! إزاي عمي الحاج يضغط عليك في حاجة زي كده وهو شايفك مش هتقدر تتجوز أرملة أخوك، وبعدين هو مش عارف إن يحيى ويسر كان روحهم في بعض!! وهي أصلاً إزاي هتوافق تتجوزك! دي كانت بتقولك يا عمو سليمان!
إنتابه الضيق ليردف بحدة:
إحنا هنسيب الموضوع المهم دلوقتي ونمسك في الهيافات دي يا صافية، بقولك دليني على حل، أعمل إيه مع أبويا اللي مش راضي يتكلم معايا ده وأتصرف معاه إزاي، إنتي عارفة أبويا بالنسبة لي إيه يا صافية ده أنا مقدرش أخطى خطوة من غير مباركته ودعاه ليا، أنا مبنامش الليل بسبب زعله مني، أرضيه إزاي؟
قالت:
نفذ اللي قال لك عليه يا سليمان!
نطقت بها صافية وهي تنظر للأمام بتيه وألم. ليقول سليمان مصطنعاً الدهشة:
بتقولي إيه يا صافية!! عايزاني أتجوز أرملة أخويا الله يرحمه؟! لأ طبعًا مقدرش.
قالت:
مفيش حل غير كده يا سليمان، أبوك مش هيرجع عن اللي في دماغه، ولو منفذتلوش طلبه هيفضل مقاطعك وزعلان منك.
قال:
طب والعمل؟!
قالها وهو يسحب منها أمرًا صريحًا لزواجه من يسر وقد كان. فقالت:
العمل إنك تطيع أبوك وتنفذ اللي هو عايزه وتتجوز يسر.
افتر ثغره عن ابتسامة منتصرة قبل أن تنقشع عنه مجددًا عندما أردفت صافية بقوة قائلة:
بس أنا عندي شرط!
قطب حاجبيه متسائلاً بتعجب:
شرط إيه؟!
قالت:
يبقى جواز عالورق بس!!
قال:
نعم؟!
أردف بها حانقاً ليتنحنح متراجعاً ويردف بنبرة أكثر لطف فقال:
عالورق إزاي مش فاهم، وضحي كلامك.
نظرت إليه بضيق وأردفت:
جرا إيه يا سليمان؟! مش محتاجة فهلوة دي يعني، يبقى جواز عالورق بس يعني متدخلش بيها ولا تقرب منها، مش أبوك عاوز يضمن إن العيال يفضلوا في حضنه ويتربوا في خيره، إذا كان هيبقا مرتاح وراضي عنك ماشي اتجوزها بس متلمسهاش.
رفرف بعينيه كثيرًا يريد إثناءها عن رأيها ذاك لتردف هي بحدة قائلة:
أظن كده عداني العيب أوي يعني، لو واحدة مطرحي استحالة كانت هتقبل بوضع زي ده!
علم أنها قد حسمت أمرها ولا سبيل للنقاش، فأومأ موافقًا ثم انحنى ليطبع قبلة عميقة على جبينها وقال:
معاكي حق يا حبيبتي، إنتي حلتيهالي الحل المناسب لجميع الأطراف فعلاً، منها نرضي أبويا ومنها أنا مضطرش أعمل حاجة أنا مش عايزها.. بس في نقطة هنا!
نظرت إليه متسائلة ليقول هو بتلعثم:
نقطة إن الجواز يبقا عالورق بس...
قاطعته قائلة:
إيه عندك رأي تاني ولا إيه؟!
أسرع نافيًا:
لالالا مش قصدي عليا، أقصد إن أبويا مستحيل يوافق إننا نحط عليه شرط زي ده! فمش هينفع نعرفه بالاتفاق ده.
قالت:
مش فاهمة، وده يخصه في إيه؟! هو مش أهم حاجة إنك تتجوزها عشان العيال، الباقي يخصه فإيه بقا؟!
زفر يائسًا وقال:
منتي عارفة دماغ أبويا يا صافية، موته وسمّه اللي يشرط عليه.
تنهدت بقلة حيلة وأردفت:
ماشي يا سليمان، مش لازم يعرف بالاتفاق ده.
ليستطرد حديثه قائلاً:
بس كده هضطر أبات في الشقة فوق عشان ميشكش في حاجة، لإني لو مطلعتش فوق هيعرف.
قالت صافيه بنفاذ صبر:
يعني نعمل إيه أكتر من كده يعني؟!
قال بهدوء وهو يضمها إليه:
إحنا نتصرف عادي ولا كإن في اتفاق ولا حاجة، أنا هبات هنا ليلة وليلة فوق، بس الليلة اللي هباتها فوق هنام في أوضة العيال والعيال يناموا مع أمهم.
نظرت إليه مطولاً ليقول:
إيه يا صافية بتبصيلي كده ليه؟
قالت:
خايفة!
قالتها صافية بخوف حقيقي يملؤها ليردف هو متعجباً:
خايفة من إيه؟!
أشاحت بوجهها بعيداً وقالت:
خايفة أرجع أندم إني وافقت على حاجة زي كده يا سليمان.
ربت سليمان على كتفيها وقال:
متقلقيش يا حبيبتي بإذن الله كل حاجة هتحصل زي ما إنتي عايزة.
أومأت بهدوء وقالت:
ربنا يستر.
اقترب هو منها وهمس بأذنها بكلماتٍ دغدغت مشاعرها وألهبت أحاسيسها لتتسع ابتسامتها وقد تناست كل ما حدث.
***
على الجانب الآخر كانت يسر تجلس كمن يتقلب على الجمر، تنتظر مهاتفة سليمان لها حتى تخبره بقرارها الذي اتخذته بسرعة الضوء. ليرتفع صوت جرس الباب فتحدثت إلى طفلها وقالت:
افتح الباب يا زياد.
ركض زياد باتجاه الباب وفتحه لتقول والدته:
مين يا زياد؟
قالت:
أنا زينب يا يسر.
قالتها زينب وهي تدلف إلى الشقة لتنظر إلى يسر بتعجب من ملابسها وزينتها الكاملة قبل أن تنتبه على صوت يسر تقول:
اتفضلي يا زيزي، كنتي عايزة حاجة؟
نظرت زينب إليها بانتباه وقالت:
هاا.. لأ ده أنا كنت جاية أسيب يحيى عندك على ما اخطف رجلي ناحية السوق وآجي.
نظرت إليها يسر بابتسامة لم تصل إلى عينيها وقالت:
معلش يا زيزي بس أنا مصدعة ومش هقدر أخلي بالي منه وكمان زياد عنده واجب هعمله معاه ونور أهي بتزن زي ما انتي شايفة، نزله عند صافية هي فاضية وما وراها حاجة.
نظرت إليها زينب بتعجب وأومات بحرج ثم قالت:
أيوة معاكي حق، صافية بتحب يحيى وهو بيسكت معاها، خلاص هنزله عندها.
أومأت يسر باقتضاب. قبل أن يرتفع رنين هاتفها لتنظر له بتوتر وقامت بالنظر على الفور إلى زينب التي قالت:
ده عمي سليمان اللي بيتصل بيكي!!
أومأت يسر بتخبط وقالت:
أيوة أصل.. أصل نور كانت تعبانة وأكيد بيطمن عليها.
هزت زينب رأسها بشك لتقول يسر:
بعد إذنك يا زيزي لو نازلة تقفلي الباب وراكي.
رفعت زيزي حاجبها بتعجب وقالت:
أه،، ماشي.
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها لتجيب يسر على الهاتف مسرعة وتقول:
ألو.. أيوة يا عمو؟
تنحنح هو بتوتر وقال:
أيوة يا يسر مبترديش ليه؟!
قالت:
أصل زينب كانت قاعدة معايا.
تمتم قائلاً باضطراب:
أه.. طيب أنا مرضيتش أكلمك امبارح وقولت أسيبك تفكري براحتك.. فكرتي؟!
قالت بنبرة هادئة تصطنع اللامبالاة:
فكرت ف إيه؟!
تعجب قائلاً:
في الكلام اللي قلتهولك امبارح!
تمتمت قائلة:
آاااه.. تقصد موضوع إننا نتجوز يعني، معلش يا عمو اتلهيت مع نور ونسيت الموضوع ده.
قال بضيق يعتريه:
آااه، طيب هتردي عليا إمتا؟!
تسائل هو بشغف فأجابت ببرود:
أول ما آخد قرار هبلغك بإذن الله.
زمّ شفتيه بضيق وقال:
طيب ماشي، براحتك أنا مش مستعجل.
قالت:
تمام ماشي، عن إذنك عشان نور بتعيط!
وقامت بإنهاء المكالمة دون أن تنتظر رده. لتعلو شفتيها ابتسامة ماكرة متلاعبه. بينما تمتمت زينب التي كانت تقف خلف الباب ترهف السمع إليها:
يا بنت الإييييه؟!! جواز حتة واحدة!!
نزلت تركض باتجاه شقة صافية وطرقت الباب بقوة لتقول صافية:
طيب يا زينب، جايه.
فتحت صافية الباب لتدلف زينب إلى الشقة وعلى وجهها الكثير من الانفعالات لتقول صافية بتهكم:
شكلك كده عندك حكايات لا حصر لها ولا عدد.
حاولت زينب أن تظهر أكثر هدوءً وأقل انفعالاً فجلست إلى المقعد من خلفها وقالت:
قلت آجي أسيب يحيى عندك على ما رايحة السوق أشتري حاجات.
حملت صافية منها يحيى وهي تنظر له مبتسمة وقالت:
معقول يا جميل هتقعد معايا؟ ده البيت زاد نوره.
تمتمت زينب بابتسامة وقالت:
البيت منور بأهله يا صفصف، شوف يا يحيى عمتو صافية فرحانة بيك إزاي! ثم قالت بنبرة خبيثة: أصلي طلعت أسيبه مع يسر قالتلي أصل الظروف والجوابات ومصدعة والواد والبت وفي الآخر قالتلي سبيه عند صافية هي فاضية ما وراها حاجة.
ابتسمت صافية باقتضاب. لتستأنف زينب حديثها وتقول:
البت يختي دخلت لقيتها ممددة ولابسة المحزء والملزق ومهببة وشها ولا كإنها عروسة في شهر العسل!
ابتسمت صافية بسخرية ولم تتفوه ببنت شفة. لتتابع الأخرى حديثها وتقول:
صدق اللي قال معندهاش عزيز ولا غالي.
ثم نظرت إلى صافية واقتربت منها وهمست كأنما تخبرها سرًا:
أصل أنا عارفة النوعية دي، قلبهم مبيتوجعش على حد.
هزت صافية رأسها بيأس وقالت:
خلاص بقا يا زينب ملناش دعوة بحد، كل واحد حر في حياته وبعدين إنتي عيزاها تقعد في شقتها متكتفة! ما كل واحد يعمل اللي يريحه.
قالت زينب باستنكار:
يختي لهو كان دكر بط اللي مات؟! ثم مصمصت شفتيها بحسرة وقالت: الله يرحمك يا يحيى، راجل يتحزن عليه العمر كله بس هي اللي معندهاش أصل.
تمتمت صافية بأسف:
الله يرحمه ويحسن إليه.
تنحنحت زينب تجلي حلقها وأردفت بمكر:
وأنا عندها لقيت عمي سليمان بيرن عليها!
نظرت إليها صافية بانتباه وضيقّت عينيها بتفكير. لتردف زينب قائلة:
ولما سألتها قالتلي أصل نور تعبانة وبيطمن عليها، وطردتني!!
نظرت إليها صافية بتعجب وذهول وقالت:
طردتك؟!
أومأت قائلة:
آه والله طردتني بالحداقة كده، قالتلي خدي الباب وراكي.
ارتفع حاجبا صافية بصدمة لتتابع الأخري قائلة:
قوم بقا إيييييييه وأنا باخد الباب ورايا وخارجة سمعتلك طراطيش كلام قال جواز وما أبصر إيه.
انقبض قلب صافية واعتصره الخوف. لتلزم الصمت. بينما تساءلت زينب:
هو في جديد وأنا معرفش ولا إيه؟!
نظرت لها صافية بضيق وقالت:
كده هتتأخري عن مشوارك يا زينب.
هزت زينب رأسها وقالت:
آااه.. طيب يختي هستأذن أنا بقا عشان أروح وأرجع قبل جية قدورة من المحل.
ثم انصرفت زينب وتركت صافية غارقة في أبحر من الشرود والخوف والندم أيضًا...!
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل السادس 6 - بقلم نعمة حسن
كانت غزل تجلس إلي جوار السيدة كاريمان تسند يديها أسفل خديها وتستمع إلي حكاياتها التي أصبحت جزءاً هاماً من يومها لتقول:
أفهم من كده إنك فضلتِ تحبيه رغم اللي كان بيعمله فيكي و رغم إنه اتجوز عليكي!
أومأت كاريمان بإبتسامة تمتزج بها آلام الذكريات وقالت:
لله يرحمه مكانش سايبلي إختيار غير إني أحبه كل يوم أكتر من اللي قبله، طول عمره كان حنين عليا و عمره ما كان قاسي.
تسائلت غزل بتعجب وقالت:
كل ده و مكانش قاسي!! هي القسوة بالنسبة لك إيه؟!
نظرت كاريمان أمامها بشرود و أردفت:
القسوة ليها معاني كتيرة يا غزل غير اللي إنتي فاهماها، أو يمكن أنا عشان كنت بحبه أوي كنت ببص للأمور من زاوية تانية غير كل الناس، القسوة بالنسبه لي هي مش إنه يضرب و يهين و يخاصم و يجافي، لأ، القسوة بالنسبه لي كانت لو جيت في يوم بكيت و ممسحش دموعي، لو لقاني عايزة أعيط و محضنيش، لو حسيت لمسته ليا راح منها الدفا اللي كان ملازمها، لو نبرة صوته وهو بيتكلم معايا مبقاش فيها نفس اللهفة اللي بيتكلم بيها.
ثم نظرت إلي غزل وقالت:
لو هنحسب القسوة بالمقاييس بتاعتي يا غزل فهو عمره ما كان قاسي عليا.
لم يَسعها سوي أن تبتسم لتلك الكلمات التي مست قلبها لتردف الأخري بتأكيد وقالت:
القساوة قساوة القلب يا غزل مش أي حاجة تانيه.
نظرت إليها غزل وقالت:
إنتي غريبة أوي يا ماما كاريمان، للدرجة دي كنتي بتحبيه!! وهو إزاي مقدرش إنك بتحبيه الحب ده كله و راح اتجوز عليكي؟!
نظرت كاريمان للجانب و لمعت عيناها بألم وقالت:
لله يرحمه كان مهووس بالستات، كان دايماً يقوللي دي حاجة غصب عني و الحب حاجة و الجواز حاجة تانية.
سألتها غزل بفضول:
هو اتجوز كام مرة!
_6 مرات!
نطقتها كاريمان بإبتسامة ساخرة لتجد غزل وقد اتسعت عيناها بدهشة وقالت:
6 مرات وإنتي علي ذمته و موافقة و راضية!
أومأت بنعم وقالت:
كنت خايفة عليه يعمل حاجة حرام و خصوصاً إني تأكدت إن الستات بالنسبة له زي مرض هو مش عارف يتعالج منه، عمره ما كان ضعيف قدام حاجة غير الستات.
قالت غزل بإمتعاض:
بس ده مش مرض، دي فراغة عين و طفاسة، طالما مكانش قادر يكتفي بيكي يبقا كان لزمته إيه الحب اللي بينكوا!
ثم أضافت بقوة:
اسمحلي أقولك إنك كنتي مغيبة وهو كان بيستغل حبك ليه أبشع استغلال.
قالت كاريمان بنفي:
لا أبداً متقوليش كده، عمره ما استغلني أنا كنت راضية بكل حاجة وهو مغصبش عليا ولا مرة إني أوافق أو أقبل بالوضع ده.
جادلتها غزل قائلة:
لأنك مكنتيش محتاجة للضغط أو الغصب أساساً هو وصلك لمرحلة من الابتزاز العاطفي خليتك مهيئة لكده، إنك تدوري علي راحته و سعادته علي حساب راحتك و سعادتك و... و كرامتك كمان!
نطقت الأخيرة بقوة لتنظر لها كاريمان بضيق وتقول:
اطلبي لي أكرم ابني!
قامت بالاتصال بولدها الذي أتى في غضون دقائق لتنصرف غزل على الفور فقالت له:
أنا مش عايزة البنت دي تاني.
نظر لها ابنها بتعجب وقال:
ليه يا أمي مالها ضايقتك في إيه؟!
أردفت بغضب:
من غير ليه.. مش عايزها تيجي هنا تاني!
زم شفتيه بحيرة وقال:
حاضر يا ست الكل اللي تشوفيه.
ثم قام بالاتصال بـ غزل التي أجابت على الفور متسائلة باهتمام فقالت:
أيوة يا باشمهندس، خير في حاجة؟!
تتنحنح قائلاً بحرج:
مساء الخير يا آنسة غزل، الحقيقة مش عارف أجيبهالك إزاي بس والدتي مبقتش عايزة حد ييجي يقعد معاها.
ابتسمت ببساطة وقالت:
كنت متأكدة إنها هتاخد مني موقف بعد اللي حصل النهارده.
ليتسائل مستفهماً فقال:
إيه هو اللي حصل النهارده؟!
أجابت غزل ببساطة:
أبداً، كانت بتحكيلي عن والدك الله يرحمه وإنه كان راجل مزواج وإنها كانت راضية و موافقة فأنا قولتلها إنه كان بيستغلها وبيستغل حبها ليه.
ضحك قائلاً:
يعني إنتي اللي جنيتي على نفسك، أصل بابا الله يرحمه يا ستي من المحظورات عندها مبتسمحش لحد يقول عليه حرف مش على هواها، بتحبه بجنون زي ما إنتي شايفة كده فإنتي كنتي بتلعبي في الثوابت عندها عشان كده هي قالت تلحق نفسها وتستغني عنك قبل ما تتأثر بكلامك.
ابتسمت غزل وقالت:
على العموم حصل خير، ربنا يخليهالك و يديها الصحة وطول العمر.
تمتم قائلاً:
اللهم آمين يارب، أتمنى تتفهمي موقفي ومتكونيش متضايقة.
أردفت بهدوء:
لا أبداً مفيش حاجة، مع السلامه.
أنهت الاتصال بعدها لتذهب بخيالها إلى مؤنس وحدتها ورفيق أحلامها الأوحد وقد أنَّ قلبها شوقاً إليه لتتمتم قائلة:
الله يرحمك يا يحيي.
مر أسبوع وقد نفذ صبر سليمان وهو ينتظر جواب يُسر التي أهلكت أعصابه بغنجها الزائد ليقرر أنه سيقوم بالاتصال بها اليوم وليكن ما يكن.
أمسك بهاتفه بأيدٍ مرتجفة وقام بمهاتفتها لتتجاهل هي اتصاله مرات ومرات لتجيب أخيراً فقالت بصوتٍ ناعس راقه كثيراً:
ألو، أيوة يا عمو.
تنحنح قائلاً:
أيوة يا يُسر إنتي كنتي فين كل ده؟
_معلش مسمعتش التليفون، كان في حاجة؟!
قال بضيق:
أيوة في، فات أسبوع على آخر مكالمة بيننا و قولتيلي هتفكري وتردي عليا وبرضو مردتيش لا بـ آه ولا بـ لأ، ممكن أعرف ده تجاهل ولا طناش ولا رفض ولا إيه بالظبط؟!
قالت بهدوء:
لا والله أبداً لا تجاهل ولا طناش.
ضيّق عينيه قائلاً:
يبقا رفض!
زفرت مطولاً وقالت:
بص يا عمو بصراحة أنا فكرت في الموضوع ده لقيت إني كده هظلم صافية وأنا مش هقدر أظلمها لأني مشوفتش منها حاجة وحشة....
قاطعها قائلاً:
لااا لو صافية هي اللي شغلاكي متقلقيش أنا اتفاهمت معاها وهي موافقة.
تمتمت بصدمة:
موافقة؟! موافقة إننا نتجوز؟!
قال مؤكداً:
أيوة موافقة، هي عارفة إننا بنفكر في مصلحة العيال وبس.. لو على صافية متحمليش هم.
أردفت بتفكير و تمهل:
طيب وبابا الحاج خد خبر؟
_أيوة طبعاً عارف هو أنا معقول هخطو خطوة من غير علمه ومباركته كمان، اطمني هو كمان موافق.
صمتت ليتابع هو قائلاً:
أظن كده مبقاش في أي موانع! هااا بقا موافقة ولا مش موافقة؟
=موافقة.
نطقتها بتمهل ليبتهج وجهه ويعلوه البشر والسرور فقال مسروراً:
على خيرة الله.. أنا هبلغ الحاج ونكتب الكتاب على آخر الأسبوع إن شاء الله.
تمتمت بموافقة:
ماشي بإذن الله.
أنهى الاتصال وقلبه يتراقص طرباً وسعادة بهذا الخبر السعيد ثم قام بالاتصال بصديقه قائلاً:
ألو، إزيك يا أبو يونس.
_سليمان إيه أخبارك عاش من سمع صوتك يا راجل.
=بخير الحمدلله والله، اسمعني، عايزك تجهز لي طقم دهب كامل مكمل بس تكون حاجة نقاوة على ذوقك، وهفوت عليك بالليل إن شاء الله آخده.
_إيه ناوي تتجوز ولا إيه؟!
مسح سليمان جانب فمه بإبهامه وأردف بِزهو فقال:
أه، عقبال عندك.
قال الآخر متعجباً:
بتتكلم جد؟! ده أنا كنت بهزر! على العموم ربنا يتمم بخير يا ريّس.
شكره سليمان قائلاً:
تسلم يا غالي عقبال أولادك.
و أنهى المكالمة ليغلق متجره ويعود إلى البيت ثم دلف إلى شقة والده ليجده قائماً يصلي فانتظر حتى فرغ من صلاته وقال:
حرماً يا حج.
_جمعاً بإذن الله.
قالها والده وهو يجلس إلى مقعده ليبادر سليمان بالحديث قائلاً:
يُسر وافقت يابا.
نظر إليه والده وهز رأسه بهدوء علامة منه في عدم رغبته بالحديث ليتابع سليمان قائلاً:
وصافية كمان اتفاهمت معاها وخدت منها الموافقة.
أعاد والده النظر إليه وقال باقتضاب:
على خيرة الله يا سليمان.
ذهب سليمان وجثا على ركبتيه أمام مقعد والده وأمسك بيده يقبلها قائلاً:
إنت مش مبسوط يابا؟! صدقني لو مش عاوز الموضوع ده أنا هصرف نظر عنه للأبد، أهم حاجة رضاك.
ربت والده على كتفه قائلاً:
اللي ميغضبش ربنا ميغضبنيش يبني، أهم حاجة متظلمش يا سليمان!
نظر إليه سليمان مستفهماً ليردف والده قائلاً:
متَمِلش لواحدة على حساب التانية يا سليمان، لازم تعدل بينهم على قد ما تقدر، وتراعي إن يُسر هتيجي مراتك زي صافية بالظبط يعني الاتنين ليهم نفس الحقوق.
أفتر ثغره عن ابتسامة حتى تبينت نواجذه ليقول بحماس:
من الناحية دي متقلقش يابا.
أومأ والده موافقاً وقال:
على بركة الله.
_إن شاء الله كتب الكتاب يوم الخميس.
قالها سليمان لينظر إليه والده ويقول:
بإذن الله على خير.
_ياارب، هطلع بقى أبلغ صافية.
ثم انصرف صاعداً نحو شقته ليجد صافية تجلس متجهمة الوجه فبدأ هو بارتداء قناع الحزن ودخل يجر قدميه جراً وتهاوى بجسده إلى الأريكة التي تجلس عليها صافية منتظراً أن تبادر هي بالحديث كعادتها كل يوم متسائلة عن حاله أو عن سبب ضيقه ليجدها آثرت الصمت دون النبس بكلمة واحدة لينظر إليها متعجباً وتتبدل الأدوار ليبادر بالحديث قائلاً:
مالك يا صافية؟! قاعدة سرحانة كده ليه؟
قالت باقتضاب دون النظر إليه:
مفيش حاجة.
زاد تعجبه ليجلس مقابلاً لها ويمسك بيدها قائلاً:
مفيش إزاي؟! أكيد في حاجة مضايقاكي.
نظرت إليه بقوة وأردفت:
إيه أخبار العروسة الجديدة؟!
نظر إليها بتعجب وقال:
العروسة الجديدة؟!
أومأت بموافقة وقالت:
أيوة، أصل أنا بقالي كذا يوم مشوفتهاش، أما إنت على اتصال معاها عشان كده بسألك إنت عنها.
قال مستفهماً:
على اتصال معاها؟! مين اللي قالك كده؟!
أجابت بحدة:
زينب اللي قالتلي، كانت عندها وشافت موبايلها بيرن باسمك.
قال مغتاظاً:
وإنتي معينّة مخبرين عليا ولا إيه يا صافية؟! جري إيه، إنتي هتخيبِني ولا إيه؟!
قالت بضيق:
وأنا من إمتى كنت بعمل كده يا سليمان ولا هو ده طبعي أصلاً؟!
قال مستفهماً:
أومال في إيه؟!
_الحكاية وما فيها إن زينب كانت فوق بالصدفة وشافت اسمك على تليفونها وكمان وقفت تتصنت عليها وهي بتكلمك وسمعتها بتقولك جواز ومش جواز، وإنت عارف زينب مبتصدقش خبر وبتحب تعمل خير أوي، نزلت تجري تبلغني.. وأنا قعدت قدامها زي العيلة الصغيرة مش عارفة أرد عليها أقول إيه.
ثم أردفت بحزن:
أنا اتحطيت في موقف وحش أوي يا سليمان.
تأفف قائلاً:
صاااافيه، عشان خاطر ربنا أنا مش ناقص لت حريم ملوش عازة، كفاية عليا القرف اللي أنا فيه، مش عارف هلاقيها من الشغل اللي مضروب ولا من أبويا اللي بيضغط عليا في الطلعة والنزلة ومش راضي يتكلم معايا إلا أما أعمله اللي هو عايزه، ولا منك إنتي كمان وأنا شايفك بتضغطي على نفسك عشان تريحيني وأنا مش عارف أخفف عنك إزاي.
ثم قال وهو يضع رأسه بين كفيه:
حراام كل ده والله، ده فوق طاقتي بجد.
لم يَفشل يوماً في ابتزازها عاطفياً ليجعلها هي من تقدم له الحلول التي يريدها على طبق من فضة بالإضافية إلى شعورها بالذنب تجاهه أيضاً لكونها أفصحت عن ما بها من ضيق واستياء.
اقتربت أكثر منه لتجذبه إلى صدرها وتمسح على رأسه وقالت:
خلاص يا سليمان أنا آسفة، حقك عليا مش هتكلم معاك في الموضوع ده تاني، اسمع كلام أبوك واكسب رضاه وأنا عليا الاستحمال.
احتضنها بشدة وأردف قائلاً:
مش عارف أعمل إيه يا صافية، تعبت، وأبويا مش راحمني، ده حتى لسه وأنا طالع بيقولي اعمل حسابك كتب الكتاب يوم الخميس!
ابتلعت غصة في حلقها وقالت بألم:
معلش يا سليمان، الخميس من الجمعة مفرقتش طالما كده كده مصمم على حاجة هيعملها.
أومأ متنهداً ليمنح جبينها قبلة عميقة ويقول:
معلش يا صافية يا بنت الأصول، وضع وكلنا مجبرين نتقبله، ربنا يسامحه أبويا بقى.
ابتسمت هي ببشاشة على عكس ما يعتمل بداخلها من ألم وحسرة وقالت:
ولا يهمك يا حبيبي، يلا ادخل غير هدومك وتعالى نتعشى، عملالك كل الأكل اللي بتحبه.
أومأ مبتسماً لتنصرف هي باتجاه المطبخ فـ زفر براحة وهو يمني نفسه باقتراب مراده.
كانت تجلس شارده كعادتها تفكر بهِ فكيف لها أن تنساه وهو من أول من داعب قلبها و انتزع ابتساماتها فل طالما عشقته وانتظرته ولكنها أبت أن يبدو ذلك عليها فهي كانت لا تزال صغيرة وتراه قد لا يلتفت لها يوماً فكيف لها أن تطمح في ذلك وقد يراها طفلة في نظره، فـ كبتت مشاعرها بينها وبين نفسها وعانت من لوعة الحب الصامت الذي لم يُلهب إلا وجدانها وحدها.
كانت تأمل أن ربما بداخله شيء نحوها هو الآخر ولم ير منها شيئاً يدفعه لأن يصرح لها بما بداخله فانتظرته ليالٍ طوال.
هكذا قيدت غزل تلك المشاعر و دعتها تكبر بداخلها فقط هي وحدها حتى فوجئت بخبر زواجه من يُسر لتنسحب على الفور من وسط ذلك الجمع الغفير وهي تحبس دمعاتها لأنها لم تحمل بداخلها إلا لوعة الحب والفراق.
مسحت دمعاتها التي طفقت تسبح فوق وجنتيها و أسبلت جفنيها تود النوم حتى تنعزل به عن عالمها المهلك ولكن أنَّى لها ذلك.
رأت يحيي يجلس مبتسماً لها وهي تدنو بخطواتها منه حتى اقتربت منه وتوقفت أمامه لتجده ما زال ينظر باتجاهها ويبتسم ولكن ليس لها فنظرت خلفها لتجد يُسر في مكتمل أنوثتها تقف وعلى ثغرها ابتسامة فاتنة ويحيي ينظر لها ويبتسم ثم نهض عن مقعده وسار إليها حتى توقف أمامها ليجد أنها لا تنظر له ولا زالت تبتسم فنظر خلفه ليجد سليمان وقد بدا وسيماً للغاية يختلط شعره بسواد الليل وبياض الفجر معاً ينظر لـ يُسر ويبتسم ثم سار نحوها ليحتضنها على مرأى عينيّ يحيي ليسقط هو أرضاً من هول الصدمة ويضرب الأرض حزناً بيديه وينتحب بشدة فهرولت هي ناحيته لتجد قدميها وقد تثبتت بالأرض لا تقوي على رفعهما وكأنهما قد التصقتا بالأرض لتقف هي حزينة تبكي على ما آل إليه حال يحيي وهو يجلس بمكانه ينظر لـ زوجته وشقيقه وهما يتعانقان وينظران نحوه بحقد ويضحكان بسخرية لتنتفض هي من نومها بفزع وراحت تتمتم:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
خرجت من غرفتها لتجد والدها ما زال مستيقظاً ويدخن السجائر وهو شارد لتقترب منه وقالت:
لسه صاحي ليه يا بابا؟!
نظر إليها قائلاً:
مفيش حاجة يا غزل إنتي إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟!
زفرت بتوتر وقالت:
قلقت مفزوعة، كنت بحلم حلم وحش أوي!
نظر إليها قائلاً باهتمام:
خير اللهم اجعله خير، اقعدي واحكيلي.
قصت له ما رأته ليبتسم متهكماً ويقول:
ده مش حلم ده حقيقة!
نظرت إليه بتعجب وقالت:
حقيقة إزاي مش فاهمه؟!
سحب نفساً من سيجارته وأردف:
عمتك صافية كانت بتكلمني دلوقتي وقالتلي إن سليمان هيتجوز مرات يحيي الله يرحمه.
فعرت فاها بصدمة وقالت:
معقول؟! وإزاي يُسر توافق على حاجة زي دي؟! وإزاي عمتي صافية تقبل بالوضع ده؟
زفر قائلاً:
عمتك مغلوبة على أمرها يا غزل، إنتي عارفة هي بتحب جوزها قد إيه، وبعدين هو هيعمل كده بأمر من أبوه عشان عيال أخوه يتربوا وسط أهلهم، يعني هو كمان مغلوب على أمره.
نظرت إلى والدها بعدم اقتناع وقالت:
مفيش حاجة اسمها مغلوب على أمره، هو مش عيل صغير، وكمان هي مسمهاش مغلوبة على أمرها لا دي اسمها سذاجة وضعف واستسلام....
قاطعها قائلاً:
متحكميش على حاجة إنتي مش عايشة فيها ولا مجرباها يا غزل ربنا يعين كل حي على حاله.
أومأت بهدوء وقالت:
معاك حق، هدخل أنا أكمل نوم، تصبح على خير.
دخلت إلى غرفتها ولم يكحل النعاس جفنيها فبقت شارده تسب وتلعن يُسر التي سرقت منها يحيي أولاً وعادت لتسرق سليمان من عمتها ثانيةً.
آتي الموعد المنتظر على أحرّ من الجمر ليستقبله سليمان بفرحة وسرور جاهد أن يخفيها ولكنه فشل مما أثار خوف صافية من القادم ولكنها حاولت التحلي بالصبر حتى لا تتسبب في أي شيء قد يفسد ذلك اليوم فبدأت بتحضير ثياب سليمان والذي كان يستعد أتم الاستعداد.
_صافية، أنا طالع عايزة حاجة؟!
نطقها ببساطة حتى أنه قد نسي أن يتصنع الحزن لتنظر صافية له بألم ثم قالت:
عايزة سلامتك.
طبع قبلةً باردة على رأسها وانصرف للأعلى مسرعاً متخذاً سبيله إلى شقتها هرولةً ثم دق الباب دقات متلهفة ليفتح له زياد فحمله وقبّل وجنته قائلاً:
ماما فين يا زيزو؟
_ماما في الأوضة، أناديلها؟
!=قوللها عمو سليمان جه بره.
قال الطفل بعفوية:
هو إنت جاي عندنا ليه؟!
لم يعرف بما يجيبه ليقول:
يلا ادخل قوللها اللي قولتهولك.
دخل زياد إلى غرفتها وأبلغها بقدوم سليمان ثم خرج ليرتفع بعدها جرس الباب مسفراً عن قدوم المأذون وعلي وعبدالقادر.
فتح سليمان الباب لهم ليرمق كلاً منهم بنظرات خاطفة تبينت منها عدم رغبتهم في تلك الزيجة ليدخل المأذون ويبدأ في تحضير الأوراق بينما جلس سليمان إلى جانب أخيه وأبيه ينتظرون قدوم يُسر التي خرجت بعد أن تسائل المأذون قائلاً:
العروسة فين؟!
_أنا أهو يا حضرة المأذون.
برز صوتها وهي تتهادي بخطواتها الممشوقة لينتبه عليها الحضور وبالأخص "علي" الذي رمقها بنظرات متفحصة أسفرت عن تحليل صائب لموقفها وانطباعها عن تلك الزيجة مما جعله يتعجب بشدة.
كانت يُسر ترتدي ثوباً أبيض يرسم قوامها الفتان ببراعة وتضع من الزينة ما يكمل جمالها الذي حباها به الله فأقبلت عليهم تمشي بثقة ثم جلست مقابل سليمان الذي كاد فاه أن يسقط أرضاً من فرط إعجابه بها.
عُقد القران بشهادة عبدالقادر وعلي لينصرف كلاً منهم برفقة المأذون وبقي سليمان مع يُسر بشقتها ليقف أمامها ويقول مبتسماً:
مبروك يا يُسر.
تمتمت بهدوء:
الله يبارك فيك يا عمو.
ابتسم باقتضاب قائلاً:
لأ عمو إيه بقا مبقاش ليها لزوم عمو دي.. كفاية سليمان وبس!
أومأت بموافقة ليفاجئها هو عندما أخرج من الجيب الداخلي لسترته علبة قطيفة حمراء اللون وقام بفتحها أمامها لتتسع عيناها بدهشة وإعجاب وتقول بسعادة لم تنجح في إخفائها:
الله!! تحفففة بجد.
ثم نظرت إليه وهي تلتقط العلبه من بين يديه وقالت:
متحرمش منك يا عمو.. الطقم فظيع أوي.
سُرّ قلبه وقال مبتهجاً:
دي أقل حاجة، إنتي تستاهلي أحلى من كده بكتير.
ثم نزع الإسوار من العلبه وقال:
إيدك بقا عشان ألبسهالك.
بسطت كف يدها بسعادة ليقوم بإلباسها الإسوار ثم تلاه الخاتم ثم أمسك بالكوليه وهو ينظر لها ليتفاجأ عندما وجدها تستدير وتوليه ظهرها وترفع حجابها ليتقدم هو منها أكثر ويقف خلفها ويقوم بإلباسها العقد وقلبه يكاد يتوقف من فرط شغفه بها لتستدير هي سريعاً وتنظر إلى العقد الذي يزينها ومن ثم نظرت إلى سليمان بغبطة وقالت:
شكله حلو عليا مش كده!
نظر إليه سريعاً وقال:
حلو جداً، تعيشي وتدومي.
ابتسمت وأومأت بهدوء لينظر إليها قائلاً:
طب إيه مش هنتعشى ولا إيه؟! حتى العيال يتعشوا معانا.
قالت بأسف:
إيه ده! أنا نسيت أجهز عشا، أصلي مكنتش عاملة حسابي إنك هتفضل معانا بعد كتب الكتاب يعني.
ضحك قائلاً:
وهو يصح أنزل يعني في ليلة زي دي!
أخفضت بصرها أرضاً ليردف قائلاً:
على العموم مش مشكلة، هطلب أكل من بره، أساساً مكانش ينفع إنتي اللي تطبخي.
قام بالاتصال بخدمة توصيل الطعام للمنازل وطلب عشاءً فاخراً وقال:
نص ساعة والأكل هيوصل.
أسرع زياد باتجاهه وقال:
عمو هو إنت قاعد عندنا ليه؟!
نظر إليه باسماً وقال:
إيه يا زياد باشا عايزني أمشي؟!
أومأ زياد نافياً وقال:
هو إنت هتتعشى معانا؟!
قال سليمان ضاحكاً:
ده لو مش هيضايق حضرتك.
أضاف زياد متسائلاً:
وهتنام عندنا؟!
نظر سليمان إلى يُسر وقال:
ده لو ماما تسمح.
أكمل زياد وصلة تساؤلاته فقال:
ليه هو إنت بابا ولا إيه؟
انقبض قلبها لتقول بحدة طفيفة:
زياد بطل كلام كتير ويلا عشان تغير هدومك.
ذهبت لتساعد أطفالها في تبديل ملابسهم بينما دق جرس الباب ليفتح هو ويقوم بتحضير طعام العشاء على الطاولة فخرجت الأطفال ليجلس زياد إلى جانبه ونورا على قدمه فإذ به ينظر تجاه غرفة يُسر لتجدها تخرج وقد بدلت ثيابها إلى رداء رياضي "تريننج" محكم مكون من قطعتين ثم جلست إلى جانبهم وبدأوا جميعاً بتناول العشاء وسط جو لا يخلو من المزاح بين سليمان والطفل زياد.
فرغ الجميع من طعامهم لتقول يُسر:
أنا ممكن أنام مع زياد ونور في الأوضة بتاعتهم وإنت تنام على السرير الكبير لوحدك.
أردف بلهفة قائلاً:
لالا..بلاش الأوضة دي.
طالعته بتعجب ثم أضافت قائلة:
خلاص أنا هاخدهم معايا في الأوضة بتاعتي وإنت نام في أوضتهم.
زم شفتيه وقد خابت آماله بأن يبيتا سوياً فقال:
خلاص ماشي.
انصرف كلاً منهم إلى غرفته وهو يرقد على السرير كمن يفترش الجمر من أسفله ويتمتم بحسرة:
بنت الإيه زي لهطة القشطة .. آاااه بقا بعد ده كله أنام في أوضة وهي في أوضة! يعني بينا حيطة واحدة ومش عارف أطولها.
ثم قال مؤازراً نفسه:
الصبر يا سليمان.. الصبر.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل السابع 7 - بقلم نعمة حسن
كانت غَزَل تباشر عملها بالمركز قبل أن تنتبه إلي صوت رنين هاتفها.
لتخرجه من حقيبتها فوجدت رقم مجهول يتصل.
بعدها فأجابت مسرعة ليصلها صوت أنثوي ميّزته هي.
فقالت بلهفه: أيوة يا طنط هبه؟
_أيوة يا غزل، بابا تعبان وإحنا في المستشفي الأميري غرفة 205 تعالي بسرعه.
هرولت ركضاً تستوقف سيارة أجرة.
ركبتها و إتجهت بها إلي المشفي فوراً.
وصلت للغرفه الموجود بها والدها و دلفت بلهفه.
لتجده راقداً علي الفراش لا حول له ولا قوة.
فإقتربت منه و دمعاتها تسيل دون هوادة.
و أمسكت بيده تقبلها وهي تقول: مالك يا بابا سلامتك ألف سلامه.
ثم نظرت إلي جارتهم المدعوة هبه وقالت: هو جراله إيه يا طنط هبه؟!
قالت هبه بأسف: والله يا غزل إحنا كنا قاعدين في أمان الله.
و فجأه سمعنا صوت حاجه بتتهبد علي الأرض.
طلعنا نجري لقينا صوت حد بينازع عندكوا في الشقه.
أبو إسلام كسر باب الشقه و دخل لقا الحاج إبراهيم واقع في الأرض و جمبه الكرسي كان تقريباً بيحاول يتسند عليه.
قام خده و وقع.
نظرت غزل إلي والدها بحزن وقالت: أكيد مخدش العلاج بتاعه، أنا السبب.
قللت الأخيرة لتنفجر بالبكاء.
فقالت هبه: وإتتي ذنبك إيه بس يا بنتي؟
_ذنبي إني سيبته و نزلت إشتغلت.
فكرت في نفسي و نسيت إنه مليش غيري يراعيه و ياخد باله منه.
ربتت هبه علي كتفيها تواسيها وقالت: معلش يا حبيبتي وحدي الله و إن شاءلله بابا هيبقا كويس و يقوم بالسلامه.
بدأ إبراهيم بالإفاقه لتهرع إليه و تمسك بيديه تقبلها بأسف و ندم.
وتقول: أنا آسفه يا بابا إني مكنتش في وقت تعبك، سامحني.
مسح والدها علي شعرها بهدوء وقال: متعيطيش يا حبيبتي إنتي ذنبك إيه بس.
نظرت إليه بلهفه وقالت: إنت كويس؟!
أومأ موافقاً.
لتقول هبه: طيب يا عم إبراهيم حمدلله على السلامة، شده و تزول إن شاءلله، هستأذن أنا.
إنصرفت هبه لينظر إبراهيم بإتجاه غَزَل ويقول: ربنا يباركلها طنط هبه و جوزها و إسلام إبنهم هما اللي جابوني عالمستشفي و مسابونيش لحظه.
ربتت علي يده وقالت: ربنا يوقفلك ولاد الحلال دايماً و ميحرمنيش منك ابدا يارب.
إبتسم قائلاً: الواد إسلام ده طيب بشكل، و جدع كمان، راجل من ضهر راجل.
تجاهلت حديثه الذي تعلم مبتغاه ليتسائل حانقاً: يعني مبترديش!
_أرد أقول إيه يا بابا؟! منتا عارف ردي.
=لأ مش عارف حاجه، و من الآخر كده أنا بعد اللي حصلي إمبارح ده إستحاله أسيبك تعملي الهبل اللي في دماغك ده.
نظرت إليه بضيق وقالت: مش فاهمه حضرتك تقصد إيه؟!
أضاف بقوة: قصدي إني معنديش إستعداد أموت و أسيبك تلطشي في الدنيا لوحدك.
و إذا كنت بوافقك علي اللي في دماغك قبل كده مش هوافق تاني خلاص.
تسائلت بغضب: يعني إيه يا بابا الكلام ده؟!
قال بنبرة لا تقبل النقاش: يعني إسلام كلمني عليكي إمبارح تاني وأنا قررت أوافق خلاص.
نظرت إلي والدها بذهول وقالت: توافق؟! توافق علي أي أساس يا بابا؟!
أشاح والدها جانباً وقال: علي أساس اللي عيشته النهارده ده، أنا كان بيني و بين الموت شعره.
مكنتش شايل هم حاجه غير إني هموت و أسيبك لمين؟!
سالت دمعاتها ليردف بضعف قائلاً: مش كل مره تعيطي يا غزل عشان تسكتيني.
إفهميني يا بنتي أنا مش عايزك تتحوجي لحد من بعدي.
قاطعته بسيلٍ جارف من الدمعات وقالت: متقولش كده يا بابا ربنا يخليك ليا.
ليقاطعها هو بدوره قائلاً: لو خلاني النهارده مش هيخليني طول العمر يا بنتي إفهمي.
أنا مش هعيشلك العمر كله و مش ضامن عمري.
عايز لما أموت أبقا مرتاح و مطمن عليكي إنك في حما راجل.
سددت إليه نظرات فارغه ليستأنف حديثه بوهن وقال: أنا عمري ما ضغطت عليكي في حاجه يا غزل و عمري ما جبرتك تعملي حاجه ملكيش هوي ليها.
كنت أقوللك بلاش تقوليلي عشان خاطري يا بابا و أسيبك تعملي اللي إنتي عيزاه.
لكن المرادي أنا اللي بقولك عشان خاطري يا غزل ريحيني و وافقي.
وضعت رأسها بين كفيها لتنخرط في بكاءٍ مرير وقالت: مش هقدر يا بابا، والله العظيم غصب عني مش عارفه.
_يحيـي مات يا غزل.
نظرت إليه بألم ليردف مؤكداً: يحيـي مات و الحي أبقا من الميت، مش هينفع تعيشي طول عمرك راهنه حياتك بيه.
ده مراته اللي معاشراه و مخلفه منه عيلين نست و إتجوزت.
آثرت الصمت ليتسائل بأمل قائلاً: هاا قولتي إيه؟!
_اللي تشوفه يا بابا.
نطقتها بحزن و يأس ليتمتم هو فَرِحاً: علي خيرة الله، بكرة بإذن الله هبعتلهم الرد بالموافقه واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
بعد خروج إبراهيم من المشفي قام بمهاتفة والد إسلام و أخبره بموافقتهم علي طلبه لخطبة غزل.
فقاموا بتحديد موعد الغد للتعارف و قراءة الفاتحه.
علي مضض و بين بكاءٍ و نواح تجهزت غزل.
فإرتدت ملابس بسيطه و لم تتزين بل تركت بشرتها صافيه دون أي مساحيق تجميل و عكصت شعرها للأعلي بأنشوطه.
ثم خرجت لتقوم بمصافحة الجالسين و من ثم جلست إلي جانب والدها.
ليباشر بالحديث قائلاً: نورتونا يا جماعه.
نطق والد إسلام مبتسماً وقال: ده بنورك يا حج إبراهيم.
_نورتنا يا إسلام يا إبني.
قالها إبراهيم مبتسماً وهو يتحدث إلي إسلام.
الذي نظر بإتجاه غزل و أفتر ثغره عن إبتسامه مختاله.
لتطالعه غزل بنظرات فارغه أحبطته.
فقال: البيت منور بناسه يا عمي.
قال والده: دلوقتي يا أستاذ إبراهيم خير الكلام ما قل و دل و بما إن حضرتك عارف سبب الزيارة دي فـ الأفضل ندخل في الموضوع طوّالي.
أومأ إبراهيم موافقاً وقال: إتفضل يا أستاذ عبدالله.
_دلوقتي إحنا كنا سبق و طلبنا من حضرتم إيد كريمتك الآنسه غزل و الحمد لله جالنا الرد بالقبول.
فبما إن الموافقه موجوده الحمد لله يبقا خير البر عاجله.
أومأ إبراهيم مؤيداً ليردف الآخر متابعاً ويقول: النهارده بإذن الله غزل و إسلام يقعدوا مع بعض يتعرفوا على بعض أكتر و بإذن الله الخطوبه تبقا آخر الأسبوع.
تمتم إبراهيم قائلاً: وهو كذلك.. علي خيرة الله.
جلس إسلام و غزل بغرفة الصالون بصمت لم يقطعه أياً منهما.
ليردف إسلام قائلاً: عامله إيه يا غزل؟
تمتمت بهدوء و قالت: كويسه الحمد لله.
أومأ بإبتسامه صافيه و قال: مفيش حاجه عايزة تسأليني عنها.
نظرت إليه بشرود وقالت: إشمعنا أنا؟!
نظر إليها مستفهماً ببلاهة و تسائل فقال: إشمعنا إنتي إيه مش فاهم؟!
_إشمعنا إتقدمتلي أنا؟!
أجاب بعفوية: عشان متربيين سوا من صغرنا و عارفك و عارف طبيعتك و عارف تربيتك شكلها إيه!
قالت بتهكم: عشان كده بس؟!
أومأ موافقاً و قال: أيوة، بس بتسألي السؤال ده ليه مش فاهم!
هزت رأسها بلا مبالاه و قالت: لأ أبداً، بسأل بس.. كنت عايزة أشوف سبب إصرارك ده إيه؟!
نظر إليها متلعثماً متخطباً لتنتشله هي من حيرته تلك و تقول: خلاص يا إسلام، مش لازم تجاوب.
أومأ علي الفور موافقاً و كأنه تخطي إختباراً صعب للغايه و قال: لو مفيش عندك حاجه عايزة تعرفيها ممكن نخرج نقعد معاهم.
راقتها الفكرة لتنهض علي الفور و تخرج اليهم برفقته و يبلغانهم بالموافقه.
لينصرف إسلام و أهله علي إتفاق بأن الخطبة يوم الخميس المقبل.
استيقظت يُسر من نومها بضيق داخلي يملؤها.
فتململت بفراشها لتقع عيناها بغتةً علي صورة يحيـي المعلّقه علي جدار الغرفه.
لتشيح بوجهها جانباً و كإنما تتحاشي النظر إليه.
فنظرت إلي الجهة الأخري لتصطدم بصورته التي تقبع فوق الصوانة الموجودة إلي جانب الفراش.
فشعرت بالإختناق و كإنما يلاحقها و يحاصرها.
لتمسك بصورته و تزچ بها في الجارور ثم تنهدت بريبة و خرجت من غرفتها لتذهب إلي المغسل.
كان سليمان يرقد فوق فراشه بملل و ينتظر إفاقتها حتي يراها.
ليستمع إلي حركتها بالخارج فتصنع النعاس و خرج من الغرفة مسرعاً قبل أن تعود إلي غرفتها مجدداً.
فوجدها تخرج من المغسل ليقف مصدوماً.
وقد إزدرد ريقه بصعوبه وهو يراها تقف أمامه بـ طلّتها الـعاتيه تلك.
ترتدي قميصاً يكشف اكثر مما يخفي بـكرمٍ شديد و شعرها الشبيه بأوتار العود قد ثار علي ظهرها و كتفيها محدثاً فوضي فاتنه أودت بهِ.
لينظر لها بإعجاب و إكبار شديدين و هو لا يستطيع أن ينتزع عيناه من عليها.
_إحممم.. صباح الخير يا عمو.
قالتها يُسر بحرج و قد أخفضت بصرها أرضاً.
ليردف هو قائلاً: يا صباح الجمااااال.
إزدهي داخلها و شعرت بالإنتشاء لإطراءه البسيط ذلك.
فـ وأدت إبتسامةٍ كانت تتسلل إلي شفتيها و تصنّعت الخجل و قالت: معلش خرجت براحتي بقا مكنتش أعرف إنك صاحي.
تمتم مسرعاً: لأ معلش إيه، إنتي تاخدي راحتك عالآخر، هو أنا معقول يعني هقيد حريتك في بيتك!
ثم أضاف بنبرةٍ واهية: بصي؛ إعتبريني مش موجود.
أومأت بإبتسامة هادئة و قالت: طيب بعد إذنك هغير هدومي و آجي أعمللك فطار.
همّت بالإنصراف ليمسك بيدها سريعاً يستوقفها.
فقال: لا ملوش لزوم تتعبي نفسك، إرتاحي و أنا اللي هعمل الفطار.
نظرت إليه بتعجب سرعان ما تحوّل إلي سرور.
فأشارت له بالموافقة و إنصرفت من أمامه.
بينما كان ينظر هو في أثرها بـِ شغف وقد أوشك صبرهُ علي النفاذ.
ذهب لإعداد طعام الفطار بينما دلفت هي إلي غرفتها و قد بدأت تستعيد يُسر تِلك المتفاخرة المتعاظمه بجمالها الأخّاذ.
جلست هي و سليمان و أطفالها يتناولون طعام الإفطار.
فنظر سليمان إليها قائلاً بمشاكسة: فطار ولا فطار في فندق خمس نجوم أهو، أي خدمه.
ضحكت عالياً و أردفت قائلة: معاك حق، تسلم إيديك.
تمتم مبتسماً: بألف هنا.
برز صوت الصغير قائلاً: هو إنت بتاكل عندنا ليه يا عمو؟!
نظر إليه سليمان و قال: إيه يا سي زياد مش عايزني أفطر معاكوا ولا إيه؟! أقوم أمشي؟!
أجابه الصغير بإيماءه موافقة و أردف بعدها قائلاً: أيوة عشان إنت قاعد في المكان بتاع بابا.
أصابه الخَرَس و إمتدت يده ليتناول كأساً من المياه تجرّعهُ ليزدرد غصّته.
و من ثَمّ نهض عن مائدة الطعام و دخل ليبدل ثيابه.
فإستوقفته يُسر قائلة: متزعلش من زياد، ده عيل صغير مش فاهم حاجه.
إبتسم بلطف قائلاً: و مين قال إني زعلان، أنا بس ردّه فاجئني.
_طب إنت رايح فين دلوقتي؟
معقول هتنزل؟!
أومأ أن نعم و قال: هنزل أطلّ علي أبويا و أشوف صافيه عشان متزعلش و هبقا أرجع عالغدا.
أومأت بموافقة ليغادر هو الشقه و ينزل إلي شقة صافية.
فوجدها تلتزم فراشها و قد تملّك الإكتئاب و اليأس من وجهها.
ليرسم أسفل عيناها لوحةً سوداء ذات محجرين غائرين و شفاه عابسه إنقشعت عنها البسمة.
تعجّب سليمان من هيئتها الحزينه ليتسائل قائلاً: مالك يا صافيه، إنتي تعبانه ولا إيه؟!
ألقت عليه نظرةٍ قاسية وقالت و الحزن يخيّم علي معالم وجهها: لا مش تعبانه يا سليمان، أعمللك تفطر؟!
قال ببساطه: لا أنا فطرت قبل ما أنزل.
رآها تنظر نحوه نظرات لم يستطع فك شيفرتها.
ليردف مكملاً: العيال كانوا بيفطروا و فطرت معاهم.
تسائلت مجدداً وهي تعلم مسبقاً بما سيجيبها و قالت: طب تحب أعملك إيه عالغدا؟!
أتاها جوابه كما إنتظرت فقال: لا أنا هتغدي مع العيال النهارده.
إبتسمت بتهكم و قالت: ربنا يخليلك العيال و أم العيال.
تبيّن ضيقها ليردف قائلاً: معلش يا صافيه هو عشان أول يوم بس.
نظرت إليه و بداخلها تعتمل الكثير من الأحاسيس.
إلا أنه أخمدها جميعاً و أوقظ لهيب الحب عندما إقترب منها.
مردفاً بحنية لم يفشل يوماً في إتقانها وقال: صافيه يا حبيبتي، إنتي طول عمرك بنت أصول و بتفهمي في الأصول.
عايزك تساعديني بس لحد ما أعدي اليومين دول و أصالح أبويا و أكسب رضاه من تاني.
أنا نمت فوق إمبارح غصب عني و حاسس إن السرير عليه شوك لإنك مش جمبي.
بس إتغصبت علي نفسي عشان مينفعش مكنتش أنام فوق إمبارخ منتي عارفه دماغ أبويا و تحكيم رأيه.
تهاوت إلي صدره تحتضنه بإحتياج شديد و قالت: أنا معرفتش أنام يا سليمان، عنيا مداقتش طعم النوم طول الليل و حاسه إن الفرشه بارده من غيرك.
أنا حاسه إني ظلمت نفسي و ظلمتك لما شجعتك علي قرار الجواز ده.
إضطرب و أخذ منه التوتر كل مأخذٍ و أردف قائلاً: معادلوش لزوم الكلام ده يا حبيبتي اللي حصل حصل.
بس أنا مش عايزك تقعدي حزينه و مضايقه كده و شايله الهم، كده إنتي بتعجزيني.
قومي يلا إفطري و فرفشي نفسك، و أقوللك أنا مفطرتش فوق بـِ نفس، إعمليلنا فطار ملوكي من بتاعك ده و تعالي نفطر يلا عشان أنزل أشوف أبويا.
تهللت أساريرها و أسرعت لتعد له طعام الإفطار و مِن ثَم جلسا يتناولان الطعام سوياً.
ثم مرّ بشقة والده و من بعدها إلي المتجر الخاص به.
أتي يوم خطبة غَزَل التي إستقبلته بحزن و بؤس شديد.
كانت صافيه تجلس إلي جوارها تحتضنها وهي غارقه في سيْل دموعها الجارف.
_خلاص بقا يا غزل يا حبيبتي، في عروسه تعيط يوم خطوبتها بردو؟
نظرت غَزَل إليها وقالت: مش عيزاه يا عمتو، حاسه إني هيجرالي حاجه لو إتجوزته، حاسه إني كده هبقا بخون يحيـي!
دُهِشت صافيه مما إستمعت إليه فأردفت بحدة تقول: بتخوني يحيـي!! إيه العبط اللي بتقوليه ده يا غزل؟!
يحيـي مات يا بنتي الله يرحمه، و حتي لو كان عايش إنتي لا كنتي مراته ولا خطيبته عشان تقولي كده.
و أضافت بإستهجان: ده مراته معملتهاش!!
لم تجيبها غَزل لتتابع عمتها حديثها و تقول: قومي يلا بلاش خيابة، إغسلي وشك كده و غيري و حطي ميكب و حاجات من بتاعة العرايس دي زمان المعازيم علي وصول.
علي مضض، نهضت غَزل و قامت بتبديل ملابسها إلي رداء فضفاض بسيط من اللون الوردي و لم تضيف أي زينه إلي وجهها.
و خرجت لتجلس وسط الحضور بوجهٍ عابس شاحب اللون.
تقدم منها والدها فنهضت لتصافحه.
ف قام هو بإحتضانها بسعادة وهو يقول: حبيبة قلبي يا غزل أخيراً ربنا إستجاب ليا و شوفتك عروسه زي القمر.
إحتضنت والدها بشده وقد أجهشت بالبكاء ليقول محذراً: لاا بلاش عياط عشان مزعلش منك، هو في عروسه قمر كده تعيط.
ثم ربت علي كتفها قائلاً: ربنا يسعدك يا بنتي و يتم عليكي بخيرر.
ثم إنصرف لتجلس هي مجددًا إلي جوار إسلام و يستكملان حفل الخطوبة حتي إنتهاءه و مغادرة الجميع.
في نهاية حفل الخطوبة تقدم سليمان من غَزل و صافحها مهنئاً إياها و متمنياً لها أياماً سعيدة.
ثم إنفرد بزوجته و همس إليها قائلاً: يلا عشان الوقت إتأخر.
_لا يا سليمان معلش روّح إنت و أنا هفضل مع غَزَل يومين لإن نفسيتها تعبانه و مش عايزة أسيبها لوحدها.
نظر إليها مستفهماً وقال: يعني مش هترجعي معايا؟
أومأت بالنفي ليصطنع الضيق ثم قال: مش معقول يا صافيه كده، مش كفايه إن إمبارح كنت بايت فوق!
منحته إبتسامه هادئة و قالت: معلش يا حبيبي غصب عني والله، عشان مسيبش غَزَل لوحدها، و كلها يوم ولا اتنين و هاجي بإذن الله.
إقترب ليقبّل جبينها ثم قال: ماشي يا صافيه، طيب محتاجه فلوس ولا حاجه؟!
_لا معايا متحرمش منك.
أومأ موافقاً لينصرف سريعاً.
ثم قام بالإتصال بـ يُسر التي أجابت علي الفور.
فقال: أيوة يا يُسر.
_أيوة يا عمو.
=العيال ناموا ولا لسه؟!
_زياد نام أيوة بس نور لسه مغلباني.
=طيب محتاجين حاجه أجيبها لكوا و أنا جاي؟!
تسائلت بتعجب وقالت: إنت هتبات هنا النهارده؟
=أيوة لو مش هيضايقكوا، صافيه هتبات عند أخوها يومين ولا حاجه، قولت بدل ما أنام لوحدي أطلع أبات عندكوا.
_تمام ماشي، تنور.
إبتسم قائلاً: منور بأهله، عايزين حاجه أجيبها وأنا طالع؟
_طالما جاي دلوقتي هات عشا بقا لإني ملحقتش أعمل عشا و الوقت إتأخر.
=حاضر من عينيا، سلام.
إبتاع سليمان طعام العشاء و صعد علي الفور إلي الشقه.
و من ثم بدأوا يتناولون طعام العشاء سويّاً.
و من بعدها ذهبت يُسر كي تضع الصغيرة في سريرها و من بعدها خلدت إلي النوم.
أمّا هو فـ خاصم النعاس جفنيه ليسهر ليلته يطوف بالغرفه ذهاباً و إياباً.
وهو يقوم بتدخين سيجارة تلو الأخرى.
حتي إستمع إلي وَقْع خطواتـها ليسرع خارج الغرفه فوراً.
فوجدها تخرج من المغسل و كعادتها ترتدي ملابس نوم قصيرة.
تصنّع اللامبالاه بهيئتها تلك وقال بتعب مزيف: مفيش هنا برشام مسكن؟
أومأت علي الفور قائلة: أيوة في، إنت تعبان مالك؟
ترنّح ليمسك برأسه.
فأسرعت هي تتمسك بِخصرهِ تمنعه ألّا يسقط.
فأحاط رقبتها بذراعيها يستند عليها و ألصقها بهِ.
مما كان السبب في خفقان قلبِها بشدة.
لتنظر إلي عيناه بترقب بينما كان يدنو منها ببطء.
ليتبيّن ردة فعلِها فوجدها ساكنةً لا تُحيد ببصرها عنهُ.
مما دَفَعهُ لإتمام ما نَوَي فِعله.
في الصباح و بينما كان هو شارداً بها يحفر ملامح وجهها ذو الجمال الفتّان بمخيّلتهِ و كإنه يَخشى أن تكون تلك هي المرة الوحيده.
أمعن النظر بها ليجد جبينها وقد تصبب عرقاً متناثراً و وجهها يتحرّك بعشوائية و كإنها تطارد شبحاً في منامها.
مما أثار تعجبّه ليوقظها علي الفور.
فإنتفضت هي بشدة و راحت تحملق به دون النّبس بِكلمـة.
بِضع ثوانـي حتي قال: مالك بتبصيلي كده ليه؟! إنتي قايمة مفزوعه!!
تنهدت مطولاً بضيق ثم تذكرت ما حدث بينهما.
لتردف بغتةً: أكيد زعلان مني!
تسائل بإيماءه من رأسه و قال: مين اللي زعلان؟! أنا؟!
أومأت بالنفي و قالت: لأ؛ يحيـي!
تجهم وجهه و صاح مستنكراً: يحيـي؟!!
أومأت أن نعم و قالت: يحيـي جالي في المنام و كان بيصرخ و حوالين رقبته حبل.
و أنا كنت بحاول أفك الحبل بس مش بيتفك، كإني كنت بلفه حوالين رقبته بالغلط.
وهو عمّال يصرخ و يبكي و كان بيتخنق قدامـي!
تأفف بِضيق وقال: طب تفّي علي شمالك 3مرات، و إبقي إتغطي كويس بعد كده!
نطق بها ساخراً لتنظر إليه و تقول: هو ممكن زعلان مننا فعلآ؟!
طالعها بقوة حانقاً و قال بحدة: يُسر، يحيـي الله يرحمه مات و شبع موت، و إحنا لا عملنا حاجه حرام ولا حاجه عيب.
و تاني مرة إبقي خدي بالك من كلامك عشان إنتي بقيتي مراتي؛ يعني ميصحش ولا هقبل إنك تتكلمي عن واحد تاني قدامي حتي لو كان أخويا.
إضطربت و شحب وجهها فإقتربت منه و إمتدت يداها لتمسك كفه.
وقالت بهدوء: إنت زعلت؟! أنا مقصدش حاجه.
قاطعها بغتةً عندما مال بجسده كلياً عليها و قال وهو ينظر لعينيها بثبات: لأ مزعلتش، مقدرش أزعل منك أصلاً بس نبهتك عشان متعيديهاش تاني!
حبست أنفاسها وهي تنظر إليه ولا تستطيع تحديد هوية مشاعرها الآن.
قبل أن يختلس قبلةٍ من شفتيها جاءت كالـريـح العاتية و عَصِفت بها.
مما جعلهاتنطق بضياع: عموو.
قاطعها مشاكساً: عمو؟! ده إنتَ اللي عمو.
إبتسمت ليستأنف حديثه قائلاً: قولي سليمان.
نظرت إليه بصمت ليكرر حديثه قائلاً: عشان خاطري نفسي أسمعها منك ولو مرة واحده بس! قولي سليمان.
إصراره لنطقها بإسمه جعلها تشعر بِحجم لهفته عليها و شغفه بها.
مما زادها غروراً و زهواً فقالت بِغنح هي أهله: سليمـان.
أفتر ثغره عن إبتسامه و حثها بِحماس عينيه علي تكرارها.
لتقول مجدداً: سليمـان.
مسح وجهه بحركةٍ فوضويه وقال: أيوووووه عالحلاوة يا ناس.
لترتفع ضحكاتها عالياً.
فقال: بصي إنتي تثبتي علي كده؛ مسمعش عمو دي منك تاني، مفهوم؟
أومأت أن نعم ليقول مرة أخري: و إثبتي مكانك كمان متتحركيش، أنا نازل أستلم البضاعه الجديدة و طالعلك، و متطبخيش أنا هجيب أكل و أنا جاي.
أومأت بموافقة ليستعد هو منصرفاً نحو الأسفل.
وهو ينزل درجات السلم.
متحمساً و صوت صفيره قد إرتقي عالياً.
ليلتقي بشقيقه و زوجته علي الدَرج.
فقال أخيه: صباح الخير يا سليمان، ماشاء الله عليك صاحي رايق و فايق.
إبتسم سليمان بهدوء و لم يعقّب.
فقالت زينب: عروستنا أخبارها إيه يا عمي سليمان؟
زمّ شفتيه مقتضباً و تشدق قائلاً: كويسه.
ثم عاد ينظر لأخيه و قال: إبقا حصّلني عالمحل يا قدّورة، عشان في فواتير هتتراجع و أنا مش فاضي.
أومأ شقيقه موافقاً لينصرف هو مغادراً.
بينما كانت زينب تنظر في أثره بخبث.
وقالت: شكله كده مزاجه حلو، مانا عارفه يُسر دي مش سهله.
نعرها زوجها قائلاً: خلينا في حالنا، يلا.
ثم إنصرفا مغادرين.
ليلتقي عبدالقادر بِوالده.
الذي تسائل قائلاً: علي فين يا ولاد؟
أجاب عبدالقادر: رايحين نكشف علي يحيي يا حاج، صدره مكتوم و طول الليل عياط.
حمله الجد مربتاً علي ظهره بحنان.
وهو يقول: سلامتك يا حبيب جدو، سلامتك يا يحيـي.
قالت زينب: الله يسلمك يا عمي الحج و يباركلنا فيك.
كان نفسي عمه سليمان يشوفه لإن مشافوش من زمان بس هو نزل مستعجل.
أضافت بكلماتها الأخيرة بمكر.
لينظر لها "علي" مضيقاً عيناه و يقول: هو سليمان نزل؟! إنتزا شفتوه؟!
نظر عبدالقادر إلي زوجته بعتاب و نظر إلي والده قائلاً: أيوة يابا لسه نازل قدامنا أهو.
قالت زينب: كان نازل بيصفر.
لتبتلع كلماتها فور أن لكمها عبدالقادر لكمةً قويه بيده و نظر إليها بتحذير.
أومأ الأب بهدوء وقال: طيب يلا إتكلوا إنتوا علي الله روحوا مشواركوا، و إبقوا طمنوني لما ترجعوا.
إنصرفوا علي الفور و عبدالقادر يهمس إلي زوجته قائلاً: إنتي إيه! لسانك زايد حته دايماً كده، لازم يعني تقوليله كان نازل يصفر ولا يزمر؟!
طالعته بحنق وقالت: الله، وأنا كنت أجرمت يعني!
أشار إليها لتمتنع عن الحديث وقال: إتفضلي إركبي خلينا نخلص.
بينما كان "علي" يتمتم مستاءً: من أولها كده يا سليمان نسيت نفسك! ربنا يستر من اللي جاي!!
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل الثامن 8 - بقلم نعمة حسن
بعد مرور شهر على زواج سليمان ويُسر، دخل سليمان إلى شقة يُسر ليجدها نائمة كعادتها في الآونة الأخيرة. انتابه الضيق وجلس بجانبها يحاول إفاقتها وهو يقول:
"يُسر، اصحي بقينا المغرب."
تحركت في الفراش بضيق وتجاهلته ليعاود حديثه قائلاً:
"يا يُسرررر، قومي بقى مش كل ما أدخل ألاقيكي نايمة. إنتي إيه اللي جرالك؟!"
زفرت بتأفف وقالت:
"في إيه يا سليمان حرام عليك. هو انت هتنقص حاجة لو سبتني نايمة؟"
رفع حاجبيه متعجباً وقال:
"هنقص حاجة؟! أه هنقص كتير. قومي يلا."
نظرت إليه بضيق وقالت:
"عشان خاطري يا سليمان سيبني نايمة أنا مش قادرة أقوم."
قلّب كفيه متعجباً وقال:
"طيب قومي هاتيلي أتغدى."
أجابت بإقتضاب:
"مقدرتش أطبخ، انزل اتغدى عند صافية."
نظر إليها مغتاظاً وقال:
"اتغدى عند صافية؟! طب وعيالك هياكلوا فين؟! عند صافية برضه؟!"
نهضت عن الفراش بحدة وصاحت بعصبية بالغة وقالت:
"يووه، هو تحقيق ولا إيه عالصبح؟!"
ظل ينظر إليها متعجباً من عصبيتها المفرطة وغير المبررة بالنسبة له وقال:
"في إيه يا يُسر مالك؟ بقيتي عصبية وخُلقك قصير كده ليه؟!"
تنهدت مطولاً وقالت:
"مش عارفة أعصابي تعبانة ليه الفترة دي! مبقتش مستحملة حد ينبش جمبي وعندي استعداد أفضل نايمة طول اليوم."
ثم استطردت بخبث تتبيّن ردة فعله:
"شكلي كده حامل!"
تهلل وجهه وابتسم محياه مستبشراً ليمسك بكلتا يديها بين يديه وهو يقول بلهفة:
"حامل؟! بجد يا يُسر؟!"
تعجبت فرحته المفرطة تلك وقالت:
"انت فرحان!! أنا افتكرتك هتضايق."
ضيّق بين حاجبيه مستغرباً وقال بإستهجان:
"اتضايق عشانك حامل؟! دنا نفسي ومنى عيني في اللحظة دي بقالي 20 سنة! انت مش متخيلة أنا فرحان إزاي!"
تراقص قلبها فرحاً وقالت بابتسامة:
"بجد يا سليمان فرحان؟ طب وصافية هقوللها إيه؟! انت مش كنت قايللي إنها كانت موافقة عالجواز بشرط إنه يبقى جواز عالورق بس؟!"
تلعثم وارتاب قليلاً قبل أن تتلهج شفتاه بلهجة فرحة ويقول:
"ولا صافية ولا معكرة، سيبك من الناس كلها، هي لو بتحبني هتفرح لي."
أومأت بتأييد وأضافت:
"مظبوط، المفروض تفرح إنك أخيراً هيجيلك الولد اللي معرفتش تجيبه هي بقالها عشرين سنة."
ارتسمت على وجهه سيماء الفرح والبِشر وقال:
"ولد! هو ولد؟!"
ضحكت عالياً وقالت:
"أكيد مش عارفة لسه ولد ولا بنت، بس إحساسي بيقولي إنه ولد."
نظر أمامه بحالمية وقال:
"إن شاء الله ولد، ولد وهسميه فضل."
نظرت إليه بتعجب وقالت:
"إشمعنا فضل؟!"
أجاب شارداً:
"فضل من عند ربنا، كتير كنت بدعي ربنا يرزقني بعيل وأسميه فضل ويشاء ربنا بعد 20 سنة جواز إنه ييجي."
ابتسمت بحبور شديد فقال:
"قومي يلا عشان نروح للدكتور، لازم تكشفي عشان لو في علاجات أو حاجة تاخديها."
قالت بفتور:
"طيب خلينا بكرة."
أومأ نافياً وقال:
"لاا، هنروح دلوقتي عشان أتطمن وأتأكد."
مع إصراره ذهبا إلى الطبيب سوياً، والذي أكد خبر حملها لينصرف سليمان من عنده وقلبه يتراقص فرحاً.
استقلا السيارة سوياً ليقول سليمان بابتسامة واسعة:
"هاا يا حبيبي عايزة تروحي فين ولا نحتفل إزاي بالخبر الجميل ده!"
نظرت إليه بغنج وقالت:
"والله شوف انت هتفرح أم فضل إزاي."
نظر إليها مبتسماً بفخر وقال:
"معاكي حق، أم فضل لازم يجيلها كل حاجة حلوة النهاردة، ومش النهاردة بس، لأ ده كل يوم بإذن الله."
وأخرج هاتفه ليقوم بالاتصال بأحدهم فقال:
"أيوة يا ريس رفاعي، كنت عايزك تشوفلي أعتى أربع عجول عندك عشان هفدي بيهم إن شاء الله.. جهزهم حالاً وبالليل يكونوا بايتين عندك عشان ندبحهم بكرة إن شاء الله."
أنهى الاتصال لينظر إلى يُسر ويقول بحماس:
"ده كان نذر عليا يا يُسر ولازم أوفيه، وبإذن الله لحد ما تولدي بالسلامة هدبح كل شهر عجل وأعمل وليمة وأطعم الغلابة كلهم."
كانت تستمع إليه بسعادة غامرة وإحساس يملؤها بالتفوق والتميز على غريمتها مما أشبع لديها الإحساس بالتعاظم وأرضى غرورها.
انصرف مصطحباً إياها إلى إحدى أكبر متاجر المصوغات الذهبية، واشترى لها كولييه فخماً فسعدت به كثيراً، ومن ثم عادوا إلى المنزل ليدخل إلى شقة والده فوجده قائماً يصلي كعادته، فانتظر حتى فرغ من صلاته لينحني مقبلاً يده ثم قال بابتسامة:
"بارك لي يا حج، يُسر حامل."
اهتزت مشاعر والده متذكراً نفس ذلك المشهد منذ خمسة أعوام عندما ذهب إليه يحيي برفقته يُسر وأبلغه بخبر حملها، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة فاترة ليقول:
"انت مش فرحان إني هبقى أب أخيراً بعد السنين دي كلها؟"
هنا ابتسم بسمة حقيقية صادرة من أعماق قلبه وقد استشعر فرحة ابنه ليردف قائلاً:
"أكيد فرحان يا سليمان، ألف مبروك يا ابني، ربنا يقومهالك بالسلامة."
احتضنه سليمان بسعادة وانحنى بجزعه يقبل يدي والده مرة أخرى وقال:
"ياارب يابا، ربنا يطولنا في عمرك ويتربى في عزك إن شاء الله."
ربت والده على كتفه وقال:
"يتربى في عزك وعز أمه يا ابني."
"هو مين ده اللي يتربى في عزه وعز أمه؟!"
برز صوت عبد القادر الذي دلف إلى الغرفة لتوّه ليقول والده مبتسماً:
"تعالى بارك لأخوك يا قدورة، مراته حامل."
وأشار برأسه باتجاه يُسر التي تهادت خطواتها نحوه مختالة فقالت وهي تحتضنه:
"الله يبارك لنا في عمرك يا بابا الحج وتعاش لما تجوزه وتحضر فرحه إن شاء الله."
في تلك الأثناء كان عبد القادر يحاول الإفاقة من صدمته، بينما هو ينظر إلى سليمان الذي أومأ أن نعم وهو يتيقن ما يدور بخلد أخيه، فهرول نحوه عبد القادر محتضناً إياه بشدة وتمتم مسروراً:
"الكلام ده بجد يا سليمان؟! ألف مبروك يا حبيبي، ألف ألف مبروك."
ربت سليمان على ظهره بسعادة غامرة وقال:
"الله يبارك فيك يا قدورة، عقبال عندك إن شاء الله."
نظر عبد القادر إلى يُسر وقال:
"ألف مبروك يا يُسر، ربنا يقومك بالسلامة إن شاء الله."
تمتمت بهدوء:
"الله يبارك فيك يا عمو، عن إذنكم أنا بقى عشان طالعة أرتاح."
صعدت يُسر إلى شقتها، بينما تساءل الأب:
"هتعمل إيه مع صافية يا سليمان؟"
أجاب سليمان بهدوء على عكس كم الانفعالات التي يمر بها وقال:
"ولا حاجة، أول ما ترجع من عند أخوها هبلغها."
أومأ والده وقال:
"ربنا يعديها على خير."
ثم انصرف عبد القادر وسليمان كلٌ إلى شقته، فدخل عبد القادر مبتسماً لتقول زينب:
"خير يا قدورة مالك فرحان كده! ما تفرحني معاك."
نظر إليها بسعادة وقال:
"سليمان أخويا."
هزت رأسها تحثه على استئناف حديثه ليقول وهو يهمس إليها كأنما يخبرها سراً:
"يُسر مراته حامل."
فرغت فاها واتسعت عيناها بدهشة وتمتمت:
"يا لهوي!"
نظر إليها سليمان حانقاً وقال:
"جرى إيه يا وليه مالك؟!"
"حامل؟!" غمغمت بها زينب بصدمة ليومأ مؤكداً فقالت:
"دي صافية هتروح فيها!"
ارتفعت زاوية فمه بسخرية وقال مستنكراً:
"ليه إن شاء الله هو كان متجوز عرفي ولا ماشي في الحرام؟! بلا خيبة نسوان."
جادلته فقالت:
"لا ده ولا ده، بس انت عارف هي بتحبه إزاي وبتغير عليه قد إيه!"
أشاح غير مكترثاً وقال:
"وهو بيحبها ولو مكانش بيحبها مكانش صبر عليها 20 سنة من غير خلفة، لو واحد تاني كان زمانه اتجوز وبقى معاه عزبة عيال."
آثرت الصمت فقال:
"وبعدين هي لو بتحبه بصحيح تفرح له إنه هيبقالو ضهر وسند يشيل اسمه ويتسند عليه لما يكبر."
زمت شفتيها باقتضاب ليقول:
"على العموم ملناش دعوة بحد، اعمليلنا لقمة يلا عشان نتعشى وننام."
***
كانت صافية تجلس إلى جانب شقيقها تخبره بقرار غزل في الانفصال عن إسلام، ليستشيط غضباً ويقول:
"البت دي هتموتني ناقص عمر والله!"
ربتت صافية على كتفه وقالت:
"معلش يا إبراهيم استهدي بالله، أنا هناديها وانتوا اقعدوا اتكلموا مع بعض بالهداوة وفي الآخر لا يصح إلا الصحيح."
"يا بنتي الله يهديكي، هو كان إيه اللي حصل لده كله يعني ما أي واحد وخطيبته بيتناقروا، هو كل اتنين يتناقروا حبة يسيبوا بعض؟! ده مكانش حد عمر فيها بقى."
استهل إبراهيم حديثه بتلك الكلمات وهو يحاول جاهداً ثني غزل عن قرارها بأن تنفصل عن إسلام، ليتلقى منها الرفض التام حيث قالت:
"لو سمحت يا بابا أنا وافقت حضرتك واتخطبت للواد إسلام اللي شبه كرتونة البيض ده، وحاولت بكل قوتي أتأقلم معاه وآخد عليه بس مش عارفة، لا دماغنا واحدة ولا ميولنا واحدة ولا حتى عارفين نفهم بعض."
جادلها قائلاً:
"يبنتي ما هي دي سنة الحياة اومال هتكملوا بعض إزاي!! لازم تكونوا مختلفين وكل واحد يشارك التاني الحاجات اللي بيحبها."
أومأت بالنفي فقالت:
"لأ يا بابا أنا مش متفقة مع حضرتك في النقطة دي، ده مش عايزني أرجع الشغل!!"
صاحت بالأخيرة مستنكرة فقال والدها:
"آاااه قولي كده بقى، الحكاية حكاية شغل مش حكاية ميول واهتمامات."
زفرت بضيق وقالت:
"يا بابا عشان خاطر ربنا افهمني، مش عشان الشغل وبس، إسلام ده تركيبة مختلفة عني تماماً، ده بالنسبة له القراءة تضييع وقت، وإني أخرج مع صحباتي كلام فارغ وقلة أدب، الـ sitter بيقول عليها خدامة!! دماغه في عالم موازي يستحيل نتفق أنا وهو."
زفر والدها بتعب وضيق وقال:
"اللي يريحك اعمليه يا غزل، لو شايفة نفسك مش مرتاحة قوليلي وأنا أتكلم مع باباه ومامته ونفض الخطوبة."
أومأت مسرعة:
"طبعاً يا بابا مش مرتاحة، ويا ريت تتكلم معاهم النهاردة قبل بكرة."
إرضاءً لرغبتها قام بالاتصال بوالدي إسلام واعتذر منهم وأبلغهم بقرار ابنته وقرر أن يرسل لهم كل ما اشتراه إسلام لغزل في يوم غد.
في صباح يوم جديد أفاقت صافية على اتصال ملح من زينب لتجيب متعجبة:
"أيوة يا زينب صباح الخير."
"قلقتيني بتليفوناتك الكتيرة دي عالصبح، حد تعبان؟!"
تساءلت بالأخيرة وهي تعرف أنه ليس كذلك وأن هناك خبر طارئ لا يحتمل الانتظار من قبل زينب ليس إلا.
"صباح النور يا صفصف، لا محدش تعبان الحمد لله بس كنت بطمن عليكي، ناوي تطولي عندك أكتر من كده ولا إيه؟!"
هزت صافية رأسها بيأس وقالت وهي تنهض من الفراش متجهة نحو باب الغرفة:
"لأ هرجع النهاردة بإذن الله."
أومأت زينب بموافقة وقالت بمكر:
"هترجعي لوحدك؟"
ضيّقت صافية بين حاجبيها وقالت:
"وأنا من امتى برجع لوحدي؟! سليمان امبارح كان قايللي هييجي ياخدني!"
تمتمت زينب بنبرة ذات سخرية مبطنة وقالت:
"ده امبارح بقى."
توقفت صافية بمنتصف الغرفة وتحولت نبرتها من اللين إلى الحدة وقالت:
"امبارح بقى يعني إيه؟! تقصدي إيه يا زينب؟! هاتي ما عندك واخلصي!"
"أصل ضرتك حامل!"
ألقت بها زينب بقوة دفعة واحدة لتتسمر قدما صافية بالأرض من أسفلها وقد شعرت بأن الأرض تميد بها لتتسائل بصوتٍ مهزوز:
"بتقولي إيه؟! إزاي؟! مستحيل!"
قالت كلمتها الأخيرة بقهرٍ لم ولن يشعر به أحدٌ سواها لتقول زينب غير آبهة:
"هو إيه اللي مستحيل، بقولك حامل، والبيت مقلوب فوقاني تحتاني من امبارح وسليمان هايص ومسابش حد غير لما قاله..."
لم تستمع صافية لبقية حديثها بل أنهت الاتصال على الفور وبدون وعي منها ارتدت ملابسها وخرجت من الغرفة لتلتقي بأخيها يجلس شارداً قبل أن ينتبه لها فقال مستغرباً:
"رايحة فين يا صافية عالصبح؟!"
بجمودٍ أجابته:
"راجعة بيتي."
ازداد تعجبه فقال:
"راجعة بيتك الساعة 8 الصبح؟ وبعدين مش المفروض جوزك هييجي ياخدك!"
أشاحت بوجهها إلى الجانب تخفي عينيها الدامعة عنه حتى لا يتبين كذبها وقالت:
"منا كلمته امبارح بالليل وقال إنه مش فاضي النهاردة، هرجع أنا بقى هو أنا هتوه يعني!"
نظر إليها مطولاً وقال:
"انتي متخانقة مع جوزك؟ حاسس إن في حاجة مش طبيعية."
تأففت بنزق وضيق يملؤها وقالت:
"يووه يا إبراهيم، هو عشان عايزة أرجع بيتي يبقى في حاجة مش طبيعية؟!"
تبين ضيقها بالإضافة إلى عدم رغبتها بالحديث، فهز رأسه متفهماً ثم قال:
"طيب طيب اللي يريحك."
أومأت باقتضاب وقالت:
"هبقى أكلمك أطمن عملتوا إيه وإبقى سلملي على غزل."
وانصرفت صافية عائدة إلى بيتها، وقد أخذتها سورة من الغضب وباتت يداها وقدماها ترتجفان من فرط التوتر. استقلت سيارة أجرة أقلتها إلى المنزل لتدلف فوراً قاصدة شقتها قبل أن يستوقفها "علي" قائلاً:
"صباح الخير يا صافية، حمد الله على السلامة البيت كان مضلم من غيرك."
طالعته صافية بكره وحنق فاض من عينيها وقالت:
"الله يسلمك."
ثم ذهبت إلى شقتها ومنها إلى غرفة النوم لتجد فراشها مرتب كما تركته هي فابتسمت ساخرة وقالت:
"هه، طبعاً السرير زي ما هو بحطة إيدي، هتنام هنا ليه يا سليمان أفندي وانت ما صدقت إني غورت عشان يخلي لك الجو مع الهانم."
ألقت بحقيبتها إلى سريرها بحدة وبكل ما تملك من قوة، ثم فتحت باب شقتها بغضب وصعدت سريعاً إلى شقة يُسر تطرق بابها بقوة ولو استطاعت لقامت بكسره فوق رؤوسهم.
فتح سليمان الباب لتجحظ عيناه عند رؤيتها، فرمقته هي بنظرات ساخرة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، ثم دفعته بيدها ليرتد للخلف فدخلت الشقة تجوب ببصرها جميع أنحائها وهي تبحث عن يُسر.
"حمد الله على السلامة يا صافية، جيتي امتى؟"
نظرت إليه بحدة وغضب واقتربت منه لتقف أمامه مباشرةً وقالت:
"الكلام اللي بيتقال ده صحيح يا سليمان؟"
تقوّس حاجبيه بتعجب وقال مستفهماً:
"كلام إيه مش فاهم!"
أجابت وهي ترجوه النفي فقالت:
"إن يُسر حامل!"
ابتلع لعابه بتوتر وقال:
"عرفتي منين؟!"
رفرفت بأهدابها قليلاً وقالت:
"عرفت منين؟! يعني الكلام ده صحيح فعلاً؟! يُسر حامل منك؟!"
"أيوة يا صافية حامل منه اومال يعني هكون حامل من مين! وبعدين انتي جاية وقالبه الدنيا عالصبح عشان تسألي أنا حامل ولا لأ؟!"
هنا برز صوت يُسر مستاءة وألقت بكلماتها بحدة مما جعل صافية تنتبه على صوتها فنظرت خلفها حيث مصدر الصوت لتجد يُسر تقف على باب غرفتها وتستند بإحدى يديها على حافة الباب وبيدها الأخرى تخصّرت، ترتدي قميصاً حريرياً يكشف أكثر مما يخفي وآثار النوم لا تزال على وجهها.
ازداد جمود صافية من هيئتها وظلت تحملق بها بدهشة بتصديق فقالت يُسر:
"إيه هتفضلي تبحلقي فيا كتير!"
تفوه سليمان حانقاً وصاح عالياً فقال:
"ادخلي جوه يا يُسر."
نظرت إليه يُسر بغيظ مكتوم ثم دلفت إلى غرفتها وصفقت الباب بشدة.
نظرت صافية إلى سليمان وقالت:
"إيه ده يا سليمان؟! أنا مش مصدقة اللي شوفته واللي سمعته!"
حاول إحاطتها بذراعه وهو يقول:
"تعالي بس يا صافية ننزل شقتنا وأنا هفهمك كل حاجة."
نزعت يده عنها لتصرخ بقوة وحدّة وهي تقول:
"شيل إيدك دي عني، انت راجل كداب وملاوع فضلت تدحلب تدحلب لحد ما عملت اللي انت عايزه."
انفرج الباب بقوة لتظهر يُسر وقد بدلت ثيابها إلى أخرى مناسبة فخرجت وهي تتحدث باستنكار شديد وقالت:
"ما تتكلمي كويس يا صافية جرى إيه مالك، هو إيه اللي يدحلب ويشقلب هو إحنا كنا ماشيين مع بعض في الحرام وأنا مش عارفة! وبعدين ما كله كان على عينك يا تاجر من الأول خالص وبموافقتك كمان، جاية دلوقتي تعمليلنا فيها مصدومة!!"
كانت صافية تراقب انقلابها تلك بأعين مندهشة وهي تستمع إلى حديثها المغاير للأول وقالت:
"كله كان بموافقتي!! لعلمك بقى أنا وافقت بس عشان سليمان وأبوه ميتفرقوش بسبب الجوازة دي، ولولا كده مكنتش أوافق ولا أقبل إن جوزي يتجوز عليا أبداً."
نظرت يُسر إليها بتهكم فأضافت صافية بحزم:
"واللي متعرفيهوش كمان إني كان شرطي عشان الجوازة دي تتم إن الجواز يفضل عالورق وبس وسليمان كان موافق!! مش آجي ألاقيكي حامل وخارجالي بقميص نوم!"
نظرت يُسر إلى سليمان بغيظ وظلت تهز قدمها بعصبية مفرطة بينما كان هو يتلاشى النظر إليها، فقالت صافية:
"ساكت ليه يا سليمان؟! ما تقوللها إن ده كان اتفاقنا اللي انت أخلّيت بيه! ولا أقوللها أنا إنك مكنتش طايق ولا عايز تتجوزها أصلاً لولا أبوك اللي غصب عليك."
تبدلت ملامح يُسر إلى أخرى ممتعضة ومستنكرة بشدة فقالت وهي تضع يديها بخصرها:
"نعم نعم نعم!! هو مين ده يا حبيبتي اللي مكانش طايق ولا عايز يتجوزني؟! وأنا اللي كنت بجري وراه ولا إيه؟!"
مسح سليمان وجهه بغضب وصاح متشنجاً بعصبية يقول:
"ما خلاص بقى انتي وهيا، اتفضلي دلوقتي يا صافية على شقتك وانتي يا يُسر خشي أوضتك."
انفجرت به يُسر غاضبة وقالت:
"لأ مش داخلة إلا لما ترد على كلامها، هو انت مع كل حد بكلام ولا إيه؟!"
نظرت إليها صافية ساخرة وقالت:
"وكمان ليكي عين تتبجحي وتعلي صوتك!"
ارتفع صوت يُسر أكثر وقد ثار غضبها وقالت:
"وماليش عين ليه يا حبيبتي هو أنا عاملة حاجة أكسف منها؟! ثم اقتربت منها وأردفت بنبرة هادئة: ولا انتي مش هاين عليكي إني أجيب له العيل اللي بقالك عشررررين سنة معرفتيش تجيبيه."
صفـعة!! هي كل ما تلقتهُ يُسر من صافية رداً على كلامها لتتسع عيناها بشدة وقد جف حلقها من الصدمة، بينما هرع سليمان إليها بلهفة وهو يعنّف صافية بشدة قائلاً:
"انتي اتجننتي يا صافية، إيه اللي عملتيه ده!"
نظرت إليه صافية بذهول، لم يكن بمخيلتها يوماً أن ترى بأم عينيها لهفة زوجها على امرأة أخرى، ومن؟! تلك!! لم يسعها سوى أن تنصرف بصمت ودمعاتها تنساب فوق وجنتيها بقهر.
زمجرت يُسر وألقت على سليمان نظرة قاسية وتحدثت بتشنج وعصبية بالغة:
"انت واقف تتفرج عليها وهي بتضربني؟! والله عال يا سليمان بيه."
نظر إليها محاولاً إرضائها وقال:
"معلش يا يُسر منتي كمان غلطانة."
حملقت به بشدة وقالت:
"غلطانة؟! عشان بقول الحقيقة أبقى غلطانة؟! وبعدين إيه حكاية الاتفاق اللي كان بينكوا ده؟! وآخرة المتمة أبقى أنا اللي ملهوفة عليك وسياتك مكنتش طايق تتجوزني!"
اجتمع الكل على صراخها المرتفع ليقول "علي":
"في إيه يا يُسر مالك بتزعقي كده ليه؟! في إيه يا سليمان؟!"
انفجرت بهم بغيظ وقالت:
"في إن مدام صافية حرم جوزي المصون جت ضربتني في شقتي عشان عرفت إني حامل!"
تعجّب الجميع ليردف علي مستفهماً بتعجب وقال:
"ضربتك؟! استحالة صافية تعمل كده!"
قالت بتهكم:
"لا والله عملت كده وقالت اللي أسخم من كده كمان."
أوقفها عن استرسال حديثها بإشارة من يده ثم قال:
"انزلي يا زينب نادي سلفتك."
على الفور نزلت زينب وقامت باستدعاء صافية فوقفت أمام علي تسدد نحوه نظرات فارغة لم يعلم ماهيتها فقال:
"انتي مديتي إيدك على سلفتك يا صافية؟!"
أومأت بنعم دون أن تنطق لينظر لها متعجباً وقال:
"معقوله؟! وإيه اللي يوصلكوا لكده! كل ده عشان إيه؟"
تفوهت صافية بهدوء ينافي ما يعتمل بصدرها وقالت وهي تشير برأسها تجاه يُسر:
"اسألها."
نظر إلى يُسر وقال:
"إيه اللي حصل يا يُسر؟!"
صمت الجميع فبرز صوتها الجهوري تقول:
"اللي حصل إني كنت نايمة في أمان الله وسمعتها بتتكلم مع سليمان خرجت أشوف في إيه سمعتها بتقوله الكلام ده صح ويسر حامل منك صحيح؟! قولتلها اومال هيكون من مين يعني، وقعدت بقى تبرطم وتقول كلام ملوش لازمة، واتفاق ومش اتفاق، وسياتها بتقول إنها مكنتش هتوافق على الجواز لولا إنك كنت مقاطع سليمان عشان يتجوزني."
"ما تكملي الكلام للآخر، وقولي انتي قولتيلي إيه."
جادلتها صافية بينما ضيّق الأب عينيه بتعجب لينظر الكل نحوه في حين كان ينظر هو باتجاه سليمان وبداخله لا يصدق ما وصل إلى مسامعه.
كان سليمان ينظر إلى أبيه نظرات استغاثة وهو يتمنى أن يساعده والده ويخرجه من ذلك المأزق، بينما كانت صافية تنتظر أملاً أن يؤكد "علي" حديثها، أما يُسر فكانت تستعد لهجوم عاتٍ على زوجها حالما ثبت عكس ما أخبرها به.
نظر إليهم الأب وأردف منهياً ذلك الجدال فقال:
"الكلام الكتير ده ملوش لزوم، اللي حصل حصل وخلاص، وانت يا صافية راضي سلفتك واللي حصل منك ميتكررش تاني."
نظرت إليه صافيه بتعجب وقالت:
"يعني بعد ده كله أنا لوحدي اللي غلطانة ولازم أعتذر كمان؟! أنا آسفة يا عمي بس أنا مش هعتذر لحد."
أفضت ما بجعبتها ثم هرولت نحو شقتها يتبعها عبد القادر وزوجته، بينما ظل الأب يتطلع نحو ابنه بخيبة أمل ليركض سليمان نحوه وهو يقول:
"لو سمحت يابا اسمعن..."
قاطعه والده بإشارة من يده وقال:
"بس يا سليمان، لا أسمع ولا مسمعش ملوش لازمة الكلام، ربنا يعينك عاللي جاي."
انصرف "علي" مغادراً لتركض يُسر نحو زوجها وهي تقول:
"ممكن تفهمني بقى إيه اللي اتقال ده؟! ومجبتليش حقي منها ليه؟!"
نظر إليها مستاءً وقال:
"يُسر وحياة أبوكي أنا مش فايق دلوقتي لأي كلام، بعدين."
تمتمت بغيظ يأكلها وقالت:
"لأ بعدين ولا قبلين يا سليمان وحقي أنا عارفة أجيبه كويس إزاي."
ثم غادرت وتركته شارداً يفكر ما الحل بما حدث للتو.
***
في اليوم التالي كانت غزل قد تخلصت من قيود إسلام وعادت لعملها مجدداً لتتلقى اتصال من رقم مجهول فأجابته مستبشرة أن يكون اتصال عمل.
"ألو؟"
"أيوة يا آنسة غزل، أنا باشمهندس أكرم المسيري ابن مدام كاريمان."
"أيوة أيوة إزي حضرتك؟!"
"بخير والحمد لله، الحقيقة كنت بكلمك ومش عارف إذا كنتي هتقبلي تكلميني ولا لأ...."
"خير حضرتك؟! هي مدام كاريمان تعبانة ولا حاجة؟!"
"لأ أبداً هي كويسة الحمد لله، وعايزة تشوفك."
"عايزة تشوفني؟!"
قال مؤكداً:
"أيوة لقيتها امبارح بتسأل عليكي وزعلانة إنك مبقتيش تيجي تشوفيها."
"يبقا أكيد ناسية اللي حصل وإنها كانت واخدة مني موقف."
"بالظبط.. ده اللي حاصل فعلاً، فأنا كنت بكلمك تيجي تشوفيها لو مفيش عندك مانع يعني."
"لأ طبعاً مفيش مانع، ده شيء يسعدني."
"ربنا يخليكي، شكراً جزيلاً."
"العفو حضرتك، بإذن الله هاجي أشوفها النهاردة."
"تنوري يا فندم، مع السلامة."
أنهت الاتصال بسعادة وهي تستعد للعودة إلى عملها الذي تحبه كثيراً.
أنهت عملها سريعاً وذهبت إلى منزل مدام كاريمان التي استقبلتها بفرحة عارمة وقالت:
"كده يا وحشة تنسيني، ده أنا من آخر مرة كنتي فيها هنا وأنا بسأل أكرم عليكي كل يوم."
هزت غزل رأسها بيأس واحتضنتها فقالت:
"معلش متزعليش مني كان بابا تعبان شوية ومكنتش عارفة أنزل وأسيبه."
ربتت كاريمان على كتفها بحنان وسألتها:
"وإيه أخباره دلوقتي؟"
هزت غزل رأسها برضا وقالت:
"الحمد لله بقى أحسن."
"طب الحمد لله، يلا بقى اعمليلي فنجان قهوة من بتوعك كده عشان وحشوني."
أشارت غزل إلى عين تلو الأخرى وذهبت لإعداد القهوة بينما نظرت كاريمان إلى ابنها وأشارت برأسها باتجاه غزل وقالت:
"عسل البنت دي، اسم على مسمى، غزل وكلها غزل فعلاً."
ضحك أكرم عالياً وقال:
"والله يا أمي انتي مشكلة، يلا هنزل أنا أرجع شغلي طالما صاحبتك جت."
وانصرف أكرم نحو مقر شركته بينما مكثت غزل مع كاريمان وظلتا تتجاذبان أطراف الحديث.
***
عاد يحيى من عمله بعد يوم شاق وطويل، اغتسل وبدل ثيابه وتناول الطعام سريعاً ليلقي بجسده المنهك إلى ذلك الفراش المهترئ وجسده يصرخ شوقاً للراحة.
دق مصعب باب غرفته بشدة ودخل قبل أن يسمح له يحيى بالدخول وجلس إلى جواره مبتسماً باتساع وقال:
"عندي ليك خبر بمليون جنيه."
نظر إليه يحيى وهز رأسه مستفهماً ليردف مصعب قائلاً:
"شغلانة مرتاحة وهترّيحنا من القرف اللي إحنا فيه ولم الخردة والزفت."
قال يحيى ساخراً:
"إيه هتشتغل سفير ولا إيه؟"
"اتريق براحتك، أنا عن نفسي راشق لو انت مصمم تكمل في الخردة انت حر."
نهض عن الفراش ليمسك به يحيى ويقول:
"استنى بس رايح فين، كمل كلامك."
جلس مصعب بأريحية وأضاف:
"وجيه ابن خالتي جايب لنا شغلانة في مخزن قطع غيار، هننزل حاجات ونرفع حاجات ونسجل الوارد والصادر بس، والقبض ضعف ما كنا بنقبض من لم الخردة."
زفر يحيى حانقاً وقال:
"من هذا إلى ذاك يا قلبي لا تحزن، أنا افتكرتك جايبلي شغلانة في حتة على وش الدنيا تخليني أشوف الناس ويشوفوني يمكن حد يعرفني ولا أفتكر أنا مين بدل ما أنا عايش مجهول الهوية كده."
واساه مصعب قائلاً:
"معلش يا محمد، كله بأوانه واللي عايزه ربنا هيكون."
أومأ يحيى موافقاً وقال:
"ونعم بالله."
تساءل الآخر فقال:
"هاا دايس معايا ولا إيه؟!"
أومأ يحيى بتأكيد:
"طبعاً دايس هو أنا أعرف حد غيرك."
"تمام.. بكرة إن شاء الله نستلم الشغل الجديد وعلي الله التساهيل."
انصرف مصعب مغادراً ليتدثر يحيى بفراشه وهو يغلق عينيه ويكاد يعتصر رأسه عساه يتذكر أي شيء ولكن دون فائدة فأسبل أجفانه مستسلماً لسلطان النوم.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل التاسع 9 - بقلم نعمة حسن
في منتصف الحي يجتمع الكل أمام منزل عائلة الهنداوي حيث تُذبح الذبائح وتُقام الولائم وتجري التجهيزات على قدمٍ وساق.
كان الجميع يتحدث عن تلك المناسبة، ومن كل الفئات يتوجهون إلى منزل الهنداوي لأخذ نصيبهم من اللحوم التي يقوم سليمان بتوزيعها بسخاء على الناس وهو يقول:
"ادعوا لأم فضل تقوم بالسلامة."
كانت صافيه تقف خلف نافذة غرفتها تشاهد ما يحدث بالأمس وعيناها تفيض بالدمع ذلاً وهواناً.
استمعت إلى طرقات على باب شقتها، ففتحت لتجد زينب تقف أمامها وهي تبتسم لها بهدوء وقالت:
"مش هتنزلي شوية يا صافيه؟!"
نظرت إليها صافيه بتعجب وقالت:
"أنزل أعمل إيه؟!"
"انزلي اقفي شوية بدل ما يقولوا زعلانه ولا غيرانه."
ضحكت صافيه وأردفت بسخرية:
"يقولوا اللي يقولوه يا زينب مش فارقة.. أهم حاجة أم فضل."
نظرت زينب إليها بشفقة ومسحت على ذراعها وقالت:
"هو انتوا لسه مبتتكلموش من ساعة اللي حصل؟!"
أومأت صافيه بموافقة وقالت:
"وهو لسه عايز يكلمني ليه، ما كفاية عليه أم ابنه، هي الكل في الكل دلوقتي."
"طيب وإنتي إيه اللي مصبرك على الوضع ده يا صافيه، لما هو طلع خسيس وكداب كده ومبقاش يسر الحرباية دي عليكي لسه باقية عليه ليه؟!"
نظرت إليها صافيه وقالت:
"هعمل إيه يا زينب؟! هتطلق وأروح فين؟! أنا مبقتش صغيرة على قلة القيمة دي.. وبعدين إبراهيم أخويا كفاية عليه شايل هم بنته، هروح أشيله همي أنا كمان؟"
زفرت زينب بحيرة شديدة وقالت:
"والله يا صافيه منا عارفة أقول لك إيه."
ثم مسحت على ذراعها بمواساة وقالت:
"طيب أنا هنزل شوية وهطلع."
أومأت صافيه بموافقة وقالت:
"ماشي يا زينب روحي إنتي ولو عايزة تسيبي يحيى معايا هاتيه."
ناولتها الصغير ونزلت إلى الأسفل لتجد نفسها تقف وسط جموع غفيرة من الناس تلتف حول سليمان ويسر التي تقف في كامل زينتها وكلها زهو وتفاخر.
ذهبت يسر إلى القصاب ووقفت على مقربة منه وتحدثت بابتسامة قبل أن تتلفت حولها لتتأكد من أحد لا يراها:
"بقولك يا معلم متبقاش ترمي 'قشرة اللوح' عشان عندي العيال بيحبوا الشوربة بتاعتها."
أومأ الرجل موافقاً وقام بوضعها في كيس بلاستيكي وأعطاها لها، فأخذتها وقامت بتخبئتها بين أغراضها ثم ذهبت إلى سليمان الذي كان منهمكاً في توزيع اللحوم ليقف منتبهاً لها وابتسم قائلاً:
"إيه يا عسلية ما تطلعي إنتي ترتاحي فوق بدل وقفتك دي."
تصنعت الغضب وقالت:
"أومال فين صافيه منزلتش ليه؟"
قال بعدم اكتراث:
"هي حرة لو كانت عايزة تنزل كانت نزلت."
جادلته فقالت:
"حرة إزاي يعني؟! وهو إنت كنت قولتلها تنزلي وهي منزلتش؟!"
نظر إليها بعدم تصديق وقال:
"وهو إنتي عايزاني أقوللها تنزل؟!"
أومأت بموافقة وقالت:
"طبعاً تقوللها، وتسيب اللي في إيدك ده دلوقتي حالاً وتطلع تراضيها وتجيبها وتيجي."
"أنا مش مصدقك والله، إنتي اللي بتقولي كده!!"
"ومقولش كده ليه!! صافيه في الأول وفي الآخر في مقام أختي وأنا بعزها وإذا كانت زعلتني فأنا راضية ومسامحة، وبعدين صعبانة عليا نبقى كلنا متجمعين كده وهي فوق لوحدها."
ربت على ظهرها بتقدير وقال:
"معاكي حق يا يسر، أنا هطلع دلوقتي حالاً أطيّب خاطرها بكلمتين وأجيبها وأنزل."
أومأت قائلة:
"وأنا هطلع أغير هدومي لإن الهدوم دي اتبهدلت وهنزل تاني."
دخلت يسر إلى شقة "علي" وقالت بابتسامة:
"بعد إذنك يا بابا فين المفاتيح الاحتياطي اللي هنا لإني نسيت مفتاح شقتي جوة."
أشار لها علي ركن خشبي صغير معلق به مفاتيح لجميع الشقق، فأخذت بخفة يد مفتاح شقة صافيه بدلاً من مفتاحها، وعلى الفور صعدت إلى شقتها لتقف على حافة السلم من الأعلى تنتظر خروج سليمان وصافيه من شقتهما.
في تلك الأثناء...
دخل سليمان إلى شقة صافيه ليجدها لا تزال تقبع خلف نافذة غرفتها تشاهد ما يحدث بالخارج، فاقترب منها مبتسماً ودون أن يتفوه ببنت شفة انحنى ليمنح جبينها قبلة حانية جعلت عبراتها تنهمر فوق خديها دون هوادة.
"متزعليش يا صافيه حقك عليا."
قالها وهو يمد يده يزيل آثار دمعاتها لتنظر إليه بقهر يملؤها وقالت:
"مكنتش أتوقع إني أهون عليك في يوم من الأيام يا سليمان، ومكنتش أتوقع كمان إنك تكذب عليا."
ربت على ذراعها وقال:
"أنا كذبت لإني كنت مضطر يا صافيه، عارف إن غيرتك عليا مكانتش هتسمح لك تقبلي بحاجة زي دي عشان كده اضطريت أقول لك كده."
نظرت إليه باستنكار وقالت:
"و حملها منك؟! كنت مضطر برضو؟!"
تجهم وجهه وقال:
"كانت غلطة صدقيني، جت كده معرفش إزاي حصل وهي كانت مرة واحدة والحمل حصل في يومها ومن وقتها وأنا مبقربش منها."
ابتسمت ساخرة وقالت بعدم تصديق:
"للأسف يا سليمان مبقتش عارفة أصدقك، اللي عملته خلاك نزلت من نظري أوووي وحتى لو بتقول الحقيقة مش عارفة أصدقك."
ضمها إلى صدره قائلاً:
"عشان خاطري يا صافيه، سامحيني زي ما طول عمرك قلبك أبيض وبتسامحي، أنا إنسان و"
"ضعفت بس طول الوقت محتاج لك إنتي."
نظرت إليه بضعف تستشف صدقه ليشدد من احتضانها ويقول:
"أنا عايزك تنزلي معايا وتشـاركيني فرحتي، أنا مش عارف أفرح وإنتي زعلانة مني."
ثم قال مستعطفاً إياها:
"أهون عليكي مفرحش يا صافيه وأنا مستني يوم زي ده من زمان."
بدون قصد منه دعس هو على جرحها الدامي بشدة فنظرت إليه وابتسمت بحزن:
"لا متهونش عليا يا سليمان، وهنزل معاك وأوزع معاك اللحمة على الغلابة كمان، وهدعي قبل منهم لأم فضل تقوم بالسلامة."
تهللت أساريره فرحاً واصطحبها ونزل للأسفل لتسرع بعدها يسر وتدلف إلى شقة صافيه بخلسة وأخرجت "عظمة الكتف" من الكيس البلاستيكي الذي يحويها وقامت بتخبئتها في حجرة المطبخ بعناية وأسرعت إلى خارج الشقة ومنها إلى شقتها فقامت بتبديل ثيابها ونزلت إلى الأسفل مجدداً.
رأت علي مدد بصرها صافيه تقف إلى جانب سليمان وتساعده في توزيع اللحوم فذهبت إليها وصافحتها واحتضنتها بودٍ زائف وقالت:
"الشادر كله نور يا صافيه."
تعجبت صافيه ولكنها لم تعقب فابتسمت بلطف وقالت:
"منور بيكي يا يسر، ربنا يقومك بالسلامة."
وقفت يسر إلى جانبهم وهي ترسم ابتسامة واسعة على وجهها حتى انتهاء اليوم فهمست إلى سليمان قائلة:
"خليك مع صافيه النهارده يا سليمان، ميهمش."
قالت الأخرى وهي تتصنع الحزن ليبتسم سليمان وهو يضرب كفاً بكف ويقول:
"عجيبة، في إيه النهارده! ده أنا ربنا راضي عني بقا."
ابتسمت بهدوء وقالت:
"لا عجيبة ولا حاجة، إنت بقالك كتير مش بتبيت عند صافيه وهي باين إنها زعلانة وبعدين ده عدل ربنا."
وأضافت:
"وأنا أصلاً تعبانة النهارده وهطلع أنام على طول."
أومأ موافقاً لتنصرف هي إلى شقتها واصطحب سليمان صافيه وصعدا إلى شقتهما.
_________________________________
بعد مرور أسبوع وقد استقر الحال لدى الجميع، وبينما كان سليمان يجلس بمتجره الخاص تلقى اتصالاً من رقم مجهول ليجيب بهدوء قائلاً:
"ألو، مين معايا؟!"
"مش لازم أقول اسمي يا معلم سليمان اعتبرني فاعل خير، مراتك الأولانية كانت عندي النهارده ومعاها 'عضمة كتف' كانت جايباها عشان تعمل عليها سحر أسود لمراتك الثانية..."
قاطعه سليمان مستنكراً وقال:
"إيه اللي إنت بتقوله ده!؟"
"اللي سمعته يا معلم سليمان، أنا مشيتها ومرضيتش أساعدها لأني مبشتغلش في السحر الأسود، أنا آخري أفك عمل، أعمل حجاب، أرجع واحد لبيته، إنما اللي مراتك كانت جايه فيه ده شغل كبير أوي."
تساءل سليمان فقال:
"كانت عايزك تعمل إيه؟!"
"كانت عايزاني أعمل سحر أسود لمراتك عشان أموت الجنين اللي في بطنها، بس أنا عرفت إنها مراتك ومهانش عليا أأذيك في ضناك وبكلمك عشان أقول لك إنها مشيت من عندي وهي معاها 'عضمة الكتف' وممكن تروح لأي حد تاني ويعمل لها اللي هي عايزاه والعضمة دي خطيرة في السحر الأسود وكل ما تنشف السحر يشتد والمسحور بيموت بالبطيء بسببها، فـ أنا كلمتك أنبهك تدور عليها وتتخلص منها وربنا يكفيك شرها."
أنهى ذلك الرجل المجهول اتصاله وأغلق الهاتف بعدها وقد كادت الدماء أن تنفجر من عينه من شدة الغضب ليذهب مهرولاً إلى البيت وصعد إلى شقة صافيه ليجدها تبدل ملابسها فتساءل بترقب:
"إنتي كنتي برة ولا إيه؟!"
نظرت إليه بتعجب وقالت:
"أيوة يا سليمان منا قايلالك إني كنت مع غزل بشتري حاجات."
قال بشك:
"كنتي مع غزل بردو؟!"
قطبت جبينها بتعجب وقالت:
"أومال هيكون كنت مع مين يعني؟! مالك يا سليمان!"
صاح متشنجاً وقال والشـرر يتطاير من عيناه:
"وكمان بتكدبي وعاملة فيها بريئة!"
ثم راح يجول ويصول في أرجاء الغرفة باحثاً عن شيء ما مما أثار فضولها فقالت:
"إنت بتدور على إيه؟؟ وبتزعق ليه كده!"
لم يجيبها واتجه نحو المطبخ يفتش بين الأغراض حتى أخرج عظمة كتف من بين أغراض المطبخ لينظر لها مصدوماً ويقول:
"دي آخرتها يا صافيه؟!"
نظرت إلى ذاك الشيء بين يديه بتعجب وقالت:
"إيه اللي في إيدك ده!!"
نظر إليها متهكماً وقال:
"مش عارفة إيه اللي في إيدي دي؟!"
أجابت ببساطة:
"دي عضمة!! إنت جايبها منين؟!"
أردف وهو يتقدم منها بهدوء ويده خلف ظهره بينما يده الأخرى تمسك بتلك العظمة ويقول:
"أيوة عضمة، ومش أي عضمة دي عضمة كتف، عارفة بيعملوا بيها إيه عضمة الكتف يا صافيه؟!"
نظرت له باستغراب وقالت:
"لأ مش عارفة يا سليمان، وبعدين البتاعة دي جايبها منين وأنا علاقتي إيه بالموضوع ده؟!"
نظر إليها ساخراً وقال:
"واحدة واحدة، مش عارفة بيعملوا بيها أعرفك أنا، العضمة دي بيعملوا بيها سحر أسود بعيد عنك والمسحور مبيتعالجش، لأ ده بيموت بالبطيء، جايبها منين بقا فأنا جايبها من قلب شقتك أهو زى ما انتي شايفة ومن مطبخك كمان، تالت حاجة بقا.. إيه علاقتك بالموضوع ده فـ ده اللي عايز أفهمه منك."
وتابع بصوت حاد:
"ليه الأذية يا صافيه؟!"
انزوت حاجباها باستنكار شديد وقالت:
"أذية إيه أنا مش فاهمة حاجة، ما تيجي دوغري يا سليمان وتقول لي قصدك إيه."
ارتفع صوته مما جذب انتباه جميع من بالمنزل وقال:
"كنتي عايزة تسقطي يسر ليه يا صافيه؟!"
جحظت أعين الواقفين جميعاً وكانت أولهم يسر التي تقدمت منهم ببطء وهي تصطنع الصدمة وتقول:
"إنت بتقول إيه يا سليمان؟!"
"استحالة صافيه تعمل كده!"
نظر إليها بغضب عاصف وقال:
"اسكتي إنتي يا يسر دلوقتي، أنا اتأكدت بنفسي من اللي بقوله ده والأمارة أهي."
قال الأخيرة وهو يرفع يده بتلك العظمة لينظر لها الجميع باستنكار فقال والده:
"إيه اللي في إيدك ده يا سليمان؟!"
"دي 'قشرة لوح'!!"
أومأ سليمان موافقاً وقال:
"أيوة يابا 'قشرة لوح' زوجتي المصون كانت واخداها عشان تعمل عليها عمل لـ يسر."
اتسعت عينا صافيه وقالت:
"إيه اللي إنت بتقوله ده يا سليمان؟! إنت واعي للي بتقوله ده؟!"
برز صوته الجهوري غاضباً بشدة وقال:
"أيوة واعي ومتأكد يا صافيه، أنا استحالة أظلمك، الراجل النصاب اللي كنتي رايحة له عشان يعمل لك العمل عرفك وهو اللي بلغني عشان يحذرني منك."
سالت دمعاتها بقهر وعدم تصديق وراحت تهز رأسها بالنفي بهيستيرية وهي تتمتم:
"لأ، مش معقول."
كان الجميع ينظر إليهم بذهول فقال عبدالقادر:
"اصبر بس يا سليمان أكيد في حاجة غلط، صافيه عشرة سنين مش يوم ولا اتنين وإحنا عمرنا ما نصدق إنها تعمل كده!"
قال سليمان بثقة:
"الغيرة تعمل أكتر من كده يا قدّورة."
كانت يسر تقف وقلبها يتراقص فرحاً، بينما شعرت غريمتها وكأن الأرض ضاقت عليها بما رحبت لتقول بصوت مرتجف:
"صدقني يا سليمان وحياة ربنا، وحياة كتاب الله أنا مظلومة، أنا مليش في السكك دي وإنت عارف."
قال ساخراً:
"أصدقك؟! أصدقك وأكذب عيني يا صافيه؟! ده أنا أبقى معتوه لامؤاخذة وباخد على قفايا."
"وليه ميكونش حد تاني اللي عمل كده عشان يتهم صافيه؟!" قالتها زينب وهي تنظر بتحدٍ تجاه يسر التي أشاحت بوجهها بعيداً عنها بسرعة وقد انتابها التوتر ليقول سليمان باستفهام ساخر:
"حد تاني زي مين يعني؟!"
رفعت زينب كتفيها وقالت:
"معرفش حد مين، بس ده شيء وارد يعني."
تجاهلها ونظر مجدداً تجاه صافيه التي تقف ترجوه بعينيها الباكيتين ليقول بصوت حاد:
"أنا مش هسمح لنفسي أمشي ورا احتمالات خايبة وأقف أتفرج لحد ما يسر ولا اللي في بطنها يجرى لهم حاجة."
وتابع بغضب:
"مكنتش متصور إن غيرتك تعميك بالشكل ده يا صافيه، إنتي غلطتي غلطة لا تغتفر."
وأضاف بنبرة صارمة لا تقبل النقاش:
"إنتي طالق يا صافيه."
________________________________
كعادتها كل مرة عندما يتحدث إليها والدها عن الزواج أو أن أحدهم قد تقدم لخطبتها تفتعل المشكلات وتنسحب من الحديث بغتةً، ولكن اليوم لن يسمح لها أبداً فتلك فرصة من اللواتي لا يأتين في العمر إلا مرة.
"ماهو اسمعي بقا، هتهزري، هتعيطي، هتتشقلبي، هترمي نفسك من البلكونة حتى، هتتجوزيه يعني هتتجوزيه."
ألقى الأب كلماته الصارمات بغضب صرف لتلك التي كانت تحاول اتباع أساليبها المعتادة في مثل تلك المواقف لتتنهد بحزن وهي تستغيث بـ زمرديتيها ناظرة نحو عمتها أن تساعدها لتقول صافيه بيأس:
"بتبصي لي ليه؟! بصراحة كده أبوكي معاه المرة دي وأنا مش لاقيالي عين أنطق بحرف واحد."
تجهم وجهها عندما رأت اتحاد عمتها مع والدها لتقول:
"إنتي اللي بتقولي كده يا عمتو، منتِ عارفة اللي فيها."
نفذ صبر والدها ونهض واقفاً بغضب وقد صدح صوته غاضباً يقول:
"إيه اللي فيها يا غزل؟! خدي بالك أنا سكتت لك كتير بس المرة دي خلاص مبقاش عندي طاقة ولا عندي استعداد أستحمل، الأوهام اللي إنتي عايشة عليها دي هتوديك في داهية."
نظرت إليه بضيق ليردف وهو يستنفذ آخر جرعات تحمله وقال:
"مش هتبقي أوفي من مراته اللي كانت معاشراه خمس سنين وجايبة منه عيلين، أديكي شايفة أهو عايشة حياتها ولا كأن كان في حد اسمه يحيي موجود أصلاً."
نظرت إليه بحزن يتغمدها ليردف مضيفاً:
"رفضتي عريس واتنين وتلاتة وأربعة وكنت بقول ياااه سيبها مسيرها تعقل وتنسى وتعيش حياتها هي كمان، لكن توصل بيكي الدرجة أنك عايزة تعيشي على ذكرى واحد ميت لا كان خطيبك ولا جوزك ولا كان شايلك من أرضك أصلاً ده يبقى غباء وسذاجة وأنا مش هسمح بكده أبداً."
انخرطت في بكاء مرير ليتجاهلها ويقول بقوة وحزم:
"أنا هتصل بالباشمهندس أكرم دلوقتي حالاً وأبلغه إن الخطوبة يوم الجمعة ولو سمعت منك كلمة زيادة في الموضوع ده لا إنتي بنتي ولا أعرفك."
اهتز قلبها بين أضلعها وتجمدت الدماء في عروقها من فرط الحزن لتقوم صافيه وتجلس إلى جوارها محتضنة إياها بحب ويدها تمسح على ذراعها بحنية وتقول:
"متعيطيش يا غزل، متعيطيش يا حبيبتي كله مكتوب، واللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين حتى لو إيه."
"مش هقدر يا عمتي، أنا المرة اللي فاتت وافقت على إسلام عشان أرضي بابا، بس كنت عارفة إني هعرف أخلص منه لإنه كله عيوب.. بس أكرم هخلص منه إزاي؟ مش هقدر أتجوزه يا عمتو ولا هقدر أكون لراجل غير يحيي."
سالت دمعات صافيه حزناً وقلة حيلة وقالت:
"يحيى الله يرحمه يا غزل ميرضيهوش أبداً تتعذبي بسببه كده ولا يرضيه شبابك يضيع عشانه، ده ميت يا حبيبتي والحي أبقى من الميت ومسيرك تنسي."
أومأت نافية وقالت:
"عمري ما هقدر أنسى يحيي يا عمتي، يحيي بيجري في دمي من وأنا عيلة صغيرة مفهمش حاجة، لو نسيته أبقى كأني بمحي حياتي كلها بإستيكة."
ربتت صافيه على وجنتها بحنان وقالت:
"هتنسي يا غزل، سبحان من بينسي وبيصبر يا بنتي ولولا النسيان كان زماننا اتجننا أو متنا بحسرتنا، هتنسي وهتعيشي وهتفرحي وهتحبي أكرم كمان."
"استحاااله."
"بيتهيألك، لما تلاقيه بيحبك أكتر من ضي عينه غصب عنك هتحبيه، وحتى لو معرفتيش تحبيه هتعيشي مرتاحة، الحب مش كل حاجة يا غزل، يعني اللي حبوا خدوا إيه!!"
قالت الأخيرة بسخرية من حالها وأضافت:
"قومي يا حبيبتي اغسلي وشك وتوضي وصلي ركعتين لله وادعي ربنا يريح قلبك ويقدملك اللي فيه الخير."
أذعنت غزل لأوامرها ونهضت لتتوضأ ووقفت تناجي ربها أن يضع الخير بطريقها حيثما كان ومن ثم ألقت بجسدها المنهك إلى الفراش وسبحت في نوم عميق.
_________________________
بعد مرور خمسة أشهر وحيث كانت التحضيرات لزفاف غزل وأكرم على قدم وساق.
كان أكرم منشغل في تجهيز وإتمام ما ينقصه من أغراض للمنزل أو أغراضه الشخصية بينما كانت غزل منهمكة في شراء ما يخص ليلة الزفاف من الفستان وتوابعه وبصحبتها صافيه التي كانت ترافقها في كل خطواتها.
ارتفع رنين هاتفها لتجيب بنبرة هادئة:
"أيوة يا أكرم؟"
قال مبتسماً:
"أيوة يا حبيبتي، خلصتي ولا لسه؟!"
"لسه بنلف أنا وعمتو أهو، مش لاقية مقاسي في الشوزات خالص، محسسيني إني عاملة نادرة."
ضحك قائلاً:
"منا قولت لك ارتاحي إنتي واختاري اللي إنتي عيزاه وأنا هجيبهولك لو من برة مصر حتى بس إنتي رفضتي."
"لأ وأنا أبقى عروسة إزاي لو ملفيتش واتمرمطت في المحلات، دي طقوس متفهمهاش إنت."
أومأ قائلاً:
"ماشي يا ستي اللي يريحك، أهم حاجة متنسيش بروڤا الفستان النهارده، أول ما تروحي تتصلي عليا عشان آجي آخدك."
"تمام ماشي، يلا سلام دلوقتي."
أنهت الاتصال لتعود وتكمل مسيرتها في رحلة البحث عن حذاء سندريلا المفقود وبينما هي تسير بين المتاجر الخاصة بالأحذية تسمرت بمكانها وكادت أن تسقط أرضاً من هول الصدمة.
"يحيـي؟!"
تمتمت بها وضربات قلبها تتسارع محدثةً فوضى عارمة وأسرعت تهرول باتجاه ذلك الرجل الثلاثيني الذي رأته لتجده وقد اختفى من أمامها وكأنه لم يكن.
عادت تجر أذيال الخيبة فقالت عمتها متسائلة:
"مالك يا غزل كنتي بتجري ليه كده؟!"
قالت غزل ودمعاتها تتساقط:
"شوفته يا عمتو، شوفت يحيي."
نظرت إليها عمتها بتعجب وقالت:
"يحيـي؟!"
أومأت غزل بتأكيد وقالت:
"أيوة يحيي، كان ماشي قدامنا هناك كده وأول ما وصلت لمكانه اختفى."
زمّت عمتها شفتيها بأسف وشفقة ومسحت على ذراعها بلين وقالت:
"أكيد بيتهيألك يا حبيبتي، يلا بينا."
انصرفت غزل وعيناها لا تحيد عن ذلك المتجر الذي رأته بجانبه حتى ابتعدا عن ذلك المكان وأكملت شراء أغراضها وعادت إلى المنزل بعدها.
في تلك الأثناء...
كان يحيى واقفاً حانقاً وهو يخلل شعره الفحمي بأصابعه مغتاظاً ويقول:
"أنا متأكد إني كنت باجي هنا دايماً، عندي إحساس قوي إني كنت باجي هنا كتير وممكن يومياً كمان، بس مش قادر أفتكر حاجة، مش قاادر."
قال الأخيرة وهو يضرب جبهته بقبضة يده بقوة ليقول مصعب:
"معلش يا محمد إن شاء الله خير وطالما بدأت تفتكر أماكن وشوارع يبقى في أمل إن شاء الله، أهم حاجة تمشي على العلاج ومتحاولش تعصر في دماغك عشان تفتكر، زي ما الدكتور لسه قايل لك."
قال متشائماً:
"وتفتكر يعني كلام الدكتور بتاعك ده هيفيد بحاجة!! معتقدش."
قال مصعب حانقاً:
"يا عم تفائل وخلي عندك أمل بالله، المفروض أصلاً كنا روحنا للدكتور من ست شهور فاتوا بس الله يسامحك بقا كنت مصمم وراكب دماغك."
وقف يحيى أمام متجر خاص ببيع زينة وفوانيس رمضان ليشرد طويلاً بشيء ما فقال مصعب وهو ينتزعه من شروده:
"في إيه؟! روحت فين كده!"
لم يجبه بل دلف إلى المتجر وقام بشراء ذلك الفانوس تحت نظرات مصعب المتعجبة فقال:
"إنت جايب الفانوس ده لمين؟! إوعى تكون جايبه لأمي."
قال الأخيرة ممازحاً لينتزع ابتسامة مقتضبة من شفتيه وقال:
"مش عارف ساعة ما شفت الفانوس حسيت إني حنيت كده!! زي ما أكون شفته قبل كده."
وزفر بيأس قائلاً:
"ياا عالم بقا يمكن يساعدني أفتكر حاجة."
ربت مصعب على ظهره بشفقة وقال:
"كل سنة وإنت طيب يا محمد، رمضان باقي عليه أقل من شهر."
أومأ يحيى موافقاً وقال:
"بقالي سنة عايش معاكم أهو، سنة متغرب عن أهلي وعيلتي اللي معرفهاش ولا أعرف إذا كانت موجودة ولا لأ."
قال مصعب مواسياً:
"كله نصيب يا صاحبي، وإن شاء الله ذاكرتك ترجع لك في أقرب وقت وترجع لأهلك بالسلامة."
انصرف بعدها يحيى ومصعب عائدين نحو بيتهما ويحيى يشعر بأنه قد ترك قطعة من فؤاده.
____________________________
كانت يسر تفيق للتو من نومها قبل أن ترى انعكاس صورة سليمان في المرآة من أمامها فاعتدلت بمجلسها وقالت بتعجب:
"رايح فين متأخر كده يا سليمان؟!"
نظر إليها ليتقدم منها وهو يعدل ربطة عنقه ويقول:
"رايح فرح غَزل."
ارتفع حاجبها بنزق وقالت:
"فرح غزل؟! وإنت عرفت منين إنه النهارده؟!"
قال وهو ينثر بعضٍ من زخات العطر فوق يده:
"عرفت من الفيس."
أومأت وقالت بتهكم:
"آاااه، وهو لازم تحضر الفرح يعني؟!"
أومأ مؤكداً وقال وهو يجلس إلى جانبها على الفراش:
"آه يا حبيبي لازم، غزل دي مهما حصل هتفضل غالية عندي."
نظرت إليه بضيق ليضحك هو قائلاً:
"إيه يا سوسو إنتي غيرانة ولا إيه؟! ده أنا لو خلفت من يوم ما اتجوزت كنت خلفت قدها."
وأضاف وهو يعدل هندامه للمرة الأخيرة وقال:
"وبعدين غزل دي متربية في البيت ده ومن صغرها وإحنا كلنا بنحبها وهي كمان بتحبنا."
لوت فمها بسخرية وقالت:
"آااه إنت هتقولي!"
قطب حاجبيه وقال مستفهماً:
"تقصدي إيه؟!"
هزت رأسها بنفي وقالت:
"لا مقصدش حاجة، طيب وصافيه؟"
نظر إليها وهز رأسه لتقول:
"أقصد يعني أكيد هتشوفها هناك، هتتصرف إزاي؟!"
زم شفتيه بعدم اكتراث وقال:
"ولا أي حاجة، كأني مش شايفها."
هزت رأسها بهدوء فنهض قائتاً وانحنى مرة أخرى ليتلمس بطنها المنتفخ ويقول:
"فضل مش نفسه في حاجة أجيبها وأنا جاي؟!"
عادت برأسها للخلف تتمدد بجسدها على الفراش وهي تمسح بحركات دائرية على بطنها المتكور وقالت بابتسامة ناعمة:
"والله إنت وذوقك يا بابا بقا، شوف عايز تجيب إيه لـ فضل ومامت فضل."
ابتسم ابتسامة واسعة وأشار إلى عينٍ تلو الأخرى وقال:
"من عنيا الاتنين، يلا سلام عليكم."
خرج من شقته ليتجه في طريقه على الفور نحو القاعة المقام بها حفل الزفاف.
•••••••••••••
كانت غزل تتأبط ذراع والدها الذي دخل بها إلى القاعة ليقوم بتسليمها إلى زوجها، ارتدت فستاناً هادئاً بسيطاً للغاية، فكانت بساطته ورقته لا تتنافى مع جماله وفخامته واختارت زينتها من الألوان الهادئة للغاية، فبدت كملكة جمال أخذت عقول الكل بسحرها ورقة طلتها.
قام والدها باحتضانها بشدة وقد سالت دمعاته فرحاً وسروراً لرؤية قطعة من فؤاده عروس ثم قام بتسليمها إلى أكرم الذي كان يقف مختالاً فرحاً بشدة وسيماء الغبطة والسرور ترتسم على وجهه.
أمسك أكرم بيدها لينحني طابعاً قبله ناعمة على ظهر كفها ويضع يدها على ساعده الذي يسنده إلى أسفل صدره وهو يتطلع نحوها بحبور وسرور شديد.
دلف سليمان إلى القاعة مرتاباً وهو يتفحص الأجواء من حوله حتى وقعت عيناه على صافيه التي فور ما إن رأته حتى أشاحت بوجهها بعيداً بعد أن رمقته بغضب وكره.
تجاهل نظراتها الساخطه وتقدم من أخيها الذي فوجئ بوجوده يقول:
"ألف مبروك يا إبراهيم..."
قاطعه إبراهيم قائلاً:
"جااي ليه يا سليمان؟!"
لم يكن سليمان يتوقع هجومه ذلك فقال:
"جاي أبارك لـ غزل يا إبراهيم.. مهما كان اللي حصل بيننا بس غزل بنتي.."
قاطعه إبراهيم مرة أخرى قائلاً بحدة:
"غزل بنتي أنا يا إبراهيم وصافيه كمان بنتي، بأي عين جاي تبارك لواحدة من بناتي وإنت دابح التانية بسكينة تلمه!!"
نظر إليه سليمان مذهولاً ليستطرد حديثه قائلاً:
"لا تبارك ولا تهني، على رأي المثل، يا نحلة لا تقرصيني ولا عايز منك عسل."
ثم أشاح بوجهه للجانب وقال:
"شرفت يا سليمان."
اتسعت عينا سليمان بصدمة لينصرف كما أتى بهدوء وعاد إلى منزله.
انتهى حفل الزفاف الذي كان رائعاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى لتبدأ غزل في فرك أصابعها بتوتر وهي تنظر باتجاه صافيه التي احتضنتها بعطف وحب كبير وقالت:
"إهدي يا حبيبتي ومتقلقيش نفسك."
نظرت إليها غزل بأعين لامعة وقالت:
"تعالي معايا يا عمتو والنبي."
ارتفعت ضحكات صافيه وقالت:
"آجي معاكي إزاي بس يا حبيبتي، أنا وبابا هنيجي نوصلك ونمشي فوراً إنما مش هندخل معاكوا."
وفعلاً ذهب كلاً من والدها وعمتها برفقتها حتى وصولهم إلى منزلهم برفقة كاريمان وانصرفوا مغادرين بعد أن أوصاه والدها بحسن معاملتها واللين معها.
دلفـت غزل إلى غرفتهم وهي ترتجف خيفةً وتوتر ليستوقفها قائلاً:
"استني يا غزل عايزين نتكلم شوية قبل أي حاجة."
هدأت قليلاً وأومأت موافقة بسرعة ليجلس على الفراش وأمسك يدها ليجلسها إلى جواره وقال:
"أنا عارف إنك متاخدة مني وخايفة وإنك ملحقتيش تتعودي عليا، ومقدر إن كل حاجة جت بسرعة وملحقتيش تستوعبي وجودي في حياتك حتى، وبالتالي ملحقتيش تحبيني ولا تحوشي في قلبك أي مشاعر من ناحيتي، بس واثق إنك هتحبيني مع الوقت زي ما أنا بحبك وأكتر كمان."
ابتسمت بهدوء لتفهمه وهدوءه فأضاف قائلاً:
"اللي أنا عايز أوصلهولك إني بحبك جداً يا غزل، يمكن من أول مرة شوفتك فيها وأنا حبيتك بس مكنتش متأكد من مشاعري دي، ولما أمي قالت إنها مش عايزة أنا كنت في أشد ضيقي وحزني إني مش هشوفك تاني، بس مكانش في إيديا حاجة أعملها وبالذات إني مقدرش أجبر أمي على حاجة وخصوصاً لو واحدة هتقعد معاها فترة طويلة زي دي فـ سلمت أمري لله لحد ما لقيتها هي بتسأل عليكي تاني وعايزاكي تيجي تشوفيها وقتها فرحت وعرفت إن ربنا عطاني فرصة تانية ولازم أستغلها عشان كده طلبت إيدك من عمي إبراهيم فوراً والحمدلله اتجوزتك أهو."
ابتسمت هي لابتسامته لتجده وقد شرد بها مطولاً فعادت لتفرك يديها بتوتر مرة أخرى وخاصةً عندما رأته يدنو منها وهو على وشك تقبيلها لتنهض عن الفراش بغتةً وقالت:
"إيه رأيك نغير هدومنا كده ونتعشى لإني بصراحة ميتة جوع."
ضحك ببشاشة وهو يشاهد ارتباكها ليومأ موافقاً ويقول:
"معاكي حق، يلا غيري هدومك إنتي وأنا هخرج أطمن على أمي وأرجع لك تاني."
خرج من الغرفة لتطلق هي تنهيدة حارة طردت معها كل الانفعالات الموجودة بصدرها ثم خلعت فستانها ومن بعدها اغتسلت وفعل هو المثل ثم وقف يصلي بها ومن بعدها جلسا يتناولا العشاء سوياً فبادرت هي بالحديث قائلة:
"ماما كاريمان نامت؟!"
أومأ بايجاب وقال:
"أيوة دخلت لقيتها نايمة، هي عادتها مبتحبش السهر وبتقدس الانتظام في ميعاد النوم."
ابتسمت وقالت:
"واليوم كان طويل عليها النهارده."
هز رأسه بتأكيد وقال:
"فعلاً، الحمد لله أنا شبعت."
أومأت باقتضاب وقالت:
"وأنا كمان الحمد لله شبعت، ثواني هغسل إيديا وآجي."
دلفت إلى الغرفة مجدداً وصعدت إلى فراشها بقلق ثم نظرت إليه بحرج بالغ لينظر إليها مستفهماً وقال:
"مالك وشك بقى أحمر كده ليه، لو قلقانة إحنا ممكن ننام النهارده وترتاحي."
أجابته وقد اصطبغت وجنتيها بحمرة الخجل وقالت:
"لأ ماهو، أصل يعني....."
حثها على استرسال حديثها باشارة من رأسه لتردف بغتةً وهي تغمض عينيها تعتصرهما بشدة بخجل:
"ماهو مش هينفع اليومين دول خالص!!"
ارتفعت ضحكاته بشدة لتفتح كلتا عينيها ونظرت إليه ببراءة فامتدت يده تمسح على رأسها بحنو بالغ وقال:
"أنا مش فارق معايا أي حاجة غير إنك جمبي دلوقتي، دي نعمة كبيرة تستاهل أفضل أشكر ربنا عليها طول العمر."
اضطرب قلبها من حديثه الهادئ لتبتسم بودٍ حقيقي فقال:
"يلا ننام ونرتاح لإن الوقت اتأخر وإنتي تعبتي النهارده."
أسرعت تتدثر بغطائها سريعاً وراحت في سبات عميق بينما ظل هو يتفحص ملامحها بعشق لم تتسنى له الفرصة أن يفصح عنه بعد ثم أسبل جفنيه وغط في النوم.
رواية ليتني مت قبل هذا الفصل العاشر 10 - بقلم نعمة حسن
في يوم من الأيام كان ليّ قلب
ويّا المحبة هام، ويا ريت ما حب
قسوة حبايبي مغلباني، إوعى يا قلبي تحب تاني
في يوم من الأيام
أنا كنت هـواه وحبيبه، روحي وقلبي حـواليه
لو كان الدمع يجيبه كنت أبكي العمـر عليه
لا صوتي يسمعه ولا دمعي يرجعه
قسوة حبايبي مغلباني، إوعى يا قلبي تحب تاني
في يوم من الأيام
فين راح الشوق من قلبه، والرقة والحنية
اللي حـيـتـهـنى بحبه، لو يعرف يبكي عليّ
لا عـاد يـفـيـد ندم عليه ولا ألم
قسوة حبايبي مغلباني، إوعى يا قلبي تحب تاني
في يوم من الأيام
وحياة حبك يا ناسيني، يا ريت يا حبيبـي أنساك
ده أنا كل طريق في عيوني، علمته بذكرى معاك
يا ناسي حبنا راح أعمل إيه أنا
قسوة حبايبي مغلباني، إوعى يا قلبي تحب تاني
بعد مرور يومان علي زواج غزل و أكرم.
كانت تجلس غزل برفقة كاريمان و تشاهدان فيلم الوسادة الخاليه و كلاً منهما تحمل بين يديها كوباً من الشاي الساخن.
"الفيلم ده يا زوزو أكتر فيلم بحب أتفرج عليه و مهما أشوفه مزهقش منه أبداً."
قالت كاريمان تلك الكلمات لتنظر إليها غزل مبتسمة وتقول:
"معاكي حق يا ماما كاريمان و أنا كمان بحب الفيلم ده أوي و أي حاجة عامةً لـ عبدالحليم."
"الفيلم ده بيوضح معاناة كل واحد و واحده بيتجوزوا و هما لسه بيعانوا من لعنة الحب الأول..."
إسترعت تلك الكلمات إنتباه غزل فإعتدلت بمجلسها ونظرت إليها بإهتمام لتستطرد حديثها وتقول:
"يعني صلاح كان فاكر إنه لما يتجوز درية كده هينسي سميحه بس إكتشف إنه هيفضل يحبها و يتعذب بالحب ده طول عمره، و سميحه لما إتجوزت فؤاد كان متهيألها إنه هيقدر ينسيها صلاح و بالرغم من حبه ليها و معاملته الطيبه بس كانت لسه جواها حاجه مرهونة بحب صلاح ، الحب الأول ده يا غزل بيفضل معشش جوا الإنسان و ساكن فيه مهما مرت الايام و بيفضل مرتبط بكل ذكرياتنا مهما حصل، عشان كده هو لعنة فعلاً."
دلف أكرم إلي الشقه مبتسماً وقال:
"بردو فيلم الوسادة الخاليه يا أمي ، أنا بقيت أحس إن صلاح و سميحه و دريه و فؤاد دول من أفراد العيله و عايشين معانا من كتر ما بتحكي عنهم."
إبتسمت والدته ببشاشه وقالت:
"حمدالله على سلامتك يا حبيبي، إتأخرت ليه كده."
"كان عندي شوية شغل بخلصهم عشان مسافر بكرة بإذن الله."
لم يبرز صوت غَزل فنظر إليها ليجدها شاردة بعيداً فقال:
"غزل!!"
إنتبهت إليه وقالت:
"هاا.. بتقول حاجه؟! عايز حاجه؟!"
إبتسم بغصةٍ في قلبه لمعرفته سبب شرودها و رسم إبتسامة صافيه علي شفتيه وقال:
"عايز سلامتك يا حبيبتي، كنت بقول إني مسافر بكرة."
إعتدلت في جلستها وقالت بإهتمام:
"مسافر؟! إشمعنا؟!"
"شوية لخبطه في فرع الشركه اللي في القاهره و لازم أكون موجود بنفسي و هقعد يوم ولا إتنين و هاجي بإذن الله."
أومأت بهدوء وقالت:
"بإذن الله."
نهض واقفاً و قبّل رأس والدته وقال:
"يلا تصبحوا علي خير بقا أنا داخل أرتاح."
دلف إلي غرفته لتتبعه غزل التي ساعدته في تبديل ملابسهِ و قدّمت له طعام العشاء فقال:
"إنتي مش هتتعشي معايا ولا إيه؟!"
هزت رأسها بنفي وقالت:
"لأ أنا إتعشيت أنا و ماما كاريمان من شويه، بألف هنا إنت."
تناول عشاءه سريعاً و صعد إلي فراشه لتتبعه هي و تدثرت بغطائها و راحت تنظر له بحرج ليبتسم هو مردفاً:
"أنا مش قادر، هنام لإني هلكان، معلش إعذريني."
إزداد تقديرها و إحترامها له كونه أعفاها من تبليغه بذلك الأمر و رفع عنها الحرج لتبتسم إبتسامة صافيه و تقول:
"تصبح على خير."
نزلت في فراشها و أغمضت عيناها لتسبح في نومٍ عميق.
***
كانت زينب تجلس برفقة زوجها يتجاذبون أطراف الحديث فقالت:
"رمضان خلاص علي الأبواب يا قدّورة عايزين ننزل بالليل نشتري طلبات للبيت قبل الزحمة بتاعة آخر أسبوع دي."
تمتم بحزن وقال:
"يحيى أخويا ميت بقاله سنه، الله يرحمه و يحسن إليه."
قالت:
"الله يرحمه، كان زينة الشباب و سيرته طيبه بين الناس كلها.. ميعظمش علي اللي خلقه."
تمتم مؤكداً:
"ونعم بالله، مفيش جديد في موضوع سليمان و صافيه؟! متعرفيش ناوي يرجعها ولا خلاص كده؟"
"لأ مفيش جديد، متهيألي اللي يتجوز واحده حربايه زي يُسر كده متفرقش معاه."
أومأ موافقاً ثم نهض واقفاً وقال:
"ربنا يصلح الحال، أنا هنزل بقا أشوف المحل. سلام عليكم."
خرج عبدالقادر لتقوم زينب بالإتصال بـِ صافيه قائلة:
"عامله إيه يا صافيه وحشتيني."
"وإنتي كمان يا زوزو وحشتيني والله، أنا كويسه الحمدلله، إنتي عامله إيه و قدوره و العيال عاملين ايه؟"
"كلنا كويسين الحمدلله، و البت غزل عاملة إيه؟"
"غزل بخير والحمد لله، أنا عندها أهو لإن جوزها مسافر وأنا قاعده معاها."
"سلميلي عليها كتير، أنا هبقا آجي أبارك لها و أشوفك عشان وحشاني."
"إبقي تعالي هنستناكي."
"بإذن الله.. يلا مع السلامه."
أنهت صافيه الإتصال لتنظر إلي غزل وتقول:
"ها، كملي."
"أكمل إيه؟! بس خلاص."
"خلاص إيه؟! وبعد ما إتعشيتوا و صليتوا؟!"
"منا بقوللك يا عمتو من يوم الفرح وأنا تعبانه و أكرم سافر أهو لما يرجع بقا ربنا يحلها."
أومأت صافيه بتأييد وقالت:
"أيوة ربنا يحلها و يهدي سرك إنتي و جوزك يارب."
إبتسمت غزل إبتسامه لم تكد تصل إلي عيناها لتنتبه إلي رنين هاتفها فقالت:
"ده أكرم."
أجابت بهدوء:
"أيوة يا أكرم أخبارك إيه؟!"
"الحمدلله يا حبيبتي، إنتوا عاملين إيه؟! وحشتوني."
"كويسين الحمدلله، عمتو بتسلم عليك."
"هي عندك؟ سلميلي عليها كتير."
"الله يسلمك.. ماما كاريمان نايمه، تحب أصحيهالك؟"
"لا خلاص سيبيها نايمه، أهم حاجه تاخد علاجها بإنتظام و خلي بالك منها يا غزل عشان خاطري."
"متقلقش خاالص، في عنيا والله، إنت وصلت ولا لسه؟"
"خلاص علي وصـ..."
إنقطع صوته بغتةً فقالت:
"ألو.. أكرم إنت سامعني؟!"
لم يصلها صوته فكررت نداؤها بإسمه لتتوقف عندما بدأت تستمع إلي أصوات متداخله إستطاعت هي تمييز بعض الكلمات منها مثل "لا حول ولاقوة إلا بالله_إطلبوا الإسعاف بسرعة_ده ملاكي إسكندرية_محدش يشيله."
نهضت واقفه وقد إنخلع قلبها وقالت:
"ألو، أكرم في إيه؟!"
إنتبهت علي صوت أحدهم يخاطبها ويقول:
"ألوو."
قالت بلهفه ممتزجه بالخوف:
"ألو، أكرم فين؟!"
"حضرتك قريبته؟!"
"أنا مراته، هو جراله إيه؟!"
"للأسف يا مدام.. جوز حضرتك عمل حادثه و مستنيين الإسعاف تنقله عالمستشفي."
إنفطر قلبها و شعرت كأن الأرض تميد بها فقالت:
"مسـ... مستشفى إيه؟! إنتوا فين؟!"
"مستشفي السلام في القاهرة، إنتوا من إسكندرية؟"
"أيوة، أيوة من إسكندرية، طيب أنا جايه حالاً لو سمحت خلي تليفونه معاك."
أنهت الإتصال سريعاً و أخبرت صافيه بما حدث بإيجاز:
"أكرم عمل حادثه يا عمتو و نقلوه عالمستشفي، أنا هروح لبابا و نطلع عالقاهرة حالاً."
دلفت إلي الغرفه و بدّلت ثيابها سريعاً و إلتقطت حقيبتها و قالت لـ صافيه:
"معلش يا عمتو خليكي مع ماما كاريمان علي ما نرجع."
ربتت صافيه علي ذراعها وقالت:
"متقلقيش يا حبيبتي أنا هفضل معاها، ربنا يطمنكوا، تروحوا و ترجعوا بالسلامه."
علي عجلةٍ من أمرها كانت غزل تركض لتستوقف سيارة أجرة أقلتها إلي منزل والدها الذي تفاجأ من زيارتها المفاجأة و حالتها المزريه فقال بخوف:
"مالك يا غَزل؟ إنتي متخانقه مع جوزك ولا إيه؟!"
قالت وهي تحاول إلتقاط أنفاسها المتلاحقة:
"أكرم عمل حادثه يا بابا.. لا لازم نطلع عالقاهرة دلوقتي حالاً."
أسرع والدها و جهز حاله ليصطحبها بسيارته الخاصه و يتجها نحو القاهرة.
بعد مرور أربع ساعات وصلت غزل برفقة والدها إلي المستشفي الموجود بها زوجها و قامت بالإتصال بهاتفه ليجيبها ذلك الرجل الذي أجابها في المرة الأولي فقالت:
"أيوة حضرتك إحنا وصلنا المستشفي."
أجابها و الحزن يخيم على صوته وقال:
"حضرتك إحنا في آخر الممر، أنا شايفك من هنا أهو."
نظرت حولها فرأته فهرولت نحوه هي ووالدها وقالت بصوت متقطع ملهوف:
"أكرم فين؟!"
نظر إليها بحزن شديد وقال بأسف:
"الباشمهندش إتوفي، شدوا حيلكوا."
***
تجلس في منزلها تتشح بالسواد وقد أعياها البكاء و أدمي قلبها، الغادي و الراحل يواسيها بكلماتٍ لم تستطع هي إستيعابها.
ها هي تشعر بالغربة للمرة الثانيه!، و خسارتها تلك المرة ليست بالهيّنه أبداً، لقد فقدت رجلاً لن تنساهُ أبد ما حيت.
كانت تجلس خائرة القوي، ما زالت الصدمة تحتلّ عقلها، و سؤال واحد هو من يجوب عقلها "لماذا أنا؟!"
مَسح والدها علي رأسها وراح يتمتم بآيات من القرآن الكريم و قلبه ينفطر لرؤية إبنته بتلك الحالة التي يُرثي لها و لم تفعل هي سوي أنها إستكانت بأحضانه تحاول الهروب من الواقع المرير الذي أحاطها.
"قومي يا حبيبتي إرتاحي شوية."
قالتها صافيه وهي تربت على يد غزل التي هزت رأسها أن لا ليقول والدها:
"سيبيها يا صافيه و قومي شوفي أم أكرم."
نهضت صافيه و ذهبت للإطمئنان علي مدام كاريمان التي فور ما إن رأتها حتي قالت بلهفة:
"أكرم جه؟!"
جلست صافيه إلي جوارها و أمسكت بكفيها بين يديها وقالت:
"حبيبتي تحبي أعمللك تاكليها؟"
نزعت كاريمان يدها بحدة وقالت وهي تسند يدها إلي أسفل خدها بضيق:
"لأ مش عايزة حاجة، مش هاكل حاجه غير لما أكرم يرجع."
تنهدت صافيه بحزن و قلة حيله وهي لا تعرف للمرة الكم ستخبرها بذلك الخبر المفجع.
تسائلت كاريمان وقالت:
"و الناس اللي بره دول بيعملوا إيه؟ أنا مش بحب الدوشة."
"دول جايبن يشوفوا غزل و ماشيين."
"إطرديهم، إطرديهم كلهم عشان لابسين إسود و أنا مش بحب اللون الاسود، قوليلهم يلبسوا ألوان حلوة وبعدين ييجوا."
زمّت شفتيها بأسف و شفقه و أومأت بموافقة و همّت بالخروج من الغرفه لتستوقفها كاريمان مرة أخري و تقول:
"إستني، إفتحي التليفزيون قبل ما تخرجي.. فيلم الوسادة الخاليه هيتعرض كمان شوية و عايزه ألحقه من الأول."
أومأت صافيه دون نقاش و قامت بتشغيل التلفاز لتقول الأخري:
"تعالي غطيني بقا."
فعلت صافيه كما أمرتها لتقول:
"هو إنتي الجليسه الجديده اللي أكرم إبني جابها عشان تقعد معايا؟!"
نظرت إليها صافيه بحسرة و أومأت بصمت لتقول:
"طيب إقعدي إتفرجي معايا علي الفيلم، ده حلو أوي!"
"طيب هخرج بس أشوف الأكل اللي عالنار و أجيلك تاني."
"ماشـي.. بس متعمليش سمك عشان أكرم مبيحبش السمك."
منحتها صافيه إيماءه موافقه و خرجت من الغرفه سريعاً لتنفجر باكية وقد إنفطر قلبها لسوء حالة تلك السيده.
عادت لتجلس إلي جانب شقيقها الذي سألها عن حالها بإشارةٍ من رأسه لتردف قائلة:
"ربنـا يصبرها، الست مش مصدقه إن إبنها مات، و قالتلي أفتحلها التلفزيون!! مش مستوعبه اللي حاصل يا عيني."
تمتم إبراهيم آسفاً:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. ربنا يربط علي قلبها."
ثم وجّه حديثه لإبنته فقال:
"قومي يا غزل يا بنتي إرتاحي شوية إنتي منمتيش من إمبارح."
هزت رأسها بنفي دون أن تنطق بكلمة ليضمها والدها إليها بشدة وهو يتحسر في نفسهِ علي ما آل إليه حال إبنته.
إنتهت مراسم العزاء والمواساة لينفض الجميع من حولهم فقال إبراهيم:
"خليكي يا صافيه بايته مع غزل و أنا هرجع البيت و الصبح بإذن الله هرجعلكوا."
إستعد و خرج من المنزل لتستوقفه صرخات إستطاع أن يميزها بسهوله فإتخذ سبيله نحو الشقه ركضاً و طرق الباب بشدة لتفتح له شقيقته وهي تنتحب بهيستيريه و تغمغم بكلمات غير مفهومه فقال بفزع:
"غزل مالها؟!"
لم تجيبه فدلف إلي الشقه يجر قدمه بثقل و ظل يبحث عن إبنته بأعين مذعوره حتي رآها تجثو علي قدماها أمام السرير الذي ترقد عليه كاريمان و تمسك بيدها وهي تدفن رأسها في الفراش من أمامها و تبكي بحسرة.
بتردد دخل إلي الغرفه ليجد كاريمان مستكينه، مغمضة العينين دون حراك.
"لا حول ولاقوة إلا بالله، اللهم لا راد لقضائك."
تمتم بحزن وإقترب من إبنته و ساعدها في النهوض لتحتضنه بذعر وقالت:
"ماما كاريمان ماتت يا بابا."
ربت على ظهرها بأسفٍ وقال:
"ربنا يرحمها ويغفر لها يبنتي."
في أقل من أربعةٌ و عشرون ساعه تكررت نفس مشاهد الغُسل و الدَفن و الجنازة ليعودوا إلي المشهد الأخير وهو العزاء.
كان الجميع يواسي غزل في مُصابها الأليم و يدعون الله أن يربط علي قلبها.
أما هي فكان كل ما يحدث فوق إحتمالها لتعلن إستسلامها حيث هَوت أرضاً ليلتف الجميع حولها و يسارع والدها بطلب الطبيب الذي أمرهم بمساعدتها في الخروج من تلك الأزمه و المواظبه علي الغذاء والدواء ليقرر والدها إصطحابها للعودة إلي منزلهم.
***
كانت يُسر تقف أمام المرآه تتحسس بطنها المنتفخ و تطالعه بسعادة و فخر بينما كان سليمان يجلس علي الفراش مهموماً فقالت:
"تعرف يا سليمان، أنا ببقا خايفه الستات يحسدوني لما بيشوفوني في الشارع، عشان كده مبقيتش بحب أنزل لترجع واحده عنيها مدوّره زي زينب ولا غيرها كده تنشني عين تجيبني الأرض."
لم يجيبها فنظرت نحوه لتجده مازال شارداً فتقدمت منه وقالت:
"مالك يا سليمان؟! سرحان في إيه؟!"
نظر إليها منتبهاً وقال:
"مفيش حاجه."
و أطلق تنهيدةٍ حارة فجلست إلي جانبه وقالت:
"مالك بجد؟! في حاجه مضايقاك؟!"
نظر إليها مهموماً وقال:
"غزل صعبانه عليا."
لوت فمها بنزق وأضافت بلا مبالاه:
"ميصعبش عليك غالي يا حبيبي، أهي إتجوزت تلت ايام و بقت من ولاد الذوات، بسمع إن جوزها ده كان عنده شئ و شويّات.."
قاطعها قائلاً:
"و إيه يعني شئ و شويّات!!, هي الفلوس كل حاجه ولا إيه؟! وبعدين غزل مش من النوع ده عمرها ما تفرق معاها الفلوس، كفايه فرحتها اللي إتكسرت و إترملت وهي لسه عروسه."
نطقت بغضب عاصف و كرهٍ صرف:
"ما هي اللي قدمها شؤم، كل ما تبص لراجل تبيته في القبر."
قطب حاجبيه مستغرباً وقال:
"تقصدي إيه؟!"
نهضت واقفه بعصبيه وقالت:
"مقصدش حاجه، قبل ما تنزل سيبلي فلوس."
قال متعجباً:
"وإنتي لحقتي صرفتي الألفين جنيه اللي خدتيهم إمبارح؟!"
قالت ببساطة:
"إشتريت بيهم خزين رمضان لماما و إخواتي، سيبلي فلوس بقا عشان عايزة أشتري هدوم واسعه لإن كل الهدوم ضاقت عليا و متنساش تجيب خزين رمضان الليله قبل ما تيجي."
أومأ موافقاً و خرج من المنزل ليلتقي بأبيه يجلس حزيناً مهموماً فإقترب منه و قبّل يديه كعادته وقال:
"كل سنه و إنت طيب يابا، يعود عليك الأيام بخير."
"و إنت طيب يبني."
قالها والده بإقتضاب ليستطرد حديثه قائلاً:
"أنا خارج أجيب خزين رمضان، و هجيب حاجات لعزومة بكرة، مش محتاج حاجه أجيبهالك وأنا راجع؟!"
نظر له والده مصدوماً وقال:
"عزومة بكره؟! إنت ناسي إن سنوية يحيـي الله يرحمه بكره؟! بدل ما تقول هعمل حاجه لله أهي الناس تدعيله بالرحمه!!"
تجهم وجه سليمان وقال:
"طبعاً يابا هعمل كده من غير ما تقول، أنا مستحيل أنسي حاجه زي كده، بس يعني إحنا متعودين نتجمع أول يوم رمضان عالفطار كل سنه، ربنا ما يقطعلك عادة يا حج."
أومأ والده بهدوء وقال:
"خلاص يا سليمان، خلاص إعمل اللي يريحك."
***
إستيقظ بنشاطٍ و همه لا يدرك سببهما اليوم خاصةً و لكنه كان يشعر بأن القادم أفضل، رغم مرور عام كامل علي فقدان ذاكرته و ضياع هويّته إلا أنه كان متفائل.
ذهب إلى عمله مع مصعب و بدأوا في مباشرة عملهما ليقول مصعب:
"الريس قاللي الشغل لحد الساعه 2 بس عشان أول يوم صيام يعني بيرأفوا بحالنا."
أومأ يحيى موافقاً وقال:
"كل سنه وإنت طيب."
"و إنت طيب يا صاحبي، بلا بقا نشهل كده و ننقل الفوارغ دي عالمخزن قبل ما العربيه التانيه تيجي عشان تلاقي مكان تقف فيه."
بدأ يحيي و مصعب في نقل تلك الأغراض إلي المخزن فقال يحيي:
"بص كده فوق، الكراكيب اللي مرصوصه فوق دي كلها واخده مكان عالفاضي، هات السلم و تعالي ننزل التقيل تحت و نرفع الحاجات الخفيفه دي فوق و بالمره أشوف اللي ملوش لزمه نخرجه بره."
قال مصعب متأففاً:
"يا عم دي شغلانه و عايزة وقت، هو إنت مش هاين عليك نروح يوم بدري؟!"
"يبني خلي عندك ضمير، يعني هنروح بدري نعمل إيه؟!"
إنصاع مصعب خلف أوامره ليبدأ في إعطاءه الأغراض الموجوده بالأرض و يحيي يبادله بالأغراض الثقيله الموجوده علي سطح الأرفف فقال يحيي:
"خد الكوريك ده حطه علي جنب، أبو كامل كان بيسأل عليه."
مد مصعب يده لكي يتناول الرافعه من يحيي قبل أن يختل توازنه و يسقط أرضاً لتسقط الرافعه فوق رأسه.
إلتف جميع العمّال حوله و أولهم كان مصعب الذي راح يصرخ بهيستيريه و تم نقله إلي المشفي سريعاً.
قال الطبيب بعملية شديدة:
"الحمدلله مفيش نزيف أو كسر في الجمجمه، العنايه الإلهيه هي اللي أنقذته، واحد غيره كان مات فيها، هو لحد دلوقتي حالته مستقرة بس هنستني لما يفوق عشان نطمن علي سلامة المخ."
كان زملائه بالعمل ينتظرون إفاقته للإطمئنان علي حالته و مصعب يجلس إلي جواره بحزن شديد.
بعد مرور أربع ساعات بدأ عقل يحيـي في الإفاقه و الإنتباه و لكن عيناه لا تزالان مغمضتان.
رأي في خيالهِ ومضات لم يستطع تمييز الأشخاص الموجودين بها في البداية، رأي طفلةً صغيرة تحمل فانوساً يشبه ذاك الذي إشتراه، تبتسم له و تبسط ذراعيها و تركض نحوه لتتسع الصورة أكثر فظهرت إلي جوارها إمرأة حسناء ليبدء جسده في التشنج برفق وقد نبهه عقله إلي أنه رآها في منامه سابقاً ليشعر و كأنه في مجموعة أحلامٍ مترابطه و قد بدأت الأشخاص تزداد من حوله ليري رجلاً أربعينياً يبتسم لهُ و آخر كهلاً يتحدث إليه و صبياً صغيراً يركل الكره إليه و من بعدها رأي صورةً سوداء و بدأ عقله يتشوش حتي بدأ يفرّق بين جفنيه بوهن و ألم وقد أمسك برأسه يضغط علي عقله بشدة من فرط الألم الذي يشعر به.
هاجمته الرؤية الضبابية و لم يستطع تمييز أياً مما يقفون حوله حتي إستعاد وعيه بالكامل فنظر أمامه ليجد مصعب واقفاً بلهفه ويقول:
"محمد إنت سامعني؟"
نظر إليه يحيي بتمعن وقال:
"مصعب.. هو إيه اللي حصل؟"
إبتسم مصعب بفرحه وقال:
"حمدلله على سلامتك خضتنا كلنا عليك."
بدأ يحيي يعتدل بمقعده حتي إستند إلي ظهر السرير من خلفه فأسرع مصعب ينادي الطبيب الذي أتي علي الفور للإطمئنان علي حالته.
"حمدلله على السلامه يا بطل."
قالها الطبيب مبتسماً فأومأ يحيي بهدوء وقال:
"الله يسلم حضرتك، هو إيه اللي حصل؟"
قال الطبيب بترقب:
"إحكيلنا إنت إيه اللي حصل؟"
صمت يحيي لبرهة وقال:
"أنا آخر حاجه فاكرها لما كنت في المخزن و بنزل الكوريك..."
قاطعه مصعب قائلاً:
"أيوة مظبوط و وقعت من علي السلم و الكوريك وقع فوقك."
نظر إليهم يحيي مذهولاً وقال:
"الكوريك وقع فوقي و لسه عايش!!"
إبتسم الطبيب فأردف قائلاً:
"مش بقوللك بطل!, الحمدلله قدّر و لطف."
أومأ يحيى متمتماً:
"الحمدلله."
قال الطبيب:
"إن شاء الله كمان ساعه هتخرج بالسلامه علي ما الممرضه بس تظبط شوية حاجات و أكتبلك علي العلاج اللي هتمشي عليه."
و إنصرف الطبيب ليستوقفه حوار مصعب و يحيي...
مصعب:
"حاسس بحاجه يا محمد؟ الدكتور طمنا إنك كويس الحمدلله و مفيش كسور ولا نزيف."
نظر إليه يحيي بصمت و قال:
"محمد!"
إسترعت كلمته البسيطه إنتباه الطبيب ليعود أدراجه فوقف أمامه و تسائل بترقب:
"في حاجه تعباك يا محمد؟"
عاد يحيـي لينظر إلي الطبيب بغرابة و قال:
"أنا إسمي يحيـي!"
نظر الطبيب إليه مطولاً و نظر إلي الذين يقفون من حوله ثم أعاد النظر إليه مرة أخري و قال:
"يحيـي!؟"
أومأ يحيي مؤيداً و أردف قائلاً:
"يحيـي علي الهنداوي."
ثم نظر إلي مصعب متفاجئاً و إرتسم البِشر و السرور علي وجهه فـ أفتر ثغره عن إبتسامة واسعه وقال:
"أنا إفتكرت يا مصعب!"
نظر إليه مصعب بحماس متفاجئ ليقول الطبيب:
"إفتكرت إيه تاني يا يحيـي؟ تعرف تحكيلي عن نفسك؟!"
أومأ يحيى موافقاً وقال:
"إسمي يحيـي على الهنداوي و عندي ٣٠ سنه و متجوز و عندي ولد و بنت."
ثم توقف عن الحديث فجأه وكأنه تذكر شيئاً ما لينهض فوراً من علي السرير فقال الطبيب:
"إستني يا يحيى رايح فين؟!"
نظر إليه يحيي متلهفاً وقال:
"لازم أرجع بيتي دلوقتي حالاً، لازم أطمن أهلي عليا."
إستوقفه الطبيب قائلاً:
"إستني بس، لا لازم نطمن عليك قبل ما تمشي."
أومأ يحيى بنفي وقال:
"أنا بقيت زي الفل، لازم أرجع بيتي دلوقتي حالاً."
و تحت إصرار يحيي للعودة إلي بيته في الحال وافقه مصعب الذي رافقه للعودة إلي بيته بعد أن ودعته والدة مصعب بالنحيب و العَبرات.
كان يحيـي يجلس بالسيارة الأجرة التي إستوقفها مصعب لتقلهما إلي منزل يحيـي الذي وصف عنوانه بالتفصيل للسائق برفقة مصعب الذي كان ينظر إليه مبتسماً بفرحه و سعاده لرؤية يحيي مسروراً هكذا.
بينما كان يحيي شارداً يتلهف شوقاً لرؤية زوجته و أولاده و جميع أفراد عائلته.
سحب شهيقاً طويلاً من ذلك الهواء الذي أصبح و كإنه يحمل رائحةً مختلفه بعد أن عادت إليه ذاكرته و هويّته.
إلتمعت عيناه بدموع فرحه و راح يتمتم حامداً الله علي ما أنعم عليه به كَوْن ذاكرته قد عادت إليه و راح يمنّي نفسه باللقاء القريب العاجل.
أغمض عينيه يسترجع صورة زوجته و أطفاله الذين إشتاقهم حد الهلاك وهو لا يصدق أنه أصبح بينه و بينهم مسافة قصيره للغايـة.
إرتجف قلبه و إرتعدت فرائصه كلمّا إقتربت السيارة من منزلهم فـ ظل يفرك يديه بحماس ثم نظر إلي مصعب ليجده ينظر له بحزن فربت علي يده و قال:
"متقلقش يا مِصعب أنا هاجي أزوركوا دايماً، هو معقول عِشرة سنه تهون عليا بردو؟"
إبتسم مصعب قائلاً:
"حمدلله علي سلامتك يا محمد..."
ليقاطعه يحيي مبتسماً فقال:
"قصدي يا يحيى."
أومأ يحيى مبتسماً وقال:
"الله يسلمك يا مصعب."
ثم نظر أمامه وقال محدّثاً السائق:
"أيوة يا اسطي معاك هنا."
توقف السائق فأدار يحيي مقبض باب السيارة بقوة و لهفه و نزل منها فقال مصعب ممازحاً:
"يا عم بالراحه هتخلع الباب في إيدك."
ضحك يحيى بشدة و إحتضن مصعب الذي راح يربت علي ظهره قائلاً:
"حمدالله علي السلامه يا صاحبي، ربنا يطمننا عليك دايماً."
ودعه يحيي لينصرف بينما تقدّم يحيي خطوات ليقف أمام باب منزله متطلعاً نحوه بفرحه شديدة ثم سحب شهيقاً عميقاً ملأ به رئتيه و طرق الباب بأصابع ترتجف من فرط حماسته.
***
كان الجميع يلتفون حول المائدة ينتظرون لحظة إنطلاق مدفع الإفطار كي يبدأوا في تناول فطورهم فقال الأب:
"عملت اللي قولتلك عليه يا سليمان؟"
أومأ سليمان موافقاً وقال:
"أيوه يا حج و وصيت كل اللي يفطر من المائدة يقرا الفاتحه على روح يحيي الله يرحمه."
تمتم الجميع:
"الله يرحمه."
فقال الأب:
"الفاتحه على روحه."
قرأ الجميع له سورة الفاتحه ليختلس سليمان النظر إلي يُسر فوجدها تحاول كبح جماح دمعاتها التي تأبي أن تسقط ليبتلع غصةً في حلقه ِ ويقول:
"آمين."
إنطلق مدفع الإفطار ليتمتم كلاً منهم بدعاء الإفطار فقال سليمان إلي أبيه:
"كل عام و إنت طيب يا حج، يجعله عامر بحسك دايماً."
ليتنهد الأب قائلاً:
"و إنتوا طيبين يا ولاد، يلا بسم الله."
بدأ الجميع بتناول فطوره بينما كان الأب يتفقد المقاعد الشاغرة من حولهم فإنفطر قلبه عندما تذكر ذلك اليوم في السنه الماضيه عندما كان يحيـي ينضم إليهم و صافيه أيضاً لينتبهوا جميعاً علي صوت طرقات علي الباب فقال الأب:
"إفتح الباب يا زياد."
ركض زياد مسرعاً ليقوم بفتح الباب فإتسعت عيناه بدهشه متمتماً:
"بـابـا !"