تحميل رواية «للقدر حكاية» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتقلت عيناه ببطء بين تلك التي تجلس منزويه في ركن بعيد تضم طفليها إليها، طفلة لم تتجاوز الخمس أعوام وآخر قد بلغ للتو عامه الثاني عشر. وبين وثيقة الزواج التي أمامه، ليرفع رأسه قليلًا فيجد أحدهم يُطالعه برجاء وأمل. دار عقله في كل أحداث ذلك العام منذ بدايته. زيه الرسمي للضباط، والسلاح الذي بحوزته، واسمه الذي كان يندرج ضمن ضباط الشرطة، وصوت رئيسه يخبره بقسوة: "أنت مرفوض يا حضرة الظابط.. سلم كل متعلقاتك". وصوت آخر يأتي: "لو عايز ترد الجميل اتجوز بنتي". صراع داخله كان قوي، وعادت عيناه تنتقل لتلك الأرم...
رواية للقدر حكاية الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سهام صادق
تعلقت عيناها به ثم أشاحتهما بعيداً عنه نحو واجهة المطعم. مكان مثل هذا بالتأكيد وجوده به متوقع.
تأملها بصمت وهو يُعيد حديثها مع شقيقتها داخل مخيلته. رمق ثوبها الطويل داكن اللون وهو يتذكر أنه لا يراها إلا به وبثلاث غيره، ونفس الحذاء والحقيبة. تتخلى عن رفاهيتها من أجل شقيقتها. يعلم أن والديها منفصلان منذ زمن وكل منهما لديه عائلة.
تخلى عن صمته عندما عادت تنظر إليه ثانية، متعجبة من وقوفه هكذا.
"بتعملي إيه هنا مع ماهر نعمان؟"
ثبّتت عيناها نحو نقطة ما بعيدة عن وجهه الرجولي.
"أنا هنا مع سماح صديقتي في السكن."
فأعاد سؤاله بتوضيح أكثر.
"وماهر نعمان؟"
تعجبت من سؤاله، فتمتمت بهدوء وهي تطالع فتاتين يغادران المطعم وينظران نحوهم.
"أستاذ ماهر معرفة قديمة."
تجمّدت ملامحه، وقبل أن يسألها عن معرفتها به، فمن أين عرفته.
"أكيد مش معرفة قديمة معايا، صديق قديم لسماح."
ارتفع حاجبه مستاءً من الكلمة، وأخرج يده من جيب سرواله ووقف بشموخ.
"روحي يا ياقوت السكن، ومتنسيش إنك هنا ليه."
بهتت ملامحها وهي تستنتج مقصد حديثه. فأردف قائلاً بنبرة رجولية خشنة.
"ماهر نعمان راجل معروف، ولسه منفصل عن مراته. وجودكم معاه في مكان عام مش هيتفسر غير تفسير واحد. أتمنى تكوني فهمتي."
وابتسم وهو يجدها مسلطة عيناها نحوه، ترمقه بغضب كالقطط.
ومال نحوها بخفة، فامتزجت أنفاسها مع رائحة عطره.
"بلاش عقلك يفسر كلامي بالمعنى اللي وصله."
تركها وعاد لضيوفه، لتقف تُطالع خطواته ثم زفرت أنفاسها بقوة.
تحركت خلفه تتبعه نحو طاولتها، ولكن طفلة صغيرة كانت تتجه خلف والدتها الذاهبة للمرحاض. تعلقت بساقيها.
فانحنت نحوها تُداعب وجنتيها مبتسمة.
"أنتِ جميلة أوي."
وكادت أن تُقبلها، فألتقطت المرأة ابنتها دون كلمة.
أعتدلت في وقفتها والتفت تنظر نحو الفتاة الصغيرة.
كانت نظراته مُسلطة نحوها.
القدر أصبح يضعها أمامه في مواقف عدة ليثبت له أن لعبته وقعت على من لا تستحق الأذى، ولكن قلبه كان غافياً في ظلمته.
***
اندفعت سماح من فوق مقعدها في اللحظة التي اعتذرت منهم ياقوت وسحبت مقعدها كي تجلس.
"يلا يا ياقوت."
ألتقطت ذراع ياقوت، فجذبت ياقوت حقيبتها وسارت خلفها تسألها وهي لا تعي شيئاً.
"فيه إيه يا سماح؟"
كان خروجهم عاصفاً من المطعم، فبعض الأعين التفتت نحوهم.
"سماح سيبي إيدي، فيه إيه؟ قوليلي."
أستنشقت سماح الهواء بأنفاس هادرة.
"الأستاذ محتاجني أساندُه في محنته بعد الانفصال."
وأردفت بأعين مشتعلة من الغضب.
"بس في السر عشان كلام الناس. حقيقي!"
اقتربت منها سماح تربت على كتفها تُهدئ روعها.
"أهدي يا سماح، إحنا أصلاً غلطانين إننا جينا."
وتسلطت نظرات ياقوت نحو ماهر القادم نحوهم.
"سماح أنا مكنتش أقصد، إنتي فهمتيني غلط. تعالي يا سماح نتفاهم جوه."
قاطعته سماح بأحتقار.
"فهمت غلط ولا صح. إنتي صفحة واتقفلت من حياتي يا ماهر خلاص."
وتعلقت به عيناها وهتفت ساخرة.
"هتفضل طول عمرك جبان. مرة رفضتني عشان سيادة الوزير مقبلش بيا، ومرة تانية خايف من الناس."
تعالت أنفاسه بقوة وهو يرى نظراتها المحتقرة له. يعلم بصدق كل كلمة، ولكن رجولته أبت بالاعتراف.
"سماح أنا مش جبان، إنتي ليه مش عايزة تفهميني. ده كان عشان مصلحتك، لو مكنتش سيبتك كنتي إنتي اللي هتدفعي التمن."
لم تجد سماح إلا حقيبة يدها تدفعه بها وتحول اللقاء لعراك بالشارع. وياقوت تقف مصدومة مما ترى.
شهقت بخوف وهي لا تعرف كيف تتصرف. ماهر يحاول ضم سماح إليه مُعتذراً عما مضى. يهتف أنه ما زال يُحبها ويعشقها ويشتاق لرائحتها، وهي تدفعه كالمجنونة غائبة بعالم آخر.
سكن جسدها وهو تجد حمزة يتقدم منهم يجذب ماهر بعيداً، ثم نظر إليها بقوة.
"خدي صاحبتك وروحي عربيتي."
ألقى لها مفتاح سيارته. لتجذب هي سماح التي أخذت أنفاسها تتعالى بهياج وعيناها تفيض بالدمع، وصدي كلمات والده وهو يأمره أمامها أن يُطلقها ثم يلقيها خارج الشقة.
الماضي عاد بكل ما خفي في باطنه، ومهما رمى العقل والقلب من الذكريات تأتي لحظة وينفجر ما ظنناه أنه توارى تحت الثرى.
بمجرد أن ضغطت على المفتاح الإلكتروني الذي أعطاه لها، علا إنذار السيارة. ففتحت الباب الأمامي وأجلست سماح داخلها، ثم أمسكت يديها تدلكهما.
"سماح إنتي معايا. إيه اللي حصلك بسهولة؟"
هطلت دموع سماح دون توقف ولسانها بدأ يتحرك بصعوبة.
"كنت فاكرة إني نسيت، بس طلعت بكذب على نفسي."
لم تفهم ياقوت شيئاً، ولكنها تأكدت أن سماح كانت تخفي عنها أشياء أخرى من حياتها.
ضمتها ياقوت إليها دامعة.
"سماح أهدي."
استقدم حمزة منهم بعدما صرف ماهر الذي انصدم من هيئة سماح.
"اركبي يا ياقوت العربية."
طالعته وهي لا تعرف كيف تتصرف، ثم طالعت سماح، فلم تجد إلا الانصياع ودلفت في المقعد الخلفي للسيارة.
ألتقط حمزة إحدى زجاجات المياه من مكانها المخصص وقدمها لسماح.
"خدي اشربي وحاولي تاخدي نفسك براحة."
تناولت سماح منه زجاجة المياه، وياقوت تُحرك يدها على ذراعها لعلها تشعرها بالأمان.
"شكراً."
هتفت بها سماح بثقل، وقد كان حلقها جافاً فروته بالمياه، وبدأت تعود من الحالة التي وصلت إليها من ذلك اللقاء.
تحرك حمزة بسيارته إلى أن وقف أمام السكن الذي لم يجهل عنوانه.
نظر لهم وهم يُغادرون سيارته. ألتفت نحوه ياقوت ورمقته بنظرة ممتنة وهي تُسند سماح إليها.
أومأ لها برأسه ثم غادر. لتهتف سماح وكأنها نسيت ما بها.
"طلع لطيف تصدقي."
ابتعدت عنها ياقوت تُطالعها حانقة بمقت.
"يعني دلوقتي في وقتي. توبة أروح معاكي مشوار تاني."
جذبت سماح يدها مبتسمة، وقد اختفى شحوب وجهها.
"اسنديني وخلي عندك ذوق."
ولم تجد ياقوت إلا الصمت إلى أن أوصلتها غرفتها، ثم دفعتها نحو الفراش بقوة.
"آه حرام عليكي، إنتي مفترية يابنتي."
قالتها سماح متأوهة، لكن بمزاح. فطوت ياقوت ساعديها أمامها ممتعضة.
"تستاهلي ياسماح، عشان متبقيش تخبي عني تاني كل الحقيقة وجراني وراكِ زي الهبلة."
ورسمت على ملامحها الحزن وتحركت نحو باب الغرفة كي تُغادر.
"وعلى فكرة أنا زعلانة منك."
تنهيدة تحمل أثقالاً خرجت من بين شفتي سماح. فعادت تلتف ياقوت نحوها تنتظر أن تسمع الحقيقة التي جثمت على روح صديقتها.
"ماهر كان جوزي يا ياقوت."
وأردفت بحسرة.
"جواز شرعي بس في السر، زي اللي عاملين عاملة وخايفين منها."
***
دلف مراد لمكتب والده هائجاً.
"هدايا بتتبعت لبنت أخوك عشان تكمل الجوازة على خير، مش صح يا فؤاد بيه؟"
رمقه فؤاد من أسفل نظارته الطبية، ثم عاد لمطالعة الأوراق التي أمامه.
"بعمل اللي مفروض على ابني يعمله مع خطيبته."
ضاقت عين مراد بكبت.
"أفتكر إن إنت اللي بتخدعها. قلبي مات مع مراتي، يعني بنت أخوك مجرد صورة لأكتر ولا أقل."
تجمّدت يد فؤاد على القلم الذي يمسكه بين أصابعه، ورفع عيناه نحوه، ثم نهض من فوق مقعده صائحاً.
"مش مراتك دي اللي كنت ماشي معاها سنين ومفكرتش تتجوزها غير لما عرضت عليك بنت عمك؟"
واقترب منه بخطوات هادئة، وكأن عاصفته قد هدأت.
"اتجوزت جاكي عشان بتعاندني يا مراد، وهتتجوز هناء عشان برضه تعاندني، وبتعاملها وحش مش كره فيها، لا عناد وكبر. بس بكره تعرف إن إني اخترتلك الإنسانة الصح لأني عارف ابني كويس."
لم يرد إكمال عبارته. فلو أكمل سيخبره أنه يُدرك أنه شبيهُه في شبابه. يخشى عليه من نفس غلطته والزواج من امرأة مُخادعة خائنة، ولكن غفى عن أن الأقدار ليست واحدة، وأن المصائر لا تقودنا لنفس النهاية.
تعلق عيناه بوالده، ثم خرج من غرفة مكتبه صافعاً الباب خلفه. ليصعد غرفته تحت نظرات نادية وتقي الصامتين لكل تلك الأوضاع، بعد أن أمرهم فؤاد بالصمت.
دلف غرفته كالثور لا يرى أمامه شيئاً. ليتعالى رنين هاتفه، فيُخرجه من جيب سرواله، ناظراً لاسم المتصل بحنق، ثم ضغط على الهاتف بقوة، لعله يخرج غضبه فيها.
استمر الرنين، فأخذ أنفاسه ببطء وسكنت ملامحه باصطناع، تمثيلاً لما هو قادم.
"أيوه يا هناء."
مسحت هناء دموعها بعد جلسة المصارحة التي اتخذتها مع حالها. فقد قررت تسأله هل يُريدها، أم أنها رغبة عمها في تزويجهما.
"مراد أنا ممكن أسألك سؤال، وأتمنى إنك تجاوبني بصراحة."
أوى بجسده فوق الفراش مُجيباً.
"اسألي يا هناء."
أرادت التراجع من الخوف الذي احتل قلبها. خشيت من الحقيقة التي إما ستضع النهاية أو البداية لمشوارهم سوياً في حياة ستحتاج الحب، ولو لم يكن الحب، فلابد الرضى.
"إنت عايز تتجوزني ولا دي رغبة عمي؟"
وقبل أن يجيب عليها، أردفت بثبات وهي تبتلع ريقها بعدما جففت بقايا دموعها.
"متقلقش يا مراد، لو إنت مش عايزني هتفضل ابن عمي، وهتمنالك السعادة وهخرجك من الحكاية دي."
كلمة واحدة كانت الفيصل، ولكن كبره وعناده قاده.
"هتيجي إمتى إنتي ومرات عمي عشان تختاروا الفستان؟ ميعاد الفرح بيقرب، وأنا لازم أروح فرع إسكندرية."
ارتخت ملامحها ولمعت عيناها تلك المرة بدموع الفرح. فالإجابة قالها إن لم تكن صريحة، ولكنها أخبرته بما يُريح قلبها.
"هقول لماما ونشوف يا مراد."
***
تفاجأ صباحاً وهو يقود سيارته نحو مدرسة مريم لإيصالها، صوت رنين هاتف يعلو بصوت ضعيف في المقعد الخلفي بالسيارة. تساءلت مريم وهي تبحث عن صوت الهاتف.
"فين التليفون ده يا بابا؟"
فحدق بها حمزة مُحركاً رأسه بنفي.
"معرفش، شكله في الكنبة اللي ورا."
توقف صوت الرنين، ثم عاد يصدح من جديد.
كانت نظرات سماح مُسلطة على ياقوت الحزينة من ضياع هاتفها، وقد اكتشفت ذلك صباحاً بعد ليلة طويلة قضتها مع سماح تسمع حكايتها، وقد غفوا على الفراش دون شعور. لتفيق على ضياع الهاتف الذي ما زالت تسد أقساطه.
"محدش بيرد يا سماح، هو لحق يضيع؟"
قضمت سماح أظافرها تنظر إليها بأمل.
"مدام بيرن يبقى محدش لسه لقاه."
وانفرجت ملامح ياقوت وهي تسمع صوت تعرفه تماماً.
"الوفاء."
أبعدت الهاتف عن أذنها لتلتقطه منها سماح.
"من فضلك، التليفون ده ضاع من صاحبتي."
وعندما علمت سماح بصاحب الصوت، تمتمت بخجل.
"معلش يا فندم، أزعجناك على الصبح. آه تمام، الحمد لله. شكراً على وقوفك معانا امبارح."
كانت مريم جالسة تضم حقيبتها المدرسية بين ذراعيها تستمع للمكالمة بتوجس. وعندما انتهى حديثه مع المتصل، تساءلت.
"مين سماح دي يا بابا؟"
أوقف سيارته أمام مدرستها وطالعها بحنان.
"وصلنا يا فضولية، يلا على مدرستك."
ابتسمت مريم وخرجت من السيارة بعدما بعثت له قبلة في الهواء.
ضحك على فعلة صغيرته التي لن يراها تكبر مهما مرت السنون. فستظل هي الابنة التي جرب معها شعور الأبوة.
حدق بالهاتف الذي علم بهوية صاحبته، وقد نسيت تسأله سماح كيف ستأخذه منه. ليجد الهاتف يدق ثانية فضحك.
"نسيتي تسألي هتاخدي تليفونك إزاي؟"
همهمت ياقوت بحرج بعدما انغمست سماح في الضحك على الضياع الذي أصبحوا فيه في بداية الصباح.
"سماح نسيت أسألك."
تمتم بصوته العذب الذي يتخلله الخشونة.
"في اجتماع النهاردة، وأكيد هتيجي مع شهاب يا ياقوت. هدهولك هناك، ولا تحبي نتقابل؟"
اتسعت عيناها عند آخر عباراته، فتمتمت.
"لأ خلاص، لما أجي الشركة أخده."
وأغلقت الهاتف دون أن تنتظر رد آخر منه.
***
ضم شهاب وجهها بين كفيه مبتسماً بعدما استيقظ اليوم على دلال أغدقته به.
"كل ده عشان وافقتِ تشتغلي في المدرسة؟"
فأبتسمت ندي وشبت على أطراف أقدامها.
"لأ ياحبيبي، ده اسمه عطاء."
ضحك وهو يسمع عبارتها.
"بقيتي عميقة يا ندي."
تدللت عليه بأنوثة.
"ما أنا قولتلك لو مدلعش عليك هدلع على مين."
ضاقت عيناه وهو يرمقها.
"ادلع يا حبيبتي، بس بلاش تستغلي أوي الدلع. شفتي أنا إزاي بسمعك وبأحترم أحلامك."
ابتسمت رغم الألم الذي اجتاز قلبها. أرادت أن تصرخ به كي تخبره أنها لا تُريد منه إلا الحب، وليس التكفير عن ذنبه ومحاولة إرضائها حتى تنسى ما سمعته، وكانت نقطة فاصلة في علاقتهما.
"هتيجي معايا المقابلة؟"
مال نحوها يُقبل قمة أنفها.
"وكمان أجي معاكي؟ طيب إيه المقابلة؟"
تفلت عبارته بوقاحة. فدفعته على صدره.
"وقح ياحبيبي."
ضحك بقوة وضمها إليه، ثم رفع وجهها نحوه وتعمق في النظر إليها ليلثم ثغرها.
"شفتي إن التقدير والاحترام ينفعوا إزاي من غير حب؟"
بهتت ملامحها وكادت أن تنفض نفسها من أحضانه، إلا أنها تماسكت.
"عندك حق."
وداخلها تقسم أنها يوماً ستخبره بتلك الجملة، وسيتمنى حينها أن تخبره بحبها له.
***
في إحدى المصالح الحكومية كانت ماجدة تجلس قابعة خلف مكتبها تُنهي بعض أعمالها المكتبية، لا تُركز في الحديث الدائر بين سعاد وفوقية، فقد اعتادت على حكايتهم الدائمة بين القيل والقال.
"شوفتي ياسعاد اللي حصل لفاتن جارتي، مش جوزها خانها مع اختها؟"
اتسعت عين المدعوة سعاد، ثم شهقت مصدومة لمعرفتها ب جارة فوقية.
"إيه اللي حصلها؟ يامصيبتي أختها؟"
ورفعت سعاد مسبحتها تُحرك عقدها.
"إيه اللي حصل في الدنيا، يخونها مع اختها اللي ربتها وأوتها في بيتها. استغفر الله استغفر الله. لأ أنا مش قادرة أصدق."
تجمّدت ملامح ماجدة بعدما اخترق الحديث أذنيها.
فلوت فوقية شفتيه مستنكرة.
"الدنيا معدش فيها حاجة متتصديقش."
رفعت ماجدة عيناها نحوهم تسألهم.
"بلاش كلام في عرض الناس."
امتعضت سعاد من حديثها ورمت بكلمتها التي فتحت داخلها باب الشك.
"ابقى خدي بالك بقى يا ماجدة."
***
تنهدت سماح بمقت وهي تُغادر مكتب رئيس الجريدة بعد أن أخبرها أن تُجهز حالها، فرحلتها لمدينة الأقصر بعد أسبوع من الآن. ويجب أن تذهب قبل قدوم اللاعب بأيام.
فقد علم من مصادره أنه أتى لمصر كي يريح أعصابه بعيداً عن فضول الصحافة، ولم يُخبر أحداً باليوم المحدد في الشهر الذي اقترب بدايته.
ومن أجل العمل وارضاء رئيس الجريدة.
لابد أن تذهب وتنتظر لاعب الكرة المشهور.
تجمّع وجهها وتمتمت وهي تدلف غرفة مكتبها المشتركة مع زميلان وزميلة.
"أنا كان مالي ومال الصحافة."
وسقطت عيناها على باقة الأزهار متسائلة.
"لمين الورد ده يا سمية؟"
رمقتها سمية ثم عادت ترتب الصور التي أمامها.
"مش على مكتبك يبقى ليكي ياسماح."
فأقتربت سماح من مكتبها لتلتقط الباقة، وكما توقعت لم يكن غيره "ماهر"، لتلتقط الباقة ثم قذفتها من النافذة التي تحتلها الغرفة.
فشهقت سمية من فعلتها.
"يامجنونة، حد يجيله ورد ويرميه؟"
فزفرت سماح أنفاسها بحنق يمزجه الغضب.
"أيوه أنا."
استنكرت سمية فعلتها وغادرت الغرفة. لتنظر سماح للحاسوب المفتوح أمامها على أخبار لاعب الكرة "سهيل نايف" متمتمة بتبرم.
"أما أشوف آخرة المقال ده إيه."
***
خرج شريف من المرحاض في الغرفة المستقل بها هو وصديقه سيف في مبنى مخصص لهم.
جلس على الفراش ينفض الماء من خصلات شعره.
فلاحت صورتها أمام عينيه. فألتقط الهاتف مُقرراً إعادته لهاتفه، ولكنه تركه متمتماً.
"لأ لازم أكمل اللي بدأته، وأبعد عنها كفاية لحد كده."
وتذكر ابنة اللواء الذي يحبه كابنه، وقد عرفه على عائلته في ضيافة قبل المهمة. لم تخطف ابنة رئيسه أنظاره، ولكنها كانت اختيار أمثل وضعه العقل أمامه.
***
انتهى الاجتماع الذي كانت تُركز في كل كلمة تُلقى فيه. أغلقت دفترها وغادر الحضور، فنهضت بعدما نهض شهاب.
"ياقوت أنا مش راجع الشركة، ورايا مشوار مهم. ابقي اطبعي الأوراق اللي طلبتها منك تمام."
أومأت له برأسها احتراماً. فغادر تحت نظراتها. أما حمزة كان مندمجاً بالحديث مع محامي الشركة.
وقفت متوترة بالغرفة إلى أن انصرف المحامي.
"التليفون بتاعي يافندم."
رفع حمزة عيناه نحوها بعدما وضع الأوراق الملقاة بإهمال على سطح الطاولة في الملف المخصص.
"تليفون إيه؟"
أجابها بتلاعب.
"تليفوني يافندم، اللي نسيته في عربيتك."
فتمتم مصطنعاً نسيانه.
"آه التليفون."
وسار أمامها، فأتبعته لغرفة مكتبه. دلف لغرفته وهي تتبعه، فأتبعهما سكرتيره يأخذ منه الأوراق مستمعاً.
"إنت أكيد عارف شغلك يا عصام."
فأومأ له عصام برأسه وغادر الغرفة. لتبقى معه واقفة تهز ساقيها منتظرة أن تنصرف كي تلحق باقي أعمالها المكلفة بها.
"اقعدي يا ياقوت، واقفة ليه؟"
هتف بها بعدما رمقها.
"أنا كويسة كده يافندم."
فأتجه نحو مكتبه دون أن يعلق، وفتح أحد الأدراج، لتقف يده على مقبض الدرج قاطباً حاجبيه.
"التليفون نسيته في مكتبي في شركة الحراسات قبل ما أجي هنا."
طالعته تنقل عيناها بين موضع يده وملامحه. فأبتسم وكأن لم يضره شيء في الذهاب لشركته الأخرى.
"مضطرة تيجي معايا مكتبي هناك."
وخطته الأخرى التي أرادها تُنفذ بحرفية.
يتبع بإذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سهام صادق
كان سيستجيب لمكره وينفذ خطته التي عزم عليها. أراد أن يجعلها ترى صفا تعمل لديه لتتضح لها الرؤية. أراد أن يجعل الأخرى تألم وجعاً وهي تراه مع ياقوت. اسمها تردد داخل عقله وهو يطالع نظراتها إليه. نظرات كانت تحمل الطيبة والنقاء وطفولة ضائعة وصراع مع الحياة كي تبقى وتعيش كريمة النفس.
"مش هنمشي يا فندم. عشان ألحق أروح شغلي وأكمل المطلوب مني قبل انتهاء الدوام."
سمع عباراتها وأسدل جفنيه وداخله يصارع نفسه. كان تائهاً مذبذباً. شعر أنه ليس هو، ليس حمزة الزهدي المعروف برجولته. يخدع فتاة من أجل أن تقع تحت أنيابه فيتناولها كالأسد الذي لم يرد إلا تذوق دماء فريسته.
تعالى صوتها فلم يزده إلا نفوراً من حاله.
"حمزة بيه."
طالعها بطرف عيناه يتفحص هيئتها البسيطة. وضميره الواعظ ينعته بين طيات نفسه: "ستصبح ندلاً بلا أخلاق ومع فتاة تعمل لديك من أجل حاجتها وليس للعبث. أصبحت أعمى في ظلامك."
أنفاسه تعالت ليضغط على حافة سطح مكتبه بقبضتي يديه متمالكاً حاله عائداً إلى ثباته.
"روحي شوفي شغلك يا ياقوت وأنا هبعتلك التليفون مع حد من الموظفين."
قالها بحزم وجلس على مقعده وألتقط هاتفه مخاطباً أحد الموظفين في شركته الأخرى دون أن يحرك عيناه نحوها.
يومأت برأسها استجابة دون كلمة وانصرفت من أمامه متعجبة من تغيره فجأة.
بعد مغادرتها عاد يطالع المكان الذي كانت واقفة فيه زافراً أنفاسه بقوة.
"أظاهر إن نادية قدرت تأثر عليا ومع خروج صفا بقيت غير نفسك يا حمزة. معقول أنا فكرت في ياقوت عشان أستغل ضعفها."
نفض رأسه بقوة ومال نحو ظهر مقعده يغمض عيناه شاعراً بالكره نحو حاله. أنه كان في النهاية سيكون ظالماً.
سقطت عيناه على صورة عائلته الصغيرة. مريم وسوسن وشريف وندى. فاتسعت ابتسامته ثم نهض من فوق مقعده ملتقطاً مفاتيحه الخاصة وهاتفه.
***
أوقف سيارته أمام المقابر ثم ترجل منها يحمل باقة من الأزهار من ذلك النوع الذي كانت تحبه سوسن. سار نحو قبرها يخفي عيناه بظلام نظارته. ليقف أمام قبرها متمتماً.
"وحشتيني يا سوسن."
وضع الأزهار وجثا على ركبتيه أمام قبرها يمسح عليه بكفه.
"كنتي زوجة وصديقة واخت. بقيت مفتقدك ومحتاج نصايحك."
وُثقلت أنفاسه وهو يتمنى ما كانت تتمناه هي أيضاً.
"كنت أتمنى أجيب منك إنتي طفل وأكتفي بيكي. بقيت ضايع. نادية قدرت تأثر عليا بكلامها نسيت إني بشر."
وأردف وهو يشعر وكأنها معه وليست قابعة تحت الثرى.
"كنت هظلم بنت غلبانة معايا. وأحرمها إنها تلاقي راجل يحبها. الضلمة عادت جوايا تاني مع خروج صفا من السجن."
ونهض من رقدته مخرجاً أنفاسه بتنهيدة طويلة تحمل مايجثم فوق قلبه متذكراً مروره اليوم لشركة الحراسات لملاقاة السيد ناصف والحديث معه نحو الإدارة والتدريب. ليجدها تطلب مقابلته وما كانت المقابلة إلا إخباره أنها مازالت تحبه. أخذله قلبه لوهلة وهو يرى عيناها الزرقاء الصافية. كانت نقطة ضعفه قديماً ولكن الآن لا مجال للضعف.
***
وقفت خلفه تطالعه وهو يهندم من ملابسه ثم تنتقل يداه إلى خصلات شعره السوداء الغزيرة. تحسده أحياناً على شعره الذي لا تمتلكه هي. طوت ساعديها وأطالت النظر في أناقته ببطء.
"إنت خارج يا شهاب."
ألتف نحوها يرمقها ثم ارتفعت إحدى شفتيه مستنكراً سؤالها الذي يحمل الغباء. فبالتأكيد سيخرج هل سيفعل ذلك من أجل الجلوس في المنزل.
"إنتي شايفة إيه."
أقتربت منه هاتفه.
"مش قولتلي هنسهر سوا النهاردة."
قطب حاجبيه متذكراً وعده لها.
"بكرة يا ندي. من ساعة ما اتجوزنا وأنا مسهرتش مع صحابي."
زمت شفتيها عابسة ثم تداركت أمرها وأخفت عبوسها.
"خلاص مش مهم أنا المهم إنت تتبسط مع صحابك يا حبيبي."
أستدار نحوها متعجباً فقد ظن أنها ستبدأ بسطوانات النساء وبأسطواناتها عندما كانوا في فترة خطوبتهم لا تفعل شئ إلا الشكوى لحمزة.
"هو الجواز بيغير ولا أنا بيتهيألي."
أسبلت رموشها بخفة واقتربت منه أكثر لتطوق عنقه.
"لا ياحبيبي الجواز مش بيغير بس تقدر تقول أنا خرجت من خنقتي ليك عشان أريحك. المهم راحتك."
تعُلقت عيناه بها وأزاح ذراعيها عن عنقه.
"ندي اتعدلي كده وبطلي ألغازك دي والعمق اللي بقيتي فيه."
عادت لمطاوقة عنقه مبتسمة.
"يا حبيبي أنا بتعلم إزاي أرضيك. بص أنا هفهمك."
تفرس ملامحها الناعمة متسائلاً.
"إنتي قصيتي شعرك يا ندي."
يومأت له برأسها فأحدت عيناه نحوها.
"ومقولتليش ليه. من إمتى بتعملي حاجة من غير ما تقوليلي."
ابتعدت عنه لتمسك خصلة من شعرها وتجذبها أمام عينيها.
"إهتماماتك أكبر من كده يا حبيبي. مش لازم أشغلك بيا."
أضاق أنفاسه وهو لا يصدق أن ندي التي كانت تخبره بأدق تفاصيل ما تفعله تتهاون في أمر هكذا يراه حقاً من حقوقه.
"حسابنا بعدين يا ندي."
حمل مفاتيحه الخاصة وهاتفه وكاد أن يغادر الغرفة.
"إتبسط يا حبيبي مع صحابك وحاول متتأخرش عشان شغلك."
انتفخت أوداجه حنقاً فأسرعت نحوه تُهندم له لياقة قميصه ثم لثمت خده بقبلة مغنجة وابعدت عنه.
تنهيدة قوية خرجت من بين شفتيه وغادر الغرفة.
"هتجنني أنا عارف."
وأصبحت أكبر حيز يشغل تفكيره بأفعالها التي لا يفهم لها تفسير بعدما كانت هي الهامش من كل شئ.
***
طرقات على باب الغرفة وصوت مها المستنجد بشقيقتها جعلهم ينتفضون عما يفعلوه.
"ماجدة إنتي قافلة الباب ليه. عايزة أنام جنبك."
ابتعد سالم عن ماجدة يأخذ أنفاسه كما فعلت هي وتخفي ما عراه من جسدها.
"أعمل إيه دلوقتي. الله يسامحك يا سالم مش صابر على فرحنا."
رمقها سالم بنظرات ملتوية وقحة.
"أختك ديما قاطعة اللحظات الحلوة."
ثم ضغط على طرف شفتيه بغمزات ماكرة وأردف.
"ومتعني."
تعالى صوت مها وحركت يدها على مقبض الباب مع طرقاتها.
"يا ماجدة إنتي أخدتي منوم تاني عشان تعرفي تنامي. قولتلك بلاش أنا عايزة أنام في حضنك."
انسابت دموع الواقفة خلف الباب وابتعدت عن غرفة شقيقتها تتحسس بيدها طريقها بعدما ظنت أن شقيقتها لا تجيبها لأنها تناولت الدواء كي تنام براحة وما كانت الفكرة إلا فكرة سالم حتى يقضوا وقتاً لطيفاً سوياً. قاد ضعفها أمام شهوتها بمكره.
زفرت ماجدة أنفاسها تشعر بالضيق نحو حالها. فبسبب رغبات سالم لم تعد تجعل شقيقتها تنام معها بغرفتها رغم أنها تعلم بكوابيسها وذكرى الحادثة التي مات فيها والدهم وبدأت رحلة ظلامها وفقدت بصرها.
"روح يا سالم. مش خلاص عملنا اللي إنت عايزه."
طالعها سالم بصفاقة.
"والله إنتي ست نكارة الجميل. ده أنا بمتعك ومن بعيد لبعيد."
ألقى عبارته الأخيرة بقصد فأشاحت عيناها عنه.
"ما أنا مخسرش شرفي وأنا لسه مش مراتك."
ضحكة قوية تجلجلت داخل نفسه ولكن أمامها رمقها بابتسامة. وداخله يهتف بسباب: "ياسلام على الشرف والعفة. نسوان عايزة الحرق."
***
اتكئ برأسه فوق ساعديه المطويان أسفله على الوسادة. شرد في أمور عدة إلى أن أخذه عقله لصورة ياقوت وهي تطالع لوحات المعرض بشغف طفولي. مرت تلك اللحظة أمامه كأنها شريط سينمائي. ابتسم رغماً عنه وهو يتذكر نظراتها إليه عندما أخذتها هند لترويها لوحاتها المعروضة.
وفجأة تجمدت ملامحه وهو يدرك خطأه في التفكير بها.
وفي الجهة الأخرى في الغرفة التي تقطنها ياقوت كانت تميل بجسدها من فوق فراشها لتلتقط اللوحة التي تخفيها أسفل الفراش حتى لا تجعل قلبها يأخذها لأحلامه الوردية. هتف قلبها بعدما وقعت عيناها على اللوحة: "مش المفروض نشكره على الهدية. إنتي لحد دلوقتي مش شكرتيه. كل ما كنتي تيجي تشكريه تحصل حاجة. إيه رأيك تشكريه وتجبيله هدية. مش هو ده المفروض يحصل."
خاطبها قلبها بوداعته ليأتيها حديث عقلها بعدما دفع القلب: "بس يا غبي يعني تروح تشكره بعد الهنا بسنة. ويقول إنها عايزة تقرب منه وتفتح معاه مواضيع. حجج فارغة."
وقف العقل بثبات وثقة ورمق خافقها الذي أخذ ينبض بدقات حالمة. كان الصراع يدور بينهم وما هي إلا مسلطة عيناها نحو اللوحة.
نظرت للوحة طويلاً ثم أعادتها لأسفل الفراش.
"لا خليكي هنا. الأحلام ديه مش بتاعتنا. أنا جاية هنا عشان أشتغل وبس."
ونهضت من فوق فراشها واتجهت نحو زر الإنارة لتطفئ ضوء غرفتها. لتطرق سماح على باب غرفتها بخفة.
"افتحي يا ياقوت."
طالعتها ياقوت بعدما فتحت لها الباب. لتدفعها سماح من أمامها متجهة نحو الفراش تجلس عليه وهي تمضغ أصبع البقسماط.
"شفتي الخيبة اللي أنا فيها."
اقتربت منها ياقوت تشعر بالقلق.
"في إيه حصل. ماهر اتعرضلك تاني."
نفت سماح برأسها فهي تعرف كيف تسد الطرق عليه ولكن مصيبتها كانت أكبر في نظرها.
"سهيل نايف لاعب الكورة. طلع بيكره الستات."
***
أغلق الغرفة خلفه بعدما أنهى وقته مع ماجدة. دثرها في الفراش بل بقى معها يقنعها أنه لن يذهب إلا بعدما تغفو ويتأملها وهي نائمة ثم سيغادر الشقة بحذر حتى لا ينتبه إليه أحد الجيران.
مسح على وجهه وسار نحو غرفة مها ملتفاً حوله يميناً ويساراً.
كان باب الغرفة مفتوحاً والغرفة غارقة في الظلام لا يضيئها إلا نور الإنارة الآتية من الفتحات الضيقة من النافذة المغلقة.
سقطت عيناه بشهوة على جسدها البض. كانت غافية بمنامة قصيرة بعض الشئ ولكن مع حركتها ارتفعت المنامة لتظهر ساقيها.
أنساب لعابه ثم اقترب من فراشها حتى يرى جسدها بوضوح أكثر. فتعلقت عيناه بخصلات شعرها متمتماً بداخله: "البت صحيح عامية لكن فرسة تحل من على حبل المشنقة. الحلو مش بيكمل."
كادت أن تلامس يده فخذها ولكنها نهضت مفزوعة.
"إنتي هنا يا ماجدة."
لتتجمد عين سالم وفي خفة يمتلكها غادر غرفتها ثم الشقة بأكملها.
فدارت عين مها في الغرفة متمتمة.
"مين هنا."
ظلت تهتف ونهضت من فوق فراشها تبحث عن أحداً إلى أن سقطت بجانب فراشها باكية تشكو قلة حيلتها لخالقها.
"يارب."
***
وقفت صفا في المرحاض الخاص بالموظفات تعدل من هيئتها في زي عملها الأنيق. رتبت خصلات شعرها الأشقر بعناية ووضعت طلاء الشفاه الأحمر القاتم. شحبها بدأ يختفي حتى نحول جسدها.
أصبحت تعيش في راحة نفسية منذ أن سافر عزيز ولم يعد بينهم إلا محادثات هاتفية من حينا لآخر.
ابتسمت لنفسها عبر المرآة ثم غادرت المرحاض لتعود إلى مكان عملها متسائلة.
"هو حمزة بيه وصل."
طالعتها مروة التي تعمل معها في الاستقبال.
"لسه."
تنهدت صفا بضيق من معاملة مروة لها. وانشغلت في عملها إلى أن رأته يدلف للشركة فتعلقت عيناها به بحب.
تركت مروة مكانها بعدما ألتقطت من أمام صفا الكشف واقتربت منه سريعاً تعطيه الكشف المدون به أسماء المتدربين الجدد.
"ده أسماء المتدربين يا فندم ومنتظرين حضرتك."
اتسعت عيناها من فعلت زميلتها وقضمت شفتيها غيظاً.
"مين اللي سجل الأسماء."
نظرت مروة نحو صفا التي تهللت أساريرها عندما سأل عن هوية من أدى هذا العمل.
"صفا يا فندم."
هتفت بها مروة وهي ترمق وجه صفا المبتسم. جالت عيناه على ابتسامتها فتمتم وهو يغادر من أمامهم.
"تعالي ورايا يا مروة."
وقفت مروة في مكانها ثم أتبعته مبتسمة بزهو. لتهوي صفا على مقعدها بدموع حبيسة تحرقها.
***
خرجت ياقوت من مبنى الشركة التي تعمل بها بعدما أخذت الإذن من شهاب حتى تقابل صديقتها هناء وتنتقي معها ثوب الزفاف وبعض الأثواب الأخرى الخاصة بالعرائس.
أخذت تبحث عن المول التجاري الذي وصفته لها هناء وقد كان قريباً من مقر عملها فلم تأخذ وقتاً للوصول إليه.
وجدت هناء تنتظرها بالخارج هي والسيدة سلوى ونادية. فور أن وقعت عين هناء عليها أشارت إليها. فأتسعت ابتسامة ياقوت واقتربت منها بسعادة واحتضنتها بشوق.
"مبروك يا عروسة أخيراً عرفت أباركلك وجهاً لوجه."
احتضنتها هناء بقوة هامسة لها.
"ماما مكنتش راضية ألبس الشبكة كلها، بس على مين خبتها وجبتها لك في الشنطة عشان تشوفيها."
ابتعدت عنها ياقوت ثم عادت تحتضنها.
"طول عمرك جدعة يا نؤة."
دفعتها هناء برفق ضاحكة.
"بلاش الاسم اللي بيعصبني ده يا زقزق."
ضحكت سلوى على مشاكستهم كما فعلت نادية التي هزت رأسها لياقوت مرحبة بها.
"عمركم ما هتكبروا وتعقلوا إنتوا الاتنين."
هتفت ياقوت مبتسمة وقد أخذتها سلوى بين أحضانها.
"وحشتيني يا أبلة سلوى."
ضمتها سلوى إليها بحنان.
"عقبالك إنت كمان يا حبيبتي."
ابتلعت ياقوت الكلمة وهي تتذكر حديث زوجة أبيها صباحاً عندما أجابت على هاتف شقيقتها ياسمين لتخبرها أنها ستبعث لشقيقتها ثوب عقد القران مع هناء لأنها لن تستطيع المجيء ذلك اليوم. فهو لن يوافق يوم عطلتها.
كانت عبارات سناء زوجة أبيها كما اعتادت. إنما هي سهام تصيب قلبها فتدميه.
"عقبالك إنت كمان مع إنه مش باين يا بنت صباح لا جمال ولا حسب."
"يلا يا ياقوت. مالك سرحانة كده."
انتبهت ياقوت على صوت هناء فنظرت لها ثم للسيدة سلوى ونادية وقد ساروا أمامهم فأدركت أن شرودها قد طال.
***
مر الوقت وهم يخرجون من محل لآخر. وهناء تقيس في أثواب الزفاف واحداً يلي الآخر.
نادية وسلوى يجلسون يعطوها آرائهم وهي تنتقي معها الأثواب بعد أن يتناقشوا.
تعُلقت عين ياقوت بأحد الأثواب دون قصد. فأقتربت من الثوب تلامسه رغم أنه لم يعجب صديقتها إلا أنه أعجبها هي.
تنهدت بحرارة ثم أغمضت عيناها وهي تتخيل هيئتها وهي ترتديه. لكن الصورة كانت خالية لا أحد تشاركه ذلك الحلم.
رمقتها نادية وهي واقفة أمام الثوب واقتربت منها تسألها.
"عجبك الفستان."
التفت ياقوت نحوها خجلاً وقد تخضبت وجنتاها.
"جميل أوي."
خرجت هناء لهم بالثوب الذي انبهروا جميعهم على شكلها به وسقطت دموع سلوى وهي تقترب من ابنتها تحتضنها ثم نادية التي اتبعتها متمتمة.
"طالع جنان عليكي يا هناء."
انتهوا من شراء أصعب شئ في مهمة اليوم. وكانت مهمتهم الأخرى أهون.
اقتربت ياقوت من بعض الأثواب تنظر إلى أسعارها ثم ابتعدت شاهقة من المبلغ.
"شكلي مش هعرف أجيب لك من هنا فستان يا ياسمين."
ظلت تنتقل بيدها بين الفساتين.
"حضرتك بتدوري على فستان معين."
التفت ياقوت للعاملة ثم اتجهت بعينيها نحو صديقتها المنشغلة في استماع بعض الآراء من السيدة نادية ووالدتها.
"الفساتين هنا غالية أوي."
ضحكت العاملة وهي تنتقي بعض القطع التي وضعت عليها التخفيضات.
"قوليلي آخرك كام وأنا هشوفلك حاجة مناسبة."
ثم غمزتها الفتاة بلطف.
"وهريحك في السعر متقلقيش."
وأخيراً قد أنهت أصعب مهمة لديها ووجدت لشقيقتها ثوب استطاعت دفع ماله.
"إيه ده يا ياقوت."
سألتها هناء وهي تنظر للكيس الذي تحمله فرفعته ياقوت نحوها.
"ده فستان ل ياسمين عشان تدهولها."
هتفت بهم سلوى وهي تغادر المحل.
"يلا يا بنات."
ساروا خلفهم لتلتف ياقوت نحو الفتاة التي خدمتها في سعر الثوب شاكرة.
"شكراً."
انصرفوا نحو محل آخر. وانسحبت نادية من بينهم تجيب على زوجها الذي طلب منها أن تستدعي أشقائها وندى ومريم ليتناولوا العشاء معهم ومع عائلة شقيقه في جلسة عائلية.
"حاضر يا فؤاد هكلمهم. وحشتني اللمة."
أغلقت مع زوجها. لتبحث عن رقم حمزة الذي أجاب قبل أن ينتهي الرنين.
"إزيك يا نادية عاش من سمع صوتك. بقيتي مشغولة يعني."
ضحكت نادية بنعومة متمتمة.
"معلش بقى مشغولة الأيام ديه. ما أنا أم العريس."
قهقه حمزة بقوة فهتفت بمكر.
"وقريب هكون أخت العريس."
وأردفت وهي تنظر نحو ياقوت.
"أنا وسلوي وهناء خطيبة مراد وياقوت صاحبتها بنجيب فستان العروسة."
فهمت حمرة تلميحها متمتماً بضيق.
"إنسي يا ياقوت خلاص يا نادية."
زفرت أنفاسها غاضبة.
"مالها البنت يا حمزة. أنا النهاردة أكدلك مليون في المية إنها المناسبة. إنت لو شفت نظرت عينيها لفستان الفرح هتتأكد إن ياقوت بنت أحلامها بسيطة وعادية."
كاد أن يجيب عليها إلا أن سكرتير مكتبه دلف ببعض الأوراق التي تحتاج امضاءه.
"مش هتفضل عازب. شهاب اتجوز ومراد كمان هيتجوز وإنت هتفضل كده. اتجوز وريحني."
أضاق عيناه على الأوراق التي أمامه.
"متتصلش ليه يا نادية."
تعلم أنه يهرب من إلحاحها فأجابت بصبر.
"عازمك على العشا إنت وشهاب وندي ومريم عشان تسلم على مهاب أخو فؤاد وعيلته."
وأردفت بتلاعب.
"هعزم ياقوت كمان."
وقبل أن يهتف بشيء أغلقت الهاتف. ليتمتم حانقاً وهو يعاود الاتصال بها.
"ماشي يا نادية."
عادت تجيب عليه وقبل أن تتلاعب به ثانية.
"اسمعي كلامي كويس ومن غير أسئلة وجدال. هاتي لياقوت فستان ينفع لفرح مراد وهناء. ادهولها هدية منك أو من صاحبتها أو مدام سلوى المهم تاخده."
كانت ستسأله عن السبب إلا أنه تمتم.
"أتمنى متسأليش. سلام."
أغلق الهاتف تلك المرة هو. لتتسع عيناها مما أخبرها به.
رواية للقدر حكاية الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سهام صادق
جذبها خلفه بعدما أخذت تتلاعب به بنظراتها، ومن حين لآخر ترمقه بنظرات يفهم مقصدها.
أغلق عليهم إحدى الغرف ثم طالعها:
- عملتي اللي طلبته منك.
ضحكت نادية بخفة ودارت حوله كالمحقق:
- لما تقولي السبب اللي خلاك تعمل كده، هديك الإجابة.
زفرة طويلة أخرجها من بين شفتيه متنهداً، ودار بعينيه نحوها:
- نادية، بطلي لعب الستات ده.
اتسعت ابتسامتها ثم اقتربت منه تُهندم له سترته:
- لولا بس إني أختك الكبيرة وصعبت عليا، وقلبي الحنين ده.
ألتوت شفتيه بمقت وابتسم وهو يُسايرها:
- ده إنتي رمز العطاء والحنان والعقل كله يا نادية.
دفعته على صدره وعبست بملامحها حانقة:
- ماشي يا حمزة.. هو إنتوا تلاقوا زي.
ضحك على أفعالها وضمه إليه بحب:
- طبعاً يا نادية، عمرنا ما نلاقي زيك.. بس لو تعقلي شوية وتبقى إنتي الكبيرة فينا مش الصغيرة.
لم يشعر إلا بقرصة قوية غرزت في لحم ذراعه:
- آه.. إيدك تقيلة.
طالعته وهو يُدلك ذراعه. كانت تشعر بالفخر كلما نظرت إليه وهو يعلو شأنه، وصل لمكانه أكبر مما كانت تتخيل يوماً أنه سيصل إليها، ولكن لم يحصل على ما تمنته له. لا أطفال تراهم حوله، وشعره بدأت الخصلات البيضاء تغزوه.
- بدء يطلعلك شعر أبيض.
رفع كفه نحو خصلات شعره وابتسم وقد فهم مقصد عبارتها:
- يعني هو أنا صغير يا نادية.. ما أنا كلها شهر وأبقى في عمر 36.
أطرقت عيناها نحو سوار معصمها:
- مرضتش تاخد الفستان رغم إني عملت زي ما قولتلي.
ورفعت عيناها نحو ملامحه المسترخية:
- ولا رضيت تتعزم زي ما إنت شايف. مجتش العزومة.
انشقت ابتسامة خاطفة على شفتيه أخفاها سريعاً، لكن نادية التقطتها بعينيها الصائدة. فابتسمت بلطف ورفعت كفيها نحو وجهه:
- اسمعيها مني يا حمزة، ياقوت مناسبة لوضعك. البنت غلبانة ومش هتضايقك بطلبات الستات، وتفضل تقولك عيلتك التانية.. وهات وجيب، وتفرقك عن ولاد سوسن.. وتعيش الدور إنها بقت مراتك. ياقوت فرصة ليك، حتى لو محبتهاش فهي فرصة ليك. وياسيدي جرب واتجوزها، حبيتها خير وبركة، محبتهاش امنلها حياتها وانفصلوا بهدوء.
امتعضت ملامحه من حديثها وتنهد بضيق. عقله كان يُقنعه، أما قلبه كان وكأنه كالضائع:
- يا سلام واتحمل لي ذنبها وأظلمها معايا. حياتي صعبة يا نادية.. إنتي شايفة مريم متعلقة بيا إزاي وداخلة على أصعب مرحلة في دراستها. شريف اللي بقى وجوده في البيت من يوم موت سوسن قليل، وندى هتتقبل تشوف زوجة تانية ليا بعد اختها. قراري هيدمر عيلة كاملة.
صراخها جمده في وقفته حتى أنه خشي أن يكون قد سمعوهم بالخارج:
- إنت إيه؟ هتفضل حارم نفسك من الحياة. بتنجح ليه في حياتك يا حمزة وفلوسك اللي مالية أرصدت البنوك هتسيبهم لمين يورثك. أقولك حاجة، ابني من فراغ واحرم نفسك من نعمة إحنا اتخلقنا عشانها، ذريتك فين.
ضاقت أنفاسه:
- لو أخوكي طلع عقيم، دي هتكون وجهة نظرك. نادية، أنا تعبت. عارفة يعني إيه.
واتجه نحو الأريكة التي تحتلها الغرفة الواسعة، وهوى عليها بجسده وأطرق عيناه أرضاً.
طالعته بندم وهي تراه هكذا، وتقدمت منه ثم جلست جانبه تربت على ذراعه بحنو:
- أنا آسفة يا حمزة.. اعمل اللي يريحك في حياتك. أوعدك إني مش هتكلم في الموضوع ده تاني.
رفع وجهه نحوها وتعلقت عيناه بها. عاد الصراع داخله بين رغبته في تملك تلك الضعيفة، وبين ضميره الذي أصبح يؤنبه:
- بس فكر في ياقوت يا حمزة.. فكر كويس أوي.
فتح الباب فجأة ليدلف فؤاد مُحدقاً بهم:
- كان صوتكم عالي ليه.
طالعت شقيقها ونهضت نحو زوجها مُتمتمة:
- هبقى أحكيلك يا فؤاد. تعالا نطلع ليهم بره.
فألتقت عين فؤاد بذلك القابع فوق الأريكة بملامح مظلمة، وقد فهم نوع الحديث الذي دار بينهم. أغلق فؤاد الباب بعدما غادروا الغرفة.
فنهض حمزة من فوق الأريكة مُقترباً من الشرفة التي تضمها الغرفة. طالع الظلام بشرود:
- ليه اللعبة مش عايزة تنتهي يا ياقوت. ليه القدر حطك في طريقي، وكل الإشارات بتقول إن إنتي العروسة المناسبة لعيلة الزهدي.
***
طالعتها سماح وهي تأكل الطعام المعلب، وأرادت ممازحتها عندما لاحظت شرودها:
- ضيعتي عزومة متعوضش وجيتي تاكلي المعلبات دي.
كانت شارده غير واعية لعبارات سماح، تُفكر في الثوب الذي ستشتريه لزفاف هناء ولا تملك ثمنه، وقد أضاعت المال الذي كانت تضعه جانباً من أجل شقيقتها.
فرقعت سماح أصابعها أمام عينيها هاتفة بصياح:
- ياااااقووت.
انتفضت ياقوت فزعاً من صوتها وهي تلوك الطعام بفمها:
- في إيه يا سماح. صوتك خرم ودني.
تجلجلت ضحكات سماح بفخر:
- ده أنا صوتي مزيكا... المهم قوليلي كنتي شايلة الهم في إيه.
قلبت عيناها بين سماح ورغيف الخبز الذي تضعه في حجرها:
- فرح هناء قرب ومش عارفة هلبس في إيه. معنديش حاجة ألبسها. الفرح هيتعمل في أوتيل كبير. خايفة وجودي مع صاحبتي ميشرفهاش، ودي صاحبة عمري يا سماح. نفسي أبقى جنبها.
عضت سماح على شفتيها بقوة متأثرة. صديقتها رفضت عشاء سيريح معدتها مما تتناوله من أطعمة معلبة سريعة الطهو، ولم ترفض عشاء فحسب، إنما رفضت هدية قيمة كانت ستزيل همها.
ضاقت عيناها مُفكرة في حل ذلك الأمر. لن تجعلها تشعر أنها أقل من أحد في زفاف صديقتها:
- سيبي الفستان عليا يا ياقوت.
حدقت بها ياقوت وهي لا تعرف من أين ستأتي بالثوب:
- هتتصرفي إزاي. ما أنا عارفة اللي فيها يا سماح. ده إحنا في آخر الشهر وبقينا نقضيها معلبات عشان نمشي على القد.
ضحكت سماح وهي تتسمع لوصفها عن حالتهم:
- إحنا في القاع أوي كده.
بادلتها ياقوت الضحك وهي تُحرك رأسها بالإيجاب:
- هو مش في القاع أوي، يعني بس الحياة بقت غالية.
صدح صوت رنين هاتف سماح تلك اللحظة، فتعلقت عين ياقوت بها عندما لاحظت نظراتها مثبتة على الهاتف:
- ده ماهر مش كده.
أومأت لها سماح برأسها، ولم تكن تفكر في اتصال ماهر، وإنما فكرها أخذها كيف ستستغل ماهر وتشتري الثوب من ماله. فمدام عاد يدور حولها، ستدفعه الثمن.
***
نظرت مها إلى شقيقتها بعدما تحايلت عليها مثل كل يوم منذ أن اختفى شريف عنها:
- ردي على تليفونه.
ضغطت ماجدة على زر الهاتف ليعلو صوت الرسالة النصية: "الهاتف الذي طلبته ربما يكون مغلقاً".
ألقت ماجدة الهاتف على الطاولة حانقة ولم تنظر إلى ملامح شقيقتها المُحطمة:
- رني تاني يا ماجدة، ممكن المرة دي الشبكة تجيب معاكي.
لم تتحمل ماجدة إصرار شقيقتها على مُهاتفاته وصرخت بوجهها:
- أرن إيه تاني؟ ما إنتي سمعتي بودانك، التليفون مقفول. حضرت الظابط بح، كان بيتسلى وخلص.
سقطت دموعها بعجز:
- بس شريف مش كده، أكيد في حاجة حصلتله.
احتَدت عين ماجدة وسلطتهما على عينيها الدامعة، وعاد حديث سالم الماكر يتردد في أذنيها، فأقتربت منها وعلقت عيناها على العقد الذهبي الذي ترتديه شقيقتها:
- أوعي يكون أخد اللي عايزه منك وسابك.
لم تفهم مها معنى حديثها، فمسحت دموعها برجاء:
- أنا عايزة شريف.
بكت بنواح وهي تهتف باسمه. فجذبتها ماجدة بعدما تغلل الشك أكثر داخلها من بكائها:
- عمل فيكي إيه؟ انطقِ.
ازدادت مها في البكاء خوفاً مع نفض شقيقتها لها بين ذراعيها:
- بقيتيلي معيوبة كمان، يعني مش كفاية عمياء.
سقطت الكلمة كالطعنة على تلك التي وقفت تتلقى دفعات شقيقتها لها بعويل. لم تكن تفهم مقصده، فبكت وهي تنادي باسمه. وما كان ذلك إلا يزيدها شكاً:
- خديني عند شريف. أنا عايزة شريف.
كانت كالطفلة الصغيرة، تبحث عن من وجدت معهم الأمان:
- يابت ردي طمنيني. يا مصيبتي يا ماجدة، وأنا اللي قولت هيتجوزك وأرتاح من همك. آه، كل حاجة راحت.
تفتت ماجدة عباراتها وهي تتخيل ما رسمه بعقلها سالم.
تعالت طرقات على باب الشقة، لتنفض مها نفسها من بين ذراعيها وركضت تفتح الباب بعدما سارت تتخبط بين المقاعد.
فتحت الباب بارتجاف فتلقاها سالم بين ذراعيه، وداخله يهتف برغبة: "أه نفسي أدوقك".
- مالك يا مها. في إيه.
ابتعدت عنه ترجف من الخوف:
- أنا خايفة من ماجدة أوي.
ابتسم سالم وهو يفحصها بعينيه:
- تعالي يا سالم، ادخل. تعالا شوف المصيبة اللي أنا فيها.
عبست ملامح سالم وهو يسمع صوتها. أغلق الباب وجذب مها خلفه:
- متخافيش يا مها.
واقترب من ماجدة التي جلست على أحد الأرائك تلتقط أنفاسها:
- في إيه يا ماجدة. مالك.
رمقت ماجدة شقيقتها المتوارية خلفه وتنهدت بصوت مسموع:
- روحي أوضتك يا مها.
تجمدت مها في وقفتها ولم ترغب بالرحيل، إلا أن صياح ماجدة عليها ثانية جعلها تنتفض وتتجه نحو غرفتها بتعثر.
جلس سالم جانبها وداخله يبتسم فقد وصل لهدفه. أراد من قبل أن يوّتر العلاقة بينهم لينفرد بالشقة بعدما ترحل مها لأي مكان يؤيها. ولكن الآن كان هدفه آخر، أن يصبح الحمل الوديع بين كلتيهما وينال ما يريد. فرغبته بالعمياء تزداد كل يوم وهو يرى جمالها وجسدها.
آفاق من شهوته وتخيلاته على صوت ماجدة وهي تلطم فخذيها:
- ضحك عليها وخد مراده منها يا سالم.
تجمدت عين سالم وظن أن ما تقوله ماجدة حقيقة عكس ما هو صوره لها:
- عرفتي إزاي.
- قالتلك عمل فيها إيه.
طالعته ماجدة حانقة:
- البت مش على لسانها غيره. عايز إيه أكتر من كده.
أخذ سالم أنفاسه بعدما فهم مقصدها، واسترخت ملامحه عندما وضحت له الرؤيا:
- لا مش معقول. ده ظابط ومن عيلة، أكيد هيخاف على سمعته.
وألتف نحو غرفة مها يعض على طرف شفتيه:
- أنا هدخل أفهم منها براحة. أكيد كانت خايفة منك.
نهض بعدما وجدها تُشيح عيناها عنه:
- ياريت تعرف منها حاجة. إنت برضه في مقام أخوها وهتخاف عليها.
تزين سالم بزهو وسار بخطي واثقة نحو غرفتها. تعلقت عيناه بها وهي جالسة على فراشها تحمل دميته بين ذراعيها وتبكي. اقترب منها ببطء وهو يشبع عيناه بملامحها وامتلاءت جسدها. رطب شفتيه بلسانه وهو يتمنى التمتع بجسدها:
- أهدي يا مها. ماجدة بتحبك وخايفة عليكِ.
تعالت شهقاتها وقبضت على دميته بقوة:
- ماجدة مبقتش تحبني.
اقترب منها سالم وقد وجدها فرصة ليُلامس جسدها بحرية، والظاهر مواساتها والباطن لم يكن إلا شهوة. أخذ كفوفها بين كفيه مُحدقاً النظر في ملامحها الجميلة الناعمة: "البت جميلة وناعمة، يااا لو مكنتيش عمياء كنت اتجوزتك بدل اختك".
كان يهتف بتلك العبارات داخله. وفاق على صوتها الباكي:
- هي ماجدة مبقتش تحبني.
صحت.
علقت عين سالم بها ولمعت عيناه وهي يُطالعها، ثم مد كفيه نحو وجهها ليزيل دموعها مُتمتمًا:
- مين قال كده بس. هو حد يشوفك وميحبكيش يا مها.
سكنت قليلاً وهي تأخذ أنفاسها الهادرة، وانتقلت يداه من فوق وجنتيها لذراعيها:
- هي عايزة تطمن عليكِ.
أغمضت عيناها بقوة هاتفة:
- أنا معملتش ليها حاجة. أنا كنت عايزة شريف.
ضغط سالم على شفتيه بقوة وهو يسمع اسم شريف:
- إنسى شريف يا مها. شريف خلاص رجع لحياته.
تساءلت وهي لا تعي حديثه:
- رجع لحياته إزاي. هو قالي إني بقيت جزء من حياته.
تأوهت من قبضة يداه على ذراعيها، لينتبه على فعلته فرفع كفه يربت على وجنتيها:
- كان بيكذب عليكِ.
دفعته عنها بقوة متمتمة وقد تحول سكونها لصياح:
- لا شريف مش كدابة.
عندما رأى تمسكها به لمعت عيناه بمكر:
- هروحله القسم اللي شغال فيه. كله عشان خاطرك. إيه رأيك.
ألتمعت عيناها بالأمل. وضمت قبضتي يداها لجسدها.
أقترب منها ثم أخذها بين ذراعيه:
- مبسوطة كده.
لم تنتفض تلك المرة من مُحاوطته لها وشعرت بالامتنان نحوه:
- آه.
كان سالم مشغولاً في تنفس رائحتها وفي عالم آخر يرسم جسدها في خياله.
***
تعلقت عين شهاب بها بعدما دلف لغرفتهما. وجدها ترتدي نظارة طبية وتجلس على الفراش تضع جهاز الحاسوب فوق ساقيها وتحمل ورقة تدون بها:
- هو إحنا ابتدينا. ادي أول حاجة ظهرت من الشغل.
رمقه ندى بصمت وعادت لتحضير درس الغد لتلاميذها:
- لو عايز تنام أنا ممكن أنزل المكتب تحت أقعد فيه.
طالعها شهاب بنظرات متفحصة، ثم اقترب منها يُداعب عنقها:
- أنام مين. شيلي الكلام الفارغ ده وتعالى نتبسط يا حبيبتي.
ابتسمت وهي تجاريه في حديثه:
- وهنتبسط إزاي يا شهاب.
كانت شفتيه تخبرها بمعنى انبساطه. واتسعت عيناه وهو يجدها تبتعد عنه وتنهض من فوق فراشهما وتحمل متعلقاتها:
- اتبسط لوحدك يا حبيبي.
ثم مالت نحوه ومدت شفتيها وقد ظن أنها ستقبله:
- تصبح على خير.
وانصرفت من أمامه بعدما ارتدت فوق منامتها القصيرة ما يستره.
يحدق في طيفها ثم جذب الوسادة وألقاها أرضاً حانقاً.
هبطت لاسفل واتجهت نحو غرفة المكتب الخاصة بحمزة لتجده ينهض من خلف مكتبه بعدما وضع الأوراق التي كان يُطالعها في أحد الأدراج:
- ممكن آخد الأوضة ولا أشوف مكان تاني.
ابتسم نحوها حمزة وأشار إليها:
- تعالي يا ندى، أنا خلاص خلصت شغلي.
اقتربت من الطاولة لتضع أشياءها عليها. وأطرقت عيناها بحزن. ففهم أن الأمر متعلق بشقيقه:
- عملك إيه تاني الغبي ده.
سقطت دموعها وقد رفعت عيناها نحوه:
- هو أنا ليه مكنتش شايفه عيوب شهاب قبل الجواز.
تعلقت عيناه بها وتنهد وهو يرمقها:
- لأن الجواز حاجة والحب وفترة الخطوبة حاجة تانية يا ندى. الجواز حياة كاملة. شهاب بيحبك بس أخويا للأسف أناني في حبه.
سقطت الكلمة على مسمعها وهي لا تُصدق أن شهاب يحمل لها مشاعر الحب. وكادت أن تُجيب لتجد شهاب يهتف باسمها ثم دلف الغرفة:
- تعالي يا ندى، كملي شغلك في أوضتنا.
أضحك حمزة على شقيقه:
- ما كان من الأول. خد مراتك يلا.
تعلقت عين ندى بحمزة الذي حرك لها رأسه بأن تذهب معه. فأنتقلت بعينيها نحو شهاب الذي انحني كي يُجمع أغراضها. وانسحبوا الاثنان نحو غرفتهما. لتتعلق نظرات حمزة بهم:
- والله إنتوا الاتنين ملكوش غير بعض. ربنا يهديك يا شهاب.
***
وقفت ياقوت أمام الفيلا التي أتت إليها من قبل يوم أن جاءت من أجل اللقاء الصحفي الخاص بسماح. سمح لها الحارس بالدلوف بعدما أخبرته بهويتها.
سارت نحو الداخل تتأمل المكان. إلى أن وقفت أمام باب المنزل وقبل أن تدق الجرس، سمعت صوت سيارة تقف وتخرج منها فتاة بزي المدرسة ومعها فتاة أخرى يبدو عليها أنها زميلتها. عرفت هوية أحداهما فلم تكن إلا مريم عائدة من مدرستها.
اقتربت منها مريم ترمقها بنظرات متفحصة:
- مش إنتي بتشتغلي عندنا في الشركة.
توترت ياقوت وتعلقت عيناها بالفتاة الأخرى:
- أيوه. بشمهندس شهاب طلب مني أجي آخد ملف من هنا.
طالعتها مريم ممتعضة وقد عاد الكبر إليها:
- طب خليكي هنا. هبعتلك الخدامة.
تجمدت ياقوت في وقفتها من معاملتها. ونظرت نحوها الفتاة بأسف على فعلة صديقتها.
أطرقت ياقوت عيناها خجلاً وابتعدت عن باب المنزل تنتظر أخذ الملف ثم الرحيل.
مر الوقت لتخرج الخادمة لها بالورق وكان خلفها حمزة الذي كان يتأهب للخروج من المنزل.
ألتقطت ياقوت الملف من الخادمة وتحاشت النظر إليه:
- إيه اللي موقفك كده يا ياقوت. مدخلتيش ليه.
توترت وهي تقبض على الملف بيدها ولم تجد إجابة تخبره بها. فالإجابة ستخص ابنة زوجته فكيف ستخبره أنها من أمرتها أن تظل بالخارج.
تنهد حمزة بيأس من صمتها:
- نفسي أفهم بتفكري في إيه قبل ما تردي يا ياقوت.
واردف وهو يسبقها بخطواته:
- تعالي أوصلك في طريقي ومش عايز أسمع رفض منك.
ابتلعت ريقها بتوتر وحركت رأسها:
- أنا عارفة طريقي يا فندم.
رمقها حمزة بجمود أفزعها. ليضحك على خوفها منه:
- يلا يا ياقوت. السواق مستني.
كان السائق داخل السيارة ينتظر قدومه. لتتبعه بحرج.
توترها جعلها لا تنتبه للدرجة الأخيرة من الدرج المؤدي للمنزلفألتوت قدمها وكادت أن تسقط إلا أنه أسندها بذراعيه مُتسائلاً:
- أنتي كويسة.
تعلقت عيناها به وابتعدت عنه سريعاً ثم دلفت للسيارة وجلست بالمقعد الأمامي بجانب السائق تتلاعب بحقيبة يدها بأرتباك.
كانت مريم تقف بالشرفة تنظر لما حدث بملامح جامدة.
***
انتقت سماح أفخم ثوب فطالع ماهر ما انتقته:
- مش استايل لبسك خالص. إنتي ناويه تتحجبي يا سماح.
رمقته سماح ببرود ثم وضعت الثوب على جسدها تنظر عليه في المرآة واتجهت نحو البائعة:
- عجبني ده.
أخرجت بطاقة الائتمان خاصتها وهي تُدرك أنها فارغة من المال.
أخذتها منها العاملة لتسحب المال، ولكن ماهر مد يده للعاملة:
- هاتي بطاقة المدام.
وناولها بطاقته ونظر إلى سماح ليُذكرها أنها يوماً كانت زوجته.
ضحكت سماح داخلها وقد اشترت الثوب لياقوت وهذا ما يهمها:
- مش عيب تدفعي وأنا معاكي يا حبيبتي.
رمقته سماح مقتً وضغطت على شفتيها:
- أنا مش حبيبتك يا ماهر.
طالعها بهيام ومال نحوها بعدما تناولت الحقيبة التي بها الثوب:
- هتفضلي حبيبتي يا سماح. وهترجعي لعشك يا عصفورتي.
الكلمة ذكرتها بما مضى. كان يناديها بعصفورته إلى أن أطلق سراح عصفورته من قفصها الذهبي ذليلة. خشيت أن تسقط دموعها أمامه. فخرجت من المتجر بخطوات أشبه بالركض. ليتبعها هاتفا باسمها:
- سماح.
ولكنها اختفت من أمام عينيه دون أن تلتف إليه.
***
اليوم كانت حنة هناء. نالت من زوجة أبيها الحديث الذي سم بدنها أنها أتت من أجل صديقتها ويوم عقد قران شقيقتها لم تأتي. لم تتفهم زوجة أبيها الأمر ونعتها بالحقودة.
كانت تساعد هناء في لف حجابها وهي شارده. فسألتها هناء:
- طالعة حلوة يا ياقوت.
انتبهت ياقوت على صوتها:
- طالعة قمر يا حبيبتي.
احتضنتها هناء بحب:
- ربنا يخليكي ليا.
ثم جذبت هناء يدها لتقرصها متمتمة:
- اقرصيني عشان تحصيني وتتجوزي إنتي كمان.
رغم الألم الذي كان بداخلها وسموم زوجة أبيها من لسانها يتدفق على مسمعها، ضحكت وقبلت صديقته.
بدأ الغناء يعلو بالخارج ودلفوا أقارب هناء الغرفة يجذبوها معهم للخارج فمراسم الإشهار تمت وانتهى الأمر تأكيداً بالزواج.
رقصت هناء بسعادة وهي لا تُصدق أنها غداً ستتوج عروس لمراد زوجها الذي لم تراه إلا يوم عقد قرانهم منذ أيام. أودع على جبينها قبلة اهتز فيها جسدها وحملت معها مشاعر كثيرة. ومن ليلتها لم تراه إلا اليوم وكانت مجرد نظرة عابرة. فسرت ذلك كما أخبرها عمها أنه متوتر ومشغول من أجل انتقاله لإدارة فرع شركتهم بالإسكندرية.
اطمأن قلبها بالأعذار التي كانت عبارة عن مسكن يُسكن القلب من مخاوفه.
***
كانت تعلم بوجوده بمكتبه، رغم انصراف جميع الموظفين إلا الأمن. تنتظر قدومه للشركة بفارغ الصبر وهي تعد الأيام رغم أنها لا تجني من رؤيته لها إلا وجعاً.
صعدت نحو الطابق الذي به غرفته. وسارت بخطي متوترة. إلى أن دلفت للغرفة. تجمدت عيناها وهي تجده مسطحاً على الأريكة مغمض العين. اقتربت منه ببطء وجثث على ركبتيها تتأمل ملامحه ولم تشعر بحالها وهي تُقبله على خده. فأنتفض من رقدته صائحاً:
- إنتي بتعملي إيه هنا يا صفا.
تعلقت عيناها به وفركت يداها بتوتر:
- جيت أشوفك يا حمزة.
طالت نظراته نحوها فأغمض عيناه بقوة:
- اطلعي بره.
صرخ بها فنهضت من جلستها فزعاً:
- حمزة، اديني فرصة أقرب منك.
صدح صراخه بها ثانية. لتترك الغرفة راكضة تكتم صوت شهقاتها.
عاد يجلس على الأريكة واضعاً رأسه بين كفيه مُتمتمًا:
- مافيش حل غير إني أتزوج.
ولم يكن عقله يضع إلا هي زوجة تُناسب وضعه وتكون زوجة دون امتيازات.
***
وصلت سماح الفندق بعد رحلة طويلة قضتها في القطار وتمتمت حانقة وهي تتجه نحو موظف الاستقبال كي تسأل عن الغرفة التي حجزتها لها الجريدة:
- مش كانوا كملوا جميلهم وحجزولي تذكرة طيارة بدل البهدلة دي.
تنفست بقوة ونظرت لموظف الاستقبال:
- حجز باسم سماح مهدي.
استعلم منها الموظف عن بياناتها. ثم ابتسم وهو يعطيها مفتاح الغرفة:
- إقامة سعيدة يا فندم. تحبي نبعت حد ياخد شنطة حضرتك.
نفت برأسها فحقيبة ملابسها لا تحتاج لأحد أن يحملها. تعلقت عيناها بأنبهار نحو التصميم الداخلي للفندق متمتمة:
- استعدي لمهمتك يا سماح.
***
ألتقطتها عيناه وهي تلتف حول هناء بسعادة وبجانبها السيدة سلوى وابنة شقيقته "تقى" يتراقصون مع العروس.
ضحكتها كانت لأول مرة يراها. فستانها الطويل المحتشم ولفة حجابها والكحل الذي كحلت به عيناها، كل هذا أعطاها جمالاً هادئاً. لا يعلم لما اليوم عيناه تُجملها له بشدة وينظر لها بنظرة رجل لامرأة.
فعلت صفا أمس اقتحمت عقله دون هوادة. زوجة سيقطع كل آمالها به، فهو لا يشتري من باعه يوماً.
عيناه كانت تدور وتعود إليها ينظر لها بقوة وتعمق:
- اللعبة قلبت عليك مش كده. والقلب دق.
قالتها نادية ضاحكة تُحاول بمكر أن تستفزه لترى ردة فعله:
- بطلي سخافة يا نادية. قلب إيه اللي دق.
كان كاذباً لأول مرة نظراته تفضحه. رغبته بها أزدادت عن قبل:
- بس عيونك بتقول غير كده يا حمزة.
وأردفت بتلاعب وهي تُطالع ياقوت التي احتضنت هناء بقوة:
- يمكن أنا بيتهيألي.
ألتف نحو شقيقته بعدما رسم الجمود على ملامحه وعاد لحمزة الزهدي الذي يريده:
- كلامك بقى يعصبني يا نادية.
وابتعد عنها حانقاً. لتتعلق عيناها به:
- بكره نشوف يا حمزة. اللعب في الحب مينفعش وصاحب اللعبة مسيره في يوم يقع.
***
دَلفت خلفه تحمل ثوب زفافها بين يديها. طالعت الغرفة التي تم حجزها بالفندق لتقضيه ليلتهما فيها ثم الذهاب غداً لشقتهم بمدينة الإسكندرية.
طالعته وهو يُلقي سترته بعنف فوق الفراش ثم اتبعتها ربطة عنقه.
رمقها وهي تقف تُطالع ما يفعله. ليقترب منها مُصفقاً:
- المسرحية خلاص خلصت يا بنت عمي.
يتبع بأذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سهام صادق
رسم عقله ما أراد حدوثه، وقلبه الأحمق كان كالأعمى، لا يرى إلا ما يريد. أما عيناه، فكانت غافية، تبصر ما يهواه قلبه. وهي ليست إلا عاشقة هائمة في بحر عشقه المظلم.
خرج صوتها بنبرة خافتة خجلة، بعدما تعلقت عيناه بها لوقت طويل.
"في حاجة يا مراد؟"
كان يقف يتخيلها وهو يخبرها بأنها ليست إلا بطلة في مسرحية خطط لها والده. تخيل انهيارها وبكائها. سيناريو مر أمامه للحظات، ولكنه لم يفعل ما أراد فعله. والسبب في ذلك عمه، ذلك الرجل الذي سلمه ابنته بأعين تتلألأ فيها دموع أب يستأمن ابنته التي رعاها لسنوات طويلة، وقد جاء اليوم ليُعطيها لزوج يوماً ما سيكون مثله أبًا.
أغمض عينيه بقوة، ينفض أفكاره العاصفة في مخيلته. ثم أشاح وجهه سريعاً عنها، بعدما أعادت سؤالها.
"مراد مالك؟ أنت فيك حاجة؟"
تنفس بقوة واتجه نحو المرحاض تحت نظراتها الحائرة، ليضع رأسه أسفل صنبور المياه، مفكراً في حياته القادمة.
"أهدي يا مراد، لازم تفكر هتعمل إيه. ابعد فكرة إنك تأذيها، مهما كان دي بنت عمك من دمك."
خاطب نفسه، وصورة عمه تمر أمام عينيه وعباراته تتدفق في مسمعه: "بنتي أمانة عندك يا مراد، حافظ على الأمانة اللي حفظت لك عليها يا ابن أخويا."
تنهيدة قوية خرجت بثقل من بين شفتيه وهو يبتعد عن المياه المتدفقة فوق رأسه، ثم أخذت مسارها نحو صدره.
تقدمت بخطوات خجلة من الفراش، ثم جلست عليه تنظر من حين لآخر نحو المرحاض. تشعر بالتوتر، ولكن أيضاً بالسعادة. تساءلت داخلها:
"هو مشلنيش ليه زي أي عروسة؟ ده أنا حتى عملت رجيم قاسي لليوم ده."
عبست بملامحها وهي تحلم بأحلامها الوردية. اتجهت بعينيها نحو باب المرحاض، ثم رفعت كفيها نحو وجنتيها الساخنة.
"أهدي يا هناء كده وبلاش توتر."
انتبهت على صوت خروجه، فأطرقت عيناها نحو ثوب زفافها. انتظرت عبارة منه، ولكنه تحرك في الغرفة بضعة خطوات لينتبه عليها أخيراً، يرمقها بهدوء.
"هتفضلي بالفستان كده؟"
تخضبت وجنتاها، ورفعت عيناها نحوه خجلاً، متمتمة:
"ها!"
واتسعت حدقتاها بصدمة وهي تجده يتسطح فوق الفراش، مغلقاً عينيه، وكأنها ليست معه، وكأنها ليست عروس.
همهمت تسأله:
"أنت هتنام؟"
وأردفت بتوتر جلّي على صوتها:
"إحنا مش هنصلي؟"
فتح عينيه يرمقها للحظات، قبل أن يهتف:
"ياريت تطفي نور الأوضة وتاخدي هدومك وتغيري في الحمام."
بهتت ملامحها وهي تسمعه، وتساءلت بأمل أن يكون يمزح معها:
"أطفي النور؟"
رمقها ساخراً وهو يتفحص خلجات وجهها الذي شحب.
"تصبح على خير."
أعطاها ظهره حتى يجعلها تفهم الإجابة بوضوح، لا يرغبها ولا ينظر لها بأنها عروسة.
التقطت ملابسها وانسحبت من الغرفة ودموعها تنساب على وجنتيها.
تسأل حالها: أين أحلامها في تلك الليلة؟ أين الحبيب الذي انتظرته طويلاً؟ أين قبلته الدافئة؟ أين عباراته الحنونة التي ستحتوي خجلها وتطمئنها؟
وضعت يدها على فمها تخشى أن يسمع صوت شهقاتها.
وسؤال واحد أخذ يدور بخلدها: لماذا فعل ذلك؟ أخبرها بأنه يريدها.
ثبتت عيناها نحو نقطة ما، وهي لا تُصدق ما خيله لها عقلها.
"مش معقول يكون مراد زي نديم ابن خالي ومحتاج يتعالج... بس ليه يخبي عني؟ أنا مش هسيبه وهفضل معاه."
صور لها عقلها براءته، لتمسح دموعها التي انسابت مع كحل عينيها. تأخذ أنفاسها بتنهيدة طويلة.
"لازم تحفظي على سر جوزك يا هناء، وتقفي جنبه... بس لازم الأول أتكلم معاه بكرة ويفهمني ميخبيش عليا."
***
وضعت ياقوت الثوب برفق في الخزانة الصغيرة التي تحتويها غرفتها.
"الحمد لله الفرح خلص على خير والفستان محصلش ليه حاجة، عشان أرجعه لسماح لما ترجع من مهمتها."
اقتربت من فراشها وتسطحت عليه بأرهاق، ولمعت عيناها بالدمع وهي تشعر بالوحدة. ولكن سريعاً تبدل حالها لتبتسم وهي تتذكر جمال صديقتها ورقصتها مع مراد. تنهيدة حالمة انسحبت مع أنفاسها وهي تتخيل نفسها يوماً بين ذراعي أحدهم يضمها إليه ويراقصها.
نفضت رأسها من أحلامها الوردية.
"أنتي بتفكري في إيه يا ياقوت... لأ، أنتي الأحسن تنامي عشان الأحلام خطر عليكي وعندك شغل بكرة."
أغمضت عيناها لتغفو في لحظتها دون شعور من شدة إرهاقها.
***
طالع شقيقه وهو يُحاوط خصر زوجته ويتهامسان. ابتسم وهو يراهم هكذا، وأسند مريم التي تمسك ذراعه وعيناها مثقلة من أثر النعاس.
"مريم، فوقي يا حبيبتي."
صعد الدرجات وهو يسندها، فأقتربت منه ندي بعدما انتبهت لحال مريم. أشفق عليه، فطيلة طريق عودتهم وهي غافية على ذراعه.
"أنا هوصلها لأوضتها يا حمزة، دراعك أكيد وجعك."
أسندتها ندي نحوها، فسقطت رأس مريم على كتفها. نفض ذراعه بألم، ضاحكاً على صغيرته.
"نومها بقى تقيل البنت دي، أنا مش عارف هتقدر تروح مدرستها بكرة إزاي."
تركهم واتجه نحو غرفته، ليتحرك فيها دون هوادة، يمسح على وجهه بقوة، وصورة ياقوت تقتحم عقله وهي تقف مع شقيق هناء تضحك معه، ويبدو أن علاقتهما قوية. ولم ترحمه نادية من تعليقاتها وتلميحاتها.
***
تأملها وهي غافية جانبه. مدّ كفه يمسح على وجهها.
تململت في نومتها وهي تشعر بيده التي تنتقل بخفة على وجهها.
"شهاب، سيبني أنام، عندي شغل بكرة."
ابتسم وهو ينحني نحوها يلثم خدها، ثم تحركت القبلة لجانب فكها لتحط شفتيه نحو مقصدها.
"مش عارف أنام، اصحي اقعدي معايا."
فتحت عيناها بقلق. حبها طغى على كبريائها.
"مالك يا شهاب؟ إيه اللي مضايقك؟ ده إحنا راجعين من فرح واتبسطنا."
ألقى رأسه على الوسادة، زافراً أنفاسه بقوة. فبماذا سيخبرها؟ أن الفتاة التي أحبها يوماً قد ترملت وصارت حرة. اليوم رآها في الفندق الذي قام فيه حفل زفاف مراد. كانت من منظمين الحفل. صدمته ملابسها السوداء ووجهها الذي أصابه الذبول. قدماه أخذته إليها، وليته لم يذهب. حلمه أصبح حراً طليقاً.
"مش فاهم نفسي يا ندي."
رمقها بطرف عينيه، ولم تفهم هي شيئاً من عبارته.
"مالك يا شهاب؟ احكيلي فيك إيه؟"
واعدلت في رقدتها ومالت نحوه تمسح على خصلات شعره الذي تعشق نعومته وغزارتها.
أغمض عينيه وهو ينساق مع حركة يداها الناعمة. قارن بين حلمه الضائع وذلك الحب الذي يحصل عليه معها. مهما أخبرته بتمردها وأنها تحررت من حبه، إلا أنه لا يرى منها إلا الحب.
"مكرهتنيش يا ندي؟"
ابتسمت بألم وهو يطالع ملامحها.
"القلب مبيكرهش إلا لو سكينة الغدر والخيانه طعنته يا شهاب. أنت آه مبتحبنيش، بس على الأقل من يوم ما وعدتني إنك هتكون وفي ليا بتنفذ وعدك."
شعرت بذراعيه تأسرها وأصبح يعلوها.
"كنت يا ندي..."
فاتسعت حدقتاها بلمعان.
"تقصد إيه؟"
همس بدفء وهو ينفخ أنفاسه الساخنة على صفحات وجهها.
"افهميها لوحدك يا ندي."
***
رمق فرات زوج شقيقته الذي عاد للتو من سفرته، وقد دعته فادية لتناول العشاء في جلسة عائلية.
"أخبار شغلك إيه يا عزيز؟ سمعت إنك هتشارك واحد في مصنع للمنتجات الغذائية."
توتر عزيز من رصد شقيق زوجته لكل ما هو متعلق به. قربت فادية الطبق المملوء باللحم أمام زوجها، مجيبة وهي ترمق زوجها بفخر:
"عزيز طول عمره ناجح."
سلط فرات نظراته نحو شقيقته الهائمة بزوجها. لا تسأله عن مصدر أمواله الذي يقسم أن أساسها بالحرام. يعلم أن عزيز ابتعد قليلاً عن تجارة المخدرات لتفتح الأعين عليه، ولكن لا يجد دليلاً قاطعاً نحوه، ولو وجد لن يستطع تشويه سمعة زوج شقيقته وسمعته هو أيضاً.
"أنا بكلم جوزك يا فادية. هو ملهوش لسان يرد علي."
تلعثم عزيز وهو يمضغ الطعام، يخشى أن يكون قد علم ما وراء تلك الشراكة، فما هي إلا تجارة بالأطعمة الفاسدة منتهية الصلاحية.
"شريكي انت عارفه يا فرات... رجل أعمال ليه اسمه في السوق."
ابتسم فرات وهو ينظر لأطفال شقيقته الصغار.
"مش مهم الاسم يا عزيز، المهم السمعة. على العموم، أنا مش هقدم غير النصيحة، وأنت حر. بلاش الشراكة دي."
نهض بعدها وهو يلتقط عصاه التي وضعها جانبه كي يسير بثبات بها ويحمل عليها ثقله.
اتجهت أنظار فادية نحوه تسأله:
"هو فرات قصده إيه يا عزيز؟ لو الراجل ده سمعته وحشة، بلاش."
قطب عزيز حاجبيه وحدق بالمقعد الفارغ الذي كان جالس عليه فرات.
"أخوكي ده بيحب يكبر كل حاجة، باينه لسه فاكر نفسه رتبة في الجيش."
أسرعت فادية تؤنبه على قوله.
"عزيز، اتكلم كويس عن أخويا."
زفر عزيز بقوة، ثم ألقى بمعلقته بعنف فوق طبقه، لتتعلق عين طفليه عليه خائفين من حدته.
***
وقفت أمام أحد المطاعم في إحدى المناطق الراقية. انتظرت زميلتها التي تقيم معها بسكن المغتربات. أخبرتها أن تنتظرها بالخارج إلى أن تدلف وتقضي أمراً ما بالداخل.
طالت وقفتها بملل إلى أن وقفت متسمرة في مكانها وهي تسقط بعينيها على حمزة وعائلته يترجلون من السيارة، فقد أتوا من أجل تناول وجبة العشاء بعيداً عن المنزل.
رأتها ندي، فأقتربت منها بغرابة.
"ياقوت، بتعملي إيه هنا؟"
توترت وهي تطالع نظرات شهاب وحمزة والصغيرة مريم التي وقفت ترمقها ببغض.
"مستنية واحدة صاحبتي."
فابتسمت إليها ندي بلطف، وقبل أن تعزم عليها بأن تدلف معهم، سبقها شهاب.
كان حمزة يقف كمتابع للمشهد، صامتاً. تحكي له مريم عن يومها بمدرستها.
"تعالي استنيها جوه معانا، وفرصة نتعرف عليها."
قالها شهاب غامزاً لها حتى يرى غيرة زوجته، فوكزته ندي بذراعها.
"كده يا شهاب؟"
ضحكت ياقوت بخجل على أفعالهم اللطيفة.
"شكراً يا باشمهندس، مافيش داعي. أنا هرن عليها تطلع، أصلها اتأخرت."
اعترض شهاب على رفضها بإصرار، وطالع شقيقه.
"يا بنتي، انسى إني مديرك، وده عشا على حساب حمزة، تعالي خلينا نكلفه أكتر."
تحركت يدها تلقائياً على فاها تداري اتساع ضحكتها على مزاح شهاب المحبب.
"ما تقول حاجة يا حمزة."
أسرعت ياقوت رافضة عندما رأت أعين مريم ترفضها. هي لن تقبل عزيمة تجلس بها وسط عائلة، ستكون مثل المتطفلة عليهم. لم يتحدث حمزة بشيء، فما زال يشعر بالضيق كلما لاحت صورته مع شقيق هناء، وكأنه يحاسبها على حياة لا دخل له فيها.
"سيبها براحتها يا شهاب."
أطرقت ياقوت عيناها أرضاً عندما استمعت لعبارته، وقد أحزنته.
دلفوا جميعهم للمطعم، وشعرت بقدم تدهس على قدمها بقوة جعلتها تكتم صوت تأوهها بصعوبة. نظرت لابتسامة مريم. فأغمضت عيناها بألم وهي لا تعلم لما فعلت بها هذا. ابتعدت تخفي دموعها من ألم فعلتها ونظراتها التي تعبر عن كرهها. لم تجد سبباً لكره الصغيرة لها، ولكن ما لا تعلمه أن اقتراح نادية على الزواج بياقوت سمعته من تقي بعدما أخبرتها مريم باستخفاف عن نظرات معلمتها ريما. بغض لا تعلم سببه، ولكن صاحبته كانت تعلم.
تعلق عيناه بها بعدما جلس على المقعد المواجه لساحة المطعم الخارجية. نظراته كانت تلتقطها وهي تتحرك يميناً ويساراً، ولكن سريعاً ما جعلته مريم ينتبه لحديثها المشاغب مع شهاب. اندمجوا في النظر لقائمة الطعام والنادل يقف جانبهم. لمعت عين ياقوت وهي تنظر نحوهم، ترى ابتسامة رب عملها وحنانه على ابنة زوجته، وشهاب وندي التي تعلقت بذراع زوجها يضحكون.
عضت شفتيها تمنع دموعها بالهطول. تحتاج لمشاعر مثل تلك، تفتقر الدفء والحنان. أشاحت عيناها خشية أن تلتقطها أعين أحد. ونظرت نحو باب المطعم، وكادت أن تخطو للداخل حتى ترى زميلتها التي حذرتها سماح منها كثيراً بشكوكها في سلوكها الذي تخفي تحته رداء الفتاة المكلولة، ولكنها كانت لا ترى إلا أن حالها مثلهم وأنها لطيفة وودودة.
خرجت عبير زميلتها، وقد لاحظت أن هيئتها بها شيء قد تبدل. لا تعلم ما هو، ولكنها تشعر بذلك.
"اتأخرتي ليه يا عبير؟"
زفرت عبير أنفاسها وهي تداعب خصلات شعرها.
"ما أنا قولتلك واحدة صاحبتي بتشتغل جوه المطعم، استنتها لحد ما خلصت."
وأردفت وهي تنظر لياقوت:
"أنا ورايا مشوار مهم، روحي انتي يا ياقوت، وشكراً يا حبيبتي."
انصرفت عبير دون أن تطالعها. أغضبها الموقف.
"طول عمرك ساذجة وغبية يا ياقوت، سماح عندها حق."
لم تعلم أن حمزة التقط تلك الفتاة، فأخذ يتذكر أين رآها من قبل، لتتسع عيناه وهو يتذكرها.
***
وقفت خلفه تنظر لهيئته. كان يعطيها ظهره، يطالع أمواج البحر من الشرفة ويحتسي قهوته. ثلاثة أيام مروا على زواجهم وانتقالهم لمدينة الإسكندرية، وهو يقضي يومه بالخارج.
"مراد."
هتفت اسمه بخفوت وانتظرت لعله ينتبه إليها. لم يلتفت نحوها إلا عندما أعادت هتافها باسمه.
"في حاجة يا هناء؟"
أجابها وهو يرتشف من فنجان قهوته، فأغمضت عيناها بقوة.
"أنت مش مبسوط إننا اتجوزنا؟"
تجمدت يداه على فنجان قهوته. بدأت أمواج البحر تعلو وصوت أنفاسه يتصاعد. لم ينفذ ما أراد، أذاقها له من ألم، إنما قرر اتباع نمط التجاهل. اتبع الطريق القاتل والجارح، وفي قانون عقله، إن هذا الأفضل، فلن يُسيء معاملتها.
طال شروده وتصلب جسده، فهو يحاول قدر المستطاع الهروب من المنزل حتى لا يعطيها فرصة لأسئلتها التي يراها في عينيها.
"مراد، أنت سامعني؟ مراد، ممكن نتكلم طيب؟"
استدار نحوها ببطء، ورمقها بنظرة طويلة. ترتدي له كل يوم ملابس تُجملها له وتظهر مفاتنها، ولكنه كالأعمى لا يرى. لا يرى إلا أنها زيجة أجبر عليها.
"أنا مش فاضي يا هناء."
نظر إلى ساعته يده، ثم وضع فنجان قهوته على الطاولة.
"لما أرجع من الشركة نبقى نتكلم."
وانصرف دون أن ينظر إليها، لتسقط فوق الأريكة شاحبة الوجه، تبكي على حالها وهي لا تفهم لما يتجاهلها.
***
تعجبت بالاتصال الذي أتاها من مدير مكتبه، يُريدها أن تذهب لشركة الحراسات بعد انتهاء دوامها. قلقت من تلك المكالمة، فلماذا سيُريدها؟ شعرت بالريبة، إلى أن وجدت شهاب يخرج من مكتبه يأمرها ببعض الأعمال، ثم غادر.
***
نظرت سماح نحو بعض السياح، وقد أخذت مكان مرشدهم الذي يُعاني من ألم ما بمعدته. نست مهمتها الأساسية، وقررت الاستمتاع بأجواء مدينة أسوان. كانت تتحدث عن المعبد الذي يسيرون داخله بثقة، إلى أن وقفت على صوت أحدهما يُخبرها:
"صحيحي معلوماتك، آنسة."
قالها أحدهم، وقد كان يسير ريبتها من بداية الجولة من نظراته الحانقة نحوها. يخفي عينيه بنظارة من أشعة الشمس، وعلى رأسه يضع قبعة رياضية وملابس تشعرها وكأنه ذاهب لمباراة جولف. احتدمت عين سماح ورمقته بحنق.
"معلوماتي صحيحة يا كابتن. ماذا تعرف أنت عن تاريخنا؟"
حدق بها الرجل الذي لا تعرف تحديد ملامح له، وضحك ساخراً.
"لا أعلم لماذا تقودنا سيدة مثلك. لو أعلم أنكِ من ستقودنا هذا اليوم لمكثت بالفندق."
اشتعلت نظرات سماح، وبقي البعض يهمس على مشاحنتهم.
"لأ بقى، أنا كده ممكن أغلط وأنسى إنك ضيف في بلدي."
تحدثت بها سماح بلغتها الأم حتى لا يفهم عليها. ولكنها أجاب رافعاً حاجبه لأعلى.
" هو جاء."
ألقى كلمته بالفرنسية، ثم انصرف. لم تفهم معناها، فهي لا تتقن إلا اللغة الإنجليزية. وقفت تحرك يدها على وجهها بغضب ترمقه وهو يرحل. والتفت نحوها قبل أن يختفي عن مرأى عينيها، ليزيل نظارته عن عينيه. لتقف مصدومة متمتمة:
"لا، مش معقول. ده هو..."
***
استمع إلى صديقه عبر الهاتف وهو يُخبره أن فتاة ورجل جاءوا لقسم الشرطة ليسألوا عنه، وقد أخبرهم بعدم وجوده. أراد أن لا تكون هي من أتت، ولكن صديقه أعطاه الجواب دون أن يسأل عن هويتها أو اسمها.
"أنا استغربت بصراحة إنك تعرف ناس كده. باين عليهم مش قرايب ليك، مع إن الراجل اللي مريحنيش شكله قالي إنهم قرايب."
واردف صديقه الذي يُدعى مجدي:
"أنا قولته إنك اتنقلت بلد تاني."
أغمض شريف عينيه وهو يعلم أن الرجل هو سالم، فتساءل:
"البنت كان شكلها إيه؟"
صمت مجدي للحظات وهو يتخيل شكلها الجميل، وقد أشفق عليها.
"البنت كفيفة!"
زفر بقوة، وقبل أن يسأله صديقه إذا كان يعرفها أم لا.
"هكلمك بعدين يا مجدي، عندنا اجتماع."
أغلق الهاتف، ثم ألقاه فوق الفراش. رغم أن هذا ما أراده، أن يبعدها عن طريقه، إلا أنه يشعر بألم لا يعرف سببه.
***
أوقف سالم سيارته الصغيرة في مكان خالٍ. ينظر لمها التي لم تتوقف عن البكاء منذ أن علمت أنه تم نقله لمكان آخر. كان سعيداً أنه كسب نقطة بصلاحه، وقد انتهى أمر شريف تماماً.
"آه، سمعتي الكلام بودانك. حضرت الظابط خلاص اختفى."
سقطت دموعها وهو تمسك العقد الذي أعطاه لها بقوة.
"بس هو قالي إنه ما صدق قبلني."
مسحت دموعها بأكمام بلوزتها.
"هو شريف سابني عشان أنا عمياء؟"
رمقها سالم بتمتع وهو يتأمل احمرار وجهها، ثم اقترب منها.
"يا مها، ما انتي عارفة اللي فيها مين هيتجوز واحدة عمياء."
عادت دموعها تتساقط من أثر الكلمة.
"أنا كان نفسي أعيش زي البنات اللي في سني."
اتسعت عين سالم وقد وصل لهدفه.
"سبيني وأنا أعيشك يا مها، سبيني نفسك."
فسرت مقصده بطريقة بريئة، ولكن عندما وجدت يده تسير على فخذيها، صرخت بقوة.
"أنت بتعمل إيه؟"
وتعالى صراخها ولم ينجدها إلا صوت سرينة سيارة شرطة قادمة.
***
أنهت دوامها لتتجه نحو مقر شركتها. أول من تعلقت عيناها بها صفا، التي كانت تُسجل بعض الأشياء على الجهاز الذي أمامها قبل أن تغادر، فساعات العمل قاربت على الانتهاء.
اقتربت منها ياقوت وهي تتذكر أين رأتها.
"في حاجة يا آنسة؟"
تلعثمت ياقوت وهي تنفض رأسها من شرودها بذلك اليوم.
"حمزة بيه موجود؟ عندي ميعاد لمقابلته."
رمقتها صفا بتفحص، متعجبة من هيئة فتاة مثلها تسأل عنه. رفعت سماعة الهاتف لتسأل سكرتيره إذا كان يوجد ميعاد معها أم لا.
جاءتها الإجابة، فتجمدت نظراتها نحو ياقوت.
"اتفضلي."
اتجهت ياقوت نحو المصعد بتوتر. أما صفا، فعقدت ساعديها أمامها تسأل نفسها:
"وقت الدوام قرب يخلص... إيه اللي جايبها في وقت زي ده؟ غريبة."
دلف غرف مكتبه، ليقابله سكرتيره الذي تأهب للمغادرة. أبلغه بقدومها، ثم انصرف. وقفت في منتصف الغرفة لتجده قابع خلف مكتبه يتحدث بالهاتف. أغلق سكرتيره غرفة المكتب، فأسرعت تفتحها.
رمقها حمزة وهو لا يفهم سبب فعلتها تلك. أنهى مكالمته، ثم نهض.
"مالك يا ياقوت؟ مش بأكل موظفيني أنا."
اخفضت عيناها بتوتر وهمست بخفوت:
"حضرتك كنت عايزني في إيه؟"
وقف حمزة أمامها يُحدق بها.
"البنت اللي كنتي مستنياها امبارح تعرفيها من امتى؟"
نظرت إليه بغرابة من سؤاله.
"عبير زميلتي في السكن... ليه بتسأل؟"
لم يعطها الإجابة التي أرادتها، فهتف بلهجة أمره:
"ياريت تقطعي علاقتك بيها."
قطبت حاجباها وهي لا تفهم سبب تدخله في حياتها الخاصة.
"ما أظنش إن ده من قوانين العمل يا فندم."
أدهشته مجادلتها ونظراتها التي تُهاجمه.
"ياقوت، اسمعي الكلام ممكن... بلاش البنت دي تصاحبيها، وبلاش تخليني آخذ حيائك بالكلام عنها."
تجمدت ملامحها ورمقته بغضب وهي تُدافع عنها.
"عبير بنت محترمة."
هتف اسمها بحدة وتفحص ملامحها المقتضبة.
"ياقوت، متخلنيش أظن إنك تعرفي نوع شغلها... دفاعك عنها ما يدلش غير كده... إيه، أنتِ كمان بتشتغلي بالليل في كباريه؟"
ألجمتها عبارته عن عمل عبير. هي تعلم أنها تعمل ممرضة في إحدى المشافي الخاصة.
"كباريه؟ عبير بتشتغل ممرضة؟"
ضحك وهو ينظر إليها.
"لأ يا ياقوت، عبير بتشتغل في كباريه، بتبسط الرجالة... وأحياناً بتحضر حفلات لرجال الأعمال، وأظن إنك فهمتي دورها من غير توضيح أكتر من كده."
سقطت دموعها وهي لا تُصدق ما تسمعه أذنيها.
"أنا مكنتش أعرف ده... بس ليه تعمل كده؟"
تنهد حمزة وهو يطالعها، ثم تقدم منها يُعطيها أحد المناديل الورقية كي تجفف دموعها، مُجيباً عليها:
"الفلوس بتيجي كده أسرع يا ياقوت."
وأردف بلطف:
"امسحي دموعك."
طالعها وهي تُجفف دموعها كطفلة صغيرة، وما زالت ملامحها تحمل معالم الصدمة. وقعت عيناه على صفا التي تتوارى في أحد الأركان، وقد ساعدها عدم غلق الباب على مطالعتهم. لمعت عيناه وقد أراد إيذاقها جرعات الألم حتى يحطم أملها في عودته إليها. مال نحو ياقوت التي لم تكن منتبهة لشيء، تطوي المنديل الذي أعطاه لها.
تجمدت في وقفتها واتسعت عيناها وهي تشعر بقرب أنفاسه منها ومحاصرته لها بذراعيه.
يتبع بأذن الله
***
رواية للقدر حكاية الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سهام صادق
طال الصمت الا من أصوات انفاسهم.
ثم صفعه دوى صوتها فكسرت الصمت وحطت على خده بيدها المرتجفة.
لم تكن يدها وحدها حالها هكذا، انما جسدها كان يرتجف.
لم تتلامس شفاهم ولكنه كان قريب منها للغاية.
دفعته عنها بقوة.
- انت انسان معندكش ضمير.
وركضت من أمامه باكية خائفة.
ركض خلفها الي ان وقف أمام المصعد، يعلو صوت أنفاسه.
- ياقوت استنى... أنتي فهمتيني غلط.
أغلق باب المصعد عليها قبل أن يُكمل باقي عبارته.
قبض على يده بقوة ثم لطم الجدار الذي أمامه، لاعناً نفسه على فعلته.
لم يكن سيتجاوز معها بشئ.
ليست من طباعه تلك الأشياء، ولكنها صفا اللعينة هي من تجعله يخرج عن إطار عقله حين يراها.
علي ذكر اسمها وجدها أمامه تبكي وتضع يدها على فمها تكتم صوت بكائها.
- ليه وجعتني كده.. قولي انك بتوجعني بس عشان تعاقبني.
تجمدت عيناه وهو يطالعها بأعين تحمل لهيب حقده.
- اطلعي من حياتي ياصفا... انتي لعنة دخلت حياتي... كفايه بقى عايز أتحرر منك ومن الماضي.
صرخ بها وهو لا يشعر بحاله.
الي الان هو غارق في الماضي الذي حمل معه شبابه.
اتجه نحو غرفة مكتبه يزفر أنفاسه بصعوبة، ليهوي بجسده علي الأريكة التي تضمها الغرفة ونكس عيناه أرضاً مُخاطباً حاله.
- معقول بقيت حقير أوي كده.
لم تكن صفا حالها أقل منه.
عباراته طعنتها بنصل حاد.
أغمضت عيناها بقوة فأنسابت دموعها بغزارة.
أدركت أنها فقدته وانتهى الأمر وان حبهم لن يعود، فكل ما تسعى لأجله ماهو الا سراب.
اليوم رأت في عينيه دعوة صريحة بالرحيل.
وفقدان ما كان بينهم يوماً.
وانتهى الحلم وما كان عليها الا ان تجر أذيال خيبتها تُداريها.
ستبتعد عنه حبًا حتى تجعله يجد حياته.
انسحبت من الشركة دون ألتفاته، ولكن قلبها جعلها تودع المكان.
سلطت عيناها لأعلى لعلها تلمح طيفه.
لعلها ترى ما يُخبرها ان هناك أمل.
ولكن لم تجد الا الفراغ وطيف الستار يتحرك بفعل الهواء.
دموعها لم تتوقف وأمل ضاع في حقيقة تجاهلته.
لقد مات الحب منذ سنين طويلة.
ولم تعد لهم حكاية معاً.
***
بكت مها وهي تُخبر ضابط الشرطة بما فعله سالم بها.
أحتدت نظرات سالم وهو يسمعها بغضب.
- أتحرش بمين ياحضرت الظابط ده كلام ياناس... بقى انا هبص للعامية ديه.
تعالت شهقة مها بحرقة وضمت ذراعيها نحو جسدها خائفة.
- انا مش كدابة... هو اللي كداب.
صرخ سالم بمقت وهو يلعنها داخله.
كانت نظرات الضابط ترمقه بتفحص.
- ياحضرت الظابط ديه من ساعة ما الواد اللي كانت بتحبه اعتدى عليها وهي بقي يتخيل ليها حاجات.
نهضت مها من فوق المقعد الجالسة عليه تبحث عن صوته.
وصوت صراخها يعلو عن كذبه.
تنهد الضابط منتظراً شقيقتها الي ان أتت ماجدة اخيراً.
تنظر نحوهم بأعين جامدة.
***
هوت بجسدها فوق الفراش تبكي بحرقة على أهانته لها بفعلته.
لم تظن أنه سيفكر أنها من الفتيات اللاتي يسمحون بتجاوز الرجال معهم وتخطي حدود الحلال والحرام.
تنهدت وهي تتذكر صفعتها له وخشيت ان يطردها من وظيفتها.
لكنه يستحق فعلتها.
ولن تندم على صفعتها مهما كلف الأمر من خسارة.
فالحاجة لا تعني ان تنسى نفسك وأبيّة وكرامتك.
***
جذبت ماجدة يد شقيقتها خلفها بعنف، تعض على شفتيها بقوة.
- علي اخر الزمن بقينا ندخل القسم بفضايح... بتتهمي خطيب اختك يامها بالباطل... عايزة تحرميني من سعادتي ده انتي عارفه ان بكره كتب كتابنا.
أغمضت مها عيناها بآلم.
شقيقتها لم تُصدقها بل صدقت كلام سالم كالعمياء حتى جعلوها تشعر أنها بالفعل أصبحت تتوهم فعلته.
- أنتي ليه مش مصدقاني ياماجده.
دفعتها ماجدة في سيارة الأجرة التي أشارت لها أن تتوقف.
- ضيعتي فرحتي.. اه سالم سبني ومشي... انا عملت ايه في حياتي عشان أفضل كده.
تكوّرت مها على حالها وضمت قبضتيها نحو فمها تعضهما حتى لا تصدر آهاتها.
تنهدت ماجدة بنفاذ صبر وهي تستمع للرسالة الصوتية عبر الهاتف.
فسالم بعد أن أغلق المحضر بقسم الشرطة انصرف غاضباً وقد أجاد الدور أمامها بجداره.
إنه لم يكن الا مع شقيقتها اليوم الا بعد ان طلبت منه أخذها للذهاب لذلك الضابط وان معروفه انتهى بأهانته وادعاء الباطل عليه.
***
أغمضت عيناها بأرهاق ومن حيناً لآخر تنظر نحو باب مكتبها لعلي شهاب يأتي وتعلم مصيرها من حادثة امس.
زفرت أنفاسها وعادت تنظر إلى الأوراق المطلوب منها تحضيرها.
اندَمجت بالعمل قليلاً فوجدت شهاب يدلف لغرفة المكتب يتحدث بالهاتف مُشيراً لها أن تتبعه.
تبعته تحمل مفكرتها المدونة بها مواعيد اليوم وما أمرها به امس ليُطالعه اليوم.
توترت وهي تنظر نحو حركة شهاب الي ان رحمها وأنهى مُكالمته ثم طالعها بهدوء.
- مالك يا ياقوت وقفه مش على بعض كده.
ارتبكت واطرقَت عيناها نحو مفكرتها.
- ابدا يافندم.
قهقه شهاب وهو يرمقها بلطف.
- هاتي الورق اللي عايز يتمضي... وقوليلي مواعيد النهارده.
واقترب من مكتبه وجلس على مقعده.
فوضعت الأوراق أمامه وهي تحمد الله أن وظيفتها لم تخسرها.
وقفت تخبره بمواعيد اليوم.
فرفع رأسه نحوها يُخبرها.
- صحيح حمزه الأيام ديه هيكون بره البلد... ف وجودي هنا هيبقى قليل.
تنفسَت براحة عندما علمت بعدم وجوده الأيام المُقبله.
أماءت له برأسها براحة وتناولت الأوراق التي أنهى امضاءه.
لتغادر الغرفة بذهن صافي فقد انتهت مخاوفها ولم يؤذيها بسبب ما فعله هو وليست هي.
***
برد الطعام الذي أعدته له.
وانطفئت الشموع التي كانت تضعها علي طاولة الطعام.
غفت بعد أن انتظرت قدومه.
دلف للشقة بعد يوم طويل قضاه بالخارج حتى لا يراها.
تقدم بخطوات هادئة نحو غرفته لتقع عيناه عليها وهي نائمة فوق الأريكة.
رمقها وهي نائمة فأقترب منها يزفر أنفاسه حانقاً.
- هناء اصحى.
حركها بخفة فأنتفضت فزعاً واعتدلت في رقدتها.
- انت جيت يامراد... اتأخرت كده ليه انا سخنت العشا مرتين.
التفت نحو مائدة الطعام ثم عاد يُطالعها بجمود.
- متبقيش تستنيني تاني ياهناء.
تحرك من أمامها فنهضت من فوق الأريكة ووقفت أمامه تنظر إليه.
- احنا مش هنتكلم كل يوم تقولي بكره وبكره ده مبيجيش يامراد... انت متجوزني ليه.
تفحص هيئتها بنظرات طويلة.
كانت جميلة وناعمة بثوبها القصير الذي يُظهر جمال جسدها ولكنه كان لا يرى أي جمالاً بها.
- انا جاي تعبان من بره... الدنيا مش هتطير يعني.
ومدّ يده نحو حمالة ثوبها العاري فأغمضت عيناها وهي تشعر بأنامله تسير علي كتفها ببطء.
ارتعش جسدها تحت لمساته وثقلت أنفاسها وارتمست على ملامحها الاستجابة.
كان يرمقها ساخراً وهي مغمضة العين.
- ياريت متلبسيش الهدوم ديه تاني.. لاني ماليش مزاج الفتره ديه.
صفتها الكلمة بقسوة ولم تعد تفهم شيئاً.
أهو مريض كما تظن ام انه لا يرغبها ولكنها عرضت عليه أن تحرره من ذلك الارتباط الا انه لم يرفض ارتباطهم.
ارتجفت شفتيها وكلما حاولت أن تسأله كانت الكلمات تقف في حلقها.
فالسؤال صعب عليها والاجابة كانت أصعب.
وانتفضت وهي تسمع غلق باب الغرفة بوجهها ودموعها اخذت تنساب كما اعتادت منذ ايام زواجهم.
ولكن بماذا ستتحدث هي اختارت حياتها معه وحققت حلمها وليت الحلم ظل حلماً.
***
وقف ينظر إلى الأنوار المضاءة بلندن يتذكر مشهد صفعها له وركضها من أمامه باكيه.
جالت عيناه نحو النجوم اللامعة في السماء وطيفها وهي تُغادر من أمامه لا يضيع من أمام عينيه.
استغلاله لضعفها وساذجتها بدء يصيبه بالنفور من نفسه.
قبض على المشروب الذي يرتشف منه بقوة مُقرراً حين عودته من سفرته سيعتذر منها.
***
وقفت ماجدة أمام المقهى الذي يجلس فيه سالم كعادته.
بعثت له أحد الأطفال.
فـرمقها سالم بأقتضاب وهو ينفث دخان الأرجيلة من فتحتي خياشيمه ثم نهض حانقاً عندما أشارت اليه.
فتقدم نحوها بضيق.
- عايزه ايه يابنت الناس... المشوار بينا انتهى.
وأردف بخبث بعدما استدار بجسده.
- انا تشكي فيا واختك تتهمني بعد كل اللي بعمله معاها.
أقتربت منه ماجدة تتوسله.
- اعتبرها غلطه من عيلة ياسالم... وهخلي مها تعتذرلك.
طالعها سالم بضيق ثم ابتعد عنها.
- الكلام خلص بينا... تدخلوني القسم في تهمة تحرش وانا اللي كنت بساعد اختك.
كاد أن يتحرك من أمامها الا انه عاد إليها.
- اعتبري الخطوبة اتفسخت.
وسار من أمامها يُدندن بلحن بذئ وارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة.
فلا بأس أن يظهر أمامها برجلاً ذو كرامة ونفس جريحة قليلاً وهو يعلم أنها لن تتحمل بعده.
هجرت ماجدة قدميها وابتعدت عن المقهى واعين الناس تُحاوطها الي ان وصلت لمنزلها بصعوبة.
فتحت الباب فسقطت عيناها على مها الجالسة على أحد المقاعد تنتظرها.
- أنتي جيتي ياماجده.
ونهضت من فوق مقعدها تتحسس طريقها نحو شقيقتها.
- ماجده.
أقتربت منها ماجدة صارخة جعلتها تضم جسدها بذراعيها خوفاً.
- مش عايزه اسمع صوتك سمعتيه.
وتركتها واتجهت نحو غرفتها صافعة الباب خلفها.
أتبعتها مها ببكاء.
فهي لا تتحمل غضبها منها فليس لها احد سواها.
أطرقت الباب عليها بصوت قد بحت نبرته.
- انا اسفه ياماجده بس والله انا ما كدابة.
وفجأة وجدت يد شقيقتها على وجنتها تلطمها بقوة.
- هيبصلك على ايه قوليلي... في حد بيبص على واحده عاميه.
أنسابت دموعها وهي تسمع طعنات شقيقتها لها بلسانها.
لقد تغيرت شقيقتها كثيراً منذ ارتباطها بسالم.
- ابعدي من وشي... روحي اوضتك يلا.
صفعة ماجدة الباب خلفها ثانية وعادت تجلس على فراشها تندب حظها على ضياع سالم منها.
وفي الخارج سقطت مها على ركبتيها أمام حجرة شقيقتها تهتف بآلم ومازالت يدها على خدها.
- انا مكذبتش... ليه محدش مصدقني.
***
وقف عزيز من البناية التي تقطن بها صفا ووقف يُطالع الطريق من داخل البناية حتى يتأكد أن لا أحد يتبعها.
اشتاق لرؤيتها ولكن الضرورة تُحتم عليه الحذر قليلاً حتى لا يُكشف أمره.
علم بأمر عملها في شركة حمزة الزهدي وطرده لها من حياته.
أخبرته كل شئ بضعف وكان هو الشخص الحنون الذي يستمع.
حلمه أصبح يقترب منه دون تخطيط ولم يظل الا خطوة يضبط فيها أموره ثم يعرض عليها الزواج بالسرا.
استقل سيارته وهو يُحرك يده على صلعته ليضغط على زر الراديو فيصدح صوت غنوة قديمة لام كلثوم تُعيد له ذكريات الشباب.
لم ينتبه على سيارة زوجته التي كانت تتواري في شارع جانبي ومعها سائقها.
- اتحرك يامسعد لقدام العماره.
تحرك السائق بالسيارة وصفها أسفل البناية.
لتترجل من السيارة وهي تتوعد لخاطفة الرجال.
***
وقفت سماح أمام غرفة لاعب الكرة بعدما ضاق صدرها من ملاحقته منذ امس.
لم تجد الا ارتداء زي موظفي خدمة الغرف.
فتح لها سهيل الباب ونظر نحوها نظرة خاطفة وقد ظنها العاملة.
كانت تخفض عيناها لاسفل حتى لا يُكشف أمرها.
أتبعته بعربتها التي تحتوي على أدوات التنظيف.
كان يتحدث بالهاتف ويبدو من نبرة صوته الغضب.
سلطت عيناها نحوه وعندما وجدته يلتف نحوها أسرعت لتغير شرشف الفراش.
أنهى مُكالمته واستدار نحوها يسألها بأقتضاب.
- ألم يبدلوا شرشف الفراش صباحاً.
تمتمت سماح بصوت هامس.
" أظهرله نفسي ازاي ده من غير فضيحة"
أقترب منها يُحاول سماع همهمتها.
- ماذا تقولي ارفعي صوتك قليلاً.
تنفست سماح بقوة ثم ألتفت نحوه بهاتفها الذي أخرجته من جيبها وقد وضعته على التسجيل وازالت ما ترتديه فوق رأسها ثم ألتفت نحوه.
- اهلا ياكابتن اعرف بنفسي سماح مهدي الصحفية.
لم يكن صعب عليه فهمها فهو من اصل عربي ويفهم اللغة العربية.
- سبها بلفظ ليس ببشع.
ثبتت الهاتف قرب شفتيه متمتمة.
- وادي لاعب الكرة المحترم بيتشتّم ويهين اهل البلد اللي هو ضيف فيه.
تتسع حدقتي سهيل من فعلتها ومدّ يده ليلتقط منها الهاتف.
فدارت حرباً بينهم نحو الهاتف الذي ينتقل بين كفوف سماح بمهارة.
لتسقط سماح فوق الفراش وهو فوقها بعد أن تعرقلت قدميه.
ليدلف احد موظفين الفندق للغرفة المفتوحة قلقاً بعد أن سمع صراخاً اتي من الغرفة.
ليشهق الموظف وهو لا يُصدق المشهد.
***
سحبت فادية صفا من الشقة صائحة وقد خرج جميع سكان البناية.
- اطلعي بره ياخطافة الرجالة... يازبالة.
لم تكن فادية امرأة متحضرة او استقراطية في تلك الأمور.
كل ما تراه ان زوجها ستأخده أخرى تتلاعب به.
كلمت صفا بوجهها وانهالت عليها ضرباً والأخرى لا تفهم شيئاً.
فأي رجلاً ستأخذه.
- ابعدي عني ياست انتي... حد يجيب لها البوليس.
ضحكت فادية بتهكم فهى لا يفرق معها شئ.
فهي تعلم انها ستخرج من الحكاية بسهولة فلا احد يقف أمام شقيقها برتبته العسكرية القديمة فمعارفه كثر.
- انا تجيبلي البوليس.. حد يجيب البوليس ياجماعة عشان تعرف مقامها الزبالة ديه.
ضاق سكان البناية من ذلك المشهد المُقزز ولحظهم كان يقطن بها لواء متقاعد.
أتت الشرطة فور ان ستدعاهم ليخلصهم من ذلك الضجيج.
وانتهت العركة النسائية التي انتصرت فيها فادية.
أما صفا مسكت ذراعها بآلم تبكي على حالها فلم تعد تتحمل كل ما يحدث لها فمازالت في صدمة طرد حمزة لها من حياته.
دفعها العسكري بقوة هاتفاً.
- اتحركي قدامي.
اما فادية سارت بخيلاء تُخبرهم بأسم شقيقها.
انتقلت عين الضابط بينهم بضيق من مظهرهم.
- مين اللي عمل في تاني كده.
تمتمت صفا ببكاء.
- هي اللي اتعدت عليا في شقتي.
فنظر الضابط نحو فادية التي صرخت بها.
- شقة مين ياحببتي... ديه شقة جوزي ياخطافة الرجالة.
اتسعت عين صفا ذهولاً بعد أن بدأت تعي هوية المرأة.
- أنتي مرات عزيز.
وكادت ان تفسر لها سبب إقامتها بالشقة وانا ما تفهمه خاطئ.
فهي من الأساس كانت سترحل ولكن صوت الضابط آخرسهم.
- اسكتوا انتوا الاتنين.
لوت فادية شفتيها وحدقت به بجرأة.
- اللي بتعمله معايا ده هتزعل منه ياحضرة الظابط.
وأخبرته بفخر.
- انا اهلي معظمهم داخلية وقوات مسلحة... تعرف فرات النويري.
تعلقَت عين الضابط بها وهو يعلم بأسم النويري.
ففرات مشهور اسمه في عالم الأعمال بعد أن انتهي عمله بالجيش.
- هاتي بطاقتك يامدام يلي فخورة بنسب عيلتك ومحترمتيش وضعهم.
وضعت فادية ساق فوق الآخر.
فـرمقها الضابط بضيق ولكن لم يتحدث فهو لا يتحمل كبر النساء وروعتهم في مثل تلك الأشياء.
وطالع صفا التي وقفت ترتجف.
- فين بطاقتك انتي كمان.
تمتمت صفا بخوف.
- مش معايا.
واطرقَت عيناها نحو ملابس المنزل التي ترتديها.
الوقت وقد بعث فرات المُحامي الخاص به اما عزيز بعد عن الصورة.
تنهد الضابط بضيق وهو ينظر لحال صفا التي تمسك ذراعها بآلم ووجهها ملئ بالكدمات.
- انت مش شايف منظرها يامتر... هي المتضررة ولازم تتنازل عن المحضر.
رمق المحامي هيئة صفا.
ثم اعتذر منه كي يخرج قليلاً.
لـمُهاتفة فرات.
أجاب فرات فور اتصال محاميه الذي يعد من أكبر محامين البلد.
- ادفعلها فلوس وأنهى الموضوع من غير شوشرة يامتر.
عاد المحامي لينفذ أوامر فرات ونظر للضابط المسئول.
- احنا ممكن نحل الموضوع ودي... ممكن اتكلم معها دقيقه.
أماء الضابط له برأسه.
ترك لهم المكان ليتفاهموا.
كانت فادية تجلس بالخارج تتوعد لعزيز.
- مدام صفا انتي مش هتحبي البهدلة انتي جربتي السجن قبل كده.
حياتها القديمة لم تكن مخفية عن محامي فرات.
- اتنزلي عن المحضر وشوفي المقابل المادي اللي انتي عايزة... السيد فرات مستعد يدفعلك فلوس.
سقطت دموعها آلماً وقد أصبحت تشعر بقسوة الحياة.
جرحها هيئتها وجرورها لقسم الشرطة الذي أقسمت ألا تمر من أمام أي مكان يُذكرها بسنوات عمرها التي قضتها في سجنه.
رفعت عيناها نحو المحامي الذي ينتظر اجابتها فتمتمت بأنفاس مُثقلة.
- انا مش عايزه فلوس... ممكن تساعدني اني اشتغل.
طلبت بكبرياء مجروح كي تعول نفسها وتبدء صفحة جديدة مع الحياة ولا تحتاج لاحد.
***
هبطت من سيارة الأجرة في أحد الشوارع الجانبية بعد أن أخبرها السائق أنه لن يستطيع السير في الشارع القادم بسبب التصليحات.
نظرت حولها وسارت بخطي سريعة.
فشهاب أمرها بالقدوم لفرع الشركة الرئيسي بملف الصفقة واوصاها بالمجيء فوراً فقد نسي أخذه من درج مكتبهم.
التفت نحو حقيبتها حتى تُخرج هاتفها من حقيبة يدها.
ألتقطت الهاتف وقبل ان تغلق حقيبتها على الملف جذب أحدهم الحقيبة.
فشهقت بفزع وصرخت.
- شنطتي.
كان السارق يجلس خلف أحدهم واخر يقود الدراجة النارية.
عبث بمحتويات الحقيبة بخفة.
فألتقط الملف ثم قذفه يُلقيه في الهواء.
ليطير الورق.
فاتسعت عيناها وهي تركض خلف الدراجة ودموعها تنساب على وجنتيها.
وقفت تنظر للورق وهو يسقط في الوحل.
رواية للقدر حكاية الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سهام صادق
وقفت تنظر إلى الأعين التي تُحاوطها بجمود. وقد شحب وجهها وأصبحت عيناها دامعة من أثر البكاء الذي لم ينقطع.
أخبرتهم بالسرقة التي حدثت لها بالقرب من الشركة والأوراق التي غطاها الوحل. كانت تتحدث بأنفاس متقطعة تعتذر مع كل عبارة تنطقها.
أشفق عليها شهاب ولكنه يعلم أن الأمر لن يمر من جهة شقيقه الذي لا يُحب الأخطاء في عمله. لم يتم عمل نسخة أخرى لأوراق الصفقة كالمعتاد.
تعلقت عين شهاب بها وهو لا يعلم أيطمئنها أم يُخبرها أن تفسيرها لهم ليس له داعي.
"أرجوك يابشمهندس صدقني... هو ده اللي حصل."
نظر شهاب نحو ملابسها العالقة بها بعض الأتربة، يعلم أنها لا تكذب عليه.
"أنا مصدقك يا ياقوت أكيد."
ودار بوجهه نحو مدير مكتب حمزة مستفهماً.
"هنع
مل إيه ياعصام؟"
طالع عصام بأسف.
"ميعاد تسليم أوراق الصفقة بعد ساعة... وكده ضاعت علينا. حمزة بيه اتصل من ساعة يأكد عليا إن الورق يتسلم في وقته."
واردف مُعلقاً نحو ياقوت بنظراته.
"لازم نبلغه ياشهاب بيه... يمكن عنده حل. لو خبينا عليه انت عارف العواقب."
شهقت ياقوت بخوف وهي تمسح دموعها عن وجنتيها.
"كان غصب عني."
ابتسم لها شهاب بلطف رغم الخسارة وغضب شقيقه.
"خلاص ياياقوت... هنعمل إيه اللي حصل حصل. حظك المرادي مكنش فيه نسخة من الورق."
أطرقت عيناها أرضاً تتحسر على حالها، وظيفتها التي ستخسرها بالتأكيد.
"لله الأمر من قبل ومن بعد."
سمع همهمتها باشفاق، ثم نظر إلى عصام.
"أنا شايف إننا نكلمه دلوقتي... هو أكيد هيتصل يسأل عن المنقص."
أومأ له عصام رأسه إيجاباً. فانكمشت ياقوت لجانب الحائط ترتجف عما حدث لها. ضمت حقيبتها التي ألقاها اللص بعد أن سرق المال وجاء بها لها أحد المارة، تمنت لو كان ترك الورق في حقيبتها.
وضع شهاب الهاتف فوق أذنه ينتظر رد حمزة عليه. انتهى الرنين ليعود شهاب في الرنين مرة أخرى.
أجاب حمزة أخيراً ليهتف شهاب سريعاً مُخلصاً نفسه من الأمر حتى يتصرف شقيقه بحنكته.
"حمزة ورق الصفقة للأسف ضاع."
سعت حدقتا حمزة، فأكثر ما يكرهه بحياته الإهمال في عمله، وقبض على هاتفه.
"انت متصل بيا أشوفلك حل يا بشمهندس... تتصرف عارف يعني إيه تتصرف. الصفقة دي لو مأخدنهاش هتتعاقب مع الموظف اللي ضيع الورق."
هتف حمزة يضيق، فقد كان يشعر بالضيق منذ الصبح ولا يعرف سببه.
"تتصل بيا تقولي الصفقة رسيت علينا."
لم يتفوه شهاب بكلمة، كان كالمستمع يتلقى غضب شقيقه وهو يطالع كل من ياقوت التي وقفت تقضم شفتيها حتى لا تصدر صوت شهقاتها، وعصام الذي ينتظر أن يعرف ما أمر به رب عمله.
وكاد أن يغلق حمزة الخط معه إلا أنه تذكر أن ما حدث بسبب إهمال أحد موظفيه.
"الموظف ده يترفد فوراً ويتحول للتحقيق."
انتهت المكالمة فطالعته ياقوت بأمل، ولكن نظرات شهاب نحوها أشعلت الأمل داخلها.
"اترفدت مش كده؟"
طرق شهاب عيناه نحو سطح مكتبه ثم رفع عيناه نحوها مجيباً.
"للأسف يا ياقوت... المفروض تتحولي للتحقيق بس هنهي الموضوع بمعرفتي."
واقترب منها مبتسماً، يشعر بها فهي لا تجيد إخفاء كسرتها.
"رغم إن شغلك كان معايا مش كتير إلا أنك كنتي موظفة يعتمد عليها."
نظر لها، فأشاحت عيناها بعيداً عنه بألم. طردها دون رحمة دون أن يعلم كيف حدث ذلك، طردها لأنه صاحب العمل.
كتمت قهرها وعادت تنظر نحو شهاب الذي يرمقها مشفقاً.
"شكراً يابشمهندس.. كتر خيرك."
جرت قدميها دون أن تنتظر سماع كلمة أخرى، خرجت من الشركة مقهورة. فغلطة واحدة لم تقصد حدوثها، إنما كان قدرها عُوقبت بالطرد.
تأملت الشركة من الخارج بحسرة.
"كان نفسي أنجح وأبقى حاجة... أنا ليه بخسر كل حاجة بسرعة كده..."
تمتمت عبارتها بدموع تنساب على وجنتيها. فأدركت فداحة ما نطقت، هل يوجد اعتراض على أقدار الله؟ همست برضى.
"الحمد لله.. الحمد لله."
جرت أقدامها بصعوبة وهي تشعر بثقل الحياة على عاتقها.
سارت شارده إلى أن وصلت مكان سكنها على قدميها سيراً بعد ساعات طويلة. تذكرت سماح الدائمة في نجدتها ولكنها ليست هنا.
لفت غرفتها بالسكن ونظرت للغرفة بعدما أنارت أضاءتها لتسقط على الأرض تنتحب بقهر وألم ومشاعر كثيرة جمدت كل ما بداخله.
بدأ اسم الله يعلو فقد كان وقت أذان المغرب.
نهضت تستجيب لدعوة الله إليها أن تقف على باب رحمته وحدها.
غرقت دموعها سجادتها وهي تبكي.
***
أزالت ندي نظارتها الخاصة بالقراءة بعد أن تركت هاتفها جانباً.
تعلقت عيناها بشهاب الذي دلف من الشرفة بعدما أنهى تدخين سيجارته.
قترب منها ثم تسطح على الفراش يزفر أنفاسه. تعجبت من أمره فسألته.
"مالك ياشهاب في حاجة حصلت في الشغل؟"
مال نحوها فأبتسمت إليه تمسح على وجهه بحنان.
"احكيلي."
ابتسم وهو ينظر إليها يلوم نفسه أنه للحظة كان يظن أنها مجرد زواج سيجمع شمل العائلة، ولكن كل يوم يدرك أنه كان أحمق.
"تعرفي بحب اهتمامك بيا ياندي."
ضحكت برقة ولثمت وجنته بنعومة.
"قولي إيه اللي شاغلك؟"
تنهد وهو يتذكر حال ياقوت اليوم بعد أن تم طردها من الشركة.
وأخذ يحكي لها ما حدث إلى أن تبدلت ملامحها تشعر بالحزن.
"طب حاول تقنع حمزة لما يرجع... ضياع الورق مش بإيدها."
أومأ برأسه وهو يطالع نعومتها. كل يوم يشعر أنها يُفتن بها.
مد كفه نحو كتفها العاري يحرك أنامله بخفة.
"بس تعرفي البيجامة حلوة أوي."
وانسي أمر العمل وياقوت وعاد لوقاحته. فصفعت كفه بخفة ترمقه بمقت.
"انت في إيه ولا إيه... أنا مش عارفة إزاي بتتحول في لحظة."
قهقه عالياً ومال نحوها يقبلها ويدغدغها.
"أنا راجل سريع التحول ياستي... بقولك إيه مش خلصتي اللي وراكي خلاص؟"
فضحكت على أفعاله وأبعدته عنها برفق.
"ابعد يا شهاب... ماليش مزاج لهزارك ده."
قالتها بنعومة واعين ترغب، ولكنها قررت مراوغته حتى لا تشعره بتلهفها.
"ماله هزاري ياهانم؟"
ابتعد عنها حانقاً، فأتكأت على مرفقها تنظر إليه بمكر.
"بقيت تتقمص بسرعة ياشهاب... بس تصدق شكلك طعم."
التوت شفتيه وارتفع حاجبه لأعلى يرمقها بعلو.
"طعم... تصدقي إنك..."
وقبل أن ينطق بشيء، اقتربت تمسح على خديه بكفيها.
"وجميل كمان."
لم يتمالك نفسه فأغرقها بين ذراعيه مائلاً بها.
"بقيتي مكارة ياندي."
وقد صدق بما يقوله، فقد أجادت اللعبة غارقة معه في عالمه.
***
نظرت صفا للطريق الذي تسير فيه نحو المزرعة التي يمتلكها فرات النويري، الرجل الذي أقامت في منزله ليلتين ولم ترى وجهه.
طابت جروح وجهها قليلاً ولكن مازالت تضع رباط حول عنقها بسبب الشرخ التي أصاب ذراعها.
وقفت السيارة أمام بوابة ضخمة.
أغمضت عيناها وارتجف جسدها وهي تشعر أن القادم ليس بالهين.
وقفت السيارة أمام مبنى فعلمت أنه سكن العاملين هنا. كان ينتظرهم رجلاً حاد الملامح.
عندما رأى صفا تذكر أوامر فرات الصارمة في معاملتها دون رحمة.
"هي دي يا مصطفى؟"
نظر مصطفى السائق الخاص بفرات لصفا التي أطرقت عيناها أرضاً نحو حقيبة ملابسها الصغيرة.
"أيوه يا عنتر.... كده أنا مهمتي انتهت."
فحصها عنتر بنظرات ثاقبة وهتف بغلاظة.
"تعالي هنا قرب."
اقتربت منه صفا بخوف وتعلقت عينها بالسيارة وهي تغادر وتمنت لو أن لم تأتي لهنا.
"انت يا أختي بصيلي."
رفعت صفا عيناها نحوه ثم أخفضتهما سريعاً تخشى مطالعته.
تأفف عنتر حانقاً.
"المزرعة هنا ليها ضوابط وقوانين... شغلك من 6 الصبح لـ 4 العصر هتجمعي المحاصيل مع الفلاحين."
طالعته وهي لا تفهم شيئاً.
"هو أنا هشتغل في الأرض؟"
قهقه عنتر بغلاظة ثم رمقها باستخفاف.
"أومال عايزة تشتغلي فين يا بت؟ ده انتي سوابق."
دمعت عيناها من الكلمة. أرادت أن تقسم له أنها سُجنت زوراً، ولكن من سيصدقها.
"اتحركي ورايا."
سارت خلفه تحمل حقيبتها على يدها الأخرى وعيناها تفيض.
وأدركت حقيقة ما وقعت به.
***
تعلقت عين سميرة مالكة السكن نحوها تسألها بأمل.
"لقيتي شغل يا ياقوت؟"
تحرك رأسها بقله حيلة وقد ذبلت ملامحها.
"لأ... يقولولي سيبي ورقك هنرد عليكي... أو معندناش شغل."
اقتربت منها سميرة تربت على كتفها.
"أكلمك نادية... ده أخوها وممكن تكلمه يلين ويرجعك الشغل."
تفت ياقوت باعتراض.
"لأ يا أبلة سميرة... هي عملت اللي عليها وساعدتني قبل كده."
حزنت سميرة على وضعها.
"طب وهتعملي إيه؟"
طالعتها وهي تشعر بحرقة في عينيها.
"هرجع لأهلي."
وأطرقت عيناها خجلاً تُرتب بعض الكلمات.
"مش هقدر أدفع إيجار الأوضة... أنا بعت تليفوني عشان أعرف أروح وأسدد قسطها."
شفقت عليها سميرة وضمتها بقوة.
"ولا يهمك يا ياقوت أنا مش عايزة حاجة يا حبيبتي... روحي لأهلك ريحي نفسك وسطيهم وأنا هشوف معارفي هنا وأشوفلك شغلانة."
***
انتشر أمر علاقة لاعب الكرة وسماح وقد انتقل الخبر بين الألسنة في الفندق بأكمله. أخبرتهم بأنها صحفية وأن ما فعلته من مهام عملها.
رمقها الموظف باستخفاف وانتهى الأمر بالفضيحة.
لم يخرج من غرفته بعد تلك الليلة وترك لها الفضيحة وحدها وكأن ما حدث لا يهمه.
تجهت نحو غرفته تطرق الباب بقوة. ففتح الباب وعندما وقعت عيناه عليها صفع الباب بوجهه.
عادت تدق على الباب مجدداً ففتح لها بغضب.
"ما الأمر؟ لا أريد رؤيتك."
تعلقت عين سماح به تنظر إليه بضيق.
"أنا اتفضحت بسببك."
رمقها سهيل بخبث.
"ماذا؟ أنا لا أفهمك."
كانت تعلم أنه يفهم لغتها ولكنه يستخف بها.
"انت فاهمني كويس يا كابتن."
ضغط سهيل على شفتيه ممتعضاً.
"انصرفي من أمامي حتى لا أهاتف أمن الفندق لكي."
ودفعه بقوة من أمامه لخارج الغرفة فسقطت على الأرض. ليصفع الباب خلفه.
"حقير."
ودارت بعيناها حرجاً ثم نهضت سريعاً قبل أن يرى وضعيتها المخذلة أحداً.
"أعمل إيه أنا... هو عشان راجل مش فارق معاه سمعته."
ثم نظرت لباب غرفته المغلقة باستياء.
"كانت مهمة سودة على دماغي... منك لله يا أستاذ فهيم."
***
نظرت هناء لشقتها الفخمة التي حسدت نفسها عليها عندما حطت قدميها فيها أول يوم. ولكن اليوم شعرت بالاختناق وكأن شيئاً يجثم فوق روحها. حتى الثياب التي اختارتها بعناية كرهت ملمسها على جسدها.
تجاهله قتل روحها، لا إجابة حاسمة تعرفها ولا شيء تفهمه من صمته ونظراته اللاذعة.
سمعت باب الشقة يُفتح فتعجبت من قدومه باكراً. وجدته يدلف وخلفه عمها الذي فور أن رآها فتح لها ذراعيه.
"حبيبة عمك... تعالي يا حبيبتي."
تجهت هناء نحوه بلهفة باكية. تجمدت عين مراد عليها واحتدت نظراته وقد ظن أنها ستشكو لوالده. وجاء سؤال والده كما توقع.
"بتعيطي ليه يا حبيبتي... الواد ده زعلك في حاجة؟"
تعلقت عين هناء بمراد الذي وقف يرمقها بجمود.
"لأ يا عمي مراد بيعاملني كويس أوي... انتوا بس وحشتوني ومش متعودة أبقى بعيدة عن أهلي."
عاد فؤاد يضمها إليه رابتاً على ظهرها، سعيداً بما يسمعه من ابن شقيقه رغم أنه يعلم بكذبها، ولكنه فخور باختياره لولده.
"معلش يا حبيبتي... هخلي مراد ياخدك ليهم على طول وتنزلوا لينا القاهرة ديما."
سلط مراد عيناه نحوهم ثم أزاح وجهه عنهم.
"هنفضل واقفين هنا."
وأردف ببرود.
"عملتي الغدا؟"
نظرت بألم ثم اتجهت بأنظارها نحو عمها.
"ثواني والأكل هيكون جاهز."
انصرفت نحو المطبخ ليُحدق به فؤاد بقوة.
"مش هدخل بينكم يا مراد... بس بكرة تندم."
واتجه والده للداخل ليرمي ثقله على الأريكة مخاطباً نفسه.
"خايف أكون ظلمتك مع ابني يا هناء."
***
دار سهيل في غرفته يُفكر في خطته. لم يشأ أن ينفذ ذلك معها وهنا في بلد أتى للاستجمام فيها فقط، ولكنها أتت إليه على طبق من ذهب. انتظر قدومها لتنفيذ ما رسمه عقله.
فأطرقت سماح باب غرفته ففتح الباب وطالعها بصفاقة.
"تفضلي."
لوت سماح شفتيها ممتعضة من طريقة تعامله وهمهمت ببعض الكلمات تسبه فيها.
وتقدمت أمامه حتى ينهوا تلك المهزلة وتُنفذ مهمتها وترحل ولن تُفكر بحياتها أن تشجع كرة القدم.
ابتسم سهيل وهو يترك باب الغرفة مفتوحاً بقصد. ورمقها وهي تقف وسط الغرفة.
"ياريت نتفاهم يا كابتن."
ورفعت شفتيها متهكمة.
"أتمنى تكون فهمني."
يضحك سهيل وقد ظهرت أسنانه المصفوفة. اتسعت عيناها من جمال أسنانه وهتفت داخلها تلعن نفسها.
"عجبتك سنانه.. طول عمرك متخلفة يا سماح."
"أفهمك سماح... أنا عربي.. ولدي صديق مصري."
أومأت له برأسها وقطبت حاجبيها.
"ما انت لطيف أه... أومال ليه كنت مركب وش الخشب في الأول؟"
اتسعت حدقتا سهيل وهو لا يعي عبارتها.
"ماذا؟"
ضحكت وكادت أن تتكلم إلا أنه فجأة يخلع التيشيرت الخاص به ثم احتضنها.
أسرها بذراعيه فصدمتها الموقف. لتتسع عيناها ذهولاً ثم دفعته بقوة وركضت من الغرفة.
فضحك سهيل. لينظر إلى هاتفه الذي أضاء برسالة نصية.
"لقد تم التقاط الصورة سيد سهيل.. وستُنشر غداً بالجرائد."
***
لطمت سناء صدرها وهي تنظر لياقوت.
"بتقولي إيه يا أختي اتطردتي من الشغل... وفلوس الجمعية... الله يسد نفسك يا بنت صباح."
نظرت لها ياقوت بجمود وهي تجلس على فراش شقيقتها وقد احتضنتها ياسمين وأخذت تمسح على ظهرها.
"ما خلاص ياما في إيه."
صرخت بها سناء حانقة.
"اخرسي خالص انتي."
صمتت ياسمين ممتعضة. لتنظر سناء نحو ياقوت حانقة.
"انتي باردة يا بت... إيه البرود ده."
واتجهت نحوها تجذب مرفقها.
"حيث كده قومي بقى نضفي البيت... وأنا اللي عاملة أخدم عليكي من ساعة ما جيتي وأقول ضيفة... يا خسارة الأكل اللي طبخته وطفحتي."
لم تتحمل ياقوت إهانتها فصرخت بوجهها.
"حرام عليكي كفاية... أنا هدور على شغل تاني متخافيش يا مرات أبويا هريحك مني قريب."
رمقتها سناء باستعلاء.
"أما نشوف يا بنت صباح."
وخرجت من الغرفة تضرب كفوفها وتدعي عليها. فسقطت دموع ياقوت ووضعت يدها على أذنيها.
لتقترب منها ياسمين تحتضنها باكية.
"متزعليش يا ياقوت... والله بكرة هتتعدل... معلش هي ماما كده وانتي اتعودتي عليها."
ابتعدت ياقوت عنها وتعلقت عيناها بها وابتسمت بحنان وهي تمسح على وجنتيها.
"أنا مش عارفة انتي بنتها إزاي... ربنا يخليكي ليا يا ياسمين."
***
اقتربت مها من غرفة شقيقتها تحمل بلوزتها التي قُطع أحد أزرارها وأرادت أن تحيكها لها.
وقفت تستمع للحديث الدائر بين شقيقتها وجارتهم فكريه.
"وبعدين ياماجدة هتعملي إيه... آه سالم وافق يرجعلك. بس اختك هتعملي فيها إيه؟"
تنهدت ماجدة وهي تركز على طرفي الخيط الذي تعقده فكريه حتى تزيل لها شعر وجهها.
"أوديها فين طيب... خالتي ومقطعانة من زمان وأهل أبويا اللي مات ولا مش فارقين معاه. أنا تعبت يافكريه."
فمالت نحوها فكريه قليلاً حتى تتمكن مما تفعله.
"ماهي اختك متنفعش تقعد معاكي... متسبش الكبريت جنب البنزين."
زفرت ماجدة أنفاسها لتأتي إليها فكريه بالحل.
"وديها دار رعاية."
***
وقف أمامه شهاب يرمقه بنظرات متعجبة ثم اقترب من مكتبه ومال نحوه مطالعاً ما يطالعه بتدقيق.
"مالك ياشهاب... انت اتجننت ولا إيه؟"
اعتدل شهاب في وقفته ومسح بكفه على وجهه متسائلاً بحيرة.
"انت مبتتعبش.. ده انت جاي من المطار على الشركة."
وأردف قاطباً حاجبيه.
"ارحم نفسك."
رفع حمزة شفتيه مستنكراً ثم تسأل.
"صحيح عملتوا إيه مع الموظف اللي أمرت برفده؟"
تنهد شهاب بضيق وأرخى كتفيه بقله حيلة.
"بلاش تفكرني بسببك خسرت سكرتيرتي... فينك يا ياقوت؟"
تجمدت عين حمزة على ذكر اسمها فنهض من فوق مقعده.
"إيه اللي دخل ياقوت في الموضوع ده؟"
وعندما رأى نظرات شقيقه اتضحت الصورة له. الموظف الذي أمر بطرده دون معرفة اسمه لم يكن إلا هي.
رواية للقدر حكاية الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سهام صادق
تععلقت عين شهاب بشقيقه الذي لم يراه مندفعاً بتلك الدرجة على أحد، بعيداً عن ما يخصه. لا شيء يجعله قلقاً أو يشعر بالذعر إلا من يهمه، ولكن ياقوت كان الأمر عجيباً عليه.
نظر بتعمق لملامح شقيقه.
- حمزة، أوعى تقولي إن في حاجة بينك وبين ياقوت.
نفض رأسه سريعاً من تلك الفكرة. ليُحدق به حمزة بعدما وضع الهاتف على أذنه، ينتظر إجابة شقيقته.
- بس تعرف، أتمنى ياقوت ترجع شغلها. مش عايز أقولك قد إيه كانت بنت منضبطة.
دقائق مرت وهو يُعاود الاتصال بشقيقته، ولكنها لا تُجيب. زفر أنفاسه وهو يشعر بتأنيب الضمير، خاصة بعد فعلته الأخيرة معها. ضحكة ساخرة تغللت في أعماقه، فأي فعلة يتحدث عنها؟ إنها أفعال كثيرة استخدمها معها، وما هي إلا كالدمية يتلاعب بها. مرة يجعلها هدفاً لإيذاء مشاعر من كانت يوماً حبيبته، ومرة كان سيجعلها عروساً لديكور بيته، لا ترى ولا تسمع، بل ما يجب عليها فقط أن تكون فاضلة لما يُقدمه إليها.
- أنا مش عارف نادية مبتردش ليه.
نظر شهاب نحوه متعجباً.
- إيه اللي دخل نادية في الموضوع ده؟
أردف بعد استيعاب أن نادية شقيقته هي من وفرت لها تلك الوظيفة لديهم.
- خلاص ياحمزة، روح لنادية تكلم مدام سلوى تشوفها روحت بلدها ولا لسه هنا.
ثم تنهد متذكراً هيئتها ذلك اليوم.
- مش عارف أقولك قد إيه صعبت عليا، موقف ضياع الورق كان غصب عنها. شنطتها اتسرقت والورق كان فيها وحصل اللي حصل.
تجمدت عين حمزة نحوه، زافراً أنفاسه بقوة. فلا إجابة يتلقاها من شقيقته. ليُبعد الهاتف عن أذنه متمتماً:
- خليك هنا، في عميل مهم جاي يقابلني. قابله بدالي.
لم ينتظر سماع شقيقه، وانصرف على الفور. ليُحدق شهاب في آثره متسع العين.
- عجيبة، أول مرة أشوفه كده. الموضوع ده فيه حاجة غريبة ولازم أفهمها.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
جلست على خرقة قديمة تنظر للأوز الذي تربيه زوجة أبيها فوق سطح البيت. مسحت على وجهها بإرهاق من حرارة الشمس والصداع بدأ يفتك رأسها.
أغمضت عيناها تُقاوم ذرف دموعها. فقد عادت إلى حياتها القديمة، وقد ظنت أنها تخلصت منه.
تععلقت عيناها بصدمة وهي تجد أحد طيور الغربان يلتقط أوزة ويهرب بها. شهقت بفزع، ولسوء حظها، كانت سناء صاعدة للسطح تحمل بعض الطعام لطيورها. رأت المشهد، فاشتعلت عيناها غضباً.
- نهارك أسود يابنت صباح الغراب، أخد الوزة. آه، ما أنتِ قاعدة سرحانة.
وألتقطت ذراعها تسحقه بقبضة يدها بعدما تركت الطعام الذي كان بيدها جانباً.
- أنا مش قايلالك لو أوزة بس حصلها حاجة، هخلي نهارك زي وشك الفقري ده.
جاهدت في تخليص ذراعها منها بتعب.
- ما أخدتش بالي، كان غصب عني. انتي سيباني هنا تلات ساعات تعبت من الشمس.
لوت سناء شفتيها مستنكرة.
- تعبتي من إيه ياختي؟ مش كفاية مش بيجي منك نفع. سبناكي تشتغلي رجعتلنا مطرودة. الوزة لو مجتش هموتك أنا، طيري غالي عليا زي عيالي.
تجمدت عين سناء نحو الغراب المتربص لأوزة أخرى، فدفعتها بقسوة عنها حتى تلحق الأمر دون خسارة أخرى، لتسقط منبطحة برأسها على حجر ضخم.
عللت سناء على طيرها بعويل وكأنه بالفعل أحد أولادها، ورمقت ياقوت بنظرات حانقة، وعندما رأت الدماء تسيل من جبهتها.
- تستاهلي، ده ذنب الوزة بتاعتي.
آلمتها الكلمة، فمسحت دماء جبهتها بأكمام عباءتها ونهضت من رقدتها تجر قدميها بحسرة، فزوجة أبيها حتى لم تمد لها يدها تُنهضها.
هبطت من السطح نحو الشقة. لتنظر لها شقيقتها بهلع.
- مالك يا ياقوت؟ إيه الدم ده؟
سقطت دموعها فلم تعد تتحمل ثقلها في مقلتيها، وركضت نحو الغرفة التي تمكث بها هي وشقيقتها.
فهرولت ياسمين خلفها بقلق.
- إيه اللي حصل يا ياقوت؟
دفنت وجهها بين كفيها. لم تؤلمها الكدمة بقدر ما آلمها كلام زوجة أبيها.
أزاحت ياسمين كفوفها ونظرت لجرحها.
- الحمدلله، جات بسيطة. هقوم أجيبلك مطهر وقطنة وأجي أمسحلك الدم.
تععلقت عيناها بشقيقتها وحسرة جديدة كانت تُضاف إليها، ولسان حال يسأل:
- إمتى الفرج هيجي؟
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
نظرت نادية نحو شقيقها بعدما هاتفت سميرة صديقتها. اقتربت منه ثم جلست جانبه تربت على ساقه.
- سافرت ياحمزة، رجعت بلدها.
أردفت وهي تلتقط فنجان قهوتها.
- سميرة بتقولي إنها دورت على شغل قبل ما تسافر عشان تسد إيجار أوضتها في السكن، لكن للأسف مافيش.
ألقت العبارات عليه وهي ترتشف من فنجان قهوته، لتنظر إلى ملامحه الجامدة وعاتبته.
- ياريتها كانت جاتلي، كنت اتصرف.
وحركت رأسها بتقدير وهي تتذكر كلام سميرة عندما سألتها لما لم تُهاتفها.
- تصدق، سميرة قالتلي مردتش تطلب مساعدتي. البنت دي بقت تعلى في نظري حقيقي. سلوى شكرتلي في أخلاقها كتير. لما شوفت بعنيا صدقت.
وأكملت بتلاعب كانت تقصده.
- كنت أتمنى تتجوزها، البنت كانت مناسبة ليك وهتتحمل تعلق مريم الزايد.
كانت تتحدث، أما هو، فكانت عيناه جامدة نحو وصف شقيقه على حالها عندما أعلمها أنه أمر بطردها دون رحمة، رغم أنها قصت لهم ما حدث لأكثر من مرة، وهاتفه حتى يجد حلاً. وبالفعل، قد وجد حلاً بمعارفه وعلاقاته ودفع المال لتيسير الأمر، ولكن في النهاية ذهبت هي ضحية لخطأ مقدر أن يحدث مع أي حد، حتى هو شخصياً.
- حمزة، انت ساكت ليه؟ اشرب قهوتك بردت.
تععلقت عيناه بشقيقته ثم نهض من جانبها.
- أنا ماشي يانادية.
وانصرف دون أن يلتف نحوها رغم ندائها له المتكرر.
- ياحمزة، استنى، رايح فين؟ مش هتتغدى معايا؟
ولكن لا رد أتى منه، فقد كان يشعر بالضيق من نفسه. قطع رزقها وهو يعلم أنها أتت من بلدتها للضرورة حتى تعمل.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
نظرت سماح إلى الجريدة التي تحتوي على صورتها في أحضان لاعب الكرة للمرة التي لا تُخص منذ أن تداول الخبر في الصفحات. لاعب كرة وفتاة تعمل بالصحافة، وقد أتت من أجل عمل لقاء معه، كل هذا جعل قصة يتحاكي بها الجميع.
تجمدت عيناها على العبارات المكتوبة أسفل الجريدة، ثم ألقتها على الطاولة التي أمامها ونهضت متجهة نحو غرفته. رمقها البعض وهي تُغادر ليتهامسوا عما حدث.
طرقت باب غرفته بقوة تهتف باسمه. فتح لها سهيل الباب وهو يمسح شعره الذي يتقطر منه الماء أخذاً مساره نحو صدره العاري.
سعت حدقتيها من هيئته، فأغمضت عيناها حانقاً.
- ألبس هدومك.
أخفض سهيل عيناه نحو صدره العاري وسرواله القطني.
- وأنا ماذا أرتدي الآن؟ لقد أفزعتني يافتاة وصراخك صم أذني.
أزالت سماح كفوفها عن عيناها ورفعت إصبعها نحوه.
- هنزل أستناك في حديقة الفندق. دقيقتين إلا ربع قدامي. لو عدت الدقيقتين وملقتكاش، عليا وعلى أعدائي.
لم يكن سهيل يستوعب جميع مصطلحاتها. رفع حاجبه الأيمن ساخطاً ثم صفع الباب خلفه. انتفضت سماح من أثر فعلته.
وقرعت الباب بقدمها غاضبة ثم انصرفت لأسفل وقد تقطعت شفتاها من أثر قضمهما.
انتظرته على المقعد الخشبي وقد مرت الدقيقتان. سمعت خطوات خلفها لتجده يتقدم نحوها ببرود ثم اقترب منها يرمقها.
- ماذا تُريدي؟ ليس لدي وقت. أمامك دقيقة واحدة.
شعرت وكأنه يرد لها حديثها. فنهضت من فوق مقعدها تقبض على يداها بغضب.
- ليك عين تتكلم؟ ده أنا هفضحك.
طالعها سهيل بابتسامة عابثة.
- اختياري لكي كان صحيح. انتي المطلوبة.
لكمت سماح كفها بقبضتها الأخرى حتى تُخلص طاقتها المكبوتة في نفسها.
- انت مجنون؟ اختيار إيه وزفت إيه؟ خلتني لبّانة في كل لسان. علاقة إيه اللي بينا وحب إيه ده اللي خلاك تنزل مصر عشان تيجي تشوفني؟
وأردفت وهي تزفر أنفاسها بقوة حانقة.
- أنا شوفتك قبل كده يابتاع انت.
تجهم وجهه من سماعه لألفاظ لا يفهم معناها.
- اصمتي قليلاً. انتي مثل الراديو.
عندما وجدها تُحرك أظافرها نحوه. ارتفعت شفتيه ساخراً.
- لقد أحببنا بعضنا عن طريق صفحات التواصل الاجتماعي.
أعطاها الإجابة على أحد عباراتها، فلم تشعر سماح بنفسها إلا وهي تلتقط حجراً من الأرض ثم قذفته نحوه.
ليستدير سهيل بجسده بمهارة تليق به.
- لم أود اختيار شنعاء مثلك. ولكن حظك الأسود.
كادت أن تهتف بعبارات سبابها، إلا أنها اتسعت عيناها وهي تسمع آخر شيء ظنت أن تسمعه.
- سأعرض عليكي الزواج بمقابل مادي كبير وشهرة يتمناها الكثير.
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
نظرت صفا إلى المرأة التي تُشاركها الغرفة، ثم سألتها وهي ترطب شفتيها بلسانها.
- هو أنا عملتلك حاجة عشان تكرهيني؟
رمقتها المرأة باستهزاء وهي تتذكر تحذير عنتر منها، لا تعلم السبب ولكن تحذيره أقلقها.
- ياريت كل واحد يخلي في حاله. لا صباح الخير ولا مساء الخير، سامعاني؟
طرقت صفا عيناها وقد ظنت أن عنتر أفشى بسرها، ثم عادت تنظر نحوها.
- أنا بس كنت عايزة...
وقبل أن تُكمل صفا عبارتها هتفت المرأة التي تُدعى صابرين.
- استغفر الله العظيم. ما قولنا كل واحد يخلي في حاله، ده إيه الهم ده.
اتجهت المرأة نحو دورة المياه الخاصة بالغرفة. فطالتعتها صفا بألم لم تعد تقوى عليه، فالسجن كان أرحم عليها.
سقطت دموعها وهي تتمنى العودة إليه.
- ياريتني كنت فضلت في السجن. ليه سبتني ياحمزة؟
هوت بجسدها على الفراش الصغير بإرهاق، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تسقط في سبات عميق. فقد ظن عنتر أن فرض الأعمال الشاقة عليها سيجعلها تعجز وتعترض، ولكنه لا يعلم أن السجن علمها الكثير، وأهم ما علمه لها أن برودة جدران السجن كانت أهون عليها من الحرية.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عادت مها من المدرسة التي تعمل بها بعدما أوصلتها إحدى العاملات لباب المنزل وودعتها حزينة أنها لن تراها ثانية، فقد طردها مدير المدرسة بعد أن ضجر من السرقة المتكررة في آلات الموسيقى. أخبرها أنه تحمل وضعها كثيراً ولكن صبره قد نفذ، فلن تتكفل الإدارة دائماً بالخسائر.
شهادة تقدير وشكر حصلت عليهما كمعلمة مثالية، وانتهى الأمر.
فتحت لها شقيقتها الباب وقد أتت من عملها مبكراً سعيدة بعدما ذهب إليها سالم لمكان عملها وصالحها طالباً منها أن يسرعوا بأمر زواجهم فقد مل من كثرة المشاكل.
احتضنتها ماجدة بقوة تُخبرها بسعادة.
- أنا وسالم رجعنا لبعض يا ماما.
تجمد جسدها بين ذراعي شقيقتها، تتذكر حديث شقيقتها مع جارتهم. ابتعدت عن شقيقتها تُداري خلجات وجهها الحزين.
- أنا فرحانة عشان انتي مبسوطة ياماجدة، أوعدك مش هضايقك تاني.
مسحت ماجدة على وجهها وقبلتها.
- حبيبت أختك انتي. قوليلي، عملتي إيه في المدرسة؟
طرقت مها عيناها أرضاً وهي لا تعرف كيف تُخبرها بالأمر.
- ادوني جواب شكر وفصلوني لأن ظروفي متسمحش للعمل.
ورفعت عيناها وقد لمعت مقلتاها بالدموع التي تُصارعها.
- الآلات بتتسرق وده عبء على المدرسة.
قطبت ماجدة حاجبيها بحنق.
- لا، أنا مش هسكت. أنا لازم أعمل شكوى.
تععلقت يد مها بذراع ماجدة تسألها بأمل أن تنفي لها ما سمعته.
- أنا هروح فين لما تتجوزي انتي وسالم ياماجدة؟
تنهدت ماجدة بثقل وهي تنظر إليها.
- مها، متنفعيش تعيشي معايا بعد المشكلة اللي حصلت مع سالم. أنا دورت على حل والحمدلله لقيته ومش هتبعدي عني.
ارتخت ملامح مها ونست حزنها، ولكن كل شيء تلاشى سريعاً.
- الأوضة اللي فوق السطوح فاضية. هكلم الست عدلات وأجرها منها وهي مش هترفض.
وأردفت بحماس وهي تحتوي وجهها بين كفيها.
- هنضفهالك وأفرشهالك، وأه، منبعدش عن بعض غير وقت النوم والوقت اللي يكون فيه سالم موجود. ها، إيه رأيك؟
ابتلعت مها غصتها التي وقفت عالقة في حلقها.
- هترميني ياماجدة فوق السطوح؟ انتي عارفة إني بخاف.
وكان لماجدة تفسير لكل ما تفعله.
- هرميكي إيه ياعبيطة، ده هما بس دورين بينا. هو أنا أقدر أبعد عنك؟
عانقتها ماجدة حتى تُشعر ضميرها بالراحة.
- ده انتي أختي حبيبتي.
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
دلت هناء حجرته كي ترتبها. تقوم بمهامها الزوجية بأكمل وجه وبقلب قد كسره حلم تشبثت به لسنوات، ليس لديها حل إلا الصمت، فلا إجابة يُخبرها بها إلا أنه ينظر إليها ويغادر ثم يعود ليلاً.
رفعت الوسادة حتى تزيل شرشف الفراش لتتعلق عيناها بصورة. ألتقطت الصورة بفضول لترى آخر ما توقعت. مراد وفتاة متعلقة بعنقه تلثم خده بقبلة تزم فيها شفتيها وهو يحاوط خصرها بذراعيه.
تجمدت يدها على الصورة كما تجمدت عيناها.
- فضلت بتدوري على الإجابة؟ عرفتيها خلاص.
رفعت عيناها نحوه ومازالت ملامح الفتاة قابعة في مخيلتها.
- مين دي يامراد؟
تفت بارتجاف. فصمت وهو يتأمل ملامح وجهها وقد شعر بالشفقة عليها لما ستسمعه.
- مراتي ياهناء!
••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عادت من منزل والدتها تجر خيبة جديدة. تلك المرة أصبح العريس مطلقاً ولم يعد لديها حجة. عبد الله ابن شقيق زوج والدتها، شعرت وكأنه هو قدرها كما أسمعتها أمها لتقنعها بالأمر.
طرقت على باب منزل أبيها وهي تشعر بالضياع وإلحاح والدتها عليها أن تقبل حتى يصبح لها منزلاً وأطفالاً.
وجدت زوجة أبيها أمامها تحمل غداء والدها.
- كويس إنك جيتي. خدي الأكل ودي لابوكي عشان يتغدى.
ألقت الكيس عليها لتتلقاه.
- خلي أي حد غيري، أنا جايه تعبانة.
طالعتها سناء بمقت.
- ما أنتِ لابسة أه وجاية من عند أمك، ولا جيتي عند أبوكي التعب جالكي؟
زفرت أنفاسها وعادت أدراجها للخارج نحو محل الفاكهة الخاص بوالدها.
وعلى مقربة من محل والدها كانت ترى آخر شخص توقعت رؤيته. تععلقت عين حمزة بها من بداية عباءتها السوداء المطرزة وحجابها الذي لم يعد مهندماً فوق رأسها، لذلك الكيس الذي تمسكه بيدها، والضمادة التي تضعها فوق جبهتها.
تجمدت في وقفتها وقد دب الرعب بقلبها وارتجف جسدها وهي لا تفكر إلا أنه هنا من أجل أن يدفعها ثمن خسارة صفقة.
أرادت أن تهرب ولكن والدها أشار إليها بالتقدم وهو مبتسم. ولم تكن ابتسامة والدها فقط، إنما أيضاً ابتسامة السيد مهاب والد هناء صديقتها. وأصبحت تبحث عن إجابة ولكن لم ترى تفسيراً. حمزة الزهدي هنا في محل والدها والسيد مهاب، أي سبب ستفكر فيه؟ فلا سبب تجده. ولولا ابتسامة والدها لظنت السوء بالتأكيد.
تقدمت منهم بقلق، لتجد والدها يقترب منها فرحاً.
- كويس إن سناء بعتتك انتي بالأكل.
ونظر نحو حمزة الذي مازالت عيناه متعلقة بها.
- حمزة بيه طلب إيدك للجواز يا بنتي.
يتبع بأذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سهام صادق
جلست على فراشها بأعين شارده.
إلى الآن صدى عبارته تخترق قلبها.
اليوم علمت أبشع حقيقة لم تتخيلها.
تحجرت دموعها في مقلتيها، ولأول مرة تأبى الهطول.
حلمها سرقته أخرى من قبلها، وسرقت ما تمنته لسنوات، ولم يكن لها قلبه الذي تمنت أن يُحبها ولو قليلاً.
أغمضت عيناها بقوة، وصَدَى كلماته لا يتوقف في اقتحام أذنيها.
"مراتي ياهناء... اتجوزتها قبل ما أتجوز."
من قال يوماً أن الكلمة تقتل؟
لقد قُتل هو الآخر من قبل آلاف المرات، وها هي تقتلها حقيقة أرادت معرفتها.
وسقطت من برج أحلامها العالي.
شعرت بوجوده من صوت أنفاسه الهادرة.
لم تصرخ كما ظن، إنما انسحبت تُداري كسرتها بعيداً عنه.
"هناء انتي كويسة؟"
سؤاله كان ليس له جواب.
لو أجابت لصرخت حتى تقطعت أنفاسها.
"هناء ردي عليا.. أنا مفكرتش إن ديه هتكون ردة فعلك."
وا اقترب منها، يجلس أمامها فوق الفراش، ينظر لعينيها الثابتة نحو نقطة ما.
"هناء."
طالعته بقهر.
لقد أعطاها اهتماماً أخيراً.
وأي اهتمام تلقته منه؟ اهتمام المواساة.
كان متزوجاً من غيرها، ولم يكن يُريدها.
خرج صوتها أخيراً.
"أنا كويسة ياابن عمي، مجرد بس سكينة اتغرست في قلبي."
"بس هو يستاهل عشان يبني حياته على أحلامه."
وأشارت نحو قلبها تضرب عليه بضعف.
"خليه يتوجع وينزف عشان يفوق... كان محتاج الصدمة ديه لأنه مكنش مصدق... كان أهبل وغبي."
ولم تعد تتحمل كبت دموعها، فحررتها بضعف.
لينظر إليها بحزن، وصرخت بوجع.
"ياريتني متمنيتك... ياريتني سمعت كلام عقلي."
ألمه كسرتها.
لم يكن يظن أنه سيشفق عليها يوماً.
تنهد وهو يلعن تلك اللحظة التي قلبت حياته، ولعن اللحظة التي جعلته يترك غربته ويعود لموطنه.
"هناء أنا آسف.. انتي تستحقي الاعتذار."
ضحكت وهي تسمع كلمته التي يراها كبيرة عليها.
"آسف.. كتر خيرك ياابن عمي."
تعمقت عيناه بها.
كاد أن يُخبرها أنها هي من وضعت نفسها في حياته لو كانت رفضت خطبتهم من البداية.
لكن كل واحد منهم يعيش حياته سعيداً.
"ممكن تخرج من الأوضة... محتاجة أقعد مع نفسي."
نظر لها طويلاً.
فأشاحت عيناها عنه، وتكورت بجسدها فوق الفراش الذي تغفو عليه كل يوم باكية منذ زواجهم.
فلا بأس من ليلة أخرى ترثي فيها حاله.
انهض من جانبها وطالعها ملياً، ثم غادر الغرفة عندما وجدها تعطيه ظهرها.
وقف على الباب سانداً ظهره عليه بعد أن غادر غرفتها ليسمع صوت بكائها وآنينها.
كتمت صوت صراخها أسفل وسادتها وهي تعض يدها.
نيران كانت تشتغل داخلها.
لقد كسر حبها وأطفأ سعادتها.
وفي النهاية اكتشفت أنه تزوجها من أجل والده.
فعمها هو من أرادها، حتى أنه كان يعلم بزواج ابنه من قبل.
قضمت شفتاها بقوة وجسدها أخذ يرتجف والوجع يسري في جسدها.
***
وقفت ياقوت خلف باب الغرفة تستمع لصياح زوجة أبيها عندما علمت بخبر طلب زواج ابنة صباح كما تنعتها دوماً.
"انت بتقول إيه يازيدان؟ مين ديه اللي تتجوز قبل بنتي وتاخد فلوس جهازها؟"
أغمضت ياقوت عيناها ألماً، فهي كانت تنتظر والدها حتى تخبره أنها ليست موافقة على عرضه.
ولكن كلمات زوجة أبيها كانت كالسم تسقط على مسمعها.
"قوله معندناش بنات للجواز... إحنا حيلتنا إيه عشان نجهزها هي كمان."
سمعت صراخ والدها بها لأول مرة لترتجف في وقفتها.
"لمي لسانك ياولية... إيه بنت صباح ديه؟ ياقوت زي ياسمين عندي... ولعلمك هتتجوز قبل ياسمين وهجهزها أحلى جهاز. أنا لسا عايش وماموتش مش عشان سيبك طحناها في شغل البيت وإنتي قاعدة متبغدده. وقول ياراجل سيبها مهما كان في مقام أمها، لكن لحد هنا ومسمعش صوتك."
كتمت سناء حقدها ورسمت الوداعة فوق شفتيها.
"نجوز ياسمين الأول وبعدين نشوف... لو عايز يشيلها كده يشيلها، آه نرتاح من الهم."
تحركت ياقوت بصعوبة نحو الباب وفتحته تنظر إليهم.
فتعلقت عيناها بوالدها الذي جلس على أحد المقاعد وأرخى رأسه لأسفل يلتقط أنفاسه بصعوبة.
رمقتها سناء بغل ثم سبحت أشقائها الصغار نحو غرفتها وصفعت الباب خلفها.
"بابا أنا مش موافقة."
رفع زيدان عيناه وقد قطب حاجبيه.
"مش موافقة على العريس عشان الكلام اللي سمعتيه؟ لا يابنتي أبوكي قدها، صحيح أنا راجل على باب الله بس عمري ما أكسرك قدام حد."
سقطت دموعها تلك المرة حباً، وركضت لاحتضانه.
كلماته أحيتها وأزالت آلام سنين طويلة.
ربت زيدان على ظهرها بسعادة.
"أنا فرحان أوي يابنتي... الراجل ماشاء الله باين عليه حاجة كبيرة زي ما عمك مهاب قالي... وأنا راجل ابن سوق ونظرتي في الناس متخيبش."
ابتعدت ياقوت عنه كي تخبره أنها لا تريد.
فقد طردها من العمل دون رحمة دون أن يسمع دفاعها عن نفسها.
فهل سيكون زوجاً تأمن حياتها معه؟
لو يوماً نظرت إليه بأعجاب خالص، لكن بعد فعلته في مكتبه وطردها استحقرته ولم تعد تحمل له سوى النفور.
"بابا أنا..."
لم تُكمل كلماتها.
فوجدت يده تمسح على وجهها بحنان.
"الحمد لله ربنا استجاب لدعائي وهفرح بيكي قبل أختك الصغيرة وأطمن عليكي."
أغمضت عيناها بقوة.
وابتلعت كلماتها التي وقفت على طرفي شفتيها.
وسمعته يهتف بسعادة.
"أخيراً هسلمك لجوزك يا ياقوت."
ودلفت شقيقتها الشقة بعدما عادت من الخارج.
فتعلقت عيناهما بها.
وقبل أن تسأل عن سبب هذا العناق.
خرجت والدتها من الغرفة هاتفة.
"كويس إنك جيتي من عند خالتك يا ياسمين... تعالي شوفي أبوكي عايز يجوز ياقوت قبلك وتاخد فلوس جهازها."
اتسعت ابتسامة ياسمين مما زاد سناء مقتً.
وهتفت بسعادة حقيقية.
"هي ديه الأخبار اللي تفرح... وماله ياماما أنا وياقوت واحد."
وعانقتها ياسمين وهمست بأذنها.
"أخيراً هتهربي من ماما وجالك الفرج يابنتي."
ولم تعرف أتضحك على حديث شقيقتها أم تدمع عيناها.
***
جمع شريف متعلقاته ثم أغلق حقيبة ثيابه ووضعها جانباً.
فقد انتهى تدريبهم وقد حان وقت عودتهم.
وجد سيف يقف على أعتاب الغرفة يطوي ساعديه أمامه يرمقه بتفحص.
"هتطلب إيد بنت سيادة اللواء؟"
طالعت شريف بطرف عيناه ثم أخذ يعدل من هندام قميصه.
نفى برأسه الأمر.
فأقترب منه سيف وطالت نظراته نحوه.
"لسه هتفكر ولا صرفت نظر خالص عن الحكاية ديه حالياً."
ابتسم شريف وهو يُرتب خصلات شعره.
"هتجوز مها ياسيف."
تنهد بشوق.
فسيجعل لقاءه بها مفاجأة.
لن يهاتف شقيقتها حتى لا يُفسد مفاجأته.
سيذهب لها بباقة أزهار وخاتم الخطبة.
رسم كل شيء بحب وندم على ما فكر به من قبل.
لن يتخلى عنها مهما حدث.
بعده عنها جعله يُدرك أنها لم تكن مجرد محطة عابرة، إنما جمعهم قدر سيربط أسمهم معاً.
ربت سيف على كتفه مُبتسماً.
"اذهب حيث يرتاح قلبك ياصديقي."
وكانت لعبارته ألف معنى وحكاية.
***
سمع ضحكتها المُجلجلة في أرجاء الغرفة وهي تُحادث إحدى المعلمات زميلتها بالمدرسة.
"متفكرنيش يارفيف ده حتة موقف آه. لو شهاب عرف بيوقف."
شهاب جامداً ينتظر سماع باقي المُكالمه.
"مامت الولد كانت عايزة تخطبني لأخوها... اتصدمت لما عرفت إني متجوزة."
اتسعت عين شهاب بقوة وجذبها نحوه.
فشهقت بصدمة وهي تراه أمامها.
أنهت المُكالمه بخوف ونظرت إليه تبتلع ريقها.
"انت هنا من امتى ياشهاب؟"
رمقها شهاب وهو يقطب حاجبيه ساخراً.
"من ساعة عرض الجواز اللي جالك من المدرسة يا أستاذة."
وصرخ بوجهها، فأنتفضت فزعاً.
"انت بتصرخ فيا كده ليه ياشهاب... موقف وعدي خلاص؟"
ضغط على أكتافها حانقاً فتأوهت آلماً.
"موقف وعدي ياسلام... لا مش موقف وعدي يا ندي. إيه رأيك مافيش شغل تاني."
لم تتملك نفسها عند تلك الجملة.
فنفضت جسدها من حصاره.
"أسيب الشغل عشان موقف زي ده... طب ياشهاب قرر براحتك وشوف مين هيقولك نعم وحاضر... ندي بتاعت زمان خلاص بح."
تجمدت ملامحه ورفع كفه وكاد أن يصفعها، إلا أنه تمالك نفسه في آخر لحظة.
غادر غرفتهما.
فهوت بجسدها فوق الفراش تُحاسب نفسها على ما قالته.
***
دقت سماح كثيراً على هاتف ياقوت حتى شعرت باليأس وقد انتابها القلق عليها.
كادت أن تدق على السيدة سميرة، إلا أنها وجدت رسالة من رقم لا تعرفه.
ولم تكن قد رأت الرسالة رغم أنها بُعثت إليها.
تعمقت عيناها بصورة ماهر وزوجته التي تعرف ملامحها.
وقد كانوا مُتعانقين.
نظرت إلى رسالتها المُصاحبة للصورة.
"أنا وماهر رجعنا لبعض... مش هنولهولك."
تجلجلت ضحكات سماح حتى فاضت عيناها بالدمع من الضحك.
"سبحان الله طول عمره واطي... مش عارفة إزاي أنا حبيته واتجوزته في يوم."
***
مر الوقت على مغادرته.
ساعة، صحبتها أخرى، إلى أربع ساعات وهي تنتظره.
حتى جاء.
وعندما وقعت عيناه عليها.
"منمتيش ليه؟"
اقتربت منه دون أن تنتظر كلمة أخرى وألقت نفسها في أحضانه.
"متزعلش مني مكنش قصدي أعلى صوتي عليك."
ورفعت عيناها نحوه ببرأة.
ثم لثمت خده بقبلة رقيقة وابتسمت.
ضمها إليه وقد قضى على شيطانه الذي أخذ يخبره طيلة ساعات غضبه منها أنها تمردت عليه، أنها لن تكون ندي الفتاة التي أقنعه بها عقله حتى يتزوجها.
وقد بات قلبه ملكاً لها، مع أنه مازال لا يُريد الاعتراف بذلك.
يُخبره أن الحب ليس كلمة، إنما أشياء أخرى أكبر.
ولكنه نسي أن عقول النساء أبسط من ذلك، وكلمة تزيل كل شيء.
"خلاص ياندي مش زعلان."
رفعت عيناها نحوه ثانية تمسح على وجهه.
"بجد ولا هتنام زعلان مني؟"
أزاح عيناه عنها حتى يُمثل غضبه قليلاً، ولكنه تلاشى وهو يراها تجذب رأسه نحوها.
ثم أزالت كتف منامتها العلوية.
"شوفت إيدك علمت إزاي."
وأزالت الجزء الآخر.
لتنظر إليه ترى نظراته نحو ما فعله.
"معلش ياندي، انتي برضوه عصبتيني."
وانحنى نحو كتفيها يلثم كل منهما.
لتتسع ابتسامتها وهي تهتف داخلها.
"ده نصايح نادية بتيجي بالنفع."
ظل يطبع قبلاته على كتفيها حتى وصل لعنقها وهمس.
"مبقتش زعلان خالص... وهوديكي المدرسة وأجيبك بعد كده عشان يعرفوا إنك متجوزة."
أبعدته عنها تضحك بقوة.
فجذبها نحوه ثانية ذائباً معها في دلالها ونعومتها والأكثر مكرها.
***
نظر حمزة نحو أفراد عائلته ومن ضمنهم عائلة شقيقته.
لم يعلم أحد بقرار زواجه وطلب يد ياقوت إلا فؤاد.
وقد تلقى اليوم الموافقة من والدها.
وقد جاء وقت أخبارهم.
تناولوا العشاء مع الضحكات ومزاح كلا من مريم وندى وتقي مع شهاب وشريف الذي عاد اخيراً من تدريبه.
كان هو الآخر لديه حديث، ولكنه قرر أن ينتظر أن ينتهي عشائهم ويخبرهم بما نوى عليه.
انتهى العشاء بعد وقت وانتقلوا لغرفة الجلوس كي يتناولوا قهوتهم والعصائر على حسب ما يهوي كلا منهم.
صعدت تقي مع مريم لأعلى كي تريها مريم آخر أبيات شعر قد كتبتها في كشكولها.
أخذهم الحديث لأمور عدة، منهم عن مراد وأخرى عن العمل.
إلى أن نهض حمزة من فوق مقعده مُتنحنحاً حتى يجذب انتباههم.
"بما إننا متجمعين عندي ليكم خبر واتمنى تتقبلوه."
نظروا إليه وكل منهم ينتظر أن يسمع ذلك الخبر بتلهف.
انتقلت عين ناديه نحو زوجها الذي أخذ يرتشف قهوته بهدوء.
فعلمت أنه لديه علم بما يُريد شقيقها إخبارهم به.
"أنا قررت اتجوز."
شهقة صدرت من أفواه البعض، ولم تكن إلا ناديه وندى، ولكن بمشاعر مختلفة.
نهضت ناديه تُعانق شقيقها بسعادة.
"أخيراً ياحبيبي... ألف مبروك."
تعمقت عين شهاب بشقيقه، فابتسم وقد علم بهوية العروس.
فلا شيء سيحتاج للاكتشاف بعد غضب شقيقه عندما علم أن الموظف الذي طرده لم يكن إلا هي.
نهض شريف هو الآخر يُبارك له بثبات دون رد فعل.
أما ندي فركت يداها بقوة تُريد الصراخ.
فلن تتحمل أن تأتي أخرى تعيش معهم وتأخذ مكان شقيقته.
نزلت مريم الدرج وهي تضحك مع تقي.
"هو في إيه؟ مالكم؟"
وهتفت تقي هي الأخرى.
"في إيه ياخالو؟"
واقتربت منهم بأبتسامة واسعة.
فتجمدت عين حمزة عليها.
ولم يعد قادر على إبلاغها بأمر زواجه.
طالعها الجميع بصمت.
فهم يُدركون تعلقها به وانتظروا أن يُخبرها كما أخبرهم.
تقدم منها حتى يأخذها لغرفة مكتبه.
ولكن الإجابة خرجت من بين شفتي أحدهم ولم تكن إلا ندي.
"حمزه هيتجوز يا مريم."
مذهولاً أصابها وهي تُعلق نظراتها نحوه تسأله.
"صحيح الكلام ده يا بابا؟"
وعندما أومأ لها برأسه.
هرولت نحو غرفتها باكية.
وصوته يعلو من خلفها.
"مريم استنى."
نظرت إليه ناديه وهي تتنهد.
وتعلقت عيناها بندي التي اتبعت مريم هي وشريف.
فأدركت أن شقيقها لن يواجه مريم وحدها، أنما باقي أفراد العائلة.
***
أنهت سماح مدة إقامتها بالفندق.
فلم يعد لديها مهمة.
فقد أصبحت هي حديث الصحافة وزملائها.
تعالى رنين هاتفها الذي لم يعد يصمت من الرنين.
فالكل لديه فضول بما صرح به سهيل.
فلا أحد يُصدق كيف يترك فتيات لندن بلد إقامته وفتيات موطنه ويقع في حبها.
وتخفي عنهم قصة حبهم التي نُشئت منذ عام.
جزت على أسنانها بقوة وهي تتذكر كل خبر قرأته متمتمة.
"الوقح... آه ياناري أنا قربت أموت بغيظي."
صدح رنين هاتفها ثانية.
لتنظر لرقم السيد فهيم رئيس الجريدة التي تعمل بها.
ثم تعلقت عيناها بمن يدلف الفندق ولم يكن إلا زميل لها بالجريدة.
فتقدمت منه.
"انت بتعمل إيه هنا يامعاذ؟"
طالعها معاذ بأبتسامة واسعة.
"جاي أعمل معاكي لقاء صحفي انتي وكابتن سهيل."
كان الحماس ظاهر على ملامح معاذ.
رغبت أن تصرخ بوجهه وتخبره أن كل هذا ماهو إلا مكيدة لا تعرف لها معنى.
إلا أنها وقاحة وأنه مريضاً نفسياً.
تركها معاذ مُتجهاً نحو سهيل الذي دلف الفندق بعد تمرين ركضه الصباحي.
صافح سهيل معاذ بعدما أبلغه بهويته.
ونظر نحو سماح التي وقفت ترمقهم بأعين يتدفق منها اللهيب.
وتقدمت نحوهم لتسمع ما يُصرح به.
"لقد أتيت لهنا لاستعيدها لي... وسنتزوج ونرحل معاً ل لندن."
***
نظرت ياقوت صباحاً إلى وجهها في المرآة تسأل نفسها ماذا رأي بها.
لا ترى نفسها إلا فتاة عادية لا بها شيء يُجذب.
دلت زوجة أبيها لغرفتها مُتمتمة.
"هتعملنا فيها عروسة... قومي نضفي البيت خلي يلمع. هما جاين يخطبوا مين؟ مش انتي."
التفت نحو زوجة أبيها صامتة.
لتجد ياسمين شقيقتها تدلف الغرفة تحمل أدوات التنظيف.
"سيب ياقوت ياماما ترتاح... أنا اللي هنضف. ديه عروسة."
وحركت حاجبيها بتراقص.
واتجهت نحو ياقوت تُعانقها.
لتضغط سناء على كفوفها حانقة وداخلها تسب ابنتها.
"حاضر يامرات أبويا هنضف البيت."
كادت أن تعترض ياسمين.
"هنساعد بعض يا ياسمين عشان نخلص بسرعه."
ولم تتلقى من زوجة أبيها إلا صفع باب الغرفة خلفها.
***
نظر حمزة نحو مريم القابعة فوق فراشها بعدما أخبره شريف قد أفهم شقيقته أنه لديه حياة مثلهم.
تعلقت عيناه بصغيرته واحمرار عيناها.
"أنا موافقة بس متجبهاش تعيش معانا هنا أرجوك."
هتفت بها مريم وهي تتحاشى النظر إليه.
فجلس جانبها يدير وجهها نحوه.
"بصيلي يامريم."
نظرت إليه وهي تترجاه بعيناها أن لا ينساها ويحرمها من حبه.
"عايزك تتأكدي إن مافيش حاجة هتنسيني إنك بنتي اللي ربيتها.. هفضل أبوكي وصديقك وكل حاجة."
***
وقف شريف مصدوماً وهو يتلقى الخبر من حارس المدرسة.
"آنسة مها سابت الشغل هنا يابيه."
وتعلقت عين الحارس بباقة الأزهار.
فأبتعد عنه شريف ونظر حوله وقد انتابه القلق عليها.
وفي غرفة صغيرة بدورة مياه خاصة كانت مها قابعة فوق سريرها تبكي.
فقد نقلتها شقيقتها لتلك الغرفة وبدأت في إعداد عش الزوجية الخاصتها.
نهضت من فوق فراشها تستكشف غرفتها الجديدة.
فـ تعثرت في البساط المفروش على أرضية الغرفة فسقطت أرضاً.
وعادت تنهض ثانية تبحث عن زجاجة مياه حتى تروي حلقها الذي جف من العطش.
ظلت تدور في الغرفة دون أن تجد ضالتها.
تسقط دموعها بقله حيلة وتهتف باسم شقيقتها.
"ياماجده."
***
خرجت من غرفتها أخيراً.
فبعد أن كانت هي من لا تراه وتبحث عن وجوده انقلبت الأدوار وأصبح هو ينتظر خروجها من الغرفة ويشعر بالقلق عليها.
فمنذ ذلك اليوم وهي قابعة بحجرتها صامتة.
يضع لها الطعام بجانب باب غرفتها ويمطرها بكلمات الاعتذار.
تعلقت عيناه بها فأصبحت شاحبة ذابلة ولكنها كانت قوية.
هتف براحة وهو يجدها أمامه قبل أن يُغادر للشركة التي يُديرها.
"كويس إنك خرجتي... بقيتي كويسة ياهناء."
طالعته بجمود واشاحت عيناها بعيداً عنه.
"عايزة أتكلم معاك ياابن عمي."
رفع حاجبه مُتعجباً من لهجتها.
"تمام تعالي نقعد ونتكلم."
اتجاهت نحو أحد المقاعد تجلس عليه فأتبعها ينتظر سماع ما ستخبره به.
"اتكلمي ياهناء... سامعك."
حدقت به بكبرياء رغم ضعفها.
"لازم نحط حدود لعيشتنا مع بعض."
وقبل أن يتكلم أوقفته متمتمة.
"ياريت متقطعنيش... هنعيش مع بعض ولاد عم وبس وبعد سنة كل واحد يشوف حياته."
واردفت بعدما نظر إليها بتعمق.
"للأسف كنت أتمنى أطلق منك من اللحظة ديه... بس مجتمعنا عقيم ومش هيرحمني وخصوصا إنك ابن عمي... انفصالنا هيكون بسبب إننا مننفعش لبعض لأننا مش هنعرف نخلف من بعض."
تعلقت عين مراد بها بقوة.
"أنتي مخططة ومرتبة لكل حاجة."
ابتسمت وقد لمعت عيناها بالكره.
"واعمل حسابك أنا السنة ديه هشتغل فيها وهبني حياتي ومستقبلي. كفاية غباء لحد كده."
تجمدت ملامحه عليها ليري امرأة أخرى تُطالعه بتحدي وليست هناء ابنة عمه الهائمة في حبه ونظرة واحدة منه تخطفها.
***
صممت نادية أن تنتقي معها فستان الزفاف.
وأخذتها لنفس المتجر الذي رأتها تُطالع فيه الثوب.
كانت نادية متحمسة لتلك الزيجة وتهتم بكل شيء يخصها.
بل هي من أقنعت والد ياقوت بتعجيل الزواج وأنهم لا يريدوا العروس إلا بحقيبة ثيابها لا أكثر.
انتقت ياقوت نفس الثوب الذي تمنته ذلك اليوم الذي أتت فيه مع هناء تنتقي معها ثوب زفافها.
اشتاقت لصديقتها التي هاتفتها لمرات من رقم شقيقتها ولكن هاتفها لا يعطي إلا رسالة واحدة أنه مُغلق.
جلبوا كل ما يخص الثوب وخرجوا من المتجر.
لتنظر ناديه نحو سيارة شقيقها مُبتسمة.
ثم تعلقت عيناها بـ ياسمين ويا ياقوت.
"ياقوت حببتي أنا هاخد ياسمين نقعد في أي كافيه وإنتي روحي لحمزه."
نظرت إليها ياقوت مُستفهمة لتفهم عبارتها بعدما وجدت سيارته مصطفة على جانب الطريق وينتظرها.
"أنا مقولتش لبابا مقدرش أعمل حاجة من غير إذنه."
تعلقت عين نادية بها ثم ضحكت.
"ياقوت ياحببتي حمزه بقي جوزك دلوقتي انتي ناسيه كتب الكتاب اللي اتكتب امبارح. غير إنكم لحد دلوقتي مقعدتوش مع بعض واتكلمتوا... أنا عارفة كل حاجة جات بسرعة بس لازم تقربوا من بعض الشهر ده عشان تفهموا بعض أكتر وتشيلوا الخلافات اللي بينكم."
ألقت نادية العبارات بمقصد.
فهي تعلم أنها تتحاشى الاختلاط بشقيقها وكأنها غصبت على تلك الزيجة ولا تعلم السبب.
وشقيقها صامت يتقبل الأمر بهدوء وكأنه يعلم السبب وراء ذلك.
عقد القران كانت فكرتها أيضاً، ومع دعم مهاب وسلوي وافق والدها.
وأردفت وهي تدفعها برفق.
"ومتقلقيش حمزه بلغ ولدك مع إنه مش محتاج يعني... يلا بقى ولا انتي إيه رأيك يا ياسمين."
تعلقت عين ياقوت بشقيقتها التي ابتسمت على حديث ناديه بل ووافقت.
تمتمت داخلها حانقة.
"ماشي يا ياسمين حسابك معايا في البيت."
وسارت بخطى مرتبكة نحو سيارته ليُغادر السيارة مُقترباً منها وأومأ برأسه لشقيقته وشقيقتها التي تراه كبطل من أبطال الروايات.
مال نحوها بخفة هامساً.
"بتهربي مني يا ياقوت."
رواية للقدر حكاية الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سهام صادق
جالت عيناه نحو خلجات وجهها الخجل، توترها، قضم شفتاها وعيناها التي تدور هنا وهناك بعيداً عنه.
أبتسم وهو يرى عيناها التي تهرب منه كلما تلاقت عيناهم خلسة.
- وبعدين يا ياقوت.. مش معقول هنفضل قاعدين كده.
طالعته بصمت ثم اشاحت وجهها بعيداً عنه.
ترك مقعده ثم جلس بالمقعد الذي يُجاورها ووضع يده على خدها حتى يجذب انتباهها نحوه.
- بصيلي يا ياقوت.
تنهدت بصوت مسموع وهي تتحاشا النظر إليه.
فأبتسم من عنادها.
- يابنت الناس احنا مش هنفضل كده.
أراد استفزازها حتي يجعلها تُخرج له كل ما يكن داخلها.
فترقرت الدموع في عينيها وهي تُطالع نظراته التي تخترقها.
نفضت كفه الموضوع على خدها ونهضت تهرول من المطعم الذي اتي بها اليه.
وقد كان مطعما منعزلاً لا يتوافد له إلا من أراد الهدوء بعيداً عن ضجيج المدينه.
- ياقوت استنى عندك.. ياقوت.
هتف بأسمها بعد أن هرول خلفها.
لم تلتف إليه ولم تُجيب علي ندائه.
كانت ستخطو الطريق دون أن تنتبه للسياره القادمه ولكن يده قبضت على ذراعها ثم جذبها نحوه صارخاً.
- أنتي مجنونه.
بكت بحرقه وآلم ووجع كان مخزونه لسنوات.
بكت وهي تشعر بالبروده رغم حراره الشمس الدافئه.
جزء داخلها أراد الصراخ ولكن صوتها كان يأبى الخروج.
ضمها إليه وهو يشعر بأرتجاف جسدها داخل احضانه ليهمس لها.
- خلاص اهدي... شكلك نكديه يا ياقوت وبتحبي العياط الكتير.
ابتعدت عنه عندما أدركت وضعهما ورفعت كفوفها نحو وجنتاها تمسح دموعها بقوه.
ضحك وهو يرى فعلتها.
- أنتي بتعاقبي نفسك.
مدّ كفيه يمسح عنها دموعها.
فتعلقت عيناها به.
- انت اتجوزتني عشان ضميرك مش كده.
تجمدت كفوفه على وجنتيها وهو يسمعها.
عقله كان متفق معها ان زواجه منها كانت فعله الضمير.
- رد عليا... هو انا لدرجادي الكل بيشفق عليا ياحمزه بيه.
واردفت ساخره.
- طردتني من شركتك عشان مجرد ورق مكنش ليا ذنب... صفقتك كسبتها اما انا الموظفه الغلبانه مش مهم تطرد ويجي بدالها عشرة.
مكسب صفقته وتجاوز الخساره لم تعلم بهم الا من ناديه اليوم حينا دار الحديث حول تلك الحادثة.
ناديه بحنكتها اخبرتها بلطافه امرأه ان تلك الحادثه اثمرت بحبهم ولكن عن أي حب تتحدث فرغم ضعفها وقله حيلتها الا انها ابعد ان تكون ساذجه.
طال تحدقه بها وابتعد عنها يزفر أنفاسه وعيناه تدور بالمكان.
- ومفسرتيش جوازي منك بسبب اللي عملته في مكتبي.
تخضبت وجنتاها حرجاً من ذكرى ذلك اليوم وتعمق بالنظر إليها.
ياقوت القطه الوديعه لا تعرف الي من قادها قدرها.
تمتم داخله "هتتعبي معايا يا ياقوت... انتي ابسط من انك تدخلي عالم واحد زي".
وهتف منهياً ذلك النقاش بجموده.
- مردتيش ليه.. عموما يا ياقوت جوازي منك ملهوش تفسير... تقدري تقولي قدرنا كان واحد.
وقفت أمامه حائره لا تفهم كلامه.
فبنظرها كان رجلاً غامضاً وفي قانونه هو رجلاً أودعت عليه الحياه ظلامه.
لطافته معها لم تكن الا انه أراد أن يفتح صفحه جديده معها ثم يعود إلى حصونه وقلبه الذي أغلق عليه منذ أعوام طويله.
الحب في قانونه ضعفاً والضعف لا مجال له في طريقه.
وهو لن يجعل امرأه مالكه لقلبه تملكه بأبتسامه منها وتسقطه من لدغتها.
- انت ليه كده... ليه محدش فاهمك... انت طيب ولا شرير.. ظالم ولا رحيم.. قلبك طيب ولا معندكش قلب.
ابتسامه حطت فوق شفتيه اخفاها سريعاً.
- انا كل دول يا ياقوت... واتمنى تكوني طلعتي كرهك كله عليا النهارده.
ومال نحوها يلثم خدها برفق.
فأغمضت عيناها متمتمه.
- ابعد لو سمحت.
ضحك وهو يبتعد عنها فقد قبلها وانتهى الامر.
- انا بوستك خلاص.. فتحي عيونك.
ومدّ كفه يمسح على خدها الاخر اما هي كانت لا تعلم حالها معه.
توترت وارتبكت وادركت انها معه حمقاء غبيه.
حتى اعصارها كان اعصار هادئ ابتلعه هو بسهوله.
***
وقف شريف يطرق علي باب الشقه متلهفاً لرؤية من اشتاق إليه.
تنهد وهو ينتظر ان يتلقى الاجابه ولكن لا أحد أجاب عليه.
سمع خطوات على الدرج وطرقعت حذاء.
تعلقت عيناه بسيدة كبيره في السن تحمل بعض أكياس الخضار وتلتقط أنفاسها بصعوبه.
- انت عايز مين يابني.
تنحنح شريف حرجاً وابتعد عن باب الشقه مُقترباً منها يسألها.
- مدام ماجده.
طالعته المرأه تفحصه ثم تمتمت تلوي شفتيها ممتعضة.
- خرجت هي وجوزها.
تركت المرأه لتصعد نحو شقتها ليُسرع خلفها.
- ياحجه ممكن لحظه.
ابتسمت بعد أن دعاها بهذا الاسم.
- يسمع منك ربنا يابني.
ابتسم شريف وهو يرى مثالاً لأمرأه بسيطه.
- هتيجي امتى طيب.
تنهدت المرأة وهي تنظر نحو باب الشقه.
- والله يابني انا ست في حالي ماليش دخل بالجيران ولا بسأل رايح فين ولا جاي منين... الواحد برضوه بيفهم ولا ايه.
ضحك على لطافتها فتمتمت.
- مش تشيل عني ولا انتوا يا شباب اليومين دول متفهموش في الذوق.
حمل شريف الأكياس سريعاً منها.
- اسف.. هاتي عنك.
ربتت على كتفه بتودد.
- شكلك ابن ناس.. انت قريبهم.
ابتسم شريف وهو يعلم انه كي يحصل على الاجابه لا بد أن يقدم لها بياناته الشخصيه.
- اه قريب ليهم من بعيد.
تنهدت المرأه وهي ترمقه مُفكره.
- مادام قريبهم يابني وباين عليك معاك فلوس.. ما تاخد اختها المسكينه اه تكسب ثواب بدل رميتها ياحبه عيني فوق السطوح.
وأشارت اليه كي يميل نحوها.
- بيني وبينك لسا امبارح كنت قافشه الواد سيد طالع يتسحب على السلالم بليل.. وبيتلفت حواليه وهو واد بتاع مزاج.
وابتعدت عنه تلوي شفتيها ممتعضة.
- الواحد خايف على البت.. انت فاهمني يابني.
تجمدت ملامح شريف وهو يسمعها واظلمت عيناه غصباً.
- صحيح يابني انت بتشتغل ايه.
لينظر نحوها وقد كان عقله غائباً مع تلك التي تركها لهؤلاء الذئاب.
- ظابط.
تلبلشت المرأة قليلا ثم صعدت الدرج أمامه.
- تعالا اخدك اوضتها يابني... ما انتوا قرايب برضوه.
***
حركت يداها بين محتويات العُلب لتلتقط واحده تلو الأخرى ثم تفتح لتشم رائحه ما تحتويه.
ابتسمت بسعاده بعدما وجدت علبه الشاي.
تضع معلقه داخلها وتسحب من محتواه بأيدي مرتعشه نحو الكوب الذي حضرته من قبل.
بحثت عن علبه السكر التي وضعتها جانباً في بادئ الأمر ومن دون قصد سقطت العلبه لتتهشم.
ارتجف جسدها وهي تسمع صوت التهشم فوضعت يداها فوق اذنيها تبكي من فزعتها.
فالظلام موحش ولا يعرف النعمه الا من فقدها.
بدء صوت المياه يتعالا بفقعاته على الموقد.
فأتجهت نحو الموقد لتغلقه وألتقطت البراد الموضوع فوقه وقد نست سخونته.
وسقط البراد هو الآخر منها فأنسابت بعض القطرات فوق قدميها.
آلمها عجزها وهي تشعر بالعجز ولا شئ تستطيع فعله وحدها.
كأس شاي أرادت ان تتناوله وعجزت.
هتفت بحاجه الى شقيقتها.
- ياماجده تعالي.
طرقات خافته دقت علي باب غرفتها.
فركضت بلهفه وهي تظن انها شقيقتها.
فتحت الباب ودموعها على وجهها الذي قد ذبل وضاعت بهجته.
- كويس انك جيتي ياماجده... انتي اتأخرتي عليا ليه.
نظرت لها السيده عدلات صاحبه المنرل بأشفاق ثم نظرت لشريف الواقف خلفها وقد لمعت عيناه بالآلم والشوق.
- ما ترددي الاسم في اذنيها فأبتعدت وهي ترتجف.
- ماجده فين.. ماجده انتي فينا.
غمض عيناه وهو يراها خائفه منه.
- يامها ياحببتي... حضرت الظابط جاي ياخدك من هنا.
هتفت بها السيده عدلات.
- لا ابعدي عني.. ده وحش.
اقترب منها فقدرته على التحمل ضاعت وهو ينظر إلى الغرفه التي ألقتها بها شقيقتها.
- مها انا شريف... سامحيني ياحببتي.
دمعت عيناها وهي تسمعه.
- سبتني ليه.. سبتني عشان انا عاميه صح.
غمض عيناه بقوه.
وهو يحتقر نفسه عندما قرر تركها.
- واللي بيسيب حد بيرجعله.. اوعدك عمري ما هسيبك تاني.
وتعلقت عيناه بالفوضي الملقاه فوق ارضيه الغرفه.
وقبل ان يهتف بشئ جاءت ماجده وبجانبها سالم الذي احتدت عيناه عند رؤيه شريف.
- رجعت لي تاني ياحضرت الظابط.
جز علي أسنانه بقوه وهو يلتف نحوه بأبتسامه واسعه.
- جاي اخد الامانه اللي حفظتي عليها يامدام ماجده.
قالها شريف ساخراً لترمقه ماجده غاضبه.
- امانه ايه ياحضرت الظابط حاكم الواحد مبقاش فاهم غرضك ايه.
تعلقت عين شريف بهم.
فثبتت ماجده عيناها عليه وهي تنتظر الرد الذي ترغبه.
- غرضي اني اتجوز مها.
ونظر للمكان بأحتقار.
لتنظر ماجده نحو شقيقتها التي انزوت في احد أركان الغرفه تضم يداها نحو جسدها تخشي زوج شقيقتها.
***
نظر حمزه نحو شريف وهو يُلقي ذلك الخبر عليهم جميعاً بعدما طلب ان يجتمعوا لأمر هام.
تعلقت عين ندي به تسأله.
- جاي تقولنا انك بكره هتتجوز ياشريف... طب كويس مقولتلناش قبلها بساعه ليه.
تجهم وجهه وهو يسمع سخريتها واشاح عيناه يُطالع حمزة الصامت.
أما شهاب كان هادئ مبتسماً لتلك القرارت التي أصبحت تتخذ في ذلك البيت وجميعها للزواج.
- رأيك ايه ياحمزه.
اعتاد شريف على نطق اسمه دون ألقاب منذ أن تحول من زوج ام لشقيق وصديق.
- اقول ايه ياشريف... ديه حياتك وانت حر فيها.
احتدت عين ندي بالغيظ ونظرت لهم.
- لا بقى هو في ايه.. اي حد يدخل بيتنا ويعيش معانا والله اعلم اللي هتيجي كمان جايه منين... مش كفايه نصيبه واحده يبقى نصيبتين.
اتسعت عين شهاب عما فاضت به زوجته المجنونه كما شهقت هي خجلاً فلم تكن تقصد الحديث ولكنها مازالت لا تتقبل زواج حمزه.
طالعت حمزه الذي تجمدت ملامحه في صمت.
- انا اسفه ياحمزه مكنتش اقصد.
تلجلجت ندي بخجل وهي تنطق كلماتها ليسحب شهاب يد زوجته صاعداً بها لأعلي يوبخها على حديثها وهي تُخبره انها لم تقصد.
ولكن الكلمه اصابة سهمها كما أرادت.
طالع شريف حمزه مُعتذراً عنها فمهما كان هي خالته ويعرف ذلات لسانها وطيشها.
- متزعلش منها.
تقدم منه حمزه يربت على كتفه.
- شوف الساعه وهنيجي معاك... وهنجهز الفيلا بكره للاحتفال المفاجئ ده.
عانقه شريف بتقدير و ود.
- كنت عارف انك هتتقبل قراري مهما كان.. انت مش جوز امي الله يرحمها وبس انت اخويا الكبير اللي بحبه وبحترمه واسف على عدم تقبلي لوجود مراتك بينا... لكن اعذرني البيت في ريحة امي وضحكتها وصوتها وقلبي لسا مش مصدق انها مش مبقتش موجوده وسطنا.
اغمض حمزة عيناه وهو يتفهم أمره.
- فاهمك ياشريف متخافش... ده بيت امك وبأسمها لتفتكروا اني راجل خاين للذكرى.. امك كانت ست عظيمه.
عاود شريف احتضانه وهو فخور انهم مازالوا عائله واحده مترابطه ثم ابتعد عنه يتذكر شقيقته.
- مين هيبلغ مريم... انا خايف متتقبلش مها... وانت عارف ظروف مها.
***
تجمدت أعين فرات كالصقر المتربص لفريسته وهو يرمق تلك التي توعد على اذاقها العذاب.
كانت منهمكه في جمع المحاصيل مع الفلاحين.
أنهكها التعب فجرت اقدامها بتعب نحو احدي الأشجار تجلس اسفلها.
احتدت اعين عنتر الواقف بجانب فرات يتابع العمل معه في حصد المحصول.
ودون ان يأمره اتجه عنتر نحوها ساخراً.
- قومي فزي ياختي... هي وكاله اللي جبوكي... فاكره نفسك فين يابتا.
غمضت صفا عيناها تمسح على وجهها بأرهاق.
- ارتاح شويه بس ارجوك... دراعي لسا وجعني.
نظر لها عنتر مستنكراً عباراتها ورفع عصاه ليصفعها على ذراعها المكدوم.
خرج صوت صراخها متألماً.
لينظر الفلاحين لما فعله مندهشين فرغم صرامه عنتر وقوانين العمل داخل المزرعه الا ان لا أحد يُهان والكل يأخذ حقه.
صاح فرات بعلو صوته بعد أن ازال نظارته عن عيناه.
- عنتر.
ترك عنتر صفا التي احتمت بالشجره تآن من آلم ذراعها.
فتعلقت عيناها بصاحب الصوت وقد انسابت دموعها على وجنتيها.
كانت جميله بحق.
وجنتان قد تخضبوا بالاحمرار من حراره الشمس وشفتي صغيره تعض عليهم من آلم ذراعها وعينان زرقاء تزيدها جمالاً وبعض خصلات شعرها قد تحررت من الحجاب الذي أُمرت بأرتدائه في المزرعه وفستان يشبه العباءه كان فضفاض عليها كل هذا أعطاها لوحه فنيه من يراها يشعر انها لم تخلق لهذا المكان ولكن الزمن كان له أحكام.
اقترب عنتر من سيده مُجيباً عليه بأحترام.
- افندم يافرات بيه.
نظر فرات حوله للعاملين وقد عادوا الي عملهم.
- من امتى واحنا بنضرب حد... وكمان ست.
طرق عنتر رأسه متمتماً.
- مش ديه أوامرك يا بيه اني اخليها تكره المكان لحد ما تمشي من هنا.
حدد فرات بالزرع الذي أمامه.
- قولت تطلع عينها في الشغل بس ضرب لاء مفهوم.
أماء عنتر برأسه.
أما هي عادت لعملها تمسح دموعها لتُدرك انها اليوم سُلب منها كل شئ والحياه لم تصبح امامها الا ظلام دامس.
***
تعلقت عين سناء بوالده ياقوت التي أتت تحمل لأبنتها بعض الاشياء التي اشترتها لها.
لوت سناء شفتيها ساخره.
- ايه الهدوم البيئه ديه ياصباح.
وتناولت الملابس بين يديها.
- قلتهم أحسن.
شعرت ياقوت بحزن والدتها عندما تمتمت زوجه ابيها بعباراتها المسمومه.
فعانقت والدتها.
- جمال اوي ياماما... انا فرحانه بيهم اوي.
حضنتها صباح بسعاده تنظر ل سناء مبتسمه.
- حببتي يابنتي... اه على نار الغيره... حاكم في ناس بتغير عشان السعد جانا ومجاش ليهم.
ألقت صباح عباراتها بقصد.
لتتعلق عين سناء بها ثم نهضت ترمقهم بسخط.
- مكنتيش قولتي كده ياماما... حرام.
لم تكترث لها صباح.
وجذبت لها اثواب النوم التي اشترتها لها.
- شايفه ذوق امك.
مقت ياقوت الملابس ولم تقدر على أخبارها ان عصرهم قد مضى آوانه ولكنه تقبلت هديتها بأبتسامه حنونه.
- ربنا يخليكي ليا وتعيشي وتجبيلي.
لتتعلق عين صباح بها ضاحكه.
- اجبلك ايه يابنت بطني ده انتي اللي تجبيلي... عايزه اتنغنغ في العز بقى.
***
نظرت سماح حولها وهي لا تُصدق انه حاصرها بتلك الدرجه.
أخبرها ان تأتي لذلك المكان حتى يُخلصها من كذبته.
لتجد نفسها تسقط في خدعه اكبر.
عدد من الصحافين وقد اسعدهم ذلك الامر بشده فهى صحفيه مثلهم وقصه حبهم ممتعه للغايه والحب استطاع ان يكسر قلب كاره النساء "سهيل نايف".
ألف القصه بمزاج خاص وكأنه كاتباً واقحمها معه في كذبته التي لا تعلم سببها ولم يبقى لديها وصف نحوه الا انه مريض نفسي.
- مبروك ياعروسه.. فرح في خيم وبليل.. لا ووسط صحافه ولاعبين كره... ده انتي طلعتي جامده ياسماح.
قالها معاذ وهو يُطالع المكان الذي رتبه سهيل حتى يتم العرس.
ولحظها مثل الغبيه أرتدت الفستان الأبيض الذي بعثه لها يُخبرها في رساله" انه يريد أن يراها مثل الفتيات... ف ملابسها تشبه المجندين".
ارتدته حانقه ولم تهتم بلونه.
فتفصيلته كانت انيقه وهادئه ولم تربط الأمور ببعضها فقد اتفق معها انه اخر لقاء بينهم.
- اه يابن...
كادت ان تسبه لتسمع صوته العابث.
- ليست اخلاق المصرين يا امرأه.
أشتاطت سماح غصباً وألتفت نحوه تجز على أسنانها.
- ياشيخ انت طلعتلي منين قولي... كانت مهمه سوده وسفريه سوده... قولي انت مجنون.
ضحك سهيل بصخب فألتفت الأعين عليهم ليميل نحوها هامساً.
- اخفضي صوتك ياعروسه.
أغمضت عيناها بقوه تستعيد هدوئها الذي فقدته.
- ياكابتن سهيل قولي بس أنت فيك حاجه مش طبيعيه... في لاعب كره مشهور والمعجبين حواليه كتير وعنده بنات بلده وبنات لندن ويجي يتجوز واحده اول مره يقابلها.
طالعها سهيل بنظرات تفحصها.
- أنتي المطلوبه سماح.
وقبل ان يتركها هتفت حانقه.
- على فكره انا مطلقه واكبر منك بشهور كمان.
وضعت يداها على وسطها لتتسع ابتسامته.
- لا بأس عزيزتي لست رجل اخرق لاهتم بتلك الأمور.
سار خطوتان لتجذبه من ذراعه.
- أنهى المهزله ديه بدل ما افضحك.
تجه بعيناه نحوها يرمقها.
- افعليها سماح وسأقضي على مستقبلك بالصحافة عزيزتي.
***
خرجت هناء من غرفتها تُدندن وترتدي حذائها على عجله.
وجدته يقف أمام الشرفه ينهي قهوته قبل ذهابه للشركه.
فألتف نحوها.
- رايحه فين.
رفعت هناء احد حاجبيها مستنكره سؤاله.
- ما انا قولتلك ياابن عمي... عندي مقابله عمل.
واقتربت من المائده التي جهزت الفطور عليها قبل أن تذهب لغرفتها كي ترتدي ملابسها.
ألتقطت احدي اللقم ليقترب منها حانقاً.
- قولت مافيش شغل ياهناء... والسنه اللي هنعيشها مع بعض انتي ملزومه مني.
تناولت لقمتها المغموسه بالجبن بتلذذ.
- شكرا.. انا بحب اصرف على نفسي.
احتلت عيناه عليها فجذبها نحوه غاضباً.
- ايه البرود اللي بقيتي في ده.. انا لسا جوزك.
استنكرت الكلمه بآلم واشاحت وجهها بعيداً عنه.
- سيبني يامراد اشوف حياتي ومتبقاش قتلتني من كل اتجاه... ومتخافش انا متربيه كويس وعارفه حدودي في كل حاجه.
انصرفت بعدها هاربه حتى تختلي بنفسها تبكي على حالها.
لقد ضاعت فرحتها معه.
***
كان عرس عائلي بسيط يضم اهل مها وبعض جيرانها.
أراد أن يفرحها بكل شئ.
فستان عرس وحديقه مزينه.
المال يُسرع كل شئ وهو لديه منه.
كان سالم يقف بجانب زوجته بحقد.
- لا اختك حظها من السما.
طالعته ماجدة مبتسمه.
- مها طيبه واهي خلصت مني ومنك... ربنا يسامحني على اللي عملته فيها.
رمقها سالم ساخراً وعيناه تتأمل فخامه المكان متمتماً "ابن المحظوظه اخدك ومهموش حاجه".
تعلقت عين ناديه ب ياقوت التي أتت للحفل العائلي هي وشقيقتها ياسمين التي تُلازمها دوماً أوامر من زوجه ابيها ولكنها كانت سعيده بقرب شقيقتها.
- اهلا ياحببتي نورتي.
قبلتها ناديه وغضبت عندما رأت نظرات ندي نحوها وقد اشاحت عيناها عنها غير مرحبه.
لم تنتبه ياقوت لفعلتها ولكن ناديه انتبهت.
- عن اذنك يا ياقوت ثواني.
بسترتها وأتجهت نحو ندي.
فبحثت ياقوت عن هناء تتمنى ان تراها فأكثر شئ جلبها لهنا هي رؤية صديقتها.
تنهدت وهي تُطالع البعض ثم نظرت لشقيقتها المبهوره بالمكان.
- شكل هناء مجتش... كان نفسي اشوفها واطمن عليها.
ووجدت ناديه تقترب منها ثانيه.
- تعالي معايا يا ياقوت.
نظرت لها ياقوت مستفهمه.
- اجي معاكي فين.
فأبتسمت ناديه وهي تسحبها خلفها وهتفت بأسم ابنتها.
- تقي خدي ياسمين عند العروسه.
ابتسمت ياسمين بحماس لرؤية العروس ولم تهتم لنظرات ياقوت بأن تبقى معها.
فوجدت ياقوت نفسها تصعد الدرج خلف ناديه.
- احنا رايحين فين.
لم تتحدث ناديه بشئ.
الي ان وجدت حالها تقف في ممر به غرفتان لتلتف نحوها ناديه مبتسمه.
- ادخلي يا ياقوت.
بسطالتها ياقوت ثم دارت بعيناها يمينا ويساراً.
- ادخل فين... معلش انا عايزه انزل.
ضحكت ناديه بمكر ودفعتها لداخل الغرفه.
- ادخلي شوفي جوزك واهتمي بيه.
ولم تمهلها الوقت لتستعب الموقف ومكانها.
لتجد الباب يُغلق.
- ابله ناديه افتحي الباب.
اتسعت ابتسامه ناديه بزهو وظلت واقفه الي ان رأت توقف حركة مقبض الباب.
ففتحت الباب مجدداً برفق حتي لا تسمع حركة المفتاح وتظن انه مازال مغلقت.
تعلقت عين ياقوت بالغرفه تتنهد بتعب.
الي ان لفت نظرها صورة حمزة وأسرته بجانب الفراش لتلتقط الصوره وتتأمل ملامحه وملامح سوسن.
نست أمر الباب ووجودها بالغرفه وظلت تنظر لضحكتهم بالصوره.
ارتجف قلبها وهي تسمع صوته الرجولي.
- ياقوت.
اتسعت حدقتيها لتلتف نحوه ببطئ بعدما وضعت الصورة مكانها بأيد مُرتجفه.
وكانت صدمتها الأخرى وهو يقترب منها بالمنشفه التي تُحاوط خصره والمياه تتقطر على صدره العاري.
- انا... ارجوك ابعد.
استمتع بتوترها وغلق عيناها.
- مقولتيش بتعملي ايه في اوضتي يا ياقوت.
لتزداد سرعه أنفاسها.
- ابله ناديه جبتني هنا... ارجوك طلعني من الاوضه مينفعش كده.
واردفت بأرتجاف.
- ابعد متقربش.
لم يزيده رجائها وخوفها منه إلا عناداً لتشعر بذراعيه تأسرها.
ففتحت عيناها لتتلاقي بعيناه وانفاسه تلفح وجهها بدفئهما.
رواية للقدر حكاية الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهام صادق
تجمدت أطرافها وانكمشت على حالها وهي تشعر بعبق أنفاسه داخلها.
دقيقة مرت وهو ينظر إلى جسدها الذي يرتجف من قربها.
شاح وجهه بعيداً عنها مُتمتماً بجمود:
- اخرجي يا ياقوت.
فرت من أمامه دون كلمة نحو الباب لتقبض على مقبضه فتجده يُفتح بسهولة معها.
دارت بعينيها نحوه لتجده مازال على وقفته وظهره مُقابل لها.
لتسرع في خطاها نحو الدرج فتعلقت عيناها بأعين مريم التي كانت تصعد لأعلى.
رمقتها مريم بنظرات جامدة.
فابتسمت لها بابتسامة تُداري خلفها ارتباكها.
ولكن مريم لم تُقابلها إلا بإشاحة عينيها عنها، زافرة أنفاسها بحنق تتوعد لها داخلها.
أكملت خطاها لأسفل وهي تلتقط أنفاسها وقلبها يخفق بقوة من تلك المشاعر التي لم تعشها من قبل.
كل شيء كان جديداً عليها وما هي إلا أنثى أرادت أن تنعم بحنان فقدته منذ طفولتها.
ولم يكن الحرمان إلا بسبب انفصال الوالدين.
تنهد حمزة وهو ينثر عطره بعد أن أنهى ارتداء ملابسه بملامح جامدة كلما تذكر خوفها منه.
سمع طرقات خافتة على باب غرفته.
ليجد مريم تقف على أعتاب الغرفة تطوي ساعديها أمامها وتُطالعه بابتسامة واسعة.
- إيه الجمال ده يا سي بابا.
ارتخت ملامحه سريعاً فور أن سمع صوت صغيرته، فالتف نحوها يرمقها ضاحكاً.
- كبرتي وبقيتي بكاشة.
ابتسمت بسعادة واقتربت منه.
ليسمع صوت شهاب خلفها يحثه على النزول.
تععلقت مريم بذراع حمزة ليضحك شهاب.
- أنا مش عارف هنجوزك إزاي.
زمت مريم شفتيها عبوساً.
فضحك حمزة على تذمرها.
- مش وقت الكلام ده يا شهاب.
مريم لسه قدامها مستقبل.
تراقصت ملامحها بسعادة وطالعت شهاب تُخرج له لسانها.
وما كان من شهاب إلا أنه عبس بوجهه متذمراً مُخرجاً لها لسانه مثلما فعلت.
***
تعلقت عين نادية بشقيقها وفور أن وجدته يتقدم منها أشاحت عيناها بعيداً عنه تُداري حالها من نظراته الثاقبة.
- ممكن أفهم إيه اللي عملتيه ده.
تنحنت نادية بهدوء والتفت نحوه بثبات ترسم فوق شفتيها ابتسامة واسعة.
- أنا عملت إيه يا حمزة.
ارتكزت عيناه نحو ياقوت التي وقفت مع فؤاد زوج شقيقته يتحدثون.
ثم التقطت منه الهاتف بعد أن حادث أحدهم فأعطاها الهاتف.
- عينك هتطلع عليها ومتابع كل خطواتها.
مع أن سهل عليك تقربها منك.
تكتفت بها نادية وطالعته بمكر تتفنن فيه.
لتحتد نظراته نحوها.
- نادية بلاش شغل الستات ده.
ضحكت بشقاوة رغم سنوات عمرها الأربعين وابتعدت عنه تشكر نفسها عما قدمته.
تنهد بمقت وعيناه تُلاحقها في كل مكان.
ولكنه لا يستطيع أن يتحرك نحوها.
فقيود الواجب والعائلة كانت في عرفه هي الأساس.
اتجهت ياقوت لأحد الأماكن الجانبية تتحدث مع صديقتها وهي لا تُصدق أنها أخيراً أجابت عليها.
- كده يا هناء.
اتجوزتي والجواز أخدك مني.
حتى محولتيش تسألي عني.
غمضت هناء عيناها وهي تسمع عتاب صديقتها وتنظر لمراد الذي أعطاها ظهره بعدما ناولها الهاتف حتى تُحادث صديقتها.
- متزعليش مني يا ياقوت.
حقك عليا.
وخطت بقدميها نحو غرفتها لتأخذ حريتها في الحديث.
- حاجات كتير حصلت معايا وكان غصب عني.
ترقرق الدموع في عينيها وهي تود أن تخرج كل ما يثقل على روحها من ألم.
تمالكت حالها بصعوبة تعض على شفتيها.
- هناء انتي فيكي حاجة.
قلبي حاسس إنك تعبانة.
جالت عين هناء بالغرفة وهي لا تقوى على كتم حزنها.
- لا أنا كويسة يا ياقوت متخافيش.
نسيت أباركلك يا حبيبتي.
متعرفيش أنا فرحانة قد إيه.
ويوم الفرح هتلاقيني عندك.
تعلقت عين ياقوت بحمزة الذي أخذ يقترب منها ببطء.
- هستناكي يا هناء.
أوعي تسبيني اليوم ده لوحدي.
وساعتها هعرف إيه اللي مخبياه عني.
انتهت المكالمة.
لتنظر هناء نحو الهاتف ثم غادرت غرفتها.
وجدته يجلس على الأريكة يضع حاسوبه فوق ساقيه.
فوضعت الهاتف أمامه متمتمة.
- شكراً.
واستدارت بجسدها عائدة لغرفتها.
ولكن وقفت متذكرة أمر العمل الذي قُبلت فيه وستبدأ من الغد.
ألفتت نحوه لتجده يحدق بها بصمت يود الحديث معها ولكن كبرياؤه يمنعه.
- بكرة هبدأ أول يوم شغل.
ولم تنتظر سماع رده واندفعت نحو غرفتها.
لتفزع من صوته.
- هناء أنا صابر عليكي وبقول حقها تزعل.
بس متزوديهاش.
طالعته بهدوء تنظر إليه وجلست على فراشها.
- أول مرة أشوف ابن عم بيحاكم بنت عمه عشان عايزة تشتغل وتشوف مستقبله.
تجمدت ملامحه بضيق من نسيانها أنها زوجته.
- هناء افهمي كلامك كويس.
ضاقت عيناها وانتفضت من فوق الفراش ترمقه بحقد.
- انت أناني.
عارف يعني إيه أناني.
أنا مش عارفة إزاي كنت بحب واحد زيك.
طعنت كلماتها رجولته وآلمت هيئتها.
وقبل أن يهتف بشيء.
اقتربت منه تدفعه على صدره.
- ياريتك فضلت مسافر ومرجعتش.
ياريتني ما حلمت بيك.
أغمض عيناه وهو يسمعها.
ولأول مرة يُدرك أنه أكبر خاسر.
***
أطرقت ياقوت عيناها خجلاً عندما وجدته يقترب منها.
ولكن أوقفه في البداية أحدهم يتحدث معه.
فركت يداها بتوتر تنتظر قدومه.
لتجد مريم تتعلق بذراعه ثم جذبته نحو العروسين والتجمع العائلي الخاص بهم.
وما كانت هي إلا الطرف المنبوذ.
تجمدت عيناها على المشهد بألم.
اقتربت منها ياسمين تزفر أنفاسها بملل.
- ياقوت أنا عايزة أروح.
زهقت.
طالعتها وهي لا تعرف من سيعود بهم إلى بلدتهم.
نظرت حولها ونظرت لملامح شقيقتها المستاءة.
- ياقوت اتصرفي.
وشوفي حمزة خلينا نروح.
خشيت أن تذهب إليه ولكن إلحاح شقيقتها جعلها تخطو نحوه بخطوات مُرتبكة وكأنه ليس لها وليست له وإنما هي كالغريبة.
تقدمت نحوه بتوتر ولكن وجدت مريم تقطع عليها الطريق وتقترب منها.
الكل ظن أنها تتحدث معها وتُرحب بها وستبدء بينهم صداقة.
أجدت الصغيرة رسم ابتسامة واسعة فوق شفتيها حتى هي فرحت بقربها وبابتسامتها الودودة وسيتجاوزوا ذلك الكره ويصبحوا عائلة واحدة.
ولكن كان خلف تلك الابتسامة قناعاً آخر ظهر مع لذعات لسانها.
- لو رايحة لبابا ياريت بلاش لأنه مش فاضيلكوا.
أشارت نحو شقيقها وحمزة وندى ونادية التي كانت تتابع الموقف وهي تتمنى أن تعتاد مريم على ياقوت.
- شايفة محدش فاضيلك إزاي.
حتى الجو عندنا مش لايق عليكي.
ألقت عباراتها ثم انصرفت تبتسم بفخر عما حققته.
لتتعلق عين ياقوت بها ذهولاً غير مصدقة أن فتاة بعمرها تتحدث وكأنها امرأة ماكرة تعرف صب سمومها.
بلعت غصتها بمرارة وابتسمت كي تُداري كسرتها.
وفي دقائق كانت تسحب يد شقيقتها وتُغادر المكان.
لتنفض ياسمين يدها تسألها.
- ياقوت ماتردي عليا هنروح إزاي.
تنهدت بأنفاس مُثقله وهي تلتف حولها وكل ما تريده أن تُغادر المكان.
لتنظر أمامها بخيبة.
تهللت أسارير ياسمين وهي تجد حمزة يقترب منهم.
أما هي أشاحت عيناها عنه.
شهقت وهو يجذبها من مرفقها دون كلمة مُعتذراً من شقيقتها.
- ممكن أفهم ليه سبتي الحفلة.
مع أن مريم طلبت منك تيجي تتصوري معانا وتُباركي لشريف.
اتسعت عيناها وكادت أن تهتف موضحة له أنها لم تُخبرها بشيء هكذا.
إنما هي من أخبرتها أن تبتعد عنهم أو تزعجهم.
- مش مضطرة تقبلي أي دعوة من عيلتي يا ياقوت.
مدام مش هتكوني مبسوطة.
واتمنى تحترميهم وتعامليهم كأنهم عيلتك.
ألقى عبارته الأخيرة وكأنه يُحذرها من الإساءة لعائلته.
فابتلعت عبارات دفاعها عن نفسها.
فالاتهام قد سقط عليها وأصبحت هي المُذنبة.
واتقنت الصغيرة لعبتها وانتهى الأمر.
- ممكن أمشي عشان ترجع لعيلتك وميفتكروش إني باخدك منهم.
رمقها بنظرة طويلة.
أما هي كانت تقف تتمالك دموعها تعض باطن خدها كي لا تبكي أمامه.
***
قادها برفق نحو الفراش والسعادة كانت مرسومة فوق شفتيه.
كل شيء تم سريعاً ولكن وقت أن يصبحوا معاً قد جاء.
كانت خائفة وبقدر خوفها كانت سعيدة.
- مها.
همس اسمها برقة وجلس جانبها ينظر لملامح وجهها الناعمة يشبع عيناه منها.
أغمضت عيناها بخجل.
فابتسم وهو يضمها إليه.
- تعرفي إنك جميلة أوي.
حررت جفونها من غلقهما وفتحت عيناها تسأله.
- بجد أنا جميلة يا شريف.
أنا طالعة حلوة.
تنهد وهو يشعر بالألم اتجاهها.
يقسم أنه سيفعل كل شيء حتى يعود لها بصرها إذا كان مقدر لها.
وإن لم يكن لن يتركها مهما حدث.
- انتي أجمل بنت شافتها عيوني.
ده انتي كتير عليا.
الناس النهاردة كانت بتشاور وتقول إزاي العروسة الحلوة دي تتجوز الوحش ده.
ابتسمت وهي تتذكر أحاديث البعض.
كيف العمياء تتزوج بمثله.
ولكنه لم ترغب أن تخبره بما سمعته فقد اعتادت على أقوال البعض دون رحمة.
- أنا بحبك أوي يا شريف.
ورفعت يدها نحو صدره تبحث عن دقات قلبه.
لتستقر كفها على موضع قلبه.
- أنا حبيت ده.
حبيت قلب شريف.
لم يتمالك شريف نفسه يداه جالت على جسدها بعبث.
ولكن مع لمساته كانت تتذكر أيد سالم التي كانت تعبث بجسدها.
سقطت دموعها ويداها تدفعه عنها.
فابتعد عنها قلقاً.
- مالك يا مها.
انكمشت على نفسها وضمت جسدها بذراعيها تهتف بخوف.
- متعملش زيه.
متعملش زيه.
وانختمت ليلتهم بتلك الجملة التي جعلت عيناه تجحظ على وسعهما وكلام المرأة التي قادته لغرفتها ذلك اليوم يتردد في أذنيه.
"طالع يتسحب على السلالم بليل.
وبيتلفت حواليه وهو واد بتاع مزاج."
***
بدأت هناء عملها كموظفة استقبال في أحد الفنادق الكبرى بمدينة الإسكندرية.
لم تطلب مساعدة عمها الذي كان من الممكن أن يجد لها وظيفة أفضل.
إلا أنها قررت أن تعتمد على حالها وتبدأ المشوار وتخوض كل شيء بنفسها حتى تواجه حياتها القادمة.
لم يعلم مراد بمكان عملها ورضخ لإصرارها بعدما انهارت أمامه تلك الليلة.
ابتسمت ابتسامة لطيفة عندما وقف أمامها أحد نزلاء الفندق يطلب منها أن تستدعي له سيارة أجرة.
كان المدير يراقبها من بعيد ليتقدم منها فتوترت من وجوده وحصار نظراته عليها.
- أفندم يامستر خالد.
تعلقت عين خالد بها ثم انصرف دون كلمة.
فرفعت إحدى طرفي شفتيها مُستنكرة فعلته.
***
اتسعت عين ياقوت دون تصديق لتمسح يداها من الأتربة التي تعلقت بهما من أثر تنظيف المنزل.
- سماح.
أنا مش مصدقة إنك هنا.
ضمتها سماح باشتياق تُعاتبها.
- معرفتش أوصل ليكي.
فقولت أجيلك بنفسي البلد.
طالعتها ياقوت بسعادة.
- انتي رجعتي إمتى من مهمتك.
نظرت لها سماح ثم تعلقت عيناها بداخل المنزل مُتسائلة.
- انتي هتسبيني واقفة على الباب يابنتى.
ارتبكت ياقوت وهي تخشى أن تحرجها زوجة أبيها.
ولكن سناء تقدمت منهم.
- مين يا ياقوت.
عرفتها سماح عنها.
لتلقفها سناء بين ذراعيها مُرحبة بها.
- أهلاً يا حبيبتي نورتينا.
ونظرت إلى ياقوت تُعاتبها وترمي بسمومها.
- كده تسيبي صاحبتك على الباب يا ياقوت.
أصل ياقوت مبتفهمش في الأصول.
رمقت سماح صديقتها وتعبيرات وجهها التي اخذت تتغير مع عبارات سناء التي كانت كالبلسم أمامها.
- اتفضلي يا بنتي.
ودفعت ياقوت من أمامها هاتفه.
- روحي يلا يا ياقوت اعملي عصير.
اتجاهت أنظار ياقوت نحو صديقتها التي أخذتها سناء.
تتنهد بيأس من أفعال زوجة أبيها.
فاللُطف لا يأتي إلا مع الغرباء.
إنما معها لا تريها إلا السواد.
تُدفعها الثمن كل يوم من خدمة في البيت حتى تنام وهي لا تشعر بحالها.
والكلمة التي اعتادت عليها هذه الأيام.
"اعملي بلقمتك الأيام دي يابنت صباح.
ولا انتي هتشوفي نفسك علينا من دلوقتي.
يلا أه بكرة تتجوزي وترجعيلنا بشنطة هدومك ويا خوفي ترجعيلنا بعيل."
تلقى عباراتها كل ليلة وهي تلوي شفتيها بتهكم.
وكأنها تنتظر فشل تلك الزيجة.
أعدت أكواب العصير.
لتجد سماح قد اندمجت معها في الحديث.
- اتفضلي يا سماح العصير.
اتفضلي يا مرات أبويا.
وناولت سماح الكوب كما تناولت سناء.
وقبل أن تجلس هتفت بها.
- إيه ده انتي هتقعدي يا ياقوت.
مش عيب كده قومي ادبحي دكر بط انتي وياسمين من فوق السطح واطبخي لصاحبتك.
ورغم اعتراض سماح إلا أن أمر سناء قد تم وحشرت هي وشقيقتها في الدبح والتنظيف والطبخ حتى هلكت.
***
دبت سماح على معدتها وهي تجلس على الفراش الذي تحتويه الغرفة.
- بس مرات أبوكي دي ست كريمة أوي يابت يا ياقوت.
فابتسمت ياقوت وهي تقترب منها لتهمس سماح.
- شكلك انتي المفترية.
تنهدت ياقوت وهي تفكر أن صديقتها تظنها كاذبة.
ولكن سماح لم تكن سهلة.
- أنتي اللي طيبة يا سماح.
ضحكت سماح وهي توقظها على ذراعها هاتفه.
- انتي اللي هبلة وعلى نياتك.
وارتمت سماح بين ذراعيها تحضنها بقوة.
- أنا مسافرة لندن يا ياقوت.
وأغمضت عيناها مُتذكرة تلك الليلة التي جعلها سهيل تخضع لأمر الزواج ليتم الأمر.
واتضحت لها الحكاية أن سهيل يفعل ذلك من أجل حبيبة شقيقه التي تحبه هو وتسعى لتوقيعه لتناله.
أخبرها عن حاله شقيقه الصحية وعجزه بعد أن أصابه الشلل.
وتلك المُخادعة التي يُحبها تسعى نحوه وتضعه كهدف وتتلاعب بشقيقه حتى تصل إليه.
والحل أخبره به أحد أصدقائه أن يتزوج زواجاً مؤقتاً بشروط ومن فتاة بعيدة عن عالمه حتى لا تزعجه ثانية حيناً ينفصل عنها ويمضي الأمر.
وتفقد "جين" اللعينة الأمل بهدر خطته.
واستجاب لافكار صديقه واقحمها هي بكل وقاحة لتتقبل الحكاية بعناد ورغبة في الانتقام منه على لعبته الدنيئة التي أقحمها بها دون أن يفكر فيها.
وخرج صوتها بثقل.
- أنا اتجوزت يا ياقوت.
لتبتعد عنها ياقوت فزعاً.
- اتجوزتي.
ماهو.
ضحكت سماح وهي تتذكر ماهر الذي أرسلت له صورة زواجها من سهيل.
- ماهر ده خاين.
لا أنا اتجوزت سهيل نايف.
لتنظر إليها ياقوت وهي لا تستوعب الحكاية.
- لاعب الكورة.
إزاي ده حصل.
فزفرت سماح أنفاسها بقوة وشاكستها.
- أهي أقدار.
زيك كده مع حمزة الزهدي البعبع اللي كان بيرعبك.
***
نظرت صفا إلى الإسطبل الذي تعبئه القاذورات.
فطالعت عنتر الذي وقف يرمقها بجمود.
- هنفضل كتير كده.
ما يلا يا ختي ابدأي التنضيف.
طالعته صفا بصمت ثم حملت الأدوات التي أعطاها لها.
لتبدأ في مهمتها باكية واعين عنتر تُتابعها.
ثم انصرف لغرفة مكتب فرات.
- أي أوامر تانية يا فرات بيه.
طالع فرات بعدما مد ساقيه بتعب وارخي ظهره على مقعده.
- كفاية عليها شغل لحد كده.
تنهد عنتر من صمودها.
- ما تطردها يابيه من نفسك ونخلص.
احتلت عين فرات.
فأطرق عنتر عيناه أرضاً.
- روح شوف شغلك.
غادر عنتر.
لينهض من فوق مقعده تاركاً عصاه التي تشعره بعجزه.
تحمل على قدميه وسار نحو الشرفة شارداً في مكالمة شقيقته تبكي له عن غضب عزيز عليها وإهماله لها وأولادها منذ أن اختفت صفا.
تترجاه أن ينفيها بعيداً حتى لو لزم الأمر وبعثها لبلد أخرى خارج مصر.
***
ضاقت عين شهاب بغضب وهو ينظر لندى التي رفضت الذهاب لحضور العرس في بلدة ياقوت.
فقد اقترح فؤاد عليهم أن يقيموا العرس في منزل شقيقه بعد أن حدث إعصار حين طالبت نادية أن يفعل شقيقها عرسًا.
- ندي اعقلي كده وجهزي نفسك عشان نسافر.
أنا متحمل اعتراضك على جواز حمزة وأقول معلش مهما كان أخته.
وأردف بضيق.
- ما انتوا أه حبيتوا مها.
اشمعنا يا ياقوت.
فصاحت به باكية.
- مش قادرة يا شهاب.
سوسن مكنتش أختي بس.
دي أمي.
مش قادرة أتخيل إنه هيبقى لواحدة غيرها.
أحضر فرحه إزاي مش كفاية قبلنا.
تجمدت ملامحه وهو يرمقها.
- دي اسمها أنانية.
والمفروض تكوني ناضجة عن كده يا ندي.
طب مريم ولسا صغيرة مش فاهمة حاجة.
أما انتي.
آخر كلام تجهزي.
وإلا هتصرف تصرف مش هيعجبك يا هانم.
تركها بعد أن ضاقت أنفاسه من ذلك الجدال الذي صار محور حياتهم كلما اقترب موعد العرس.
تجلس فوق فراشها متنهدة.
وبعد تفكير نهضت لتُرتب حاجتهم.
فالأمر قد انتهى.
***
نظرت ياقوت لكل من سماح وياسمين وهناء الملتفون حولها بحبولم يتركوها ذلك اليوم.
لم تسافر سماح رغم سفر سهيل لبدء تدريباته واقتراب موعد الدوري الإنجليزي.
أرادت أن تنهي متعلقاتها وتستعد للمواجهة ونيل حقها منه بعد أن ظن أنها لقمة سهلة المنال.
أما هناء كانت تؤلمها تلك اللحظة ورغم إصرار ياقوت عليها أن تخبرها أن تحكي لها ما يُحزنها إلا أنها لم ترغب في أحزانها تلك الليلة.
تأملتها هناء بسعادة.
- طالعة قمر يا ياقوت.
فطالعت زينة وجهها مُتسائلة.
- المكياج مش تقيل شوية.
لتنظر سماح لوجهها.
- لا خالص.
أنا مش عارفة ليه مروحتش الكوافير ولا في صوت حتى أغاني ولا حاجة.
ده ولا كأننا في عز فرح.
تنهدت بألم وهي تتذكر موت زوجة عم زوجة أبيها.
فقلبت الدنيا عليها ولم ترغب بفعل عرس لها.
إلا أن والدها وقف لها ومع مساعده السيد مهاب ومحبته لها قرروا أن يفعلوا العرس في منزله.
- متقلقيش يا سماح أنا مجهزة البنات في بيتنا وهنرقص للصبح.
تفتحت هناء بسعادة وقد نست كل آلامها مع فرحة صديقتها.
وفجأة شهقوا حين دلفت زوجة أبيها فجأة مرتدية السواد.
لتظهر من خلفها نادية المبتسمة ووالدتها التي سمح لها أخيراً زوجها أن تأتي لها كالأغراب.
فمنذ رفضها لابن شقيقه مرة أخرى وازداد بغضه عليها وبغضه لم يأتي إلا في صورة حرمانها من والدتها في لحظات حياتها التي لا تُنسى.
***
بدأ العرس وقد كان كما أخبرتها هناء.
وقامت سماح بالواجب وما أعطا لهم الحرية أن العرس كان منفصلاً.
فالنساء بالأعلى والرجال بالأسفل في غرفة الضيافة الواسعة.
رقصت هناء حتى قطعت أنفاسها ولم تنتبه لتقي التي ألتقطت لها بعض الصور وسجلت لها فيديو لرقصها مُقررة أنها ستبعثهم لشقيقها حتى يرى زوجته.
أما ندي جلست وبجانبها مها ومريم التي تنظر نحو ياقوت بغضب.
رغم رغبة مها في التهليل مع الفتيات إلا أن كلامهم عنها كان له تأثير.
أخبروها بعدم فرحتهم وأن ياقوت ماهي إلا فتاة لاعوب ساعدوها لتعمل ثم وضعت شباكها على حمزة الذي كان عازفاً عن الزواج.
فرحت ياقوت من قلبها لأنها ستتخلص من أسر زوجة أبيها.
فلم تجد في الزواج إلا نيل حريتها رغم خوفها.
وما أراحها قليلاً أنها ستعيش بشقة خاصة بها بعيدة عنهم وهذا ما تمنته.
ومع طمأنينة نادية ومعاملتها الحسنة وأخبار سلوى لها عن حنان حمزة مع زوجته الأولى وأبناء زوجته كانت تنفض مخاوفها وتتبع قلبها.
وانتهى العرس أخيراً.
وبدأت حياة جديدة لها معه.
***
دلفت للشقة الواسعة بخطوات مُرتبكة تطرق عيناها أرضاً تشعر بالنعاس والتعب.
تقدم أمامها ليُضيء أنوار المكان.
لتظهر لها الشقة بأثاثها وجمالها العصري.
أغلق الباب لتنتفض فأقترب منها يرفع ذقنها.
- بصيلي يا ياقوت.
رفعت عيناها نحوه خجلاً ليميل على جبينها يلثمه.
- مبروك.
حررت أنفاسها أخيراً فلم تعد تقوى على حبسها.
ليبتعد عنها.
- مالك يا ياقوت.
طالعته بتوتر وخرج صوتها مذبذباً.
- مافيش.
وألتفت حوله تسأله.
- هو إحنا مينفعش نفتح الباب.
تجلجلت ضحكاته بقوة مُحركاً رأسه.
- للأسف مينفعش يا ياقوت.
ومازحها ومازال يضحك.
- ممكن نتسرق.
عبست من ضحكاته وأشاحت عيناها عنه.
تبحث عن مكان تخرج فيه حتى تلتقط أنفاسها.
لتسقط عيناها نحو الشرفة فحملت فستانها وسارت تحت نظراته المتعجبة لفعلتها.
وقف يتأملها كيف تستنشق الهواء ثم تزفره وتكرر فعلتها مرة تلو الأخرى.
طوى ساعديه أمام صدره يُطالعها.
إلى أن ألتفت بجسدها لتجده يُحدق بها فتمتمت بخجل وهي تخفض عيناها حرجاً.
- في حاجة.
بتبصلي كده ليه.
ابتسم وهو يقترب منها وألتقط كفوفها الباردة.
- في أن الجو بارد ويلا ادخلي عشان متبرديش.
دلف بها من الشرفة.
وأغلق الشرفة جيداً لينظر لها وهي تهرب بعينيها بعيداً عنه.
ولم تشعر إلا وهو يضم وجهها بين كفوفه ثم حرر وجهها لتشهق وهي تجده يحملها بين ذراعيه.
يتبع بأذن الله