تحميل رواية «للقلب أخطاء لا تغتفر» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نسجت محبتي وعشقي لك بعناية كبساط متين غزلته بسكينتي. فجاء طوفان غدرك ونقض عقدة النهاية فأحله وجعله خيوطاً هاوية. في تلك المدرسة الخاصة، وفي أحد صفوفها وتحديداً الصف الأول، تقف هي بملامحها الجميلة التي تشبحت بالحزن والسكون. فلم تعد تسمع قهقهاتها البريئة، وباتت فقط تبتسم لأجل هؤلاء الصغار. تقف أمام سبورتها السوداء كقلوب عاشرتها. تخط بعض الكلمات بالطباشير الأبيض الذي ينحت من صلابته ويتآكل ليظهر كلمات كُتبت بقلب ممزق على هذا اللوح الفحمي. فبرغم التقدم التكنولوجي القائم في المدرسة، إلا أنها لا تحبذ ا...
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وَلقَد نَعلَمُ أَنَّكَ يَضيقُ صَدرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعبُد رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ.
منذ أيام وحمزة يبحث خلف ناصف من خلال معارف ومصادر مقربة، ولم يصل لشيء، ولكنه تأكد من شكوكه بعد أن أسرع ناصف إلى الجمارك بعد مكالمة الموظف له. توتره وذهابه دليل استشفه حمزة ضده، ولكن يبدو أنه يؤمِّن نفسه جيدًا من أن يكشف. لو تُرِك الأمر له لقيَّد ناصف وقيَّد حاله، وانكبا على متن قارب متجه للطرف المنفي من العالم، وسيكون هذا عقابهما على ما فعلاه في تلك اللؤلؤة المكنونة.
ها هو يتحدث عبر الهاتف مع إحدى الشخصيات المرموقة يسأله عن ناصف، والآخر يجيب مردفًا بمكر ودهاء:
"متدورش ورا ناصف يا حمزة، ناصف شغله سليم وهو مش زي منصور أخوه، متقلقش أختك وأولادها في أمان."
أغلق معه حمزة وزفر بضيق، لقد تحدث مع معظم معارفهم ومعارف سالم الجواد المشتركين بينهم على أن يخبره أحد بأي معلومة يبحث خلفها ولكن دون جدوى.
أغلق معه الرجل وقام على الفور بالاتصال على سالم الذي أجاب بترقب:
"أهلًا يا تحسين باشا، أخبارك إيه يا راجل."
أردف تحسين بترقب:
"أنا كويس يا سالم، بس حبيت أحذرك، ابنك بيحاول يجمع معلومات عن شغل ناصف، وكده مش صح، خلي ابنك يبعد عن السكة دي أحسن له."
زفر سالم وأردف متسائلًا:
"هو كلمك أنت كمان؟"
أردف تحسين:
"أيوة لسه قافل معايا حالًا، أنا لأني بحبه خايف عليه، خليه بعيد عن الطريق ده."
زفر سالم وشرد قليلًا ثم أردف بضيق:
"تمام يا تحسين، أنا هتكلم معاه."
أغلق معه ووقف على حاله يتجه لمكتب حمزة مندفعًا، دلف وأغلق خلفه يطالع ابنه الشارد ويردف بحدة وغضب:
"فهمني بالضبط إيه اللي أنت عايز توصله؟ قاصد إيه من عمايلك دي؟"
نظر لوالده باستفهام وشك ثم تساءل بترقب:
"عملت إيه يا بابا؟"
اتجه سالم يجلس ويقابله مردفًا بتحذير:
"ابعد عن ناصف يا حمزة، ملكش دعوة بيه نهائي، بطل تدور وراه."
ضيق عينيه وأردف بترقب:
"ليه؟ هو حضرتك تعرف عنه حاجة؟"
توتر سالم قليلًا ثم أردف بحدة:
"وأنت مالك وماله؟ عايز تعرف معلومات عن شغله ليه؟ ما أنت عارف شغله كويس."
رفع حاجبيه وتابع بترقب:
"بس عصبيتك دي يا بابا تأكد شكوكي!"
وقف سالم ومال على المكتب يضع كفيه عليه ويقرب وجهه من ابنه قائلًا بفحيح غاضب:
"أوعى تكون راسم جواك أوهام ومفكر إنك هتحققها، تبقى بتحلم يا حمزة، خلاص كان زمان وانتهى، أنت دلوقتى متجوز وقريب هتبقى أب."
اعتدل يقف يطالع عينه الحزينة ثم تابع محذرًا بقوة:
"أوعى تفكر إن جوز أختك مات في حادثة؟ الطريق اللي أنت عايز تدخله ده آخرته موت، وأنا مش هسمحلك تخطي فيه لو على جثتي."
جحظت عين حمزة وفرغ فاهه لثوانٍ وعقله ذاهل ثم تساءل بصدمة:
"قصدك إيه؟ حادثة منصور مدبرة؟ أنت كنت عارف حقيقته؟ كنت عارف وجوزته بنتك؟"
نظر لابنه بتمعن ثم هز رأسه وجلس مرتدًا يردف بصدق وشرود:
"لا يا حمزة، مش للدرجادي، سناء بنتي، أنا كل اللي أعرفه عنه وعن أهله إنهم شغالين في استيراد وتصدير الأغذية، وأغلب السوق بتاعنا عارف كده، بس منصور هو اللي عك الدنيا واتفق مع ناس من برا عرفوا يوصلوا له واختاروه هو بالذات، وطبعًا محدش عرف عن شغله ده حاجة خالص غير متأخر، وقتها كلمته يطلق سناء بس هو هددني بيكوا."
استمع له وتذكر القهر الذي عاشته شقيقته لسنوات ثم نظر لوالده بألم وأردف بترقب:
"يعني أختي كانت كبش الفدا اللي ضحيت بيه علشان خاطرنا؟ سبتهاله يا سالم بيه؟"
نظر سالم لابنه بذهول ثم وقف يردف بحدة وغضب ويعود لعهده:
"أنت متخلف؟ بقولك هددني بيكوا وبيها، ده واحد راح سلم روحه للمافيا وبتصال واحد منه ليهم يقدروا يخلصوا على أي حد هو عايزه، كنت عايزني أعمل إيه؟ ضمنت حياتكوا كلكوا بأنها تبقى على ذمته، تبقى عايشة معاه أحسن ما تموت هي وأنتوا."
زفر بقوة ثم رفع سبابته يردف بتحذير وغضب:
"اسمع أما أقولك، ابعد عن ناصف وسكته، صحيح هو غير أخوه بس يا عالم الناس دي وصلوا له ولا لأ، أنا مش مستغني عن حد فيكم، أنا بحاول بكل قوتي أكبركم وأزيد قوتكم وأربطكم بمعارفي ومش هسمحلك تدخل نفسك في متاهة الناس دي، فاهم؟"
شرد يتطلع على والده بصمت، كيف لن يدخلها وأغلى اثنتين لديه مقيدتان في حلقاتها، إحداهما شقيقته والأخرى ملكة قلبه.
التّمعت عينه وأردف بصوت مختنق متسائلًا بترقب:
"وأختي؟ هنسيبها؟ وأولادها اللي ناصف عمهم؟"
أردف سالم بقوة:
"أختك أنا مأمنها كويس، كل الحراسة اللي عندها دي مسلحة وعيونهم وسط راسهم، أنا قولتلها تيجي تعيش معانا بس هي رفضت، ومع ذلك هي في أمان، وعمرهم ما هيهددوا ناصف بأختك ولا أولادها، هما بيدوروا على نقطة ضعف أي واحد تبعهم، وأختك وأولادها مش نقطة ضعف ناصف."
شعر بقبضة تلتف حول رقبته تخنقه، إذا حبيبته هي المستهدفة، شهق وزفر بقوة ثم أردف يومئ بغموض:
"تمام يا بابا، هبعد زي ما أنت عايز، المهم أختي تكون بخير."
نظر له سالم بشك لثوانٍ ثم أردف محذرًا:
"حمزة!"
بلاش تهد اللي ببنيه، متخلنيش أتصرف تصرف مش هيعجبك.
ابتسم ساخرًا، ثم أومأ يردف بعيون لا يظهر فيهما ما ينوي فعله، فلم يعد حمزة السابق المطيع مردفًا:
أطمن يا سالم بيه، مش هسأل وراه خلاص.
زفر سالم باطمئنان ثم أومأ يردف بترقب ليشغله عن أي فكر آخر:
أنا سألت على الراجل أبو البنت اللي أخوك عايزها، طلعوا ناس كويسين، بس ده ميمنعش إني لسه قلقان منهم.
نظر له حمزة وأردف بهدوء لعلمه أن والده شبه مقتنع:
متقلقش يا بابا، حدد بس معاد ونروح نخطبهاله، خلي حد فينا يفرح يا سالم بيه.
نظر لابنه بقوة ثم اندفع للخارج بصمت وترك حمزة يفكر، زاد إصراره لخلاصها، لن يتركها بعد كل ما سمعه، لن تكون نقطة ضعف أحد غيره.
***
في اليوم التالي، وبعد تفكير شغل عقله وجعله يترك العمل والطعام والراحة ليجد حلًا يخلصها، قرر ما نواه.
جالسًا خلف مكتبه ثم تناول هاتفه الخاص وهاتف مهندس الإلكترونيات الخاص بالشركة والذي يكن له الود حيث كانا صديقين دراسة.
أجاب مؤمن عليه يردف بترقب:
حمزة باشا؟
أردف حمزة بهدوء:
إزيك يا مؤمن، عامل إيه؟
أردف الآخر بود:
بخير الحمد لله، أؤمر يا حمزة، عايزني في مصلحة مش كده؟
ابتسم حمزة وأردف بإعجاب:
طول عمرك ذكي، مخك إعداداته شغالة على مستوى عالي.
ضحك مؤمن وأردف بمرح ليشاكسه:
ربنا يستر عليا، شكلي هعطل بعد الكلمتين دول.
ضحك حمزة بخفوت ثم أردف:
لاء مش عايزك تعطل دلوقت، أقضي لي الطلب ده وبعدين على الله حكايتك.
ضحك مؤمن يردف بعتاب محبب:
شكرًا يا صاحبي، يالا قول يا باشا طلباتك أوامر.
تحمحم حمزة وأردف بترقب وحذر:
عايز microphone، من النوع السحري، اللي بيستعملوه في التصنت، أهم حاجة يكون حجمه صغير جدًا ومن غير أي أسلاك، والأهم من كل ده إن الموضوع ده ميخرجش بينا إحنا الاثنين.
تنهد مؤمن بعمق لثوانٍ ثم تساءل بتوتر:
ناوي على إيه يا حمزة بيه؟ أنت عارف إن ده موضوع صعب أوي، ولو سالم بيه عرف مش بس هيطردني من الشركة لا ده هيقطع عيشي من أي مكان تاني، ده غير إن الحاجات دي تدبيرها صعب.
تنهد حمزة بضيق وحزن لحال والده ثم أردف مطمئنًا:
إطمن يا مؤمن، محدش هيعرف، وعارف إنك قدها، هتهولي أنت بس وهقولك تسيبهولي فين، وبعدها أنت برا الموضوع ده تمامًا.
أردف مؤمن بقليل من الراحة:
تمام يا حمزة بيه، هجبهولك، بس هو غالي شوية.
أردف حمزة بحماس:
ما فيش أي مشكلة، هبعتلك حالًا مبلغ على حسابك، تسحبه ولما تجيبه هتكلمني، وخد بالك من عيون سالم بيه وشوقي بيه اللي جوه الشركة.
أومأ مؤمن يردف بترقب:
تمام، ربنا يستر.
أغلق معه وشرد حمزة يفكر فيما ينوي، إن تمت خطته كما ينوي سيخلصها، هذا هدفه الأهم الآن.
***
بعد يومين، أخذ حمزة موعد مع ناصف ليقابله في مسألة عمل والآخر وافق على مضض.
أما مها فمنذ حوارها الأخير مع حمزة الذي تجنبها تمامًا وهي تفكر وتخطط وتتآكل غضبًا وكل سبلها تؤدي إلى وجهة واحدة وهي انتقامها من ابنة السائق هذه وعدم السماح لها بالراحة أو الهدوء ستجعلها تعاني كما تعاني هي الآن وستحصل على حياتها مع حمزة وستحقق جميع أهدافها واحدًا تلو الآخر والخسارة ستكون لريتان.
وحال ريتان تلك الجميلة المخطئة التي أسرعت لتعبر طريق الكرامة والكبرياء متجاهلة شاحنة الغموض التي اصطدمت بها بكل قوة وكشفت عن وجه ناصف الحقيقي.
أخطأت في حق نفسها وبشدة، الآن تتمنى لو تعود للوراء لتصلح ما أفسده تسرعها وقلبها ولكن هل يفيد البكاء على اللبن المسكوب!
بعد تفكير عميق من سالم في حديث ابنه حمزة، وبعد سؤاله عن عائلة كاريمان، قرر أخيرًا أن يرضخ لرغبة ابنه مراد. نعم، سعد كثيرًا بخبر حمل مها، ولكنه لم يرَ الفرحة في عين ابنه حمزة، لذلك سيتهاون قليلًا معهما حتى يضمن ولاءهما له.
اليوم سيذهب مع ابنيه حمزة ومراد ليطلب يد كاريمان لابنه رسميًا. تلك الزيارة التي ستسعد قلب مراد كثيرًا. الجميع سعيد، الكل متأهب، حتى حمزة لأول مرة يشعر بالفرح لأجل شقيقه.
أما كاريمان، فقررت مهاتفة ريتان وإخبارها بالأمر بعدما تم أخذ الموعد من والدها، لا تعلم كيف ستستقبله ولكن حتمًا عليها إخبارها.
رن هاتف ريتان التي تقف بشرود في مطبخها تحضر كوبًا من مشروب النسكافيه الساخن. تناولته وتنهدت تجيب بحذر لعلمها أن ناصف يستمع إلى جميع مكالماتها:
"أهلًا يا كاري، إزيك؟"
تحمحمت كاري وأردفت بتوتر:
"ريتان؟ عاملة إيه يا حبيبتي؟"
أجابتها بهدوء ونبرة باتت حزينة:
"أنا تمام الحمد لله، طمنيني عنك، أنا آسفة ما رديتش على مكالماتك اليومين اللي فاتوا لأن الفون كان silent ما كنتش بسمعه."
أردفت كاري بترقب وتوتر:
"ولا يهمك، أنا بس حبيت أفرحك إن فيه النهاردة ناس جايين يطلبوني."
انفرجت أساريرها وشهقت بسعادة حقيقية منذ زمن لم تشعر بها مردفة:
"بجد يا كاري؟ ألف ألف مبروك يا حبيبتي، لو تعرفي حقيقي الخبر ده فرحني جداً."
تنهدت كاري بقوة ثم أردفت:
"كنت عارفة إنك هتفرحي."
أردفت ريتان بابتسامة حقيقية:
"طبعًا يا كاري، أنتِ مش صاحبتي، أنتِ أختي وعشرة عمري، قوليلي بقى مين العريس؟"
زفرت كاري بقوة وصمتت لثوانٍ فنادتها ريتان بتعجب متسائلة:
"كاري سمعاني؟"
أردفت كاري بترقب وقلق:
"مراد يا ريتان، مراد الجواد."
لكمة عنيفة ضربت يسارها فتألمت من وسط سعادتها وباتت لا تعلم أتفرح أم تتألم، باتت في حيرة وتشتت، صمتت لثوانٍ فتابعت كاري بحزن لأجلها:
"ريتان لو سمحتِ قولي أي حاجة؟"
اعتصرت عينيها وسحبت أنفاسها كمن يسحب دلوًا ممتلئًا بالماء بحبل هش من بئر عميق، وانتبهت للحديث الذي سيأخذ مجرى آخر وسينكشف أمرها، لذلك أظهرت السعادة وأردفت مجبرة:
"أنا فرحانالك جدًا يا كاري، بجد فرحانة قوي إنك هتتجوزي إنسان بيحبك، بس أنا آسفة هقفل معاكي لأن بابا بيرن ع الـ waiting."
أغلقت معها سريعًا ورفعت رأسها للأعلى تحجب دموعها وتمنعها من السقوط، ولكن دموعها أبت أن تظل حبيسة، بل أعلنت تحررها وسالت من مقلتيها. إذًا الأمر لم يكن فرق طبقات أو عدم تكافؤ اجتماعي مثلما سمعته. إذًا هي المقصودة، هي بذاتها التي لم تكن مناسبة له ولعائلته، هي ريتان حمدي ابنة السائق، كان عليها أن تتصالح مع تلك الحقيقة منذ زمن، كان عليها أن لا ينبض قلبها له يومًا، كان يتوجب أن تبحر بقاربها الصغير في بحيرتها الآمنة وتبتعد عن شلال الطبقات الذي ألقاها بقوة في المحيط فغرقت في عشقه للأبد. توهمت بعينه ونظرته برغم أنها درست منذ صفها الأول أن الثعلب مكار يخدع فريسته بنظراته البريئة، اطمأنت له وشعرت بجاوره بأمان العالم يحتويها برغم أنها تعلم جيدًا أن الأفاعي تحتضن فريستها قبل أن تقتلها. ليس هو الظالم لها، هو لم يعدها بشيء، بل هي من ظلمت نفسها، هي المذنبة الأولى والأخيرة. ولكن كيف؟ حتى شقيقته لاحظت حبه وتساءلت؟ لا، لم يكن حبًا، يبدو أنه كان استمتاع واستغلال.
زفرت بقوة ومدت كفها تزيل دموعها بعنف، وتلتفت تتناول الكوب المعد لصب مشروبها ثم قامت بإلقائه بقوة على أرضية المطبخ الرخامية فتهشم إلى قطع صغيرة كحبات السكر وروحها.
***
ذهب سالم مع حمزة ومراد إلى منزل سمير عبد العال والد كاريمان على مضض ولكنه مضطر. بعد الترحاب يجلسون جميعهم في غرفة الصالون الراقية والنظيفة ذو رائحة عطرية مريحة للنفس. يجلس سالم بينهم بتعالٍ ووجه بارد ويجاوره مراد تقفز من عينيه السعادة وحمزة يجلس برتابة وهدوء وتواضع كعادته.
رحب والدها وشقيقها حسن بهم بينما أردف حمزة وهو يميل على والده ليتحدث:
"بابا، قول حاجة!"
نظر سالم لابنه بضيق ثم زفر ونظر لسمير والد كاري وأردف بنبرة متعالية:
"أكيد سبب زيارتنا معروف يا أستاذ سمير، ابني حب بنتك وصمم عليها، فإحنا جايين نخطبهالها."
صمت ينظر لحمزة بتكلف يشعر أن الكلمات ثقيلة على لسانه، ولاحظ ذلك حسن شقيق كاري فتابع حمزة مسرعًا بنبرة لينة يصحح الوضع:
"فعلاً مراد صمم عليها، لأن الآنسة كاريمان طول فترة تعليمها لأولاد أختي وهي كانت مثال للبنت الخلوقة الملتزمة."
هنا شرد في حبيبته البعيدة، تذكرها وهي تطالعه باستحياء، بخجل زادها جمالًا، بعيون لامعة حرم من نظرتها. التقط نفسًا عميقًا ثم تابع بعدها بابتسامة شاردة كأنه يتحدث عن نفسه ويصحح ما قاله في الماضي:
"وإحنا مش هنلاقي أحسن منها تناسب عيلتنا."
التفت فوجد مراد يطالعه بتمعن فعاد ينظر لهم وتحمحم يكمل:
"فإحنا جايين نطلب إيدها على سنة الله ورسوله لأخويا مراد."
تحمحم حسن ونظر لوالده الذي ابتسم بطيبة بينما يجلس سالم على أسلاك شائكة حانق على الجميع ولكن عليه أن يرضخ قليلًا لأجل ولديه. أردف سمير برتابة وطيبة:
"إنتوا على دماغنا يا سالم بيه أنت وحمزة بيه ومراد، ونسبكم شرف لينا، وزي ما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) وإحنا سألنا على الأستاذ مراد وحضراتكم سمعتكوا طيبة، فأنا ما عنديش أي مانع من الارتباط، وبنتي سألتها وهي موافقة الحمد لله، فخلونا نتوكل على الله ونقرأ الفاتحة."
هنا أطلقت والدة كاري زغروطة من الخارج وانتفض مراد بسعادة وحماس وربت حمزة على ظهره بدعم وسعادة لأجله بينما نظر لهما سالم وعندما رأى سعادتهما لا يعلم لما هناك جزء داخلي استكان فتنهد مستسلمًا لرغبتهما ولانت ملامحه قليلًا بطريقة لم يلاحظها أحد.
جاءت كاري بعد قليل تخطو بحياء ووجنتين متوردتين من شدة خجلها، تنظر أرضًا بخجل فوقف شقيقها يتجه إليها ويتمسك بها ليقدمها ويدعمها بحنو وحب. طالعها مراد بسعادة رفرفت قلبه وجعلته يحلق، أخيرًا تحققت أمنيته وستصبح من تمناها من نصيبه، أخيرًا سيتنهد بارتياح بعد أنفاسه المعذبة، سيحيا معها حياة مفعمة بالحب والشغف.
أما حمزة فلا يعلم لما رآها ريتان، منذ دلوفها وهو يتخيلها هي، خطواتها الخجولة وهيئتها تشبهها لدرجة أنه تخيل حاله هو من يتقدم لطلبها، فجأة لانت القبضة التي تعتصر قلبه لمجرد تخيله، انزاح اختناق صدره قليلًا معتقدًا أنها عفت عن ما قاله في الماضي.
أفاق من أفكاره عندما أردف سمير بحنو:
"تعالي يا كاريمان سلمي على عمك سالم وحمزة ومراد."
وصلت إليهم ورحبت بهم ووقف مراد يستقبل ترحيبها بسعادة ولهفة وهي تبادله بخجل وتوتر ولكن داخلها سعادة حالمة، فهو أثبت لها حبه وتخطى صعاب عائلته، اتجهت تجلس بجوار والدها ورفعت عينيها تطالعه بهدوء فوجدته لم يزح عينه من عليها، لا تعلم لما التفتت تطالع حمزة الذي وجدته ينظر لشقيقه بسعادة، حانقة عليه ولكن داخلها يردد لو كان يحبها بحق لفعل مثلما فعل شقيقه، يبدو أن صديقتها كانت تتوهم حبه، تنهدت بقوة وبدأوا جميعهم قراءة الفاتحة واتفقوا وحددوا موعد الخطبة القريب.
***
في اليوم التالي وبعد تحديد موعد ذهب حمزة إلى شركة السوهاجي ليقابل ناصف. دلف مكتبه فوقف ناصف يرحب به مردفًا بترقب ونظرة ثاقبة تخفي كرهًا وُلد منذ أن رأى تلك الصور:
"أهلًا يا حمزة بيه، نورت."
ابتسم حمزة بتكلف وأردف بهدوء وترقب وهو يجلس:
"شكرًا يا ناصف، إيه رأيك ندخل في الموضوع علطول؟"
تنبه له ناصف بتعجب وأردف بترقب:
"أكيد، شكلك مستعجل".
تنهد حمزة وأردف يتابع:
"أنت أكيد عارف إن أسهمي كلها محدودة في شركتنا بس، وإني من صغري متفاني في شغلي مع عيلتي، بس مؤخرًا حابب يكون ليّا تجربة جديدة في مجال جديد بعيد عن العيلة، وبصراحة فكرت ولقيت إن مجال الأغذية كويس جدًا، وملقتش أحسن منك في المجال تعرفني أكتر عنه وتقولي إيه سلبياته وإيجابياته".
طالعه ناصف بغموض وشك، ليته يستطيع أن يقتل هذا الخائن الذي يدعي الود، أيأتي ويتطلع عليه هكذا دون خجل؟ يفكر ويردد داخله: ماذا أحبت فيك يا جبان؟ كان من المفترض أن تعشقني أنا بعد ما قدمته لها.
تساءل حمزة بترقب عندما لاحظ شروده:
"ناصف، أنت سامعني؟"
تنبه ناصف فتنهد وأردف يخفي كرهه خلف ابتسامته:
"أكيد سامعك، وبفكر في كلامك، بس قولي الأول تشرب إيه؟"
ابتسم حمزة وأردف بخبث:
"خليني آخد قهوة سادة".
طلب لهما فنجانين قهوة بينما أخرج حمزة هاتفه الذي رن وأردف بترقب:
"بعد إذنك هرد ع المكالمة".
أومأ له ناصف بينما وقف حمزة يتجه للنافذة الزجاجية ثم توقف أمامها يوالي ناصف ظهره، ثم وببطء شديد أخرج من جيبه ميكروفون صغير الحجم أحضره له مؤمن، ثم قام بلصقه أسفل حافة النافذة المعدنية، وادعى الحديث في الهاتف دون أن يلاحظ ناصف.
ثبتها بيد قوية ثم التفت يعود بعدما أنهى المكالمة التي أعدها مسبقًا مع مؤمن واتجه يجلس مكانه وبدأ يتحدث مع ناصف عن أمور خاصة بالعمل وتناول قهوته وغادر على الفور دون أي إثارة شكوك حول زيارته.
***
تجلس ريتان في شقتها مساءً تنكمش على الأريكة وأمامها يعرض مسلسل تليفزيوني غافية هي عنه تفكر بشرود كيف تتخلص من هذه الزيجة دون أي أذى يمس عائلتها.
فتح باب شقتها ودلف ناصف يتبعه حمدي وجميلة اللذان تعجبا من قفل الباب ونظرا لبعضهما.
وقفت ريتان متفاجئة بهما وركضت إليهما بسعادة كأنها معتقلة أتيا لزيارتها.
أردفت بلهفة وهي تعانق والدتها ثم والدها:
"إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
نظر حمدي لملامح ابنته الباهتة وطالعها بتعجب يردف وهو يتطلع على ناصف تارة وعليها تارة:
"مالك يا ريتان؟ مالها بنتي يا ناصف؟"
نظر ناصف بمغزى لريتان وأردف مبتسمًا بمكر:
"أهو أنا بقى يا عمي جبتك أنت وطنط جميلة تعرفوا مالها، ريتان من وقت حكاية الحمل وهي على طول كده، أنا بقيت أخاف عليها جدًا، كل شوية تقولي أتجوز وطلقني وأنا ما أنفعكش، لدرجة إني بقيت أقفل الباب خوف لتمشي وتسيبني، اتكلم معاها يا عم حمدي وفهمها إني بحبها وعايزها هي والمشكلة دي هنلاقي لها حل أكيد ولو مش هنا هيبقى في فرنسا".
صدما حمدي وجميلة ونظرا لبعضهما ثم نظر له حمدي وأردف متسائلًا:
"فرنسا؟ يعني إيه يا ابني؟"
ابتسم ناصف واتجه يجاور ريتان الصامتة تمامًا ويلف ذراعه حول خصرها يقربها منه مردفًا بترقب وحب زائف:
"أنا وريتان قررنا نسافر فرنسا فترة بسيطة، تغيير جو وبالمرة نشوف هناك مشكلة الحمل دي، مع إني مستكفي بيها هي بس ده علشان خاطرها هي".
نظر حمدي لابنته الساكنة وأردف بترقب وحزن لملامحها:
"وأنت موافقة يا حبيبتي؟"
نظرت له قليلًا ثم نظرت لناصف الذي يبتسم لها بخبث ويضغط بأصابعه على خصرها كتحذير فتنهدت بقوة وعادت تنظر لوالدها ووالدتها وترسم ابتسامة على ثغرها مردفة بإيماءة بسيطة:
"لسة بفكر يا بابا، هي تجربة جديدة وقلقانة منها شوية، بس أطمن لها وهاخد القرار أكيد".
غضب ناصف من حديثها ولكنه لم يظهر ذلك وفك قيده من حول خصرها بينما جلسوا جميعهم وأردفت جميلة بحنو:
"ما بلاش حكاية فرنسا دي يا ناصف يا ابني، أنا ما يهونش عليا ريتان تبعد عني، مش كفاية أننا في بلد واحدة أهو ومش بشوفها غير كل فين وفين".
تنهد ناصف بقوة ثم أردف بغموض وهو يطالع ريتان:
"قومي يا حبيبتي هاتي ضيافة لأهلك".
نظرت له بترقب ثم تنهدت ووقفت تتجه للمطبخ فنظر هو لهما وأردف بود زائف وخفوت:
"أنا بدور على سعادتها، هي حاسة إن الموضوع فارق معايا مع إني بحسسها غير كده خالص، بس أنا يا عمي مش هقدر إن ريتان تبعد عني أو تسيبني بسبب حاجة زي دي، فخلينا نسافر ونجرب، أنا أعرف هناك مستشفى ممتازة متخصصة في الأمور دي، ومتقلقوش أكيد دايمًا هنكون على تواصل معاكم".
اطمئنت جميلة قليلًا لظنها أن ابنتها ستتعالج ولكن حمدي لم يطمئن، يشعر أن هناك أمرًا سيئًا ولكن يبقى إحساسه مجرد شعور داخلي لا يمت للحقيقة بصلة.
بعد ساعة أو أكثر غادر حمدي وزوجته واتجهت ريتان تؤدي فرضها متجنبة وجوده.
انتهت واتجهت لغرفة أخرى لتنام بها ولكنه لم يتركها بل تبعها حيث ذهبت ووقف أمامها وهي تستعد لتصعد الفراش مردفًا بترقب وهدوء كأنه لم يعنفها يوميًا:
"أنت هتنامي هنا ليه؟ ولا مرة عملتيها من وقت جوازنا؟ ارجعي أوضتنا يا ريتان".
نظرت له بتعجب وذهول، أنسي ما فعله بها؟ كيف ستأمنه على نفسها وتنام بجاوره مرة أخرى.
هزت رأسها وأردفت بخوف:
"مش هينفع، بعد اللي أنت عملته مش هينفع، أنت عارف إني عايزة أطلق".
حاول جاهدًا التحكم في حالته التي لو حضرت لا يعلم عواقبها وهو يتقدم منها وهي تطالعه بخوف وتقف بجسد مهزوز ثم توقف أمامها يرفع يده يزيح خصلاتها إلى الوراء ويطالع ملامحها بعمق وتمعن مردفًا بفحيح وترقب:
"هينفع، لأني مش هطلقك، متخلنيش أرجع تاني للوش اللي بحاول أدفنه، أنا معاكي بحاول أنسى اللي كنت ناوي أعمله وأبدأ صفحة جديدة وده مش طبعي، بس علشانك بحاول".
كانت تنظر للأسفل لا تقوى على النظر لعينيه التي باتت تخيفها فتنهد وزفر يردف وهو يبعد يده عنها عندما لاحظ ارتعاشتها:
"تمام، مش هضغط عليكي، هسيبك فترة تهدي، ومن دلوقتي لحد ما نسافر فرنسا هنبدأ حياة جديدة مع بعض".
رفعت نظرها إليه تطالعه بعيون مترجية وأنفاس مسلوبة تحاول التقاطها مردفة بترقب لتحاول تفاديه:
"تمام يا ناصف بس سيبني دلوقتي لو سمحت".
تنهد بضيق وأومأ عدة مرات ثم اندفع للخارج مجبرًا، يفكر في القادم، باقي وقت قليل وسيأخذها ويغادر وهناك سيفعل ما يحلو له معها ولن يتركها.
***
بعد يومين ظل فيهما حمزة يتابع بتخفٍ أي حديث لناصف قد يكون حجة ضده.
زفر بيأس فجميع مكالمات ناصف الفائتة فحواها الأعمال الرسمية والاجتماعات لذلك كان لا يستمع إليها، هو يبحث عن شيء معين.
ها هو يستمع لرنين هاتف ناصف عبر الميكروفون المتصل على حاسوبه من خلال مؤمن.
اتجه حمزة مسرعًا يغلق باب مكتبه عليه وعاد يجلس خلف مكتبه ويضع السماعة فوق رأسه وترقب التنصت جيدًا.
فتح ناصف الخط وخطى يجيب باتجاه النافذة مردفًا بالفرنسية:
"ألو Bonjour"
"ستصل خلال أسبوع Il arrivera dans une semaine"
"لا داعي للقلق فقد رتب كل شيء Pas besoin de s’inquiéter j’ai tout arrangé"
"حسنًا سوف أخبرك بالمستجدات Eh bien, je vous dirai ce qui se passe".
أغلق ناصف وقام بالاتصال على مساعده الشخصي يردف:
"ألو، جمع الرجالة واستناني في مخزن الأغذية القديم بعد شوية".
أغلق الخط وتطلع للأمام من النافذة يتنهد بقوة، هو على وشك تنفيذ أكبر مهمة في حياته قبل أن ينهي تلك الأعمال هنا، لن يسمح بأقل الأخطاء.
صدم حمزة من ما سمعه، ظل ثابتًا مكانه يستوعب أن ما يحدث حقيقي، مؤكد هناك أمر غير قانوني، وهذا هو المطلوب تمامًا.
وقف مسرعًا يتناول أغراضه من فوق سطح مكتبه ويغادر، يعلم جيدًا مكان هذا المخزن القديم الخاص بأغذية شركة السوهاجي لذلك سيذهب ويحاول التقاط أي شيء يفيده في تنفيذ خطته.
***
بعد حوالي ساعة كان حمزة يقف في مكان قريب متخفيًا بعيدًا عن الأنظار حتى سيارته أخفاها بعيدًا..
يقف يراقب ويرى رجال ناصف يتجمعون في انتظاره، وصل ناصف بعد دقائق إليهم وترجل من سيارته يلتفت حوله لذلك أخفض حمزة رأسه يتخفى جيدًا.
فتح حمزة هاتفه وقام بتشغيل مقطع فيديو صوتي وبدأ يسجل ما يحدث أمام عينيه بأنفاس متأهبة.
اتجه ناصف إلى رجاله يردف بهدوء مخيف بدون أي مقدمات:
"شحنة الأغذية هتوصل كمان أسبوع، وطبعًا البضاعة المرة دي غير كل مرة، المرة عبارة عن (فنتانيل) ودي أول مرة تدخل عن طريقنا، هتكون كلها في أرضية الصناديق متوزعة بطريقة مستحيل حد يكشفها، مطلوب منكم تخلصوا أوراق الجمارك في أسرع وقت، لازم تتوزع على رجالتنا قبل نهاية الشهر، نسبة الغلط 0%، فاهمين؟"
أردف أحدهم متسائلًا بقلق:
"طيب ولو حصل زي المرة اللي فاتت يا ناصف بيه وواحد مننا كان هيتاخد؟"
طالعه ناصف بعيون مظلمة وأردف بابتسامة مخيفة:
"ادعي ما يحصلش، لأن اللي هيتقبض عليه حتى لو اتسجن تحت الأرض هوصله قبل ما ينطق بحرف، البضاعة دي تساوي حياتي وحياتكم قبلي، ومش هقبل بأي خطأ".
طالعه الرجل بخوف وأومأ بصمت فنظر لهم ناصف نظرة أخيرة قبل أن يلتفت يخطو ويستقل سيارته ويغادر فهذا هو لقاء تلك الأعمال لا يتعدى الدقيقة أو الاثنين وربما أقل.
أما حمزة فيقف يحمل هاتفه الذي ما زال يسجل، صدمته جعلته يتجمد، نعم كان يشك في أمره ولكن يبقى الشك مجردًا من التأكد، قاتل وتاجر مواد مخدرة؟ أيعقل؟ الآن ليس عليه حماية ريتان فقط، بل لديه واجب آخر تجاه بلده.
أوقف الفيديو ودثر هاتفه جيدًا ونزل يغادر ببطء من حيث أتى بعدما غادر الرجال.
***
عاد حمزة إلى جناحه ليلًا بعد مدة قضاها بمفرده يفكر في ما سيفعله ويحسب خطواته جيدًا، دلف بملامح متهكمة وصمت ولم ينظر لتلك الجالسة تعبث بحاسوبها كالعادة.
تطلعت عليه بترقب إلى أن مر متجهًا للحمام بهدوء بعدما تناول ملابسه، دلف وأغلق خلفه واتجه يبدل ثيابه، خلع جاكيت بدلته وألقاه في سلة الغسيل ثم فك أزرار قميصه الأبيض وكاد أن ينزعه ولكنه تفاجأ بها تفتح باب الحمام وتلج للداخل بتردد متجهة إليه لتنفذ ما خططته مع والدتها وتبدأ باللعب على غريزته لتحصل على سيطرتها عليه مثلما تفعل والدتها مع والدها.
توقف عن خلع قميصه وطالعها بضيق يردف بتعجب:
"خير؟"
توقفت أمامه وابتلعت لعابها ثم مدت يدها بترقب قاصدة نزع قميصه عنه بنظرات خبيثة فثبت يدها بيده يمنعها من الوصول إليه وأردف ينظر لعينيه بقوة:
"بتعملي إيه؟"
برغم جرأتها وغرورها إلا أن داخلها اهتز وانتابها شعور الرغبة من هيئته وملامحه الرجولية ورائحته تطالعه بنظرة ثاقبة وتردف بصوت متحشرج متنازلة عن غرورها المعتاد:
"أنت جوزي، وأنا ليا حقوق عليك يا حمزة".
أبعدها عنه قليلًا وابتعد خطوة للوراء ينظر لها بترقب ويردف بثبات:
"ما فيش بينا حقوق يا مها، أنا قلت لك جوازنا انتهى خلاص، ولولا حملك كنا اتحررنا من العقد الظالم ده، ولو عايزة تطلقي أنا معنديش أي مانع بس ابني اللي في بطنك أنا مسئول عنه وعن حمايته وأنا بصراحة معنديش ثقة إنك تحميه وأنت بعيد عني".
برغم انزعاجها من حديثه عن إنهاء علاقتهما التي لم تسمح به أبدًا إلا أنها عادت تقترب وأردفت بخبث وهدوء وتساؤل وهي على وشك ملامسته:
"طيب ليه ما نديش لعلاقتنا فرصة تانية؟ يعني أنا مستعدة أتنازل شوية وننسى الكلام اللي قلناه لبعض من كام يوم، لأني بحبك يا حمزة، بحبك وعايزاك وعايزة أكمل معاك".
تنهد بقوة يحكم عقله على غريزته وأشار لها بيديه أن تتوقف مردفًا بثبات وهدوء:
"ما ينفعش... لو بعد كلامنا اللي قلناه وبعد اللي عرفتيه وأنا عرفته كملنا عادي يبقى أنا هكره نفسي يا مها، ما أعرفش أنت إحساسك هيبقى إيه وأنت مع راجل عارفة إن مشاعره مش ملكك بس أنا مش هقدر، صحيح ليا متطلبات شرعية بس مش أنا الراجل اللي تتحكم فيه غريزته عن عقله ومبدأه، علشان كده لو سمحت اطلعي برا".
اشتعَل وجهها وبات لونه يشبه البركان وتصاعد الغضب داخلها وهي تطالعه بحدة وتوعد ثم التفتت تندفع للخارج وتصفع الباب بقوة بينما هو تنهد بعمق وشرد قليلًا يفكر، ليتها كانت الزوجة المناسبة التي تتبع أسس الزواج لكان أعطاها حقوقها حتى وإن لم يكن لها عشقًا فحياته مع حبيبته مستحيلة الآن، ولكن هي من مزقت علاقتهما باعترافاتها ذلك اليوم.
أما هي اندفعت للخارج تشعر بالإهانة التي بدلًا من أن تقرر الابتعاد توعدت بالحرب الشرسة مجددًا للحصول على ما تريد.
***
في اليوم التالي ذهب حمزة إلى شركة السوهاجي مجددًا.
جلس ينتظر إلى أن تبلغ السكرتيرة ناصف بمجيئه الذي تعجب من أمره فهو كان هنا منذ أيام.
زفر بضيق وأردف:
"خليه يدخل".
بعد ثوانٍ كان يخطو حمزة داخل مكتب ناصف بملامح منفرجة يطالعه بعمق والآخر متعجبًا من سبب زيارته.
جلس حمزة أمام ناصف الذي تساءل بعد الترحيب الكاذب:
"خير يا حمزة؟ شايف إنك قريب هتشاركني".
ابتسم حمزة ساخرًا وطالعه بعمق ثم أردف بترقب بدون مقدمات:
"يا ريت، بس أنت عارف أنا ما ليش في الشغل ده؟"
ادعى التفاجؤ قائلًا بخبث وترقب:
"آه أنت تقصد الأغذية!"
أنا خيالي سرح في حاجة تانية.
ضيق ناصف عينيه يتساءل متعجبًا من طريقته:
"مش فاهم؟"
زفر حمزة وأخرج هاتفه ثم عبث به وعرضه عليه يردف بتشفٍ:
"طيب اتفرج على ده وإنت تفهم."
تناول ناصف منه الهاتف ونظر لما يعرضه قبل أن يتهاوى قلبه وتضيق أنفاسه وهو يرى نفسه ورجاله يتحدثون في أمر الشحنة القادمة خلال أيام.
ابتلع لعابه ونظر لحمزة بصدمة وعيون جاحظة لثوانٍ ثم أردف بحسرة:
"إنت صورت الفيديو ده إزاي؟"
تنهد حمزة وعدل من وضعية جلوسه الأكثر ثقة ثم أردف بهدوء:
"صورته من قلب الحدث، بس مش ده السؤال اللي المفروض تسأله دلوقتِ."
اقترب من حافة المكتب ينظر داخل بؤبؤ عينه بقوة ويكمل بغضب مكبوت:
"المفروض تسأل أنا جاي ليه وعايز إيه؟"
ما زالت الصدمة مرسومة على وجه ناصف الذي تساءل بترقب بعد ثوانٍ:
"وأنت عايز إيه؟"
تحمحم حمزة ورجع للوراء قليلًا يردف بثقة:
"أول حاجة من اللحظة دي مالكش دعوة بأختي ولا أولادها."
ضيق عينيه بعدم استيعاب ثم أردف بتهكم:
"يعني إيه؟ أنت ناسي إنهم ولاد أخويا؟ اسمع أما أقولك، بلاش تهددني يا حمزة وإلا ما تعرفش أنا ممكن أعمل إيه."
مسح حمزة على وجهه ثم تنهد وأردف بتروٍ متجاهلًا حديثه:
"اسمعني كويس يا ناصف، أنا بس جاي أحذرك... طول عمري وأنا مش برتاحلك لله في لله كده، كنت حاسس إنك غامض ومخبي عكس ما بتظهر، شبه أخوك بالضبط، دخل علينا بطريقته الخبيثة دي وأخد أختي غصب عنها واتجوزها وللأسف أبويا كان شاهد على الجوازة دي."
تنهد باختناق يتابع وهو يتذكر عذاب شقيقته:
"اتجوز أختي وطلع عقد تربيته كلها عليها، ضرب وإهانة وظلم وحتى لما حملت ما رحمهاش، وكل ده ليه؟ عملت فيه إيه؟ ولا أي حاجة، ملعون أبوه وأبو فلوسه ومكانته اللي خلت أبويا يوافق على واحد زي ده."
أومأ يطالعه بغضب ويردف بتشفٍ:
"ربنا رحمها منه، بس مش هيرحمه، وحق سناء راجع كده كده."
كان ناصف يستمع له بغضب، فحمزة يعيد تذكيره بأسوأ ما يخفيه، بماضيه وماضي عائلته المظلم، بأيام حاول الابتعاد عنه ولكنها عادت تهاجمه بضراوة.
صك أسنانه وأردف بغضب:
"اخلص وقول عايز إيه؟"
تنهد حمزة بقوة ثم عاد يطالعه ويكمل طلباته:
"زي ما قولتلك، هتبعد عن أختي وأولادها، تصفي الشركة واللي ليك فيها وترجع مطرح ما جيت، ونصيب أختي وأولادها في شغل التجارة الشرعية يتحفظ باسمهم ودائع في البنك."
طالعه ناصف بعمق، فهذا بالأساس ما ينوي فعله لذلك أومأ وأردف ببعض الراحة:
"تمام، هعمل كده."
أردف حمزة ببرود وهدوء:
"اهدأ بس أنا لسه ما خلصتش كلامي، ده أبسط طلب."
ضيق عينيه مجددًا وعاد للخلف يستند على مقعده فتابع حمزة بثقة وثبات:
"الشحنة اللي ناوي تدخلها مصر دي ترجع تاني من مكان ما طلعت."
انفجر ناصف ضاحكًا فجأة بهستيرية وهو يميل وأردف بجنون:
"هههههههه، لاااا إنت مش طبيعي، مستحيل ده يحصل، إنت عارف أصحاب البضاعة دي ممكن يعملوا فيك وفيا وكل اللي حوالينا إيه؟"
طالعه حمزة بعمق وأردف بثبات:
"وأنت عارف لو أمن الدولة شم خبر بشحنة زي دي هيحصل ليك وليهم إيه؟"
توتر ناصف لعلمه بحقيقة الأمر وعاد يصمت، فهو يستطيع أن يهدد رجاله بكل أريحية ولكن حمزة ابن سالم الجواد ليس علكة سهلة المضغ لذلك فإن تهديد حمزة له أصاب هدفه وجعل ناصف يشرد قليلًا فتابع حمزة ليكمل عليه:
"زي ما سمحت لنفسك تدخل مصر حاجات من دي هتعرف تمنعها، تدفع بقى إنت ليهم تمن الخسائر تروح تبوس رجليهم يسامحوك، تروح تبيع لهم نفسك ما يهمنيش، إنت اللي اخترت."
أغمض ناصف عينيه بقوة، فهذا الفيديو كفيل بأن يلقيه خلف سبعين سور وقضبان ولن يرى الشمس مرة أخرى هذا إن لم يُقتل على يد تلك الجماعة.
فتح ناصف عينيه ببطء ونظر لحمزة، هز رأسه يردف بتهديد:
"إنت بتلعب بالنار يا حمزة يا جواد، أنا ممكن باتصال واحد أبلغهم بكلامك ده ويخلصوا عليك وما حدش يعرف مكان جثتك حتى، ابعد عنهم أحسنلك، أنا كده كده هخلص العملية دي وأسافر، الأحسن ما تلعبش لعبة إنت مش قدها."
ابتسم ساخرًا فهذا الحديث يسجل أيضًا ثم أردف بثبات:
"عامل حسابي كويس، والحقيقة إن كل كلمة قولناها هنا بتتسجل برضه، وفي إيد أمينة، يعني لو حصل معايا أو مع أي حد يخصني أي شيء صدقني هتبقى إنت رقم واحد في المشتبه فيهم، خصوصًا وإن كده كده الفيديو هيوصل للنيابة في حالة حصل أي أذى لأي حد إن ما كانش عن طريقي يبقى عن طريق الطرف الثاني اللي أكيد عمر عقلك ما هيجيبه."
استمع إليه بذهول وأردف بعدم تصديق:
"معقول، إنت يطلع منك كل ده؟"
ابتسم حمزة يردف باستفزاز:
"ولسه عندي مفاجآت تانية ما تستعجلش، ها قولت إيه؟ ما فيش وقت قدامك أسبوع تخلص كل المطلوب منك وترجع على فرنسا."
اعتصر ناصف عينيه بقوة وتعالت وتيرة أنفاسه يفكر في العواقب الجسيمة ثم حاول استعطافه يردف بترجٍ لعلمه بأن هؤلاء القوم ليسوا برحماء:
"حمزة اسمعني، أنا ما كنتش ناوي اشتغل معاهم، الناس دي هددوني وما قدرش أرفض، الناس دي ما حدش قدها صدقني."
زفر حمزة وتابع بقسوة ولا مبالاة:
"بما إنك عارفهم كده يبقى هتعرف تلاقي حل معاهم، وبعدين إنت زعلان ليه بضاعتهم هترجعلهم وفوقيها فلوس منك، كل ما في الأمر إنك هتبلغهم إن البوليس شم خبر من مصدر مجهول، مش أحسن ما تتمسك في الجمارك وتتعدم هي وأنت واللي سهل لك الأمور؟"
أشار بيده يوقفه مردفًا بتوتر فلم يعد قادرًا على ما يسمعه:
"تمام، هعمل اللي قولت عليه، خلاص موافق بس أنا لازم أضمن كلامك وإنك مش هتبلغ، لازم أضمن حياتي."
وقف حمزة يلوى فمه مردفًا وهو يغلق زر بدلته:
"ما فيش ضامن غير كلمتي، إنت مضطر تثق فيا المرة دي، لأني لو عايز أأذيك كنت هاخد الفيديو وأطلع على النيابة على طول أو أفضحك بيه، إنت بس تعمل اللي قولتلك عليه وتبعد من هنا وما تحاولش ترجع مصر مرة تانية وهما مش هيقتلوك لإنك حذرتهم، وابقى دور على المايك في مكتبك لإن خلاص ما بقاش ليه لزوم."
خطى خطوة واحدة ثم توقف والتفت يطالعه بعمق وغضب مكبوت وهو يتذكر رعبها ورعشتها وملامحها التي بهتت ونظرتها الحائرة عندما رآه خوفًا من ناصف.
أردف من بين أسنانه بتأهب:
"كنت هنسى أقولك على أهم شرط."
ترقب ناصف السمع جيدًا يضيق عينه بقلق فتابع حمزة بعمق وتنهيدة طويلة وقد تعمد ترك هذا الأمر للآخر لأنه يعلم بيقين أن بعده ستحدث فوضى عارمة:
"تطلق ريتان."
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اية العربي
أحياناً نصبر على الصمت، لأن هناك أشياء لا يعالجها الكلام. أشياء كثيرة أشتقت لها، لا أعلم هل ستعود أم ستظل ذكرى.
نشعر بضيق يخنق أرواحنا، نهمس في داخلنا بعمق اشتياقنا لهم خشية أن تعلو صوت لهفتها فيجرحنا صدودهم.
***
صُدم ناصف من طلبه الأخير ووقف منتفضاً، يخطى من خلف مكتبه مردداً بغضب أعمى وهو يتجه إليه:
– اااه يا واطي يا حقير.
وصل إليه وكاد يلكمه، ولكن حمزة تفاداها، يميل ثم يعتدل، يقبض على يده محذراً بقسوة:
– أوعى تغلط، متقولش عليا حاجات فيك إنت. قدامك يومين تفكر كويس وتعمل اللى قولته كله، وإلا إنت عرفت اللى هيحصل.
تعالت وتيرة أنفاسه وظل يطالعه بغضب وصدمة وهو يكرر طلبه الأخير في عقله، ثم نفض يده بقوة وابتعد يهز رأسه، يردف برفضٍ تام وجنون:
– مستحيل، مش هطلقها، مش هسبهالك، هاخدها معايا فرنسا، ومش هتقدر تمنعني. أنا عارف أن عينيك منها يا واطي يا زبالة، وشوفت الصور القديمة وانت كنت بتحاول تقرب منها، بس تبقى بتحلم لو سبتهالك.
استمع إلى جملته بصدمة، أي صور؟ إذاً هو الآخر يعلم بأمرهم؟ ضيق عينيه مستفسراً:
– صور إيه اللي بتتكلم عنها؟
طالع بحقد وكره وتابع بحدة وغضب:
– إنت عارف كويس أنا بتكلم عن إيه يا خسيس، طلاق مش هطلق، ريتان مراتى أنا ومش هسيبها وهاخدها معايا.
التوت أحشاؤه من كلماته، برغم أنه يعلم أنها زوجته إلا أن كلمته جعلت غيرة المحب تتدفق في عروقه وتهاجمه بضراوة. نظر لعينيه ورأى الإصرار، فغير دفته للجهة المبادلة الذي أرسلها له القدر أمس بعدما تحدث مع حمدي، وأردف بثبات ظاهري وثقة يخفي وراءها عشقاً قوياً:
– مين اللي ضحك عليك وقالك الكلام ده؟ أنا مافيش بيني وبين مراتك أي حاجة لا زمان ولا دلوقتى، عيب الكلام ده في حقي. شوف مين اللي فبرك الصور دي وضحك عليك. أنا طلبت طلاقها بناءً على رغبة عم حمدي اللي جالى واترجاني أتدخل بعد ما كان رايح يبلغ عنك لأنه من فترة حاسس إن بنته متغيرة. وكان عندك وحس إنك حابس بنته وبتعاملها بعنف وإنك عايز تسفرها معاك غصب عنها، وأنا منعته إنه يبلغ وقولت أن الموضوع عندي. أنا جايلك ومعايا عرض ضامن حياتك وفلوسك وحريتك وكمان مش عاجبك؟
أومأ عدة مرات ينظر داخل عين ناصف بثقة ودهاء، يتابع:
– تمام، خليني أقولك البديل.
تنهد وزفر بقوة، ثم طالعه بثبات يكمل:
– لو مش عايز تطلقها براحتك دي حاجة ترجعلك، بس أنا هطلع من هنا على عم حمدي وهقوله أنك رفضت تطلق بنته وهو بقى يروح يبلغ بما أني مقدرتش أساعده. وساعتها هيتحقق معاك وهتدخل في سين وجيم وهتفتح على نفسك بلاوي خصوصاً لو كلامه ثبت فعلاً إنك حابسها وبتعنفها. وهى كده كده هترفع قضية وتطلق منك ومش هتسافر معاك بما إنها مش عايزة. ووقتها أنا كمان هتضطر أسلم الدليل اللي معايا وهما يتصرفوا بطريقتهم لأني مش هصبر عليك كل ده.
زفر وتابع بتشفي وترقب وهو يلاحظ تشتت ناصف وغضبه:
– يعني إنت قدامك خيارين ملهمش ثالث. الأول تطلق ريتان وتصفي شركتك وتبعد عن مصر باللي فيها تماماً وتكمل حياتك في فرنسا زي ما كنت، يا إما يتقبض عليك والدليل قوي والشحنة تتمسك وتتعدم والمافيا يقتلوك أو تتسجن طول عمرك. وساعتها يا هتطلقها أو هي هتترمل.
زفر وتابع ساخراً بسعادة داخلية وهو يلاحظ استسلامه وصمته:
– يعني في الحالتين هتخلص منك، وانت إختار اللي يريحك أكتر، أنا مش بضغط عليك.
نظر له بقوة وعندما لاحظ صمته وحيرته ابتسم وأردف قبل أن يغادر:
– فكر كويس يا ناصف في اللي قولته وشوف هتعمل إيه.
تركه حمزة وغادر، ووقف ناصف يستوعب ما يحدث معه، ولما بين لحظة وأخرى انقلب السحر على الساحر وكيف وقع بين قبضة حمزة هكذا بمنتهى السهولة.
يفكر بتشتت لإيجاد حل، هل يطلقها؟ هو يحبها أو يتوهم ذلك، ولكنه يحب نفسه أكثر من أي شيء آخر. يحب حريته ويتنازل عن أي شيء لأجلها. وماذا سيفعل مع هؤلاء؟ إن تم الإمساك بالمواد المخدرة وقتها فحتماً سيقتلونه، لذا فهو مجبر على تعويضهم بالكثير من المال وإيجاد خطة بديلة.
لم يتحمل التفكير في الأمر أكثر، فصرخ يزيح كل ما على المكتب أرضاً بغضب ويكسر كل ما تطوله يده، ثم ارتد على المقعد، صدره يعلو ويهبط بعنف قبل أن يقف يبحث عن المايك بجنون. اتجه للجهة الأخرى من المكتب وانخفض يبحث في المقعد والمكتب والطاولة فلم يجد شيئاً.
جن جنونه أكثر فأصبح يزعق بقوة، ثم تذكر أن حمزة وقف عند النافذة لإجراء مكالمة، فأسرع إلى النافذة يبحث حولها بجنون حتى وجده مثبت أسفلها. نزعه بقوة ثم نظر له بغل وسحقه تحت قبضته يلويه بين أصبعيه حتى كسره، ثم نظر من النافذة بغضب وألقاه بعلو يده. خسر أمام حمزة الجواد.
أردف بتوعد وفحيح وغضب:
– تمام يا ابن الجواد، كسبت الجولة دي، بس راجعلك. أنا هعرفك مين ناصف السوهاجي يا واطي.
***
وصل حمزة إلى شركته وطوال الطريق يفكر في قرار ناصف. لن يرتاح إلا إذا خلصها وتحررت من هذا الحقير. يخشى عليها من رد فعله، ولكن عليه أن ينتظر للغد.
أما عن مسألة الصور فيشك باثنين، والده ومها، ولكن لن يكشف أمره الآن، لينتظر خلاصها وليرى من الفاعل.
يتذكر ليلة أمس عندما رن هاتفه برقم حمدي السائق فتعجب وأجاب، يردف:
– عم حمدي؟ خير؟
تنهد حمدي الذي قرر الاستعانة به بعد تفكير، بعدما رأى حال ابنته التي يعلمها جيداً ويوقن أن هناك أمراً مريباً، لذلك أردف بترقب:
– ازيك حمزة بيه؟ أنا كنت محتاج مساعدتك في أمر مهم ومعرفش حد غيرك ممكن يساعدني.
تعالت وتيرة انفاسه يتساءل بترقب:
– خير يا عم حمدي؟
زفر حمدي وتابع بتوتر:
– موضوع بخصوص ريتان بنتي، خليني أقابلك لو سمحت ونتكلم؟
وكأن القدر يدعمه ويساعده ويعطي له الإذن بخلاصها، أردف متلهفاً:
– طبعاً يا عم حمدي، نص ساعة وهقابلك في كافيه...
أومأ حمدي وشكره وأغلق يستعد لمقابلته، فهو لم ينسى رد فعل حمزة على جواز ابنته من ناصف حينما قال له بحدة (إنت إزاي تجوز بنتك لناصف السوهاجي). تلك الجملة تتردد على عقله تأنبه وتحزنه على حال ابنته التي أصبحت عليه مؤخراً، يشعر بالندم يتآكله على تسرعه بجوازها خصوصاً بعد آخر مرة رآها.
قابله حمدي بالفعل وأردف بحزن وتساؤل:
– قولي الحقيقة يا حمزة به؟ لما عرفت إن بنتي هتتجوز ناصف قولتلي إزاي تعمل كدة؟ إنت وقتها كنت تعرف حاجة عنه؟
ضيق حمزة عينيه يسأله بإستفهام:
– ليه يا عم حمدي؟ إيه اللي حصل؟
تنهد حمزة بقوة وأردف بشرود وحزن ظهر بوضوح على وجهه:
– أنا وامها رحنا نزورها بعد ما ناصف كلمنا، بس لاحظت إن ناصف قافل عليها من برا. ولما بصيت في وش بنتي لقيتها خايفة وقلقانة ومش هي أبداً ريتان بنتي، وكمان عايز ياخدها ويسافر فرنسا.
لم يستطع حمزة التحكم في غضبه مما سمعه وأردف بحدة:
– ده بيحلم، نجوم السما أقربله.
تعجب حمدي ونظر له يردف مستفهماً:
– يعني إيه يا حمزة به؟ هو انت تعرف عنه حاجة فعلاً؟ طمني يابني.
تنهد بقوة وطالع حمدي بصمت وعقله يردد (آه يا عمي لو تعلم مدى حبي لابنتك، لو تعلم ما أصابني بعد رحيلها وأي لعنة حلت على حياتي، لو تعلم أن روحي وأنفاسي ومشاعري وجسدي وقلبي باتوا محرمين على جميع النساء إلا هي).
زفر حمزة يردف مراوغاً:
– أنا حالياً مش متأكد من حاجة يا عم حمدي، بس إطمن أنا هعمل اللي هقدر عليه. ولو منفش يبقى هاخدك ونطلع أنا وانت على النيابة نقدم فيه بلاغ. المهم ريتان تبقى في أمان.
زفر حمدي بارتياح قليلاً وأردف بامتنان:
– تسلم يابني، ده كان عشمي فيك برضو. بس ليا عندك رجاء، أوعى سالم بيه يعرف إني كلمتك في حاجة زي دي.
أومأ حمزة يردف مطمئناً ومحذراً:
– متقلقش يا عم حمدي، الكلام ده هيفضل بينا إحنا، مافيش داعي أي حد يعرف حتى أهل بيتك، وأنا هكلمك أقولك عملت إيه.
عاد لواقعه بعدما رن هاتفه برقم أحدهم.
زفر وفتح الخط يجيب بترقب:
– أيوة يا فؤاد؟
أردف الآخر محذراً:
– أنا سمعت كل الحوار اللي دار بينك وبين ناصف يا حمزة، أعتقد بعد كلامك مش هيقدر يخاطر. وكويس جداً إنك عرفته إن فيه حد وراك هيتصرف فوراً لو لا قدر الله فكر يأذيك، لإن لعلمك الفيديو مش دليل كافي، وتصويريه بالطريقة دي سهل إن أي حد يشكك فيه لأنه مش واضح. لكن اللي يدينه هي التسجيلات دي. ومرة تانية متتصرفش بإندفاع من نفسك، ربنا سترها عليك يا حمزة المرة دي، فـ خد بالك كويس أوي.
أومأ حمزة بشرود وأردف:
– شكراً يا فؤاد، مش عارف من غيرك كنت عملت إيه.
(فؤاد منذر ضابط أمني قام بإنهاء خدمته وتسوية معاشه وفتح شركة حراسات خاصة لحماية الجهات السياسية والمهمة في البلد وهو يعد صديق قديم مشترك بين مؤمن وحمزة ولكنه يكبرهم بعدة سنوات وتواصل معه مؤمن بعدما شعر أن حمزة ممكن أن يعرض حياته للخطر).
أردف فؤاد بتأكيد:
– مافيش شكر بينا، المهم دلوقتي نأمنك كويس لإن ممكن ناصف ده يحاول ينتقم وياخد رد فعل عكسي.
شرد يردف بقلب عاشق حنون متناسياً أمر فؤاد وكأنه يتحدث مع نفسه:
– المهم ريتان تبقى في أمان ويطلقها من غير ما يأذيها، دي أهم حاجة عندي.
تعجب فؤاد وتساءل بترقب وذكاء:
– حمزة هو الموضوع عم حمدي اللي لجألك وبتساعده ولا في حاجة تانية إنت مخبيها عني؟
تحمحم حمزة وأردف بمراوغة لم تقنع فؤاد:
– مافيش حاجة يا فؤاد، أنا بحاول أساعد بس. يالا سلام هكلمك وقت تاني.
أغلق معه وتنهد بقوة وهو يترجل من سيارته ويصعد الشركة لينتظر بفارغ الصبر الخبر اليقين والقلق يتآكله عليها.
***
في اليوم التالي في منزل ريتان.
كانت انتهت للتو من فرضها ووقفت تخطو للخارج حيث المطبخ. سمعت صوت الباب يفتح، فار تعشت وتأكدت من مجيئه الذي أصبح يرعبها.
تعالت وتيرة أنفاسها ورددت الأذكار والأدعية بداخلها، فوجدته يولج يطالعها بعمق قبل أن ينطق من بين أسنانه بعد تفكير دام طويلاً وهو في شركته طوال الليل:
– لمي شنطة هدومك ويالا.
طالعته بذهول وارتعبت ترتعش وتردف بخوف وتساؤل:
– هتاخدني على فين؟
نظر لها بقوة ثم اقترب منها فابتعدت بقلق، فأكمل يقترب فارتدت في الحاجز الرخامي، فأغمضت عينيها وحبست أنفاسها بخوف، بينما هو التصق بها ولف ذراعيه حول خصرها ويقربها إليه وهي تتحرك بجسد متصلب كأنه بلا روح، ثم مال على رقبتها يلثمها بتروي ويغمض عينيه يستنشق رائحتها بقوة، ثم أردف بفحيح عند أذنها:
– هترجعي على بيت أبوكي، هطلقك.
جحظت عينيها تطالعه بذهول وشهقت شهقة كأن روحها تحررت، بينما هو ابتعد عنها وطالعها بعمق ثم التفت ليغادر وأكمل بحزن:
– قدامك خمس دقايق تلمي حاجتك، مستنيكي برا.
وقفت تستوعب ما قاله، هل يخدعها؟ هل سيحررها؟ أم تلك خطة وينوي أمراً آخر؟ عاد الخوف يتملكها، فالتفتت تنظر للسكين على السطح الرخامي بشرود. ماذا إن كان ينوي أذيتها دون أن يعلم عنه أحد شيئاً؟
نفضت الأفكار الشيطانية من رأسها واتجهت للخارج بصمت تفعل ما يريد.
بعد وقت نزلت الدرج معه تحمل حقيبتها بتوتر وقلب مهزوز وتنظر لظهره بخوف وعدم أمان. تناول منها الحقيبة ووضعها في حقيبة السيارة، ثم التفت يصعد مكانه واستقلت هي مكانها وغادر.
قاد إلى وجهته وبعد مدة نظرت للطريق فلم يكن هذا طريق منزلها، فالتفتت إليه تنظر له بقلق مردفة بعيون زائغة:
– إنت واخدني على فين يا ناصف؟
طالعها بعمق ورأى نظرة الرعب في عينيها، فأردف وهو يلف نظره للأمام بهدوء:
– على المأذون، علشان نتطلق، والمحامي هيوصلك حقوقك كلها.
تعجبت منه ومن حالته وكيف سيخلصها هكذا، ولكن لا يهمها لتتخلص منه وكفى. هدأت قليلاً والتزمت الصمت تنظر للأمام، ولكن عقلها لا يكف عن التفكير.
توقف بعد مدة أمام مكتب مأذون شرعي وترجل وترجلت معه، حيث كان المأذون والشهود في انتظاره.
طلقها بالفعل وأوصلها لمنزل والدها وغادر دون أي كلام.
صعدت المنزل تجر حقيبتها بذهول وعدم تصديق لما تعيشه. هل حقاً تحررت منه؟ هل تخلصت من قيوده وعنفه ووجهه المخيف الذي رأته؟ كيف وماذا ومتى حدث؟
طرقت باب منزلها. فتحت جميلة تطالعها بسعادة وتردف بلهفة:
– ريتان، تعالي يا حبيبتي.
سحبتها إليها وتعجبت من حقيبتها متسائلة بترقب:
– إيه الشنطة دي؟ هو حصل حاجة؟
نظرت لوالدتها بعمق وأردفت بعدم تصديق:
– ناصف طلقني.
لم تستطع أن تحزن، فهذا ما كانت تتمناه هي وحمدي بعدما رأيا حالتها آخر مرة. ولكنها أردفت متعجبة:
– طلقك كده بسهولة؟ إيه اللي حصل يا ريتان؟
هزت كتفيها ورأسها تردف بإرهاق وشرود وروح معذبة تحاول التلملم:
– معرفش.
سحبتها جميلة إلى صدرها تضمها بحنو وتربت على ظهرها مردفة:
– خلاص يا حبيبتي، الحمد لله إنها جت على قد كده.
استكانت في حضن والدتها وهي إلى الآن لا تصدق أنها تحررت منه.
أما هو فاتجه لفيلا شقيقه ليودع توأمه قبل أن يغادر البلاد، بعدما تحدث مع هؤلاء الجماعة وأخبرهم بإيقاف إرسال الشحنة وأنه قادم إليهم بخطة بديلة ودفع الغرامة ليضمن حياته.
***
كان قد انتهى دوام مدراء الشركة، فغادر حمزة مع والده ومراد، ولكن عقله بقى عندها. هل خلصها؟ هل نفذ أم تلاعب؟ أم أذاها؟ نفض الأفكار الشيطانية بعيداً وقرر الانتظار قليلاً.
كان حمدي يقف أمام الشركة ينتظر نزول سالم قبل أن يرن هاتفه معلناً عن اتصال من زوجته تبلغه بالأمر.
في تلك الأثناء وصلوا ثلاثتهم أمام باب الشركة، وتنبه حمزة لصوت حمدي المتفاجئ وهو يردف عبر الهاتف:
– طلقها؟
وكأنه تلقى لتوه صدمة كهربائية أعادت نبض قلبه للحياة، وتوقف هو ينظر لحمدي بسعادة ارتسمت على وجهه ولم يستطع إخفاءها، وحمدي يتابع عندما لاحظ سالم:
– تمام يا جميلة اقفلي دلوقتي وخلي بالك منها لحد ما أرجع.
أغلق معها وأسرع يفتح باب السيارة لسالم الذي وقف يطالع حمدي بترقب وينظر له تارة ولابنه السعيد تارة، ثم أردف متسائلاً بترقب:
– مين طلق مين؟
نظر له حمدي بتوجس ونظر لحمزة، ثم أردف بتوتر:
– ناصف طلق ريتان بنتي يا سالم بيه؟
صُدم سالم ونظر بشك لحمزة الذي طالع والده بخبث يحاول أن يرسم على ملامحه الجدية، ولكن غلبته سعادته وأردف:
– يالا سلام يا بابا نتقابل في البيت.
طالعه سالم بترقب واتجه على الفور يستقل سيارته، بينما نظر حمدي لحمزة بامتنان، ولكن اقترب منه وأردف حمزة كاذباً بهمس حتى لا يسمع والده:
– على فكرة يا عم حمدي أنا معملتش لسه أي حاجة، واضح أن موضوع الطلاق جه من ناصف نفسه، على العموم مبروك لبنتك.
تعجب حمدي، بينما التفت حمزة ليغادر قبل أن يفتضح أمره، وكأنه عاد لطفولته يريد الركض الآن ومشاركة أحدهم تلك السعادة التي تملأه، ولكن ليتمهل قليلاً.
أما سالم فنظر لحمدي بضيق وأردف بحدة:
– متخلص يا حمدي.
أسرع حمدي يستقل السيارة ويغادر خلف حمزة.
بعد حوالي ساعة وصل حمزة إلى القصر بروح مرفرفة، وطوال طريقه يحلم ويخطط ويبني قصوراً ومدن وقلاع.
ترجل ودلف بعدما صف سيارته، ولكن أوقفه سالم الذي جاء لتوه يناديه ويطالعه بغضب وترقب، ثم اقترب منه وأردف بنبرة لا تقبل أي نقاش:
– تعالي ورايا على أوضة المكتب.
دلف من باب القصر مندفعاً لغرفة المكتب وزفر حمزة يتبعه. دلفا وأغلق حمزة الباب ينظر لوالده بثبات مردفاً:
– خير يا بابا؟
جلس سالم على الأريكة يطالعه بترقب وتساءل بهدوء عاصف:
– أنت ليك علاقة بطلاق بنت حمدي السواق؟
تنهد بقوة ثم رد عليه بسؤال آخر وترقب يردف:
– وحضرتك ليك علاقة بالصور اللي وصلت لناصف؟
ضيق سالم عينيه يفكر لثوانٍ، أي صور تلك؟ ثم تذكر على الفور الصور التي صورها شوقي أبو الدهب لابنه وريتان وتساءل مستفهماً:
– صور إيه؟
لاحظ حمزة حالته فأردف بترقب:
– صور ليا أنا وريتان، ليك علاقة يا بابا؟
شرد سالم قليلاً، ألهذا السبب طلقها؟ ولكن هو لم يرسل أي صور، هناك شخصاً واحداً من اثنين أرسلها، إما مها أو شوقي، وفي الحالتين هو يعتبره تصرفاً غبياً، ولكن لن يخبره عنهما، لذلك أردف بمراوغة:
– مين اللي قالك الكلام الخايب ده؟ أنا هبعتله صور زي دي ليه؟ من كل عقلك هأذي ابني؟
نعم هو محق، أومأ حمزة يردف باقتناع بعد علم المرسل:
– تمام، أنا عرفت مين اللي وصلهم.
التفت ليغادر فأردف سالم بترقب ليحجبه عن مها:
– وانت متأكد كده ليه إن فيه صور أصلاً، شوفتهم بعينيك؟
توقف يلتفت لوالده ويردف بترقب:
– لأ مشوفتش، بس ناصف قال وهو أكيد مش هيكذب في حاجة زي كده.
وقف سالم يقترب منه وتساءل بحدة:
– يعني إنت برضو روحت لناصف؟ إنت عايز تجنني؟ إنت مالك وماله يا بني آدم؟ وإزاي تصدق واحد زي ده، مافيش أي صور ليك مع حد. ثم نظر له بشك وتابع بخبث وفحيح:
– ألا إذا بقى كان فيه حاجة بينك وبين البنت دي فعلاً؟
اتسعت عين حمزة ولم يحتمل معنى حديث والده، لذلك أردف بحدة:
– مستحيل طبعاً، وانت عارف كده كويس، لا أنا ولا هي خاينين.
ابتسم سالم وهز كتفيه يردف بتأكيد:
– يبقى ناصف سمع حاجة من أي حد وكان بيوقعك. ارجع لعقلك يا حمزة وفكر بس في مراتك وابنك اللي جاي في السكة وأوعى تبني أوهام وتفكر إني هسمحلك تحققها.
نظر لوالده بحزن وصمت. لم تعد تعنيه تلك الكلمات ولكن ليسمع ويصمت.
زفر والتفت يغادر تاركاً الغرفة والمنزل بأكمله متجهاً إلى شقيقته سناء.
***
بعد ثلاثة أشهر.
حيث غادر ناصف البلاد بعدما صفى الشركة ووضع نصيب سناء والتوأم باسمائهم في البنك، كما تم الإبلاغ عنه بعد سفره من مجهول أنه كان يستخدم أفراداً في الجمارك لتمرير مواد مخدرة، وبالفعل تم القبض عليهم متلبسين في قضية تهريب أخرى جعلتهم يعترفون على ناصف من بين الأسماء.
تم وضع اسمه في قائمة المطلوبين للعدالة، وذلك حتى لو فكر بالعودة إلى مصر مرة أخرى سيتم القبض عليه فور عودته.
ولكنه لم يهدأ، بل يسعى منذ سفره للانتقام من حمزة، خصوصاً بعدما أقنع هؤلاء الجماعة بالعفو عنه ودفع لهم الجزية المناسبة بشرط أن يجد لهم مستثمر مصري يسهل دخول تلك الأشياء غيره. وها هو يحاول بكل قوته ومعارفه أن يورط شركة الجواد في الأمر، وما يسهل عليه خطته هو وجود ثغرة يدلف منها وهي (شوقي أبو الذهب) والذي يعرف عنه في سوق الأعمال أنه مثل (البحر يحب الزيادة) ويمكن أن يوافق بعد تقديم عرض مغري له.
خلال تلك الفترة التزمت ريتان منزل والدها تماماً، وحاولا حمدي وجميلة التخفيف عنها لشعورهما بالذنب تجاه ابنتهما التي عانت في تلك الزيجة كثيراً، خصوصاً بعدما علموا بأمر ناصف وتجارته للمواد المخدرة وتأكدوا من أن هذا سبب الطلاق، لذلك فقد حرمت على نفسها نصيبها من مؤخر صداق وظل كما هو في حساب مسجل باسمها في أحد البنوك.
تقربت من ربها وبدأت تدريجياً تتعافى من تلك العلاقة السامة وبدأت تدرك قيمتها الحقيقية وتكتسب ثقتها مجدداً، ويبقى أمراً واحداً يشغلها هو وظيفتها، لذلك ستبحث وتعافر مجدداً، ولكن كانت تنتظر لتنتهي عدتها.
أما بسمة شقيقتها فكانت على نفس أفعالها السابقة، حيث اللسان السليط الذي لا يرحم خصوصاً بعد طلاقها، لذلك فإن ريتان كانت تتجنبها دائماً.
وعن حمزة فأصبحت حياته روتينية بحتة، يقضي معظم أوقاته في العمل ويعود ليلاً يرتمي على الفراش بتعب ويذهب في نوم عميق. ولكن تبقى سعادته الداخلية مستحوزة على نومه بعدما حرر حبيبته من هذا المختل. تأتيه في أحلامه يومياً، لذلك أصبح يعشق النوم، ينتظر اللحظة المناسبة ليتحدث معها ويخبرها بكل ما يحمله بداخله ولن يبخل عليها بعد الآن.
مها التي ندمت على حملها بسبب إرهاقها الذي تسبب لها في المكوث في منزل والدها طوال تلك الفترة رغماً عنها، حتى أنها كانت تريد إجهاده لولا سعاد التي حذرتها من فعل ذلك وعليها فقط تحمل تلك التسعة أشهر حتى تنجبه لتلهي حمزة به ولتضمن قيده، ثم تتركه لجدته صفية تتحمل مسؤوليته ويمكنها تحقيق أحلامها كيفما تريد.
***
بعد أيام.
في قاعة تم تجهيزها لحفل زفاف الابن الثاني لسالم الجواد. حضر كالعادة أفراد الطبقة الراقية، وتلك المرة حضر أفراد الطبقة المتوسطة أيضاً الذين كانوا أكثر طبيعية وتلقائية من هؤلاء الممثلين المبدعين الذين اتخذوا من الغرور حليفاً.
تقف ريتان مع كاريمان في الغرفة التي تتجهز بها تطالعها بسعادة وهي ترتدي فستان زفافها الأبيض الناصع كالأميرات.
أردفت ريتان بتروي وفرحة لأجل صديقتها:
– ألف مبروك يا كاري، طالعة بسم الله ما شاء الله زي القمر.
التفتت لها كاري تطالعها بسعادة وحب، ثم مدت ذراعيها لتسرع إليها ريتان تعانقها بحنو وتربت على ظهرها.
طرق سمير والد كاريمان الباب ودلف ينظر ويبتسم بسعادة على ابنته مردفاً:
– يلا يا حبيبتي المأذون وصل ومراد جاب آخره.
خجلت كثيراً تنظر لوالدها بسعادة وتومئ، ثم التفتت تتمسك بيد ريتان مردفة برعشة وقلب متراقص:
– ريتان متسبنيش.
أومأت ريتان التي كانت ترتدي فستان أسود محتشم وحجاب كريمي ولم تضع أي مستحضرات تجميل تماماً إلا القليل من الكحل الذي أبرز عينيها الرماديتين، فباتت في كامل براءتها وجمالها الطبيعي.
أردفت ريتان بحب وتأكيد:
– معاكي ومش هسيبك.
تحركت كاري مع والدها للخارج وريتان تخطو مجاورة لها حتى وصلوا إلى الدرج الذي ينتظر مراد أسفله.
نزلا سمير يشبك يد ابنته بهدوء ليسلمها لحبيبها.
وصل إليه ومراد في حالة ثبات ظاهري، بينما قلبه يعصف ويضخ مشاعر قوية خاصة بها تلك التي سلبته الراحة في بعدها وأخذت أفكاره وملكت فؤاده.
مد مراد يده يلتقطها من والدها الذي أردف بترجّي:
– حطها في عينك يا مراد، دي بنتي الوحيدة ونور عيني.
طالعها مراد بعمق، ثم رفع كف يدها الصغير الناعم يلثمه برقة وسعادة وأردف بصدق:
– طبعاً يا عمي في عيني وفي قلبي.
أردفت ريتان من خلفها بسعادة وهدوء:
– ألف مبروك يا مراد.
نظر لها وابتسم يردف بسعادة:
– الله يبارك فيكي يا ريتان، شكراً.
بعد ثوانٍ دلفا العروسان القاعة التي ينتظر بها المدعوين بترقب.
صدحت موسيقى الدخول وانطفأت الأنوار باستقبال مبهر لهما.
حضرت من حيث لا أحد يدري الفرقة التي قامت بعرض رائع حول العروسين أبهر عيون الحضور.
القاعة مظلمة إلا من أنوار خافتة مسلطة على المسرح، بينما ريتان تقف في إحدى الزوايا تتابع صديقتها بسعادة وتتنفس بعمق. داخلها متأرجح وندوبها ما زالت في مرحلة التعافي، ولكن حقاً هي سعيدة جداً لأجلها.
تحركت ريتان من مكانها قاصدة طاولة والدها، ولكن في طريقها كادت أن تصطدم بشخصٍ نبض قلبها بشدة عندما اقترب منها ووقعت عيناها على حذائه. قبل أن ترفع أنظارها تأكدت أنه هو. تلك النبضة التي تحقد عليها لم تأت إلا في حضوره، تلك الهزة الجسدية لم تحدث إلا عندما يقترب.
رفعت عينيها للأعلى تطالعه بأنفاس تحاول التقاطها، فرأته يطالعها بعمق، بإشتياق، بلهفة، بباقة فريدة من أجود المشاعر صُممت لها بعناية.
لا تعلم لما أصابها تحذر لحظي، ولم تفق إلا عندما انتهى العرض واشتعلت الأنوار تنير القاعة بأكملها، لذلك تنبهت وابتعدت فجأة عنه وخطت متجهة لطاولة والدها وجلست مجاورة لجميلة التي ربتت على كفها بحنو.
أما هو فظل أمامه يتأمل مكانها. جميلة كما عاهدها، ولكن انكسرت لمعة عينيها، لم تعد مثل السابق، لذلك نغزه قلبه وأقسم داخله أن يسعى لإعادة ترميم ما هدمه.
بدأ كتب الكتاب وشهد حمزة على عقد قران شقيقه، بينما وقعت عين ريتان لا إرادياً على مها التي ظهر حملها، حتى أنها غضبت بشدة وكادت أن لا تأتي الزفاف بسبب هيأتها التي تعيق مظهرها، ولكنها تذكرت وجود ريتان لذلك أتت وها هي تطالعها بخبث وتشفي، حيث أنزلت كفها على حملها تحسسه أمامها قاصدة إيلامها، وبالفعل أصابت هدفها وها هي الدموع تتجمع في تلك العيون الرمادية.
ليس حقداً أو حزناً لحملها بالطبع لها، فهي لم تكن يوماً تلك الحقودة، ولكن تتحسر على أحلام شيدتها وكانت تظنها ستتحقق يوماً.
أبعدت ريتان نظرها عنها والتفتت تتنهد بقوة وتطالع كاري التي تطالعها مبتسمة كأنها شعرت بها تألمت لأجلها من وسط سعادتها.
بادلتها ريتان بحب وابتسمت تحت أنظار هذا العاشق الذي اتجه يقف مجاوراً لمراد بعدما انتهى المأذون وعينه مسلطة عليها، مما جعل مها تستشيط غضباً ليس شعور غيرة أو حب لزوجها، ولكن حتى لا يسقط مظهرها الاجتماعي أمام الحضور.
بعد ساعات انتهى الحفل وغادر الجميع وانطلق مراد بسيارته إلى المطار فوراً بعدما أبدلا ملابسهما في الفندق حيث سيذهبا لتقضية شهر عسل في إحدى الدول الأوروبية الساحرة، وكانت تلك هديته من شقيقه حمزة.
***
بعد عدة أيام في مكتب حمزة. وبعد تأكده من انتهاء عدتها الذي انتظره بفارغ الصبر.
يجلس يتحدث في الهاتف مع أحد رجاله الموثوق بهم مردفاً:
– أيوة المدرسة الخاصة اللي على طريق... عايزك تروح حالاً وتطلب تقابل أستاذة منال قاسم وتخليني أتكلم معاها.
أردف الرجل وهو يقود إلى وجهته:
– حاضر يا حمزة بيه، مسافة الطريق.
بعد حوالي نصف ساعة رن هاتف حمزة فأجاب بترقب:
– أيوة يا سعيد؟
أردف الرجل باحترام:
– حمزة بيه أستاذة منال مع حضرتك.
أعطى الهاتف لتلك السيدة الوقورة التي أردفت بسعادة:
– أهلا يا حمزة بيه، أزي صحتك؟
أردف حمزة بحنين وود:
– أزي حضرتك يا أستاذة منال، يا ترى فاكراني؟
أردفت بتأكيد متذكرة:
– أكيد فاكراك، حد ينسى حمزة الجواد أكتر ولد كان مطيع وبيسمع كلامي ومريح أساتذته.
ابتسم حمزة على ذكريات طفولته وتنهد يردف بفضفضة:
– ياريت كنا فضلنا هناك يا أستاذة منال، كبرنا وكل شيء كبر معانا، المهم أزي صحتك طمنيني عنك؟
أردفت منال بود بعدما غير الزمن ملامحها الشبابية إلى أخرى أكثر نضجاً وأكبر سناً:
– أنا كويسة جداً الحمد لله، أخبار سالم بيه وصفية هانم إيه؟
أردف حمزة بهدوء:
– الحمد لله بخير.
تنهد يتابع بترقب:
– أنا كان ليا عندك رجاء.
ترقبت وأردفتتمعن:
– أكيد إنت تؤمر، اتفضل؟
أردف حمزة بترقب:
– من فترة بعيدة شوية فيه واحدة تهمني قدمت طلب وظيفي لمدرستكم، وأنا أعرفها شخصياً وأعرف قد إيه هي ممتازة في توصيل المعلومات للطفل لأنها كانت مسؤولة عن تعليم أطفال أختي وحقيقي النتيجة مبهرة، فأنا طالب منك تراجعي طلبها ولو ممكن تقبليها عندك في المدرسة.
تنهدت منال بقوة فهي ليست من هذا النوع الذي يقبل بالواسطات، ففهم حمزة عليها وأردف بتروي:
– أنا عارف أستاذة منال كويس جداً وعارف هي بتتعامل إزاي وده اللي خلاني أتكلم معاكي تحديداً لأني كان سهل عليا أتواصل مع أي مدرسة تانية بس أنا حابب حضرتك تجربيها. صدقيني هي مش محتاجة واسطة أو تدخل مني، طريقتها هتخليكي تتمسكي بيها. أنا طلبي بس إنك تعطيها فرصة تظهر مهاراتها قدامك، وتأكدي لو حضرتك مقتنعتيش بيها أنا مش هفرض عليكي أي حاجة. تقدري تخليها شهر تحت التدريب وتشوفي وتقرري بنفسك.
اقتنعت منال بحديثه وأومأت تردف بهدوء:
– طيب قولي رقمها وأنا هتواصل معاها، مع إننا مكتفيين مدرسات بس لأن حمزة الجواد غالي عندي.
ابتسم بسعادة وأردف بامتنان:
– متشكر جداً جداً يا أستاذة منال بجد.
أردفت مبتسمة بهدوء:
– العفو، يالا قولي الرقم.
أملأها الرقم الذي حصل عليه من شقيقته سناء منذ قليل وطلب منها أن لا تخبره أبداً أنه الفاعل بل تخبرها أنه تم إعادة النظر في طلبها الوظيفي.
***
كانت ريتان جالسة في غرفتها تتحدث مع سناء عبر الهاتف.
قالت سناء بترقب بعدما ترجاها حمزة:
– يالا يا ريتان بقى، هتزعلي سليم وتقى؟ هتكسفيهم يعني؟
تنهدت ريتان بضيق وأردفت:
– بجد مش عايزة أخرج يا نونا، أنا بقالي فترة مخرجتش وحاسة إني مش مستعدة بجد، خليها وقت تاني، سلميلي عليهم كتير جداً.
زفرت سناء بإستسلام وأردفت:
– تمام يا ريتان، زي ما تحبي، بس لو خرجتي في أقرب وقت علشان خاطري فوتي عليا.
أومأت لها تردف بتأكيد:
– حاضر، بجد لو خرجت أوعدك هتكوني أول واحدة أزورها.
ودعتها وأغلقت معها ووضعت الهاتف جانباً ووقفت تتجه للخارج، ولكنها وجدت رقماً غير مسجل يهاتفها. تعجبت واجابت بترقب مردفة:
– ألو؟
أردفت منال قاسم بترقب:
– آنسة ريتان حمدي الفولي معايا؟
ابتسمت بألم على لقب آنسة وأردفت بترقب:
– أيوة أنا، مين حضرتك؟
أردفت منال بتروي:
– أنا منال قاسم مديرة مدرسة... الخاصة، إنتِ كنتِ قدمتي طلب وظيفي عندنا من فترة.
دق قلبها بسعادة وحماس وترقب وأردفت متلهفة:
– أيوة فعلاً، اتقبلت؟
أردفت منال بهدوء:
– هتمرّي علينا بكرة إن شاء الله وهتتعيني شهر تحت التدريب لو أثبتي كفاءتك هنثبتك في وظيفتك.
انشرح فؤادها وأردفت ببكاء من شدة سعادتها:
– حاضر، إن شاء الله أكون عند حسن ظنك يا فندم، متشكرة لحضرتك جداااا.
أغلقت معها وركضت للخارج كالطفل السعيد تردف بحماس ولهفة:
– ماماااا، ماماااا أنا هتوظف يا مامااا.
أسرعت جميلة من المطبخ تتجه إليها وتعانقها بسعادة، ثم ابتعدت عنها وأردفت متسائلة بترقب:
– إحكيلي إيه اللي حصل؟
بدأت تسرد لوالدتها مكالمة السيدة منال، بينما تجلس بسمة تطالعها بضيق، فها هو الحظ يحالفها للمرة الثانية على التوالي، وهي التي ظنت أن أحلامها ستتحقق على يد ناصف، ولكن طار ناصف وطارت أحلامها وستظل ريتان في القمة.
***
في اليوم التالي صباحاً كانت ريتان تخطو باتجاه المدرسة بحماس.
دلف وقابلت السيدة منال قاسم التي بدورها سألتها عن بعض الأسئلة، وبدأت ريتان تعرض عليها كيفية التعامل السليم مع الأطفال وتدريبهم على مهارات معينة.
هاتفت ريتان سناء وأخبرتها بما حدث معها، كما أخبرتها أنها ستمر عليها حالما تنتهي من يومها الأول في الوظيفة كما وعدتها.
أغلقت سناء معها وتنهدت بعمق تفكر هل تهاتف حمزة كما وعدته أو لا تفعل حتى لا تنزعج ريتان.
في نهاية الأمر استسلمت لقلبها وهاتفت حمزة الذي أجاب بتلهف واستشعار عاشق:
– نونا قولي إنها جاية!
تنهدت نونا بقوة وقلة حيلة على حال شقيقها وأردفت بحنو:
– أيوة يا حمزة جاية، طلبوها من مدرسة... وراحت وهتخلص مشوارها وتمر عليا.
أومأ بحماس يردف:
– تمام، هكون عندك كمان ساعة.
أردفت سناء بتحذير:
– بس أوعى يا حمزة تضغط عليها، لو مش حابة تتكلم أمشي وسيبها.
أومأ يردف بلهفة:
– تمام يا سناء حاضر.
***
بعد ساعة وصلت ريتان إلى فيلا سناء.
دلف تخطو بتمهل وطرقت باب الفيلا الداخلي، ففتحت لها سناء تستقبلها بترحاب وفرحة وتسحبها لتعانقها، ثم ابتعدت تطالعها مردفة بحنو:
– وحشتيني يا ريتا، تعالي يا حبيبتي اتفضلي.
دلف ريتان معها بعدما أغلقت سناء الباب واتجهتا تجلسان سوياً، وأردفت سناء بلهفة:
– كدة يا ريتان؟ أتهون عليكي طول الفترة دي متجيش تشوفيني ولا حتى تشوفي سليم وتقى؟
أردفت ريتان معتذرة:
– متزعليش يا نونا، إنتِ عارفة غلاوتك عندي بس كانت عدتي والأحسن إني مطلعش من البيت زي ما إنتِ عارفة.
أومأت سناء بتفهم وأردفت بسعادة:
– طيب قوليلي بقى تشربي إيه، ولا أقولك إنتِ هتتغدى معايا.
أردفت ريتان بتروي معتذرة:
– مش هينفع يا نونا، مقولتش لبابا وماما علشان ميقلقوش، أنا جيت أشوفك وأطمن على الأولاد لأني وعدتك.
وقفت سناء تردف بتنهيدة واستسلام:
– تمام يا ريتان بس برضو مش هتمشي غير لما أشبع منك، ثواني وراجعالك.
خطت سناء باتجاه المطبخ لتحضر الضيافة، بينما تساءلت ريتان بصوت عالٍ نسبياً:
– أومال فين سليم وتقى يا نونا؟
عادت سناء تنظر برأسها من خلف جدار المطبخ الجانبي مردفة بترقب:
– هيطلعوا من الـ School على بيت ماما صفية بس أنا خبيت عنك، لو كنت قولتلك مكنتيش هتيجي.
ابتسمت ريتان عليها، ثم جلست تنظر حولها إلى أن عادت سناء إليها تحمل صينية الضيافة، ثم خطت تضعها على الطاولة أمام ريتان وجلست مجاورة لها تردف بود وترقب:
– يالا دوقي الكوكيز اللي عملتها للأولاد وقوليلي رأيك.
التقطت واحدة تتذوقها قبل أن تستمع لصوت سيارة في الخارج. توقفت عن المضغ وعصف بها قلبها العاشق مجدداً كدائماً يخبرها أنه هو.
حاولت بلع علقتها ونظرت لسناء بشك تردف متسائلة بأنفاس مثقلة:
– ده حمزة؟
تمسكت سناء بيديها تردف بتروي وتوتر:
– ريتان إسمعيه بس، عنده كلام كتير عايز يقولهولك، في أمور لازم توضح ما بينكم.
نظرت لها بتعجب وعدم استيعاب، أي أمور توضح بعد ما وصلا إليه؟ فكرت قليلاً.
حسناً لتنهي تلك المسألة التي تنتظرها منذ زمن، لتثبت له أنه لم يعد مهم بالنسبة لها كما يظن نفسه. الآن حصلت على وظيفة وستثبت نفسها دون الالتفات لأي مشاعر. وها هي فرصتها.
تحلت بالهدوء وأومأت بغموض، بينما توقفت سناء لتفتح الباب له.
خطت وفتحت له باب الفيلا وخطى للداخل يصب أنظاره عليها وهي تجلس بثقة أحضرتها بصعوبة بالغة.
نظر لأخته التي تومئ له بأن يتقدم. لقد أتى راكضاً والآن يشعر بتخدر ساقيه. خطواته بطيئة متأهبة كحال أنفاسه ونبضاته حتى توقف أمامها ينظر إليها ويردف بحب وترقب واشتياق وحنين:
– أزيك يا ريتان؟
رفعت نظرها إليه تخفي الحب ببراعة مردفة بابتسامة هادئة وواثقة:
– أهلاً يا حمزة أزيك.
برغم عدم رؤيته لمعة عينيها إلا أنه انشرح من نطقها لاسمه الذي عزف على أوتار فؤاده، فعدل من نبضاته.
جلس أمامها يطالعها بإشتياق وحب ويبحث عن الأحرف التي تركته وغادرت في رحلة بعيدة وحل مكانها الصمت والتأمل.
وقفت سناء تتحمحم مردفة بتوتر:
– طيب أنا هجيب حاجة ثواني ورجعالكم.
غادرت تعطيهما مساحة الحديث. صخب صدرها وبعثرة عقلها أخفتهما ببراعة وهي تطالعه متسائلة:
– خير يا أستاذ حمزة، سناء قالت إن إنت عايزني؟
توتر واعتدل يستحضر الأحرف بصعوبة، ثم نظر لعيينيها وأردف بصدق وعذاب بدون أي مقدمات:
– أول حاجة عايزك تعرفيها هو الكلام اللي قولته هنا وإنت سمعتيه قبل جوازك أنا ندمان جداً جداً عليه، من وقت ما لساني نطقه وأنا بتعذب، صدقيني يا ريتان أنا شايفك أحسن واحدة في الدنيا.
تبتسم داخلها بسخرية، لما الآن؟ لما يحاول التسلل إليها الآن؟ هل لأنها تحررت؟ أم يظن أنه سيخدعها مجدداً.
أظهرت ملامح التعجب وتساءلت بإستفهام كاذب:
– كلام إيه؟ أنا مسمعتش حاجة؟ معلش توضحلي إنت بتتكلم عن إيه بالضبط؟
تعالت وتيرة أنفاسه وهو يطالعها بصدمة وتشتت. لااا مؤكد هناك أمر ما، هي تخفي أمرها عليه، هي تكذب؟
زفر وأردف مترجياً:
– ريتان أنا عارف إنك فاهمة أنا بتكلم عن إيه، لو سمحتِ سامحيني وأنسي وأنا هعوضك. ريتان أنا من وقت ما بعدتي وأنا حياتي وقفت، صدقيني ندمان ونفسي تسامحيني وبتمنى الزمن يرجع وأنا هصلح كل حاجة وهعمل أي حاجة علشان تنسي اللي قولته.
تنظر له وهو يتحدث وتنعته بالكاذب. يجلس أمامها بكل أريحية يتفوه بأي كلام وعلى الجهة الأخرى تنتظره زوجته الحامل؟
توقف عن الحديث بسبب نظرتها التي بعثرته. لم تكن تلك النظرة التي يريدها منها. زفر يشعر بتختناق من تحول ملامحها وصمتها ثم تابع بترقب ليرى رد فعلها:
– ريتان أنا عايزك في حياتي، أنا حياتي مش هتكمل غير بيكي.
يكفي، إلى هنا وكفى. وقفت تتناول حقيبتها وتشعر بغضب يأكل داخلها، لو حررته تقسم أنها ستحرقه بنار احتراقها هذه. هل هذه قيمتها عنده؟
أردفت بصوت حاد تنادي:
– سنااااء؟
خرجت سناء من مكانها تتجه إليهما بتوتر وتنظر لها متسائلة:
– أيوة يا ريتان؟
لم تنظر له، إن نظرت له ستغضب وهي تحاول التحلي بالثبات لتظهر ببراعة أنها لم تعد ريتان السابقة.
لذلك أردفت ضاغطة على أحرفها متجاهلة وجوده تماماً:
– ياريت تفهمي أستاذ حمزة أن بنات الطبقة المتوسطة المتربيين مهما وصل بيهم الأمر مستحيل يقبلوا براجل متجوز، وكمان ومراته حامل. يظهر الأمور اختلطت عليه، فهميه إن يمكن فهم حاجات غلط أنا مش مسؤولة عنها ومعرفش هو بيتكلم كده بناءً عن إيه بس اللي أعرفه إني مش هرتبط مرة تانية وإن ارتبطت مستحيل هيكون هو. ياريت يهتم شوية بزوجته الحامل بدل ما يجري ورا واحدة مطلقة ومفكر إنها سهلة الوصول.
تنهدت بقوة ثم أردفت بهدوء دون النظر إليه:
– عن إذنك.
التفتت تغادر، شاعرة بالانتصار. ثأرت لنفسها، ثأرت لكرامتها. انتظرت تلك اللحظة منذ سنوات وأتت، ليعلم مكانته الحالية لديها، أو ليعلم مكانته التي أرادت هي أن تظهرها ولتظل مكانته الحقيقية مخبأة في أعماقها للأبد.
غادرت تغلق باب الفيلا الذي انغلق على قلبه. يقف مهزوماً في ساحة حرب المشاعر. انتصرت بكلماتها على حبه، رجمت روحه بحديثها. ولكن ماذا ظنّ، هي لا تعلم شيئاً عن معاناته وأفعاله وحياته، ولا أي شيء. هي فقط ترى ما يراه الجميع، رجل متزوج وقريباً سيصبح أب. لذلك فمعها كل الحق.
اتجهت سناء إليه تحاول التخفيف عنه بعدما رأت حالته مردفة بحنو وهي تتمسك بذراعه:
– حمزة؟ حبيبي اهدى وهنتكلم تاني، أكيد الموضوع مش سهل، يمكن إحنا استعجلنا؟ هي معاها حق.
أغلق عينيه ووقف متصنماً لثوانٍ، ثم رفع يده يربت على كف شقيقته والتفت يغادر من حيث أتى بصمت تام. فكل منهما الآن أصبح في مفترق طرق.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية العربي
في فرنسا يجلس فريد في المنزل الذي يقطن فيه، وقد قرر مهاتفة حبيبته ميادة ليخبرها باشتياقه لها، فمنذ حوالي شهر وقد اندمج في دراسته ولم يهاتفها.
رفع الهاتف وحاول الاتصال بها، ولكنه وجد هاتفها مغلقاً. حاول مراراً وتكراراً، ولكن نفس الشيء.
قرر الاتصال بوالدته والإطمئنان عليها وسؤالها، لعلها تعلم عنه شيئاً.
أجابت صفية بحنو مردفة:
– فريد يا حبيبي وحشتني أوي.
أردف فريد بحب واشتياق:
– وأنتِ كمان يا ست الكل، وحشتيني جداً جداً، طمنيني عنك وعن صحتك؟
أردفت صفاء بتروي:
– زي الفل يا قلبي، كلنا بخير.
تساءل بترقب وخبث:
– والعريس، عامل إيه؟
ابتسمت بسعادة وأردفت:
– زي السكر، سافر هو وكاري يقضوا شهر العسل.
أردف ممازحاً:
– عقبالي يااااارب.
تنهد ثم استرسل بترقب:
– ماما بعد إذنك لو تعرفي توصلي لميادة تخليها تكلمني، بحاول معاها من فترة بس موبايلها مغلق.
صمتت صفية لا تعلم ماذا تجيب وكيف تخبره هذا الخبر، فمنذ أسبوعين تمت دعوتهم على حفل زفاف ميادة على ابن صديق والدها، وتزوجت وكم كانت سعيدة تتراقص مع زوجها دون الاكتراث لأمر هذا الذي يحبها.
تعجب فريد من صمت والدته وتساءل بقلق:
– ماما أنتِ ساكتة ليه؟ هو حصل حاجة؟
زفرت صفية وأردفت بحزن:
– إنسها يا ابني، إنسها يا حبيبي.
قطب جبينه وأردف بترقب:
– فيه إيه يا ماما؟ قوليلي الحقيقة.
تنهدت صفية تردف بحزن:
– اتجوزت يا فريد… اتجوزت ابن صاحب باباها.
صُدم فريد وتوقف عن الحركة يستوعب هذا الخبر، هل تزوجت؟ هل تخلت عنه بعدما وعدته أنها ستنتظره طوال العمر؟
أردفت صفية بقلق:
– فريد؟ إنت سامعني يا حبيبي؟ رد عليا؟
أردف فريد بحزن وألم:
– أنا هقفل دلوقتي يا ماما، سلام.
أغلق مع والدته وجلس يتذكر حديثها ووعودها ويتعجب كيف فعلت به هكذا.
في جناح مراد وكاري في تلك البلدة الجميلة ذات المناظر الطبيعية الرائعة.
تقف هي تتطلع من خلف الزجاج على المناظر الطبيعية الرائعة، تتمنى زيارتها، ولكن هذا المفترس يعتقلُها هنا ولا يريد إفلاتها، فمنذ قدومهما وبعد إتمام زواجهما وهو لم يتزحزح من جناحه.
ترتدي المأزر وخصلاتها مبللة وخفها الناعم يحتضن قدميها، وهي تتنهد بسعادة متذكرة مداعباته وكلماته وهمساته ولمساته، تبتسم على المشاعر التي عاشتها معه والتي لم تكن تتخيلها يوماً، حنون جداً يدللها ويطعمها ويحتويها بدفئه.
خرج من المرحاض بعدما أخذ شاوراً منعشاً يرتدي مأزره هو الآخر، واتجه إليها يعانق خصرها ويستند برأسه على كتفها يطالع النافذة معها مردفاً بهمهمة ولهفة عاشق:
– سرحانة في إيه يا قلبي.
عانقت ذراعيه التي تحتضن خصرها ومالت عليه تبتسم بحب مردفة:
– بفكر فيك طبعاً، بس برضه نفسي أنزل يا مراد، خلينا ننزل نتمشى بقى، مش معقول جايين نتحبس هنا.
لفها إليه ليقابل وجهها بحب وتمعن يردف:
– أعمل إيه بس، كل ما بنوي نطلع تقوم إنتِ تعملي حاجة تخليني أقعد تاني.
شهقت تردف بتفاجؤ:
– أنا؟ عملت إيه أنا يا مراد، دا إنت اللي بتعمل كل حاجة.
غمزها بطرف عينه وأردف بمرح وخبث:
– أيوه مهو إنتِ النظرى وأنا العملي، ما تيجي ندخل اللجنة؟
خجلت منه وهزت رأسها تردف بإصرار بعدما اعتادت على أفعاله:
– نو، هننزل نتمشى الأول يا مرادي ونفطر برا ولما نرجع نبقى نشوف الامتحان بتاعك ده.
زفر يومئ باستسلام وأردف بحب:
– تمام يا قلبي، أمري إلى الله.
بعد أسبوعين.
عاد مراد من شهر عسله مع حبيبته وزوجته وراحة قلبه كاري.
استقبلته العائلة بترحاب وود، إلا سالم الذي يقف بملامح جامدة يطالع كاري بعيون حادة ويضغط على أحرفه مرحباً ببرود.
كانت يد مراد تدعم حبيبته وبقوة، حيث يضغط على يدها التي يحتضنها دليل على دعمه لها وعدم الاكتراث لأفعال والده.
صعدا جناحهم بعد وقتٍ ودلفا، مراد يسحب كاري إليه بسعادة. توقف في منتصف غرفتهما وأردف وهو يجول بنظره متسائلاً:
– إيه رأيك بقى؟ عملته زي ما إنتِ حباه بالضبط، كل حاجة هنا زي ما قولتيلي في الفون عملتها.
نظرت حولها للمكان وللأثاث والتحف وألوان الدهانات، فحقاً كل شيء كما أرادته بعدما سألها أثناء خطبتهما. انبهرت بما تراه ثم استقرت بعينيها عليه تردف بحب وسعادة:
– كل حاجة هنا روووعة، بس الأحلى وجودك معايا، مراد أنا بحبك أوي، كل مرة تثبت لي إني كنت غلطانة لما شكيت في حبك ليا.
تقدم ورفع ذراعيه يحتضن وجهها بين يديه بحب مردفاً بتساؤل وترقب:
– ليه بقى كنتِ شاكة؟ أنا أكيد مقدر عدم ثقتك لأنك كنتِ لسة متعرفنيش، بس أنا كنت فعلاً مستعد أحارب الكل عشانك.
تنهدت بسعادة وعيون لامعة ثم ابتلعت لعابها وأردفت:
– وأنا مكنتش هقبل إنك تحارب عيلتك عشانى، بس ده ميمنعش إنك قدرت تقنعهم بجوازنا، وده يخليني أحبك وافتخر بيك طول عمري.
مال يتناول شفتيها في قبلة متمهلة واستمتاع، واستجابت لغزوه الممتع ورفعت يديها تتلاعب في خصلاته، ولا يعلما كم من الوقت ظلا هكذا إلا عندما احتاجت رئتيهما للهواء.
ابتعدا يزفران بقوة ويضحكان، وكلٍ منهما يضع جبينه على الآخر، ثم أردفت كاري بنبرة متحشرجة:
– إبعد بقى علشان أدخل آخد شاور وبعدين أضبط حاجتنا في أماكنها.
هز رأسه معترضاً يردف برغبة وأنفاس لاهثة وتأثر:
– لأ، خلى كل ده بعدين.
عاد يلتهم شفتيها ذو المذاق الرائع بالنسبة له، وغابا عن واقعهما يحلقان في سماء عشقهما الأبدي.
في فيلا أبو الدهب تجلس مها تتأفف بضجر وحنق بعدما أخذت أدوية الحمل التي ترهقها.
تجلس أمامها سعاد تطالعها بتسلية وهي تراها حانقة على حملها، ثم ابتسمت وأردفت:
– كفاية بقى يا مها، خلاص اتقبلي وضعك بقى وكلها كام شهر وتولدي وترتاحي من اللي حالتك دي.
نظرت لوالدتها بغيظ وأردفت بغضب:
– ياريتني ما سمعت كلامك، لأ وكمان طلع حملي من النوع الصعب ولازم أفضل متنيلة كده لحد ما أولد، تقدري تفهميني استفدت إيه أنا؟
ابتسمت سعاد بخبث وأردفت:
– لااا استفادتي كتير أوي، وأديكي شوفتي التانية اتطلقت أهي وكان سهل جداً جوزك يطلقك ويروح لها، والمرة دي جوزك هيتمرد على أبوكي وسالم مش هيقدر يتكلم زي ما سكت واقتنع بالبنت اللي راحوا جوزوها لمراد، يعني جوزك قوته بتكبر واللي هيضعفه اللي في بطنك ده.
زفرت تستقبل حديث سعاد الخبيث الذي يدور في عقلها كالدوامة فيجعلها مغيبة مقتنعة به، ثم أردفت بترقب ونبرة أكثر هدوءاً:
– يمكن سالم ميقدرش يقف في وشه بس أنا لأ، مش هسمح له يطلقني أنا ويهز صورتي عشان خاطر واحدة زي دي، تعرفي إني فرحانة إن ناصف خلص منها برغم إنها بقت حرة، بس فعلاً حياتها وحب ناصف ليها كان غايظني أوي، هي متستاهلش تعيش الحياة دي، فكرت نفسها هتتحداني.
أردفت سعاد بتعالٍ:
– تتحدى مين؟ إزاي تقارني نفسك بيها أصلاً، اسمعي كلامي بس وانتِ هتكسبي، المهم دلوقتي تولدي وبعدها هتهدي اللعب خالص مع جوزك، وبشوية دلع ودلال هتحاولي تفتحي معاه صفحة جديدة وتبعدي خالص عن أسلوب العند بتاعك ده، حمزة مهما كان راجل وليه نقطة ضعف، حتى لو هتستغلي البيبي بس أوعي تسيبيه وتتنازلي عن حياتك معاه مهما حصل.
زفرت تتذكر آخر مرة رفضها وأنهى علاقتهما الزوجية، ثم نظرت لها وأردفت بضيق:
– ده إنسان بارد، مش من النوع اللي بيتأثر عليه بالحركات دي.
ضحكت سعاد بقوة ثم أردفت بخبث:
– مفيش راجل مش بيتأثر يا مها، إنتِ بس اللي مش عارفة تلعبي صح، على العموم بعد ولادتك هقولك تعملي إيه، وأهو إنتوا بعدتوا فترة عن بعض أهو وهتلاقيه متجاوب معاكي جداً بعد البعد ده.
شردت تفكر في هذا الحديث، ثم فجأة انتفضت أثر حركة خفيفة من الجنين داخل رحمها جعلتها تتأفف وتردف بحنق:
– يووه بقى.
ضحكت سعاد عليها، فهي تذكرها بنفسها عندما كانت حامل بها، ولكن ما لم تحسب سعاد حسابه جيداً هو أن حمزة الجواد لا يشبه أبداً شوقي أبو الدهب.
بعد يومين في فيلا سالم.
يجلسون جميعهم حول مائدة طعام العشاء.
أردف سالم بترقب بعدما اشتكى له شوقي وهو يتطلع على ابنه حمزة:
– مش بتروح تشوف مراتك ليه يا أستاذ حمزة؟ شوقي بيقول إن نفسيتها تعبانة وإنك أهملتها خالص الفترة الأخيرة.
زفر باختناق وأردف بحزن ظاهر للجميع يحاول إخفاءه حتى لا تلاحظه زوجة شقيقه المستجدة:
– ربنا يسهل.
غضب سالم من إجابته المختصرة وأردف بحدة أمام الجميع:
– يعني إيه الكلام ده؟ إنت مالك كده حالك مبقاش عاجبني، ما تفوق لنفسك شوية، كلها كام شهر وهتبقى أب ومسئول عن أسرة.
ترك الطعام ووقف ينظر لوالده بحزن وألم يردف بتروي ومغزى:
– وإيه المطلوب مني كأب؟ يعني لو على راحة ابني صدقني هعمل المستحيل علشانه، أطمن يا بابا، فاقد الشيء هيعطيه.
تركهما وغادر صاعداً لجناحه بألم، ولا ينكر سالم أن جملة ابنه أثرت فيه، ولكنه لم يظهر ذلك وأخفاه ببراعة، بينما أردفت صفية بقلب ممزق لأجله:
– كفاية ضغط على حمزة يا سالم، سيبه يعمل اللي يريحه، هنبقى إحنا والأيام عليه؟
لف نظره إليها يطالعها بنظرة حادة ويردف بغضب:
– كل ده عشان بقوله يهتم بمراته الحامل؟ خلاص مبقاش حد متحمل كلامي؟ على العموم ماشي يا ست صفية، من هنا ورايح أنا ماليش دعوة بيه، يعمل اللي هو عايزه.
وقف هو الآخر يغادر، بينما نظر مراد لكاري التي تتابع بصمت وتعجب على حال تلك العائلة التي كانت تظنها ثرية المال والتصرفات، ولكن يبدو أنه العكس.
أردف مراد بحنو وهدوء برغم خجله أمامها من أفعال والده:
– حبيبتي كملي أكلك وأنا هطلع أشوف حمزة.
أومأت له بصمت، ولكن بالطبع لم تكمل طعامها فالجميع لم تعد لديهم شهية، بينما نظرت لها شيرين وأردفت بمرح كي تلهيها، ولكن في الباطن تتألم:
– بقولك إيه يا كاري، بلاها الصدمة دي، تعالي معايا هجبلك حصانة عشان تتعودي على الحاجات دي، ده العادي بتاعنا.
نظرت لها كاري وابتسمت بهدوء ثم أومأت والتفتت تطالع صفية التي شردت تفكر في صمتها وسلبيتها لسنوات حتى بات اعتراضها أزمة كبرى.
صعد مراد إلى جناح شقيقه ودلف حتى غرفة نومه التي طرق بابها يردف بترقب:
– حمزة؟ ينفع أدخل؟
كان يجلس على الأريكة واضعاً وجهه بين كفيه يفكر بحزن في حاله وما فعله مع حبيبته وتسرعه في شرح ما بداخله حتى فهمته خطأ. دائماً الحظ لم ينصفه والقدر يعانده والجميع يتابع بصمت، ولكنه لا يلومها فقد أدرك أن طلبه بتلك الطريقة كان مؤذياً لمشاعرها.
أبعد يديه واعتدل يردف بعلو:
– تعالي يا مراد.
لف مراد مقبض الباب ودلف يتجه إليه ثم جلس بجواره ومد يده يربت على ساق شقيقه ويطالعه بحزن مردفاً:
– روق بس يا حمزة، إنت عارف بابا، روق وكل حاجة هتتعدل.
هز رأسه وأردف يستفيض برفض:
– مينفعش يا مراد، أنا مبقتش صغير، لازم يحترم مكانتي زي ما أنا بحترمه، عمري ما قللت منه قدام حد، يبقى لازم يقدر إني راجل ومينفعش أبداً نبرته دي، وإلا هتخلى عن منطقي ومبادئي وده مش هيعجب حد، هو مفكر إني ضعيف بس ميعرفش إن ورا هدوئي ده بركان لو خرج هتبقى النهاية.
تعجب مراد من حال شقيقه وحزن يردف مستفهماً:
– طيب إيه الجديد بس فهمني؟ إنت زعلان عشان يعني مها مقضية فترة حملها بعيد؟
ضيق عينيه ينظر لشقيقه بتعجب، هذا أكثر الأمور راحة بالنسبة له، ولكن لا أحد يشعر به. إن لم يتحدث ويبوح بما في خاطره فلن يشعر به أحد، حسناً ليخبر أخاه عن وجعه.
أردف باستفاضة:
– جوازي أنا ومها ملغى من شهور يا مراد، أنا حرمتها على نفسي من وقت ما عرفت إنها حامل.
صُدم مراد وطالع شقيقه بذهول ثم أردفت مستفهماً:
– ليه يا حمزة؟ معقول تعمل حاجة زي دي؟
نكس رأسه وابتلع لعابه يردف بتشتت:
– يمكن حرام عليا، بس مش قادر يا مراد، بعد اللي عرفته واللي هي عرفته مش هقدر أديها أي حقوق، مها كانت عارفة من الأول إني بحب ريتان، ويظهر إن الكل كان عارف إلا أنا، كنت غبي، اتجوزتني تحدي ووجهة اجتماعية يا مراد، مدّتنيش أي حب.
زفر ينظر لشقيقه ويردف بقناعة:
– حاولت، صدقني يا مراد حاولت أديها فرصة واتنين وتلاتة بس خلاص مبقتش قادر، كل حاجة بالنسبالها كانت متخططة ومرسومة وبالنسبالي كانت قدر، علشان كده أنا هستنى لما تولد وهاخد ابني اللي أنا متأكد إنه آخر همها وهنفصل عنها، هصلح الغلط اللي ارتكبته في حق نفسي.
أردف مراد بغضب ولم يحتمل ما سمعه:
– خلاص يا حمزة، كفاك كده يا اخي، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها يا أخي وإحنا مش ملايكة، خلصها دلوقتي وروح للي إنت عايزها وأنا معاك وزي ما أبوك وافق على جوازي في الآخر هيوافق على جوازك من ريتان.
هز رأسه يعتصر عينيه ويردف متألماً:
– ياريت كل حاجة بالسهولة دي، ياريتني كنت بعرف آخد قرارات متسرعة يمكن كان حالي أفضل، بس للأسف أنا جرحتها مرة تانية، وأنا بحاول أصلح الشرخ اللي عملته هديت الحيطة كلها، معرفش إيه اللي هيحصل بعد كده يا مراد، بس أنا مخنوق، كنت ناوي أقول كل حاجة جوايا ليها بس مجرد ما شفتها نسيت إني متجوز ونسيت كل الكلام اللي مرتبه ولخبطت الدنيا كلها.
حزن مراد بشدة لأجله، فهو عاشق مثله ويعلم ما يشعر به جيداً، لا يتخيل حياته دون حبيبته وزوجته بعد أن أصبحا كياناً واحداً، لذلك أردف بقناعة:
– هتسامحك، معرفش إنت غلطت في حقها إزاي بس لو بتحبك بجد هتسامحك، لما تطلق مها وتحل أمورك وتروح لها وتفهمها كل اللي مريت بيه أكيد هتسامحك.
رفع نظره يطالع شقيقه بأمل ضئيل ويردف بترقب مستفهماً:
– تفتكر؟ تفتكر هييجي اليوم اللي تسامحني فيه وأنا وهي نبقى لبعض؟
أومأ مراد مؤكداً بقناعة عاشق:
– افتكر جداً، هي اتطلقت من ناصف وإنت هتطلق مها وقدامكم الحياة طويلة، بس خد بالك كويس من الطفل اللي جاي في السكة، أوعى تظلمه، أنا عارف ومتأكد إن مها مش هتمارس الأمومة معاه وبرضه متأكد مليون في المية إنك هتديه روحك، لكن بصراحة معرفش موقف ريتان منه هيبقى إيه. المهم دلوقتي إنت تركز في شغلك وتحاول تعتبر الوقت ده وقت ترميم النفوس وتشييد القلوب مرة تانية، وأوعى تيأس، أنا معاك وهدعمك في أي قرار.
تنهد بقوة وراحة ينظر لشقيقه الذي رطب قلبه المجروح، أومأ بحنو يردف وهو يربت على كتفه:
– شكراً يا مراد، كلامك ريحني شوية، تسلم.
ابتسم مراد وأردف بثقة ومرح:
– شوفت بقى أخوك بعد ما حب عقل إزاي، وعلشان تعرف إنك غالي عندي جداً أديني أهو قاعد بتكلم معاك وسايب قلبي تحت.
ضحك حمزة رغماً عنه لحال شقيقه وأردف وهو يدفعه:
– طب قوم ياخويا انزل لقلبك، هو مش المفروض قلبك في صدرك برضو.
أردف مراد بخبث وهو يميل عليه متسائلاً:
– يا راجل؟ يعني عايز تفهمني إن قلبك في صدرك دلوقتي ومهواش قاعد في بيت عم حمدي؟
تنهد بقوة وشرد يبتسم ويفكر فيها، ترى ماذا تفعل في تلك اللحظة.
في تلك اللحظة تجلس هي في غرفتها تفكر فيه. حديثه مر عليه أسابيع ولكنه ما زال يؤلمها. في الماضي سمعت منه ما بعثر روحها وحطم كبرياءها، والآن يبدو أن حال شقيقه أعجبه فجاء إليها برغم زواجه وحمل زوجته يعتذر ويطلبها في حياته؟ بأي صفة ستدخل حياته؟
هل أعجب ببنات الطبقة المتوسطة الآن؟ هل أصبحن فجأة مرغوبات يلقن به وبمستواه؟ أم هل عاش تجربة مع الثرية صاحبة النفس المتعالية ولم يشبع فجاء إليها ليجرب حياة جديدة بعدما رأى حال شقيقه.
هذا كان حديث عقلها، أما عن قلبها فيخبرها العكس تماماً، نظرته لها وعيونه تفضح أمره، ولكن هي لم تعد تسمع لقلبها منذ زمن، باتت فقط تلعنه.
زفرت بقوة واتجهت لمكتبها تجلس عليه وتخرج دفتر تحضيراتها وتدون ما ستلقيه على الأطفال في الغد، فهي بدأت وظيفتها بحماس وستثبت نفسها ببراعة.
بعد حوالي ثمانِ أشهر.
وضعت مها جنينها بسلام وعادت لقصر سالم وعادت للشركة أيضاً وتخطط لتبدأ جولتها الجديدة مع حمزة الذي استقبل طفله بحب وعاطفة شديدة تجمعت برؤية هذا الصغير الذي يشبهه كثيراً.
لو ترك الأمر له لطلق مها فور ولادتها، ولكنه تحامل وصبر حتى يمر على صغيره بضعة أشهر، فبرغم عدم إرضاعها له رضاعة طبيعية وضجرها الدائم منه إلا أن الصغير يحتاجها، ولنقول أنها لم تكرهه بالطبع ولكن تفتقد عاطفة الأمومة، لذلك فهي كانت تتجنبه في كل مرة يبكي فيها وتترك أمره للمربية التي أحضرها حمزة أو لجدته أو لحمزة عندما يأتي، ولكن عند سكونه ونومه تحمله وتقبله دون أن يراها أحد.
اتخذ حمزة من غرفة صغيره غرفة له أيضاً حيث بات يقطن بها دائماً وأحياناً يأخذ الصغير بين ذراعيه وينام شاعراً بالراحة والحب معه وكأنه أتى ليعوض عذابه وحزنه الدائم.
استطاعت ريتان أن تثبت نفسها وبجدارة في تلك المدرسة المرفهة وأصبحت المحببة لدى الأطفال مما جعل مديرة المدرسة تحبها كثيراً وتقدم لها الدعم دائماً، فهي وبرغم أنها لا تقبل الواسطات وكانت تعتقد أن ريتان لن تثبت كفاءتها وسترفضها بشكل لائق حتى لا تصد طلب حمزة الجواد الذي تعد عائلته ضمن الممولين للمدرسة، ولكن فاجأتها ريتان بذكائها وشرحها المحبب للصغار وحب الصغار وتعلقهم بها، وكان هذا من ضمن الأسباب التي هونت كثيراً على ريتان وجعلتها أكثر ثقة وراحة ومرحاً.
نجحت المافيا في إقناع شوقي أبو الدهب من خلال بعض المصادر بتلك الشحنة المخدرة مقابل مبلغ مالي كبير جعلت نفسه تسول له الأمر وتحكم به طمعه بعدما وعدوه بتسهيل الأمور له.
بالطبع اتفق معهم دون علم سالم وأولاده لقناعته أن سالم لن يقبل بهكذا أمور، وهذا أكثر ما أزعج ناصف فهو كان يريد تورط سالم وأولاده، ولكن حسناً ليفعل ما يخطط في الخفاء ويكفيه الخسارة التي ستطولهم مؤقتاً.
ها هي الشحنة المخدرة على وشك القدوم عبر البحر على متن باخرة عملاقة تحوي حاويات في ظاهرها منتجات غذائية وأجهزة كهربائية وملابس وغيرها، ولكن ما خفي كان أعظم.
تم إبلاغ السلطات المصرية من مصدر مجهول والذي لم يكن سوى ناصف، والذي بالطبع لن يشك به أحد لأن رقبته بين يدي المافيا ويحسبونه مخلصاً لهما، ولكن رغبته في الانتقام كانت قوية جعلته يغامر.
بعد يومين في جناح حمزة.
قررت مها التحدث معه مثلما أخبرتها والدتها لتحاول استعطافه وفتح صفحة جديدة لعلاقتهما.
ها هي تنتظره بعد أن نام الصغير في غرفته بواسطة مربيته.
دلف حمزة جناحه ثم على الفور دلف غرفة صغيره ليراه أولاً. رآه ينام كالملاك فدنا يقبله بحب وحنو ورفع الغطاء عليه يدثره جيداً ثم تنهد بقوة ووضع حقيبة عمله جانباً ثم اتجه لغرفته كي يغتسل ويبدل ثيابه.
دلف يلقي السلام بهدوء، فردت وطالعته تردف بترقب:
– حمزة ممكن نتكلم شوية؟
لف نظره يطالعها، أي حديث ستردف؟ زفر وأومأ يردف بترقب:
– تمام يا مها، هغير هدومي وأجيلك.
أومأت له ودلف حمامه بعد أن أخذ ثيابه، خرج بعد وقت قصير يتجه إليها حيث كانت تنتظره على الأريكة الجانبية.
جلس بجوارها وترقب السمع يردف:
– خير يا مها؟ قولي أنا سامعك.
ابتسمت له ومدت يدها تلامس يده بخبث مردفة:
– مش شايف إن ده وقته أننا ندي لعلاقتنا فرصة تانية؟ يعني إنت أكيد ملاحظ إني بحاول أتقبل الوضع اللي اتحطيت فيه، صحيح كان باختياري وكان صعب جداً عليا بس لو إنت عطيت لجوازنا فرصة أنا هحاول.
ضيق عينيه وسحب يده من بين يدها وشبكها في يده الأخرى يردف بترقب:
– أي جواز يا مها؟ أي جواز اللي بتتكلمي عنه؟ هو فين جوازنا وفين علاقتنا دي؟ إنتِ مش ملاحظة إننا بنتجمل عشان نتقبل بعض؟ إنتِ بتحاولي تبقي معايا غصب عنك عشان تثبتي بس إنك صح وأنك متخسريش مكانتك، بتحاولي غصب عنك تمثلي دور سيدة الأعمال الناجحة في كل حاجة ومحققة المعادلة الصعبة، بس مفيش كده يا مها، مفيش حد بيعرف يعمل كل حاجة، متحاوليش تقنعيني إنك هتتنازلي عن قناعاتك عشان خاطر ابنك أو عشان خاطري، مها أبو الدهب هدفها واضح وصريح ومعروف من البداية، السيطرة على كل حاجة، عشان كده عمر علاقتنا ما هتنفع يا مها، أنا آسف بس حان وقت ننهيها.
طالعته بصدمة، لقد شرحها وكأنه يعلمها أكثر من نفسها، يعلم خباياها وما تحاول فعله، كلماته كانت كالمرآة التي وضعها أمامها. لااا ليس كما أخبرتها والدتها، هو مختلف، مختلف لدرجة تجعلها تتمسك به أكثر وأكثر، هل تتركه يذهب لتلك الوضيعة وتحصل على كل تلك المميزات وتخسر هي أمامها؟ هل تخسر أمام الجميع وتجعلهم يقولون أن مها أبو الدهب لم تستطع أن تجعل حمزة الجواد يعشقها وذهب ليعشق ابن سائق؟ مجرد الفكرة تجعلها تصاب بالجنون.
كادت تتحدث ولكن رن هاتف حمزة فأخرجه يرى المتصل فوجده سالم.
تنهد وأجاب بترقب:
– أيوه يا بابا؟
أردف سالم بجدية وغضب واندفاع:
– حمزة شوقي اتقبض عليه، هات المحامي بسرعة وتعالى ورايا على مركز…
وقف ينظر لمها بصدمة ثم أردف متسائلاً:
– خير يا بابا إيه اللي حصل؟
أردف سالم بغضب وحدة:
– معرفش، بيقولوا إنه كان جايب شحنة لحسابه من غير علمي وطلع فيها مواد مخدرة، لو كده تبقى مصيبة وحلت على راسنا كلنا، حالا تجيب المحامي وتيجي.
أغلق معه ونظر لمها التي وقفت متسائلة بترقب:
– فيه إيه؟
تنهد يبتلع ريقه ثم أردف بترقب:
– شوقي بيه اتقبض عليه، وأنا لازم آخد المحامي وأروحه فوراً.
اتسعت عينيها بصدمة وأردف بحدة وغضب:
– قبضوا عليه ليه؟ وإزاي؟ هما مش عارفين هو مين؟
غضب وزفر بيأس ثم لف يتركها ويندفع للخارج، بينما هي اتجهت بغضب تبدل ثيابها وتلحق به لترى ما حدث.
بعد ثلاثة أيام.
تم حبس شوقي على ذمة التحقيق وحتى يتم فحص المواد المخدرة ولم يستطع المحامي ولا ماله ولا أي نفوذ أن يسحبوه من أسفل يد العدالة.
انتشر الخبر عبر الصحف والإعلام والميديا وسقطت أسهمه وأسهم ابنته محدثة خسارة فادحة، بينما انخفضت أسهم سالم وعائلته بشكل ملحوظ نسباً لشراكتها معاً، مما أدى إلى تدهور صحة سالم بعد هذا الخبر وسقوطه وسط شركته وأولاده الذين أسرعوا بنقله عبر سيارة إسعاف إلى المشفى.
جن جنون مها وسعاد اللتان تحاولان عبثاً التواصل مع من يساعدهما، ولكن الجميع سعداء وشامتين بما أصاب شوقي.
أما شوقي فلم يتحمل حبسه وتشويه سمعته وخبر خسارته الذي تلقاه من محاميه، فسقط أرضاً مكانه وتم نقله عبر سيارة إسعاف مشددة إلى المشفى على الفور ليحاولوا إسعافه حيث أصيب بأزمة قلبية حادة.
في منزل حمدي.
تجلس ريتان مع أسرتها تتابع الأخبار المنشورة عبر التلفاز بحزن، ذكرها الخبر بطليقها الذي فر هارباً من العدالة بعد أن ساعد في دخول تلك المواد إلى البلد.
تنهدت جميلة وأردفت بحزن:
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، طب وبعدين يا حمدي، ده كده خسارة كبيرة ليهم؟
زفر حمدي وأردف بملامح باهتة وحزن:
– طبعاً يا جميلة، ربنا يستر ويعديها على خير.
أردف بسمة بحدة وسلاطة لسان كعادتها:
– أقطع دراعي من هنا إن ما كان جوز بنت شوقي له يد معاه، طول عمري بقول عليه خبيث، بس هو ذكي هو وأبوه خلوا شوقي هو اللي يشيل الليلة لوحده، وكده كده بنته في أمان يبقى بالسلامة هو بقى، وهما طلعوا منها زي الشعرة من العجينة، وأكيد دي مش أول مرة، أومال كل العز ده منين.
نطقت ريتان ونطق قلبها قبل لسانها مدافعة بثقة ويقين:
– لا طبعاً، حمزة مستحيل يكون له دخل في حاجة زي دي.
نظرت لها بسمة بحنق وأردفت ساخرة:
– هتفضلي غبية طول عمرك وبتحكمي على الناس من برا، زي ناصف كده.
وقفت تردف بثقة عشق وغضب:
– الغباء هو اللي إنت بتقوليه، معنى كده إن عشيتنا إحنا كمان حرام! مهو بيتنا مفتوح من شغل بابا عندهم، فكري كويس قبل ما تقولي أي كلام.
التفتت تطالع والدها ووالدتها ثم أردفت تعود لهدوئها:
– عن اذنكم أنا هدخل أنام.
غادرت إلى غرفتها، بينما نظر حمدي لابنته بسمة وأردف بنبرة غاضبة:
– كبرتي وطولتي ولسانك طول معاكي، عيب لما تقولي لأختك الكبيرة غبية وعيب لما تعلي صوتك وأنا قاعد وعيب لما تتكلمي على الناس اللي بيتنا مفتوح منهم بالشكل ده.
زفرت بحنق ووقفت تتجه هي الأخرى لغرفتها بضيق.
أما ريتان فدَلفت تغلق خلفها واتجهت تستند على فراشها وتهدئ أنفاسها، نعم كلمات شقيقتها استنفرتها، هي لم تعشق رجلاً سيء الأخلاق، هي عشقت ذلك الخلوق المخطئ، هي على يقين أنه لن ولن يقوم بتلك الأعمال بل سيتصدى لها، عذابها معه وألمها منه لن يكونا ضده في ذلك الأمر بل ستدعمه بصمت لأنها لن تسمح لأي كائن أن يشكك في إحساسها به، تعلمه جيداً، حتى أنها نحتت له داخل عقلها تمثال متكامل لطخه هو ببعض الأخطاء ولكن هيكله نظيف سليم كما هو، لذلك فإن ثقتها به في ذلك الأمر قوية جداً.
دثرت يدها في جيبها تخرج هاتفها وقد قررت مهاتفة كاري بعدما حسبها قلبها على الاطمئنان.
هاتفتها وأجابت كاري قائلة بصوت حزين:
– ريتان، إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟
تنهد ريتان تردف بترقب:
– إزيك يا كاري، إيه الأخبار؟
أردفت كاري بحزن:
– تمام، بس عمي سالم تعبان أوي، وكمان شوقي بيه ربنا يستر عليه.
تنهدت وقلبها يتساءل عنه ولكن لسانها أبى النطق، فقال كاري بترقب وكأنها شعرت بها:
– اللي صعبان عليا بجد هو حمزة، من جهة أبوه ومن جهة حماه ومن جهة الشركة.
زفرت تتابع دون قصد حزناً على حاله:
– ده غير مراته وابنه، ماشي تايه فعلاً.
أغمضت عينيها ولعنت نفسها، كلمة زوجته وابنه ذكرتها أن ليس لها أي حقوق عليه حتى السؤال الخفي، لذلك أردفت بهدوء:
– تمام يا كاري، خدي بالك من مراد وخليكي جنبه، حاولي تخففي عنه، أنا هقفل دلوقتي، سلام.
أغلقت معها وجلست تلتقط أنفاسها، ثم قررت أن تتوضأ وتصلي لتبعد تلك الأفكار عن رأسها.
بعد يومين في المشفى الاستثماري التي تم نقل شوقي إليه.
تجلس مها بجواره تطالعه بصمت، لا تعلم أتغضب منه أم تحزن على ما أصابه.
سعلة خفيفة منه وسط صوت الأجهزة أنبهتها له، فوقفت تميل مردفة بترقب:
– بابي؟ سامعني؟
أردف بنبرة خافتة وهمسة وهو يشعر بنهايته تقترب:
– حمزة، عايز حمزة.
وقفت متعجبة من طلبه وتنهدت ثم التفتت تغادر للخارج حيث يقف شرطي على باب غرفته.
ابتعدت قليلاً وأخرجت هاتفها تهاتفه.
أجاب يردف بترقب:
– أيوه يا مها؟
أردفت بنبرة منكسرة:
– بابي عايز يشوفك.
تنهد وأردف بهدوء:
– تمام… جاي حالاً.
بعد حوالي ساعة يجلس أمامه في المشفى. رفع شوقي يده ببطء يزيح ذلك الماسك عن وجهه وينظر لابنته بضعف ووهن مردفاً:
– سيبيني مع حمزة شوية يا مها.
نظرت له بشك ثم أومأت وخرجت تغلق الباب خلفها. سعل شوقي يشعر بأن أنفاسه ستغادر جسده الآن، لذلك أسرع يردف بوهن وترجى:
– عايزك تخلي بالك من مها يا حمزة، وصيتي ليك هي بنتي، أوعى تسيبها، أنا عارف إنك محبتهاش وعارف إننا ظلمناك بس إنت الوحيد اللي هتقدر تحميها من أعدائي ومن نفسها ومن أمها، اوعدني يا حمزة، اوعدني مستسبهاش.
التوت أحشاؤه وشعر بتخدر أطرافه وهو يستمع إليه بصدمة، لاحظها شوقي فتابع بوهن:
– أنا عارف إنك عايز تطلقها، سمعتها وهي بتقول لأمها، عشان كده بوصيك، أنا مش هأمن حد عليها غيرك، اوعدني متسبهاش، مبقاش فيه حاجة تتسند عليها، خسرنا كل حاجة حتى السمعة، خليك جنبها لما تقف على رجليها من تاني، هي هتقدر بس محتاجالك، اوعدني يا حمزة، خليني أموت وأنا مرتاح، سيبها لما ترجع اللي خسرناه تاني، بس خليك جنبها دلوقتي.
شعر بعالمه ينهار من حوله، كيف يوعده بما لا يستطيع عليه صبراً؟ كيف سيتحمل هو؟
مد شوقي يده يشدد بها حول يد حمزة مردفاً كأن روحه ترفض تركه إلا بعد أن يجيبه:
– اوعدني يا حمزة، اوعدني متسبهاش.
أغلق حمزة عينيه بقوة، فتح صدره ونزع قلبه بيده الحرة وألقاه بعيداً يحكم ضميره عن مشاعره ويردف بنبرة خالية من أي شعور:
– تمام، بوعدك.
شهق شهقته الأخيرة وغادرت الروح بأمر ربها، تاركة جسد رجل طمع في المزيد فلقى مصيراً غير مشرف.
وقف حمزة يترك يده بهدوء وظل يطالعه بصمت وشرود.
فتحت الباب ودلفت كأنها شعرت به، تقدمت منه بجنون تردف بعيون متسعة:
– بابي؟ بااابي.
مد حمزة يده يسحبها إليه ويردف بحزن وانكسار:
– البقاء لله يا مها.
صرخت بقوة زلزلت المكان ونزعت يده بعنف ترتمي على جسد والدها الساكن وتهزه بعنف مستنكرة موته تردف بقهر وضعف ظهر بوضوح:
– لااااااا، متسبنييش، متتوتش وتسيبني.
عاد حمزة ينزعها من فوق جسد والدها بقوة واستطاع ذلك خصوصاً بعد حضور الطبيب والشرطي، فوقفت تحاول الفكاك من قبضته وتصرخ بقوة وهي ترى الطبيب يؤكد على موت والدها ويغطي وجهه بالملاءة أمام أعينها التي جحظت وتوقف جسدها عن المقاومة، فالتفتت تدفن وجهها في صدر حمزة وتهز رأسها وكأنها ترفض الواقع، وهو يقف يحتويها بحال مشتت بين وعده وواجبه وبين سعادته التي سحقت.
ويبقى فقدان الأب هو أشد أنواع العذاب وكسر القوة والجبروت.
انتهى البارت 😘
بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
{وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين}
البارت الرابع عشر من رواية 💔 للقلب أخطاء لا تغتفر 💔
بقلم آية العربي
قراءة ممتعة
يعشق اللون الأسود ويحب السير في المطر ولا ينام مبكراً ويختار الصمت ويتابع من بعيد.
لا يتدخل بشؤون الآخرين وصديقاً للكل ووحيداً لا يعلم معنى الكره ولكنه يجيد الرحيل.
يشارك الجميع ويفضل أن يكون وحده، وقليل الكلام ومخلص.
بعد شهر.
حاولا حمزة ومراد جاهدين أن يحجبا الأخبار والأقوال السيئة التي انتشرت، كما اعتمدا على الدعم المعنوي من المقربين لهم سواء على محيط الأعمال أو المحيط الشخصي، وللحق يقال فإن لعائلة الجواد رصيد جيد عند الكثيرين، خصوصاً شقيق سالم المتوفي والد شيرين والذي يشبه حمزة كثيراً.
دلف حمزة من باب القصر وخلفه مها التي كانت تمكث في منزل والدها منذ وفاته والذي ذهب ليحضرها.
دلفا فوجدا الجميع يطالعها بنظرة فاقدة لأي رأفة أو شفقة، الجميع يرمقها ويلقي بالذنب عليها.
كان سالم يجلس على الأريكة في بهو القصر ومعه عكازه الذي أصبح يلازمه مؤخراً بسبب جلطة أصابت قدمه بعد تلك الأخبار وبعد الخسارة الجزئية لأسهمهم.
وقف مستنداً عليه وساعدته في ذلك زوجته صفية.
نظر لها بكره وغضب وأردف بحدة وحسرة وقسوة:
– إنت جايبها هنا ليه؟ دي مبقاش لها مكان بينا، تغور من هنا وتحل عنا بعد اللي أبوها عمله فينا، كان يوم أسود يوم ما شاركته، كنت مفكر أنه فعلاً عايز ينقذني من الخسارة بس هو كان له حسابات تانية، طلقها حالاً وتغور من هنا أنا مش طايق أبص في وشها.
وقفت لأول مرة تشعر بالانكسار والذل وهي تطالع سالم بكره وغل، ولكن لم تعد تهاجم، سقط غرورها وتكبرها أمامه.
نظر حمزة لوالده بحزن، بيأس، بخجل من قراراته الأنانية دائماً.
لف نظره لمها وأردف بنبرة باردة تخفي وراءها ألماً لم يجد له مسكن:
– أطلعي على فوق.
نظرت له بصمت ثم لفت نظرها للجميع تطالعهم بكره واتجهت بعدها تصعد للأعلى وسط غضب سالم.
خطى حمزة إليه حتى توقف أمامه ينظر داخل عينيه بقوة ثم مال يردف بهمس وألم:
هذا ما جناه عليا أبي، وهذا ما جنيته على نفسي.
ابتعد ينظر للجميع بعيون حادة ويردف بصوت عالٍ وصرامة:
– مافيش طلاق، مها هتفضل هنا لحد ما تقدر ترجع ولو جزء من خسارتهم.
صرخ سالم بغضب مضاعف يردف برفض قاطع:
– مش هيحصل، دول خسرونا كتير أوي، طلقها زي ما إنت كنت عايز، قعادها هنا بعد اللي أبوها عمله هيجبلنا الخراب، إنت كنت صح.
ولأول مرة يتحول حمزة ويصبح كالأسد المجروح وهو يهتز بهستيرية ويردف بصراخ رج أرجاء المكان والقلوب وفاجأ الجميع:
– كنت صح إزاااااي؟ مش دي اختياااااارك؟ مش دي المنااااسبة للعيلة وليا ولأولااااادي؟ أطلقها بعد ما وقعت؟ أختار راااحتي وأنسى مبادئي وإبني؟ أعمل زيك؟ خلفتني لييييه يا ساااالم بيه؟ عشان أقولك على كل حاجة حاضر ونعم؟ كفااااية بقى، كفاية ضرب فيا بقى لأني أصلاً ميت، إفرح يا سالم بيه بإنجازاتك، أفرح بابنك اللي كله أخطاء، ارتاح لأني اتخليت عن راحتي من زمان، ذنبي ولازم أكفر عنه.
التقط نفساً قوياً يردف بقهر وقوة وصلابة أمام أعين الجميع، حتى كاري كانت تلتصق بزوجها المتألم وتطالعه بحزن وشفقة:
مها هتفضل عايشة هنا، لإمتى معرفش بس من دلوقتي لحد ما المدة دي تخلص محدش يقول حاجة، ولا أي حاجة، زي ما الكل سكت من الأول هتسكتوا دلوقتي.
نظر لوالده الذي يطالعه بصدمة، فلأول مرة يرى حمزة في تلك الحالة التي أخافته حقاً، بينما هو تركهم واندفع يصعد الدرج ليكمل ما ينوي فعله وهو في قمة غضبه وقهره.
دلف جناحه ومنه إلى غرفته مندفعاً، وجدها تجلس على الفراش شاردة، وقف أمامها وأردف بنبرة لا تحمل نقاشاً وهو يعد على أصابعه:
– ليكي عندي الأمان والحماية والدعم والإسم اللي هتحاولي تحققي بيه طموحك لأن للأسف إسم شوقي بيه اتلوث خلاص بعد اللي عمله، غير كده مافيش أي حقوق ما بينا نهائي، الوقت اللي هتقوليلي طلقني فيه هطلقك فوراً، ووقوفي جنبك أولاً عشان خاطر حاجة في نفسي أنا وثانياً عشان ابني اللي عايزله مستقبل مشرف، مش هسمح بحد يعايره بكلمة واحدة بسبب جد طماع، العار اللي هو سبهولنا مش هيطول ابني.
كانت تستمع له وتبكي بقهر ولم تستطع الدفاع عن والدها المتوفي، تشعر بالخزي والغضب في آن واحد، فحقاً ترك لهم عار سيطولها ويلجم طموحها ونجاتها الوحيدة من هذا الطوفان هو زواجها من حمزة.
أما هو فزفر بقوة ومسح على وجهه يردف بغضب:
– جه الوقت اللي تحققي طموحك فيه زي ما كنتِ عايزة، ولو حاولتي في يوم تعملي الحركات بتاعتك اللي كانت سعاد هانم بتقولك عليها وانتِ بتنفذي زي اللعبة هطلقك فوراً، هتشليني من حساباتك تماماً، عاجبك على كده؟
تنهد بقوة يحاول نطقها بصعوبة وقوة يكمل:
– يبقى تمام.
صمتت تفكر، خسرت كل شيء في لمح البصر وسقط غرورها وتكبرها وباتت في موضع ضعف وعليها أن تقوى وتنهض مجدداً ولن يحدث ذلك إلا وهي زوجته، لذلك أومأت تردف بهدوء:
– تمام، موافقة.
أغمض عينيه بقوة، جزء صغير معاكس في داخله يتمنى لو كانت رفضت، ولكن تبقى هي مها أبو الدهب ويبقى هو حمزة الجواد.
زفر والتفت يغادر تاركاً الغرفة والجناح والقصر بأكمله.
رآه الجميع يغادر فتنهدوا بحزن وأكملوا ما يفعلون إلا كاري التي نظرت لزوجها وأردفت مترجية:
– روح وراه يا مراد، متسبهوش وهو في الحالة دي.
تنهد بقوة وطالعها بأسف يردف:
– الأحسن يبقى لوحده يا كاري، لما يرجع هتكلم معاه.
شردت تفكر بحزن فيما سمعته، يبدو أن حمزة كان وإلى الآن يحب رفيقتها حقاً ولكن هناك أموراً تقيد راحته وحريته، يبدو أنه يعاني منذ سنوات، تفكر هل تخبر ريتان بما سمعته؟ ويبدو أن مراد قرأ أفكارها لذلك مال عليها يردف بترجٍ وهمسة:
– كاري، لو سمحتي بلاش تحكي لأي حد أي حاجة بتحصل هنا، الأفضل إن الأمور تفضل جوه البيت ده حالياً ومتطلعش برا، مافيش حد هيستفيد حاجة لو اتقال، فهماني؟
دققت النظر في عينيه وأومأت بتفهم، فمال يقبل وجنتها ثم ابتعد يردف بترقب وتروي:
– خلى حمزة هو اللي يحكي كل وجعه وكل معاناته في وقتها، لما يخلص من كل الضغوطات دي ساعتها الكلام هيبقى مهم ومسموع.
أومأت بتفهم واقتناع وقد أيقنت حب حمزة لصديقتها، فحقاً حتى وإن أخبرت ريتان بما عرفته فلن ترتاح بعدها وستعود لبناء قصور وهمية الآن خصوصاً أنها لن تقبل أن تدلف حياته على أنها زوجة ثانية.
بعد مرور خمس سنوات.
تغيرت أحوال الجميع دون استثناء.
واجهت عائلة الجواد صعوبات كثيرة كي تستطيع العودة لعهدها بعد الخسارة الجزئية التي أصابتها والمتسبب الأول والأخير في ذلك هو سالم نفسه بعدما تحالف مع شيطان الطمع شوقي الذي يشبهه كثيراً إلا في حب ابنته وتفضيلها على المال.
تكاتف سالم مع ولديه حمزة ومراد وبدأوا في وضع خطة جديدة لبناء أسهمهم، ولكن بسبب وضع سالم الصحي كان الحمل الأكبر على حمزة الذي لم يقبل بالسفر وعقد الصفقات الخارجية نسبةً لتوليه دور الأب على أكمل وجه، فبات مراد هو من يسافر ويقود التعاقدات الخارجية بعد خطة دبلوماسية مع شقيقه ووالده لكي ينهضوا مجدداً وبالفعل حققوا ما أرادوا بعد عدة سنوات.
وهب فيهم حمزة حياته لطفله مروان الذي أتى إليه ليعطي لحياته أملاً ويلونها ويضيف للمكان بأكمله البهجة والسعادة هو وبيرين ابنه عمه مراد مدللة أبيها الجميلة التي تشبه والدتها كاريمان والتي تبلغ من العمر 4 سنوات وها هي كاري تحمل في طفلها الثاني.
تربيا سوياً ونعم مروان الذي أصبح على وشك دخول الصف الأول بدلال جدته وحنو عمته وحب كاري وشيرين إلا أنه دائماً يفتقد احتواء الأم التي تركت مسؤوليته كاملة عليهن وحاولت النهوض مجدداً وها هي تسافر وتسعى وتعافر بقوة شرسة لإعادة أسهم شركتها لعهدها مستخدمة اسم الجواد عامةً واسم زوجها خاصةً في تحقيق كل ما أرادت.
واجهتها مشاكل وسقطت مرات عدة وفي كل مرة يمد لها يد العون خصوصاً بعدما لاحظ التغيير الإيجابي في شخصيتها، ولكن هذا التغيير لم يطل تمسكها به ولم يطل حقدها الدفين لريتان، فقد تنازلت قليلاً عن غرورها وباتت أكثر طاعة وأكثر ذكاء عن ذي قبل.
لأنها تعلم جيداً مدى رغبته في الطلاق لذلك باتت لا تستفزه بأي شكل خصوصاً بعد سفر والدتها منذ عامين إلى كندا لشقيقتها وتركتها وحيدة بينهم.
تعلم أيضاً أنه يتابع أخبار ريتان جميعها ويراقبها وينتظر الفرصة ليحصل عليها، لذلك هي أيضاً قامت بتوظيف شخص مهمته فقط نقل أخبار ريتان حتى عاملة النظافة في المدرسة التي تعمل بها ريتان باتت تعمل لصالحها وتنقل لها كل ما تراه وتسمعه.
كانت المافيا ترسل لها تهديدات بسبب الخسارة التي طالتها بعد إعدام بضاعتها، لذلك استعان حمزة بشركة الحراسات الخاصة بصديقه في حمايتها وترك حماية طفله له، ولكن انتهى تهديدهم بعد أن تم القبض على أكبر تنظيم تابع لهم داخل مصر منذ عدة أشهر وأصبحت السلطات تطاردهم.
أما سناء فقط أتتها دعوة للانضمام إلى عضوية بعض الجمعيات الخيرية وبالفعل وافقت وها هي تساعد في دعم وتأسيس تلك الجمعيات الخيرية التي تعمل على الحد من ظاهرة أطفال الشوارع والمشردين.
قبل عامين وبسبب الظروف الصحية السيئة التي طالت سالم قرر التقاعد وترك أمر الشركة وإدارتها لأولاده خصوصاً بعدما أثبتا جدارتهما في القضاء على خسارتهم.
وبسبب ذلك فقط ترك حمدي أيضاً العمل لديه كسائق وأعطاه حمزة مكافأة لنهاية خدمته وولاؤه لهم.
كان يود دفعها كمقدم لشراء سيارة يعمل عليها، ولكن نصحته زوجته جميلة أن يقوم بفتح محل تجاري لبيع منتجات الألبان وطلبت من أهلها في القرية أن يمولوه بالمنتجات الفلاحي والعمالة المناسبة.
تجنبت العائلة مها تماماً وهي تجنبتهم أيضاً وباتت فقط تراهم صدفة وتجلس منفردة تخطط وتراقب كل شيء في صمت ولا تحتك بهم أبداً، فهي ترسم جيداً ما تريده وتعلم أن التهور واستفزاز حمزة لن يفيدها أبداً. أحياناً وبعد أن خسرت وجهتها الاجتماعية وخسرت كل ما كانت تتباهى به تتمنى أن يستمر زواجها، تتمنى أن تظل معه وتحصل على كل تلك المميزات التي هي على يقين أنها لن تحصل عليها مع غيره، تتمنى أن ينسى أمر طلاقه منها ويعطي لهما فرصة، ولكن كلما حاولت الاقتراب خطوة أبعدها خطوات، لذلك تركت الأمر مؤقتاً.
أما حمزة الذي كان يراقب ريتان ولنقل يؤمنها من خطر ناصف، تلقى في أحد الأيام خبر تقديم أحدهم لخطبتها وبرغم رفضها القاطع بسبب مشكلتها مع الانجاب إلا أنه قرر أن يتحدث معها ويحاول شرح الأمور، فلن يقف تلك المرة يتابع في صمت، يعلم أنها يحق لها بدء حياة جديدة هادئة ويعلم أنها تستحق الأفضل دائماً عن تلك الحياة المعقدة التي يعيشها، ولكن لا إرادياً أحياناً يصاب بأنانية العشق. لذلك حاول أن يتحدث معها لربما أقنعها بما ينوي، ولكن كالعادة رفضت الحديث معه تماماً وحتى أنها باتت تتجنب لقاء سناء، فقط نوت أن تطوي تلك الصفحة من حياتها للأبد، لذلك فقد قرر حمزة الآتي: إن لم تتقبله في حياتها حسناً لتتقبل صغيره، ليضعه أمامها وليكن سبباً في قربهما، ليربطها به، يعلم حبها للأطفال وتعلقها الشديد بهم كما أخبرته السيدة منال في الخفاء، فهما الاثنان بحاجة بعض، هي بحاجة طفل تبث فيه أمومتها دون قيود ولن يكون سوى طفله، وطفله بحاجة أم تحتويه دون شروط، إن لم ينجح هو في إعادتها إليه فليعدها طفله. وبالفعل أرسل صغيره إليها منذ عامان حتى يلتحق بالمستوى التعليمي الأول، بل أصر هو على إيصاله في كل مرة، نعم بات يراها يومياً في العام الدراسي وفي كل مرة يزيد عشقه وشغفه بها وكأنه يدخره في جرة أوشكت على الانفجار، خصوصاً بعدما تعلق بها الصغير وبات يتحدث معه عنها وعن حنانها معه وهذا ما جعل قلبه يتضخم عشقاً ويتآكل ألماً وحسرة على حالهما، يعلم أنها معها كل الحق في عدم تقبله أو سماعه، وأدرك جيداً قيمتها وأنها تستحق أن تكون الوحيدة والأخيرة في حياته، تستحق أن تكون ملكته المتوجة، تستحق أن يحل أموره كاملة ويذهب إليها دون أي مشاكل أو قيود.
يعشقها وعشق الرجال النبلاء عذاب، يصبح أمام كفتي ميزان حياته يحاول وزن العشق مع الضمير ولكن في كل مرة يغلبه ضميره متحسراً على كفة عشقه التي تتهاوى.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اية العربي
بعد شهر
حاول حمزة ومراد جاهدين أن يحجبا الأخبار والأقوال السيئة التي انتشرت، كما اعتمدا على الدعم المعنوي من المقربين لهم، سواء على محيط الأعمال أو المحيط الشخصي. وللحق يقال، فإن لعائلة الجواد رصيد جيد عند الكثيرين، خصوصاً شقيق سالم المتوفي، والد شيرين، الذي يشبه حمزة كثيراً.
دلف حمزة من باب القصر وخلفه مها، التي كانت تمكث في منزل والدها منذ وفاته، والذي ذهب ليحضرها.
دلفا فوجدا الجميع يطالعها بنظرة فاقدة لأي رأفة أو شفقة. الجميع يرمقها ويلقي بالذنب عليها.
كان سالم يجلس على الأريكة في بهو القصر ومعه عكازه الذي أصبح يلازمه مؤخراً بسبب جلطة أصابت قدمه بعد تلك الأخبار وبعد الخسارة الجزئية لأسهمهم.
وقف مستنداً عليه، وساعدته في ذلك زوجته صفية.
نظر لها بكره وغضب، وأردف بحدة وحسرة وقسوة:
– إنت جايبها هنا ليه؟ دي ما بقالهاش مكان بينا. تغور من هنا وتحل عنا بعد اللي أبوها عمله فينا. كان يوم أسود يوم ما شاركته. كنت مفكر إنه فعلاً عايز ينقذني من الخسارة، بس هو كان له حسابات تانية. طلقها حالاً وتغور من هنا، أنا مش طايق أبص في وشها.
وقفت لأول مرة تشعر بالانكسار والذل وهي تطالع سالم بكره وغل، ولكن لم تعد تهاجم. سقط غرورها وتكبرها أمامه.
نظر حمزة لوالده بحزن، بيأس، بخجل من قراراته الأنانية دائماً.
لف نظره لمها وأردف بنبرة باردة تخفي وراءها ألماً لم يجد له مسكن:
– اطلعي على فوق.
نظرت له بصمت، ثم لفت نظرها للجميع تطالعهم بكره، واتجهت بعدها تصعد للأعلى وسط غضب سالم.
خطى حمزة إليه حتى توقف أمامه، ينظر داخل عينيه بقوة، ثم مال يردف بهمس وألم:
– هذا ما جناه عليا أبي، وهذا ما جنيته على نفسي.
ابتعد ينظر للجميع بعيون حادة، ويردف بصوت عالٍ وصرامة:
– ما فيش طلاق. مها هتفضل هنا لحد ما تقدر ترجع ولو جزء من خسارتهم.
صرخ سالم بغضب مضاعف، يردف برفض قاطع:
– مش هيحصل. دول خسرونا كتير أوي. طلقها زي ما إنت كنت عايز. قعادها هنا بعد اللي أبوها عمله هيجيب لنا الخراب. إنت كنت صح.
ولأول مرة يتحول حمزة ويصبح كالأسد المجروح، وهو يهتز بهستيرية ويردف بصراخ رج أرجاء المكان والقلوب، وفاجأ الجميع:
– كنت صح إزاي؟ مش دي اختيارك؟ مش دي المناسبة للعيلة وليا ولأولادي؟ أطلقها بعد ما وقعت؟ أختار راحتي وأنسى مبادئي وابني؟ أعمل زيك؟ خلفتني لييييه يا سالم بيه؟ علشان أقولك على كل حاجة حاضر ونعم؟ كفااااية بقى. كفاية ضرب فيا بقى لأني أصلاً ميت. افرح يا سالم بيه بإنجازاتك. افرح بابنك اللي كله أخطاء. ارتاح لأني اتخليت عن راحتي من زمان. ذنبي ولازم أكفر عنه.
التقط نفساً قوياً، يردف بقهر وقوة وصلابة أمام أعين الجميع، حتى كاري كانت تلتصق بزوجها المتألم وتطالعه بحزن وشفقة:
– مها هتفضل عايشة هنا. لإمتى معرفش، بس من دلوقتي لحد ما المدة دي تخلص محدش يقول حاجة. ولا أي حاجة. زي ما الكل سكت من الأول هتسكتوا دلوقتي.
نظر لوالده الذي يطالعه بصدمة، فلأول مرة يرى حمزة في تلك الحالة التي أخافته حقاً، بينما هو تركهم واندفع يصعد الدرج ليكمل ما ينوي فعله وهو في قمة غضبه وقهره.
دلف جناحه ومنه إلى غرفته مندفعاً. وجدها تجلس على الفراش شاردة. وقف أمامها وأردف بنبرة لا تحمل نقاشاً وهو يعد على أصابعه:
– ليكي عندي الأمان والحماية والدعم والاسم اللي هتحاولي تحققي بيه طموحك، لأن للأسف اسم شوقي بيه اتلوث خلاص بعد اللي عمله. غير كده ما فيش أي حقوق ما بينا نهائي. الوقت اللي هتقولي لي طلقني فيه هطلقك فوراً. وقوفي جنبك أولاً علشان خاطر حاجة في نفسي أنا، وثانياً علشان ابني اللي عايز له مستقبل مشرف. مش هسمح بحد يعايره بكلمة واحدة بسبب جد طماع. العار اللي هو سبهولنا مش هيطول ابني.
كانت تستمع له وتبكي بقهر، ولم تستطع الدفاع عن والدها المتوفي. تشعر بالخزي والغضب في آن واحد. فحقاً ترك لهم عار سيطولها ويلجم طموحها، ونجاتها الوحيدة من هذا الطوفان هو زواجها من حمزة.
أما هو فزفر بقوة ومسح على وجهه، يردف بغضب:
– جه الوقت اللي تحققي طموحك فيه زي ما كنتِ عايزة. ولو حاولتي في يوم تعملي الحركات بتاعتك اللي كانت سعاد هانم بتقولك عليها وأنتِ بتنفذي زي اللعبة، هطلقك فوراً. هتشليني من حساباتك تماماً. عاجبك على كده؟
تنهد بقوة يحاول نطقها بصعوبة وقوة، يكمل:
– يبقى تمام.
صمتت تفكر. خسرت كل شيء في لمح البصر، وسقط غرورها وتكبرها، وباتت في موضع ضعف، وعليها أن تقوى وتنهض مجدداً، ولن يحدث ذلك إلا وهي زوجته. لذلك أومأت تردف بهدوء:
– تمام. موافقة.
أغمض عينيه بقوة. جزء صغير معاكس في داخله يتمنى لو كانت رفضت، ولكن تبقى هي مها أبو الدهب، ويبقى هو حمزة الجواد.
زفر والتفت يغادر، تاركاً الغرفة والجناح والقصر بأكمله.
رآه الجميع يغادر، فتنهدوا بحزن وأكملوا ما يفعلون، إلا كاري التي نظرت لزوجها وأردفت مترجية:
– روح وراه يا مراد. متسبهوش وهو في الحالة دي.
تنهد بقوة وطالعها بأسف، يردف:
– الأحسن يبقى لوحده يا كاري. لما يرجع هتكلم معاه.
شردت تفكر بحزن فيما سمعته. يبدو أن حمزة كان وإلى الآن يحب رفيقتها حقاً، ولكن هناك أموراً تقيد راحته وحريته. يبدو أنه يعاني منذ سنوات. تفكر هل تخبر ريتان بما سمعته؟
ويبدو أن مراد قرأ أفكارها، لذلك مال عليها يردف بترجي وهمس:
– كاري. لو سمحتي بلاش تحكي لأي حد أي حاجة بتحصل هنا. الأفضل إن الأمور تفضل جوه البيت ده حالياً ومتطلعش برا. ما فيش حد هيستفيد حاجة لو اتقال. فهماني؟
دققت النظر في عينه وأومأت بتفهم، فمال يقبل وجنتها، ثم ابتعد يردف بترقب وتروي:
– خلي حمزة هو اللي يحكي كل وجعه وكل معاناته في وقتها. لما يخلص من كل الضغوطات دي، ساعتها الكلام هيبقى مهم ومسموع.
أومأت بتفهم واقتناع، وقد أيقنت حب حمزة لصديقتها. فحقاً حتى وإن أخبرت ريتان بما عرفته، فلن ترتاح بعدها وستعود لبناء قصور وهمية الآن، خصوصاً أنها لن تقبل أن تدلف حياته على أنها زوجة ثانية.
بعد مرور خمس سنوات
تغيرت أحوال الجميع دون استثناء.
واجهت عائلة الجواد صعوبات كثيرة كي تستطيع العودة لعهدها بعد الخسارة الجزئية التي أصابتها، والمتسبب الأول والأخير في ذلك هو سالم نفسه، بعدما تحالف مع شيطان الطمع شوقي، الذي يشبهه كثيراً إلا في حب ابنته وتفضيلها على المال.
تكاتف سالم مع ولديه حمزة ومراد، وبدأوا في وضع خطة جديدة لبناء أسهمهم. ولكن بسبب وضع سالم الصحي، كان الحمل الأكبر على حمزة، الذي لم يقبل بالسفر وعقد الصفقات الخارجية، لتوليه دور الأب على أكمل وجه. فبات مراد هو من يسافر ويقود التعاقدات الخارجية، بعد خطة دبلوماسية مع شقيقه ووالده، لكي ينهضوا مجدداً، وبالفعل حققوا ما أرادوا بعد عدة سنوات.
وهب فيهم حمزة حياته لطفله مروان، الذي أتى إليه ليعطي لحياته أملاً ويلونها، ويضيف للمكان بأكمله البهجة والسعادة، هو وبيرين ابن عمه مراد، مدللة أبيها الجميلة التي تشبه والدتها كاريمان، والتي تبلغ من العمر 4 سنوات، وها هي كاري تحمل في طفلها الثاني.
تربيا سوياً، ونعم مروان، الذي أصبح على وشك دخول الصف الأول، بدلال جدته وحنو عمته وحب كاري وشيرين، إلا أنه دائماً يفتقد احتواء الأم التي تركت مسؤوليته كاملة عليهن، وحاولت النهوض مجدداً. وها هي تسافر وتسعى وتعافر بقوة شرسة لإعادة أسهم شركتها لعهدها، مستخدمة اسم الجواد عامةً واسم زوجها خاصةً في تحقيق كل ما أرادت.
واجهتها مشاكل وسقطت مرات عدة، وفي كل مرة يمد لها يد العون، خصوصاً بعدما لاحظ التغيير الإيجابي في شخصيتها. ولكن هذا التغيير لم يطل تمسكها به، ولم يطل حقدها الدفين لريتان. فقد تنازلت قليلاً عن غرورها، وباتت أكثر طاعة وأكثر ذكاء عن ذي قبل. لأنها تعلم جيداً مدى رغبته في الطلاق، لذلك باتت لا تستفزه بأي شكل، خصوصاً بعد سفر والدتها منذ عامين إلى كندا لشقيقتها، وتركتها وحيدة بينهم.
تعلم أيضاً أنه يتابع أخبار ريتان جميعها، ويراقبها، وينتظر الفرصة ليحصل عليها. لذلك فهي أيضاً قامت بتوظيف شخص مهمته فقط نقل أخبار ريتان، حتى عاملة النظافة في المدرسة التي تعمل بها ريتان باتت تعمل لصالحها وتنقل لها كل ما تراه وتسمعه.
كانت المافيا ترسل لها تهديدات بسبب الخسارة التي طالتها بعد إعدام بضاعتها، لذلك استعان حمزة بشركة الحراسات الخاصة بصديقه في حمايتها، وترك حماية طفله له. ولكن انتهى تهديدهم بعد أن تم القبض على أكبر تنظيم تابع لهم داخل مصر منذ عدة أشهر، وأصبحت السلطات تطاردهم.
أما سناء، فقط أتتها دعوة للانضمام إلى عضوية بعض الجمعيات الخيرية، وبالفعل وافقت، وها هي تساعد في دعم وتأسيس تلك الجمعيات الخيرية التي تعمل على الحد من ظاهرة أطفال الشوارع والمشردين.
قبل عامين، وبسبب الظروف الصحية السيئة التي طالت سالم، قرر التقاعد وترك أمر الشركة وإدارتها لأولاده، خصوصاً بعدما أثبتا جدارتهما في القضاء على خسارتهم.
وبسبب ذلك، فقط ترك حمدي أيضاً العمل لديه كسائق، وأعطاه حمزة مكافأة لنهاية خدمته وولائه لهم.
كان يود دفعها كمقدم لشراء سيارة يعمل عليها، ولكن نصحته زوجته جميلة أن يقوم بفتح محل تجاري لبيع منتجات الألبان، وطلبت من أهلها في القرية أن يمولوه بالمنتجات الفلاحي والعمالة المناسبة.
تجنبت العائلة مها تماماً، وهي تجنبتهم أيضاً، وباتت فقط تراهم صدفة وتجلس منفردة تخطط وتراقب كل شيء في صمت، ولا تحتك بهم أبداً. فهي ترسم جيداً ما تريده، وتعلم أن التهور واستفزاز حمزة لن يفيدها أبداً. أحياناً، وبعد أن خسرت وجهتها الاجتماعية وخسرت كل ما كانت تتباهى به، تتمنى أن يستمر زواجهما. تتمنى أن تظل معه وتحصل على كل تلك المميزات التي هي على يقين أنها لن تحصل عليها مع غيره. تتمنى أن ينسى أمر طلاقه منها ويعطي لهما فرصة، ولكن كلما حاولت الاقتراب خطوة أبعدها خطوات، لذلك تركت الأمر مؤقتاً.
أما حمزة، الذي كان يراقب ريتان، ولنقل يؤمنها من خطر ناصف، تلقى في أحد الأيام خبر تقديم أحدهم لخطبتها، وبرغم رفضها القاطع بسبب مشكلتها مع الانجاب، إلا أنه قرر أن يتحدث معها ويحاول شرح الأمور، فلن يقف تلك المرة يتابع في صمت. يعلم أنها يحق لها بدء حياة جديدة هادئة، ويعلم أنها تستحق الأفضل دائماً عن تلك الحياة المعقدة التي يعيشها، ولكن لا إرادياً أحياناً يصاب بأنانية العشق. لذلك حاول أن يتحدث معها لربما أقنعها بما ينوي، ولكن كالعادة رفضت الحديث معه تماماً، وحتى أنها باتت تتجنب لقاء سناء. فقط نوت أن تطوي تلك الصفحة من حياتها للأبد. لذلك فقد قرر حمزة الآتي: إن لم تتقبله في حياتها، حسناً لتتقبل صغيره. ليضعه أمامها وليكن سبباً في قربهما. ليربطها به. يعلم حبها للأطفال وتعلقها الشديد بهم، كما أخبرته السيدة منال في الخفاء. فهما الاثنان بحاجة بعض. هي بحاجة طفل تبث فيه أمومتها دون قيود، ولن يكون سوى طفله. وطفله بحاجة أم تحتويه دون شروط. إن لم ينجح هو في إعادتها إليه، فليعدها طفله. وبالفعل أرسل صغيره إليها منذ عامين حتى يلتحق بالمستوى التعليمي الأول. بل أصر هو على إيصاله في كل مرة. نعم، بات يراها يومياً في العام الدراسي، وفي كل مرة يزيد عشقه وشغفه بها، وكأنه يدخره في جرة أوشكت على الانفجار. خصوصاً بعدما تعلق بها الصغير وبات يتحدث معه عنها وعن حنانها معه، وهذا ما جعل قلبه يتضخم عشقاً ويتآكل ألماً وحسرة على حالهما. يعلم أنها معها كل الحق في عدم تقبله أو سماعه. وأدرك جيداً قيمتها وأنها تستحق أن تكون الوحيدة والأخيرة في حياته. تستحق أن تكون ملكته المتوجة. تستحق أن يحل أموره كاملة ويذهب إليها دون أي مشاكل أو قيود.
يعشقها، وعشق الرجال النبلاء عذاب. يصبح أمام كفتي ميزان حياته يحاول وزن العشق مع الضمير، ولكن في كل مرة يغلبه ضميره متحسراً على كفة عشقه التي تتهاوى معلنةً تنازلها.
يعلم لماذا ترفض من يتقدمون لخطبتها، ويتألم ويفرح في آن واحد على حالها. كانت مها تعلم جيداً أن ريتان هي معلمة صغيرها، ولكن مقيدة ولا تستطيع فعل شيء. باتت تخشى غضب حمزة وقلب الموازين، لذلك تتابع بصمت وانتظار الوقت المناسب.
أما ريتان، فقد وهبت حياتها للأطفال الذين يترددون على المدرسة.
جاء منذ عامين مدرس لغة فرنسية إلى المدرسة يدعى كريم، والذي رآه حمزة أكثر من مرة يتحدث مع ريتان، والأخرى تعامله بجدية، ولكنه يبغضه. نعم، تتعامل ريتان مع الجميع بكل جدية وثبات، حتى هو، ولكن يبقى هذا كريم وقربه منها يؤرقه.
أما بسمة، شقيقة ريتان، فتزوجت من زميلها الذي كان يكبرها ويسبقها بعدة سنوات. أحبها، وفور أن انتهت من جامعتها تزوجته وأنجبت طفلها الأول الذي يبلغ عامين، والذي أصبحت تتباهى به أمام شقيقتها. ولكن ريتان لا تعيرها أي اهتمام، بل كانت تحب الصغير كثيراً وتعتبره ابناً لها دون الاكتراث لشقيقتها الساذجة في نظرها.
وبرغم كل ما عانته، إلا أنها لم تتخل يوماً عن ابتسامتها. فهؤلاء الصغار أعطوها الحياة. حقاً، تناست أحزانها معهم، وأصبحت أكثر ثقة ونضج وحيوية.
وعن فريد، الذي عاد مصر منذ عامين بعد إلحاح صفية عليه وبعد مكثه في فرنسا لسنوات، فقد قرر بعد تلقيه خبر زواج ميادة أن يظل هناك ويثبت جدارته، ونجح في ذلك. ولكن يبقى الحنين لأهله ولرؤيتهم، لذلك عاد.
قبل عامين
(الجميع يتأهب لاستقباله بسعادة ولهفة، خصوصاً صفية، وبالطبع شيرين التي أصبحت شابة ذات أنوثة طاغية تخفيها خلف ملابسها المحتشمة وحجابها الرقيق وملامحها الجميلة والقوية في آن واحد.
توقفت سيارة مراد الذي ذهب ليحضره من المطار، وترجل مراد أمام الجميع، وترجل على الطرف الآخر فريد الذي تغيرت ملامحه قليلاً وأصبح أكثر جاذبية وهيبة عن ذي قبل.
خطى حمزة يحمل صغيره ويرحب به ترحيباً حاراً، وفريد يبادله باشتياق ويضم الصغير بحب وحنان، بينما أسرعت صفية تضمه بقوة وتبكي، وهو كذلك يبكي ويضمها بشدة.
بعد ترحيب الجميع له، وحتى شيرين التي أخفت ببراعة مشاعرها واشتياقها وحبها، ورحبت به بطريقة باردة، فلم تظهر له أي مشاعر بعد ما عانته بسببه.
تعلم أن حبها من طرف واحد، ولكن أولم يشعر به؟ هرب طوال سنوات عدة بسبب زواج تلك الفتاة التي كان يسميها حبيبة، وهي لم تحبه مثقال ذرة من حبها له. لذلك فهو غبي لا يستحق حبها أبداً.
نظر لوالده الذي يقف أعلى الدرج يستند على عصاه ويطالعه بعمق، فأسرع إليه يضمه بقوة، وسالم يبادله بترحاب وحب.
دلفوا جميعاً فارحين لمجيئه، بينما صفية لم تتركه أبداً. كل هذا وبالطبع مها لم تكن متواجدة معهم، فهي ترفض رفضاً تاماً أن تجتمع معهم في أي مناسبة، وتفضل الذهاب إلى والدتها دائماً التي لم تسافر بعد، أو النادي التي تذهب إليه أكثر من بيتها.
بعد عدة أيام في الفيلا، وتحديداً في مكتب سالم، الذي يجلس أمام ابنه يتحدث معه مردفاً:
– الكلام اللي هقوله ده يا فريد ممنوع يطلع من الأوضة دي، حتى لأي حد من أخواتك، مفهوم؟
ضيق عينيه يتساءل بترقب:
– خير يا بابا؟
تنهد سالم وأردف بتروي:
– عايزك تطلب إيد شيرين بنت عمك.
صدم فريد وطالعه بعيون متعجبة، ثم أردف مستفهماً:
– أطلب إيد شيرين إزاي يا بابا؟ شيرين دي أختي.
أردف سالم بجدية:
– مش أختك يا فريد. شيرين مش أختك، شيرين بنت عمك وتجوز لك.
هز رأسه بعدم استيعاب، يردف:
– يا بابا أنا بعتبرها أختي. عمري ما شفتها غير كده. ومش مسؤول عن اللي هي حاساه.
أردف سالم برتابة:
– اسمعني يا فريد. بنت عمك ليها ورث من أبوها وأمها يخليها مطمع لأي واحد غريب. فكرك يعني إن طول السنين دي متقدملهاش حد؟
تنبه فريد بتمعن، واسترسل سالم:
– لا بالعكس. اتقدملها كتير جداً. بس رفضتهم كلهم بحجة إنها بتدرس. لكن دلوقتي هي خلصت ومبقاش عندي حجة أرفض أي حد يتقدملها غريب.
توتر داخله لا يعلم لماذا، وأردف بتساؤل:
– طيب وهي موافقة؟
أردف سالم بترقب:
– هي متعرفش أصلاً. هي مكانش هاممها غير دراستها، بس أعتقد دلوقتي هتفكر. حقها تحب وتتحب وترتبط.
تعالت وتيرة أنفاسه بتوتر، وأردف بضيق لا يعلم سببه عندما تخيلها مع آخر:
– استنى بس يا بابا. مش أي حد كده توافق عليه.
أومأ والده، يردف بعدما لاحظ حالته:
– علشان كده بقولك انت أولى بيها من الغريب. شيرين وصية أخويا ومش هفرط فيها.
شرد قليلاً يفكر، ولا يعلم لماذا انتفض جزء في داخله بعد كلام والده، لذلك طالعه وأردف بعد دقائق:
– تمام يا بابا.
ضيق سالم عينيه، يردف متسائلاً بتعجب من سرعته:
– تمام إيه؟ موافق؟
تنهد بعمق ولف عينيه عن والده متعجباً من حالته هذه ومن انفعاله غير المألوف، ثم أردف:
– حضرتك معاك حق. مينفعش ميراث عيلة الجواد يطلع برا العيلة. أنا موافق أتجوز شيرين.
طالعه سالم بتفاجؤ، ولكنه تنهد بارتياح، وأردف بنبرة خالية من المشاعر كعادته، مقتنع أن المشاعر تولد بعد الزواج لا قبله:
– تمام. كويس جداً. وصدقني بنت عمك محظوظ اللي هتكون من نصيبه. بس علشان محدش من أخواتك يشك في الأمر، انت هتطلبها قدام الكل.
أومأ بتفهم وأردف:
– تمام يا بابا. أنا هتكلم مع حمزة وأبلغه إني عايز الكل في أمر مهم وأطلبها.
أومأ سالم مبتسماً براحة وانتصار بعدما حقق مراده.
في اليوم التالي في فيلا سالم
يجلس الجميع حول مائدة الطعام يتناولون فطورهم، وأوشكوا على الانتهاء، فنظر لهم فريد، ونظر لحمزة الذي أخبره أمس برغبته وطمأنه حمزة بإيماءة بسيطة.
تحمحم وأردف وهو يطالع شيرين بترقب وينتظر رد فعلها:
– بابا أنا كنت عايز حضرتك في موضوع.
نظر له سالم وأردف يدعي عدم معرفته:
– خير يا فريد؟
توتر فريد من نظراتهم التي انتبهت، وأردف بترقب:
– أنا كنت عايز أطلب إيد شيرين بنت عمي.
صدمة أوقفت الطعام في حلقها، فشــ.هقت وسعلت، فأسرعت صفية تناولها الماء وتربت على ظهرها بحنو، بينما هو طالعها بعمق، إلا أن استردت نفسها ونظرت له بتعجب وعدم تصديق، فلف نظره عنه يطالع والده ويردف بتروي:
– أنا عارف إني كان لازم أتكلم مع شيرين في الأول، بس أنا حبيت إن الكل يعرف مع بعض. وحضرتك تشوف مطلوب مني إيه.
هل يتجاهلها؟ هل يظنها هامشية حتى لا يكلف خاطره ويسألها عن رأيها؟
نظرت له بقوة وثقة، وأردفت بابتسامة استفزازية:
– ومين قال لحضرتك بقى إني موافقة؟
صدم فريد وكذلك سالم، حتى صفية التي تعلم حقيقة مشاعرها، بينما هي تابعت بشموخ:
– يعني كل اللي موجودين عارفين إنك كنت بتحب زميلتك جداً، وبسبب جوازها من شخص تاني انت بعدت سنين في فرنسا ومقدرتش ترجع مصر غير بعد إلحاح من ماما صفية اللي كانت بتتعذب وانت مهمكش كل ده وبعدت. إزاي عايزني أوافق ارتبط بيك وأنا متأكدة إن مشاعرك ملك حد تاني؟
طالعها بذهول. لم يتوقع أبداً رفضها وحديثها. لقد ظنها تحبه.
وقف فريد يطالعها بتعجب ويردف:
– يعني إيه؟ يعني إنتِ مش موافقة؟
أردفت بثقة وتأكيد:
– طبعاً مش موافقة. إزاي أصلاً أنت تشوفني كده؟ بجد زعلتني جداً يا فريد.
نظرت للجميع وأردفت باحترام:
– عن إذنكم. صحة وهنا.
تركت مكانها وخطت للخارج، ثم إلى غرفتها تحبس نفسها بها لتسمح لدموعها أن تعلن تحررها. ليست هي من يسوقها قلبها. عليه أن يعلم جيداً أنها لن تسمح له بالعبور فوق كرامتها، حتى وإن كانت تعشقه.
أما هو، فنظر لوالده بصدمة، وكذلك سالم وصفية، وترك طعامه هو الآخر وغادر، النيران تتآكله. لما يتألم الآن؟ فكل كلمة قالتها محقة بها. فلما عصف به قلبه عندما رفضته؟ لقد كانت تحبه جداً. نعم، رآه هذا في عينيها مراراً وتكراراً. هل تتخلى عنه بتلك السهولة؟ لحظة أيها الفريد من نوعك؟ من تخلت عنك؟ من تخدع أنت يا رجل؟ هل هي من تخلت عنك؟
زفر بضيق واستقل سيارته وغادر على الفور ليذهب إلى مكان يفكر فيه جيداً.
بعد شهرين
انقلب فيه فريد على جمر من نار، ووقع صريعاً في التفكير فيها، وباتت تشغل عقله دائماً بعدما رفضته. يلوم نفسه الآن أنه أهمل حبها في الماضي. يلعن نفسه على حماقته في التعلق بفتاة ساذجة وترك الغالية الثمينة. يأكل أصابعه ندماً على غروره وتعاليه على حبها.
في فيلا سالم مجدداً يتجمعون حول مائدة الإفطار.
زفر سالم بضيق ونظر للجميع يردف بترقب:
– فيه موضوع مهم لازم أكلمكم فيه بخصوص شيرين.
تنبهت شيرين تطالعه بتعجب، فتنهد وتابع بهدوء:
– فيه مهندس معماري ابن صديق عزيز عليا طلب إيدها مني، والحقيقة هو كان طالب إيدها من فترة وأنا كنت مؤجل الكلام ده تماماً لحد ما تخلص دراستها. بس هو كرر طلبه من كام يوم. وأنا شخصياً معنديش مانع عليه. بس طبعاً شيرين هي اللي هتقرر.
كادت أن تجيبه بالرفض، فمؤكد لن تفعل عكس ما تقول. لن ترتبط بشخص ومشاعرها مع آخر.
ولكن انتفض فريد يردف بحدة غير معهودة أمام والده:
– مش هيحصل طبعاً يا بابا. شيرين مش هتتجوز حد غيري. وحضرتك أصلاً إزاي توافق على طلبه بعد ما أنا طلبتها؟
نظر له حمزة بيأس وهز رأسه، فشقيقه يعيد ماضيه وتشتته، وعليه أن يسرع بإظهار مشاعره وإلا سيندم طوال حياته.
أردف سالم بجدية:
– مينفعش طبعاً أرفضه يا فريد. الشاب كويس جداً وعنده شركته الخاصة وشاف شيرين وأعجب بيها. وكمان والده صديقي يبقى ليه أرفضه؟
نظر لشيرين بغضب وأردف بضيق وقلبه يلكمه بعنف:
– شافك فين وأعجب بيكي؟ هو إنتِ بتطلعي من البيت أصلاً؟
كانت تستمتع بحرقته. نعم، تعجبت من رد فعله، ولكنها مستمتعة بحالته تلك.
ابتسمت باستفزاز وأردفت:
– لأ دا كان زمان يا فريد. أنت بس اللي بعدت عننا لفترة. أنا بخرج وبروح وباجي وأكيد شافني في أي مكان.
أغتاظ من مرحها في الحديث وأردف متجاهلاً الحضور:
– وانتِ طبعاً فرحانة إنك بتلفتي نظر الشباب وبيطلبوكي. بس متنسيش يا هانم إنك بنت الجواد وتصرفاتك محسوبة عليكي.
نظر لعمها ليتحدث ويرد، ولكنه ترك لها زمام الأمور، يعلم أنها تتوق للرد، لذلك طالعته بجمود وأردفت بثقة:
– مش أنا أبداً يا ابن عمي اللي يتقال لها الكلام ده، لأني عارفة جداً أتحكم في تصرفاتي. لا ديني ولا أخلاقي ولا مستوايا يسمح لي إني أقلل من قيمة نفسي بالطريقة دي. الطريقة دي طريقتك إنت يا فريد يا جواد.
نظرت له بابتسامة استفزازية، وطالعها هو بعمق. بدأت تنزاح غمامة عينيه وقلبه، ويراها الآن بصورة جديدة. يعجب بشخصيتها، وإعجابه يزيد يوماً عن يوم منذ أن أتى.
نظر للجميع من حوله، جميعهم يبتسمون بخبث عليه وعلى صمته الغير معهود.
حتى أن كاريمان ومراد كادت أن تنفلت ضحكاتهما وهما يلكمان يد بعض من أسفل الطاولة بشماتة لما يصيب فريد.
أومأ يطالعها بتوعد، ثم أردف بهدوء وابتسامة استفزازية تعلمها منها:
– تمام. حلو أوي الكلام ده. بما إن الكل سكت يبقى أنتوا شايفين إن معاها حق. علشان كده من هنا ورايح هثبت لكم إني مسؤول عن تصرفاتي. ودلوقتي حالاً أنا هروح للباش مهندس ده وأبلغه إن طلبه مرفوض لأن شيرين الجواد مخطوبة لابن عمها فريد.
فتحت فمها لتتحدث، ولكنه قاطعها بنبرة لا تحمل نقاشاً، مردفاً بثقة:
– إنسي يا شيرين. إنسي إنك تتجوزي حد غيري.
تركهم وغادر لينفذ ما قاله، بينما جلست هي تتنهد بقوة. سعادة جديدة تستحوذ عليها، حتى أنها تخجل في إظهارها. ولكن هناك أعين تراقبها بسعادة وتغمز لها. بالطبع كاري التي تعلم بأمرها، والآن أصبحت ترى حب فريد المخفى يظهر ويكبر.
بعد عدة أيام في حديقة فيلا سالم
تجلس شيرين مع كاري تدردشان في أمور بينهما.
خرجت من باب الفيلا مها ترتدي ملابس عملية ونظارة شمسية وتحمل حقيبة يدها، وتخطو دون أن تعيرهما اهتمام، خصوصاً كاري التي تعلم جيداً أنها الصديقة المقربة لريتان، وتظن أنها تخبرها كل صغيرة وكبيرة هنا، لذلك فهي تتصنع الهدوء.
تنهدت كاري وأردفت بترقب:
– أنا نفسي أعرف مروان ده ذنبه إيه عشان يبقى له أم زي دي؟
أردفت شيرين بتريث:
– للأسف اختيار عمي سالم وحمزة وقع عليه. واللي بيدفع الثمن مروان للأسف.
حزنت كاري من أجل هذا الصغير وأردفت بشرود:
– مع إننا كلنا بنحبه، بس أكيد يا حبيبي حاسس بقسوتها.
زفرت شيرين تردف بهدوء:
– هو أكيد حاسس. بس حمزة بصراحة بيحاول يعوضه. يعني حالياً مروان مندمج باللي حواليه، بس أكيد فيما بعد هيحس.
صمتت كاري قليلاً ثم قالت بترقب:
– وانتِ يا شيرين هتعملي إيه مع فريد؟
هزت شيرين كتفيها تردف بشرود:
– ولا حاجة يا كاري. مش هعمل حاجة. خليه يحدد هو عايز إيه.
أردفت كاري بتروي:
– اسمعيني يا شيري. فريد بيحبك. بس كان بيكدب على نفسه. فريد من النوع اللي بيحب المغامرة والتحدي حتى في العلاقات. علشان كده مش عايز يعترف إنه بسهولة كده وقع في حب بنت عمه اللي هي معاه في بيت واحد وقريبة جداً منه. بس لما حس إنك ممكن تروحي منه متحملش. وأنا من رأيي إنك تديله فرصة. بس أوعي تتخلي عن طريقتك دي معاه.
زفرت شيرين بقوة وأردفت بشرود:
– لسه شوية يا كاري. لسه شوية على فريد. هو ميعرفش أنا كنت بتعذب إزاي كل ما أشوفه مع اللي كان شايف إنه بيحبها. ميعرفش أنا عشت إيه وهو كان بيتوجع على جوازها من غيره. مش من كلمة قالها هفرح وامد له إيدي. لازم يعترف قدام الكل إنه بيحبني ولازم أنا أصدق كلامه وحبه.
استمعت إليها كاري واقتنعت بحديثها، فهي تعلم حقاً كم عانت في حبها هذا.
بعد عدة أيام في فيلا سالم
تجلس شيرين في غرفتها تتصفح هاتفها، فتنبهت لطرقات على بابها وأردفت ظانة أنها كاري:
– ادخل.
فُتح الباب وطل فريد برأسه يردف بترقب:
– ممكن نتكلم شوية.
توترت وأسرعت تلتقط حجابها وتلفه على رأسها حول شعرها البني الناعم الطويل الذي رآه.
أردفت بهدوء:
– معلش يا فريد استناني تحت في الجنينة. ميصحش نتكلم هنا في أوضتي.
عض على أسنانه بغيظ، منذ متى وبينهما تلك الأمور؟ في السابق كان يتحدث معها في أي وقت يريظ.
أردف ضاغطاً على أحرفه:
– تمام يا بنت عمي.
بعد دقائق كانت تخرج من باب الفيلا الداخلي باتجاه مكان جلوسه، ثم سحبت مقعد وجلست عليه تطالعه بثقة متسائلة:
– خير يا فريد سمعاك؟
تنهد بعمق يطالعها، ثم أردف مستفهماً:
– ممكن أعرف إنتِ ليه رافضة ارتباطنا؟
تنهدت بقوة وبدأت نبضاتها تلكم يسارها بعنف، بينما تتحدث بثقة وثبات ظاهري:
– أنا قولت لك يا فريد. كرامتي متسمحليش إني أرتبط بواحد وأنا عارفة إن قلبه لسه متعلق بواحدة تانية.
مخطئة. ومن قال أن قلبه متعلق بأخرى؟ لقد هرب لسنوات بسبب غضبه من نفسه على سنين أضاعها في حب زائف. قرر أن يعاقب نفسه على سنين طاح فيها في القريب والبعيد وعصى والده من أجل فتاة لم تكن له ولو ذرة حب.
تنهد بقوة يطلب من قلبه أن يهدأ ليخرج الحديث من جوفه. طالعها بعمق وأردف:
– بس أنا قلبي مش متعلق بواحدة تانية يا شيرين. أنا اعتبرت ميادة صفحة سودا في حياتي واتقفلت. وغيابي طول السنين اللي فاتت دي مكنش بسبب زعلي على جوازها ولكن كان بسبب زعلي من نفسي لأني أخطأت في اختيار شريكة مناسبة.
زادت نبضاتها بدل من أن تهدأ، وطالعته بصمت وهو يتابع بتروي:
– اسمعيني يا شيري. أنا كل اللي متأكد منه دلوقتي إني عايز ارتبط بيكي ومستحيل أسيبك تروحي لغيري. وعايزك تديني فرصة وتوافقي.
طالعته بعمق. تريد أن تسمعها ليطمئن قلبها ويهدأ ويسعد. أردفت متسائلة:
– ليه يا فريد؟ ليه عايز ترتبط بيا دلوقتي؟ شايف فيا إيه جديد ومميز؟
أردف بثقة وحب ظهر في عينيه:
– كلك مميزة. أنا كنت أعمى وقتها، بس دلوقتي شايف بوضوح مين يستاهل مشاعري. مش عايز أقول حاجة تقليدية أو متصدقيهاش مني، بس عايزك تعرفي إنك محتلة كل تفكيري. ومش من وقت ما جيت لأ. من وأنا هناك، بس كنت بفسر كل ده غلط. كنت غبي.
تعالت وتيرة أنفاسها وهي تستمع لتصريحه، بينما يتابع هو بتأكيد:
– صدقيني مروحتش من بالي أبداً. دايماً كنت بفكر فيكي وبضحك وبفكر في نقارنا سوا. كنت كل شوية أفتكر موقف ليكي معايا وألاقي نفسي عايز أشوفك. ولما وصلت ولقيتك مقبلاني ببرود أضايقت جداً وفضلت أسأل نفسي ليه. بس لما عرفت إن فيه حد اتقدملك متحملتش. قررت أطلب إيدك فوراً. ولما رفضتيني وقولتي الكلام اللي قولتيه كنت حاسس إني قليل أوي. قلبي وجعني. معقول انتِ شايفاني كده؟
زفر بقوة، ها هو على وشك أن ينطقها، بينما هي تستمع إليه بقلبٍ متراقص، وقد أصبحت يداها مرتعشة، وهو يسترسل:
– لما بابا قال على ابن صديقه ده وحسيت إنك هتوافقي متحملتش. حاجة جوايا هي اللي حركتني وخلتني أقف وأرفض. كنت مرعوب وخايف إنك توافقي. وبعد كل ده قعدت مع نفسي أفكر أنا ليه بعمل كده وبيحصل معايا كده.
نظر لعيونها بقوة وأردف بأنفاس بطيئة متأهبة:
– وصلت لحقيقة واحدة بس يا شيرين وهي إني بحبك. ومن زمان أوي. مش حب أخوي زي ما كنت مفكر لاااا. حب تاني خالص. بحب أشوف غيرتك عليا وأحب دايماً أجيبك عشان أستمتع بعيونك وهي بتلمع وأنتِ بتاخدي حقك مني. بحب أتابع سكوتك وأنتِ قاعدة على السفرة معانا. بحب أشوف في عيونك انعكاس صورتي.
كانت تستمع له وعينيها تلتمع، وها هو يظهر انعكاسه فيهما مجدداً، وهو يتابع بتأثر:
– أنا بحبك يا شيرين وعايز أكمل حياتي معاكي انتِ وبس.
سقطت دمعتها وتبعتها الأخرى وهي تبتسم، وهو يطالعها بلهفة مردفاً:
– لأ اوعي تعيطي. هزعل من نفسي أوي لو كنت سبب زعلك.
أغمضت عينيها وهزت رأسها. لو يعلم أنه تسبب لها في حزن وقهر لأيام وليالي وسنوات لقتل نفسه في الحال.
أردف مترجياً:
– وافقي يا شيرين. وافقي واديني فرصة أصلح خطأي وأصحح مسار مشاعري اللي كانت تايهة.
أومأت وما زالت عينيها مغمضة تردف بصوت متحشرج:
– موافقة.
ذُهل يطالعها ليتأكد مردفاً:
– قلتي إيه؟
فتحت عينيها الملتمعة تطالعه بعمق وتردف:
– موافقة يا فريد. موافقة أديلك فرصة.
مد يده بسعادة ليلمس يدها من شدة فرحته، ولكنها سحبتها تردف بتحذير، وقد عادت لقوتها:
– عندك. أنا قولت موافقة أديلك فرصة ولازم تستغلها صح. ممنوع اللمس تماماً إلا لما تثبت لي صحة كلامك.
أحكم قبضته بقوة ليتحكم في مشاعره ويومئ بسعادة:
– تمام. كلها كام يوم أصلاً وتبقى مراتي.
ابتسمت عليه. أيظن الأمر سهل هكذا؟ إذاً لم يعرفها جيداً. ستشترط أن تكون خطبتهما لعام كامل. لِيُذِق فقط القليل من العذاب الذي ذاقته لسنوات.
وبالفعل تم الزواج بعد عام، بعدما أثبت جدارته وعشقه وحبه لها، وتحمل دلالها وغضبها، وها هي الآن تحمل في طفلها الأول.
عودة للحاضر بعد رحلة طويلة
ها هو اليوم بداية العام الدراسي الجديد.
يتحمس مروان الذي يبدل له والده ملابسه للذهاب إلى مدرسته ورؤية معلمته التي اشتاق إليها هو ووالده.
أخذه حمزة بسيارته إلى المدرسة. توقف يترجل ويلتقط كف صغيره ويدلف من بوابتها.
خطى معه إلى الردهة، ولكن تجمدت ساقه وهو يراها تقف مع زميلاتها تتحدث وتبتسم.
تلقائياً ابتسم هو الآخر ووقف يتأملها باشتياق وتيّم. لم يفق إلا عندما هزه مروان يردف بحماس:
– يالا يا بابي عايز أسلم على مس ريتان.
تنهد بقوة يستعيد ثباته، ثم تقدم منها، فترك الصغير يده وأسرع يركض نحوها مردداً بسعادة:
– مس ريتاااان.
نبضة قوية أتت كلكمة في صدرها وهي تستمع لصوته، فلفت نظرها تطالعه وقد أصبح يعانقها، فانحنت تبادله وتردف بسعادة واشتياق:
– مارو حبيبي، وحشتني جداً.
ما زال يتعلق بها ويردف بصدق، ووالده يتابع بقلبٍ عاشقٍ مرفرف:
– وأنتِ كمان يا مس.
ابتعدت عنه تنظر لعينيه مبتسمة، قبل أن تقف تتمسك بيده الصغيرة وتتنهد بقوة تستعد للنظر لعين هذا الذي يقف يطالعها بتمعن.
نظرت له، وبكل براعة اعتادت عليها، أردفت بجدية وثبات:
– أهلاً يا حمزة بيه.
ابتسم بهدوء، فقد بات يعلمها جيداً ويعلم قناعها الجليدي ويتقبله بكل سرور، لذلك أردف بتريث:
– الله يسلمك يا ريتان. عاملة إيه؟
أومأت بصمت، ثم التفتت تنظر لمروان وتبتسم مردفة بثقة:
– يالا ندخل ال Class.
أومأ الصغير، فسحبته معها دون حديث، والتفت هو يشير لوالده بيده، وبادله والده وتنهد بقوة، ثم التفت يغادر. يكفيه تلك الثواني من رؤيتها التي تشبع روحه.
مساءاً في جناح حمزة
بعدما ساعد صغيره في حل واجباته، وبالطبع لم تخلو الجلسة من سيرة المعلمة ريتان التي تزهر المجلس.
نام الصغير، وانتظره حمزة إلى أن ذهب في ثباته، وتنهد يتجه لغرفة نومه التي أصبحت الآن ملكاً لمها، بينما هو يمكث مع صغيره دائماً.
طرق الباب، فسمحت له بالدخول بعدما كانت تخرج من حمامها.
فتح الباب ودلف يتحمحم ويطالعها بترقب مردفاً بهدوء:
– ممكن نتكلم شوية.
تنهدت بقوة وطالعته بترقب، تعلم جيداً ما سيقوله وتستعد لحديثه، لذلك أردفت تومئ بهدوء:
– تمام اتفضل.
اتجه يخطي للمقعد الجانبي ويجلس عليه، واتجهت هي أيضاً تجلس على المقعد المجاور له وتترقب حديثه.
تنهد يطالعها ويردف بتريث:
– دلوقتي يا مها أقدر أقول إنك وصلتي لبر الأمان. أسهمك تخطت الأزمة المالية وجزء كبير من ديون شوقي بيه تم سدادها، والجماعة أياهم مبقوش يقدروا يقربوا منك بعد التشديد الأمني اللي حصل. يعني دلوقتي أمورك كلها اتحلت، وأكون وفيت بوعدي وريحت ضميري من ناحيتك وتقدرى بعدها تعتمدي على نفسك. يبقى حان وقت الطلاق. خلينا ننفصل بهدوء وبدون أي مشاكل.
ثم دقق النظر فيها جيداً يتابع محذراً:
– بدون أي مشاكل يا مها. أظن فهماني؟
طالعته بعمق وتمعن وشردت. كيف ستتركه بعد الآن؟ تشغلها حياتها بعد الانفصال، خصوصاً أنها عادت تتباهى بعلاقتها به وسط معارفها الذين عادوا إليها بعد أن عادت لعهدها. تخبرهم أنه يعشقها ولم يستطع تركها ودعمها وساندها في أزمتها. تتحدث هنا وهناك وفي كل مكان عن حياتهما الوهمية السعيدة وعن تقبله لها. إن انفصلت ماذا ستخبرهم بعدها؟ وكيف ستكون وجهتها؟
فاقت من شرودها على ندائه، فأردفت متسائلة بترقب:
– طب ومروان؟
طالعها بعيون قاتمة يردف بنبرة تحذيرية:
– هتتنازلي لي عن حضانته يا مها. إنت وأنا عارفين كويس أوي إن مروان آخر اهتماماتك. هتتنازلي عن حضانته بدون أي شوشرة.
نظرت له بتعجب كاذب وأردفت بنبرة مستعطفة:
– عايزني أتنازل عنه إزاي يا حمزة؟ أيوة أنا بسيبه وبسافر وببعد، بس هو مهما كان ابني. وليا حقوق فيه.
وقف يطالعها بحدة ويردف بنفاذ صبر:
– قصدك حقوق عليكي إنتِ معملتيهاش. يبقى حقوقك عليه كلها سقطت. متحاوليش تاخدي مروان سبب يا مها. مش هسمحلك. هتتنازلي عن طيب خاطر وتعتبري الثمن هي السنين اللي فاتت. وبالنسبة لحقوقك هتوصلك كلها. مروان خط أحمر يا مها.
تنهدت بقوة. الأمور ليست في صالحها. تفكر بخبث لو كانت تلك المعلمة وافقت على أحدهم من زمن لكانت نفذت خطتها في الانتقام منها، ولكنها ترفض أي ارتباط، وهذا ما يجعلها مستسلمة أمام حمزة الجواد.
زفرت تردف بهدوء وترقب وخبث:
– تمام يا حمزة. لعلمك أنا مش بحاول آخد مروان سبب. أنا فعلاً بحب مروان جداً. مش معنى إني سايبة مسؤوليته عليك إني مش بحبه. علشان كده هيبقى صعب عليا إني اتنازل عن حضانته. بس تمام. اديني مهلة كمان كام شهر بس فيه صفقة مهمة مع شركة أجنبية بحاول أتعاقد معاهم، لو حصل هتبقى نقلة تانية خالص ليا، ووقتها هقدر أفتح شركتي الخاصة هنا أو أسافر لمامي وأفتح شركتي هناك. يعني اديني بس وقت قليل هضبط أموري وأتنازلك عن الحضانة وبعدها ننفصل. وصدقني مش هعمل لك أي مشاكل في حياتك.
زفر بقوة ثم مسح على وجهه بعنف يومئ بغضب داخلي مردفاً:
– تمام. حلي أمورك في أسرع وقت. وهتتنازلي بعدها عن حضانة مروان وأظن كده يبقى كتر خيري.
وقف يغادر الغرفة، وتركها تتابع أثره بشرود ومكر. لن تتركه أبداً، وإن تركته لن تدعه يتزوج بتلك المعلمة مهما كلفها الأمر. يبدو أنها أحبته.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اية العربي
في اليوم التالي مساءً، يعود من شركته بعد يوم عمل شاق. يراها تتمشى على إحدى الأرصفة، يبدو أنها كانت تشتري كتبًا تربوية.
التفتت لتوقف سيارة أجرة، فلمحته. ولكن في لمح البصر، لفتت عينيها وأكملت كأنها لم تره. أشارت لإحدى سيارات الأجرة، استقلها وانطلق السائق.
لا يعلم لما غير وجهته وظل خلفها. هاتفه الرجل الذي كلفه بحمايتها يردف بعدما لاحظ وجوده:
"حمزة بيه؟ أكمل ورا ريتان هانم ولا حضرتك هتكمل؟"
أردف حمزة وهو يقود خلفها، لا يعلم لما، ولكن يأخذه الحنين إليها كأنه قطعة معدنية ينجذب نحو مغناطيس شديد القوى:
"زي ما أنت يا محمد، ولا كأنك شايفني."
أغلق معه وظل خلفها. الليل أسدل ستائره والطرقات مزدحمة.
أما هي، فكانت تعلم أنه يسير خلفها. رأته عندما استقلت سيارة الأجرة، وإلى الآن توقن أنه خلفها. قلبها ينبض بعنف. تنهدت بضيق من أفعاله. ماذا يظنها؟ ما تلك الأفعال الصبيانية؟ لما لا يتركها تعيش بسلام ويعيش هو كما يحلو له؟ أولم يخش عليها من القيل والقال؟ ماذا إن ظل خلفها ورآه جيرانها؟
بعد دقائق، زفرت بحنق ونظرت حولها. تنهدت وأردفت للسائق بتروٍ:
"على جنب لو سمحت يا أسطى."
توقف السائق وترجلت من السيارة بعد أن دفعت أجرته. لم تنظر خلفها، بل مرت لتعبر الطريق بحذر. عبرت الطريق والحاجز ووصلت إلى الحديقة المزدهرة التي تصطف على ضفة النيل.
جلست على إحدى مقاعدها الخشبية ونظرت للأمام. المراكب الشراعية المنيرة تسبح في مياه النيل الهادئة كهدوئها الظاهري الذي يخفي وراءه طوفانًا سيأتي يومًا وسيفيض ولم يعيقه سدًا. طوفان تجمع على مر سنوات معاناة بسبب حبه الصامت. فقط خيط رفيع يحكم قوة تحملها وستفيض في يوم من الأيام.
كان يتابعها بتعمق. حيث أوقف سيارته جانبًا وترجل يتبعها بسعادة، يظنها فرصة أتت له على طبق من ذهب ليتحدث إليها. تقدم منها وهو يراها تواليه ظهرها. فتسارعت نبضاتها، تشعر به خلفها. أغمضت عينيها تلعن قلبها الذي ما زال ينبض له ولن يكف ما حيت.
تنهد بقوة ولف يجلس مجاورًا لها على مسافة مناسبة، ويتطلع إلى الأمام، مردفًا بترقب وقلبه يعصف بقوة وسعادة لرؤيتها ولقربها منه:
"إزيك يا ريتان."
ابتلعت لعابها بصعوبة ونظرت بطرف عينيها، ثم عادت تنظر للنيل مردفة بثبات ظاهري:
"أهلاً يا حمزة بيه، صدفة غريبة؟"
زفر وأردف وهو يمد ذراعيه على ساقيه ويتكئ منحنياً قليلاً وينظر للنيل:
"مش صدفة، أنا بحاول من فترة ألاقي فرصة تانية أتكلم فيها معاكي."
نظرت له بعيون ثابتة، حاولت جاهدة إخفاء لمعتها وأردفت بهدوء:
"أظن إن الشيء الوحيد اللي ممكن أنا وحضرتك نتشارك فيه بأي كلام هو مروان، وطبعًا عادي جدًا لو نورتنا في المدرسة واتكلمنا."
أصبحت صارمة جدًا. لم يعد يرى حنان نظرتها، باتت متصلبة الكلمات والنظرات. هل هو المتسبب في تلك الحالة؟ هل هو من أوصلها وأوصل حاله إلى هذا الطريق؟
زفر وأردف بتروٍ وحزن وحسرة على عشق ذي ضمير أبكم:
"لأ يا ريتان، فيه بينا كلام مشترك غير مروان. فيه أنا وإنتِ، فيه مستقبلنا، فيه غلطات ارتكبتها في الماضي وهصلحها كلها قريب جدًا. فيه حال أنا عايش بيه لازم تعرفيه، وبعدها اعملي اللي انتِ عايزاه."
وقفت بهدوء عكس ثورتها الداخلية، ونظرت له بتعمق، ثم أردفت بثقة وهدوء:
"غلطات الماضي عمرها ما هتتصلح، انتهى خلاص، صدقني بالنسبالي انتهى خلاص. أنا اتصالح مع نفسي جدًا وعرفت أنا مين، وحاليًا شايفاك أب كويس جدًا وياريت متخلينيش أغير نظرتي دي. اهتم بزوجتك وابنك ووفر وقتك ليهم، مروان طفل جميل ميستحقش منك كده أبدًا. وخليني أنا في طريقي بعيد عن أفكارك وبلاش لو سمحت تخلي حد يتكلم عني بطريقة مش كويسة."
التفتت تغادر برأس مرفوعة وقلب ممزق متهالك. حاولت جاهدة أن تلتقط أنفاسها لتوقف غيمة دموع تكونت في مقلتيها، ولكن لم تستطع. وها هي تفر دمعتها على وجنتها فتحرقها كسلسال من نار. أكملت سيرها قدمًا لحتى تهدئ من نيرانها.
أما هو، فظل مكانه يتطلع على النهر بصمت تام. صراع داخله من حديثها وأفعالها القوية ومن كيفية حل تلك المعضلة في أسرع وقت دون التخلي عنها أو عن طفله. كيف يفهمها أن حياته الزوجية ليست كما تظنها؟ كيف يخبرها بمعاناته؟ يعطيها الحق وكل الحق في رفضها الارتباط به بعد كل تلك المشاكل المصاحبة له. لقد أخطأ أخطاءً في الماضي جعلته يدفع ثمنًا باهظًا أكثر مما كان يتوقع. وليس هو فقط من يسدد الدين، بل هي وصغيره دون أي ذنب.
بعد وقت، دلف إلى صغيره الذي يجلس يدون مهامه المدرسية. تعجب حمزة وجلس بجواره يردف بحنو، راميًا بكل ما حدث معه قبل أن يدلف:
"حبيبي بابي، بتحل الهوم وورك لوحدك ليه؟"
نظر لوالده وأردف بحماس:
"مس ريتان قالت لي أحاول أحله لوحدي، بس قالت للأولاد الثانيين لازم ماما تبقى جنبهم. هو أنا كنت في التواليت ورجعت سمعتها بتقول كده؟ ولما شافتني حضنتني وقالت لي إنها بتقولهم كده لأنهم مش شاطرين زيي وممكن يغلطوا، إنما أنا شاطر وهعرف أعمله لوحدي."
طالع بعمق. بات نبضه يدق بقوة في صدره حبًا لتلك الريتان. حقًا هي اسم على مسمى. خارجها صدفة صلبة وباطنها لؤلؤ مكنون. تراعي مشاعر صغيره لأبعد درجة، في نفس الوقت الذي لا تهتم والدته لأمره ولو للحظة. ولكن هذا الخير الوحيد في الأمر. وهذا ما يريده. هو يريد أن يقترب طفله من ريتان ليصبح بعد ذلك ارتباطهما قويًا جدًا لا ينكسر.
أردف متسائلاً بترقب:
"طيب هي قالت لك كده ليه؟ هو أنت اتكلمت معاها في حاجة؟"
ترك الصغير قلمه ونظر لوالده نظرة طفولية حزينة وأومأ يردف بتردد:
"أيوه يا بابي، أنا قولت لمس ريتان إن مش بشوف مامى ولا بتقعد معايا، وأن أنت بس اللي طول الوقت معايا."
مد يده يسحب صغيره إلى صدره ويعانقه بقوة، ثم ابتعد يردف بترقب:
"طيب يلا يا بطل وريني كنت بتحل لوحدك إزاي."
تحمس الصغير وجلس يكمل ما يفعله ووالده يتابعه بسعادة.
كانت العائلة تجلس في الأسفل، كل منهم يجلس مجاورًا لزوجته، حتى سالم يتسامرون في أمور العمل كعادتهم. ومراد يدلل كارى دون اكتراث لأحد، بينما فريد يغمز لشيرين بشكل سري حتى لا يراه أحد.
وقف فريد يتحمحم ويردف بترقب:
"طيب يا جماعة عن إذنكم أنا هطلع أنام عشان هصحى بدري، تصبحوا على خير."
أردف مراد باستفزاز:
"وأنت من أهل الخير يا فريد، بس متبقاش تغني وإنت نايم، صوتك وحش."
توتر فريد ونظر لشيرين التي تبتسم بخبث، ثم عاد لشقيقه يردف بغيظ:
"ابقى سلك ودانك كويس، تلاقيه حمزة بيغني لمروان قبل ما ينام."
ضحك مراد وتابع بعدما نجح في استفزازه وهو ينظر لكارى:
"لأ صوتك، حتى اسألي كارى. وبعدين حمزة هيغني لابنه؟ حيرت قلبي معاك؟"
غضب فريد ونظر لشيرين التي تكتم ضحكاتها. فشرفة غرفة نوم فريد ملتصقة بشرفة نوم مراد، ولذلك فإن الأصوات تتداخل ليلاً في بعضها. نظر للجميع بحرج وسالم يتابع الأخبار ظاهريًا ببرود، ولكنه يستمع إليهم جيدًا، بينما صفية تضحك بتسلية على حال فريد الذي لا يظهر مشاعره في العلن عكس مراد تمامًا.
التفت فريد ينظر لشيرين بغيظ مردفًا قبل أن يلتفت ويغادر:
"شيرين يلا نطلع."
تحرك، ولكن مراد أردف ليكمل عليه:
"سيب شيرين قاعدة معانا شوية واطلع نام إنت عشان هتصحى بدري."
التفت يطالعه قبل أن يختفي ويردف بغيرة وحنق:
"ملكش دعوة بشيرين، خليك في مراتك يا أخويا."
غادر يصعد لجناحه، بينما وقفت شيرين تردف بعتب لمراد:
"كده يا مراد؟ أهو هيطلع عليا أنا."
ضحك مراد يردف وهو يلف ذراعه حول خصر زوجته ويعانقها بحب:
"عليا أنا برضه يا بنت عمي، هو بيعمل قدامنا إحنا شبح بس هو فوق."
"مراااد."
تفوه بها سالم بحدة، فتحمحم مراد يعتدل. لقد نسي تمامًا وجود والده بينهم. نظر له يردف بأسف:
"آسف يا بابا ما خدتش بالي معلش."
نظر لزوجته وتابع وهو يستعد للقيام:
"يلا يا كارى نطلع إحنا كمان."
أومأت له ووقفا يتجهان للأعلى بعدما ودعا صفية وسالم، وصعدت معهما شيرين.
دلفا مراد وزوجته جناحيهما، ودلفت شيرين إلى جناحها حيث ينتظرها فريد في غرفتهما. مرت عبر الرواق ومنه لغرفتها ودلفت تطالعه وهو يجلس على الفراش شارداً. فابتسمت واقتربت منه تردف بترقب:
"مالك يا فيرو سرحان في إيه؟"
نظر لها بحب وأردف:
"الواد مراد ده غتت، أحرجني قدام بابا."
ضحكت بخبث وجلست مجاورة له تردف بتروٍ:
"خد الأمور ببساطة يا فريد، عادي مراد بيهزر معاك."
نظر لها بخبث وأردف:
"بعد كده مفيش غنا، لو عايزة رومانسية سيبيني وأنا هتصرف."
مالت عليه تتساءل بحب ونعومة:
"هتعمل إيه يعني؟"
مد يده يسحبها إليه حتى التصقت به، ويده الأخرى تزيح غطاء رأسها وتعبث بخصلاتها، وعينيه تجول على ملامحها بشغف وعشق، ثم انحنى يلثم ثنايا رقبتها، مما سرى القشعريرة في أوردتها، وأغمضت عينيها بإستمتاع. تاه هو في قبلاته الشغوفة وهو يوزعها على رقبتها وترقوتها ويصعد لفكها حتى اقترب لشفتیها وكاد يلتهمها، فنبهه صغيره بلكمة قوية داخل رحم شيرين. فخرج فريد من دوامة مشاعره يلعن تحت أنفاسه ويبتعد. فضحكت شيرين بإستمتاع تردف وهي تتحسس أحشاءها:
"حبيب قلبي بيغير؟"
رد فريد بغيظ يردف:
"بيغير إيه؟ ده غتت شبه عمه مراد. أنا مش عارف هلقيها منه ولا من أخويا اللي ودانه ولا ودن الفيل."
وقفت شيرين تردف بدلال وهي تطالع حنقه:
"طب على فكرة بقى هو زعل منك، عشان هو كان بيسلم عليك وبيفكرك بوجوده."
تنهد يزفر ويهز رأسه بقلة حيلة، ثم مد يده يسحبها إليه. فاقتربت منه تقف أمامه وهو جالسًا على الفراش، ثم تحسس موضع صغيره بيده ومال يقبله بحب ويردف بحنو أبوي:
"وأنا كمان بحبه جدًا، بس هو أخدك مني، كأنه بيضايق لما بقرب منك. ربنا يستر لما ييجي."
مدت ذراعيها تضعهما على كتفيه وتردف بحب وتروٍ:
"مفيش حد يقدر ياخدني منك، حبي ليه حاجة وحبي ليك حاجة تانية خالص. يلا بقى غنيلنا زي امبارح."
جحظت عيناه يبتعد عنها للخلف ويردف برفض تام:
"لأأأ، خلاص الحيطان ليها ودان. روحي إنتِ يا حبيبتي غيري هدومك وتعالي نامي جنبي هنا وأنا هعملكم حاجة أحلى من الأغاني."
تحمست وابتسمت تردف بحب وتومئ:
"تمام، ثواني وراجعالك."
في منزل حمدي. تجلس ريتان ليلاً في غرفتها تدون بعض التدريبات في دفترها. مر على عقلها مروان. تنهدت بعمق وتعجب. تعلقت وأحبت الطفل الخطأ. وكأن الله أبدل حب والده في قلبها بحبه هو. تعلم أنه ملك أخرى ويستحيل أن يكون لها حق فيه يومًا. ولكن إن لم كانت ستحبه، كانت ستكره. وهي ليست تلك الشخصية. هي بعيدة تمامًا عن شعور الكره، حتى لو اجتمع العالم أجمع على أذيتها. هي تحمل قلبًا نقيًا يمكن أن يتوقف عن حبه، ولكن مستحيل أن تكرهه.
تنهدت بعمق تتذكر نظرته حينما دلف من باب القاعة وسمعها تتحدث عن الأم. حينها ندمت على حديثها. تعلم أنه يفتقد حنانها. هو نفسه من أخبرها بذلك. مرات عدة يخبرها أنه حتى لا يراها إلا صدفة. لذلك أسرعت تعانقه وتخبره أنها تراه مميزًا ويستطيع حل مهامه بمفرده لتعطيه الثقة بالنفس.
نظرت للورقة التي أمامها وللقلم في يدها ولما دونته أثناء شرودها دون إدراك. شهقت ووضعت كفها على فمها. رددت بلسان هامس ما دونته مردفة:
"حمزة!"
خانتها عبرة من عينيها. متى ستنساه وتكمل؟ متى ستنظر له كنظرتها لجميع الرجال التي تراهم؟ نظرة باردة لا تحمل أي مشاعر. متى سيرتاح هذا القلب المنهك؟ ولما إلى الآن تحبه بعد كل ما فعله؟ يفترض أن تنساه وتكمل.
نزعت الورقة من دفترها وكورتها بين راحة يدها تضغط عليها بقوة، وكأنها بذلك تعاقبه هو. كادت أن تلقيها في سلة المهملات، ولكن توقفت يدها في المنتصف. لم تستطع فعلها. شيئًا ما بعيد بداخلها يخبرها أن اسمه، إن لم يكن محفورًا في قلبها، فليكن في درجها وليس في سلة المهملات. تعلم أن قيمته ليست هنا.
أنزلت يديها وفتحت درج مكتبها ووضعت به الورقة المكرمشة نتيجة قبضتها، ثم عادت تأخذها وتفردها على سطح المكتب. ثم نظرت مجددًا للاسم وأردفت بتعجب وقلب ينبض بقوة:
"وكمان مزخرفاه؟"
هزت رأسها بيأس من حالتها وعادت تضعه في الدرج أسفل بعض الأوراق وأغلقت. ووقفت تتجه للتتوضأ وتصلي قيامها قبل أن تنام.
في اليوم التالي في المدرسة. بعد أن انتهت ريتان من حصصها اتجهت تجمع أغراضها لتغادر، ولكن قاطعها كريم الذي أتى إليها يردف بتردد:
"مس ريتان ممكن أتكلم معاكي شوية قبل ما تمشي؟"
طالعته بتعجب وضيق وأردفت متسائلة:
"خير يا مسيو كريم؟"
تنهد وأردف بتروٍ:
"أنا بس طالب منك تسمعيني للآخر ولو سمحتِ مترديش فورًا."
ضيقت عينيها متسائلة وقد بدأت تستشعر حديثه:
"طيب اتفضل سمعاك؟"
أردف فجأة دون مقدمات:
"أنا عايز أجدد طلب ارتباطي بيكي."
نعم، فهو قبل عدة أشهر كان يود طلب يدها كغيره، ولكنها بالطبع رفضت كالعادة، وها هو يعيد طلب يدها.
تنهد يسترسل بعدما لاحظ تعجبها:
"قبل أي حاجة، أنا أعرفك من أكتر من سنتين ومن وقتها للنهاردة إنتِ فعلًا مثال للمرأة اللي أي راجل يتمناها زوجة. بتتعاملي معايا بحدود رسمية ودايمًا مش بتقبلي حتى إني أنادي عليكي باسمك بدون ألقاب. ده غير تعاملك مع الجميع بمنتهى الاحترام والرقي. الأمور دي وكتير غيرها خلتني أعيد طلبي تاني."
زفر يتابع:
"فكري الأول يا ريتان قبل ما تقرري. وكمان ماما حابة تتعرف عليكي جدًا من كلامي عنك. فلو معندكيش مانع يعني ممكن تقابليها في مكان عام واعتبري ده مجرد تعارف."
استمعت له إلى أن انتهى، ثم حاولت التحلي بالهدوء وأردفت:
"يا مسيو كريم إنت إنسان محترم وأنا كمان بحترمك جدًا، بس صدقني موضوع الارتباط ده أنا لغيته من حياتي."
تعجب من حديثها وأردف بتروٍ:
"قولتلك متجاوبيش دلوقتي، خدي وقتك وفكري. أنا كمان بعد جوازي الأول كنت رافض أتجوز مرة تانية لأن اختياري كان غلط، بس بصراحة من وقت ما شفتك واتعرفت عليكي وأنا حابب أدي لنفسي فرصة جديدة معاكي. وصدقيني هعملك اللي يريحك."
تنهدت بقوة وشردت للبعيد، وضَعُفَت نبضاتها تفكر. هناك أمران يعيقانها: أمر قلبها وأمر عقمها، وكلاهما أصعب من الآخر.
زفرت وأردفت بهدوء:
"تمام يا مسيو كريم، أوعدك هفكر. عن إذنك."
جمعت أغراضها وغادرت، ووقف هو يتنهد ويتتبع أثرها بشرود.
في شقة بسمة. تجلس تطعم صغيرها الزبادي وتلاعبه مبتسمة، ويجلس بهاء يتابعها بحب. ثم اقترب منها وعانقها يردف بحنو:
"على فكرة بقى ياسين بيفرح جدًا لما بتضحكي معاه وبتلاعبيه."
مالت عليه تردف بدلال:
"ياسو ده حبيبي، وانت كمان يا بهاء. أنا مش عايزة غيركوا من الدنيا كلها."
قبل رقبتها بنعومة وأردف بحب وهو يعتصرها بحنو:
"وأنا كمان، إنتِ وياسين دنيتي كلها. أوعى تزعلي مني تاني."
تنهدت بقوة ثم مدت يدها تضع وعاء الزبادي على الطاولة والتفتت لزوجها تطالعه بحب مردفة بحنين:
"مقدرش أزعل منك يا بهاء، إنت الوحيد اللي فاهمني. لا ماما ولا بابا ولا حد حاسس بيا."
زفر بتعجب ثم حاول التروي يردف:
"ليه بتقولي كده! بالعكس أنا شايف إنهم بيحبوكي جدًا جدًا وبيحبوا ياسين قوي. دي طنط جميلة عايزاه عندها كل يوم."
تذكرت أمر شقيقتها فأردفت بحدة وغيرة داخلها منذ زمن:
"مش لأنه وحشها، كل ده عشان تقربه من ريتان، لأنها اتحرمت من الخلفة. محدش قادر يفهم إن ده ابني أنا!"
ابتعد عنها بهدوء يخفض رأسه بيأس. كيف يزيح تلك الغمامة من على عقلها اليابس؟ طالعته بعمق ثم حاولت التحلي بالهدوء مردفة وهي تعود الإقتراب منه حتى لا تعكر صفوه بسبب شقيقتها:
"سيبك من كل ده، إيه رأيك أقوم أنيم ياسين وأجيلك نسهر سوا شوية؟"
رفع رأسه يطالعها بهدوء ثم ابتسم وأردف بهدوء:
"تمام، نيميه وأنا هدخل أعمل أكلة خفيفة كده لحد ما تيجي."
قبلته على وجنتها ووقفت تلتقط الصغير وتخرجه من مقعده ثم خطت به للداخل. وقف بهاء يتنهد بقلة حيلة من أمرها ثم خطى باتجاه المطبخ كي يحضر وجبة بسيطة لهما سويًا.
بعد يومين في المدرسة. توقف حمزة أمامها وترجل من سيارته وكاد يتحرك ليلتقط صغيره في نفس اللحظة وصلت سيارة أجرة تنقل ريتان. ولكن قبل أن يتحرك حمزة، مرت دراجة بخارية مسرعة ارتطمت في ذراعه الأيسر بقوة أدت إلى وقوعه أرضًا يتألم بعدما التوى ذراعه بشدة أمام أعين تلك التي صرخت بقلب متلهف دون إرادة تردف بزعر:
"حمزززززة."
أسرعت تركض إليه ودنت منه متلهفة تتفحصه بملامح مذعورة مردفة:
"حمزة انت كويس؟ رد عليا حصلك حاجة؟"
برغم آلام ذراعه، إلا أنه شعر أن نيران قلبه التي اشتعلت لسنوات تهدأ لتوها. استند بذراعه الأيمن على سيارته وساعدته حتى وقف يئن ألمًا ويتمسك بذراعه. وكان مروان يجلس في السيارة يتابع بخوف وصمت، إلى أن نظر له حمزة من النافذة يردف ليطمئنه برغم ألمه الحاد:
"متخافش يا مارو أنا تمام."
كانت تقف أمامه ريتان تتفحص ذراعه بعيون لمعت بالدموع من أثر الصدمة. لف نظره يطالعها بعمق، بحنين وحب، باشتياق، وكأنها ردت إليه. ثم أردف يئن بسعادة:
"متخافيش أنا كويس."
رفعت نظرها إليه قاطبة جبينها. أومأت عدة مرات ثم أردفت وهي تتطلع على ذراعه الملتوية:
"دراعك أكيد بيوجعك، لازم تروح المستشفى ليكون فيه كسر لا سمح الله."
انكمشت ملامحه متألماً ثم أردف بهدوء وحب:
"تمام، خدي مروان لو سمحتِ وخليه معاكي وأنا هروح دلوقتي."
نظرت للخلف ثم عادت إليه تردف بلهفة وقبضة تعتصر قلبها ولم تهدأ منذ أن اصطدم ووقع:
"واللي خبطك جرى الجبان، بس متقلقش الكاميرا أكيد صورته. تحب أنادي حد من جوه يسوق مكانك؟"
طالعها بتعجب. أتتتحدث معه؟ أصرخت باسمه عندما وقع؟ تلهفت خوفًا عليه؟ إذاً ما زالت تحبه؟ ما حاجته بالكاميرا الآن؟ فإن حصل على صورة الفاعل سيعطيه جائزة ولن يعاقبه. يكفيه أنه جعله يعيش هذا الشعور معها بعدما فقد الأمل.
رأت نظرته التي طالت فابتعدت بأنظارها وحاولت الثبات بعدما اطمأنت عليه وأردفت بهدوء:
"أنا هاخد مروان وأدخل وإنت ممكن تتصل على مراد أو فريد يجولك."
تحركت من أمامه تخطو للجهة الأخرى وفتحت باب سيارته ثم مدت كفها لمروان وأخذته ودلفت إلى المدرسة لتعود لثباتها، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن كشفتها لهفتها عليه. رأته وهو يدور ويقع أرضًا بقوة. انتزع أحدهم قلبها وألقاه أرضًا كحاله، فلم تشعر بشيء إلا وهي تركض عليه لتطمئن. ما زالت تعشقه وبقوة. آآآه يا قلبي الملعون.
وقف يتطلع على أثرها حتى غابت عنه. تنهد بسعادة وارتياح. اعصر عينه بعدما عاد الألم يقتحم عروق وأربطة ذراعه. فتح باب سيارته واستقلها بحذر ثم أغلقه بيده اليمنى وبدأ يقود بها بهدوء ليصل إلى أقرب مشفى.
دَلَفَت هي ووقفت أمام القاعة تنظر لمروان الذي تساءل بحزن طفولي:
"هو بابي كويس يا مس ريتان؟"
اتكأت لمستواه وابتسمت له بحنو تردف بثقة:
"أيوه يا حبيبي كويس متقلقش، بابا بطل وهيروح يطمن على التعويرة الصغنونة اللي في دراعه ويرجع ياخدك."
ابتسم لها وأومأ ثم دلفا سويًا إلى الصف، ولكن عقلها وقلبها بقى معه في سيارته. حيث ظلت طوال اليوم تفكر فيه وكيف أصبح الآن. ستضطر للخروج إليه عندما يأتي ليأخذ مروان ظهرًا حتى تطمئن. ولكن ماذا عنه؟ سيظن أنها تهتم لأمره. عليها أن تؤكد له أن لهفتها تلك لم تكن حبًا بل كانت رد فعل طبيعية لما حدث أمامها. نعم هي كذلك.
انتهى الدوام ولم يأت حمزة لجلب مروان، بل أرسل له مراد الذي رحب بها ولم يخبرها شيئًا عنه، وهي تحكمت في لهفتها بقوة حتى لا تسأله ويفضح أمرها.
مر يومان ولم يأت حمزة ليوصل صغيره كعادته، بل يوصله مراد مع صغيرته بيري التي بدأت المستوى الأول، ويعود دون أن يراها، ولكنها تراه من نافذة القاعة. انتابها القلق وتآكلها فتساءلت مروان عنه، فهز كتفيه ولم يجب مما زاد قلقها وتعجبها.
تجلس مساءً في منزلها وقد أصبحت الساعة الحادية عشرة وفات وقت نومها على غير المعتاد، ولكنها تفكر بقلق، وبالطبع لن تسأل كارى عنه. هزت رأسها بقوة. لن تعود تلك الضعيفة مجددًا. لتظهر صلابتها مجددًا ولتقوى. مؤكد أنه بخير. إن كان هناك أمر سيئ لعلمت.
قررت الذهاب لفراشها والتمدد عليه والنوم. ولكن عاد بهيأته وطلته يداهم أفكارها. قبضة في صدرها لن تهدأ أبداً، حتى أنها أصبحت رفيقتها على مدار تلك السنوات.
زفرت بقوة واستسلام وبدأت تغلق عينيها وتترك نفسها للنوم يسحبها.
في اليوم التالي. تقف في ردهة المدرسة حيث أتاها كريم يطالعها بهدوء ويلقي السلام التي ردته عليه، وأردفت بهدوء:
"مسيو كريم أنا متأسفة، أنا عارفة إنك بتنتظر قراري بس أنا لسة عند رأيي، مش هينفع ارتبط بيك، صدقني مسألة الارتباط أنا رافضاها تمامًا."
زفر كريم بيأس وظهر الحزن على ملامحه، ثم طالعها مترجياً وأردف:
"طيب ممكن تتعرفي على والدتي وبس؟ هي نفسها تشوفك جدًا. اتعرفي عليها وبعدها مش هضغط عليكي أبداً. إيه رأيك أكلم والدك وأجيبها وأجيلك بليل؟"
تعجبت من أمره وأردفت معترضة بأدب:
"للأسف مش هينفع، أنا ممكن أتكلم مع والدة حضرتك في الموبايل ونتعرف، بس ملوش لزوم مسألة البيت."
أردف مترجياً بسماجة:
"مش هينفع موبايل، هي نفسها تشوفك جدًا، يعني من كلامي عنك وكده."
زفرت بضيق ولفت وجهها للجانب الآخر تفكر، ثم عادت إليه تردف بضيق:
"طيب هكلم بابا وأبلغك. عن إذنك."
تركته واتجهت تكمل حصصها بتعجب وتهكم من تصميمه الغير مبرر. قررت مهاتفة كاريمان وإعلامها بالأمر وأخذ المشورة منها.
انتظرت إلي أن انتهت حصتها وجلست في استراحة الردهة. تناولت هاتفها وهاتفت كارى التي تجلس كعادتها مع شيرين في الحديقة صباحًا تدردشان.
نظرت كارى للهاتف في يدها فوجدت اسمها فقالت مستأذنة:
"معلش يا شيري دي ريتان هرد عليها وأرجعلك."
تحركت من مكانها واتجهت تقف في زاوية وتجيب بحب:
"وحشتيني على فكرة."
أردفت ريتان مبتسمة:
"وانتي كمان يا كاري بجد، طمنيني عنك؟"
أردفت كارى بحنو:
"كويسة جدًا يا ريتا، مراد وصل مروان وبيري مش كده؟"
تنهدت بقوة تردف وهي تحاول بصعوبة منع نفسها من السؤال عليه:
"أيوه وصله، أنا كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم بس أهم حاجة ميكونش حد جنبك! مش عايزة حد يعرف أي حاجة."
لفت كارى نظرها لتتأكد ثم أردفت بهدوء:
"قولي يا ريتا سمعاكي يا قلبي."
تنهدت ريتان وسردت عليها ما حدث مع كريم وطلبه يدها وإصراره على مقابلتها لوالدته.
تعجبت كارى وأردفت متسائلة:
"تمام هو طلبه لإيدك عادي جدًا، بس تصميمه إنك تقابلي والدته ده غريب شوية، بس يمكن عايز والدته تقنعك مثلاً أو تتعرف عليكي؟"
أردفت ريتان بضيق:
"تقنعني بإيه يا كارى ما انتِ عارفة إن موضوع الارتباط ده أنا لغيته تمامًا من حياتي، هو ليه لازم أتجوز تاني؟ ليه ميسبونيش أعيش زي ما أنا حابة؟ ليه مصممين يوجعوني تاني يا كارى أنا كده مرتاااااحة."
تنهدت كارى بحزن وأردفت بتروٍ وحنو:
"طيب روّقي يا حبيبتي، عمو حمدي وطنط جميلة زي أي أم وأب نفسهم يطمنوا عليكي ويسلموكِ لراجل يقدرك ويحبك. إنتِ تستاهلي تتحبي يا ريتان، إنتِ للأسف تجربتك الأولانية مخوفاكي بس صوابعك مش زي بعضها يا ريتا، مش يمكن كريم يكون كويس ويعوضك فعلاً؟"
اعصرت عينيها بقوة. تحدثت مع كارى لتهدأ ولكن الكل يحدثها بنفس الطريقة.
تنهدت بعمق وأردفت باختناق:
"مش هقدر يا كارى، صعب إني أبدأ حياة جديدة."
ترقبت كارى وأردفت بقلق:
"حمزة بردو؟"
التفتت منتفضة بذعر حينما وجدت يد تسحب هاتفها من فوق أذنها فتفاجأت بحمزة الذي كان في الأعلى ونزل ليذهب لعمله بعد يومين استراحة بسبب كسر ذراعه وتجبيره، وعندما وجدها تقف في زاوية استشعر أنها تتحدث مع ريتان فاقترب منها ببطء دون أن تراه ووقف يستمع إليها وقد تجمد مكانه عندما سمع كلام كارى عن كريم، ولكن لم يستطع أن يقف هكذا عندما سألتها كارى عنه فسحب الهاتف وها هو يضعه على أذنه ويشير لكارى أن تصمت محذرًا حينما استمع لريتان تردف بتهكم:
"مش بس هو يا كارى، أنا عارفة إنه ميستاهلش ولا ينفع أكون لحد دلوقتي بحبه أصلًا بس ده واحد من الأسباب، ارتباطي بناصف كان غلطة ومش هكررها تاني مع غيره."
أنزل الهاتف من على أذنه وقلبه يعصف بقوة داخل صدره. ناولها لكارى التي التقطته ووضعته على أذنها تردف بتوتر وهي تطالعه:
"ريتان أنا آسفة بس أنا لازم أقفل."
أغلقت معها فورًا وأردفت معنفة بضيق:
"حمزة بجد اللي عملته ده ميصحش أبدًا، أقول لريتان إيه دلوقتي؟ دي لو عرفت إنك سمعتنا ممكن يحصلها حاجة."
كان في حالة صمت تام. ما زالت تحبه كما يعشقها هو، ولكنها متألمة منه بشدة. ليته يستطيع معاقبة نفسه أكثر من تلك الحياة البائسة التي يعيشها بدونها.
نظر لكارى وأردف بنبرة حزينة ضائعة:
"أنا عايز أشوفها يا كارى واتكلم معاها وانتِ اللي هتساعديني."
هزت رأسها تردف بقوة:
"لأ طبعًا مقدرش أعمل كده، مبقاش ينفع يا حمزة، إنت اخترت أولوياتك، بلاش تعذبها تاني."
أردفت بهدوء وثبات ظاهري:
"اسمعيني يا كارى، أنا فوق كتافي حمل تقيل قوي وبحاول أوزن الأمور من كل اتجاه وأحلها من غير ما أي حد يتأذى. مش مهم عندي نفسي بس مهم عندي ابني وريتان واللي حواليا. علشان كده لو بتحبي ريتان بجد هتخليني أشوفها وأتكلم معاها، وصدقيني لو هي رفضت مش هضغط عليها وهحترم رغبتها. لو سمحتِ."
طالعته بضيق وتنهدت بقوة بينما هو أومأ لها فزفرت باستسلام تستمع إليه بتوتر ولا تعلم هل تفعل الصواب أم سيكون قرارًا خاطئًا.
بعد انتهاء الدوام في المدرسة. غادر جميع الطلاب إلا مروان وبيري اللذان ينتظران مراد، وتقف ريتان تنتظره معهما، فمؤكد لن تتركهما بمفردهما وتغادر.
أتت سيارة مراد وكانت كارى معه. رأتهما ريتان فقد كانت تجلس في حديقة المدرسة الخارجية. أسرع مروان وبيري يركضان إلى مراد الذي استقبلهما بحنو، بينما ترجلت كارى واتجهت لريتان تعانقها باشتياق وتبادلها ريتان.
ابتعدت عنها وأردفت كارى بترقب:
"اتأخرنا عليكو صح؟"
أردفت ريتان بود وهدوء:
"لأ أبدًا، مروان بس كان قلقان شوية وأنا طمنته إن مراد أكيد جاي."
تنهدت كارى ونظرت لزوجها بتوتر فأكمل عنها:
"طيب يلا يا ريتان تعالي نوصلك، إنتِ اتأخرتي بسببنا."
هزت ريتان رأسها تردف:
"لأ مفيش داعي أبدًا، اتفضلوا إنتوا وأنا هاخد تاكسي من هنا."
أردفت كارى بترجي:
"يالا يا ريتان بقى تعالي معانا، معقول أنا موحشتكيش كل ده؟"
زفرت باستسلام وأومأت تردف:
"تمام تمام يا أستاذة كارى يللي نسيتيني أصلًا، يلا جاية معاكوا."
اتجهوا جميعًا للسيارة واستقلت كارى المقعد الأمامي بجوار زوجها، بينما ريتان جلست في الخلف مع مروان وبيري.
قاد مراد والتفتت كارى تطالع ريتان بإشتياق وبدأت تتحدث معها بإندماج برغم توتر كارى الملحوظ.
توقف مراد عند محل لبيع الآيس كريم ثم التفت يطالع مروان وبيري مردفًا:
"أجبلكوا آيس كريم يا أولاد؟"
أومأ مروان بسعادة وكذلك بيري، فترجل مراد وفتح الباب الخلفي لينزلا الصغيران وبالفعل تمسكا بيديه وتحركوا باتجاه المحل، بينما نظرت كارى لريتان بأسف وأردفت قبل أن تترجل لتنضم إليهم:
"ريتان سامحيني بجد آسفة."
غادرت السيارة وريتان تطالعها بتعجب ولم تفهم لما تعتذر إلا عندما وجدت حمزة يستقل مكان القيادة ويغلق الباب خلفه ويزفر بقوة.
جحظت عيناها وتجمد جسدها لثوانٍ قبل أن تحاول فتح باب السيارة لتترجل، ولكنه أسرع وأغلقها أوتوماتيكيًا والتفت يطالعها بعشق وعذاب مردفًا:
"مش هتنزلي غير لما نتكلم يا ريتان."
ما زالت في صدمتها بينما هو لف وبدأ يقود مسرعًا إلى وجهته.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل السادس عشر 16 - بقلم اية العربي
أفاقت من صدمتها على تحرك السيارة فأردفت بحدة وهى تحاول فتح الباب:
– نزلنى حالاً يا حمزة.
أردف وهو يقود بحب وقلبه يرفرف من نطقها لإسمه مجرداً:
– لازم نتكلم الأول يا ريتا.
تجاهل قلبها ذلك اللقب أو رفضه وأردفت بغضب من طريقته:
– مش هينفع مستحيل يكون بينا كلام،،، نزلنى حالاً بقولك.
توقف جانباً والتفتت إليها يردف بترجى وحنو:
– لازم نتكلم،،، مافيش عندى فرصة غير كدة،،، سنين وانتِ مش مديانى فرصة ولو صغيرة،،، لو في قلبك ذرة حب ليا خلينا نتكلم.
صرخت بعنف تردف عكس ما تخفي:
– ماااافيش،،، مافيش في قلبي أي حاجة ليك،،، اللى كان جوايا ده حب مراهقة وراح لحاله من سنين،،، إبعد عنى بقى واهتم بمراتك وابنك وإنسانى تماماً.
هز رأسه يرفض نسيانها وأردف بألم وتخبط من حدتها:
– فيه يا ريتان،،، فيه جواكى حب ليا وده شوفته يوم الحادثة،،، عيونك فضحتك،،، فيه جوايا حب ليكي بيكوى قلبي كل يوم على بعدك،،،، فيه أخطاء مدمرانى نفسياً ولولا إبنى كنت وقعت من زمان،،، خلينا نتكلم ولو كلامى ماقنعكيش أعملى اللى يريحك.
زفرت بقوة ونظرت للنافذة قليلاً،،، بدأ جــ.سدها يهتز لا إرادياً وداهم عقلها ما مر عليها طوال التسع سنوات خصوصاً حياتها مع ناصف وعقمها وشقيقتها.
حاولت التقاط أنفــ.اسها والتحكم في إرتعاشة جــ.سدها وهي تلتفت إليه وتطالعه مردفة بتمزق روحي:
– اتكلمت.
تنهد وأردف بترقب وحب:
– طيب نروح نتكلم في مكان تانى علشان المكان هنا مينفعش.
أردفت برفض وهى تحــ.تضن جــ.سدها كأنها تهدهده:
– قول اللى عندك هنا ونزلنى.
تنهد باستسلام وأومأ،،، دقق في عيــ.نيها ورأي فيهما نظرة خوف ولاحظ ارتــ.عاشها،،، تبعثر داخــ.له لحالتها وعاد الكلمات مبعثرة كأوراق الأشجار في الخريف لذلك حاول أن يهدأ ويرتب حديثه كما نوى ويردف:
– كل اللى عايز أقولهولك إن من وقت ما إتخليت عنك وحياتى كلها إتحولت لعنة،، مرتحتش ثانية واحدة بعدها،،، مشيت ورا كلام أبويا وخذلتك ومن وقتها بدور على الراحة مش لقيها،،، يوم جــ.وازك ده كان يوم موت راحتى،، دفنت سعادتى بإيــ.ديا يا ريتان ومن غير ما أفتح بوقي بحرف،،، جوازى من مها مالوش أي قيمة عندى من بعد مروان بس مستمر ظاهرياً وهينتهى قريب جداً،،، وافقى نتــ.جوز يا ريتان!،،، وافقى نتــ.جوز وبعدها هعملك اللى إنتِ عيزاه.
صُمّت أُذ نيها،،، نبضاتها مبعثرة،،، ها هى تدخل في دوامة خلطت الماضي بالحاضر بالمستقبل،،، كُسرت صدفة قوتها وظهر ضعفها وها هى تحاوط وجــ.هها بكفيها وتبكي،،، إنهارت حصونها،،، تبكى فقط،،، بكاء حاد أشبه بالصراخ،،، حديثه عن الماضي جعلها تصــ.تدم به بضراوة،،، تخرج كل ما في قلبها وما مرت به أمامه دون خوفٍ من إظهار ضعفها،،، تبكى حسرةً على حبه وندماً على علاقةٍ سامة قطعت أحبال عمرها،، ووجعاً من شقيقةٍ لم تحتويها يوماً، تبكي قهراً على أخطائها في حق نفسها.
أما هو فتجمد مكانه وعقد لســ.انه،،، توقع كل شئ تفعله إلا أن تنهار هكذا،،، أصبح قلبه جمرة نار بدلاً من أن يضخ دماً أصبح يضخ لهباً يحرق جــ.سده بأكمله.
أردف بصوت خرج مهزوز وهو يحاول إرضائها وتهدأتها:
– ريتان إهدى،،، أهدى أنا أسف،،، خلاص هعملك إللى إنتِ عايزاه.
ما زالت تبكى ويهتز جــ.سدها بقوة،،، داخــ.لها طاقة غضب وقهر لسنوات خرجت على شكل شهقات وداخــ.له طاقةً قويةً في إحتوائها ومراضاتها ولكنها محرمةٌ عليه،، مد يــ.ده ليربت عليها ولكن توقفت في منتصف طريقها يحكم قبضته بقوة يعلم أن قلبه لن يحتمل لمــ.ستها وأنها لن تتقبل ذلك وأنها أنقى من ذلك لذلك عادت يــ.ده خالية الوفاض إلى مكانها وهو يردد بقلبٍ متهالك وأحــ.شاءٍ ملتوية كعقدٍ متداخلة لأجلها:
– خلاص أهدى،،، لو بعدى عنك هيريحك هبعد،،، هبعد عنك تماماً بس متبكيش لو سمحتِ،،، متضعفيش كدة علشان خاطر أي حد،،، أنا أسف،،، أنا بجد أسف، أهدى علشان خاطرى.
ظلت كما هى حاضنة وجــ.هها بين كفيها،،، وهو يتابعها مقيداً بسلاسل حديدية على جزيرة بعيدة وقلبه منفيٌ،،، نظراته تحتضنها وروحه تربت عليها.
بعد دقائق مرت عليه كالسنوات وهو يردد كلمات الأسف كأنه سيمتحن بها لتهدأ.
هدأت إرتعاشتها،،، ولكن لم تزح يــ.دها من على وجــ.هها الذى أصبح محتقن ومتورم.
مد ذرا عه اليمنى ينزع عدة محارم من فوق طالبون السيارة وعينه منكبة عليها ثم ناولهم لها يردف بحنو وحزن:
– إتفضلي.
مدت إحدى يــ.ديها تتناول منه واليــ.د الأخرى تخبئ وجــ.هها،،، مسحت وجــ.هها ثم أنزلت يــ.ديها الأثنتين وجلست ناظرة أرضاً تفكر،،، تلك الطريقة خاطئة،،، المكان والزمان والحدث ليسوا في مناسبتهم أبداً،،، لذلك رفعت نظرها إليه تطالعه بعمق،،، عيــ.نيها كأنهار دمٍ جارية،،، أردفت بصوت متحشرج مهزوز ولم تعد لديها قوة:
– نزلنى لو سمحت.
إعتصر عيــ.نيه بقوة ثم أومأ ومد يــ.ده يفتح أقفال الأبواب ثم ترجل يلتفت إليها قبل أن تترجل وهو يمنعها من فتح بابها مردفاً بحزن:
– إستنى متنزليش.
أشار بذرا عه السليمة لإحدى سيارات الأجرة فتوقف السائق،، فتح بابها وأردف بحنو متألماً:
– تعالى.
ترجلت ومادت الأرض لولا أستنادها على سيارته إلا أن تملكت حالها،،، طالعها بحزن وفتح لها باب السيارة الأجرة وإستقلتها،، أغلق بابها ونظر عليها نظرة موعدة وليست أي وداع،،، تلك المرة يشعر وكأن روحه تنتزع منه،،، تنهد بإختناق والتفت ينظر للسائق ويردف وهو يخرج من جيبه عملةٍ ورقيةٍ ويناوله إياها:
– وصلها للمكان اللى هي عيزاه.
إنطلق السائق ووقف هو يتابع إلى أن إبتعدت،، أخرج هاتفه وهاتف حارسها يردف بترقب:
– خليك ورا ريتان يا محمد،، إتأكد إنما وصلت البيت وطلعت وبعدين روّح.
أغلق الهاتف وزفر بقوة ثم التفت يستقل سيارته ويغلق بابها،، رفع رأسه للأعلى يستند على مقعد السيارة ويفكر،، إذا كان هو سبب تعاستها ووجعها الذى ظهر بوضوح أمامه فليبتعد،، يكفيه أن تكون بخير،، أو ليقترب ويجعلها هو بخير،، ويكفّر عن أخطاء الماضي ويحتويها كما يريد،، لينسيها ما أحزنها ولكن أولاً ليحل عقده المتداخلة دون خسائر.
كان مراد يقود سيارة حمزة بدلا عنه وتجاوره كارى مردفة بقلق:
– مراد تفتكر لسة بيتكلموا؟،،، معقول يوصلوا لحل؟،،، أنا حاسة إن ريتان هتقطع علاقتها بيا،،، ربنا يستر.
مد مراد يــ.ده يتناول كفها ويقــ.بله مردفاً بحب واطمئنان:
– روقي يا حبيبتى، إن شاءلله خير، أكيد حمزة هيقدر يقنعها.
هزت رأسها تردف بشك:
– لا،،، أنا بجد قلقانة.
حاول تهدأتها فقال:
– مالوش لزوم أبداً،،، أنا حاسس إنها هتسمعه وهتفهمه،، حمزة أكتر واحد يستحق حياة أفضل من اللى هو عايشها دي.
صمتت لا تريد إحزانه ولكن تلك الحياة التى عاشها شقيقه نتيجة إختياره وبإرادته.
في مكتب مها أبو الدهب تجلس تستمع للرجل الذى وظفته ليراقب ريتان.
أردفت مها بهدوء مخيف:
– يعنى كانوا مع بعض جوة العربية؟
أردف الرجل:
– أيوة يا هانم،، أنا صورت كام صورة من بعيد لأنى خوفت حمزة بيه يشوفنى، هفرغهم وأبعتهملك حالاً.
شردت في زو جها ثم أردفت بخبث:
– أبعتهملي دلوقتى على الموبايل وبعد كدة إبقى هاتهم لي في ظرف.
أغلقو معه وشردت تفكر كيف تستغلهم لصالحها دون إحداث أي مشاكل مع حمزة،، كيف تنتقم من إبنة السائق ببرود؟
مساءاً وبعدما نام مروان،،، نظر له حمزة بشرود،، يفكر منذ أن عاد في حل جميع الأمور دون أي خسائر.
وأخيراً وجد حل لشراكتها،، بالطبع لن يطلقها ويتركها تحوم مجدداً في الشركة وتفعل ما يحلو لها،، لذلك قرر أن يشترى نصيبها ولكن وبسببِ عدم توافر كل تلك السيولة معه قرر أن تشتريهم شقيقته بميراثها الشرعي من عمل زو جها القانوني الذي تدخره إلى الآن في إحدى البنوك،، فوجود سناء في الشركة بدلاً عن مها هو الحل الأمثل،، ويعلم أن شقيقته لن ترفض لذلك قرر محادثة من في الداخل،، زفر ووقف يتجه لغرفة مها المنفصلة وطرق بابها.
كانت كالعادة تتابع أعمالها على حاسوبها المحمول،، تنبهت للطرقات فأردفت:
– إدخل.
فتح حمزة الباب ودلف يطالعها بضيق ثم توقف أمامها متسائلاً:
– عملتى إيه في الصفقة بتاعتك؟
هزت منكبيها وهى تتطلع على الحاسوب وزفرت مردفة بضيق:
– أبداً،، لسة بحاول معاهم،، شروطهم صعبة شوية.
مسح على وجههُ يستغفر ثم طالعها يردف محذراً:
– إسمعى يا مها،، تلاتة متحاوليش تستغليهم ضدي،، تلاتة تبعدى عنهم نهائي وإلا إنتِ متعرفيش أنا ممكن أعمل ايه،، إبنى وريتان والشركة اللى ملك جدودى واللى أنا تعبت فيها مع أخواتى علشان نوقفها تانى بعد ما شوقي بيه وقعها بمساعدة أبويا،، أنا أديتك كل اللى أقدر عليه علشان في المستقبل أبص في عين إبنى وأنا عارف إنى مقصرتش،، أتعاملت معاكى بأصلى أنا مش بأصلك إنتِ علشان أكفر عن ذنب جــ.وازنا اللى كان بإرادتى،، وصلتك لبر الأمان وأكتر،، يبقى كل اللى هتعمليه هو إنك تتنازلى عن حضانة مروان بهدوء،، وتتنازلى عن أسهمك لسناء أختى مقابل المبلغ اللى إنت تحدديه،، ونطلق من غير أي دوشة.
نظرت له بعمق،، داخــ.لها يحترق بعد أن رأت الصور التى أرسلها الرجل إليها،، تريد أن تعود لعهدها وتظهر شراستها ووتهدده بالصورِ وبفضيحة مجلجلة لتلك التى لا تعلم لما يحبها.
ولكن على مر تلك السنوات أدركت أن تهديده لن يعود عليها إلا بالنفور منها وربما بخسارتها بعد كل ما وصلت إليه،، لذلك فهى ستتعامل بطريقة أكثر خبثٍ ودهاء.
تنهدت تومئ وهي تضغط على لوحة حاسوبها المحمول وتردف بهدوء:
– بعتلك حالاً عقود الشركة البلجيكية تقرأها بنفسك وتشوف شروطهم وتتأكد إنى مش بكذب عليك.
ترجلت تقف وتتجه إليه حتى توقفت أمامه وأردفت بترقب وهى تصيب هدفها:
– وبعدين إنت وعدتنى إنك هتستنى لما أضبط أمورى،، معقول عايز ترجع في كلامك؟
دقق النظر في عيــ.نيها يردف بشك:
– إيه هدفك؟،، ليه طلبتى وقت؟،، بتخططى لإيه؟
أردفت وهى تلوح بيــ.ديها:
– ولا أي حاجة،،، كل ما في الأمر إن الصفقة دي مهمة جداً بالنسبالي ونقلة تانية ليا خالص وبقالي سنين بحاول أحصل عليها،، وطلاقنا دلوقتى أو إنهاء شراكتنا هيخليهم يتراجعوا لإنهم عارفين أنى اخدة دعم من إسمكم في السوق،، صدقنى يا حمزة أنا خلاص إقتنعت إنك مش ليا،، وبصراحة مبقاش يهمنى إنت عايز مين أو بتفكر في مين،، أنا بحاول أأمن نفسي ومستقبلي بعد الطلاق وبس.
كان يتابعها بشك،،، حديثها ربما مقنع ولكنه لا يؤمنها وعلمت هى ذلك فأردفت وهى تلف وجــ.هها عنه:
– إتأكد بنفسك من العقود بتاعتهم،، ولو حابب تسأل عنهم إسأل،، لو لقيت إن كلامى مش حقيقي أعمل اللى إنت عايزه.
عادت تنظر لعينه مردفة بإستسلام يخفى تحدى شرس:
– أنا هتخلى عنك وعن إبنى يبقى أظن إن من حقي أتمــ.سك بطموحى وأعمالى لإن مبقاش ليا غيرهم.
زفر ونظر لها بقوة يردف بهدوء يحمل تهديد خفي:
– إتمسكي بطموحك وأعمالك زي ما إنتِ عايزة،، وأبعدى تماماً عن أي حسابات تانية.
خطى يغادر غرفتها ووقفت تطالعه إلا أن غادر فسحقت أسنانها بقوة وتوعد،، حتى وإن طلقها لن تسمح أبداً أن يلتقي هو وتلك المعلمة.
أما هو عاد لغرفة صغيره وجلس على الفراش وتناول حاسوبه ونظارته يرتديها وبدأ يدقق النظر في عقود تلك الشركة جيداً ليتأكد من صحة حديثها.
بعد يومان في غرفة فريد صباحاً.
إستيقظ على رنين هاتفه.
نظر جانباً على ذر اعه الأيمن وجد شيرين تتمدد عليه بعمق وتدثر نفسها به،، إبتسم عليها ومد ذر اعه الأيسر يتناول هاتفه قبل أن يزعجها.
نظر للرقم الغير مسجل بتعجب ثم فتح الخط يردف بترقب وصوت هامــ.س:
– ألو!، مين معايا؟
لم يأتيه رد فقط صوت أنفاس فتعجب وأغلق وتركه ولكن عاد ينبه عن رسالة،، إلتقطه وفتح ليري فظهرت أمامه رسالة من نفس الرقم محتواها ( وحشتنى أوى يا فريد ).
ضيق عيــ.نيه وتعجب من المرسل ثم حذف الرسالة وحظر الرقم ووضع الهاتف وعاد يحتوى زو جته بحنو.
طوال اليومان لم تذهب ريتان إلى المدرسة بحجة مرضها ولكنها لا تقوى على النظر لأحدهم خصوصاً مروان مم ترتب عليه عدم رغبته في الذهاب إلى المدرسة هو الآخر،، حاولت كارى الوصول إليها والحديث معها ولكنها لم ترد عليها.
دخل حمزة في حالة ضيق بعدما تأكد من شروط تلك الشركة البلجيكية وصحة حديث مها ولكنه يجاهد ليظهر لصغيره العكس دائماً.
في اليوم التالى ذهبت ريتان إلى المدرسة بعد أن إستردت طاقتها قليلاً وبعد إتصالات عدة من كريم يضغط عليها لتقابل والدته.
إستقبلت ترحاب من الجميع وود متنميين لها دوام الصحة حيث انها محبوبة بينهم.
غادر الجميع من حولها ولكنها أوقفت كريم تنادى عليه مردفة بترقب:
– مسيو كريم لو سمحت ممكن ثانية؟
توقف كريم يلتفت لها بترقب ثم عاد إليها يردف متلهفاً:
– اتفضلي سامعك؟
تنهدت بقوة تطالعه ثم أردفت بهدوء:
– كنت عايزنى أتعرف على والدتك،، أنا كلمت بابا،، ممكن طنط تنورنا في البيت النهاردة؟
أومأ بسعادة يردف:
– طبعاً أكيد ممكن،،، بس ده يعنى إنك وافقتى على طلبي؟
أردفت بهدوء وتروى:
– يا مسيو كريم خلينى الأول أتعرف على والدتك وموضوع الأرتباط ده سابق لأوانه.
أومأ بسعادة يردف:
– تمام زي ما تحبي،،، يبقى بليل إن شاءلله هجيبها واجى.
غادر فرحاً وتركها تشرد في ما توصلت إليه،،، عليها أن تعطى فرصة جديدة لنفسها،،، طوال اليومين وهى تفكر في ما حدث،،، لن تنتظره إلى أن يحل وثاق زوا جه كما أخبرها،،، سنوات عدة مرت ولم يستطع حل شئ،،، لن تعطى له فرصة بعد كل تلك السنوات وبعد أن رأى ضعفها،،، إن أراد ليخلق هو فرصة ولكنها لن تنتظر،،، لذلك ستتعرف على كريم عن قرب وبتمهل ولن تخطئ خطأ الماضي،، إن كان مناسب ستوافق عليه ولتترك الماضي في الماضي.
إتجهت للقاعة وهى جاهلة تماماً عن تلك العاملة التى إستمعت لحديثهما وهى تدعى التنظيف.
أوصل حمزة مروان بعدما تأكد أنها أتت اليوم ولكنه لن يدلف بل أوصل صغيره وغادر من الخارج.
دلف الصغير يركض فرحاً متلهفاً لرؤيتها بعد غياب يومين ولكنها قررت حتى أن تُجمد قلبها تجاهُ.
لذلك حينما أسرع إليها وعانــ.قها سحبت نفسهاً قوياً ولم تنخفض لتعانقه كما تفعل دائماً بل ملــ.ست على خصلاته بحنو تردف وهى تبعده بهدوء:
– أهلا يا مروان،، أزيك.
أبتعد الصغير يطالعها كما لو كان خذله أحدهم وأردف بحزن طفولي متسائلاً:
– إنتِ زعلانة منى يا مــ.س ريتان.
أغمضت عيــ.نيها بقوة وعصف قلبها ولم تحتمل تلك النظرة منه،،، ليس له أي ذنب،، إتكأت على قــ.دميها وفتحت له ذرا عيها بحنو فأسرع يلقي بنفسه ويعانقها بقوة وسعادة.
إهتز قلبها لفعلته وشددت من عنــ.اقها له ثم ابتعدت بهدوء تطالعه بعيون لامعة فابتسم وأردف:
– متزعليش.
هزت رأسها وأردفت:
– مقدرش أزعل بعد ما شوفتك،، بس لأنى تعبانة شوية خوفت تتعدى مني.
أومأ وأسرع يركض لمقعده ووقفت هى تطالعه بتمعن ثم بدأت تعطى حصتها.
مساءاً في منزل حمدى.
جهزت المنزل وهيأته لأستقبال كريم ووالدته وعاد حمدى مبكراً من عمله ليقابلهما.
أتى كريم أسفل المنزل وترجل من سيارته هو ووالدته التى نظرت للمنزل بتفحص تردف:
– هو ده بيتهم يا كيمو؟
اومأ مبتسماً يردف فرحاً:
– أيوة يا ماما،، يالا نطلع.
أردفت وهى تنظر ليــ.ده:
– طيب ضبط العلبة اللى في ايــ.دك كويس.
– أطاعها ودلفا سوياً من بوابة المنزل ثم صعدا للطابق الثانى وطرق كريم الباب.
فتح له حمدى مرحباً بود به وبوالدته وتبادلوا السلام ودلفا هو ووالدته التى رحبت بجميلة وبدأت عيــ.نيها تجول المكان بتفحص.
كانت ريتان تقف مع والدتها في إستقبالهما ورحبت بهما وجلسوا سوياً يتبادلون أطراف الحديث.
إبتسمت تلك السيدة وأردفت وهى تنظر لريتان بإعجاب:
– يا ماشاءالله زى القمر،،، ده كيمو بيشكر فيكي جداً،،، وبيقول إنك ملاك،،، يسلم اللى رباكى.
ابتسمت ريتان بهدوء بينما أردف حمدى:
– تسلمى يا ست ام كريم،، وكريم بردو شخص محترم وزميل ريتان من زمان ومشوفناش منه غير كل خير.
نظرت السيدة لإبنها بفخر ومدت يــ.دها تمــ.لس على ظــ.هره مردفة:
– كيمو ده نور عيني،، كل ما ليا في الدنيا،، إتجــ.وز مرة ومكملوش مع بعض،، محصلش نصيب بينهم،، بس إن شاء الله نصيبه الجاي خير.
تنهدت ريتان بضيق تخشى أن تبدأ السيدة في سرد حديث لا تريده الآن.
بينما أردف كريم بتروى:
– بصراحة يا عم حمدى والدتى كان نفسها من زمان تتعرف على مــ.س ريتان جداً،، والدتى متعرفش حد هنا أد كدة لإننا لسة جايين هنا من حوالى ٣ سنين،، كنا عايشين في قرية بعيدة عن هنا شوية وكنت متــ.جوز قريبتنا من بعيد،، كنا بنشتغل في مدرسة واحدة هناك،، إتجــ.وزنا سنة وبعدين إنفصلنا بهدوء بعد ما والدتى تعبت جداً وهى رفضت الوضع،، وبعدها إتنقلت أنا وماما هنا وقدمت طلب وظيفي ومن حظى الحلو إنى أتقبلت،، وانا مبسوط جداً باللقاء ده واتمنى إن الود يدوم بينا مع الوقت وحضرتك تعتبرنى إبنك.
أومأ حمدى يردف بتودد:
– أكيد يا أبنى ووالدتك ست على راسنا وأنتوا نورتونا النهاردة،، ريتان بنتى الكبيرة أغلى ما ليا،، بنت أبوها الحنينة والعاقلة وأكيد تستاهل حب الناس ليها.
أردفت والدة كريم متسائلة:
– ربنا يباركلك فيها،، بس هي ليها أخت تانية مش كدة؟
أومأ جميلة تقول برتابة:
– أيوة يا حاجة هي متجوزة ومعاها ياسين عنده حوالى سنتين.
أومأت تطالع إبنها بحب مردفة:
– عقبالك يا حبيبي وأشوف عيالك يا حبيبي.
نظرت ريتان لجميلة التى تطالعتها بحزن،، ها هو يحدث ما تخشاه،، هل يمكن أن تلك السنوات التى مرت كفيلة بأن تعالج مشكلتها في الإنجاب؟ حتى أنها أن وافقت على إرتباطها هذا تخشى الذهاب وإقامة فحوصات أخرى لربما كانت النتيجة مخيبة للآمال ولكن عليها أن تقرر ما تريده في أسرع وقت،، إن كانت ستقرر الإرتباط فعليها أن تخبره بهذا الأمر وعليه أن يقبل أو يرفض.
دام اللقاء حوالى ساعتين وغادر كريم ووالدته ونظرت جميلة لحمدى وريتان بشك بعدما جلسوا مردفة:
– بصراحة بقى أنا مرتحتش لوالدته.
أردف حمدى بتعجب:
– ليه بس،،، شكلها ست طيبة وبتحب إبنها جداً.
أردفت جميلة بقلق:
– مهو أوقات الحب بيكون مؤذي،، ممكن حبها لإبنها يكون أنانى شوية.
نظرت لريتان بقوة وأردفت:
– ريتان يا حبيبتى،، المرة دي فكرى كويس أوى،،، وأبوكى يسأل عليهم ويعرف كل حاجة عنهم،، وانتِ أوعى تتسرعي زي المرة اللى فاتت.
نظرت لوالدتها بتمعن وأومأت تردف:
– معاكى حق يا ماما،،، لازم أفكر كويس ولازم أعرفه مشكلتى الأول،،، خلينا نعتبر ده لقاء ودّى ومافيش أي هدف تانى منه.
بعد وقتٍترجل كريم ووالدته من سيارته وكادا أن يصعدا منزلهما ولكن ظهر رجلاً من الخــ.لف يردف بترقب:
– أستاذ كريم ممكن ثوانى لو سمحت؟
تعجب كريم فهو لم يتعرف عليه وتساءل:
– خير مين حضرتك؟
أردف الرجل بهدوء:
– أنا جاي لحضرتك من طرف حمزة بيه الجواد،، هو منتظر حضرتك في العربية.
تعجب لثوانى ثم نظر لوالدته وأردف:
– ماما إطلعى أنتِ وأنا هشوف فيه إيه وراجعلك.
تمــ.سكت السيدة بيــ.ده مردفة بقلق وزعر:
– رايح فين يا حبيبي،، إنت تعرف الراجل ده؟
أومأ مطمئناً يردف بهدوء وهو يربت على يــ.دها:
– أيوة يا ماما ده والد تلميذ عندنا وشوفته قبل كدة،، إطلعى وأنا هحصلك.
صعدت مستسلمة وتقدم كريم مع الحارس حيث يجلس حمزة في سيارته يتنظره.
وصل لعنده وأردف متعجباً عندما رآه:
– حمزة بيه؟،، خير؟
طالعه حمزة بغضب واردف:
– إركب.
صعد كريم بتوتر ثم أردف حمزة بهدوء يخفى غضباً:
– كنت عند ريتان بتعمل إيه؟
أردف كريم بحدة:
– وحضرتك مالك ومال ريتان؟
أردف حمزة بثقة وصرامة:
– إسمع الموجز علشان ترتاح،، تبعد تماماً عن ريتان،، لو شوفتها في مكان تلف من مكان تانى،، سمعت.
ضحك كريم ساخراً وأردف:
– هو مش حضرتك متــ.جوز ومخلف بردو؟،، إنت ازاي أصلاً تكلمنى كدة؟
تحلى حمزة بالهدوء وأردف بثقة:
– ملكش دعوة بحالتى الإجتماعية،، وبكلمك كدة لأن ريتان تهمنى،، اللى بتحاول تعمله وإنك تجمل نفسك قدامها سهل جداً أكشفهولها وأكشفه للكل..
توتر كريم وتساءل بترقب:
– تكشف إيه بالضبط؟،، وإنت مالك بيا؟
أردف حمزة بنفاذ صبر:
– الخلاصة،، بكرة هتسحب ورقك من المدرسة وتشوفلك مكان تانى،، وتبعد تماماً عن ريتان،، وتنسى إنك شوفتها في يوم ولو جبت سيرتها مع مخلوق بأي كلام مش هيحصل كويس..
تعجب كريم من تهديده بينما تابع حمزة بجمود:
– متنساش تبلغ الحاجة إنك كويس ومافيش داعى تقلق عليك،، وكمان بلغها إنك مش هتتــ.جوز تانى إلا لما تتأكد أنها مش هتتسبب في طلاقك،، بلغ والدتك إن ريتان مش لقمة سهلة ومرتبها مش هيتاخد منها كل أول شهر ويتصرف على البيت وفلوسك إنت تتحوش للزمن.
قرب وجهُ منه وتابع بتشفي:
– كفاية كدة ولا تحب أقول كمان عن إنجازات الوالدة مع زو جتك السابقة؟،، اللى كانت حامل وسقطت بعد ما والدتك أتهجمت عليها؟
شحب وجه كريم وبرد جــ.سده يطالعه بصدمة ويردف متعجباً:
– إنت جبت الكلام ده منين؟
نعم فهو أخفى هذا تماماً عن الجميع حيث أنه إنتقل للعيش هنا وابتعد عن تلك القرية التى تزوج فيها حتى لا يذكره أحد بأفعالهما القاسية هو ووالدته مع زو جته الأولى.
أردف حمزة بغضب وهو يكشر عن أنيابه كالأسد:
– من طليقتك،، إبعد عن ريتان بالذوق،، فاهم،، الصبح تسحب أوراقك وتقولها أي حجة لإنك شاطر في كدة وتبعد تماماً،، وعلشان مبقاش قطعت عيشك فيه مدرسة خاصة تانية في ***** أنا كلمتهم عنك هتروح تقدم فيها.
طالعه بحسرة،، كان يريد أن يحظى بتلك الجميلة الهادئة التى ستتقبل والدته وتقلباتها،، نظر لحمزة بترقب وأردف محاولاً إقناعه:
– يا أستاذ حمزة أنا فعلاً بحب…
قاطعه حمزة يلكمه في صــ.دره بقوة ويردف بغضب لم يتحكم به:
– متنطقش ولا كلمة،، روح حب بعيد عن ريتان،، اللى قولت عليه تعمله بكرة الصبح واحمد ربنا إنى جبتلك شغل تانى بدل ما كنت رجعتك بلدكوا،، أنزل.
زفر كريم بقوة ثم عدّل حاله وترجل من السيارة وأنطلق حمزة بعدها بينما هو وقف يتحسر على حاله.
في اليوم التالى صباحاً نزل كريم من منزله قاصداً المدرسة كي يسحب أوراقه ويتحدث مع ريتان قبلها بأي حجة.
وجد سيارة سوداء تنتظر أمام بيته،، تعجب وزاد فضوله حينما إنفتح بابها وترجل السائق يردف بهدوء:
– إتفضل معانا؟
زفر وأردف بحدة:
– أنا رايح دلوقتى أسحب ملفي ومافيش داعى أجى معاكوا،، قول لحمزة بيه أن كل اللى قال عليه هعمله.
ظهرت فجأة من داخل السيارة سيدة شابة تميل برأسها تطالعه بغرور مردفة:
– أركب يا كريم،، أنا عايزة مصلحتك،، إسمع منى ولو كلامى معجبكش إبقى إعمل اللى إنت عايزه.
تعجب ونظر لها ثم للسائق ثم زفر وقرر أن يركب معها ليرى ماذا تريد.
صعد معها وقاد السائق يبتعد إلى مكان مناسب.
بعد مدةوقفت السيارة والتفتت مها تطالعه بتعالى مردفة:
– إحكيلي كل اللى حمزة بيه قالهولك بالحرف؟
أردف متسائلاً بترقب:
– هو حضرتك مراته؟
أردفت بحدة وتعالى:
– إخلص يا كريم وقتك معايا قليل.
أومأ وبدأ بسرد ما حدث بينه وبين حمزة إلى أن إنتهى فابتسمت بمكر وأردفت بدهاء:
– طيب إسمع منى بقى ولو عملت زي ما قولتلك واتفقنا هعملك مشروع خاص بيك وتنسى خالص مهنة التدريس دى لأنها مش لايقة عليك،، قولت إيه؟
لمع الطمع في عينه وشرد يفكر ثم أردف بترقب:
– قولي اللى عندك.
ضحكت بمكر تردف ساخرة:
– أسمع يا أستاذى الفاضل.
في المدرسةتقف ريتان في صفها تُدرّس متعجبة تأخير كريم على غير عادته.
طرق الباب وتبعه دلوفه بملامح حزينة يردف بخبث:
– ممكن تيجي معايا ثانية لو سمحتِ؟
تعجبت من أمره ثم إقتربت قليلاً منه وأردفت متسائلة:
– خير يا مسيو كريم؟،، حصل حاجة؟
أردف بحزن ظاهري:
– أنا لازم أسيب المدرسة دلوقتى،، هنقل في مدرسة تانية.
صُدمت من هذا الخبر وأردفت بتعجب:
– يا خبر ليه؟،، إيه اللى حصل!
نظر للأطفال بترقب ثم نظر لها قائلاً:
– طيب ممكن تيجي ثوانى بس؟
أومأت وأوصت المساعدة على الأطفال ثم إتجهت معه للخارج ووقفت في الردهة متسائلة بترقب:
– طمنى بس إيه اللى حصل فجأة كدة؟
ظهر على ملامحه الحزن والحيرة الكاذبة وأردف:
– إمبارح بعد ما مشينا من عندكم ووصلنا البيت لقيت حمزة الجواد والد مروان بيوقفنى وعايز يتكلم معايا.
ضيقت عيــ.نيها تتنبه بصدمة بينما هو يكمل:
– ولما روحتله طلب منى أبعد عنك تماماً وهددنى وقالى لازم أسيب المدرسة وإلا هيقطع عيشي نهائي من أي مكان،،، وقال لو أنا مبعدتش عنك هيقول عنى كلام كتير سئ وهيقدر يتبلى عليا.
شهقت بذهول وأردفت بعدم تصديق:
– معقول يوصل بيه الأمر لكدة؟..
هز رأسه يردف بحزن مصطنع:
– أنا مش قده يا ريتان،، هو فعلاً يقدر ينفذ كلامه،، ولو عرف إنى قولتلك هيعمل الأسوأ،، علشان كدة أوعى لو سمحتِ تعرفيه،، أشوف وشك بخير.
تحرك خطوة ثم عاد يطالعها مردفاً بخبث:
– بس أنا لسة عند طلبي يا ريتان،، ولو إنتِ قبلتى هحارب علشانك،، لكن في الوقت الحالى أنا مضطر أمشي من المدرسة،،، فكرى يا ريتان كويس وأنا هنتظر قرارك،،، أنا مش مهم عندى الوظيفة أنا عندى شقتى وعفش جديد وهفتح مشروع بجزء كنت ركنه على جنب بس إنتِ تبقى معايا،، فكرى وأنا منتظر قرارك،،، موافقتك هتخليني أقدر أواجهُ.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل السابع عشر 17 - بقلم اية العربي
– طمنى بس إيه اللى حصل فجأة كدة؟
ظهر على ملامحه الحزن والحيرة الكاذبة وأردف:
– إمبارح بعد ما مشينا من عندكم ووصلنا البيت لقيت حمزة الجواد والد مروان بيوقفنى وعايز يتكلم معايا.
ضيقت عينيها تتنبه بصدمة بينما هو يكمل:
– ولما روحتله طلب مني أبعد عنك تماماً وهددني وقالي لازم أسيب المدرسة وإلا هيقطع عيشي نهائي من أي مكان،،، وقال لو أنا مبعدتش عنك هيقول عني كلام كتير سيء وهيقدر يتبلى عليا.
شهقت بذهول وأردفت بعدم تصديق:
– معقول يوصل بيه الأمر لكده؟
هز رأسه يردف بحزن مصطنع:
– أنا مش قده يا ريتان،، هو فعلاً يقدر ينفذ كلامه،،، ولو عرف إني قولتلك هيعمل الأسوأ،،، علشان كده أوعي لو سمحتِ تعرفيه،،، أشوف وشك بخير.
تحرك خطوة ثم عاد يطالعها مردفاً بخبث:
– بس أنا لسه عند طلبي يا ريتان،، ولو انتِ قبلتي هحارب عشانك،،، لكن في الوقت الحالي أنا مضطر أمشي من المدرسة،،، فكري يا ريتان كويس وأنا هنتظر قرارك،،، أنا مش مهم عندي الوظيفة أنا عندي شقتي وعفش جديد وهفتح مشروع بجزء كنت ركنه على جنب بس انتِ تبقي معايا،،، فكري وأنا منتظر قرارك،،، موافقتك هتخليني أقدر أواجهه.
طالعته بتعجب وهزت رأسها تردف متسائلة:
– تواجهه ليه؟،،، هو قال إنه هيأذيك؟،،، قالك كده؟
عاد يتقدم منها ويبتلع لعابه وهو يلاحظ شكها ثم أردف بترقب وهو يلتفت حوله:
– طيب ممكن بعد المدرسة نطلع نتكلم في أي مكان وأنا هفهمك الأمور كلها؟
ضيقت عينيها متسائلة بتعجب:
– تفهمني إيه؟،،، ماتقول يا كريم فيه إيه بالضبط؟
عاد يلتفت حوله ثم طالعها وأردف بترقب:
– هو بيراقبك،،، دايماً فيه حد تبعه حواليكي وبيبلغه حركاتك،،، خلينا نخرج نتكلم في أي مكان،،، لو سمحتِ؟
تعجبت منه قليلاً تطالعه بصمت،،، هل يراقبها؟،،، هل حقاً يبعث أحدهم خلفها؟،،، بالتأكيد يفعل وإلا من أين علم بذهاب كريم لهم أمس.
تساءلت بصوت عالٍ كأنها تحدث نفسها:
– مش أنت خايف منه ومن تهديده؟،،، عايزنا إزاي نتكلم في أي مكان؟
زفر تكمل وهى تطالعه بعدم تصديق:
– كريم لو سمحت متلفش وتدور عليا،،، فهمني حمزة قالك إيه بالضبط؟
توتر داخله،،، عليه أن يجد حالاً في الحال،،، عاد يطالعها ويردف بهدوء وتروي:
– يا ريتان إحنا في المدرسة،،، الكلام ده مينفعش هنا،،، أنا قولتلك نتقابل برا علشان أشرحلك كل حاجة ومبقاش كذبت عليكي،،، ووقتها هتتأكدي إنه فعلاً بيراقبك.
أغمضت عينيها وزفرت بقوة تستغفر ثم أومأت تردف بغضبٍ داخلي:
– تمام يا كريم،،، بعد المدرسة إن شاء الله نتقابل في الكافيه القريب اللي على أول الشارع،،، عن إذنك.
عادت هي إلى حصتها شاردة،،، كانت تشعر بمراقبته وبرغم عدم تأكدها إلا أن جزءً داخلياً كان يتمنى أن يكون حقيقة،، ولكن لما يراقب خطواتها؟،،، لما يقيد حركتها ويعيش هو حر كما يحلو له؟،،، منذ أن انفصلت وأخبرها أنه سيطلق زوجته وإلى الآن يقول نفس الشيء،،، ما هذا الذي يفعله بقلبها؟،،، ويريدها أن تسمعه؟،،، لا لن تسمع شيئاً.
أما كريم فابتعد يهاتف مها ويخبرها بكل ما حدث ولتخبره ماذا يفعل وماذا يقول.
في الشركة تتحدث مها مع الشخص الذي كلفته بمراقبة ريتان مردفة:
– خليك بس قريب من الكافيه،،، لو لقيت حمزة جاي صور.
أردف الرجل بترقب:
– تمام مش مشكلة،،، بس لازم أبقى بعيد عنه،، لأن لو شافني مش هيرحمني،،، هحاول أصور زوم زي كل مرة.
زفرت تردف بعدما فهمت مغزى حديثه:
– هحولك مبلغ على حسابك دلوقتي،،، ماتقلقش،،، حتى لو حمزة شافك انت عارف هتقول إيه كويس،،، أهم حاجة تصور كل حاجة بتحصل،،، وتبعتهالي على الفون أول بأول متستناش لما تفرغهم.
انشرح الرجل عندما أخبرته بالنقود وأردف بحماس متجدد:
– انتِ تؤمري يا هانم،،، هعمل كل اللي أقدر عليه.
أغلقت معه وشردت تفكر،،، سنوات طويلة يكبر ويتضخم كرهها لتلك المعلمة،،، سنوات تتمنى أن تنتقم ولكن يعيقها انقلاب حمزة،،، أخبرت ناصف بعلاقتها بحمزة حتى تنتهي حياتهما السعيدة التي كانت تعيشها ويبدأ معها الجحيم ولكنها عادت مطلقة خالية أمام هذا ضيق الأفق زوجها،،، ليته يفكر بالمنطق ويتخلى عن تلك المشاعر الغبية،،، سنوات وهو ينفرها ويركض خلف تلك الشمطاء التي تدعي الفضيلة.
خدمتها وصية والدها وخدمها عدم موافقة ريتان على لقب زوجة ثانية وها هي ستستغل أي شيء لتلقن تلك المعلمة درساً لن تنساه وبعدها هناك احتمالين إما أن يعود حمزة لرشده ويتقبل زواجه منها أو يستمر في غبائه ويطلقها وفي الحالتين ستكون حققت انتقامها سيشفي غليلها من تلك المعلمة ولن يكون لهما حياة سوياً أبداً.
في نفس الردهة وفي مكتب آخر يجلس فريد يباشر عمله بتركيز حيث رن هاتفه ينبه باتصال من رقمٍ مجهول.
تناوله يطالعه بطرف عينه وتعجب من حال تلك الأرقام المجهولة التي تداهمه مؤخراً.
أغلق ولم يجيب ولكن كالعادة وردت الرسائل الغريبة التي تأتيه مؤخراً.
فتح الرسالة وقرأ محتواها: (وحشتني يا فريد،،، معقول محنتش لحبك القديم)
شرد قليلاً يفكر فيها ثم كالعادة تجاهلها ولكن عاد الرقم يرن مرة أخرى فتنهد بقوة وفتح الخط يردف بترقب:
– ألو؟
أردفت على الجهة الأخرى بسعادة وقد ظنت أنه أجاب اشتياقاً:
– كنت متأكدة إنك هترد بعد الرسالة،،، كنت خايفة تكون نسيتني يا فريد،،، عامل إيه؟
علم هويتها وتعجب لثوانٍ ولكن ابتسم داخلياً ساخراً ومتعجباً ثم أردف بجمود:
– يظهر إنك غلطي في الرقم والعنوان والشخص يا مدام،،، ياريت تبطلي تتصلي على الرقم ده وإلا المرة الجاية مش هيحصل خير.
أغلق الخط وحظر الرقم كالعادة ووضع الهاتف وابتسم ساخراً على أيام طيش يتمنى محوها من ذاكرته.
شرد قليلاً في أمر زوجته،،، تنهد بقوة وقرر محادثتها،،، تناول هاتفه مجدداً وطلب رقمها وانتظر إلى أن اجابت بحب:
– فريد؟،،، أزيك يا حبيبي،،، فيه حاجة؟
أردف باشتياق وتعجب:
– بطمن عليكي،،، عاملة اية؟
ابتسم بحب وأردفت:
– الحمد لله تمام،،، بس استغربت لإنك في الوقت ده بتكون مشغول جداً.
تنهد بقوة وأردف بصدق:
– حبيت أسمع صوتك،،، انتِ والبيبي تمام؟
أردفت وهى تتحسس رحمها بسعادة:
– تمام جداً،،، بيسلم عليك.
أردف بحنو:
– تمام يا قلبي،، يالا هقفل دلوقتي،،، سلام.
أغلق معها وعاد يكمل عمله بعدما سمع صوتها واستكفى بحبها الذي ملأ قلبه حتى أنه يلعن حاله أنه أضاع سنوات في حبٍ وهمي زائف.
بعد عدة ساعات في أحد الكافيهات المجاورة للمدرسة.
تجلس ريتان بتوتر فهي لأول مرة تذهب لمقابلة أحدهم ويزيد توترها صمت كريم إلى الآن.
ولكنها لا تصدق أن حمزة يهدد ويقطع رزق أحدهم لذلك أتت وتنتظر حديثه.
أردفت بترقب وهى تطالع كريم:
– شربنا القهوة يا كريم،،، قول اللي عندك بقى،، قول كل اللي عندك ومتخبيش حاجة وأنا هسمعك.
التقط نفساً عميقاً وارتسم على ملامحه الحزن يردف بهدوء:
– هقولك يا ريتان،،، هقولك لإنك تستاهلي أبدأ معاكي على صراحة ووضوح،،، وحتى لو غيرتي نظرتك عني هتفهم ده جداً بس هحكيلك كل حاجة عني الأول وبعدها هقولك حمزة الجواد قال إيه.
تنبهت له وبدأ هو يردف بهدوء وعينه منكبة عليها:
– أنا زي ما انتِ عارفة وحيد أمي،،، والدي اتوفى وأنا صغير وهي اللي ربتني وعلمتني أحسن تعليم وكبرتني واتحدت الكل علشاني،،، أمي رفضت ترتبط مرة تانية وتكمل حياتها علشاني،،، ضحت بسعادتها وراحتها علشاني،،، عشنا أنا وهي بس وكنت أنا وما زلت كل حياتها،،، اتجوزت إنسانة حبيت شكلها وبس للأسف،،، وقتها كان تفكيري سطحي،،، اتجوزتها وأمي كانت فرحانة بيها جداً،،، كان عندي بيت دورين في القرية كانت أمي شقتها في الدور الأول وأنا في التاني،،، ومن هنا بقى بدأت المشاكل،،، كانت دايماً هي وأمي على خلافات وعدم تفاهم،،، حاولت أهدي الوضع بين الاتنين وأرضي أمي وفي نفس الوقت مزعلش مراتي لكن الاتنين تعبوني وسطهم،،، على طول غيرة من أمي وشكوى من زوجتي،،، اتحملت الوضع على قد ما أقدر لحد ما زوجتي حملت،،، هنا بقى أمي فرحت جداً وبالنسبة لتفكيرها كانت شايفة إن شغل مراتى في فترة حملها هيبقى تعب عليها،،، طلبت منها تاخد أجازة لحد ما تولد وبعدين تكمل علشان صحتها وصحة،،، بس مراتى رفضت تماماً واتعاملت بأسلوب غير لائق مع والدتي،،، وبردو كالعادة اختلفوا سوا،،، بقيت أرجع بليل ألاقي أمي بتبكي وانها كانت بتجوزني علشان تفرح وترتاح بس هي شايفة العكس دايماً،،، حتى أنا شايفاني علطول زعلان،،، أطيب خاطرها وأطلع أطيب خاطر زوجتي وأطلب منها تنزل تراضيها بس طبعاً رفضت تماماً،،، رفضت واعتقدت إني باجي عليها وعلى كرامتها،،، لحد ما أمي تعبت ووقعت في الأرض فجأة وبقيت أراعيها لوحدي،،، جيت بعد أسبوع كان لازم أرجع شغلي فطلبت منها تاخد أجازة فترة بسيطة علشان مينفعش نسيبها في البيت لوحدها وهي في الحالة دي،،، رفضت وقالت أقعد إنت في البيت وأنا أصرف عليكوا،،، طبعاً يومها زعلت معاها جداً لإني حسيت إنها مبتحبنيش وإني قليل في نظرها.
زفر بقوة وهو يطالعها وهى تتمعن فيه فتابع:
– تعبت،،، تعبت بجد يا ريتان،،، وفي يوم كنت في مشوار ولقيت أمي بتتصل بيا وبتبكي جامد،،، طلعت جري على البيت لقيت زوجتي واقعة من على السلم وبتنزف وبتصرخ وبتقول أمك زقتني،، طيب إزاي أصلاً وهى وقتها مكنتش بتقدر تمشي كويس؟،،، انهرت وأخدت مراتى وجريت على أقرب وحدة صحية عندنا بس للأسف كانت نزلت الطفل،، بعدها أهلها كانوا عايزين ينتقموا مني ومن أمي،،، لدرجة إن والدتها وخالتها اتهجموا على أمي وكانوا عايزين يضربوها لولا إني وقفتلهم،، وبعدها دفعت مبلغ كبير كتعويض وطلقتها،،، وسيبت القرية وجيت أنا وأمي نعيش هنا بعيد عن الكل،،، عشنا هنا 3 سنين في هدوء وراحة وكل مرة بتطلب مني اتجوز أنا برفض لأني خايف،،، خايف يحصل زي ما حصل قبل كده،،، كان نفسي ألاقي بنت حلال طيبة تقدر تحتوى والدتي وتتفهم وضعها وأنا هشيلها في عنيا،،، لحد ما شفتك ومرة في مرة لقيتني بنجذب ليكي،،، نسيت إني كنت بدور على زوجة مناسبة وبقيت بتمنى إنك تكوني ليا مهما كنتِ،،، بس محبتش أتسرع علشان مظلمكيش معايا،،، عرفتك وعرفت أخلاقك وشوفت تعاملك مع الأطفال وتفهمك ليهم،،، حبيتك أكتر وقولت هى دي،،، هي دي الملاك اللي هتنور حياتي،،، أنا بعتبر أمي طفلة وكنت واثق إنك هتتفهمي وضعها،،، علشان كده صممت إنها تتعرف عليكي وتشوفيها وتشوفك،،، علشان كده كنت دايماً بأكد أن أهلك يشوفوها قبل أي شيء.
استمعت له إلى أن انتهى متعجبة من حكايته ثم تساءلت بعتب:
– وكنت هتخبي عني كل ده يا كريم؟
هز رأسه يردف بتأكيد:
– لااا،،، صدقيني لاء كنت هقولك كل ده لو وافقتي،،، كنت خايف أقولك ترفضي،،، أنا معاكي في المدرسة بقالي سنتين شوفتي مني أي تصرف معجبكيش؟،،، شغلي وأخلاقي الحمد لله واضحين قدام الكل،،، صدقيني كنت هقولك وهحكيلك كل حاجة عني بس لما أعرفك أكتر عليا وعلى أمي علشان حكمك يكون منصف،،، بس لقيت أن حمزة الجواد عرف كل ده أو سمع بس من طرف واحد،،، بعت حد وسأل أهل طليقتي وهما قالوا الأسوأ عني، وطبيعي يقولوا كده.
ضيقت عينيها وشردت،،، هل لتلك الدرجة يهتم لأمرها؟،،، هل يرسل ويسأل ويدقق؟
لاحظ كريم شرودها فتابع بخبث:
– على فكرة هو جابلي شغل في مدرسة تانية،،، بس المهم أبعد عنك،،، وبصراحة أنا استغربت،،، واضح إنه بيحبك ومع ذلك متجوز وعنده ولد،،، مفهمتش هو عايز يوصل لإيه بصراحة بس اللي أعرفه إنك مستحيل تكوني من النوع ده.
تابع تخبطها وحيرتها فتنهد بانتصار لما أنجزه وأردف بهدوء:
– على العموم يا ريتان أنا حكيتلك كل حاجة بصراحة والقرار ليكي،،، وتأكدي إني هحترم قرارك جداً مهما كان،،، مع إني دايماً هتمنى توافقي.
وقف قاصداً المغادرة ولكن عاد إليها يردف بدهاء:
– وعايز أقولك على حاجة كمان ممكن تأذيني لو اتعرفت بس أنا لازم أكون صريح معاكي،،، مها أبو الدهب مرات حمزة.
رفعت نظرها فجأة تطالعه بتعجب متسائلة بقلق:
– مالها؟
تنهد بقوة وأردف:
– نزلت الصبح لقيتها واقفة قدام البيت بعربيتها،،، طلبت مني تعرف جوزها قالي إيه،،، تقريباً كده عرفت إنه قابلني،،، بس أنا رفضت أحكيلها أي حاجة ولما لقيتني مصمم طلبت مني أفضل في المدرسة وأنقلها أخبارك بس طبعاً مقبلتش أبداً ونزلت،،، الناس دي مش سهلة يا ريتان،،، إبعدي عنهم أحسن،،، حتى لو مش هتكوني من نصيبي بس الأفضل تكوني بعيد،،، واضح إنها مش هتسمح لحد يقرب من جوزها،، أنا قولت أحذرك والقرار ليكي،،، عن إذنك.
دفع الفاتورة وتحرك وتركها في صدمتها وحيرتها وضيقها،، هل وصل الأمر لمها أبو الدهب،،، هل تعلم أن زوجها ما زال يلحق بها إلى الآن؟
تنهدت ووقفت لتغادر.
تحركت للخارج ووقفت تتلفت حولها لتجد من يراقبها ولكن الشارع ممتلئ بالسيارات والمارة ولم تميز أحدهما.
زفرت باختناق وأوقفت سيارة أجرة واستقلتها وغادر السائق وهى كل ثانية تتلفت حولها لترى،،، لاحظت سيارة سوداء تتحرك معها فتنهدت بضيق وقررت مهاتفته.
تناولت هاتفها وطلبت رقمه التي تحفظه عن ظهر قلب بعدما رأته في ملف مروان في المدرسة.
كان في مكتبه يجلس على جمراتٍ ملتهبة بعدما أخبره محمد بمقابلتها مع كريم،،، كان يود أن يذهب ويلقنه درساً لن ينساه ولكن يخشى عليها أن تتعرض للقيل والقال لذلك تحلى بالهدوء وسيعلم عاجلاً أم آجلاً ماذا أخبرها،،، ولكن آخر ما توقعه أن تهاتفه،،، أن يزين رقمها الذي يعشقه هاتفه.
تعالت أنفاسه وتبخر غضبه من كريم وحل محله الحنين والاشتياق لها وهو يردف:
– ريتان؟
عصف قلبها بقوة وتبخرت الأحرف من على طرف لسانها لثوانٍ،،، تعجبت من معرفته لرقمها،،، ولكن زال تعجبها بعدما تذكرت أفعاله مؤخراً،،، تريد البكاء الآن،،، تريد الصراخ من شدة الحنين لشخصٍ ليس ملكاً لها،،، أحبته وتحبه وستحبه دائماً ولكنه محاطاً ببروتوكولات مشيدة بالحيل والقسوة والمؤامرات إن حاولت اجتيازها ستبخر قبل أن تصل إليه،،، ليست هي من تحاول بل عليه هو أن يخرج للنور هادماً تلك البروتوكولات.
ابتلعت لعابها وأردفت بترقب وهدوء وثقة:
– قولي الحقيقة يا حمزة،،، انت هددت كريم؟
برغم سعادة قلبه لسماع صوتها وإسمه إلا أنه أغمض عينيه بقوة وأحكم قبضة يده غضباً بعدما تأكد أن هذا الحقير أخبرها.
حاول التحلي بالهدوء وأردف بصدق:
– أنا بعدته عنك لأنه مش زي ما انتِ مفكرة،،، أنا عرفت إنه كان متجوز قبل كده وأمه كانت بتعامل مراته وحش جداً،،، وكمان كانت حامل واجهضت بسببهم.
تنهدت بقوة وأغمضت عينيها تردف بهدوء وألمٍ خفي:
– عرفت،،، حكالي كل حاجة،،، قالي على كل اللي انت هتقوله.
زفر بضيق،،، وقف يخطي لخارج مكتبه ويتوقف عند نافذته يحل عقدة عنقه التي تخنقه ويردف بتروي وحنو:
– اسمعيني يا ريتان،،، كل اللي أنا عايزه إنك تبقي مرتاحة،،، تبقي مبسوطة.
تنهدت بحسرة،،، كيف سترتاح وهو ملك غيرها منذ سنوات وهي وحيدة تتحسر على حالها،،، كيف سترتاح وزوجته الآن تراها عدوةً لها؟،،، كيف سترتاح وهو يخبرها منذ سنوات بأسفه وندمه ويبتعد؟
تساءلت بترقب وهى على يقين أنه أخبرها الحقيقة:
– عرفت عنه هو حاجة مش كويسة؟،،، بعيد عن موضوع والدته،،، سمعته، شغله، أخلاقه؟،، قولي الحقيقة؟
زفر بضيق،،، يخشى لو قال لا أن توافق عليه ويخشى لو قال نعم يخالف ضميره ولكن ألا يكفيها ما فعله مع زوجته؟،،، ألا يقنعها أنه ظالم؟
أردف بضيق وصدق:
– لاء يا ريتان،،، شغله كويس بس المبادئ مبتتجزأش،،، تعامله مع زوجته يأكد إنه مينفعكيش أبداً.
حاولت التحلي بالهدوء وأردفت تخفي انفجاراً لم يحن وقته بعد:
– اطمن،،، لا هو ولا غيره ينفعوني،،، أنا قفلت الموضوع ده تماماً.
زفر بارتياح وهدأ جسده كلياً وأردف بحب وتأكيد:
– تمام،،، زي ما تحبي،،، أنا قريب جداً هحل كل أموري كلها وأجيلك، مش هتكلم أكتر من كده بس طالب منك آخر فرصة ليا.
أغلقت معه،،، وضعت الهاتف على ساقيها وعادت تبكي،،، هي صاحبة الرقم القياسي في الحظ السئ،،، سبع سنوات يحل أموره؟،، أي أمور تلك؟،،، من خلال مروان وحالته تعلم جيداً من هي زوجته وعليه هو الآخر أن يعلم،،، عليه أن يعلم أن مكر ودهاء مها أبو الدهب يغلب طيبته وضميره،،، وهي ليست على استعداد لتدخل تلك الحرب،،، هي أضعف من ذلك.
يبدو أن الاثنين وقعا في فخها،، فأحياناً الأسد بقوته والغزالة برقتها تلدغهما أفعى خبيثة سامة.
حاولت تجفيف دموعها واستعاذت بالله تردد بيقين:
– الحمد لله في السراء والضراء،،، الحمد لله دائماً وأبداً.
أما على الجهة الأخرى فقد أغلقت مها لتوها مع رجلها وهى تستشيط غضباً وغلاً بعدما أخبرها أن حمزة لم يأتي.
كانت تتوقع أن يأتي ويحدث جلبة عندما يعلم بجلوس كريم مع ريتان مما ينتج عنه موافقة ريتان على زواجها ولكنه خالف توقعها ولم يذهب،،لقد تعمدت أن يتأخر كريم في حديثه حتى تضمن ذهاب حمزة،،، الآن عليها أن تفكر جيداً،،، عليها أن تجد حلاً بديلاً وإلا انقلب السحر على الساحر،،، لابد أن توافق ريتان على تلك الزيجة بأي طريقة.
مساءاً ذهب حمزة إلى شقيقته ليراها ويطمئن عليها وليستشيرها في أمر الأسهم برغم تأكده أنها لن تمانع.
جلسا بعد الترحاب تردف بعتب وهى تطالعه بحنو:
– كدة بردو،،، بقيت تغيب غيبة طويلة أوي.
ابتسم ينظر أرضاً بحرج فهو حقاً لم يعد يأتي كالسابق،،، زفر وأردف بأسف:
– حقك عليا يا سناء،،، بس حقيقي أخوكي في دوامة،،، بحاول على قد ما أقدر أحل أموري بهدوء وبسياسة علشان أضمن ردود الأفعال.
تطلعت عليه بتعجب مستفهمة:
– قصدك إيه يا حمزة؟،،، طمني بس مالك؟
زفر بقوة يطالعها ثم أردف بضيق وشرود:
– ناصف،،، كنت الأول بعرف أخباره من ناس برا وكنت مطمن وقادر أحجبه عن الكل،،، بس من فترة معرفش عنه حاجة،،، بيقولوا اختفى فجأة،،، قولت يمكن مات بس لاء،،، مالوش أثر كأنه اتبخر،، وده قلقني جداً،،، ده غير موضوع مها ومروان والأسهم.
تنهد بعمق وقوة ثم طالعها بعيون لامعة وتابع بنبرة عاشقة:
– وريتاااان.
رأفت لحالته وأردفت بحنو وهى تربت على يده:
– يا حبيبي،،، كله هيتحل إن شاء الله،،، أنا واثقة فيك يا حمزة،،، وموضوع مها نويت على إيه؟
أومأ يردف بشرود:
– قريب جداً،،، أنا جاي أشوفك وكمان علشان أكلمك بخصوص كده.
تنبهت تستمع إليه بترقب مردفة:
– قول يا حبيبي،، خير.
أردفت بتروي:
– بصي يا سناء،،، أنا لما أطلق مها كمان هفض الشراكة اللي بينا،،، ولأن حالياً مفيش سيولة كافية إني أشتري أسهمها فأنا محتاج شريك يشتري نصيبها،، وأكيد مش هقبل إنها تدخل حد غريب شركة الجواد،،، علشان كده أنا عايزك انتِ تشتري نصيبها،،، بالوديعة بتاعتك انتِ والأولاد والأسهم هتتكتب باسمك انتِ والأولاد.
شهقت تردف مرددة:
– باسمي أنا؟،،، لا يا حمزة،،، لو محتاج الوديعة يا قلبي أكسرهالك بس مالوش لزوم أبداً أشتري الأسهم،،، خليني بعيد عن شركة بابا خالص.
مد يده يتمسك بيديها مردفاً بتأكيد:
– ده حقك،،، بابا مبقاش زي الأول،،، يعني انتِ ولا مها ولا حد غريب؟،،، انتِ سناء سالم الجواد،،، ده أبسط حقوقك،،، لو موافقة يبقى تمام أول ما مها تخلص الصفقة اللي بتحاول تاخدها هتتنازلك عن الأسهم وتتنازل عن حضانة مروان ونتطلق ونبعد.
نظرت له بحنو وألفة تردف بعيون لامعة:
– شكراً يا حمزة،، بجد شكراً.
تعجب منها وأردف:
– على إيه يا نونا؟،،، دي حقوقك ولسه ليكي حقوق تانية كتير هترجعلك،،، بس أخلص بس من أموري الملخبطة دي.
أردفت بتقبل وحنو:
– خلاص وأنا هتواصل مع البنك وأخليهم على استعداد.
تنهد يردف بترقب:
– الأولاد بخير؟
أومأت مبتسمة تردف:
– بخير يا حبيبي،،، لسه راجعين من النادي من شوية وطلعوا على فوق.
تنهد وتساءل بترقب:
– خدي بالك منهم كويس،، ممكن ناصف يحاول يوصلهم،،، ركزي معاهم الفترة الجاية كويس أوي لحد ما أوصل لحل.
أنتابها القلق ومردفة:
– لااا،،، مالوش دعوة بعيالي،،، يبعد عنهم خالص.
أردف مطمئناً:
– مافيش داعي تقلقي خالص يا نونا،،، أنا بس بقولك خدي حذرك.
تنهدت تطالعه وكادت أن تسأله ولكن رن هاتفها فتناولته تنظر له بترقب ثم أردفت بجدية:
– أهلاً يا معاذ بيه،، اتفضل؟
تعجب حمزة وتمعن السمع يطالعها بينما أجاب الأخر بترقب:
– سناء هانم؟،،، أخبار حضرتك إيه؟،،، كنت حابب أسألك لو هتروحي الجمعية بكرة إن شاء الله همر عليكي هناك علشان التبرعات اللي جمعتها.
زفرت سناء وتابعت:
– تقدر حضرتك تروح في معادك،،، مسئولة الدار هتكون هناك وهتعمل اللازم،،، أنا والعضوات بكرة إن شاء الله هنكون في زيارة لجمعية تانية جديدة.
زفر بإحباط ثم أومأ يردف:
– تمام يا سناء هانم،،، أسف على الإزعاج،،، بلغى سلامي للأولاد،،، عن إذنك.
أغلقت معه ووضعت الهاتف متعجبة من هذا الرجل بينما أردف حمزة مستفهماً:
– مين ده يا سناء؟
نظرت لشقيقها بهدوء وأردفت:
– ده معاذ الدمنهوري،، أكيد عارفه؟.
أومأ يردف بتعجب:
– أه طبعاً عارفه،، بس بيكلمك ليه؟
هزت منكبيها تردف بتعجب:
– مش عارفة يا حمزة،،، هو طبعاً من ضمن المتبرعين للجمعيات اللي أنا بشرف عليهم بس المرة دي جامع تبرعات من رجال أعمال أصدقاؤه وعايزني أنا اللي أستلمهم،،، بصراحة استغربت.
تنهد حمزة وشرد يفكر في أمر هذا المعاذ،، هو رجل أعمال حسن السمعة ولكن تصرفه غريب،، ترى ماذا يريد من شقيقته؟،،، عليه أن يعلم.
بعد أسبوع
لم يترك فيهما كريم فرصة إلا واستغلها جيداً ليقترب من ريتان إن لم يكن بلقاء فمن خلال الهاتف،،، بات يتحدث معها دائماً ويتحدث عن معاناته وندمه وحياته،،، تحدث عن والدته ويدرك أنها متملكة له ولكنها في نهاية الأمر والدته.
كانت تستمع إليه بعقلٍ شارد،،، تسأله عن بعض الأمور ويجيبها بتركيز تام وتحاور ليحصل على المشروع الذي وعدته به مها رسم خطة محكمة ليصل إلى مبتغاه،،، باع ضميره واستغل ضميرها وقلبها الهش،،، حنانها مع الأطفال ورقتها يؤكدان له أنه يستطيع خداعها.
ها هو يتحدث معها عبر الهاتف مردفاً بترقب يردد ما قيل له:
– فيه عقد عمل جاي لي في دولة خليجية،،، مدرسة طالبة مدرسين وليا صديق بعتلي،، كان بعتلي من فترة بس أنا رفضت علشان وضع أمي الصحي بس حالياً وضعها مستقر الحمد لله وشكلي هوافق،، لو سافرت هي هترجع القرية عند خالي تقعد عنده،،، أظن ده حل مناسب بالنسبالي.
تعجبت وأردفت متسائلة وهى تفكر في أمر والدته:
– وهتسيبها يا كريم؟،،، يعني والدتك متعلقة بيك جداً إزاي هتسيبها وتسافر؟
أردفت بترقب يحاول إقناعها:
– لازم أبعد عن أمي شوية يا ريتان،،، أمي متعلقة بيا جداً،،، لدرجة تعبتني،،، لازم تتعود وتعرف إني راجل وليا كياني وحياتي،،، وعامةً هي بنفسها طلبت مني أعمل اللي يريحني بعد ما شافت حزني طول الفترة اللي فاتت.
تنهدت تردف بشرود:
– تمام يا كريم،،، ربنا يوفقك ويقدم لك الخير.
أردف متسائلاً بخبث:
– لسه بردو مفكرتيش في طلبي؟
زفرت بضيق وأردفت بتروي:
– مش هينفع يا كريم،،، إنت زميل محترم وأنا حبيت جداً برك لوالدتك وحقيقي متفهمة وضعها جداً بس موضوع الارتباط بالنسبالي مش بفكر فيه.
زفر بضيق وتأفف من عدم اقتناعها ثم حاول مجدداً فالمقابل مغري لذلك عليه أن يصل بأي طريقة.
أردف بتروي خبيث:
– بردو فكري،،، لو وافقتي هاخدك ونسافر،،، أو أنا ممكن أكتب الكتاب قبل ما أسافر وأروح هناك أشوف الوضع وبعدين أبعتلك،،، صدقيني أنا بتمنى اللحظة اللي هتقوليلي فيها إنك موافقة،،، هاخدك ونبعد يا ريتان،، نبعد عن المشاكل وعن التعب النفسي والتهديدات ونعيش حياتنا هناك براحتنا،، أنا وانتِ نستاهل فرصة جديدة مع بعض،، بعيد عن حمزة ده ومراته وعن الضغط النفسي اللي في حياتي،،، ادي لنفسك فرصة،،، فكري كويس لو سمحتِ،،، انتِ فرصة صعب ألاقي زيها.
استمعت إليه إلى أن انتهى،، شردت تفكر قليلاً ثم نادتها جميلة فأردفت بهدوء:
– معلش يا كريم هقفل معاك ماما بتنادي عليا.
أغلقت معه ووقفت تخطو للخارج حيث والدتها فاليوم الجمعة وستساعد والدتها في أعمال المنزل.
أردفت جميلة بترقب:
– كريم اللي كان بيكلمك؟
زفرت بضيق وأردفت بشرود:
– أيوة يا ماما،،، بيكلمني عن عقد عمل ليه في دولة خليجية،،، وبيحاول يقنعني بفكرة الارتباط تاني.
أردفت جميلة بترقب:
– أنا مرتحتش لأمه أول ما شفتها يابنتي،،، عمالة تدلعه وتحسس عليه كأنه طفل،،، حسيتها حماة صعبة بصراحة.
أومأت ريتان تردف بطيبة:
– في الأول وفي الآخر هي أمه يا ماما،،، وهو عارف كده بس ميقدرش يسيبها،،، وأنا شايفة إن الأمهات اللي من النوع ده بتبقى محتاجة حد يفهمها كويس ويتعامل معاها بالسياسة.
نظرت لها جميلة بحزن وأردفت:
– بس مش انتِ يابنتي،،، انتِ مستكفية وجع،،، يمكن اه حبك واتعلق بيكي وعلشان كده اتكلم معاكي بصراحة وقالك على كل حاجة بس بردو لاء.
تركت الممسحة من يدها ونظرت لوالدتها بحزن تردف:
– متقلقيش يا ماما،،، انتِ ناسيه موضوع الخلفه؟،،، مين هيرضى يرتبط بواحدة مش بتخلف!،،، خصوصاً أنه وحيد.
هزت جميلة رأسها تردف بقناعة:
– هتخلفي،،، هتخلفي صدقيني،،، لو بس تسمعي كلامي وتيجي نعمل تحاليل ونشوف الوضع إيه دلوقتي؟
هزت رأسها تردف بخوف وقلق من المجهول:
– لا يا ماما،،، بلاش علشان خاطري،،، مش هتحمل نتيجة معاكسة تاني،،، خلى الوضع ماشي كده،،، بس أنا لو فكرت أرتبط يبقى لازم أقوله على موضوع الخلفه الأول وهو يوافق أو يرفض.
ملست جميلة على كتفها بحنو ثم أردفت وهى تستعد لبدء العمل:
– طيب يا حبيبتي،،، سبيها على الله وربك هيحلها،،، ودلوقتي خلينا نخلص قبل ما أبوكي ييجي.
مساءاً في منزل حمدي.
يتجمعون في الصالة ويتحدث حمدي مع بهاء وبسمة تجلس غاضبة بعدما لاحظت تجاهل بهاء لها منذ ما فعلته وطريقته مع ريتان التي كانت بحسن نية ولكنها فسرتها بطريقة تشبهها.
جاءت ريتان من المطبخ تحمل صينية أطباق الكيك الياباني التي أحضرته بنفسها.
تقدمت منهم وضعت الصينية على الطاولة ثم ناولت طبق والدها ووالدتها ومدت يدها تناول بهاء طبقه مردفة بعفوية واخوة:
– اتفضل يا بهاء الكيكة اللي انت بتحبها.
ابتسم بهاء وأردف بإعجاب لنجاحها في صنع تلك الكعكة الشهية التي لم تنجح في صنعها بسمة:
– شكلها روعة يا ريتان،،، بجد بتعمليها خطيرة.
ابتسمت تردف بود:
– الف هنا.
التفت تمد لبسمة طبقها بينما الأخرى تناولته وهي تتآكل حقداً وغيرة.
جلست ريتان بجوار جميلة تنظر بين الحين والآخر لياسين الذي يجلس يتلاعب بطبق والده.
حركتها مشاعر الأمومة التي تمتلكها بالفطرة وأردفت بترقب وهى تقف:
– طيب هاته عني لما تخلص أكل؟
وقف يناولها إياه تحت أنظار بسمة التي كانت كالبركان النشط.
حملت ريتان الصغير بحنو وقبلته وجلست تلعب معه والصغير تعالت صوت قهقهاته أمام الجميع مما زاد تدفق البركان داخل صدر بسمة وهي ترى صغيرها يتعلق أكثر وأكثر من شقيقتها.
أردف حمدي بحنو لإبنته:
– الواد ياسين ده بيفهم،،، حاسس بحنيتك يا ريتان،، سبحان الله حتى الطفل بيحس بالحنية.
نظرت بسمة لوالدها ولم تحتمل أكثر مردفة:
– قصدك إيه يا بابا؟،،، هو انت شايفني قاسية معاه ولا إيه.
نظر حمدي لإبنته وأردف بحزن:
– لاء مش قاسية يا بسمة،،، بس بتتعصبي عليه وده طفل صغير يا بنتي،،، بيميل أكتر للحنية والهدوء.
وقفت منتفضة تردف بغضب:
– يعني إيه؟،،، إيه رأيك لو تاخدوه وتعطوه للست ريتان تربيه هي؟،،، بما إن أمه قاسية عليه بقى.
وقف حمدي يردف بغضب:
– خدي بالك من كلامك يا بسمة،،، اتكلمي عن أختك الكبيرة كويس.
اتجهت تنزع الصغير من يد شقيقتها بعنف وتردف بغضب وحدة وقد اسودت عينيها:
– اختي إيه اللي أحترمها؟،، أختي اللي بتتمسكن لحد ما تتمكن؟،،، بس أنا فهماها كويس.
طالعتها ريتان بصدمة ولم تعد تحتمل فوقفت تردفت بحدة:
– فاهمة إيه يا بسمة؟،،، قوليلي فهمنيي إزاااي؟
أردف حمدي بنبرة عالية غاضبة وهو يقف في صف كبيرته:
– بسمة اعتذري لأختك وانهي الموضوع ده دلوقتي حالاً.
نظرت لوالدها بصدمة وأردفت بغيرة:
– أعتذر؟،، أعتذر من واحدة عايزة تاخد ابني مني؟،، دايماً بتحاول تجذبه ليها؟،، واحدة مستكترة عليا سعادتي؟
شهقت ريتان تردف بذهول وصدمة وقلبٍ مقهور:
– انتِ بتقولي إيه؟،،، انتِ أكيد مجنونة ومش طبيعية.
صرخت بسمة بغضب وقسوة وقد تحولت تماماً:
– انتِ اللي مش طبيعية،،، عارفة إنك مهتبقييش أم فقولتي أخد ابنها مني وآخد جوزها بالمرة.
وقفت ريتان تشعر أن الأرض تميد من أسفل قدميها،،، توقف نبضها لثوانٍ تحاول استنكار ما سمعته وما لم تتوقعه يوماً،،، بينما تقدم حمدي من ابنته الصغيرة ونزل بصفعةٍ قويةٍ على وجنتها وأردف بصرامة وقوة:
– اخرصي يا ناكرة الخير،،، أختك ظافرها برقبتك،، اطلعِ من هنا يالا،،، امشي واياكي توريني وشك تاني.
وقفت جميلة ذاهلة تبكي بصدمة بينما بهاء كان في موقف لا يحسد عليه ولكن مؤكد أن زوجته مخطئة.
نظرت بسمة لوالدها بصدمة عيون لامعة وقهر ثم اندفعت للخارج تحمل صغيرها وتبعها بهاء بصمتٍ تام فلم يعد للكلام أهمية.
أما جميلة فوقفت متجمدة بينما حمدي ينظر لإبنته التي ألجمتها الصدمة،،، اقترب منها يربت على ظهرها بحنو مردفاً وهو على وشك البكاء:
– متزعليش يا حبيبتي،،، أوعي تزعلي من كلامها دي مجنونة بترمي أي كلام.
نظرت لوالدها بتتمعن وتيه،، أحشاؤها تتلوى مع اتهام شقيقتها الذي لم تتخيله يوماً ولا حتى في أسوأ كوابيسها،،، أردفت بصوت متقطع مهزوز وعيون باكية تتساءل:
– أنا يا بابا؟،،، أختي شيفاني كده؟،،، أنا عايزة آخد ابنها وجوزها منها؟
ارتمت في صدر والدها فجأة تردف بقهر وحسرة:
– أنا يا بابااااااا،،، أختي شيفاني كده؟،،، أنا عايزة أخد جوز اختي وابنهااااا؟
لف ذراعه حولها بحنو وقلبه يؤلمه من أجلها،،، يعانقها ويستقبل بكاءها بحزن،،، أما جميلة فاقتربت تربت على ظهرها وتردف لتطيب خاطرها:
– متزعليش يا عمري،،، كلنا عارفين إنك مش كده طبعاً،،، أختك مندفعة في الكلام ومبتعرفش هي بتقول إيه.
ابتعدت عن والدها تردف بعيون منكسرة:
– أختي عارفة كويس هي بتقول إيه،،، أختي كانت من زمان عايزة تكسرني،،، واهو حصل،،، ما أنا مطلقة ومبخلفش،،، عادي لما الغريب يشوفني كده،،، بس اللي مش عادي إن أختي هي اللي شيفاني كده.
أردف حمدي بحنو وحزن لحالها:
– انسى كلامها،،، انتِ مش كده وكلنا عارفين..
أومأت بحسرة وتحركت تردف:
– تصبحوا على خير.
اتجهت لغرفتها على الفور وتركتهما يقفان في حالة يرثى لها حزناً عليها وأسفاً على شقيقتها التي تحتاج لصفعة قوية تفيقها وتوقفها عند حدها.
في اليوم التالي صباحاً استيقظ حمدي مبكراً وربما لم ينم منشغلاً في حال ابنته الغالية.
ترجل من فراشه بهدوء حتى لا تستيقظ زوجته وخرج متجهاً لغرفة ريتان.
طرق بابها ففتحت له ويبدو أنها مستيقظة منذ وقتٍ أو لم تنم هي الأخرى.
أردفت بحنو:
– اتفضل يا بابا.
طالعها بعمق وحنو وأردف:
– عاملة إيه الوقتي؟،،، أحسن؟
تنهدت بقوة وأومأت تردف بتروي:
– الحمد لله يا بابا،،، ممكن أتكلم معاك شوية؟
أومأ لها ودلف وأغلقت الباب،،، جلس حمدي على طرف الفراش وجلست مجاورة له تفرك أصابعها لا تعلم من أين تبدأ.
مد يده يتلمس كفها بحنو يحسها على الحديث مردفاً بحب:
– قولي يا حبيبتى سامعك.
زفرت بقوة ثم رفعت عينيها إليه وأردفت بترقب:
– أنا هوافق على كريم يا بابا.
صُدم حمدي ووقف على حاله يردف بحدة وذهول:
– لاء،،، لا يا ريتان،،، هتوافقي عليه بسبب كلام اختك؟،،، لا يا بنتي لاء.
تحاول ألتقاط أنفاسها المسحوبة وهي تمد يدها لتتمسك بكفه وتحسه على الجلوس مجدداً مردفة بهدوء:
– اقعد يا بابا واسمعني،،، أنا عندي كلام كتير عايزة أقولهولك.
نظر لها حمدي بعمق ورأى عينيها المترجية فعاد يجلس ويطالعها بصمت وترقب.
عادت لتوترها ولكنها حسمت أمرها،،، منذ أيام وهى تفكر وزاد أمس أفكارها لذلك قررت أن تبوح له بكل ما تخبئه لسنوات.
زفرت وأردفت ناظرة أرضاً بخجل:
– أنا أيام الكلية كنت بحب واحد غني.
ضيق حمدي عينيه يتنبه فتابعت وهى على حالها:
– كنت لسه صغيرة واتعلقت بيه وبالكلام اللي كان بيتقالي عنه،،، حبيته جداً لأني كنت شيفاه طيب وشهم وحنين وغير عيلته،،، كان حب من طرف واحد بس كان جوايا،،، كنت راسم أحلام وكنت مصدقاها إن ممكن أكون من نصيبه،،، كنت فرحانة أوي بحبي ليه وبنظراته اللي بتدخل على قلبي الفرحة.
تنهدت بقوة فالحديث ثقيل خصوصاً أمام والدها ولكنها تابعت بشرود وهى تعود للماضي:
– بعدها الشاب ده خطب واحدة غنية زيه،،، اتوجعت جداً،، كان لازم أبعد بس وقتها عرفت إنه مجبور عليها من والده،،، علشان كده رجعت أبني أحلام تاني،،، كنت صغيرة وبصدق الروايات،، لحد ما سمعته هو بنفسه بيقول عني لأخته إني منفعهوش،،، وإني أقل منه ومينفعش أكون مناسبة ليه ولا ينفع أكون أم لأولاده.
تلألأت عيناه وهو يطالعها بصدمة وصمت بينما هي تساقطت عبراتها على وجنتيها وقد تعمدت إخفاء حقيقة ما قاله حمزة كاملاً حتى لا تجرح والدها وهي تتابع وتنظر أرضاً:
– كان وقتها بالضبط ناصف متقدم لي،،، جريت بسرعة وقولت أبرد نار صدري بعد اللي سمعته منه وأعرفه إنه غلطان،،، وإن مش بالفلوس والغنى،،، قولت هثبتله إني أصلح زوجة وأم وهبقى مرات واحد غني زيه،،، مكنتش عارفة إني بدل ما أبرد صدري كويته بمية نار،،، اتجوزت ناصف ورعيت ربنا فيه جداً وكنت مستعدة أكمل معاه حتى بعد موضوع الحمل كنت هعمل أي حاجة تريحه بس هو وصله صور ليا وكلام وصدقهم عني،، كذبني وصدق اللي وصله،،، شوفت منه اللي يخليني أخاف طول عمري،،، وكنت مفكرة إني مش هخلص منه أبداً لأنه هددني بيكوا بس لولا ستر ربنا والبلاغات اللي خلته يهرب بسرعة كان زماني الله أعلم فين دلوقتي.
رفعت نظرها أخيراً وعينيها كاسات دمٍ وهي تنظر لوالدها مردفة:
– اطلقت وبعد فترة لقيت الغني اللي حبيته جايلي عايزني في حياته،،، برغم إنه كان اتجوز ومراته حامل،،، عايزني بصفتي إيه؟،،، معرفش،،، كان لازم أوقفه عند حده وقتها وحصل،،، والحمد لله وظيفتي جت في وقتها ولغيت فكرة الارتباط من حياتي ورفضت كل اللي كانوا بيحاولوا يتقدموا حتى هو كل ما كان يحاول معايا كنت ببعده تماماً،،، لحد قريب جداً بعد ما كريم طلب ايدي لقيته بيحاول يكلمني تاني وعايز يتجوزني،،، وبيحاول يخليني أسامحه على الكلام اللي قاله زمان،،، وبيطلب مني فرصة يصلح كل مشاكله ويرجعلي،،، حتى وصل لكريم وهدده يبعد عني،،، واخر حاجة عرفتها إن مراته كمان وصلت لكريم وكانت عايزاه ينقلها أخباري بس هو رفض.
أطلقت تنهيدة قوية ونظرت لوالدها بتتمعن وأردفت بترقب:
– عارف مين الشاب ده يا بابا؟
تنبه حمدي جيداً يميل برأسه قليلاً وكأنه استشعر هويته فأومأت تؤكد وتردف بحزن وحب وألم:
– حمزة،،، حمزة الجواد يا بابا.
فرغ فاه حمدي وهو يطالعها بتعجب وصدمة فأومأت وهي تغمض عينيها ثم فتحتهما وطالعته مردفة:
– كنت صغيرة يا بابا،،، كنت صغيرة وكنت مصدقة قصة سندريلا البنت الفقيرة اللي بتتجوز الأمير،،، كنت مفكرة إني ممكن أدخل قصر الجواد وأكسب حب الكل بس كنت غبية،،، كان لازم أعرف إنهم زي نجوم السما،،، نتفرج عليهم من بعيد بس.
تنهدت بقوة مجدداً وتابعت:
– كريم حكالي كل حاجة عن حياته يا بابا،،، وعن والدته،،، حكالي ومخباش عني حاجة،،، والحقيقة إني فكرت كويس يا بابا،،، كريم شخص زينا،،، من طبقتنا،،، مش هلاقي حد كامل صدقني،،، أي إنسان عنده عيوب،،، وأنا أعتقد إن عيوب كريم وتملك والدته أرحم وأهون من جبروت سالم الجواد وألاعيب مها أبو الدهب،،، أنا مش قدهم يا بابا،،، أنا مش مستعدة أدخل الحرب دي أبداً،،، مشكلتي مبقتش مع حمزة دلوقتي،،، انت متعرفش الست دي ممكن تعمل إيه،،، ابنها نفسه مشافش منها ذرة حنية متخيل أنا ممكن أعمل فيا إيه وهي شيفاني شاغلة جوزها؟،،، إذا كان أختي اتهمتني أبشع اتهام ما بالك دي يا بابا؟،،، صدقني يا بابا المرة دي الصح إني أنزل على أرض الواقع وأتخلى عن اللي في قلبي وأبعد عن المشاكل على قد ما أقدر،،، كريم هيسافر دولة خليجية يشتغل هناك،،، وعايزني معاه لو وافقت على جوازه،،، هيكتب الكتاب وهيسافر وأنا هنتظره هنا معاكوا ولما يأمن نفسه هيبعتلي،،، وافق يا بابا،،، وافق لأن ده أأمن حل ليا،،، أنا هبلغه بمشكلة الحمل لو قبل يبقى هو يستحق إني أديله فرصة وأكمل معاه،،، ولو رفض يبقى أنا مخسرتش حاجة،،، بس وافق علشان خاطري،،، لأني بجد تعبت أوي.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اية العربي
أنتهت من حديثها ونظرت لوالدها بترقب متسائلة:
– ساكت ليه يا بابا؟
طالعها حمدى بتمعن وشرود ثم أردف بتفاجؤ:
– تعرف إني أتمنيت ليكي نفس الشخص ده؟ كنت بتمنى معجزة تحصل وتبقى من نصيبه كده زي ما إنتِ كنتِ بتتمني؟ من حبي فيه ومن حنيته عليا كان نفسي أردله الجميل بيكي وعارف إنك مكافأة غالية أوي.
نظر أرضاً يتابع بحزن:
– بس كنت بقول فوووق يا حمدي، ده أبوه سالم الجواد، بتتمنى ترمي بنتك في وكر سالم بيه؟ إنت فين وهو فين.
عاد يطالعها بحزن ويتنهد بقوة مسترسلاً:
– كنت بتمناه مش عشان فلوسه، أبداً، كنت بتمناه ليكي عشان إنتِ غالية عندي أوي، غالية لدرجة تخليني أعملك اللي إنتِ عايزاه حتى لو هندم بعد كده زي جوازك من ناصف، بس إنك كمان تطلعي بتحبيه؟ ده ماكنتش أتوقعه أبداً.
تمسك بكفيها يردف متسائلاً بحنو وتعجب:
– ليه يا بنتي؟ ليه عملتي في نفسك كده؟ وإزاي تتحملي كل السنين دي؟ كان لازم بعد جوازه وابنه تربطي قلبك ومتنتظريش أمل منه، تعتبريه خلاص بقى محرم عليكي يا ريتان، إحنا مش كده يا بنتي ومهما كانت نيتنا اللي حوالينا هيشوفونا كده، بالذات إن ده متجوز بنت شوقي أبو الدهب، يعني واحدة من ناااار، كان لازم تختاري مصلحتك يا ريتان من زمان، جالك فرص كتير حلوة وضيعتيها، سبع سنين يا بنتي من عمرك مستنياه؟
تركت يده والدها تسحبها بهدوء وتطالعه بصدمة وهي تهز رأسها. حتى وإن كان هذا الجزء في الأعماق لن تعترف به أبداً، لن تذكره أبداً، كبرياؤها يرفض تماماً تقبل تلك الحقيقة لذلك أردفت برفض قاطع ووحدة غير معهودة:
– لااا يا بابا، لا مش علشانه، أنا منتظرتوش خااالص، كنت عايزني ارتبط إزاااي وأنا عارفة إني مبخلفش؟ أرتبط إزاي وأنا شوفت من ناصف وش مستحيل كنت أتوقعه؟ مكنش ينفع أفكر في جواز تاني، مكنش ينفع أبداً.
أومأ يردف بعدم اقتناع:
– موضوع الخلفة كان في إيدك تتأكدي منه، طلبنا منك كتير تروحي تكشفي مرة واتنين وتلاتة، كنتِ بترفضى بحجة إنك خايفة يا ريتان، بس الظاهر إنك كنتِ بترفضى عشان خايفة لو الموضوع اتحل ميبقالكيش حجة ترفضي، كنتِ منتظراه يا بنتي، صدقتي كلامه؟ صح؟
نظرت لوالدها بذهول، لقد رج داخلها بقوة وطفى ما كان في القاع على السطح. واجهها بما كانت لا تعترف به. هزت رأسها مجدداً تردف بعيون لامعة واستنكار:
– مستنتهوش يا بابا، صدقني مش علشانه، أنت عارفني كويس يا بابا، أنا مقدرش أخرب بيت حد أو آخد حاجة مش ليا، أنا مش كده.
أومأ يردف بثقة مؤكداً ليرفع عنها الحرج بعدما أحس بإنكارها لحديثه:
– عارف إنك مش كده، عارف طبعاً بنتي كويس، وأنا معرفش ظروفه إيه وعايش معاها إزاي بس اللي اعرفه إن الناس دي مش سهلة أبداً أبداً يا بنتي، وبالذات الست دي، جبااارة، أنا اشتغلت معاهم سنين وعارفهم، مش هتقدري عليهم يا بنتي، لو سالم اتهد عن الأول هي لاء، عشان كده بقولك كان لازم قلبك يدي فرصة لغيره، عارف أنها حاجة مش بإيدك بس إنتِ رفضتي تجربي أصلاً، كان ممكن ربنا يبعتلك حد يعوضك ويحبك ومن قوة حبه ليكي يحببك فيه، بس إنتِ عذبتي نفسك سنين يا ريتان.
تنهدت بقوة تومئ بشرود وقلب ملتوي:
– وأهو جه فرصة أهو يا بابا، فرصة جديدة جيالي تاني وهحاول أعمل زي ما حضرتك قولت، فرصة جواز وسفر وشغل بعيد عن هنا خالص، فكرة البعد عن هنا ممكن تريحني، عشان كده وافق يا بابا، أنا هبلغ كريم إني موافقة وأقعد معاه واللي فيه الخير ربنا يقدمه، بس قبلها لازم أحكيله عن مشكلتي، وهو ليه حرية الاختيار.
تنهد بقوة وشرد يفكر. عاد يطالعها متسائلاً:
– طب وأمه يا بنتي؟ هتقدري تتأقلمي معاها؟ حتى بعد ما حكالك عنها؟
ابتلعت لعابها وزفرت بقوة تردف بطيبة:
– والدته محتاجة حد يحتويها، مشكلتها كلها حبها لابنها، أنا افتكر إن تيتة الله يرحمها كانت بتحبك جدا وبتغير عليكي من ماما بس ماما تفهمت وضعها وعرفت تتعامل معاها، وأنا إن شاء الله هعرف، ده غير إننا هنسافر وهننزل في الإجازات، ده أنسب حل يا بابا.
وقف حمدى يطالعها بعمق ثم أردف مطمئناً:
– طيب يا ريتان، إحكيله عن مشكلتك اللي أنا حاسس إنها هتتحل قريب، وأنا هبعت حد يسأل عليه ونشوف اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
نغزها قلبها بقوة ولكنها أخفت ذلك تبتسم لوالدها وتومئ بصمت إلى أن غادر.
ستتغلب، ستتغلب تلك المرة على هذه النغزة وهذا القلب وهذا الحب، ستبتعد ولن تراه، أولم يقولون أن البعيد عن العين بعيد عن القلب؟ حسناً لتطبق هذا الأمر، مؤكد إن ابتعدت ستنساه.
في منزل بسمة.
ظلت طوال الليل تبكي بينما ظل بهاء يهدهد طفله الذي يبكي أيضاً وتركها تبكي ربما ندمت على ما قالته.
يعلم أنها تعاني وتعتقد أن والديها يحبان شقيقتها أكثر منها ولكن عليها أن تكف عن هذا الاعتقاد الذي سيخلق من حزنها حقداً وغيرة ستأكلها وتلتهم من حولها.
عليها أن تدرك قوة خطئها في حق شقيقتها وعليها أن تعتذر.
لذلك فها هو يخطو يضع صغيره في فراشه ويدثره بالغطاء ثم أردف دون النظر إليها:
– أنا نازل الشغل.
تحرك ولكنها أوقفته تتساءل بحزن:
– انت كمان هتخاصمني، انت كمان شايفني وحشة؟ انت كمان هتبقى زيهم؟
نظر لها بتمعن وبرغم تآكل قلبه لهيئتها إلا أنه أردف بقوة:
– انتِ عارفة أنا شايفك إزاي كويس، عشان كده اللي قولته امبارح لأختك مكنش يصح أبداً أبداً، إنتِ عارفة أنا منظري كان إيه امبارح؟ عارفة عملتي فيا إيه قدام أهلك؟ متخيلة إن بعد كلامك ده مبقاش ينفع أتعامل مع أختك عادي كده؟ اتهورتى أوي يا بسمة، اتهورتى جداً وغيرتك من أختك ملهاش أي لزوم، لما ربنا يكرمنا بطفل كمان هتعرفي إن الاتنين زي بعض، بس ممكن يحصل ظروف معينة مع ولد يخلي الأهل يتعاطفوا معاه، لازم تفهمي أختك عن كده، إنتوا اتنين والمفروض تبقوا أصحاب مش بالشكل ده أبداً، راجعي نفسك كويس يا بسمة.
تحرك وتركها مع نفسها، تفكر في حديثه، ولكن لا، هو لا يعلم شقيقتها مثلها، شقيقتها تدعي المثالية وهي تتعمد أن تظهر في الثوب الملائكي لتتركها هي في الثوب الشرير أمام الجميع.
ذهب حمدى إلى عمله وطلب من عامل لديه يثق به أن يذهب لقرية كريم ويسأل عنه جيداً هناك.
وأما عن ريتان فلم تذهب للمدرسة اليوم وها هي تهاتف كريم لتخبره بما نوت.
أجاب عليها بلهفة وترقب يردف:
– مصدقتش لما لقيتك بترني، عاملة إيه، وإيه المفاجأة الحلوة دي.
تنهدت بقوة ثم أردفت بجدية:
– اسمعني يا كريم لو سمحت، أنا موافقة على الارتباط.
اتسعت عينه وفرغ فاهه يردف بصدمة:
– بجد؟ بجد يا ريتان أخيراً وافقتي؟
أومأت تردف بأنفاس مثقلة:
– أيوة بس فيه حاجة لازم تعرفها الأول، وتفكر فيها كويس وتبلغني قرارك الأخير.
ضيق عينيه يردف باستفهام:
– خير يا ريتان؟ حاجة إيه؟
التقطت أنفاسها المقيدة بصعوبة وأردفت بحزن:
– أنا في جوازي الأول قعدت سنة مافيش حمل، ولما روحنا نكشف عملت تحاليل وقالوا إن عندي مشكلة مع الوقت والأدوية هتتحل، بس بعدها انفصلنا لسبب تاني خالص، ووقفت الأدوية بعدها وخوفت أعمل أي تحليل وقتها، بس إنت لازم تعرف حاجة مهمة زي دي قبل أي حاجة، عشان كده فكر كويس وبلغ والدتك وعرفني قرارك.
استمع إليها بتعجب. هل هي عقيمة؟ لم يكن يتوقع. عليه أن يخبر مها بهذا الخبر. مؤكد لن يربط نفسه بزوجة لن تنجب ومؤكد أن والدته سترفض رفضاً قاطعاً. ابتلع لعابه ولم يجد حديث فتابعت هي بهدوء:
– أنا هقفل دلوقتي وأنت فكر وبلغني قرارك.
أغلقت وشردت تفكر. احتمال ضئيل جداً أن يقبل بها. ولكن إن حدث فمؤكد يستحق أن تبدأ معه حياة جديدة بعيداً عن هنا ربما وجدت عنده الحب.
أما هو فأغلق معها وهاتف مها على الفور التي تجلس خلف مكتبها تتواصل مع الشركة البلجيكية وتحاول الحصول على تلك الصفقة بأي طريقة فهي تحدي قوي سيجعل اسمها يتلألأ في دنيا الأعمال.
رن هاتفها فتناولته تنظر له بضجر ثم أجابت مردفة بغرور:
– خير؟
أردف كريم بترقب:
– ريتان وافقت يا مها هانم، وافقت ترتبط بيا.
ذهلت وظهرت الدهشة على ملامحها ثم انفجرت ضاحكة بسعادة تردف:
– معقول؟ وافقت؟ بجد برافو عليك يا كريم، مطلعتش سهل أبداً.
أردف كريم متباهياً بشخصيته:
– أنا لما بحط حاجة في دماغي لازم أوصلها، بس دلوقتي فيه مشكلة.
ضيقت عينيه تترقب وكأنها تستشعر ما سيقوله فتابع:
– هي مبتخلفش.
ضحكت بسعادة تومئ مردفة:
– أيوة عارفة، اسمع بقى اللي هقولك عليه وتعمله بالحرف الواحد وصدقني إنت الكسبان، بعدها هتاخد والدتك وتسافر وتبعد عن هنا خالص، تفتح مشروعك وتنسى ريتان واللي جابوها.
في غرفة مراد.
يجلس مع كارى التي باتت تتألم مؤخراً بسبب حملها، فهي الآن في السابع ويأتيها ألماً حاداً تتحمله بصعوبة ومراد يدعمها بحنو وحب.
حتى أنه لم يذهب إلى الشركة منذ يومين ليرعاها.
خرجت من الحمام وهو يسندها بعد أن أفرغت ما في معدتها، تحركت إلى الفراش وأجلسها يطالعها بحزن مردفاً:
– خلاص يا حبيبتي، ارتاحي وأنا هنزل أعملك حاجة تشربيها.
تمسكت بيده تهز رأسها مردفة بوهن:
– لا يا مراد، مش هقدر أشرب أي حاجة، تعالي ننزل نتمشى، نشم هوا أو نروح مكان هادي؟
أومأ بحب وهو يربت على ظهرها مردفاً:
– تمام، ارتاحي شوية وهاخدك وننزل، بس هتقدري؟
أومأت تردف:
– أيوة، أحسن من قعدة البيت لأني اتخنقت، أو توديني عند ريتان؟
نظر لها بحزن فهي منذ ما حدث وحزينة بسبب عدم رد ريتان عليها وهذا يحزنه.
زفر وأردف بضيق:
– خلاص يا كاري، إنتِ عملتي اللي عليكي وهي اللي مش بترد، خلاص براحتها.
نظرت له بحزن وتنهدت بقوة ثم طالعته تردف بتروّ:
– حقها عليا يا مراد، ليها حق تزعل مني، ريتان أختي مش صاحبتي، وأنا يعتبر اتفقت مع حمزة عليها، لو كانوا اتفاهموا مكنتش هتزعل كده، بس أكيد زعلوا أكتر من الأول، خليني أروحلها عشان خاطري.
أومأ باستسلام وحنو يردف:
– حاضر يا ستّي، هعملك اللي إنتِ عايزاه بس ارتاحي الأول.
مساءاً.
في غرفة ريتان تنبهت على رنين هاتفها.
تناولته تنظر له فوجدته كريم.
تعجبت وأجابت مردفة بهدوء:
– كريم؟ خير حصل حاجة؟
أردف بخبث يدعي التلهف:
– بصراحة بفكر من وقت ما كلمتيني، قولت أكلمك قبل ما أنام.
تنهد وزفر يتابع بترقب:
– أنا موافق يا ريتان، موافق ارتبط بيكي، أنا مش هعرف أتخلى عنك مهما كان، أنا اتعلقت بيكي جداً، موضوع الحمل هنلاقيه ليه حل بعد الجواز إن شاء الله ولو محصلش أنا راضي جداً، بس أنا متفائل خير أصلاً، وحتى ماما قالت كده، مع إني كنت متوقع إن ماما ترفض بس هي قالت إنك بنت حلال وطيبة وربنا هيكرمك، وبعدين الطب اتقدم جداً ولازم إنتِ كمان تتفائلي.
يفترض أن يسعدها حديثه ولكنه زاد الضغط على صدرها فباتت تسحب أنفاسها بصعوبة، تحاول بلع الغصة الصلبة التي تكونت بحلقها، مرارة مؤلمة تسيل على مجرى تنفسها، للمرة الثانية ستصبح ملك لغيره بعدما تأملت أن ربما يلتقيا، الآن بات جمعهما مستحيل.
تعجب كريم من صمتها وتساءل:
– ريتان؟ انتِ معايا؟
زفرت بقوة وتحدثت بخفوت:
– معاك، تمام يا كريم، اتكلم مع بابا وشوف اللازم إيه.
أومأ بخبث وقال يدعي الفرحة:
– تمام يا ريتان، هجهز كل حاجة وهتكلم مع عمي حمدي، ولو كده نكتب الكتاب قبل ما أسافر، وأول ما أظبط أموري هناك هبعتلك طول.
عصف قلبها بشعور سيء ثم أردفت متسائلة:
– هو إنت هتسافر إمتى؟
أردفت بترقب ومكر:
– يعني كمان شهر بالكتير، بس ماتقلقيش، أنا هعملك فرح يليق بيكي وكل اللي إنتِ عايزاه هجبهولك، هنكتب كتابنا في قاعة ونعزم الحبايب وزمايلنا في المدرسة وأهلك وأهلي.
زفرت بضيق تردف معترضة وقلبها يعصف بقوة:
– لاء يا كريم مالوش لزوم، خليه كتب كتاب على الضيق.
أردف بإصرار وثبات:
– لااا، لازم أفرحك وأقول للدنيا كلها إني المرة دي اخترت صح.
زفرت تومئ تحاول التغلب على هذا الشعور السيء الذي ينهش صدرها مردفة:
– تمام، اتكلم مع بابا وشوف هتعملوا إيه.
أغلق معها بينما جلست شاردة تفكر هل ما تفعله صواب؟ هل تلك المرة اختارت الأفضل أم ستندم لاحقاً؟ بمن تستعين ومن تسأل؟
رفعت رأسها للأعلى تطلب العون من ربها.
طرق بابها فتنبهت تسمح للطارق بالدخول، دلفت جميلة تطالعها بحنو مردفة:
– ينفع أتكلم معاكي شوية؟
أومأت تردف بهدوء:
– طبعاً يا ماما اتفضلي.
تقترب جميلة وتجلس على مقدمة الفراش تطالعها بعمق وشرود ثم أردفت بترقب:
– ليه مقولتيش إنك بتحبي حمزة الجواد؟
تعجبت ذاهلة تنظر لوالدتها بصمت فتابعت جميلة بتروّ:
– أبوكي مقاليش يا ريتان، أنا اللي سمعتكوا الصبح، سمعت كلامكوا مع بعض.
زفرت ريتان تنظر أرضاً فمدت جميلة يدها تضعها أسفل فك ريتان وترفع رأسها للأعلى مردفة بحنو:
– راسك متنحنيش أبداً، إنتِ معملتيش حاجة تخزي، بالعكس إنتِ جيتي على نفسك وسعادتك عشان متاخديش سعادة غيرك مع إن كنتِ تقدري لو عايزة.
أبعدت يدها تطالعها وتكمل:
– هتقدري تسعدي نفسك مع كريم يا ريتان؟ هتقدري تواجهي مشاعرك وتغيريها؟ سيبك من موضوع أمه وسيبك من سفره وسيبك من كلامه، إنتِ هتعرفي تغيري اللي جواكي؟
هزت رأسها تردف بصدق:
– مش عارفة يا ماما، طول ما أنا كده مش عارفة هقدر أو لاء، عشان كده جازفت وقولت أحاول.
نظرت لوالدتها بقوة وأردفت بعيون باكية:
– العمر بيجري يا ماما، لازم أحاول، لازم أحاول آخد من الدنيا أي حاجة حلوة، يمكن حد يحبني ويخليني أحبه، يمكن أقدر أخلف طفل أنسي بيه الدنيا كلها وعذابي كله، يمكن حاجات كتير أوي تتغير في حياتي، بس لازم أحاول، معرفش إيه اللي مخبياه الأيام ليا بس عندي ثقة في ربنا، هو عارف اللي في قلبي وهو اللي هيعوضني.
تنهدت جميلة بقوة ثم اقتربت منها تعانقها وتربت على ظهرها بحب وحنو وتبادلها ريتان بقوة.
في سيارة مراد يقود وتجاوره كاري متجهان إلى منزل ريتان لتراها.
يتحدث معها ويدللها وهي تجلس تضحك على أفعاله.
يردف بحب وهو يتمسك بيدها ويدنو يقبلها:
– أيوة كده يا حبيبتي اضحكي، خلي قلبي يرتاح.
طالعته بعشق وأردفت بحنو:
– ربنا يخليك ليا يارب.
تأملها بعشق لثواني ولم ينتبه إلا عندما استمع لبوق السيارة الآتية فجأة ليزعر ويحاول تفاديها بصدمة ولكن لم ينجح واصطدم بها.
في ذلك الوقت.
يجلس حمزة في غرفته يتحدث مع مها بعدما طلبت أن تتحدث معه لتخبره بأنها ستسافر ولتبعد عنه أي شكوك.
أردفت بخبث ودهاء:
– خلاص يا حمزة أنا هسافر بلجيكا أمضي معاهم التعاقد، ولما أرجع هنتمم بيع الأسهم وأتنازل عن حضانة مروان وننفصل، حبيت أشكرك على كل حاجة عملتها علشاني، وأنا متأكدة إن الأفضل لمروان أنه يبقى معاك إنت، لأنك هتعطيه كل اللي هو محتاجه، بس متخليهوش يكرهني لو سمحت.
زفر بارتياح، هل حقاً سيتحقق أخيراً ما سعى له لسنوات ودون أي مشاكل؟ هل أخيراً سيجتمع مع حبيبته ريتان؟
أردف بترقب وتساؤل:
– هترجعي أمتى؟
طالعته بخبث، رأت السعادة تقفز من عينه، لتلك الدرجة يتمنى الخلاص منها؟
أردفت وهي تهز منكبيها:
– لسه مش عارفة بس أعتقد أسبوعين، يعني مش كتير.
أومأ يردف بشرود وهو يقف:
– تمام يا مها.
رن هاتفه فالتقطه يطالع رقم شقيقه، أجاب يردف بترقب:
– أيوة يا مراد؟
أردف مراد ببكاء حاد:
– ألحقني يا حمزة، كااااري هتروح مني.
صُدم حمزة ينظر لمها بعيون متسعة ثم تساءل مستفهماً وهو يسرع للخارج:
– اهدى وفهمني إيه اللي حصل؟
أردف مراد ببكاء وندم يتآكله:
– كنا رايحين لريتان نصالحها وفجأة دخلنا في عربية وأنا سايق، أنا كويس بس هي خدوه على العمليات، ألحقني يا حمزة بالله عليك هموت لو حصلها حاجة.
كان حمزة قد وصل إلى الأسفل واستقل سيارته يغادر على الفور متجهاً لشقيقه ليرى ماذا حدث.
في منزل حمدى.
عاد من عمله بعد أن عاد العامل وأخبره بنتيجة سؤاله.
جلس بشرود وأتت إليه جميلة وكذلك ريتان تجلسان بجواره، تساءلت جميلة بترقب:
– ها يا حمدى، عرفت حاجة؟
تنهد بقوة يردف وهو يطالع ابنته:
– زي ما هو قالك يا بنتي، ناس قالت عنه كويس ومشافوش منه حاجة وحشة، وناس قالت إن أمه ست صعبة وطماعة، وناس تانية قالت إن أهل مراته هما اللي صاعبين وانهم غلابة، وناس قالوا إن أمه طيبة وهي اللي ربته واشتغلت عشان تعلمه تعليم عالى وتتباهى بيه قدام أهل القرية، أنا دلوقتي محتار نصدق مين ولا مين؟
نظرت جميلة لأبنتها بترقب ورأت شرودها ثم عادت تنظر لزوجها وتردف:
– كريم وافق على وضع ريتان يا حمدي، وافق وقالها إن أمه حبيتها وإن موضوع الحمل ده هما متفائلين خير.
نظر لأبنته وتساءل يتأكد:
– صحيح يابنتي؟ يعني قالك أنه موافق؟ بسرعة كده؟
أومأت تردف بعقل مشوش:
– أيوة يا بابا، قولتلك إن هو قالي على حياته كلها مع مراته، وأهل بلده طبيعي تلاقي ناس بتكرهه وناس بتحبه خصوصاً بعد الخلاف اللي حصل بينه وبين أهل مراته، يعني كل حاجة واضحة قدامنا وهو مأنكرش أي حاجة، الأحسن تقعد معاه يا بابا وتقوله كل اللي إنت عايزه وتشوف هو هيقولك إيه.
زفر حمدي بقوة يردف بإيماءة بسيطة:
– تمام، تمام يا بنتي.
استمعت إلى رنين هاتفها من داخل غرفتها فوقفت تتجه إليها لتحضره، رأت رقمه فنبض قلبها بقوة يلكم صدرها، حاولت تهدئة أنفاسها وشردت أتجيب أم تتجاهله؟
ولكن بالطبع خالفتها يدها وهي تضغط على زر الإجابة وفتحت الخط ثم وضعت الهاتف على أذنها تردف بترقب:
– ألو؟
أردف بحب ممزوج بحزن وترقب:
– ريتان؟ ينفع تيجي مستشفى....؟
وقع قلبها أرضاً كمن تزحلقت من على منحدر عالٍ وأردفت بلوعة قلب متسائلة:
– فيه إيه؟ حصلك حاجة؟
أردف بعشق وحب ليطمئنها:
– لاء أنا كويس متقلقيش، بس كارى ومراد عملوا حادثة بسيطة وهي في أوضة العمليات دلوقتي، بتولد.
صرخت باكية بصدمة:
– بتولد؟ ازاااي دي لسة في السابع؟ طمني بالله عليك حصلها حاجة؟
أردف بتروّ وحنو:
– اهدى يا ريتان هي هتبقى زي الفل إن شاء الله، أنا بس حبيت ابلغك لو تحبي تيجي.
أومأت تردف بتأكيد:
– جاية حالاً، مسافة الطريق.
أغلقت معه وخرجت لوالدها تطالعه بلهفة وتردف مترجية:
– بابا لو سمحت ممكن تيجي معايا، كارى بتولد ولادة مبكرة ولازم أروحلها.
أومأ ووقف يردف بعجلة:
– أكيد طبعاً، يلا يا حبيبتي البسي وتعالي مستنيكي.
بعد ساعة في المشفى.
دلف ريتان تركض مسرعة ومتلهفة للإطمئنان على رفيقة دربها وشقيقة قلبها ويتبعها والدها.
سألت عن مكانها فأخبرتها الممرضة أنها خرجت من غرفة العمليات وتقطن في غرفة 320.
أسرعت ريتان وخلفها حمدى ليصعدا عبر المصعد الكهربائي.
بعد دقائق وصلت إلى الغرفة، أردف حمدى بتروّ:
– ادخلي إنتِ يا بنتي وأنا هستناكي هنا.
أومأت واتجه هو ينتظرها في الاستراحة بينما هي سبحت نفساً قوياً وطرقت الباب.
كان في الداخل يقف عند مهد الصغير الذي أنار المكان بمجيئه يضحك له بحب وحنو وعندما استمع لطرقات الباب أيقن أنها هي، وكأنه يعلم لمستها لهذا الجماد الخشبي، رفع نظره يصب عينه على الباب بعدما سمح مراد للطارق أن يدلف.
لفت مقبض الباب وفتحتها تميل برأسها بترقب قبل أن تتقابل عيناهما ببعضها لثوانٍ وقلبيهما يعلنان تمردهما حتى كادا يقفزان من بين قفصهما الصدري.
دلف تلقي السلام ثم لفت نظرها تطالع كارى الممتدة على الفراش تئن ويجلس بجوارها مراد يلامس على رأسها بحب وحنو ولكنه أبتعد ليسمح لها بالمرور.
نظرت كارى لريتان بعيون لامعة ثم أشارت لها بيدها فاسرعت ريتان إليها تتمسك بيدها وتدنو تعانقها بحب وتمهل حتى لا تؤلمها، تبكيان بحنين أخوي بينما كاري تردد بوهن:
– حقك عليا، متزعليش مني.
تبادلها ريتان بصدق وتأثر:
– حمد الله على سلامتك إنتِ والبيبي يا قلبي.
اعتدلت ريتان بحرج تنظر لمراد الذي يبتسم عليهما بينما هناك ضماد على جبينه يبدو أنه جرح.
أردفت وهي تقف بجوار كارى وتتمسك بيدها بعدما ابتعد مراد:
– حمد الله على سلامتك يا مراد، إيه اللي حصل.
كان هذا الذي يقف بجوار مولود شقيقه يقف يتابع كل حركة وهمسة لها بعشق، يعشق حبها لصديقتها ويعشق حنانها ورقة قلبها وعينيها اللامعتين تلك.
إنتابته غيرة العشق وهو يرى شقيقه يشرح لها ما حدث وهي تستمع له فأردف ليحصل على انتباهها:
– مش تيجي تشوفي حمزة الصغير؟
تنبهت له تطالعه بتمعن، تنهدت بقوة ثم أبعدت نظرها عنه وتقدمت من مهد الصغير لتراه، وقفت عنده تنظر له بذهول وعيون لامعة بالحنين، للحظة تخيلته طفلها هي، ابتسمت بسعادة وسقطت دمعة من عينها على وجنتها أمام عينه وقلبه الذي تلوي متوعداً داخل نفسه أن يعوضها عن كل ما مرت به وأن يجعل من المستحيل ممكناً وستنجب منه، سيكون لحبهما ثمرات وثمرات ولن ييأس أبداً.
أفاق من شرودهما على طرقات على باب الغرفة تبعها دلوف صفية وفريد وشيرين ومها؟
تفاجأ هو بمجيئها فهي دائماً تبتعد عن تجمع عائلته ولكن بالطبع هي لن تترك فرصة مثل هذه بعدما علمت بمجيء ريتان.
دلفوا جميعهم يتمنون السلامة لكاري ومراد ويستقبلون المولود بسعادة.
وقفت ريتان تتنهد بقوة وصفية تتقدم منها وتمد يدها مردفة بود وحنو:
– إزيك يا حبيبتي، عاملة إيه؟
بادلتها ريتان بود واحترام تردف بهدوء تحت أنظار مها الحاقدة التي تحاول إخفاءها:
– الله يسلمك، أزي حضرتك؟
أومأت صفية بود ثم نظرت للصغير بحب وحنو وانشغلت به واتجهت شيرين إلى ريتان لترحب بها أيضاً ثم ابتعدت لترى الصغير بحب، بينما تقدمت مها من حمزة متعمدة حتى أنها وقفت بينه وبين ريتان حائلة ثم ارتفعت قليلاً إلى أذنه تردف بهمس متعمد:
– حمزة أنا طيارتي كمان ساعتين، لازم أسافر زي ما قولتلك، هتواصل معاك عشان أبلغك عملت إيه.
كان يستمع إليها بضيق ويعلم لما فعلت ذلك لذلك ابتعد عنها يردف بصوت مسموع:
– تمام، هبقى أتواصل معاكي أشوف وصلتي لإيه.
ابتسمت له برغم غيظها ونظرت لريتان بعيون حاقدة ثم وعدت الجميع وغادرت بينما وقفت ريتان تحاول التحكم في هذا الشعور الذي راودها عندما همست له مها، يحق لها كل شيء تتمناه هي، يحق لها أن تحصل وتنعم بما حلمت هي به، هي زوجته بينما أنا الغريبة هنا، هي لها مكان بينهم وأنا التي عليها أن أرحل.
لم تنظر له بل تقدمت من كاري مجدداً ودنت منها تردف بقبضة تعتصر قلبها حاولت إخفاءها:
– كاري حبيبتي، أنا همشي عشان بابا مستنيني برا وهجيلك وقت تاني، مرة تانية حمدالله على سلامتك.
تمسكت كاري بيده تشدد عليها وكأنها تطيب خاطرها ولكنها تتألم لذلك ابتسمت لها ريتان وتحركت للخارج بعدما وعدت الجميع ووقف هو يتنهد بقوة ويتتبع أثرها بحسرة، يردد بين نفسه أن لم يتبقى سوى أيام، أيام فقط وسآتي إليكِ وسأكون ملكاً لكي وحدكِ اسماً وقلباً وكياناً.
بعد أيام.
اتفق حمدى مع كريم الذي أقنعه بحديثه الخبيث وحتى أنه عرض عليه أوراق سفره وعمله وانخدع حمدى بحديثه المتقن ووافق على كتب كتاب ابنته منه قبل سفره وبعد أسبوع من الآن، على أن يغادر ويتركها في منزل والدها إلا أن يضبط أموره ثم يرسل لها دعوة لتذهب إليه بعدما أحضر خاله الذي أكد لحمدي أن شقيقته لن تتسبب في مشكلة لهما وأنها ستعيش معه بعد الآن وبعد أن أدركت أنها تحجب سعادة ابنها بتملكها له.
قررت ريتان أن تخبر كاري بأمر كريم بشرط أن تحفظ كاري سرها بعد أن أقنعتها بقرارها.
أما مها فهي تتابع كل شيء من بعيد، عيونها البشرية متنبهة بقوة لتحقيق انتقامها بحماس.
يجلس حمزة خلف مكتبه يباشر عمله بعدما أكد له محمد أن كريم لم يعد يلتقي بريتان لهذا فهو مطمئن.
رن هاتفه فتناوله ونظر له ثم زفر بضيق وفتح الخط يجيب:
– أيوة يا مها؟ عملتي إيه؟
زفرت بضيق تجيب بمكر:
– للأسف يا حمزة مش راضيين يمضوا التعاقد، حاولت معاهم بأي شكل وجبتلهم الأوراق اللي بتثبت دعم شركتهم ليا بس رافضين تماماً إلا إذا حد منكم جه بنفسه، عايزين شريك أساسي من شركتكم يضمني.
أغمض عينه بضيق فهو يعلم ذلك بعدما أرسلوا له فاكس عبر إيميله ليتأكدوا من صحة الأوراق التي أحضرتها مها مطالبين بحضور أحد الشركاء الأساسيين من الشركة الداعمة حتى يتم التعاقد.
أردفت بخبث ودهاء:
– إيه رأيك تبعتلي مراد أو فريد؟
فك ربطة عنقه يشعر بالاحتقان، فمراد لن يترك زوجته في هذه الظروف ويسافر وبالطبع فريد أيضاً زوجته على وشك ولادة لذلك أردف بضيق:
– خلاص يا مها، هشوف هعمل إيه وهبلغك.
أغلق معها وشرد يفكر، هل يسافر وينهي تلك الصفقة ويعود، ولكن كيف سيترك صغيره وريتان وهناك أمر ناصف الذي لا يعلم عنه شيئاً إلى الآن، زفر بضيق، عليه أن يجد حلاً في أسرع وقت.
أما هي فتخطط ويحالفها القدر لتبعده عن مصر هذا الأسبوع، لتتأكد أنه لن يمنع هذا الزواج ولتحقق انتقامها وخطتها المدروسة بعناية وبعدها ستنفصل عنه، ليس له في الطيب نصيب.
بعد عدة أيام أخرى.
وبعد محاولات باءت كلها بالفشل مع تلك الشركة الصارمة التي رفضت إمضاء أي عقود إلا أن يأتي شريكاً أساسياً من الشركة الضامنة بنفسه.
قرر أن يسافر إليها وينهي هذا الأمر ويعود في الحال.
دلف مكتبه ورفع هاتفه ليطمئن للمرة التي لا يعلم عددها على ريتان من خلال الحارس محمد الذي أجاب يردف بترقب:
– أيوة يا حمزة بيه اتفضل؟
أردف متسائلاً:
– رجعت يا محمد؟
أردف محمد بإيماءة بعدما تأكد من عودتها من المدرسة:
– أيوة يا حمزة بيه، رجعت وهي دلوقتي في البيت، يعني اطمن هي بخير.
أردف محذراً:
– عينك متفارقهاش يا محمد، ممكن تنزل في أي لحظة، خصوصاً اللي اسمه كريم ده لو حاول يقابلها تعرفني فوراً، واسمعني كويس، أنا مسافر كمان كام يوم، هكلمك يومياً تبلغني كل تفصيلة، حتى لو دخل عندهم زيارة تعرفني، فاهم يا محمد، لازم عينك تبقى وسط راسك.
أردف محمد بطاعة:
– حاضر يا حمزة بيه اطمن، أوامرك هتتنفذ بالحرف.
أغلق معه حمزة وشرد يفكر فيها، يسعى ليصل لهدفه وبعدها سيركض إليها خالياً ولن يفرقهما شيئاً بعدها، سيخبرها بكل معاناته وعذابه في بعدها عنه وسيستقبل منها كل أفعالها برحابة صدر.
مر الكثير والكثير وبقى فقط القليل يا ريتاني وشرياني ونبض فؤادي، يا من سكن عذاب حبكِ في عروقي فباتت حياتي بدونه مفقودة و روحي في بعدك معقودة، وقلبي ممزقاً وصدري معلقاً وعمري متوقفاً للحظة امتلاكك.
فكر قليلاً، عليه أن يؤمنها أكثر من ذلك إلى أن يعود، فمحمد ليس كافياً، ضيق عينيه وتناول هاتفه وطلب صديقه الذي يمتلك شركة الحراسات الخاصة.
أجاب فؤاد بود يردف:
– أزيك يا حمزة؟ أخبارك إيه؟
ابتسم حمزة وأردف:
– أزيك يا فؤاد، كنت محتاج منك خدمة تانية؟
أردف فؤاد بحماس وترقب ساخراً:
– بس كده دانت تؤمر، تحب أبعتلك الحرس كلهم تحت شركتك حالاً؟
ابتسم حمزة يردف برتابة:
– لاء هو واحد بس، واحد زي اللي كان بيأمن مها، ولو فيه أفضل يبقى حلو أوي، عايزه يأمن حد غالي عندي لكام يوم بس، وأنا هديه اللي هو عايزه.
أردف فؤاد بعتب:
– متتكلمش في المادة تاني عشان منزعلش مع بعض، بس قولي هتديه كام يعني.
ضحك حمزة يردف بحنق:
– يا أخي خليك جد بقى، اسمع بس، أنا عايز حد ثقة، وهتواصل معاه دايماً أعرف منه كل حاجة بتحصل خلال الكام يوم دول، هو فيه واحد تبعي بس مش متمرس أوي وأنا لأني هبقى بعيد عايز حد يكون عارف هو بيعمل إيه كويس.
أردف فؤاد بجدية وتأكيد:
– تمام يا حمزة عندي، بس قولي التفاصيل وعنوان الشخص ده وأنا هختارلك أكفأ حد عندي، وهخليه يتواصل معاك.
في اليوم التالي في قصر الجواد.
يستعد حمزة للسفر، اتجه إلى غرفة صغيره الذي كان يلعب مع بيري بعد أن انتهى من واجباته المدرسية.
نادى عليه وجلس متكئاً يردف بترقب:
– مروان حبيبي زي ما اتفقنا، هتسمع كلام نانا وهتخلي بالك من بيري وأنا هخلص الشغل ده وأرجع على طول، اتفقنا يا بطل؟
نظر لوالده بترقب وتساءل ببراءة:
– هتتأخر يا بابي؟
هز حمزة رأسه يردف بتأكيد:
– لا، أوعدك إن شاء الله هرجع بسرعة، عشان محضرلك مفاجأة حلوة جداً جداً هتعجبك.
تساءل الصغير بحماس ولهفة:
– إيه هي يا بابي؟
أردف حمزة معترضاً:
– مينفعش أقول، كده مش هتبقى مفاجأة.
قفز الصغير يردد بلهفة وحماس طفولي:
– بليييز يا بابي قولي بليز.
تنهد حمزة بقوة وابتلع لعابه ثم أردف بترقب:
– طيب هو حد غالي عليك جداً وأنت بتحبه جداً، هجيبه يعيش معانا هنا.
اتسعت عين الصغير ذاهلاً ثم أردف فجأة دون تفكير:
– مـس ريتااااان.
ضحك حمزة بسعادة وانحنى يقبل وجنة صغيره بقوة ويعانقه بشدة ثم ابتعد يردف بتنبيه:
– برافو عليك، بس ده سر بينا، متقولش لحد هنا خالص لحد ما أرجع، تمام يا بطل؟
أومأ مروان بحماس وأردف متلهفاً:
– حاضر، يلا روح وارجع بسرعة بقى.
أومأ له حمزة وتنهد بعمق وشرود ثم حمل حقيبته وخطى ليغادر.
أمن سناء وصفية وشيرين على صغيره وودع الجميع وغادر.
ها هو يدلف المطار حيث ستقلع الطائرة المتجهة إلى العاصمة البلجيكية (إقليم بروكسل).
بعد وقت أقلعت الطائرة بالفعل وسافر حمزة تاركاً وطنه وقلبه وروحه ليعود إليهم في أسرع وقت.
في اليوم التالي عند ريتان التي التزمت المنزل ولم تذهب إلى المدرسة ويتابعها كريم بالهاتف دائماً حيث يخبرها بكل التحديثات التي يجهزها لحفل كتب الكتاب.
أردف كريم عبر الهاتف بمكر:
– أنا فرحان أوي وكل ما أجهز حاجة وأحس أننا قربنا نكون سوا أفرح أكتر.
ابتلعت لعابها بضيق وأردفت تحاول تقبل الأمر الواقع وتضغط على صدرها الضيق المكلوم:
– تمام يا كريم، بلغت زمايلنا في المدرسة؟
ابتسم يردف مؤكداً:
– طبعاً يا ريتان، بعتلهم الدعاوى، اطمني، على فكرة أنا نفسي أشوفك جداً بس بصبر نفسي لما نكتب الكتاب.
أغمضت عينيها وتنهدت بقوة ثم أردفت:
– إن شاء الله يا كريم، يلا أنا هقفل دلوقتي ونكمل بعدين.
أغلقت معه بعد حديث بسيط وعاد هاتفها يعلن اتصالاً من كاري.
أجابت بترقب قائلة:
– كاري، عاملة إيه؟
أردفت كاري بهدوء:
– الحمد لله يا ريتان بخير، قولت أطمن عليكي، أمورك تمام؟
أومأت ريتان تردف بشرود:
– تمام.
قالت كاري بترقب:
– يعني خلاص متأكدة من قرارك يا ريتان؟ هتكتبوا الكتاب فعلاً؟
أومأت لها تردف بتأكيد:
– أيوة يا كارى متأكدة، بس أوعي يا كارى عشان خاطري، أوعي حد عندك يعرف وبالذات حمزة أو مراته أنا مش متحملة مشاكل.
تنهدت كاري بقوة تردف بحزن:
– متقلقيش يا ريتان، أصلاً حمزة سافر بلجيكا امبارح بليل.
بين ثانية شعرت كأنها تقف وسط مدينة مدمرة، حولها مباني تم هدمها وتحولت إلى غبار يعم المكان ويشوش الرؤية، لم تكن تلك المباني إلا آمالها، فبرغم كل ما تفعله إلا أن هناك جزء صغير بداخلها تأمل حدوث معجزة، جزء من قلبها تمنى تدخل القدر.
نزلت عبراتها وأردفت تومئ بحسرة:
– تمام، كده كويس، أنا هقفل.
أغلقت على الفور واجهشت في بكاء قوي، وكأن العالم أجمع تآمر ضدها.
بينما على الجهة الأخرى استمع مراد صدفة وهو يدلف غرفته للمكالمة فأردف بتفاجؤ:
– معقول يا كاري؟ ريتان هتتجوز؟
طالعته بصدمة وأردفت بتعجب:
– أنت دخلت إمتى؟
طالعها بلوم وجلس بجوارها يردف بترقب:
– دخلت وانتِ بتتكلمي، قوليلى الحقيقة يا كاري.
تنهدت بقوة تنظر لصغيرها الذي ينام في مهده بجوار فراشهما ثم عادت إليه تردف بترقب:
– تمام هقولك، بس أوعدني متقولش لحمزة ولا لأي حد، هي عايزة كده ومرتاحة كده.
طالعها بعمق، يعلم أن أمور شقيقه معقدة، لذلك أومأ يردف بترقب:
– تمام، قولي.
في اليوم التالي.
يوم كتب الكتاب.
كان حمزة يجلس في أحد المطاعم مع مدراء الشركة البلجيكية وتجاوره مها تتحدث عن خطتها في فتح شركة مستقلة بعد أن تضمن تعاقدهم.
كان اجتماعاً شاقاً عليه حيث بذل مجهود لإقناعهم ولكنه أثمر عن ذلك قبولهم بالتعاقد وإمضاء العقود التي سيتم توثيقها بشكل رسمي غداً ويعودا على الفور لينهي هذا الزواج في الحال.
عادت مها إلى غرفتها في الفندق وتناولت هاتفها تحدث كريم بسعادة فجميع آمالها تتحقق مردفة:
– ها، إيه الاخبار.
أردف بصوت ناعس حيث ما زال نائماً:
– اطمني يا مها هانم، كله تمام، وهروح كمان شوية أخدها على الفندق اللي فيه القاعة.
أردفت محذرة:
– خد بالك من اللي تبع حمزة، اصبر شوية لما أتعامل معاه بطريقتي وبعدها تروح فوراً تاخدها وتوديها على الفندق، تمام؟
أردف بطاعة وترقب متسائلاً:
– تمام يا مها هانم، بس المشروع اللي إنتِ قولتي عليه؟
أردفت ببرود:
– اطمن أنا قد كلمتي، وحالاً هبعتلك جزء من المبلغ على حسابك والباقي لما تعمل اللي قولت عليه.
أومأ بحماس يردف وقد لمعت عينه طمعاً:
– تمام يا مها هانم.
بعد ساعة وفي تمام الواحدة ظهراً يقف كريم أسفل منزل ريتان يتنظرها لتنزل إليه مع جميلة والدتها حيث سينقلهم إلى الفندق لتظل فيه لحين كتب الكتاب مساءاً وحتى يتم تجهيزها هناك كما أخبرها هو بذلك.
ترجلت هي وجميلة فوقف يطالعها مطمئناً بعدما استطاعت مها إبعاد الحارس محمد عنها.
استقلت سيارته هي ووالدتها وجلس يقود مسرعاً قبل أن يعود الحارس.
أوصلهما إلى الفندق ونظر لها يردف بخبث:
– اطلعوا انتوا وأنا هخلص مشاوير وشوية أمور في الشقة ونتقابل بليل.
نظر لريتان بعمق وتابع بخبث:
– هتوحشيني.
تنهدت تومئ مبتسمة بتكلف وترجلت مع والدتها إلى الداخل ومنه إلى الغرفة التي حجزها لها مسبقاً.
أتى المساء.
تجهزت ريتان بعدما جاءت إليها كارى بعد أن تركت صغيرها مع جدته والمربية.
كانت تجلس أمام المرآة تنظر لهيأتها بروح خاوية، تقف خلفها جميلة وكاري تطالعها بحزن بعدما رأت ملامحها.
أما في الأسفل حيث القاعة التي بدأ يتوافد إليها الحضور من أقارب حمدى الذي دعاهم من بلدته وزميلات وزملاء ريتان في المدرسة وأيضاً بعض الصحفيين المندسين بواسطة مها.
كان حمدى يقف يستقبلهم بترحاب ولكنه متعجب من عدم حضور والدة كريم إلى الآن أو حتى أقاربه.
مرت ساعة أخرى وبدأ حمدى يشعر بالضيق ف كريم تأخر حتى أن المأذون حضر ويجلس ينتظر حضور العريس ولكنه أغلق هاتفه وأخذ والدته وغادر دون رجعة تاركاً تلك المدينة نهائياً.
كانت تجلس بتوتر بالغ، تحاول الاتصال على كريم ولكنه مغلق، تنظر لوالدتها بخوف وقد ظهر التوتر على وجه جميلة.
رن هاتف ريتان برقم دولي، تناولته تنظر له بتفحص، هل يمكن أن يكون هو؟ هل فعل شئ؟
فتحت الهاتف تجيب بترقب وقلب مخطوف:
– الو.
أتاها صوت مها على الطرف الآخر تردف بتشفي:
– أهلا بالعروسة اللي من غير عريس، أهلاً بريتان هانم.
رفعت ريتان نظرها تطالع كارى بصدمة بينما تابعت مها بحقد:
– ده درس صغير أوي عشان تعرفي إنتِ عايزة تساوى نفسك بمين، كريم مش جاي، كريم قبض التمن رخيص أوي واتخلى عنك، بس وريني هتحليها إزاي وتقدرى تنقذي سمعتك وسمعة والدك قدام الناس اللي برا دي؟
مهو أكيد السؤال اللي هيتردد جواهم ياترى عريسها سابها ليه يوم الفرح؟ إلا إذا كانت على علاقة غير شرعية بواحد غني مثلاً، وريني هتحليها إزاي يا شاطرة، وعلى فكرة فيه كذا صحفي حلوين منتظرين برا وهينقلوا الخبر اللي أنا عايزاه مع الدليل، مبروك يا عروسة، دي هديتي ليكي.
سقط الهاتف من يدها، تجمدت أطرافها وسرت برودة شديدة في كامل جسدها.
أسرعت إليها جميلة تردف بخوف:
– ريتان، فيه إيه؟
نظرت لوالدتها بحسرة ثم نظرت لكاري وأردفت وهي تقف بصعوبة حتى أنها تعثرت وكادت تسقط لولا يداها التي استندت على المقعد، نبرة صوتها مهزوزة بعثرت كلماتها وهي تقول:
– كـ كريم مش جااااي، دي؟ دي لعبة من مها أبو الدهب، بابا؟
تحركت بصعوبة خارج الغرفة لتلحق بوالدها، يا الهي ماذا سيحدث الآن تشعر بروحها تنسحب مع كل خطوة، كيف ستخبر والدها وكيف ستكون حالته؟
توقفت أمام مدخل الفندق حيث رأت والدها يتقدم منها بتوتر وقلق، قابضة بكفيها بقوة على فستانها الأبيض الهادئ وحجابها الملفوف بعناية وملامحها التي تشبحت بالألم والعجز والحسرة.
رآها حمدى فتقدم منها وملامح الحزن مرتسمة عليه متعجباً.
بكت بحرقة تهز رأسها بقوة مردفة بأسف:
– كريم مش جاي يا بابا، مافيش كتب كتاب.
تصنم جسد والدها الذي ارتفعت نبضات قلبه تضرب صدره بقوة حتى كاد يتوقف وهو يطالعها بحسرة.
دلف هذا الذي يركض لاهثاً من باب الفندق، توقف وهو يراها أمامه، أردف بلهفة وأنفاس متسارعة كأنه كان يجازف بكيانه وكامل طاقته ضد تيار قوي حاد بصعوبة إلى أن وصل:
– ريتااااااان.
انتهى الفصل الثامن عشر من رواية للقلب أخطاء لا تغتفر.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية العربي
سقط الهاتف من يدها. تجمدت أطرافها وسرت برودة شديدة في كامل جسدها.
أسرعت إليها جميلة تردف بخوف:
– ريتان، فيه إيه؟
نظرت لوالدتها بحسرة ثم نظرت لكارى وأردفت وهى تقف بصعوبة حتى أنها تعثرت وكادت تسقط لولا يداها التى استندت على المقعد. نبرة صوتها مهزوزة بعثرت كلماتها وهى تقول:
– كريم مش جااااي. دي؟ دي لعبة من مها أبو الدهب. بابا؟
تحركت بصعوبة خارج الغرفة لتلحق بوالدها. يا إلهي ماذا سيحدث الآن؟ تشعر بروحها تنسحب من كل خطوة.
توقفت أمام مدخل الفندق من الداخل حيث رأت والدها يتقدم. قابضة بكفيها وبقوة على فستانها الأبيض الهادئ وحجابها الملفوف بعناية وملامحها التى تشبحت بالألم والعجز والحسرة.
رآها حمدي فتقدم منها وملامح الحزن مرتسمة عليه متعجباً من صدمتها وملامحها المزعورة.
بكت بحرقة تهز رأسها بقوة مردفة بأسف:
– كريم مش جاي يا بابا. مافيش كتب كتاب.
تصنم جسد والدها الذى ارتفعت نبضات قلبه تلكم صدره بقوة حتى كاد يتوقف عن النبض.
دلف هذا الذى يركض لاهثاً من باب الفندق. توقف وهو يراها أمامه في تلك الحالة. أردف بلهفة وأنفاس متسارعة كأنه كان يجادف في شلالٍ قويٍ عكس التيار ووصل للتو:
– ريتااااان.
لفت نظرها هي ووالدها ووالدتها وكارى إليه. نظرت له بصدمة وأردفت بهمْسٍ من بين شفتيها وقلبها يتهوى ويتأرجح بعدم استيعاب لما يحدث:
– إنت؟
***
أنتهى من الاجتماع واتجه متلهفاً إلى الفندق هو ومها حيث سيتحقق المراد خلال الغدِ فقط.
دلفت مها غرفتها وتركته واتجه هو لغرفته وتناول هاتفه يهاتف حسن الذى وظفه لحراسة ريتان ومراقبتها في صمتٍ تام ودون ملاحظة أحد فلن يترك احتمال ولو ضئيل لحدوث ما لا يحمد عقباه.
أجابه حسن الذى كان يقف في مكانٍ ما بعيدٌ عن الأنظار أسفل منزل ريتان ولاحظ مغادرة محمد مسرعاً. لذلك تنبه جيداً وها هو يرى كريم يقف أسفل منزلها.
أردف حسن يجيب بتمعن وشرح وعينه منكبة على ما يحدث:
– حمزة باشا، فيه حاجة غريبة بتحصل. فيه واحد واقف بعربية تحت بين ريتان هانم واضح إنه مستنيها، ومحمد الحارس مشي فجأة.
تصنم جسد حمزة يتنبه جيداً ثم أردف بترقب:
– أوصفهولي.
وصفه حسن بأتقان فعلم حمزة أنه كريم. بينما أردف حسن عندما لاحظ نزول ريتان:
– حمزة باشا ريتان هانم اللي قلت عليها نزلت هي ووالدتها تقريباً وركبت معاه.
أردف حمزة بغضب:
– وراهم يا حسن وتعرفلي على فين بالضبط.
أغلق معه وهاتف شركة الطيران يحجز فوراً على أول رحلة مغادرة إلى البلاد والتى من حسن التدبير كانت بعد ساعة واحدة من بين خطوط الرحلات كاملة وإلا كان سيحجز طائرةً خاصة ولكن ليصل إلى مصر في الحال. الآن يتمنى كما لو كانت مصر وبلجيكا كالسبابة والوسطى.
ليسارع دون إخبار مها ويغادر الفندق على الفور تاركاً حقيبة ملابسه الصغيرة ولكنه تناول حقيبة اوراقه معه، ليلحق بها. إن لزم الأمر سيرسل أحداً يخطفها ولكن لن يسمح بذلك أبداً. الآن فهم مخطط تلك الخبيثة. كان يشعر بالمكر يلتمع في عينيها ولكن لهفته وفرحته بالخلاص منها جعله يصدق ويأتي ليحلها. مؤكد هناك شيء على وشك الحدوث.
في طريقه هاتف مراد الذى أجاب بترقب:
– حمزة! أنا كنت لسة هكلمك.
أردف حمزة بحدة متسائلاً بترقب:
– تعرف حاجة عن ريتان؟
توتر مراد وأردف متلعثماً لقد كان يتآكله ضميره منذ أن علم وكان سيهاتفه ليخبره:
– ر ريتان؟ أيوة. هي؟
أردف حمزة بغضب وهو على وشك الجنون حتى أن سائق الأجرة تعجب وتوتر من صراخه:
– مراااااد أنطق. تعرف حاجة؟
أردف مراد بحزن واستسلام:
– ريتان هتتجوز النهاردة يا حمزة. كتب كتابها بليل على زميلها.
أغمض عينه والتوت أحشاؤه بشعور مرير بينما تخدرت عروق رأسه يردف بغضب أسود:
– مش هسامحك طول حياتي يا مراد. لو حصل مش هسامحك.
أغلق معه شقيقه الذى ندم على إخفاء هذا الخبر. هو يعلم عشقه لتلك الريتان وكان عليه أن يبلغه. ولكنه وعد زوجته وبحث عن سعادته.
أما حمزة الذى أصبحت انفاسه معدومة وهو يردد على مسمع السائق أن يسرع. وصل إلى المطار آخيراً وترجل يركض إلى الداخل. تذكر أمر مها مؤكد ستبحث عنه لذلك قرر مهاتفتها.
تناول هاتفه وطلب رقمها فأجابت من غرفتها والسعادة تتوغلها لسببين أولهما حصولها على تلك الصفقة والثاني نجاح خطتها الإنتقامية من تلك المعلمة.
تنهدت تردف بترقب:
– أيوة يا حمزة؟ كنت لسة هكلمك. إيه رأيك ننزل نتغدا في أي مكان برا؟
أغمض عينه لا يريد حتى سماع صوتها، يجيبها وهو يضغط على أسنانه حتى كاد يسحقها:
– معلش يا مها. فيه واحد صاحبي من أيام الكلية عايش هنا وعرف إني موجود وطلب يشوفني. أنا في طريقي ليه دلوقتى ويمكن نسهر سوا. على العموم اطلبي ليكي الغدا وأنا هخلص وأرجع على الفندق. وأنتِ لو احتجتي حاجة كلميني.
تململت في فراشها بسعادة تردف ومن شدة حماسها لم تشك في أمره لذلك أردفت:
– أوكى يا حمزة. سلام.
أغلق معها، لم يكن يطيق حتى سماع أنفاسها ولكنه يعلم دهائها ففعل ذلك حتى لا تنتبه.
بعد رحلة دامت لسبع ساعات هبط في المطار الساعة الثامنة مساءاً وأوقف سيارة أجرى وأسرع إلى الفندق حيث ينتظره حسن الذى أخبره بعدم مجئ العريس إلى الآن.
***
تقدم منها بخطوات متمهلة يطالعها بنظرة عتاب وأنفاسه تخرج لاهثة. تساءل بحزن:
– لييه؟ ليه تعملي في نفسك وفيا كدة؟ لتاني مرة هترمي نفسك في النار علشان ايييه؟ ليه يا ريتاااان؟
نظرت له بعجز وتشتت ولم تجيبه. ليس الآن. الآن عليها أن تنقذ نفسها من تلك الورطة التى أوقعتها بها تلك الأفعى. ولكن أولم يكن في قارةٍ أخرى؟ كيف ومتى ولماذا جاء؟
أما حمدي الذى يقف مقهوراً بحسرته. تجاهل حمزة ونظر لها يردف متسائلاً بصوت مهزوز مرتعش يخشى عواقب ما سيحدث:
– فهميني إيييه اللي بيحصل؟ أقول إيه للناس اللي في القاعة دووول؟ أقولهم العريس مجاش ليييه؟ أعمل ايييه بس يا رب؟ أعمل ايييييه؟
كان يتحدث وهو على وشك فقدان الوعي. لا يتخيل نظرة أقاربه له وكلماتهم اللاذعة. لا يتخيل نظرة المجتمع لابنته خصوصاً زميلاتها وزملائها في المدرسة. ماذا سيحدث؟
نظرت له بعجز ودموع منهمرة. سيفضح والدها أمام أعينها وستصبح سمعتها علكة في أفواه من لا يرحمون.
نظرت لحمزة تردف بتشتت وصراع ودموع تستهدف قلبه كرصاصات قاتلة فهو لم يعد يحتمل رؤية إنهيارها:
– مها أبو الدهب. هي اللي عملت كدة. قالت لازم تفضحني. وقالت كمان إن فيه صحافة برا هيقولوا إني على علاقة غير شرعية بواحد غني.
نظر حمزة لحمدي وحالته التى يثرى لها ونظر لجميلة التى تبكي بنحيب دون حديث على ما أصابهم حتى كاري تشهق بصدمة وتبكي على حال صديقتها ومراد الذي أتى لتوهِ مسرعاً.
لف نظره لريتان وأردف بترجى وخوف من رفضها ككل مرة:
– إتجوزيني يا ريتان. تعالى نخرجلهم ونكتب كتابنا ونمنع مخلوق يحكى حرف عنك. وافقي علشان خاطري.
أصبحت الأرض تميد بها. تدور كأنها في طاحونة. ما هذا الذي يحدث وكيف ومتى حدث؟ مؤكد هي في أحد احلامها الثقيلة. مؤكد نائمة وستستيقظ على الواقع المؤلم الذي تعيشه.
نظرت لوالدها الذى يطالع حمزة بأمل. نظرت لوالدتها التى تترقب قرارها بلهفة ودموع. حتى صديقتها كارى تومئ لها تؤيد قراره بسعادة ارتسمت في عينيها اللامعة.
أما هو فطالعته بشرود وصمت وهو يتابع بعيون صادقة مترجية ولهفة عشقٍ أذابه اشتياقاً وحنين:
– وافقي يا ريتان. أنا أصلاً سافرت علشان أخلص من جوازي وأرجعلك. سافرت علشان أخلع كل الوجع اللي في حياتي وأجيلك فاضي.
كانت تنظر داخل عينيه تبحث عن الصدق فهي لا تملك أي فرصة للتفكير.
أردف حمدي متألماً خوفاً على سمعتها وسمعته التي على المحك وهو على يقين بحب ابنته والآن يري بوضوح حب حمزة الذي يغرق المكان:
– وافقي يا بنتي علشان خاطري. أنا وانتِ مش هنتحمل كلام الناس اللي برا دي.
أغمضت عينيها بل اعتصرتها لتنفض منها دموع الضعف والحسرة ثم عادت تفتحهما بنظرة تعجب مشتتة ومشاعر متضاربة وهى تتذكر حديث مها لها وكأنها تحدد مصير مجهول. لقد قررت أن تبتعد حتى لا تواجه تلك المرأة في ساحةِ الحرب على رجلٍ عشقته حد النخاع. على رجلٍ سكن روحها. ولكن يبدو أن طبول الحرب قد قرعت منذ زمن. لذلك فلترفع رأسها فالانحناء لم يعد يفيد. لتفرد أذرعتها الواقية ولتواجه فلم يعد الاستسلام مباح. لتختار لأول مرة قرارٍ سيسعد روحها وقلبها وجسدها وستحقق أمنيتها الكبرى. لتقرر لمرة واحدة دون أفكارها التي تدمرها. لقد كانت على وشك أن تصبح زوجة غيره كمن كانت على وشك السقوط من على حافة الهاوية بإرادتها بعدما دفعها لذلك الزمن والمؤمرات ورصاصات شقيقتها.
دققت النظر في عينيه البنية اللامعة ينتظر قرارها كإنتظار مصيرٍ عظيم. سحبت نفساً قوياً وها هي تطالعه بدموع وتومئ مردفة:
– تمام. موافقة.
إنتابته سعادة داخلية بدأت تتوغل في عروقه وأوردته كنقطةِ ماءٍ وانتهت بنهرٍ أغرقه فظهرت بوضوح على ملامحه وأخرج هويته من جيبه مسرعاً يردف بسعادة ولهفة وهو يطالع والدها:
– عم حمدي أنا طالب إيد ريتان منك. أنا بحبها ومحبتش في حياتي كلها غيرها. وافق يا عم حمدي لأن هي كمان بتحبي.
طالعه حمدي بتعجب فلأول مرة يرى حمزة الجواد في تلك الحالة الحماسية. عهده عاقلٍ رزين ولكنه الآن كطفلٍ شقيٍ يركض في كل مكان. رأى حمزة حالته فأردف متلهفاً:
– بسرعة يا عم حمدي مافيش وقت.
إنتظمت ضربات قلب حمدي وأومأ له وأسرعا الاثنان إلى الداخل حيث القاعة التي تعالت أصوات الحضور داخلها بعدما لاحظوا غياب العريس والصحفيان يصوران ما يحدث بحماس.
بينما أوقفت كارى ريتان الذاهلة مردفة بسعادة:
– إستنى يا ريتان إهدى الأول مش عايزين حد يلاحظ إنك كنتِ بتعيطي. تعالى لما أضبطك.
نظرت لها بتعجب وأردفت وما زالت في صدمتها:
– إنتِ مبسوطة؟
أومأت كارى وأردفت بسعادة:
– جدااا.
تعجبت من أمرها. ولما تتعجب. وداخلها دغدغات وصحوة مشاعر لا تعلم سببها. ما هذا القدر وكيف تبدلت الأحوال في لمح البصر لتصبح بعد لحظات زوجة حمزة بدل من تكون زوجة كريم أو بدلاً من أن تفضح على يد زوجته؟
جلس حمزة أمام المأذون وسط تعجب الحضور جميعهم وتساؤلاتهم ولكنه لا يبالي بأحد وكذلك حمدي الذى قرر الصمت مؤقتاً بينما تحدث المأذون بترقب:
– نهدى يا جماعة لو سمحتوا. خلونا نكتب الكتاب.
جاءت هي من الداخل ومعها كارى تخطي أمام الجميع ولكن عينيها كانت عليه وهو يتحدث مع المأذون متلهفاً. حسناً ستعود لحلمها. نعم هذا حلم. مؤكد ما يحدث ليس واقعاً فهي تعلم حظها جيداً.
جلست على طاولة المأذون بجانب والدها وكارى تقف مع مراد الذي يصمت منذ أن أتى ويتآكله الندم ولكنه سعيد لوصول شقيقه في أنسب لحظة.
تقف جميلة تطالع ابنتها بسعادة وكانا هناك شاهدان جالسان مسبقاً.
بدأ المأذون في إجراءاته ومع كل حرفٍ يردفه تصدر من حمزة نبضة عشقٍ تنبض كقرعِ طبولٍ السعادة لقصة عشق تعود لعهدها بتخطيط قدرى عجيب لا يصدقه إلى الآن.
إلى أن انتهى المأذون وأردف:
– بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
تنهد حمدي بإرتياح ونظر لابنته بدموع تكونت في عينيه بينما لف نظره للحضور يطالعهما برأسٍ مرفوع.
كذلك جميلة تنظر لابنتها بدموعٍ تحولت من دموع حسرة وعجز إلى سعادة.
تعجب الحضور ولكن لم يتحدث أحد على العلن بل كان الحديث داخلي. حتى السيدة منال قاسم تجلس وسط الزميلات متعجبة ولكنها كانت تعلم وترى حب حمزة الخفي لريتان وتتعجب من ذلك. وما لم تكن تتوقعه هو حب ريتان له. فدائماً تراها جادة برغم حنانها. تراها هادئة وحزينة. ولكنها حقاً سعيدة لأجلها برغم تعجبها.
حتى الصحفيان اللذان أتيا ليوثقا خبر ترك العريس لعروسته بسبب علاقتها الغير شرعية كما طلبت منهما مها ها هما يوثقان كتب كتاب حمزة الجواد على ريتان حمدي الفولي لينتشر الخبر بسرعة البرق ويصبح كيدها في نحرها.
أما ريتان فتجلس تطالع ما يحدث بصمتِ وتنتظر إلى أن تستيقظ. نظرت له. رأته يقف يتقدم منها ومع كل خطوة تردد هامسة:
– حلم. أكيد حلم.
وصل إليها وتمسك بكفيها وأوقفها أمامه. عندما لامست كفيها شعرت بلمسته التي أرجفت داخلها والتي بعثرت مشاعره. تفكر هل يمكن للأحلام أن تؤثر داخلنا هكذا؟
طالعها بسعادة فاضت وملأت المكان. ينظر لملامحها بعشق قائلاً:
– إتكلمي وقولي إنك فعلاً بقيتي ملكي؟ قولى أي حاجة يا ريتان أنا حاسس إن قلبي هيقف من كتر الفرحة.
شهقت بقوة. حقيقة؟ كل ما حدث حقيقة؟ أمامها ويتحدث معها ويتمسك بيديها؟ أصبحت زوجته!
عادت الدموع إلى مقلتيها فرآهم فرفع يديه يحاوط وجهها ويحتويه بحنو ويميل طابعاً قبلة طويلة على جبينها وهو يعتصر عينيه بقوة وقلبه يقفز فرحاً ثم سحبها قليلاً إليه حتى أدخلها بين ضلوعه يربت على ظهرها بحنو وكأنه يطيب خاطرها وقلبها عن كل ما عاشته خلال السنوات الفائتة. يحتويها بحنو ولا يصدق أنها بين يديه.
ثابتة لا تعطى أي رد فعل. ضاعت قوتها المزعومة وتبعثرت أفكارها ولم تعد تشعر سوى بمشاعر جديدة توغلت لجسدها من لمسته. حتى أنها لا تبتعد بل متصلبة ظاهرياً ولكن هناك فراشات ترفرف عند قلبها وأسفل معدتها وعلى طول عمودها الفقري تنبهها بعناقه الذي دوماً كانت تتمناه.
الجميع متعجب وحمدي وجميلة يقفان بجانب بعضهما يطالعانها بسعادة. ما يراه في عينيها الآن كان يراه منذ سنوات وقبل أن تنكسر نظرتها على يد ناصف. أما ما يراه من حمزة فهو الجديد عليه.
أردف حمزة وما زال يربت على ظهرها بحنو:
– بلاش دموع علشان خاطري. إهدى وهحكيلك كل حاجة. إهدى يا حبيبة قلبي هنروح ونتكلم.
أنبهتها كلمته الأخيرة. تلك الكلمة التي قالها لتوهِ. ابتعدت عنه تنظر جانباً حتى لا يرى السعادة في عينيها الآن والتفتت تخطو لوالدها وتقف بجواره بصمت.
أما هو فنظر للحضور وأردف بسعادة وثبات:
– ممكن أقول كلمة؟
هناك من ابتسم له وهناك من يترقب وهناك عيون متنبهة. لف يطالعها ويغمز لها بابتسامة شقت ثغره. ثم عاد ينظر للحضور والصحفيان يوثقان حديثه.
تنهد بقوة وأردف بتأثر وحب:
– عايز بس أقول وبكل ثقة إن النهاردة على مدار 36 سنة ده أسعد يوم في حياتي كلها. لإن الوحيدة اللي حبيتها واتمنيتها من زمان جداً بقت أخيراً زوجتي قدام ربنا وقدامكوا.
لف نظره يطالعها ويردف بندم:
– عايز بس أقولها أنا آسف على كل لحظة وجع عيشتيها في حياتك سواء بسببي أو بسبب غيري. أوعدك إني هعوضك عن كل حاجة حصلت. عايز أقولك إني في اللحظة دي أكتر راجل محظوظ في الدنيا كلها. اللي تكون ملاك زيك بأخلاقها وطيبة قلبها وحنيتها من نصيبه لازم يبقى محظوظ.
كان الجميع يستمع له بتأثر بينما هي تستمع بذهول وكأنها عادت تحلم. إنتهى وعاد يتجه إليها يطالعها بعمق وما زال لا يصدق أيضاً.
تنهدت ولفت نظرها تطالع والدها مردفة بهدوء:
– يالا يا بابا نروح.
نعم تريد أن تركض الآن لغرفتها لتهدأ وتستريح وتستعد لترى ماذا ستفعل.
أما هو فوقف أمام حمدي يردف بتروي:
– عم حمدي خد ريتان وروح وأنا هخلص حبة أمور ورايا وأجي أخدها.
أومأ له وسحب ابنته وزوجته وغادر دون إضافة حرف بينما وقف حمزة يطالع أثرهم إلى أن غادروا ثم نظر للحضور وأردف بثبات:
– شكراً يا جماعة لحضوركم ومشاركتكم فرحتنا. أنا وريتان إن شاء الله هنعمل حفلة صغيرة عندي في القصر واتمنى تنورونا هناك. والعصافير اللي هنا أتمنى هما كمان يبقوا موجودين بعد طبعاً ما ينشروا الخبر ده النهاردة في كل الصحف زي ما كان مطلوب منهم بالضبط.
التفتت ينظر لكارى التى كانت تبتسم بسعادة وتومئ له مأيدة بينما تجاهل تماماً وجود مراد وتنهد بقوة وتحرك للخارج ليعود للقصر.
***
وصل الخبر إلى مها. تجلس تتصفح هاتفها بجنون. كانت تنتظر خبر فضيحة كبرى لتلك المعلمة ولكن الآن ترى خبر انهيار مكانتها الإجتماعية.
خططت بمكر ودعاء ودقة لتوقع تلك المعلمة وقعة أبدية ولكن عادت خطتها تهاجمها بضراوة.
تهز رأسها بجنون ثم قذفت الهاتف بقوة في الجدار الأمامي فسقط أرضاً وتناثرت أجزاؤه.
وقفت تكسر ما تطوله يدها. نزعت الأغطية تحاول تمزيقها. كانت كالمجنونة تلوح هنا وهناك.
وقفت تتنفس بقوة في منتصف الغرفة وحولها ما أحدثته. أومأت بغضب أعمى وتوعد تردف بشر يتراقص في عينيها:
– تمام. تمام أوي. لحقتها واتجوزتها. وريني هتوقفني إزاي. مش أنا اللي يتعمل فيها كدة. مش أناااااا. أصبروا عليا.
***
وصلت ريتان مع والديها إلى المنزل.
دلفت بخطوات متمهلة ثم جلست على أقرب مقعد فلم تعد تحتمل الوقوف.
تقدم منها حمدي وجميلة وجلسا متجاوران ينظران لبعضهما بصمت وتعجب وراحة. أما هي فتنظر أرضاً بذهول. كان من المفترض أنها ستكون الآن في منزل كريم.
كانت طوال الاسبوع تتهيأ نفسياً لتلك الليلة التي لا تعلم كيف ستمر. جمدت قلبها في صقيع كلمات شقيقتها والظروف المحيطة ونوت أن تلقي بنفسها للمجهول. لم تعد تتذوق طعم أي شى مميز فكل الأطعمة أصبحت مُرة.
خرجت من هذا المنزل صباحاً تودعه وتنزع روحها من صدرها وتلقيها داخله قبل أن ينغلق بابه. ظنت أن الحياة ما هي إلا دار شقاء طوال الوقت. استسلمت وسلمت أمرها كله لله. ودار في عقلها جميع المخيلات إلا أن تصبح زوجته في نفس الليلة. لذلك رفعت نظرها لوالدها وأردفت متسائلة بذهول:
– بابا؟ هو أنا فعلاً إتجوزته؟ إتجوزت حمزة الجواد؟
تنفس حمدي بقوة وأومأ يردف بتأكيد:
– أيوة يا بنتي حصل. أنا كمان لحد دلوقتى مش مصدق. بس لو مكانش حصل كدة كان حصل مصيبة يا ريتان. أنا كنت حاسس أن قلبي هيقف وانا بتخيل قرايبي وكلامهم بيجلدنا. ده غير جيراني وأصحابي وأهل البلد يا بنتي. كل ما أتخيل اللي كان ممكن يحصل أحمد ربنا إن حمزة جه في الوقت المناسب.
نظر في مقلتيها بعمق وتساءل بترقب:
– بس المهم إنتِ مبسوطة؟
نظرت له والتعمت عينيها ثم أخفضت نظرها أرضاً لا تقوى على البوح الآن بمشاعرها. تأكد من الإجابة دون أن تخبره. نظر لزوجته التي وجدها تبتسم وتومئ له فزفر بإرتياح برغم علمه بما يمكن أن تفعله مها أبو الدهب ولكن ما رآه من حمزة اليوم يطمئنه. رفع رأسه للأعلى وأردف:
– ألف حمد وشكر ليك ياااارب.
وقفت تردف بهدوء لتختلي بنفسها:
– عن إذنكوا تصبحوا على خير.
خطت لغرفتها ودلفت وأغلقت خلفها. نظرت حولها للغرفة وعقلها يدور. تزو جته؟ كُتب اسمها على اسمه؟ بعد معاناة دامت لسنوات؟ ماذا قال؟ سافر ليعود إليها خالياً؟ ماذا يقصد؟ هل يمكن أن يكون طلق زوجته؟ لااا. يكفيها أفكار اليوم. عقلها لم يعد يحتمل.
زفرت بقوة ثم اتجهت تخلع عنها ثوبها وتبدله بإسدال وتصلي شكراً لله على إنقاذ سمعتها وسمعة والدها. ولتنام.
***
دلف غرفة صغيره بخطوات متمهلة.
وجده ينام بعمق. اتجه إليه وانحنى يقبل جبينه بحنو واشتياق وسعادة.
تقلب الصغير في نومه وفتح عينيه بنعاس ثم اتسعت عينه يردف بسعادة طفولية:
– بابي جيت إمتى؟
التقطه حمزة يعانقه بحنو ويردف بنبضاتِ قلبٍ راقصة على سيمفونية عشقها:
– لسة واصل حالاً يا حبيبي. عامل اية؟
أومأ الصغير وأردف بهدوء:
– كويس يا بابي. مكنتش عايز أنام بس تيتة صفية قالتلى أنام علشان إنت متزعلش مني.
قبله على وجنته وأومأ يردف بحنو:
– فعلاً أنا قولت لتيتة متخليش مروان يسهر. ودلوقتي هدخل أغير وأغسل وأجيلك ننام سوا.
أومأ الصغير ووقف حمزة يتحرك لغرفته ولكنه تجمد حينما تساءل مروان:
– هي مس ريتان مجتش معاك؟
سحب نفساً قوياً. يبدو ان صغيره ينتظرها كما ينتظرها هو. التفت إليه يطالعه بتوتر ثم عاد إليه وجلس يردف بهدوء:
– هتيجي يا حبيبي. هتيجي وهتعيش معانا هنا. هتعيش في الأوضة التانية ووقت ما تحب تشوفها هتلاقيها.
زاغت أعينه بتعجب ثم نظر لوالده وتساءل ببراءة مستفهماً:
– طيب ومامي؟ هتقعد معاها؟
تنهد حمزة بقوة يهدئ صدره الذي أصبح يضيق ثم نظر لإبنه بترقب يجيب:
– لا يا حبيبي. مامي زي ما إنت عارف بتسافر دايماً. بس المرة دي هي هتروح تعيش في مكان تاني. ريتان بس اللي هتبقى معانا.
شرد الصغير قليلاً. قارن داخل نفسه بين والدته التي دائماً تسافر ودائماً تعامله بجفاء وبين معلمته التي دائماً تحتضنه وتلاعبه وتميزه عن بقية الأطفال.
نظر لوالده يبتسم ويتساءل بترقب:
– طيب هي هتيجي إمتى؟
زفر حمزة بأرتياح وابتسم له يردف وهو يتمسك بكفي صغيره:
– قريب جداً جداً. يالا أنا هغير وأجيلك.
أومأ بسعادة وعاد حمزة يخطو للغرفة الأخرى التي لم يعد يمر عليها إلا نادراً. دلف وأغلق خلفه وجال بأنظاره المكان. سيغير كل شيء هنا. حتى الحوائط سيبدلها. سيجعل كل شيءٍ يليق بها. ولتخرج سيدة الأعمال من حياته ولتولج سيدة قلبه إليها لتنيرها بعد ظلمةٍ داهمتها لسنوات.
مجرد تخيلها تقف أمامه هنا يهتز جسده كاملاً. بداخله حنين واشتياق إليها يحاول التحكم فيه بصعوبة كي لا يركض الآن لعندها ويختطفها ويعود بها إلى هنا.
زفر بقوة. عاد لغرفة صغيره يطالعه بعد أن نام مجدداً. زفر واتجه لخزانة ملابسه وتناول منها ملابس بيتية ثم دلف حمام الغرفة الأخرى ليعتاد عليه مجدداً وليزيل أثر رحلةٍ مرهقة ويرتدي ثوباً أبيضاً نظيف يريح روحهِ.
***
في منزل بسمة.
رأت الخبر على مواقع الانترنت. تلقته بصدمة وهي تهز رأسها مرددة:
– مش معقووول. إزاي ده حصل.
طالعها بهاء الذي ما زال يتجنبها منذ ذلك اليوم وتحاول معه ولكنه أصبح يتعامل ببرود ليعاقبها على ما قالته ولكن صدمتها أنبهته فنظر لها ولم يتحدث بل أسرعت هي إليه كأنها وجدت فرصة لتحدثه مردفة بصدمة:
– بهاء بص كدة؟ ريتان إتجوزت حمزة الجواد.
تعجب بهاء ونظر للهاتف يرى الصورة ويقرأ الخبر بتعجب ثم أردف:
– معقووول. إزاى ده حصل مش المفروض العريس كريم؟
تابعت الخبر تقرأهُ بذهول ثم هزت منكبيها تردف:
– المفروض كدة. ماما لما كلمتني قالت كدة. بس أهو حمزة هو اللي إتجوزها. أنا لازم أكلم ماما واعرف منها إيه اللي حصل.
كادت تهاتف والدتها ولكن أوقفها بهاء يردف بتهكم:
– وانتِ مالك ومال أخبار أختك؟ مش والدتك جتلك هنا علشان تراضيكوا على بعض وانتِ رفضتي؟ هتسأليها ليه بقى؟
نظرت له بحزن وأردفت بترقب:
– بهاء هو إنت سامحتنى؟
إبتعد عنها مجدداً يردف بضيق:
– لاء يا بسمة. اللي حصل المرة دي مش قليل. واختك وافقت على كريم ده بسبب كلامك.
أردفت بتهكم وحدة من تجنبه لها:
– يعني هتفضل زعلان مني بسبب ريتان يا بهاء؟ طب أهى اتجوزت حب حياتها أهو. متكبرش الموضوع بقى دول كلمتين قولتهم في غضبي.
طالعها بضيق وهز رأسه بقلة حيلة ثم وقف يردف:
– مافيش فايدة فيكي. أنا بسبب كلامك ملقتليش عين أروح أحضر كتب كتابها كأن أنا السبب. وتقولي كلمتين في ساعة غضب؟ أنا داخ_ل أنام.
تركها واتجه لغرفته لينام بينما هي ألقت الهاتف بقوة في الأريكة فارتدت أرضاً وكتمت صرختها الغاضبة حتى لا يستيقظ طفلها النائم في فراشه.
***
خرج حمزة من حمامه بهيأته الرجولية التي تبدلت فغمرته السعادة حتى في خطواته.
نظر للفراش يتأمله. سيبدله بآخر وسيعانقها عليه وينام ويستيقظ على رؤيتها وأنفاسها. سيذوب عشقا بها وسيذيقها من عشقه الذي يحبسه لسنوات. سيعوضها كل ألم ودمعة وسيخبرها بكل ما عاناه.
عاد لغرفة صغيره. وقف جانباً في ركن صلاته يؤدي فرضه ويشكر ربه بتضرع وخشوع على ما حدث.
إنتهى بعد دقائق وتسحب بجواره وتمدد ثم تناول حاسوبه النقال وفتحه ليرسل فاكس إلى محامي الشركة البلجيكية يخبرهم بحدوث ظرف طارئ استدعى نزوله إلى مصر.
جاءه الرد سريعاً وأخبره الطرف الآخر أنه لا توجد مشكلة وسيتم إرسال نسخة الكترونية من العقد إليه.
أغلق حاسوبه وتنهد بارتياح ثم شرد يفكر في مها. يعلمها جيداً ويتوقع الأسوأ منها لذلك عليه أن يستعد لأي ظرف.
***
صباحاً.
يجلس حمزة وسط عائلته التي علمت بالخبر صباحاً بعد ان انتشر بشكلٍ أقوى حيث يردف سالم بغضب بعدما قرأ الخبر وسأل ابنه:
– يعني إيه إتجوزتها؟ إنت عارف إنت عملت ايه؟
طالعه حمزة بتمعن وأردف بهدوء وثبات ودفاع جندي نادمٍ على خذلانه لوطنه ريتان:
– عارف يا بابا. عملت اللي كان لازم أعمله من سنين لولا إني سمعت كلامك. سمعت كلامك ونفذت رغبتك وقولت لنفسي مينفعش أخرج عن طوع والدي حتى لو على حساب قلبي. وللحظة دي بدفع تمن سكوتي يا بابا. فضلتكوا عليها واختارت عليتني واتخليت عنها والنتيجة إيه؟ أنا وهي وابني بس اللي بندفع التمن. ف لو سمحت متقولش أي حاجة لأن اللي جوايا كتييير أوى وأنا مش حابب نزعل مع بعض.
وقف ينظر بحزن وعتب لمراد الذي يحني رأسه خجلاً ثم نظر للجميع وأردف بقوة اتخذها من حبها وامتلاكها:
– ريتان بقت مراتي شرعاً وقانوناً. ومها من النهاردة برا حياتي. لو العيلة هتتقبل وجودها وتحترمها وتعاملها أحسن معاملة يبقى أنا هبدأ أوضب جناحي علشان تنوره. ولو فرد واحد هنا مش هيقبل وجودها وهيحاول يجرحها بأقل كلمة يبقى أنا هاخدها وهاخد ابني ونطلع من القصر. ولو عليها أنا متأكد أنها هتبقى كويسة جداً مع الصغير قبل الكبير هنا. عن إذنكوا.
تحرك للخارج وتركهم والجميع ينظرون لبعضهم بسعادة حيث أخيراً حقق حمزة ما يتمناه منذ زمن. جميعهم يعلمون ما عناه وما يعيشه مع مها أبو الدهب المتكبرة لذلك فالكل سعيد.
أما سالم فزفر يفكر. برغم ما مر به طوال السنوات إلا أنه ما زال يقتنع بالطبقيات والمستويات. يبدو أن الطبع يفارق الجسد بعد الروح. ولكن عليه ان يعيد جميع حساباته. فابنه الأكبر تضاعفت قوته بعدما أعاد الشركة إلى عهدها وبعد أن أسقطها شريكه بمساعدته. تضاعفت قوته من شدة الضغط عليه لسنوات. عليه أن يضمن وجوده بجواره ويرضخ تلك المرة لرغبته وإلا خسره.
أما حمزة فاستقل سيارته وقرر الذهاب لشقيقته سناء ليخبرها بما حدث بنفسه.
***
استيقظت ريتان منذ ساعة ولكنها لم تبرح مكانها. حيث عينيها مسلطة على سقف الغرفة وجسدها كما هو ثابت تفكر بتعجب وسعادة. لأول مرة تشعر بالسلام النفسي. روحها مستقرة برغم الصعوبات التي تعلم أنها ستواجهها. نعم مجروحة منه وبشدة وستبوح بكل ما تحبسه منذ سنوات ولكنها سعيدة.
نظرته ولهفته ومجيئه من دولة إلى دولة يلهث هكذا كل تلك التفاصيل تسعدها وتدغدغ مشاعرها.
عناقه الحنون لها أمس وكأنه يطمئن روحها. عيناه التي نظرت لها بلمعة تعكس لمعة نظرتها له.
زفرت بقوة تهدئ نبضات قلبها المتسارعة ثم قررت القيام وبدأ يومها الأول في السعادة.
***
أما مراد فيجلس في غرفته بجوار كاري التي ترضع صغيرها بحنو.
يجلس شارداً فرأته فتنهد بحزن. تحمل الذنب معه فهي من أخبرته أن لا يبلغ أحد.
مدت يدها تربت على يده بحنو مردفة:
– مراد؟ حبيبي أنا اسفة بجد. أنا السبب.
طالعها يتنهد بقوة ثم سحب يده واعتدل يردف بندم:
– لاء يا كاري. مش إنتِ السبب. إنتِ كنتِ مخلصة لصاحبة عمرك. بس أنا اللي مكنتش مخلص لأخويا. كان مفروض موعدكيش. ياريتني ما قولتلك تحكيلي حاجة.
تنهدت بقوة وأردفت بثقة:
– متقلقش. الحاجة الوحيدة اللي هتخلي حمزة يسامحك إن ريتان بقت مراته. إصبر بس لما تيجي القصر هنا وأنا وهى هنحل الموضوع. وبعدين حمزة طيب ومش بيزعل منكوا خالص.
زفر يومئ بشرود. نعم هو كذلك. دائماً يميزهم ويفضل سعادتهم وهذا ما يؤلمه. كاد أن يتسبب في خسارة شقيقه العظمى.
***
أتى المساء ولم يستطع حمزة الوصول إلى مها. هاتفها مغلق حتى أنه تواصل مع الفندق البلجيكي يسأل عنها فأخبروه أنها غادرت منذ ليلة أمس بعدما دفعت ثمن ما أفسدته في الغرفة.
إنتابه القلق من رد فعلها وضربتها التي يتوقع من أين ستأتيه وعليه أن يصدها قبل أن تطول أحد. مطمئن من جهة ريتان ولكن جهتان آخران قلق من ناحيتهما.
لذلك قرر الذهاب إلى زوجته ليطمئن قليلاً. حتى الكلمة لها مذاق آخر على لسانه. طعمٍ آخر للسعادة.
داخله قلق لذلك سيذهب إليها. فوجودها أصبح مركز قوته. وآخيراً ليتعاتبا.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل العشرون 20 - بقلم اية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
و&;ل&;ق&;د&; ن&;ع&;ل&;م&; أن&;ك&; ي&;ض&;يق&; ص&;د&;ر&;ك&; ب&;م&;ا ي&;ق&;ول&;ون ف&;س&;ب&;ح&; ب&;ح&;م&;د&; ر&;ب&;ك&; وك&;ن م&;ن&; الس&;اج&;د&;ين&; وا&;ع&;ب&;د ر&;ب&;&;ك&; ح&;ت&;ى ي&;أ&;ت&;ي&;ك&; الي&;ق&;ين&; .
البارت العشرون من رواية 💔 للقلب اخطاء لا تغتفر 💔
بقلم آية العربي
قراءة ممتعة
قد يكون دواء هذا الخراب حــ.ضنك
&;-&;-&;
أتى المساء ولم يستطع حمزة الوصول إلى مها &;&; هاتفها مغلق حتى أنه تواصل مع الفندق البلجيكي يسأل عنها فأخبروه أنها غادرت منذ ليلة أمس بعدما دفعت ثمن ما أفسدته في الغرفة .
إنتابه القلق من رد فعلها وضربتها التى يتوقع من أين ستأتيه وعليه أن يصدها قبل أن تطول أحد &;&;&; مطمئن من جهة ريتان ولكن جهتان آخران قلق من ناحيتهما .
لذلك قرر الذهاب إلى زو جته ليطمئن قليلا&; &;&;&; حتى الكلمة لها مذاق آخر على لسانه &;&;&; طعم&; آخر للسعادة .
داخله قلق لذلك ذهب إليها &;&;&; فوجودها أصبح مركز قوته .
&;-&;-&;
في منزل حمدى
تجلس ريتان في الصالة على أريكة صغيرة مكنمشة عليها شاردة ت&;فكر للمرة المليون في ما ح&;دث وكيف أصبحت زو جته وكيف خطط القدر لذلك بعدما كانت تظن لقائهما مستحيل &;&;&; تخشى إعلان تلك الفرحة المخبأة داخــ.لها الآن &;&; لم يحن الوقت بعد &;&;&; هناك الكثير للبوح به من كلاهما &;&;&; هناك أسئلة لديها يجب أن تجد إجابتها عنده .
رن&; چرس المنزل فتعجبت &;&;&; أردفت جميلة بعلو :
&; ريتان إفتحى لباباكى يمكن شايل حاجات ومش عارف يفتح .
وقفت تتجه إلى الباب &;&;&; مدت يــ.دها تدير مقبضه وتفتح تظن أنها سترى والدها لذلك كانت تبتسم .
تصنم جــ.سدها وهى تراه أمامها بعيون مرهقة متعطشة للحنان &;&;&; أتى إليها بعدما ضاقت سبله &;&;&; أتى ليحصل على راحته &;&;&; أردفت بهمــ.س متعجبة :
&; حمزة &;
دلف يلقى بجــ.سده بين ذرا عيها فجأة ودون أي مقدمات &;&;&;&; كصبي&; مذنب يعرف كيف ي&;ه&;دئ من حدة والدته بعدما أغضبها &;&;&; تنهد بقوة كمن كان يركض من شبح&; يطارده ووصل إلى جنته آخيرا&; بسلام .
أما هى فحتى النفس توقف لثوانى تستوعب ما يحدث &;&;&; هل حقا&; يعانــ.قها !&;&;&; هل يمكث بين ذرا عيها الآن !&;&;&; ما تلك المشاعر الجديدة والغريبة التى تجتاحها ومن أين أتت تلك الفراشات التى تتراقص أســ.فل معــ.دتها مجددا&; &;.
آخيرا&; التقطت نفسا&; عميقا&; تستعيد به ثباتها وتحركت يــ.ديها تحاول إبعاده عنها مردفة بتحشــ.رج من إثر ما أصابها من مشاعر :
&; حمزة إنت بتعمل إيه بس .
أبتعد عنها مرغما&; يطالعها بعيون مرهقة &;&;&; عيون عكست سنوات تعب&; واشتياق &;&;&; ظل يطالعها بصمت إلى الآن لا يصدق أنها أصبحت ملكه &;&;&; إلى الآن لا يستوعب أن أسمها مقيد بإسمه .
أتت جميلة من خلفها وأردفت متعجبة :
&; حمزة &; &;&; خير يا بنى &; &;&; إتفضل .
دلف حمزة يرحب بها بينما أغلقت ريتان الباب وتبعته لتعلم ما أمره &;&;&; أردف بحرج :
&; أنا أسف يا خالة جميلة بس جيت أتكلم شوية مع ريتان بعد أذنك .
أومأت بتفهم وأردفت بود بعدما رأت حالته :
&; اه طبعا&; يا حبيبي ومالو &;&;&; طيب تحبوا تدخلوا جوة تتكلموا براحتكوا &;
ﻧظر لريتان وترجاها بعــ.ينيه أن تسمعه فتنهدت وأردفت لوالدتها :
&; تمام يا ماما أنا وحمزة هنتكلم في أوضتى بعد أذنك .
أومأت جميلة واردفت بحنو :
&; ماشي يا ريتان أدخلوا يا حبيبتى وانا هعمل لحمزة فنجان قهوة .
نظرت له وأردفت بترقب :
&; إتفضل .
تبعها إلى غرفتها ودلف ودلفت هى وأغلقت الباب .
تطلع على الغرفة التى تحمل رائحتها وأغراضها وذكرياتها بحب وحنو &;&; أتجه يجلس على المقعد الجانبي واتجهت هى تجلس أمامه وتطالعه بتعجب منتظرة حديثه &;&; تحاول إبعاد تعجبها من وجوده أمامها في غرفتها الآن .
طالعها بشوق وسعادة برغم قلقه &;&; طالعها بأمل هى من ستحييه &;&;&; أبتلع لــ.عابه وأردف بنبرة معذبة :
كنت مخنوق ولقيت نفسي هنا &;&;&; حسيت إنى محتاجك جدا&; يا ريتان ..
تنهدت بعمق تعتصر عيــ.نيها وتمــ.سح على وجهها ثم طالعته بقوة وأردفت بما تنوى قوله :
&; لو سمحت يا حمزة بلاش تتعامل مع جــ.وازنا على أنه حقيقي &;&;&; جوازنا كان تحت ظروف وضغط لكن أنا لسة عند رأيي &;&;&; أنا مستحيل أوافق أربط نفسي بإنسان عنده بيت تانى &;&;&; مستحييل أكون سبب في خراب بيت تانى .
هز رأسه بقوة يردف بنفى :
&; وانا مستحيل أضيعك من أيدي تانى &;&;&; مش بعد ما لقيتك &;&; مستحيل أقبل إنك تبعدى عنى تانى &;&;&; خلاص إحنا إتجــ.وزنا وانتهى .
وقفت تطالعه بغضب وأردفت بحدة فلم تنتظر تلك الإجابة على حديثها :
&; مش بمزاجك &;&; هنطلق يا حمزة &;&; الأمور هتهدى وهنطلق وكل واحد يروح لحاله &;&;&; مستحيل هقبل بوضع زي ده &;&; مش أنا اللى أعيش مع راجل ليه زو جة وابن وأبنى سعادتى على حسابهم .
وقف هو الآخر يطالعها بغضب وغيرة تتآكله وهو يتخيل ما كانت ستفعله :
&; أومال إيه &;&;&; كنت&; هتروحي تتجــ.وزى واحد غيري &;&;&;&; كنت&; هتروحي ترمي نفسك في حضن واحد غيري لتانى مرة &;&;&;&; كنت&; هتنامى جنب حد تاااااني وتسلميه نفسك تااانى &; &;&; مش كفاية أوى المرة الأولى &;
رفعت كفيها تصم أذ نيها وتعتصر عينيها بقوة &;&;&; لا تحتمل ما تسمعه &;&;كانت تختبئ من تلك الحقيقة والآن أدركت بشاعة ما كانت ستفعله &;&;&; كيف كانت ستحتمل مجددا&; ما حدث معها قبل ذلك من غيره &;&;&;&; نعم أخطأت وكانت ستقطع روحها للمرة الثانية &;&; ولكن لحظة &;&;&;&; من يعاتبها &;&;&; أولم يفعل &; &;&; يأتى متز وجا&; من غيرها ويحاسبها &;
أنزلت ذرا عيها وعادت تنظر له بقوة وتهاجمه بنظراتها مردفة بنظرة حادة كرصاص&; يصيب قلبه :
&; وإنت &;&;&;&; بتحاسبنى بأمارة إيه &;&;&;&; مانت عايش 8 سنين حياتك عادي جدا&; مع مراتك &;&;&; عايش معاها حياة زو جية كاملة ومخلف منها &;&;&;&; بأي حق بتلومنى &;&;&;&; بأي حق &; &;&;&; أنا أستنيتك &;&;&; مسمعتكش بس أستنيتك تحل أمورك زي ما قولت &;&;&; كل لحظة وكل ثانية وكل دقيقة بتعدى من عمرى كنت بستنااااك &;&; بس إنت عملت إيه علشاانى &; &;&;&; قولي عملت إيه يثبتلي إنك بتحبنى &; &;&;&; ولا أي حاجة &;&; إنت عيشتنى في صراح مع نفسي يا حمزة &;&;&; أنا لا كنت قادرة أنساك ولا كنت قادرة أبعد ولا كنت عايزة أقرب علشان وابقى زو جة تانية &;&;&; أنا كنت عايزة وضع متناقض جوايا لحد دلوقتى مش عارفة هيحصل ازااااي &;&;&; بس أنا مش هتحمل وضع زي ده أبدا&; &;&;&; لسة لحد اللحظة دي إنت متجــ.وز &;&;&; علشان كدة هنطلق يا حمزة &;&;&; هتطلقي وتبعد عنى .
نعم فهى لن تحتمل &;&;&; لن تحتمل أن تشاركه مع غيرها &;&;&; لا ولم ولن تحتمل &;&;&; تبتعد أفضل لها من أن تشاركه .
أما هو فيطالعها ويهز رأ سه مردفا&; برفض&; وهدوء بعدما لاحظ وجعها :
&; وأنا مش هكمل حياتى الجاية إلا معاكى &;&;&; أنا وانت&; وابنى وبس &;&;&; مها ملهاش مكان بينا .
إعتصرت عيــ.نيها مجددا&; بقوة وابتلعت غصة حارقة كجمرة نار نزلت على صــ.درها فأحرقته &;&; تطلعت عليه مجددا&; وأردفت بلوم ك&;بت داخــ.لها لسنوات :
&; ملهاش مكان إزاااااي يا حمزة &; &;&;&; مش هى دي مها سيدة الأعمال اللى تليق بأبن سالم الجواد وتليق بإسمه &; &;&;&; مش دي مها اللى تليق تكون أم لأولاد حمزة الجواد &; &;&;&; مش دي مها اللى مناسبة ليك في كل شئ &;&;&; مش ده كلااااامك &;
صرخت في وجــ.ه&; بجملتها الأخيرة بقهر فإقترب منها ومد ذرا عيه يتمــ.سك بكتفيها ويردف بأسف :
&; قولي كل اللى جواكى &;&;&; طلعى كل اللى كتماه من سنين وهسمعه وهاخده منك وارميه بعيد ومش هسيبه يوجعك تانى &;&;&; صرخى وفضفضي واعملى اللى إنت&; عيزاه وخدى حقك منى بس متبعديش عنى تانى &;&;&; أنا نفسي جدا&; أعيش معاكى الحب اللى بدور عليه من سنين &;&;&; هعوضك عن كل لحظة وجع عشتيها طول السنين اللى فاتت &;&;&; هعوضك عن اللى شوفتيه من الحقير اللى إسمه ناصف &;&; وهجيب الكلب اللى أسمه كريم وهندمه على اللحظة اللى فكر يخدعك فيها &;&; هانت &;&;&; صدقيني هانت وهخلص من المطبات اللى في حياتنا &;&;&; مع إنى بتمنى أخدك حالا على بيتي بس هصبر علشان أنا وانت&; نبدأ حياتنا مع بعض سوا &;&;&; إديني آخر فرصة يا ريتان &;&;&; علشان خاطر مروان وبعدها أوعدك إنى كلي ملكك .
طالعته بقوة وتعجب &;&;&; أبعدت يــ.ديه عنها وأردفت بقلق وترقب :
&; وعيلتك يا حمزة &; &;&;&; ووالدك &; &;&; طيب كلامك اللى مش راضي ينمحى من قلبي يا حمزة &; &;&;&; قولي حاجة واحدة تخليني إديك فرصة &;
مد يــ.ده يلتقط كفها ووضعه على يساره النابض بعنف يردف بنبرة مؤثرة :
&; أسمعى قلبي يا ريتان &;&; شوفي فرحان إزاي &;&;&; الفرحة دي أنا محروم منها من يوم ما إتجــ.وزتى من الواطى اللى إسمه ناصف &;&;&; روحتى يا ريتان واخدتيها معاكى ..
نظر لها بعيون لامعة وتابع وقد أصبح قلبها هو الأخر يدق بعنف وجــ.سدها يرتعش :
&; اليوم اللى سمعتى فيه كلامى ده مكانش كلامى &;&; أنا كنت بردد كلام اتقالي وبحاول أقنع قلبي وعقلي بيه &;&;&; مع إنى كنت بحبك بس كذبت إحساسي &;&;&; كتمت مشاعرى جوايا علشان أرضى والدى اللى كان شايف إن جوازى من مها هو أنسب حل للعيلة كلها .
إتجوزتى وبعدتى وأنا حياتى وقفت وكنت هفسخ خطوبتى على مها بس لتانى مرة أختار مصلحة عيلتى على نفسي &;&; إتجوزت جواز تقليدي مافيهوش أي مشاعر &;&; حاولت أدي لنفسى فرصة إنى أتقبلها في حياتى بس ملقتش عندى ذرة تقبل ليها &;&;&; والأسوء أن أفعالها وتكبرها بعدوني عنها أكتر &;&;&; بس كنت مضطر أتعامل معاها قدام ربنا على إنها زو جتى &;&; حملت في مروان مع إننا إتفقنا قبل الجواز متحملش دلوقتى لأن كان ليها أهداف تانية بعيدة تماما&; عن تكوين أسرة &;&;&; يومها حصل بينا مشكلة كبيرة لإن ده كان طلبها من الأول &;&; يعنى إيه تجيب طفل مش هتتحمل مسئوليته &;&;&; بس عرفت السبب .
نظر في عينيها بقوة يستعد لقولها بهدوء وحنو ويتابع :
&; لما عرفت أن عندك مشكلة في الحمل حملت .
طالعته بصدمة وألم &;&; إذا&; يعلم &;&;&; ومنذ زمن &;
ولكنه تابع يكمل مسرعا&; حتى لا يدعها تتألم :
&; لما لقيتها عملت كدة وشوفت كمية الحقد اللى عندها ولما عرفت أنها عارفة بحبنا من زمان نهيت كل حاجة معاها يا ريتان &;&; نهيت أي رابط بينا وكنت هنهى جوا زى منها لولا حملها ..
كانت تستمع له بذهول وتفاجؤ وهو يتابع :
بعد ما ولدت مروان بشوية وبعد ما بقى عنده شهور ولقيت إنه يقدر يبعد عنها أتفقنا على الطلاق خلاص .
زفر بضيق يشعر بالإختناق كلما تذكر ما مر به واسترسل :
&; بس فجأة أبوها إتقبض عليه بعد ما كان بيحاول يدخل شحنة مشبوهة لحسابه &;&;&; وقتها وفي لحظة وقعت كل أسهمهم وهو إتسجن وحتى أسهم شركتنا أضررت بسبب شراكته &;&;&; وقع ونقلوه على المستشفى وطلبنى أروحله وقبل ما يموت قدام عيني لقيته بيوصيني عليها &;&; بيطلب منى أنا مسبهاش وهي في الحالة دي &;&;&; عايزنى أفضل جنبها لحد ما تقدر تقف على رجــ.ليها تانى &;&; ومات بعدها .
زفر بقوة يتذكر بشرود وهى تستمع إليه بإنتباه وعيون لامعة وهو يتابع :
&; بعد ما كنت ناوى أطلقها &;&; لقيت نفسي وضميري رفضوا &;&;&; أبوها مات وخسروا فلوسهم كلها وأمها أسوء منها ومافيش مخلوق رضي يقف جنبهم والمافيا أكيد هيطالبوها هي بتعويض خسارتهم &;&;&; هاجى أنا كمان وأطلقها &; &;&;&; طب إزاي &;&;&;&; حتى لو على حساب كل ساعدتى &;&; مقبلتش &;&;&; مقبلتش أطلقها يا ريتان &;&;&; فضلت على زمتى بالإسم وبس &;&; عاشت في بيتنا وفي الأوضة اللى إتجــ.وزتها فيها وأنا كنت عايش مع أبنى بعيد عنها تماما&; &;&; لحد ما قدرت أنا وأخواتى نتجاوز الخسارة ونرفع أسهم شركتنا تانى وهى بدأت تاخد دعم من إسمنا وتعمل صفقات وتخسر وندعمها وتقف تانى &;&;&; لحد اللحظة دي &;&;&; آخر صفقة كانت محتاجة دعمنا فيها هى اللى أنا سافرت أخلصهالها علشان أرجعلك &;&;&; كنت ماشي معاها باللين علشان تتنازل بهدوء عن حضانة مروان وعن الأسهم &;&;&; كنت عارف إنها خبيثة ومتتأمنش بس من خمس سنين مشوفتش منها خبث أو مؤامرات &;&; حتى أي صفقة كانت بتاخدها كنت بتأكد منها بنفسي &;&;&; علشان كدة صدقتها &;&; سافرت علشان أنهى حياتى معاها وأبدأ حياتى معاكى وأنا مطلقها &;&; علشان كدة سافرت وعينت حد يحرسك ويراقبك في نفس الوقت &;&;&; لولا كدة كنت خسرت مرة تانية &;&; أي كلمة كانت هتتقال عنك كانت هتدبــ.حنى لأنى كنت هبقى سبب فيها ولإنك حياتى كلها &;&; بس لحد دلوقتى مش عارف إنت&; ازاااي توافقى بكريم ده &; &;&; إزاااي يا ريتان &; .
كانت عينيها مليئة بالدموع &;&;&; إستمعت لكل ما قاله وللمرة الثانية تشعر بالطعنة التى شقت صــ.درها &;&; كيف تخبره بالسبب الرئيسي لموافقتها على هذا المخادع &;&;&; أتخبره بحديث شقيقتها القاتل لها &; &;&;&; لذلك نظرت له بحسرة وألم وأردفت :
&; يعنى عايز تقول إن تسع سنين من عمرى بتعذب وبتــ.حرق من جوايا وبموت في اليوم أااااالف مرة على غلطات مش مقصودة &; ..
طالعها بصمت ونكس رأ سه يستمع وهى تتابع بألم :
&; أعرف منين أنا كل ده &; &;&; كل مرة بتيجي تتكلم معايا وبصدك لأن إنت اتجوزت وبقى معاك طفل &;&;&; أيوة حاولت كتير تتكلم بس مكنتش بقدر أسمعك &;&; إنت عارف أنا عشت إييييه &; &;&; عذابك كله ميجيش نقطة في بحر عذابي يا حمزة .
إقتربت منه ورفعت عيــ.نيها الرمادية تتعمق في عيــ.نيه السوداء مردفة بحرقة :
&; أنا وعيت على حبك إنت &;&;&; نسيت إنى بنت السواق ونسيت إنك إبن سالم بيه وحبيتك &;&; حبيتك إنت من بين كل اللى حواليا لإنك كنت حنين معايا &;&; لإن كلامك كان مختلف &;&; لإن نظرتك ليا كان فيها آمان &;&; رسمت أحلامى ومفكرتش في العواقب لأنى إتعشمت فيك إنك مختلف &;&;&; كنت مستعدة أديك قطعة من روحى يا حمزة وكنت مستحيل أقبل كلمة واحدة سيئة من أي حد تتقال في حقك &;&; كنت شيفاك مثالي أوووى وممكن تتخطى حاجز الطبقات &;&;&; حبيتك بجد وحبك ده هو سبب ضعفى وحيرتى وسبب عذابي كله .
نظر لها بخزى وعجز لســ.انه عن الرد &;&; أعضاء جــ.سده متصلبة إلا قلبه نابض&; بقوة ويستمع لنبرتها المتألمة وهى تتابع بدموع :
&; عارف أنا حصلى إيه لما خطبت واحدة تانية &; &;&; أنا أنغرز في قلبي سكينة &;&; مع إنك مقولتليش أي كلمة ولا أي وعد &;&;&; بس أنا أحلامى كلها إنهارت ووقعت على روحي &;&; ورجعوا أدونى مسكن وقالوا إنك مش بتحبها وإن ده حكم عيلتك &;&;&; قولت لنفسي طيب وفين إرادته &; &;&; فين قوته &; &;&;&; سألت نفسي معقول يكون بيحبنى علشان كدة مش بيحبها &; &;&;&; معقول يكون بيفكر فيا وهيقدر ياخد موقف وخطوبته دى هتفوقه وينهيها &; .
زفرت بقوة ثم تابعت بقهر :
&; مشيت بالمسكن وقولت أشوف يمكن الوجع يخف &;&;&; بس لاااء &;&; أخدت الطعنة الأقوى وسمعت كلامك وانت بتقول لسناء إنى مش مناسبة لوضعك ومكانتك ولا ينفع أكون أم لأولادك &;&;&; أنا عارفة إن فيه فرق كبيير بينا &;&; بس مش مناسبة أكون زو جتك وأم لأولاااادك &;.
قالتها بقهر ثم إعتصرت عينيها بألم تتذكر ما حدث كأنه أمس &;&; أخرجت آهات متألمة أمامه وهو يستمع إلى معاناتها بقبضة&; قوية&; تعتصر قلبه .
تابعت وهى تطالعه وتهز رأ سها :
&; عارف كمية الوجع اللى حسيت بيها &; &;&;&; عارف لو كنت قتلتنى وقتها كان أرحملي من إحساسي يا حمزة &;&;&; وعلى أد وجعنى كان قرارى &;&; فضلت إنى أرمى نفسي في حــ.ضن واحد معرفهوش كويس بس غنى علشان أثبتلك إنك غلطان وإنى ينفع أكون زو جة وأم لواحد زيك &;&;&; قررت في لحظة إنى أوافق على ناصف علشان أبعتلك رسالة رد على كلامك .
كل اللى جه بعد كدة بقى مبقاش يأثر فيا &;&;&; خلاص قلبي ومشاعري ماااااتوا &;&;&; جوازك وحمل مراتك وجواز كاريمان من أخوك وتصميمه عليها &;&; كل دى كانت زي صدمات لواحدة ميتة أصلا&; &;&;&; أنا الضربة اللى مموتتنيش مقوتنيش يا حمزة &;&; أنا أخدت كذا ضربة لحد ما حيلي أتهدت &;&;&; أنا وافقت على كريم تانى لما لقيته هيبعد عن البلد &;&; كنت عايزة إبعد عنك &;&; قولت يمكن أنساك &;&;&; قولت يمكن عيني لما تبطل تشوفك قلبي يبطل يحبك &;&;&; كنت عايزة أطفى النار اللى في قلبي دي بأي طريقة حتى لو إيه بس مبقتش متحملة &;&;&; كلام اللى حواليا وسؤال مراتك عنى ووعودك اللى مش بتتحقق &;&; كل دول اتجمعوا وأجبرونى أوافق على كريم .
هزت رأ سها تطالعه بقوة مردفة بترقب ودموع :
&; هتعوضنى إزاااي يا حمزة &; &;&;&; هتقدر تنسيني اللى عيشته إزااااي &;&;&; هتعرف ترجع لقلبي الحياة تانى &; &;&; هتعرف يا حمزة &;
هز رأسه وخرج صوته متحشرجا&; يردف بضيق وألم على ما عاشته وكم الوجع الذي رأته :
&; هعرف &;&;&; أنا بس كنت عايز وجودك جنبي علشان أعوضك &;&;&; هعمل أي حاجة وكل حاجة علشانك &;&;&; بس اديني فرصة .
إبتلع م&;رارة حلــ.قه وتابع بقلب&; متألم&; لدموعها :
&; أنا من صغرى يا ريتان إتربيت على طاعة أهلى &;&;&; إتربيت على قوة والدى وحكمه اللى مافيش حد يعارضه عليه لأنه دايما&; صح في كل حاجة &;&;&; أنا إترسخ في عقلي إن التكافؤ المادى أهم حاجة وسط المجتمع بتاعنا &;&;&; قلبي ده مكنتش بشغله أبدا&; &;&;&; كنت كل ما أحس إحساس نحيتك أكذبه &;&; كل ما يجيلي إحساس ولو صغير عقلي يرفض يصدقه واقنع نفسي بالأفكار اللى زرعوها جوايا من صغرى &;&;&; لحد ما إتجــ.وزتى &;&; أنا كمان حسيت إن قلبي وقف &;&;&; حسيت إن روحى حد نزعها منى &;&;&; ضيعت حاجة غالية أوووى من أيــ.دي .
وزيك بالضبط بقيت كل حاجة جت بعد كدة مكنتش بتأثر فيا &;&;&; سبت نفسي ليهم يحكموا بقى زي ما هما عايزين &;&;&; ما خلاص إنت&; ضيعتى منى ! &;&;&; مانا من الأول قبلت هاجى دلوقتى واعترض &; &;&;&; كملت حياتى زى ما المجتمع عايز بالضبط &;&;&; ودفعت حسابي بروحى وراحتى &;&; وموضوع مراد وكاريمان أنا اللى وقفت لوالدى وصممت يتممه مش معقول كنت هسيبه يعمل مع مراد زي ما عمل معايا &;&;&; أنا اللى سعيت لراحة الكل إلا راحتى &;&;&; بس بمجرد ما عرفت إن الكلب ده بيعاملك وحش حسيت بنار بتنهش فيا &;&;&; متحملتش نظرة خوفك لما قابلتك عن سناء يومها &;&;&; علشان كدة مرتحتش غير لما عرفت بشغله القذر زيه ومــ.سكت عليه دليل وهددته &;&;&; قلت له يبعد عن أختى وعيالها ويسافر من هنا &;&;&; وهددته بأهم شئ في حياتى كلها &;&;&; إنه يطلقك .
طالعته بصدمة وفرغ فاهها وهى تميل برأ سها مرددة من بين دموعها بعدم إستيعاب :
&; يعنى إنت اللى هددته يطلقنى &;
مد يــ.ده يحاوط كتفيها ويومئ مردفا&; بثقة وأمل وعشق :
&; أيوة &;&;&; اللى كان مقيدنى إنى كنت مفكرك مبسوطة في حياتك معاه &;&;&; إنما بعد ما شوفت خوفك منه مستحيل كنت هسيبك على ذمته دقيقة .
طالعته بعمق وتعجب لثوانى ثم أردفت متسائلة بتوتر وقلق وأنــ.فاسها بطيئة :
&; وتعرف إيه تانى عنى &;
رفع يــ.ده يحاوط وجــ.هها الچميل الذي يعشقه مردفا&; بثقة :
&; أعرف إنك حب عمرى كله اللى لقيته بعد عذاب واللى هكمل معاه ومستحيل أضيعه .
نزلت عبراتها فمد إبهاميه يزيلهن مردفا&; بثقة وتأكيد :
&; هتبقى أم عيالي يا ريتان &;&; أنا متأكد إنك هتبقى أم عيالى زي ما بقيتي أم مروان &;&;&; بعد ما حصلت المعجزة دي وربنا جمعنى بيكي مافيش أي حاجة تانية صعبة &;&;&; هيحصل وأنا متأكد ولو محصلش يبقى هتكونى إنت&; بنتى ومش محتاج غيرك إنت&; ومروان في حياتى &;&;&; المهم عندى إنى أعوضك .
أردفت متسفهمة وبدأت الراحة تتوغلها شيئا&; فشيئأ&; بعدما أفرغت كل ما تكبته لسنوات :
يعنى إنت كنت عارف بموضوع الحمل من الأول &;
أومأ يردف بحب :
&; عارف وبحبك .
زفرت بتنهيدة حارة وحاولت إبعاد وجــ.هها وأردفت بصوت متحشرج وخوف :
شوفت ! &;&; كنت قولت إن مينفعش أكون أم لأولاد حمزة الجواد &;&; وواضح إن ده هيحصل فعلا&; .
هز رأسه يردف بندم يمزق روحه وثقة :
هتبقى أم أولادى &;&; أنا كنت بقولها وقلبي بيصرخ عكس كدة بس كان صوته مكتوم مسمعتوش &;&;&; إتأكد إنك أعظم أم &;&; علشان كدة جبتلك مروان &;&; مروان كان محتاج أوى لحنيتك &;&; كنت عايز أقربه منك إنت&; ويتعلم على إيــ.ديكي إنت&; &;&;&; علشان خاطر مروان يا ريتان إديني فرصة &;&; لا أنا هلاقي راحتى من غيرك ولا إنت&; هتلاقي راحتك من غيري &;&; خلينا نحاول وأوعدك لو مقدرتش أعوضك ساعتها هعملك اللى إنت&; عايزاه &;&;&; ومها هتظهر وأطلقها ولو مظهرتش هطلقها غيابي في أسرع وقت بس تتنازل لي عن حضانة إبنى من غير دوشة .
نظرت له بعمق &;&;&; عيــ.نيه تترجاها &;&; يــ.ديه تحاوط كتــ.فيها ينتظر حديثها متلهفا&; .
عاد قلبها يعلن عصيانه عن ما نوت عليه قبل مجيئه لتعيد ربيعه آخيرا&; وتسترسل قائلة بتنهيدة قوية وسعادة تتوغل إليها شيئا&; فشيئأ&; :
&; تمام يا حمزة &;&;&; أنا معاك وهدى لنفسي وليك فرصة جديدة .
تمعن في عيــ.نيها بقوة يتأكد فتنفست بقوة وأومأت له تبتسم بهدوء وعيون لامعة من أثر البكاء .
أسرع مجددا&; اليها يسحبها الى صــ.دره ويضــ.مها بقوة حنونة وسعادة &;&;&; أدخــ.لها كليا بين ذرا عيه واحتــ.واها بفرحة بلغت عنان السماء وهو يردد :
بحبك &;&; بحبك وعمرى ما حبيت غيرك &;&; هعوضك &;&; وحيات ريتان في قلبي هعوضك عن كل ثانية وجع عيشتيها ..
أستكانت &;&; نعم أستكانت وهل بعد ما عاشت هذا الشعور أتبتعد &; &;&; أتبعده &; &;&; مشاعر متخبطة تضرب جــ.سدها الضئيل الغارق بين ذرا عيه وجــ.سده &;&; مشاعر حب ولهفة وآمان وراحة وعتاب وجرح كلها تجمعت لتظل حبيسة يــ.داه إلى دقائق لا يعلما عددها .
إبتعد عنها بعد فترة ولكن لم يحل وثاقه بل يلف ذرا عيه حول خــ.صرها بتملك &;&; كانت خافضة رأ سها للأسفل بخجل وقلبها يقرع داخل صــ.درها بقوة معلنا&; سعادته &;&;&; عيــ.نيها منكبة على يسار صــ.دره النابض بعــ.نف أيضا&; وهو يطالعها بشغف &;&;&; تنهد براحة يردف بنبرة حنونة عاشقة :
&; بصيلي يا ريتان .
لم تنظر إليه بل ظلت خجلة تنظر إلى قلبه بسعادة فتابع بصوت متحشرج من إثر المشاعر التى تتضخم في أوردته :
&; علشان خاطرى .
تنهدت بقوة ثم بدأت ترفع أنظارها إليه ببطء والتقت عيــ.نيها الرمادية بعينيه العاشقة &;&; لان جــ.سدها وهدأت أنــ.فاسها بعدما رأت عينه &;&;&; أبتسم لها وأردف بحالمية وأنكار للواقع :
&; قوليلي إنى مش بحلم &;&; قوليلي أنك ملكى وبين إيــ.ديا حقيقي .
كيف تخبره وهى بالأساس تشعر أنها نائمة ويراودها حلما&; جميلا&; تخشى أن تفيق منه &;&; لقد إعتادت فقط على الكوابيس &;&;&; تخشى أن تصدق ما تعيشه الآن فتسقط من فوق الغيوم كعادتها .
لمح نظرتها التائهة وعلم خوفها وحيرتها فعاد يعانــ.قها وأردف وقرب وجــ.هه بحنو من وجــ.هها واتجه ليهمــ.س بجانب أذ نها بنعومة وقلب&; متراقص :
&; غمضي عيونك واتخيلي أن أنا وانت&; لسة أول مرة نتقابل &;&; إتعرفت عليكي حالا&; وحبينا بعض واتقدمتلك واتجــ.وزنا &;&;&; وأنا وانت&; دلوقتى في بيت بعيد قاعدين قدام شاشة كبيرة بنتابع فيلم رومانسي &;&; أنا وانت&; وبس &;&;&; مافيش أي خوف ولا أي مشاكل ولا أي عقوبات &;&; هنخلص الفيلم وبعدها هندخل ننام في حــ.ضن بعض زى كل يوم .
أغمضت وسمحت لعقلها بتخيل تلك المشاهد التى عرضها عليها &;&; إبتسم ثغرها لا إراديا&; &;&; إبتعد بهدوء يطالع هيأتها التى أهلكت قلبه المعذب &;&;&; إبتسامتها آسرته &;&;&; تزاحمت مشاعر قوية بداخــ.له دفعته بأن يميل فجأة عليها وهى مغمضة ليتذوق هذا الثغر الم&;حرم عليه لسنوات &;&; تجمد جــ.سدها من فعلته وحجظت عيــ.نيها بصدمة بينما هو أغمض عيــ.نيه وتحول تذوقه إلى إلتهام&; شهي&; متقن بعدما أعجبه الطعم السكرى الم&;حلى &;&; كادت تبتعد بصدمة &;&; ليست على إستعداد لتجربة تلك المشاعر الآن ولكن خانــ.ها جــ.سدها الذى إستسلم لغزوه&; الممتع وخــ.انتها مشاعرها التى دائما&; كانت تتمناها ورفعت رايتها تاركا&; له كامل التحكم .
أما هو فلم يكتفي بعد بل أكمل ألتهامه ليهدئ جوعه الذى إجــ.تاحه لسنوات .
أبتعد مجبرا&; يلهث وأنــ.فاسه تلفح وجــ.هها بينما أنــ.فاسها متسارعة متعثرة كمن تركض وتسقط مرات&; عدة وما زالت تحت تأثير صدمتها من فعلته .
فتح عينه يطالعها بترقب ثم أبتسم على هيأتها ووجــ.هها الخجل وعيــ.نيها المغلقة وأهدابها التى تتراقص بتوتر .
أبتعد بحنو بعدما تملكته مشاعر حاول جاهدا&; التحكم فيها كى لا تنفلت منه ويحدث أمرا&; يتمناه ولكن يعلم أن الوقت والمكان ليس في صالحه &;&;&; ذلك المذاق الذي تذوقه لأول مرة يبدو أنه سيصبح إدمانه &;&;&; لذلك تحلى بالهدوء قائلا&; بعدما فتحت عيــ.نيها بخجل ووجــ.هها بتورد بشدة :
&; أنا لازم امشي يا ريتان &;&;&; بس صدقيني الليلة دى أجمل ليلة مرت عليا من ٣٦ سنة &;&;&; النهاردى ميلاد حياتى الحقيقية يا ريتا &;&;&; هرجع أخدك يا حبيبتى &;&; إستنيني &;&;&; هضبط أمورى كلها وارجع أخدك &;&;&; بس قوليلي بتحبي لون إيه &;
تعجبت من سؤاله واجابت بهمــ.س وخجل ما زال يراودها :
&; ليه &;
أردف بحب وسعادة أعادته لصبيانيته :
&; قولي بس عاملك مفاجأة .
إبتسمت بهدوء وأردفت :
&; أبيض .
تنفس بقوة وراحة ثم أومأ مبتسما&; وتحرك يبتعد مضطرا&; وغادر وتركها تتطلع على أثره بقلب&; يضخ عشقا&; حبيسا&; لسنوات وهى تتحــ.سس بأصــ.ابعها شفــ.تيها بخجل وتفكر في قبلته &;&;&; فاجأها بمشاعر إندفعت الى جــ.سدها دون إنذار ولم تستعد هي لها &;&;&; ولكن تلك المشاعر جديدة &;&;&; مشاعر ممزوجة بالعشق والراحة والتعجب والمتعة &;&;&; .
أما هو فنزل الدرج يقفز بسعادة مستجدة جعلته يصغير لسنوات ليعود مراهقا&;.
إستقل سيارته وزفر بقوة ثم تذكر قبــ.لته لها وتذوقها اللذيذ فضحك بسعادة وأشرق وجه&; وانطلق يقود إلى القصر ليعود إلى صغيره وليرى ماذا سيفعل مع تلك الأفعى .