تحميل رواية «للقلب أخطاء لا تغتفر» PDF
بقلم اية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
نسجت محبتي وعشقي لك بعناية كبساط متين غزلته بسكينتي. فجاء طوفان غدرك ونقض عقدة النهاية فأحله وجعله خيوطاً هاوية. في تلك المدرسة الخاصة، وفي أحد صفوفها وتحديداً الصف الأول، تقف هي بملامحها الجميلة التي تشبحت بالحزن والسكون. فلم تعد تسمع قهقهاتها البريئة، وباتت فقط تبتسم لأجل هؤلاء الصغار. تقف أمام سبورتها السوداء كقلوب عاشرتها. تخط بعض الكلمات بالطباشير الأبيض الذي ينحت من صلابته ويتآكل ليظهر كلمات كُتبت بقلب ممزق على هذا اللوح الفحمي. فبرغم التقدم التكنولوجي القائم في المدرسة، إلا أنها لا تحبذ ا...
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الأول 1 - بقلم اية العربي
نسجت محبتي وعشقي لك بعناية كبساط متين غزلته بسكينتي. فجاء طوفان غدرك ونقض عقدة النهاية فأحله وجعله خيوطاً هاوية.
في تلك المدرسة الخاصة، وفي أحد صفوفها وتحديداً الصف الأول، تقف هي بملامحها الجميلة التي تشبحت بالحزن والسكون. فلم تعد تسمع قهقهاتها البريئة، وباتت فقط تبتسم لأجل هؤلاء الصغار.
تقف أمام سبورتها السوداء كقلوب عاشرتها. تخط بعض الكلمات بالطباشير الأبيض الذي ينحت من صلابته ويتآكل ليظهر كلمات كُتبت بقلب ممزق على هذا اللوح الفحمي. فبرغم التقدم التكنولوجي القائم في المدرسة، إلا أنها لا تحبذ استخدام شاشات التعليم الإلكترونية. وتشرح مع كل كلمة تخطها معناها، وخلفها الأطفال الذين يعشقونها ويستمعون لها بحب. ولما لا وهي تتسم بالحنان واللين والنعومة برغم كل ما مرت به.
التفتت تطالعهم جميعاً، وها هي للمرة التي لا تعلم عددها تلتقي عيناها بهذا الطفل الوسيم الذي يجلس في المقعد الأمامي ويبتسم لها. للمرة المليون أو أكثر ترى نفس النظرة في عيناه، نفس الملامح الوسيمة ولكنها أكثر براءة على عكس شبيهتها المستذئبة. وحتى الابتسامة هي نفسها، حيث يميل بجانب فمه محدثاً فوضى عارمة داخلها.
في كل مرة ينظر لها ويبتسم، تقسم أن قلبها الخائن ما زال ينبض باسم والده. تنهدت بعمق وحاولت إبعاد نظرها عنه، إلا أن هذا الصغير لم يرأف بقلبها حيث أردف ببراءة يتساءل عن إحدى كلمات القصة الكرتونية التي لم توضح معناها.
"يعني إيه خذلها يا مس ريتان؟"
أغمضت عيناها وأعادت التنهيدة بشكل أقوى، ثم طالعته بعيون تلمعت وحاولت التحدث بتروي قائلة: "يعني مثلاً زي ما أنا أكون بحبك جداً وزمايلك كلهم عارفين إني بحبك وأقولهم إن مروان شاطر جداً وعمره ما يزعلني. وفجأة أنت تيجي اليوم الثاني ما عملتش الهوم ورك... وقتها تفتكر أنا هحس بإيه؟ خصوصاً إني مدحتك قدام الكلاس روم كله؟"
تبدلت ملامح الطفل ببراءة ووقف يردف مؤكداً: "بس أنا عمري ما أعمل كده يا ميس... أنا بحبك وعمري ما أزعلك مني أبداً."
طالعته بعمق لثوانٍ وعُقد لسانها. أصبحت أنفاسها ثقيلة، لذلك لم تستطع إكمال حصتها فقالت قبل أن تغادر الصف: "هناخد بريك."
قالتها وتركت الأطفال مع المساعدة التي تعمل معها، واندفعت للخارج لتهدأ قليلاً وتعود أقوى.
في شقة بسمة، شقيقة ريتان، تجلس مع والدتها حياة التي أتت لزيارتها للتو لترى حفيدها التي تشتاق إليه.
بينما تردف بسمة بتسلط: "أنا مبقتش عايزة أجلكوا تاني يا ماما... أنا عايزة أفضل قاعدة في بيتي واللي عايزني يجيلي."
تنهدت حياة مردفة بتروي: "يعني ينفع كده يا بسمة؟ ينفع عمايلك إنتي وأختك دي؟ إنتوا أختين يا بنتي مش كتير على بعض. وبصراحة كل مرة تبقي إنتي اللي مزوداها. أختك بتحب ابنك وبتنصحك لأنها أكبر منك وفاهمة."
احتقن وجه بسمة ونظرت لوالدتها قائلة بتهكم وغطرسة: "أنا عارفة إنك هتقولي كده. إنتي شايفاني غلطانة وبابا شايفني غلطانة. وأجي أتكلم مع بهاء يقولي معلش أختك. وهي الملاك اللي مستحيل يغلط! يعني مافيش أبداً احتمال إنها ممكن تكون متعمدة تعمل كده علشان تقل مني قدامكوا؟"
هزت حياة رأسها تردف بثقة: "مستحيل طبعاً يا بسمة. أختك مستحيل تعمل كده. أختك يا بنتي ولا في دماغها أصلاً. كفاية عليها اللي هي فيه. كفاية يا حبيبتي نظرة الحزن اللي مبتفارقش عينيها. خليكي حنينة معاها يا بسمة وريحي قلبي وقلب أبوكي."
نظرت للبعيد تردف بلا مبالاة: "هي السبب في حزنها. وإلا حد كان ضربها على أيـ.ـدها؟ كل حاجة تمت بموافقتها يا ماما جاية ليه دلوقتي وبتشتكي؟ كل واحد مسؤول عن قراراته."
نظرت لوالدتها تتابع بفخر: "عندك أنا أهو. صحيح مكانش في دماغي تعليم وقولت أي كلية وخلاص. بس لما فكرت ارتبطت فكرت في الإنسان الصح اللي عارفة ومتأكدة إنه راجل وهيصون عشرتـ.ـي. وبعدين كل واحد بياخد اللي يستاهله."
طالعتها حياة بقلة حيلة ثم وقفت وتناولت حقيبتها تردف بحزن: "أنا همشي. سلمي على بهاء وابقي بوسـ.ـيلي ياسين لما يصحى."
تمسكت بيد والدتها تردف بتمسكن: "لأ يا ماما مش هتمشي زعلانة مني زي كل مرة بسبب ريتان. وبعدين يعني معقول ياسين موحشكيش؟"
زفرت حياة وجلست مجدداً ثم ابتسمت وأردفت: "وحشني أوي. أنا أصلاً جايه علشان أشوفه."
أومأت تردف: "تمام يا ست ماما. مهو أعز الولد ولد الولد برضه. وبعدين ماهو حفيدك الغالي الوحيد."
تنهدت حياة تومئ لها بهدوء وهي تفكر في أمر ابنتها الغالية ريتان وكيف تصلح بين الأختين. هي تعلم جيداً أن ابنتها الكبرى متفهمة والصغرى متمردة تقلب الموازين، ولذلك دائماً مقتنعة أن ريتان عليها الاحتمال.
في قصر سالم، تحديداً في إحدى أجنحة القصر التي تبدو كشقة صغيرة حيث بنى ليضمن خصوصية كل فرد من أولاده. في تخت مراد الذي استيقظ لتوه، لم يجد حبيبته بين ضلوعه كعادته. تفاجأ ورفع جسده قليلاً يبحث بعينيه عنها فوجدها جالسة متكورة على نفسها، تجلس على الأريكة الدافئة تحتضن الوسائد وتندمج مع هاتفها مبتسمة وجاهلة عن عينـ.ـاه التي تطالعها بحب.
أردف بنبرة حنونة: "يعني ينفع كده تسيب حبيبك وتقوم يا بطل؟"
رفعت أنظارها إليه تطالعه بابتسامة صباحية أشرقت يومه، ثم وضعت الهاتف جانباً ووقفت تتجه إليه وتدنو منه تقـ.ـبل شـ.ـفتيه بحب، ثم اعتدلت تردف: "صباح الخير يا مرادي."
مد يـ.ـده يسـ.ـحبها إليه بحنو ويمددها على الفراش مجدداً، ثم حاوطها بذراعه مردفاً بحب: "مش هتضحكي عليا يا كاري؟ ليه قومتي من جنبي؟ مش إحنا اتفقنا بليل إني مش هروح الشركة وهنـ.ـام سوا براحتنا؟ مش كنتِ زعلانة إني بمشي وإنتِ نايمة؟"
ابتسمت له ثم مدت يدها تتحـ.ـسس انتفاخ بطـ.ـنها اللذيذ مردفة بنعومة وهدوء: "أيوة حصل بس ابنك كان ليه رأي تاني. عمال يجري شمال ويمين ومعرفتش أنام. يرضيك كده!"
نظر لموضع حملها الثاني ثم نظر لمقلتيها يردف مبتسماً بسعادة: "كده بقى مقدرش أتكلم. إنتِ عارفة إن ميزو نقطة ضعـ.ـفي هو وبيري."
مدت يـ.ـدها تعبث بخـ.ـصلاته الغزيرة مردفة بحب ونعومة: "هنسـ.ـميه حمزة فعلاً؟ تفتكر عمو سالم ميزعلش؟"
تنهد وأردف بتروي: "بالعكس. وبعدين أنا عايز أفرح قلب أخويا اللي كان سبب في جوازي منك يا كاري. وأكيد لما أسمي ابني على اسمه هيفرح."
أومأت مؤيدة ثم حاولت القيام فثـ.ـبتها يطالعها بمكر مردفاً: "على فين؟ النهاردة مافيش قيام من حضـ.ـني."
ابتسمت له ثم أردفت بتروي وحنو: "طيب هقوم أنزِّل بيري لماما صفية واعتذر من آية لأني قفلت معاها فجأة. وارجعلك طول."
ضيق عيـ.ـناه يردف متسائلاً: "آية مين؟"
طالعته بتعجب مردفة: "معقول يا مراد نسيت؟ آية العربي كاتبة الروايات اللي اتعرفت عليها على الميديا. مش أنا حكيتلك عنها."
أومأ متذكراً ثم أردف وهو يستند على وسادته ويسـ.ـحبها إليه مجدداً كأنه لا يود تركها أبداً: "أيوة افتكرت. اللي إنتِ بتحبي روايتها صح؟"
أومأت تردف بحماس: "جداً. روايتها هادية والبطل دايماً حنين. بس فيه رواية جديدة واضح إن البطل عامل عاملة سودا." ثم نظرت له واسترسلت بفخر وهي ترفع رأسها بشموخ: "وعلى فكرة اسم البطلة كاري."
ابتسم يقـ.ـترب بوجه منها ثم أردف مدللاً: "أحلى كارى. والبطل؟ أكيد مراد صح؟"
ضحكت بخفة تطالعه بحب وتهز رأسها مردفة: "لأ. تقريباً اسمه نادر."
طالعها بتـ.ـملك وأردف بغيرة وحب: "نادر؟ ازااااي! لالا. كلميها حالا تغيره. بما إن اسم البطلة كارى يبقى لازم البطل مراد. معروفة يعني. اسم كارى مرتبط باسم مراد سواء حقيقة أو خيال."
ضحكت عليه ثم مالت تعانـ.ـقه وتشدد من ضـ.ـمها له مردفة بحب: "هقولها يا حبيبي. وبعدين هو في أحلى من اسم مراد. ده الاسم وصاحبه قاعدين في قلبي ومربعين."
ربت بحنو عليها ثم دني يقبـ.ـل جبـ.ـينها بحب ويردف داعياً: "ربنا يخليكي ليا إنتي وبيري وميزو اللي جاي في السكة ده."
بادلته تبتسم بنعـ.ـومة وحب مردفة: "ويخليك ليا يا حبيبي."
في جناح فريد، استيقظت شيرين من نومها تتحـ.ـسس مكان فريد فلم تجده. يبدو أنه غادر مبكراً ولم يوقظها كعادته.
التقطت هاتفها وهي تئن من حـ.ـملها في الشهور الوسطى وهاتفـ.ـته فأجاب وهو يقود مردفاً بحب: "صباح الخير يا شيري. عاملة إيه؟"
أردفت بعتاب وترقب: "نزلت ليه يا فريد من غير ما تصحيني؟ مش قولتلك صحيني نفطر سوا؟"
أردف بشرود وهو يقود: "معلش يا حبيبتي تتعوض لأني متأخرش على الشركة وكمان إنتِ كنتِ تعـ.ـبانة بليل وقولت أسيبك ترتاحي."
زفرت وأردفت وهي تفرك عيـ.ـناها: "تمام يا فيرو. ابقي طمنيني عليك ومتتأخرش يا فريد في الرجوع هستنا."
أغلقت معه وتنهدت بقوة تفكر. بدأت تتغير معاملة فريد لها منذ أن أصبحت حـ.ـامل. باردٌ قليلاً وأصبح لا يبالي بأمرها مثل السابق. ترى هل حدث هذا بسبب حـ.ـملها وإجهادها ونـ.ـومها معظم الوقتِ أم هناك سبب آخر؟
زفرت وقررت الترجل لتنزل إلى الأسفل كي تضيع الوقت قليلاً مع كاري وصفية.
مساءاً. في فيلا سناء، ذهب إليها حمزة ليخر.ج مكنونه معها كعادته بعد أن أوصل صغيره وانهى أعماله. رحبت به بحنو فهو الأقرب إليها من بين أشقائها بالرغم من أنها تحبهم جداً وكذلك هم.
جلست تطالعه بتمعن بينما هو التفت بانظاره يبحث عن توأمها مردفاً: "سليم وتقى فين يا نونا؟"
أشارت بيدها عبر الدرج تردف: "كل واحد في أوضته. بيحضروا دروس أون لاين."
أومأ متفهماً وشرد يتنهد بقوة. مدت يـ.ـدها تربت على كفه مردفة بحنو: "مالك يا حبيبي."
صمت لثوانٍ ثم أردف متألماً كأنه يحدث نفسه: "مُقيد يا سناء. كالعادة حاسس إن رجـ.ـليا الاتنين مكسورين مش عارف أتقدم خطوة واحدة. بطلبها من ربنا كل يوم. بترجاه يردهالي والمرة دي عمري ما هتخلى عنها تاني أبداً. بس واضح إن هيفضل الحبل ملفوف حوالين رقـ.ـبتي لحد ما تتـ.ـقطع. تعبت يا سناء تعبت."
أردفت بلهفة وحنو وهي تتقدم منه أكثر: "بعد الشر عنك يا حمزة. متقولش كده يا حبيبي. فكر في مروان مين هيعوضه عنك. فكر فيا أنا هعيش إزاي أنا وأولادي من غيرك. دا إنت أحن واحد عليهم. موضوعك محتاج صبر. أوعى تيأس هتتحل."
هز رأسه يردف متألماً: "ازااااي. سنين بحاول أحلها. معقول كل ده ولسه مدفعتش تمن أخطائي؟ أنا مبقتش عارف أتسلى عن الوجـ.ـع اللي جوايا. مش متخيل أصلاً الفرحة تجيلي. كأن الوجـ.ـع صاحبني وحلف ما يسيبني غير في النهاية."
نظرت إليه متـ.ـألمة من أجله. ليتها تستطيع مساعدته. يقدم للكل الحنو ويربت على قلوب من حوله ولا يستطع أن يربت على قلبه.
نظر لها متـ.ـعمقاً يردف بحـ.ـسرة: "لو بس تديني فرصة. لو تديني أمل واحد بس هيقويني. أمل واحد بس منها هيبقى هو سـ.ـلاحي."
أردفت سناء بتروي: "هي برضه غصب عنها يا حمزة. هي مختلفة وإنت حبيتها علشان هي مش زي غيرها. لو بصينا من وجهة نظرها هنلاقي معاها حق جداً. مش كل اللي حبوا طالوا يا حمزة. ورجالة كتير افترقوا عن أحبابهم وكملوا حياتهم عادي والحياة بتمشي."
هز رأسه يردف مستنكراً: "ممشيتش. واقفة يا سناء. حياتي واقفة. أيوة هي مختلفة في كل حاجة. حتى حبها مختلف. حتى عذااااب حبها حلو. مختلفة لدرجة إن ختمت على قلبي ملـ.ـكيتها."
أومأت متذكرة تردف لتهون على قلبه المعـ.ـذب: "كنت هنسى. مش أنا حلمت بيك؟ حلمت بيك إنت وريتان."
تنبه وطالعها متلهفاً يردف: "إزاي. احكيلي؟"
سحبت نفـ.ـساً قوياً وبدأت تسرد قائلة: "مش عارفة بس كنتوا معزومين عندي هنا. إنتوا الاتنين بس. وأنا فرحانة جداً إنكوا أخيراً اجتمعتوا. وكانت بتبصلك بحب وإنت ضحكتك كانت مالية الدنيا."
ابتسم يرسم عقله حلم شقيقته ثم أردف بتساؤل: "يعني كانت مبسوطة؟"
أومأت مؤكدة ثم تمـ.ـسكت بكفه تردف بأمل: "أنا حاسة إن الحلم هيبقى حقيقة قريب. بس إنت حاول يا حمزة. حاول تلاقي حل."
زفر بقوة يومئ ثم توقف قائلاً: "لازم أرجع ع الفيلا علشان مروان. خلي بالك من نفسك ولو احتجتي أي حاجة كلميني."
ابتسمت له تردف بحنو: "تسلم يا حبيبي. سلميلي على مارو كتير وبـ.ـوسهولي."
ودعها وتحرك للخارج يستقل سيارته ويرتدي قناع الثبات والجمود مجدداً ويغادر. هنا فقط يظهر ضعفه.
في جناح حمزة. يجلس مروان في غرفته وحيداً ينتظر والده الذي تأخر قليلاً. هذا الصغير الذي نعم بحنان الجميع وحبهم إلا تلك التي تقطن في الغرفة المجاورة والتي لا يعتاد عليها أبداً ولكنه تحرك بعفوية ليسألها عن والده.
طرق باب الغرفة فسمحت للطارق أن يدلف. لف المقبض وفتح بحذر يطالعها بتعجب حيث كانت تتابع أعمالها على اللاب توب الخاص بها مستندة على الفراش بعقل واهتمام مبالغ فيه لذلك الجهاز. حتى أنها لا تكلف نفسها الالتفات والنظر لهذا الصغير الذي يطالعها بترقب.
تقدم بخطوات متمهلة يردف ببراءة: "مامى؟ ممكن تكلمي بابي لأنه اتأخر؟"
لفت نظرها له للحظة ثم عادت تكمل ما تفعله مردفة بنبرة مفتقدة للحنان: "أوكي يا مروان روح على أوضتك وأنا هكلم بابي دلوقتي."
تحرك الصغير مسرعاً عائداً إلى غرفته بينما هي اندمجت في المحادثة التي كانت تجريها مع مستثمرين شركة أجنبية جديدة لتعقد معهم صفقة تضمها إلى قائمة صفقاتها متناسية تماماً مهاتفة حمزة كما طلب منها الصغير.
بعد نصف ساعة وصل حمزة إلى جناحه واتجه على الفور إلى غرفة صغيره الذي ينتظره ثم دني يعـ.ـانقه ويردف معتذراً: "حبيبي أنا أسف اتأخرت عليك؟"
بادله الصغير العـ.ـناق باشـ.ـتياق وتساءل ببراءة: "هي مامى كلمتك؟ أنا روحتلها وطلبت منها تكلمك لإني اتأخرت عليا."
تنهد بضيق ثم زفر يطالع صغيره بحنو وأردف: "حقك عليا يا مروان. أنا كنت عند عمتو سناء وهي بتسلم عليك جداً. وكمان طلبت مني اديك بـ.ـوسة كبيرة."
تبع كلامه بـ.ـقبلة عميقة يطبعها على وجـ.ـنته فضحك مروان يردف: "وشوفت سليم وتقى؟"
هز رأسه يردف بأسف: "لأ. كانوا نايمين. يلا احنا كمان نختار قصة حلوة نقرأها وننام!"
أومأ الطفل بحماس فتساءل حمزة بترقب: "غسلت أسنانك يا بطل؟"
أومأ الصغير فتابع حمزة: "تمام أنا هروح أغير هدومي واغسل وأصلي وارجعلك طول."
في منزل حمدي الفولي. تجـ.ـلس ريتان تتناول العشاء مع والدها ووالدتها.
أردف حمدي بارهاق: "النهاردة اليوم كان متعب أوي. سالم بيه وصفية هانم كانوا عند قرايبهم في الاسكندرية. المشوار كان صد رد علشان كده حاسس جـ.ـسمي كله مكسر."
أردفت جميلة بحنو: "اتعشى واقوم ارتاح يا حمدي. كتر خيرك المسافة طويلة عليك. كان سالم بيه أخد منك العربية وساق هو."
ابتسم حمدي بهدوء يردف بتعجب: "إزاي بس يا جميلة. مينفعش أكيد. ده شغلي. وبعدين مها هانم."
قاطعه وقوف ريتان تردف بهدوء: "الحمد لله. عن إذنكوا أنا هدخل أوضتي لأن ورايا دروس لازم أحضرها."
تركتهما وأسرعت إلى غرفتها عندما شعرت أن حديث والدها سيأخذ منحنى لا تريده. لقد أغلقت أذنها عن سماع أخبار تلك العائلة منذ زمن. وخصوصاً حمزة وزوجـ.ـته.
دلت غرفتها تتنفس بقوة لتهدئ من قلبها المتهالك. اتجهت لمكتبها وجلست هي تخرج دفتر التحضير الخاص بها واسرعت تندمج في عملها كي لا تسمح لعقلها التفكير فيه.
في اليوم التالي صباحاً في المدرسة بعدما أوصل حمزة صغيره واتجه إلى شركته. بدأ اليوم الدراسي ثم أتى موعد الاستراحة فأسرع الأطفال إلى حديقة المدرسة المجهزة بأنواع كثيرة من الألعاب.
كانت تقف ريتان تتحدث مع كاري عبر الهاتف وعيناها تتابع الأطفال بانتباه. أردفت كارى بعد حديث دار متسائلة: "شوفتي حمزة النهاردة؟"
غضـ.ـبت ريتان وأردفت بحدة: "كاري إنتي ليه مصممة تزعليني منك؟ قولتلك لو هنتكلم يبقى نمحي تماماً السيرة دي."
أردفت كارى بتمهل: "يـ.ـبنتي اهدى. أنا كنت بسأل سؤال عادي مش أكتر يا ريتان. بس عصـ.ـبيتك دي أنا فاهماها كويس."
لم تهدأ بل انفعلت أكثر لا تريد أن يفهم أحد عليها ولا أي أحد لذلك أردفت بقوة: "عصـ.ـبيتي لأنك مستهونة بالوضع يا كاري. ياريت تفهمي ده كويس."
فجأة سمعت سـ.ـقوط أحدهم وتبعه بكاء صغير. التفتت لترى قبل أن تشهق وهي ترى مروان قد سقط من على إحدى الألعاب.
عصف قلبها وركضت إليه تلتقطه مردفة بقلق ولهفة وهي على وشك البكاء خصوصاً بعد رؤيتها للدماء تنزف من ركبته: "يا حبيبي أنا آسفة. آسفة بجد يا مروان."
كان الصغير يبكي متألماً فاسرعت تدلف به لتسعف قدمه وتركت الأطفال للمساعدة بعدما أنبهتها.
في وقت لاحق، اتجه مسرعاً إلى مدرسة صغيره بعد أن أتاه اتصال يستدعي حضوره. ركض متلـ.ـهفاً عليه فوجده يستـ.ـكين في حـ.ـضن من تمناها ويتمناها وسيتمناها دائماً إلى أن تصبح له.
زفر بقوة وارتياح وهو يراه بخير أمام عينه. رآه مروان فأردف بسعادة: "بابي؟"
نغزها قلبها الذي عصف بقوة وهي ترفع أنظارها لتتلاقى العيون لثوانٍ قبل أن تقف وتساند الصغير وتتجه إليه مردفة تخفي مشاعرها ونبضاتها بكل براعة تدربت عليها لسنوات: "الحمد لله جت سليمة يا حمزة بيه."
شرد فيها وفي ثباتها وشموخها. متى ستلين وتعفو؟ متى ستعطي هذا العشق فرصة.
ابتلع لعـ.ـابه ثم نظر لصغيره ودنى منه يردف بترقب وهو يتحـ.ـسس ركبته: "إيه يا حبيبي إنت كويس؟ فيه حاجة بتوجـ.ـعك؟"
هز الطفل رأسه ونظر لريتان يردف بحب طفولي وتعلق: "لأ يا بابي مافيش وجع. مس ريتان عالجتهالي."
تنهد بارتياح وحمل صغيره ثم اعتدل يطالعها بعيون متفحصة. ينظر في مقلتيها بعمق يبحث عن الحب الذي كان يراه في الماضي ولكنها قطعت وصلة تفحصه وأسرعت تنظر للصغير وتبتسم له بحنو مردفة بثبات ظاهري لتثبت له صـ.ـلابتها: "مروان هو اللي شاطر. مس ريتان معملتش حاجة."
أردف حمزة بصوت متحشرج تأثراً بكل ما فيها: "شكراً يا ريتان."
نظرت له بقوة وأردفت بجدية: "مس ريتان لو سمحت. وأنا معملتش غير واجبي. ويا ريت يرتاح بكرة."
هز مروان رأسه وأردف بإصرار: "لأ يا مس أنا كويس وهاجي عشانك."
في كل مرة تدعي الصـ.ـلابة يصمم هذا الصغير على أن تجـ.ـردها أمامه. ابتسمت له بحنو وأردفت بهدوء: "تمام يا مروان. هكون في انتظارك يا حبيبي."
عادت بنظرها إليه فوجدته يطالعها بعمق. كاد أن يتحدث ولكن قطع حديثه دلوف زميلها كريم يردف بترقب وعلى غير عادة: "ريتان ممكن تيجي معايا ثواني؟"
مالت براسها قليلاً حيث يقف حمزة يخفيه عنها. طالعته بضيق فهي لا تحب أن يناديها أحد باسمها مجرداً هكذا. بينما تحرك حمزة قليلاً ليسد عنها رؤيته والتفت يطالعه بضيق وهو يحمل صغيره.
ابتعدت عن مستواها بتعجب من فعلته ونظرت لزميلها تردف بجدية: "خير يا مستر كريم؟"
تقدم كريم منها ثم هز رأسه يرحب بحمزة الذي بادله بنظرات نارية غاضبة بينما هو لا يبالي وتقدم يقف أمام ريتان مردفاً: "لو ينفع بس تديني من وقتك دقايق وتيجي معايا القاعة. الأولاد حرفياً كلهم عايزينك."
وقف حمزة يتابع متناسياً مكانه بينما هزّه مروان يردف بعفوية: "بابي إحنا مش هنروح؟"
تنبهت ريتان لوجود حمزة وكذلك كريم الذي التفت يطالعه بتعجب بينما أردف حمزة لطفله بتساؤل وهو ينظر لكريم نظرات نارية: "مارو حبيبي بابى إيه رأيك لو تكمل يومك مع مس ريتان وأنا هقعد هنا استناك؟ هتقدر ولا عايز تروح؟"
أهتز الصغير بسعادة يردف بحب: "أوكى يا بابي هقدر."
أنزله حمزة يردف وهو يتطلع على عين ريتان بحب وغيرة: "تمام."
قفز الصغير إليها يردف بتعلق: "يلا بينا يا مس نكمل؟"
تنهدت تنظر لكريم بأسف مردفة: "معلش يا مسيو كريم أنا بعتذر مش هينفع لأن عندي حصة دلوقتي."
تناولت كف الصغير وعادت معه للقاعة بقلب يعصف متعجباً أو مستنكراً أفعال هذا الرجل. تركته يقف معه بينما نظر حمزة لكريم بضيق وأردف محذراً: "افتكر يا مسيو كريم إني أول ما شفتك قولتلك كل واحد يخليه في شغله ومالوش دعوة بالتاني لا إيه؟"
طالعه كريم بحدة مماثلة وأردف: "ياريت حضرتك تقول الكلام ده لنفسك. أنا هنا بشوف شغلي كويس بس أنا مستغرب فعلاً وجود حضرتك وتدخلك الغير مبرر."
تركه كريم وغادر متأففاً ووقف حمزة يتطلع على أثره بضيق ثم نظر للجهة الأخرى واتجه يجلس على مقعد مجاور لفصل صغيره ينتظره إلى أن ينتهي.
بعد حوالي نصف ساعة انتهى دوامه وخرج الصغير يسرع إلى والده الذي التقطه وأردف بترقب: "خلصت يا بطل؟"
أردف الصغير بحماس: "أيوة يا بابي يلا علشان نرجع ع البيت واعمل homework علشان مس ريتان متزعلش مني."
طالعه بعمق وابتسم على صغيره. نظر لمكانها متأملاً أن تظهر ويراها قبل رحيله ولكن إلحاح صغيره جعله يتعجل ويغادر.
غادر وخرجت هي من خلف باب قاعتها تتطلع على أثره بلقب معذب. تتنهد وتخرج من مكنونها ما حاولت إخفاؤه عنه. لتطلق صراح أنفاسها ومشاعرها ولكن بمفردها دون أن يراها أي شخص.
اتجهت تخطو إلى قاعة المكتبة الخالية في هذا الوقت وسحبت إحدى مقاعدها وجلست هي تتنفس بعمق واضعة رأسها بين راحتي يـ.ـدها المستندة على الطاولة الخشبية وعادت بذكرياتها إلى قبل تسع سنوات. تتذكر كل شيء كما لو كان حدث لتوه.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثاني 2 - بقلم اية العربي
قبل تسع سنوات في محافظة صعيدية، وتحديداً في إحدى مدنها المعاصرة.
في قصرٍ بني على الطراز الحديث، حيث تم بناؤه ليواكب مظهر عائلة الجواد العريقة، التي تهتم اهتماماً مبالغاً فيه بالمظاهر والمستويات الاجتماعية.
لذلك، فتلك العائلة تحرص كل الحرص على تجديد منازلها وسياراتها ومجوهراتها وأثاثها بشكل مستمر.
إلا شيئاً يبقى ثابتاً لا يتغير بها، وهي قلوب أبنائها، طباعهم، صفاتهم، غرورهم.
ولكن دائماً يخرج من بين الصخور الألماسات اللامعة وأثمن الجواهر، دائماً نجد أن المياه العذبة منبعها الحجارة.
لذلك، وبرغم غرور وتكبر الابن الأكبر (سالم الجواد)، إلا أن ذريته لم ترث منه تلك الخصلة السيئة.
فنَعلُم جيداً أن الغرور والتكبر هو من أخرج إبليس من رحمة ربه، وهو من أوصل البشرية إلى ما هي عليه الآن.
لذلك حرصت زوجته الثانية صفية، التي تزوجها بعد وفاة زوجته الأولى وام ابنته سناء، على بث التواضع فيهم، وحرصها على إنبات الرحمة في القلوب ومراعاة المشاعر.
ومع ذلك، يبقى لسالم عقل صارم وطباع حادة اتبعها معظمهم، حتى وإن كان في القلوب رحمة.
يجلس مع عائلته على طاولة الطعام الوفيرة الممتدة بطول الغرفة وتحتوي حولها الكثير من المقاعد الخشبية الوثيرة.
يجلس هو في مقدمة الطاولة، وعلى يمينه زوجته، وتليها ابنة شقيقه المتوفى شيرين، والتي أصبحت تعيش معهم منذ عامين بعد وفاة والديها في حادث سير.
ويجلس على يساره ابنه الأكبر حمزة، ويليه مراد، ويليه فريد.
وأخيراً تحدث سالم بجمود وهو ينظر لابنه الأكبر حمزة، مردفاً:
"يالا ورانا النهارده اجتماع مهم."
أومأ حمزة ووقف يخطو خارج مقعده ليعيد وضعه مكانه، مما جعل سالم يطالعه بضجر، فهو دائمًا حريص على ترتيب أغراضه بنفسه.
دائمًا يخبره سالم أن تلك الأمور خاصة بالخدم، ولكنه اعتاد على فعلها بنفسه.
اتجه حمزة لوالدته، التي طالعته مبتسمة، فالتقط كفها ودنى يقبلها، مردفاً بحنو:
"محتاجة حاجة يا ماما؟"
تنهدت تطالعه بحب وتحدثت:
"سلامتك يا حبيبي."
أما مراد، فوقف هو الآخر يردف بمرحه الذي يضيف لهذا المكان البارد بهجته:
"طب يا ست ماما، شكراً شكراً."
ابتسمت له وأردفت بهدوء:
"هو انت عملت زيه أصلاً؟"
أردف مستنكراً بمرح وهو يخطو خلف حمزة، الذي يستمع إليه بيأس من أفعاله:
"وحتى لو عملت يا أمي، هو حمزة وبس اللي ع الحجر."
هذا الحديث بالطبع لم يحدث أمام سالم، الذي سبقهما للخارج، حيث يقف حمدي السائق ينتظره باحترام، مردفاً:
"صباح الخير يا سالم بيه."
طالعه سالم بجمود وأومأ دون رد.
بالأساس، حمدي اعتاد على طريقته، فهو يعمل معه منذ سنوات، بعد وفاة والده الذي كان يعمل قبله في نفس المهنة لعائلة الجواد.
فتح له حمدي باب السيارة الخلفي، وصعد سالم ببرود يجلس ينتظر مجيء أولاده.
خرج حمزة قبل مراد واتجه يبتسم لحمدي بود، مردفاً:
"صباح الخير يا عم حمدي."
أردف حمدي بحب لشخصية حمزة المتواضعة:
"صباح الفل يا حمزة بيه."
أما مراد، فكان ما زال في الداخل، يردف لشقيقه فريد، الذي ما زال يتناول طعامه بصمت:
"إيه يا أستاذ فريد؟ هتروح الجامعة النهارده ولا زي كل يوم؟"
طالعه فريد ببرود وبنفس نظرة سالم وغروره، أردف:
"هروح."
تركه مراد، وودع والدته وشيرين، وغادر مسرعاً للخارج، ثم نظر لحمدي وأردف بود:
"صباح الورد يا عم حمدي."
ابتسم له حمدي وقال:
"أهلاً يا مراد بيه، صباح الفل."
صعد مراد بجوار والده، بينما استقل حمزة سيارته الخاصة، وتحركوا في طريقهم إلى خارج حدود القصر، متجهين إلى شركتهم الاستثمارية.
أما فريد، الذي وقف يردف بجمود قبل أن يغادر:
"أنا رايح الجامعة… سلام."
غادر، وتتبعت شيرين أثره بحسرة.
نعم، تحبه منذ أن دلفت القصر وإلى الآن.
هي في المرحلة الأخيرة من الثانوي العام ومجتهدة جدًا في كل شيء.
فبرغم حبها له، إلا أن ما يميزها هي قوة شخصيتها.
لذلك تخفي مشاعرها ببراعة، إلا على تلك السيدة الحنونة التي مدت يدها تربت على كفها بحنو، مردفة:
"افطري يا حبيبتي عشان تلحقي مدرستك، يالا."
أفاقت على نبرتها الحنونة، فابتسمت لها وأومأت بصمت، لتكمل فطورها سريعًا وتستعد.
***
في الجامعة.
دَلفت ريتان وصديقتها كاريمان تقهقهان بمرح بعد ذلك الموقف الذي حدث منذ قليل في الخارج مع زميلتهما المغرورة ميادة، حيث قالت كاري:
"البنت دي فعلاً مغرورة قوي ووقعتها بالشكل ده هتخليها تبص لتحت شوية."
كَبَتَت ريتان ضحكاتها وأردفت وهي تغمز لكاري عندما لاحظت قدومها:
"بس علشان جاية وراكِ."
نظرت كاري جانبًا، فوجدت تلك الفتاة التي تدعى ميادة تأتي من خلفهما، مردفة بغيظ وغضب:
"إيه بتضحكوا على إيه بالضبط؟ اللي حصل ده أنا متأكدة إنكوا السبب فيه، من زمان وانتوا قاصدين تهينوني قدام الجامعة."
تعجبت ريتان وكاريمان من حديثها الكاذب، وأردفت ريتان مدافعة:
"لأ طبعًا مش إحنا السبب، عيب تقولي كده. ده من أعمالهم سُلط عليكم. وعلى العموم، مبيوقعش إلا الشاطر."
لفت نظرها لصديقتها وأردفت بثقة:
"يالا يا كاري."
تحركت هي وكاري من أمام تلك المستشيطة غضبًا وتوعدًا لهما، خصوصًا تلك ريتان التي تحقد عليها منذ زمن.
فهي ابنة السائق، وبرغم هذا تنال احترام الجميع ومحبتهم، حتى شباب الجامعة بسبب تفوقها والتزامها وتعزيزها بكيانها.
أما ميادة، فبرغم ثراء والدها، إلا أن هذا لم يصلح من شأنها ولا مستواها التعليمي.
دخلتا المدرج، فقالت كاريمان بحنق:
"البنت دي مش سهلة يا ريتان، خدي بالك منها. هي دايماً بتغير منكِ."
هزت ريتان كتفيها بلا مبالاة وأردفت:
"تعمل اللي تعمله بقى. هتجري زي كل مرة تتحامى في سيد قشطة بتاعها، وهو هيفضل يزغرلي بعنيه اللي شبه أبوه."
هزت كاريمان رأسها تعجبًا، تردف متسائلة:
"أنا نفسي أفهم إنتِ إزاي حبيتي أخوه الكبير ده، وفي نفس الوقت مش بتطيقي فريد ولا سالم الجواد؟"
تنهدت بهيام مزج بالحزن وهي تتذكر حبها المستحيل، وأردفت بهمس:
"لأااا… حمزة مختلف عنهم كلهم يا كاري. يمكن هو ومراد وسناء الجانب الطيب في القصر، زي ما بابا دايماً بيقول. حمزة ده حنية الدنيا فيه، هادئ وعقلاني ومش بيفكر زيهم، متواضع جدًا وبيحب بابا قوي وبيتعامل معاه باحترام."
نظرت لها كاري بحزن قائلة بتروي:
"أيوه يا ريتان، بس مش معنى كده إنك تعلقي نفسك بحبال دايبة. يعني متزعليش مني، إحنا مش لازم نسرح بخيالنا لفوق قوي كده علشان منتوجعش. الناس دي أهم شيء عندهم هو الفلوس والتكافؤ الاجتماعي، فهماني؟"
تنهدت تهدئ لوعة قلبها وأومأت تردف بتفهم وحزن:
"فهمـاكي جدًا. وصدقيني حبي لحمزة مش لأنه غني خالص. أنا معرفش إمتى وإزاي حبيته أصلًا. قليل قوي لما كنت بشوفه وكان لثواني. يمكن من كلام بابا عنه وعن تواضعه وحبه واحترامه ليه. أنا كنت في وقت من الأوقات بتنمر عليه، مكنتش أعرف إن تنمري هيبقى لعنة قلبي. وعارفة إن الحب ده عمره ما هيظهر للنور أبدًا أبدًا، ولا هو هيعرف بيه أصلًا. هيفضل في قلبي لآخر عمري. هعمل إيه بس! ياريت أقدر أمحيه. بس أنا عايشة معاه حلم جميل وحابة كده. خليني أحلم بيني وبين نفسي يا كاري من غير ما أي حد يعرف."
طالعتها كاري بحزن، فهذا أشد أنواع الحب عذابًا.
كتمان الحب بداخلنا يجعله يتضخم حتى يملأ العروق والشرايين، فيصبح النبض بدونه مستحيل.
لنبداً في الإخـ.تناق، وبرغم ذلك لا يمكننا البوح، فكرامتنا أغلى ممتلكاتنا.
دلف المعيد وانتبه الجميع له، وبدأت المحاضرة.
بينما تجلس خارجًا ميادة تسرد على فريد، الذي أتى لتوه، ما حدث وتزيد التوابل، مردفة:
"أنا اتأتني قدام الجامعة كلها وتضحك هي وصاحبتها عليا؟ أنا ميادة بنت الأكابر يحصل لي كده من واحدة حيا الله أبوها سواق عندكوا؟"
غضب فريد بشدة وأردف بتهكم:
"أوعى تقولي كده يا حبيبتي. سبيها عليا. أنا هعرفها قيمتها كويس قوي. بس لما تبقى تخرج من محاضرتها. الهانم علشان دحيحة هتفكر إنها تعلى على أسيادها. بس متعرفش هي بتلعب مع مين. متزعليش نفسك وأنا هتصرف."
***
في فيلا منصور السوهاجي.
تجلس سناء ترتشف قهوتها الصباحية بملامح حزينة.
فها هو الصبح قد أشرق والنهار يدور، ويبقى زوجها خارج المنزل، لا تعلم أين هو ككل ليلة.
منذ زواجها مجبرة منه وإلى الآن، لا تتذكر لحظة سعادة مرت عليها إلا عندما قرت عيناها بتوأمها.
يعاملها بقـ.سوة وجفاء، وتعامله ببرود.
ولكن يبقى في قلبها سدٌ منيع لوالدها، لن تتجاوزه أبدًا، لأنه كان السبب في تلك الزيجة.
دلف يترنح يمينًا ويسارًا، وهي تجلس تطالعه ببرود ظاهري.
حيث يتقدم منها ثم توقف أمامها وابتسم ساخرًا، يردف بتقطع:
"أووو… سناء.. هانم.. قاعدة زي أي زوجة أصيلة تستنى جوزها لما يرجع."
وضعت فنجانها في صحنه على المنضدة، ووقفت أمامه تطالعه ببرود يخفي غضبًا وقهرًا مكبوتًا، قائلة:
"ده لو جوزها إنسان عاقل بيرجع بيته في الأوقات الطبيعية زي كل البشر، يقعد وسط أولاده ويحاول يعوضهم عن غيابه. بس راجع لي الصبح وعايزني انتظرك. أنا خلاص مبقاش يهمني وجودك من عدمه. أنا هنا بقضي فترة عقوبتي وهييجي يوم وهتحرر منك يا منصور."
ها هي تعيده بحديثها السام من وجهة نظره إلى وعيه.
قُبض على شعرها، يلويه حول قبضته ويردف بفحيح وهو بالقرب من أذنها:
"تتحرري؟ ليه خير؟ شوفتيلك شوفة تانية ولا إيه يا هانم يا محترمة يا بنت الأصول. انتِ هتفضلي هنا طول عمرك ومش هتطلعي من هنا غير على قـ.برك، سمعتي؟ وإلا بقى تنسي تمامًا إن ليكي أولاد. وساعتها هاخدهم وأسافر وأحرق قلبك عليهم طول عمرك. مش انتِ بتحاولي تبعديهم عني عشان ميشفوش أفعالي وميبقوش زيي؟ أنا بقى بنفسي هربيهم على شرب الكيف وتوزيعه كمان. فكري بس تخطي خطوة برا البيت ده وهتشوفي يا سناء. وانتِ عارفة كويس منصور السوهاجي يقدر يعمل إيه."
نفض شعرها، فسقطت مرتدة على المقعد، تخفض رأسها للأسفل لتداري دموعها عنه.
تلك الدموع التي تضعفها، تكرهها وتكره ضعفها، وتكره والدها الذي تسبب لها في هذا المصير.
كل ما يهمها الآن هما طفليها وفقط.
يومًا ما ستجد طريقة لتتحرر من قبضته القاسية تلك.
أما هو، فطالعها بتمعن، ثم اندفع للأعلى حيث جناحه لينام، ويتركها تشرد للبعيد.
***
في شركة الجواد.
يجلس سالم خلف مكتبه يتحدث مع ابنه حمزة عن نتائج الاجتماع الذي أُقيم منذ قليل.
دلف عليه شريكه شوقي، يردف بسعادة:
"كلكوا معزومين عندي الأسبوع الجاي في القصر، هعمل حفلة كبيرة."
تعجب سالم وتساءل مندهشًا:
"خير يا شوقي، إيه اللي حصل؟"
أردف شوقي وهو يجلس مقابل حمزة:
"مها جاية من فرنسا أخيرًا. بتقول إننا وحشناها جدًا وخلاص هتنزل. أنا وسعاد ناوينا نعمل حفلة، وطبعًا انتوا أول الحضور."
ثم نظر لسالم نظرة ذات مغزى، وأردف:
"ولا إيه يا سالم؟"
طالعه سالم مبتسمًا وأردف مؤكدًا:
"آه طبعًا أكيد. وكمان عشان حمزة يتعرف على مها."
نظر لهما حمزة بضيق، ولكنه اضطر على رسم ابتسامة باهتة على ملامحه، يقول:
"إن شاء الله.. وتوصل بالسلامة يا شوقي بيه."
أردف شوقي بخبث:
"الله يسلمك يا حمزة. مها نفسها تشوفك جدًا. دي لسه باعـ.ت لك السلام معايا لإني دايماً بكلمها عنك."
تنهد بضيق وأردف مختصراً:
"الله يسلمها يا شوقي بيه."
نظر شوقي لسالم وأردف بترقب:
"وكمان مها لو استقرت هنا هتتولى منصبي في الشركة. هي نفسها جدًا تكبر الشغل هنا، وهي مستحيل تدخل في تحدي وتطلع خسرانة."
تعجب حمزة وأردف متسائلاً بترقب:
"تتولى منصب حضرتك إزاي يا شوقي بيه؟ أكيد محتاجة خبرة سنين عشان تقدر تحدد مصير شركة كبيرة زي شركتنا؟"
تحدث شوقي ببرود ظاهري:
"وانت معترض ولا إيه يا حمزة؟ أعتقد دي أسهمي ومها بنتي الوحيدة، وطبيعي أديلها كل اللي أنا عايزه."
زفر حمزة باختناق ونظر لوالده ليتحدث، ولكن صدمه استسلام والده لحديث شوقي.
التفت يطالع شوقي بتمعن وثقة، يردف:
"حقك طبعًا يا شوقي بيه. والأكيد إن بنت حضرتك وارثة حب الأعمال من سعادتك، بس شركة الجواد ليها نظام معين من زمان أوي ماشية عليه، وهو سبب نجاحها."
نظر له شوقي بعمق.
لا ينكر أن شخصية حمزة تعجبه.
مزيج من الثقة والهدوء والتعقل والإيثار.
لذلك أردف شوقي بغموض:
"تعجبني يا حمزة. وبما إن شوقي أبو الدهب قالك كده، يبقى أعرف إنك في مكانة عالية عندي قوي."
أومأ حمزة يردف بهدوء:
"شكرًا يا شوقي بيه."
بينما ضحك سالم ونظر لشوقي بمعزة، يردف:
"يا بخت اللي شوقي يحبه. ولا إيه يا أبو الشوق؟"
ابتسم يومئ لصديقه بصمت، وهو يطالع بغموض حمزة، الذي لم يصدق هذا الحوار.
***
في منزل حمدي الفولي.
تقف حياة تقوم بروتينها اليومي كربة منزل، حيث التنظيف.
تلتقط أنـ.فاسها بوهن، مردفة لتلك التي تجلس تتابع التلفاز بلا مبالاة:
"ما تقومي يا بسمة تساعديني بما إنك مروحتيش المدرسة؟"
نظرت لوالدتها بضجر وأردفت بفظاظة:
"ماما قولتلك أنا بوفر صحتي لبيتي. وبعدين المفروض إني بنتكم مش خدامة هنا."
نظرت لها حياة بيأس وأردفت:
"وفري صحتك يا بسمة. بكرة أولادك يوفروا صحتهم هما كمان."
وقفت على حالها تردف بضجر تدعي الحزن:
"يوووه يا ماما؟ كل شوية تسمعيني نفس الكلام؟ حرّمتيني أقعد معاكي. انتِ عارفة إني مروحتش المدرسة النهارده لأني تعبانة، وانتِ كمان بتزوديها عليا؟"
وكالعادة، يلين قلب تلك الأم التي تساهلت كثيرًا معها.
وأردفت حياة بحنو وهي تحاول تهدئتها:
"خلاص يا حبيبتي، حقك عليا. اقعدي وأنا هعملك كوباية حاجة سخنة تشربيها."
نظرت لوالدتها بعيون مستـ.كينة وأردفت بدلال زائد:
"حبيبتي يا ماما، يا أحلى وأحن أم في الدنيا كلها."
قـ.بلتها من وجـ.نتها وعادت تجلس مجددًا تتابع التلفاز بعدما أدت دورها ببراعة.
***
عودة للجامعة بعد أن انتهت المحاضرة، وخرجتا ريتان وكاري للاستراحة قليلاً.
جلسـ.تا على إحدى الطاولات في كافتيريا الجامعة.
أردفت كاري بترقب:
"أنا هقوم أشتري عصير وسندوتشات."
أوقفتها ريتان قائلة بتروي:
"لأ استني يا كاري، أنا هروح أنا. خليكي مش كل شوية تروحي انتِ."
وقفت ريتان تخطو لمكان الطلبات وأملت طلبها، وانتظرت إلى أن أحضر لها كوبين من العصير واثنين من الشطائر.
حملتهما وعادت، وفي طريقها يجلس فريد وتجاوره ميادة.
غمز لها بطرف عينه، ومد قدمه في طريق ريتان ليعرقلها، وبالفعل نجح واختل توازنها، وانكبت بوجهها على الأرض الحشيشية وسط محتويات الصينية التي سبقتها.
تعالت ضحكات الجميع عليها، بينما شهقت كاري ووقفت راكضة تساعدها في الوقوف.
استندت ريتان عليها تنفض ملابسها وتبتلع الإهانة التي تعرضت لها بسبب تلك العرقلة ووضعها كفتاة تعرف بالجدية والذكاء.
نظرت جانبًا، فوجدت فريد يطالعها بخبث ويلوي فمه مبتسمًا، وتجاوره ميادة تطالعها بتشفي.
تآكلها الغضب، ولم يكن منها رد فعل إلا صفعةً هوت على وجه هذا الذي صُعق بعدم استيعاب، قبل أن ينتفض واقفًا ويطالعها بغضب وشرر، قائلاً:
"انتِ اتجننتي؟ انتِ نسيتي نفسك ولا إيييه؟ أنا هطردك من الجامعة دي خالص، وهطرد أبوكي السواق من عندنا."
برغم ألمها الداخلي وإهانتها بتلك الطريقة، إلا أنها نظرت له بتحدٍ وصمود وصمت.
فأومأ متوعدًا وخطى لمكتب العميد ليخبره ما صـ.در منها، وليستعمل شعار عائلته في سلب حقها.
طرق باب مكتب العميد ودلف، يردف بغضب:
"دكتور، البنت اللي اسمها ريتان حمدي الفولي لازم تتطرد حالًا من هنا."
طالعه العميد بغضب وأردف:
"إنت إزاي تدخل كده؟ أنا سمحت لك؟"
غضب وسـ.حق أسنانه، يردف بكـ.بت:
"أنا خبطت قبل ما أدخل يا فندم."
تنهد العميد بضيق، ولكن لا يستطيع معاقبته، فهو على علم بما يستطيع سالم الجواد فعله.
لذلك أردف متسائلاً:
"عملت إيه ريتان؟"
أردف فريد بغضب وغرور:
"اتجرأت وضربت فريد الجواد بالقلم. يبقى لازم تتطرد فورًا."
صمت العميد قليلاً يحاول فهم الأمر، فر ريتان فتاة هادئة خلوقة لا تفتعل المشاكل، ودائمًا تكون الأولى على دفعتها.
لذلك تساءل:
"من غير سبب؟"
اغتاظ فريد وأردف:
"السبب إنها مـ.ستهترة ومش واخدة بالها وهي ماشية فوقعت. أنا داخل إيه؟ بس أنا مش هرتاح غير لما تتطرد من الجامعة دي، لإنها ساقت فيها قوي. لازم تفهم إن العين متعلاش عن الحاجب."
فكر العميد قليلاً، ثم أردف:
"إهدى يا فريد وأنا هنادي على ريتان ونعرف إيه اللي حصل بالضبط."
تعجب فريد ونظر المعيد باستنكار وتسلط:
"يعني حضرتك مش مصدقني؟ طيب أنا بقى هكلم بابا حالًا."
زفر العميد يطالعه بغضب، ثم أردف:
"فريد، متصعبش الأمور."
اتسعت عينه وأردف بذهول وتكـ.بر:
"بقول لحضرتك بتضربي أنا بالقلم. ناقص إيه عشان تتطرد!"
زفر العميد وشرد قليلاً يفكر.
يمكنه أن يهاتف سالم ويستطيع إقناعه بالأمر، مؤكد لن يسمح بطردها، فهي فتاة ماهرة خلوقة.
لذلك ليهاتفه ويرى ماذا سيفعل.
"تمام، خليني أبلغ سالم بيه ونحكيله اللي حصل."
نظر له فريد بغرور وابتسم، يردف بثقة:
"طبعًا اتفضل بلغه. هو ده المطلوب أصلًا."
تعجب العميد، ولكن زال تعجبه بعد ثوانٍ من التفكير، ف فريد يشبه سالم في أمور كثيرة.
حسنًا، سيحاول أن يجد معه حلاً كي لا تفصل ريتان من جامعتها، فإن استمر غضب فريد يمكن أن يحدث مالا يحمد عقباه.
زفر وأردف مجددًا يحاول للمرة الأخيرة حل تلك المشكلة دون تدخل سالم:
"اسمع يا فريد، الأحسن الموضوع يتحل ودي بينك وبين زميلتك. فكر في مستقبلها شوية."
أردف فريد بغرور وعناد:
"مستحيل. لازم تتعاقب عشان تعرف إزاي مرة تانية تمد إيدها عليا. ولو انت مكلمتش بابا، أنا هكلمه."
نظر العميد بيأس وصدمة.
لولا قناعته بأن سالم قادر على طرده هو شخصيًا، لكان اتخذ إجراء صارم بحق هذا الشاب المدلل.
رفع سماعة هاتف مكتبه وطلب رقم مكتب سالم الجواد، التي أجابت عنه سكرتيرته، فأخبرها العميد أنه يريده في أمرٍ هام، لذلك حولت المكالمة على مكتبه.
كان ما زال يجلس مع صديقه شوقي، ويجاوره حمزة، الذي يود الهرب من هذا الحديث غير المرغوب فيه، فشوقي يتباهى بابنته كما لو كانت ملكة تسكن القمر.
رن هاتف مكتبه، وسالم منشغل بالحديث، فوقف حمزة والتقط الهاتف يجيب بترقب:
"الو؟"
أجابه العميد بهدوء:
"سالم بيه معايا؟"
أردف حمزة بترقب:
"معاك حمزة الجواد، اتفضل؟"
أردف العميد بهدوء:
"أهلاً يا حمزة بيه. أنا كنت حابب حضور سالم بيه في مكتبي لو وقته يسمح، لأن فيه مشكلة بسيطة هنا مع فريد وبنت زميلته."
تنهد حمزة بضيق من أفعال شقيقه التي لا تنتهي، ثم أردف بترقب:
"تمام، نص ساعة وهكون عندك."
أغلق معه، ونظر لسالم الذي يطالعه بترقب، وأردف وهو يتناول أغراضه من فوق الطاولة:
"بعد إذنكوا، أنا رايح على الجامعة، فيه مشكلة بسيطة تستدعي التدخل."
أومأ شوقي، بينما أردف سالم بتـ.معن:
"حمزة.. شوف اللازم واعمله."
أومأ حمزة وغادر، يتنهد بارتياح من هروبه لهذا الحديث الممل، وخطى متجهًا إلى وجهته ليرى ماذا فعل شقيقه المستهتر.
***
بعد نصف ساعة في مكتب العميد.
تجلس ريتان تبكي بعدما علمت أن سالم الجواد سيأتي.
مؤكد سيجبرها تعتذر له، وإلا سيعاقب والدها أو يطرده من عمله، أو تطرد هي من جامعتها.
ماذا ستفعل هي الآن؟
لولا والدها لما تنازلت عن كرامتها، ولكن يبقى خاطره مهم بالنسبة لها.
يا إلهي، الآن أدركت أن عشقها هذا مستحيل حقًا.
مخطئة تمامًا حينما وقعت في عشق ابن الجواد، حتى وإن كان مختلفًا.
لتـ.حاول رؤية الأمور بمنظور العقل والمنطق، ولتبتعد عن أحلامها الوردية تلك.
يجلس العميد خلف مكتبه يطالعها بشفقة، ويردف ليطمئنها:
"أهدي يا بنتي. إن شاء الله خير."
أومأت بصمت وهي تجفف دموعها بمحرمة ورقية، بينما يجلس فريد يطالعها ببرود ظاهري.
لولا تعمدها لافتعال المشاكل مع حبيبته لما فعل معها ما فعله، ولكن هي البادئة، فلتتحمل.
فريد يمتلك نفسًا لوامة، يحاول المجتمع سحقها، ولكن يبقى في داخله إنسان يستحق فرصة.
وصل حمزة أمام الحرم الجامعي.
صف سيارته وترجل يخطو بثقة وشموخ حتى دلف الجامعة.
يرتدي بدلة رسمية سوداء أنيقة، وأكمل أناقته بساعة يـ.د فارهة ونظارة شمسية تحجب عـ.ينيه السوداء.
التفتت أنظار الفتيات حوله بإعجاب شديد، ولكنه تجاهلهن ومر.
اعتاد على تلك النظرات تلتف حوله عندما يذهب إلى أي مكان.
وللحق، هو لا يعطيهن أي أهمية.
ليقينه أن تلك النظرات تخفي إعجابًا بمستواه الاجتماعي ليس إلا.
لو كان من أسرة فقيرة لما التفتت إليه فتاة إلا من أحبته بصدق.
دلف إلى الردهة التي كانت تقف بها كاريمان حزينة لأجل صديقتها تنتظرها.
لم يلاحظها، ولكنها لاحظته وشهقت بخفة لحضوره، وهي تتوقع رد فعل صديقتها عند رؤيته.
طرق باب مكتب العميد، فسمح له، ففتح الباب ودلف، يردف برتابة:
"سلام عليكم."
انسحب قلبها كمن انزلق من على منحدرٍ عالٍ، وهي تسمع صوته.
رفعت نظرها تطالعه بعـ.ينيه الرمادية اللامعة من أثر البكاء، فالـ.تقت عـ.يناهما، فشرد فيها لثوانٍ، قبل أن يردف بهـ.مس متعجبًا:
"ريتان؟"
أردف العميد مرحبًا ليخرجه من شروده:
"أهلاً وسهلاً يا حمزة بيه، نورت. اتفضل."
أومأ حمزة واتجه يجلس أمام مكتب العميد، وهو يتساءل بتعجب:
"هي زميلته اللي حضرتك قلت عليها تبقى ريتان؟"
أومأ العميد وأردف بترقب وبعض الراحة، فوجه حمزة يبشر بالخير:
"أيوه يا حمزة بيه. حصل سوء تفاهم بينهم، وأتمنى نحله، لأن فريد مصمم إنها تتطرد."
أردف فريد بغضب:
"سوء تفاهم إيه؟ بقولك ضربتني بالقلم."
أردف حمزة بنبرة هادئة مخيفة:
"اقعد مكانك ومتتكلمش خالص."
جلس فريد يطالع شقيقه بقلق، فهو يخشاه.
فهـ.دوء حمزة وطيبته لا تعني أنه هين أبدًا حينما يتعلق الأمر بظلم أحدهم.
حمزة ليس كسالم، فهو يمتلك عدالة وعقل مسؤول، حتى وإن كان مطيعًا وبارًا لوالده.
أما ريتان، فكان قلبها يركض في سباق للركض.
الآن تتمنى أن تنـ.شق الأرض وتبـ.تلعها.
كانت تتمنى لقاءه ورؤيته، ولكن ليس في تلك الحالة وهذا الوضع.
نظر حمزة للعميد وتابع بتريث:
"إن شاء الله هتتحل يا دكتور. ريتان بنت عم حمدي اللي طول عمره معانا، وهي غالية عندنا، بس هو فريد اللي بينسى كتير."
قالها وهو يطالع شقيقه بمغزى، ثم نظر لريتان وأردف بحنو:
"احكي لي اللي حصل إيه؟"
تعالت وتيرة أنـ.فاسها تطالعه بقلبٍ متـ.ضخمٍ بالعشق بعد حديثه هذا.
بعد أن كانت ترتب حديثها، انعقد لـ.سانها تطالعه بعـ.ين لامعة وتلـ.عثمت، تردف:
"أقول إيه؟"
ابتسم لها بحنو وأردف بهدوء ولين آسر قلبها العاشق، كأنه يحدث طفلة صغيرة يخشى حزنها:
"احكي اللي حصل يا ريتان. ليه ضربتي فريد بالقلم؟"
تنهدت بقوة وحاولت التحكم في أنفاسها.
لم تنظر لعـ.ينه، بل نظرت لعـ.ين العميد خوفًا من ارتباكها.
فإن نظرت لعـ.ينه وهي تسرد ما حدث، مؤكد ينكشف أمر عشقها الخفي.
بدأت تسرد بهدوء وتمهل ما حدث دون زيادة أو نقصان.
استمع لها بتمعن ومراقبة حركاتها، إلى أن انتهت من سرد ما حدث، فالتفت يطالع شقيقه بغضب وأردف:
"يعني انت يا غبي بتحط رجلك وتوقعها قدام زمايلك كلهم؟ انت بتتعامل مع شاب زيك؟ دي بنت يا متـ.خلف."
تلعثم فريد ونظر لشقيقه، يردف مدافعًا:
"أنا مقصدش يا حمزة. هي اللي ماشية مش شايفة قدامها."
أردفت ريتان بقوة بعد أن دعمتها كلمات حمزة وطمـ.أنت وأسعدت وأنعشت قلبها:
"لأ كداب. أنت قصدت طبعًا وواضح قوي عملت كده ليه أصلًا."
نظر لها بغيظ، أما حمزة فيطالعها مبتسمًا وهو يرى جـ.رأتها التي ظهرت بعد أن كانت تنكمش.
وقف حمزة يردف وهو يتطلع لفريد:
"اعتذر منها يا فريد عن اللي عملته، ومرة تانية أعرف كويس إزاي تتصرف مع بنت زميلتك وزي أختك."
نظر له فريد بصدمة وأردف:
"أعتذر منها وهي اللي ضرباني بالقلم؟ انت بتقول إيه يا حمزة؟"
أردف حمزة بثبات:
"بقول اللي لازم تعمله. يالا يا فريد ورايا شغل كتير."
زفر فريد بضيق وتآكله الغضب لثوانٍ.
عاد حمزة يردف بنبرة هادئة وصارمة في آنٍ واحد:
"فريد.. يالا؟"
طالعها فريد بغضب، ثم أردف من بين أسنانه لعلمه أن الأمر مع شقيقه لا جدوى منه:
"آسف."
تنهدت تطالعه، ثم رفعت رأسها بشموخ وأردفت بثقة:
"هقـ.بل أسفك بس عشان خاطر حمزة."
تحمحمت وارتبكت، مصححة بعدما أدركت زلة لسانها:
"قصدي حمزة بيه ودكتور عامر طبعًا."
ضحك فريد ساخرًا بتعجب، فـ.تنهدت وتابعت هي بتعقل:
"وأنا كمان بعتذر عن القلم اللي نزل يرن على خدك."
قالتها وهي تبتسم بخبث، فـ.اغتـ.اظ فريد وابتسم حمزة على أفعالها العفوية اللذيذة.
نظر حمزة للعميد وأردف قبل أن يغادر:
"متشكر يا دكتور عامر، وأسف على الإزعاج."
وقف العميد يبادله السلام ويردف باحترام:
"لأ أبدًا يا حمزة بيه، أنا اللي بشكرك إنك جيت وحليت الموضوع. وبلغ سلامي لسالم باشا."
أومأ حمزة والتفت يخطو، ثم نظر لشقيقه وأردف:
"يالا."
زفر فريد وخطى معه، بينما توقف حمزة والتفتت يطالع ريتان، التي كانت تصب عـ.ينها عليه بحب، وأردف بحنو:
"يالا انتِ كمان يا ريتان عشان نوصلك في طريقنا."
رمشت بأهدابها عدة مرات وأردفت برتابة:
"شكرًا… بس أنا بروح مع كاري صحبتي."
تنهد وأردف بإصرار:
"يالا يا ريتان عشان زمايلك يشوفونا واحنا خارجين سوا ويعرفوا إن الأمر اتحل ومبقاش فيه بينكوا خلاف."
توترت وفركت يداها وأردفت بخجل:
"بس مش هينفع يعني."
ابتسم بإعجاب وأردف مطمئنًا:
"يالا وأنا هكلم عم حمدي أستأذنه."
تنهدت بضيق، فهي وبرغم حبها له، إلا أن تحفظها يمنعها من ركوب سيارته.
شكرت العميد وخطت معهما للخارج، فاسرعت إليها كاريمان تردف بقلق:
"ها يا ريتان، عملتي إيه؟ طمنيني؟"
أردفت بقلبٍ راقـ.صٍ وسعادة بعدما سبقاها حمزة وفريد بعدة خطوات:
"كله تمام يا كاري. حبيب قلبي الشهم حل الأمر وخلى فريد يعتذر مني كمان. بس أنا قلقانة قوي، هو عايز يوصلني. وانتِ عارفة إن مش هينفع أركب معاه لوحدي. ما تيجي معايا يا كاري؟"
اعتذرت كاري مردفة:
"أنا آسفة يا ريتان، مش هينفع. ماما وبابا مش هيوافقوا. بس كنتِ اعتذرتي أحسن!"
تنهدت ريتان بضيق، فصديقتها محقة، لا يجب أن تتخلى عن مبادئها.
لذلك أردفت:
"تمام، استنيني ثواني."
أومأت كاري، ثم التفت حمزة ونادى بصوت عالٍ حنون:
"يالا يا ريتان."
انتعش داخـ.لها مجددًا، ونظرت لكاري بسعادة، وخطت خلفه باستحياء، ومشوا أمام الجميع حتى توقف فريد يطالع ميادة، التي تنظر له بغضب، فتحمحم وأردف لحمزة:
"حمزة، أنا هشوف زمايلي وبعدين هاجي بعربيتي."
التفت حمزة يطالعه قليلاً، ثم أومأ له، فابتعد فريد عنهما، فـ.زداد توتر ريتان، فهي الآن ستصبح معه بمفردها لأول مرة.
خطت خلفه حتى توقف أمام سيارته، وطالعها، ثم أخرج هاتفه يردف وهو يطالعها:
"أنا هكلم عم حمدي وأستأذنه أوصلك."
هزت رأسها تردف معتذرة بعيون لامعة:
"معلش، أنا مش هينفع أركب معاك. مش صح أبدًا. أنا بس خرجت معاك عشان زمايلي يعرفوا إن الموضوع انتهى. لكن أنا همشي مع صاحبتي."
طالعها بتمعن وإعجاب، ثم بعد ثوانٍ أردف بهدوء وتفهم:
"تمام يا ريتان، زي ما تحبي."
أومأت بارتياح وأردفت موعدة:
"شكرًا.. عن إذنك."
كادت أن تغادر، ولكنه ناداها، يبدو أن لـ.سانه نطق ما في قلبه دون إدراك، مردفًا:
"ريتان؟"
التفتت تطالعه بترقب وعـ.يون لامعة تكشف مشـ.اعرها.
ابتسم لها بحنو وأردف:
"فين موبايلك؟"
تعجبت قليلاً، ثم مدت يـ.دها في حقيبتها وأخرجته تعرضه عليه، مردفة:
"أهو… فيه حاجة ولا إيه؟"
أردف وهو يعبث بهاتفه:
"قوليلي رقمك."
لما هو مصمم على جعلها تحلق عاليًا وتبني آمالًا تخشاها؟
ما تلك الأفعال التي أتت مجتمعة في يومٍ واحد، كانت تظنه أسوأ يوم مر عليها، ليصبح بين دقائق أسعد أيامها.
أردفت بعد ثوانٍ متسائلة:
"ليه؟"
نظر لها قليلاً.
هو نفسه لا يعلم لماذا، ولما طلب رقمها.
ولكنه أردف بثبات ظاهري يقنع حاله قبلها:
"علشان لو حصل أي حاجة ضايقتك من فريد تكلميني طول الوقت وأنا هتصرف."
تنهدت وأومأت وأملته الرقم وقلبها يعزف مقطوعةً تنعشها.
فدونه ورن عليها، فأصدر هاتفها معلنًا عن اتصالٍ برقمه الذي زين هاتفها، فأردف مبتسمًا:
"رقمي معاكي. وده رقمي الخـ.اص على فكرة. لو فيه أي حاجة حصلت كلميني."
شردت في ملامحه، تومئ بهدوء وخجل.
فودعها والتفت يستقل سيارته ويغادر، ووقفت هي تنظر له بحالمية وتيه.
ومن خلفها بعض الفتيات تتناجـ.ين عنها بخبث، وتردف إحداهن:
"شوفته الرومانسية. حتى الدحيحة بتاعة الجامعة اتغفلت زيها زي غيرها. واضح كده إنها وقعت ولا حد سمى عليها. وعاملة فيها ملهاش في كده!"
أردفت أخرى مبتسمة بخبث:
"متقـ.عش إزاي بس ده حمزة الجواد. خليها تحلم لما نشوف آخرة حلمها إيه. ناسيين إنها بنت السواق بتاعهم؟"
ضحكن عليها، بينما أتت كاريمان من خلفهن تطالعهن بحدة بعدما سمعت حديثهن، وأكملت طريقها إلى ريتان، التي وقفت تنظر لأثر حمزة بشرود وأحلام تشيدها من قصورٍ رملية.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثالث 3 - بقلم اية العربي
كنّا نلتقى، وآرى حبكِ في العيون مرة بعد مرة يرتقى.
كنّا نبتسم، وتدغدغ ضحكتكِ مشاعري وحيرتي تنقسم.
كنّا نفترق، وأحن للعودة إليكِ وأشتاق وأحترق.
كنتُ أنا السئ والجبان، وكنتِ وستظلين ملاكي.
***
ولجت ريتان مع كارى خارج حدود الجامعة، قلبها يقفز قفزاً من شدة سعادتها. ملامحها تبدلت من الحزن إلى السعادة، أنفاسها تخرج على شكل أوتاراً موسيقية.
نظرت لكارى وأردفت بعيون لامعة وحالمية:
– أنا حاسة أني بحلم يا كارى. شفته واتكلمت معاه وجابلي حقي من أخوه. كل ده في يوم واحد؟ انتِ متخيلة؟ يؤمر أخوه يعتذرلي؟ قولتلك حمزة ده مش غيرهم تماماً.
طالعتها كارى وزفرت بحزن. لم ترد إحباطها، ولكن عليها أن تحاول سحبها لأرض الواقع قبل أن تحلق في فضاءٍ ملئ بالنيازك المدمرة.
أردفت بتروي:
– يا ريتان، يمكن دي طريقة تعامله مع الكل. مش انتِ بتقولي إنه مختلف عن باباه وفريد؟ حاولي متتعشميش أوى بأي حاجة منه علشان متتوجعيش. ومتنسيش إن يمكن بيتعامل كده لأنه بيقدر والدك يا ريتان.
نظرت لكارى بتمعن وشردت وهي تسير بجوارها. معها حق، عليها أن تتريث وتتمهل قليلاً. فأين هو وأين هي؟ ولكن نظـرته! إعطاؤها لرقمـه الخاص؟ نبرته الحنونة معها! هل تبالغ في كل هذا؟
زفرت بقوة وأردفت بنبرة تبدلت للحزن قائلة:
– يمكن كلامك صح، بس غصب عني يا كارى. أعمل إيه في قلبي بس؟ حبيته وأنا شبه متأكدة إنه مش ليا. وبرغم كده حبيته. أنا غبية صح؟
نظرت لها كارى برأفة وأردفت بود:
– لأ مش غبية يا ريتان. محدش ليه على قلبه سلطان. بس حكمي عقلك شوية. وصدقيني إنتِ قيمتك غالية قوي. يعني لو هو بيحبك واللي إنتِ شوفتيه منه النهاردة ده حب، يبقى هو اللي لازم يعافر ويتحدى الصعب ويوصلك.
اقتنعت ريتان بحديث صديقتها وأومأت بتفهم والقليل من الراحة تردف:
– إنتِ صح يا كارى. لازم أعرف قيمة نفسي كويس قوي علشان اللي قدامي يعرفها.
ابتسمت كارى وزفرت بارتياح وأكملتا طريقهما سوياً تدردشان في أمورٍ عدة.
***
عودة للجامعة.
تجلس ميادة تطالعه بغضب وتردف معنفة:
– يعني إيه الموضوع اتحل يا فريد؟ مش إنت قلت لازم تترفد؟ دي ضربتك بالقلم قدام الجامعة كلها.
نكس رأسه قليلاً ثم أردف بتردد:
– أيوه يا ميادة بس متنسيش برضو إني وقعتها قدامهم كلهم. يعني مكنش يصح برضو؟
طالعته بقوة وغضب وأردفت تلوح يميناً ويساراً:
– لاااا ده انت اتبدلت واحد تاني. فيه إيه يا فريد؟ ولا هو حمزة ماسك عليك حاجة وأنا معرفش؟
رفع نظره يطالعها بضيق مردفاً بحدة ومكر:
– قصدك إيه بكلامك ده يا ميادة؟ كل ما في الأمر إن حمزة قالي أتهاون شوية وأعدي الموضوع علشان الامتحانات قربت وإنه يعني هتحن علينا في الأجوبة وكده.
ضحكت ساخرة تميل عليه وتردف بتهكم:
– وأنت صدقت يا بيبي؟ ريتان هتحن علينا؟ دي حتى صحبتها مبتعبرهاش في الامتحانات.
غمزها بطرف عينه يحاول إقناعها مردفاً:
– لأ مهو حمزة له تأثيره برضو. متقلقيش صدقيني هنخرج من الحكاية دي بمصلحة حلوة.
وقفت منتفضة تردف بحدة:
– لأ يا حبيبي. أنا مش هتعامل مع البنت دي أبداً. والمرة دي هعديها لأني أخدت حقي منها بوقعتها قدام الجامعة كلها زي ما عملت معايا. إنما القلم اللي ضربتهولك ده أنا مليش دعوة بيه. إنت اتنازلت إنت حر. أنا ماشية.
خطت تسير فوقف يتبعها مردفاً بتروي:
– ميادة استني بس يا حبيبتي هقولك.
لحقها يمسك يدها فالتفتت تطالعه بحدة وتردف بتعصب:
– أوعى يا فريد أنا مش طايقاك.
تحدث بهدوء ليّمت غضبها:
– يا حبيبتي اهدى واسمعيني. تعالي بس نركب وهاخدك أجيبلك هدية حلوة أصالحك بيها. قولتي إيه؟
زفرت بقوة ثم طالعته بعيون زائغة فتابع بترقب وهو على يقين أنها اقتنعت:
– يلا بقى يا مودا. سيبك منها دي مهما طلعت ولا نزلت هتفضل بنت السواق يعني متحطيش راسك براسها.
قلبت عيناها وأردفت بنبرة مدللة:
– أوكي يا فريد. هاجي معاك بس برضو لسه مخصماك.
ابتسم وأردف بحب:
– أنا هصالحك يا مودا يلا بينا.
استقلا اثنان سيارة فريد وانطلق هو حيث محل مجوهرات عائلته ليبتاع لها هدية فاخرة كعادته إن حزنت أو ادعت الحزن.
***
مساءاً في منزل كارى.
تجلس تدرس في غرفتها بتمعن.
طرقات على بابها أنبهتها فسمحت للطارق بالدخول.
فتحت والدتها مقبض الباب وتطلعت عليها تردف بحنو:
– كارى يا حبيبتي. تعالي بابا عايزك.
ترقبت وتساءلت باحترام:
– خير يا ماما حصل حاجة؟
أردفت والدتها بهدوء:
– تعالي بس يا حبيبتي وأنتِ هتعرفي.
أغلقت كتبها ووقفت تخطو خلف والدتها حيث صالة المنزل.
وجدت والدها وشقيقها يجلسان يتناقشان في أمرٍ ما.
ألقت السلام وجلست بينهما بترقب فطالعها والدها بحنو مردفاً:
– دلوقتي يا بنتي محمد ابن عمتك طالب إيدك مني. بالنسبالي هو شاب كويس وتحت عيني في المدرسة ومدرس ممتاز بعيداً بقى عن إنه ابن أختي. بس أكيد رأيك هو الأساس. فشوفي يا بنتي وفكري كويس وأنا معاكي.
لا تعلم لما انقبض قلبها ونظرت لهما بتوتر ثم أردفت:
– أيوه يا بابا بس حضرتك عارف إني داخلة على امتحانات وكده!
أردف شقيقها حسن بهدوء:
– هو فعلاً بابا مكنش هيكلمك دلوقتي يا كارى بس أنا قولته يعرض عليكي الموضوع تفكري لأن محمد لو إنتِ قبلتي هيعمل خطوبة بعد الامتحانات علطول قبل ما يسافر. لأن جاله إعارة في السعودية وهيسافر قريب. علشان كده فكري وبلغي بابا هتعملي إيه؟
أومأت تردف بهدوء:
– حاضر يا بابا. مع إن الموضوع بالنسبالي محسوم. أنا بعتبر أولاد عماتي وأعمامي زي إخواتي وبعدين حضرتك عارف إن جواز القرايب أوقات بيعمل مشاكل بين العيلة. ومحمد شاب محترم وكويس جداً بس بالنسبالي هو زيه زي حسن.
أومأ والدها وأردف بترقب:
– يعني مش موافقة؟
نظرت لوالدها بصمت فعلم أنها رافضة لذلك أومأ وتابع:
– تمام يا كاريمان. بس برضو فكري يا بنتي. وأنا مش هرد عليه غير بعد يومين تكوني أخدتي قرارك الأخير.
أومأت ووقفت تردف برتابة:
– تمام يا بابا عن أذنكوا. هدخل أكمل مذاكرة.
***
بعد مرور يومان.
تعجب فيهما حمزة من أمره ومن عقله الذي احتلته التفكير بها. لقد رأى في عينيها نظرة الحب له.
يعلم جميع النظرات من حوله سواء كانت طمع أو إعجاب ولكنه يتجاهل جميعها إلا نظرتها التي احتلت عقله ليومين. لمعة عينيها تكشف أمرها.
يقنع نفسه أنه لا يكن لها أي مشاعر فهو مؤمن بالتكافؤ الاجتماعي الذي زرعه بداخله والده.
ولكنه أحب نظرتها الصادقة له. حوله من النفاق ما يجعله يسعد لاستقبال هذه المشاعر الصادقة منها بترحاب.
أحب الحالة الخاصة التي انبعثت منها تجاهه.
حسناً، ليس في استطاعته أن يعطيها حباً أو يبادلها ما تريده، ولكن لن يمانع من استقبال ما تظهره عيناها.
يجلس خلف مكتبه يلف الهاتف بين يده بترقب. يحاول إيجاد حجة مناسبة ليهاتفها ولكن الأمر مجهد بالنسبة له وغير منطقي. لما سيهاتفها وبأي هدف؟ لذلك استسلم وترك لها أخذ تلك الخطوة.
رن هاتف مكتبه ليخرجه من شروده فرفعه وأجاب:
– أيوه يا بابا اتفضل؟
أردف سالم بجمود كعادته:
– حمزة تعالى لي على المكتب فيه شوية عقود لازم نتناقش فيها أنا وانت.
أغلق مع والده ووقف يتجه إلى مكتبه بترقب ليرى ماذا هناك وليشغل عقله عنها قليلاً. فقصتهما أشبه بالمستحيل.
***
في منزل حمدي الفولي.
تجلس ريتان في غرفتها تتمعن في كتبها حيث أن الامتحانات على الأبواب وهي كالعادة لابد أن تحصل على امتياز.
دَلفت عليها بسمة تطالعها بسخرية كعادتها مردفة:
– أنا مش فاهمة آخرة كل ده إيه؟ يابنتي هي شهادة وخلاص مفكرة نفسك هتعينى وزيرة؟
تنهدت ريتان ونظرت لشقيقتها التي تصغرها بأربعة أعوام قائلة بهدوء:
– بسمة أنا فعلاً عايزة أركز تماماً ومش مستعدة أبداً لأي جدال معاكي. لو سمحتِ روحي على أوضتك وسبيني أذاكر.
قلّبت عيناها بضجر وربعت ذراعيها تردف بفظاظة وعناد:
– أنا أقف في المكان اللي يعجبني. مش إنتِ اللي هتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه.
تأففت ريتان وأردفت بهدوء نسبي:
– روحي يا بسمة ذاكري. كفاية استهتار لحد كده. إنتِ في ثانوية عامة يعني بجد لازم تكوني واكلة الكتب أكل دلوقتي.
ضحكت بسمة ساخرة وأردفت بلا مبالاة:
– ليه يعني أحرق دمي وأعصابي وفي الآخر اللي ليهم واسطة هما اللي ينجحوا ويعلوا وأنا لأ. علشان إحنا بنات الطبقة الفقيرة محدش هيعملنا قيمة.
وقفت ريتان بعد أن استُفزها حديث شقيقتها واتجهت تقف أمامها مردفة بضيق:
– متقوليش كده يا بسمة. لكل مجتهدٍ نصيب. إحنا بنعمل اللي علينا وخلي عندك ثقة في ربنا. طب ما أنا أهو قدامك الحمد لله دايماً بجيب امتياز والكل عارف إني متفوقة في دراستي ومحدش يقدر ينكر مجهودي.
نظرت لها بسمة وأردفت ساخرة وهي تشير على عقلها:
– ريتان إنتِ مصدقة نفسك؟ فوقي بقى من الوهم ده. متفوقة جداً بس أول ما تتخرجي هتقعدي في البيت وشهادتك هتترمى في الدرج. إنما أولاد الأغنياء هما اللي هيتعينوا في أحسن الأماكن كمان. هو ده النظام اللي ماشي في الدنيا كلها.
طالعتها ريتان بضيق. هي ليست بحاجة لجرعة الإحباط هذه الآن. لا، لن تستمع إليها. زفرت وأردفت وهي تدفعها للخارج:
– لأ إنتِ فعلاً تخرجي وتسبيني. كلامك بجد يخنق.
أخرجتها وأغلقت الباب واتجهت تكمل مذاكرتها بعد أن عكر حديث بسمة صفوها.
بينما اتجهت بسمة لوالدتها جميلة كالعادة لتشكو إليها أفعال ابنتها معها مدعية الاستعطاف الذي تستقبله جميلة بمواساة لهذه المدللة.
أما ريتان فقد أغلقت كتابها وجلست لتهدئ أفكارها بعد أن أغضبها هذا الحديث الهادم لأحلامها. هو يعود حمزة ويحتل عقلها بملامحه ولطفه معها. تنهدت بعمق ثم أردفت هامسة تحدث نفسها:
– هو فعلاً كلام بسمة صحيح وأنا عايشة في زمن الأحلام؟ ولا فعلاً أنا صح وممكن اللي بتمناه يتحقق؟ ممكن تكون بتحبني فعلاً يا حمزة وتتحدى الكل علشاني؟
زفرت بقوة واتجهت تلتقط هاتفها وتظهر صورته التي احتفظت بها من على صفحته الشخصية عبر حساب الفيسبوك الخاص به.
تطالعها بعيون لامعة وتنهيدة معذبة وهي تتمنى أن تتحقق أقوى أماني قلبها البريء الذي لم تدنسه الأيام بعد.
أغلقت الهاتف واتجهت لتتوضأ وتؤدي فرضها لتدعو ساجدة دعوتها الدائمة بأن يجعله الله من نصيبها.
***
بعد مرور يومان في منزل سناء ليلاً.
حيث تجلس في غرفتها بعد أن ناما صغارها تفكر في الماضي والحاضر.
كيف تجد مخرجاً من هذا الحصار الجبري الذي يضغط على روحها؟ كيف تستطيع الخلاص هي وصغيريها من هذا العقد الذي أجهدها واستنزف طاقتها وقدرتها على التحمل؟
لن تسامح والدها أبداً على هذه الزيجة، لذلك فإن اللجوء إليه مستحيل. بالأساس لن يدعمها وسيخذلها كعادته، ولكن كيف الخلاص؟
رفعت رأسها إلى الأعلى تطلب بصدرٍ منقبض ورجاء خفي داعية:
– ياااارب ياااارب قَوِّني يارب. تعبت ومبقتش قادرة أتحمل. إنتِ عالم بحالي ياااارب.
تنهدت وكادت أن تتمدد لتغفو ولكن رن هاتفها فتعجبت من المتصل وتناولته تنظر لشاشته التي أضاءت برقمٍ غير مسجل.
تعالت وتيرة أنفاسها لا تعلم لما وقررت أن لا تجيب ولكن لا تعلم متى سبقها إصبعها وفتحت الخط تستمع بترقب فأردف أحدهم:
– الو؟ مدام منصور السوهاجي معايا؟
أردفت بصوت خافت وتوتر:
– مين معايا؟
أردف الآخر بأسف:
– أنا آسف بس جوز حضرتك عمل حادثة بالعربية وهو حالياً في مستشفى ****.
استقبلت الخبر بصدمة وتجمد جسدها حتى أن الهاتف ظل معلقاً على أذنها، ولكن لا إرادياً لم تستطع إيجاد الحزن داخلها. تبحث عنه كمن تبحث عن إبرة في كومة قش دون جدوى.
بعد أن استوعبت الأمر نظرت للهاتف ووجدته مغلقاً، يبدو أن الطرف الآخر أدرك صدمتها وأغلق.
وقفت بخطى متخبطة تتجه لخزانتها وتسحب منها إحدى الغيارات وأبدلتها بتوتر ونزلت للأسفل تنادي على المساعدة التي استيقظت من نومها بتعجب متسائلة:
– خير يا ست سناء فيه حاجة؟
أردفت سناء بتيه:
– خدي بالك من الأولاد. أنا لازم أخرج حالاً.
أوقفتها المساعدة متسائلة بقلق:
– هتخرجي فين دلوقتي بس يا ست سناء؟ هو حصل حاجة؟
أردفت بتشتت وتيه:
– منصور. منصور عمل حادثة وكلموني من المستشفى. أنا لازم أروح. كلمي حمزة ييجيلي ضروري.
أخبرتها بعنوان المستشفى وغادرت في سيارتها التي لم تقدها منذ زمن بل يقودها السائق، ولكن الأمر الآن لا يحتمل الانتظار. تقود بيدٍ مرتعشة إلى العنوان المنشود. الصمت يعم المكان ولكن الضوضاء داخلها مزعجة. تداهمها الأفكار بشدة.
هاتفت المساعدة حمزة الذي استيقظ مفزوعاً يجيب بترقب:
– ألو؟
أردفت السيدة:
– أيوه يا حمزة بيه. سناء هانم قالتلي أكلم حضرتك تلحقها على مستشفى *** لأن منصور بيه عمل حادثة وأخدوه على هناك.
وقف حمزة مسرعاً وأغلق الهاتف وأبدل ملابسه ونزل على الفور يستقل سيارته ويلحق بشقيقته الكبرى حيث المستشفى دون إيقاظ أحد.
***
وصلت سناء أمام المشفى.
صفت السيارة بإهمال وترجلت تخطو للداخل.
سألت عنه واستدلت على غرف العمليات فأسرعت تسير في الردهة الطويلة التي لم تنتهِ لتكف من توترها وتسارع نبضاتها.
وقفت أمام الباب الفاصل عندما لاحظت خروج إحدى الممرضات فأوقفتها تردف بجسد مرتعش متسائلة:
– لو سمحتِ أنا زوجة منصور السوهاجي. هو فين دلوقتي؟
طالعتها الممرضة بتعجب وشفقة وأردفت بترقب:
– اتفضلي اقعدي هنا والدكتور هيخرج يطمنك. هو جوه في العمليات.
غادرت الممرضة وتركتها تطالع أثرها بصدمة. ما زال عقلها لا يستوعب فكرة إصابته وربما موته. لقد رأت منه ما جعلها تظنه خالداً مخلداً في هذه الدنيا بسبب قسوته وظلمه معها ومع أطفاله.
نظرت للمقاعد المعدنية وخطت تجلس عليها لتضم قبضة يدها اليمنى وتضعها على فمها بتوتر منتظرة خروج أحدهم.
***
بعد عدة ساعات.
تجلس سناء مجاورة لحمزة الذي أتى إليها يحتويها بحنو.
تستكين بين ذراعيه بهدوء بعدما شعرت بالأمان قليلاً في وجوده. ولكن يبقى عقلها يفكر بخوف في ماذا يخبئ لها القدر.
طالعها بعمق ثم أردف مطمئناً:
– خير إن شاء الله يا سناء متقلقيش.
نظرت له بهدوء ظاهري عكس بعثرتها الداخلية. أين القلق وأين الحزن؟ أين ذهبت تلك المشاعر؟ داخلها مشتت. ستجن حتماً. المفترض أنه زوجها وأب توأمها، إذاً ما هذا البرود؟ فلتحزن قليلاً يا قلبي ولتنسى قسوته الآن.
خرج الطبيب من غرفة العمليات بملامح حزينة فوقف حمزة ووقفت سناء تستند عليه ثم تساءل حمزة بترقب قائلاً:
– خير يا دكتور منصور عامل ايه؟
تنهد الطبيب وأردف بحزن ظاهر:
– البقاء لله.
صُعق حمزة ووضع باطن كفه على فمه بينما هي حضرت دموعها وتكونت في مقلتيها. يبدو أنها أتت الآن لتساعدها. سقطت العبرات من عينيها وبدأت تتوالى وتنظر لحمزة لتسأله وتتأكد مردفة بصدمة وعدم استيعاب:
– مات؟ مات يا حمزة؟ منصور ماااات؟
احتضنها شقيقها بقوة ظناً منه أنها ستقع ولكنها تتأكد من أن عذابها انتهى حقاً. أحقاً استجاب الله لها اليوم وخلصها من ظلم هذا الرجل؟ ولكن دعاء اليوم كان ككل ليلة. ما هذا إن كانت تتوهم وهو لم يمت؟ وماذا عن توأمها؟ ماذا ستقول لهما؟
أردف الطبيب حينما رأى حالتها:
– إحنا عملنا اللي علينا وحاولنا نسعفه بس الحادثة كانت قوية على الدماغ. أنا آسف البقاء لله.
تركهما وغادر ووقف حمزة يحتضنها بصدمة بينما هي تنتحب، تشعر بحالة عجيبة حقاً. لا تعلم أتُسعد بخلاصها أم تحزن على يُتم توأمها.
***
في اليوم التالي.
في العاصمة الفرنسية باريس.
يجلس ناصف مع مها في إحدى المطاعم يتناولان وجبتهما سوياً فهما صديقان مقربان حيث تعرفا على بعضهما في تلك البلد.
ابتسمت مها وأردفت بترقب:
– من أول بكرة هتاكل لوحدك يا ناصف. أنا هنزل مصر خلاص.
تأفف ناصف وأردف بضجر:
– مش عارف إنتِ متحمسة للنزول ليه؟ فيها إيه يعني حلو هناك عايزة تنزلي علشانه؟
زفرت قائلة:
– ولا أي حاجة. ده بابا وماما هما اللي مصممين إني أنزل بما إني خلصت دراستي. إنما أنا فعلاً عايزة أعيش هنا على طول وأحقق أحلامي كلها هنا.
أومأ مؤيداً يردف:
– ومين يكره العيشة هنا. حرية بدون تعقيد ولا قيود. بس أوكي انزلي وحاولي تقنعيهم وارجعي تاني.
شردت تفكر في حديث والدها قائلة:
– بابي وعدني إنه هيكتبلي جزء كبير من الأسهم باسمي وأنا اللي أديرها بنفسي. وقال إني أقدر أحقق أحلامي زي ما أنا عايزة. كمان فيه مشروع عريس لقطة. وإنت عارفني بحب الراجل المصري.
ضحك ناصف وأردف بتعجب:
– ههههههه. غريبة. مش كتير بيفكروا زيك كده؟ ما أنا مصري وقدامك أهو لسه عازب لحد دلوقتي.
ابتسمت بخبث وأردفت:
– إنت مصري بس أطباعك اتحولت. بقت أوربية يا ناصف. إنما الراجل المصري عامةً تحدي بالنسبالي. صعب تعرف هو عايز إيه وبيفكر إزاي. وأنا بحب التحديات جداً. يعني تقدر تقول إن الوضع بالنسبالي زي صفقة ولازم آخدها. علشان كده هستقر هناك الفترة دي وأحقق أحلامي ويمكن مع الوقت أرجع أنا وهو فرنسا. ياعالم.
فكر قليلاً ثم طالعها يردف متسائلاً:
– ولو مقدرتيش تكسبى الصفقة دي؟ هترجعي على هنا لوحدك تاني؟
ضحكت بغرور وأردفت بتأكيد:
– نسيت إني مها أبو الدهب يا ناصف ولا إيه؟ احتمال إني أخسر مش موجود أصلاً.
أومأ بصمت وبدأ يتناول وجبته وهي كذلك ولكن رن هاتفه فتحمحم وترك طعامه وتناول هاتفه ليجيب فوجده رقم مصري فتعجب ونظر لمها قائلاً:
– اتصال من مصر!
فتح الخط وأردف بترقب وهي تطالعه:
– ألو؟
أردف الطرف الآخر:
– أستاذ ناصف أنا الأستاذ منعم محامي الأستاذ منصور أخو حضرتك.
تعجب ناصف من هذا الاتصال وأردف وهو ينظر لمها التي تميل برأسها:
– خير يا أستاذ منعم؟
أردف الآخر بتوتر:
– البقاء لله الأستاذ منصور اتوفى. ياريت حضرتك تنزل مصر في أقرب وقت.
صُدم ناصف وأنزل الهاتف ببطء وهو يطالع مها التي تعجبت وتساءلت بقلق:
– خير يا ناصف فيه إيه؟
صمت لثوانٍ ثم أردف بنبرة متحشرجة حزينة:
– أخويا منصور مات.
شهقت وطالعته بصدمة لثوانٍ.
ثم مدت يدها ووضعتها على كفه تردف بمواساة:
– البقاء لله يا ناصف. هتعمل إيه؟
تنهد بعمق وشرد لثوانٍ ثم قال وهو يطالعها:
– هنزل مصر معاكي.
***
في منزل حمدي.
تقف جميلة بملابس رسمية سوداء تردف لزوجها:
– يعني هنروح بيت سناء هانم يا حمدي ولا العزا عند سالم بيه؟
أردف حمدي بهدوء:
– لأ يا جميلة العزا في بيت سناء هانم. هي مقبلتش تروح عند سالم بيه.
تنهدت جميلة بحزن وتساءلت:
– هي لسه زعلانة معاه يا حمدي؟
أومأ يردف بحزن:
– لسه يا جميلة. مع إنه أبوها مهما كان وكان وقتها رايد مصلحتها. وبعدين هي اتجوزت وخلفت واللي عرفته إن جوزها ده كان بيحبها.
أردفت جميلة بشفقة:
– يا عالم يا حمدي جواها إيه بس سناء هانم طيبة وبنت حلال ومتواضعة. أكيد زعلها ده مش من فراغ.
أومأ يردف بتعجل:
– يلا بس يا جميلة علشان منتأخرش على العزا.
أومأت جميلة وأردفت بصوت عالٍ:
– ريتاااان. يالا يا بنتي هنتأخر.
خرجت ريتان من غرفتها ترتدي ملابس سوداء أيضاً وحجاب أسود واتجهت إليهما تردف بهدوء:
– أنا خلصت يا ماما. يالا نمشي.
أومأت لها وخطوا ثلاثتهم للخارج.
***
في مطار القاهرة.
ولجا ناصف ومها للخارج يسحبان حقائبهما.
التفتت تنظر إليه مردفة بترقب:
– بابي باعتلي العربية. إنت هتروح على الفندق؟
تنهد يومئ مردفاً وهو يدخن سيجارته:
– أيوه هروح أسيب شنطتي في الفندق وبعدين هطلع على فيلا منصور.
أومأت له وودعته واتجهت تستقل السيارة التي أرسلها لها والدها وغادر السائق، بينما استقل ناصف سيارة أجرة وغادر إلى الفندق.
***
بعد ساعة.
في فيلا منصور.
تجمع الرجال في حديقة الفيلا لواجب العزاء، بينما النساء يجلسن في الداخل تواسين سناء.
جاء حمدي وزوجته وابنته ريتان ودخلوا من بوابة الفيلا فرآهم حمزة الذي وقف وأخذته قدماه إليهم بعد أن رآها.
توقف أمامهم فمد حمدي يده إليه يردف بود واحترام:
– البقاء لله يا حمزة بيه.
أومأ حمزة قائلاً برتابة وهو يبادله السلام:
– البقاء والدوام لله يا عم حمدي.
التفت إلى جميلة وأردف بود:
– ازيك يا خالة جميلة؟ اتفضلوا جوه.
أومأت له تردف بحنو:
– الله يسلمك يا ابني تسلم والبقاء لله.
أومأ لها بهدوء، بينما هي سحبت ريتان التي تطالعه بعيون لامعة وصمت وبادلها هو بنظرة متفحصة قبل أن تختفي مع والدتها داخل المنزل. بينما اتجه حمدي معه لمعشر الرجال.
دلفا الفيلا واتجهت على الفور جميلة إلى سناء الجالسة في منتصف البهو وسلمت عليها وقامت بتعزيتها.
اتجهت ريتان أيضاً لتسلم، ولكن بادرت سناء بعناقها بحنو وأجلستها مجاورة لها.
تحبها كثيراً منذ أن تركت منزل والدها وقررت العصيان ورفض هذا المنصور وقد اتجهت لمنزل حمدي تظن أنها تحتمي به وظلت عنده ليومين أقامتهما في غرفة ريتان بعد أن قام سالم بتعنيفها.
ولكن يبقى تجبره سائداً حيث أنه تركها هناك، وبعد أن عادت مطمئنة ظناً منها أنه اقتنع، فاجأها بحضور المأذون والشهود وإتمام الزواج رغماً عنها. حاولت صفية التخفيف من على عاتقها بأنها تستطيع تغيير هذا الرجل. ولكن أيا صفية، هل استطعتِ أنتِ تغيير هذا سالم قاسي القلب؟
من بعدها وقد أصبحت سناء مقربة من ريتان وبرغم فارق السن بينهما إلا أن هذا لا يمنع تكوين صداقتهما.
بعد دقائق مالت سناء على ريتان قليلاً وأردفت بهمس:
– ريتان ممكن لو سمحتِ تطلعي تشوفي سليم وتقى؟
أومأت ريتان ووقفت تتجه لوالدتها ثم استأذنت منها وصعدت للأعلى لتطمئن على التوأم.
بعد قليل دخل ناصف الفيلا ينظر للوجوه التي التفتت إليه. دلف بينهم بملامح حزينة.
اتجه يتبادل السلام مع سالم الجواد وأولاده ووقف يستقبل عزاء أخيه.
لم يكن بداخل أي فرد من الموجودين مشاعر حزن حقيقية. كان السائد هو ادعاء الحزن. وهذا يرجع لقسوة منصور وظلمه لأهل بيته أولاً وللأقل شأناً منه ثانياً. نعلم أن الطيبون يرحلون سريعاً ولكن الله بحكمته إذا أراد أن يقضي أمراً فإنه يقول له كن فيكون ولتنتهِ رحلة هذا الزوج القاسي هنا.
بعد ساعات قليلة انتهى العزاء وغادر الجميع إلا العائلة وأسرة حمدي الذي أمره سالم بالانتظار حتى يوصله.
اتجه ناصف إلى داخل الفيلا ليرى توأم شقيقه. رأته سناء التي تجلس مجاورة لزوجة أبيها وابنة عمها وجميلة.
اتجه يمد يده مردفاً بهدوء:
– أزيك يا سناء. البقاء لله.
أومأت له بملامح مجهدة تردف بترحاب:
– الحمد لله يا ناصف. جيت إمتى؟
أردف بتنهيدة وهو يبحث بعينيه:
– وصلت من كام ساعة وجيت على بره. سليم وتقى فين؟
أشارت له بهدوء:
– فوق في أوضتهم. تعالي وأنا آخدك عندهم.
أومأ بصمت وصعد برفقتها. يعلم أنها عانت كثيراً مع شقيقه المتوفي. يعلم أنه كان يعنفها ودائماً كان ينصحه بأن لا يفعل ولكن يبقى سوء تربية أبويهما لهما هو المسيطر على أطباع شقيقه. يعلم أنهما لم يجدا حياة هادئة هنا لذلك قرر ناصف ترك عائلته وممتلكاتها والسفر خارجاً إلى فرنسا كي يعيش بعيداً عن التوتر النفسي الذي عاناه في صغرهما.
في الأعلى كانت ريتان تجلس مع الصغار تقرأ لهما قصة كرتونية ويستمعان إليها بانتباه.
فتح الباب وولجت سناء وخلفها ناصف ولكنها توقفت تردف بأسف عندما لاحظت تصنم ريتان:
– ريتان أنا آسفة أنا نسيت إنك هنا.
وقفت ريتان بخجل من وسط الصغيرين البالغين من العمر ٤ سنوات وأردفت قائلة بتروي:
– لأ أبداً مافيش حاجة. أنا كنت بقرا قصص كرتون لسليم وتقى. اتفضلوا وأنا همشي لأني اتأخرت أكيد ماما بتستناني.
تعلقا فيها الصغار وأردفت تقى بطفولة:
– لا متمشيش كمللنا القصة بليييز.
نظرت سناء لتوأمها وكذلك ناصف الذي يتابع بتتمعن ثم أردفت:
– سيبي مس ريتان تروح دلوقتي يا تقى لأنها اتأخرت وتعالي سلمي على عمو ناصف. يالا يا سليم.
خطى ناصف إليهما ودنى يقبلهما واندماجا معه التوأم، بينما تقدمت سناء من ريتان وأردفت:
– شكراً يا ريتا. وأسفة أخرتك. عمو حمدي راح يوصل بابا وطنط حياة تحت. أنا هقول لحمزة يوصلكم.
نبض قلبها بعنف فرحاً من ما سمعته ولكنها أردفت بهدوء ظاهري وعيون لامعة:
– مفيش أي شكر. عن إذنكوا.
غادرت واستأذنت سناء من ناصف ونزلت معها، بينما هو تابعها بعينه إلى أن رحلت ثم جلس يتحدث مع توأم شقيقه.
نزلتا للأسفل ووقفت جميلة تستعد للمغادرة بعد أن ودعت سناء التي خرجت معهما إلى الحديقة تنادي على حمزة الذي كان يقف مع مراد وفريد شقيقيه وأردفت:
– حمزة! ممكن لو سمحت توصل طنط جميلة وريتان؟
لا يعلم ما تلك الفرحة التي أصابته، بينما ضحك فريد بخبث ساخراً من أفعال شقيقته. أتطلب من أخيها أن يوصل أسرة سائقهم؟
أما حمزة فتفكيره الآن مختلف، يشعر بالراحة تتوغله لا يعلم سببها لذلك أردف بهدوء:
– تمام اتفضلوا.
شكرتها جميلة واتجهتا إلى سيارة حمزة الذي التفت ينظر لفريد مردفاً:
– فريد ابقى وصل ماما وشيرين على الفيلا.
أما مراد فقد حُرم من القيادة بسبب سرعته الزائدة لذلك سحب والده سيارته منه.
صعدا السيارة واستقل هو مكانه وقاد بهما إلى منزلهما.
في الطريق تحدثت جميلة مردفة بحنو:
– متشكرين يا ابني تعبناك معانا. أنا قولت لسناء هانم مالوش لزوم كنا وقفنا أي تاكسي.
تحمحم حمزة ونظر في المرآة الأمامية فالتقت عيناه بعين ريتان التي تسارعت نبضاتها كأنها تركض أميال دون توقف ولفتت نظرها سريعاً عنه، بينما هو أردف متلعثماً:
– لأ أبداً يا خالة جميلة حضرتك زي والدتي. وبعدين الوقت اتأخر وصعب تلاقي مواصلة دلوقتي.
ابتسمت جميلة لكلامه وأسلوبه قائلة:
– تسلم يابني ربنا يعزك.
بينما ريتان كانت تبني قصورها الهاوية بعد كل كلمة يقولها معتقدة أنها تقترب رويداً رويداً من تحقيق حلمها.
قاد بصمت ثم أردف بترقب بعد أن حسه عقله على طرح سؤال قائلاً:
– إيه يا ريتان. جاهزة للامتحانات؟ أنا مراهن فريد عليكي.
قالها بنبرة مازحة ولكن بداخله كان يود سماع صوتها الذي لم يسمعه قط.
تسارعت نبضاتها مجدداً بعد أن هدأت لتوها.
أردفت بحماس ونبرة ناعمة وواثقة:
– اطمن أكيد زي كل مرة إن شاء الله.
سحب شهيقاً قوياً وأومأ يردف بثقة لا يعلم من أين حصل عليها:
– أنا متأكد من ده.
أكمل قيادته إلى أن أوصلهما أمام منزلهما وانتظر حتى أن صعدا وغادر بعدها متعجباً من تلك الحالة التي أصابته بعد أن تشبع قليلاً من رؤيتها، ولكن ما زال ينكر ويؤكد لنفسه أن حالته تلك ليس حباً إنما إعجاباً بشخصيتها الغريبة وشموخها الظاهر للجميع.
***
بعد يومين في فيلا شوقي أبو الدهب.
تنزل مها من أعلى الدرج ترتدي خفاً ذو كعب عالياً وتخطى بغرور متجهة إلى والديها حيث وقف شوقي يستقبلها مردفاً بفخر:
– صباح الورد يا قلب بابي. تعالي يا حبيبتي علشان تفطري.
اتجهت تقبل وجنته وأبتسمت له تردف بتعالي:
– بتضحك عليا يا بابي؟ فين الحفلة اللي وعدتني بيها أول ما أنزل؟
كاد أن يجيبها ولكن تحدثت سعاد بغرور:
– بابي أجلها يا مها علشان حالة الوفاة اللي حصلت عند سالم الجواد. بس أنا شايفة إن مالوش لزوم أبداً. أنا مش شايفة أصلاً حد زعلان على موت منصور. محدش كان بيطيقه أصلاً.
جلست مها على مقعدها تتناول التوست ثم أردفت بجمود:
– بس فلوسه كانت مغطية على أي عيوب فيه. وأكيد سناء بعده هتعيش في مستوى اجتماعي ممتاز. يعني المفروض تدعيله.
أردف شوقي وهو يرتشف قهوته:
– فعلاً معاكي حق يا مها. والأكيد إن ناصف هيستلم الشركة بعده. بس محدش عارف بقى الصفقات المشبوهة اللي كانت بتم نظامها إيه بعد موته.
تعجبت مها وتساءلت:
– معقول؟ هو كان ليه في كده يا بابي؟
ضحك شوقي ساخراً وأردف ببرود:
– ده هو اللي اخترع كده. منصور شغله مع ناس خطر وأكيد لو ليهم عنده بضاعة مش هيسكتوا.
أردفت بترقب:
– أيوه يا بابي بس ناصف مالوش في الشغل ده. مش هيوافق.
أردف شوقي بلا مبالاة:
– مش عارف. بس هو عارف كويس الناس دي تقدر تعمل إيه. لو فعلاً فيه صفقات لسه متمتش يبقى مفيش مفر غير إنه يقبل يكمل اللي منصور بدأه. بس ياريت يبقى ذكي زي أخوه وميكشفش نفسه.
أومأت تتناول طعامها بشرود بينما استرسل شوقي بترقب:
– المهم دلوقتي سيبك من كل الكلام ده وركزي مع حمزة الجواد. أنا عايز حمزة ابن سالم يكون هو جوز بنتي الوحيدة علشان أبقى مطمن عليها.
تعجبت من حديث والدها وأردفت:
– يا سلام؟ اشمعنى يعني يا بابي؟ فيه إيه مميز يعني حمزة ده؟ أفرض إني مش هحبه ولا هطيقه؟
أردفت سعاد بتعالي ساخرة:
– فلوسه هتغطي على عيوبه. مش ده كلامك يا مها؟ وبعدين حمزة شاب من النوع الهادي والملتزم. بس هو برضو ابن سالم الجواد. يعني أكيد وارث منه أطباع. وأظن مش هيلاقي لا أجمل ولا أحسن منك يرتبط بيها.
نظرت لهما باستنكار وأردفت ساخرة:
– ده عريس لقطة بقى. طيب خليني أشوفه وأقيمه بنفسي.
نظر شوقي إليها يردف بثقة:
– هتشوفيه يا ماهي. هتشوفيه وهتحبيه جداً. أصله كاريزما وشكله جذاب ومن النوع المفضل عندك.
ضحكت على حديث والدها تردف بتعالي:
– سيبك من ابن سالم يا بابي وقولي أخبار الأسهم إيه؟ أنا متحمسة أبدأ المشاريع اللي بخططلها من فترة.
أومأ شوقي يردف بتروي:
– قريب يا حبيبة بابي. بس حالياً ركزي مع حمزة. واسمعي هقولك إيه.
صب نظره عليها وتطلعت هي عليه بتركيز فتابع:
– إنتِ بنتي الوحيدة يا مها. صحيح أنا بحبك جداً وبعملك كل اللي إنتِ عايزاه أنا ومامتك بس لازم بردو أدور على مصلحتك ومستقبلك. وحاولي تتنازلي شوية عن أفكار الغرب اللي أثرت عليكي دي. حمزة راجل مصري صعيدي. فهماني؟
نظرت له سعاد بحدة وأردفت:
– إيه الكلام ده يا شوقي. إنت عايزها تتخلى عن كيانها وأحلامها علشان خاطر ابن صاحبك؟ لاء طبعاً مها لازم تثبت نفسها وتتباهى بإنها مها أبو الدهب.
نظر شوقي لسعاد بحنق وأردف:
– هدي اللعب يا سوسو شوية. البنت محتاجة نصيحة تمشي عليها مش كده. أنا مش بقول تتنازل عن أحلامها. أنا بقول إن فيه أولويات في حياتها.
ردت مها وأردفت بتعالي:
– وأنا أولوياتي هو اسمي يا بابي. اسمي ومكانتي هما اللي هيخلوا الكل يعملي ألف حساب.
طالعتها سعاد بفخر، بينما نظر لها شوقي بالقليل من القلق.
***
في شركة السوهاجي.
يجلس ناصف خلف مكتب شقيقه وأمامه المحامي الخاص به يتحدث بترقب قائلاً:
– مينفعش حضرتك تسافر وتسيب كل ده؟ حضرتك لازم تنفذ وصية منصور بيه وتتولى منصبه. سفرك حالياً يعني انهيار الشركة اللي هو ووالدك عاشوا عمرهم يبنوها.
أردف ناصف بحدة:
– أنا مش هعرف أمشي الشغل زي منصور ولا عايز أفضل هنا. إنت ليه مش قادر تفهم؟ شوف حد يتعين ويدير الشركة مكاني. أنا أسست حياتي بره وصعب أكمل هنا.
أردف المحامي بهدوء محاولاً إقناعه:
– يا ناصف بيه أخوك الله يرحمه ليه أعداء كتير وأولاده محتاجين لك ده غير إن مش معقول هتسيب أسهم بالملايين في إيدين ناس غريبة.
زفر ناصف بضيق وصمت لدقائق يفكر ثم أردف بتساؤل وقلق:
– وال شغل إياه؟ إيه أخباره؟ أنا مش عايز رجلي تيجي مع الجماعة دول خالص.
أومأ المحامي يردف باطمئنان كاذب:
– اطمن يا ناصف بيه. من حسن الحظ إن منصور بيه مخلص معاهم قبل وفاته.
تنهد بارتياح ثم أشار للمحامي قائلاً:
– اطلع إنت وأنا هفكر وأبلغك قراري الأخير.
غادر المحامي وترك ناصف يفكر فيما سيفعله وكيف سيتحمل المكوث مجدداً في مصر. عليه أن يهدأ ويفكر بتأني. الأمر ليس هين والبقاء هنا ليس سهلاً أبداً ولكن ليفكر قليلاً في شركة عائلته وتوأم شقيقه.
***
بعد أسبوع.
في فيلا سالم يجلس على مائدة الإفطار يتناول فطوره مع أسرته ثم أردف بترقب وجمود:
– الكل يعمل حسابه إننا النهاردة هنعمل زيارة لشوقي علشان رجوع بنته مها من فرنسا. كانت المفروض الزيارة دي تتم من أسبوع فات بس أجلتها بسبب وفاة منصور. أجهزوا كلكوا على الساعة ٧ هنمشي.
تحمحم حمزة ونظر لوالده يردف باحترام:
– بعد إذنك يا بابا اعفيني أنا من الزيارة دي. أنا عندي شغل كتير جداً النهاردة في الشركة. ويمكن أسهر لوقت متأخر.
وقف سالم على حاله يطالعه بجمود ويردف بنبرة صارمة دالة على عدم قبوله أي عذر:
– وأنا المدير العام وبقولك الشغل يتأجل. ولازم إنت بالذات تكون موجود. فاهم؟
نظر حمزة للجميع بصمت وحزن داخلي على معاملة والده القاسية والتقليل من شأنه دائماً إن حاول أخذ قرار.
وقف حمزة ولأول مرة يعترض قائلاً:
– يا بابا لو سمحت متضغطش عليا. أنا مش حابب الزيارة دي. ولو جيت مش هكون مرتاح.
طالعه سالم بعمق وقد فهم أنه بدأ يفيض فتنهد وأردف بمكر ودهاء:
– اسمعني يا حمزة. علشان تبقى راجل أعمال ناجح لازم تعرف تساير أمورك كويس. شوقي أبو الدهب له اسمه وأنا مخلتهوش شريك ليا بالساهل. وأنا كل ما أملك ليك ولأخواتك من بعدي. فلو مش هتقدر تحافظ على اللي بنيته وتكبره بذكائك يبقى الأفضل تتنحى على جنب وأخواتك يقوموا بدورك.
أسرعت والدته تردف بقلق وهي تطالع ابنها بترجي من فهمها مغزى حديث زوجها:
– اسمع كلام باباك يا حمزة هو عايز مصلحتك. وبعدين يا حبيبي دي زيارة بسيطة وتعارف مش أكتر. لو ليا خاطر عندك؟
زفر يشعر بالاختناق وأردف:
– أفهم بس لزمته إيه وجودي يا ماما؟ اعتذرولهم نيابة عني. حضوري مالوش أي داعي.
أردف سالم بمكر:
– فكر في مصلحة العيلة يا حمزة. إنت ذكي وفاهم كويس إن وجودك مهم معانا. إنت مش أناني. فكر في مصلحة الكل.
نظر لوالده بقوة وفهم عليه جيداً. استسلم كعادته لحديثه وغلبته نظرة والدته فتنهد يردف بقبول:
– تمام. تمام يا بابا اللي تشوفه.
اتجه سالم ووضع كفه على كتفه يطالعه بعيون حادة مردفاً بمغزى أمام أولاده جميعهم:
– المستوى الاجتماعي اللي إنت عايش فيه هو اللي بيخلي الكل يعملك ألف حساب. الضعيف والفقير محدش بيتعامل معاهم. الناس بتحب تكسب رضا القوى دايماً لأن وراه مصالحهم. أوعى تخلي عواطفك تغلبك. وقتها صدقني هتقع وكل اللي بنيته هينهار فوق راسك. فكر كويس في كلامي يا حمزة وهتلاقي إن معايا حق.
ربت عدة مرات على كتفه وابتعد بعدها يتجه للخارج ووقف مراد يتبعه بصمت وحزن على حالة شقيقه المشتت، بينما وقفت والدته تتجه إليه مردفة بحنو:
– متزعلش باباك يا حمزة. أنت عارف إنه بيحبك جداً وعايز مصلحتك يا حبيبي. ولا أنت بتفكر في حاجة تانية؟
شرد قليلاً يفكر في هذه الحياة الصارمة التي لا يستطيع أن يختار فيها ما يريده كوناً لأنه الابن الأكبر المطيع.
عادت صفية تسأله بقلق وحنو:
– حمزة؟ طمني يا حبيبي؟
دنى يقبل كفها بحنو ثم اعتدل وأردف بهدوء:
– متقلقيش يا ماما أنا كويس. عن اذنك.
التفت يغادر وأستعد فريد للذهاب إلى الجامعة حيث بدأت الامتحانات.
خرج حمزة وجد حمدي بدأ ينطلق بسيارة والده خارج حدود القصر فأتت ابنته على مخيلته واندت صورتها مع حديث والده عن العواطف والطبقات الاجتماعية فتنهد واستقل سيارته وغادر إلى وجهته بعقلٍ شارد.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الرابع 4 - بقلم اية العربي
مساءً تجلس عائلة سالم الجواد في فيلا شوقي أبو الدهب ينتظرون نزول أميرته المدللة.
كان شوقي يقهقه عالياً مع سالم. وسعاد تجلس بتعالى تتحدث مع صفية. وتجاورها شيرين تجلس بصمت تتابع وتستمع، وتنظر بعيون حالمة لهذا الجالس يتقلب بضجر.
أردف شوقي محدثاً حمزة بعدما التفت إليه ووجده شارداً:
– إيه يا حمزة ساكت ليه؟
تحمحم حمزة وانتبه عليه، يطالعه بهدوء وتحدث قائلاً:
– أبداً يا شوقي بيه، أنا بسمعكوا.
جاءت مدبرة المنزل تدفع عربة الضيافة واتجهت توقفها جانباً، وبدأت تصب المشروبات الساخنة وتقدمها. بينما نزلت مها من أعلى الدرج وخطت تتقدم من غرفة الصالون، وتمشى بتعالى وغرور. ترتدى فستاناً منسدلاً لبعد ركبتيها وترتدى حذاءً شفافاً عالياً. كما زينت وجهها بمستحضرات التجميل ورفعت خصلاتها للأعلى، فباتت كعارضة أزياء فرنسية.
دلفت تبتسم للجميع مردفة بتعالى:
– مساء الخير.
أبتسم لها شوقي ووقف يتجه ويستقبلها، ثم التقط يدها يقبلها، ثم عرضها عليهم، يردف بفخر وهو يقدمها:
– بنتي مها… اللي دوختني علشان تنزل مصر.
ثم نظر لمها وأردف بمكر:
– مها حبيبتي… أظن مش محتاجة تتعرفي على عمك سالم وأولاده.
ضحكت لوالدها وأردفت بثقة:
– طبعاً يا بابي.
اتجهت حيث يقف سالم ليستقبلها وقبلته من وجنته، ثم ابتعدت قليلاً تردف:
– أخبارك ايه يا أونكل سالم؟
ابتسم لها ببرود يردف:
– كويس يا حبيبتي… إنتِ عاملة ايه؟
أومأت تبتسم مردفة:
– تمام جداً.
خطت بعدها ترحب بصفية وشيرين ببرود، ثم اتجهت إلى حمزة الذي وقف ليستقبلها. ونظرت له بتمعن، ثم مدت يدها وأردفت بخبث وهي تتعمق ملامحه:
– أزيك يا حمزة… تعرف إن ملامحك غير الصور خالص… بصراحة الصور ظالماك.
ابتسم بهدوء وبادلها السلام سريعاً يردف برتابة:
– متشكر يا مها… وحمدالله على السلامة.
ابتسمت وأردفت بتمعن:
– الله يسلمك.
خطت ترحب بمراد وفريد، ثم اتجهت تجلس بجوار والدتها سعاد. ومن بعدها لم تزيح أنظارها عن حمزة الذي يلاحظ نظراتها جيداً ويحاول تجنبها بضيق.
كان لقاء في ظاهره عائلي، ولكنه في الحقيقة ما هو إلا خطة خبيثة لاستكشاف حمزة الجواد من قبل إبنة أبو الدهب. حيث أدركت أنه ليس ذلك الشاب السهل الذي يمكن أن توقعه بسهولة… كما أدركت جيداً مدى احترامه وهدوءه من حيث طريقة جلوسه وصمته معظم الوقت، على عكس مرح مراد وتأفف وضجر فريد.
بعد فترة ليست قليلة غادرت عائلة سالم عائدين إلى قصرهم، وبقى شوقي يجلس يطالع ابنته مردفاً بترقب:
– ها يا مها؟… إيه رأيك في حمزة؟
أردفت بضيق:
– بااارد جداً… إيه ده يا بابي؟… معقول فيه إنسان كده؟… ده متكلمش كلمتين على بعض من وقت ما قعد… بجد بارد.
ضحك شوقي وأردف بتمعن واستمتاع:
– ده كويس جداً… مينفعش ترتبطى بإنْسان عصبي لأنك عصبية يا موكا… لازم حد هادي زي حمزة يستقبل عصبيتك ويعرف يتعامل معاها.
ضحكت ساخرة وأردفت متسائلة بتعجب:
– أنا نفسي أفهم ليه مصمم إنت على ارتباطي من حمزة ده يا بابي؟… بصراحة متوقعتش أنه كده بس أسلوبه مستفز فعلاً.
أردف شوقي بغموض:
– صدقيني يا مها انتِ هتعرفي تتعاملي معاه وتكسبيه… حمزة مش بيخرج من تحت طوع سالم حالياً بس فيما بعد هيبدأ يكون حياته بنفسه… وأنا عايزك تكوني معاه طول الوقت ده… شاب زي حمزة مش بنقابل زيه دائماً… لازم أتمسك بيه كويس لبنتي الوحيدة.
نظرت لسعاد التي تتابع بصمت وأردفت متسائلة:
– وإنتِ يا مامي؟… ساكتة ليه؟
هزت سعاد كتفيها وأردفت:
– هقول إيه؟… باباكي شايف أنه ميتفوتش مع إني مش حابة الموضوع خصوصاً بعد ما اتكلمت مع مامته… أنا شيفاه غير سالم خالص… تقريباً هو وارث سزاجه مامته… مش عارفة دي تبقى مرات سالم الجواد إزاي… بصراحة محبتهوش لا هو ولا مامته.
طالعها شوقي بعمق وأردف ساخراً وهو يقف ويغادر:
– مش لازم تحبيه يا سوسو المهم بنتك تحبه.
ضحك بإستفزاز وغادر وتركهما تنظران لبعضهما البعض بترقب.
***
عادت عائلة سالم الجواد إلى قصرهم.
أدلفوا جميعاً يجلسون في بهو القصر الواسع، إلا حمزة الذي اتجه على الفور إلى الدرج ليصعد. فأوقفه سالم يردف بجمود:
– استنى يا حمزة.
توقف قبل أن يرفع قدمه والتفت يطالع والده باحترام مردفاً:
– نعم يا بابا؟
أردف سالم وهو يطالعه بضيق:
– معجبنيش أبداً طريقتك عند شوقي خصوصاً مع مها… البنت كل ما تحاول تكلمك تتجنبها… دي اسمها قلة ذوق.
تنهد بعمق ثم طالع والده بعيون حزينة وأردف:
– أنا قولت لحضرتك قبل ما نروح أني لو جيت مش هبقى مرتاح وحضرتك أصريت عليا… وجيت احتراماً لكلامك بس مش هعرف أتعامل عكس مانا حاسس… أنا كنت برد على قد كلامها ومش شايف إني تجاهلتها.
أردف سالم بجمود وقسوة:
– يبقى أنت نظرك ضعف… خد بالك كويس يا حمزة من تصرفاتك مع شوقي وبنته الفترة الجاية… مش عايز أكرر كلامي.
تركتهم واتجه لغرفة مكتبه، بينما طالع حمزة الجميع بصمت وصعد للأعلى حيث جناحه.
دلف وخطى لغرفته ودلفها، ثم خلع جاكيته ووضعه جانباً واتجه إلى الفراش يجلس عليه ويفكر… لعنة الابن الكبير لعائلة قوية ذو نفوذ أصابته وقيدت قوته فأصبح يلبي بصمت.
***
بعد أن أوصل حمدي أسرة سالم، عاد إلى منزله مرهقاً.
دلف يلقي السلام على جميلة التي تنتظره واتجه يجلس على الأريكة مردفاً:
– النهاردة كان يوم متعب اوي.
اتجهت تجلس بجواره وأردفت بحنو متسائلة:
– انت تعبان يا حمدي؟
تنهد وهز رأسه يردف بهدوء:
– لاء يا جميلة كويس بس انتِ عارفة طول اليوم برا البيت.
تنهدت تومئ وتربت على كتفه، ثم تساءلت بترقب وفضول:
– عملوا إيه في بيت شوقي أبو الدهب يا حمدي؟… شافوا العروسة الفرنسية؟
في تلك الأثناء كانت ريتان تمر إلى المرحاض بعدما انتهت من مراجعتها، وسمعت حديث والدتها الذي صنّم جسدها وجعل قلبها يرتطم بقسوة في الصدمة المتحجرة التي تلقتها عندما استمعت إليهما بأنفاس مسلوبة، وحمدي يقول:
– أكيد شافوها… واضح إنه جواز مصالح يا جميلة… انتِ عارفة سالم بيه كويس… هيدور على اللي زيه أو أعلى كمان… وبنت شوقي أبو الدهب هي أنسب عروسة لحمزة ابنه.
سقطت عبراتها متتالية ومتسارعة على وجنتيها وهي تستمع إلى حديث والدها الذي يستهدف أذنها كطلقات نارية قاتلة، ووقفت بجسد اهتز وارتعش غير قادر على إكمال خطواته.
أردفت جميلة بتعجب:
– يا سلام؟… الراجل ده آلة يعني ولا إيه؟ وافرض ابنه مش عايزها؟… هيجوزهاله غصب عنه؟
أومأ حمدي يردف بتأكيد:
– مافيش حد من ولاد سالم يقدر يعصي أوامره… انتِ ناسيه سناء بنته؟… وحمزة بالذات عمره ما هيقدر يقف في وش أبوه.
أنكمشت ملامح وجهها وأردفت بحزن:
– لاء مش ناسيه يا حمدي… وهو علشان كده مش عاجبني جبروته ده… أجبرها تتجوز واحد هي مش بتحبه… ومهموش غير فلوسه وفي الآخر كسب إيه؟… سناء عمرها ما هتسامحه… وهو هيندم.
أردف حمدي محذراً:
– متقوليش الكلام ده قدام أي حد يا جميلة… هو ميهموش لا كره ولا محبة… أنا بفضفض معاكي لما مش بتحمل أفعاله بس لو عرف أني بتكلم عليه كده هيقطع عيشي… ملناش دعوة بيهم دول ناس إحنا مش قدّهم.
أومأت بصمت ثم ربتت على كتفه تردف بحنو:
– هقول لمين يعني يا حمدي؟… أنا بتكلم معاك انت… يالا أنا هقوم أعملك العشا.
أومأ وأردف متسائلاً:
– ريتان وبسمة ناموا؟
أردفت وهي تخطي باتجاه المطبخ:
– أيوه أكيد ناموا أو يمكن ريتان لسه بتذاكر.
أومأ يتنهد وشرد يفكر في مستقبل بناته، بينما اتجهت ريتان إلى غرفتها بخطى بطيئة ونفسٍ ثقيلة ضغطت على صدرها فبات التنفس ضعيف… كانت تهرب من حقيقة أنه حلم صعب المنال… تعلم أنها ستعاني دوماً نتيجة هذا الحب البائس ولكن الألم لا يتحمل… عذاب الحب الصامت هذا يأكل من طاقتها ويضعف قلبها.
كانت تتأمل وتدعي وتحلم أحلاماً مزهرة وها هو والدها يعيدها إلى واقعها… عليها أن تفهم حقيقة الأمر… عليها أن تدرك أن قلبها أخطأ حينما اختاره… بنيت قصوراً رملية وها هي تهدمها أمواج الطبقات والمستويات الاجتماعية.
اتجهت تتمدد على الفراش وتفكر فيه وتذرف دموع الحسرة على حبٍ كُتب عليه الكتمان مدى الحياة فبات مؤلم للروح والقلب.
***
بعد مرور أسبوع.
في الجامعة حيث بدأت الامتحانات.
انتهت ريتان وسلمت ورقتها بملامح حزينة منذ ذلك اليوم. وقد وضعت هدفها الأول أمامها وهو نجاحها بتفوق كعادتها لترفع رأسها وسط هذا المجتمع ذي الأفكار العقيمة ولتنجح وتثبت للجميع أن ريتان إبنة الطبقة الفقيرة قادرة على ما لم يقدروا عليه هم… لتؤكد لسالم وأشكاله أنه مخطئ وأن الطبقة الكادحة تُنبش في الصخور لتفرز للمجتمع نماذج مشرفة… فجميع العظماء الذين تعرفهم كانوا من الطبقة الفقيرة تلك وحققوا أحلامهم.
وقفت لتغادر ولحقتها كارى تردف معنفة بمرح:
– بقى كده يا صحبتي تخرجي من غيري؟… وأشاورلك تغشيني تعملي إنك مش شايفاني؟
ابتسمت ريتان رغماً عنها وأردفت بحزم:
– آسفة يا كارى… انتِ عارفة غلاوتك عندي بس مقدرش أغير مبدئي… غش ممنوع.
أردفت كارى بتفهم:
– عارفة طبعاً… المهم انتِ عاملة إيه دلوقتي؟
تنهدت ريتان بعمق لا تريد أن تفكر في هذا الأمر… ليظل الألم في الأعماق لربما هدأ وطاب… لتحاول تمضي قدماً ولتعتبر حالها إحدى اللاتي أحببن ولم يحصلن على حبهن.
زفرت ونظرت لكارى وأردفت بمراوغة:
– كويسة جداً يا كارى… تعالى يلا هعزمك على عصير قصب عند عمو فتحي بتاع عصارة المتوكل اللي في وش الجامعة.
تحمست كاريمان وسعدت بنشاطها وأردفت:
– أيوه بقى هو ده الكلام… يلا بينا.
انطلقتا الفتاتان إلى خارج حدود الجامعة، لحظة توقف سيارة حمزة الذي أتى لتوه.
أردفت كاري بصدمة عندما رأته يترجل:
– ريتان ألحقي مين جه.
التفتت ريتان تنظر للجهة المجاورة فوجدته يترجل من سيارته أمامها… عينه منكبة عليها من خلف نظارته… عاد قلبها اللعين ينبض بعنف… أتنزعه الآن وتلقيه بعيداً أم تدهسه بقدمها ليدمي ولينتهي هذا الألم… لماذا جاء وظهر الآن وما تلك الحالة التي يبدو عليها؟
خلع نظارته وتقدم منها، عقله يحسه على التوقف والابتعاد ولكن قدماه تسوقه إليها محبراً.
التقت العيون ببعضها لثانيتين… فقد ثانيتين قبل أن تلتفت سريعاً وتردف موجهة حديثها لصديقتها بحدة:
– كارى أمشي يلا.
خطت مسرعة ولحقتها كارى، ولكنه أوقفها يردف بنبرته التي عاهدتها وهو يتقدم منها متعجباً من حدتها:
– ريتان!
توقف تغمض عيناها… ليتها تستطيع الصراخ في وجهه بأن يكف عن تلك الأفعال والأصوات والحركات التي تعيد بناء تلك القصور الهاوية… لما يتعمد أن يجعلها تحلق للأعلى بأجنحة خاوية!!
التفتت إليه وأرغمت ذاتها على ارتداء قناع جاد مردفة:
– أهلاً يا حمزة بيه… عن إذنك. يالا يا كارى.
قالتها لتحس كاريمان على السير، ولكنه عاد يوقفها مردفاً بترقب وتعجب وقد شعر بالحزن يتوغل إليه شيئاً فشيئاً:
– ثواني بس فيه إيه؟… هو فريد ضايقك تاني؟
عادت إليه تطالعه بتمعن وبرغم قلبها النابض بقوة إلا أنها أردفت بثقة وتأكيد:
– لاء أبداً مضايقنيش… حضرتك أنا عرفت حدودي كويس وبقيت ألتزم بيها مع الكل… وشكراً لاهتمامك بس مافيش داعي لتدخلك بعد كده… عن إذنك.
توقف قلبه للحظات من نظرتها الحزينة. عقله يرغمه على الابتعاد وقلبه يرغمه على معرفة سبب حزنها، لذلك مد يده لا إرادياً يوقفها مردفاً باستفهام:
– ثواني لو سمحتِ يا ريتان فهميني مالك في إيه؟
أوقفته محذرة تنظر إليه بعيون متسعة وتشير بسبابتها مردفة:
– لو سمحت ميصحش كده… شوف أنت جاي ليه وسبني أمشي.
ابتلع غصة مريرة تكونت بحلقه ولعن ضعفه الذي يبدو كوحشٍ قويٍ يقيد حركته، ثم ابتعد يعتذر مردفاً بنبرة حزن غلفت صوته:
– أنا آسف… أنا بس خوفت يكون فريد ضايقك تاني… أنا كنت قريب من هنا وقولت أجي أشوف فريد عمل إيه في امتحانه؟
كاذب… نعم كاذب وإن استمر هكذا بالنظر إلى عيناها ستنكشف كذبته… لم يكن قريباً من هنا ولا يعلم لما أتى إلى هنا من الأساس، ولكن كل ما يعلمه أنه ود رؤيتها فساقته قدماه إليها… عاجزٌ هو عن تصديق مشاعره وناكرٌ لما يراوده وكاتم لأي صوت يصدره قلبه وقاتل لأي شعور، ولكن برغم ذلك أتى ليراها… لف نظره عنها ونظر لكاريمان كي يداري حالته المشتتة تلك وأردف:
– طيب قوليلي لو سمحتِ يا آنسة هو فريد ضايقها تاني؟
أردفت كارى بهدوء وتأنى:
– لاء يا أستاذ حمزة زي ما ريتان قالتلك محصلش حاجة وعن إذنك لأن ميصحش وقفتنا دي.
سحبت ريتان التي بعثرتها نظرته وغادرتا، وظل هو يطالعها بعمق إلى أن اختفتا من أمامه، فتنهد بقوة واستقل سيارته وغادر ونسي فريد ونسي كل شيء، فقط ليذهب للبعيد… ليته يستطيع الصراخ الآن.
بينما هي تتسائل بتعجب وقلبٍ نابضٍ بعنف:
– بيعمل كده ليه!… فهميني يا كارى بيعمل كده لييييه… ليه كل ما بحاول أعرف حدودي كويس بيتمعد يركبلي جناحات وفي الآخر بلاقي نفسي واقعة على جدور رقبتي… عايز مني إيه هو أنا هتجنن يا كارى… هو مفكرني مش بحس؟
تنهدت كاريمان بعمق فهي الأخرى متعجبة من أمره ومن نظرته الغريبة… حاولت تهدئتها تردف بحيرة وحزن لحالتها:
– اهدى يا ريتان علشان خاطري… يمكن ده أسلوبه العادي يا ريتان… حاولي تكذبي أي إحساس وصلك منه… حاولي تتجنبيه يا ريتان علشان متتعبيش… أنا كمان مش فاهمة بيعمل كده ليه؟… بس مش معقول يكون عارف إنك بتحبيه… يمكن حاسس إنك معجبة بيه أو مستلطفاه وبس… المهم علشان خاطري انسى الموضوع ده خالص وركزي في اللي انتِ ناوية عليه بعد كده.
زفرت ريتان بقوة وأومأت عدة مرات تؤكد على كلام صديقتها وأكملتا الاثنتان طريقهما بحيرة من أمره.
وانطلق حمزة بعدها بسيارته إلى مكان يجد فيه أوكسجين لصدره المقبوض هذا… قاد وكان خلفه هذا الرجل الخفي الذي أرسله شوقي ليراقبه دون أن يلاحظه.
***
في اليوم التالي في الشركة.
دلف شوقي فجأة إلى مكتب سالم مندفعاً، ثم ألقى بظرفٍ ما على مكتبه وأردف بحدة:
– أتفرج وقولي رأيك؟
تعجب سالم من هجومه ونظر للظرف، ثم تناوله وفتحه وأخرج ما به من صورٍ تم التقاطها لحمزة وريتان عند الجامعة أمس.
أنكمشت ملامح سالم وهو يتفحص الصور، بينما أردف شوقي بغضب:
– عاجبك عمايل ابنك الكبير اللي قولت عليه عاقل؟… بيجري لي ورا بنت السواق وعايزني اديله بنتي أنا؟
طالعه سالم بضيق ثم أردف متسائلاً بتعجب برغم استياؤه وغضبه الشديد من ابنه:
– أنت بتراقب ابني؟
أردف شوقي ساخراً:
– لو مكنتش عملت كده كنت جوزت بنتي لواحد ماشي ورا بنت السواق بتاعهم… بس تمام أنا عرفت هعمل إيه؟
ابتلع سالم لعابه خوفاً من نبرة شوقي الغامضة الذي يعلم جيداً فحواها وأردف بتأكيد وثقة:
– اطمن يا شوقي… الموضوع عندي ومحلول… أكيد فيه سوء تفاهم واللي في الصور ده مش حقيقي… أنا عارف ابني كويس… حمزة مستحيل يفكر بالطريقة دي… أنا هتكلم معاه وهبلغك عملت إيه.
أردف شوقي بجمود قبل أن يغادر:
– وريني هتعمل إيه يا سالم… وإلا تنسى خالص أي شراكة بينا… اتكلم مع ابنك وشوف هيبرر اللي في الصور ده إزاي؟
خرج بعد أن جمع الصور وأخذها مجدداً وتركه غاضباً من أفعال ابنه الصبيانية التي ستهدم مستقبلهم رأساً على عقب.
رفع سماعة هاتفه وطلب مكتب حمزة يردف بجمود بعدما أجاب حمزة:
– تعالى عندي فوراً.
***
أغلق وانتظره، فأتى حمزة بعد دقائق إلى مكتب والده يتسائل بتعجب وهو يجلس أمامه:
– خير يا بابا حضرتك طلبتني؟
أردف سالم بحدة:
– أنت إيه اللي وداك الجامعة امبارح؟
تعجب حمزة من سؤال والده وأردف بهدوء متسائلاً:
– خير يا بابا إيه اللي حصل؟
ضرب سالم على مكتبه بكفيه يردف بغضب:
– جاوب على سؤالي؟… كنت في الجامعة بتعمل إيه؟… ومتقولش علشان فريد وتكذب.
توتر حمزة وصمت يفكر قليلاً، ولكن قطع سالم أفكاره يردف بغضب:
– كنت رايح تشوف بنت حمدي السواق مش كده؟
صُدم حمزة من حديث والده وأردف بتعجب:
– هو حضرتك بتراقبني؟
وقف سالم يتجه إليه، ثم جلس أمامه وأردف بهدوء حاد مخيف:
– حالاً تفهمني إيه اللي بينك وبين بنت حمدي السواق.
نظر في عين والده وعجز لسانه عن الإنكار أو التأكيد، فأردف سالم بصدمة وقسوة:
– أوعى تكون بتحبها؟… ده أنا اطربقها عليك وعليهم.
طالعه حمزة بذهول وأردف بتوتر:
– يا بابا مش زي ما حضرتك فاهم.
تنهد سالم بقوة، ثم تحلى بالهدوء يتسائل بنفاذ صبر:
– فهمني؟
لف نظره عنه وأردف بترقب وهو يفكر فيها:
– أبداً يا بابا كل ما في الأمر أني شايفها بنت طيبة وهادية وخلوقة.
– وبنت السواق بتاعنا؟
قالها سالم يقاطعه، فطالعه حمزة بصمت، فأكمل سالم محذراً:
– أوعى تفكر يا حمزة… أوعى عقلك يفكر حتى في اللي قولته دلوقتي… ده من رابع المستحيلات… فااااهم؟
نظر لوالده وتحدث متسائلاً:
– ليه يا بابا؟
جحظت عيناه وأردف يردد بتعجب:
– لييييه؟… ليه إيه؟… إنت اتجننت؟… مافيش أي توافق بينكم… أنت متخيل لما ترتبط ببنت السواق بتاعنا هيبقى شكلنا إييييه؟… لاء مستحيل أنا مش قادر أتخيل أصلاً.
نكس حمزة رأسه… يعلم جيداً تفكير والده وقناعاته التي يقتنع بها أيضاً، فكما يقول والده طوال عمره: ابن الأكابر لبنت الأكابر والفقراء لبعضهم… ولكن لا يعلم لما ينبض هذا الجزء الأيسر كلما أتت سيرتها ويخبره أن هناك استثناء.
تنهد سالم وهو يلاحظ تشتت ابنه، فتابع بخبث وفحيح:
– فكر كويس يا حمزة… فكر مليون مرة قبل ما عواطفك تغلبك… أنت مش بتختار زوجة وبس لاااا… أنت بتختار شريكة لحياتك المهنية والفكرية والاجتماعية… أنت بتختار أم لأولادك… لازم تختار واحدة بعقلك يا حمزة وتبعد تماماً عن المشاعر… لو عايز تنجح دايماً أبعد عن العواطف… وبعدين الناس اللي من الطبقة دي طريقة تفكيرهم بتبقى معروفة.
رفع أنظاره يطالع والده بصمت وتتمعن، فتابع سالم بقسوة وتكبر:
– البنات دي بيدوروا على الشاب الغني اللي هيقدر يرفعهم من المستوى اللي هما فيه ويبدأوا يمثلوا عليه الحب والكلام المعسول بقى على أساس يوقعوه.
نظر لوالده بقوة ولم يدخل هذا الحديث على قلبه أو عقله، فأردف بصدق وتروي:
– لو سمحت يا بابا… متحاولش تشوه صورتها على أساس تكرهني فيها… ريتان أنا عارف أخلاقها كويس وده اللي لفت نظرى ليها… وحضرتك متأكد من كلامي… عم حمدي معانا من سنين وقبل منه كان والده معانا عمرنا ما حسينا منهم بطمع ولا لف ودوران.
ذهل سالم من حديثه وصمت لثواني، ثم أومأ يردف بعدما تأكد أن هذا الحديث المسموم لن يجدي نفعاً:
– تمام… هحاول أصدق كلامك بس ده مش مبرر أبداً إنك ترتبط ببنت السواق بتاعنا… مستحيل ده يحصل.. لازم تفرمل أي حاجة جواك وتنسى تماماً الموضوع ده… وكويس إني عرفت ولحقت الموضوع من أوله قبل ما كنت تحبها… وإلا كانت هتبقى مصيبة.
أغمض عينه ونكس رأسه بشعور مجهد… ليته كان فقيراً لا يمتلك سوى قوت يومه… ثراؤه وثروته ستصبح لعنته… سينساق خلف أهواء المجتمع ويتخلى عن راحته؟… بداخله شعورٍ سيء لما هو آتٍ وبرغم ذلك فإنه ينفذ ما يؤمر بصمت.
أكمل سالم بخبث ليطرق على الحديد ساخناً:
– فكر في أخواتك لو ده حصل… أول حاجة شوقي هيسحب إيده من شركتنا خالص ووقتها الشركة هتنهار… وأنت عارف كويس الأزمة المالية اللي بنعاني منها وبحاول أتخطاها… فكر في أخواتك ومستقبلهم يا حمزة… أنت مش ملك نفسك وبس بما إنك ابني الكبير يبقى لازم تعمل زيي وتفكر في مصلحة العيلة كلها… انسى تماماً اللي بتفكر فيه لأني مش هسمحلك أنه يحصل.
وضع وجهه بين كفيه بصمت وحزن… ربت والده على ساقه يردف مؤكداً ليكمل على ما تبقى منه:
– مها هي أنسب زوجة ليك يا حمزة… اسمع كلامي… مها هي مستقبلك ومستقبل أخواتك.
أغمض عينه يتخيلها زوجة كما قال والده، ولكن لااا… كلما أراد تخيل زوجة واستقرار أتت هي على مخيلته.. انتبه على جملة والده:
– الجمعة الجاية هنروح نطلب ايد مها من شوقي… جهز نفسك.
أنزل كفيه ونظر له بصدمة وأردف بتعب داخلي لا أحد يعلم نتائجه:
– يا بابا لو سمحت.
أردف سالم محذراً بنبرة لا تحمل النقاش:
– انتهى الكلام يا حمزة… وإلا هتتسبب في قطع عيش حمدي من عندي ومن عند أي حد تاني وأنت عارف كويس أبوك يقدر يعمل إيه لو عصيت كلمتي… مش هسمحلك تدمر شركتي وتعب سنين بسبب عواطفك اللي ملهاش أي معنى ولا قيمة… جوازك من مها فيه مصلحة الكل ومصلحتك انت أولهم.
نظر لوالده بعمق ثم وقف وغادر دون إضافة حرف، بينما نظر سالم لاثره وتنهد بعمق ثم رفع هاتفه وهاتف شوقي ليأتي إليه وليخبره بما يريده ليثبت له أن الأمر لم يكن كما هو موضح بالصور.
***
في تلك الأثناء وصلت مها بسيارتها أسفل الشركة… ترجلت وناولت المفاتيح لحارس الأمن ليصف سيارتها وصعدت لمكتب والدها.
كان قد ذهب شوقي لمكتب سالم ليرى ماذا فعل مع حمزة.
دلفت مكتب والدها واتجهت تجلس على مقعده تنتظره وتتخيل نفسها مديرة لهذه الشركة وبدأت ترى هيئتها عندما تصبح سيدة أعمال.
رفعت رأسها للأعلى وابتسمت على أفكارها مردفة بهمس:
– هيحصل قريب.
اخفضت نظرها لسطح المكتب فرأت هذا الظرف فمدت يدها تتناولته وفتحته كما هو مسموح لها باستكشاف أي شيء خاص بوالدها دون إذن.
بدأت تخرج ما به وتتطلع عليهم بتعجب وعيون ثاقبة.
في تلك الأثناء وصل شوقي ودلف متفاجئاً بوجودها وانتابه التوتر بعدما رأى ما في يدها.
أردف مرحباً بترقب:
– أهلا بحبيبة بابي… جيتي إمتى؟
رفعت إحدى الصور في وجهه وتسائلت بغرور:
– إيه ده؟… مش ده حمزة؟
تنهد واتجه يلتقط منها الصور ويدثرها مجدداً داخل المظروف ويخبأؤه في إحدى الأدراج مردفاً بهدوء:
– أيوة حمزة.
ضحكت ساخرة وأردفت بتعجب:
– هو ده اللي انت عايزني ارتبط بيه؟
زفر بضيق وأردف مؤكداً:
– أيوة… وقريب جداً جايين يتقدموا ويطلبوا ايدك مني.
أردفت ببرود وهي تضع ساق فوق الأخرى:
– نو…. مستحيل.
تنهد وطالعها يردف بهدوء وتروي ليقنعها بما أقنعه به سالم أو بما يريد تصديقه:
– مها… بلاش تتسرعي… حمزة هيتقدم وانتِ هتوافقي.
تعجبت من أمر والدها وأردفت بحدة وهي تنزل ساقها وتدبها أرضاً بغيظ:
– بابي إنت إزاي كده بجد… أوافق إزاي… واضح من الصور دي إنه يعرف واحدة تانية ورايح يقابلها.
أردف شوقي بجمود يردد ما قاله له سالم:
– لاء مش كده… أنا كنت فاهم زيك كده وكلمت سالم ننهي كل حاجة بس هو اتكلم مع حمزة وعرف منه الحقيقة… كل ما في الأمر إن دي بنت السواق بتاع سالم… وهي بتحاول توقع ابن البيه اللقطة… واظن انتِ فاهمة كويس النوعية دي بتفكر إزاي.
ضحكت وأردفت بتعالى:
– وأنا مالي تفكر متفكرش… بعد اللي شوفته ده إزاي أقبل بواحد سمح لنفسه يفكر في بنت السواق بتاعهم…. هههههه دي مهزلة.
جلس شوقي أمامها وأردف بهدوء وخبث:
– بس اللي أعرفه عن بنتي إنها بتحب التحدي… ومش معقول بعد ما الناس كلها والمجتمع الراقي عرف إن بنت شوقي أبو الدهب في بينها وبين حمزة ابن سالم الجواد مشروع جواز تسيبيهم يتكلموا عننا بكلام طالع نازل ملوش أي لازمة.
ضيقت عيناها تطالع والدها بعمق وشرود وهو يتابع بخبث ويلعب على وترها الحساس:
– مش معقول هتصدقي كام صورة مالهمش أي أهمية عن كلامي… حمزة ابن سالم ولا يمكن هيحب بنت زي دي… كل ما في الأمر إنها شاغلاه… دي بنت لعوبة وانتِ لازم تعرفيها قيمتها وتوقفيها عند حدها… ومش بنت شوقي أبو الدهب اللي تسيب حاجة ملكها لحد تاني ياخدها.
اللمعت في عيناها فكرة التحدي وشردت لثواني ثم أردفت بتعالى:
– أوكي يا بابي… مع إن مستحيل أدخل تحدي مع بنت زي دي… بس أنا اللي هكسب وابن سالم الجواد هيبقى ليا لوحدي.
***
بعد أسبوعين.
في فيلا شوقي تجمعت العائلتين حيث حفلة الخطبة اليوم.
كانت مها تقف بغرور وسط الحضور ويجاورها حمزة بملامح باردة خالية من أي مشاعر.
تتابعه والدته بحزن… تتذكر حينما اتجه إليها ليلاً منذ أسبوع وكان في حالةٍ مشتتة يسألها عن ما يفعله وهل يوجد سبيل، ولكنها أخبرته أن لا مفر من اعتراضه وأنّ عليه طاعة والده فهي تعلم سالم جيداً.
أما فريد فكان يقف مع ميادة ابنة قريب شوقي، والتي تكن هي أيضاً الفتاة التي يحبها.
تقف بغنج تتدلل عليه وتتابعهما شيرين من بعيد بملامح حزينة، وفريد يميل على أذنها يهمس لها ببعض الكلمات فتقهقه وتميل بطريقة مثيرة للاشمئزاز.
شعرت شيرين بالاختناق فنظرت لزوجة عمها وأردفت بترجي:
– طنط صفية لو سمحتي ينفع أروح أنا؟… مصدعة جداً ومش قادرة أكمل الحفلة.
أردفت صفية بقلق واهتمام:
– مالك يا حبيبتي؟… تحبي أجبلك قرص مسكن؟
هزت شيرين رأسها وأردفت بحزن وهي على وشك الصراخ كلما رأت منظر هذين:
– لاء أنا بس عايزة أروح.
تنهدت صفية ونظرت حولها ثم أشارت لفريد أن يأتي، فتأفأف وترك ميادة وأتى إليها يردف متسائلاً:
– أيوه يا ماما؟
أردفت صفية بهدوء آمرة:
– بنت عمك مصدعة وعايزة تروح… شوف لو حمدي برا يوصلها على الفيلا.
نظر لشيرين وأردف متسائلاً بضجر:
– لازم تروحي دلوقتي يعني؟
طالعته بغضب وأردفت بحدة:
– أيوه لازم لأني مصدعة ومش محتاجة مساعدتك أنا هشوف عمو حمدي بنفسي.
ثم نظرت لصفية وأردفت بهدوء معاكس:
– عن إذنك يا طنط.
خطت متجهة للخارج تبحث عن حمدي، بينما أردفت صفية معنفة ابنها:
– ميصحش تسيب بنت عمك تطلع تدور على حمدي لوحدها وهي تعبانة… خليك جنتل واطلع وصلها.
تنهد بعمق ثم أومأ بصمت وتبعها ليوصلها… وجدها تبحث عن حمدي فأردف بترقب:
– أستنى يا شيرين وأنا هطلع أشوفه برا.
التفتت تطالعه بحدة وأردفت بشموخ:
– مافيش داعي… ادخل انت كمل اللي كنت بتعمله.
طالعها بخبث ثم مال قليلاً عليها بعد أن لاحظ نظراتها له في الداخل، فهو يستششف مشاعرها قليلاً، لذلك أردف:
– دانتِ واخدة بالك مني بقى… ليكون هو ده سبب الصداع.
طالعته بعمق وقد قررت الثأر لكرامتها مردفة بسخرية:
– فعلاً معاك حق… دانا هقع من طولي… مش قادرة أشوف سعادتك مع أنثى النعام دي… إنت مجنون يا ابني؟… واخدة بالي منك إيه أنا فيقالك أصلاً… أنا مصدعة وعايزة أروح أنام حل عني.
اغتاظ منها كثيراً وزفر باختناق وأردف وهو يدفعها ببطء:
– طب يالا أوصلك.
تنهدت وأردفت معترضة بقوة:
– متذوقش… أنا هروح مع عمو حمدي شوفهولي بس وادخل انت كمل سهرتك.
أردفت بحدة وإصرار:
– قولتلك يالا يا شيرين هأوصلك.
أردفت بعناد مماثل وحدة:
– قولتلك لااااء… خلاص خليك وأنا هشوفه بنفسي.
تركته وغادرت تبحث عن حمدي، فوقف يطالعها بتعجب من عنادها، ثم تبعها حيث وجدت حمدي واستقلت السيارة، فاتجه هو جهة السائق وأردف:
– وصلها يا عم حمدي ع الفيلا وتأكد أنها دخلت وبعدين ارجع بسرعة.
أومأ حمدي وانطلق، بينما هي لم تنظر إليه تماماً حتى عبرت حدود الفيلا، فتنهدت وبدأت تتجمع غيمة الدموع في مقلتيها وهي تتذكر وقفته مع تلك الفتاة وحديثه الهامس إليها وتلعن قلبها الذي نبض لشخصٍ مثله.
***
بعدما غادر الجميع وبقى فقط حمزة حيث صمم شوقي على بقائه قليلاً.
ها هو يجلس معها شارداً بملامح باردة وهي تطالعه بضجر.
أردفت متسائلة:
– حمزة هو انت قاعد غصب عنك؟
انتبه لها فطالعها بتعجب وأردف متسائلاً:
– ليه بتقولي كده؟
مطت شفتيها وأردفت بضجر:
– مش عارفة شوف نفسك… متكلمتش من وقت ما بقينا لوحدنا… تقدر تعتبرني صديقة كويسة… قول بتفكر في إيه مثلاً؟
طالعها بصمت ثم اعتدل يتنهد وقال بهدوء:
– أبداً يا مها أنا كويس… بحاول بس ألاقي كلام.
ضحكت ساخرة وأردفت بتعجب من حالته:
– تلاقي كلام؟… أنا حاسة أن الأدوار متبدلة يا حمزة… المفروض أن أنا اللي أكون بدور على كلام… إنما أنا اللي بجر معاك حوار.
ابتسم بالاجبار وأردف في محاولة منه للاندماج معها:
– طيب يا ستي هتكلم… خلينا مثلاً نتعرف على بعض أكتر… بتحبي إيه مش بتحبي إيه… إيه أحلامك وبتفكرى في إيه مستقبلاً.
ابتسمت وشردت قليلاً ثم أردفت بغرور:
– بحب كل شيء مميز… بفضل أي شيء مش موجود منه اتنين… بحلم أني أكون سيدة أعمال كبيرة وبفكر إزاي أوصل لحلمي ده.
تعجب من أمرها وثقتها الزائدة وأردف متسائلاً عندما أتى على باله حياتهما المستقبلية:
– طيب وبالنسبة لشريك حياتك… اللي هو المفروض أنا… مش من ضمن أحلامك؟
نظرت له بتعمق قليلاً ثم أردفت بدهاء ومكر ورثه عن والديها:
– مهو إنت الشئ المميز… أنا بشوف إن إنت مش موجود منك اتنين.
صُدم وأردف بتعجب وقد لانت ملامحه من حديثها:
– أنا!… معقول الكلام ده عني أنا؟… لحقتي تكتشفي ده فيا؟… طب إمتى وازاي؟
اقتربت منه قليلاً وأردفت بنعومة:
– من أول ما بصيت لك… أنا ليا نظرتي بردو.
تحمحم وابتعد عنها قليلاً بحرج، ثم نظر لها وشرد في ملامحها، ثم فجأة مرت ريتان على عقله فتنهد وابعد نظره عنها وتشتت عقله في أي مرسى سيرتاح.
***
في نفس الوقت.
تبكي ريتان في الهاتف وتتحدث مع صديقتها كارى مردفة بحرقة وألم:
– مش قادرة يا كارى… بجد صعب قوي… مش عارفة ليه وامتى علقت نفسي بحب زي ده؟… ليه اخترت الشخص ده بالذات وحبيته وكنت مستعدة أديه كل حياتي؟… بحاول أبين أني قوية ومطلوب منه أكتم حبه في قلبي بس خلاص تعبت حقيقي.
أردفت كارى بحزن لأجلها:
– هونى على نفسك يا ريتان… من البداية الحب ده محكوم عليه بالإعدام… صدقيني هو اللي خسرك مش انتِ.. هو خسر حياة جميلة معاكي… خسر حبك وحنيتك وطيبة قلبك وعقلك… سبيهم منهم لبعض يتحرقوا… انتِ تستاهلي حد يقدرك… وواضح إن حمزة ده إنسان جبان.
أومأت مؤكدة تردف بحزن وهي تجفف دموعها:
– كنت عارفة إنه مش ليا… كنت عارفة إن واحدة تانية من نفس مستواه هتاخده حتى لو محبتهوش زيي… وبرغم كده كملت… أنا شاطرة اووي وممتازة حتى في وجع قلبي… ناجحة في كل شيء بتفوق حتى في عذابي يا كارى.
تنهدت كاريمان بصمت فلم تعد تعلم بماذا تواسيها، بينما بعد دقيقة تابعت ريتان معتذرة:
– أنا آسفة يا كارى… تعباكي معايا بجد… انتِ الوحيدة اللي عارفة بحبي علشان كده انتِ اللي متعذبة معايا… اقفلي انتِ يلا علشان مامتك واخوكي وباباكي… سلام.
أغلقت معها وزفرت بقوة تحاول كفكفة دموعها وتعد نفسها بأن تحاول نسيانه… أو دفن حبه فلم يكن لها سبيل معه من البداية.
***
غادر حمزة بعد وقت قليل حيث كان يشعر بأنه يتقلب على جمرٍ من نار.
استأذن وترك تلك المها تطالعه بضيق وغضب واستقل سيارته وغادر على الفور.
لم يرد الذهاب للمنزل… يعلم أنه سيواجه والده ولم يعد لديه طاقة اليوم، لذلك غير وجهته إلى منزل شقيقته التي ستصبح بئر أسراره مستقبلاً.
دلف فيلا شقيقته بعد أن هاتفها وأمرت الحارس أن يدخله.
صف سيارته وترجل فوجدها تقف أعلى الدرج تنظر له بتفحص وكأنها تعلم ما به.
تحرك وصعد الدرجات القليلة حتى توقف أمامها يطالعها بصمت.
ركزت على عينه ثم أردفت بحزن:
– عملتله اللي هو عايزه بردو يا حمزة؟… مش قولتلك ترفض؟
تنهد بقوة ثم أغمض عينه فعلمت أنه لا يود الحديث الآن، لذلك مدت يدها تتناول يده وتسحبه للداخل بحنو وتغلق باب الفيلا خلفها.
خطت معه إلى الصالون وجلست وجلس مجاوراً لها، ثم وضع رأسه بين راحتيه يستند بتعب وتشتت.
تطالعه بحزن وضيق ثم رفعت يدها تربت على ظهره وتنادي بحنو مردفة:
– حمزة؟… مش هتقول حاجة؟… إيه اللي حصل طيب؟
هز رأسه بصمت فتنهدت وقبضت على يدها بغضب من أفعال والدها، ثم حاولت التحلي بالهدوء قائلة لتهون عليه حالته:
– طيب يمكن مها دي تطلع مختلفة؟… حاول تفكر بإيجابية شوية… يمكن المرة دي قرار سالم بيه يفيد حد… مش لازم تحط اللي حصلي قدام عيونك يا حمزة.
أنزل كفيه ولف وجهه يطالعها ثم تنهد بقوة وأردف بتساؤل:
– تفتكري؟… تفتكري ممكن احساسي ده يكون مالوش أي وجود وأنا فعلاً متأثر باللي حصل معاكي؟
تعجبت من سؤاله وأردفت بشك وترقب:
– حمزة هو انت بتفكر في حد معين؟
طالعها بصدمة عيون زائغة قبل أن يلف وجهه عنها ويردف بمراوغة ليخدع نفسه قبلها:
– أكيد لاء… لاء يا سناء.
تنهدت بارتياح ثم أردفت بهدوء:
– طيب روق كده وقوم اتوضا وصلي ركعتين وأنا هعملك حاجة تشربها وخليك معايا النهاردة متروحش.
أومأ باقتناع فهو أيضاً لا يريد الذهاب للبيت، لذلك توقف وخطى للحمام وتوضأ واتجه يؤدي فرضه الذي أزاح ذلك الثقل من على صدره قليلاً، ثم توقف يخطى للخارج حيث أتت هي تناوله كوب المشروب الساخن وتجلس معه تدردش في أمورٍ عدة عن توأمها وناصف والشركة واندامج هو معها في الحديث.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الخامس 5 - بقلم اية العربي
أنا المخطئ ،،، ولكن حينما لم أكن أعلم أنى أحمل لكى حباً سيفيض ويغرقنى
❈-❈-❈
بعد ٣ أشهر
بقى الوضع على ما هو عليه عند الجميع .
تجلس سناء مع حمزة الذى ذهب للإطمئنان عليها بعد عمله كعادته فهى رفضت رفضًا قاطعًا الذهاب لفيلا والدها بعد وفاة منصور برغم محاولاته المستمرة في ذلك وقررت المكوث في منزلها وكرست حياتها كاملة لتوأمها فقط .
تسائل حمزة بترقب وهو يرتشف قهوته :
ناصف عامل معاكوا ايه اليومين دول ؟ ،، أنا سمعت إن الشغل ماشي معاه كويس ،، صحيح مش زي منصور بس إلى حدٍ ما مقبول .
أردفت سناء وهى تتابع طفليها بعينيها حيث كانا يجلسان يندمجان في بعض ألعاب الذكاء :
كويس يا حمزة ،،، بيوصلنا مصروفنا وزيادة كل أول شهر ،،، وبيسأل دايماً على الأولاد وبييجي يشوفهم ساعات بس مؤخراً بدأ يتغير وده مخوفنى .
تعجب وطالعها بعمق وتساءل بقلق :
إزاي يا سناء ،،، تحبي أتدخل ؟
هزت رأسها سريعاً تردف بهدوء :
لا لا الأمر مش مستدعى كدة ،،، يمكن أنا اللى مكبرة الموضوع ،،، على العموم أنسى ناصف دلوقتى .
أردفت متسائلاً بقلق :
هو أستقر هنا خلاص ؟
أومأت قائلة :
أيوة ،،، وكمان أشترى شقة كبيرة في برج سكنى من الأبراج الجديدة ،،، مهو أخوه قبل ما يموت وصى إن كل شئ يكون تحت إدارته ،،، وأصلاً إن جيت للحق كدة أحسن لى مليون مرة ،،، أنا مش عايزة أختلط بمحيط الشغل والأعمال ده خالص ،،، أنا عايزة أبعد تماماً عن صراعهم أنا وأولادى .
أومأ مؤيداً وصمت قليلاً فتنهدت هي وتابعت تفكر بصوت عالي وتستشيره :
عايزة أشوف مُدرّسة كويسة تأسس الأولاد يا حمزة ،،، بس تكون كويسة وأقدر اثق فيها ،،، أنت عارف أنى معرفش حد ومش أجتماعية أوى ،،، لو تعرف تهتم بالموضوع ده وتسأل ؟
أومأ لها ثم شرد قليلأً لثوانى وقد إلتمع وميض أفكاره وأردف بحماس وسعادة ردت الروح داخل صدره المكلوم مع لمعة غريبة ظهرت بعينه :
إيه رأيك في ريتان بنت عم حمدى ؟ ،،، هى اتخرجت وسمعت إنها قدمت في كذا مدرسة خاصة علشان تتوظف ،،، واللى أعرفه إنها كانت ممتازة في كلية التربية وبعدين هى بتحبك جداً وهترحب بالفكرة .
شهقت سناء بفرحة وقالت بحماس متذكرة:
أيوة يا حمزة معاك حق طبعاً ،،، إزاى نسيت ريتان !،،، هى دي ،،، أنا هكلمها فوراً.
تناولت هاتفها من جيب كنزتها وطلبت رقمها على الفور تحت أنظار حمزة الذى ينتظر متلهفاً ثم تحدثت بعد ثوانى قائلة عندما فُتح الخط :
أيوة يا ريتا أزيك عاملة إيه ؟
أجابت ريتان بصوت ناعس رقيق :
أهلاً يا نونا أنا كويسة الحمدلله ،،، إنتِ عاملة اية
أردفت سناء بأسف عندنا لاحظت صوتها الناعس :
أنا متأسفة يظهر إنى صحيتك ،،، طيب هقفل واكلمك وقت تانى
أردفت ريتان بتروى :
لا ولا يهمك أنا خلاص صحيت ،،، اتفضلي سمعاكى ؟
تحمحمت سناء ونظرت لشقيقها الذى يتابع بإنصات وفجأة وجد قلبه ينبض بقوة لا يعلم لماذا حتى أنه لم يسمع صوتها ولكن فكرة أنها قريبة من محيطه لهذه الدرجة تبعثره وتشـتت أفكاره مجدداً
أردفت سناء بترقب:
أنا كنت عايزاكى تعطى سليم وتقى دروس تأسيس قبل ما يبدأوا دراسة يا ريتان ،،،، وبصراحة •••
قاطعها يهز رأسه ويحـذره بعـينه أنا لا تخبرها عنه شيئاً أو تذكر إسمه فتلعثمت قليلاً ثم أردفت:
يعنى أنا مش هلاقي أفضل منك يأسسهم ،،، ولا إنتِ إيه رأيك ؟ .
قفزت ريتان من على تختها بسعادة فها هى الفرصة تأتى إليها على طبق من ذهب لتثبت كفاءتها وأردفت بحماس :
معنديش اي مانع طبعاً يا نونا وتأكدي إنى هبذل كل جهدى وهتشوفي بنفسك النتيجة .
إبتسمت سناء بعدما استشعرت سعادتها وأردفت بحنو :
خلاص يبقى توكلنا على الله ،،، نبتدى من أول بكرة؟ .
أردفت ريتان بسعادة :
تمام يا نونا ،،، هستأذن بابا وبكرة إن شاء الله هكون عندك .
أغلقت معها ونظرت لشقيقها بتعجب ثم أردفت متسائلة :
ليه شاورتلي متكلمش عنك يا حمزة ؟
تحمحم حمزة ونظر للبعيد واعتدل يردف مستنكراً :
يعنى لما تيجي منك أحسن ،،، علشان متفكرش أنك كنتِ نسياها ولا حاجة .
نظرت له بتعجب ولكنها أردفت بسعادة :
على العموم هى فرحت جداً ،،، وأنا كمان فرحت وارتحت لأنى بحب ريتان جداً .
أومأ يبعد أنظاره عنها يخشي أن تنكشف حالته العجيبة تلك عندما تذكر أمامه ،
أسقطته شقيقته من سماء أحلامه الصافية عندما سألته:
عامل إيه مع مها يا حمزة ؟ ،،، إندمجتوا مع بعض ولا لسة بردو ؟
التفت ينظر لها وقد عادت ملامحه لجمودها مردفاً وهو يقف ويستعد للمغادرة :
بحاول يا سناء ،،،، أنا لازم أمشي دلوقتى وهمر عليكي بكرة ان شاء الله ،،، سلام .
غادر مسرعاً فهو لن يحتمل أسئلة آخرى عن تلك العلاقة المتكافئة بالنسبة لوالده فقط ولكن منذ اللحظة التى تمت فيها تلك الخطبة وهو يشعر بقـبضة قوية تلتف حول رقبـته ويـداه مقيدة فلم يستطع حلها .
لقد نزع قلبه وترك نفسه لحكم والده والعادات والأصول والمظاهر الاجتماعية مقنعاً عقله أنه يفعل الصواب … لنرى إلى أي مدى سيصمد هذا الظالم لنفسه .
❈-❈-❈
في شركة السوهاجى
يجلس ناصف خلف مكتبه بعقل شارد ،،، يفكر في المكالمة الهاتفية التى أتته منذ أسبوع ،،، إلى الآن لم يحسم أمره بعد ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل في هذا العمل الخبيث .
طرق باب مكتبه المساعد الـخاص والذراع الأيمن لشقيقه منصور .
أردف كارم بترقب :
اتفضل يا ناصف بيه ،،،، حضرتك طلبتنى ؟
أومأ ناصف وأشار له بالجلوس فجلس كارم بترقب .
طالعه ناصف بجمود وأردف متسائلاً :
قولي كل اللى تعرفه عن الجماعة دول ،،، واحكيلي تفاصيل الشغل المستخبي لمنصور ،،، أخويا ،،، إحكى كل حاجة ومتسيبش أي معلومة حتى لو صغيرة .
تنهد كارم وأردف بقلق :
هما الجماعة دول طلبوا منك إيه بالضبط يا ناصف بيه ؟ ،،، لأن على حد علمى ان مش بسهولة كدة يثقوا في أي حد ،،، أكيد كانوا بيدوروا ورا حضرتك في فرنسا ،،، ده غير إن بيتهيألى أخر صفقة بينهم وبين منصور بيه تمت خلاص .
تعجب ناصف وأردف :
أومأ ليه اللى كلمنى قال إن بينهم وبين منصور اتفاق لعشر سنين قدام ،،، وإن لو منصور مات فأنا موجود ومجبر أكمل مكانه ؟
زفر كارم وأردف بأسف :
للأسف يا ناصف بيه مافيش قدامنا حل غير إننا نوافق ،،،، دول مش بيهزروا ،،،، لأن آخر شحنة مخدرات دخلت مصر كانت هتتمسك لولا منصور بيه عمل المستحيل علشان يعديها لانه عارف إن لو إتمسكت مكانوش هيرحموه ..
زفر ناصف بضيق وأردف بحدة :
وأنا المفروض اتصرف آزاى مع الناس دي؟ ،،،، وأوافق إزاى على طلباتهم .
أردف كارم بترقب :
مافيش غير ان حضرتك تتفق مع رجالة منصور بيه اللى كانوا بيشتغلوا تحت إيـده ،،، أنا عارفهم ولو تحب أجمعهملك معنديش مانع .
شرد ناصف يفكر قليلاً ثم أومأ وأردف بغموض ونظرات مبهمة :
إجمعهم لي ،،، وشوف مكان مناسب نتقابل فيه .
أومأ كارم وأردف :
حاضر يا ناصف بيه ،،، فيه مكان كان منصور بيه متعود يقابلهم هناك ،،، هضبط الدنيا وابلغ سعادتك .
أومأ ناصف وغادر كارم وتركه يفكر بضيق ثم أردف بغضب مكبوت:
بتورطنى ليه يا منصور ،،، أنا كنت بعدت عن الأرف ده وارتحت .
❈-❈-❈
في اليوم التالى صباحاً في فيلا سالم الجواد
تجلس الأسرة جميعها على مائدة الإفطار
نظر فريد للجميع بترقب ثم تحمحم وأردف بجـرأة ظاهرة يحدث والده :
بابا لو سمحت أنا كنت عايز حضرتك في موضوع .
طالعه سالم بطرف عيـنه وأردف بجمود كعادته :
خير ؟
نظر فريد لوالدته التى تطالعه بترقب ثم نظر لشيرين خاصةً وأردف بفخر معتقداً أن والده سيسعد :
أنا كنت عايز أتقدم واخطب ميادة زميلتى ،،، بنت إبن خال شوقي ابو الدهب .
طالعه والده بعمق لثوانى ثم أردف ساخراً :
لسة متخرج بقالك كام شهر بدرجات وتقدير زى الـزفـت على دمـاغك وعديت بالعافية وحضرتك بدل ما تفكر في مستقبلك وشغلك جاي تقول عايز تخطب ! ،،، وتخطب مين ؟ ،،، الهانم الفاشلة اللى زيك ؟ ..
ذهل فريد من سخريته اللاذعة بالنسبة له وحاول التحدث ولكن عاد سالم يقاطعه ويسترسل :
أنت مفكر إنى مش عارف سرمـحتك اللى كنت بتعملها في الكلية ؟.
طالعه فريد بحرج ونكس رأسه أمام الجميع فتابع سالم بجمود:
أنت هتسافر فرنسا تاخد شهادة خبرة في أدارة الاعمال من هناك وترجع بعدها تشتغل مع أخواتك في الشركة ،،، مش هسمح لواحد منكوا يبعد عن محيطي ،،، الشركة دي وارثها عن أجدادى ولازم أنتوا تكبروها وده مش هيتم غير بقراراتى .
صُدم من حديث والده كما الجميع وأردف بحزن :
إيه اللى حضرتك بتقوله ده يا بابا ؟ ،،، إزاى بس ده يحصل ! ،،، مش هينفع أسافر أنا درجاتى قليلة .
أردف سالم مقاطعاً بغضب وتحكم :
ملكش فيه أنت هتسافر تدرس وخلاص ،،، وترجع بعد سنتين تتعين في الشركة علطول .
شرد في أمر حبيبته ميادة فأردف معترضاً بنبرة مجردة من التعقل :
مش هينفع يا بابا ،،، انا وعدت ميادة انى هتقدملها ،،، وأنا راجل واد كلمتى .
وقف سالم يردف بغضب لاغياً النقاش :
اللى قولته هيحصل ،،، ولما ترجع بعد السنتين دول نبقي نشوف موضوع وعدك ده ،،، ولو هي بتحبك هتستناكنظر لأبنيه حمزة ومراد وأردف آمراً :
يالا أتأخرنا ع الشركة .
خرج دون أن يودع زوجته كعادته بينما كانت شيرين في زحام أفكارها وكـسرة خاطرها بعد كلمات هذا الـمعـتوه الذى يظن نفسه رجـلاً وهو لا يمت للرجـولة بصِلةٍ .
تبع حمزة والده للخارج وقد تحكم في صمته بقوة حتى لا يجادله أمام فريد ،،، خرج وكان حمدى يقف أمام السيارة ينتظره فنادى حمزة على والده يردف باحترام :
لو سمحت يا بابا .
توقف سالم في الحديقة ثم التفت يطالعه ويستمع اليه فتقدم حمزة منه وتابع بضيق :
مينفعش كل مرة تجبرنا على حاجة إحنا مش عايزينها ،،، مش كل مرة تنهى النقاش وتمشي وتدوس على مشاعرنا ،،، فريد شاب زى اي شاب وأيوة هو مندفع بس عايز من حضرتك تسمعه ،،، تفهمه ،،، مش تأمر وأحنا ننفذ بصمت كأننا جماد ملناش أي رأي ،،، أيوة بنحترمك جداً وبنطيع أوامرك إحترام مش خوف ،،، فياريت متضغطش على فريد في إختياره .
أردف سالم متعجباً من إعتراضه وطريقته وتساءل بخبث :
ومين قال أن أنا بجبركوا ؟ ،،، أنا أجبرتك على إيه قبل كدة لما هجبر أخوك ؟ ،،، أظن أنت سمعتنى كويس ،،، أنا قولت له يسافر ياخد شهادة الخبرة ويرجع وأنا هخطبله البنت اللى هو عايزها .
طالعه حمزة بتعجب ،،،
أردف حمزة بغضب مكبوت :
حضرتك يظهر ناسي خطوبتى من مها ؟ ،،، الخطوبة اللى كلها مصالح لحضرتك ولعمى شوقي بس بالنسبالي انا مش مستفيد منها بأي شئ ،،، أنا نفذت أوامرك علشان عيلتى ترتاح وأخواتى يختاره بإرادتهم .
غضب سالم خصوصاً أن هذا الحديث دار أمام أنظار حمدى الذى يستمع بحزن لحال هذا الشاب وأردف بجمود :
خطوبتك من مها أبو الدهب هى أكتر قرار صح أنا أخدته وعرضته عليك وانت وافقت عليه مأجبرتكش ،،، ومستقبلاً هتشكرنى عليه ،،، وبعدين البنت اللى أخوك عايزها دى مش زي مها أبداً ،،، دى بنت طماعة وأخوك مضيع فلوسه عليها ،،، ولو عايز تتأكد هبقى أوريك فواتير الذهب اللى شاريهولها من جواهرجى العيلة ،،، يعنى أنا بدور على مصلحتكوا كلكوا ،،،، وحالا أنهى النقاش ويالا بينا على الشركة .
تركه واتجه يستقل سيارته بعدما فتح له حمدى الباب بقلة حيلة وانطلق حتى دون أن يأخذ مراد الذى كان يقف يستمع بصمت ثم اتجه لأخاه مردفاً بتساؤل:
مالك يا حمزة أيه اللى حصل ؟ ،،، ليه متعصب كدة ؟
طالعه حمزة بضيق وإختناق وأردف :
اللى حصل إن والدك مصمم يضغط علينا كلنا ،،، أحنا مش عيال صغيرين علشان يجبرنا كل شوية على اللي هو عايزه .
تعجب مراد وأردف بتروى :
يا عم ده كدة احسنله ،،، أخوك محتاج يبعد عن البنت دى ،،، ميادة أيه بس اللى يخطبها دى بنت قـلـيلة ذوق ومغرورة ،،، أنا شايف إنه يسافر أحسن يا حمزة .
زفر حمزة بقوة ورفع رأسه للأعلى ،،، لا أحد يشعر بيه … لا أحد يشعر بالضغط الذي يعانيه ،،،، عليه أن يظل ثابتاً من أجل عائلته ومستواها الإجتماعي وأن لا يهتز أو يصرخ أو يفيض ،،،، ليحبس بركانه داخله إلى أن يتآكله ،،، عليه أن يُكبت مشاعره ويقيدها إلى أجلٍ غير معلوم .
زفر بقوة وأردف بضيق وهو يتجه لسيارته :
إركب يا مراد .
صعد مراد مع حمزة سيارته وانطلقا الإثنين في طريقهما إلى الشركة .
في نفس الوقت خرجت ريتان مبكراً لتلتقي بكاريمان التى طلبت منها الذهاب معها لتقدم طلب وظيفي في إحدى المدارس الـخاصة التى سبقتها ريتان في التقديم بها .
عبأت كاريمان الطلب الوظيفي وخرجتا من المدرسة تسيران قدماً في طريق العودة .
رآها حمزة صدفةً وهو يقود فتوقف فجأة وثبت أنظاره عليها وهى تتحدث مع كارى غير منتبهة إليه ،،، عاد قلبه ينبض بقوة كأنه يركض بأقصى سرعته ،،، ألتمعت عيـنيه فور أن وقعت على عيـنيها .
تعجب مراد من توقفه وسأله :
إيه يا حمزة وقفت ليه ؟
تنهد بعمق ولف نظره لشقيقه بحيرة ثم أردف وهو يشير برأسه :
دى ريتان بنت عم حمدى ،،، تقريباً بتحاول توقف تاكسي ،،، ثوانى وراجعلك يا مراد .
فتح الباب ونزل من سيارته في اتجاهها ،،، رأته فتصنمت ونغزها قلبها وتعجبت ثم نظرت لكارى وأردفت ساخرة تستعدى الثبات :
يا محاسن الصدف .
كادت تخطى وتكمل طريقها لتتجنبه فأوقفها يردف متسائلاً :
أزيك يا ريتان ،،، أنتِ كويسة ؟ ،،، محتاجة أي مساعدة ؟
تنهدت ونظرت له مردفة بهدوء وثقة وفخر :
شكراً يا أستاذ حمزة أنا وكارى قدمنا طلب وظيفي في المدرسة هنا وكنا مروحين عن اذنك .
أبتسم وأردف بفرحة لسعادتها وحماسها :
ده خبر كويس جداً ،،، إن شاء الله تتقبلوا في أقرب وقت ،،، طيب تحبوا أوصلكوا ولا بردو هترفضي ؟
أردفت بثبات وهدوء :
شكراً ،،، هنركب تاكسي .
نزل مراد أيضاً بعدما رأى كاريمان واتجه إليهما يردف مرحباً بمرح متعمد :
أهلا يا ريتان إزيك ،،، بتعملى إيه هنا ؟
كان يتحدث وعينه منكبة على كاري التى نظرت للجهة الأخرى بتعجب بينما أردفت ريتان بإبتسامة هادئة :
إزيك يا أستاذ مراد عامل إيه ،،، كنا بنقدم على طلب وظيفي ومروحين ،، عن اذنكوا .
تحركت مع كاريمان فأردف مراد بلهفة يوقفهما :
طيب مش تعرفينا ؟
توقفت ريتان تنظر لكارى المتعجبة وأردفت بضيق لوقوفها :
كاريمان صحبتى ،،، وده مراد يا كارى ابن سالم بيه ،،، عن اذنكوا .
اكملتا الفتاتان طريقهما واستقلا الشابان سيارتهما وكلٍ منهم يفكر في أمر الآخر بتعجب وحيرة وأعجاب وعذاب .
❈-❈-❈
عصراً اتجهت ريتان بسيارة أجرة إلى فيلا منصور السوهاجى ،،،، دلفت بعدما سمح لها الحارس بناءاً على تعليمات سناء .
اتجهت تخطى في الحديقة ثم وصلت إلى الباب الداخلى للفيلا حيث وقفت سناء تستقبلها مرحبة تردف بسعادة :
أهلاً يا ريتا نورتى .
أبتسمت لها ريتان بحب وصعدت الدرجات القليلة حتى وصلت اليها وبادلتها السلام قائلة بحماس :
إزيك يا نونا وحشتيني ،،، عاملة إيه ؟
أردفت سناء بحنو :
كويسة جداً ،،، اتفضلي .
دلفت ريتان معها إلى الداخل ولكنها تفاجأت بهذا الذى يتكئ على ساعديه ويلعب مع التوأم ،،، تحمحمت بحرج والتفتت تطالع سناء بتردد فأردفت سناء مطمئنة :
تعالى متقلقيش ده ناصف عم الأولاد .
خطت معها باتجاهُ فالتفت ناصف يطالعها ثم إعتدل يتوقف ويقابلها حيث توقفت سناء أمامه تعرفهما مردفة :
ناصف دى ريتان صديقتى وهتبدأ تأسس سليم وتقى من النهاردة .
مد ناصف يـده يردف بتمعن بعدما تذكرها منذ العزاء :
أهلاً أستاذة ريتان ،،، إتشرفت بمعرفتك .
مدت يـدها مرغمة حتى لا تحرجه وبادلته السلام ثم سحبتها مسرعة وأردفت بتوتر من نظراته :
أهلاً بحضرتك ،، متشكرة .
أعجبت بخجلها وطالعها بتفحص بينما هى نظرت للصغار حيث أردفت سناء لهما :
سليم تقى مش هتسلموا على مس ريتان ؟
أسرعا الصغيران إليها يرحبان بها بطريقتهما الطفولية فاستقبلتهما ريتان بحب وحنو تحت أنظار سناء وناصف ثم أردفت سناء برتابة :
اتفضلي يا ريتان ،،، ارتاحى شوية وبعدين تبدأي معاهم جوة في المكتب لوحدكوا علشان تبقى على راحتك معاهم ،،، بس قوليلي الأول تشربي إيه ؟
هزت ريتان رأسها تردف بهدوء وحرج :
لا شكراً ولا أي حاجة … خليني أبدأ دلوقتى علشان متأخرش في الرجوع .
أومأت نونا موافقة ثم إستأذنت من ناصف واتجهت معها هى والصغار إلى غرفة المكتب يبدأى درسهما الأول مع مس ريتان .
عادت سناء إلى ناصف ونادت المساعدة تردف بهدوء :
لو سمحتى يا دادا سميحة دخلى لمس ريتان عصير ليمون فريش بعد إذنك .
جلست مع ناصف الذي تسائل بترقب :
هى ريتان تبقى صديقتك فعلا ؟
طالعته سناء وأردفت بعفوية :
هى بنت عم حمدى سواق بابا ،،، بس انا بحبها جداً وبعتبرها صديقتى برغم إنها أصغر منى بكتير ،،، بس هى طيبة جداً وذوق وأنا بحبها لانها طبيعية وبثق فيها جداً .
أومأ بتفهم وتنهد يفكر ويكمل قهوته ثم غير حديثه وبدأ يتحدث عن أعمال الشركة الظاهرية قليلاً وهى تستمع له بتمعن .
❈-❈-❈
انتهى دوام حمزة وقرر مغادرة الشركة حيث سيتجه إلى منزل شقيقته ،،، يعلم أنها هناك الآن ،،، يعلم أن عليه الإبتعاد عنها ولكن كل مرة شيئاً ما يتمرد داخـله ويخالف قوانينه وقناعاته ويغير مساره إليها ..
استقل سيارته وغادر إلى منزل سناء
وصل بعد فترة ودلف يصف سيارته ،،، تفاجأ من وجود سيارة ناصف فزفر بضيق وترجل يتجه إلى الباب الداخلى ويطرقه .
فتحت له المساعدة فالقى السلام ودلف .
تعجبت سناء من حضوره ووقفت تتجه إليه مردفة :
حمزة ؟
أتجه يعانـقها وعيـنه تسلطت على ناصف وأردف بمراوغة :
قولت أجى اطمن عليكي قبل ما أروح ،،، إنتِ كويسة ؟
أبتعدت عنه تومئ مردفة:
الحمد لله يا حبيبي ،،، تعالى .
إتجه يرحب بناصف ببرود وبادله ناصف بنفس الحالة ،،، جلس حمزة يبحث بعيـنه عنها وعندما لم يجدها نظر لشقيقته وأردف بتحاور :
أومال فين سليم وتقى .
أردفت سناء وهي تشير بأصـبـعها :
هما في المكتب جوة مع ريتان بدأوا أول درس النهاردة .
تنهد بأرتياح ،،، إذا سيراها ،،، بينما طالعه ناصف بترقب وأردف :
إيه يا حمزة ،،، أخبارك أيه ،، الفرح إمتى إن شاء الله .
زفر بضيق ،،، لما يذكره الآن هذا الأبله لقد أتى وترك خلفه الواقع ،،، نظر له بطرف عينه وأردف بضيق :
لسة .
تعجب ناصف من أسلوبه وزفر يقف مردفاً وهو يغلق زر بدلته ويستعد ليغادر:
طيب يا سناء أنا همشي دلوقتى لأن أكيد الأولاد هياخدوا وقت في الدرس وهمر عليكم وقت تانى ،،،، عن اذنكوا .
وقفت سناء تودعه إلى أن غادر ثم عادت إلى شقيقها تسأله بتعجب :
إيه الطريقة اللى اتعاملت بيها مع ناصف دى يا حمزة ،،، ميصحش على فكرة ؟
تجاهل سؤالها وأردف متسائلاً بضيق واندفاع :
هو شاف ريتان ؟
تعجب ونظرت له بشك فتابع مصححاً بتوتر :
يمكن يعترض عليها لإنها مش مدرّسة يعنى .
أردفت بتعجب وضيق وحدة عندما فكرت في الأمر :
وهو إيه دخله يا حمزة ؟ ،،، سليم وتقى أولادى أنا وأنا اللى أحدد إيه ينفعهم وإيه لاء ،،، ناصف مش من حقه يتدخل في طريقتى معاهم ،،، هو عمهم اه بس مش هسمح لحد يتحكم فيا وفاولادى تانى ،،، كفاية أوى لحد كدة .
قالتها بعصبية فتحدث بحنو وتروى ليهدأها :
تمام يا نونا روقي ،،، أكيد يا حبيبتى محدش هيتحكم فيكي ،،، أنا معاكى ومش هسمح بأي حد يضايقك تانى إطمنى .
زفرت بقوة تطالعه ثم أومأت وأردفت وهى تقف :
قولي تشرب أيه ،،، أنا هشوف ريتان لو محتاجة حاجة واجيلك .
تحمحم وأردف يعتدل :
تمام لو عصير أورنج ماشي ،،،، وانا قاعد شوية لما حبايب خالو يخلصوا درسهم علشان أشوفهم قبل ما أمشي .
تعجبت ومطت شـفتيها ثم تركته وخطت لتراهما وتركته يفكر في أفعاله ،،، لديه من التناقضات ما يجعله على وشك الـخـلل .
رن هاتفه فتناوله ونظر له ،،، وجدها تلك المتطفلة ،،، يا الهى لقد نساها أو تناساها عن عمد ،،، لما تهاتفه الآن ؟ ،،، زفر بضيق وفتح الخط يجيب مردفاً بضيق :
أهلا يا مها ازيك ؟
أردفت مها بضجر وحدة :
كويس يا حمزة إنك فاكر أسمى ،،، حمزة أنا لازم أقابلك فوراً ،،، فيه كلام مهم بخصوص مستقبلنا لازم نتكلم فيه .
استمع إليها بتعجب ثم أردف :
مها أنا عند سناء دلوقتى بطمن عليها ،،، خليها وقت تانى .
أردفت بتصميم :
وأنا بقولك لازم نتقابل حالا يا حمزة ،،، مش أنا اللى تتعامل معاها كدة ،،، وألا هعتبر رفضك لمقابلتى هو رفض لعلاقتنا كلها ووقتها هبلغ بابا يبلغ اونكل سالم ننهى المهزلة دي .
أردف بترقب وتساؤل :
انتِ بتهديني يا مها ؟
أردفت بثقة وغرور :
لا أبداً يا حمزة ،،،، أنا بتكلم عن اللى هيحصل لأنى شايفة إنى الطرف اللى بيدى في العلاقة دى بدون أي مقابل ،،، لازم أنا وانت نتكلم وحالاً .
زفر بقوة يغمض عينه وأردف بترقب :
انتِ فين ؟
أردفت ببرود :
في النادى ،،، مستنياك .
اغلقت الخط فزفر وتنهد ،،، يعلم أنه بتلك الحالة له عين في النعيم وعين لي الجحيم وهذا لا يجوز ،،، عليه أن يعلم أي إتجاه سيسلك ،،، عليه أن يحدد الأن وكفى تراهات ،،، ليأخذ قراره الآن .
ووقف يتجه إلى غرفة المكتب ،،، طرق بابها وابتعد قليلاً ،،، يعلم أن هذا الباب هو الفاصل بين عيـنيهما ولكنه لا يستطيع إجتيازه ،،، لقد بات محرماً عليه ،،، تنهد بضيق وانتبه على فتح سناء للباب تتطلع للخارج مردفة بتعجب :
خير يا حمزة حصل حاجه ؟.
أهتز قلب من في الداخل من نطق إسمه ،،، إذا يقف خارجاً ،،، تبعثرت ولم تعد تركز في حصتها بينما أذنها ركزت على صوته حينما تحدث قائلاً :
معلش يا سناء أنا لازم أمشى حالاً ،،، ظهرلى مشوار فجأة ،،، همر عليكي وقت تانى .
أومأت بابتسامة هادئة تودعه :
تمام يا حبيبى ربنا معاك … سلملى على ماما صفية .
أومأ ونظر لها قليلأً بصمت فتعجب تميل برأسها فاردف قبل أن يلتفت ويغادر:
أبقى سلمى على ريتان .
غادر بعدها دون إضافة حرف وتنهدت تلك الجالسة بعمق تأخذ أنفاسها المسلوبة آخيراً بعد أن غادر .
أستقل سيارته وقاد يـلعـن نفسه ،،، والده محق ،،، عليه أن لا يتبع مشاعره .
بينما هى فشلت في إستعادة تركيزها وخشت أن يتم إكتشاف أمرها من قِبل سناء لذلك أردفت بتوتر :
سناء أنا أسفة بس ممكن استعمل الحمام ؟
أومأت سناء تردف بود :
اه طبعا يا ريتا اتفضلي .
أوصلتها إلى الحمام فدلفت ريتان واغلقت خلفها ووقفت تلتقط أنفاسها ،،، ملعون هذا القلب وملعون هذا الحبيب الذى يعذبها ،،، لاااا ،،، عليها ان تقوى أكثر ،،، عليها أن تظهر له صلابتها ،،،، لقد التفت لطريقه ولتلتفت هي أيضاً لطريقها .
تنهدت بعمق واجبرت نفسها على الهدوء والتحلى بالقوة والثقة أكثر من ذلك وألا سهل كسرها .
خرجت من الحمام بعدما اغتسلت واستعادت ثباتها واتجهت لتكمل مع الصغار حصتهما الأولى .
❈-❈-❈
وصل حمزة إلى النادى وصف سيارته وترجل .
دلف واتجه إلى مكانها حيث تجلس ترتشف Ice coffee وتنتظره .
وصل إليها ورحب بها وجلس مجاوراً لها يطالعها بترقب ،،،، نعم جميلة ومنمقة وشامخة ولكنها باردة كتلك القهوة التى تتناولها ،،، مشاعرها كلوح ثلجٍ يشوبه الصقيع ،،، ومشاعره تجاهها نفس الشئ ،،، كأنه كان في منذ قليل في أشد بقاع الأرض حرارة والآن وصل إلى القطب الشمالى .
تنهد وأردف متسائلاً بهدوء :
خير يا مها ،،، عايزة تتكلمى في ايه ؟
توقفت عن شرب القهوة وأردفت بخبث وحزن ظاهري لتستعطفه :
حمزة أنا هدخل في الموضوع علطول ،،،أنا بحاول من فترة أتأقلم مع الوضع اللى إحنا فيه بس بجد مبقتش قادرة اتحمل ،،،، الأول كنت أخدة الموضوع رسمى وارتباط عائلي بس بعدين لقيت نفسي بنجذب ليك ،،، وكل مرة كنت بقرب منك أنت بتبعد أكتر ،،، اقنعت نفسي إنك منشغل أو محتاج مساحة نتعرف فيها على بعض بس أنت حتى الفرصة مش بتسمح بيها ،،، كلامك معايا محدود جداً ،،، أسلوبك بارد وطريقتك كأنى مفروضة عليك وده اللى لا يمكن أقبل بيه أبداً يا حمزة ،،، لدرجة أنى بقيت أشك أن ممكن يكون في حد في حياتك ؟
طالعها بعمق وتعجب وهى تتفحص عيـناه التى التمعت فتابعت بخبث :
أنا حبيتك يا حمزة .
صُدم من تصريحها لثوانى ثم تسائل :
حبيتيني إزاي ؟ ،،، مها انتِ بتقولي ايه ؟
أومأت ومدت يـدها تتلمـس يـده المستندة على الطاولة فتفاجأ من فعلتها وسحب يـده فغتاظت ولكنها أكملت تدعى الحزن بعدما سحبت يـدها بحرج :
أيوة حبيتك ،،، وعايزاك تديني مساحة أقرب منك واكتشفك وصدقنى هنجح في ده ،،، إحنا مخطوبين يا حمزة وقريب هنتجوز وانت بتبعد عنى جداً ،،، خليني أظهرلك حبي يا حمزة ،،، خلينا نبعد عن سيطرة أهالينا وعن مصالحهم وندي لنفسنا فرصة جديدة ،،، أنت مش حاسس اننا نستحق ده ؟
تحمحم بتعجب من حديثها وأردف بحيرة :
يعنى ،،، اناااا ؟ ،،، بصراحة أنا إتفاجئت بكلامك ده .
أبتسمت له وأردفت بنعومة لتصل إلى مبتغاها بعدما شعرت بحيرته :
متفاجئ إنى طلعت بحبك ؟ ،،، انا كمان متفاجئة جداً ،،، بصراحة طول عمرى بقول أنى مش هسلم قلبي لأي حد كدة ،،، بس معاك الوضع اختلف ،،، لقيت فيك حاجة شدتنى ،،،، قولتلك قبل كدة أنت مختلف .
جذبت أنتباه عقله الذى لم يسمع تلك الكلمات من قبل ولم يتوقع أن يسمعها من تلك الشخصية العملية الباردة ،،، نعم يستشف نظراتهن من حوله ولكنه لم يدخل في أي علاقة مسبقاً
فأردف بحيرة بين ما سمعه وما يسكن في أعماقه :
أنا مش عارف أقولك إيه ،،، بس أنا للأسف مش هقدر أبادلك حالياً أي مشاعر يا مها .
ضحكت بقوة عليه وتعمدت إظهار ضحكة ناعمة أمامه ثم أردفت برقة زائدة :
حمزة بجد أنت غريب جداً ،،، ومؤدب جداً ،،، أنا اه بحب الراجل العاقل بس بردو الجرأة مطلوبة منك أكتر ،،، وإلا انا اللى هبادر بكل حاجه في العلاقة دي وده مش كويس بالنسبة لانوثتى ،،، ولا انت رأيك أيه ؟
شعر بالضيق من حديثها وأردف بترقب :
لاء يا مها مش مسألة جرأة بس تقريباً سفرك وبعدك عن مصر نساكى عوايدنا شوية ،،، بلاش تستعجلي ،،، إحنا لسة في فترة خطوبة
أبتسمت بخبث وأومأت بإعجاب تردف :
تعجبنى كدة ،،، طيب قولت إيه ؟ ،،، موافق تعطى علاقتنا فرصة ؟ ،،، وصدقنى أنا هستغلها كويس .
تنهد بعمق وشرد يفكر مجدداً ،،، أغمض عينه فرآها فأسرع يفتح عينه مجدداً يطالع مها ويردف بقبول ليهرب من حالته :
تمام يا مها ،،، موافق .
❈-❈-❈
عادت ريتان منزلها وتجمعت اسرتها حول مائدة الطعام لتناول العشاء حيث عاد حمدى مبكراً وجلس بينهن يردف بسعادة :
أنا مبسوط أوى إنى رجعت بدرى النهاردة وقاعدين بنتعشى سوا ..
أردفت حياة بفرحة:
أيوة يا حمدى ،،، شغلك ده آخد كل وقتك ..
تنهد وأردف بقلة حيلة :
هعمل إيه بس يا حياة ،،، لازم منه علشان مصاريف دراسة البنات وحياتنا ولولا شغلى ده مكنتش قدرت أصرف على جامعة ريتان ،،، والحمد لله اتخرجت بامتياز ،،، عقبالك يا بسوم .
نظرت له بسمة وأردفت بيأس :
لا يا بابا متحطش أمل منى أنا مش دحيحة زي بنتك الكبيرة أنا على قدى ،،، المهم أنى ألاقي العريس المتريش اللى هيعيشي في نغنغة ويريحنى .
زفر حمدى بيأس من حديث إبنته فهى دائماً هكذا فظة وهو حنون بسلبية حيث لم يعد يحذرها لذلك تبخ حديثها السام دون إحترام لهما .
تنهد ونظر لها يردف بضيق :
أنا بقيت أخاف عليكي من كلامك ده .
أردفت حياة مدافعة :
يوووو يا حمدى متزودهاش بقى بسمة بتهزر معاك .
زفر ونظر لابنته الكبرى وأردف بترقب:
ها يا ريتان عملتى إيه النهاردة عند سناء هانم ؟
ابتسمت ريتان وأردفت باحترام معاكس تماماً لتلك البسمة المجاورة لها :
الحمد لله يا بابا كله تمام ،،، وأنا مبسوطة جداً بالشغل ده بجد جه في وقته ،،، ادعيلي يا بابا أقبل في المدرسة الخاصة اللى قدمت فيها ووقتها بجد أكون حققت جزء كبير من أحلامى .
رفع رأسه يردف داعياً بحب :
يااارب يا حبيبتى يحققلك الخير كله ..
تنهد يطالعهن بترقب ثم أردف متذكراً :
النهاردة لأول مرة حمزة يقف في وش سالم بيه ،،، حتى انا استغربت أوى لأنه في العادة هادى ومسالم و صوته مبيعلاش على سالم بيه أبداً ،،، بس واضح إن سالم بيه ضغط عليهم جامد .
ترقبت ريتان بتركيز بينما تسائلت حياة بفضول :
ليه يا حمدى ،،، إيه اللى حصل ؟.
مط شفـتيه وأردف بحيرة متذكراً :
مفهمتش أوي يا حياة بس واضح كدة أن سالم أجبر حمزة على خطوبته من بنت شوقي أبو الدهب ،،، وعايز يجبر فريد على السفر برة ،،، سالم بيه صعب وأطباعه حادة أوى .
ضحكت بسمة ساخرة وأردفت بلاذاعة :
هههه يجبره على الجواز إزاي يا بابا لهو طفل صغير ؟ ،،، أكيد موافق وهو هيلاقي زي مها ابو الدهب فين ده كويس إنها وافقت بيه أصلاً .
نظر لها حمدى بحدة وأردف بغضب.::
هو علشان بيحترم أبوه يبقى مش راجل يا بسمة ؟ ،،، على العموم حمزة ده شاب مافيش زيه ،،، انسان محترم ويكفي أنه الوحيد اللي بيقدر ابوكى وبيحترمه حتى عنك .
قلبت عيناها وأردفت وهى تقف :
تمام يا بابا أنا هقوم أصل شبعت واتفضل حضرتك كمل أكلك ومتزعلش نفسك خالص ،،، أنا عارفة انك مبتحبش إلا ريتان حبيبة قلبك .
تركتهم واتجهت لغرفتها فأردفت حياة بلوم :
ليه كدة بس يا حمدى تزعلها ،،، هو أنت تايه عن بسمة وعمايلها ،،، هى كدة اللى في قلبها على لسانها .
تنهد بضيق وأردف بلوم وحزن :
دلعـتيها أوى يا حياة ،،، كل حاجة وليها حدود ،،، تشوف اختها بتكلمنى إزاي ؟ .
أردفت حياة مدافعة:
ريتان كبيرة وفاهمة إنما بسمة لسة صغيرة .
هز رأسه بقلة حيلة واكمل طعامه بينما ريتان كان عقلها في مكان آخر ،، شردت تفكر في أمر حمزة ،،، أوافق فقط من أجل عائلته وتنفيذاً لأمر والده ،،، كيف سيكمل حياته مع إنسانة لا يكن لها أي مشاعر ؟
تنهدت بحسرة وحزن ووقفت تستأذن ثم اتجهت إلى غرفتها بعدما توضأت ووقفت تصلى وتطلب من الله أن يخفف ثقل صـدرها الذى يـخـنقها ويزيح هذا الحب المعذب من قلبها .
❈-❈-❈
بعد شهرين مرّا
كانت تذهب فيهما ريتان خمس مرات إسبوعياً لتعطى دروس تأسيس للتوأم .
لم ترى حمزة فيهما إلا مرتين ،،، احداهما عندما كانت تغادر وهو يدلف وكادت تصطدم بيه ولكنها ابتعدت في آخر لحظة تطالعه بعيون لامعة لتهرب بعدها وتغادر على الفور وتتركه في حالة معذبة بعدما قرر الإبتعاد .
وفي المرة الثانية دلفت ووجدته يجلس مع شقيقته يضحك بقوة فشردت في ضحكته التى إحتلت فؤادها لا ارادياً ،،، يمكن أن ما سمعته من والدها جعلها تتأمل مجدداً ،،، تعلم أنه أمل يائس ولكن ليس بيدها حيلة وليس على قلبها سلطان .
أما هو فقرر الابتعاد عنها ،،، قرر تجنبها وهذا أكثر ما يحزنه ولكن ليرى في أي اتجاه سيأخذه تيار المجتمع هذا .
أما ناصف فقد أصبحت تراه كثيراً ،،، يبدو أنه يتعمد المجئ لرؤيتها ،،، حتى أن نظراته لها غريبة تقلقها ،،، تتجنبه دائماً ولكنه يحاول إختراع أي حديث معها .
يجلس حمدى يتناول الفطور مع عائلته فرن هاتفه برقم جديد ،،، تعجب وتناوله وفتح يجيب بترقب قائلاً :
ألو ؟ ،،، مين معايا ؟
أردف ناصف برتابة :
صباح الخير يا أستاذ حمدى ،،، مع حضرتك ناصف السوهاجى .
تعجب حمدى ونظر لهن ثم أردف مرحباً :
أهلاً يا ناصف بيه ،،، أؤمرني ؟
أردف ناصف بهدوء وترقب :
أنا كنت عايز أشوفك واتكلم مع حضرتك في أمر مهم .
تحمحم حمدى وأردف متسائلاً :
تمام يا ناصف بيه زى ما تحب ،،، قولي أقابل حضرتك فين وأنا أجيلك بعد ما أوصل سالم بيه على الشركة .
زفر ناصف وأردف بترقب :
ياريت تخليه لقاء عائلي لأن الموضوع اللى أنا محتاج أتكلم مع حضرتك فيه يخص الأنسة ريتان ،،، علشان كدة ياريت تبلغنى بمعاد اجي اقابلك في البيت احسن .
صُدم حمدى ونظر لهن بصمت لثوانى ثم أنبهُ ناصف متسائلاً :
أستاذ حمدى حضرتك معايا ؟
أردف حمدى بنبرة متحمسة :
أيوة معاك يا ناصف بيه ،،، تمام أنا منتظر حضرتك بكرة إن شاء الله .
زفر ناصف براحة وأردف :
تمام ،،، إن شاء الله هكون عند حضرتك الساعة ٧ ،،، يناسبك المعاد ؟
أومأ حمدى يردف :
أيوة مناسب جداً ،،، مع السلامة .
أغلق معه ونظر لهن يردف بدهشة :
ناصف السوهاجى عايز ييجي يقابلنى وبيقول ان فيه موضوع مهم خاص بالانسة ريتان .
شقهت حياة بفرحة قائلة :
معقووول ،،، عايز يتقدم لريتان .
أردفت بسمة بتعجب :
سبحان الله ،،، دايما بتقعي واقفة ،،، ناصف السوهاجى مرة واحدة .
نظرت لهم جميعاً بصدمة ثم نظرت لوالدها وأردفت مستفهمة :
بابا حضرتك بتقول ايه ؟ ،،، ما يمكن حضرتك فهمت غلط ،،، اكيد عايزك في موضوع تانى .
أردف حمدى مؤكداً على ما سمعه :
بيقولى عايزك في لقاء عائلي لأن الموضوع يخص الأنسة ريتان ،،، واضحة زي الشمس يا بنتى ،،، اكيد هيطلب أيدك منى ،،، بصي يا بنتى ده عريس ميتفوتش ،،، دعواتى ليكي قبلت ،،، هو ده الانسان اللى هيريحك .
نظرت لوالدها ذاهلة وأردفت :
بابا ؟ ،،، حضرتك بتتكلم كأنه فعلا طلبنى وأنا وافقت ! ،،، حضرتك ناسي إن ناصف أخو منصور جوز سناء ؟ ،،، إزاي واثق فيه أوى كدة ؟
أردفت حياة مدافعة :
وانتِ عايزة تاخديه بذنب أخوه ولا إيه يا بنتى ؟ ،،، وهو لو كان وحش زي أخوه كان استقر هنا ومسك شغل أخوه وأخد باله من ولاده ومراته ؟ ،،، بصراحة أنا شيفاه راجل محترم ،،، متاخديش حد بذنب حد تانى يا بنتى ،،، هو عمك سمير زي أبوكي ؟ ،،، وبعدين ده إنسان مقتدر وهيعيشك عيشة مرتاحة ،،، وانتِ قولتى إنه كذا مرة ييجي وانتِ عند سناء ،،، يعنى واضح إنه معجب بيكي .
وقفت تطالهم بصدمة وأردفت لأول مرة بغضب خارج عن إرادتها وهى على وشك البكاء :
لااا أكيد انتوا بتهزوا ؟ ،،، فيه أيه هو إنتوا للدرجادى زهقتوا منى ،،، لسة حالا بيقول عايز يقابلك وانتوا بتتكلموا كأن خلاص الموضوع رسمي ؟ ،،، مش يمكن أنا مش قبلاه ؟
أردفت حياة معنفة :
إتكلمى كويس يا ريتان ،،، زهقنا منك إيه بس ،،، كل ده علشان فرحنا إن هيطلبك إنسان كويس هيقدر يعيشك عيشة حلوة ؟ ،،، بلاش تتبترى على النعمة يا بنتى .
سقطت الدموع من عينيها وهى تطالع والدتها وأومأت عدة مرات تردف :
تمام ،،، خليه ييجي ،،، بس أعرفوا انى لو مرتحتش للموضوع مش هيتم أبداً .
ضحكت بسمة ساخرة وأردفت باستفزاز :
ههه فقرية ،،، سبهولي أنا .
نظرت لها ريتان بغضب ثم نظرت لوالدها وأردفت وهى على وشك الانفجار :
بابا لو سمحت أنا عايزة أروح لكاريمان شوية ؟
تنهد حمدى وطالعها بترقب ثم أومأ وأردف بعدما رأى حزنها :
تمام يا ريتان ،،، روحى يا حبيبتى شوية ،،، وأوعى يكون عندك شك إن حد مننا هيغصبك على حاجة إنتِ مش عايزاها … كل ما في الأمر إننا عايزينك مرتاحة يا بنتى .
أومأت بصمت واتجهت إلى غرفتها وسمحت لدموعها أن تسقط متتالية ثم حملت هاتفها وطلبت كارى التى أجابتها وقد استمعت لصوت بكائها فاردفت بقلق :
ريتان ! ،،، مالك ؟
أردفت ريتان باختناق :
كارى انتِ فاضية ؟ ،،، ينفع اعدى عليكي شوية ؟
أومأت كارى مرحبة :
اه طبعا تعالى هستناكى .
أغلقت معها واستعدت لتذهب إليها كي تشاركها ما تشعر بيه الآن .
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل السادس 6 - بقلم اية العربي
في غرفة حمزة
يتمدد على فراشه مستنداً برأسه على وسادته الناعمة التي تحتضن عقله المبعثر كقطعة ويفر هش سقطت في إناء شوكولاتة مركزة.
يفكر في حديث مها المستجد على أذنه، كيف أحبته وهو لم يعطيها أي فعل؟ كيف وقعت بغرامه دون أي مبادرة منه؟ ولكنه لم ير في عينيها تلك اللمعة التي رآها في عين ريتان! فكيف يقنع عقله أنها أحبته بصدق؟
زفر يضع ذراعيه خلف رأسه ويردف محدثاً حاله بحدة:
– ركز بقى واعرف إنت عايز إيه؟، حبّتك ولا محبتكش مش هي دي اللي مناسبة لإسمك ولعيلتك؟، مش دي اللي هتليق بيك يا ابن سالم بيه؟، لسه بتفكر في إيه تاني؟
أغمض عينيه بقوة وضغط على مفتاح صوت قلبه ليكتمه عما يريد قوله والصراخ به.
حسناً يا ابن الجواد لنرى إلى متى سيظل قلبك صامتاً.
***
تجلس ريتان مع كارى بعدما ذهبت إليها وتطالعها كارى بتعجب وحزن لبكائها مردفة بحنو:
– ممكن بس تهدّي وتفهّميني إيه اللي حصل؟، اللي اسمه حمزة ده عمل حاجة تانية؟
هزت ريتان رأسها وجففت دموعها بالمحرمة التي ناولتها لها كارى ثم نظرت لها وأردفت بصوت متحشرج:
– ناصف السوهاجي يا كارى، أخو جوز سناء، كلم بابا وطالب يشوفه علشان موضوع خاص بيا. إنتِ متخيلة؟
نظرت لها كارى بتعجب ثم شهقت وأردفت بذهول:
– عايز يتقدّم لك؟
أومأت ريتان تردف بشرود وهي تتذكر نظراته لها طوال هذان الشهران:
– أيوه. أنا كنت ملاحظة أسلوبه وتواجده هناك دايماً، بس كنت بكدّب إحساسي.
تعجبت كارى وأردفت بتساؤل:
– ليه يا ريتان؟ بصراحة بقى لو كده فعلاً يبقى إنسان شهم وقد كلمته. يعني ياريت المرة دي تفكّري بالعقل شوية يا ريتا.
نظرت لها بتعجب وأردفت بعيون متسعة:
– كاريمان انتِ بتقولي إيه؟ شهم أو مش شهم إزاي هقدر ارتبط بإنسان وأنا في قلبي حد تاني؟ ده حتى يبقى بظلمه.
غضبت كارى من حديثها غير العقلاني وأردفت معنفة بسبب تلك الأفكار التي ستضيع منها فرصة العمر:
– بطّلي عبط بقى يا ريتان. انتِ أصلاً معلّقة نفسك بأحبال دايبة. بتحبي إنسان سلبي مالوش كلمة، راح خطب واحدة من نفس مستواه ونفّذ كلام باباه. متخيلة إن واحد زي ده يعرف يعني إيه حب؟ ده واحد مذبذب محدش عارف هو عايز إيه، امبارح يقف يبصلك بعيون بتلمع وتاني يوم يروح يخطب واحدة تانية. هتضيعي مستقبلك علشان خاطر حب من طرف واحد لإنسان ميستاهلش. فكّري بعقلانية شوية وسيبك من عواطفك اللي هتضيعك دي. شوفي الصالح ليكي إيه واعمليه.
زادتها عليها، ضغطت على قلبها النابض فشعرت بالاختناق. لم يكن هذا الحديث المريح الذي أتت لتسمعه، بل زاد ثقل صدرها من هذا الكلام الحاد.
وقفت تطالعها بحزن ثم حملت حقيبتها وأردفت بندم وهي على وشك المغادرة:
– تمام يا كارى، أنا همشي.
التفتت لتغادر فأوقفتها كارى تردف معتذرة بندم:
– يا ريتان استني بس. أنا آسفة بس انتِ كده بجد بتظلمي نفسك. وهو عايش ولا على باله ولا حاسس بعذابك ده. أنا بجد بدأت أكرهه بسبب حالتك دي.
هزت ريتان رأسها تردف مداقعة بقلب عاشق:
– متحكميش عليه محدش عارف ظروفه.
ذُهلت كارى منها وأردفت متعجبة:
– لااا مش معقول لسه بتدافعي عنه؟ ده حب ملعون بجد.
أغلقت عينيها تزفر بقوة ثم طالعتها وأردفت بيأس:
– صدقيني يا كارى غصب عني. بحاول ومش عارفة أكرهه. مشوفتش منه أي حاجة غلط. معاملته معايا وأسلوبه وكلامه بيجبرني إني أدافع عنه. كلام بابا عن أبوه وعنه بيجبرني إني أحبه. يمكن لو كنت شوفت منه حاجة واحدة سيئة كنت بعدت نفسي بس مافيش. ومتمناش إني أشوف لأن وقتها هكرهه وأنا رافضة الشعور ده. رافضة مشاعر الكره لأني مش هتحملها.
طالعتها كارى بحزن، تعلم أن أمرها صعب. اتجهت تعانقها وتربت عليها وتردف بحزن لأجلها:
– مش قادرة أخفف عنك يا ريتان ولا عارفة أواسيّكي إزاي.
بادلتها العناق وأردفت باستسلام:
– كفاية إنك بتسمعيني. كفاية اني بسببلك كل التعب ده وانتِ بتتحملي.
ابتعدت كارى عنها تبتسم وتردف لتضحكها:
– أكيد دي لعنة فراعنة. فاكرة لما رحنا المتحف وصممتي تمسكي الموميا؟ أكيد من وقتها لعنة الفراعنة صابتك.
ابتسمت ريتان وأردفت ممازحة هي الأخرى من بين آلامها:
– تفتكري الموميا دي كان حمزة ومتنكر؟
ضحكت كارى بخفة وتنهدتا الاثنتين وجلستا تغيران حديثهما عن العمل ودروس التأسيس التي تعطيها ريتان لتوأم سناء لتنسى ريتان موضوع ناصف قليلاً.
***
يجلس فريد مع ميادة في إحدى الأماكن العامة مردفاً بضيق:
– معاد طيارتي كمان كام يوم يا ميادة، وأنا مش عارف أعمل إيه؟
زفرت وطالعته تردف بلا مبالاة:
– قولتلك سافر يا فريد. سافر وأنا هستناك. معقول معندكش ثقة في كلمتي؟
مد يديها يمسك يديها ويردف بحزن:
– مش كده يا حبيبتي. بس خايف لحد يضغط عليكي.
نظرت له بمغزى وأردفت:
– محدش يقدر يضغط عليا يا فريد. أنا باخد قراراتي بنفسي.
نكس رأسه وترك يديها وأردف بخزي:
– إنتِ قصدك عليا؟
تنهدت وأردفت بترقب وخبث:
– على فكرة أنا مش قصدي عليك خالص. بالعكس أنا شايفة فرصة سفرك دي حاجة كويسة جدًا وعمو سالم فكر صح. وهترجع تشتغل في الشركة ويمكن فيما بعد تفتح شركة خاصة بيك وأنا هكون مرات فريد بيه الجواد. إيه رأيك؟
تأمل الفكرة فابتسم لها بحب وأردف بثقة:
– هيحصل يا قلبي. طول ما انتِ في ضهري هيحصل. وأوعدك مش هتأخر عليكي. هاخد شهادة الخبرة وارجعلك فوراً.
بادلته الابتسامة وأردفت:
– هستناك يا فيرو.
***
في اليوم التالي مساءاً
استقبلت أسرة حمدي ناصف بترحاب وود زائد.
دلف يضع علبة كرتونية منمقة تحتوي على أفخر أنواع الشوكولاتة وباقة زهور رائعة المظهر والرائحة.
اتجه يجلس في غرفة الصالون وجلس حمدي مجاوراً له ووقفت حياة تكرر ترحابها به.
خطت بعدها لمطبخها كي تحضر الضيافة بينما هو نظر لحمدي وأردف برتابة:
– أستاذ حمدي أكيد حضرتك عرفت سبب زيارتي؟
أومأ حمدي وتحدث بترقب وتروي:
– وبردو أحب أسمع منك يا ناصف بيه؟
أردف ناصف بثقة وهدوء:
– زي ما حضرتك عارف أنا استقريت هنا بعد وفاة منصور علشان أدير الشركة بداله. وضعي المادي معروف أكيد وكل متطلباتي الحمد لله موجودة بس لسه شيء أساسي مفتقده وهي بنت أصول طيبة وخلوقة أربط اسمي بيها. وأكيد مش هلاقّي أحسن من الآنسة ريتان. أنا اتعرفت عليها في بيت أخويا منصور الله يرحمه وبصراحة أعجبت جدًا بأخلاقها وطريقتها مع أولاد أخويا وعلشان كده قررت أدخل البيت من بابه وأتقدم وأطلب إيدها من حضرتك.
أومأ حمدي معجباً بحديثه المرتب وطريقته خصوصاً أنه لا يعلم عنه شيئاً غير الظاهر فقط وأردف:
– عداك العيب طبعاً يا ناصف بيه. وحضرتك سمعتك الطيبة سبقاك. بس أنا متعودتش أجبر بناتي على حاجة هما مش قابلين بيها. لو عليا أنا معنديش أي اعتراض على حضرتك ونسبك أكيد شيء يشرفني. بس هيبقى رأي ريتان بنتي هو المهم.
أومأ بتفهم وأردف برتابة:
– وأنا علشان كده قولت أجي لحضرتك هنا وأتكلم مع الآنسة ريتان بنفسي وبعدها القرار اللي هتاخده أنا موافق عليه. لو رفضت هحترم ده جدًا برغم إني أتمنى العكس. ولو قبلت أنا مستعد من بكرة أحدد الفرح وكل شيء جاهز.
انشرح قلب حمدي معتقداً أن طائر الحظ حلق فوق رأس ابنته وأردف بنبرة متحمسة وسعيدة لأجلها:
– طيب يا ناصف بيه أنا هنادي ريتان بنتي تقعد معاك وتشوف هتقولها إيه.
أومأ له ناصف ووقف حمدي يستأذن واتجه لغرفة ابنته التي ارتدت ملابس رسمية وحجابها ولم تتزين فهي ليست بحاجة ذلك فباتت طبيعية جداً جميلة ومحتشمة، وحزينة.
دلف وتحمحم يردف بترجّي:
– ريتان يا حبيبتي، ناصف قاعد برة، وطالب يتكلم معاكي. حاولي تسمعيه وتفكّري في كلامه يابنتي. خدي وقتك ومحدش هيضغط عليكي، بس اسمعيه، تمام؟
تطلعت على والدها وأومأت بحزن وأردفت مجبرة:
– حاضر يا بابا، اطمئن.
تنهد بارتياح وابتسم لها وسحبها معه للخارج ثم إلى غرفة الصالون حيث يجلس ناصف الذي وقف يرحب بها.
مد يده فبادلته بالسلام وسحبت يدها سريعاً ثم جلست على المقعد المجاور على بعد مناسب بينما أردف حمدي بهدوء ليترك لهما مساحة الحديث:
– ثواني وراجع لكم.
غادر وتركهما فنظر ناصف لريتان بتعمق وأردف بهدوء:
– محبتش أتكلم معاكي عند سناء. حسيت إنها خطوة غلط، فقولت أبدأ على نور وبوضوح وأجي أتكلم معاكي هنا.
طالعته بترقب وتنهدت بعمق فتابع:
– أنا إنسان دغري وواضح وبصراحة من أول ما شوفتك وأنا أعجبت بيكي جدًا ويمكن طول المدة اللي فاتت كنت بختبر مشاعري وأول ما تأكدت منها جيت على طول. محبتش أتأخر لأني واثق إن إنسانة زيك فرصة متتعوضش.
طالعته بتعجب من حديثه المرتب الذي وصل إليها وأحزنها أكثر وربط خيوط أفكارها المعلقة بآمال بعيدة ثم أردفت بتمهل:
– أستاذ ناصف بصراحة حضرتك فاجئتني.
ابتسم عليها وأردف بثقة:
– لسه فيه مفاجآت كتير لو قبلتي طلبي ووافقتي تنوري حياتي.
تطلعت عليه بعمق، إن رآه غيرها لظنته فارس الأحلام المنتظر، عريس خالي من العيوب وحديثه مرتب ومقنع وجانبه المادي ممتاز، حنون جدًا مع توأم شقيقه المتوفي ورأت ذلك بعينيها.
ولكن يبقى قلبها ملكاً لغيره، لا إرادياً تتحكم بها مشاعرها. تنهدت بعمق وطالعته مردفة:
– اسمعني يا أستاذ ناصف لو سمحت. أكيد حضرتك إنسان محترم جدًا ومافيش أي سبب يخليني أرفض طلبك. بس أنا إنسانة صعبة شوية. هتعبك لأني عاطفية في اختياراتي. يعني أنا لازم أعرفك ولازم أبادلك نفس الإحساس علشان أقدر آمنك على حياتي. أنا بؤمن جدًا إن الارتباط عن حب ممزوج بالإحترام والتفاهم من أجمل وأنجح العلاقات. علشان كده مش هقدر أرد عليك دلوقتي. محتاجة وقت أفكر كويس في طلبك.
أعجب جدًا بحديثها العقلاني الهادئ وأردف بثقة:
– خدي وقتك كله وأنا مش مستعجل أبداً وهفضل منتظر موافقتك. وصدقيني أنا هكون أكتر إنسان محظوظ لو قبلتي. وأتمنى أقدر أحقق المعادلة اللي إنتِ قولتي عليها. حب ممزوج بالإحترام والتفاهم.
تنهدت بقوة تطالعه بعمق وشرود تفكر في أمر حبٍ عذبها من جهة ومن جهة أخرى حبٍ يقدم لها على طبق من ذهب لترضى. حقاً عجيب أمر القلوب. تسعى دائماً خلف المتاعب وتلقي براحتها عرض الحائط.
***
بعد يومين في فيلا منصور
تجلس ريتان تتحدث مع سناء عن ناصف وطلبه.
تعجبت سناء وأردفت:
– معقول؟ مع إنه مقالش خالص. طيب وانتِ رأيك إيه يا ريتان؟
هزت كتفيها وأردفت بحيرة وحزن:
– مش عارفة يا نونا. بجد مش عارفة أعمل إيه؟ بس مافيش في قلبي مشاعر ناحيته.
أردفت سناء بتروي واستنتاج تجربة قاسية:
– يبقى بلاش يا ريتان. بس بردو حاولي تصلي استخارة قبل ما ترفضي، وشوفي إيه اللي هيحصل.
تنهدت تومئ بشرود ثم أردفت متسائلة:
– ربنا يقدم اللي فيه الخير. أومال فين سليم وتقى؟ لازم نبدأ دلوقتي؟
نظرت نونا في ساعتها وأردفت:
– زمانهم على وصول. ماما صفية بعتت تاخدهم يقعدوا معاها شوية.
تعجب ريتان وأردفت:
– طيب هي ليه متجيش تشوفهم هنا؟ أو إنتِ مثلاً تروحي؟
تنهدت بحزن وأردفت تطالعها:
– للأسف بابا منعها تيجي عندي لأني رفضت أروح أعيش معاهم بعد وفاة منصور. قال يعني إن هو كده بيعاقبني. بس عادي أنا لو حبيت أشوفها بنتقابل برا والأولاد بيروحوا يزوروها وحمزة بيجبهم.
نبض قلبها لذكر اسمه فتنهدت تلعن هذا الأيسر وأومأت بتوتر. إذاً ستراه الآن. وبالفعل ما هي إلا دقائق وركض التوأم لداخل الفيلا باتجاه والدتهما وريتان تتابعهما بحنو.
دلف خلفهما حمزة بهيئته الرجولية فرفعت أنظارها إليه. التقط عينيها سوياً لثوانٍ قبل أن تبعد أنظارها بحسرة. كيف ستكمل مع غيره وقد أقنعت قلبها وعينيها وكل ما فيها عليه فقط؟
أما هو لا يعلم ما يصيبه من تخبط مشاعر في كل مرة يراها. تلك المشاعر التي تتضخم عند رؤيتها دوناً عن غيرها، حتى مع من قرر إعطائها فرصة لم يجد بداخلة هكذا شعور أبداً.
زفر باختناق برغم سعادته الداخلية لرؤيتها وأردف بهدوء ظاهري:
– مساء الخير.
أردفت سناء وهي تقف تقبله:
– مساء النور يا حمزة. عملوا إيه عند تيتا؟
أردف حمزة يبتسم بهدوء:
– ماما كانت فرحانة بيهم جدًا. أزيك يا ريتان؟
قالها بترقب وهو يطالعها فأومأت له تردف بهدوء ظاهري:
– الله يسلمك أزيك يا حمزة.
وقفت بعدها تردف لداري توترها:
– يالا يا حلوين نبدأ الدرس؟
أسرعت تتمسك بكفي الصغار وتسحبهما إلى غرفة المكتب بينما تتبعها حمزة إلى أن دلفت وجلس يتنهد بعمق وجلست سناء بجواره تردف متسائلة:
– مالك يا حمزة؟
زفر ونظر لشقيقته يردف:
– أبداً يا نونا، أنا كويس.
سألت بترقب:
– مها برضو؟
ابتسم على شقيقته التي أصابت هدفها فتعجب وأردفت:
– سبحان الله. إنت كمان معندكش مشاعر ناحيتها؟
تعجب وضيق عينيه متسائلاً:
– تقصدي إيه؟
أردفت بتنهيدة وحسن نية:
– أبداً أصل ناصف طلب إيد ريتان وهي مترددة برضو.
طالعها بصدمة. هل سقط قلبه أم طُعن أم توقف لا يعلم ولكن هناك نغزة قوية تكاد تزهق روحه. وقف وأردف بصدمة واختناق:
– إنتِ بتقولي إيه يا سناء؟ ناصف مين ده اللي يتجوز ريتان؟ لا طبعاً.
تعجبت من أمره ووقفت قباله ثم سحبته معها لغرفة جانبية كي لا تسمعه ريتان وأردفت باستفهام:
– قصدك إيه يا حمزة؟ إنت تعرف حاجة عن ناصف؟
طالعها بعمق. بماذا سيخبرها؟ لا يعلم عنه شيئاً وهذا من يقلقه. بالنسبة له غامض ومريب. ولكن ليس هذا السبب الأساسي. ما صعقه هو كيف ستكون ملاك مثل هذه زوجة ناصف؟ لا، مؤكد لن يسمح. سيعترض. ولكن بأي صفة سيعترض وما شأنه أصلاً.
زفر باختناق وأردف باندفاع:
– أنا ماشي.
اندفع للخارج، لا يريد أن يرى أحداً الآن. ليغادر ويفكر ويهدأ قليلاً.
***
بقلم آية العربي
***
بعد أيام
في فيلا سناء
انتهت ريتان من حصتها وخرجت تودع التوأمين. وقفت تتحدث قليلاً مع سناء عن مستواهما الذي تقدم كثيراً بينما الصغيران يركضان حولهما ثم قاما بنزع الدفتر الخاص بها وركضا فضحكت عليهما وأردفت محذرة:
– هاتوا الدفتر وممنوع يتقطع.
في نفس اللحظة أتى حمزة ودلف يلقي السلام وهو يعلم جيداً أنها هنا لذلك أتى بعد صراع مع نفسه لأيام وفي نهاية الأمر اقتنع أنه لا يمكن أن يتركها تتزوج من ناصف هذا الذي يبدو غامضاً.
توقف أمامها وتساءل بترقب وضيق تعجبت هي له:
– عملتي إيه؟
صُدمت وتساءلت وهي تنظر لسناء ببلاهة ثم عادت إليه تردف:
– مش فاهمة!
تنهد وأردف بترقب:
– في موضوع ناصف؟
تطلعت عليه ساخرة. هل يمزح معها؟ ما شأنه أصلاً؟
أردفت بجدية وشموخ:
– أظن ده شيء خاص بيا يا أستاذ حمزة. عن إذنكوا.
ودعت سناء وخطت تغادر بضيق وحزن ونبضات صاخبة وعقل مشوش. تتبعتها سناء إلى أن غادرت ونظرت لشقيقها بذهول مردفة:
– حمزة فهمني حالا فيه إيه بالظبط؟
هز مكنبيه وأردف يتساءل بضيق:
– فيه إيه؟
أردفت بتحذير بعدما استشفت ما به:
– متلفش وتدور عليا؟ أنا ملاحظة من زمان؟ أنت بتحب ريتان يا حمزة.
صُدم من تصريح شقيقته الذي تلقاه كضربة كف قوية جعلته يصمت فأردفت بصدمة:
– بتحبها؟ وروحت خطبت مها؟
طالعها بذهول ثم ضحك وأردفت يلتفت ويبعد أنظاره عنها ويجيب كاذباً على نفسه قبلها كي لا تأنبه وتوقظ قلبه وعذابه:
– لا يا سناء، بحب ريتان إزاي بس يا سناء؟ ريتان بنت عم حمدي السواق.
تصنم جسد تلك العائدة لتحضر دفترها بعد أن نسته بسبب سؤاله. شُلت أطرافها وتخدرت رأسها ووقفت على باب الفيلا الخارجي تحاول سحب أنفاسها المسلوبة وتستمع لحديث سناء المعنّف قائلة:
– إيه الهبل اللي انت بتقوله ده؟ يعني إيه بنت عم حمدي السواق؟ معندهاش قلب مثلاً؟
نظر لشقيقته بعيون مشتتة وعقل متزاحم بأفكار معقدة ومشاعر مبعثرة وحيرة وألم ثم مر على عقله حديث والده الذي لن ينساه أبداً فأعاده أمامها يردد كأنه يحاول إقناع عقله به:
– لاء مش كده، بس مافيش أي توافق بينا. انتِ متخيلة لما ارتبط ببنت السواق بتاعنا هيبقى شكلنا إييييه؟ أنا مش بختار زوجة وبس لاااا، أنت بختار شريكة لحياتي المهنية والفكرية والاجتماعية… أنا بختار أم لأولادي. لازم أختار إنسانة من نفس مستواي علشان المجتمع يتقبلها. اختار واحدة بعقلي وأبعد تماماً عن المشاعر.
طالعته سناء بذهول تهز رأسها بعدم تصديق مردفة:
– لاااا مستحيل، مستحيل تكون حمزة أخويا. إنت نسخة كربونية من سالم الجواد.
طالعها بعمق. أنه يردد حديث والده حقاً. جلس مرتداً على المقعد يضع رأسه بين كفيه بصمت وصراع.
طالعته سناء ذاهلة.
أما تلك التي تقف بجسد بلا روح وقد استمعت إلى حديثه الذي حطم قلبها وكبريائها واعتزازها بنفسها. طلبت أن ترى منه أي سئ، وها هي تسمع أسوأ مما تخيلت يوماً.
خطت تسير مترنحة، تشعر كمن تم تقييدها وإلقاؤها من فوق مبنى عالياً فسقطت متحطمة إلى قطع صغيرة يستحيل تجميعها مجدداً وبقيت روحها معلقة تشاهد ما يحدث بحرقة.
وصلت لخارج حدود الفيلا وظلت تسير بلا هدف وكأنها فقدت العنوان والسبيل.
أما هو فرفع رأسه بعد دقائق يطالع شقيقته التي تطالعه بأسف وأردف بضياع:
– ده كلامه يا سناء، ده كلام بابا لما حس إن ممكن يكون فيه بيني وبين ريتان حاجة.
وضعت كفها على فمها بحزن ولم تتعجب، فسالم يعيد استعمال نفس الطريقة مع ابنه مثلما فعلها معها في الماضي. لم تعيقه نتيجة فعلته معها بل يكمل بدم بارد.
***
بعد ساعة
وصلت إلى منزلها بأعجوبة. طوال طريقها يتردد حديثه السام على عقلها. إذاً ليست مناسبة لأن تكون أماً لأطفاله، لا يمكنها أن تشرفه وسط أفراد مجتمعه الراقية؟ حسناً، فليكن هذا جزاء حبي الغبي الساذج.
دلفت تغلق ببطء غير قادرة على مواجهة أحد فالجميع محق إلا هي كانت مخطئة ومختلة وساذجة.
اتجهت لغرفتها وأغلقت خلفها ببطء. خطت لفراشها وجلست عليه ورفعت هاتفها إلى أنظارها تطالعه بعمق وكأنه من تحدث بتلك الكلمات التي قذفت فؤادها وكسرته.
قبضت عليه بيد قوية حتى ابيضت عروقها. سحبت شهيقاً قوياً ثم زفرت بحرقة تلمس بكفها على صدرها عدة مرات.
وها هي تشق صدرها وتنزع هذا الأيسر الملعون وتلقيه أسفل قدميها تدعسه بل تسحقه وهي تعبث بهاتفها حتى ظهر على شاشته رقم ناصف السوهاجي،، أجرت الاتصال وانتظرت إجابته.
أجاب بترقب قائلاً:
– ألو؟ ريتان؟
أردف بنبرة انتقامية من قلبها الخائن ومنه شخصياً:
– أيوه يا ناصف، أنا بكلمك علشان أبلغك إني موافقة. موافقة على طلبك. إنت قلت إن كل شيء جاهز، أنا فكرت كويس، خلينا منطولش.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل السابع 7 - بقلم اية العربي
تعجب ناصف من أمرها وقرارها المفاجئ والسريع، وأردف متسائلاً بترقب:
– موافقة؟ متأكدة يا ريتان؟ انتِ كويسة؟
أردفت مسرعة لتبطل أي فكر داخلها:
– جداً. صدقني كويسة جداً وده أكتر قرار صح أخدته في حياتي. اتكلم مع بابا واتفقوا على كل حاجة وخلينا نتمم الجواز بأسرع وقت. صدقني أنا عايزة كده.
زفرت بقوة تتابع:
– ولو سمحت بلاش تبلغ حد إلا وقت الدعوة، منعاً للكلام يعني. خليها مفاجأة للكل.
تنهد وشرد قليلاً يفكر بتعجب، ثم أردف بترقب:
– ريتان ينفع أقابلك واتكلم معاكي؟ أنا مش حابب تسرعك ده.
تحدثت وهى على وشك البكاء وتساءلت بحدة:
– هو انت مش طلبتني؟ ولا رجعت في كلامك تاني؟
تحمحم وأردف مصححاً:
– لأ بالعكس. أنا بتمنى جداً موافقتك بس انتِ قولتي هتفكري، ودلوقتي بتقولي نتجوز بسرعة. فاكيد لازم أستغرب يا ريتان. علشان كده خليني أكلم عم حمدي وأجي أشوفك.
تنفست بعمق تهدئ من انفعالها، ثم أردفت بألم ومراوغة:
– معلش يا ناصف خليها وقت تاني لأني نازلة دلوقتي لكاري صاحبتي. أنا بس حبيت أبلغك موافقتي وانت كلم بابا.
زفر ثم أردف بهدوء:
– تمام يا ريتان، زي ما تحبي.
أغلقت معه وعادت تجلس على صدرها وقلبها مرات عدة تشعر كأنه سيتوقف. حجر صوان قابضاً عليه يشعرها بالاختناق. تنكمش ملامحها بضيق وهى تعيد حديثه المؤلم.
أومأت تردف بصوت داخلي يتردد في عقلها:
– حسناً يا ابن الجواد، سأريك ريتان ابنة السائق كيف ستكون زوجة وأمٍ يفتخر بها مجتمعك العاق هذا.
***
في اليوم التالي
غادر فريد بعدما ودع الجميع. أوصله حمزة إلى المطار، بينما أسرعت شيرين إلى غرفتها تغلقها وتبكي على فراقه المؤقت كابن عمها وفراقه الدائم كحبيب.
أما في منزل حمدي
خرجت ريتان من غرفتها بملامح باردة قاسية لا تليق على براءة وجهها ونعومته. الآن هي تتحرك بجسد نُزعت منه المشاعر، وكأنها جماد تمشي على الأرض.
رأتها جميلة فاتجهت إليها تردف بسعادة بعدما علمت بالأمر:
– ريتان، انتِ وافقتي على ناصف! ده كلم أبوكي امبارح بليل وكان فرحان جداً وعايز يحدد الفرح في أقرب وقت. بس أبوكي قاله نستنى شوية.
أردفت بجمود وهى تستعد للمغادرة:
– مافيش داعي يا ماما نستنى. قولي لبابا يتمم الفرح في أقرب وقت.
تعجبت جميلة ونظرت لإبنتها تردف بقلق:
– ريتان انتِ كويسة؟ إزاي يعني في أقرب وقت ده جواز يا بنتي.
خرجت بسمة من غرفتها بعدما استمعت لآخر الحوار ونظرت لريتان قائلة بسعادة:
– برافو عليكي يا ريتا. أول مرة تفكري صح. ناصف ده هينغنغك يا بنت المحظوظة.
طالعتها ريتان بتمعن ثم نظرت لوالدتها بعمق وأردفت بتعجب:
– مش حضرتك يا ماما كنتِ عايزاني أوافق؟ أنا موافقة أهو ومافيش داعي نستنى. ناصف جاهز وإنسان واضح ومعروف. يبقى ليه التأجيل؟ لو سمحتي اتكلمي مع بابا لما يرجع وأنا هروح دلوقتي لسناء علشان أكمل للأولاد المستوى الأول. هحاول أخلي كاريمان تكمل مكاني معاهم.
أومأت جميلة وأردفت بترقب:
– طيب يا حبيبتي روحي ربنا معاكي. وأنا أما حمدي ييجي هتكلم معاه.
غادرت ريتان واستقلت سيارة أجرة تنقلها إلى فيلا سناء لتعطي حصتها. بالطبع لن تخبرها بموافقتها الآن، ولكن لتجد حجة مناسبة.
***
مساءاً
أتى ناصف إلى منزل حمدي بعدما أُذن له ليتحدث مع ريتان. جلس معها بعد الترحاب حيث ترك حمدي لهما مساحة الحديث منفردان مع مراعاة تواجده هو وزوجته على مقربةً منهما.
أما ريتان فقد قررت وأنتهى الأمر. رأي حبها فليرى انتقامها، لتنفذ هذا القرار ولينتهي الأمر في الحال. إن كان قرار جوازها من ناصف يشبه حكم الإعدام والوحيد الذي يمتلك قرار إيقافه هو حمزة فستنفذه رغماً عن الجميع، وأمام عينيه.
تنهد ناصف وطالعها يردف متسائلاً بترقب:
– ها يا ريتان، مش عايزة تقولي حاجة؟
طالعته بقوة وأومأت تردف متسائلة بجرح داخلي ينزف بصمت:
– أكيد. عايزة أسألك ليه اخترتني بالذات؟ يعني الفرق الاجتماعي والناس و...
قاطعها يردف بابتسامة هادئة:
– متتكلميش يا ريتان لأني مش بيهمني كل الكلام ده. أنا مش بفكر بالطريقة السطحية دي. أنا أهم شيء عندي جوهر الإنسانة اللي هرتبط بيها. وانتِ أثبتيلي إنك تستحقي تكوني ملكة متوجة لأي إنسان. أنا سألت عنك كويس والكل أجمع إنك إنسانة على خلق والتزام وده نادر جداً الاقيه بسهولة. علشان كده مش عايزك تفكري تماماً بالطريقة دي.
تحدث وكل كلمة خرجت منه كسهمٍ استهدف قلبها. قلبها الخائن الغبي. حسناً الآن أدركت أنها كانت ساذجة ضعيفة خُدعت ببعض النظرات الماكرة والتعاطف الخبيث وفسرت مشاعر مسرحية على أنها إعجاب أو ربما حب.
ابتسمت بألم. ضغطت على فكها بقوة لتمنع عينيها من ذرف دمعة خائنة. نظر لها بترقب ثم تساءل:
– انتِ كويسة؟
أومأت تردف ولمعة عينيها محزنة:
– جداً. كويسة جداً. أنا موافقة ومقتنعة بيك يا ناصف. وزي ما قولتلك خلينا منطولش. زي ما أنت عارف كلام الناس. ممكن يتقال كلام مش حابة أسمعه علشان كده خلينا نستعجل وبلاش حد يعرف إلا قبلها بيومين على الأقل.
تنهد ينظر للإمام بشرود. يفكر قليلاً. طالعها يردف بابتسامة هادئة:
– أنا معنديش أي مانع. بالعكس أنا مبسوط جداً. ومن بكرة لو تحبي أنا جاهز. ومحدش يقدر يتكلم طبعاً ومع ذلك أنا هحترم رغبتك أكيد وهخلي الخبر مفاجأة مع كروت الدعوة.
ابتسمت بانتصار وأومأت بروحٍ معذبة:
– تمام يا ناصف. اتكلم مع بابا وحددوا معاد قريب.
أومأ لها بسعادة وبالفعل بعد دقائق أتى حمدي وجلس يتحدث معه فقال ناصف:
– تمام يا عم حمدي. تقدر حضرتك تقولي طلباتكم وأنا جاهز لأي شيء. ومن بكرة لو تحب. زي ما أنتوا عارفين أنا أهلي متوفيين وماليش قرايب هنا. ومن فترة قليلة اشتريت شقة كويسة جداً في برج سكني في منطقة راقية تقدر حضرتك تيجوا معايا بكرة تشوفوها ولو ريتان حبيتها يبقى نتوكل على الله. قولت إيه؟
نظر حمدي لريتان بسعادة يبتسم بحنو. أحياناً تعمى العيون والقلوب عن الحقائق التي تختفي وراء المظاهر العامة. أحياناً شدة بريق الضوء الصادر من قطار الحياة تغشي أعيننا إلى أن نجد أنفسنا أسفل قضبانه محطمين الروح والراحة. ولنرى ماذا يخبئ لنا القدر.
تنهد حمدي براحة وأردف بسعادة:
– خلاص يا ناصف بيه. بما إن بنتي موافقة وانت مستعجل شوف الوقت المناسب إيه وأنا معاك.
أومأ ناصف ونظر لريتان التي تجلس كأنها تؤدي دوراً سينمائياً بإتقان. ثم عاد بنظره لحمدي وأردف مبتسماً:
– تمام يا عم حمدي. يبقى كمان أسبوعين. إيه رأيك؟
تعجب حمدي ونظر لريتان ينتظر اعتراضها ولكنها كانت في عالمٍ آخر. فنظر لناصف وأردف متعجباً:
– قليل أوى كده يا ناصف بيه؟ يعني علشان نلحق نجهز نفسنا وكده. يعني على الأقل شهرين تلاتة؟
تنهد ناصف ونظر لريتان التي تطالعه بتمعن وصمت ظاهري عكس ضوضاء عقلها الصاخب. ثم أردف بترقب:
– خلاص يا عم حمدي يبقى كمان شهر. وزي ما قولتلك كل شيء جاهز. أنا مش محتاج غير ريتان.
نظر حمدي لريتان وتساءل بترقب:
– رأيك إيه يا بنتي؟
سحبت شهيقاً قوياً وأومأت تردف كدمية تردد بلا روح:
– موافقة يا بابا. بس لو سمحت مش عايزة أي حد يعرف إلا وقت الدعوة.
أومأ ناصف وأردف بثقة:
– زي ما تحبي. من ناحيتي مش هقول. وأكيد عم حمدي هو كمان مش هيقول.
أومأ حمدي بتعجب من أمر ابنته وقرر التحدث إليها بعد مغادرة ناصف. ولكن أي حديثٍ هذا! لقد عزمت أمرها وأنتهى كل شيء.
***
بعد مرور شهر
تم التحضير للفرح في أرقى الأماكن وتم توزيع الدعاوى التي تفاجأ بها الجميع وتعجبوا خصوصاً بعد معرفة عائلة العروس.
كان يجلس مراد مع والدته وشيرين ويردف بمرح معتاد:
– الواد فريد وحشني أوي. تصدقوا برغم رخامته بس بجد كان عامل جو هنا.
ابتسمت شيرين وحنت إليه ولكنها أردفت باستنكار تتذكر:
– جو إيه اللي كان عامله؟ ده كان بيقعد معانا على السفرة زي التمثال. حتى بوزه كان شبرين.
ابتسمت صفية وأردفت بحنو واشتياق له:
– لا مليكيش حق يا شيري. فريد فعلاً وحشنا أوي. ومش عارفة السنتين دول هيعدوا عليا إزاي.
وقف مراد يتجه لوالدته ويدنو منها مردفاً بترجي:
– لاااا. أبوس إيدك يا ست الكل. بلاش دراما أنا مستكفي منها هنا وفي الشركة. زمان الحاج الكبير هينزل وهنتكتم كلنا. خلينا فريش كده قبل ما ييجي.
ابتسمت عليه وأردفت بقلة حيلة:
– سبحان الله. مش عارفة أنت الوحيد اللي طلعت مختلف في أخواتك. وشكلك كده انت اللي هتاخد اللي انت عايزه بطريقتك دي. ياريت حمزة كان زيك كده.
أعتدل بفخر بعد حديث والدته وأردف بتعالي ضاحكاً:
– مافيش حد زيي يا أمي. ده كان قالب واتكسر بعدي. من حسن حظ عيلة الجواد إن مافيهاش غير مراد واحد بس. وده مش غرور لااا. ده تكبر.
شهقت صفية بينما هزت شيرين رأسها بقلة حيلة عليه. أما هو فكاد يكمل مرحه ولكن ألجم الجميع بسبب نزول سالم ودلوفه إلى حجرة الطعام لتناول الفطور.
بعد دقائق وصلت الدعوى إلى فيلا سالم والجميع يجلس على طاولة الإفطار.
أدخلتها المساعدة إلى سالم مردفة باحترام:
– سالم بيه. الكارت ده وصل حالا لحضرتك.
تناوله سالم منها وفتحه يقرأ بترقب ثم ظهرت الدهشة على ملامح وجهه. فأردفت صفية متسائلة بهدوء:
– خير يا سالم فيه حاجة حصلت.
نظر لهم جميعاً وأردف بتعجب:
– دي دعوة زفاف ناصف السوهاجي.
انتبه حمزة بتمعن وتنهد بارتياح ليتزوج بمن يريد ويبتعد عن ريتان.
أومأت صفية تردف بهدوء:
– طيب كويس. ربنا يتمم بخير.
أردف سالم بدهشة ساخراً:
– العروسة تبقى ريتان بنت حمدي السواق.
توقف عن مضغ الطعام لثواني يستوعب هل ما سمعه حقيقي. لف نظره إلى والده الذي نظر له بعمق ثم ابتلع طعامه كمن يبتلع قطعة حادة شقت حنجرته وصدره إلى نصفين. التواءة شديدة تعتصر أحشاؤه وهو يردف متسائلاً بنبرة متألمة كأنه لم يستوعب بعد:
– ريتان مين؟
أردف سالم بجمود يحذره بعينيه بأن لا يخطئ أو يظهر رداً:
– قولت ريتان بنت حمدي السواق. أظنك سمعت كويس.
أغلق عينيه ومال برأسه يستوعب لثواني ثم وقف وترك الطعام يتحرك للخارج. ولأول مرة يناديه سالم ولم يجيبه بل أكمل حيث يقف حمدي ينتظر سالم.
أتجه إليه حمزة ولأول مرة أيضاً يردف بنبرة غاضبة لم يتحكم بها:
– انت إزاي تجوز ريتان لناصف السوهاجي؟
تعجب حمدي من طريقته بينما لحقه سالم والجميع المتعجبون من أمره.
أتجه سالم يلف حمزة إليه بعنف ويردف محذراً بعيون غاضبة وتوعد:
– حالاً تركب عربيتك وتطلع على الشركة.
أردف معترضاً بحسرة:
– مش هتحرك على مكان غير لما لما عم حمدي يوقف المهزلة دي.
لف نظره لحمدي المتعجب مجدداً وأردف بحدة أكبر:
– ليه وافقت على ناصف يا عم حمدي؟ وأزاي تجوزه بنتك بسرعة كده؟
أردف حمدي بتوتر من نظرات سالم المريبة:
– دي كانت رغبة ناصف بيه، وبنتي موافقة عليه يا حمزة بيه وهو راجل كويس ومحترم. ولا هو انت تعرف عنه حاجة؟
مسح حمزة على وجهه بقوة بينما أردف سالم بنبرة قوية حادة غاضبة يعنف ابنه:
– لو متحركتش على عربيتك دلوقتي وطلعت على الشركة يا حمزة صدقني مش هيحصل خير.
طالعه حمزة بعمق وعقله يردد. وافقت عليه؟ يقول وافقت عليه إذا بأي حقٍ هو يمتنع؟
لف نظره يطالع الجميع بتشتت وعقلٍ تائه ثم اتجه يستقل سيارته ويغادر بصمتٍ تام.
أما سالم فاقترب من حمدي وأردف بفحيح:
– اللي حصل ده تنساه ولا كأنك سمعته تماماً انت فاهم؟
أردف حمدي بتوتر واستفهام:
– ازاي بس يا سالم بيه؟ لو حضرتك تعرف عن ناصف بيه حاجة ياريت تعرفني. دي بنتي.
أردف سالم بخبث ودهاء:
– لا بالعكس. ناصف إنسان كويس جداً ورجل أعمال شاطر. يعني أنتوا الكسبانين. بس حمزة على خلاف معاه بسبب صفقة أعمال. متحطش في دماغك انت وانسى اللي حصل. مبروك لبنتك.
طالعه حمدي بعمق وأومأ برأسه يردف مقتنعاً بحديثه:
– الله يبارك في سعادتك يا سالم بيه.
هربت سالم على كتفه بحنانٍ ذائف عدة مرات ثم أردف بحدة:
– يالا يا مراااد.
أسرع مراد ليتجنب غضبه واستقل السيارة معه واتجه حمدي لمكانه وبدأ يقود بعقلٍ شارد.
أما صفية التي تقف على سلالم القصر تتابع ما حدث ومعها شيرين.
نظرت لها وأردفت بقلق وقلبٍ حنون:
– شيرين، رنيلي على حمزة كده؟
أومأت شيرين وتناولت هاتفها لتهاتفه ولكنه مشغول بمكالمة أخرى.
في تلك الأثناء كان يقود بسرعة عالية وهو يتحدث مع سناء شقيقته مردفاً بحرقة تستهدف حلقه وجري تنفسه:
– انتِ ازاااي يا سناء مبلغتنيش. إزاااي تخبي عني خبر زي ده؟
أردفت سناء بصدمة من هذا الخبر التي تلقته لتوها:
– أنا لسة حالاً عارفة يا حمزة. أنا اتصدمت زيك. ريتان خبت عني وناصف كمان مقالش.
تعجب وأردف متسائلاً:
– ازاااي؟ يعني إيه؟
أردفت وما زالت في صدمتها:
– أنت عارف إنها خلصت مع الأولاد المستوى الأول. بس كلمتني من أسبوع وقالت إنها داخلة على دور برد وممكن تبعت كاريمان صاحبتها مكانها. بس مقالتش خالص عن موضوع ناصف.
هز رأسه لا يستوعب ما يسمعه ثم أردف يبحث عن إجابة مقنعة:
– عملت ليه كده؟ وافقت عليه ازااااي بالسرعة دي؟ هتتجوزه مسافة شهر أزاااي؟
حزنت سناء وأردفت بحزن:
– طب يا حمزة إهدى علشان خاطري. تعالى وهنتكلم.
أردفت باختناق وقهر وعجز:
– هنتكلم في إيه يا سناء. مافيش حاجة نتكلم فيها خلاص.
أردفت بترقب تفكر بصوت عالٍ:
– طب مش يمكن تكون بتحبه...
قاطعه يردف بقلبٍ مستنزفٍ حزين:
– متكمليش يا سناء. علشان خاطري اقفلي.
أغلق معها وتوقف فجأة يحدث صفيراً عالياً إثر احتكاك الإطارات في الأسفلت ثم وضع رأسه بين كفيه يفرك عقله يحاول تقبل حقيقة الأمر الواقع. ماذا ظن؟ أظن أنه يحق له أن يرتبط ويتزوج وهي لا؟ كم هو أناني وجباااان. أكان يريدها مربوطةٍ بحبه دون قيود؟ بأي حقٍ يفعلها؟ تركها بسبب قناعاته وعائلته فليتركها تكمل. ولكن ليس مع هذا الغامض. ماذا إن أذاها أو كان مثل شقيقه؟ هي رقاقةَ ثلجٌ جميلة وناعمة وهشة لن تحتمل أي حرارة. هي زهرةٌ تفتحت لتتنفس ليس ليمتص أحدٍ رحيقها ويذبلها الإهمال. هي غزالةٌ خلقت لتنعّم لا ليفترسها صيادٍ جائع.
أردف معنفاً نفسه بقهر:
– انت مختل. مش طبيعي. عين في الجنة وعين في النار. عملتلها إيه انت يا جبان.
لأول مرة يصل حمزة لتلك الحالة الرثة والضائعة. لأول مرة يُعلن تمرده على نفسه. ولكن بعد فوات الأوان إنتهى كل شيء. إنتهى قبل حتى أن يبدأ.
أردف يردد بخوف وهمس:
– بتحبه؟ معقول حبته؟
هز رأسه يردف نافياً وقد أصاب بالجنون:
– لاااا. لا محبتهوش مستحيل. لااا يا ريتان ليه وافقتى عليه ليييه. ليه ده يا ريتان لييييه؟
زفر باختناق وحرقة. نظر لهاتفه. خطر على عقله أن يهاتفها. ولكن بأي حق وماذا سيقول؟ حسناً لا يمكنه مهاتفتها ولكن يمكن لسناء.
لذلك أدار سيارته مجدداً يقود بإتجاه منزل شقيقته.
***
وصل بعد دقائق عدة. ترجل وأتجه للداخل على الفور حيث استقبلته سناء بحزن لحالته.
أردف بنبرة مترجبة وعيون مرهقة وعقلٍ مبعثر:
– كلميها حالاً يا سناء لو سمحتِ. أفهمي منها بس ليه وافقت عليه. يمكن يكون حد ضغط عليها. مش معقول ريتان تفكر بالطريقة دي.
تنهدت تومئ بصمت ثم اتجهت تتناول هاتفها وأتجه هو يتبعها ويقف مجاوراً لها يترقبها وهى تضغط على زر الاتصال كمن ينتظر قراراً مصيري.
على الجهة الأخرى رن هاتف ريتان وهى تجلس في غرفتها شاردة. تناولته ونظرت للاسم. لا تعلم لما تلك النبضة عادت إليها. أولم تسحق هذا الأبله؟ ستجن. من أين أتت تلك النبضة المتسارعة تخبرها أنه ربما يجاور سناء.
زفرت بقوة تدعم صدرها بالأوكسجين ثم قامت بتشغيل أغاني أفراح عبر الحاسوب الخاص بها وقامت بفتح الخط تردف بصوت عالٍ نسبياً جاهدت ليخرج سعيد والألم الداخلي ساكناً لا يعطي صوت:
– ألو؟ نونا ازيك عاملة إيه؟
استمعت إلى صوتها ونظرت لحمزة الذي ضغط على مكبر الصوت وسمع صوت الأغاني التي وصلت إلى مسامعه كأنها عويل. تعجبت سناء من حالتها وأردفت بترقب:
– ريتان ازيك. أنا كلمتك لأن وصلتني الدعوة. واستغربت جداً لإنك مقولتيش. انتِ كويسة؟
أغمضت ريتان عينيها بقوة ثم تنهدت وأردفت تبتسم مجبرة:
– كويسة جداً يا نونا. وأنا آسفة إني مقولتلكيش بس أنا وناصف حبينا تبقى مفاجأة.
تعجبت سناء من نبرتها الغير مقنعة بينما وقف هذا يستمع إلى حديثها بجسد متصلب وسناء تتساءل:
– تمام يا حبيبتي ربنا يسعدك. بس كنتِ عملتي فترة خطوبة الأول يا ريتا؟ يعني معقول تتجوزي بسرعة كدا؟
لا تريد سماع أي صوت يحذرها أو أي نصيحة تجعلها تتراجع. لا تريد ولا أي صوت الآن. لذلك ادعت تردف كاذبة:
– حاضر يا ماما جاااية.
ثم تابعت تحدث سناء:
– أنا آسفة يا نونا هقفل معاكي. أنتِ عارفة تجهيزات فرح بقى وكده. سلام يا حبيبتي.
أغلقت معها وأرتدت على المقعد ثم مدت يدها تغلق الحاسوب وتنفست بقوة. شعور قوي لديها بأنه يجاور سناء. ابتسامة تشفي وانتقام ظهرت على وجهها. تسترد كرامتها شيئاً فشيئاً.
أما هو فنظر إلى شقيقته بصمت لثواني قبل أن يندفع ليغادر. حتى أنها نادت عليه ولكنه غادر.
***
في اليوم التالي
في فيلا أبو الدهب
يجلس يرتشف القهوة وزوجته تجلس واضعة ساق فوق الأخرى تقلب في صفحات إحدى مجلات الموضة.
نزلت مها بتعالي تتجه إليهما ثم أردفت بترقب:
– وصلتكوا دعوة فرح ناصف السوهاجي؟
أومأ شوقي يردف ساخراً وهو يطالع ابنته بمغزى:
– على بنت السواق بتاع سالم.
جلست بجواره وأردفت بشرود وتعجب:
– مش عارفة ناصف إزاي اختار بنت زي دي. بصراحة اتفاجئت جداً.
أردفت سعاد بعدما وضعت مجلتها على الطاولة:
– هي فعلاً مش لايقة عليه خالص. ناصف شاب مثقف وغني. أنا كنت مفكرة أصلاً إنه هيفضل عايش في فرنسا وهيتجوز هناك. بس موت منصور قلب الموازين.
أومأت مها تردف بغموض:
– صح يا مامى. بس أكيد لازم نروح نبارك ونتفرج!
ضحك شوقي يغمز لابنته التي ابتسمت بغرور وقلبت عينيها. ثم وقفت تخطو للخارج وتبتعد عنهما ثم تناولت هاتفها وقامت بالاتصال على حمزة الذي يجلس في مكتبه حزيناً شارداً.
تناول هاتفه ونظر له بضيق حينما وجد اسمها. زفر وفتح يجيب:
– أيوة يا مها؟
أردفت بترقب وخبث:
– حمزة ازيك. وحشتني؟
تنهد يغلق عينيه لا يحتمل الآن سماع تلك الكلمات ثم أردف بجمود:
– كنتِ عايزاني! أصلي مشغول شوية.
اغتاظت منه بشدة ولكنها قررت ادعاء العاطفة لتحصل على ما تريده مردفة:
– حمزة بقولك وحشتني تقولي مشغول؟ على العموم أنا حبيت أطمن عليك واقولك إيه رأيك نروح فرح ناصف سوا؟
اعتصر عينه بقوة وأردف بألم:
– أنا مش عايز اروح.
أردفت بصوت متحشرج ماكر:
– حمزة مينفعش. كل معارفنا هيبقوا موجودين انت كده بتحرجني. لو سمحت يا حمزة خلينا نروح سوا. منظرى هيبقى إيه وأنا داخلة من غير خطيبي؟ وبعدين أكيد أهلك كلهم رايحين.
تنهد بقوة وصمت قليلاً ثم أردف بضيق:
– سبيها بظروفها يا مها.
ابتسمت بخبث وأردفت:
– يبقى هستناك تمر عليا تاخدني بعربيتك. يالا باي يا بيبي.
أغلقت معه ونظرت للأمام بخبث وتشفى ثم عادت لتجلس مع والديها بانتصار.
***
في منزل ريتان
كان التحضير قائم حيث أتت كاريمان وأتوا أهل حمدي من قريتهم يتطلعون على جهاز ريتان بعيون ثاقبة ويتناجون بينهم بكلمات خبيثة عن زواجها المستقبلي وثراءه الفاحش وعن اصطيادها له حتى نجحت في إيقاعه.
كانت جميلة تستمع لهم بضيق ولكنها تعلمهم جيداً لذلك مرت ما يحدث من أجل فرحة ابنتها المنتظرة.
في غرفة ريتان تجلس كالدمية على فراشها وتحاول كاري التحدث معها مردفة بتعقل:
– يا ريتان يا حبيبتي مش كده. هيحصلك حاجة. هوني على نفسك.
ابتسمت بخفوت وأردفت تدعي الفرحة:
– انا كويسة جداً يا كاري انتِ ليه مش قادرة تصدقي؟
طالعتها كاري بعمق قائلة:
– لأني عرفاكي كويس يا ريتان.
ربتت على كفها لتنهي هذا النقاش وأردفت مطمئنة:
– متقلقيش. هبقى أحسن. المرة دي اخترت صح.
تنهدت كاري بعمق وطالعتها بقلق لا تعلم لما فجأة تغيرت ريتان هكذا.
بينما هي شردت تفكر في ليلة غداً وفيما تنوي فعله.
***
في اليوم التالي مساءاً
في قاعة أسطورية تجهزت بعناية.
حضر جميع أفراد الطبقة الراقية من المجتمع إلي حفل زفاف ناصف السوهاجي.
أناس رُسم على وجوههم التعالي والتفاخر بماديتهم. أتوا متعجبين ليروا وليسخروا من تلك العروس الفقيرة ابنة سائق سالم الجواد.
حضرت عائلة الجواد وحضر شوقي أبو الدهب وزوجته.
ها هي العروس تطل عليهم بيد والدها بفستان زفاف أبدع ناصف في اختياره لها.
فستان ذو ذيل طويل احتل درجات السلم كاملة. جميلة تزينت بعناية والحكل الأسود أبرز رماديتها الساحرة.
حجابها رسم بإبداع على تدويرة وجهها فباتت ملكة متوجة سحرت أعين الجميع حتى الذين أتوا ساخرين انبهروا بجمالها ورتابتها.
وقف ناصف ينتظرها بأعجاب واضح ويطالعها بابتسامة هادئة.
دلف لتوه حمزة تشبك يده مها أبو الدهب وتخطى بتعالي.
وقعت عينه عليها وهي تمد يدها لناصف. لكمات عنيفة من مصارعٍ قوي يستهدف قلبه وهو مقيد في حلبة الطبقات يستقبل تلك اللكمات بصراخ داخلي.
تناول ناصف يدها ورفعها إلى فمه يلثمها ثم مد يده يبادل حمدي السلام ثم أخذها وخطى بها إلى طاولة كتب الكتاب المعدة بعناية ورقي.
خطى حمزة وساعد مها لتجلس على الطاولة التي يجلس عليها شوقي وزوجته.
وقف هو يتابع ما يحدث بألم. أما مها فجلست تنظر لريتان بحقد ولد لتوهِ بعدما رأت جمالها.
سحبت ريتان شهيقاً قوياً وهي تجلس ويجاورها ناصف والمأذون ووالدها والشهود.
رفعت نظرها للحضور فرأته. شردا في بعضهما لثواني مرت كدهرٍ وتحدث العون قبل ان تبعدها ريتان وتنظر لناصف الذي يطالعها مبتسماً بسعادة.
بادلته ابتسامة باهتة فمال عليها يردف بهمس:
– لحد الآن مش مصدق إنك هتبقي ملكي بعد شوية.
أرعبتها كلمته. بعثرت داخلها مجدداً وانتابها خوفٍ عجيب. حتى أن ملامحها انكمشت ونظرت لوالدها الذي يطالعها مبتسماً بسعادة وفخر.
رأت نظرته فأجبرت نفسها على تذكر كلام حمزة المزلزلة لكيانها. تنهدت بقوة وعادت لجمودها. نظرت بعينيها لمها ورأت الحقد يطغى على ملامحها.
تعجبت وتوترت من نظرتها. أما هذا الذي جلس لتوه. تأتيه الأفكار والخطط متداهمة. ماذا إن وقف الآن وسحبها وغادر بها إلى مكان غير معلوم؟ ماذا أن وقف الآن وأعترض على هذه الزيجة وقرر هو الجلوس مجاوراً لها ليتمم هذا الشيخ زواجهما. هل ستتم خطته كما يتمنى؟ وهل ستكون النهاية سعيدة له وللجميع؟
نظر للطاولة التي تجلس عليها عائلته. نظر للجميع. ما يتمناه صعب. بل يعد مستحيل. ستقام قيامةٍ من نوعٍ آخر. فات آوانك وانتهت فرصتك يا ابن الجواد.
بعد دقائق بدأ كتب الكتاب بالفعل وكلما نطق المأذون كلماته نزلت كحمم بركانية على هذا الجالس المقيد بسلاسل المجتمع والأصول وسمعة العائلة الكريمة.
انتهى المأذون وردد (بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير).
سحبت نفساً قوياً رفعت رأسها للأعلى بشموخ أنثى لا تمتلك مالاً وفيراً ولكن تمتلك كرامة وكبرياء. ثم نظرت للمأذون وأردفت بترقب أمام أعين الجميع:
– ممكن أقول كلمة؟
أومأ لها مبتسماً ببشاشة وناولها المايك. نظرت للجميع بتردد وقلق وتعالت وتيرة أنفاسها. دارت بعينيها على العيون المنتظرة التي تطالعها بترقب.
توقفت عند عينه. نظرت له. تذكرت كلماته لذلك تسربت إليها قوة وعزيمة.
رفعت المايك إلى شفتيها المترددة وتحلت بالشجاعة وأردفت بصوت بدا مهزوزاً:
– مساء الخير. طبعاً اتشرفنا بحضوركم الكريم لحفل زفافي أنا وناصف. وكنت حابة أوجه كلمة شكر.
نظرت جانباً لوالدها بعمق وأردفت بامتنان وحب وعيون لامعة:
– شكراً لبابا اللي رباني ووصلني للي وصلتله في حياتي وعلمني القناعة وحب الخير للغير. فخورة جداً بيه وبمهنته الحلال اللي تزيدني فخر بيه وباللي زرعه جوايا من احترام مشاعر الناس.
عادت تتطلع على العيون وتابعت بنبرة أكثر جرأة وثقة:
– فخورة جداً للي وصلتله بالمستوى التعليمي. شايفة أهلي أفضل أب وأم في الدنيا على تربيتي وتربية أختي بالشكل ده.
تنهدت بقوة ثم توقفت بنظرها عنده تتمعن في عينه بحدة وأردفت بصدق وقوة ومغزى لتضع كلماته أمامه ولترجمه بها:
– شكراً جداً للإنسان النظيف اللي اتعرفت عليه. الإنسان اللي شاف جوهري وشاف فيا زوجة تليق بيه مجتمعياً وفكرياً. انسان افتخر بيا أكون أم لأولاده. إنسان كان واضح وصريح معايا واحترم مشاعري وقدرها ومهتمش بالمستويات المجتمعية.
التفتت إلى ناصف واجبرت نفسها على ابتسامة تكمل بإستكانة داخلية بعدما حققت ما أرادت:
– شكراً يا ناصف لأنك مختلف وأوعدك إني هكون خير زوجة ليك.
وقف ناصف يتجه إليها ثم مد يده يوقفها وسحبها إليه يعانقها فجأة أمام الجميع. أما هذا الذي وقع قلبه ونظر إلى شقيقته بحسرة وبادلته هي بصدمة تردف هامسة من بين شفتيها بحزن:
– سمعتنا؟
وقف فوراً. لم يعد يحتمل. ترك كل شيء. ترك المكان بأكمله. حتى تلك التي تجاوره وتطالعه محذرة. غادر القاعة التي صدحت الأغاني داخلها وبدأت فقرات الحفل. رأته يغادر وابتسمت بتشفي وانتصار. انتصرت عليه وعلى قلبها الغبي. ربحت حرباً شرسة والفوز كان لكبريائها الذي مزقه. وتبقى روحها معلقة بحبلٍ أوشك على تمزقها.
أما هو فاستقل سيارته وغادر. يحترق. داخله يحترق بل ينكوي. كيف يزيل هذا الألم الحاد؟ سيتوقف قلبه لا محالة. لما يحدث معه هكذا؟ هو لم يكن يومياً مؤذياً لأحد إذا لما تؤذيه الحياة هكذا؟ هو لا يحبها. فقط مجرد اعجااااب.
لما يتألم هكذا لا يعلم؟ لم يرى منها إلا ما يراه الجميع إذاً ليس حب هذا. ولكن حالته المزرية تلك تؤكد أن ما يحدث هذا ما هو إلا ألم عشقٍ دفين أضاعه بيده.
احتراقه هذا لم يكن من فراغ. هذا نتيجة فقدانها بإرادته. هذا نتيجة تخليه عنها. حسرته تلك من خذلانه لها. تلك الكلمات التي ألقاها وسمعتها عادت مرتدة إليه كرصاصات قاتلة استهدفت كل خلية في جسده.
وصل إلى الفيلا الخاصة بهم.
ترك سيارته وترجل يصعد للأعلى. دلف جناحه وأغلق خلفه.
اتجه إلى فراشه وجلس عليه ارتاح جسده ولكن روحه معذبة. قلبه يتألم.
أولم يستنكر حبها؟ أولم ينحني احتراما لتلك الطبقية والعنصرية التي تفرق بين الأسياد والعبيد حتى بعدما أن دعسهم ديننا برحمته وعدله؟ أولم يؤمن بالتكافؤ الاجتماعي والمادي؟ إذا لما هذا الألم الآن؟
كلما مر على عقله أنها أصبحت الآن ملك رجل آخر تمنى أن يكون بلا عقل. بلا مشاعر. ليته جماد. ولكن حتى وإن كان جماد كان سيصرخ.
ابتلع الغصة المتحجرة الذي انسحبت بصعوبة بالغة داخل مجرى حلقه تحرق صدره.
نظر للمرآة التي تستقر يسار فراشه. نظر لهيئته. أخرج من روحه جلاده وأردف بحدة معنفاً نفسه:
– مش انت بتقول إنك مش بتحبها؟ مش قولت ده مجرد إعجاب وانك مينفعش تحب واحدة أقل منك؟ إيه بقى جاي تشتكي ليييه؟ واللا هو انت هتفضل صغير كده؟
مافيش مرة قدرت تبقى قد كلمتك. كنت اتصرفت زي أي راجل. كنت لحقتها يا ابن الجواد. كنت واجهت أبوك وطلبتها زي ما الحقير ده عمل. بس هو طلع أرجل منك. ناصف السوهاجي طلع أرجل منك في نظرها. ارتحت كده؟
بالطبع لااا ولكن الصمت هو الجواب ويبدو أنه فقد عقله حقاً وهو يحدث نفسه ويعنفها.
التفت يمد يده يحمل من فوق الكومود المنفضة الكريستالية ويردد بحسرة:
– بقت ملك واحد تاني. بقت ملك نااااااصف.
قالها وتبع جملته بقذف المنفضة بعلو يده موجهاً إياها إلى انعكاس صورته فتهشمت المرآة إلى قطع صغيرة تناثرت على أرضية المكان محدثة فوضى عارمة كتلك التي تحدث داخله الآن.
جلس يطالع أثر فعله وصدره يعلو ويهبط بقوة. ينظر للقطع المنكسرة ويضحك بألم. ليته كسر قلبه ولم يكسرها هكذا. ألهذا السبب وافقت به! بسببه هو رمت نفسها في أحضان غيره؟ مسك عقله بكفيه. بدأ يكور قبضته ويلكم عقله بقوة ويصرخ بزئير أسدٍ مجروح.
صدحت طرقات على الباب وتبعها نداء شقيقته التي تركت الزفاف وأسرعت خلفه مردفة بحزن وترجي:
– حمزة افتح. افتح يا حمزة وهنتكلم.
أغمض عينه وأردف بصوت غاضب:
– مش عايز أتكلم مع حد خالص.
أردفت مترجية بحزن وحنو:
– طيب افتح يا حمزة علشان خاطري. أنا سبت الفرح وجيت وراك.
تنهد بقوة عدة مرات يحاول الهدوء. وقف يخطو بحذائه فوق الزجاج المتهشم وخطى يفتح لشقيقته التي دلفت وأغلقت الباب خلفها.
نظر لشقيقته والتفت يعود ويجلس فوق مؤخرة فراشه واتجهت هي تجلس على المقعد أمامه وتنظر للفوضى التي أحدثها بحزن.
نظرت له بتعجب ثم أردفت بلوم:
– ينفع التصرف ده يا حمزة؟ هتقول للناس إيه؟ هتقول لمها سبت الفرح ومشيت ليه؟ ولما انت بتحبها كده يا حمزة سبتها تروح من إيدك ليه؟
بعثرت داخله مجدداً بأسئلتها. طالعها بتشتت يبحث عن حجة يقنع عقله ويقنعها بها. أردف بحزن:
– سناء أنا مش عارف مالي. مش عارف أنا عايز إيه. بس فيه نار جوايااا. كاره نفسي وكاره ضعفي ومخنوق.
زفر باختناق وتابع:
– يمكن لأني لأول مرة أكون سبب في جرح مشاعر حد. كنت مستغرب وفقت عليه بالسرعة دي إزاي. بس عرفت. انتِ متخيلة أنها سمعتني وأنا بقول عليها أنها مش مناسبة ليا وإنها بنت السواق؟ وبسبب كلامي راحت رمت نفسها في حضن ناااصف!
نطق الأخيرة بحدة فتعجبت وتسائلت بقلق:
– حمزة قولي الحقيقة. هو انت تعرف حاجة عن ناصف؟
أردف بضيق:
– معرفش يا سناااء. معرفش أي حاجة عنه بس مش برتاحله. عمري ما ارتاحتله لا هو ولا أخوه. إنتِ ناسية أخوه عمل فيكي إيه وكان بيتعامل معاكي ازاااي؟
تبدلت نظرتها من القلق إلى الحزن وهي تتذكر معاناتها وأردفت بتروي:
– بس ناصف غير منصور يا حمزة. ناصف كويس.
طالعها بضيق وتسائل:
– مين قالك؟ ها، مين قالك يا سناء إنه غير أخوه؟ مش نفس الأم والأب؟ مش نفس التربية؟ هيفرق إيه عن اخوه إن مكانش اسوأ؟
ابتلعت لعابها بقلق ثم هزت رأسها تردف باستنكار:
– لاء. كان هيبان. مش معقول يكون ممثل شاطر كده. يمكن يخالف ظنك ويطلع كويس ويحبها. وانت الكلام اللي قولته مكانش قصدك تسمعه.
أردف بإختناق وحرقة يخرج عبء صدره المكتوم:
– مش بإيدي يا سنااااء. مش بإيدي إني ابن سالم الجواد الكبير. مش بايدي إن على أكتافي مسؤوليات. انا مخنوووق أوى. هي دلوقتي شايفة إن ناصف أحسن مني. شيفاه مهموش حد واختارها وشايفة إني استقليت بيها. هتبصله هو بحب يا سنااااء. هتحبه هو وهتكرهني أنا.
طالعته سناء بتمعن وأردف بترقب حزن:
– مبقالوش لزوم كلامك ده يا حمزة. خلاص لازم تفهم إنها خلاص اتجوزت.
أغمض عينيه وابتلع غصة حلقه المرة المتحجرة. أضاعها. خسر فرصة حياة رائعة معها. يتمنى أن ما يشعر به ينتهي حينما يرى سعادتها. يتمنى أن يرتاح لراحتها ويهدأ ضميره. أو قلبه. يتمنى أن يخالف ناصف ظنه به ويعاملها مثلما تستحق وقتها فقط سيرتاح.
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل الثامن 8 - بقلم اية العربي
بعد مرور عام على تلك الأحداث المؤلمة، لم تتغير طباع أحدٍ تماماً إلا اثنين تبدلت حياتهما.
إثنين أثر فيهما ما حدث، ربما بشكل سيراه البعض إيجابياً والبعض الآخر سيراه تأثيراً سلبياً ومخالفاً لرغباتهم.
أحدهما هنا، حيث أصبح حمزة شخصاً بارداً، يتعامل بلا مبالاة مع الجميع، باستثناء شقيقته التي تعلم خباياه والذي بات يتكتم عليها.
بات يتكلم قليلاً ويسمعُ كثيراً.
كلماتٌ حنونة من أمهِ بعدما علمت بحبه الممنوع، وهي تواسيه مرددة أن النصيب والقدر هما الغالبان، وبرغم ذلك فهي ما زالت تخشى بطش سالم.
كلماتُ مواساة من شقيقه مراد الذي يرأف بحاله، ولكن قابلها حمزة بجمود، لذلك توقف مراد عن طرحها منذ زمن.
كلماتٌ معنفة من سالم وأوامر وقرارات أصبح يتجاهلها ويتمرد عليها بالصمتِ والبرود، مما جعل الآخر يتعجب ليبدأ مجبراً تدريجياً بتغيير طريقته معه.
كلماتُ حبٍ كاذبة من مها تلقى على مسامعه فيبتسم ساخراً على حاله ويقابلها بالصمتِ أيضاً ويعجز لسانه عن التبادل ويعجز قلبه عن النبضِ لها.
تساؤلات من شوقي عن تحديد موعد زفافه، فبات يبحث عن أعذار في قاموس عقله ويلقيها عليه بسكتته.
ولكن لمتى؟ إلى متى ستظل تتعامل بهذا البرود! وكأن أحدهم قطع الشريان الموصل لتيار مشاعره، فأصبح كمبرد جليدي يحوي داخله جمرةُ نارٍ ملتهبة.
يذهب لعمله ويعود ويأكل ويمارس رياضته ويذهب دوماً لشقيقته ثم يهرب بالنوم آخيراً قبل أن تداهمه الأفكار.
وأحداهما هناك، فقد أصبحت ريتان زوجة كما يجب، حياة هادئة تحمل بعض الغموض ولكن تقودها ريتان بتعقلها وهدوئها، لاغية سلطان القلبِ تماماً.
لقد أدخرت مرحها ومشاعرها وطاقتها التي كانت تخطط لإستعمالها، إلى أجلٍ غير معلوم.
خبأت في صندوق حياتها أغلب المشاعر والضحكات والنبضات وأوصدته جيداً وألقت به داخل الأعماق.
تحسن التصرف مع ناصف الذي يحترمها ويعاملها بودٍ ولطف، نعم إلى الآن بالنسبة لها يعدُ غامضاً، لا يخبرها شيئاً عن عمله، لديه خصوصيته في غرفة مكتب يغلقها عليه عندما يدلفها، وهي أعطت له كامل الحرية.
الآن لم يعد يهمها غير ما تراه وتسمعه.
أحياناً يأتيها سؤالٌ من الأعماقِ عن لماذا لم يتزوج إلى الآن؟ ولكنها سريعاً تنفضه عن رأسها وتشغل أفكارها بأي شئ.
اقتربت كثيراً من ربها فطمئن قلبها، ولكن أحياناً تراودها كوابيس مزعجة، أمورٍ متداخلة لم تجد لها تفسير.
ولكنّ الحياة مستمرة وما يهون عليها حقاً هو تقرب شقيقتها منها وذهابها إليها دوماً.
***
في أحد نوادي الطبقة المرفهة، تجلس مها بعد إنتهائها من لعبة كرة التنس التي تفضلها، وكالعادة كانت الجولة لصالحها.
تجلس أمامها بعض الصديقات من نفس المستوى المادي والفكري تتحدثن وتتباهين بإنجازاتهن سواء في الحبِ أو الأعمال.
رمقتها غريمتها في لعبة التنس بنظرة متفحصة تردف بتساؤل وخبث وكيدٍ مكتوم:
– صحيح يا مها، كنتِ قولتي بعد ما رجعتي من فرنسا إن جوازك إنتِ وحمزة الجواد قريب جداً، بس أنا شايفة إن خطوبتكم طولت أوى، لتكون فيه مشاكل لا قدر الله؟
أخفت غضبها وغيظها ببراعة أعتادت عليها ثم أكملت تتناول عصيرها المفضل وأردفت بثقة زائدة أمامهن جميعاً:
– أكيد كلكوا تعرفوا كويس مها أبو الدهب، أنا لو حابة من بكرة أعمل فرحي هعمله، بس أنا اللى اقترحت على حمزة نأجل شوية ندرس أطباع بعض الأول، إنتِ عارفة كويس يا سو إن الجواز بالذات زي لعبة التنس عايز ذكاء وخطة وفهم.
تآكلت غريمتها غضباً بينما ضحكن الأخريات عليها وأردفت أخرى بإعجاب:
– بصراحة يا مها أنا معجبة بيكي جداً، إنتِ قيادية ممتازة، وأنا متأكدة إنك هتقدري تحققي كل اللي إنتِ عايزاه.
ضحكت أخرى مردفة بترقب:
– أنا بقى بصراحة معجبة بحمزة الجواد، sorry يا مها بس بجد يا بختك بيه، أنا شفته مرة في جراج المول التجاري وحاولت أتكلم معاه بس هو من النوع التقيل جداً، بجد واقعة واقفة.
ضحكت مها بغرور وأردفت:
– إنتِ مش معقولة يا بوسى، إنتِ عايزاه يبقى خاطب مها أبو الدهب ويبص لواحدة تانية؟ No impossible.
أومأت المؤيدة لها تردف بحماس:
– وااو تعجبيني يا مها، على فكرة أنا بعمل زيك، لأن شخصية الزوجة الضعيفة المستسلمة دي أنا بكرهها جداً، علشان كده إنتِ صح.
أردفت مها بتعالي للجميع:
– أكيد أنا صح، أنا راسمـة أهدافي كويس وبحققها.
***
تقف ريتان في مطبخ شقتها مع المساعدة التي أتت لتساعدها في التحضيرات.
تعد طعام العشاء حيث سيزورها أفراد أسرتها الليلة.
رن هاتفها فتناولته من جيب كنزتها تنظر للمتصل، تنهدت تجيب برتابة وهدوء:
– أيوة يا ناصف.
أجاب ناصف بترقب:
– عاملة إيه؟
تنهدت وأردفت بنعومة:
– كويسة الحمدلله، قربت اخلص أهو، حاول متتأخرش لو سمحت.
تنهد يفكر ثم أردف بتساؤل:
– أوكي مش هتأخر، أجيب حاجة وأنا جاي؟
أردفت شاكرة بإختصار:
– لاء ميرسي.
أغلق معها وشرد يفكر قليلاً في الحياة التي يعيشها.
لديه الكثير من الأسرار التي لا تعلمها عنه.
الآن بدأ يخشى إنكشاف ما يخفي، فريتان ليست تلك المرأة التي ترضخ للأمور مثلما ظنها، لذلك فلينتبه جيداً وليحافظ على الهدوء والراحة الذي ينعم بهما الآن.
رن هاتفه الخاص فزفر بضيق وأجاب قائلاً:
– سامعك؟
أردف الطرف الآخر بترقب:
– إيه أخبار الشحنة يا ناصف؟ لازم تاخد بالك كويس أوى، الناس دي مبتلعبش؟
شرد يفكر ثم قال:
– عارف، مافيش داعي لأي تهديد، كل شئ هيتم زي ما هو متخطط له.
أردف الطرف الآخر:
– تمام، أنا بس بنبهك.
أغلق معه وتنهد بقوة ثم وقف يتناول مفاتيحه وأغراضه وخطى للخارج ليعود إلى منزله مبكراً.
***
أنتهت كارى من حصتها ووقفت مودعة أولاد سناء، فهي أصبحت تدرسهما بجانب المدرسة الخاصة التي ذهبا إليها بدايةً من هذا العام الدراسي.
ولجت للخارج فقابلتها سناء بإبتسامة هادئة تردف متسائلة:
– خلصتوا يا كاري.
أومأت كارى وهي تملس على وجنة سليم وتقى بحب وحنو مردفة:
– أيوة النهاردة تمام، خلصنا بدري علشان يروحوا مشوارهم.
طالعتها سناء بأمتنان وأردفت شاكرة:
– شكراً بجد يا كارى، أنا عارفة إنك بتتعبى معاهم.
هزت رأسها تردف بتروي:
– لاء بالعكس أنا بكون مبسوطة جداً وأنا بدرس لهم، يالا أنا همشي عن إذنك.
اتجهت لتودعها عند باب الفيلا.
في نفس اللحظة كان مراد يترجل من سيارته الجديدة بحماس كي يصطحب توأم شقيقته إلى منزلهم.
فمراد معروف بقيادته المتهورة بعض الشئ لذلك منعه سالم من إستعمال سيارة خاصة بيه، ولكنه أثبت مؤخراً حسن تصرفه والتأني في القيادة لذلك وافق سالم على شراء سيارة جديدة له.
خطى بإتجاه الفيلا، لقد أتى متعمداً ليراها.
يكن لها مشاعر إعجاب تظهر للعلن بشجاعة ولكن ما زال سالم لا يعلم عنها شيئاً.
رآها تولج للخارج فانفرجت أساريره وانتابته سعادة كحاله مؤخراً بعدما أصبح يخترع المجيء تشوقاً لرؤيتها.
أتجه يبتسم بقلبٍ راقص وأردف بمرح ووجهٍ مشرق:
– دانا ماما دعيالي بقى، مساء الجمال.
تنهدت سناء وأردفت بتهكم لمعرفتها سبب مجيئه:
– إنت جيت ليه يا مراد مش أنا طلبت من حمزة هو اللي ييجي ياخدهم؟ إنت سواقتك تخوف.
طالعها بلوم يردف بعدما أحرجته أمام كارى:
– أوبس، كده تكسفيني قدام المس، وبعدين ده كان زمان يا نونا أنا حالياً بسوق أحسن من حمزة وابوه.
ابتسمت كارى بخفوت عليه فطالعها بسعادة وضحك يردف:
– ماشاء الله، عسل يا اخواتي.
خجلت كاري وأردفت سناء بعتب:
– مراد ميصحش كده، أعقل شوية.
وضع كفه اليمنى على صدره وانحنى بطريقة مسرحية يردف بطاعة:
– أمرك يا اختي الكبيرة، ممكن بعد إذن سعادتك تدخلي تجيبي حبايب قلب خالو علشان نمشي.
مال قليلاً وأردف بهمس أمام وجه كارى التي تعجبت وأهتزت:
– بحب الأطفال جداً وبساعد في تربيتهم كمان.
ضحكت سناء عليه بينما كاريمان كتمت ضحكتها بصعوبة وأردفت مودعة:
– عن إذنكم أنا لازم أمشي.
خطت لتغادر وتتبعها بعيون لامعة زفير قوي.
لا تنكر إعجابها بشخصيته ولكن لن تقع في نفس خطأ صديقتها أبداً.
ولكن ما يبدو لها أن حمزة ومراد مختلفان تماماً، فالأول أكثر هدوءاً والثاني أكثر شغفاً.
غادرت ونظر لشقيقته يردف بلهفة:
– أنا عايز اتجوزها يا سناء، خلاص أنا قررت أتكلم.
طالعته سناء بتمعن ثم تذكرت أمر حمزة الذي دخل في بالون حزنه منذ زواج ريتان وبات صامت معظم الوقت.
هزت رأسها بيأس وأردفت بتروي:
– إنت عارف اللي فيها يا مراد، لو مش هتقدر تواجه يبقى الأحسن تبعد ومتعلقهاش بيك، أديك شفت حمزة يا حبيبي.
تنهد وأردف بإصرار وجدية:
– مهو علشان شفت حمزة مش هقبل إني أكمل زيه، حمزة مطيع أوى يا سناء، وأنا مش حمزة.
نظرت لعينيه ورأت فيهما الإصرار فتنهدت تومئ ثم أردفت لتنهي هذا النقاش:
– تعالي لما أجهز لك الأولاد.
أومأ لها وخطى معها للداخل.
***
بعد ساعة في الشركة.
يجلس حمزة خلف مكتبه يتابع عمله بملامح باردة.
دلت عليه فجأة مها التي انضمت مؤخراً لمجلس إدارة الشركة بعدما تنازل لها والدها عن نصف أسهمه.
رفع حمزة نظره وطالعها بضيق بينما هي لم تبالي واتجهت تجلس أمامه مردفة بترقب وتساؤل:
– مش بترد على مكالماتي ليه؟
تنهد بعمق وأردف وهو ينظر لحاسوبه:
– عندي شغل يا مها، مش هعرف أرد على الموبايل وأنا بشتغل.
طالعته بتمعن ثم تنهدت ووضعت ساق فوق الاخرى تردف بترقب:
– اوكي، خلينا نسهر أنا وانت النهاردة؟
أردف بهدوء:
– مش هينفع النهاردة للأسف.
وقفت ثم ضربت بكفيها على سطح المكتب فطالعها بتفاجؤ فتابعت بغضب وخبث:
– مش أنا اللي تتعامل معايا بالأسلوب ده يا حمزة، بحاول معاك من أول خطوبتنا، فكرتك هتتغير بس كنت غلطانة، أنا مش هكمل في المهزلة دي.
ترك ما في يده وشبك كفيه يتساءل وهو يطالعها بتمعن وبرود:
– عايزة إيه يا مها؟
طالعته بحدة وأردفت:
– إهتمامك.
زفر بقوة ثم وأردف بضيق يتساءل:
– مش ملاحظة إنك بتتكلمي بطريقة بعيدة عن نمطك شوية؟
ضيقت عينيها وابتسمت ساخرة تردف:
– نمطي؟ وهو إنت تعرف إيه عني أصلاً.
طالعها بضيق، نعم لا يعلم عنها شئ ومؤخراً أصبح يبتعد أكثر وأكثر.
طالعته تنتظر حديثه فتساءل مجدداً:
– عايزاني أعمل أيه يا مها؟
عادت تجلس مرتدة ثم طالعته قائلة بترقب:
– تثبتيلي أنك باقي عليا، تحدد فرحنا زي ما عمو سالم وبابي طلبوا منك، خطوبتنا طولت أوووى.
زفر بقوة ولم يجب فشعرت بالضيق والغضب لذلك وقفت تردف بتعالى ودهاء:
– أنا مش هتكلم في الموضوع ده تاني يا حمزة، أنا عرفت أنا هعمل إيه، هعملك اللى إنت عايزه من زمان.
التفتت تغادر وتركته يتطلع على أثرها بضيق.
أسرعت مها تتجه إلى مكتب والدها لتخبره بما قاله حمزة بخبث.
سردت ما حدث وازادت عليه فغضب شوقي ووقف يردف:
– هو مفكر نفسه إيه؟ الباشا اللي مافيش زيه وأنا برمي بنتي عليه؟ لاااء ده لازم يفوق لنفسه كويس.
ذرفت دموع التماسيح وأردفت:
– أعمل ايه يا بابي، أنا حبيته وأنت عارف كده كويس.
إتجه شوقي إليها يحتويها ويشدد من عناقه بها وهي أتقنت دورها جيداً.
حاول تهدأتها ثم أردف بحبٍ لها وغضبٍ لحمزة:
– أهدي يا حبيبتي، صدقيني هيندم هو وعيلته كلها.
إبتعد عنها وألتفت يولج خارج مكتبه وتتبعته مها بترقب حتى وصل إلى مكتب سالم فدلف دون إستئذان يردف بغضب:
– كلم ابنك خليه ييجي حالاً.
تعجب سالم من هجومه ووقف يردف وهو يرى مها تدلف خلف والدها مدعية الحزن:
– فيه ايه يا شوقي؟
جلس شوقي أمامه يردف بحدة:
– خلي ابنك ييجي يا سالم وإنت هتعرف في إيه.
طالعهما سالم بتعجب ولكن أسرعت مها قبل أن يرفع سماعة هاتفه ويهاتف حمزة تردف بخبث:
– أستنى يا اونكل سالم متكلمش حمزة.
نظرت لوالدها بخبث وأردفت:
– بابي خلاص مبقاش ينفع كلام، سيبه يعمل اللي هو عايزه خلاص انتهت.
تعجب سالم وهو يطالعمها ثم أردف متسائلاً:
– هو إيه اللي انتهى؟
أردف شوقي بحدة وغضب:
– ابنك اللي جه طلب إيد بنتي وفكرته أد كلمته، بقالنا سنة بنتحايل عليه يحدد فرحه، هو مفكر علشان بنتي بتحبه إني هرميها عليه؟ بنتي بيتقدملها أولاد وزراء وسفراء بس أنا اللي قولت ده جدع وطيب وأد كلمته، لكن يظهر كده كنت غلطان وهو فكر إن بنتي مفروضة عليه، يبقى بيحلم. اسمع يا سالم، أنا عندي راحة بنتي وسعادتها في المقام الأول، ولو ابنك هيقل معانا يبقى أعتبر الشراكة بينا ملغية، وأبقى خلي ابنك بقى يتحمل نتيجة أفعاله مع بنتي.
شهقت مها تدعي الصدمة ثم أردفت بأستعطاف وهي ترى حالة سالم الذي شحب وجهه:
– بابي مينفعش تعمل كده، بلاش تخلط الأمور في بعضها، مشكلتي مع حمزة بعيدة عن شراكتك إنت وأونكل سالم.
أردف شوقي بغضب وحدة من أجل ابنته:
– أنا اللي عندي قولته ومش هتراجع فيه.
إندفع للخارج بينما هي إدعت الحزن وأردفت مطمئنة بدهاء:
– معلش يا أونكل، ياريت حضرتك تتكلم مع حمزة وأنا هحاول أتكلم مع بابي واهديه، عن إذنك.
غادرت خلف والدها تبتسم بإنتصار وأتجهت إلى مكتب والدها تغلق خلفها وتطالعه وهو يجلس يتنفس بقوة وغضب ثم جلست أمامه وأبتسمت تضع ساق فوق الأخرى مردفة ببرود:
– إهدى يا بابي، إهدى صدقني حمزة بنفسه اللي هييجي يحدد معاد الفرح معاك.
طالعها بتعجب وأردف من بين غضبه:
– إزاي؟ إنتِ لسه عايزاااه؟ مش بتقولي مش مهتم بيكي؟
زفرت تردف بترقب:
– يا بابي أنا بحب حمزة وإنت عارف كده كويس واللى بيحصل بينا ده أمور عادية بتحصل بين أي اتنين مخطوبين، وبعدين من الأول إنت اللي حطيتني في التحدي ده، صدقني حمزة ليا أنا وبس، أصبر وهتشوف إنه بنفسه هيكلمك يحدد معاد الفرح.
في ذلك الوقت رفع سالم سماعة هاتفه وطلب حضور حمزة.
بعد دقائق دلف حمزة يتطلع عليه بترقب، جلس أمامه وأردف متسائلاً بجمود:
– خير يا بابا؟
زفر سالم بقوة.
لقد أدرك مؤخراً أن التهديد والعنف لم يعد يجدى نفعاً مع حمزة لذلك وقف يتجه إليه ثم جلس أمامه وطالعه بترقب يردف بهدوء:
– هتحدد فرحك أمتى يا حمزة؟ شوقي شايف أنك بتماطل في تحديد معاد الفرح، والمفروض إنك خطبتها واديت كلمة، وأنا شايف إن خطوبتكم طولت أوى.
تنهد ينظر لوالده بتمعن.
يريد أن يسأله عن ماذا عنه هو؟ أولم يرى سالم ماذا يريد ابنه؟
يرى فقط ما يراه شوقي وما تراه ابنته ولكن يأتي عنده وتبيض عيناه؟
تابع سالم عندما لاحظ صمته وتمعنه به:
– اسمع يا حمزة، يمكن أنا في الأول ضغطت عليك في موضوع ارتباطك علشان كده إنت مش عايز تدي مها فرصة، لكن مها بنت ممتازة، وأنا متأكد أنها هتسعدك وهيكون وشها حلو جداً على العيلة، ده غير إن ميصحش تتراجع في كلمتك، ده مش حلو على شغلنا. قولتلك الجواز بالذات لازم تفكر فيه بالعقل، بالنسبة للمشاعر دي بتيجي بعد الجواز مش قبله يا حمزة، إنت وريث مكانتي من بعدي، لازم تحكم العيلة كلها بعقلك وتعرف كويس مصلحتهم فين. أيوة أنا قسيت عليك بس لأني عايزك شبهي، قوي مش ضعيف، فهمتني؟
وقف حمزة بعدها ينظر لوالده بتمعن ثم أردف قبل أن يغادر بملامح باردة لم يستطع سالم تفسيرها:
– فهمت.
***
مساءاً في شقة ناصف الفاخرة.
يجلس الجميع حول مائدة الطعام.
أردف حمدي بحنو وأعجاب:
– تسلم ايدك يا حبيبتي الأكل حلو جداً.
إبتسمت له ريتان قائلة بحب وسعادة لرؤيتهم:
– ألف هنا على قلبك يا بابا.
مد ناصف يده يلتقط كفها ثم رفعه يقبله بحب وأردف مؤكداً أمام أعينهم:
– تسلم ايدك فعلاً، الأكل هااايل.
ابتسمت له بهدوء بينما طالعتهما جميلة بسعادة وأردفت بعفوية:
– عقبال ما ناكل عندكم يوم ما ربنا يكرمكم بنونو ينور البيت.
توتر ناصف وترك يد ريتان ثم أردف مبتسماً بتحمحم:
– إحنا مش مستعجلين يا طنط، ولا إيه يا ريتا؟
نظرت له ريتان مبتسمة بهدوء.
نعم شعور الأمومة يتوغلها وتحن إلى طفلٍ يلون حياتها الباهتة ولكن أحياناً يخطط القدر بطريقة محكمة، فالتمهل في تلك المسألة أفضل كثيراً من العجلة.
ربما يفاجئها القدر.
أردفت جميلة بتعجب:
– مستعجلين إيه يا بني دانتوا بقالكوا سنة متجوزين أهو!
أشارت ريتان تغمز لوالدتها وأردفت بهدوء:
– عادي يا ماما لسه بدري، كملوا اكلكوا وانا هقوم أجيب الحلو.
أردفت بسمة بحماس وهي تقف:
– خليكي يا ريتان وانا هجيبه.
اومأت لها ووقفت بسمة تتجه للداخل لتحضره ولترضي فضولها عن اكتشاف ما هو جديد في منزل شقيقتها.
***
***
بعد عدة أيام في فيلا شوقي.
يجلس حمزة أمامه بعدما طلب لقاءه.
تجلس مها تطالعه بسعادة وتجاورها سعاد بترقب وهو يتحدث إلى شوقي مردفاً بعد تنهيدة حارة وتفكير حاسم:
– أنا جاي أحدد معاد الفرح يا شوقي بيه.
طالعه شوقي بتعجب ثم نظر لأبنته التي تبتسم له بانتصار وسعادة ثم عاد لحمزة وأردف بهدوء:
– وفين سالم؟ مجاش معاك ليه؟
تنهد حتى أهتزا منكبيه وأردف بثبات:
– أنا اللي جاي أحدد معاك، بابا ميعرفش بس أكيد هيفرح جداً، إيه رأيك كمان شهر؟
أردفت سعاد بتعالي:
– شهر إيه؟ لاء مش هنلحق طبعاً.
ردت مها مسرعة بحماس:
– هنلحق يا مامي، شوية بس فلوس زيادة يندفعوا وكله هيتعمل.
نظر لها حمزة بتفحص فطالعته تبتسم بسعادة وتردف بهمس من بين شفتيها دون خجل (بحبك).
***
بعد عدة أيامٍ أخرى.
في عيادة أحد الأطباء المختصين.
يجلس ناصف بشرود أمام الطبيب الذي أخبره عنه صديق قديم.
يردف الطبيب بترقب متسائلاً:
– طيب ليه حضرتك عايز تعمل الفحوصات دى؟ إنت شاكك في حاجة؟
أردف ناصف بشرود:
– عملت فحوصات من سنتين في فرنسا ووقتها النتيجة اظهرت أني عندي ضعف في إفراز الحيوانات المنوية، بس كنت بخضع لعلاج وتوقعت إني مع الوقت هكمل طبيعي.
تعجب الطبيب وتساءل بترقب:
– هو حضرتك كنت متزوج قبل كده؟ لأنك قلت إنك متزوج من سنة بس؟
نظر للطبيب بحدة وأردف:
– مافيش داعي لأسئلة ملهاش لزوم، نفذ اللي قولتلك عليه وبس يا دكتور، ومن غير ما أي حد يعرف.
تنهد الطبيب الاستثنائي الخائن لمهنته بإستسلام بعدما أخذ ما يرضى جشعه وأردف بترقب:
– طيب يا ناصف بيه حضرتك بتتعاطى أي نوع مخدر؟
طالعه بعمق لثوانى وأردف بهدوء بعدما لف وجهه للأمام يردف بشرود:
– كنت، كنت بتعاطى كوكايين بس بطلت.
تحمحم الطبيب وأردف بتوتر:
– ممكن جداً يكون ده السبب لكن أحب أطمنك مع الوقت الأمور هتبقى تمام، على العموم أحنا هنعمل الفحوصات وهنشوف هل ما زالت المشكلة موجودة أو العلاج جاب نتيجة، متقلقش.
أومأ ناصف عدة مرات وأردف محذراً للمرة الثانية:
– تمام، مافيش مخلوق يعرف.
أومأ الطبيب مؤكداً ثم غادر ناصف بعدما أخذ منه الطبيب العينات اللازمة لإجراء الفحوصات المطلوبة واستقل سيارته ليعود لمنزله.
بعد فترة دلف شقته فوجدها ساكنة ومعطرة مريحة للنفس وللعين كالعادة.
تنهد بعمق ثم ناداها يردف بترقب وهدوء:
– ريتان؟
جاءت من غرفتها تبتسم له مردفة بتودد:
– حمد الله على السلامه..
أومأ مبتسماً ثم أردف متسائلاً:
– إيه رأيك لو نخرج؟
هزت رأسها وأردفت متسائلة:
– تمام، بس هنروح فين؟
فكر قليلاً وأردف بترقب:
– إيه رأيك لو روحنا زيارة لسناء نطمن على سليم وتقى!
توترت قليلاً وفركت يدها تردف بترقب:
– مش إنت كنت عندهم من يومين تقريباً؟ ليه هنروح تاني؟
أقترب منها ومد يده يضعها على وجنتها بحنو ثم أردف متسائلاً بتعجب:
– إنتِ ليه بقيتي تتجنبي سناء؟ هي مزعلاكى؟ لاحظت إنك بتبعدي عنها.
هزت رأسها تردف بتروي وهي تلتقط أنفاسها:
– لااا ابداً، أنا بس مش بحب أخرج كتير زي ما أنت عارف، يعني حتى عند بابا أنا مروحتش غير قليل جداً بس من وقت جوازنا وبسمة أو ماما هما اللي دايماً بيجولي.
زفرت تتابع بترقب:
– طيب خلاص لو حابب نروح معنديش مانع.
تعمق عينيها وتسائل بشك:
– مش هتكوني مضايقة؟
هزت رأسها وأردفت بإبتسامة هادئة:
– لا خالص، أنا كمان وحشونى جداً سليم وتقى ونفسي أشوفهم.
أومأ مبتسماً يردف:
– تمام، يبقى ادخلي غيري هدومك وأنا هكلم سناء وأبلغها.
أومأت ودلفت تبدل ثيابها بينما هو تناول هاتفه وأجرى اتصالاً على سناء التي أجابت بود:
– أهلاً يا ناصف أزيك؟
أردف بترقب متسائلاً بمرح:
– عندك عشا يا سناء ولا نجيب عشانا وإحنا جايين؟
تعجبت مستفهمة بتعجب:
– إنتوا؟ إنت جاي مع ريتان؟
أردف مبتسماً:
– أيوة، وقتك يسمح ولا!
توترت قليلاً ثم أردفت:
– أكيد طبعاً تنوروا، يالا هستناكوا، سلام.
اغلقت معه ثم قامت سريعاً بالإتصال على حمزة قبل أن يأتي مثلما أخبرها ولكن لسوء الخط هاتفه مغلق.
حاولت مراراً وتكراراً دون جدوى.
في ذلك الوقت كان حمزة يقف أمام فيلا شوقي ينتظر مها خطيبته حيث قررت زيارة سناء بناءاً على رغبة في التقرب منها أكثر بعدما تأكدت أنها المقربة لحمزة.
***
في فيلا سالم.
تجلس صفية مع شيرين تدردشان بينما رن هاتف صفية فتناولته ونظرت له ثم ابتسمت وأردفت بحنو ولهفة:
– ده فريد يا حبيبي.
دق قلب شيرين بعنف وترقبت صفية وهى تجيب بلهفة مردفة واشتياق:
– فريد يا حبيبي، عامل ايه.
أردف فريد بحنو:
– ازيك يا ماما، عاملة إيه يا ست الكل، أنا كويس يا حبيبتى، طمنيني عن صحتك؟
أردفت بحنو وسعادة لسماع صوت مدللها الصغير:
– زي الفل يا حبيبي، طمني عامل إيه في دراستك والأمور معاك تمام؟
أردف مازحاً بسعادة لسماعه لصوت والدته:
– الأمور تمام يا ست الكل والمزز هنا تمام أوى، بس تقريباً مش بياكلوا زر معمر زي اللي بتعمليه.
ضحكت عليه وأردفت بتنبيه:
– أبعد عنهم يا فريد، خد بالك يا حبيبي مافيش زي الأكل البلدي.
أومأ يردف مؤكداً:
– عارف طبعاً يا ماما، متقلقيش عليا أنا تربيتك بردو، وبعدين أنا فيه واحدة بس هي اللي واخدة قلبي، ميادة يا أمي.
تنهدت صفية بضيق ونظرت إلى شيرين التي تستمع إلى حديثه المؤلم لقلبها بترقب وثبات ظاهري عكس ثورتها الداخلية.
أردفت صفية بهدوء:
– طيب يا حبيبي خد بالك من نفسك، وادفى كويس يا فريد، وابقى طمني عليك.
أردف بتروي:
– حاضر يا أمى، وانتِ كمان خدى بالك من صحتك، وسلميلي على بابا واخواتى، وأه من حق سلميلي على شيرين، عاملة أيه المجنونة دي، عقلت زيي ولا لسة؟
نظرت صفية إلى شيرين بترقب ثم أردفت بهدوء:
– أهى جنبي أهى وبتسلم عليك.
أردف بمرح وسعادة:
– جنبك؟ طيب اديهالي.
مدت صفية الهاتف إليها بترقب فزفرت شيرين بضيق فهي لا تود التحدث معه.
تنهدت بقوة مستسلمة حتى لا يلاحظ ومدت يدها تتناول الهاتف من صفية ثم وضعته على أذنها وأردفت بجمود:
– أهلاً يا فريد؟
أردفت بفرحة وحماس:
– أهلا يا شعنونة، عاملة أيه، تصدقي وحشتيني؟
نغزها قلبها ونظرت لزوجة عمها بحزن ثم أردفت بصوت جاهدت ليصدر ثابتاً:
– شكراً يا فريد، انت أخبارك ايه؟
تعجب من هدوئها وأردف ممازحاً:
– إيه ده؟ إنتِ عقلتي امتى؟ أنا كويس جداً، عايزك تاخدى بالك من ماما يا شيري، انتِ عارفة إنها أوقات كتير بتأهمل أدوية الضغط والسكر.
أومأت مطمئنة:
– متقلقش يا على ماما صفية، هي في عيوني.
ابتسم يردف بحنو وإطمئنان:
– عارف، أنا مطمن عليها لأنك معاها، مش عارف لو اتجوزتي وسبتيها هعمل إيه.
تألمت منه وأغمضت عينيها ثم أردفت بجمود:
– فريد خد ماما صفية معاك لأني معايا اتصال.
ناولت صفية الهاتف ووقفت تتجه إلى غرفتها مسرعة بحزن بينما تتبعتها صفية بشفقة وأردفت:
– ابقى طمني عليك يا فريد، يالا سلام يا حبيبي.
أغلقت معه بعد أن ودعها ووقفت تتجه لغرفة شيرين كي تراها وتطمئن عليها فهي تعلم عشقها لفريد وتتفهم ما تمر به ولكن ليس من الصواب أن تخبر إبنها الابله بذلك، عليه هو أن يرى بنفسه حقيقة القلوب.
***
وصل ناصف بسيارتهِ إلى فيلا شقيقه.
ترجل وإتجه يفتح باب السيارة لريتان التي ترجلت تتمسك بيده وهو يبتسم لها.
في تلك الأثناء دلف حمزة من بوابة الفيلا بسيارته إلى الحديقة وتجاوره مها.
رآها تتمسك بيدِ ناصف، والتفتت هي على صوت السيارة تنظر للقادم فلتقت عينيهما فتوترت بمجرد رؤيته وارتعشت يدها داخل كف ناصف الذي طالعها بتعجب يردف متسائلاً:
– إنتِ بردانة؟
التفتت تطالعه فجأة بصمت، لم تراه منذ زواجها لذلك كانت رؤيته صدمه كهربائية على قلبها المعطب.
هزت رأسها لناصف بلا فنظر هو لحمزة ومها وأردف:
– مكنتش أعرف إن حمزة ومها جايين، سناء مقالتش.
تنهدت بقوة تومئ بصمت وأبعدت نظرها عنهما بينما نظرت مها لحمزة بخبث وأردفت:
– إيه ده؟ معقول سناء عزمتهم معانا؟
لم يجيبها بل أومأ بهدوء وظل ينظر لتلك التي لفت نظرها عنه ولم تعير وجوده إهتمام.
تعالت وتيرة أنفاسه.
لم يراها منذ ذلك اليوم التي تزوجت فيه، التوى داخله بشدة كإعتصارِ أحدهم لقطعة قماشٍ قطنية ممتلئة بالمياه.
ما يخمد ناره هو راحتها التي يتأكد منها من شقيقته ولكن كيف سيتحمل المكوث معهما في مكانٍ واحد؟
زفرت مها بضيق ثم أردفت تطالعه:
– حمزة يالا ننزل من العربية ميصحش كده؟
طالعها بعدما تنبه وترجل بالفعل من سيارته وأتجه يفتح بابها ويتمسك بيدها لينزلها.
اتجه اليها فأبتسم ناصف لهما وأردف بترحاب:
– إيه الصدفة الحلوة دي، إزيك يا حمزة، إزيك يا مها؟
أردف حمزة بجمود وهو يتطلع عليه بحقد:
– الله يسلمك.
بينما أردفت مها بمرح غير معتاد:
– أزيك يا ناصف، اخبارك أيه؟
لفت نظرها إلى ريتان وأردفت بهدوء يحمل خبثاً:
– أزيك، ريتان مش كده؟ أخبارك أيه؟ أخدتى ناصف من شلة النادي، مبقاش ييجي خالص.
أردفت ريتان بهدوء واختصار:
– الله يسلمك، ناصف الفترة دي مشغول شوية في الشركة.
قالتها وهى تتطلع على ناصف بإبتسامة هادئة فابتسم لها ناصف واغتاظت مها منها بينما أردف حمزة بترقب:
– أزيك يا ريتان؟
أردفت مختصرة بمنتهى الثبات التي لا تعلم مصدره:
– الله يسلمك.
خرجت سناء تستقبلهم بتوتر مردفة بترحاب:
– يا أهلا وسهلا، نورتوني اتفضلوا.
اتجها ناصف وريتان يرحبان بها ودلفا ورحبت بها مها ودلفت أيضاً بينما وقف حمزة يطالعها بلوم مردفاً بهمس:
– إنتِ كنتِ عارفة؟
هزت رأسها تردف بتوتر:
– رنيت عليك كتير ابلغك تليفونك مقفول، حمزة علشان خاطري بلاش مشاكل، عدى الليلة.
أومأ لها ودلف يتبعهما ثم اتجه يجلس بجوار مها التي تنظر بحقد لريتان وناصف يحدثها بحب وهى فقط تبتسم وتجيب بكلمات قليلة جداً وثقة.
لأول مرة تحقد مها على إحداهن بهذه الطريقة.
دائماً هي المفضلة والمميزة تستحوذ على إهتمام الجميع ولكن تلك الريتان اخذت منها الأضواء الآن.
برغم بساطتها ومستواها إلا أن بها شئ مميز تجهله هي.
اتجهت سناء وجلست بينهم مرحبة بهم ثم نظرت لمها وأردفت:
– مبسوطة جداً يا مها إنك نورتيني.
إبتسمت مها وأردفت بخبث أمام أعين ريتان:
– بما أننا أنا وحمزة باقي أيام قليلة على فرحنا فحبيت نتقرب من بعض أكتر أنا وانتِ.
إبتسمت لها بهدوء ثم تطلعت على آخيها وأردفت متسائلة:
– خلصتوا تجهيزات يا حمزة؟
تنهد بضيق ينظر لها واضعاً ذراعيه على ساعدي المقعد ويشبك كفيه ببعضهما ثم تحدث بهدوء وملامح حزينة:
– أيوة يا سناء، تقريباً باقي تفاصيل بسيطة.
أردف ناصف بتهنئة:
– ألف مبروك، فرحتلكوا جداً.
أردفت ريتان بهدوء وتمعن برغم تلك النغزة التي أصابتها:
– ألف مبروك، لايقين على بعض جداً.
رفع نظره يطالعها بعمق ثم لفه سريعاً لا يقوى على النظر إليها بينما ردت مها بمغزى تردف وداخلها يغلي:
– الله يبارك فيكي، فعلاً كل اللي يشوفنا يقول كده، لايقين على بعض في كل حاجه.
أبتسمت ريتان بسخرية ثم أردفت سناء لتزيل التوتر الملحوظ:
– طيب أنا هقول للمساعدة تحضر العشا.
وقفت تنظر لريتان ثم أردفت بترقب:
– ريتان إيه رأيك تيجي معايا.
رحبت جداً بالفكرة فهي لا تريد الجلوس أمامهما ووقفت تتجه معها للخارج حيث زفرت تستعيد أنفاسها التي حُبست في تلك الغرفة.
اتجهت مع سناء حيث بهو الفيلا فأوقفتها سناء في المنتصف وأردفت مبتسمة وهي تلتفت إليها:
– ريتا إيه رأيك تطلعي تشوفي سليم وتقى وتجبيهم! أكيد وحشوكى أنا عارفة.
تطلعت عليها ريتان وابتسمت متحدثة بهدوء:
– تمام، أنا فعلا نفسي أشوفهم جداً، هطلع أجيبهم وانزل.
تركتها وصعدت الدرج تخطي في الرواق المؤدي لغرفة التوأم ثم طرقت ولفت مقبض الباب ودلفت تنظر بترقب.
رآها الصغيران فتفاجئا بسعادة وقفا يناديها بإسمها فدلفت واتجهت تعانقهما بحنو وجلست معهما تستمع إلى حديثهما الطفولي بحب واشتياق.
اما في الاسفل فكان حمزة يجلس على بركانٍ نشط.
يريد أن يغادر.
ناصف ومها اندمجا في الحديث سوياً وباتت تتحدث عن ذكرياتهما في فرنسا وتوجه حديثها لحمزة الذي يستقبله بشرود ويومئ بصمت.
وقف حمزة يردف بترقب:
– عن اذنكم، هروح الحمام وراجع.
خرج تاركاً الغرفة يتنفس بقوة ثم قرر الصعود لتوأم شقيقته ظناً منه أن ريتان بالداخل مع سناء.
صعد الدرج واتجه حيث غرفة الصغيرين، لف مقبض الباب بعدما طرقه ودلف قبل أن يتفاجأ بوجودها كما فعلت هي ووقفت مسرعة.
توتر يطالعها ثم تحمحم وأردف بحرج:
– أنا أسف فكرتك مع سناء.
كاد أن يغادر فاسرع سليم يتمسك بيه مردفاً:
– خالو حمزة تعالى ألعب معانا.
تطلع على سليم ثم تطلع عليها وعلم أنها لا ترغب في وجوده فنظر للصغير واردف بتروي:
– حبيبي هستناكوا تحت.
أردف الصغير بإصرار:
– بليييز يا خالو، ألعب معانا مس ريتان هتشجع تقى وانت تشجعنى؟
زفر ودلف يجلس معهما فتحركت هي لتغادر مسرعة ولكنه أوقفها ينادى بقلبٍ متلهف لا إرادياً مردفاً:
– ريتان؟
تصنمت مكانها تواليه ظهرها فتابع بإختناق وندم يأرقه دائماً ولا يعلم لما أردف:
– الكلام اللي سمعتيه مني قبل جوازك أنا ــــــ.
متكملش.
قالتها تقاطعه وهى تلتفت تتحدث بعيون واسعة وتكمل بجمود:
– مافيش أي كلام بينا أصلاً.
عادت لتغادر وفتحت الباب فتفاجئت بناصف أمامها يطالعها بتعجب ثم نظر للداخل فوجد حمزة يجلس بجانب سليم فتساءل بترقب:
– سألت سناء عليكي قالت إنك هنا، إنتِ كويسة؟
أومأت تردف بتوتر:
– طلعت أسلم على سليم وتقى لأنهم وحشونى، هو إحنا ممكن نروح يا ناصف؟ صدعت فجأة.
اتجه يساندها أمام أعين ذلك الذي يشعر بالإختناق.
أردف ناصف بقلق:
– مالك يا حبيبتى؟ تحبي أخـدك على الدكتور؟
هزت رأسها وأردفت بهدوء:
– لاء مفيش داعي، خلينا نرجع على البيت هاخد مسكن وابقى تمام، أنا اطمنت على الأولاد، نعتذر من سناء ونبقى نيجي وقت تاني.
تنهد يومئ مردفاً:
– تمام يا حبيبتى، زي ما تحبي.
ودع الصغار وحمزة ونزلا سوياً الدرج ثم اعتذرا من سناء التي لم تلح عليهما في البقاء لعلمها صعوبة الأمر على ريتان وشقيقها وغادرا على الفور.
بينما ظل حمزة في غرفة التوأم يلعبان حوله ولكن عقله في مكان آخر.
يفكر فيها، عينيها، هدوءها، إمتلاك آخر لها، لمسة ناصف لها التي أحرقته.
لاااا تلك المشاعر خطر جداً عليه ولابد من تقييدها في الحال وسيفعل بزواجه.
دلفت إليه سناء تطالعه بحزن فهي تعلم مدى تألمه.
اتجهت إليه تربت على كتفه ثم أردفت بتروي:
– حمزة تعالى ننزل علشان مها، ميصحش نسيبها تحت لوحدها.
تطلع على شقيقته بعيون متعبة وأردف بلوعة:
– مشيت؟
تنهدت سناء بقوة ثم أردفت بترجى:
– انساها بقى يا حمزة، انساها علشان خاطري، إنت من الأول سبتها ومقدرتش تواجه يبقى سيبها تعيش حياتها وعيش حياتك، هي اتجوزت ومشاعرك دي حرام وغلط عليك وعليها.
هز رأسه يردف بقهر وقد تخلى عن جموده وصمته الذي دام لعامٍ كامل:
– مش بإيدي، عينيها مطفية يا سناء، مافيهاش لمعة ولا شغف زي الأول، كرهتني، بس محبتش ناصف.
أردفت بنبرة أكثر ترجى:
– حمزة لو ليا خاطر عندك كفاية بقى، كفاية كده، حددت فرحك وهتتجوز، إنسها بقى هي دلوقتى مرات ناصف مينفعش كده.
سحب شهيقاً قوياً ثم أومأ عدة مرات ووقف يردف بهدوء ظاهري ويستعيد ثباته:
– يلا ننزل.
أما في سيارة ناصف حيث يقود إلى منزله ويتطلع على ريتان التي تنظر من النافذة بصمت.
أردفت متسائلاً بترقب:
– ريتان هو حصل حاجه ضايقتك؟
التفتت تطالعه بعمق ثم ابتسم له ومدت يدها تتمسك بكفه بحنو وتردف:
– متقلقش انا كويسة.
تنهد وأردف بضيق:
– هو انتِ اتجنبتى حمزة؟
طالعته بتعجب وصمت ثم أردفت مستفهمة:
– اتجنبته ازاي؟
هز منكبيه يردف بهدوء وهو يسحب يده من يدها ويتطلع للأمام مردفاً:
– حسيت كده، ما وجهتلهوش أي كلام، على العموم أنا شخصياً مش بستلطفه، علشان كده سألت.
ضيقت عينيها تطالعه بصمت ثم قالت بثبات وهي تنظر للأمام:
– عادي، مش لازم كل دائماً كل اللي بنقابلهم بنرتاح لهم، أكيد عندك أسبابك؟
أردف بشرود وهو يقود وكأنه يتحدث عن نفسه:
– المبالغة في المثالية بتخوفني.
تعجبت من جملته وطالعته بعمق تفكر في مقصده.
إنه محق، فحمزة يبدو مثالياً ويخفي العكس وهذا ما أوقعها في حفرتهِ بسذاجة.
***
بعد ثلاثة أيام.
يجلس ناصف أمام الطبيب الذي أخبره بنتائج فحوصاته.
صامتاً منذ أن أخبره الطبيب، هادئاً هدوءاً مخيفاً.
أردف الطبيب بترقب ليحاول طمأنته:
– ناصف بيه أنا مش عايزك تقلق خالص، الطب اتقدم جداً والموضوع محتاج منك شوية صبر وهدوء ومع الأدوية هتقدر إن شاء الله تخلف.
لف نظره يطالع الطبيب بعيون حالكة التمعت ببريق غريب وأردف:
– ممنوع مخلوق يعرف، فاااهم؟
توتر الطبيب من هيأته وأردف بتلعثم:
– ت تمام يا ناصف بيه أطمن، بس المدام؟
قلب عينيه بطريقة مخيفة وقال:
– اسمعني كويس وأفهم اللي هقوله ونفذه يا دكتور شريف من سكات علشان تسلم من شرى إنت وعيالك.
تنبه الطبيب لحديثه وأومأ بطاعة حيث استرسل:
– المدام هتيجي تكشف عندك وهتطلب منها فحوصات روتينية، وبعد يومين هنجيلك تاني وهتقولها أن المشكلة عندها هي، فهمت يا دكتور.
توتر الطبيب وأردف مستفهماً بصدمة:
– بس يا ناصف بيه ازاااي، حضرتك عايزني ابلغها إن عندها مشكلة في الإنجاب؟
أومأ يبتسم بطريقة غريبة ويردف:
– برافو عليك، هو ده بالضبط اللي هتعمله.
يتبع…
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل التاسع 9 - بقلم اية العربي
بعد يومين
ذهبت ريتان مع ناصف إلى الطبيب بعدما أقنعها بالذهاب للإطمئنان وحتى تسكت جميلة.
عاينها الطبيب وطلب منها بعض الفحوصات مثلما إتفق مع ناصف.
أصابها التوتر ولكن الطبيب طمأنها أن لا للحكم المسبق ليروا النتائج أولاً ويقرروا بعدها.
عدة أيامٍ أخرى مرت.
تجلس أمام الطبيب مجدداً بعد ظهور النتائج تستقبل بصدمة خبر إحتمالية عدم إنجابها.
تنظر للا شئ بصمتٍ تام بعدما أنتهى الطبيب من شرح الأمر الكاذب.
تتساءل بداخلها لما نصيبها من الفرح قليل هكذا؟
أي ذنبٍ هذا الذي إرتكتبه فقلب حياتها رأساً على عقب؟
هل ذنبها أنها أحبت شخصاً خاطئ دون إرادة برغم كل محاولاتها الفاشلة لكرهُ بعد زوا جها؟
تخشى ذنب ناصف وتخشى دينها ولكن حقاً الأمر فوق كل إحتمالتها.
وبرغم ذلك فهى تسعى لحياة هادئة معه.
تحاول أن تنصر عقلها تلك المرة عسى أن تتحقق سعادتها التى لم تجدها في إختيارات القلب.
ولكن أتى خبر أحتمالية عدم أنجابها وهدم كل ما تخطط له.
سقطت عبراتها أمام عين ناصف والطبيب الذى توتر ونظر لناصف بتردد فطالعه الآخر بتحذير.
مد يــ.ده يربت على يــ.دها ويردف مدعياً التفهم والتروى:
– ريتان؟
– بتعيطي ليه يا حبيبتى؟
– مافيش داعى أبداً لدموعك دي، إن شاء الله هنلاقي حل أكيد، ولا إيه يا دكتور!
تحمحم الطبيب وتابع يومئ عدة مرات مردفاً:
– أكيد طبعاً يا ناصف بيه، أنا هحدد نظام علاجى نمشي عليه مع مدام ريتان لو هى تحب طبعاً.
– بس في الوقت الحالى نهدى شوية ومافيش داعى تتوتروا.
– هكتبلها بس على فيتامينات تمشي عليها وهتمر عليا بعد ٦ شهور نشوف إيه الأخبار.
أبتسم لها وأردف كاذباً يطمئنها:
– شوفتى بقى، إنتِ مكبرة الموضوع يا ريتان.
– إهدى يا حبيبتى، وبلغى طنط جميلة الكلام اللى الدكتور قاله علشان تبطل تضغط عليكي.
طالعته بعمق وهى تجفف دموعها.
ماذا إن لم تُعالج؟
ماذا أن لم تنجب طوال حياتها؟
كيف سيتحملها هو وكيف سيتعايش مع الوضع؟
لن ترضى بظلمهِ أبداً.
تنهدت بقوة ونظرت للطبيب تردف شاكرة بحزن وأنفاس مهدورة فلم تعد تقوى على الحديث:
– شكراً يا دكتور.
وقفت ووقف ناصف يتمــ.سك بها وغادرا المكان.
طوال طريقه يتحدث معها بمرح غير معتاد كي يلهيها عن ما سمعته ولكنها شاردة تنظر للا شئ تفكر في القادم.
قررت ترك الماضي وبناء حياة هادئة مع هذا الرجل الذى قدرها وتفهمها واحترم عائلتها.
ولكن لما القدر يعاندها وماذا يخبئ؟
زفرت بقوة ثم اغلقت عيــ.نيها وأردفت تهمــ.س داخــ.لها بيقين ورضا:
(أنا عارفة إنك بتختارلي الأحسن، أنا عندى ثقة فيك مالهاش نهاية، بس ريح قلبي يارب)
بعد أسبوع
في إحدى المطاعم الفاخرة.
يجلس حمزة وأمامه مها حيث طلبت لقاؤه قبل موعد زفافهما لتخبره بأمرٍ هام لابد أن يقرراه.
وضع النادل المشروب وغادر ونظر حمزة إليها يردف بترقب وبرود:
– اتكلمى يا مها، عايزانى في إيه مهم؟
طالعته بتوتر ثم حســ.مت أمرها وأردفت بتروى وترقب:
– بص يا حمزة أول حاجة حاول تفهم كويس اللى هقوله، ومش لازم ترد علطول، فكر كويس الأول وبعدين بلغنى قرارك.
زفر وتسائل بترقب وضيق:
– خير يا مها سامعك؟
أومأت وأردفت تترقب رد فعله:
– أنا بقول أننا يعنى لما نتجــ.وز نأجل موضوع الخلفة شوية، لفترة معينة.
– إنت عارف إنى نفسي أثبت مكانى في مجال الأعمال وعندى طموح عايزة أحققها.
– الحمل والأطفال هيعيقوا حياتى المهنية وهيقفوا في وش أحلامى.
– فلو نأجل الموضوع ده شوية؟ فكر وصدقنى ده أحسن قرار!
زفر بقوة وصمت لبرهة من الزمن يطالعها بشرود.
ومن قال أنه يريد الإنجاب الآن؟
هو لم يعد يريد شيئاً من تلك الحياة الغير عادلة.
ليتأكد الأول أنها قادرة على الأمومة فلن يظلم أطفاله أيضاً يكفيه ظلماً لنفسه وتحملاً فوق طاقته.
عاد يتطلع عليها ويردف بهدوء زافراً براحة لهذا القرار السليم:
– معنديش مانع.
طالعته بتعجب وأردفت متفاجئة:
– معقوول، موافق بالسرعة دي؟
تنهد واعتدل يردف بهدوء:
– أقنعتيني بكلامك، بس كدة.
انفرجت أساريرها وأردفت بحماس للقادم:
– تمام، يبقى كدة كله تمام.
– وأنا كلمت مدير القاعة والفستان هيوصل بكرة من باريس وكدة تقريباً كل شئ جاهز.
إبتسم ساخراً.
يفترض أن يقوم هو بتحضير تلك القائمة وليست هى.
ولكنه مؤخراً زهد أموراً كثيرة.
أما هى فالتقطت مشروبها تتناوله بشرود في حياتها المستقبلية وحصولها على أهدافها واحداً تلو الآخر وأولهما حمزة الجواد.
بعد عدة أيام
يجلس ناصف يتناول طعامه مع ريتان على مائدة السفرة.
يلوك الطعام في فمه ويطالع ريتان التى تأكل بتأنى وصمت.
ابـتلع مضغته وأردف بترقب:
– وصلنى دعوة من سالم الجواد لفرح حمزة.
تتوقع هذا الخبر وسمعته من قبل وتعلم أنه أتٍ لا محالة ولكن لا تعلم لما تلك العصرة التى اتعــ.صرت قلبها بقوة.
وعليها أن تظل ثابتة.
ولحسن حظها أنه أكمل بشرود ولم يلاحظ شحوب وجــ.هها وبرودة جــ.سدها:
– بس أنا مش حابب أروح.
– إنتِ عارفة أنى مش برتاح لحمزة ده.
– إيه رأيك لو نسافر كام يوم نغير جو في أي مكان؟
ابتـلعت مضــ.غتها وكأنها تبتلع جمرة ملتــ.هبة ثم أومأت تحاول إخراج الأحرف بصعوبة تردف بصوت مختنق:
– ياريت.
ابتسم لها وأومأ يردف:
– خلاص جهزى نفسك.
– هاخــ.دك ونطلع أسوان.
ابتسمت بتكلف فطالعها بترقب وظن أن حزنها راجع إلى أمر الإنجاب لذلك عليه أن يلهيها بأي طريقة.
أتى يوم الزفاف
جهزت القاعة بالتحضيرات المناسبة لتلائم حفل زفــ.اف الإبن الأكبر لسالم الجواد وإبنة شوقي أبو الدهب المدللة.
توافد الجميع، وامتلأت القاعة بشخصيات الطبقة المخملية.
نزلت العروس بغرور ظــ.هر على ملامحها ولبــ.اسها الأبيض عــ.ارى الكتــ.فين، تشبك في يــ.د والدها الذى يجاورها بإنتصار وسعادة فالآن يستطيع التنفــ.س براحة لقد ترك أمر إبنته في يــ.د رجلٍ لديه ضمير وقناعات وأولويات يفضلها وهى عائلته.
يقف حمزة في بدلته السوداء المنمقة وملامحه الجامدة ينتظر قدومها.
لا يتحرك أي شعور واحد، ولا أي شئ.
أين السعادة التى أخبروه عنها وأين لهفة الزو اج التى سمع بها من معظم الناس!
لثانية تذكر ريتان ليلة زفافها، شكلها، وجــ.هها، وعيــ.نيها.
أغمض عيــ.نه يسيطر على المشاعر التى بدأت تنتباه والتى لو ترك لها زمام الأمور لصرخت في وجوه الجميع معلنة عن تمردها وستندلع حرباً شرسة والخاسر فيها قلبه.
وصلت إليه فابتسمت له فبادلها مجبراً والتقط كفها ورحب بشوقي ثم تناول يــ.دها بين ذرا عيه وخطى بها أمام أعين الجميع متجهاً إلى طاولة كتب الكتاب.
يتكرر المشهد بإختلاف الأوضاع.
يخشى قدومها، حقا يخشاه ولا يعلم كيف سينظر إلى عيــ.نيها إن أتت لذلك يتمنى أن لا تأتى.
بدأت مراسم كتب الكتاب وبدأت القلوب هنا وهناك تتألم يبدو أن المسكنات لم تكن صالحة.
انتهى المأذون، انتهى كل شئ، كان وانقضى.
تم الزفاف وانتهى وغادر حمزة مع مها إلى فيلا والده حيث أشترط أن يقطن مع عائلته بعدما رفض رحلة شهر العسل متحججاً بالأعمال ووافقته في ذلك مها على مضض.
في المحافظة المصرية الساحرة أسوان
في الفندق الذى جاءا إليه ناصف وريتان.
يــ.نام هو على فراشه بعمق بينما هي تجلس على سجادة الصلاة تناجي ربها جهراً بدموعٍ وقلبٍ معذب.
(ياااارب، انت قادر تنزعه من جوايا زي ما دخلت حبه في قلبي، إيه حكمتك يارب في وجع قلبي ده؟ أروح فين؟ لا مكان ولا زمان قادر يريحني يااارب. عارفة إنك رزقتنى براجل كويس ومش هلاقي زيه علشان كدة بترجاك يااارب انزعه من قلبي. إنت شاهد عليا إنى بحاول أكون الزو جة اللى تليق بناصف، انا خايفة من احساسي ده اوى، رحمتك يااارب)
بعد حوالي شهرين
تجلس مها في الشركة تباشر عملها بجمود.
أتاها إتصال من سالم أن هناك إجتماع هام عليها حضوره.
بعد ساعة يجلس الجميع حول طاولة الإجتماعات.
تطلع سالم على مها بلوم وأردف بترقب وهدوء:
– أزاي يا مها ترفضي عرض زي ده؟
– شركة marsh شركة معروفة جداً وشغلهم ممتاز.
– كان المفروض ترجعيلنا، ولا إيه يا شوقي؟
أردف شوقى بملل وتهكم:
– خلاص يا سالم بقى محصلش حاجة لكل ده.
– مها أكيد فكرت في مصلحة الشركة.
– وبعدين هى عملت كدة علشان الشرط الجزائي كان كبير جداً ومقبلوش يتفاوضوا فيه؟
أردف سالم بحدة بعدما أغضبه حديث شوقي:
– ولو، كان مفروض ترجعلنا بردو.
– إحنا أسسنا الشركة دي وتعبنا جداً فيها أنا وعيلتى وواجب علينا كشركاء إننا نتناقش كلنا ومافيش هنا حد بياخد قرارات لوحده.
أردفت بإستهزاء ساخرة دون مبالاه:
– بصراحة بقى شغلكوا مش عاجبنى.
– النظام القديم اللى الشركة ماشية عليه ده محتاج يتغير.
– ومتنساش يا سالم بيه إن أحنا لينا الأسهم الأكتر وكلامنا هو اللى يعترف بيه.
وقف سالم يطالعها بغضب ويردف بحدة:
– يعنى إيه الكلام ده؟ أومال هى شركة إزاي يا مها؟ متقول لبنتك حاجة يا شوقي؟
وقفت مها تطالعه بحدة وتردف بتعالى:
– بابي ميقدرش يقولي حاجة لأنه عارف إنى صح.
– مهاااا.
صرخ بها حمزة الذى كان يتابع بصمت وغضب مكبوت فالتفتت تطالعه فجأة بترقب فوقف يتقدم منها.
لقد تعمد الصمت مجبراً ليرى والده الوجه الخفى لمها التى انتقاها بعناية.
وقف أمامها يطالعها بعــ.يون حادة ثم أردف محذراً:
– لو شوقي بيه معلمكيش تحترمى اللى أكبر منك فدى مشكلته.
– إنما أنا مقبلش أبداً إن مراتى تعلى صوتها على أبويا وتكلمه بالأسلوب ده.
– أنتِ فاهمة؟
طالعته بغضب وصدمة ونظرت لوالدها الذى وقف يردف بحدة:
– حمزة، أعرف أنت بتقول أيه؟
أردف بثبات وحدة مماثلة:
– لو سمحت يا شوقي بيه، أنا عارف كويس أنا بقول إيه.
– أنا بتكلم مع مراتى وياريت حضرتك متدخلش زي ما حصل دلوقتى لما أتكلمت مع بابا.
طالعته بقوة ثم أردفت بغرور وتعالى:
– كل ده علشان أخدت قرار فيه مصلحة للكل؟
– لعلمك أنا فاهمة كويس أنا بعمل إيه، والنظام ده بتتبعه أقوى الشركات الفرنسية، أنتوا المفروض تشكرونى.
طالعها بضيق وأردف بهدوء إستفزها:
– الشركة ماشية بنظام أجدادى، ومش معنى إن ليكم الأسهم الأكتر ده يديكي الحق تقررى لوحدك، لإن ببساطة أنتوا الدخلاء مش إحنا.
– شركة الجواد هتفضل على نظامها.
– فهمتى؟
نظرت له بتعمن ثم اندفعت تغادر وتترك المكتب وتبعها والدها بضيق بينما وقف سالم يستوعب ما يحدث بحرج وحزن.
أهانته تلك التى ظنها قارب نجاة عائلته المستقبلي في نهر الطمع.
تنهد حمزة بقوة ثم أتجه إليه يربت على كتــ.فه ويقترب من أذ نه هامــ.ساً بنبرة خالية من الراحة:
– فعلاً يا بابا كان معاك حق، زو جة مناسبة ليا جداً.
غادر الغرفة وتركه امام إبنه مراد يبتلع الإهانة التى تعرض لها من مها.
في شقة ريتان
تجلس مع ناصف تتناول طعام الغداء.
تنهدت بتوتر لا تعلم كيف تبدأ حديثها.
نظر لها بطرف عيــ.نه وأدرك حاجــ.تها على التحدث فأردف متسائلاً:
– مالك يا ريتان؟
– عايزة تقولي حاجة؟
زفرت وطالعته بعمق ثم تحدثت بترقب:
– ناصف هو أنا ينفع أشتغل؟
تعجب من طلبها ثم أردف بهدوء:
– ليه؟
– أكيد السبب مش مادي؟
هزت رأسها متتالية ثم أردفت بتروى:
– لا خالص، بالعكس.
– بس بما أنى طول اليوم لوحدى ومافيش حاجة اعملها وبفضل استناك باقي اليوم، خليني أنزل أدور على شغل مناسب.
– أنا حابة جداً التدريس والأطفال.
– أنا كنت قدمت في كذا مدرسة خليني أنزل أشوف يمكن كلمونى على الرقم القديم، أكيد ميعرفوش إنى غيرته؟
طالعها بعمق وصمت.
لن يسمح أبداً بذلك.
وقف فجأة ثم دنى يقــ.بل جبــ.هتها بهدوء وأردف بنبرة هامسة غريبة أرعــ.شتها وأخافتها:
– أنسى موضوع الشغل خالص يا ريتان.
– إنتِ مرات ناصف السوهاجى.
تركها وجمع أغراضه وأردف قبل أن يغادر:
– لو حابة كلمى بسمة تيجي تسليكي شوية، سلام يا حبيبتى.
ودعها وجلست تتطلع على أثره بتعجب.
لما اهتزت هكذا من نبرته؟
أول مرة ترتــ.عش من حديثه هكذا؟
هل بدأ يتغير بسببِ موضوع الحمل يا ترى أم هيأ لها؟
بعد شهر
في النادى حيث قرر ناصف إصطحاب ريتان معه بعد أن أدرك صمتها وقلقها لها منذ إعتراضه عن عملها، عليه أن يعود معها كما كان عليه أن يثبت لها أن هذا الوضع لن يؤثر عليه.
ترجل من سيارته يتمــ.سك بكــ.فها وخطى معها للداخل.
أتجه إلى مكان تجمع رفقاته الذى لم يراهم منذ فترة.
تفاجأ بوجود مها أيضاً تجلس تستريح بعد ممــ.ارسة رياضة التنس المفضلة لديها.
رأتهما فانتابها الحقد من هيأتهما وسعادتهما التى تستنكرها على إبنة السائق.
تبادلوا السلام وأبتعد ناصف عنهم قليلاً وسحب مقعد لريتان تجلس عليه ثم جلس بجوارها وطالعها مبتسماً يردف متسائلاً:
– تحبي تشربي إيه؟
ابتسمت له قائلة بالقليل من الراحة فهى كانت تود كثيراً الخروج من هذا المنزل:
– أي عصير فريش.
كانت مها تتابع حركاته معها بعــ.يون منثقبة عليهما والغيظ يتآكلها، مستنكرة على أبنة السائق تلك الحياة السعيدة التى تعيشها بينما هى أبنة الحسب والنسب تكن تلك حياتها.
فمنذ زواجها من حمزة وهى لم تبذل جهد معه مثلما كانت تفعل في خطوبتهما.
لقد تركت التحدى بمجرد حصولها عليه ليبادر هو ولكنها تفاجئت من لا مبالاته معها.
أصبح فقط يهتم بعمله وتوسيع شراكته وعائلته الذى إتضح أنه يحبهم اكثر من أي شئ.
فكلما حاولت أظهار مقوماتها والتمــ.تع بصلحياتها أمامهم كإبنة شوقى أبو الدهب وقف لها بالمرصاد.
تناولت هاتفها وطلبت حمزة الذى أجاب وهو في شركته يعمل ليلاً ونهاراً او يهرب.
أجاب بنبرة رسمية:
– أيوة يا مها؟
أردفت بضيق:
– طبعاً هتقول إنك مشغول مع إن النهاردة مافيش أي اجتماعات ولا توقيعات مهمة..
تنهد بقوة وأردف وهو يعبث بحاسوبه:
– يا مها شغلى غير شغلك،،، قولى اللى عندك وبلاش نتخانق.
زفرت بحنق وقالت:
– أنا في النادى وزهقت من القاعدة لوحدى، ينفع تيجي شوية؟
– تنهد يفكر قليلاً.
برغم تعاليها عليه وعلى أسرته منذ أن دلفت منزله واستهتارها بمشاعر الآخرين وعدم إحترامها لقرارات والده أمامهم إلا أنه دائماً لم يكن الطرف المعقد في تلك العلاقة.
أردف بقبول وترقب:
– تمام يا مها،، نص ساعة وهكون عندك.
ابتسمت بخبث وأردفت وهى تتطلع على ناصف وريتان المنسجمان كما هيأ لها:
– تمام هكون في انتظارك.
أغلقت معه وشردت تفكر في خطط لتنفذها أمام أعين الجميع عندما يأتي زوجها فهي تسعى لإقناعهم أن حمزة الجواد لا يستطيع مقاومة سحرها عليه وتتباهى امامهم بأنها مدللة وتعيش معه اسعد اوقاتها.
في الشركة يجلس سالم خلف مكتبه.
طرق مراد الباب فأذن له فدلف يطالعه بتوتر.
رفع سالم نظره له ثم أردف:
– تعالى يا مراد.
أومأ مراد ودلف يجلس أمامه وصمَت لا يعلم من أين يبدأ.
تساءل سالم بهدوء:
– قول اللى عندك يا مراد.
تنهد مراد وأردف بتروى:
– بصراحة يا بابا أنا قررت أخطب.
تمعن سالم في عيــ.نه ثم ابتسم وأردف:
– تمام، كويس جداً.
– عايز تخطب مين، قولى إسم والدها وأنا أتكلم معاه ونخطبهالك.
تنهد مراد بتوتر ملحوظ ثم قال:
– أسمه سمير عبد العال.
شرد يفكر ويضيق عيــ.ناه ثم أردف:
– سمير عبد العال؟ مش فاكر الأسم ده.
– هو بيشتغل إيه؟
أردف مراد بترقب:
– هو مدرس.
إحتدت نظرته وطالع أبنه بجمود يردف:
– مدرس؟ مرتبه كام يعنى؟ أسرة متوسطة مش كدة؟
زفر مراد بضيق من حديث والده وقناعاته التى لم تتغير أبداً ثم أردف بهدوء ليحاول إقناعه:
– بابا لو سمحت بلاش الأسلوب ده.
– أيوة مدرس محترم وأسرة متوسطة ملتزمة وبنت مشوفتش في أخلاقها، يبقى إيه المانع؟
أردف سالم بحدة وتفكيره لم يتغير أبداً حتى بعد معاناته من تلك العروس المختارة بعناية:
– المانع إن الحياة طبقات، وإنت من الطبقة العالية ولازم تختار من نفس مكانتك.
– أعتراضي مش على شخصه أو وظيفته أو أو، كل ده أصلاً ميهمنيش.
– أنا معترض عن عدم التكافؤ المادى.
– إنت إبن سالم الجواد ولازم تناسب عيلة من نفس مستواك.
– أختار أي واحدة وشاور عليها وأنا هخطبهالك من الصبح لو عايز، بس من نفس مستواك يا مراد.
وقف مراد يردف بعصيان:
– بس أنا بحبها يا بابا ومش هتجوز غيرها.
وقف سالم وأردف بغضب معترضاً بشدة:
– يبقى الأحسن متتجوزش خالص.
– إتفضل على مكتبك.
طالعه مراد بصدمة وتعجب ثم أردف غاضباً:
– حضرتك بتعمل كدة ليه؟
– أنا مش حمزة علشان أرضى وأقولك حاضر.
– أنا بحبها ومش هتخلى عنها.
اقترب منه وأردف بغضب هامــ.ساً:
– يبقى هقولك اللى قولته لأخوك قبل كدة.
– متخلنيش أقطع عيشهم واقفلهم بالمرصاد في أى حاجة يعملوها.
– أوعى تفكر تعصانى يا مراد، وقتها أنا أقدر أخليها تكرهك وتبعد عنك.
– البنات دي زى الحشرات بيتلموا حوالى الحاجة الحلوة يسحبوا عسلها وبعدين يختفوا.
– فكر كويس، مش هقعد على سفرتى حد أقل منى.
نظر له ذاهلاً من طريقة تفكيره وأدرك أن الأمر ليس بهين مثلما ظنه ولكنه لن يستسلم.
التفت يندفع إلى مكتبه بضيق.
لقد ظن أن والده سيغير رأيه خصوصاً بعدما رآى أفعال أبنة شوقي أبو الدهب الغير محتملة مع أسرته.
ولكن يبقى رأس سالم الجواد صخراً لا يلين.
وصل حمزة إلى النادى وصف سيارته وترجل يخطى بإتجاه الكافيه التى تنتظره به مها.
دلف يتلفت بحثاً عنها ولكنه تفاجأ بوجود ريتان وناصف يتحدثان بصوتٍ خافت بينهما.
شعر بالضيق وانحبست أنفــ.اسه وكاد أن يتجاهلهما لولا أن ناصف رآه فناداه يردف مرحباً:
– حمزة؟ أزيك؟
زفر حمزة واتجه يرحب به بضيق ثم نظر لريتان التى لم تنظر إليه وأردف بهدوء ونبضٍ خفي:
– أزيك يا ريتان.
أردفت دون النظر في عيــ.نه:
– الله يسلمك.
تنهد ولف نظره يبحث عن مها فقال ناصف:
– مها كانت قاعدة دلوقتى مع الشلة، يمكن راحت صالة التنس.
أومأ له وأردف قبل أن يغادر:
– تمام عن اذنكوا.
غادر يلتقط أنفاسه.
لم تنظر إليه، تجاهلته وهذا يشعل صــ.دره ويحــ.رقه.
ليتها تسامحه ليطمئن.
إتجه إليها ووجدها كما قال ناصف تمــ.ارس لعبتها المفضلة.
رأته فتجاهلته وأكملت لعبتها دون الإكتراث له بينما هو جلس في المدرج ينتظرها إلى أن تنتهى.
بعد حوالى نصف ساعة أنتهت وخرجت تتأفأف بضجر ثم طالعته وأردفت:
– أنا زهقت، خلينا نروح.
طالعها بتعجب ثم تساءل من بين اسنانه بغضب:
– ولما إنتِ زهقتى ليه طلبتى منى آجي؟
هزت كتفيها بملل تردف بلا مبالاة:
– عادى، مكنتش متوقعة إنك هتيجي أصلاً.
– وبعدين no problem لو عايز تلعب دور أستناك.
نظر لها بشك وأردف وقد فهم عليها:
– أنتِ شوفتى ناصف وريتان صح؟
زفرت وقلبت عيــ.نيها فتابع يومئ بضيق:
– علشان كدة طلبتيني؟ منظر بس يعنى؟
ظهر غضبها وأردفت بحدة مبالغٍ فيها:
– قصدك إيه يعني يا حمزة؟ قصدك أنى غيرانة؟
– أنت متخيل إنك بتكلم مها أبو الدهب؟
– أنا لما اعوز حاجة يكفى إنى أشاور بس،، لكن أنا بحب معظم الوقت أكون متواجدة لوحدى.
– وبعدين تانى مرة لو سمحت بلاش تتكلم بالأسلوب ده، وأعرف كويس أنت بتشبه مين بمين.
تركته وغادرت تبدل ثيابها بغضب بعدما فهم مخططها لذلك إحتدت كي تدارى حقدها الظاهر على تلك إبنة السائق كما تنعتها.
وقف يتطلع على أثرها بغضب من نفسه لا منها، يدفع ثمن خطأ كلفه الكثير.
كل ما يحدث الآن حدث بفعل أخطاء ارتكبها هو.
ظلم نفسه وظلم تلك التى بدأ يتأكد أنه لن يجد مثلها أبداً.
فلتكون هذه الزو جة عقابه ولتعيش ريتان في سعادة.
فكل منهما يستحق ما يحدث معه.
إلى الآن لم يرى من ناصف ما كان يظنه.
إلى الآن راحتها تطمئنه حتى لو يحتــ.رق.
زفر وخطى للخارج بينما كانا قد غادرا ناصف وريتان إلى شقتهما.
في اليوم التالى عاد حمزة من عمله ودلف غرفته يلقى السلام على تلك الجالسة تندمج على حاسوبها.
رفعت رأسها تطالعه للحظة وتبتسم ثم عادت تنظر لحاسوبها دون الإكتراث له.
زفر وخطى للحمام ليبدل ثيابه ثم عاد بعد قليل يقف جانباً على سجادة الصلاة يؤدي القيام.
رفعت عيــ.نيها خفيةً تتطلع عليه وهو يصلى.
هيأته تشغلها، حركاته وأفعاله وهيبته.
ولكن يكفيها ما قدمته في فترة الخطوبة.
الآن تضمنه وتضمن وجوده وعليه هو أن يدفع تمن ما قدمته مسبقاً.
ربحت التحدى فلتنــ.زع عنها قناع التنازل وتظــ.هر في ثوب التعالى مجدداً.
إنتهى وإتجه يتمدد مجاوراً ثم نظر لها وأردف بترقب:
– بتعملى ايه يا مها؟
أردفت بشرود وهى تنظر لحاسوبها:
– بحاول أتواصل مع شركات خليجية معروفة.
– هتبقى صفقة حلوة أوى لو أتعاملنا معاهم.
ابتسم ساخراً ثم أغلق عيــ.نه وأردف:
– طيب لو سمحتِ إطفى النور من جنــ.بك.
مدت يــ.دها تغلقه ثم أكملت ما تفعله بحماس بينما هو ذهب في ثبات عميق بإرادته.
بعد أيام في مكتب ناصف.
دلت سكرتيرته تردف بإحترام:
– ناصف بيه؟
– فيه شخص وصل الظرف ده لفرد الأمن اللى تحت وطلب منه نوصله لحضرتك.
تعجب ناصف ومد يــ.ده يلتقطه وأردف بتساؤل:
– مين الشخص ده؟
– وإزاي الأمن ياخد منه حاجة من غير ما يعرفه؟
أردفت السكرتيرة بتوتر:
– مش عارفة يا ناصف بيه، هو قال إنه سلمهوله ومشي علطول.
– لو تحب حضرتك انادي له؟
أشار لها أن تغادر بصمت وبالفعل غادرت وتمــ.سك هو بالظرف يقلــ.به ثم فتحه ليخرج محتوياته التى لم تكن سوى صور قديمة تم التقاطها مسبقاً لحمزة وريتان عندما كان يحدثها أمام الجامعة وأمســ.ك معصمها ليوقفها.
وكُتِب خلف إحدى الصور:
(تفتكر يوم فرحك وقت كتب الكتاب بالضبط ريتان قالت الكلام ده ليه؟
افـتـكر كويس ليه يومها حمزة مشي وساب الفرح؟
طيب مسألتش نفسك ريتان وافقت بسرعة على طلبك واتجــ.وزتك خلال أسبوع ليه؟
أسأل مــ.راتك وهى هتجاوبك)
رآى وقرأ وأحتدت ملامحه.
حبست أنفــ.اسه وظهرت نظرته الحقيقية التى سعى ليخفيها ولكن هناك من لا يتركه أن يعيش بسلام.
أنفاسه اثقلت وبدأ يفك ربطة عنقه وهو يتذكر ليلة فرحه وبدأ عقله يجمع الخيوط جميعها.
ما زال يتطلع على الصور.
إنقشع القناع البرئ للثعلب وها هو يقف ويأخذ ما وصله ويغادر مندفعاً دون نطق حرف.
نزل ووقف على باب الشركة يردف بجمود وغضب مخيف محدثاً فرد الأمن:
– مين اللى ادالك ده؟
أردف الأمن بتوتر:
– معرفش يا ناصف بيه، هو شاب سلمه ومشي علطول.
أردف بتوعد قبل أن يستقل سيارته:
– حسابك معايا لما أرجع.
في تلك الاثناء كانت ريتان تتحدث مع كاريمان مردفة:
– إنتِ صح يا كارى، أوعى تعلقي نفسك بيه.
– متغلطيش غلطتى.
تنهدت كارى تفكر في أفعال مراد معها التى لا أرادياً شغلتها مؤخراً ثم أردفت:
– أكيد يا ريتان معاكى حق.
– بس ليه بيعملوا كدة؟
– ليه بيتعمدوا يعلقونا بيهم طالما هما مش قد قرارتهم؟
– أنا لولا سناء وطيبة قلبها وكلامها الحلو عن إخواتها ومامتهم كنت شكيت.
– بس فعلاً مستغربة.
زفرت ريتان وأردفت بضيق:
– شغلتهم اللعب بالقلوب.
– أوعى يا كارى، أوعى تصدقيه.
أردفت كارى مطمئنة:
– متقلقيش يا ريتا.
– دلوقتى قوليلي ناصف عامل معاكى ايه؟
تنهدت ريتان بعمق تفكر قائلة:
– كويس يا كارى، كويس جداً.
– بيتعامل معايا حلو أوى.
– موضوع الحمل ده مش بيتكلم فيه نهائي ومراعي مشاعرى فيه.
أردفت كارى بترقب:
– طيب إيه رأيك يا ريتان لو اتكلمتى معاه وغيرتوا الدكتور ده؟
– يعنى مش من كلام دكتور واحد تستسلموا كدة!
– وبعدين لسة بدرى، يعنى مافيش داعى تقلقي؟
أردفت ريتان بتعقل:
– لو كان الوضع طبيعي يا كارى مكنتش قلقت.
– إنما فيه تحاليل وفحوصات أثبتت إن عندى مشكلة.
– أنا منتظرة أشوف الأدوية ولو فعلاً الوضع أستمر كدة أنا مش هلزمه يتحمل طبعاً.
– من حقه يكون أب.
– وقتها يقدر ياخد القرار اللى يناسبه وانا مش هعترض.
شهقت كارى وأردفت معنفة:
– يعنى إيه يا ريتان؟
– هتخلي جــ.وزك يتجــ.وز عليكي؟
أردفت باستسلام وحزن:
– أو هطلب الطلاق.
– حقه يا كارى، وقتها هيبقى حقه.
– مش معقول أحرمه انه يكون أب؟
– هبقى أنانية وقتها.
فتح باب شقتها فجأة واندفع ناصف يطالعها بغضب مردفاً بشك:
– بتكلمى مين؟
انتفضت تطالعه بصدمة مردفة وهى تتمــ.سك بالهاتف:
– ناصف؟
– فيه إيه؟
أسرع إليها ينزع عنها الهاتف ويضعه على أذنه مردفاً:
– مين معايا؟
أردفت كارى متعجبة من نبرته:
– أنا كاريمان يا ناصف!
أغلق الهاتف والقاه على الاريكة والقى معه الظرف ثم مال يحبــ.سها مكانها ويستند بذر اعيه على يــ.دِ مقعدها مردفاً بعــ.يون سوداء حادة ونبرة مخيفة:
– إيه اللى بينك وبين حمزة الجواد؟
جحظت عيــ.ناها وطالعته بخوف وصدمة فصرخ في وجهها مردفاً بعيون حالكة:
– اااانطقي.
انتفضت ترتعش وتهز رأسها بذهول مرددة:
– مافيش حاجه ولا أي حاجة.
– أيه اللى انت بتقوله ده يا ناصف، جبت الكلام ده منين؟
مد يــ.ده يتناول الظرف ثم القاه عليها بحدة مردفاً بحدة وجنون يحذرها بسبابته:
– تحكى كل حاجة، وإلا هتشوفي الوش اللى مش عايزه يظهر.
طالعته بذهول ومــ.سكت الظرف تفتحه وتخرج ما به لتبدأ تنظر للصور بصدمة وحسرة وتهز رأسها بينما هو تمــ.سك بالصورة المكتوب عليها ولفها بقوة يهزها بعنف مردفاً بصراخ أمام وجــ.هها وكأنه شخصاً آخر تماماً عن زو جها:
– جااااوبي على الاسئلة يا هانم، جاااااوبي حالاااا.
زاد ارتعاش جــ.سدها وهى تقرأ الكلمات وبدأت عيــ.نيها تذرف الدموع مرددة بخوف ودموع:
– مافيش حاجة يا ناصف صدقنى، كل ده كلام محصلش، أنا معملتش حاجة.
نظر لعــ.ينيها بعمق فرآى بريقاً تحاول جاهدة إخفاؤه.
هز رأسه وأردف بفحيح مرعب:
– كذابة، إنتِ كنتِ بتحبيه!
– عيــ.ونك فضحاكى طول الوقت وانا كنت غبي.
شهقت وأردفت ناكرة بخوف وببكاء:
– لاااء، صدقنى يا ناصف أنا دخلت حياتك وأخلصت ليك ومش بفكر في أي حاجة تانية غير أنى أسعدك يا ناصف.
– إنت إزاي تصدق كدة عنى؟
لم يعد يصدق ما تقوله.
لم بعد يسمع شئ.
لقد تحول إلى ما لا يريد.
مد يــ.ده يقبض على خصــ.لاتها بقوة ويقربها منه ثم همــ.س عند أذ نها بنبرة مرعبة:
– الأحسن إنى مصدقش، لو صدقت متعرفيش أنا ممكن أعمل إيه.
أفلتها فارتدت تطالعه بذهول وتألم.
من هذا الذي يقف أمامها؟
وما تلك الصور وهذا الكلام ومن أرسلهم أليه؟
وقف يطالعها بعيــ.ون سوداء وأردف بحدة:
– من هنا ورايح مافيش خروج من البيت ومافيش موبايل.
– كفاية عليكي أوى التليفزيون.
– موضوع شغلك ممنوع وبيت أبوكى هتروحيه مرة واحدة كل شهر ومعايا.
– من هنا ورايح هنتعامل بنظام جديد.
– مكنتش حابب كدة بس أنتِ تستاهلى.
تركها والتقط هاتفها وغادر يصفع الباب خلفه بقوة ويغلق عليها من الخارج.
جلست مكانها متصــ.لبة إلا من دموعها الجارية.
ما زالت في صدمتها.
لم تستوعب بعد أن ما حدث حقيقة.
ظنت أنها تحلم.
ظنت أنها ترى كابوس سيئ.
ستحاول التحدث معه مجدداً عند عودته.
محق في ما يفعله بعدما رآه وقرأهُ لذلك ستتحدث معه ليعود إلى طبيعته.
بعد يومان تركها في الشقة بمفردها حبيسة ولم يأتى فيهما حتى كادت تجن بينما هو ظل في إحدى الفنادق.
يفتح باب شقته ودلف يغلق خلفه وينظر في الأرجاء بحثاً عنها.
لم يجدها فخطى لغرفته فوجدها تقف تؤدي فرضها بخشوع.
سحب نفــ.ساً قوياً ثم اتجه يجلس على طرف الفراش ينتظرها إلى أن انتهت وجلست مكانها تهدئ من أنفــ.اسها المتسارعة.
أردف بهدوء مخيف:
– تعالى.
ارتــ.عبت وزاغت أنظارها من خلفه.
تنهدت بقوة ثم إلتفتت تقف وتأخذ سجادتها وتضمها لصــ.درها بحماية دالة على توترها ثم تقدمت وجلست على المقعد المجاور تطالعه بعمق وتردف:
– عايز ايه تانى يا ناصف؟
– ولا هتقول إيه؟
– هتقول إنك سبتنى هنا زي المسجونة ومشيت بعد ما صدقت شوية صور عنى وعن معاملتى ليك؟
– عملت كدة ليه يا ناصف، معقول أنت ناصف اللى اتجــ.وزته؟
ابتسم ساخراً ثم طالعها بعيون حادة وأردف:
– فعلاً بجحة.
صُدمت من كلمته وهزت رأسها بذهول وانتفضت من مكانها تردف بفيض:
– مين اللى بجحة؟ أنا؟
– ليه بتقول عنى كدة؟
– شوفت منى إااايه؟
– جايبلي صور من قبل ما أعرفك وكلام مكتوب سهل أن أي حد يكتبه واتعاملت معايا كأنى خنتك؟
فجأة انتفض يسرع اليها ويجــ.ذبها من حجابها بقوة فانحنت متألمة وحاولت فك قيدها منه ولكنه كان أقوى ورفعها يهمــ.س بفحيح مرعب:
– دانا كنت قتلتك، فااااااهمة.
– لو حتى كنت عرفت إنك كلمتيه كلمة واحدة بعد جوا زنا كنت قتلك.
نفضها بقوة فسقطت فوق الفراش تبكى مرتدة ثم التفتت إليه واعتدلت مسرعة تقف أمامه مردفة بقوة ودموع:
– طلقنى، سايبنى على زمتك ليه؟
– أنا حتى مش هخليك أب.
– يبقى طلقنى.
ضحك ساخراً كالمجنون وهى تطالعه بتعجب وخوف ثم نظر لها بقوة وأردف:
– مستحيل، مستحيل اطلقك.
– انتِ هتطلعى من هنا على قبرك.
ذُهلت من ما تسمعه وهزت رأسها تردف بعدم استيعاب:
– لااا، مش ممكن، مستحيل تكون انت ناصف، مستحيل.
ابتسم ساخراً يفتــ.ح ذرا عيه مردفاً:
– بالعكس، أحب اعرفك بنفسي.
– أنا ناصف السوهاجى الحقيقي.
– إنما اللى كنتِ بتتعاملى معاه ده واحد كان موجود لفترة وسافر خلاص، اتبخر مبقاش موجود.
– من هنا ورايح أنا بس اللى موجود.
– وهعلمك درس كويس أوى إنك متتجوزيش حد متعرفهوش كويس وتفكرى قبلها كويس جداً.
وضعت يــ.دها على فــ.مها بحسرة.
ابتـلعت لعابها تحاول التحلى بالهدوء والتفاهم مجدداً مردفة:
– ناصف اسمعنى.
– حمزة كا.
– متنطقييييش اااسمه.
صرخ بها بطريقة جنونية فانتفضت تبكي وتومئ عدة مرات مردفة بخوف وكذب:
– تمام، هو كان عايز يتقدملى والده رفض وانتهى الموضوع على كدة.
ضحك يردف بجنون ويومئ:
– لأنك بنت سواق مش كدة؟
نزلت دموعها تهز رأسها تترجاه أن لا يكمل ما يؤلمها ولكنه تابع بقسوة:
– لأنك مش من قيمته!
– طب ماهو معاه حق.
– مانا أخترت بنت سواق وطلعت مش من قيمتى.
وضعت كفــ.يها على أ ذنيها تسدهما وأغمضت عيــ.نيها تردف بقهر:
– طلقنى، طلقنى ومتتكلمش كدة، مستحيل تكون حبتنى زي ما قولت.
أردف ببرود قاسي:
– أنا مبحبش إلا نفسي.
– وزى ما قولتلك، أنتِ مش هتطلعى من هنا غير على قبرك.
خرج وتركها واتجه ليغادر فاسرعت خلفه تمنعه حتى لا يتركها حبيسة.
لحقته عن الباب فتمــ.سكت بيــ.ده مردفة بترجي:
– ناصف لو سمحت متحبسنيش هنا وتسبنى.
– أهلى هيسالوا عليا وهيقلقوا.
دفعها بعيداً دون الإكثرات لما سيحدث معها وخرج وأغلق الباب مجدداً عليها لتضرب على الباب بعنف وتصرخ ولكن لا أحد يسمعها فشقته في مكان شبه خالى.
في اليوم التالى ذهب ناصف متعمداً إلى النادى ليرى مها.
تأكد انها من ارسلت تلك الصور ولكنه سيدعى التجاهل تماماً وكأنه لم يراها.
رآها تجلس على إحدى المقاعد فتجه يجلس مجاوراً ويلقى السلام مدعياً الحزن والشرود.
ردت سلامه ونظرت لملامحه بترقب ثم تساءلت بخبث لتصل إلى مبتغاها:
– مالك يا ناصف، إنت كويس؟
تنهد بقوة وأومأ يردف بحزن خبيث:
– كويس يا مها، كويس.
تعجبت واعتدلت تردف متسائلة بترقب:
– لا طبعا مش كويس، فهمنى في ايه؟
طالعها بعمق ثم أردف بخبث لتأكيده أن المعلومة ستصل:
– هقولك يا مها بس أوعديني متقوليش لأي حد، خليها بينا؟
تهللت أساريرها واردفت بحماس:
– قول يا ناصف فيه إيه ومتقلقش.
زفر وتابع يطالعها بعمق:
– للأسف ريتان عندها مشكلة في الحمل، مش هتقدر تحمل في الوقت الحالى.
شهقت تطالعه بصدمة ثم تحولت لتشفى مخفي ظــ.هر في عيــ.نيها ورآه ثم أردفت:
– معقوول؟
– طيب أكيد فيه حل؟
أومأ وأكمل بحزن مصطنع:
– فيه حل أكيد، وأنا عمرى ما هتخلى عنها.
– أكيد هلاقي حل، أنا بحبها جداً ومش هنستسلم.
شردت تفكر بغيظ بينما هو طالعها بقوة وأردف بترجى:
– بس أوعى يا مها تعرفي حد.
– أنا جيت من الدكتور على هنا ومش عارف أصلا هبلغها أزاي.
مدت يــ.دها تربت على يــ.ده وأردفت بمكر:
رواية للقلب أخطاء لا تغتفر الفصل العاشر 10 - بقلم اية العربي
في فيلا شوقي أبو الدهب
اتجهت مها على الفور إلى والدتها لتخبرها بهذا الخبر الرائع بالنسبة لها الذي تلقته من ناصف.
ابتسمت سعاد بتشفي تردف بعدما أخبرتها ابنتها:
– شوفتي بقى؟ عرفتي إن القدر في صفك إنتِ. لازم تستغلي المعلومة دي لصالحك يا مها.
أردفت مها بشرود تردف متسائلة بحقد:
– تفتكري أوصل المعلومة دي لحمزة إزاي؟ عايزة أثبت له إنه كان غلطان لما حبها أو فكر فيها حتى.
أردفت سعاد معنفة بحدة:
– تبقي مش مها أبو الدهب. كده هتخليه يفكر فيها أكتر. وبعدين مهو أنتِ كمان أجلتي موضوع الخلفه ده معاه.
أردفت مها بتمتع وتعالي:
– آه طبعاً. أنا مش من النوع اللي أشغل وقتي بتربية طفل وإنتِ عارفة كده يا مامي. أنا وقتي بفلوس.
أردفت سعاد بفحيح وخبث:
– بس جه الوقت إنك تعيدي تفكيرك في الموضوع ده بالذات. بعد الخبر ده لازم تقوي علاقتك بحمزة وتثبتي للبنت دي إنها مينفعش تحطي راسها براسك.
ضيقت عينيها مستفهمة:
– إزاي؟ قصدك إيه؟
أردفت سعاد بخبث ودهاء:
– قصدي إنك توقفي الأقراص. هو ده الوقت الصح إنك تحملي من جوزك.
طالعتها بغضب وأردفت مستنكرة ذلك الأمر:
– مستحيل يا مامي. مستحيل أشغل وقتي بطفل. مش مستعدة أبداً لده. وبعدين حمزة ده بارد أووي.
أردفت سعاد معنفة بتعجب:
– مش ممكن تكوني بنتي. إزاي مها أبو الدهب تقول كده. انتِ لازم توقفي الأقراص وتحملي في أقرب وقت. لو عايزة تكسري بنت السواق بحق يبقى تحمي وتجيبي لحمزة الطفل اللي هي مش هتعرف تجيبه لناصف. وبعدين إنتِ مش هتشغلي وقتك بيه خالص. أنتِ زي ما أنتِ في شغلك والطفل هتسبيه لصفية تربيه. هما بس التسع شهور بتوع الحمل وبعد كده تقدري تعملي اللي إنتِ عايزاه.
اللمعت الفكرة في رأسها وابتلعت لعابها تردف بشرود وهي على وشك الاقتناع:
– طب وحمزة! هقوله إيه؟ هو عارف إني رافضة الموضوع ده.
قالت سعاد بخبث:
– مش هتقولي حاجة خالص دلوقتي. لما تعرفي إنك حامل وقتها هتقولي إنك نسيتي تاخدي حباية. ووقتها خلاص هو مش هيعرف يعمل حاجة. بس اللي متأكدة منه إنه هيفرح. وسالم كمان هيفرح جداً.
تنهدت بقوة ثم أردفت بترقب:
– سيبيني أفكر. الموضوع مش سهل. وهيتطلب تنازل مني قدام البارد ده.
اقتربت منها وقالت بفحيح وخبث:
– الغاية تبرر الوسيلة. مش إنتِ بتقولي إنه لسه بيفكر فيها لحد دلوقتي. يبقى لازم تحاربي بكل أسلحتك علشان متخسريش قدام بنت السواق دي. لازم تاخدي سعادتك بإيدك من الدنيا يا مها. أوعي تنتظري الظروف أبداً. إنتِ مراته. يعني مباح ليكي كل الصالحيات.
طالعتها مها بعمق وشردت تفكر في حديثها الخبيث الذي سيثمر رويداً رويداً هلاكها.
بعد أيام قليلة ليلاً.
تجلس مها في غرفتها بعدما حسمت أمرها. ترتدي ملابس غير نمطية بالنسبة لها وقد تزينت وتعطرت.
تزفر بقوة وضيق فهي ليست معتادة على تلك الأفعال ولكن لتفعل مثلما قالت والدتها فالغاية تبرر الوسيلة.
دلف حمزة العائد من عند شقيقته وألقى السلام يبتسم لها متعجباً من هيأتها الغير معتادة.
ردت عليه بنعومة جديدة فتنهد وشعر بالضيق ولا يعلم لما أحس أن عطرها الواصل لأنفه كأنه غاز يساعد على الاختناق.
اتجه إلى حمامه وتركها تنتظره وتزفر وتشهق تهيئ حالها لما ستفعله.
خرج بعد دقائق وبعد أن أبدل ثيابه بأخرى قطنية.
اتجه يتمدد مجاوراً لها ويدعي التعب ويحاول إغلاق عينه فطالعته بضيق وأردفت بترقب:
– حمزة أنت هتنام؟ خلينا نتكلم شوية؟
تنهد وفتح عينه يطالعها بتعمق وشرود ثم ابتسم مجبراً يردف ويجبر صدره على إخراج كلمات:
– معلش يا مها. أنتِ عارفة إن النهاردة الشغل كان مكثف وأنا صاحي بدري جداً. أوعدك مرة تانية هنسهر ونتكلم. تصبحي على خير.
زفر والتفت يوالييها ظهره ويغلق عينه. يعلم أن ما يفعله مخالفاً لعقد زواجهما ولكن يحاول حقاً. لذلك هرب مسرعاً في النوم كي يتوقف عن التفكير.
أما هي فنظرت له بغيظ وشعرت بأنوثتها مهانة وبدلاً من أن تكف عن تلك الحركات كأي أنثى ذات كرامة وتترك له المبادرة أصرت على إكمال محاولاتها فهي عاشقة للتحديات. لقد ولد داخلها كره شديد لتلك ريتان منذ أن رأتها ورأت في عين حمزة الحب لها وستفعل أي شئ يجعلها تنتصر عليها.
صباحاً.
دلف ناصف شقته بعدما قضى أيامه في الفندق. اتجه على الفور لغرفته لعلمه وتأكيده أنها نائمة الآن.
وجدها بالفعل تنام متكورة على الفراش وتحتمى بالوسادة الناعمة فلم يعد هناك دفء في القلوب وباتت هي مصدر البرد القارص لذلك اتخذت من هذه الوسادة الهشة درعاً لها تنام مستسلمة تماماً. لم تعد تلك ريتان القوية الشامخة يبدو أنه أرعبها بعدما نزع قشرته المتفهمة. يبدو أنها كانت تحتمى بقوة هشة سقطت بعد أفعاله المخيفة.
طالعها بعمق وشرود. اختارها بعد إعجابه بها منذ أن رآها في منزل شقيقه.
زاد إصراره عليها بعد علمه أنها من أسرة فقيرة لا تملك سلطة ولا مال فمؤكد لن يبحث أحدهم خلفه. يعلم علته منذ مدة ولذلك تركته زوجته الفرنسية التي تزوجها منذ سنوات. وبسبب عدم قدرته على الإنجاب تركته وتزوجت غيره.
لقد حاول أن يصلح من نفسه كثيراً. ابتعد عن المخدرات وابتعد عن عائلته وابتعد عن عنف والده وشقيقه وغادر ليحصل على حياة جديدة ولكن أحياناً لا نقوى على شرور أنفسنا. فتسليط النفس على النفس أمر يعجز عنه الحب. أمر لا يغيره إلا القدر. لذلك فدعوتنا الدائمة هي (اللهم لا تسلط علينا أنفسنا) فيمكن أن تغلب شيطانك بإيمانك ولكن لتغلب نفسك لابد من إرادة يصعب تواجدها وسط هؤلاء البشر الذين يسعون لتدمير حياة غيرهم.
تنهد بقوة وها هو يعود لعهده ويخلع جاكيته يلقيه بعيداً واتجه ببطء يتمدد بجوارها ثم لف ذراعه اليمنى حول خصرها فانتفضت فجأة تستيقظ مذعورة والتفتت تطالعه بخوف مردفة بصوت متحشرج من أثر النوم:
– أنت بتعمل إيه.
أردف بهمس وعيون حالكة السواد:
– إيه. أنتِ مراتي ولا ناسية؟ ليا حقوق عليكي.
هزت رأسها تردف بخوف وريبة منه وهي تبتلع لعابها:
– مبقاش ينفع. أنت عملت شرخ كبير أوي في علاقتنا.
صك أسنانه يطالعها بغضب ثم فجأة اعتلاها وقيّدها بقوة من معصميها ورفع ذراعيها فوق رأسها ثم انحنى عليها يحاول تقبيلها بالقوة فبدأت تتلوى بعنف تحت قبضته وتردف مترجية ببكاء وتوسل:
– لو سمحت متعملش كده. هكرهك يا ناصف لو عملت كده هكرهك صدقني.
ابتعد عنها ينفض يدها بقوة وقسوة يتنفس ويعتدل ويطالعها بخبث ثم أخرج هاتفها من جيبه وألقاه عليها وأردف بتحذير وملامح غريبة عليها كأنها لم تراه يوماً:
– هيحصلك كده وأكتر بكتير لو فكرتي تتكلمي أو تشتكي لحد. هكرهك في عيشتك صدقيني. للأسف إنتِ حضرتي شيطان ناصف السوهاجي اللي كنت بحاول أغلبه معاكي بغبائي. أنا هعرفك إزاي تاخديني وجه تعاندي بيها حبيبك. من هنا ورايح المعاملة الكويسة اللي كنت بتعامل معاكي بيها هحرمك عليها. وبالنسبة لأهلك، صاحبتك، سناء، أي حد يسألك موبايلك كان مقفول ليه هتقولي كنت تعبانة شوية وبس. كلمة زيادة يا ريتان هتشوفي مني اللي عمرك ما شوفتيه وخذي بالك دلوقتي تليفونك مراقب. واعرفي إن أبوكي مش هيقدر يقف في وشي. فبلاش تأذيه هو أو أمك أو اختك. فهمتي؟
كانت منكمشة على نفسها تستمع إليه بذهول وصدمة تؤكد لها يوماً بعد يوم أن خلاصها هو الحل.
تابع بحدة:
– فهمتي!
انتفضت تومئ بزعر فمد يده يملس على شعرها فانتفضت تبعد رأسها عنه فضحك يردف كالمجنون:
– شاطرة. عايزك كده على طول تخافي مني.
ابتعد عنها يقف ليغادر ثم التفت يطالعها ويردف بترقب وابتسامة خبيثة:
– إيه رأيك نروح نزور أهلك سوا؟ يالا جهزي.
بعد مدة
وصلت معه لمنزل أهلها ودلفت صامتة بينما هو يبتسم ويلقي السلام على جميلة وبسمة.
كان حمدي قد غادر لعمله عند سالم وجلس ناصف وجاورته ريتان تطالعه بتعجب تارة وتنظر لوالدتها ولشقيقتها تارة أخرى كأنها في عالم الكوابيس وليست على أرض الواقع.
أردفت جميلة بترقب:
– إيه الزيارة الحلوة دي! طب كنتِ عرفتيني يا ريتا كنت قولت لحمدي ياخد إجازة النهاردة.
تطلعت على والدتها بصمت فأجاب هو مسرعاً حتى لا تلاحظ صمتها الزائد وأردف:
– مافيش داعي يا طنط جميلة. أنا لقيت ريتان تعبانة شوية قولت أجيبها تغير جو وهنروح تاني بسرعة.
نظرت جميلة لأبنتها بشك ثم تنهدت تومئ ووقفت مردفة بود:
– لاء تمشوا إيه؟ مافيش مرواح غير لما تتغدوا معانا. أنا هروح حالاً أحضر الغدا.
خطت متجهة إلى المطبخ ولكن قبل دلوفها أردفت تنادي:
– ريتان، تعالى ساعديني يا حبيبتي.
ابتلعت لعابها وهي تنظر لوالدتها ثم لفت نظرها إليه فابتسم لها والتقط كفها يرفعه ويلثمه بشفتيه كأنه يذكرها. تنهدت بقوة ووقفت تنزع يدها من يده تحت أنظار بسمة المتعجبة وخطت باتجاه والدتها.
أما بسمة فاردفت بحماس:
– ناصف كنت عايزة أطلب منك طلب ممكن؟
ضيق عينيه يترقب تلك السليطة ويردف:
– أكيد يا بسمة قولي.
تحمحمت تبتسم ثم أردفت:
– كنت عايز أجى عندك الشركة أشتغل جنب الدراسة وكده. يعني أهو بالمرة يبقى تدريب ليا علشان لما أخلص توظفني علطول. يعني بما إنك المدير هتقدر تضبط الدنيا. وممكن تجربني أنا بلقطها وهي طايرة على فكرة.
ابتسم ساخراً ثم زفر يطالعها بغموض ويردف:
– تمام يا بسمة. هشوفلك وظيفة مناسبة. وده استثناء لإنك أخت مراتى لأن في العادة مش بنوظف بنات لسه بتدرس.
صفقت بيديها بحماس تردف بسعادة:
– أيوه بقى هو ده الكلام. على فكرة بقى إنت أحسن من أختي.
ابتسم بجانب فمه ثم لف عينيه عنها بضيق ويفكر في تلك القانطة في الداخل ترى ماذا ستردف وهل يمكن أن تخبر والدتها بما فعله؟ ولكن هي تعلم جيداً أن العواقب ستطول الجميع.
أما في الداخل فتحاول جميلة جاهدة معرفة ما بها. وريتان تردف أسباباً غير مقنعة.
أردفت جميلة متسائلة بقلق:
– طب هو بيتعامل معاكي إزاي بعد موضوع الخلفه ده؟ إتغير ولا كويس؟
أردفت ريتان بهدوء ونبرة حزينة:
– يا ماما لو سمحتِ. قولتلك أموري تمام. أنا بس تعبت شوية بسبب لغبطة في الأكل وناصف قال نيجي نشوفكوا يمكن أرتاح.
مدت كفها تحتضن وجنتها وأردفت بحنو:
– يعني مافيش حاجة مزعلاكي؟ عينك بتقول غير كده؟
اغمضت عينيها التي كادت أن تسقط دموعها ثم تنهدت وطالعتها تردف مؤكدة:
– لو فيه حاجة هقولك. يالا بس نحضر الأكل.
ابتعدت عنها تلتفت وتبدأ في إحضار الطعام كي تكف جميلة عن سؤالها. ستحاول. ستحاول معه. مؤكد أن ناصف الذي عاشرته لعام كامل يحمل داخله القليل من التفاهم. ستحاول معه أن يحررها. تعلم أنه تحول لشخص مرعب بسبب تلك الصور التي لا تعلم من أوصلها إليه. لحظة يا ريتان ولكنه أهانكِ. قال ما بعثر كيانكِ مثلما فعل غيره. هل يمكن أن يكون متفهماً بعد الآن؟
تنهدت بقوة ولكن يبقى سؤال داخلها يتردد. من أوصل إليه تلك الصور القديمة؟ هل يمكن أن يكون سالم؟ أم ابنه هو الفاعل؟
لاااا قلبها يستنكر تماماً أنه الفاعل.
ابتسمت ساخرة وهي تقطع الخضروات وتهمس داخلها معنفة (أما زلتي تصدقين قلبكِ أيتها الجدباء؟)
بعد مرور شهر
تجلس كاريمان في غرفتها تتنهد بضيق فقد أغلقت لتوها مع ريتان التي بدت مؤخراً على غير طبيعتها. منذ فترة وهي تهاتفها ولكن ريتان تختصر الحديث وتغلق فوراً ونبرتها غير مطمئنة.
رن هاتفها فتناولته ونظرت بتعجب لهذا الرقم غير المسجل.
تركته ووقفت تتجه للخارج ولكنه عاد يرن مرة أخرى. تنهدت وظنت أنه ربما اتصال خاص بالوظيفة التي أقبلت عليها لذا أجابت مردفة بترقب:
– الو!
أجابها مراد بمرح وحب:
– إزيك يا كاري. لسة نايمة ولا إيه؟
تعجبت لثواني ثم تساءلت بجمود:
– مين معايا؟
ضحك بخفة وأردف:
– أنا مراد يا كاري. معقول نسيتي صوتي؟
أبعدت الهاتف تطالعه ذاهلة ثم أعادته إلى أذنها وتساءلت بتعجب وحِدة:
– إنت جبت رقمي منين؟
أردف مراد بفخر كأنه بنى هرماً:
– سرقته من موبايل سناء أختي.
ضحكت لا إرادياً بخفة وأردفت مستفهمة:
– سرقته؟ طب وخير. بتتصل ليه؟
تحمحم وحاولت التحدث بجدية مردفاً:
– بصراحة عايز أتكلم معاكي. أنا من وقت ما شفتك عند أختي من كذا شهر وانتِ شقلبتي حالي. ليل نهار بفكر فيكي..
تنهدت بقوة ثم أردفت بحدة وضيق:
– وطبعاً قولت أنا مراد الجواد وهي كاريمان بنت الناس اللي على قد حالهم مش مشكلة لما اجيب رقمها واكلمها واتسلى شوية. مش كده.
صُدم من فهمها له بشكل خاطئ وأردف مدافعاً:
– لاء طبعاً. إنتِ فهمتيني غلط. أنا نيتي خير وعايز أدخل البيت من بابه. بس قولت أعرف رأيك الأول.
اومأت تبتسم ساخرة ثم أردفت بحدة:
– أنت بتضحك على مين؟ هو حضرتك مفكرني عيلة صغيرة؟ إنتوا كلكوا ماشيين تحت طوع سالم بيه وبتختاروا ناس تشبهكم. حل عني وملكش دعوة بيا والأحسن تمسح رقمي خالص.
أغلقت في وجهه فنظر للهاتف بتعجب ثم شرد يفكر في حديثها. تظنه يتلاعب بها؟ إذا ليثبت لها العكس.
بعد شهر آخر
انتظر مراد عودة سالم من رحلة العمل هو وشريكه شوقي ليعيد طلبه عليه.
اما ريتان فحياتها أصبحت باهتة تماماً. أصبحت تعيش معظم الوقت بمفردها. حاولت معه مرات عدة أن يطلقها ويعتقها ولكن عند ذكرها للطلاق يصبح مرعب حقاً.
ها هو يفتح باب شقته بعدما أغلقه عليها منذ أمس ويدلف. سمعت صوته فخرجت تطالعه بغضب وقد تخلت عن خوفها واتجهت إليه تردف بحدة:
– مينفعش تفضل حابسني هنا بالطريقة دي؟ دي مش حياة أبداً. مش عايزني طلقني إنما هتفضل تتعامل كده لحد إمتى؟
توقف أمامها يبتسم بخبث ويردف ببرود:
– هانت يا ريتا. هنبدأ حياة جديدة أنا وانتِ قريب.
ضيقت عينيها وانسحبت أنفاسها كأنها لم تكن موجودة وهي تتساءل بقلق:
– يعني إيه؟ مينفعش خلاص. مينفعش بعد إهانتك نبدأ حياة جديدة. صدقني يا ناصف أنا مش نفعاك في أي حاجة. خلينا نطلق وإنت أختار واحدة غيري تكمل معاها وتخلف منها. أنا منفعش.
كانت عيناه منكبة عليها وهي تتحدث. لا لا لن يتركها. يعلم أنه لن يجد مثلها. أردف بهدوء شديد هزها داخلياً:
– توء. أنا عايزك إنتِ. واللي حصل هننساه. هنبدأ من جديد بس مش هنا. هنسافر أنا وانتِ نعيش في فرنسا.
توقف قلبها وشهقت برعب تتسع عينيها وتهز رأسها بهستيرية مردفة:
– لا لا. مستحيل. مستحيل ده يحصل. مش هسافر معاك في أي مكان.
أومأ عدة مرات يردف مؤكداً:
– هتسافري. هتسافري معايا. هتوافقي علشان خاطر أهلك يا ريتا. مش معقول أبوكي الراجل الطيب ده هيتحمل أي قضية أو تهمة على آخر الزمن. كلها حاجات بسيطة هصفى شغلي هنا ونسافر يا حبيبتي. أنا مبقتش أعرف أتخلى عنك.
كانت في صدمة صنمت جسدها وهي تطالعه بحسرة. كيف ستخرج من هذه الدائرة المظلمة التي أدخلت نفسها بها ظناً أنها سترتاح ولكن يبدو أن جحيمها بدأ للتو.
أما هو فابتسم ومر للداخل. نعم قرر العودة بها إلى فرنسا. سينهي أعماله ويغادر بعد أن يتمم صفقته الكبرى مع هؤلاء الشياطين البشرية.
في قصر الجوادي
جلس سالم بعد عودته أمس يتناول فطوره مع أولاده وتجلس مها بغرور تتناول معهم على مضض فهي اعتادت تناول فطورها في جناحها حتى لا تلتقي بهم ولكن عليها التروي قليلاً لتستطيع إخبار حمزة بالأمر الذي اكتشفته مؤخراً ولم تسعد به ولكنه سيشفي غليلها في تلك ابنة السائق. نعم فهي تتلون كالحرباء لتحصل على مبتغاها.
تحمحم مراد ونظر لحمزة الذي يومئ له باطمئنان وأردف:
– بابا ممكن نتكلم بعد الفطار شوية قبل ما نروح الشركة!
أردف سالم بجمود:
– اتكلم.
تنهد مراد وأردف بتوتر أمام الجميع:
– أنا اتكلمت مع حضرتك قبل كده يا بابا وحضرتك رفضت. بس أنا بحب كاريمان وعايز ارتبط بيها.
نظر له سالم ببرود وأردف:
– لاء.
تنهد مراد بعمق وأردف بتروي متحلياً بالهدوء ليحاول إقناعه:
– صدقني يا بابا مش هطلب منك أي حاجة تاني. الطلب ده وبس. أنا مش هقدر ارتبط بغيرها. هو حضرتك مش تحب تشوفني مرتاح؟
تدخلت مها وأردفت متسائلة تقاطعهم:
– مين كاريمان دي؟
أردف حمزة محذراً بهدوء:
– مها لو سمحتي.
نظرت له بغيظ ثم وقفت تردف وهي على وشك المغادرة فلم تهتم لأمرهم انحنت عليه تقبل وجنته ثم أردفت:
– أووكي يا حمزة. أنا راحة ع الشركة.
تنهد بقوة بينما غادرت وتركتهم يتناقشون فتابع مراد بهدوء:
– بابا علشان خاطري اقبل. أنا مش حابب اعمل حاجة بدون رضاك.
أردف سالم بغضب وحدة:
– بدون رضاي؟ عايز تروح تحط إيدك في إيدهم من غيري؟ يظهر إني معرفتش أربيك كويس. ولو هما وافقوا يعطوك بنتهم وأبوك مش موافق يبقى هما ناس خسيسة زي ما أنا متوقع. بس أنا مش رايح وهرفع إيدي خالص من الجوازة دي وهسحب منك كل الصلاحيات. وأبقى وريني إذا هما وافقوا عليك أصلاً بعد ما تبقى زيهم.
ظهر الحزن على ملامح مراد ونظر للجميع بقهر فتألمت صفية ونظرت لسالم تردف بترقب:
– اسأل عنهم يا سالم. يمكن ناس طيبين ويمكن تكون بنت حلال تفرح قلب ابنك. ولا عايزة يبقى زي حمزة؟
طالعها بغضب وأردف بتحذير:
– ناس طيبين؟ وهو إحنا ناس أشرار ولا إيه يا ست صفية؟ يختار بنت طيبة من مستواه. وبعدين مالو حمزة؟ هو اللي مش عارف يتقبل مراته ويندمج معاها. إنما أنا عارف مصلحة ولادي كويس.
أردف حمزة بهدوء يحمل حزناً وغضباً مكبوتاً:
– لا يا بابا. حضرتك مش عارف مصلحة ولادك. حضرتك بتدور على الشكل الاجتماعي للعيلة. إنما مصلحتنا ومشاعرنا فدي بعيدة تماماً عن أفكارك.
نظر لأبنه بعمق وتعجب ثم ابتسم وأردف ساخراً:
– كل ده علشان مرضتش عن علاقتك ببنت السواق؟ تقدر تقولي ناقصك إيه دلوقتي؟
طالع والده بحزن وتساءل بنبرة متألمة:
– تقدر حضرتك تقولي إيه اللي كامل في حياتي؟ إيه الحلو فيها؟ جوازي من إنسانة شايفة نفسها طول الوقت أعلى مننا كلنا وهدفها الأول والوحيد هو أنها تعلي مركزها. كل ما بحاول أتقبلها واتعايش بلاقي منها حاجات تقفلني. من برا الكل شايف إني عايش في سعادة وراحة والقلوب ربنا وحده اللي يعلم بيها.
زفر بقوة وتابع يخرج مكنونه بألم:
– من وأنا صغير ربتني أني أصاحب اللي زيي وأبعد تماماً عن اللي أقل مني. زرعت جوايا إن الشكل الخارجي أهم بكتير من الجوهر. فهمتني إن علاقاتي القوية بالناس التقيلة أهم بكتير من الطيبة وكسب القلوب.
نظر لأمه بحنو وتابع بحزن:
– يمكن الحاجة الوحيدة اللي كانت بتريني هو كلام أمي ليا. القصص والحكايات اللي كانت بتحكيهالي وأنا صغير لسه أثرها جوايا لحد دلوقتي.
وقف يردف بغضب وقد تخلى عن هدوءه:
– مش كل مرة بتتفق المظاهر مع النفوس يا بابا. منصور السوهاجي مكانش لايق أبداً على أختي بنت الأصول. ولا مها كانت زوجة مناسبة ليا. ومش هقبل إنك تعمل مع مراد نفس اللي عملته معايا.
نظر والده بصدمة من حديثه الغير متوقع وأردف مستفهماً يضيق عينيه:
– يعني إيه؟ هتعصوني؟ هتمردوا عليا؟ بتلوا دراعي؟
نظر لوالده بعمق وآخيراً أعلن قوته وشموخه مردفاً:
– لا يا بابا. مافيش لوي دراع ولا حاجة. حضرتك المرة دي هتتبع الأصول وتسأل على الناس دي كويس. وبعد كده هنروح نطلبها لمراد ونفرح قلبه. واظن حضرتك عندك الخبرة الكافية تعرف بيها معادن الناس. وبالنسبة للمجتمع الراقي متقلقش. محدش هيتكلم اكتر من اللي اتقال عننا وقت اتجوزت مها.
نظر سالم لإبنه الذي تحول ولم يعد يهمه شئ وأردف بتوتر داخلي لم يؤثر على ثباته:
– وأفرض البنت دي طمعانة فيه؟
ابتسم حمزة ساخراً وأردف بترقب وألم لأجل حبيبته البعيدة:
– تاني يا سالم بيه؟ نفس السؤال تاني؟ على العموم الناس دي الطمع مش من طبعهم. الطمع والأخلاق مبيتجمعوش سوا. أسأل واتأكد بنفسك. دي بنت محترمة ووالدها راجل مدرس وقور ربّاهم كويس. واطمن. هتبقى أم مناسبة لأحفادك. زي مها كده.
نظر لشقيقه بإطمئنان ونظر لوالدته التي تطالعه بحزن على ما أصابه حتى أن شيرين حزينة من أجله ولكن صامتة تتابع فقط تجبر عمها.
التفت يغادر تاركاً المكان. يشعر بالاختناق. لم يعد ينفك من حول رقبته ذلك الحبل القوي. يتهاوى ويضيق ولكن لا ينفك أبداً. القبضة القوية التي تعتصر قلبه باتت مصاحبة له. لم تكن تلك القبضة من غريب بل كانت منه هو. هو من أوصل نفسه لتلك الحالة.
استقل سيارته وقرر الذهاب لشقيقته الوحيدة التي تخفف عنه.
أما سالم فنظر للجميع بضيق ووقف يغادر هو الآخر دون إضافة حرف. ولكن يبدو أنه سيفكر في الأمر. فلن يستطيع خسارة أولاده خصوصاً ابنه الأكبر حمزة.
في فيلا سناء
اتجهت كاريمان إليها كي تخبرها بما يقلقها عن ريتان.
تجلس معها حيث تنتظر سناء حديثها فاردفت كاري بقلق وترقب:
– بصي يا مدام سناء يمكن أنا ببالغ بس أنا قلقانة على ريتان أوي. بقالها فترة متغيرة جداً. صوتها وطريقتها. بتكلمني باختصار جداً. وبتنهي أي نقاش بينا.
تنهدت سناء تطالعها بتمعن فهي أيضاً لاحظت ذلك عندما هاتفتها وفي كل مرة تسأل ناصف يطمئنها بكلامات غير مقنعة.
تابعت كاري:
– أنا طلبت أروح لها بس هي رفضت. احترمت ده بس استغربت. وبعدين لما عرفت أنها راحة زيارة بيتهم روحت لها هناك بس ناصف كان معاها طول الوقت مسبهاش. حتى لما سألت طنط جميلة استغربت جداً وقالت أن ناصف بقى يروح معاها يقعدوا شوية وياخدها ويمشي. يمكن أكون بيتهيألي بس لأني عارفة ريتان كويس قلقت. إنتِ أكيد تقدري تروحي لها وكده بما إن ناصف يبقى أخو جوزك يعني.
تنهدت سناء وابتلعت لعابها تردف بقلق:
– أروح لها مافيش مشكلة بس تفتكري لو فعلاً زي ما بتقولي هي هتحكيلي حاجة؟ معتقدش أنها هتتكلم معايا أصلاً.
أردفت كاريمان بتوتر ورجاء:
– طيب حاولي لو سمحتِ. حاولي وطمنيني.
تنهدت بعمق تومئ فوقفت كاري تردف بامتنان:
– متشكرة جداً يا مدام سناء. أنا همشي أنا بقى عن إذنك.
ودعتها سناء وعادت تجلس شاردة تفكر في حديث كارى وتربطه مع شكوك حمزة حول ناصف ومع حالة ريتان مؤخراً.
سمعت صوت سيارة شقيقها فتنبهت ووقفت تفتح له باب الفيلا مرحبة به بشرود.
دلف وجلس باختناق وتعب ولكن بسبب شرودها لم تلاحظ ما به بل لاحظ هو حالتها فتساءل بقلق:
– سناء؟ مالك؟
طالعته بعمق ثم هزت رأسها بتوتر تردف:
– أبداً مافيش. أنا كويسة. أنت مالك؟
طالعها بشك. يعلمها جيداً. تساءل بحزم وإصرار:
– سناء قوليلي مالك؟ إيه اللي حصل؟
زفرت بقوة ثم أردفت بخوف وتوتر:
– هقولك بس أوعدني تهدى ومتعملش أي تصرف وتيسبني أنا أتصرف.
أومأ يساعدها على الحديث فتابعت بقلق:
– كاريمان كانت هنا وقالت إنها قلقانة على ريتان أوي وإنها حاولت تروح تزورها بس ريتان رفضت. وبقت تختصر الكلام معاها على التليفون وحتى لما بتروح عند عم حمدي بيكون ناصف معاها مش بيسيبها. هي بتقول إن يمكن عادي؟
وقف منافضاً يردف بحدة وغضب وألم:
– لاء مش عادي يا سناء. مش عادي قولتلك الحقير ده ميريحش. الله أعلم عامل فيها إيه.
أمسكت ريثه تجلسه مجدداً مردفة بترجي:
– حمزة هتخليني أندم إني قولتلك. علشان خاطري أنفاعلك ده ممكن يتسبب في أذيتها فعلاً. أهدى وخلينا نفكر نعمل إيه ولو فعلاً هي واقعة في مشكلة نخلصها إزاي؟
مسح على وجهه بقوة ثم عاد يجلس ويفكر بضيق وقد تحكم به الغضب فقالت سناء بتروي:
– أحسن حاجة إني أروح لها. أروح أزورها وكده.
هز رأسه يردف بتفكير ودهاء:
– لاء. مش هينفع. هيستغرب زيارتك. خصوصاً إنها أول مرة من وقت جوازهم. وأكيد هيبقى متواجد طول الوقت مش هتعرفي تتكلمي معاها. خلينا نهدى ونفكر.
زفر تطالعه فهو محق بالأساس ريتان لن تخبرها ما بها.
بعد دقائق أردف بترقب:
– سناء كلمي ناصف. قوليله إن الأولاد نفسهم يشوفوه هو وريتان وخليه يبعتها ويخلص شغله وييجي.
نظرت له بقلق وأردفت:
– تفتكر هيوافق؟
أومأ يردف محذراً:
– جربي وهتعرفي. بس خليكي هادية وعادية علشان مياخدش باله من حاجة.
تنهدت بعمق ثم أومأت وتناولت هاتفها تحاول الاتصال به.
أجاب ناصف يردف بهدوء:
– أيوه يا سناء. إزيك؟
زفرت تطالع حمزة الذي يشير لها أن تهدأ فأردفت بترقب:
– إيه يا ناصف فينك. بقالك كذا يوم ممرتش علينا. الأولاد نفسهم يشوفوك.
أردف بجدية:
– تمام هعدي عليكي بكرة.
أردفت فجأة:
– إبقى هات ريتان معاك.
تعجب ناصف يفكر في طلبها فتابعت بعدما أشار لها حمزة أن تخترع أمراً ما فوراً:
– أصل النهاردة وأنا براجع لهم دروسهم لقيتهم بيسألوني يا ماما مس ريتان مبقتش تزورنا ليه. ضحكت كنت عايزة أقولهم عمو ناصف خباها عننا خالص. ههههه. إيه رأيك لو تقضوا بكرة اليوم معايا من أوله. تيجي إنت وريتان نتغدا سوا ونتسلى؟
أومأ لها حمزة بارتياح فتنهدت بهدوء واستعادت ثباتها بينما على الجهة الأخرى ناصف لم يشك في الأمر حيث أردف:
– تمام يا سناء هشوف ظروفي إيه وأبلغك.
أردفت بتصميم:
– لأ هستناكوا بجد يا ناصف ولو مجيتوش هزعل. وهجيب سليم وتقى واجيلكوا أنا.
توتر وأردف:
– خلاص تمام. هنيجي. سلمي على الأولاد. سلام.
أغلق معها وشرد يفكر. جميع مكالمات ريتان يسمعها لذلك لم يشك في الأمر.
تناول هاتفه وقام بالاتصال على ريتان التي أجابت بعد فترة تردف بصوت خالٍ من أي مشاعر:
– خير؟
أردف بهدوء:
– بكرة هنروح عند سناء. جهزي نفسك كويس. أظن فهماني. جهزي نفسك ولمي لسانك.
أردفت بحزن ويأس:
– مش عايزة أروح في مكان.
أردف بغضب من بين أسنانه:
– مش بمزاجك. طالما قولت هنروح يبقى هنروح.
أغلق معها وتركها تلقي بالهاتف على الأريكة لتكمل قراءة آيات القرآن الكريم من مصحفها الشريف حيث كلام الرحمن الذي يطمئن القلوب ويريحها.
في اليوم التالي
ذهب حمزة إلى شقيقته التي تفاجأت من مجيئه. طوال ليله يفكر فيها وهل حقاً يمكن أن هذا الخبيث تعرض لها؟ عليه أن يراها. لن تهدأ أنفاسه إلا أن رآها واطمئن بنفسه. فراحته انعقدت في ربطة قوية براحته. كلما تخيل أذيتها أدمى قلبه بنزيف العشق الممنوع. آذاها بحديثه مسبقاً ومن وقتها لم ينعم بالهدوء والسلام لذلك لن يكرر الماضي.
طالعته سناء بتعجب وأردفت معنفة:
– حمزة أنت جيت لييه. قولتلك خليك لما يمشوا. زمانهم جايين يا حمزة الأحسن تروح علشان ميفكرش إننا متفقين سوا.
أردف حمزة مطمئناً بذكاء ولهفة وقلب عاشق:
– أهدى يا نونا. أنا هدخل اداري جوة في أي مكان وعربيتي راكنها بعيد متقلقيش مش هخاطر وأأذيها. هو هيوصل ريتان وهيمشي طول.
تعجبت تطالعه باستفهام:
– ومين قالك أنه هيمشي؟
زفر وأردفت بتروي:
– فيه واحد معرفة في الجمارك ليا عشم معاه عرفت منه إن فيه بضاعة تبع شركة ناصف متخزنة هناك وأول ما ناصف ييجي هو هيكلمه يروح يطمن عليها لأنه شاكك إنها بتتسرق.
نظرت له بقلق وتوتر فتمسك بكتفيها يردف بطمئنان بتلف عاشق:
– متقلقيش لو ممشيش أنا هلاقي طريقة واطلع من هنا من غير ما يشوفني. بس خلينى أشوفها. لو فعلاً شكوكى صح تبقى هي محتاجة مساعدة.
تنهدت بقوة تومئ وبالفعل دلف وأخذه للأعلى حيث غرفتها ليظل بها وحتى لا يراه الصغار.
بعد دقائق جاء ناصف ورآه حمزة من نافذة الغرفة التي يختبئ خلف ستائرها القطيفة فهاتف الرجل يطلب منه أن يهاتفه.
ترجل من سيارته ونزلت ريتان بملامح ذابلة حزينة. واتجها إلى باب الفيلا.
فتحت سناء تستقبلهما ولكن بمجرد أن وقعت عيناها على ريتان تأكدت من شكوكها.
نظرت لناصف بصدمة وللعجب لأول مرة تراه يشبه شقيقه حتى في نظرة عينه لذلك اهتز قلبها.
أسرعت تنتبه وترسم ابتسامة باهتة مردفة:
– أهلاً وسهلاً نورتوا. اتفضلوا.
رحب بها وكادا أن يخطيا للداخل ولكن رن هاتف ناصف فتناوله يجيب بترقب:
– ألو. مين معايا؟
أردف الطرف الآخر:
– ناصف بيه حضرتك ليك شحنة أغذية في الجمارك لسه مخرجتش؟
أردف ناصف بترقب وقلق:
– أيوه. خير. وانت مين؟
أردف الرجل بدهاء:
– أنا محمود واصف شغال أمن في الجمارك. ياريت معلش تيجي تشوف بنفسك وتتأكد لأني لاحظت حركة غريبة. شحنات الأغذية مش لازم تطول لأن بتتسرق للأسف من موظفين معندهمش ضمير. لو فاضي ياريت تيجي تطمن بنفسك. أنا جبت رقم سعادتك من أوراق الشحنة وقولت ابلغك.
توترت وظهر ذلك على ملامحه فهي لا تحتوى على أغذية فقط بل على ما يهربه لداخل البلاد من سموم هالكة للشباب لذلك أردف على عجل:
– أنا جاي حالاً.
نظر لسناء وأردف:
– أنا لازم أروح مشوار مهم وراجع بسرعة.
نظر لريتان بتمعن يردف بنبرة تنبيهية:
– ادخلي يا حبيبتي مع سناء. أنا مش هتأخر متقلقيش.
ثم مال على أذنها يردف بهمس:
– خدي بالك كويس يا ريتان. بلاش تختبريني علشان حقيقي هتندمي.
ابتعد يطالعها شحوب وجهها وهي تومئ له وبالفعل أسرع يغادر ليرى ماذا سيفعل بينما سحبت سناء ريتان للداخل وأغلقت الباب تطالعها بعمق ثم سحبتها إلى عناقها بحنو فتعلقت بها ريتان بقوة تبادلها وتحتمى بها.
ابتعدت عنها سناء تردف بقلق وهي تطالع شحوب وجهها:
– ريتان مالك؟ إيه اللي حصل؟
هزت رأسها تردف بتوتر:
– مافيش. أنا كويسة الحمدلله.
نظرت لها بشك بينما ريتان لفت وجهها بعدما استمعت إلى خطوات تنزل الدرج.
تفاجأت به تطالعه لثواني بصدمة حتى توقف أمامها ينظر لملامحها بحزن واشتياق. ابتلع لعابه الذي يشبه العلقة المرة وهو يحاول التحكم في غضبه بعدما لاحظ عينيها الرماديتين كالنهر الصافي الذي انعكس عليه الظلام. لم يحتمل نظرتها لذلك أردف متسائلاً بلوعة حب واحشاؤه تتلوى داخل معدته:
– عمل فيكي إيه؟
أبهتها كلمته ونظرت له بذهول ثم لفت نظرها تطالع سناء بخوف وقلق مستفهمة:
– هو بيعمل إيه هنا؟ أنا لازم أمشي. لازم أمشي قبل ما ناصف يرجع.
التفتت لتغادر فوراً تحت أنظارهما المصدومة فأسرعت إليها سناء توقفها مردفة بتروي وهي تتمسك بها:
– أهدى يا ريتان متخافيش. إحنا هنساعدك بس قولي فيه إيه؟
هزت رأسها تحاول نزع يدها وتردف بخوف وتوتر من أن يعود ناصف ويراهم:
– لاء سبيني أمشي لو سمحتي.
نغزه قلبه لحالتها وخوفها واعتصر عينيه يلعن نفسه ثم أردف يحاول بث الطمأنينة بها:
– إهدى يا ريتان. فهمينا بس عملك إيه الكلب ده؟
طالعته بصمت. نظرت لعينيه بعمق كأنها تعاتبه بنظراتها دون أي حروف تنطق. فقط القلوب نابضة بصخب. تخبره بلمعة عينيها الذابلة أنه أذى روحها ولكنها لم تتألم مثلما تألمت منه هو. لذلك لا تهتم بي. دعني وشأني ولا تدعي الطيبة فقلبي لم يعد يحتمل بعد.
لفت وجهها تطالع سناء مجدداً تبتلع لعابها وتردف بإصرار:
– معلش يا سناء. أنا همشي حالاً وقولي لناصف لو رجع إني روحت لأن بسمة جاية.
بها شئ. حالتها وخوفها وعينيها ووجهها يؤكدون له أنها ليست بخير تماماً.
زفر باختناق يطالعها. إن غادرت هي يمكن أن يؤذيها لذلك أردف:
– خليكي يا ريتان. أنا اللي همشي بس إهدى واطمني.
نظر لسناء وتابع بحزن:
– سناء أنا همشي.
تركهما وغادر بعدما تأكد من شكوكه وتوعد بداخله أن يخلصها منه مهما كلفه الثمن. سيصلح ما كسره. يعلم أنه مستحيل أن يعود كما كان ولكن سيجعل من المستحيل ممكناً ويعيد بناء ما هدم. وبشكل أقوى. فعتابها الصامت قرأه جيداً. ولها الحق أن تعاتبه. فحق المحب على حبيبه قوي. وخطأ المحب للحبيب عظيم. ولسخرية القدر فقصة عشقهما صماء كامرأة جميلة متكاملة لا تسمع ولا تتكلم.
أما هي فاتجهت تجلس مع سناء التي حاولت أن تستدرجها في الحديث وتعلم منها شئ ولكنها التزمت الصمت حتى عاد ناصف بعدما اطمأن على بضاعته وجلس معها بعدما دخلت في حالة من الطمأنينة لا تعلم مصدرها.
ليلاً
دلف حمزة جناحه بعد تفكير طويل في ما سيفعله ليخلصها. هيأتها وخوفها يترددان على عقله بشكل دائم ليجعلانه يلعن ناصف ويلعن نفسه ويلعن الطبقات الاجتماعية بأكملها.
اتجه يجلس على مقدمة فراشه بعقل شارد.
خرجت مها من حمامها تطالعه بترقب مردفة:
– حمزة إنت جيت؟
زفر وأومأ بصمت فاتجهت تجلس بجواره وأردفت بابتسامة غير معهودة:
– عندي ليك خبر حلو أوي. صحيح حصل فجأة بس حصل وخلاص.
تنبه ولف لها يضيق عينيه مستفهماً يردف:
– خير؟
فتحت كفها القابض تعرض عليه اختبار الحمل وتبعته مردفة بفرحة كاذبة:
– أنا حااامل.
نظر لما في يدها بصدمة ثم نظر لعيونها وأردف بعدم استيعاب:
– حامل إزاي؟
هزت كتفيها وأردفت باستنكار ومراوغة:
– مش عارفة. لقيت نفسي فجأة دوخت ومش حابة الأكل فسألت مامى وقالتلي أجرب Pregnancy Test وفعلاً طلعت حامل.
وقف يطالعها بصدمة وأردف بغضب لم يستطع التحكم به:
– يعني إيه الكلام ده. إحنا اتفقنا مافيش حمل خااالص الفترة دي. إزاااي ده حصل؟
وقفت تطالعه بغضب مماثل وتردف بحدة:
– يعني إيه حصل إزاااي. إنت واخد بالك بتقول إيه كأني ضربتك على إيدك مثلاً. أنا كمان زيك اتفاجئت بس واضح إني نسيت أخد حباية.
طالعها بذهول إلي الآن لم يستوعب الخبر. شرد قليلاً ثم طالعها يومئ مؤكداً بغضب:
– انتِ تعمدي تعملي كده صح؟ إنتِ بقالك فترة بتتصرفي على غير طبيعتك. بس ليه بقى؟
نطق الأخيرة مستفهماً بتعجب فأردفت بغضب موازٍ:
– فيه إااايه؟ مش من حقك تتكلم معايا بالأسلوب ده أنا مش حامل من راجل تاني. قولتلك نسيت أخدها.
أردف بعدم تصديق وتأكد:
– كذابة. أنتِ مستحيل تنسي حاجة زي دي. أنتِ قاصدة تعملي كده. بس اللي عايز أفهمه عملتي ليه كده بعد ما كنتِ رافضة تماماً موضوع الحمل دلوقتي. إنتِ إزاي هتعرفي تهتمي بطفل وتكوني مسئولة عنه. فهميني عملتي ليه كده؟
طالعته وأردفت بمراوغة:
– عملت إيه. إنت ناسي إننا متجوزين يا حمزة بيه؟ وإن طبيعي إني أحمل.
أردف بغضب:
– للأسف مش ناسي. بس أنتِ اللي اخترتي نأجل ده لأنه هيعطلك على نجاحك. تقدري تفهميني هتتحملي مسئولية طفل إزاي. هتقدري تسيبي شغلك وتهتمي بيه؟ هتقدري تتخيلي عن طموحك مؤقتاً علشان خاطره؟
شردت قليلاً تفكر فهي حقاً ليست على استعداد أبداً لتتحمل مسئولية طفل لذلك توترت وأردفت:
– مش عارفة. يمكن وقتها أقدر.
ابتسم ساخراً وهز رأسه يردف بغضب وضيق:
– حتى مش قادرة تجاوبي. مش قادرة تقولي إنك هتتنازلي علشان ابنك ويبقى هو أول اهتماماتك.
أردفت بغضب وحدة وتعالي:
– أيوه مش قادرة أقولها. هو ده أصلاً اللي أنت عايزه. أنت عايز تقعدني في البيت أستناك آخر الليل وإنت راجع من شغلك تعبان وأنا طول النهار مع الأولاد. بس أنسي يا حمزة يا جواد الدور ده مش دوري ومستحيل يبقى دوري في يوم من الأيام. أنت اتجوزتني بنت باشا رجل أعمال وورثت منه حب الأعمال والشغل ومش مستعدة إني أتنازل عن أحلامي علشان خاطر أي حد.
اقتربت منه قليلاً وتابعت بغضب أخرج ما تخبأه بسبب عدم فرحته بخبر حملها:
– مش أنا أمينة أبداً وأنت كنت عارف ده كويس وجيت طلبت إيدي. كنت روح أختار واحدة تانية بنت سواق تقوم بالدور اللي إنت عايزه.
أمسكها من رثغها يردف بفحيح وذهول:
– قصدك إيه؟ انطقي قصد ااااايه؟
نزعت يدها منه بعنف وأردفت:
– أنت عارف قصدي إيه كويس؟
طالعها بصدمة. إذا تعلم بأمر ريتان. لف رأسه وصمت قليلاً ثم رفع وجهه إليها وأردف متسائلاً:
– يعني إنتِ كنتِ عارفة؟
ضحكت ساخرة بتعالي وصمت.
صُدم لثواني. تنفس بقوة وأومأ يطالعها بثبات ويتساءل:
– من امتى وانتي عارفة.
صمتت ولم تجيبه ولفت وجهها تشبك ذراعيها وتقف بغرور فتابع بغضب:
– من وقت ما حاولتي تمثلي عليا الحب ومنجحتيش مش كده؟ إنت عارفة من قبل جوازنا صح؟ بس إزاي عرفتي حاجة زي دي؟
تجاهلت سؤاله وتسائلت بحدة وحقد دفين:
– إنت اللي ازاااي تفكر في بنت زي دي؟ فيها إيه مميز؟ دي متنفعش لأي حاجة؟ أنا أفضل منها في كل شئ جمال تعليم مال طموح. إزاي تحب دي وتشوفها ولا مرة تشوفني؟
استمع لها بصدمة. وقف أمامها يطالعها بصمت. كيف أصرت على زواجه وهي تعلم بحبه لغيرها؟ حسناً. بات كل شئ معلوم. فليأخذ القرار الآن.
أردف بضيق واختناق:
– بما إنك طلعتي عارفة كل حاجة بقى من اللحظة دي جوازنا منتهى. وأدعي للحمل ده إنه جه في وقت كنت سهل جداً ارمي عليكي يمين الطلاق فيه.
هزت رأسها بصدمة تردف بغضب عندما تحدث عن الطلاق:
– لاااا. أنت أكيد مجنون. أنت عايز تطلق مها أبو الدهب علشان خاطر بنت زي دي؟ مستحيل هسمحلك تعمل كده. صورتي اللي ببنيها في المجتمع الراقي عمري ما هسمحلك تهزها. أنا مش السهلة أبداً. إنت لسه متعرفش أنا ممكن أعمل إيه علشان أخد اللي ليا. إنت خلاص بقيت ملكي أنا واللي في بطنك. جوازنا مستحييييل ينتهي. أنت اللي قررت ترتبط بيا بس أنا اللي اقرر إمتى ينتهي. ومش هينتهي أصلاً. ياريت متنساش دلوقتي إني هبقى أم ابنك يا حمزة يا جواد.
قالتها باستفزاز فطالعها بتعجب ثم أردف بنبرة قوية شامخة:
– أم إيه؟ إنتِ إزاي تتكلمي كده أصلاً. واضح إنك فكرتيني ضعيف يا مها. واضح إنك استقليتي بيا. بس لاء يا مها. إنتِ معرفتنيش كويس. أنا أحب عيلتي وأضحي علشان غيري بس منحنيش لست أبداً. لو عايز أطلقك هطلقك حالاً. وهبيع وأهد كل حاجة واللي يحصل يحصل ولا إنك تفكري إني ضعيف. أنا قوتي هنا يا مها.
قالها وهو يشير على عقله ويتابع بجدية وثبات:
– عقلي اللي بيحكمني. من دلوقتي لحد ما يتم الطلاق علاقتنا منتهية.
جن جنونها أكثر وهزت رأسها بهستيرية وهي تتمسك بياقته وتهزه بعنف مردفة بجنون:
– مش هيحصل يا حمزة. مش هنطلق. وإلا هقول إنكوا على علاقة ببعض وشوف وقتها الفضيحة الحقيقية اللي هتحصل لبنت السواق الو***.
لم يستطع التحكم في غضبه فرفع يديه يبعدها عنه ويلقيها على الفراش بعنف ثم أردف يحذرها بسبابته:
– كلمة واحدة في حقها وفعلا هطلقك حالاً.
أثار جنونها أكثر فالتفتت تطالعه بغضب أعمى ووقفت تتجه إليه ثم رفعت كفها لتصفعه فاعترضه بيده يصدها بقوة ويطالعها بعيون سوداء حادة بينما هي لم تتوقف وأردفت بتكبر وهي تنزع يدها من قبضته:
– حقها؟ بتضربني أنا علشان بنت السوااااق؟ حتة البنت دي أحسن من مها أبو الدهب؟ دي واحدة عقيمة مبتخلفش يعني هتفضل أقل مني طول عمرها.
زلزلت كلمتها جسده كاملاً فديق عينيه وأردفت مستفهماً باختناق:
– يعني إيه مبتخلفش!
أردفت بغل دفين:
– أيوه مبتخلفش. يعني عمرها ما هتبقى أم. علشان تعرف كويس إنها هتفضل أقل مني. للأسف ناصف حظه قليل. يعني إنت المفروض تحمد ربنا على وجودي.
طالعها بعمق لثواني يفكر ثم أومأ بعدما تأكد وأردف:
– إنتِ قابلتي ناصف صح؟ قولتيله إيه؟ انطقي قولتيله إااايه؟
تتنفس بغضب ولم تتحدث فأكمل بعدما اتضح أمامه الأمر:
– علشان كده قررتي تحملي. مش كده؟
صمتت تطالعه بغل وجسد مهتز لفهمه ما تخطط بينما هو أردف بهدوء وحزن وأسف:
– الحمل ده أنا مسئول عنه. وزي ما قولت من هنا ورايح ماليش علاقة بيكي نهائي. ولولا اللي في بطنك ده صدقيني كنت صلحت غلطة حياتي دلوقتي.
تركها تغلي وتتوعد وتخطط وخرج من جناحه يخطى بخطوات مبعثرة كحال أفكاره يتجه إلى غرفة جانبية معدة للأطفال وأغلق خلفه وخطى يجلس على الفراش ثم انحنى يضع رأسه بين راحتي يده المستندة على ساقه ويفكر فيها. منذ أن ألقى تلك الكلمات وسمعتها وغادرت وقد أخذت راحته معها. منذ تلك اللحظة ولم ينعم بالراحة والسكينة. أصابته بلعنتها فباتت حياته سوداء جحيمية بتلك الزوجة التي اختارها هو ووالده بعناية.
والآن سيصبح أبٌ منها هي. سيجن. ماذا فعل بحاله؟ كيف لتلك أن تصبح أم طفله؟
لحظة يا ابن الجواد. أولم تقل هذا مسبقاً. أولم تردده؟ يبدو أن ما خرج من فمك كتب على جبينك.
كان يتمنى ويخطط لأحلام أخرى ولكن عليه الآن أن يعيد جميع حساباته.
فلن يجعل طفله القادم يعاني من أم وأب مهملان. يكفيه أمه الذي هو على يقين أنها لن تهتم لأمره.
ولكن أولاً ليخلص ريتان من هذا الحقير. هل قالت عقيمة؟ أيعقل أن حبيبته كذلك؟ ترى ما حالتها الآن؟ لن يتركها تلك المرة. سيخلصها مهما كلفه الأمر أولاً ثم ليبحث عن سعادته التي أضاعها بيده.