تحميل رواية «للقدر حكاية» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتقلت عيناه ببطء بين تلك التي تجلس منزويه في ركن بعيد تضم طفليها إليها، طفلة لم تتجاوز الخمس أعوام وآخر قد بلغ للتو عامه الثاني عشر. وبين وثيقة الزواج التي أمامه، ليرفع رأسه قليلًا فيجد أحدهم يُطالعه برجاء وأمل. دار عقله في كل أحداث ذلك العام منذ بدايته. زيه الرسمي للضباط، والسلاح الذي بحوزته، واسمه الذي كان يندرج ضمن ضباط الشرطة، وصوت رئيسه يخبره بقسوة: "أنت مرفوض يا حضرة الظابط.. سلم كل متعلقاتك". وصوت آخر يأتي: "لو عايز ترد الجميل اتجوز بنتي". صراع داخله كان قوي، وعادت عيناه تنتقل لتلك الأرم...
رواية للقدر حكاية الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سهام صادق
رواية للقدر حكاية الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سهام صادق
*********************
عجزت عيناها عن الرؤيه ولكن لم تعجز عن ذرف دموع القهر والعجز.. انشقاق صوت بلوزتها ويداه التي اخذت تمتد لما خلفها جعلها تُدرك الهلاك.. قاومت بأستماته تضرب بيديها ما تصل اليه منه ولم يكن يفعل الا الضحك
- وانتي فاكره انك كده هتعرفي تخلصي مني
كبل يداها بعدما استنفز جهداً كبيراً معها ومال نحو جانب خدها الأيمن مُقترباً بأنفاسه من اذنها
- مش هتعرفي تقاومي فأستسلمي لمصيرك.. انتي لا شايفه ولا عارفه حتى تصرخي
قتلتها كلماته فجاهدت في إخراج صوتها ولكن تلك اللاصقه كانت تُعجزها ..دفن وجهه بعنقها ويداه اخذت تُلامس فخديها بشهوة.. انتفضت من نيران لمساته تُدافع اكثر عن نفسها ولكن الآلم اخذ يشتد أسفل بطنها.. تعالت ضربات قلبها وكأنها تلتقط أنفاسها الاخيره
تحركت شفتيها استنجاداً بأسمه تميل برأسها يميناً ويساراً بنعف حتى تتفادي قبلاته اللعينه
اغمضت عيناه رغم الظلام بهما ودعت بقلب يرتجف خوفا من تلك النهايه... فهل اغلقت الحياه ابوابها ثانية بوجهها ام هناك فرج قادم
صرخة سالم القويه وتوقف يداه العابثه من فوق جسدها جعلها تفتح عيناها ولكن هاهو العجز يعود إليها وهي لا تعرف ماذا يحدث
- اه ياكلب ياحقير... انا اقتلتك عشان اخلص الناس من واحد زيك
هتفت بها ماجده بجنون وعيناها كانت لا ترى شئ إلا الدماء المتدفق بغزارة من رأس سالم
دقائق مرت ومازالت واقفه في مكانها يداها ترتجف تنظر عما صنعت ولكن سريعا ما أدركت الوضع واسرعت نحو شقيقتها تدفع سالم من فوقها
- قومي يامها... احنا لازم نهرب من هنا
همهمات مكتومه خرجت من شفتي مها فأنتبهت ماجده لها ونظرت نحو يداها المكبله لتُحرر شفتها اولا فصرخت متأوه
- فين شريف ياماجده
احتدت أعين ماجده ولم تعد ترى شئ أمامها الا الهرب بشقيقتها
- انسى شريف خلاص
وسرحت في حياتهم السابقه لتجد ان حياتهم لم تُخرب الا بوجود الرجال ... أظلمت عيناها بظلمة قاتمه لتسرع نحو الخزانه تُفتش عن المال وصيغتها التي احتفظت بها بعيدا عن سالم
- شريف ياماجده... انا عايزه شريف
ألتفت ماجده نحوها تصرخ بها
- قولت انسى شريف خلاص... احنا هنمشي من هنا
لم تتحمل مها اكثر من ذلك فآلم بطنها اشتد عليها... ألتقطت أعين ماجده الدماء التي تسيل منها لتُسرع نحوها كالمجنونه
- لا الطفل ده مش لازم يموت هو اللي هيبقى لينا...
ولم تشعر مها بعدها الا بالظلام وشفتاها تنطق بأسم واحد فقط " شريف "
.............................
صرخت صفا حتى نبح صوتها وتجمع كل من بالمنزل... كانت تنظر إليه وهو غارق بدمائه بين ذراعيها.. الصدمه شلت فاديه التي بهتت عيناها.. ف الرصاصه أصابت شقيقها وكأن القدر يُعاندها
- سامحيني ياصفا
نطق اسمها بصعوبه ولكن تحامل علي نفسه وهو يشعر بأقتراب الموت
- ربنا اخدلك حقك مني... اوعي تهربي بأبني ياصفا.. احكيلوا عني.. قوليله اني استنيته سنين طويله
هتف عبارته بأنفاس مُتقطعه حتى سكنت أنفاسه.. فصرخت فاديه بالحرس الذي تشتت بعضهم
- اطلبوا الإسعاف بسرعه
.................................
دلفوا للمطعم سويا ولكن تلك المره كان يضمها نحوه يلف ذراعه فوق خصرها ومريم تتعلق بذراعه تنظر نحو ذراعه الآخر حانقه والبغض يشتعل داخلها
ازاح المقعد لكل منهما مبتسما يُمازحهم
- برنسيساتي الحلوين
ابتسمت ياقوت وقد تنحي من عقلها كل شئ...وكأن حنانه وعدله بينها وبين مريم يُنسيها اي آلم
رمقت مريم ياقوت المُبتسمه فتعلقت عين ياقوت بها ولكن تلك المره لم تتلاشى ابتسامتها... أرادت ان تتبع مكر النساء أمام مريم ولكن شئ داخلها كان يُذكرها بحياتها السابقه..فلا تتحمل ان تُذيق أحدا آلماً
اتي النادل بترحيب فحمزه من رواد هذا المطعم دوما
- أهلا حمزه بيه
اماء حمزه برأسه وتعلقت عيناه بالسيدتان الجالستان معه
- هتطلبوا ايه
- نفس الاكل اللي هتطلبوا يابابا
اجابه مريم سريعا فهى اعتادت ان تفعل كل شئ يفعله حمزه حتى الطعام تُحب ما يحبه... تضعه أمام نصب عيناها ابً وقدوة ورجل أحلامها تخبر اصدقائها انها لن تتزوج الا من يشبه اباها ناسيه حقيقه نسبها اليه
- وانتي ياحببتي
ابتسمت برقه اضاءت ملامح وجهها المُنير فحملها اتي معه تورد وانفتاح بشرتها.. وكأن طفليها أرادوا ان تصبح امهما جميله في أعين والدهما
- زي ما هتطلبوا
أملي النادل اسماء بعض الوجبات...لتتسع عيناها مُتذكره الكلمه التي كررها اليوم لمرتان...ابتسم وهو يرى ردت فعلها التي أتت مُتأخره تلك المره نحو الكلمه...فألتمعت عيناه وهو يرى بعينيه ما يُسعدها
بهتت ملامح مريم ولم تنتبه لنظراتهم فكانت عيناها مُركزه نحو سيلين التي دلفت للمطعم مع احدي رفيقاتها التي اصطحبتها اليوم للخارج حتى تُخرج من بؤرة احزانها... ازدردت لعابها خشية ان تفضح سيلين امرها
اطرقت مريم عيناها نحو الطاوله تُفكر فيما سيحدث اذا علم حمزه بما كانت تُخطط له.. انتبهت سيلين إليهم فنهضت تسير بخطواتها نحوهم.. وقفت تصافحهم وعيناها مثبته نحو مريم التي تهرب من نظراتها
- مبسوط اني شوفتك هنا ياسيلين...
تمتم بها حمزه فأماءت برأسها والاسي مسيطر على ملامحها
- بحاول اخرج من حزني يافندم
وتعلقت عيناها ب ياقوت التي تمتمت على الفور
- ربنا يصبرك
- شكرا
هتفت بها سيلين تقديرا لها وعادت عيناها تتركز نحو مريم التي تتحاشا النظر إليها
- ازيك يامريم
رمقتها مريم وهتفت بتعلثم لم يخفى عن سيلين
- الحمدلله
ونهضت من فوق مقعدها متمتمه وهي تهرب من نظرات سيلين
- هروح الحمام عن اذنكم
تعجبت ياقوت من ردت فعل مريم ولكن لم تُعلق ... عادت سيلين لطاولتها فكانت نظرات رفيقتها تُرافقها مُتسائله عن هوية الجالس
- ده حمزه الزهدي مش كده
اماءت برأسها وهي تعود النظر اليه لتجده يُهندم لزوجته حجابها ويبتسم... نغزها قلبها فرؤيتها لهذا الرجل تشعرها انها خسرت فارسها الذي حلمت به طويلا خرج صوت رفيقتها بأعجاب
- يابختها... انا سمعت انها بنت عاديه
واردفت وهي ترتشف من كأس الماء
- الدنيا فعلا حظوظ
نفضت سيلين أفكارها وحديث رفيقتها وعادت لعزلتها وحزنها وتجاوزت محور حديثهم مُتمتمه
- خلينا نشوف هنطلب ايه
................................
تأملته وهو يعدل لها حجابها الذي انزاح قليلا من فوق رأسها فظهرت بعض خصلاتها... كل يوم تتأكد تماما ان زوجها شخصيه مشفره مشاعره لم ولن تفهمها يوما.. تذكرت امر الاسهم التي صكها بأسمها وساعدها عدم وجود مريم لتفتح اخيرا الحديث معه
- ليه كتبت الاسهم بأسمي
تعلقت عيناه بها ثم اشاحهما بعيدا عنها
- عشان تنجحي يا ياقوت
- بس ديه فلوسك
ألتف نحوها ثانية ينظر لها فاحصا لملامحها
- وايه الفرق انتي مراتي... فلوسي هي فلوسك
واردف وهو لا يُحيد نظراته عنها
- يمكن ده يكون إثبات اني مش متجوزك لمتعتي ولا لوقت محدد
- انت ليه كده
هتفت عبارتها وهي تشعر وكأنه يمتلكها على هواه
- بتعمل كده عشان ترجعني لقفصك تاني مش كده
ابتسم بلطف يخفى ضيقه مما نطقت به بغباء.. لطم موضع عقلها بخفه
- ده اللي العقل بيوصله ليكي ب غباء ياياقوت
كادت ترد عن وصفه لها بالغباء الا انه هتف عبارته
- بالعكس انا عايزك تلاقي نفسك وتوصلي لحلمك... عايز مراتي تبقى ناجحه مش فاكره نفسها انها مجرد متعه بالنسبه لجوزها
ألتمعت عيناها وهي تسمعه بصمت فالحديث اعجبها وجعلها تشعر بنشوة العزه
- يعنى مش عايز تدخلني قفصك من تاني ياحمزه الزهدي
ضحك بخفه وهو يتأملها
- لا عايزك في قفصي بس مش عصفوره عايزك أسد ياحببتي
كانت المره الثلاثه التي يتوقف عقلها ويخفق قلبها نحو تلك الكلمه
تقدمت منهم مريم ونظرت نحو سيلين بقلق ثم إليهم
- مالك يامريم انتي تعبانه
- هو احنا ممكن نروح يابابا او نروح مكان تاني
وكأن اليوم لا يُريد ان يسير بسلام ليأتيه اتصالا وتبدلت ملامحه ناهيا ذلك الغداء الذي لم يُكتب لهم
..............................
انتهى الاجتماع الكارثي بالنسبه لها... خالد ونغم سويا في ذلك الاجتماع وزوجها المُبجل يجعلها تحضره معهما
انصرف الموظفون فنهضت هي الأخرى حتى تهرب من نظرات خالد التي لا تعرف تفسيراً لها
- رايحه فين يا استاذه
خاطبها مراد بعملية وهو يزيل نظارته الطبيه من فوق عينيه ثم اخذ يدلكهما بأرهاق
- رايحه شغلي يافندم
- اتفضلي مكانك عشان في كلام لازم نخلصه
تسألت نغم وهي ترمق هناء بنظرات فاحصه تمنت داخلها ان تكون علاقتهم قد خربتها بتلك الحقيقه التي أخبرته بها
- في ايه يامراد... ايه الموضوع المهم اللي كنت عايزنا فيه انا وخالد
كان خالد يجلس فوق مقعده ببرود لا يعطي اي اشاره تُعبر عن نواياه ولا تلك المشاعر التي تغزو قلبه
- المبلغ المطلوب كام ياسيد خالد عشان عقد هناء ينتهي من عندك
ارتبكت هناء وهي تُطالع خالد الذي اعتدل في جلوسه وكأنه تفاجئ من أخبارها له
- عقد ايه مش فاهم
ادعي الغباء لينظر مراد نحو هناء التي اتسعت عيناها مصدومه
- العشرين الف جنيه يافندم ولا انت نسيت
ضحك وهو ينظر لمراد
- معقول يامراد هطلب كده من المدام بتاعتك... ده كان قبل ما اعرف انها مراتك... فحبيت انفذ الإجراءات القانونيه
صعقت هناء مما يقوله فهو كان يعلم بأنها زوجته قبل أن يُطالبها بالمبلغ هتفت بضيق تُدافع عن نفسها ونظرات نغم تدور بينهم ولكنها تعلم بأن خالد يكذب
- انت بتكدب يامستر خالد أو يمكن زي ما بتقول انك ناسي
- مش معقول بتهان من المدام وبتوصفني اني كداب... اظاهر ان المدام من كتر كدبها مش عارفه تكدب في ايه ولا ايه
واردف وهو يرمقها بنظرات حاده
- مدام حضرتك للأسف يابشمهندس مراد كانت معشمه واحد من الموظفين بالجواز ومرتبه معاه كل حاجه واظاهر كان بينهم علاقه جسديه ...
واتبع عبارته اسفً عما تفوه به
- انا مكنتش حابب ابلغك بس الظروف حكمت يمكن المدام عايزه تتعالج من الانفصام
فجر قنبلته لينهض بعدها وخطوات نغم تتبعه بسعاده
- مراد كل ده كدب صدقني
................................
حدقت فاديه بغرفة العمليات التي دلف لها شقيقها بقلب منقبض.. ستكون هي في النهايه قاتله شقيقها دارت في الرواق بملامح باهته الي ان وقعت عيناها على صفا التي وقفت ترتكز بجسدها فوق الحائط وملابسها مُلطخه بدماء فرات
تقدمت منها بغضب أرادت ان تفرغه بها
- امشي من هنا ياوش الفقر... يارد السجون
دفعتها بقوه جعلتها تسقط فوق ارضيه المشفى تتأوه بخفوت
- ابعدي عنها
صوت مكرم صدح بعدما رأي المشهد وأسرع بخطواته نحو صفا يمد لها يده
- صفا قومي انتي كويسه
- فرات يامكرم.. انا اللي كنت هموت مش هو... ليه لازم اعيش طول حياتي وانا شايله ذنب في رقبتي... هيموت بدالي
بكت ولحظة سقوطه تمر أمام عينيها وصوت فاديه يعلو بالمكان
- انا لازم اطلب البوليس انتي السبب في موت اخويا... اكيد اجرتي حد يقتله
..............................
اندفع حمزه داخل الشقه يبحث بعينيه عن شريف
- شريف فهمني حصل ايه... وفين مراتك
- مش عارف... مش عارف
واردف يمسح على وجهه ومازال لا يستعب شئ مما حدث
- سالم الكلب بين الحيا والموت... والجيران شافوا ماجده وهي بتسند مها وركبة سيارة أجره كانت مستنياها... مها كانت بتنزف
لطم الحائط بكفه بقوه
- انا هتجنن اختفت فين... مرحتش الفيلا
- هتلاقيها ياشريف يمكن هي دلوقتي في المستشفى واختها مش عارفه تتصل بحد فينا
- قلبي حاسس اني فقدتها
تمتم بها شريف ليأتي احد زملائه من خلفه
- لقينا الكاميرا ديه متعلقه باين ان المجني عليه كان بيصور
................................
خرج الطبيب بعد وقت قد طال من غرفه العمليات والعرق يتصبب من فوق جبهته... نظر نحوهم فنهضت فاديه من فوق مقعدها وتأهبت صفا لسماع ما تخشاه وهي تُغمض عيناها تتمنى داخلها الا يموت
تعلقت نظرات الطبيب بهم يُخبرهم بأسف
- المريض دخل في غيبوبه مش عارفين هيفوق منها امتى للأسف
لتتجمد عين صفا اما فاديه تهاوت فوق مقعدها لترفع عيناها لتجد احد الضباط المكلف بالقضيه يتحدث مع والد مكرم
كان الضابط على وشك الرحيل فنهضت تلحقه
- استنى ياحضرت الظابط ولا مش عايز تاخد حق اخويا
طالعها الضابط بشفقه مُعتذراً مشفقاً علي حالتها
- انا شايفه ان الوضع دلوقتي مش تمام يافندم... وحق فرات بيه هيرجع اكيد وهنعرف مين اللي الضرب النار
- القاتل موجود بينا
صرخت بها فاديه... لتدور بعينيها بين الجميع
- القاتله معانا اهي... لعبتها صح وخدعت اخويا
اتجهت يداها نحو صفا تُكمل صراخها الذي جعل الجميع ينظر إلى ما تتفوه به بصدمه
- اخويا بين الحيا والموت وهي قاعده بينا... هي القاتله ومعايا الدليل
يتبع بأذن الله
- اسكتي يافاديه
صرخ بها عامر والد مكرم الذي كان يقف هو الآخر لا يستعب جنونها هذا.. فرات لم يخفى عليه اسباب كره فاديه ل صفا...
- انت مصدقها هي ومش مصدقني انا ياعامر
وتعلقت عيناها بمكرم الواقف جانب صفا يدعمها بتأثر
- شايف ياحضرت الظابط جوزها بين الحيا والموت وواقفه مع حبيبها
- أنتي اتجننتي ياست انتي
لم يعد لدي مكرم طاقه لتحمل سخافة فاديه الكل يتحملها من اجل علمهم لحبها وتعلقها بفرات ولكن جنونها أصبح فضيحه لهم
ربت عامر على كتف الضابط الواقف مُعتذراً
- انت شايف حالتها النفسيه هي مش حاسه بلي بتقوله
وبدء يشرح له وضع فاديه منذ فاجعة زوجها ثم أصابه شقيقها والحاله التي هي بها... اماء برأسه الضابط مُتفهماً وانصرف بوعد ان حق السيد فرات سيأتي ولن يتهاونوا مع القاتل
ابتعدت عنهم صفا جميعاً تجر اذيال خيبتها.. تهاوت بجسدها فوق الارضيه الرطبه تهتف بقلب منفطر
- متمتش ارجوك
................................
ظلت لساعات تنتظره يتأكل القلق قلبها نحو عمها... كانت على وشك مواجهته وتبرير نفسها أمامه الا ان جاء اتصال ناديه تُخبره ان الازمه القلبيه عادت لوالده فأسرع في حمل متعلقاته الشخصيه واوصلها في طريقه للمنزل ليُسافر بعدها للعاصمه
دارت حول نفسها قليلا ثم جلست فوق الاريكه تطوي ساقيها اسفلها وتقضم اظافرها توتراً... طمئنتها ناديه منذ قليلا عن حال عمها ثم اخبرتها بالمصاب الذي حدث لعائلة شقيقها
انتفضت من فوق الاريكه تلتقط هاتفها الذي كان يتأرجح منذ دقائق بين يديها صارخه
- ياقوت... نسيت ياقوت.. اه اطمن عليها وافهم منها ايه اللي حصل
كانت على وشك الضغط علي زر الاتصال لتنظر للوقت بحيره
- معقوله اتصل بيها والساعه بقت واحده صباحا
احتارت في الأمر لثواني ليقطع حيرتها صوت انفتاح الباب ودلوف مراد شقتهم يسير نحوها بأرهاق.. طالعها صامتاً وجلس يُريح جسده يسألها
- لسا صاحيه ياهناء
- طمني عن عمي يامراد.. بقى كويس بجد
اماء برأسه مُتمتماً
- الحمدلله بقى احسن.. إرهاق شغل
- احضرلك تتعشا
نهضت لتُحضر له الطعام ولكن كفه كانت الأسبق فقبض على مرفقها بلطف
- اقعدي ياهناء عشان نتكلم ومتحاوليش تهربي مني
- والله يامراد ما بكذب عليك.. انا عارفه اني كذبت لما خبيت عنك في الأول لكن مكذبتش فأي حاجه حصلت
اطرقت عيناها نحو اصابعها المُتشابكه وسقطت دموعها رغماً عنها وهى تتذكر حديث خالد عنها... الرجل الوقور الذي احترمته لم تتوقع منه تلك البشاعه واتهامه في شرفها
- اهدي ياهناء... انا مصدقك
رفعت عيناها ذهولا من تبدل حاله فمن يرى نظرته لها ذلك الوقت لا يرى هدوئه الان وتقبله لما سمع
- انت مصدقني
- اكيد مصدقك.. بس ده ميمنعش انك غلطتي من البدايه ياهناء...
اندفعت تهتف بآلم مُتذكره رفضه لها في بدايه زواجهم
- انا اه غلطت يامراد... بس كنت عايزني اعمل ايه... انت جرحتني اوي
لم تتحمل تدفق ذكريات ماحدث بينهم ونبذه لها وكيف كانت تتغنج له وينبذها دون رحمه والأصعب تخيله يمنح امرأه أخرى ما تمنته معه بل وكانت تحمل طفله في احشائها
- محدش مبيغلطش ياهناء بس الشاطر هو اللي بيتعلم من غلطه
تعلقت عيناها به بعد أن توقفت عن ذرف دموعها
- انا اتعلمت وانتي كمان وجيه الوقت اللي نبدء في حياتنا صح
واردف بأكثر عباره تنتظرها المرأه دوماً
- انا واثق فيكي ياهناء... واثق في الست اللي متجوزها
ألقت نفسها بين احضانه دون شعور... يوما اسقطها للقاع وها هو اليوم يرفعها للسماء
ضمها نحوه بحب يعبئ أنفاسه برائحتها
- انا كنت بعاند عمك فيكي ياهناء... لكن لو كنت لحظتها فهمت اني كنت بعاند قدري اللي في سعادتي مكنتش فكرت اعاند
اغمض عيناه وهو يتذكر كيف تزوج جاكي عناداً بوالده صحيح كان بينهم كيمياء الجسد ولكن ما يشعره مع التي بين احضانه شئ اخر.. شئ لا يقوده متعه فقط إنما طريق سيسيروا فيه سوياً مُتشابكين الايد الي ان يشيبوا معاً
- بحبك اوي يامراد
دفنت وجهها بصدره حتى تُداري خجلها فلسانها الأحمق اسرع في نطق الكلمه التي كانت تحلم بها طويلا ان تخبره بها
- وانا بحبك ياهناء ويمكن لأول مره حقيقي احب
رفع وجهها الذي تخضب بدماء الخجل وابتسم علي نظراتها الهاربه من اسر عينيه
انحني صوبها ينهال مما حرم نفسه منه بغباءه.. كانت مستمتعه الا ان قلبها انتفض فأنتفض معه جسدها
- مراد احنا قولنا ان في فتره خطوبه وهتعملي فرح من تاني وشهر...
لم يمهلها ان تُكمل باقي ما اتفقوا عليه
- خلينا نبدء بالعكس ياهناء
- مراد
تمتمت اسمه مره تلو الأخرى ولم تشعر الا وهي تغفو فوق صدره كالقطه وهو يبتسم... لقد طالت اللحظه ولكن في النهايه اكتملوا معاً
أودع قبلة حانيه فوق جبينها واغمض عيناه يتنفس براحه ممزوجة بسعادته فالاكتمال لم يكن بالرغبه وحدها إنما كانت هناك متعه من نوع آخر
...............................
أغلق الباب خلفه بهدوء بعد أن قضى ساعات طويله في غرفة مكتبه يُتابع بعض الاتصالات مع رجاله لعلا يجدوهم ولكن مها وشقيقتها وكأنهم حكبات ملح ذابت في كأس ماء
تعلقت عيناه بها وهي نائمه في الغرفه التي قضوا من قبل ليلتهم بها بالفيلا... شعرت بوجوده ففتحت عيناها الناعسه تداعبهما بكفيها
- لقيتوها
حرك رأسه بأجابة مُختصره.. فأطرقت عيناها اسفاً لما حدث
- ان شاء الله هتلقوهم
تمتم بخفوت وإرهاق يصحب جسده
- ان شاء الله
تأملته بأشفاق لما هو فيه عائله كبيره يحمل هو أمورهم وحده وكأنه جبلاً لا يسقط او ينحني
انحني يزيل عن اقدامه حذائه فأسرعت تهبط من فوق الفراش تزيلهما عنه
- قومي يا ياقوت... متعمليش كده تاني
- وفيها ايه انا شيفاك تعبان ومش قادر توطي ضهرك
لم تكتفي بفعل هذا بل وقفت تزيل عنه سترته ثم قميصه لأول مره لا تشعر بالخجل مما تفعل لأول مره تشعر انها امرأته وانها من حرمت نفسها من حقها فيه... هي تعلم انه يمنح بسخاء ولكن هي من ظلت صامته عن حقها تتقبل اي شئ بهدوء
كان يُطالعها بنظرات صامته حتى أصبح لم يتبقى الا ازاله قميصه عن جسده بعدما فكت ازراره
- ادخل خد حمام دافي لحد ما اخرجلك هدومك
نهض بأنصياع وسار نحو المرحاض ولكنه توقف ليعود النظر إليها فهى مازالت بملابس الصباح
- خدي حاجه من هدومي وغيري هدومك شكلك مش مرتاحه في الهدوم ديه .. وابقى سيبي ليكي هدوم هنا بعد كده
- حاضر
اماءت برأسها وهي تُتمتم كلماتها... أبدلت ثيابها فلم تعد تتحمل ارتدائها لو كانت ندي هنا لاخذت منها شيئا ولكن لا ندي ومها هنا ومريم منذ أن اوصلهم حمزه قبل ذهابه لشريف دلفت لغرفتها ولم تخرج منها
كان قميص قطني له جعلها تبدو كالفأر فيه... تميل اكتافه فوق كتفيها.. صوت انغلاق الماء نبهها فألتقطت منامته.. فبعض ثيابه يحتفظ بهم هنا
- حمزه الهدوم
وضعت منامته فوق الخزانه القابعه بدورة المياه وخرجت تشعر بالتوتر ... طرقات فوق الباب جعلتها تتعجب من قدوم احد الخدم اليهم ذلك الوقت تسألت من خلف الباب
- مين
تمتمت مريم بحنق
- انا مريم
فتحت سريعا لها الباب ولم تُفكر في نظرة مريم لها عندما تراها بتلك الهيئه في ملابس حمزه... حملقت بها مريم لكنها أسرعت تسألها بحب
- أنتي كويسه ياحببتي... متقلقيش هنلاقي مها
انتبهت على نظرات مريم الفاحصه لتخجل من اسراعها في فتح الباب وهي هكذا ولكن ماذا كانت ستفعل اذا تأخرت عن فتح الباب ستظن ان هناك شئ يحدث وهي في غنى ان تفسر شئ خاطئ فما ترتديه ليس إلا بالنسبه لجسدها ثوب قصير مُضحك مُهلهل
- بابا فين
رمقتها مريم بحقد وهي تبحث بعينيها عن حمزه.. لتقع عيناها عليه وهو يخرج من المرحاض يُجفف خصلاته بالمنشفه.. ركضت نحوه
- بابا هنلاقي مها صح
تأملها حمزه بحنو يربت فوق خدها
- ان شاء الله هنلاقيها... ايه اللي مصحيكي لحد دلوقتي
سقطت دموعها اشتياقً الي والدتها
- ماما وحشتني اوي لو كانت هنا كانت اخدتني انا وشريف في حضنها
اطرقت ياقوت عيناها وانسحبت لركن بعيد تُدراي دموعها يُتم مريم يُذكرها باليتم الذي عاشته ووالديها على قيد الحياه
- ماما في مكان احسن من هنا يامريم... مش قولنا كل ما نفتكرها ندعيلها
- انا مش بنساها يابابا
واردفت بسؤال اردات ان يُريحها ولا يجعل تلك الواقفه تشعر بالنصر اكثر من ذلك
- وانت كمان منستهاش صح يابابا
انتظرت اجابته التي رغبة بها ولم يبخل عنها فهو لم ينسى سوسن ولن ينساها.. فأمرأه مثلها لا تُنسى
- ماما متتنسيش يامريم...
اشرقت ملامحها وغادرت بعدها فالنعاس بدء ينتابها... اغلقت الباب خلفها وقد اطمئنت وزال خوفها
- اوعي تكوني زعلتي ياياقوت
نفت برأسها تنظر نحو قدميها الصغيرتين
- انا مبزعلش من مريم انا مقدره اللي هي فيه... لكن انا كنت وقفت الكلمه على طرفي شفتيها
- لكن ايه ياياقوت
- كنت بزعل منك انت
نطقت ردها بسرعه وعفويه... فرغم ما به وما يشغل عقله الا انه ابتسم
- لينا كلام كتير اوي بينا... بس مشكله شريف تتحل
وتعمق في النظر إليها يتأمل هيئتها العابثه
- تعالي ننام لاني محتاج انام على أقل ساعتين
مرت نصف ساعه وكل منهما ممدد فوق الفراش تنام على جانبها تُعطيه ظهرها وهو نائم مسطح فوق ظهره يُفكر في وعده لشريف بأن يجد له زوجته..تذكر جنونه وهو يرى الحقير سالم يُحاول النيل من زوجته
اتعبه عقله من شدة التفكير فألتف بجسده نحوها يُقرب المسافه بينهم حتى تلامست اجسادهم
ضمها نحوه يُلامس موضع طفليه ولم يكن الي الان يعلم الا انه طفلا واحداً... أغلق جفنيه يستشعر بالنوم يشعر بدفئها فوق جسده
................................
صباحا كان جديدا ومختلف علي الجميع
استيقظت هناء تتثاءب ونهضت مفزوعة من فوق الفراش
- يامراد الشغل اتأخرنا
توقف مراد على اعتاب الغرفه وهو يحمل صنيه الإفطار لها فور ان سمع صوتها الصارخ تجمد في وقفته
- شغل ايه والنهارده صباحيتنا...
تأملت الفراش ثم هيئتها بالثوب القصير لتتسع عيناها وعادت مقتطفات الليله الماضيه تمر أمامها... لمساته واسفه ومشاعر أخرى جعلت وجهها يتخضب بالخجل
اقترب منها بعدما وضع صنيه الطعام جانبا وعيناه تنتقل فوق جسدها
- مش معقول ياهناء اهم ليله تنسيها.. ديه المفروض تتحفر في الذاكره
- بس بقى
دفعته عنها وهي تهتف عبارتها الخجوله واسرعت بأخفاء عيناها بكفيها
- بس ايه... عمك علي فكره عايز حفيد ده كان طلبه عشان يخف ويبقى حديد
ألقى عبارته بمكر وفي اللحظه التي حررت عيناها من أسر كفيها كان يأسرها بذراعيه يغمز لها وقبل ان تصرخ طالبه بتحريرها ... كانت تغرق معه في عالمهم الذي طال انتظاره
...............................
فتح نور الدين عيناه يبحث عن جين... أصبح غيابها ليلا عنه يكثر تُخبره بحجج يتقبلها دون شك
جذب مقعده المتحرك وتأهب في تمرير جسده من فوق الفراش لمقعده... جلس اخيرا فوق مقعده ليسير خارج الغرفه مُتجها عبر المصعد الذي يضمه القصر... بحث عنها في الجزء السفلى ولكن لا شئ ولا صوت يسمعه... خرج للحديقة ينظر حوله لتتجمد يداه فوق مقعده.. حارسه يسحب زوجته للغرفه بعدما تحررت من اسر شفتيه حتى تغادر ولكن ابي ان يتركها ليعود لجذبها ثانيه لغرفته ثم انغلاق الباب.. اندفع بمقعده نحو الغرفه البعيده بعض الشئ... ليقف عند تلك الشرفه التي لم يكن الستار منسدلا عليها.. عاريان بين احضان بعضهم وهو ينظر بأعين مُتحجره لم يستطع إخراج صوته.. حاول النهوض ولكن قدماه خذلته كالعاده وقد تشارك معهم جسده بالكامل فسقط لا يشعر بشئ الا الظلام
................................
ابتعد سهيل عن سماح يلتقط قميصه يشعر بالاختناق فهناك شئ جثم فوق قلبه
دارت جسدها بمئزرها ونهضت من فوق الفراش تسأله
- سهيل
- اسف سماح لم اقصد
تمتم عبارته حتى لا تفسر ابتعاده عنها بشئ خاطئ... ربتت فوق كتفه تشعر بالقلق فمنذ ساعات كان يُضحكها ويثرثرون ويتلاعبون حتى انها رأت رجلا اخر لم تكن تتوقعه
سهيل الطفل وليس ذلك الفظ
- مابك سهيل
ألتقط أنفاسه ببطئ
- أشعر بالاختناق سماح لا أعرف السبب
ألتقطت كفه وسحبته نحو الفراش ثانيه لتضمه بعدها بحنان.. حنان افتقده منذ زمن... افتقده من اول امرأه رأتها عيناه " والدته"
.........................
كانت تركض خلف طفلا.. كانت روحها هي من تركض.. توقفت عن الركوض لتجد فرات يقف أمامها يحمل طفله صغيره تُشبهها بأعينها الزرقاء ويبتسم لها
فتحت عيناها وانفاسها تتسارع...ألتقطت كأس الماء الذي كان على مقربه منها لترتشفه دفعه واحده
ظلت الساعات الباقيه من الليل مُستيقظه لتدلف فاديه للغرفه تنظر لاركانها
- أنتي ايه معندكيش دم... امشي من هنا.... اخويا بسببك بين الحيا والموت ياوش النحس
- أنتي ليه بتعملى كده... ليه بتتهميني بالظلم
- وكمان بقى يطلعلك صوت
لم تتحمل صفا سبها واتهامها المتواصل...ضمت بطنها بذراعيها تحمي طفلها
- مش همشي من هنا غير لما صاحب البيت بنفسه يرجع ويمشيني
اشتعلت نيران الغضب بأعين فاديه واسرعت في جذب ذراعها تدفعها
- صاحب البيت بنفسه بكره يخرج ويطردك... مش كفايه سيرتنا بقت في الجرايد وكل شئ اتفضح بأصلك اللي يعر... بره يلا
لم تتزحزح صفا من مكانها فهى لن ترحل الا حين تتبرئ من ذنبه ويعود لمنزله سالما فالرصاصه كانت لها ولولا تلقيها بدلا عنها لكانت هي الآن مكانه وكانت رحبت بالموت
- قولتلك مش همشي
صرخت فاديه بحقد
- يامحمود يا على
اندفع الحارسان للداخل فور صراخها بأسمهما وكأنهم كانوا على استعداد لاوامر سيدتهم
وخرجت مسحوبه تصرخ بأسمه لأول مره استنجاداً ولكن فأين هو
- فرات.. فرات
...............................
تعلقت عين هاشم بها وهو يهبط من سيارته... وقفت تلتقط عُلب الحلوى من الفتى الصغير الذي يبيعها وقد صنعتها والدته من أجل أن يجدوا دخلا من المال
اعطته ياقوت المال بعد أن منحها العُلب... رأت ابتسامته فأبتسمت
- كده العلب ديه بقى هديه مني ليك
اعترض الصغير مافعلته بعزه نفس
- لا يا ابله انا مش بشحت
اعجبتها عبارته فوقفت تُفكر بحل سريع لتبتسم اليه
- طب ايه رأيك تساعدني ابيعهم ونتقاسم الفلوس النص بالنص
فكر الصغير قليلا وأماء برأسه
- موافق
- اللي هيبيع اكتر هياخد فلوس اكتر
لم يكن هاشم يفهم ما يدور الا عندما دلفت به الشركه وأخذت تغمز للموظفين حتى يشتروا منه هو وليست هي
لم تبيع الا علبه واحده وكانت من نصيب هاشم الذي ابتسم حينا اعطتها له
ولأول مره تقوده مشاعره لفكر اخر بها
..............................
اللحظه التي تلقى فيها حمزه الاتصال كان شريف معه ينتظر رد من طرف اخر مُكلف بالبحث
- بتقول ايه.. فين... مستشفى ايه
ارتجف جسد شريف وشهاب الذي كان يقف بجانب حمزه
- مها حصلها حاجه
تعلقت أعين حمزه به بأسف
- اختها ماتت
- ومها يا حمزه!
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية للقدر حكاية الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم سهام صادق
ركض بلهفة في الرواق بالمشفى يتبعه كل من حمزة وشهاب بخطوات سريعة.
لا إجابة حصلوا عليها من المشفى إلا موت ماجدة وإفاقة مها منذ ساعات.
كان الطبيب يقف يُعاينها وهي تنظر إليه لا تتذكر شيئاً.
ابتعد الطبيب عنها بعدما فحص مؤشراتها الحيوية يسألها:
- مش فاكرة أي حاجة حتى اسمك؟
نفت مها برأسها تُطالع الإضاءة بأعين مشوشة لا تتحمل الرؤية وكأنها كانت في الظلام منذ زمن.
اندفاع شريف داخل الغرفة جعل الطبيب ينظر إليه بريبة على دخوله بتلك الطريقة، ولكن فور أن هتف اسمها صمت عن توبيخه.
- مها.
تعلق عيناه بها كما تعلقت عيناها مع خطواته ولهفته. جذبها لاحتضانه ناسياً حالتها والآلام التي تصحب جسدها. ولولا المسكن الذي وُضع لها منذ دقائق لكانت صرخت من كسورها.
- مها.. الحمد لله إنك بخير يا حبيبتي.
هتف اسمها بلوعة ولهفة يأسرها بين ذراعيه، أغمض عينيه وهو يتخيل لو كان فقدها. نفض الفكرة من خياله وظل يبثها شوقه، ولكن تخشبها بين ذراعيه جعله يبتعد عنها.
- مالك يا حبيبتي؟
تعلق عين مها بالطبيب تسأله بتعب قبل أن تغمض عيناها وتغفو من أثر المسكن.
- مين ده؟
شل سؤالها كامل جسده. كما شلت حركة عيناها نحو الطبيب، فكيف لزوجته تعرف اتجاه الطبيب وتُحادثه؟
- هو في إيه؟ مالها مراتى؟
يهتف بصراخ. فزفر الطبيب أنفاسه قاطباً حاجبيه بضيق.
- ما لو حضرتك انتبهت إنّي بناديك من ساعة ما دخلت عشان نخرج بره غرفتها وأكلمك على انفراد كنت فهمت.
- فهمت إيه؟
واردف مستفهماً يكاد يجن مما يشعر به.
- مراتي مش فكراني... مها فاقدة البصر إزاي شايفة ك؟ وشايفاني؟
- مدام حضرتك فاقدة الذاكرة... وبالنسبة إنها فاقدة البصر فأظاهر إن الحادثة زي ما أخدت منها حاجة اديتها نعمة تانية. علمياً بنعتبرها معجزة إلهية.
عند نطق الطبيب حديثه كان حمزة وشهاب يقفان متخشبين مما يسمع: "مها فقدت الجنين وذاكرتها ولا تتذكر شريف.. وأصبحت مُبصرة".
***
وقف يتأمل شقيقه من خلف زجاج غرفته بالمشفى بقلب يفطر من الألم. لا يُصدق إلى الآن ما أخبره به الطبيب. لم يعد شقيقه قعيداً فقط، بل لم يعد قادراً عن الكلام والشلل أصاب جسده بأكمله.
زفرة طويلة مثقلة خرجت من بين شفتيه، ثم أغمض عينيه بقوة يلوم نفسه على تركه بالقصر بمفرده والتمتع بحياته بعيداً عنه. فالخدم وجدوا شقيقه في الحديقة منبطحاً أرضاً ولا أحد يعرف أسباب وجوده بالحديقة ذلك الوقت.
شعر بيد تربت على كتفه وهمس خافت.
- سيكون بخير يا سهيل.
ألتفت نحوها بنظرات باردة قتلتها، وكأن سهيل القديم قد عاد. خشت أن تكون ما عاشته معه هذه الأيام مجرد وهم وسيزول وينطفئ.
ابتلعت لعابها حتى تتجاوز أفكارها.
- اجلس قليلاً يا سهيل.. ساقك ما زالت تؤلمك والوقوف...
لم يُمهلها لتُكمل عبارتها.
- أنا بخير.
هاتفها برد مقتضب ليردف بعدما عاد يُطالع شقيقه.
- السائق ينتظرك بالخارج. سماح اذهبي معه.
طالته طويلاً وقد شحبَت ملامحها. ذلك الألم الذي قتلته منذ زمن داخلها عاد ينغرس ثانية بقلبها. انسحبت بهدوء من جانبه، ولكن لم تُغادر المشفى.
***
مسحت كتفيه بحنو تشفق عليه عما حدث لهم من مصاب. كان غارقاً في أفكاره. الصحف لم تتهاون في عدم ذكر اسم العائلة والعبث وراء اسمه وحياته القديمة.
خرج صوت نادية بدعم.
- مالك يا حمزة؟ مها والحمد لله عرفنا مكانها وبكرة ذاكرتها ترجع لها... والصحفي ده فؤاد هيتعامل معاه عشان يكون عبرة لأي حد يفكر يتكلم عن العائلة كمان ويفتحوا الدفاتر عنكم.
أردفت بغضب.
- هما ناسين إنت مين؟
رفع عينيه نحوها ولكن فضل الصمت، فما أصبح يحتاجه الآن هو الراحة.
تنهدت وعادت تمسد فوق كتفه بحنو مسترسلة في حديثها.
- مش آن الأوان تعيش إنت وياقوت هنا؟ هتفضل لحد إمتى هنا وهنا؟
كلم ينتظر أن تسترسل في حديثها أكثر.
- البيت ده بيت سوسن ومن بعدها بيت أولادها يا نادية.
- بس يا حمزة.
وعندما رأت عدم رغبته في الحديث، قررت المغادرة وتركه بمفرده لتتذكر تجنب ياقوت لها ونظراتها اللائقة.
- حاول تفهم يا ياقوت إنّي كنت بعمل كده لمصلحتها.
وأردفت ساخرة وهي تلتف نحوه ثانية.
- مراتك بقت شايفاني الساحرة الشريرة.
ابتسم لتشبيه شقيقته، فشقيقته بكحلها الأسود ونظرتها الحادة التي تُطالعه الآن ماهي إلا بالفعل تجسيد للساحرة.
- يا ياقوت طيبة يا نادية وهتنسى. هي كرامتها مجروحة مننا.
وتنهد وهو يتذكر ما جنته من تلك الزيجة.
- أنا ظلمت يا ياقوت معايا كتير... ذنبها إيه تتحمل راجل زي حمزة وهمومه كتيرة.
- إنت زين الرجال يا حبيبي أو إوعى تقول كده.
وعادت إليه تضمه نحوها بحنان. كانت تريد تزويجه لسعادته، ولكن أين السعادة التي حصدها شقيقه؟ فقد زادت أعباءه وعليه إرضاء الجميع.
- إنت اللي حارم نفسك من الحياة يا حمزة. خليك لمرة أناني واعمل الحاجة اللي هتريحك.
- والأمانة اللي في رقبتي يا نادية تفتكري ينفع أتخلى عن عيلتي؟ الأنانية متنفعش لواحد زيي.
زاد الصمت بينهم بعدم باح بما يعتليه صدره. حدقت به نادية ولم تعرف ما ستقوله له، فأتخذت يداها طريقةما نحو وجنتيه تمسح عليهم برفق وكأنها تُخبره هكذا أنها معه دوماً.
خرجت من غرفته حزينة، تعلقت عيناها بياقوت وانصرفت بعدها نادمة لتدخلها بحياة شقيقها.
وقفت ياقوت تُطالع خطواتها وعادت تنظر نحو باب مكتبه. لم تدلف له وإنما صعدت للغرفة المقيمين بها في الفيلا حتى تهدأ الأمور ويعود كل شيء لوضعه.
***
دلف للغرفة بملامح مرهقة يحمل سترته فوق كتفه. تركت ما كانت تُطالعه عبر الهاتف وقد كانت بعض الفيديوهات الأجنبية عن التصميم تتعلم منها لتزيد خبرتها.
- الصداع خف يا حمزة؟
نفي برأسه واقترب من الفراش يجلس على الطرف الآخر منه.
- هبقى كويس يا ياقوت متقلقيش.
أجابته بعفوية واشفاق حملته قلبها له.
- لو مقلقتش عليك هقلق على مين؟
تعلق عيناه بها وقبل أن ينطق بكلمة كانت تقترب منه أكثر ورفعت كفيها تُدلك له جبهته ببطء. شعور جميل رغم ألم رأسه كان يخترقه. أنفاسها كانت تلفح وجهه بدفء، فأغمض عينيه تاركاً لروحه متعة هذا الشعور.
غفى، ولكن عندما أخذت تُبدل له ملابسه كان يشعر بحركة أناملها فوق جسده. أرهقها الأمر ولكن في النهاية أدت دورها وكلام نادية معه الليلة يخترق قلبها وعقلها. لم تنتبه له وهو يفتح عينيه يُطالع ثبات عينيها الشاردة فوقه.
- يا ياقوت.
تمتم اسمها ومجرد أن انتبهت له كان يجذبها إليه فسقطت بين أحضانه.
- شكراً إنك معايا في الأيام دي ونسيتي مشاكلنا.
- أنا معملتش حاجة عشان تشكرني.
تفتت عبارتها بعدما فاقت من شرودها.
- جه الوقت اللي أحرر قلبي من كبريائه.
كانت عيناه تلمع بوميض غريب لم تعرف له معنى من قبل. طالته لثوانٍ إلى أن تحرر كل شيء داخله.
- بحبك... واتجوزتك عشان قلب حمزة الزهدي مدقش تاني بعد ما مات مع الماضي غير ليكي.
والكلمة كانت لها صدى آخر داخل قلبها الذي سكن ثم عاد يخفق بقوة وعيناها ظلت متعلقة بعينيه.
- إنت قولت إيه؟
لم يكن ينتظر منها ذلك الرد، ولكن ابتسم وأعاد كلمته واقترب منها أكثر حتى اختلطت أنفاسهم.
- بحبك.
أعاد الكلمة لمرات عديدة وهو يغمرها بعاطفة حبه.
- ليه قولتها دلوقتي؟
أخرجت سؤالها بصعوبة من دوامة عشقه، ليبتعد عنها مُحدقاً بها.
- مش عايزك تضيعي مني يا ياقوت.
***
تأملته وهو يطعمها، لا تُصدق إلى الآن أنها زوجته. هل هي زوجة هذا الوسيم؟ ابتسمت مما جعله ينظر لها بغرابة.
- يا رب ديما أشوفك بتبتسمي يا مها.
تخضرت وجنتاها كأنها طفلة صغيرة وأطرقَت عيناها نحو طبقها.
- بصيلي يا مها.
نفت برأسها مما جعله يشعر بشعور مؤلم. رغم أنها تقبلته كزوج إلا أن قلبه يؤلمه كأن القدر يخبره أن الدور أتى عليه حتى يدفع ضريبة نيلها بسهولة.
شرد فيما أخبره به الطبيب عن حالتها وما يجب فعله الأيام القادمة، فمها قضت لسنوات طويلة في عتمة الظلام والآن فتحت الأضواء حولها وأصبحت كطفل صغير مبهور بما يُحيطه. كما أن فقد ذاكرتها له أثر كبير على حياتهم.
- هو أنا ماليش أهل يا شريف؟
فاق من شروده عن سؤالها، فأزدرد لعابه بصعوبة وارتبك وهو يُطالع نظرتها البريئة إليه. يخفي عنها الحقيقة ثانية غارقاً في كذبته.
- لا يا مها.
صمت شفتيها بعبوس فالإجابة لم تروق لها.
- طب اتجوزنا إزاي؟
لم يخلصه من حصار أسئلتها إلا دخول الطبيب يسأل بابتسامة هادئة عن صحتها اليوم.
***
تعلق عين عامر ومكرم بها وهي تهبط الدرج، تخفض عيناها بحرج. منذ أن طردتها فادية وهم يستضيفونها في منزلهم. من حسن حظها أن في اللحظة التي طردتها فادية من منزل شقيقها كان مكرم قادماً إليهم. تعلقت عيناها بعين عامر الذي أطوى الجريدة وأخذ يرتشف من كأس الشاي خاصته.
قالها لها عامر بصراحة أن ضيافته لها في بيته ما هي إلا لأجل فرات إلى أن يفيق من غيبوبته.
- تعالي يا صفا... الفطار هيبرد.
هتف بها مكرم بوجه بشوش مما جعل عامر ينظر إليه بمقت.
اقتربت منهما تهمس بخجل تشعر وكأنها ضيفة ثقيلة بهذا البيت.
- صباح الخير.
جلست بتوتر وألتفت نحو عامر تسأله.
- هو أنا ممكن أزوره؟
لم يرفع عامر عينيه نحوها، لكن مكرم نظر إلى والده منتظراً رده عليها.
- الأفضل متروحيش... الوضع في المستشفى متوتر والصحافة مستنية أي خبر تنشره وعيلة فرات عيلة كبيرة ومحدش كان عارف بجوازكم، فأظن إنك تبقي بعيد أفضل ليكي ولفرات واسمه.
طعنها حديث عامر. رغم حقيقته المؤلمة إلا أنها حقيقة. لن تنسى حقيقتها. طرقت عيناها نحو طبق الطعام ليهتف مكرم بضيق عما قاله والده.
- إيه اللي بتقوله ده يا بابا... إنت عارف إن صفا مظلومة.
- الناس متعرفش كده يا مكرم... وحفاظاً على اسم فرات لازم تفضل بعيد عنه.
هتف عامر عبارته التي جعلت تلك الجالسة تقبض بيديها فوق قماش ثوبها. رنين هاتف مكرم ثم هتافه باسم المتصلة بملل جعل عامر يهتف بحزم.
- رد على مراتك.
زفر مكرم أنفاسه حنقاً من تسلط والده الذي أصر أن يعقد قرانه على ابنة شريكه حتى يضمن بعده الكامل عن صفا. نهض من فوق مقعده يُجيب عليها لتتعلق عين عامر بصفا.
- وجودك هنا مينفعش وإنتي عارفة السبب.
عبارته أضافت ندبة أخرى لندوبها، ولكن كان أفضل قرار لها. اهتمام مكرم المتزايد بها يزيد شكوك عامر منها.
- أنا كنت ماشية النهاردة متقلقش يا عامر بيه.
- جميل... كويس إنك بقيتِ متفهمة يا صفا وشخصيتك القديمة نضفها السجن.
انطفأت عيناها ولكن هتفت بكبرياء.
- الإنسان بيتولد أحياناً من جديد.
- سامحيني يا صفا على كلامي بس أنا راجل صريح... وكأب خايف على ابني.
وأردف بعمله وهو يعتدل في جلسته الوقورة.
- أنا لسه عندي وعدي، إنتي في حمايتي لحد ما فرات يقوم بالسلامة بس بعيد عن بيتي... هاخدك شقة جدة مكرم تعيشي فيها لحد ما نشوف إيه اللي هيحصل.
***
دَلفت سمر غرفة مكتبه تحمل فنجان قهوته لتتفاجأ بالضيف الذي يجلس معه وشهاب يجلس بحنق كأنه لا يطيق ذلك الجالس. معتصم أحد أصدقائه القدامى وهو أحد أسباب انحرافه ولهوه لبعض الوقت.
لم تراه سمر حينما دلفت لغرفة شهاب لأنها لم تكن جالسة خلف مكتبها، إنما كانت تُحضر تلك القهوة وداخلها الأمل أن تحصل على ما دفعت ثمنه.
- حطي القهوة يا سمر واطلبي قهوة لأستاذ معتصم لحد ما نشوف سبب الزيارة السعيدة.
قالها شهاب وهو يشك في زيارة صديقه القديم. ليضحك معتصم بصفاقة.
- وتعملي لي قهوة؟ أما في قهوة اهي.
نهض يلتقط فنجان القهوة من سمر الذي تقدمت به بخطوات مرتبكة من مكتب شهاب حتى تضعه أمامه. شهقت بفزع وهي ترى معتصم يرتشف فنجان القهوة.
- اعملي بقى فنجان تاني لمديرك يا حلوة.
عيناها اتسعت ذهولاً مما حدث وتخشبت أقدامها دون حركة تُطالع فنجان القهوة الذي يرتشفه معتصم وارتوت دماءه به.
***
دقت نغم بالقلم بعنف فوق سطح مكتبها كلما تذكرت رحلة سفره. ما زالت صدى عبارته تقتحم مخيلتها، فعندما تساءلت عن سبب تلك الرحلة أجابها.
- رحلة شهر عسل يا نغم.
لم تشعر بقدوم خالد غرفتها عندما التقطت عيناها به هتفت.
- سافروا يا خالد... اللي عملناه مخربش حياتهم.
تجمدت ملامح خالد ولكن جاهد أن يظهر لامبالاته رغم الغيرة التي تنهش قلبه، فهو أمام نغم ما فعله مع هناء من أجل مساعدتها لا أكثر حتى تتقرب من مراد، ولكن السر الآخر كان مخفياً.
- قولي حل تاني يا خالد أرجوك... ساعدني أنا بحبه أوي، محبتش راجل قد ما حبيته.
تعلق به نغم باكية كطفلة صغيرة مُتشبثه بوالدها حتى يجلب لها لعبتها.
- اهدي يا نغم... وهنلاقي حل.
الحل لم يكن لها وحدها إنما له أيضاً.
***
وقفت جين تستمع لتحذيرات الطبيب لهم بعد أن عاد نور الدين لمنزله وأعد له سهيل كل سبل الراحة. كانت نظرات نور الدين قاتلة كلما التقت عيناهم. أنهى الطبيب تعليماته وانصرف بعدها مُخبراً لهم أنه سيبعث إحدى الممرضات غداً لمتابعة حالته.
ارتبكت جين من نظرات نور الدين، أما سماح اقتربت منه تُخبره.
- سأعد لك حساء ساخن.. ما رأيك؟
رفض نور الدين برأسه. تحركت شفتيه وهو يجاهد أن يصرخ حتى تخرج جين من الغرفة، ولكن عجزه منعه.
انتظرت جين دخول سهيل مجدداً حتى تفجر قنبلتها أمامهم وتحرق قلب سهيل.
- أريد أن أخبركم خبر سيسعدكم جميعاً.
انتبه الجميع إليها ليقع ما قالته كالصاعقة.
- أنا حامل.
واقتربت من نور الدين تمسك يده وقد نفر من لمستها ولكن لم يستطع نفض يدها عنه.
- سيصبح لدينا طفل حبيبي.
***
أنهت مريم حديثها مع رؤى عبر الهاتف سريعاً عند دخول ندى إليها.
- بتعملي إيه يا مريم... مالك بقيتي تقعدي أغلب الوقت لوحدك في أوضتك؟
ابتعدت مريم عن نظراتها وألتفت حولها تلتقط أحد الكتب الأدبية التي كانت تعشق قراءتها.
- إنتي عارفة السبب... آه بتجنب أعمل مشاكل مع اللي اسمها ياقوت.
- مريم وجود ياقوت وسطنا بقى حقيقة... وأنا مش شايفة إنها خدت حمزة مننا بالعكس هي بتحاول تقرب وتبقى وسطنا.
ارتباك مريم من الرسائل التي تبعثها لها رؤى جعلها تنهي تلك المناقشة سريعاً.
- مدام هي بعيدة عني خلاص.
وألتقطت هاتفها من فوق مكتبها الوردي.
- أنا هنزل الجنينة أقرأ شوية.
أسرعت بخطواتها تحت نظرات ندى التي أخذت تُطالعها بقله حيلة.
- ربنا يهديكي يا مريم.
فتحت مريم الرسائل بلهفة لتجد الرسائل التي بعثها وليد ل رؤى يُخبرها مدى إعجابه بها منذ أن صفعته، وكانت رؤى هي المرسلة. فالكلام الذي أخبرتها به رؤى مثل ما كتبه وليد وأخذته رؤى نسخ بالصورة حتى تُصدقها.
***
دلف للشركة التي تعمل بها بخطوات سريعة بعدما ردت عليه إحداهن تخبره أن ياقوت سقطت مغشية عليها بالشركة.
اتجها لغرفة هاشم فهو هاتفه حتى يطمئنه عليها فأخبرها أنها بغرفة مكتبه وبخير.
تجمدت عيناه وهو يرى هاشم يسند ظهره على أحد المقاعد ويعقد ساعديه أمام صدره يُمازحها بلطف فتبتسم هي بخجل وترتشف من كأس العصير ببطء.
- بس إنتي شخصية نادرة يا ياقوت.
وصمت لثوانٍ ليهتف دون أن يُلاحظ وجود ذلك الواقف على أعتاب الغرفة يسمعهم.
- حمزة محظوظ بيكي.
- أكيد أنا محظوظ يا هاشم.
نظراته التي اتخذت طريقها نحوها جعلتها تشعر بالهلع، فنهضت من فوق الأريكة تنظر إلى اقتراب خطواته منها. أما هاشم وقف مُرتبكاً يظن أن حمزة فسر مدحه لزوجته بشيء آخر.
توترت وهو يُحاوط وجهها بكفيه ورغم غضبه الذي تراه فوق ملامحه إلا أنه تجاوز كل شيء يسألها عن حالها.
- بقيتي كويسة دلوقتي... إيه اللي حصل؟
- مجرد إغماء بسبب قلة الأكل.
أجاب هاشم بدلاً عنها مما جعله يلتف نحوه.
- شكراً يا هاشم... يلا يا ياقوت.
أومأت برأسها لا تجد كلاماً تتحدث به. ألتقط هو حقيبتها الموضوعة فوق الطاولة واحتضن خصرها يسير بها تحت نظرات هاشم الذي وقف يمسح أسفل ذقنه من ردت فعل حمزة.
دَلفت للسيارة تنظر نحوه وهو يجلس خلف عجلة القيادة.
- إحنا رايحين فين؟
- المستشفى يا ياقوت عشان أطمن عليكي... وبعد كده هحضر معاكي متابعتك عشان أشوف إذا كنتي بتلتزمي بالتعليمات ولا لأ.
- يا حمزة أنا كويسة ومستر هاشم جابلي دكتور وطمني.
احتقن وجهه وهو يسمع اسم هاشم ورمقها مُصراً على ما يرغب فعله.
- ممكن متجادلنيش.
- صدقني يا حمزة أنا كويسة وأوعدك ههتم بصحتي.
رمقها لثوانٍ ثم عاد يُطالع الطريق.
- يا ياقوت مش عايز أحط حملك قصاد بداية طريقك في حلمك.
أفزعها تهديده فتعلقت عيناها به برجاء. فعملها وما تشعر به الآن كان بداية لإخراجها من قوقعة عاشت بها لسنوات.
- تقصد إن أنا ممكن أسيب شغلي؟
- في أولويات في حياتنا يا ياقوت وصحتك وراحتك هي اللي ليها الأولوية عندي.
وأردف وهو يبطئ قليلاً من سرعة سيارته.
- قولتلك مش هحرمك لأي نجاح ليكي أو من حاجة إنتي بتحبيها.
لمعت عيناها بابتسامة واسعة ومدت كفها نحو ذراعه تمسده.
- أنا فرحانة أوي.. حاسة إن قلبي بيرقص.
تعجب من تشبيهها فلا شيء قاله يستحق فرحتها هذه. إنها حق من حقوقها. أراد التلاعب معها فتمتم.
- فرحتي عشان اطمنتي إنّي مش هبقى راجل ديكتاتور وهقولك سيبي فرحتك بنجاحك.
- فرحانة بسبب كلامك.. فرحانة عشان لقيت منك اللي كنت بتمنّاه طول عمري.
تفتت عبارتها بتلقائية ناعمة وأردفت وهي شاردة بذهنها.
- أنا عمري ما كان حلمي النجاح في شغل قد ما كان حلمي في بيت وعيلة... زوج يكون هو وطني وولاد حواليّ أربيهم وأعيشهم زي ما اتمنيت أعيش.
توقفت السيارة عند إشارة المرور ليمر الناس أمام عينيها.
- تعرف أبسط أحلامي كانت أكون بنت زي باقي أصحابي.
سقطت دمعة تحمل آلام سنين وهي تتذكر بعض من زميلاتها وسخريتهم نحو ثيابها التي ليست بها أي تناسق ولا تمد للموضة بشيء.
شعر بالذنب فيوم أن أراد أن يجعل عقله من يقوده كان معها هي، وهي التي لم ترد إلا حنانًا يطيب به أوجاع سنين حملت معها أملًا وأحلامًا. ألتقط كفها ليلثمه بحنو.
- من هنا ورايح هكون وطنك وعيلتك كلها يا ياقوت... سامحيني إني حرمتك من حناني وحبي.
تعلق عيناها به. فهو أحن رجل، ولكن كان معها لا يريها إلا حنانًا يحسبه بمقدار حتى لا يظهر حبه لها فتخونه كما فعلت صفا يوماً.
انفتح الطريق ليقود سيارته لوجهة تعرفها تماماً.
- إحنا مش رايحين الفيلا.
- لا يا حبيبتي رايحين شقتنا عشان شايفك محتاجة جرعة حنان زيادة.
ألقى عبارته وهو يلتف نحوها غامزاً لها بمقصد جعلها تهرب من نظراته.
***
أسندت هناء مرفقيها فوق الطاولة ووضعت ذقنها فوق كفها لتتنهد بتنهيدة حارة وهو تُطالعه يتحدث مع أحد أصدقائه.
صافح صديقه المالك لذلك الفندق واقترب منها مُلتقطاً قبلة من خدها.
فزعتها فعلته فقد كانت شارده معه ومع ما أصبحت تعيشه بين ذراعيه.
- أخص عليك يا مراد خضتني.
يضحك وهو يُجاورها يتأمل هيئتها بحب.
- كنتي سرحانة في إيه؟
- فيك.
أجابت عن سؤاله بعفوية فأبتسم وهو يميل نحوها.
- تعرفي أكتر حاجة بحبها فيكي إيه يا هناء؟
ألتمعت عيناها ببريق جعل قلبه يخفق.
- إنك شفافة في كل حاجة يا هناء.. شفافة في مشاعرك في نظراتك.. زي الأطفال بالظبط.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة وتنحنحت بنعومة دلالاً عن خجلها من حديثه، فضحك وهو يتابع خلجاتها.
- حد يبقى متجوز القمر ده ويقوله شايفك شبه عمة؟
احتَدت عيناها وهي ترمقه.
- قصدك إيه يا مراد... لاحظ إن عمك هو بابا.
- قصدي إني غبي يا حبيبتي... إنتي متعرفيش أنا بقيت أحب عمي قد إيه.
تمايلت بخفة برأسها بعد أن أرضى غرورها الأنثوي ليغمز بعينيه وهو يلتقط كفها.
- قومي يلا عشان أصلح سوء الفهم ده.
وجذبها خلفه لتهتف بحنق طفولي عما يفعله.
- مراد إنت بتشدني كده ليه براحة.. إنت قولت هنتفسح النهارده مش معقول نكون في لبنان وطول اليوم في أوضتنا في الفندق.
***
وقفت تعدل من هندام حجابها وهو جانبها يغلق أزرار قميصه ويرتبه. جذبها من خصرها حتى يتمكن من احتضانها.
- بتحلوي كده ليه؟
دارت جسدها بين ذراعيه تمد كفيها لتُعانقه.
- عشان إنت في حياتي.
عبارة لم يتخيل أنه سيسمعها، ولكنها جاءت في وقتها. كان يلوم نفسه أنه نسي عبارتها وإهانتها له، أن زواجه منها كان المتعة والرغبة، ولكن تلك العبارة أنهت كل شيء وجعلته لا يشعر إلا بحب يزداد داخله.
- مش معقول يا ياقوت بتقول كده.
دفنت رأسها بين أضلعه.
- متحرجنيش يا حمزة.
- إنتي متعرفيش كلامك ده عمل فيا إيه... قولتلك يوم ما اتجوزنا عايز أتجنن معاكي... مش عايز حياة العقل وإنتي وشطارتك.
ابتعدت عنه تنظر إليه تلومه.
- مكنتش عارفة ولا فاهمة.
عاد ليجذبها نحوه ثانية يدفن وجهه بعنقها.
- أنا كنت أناني برضو... إزاي عايز من غير ما أدي، بس من هنا ورايح أنا هدي عشان ألاقي.
أردف بعبارته الأخيرة وهو يبتعد عنها غامزاً لها، فدفعته بقبضتها فوق صدره.
- خلينا نمشي بقى... إنت ناسي إننا لازم نتجمع على الأكل وفاضل...
لم يمهلها الحديث أكثر وعاد يغمرها بدفء عاطفته وحنانه، ناسياً كل قواعد العقل.
أخذ اهتزاز هاتفه يتعالى بإلحاح وهو يضمها نحوه يمسح على وجهها.
- حمزة تليفونك بيرن.
- مش مهم خليه يرن.
حاولت أن تبتعد عنه ولكن عاد ليجذبها إليه.
- أكيد في البيت بيرنوا علينا... حمزة شوف بس.
التقط هاتفه بعد إلحاحها لينظر إلى رقم شقيقه.
- أيوه يا شهاب... لا اتعشوا إنتوا... هتأخر أنا وياقوت... متقلقش.
أنهى شهاب معه المكالمة لتتعلق عين مريم بشهاب.
- قالك إيه؟
- نتعشا إحنا... هيتعشوا بره.
حدقت مريم بالطعام الذي وضعته الخادمة وبدأ حديث رؤى الذي تشحنها به يومياً يدور بعقلها.
"أخوكي وبقي مع مراته.. وجوز مامتك ونسيكي أصل مهما كان هو مش أبوكي.. هو في أب بينسي بنته".
- يلا يا مريمة.
هتفت بها ندى ولكن خطوات مريم المبتعدة عنها جعلتها تهتف ثانية.
- مريم رايحة فين؟
ألتفت نحوها مريم ثم عادت تسرع بخطواتها نحو الدرج.
- طالعة أوضتي.
تنهدت ندى وهي تنظر نحو زوجها.
- تفتكر غارت؟
كان شهاب غارقاً في تناول طعامه لشدة جوعه.
- مفتكرش.
وعاد يلتهم طعامه لتتناول هي الأخرى طعامها.
***
تنهدت صفا بآلم وهي تراه راقد فوق فراش المشفى دون حركة. شردت في أول لقاء لها معه وكيف كانت تهابه. مر شريط ذكرياتها وهي تتذكر ما مضت به معه لتسقط دموعها متألمة على حاله.
- هتفضل نايم كتير... أرجوك اصحى... اصحى وارجع فرات بيه النويري من تاني... اصحى احميني من عيلتك... ليه شيلتيني ذنب الطفل اللي هيتولد... هتسيبوا ليا ويفضل طول عمره موطي راسه في الأرض بسببي.
ظلت تبكي حتى خارت قواها. ذنب طفلها ونبذ الجميع لها وتشردها من بيت لبيت جعلها تدرك حقيقة واحدة أن رحيل فرات سيكون القشة الأخيرة التي بعدها سينكسر ظهرها. فهي كانت تتحمل عبء نفسها والحياة التي تعيشها بصعوبة، فكيف لطفل صغير لم يرى من الدنيا شيئًا سيتحمل ظلام حياتها. سيتحمل أن يكون له أماً كانت سجينة.
لم تشعر بصوت باب الغرفة يُفتح ولا مُطالعة مكرم الذي كان ينتظرها بالخارج.
تألم مكرم لرؤيتها هكذا مُتذكراً صفا الجميلة التي كانت ضحكتها تُجلجل المكان حولها. انطفأت وكما يقولون الدنيا أعطتها ظهرها.
خرج صوته بهمس ينبهها.
- يلا يا صفا لحد يشوفك.
ألتفت نحوه تُحرك رأسها بالإيجاب. نظرت نظرة أخيرة نحو فرات واتبعته صامتة تمحي دموعها بكفيها.
***
وقف على أعتاب غرفة شقيقه يرى زوجته كيف تساعد شقيقه في تناول طعامه. تقدم منهم، فأنتبهت سماح على خطواته ولكن لم تلتف نحوه.
- كيف حاله اليوم؟
- بخير.
ردت باقتضاب عليه استشعره فسألها عن حالها.
- وكيف حالك أنتِ؟
- بخير.
وآه خافتة خرجت من شفتيها عندما ركلها صغيرها. كان نور الدين يتأملهم بملامح باهتة لا يرى شيئًا أمامه إلا خيانة زوجته التي تتعلل بتدهور صحتها أثر الحمل.
- ما بكِ يا سماح؟
انحنى صوبها لتشيح عيناها بعيداً عنه.
- لا شيء.
- سماح.
لم تتحمل سماع صوته فنهضت حاملة صينية الطعام بعد أن أنهى نور الدين طعامه حتى تختلي بنفسها وتبكي حسرة على فشل آخر. فالرجال بحياتها ينالوها أولاً ثم وكأنها لا شيء.
لحقها وعندما جذبها حتى تلتف نحوه صدمته هيئتها الباكية.
- لما البكاء يا سماح؟
رفع كفه حتى يمسح دموعها، فأشاحت عيناها بعيداً عنه.
- بسببك إنت يا سهيل... لكن أنا الحمقاء أنا التي...
لم تكن تُكمل عبارات ندمها لما وصلوا إليه في علاقتهما رغم ما فعله بها حتى تتزوجه، ولكنها نست كل شيء وأحبته.
انقطعت أنفاسها من أثر فعلته وأبتعد عنها ينظر إلى شفتيها.
- تذكري دوماً أنني لم أحب امرأة غيرك يا سماح.
***
تنهد شريف بحسرة وهو يراها متكورة فوق الفراش نائمة. ظلامها لسنوات طويلة دون أن ترى الحياة والناس كيف تغيرت جعلها كالطفلة المتلهفة لكل شيء.
ولكن سؤالها المتواصل عن أهلها وحياتها يجعل قلبه يتألم، فكيف سيخبرها أن عائلتها الوحيدة وهي شقيقتها قد ماتت أثر حادث. لا يعرف إلى الآن لماذا ماجدة أرادت الهرب بها إلى مدينة الإسماعيلية رغم أنه لا أهل لهم فيها.
ابتسامتها له بعدما فتحت عيناها وكالعادة لا تخبره إلا شيئًا واحدًا.
- إنت حلو أوي يا شريف... بس إمتى هتحلق شنبتك.
***
ظل صدى صوتها يتردد بأذنيه فأصبح بين صراعين. كلما سحبه عقله للظلام كان صوت بكائها ورجائها يعود لأذنيه.
قطرتان دافئتان سقطت على كفه وعاد رجائها يعود ليخترق أذنيه وظلمة عقله.
- أرجوك اصحى.. اصحى عشانه هو.. متسبناش.
ونهضت بعد أن يأست من استيقاظه ومسحت دموعها لتتعلق عيناها به قبل أن تُغادر تلتف حولها حتى لا يراها أحد.
مرت الدقائق ليفتح عينيه وهو يُطالع ما حوله وصوت الأجهزة وحدها من تكسر هذا السكون.
- صفا.
وأغمض عينيه ليعود لندائها ثانية.
- صفا.
دلف عزيز لغرفته يشيح الوشاح الذي يخفي وجهه يُطالعه وهو راقد هكذا.
- أخيراً شوفتك كده يا فرات...
واقترب منه ينظر إلى سكونه.
***
وقفت تتراقص بصخب تُحرك خصلاتها هنا وهناك بحركات مثيرة.
اقترب منها وليد مبتسماً.
- مريم.
طالعته وهو يمد لها السيجارة المحشية بشيء غريب لكن جعلها سعيدة وكأنها تحلق عالياً.
- هتخليني مبسوطة زي التانية؟
- أيوه يا حبيبتي... خدي نفس وادعيلي.
ألتقطت منه السيجارة لتعبئ رئتيها بدخانها ثم عادت تنفث أنفاسها مستمتعة ووليد يقف مستمتعاً.
تمايلت بخفة فكادت أن تسقط فأسرع وليد بإسنادها يُلامس جسدها بحرية وعين فارس تخترقهما، ولكن عندما شعر بقبلة رؤى أشاح وجهه بعيداً عنها.
- رؤى قولتلك مبحبش كده.
- آسفة يا حبيبي.. قولي بس أرضيك إزاي.
عادت عيناه تتعلق بمريم ولكن إرضاءه ما زال قائم.
***
جلس هاشم فوق مقعده الذي يعطيه هالة من الراحة يخطط بقلمه شيئاً كان قلبه يقوده لرسمه. أنهى رسمته لينظر إلى ما خطته يداه فلم يجد إلا وجهها. رفع كفه حتى يحك خده.
فخفق قلبه وهو يتعمق النظر برسمته لينهض من فوق مقعده مفزوعاً من تلك الحالة التي وصل إليها يطوي الرسمة بيده بوجه قاتم.
- بقيتِ ليه في بالي... مش معقول يوم ما قلبي هيدق هيدق ليكي إنتي يا ياقوت.
***
تعلق عيناها به والسعادة تغمرها. تغير علاقتهما جعلها هي أيضاً تتغير.
هناك أشياء داخلها بدأت تتغير حتى أنها أصبحت ترى نفسها في مرآتها إنها أنثى كاملة لا ينقصها شيء. عملها بمجال أوسع والمكانة التي هي بها ومدح هاشم لها دوماً بأنها ستصبح عن قريب ذو شأن عزز ثقتها أكثر وما زادها تتويج وكأنها ملكة هو تصريحه لها بحبه.
فأصبحت السعادة جميعها بين يديها.
ابتسمت وانحنت تُقبله وهي تتذكر ليلتهم بصخبها ونهضت من جانبه تسحب مئزرها من فوق طرف الفراش.
أحكمت غلقه ووضعت حجابها فوق خصلاتها وخطت ببطء نحو الشرفة حتى تستنشق الهواء وتمتع عيناها بنور القمر في ذلك الوقت من الشهر.
وقفت تتأمل ما حولها وفكرها سابح. اتكأت بمرفقيها فوق سور الشرفة، لتتجمد بعدها عيناها وهي ترى مريم تلتف حولها يميناً ويساراً وقد أتت من الجانب الخلفي للفيلا تنفض ثيابها وتعدل من هيئتها.
- يا ياقوت.
صوته أخرجها من حالة الذهول التي بها ولكن عيناها ظلت نحو مريم التي مازالت عيناها ترصدها من الشرفة.
ألتفت نحوه بعدما شعرت بخطواته داخل الشرفة.
يتبع بإذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم سهام صادق
اندفعت نحوه وارتمت بين ذراعيه، كان ذلك كافيًا ليُنسي إجابة سؤاله. ابتسم وهو يُعانقها، يغمرها بعاطفته التي أوْقَدَتْها الظروف والعثرات.
"قومتي ليه من جانبي مدام أنا وحشك كده؟"
تمتمت عبارته بغرور رجولي مصطنع، ينتظر سماع ردها. وما كان جوابها المشاكس إلا خفقان قلبه من أضلعه.
ارتفعت عيناها نحوه تنظر إلى ملامحه المبتسمة.
"عندك اعتراض إنك تكوني وحشني؟"
تجلجلت ضحكته في سكون الليل وهو يأسر وجهها بين كفيه.
"لا ما عنديش اعتراض يا ياقوت هانم.. بس قوليلي مين بقى يعلّمك الردود دي؟"
ابتسمت خجلًا، وقد أنساها للحظات تلك التي أرادت الذهاب إليها حتى تعرف من أين أتت.
"ياقوت."
تمتمت بخفوت وقد أفاقها هتافه باسمها.
"نعم."
"عيونك جميلة."
تعجبت من رده لتبتعد عنه تسأله.
"أنا عيني جميلة؟ طب إزاي دي؟ حتى مش ملونة."
وقبل أن يمتلكها بعباراته التي أصبحت تجعلها مسحورة به، وكأنه عرف أخيرًا ماذا كانت تريد.
"حمزة أنا عطشانة."
قطب حاجبيه وهو يتجه بعينيه نحو دورق المياه الفارغ. ثم حك رأسه.
"هنزل أجيب لك."
تحرك من أمامها لتسرع في جذب ذراعه.
"لا أنا هنزل أجيب، والمرة دي أشوف حاجة آكلها، أصلي جعانة."
ضحك وهو ينظر نحو بطنها التي باتت بارزة قليلًا.
"قولي كده.. خلاص هجيب لك."
"لا يا حبيبي متتعبش نفسك.. هنزل بسرعة."
هتفت عبارتها وهي تبغته بقبلة دافئة فوق خده، واندفعت لخارج الغرفة بعدما تأكدت من أحكام حجابها وهيئتها.
***
أردفت داخل غرفتها بخطوات هادئة بعدما طرقت على باب غرفتها عدة طرقات.
وجدت مريم تهز وتُحرك رأسها يمينًا ويسارًا، ولم تبدّل ثيابها، ويحتل جسدها وسط الفراش.
"مريم."
رفعت مريم عيناها نحوها ضاحكة.
"يييه! هتضيعي الدماغ اللي عاملاها؟"
أصابها الذهول واقتربت منها تُطالعها.
"مريم انتي كنتي فين من شوية؟"
لم تُجبها، وأغلقت عيناها، ثم سقطت بعدها في سبات عميق. انحنت ياقوت نحوها لتفزع من الرائحة التي تشمها.
ظلت لدقائق جالسة جانبها لا تُصدق أن مريم رائحتها سجائر وخمر. أخذت تدفعها بيدها حتى تستيقظ.
"مريم اصحي.. اصحي عشان نتكلم."
ولكن لا إجابة كانت تحصل عليها.
احتل الحزن معالم وجهها، فمهما وصل حقد مريم عليها، فلن تتمنى لها ضياعًا. ألقت نظرة أخيرة صوبها بعد أن بدلت لها ملابسها وغادرت الغرفة وهي تفكر فيما ستفعله.
دلفت لغرفتهما شارده، تضم بين يديها دورق الماء المملوء. رمقها بعدما اعتدل من فوق الفراش وأصبح وجهه إليها.
"اتأخرتي كده ليه..."
وأردف مازحًا وهو يفحصها بعينيه:
"كويس إنك نزلتي تاكلي، لا أصحى ألاقيقي وكلاني."
لم تضحك أو تبتسم، ولكن كل ما فعلته هو وضع دورق المياه وتسطحت جانبه تنظر إليه بعمق.
"لو في يوم قولتلك إني شاكة في سلوك مريم، هتصدقني يا حمزة؟"
حدق بها لثوانٍ، ثم استرخت ملامحه وابتسم.
"مريم متربية كويس يا ياقوت وأنا واثق فيها."
تنهيدة خافتة خرجت من بين شفتيها، فها هو يعبر لها عن ثقته بصغيرته، فكيف ستُخبره عما رأت؟ ضمها نحوه، فلم يعد يرغب باختلاق المشاكل بينهم.
"ياقوت، عشان ما يبقاش في مشاكل، ابعدي عن مريم.. لحد دلوقتي انتي مش قادرة تكسبها."
انتفضت من ضمته وقد أشعرها أنها هي من تكرهها.
"مريم بتكرهني.. لكن أنا عمري ما كرهتها."
"عارف يا ياقوت إنك مش بتكرهيها... وعشان كده الأفضل تبعدوا عن بعض، مش عايز أتحط بينكم."
وأردف مازحًا وهو يلتقط ذراعها ويجذبها نحوه:
"مش هنام بقى."
"لا مش هنام.. ومش هنام جنبك لأن كلامك ضايقني."
التقطت إحدى الوسادات ناهضة من فوق الفراش، وقد أغضبها حديثه.
"رايحة فين يا ياقوت؟"
دفعت وسادتها فوق الأريكة وعادت ترمقه بغل.
"هنام هنا أفضل ليا... وزي ما بتبسطني بكلامك وبراضيك... هتضايقني هقلب عليك."
اتسعت عيناه ذهولًا مما يسمع، يضرب كفوفه ببعضهم، يتساءل:
"شكلي حسدت نفسي ولا إيه؟"
***
هرج كان يضج بالمشفى بعد خبر استيقاظ فرات النويري. الكثير كان يتمنى شفاءه من عائلته، فالجميع يراه قطبًا هامًا من أقطاب العائلة.
عيناه كانت تبحث عنها وحدها، يتذكر صوتها الذي لا يعلم أكان حقيقيًا أم مجرد أضغاث أحلام.
الشيء الوحيد الذي يتذكره أنه رأى عزيز زوج شقيقته، ثم بعدها سقط في غيبوبة قصيرة، عاد يُحارب فيها ظلامه ليعود لنعيم الحياة التي رآها في غفوته، وكأن الحياة تُخبره أن هناك ما ينتظره من سعادة.
أنهى الطبيب فحص مؤشراته الحيوية وابتسم نحوه.
"حمدلله على سلامتك يا فرات بيه."
أومأ برأسه وخرج صوته مهزوزًا وضعيفًا.
"الله يسلمك."
كانت فادية تقف خلف الطبيب، رغم سعادتها بعودة شقيقها واكتشافها أنها مسنودة بوجوده، لكانت مشاعرها المريضة قد ظهرت.
"حمدلله على السلامة يا فرات."
تعلقة عين فرات بها وكأنه وجد من يسأله.
"الله يسلمك يا فادية... فين صفا؟"
"مشيت."
هتفت بها ببرود مما جعله يتحرك من رقدته بصعوبة.
"بتقولي إيه؟ مشيت راحت فين؟"
"فرات بيه مينفعش كده... أي مجهود على حضرتك دلوقتي مش سليم."
هتف بها الطبيب قبل أن يرحل من غرفته، فعاد يسأل عن شخص آخر سيخبره بمكانها.
"فين عامر طيب... اتصليلي بعامر."
ليمتقع وجه فادية ثم غادرت الغرفة حانقة، داعية:
"ما كنتيش متي بقى وريحتني... تيجيبي الطفل اللي متمسك بي بس، وبعدين أمحيكي من على وش الدنيا."
ولم تكن تعلم أن تعلق شقيقها كان بالاثنين معًا.
***
فتحت عيناها تمسد الفراش جانبها بذراعيها، تتساءل كيف أتت لهنا بعدما غفت فوق الأريكة، وقد تركته يهتف باسمها لمرات.
ابتسمت وهي تشعر أنها أصبحت تستقبل يومها بعمل ترى نفسها فيه. ولكن تلاشت ابتسامتها سريعًا وهي تتذكر حديثه معها أمس عن مريم.
زفرت أنفاسها وهي حائرة. داخلها شيء يُخبرها أن تصمت وتتركها حتى يكتشفوا هم بأنفسهم أفعال الصغيرة المدللة، وشيء آخر يرفض صمتها يهتف بها أن تنصحها.
كان الوقت قد تجاوز العاشرة صباحًا وهي تهبط الدرج تبحث بعينيها عن أحد. قابلتها ندي بابتسامة مشرقة، وقد تغيرت علاقتهما.
"صباح الخير يا ياقوت... إيه رأيك نروح لمها المستشفى سوا؟"
رغم إدراكها أنها لن تلحق اجتماع اليوم الذي سيكون في الساعة الواحدة ظهرًا، إلا أنها أومأت برأسها.
"تمام.. هروح المطبخ آكل حاجة سريعة وأستناكي في الجنينة تكوني جهزتي."
أسرعت ندي في التحرك لأعلى حتى تعد حالها. أرادت أن تهتف باسمها وتسألها عن مريم، إلا أنها تراجعت.
دلفت للمطبخ فنهضت الخادمة كالعادة تسألها عن طلبها.
"هعمل لنفسي.. ده مجرد فطار، كملي شغلك انتي."
أنهت إعداد كأس اللبن والشطيرة وقررت الخروج للحديقة للجلوس فيها وانتظار ندي. ألتقطت عيناها مريم الجالسة تداعب فرو قطتها.
"صباح الخير يا مريم."
حدقت بها مريم بحقد وقد لمعت عيناها.
"تعرفي لو اتكلمتي وقولتي إنك شفتي حاجة... هضيعك معايا."
اتسعت عين ياقوت ذهولًا، أما مريم فأخذت تستعيد حديث صديقتها رؤى حتى تهددها وتخاف.
"هقولهم إن انتي السبب وهحط رجلك معايا."
"مش معقول تكوني وصلتي لكده... حمزة لازم يعرف إنك بتضيعي."
لم تشعر مريم بنفسها إلا وهي تدفعها بقوة، فكادت أن تسقط أرضًا.
"مالكيش دعوة بحياتي انتي سامعة؟ ولا بـ بابا... أنا فاهماكي، عايزة تخليني قدامه في صورة وحشة عشان يبقى ليكي لوحدك."
"اللي انتي فاهمه غلط.. أنا عايزة أعيش وسطكم ونبقى عيلة."
"عمرك ما هتبقي مننا، انتي دخيلة علينا."
نفس الكلمة التي كانت تخبرها بها زوجة أبيها. دخيلة، كلمة حفظتها عن ظهر قلب. تفاجأت بصراخ مريم باسم شقيقها.
"شريف!"
كان شريف يقترب منهم، وقد كان سعيدًا لرؤية ياقوت مع شقيقته، ولم ينتبه أن وقفتهم لم تكن إلا عداء.
"مالك يا حبيبتي في إيه؟"
ضم شقيقته إليه وعيناه مثبتة نحو ياقوت. كانت ستحل الأمر بأي كذبة وتخبره أنهم كانوا يتحاورون قليلًا، ولكن الصغيرة أسرعت في نجدة نفسها كما علمتها رؤى بخبرتها التي تفوق سنوات عمرها.
"شايف ياشريف أبلة ياقوت بتقولي إني بنت مش كويسة."
وقفت ياقوت في حالة من الذهول لا تستوعب بكاءها، وكأنها حقًا أساءت لها. أخرسها تمثيلها لتظل عيناها على وسعهما، والصغيرة تروي لشقيقها حديثًا نسجه عقلها.
"خلاص يا حبيبتي اهدي."
وحدق بياقوت الواقفة بنظرات ضائقة.
"مدام ياقوت، اختي ولو سمحتي... إحنا بنحترمك عشان حمزة بس..."
وقبل أن يُكمل شريف حديثه الذي أهانها.
"كلامك وصلني ياحضرة الظابط... وانصرفت تجر أقدامها بخيبة. فالزيجة التي أحسدها الجميع عليها لم تكن إلا صراع عائلي."
تنفست مريم بارتياح بعدما رحلت ودفنت وجهها في صدر شقيقها. لولا تذكرها صباحًا لصورة ياقوت وهي تبدل لها ثيابها وأنها رأتها بتلك الحالة، لكان الذعر أصابها فور أن واجهتها، ولكنها أعدت أسلحتها وانتظرت قدومها.
***
دلّف عامر غرفته بصحبة فادية التي أخذ كعب حذائها يدق أرضية الغرفة.
"حمدلله على سلامتك يا فرات."
فور أن استمع فرات لصوته، فتح عينيه واعتدل في رقدته بلهفة يسأله:
"عامر فين صفا؟ ديه الأمانة اللي وصيتك عليها."
تعلقة عيناه بعين فادية التي ارتبكت وخاشت أن يفضح فعلتها وطردها لها.
"مراتك في الحفظ والصون يا فرات... قوم بس أنت بالسلامة."
"فرات، الدنيا كلها عرفت إن مراتك كانت مسجونة... ديه آخرتها عيلتنا تبقى سيرة على لسان الناس."
هتفت بها فادية غاضبة، وكادت أن تُكمل حديثها إلا أن نهوض فرات من فوق الفراش جعل عامر يصرخ به.
"فرات أنت بتعمل إيه؟"
"رايح أشوف مراتي وابني يا عامر..."
هتف بها وقد اشتد الألم مما جعله يقطب حاجبيه متألمًا.
"ابنك إيه؟ أنت المفروض ترميها هي واللي في بطنها... دول وصمة عار في تاريخك... يا ريت كانت سقطت وريحتنا."
ارتجف قلبه وهو يسمع شقيقته تتمنى موت طفله وحرمانه من تلك السعادة التي ينتظرها.
"فادية!"
صرخ بها، ولأول مرة يرى وجهًا آخر لشقيقته. هوى بجسده فوق الفراش ثانية يتخيل لو كان عمره قد انتهى، هل سيأتي صغيره لهذه الحياة منبوذًا؟
"ياااا يا فادية لدرجادي كره يكون ليا نسل في الحياة... لو كنت مت كنتي رميتي ابني في الشارع."
"تقدر تتجوز وتخلف تاني... العيلة كلها معترضة على الجوازة دي، أنت ناسي أنت مين."
"وإنتي نسيتي إنتي بنت مين يا فادية... تجمدت ملامح فادية ولكن سريعًا ما هتفت:
"أنت بتعايرني يا فرات... بتعايرني عشان أمي خادمة وأنت أمك كانت هانم."
"أنا بفكرك بأصلك يا فادية... لأنك نسيتي وبقيتي تدوسي على غيرك."
اندفعت لخارج الغرفة، فأطرق عينيه أرضًا نادمًا.
"ليه قولتلها كده يا فرات؟"
"عايزها تفوق زي ما أنا فوقت... مش هنفضل باصين للناس وكأنهم عبيد عندنا."
***
وضع قلمه فوق الأوراق الموضوعة على الطاولة يُنهي اجتماعه. الكل نهض إلا هي، كانت جالسة تتلاعب بقلمها شارده فيما حدث منذ ساعات.
"الاجتماع خلص يا ياقوت."
نفضت رأسها وهي تنتبه على سماع صوته لتنظر إليه بأسف.
"مأخدتش بالي، بعتذر."
لملمت أوراقها ونهضت كي تغادر الغرفة إلا أنه أوقفها.
"العرض هيكون في شرم الشيخ، هتقدري تسافري معانا؟"
هتف عبارته وهو لا يعلم سبب سؤاله هذا، ولكن لم يجد ردًا منها إلا إيماءة خافتة من رأسها، ثم غادرت.
رمقها وهي تخرج بحيرة، وإجابة واحدة كانت تصل لعقله.
"إنها تعيش حياة تعيسة... فكما أخبرته هند شقيقته أن عائلة حمزة إلى الآن لا تتقبل ياقوت زوجة."
***
ضمها نحوه وهم يستمتعون بآخر يوم لهم في أجواء لبنان. كانت السعادة ترتسم فوق شفتيهم.
"مراد هو أنا بحلم؟"
ضحك مستمتعًا وهو يضمها إليه أكثر حتى كادت أن تختنق، فلطمته فوق ذراعه.
"السؤال ده سألتيه كتير أوي النهاردة."
"عشان في يوم حلمت ملقتش حاجة."
تلاشت ابتسامته وهو يسمعها وابتعد عنها بعدما تذكر جرحه، وأنه لولا عشقها له ما كانت سامحته.
تعلقة عيناها به تهمس بألم رغماً عنها.
"مراد أنا سامحتك... بس الذكرى لسا محفورة جوايا."
لم يجعلها تُكمل ما رغبت بالفيض به، فكانت ذراعيه تسبق أي حديث.
"عارف يا هناء إني وجعتك أوي، وعلى قد ما وجعتك على قد ما أنا ندمان ونفسي أعوضك."
وصورة تلو الأخرى كانت تلتقط لهم، وآخر جالس فوق مقعده يُطالع تلك الصور يتأملها بحقد.
"قريبًا سأحرق قلبك مثلما احترق قلبي يا مراد."
***
اجتمعت العائلة إلا شريف كالمعتاد. فأصبح أغلب وجوده لدى مها بالمشفى. كانت عين نادية متعلقة ببطن ياقوت التي أصبحت ظاهرة، مما يجعلها تشعر بالسعادة، فحلمها لرؤية أبناء لشقيقها قد تحققت.
كانت ندي تُشارك ياقوت الفكرة التي رغبت في فعلها من أجل إنشاء ملجأ وتديره مثل السيدة سلوى.
ضحكاتهما معًا كانت تجعل الشقيقان ينظران إلى بعضهما مبتسمين من تطور العلاقة بينهم، إلى أن قطعت تلك السعادة حين سألت نادية:
"مش هتفرحينا يا ندي بخبر كده؟"
صمت الجميع، فبهتت ملامح ندي، فنادية ضغطت على أكثر أوجاعها.
"خبر إيه؟"
"خبر حملك..."
أطرقت ندي عيناها، فأي حديث ستقوله؟
"في إيه يا فؤاد بتبصلي كده ليه؟ مش مراتي أخويا وعايزة أفرح بعيالهم."
"نادية دي حاجة تخصني أنا ومراتي، ممكن؟"
هتف بها شهاب وهو يشعر بمشاعر زوجته، ونهض يسحب يدها يتمتم بسعادة.
"أنا وندي مقررين نستمتع بحياتنا شوية..."
أودع قبلة فوق كفها مما جعل ياقوت تنظر نحوهم بسعادة. ولم يكن حمزة مهتمًا بأي حديث إلا نظرات زوجته نحو شقيقه وزوجته.
***
"مش عارفة يا رؤى أخرج... قوللي أجي إزاي بس."
"براحتك يا مريم... البارتي يجنن، هتضيعي من إيدك."
تسألت مريم بحماس.
"هو البارتي بدأ؟"
"لا لسا بس أنا قاعدة مع فارس، بيته يجنن."
تعلقة عيناها بـ نادية وزوجها من خلف زجاج شرفتها وهم يصعدون سيارتهم.
"شكلي مش هعرف أجي يا رؤى."
أتاها صراخ رؤى بحماس عن جمال الحفل. ولكن أسرعت في غلق هاتفها وهي تسمع طرقات ندي فوق باب غرفتها.
وكانت كالعادة تجلس ندي معها لدقائق تثثرثر معها ثم تذهب لغرفتها سريعًا، وكأنها تقضي واجبًا ثقيلًا عليها، ولم يكن إلا شيطانها يفسر لها هذا.
تنفست بارتياح متمتمة:
"عقبال اللي في بالي ما تمشي خالص من البيت."
ولم تكن تقصد إلا ياقوت.
***
دلّفوا لغرفتهما واتجهت لالتقاط منامتها حتى تبدل ثيابها، ولكن اقتراحه الذي سمعته للتو صدمها. التفتت نحوه ببطء تنتظر سماعه ثانية.
"إيه رأيك يا ياقوت؟"
"رأي في إيه؟"
تمتمت بغباء ليقترب منها ضاحكًا.
"نخرج نسهر بره."
"أنا وانت نسهر وبره؟ وشغلك الصبح؟"
تسألت وقد اجتاز الغباء معها مراحله.
"شغلي وأنا عارف هصحاله إزاي... وحتى لو مصحتش ليه أنا اشتغلت كتير ومن حقي أسهر."
"هتسهرى معايا ولا أشوف واحدة غيرك؟"
أردف عبارته الأخيرة يرمقها بمشاكسة، إلى أن استوعبت حديثه بأعين متسعة. ركضت من أمامه نحو الخزانة تلتقط ثيابها.
"أنا جهزت أه."
وفي دقائق كانوا يهبطون الدرج، ناسيه كل همومها مع عائلتها.
أضاءت سيارته شرفة مريم، فأقتربت من شرفتها تبعد ستائرها قليلًا وعيناها عالقة بـ ياقوت التي تصعد السيارة والسعادة ترتسم فوق ملامحها.
فرفعت هاتفها نحو أذنها تُخبر صديقتها.
"ابعتيلي العنوان أنا جاية الحفلة."
***
وقف فرات أمام باب الشقة يسند جسده فوق الحائط. فوقفت خلف الباب تسأل بخوف.
"مين؟"
"افتحي ياصفا."
صوته جعلها تبتعد عن الباب ثم عادت تقترب لتفتحه غير مصدقة أنها تسمع صوته.
تعلقة عيناها به وفعلت آخر شيء توقعه منها. فقد ارتمت فوق صدره، ولم تكن فعلتها إلا استمدادًا للأمان، ولأول مرة يشعر بدفء امرأة بين ذراعيه، فكل ما مضى كان شيئًا آخر.
"متسيبناش ثانية."
تفت بها بضياع وقهر، وضعته فادية في قلبها وهي تتذكر جرها خارج المنزل تحت أعين الخدم وإلقائها وكأنها كالقمامة.
وها هي أفعال فادية قد أثمرت وستجعلها تحتمي في مغتصبها، تقسم أنها ستكون سيدة هذا المنزل الذي طردت منه كالشريدة.
***
تعلقة عيناها بذلك الوافد نحوهم بهيام وكأنه آسرها من أول نظرة.
رمقهم هاشم ساخطًا، فلولا إلحاح فارس عليه وتوسله بأن يقيم حفل عيد ميلاده هنا، لكان الآن عائدًا لمنزله حتى ينعم بالراحة.
وكظت رؤى مريم التي تحمل في يدها كأس عصير، فلم ترغب بالشرب ثانية بعد تجربتها الأولى.
"عينك هتطلع على الراجل."
"مين ده يا رؤى؟"
ألتمعت عين رؤى وهي تنظر لملامح مريم المبهورة بجسد ذلك الواقف.
يتبع بإذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم سهام صادق
مالت صفا نحوه تضع الوسادة خلف رأسه حتى يتمكن بأن يستلقي براحة فوق الأريكة. كانت أنفاسها قريبة منه للغاية فأغمض عينيه وهو يتذكر كل كلمة سمعها منها في أحلامه وهو غائب وكيف كانت ترجوه بأن يستيقظ وألا يتركها.
"مشيتي ليه يا صفا؟"
تمتمت عبارته بعدما اعتدلت في وقفتها، ثم انحدرت عيناها نحو يده القابضة فوق معصمها. طالعته فأعاد سؤاله مرة أخرى، وتلك المرة كان يُحدق بها ينتظر تفسيراً لرحيلها.
"المفروض كنت أصحى ألاقيكي جنبي حتى لو بينا مليون خلاف، حتى لو بتكرهيني."
ألقى عبارته وهو يتفرس ملامحها، تبدلت نظرة عيناها وألْمع القهر بداخلهما. فماذا ستقول له؟ إنها طُردت كالحشرة من منزله، لم يُسمح لها بزيارته، وكانت تذهب لرؤيته متخفية. وكل هذا واتهام شقيقته بأنها من قتلته، رغم أن هي من كانت هدف القاتل.
للسجن كان قاسياً عليها، إلا أنه كان أرحم من حياتها معهم. وفي النهاية يُخبرها بواجبها نحوه. فنعم هي تكرهه، ولكن ستجعل كرهها خفياً لتنتقم من فادية.
"أنا ممشيتش، أنا اتطردت من بيتك. اسأل حرسك اللي جروني ورموني في الشارع."
تجمدت ملامحه وهو يسمع الحقيقة التي أخفاها عنه عامر. تذكر فادية وثورتها عندما ذكرى اسمها فور إفاقته، فتأكد أن شقيقته هي الفاعلة.
"ومدفعتيش عن نفسك ليه وحقك يا صفا؟"
"عشان أنا خريجة سجون وعار عليكم."
نطقت بها ولم يعد بقلبها إلا الجمود الذي غلّته قسوة الناس عليها، وكأنها ليست بشراً تخطئ يوماً وتهتدي.
أشاحت عيناها بعيداً عنه حتى تستمد قواها، فآلم قلبها عاد ينغزها مجدداً.
"صفا.."
لم يكد يكمل عبارته فتعالى رنين جرس الباب ليرمقها متسائلاً:
"مين جايلك دلوقتي؟"
طالعت الوقت نحو الساعة المعلقة، وقبل أن تُجيب عليه كان ينهض من رقدته يخطو نحو الباب بملامح قاتمة.
فتح الباب يرمق الطارق، لتتجلى السيدة الواقفة أمامه.
"مكرم بيه بعتني بالحاجة دي لست صفا."
طالعت صفا السيدة الواقفة وقد أرهبها فرات بجسده العسكري، فرغم خروجه من عباءة ضباط الجيش إلا أنه ما زال وكأنه رجلاً عسكرياً.
"شكراً يا فهيمة."
هتفت بها وأسرعت نحوها تحمل الأكياس منها، ثم انصرفت نحو الأسفل. ليرمقها فرات بنظرات فاحصة، ولم تعد ملامحه مرئية بالنسبة لها.
"جهزي نفسك عشان هنمشي من هنا."
"مش هرجع البيت اللي اتطردت منه تاني... أنا مش ذليلة تحت رجليكم."
لم يمهلها عقلها التفكير، إنما قلبها هو من هتف بمرارة الذل. تعجب من نبرتها الجديدة، ولأول مرة منذ أن رآها أصبح يرى في عينيها نظرة عجيبة لم يفهمها.
تركها ليتجه نحو الغرفة القابعة بها يبحث عن متعلقاتها يجمعها في حقيبتها. ألتف إليها وقد وقفت على أعتاب الغرفة تُطالعه.
"عشر دقايق وتكوني جاهزة.. قدامنا لسه سفر للمزرعة."
***
كانت عيناها تجول في المكان تبحث عنه هنا وهناك، فالوسيم اختفى من الحفل ولم تعد تراه. زفرت أنفاسها بضيق وقد نسيت من في الحفل، لتقترب منها رؤى تضع يدها فوق كتفها تسألها بخبث.
"بتدوري على إيه؟"
ألتفت مريم نحوها تُداري شعورها عنها.
"ولا حاجة بس زهقت يا رؤى."
رفعت رؤى حاجبيها مستنكرة ولوت شفتيها وهي تفحص ملابسها.
"وإنتي هتستمتعي وسطنا إزاي بلبس الأطفال ده؟"
وانحدرت عين رؤى نحو الحذاء الرياضي الذي ترتديه، ثم إلى بنطال الجينز والكنزة. مما جعل مريم تسألها بثقة مهزوزة.
"هو أنا شكلي وحش؟"
"شكلك شكل عيالي يا مريم... سوري إني بقولك كده بس إنتي صاحبتي ولازم أنبهك."
ومالت نحوها تنظر نحو نظرات وليد العالقة بهما.
"إنتي كده مش هتلفتي نظر وليد ليكي."
عند ذكر اسم وليد تجهم وجهها، فمن وليد هذا الذي سيُقارن بفارسها الجديد الذي يشبه حمزة بكل تفاصيله.
"وليد مين ده اللي ألفت نظره؟"
وابتعدت عن رؤى التي وقفت تنظر صوبها، ولكن عينها تجمدت وهي تجد فارس يقترب من مريم مبتسماً يُناولها كأساً من العصير.
***
ضحكت وابتسمت وتمايلت مع غنوة أم كلثوم بسعادة وهي سارحة، وقد نسيت كل تعاستها. كان يتأملها وهي سعيدة بتلك السهرة التي نساها منذ زمن مضى. فلا يتذكر آخر مرة أتى إلى شارع المعز وجلس في أحد مقاهيه، فقد اعتاد على قضاء أمسياته مع سوسن في الأماكن الراقية.
سمعها وهي تُدندن مع النغمة:
"طول عمري بخاف من الحب... وسيرة الحب وظلم الحب لكل أصحابه... وأعرف حكايات مليانة آهات ودموع وآنين."
"مكنتش أعرف إنك بتحبي أم كلثوم أوي كده."
ارتبكت بخجل وقد فاقت من هيامها مع الغنوة التي كانت تصف حالها مع الحب.
"عمتي هي اللي حببتني فيها."
وشردت في ذكرياتها مع عمتها.
"كنا بنشغل الراديو ونقعد نسمعها سوا."
"أنا شايف إن كل حاجة اتعلمتيها من عمتك الطبخ والشغل اليدوي والخياطة... باين إنها كانت ست عظيمة."
ابتسمت وهي تتذكرها، فرغم شعورها في البداية أن عمتها ظلمتها في معاملتها ولم تجعلها تعيش سنوات عمرها كباقي الفتيات، إلا أن كل هذا أفادها في حياتها.
"الخياطة اتعلمتها من واحدة جارتنا بعد ما خلصت الجامعة مكنش في حاجة أعملها فأتعلمت."
مال بجسده وهو يسمع تفاصيل أكثر عن حياتها.
"وليه معملتيش زي باقي البنات اللي في سنك؟"
ألتفت بعينيها نحو الجالسين تنظر للفتيات حولها.
"الظروف بتحكم.. لترضي بظروفك وتتقبلها برضى لتنقم على حياتك ونعمة الرضى هتروح منك... وأنا اخترت إني أرضى بحياتي ومبصش على غيري."
ابتسم باتساع منبهراً بها. مما جعلها تسأله.
"ابتسمت ليه؟"
"عشان أنا طلعت محظوظ يا ياقوت."
وأردف وهو يضم يداها بيديه.
"مش معقول أكون أنا كويس أوي كده عشان أتزوج إنسانة زيك الدنيا ملوّثتهاش."
اخضرت وجنتاها بحمرة الخجل. فكلامه أشبع جزءاً ناقصاً داخلها، وها هو بدأ يهدم النقص ويُرمم التشوه الذي ملأ قلبها من ألسن أقرب ما لها.
"أنا كمان محظوظة بيك."
هتفت بها بعفوية مُحررة مشاعرها. عفويتها التي لم تعد تدرك تأثيرها كانت تُحرر داخله مشاعر كبتها الزمن والمسؤولية. وكانت عفويتها نصح من نادية قالتها دون قصد منها بعدما وبختها على عدم نجاحها في جعل شقيقها يبدو سعيداً.
سبرت لها حقيقة شقيقها أنه ليس إلا رجلاً بسيطاً رغم ما يبدو عليه، وها هي لأول مرة تُجيد النصح.
شعرت بيده فوق خدها ينظر إلى عينيها المكحلتين.
"ياريت نفضل كده يا ياقوت وننسى كل حاجة... عايز أعيش في هدوء، تعبت من الصراع والتفكير."
أغمضت عيناها وهي تسمعه، ثم فتحت عيناها وهي تشم رائحة مرة بجانبها.
"ريحتها حلوة إيه؟"
يقطب حاجبيه متعجباً ثم سألها.
"إنهي ريحة؟ ماهو مش معقول لسا اللي شامة ريحة البرفان."
تعلقت عيناها بمصدر الرائحة التي تقصدها، كما تعلقت عيناه هو أيضاً مذهولاً.
"ريحة الشيشة يا ياقوت اللي عجبتك يعني."
مالت مع الرائحة باستمتاع وكأن وحمها أتى بعدما مضى وقته.
"هو ينفع أروح أقعد جنبهم أشم براحتي؟"
ولم تشعر إلا وهو يجرها خلفه بعد أن امتلأ المكان بالدخان. وصلوا إلى المنزل، وإلى أن دلفوا للغرفة وكان مقتها أنه حرمها من تلك المتعة.
"يعني يوم ما تتوجعي تتوجعي على ريحة الدخان."
وضرب كفوفه ببعضهم، فرمقته بتذمر.
"هو بإيدي... ولادك اللي عايزين."
لم ينتبه لخطأها فيما تفوّهت به، حتى هي لم تدرك حديثها إلا فيما بعد، ولكنها تمنت لو كان التقط من حديثها ما قالته.
"دخان يا ياقوت ابني عايز يشم دخان."
ضحكت وهي ترى كيف تحولت ملامحه للتذمر، مما جعله يقترب منها يضمها إليه يضحك هو الآخر.
"أعمل فيكي إيه قوليلي."
"حبيني يا حمزة... الحب جميل أوي."
وكانت لمعنى عبارتها حياة أخرى لقلبه، فتعمق في ضمها ولم يتفوه لسانها بعدها إلا مردداً "الحمد لله". وما الحب إلا بيد الله.
***
أودع قبلة حانية فوق جبينها، ثم شبك يدها بيده يضمها نحوه بحنو. همهمت كالقطة وهي تدفن وجهها في عنقه.
"مراد."
تمتمت اسمه بتناغم طرب قلبه، تسأل عما ترغب، فأبتسمت وهي تدفن وجهها أكثر بعنقه.
"بجرب اسمك بس... أصل متعرفش أنا حبيتك من اسمك."
تعجب من عبارتها فرفع وجهها إليه.
"أفهم من كده إنك بتحبي اسمي مش صاحب الاسم؟"
أماءت برأسها، فقبض حاجبيه ماقتاً. ضحكت وهي تراه هكذا.
"بهزر يا رمضان انت مبتهزرش."
استنكر الاسم الذي تمتمت به، فرفع أنفه بترفع بطريقة يجيدها.
"رمضان؟"
"لا متعملش نفسك تربية بلاد بره..."
ضحك رغماً عنه من تعبيرات وجهها البشوش، فمد يده يعبث بخصلاتها.
"اظاهر إننا مش هنعرف نروح شغلنا بكرة وهنقضيها كده، وأنا بحب كده."
ثم غمز لها بوقاحة لتفهم مقصده، ودفنت وجهها أسفل الوسادة ليضحك بمتعة.
***
تعلقت عين ندي بياقوت وقد وقفت تتهامس مع حمزة قليلاً قبل أن يذهب لعمله. لم تكن ندي تشعر بالنقص من تلك المشاعر، فشاهب يغمرها بعاطفة حبه التي تحسد نفسها عليها، ولكن السعادة والتناغم الذي تراه بين ياقوت وحمزة وكيف عاد حمزة مشرق الوجه ويمزح دون هموم، جعلتها تُدرك أنه وجد سعادته مثلما هم وجدوها.
اقتربت منها ياقوت لتبتسم ندي مشيرة إليها.
"تعالي كملي فطارك."
جلسوا ليكملوا فطورهم سوياً لتهتف ياقوت.
"ياسمين أختي جايه من البلد تقعد معايا شوية."
"طب وفيها إيه تشرف يا ياقوت... آه حتى تغير جو عشان اللي هي فيه."
"يعني إنتي معندكيش مشكلة تيجي الفيلا هنا؟"
ربتت ندي بيدها فوق كفها مبتسمة.
"حاولي تنسي تصرفاتي معاكي القديمة.. كان غصب عني سوسن أختي فمكنتش قادرة أتقبل واحدة تاخد مكانها... بس حمزة عمل عشانا كتير من حقه يعيش من غير قيود."
"إنتي طيبة أوي يا ندي."
ابتسمت ندي وقد لمعت عيناها بالدمع، ثم ارتمت في حضن ياقوت التي طالعت فعلتها مذهولة، ولكن سريعاً ما تجاوزت دهشتها ثم ضمتها إليها.
***
تعلقت عين معتصم بسمر الجالسة خلف مكتبها، فأقترب منها بهيام.
"إنتي جميلة أوي."
اندهشت سمر من تصريحه المفاجئ، ولكن كان هذا أساس السحر الذي فعلته لشهاب ووقع الأمر على صديقه.
"هتفضلي كده مش حاسة بيا؟"
أردف بتلك العبارة وسمر جامدة في مكانها تنظر إلى ملامحه. تقارن بينه وبين شهاب، فالاثنان على قدر عالٍ من الوسامة، ولكن شهاب يوفقه بالمال. ظل معتصم يتغزل بها وهو لا يشعر بنفسه، فلم يكن يوماً إلا دنجوان عصره تركض النساء خلفه.
***
تشنج جسده وهو يراها تمد يده لتطعمه. فصرخت جين بوجهه مما جعله يشيح عيناه بعيداً عنها كطفل صغير. انصدمت سماح من الأمر وهي تدلف لغرفته ذلك الوقت، تحرص على موعد أدويته كما أوصاها سهيل قبل عودته لفريقه وتدريباته.
"سأطعمه أنا جين."
ألتفت نحوه جين ساخطة ودفعت لها صينية الإفطار.
"افعلي... أصبحت أمقت ذلك الجو."
وضعت يدها على بطنها متمتمة.
"أنا بحاجة للراحة وليس التمريض."
نطقت عبارتها بدلال ورحلت. كان نور الدين يسمعها، ولكنها لا يستطيع الكلام ولا كتابة ما يرغب بقوله. عاجز قاتل يشعر به، وكلما رآها عاد شريط ما رأى يمر أمام عينيه.
جلست جانبه سماح تطعمه فتقبل منها الأمر.
"لو حرصنا على طعامنا وأدويتنا ستسير بخير وستعود كما كنت."
ومن أجل ذلك الأمل كان نور الدين يتناول أدويته. لتقف جين خلف الباب تسمعها بابتسامة واسعة متمتمة بين نفسها.
"احرصي عزيزتي حتى يكتشفوا أن الدواء الذي تحرصي على إعطائه له ما هو إلا لتدهور حالته إلى أن يموت."
***
نظرت صفا حولها تتأمل المزرعة من شرفة غرفتها. الكل تعجب من عودتها، ولم تكن كأي عودة، عادت وهي زوجة رب عملهم وأم وريثه. شعرت بخطوات خلفها لتسمع بعدها صوت الخادمة تخبرها.
"في واحدة من عمال المزرعة عايزة تقابلك ياهانم ومصممة تقابلك بتقول اسمها..."
وقبل أن تنطق الخادمة الاسم كانت تندفع لخارج الغرفة، ثم هبطت السلم بخطى سريعة لتتعلق عيناها بحورية الواقفة.
"حورية!"
نطقت اسمها وهي تضمها إليها.
"أنا مصدقتش الكلام اللي سمعته عنك قولت أجي أشوفك..."
وابتعدت عنها بعدما أدركت أن ثيابها المتسخة قد أفسدت ملابسها.
"بوظتلك فستانك سامحيني."
"متقوليش كده... إنتي ليكي فضل كبير عليا بعد ربنا... ده أنا اتعلمت منك كتير."
ابتسمت صفا وهي تسحبها نحو غرفة الجلوس، مما جعل حورية ترتبك.
"اقعدي يا حورية... قوليلي تشربي إيه."
نظرت حورية نحو المقعد.
"الكرسي هيتوسخ من هدومي... أنا هقعد على الأرض."
التقطت صفا يدها سريعاً قبل أن تفعل ما نطقت به.
"لا هتقعدي على الكرسي... إنتي ضيفتي هنا."
ابتسمت حورية بحبور.
"ما شاء الله اتجوزتي بيه... والدنيا فتحتلك أبوابها."
وتعلقت عيناها نحو بطنها التي تفسر أن الزواج من قبل أن ترحل صفا من المزرعة.
"هو إنتي والبيه كنتوا على علاقة يا صفا... سامحيني على سؤالي بس كل عمال المزرعة بيتكلموا عن علاقتك ب البيه."
***
لا تُصدق أن أخيراً وصلت لاسم مقر شركته. بعد بحث طويل عن وفي حسابه الشخصي. دلفت للشركة بحماس تحمل بعض الرسومات التي سرقتها من غرفة ياقوت بعد أن علمت أنه مصمم أزياء. فالحجة لمقابلته ورؤيته عن قرب لن تكون إلا بذلك الأمر.
سألت عن مكتبه وقد أخبرت فارس أن يوصي عليها عمه حتى يعطيها فرصة. استغرب فارس الأمر ولكنه لبى رغبتها.
"أنا جايه أقابل مستر هاشم."
طالعتها مديرة مكتبه بنظرة فاحصة، ثم تعلقت عيناها نحو الأوراق التي تحملها.
"إنتي مريم؟"
أماءت مريم برأسها، فها هو فارس نفذ لها طلبها. أشارت لها بالدخول. وفور أن دلفت مكتبه تعلقت عيناها به وهو جالس بوقار يُطالع بعض الأوراق. تأملته عن قرب إلى أن انتبه لوجودها.
"مريم مش كده؟"
سألها عن اسمها لتنظر إليه بعدما فاقت من شرودها. حركت رأسها سريعاً إجابة عن سؤاله.
"تعالي يا مريم... فارس موصي عليكي وأتمنى تكوني فعلاً موهوبة."
ثم عاد يُطالعها.
"مع إن سنك صغير."
أسرعت للتوضيح له.
"أنا مش صغيرة، أنا سنة وأدخل الجامعة."
ابتسم وهو يسمعها. مد يده ليأخذ منها الأوراق ويرى إلى أي مدى وصلت موهبتها.
اتسعت عيناه ذهولاً وهو يرى بعض من التصاميم.
"إنتي موهوبة يا مريم... مش معقول في سنك ده ومعندكيش خبرة تطلعي حاجة بالجمال والدقة."
ارتسم الزهو فوق شفتيها ومديح هاشم يتدافق فوق مسمعها، فلم يصادف أحد بعمرها بهذه الموهبة، كل من صادفهم كانوا بسنوات عمر أكبر وخبرة.
طرقات خافتة أخرجته من تحديقه بدقة الرسومات. لتدلف ياقوت الغرفة وعيناها جاحظة نحو مريم الجالسة ولم تنتبه إليها، ولكن لم تمر ثوانٍ فرفع هاشم عيناه نحوها ومريم التي التفت نحوها أيضاً وتلاشت معالم سعادتها إلى الشحوب.
رواية للقدر حكاية الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم سهام صادق
- مريم!
هتفت بها ياقوت متعجبة من وجودها هنا. اقتربت منها تحت نظرات هاشم الذي تساءل على الفور:
- انتوا تعرفوا بعض؟
عندما نطق هاشم تلك العبارة، انتفضت مريم من مكان جلوسها. التقطت الرسومات التي كان يفحصها هاشم وغادرت صامتة، تلعن حظها الذي يجمعها بتلك التي لا تراها إلا دخيلة على حياتهم.
أسرعت في خطاها، كما أسرعت ياقوت نحوها بخطوات أشبه بالركض، إلى أن أصبحوا خارج الشركة.
- مريم استني يا مريم.
كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة وهي تهتف باسمها، ولكن مريم لم تُعيرها أدنى اهتمام. عندما ضجرت من اتباعها، وقفت تطوي ذراعيها أمامها.
- نعم، في إيه... انتي جايه ورايا ليه؟
تعمقت عينا ياقوت بها، ووقفت أمامها وما زالت تلتقط أنفاسها.
- انتي كنتي بتعملي إيه هنا يا مريم؟
- وانتي مالك؟
لم تعلق على فظاظتها، فما الجديد بينهم إلا هذا. ولكن عيناها تعلقت بآخر شيء توقعته منها، أن تكون مريم سارقة وتسرق رسوماتها. عندما انتبهت مريم لنظراتها، خبأت الورق خلفها.
- الورق ده بيعمل معاكي إيه يا مريم؟ انتي أخدتيه من أوضتي؟
ورغم بجاحتها التي اعتادت عليها، إلا أن هذه المرة كانت مريم تهرب بعينيها بعيداً.
- ردي عليا.
- أنا مش حرامية... وادي ورقك خديه.
دفعت الورق إليها وأسرعت في الابتعاد عنها، ولكن...
- أنا هقول لحمزة... هقوله على سهرك وآخرتها سرقتك... انتي كده بتضيعي.
سكنت مريم للحظات، ثم التفتت إليها ببطء، خائفة، تتمنى وجود رؤى بجانبها حتى تُحفظها ما ستقوله.
- لو قولتيلي مش هيصدق... ولا حد هيصدقك.
لم تكن كاذبة، فالكل لا يراها إلا طفلتهم البريئة التي لا تكبر. تظهر أمامهم بمريم التي تربت على أيديهم، ولكن بعيداً عن أنظارهم كانت كمن يتبع أحداً ويُحركه.
- مريم أنا...
وقبل أن تتفوه بباقي عبارتها وتُخبرها أنها تخاف عليها، كانت مريم تلحق بسيارة الأجرة التي أوقفتها.
***
هتف بها فور أن دخلت غرفته، متسائلاً عن معرفتها بتلك التي وصي عليه ابن شقيقه.
- أنتي تعرفي البنت دي؟
تطلعت ياقوت بحيرة، ثم حسمت أمرها.
- دي مريم بنت حمزة... أقصد بنت مراته الله يرحمها.
قطب هاشم حاجبيه، غير مصدقاً أن الفتاة التي رآها في حفل عيد ميلاد فارس، وترقص وسط شباب وفتيات يثيرون اشمئزاز من يراهم ويلعن تربيتهم.
- مش معقول... إزاي حمزة سابها كده؟
أطرقت ياقوت عيناها أرضاً. فتحرك هاشم سريعاً نحو مكتبه حتى يلتقط هاتفه.
- أنا هتصل بحمزة فوراً.
- مستر هاشم، انت هتعمل إيه؟ بلاش تتصل بحمزة، أنا اللي هطلع وحشة في الآخر.
اللمعت عينا هاشم وهو يتذكر الرسومات التي جلبتها، فحدق بها بذهول.
- الرسومات اللي عرضتها عليا دي بتاعتك يا ياقوت، مش كده؟
لم تجب عليه وصمتت، فلا تعرف كيف وصل أمر مريم لهذا الحد.
- انتوا ساكتين على البنت دي إزاي... فين حمزة من كل ده... انتي تعرفي أن فارس ابن أخويا هو اللي موصي عليها.
أردف وقد تعلقت عيناه بعيني ياقوت، التي وقفت أمامه بقلة حيلة، لا تعرف كيف تدافع عنها.
- عارفة ده معناه إيه؟
- مريم مش وحشة بس بتمر بحالة نفسية.
هتفت بها دفاعاً عنها، ولكن هاشم استنكر دفاعها.
- ياقوت، سكوتك ده هيضيعها أكتر... أنا مش راضي عن تصرفات فارس، لكن في النهاية هو راجل.
تنهد وهو يتذكر جلوسها أمامه.
- أنا مش قادر أصدق إن دي تربية حمزة.
أغمضت عيناها وهي لا تعلم من أين تبدأ في إصلاح الصغيرة.
***
ترك معلقته ليتأملها وهي تنظر إلى طبقها دون مساسه.
- مبتأكليش ليه؟
رفعت عيناها نحوه، ثم عادت تنظر إلى طبقها ثانية.
- مين الست اللي جاتلك الصبح... دي واحدة من عمال المزرعة، مش كده؟
رمقته صامتة، ثم نهضت من فوق مقعدها.
- أيوه، من عمال المزرعة زي ما أنا برضه كنت من اللي شغالين هنا وبقيت فجأة مرات البيه بتاعهم.
لم يعجبه حديثها، فنهض خلفها يسحبها من ذراعها قبل أن تتحرك خطوة أخرى.
- لما نكون بنتكلم، ما تمشيش وتسبيني... واقعدي كملي أكلك.
ثم أدار جسدها إليه لينظر إلى عينيها، ولأول مرة يكتشف زرقتهما الصافية عن قرب. ازدرد ريقه وهو يفحصها، ثم رفع كفه يُلامس وجهها الأبيض.
- لازم نبدأ من أول وجديد يا صفا... عشان الطفل اللي جايلك.
كانت ستصيح به وتُخبره عن أي طفل سيربط بينهم، وبينهم جدار صلب قد بناه هو من قسوته. ولكن عندما تذكرت ثأرها منه ومن شقيقته، أشاحت عيناها بعيداً عنه، متمتمة:
- أنا هطلع أنام.
وانصرفت حتى تختلي بنفسها في غرفتها. فوقف ينظر لخطاها، يزفر أنفاسه، يتمتم لحاله:
- انت بتعاملها كويس عشان ابنك يا فرات... ولكن كانت هناك حقيقة يُداريها عن قلبه، فقد أصبح يقع بحبها ويراها امرأته.
***
نيران كانت مشتعلة بداخله وهو يتذكر حديث نغم معه اليوم، تُخبره أن مراد قد طلب منها ألا تحضر له أي اجتماع يخص شراكتهم.
لم يكن يخرج تلك النيران إلا على زوجته التي كانت مستسلمة له بحب. نهض عنها يرمقها دون أي مشاعر، لتضم الغطاء نحو جسدها وعيناها عالقة به وهو يبتعد متجهاً نحو المرحاض.
دقائق مرت وهو يقف أسفل المياه، يغمض عيناه بقوة، يتذكر تفاصيل كل ما أخبرته به نغم، حانقة من السعادة الظاهرة فوق ملامحهم عندما قابلتهم في الشركة اليوم.
كانت تشارك خالد غضبها وحنقها، وهي لا تدرك أنها تُشعل بداخله نيران الغيرة.
لطمة قوية دفعها نحو الحائط، يُخرس شيطانه وهو يصورها له مع مراد، فصرخ مقهوراً.
- ليه كل حاجة بتمنّاها أو أحبها بتكون لغيري... هفضل لأمتى مبخدش اللي نفسي فيه؟
***
وقفت جانبه تتأمل هيئته المنمقة التي تعشقها. أسبلت أهدابها تتعمق في النظر إليه، ولم تنتبه على ندائه وهو يطلب منها أن تُعطيه المقلاة.
- هناء.
أردف مستمتعاً بهيئتها.
- لا، انتي شكلك سرحانة ومندمجة على الآخر.
- بتقول حاجة يا مراد؟
ضحك وهو يترك ما بيده واتجه نحوها.
- مين اللي واخد عقلك؟
وب تلقائية هتفت دون شعور:
- انت.
ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيه وهو يسمع عبارتها التي عززت رجولته.
- طب أعمل فيكي إيه دلوقتي؟
أشارت نحو خدها بداعبه يعشقها.
- بوسني.
لم يمهلها إلا ثواني، كان يغلق فيها موقد الطهي، وبعدها أسر خصرها يحملها بذراع واحد، فتضحك هي بسعادة.
***
طرقات خافتة طرقها على باب غرفتها، فميزتها بسهولة. أسرعت لجلب أحد الكتب التي اعتادت على قراءتها، بعدما كان يُرشحها لها.
- اتفضل يا بابا.
هتفت بندائها، فأبتسم وهو يقترب منها دون إغلاق الباب، ينظر إلى ما تحمله بين يديها. عندما رأت ابتسامته، علمت أن ياقوت لم تُخبره بشيء.
- حبيبتي، عاملة إيه؟
- الحمد لله... بس زعلانة منك.
تمتمت عبارتها وهي تغلق الكتاب وتضعه جانباً.
- الدراسة هتبدأ بعد يومين... ومسألتش على المدرسين اللي هيدوني السنة دي ولا عملتلي جدول للمذاكرة، وحتى زي المدرسة ندى وشهاب هما اللي اهتموا بي.
تنهد وهو يشعر بالحزن لتقصيره نحوها.
- آسف يا حبيبتي... انتي عارفة إني مشغول.
- بس انت مش مشغول عن ياقوت وبتعتني بيها... انت نسيتني يا بابا خلاص.
أجادت أشعاره بالذنب كالعادة، ليُطالعها كيف تنتظر رده ليُجيب عليها، ولكن بماذا سيخبرها؟ ألتقطت عيناه الكتاب فحمله يُطالع عنوانه.
- خلصتي قرايته ولا لسه؟
- خلصته.
ثلاث مرات... ومستنية الكتاب الجديد اللي هتجبهولي نقراه سوا الأول.
وكان ذنب آخر تضيفه إليه. ابتسم وهو يُعلل لها انشغاله.
- أوعدك إني هفضي من وقتي ليكي لوحدك زي زمان... بس أنا عايزك تبدأي السنة دي مذاكرة بجد يا مريم.
أومأت له برأسها بسعادة، لينصرف بعدما أخذ الوعد منها.
شردت في ملامح هاشم، لتتمتم لحالها:
- أنا حبيته عشان هو شبهك.
أسرعت لاحتضان وسادتها، ثم غفت وهي تحلم بفارسها الجديد بأحلام مراهقة.
***
دلف لغرفتهما صامتاً، شارداً في حديث صغيرته وتذكيرها له عما كان يفعله لها ولم يعد. تعلقت عيناه ب ياقوت المنشغلة في صنع حذاء آخر صغير، وهو لا يعلم لما تصنع من كل شيء زوجين.
تركت ما بيدها واقتربت منه بحب.
- مالك يا حبيبي؟
نسي همومه وكل ما يشعر به وهو يستشعر جمال تلك الكلمة منها، خصوصاً.
- تعبان يا ياقوت... وتايه.
ثم أردف بعدما أخذ تنهيدة طويلة محملة بما يجثم فوق روحه.
- حاسس إني بعدت عن مريم وبقيت مقصر في الأمانة اللي سبتهالي سوسن.
تجمدت عيناها نحوه، فلم تعد تستطيع تخبأة أي شيء عنه، فلابد أن يجد هو حلاً.
- مريم يا حمزة ماشية في طريق غلط... أنا شفتها.
انتفضت مفزوعة وهي تراه ينهض من فوق الفراش.
- ياقوت، مريم مبتعملش حاجة غلط... أرجوكي مش عايز أسمع منك انتي بالذات أي حاجة عن مريم، زي ما أنا مبحبش أسمع منها حاجة عنك.
- انت ليه دايماً بتتهمني إني عايزة أشوه صورتها... ده حتى شريف.
أرادت أن تُصرح له بإهانة شريف وظنه بالسوء لها.
- كويس إنك اتكلمتي في الحكاية دي... شريف زعلان من كلامك عن أخته.. واشتكى لي، قول لي أعمل إيه بينكم؟
- متعملش حاجة يا حمزة... على العموم، أنا قولت اللي عندي وحاولت أنبهك، ولا لآخر مرة بقولك راقب تصرفات مريم وارجع اهتم بيها، وأنا مبقتش عايزة اهتمام خلاص.
هتفت عبارتها الأخيرة بغضب، وألتفت بجسدها لتبتعد عنه، فأسرع بجذبها إليه.
- هنرجع نزعل ونتقمص من تاني... وأنا اللي كنت عامل لك مفاجأة.
تعلقت عيناها به بمقت، ثم أشاحتهما سريعاً عنه، فضحك.
- أفهم من كده إيه، مش عايزة تعرفي مفاجئتي؟
نفت برأسها، ليضحك ثانية.
- هتندمي يا ياقوت.
- مش عايزة أعرف... ومش هندم.
فمال عليها ليهمس في أذنها:
- حجزت لك بكرة في المعرض التشكيلي اللي نفسك تروحي، وهنروح سوا يا ستي.
أدارت جسدها نحوه، ورغم حنقها منه، إلا أن إرضاءه لها جعله يلين، فلا أحد يجد رجلاً كاملاً كما أصبحت تعقل فكرها.
- بجد عرفت تحجز لنا... دول قالولي إن التذاكر خلصت.
- هو جوزك، أي حد؟
هتف عبارته بفخر رجولي مصطنع، فأردفت تُكمل له مازحة:
- لا، مش أي حد طبعاً... ده حمزة الزهدي.
ابتسم وهو يأسرها بين ذراعيه، فأنبه ضميره عن حديثه معها.
- متزعليش مني يا ياقوت... مريم بنتي ومافيش أب بيستحمل حد يتكلم عن أولاده.
- وأنا متكلمتش عنها وحش... أنا مش وحشة يا حمزة.
أبعدها عنه قليلاً ليودع قبلة حانية فوق جبينها.
- عارف يا قلب حمزة.
أطربته الكلمة، فأبتسم، ليبتسم هو الآخر.
- أنا قلبك يا حمزة.
- طبعاً يا ياقوت.
كاد أن يغرقها في حنانه، لتتوقف يدها فوق صدره، تبعده عنها برفق.
- مريم محتاجة مراقبتك، صدقني أنا مش بكرهها.
تعلقت عيناه بها للحظات، وعندما وجد نظرة الخيبة في عينيها من ردة فعله كلما دار حديثهم عن مريم ونصحها له.
- حاضر يا ياقوت.
***
وقفت على أعتاب حجرته، تقدم قدماً وتؤخر الآخر. كان واقفاً أمام المرآة يبدل ضمادة جرحه الذي لم يطيب بعد، وعندما رأى انعكاس صورتها ونظرتها لجرحه، التفت نحوها.
- محتاجة حاجة يا صفا؟
لم يعد فرات الذي عرفته قديماً، وكأن رحلته إلى الموت أيقظت بداخله مشاعر كثيرة، فحتى الخدم بدأوا يتحدثون عن تغيره.
أومأت برأسها، متمتمة:
- كنت محتاجة منك طلب... عايزة حورية تتنقل لشغل مريح في المزرعة.
- حاضر.
بسهولة نطقها، فأستعجبت الأمر، وانتبهت إلى محاولته في لف الشاش فوق موضع الجرح، فأقتربت منه تُساعده، متذكرة أنه فداها بروحه ذلك اليوم.
- لسه معرفتش مين اللي ضرب النار؟
كان سارحاً فيما تفعله وقربها منه دون خوف، رغم أن رحلة علاجها النفسي لم تكتمل بعد.
- لسه.
وضغط على أسنانه بقوة.
- الاقيه بس ومش هرحمه.
عاد لقوته وشراسته، ولكن عندما لامست أصابعها صدره فوق موضع الجرح، لانت ملامحه، وانتابه شعور جعل قلبه يخفق دون أن يعرف السبب.
- أنا هروح تاني إمتى للدكتورة النفسية؟
- هي هتجيلك هنا يا صفا... لأن وجودنا في المزرعة هيطول شوية لحد ما تولدي.
أندهشت من سبب مكوثهم لحيناً ميعاد ولادتها، ولكن هنا كان بالنسبة له في مأمن.
***
نظرت مها للشقة التي اصطحبها إليها بأعين مبهورة من جملها. اعتاد على رؤية الانبهار منها في كل شيء، حتى أنه بات يشعر وكأنها طفلة صغيرة. تساءلت وهي ترفع عيناها نحوه:
- ده بيتنا يا شريف؟
- أيوه يا حبيبتي.
وعادت تتساءل مجدداً وهي تفرك مؤخرة عنقها.
- هو إحنا كنا عايشين هنا؟
- لا يا مها، كنا عايشين في بيت تاني.
تمتمت بطفولة وهي تعود لفحص الشقة بعينيها.
- طب ليه مش هنروح بيتنا التاني؟
تنهد وهو لا يعرف بما سيُجيبها، فهذه أوامر طبيبها حتى تتذكر كل شيء بتمهل دون صدام. ألتمعت عيناه بمحبة.
- عايز نعيش في بيت بتاعنا احنا بس.. ونكون لوحدنا.
تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل، فطَرقت عيناها أرضاً. فرفع وجهها إليه.
- تيجي أحكيلك إزاي اتقابلنا؟
***
ضمت الهاتف نحو موضع قلبها بعدما استمعت إليه وهو يبثها حبه ويُخبرها أنه وقع صريع هواها.
- آه منك يا سهيل... وأنا بقيت أحبك أوي.
كانت تُحادث نفسها، فالمكالمة قد انتهت. اقتربت من شرفتها لتفتحها قليلاً وتتنفس الهواء المنعش المنبعث من الحديقة.
مرت الدقائق وهي واقفة هائمة في تطور علاقتها بسهيل، وكيف تمادت علاقتهما. تآوهت بخفة وجنينها يركلها ببطنها.
- مش عيب تضرب ماما أوي كده... شكلك هتطلع لاعب كورة زي بابا.
انكمشت ملامحها وهي ترمق خطوات جين المرتبكة وألتفافها حول نفسها، لتعود إليها روح الصحفية التي افتقدتها.
أسرعت لخارج غرفتها واتبعت المكان الذي اتجهت إليه. لم يكن أمامها إلا غرفة الحارس. تعجبت، ولكن قررت أن تسير خلف فضولها.
رأت خيالها ووقوفها مع الحارس، تُعطيه المال وتصرخ به:
- لا تطلب مال آخر، لن أعطيك.
- أشعر وكأنك تتصدقين عليا... ستعطيني ما أريد أم أخرجك من تلك الجنة التي تعيشين بها؟
رفعت جين يدها لتصفعه، ليمسك يدها بقوة.
- افعليها ثانية وسأخبرهم أنك الحية الخبيثة هنا... وكيف خدعتيهم بأمر الطفل الذي هو لي.
يتبع بأذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم سهام صادق
عيناها كانت شارده كحال عقلها وهي تطعمه وجبة افطاره.
إلى الآن لا تُصدق ما سمعته ليلة أمس.
كانت تعلم أن جين حقيرة، ولكن لم تتوقع أن تصل حقارتها للخيانه.
تأملت نور الدين الذي يتناول منها طعامه بفمه الملتوي وعيناه التي تُريد الإفصاح بما يرغبه عقله.
دقائق مرت وهي على هذا الحال لتنهض من فوق فراشه مُتجها نحو باب غرفته، ترصد الرواق بعينيها، ثم عادت نحوه سريعاً تحت نظراته لتسأله:
- جين السبب فيما حدث لك نور الدين، أليس كذلك؟
أماء نور الدين برأسه بلهفه، فأخيراً وجد من سيخبره بحقارة تلك التي تُسمى زوجته.
- الطفل ليس طفلك.
حرك رأسه بحزن وقد ألتمعت عيناه بالدمع.
فهي تنسب له طفلاً ليس من صلبه، وهو الذي كلما حاول بعجزه أن يمسها كزوجة أو يساعده على هذا الأمر، كانت تبتعد عنه نافرة.
ارتعشت شفتاه وقاوم دموعه وهو يشعر بالخزي مما هو فيه.
فشعرت به سماح، لتربت على كفه بدعم.
- سأساعدك لنيل حقك نور الدين.
تبدل حاله وهو يسمع كلماتها، وأشرقت ملامحه.
فلا يريد الموت إلا وتلك الخائنه تنال ما تستحق ولا ترث أمواله.
***
احتضنت شقيقتها بسعادة، ولكن كان قلبها يتفطر ألماً وهي تراها منطفئة الروح والوجه وقد فقدت الكثير من وزنها.
- وحشتيني أوي يا ياسمين.
- وأنتي كمان يا ياقوت، أنا كنت محتاجاكي أوي.
ابتعدت عنها ياقوت تنظر لملامحها الباهتة، فربتت فوق وجنتها بحنان.
- وأنا هكون جنبك ديما.
عادت لتحتضنها ثانية، ولم ينتبهوا لهبوط مريم الدرج.
فوقفت تتأملهم بأعين لامعة تتمنى داخلها لو كانت لها شقيقة ترمي بين أحضانها.
نفضت رأسها سريعاً وهي تتذكر من تتمنى أن تكون مثلهما.
اقتربت منهما وفحصت ياسمين بعينيها.
- إزيك.
ابتسمت ياسمين إليها، ولكن توترت من نظراتها، فهي تعلم أنها لا تطيقها.
- الحمد لله.
تعجبت ياقوت من تقبلها لقدوم شقيقتها ومكوثها هنا معها.
أخرجتها من دائرة أفكارها وهي تهتف:
- عايزاكي في كلمتين.
رمقتها ياقوت بأستنكار، ولكن تجاوزت صفاقتها واتبعتها.
- عشان انتي طلعتي جدعة ومعرفتيش بابا باللي حصل.
- وأنا أه طلعت جدعة معاكي ومع أختك وسمحلها تبقى ضيفة في بيتنا.
مقتت حديثها الذي أغاظها.
- وتفتكري هفضل ساكته؟
شحبت ملامح مريم وهي تتذكر وعدها له ليلة أمس.
فهي بالفعل قررت أن تتخلى عن رفقة رؤى وأصدقائها، ولكن حبها الذي بدأ ينمو نحو هاشم لن تتخلى عنه.
قطع حديثهم قدوم ندي نحوهم وترحيبها بياسمين.
التي وقفت تفرك يديها بتوتر، تخشى أن تكون ضيفة ثقيلة بينهم، ولكن مع ترحيب ندي شعرت بالراحة.
***
انفردت ندي بمريم غير مصدقة صمتها دون إلقاء كلام جارح لياسمين.
- كويس إنك مقولتيش للبنت كلمة تجرحها، قدري حالتها وبلاش تضايقيها يا مريم.
تركت مريم هاتفها الذي تبعث به وتعلقت عيناها بندي.
- أنا وعدتك انتي وبابا مش هضايقها، هي هتمشي إمتى؟ ياريت الزيارة متطولش.
تنهدت ندي بيأس.
- يعني نحدد إقامة للبنت، واحدة وقاعدة في بيت أختها.
انتفضت مريم من فوق مقعدها ترمق ندي بغيره.
- لا ده بيت ماما وأنا ساكته عشان بابا.
ودمعت عيناها وهي تبكي على ذكرى والدتها.
- أخدت كل حاجة كانت لماما يا ندي، بابا مبقاش يتكلم عن ماما ومبقاش شايف غيرها.
- أنتي إزاي نسيتي ماما يا ندي، دي كانت أختك.
ترقرقت عين ندي، فكيف تلومها على ذكرى شقيقتها وحبها لها، ولكن الحياة تمضي مهما كان وتقذفنا هنا وهناك.
- إزاي أنسى أختي وأمي يا مريم، بس حمزة من حقه يعيش برضه، كفاية اللي عملوه عشانا ولسا بيعملوه وسوسن هي اللي وصت بجوازه.
ومسحت دمعتها بوهن.
- سوسن زمانها فرحانة عشانه.
ألقت مريم نفسها بين ذراعيها تستمد منها قوتها وظلت تبكي، ثم ابتعدت عنها.
- ندي أنا عملت حاجة غلط وعايزة أعترفلك بيها، بس متقوليش لشريف ولا بابا هيزعلوا مني.
لتتجمد ملامح ندي بقلق.
فابتلعت مريم لعابها.
- أنا كنت بخرج من وراكم بالليل.
اتسعت عين ندي ذهولاً لتسرع بإخبارها.
- هما كام مرة بس؟ وكمان شربت سجائر.
وتلك المرة شهقت ندي غير مصدقة ما سمعت.
***
طرقت باب غرفتها ثم دلفت إليها لتجدها جالسة فوق الفراش تقرأ في كتاب الله.
صدقت ونظرت نحو شقيقتها، فلمعت عيناها بسعادة وهي ترى ياقوت بأبهى صورة وهيئتها كهيئة نساء المجتمع المخمل التي قد ظهرت عليها.
- طالعة جميلة يا ياقوت.
تمتمت بها ياسمين بحب حقيقي لتقترب ياقوت ثم دنت منها تلثم خدها.
- أنتي اللي جميلة وعيونك جميلة يا حببتي.
ابتسمت ياسمين فربتت فوق خدها.
- معلش هسيبك لوحدك، بس لو عايزاني ألغي.
أسرعت ياسمين بقطع عبارتها.
- لا متلغيش خروجتك مع جوزك عشاني، اخرجي واتبسطي عشان ترجعي تحكيلي عملتي إيه.
ابتسمت بحب لنقاء شقيقتها وطيبتها.
لم يؤثر كره زوجة أبيها لها بقلب شقيقتها، وكأن بطن واحدة قد حملتهما.
فشقيقتيها من والدتها لم يكونوا مثل ياسمين.
فالوحيدة كانت القريبة منها تراها أختها الكبرى.
- مش هتأخر عليكي.
هتفت بها وهي تلقي عليها قبلة بالهواء ثم غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
سارت نحو غرفتها لتنظر لحمزة الواقف ومازال يهندم قميصه، فأقتربت منه تلثم خده.
ابتسم وهو يشعر بملمس قبلتها فوق خده.
- لا ده أنا كده أوديكِ كل يوم معرض.
ضحكت برقة وهي تناوله سترته.
- وأنا موافقة.
- بقيتي مكارة يا حببتي.
- ماهي اللي تتجوز راجل زيك لازم تبقى كده، ياقوت الهبلة مكنتش نافعة.
قطب حاجبيه بعبوس مصطنع.
- مسمحش ليكي تغلطي فيها، بس منكرش إن ياقوت الجديدة بقت خطر عليا.
ألتقط منها سترته وهو يُخبرها بعبارته الأخيرة.
فلطمت صدره بخفة.
- بقيت أتعلم، ماهو الأهبل مش بيفضل أهبل بيتعلم يا حمزة باشا.
ضحك بخفة وهو يفحصها بنظراته.
- باشا إيه ده انتي اللي بقيتي باشا.
ومال نحوها يتسأل.
- مش هتقوليلي المرادي واخده مين قدوتك وبتتعلمي منه.
ومهما فعل لن يتخيل أن سبب في تغيرها لكل هذا هي السيدة سميرة صاحبة البناية التي كانت تقطن بها عندما أتت من بلدتها.
زيارة دون سبب قررت فعلها إكراماً لطيبة تلك المرأة.
ولم تنتهي تلك الزيارة هكذا، إنما اتبعها اتصال من والدتها تخبرها أنها ألتقيت بزوجة أبيها في عرس أحد أقاربهم لتخبرها أن ابنتها خائبة الرجاء لا تملئ عين زوجها وستعود إليهم مطلقة.
فما الفائدة من فتاة آتية من خلف البهائم.
أقسمت لحظتها أنها لن تجعل أحد يشمت بها.
ركلة قوية ركلها بها صغارها لتتأوه ثم ضحكت.
- مش عيب كده.
ابتعد عنها بعدما كان غارقاً في إغداقها بمشاعره لينظر لها وهي تضع يدها فوق بطنها ثم ابتسم بعد أن استوعب مقصدها.
- وجعك أوي.
ضحكت وهو تمسك يده تضعها فوق بطنها.
واليوم أيضاً لم تنتبه لحديثها كما لم ينتبه هو.
- دول بيلعبوا.
مسح على بطنها بخفة وعيناه قد لمعت.
- تعرفي إن شعور الأبوة جميل أوي، نفسي أشيله على إيدي وأتابع كل خطوة وهو بيكبر قدامي.
وتنهد وهو يتذكر فترة إصرار نادية على زوجها وسؤالها المتكرر له كيف لا يتمنى تجربة ذلك الشعور.
- تعرفي إن نادية كان عندها حق.
ورفع كفيه يمسح فوق خديها وعيناهما ثابتة نحو بعضهما.
- أنا كنت محتاجكم فعلاً يا ياقوت.
وانتهى الكلام وهو يحتضنها ولأول مرة يشعر أنه تحرر من الماضي الذي كان يحاوطه وعاد حمزة ذو الثالثة والعشرين عاماً.
***
ابتسمت هناء بخفة وهي تنظر إليه وهو يُعلمها كيف يتم أكل طعام السوشي.
- مهما حاولت يا مراد مش هعرف.
رمقها وهو يضيق عيناه.
- طب جربي قدامي ووريني.
زمّت شفتيها وهي تخبره بقدراتها.
- يا مراد أنا عارفة نفسي أنا غبية.
ضحك على نعتها لنفسها بالغباء.
- بيعجبني فيكي صراحتك يا حببتي.
ألتمعت عيناها بشر ولكن بشر لذيذ يروقه.
- قصدك إيه يا مراد، بدل ما تقولي لا انتي مش كده يا حببتي.
- أكذب يعني يا حببتي.
ألتقط كفها يُقبله وهو يهتف بعبارته.
خفق قلبها وهي ترى شفتيه تلثم راحة كفها ثم باطنها.
- مراد الناس.
همست اسمه برقة وهي تسبل أهدابها بطريقتها العفوية.
ليقرب مقعده منها.
- بعد مراد ديه، نفسي أروح أبوس إيد ورأس عمي.
كانت نغم تدلف برفقة إحدى صديقاتها تلك اللحظة وقد اختارت ذلك المطعم بعدما استمعت لسكرتيرة مكتبه وهي تحجز له فيه.
اشتعلت الغيرة في طيات قلبها ولكنها تمالكت نفسها واتجهت نحوهم وهي تشهق دون تصديق.
- مش معقول، إيه الصدفة دي.
رمقها مراد بابتسامة مصطنعة وهو يتمنى داخله ألا تعزم نفسها وتطلب رفقتهم.
- فعلاً يا نغم صدفه عجيبة.
ونظر نحو صديقتها ليرحب بها.
وبعدما شعرت نغم بعدم رغبته في إطالة الحديث معها وكيف يقبض على كف هناء التي رحبت بها أيضاً ولكن داخلها كانت لا تتمنى رفقتها لشعورها بمشاعرها نحو زوجها.
صورة كانت تلتقط لثلاثتهم وعنصر آخر كان يدخل في تصفية الحسابات ولكن تلك المرة كان العنصر داعماً.
***
كان يُحاصرها بعينيه وهي تتأمل رسم اللوحات بأعين مدققة.
حاوط خصرها وهو يميل نحو إحدى أذنيها.
- ناقص تدخلي جوه اللوحة يا ياقوت.
ابتسمت على مازحته.
- لو سمحت متتريقش عليا، انت كمان بتنسى نفسك وسط شغلك.
همهم مفكراً وهو يحك ذقنه.
- عندك حق، بس أنا أسمع إن الرسامين مجانين شوية.
- أفندم.
هتف بها أحدهم كان يمر جانبهم مستنكراً حديثه.
- آسفين يا فندم.
تقبل الرجل اعتذارها رامقاً حمزة بنظرات ساخطة.
ثم انصرف لتكتم هي صوت ضحكاتها.
- عجبك كده؟
أشار نحو حاله وهو يهتف بسخط مماثل.
- بقى أنا يتبصلي البصة الحقيرة دي.
- مش انت اللي غلطت.
امتعض وهو يجرها خلفه.
- مش اتفرجتي ودققتي كل رسمة يلا بينا.
أسرع في جذبها خلفه وهي تضحك رغماً عنها متمتمة باسمه حتى أوقفهم صوت هاشم.
- إزيك يا حمزة.
صافحه حمزة وقبل أن يهتف هاشم بسؤالها لماذا لم تخبره برغبتها بالمجيء لهنا وكانت أتت برفقته.
- عن إذنك يا هاشم.
ألتقط يدها ثانية تسأله بفضول.
- رايحين فين بس قولي.
ولم يعد يسمع أي حديث آخر فقد ابتعدوا عنه.
كانت عيناه تتبعهم ليتنهد وهو يمسح على وجهه وكان قلبه لأول مرة يخفق بقوة راغباً بتلك المشاعر.
***
فتحت ندي عينيها وأغلقتهم ثم عادت تكرر فعلتها بسهاد.
كان شهاب جالس جوارها يعمل على حاسوبه.
- مالك يا ندي؟
اعتدلت في رقدتها وهي تزفر أنفاسها لا تعرف كيف تنهي قلقها وحيرتها.
- شهاب أنا بقيت خايفة على مريم.
لم تفضح أمر مريم فقد أقسمت لها أن لا تفشي سرها ولم ترغب أيضاً في فضح ابنة شقيقتها وتغير نظرة الجميع لها.
تعرف طباع مريم إذا عُوقبت سيزداد الأمر سوءً معها.
- مالها مريم يا ندي؟
- مريم كبرت يا شهاب وإحنا لسا مش حاسين إنها كبرت.
ابتسم وهو يتذكر كل تفاصيل طفولتها ثم تسأل.
- طيب ما أي حد بيكبر يا ندي.
وطبيعي إننا لسا مش حاسين إن مريم كبرت، دي لسا طفلة بضوافيرها.
- أنا قولت برضه مش هتفهمني يا شهاب.
كاد أن يجيبها إلا أن رنين هاتفه جعله ينظر لها.
فنظرت له هي الأخرى بنظرات فاحصة.
- مين اللي بيتصل بيك دلوقتي؟
ألتقط هاتفه وكانت الأسرع في رصد اسم المتصل.
- أنت رجعت تعرف معتصم من تاني يا شهاب؟
لم يعطيها إجابة تريحها فهتف مجيباً.
- أيوه يا معتصم، بتقول إيه.
ثم أردف ساخطاً تحت نظرات ندي.
- يعني متصل بيا دلوقتي تقولي بحب سمر سكرتيرتك، اقفل يا معتصم.
لتتسع عين ندي ذهولاً.
- معتصم وسمر مش معقول!
***
جلس جوارها فوق الفراش بخفة حتى لا تشعر به.
تأملها وحديث أحد أصدقائه يدور بعقله ويخترق أذنيه.
"يعني يوم ما تتجوز يا فرات تتجوز واحدة خريجة سجون..."
وعندما لم يتلقى منه صديقه إجابة هتف غير مصدق.
"حبيتها يا حضرة المقدم."
وعند نطق صديقه ذلك اللقب، كانت إجابته.
"فلم يعد يربطه أي قانون عسكري."
تلملمت في غفوتها فأنتبه لتحركها فوق الفراش.
لينحصر ثوبها بين ساقيها مع انفراج شفتيها.
قلبه كان يقوده فلم يشعر بدنوها منه ولا نيل ما رغبت شفتيه.
إلا عندما فتحت عيناها تصم شفتيها بقوة تهتف بأنفاس متقطعة.
- انت... بتعمل... إيه... هنا؟
- محتاجك يا صفا.
ولم يُمهلها اعتراضاً آخر وكان يُحاصرها بين ذراعيه.
ولم تكن إلا جثة هامدة تُعطيه ما يريد.
يخبرها عقلها.
"لن تصبحي سيدة كل شيء وتثأري لحقك إلا بذلك."
ومضت الليلة وقد غفا جوارها لتسحب نفسها من فوق الفراش بعد أن غطت جسدها.
ثم جلست جوار الفراش باكية تكتم صوت شهقاتها التي كانت تصل لمسمعه فتطعن رجولته.
تعيده إلى ذكرى بعيدة لأشهر وهو يُخبرها أن تُعرّي جسدها أمامه وهي تفعل ذلك مسلوبة الإرادة حتى لا تُسجن مرة أخرى وتجعله يثأر لحبيبته القديمة بذنب لا دخل لها فيه.
***
لثم خدها برفق ثم ابتسم وهو يراها تفتح عينيها.
- صباح الخير يا حضرة الفنانة.
ابتسمت رغماً وهي تفرك عينيها.
- صباح النور.
- هي الساعة كام دلوقتي؟
نظر لساعته ثم عاد يُشبع عيناه منها.
- لسا فاضل ساعتين على ميعاد شغلك، أهم حاجة تفطري قبل ما تخرجي يا ياقوت سامعة وهسأل ندي لا، إلا إنتي عارفة العقاب.
- حاضر.
هتفت بها وهي تضحك فعاد يلثم خدها مرة أخرى.
- اعملي حسابك هنتغدى بكرة.
- وياسمين؟
ابتسم وهو يعود لهندمة أكمام سترته.
- الخروجة دي عشان ياسمين ومريم واحتمال باقي العيلة تنضم لينا.
وغمز لها مشاكساً.
- هنغير مثلاً ولا إيه؟
فوثبت على أقدامها تُشاكسه مثلما يفعل.
- هغير ليه مثلاً، أنا متجوزة حمزة الزهدي بعيلته الكبيرة وأنا راضية.
وتعلقت بعنقه تتلاعب بحاجبيها.
- بس ده ميمنعش إني طماعة في حقي فيك.
أجاد إلقاء عبارتها لتتسع ابتسامته شيئاً فشئ.
- حمزة الزهدي ليكي انتي لوحدك.
ومال نحو أذنها هامساً.
- بقيتي تعرفي تغويني صح يا ياقوت وحمزة الزهدي رفع راية الاستسلام.
وابتعد عنها غامزاً.
- وكسبتي الجولة.
وليست النساء من تخسر إذا قررت الفوز.
***
سارت بالمزرعة بخطى شارده تتأمل العاملات وهم يعملون.
تتذكر حالها وكيف كانت تُعامل بقسوة.
الكل كان ينظر لها بحسد يتهامسون بالشئ الذي أخبرتها به حورية من الأقاويل التي تدور عنهم.
ربتت حورية فوق كتفها بعدما تركت مكان إشرافها الذي نُقلت إليه.
- الكل بقى يحسدك على اللي انتي فيه، ومدام الواحدة منا معملتش حاجة غلط تمشي رافعة راسها.
ابتسمت صفا لها.
فرغم أنها لم تُخبرها بتفاصيل زواجها من فرات إلا أن كلمة واحدة أخبرتها بها فصدقتها.
"أنها لم تكن عشيقة لفرات وأن هذا الطفل ناتج عن زواج وليس طفل زنا."
- ياريت الناس كلها زيك يا حورية.
كادت أن ترد عليها حورية إلا أن ألتقطت عينيها قدوم فرات نحوهم وجانبه يسير عنتر.
- جوزك جاي علينا.
أروح أشوف شغلي أنا بقى.
وانصرفت حورية سريعاً بخطوات مرتبكة.
ليقترب منها فرات.
فهتف عنتر.
- إزيك يا هانم.
"هانم" كلمة فهمت وأدركت أنها لا تساوي شيئاً حينما دلفت السجن لسنوات وقد جردها وعلمها أن الكل سواسية.
ولكن عيشتها مع هؤلاء جعلوها تستشعر معنى الكلمة وعزوة اللقب.
وداخلها يضحك ساخراً.
ف هذا الذي ينعتها بالهانم يوماً ضربها بعصاه التي مازال يحملها.
نشلها فرات من تفكيرها وهو يميل نحوها.
- الدكتورة مستنياكي!
***
تعلقت عين الخادمة الصغيرة بالزوجين وعيناها تلمع بشغف.
منذ خدمتها بالمنازل لم تقابل زوجين هكذا.
انتبه شريف على وقوفها وتحديقها بهم.
- مش حطيتي العشا خلاص تقدري تروحي.
ابتلعت لعابها بحرج ومسحت يديها بعباءتها.
- آه يا بيه.
أجي بكرة الساعة كام؟
- شريف متخليهاش تتأخر عليا بخاف أقعد لوحدي وأنت في شغلك.
هتفت بها مها فتمتم بحنو.
- حاضر يا حببتي.
ونظر نحو الخادمة التي تدعو نعمة.
- متتأخريش بكرة الساعة تسعة تكوني هنا.
- حاضر يا بيه.
وانصرفت الخادمة وهي تهتف داخلها.
- ده كان بيبوسها قبل ما أدخل عليهم.
ثم أردفت بحسرة.
- ناس عايشة ومتهنية.
وناس بتخدم في البيوت.
***
اتبعت رؤى مريم حانقة بعدما سدت عليها جميع الطرق بأنها لن ترافقهم في سهراتهم ثانية وقد اعترفت لخالتها بخطيئتها.
- خلاص بقى يا رؤى، قولت مش هسهر تاني معاكم.
كانوا قد وصلوا لبوابة المدرسة.
لتتعلق عين مريم بهديل التي وقفت تطالع المدرسة بحسرة وأعين دامعة.
أسرعت مريم نحوها ولكن رؤى ظلت واقفة بعيداً تتابع الأمر بعينيها.
فهي لا تحب هديل ولا تراها إلا شريدة متطفلة على طبقتهم.
عندما اقتربت مريم منها.
ألفت هديل بجسدها وأسرعت في الابتعاد.
- هديل استني يا هديل، انتي صحيح طلعتي من المدرسة.
سقطت دموعها.
فالمنحة قد دمرها والدها في نهاية عامها الثاني بآخر امتحان بعدما تهجم على مدرستها.
ولم يعد لها لا مستقبل ولا حضن والدتها الحاني فقد تركتها ورحلت لعالم أكثر راحة من قسوة والدها وذل الحياة.
- هديل ردي عليا.
جذبت مريم مرفقها لتدور هديل نحوها بعينيها الباكيه.
- ليه سبتي المدرسة يا هديل؟
- اللي زينا مبيتعلموش يا مريم، أرجوكي سبيني في حالي.
أرادت الهروب من نظراتها ولكن مريم عادت تسألها بفضول عن أحوالها وكيف لن تكمل سنتها الأخيرة وتدخل الجامعة مثلهم.
وما كانت ثرثرتها إلا تزيدها حسرة.
- كفاية كلام يا مريم، مش هبقى ولا هكون زيكم، أنا دلوقتي بدور على لقمة عيشي عشان أعيش.
وقفت مريم صامتة تُتابعها وهي تتحرك بعيداً عنها ورؤى تقف على مقربة تناديها فالسائق الخاص بها قد أتى.
ألفت مريم بجسدها لترحل كما وقفت هديل ولم تتحرك وعادت تلتف مرة أخرى تتذكر صفعة والدها لها بأن لا تعود إلا وقد وجدت وظيفة تعمل بها.
- مريم.
أدارت مريم جسدها لتنظر إليها.
فأطرقت هديل عيناها أرضاً.
- ممكن تساعديني ألاقي شغل، أي شغل أنا موافقة أشتغله حتى لو خدامة عندكم.
ذللت الكلمة قلبها.
فزميلتها التي تماثلها بالعمر تطلب أن تعمل لديها خادمة وهي تعيش كالملكة لا شيء تطلبه إلا ويُلبي لها.
وبعد أكثر من نصف ساعة كانت اثنتيهما يقفان في غرفة ياقوت بالشركة التي تعمل بها.
تعجبت ياقوت من قدوم مريم بزيها المدرسي وبرفقتها صديقتها.
- ياقوت أنا عايزة أتكلم معاكي ممكن.
ابتعدوا قليلاً عن هديل لتهمس مريم.
- ممكن تطلبي من هاشم يشغل هديل صاحبتي.
تعلق عين ياقوت بها متعجبة من طلبها ومن نطقها لاسم هاشم بعشم وكأنه صديق لها.
- هو مديرك هنا وهيسمعك، وهديل محتاجة شغل.
وأردفت وقد اتسعت عين ياقوت ذهولاً.
- أنا لولا اللي عملته قدامه كنت دخلت طلبت منه، ماهو عم فارس صديقي.
ولم يُخرج ياقوت من ذلك الذهول إلا مرور هاشم بجانب غرفتها.
وعندما ألتقطه عين مريم أسرعت خارج الغرفة تُنادي باسمه ولكن تلك المرة ليس مجرداً.
- عمو هاشم.
أنتبه هاشم إليها وقد تذكرها.
- أنا جيت النهارده أعتذر منك، دي كانت لعبة سخيفة مع صحابي وأنا قطعت علاقتي بيهم، ووعدت ياقوت بكده.
ونظرت صوب ياقوت الواقفة على بعد خطوات منها متسعة العين مما يحدث.
- سامحتني خلاص وقبلت أسفي.
لم يكن هاشم أقل دهشة ولكن أماء برأسه.
- حصل خير يا.
- مريم، انت لحقت تنسى اسمي يا عمو؟
- آه مريم.
اقتربت منه سكرتيرته تلك اللحظة تُخبره.
- حضرتك عايز مواصفات إيه للخدامة يا فندم عشان أبلغ مكتب التخديم.
فأسرعت مريم بجذب ذراع هديل.
- وتدور ليه يا عمو، هديل صاحبتي شاطرة.
ومحتاجة الشغل ده أوي أرجوك ساعدها.
وبين حسرة وألم وذهول وتخطيط كان يسير الأمر، ولكن للقدر حكاية.
رواية للقدر حكاية الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم سهام صادق
لم يثر طلبها إلا اشمئزازاً. عيناه تنقلت بين التي تقف تطلب منه خدمة لصديقتها بعفوية مصطنعة، وبين التي نكست رأسها أرضاً تُداري حسرتها.
أشاح وجهه عن مريم بضيق ونظر نحو صديقتها وهو يتذكر اسمها الذي تفوهت به مريم منذ قليل.
"تعالي معايا يا هديل."
رفعت هديل عيناها نحوه فتسألت بحيرة.
"أنا؟"
أومأ برأسه وسار أمامها حتى تتبعه.
تحركت مريم قبلها تجذب يدها متمتمة:
"يلا يا هديل."
ولكن هاشم وقف فور سماع صوتها لينظر خلفه فوجد مريم تتبعه أيضاً.
"قولت هديل، مقولتش اسم حد تاني."
أحرجها ببشاعة. ولأول مرة، أحداً يُعاملها هكذا. تعقلت عين ياقوت بها ترى ملامحها التي بهتت لتقف مفكرة في أمر مريم، حتى اتسعت عيناها وهي تراها تكاد تبكي وهاشم يحث هديل على اتباعه.
"معقولة مريم تكون معجبة بهاشم؟"
وضعت ياقوت يدها فوق فمها بعدما وصل عقلها لتلك النقطة.
***
نظرت ياقوت نحو هديل التي خرجت للتو من مكتب هاشم والسعادة تغمرها. تعجبت من تبدل ملامحها، ولكن تمنت داخلها أن يكون هاشم ساعدها بالفعل دون الخدمة بمنزله.
طَرقت على باب غرفته بخفة لتدلف بعدها. فلم تجده إلا واقفاً خلف مكتبه يعطيها ظهره وينظر من شرفة مكتبه.
"اجي في وقت تاني لو مش فاضي؟"
التفت نحوها يتفرس ملامحها بهدوء. ارتبكت قليلاً من نظراته فبادر:
"أتمنى يا ياقوت مشوفش مريم هنا تاني في شركتي."
تحركت شفتاها حتى تحاكيه، إلا أنه تمتم حانقاً:
"ياريت تنبيهي يكون وصل."
جاوزت حديثه عن مريم فقد فهمت سبب حنقه منها. فمريم بطلبها لعمل صديقتها خادمة أمامهم ما كان إلا أمراً وضيعاً، رأت مساعدة كبيرة فعلتها دون إهانة.
"أتمنى تكون ساعدت البنت من غير ما تخدم في البيوت."
تنهد وهو يتذكر معاناة تلك الفتاة وما قصته عليه من أسباب للعمل حتى لو خادمة بالمنازل، وتركها لدراستها متحسرة على حلمها الذي أضاعه الفقر وقلة الحيلة.
"البنت هتيجي تشتغل هنا شغل يناسب مؤهلاتها ووقتها عشان تقدر تذاكر وتكمل تعليمها."
شعرت ياقوت بالسعادة عما يخبِرها به.
"ليه مش قريبة من مريم يا ياقوت؟ مريم لو قريبة منك كان سلوكها اتغير."
أطرقت عيناها أرضاً وهي تتذكر تحذيرات حمزة الدائمة أن تبتعد عن مريم.
"حاولت لكن منفعتش... ومحدش بيقبل مني كلمة."
واردفت متحسرة على حالها:
"أنا الست اللي خطفت راجل من عيلته ودخلت عليهم فرد زايد."
"ليه رضيتي بالحياة دي من الأول؟"
نظرت له ولم تستوعب مغزى عبارته إلا عندما نطق:
"كان ممكن تختاري حياة بسيطة مع راجل زي ما هو أول بختك انتي كمان أول ست في حياته."
وقبل أن تخبره أنه قدرها ورغم كل ما يواجهها إلا أنها أحبت قدرها وارتضت به.
"أنا مسافر لبنان لمدة أسبوعين ولما أرجع هتكلم مع حمزة في موضوع مريم وسلوكها."
تنهدت وهي تحرك رأسها بأن يفعل ما يريد، لعله هو من يلحق مريم ويصدقه حمزة الذي لا يستمع لها مهما تحدثت معه.
دخول أحد موظفيه قطع حديثهما، فانصرفت حائرة من كل ما حدث أمامها اليوم.
***
نظرت سماح نحو الحارس بتمعن وهو يساعد العمال كما أمرته في حمل مقتنيات غرفة صغيرها. انتهى طيفه أمام مرأى عينيها. لترفع عيناها لأعلى تتأمل نوافذ المنزل الكبير، ومن ثم أسرعت بخطاها نحو الغرفة الصغيرة التي يحتلها الحارس.
دقائق معدودة وخرجت من غرفة الحارس كاللصوص، تلتف حولها يميناً ويساراً مبتسمة بزهو على بدء خطتها التي ستكون نهاية لقصه جين بينهم.
تنفست براحة وهي تسير في حديقة المنزل وكأنها تتنزه، تتمتم لحالها:
"اقتربت نهايتك يا جين."
***
سارت نحوه لترافقها في جلسته بعدما دفعتها شقيقتها حتى تنهض من جانبها وتجلس برفقة زوجها كما تجلس ندى ملتصقة بشهاب.
ولكن توقفت قدماها عندما تخطتها مريم التي أنهت درسها اليوم مع معلمها الذي انصرف للتو. وهتفت بحماس:
"مستر بلال لسا كان بيقولي إني هبقى من الأوائل وهو واثق فيا."
ابتسم حمزة وهو فخور بها وبذكائها.
"ليكي هدية كبيرة عندي بس انتي خليكي قدها."
ضحكت وهي توعده وجلست جانبه توصيه بالسيارة التي تريدها حينما تدخل الجامعة.
عادت بأدراجها نحو شقيقتها التي نظرت إليها وعند جلوسها ثانية جانبها ربتت على يدها. فأبتسمت ياقوت إليها لتخبرها أنها ليست حزينة لأولوية مريم لدى حمزة.
"مش زعلانة يا ياسمين، مش معقول هغير من تعلقها بي. مريم اتربت يتيمة الأب وبعدين مامتها سابتها في أصعب وقت. البنت بتكون محتاجة أمها في..."
كانت كاذبة، فهي تشعر بالغيرة، ولكن شعورها بإحساس مريم وتذكرها بما حرمت منه كان يقتل غيرتها، فيخبرها قلبها:
"أنا فاقد الشيء هو وحده من يعرف معنى العطاء."
"طول عمرك قلبك كبير وطيبة يا ياقوت."
اتسعت ابتسامة ياقوت على كبر ونضج شقيقتها. رغم أن ياسمين أنهت الدبلوم منذ عام إلا أنها كانت راجحة العقل، تطيب أوجاعها مع أن قلبها ينزف ألماً مما واجهته في عمر صغير.
قطع حديثهم صوت الخادمة وهي ترحب بنادية التي رمقتهم جميعاً بابتسامة رقيقة، ثم جلست معهم تتحدث بلطف إلى أن تعلقت عيناها بشهاب وندى تتساءل كالمعتاد:
"مش هتفرحوني بقى بالخبر اللي مستنياه؟"
تبدلت ملامح ندى للشحوب، وقد لاحظته ياقوت كما اعتادت عندما تتحدث نادية في هذا الأمر.
ضم شهاب ندى إليه يرسم فوق شفتيه ابتسامة واسعة جاهد في رسمها.
"إحنا مبسوطين كده يا نادية، مالك بقيتي زي الحموات؟"
تقبلت نادية عبارته ضاحكة تنظر نحوهم.
"عايزة أطمن عليكم."
وأردفت بعدما أخرجت من حقيبة يدها عنواناً يخص طبيباً ما.
"على العموم ده كارت دكتور بيقولوا عليه شاطر أوي، روحوا اكشفوا واطمنوا."
لم تنتظر ندى سماع المزيد من حديث نادية وانصرفت هاربة تخشى سقوط دموعها أمامهم.
صمت الجميع، فنظرت نادية لخطوات ندى متعجبة، ثم وضعت الكارت جانباً.
"نادية ياريت بطلي تلميحاتك دي لندى، الموضوع ده أمر يخصني أنا وهي بس ومحدش ليه الحق يتكلم فيه."
ولم يشعر وهو يتبع عبارته.
"ندي مش ياقوت اللي فضلت ليل نهار تسأليها إذا كانت حامل ولا لأ وتعملي عليها الحما."
"شهاب!"
هتف حمزة صارخاً بشقيقه، ثم سقطت عيناه على ياقوت التي بهتت ملامحها واطرقت عيناها نحو يديها المضمومة في حجرها عاجزة عن الدفاع عن نفسها. فكما قال شهاب هي ليست ندي.
هبت نادية واقفة تنظر لملامح شقيقها.
"خلاص يا شهاب، أنا طالعة أطيب خاطر ندي."
كانت عبارتهم تقضي على خيبات داخلها، فنادية قبل حملها كانت تتعامل معها وكأن حمل طفل شقيقها هو أساس تلك الزيجة، ومن دونه سينتهي كل شيء وستعود من حيث أتت.
اختنقت من كم الذكريات التي اخترقتها ونهضت تحت نظرات شقيقتها التي ظلت جالسة بمكانها تتابع تحركها.
"حمزة أنا آسف، مكنتش أقصد."
اعتذر شهاب بعد انصراف ياقوت ليرمقه حمزة بنظرة معاتبة دون كلمة، مما جعل شهاب يتنهد بسأم.
أما مريم، جلست تتابع كل شيء بضيق، يفسر لها شيطانها أن ياقوت هي سبب عدم هدوء حياتهم التي كان يحسدهم الجميع عليها.
***
ابتعدت عنهم منعزلة بحالها تتأمل الظلام الذي يبعث ظلمته بالكون وسكونه بالنفس. شعرت بيداه على كتفيها يمسدهما برفق.
"بعدتي ليه وسبتي المكان؟"
تنهدت وهي تخبره كاذبة:
"حسيت إني عايزة أشم شوية هوا."
كان يعلم أنها تكذب عليه، فزفر أنفاسه، ثم أدار جسدها إليه يضم وجهها بين كفيه.
"عارف إنك بتكذبي عليا."
"حمزة بلاش نتكلم في الموضوع ده."
أغمض عيناه بقوة ثم عاد يفتحهما ليجذبها نحو أحضانه يضمها بين أضلعه. تآوهت بخفوت وهمس وهو يمسح على ظهرها:
"أنا عارف إنهم بيضايقوكي بكلامهم ديما. ساعات بحس إني ظالمك يا ياقوت. بس خلاص قدرنا بقى واحد ومقدرش أخيرك إنك تتحرري من أسري."
"بس أنا مش عايزة أتحرر منك ولا أبعد عنك. الحياة مبتديش كل حاجة إحنا عايزينها."
تعمق في النظر إليها ولم يشعر إلا وهو ينحني نحوها يلثم ثغرها، ولأول مرة لا يفكر إذا التقط أحد وضعهم هكذا.
كانت ياسمين ذاهبة نحوهم حتى تطمئن على شقيقتها. وعندما رأت المشهد أغمضت عيناها بقوة وابتعدت بخطواتها سعيدة من أجل شقيقتها.
***
وقفت متجمدة العينين وهي تستمع إلى صوته وصوت الرجل الآخر الذي ينعتها بالسجينة صاحبة السوابق.
كان ابن عمه. فالعائلة المتفككة بدأت بالظهور لتدافع عن اسم العائلة العريقة.
"انت كده بتضيع مستقبلك وبتشوه اسم العيلة. الست دي لازم تخرج من حياتك."
صرخ فرات بعلو صوته يقطع حديثه:
"مجدي الزم حدودك. لولا إنك في بيتي كنت طردتك."
احتدمت نظرات ابن عمه.
"تطردني يا فرات؟ عشان حتة الجربوعة اللي اتجوزتها تاجرة المخدرات."
"صفا دخلت السجن ظلم، وده اختياري وأنا حر."
قبض مجدي على كفه بغضب يتذكر منصبه وحديث الجرائد عن فرات واسم العائلة.
"فادية كان عندها حق. البت ضاحكة عليك ومش بعيد يبقى اللي في بطنها ابن واحد قليل الشرف زيها."
تجمعت الدموع في مقلتيها ولكنها لم تذرفهما. القهر كان يتغلغل داخلها ولكن وقفت كالحجر مستمعة.
"اخرس. مراتي ست شريفة واللي في بطنها ابني."
اشتدت المناوشة بينهم ليغادر مجدي مكتبه حانقاً بعد أن أخبره أنه قد فقد منصبه بالدولة بترأس إحدى الوزارات.
وقف مجدي أمامها ينظر إليها بغضب وأكمل خطواته يلعن غباء ابن عمه.
دلف لغرفته ببطء وانفاس مسحوبة. تأمله وهو يقف في منتصف الغرفة يزفر أنفاسه بقوة وكأنه يصارع شيئاً بداخله.
"عندهم حق. هتخسر مستقبلك وسمعتك عشان واحدة خريجة سجون."
ظل فرات واقفاً في نفس وضعيته دون أن يلتف إليها. ليغمض عيناه طالباً منها:
"سيبني لوحدي يا صفا."
"ارميني بره بيتك واخلص مني عشان ترتاح."
"صفا قولت سيبني لوحدي."
أفزعها صراخه فأبتعدت عنه تضغط على شفتيها بقوة تسحب قدماها بصعوبة إلى أن أصبحت في غرفتها.
دقائق مرت وهي تلتف حولها. باتت تحقد على كل فرد من عائلته. الحقد توغل داخل قلبها حتى باتت تشعر بالاختناق.
دخول له غرفتها أفزعها وجمد أطرافها ليقترب منها جاذباً إياها نحوه يقبلها بجنون وهي تقف بين ذراعيه متخشبة.
***
أوقف سيارته بحدة قوية أمامها. لتفزع مما حدث ولكن عندما رأته اتسعت عيناها تهتف باسمه:
"مستر خالد."
هبط خالد من سيارته يسحب يدها تحت أنظار المارين عبر الطريق.
"لازم نتكلم يا هناء."
دقيقة مرت حتى هدأ قلبها من فزعته لتنظر نحو يده القابضة فوق معصمها فنفضت ذراعه بقوة.
"انت ايه اللي عملته ده؟ ابعد عني."
"قولت لازم نتكلم يا هناء."
"مفيش بينا كلام."
هتفت بها بصوت غاضب. وقد سقط ما كانت تحمله بيديها.
"هناء ارجوكي."
خرج صوته متوسلاً. فلأول مرة كانت تراه هكذا يتحدث. تعجبت من أمره ولكن سريعاً ما أدركت مكان وقوفها ونظرات الناس. تجاوزته بحدة. فأسرع بالوقوف أمامها.
"قولت لازم نتكلم."
"مبتكلمش مع ناس اتهمتني في شرفي."
كان يعلم تماماً مقصد عبارتها ليطرق عيناه أرضاً متمتماً.
"هناء أنا بحبك."
ولم يكن يتوقع أنه سيخبر بها أحداً يوماً ويخضع لسلطان الحب. وقفت متسعة العينين والفم لا تصدق ما سمعته.
***
رتبت حقيبة سفر صغيرة لهما وهي لا تصدق أنها ستسافر معه لمدينة شرم الشيخ. رغم أن رحلة عمل إلا أنه فاجأها بأخذها معه.
"اللي يشوفك وانتي مبسوطة يقول إننا مسافرين لبره البلد."
تهللت أساريرها واقتربت منه تحتضنه.
"أنا فعلاً مبسوطة أوي يا حمزة. بس مش مبسوطة عشان الرحلة، مبسوطة إني هكون معاك."
ابتسم وهو يضمها نحوه وبعدها عنه قليلاً يتأمل ملامحها.
"لأ كده نخلي الإقامة بدل يومين... شهر عسل بحاله."
هتف عبارته غامزاً لها بوقاحة ثم ضحك على هيئتها وهي تدفعه عنها وهو يخبرها أنه اشتاق إليها.
كانت مريم تقف أمام باب غرفتهما المنغلق تسترقي السمع، تقبض على كفها الصغير بقوة ثم فرت مبتعدة. وقد لاحظت ندى مكان وقوفها فزفرت أنفاسها بقلة حيلة.
***
جلست نغم أمام الرجل الذي يبدو على هيئته الهيبة والقوة تتساءل باللغة الإنجليزية.
"من أنت؟"
ابتسم الجالس أمامها.
"لا يفرق معك من أنا. الأهم بيننا مصلحتنا."
قطبت حاجبيها لا تفهم مقصده. تأملت المكان حولها فرجاله يحاوطونه والرجل الذي أتى بها لهنا يقف على يمينه مطرق الرأس.
"أنتِ تريدينه زوجاً وأنا أريد زوجته ليلة لي."
اتسعت عيناها ونهضت من مكانها.
"من تقصد؟"
تلاعب بشفتيه ساخراً.
"يبدو أنني أخطأت في إعطائك تلك الفرصة سيدة نغم."
تلجلجت في سؤاله وقد علمت مقصده منذ البداية.
"عمن تتحدث؟"
"مراد الفيومي وزوجته."
***
حاصر فرات خصرها بذراعه وهو نائم. كانت تتألم من استسلامها له ولم يكن استسلامها إلا عربوناً تقدمه لنيل انتقامها منه وحرق قلبه بعدما تغزوه ويجعلها سيدة كل شيء.
التفت نحوه لتسقط عيناها فوق صفحات وجهه. كانت لأول مرة تتأمل ملامحه بوضوح. رغم أنه على وشك إتمام عامه الأربعين إلا أن ملامحه لا توحي إلا بأصغر من ذلك.
خفق قلبها بدقات متتالية وارتعش جسدها لتمد يدها نحو وجهه تتلمس ملامحه متمتمة:
"أنت اللي شوهتني وكسرتني وأنت لازم تدوق من نفس الكاس."
***
أزاح فارس يداها الملتفة نحو عنقه حانقاً.
"أنا ماشي."
نهضت تتبعه تهتف باسمه ولكنه لم يعبئ بندائها. عادت لمكانها تلتقط كأس الخمر من يد وليد الذي جلس يطالعها ساخراً.
"حاله اتغير من ساعة من صاحبتك بنت الأكابر بعدت."
ارتشفت رؤى من الكأس وهي تتذكر سؤال فارس المتكرر عن مريم ولما ابتعدت عنهم.
"شكله حبها. ماهو فارس كان عينه منها بس كان منعه قربها مننا."
هتف وليد حديثه المسموم ثم نفث دخان سيجارته.
"دلوقتي بقي شايفها البنت العفيفة اللي لحقت نفسها. وانتي..."
نعتها بكلمة أشعلت حقدها مجدداً نحو مريم.
"ابعد عني يا وليد أنا مش في حالك."
عادت ترتشف من كأسها إلى أن أفرغت جميع محتواه داخل جوفها.
"هتسيبيله فارس؟"
طالعته رؤى بتشوش إلى أن مال عليها يحتضن جسدها بين ذراعيه.
"أنا عايز أساعدك انتي. صعبانة عليا."
"هتساعدني إزاي؟"
هتفت بها بسكر ليقرب وليد وجهه منها.
"نضيع لها أهم حاجة في حياة أي بنت بتفتخر بيها."
"قصدك إيه؟"
تمتم بأعين تلمع بالرغبة.
"هو انتي فاكراني مش فاهم ليه بلبث كل بنت قريبة منك يا رؤى؟"
تجمدت ملامحها وهي تنتظر سماع آخر ما لديه ولكنه تجاوز مقصده.
"عايز مريم في شقتي وعلى سريري."
***
وضعت سماح يدها على فمها بعدما خرج الطبيب من غرفة نور الدين يطرق عيناه أسفاً.
"لم نستطع إسعافه."
دموعها سقطت دون توقف إلى أن تابع الطبيب الخاص بحالة نور الدين.
"أخذت عينة من دمه حتى أتأكد مما أشُك."
رفعت سماح عيناها نحوه بضياع تسأل بأنفاس متقطعة.
"مما تشُك؟"
وقعت عيناها نحو سهيل الذي ركض نحوهم بملامح باهتة يتساءل.
"ما به أخي؟"
وكان الصمت خير مجيباً عليه وعين جين تتربص مكان وقوفهم تبكي بتمثيل تجيده وقلبها يتراقص طرباً مما حدث.
موت نور الدين السبب في موته هي سماح وقد رحل الاثنان من حياتها.
كرر سهيل سؤاله حتى صرخ بهم جميعاً لتأتيه الإجابة من آخر من تمنى سماع صوتها.
"نور الدين قد مات سهيل والطبيب يشُك بالأمر."
رواية للقدر حكاية الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم سهام صادق
طالعت ما أمامها بشرود تام بأعين باهته يلمع بها الحزن والألم.
فإلى الآن لا تُصدق أن نور الدين قد رحل دون أن تأخذ له حقه ودون أن يرى ثأره.
مات وترك تلك الحية تعيش بينهم كزوجة مكلولة حزينة على زوجها.
القدر أحياناً لا يكون عادلاً كما تظن عقولنا، إنما في الحقيقة تأتي حقوقنا ليتأمل الآخرون إنصاف الله لعباده إذا كان حياً أم ميتاً.
إنها حكمة خفية لا يعلمها إلا الرحمن.
دمعت عيناها متذكرة حق والدها ووالدتها بعدما ظلمهم عمها.
فمنذ أشهر علمت أن حق والديها قد أخذهم الله لهم ليصبح عمها الرجل صاحب الأملاك إلا رجل مديون ذليل كسره الفقر والمرض.
انفتح الباب بقوة فجعلها تنتفض من فوق الفراش متعجبة من وجود سهيل الذي اختفى تماماً من القصر منذ أن دفن نور الدين أمس.
نهضت سريعة من فوق الفراش تركض إليه لدعمه.
"لقد ارتاح نور الدين سهيل من تلك الحياة... الله أرحم وأحن على عباده."
صمته جعلها تشعر بوجود خطب ما لتبتعد عنه.
تعلق عيناها به ثم سقطت عيناها فوق علبة الدواء التي تتذكر تماماً لمن.
فأسرعت في سبر كل ما بداخلها إليه.
"سهيل أنا مثلك أشك بها.. لكن الدليل الوحيد الذي وضعته لم يجني شيئاً. نور الدين مات في نفس اليوم الذي وضعت به..."
وقبل أن تُكمل عبارتها كان يصرخ بها كالثور الهائج.
"آخرسي سماح... آخرسي أيتها الخائنة القاتلة."
"سهيل ماذا تفعل أنا..."
لم يترك لها مساحة للحديث وانقض عليها يقبض على كتفيها يحركها بين قبضتيه بغضب.
"أنتِ حقيرة ومخادعة وقاتلة سماح. أنتِ مثلهن جميعاً... أنتن النساء لا مأمن لكن. ماذا فعل أخي لتقتليه."
دموعها كانت تتساقط بذهول عما تسمعه.
لم تشعر إلا وهي تدفعه بقوة عنها.
"أنا لم أقتله... نور الدين كان كأخي."
رفع يده بعلبة الدواء ليحركها أمام عينيها.
"وماذا عن هذا؟ لا أحد كان يعطيه الدواء ويهتم به إلا أنتِ."
اتسعت عيناها صدمة من حقارة جين.
فالحرباء كانت تقتله بالدواء دون رحمة.
"لست أنا... لست أنا صدقني سهيل إنها..."
وقبل أن تُكمل باقي عبارتها كان يجذبها من معصمها صارخاً.
"ستدفعين الثمن سماح... لولا طفلي لكنت وضعتك بالسجن... ولكن صبراً ستلدين وسأحرق قلبك طيلة العمر."
كان حديثه يهز أرجاء البيت الكبير.
لتقف جين في آخر الممر تتأمل ما تراه وتسمعه بسعادة وزهو.
وصراخ سماح يتعالى برجاء بأن يسمعها ولكنه كان كالأصم.
تركت هاتفها سريعاً بعدما أنهت مكالمتها معه.
أسرعت في لف حجابها بإحكام ثم أسرعت في ترتيب ملابسها الأنيقة المحتشمة وجلب حقيبتها والهبوط لأسفل.
سارت بخطوات هادئة نحوه وهي تراه يقف مع أحد الرجال يتحدث معه في ساحة الفندق.
ثم صافحه فور أن وقعت عيناه عليها فأبتسم بحب واقترب منها يضم كفها بين كفيه.
"معلش اتأخرت عليكي ياحبيبتي.. بس خلاص الصفقة تمت الحمد لله وهنقضي يومين هكون ليكي انتي وبس حتى تليفوني هقفله."
لمعت عيناها وطالعته بسعادة.
"بجد ياحمزة."
"طبعاً يا ياقوت."
"انت أحن راجل في الدنيا."
ضحك بخفة وضمها إليه.
فهي تستحق كل ما يفعله لها.
لم تتحدث منذ أتى بها لهنا وانشغاله عنها لإتمام أحد صفقاته.
إنما كانت إليه زوجة داعية داعمة مبتسمة تخبره بمرح وببساطة أنها تفرح لنجاحه واحترام الناس له وتفتخر بأنها زوجته.
عززت بداخله مشاعر قوية ولم يزد هذا إلا حباً وإدراكاً أن قلبه أحسن الاختيار.
استقلت جانبه السيارة المخصصة له هنا.
مرت الدقائق وهي تتسائل.
"رايحين فين ياحمزة."
ضغط على يدها بحنو وضحك وهو يعرف فضولها.
"بطلي تبقي فضولية."
"كل الستات على فكرة فضولية."
قطب حاجبيه وهو يفحص تعبيرات وجهها المضحكة.
"مين قال كده.. أنا الستات كانت في حياتي كتير واكيد عارف."
اتسعت عيناها من صراحته في أمراً كهذا.
فاشتعلت الغيرة داخل مقلتيها تدفعه فوق ذراعه.
ضحك ملء قلبه وهو يرى حنقها وتذمرها.
"حبيت أشوفك وانتي غيرانة وشوفتك."
أردف عبارته وهو يحرك وجهها إليه.
توقف السائق بالسيارة ليترجلوا منها أمام أحد الشواطئ الذي يبدو أنه ملكية خاصة.
نظرت حولها بهدوء للمكان ثم تعلقت عيناها بالإضاءة التي تأتي على بعد.
فنظرت إليه.
"ايه المكان ده... احنا مش كنا رايحين مطعم نتعشى."
ابتسم وهو يجذب يدها.
"حابب نكون لوحدينا."
ارتبكت قليلاً ليضحك على فعلتها.
"أنا جوزك ياحبيبتي مش خطفك يعني.. سيبي نفسك ليا تمام."
لم يكن ينهي عبارته إلا وكادت أن تقع أرضاً.
"لا أنا بقول سيبي نفسك مش تقعي."
أردف عبارته وانحني يحملها.
"انت بتعمل ايه... نزلني ياحمزة أنا هعرف أمشي."
"تعرفي تسكتي... أنا مش ضامنك وانتي ماشية ببطنك ديه."
نظرت نحو بطنها المنتفخة وجسدها الذي أصبح منتفخاً من أثر الحمل.
"بقى شكلي بشع..."
عندما نطقت عبارتها بغصة تغللت داخل صوتها.
كان هو قد وصل بها إلى المكان الذي خصصه لهما.
"أنتِ بقيتي أجمل وأحلى ياحبيبتي."
وربت فوق بطنها ينتظر بشوق قدوم طفله.
"خلتيني أسعد راجل في الدنيا."
لمعت عيناها بحب لا تُصدق ما تعيشه معه من سعادة.
فلم تعد لمساته ولا علاقتهما هي من تحدد حبه فحسب.
إنما وصلت معه لحالة الاكتمال.
" سرحتي في إيه."
ظنا أنها سرحت بالمكان المطل على البحر والإضاءة التي تحيطهم والوسائد الموضوعة وصوت الأمواج تخترق حواسهم.
"فيك."
ابتسم وهو يزيل سترته ويجلس بوقاره كالمعتاد فوق إحدى الوسادات.
"وأنا اللي كنت فاكر إن المكان عجبك."
انتبهت للمكان بتفاصيله لتتسع عيناها ونهضت غير مصدقة أنه صمم لها نفس المكان الذي رسمته في إحدى لوحاتها القديمة وصار اليوم حقيقة أمامها.
"حمزة ده نفس المكان اللي كنت رسماه في اللوحة... وكان نفسي يبقى حقيقة."
نهض خلفها سعيداً برد فعلها يغمرها بين ذراعيه.
"آسف إني بحققلك كل أحلامك متأخر يا ياقوت... آسف إني بدأت أهتم بتفاصيل حاجات كتير بعد ما حطمت الأحلام جواكي."
سقطت دموعها.
بالفعل أتى كل شيء كانت تحلم به بعدما انتهى الحلم واستيقظت.
كثيراً ما انتظرت رد فعله بأشياء لتصيبها الخيبة معه ولكن لا بأس بالتأخير قليلاً مادام أتى وقت الحصاد.
"أنا بحبك أوي."
أدارت جسدها حتى أصبح وجهها مدفوناً بصدره تهتف بعشقها له.
بدأت سهرتهم بتناول الطعام والحديث عن الكثير عنه وعن بداية زواجه بسوسن حتى قصته بصفا أخبارها بجميع تفاصيلها إلى أن أصبح حمزة الزهدي الذي يحسده الجميع على ما هو فيه وكيف أصبح من ضابط شرطة مرفوض إلى رجل أعمال ذو شأن.
وكان العجيب لها أنها لم تكن من هواة توثيق اللحظات بالتصوير إلا أنها أحبت أن تفعل معه مثلما تفعله مريم دوماً.
رفعت جسدها الذي يحتضنه واعتدلت في رقدتها تسأله بلهفة.
"ايه رأيك نتصور سوا."
احتلت ملامحه الدهشة إلا أنها أسرعت في إخراج هاتفها من حقيبة يدها.
"هتصور حتى لو طلعت بشعة في الصور."
تجلجلت ضحكته وألتقط منها الهاتف.
"طب ابتسمي بقى... واحد اتنين تلاتة."
وصورة وراء الأخرى كان يلتقطها لهما بأوضاع عدة لم يكن يرضخ لتلك الأوضاع إلا بعد إلحاح من مريم التي لا يرفض لها طلباً.
غطت فادية جسدها العاري عن أعين عزيز الذي جلس على طرف الفراش يرتدي ملابسه بعجالة قبل شروق الشمس.
"هشوفك تاني امتى ياحبيبي."
"هتصل بيكي قبل ما أجيلك عشان تسهلي دخولي البيت."
اقتربت منه تحتضنه ووضعت رأسها فوق ظهره.
لم يكن يطيق لمستها إلا أن الوصول لهدفه جعله يعود لحياة تلك التي لم يراها يوماً إلا مخبولة ارتضى بها زوجة وتحمل بشاعة كل شيء بها لأنها ذات حسب ومال وجنون بحبه.
"فرات بيكلمك."
ألقى سؤاله وهو ينهض من فوق الفراش يدس قميصه داخل سرواله.
تنهدت فادية بمقت.
"مش عايز يشوفني... تخيل مبقتش عارفة أدخل المزرعة عشان الهانم... ده حبها يا عزيز فرات أخويا اللي قلبه حجر حبها."
تغيرت ملامح عزيز ولولا إعطاءها ظهره لرأت مشاعر زوجها الحقيقية.
"أخوكي بيحبها عشان الطفل اللي في بطنها... بعد السنين دي كلها هيكون له وريث خلاص فلازم يحبها."
"مش قادرة أصدق إن اللي هيشيل اسم العيلة ابن واحدة خريجة سجون وأصلها..."
وتذكرت أصل صفا فتمتمت بحقد.
"بلاش افتكر."
ألتف عزيز إليها وكأن الفرصة قد أتيته.
انحني يطبع قبلة فوق خدها.
"مش الطفل هو الرابط اللي بينهم... يبقى نهاية حكايتهم تبتدي من هنا."
"قصدك إيه ياعزيز."
ابتسم بمكر لا تراه لسذاجتها.
"المرة الجاية هقولك قصدي ياحبيبتي... لازم أمشي بقى."
كاد أن يرحل إلا أن أوقفته بعبارتها.
"انت لسه بتحبها يا عزيز."
ثواني مرت وهو ساكن بمكانه ليعود إليها يأسر أنفاسها بقبلة طويلة وأبتعد عنها يتأمل خنوعها وسيطرته عليها.
"كده رديت عليكي."
وانصرف يحسب خطواته حتى لا يراه أحد.
فأرتخت بجسدها فوق الفراش كالضائعة.
سارت بشرود تتأمل كل ركن بالمزرعة كما اعتادت يومياً.
استوقفها صوت عنتر الصارخ بأحدي النساء.
"فاكرة نفسك بتشتغلي في الحكومة ياختي... شهر غايبة عن الشغل وجاية تقوليلي كنت عيانة."
ألتمعت عين السيدة بدموع القهر وأطرقت عيناها ألماً.
"وهكدب عليك ليه يا عنتر بيه... هو في حد بيكدب في المرض."
فرمقا متفحصاً.
"مكانك أخدته واحدة تانية... لما يبقى في نقص عمالة نبقى نشوف نرجعك."
هلع قلب المرأة وركضت إليه منحنية فوق كفه تقبله.
"أبوس إيدك رجعني الشغل.... هاكل منين أنا وعيالي."
لم تتحمل صفا المشهد أكثر من ذلك.
فشريط حياتها كان يمر أمامها منذ وضعت قدميها خارج بوابة السجن.
"رجعها شغلها."
تعلقت عين المرأة بها لينظر نحوها عنتر مندهشاً من وجودها هنا.
"ست صفا ده شغلي وأوامر فرات بيه."
كانت تعلم أن عنتر ما هو إلا نموذج مصغر من بطش فرات وصلابة قلبه.
ازداد كرهها لفرات فحتى رجاله مثله عديمين الرحمة.
"وأنا قولت رجعها... انت معندكش رحمة."
"مش عايزين عمال... لما نحتاج هنبقى نبلغها."
انسابت دموع المرأة لتشعر بكسرتها فأقتربت منها متجاهلة حديث عنتر تربت على كتفها.
"ارجعي شغلك."
تهللت أسارير المرأة ونقلت عيناها بين صفا وعنتر الواقف يشتعل غضباً فهو إلى الآن لا يتقبلها زوجة سيده.
"بجد يا ست هانم أرجع شغلي."
أومأت لها برأسها لتمسح الأخرى دموعها لا تعرف كيف تشكرها على معروفها.
"الكلام ده مش هيعجب فرات بيه... المزرعة ماشية بنظام."
تمتم عنتر عبارته واستدار بجسده راحلاً إلى سيده ولكن أوقفه صوتها الواثق.
"روح اشتكيني له."
كانت تخشى من ثقتها في إنصاف فرات لها أمام عنتر الوفي ولكن أقسمت أنها لن تنكسر ثانية فلم يعد شيء بها لم ينكسر بعد.
اتقع وجه عنتر وانصرف من أمامها حانقاً.
أتبعته إلى أن دلفت من باب المنزل واقتربت من حجرة مكتبه لتستمع لشكوى عنتر منها وتصغيره له أمام العاملين والتدخل بشئونه.
"الهانم تعمل اللي هي عايزاه يا عنتر ومدام قالت ترجع شغلها يبقى ترجع."
رفع عنتر عينيه مصدوماً من قرار سيده لتلتقي عيناه ب صفا كما التقت عيناها بعين ذلك الجالس خلف مكتبه يفحص بعض الأوراق.
شعر عنتر بالحرج وأطرق رأسه وانصرف بعدها بخزي بعدما رأى وسمع مدى سلطة سيدته الجديدة فلم يكن يظن يوماً أن فرات النويري سيجعل امرأة لها سلطة بحياته وأملاكه.
"تعالى ياصفا."
هتف بها بعدما وجدها تلتف بجسدها لتغادر مكتبه كما غادر عنتر.
نهض من فوق مقعده مقترباً منها.
"بعد كده لما تحبي تعملي حاجة تعالي قوليلي ومدام حاجة صح مش هعرضك."
"انت مشوفتش كسرت نفسها ومحستش بيها ولا هتحسها."
اندفعت تدافع عن تلك السيدة.
فأقترب منها أكثر يأسرها بين ذراعيه.
رفعت عيناها بألم فرأت داخل مقلتيها نظرة وضع بها كل الخزي والكره.
"أكيد مكنتش هطرد الست ديه زي ما عمل عنتر."
"بس انت عملتني كده... عنتر تلميذك."
أوجعته كلمتها.
فمنذ تلك الحادثة التي أودعته بغيبوبة لفترة وبدأ ضميره يؤنبه.
"إحنا مش بدأنا نفتح صفحة جديدة."
"الدفتر القديم لسه متقفلش... أنا..."
وكادت أن تخبره أنها تكرهه إلا أنها تذكرت انتقامها منه.
"شكراً إنك مطردتهاش.. لو عشت كسرت النفس والذل أو الفقر وقلة الحيلة هتعرف قد إيه إنه صعب تشوف إنسان بيتوسل ليك عشان لقمة العيش."
عباراتها كانت تتدافق فوق قلبه فتشعره بمدى حقارته وظلمه.
ابتعدت عنه تحت نظارته لتقف كالصنم وهي تسمعه.
"يمكن ربنا اداني عمر تاني عشان أكفر عن ذنوبي وأبقى إنسان تاني ياصفا."
تعلقت عين رؤى بمريم الواقفة داخل المصعد بعد أن وصلوا للطابق المنشود.
"هتفضلي واقفة كده كتير... البارتي زمانه بدأ."
"بس أنا مش سامعة صوت ولا حاجة."
ضحكت رؤى وهي تجذب يدها.
"البارتي معمول على شرفي... مينفعش يبدأ من غيري."
"رؤى أنا خلاص غيرت رأي... أنا مش عارفة إيه اللي جابني معاكي."
تذكرت حديث شهاب مع ندى صباحاً.
كانوا يتهامسون عن حمزة وعن السعادة التي أصبحوا يروها على محياه وتقاربه مع ياقوت وعن سبب إغلاقه للهاتف.
ترددت عبارة شهاب التي سقطت على أذنيها بعقل مراهقة.
"بيقضوا شهر عسل... مش عايزين حد يزعجهم.. ماتيجي ياندي نعمل زيهم."
أغمضت عيناها بقوة وانسحبت خلف رؤى لداخل الشقة.
وقد فتحت الخادمة الباب لترحب بهم.
دلفوا لتتعجب من عدم وجود إلا صديق واحد مع وليد الذي وقف مبتسماً لرؤيتها.
لتنظر إلى رؤى.
"فين الناس هو إحنا بس."
ضحكت رؤى بعلو صوتها ليجاريها وليد.
"اتصل بيهم ياباسم... لأحسن مريم واقفة خايفة ومش عايزة حتى تقول أهلاً ولا إزيك ولا كأننا كنا معرفة."
ارتبكت مريم من حديثه واطمأنت قليلاً.
وازداد اطمئنانها وهي تسمع باسم صديق وليد يخبر أحدهم على الهاتف.
"انتوا وصلتوا قدام الباب... طب ثواني جاي أفتح لكم."
"وليد الشلة وصلت."
تهللت أسارير رؤى وهتفت وهي تسحب حقيبتها.
"هدخل أظبط مكياجي بقى."
أصبح المكان خالياً فنهضت مريم مرتبكة.
"أنا هروح مع رؤى."
انغلق صوت الباب وقد تم كل شيء كما اتفق معهم.
"رايحة فين ياحلوة... ديه السهرة لسه هتبدأ."
ضحكت وهي تراه لا يرغب بالنهوض من فوق الفراش.
"يا حمزة يلا بقى... انت مالك بقيت كسلان كده."
تثاوب وهي يفرد ذراعيه غامزاً بوقاحة فأرتبكت وهي تعود لجذبه.
"أنا جهزت الشنط ميعاد الطيارة."
"مش مهم خلينا النهاردة كمان."
جذبها لداخل أحضانه ليستلقي فوق الفراش وهي فوقه.
فدفعته بقبضتيها وتملصت من حصاره.
"لا كفاية كده عشان مأسيبش ياسمين أكتر من كده لوحدها."
تنهد بقله حيلة وعبس بملامحه كالأطفال.
وعاد يجذبها إليه ليغمرها بطفرة أخرى من عشقه.
بعد مرور ساعة كان يخرج من المرحاض يجفف شعره.
ينظر إليها وهي تكمل ترتيب حقيبتهما.
اتجه نحو هاتفه ليفتحه ليجد مكالمات عدة من شهاب وشريف ونادية.
انصدم من كم الاتصالات.
"غريبة في إيه."
"مالك ياحمزة."
وضع الهاتف فوق أذنه لينتظر إجابة شقيقه.
"في إيه ياشهاب مال صوتك."
ليسقط الهاتف من يده كما هوى جسده فوق الفراش وصوت شهاب يتردد بعمق داخل أذنيه يخبره أن صغيرته ألقت من الطابق الثاني وفي حالة خطرة والسبب مجهول عن وجودها في ذلك المكان.
رواية للقدر حكاية الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم سهام صادق
كان طيلة رحلة عودتهم صامتًا، جامد الملامح، لا ينظر إليها إلا إذا وضعت يدها على كفه تربت عليه، تُخبره بنظراتها أن مريم ستكون بخير ولن يرى بها مكروهًا.
هبطت من الطائرة خلفه، تسرع في خطاها حتى تُلاحقه. سائقه كان ينتظره، وفور أن صعد أمرهم:
- على المستشفى فورًا.
أرادت أن تتحدث معه، لكنها لم تجد حديثًا تُرتبه لتدعمه به، فهي لا تعلم إلا أن مريم في حالة حرجة بالمشفى.
انخرط في الحديث مع شقيقه إلى أن وصلت السيارة أخيرًا للمشفى. كادت أن تهبط خلفه، لكنه أوقفها بحزم:
- وصل المدام على الفيلا.
- لا، أنا جاية معاك.
اعترضت، فنظر لها ثم تركها ليُتابع خطواته لداخل المشفى. تنهدت بقله حيلة، وخفق قلبها بخوف مما هو قادم.
فاقت على صوت السائق وهو يسألها باحترام:
- أوصلك على الفيلا يامدام؟
- لا يا عم فتحي، أنا هنزل.
ترجلت من السيارة تتبعه، تشعر بالرهبة والخوف، تدعو داخلها لها بأن تطيب.
كانت أعين ندي هي أول من التقطت قدومهم، فأسرعت لحمزه تبكي بحرقة:
- مريم ياحمزه.. أمانة سوسن لينا.
ترددت وصية سوسن تلك اللحظة داخل عقله: "بنتي أمانة عندك، متنسهاش ياحمزه، حتى لو بقى عندك ولاد من صلبك، أفضل أب ليها عشان أرتاح في تربتي."
لم توصِ نحو شريف كما أوصته عليها، وكأنها كانت تخشى ضياعها يومًا.
ابتعد عنها عند خروج الطبيب من غرفة العناية التي تقبع بها، لتكون إجابته غير مطمئنة كما اعتادوا في الساعات الماضية.
وقفت في ركن بعيد تستمع إلى ما يحدث، ونظرات شريف لها كانت كالنيران تحرقها.
***
نظرات الكره التي باتت تحتل عينيها كانت تقتله. رمقه شزراً وهو يقترب منها بالطعام. لم يعد الصراخ والسباب يجدي شيئًا، فقد انكسر شيء قوي داخلها بعدما ظنت أنها رمت جميع أوجاعها بدونه ومعه.
- تناولي طعامك... لا أريد أن يُصيب طفلي مكروه.
- أغرب عن وجهي... أكره صوتك ورؤيتك.
قتلته عبارتها كما قتلته نظراتها، ولكن من أجل أن تسير خطته كما يرغب، لابد أن يدفع الثمن.
- لا أظن أنني أيضًا أريد رؤية وجهك وسماع صوتك سماح... ولكن طفلي يجبرني على فعل هذا.
كانت جين تقف خارج الغرفة متلصصة، تسمع حديثهم الدائر، وقلبها يرقص بلذة النصر.
- أكرهك سهيل، أكرهك.
وانخرطت في البكاء وهي تتساءل بصوت آدمي قلبه:
- كيف صدقتك... كيف تركت قلبي لرجل مرت أخرى؟
أراد في تلك اللحظة تدمير كل ما يخطط له وضَمّها إليه، ولكن ما هو الدليل الذي سيجعله يركل تلك الحياء إلى المكان الذي تستحقه؟ إلا التمثيل بمثل هذا.
***
رغم رفضها لتلك العزيمة، إلا أن إصرار مراد في اصطحابها معه جعلها ترضخ لطلبه.
تنهدت وهي تدلف للمطعم، تُخبره حانقة:
- مراد، هي ساعة ونمشي... أنا ماليش مزاج أحضر عزومات وبالي مشغول على ياقوت.
ضم كفها داخل قبضته مبتسمًا:
- مش هنطول يا هناء... لولا إتمام الصفقة مع الشريك الجديد ما كنتش جيت، بس وجودي لازم.
تنهدت بقله حيلة وسارت معه. وعندما سقطت عيناها على فستان نغم، زفرت أنفاسها بقوة. لامت نفسها أنها أتت معه تلك العزيمة بملابس بسيطة هادئة ولم تتأنق كالمعتاد. فأبتسامة نغم تراها متسعة فوق شفتيها.
تقدموا سويًا لتتعلق عين نغم بمراد، كما تعلقت عين الآخر بها هي، يفحصها عن قرب وليس مجرد صور تُرسل إليه.
- أحب أعرفك يامراد... مستر مارتن الشريك الجديد.
هتفت نغم بتعريفها، فلم يكن مراد ينقصه أن يعرف شيئًا عنه، فهو يعلم بهويته.
- أهلاً مستر مارتن.
صافحه مارتن ببرود دون أن ينهض من فوق مقعده، ومازالت سيجاره بين شفتيه ينفث أنفاسها.
- ودي مدام هناء زوجته.
تمتمت بها نغم بضيق، فتعريف هويتها قد اتخذ منها مجهودًا جبارًا.
إيماءت هناء له رأسها ببرود كما فعل هو، وشعرت بكبره.
كانت الجالسة تتمركز حول حديث دائر عن الأعمال والصفقة التي سيتم توقيعها، والأرباح المبهره التي سيجنوها، وعن النجاح الذي سيحققه مراد وتزداد ثقته أكثر بنفسه.
مدير أعمال مارتن كان هو من يهتم بكل التفاصيل، مع حديث بسيط من رئيسه الذي لم يترك أنش من وجه هناء وجسدها دون فحصه بحرية. لم ينتبه مراد لشيء، ولكن نغم كانت من حين لآخر ترمق نظرات مارتن وتجذب مراد بالحديث كلما حاول الالتفاف نحو زوجته.
تلملمت في هناء في جلستها، وفور أن وضع النادل مشروبها المفضل، ابتسمت بسعادة كطفلة صغيرة، وألتفت بمقعدها حتى تختلي بنفسها بعيدًا عن هذا الملل.
مر الوقت، وأعين مارتن لا تبتعد عنها إلا إذا تجاذب الحديث معهم. تمت الصفقة بنجاح وتم التوقيع، ووضع الشرط الجزائي الذي لم ينتبه مراد لفداحته، فالربح وعلو الشركة كان يحتل عقله. انتهت الجلسة لتنظر نغم نحو مارتن مبتسمة:
- كما اتفقنا.
فأبتسم مارتن بإيماءة وعقله يدور في امتلاك هناء وتجربة امرأة مسلمة مُحجبة.
***
تأملت ياسمين حالها بحزن. الكل أصبح ينظر لشقيقتها بأنها سبب مأساتهم، لا حديث يقال، إنما نظرات وتجاهل يقتل أكثر من أي شيء.
- ياقوت.
تمتمت باسمها، فأنتبهت ياقوت إليها، فأزالت دموعها سريًا حتى تخفيها عن أعين شقيقتها.
- تعالي ياياسمين.
اقتربت منها حتى جلست جوارها فوق الفراش.
- هتفضلي قاعدة في أوضتك محبوسة كده؟
لم تستطع تحمل ما استوطن قلبها من ألم، وكأنها هي من جعلت مريم تذهب لتلك البناية، فلا أحد يعلم سبب ذهابها لهناك، فالشقة كانت مستأجرة بالباطل وصاحبها مهاجر لإحدى الدول الأوروبية.
الحقيقة كانت لدى مريم، ولكن الحديث الذي يتداوله الأقارب والمعارف أنها بالتأكيد ذهبت لتلك الشقة لرؤية رجل.
دموعها عادت تسقط مجددًا.
- بيحملوني الذنب ياياسمين... نظراتهم بتدبحني.
كانت تعلم ياسمين بتلك الأشياء التي تتحدث عنها، فمنذ غيبوبة مريم وعدم وضع الأطباء موعدًا لاستيقاظها، والكل أصبح في حالة حداد وحزن. والبيت الذي حسدت يومًا شقيقتها على العيش بمكان مثله أصبح كالمأتم.
- اهدي ياياقوت.. أهم حاجة جوزك.
ألتمعت عيناها بألم وهي تتذكره.
- بقى بعيد عني أوي يا ياسمين.
تذكرت ياسمين مشهدهم صباحًا بعدما شعرت بالألم أسفل بطنها وهي تهبط درجات الدرج، وكان قد خرج من غرفة مكتبه للتو ليسرع نحوها يسألها بلهفة عما بها.
طرقات الخادمة على باب غرفتها قطعت حديثهم، لتدلف الخادمة تُخبرها أن نادية بالأسفل وتريد الحديث معها.
***
ألويت شفتي ياسمين بعد انصراف نادية ساخطة:
- هي الست دي مبتحملش حاجة للآخر... قولنا جاية تطمن عليكي جميل، لكن بعدين تقولك اهتمي بحمزه ياياقوت واستحملي الفترة دي، هما شايفينك إيه؟
صمتت ياقوت. كانت تريد الصراخ بها تسألها لما لا تكون عادلة وتُخبر شقيقها بهذا، ولكن مازالت حقيقة زواج حمزة منها والبدايات تقتحم قلبها. فمنذ متى كانت لديها قيمة بينهم إلا إسعاد شقيقها وإنجاب طفل له حتى يسير لشقيقها ذرية تحمل اسمه وتنعم بما حصده.
- ياقوت أوعي تكوني زعلتي مني... أنا مقصدش... بس هما ظالمينك أوي معاهم في كل حاجة.
وأردفت بعد أن طال صمتها:
- ياقوت انتي سمعاني؟
- بتقولي حاجة ياياسمين؟
لم تشأ ياسمين إعادة حديثها، فما تراه فوق صفحات وجه شقيقتها يكفي.
***
ارتسمت السعادة فوق شفتيه، فشهر ونص وسيصل طفله الذي انتظره طويلاً.
التقط كفها يضمه بحنو وزفر أنفاسه براحة، فشعور الأبوة أصبح يخترق حواسه وكيانه، ولم يعد يكره سماع تلك الكلمة التي كلما كان يسمعها من أفواه أبناء أصدقائه كان يزداد نقماً على حياته وحرمانه من تلك النعمة.
- نفسك في إيه أحققهولك ياصفا؟
حررت كفها من قبضته والتفت بعينيها نحوه، فوجدته ينظر إليها بنظرة لم تكن تراها إلا في أعين شخص انتهت حكايتهم منذ زمن.
فكرت وفكرت، والإجابة كانت واحدة، هي تُريد الثأر. هتفت روحها دون أن يسمع ما تمنت:
"آخد حقي منك يافرات."
انتظر أن يسمع حلمها فسألها ثانية:
- ها ياصفا... قوليلي حلمك؟
- نفسي أعمل مشغل كبير أشغل فيه كل حد دخل السجن سوا مذنب أو مظلوم وخرج منه وحلمه إنه يتوب، لكن الحياة أخدته في ظلم أكبر.
تعجب من حلمها وصمت مفكرًا، يدير الأمر بعقله. وحين صمت تأكدت أنه لو تقبلها بماضيها، فلن يقبل أن يفعل مثل هذا العمل. ف فرات النويري يخاف على اسمه واسم عائلته، والناس بالنسبة له كعبيد.
وقفت السيارة بعدما اجتازت بوابة المزرعة. ففتح لهما السائق أبواب السيارة وأسرع في إخراج الأكياس العديدة لإدخالها للمنزل.
كانت الحقائب بها الكثير من الملابس للصغير، انتقاها هو بنفسه ولم تختر هي شيئًا. فكلما رأت الفرحة في عينيه كرهت فرحتها بذلك الطفل الذي ربطها به وجعلها عاجزة عن الهرب.
دلفت لغرفتها تزيل عنها حجابها، ثم شرعت في إزالة ملابسها، لتجده خلفها يضمها ويداه تتمركز فوق بطنها.
- قالولي إني مش هخلف وهتحرم من النعمة دي طول عمري... كنت بفتخر بنفسي وأقنع رجولتي إني مش عاجز ومافيش حاجة هتمنعني وإني عازف عن الجواز برغبتي... لكن الحقيقة كانت جوايا...
حديثه كان موجهًا لصغيره، ولكن كان يخترق فؤادها بقوة. وهناك نقطة كانت بين الانتقام والضمير.
***
اقتربت منه تزيل عنه سترته. فأرتجف قلبها بألم من جموده معها. تلاشت شعورها تسأله:
- روحت لمريم النهارده؟
أغمض عيناه بقوة وهو يتذكر منظر صغيرته وعدم استجابتها لشيء، لتعود لواقعهم. قاسمًا أنه سيثأر لحقها، لكن يجد تلك التي تُدعى رؤى أولًا، فلم تكن إلا هي القريبة منها.
لم يجب على سؤالها الذي أخذه لمكان آخر. فتسألت ثانية وهي تُبلل شفتيها بلسانها:
- أحضرلك العشا؟
- ماليش نفس.
هوى بجسده فوق الفراش ليطرق عيناه، واضعًا رأسه بين راحتي كفيه.
جلست جانبه تمسد فوق ظهره.
- كنتِ بتلفتي نظري عشان كده، مريم كانت بتضيع وأنا مكنتش حاسس... أنا السبب في اللي هي فيه.
- متقولش كده ياحمزه... ده قضاء ربنا.
رفع عيناه إليها ونهض من جوارها وكأنه نسي وجودها معه. فظل يتحدث ويخرج ما بداخله ولم يشعر أن الحديث كان يسقط فوق قلبها، لتجد حقيقة واحدة أنها المذنبة، أنها هي من شتت عائلتهم وأن الصغيرة ترقد بالمشفى بسببها.
- لو مكنتش شوفت حياتي ونسيتها عشان سعادتي ما كنتش وصلت لكده... أنانيتي ضيعتها... أنا السبب.
صمتت وهي تسمعه، ولم يرى دموعها التي كانت تسقط فتمسحها سريعًا.
رنين هاتفه كان المنقذ لها حتى لا تسمع ما يُدنيها أكثر. إدانتها لم تكن بعبارات صريحة، إنما كانت تندس بين تأنيبه لضميره.
- تمام، أنا جاي أقنعه ينزل مصر معايا يشوف حالتها... بكرة هكون في أمريكا.
لم يكن الاتصال إلا من أحد رجاله في أمريكا يُخبره برفض أشهر أطبائها للمجيء لهنا.
***
ودعت شقيقتها مع السائق الذي سيأخذها لبلدتهم حتى تقنع والديها بالعمل هنا وإكمال دراستها بالمعهد، وستتكفل هي بدراستها. رغم كل ما هي بداخلها لا تتمنى أن تجعل شقيقتها مُنكسرة مثلها، ترتضي بأي حياة حتى تفر من الهمسات واللمزات والشعور بالعبء على أحد، رغم أن حياة ياسمين ليست مثلها. فسناء زوجة أبيها تحب أولادها بشدة رغم لذعة لسانها، عكس والدتها حنانها بحساب وكأن حنان الأم يُعطي بمقدار.
وقعت عيناها على شريف الذي هبط من سيارته هو ومها.
لم تتغير ابتسامة مها وطيبة قلبها، رغم أنها لا تتذكر أي شيء عما مضى.
اتجهت نحو ياقوت، ولكن صوت شريف الحازم أوقفها.
- مها.
- شريف استنى هتكلم مع ياقوت أسألها عن حاجة.
- أنا قولت إيه يلا ورايا... عايز أغير هدومي وأرجع المستشفى.
رضخت لأمره، فهي تشعر به وبالمصاب الذي لحقه، ونظرته لرقدت شقيقته لا يعلم أهي ودعت الحياة أم ستظل متمسكة بها.
أغمضت ياقوت عيناها بقوة حتى لا تبكي، ودلفت للمنزل لتنتظر هبوطه لأسفل حتى تُحادثه.
مرت نصف ساعة وهي جالسة إلى أن شعرت بخطواته على الدرج.
- شريف ممكن أتكلم معاك؟
تجاهل شريف حديثها وأكمل خطواته إلى أن مر جانبها، فأسرعت بالالتفاف إليه.
- شريف انت ليه بتحملني ذنب اللي حصل لمريم... أنا عملت إيه قولي؟
ألتمعت عيناه بغضب.
- أنتي السبب، من ساعة ما دخلتي حياتنا وكأنك شؤم حل علينا.
سقطت الكلمة كالخنجر فوق قلبها.
- أنا ياشريف... أنا عذراك رغم غضبك مش في محله.
استشاط غضبًا منها، وكأن سماع صوتها يثير داخله تقصيره وإهماله لشقيقته. أراد إخراج غضبه من نفسه، فلم يخرجه إلا عليها.
- أنا واثق إنك انتي أكتر واحدة شمتانة فيها ومش بعيد تكوني انتي السبب وسلطتي البنت دي عليها، ما انتي بتكرهيها.
- انت بتقول إيه؟
جذب ذراعها يقبض عليه بكفه حتى تأوهت.
- بقول الحقيقة... عايشة معانا في دور الملاك وانتي زي الحية بتخططي لكل حاجة بهدوء.
- ابعد عني.
نفضت ذراعها منه لتمسده، فمسح بيده فوق وجهه، يُجاهد نوبة أخرى من نوبات غضبه، متذكرًا حمزة، فلولاه لكان فعل أكثر من ذلك بها.
أسرع في خطاه ليفر من المنزل الذي بات يخنقه، ويرى نظرات والدته اللائمة له لبعده عن شقيقته.
- قبل ما تتهم الناس اتهم نفسك ياحضرة الظابط، انت السبب... بعدك عن أختك هو السبب... اهتميت بحياتك وسيبت مسؤوليتها على راجل مش أبوها، وجاي دلوقتي بتدور على حقها، كانت فين أخوتك ليها؟ مريم كانت ماشية في طريق غلط ونبهتكم وأنتم مشوفتوش ده غير كره وافتري عليها، وادي النتيجة.
- اخرسي.
الحقيقة كانت يعلمها، ولكنه كان يتجاهلها، ولكن حين نطقت بها كانت تضع الجمر فوق قلبه.
ألتمع الغضب في عينيه بعدما انطفئ.
- اطلعي بره البيت ده... البيت ده بيت أمي مش بيتك.
ولم يمهلها استيعاب ما نطقه، في يده كانت تسحبها للخارج.
رواية للقدر حكاية الفصل الستون 60 - بقلم سهام صادق
الفصل الستون
***********
أدرك فداحة ماصنعه بعدما أستوقف سيارته في مكان معزول يتذكر تفاصيل ماحدث وطرده لها ثم صعوده لسيارته مُنطلقاً بسرعه قصوي غير ناظراً خلفه
ضربات عدة ألقاها فوق عجلة القياده صارخاً مُبرراً لحاله عدم سيطرته على نوبات غضبه
" هي اللي استفزتني... هي اللي ضغطت على الحقيقه جوايا... انا السبب انا اللي ضيعت اختي"
أنفاسه خرجت مُتلاحقه ببعضها الي ان استرخي واغمض عيناه لعله يهدء قليلا ويعود إليها مُعتذراً
" ياقوت غلبانه وبتنسي بسرعه مجرد كلمه اعتذار والموضوع هيعدي"
كان اقناعه لنفسه يزداد نحو صنيعه... لم يدرك ان فيض السماح قد انسكب جميعه وان شروخ القلب في لحظه تنكسر وتسقط تحت القدمين ليمر المرء فوقها ماضياً في طريقه
انطلق بسيارته وعقله يقنعه بما يُريد وان افراغ غضبه فيها بسببها فهى التي اوقفته للحديث وها حدث ماحدث
...............................
هوت بجسدها فوق احد الأرصفة تنظر بشرود لما حولها... الطريق كان خالي من الماره.. يداها كانت ترتجف كحال شفتيها اما عيناها كانت مُتحجره تتلألئ بها دموع القهر ولا تسقط
صدي صوته مازال يسقط فوق قلبها... ولكن تلك المره لم تعد تحتمل.. فسقطت دموعها وارتفعت يداها فوق اذنيها لعلها تكتمه
" اطلعي بره البيت ده... ده بيت امي مش بيتك"
رنين هاتفها كان يتعالا ولكنها لم تكن تسمعه...فلم تكن الا بعالم اخر ترى في سعادتها القليله معه وبؤسها الذي فاق تلك السعاده فلم يعد الا البؤس
- مالك يابنتي انتي تعبانه... طب شوفي تليفونك يمكن حد من أهلك بيتصل عليكي
نطقها ذلك الرجل الواقف يحمل بيده المكنسه وكما يبدو عليه انه عامل نظافه بزيه... حدقت به صامته فالكلام قد توقف فوق شفتيها.. طرده لها كانت القشه التي انهار بعدها كل شئ
إن ترى نفسها تطرد كالشريده كان أصعب ما تخيلته يوماً... وهي التي كانت تتمنى ان تتزوج حتى لا تطردها زوجة ابيها يوماً
لم تعد تحب الذهاب لوالدتها رغم حاجتها لها حتى لا ترى نظرات زوج امها الغير مرحبه... عقد خلقت داخل قلبها وعقلها فشوهت عالمها... لم يخلق منها الا انسانه خائفه ترضى بأي شئ من أجل المأوى.. وها حدث ما خشته يوما
صوت الرجل عاد يتردد ولكن لا اجابه تستطيع إخراجها... تعلقت عين الرجل بهاتفها الذي عاد يدق للمره الثالثه.. فتناوله من يدها
- فينك ياياقوت... ياقوت احنا محتاجين التصميم اللي معاكي هبعتلك حد من الشركه يجي ياخده
هتف هاشم عباراته سريعاً دون انتظار
- الست اللي بتكلمها يااستاذ وقعه في الشارع مبتتكلمش...لو تعرف حد من أهلها اتصل بي يجي ياخدها
انصدم هاشم مما سمعه فتمتم سريعا
- قولي اسم المكان اللي هي في
اعطاه اسم المنطقه فأزداد تعجب هاشم... فالمنطقه التي هي بها تقبع خلف المنطقه التي تقطن بها مع عائله حمزه
اقل من ثلاثون دقيقه وكانت سياره هاشم تصطف... ليخرج من سيارته.. فتعلقت أعين الرجل به وهو ينظر إلى ياقوت التي فاقت من حاله شرودها وتناولت الماء من ذلك الرجل الطيب
- كويس انك جيت يااستاذ
اخرج هاشم من جيب سترته بعض المال لينظر اليه الرجل غاضباً عن صنيعه
- هو المعروف بيتباع يابيه... المعروف لوجه الله
شعر هاشم بالحرج
- اسف مقصدش... بس ده شكر على اللي عملته
- اي حد مكاني هيعمل كده... عن اذنك اكمل شغلي وربنا يستر طريقكم
انصرف الرجل بعد ماقاله لينحني هاشم قليلا نحوها
- ايه اللي مقعدك كده ياياقوت...ايه اللى حصل
تعلقت عيناها به وانتظر هو سماع مالم يظنه
...............................
صرخ شريف بالخادمتان اللاتي يخدمان بالمنزل
- فين مدام ياقوت
تعلقت عين الخادمتان به ثم نظروا لبعضهم
- ما انت طردتها من البيت يابيه
- ومحدش راح وراها ليه... انتوا ايه وجودكم في البيت
لم تعرف الخادمتان كيف تُجيب فهو قد اسكب غضبه ثم عاد ليُكمل عليهم
وقفت مها أعلى الدرج تُطالعه بأعين باهته وعادت راكضه نحو غرفتها فطرد ياقوت كان صدمه بالنسبه لها في شخصيه زوجها الحنون
زفر شريف أنفاسه بقوه وعيناه اخذت تدور بالمكان ليتأكد انه الان في كارثه فماذا سيخبر حمزه والعائله..لقد طرد زوجة الرجل الذي حرص على تربيته هو وشقيقته وترك كل شئ خلفه منذ أن رقدت مريم غائبه عن عالمهم وترك زوجته في حماهم
وماذا فعل هو طردها وهي حامل فكيف لياقوت الفتاه الدخيله التي اقتحمت حياتهم تُعطي رأيها وتخبره بفشله في احتواء شقيقته
- هتعمل ايه في المصيبه ديه ياشريف... اكيد مبعدتش عن الفيلا...
وركض لسيارته يبحث عنها... فإذا لم يجدها فأين ستذهب الا الي ناديه
.................................
ناولها هاشم احدي علب العصير وهي جالسه في سيارته تنظر إلى يداها القابعه فوق حجرها تحمد الله بأنها دوما تتحرك بالمنزل لوجود شريف وشهاب بملابس محتشمه وحجابها المُحكم
- بقيتي احسن دلوقتي
سألها وعيناه تنتقل نحو ملامح وجهها وقد استردت لونها الطبيعي
- الحمدلله..شكراً على اللي عملته معايا
- متقوليش كده ياياقوت انتي زي هند اختي
وعندما ذكر اسم هند هتفت بلهفه
- لو هتساعدني زي ما قولت متخليش حد يعرف مكاني ارجوك
أماء برأسه مُتفهماً
- حاضر ياياقوت ومدام انتي ده اللي عايزاه فأنا هحترم رأيك.. بس انتي متأكده من قرارك
اغمضت عيناها بقوه قبل أن تذرف دموعها الحبيسه
- اه متأكده...
وضمت بطنها بذراعيها تحمي اجنتها فتسأل قلقاً من حركتها تلك
- أنتي كويسه... اخدك على المستشفى
نفت برأسها ثم اتكأت برأسها فوق زجاج السياره
- متقلقش هكون كويسه
لم يشئ الحديث معها اكثر فيكفيها ما به رغم أنها لم تخبره شئ عما حدث الا انها ترجته ان يبحث لها عن مكان يأويها
...................................
تأملت بوابه المنزل العتيق لتنظر حولها تتأمل المكان ببساطته... القريه كانت تشبه قريتها الهادئه كانت إحدى قري محافظه الغربيه التي ينتمي هاشم إليها...ألتف نحوها بعدما فتح الباب يحثها على اتباعه
- ده بيت العيله قبل ما الحياه تفرقنا
اماءت برأسها لتتبع خطواته وعيناها علي ارجاء المنزل من الخارج
- اطمني ياياقوت القريه هنا امان والناس طيبه
- شكرا على اللي بتعمله معايا
- هتفضلي تشكريني كتير ما انا قولتلك انك زي هند اختي...
سقطت دموعها وهي تتمنى تلك اللحظه لو كان لديها شقيق مثل هاشم ولكن مسحتها سريعاً..
دلفت خلفه للمنزل فتولي مهمه اضاءه الانوار
- حظك اني استلمته من العمال من اسبوع بعد ما قررت اوضبه... ايه رأيك
حملقت فيما حولها بمسحه سريعه وابتسمت اشاده عن جماله وبساطته
شعر بأرتباكها وتنحنح حرجاً
- هطلع اجيب الحاجه اللي جبناها معانا...
...............................
فتحت عيناها بعدما استمعت لخطوات يُجاهد صاحبها ألا يصدر صوتاً ارتجف قلبها خوفاً ممن يدلف لها تلك الساعه ولكن رائحة عطره جعلتها تغمض عيناها تتظاهر بالنوم...
الساعه اجتازت الثانية صباحاً والسكون ملئ المكان لتشعر به يجلس على طرف الفراش.. أرادت ان تنتفض من جانبه وتصرخ بوجهه... أرادت ان تخرج به غضبها وقهرها ولكن صوته جمد كل شئ داخلها
- سامحيني سماح... كان علي ان افعل ذلك حتى لا تضيعي انتي أيضا واخذ حق شقيقي... انا اعلم انك أنقى وأطهر النساء اللاتي مروا بحياتي حبيبتي
"حبيبتي" وانحصر كل شئ في تلك الكلمه
..............................
تآوهت بآلم بعدما اسهدها ركل صغيرها وكأن الليله أراد أن يُشاغبها قليلاً بحركته... كانت ركلاته في البدايه متعبه الي ان بعد فتره أصبحت لذيذه بل رفعت منامتها العلويه لتتأمل بشره بطنها لترى موضع ركلاته
لم تشعر بدلوفه للغرفه... كان قد أنهى اعماله للتو في غرفه مكتبه وصعد مغلق العينين يُريد فقط حمام منعش ثم الخلود للنوم... ضاع ارهاقه ولمعت عينه وهو يراها تضحك وسعيده تُحرك يدها على بطنها ثم تضحك بعد أن يركلها الصغير
اقترب منها مستمتعاً فأنتهبت لوجوده لتُسرع في تغطية بطنها الا ان كفه منعتها
- ممكن اجرب ياصفا
ضمت شفتيها صامته لتمتد كفه نحو بطنها... ولم يحرمه صغيره من تلك المتعه... لتتسع ابتسامته شئ ف شئ ولأول مره تنتبه ان فرات يمتلك غمازات جميله... اشاحت عيناها بعيداً عن تأمله
فخافقها الأحمق بات ينظر لعدوه بنظرات أخرى لا ترغبها فالبداية بدأت واصبح عدوها يغرق في حبها يُلبي لها ما تطلب دون رفض
- انت حاسس ب بابا مش كده...
قالها بسعاده غير مُصدقاً ان حقيقه وجود صغيره بين ذراعيه تقترب
لتتعلق عيناه ب صفا الصامته التي تُصارع مشاعرها
- لقيت الأرض اللي هبني عليها المصنع بتاعك... واسبوع والعمال هتبدء شغل
- يعنى انتى وفقت تعمله
ابتسم وهو يرى ردت فعله عندما أخبارها بهذا
- انا قولتلك احلمي ياصفا وطول ما انا عايش هحققلك كل أحلامك انتي وابني واعوضكم
- لو قولتلك اني نفسي أزور بيت ربنا هتوديني
أرادت ان تختبر مشاعره فأتسعت ابتسامته سعاده
- طبعا... اولدي بالسلامه ونروح احنا التلاته
...............................
وقف شهاب وباقي العائله مصدومان مما يسمعوه... افرغ شهاب غضبه نحو اول شئ قريب منه وعلامات الإرهاق باديه فوق ملامحه
- مش موجوده في اي مكان يااستاذ... ولا حتى راحت لأهلها
الكل كان مُجتمع من ليله امس ينتظروا سماع اي شئ عنها ولكن لا أثر لها... رغم توسع علاقتهم لكن لم يستطيعوا إجادها
مسحت ناديه فوق وجهها حائره
- هتكون راحت فين وهي حامل... كده ياشريف ده الجميل اللي رديته ل حمزه
اطرق شريف عيناه أرضا نادما ولكن ندمه لم يعد يفيد بشئ
- مكنتش في وعي... مكنتش اخدت على كلامي... مفتكرتش انها هتمشي وهتختفي
لم يتحمل شهاب رغبته المُلحه في لكمه فأتجه نحوه يلكمه بقبضه يده
- كده اعرف ارتاح...
الكل صرخ مفزوعاً مما حدث فالدماء اخذت تسقط من أنف شريف
- راجل اوي انت لما تطرد واحده ست... بس اقول ايه ما اخويا هو السبب ناسي مراته وحياته ومهتم بينا وبمشاعرنا وكأنه واجب عليه...
وانحني بجزعه العلوي يلتقط أنفاسه يتذكر حديثه مع شقيقه قبل ذهابه لامريكا يوصيه على زوجته فشهر ولادتها قد اقترب فاض له بما يثقل كاهله ومن تحملها له الذي فاق كل شئ وانه لم يشعر بالظلم اتجاه أحداً قط الا معها هي
- اخويا اتمنى لنفسه الموت ولا يشوف في مريم مكروه... نسي ابنه اللي جاي عشان اختك اللي انتي معملتش معاها ربع اللي عمله يا حضره الظابط يلي وصلت للي انت فيه عشان هو في ضهرك ومعاك وفي الاخر جازاته خسرته مراته والله اعلم هي فين دلوقتي
سقطت دموع شريف وندي التي وقفت تمسح له دماء أنفه اما ناديه انزوت على حالها بعيدا وبجانبها زوجها يُدلك لها كفيها خوفا عليها من ارتفاع ضغطها اكثر
- خلاص يا شهاب... خلاص انا فيا اللي مكفيني وانا مش هسكت غير اللي لما ارجعها
وانصرف بعدها كالتائهه لا يعرف ما فعله في حياته لينقلب عليه كل شئ.. شقيقته راقده بالمشفى وذنب اقترفه في حق زوجة من رباه هو وشقيقته وخالته وزوجته التي تنظر اليه بأحتقار لما فعله تُخبره انها لا تريد العيش معه
.................................
جلست فوق فراشها تنظر لهاتفها بعدما تحدثت مع ناديه قليلا وقد كان صوتها ليس على ما يرام... اقترب منها مراد يلثم خدها بقبلة طويله دفعته بيدها فأنفجر ضاحكاً
- بحب اضايقك
- ياسلام وكمان بتعترف
ضحك وهو يتمدد جانبها فوق الفراش
- ما انتي اللي عندك خدود شبه خدود الأطفال
رفعت وسادتها لتدفعه بها... فرفع ذراعيه يحتمي بهما
- فينك ياعمي تيجي تشوف بنتك وهي بتضربني بالمخده... تعالا طخها بالنار
لم تضحك ولم تبتسم كالعاده انما زفرت أنفاسها شارده
- مراد انا حاسه ان طنط ناديه مخبيا حاجه
تنهد وهو يتذكر ماحدث لمريم
- ما انتي عارفه اللي هما في
- مش قصدي عن مريم... في حاجه قلقاني وقلبي قلقني على ياقوت..
وتمتمت بحزن حقيقي
- احنا بعدنا عن بعض اوي من ساعه ماتجوزنا..
تلاعب بخصلاتها وهو يرمقها بحب
- مالك يا هناء.. انتي قلقتيني ماتتصلي ب ياقوت واطمني عليها
- تليفونها مغلق.. ولما سألت طنط ناديه عليها قالتلي كويسه
وثب ناهضاً من فوق الفراش يجذبها
- بطلي قلق وقومي ألبسي نخرج نتمشى على البحر
كانت كالطفله الصغيره حينا يُحادثه عن نزهة... نست كل أفكارها ونهضت تتقافز فوق الفراش ثم تعلقت بعنقه تُقبل خده
- احلى واجمل مراد في الدنيا
دلف قبلها لدورة المياه... فأتجهت نحو الخزانه تُخرج له ولها الثياب... تنبيه هاتفها بنغمه استلام الرسائل جعلها تتجه نحو هاتفها سريعاً ظناً ان ياقوت فتحت هاتفها وستجد رساله ان الهاتف صار متاحاً
ألتقطت هاتفها لتتعجب من الرقم المُرسل لتلك الرساله ففتحتها بفضول
لتنظر الي محتوي الرساله الغراميه مُندهشه ولولا ذكر اسمها لكانت ظنت انها مبعوثه بالخطئ
لم يأتي على بالها الا خالد وانه اخلف وعده معها بأنه سيُقاوم نفسه على نسيانها ويعود كما كان قبل أن يلقاها
- هناء مالك واقفه كده
صوت مراد افزعها لتمحو الرساله سريعاً
- مالك باصه في التليفون كده...
ارتبكت وهي تتجه نحو الخزانه ثانيه
- كنت بشوف تليفون ياقوت اتفتح ولا لسا
واردفت تُداري ارتباكها وهي تريه ما انتقته له
- تلبس أنهى قميص
...............................
شرع يعد حقيبته الصغيره من أجل العوده للبلاد بصحبه الطبيب... ترك ما يفعله ليأخذه الحنين نحو من يُحملها اعبائه لمعت عيناه بحب وارتجف جسده لهفة في ضمها.. فبين ذراعيها يصبح اخر دون هموم عطش لما تمنحه له
ألتقط هاتفه بلهفه وشوق حتى يُخبرها انه عائد اليوم
تعجب من غلق هاتفها لتضيق عيناه ثم تنهد
...............................
صعد الدرج سريعاً نحو غرفتهما... يشعر بالراحه بعدما عاين الطبيب حاله مريم وأخبره ان الأمل اجتاز السبعون بالمئه
انصدم من فراغ الغرفه فأسرع لاسفل يهتف بأسم احدي الخادمات التي أتت على الفور مُرتبكه
- فين المدام
تلجلجت في اخباره.. لتطرق عيناها أرضاً.. فأحتقن وجهه من هذا الصمت... لينظر نحو ساعه يده فالساعه أصبحت في العاشره مساءً
- ساكته ليه فين المدام...
هبطت ندي الدرج على سماع صوته... علمت ان شهاب لم يُخبره الي الان بشئ رغم انه انتظره بالمطار ولكن الآخر لم يستطع اخباره تمتمت مُرتبكه
- حمدلله على السلامه ياحمزه
- فين ياقوت ياندي
وكما فعلت الخادمه فعلت هي الأخرى
- في ايه مالكم محدش بيرد عليا
- شريف طردها ...
ولم يكن الصوت الا صوت مها التي وقفت أعلى الدرج تُخبره بصنيع زوجها...
يتبع بأذن الله