تحميل رواية «للقدر حكاية» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتقلت عيناه ببطء بين تلك التي تجلس منزويه في ركن بعيد تضم طفليها إليها، طفلة لم تتجاوز الخمس أعوام وآخر قد بلغ للتو عامه الثاني عشر. وبين وثيقة الزواج التي أمامه، ليرفع رأسه قليلًا فيجد أحدهم يُطالعه برجاء وأمل. دار عقله في كل أحداث ذلك العام منذ بدايته. زيه الرسمي للضباط، والسلاح الذي بحوزته، واسمه الذي كان يندرج ضمن ضباط الشرطة، وصوت رئيسه يخبره بقسوة: "أنت مرفوض يا حضرة الظابط.. سلم كل متعلقاتك". وصوت آخر يأتي: "لو عايز ترد الجميل اتجوز بنتي". صراع داخله كان قوي، وعادت عيناه تنتقل لتلك الأرم...
رواية للقدر حكاية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام صادق
هتافها الخافت وصل لمسمعه فوقف دون أن يستدير لها.
ظنت أنه سيلتفت نحوها ولكنه ظل ثابتاً مكانه منتظراً أن تُخبره بما تريد.
خطوات خطتها ببطء حتى صارت أمامه لتخفض عيناها خجلاً تُطالع طرفي فستانها.
"السلفة أكيد هتتخصم من المرتب مش كده؟"
جالت عيناه بتدقيق على ملامحها، لا يعلم لما تشعره بالماضي. نفس أفعال صفا قديماً، الخجل، التوتر، الارتباك. ونظرة عيناها الضائعة.
وعندما طال صمته رفعت عيناها بتوتر نحوه. وكانت كنظرتها تماماً نظرة تحمل الحزن، نظرة تطلب الحماية والدعم.
قبضة مؤلمة جثمت على قلبه من تذكر الماضي الذي بدأ يتذكره منذ أن عرف بهوية صاحبة الخطابات التي كانت تُرسل إليه.
"حمزة بيه، حضرتك سامعني؟"
سؤالها أفاقه من حالة الشرود التي انتابته، ليعود إلى غطرسته المعهودة. ورفع كفه نحو جانب خده يمسح عليه.
"أكيد يا آنسة."
ثم نظر إليها يسألها بلامبالاة.
"أنتي اسمك إيه؟"
تورّدت وجنتاها وهربت بعيناها بعيداً عن نظراته الثاقبة نحوها.
"ياقوت."
اسمها كان يعرفه، ولكن أراد أن يسمعه منها.
وخطوة تخطاها للأمام ليقف على صوتها مجدداً. ولكن تلك المرة كان صوتها مصحوباً بابتسامة صادقة ممتنة لم يستطع عقله التشكيك في نواياها.
"شكراً."
قالتها وانصرفت على الفور دون كلمة أخرى.
عيناه رصدتها بتروٍ. ومن بعيد كانت نادية تُطالع المشهد متعجبة.
***
سعت وراء حلم كانت تعرف لعنته. وجاء اليوم الذي اكتمل فيه زواجهم. وانتهى الحب الذي تمنته بالزواج والحفل السعيد وثوب الزفاف.
السعادة التي تمنتها لم تشعر بها معه. فالفرحة أصبحت ناقصة كلما عاد الحديث الذي سمعته عنها يغرز سهامه بقلبها.
قبلات متفرقة حاوط بها وجهها، ويداه أخذت تجول بحرية على منحنيات جسدها. وصَدَى الكلمات يتردد في أذنيها:
"جوازنا هيتنهي على التقدير والاحترام، وده كفاية أوي."
الكلمة الأخيرة أخذت تجثم على روحها. يبخل عليها بكلمة حب ويرى ما يقدمه لها ما هو إلا كافٍ. وهي كانت عطشى لكلمة واحدة أعطتها له ولم تنالها.
"كنتي جميلة أوي النهاردة."
وعادت شفتيه تلثم خدها.
"طالعة زي القمر."
عيناها انفتحت على وسعهما. لتبتعد عنه بعدما تملكت ضعفها معه.
فنظر لانتفاضها من بين ذراعيه متعجباً.
"مالك يا ندي؟"
رمقته بنظرة طويلة تحمل اللوم والألم. وحملت فستان زفافها واتجهت نحو الفراش الواسع في الجناح الذي تم حجزه تلك الليلة وجلست بهدوء.
"مالي يا شهاب؟ أنا كويسة أه."
فأبتسم واقترب منها. لن يُنكر أنه فتن بها اليوم لحظة رؤيتها بثوب الزفاف. لحظتها شعر بخفقان قلبه بقوة وكأنه لأول مرة يراها.
"لا فيكي حاجة يا ندي. انتي متغيرة من قبل الفرح. في إيه هتخبي على شهاب حبيبك؟"
ألقى كلماته بهدوء وجلس جانبها مُحركاً كفه ببطء على خدها.
أشاحت وجهها عنه تغمض عيناها بقوة.
تجمدت ملامحه وهو يرى نفورها الواضح. فنهض من جانبها صارخاً.
"انتي فيكي إيه؟ قبل الفرح وقولت من الضغط اللي عليها. أما دلوقتي مالك؟"
صوته كان هائجاً. لم يتحمل لحظة نفور واحدة. وهي التي تحملت منه الكثير منذ أن أحبته.
دموعها الحبيسة سقطت دون إرادة. لتنهض صارخة به بقهر.
"متحملتش لحظة رفض واحدة يا شهاب."
وأردفت تتحسر على حالها وترخيصها لنفسها.
"لدرجادي أنا كنت مرخصة نفسي أوي؟"
وطرقت على قلبها وقد فاض بها. وأعادت على مسمعه العبارات التي أخبر بها حمزة.
"حب وتقدير كفاية عليها أوي كده. مش كده يا باشمهندس؟"
الصدمة احتلت ملامحه. لا يصدق أنها سمعت حديثه الأخير مع شقيقه. ولكن ها هو حدث ما لم يتوقعه.
دموعها انسابت على وجنتيها دون توقف. وجسدها ارتجف من شعورها المميت بوحدتها ويتمها الذي لأول مرة تشعر به مع عائلة زوج شقيقتها الراحلة.
"محبتش غيرك ولا عمري شوفت راجل غيرك. حبيتك أوي. بس حتى كلمة حب بخلتها عليا. كان نفسي أتحب منك انت وبس. من قالك إني محستش بعدم حبك ليا؟ بس كنت بكذب على نفسي."
وأردفت تخفي وجهها بين كفيها.
"خدعت نفسي وقلبي."
كان يسمعها وهو يحتقر حاله. يُحبها ولكن حبه من نوع آخر. نوع الاحتلال والأنانية وإشباع الرجولة. ومن دون كلمة جذبها نحوه يضمها إليه بقوة.
"أهدي يا ندي. أنا لو مش عايزك مكنتش اتجوزتك."
فهتفت ببكاء.
"بس محبتنيش."
تنهد وهو يريد أن يخبرها شعوره الحقيقي نحوها. شعوره الذي يجهله.
"الحب بيجي مع العشرة. الحب إحنا اللي بنقدر نزرعه."
الألم جثم أكثر على قلبها وهي تتذكر صورة الفتاة التي كان محتفظاً بصورتها لمدة طويلة رغم زواجها وخطبتهم. ولولا غيرتها وإصرارها عليه ما كان أزالها من جزدانه.
دفعته عنها. ثم أخذت تضرب على صدره بقوة ممزوجة بضعفها.
"أنا بكره نفسي يا شهاب. بكره كل لحظة نفسي اتكسرت فيها بسببك. بكره كل لحظة شحت حبك. كل لحظة شوفت حمزة رافض جوازنا وبيأجله خايف عليا. وبكرهك انت كمان."
ولم يشعر بعدها إلا بانغلاق باب المرحاض بقوة خلفها. ليهوي بجسده فوق الفراش مطأطأ الرأس.
"كان عندك حق يا حمزة."
***
ارتسمت السعادة على شفتيها وهي تتذكر أحداث اليوم معها. واتكأت على جانبها الأيمن.
"طلع لطيف أومال ليه أنا بخاف منه؟"
واستدارت بجسدها لتتكئ على جانبها الآخر.
"فوقي يا ياقوت وبلاش رسم أحلام. طلع لطيف عشان عمل معاكي موقف عادي. وكمان ديه سلفة هتدفعي تمنها من مرتبك."
وتسطحت على ظهرها تلك المرة تُخبر نفسها.
"لو مكنتش سلفة مكنتش هقبلها. ده دين والدين لازم يترد."
كذا مضت ياقوت ليلتها تُحادث نفسها وتفسر لطافة حمزة الزهدي معها، حتى لو كانت لطافته أحاطتها عنجهته وغروره.
***
دلف من الشرفة بعدما وقف لأكثر من ساعة يزفر أنفاسه مُفكراً ببداية ليلتهم التي انتهت عكس ما خططت لها.
وجدها تت دثر نفسها أسفل الغطاء.
"انتي هتنامي؟"
فتحت عيناها لتُطالع هيئته المشعثه. أزرار قميصه مفتوحة للمنتصف، وأزرار أكمام القميص قد أزالها وشمر أكمامه للعلو.
"تفتكر يعني هعمل إيه؟"
أجابته بتهكم ملحوظ. رآه هو. أما هي أجابت على سؤاله كما سأل.
اقترب منها حانقاً.
"ندي بطلي لعب عيال ده. انتي جايه دلوقتي تعاقبيني على حبك؟ انتي بتهزري صح؟"
ملامحها كانت هادئة رغم أن داخلها عكس ذلك. ولكن ستستمع لقرار عقلها حتى ترى ثمار العقل. ولابأس أن تحرم قلبها قليلاً من أحلامه الوردية.
"لعب عيال وبهزر. على العموم شكراً."
وتابعت وهي تهندم خصلات شعرها بأنوثة قصدتها.
"أنا تعبانة وعايزة أنام. ممكن تطفي النور؟"
وقبل أن تدفن رأسها أسفل الوسادة هتفت بتلاعب وهي تراه يبتعد عنها زافراً أنفاسه بغضب.
"عندنا طيارة بكرة بعد الضهر عشان شهر العسل. ولا انت نسيت؟ الواحد محتاج ينام كويس عشان يعرف يستمتع بالسفرية."
وأغمضت عيناها. ليُطالعها بأعين متسعة غير مصدق أن التي أمامه الآن ندي التي كانت تتمنى رضاه وقربه.
***
فتح فؤاد عيناه ليجد نادية مستيقظة والتفكير يشغل بالها. فسألها بنعاس وهو يعتدل في رقدته.
"انتي لسا صاحية يا نادية؟"
انتبهت لصوته ونظرت إليه متسائلة.
"انت صحيت؟"
يضحك على هيئتها. من يراها يشعر وكأنها فتاة في العشرين من عمرها وليست امرأة في سنوات عمرها الأربعين.
"إيه اللي شاغل بالك؟ طول عمرك مدام حاجة شغلاكي مبتعرفيش تنامي."
ابتسمت بدلال ودفعته برفق كي تضع رأسها على صدره.
"حمزة وياقوت يا فؤاد."
تعجب من عباراته وارتفع حاجبه. وقبل أن يتساءل وجدها تخبره بوقوف شقيقها وياقوت خارج قاعة الزفاف.
ضحكة عالية انفرجت من بين شفتي فؤاد.
"مش معقول يا نادية. ياقوت وحمزة. أكيد جري لعقلك حاجة."
وأردف بتعقل.
"أبسط تفسير لوقوفهم سوا أما بتسأله على حاجة أو بيساعدها. أما عقلك بيقوله ده خيال يا حبيبتي."
وعاد يضحك مجدداً. فأبتعدت عنه ترمقه بغضب.
"انت بتضحك على إيه يا فؤاد؟"
جذبها فؤاد نحوه مُحتضناً إياها.
"نادية حمزة استحالة يفكر في ياقوت أو يجمعهم عالم واحد. فنامي يا حبيبتي وانسى اللي بتفكري فيه."
وهكذا باتت نادية ليلتها.
***
ابتسمت مريم وهي ترى حماس صديقتها الجديدة هديل. الصديقة التي كانت يوماً تتنمر عليها. ولكن المصاعب تولد داخلنا أشخاص جدد، بل وترينا معادن الناس الحقيقية.
"الله يا مريم العروسة جميلة أوي والعريس كمان."
قالتها هديل بعفوية وخجل فطري. لتضحك مريم وهي تكمل لها عرض الصور على هاتفها ذو الثمن الباهظ.
"آه لو ندي سمعتك بتقولي على شهاب كده. تاكلك."
فاتسعت ابتسامة هديل ونظرت لباقي الصور. لتقع عيناها على شخصان ومريم تقف بينهم. فأشارت مريم نحوهم باعتزاز.
"ده شريف أخويا. وده بقى يا ستي بابا حمزة."
لمعت عين هديل وهي ترى أسرة مريم الراقية. عيناها كانت تلمع بتمني أن يكون لديها عائلة هكذا. ولكن أمنيتها لم تحمل ضغينة أو حقداً. واتجهت يدها بحسرة نحو ذراعها المكدوم تخفيه ملابسها.
ومن بعيد وقفت رؤى تُطالع ضحكاتهم ببغض وغيره.
***
ضجر حمزة من تصرفات سيلين ودلالها الذي بات يزعجه. لم يرد إزعاجها بكلامه احتراماً وتقديراً لوالدها الذي يقدره. ولكن صدره ضاق وهو يراها اليوم تميل نحوه وقد تعمدت فتح أزرار قميصها الضيق من علو.
رجع بمقعده خطوتان بمقت تاركاً قلم توقيعه.
فأعتدلت سيلين في وقفتها وطالعت تحركه باندهاش.
"في حاجة أزعجتك يا فندم؟"
أغمض حمزة عيناه ثم نهض من فوق مقعده ووقف يُطالع الطريق من نافذة مكتبه.
"سيلين، شغلك هنا انتهى."
تجمدت ملامحها بصدمة واتسعت عيناها وهتفت بنبرة مذبذبة.
"ليه يا فندم؟ أنا عملت تصرف يضايقك؟"
أراد أن يخبرها أنه يمقت أعيب النساء ويفهمها بسهولة. كان يراها في البداية مديرة مكتب رائعة. ولكن عندما دخلت دائرة نادية شقيقته مقت تصرفاتها.
نبرتها المذبذبة وتذكره لاحترامه لوالدها جعله يهتف بنبرة لطيفة بعض الشئ.
"انتي هتتنقلي لفرع الشركة في دبي. أظن ده كان حلمك في البداية."
سقط قراره على مسمعها. فجمدها في وقفتها. فلمعت عيناها بالدموع. فنادية قد أعشمته بزواجها منه.
"بس ده كان زمان. أنا دلوقتي عجبني الشغل هنا."
فهم أفكار شقيقته. فسيلين كما توقع وقعت بحبه بل وأرادته بالفعل.
استدار نحوها ببطء وكانت الحقيقة واضحة على ملامحها.
"مستقبلك أهم يا سيلين. أهم من لعبة وهدف هتطلعي خسرانة منه."
***
رفض بشدة ذهابها لأحد البلدان لآخر مرة كمراسلة تعمل في إحدى القنوات الفضائية.
"جاكي، قلت لك عودي."
فهتفت برجاء.
"مراد، هذه آخر مرة لي بالعمل. ارجوك اجعلني أودع عملي بإنجاز حقيقي."
احتدمت ملامحه وهو ينهي هذا النقاش.
"إنجاز؟ من جاكي؟ البلد الذاهبة إليها بها نزاعات بين شعبها. قلت لا يا جاكي."
ضحكت بدلال وسعادة من خوفه عليها.
"ارجوك يا مرادي. مرة واحدة يا حبيبي."
دلالها ورجائها أوصلها لهدفها. ليتنهد بقله حيلة مع إصرارها.
"جاكي، رغم رفضي فلن أقمع أحلامك. ولكن عملك كمراسلة سينتهي."
تاه صوتها الناعم.
"لا تقلق حبيبي."
ووضعت يدها على أحشائها. فاليوم علمت بحملها.
"عندما سأعود سأخبرك بخبر يسعدك يا حبيبي."
تمنت سعادته بالفعل كما هي سعيدة.
***
العمل كان هادئاً منذ سفر شهاب لرحلة زواجه. يومان مرا وهي تأتي للعمل تنهي بعض الأعمال البسيطة ثم تكمل باقي اليوم دون شيء يذكر.
وضعت سماعات الأذن الخاصة بهاتفها الجديد الذي ابتاعته بالتقسيط من إحدى المغتربات معها بالسكن.
وأغمضت عيناها تسرح براحة مع ما يطيب النفس والقلب.
"وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ."
وقف يتأمل اندماجها وهو حانق. فقد جاء اليوم لفرع الشركة الذي يديره شقيقه من أجل بعض الأوراق الهامة التي تطلب اطلاعه وإمضائه. ولكن قدومه قد جاء بنفع ليطردها من عملها.
وصفق بيداه بقوة ثم هتف ساخراً.
"نسيب شغلنا ونخلينا مع أغاني الحبيبة؟"
فانتفضت ياقوت فزعاً من صوته ونهضت من فوق مقعدها تزيل سماعات الأذن من أذنيها. وقبل أن تحرك شفتيها وتخرج الكلمات من فاها تحرك من أمامها نحو غرفة المكتب صارخاً بها.
"حصليني."
تبعته بقلق وهي تخشى طردها. وطرقت باب غرفة المكتب والقلق يدب بقلبها.
كان يقف معطياً ظهره لها. تلمع عيناه بالحدة والجمود. سمع نححتها المرتجفة ليستدير نحوها بجسده.
"ده آخر تحذير ليكي على الإهمال. المرة الجاية فيه طرد. ومش معنى إنه متوصي عليكي وتعينك جه بالواسطة يبقى مسموح لك بالتجاوزات. ده مكان شغل يا آنسة."
ألقى كلماته عليها بحزم جاف. وكادت أن تُدافع على حالها لكنه أشار إليها بالصمت.
"رجعي مكتبك وهاتي الأوراق اللي كان مفروض شهاب يطلع عليها."
خرجت من مكتبه تتماسك تهتف لنفسها وهي ترتب الأوراق المطلوبة.
"متعيطيش يا ياقوت. خليكي قوية."
عادت إليه بالأوراق ليرمقها بنظرة جامدة. وقفت تنتظر اطلاعه على الأوراق وإمضائه. ولكن كان اليوم هو يوم تعويض راحتها في الأيام السابقة.
مدير حسابات يهاتفه ليأتي. موظف الشئون القانونية وقهوة تأتي بها وأوامر لا تنتهي.
حمدت ربها أنها تعمل تحت إدارة شهاب وليس هو. وانتهى اليوم أخيراً. لتجلس فوق مقعد مكتبها تأخذ أنفاسها متمتمة.
"الحمد لله اليوم خلص."
رتّبت مكتبها وبعض الأوراق وضعتها في الملف الخاص بها. ليخرج من المكتب يُطالعها.
"انتي لسا ممشيتيش؟"
ثم أردف بحدة ومقصد.
"ياريت النشاط اللي شوفته وقت وجودي يبقى على طول كده حتى لو المدير مش موجود."
أهانته عباراته. ولو كانت صمتت منذ ساعات فلن تصمت الآن.
"حضرتك بتهيني عشان لقيت السماعات في ودني رغم إن مكنش فيه شغل مطلوب مني."
فاتسعت عين حمزة من جرأتها. لتخرج هاتفها من حقيبتها. ثم ضغطت على أحد الأزرار.
"اتهمتني إني قاعدة بحب وبقضي وقتي. آه أنا كنت قاعدة فعلاً بحب وبقضي وقتي. بس فيه حاجة أهم وأفيد من الدنيا كلها يا حمزة بيه."
وحملت حقيبتها لتترك غرفة المكتب بعدما دافعت عن حالها برضى.
"استني عندك."
التفتت نحوه بجرأة وداخلها كان قلبها يرتعش.
"مبعترفش بغلطي مع حد."
وصمتت للحظات ثم أردفت قبل أن ينصرف من أمامها مُغادراً الشركة.
"بعتذر على سوء ظني يا آنسة ياقوت."
السعادة ارتسمت على شفتي ياقوت. لتقف غير مصدقة أن حمزة الزهدي بغطرسته وجفاءه اعتذر منها.
لتصيح كالطفال مصفقة بيديها.
"ده اعتذار مني."
***
ضحكت سماح بصخب وهي تستمع لفعله ياقوت وسعادتها بما حققته اليوم.
"كل ده عشان اعتذر منك؟ لاا حمزة الزهدي عمل إنجاز في حياته."
لتُشير ياقوت نحو حالها.
"أنا يا سماح بقى حد يعتذر مني؟"
وأردفت تخبرها عن شعورها وهي تقف أمامه.
"لو تشوفيني قدامه كنت عاملة زي القطة اللي واقفة قدام الأسد."
ضحكات سماح تعالت بقوة حتى بدأت تسعل دون توقف. لتتجه نحوها ياقوت تضربها على ظهرها وهي الأخرى تضحك.
***
وقف شريف بملامح جامدة في مكانه وهو يرى أحدهم يصطحب مها من أمام المدرسة نحو سيارته الصغيرة ويُحادثها لتبتسم إليه.
ضاقت عيناه بغضب وخاصة وهو يرى نظرات الرجل لتفاصيل جسدها الذي أظهره الثوب الذي لم يراه بها من قبل. ولو كان رآها به لحذرها من ارتدائه.
زفرة حانقة أطلقها من شفتيه وتمنى لو اقترب منهم ولكم ذلك الرجل الذي يُساندها لدخول السيارة ويترك يداه تتحسس جسدها ليس كمساعدة وإنما شهوة يشعر بها كونه رجلاً ويفهم نظرات الرجال مثله.
***
رفعت سماعة مكتبها تتلقى الأوامر من مديرة مكتب حمزة بأن تأخذ أحد الملفات الموجودة لديها وتذهب إليه في عنوان الشركة التي أملتها لها.
نظرت للعنوان بقله حيلة. فهي لا تعرف إلا بعض الأماكن هنا ومازالت خبرتها محدودة وتتعلم كيف تذهب وتأتي.
بعثت علب الملف ووضعته في حقيبتها وغادرت المكتب. تدق على سماح تسألها عن المواصلة التي يجب عليها اتخاذها. ولكن سماح لم ترد عليها.
فوقفت خارج الشركة تنظر لسيارات الأجرة تحسم قرارها.
"مش مهم يا ياقوت نبقى نوفر الفلوس في حاجة تانية. اترفهي في تاكسي النهارده."
وأوقفت سيارة أجرة لتملي السائق العنوان.
وبعد مرور نصف ساعة كانت تخرج من سيارة الأجرة وتنظر للشركة المدون عليها أنها خاصة بالحراسات. تعجبت من امتلاكه لشركة هكذا. ولكن تذكرت هيئة جسده المتناسق والقوي.
وبخطوات بطيئة كانت تدلف الشركة. لتنظر لهيئة الموظفين واجسادهم مندهشة وبأعين متسعة.
"هي الشركة كلها رجالة كده ليه؟"
وعندما وقعت عيناها على فتاتان في الاستعلامات. ذهبت نحوهم مبتسمة تُخبرهم بهويتها وأنها آتية من فرع الشركة الأم لجلب ملف.
أشارت إليها الفتاة نحو المصعد. فتحركت ياقوت خطوتان ثم عادت للفتاتان متمتمة.
"انتوا شغالين هنا إزاي؟ ده كلهم مصارعين."
ضحكت الفتاتان. فأكملت ياقوت سيرها ضاحكة إلى أن وصلت أخيراً لمكانه. لتدلف مكتب واسع للغاية ثم حجرة وجدت بابها مفتوحاً على وسعه وحمزة يسير بين بعض الرجال يُلقي عليهم تعليماته. لتتحرك نحوه وعيناها متسعة على أجساد الرجال الضخمة.
صوتها خرج غير مسموع.
"حمزة بيه."
ففزعت من صياحه بالواقفين. فنظرت لهيئتها.
"انتي عاملة زي الصرصار كده ليه؟"
كانت تقف خلفهم مباشرة ولم ينتبه أحد لدخولها الغرفة. انحنت نحو حقيبتها تخرج الملف حتى تكون مستعدة لإعطائه له فور أن يُنهي حديثه.
صرخة خرجت من بين شفتيها.
يتبع بأذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام صادق
حالة من الصمت احتلت المكان على أثر صراخها الذي صدح فجأة. عيناها كانت مسلطة على قدمها التي دُهست. لم تستطع رفع عينيها لأعلى خشية مما ستراه، ولكنها لن تظل هكذا.
اعتدلت في وقفتها ببطء وتوتر لتتسع حدقتاها وهي تجد أنظار الموجودين بالغرفة، وأولهم حمزة، مسلطة نحوها.
دقيقة كاملة مرت وهي على تلك الحالة حتى صدح صوت حمزة منهياً اجتماعه بالمتدربين الجدد بشركته.
"اتفضلوا أنتم.. ولينا لقاء تاني يا شباب."
ابتعدت عن طريقهم تجر قدمها التي دُهست بصعوبة. عيناها تعلقت بأعين حمزة الحادة، لتشيح بوجهها عنه تنتظر توبيخه.
"فين الملف اللي طلبته؟"
أدهشها عدم صراخه بها. فأقتربت منه تعطيه الملف وهي تود أن تهرب من أمامه.
"اتفضل يا فندم."
وأردفت بلهفة:
"أقدر كده أمشي يا فندم؟"
كادت أن تسير بقدمها التي مازالت تؤلمها، لتقف جامدة في مكانها.
"أنا أذنت لك تمشي؟"
تنهد بها بعدما رمقها بنظرة لم تستطع تفسيرها، ولكنها أربكتها.
وأرخت كتفيها بقله حيلة تنظر إليه وهو يتجه صوب مقعده خلف مكتبه.
نظرت حولها تتأمل مساحة المكتب الفخم التي تعد أوسع من غرفتها المُقيمة فيها. لم يعيرها أدنى اهتمام واستمرت في وقفتها لعشر دقائق تنتظر أن يخبرها أن تجلس أو تنصرف، ولكن لا شيء حدث.
وتنفست براحة وهي تجده يرفع رأسه عن الأوراق بعدما وقعها. يده امتدت بالملف، فأسرعت تأخذه منه كي تنصرف من أمامه.
وجودها معه يُربكها.
وتجمدت في وقفتها قبل أن تستدير بجسدها وتُغادر.
"تطلعي على الفرع الرئيسي توصلي الورق للسيد مدحت في الشئون القانونية، مفهوم.. الورق يوصل ليه."
بهتت ملامحها وهي تستمع إلى أمر آخر من أوامره التي تخلوا من الذوق. كانت تظن أنها ستعود بالاوراق للشركة التي تعمل بها، ولكن مشوار آخر ستذهبه، حتى أنه لم يراعي ألم قدمها.
حركت رأسها وهتفت بنبرة خافتة:
"حاضر."
وداخلها كانت تود أن تصرخ به تخبره أن لولا حاجتها للعمل وأنها لن تجد وظيفة مثل التي تعمل بها لكانت ألقت بوجهه الأوراق وجلست ببيتها عزيزة النفس.
ضحكة ساخرة صدحت داخل روحها، فأي بيت تتحدث عنه؟ هي مغتربة بمدينة أخرى وتعيش في غرفة بسكن مغتربات تبحث عن لقمة عيش وحياة تعول فيها نفسها.
سارت خطواتان. ثم أشرقت ملامحها وهي تسمعه يحادث أحدهم عبر الهاتف.
"خلي السواق يجهز عشان يوصل الآنسة ياقوت لفرع الشركة الرئيسي."
تبدلت كل أفكارها عنه تلك اللحظة وغادرت وهي سعيدة بتخليصها من بهدلة مواصلات أخرى.
دلفت للسيارة التي كان سائقها ينتظرها لتجلس باسترخاء متمتمة بخفوت:
"الراحة حلوة.. ياسلام لو عندي عربية زيها."
حديثها الخافت وصل لمسمع السائق فضحك رغماً عنه.
***
وقفت مستمتعة بالأجواء تلتقط لنفسها الصور تحت أنظاره. كانت كالطفلة الصغيرة أمام عينيه بملامح مشرقة مما زاده حنقاً منها، فهي تستمتع برحلة زواجهم على أكمل وجه وما هو إلا متفرجاً.
"مش كفاية كده؟"
ألتفتت نحوه بابتسامة واسعة وحركت كتفيها بدلال.
"لا أنا مبسوطة بالمكان يا شهاب."
احتدمت ملامحه ولكن ليست لها، إنما نحو ذلك الذي وقف يرمقها بابتسامة وتفحص. يده طبقت على رسغها وأخذ يجرها بضيق خلفه.
"قولت كفاية كده."
سارت معه حانقة من تصرفه الأهوج.
إلى أن وصلوا لغرفتهم بالفندق، فدفعت يده عنها.
"أنت بتجر جاموسة وراك؟"
عينيها استقرت نحو شفتيها ومن دون إرادة منه جذبها من خصرها.
"هنفضل في لعب العيال لحد امتى يا ندي؟"
تفننت في صنع مكرها، رغم أنها لا تجيده، إلا أن آلام قلبها جعلتها تدرك اللعبة. شهاب ماهو إلا رجل شرقي يعشق النساء المتمنعات، يعشق من تجعله يأتيها هي، وليست هي. رسالة أدركتها في آخر محطة لهم معاً.
"هو اللي أنا بعمله ده لعب عيال يا شهاب؟"
وأردفت بتلاعب:
"أنا باخد إجازة من حبي ليك.. بيتهيألي أنا كده رايحتك مني."
أصابت الكلمة هدفها لتتبدل ملامحه للجمود.
"إنت عقلك جرى له إيه... إجازة إيه وإحنا خلاص اتجوزنا؟"
يَده قبضت على كتفيها بقسوة.
"ندي الصبر ليه حدود.. مش كلمة سمعتيها وإنتي بتتصنتي عليا أنا وأخويا؟ هتعملي فيها الضحية.. فُوقي بقى جاي دلوقتي تشوفي نفسك المظلومة وإني مستاهلش حبك."
لو كانت شعرت بزهوة النصر منذ لحظات، ولكن الآن كل شيء انتهى. قسوة كلماته كانت كَنصل السكين تُغرز بقلبها. دموعها التي جاهدت على إخفائها انسابت فوق وجنتيها. دفعته عنها بضعف، وقد شعر بالندم، ولكن تبريره لنفسه أنها السبب، أنها تستحق ذلك.
"عندك حق.. أنا لسه فاكرة أعيش دور الضحية."
شعوره بالمقت تلك المرة كان على حاله.
"أنا أسف يا ندي."
ولم تعد للكلمة معنى، فقد أخبرها بالحقيقة.
***
دفعتها حانقة من نوبة الضحك التي انتابتها عندما وصفت لها لحظة سحق قدمها. لم تتحمل سماح تخيلها لهيئة ياقوت وسط الديناصورات كما أطلقت عليهم.
"كفاية يا سماح أنا غلطانة إني حكيتلك."
صدحت ضحكات سماح بعلو وأخذت تتنفس ببطء.
"الصداقة دي جت أخيرًا بفايدة يا ياقوت... بقى ليكي طرائف وعجائب."
وأردفت ضاحكة:
"والديناصورات على كده حلوين؟"
ضاقت عين ياقوت من سماجة سماح، فدفعتها بقوة أكبر حتى كادت تسقط من فوق الفراش.
"خلاص يا مفترية هسكت... شوية جد بقى عشان محتاجة منك مساعدة."
***
كان كالغيور الغاضب منذ أن رآها مع ذلك الرجل تصعد سيارته. حاول أن يمنع نفسه من القدوم إليها، ولكن قدماه أخذته لها. كالمعتاد وجدها جالسة على المقعد الخشبي تنتظر شقيقتها.
فأقترب منها وقبل أن يجلس جانبها ويتحدث، هتفت بابتسامة واسعة:
"شريف!"
اندهش من معرفتها بوجوده، فسألها بلطف وقد تبدلت كل مشاعره المتهجمة إلى أخرى سعيدة.
"عرفتي إزاي؟"
ابتسامتها كانت أجمل ما يراه في يومه وجلس جانبها ينتظر سماعها.
"عرفتك من ريحتك."
تعجب من إجابتها وأخذ يشم رائحة عطره ثم ضحك.
"افرض غيرت ريحة برفان بتاعي... هتعملي إيه؟"
نطقت بعفوية:
"هعرفك وده هيكون بإحساسي."
لم يفهم معنى كلامها، ولكن المعنى كان واضحاً لا يحتاج لتفسير أكثر.
"إنت مجتش ليه اليومين اللي فاتوا... مش قولتلي هتيجي وتجبلي من شيكولاتة الفرح؟"
لم يعرف بماذا يجيب عليها، ولكن عقله قد صنع كذبته.
"كان عندي شغل مهم."
أومأت برأسها متفهمة، وشعرت بجلوسه جانبها، ثم تناول كفها يضع به الحلوى التي وعدها بها.
ارتسمت السعادة على شفتيها وهي تداعب بكفها الآخر الحلوى.
"دي شكولاتة الفرح."
حرك رأسه إيجاباً على سؤالها، ولكن أدرك سريعاً أنها لا تراه، فتمتم مبتسماً.
"شكولاتة الفرح زي ما وعدتك."
قلبها خفق من قطعة حلوى. أزالت غطاء الحلوى وأخذت تقضم منها. كانت تترك له حرية رؤيتها ومطالعتها.
"احكيلي عن الفرح... العروسة كانت حلوة."
وأردفت بحماس طفولي:
"أنا بعرف أتخيل الناس بسهولة من الوصف، متخافش."
انطفأت لمعة عينيها وهي تخبره أنها تتخيل الأشخاص من وصفهم. وفي لحظة عادت ملامحها تشرق ثانية وهو يصف لها ملامح العروس ومريم شقيقته، وهي تستمع بابتسامة تنير عينيها قبل وجهها.
***
وجدت سماح تقف على باب غرفتها تنتظرها بحماس جلي على ملامحها.
"عرفتي تاخديلي ميعاد معاه يا ياقوت؟"
ومن نظرة واحدة وجهتها ياقوت لها، فهمت سماح أنها لم تستطع.
"أنا آسفة يا سماح... معرفتش. إنتي عارفة إنه مستنيني فرصة واحدة بس ويطردني."
فابتسمت إليها سماح وهي تعلم بصدق ما تقول.
"أنا عارفة يا ياقوت... ولا يهمك."
لم تحزن سماح بالفعل، فقد كانت تعلم بعدم مقدرة ياقوت لأخذ لها موعد، ففي النهاية هي موظفة ومازالت في بداية وظيفتها.
"أوعدك هحاول تاني... بس يجي فرع الشركة عندنا... أنا بس بقيت مهمتي حالياً أودي ورق يتمضي."
وانتظرت ياقوت سماعها وخشيت أن تكون حزنت منها، ولكن:
"إنتي هبلة يا ياقوت... أزعل من إيه أنا؟ لو هزعل، هزعل من نفسي عشان استغليت صداقتنا وأنا أكتر حد عارف معاملة حمزة الزهدي ليك."
هتفت ياقوت على الفور:
"بس أنا عايزة أساعدك."
لتتحول وقفتهم لعناق، وكالعادة كانت سماح تبتعد عن الدراما وتنهي الحوار بمزاح.
"مكنش مقال صحفي ده اللي هيعمل فينا كده... تعالي نروح نتجمع مع بنات السكن."
وانتهى الأمر بهم بتجمع فتيات السكن في سهرة ممتعة، لم تخلُ من المزاح والضحك.
***
وجدها تصفف شعرها أمام المرآة دون أن تُعيره اهتماماً. كان يحمل باقة من الأزهار، واقترب منها معتذراً.
"لسه زعلانة؟"
لم تجب بشيء وأكملت تمشيط خصلاتها، لتجده يمد باقة الأزهار لها.
"ميبقاش قلبك أسود يا ندي."
ابتسامة ارتسمت على شفتيها لم تستطع إخفائها. شجعته ابتسامتها، فأقترب منها أكثر حتى التصقت أجسادهم.
كانت تستنشق عبير الأزهار مغمضة العين، وشعرت بقبلاته الدافئة على عنقها. يداه تحركت بعبث على جسدها. لم تشعر بنفسها إلا وهي تنتفض من بين ذراعيه متمتمة:
"لا يا شهاب."
تجمدت يداه وهو يراها تتخلص من أسره.
وتعالت أنفاسه، وقبل أن يفعل ما لن تسامحه عليه، خرج من الغرفة صافعاً الباب خلفه بقوة. وأصبحت رحلة زواجهم ما هي إلا تصفية حسابات.
***
دلفت صفا لحجرة مأمور السجن. كان جالس يطالع بعض الملفات أمامه وانتبه لدخولها فرفع عيناه نحوها مبتسماً، فمنذ أن تولى إدارة السجن وهو لا يرى في سلوكها أي شيء يشينها، حتى أنه تعجب من تهمتها، فكيف لملاك مثلها تكون تاجرة للمخدرات.
"تعالي يا صفا."
أقتربت من مكتبه خطوتان لينهض من فوق مقعده مقترباً منها.
"عندي لكِ خبر هيفرحك."
كانت تنتظر أن تسمع ما سيفرحها، رغم علمها أن لا شيء سيفرحها إلا أنها تتحرر من سجنها.
"بعد أيام هتاخدي إفراج... ومش هتستني شهرين كمان يا ستي."
وتحدث وهو يرى الدموع التي لمعت بعينيها.
"وده طبعاً بسبب حسن سلوكك يا صفا."
***
تجمدت يداه على الهاتف وهو يستمع للمتصل. زوجته ماتت في حادث.
"إنت بتقول إيه؟"
أنفاسه أخذت تنسحب ولم يتمالك حاله، فهوِ بجسده على المقعد وسط ضجيج المطعم الذي يتناول به فطوره.
ولسانه أخذ يردد بصعوبة:
"جاكي ماتت... لا أكيد الكلام ده غلط."
ونهض من جلسته بخطوات أشبه بالركض ولم يشعر بنفسه إلا وهو يضع ملابسه بحقيبة سفره ويُهاتف إحدى شركات الطيران من أجل حجز تذكرة متجهاً لسويسرا. ومن حسن حظه كان هناك مقعد شاغر بعد ساعات سينتظرهم في جنون.
***
تعجبت نادية من عدم وجود سيلين وقد تبدل مكانها برجل. احتدت عيناها وقد فهمت أن شقيقها يقطع عليها كل الطرق. وهتفت بداخلها وهي تتجه نحو غرفة مكتبه بعدما حياها مدير مكتبه عندما أخبرته بهويتها.
"وتفتكر إني هسكت يا حمزة.. مبقاش نادية إلا ما جوزك."
ودلفت لغرفة مكتبه تطالع انغماسه بين أوراق العمل.
"تفتكر لما تمشي سيلين هسكت؟"
زفرة طويلة خرجت من بين شفتيه متجاهلاً حديثها.
"أهلاً يا نادية."
ونهض ليُعانقها.
"مش ملاحظة وجودك كتر هنا؟"
ضحكت وهي تفهم تلميحه.
"ما سبب وجودي خلاص أنت مشيته... بس بصراحة النهارده جاية عشان حاجة تانية."
دقق حمزة النظر بوجهها منتظراً معرفة سبب مجيئها.
"من غير لعب ولف يا حمزة... إيه رأيك تتجوز ياقوت؟"
رواية للقدر حكاية الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام صادق
ضحكة ساخرة صدحت في أرجاء الغرفة. شقيقته تخبره صراحة بمن وقع عليها الاختيار، لم تلعب معه كما اعتادت. تعمق في النظر إليها ليجدها ترمقه باستياء لاستخفافه بها.
"أنا قلت نكتة يا حمزة."
ارتسمت السخرية هذه المرة على شفتيه، مما زاد حنقها.
"فعلاً يا نادية، أنا بعتبر كلامك حالياً نكتة."
أردف بمقت وهو يشيح بعينيه عنها.
"ونكتة سخيفة كمان."
بهتت ملامحها وهي تستمع لردة فعله التي لم تروقها، فقد ظنت أنها أخيراً وقعت على الاختيار الأمثل. ياقوت الفتاة الضعيفة التي جلبتها من البلدة ووظفتها بشركة شقيقها. الفتاة التي سترضي بأي شيء يُقدم لها، لن ترفض ولن تعترض ولن تشتكي. فمثيلاتها يتحملون الحياة دون صراخ أو تمرد.
أقنعها عقلها بالفكرة، وها هي الآن ترى ردة فعل شقيقها، ولم تكن ردة فعله إلا السخرية.
أخذت أنفاسها بعمق وتقدمت منه بخطى ثابتة.
"مالها ياقوت يا حمزة؟ مش عاجباك؟ في إيه؟ خلينا نتكلم بالعقل. ياقوت هتناسبك جدا."
احتلت ملامحه بغضب ساحق.
"نادية، كلامك بقى يزعجني. لا ياقوت ولا غيرها."
وتابع بشراسة.
"احمدي ربنا إن ياقوت مش تحت إدارتي هنا في الشركة، لأن مصيرها كان هيكون الطرد. وشيلي أنتِ بقى ذنبها."
ضاقت أنفاسها من أثر الجدال معه. فتقدمت خطوتين وجلست على أقرب مقعد صوب عينيه.
"يا حمزة، أنا عايزك تتجوز ويبقى ليك عيلة حقيقية. أنا وبقى عندي عيلة صحيح. مراد مش ابني بس لما بتجمع أنا وهو وفؤاد وتقي بنتي بحس بالاكتفاء. شهاب اتجوز وبكرة يكون أب ويستقل بحياته. شريف قريب هتلاقيه بيقولك عايز يتجوز ومريم بتكبر ومسيرها في يوم تتجوز."
صمتت تأخذ أنفاسها وعيناها معلقة بوجهه. شعرت بتأثره القليل، ولكن سرعان ما عاد لبرودة ملامحه.
"الحياة هتسرقك يا حمزة. مش نفسك تشم ريحة طفل منك أنت من صلبك؟"
عادت تدقق عيناها بوجهه، ولكن لا شيء وجدته إلا السكون، وكأن الزمن أجاد هيكلة شقيقها. لم تتحمل جموده وصمته، فهبت واقفة.
"أنت رافض فكرة الجواز ليه؟ ما أنت كنت متجوز سوسن وكان بينكم علاقة طبيعية زي أي زوج وزوجة."
ابتسامة محبة ارتسمت على ملامحه.
"سوسن غير أي ست يا نادية. زي ما أنتِ غير أي ست. وأبسط مثال واقف بسمعلك ومستحمل كل أفعالك."
استاءت ملامحها بغضب عارم واندفعت نحوه تدفعه على صدره.
"أنا مش أي حد، أنا اختك والكبيرة كمان."
ضحكة خرجت من بين شفتيه وهو يأسرها بين ذراعيه.
"ما أنتِ عشان اختي الكبيرة مستحمل تصرفاتك. ده تقي بنتك أعيقل منك."
لطمت صدره بقبضة يدها، وتمرمغت بين ذراعيه وقد تحول عبوسها لابتسامة واسعة. فهي لا تراه شقيقاً فقط، إنما أب وصديق وابناً.
"نفسي أشوفك حاضن ابنك أو بنتك بين إيديك."
تنهيدة قوية خرجت من شفتيه وأبعدها عنه برفق، ولكي ينهي ذلك الحديث الذي يمقت.
"ربنا يسهل يا نادية."
لمعت عيناها بالسعادة وتسألت.
"يعني هتفكر في ياقوت؟"
وأردفت دون أن تعطيه فرصة للرد.
"ياقوت هتنفعك. بنت غلبانة وهادية لا هتطلب منك حب ولا مشاعر ولا حتى اهتمام. مجرد بس تأمن ليها حياتها وتعيش في مستوى راقي ده هيكفيها."
وفي محض تخطيطها نسيت أن للأخرى حياة تمنت أن تحياها. كلامها جعله للحظة يفكر، فعقله قد أعجبه الأمر، ولكن سرعان ما نفض الفكرة من رأسه، فهو ليس مستغلاً ولا ظالماً.
***
عيناها مشطت ذلك الجالس بجانب شقيقتها على طرف المقعد الجالسة عليه. لم يعجبها المنظر ولا نظرات المارة، فأقتربت منهم تهتف بحنق.
"قومي يلا."
ارتجف جسد مها وهي تشعر بغضب شقيقتها، ومدت يداها بتشوش نحو شريف الذي نهض على الفور من جانبها بارتباك.
"شريف اللي حكتلك عنه يا ماجدة."
تذكرت ماجدة حديث شقيقتها عنه، وتبدلت ملامحها للاسترخاء.
"الظابط."
أومأت مها برأسها سريعاً، لتمتد يد شريف نحوها.
"آنسة ماجدة."
لم تعجب ماجدة الكلمة، فهتفت.
"قريب هكون مدام."
وأشارت نحو دبلتها، فأبتسم شريف بتوتر.
"مبروك. معلش جات متأخرة."
تقبلت ماجدة مباركته بابتسامة متسعة، تعجب من أمرها، تبدو وكأنها من النساء اللاتي يحبون المديح، ولكن عمله جعله يعرف أنها ما هي إلا امرأة تعيش الحياة بحسن نية مفرطة ولا ترغب أن تشعر بسنوات عمرها.
"مها حكتلي عنك كتير. مبقاش على لسانها إلا شريف."
تعلق عيناه بمها التي تخضبت وجنتيها بحمرة الخجل، وطأطأت عيناها أرضاً. لو كان الحديث أتى من امرأة أخرى لكان استنكره، ولكن من أجل تلك التي أصبح أكثر دراية بها تقبل الأمر.
وهتف مبتسماً.
"على كده أنا طلعت مهم."
ضحكت ماجدة بضحكة لم تعجبه.
"طبعاً يا حضرة الظابط، أنت مهم ومهم أوي كمان."
ثم أردفت.
"ده انتوا الحكومة يا باشا."
ابتسم شريف مجاملة لها وتقبل مديحها، وتعلق عيناه بتلك التي وقفت تفرك يديها بقوة تشعر بالخجل من حديث شقيقتها.
جالت عين ماجدة بينهم وداخلها يهتف بأمل: "شكله بيحبها أو معجب بيها". ثم بدأ عقلها يخبّرها باستنكار: "هيحب مين؟ ده بس بيشفق عليها. أنتي ناسيه وضع أختك وهو باين عليه ابن ذوات".
تضارب اقتحم عقلها، ولكن فكرة واحدة قررت أن تسير خلفها. لن تمنع مقابلة شقيقتها بشريف، لعل الأحلام تتحقق مع شقيقتها وتظفر العمياء بالوسيم الثري.
***
طعام تناولته على أحد الأرصفة، لم تعرف مصدره ولكنها أرادت تجربته. رغم رفضه إلا أنها أصرت التجربة، وانتهي بهم المطاف بالمشفى بسبب ألم معدتها. وها هم عائدين لغرفتهم بالفندق، يضمها إليه ويسألها من حين لآخر عما تشعر. وضعها برفق فوق الفراش وجلس جانبها ثم مسح على وجهها بحنو.
"أحسن دلوقتي."
تعلق عيناها به وارتمت بين ذراعيه تشعر بضعفها.
"ندي، في إيه؟ ما تتكلمي بكلمة تبعث له الطمأنينة."
وسمع صوت بكائها الخافت.
ضمها أكثر إليه يهمس لها.
"اهدِ يا ندي. لو تعبانة قوليلي نرجع المستشفى تاني."
ابتعدت عنه تمسح دموعها التي سقطت دون إرادة منها. اهتمامه بها وقلقه عليها كانوا أساسها. تمنت لو أنها تملك قلبه، تمنت أن لا يفرقهما شيء، ولم تتخيل بعدها عنه.
"أنا كويسة يا شهاب، متخافش."
تناول كفيها ثم قبلهما بطريقة ساحرة جعلت قلبها يخف بقوة.
"لو مخفتش عليكي هخاف على مين."
كلماته انسابت على قلبها الجريح وكبريائها، فأخمدتهم لثواني. تحركت شفتيها رغبة في طلب حبه، ولكن لم تستطع الإذلال أمامه. فالجدار قد بُني بينهم.
"أنا تعبانة وعايزة أنام."
ونهضت من جانبه وألتقطت ملابسها لتخطو نحو المرحاض مرهقة.
كانت عيناه تلاحقها وزفر بنفاذ صبر.
"لازم أرجع لهفتك وحبك ليا يا ندي."
***
التقطت ياقوت حقيبتها بعدما أعدت الأوراق المطلوبة داخل الملف. اليوم ستأخذ حبوب الشجاعة وستخبره بطلب صديقتها، فقد فرصة لقاءه قد أتت ولن تتكرر كثيراً، فقدوم السيد شهاب اقترب ولن تذهب لفرع الشركة الرئيسي كما الآن.
دفعات من الشجاعة والثبات كانت تبثهم لنفسها، حتى أنها لم تشعر بدخولها من باب الشركة ولا صعودها نحو الطابق التي تحتله غرفة مكتبه.
"أنا ياقوت، سكرتيرة بشمهندس شهاب."
بمجرد أن عرفت حالها للسكرتير القابع خلف مكتبه هتف.
"أهلاً... عندي خبر طبعاً بمجيئك."
ونهض من فوق مقعده وتقدم نحو الغرفة المغلقة لتتبعه في صمت. لم تراه خلف مكتبه كما اعتادت، إنما كان يقف وسط الغرفة يتحدث بالهاتف يصلح أمراً ما.
عيناها رغماً عنها سرحت به. لم يكن فائق الوسامة، إنما رجلاً بملامح شرقية، ولكن جماله نابع من الهالة التي تحيطه ومن وضعه الاجتماعي. فرجلاً بمكانته لا بد أن يظهر عليه الرقي والأناقة.
أخفضت عيناها نادمة على نظراتها وتفكيرها المشتت الذي أصبح يرق مضجعه. لا حلم هي تراه ولا هي ترى نفسها بطلة قصة خيالية. هي فتاة تبحث عن لقمة عيش وتحقيق ذاتها حتى يأتي نصيبها برجل يحبها ويصونها حتى لو سيبنون حياتهم معاً.
"آنسة ياقوت."
صوته أفاقها من شرودها لتجد مدير مكتبه قد غادر وهو قد أنهى مكالمته ويقف أمامها يمد لها يده لأخذ الورق الذي طلبه منها. نفضت رأسها بطريقة مرئية بل مضحكة متمتمة.
"أيوه يا فندم."
وأردفت بتلهف وهي تخرج الملف من حقيبة يدها.
"الملف أهو، اتفضل."
ابتسم على هيئتها المرتبكة مما جعل عيناها تتسع اندهاشاً. حمزة الزهدي، الرجل الذي يثير الرعب داخلها يبتسم.
"اتفضلي اقعدي يا آنسة ياقوت."
قلبها لم يعد يستطيع تحمل لطفه العجيب عليها. وظلت واقفة في مكانها تطالعه باندهاش. ليجلس خلف مكتبه وسلط أنظاره على الأوراق التي أمامه، ثم رفع عينيه خلسة نحوها متعجباً من وقوفها.
"لو حابة الواقفة مافيش مشكلة."
حركت رأسها نافية الأمر واقتربت من أحد المقاعد وجلست عليه. فعاد يطالع الأوراق بل وأخذ يناقشها ويسألها. شعرت بالسعادة وهي تجده يخاطبها هكذا وبتقدير. وأخيراً مدّ يده بالأوراق وحان وقت انصرافها. كادت أن تنهض بعدما ألتقطت منه الملف.
"ممكن أتكلم مع حضرتك دقيقة واحدة بس."
قابل طلبها بإيماءة من رأسه منتظراً سماعها.
"أنا ليا صديقة بتشتغل صحفية وعايزة تعمل لقاء صحفي مع حضرتك."
تعبيرات وجهه جعلتها تدرك رفضه، فأردفت.
"أتمنى من حضرتك تقبل وتديها فرصة. مش حضرتك برضوه بتشجع الشباب المجتهدين."
ارتفع حاجبه إعجاباً بحديثها. مرت ثوانٍ وظنت رفضه.
"مع إنّي برفض اللقاءات الصحفية، بس دي صاحبتك فرصة. لكن بشرط."
خشيت من شرطه وتسألت.
"إيه هو الشرط يا فندم."
***
قبلتها سماح على وجنتيها فرحة بذلك الخبر. فاليوم رئيسها سألها عن المقال، فأخبرته بصعوبة الأمر. فالجميع يعلم مقت حمزة الزهدي للإعلام والجرائد.
"مش مهم مين اللي هيوجه له الأسئلة يا ياقوت. أهم حاجة بس أعمل اللقاء."
ولمعت عيناها وهي ترتب الأسئلة التي ترغب في معرفة إجابتها، كما أنها ستجعل مقالها لامع.
"أنا محتاجة أمخمخ كويس للحوار ده. وأحط الأسئلة الغامضة اللي ممكن تجذب القارئ."
كانت ياقوت تطالع حماسها ضاحكة.
"أول مرة أعرف إن الصحفيين مجانين كده."
ضحكت سماح بمشاغبة وأخذت تتلاعب بخصلات شعرها القصير.
"اديكي نولتي شرف المعرفة."
ضحكوا سوياً، لتتجه سماح نحو فراش ياقوت تجلس عليه.
"أكتر سؤال نفسي أعرف إجابته، ليه رفض يرجع الداخلية بعد ما تم تبرئته."
رغم حكايات هناء صديقتها عن عائلة زوجة عمها السيدة نادية، إلا أنها لم تكن تعلم أنه كان ضابط شرطة إلا من سماح في حديث سابق بينهم عندما أخبرتها سماح عن سمعته بالسوق. فأقتربت منها ياقوت تتسأل هي الأخرى.
"تفتكري ليه؟ بس تصدقي كده أحسن. آه معاه فلوس وشركات مكنش هيحققها في مهنته دي."
وجلست تعد أفرع شركاتها دون أن تنتبه لسماح الصامتة التي هبت واقفة من فوق الفراش وهرولت من أمامها متمتمة.
"أشوفك بكرة بقى يا ياقوت."
انفزعت ياقوت من انصرافها وطرقعت كفيها ببعضهما.
"البت اتجننت."
ثم داعبت ذقنها.
"هي أصلاً مجنونة من زمان."
***
تنهد بأسى وهو يسمع صوت مراد الحزين. لا يعرف كلمات للمواساة، فتركه يتحدث كما يرغب.
"جاكي كانت حامل يا حمزة. ابني في بطنها مات."
توارف بقبضة ألم اعتصرت قلبه.
"الحادثة كانت مدبرة بعد ما سجلوا الأوضاع."
وصرخ بقهر.
"كانت هتستقيل بعد المهمة دي."
تنحنح حمزة بخشونة وهو لا يعلم من أين يبدأ حديثه.
"للأسف دي سياسة دول يا مراد. والضحايا دايماً الأبرياء."
وأبعد هاتفه عن أذنه ليرى اتصالاً من فؤاد.
"فؤاد بيتصل بيا. مراد لازم ترجع لأنه قلقان بعد ما فجرت قنبلة جوازك في التليفون ليه."
وانتهت المكالمة، لينظر مراد لهاتفه فأغلقه حتى لا يتلقى اتصالاً من أحد.
وعلى الجانب الآخر، جلس فؤاد فوق الفراش بإرهاق بعدما طمأنه حمزة على ولده العنيد.
"حمزة طمنك عليه. مقولتلهوش ليه يفتح تليفونه؟ عايزة أطمن عليه يا فؤاد."
وأردفت بقلق.
"أسافرله طيب."
كان فؤاد صامتاً، فما خشي منه تحقق، ولكن انتهى بالأصعب. لم تنتهِ بخيانة زوجية كما هو تلقاها في زواجه الأول، إنما فاجعة الموت أثر لن يندمل.
"كنت خايف عليه من اختياره، ونسيت إن كله تدبير قدر."
يدها ربتت على كتفه بدعم، رغم أن سؤالها لم يكن هذا وقته، إلا أنها أرادت أن تعرف الإجابة.
"هتعمل إيه في موضوعه هو وهناء؟ ده أنت خطبتها من مهاب أخوك."
صوب فؤاد عينيه نحوها بشرود لتخرج الإجابة كما توقعت.
"الجوازة هتم يا نادية. ومراد هيتجوز هناء."
***
استنشقت هواء الحرية غير مصدقة أنها أخيراً أصبحت حرة. عيناها لمعت بالدموع وهي ترى نفسها تودع مسجنها. نظرت لآخر من توقعت مجيئه "عزيز" ذلك الصبي الذي كان يعمل مع والدها والآن أصبح شخصاً آخر ببذلة وقورة وسيارة فخمة خرج منها للتو.
"حمدلله على السلامة يا ست صفا."
طالعته صفا بطيبة، فهي لم تنسى سؤاله الدائم عنها ووقوفه بجانبها.
"إزيك يا عزيز."
ابتسم عزيز بسماجة وهو يتناول كفها يلثمه.
"نورتي الدنيا كلها."
أزاحت صفا كفها عنه بتوتر متعجبة من فعلته وتناول من يدها حقيبة ملابسها الصغيرة مشيراً نحو سيارته.
"اتفضلي يا ست الهانم."
ارتبكت صفا وابتسمت بتوتر متنهدة.
"هانم إيه بقى يا عزيز، انسى. أنا صفا وبس."
وتقدمت أمامه نحو سيارته. فسار خلفها يمسح على ذقنه وهو يطالع خطواتها. فقد انتظرها طويلاً، انتظر اللحظة التي يحصل فيها على سيدته. عزيز المنشاوي، الرجل الذي يحلف الجميع بنزاهته، ولكن ما هو إلا صبي قد أجاد الصنعة.
وعلى مقربة سيارة مصطفه، جلس صاحبها يطالع المشهد بأعين ثاقبة، يرى حبيبته الخائنة حرة.
***
وضعت مريم قلمها فوق كشكولها بعدما أنهت حل المسألة الحسابية. تعلقت عيناها بمعلمتها التي انغمست في النظر للمرآة الصغيرة التي معها.
ضحكت داخلها وهي تتمنى أن تخبرها أن لا تطمح للأمر، ولكن قررت أن تأخذ دور المشاهد حالياً.
"ميس ريما.. ميس ريما."
كررت هتافها للمرة الثانية، فانتبهت ريما وألقت مرآتها بحقيبتها بتوتر.
"أيوه يا مريم يا حبيبتي. خلصتي حل المسألة."
فمدت لها مريم كشكولها بنفاذ صبر.
"اتفضلي يا ميس. إحنا كده خلصنا حصة النهارده."
كانت عين ريما مسلطة على باب الغرفة التي دلف لها حمزة ولم يخرج منها إلى الآن.
رنين باب المنزل جعل ريما تنتبه ثانية لوضعها وشرودها. لذلك القابع في غرفة مكتبه ينفث دخان سيجارته بشرود، ناسياً أنه لا يدخن، ولكن لم يجد إلا السجائر هي منفذه.
خطوات طرقت على غرفة مكتبه ثم صوت الخادمة.
"حمزة بيه في ضيفة مستنياك بره. بتقول إن حضرتك مديها ميعاد."
كانت ياقوت تجلس في الحجرة التي قادتها لها الخادمة. من حين لآخر تشيح عيناها خجلاً من نظرات الفضول الموجهة إليها من مريم وريما.
ضمت حقيبتها لها بتوتر، وقبل أن تقترب منها مريم تسألها عن هويتها وسبب زيارتها، عادت الخادمة لها.
"حمزة بيه مستنيكي في غرفة مكتبه."
نهضت بارتباك وسارت بخطى متوترة نادمة أنها تدخلت في أمر سماح وأصبحت هي الوسيط في أداء مهمة اللقاء.
طرق خافت حط على باب الغرفة ثم دلفت وأخذت تسعل بشدة من الدخان الذي يعبئ الغرفة.
أستدار بجسده نحوها في صمت.
رواية للقدر حكاية الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام صادق
عيناها لمعت ببريق خاطف مع لحظة التفافه نحوها.
القدر بدأ يرسم خطوطه ببراعة. لا قلب ولا عقل يقف أمامه، إنما نحن مسيرون إلى مصائرنا.
عيناها أخذت موضعها نحو البساط الفخم المفروش به الغرفة. حركة فطرية اعتادتها، ليست ضعفاً أو هواناً، إنما فطرة الحياء.
خرج صوته بارداً وهو يرمقها بنظرة جامدة:
- اتأخرتي عن ميعادك.
رفعت عيناها نحوه مُعتذرة:
- المكان هنا بعيد عن السكن بتاعي.
حدق بها بثبات وأشار إليها بالتقدم:
- وقتك فاضل فيه نص ساعة... تقدري تبدأي أسئلتك.
ماءت برأسها بتوتر سكن ملامحها وتقدمت نحو المقعد الذي أشار إليه.
أخرجت دفتر صغير مسطر به أسئلة سماح التي لم تقرأ محتواها بعد، وقلم، ثم جهاز تسجيل. أخبرتها سماح كيف يتم تشغيله. كل شيء أصبح مجهزاً أمامها.
- عدّي خمس دقائق من وقتك.
اتسعت عيناها من حديثه. لم تُقابل بحياتها رجلاً مثله بكل هذا الثبات والجمود.
رددت داخل روحها بكلمات تبث لنفسها الثقة:
- اثبتي يا ياقوت، ده مجرد لقاء وهيعدي... عشان خاطر سماح.
صدح صوته الجامد الذي أصبحت معتادة على نبرته:
- ياريت نبدأ.
نظرت إليه ثم فتحت دفترها تنظر للأسئلة متسعة العين:
- احم... هشغل التسجيل وهبدأ.
أه، في وسط فوضته وما يعتريه من غضب، ضحك.
عيناها ازدادت اتساعاً من ضحكته الوقورة مثله.
- شغلي وخلينا نبدأ.
تلك المرة، تحدثها مبتسماً ضاحكاً.
سؤال بدأ عن مسيرة حياته ثم أعماله التي أصبحت في اتساع في آخر عامين، وهو يُجيب بثقة وكلمات وكأنها مرتبة.
انتهى السؤال الأول والثاني وهي تركز بعينيها على السؤال القادم وترسم خطوطاً عليه.
- حضرتك بدأت نجاحك إزاي كرجل أعمال، رغم مهنتك الأولى ملهاش صلة بالبيزنس؟
ذكريات الماضي تدفقت وكأن الماضي أراد اليوم أن يأخذه لسنوات لم تعلمه إلا الصلابة والقسوة.
أجابها إجابة أجادتها ببراعة:
- أظن إن النجاح مش مرتبط بشهادتنا... كلها أقدار مكتوبة بميعاد.
حركت رأسها بانبهار. فحياتنا بالفعل ما هي إلا أقدار بميعاد.
وقبل أن تهتف بالسؤال الآخر، نهض من فوق مقعده حاسماً الأمر:
- للأسف، وقتك المحدد انتهى يا أنسة ياقوت... وده بقى البيزنس الصح.
صدمها حديثه وبهتت ملامحها من الحرج. فنهضت من فوق مقعدها بتوتر:
- بس لسه في أسئلة فاضلة... ممكن بس وقت إضافي؟
طالعها بهدوء ثم تحرك نحوها. لتدلف الخادمة تلك اللحظة:
- العشا جاهز يا فندم.
شعرت بالحرج وهي تستمع لعبارات الخادمة:
- اعملي حساب آنسة ياقوت في العشا معانا.
هتفت باعتراض، فأشار للخادمة بأن تنصرف:
- ده واجب الضيافة.
ثم أردف بعملية:
- نكمل الأسئلة في وقت تاني، وأتمنى تيجي في وقتك.
غادر الغرفة لتقف متعجبة. لم تعد تستطيع فهمه. لا تعرف أهو رجل قاسٍ أم كريم أم لطيف أم لا يعرف للذوق معنى.
- راجل غريب بكل أطباعه.
نحنت تلملم حاجتها تُحادث حالها:
- اللي عيشته كوم في حياتي، ودلوقتي كوم تاني.
***
أعادت سماح سماع التسجيل للمرة الثالثة، ثم زفرت أنفاسها:
- إيه الرخامة دي... ما كان كمل إجابة باقي الأسئلة.
ثم أردفت ساخرة:
- وقتهم ثمين أوي رجال الأعمال... يحسسوا الواحد إننا وقتنا اللي فاضي.
تأففت سماح لتضحك ياقوت التي أعدت لها كأس شاي للتو وبدأت ترتشفه:
- نفس الكلام بقالك ساعة بتعديه... ياريت تسكتي خالص إنتي ومقالك ده.
تابعت وهي تتذكر لحظة إنهاءه الحوار بصفاقة:
- أنتي مشوفتيش منظري وهو بيقولي وقتك انتهى... كأني اتدلق عليا جردل مايه ساقعة.
ضحكت سماح وأخذت منها كأس الشاي بالإكراه وأخذت ترتشفه بتلذذ:
- اعمليلك واحد بقى تاني... مش كفاية اتعشيتي عشا ملوكي.
ردت في لحظة العشاء التي اجتمعت بها معه ومع مريم، التي لم تشعر قط أنها ابنة زوجته، فالتعامل بينهم كأي أب وابنته.
عقلها وقف على صورة مريم بجانبه وكيف يُعاملها. تمنت لو حظت يوماً من والديها بذلك، ولكن حياتها ما كانت إلا التنقل بين والدين منفصلين.
لمعت عيناها بالدموع، فأقتربت منها سماح بقلق:
- مالك يا ياقوت؟ أنا قولت حاجة تزعلك؟
انتبهت لحالة الشرود التي انتابتها وربتت على كتف سماح:
- لا أبداً يا سماح، بس افتكرت أهلي، أصلهم وحشوني.
ضمتها سماح إليها وهي تشعر مثلها بالشوق لوالديها المتوفيين والبغض نحو عمها:
- في إجازتك روحي زوريهم.
هزت رأسها بشوق. فمهما كان أو حدث، سيظلوا أهلها حتى لو لم تحظى باهتمام منهم، حتى لو انشغلوا بحياتهم عنها.
***
تقلبت فوق الفراش الوثير الناعم الذي قد نست كيف يكون الشعور عليه.
انقضى نهار اليوم وجاء الليل ومازالت لا تُصدق أنها حرة.
اعتدلت في رقدتها متأففة وبسطت كفيها تمسح على شرشف الفراش:
- أظاهر جسمك مبقاش متعود يا صفا على الحاجات دي.
واعتلت ملامحها ابتسامة ساخرة وهي تتذكر اليوم الأول لها بالسجن، كيف كانت تبكي وترثي حالها بين جدران زنزانتها، كيف صرخت بعلو صوتها وهي لا تطيق الهواء الذي تتنفسه. شهر كامل مضته ببكاء ونواح، إلى أن أجبرتها الحياة على الاعتياد. فلا يوجد مفراً.
هي خرجت ونسيت حياة الرغد، تشعر وكأنها ليست لها، وكأنها مختلفة عنها.
فاقت من شرودها على رنين الهاتف الذي أعطاه لها عزيز بعد أن أوصلها تلك الشقة الفاخرة.
نظرت للرقم الوحيد المدون به، ثم فتحت الخط:
- أيوه يا عزيز، في حاجة؟
سمع صوتها الناعم وشعوره بالرغبة يقتله نحوها. ابتلع ريقه وألتف حوله يطالع مكتبه المظلم:
- قولت أطمن عليكي بس يا ست الهوانم.
هتفت باستنكار لتلك الكلمة التي باتت تكرهها، فهي خريجة سجون وليس هانم كما كانت، فزمن الهوانم قد مضى وانتهى أوانه:
- ما بلاّش الكلمة دي يا عزيز... أنا صفا وبس.
أردفت بثقل وألم احتل نبرة صوتها:
- صفا خريجة السجون... مش صفا بنت الباشا بتاعك.
بابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيه وهو يتعجب من الزمن:
- خلاص يا ست الهوانم... نقول صفا وبس.
ابتسم خرج من بين شفتيه ليضغط على شفتيه متخيلاً جسدها بين ذراعيه تئن باسمه:
- عزيز، ممكن تشوفلي شغل أشتغله؟
اعتدل في جلسته وتعجب من طلبها، فهو لا يريدها إلا محتاجة لمأواه:
- لما أجيلك بكرة نشوف حكاية الشغل دي.
قالها ثم أغلق المكالمة سريعاً بعدما شعر بقرب خطوات من غرفة مكتبه، لتفتح الباب امرأة ذات جسد ممتلئ:
- أنت لسه صاحي يا عزيز؟
***
وقف في شرفة غرفته، ينفث دخان سيجارته بشرود. عقله لم يرحمه من تخيل مشهدها وهي ينتظرها ذلك الرجل الذي لم ينساه قط، والآن أصبح صاحب معارض سيارات ذي سيط وسمعة، ولكنه يعلم مصدر تلك الأموال.
ضرب على سور الشرفة بيداه بعدما دهس عقب سيجارته:
- لسه بتفكر فيها إزاي؟
تذكر حسرة والدته عليها بعد رفده من الداخلية.
كان أبشع شيء يدمر رجلاً مثله.
الحب كلمة من حرفين دمرت كيانه، وما زال الذي بين أضلعه يحن.
غمض عينيه بقوة. ما زالت جميلة رغم هزلانها وشحوب بشرتها.
صوت أنفاسه أخذ يتعالى، وفكرة لم يتخيل نفسه يوماً أنه سيفعلها، وما كانت الفكرة إلا التلاعب بقلب أحداهن، ولم تكن إلا ياقوت من وقع عليها الاختيار.
***
لم يتبقى على انتهاء إجازتهما إلا يومان. وهم ما زالوا بنفس النقطة. طيلة اليوم تستمتع هي بأجواء أحد الجزر اليونانية، وبالليل لا يكون منها إلا الهروب أو المشادة بالحديث.
تأمل انبساطها وهي تأكل المثلجات وتقف أمام السور المحاوط للمطعم المطل على مياه البحر.
كان الهواء يداعب وجنتيها التي تورّدت تلقائياً بفعل الهواء. قلبه أصبح عجيباً الآن، بدأ يشتهيها ويرغبها بطريقة مهلكة.
ترك فنجان قهوته وتحرك نحوها بخطى تضج بالرجولة. عين إحداهن التقطته، فرفعت نظارتها تغمز له، ولكن عيناه هو كانت نحو أخرى، نحو زوجته.
- الإجازة بتخلص، أتمنى إنك تكوني اتبسطتي.
هتف بمغزى، فرأى تعبيرات وجهها تغيرت للسعادة:
- مبسوطة طبعاً يا شهاب.
فاحتقن وجهه من عدم شعورها بما يعتريه. وأسند ساعديه على السور الذي أمامه وأحاطها بجسده:
- يعني أنا بس اللي مش مبسوط.
رمقت الفتاة التي لم تتخلى عن التحديق به، فأرادت أن تتلاعب قليلاً:
- ليه بس مش مبسوط؟ اليونان طلعت تحفة... عقبال كل عيد جواز يا حبيبي.
ضاقت عيناه من تلاعبها فرد بصفاقة ليست جديدة عليه:
- عيد جواز مين؟ هو أنا شوفت جواز أولاني عشان نقول عيد جواز؟
ضحكت من قلبها على انفعاله. تعشقه لأبعد حد، ولكنه هو من علمها كيف تصبح بخيلة بمشاعرها:
- عيب يا شهاب... تخيل كده لو بنت اللي عينها هتطلع عليك سمعتك وأنت بتقول كده... هتغير وجهة نظرك علطول.
وأردفت وهي تداعب أنفه بإصبعها:
- يا معشوق النساء.
قضم إصبعها بفمه لتتأوه بألم خافت:
- معشوق النساء عايز مراته تحن عليه... وهي قمر وحلوة كده.
كان متلاعباً لأبعد حد بحديثه، ولكنه كان بالفعل يراها تزداد جمالاً. وقبل أن يُكمل عباراته الناعمة التي تفقدها صوابها، غمست معلقتها بكأس المثلجات خاصتها، ثم دفعت بالملعقة الممتلئة داخل فمه هاتفة بمكر:
- آيس كريم جميل... اللي ياكل لوحده يزور يا حبيبي.
***
وقفت هناء تستمع لحديث والديها خلسة، وقلبها سعيد بقدوم مراد بعد أسبوع من رحلته التي طالت واقتربت من الشهرين.
ولكن سعادتها لم تدم وهي تستمع لحديث والدتها المعترض على ذهابهم لبيت شقيقه يوم وصوله:
- هو مين المفروض اللي يروح لمين يا مها؟
- أنا وأنتِ عارفين ليه فؤاد عايزانا نتجمع عشان يعلن الخطوبة رسمياً.
تحدثت سلوى حانقة من بداية الحكاية التي لم تستلطفها إلى الآن:
- وفيها إيه يا سلوى؟ ده بيت أخويا وإحنا رايحين زيارة عادي.
استنكرت سلوى الحديث ولويت شفتيها ممتعضة:
- خلاص روح أنت، أما أنا وبنتي لأ... لحد ما يجي ابن أخوك يطلب إيد بنتي رسمي في بيتنا.
فرت هناء هاربة وهي ترى والدتها تنهض من فوق مقعدها بعدما حسمت الحديث. لينظر مهاب في أثرها ولم يتقبل حديثها إلا لاقتناعه أنها على حق.
***
أغلقت غرفتها عليها وألتقطت هاتفها تبحث عن رقم ياقوت التي كانت عائدة من عملها منهكة.
صدح رنين هاتفها الذي أخرجته للتو من حقيبتها.
ارتسمت السعادة على شفتيها وهي تجد رقم هناء يضيء على شاشته:
- مراد راجع بعد أسبوع من الصين يا ياقوت.
كانت السعادة جالية على صوتها لتهتف ياقوت ضاحكة:
- مش ده مراد اللي كنتي بتقوليلي امبارح إنك هتقولي لعمو مهاب مش عايزة ارتبط بيه؟
ضحكت هناء على حديثها:
- بصي، هو قدامه فرصة واحدة معايا، لا ييجي يخطبني رسمي، لكل واحد يروح لحاله.
جلست ياقوت على فراشها تضحك على كذبة صديقتها:
- هناء، أنتي متأكدة من كلامك ده؟
ماءت هناء رأسها بثقة، وكأن الأخرى أمامها ترى حركتها. ثم أردفت بثقة زالت سريعاً عن صاحبتها:
- هحاول يا ياقوت... ادعيلي إنتي بس.
أتجوز مراد. وسرحت بحالها ترتدي له ثوب الزفاف:
- بحبه أوي يا ياقوت... لما هتحبي هتعرفي إزاي الحب بيخلي الواحد أهبل في نفسه.
هتفت هناء عباراتها الأخيرة حانقة من حالها، لتتقبل ياقوت كلمتها بقلب لم يعرف الحب إلا لشخص اختار صديقتها الهائمة ب ابن عمها الوسيم صاحب الأعين الرمادية التي ورثها عن والدته المتوفاة.
***
قادها برفق نحو إحدى الطاولات كي يجلسوا لحين تنهي شقيقتها بعض مشاويرها الهامة. أزاح لها المقعد ثم أجلسها عليه:
- مرتاحة كده؟
تحسست مها المقعد ثم وضعت يداها على الطاولة المستديرة:
- شكل المكان هنا هادي ومفيهوش دوشة.
ثم أردفت بعادة أحياناً تختنق منها ماجدة:
- ممكن توصفلي المكان يا شريف؟
ابتسم وسحب المقعد المقابل لها وقربه منها:
- بصي ياستي.
ارتكزت جميع حواسها نحو صوته الذي بات يشعرها بالأمان واستمعت لوصفه. انتهى من وصفه الدقيق لتبتسم له ثم مدت كفيها نحو وجهه تسأله:
- ممكن ألمس ملامحك؟
***
استمع للمكالمة بأنصات، محركاً رأسه بسخرية وهو يستمع لما يخبره به أحد رجاله.
عزيز أخذها لأحد شقاقه التي كان يُقابل بها بعض العاهرات، ويذهبها إليها ليلاً متلصصاً يحمل بعض الأكياس. يومان مرا على خروجها، علم فيهم أنها لم تخرج من البناية التي اصطحبها لها عزيز.
أنهى المكالمة واتكأ بظهره فوق مقعده بأسترخاء. ثم طالع الوقت متذكراً قدوم ياقوت لإكمال أسئلة صديقتها الصحفية.
فحرك رأسه بمقت مما هو يجهز حاله عليه:
- للأسف يا ياقوت، أنتي المناسبة للعبة دي.
***
ابتسمت صفا بتعب لتلك السيدة التي جلبها لها عزيز لخدمتها. وضعت أمامها الحساء الساخن وقد عصرت عليها الليمون:
- شكراً يا ست عليا... تقدري تمشي أنتِ.
طالعتها السيدة عليا ثم حركة رأسها معترضة:
- عزيز بيه موصيني عليكي يا بنتي ومقدرش أمشي غير لما يقولي.
وانصرفت لتتركها تنعم بحسائها الساخن. نظرت صفا لطبقها ثم مالت برأسها للخلف تشعر بالشوق للقائه:
- قريب أوي هجيلك يا حمزة... هجيلك وهتسمعني وتسامحني.
***
خطت بقدماها داخل الشركة التي أتت لها مسبقاً، ولم تكن إلا شركة الحراسات.
جاءت قبل موعدها بعشرة دقائق. هتفت لحالها وهي تقترب من غرفة مكتبه:
- الحمدلله إني مكنتش صحفية... ربنا يسامحك يا سماح.
خطوة وراء خطوة سارتها إلى أن أصبحت أمام غرفة مكتبه المغلقة التي قضاها إليها مدير مكتبه، فأصبحت تعلم أنه لا يفضل السكرتيرات بعمله.
وقفت بالغرفة تبحث بعينيها... لتتعلق عيناها بمكان خروجه. يبدو وكأنه أنعش وجهه وشعره ببعض الماء البارد.
أزرار قميصه العلوية كانت مفتوحة وقد تخلى عن سترته. الماء أخذ ينساب على طول عنقه إلى صدره.
اتسعت حدقتاها بصدمة ممزوجة بانبهار فطري وهي تجده يقف أمامها بتلك الهيئة العابثة. قلبها أخذ يخفق بعنف.
لعنت داخلها مقال سماح وقبولها بالشرط لتكون هي الوسيط بينهما.
أطرقت عيناها أرضاً تلوم نفسها على تحديقها به. ولكنه كان اليوم غير أي يوم رأته فيه. لا تعلم الفرق، ولكنه أصبح مختلفاً وأيضاً وسيم. حضوره بعدما كان يُرعبها بات يُشتتها.
- جيتي في ميعادك بالظبط.
خرج صوته أخيراً بعدما حدق بساعته يطالع الوقت، فأخرجها من حالة الصمت المطبق.
وتابع بتلاعب وابتسامة أصبحت تراها على وجهه:
- هتغيري نظرتي عنك يا آنسة ياقوت.
أصابتها الدهشة، فلُطفه عجيب عليها، وأردف بما زاد سرعة دقات قلبها:
- ولا أقولك يا ياقوت من غير ألقابي.
يتبع بإذن الله.
رواية للقدر حكاية الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام صادق
عيناه جالت بعبث رجولي على خلجات وجهها الخجل. نظراته نحوها كانت تفسر ردة فعلها. أراد اليوم التأكد هل سهلة المنال لعبته أم يوفر جهده ويبحث عن أخرى تتحمل نتيجة ضعفها وانسياقها خلف المشاعر. وضع قواعد اللعبة بضمير مرتاح واليوم الإجابة ستكون هي الفيصل وإخماد صحوة ضميره في تحقيق نيل امرأة ضعيفة ستقبل بكل ما سيمنح لها بقليله.
ضغطت على شفتيها بخجل وتوتر وهمست بذبذبة خجل وهي تتحاشى النظر له.
- اللي حضرتك تشوفه يافندم.
زفر بعمق، ظنت أنه يريح ثقل أنفاسه، وإنما الحقيقة كانت يريح ضميره نحوها وهي تعطيه أول إشارة أنها ستسقط بسهولة في حبه.
ابتسم بلطف غير معهود منه وأشار نحو أحد المقاعد.
- اتفضلي اقعدي.
كانت عيناه بعيدة عن صوب عيناها التي أخذت تلمع بغرابة من تعامله معها. نفضت رأسها سريعاً ثم تجمدت ملامحها وهي تسمعه يهتف بأغرب عبارة لطف لم تظن ستسمعها منه.
- تعرفي إن اسمك حلو يا ياقوت.
انشقت ابتسامة بسيطة تعبيراً عن خجلها متمتمة.
- شكراً يافندم.
وتحركت نحو المقعد وجلست بتوتر ثم بدأت تخرج متعلقاتها دون أن ترى نظراته المصوبة نحوها.
دقيقة مرت ثم أخرى لترفع عيناها تتنهد بارتباك.
- نقدر نبدأ؟
كان يُطالعها بنظرة لم تفهم مغزاها، ولكنها لم تزدها إلا خجلاً، فلم تعتد على نظرات الرجال ولا تفهم في نواياهم. رجل واحد أحبته بين طيات نفسها وانتهى الأمر برؤيته يحب صديقتها ثم ارتباطه بأخرى، وانغلق قلبها مع أول قصة يهواها القلب.
ابتسامة بسيطة ارتسمت فوق شفتيه ثم اتجه نحو مقعده خلف مكتبه.
- نبدأ يا ياقوت.
واردف ممازحاً.
- شكلك خايفة لا الوقت ينتهي ويبقى في مرة تالتة.
ضغطت على التسجيل الذي بيدها بارتباك قد لاحظه.
- عشان وقت حضرتك بس.
إشارة أخرى وصلت إليه تخبره أنها الاختيار الأمثل، فتاة هادئة ذات طبع خجول.
قهقه ضاحكاً.
- ابدأي يا ياقوت اللقاء العجيب ده.
وقبل أن تضغط على زر التسجيل تسأله.
- صحيح نسيت أسألك تشربي إيه؟
جاءت لمكتبه لمرات وتلك كانت المرة التي يسألها هذا السؤال. تخضبت وجنتاها وحركت رأسها بنفي.
- مافيش داعي.
لم يمهلها لتكمل اعتراضها، فرفع سماعة هاتفه أمراً.
- واحد قهوة مظبوط.. وعصير برتقال فريش.
تعجبت من علمه بعشقها بعصير البرتقال، ولكنه التقط ذلك بالمصادفة عندما رأها في إحدى المرات تخرج عبوة عصير من حقيبتها ثم بدأت ترتشف منها. الأمر أتى كضربة حظ أجاد ركلها فحققت الهدف.
- نقدر نبدأ.
قالها وهو يعتدل في مقعده مسترخياً ثم أخذ يدور بمقعده بحركات هادئة ينتظر سماع سؤالها.
أخذت أنفاسها ببطء ثم رفعت عيناها عن المدونة المدون بها الأسئلة.
- سبب عدم رجوعك للداخلية رغم إنه اتعرض عليك ترجعي مكانك من تاني؟
صمت للحظات وقد ثبت مقعده وأسند مرفقيه على سطح مكتبه.
- استمرارنا دايماً بيكون في مكان نجاحنا.. وأنا نجحت إني أكون بيزنس مان وفشلت أبقى ظابط شرطة.. تفتكري إيه الطريق اللي مفروض أكمل فيه؟
لمعت عين ياقوت وهي تسمعه، حتى كلامه بات يفتن قلبها البريء.
- أكيد هختار أبقى في المكان اللي وصلت فيه ونجحت.
أعاد جسده للخلف وعاد لوضعه الأول مبتسماً.
- كده الإجابة وصلت على سؤالك.
كان ماهراً في إخراج نفسه من أسئلة الصحافة التي تبحث عن أي شيء في إطار حياته سواء ماضي أو حاضر.
- لو الزمن رجع بيك هتختار تبقى ظابط شرطة ولا رجل أعمال؟
ضحك ورفع كفه يداعب لحيته الخفيفة.
- هختار أبقى حمزة الزهدي وبس.
كانت إجابته غامضة بالنسبة لها، ولكن مع نفسه الإجابة أنه يريد نفسه.. يريد حمزة ذلك الشاب الذي لم يعرف معنى للغدر والطعن ولا الحب المسموم.
شعرت بالحرج من السؤال القادم. وقبل أن تتحرك شفتيها وتسأله، دلف أحدهم يحمل مشروبها وقهوته.
أغلق الباب مجدداً بعد انصراف الساعي، ليُشير نحو مشروبها.
- اشربي عصيرك الأول وبعدين نكمل.
لطفه الزائد جعل قلبها وعقلها في تضارب تام. القلب يُخبرها بمدى لطفه وتهذيبه.. والعقل يبحث عن تفسير منطقي.
- نكمل لقاءنا بس يافندم.. مفضلش غير سؤالين.
ضحك وهو يفهم سبب رغبتها في إنهاء ذلك اللقاء بأسرع ما يمكن.
- اسألي يا ياقوت.
بدأ قلبها يدق دقته الأولى وهو يستمع لنطق اسمها بتلك الطريقة، النغمة من بين شفتيه.
- بقيت أرمل دلوقتي... هل بتفكر في الجواز مرة تانية؟
تأملها بنظرة طويلة وقد توقع أن هذا سيكون من ضمن الأسئلة.
- حالنا بيتغير في لحظة.. ومين عالم يمكن يحصل، ويمكن أكمل باقي عمري وحيد.
تعمقت عيناها به بصمت ثم أشاحتها لتعود لمكان ارتكازها.
- فاضل سؤال واحد.. وبالنيابة عن صديقتي والجريدة بنشكرك إنك اديتنا من وقتك.
أماء برأسه وهو يبتسم وكأن اليوم هو يوم ابتسامات حمزة الزهدي، وتناول فنجان قهوته يرتشف منه بتلذذ.
- كملي سؤالك اللي فاضل.
واردف ضاحكاً بتلاعب.
- واتمنى السؤال الأخير ميبقاش فضولي عن حياتي الشخصية.
ضحكت رغماً عنها نافية برأسها.
- لأ ده سؤال عن أعمالك القادمة. سؤال بعيد عن حياتك الخاصة وعن فضول سماح صديقتك.
وضع فنجان القهوة وقد شعر بنشوة الانتصار. الجولة الأولى قد تحققت وها هي بدأت تتحدث معه دون رهبة وخوف.
وكانت الإجابة الأخيرة التي دونتها ثم أغلقت دفترها وكادت أن تُلملم حاجتها.
- اشربي عصيرك الأول.
هتفت بنبرة خجل متلهفة للمغادرة.
- مافيش داعي يافندم عشان وقت حضرتك.
ضحك وهو ينهض من فوق مقعده واقترب من المقعد المقابل لها وجلس عليه.
- اشربي يا ياقوت.. اللقاء والرسمية خلصت وعايز أدردش معاكي شوية.
بهتت ملامحها وهي تخشى حديثه، ولكن ملامحها استرخَت سريعاً وهي ترى سؤاله منصب عن عائلة هناء صديقتها والنسب الذي بينهم.
- كنتي بتشتغلي في الملجأ كعمل خيري مش كده؟
واردف وهو ينتظر أن ترتشف من كأس العصير الذي وقف على طرفي شفتيها.
- شغلك كان إيه في الدار؟
ارتشفت رشفة سريعة من كأس العصير خاصتها ثم أجابت.
- كنت بساعد أبلة سلوى وبعلم الأطفال الرسم وشوية بعمل مشغولات يدوية ليهم بس على قدي يعني.
تعجب من إجادتها لتلك الأشياء.
- أنتي بتعرفي ترسمي يا ياقوت؟
عيناها لمعت بعشق لهوايتها التي تعشقها ولم تعد تجد وقت لها منذ أن بدأت تعمل. حركت رأسها إيجاباً فأبتسم تلك المرة تقديراً. وكما أخبرها أنها دردشة بينهم جاء سؤاله الآخر.
- طب ليه مشتغلتش بعد تخرجك على طول؟
تذكرت عمتها بشوق وأعادت كأس العصير لموضعه.
- كنت عايشة مع عمتي وبخدمها... ومكنش في شغل عندنا مناسب في البلد.. فاكتفيت بشغل الملجأ.
حرك رأسه متفهماً دون الخوض في تفاصيل أخرى. لم يقطع ذلك الحديث إلا طرقة خافتة ثم دخول فؤاد الذي تعلقت عيناه بهم غير مصدقاً ما يشاهده. حمزة يجلس على المقعد المقابل لياقوت ويتحدث معها كأنها أحد الأشخاص المهمين.
نظر فؤاد نحو حمزة الذي جلس للتو خلف مكتبه بعدما انصرفت ياقوت.
- أوعى تقولي إن كلام نادية أثر عليك.
ضحك حمزة وهو يتخيل شقيقته عندما يُخبرها فؤاد بما رآه. ثم عاد لجموده.
- كلام إيه يا فؤاد اللي هيأثر عليا.. ده مجرد لقاء صحفي صاحبتها صحفية وعايزة تعمل لقاء وأنا بصراحة مبحبش اللقاءات اللي زي دي.. بس البنت اترجتني ومرضتش أحرجها.
ثم اردف بمكر يليق به.
- إكراماً للمعرفة اللي بينكم يا فؤاد وأنها من طرف مدام سلوى والسيد مهاب.
استنكر فؤاد الأمر ولكنه لم يركز، فهو لا يتخيل أن حمزة بعد كل ما وصل إليه من مكانة سيتزوج بالطريقة التي تفكر بها زوجته.
- طيب خلينا نتكلم عن فرع الشركة اللي في إسكندرية.
فأنصت حمزة إليه منتظراً ما سيخبره به.
- عايز مراد يمسك الفرع هناك!
صمت شريف وهو لا يجد الإجابة على سؤال صديقه نحو مها ولقاءاتهم.
- مش عارف تجاوب صح يا شريف.
تنهيدة تحمل بداخلها الحيرة.
- مش عارف يا سيف... مش عارف إذا كان قربي منها تعلق ولا شفقة.
لم يكمل باقي عباراته وهتف نافياً.
- بس أكيد مش حب.
تعمقت عين سيف بصديقه الذي يعلم أنه بدأ يقع بحب مها ولكنه يرفض الاعتراف، ملخصاً الأمر في إطار الإعجاب الذي كثر.
- طب وهيشرد في اللحظة التي اخذت تتحسس فيها ملامحه وابتسامتها وهي تصفه لحاله.
- تفتكر حبيتها؟
سبب لفظه سيف حانقاً.
- افتكر إيه انت بتهزر يا شريف.. اللي زي مها مينفعش نلعب بيهم ونقول تفتكر.
اردف وهو يأمل في إجابة صديقه.
- مسألتش أختها إمتى فقدت بصرها؟
غامت عيناه بالحزن وهو يتذكر رد شقيقتها.
- مها متولدتش عمياء.. حادثة فقدت فيها عينها وباباها مات.
واردف وهو يخرج زفرة مثقلة من شفتيه.
- ماجدة أصرت توديها لدكتور بس الرد كان مفيش أمل وبعدها مها رفضت تعيش الأمل من تاني بعد شعورها كمان بالذنب لموت باباها لأنها شايلة نفسها الذنب رغم إنه قضاء وقدر.
غمغم سيف بألم وتنهد وهو يحدق بصديقه.
- لو مش قد إنك تقبلها بوضعها ده يا شريف... ابعد عنها وسيبها من أكبر ألم ممكن تسببه ليها.
واردف قبل أن ينهض من جانبه متجهاً نحو المطبخ يصنع لهما كوبان آخران من القهوة.
- وجع القلوب صعب إنك تداويه يا شريف وخصوصاً لما يكون القلب عطشان للحب.
بدأ بدنها يتعافى من المرض الذي رحب به جسدها بعد خروجها من السجن وكأن جسدها أصبح لا يعتاد على هواء الحرية.
- بقيتي دلوقتي أحسن.
هتف عزيز وهو يتناول معها الطعام المشوي الذي جلبه معه عند مجيئه لزيارتها.
- آه أحسن الحمدلله... بس مكنش في لزوم للأكل ده.
ووضعت إبريق من الماء على المائدة بعدما ناولتها إياه الخادمة التي جلبها لها عزيز للعيش معها بدلاً من السيدة عليا.
ابتسم عزيز وهو يرمقها بتفحص لجسدها الذي أكمل عليه التعب بالهذلان.
- لأ انتي لازم تاكلي وتتأخذي يا ست الهوانم.
ضاقَت ملامحها من الكلمة التي أصبحت على لسانه رغم إصرارها أن ينسى أنه يوماً كان يعمل مع والده. ضحكة مقززة صدحت منه وهو يمسح شفتيه براحة كفه.
- معلش يا ست صفا الكلمة بقت دايماً على لساني.
رغم عنها ابتسمت له بلطف وجلست تتناول معه الطعام لعدم إحراجه فهي ضيفة في بيته.
- ولا يهمك يا عزيز... المهم شوفتلي موضوع الشغل اللي كلمتك عنه؟
التقط بيده قطعة من اللحم ثم دسها بفمه وبدأ يمضغها.
- بصراحة يا ست صفا الموضوع صعب... متنسيش يعني إنك..
لم يُكمل عباراته ولكنها فهمت دون أن يحتاج للتوضيح أكثر.
- عشان خريجة سجون.
وتابعت بأمل.
- عزيز انت عندك معارض سيارات شوفلي أي شغلانة عندك... حتى لو هنضف وأعمل شاي وقهوة.
تحركت عين عزيز على جسدها. أراد أن يخبرها صراحة عن نواياه فيها ولكنه فضل الصمت إلى أن يأتي الوقت الذي حدده.
- بتقولي إيه يا ست صفا.. أنا أشغلك عندي كده... معاش ولا كان اللي يذلك يا ست الهوانم.
أطرقت عيناها بألم ثم ابتسمت وهي تتذكر من أراد أن تذهب إليه تخبره أنها ستنتظره إلى أن يسامحها حتى لو أراد أن يجعلها خادمة له، ورفعت عيناها نحو عزيز الذي لم تكتشف نواياه نحوها ولا تعلم بأمر عمله المشبوه في تجارة المخدرات فهو رسم دور الشرف عليها وعلى الكثير ببراعة.
- قولي يا عزيز عنوان شركة حمزة الزهدي فين؟
لتتجمد ملامح عزيز وهو يستمع لاسم حمزة الذي لم ينساه قط. ووقفت إحدى اللقيمات بحلقه ثم أخذ يُسعل بقوة متمتماً باسمه مطالعاً سعادتها بمجرد ذكر اسمه على طرفي شفتيها.
- حمزة الزهدي!
قفزت سماح على فراشها بسعادة لانتهاءها من هذا المقال ثم هبطت من فوق الفراش تعود لاحتضان ياقوت التي أخذت تضحك على فعلتها.
- مكنش مقال ده يا سماح.
أبعدتها عنها سماح صائحة.
- يابنتي تعرفي يعني إيه مقال حصري من حمزة الزهدي للجريدة... يعني مكافأة يعني شوية منظرة قدام رئيس التحرير وإنه يشيلني شوية من دماغه.. بدل ما هو حاسسسني إني ماليش فايدة في الجريدة.
ورفعت كفها نحو خصلات شعرها تشعثها.
- أنا عايزة أتتنقل قسم الحوادث الوفيات مثلاً كده مش المشاهير... أنا مالي ومال المشاهير ونجوم المجتمع.
ضحكت ياقوت من قلبها وهي تستمع لتذمر صديقتها ثم هتفت ممازحة.
- ياساتر عليكي وفايات وحوادث... اطلعي بره أوضتي ياسماح.
مالت عليها سماح وقبلت وجنتيها سريعاً شاكرة.
- شكراً يا ياقوت... هروح بقى أفرغ التسجيل وأكتب المقال.
وانصرفت متحمسة، لتتنهد ياقوت بشرود متذكرة لطفه معها.
ركضت مريم نحو ندي وشهاب باشتياق وسعادة.
- العرسان وصلوا.
تقبل شهاب الكلمة ضاحكاً بسخط على الكلمة التي هتفت بها المشاغبة الصغيرة، فهو لم ير عسلاً ولا كان عريساً إلا ببذلة العرس ليس أكثر.
- أهلاً بالمشاغبة وحشتيني.
هتفت مريم بعدما أخذتها ندي بأحضانها.
- وانت كمان وحشتيني يا شهاب.
ليرفع شهاب كفه ثم طرقعه على جبهتها.
- يابت قولي عمي واحترميني.
أخرجت لسانه لها ليهبط حمزة من أعلى وفي نفس اللحظة دلف شريف المنزل.
- هبقى أحترمك لما تبقى أب... عايزين نونو بسرعة بقى.
تخضبت وجنتي ندي حرجاً وسط ضحكات شريف الذي ضمها إليه وحمزة الذي أخذ شقيقه بين ذراعيه محتضناً.
- البت ديه لسانها بس اللي بيطول يا حمزة.
أخرجت إليه مريم لسانها ثم أزاحته عن حمزة وتعلقت بذراعه.
- خلي حمزة يعملها الأول ويجبلنا نونو صغير.
صمتت مريم وقد تبدل حالها فلاحظ الجميع سكوتها ثم انسحبت من بينهم متحججة.
- أنا هطلع أكمل مذاكرتي عشان عندي امتحان.
وصعدت نحو غرفتها لتتبعها ندي متعللة.
- أنا هطلع أوضتنا نرتاح.
أما شريف فلم يعلق، فذلك هو الأمر المحتوم الذي أوصت عليه والدته وتمنته لحمزة قبل وفاتها. وصرخ شهاب بمقت من دفعت حمزة له.
- السيرة ديه متتكلمش فيها قدام مريم مفهوم... تعرف كنت مريحنا وانت مسافر.
ليدلك شهاب كتفه.
- هو ده الترحيب اللي يفتح نفس بيا... فينك يا نادية.
ولم ينتهي هتافه باسم شقيقته إلا وسمع صوتها بعدما فتحت لها الخادمة.
حطت الطائرة على الأراضي المصرية. ليهبط مراد من الطائرة بملامح قاتمة ولحية قد طالت. استنشق الهواء مكرراً أنه لن يقبل بقرار والدها مهما حدث. أنهى بعض الإجراءات اللازمة ثم خطى بخطوات جامدة خارج المطار ليجد شهاب ينتظره بسيارته. عانقه شهاب بأسف على ما مر به من أحداث في وقت قليل للغاية وكانت الضربة التي حطها الزمن على عاتقه.
- زعلت أوي على اللي حصل يا مراد.
لم يمهله مراد تكملة عبارات المواساة، فأتجه نحو السيارة يضع بها حقيبته.
- محتاج أروح البيت وأرتاح يا شهاب ممكن.
أماء شهاب برأسه وصعدوا السيارة. الصمت احتل طريقهم إلى أن صدح رنين هاتف شهاب وكانت المتصلة شقيقته.
- أيوه يا نادية... ماله فؤاد ما كان مسافر البلد كويس.. حاضر.. حاضر.
تعمقت عين مراد به بقلق.
- ماله بابا يا شهاب؟
أكمل سهلي قيادة السيارة مغيراً مسار الطريق.
- جاتله ذبحة صدرية ونادية سافرت ليه هي وتقي عند عمك.
وقفت صفا أمام الشركة التي ماطل عزيز معها ليعطيها العنوان أما يُخبرها أنه مشغول ولا يستطيع إيصالها أو أنه قلق عليها، ولكن الخادمة التي تقيم معها في الشقة التابعة لعزيز جلبت لها عنوان الشركة المتواجد بها على الدوام. كل شيء في البلد تغير في تلك الأعوام ولكن مازالت الأماكن كما هي لما يصيبها إلا التجديد وحسب.
بخطى بطيئة وثوب جميل أنيق اشتراه عزيز لها خطت لداخل الشركة. وقعت عليها الأعين بانبهار لجمالها. حياها حارس الأمن وهو يظنها عميلة مهمة ومن صفوة المجتمع. حتى موظفة الاستقبال استقبلتها باحترام وأرشدتها نحو الطابق المخصص لرئيس مجلس الإدارة. ضحكت داخلها بألم.. فلو عرفوا أن من يحيونها باحترام ويبتسمون بوجهها ما هي إلا خريجة سجون.. لرمقوها باحتقار.
وقفت أخيراً أمام غرفة مكتبه ثم اتجهت نحو السكرتير القابع خلف مكتبه وقد رفع عيناه نحوها.
- ممكن أقابل حمزة بيه؟
جالت عين الرجل عليها وقد ظنها من معارفه فهتف باحترام.
- في ميعاد سابق يافندم؟
حركت رأسها نافية، ليتسأل وهو يرفع سماعة الهاتف الموضوع على مكتبه.
- أبلغه أقوله مين؟
صمتت صفا للحظات وأطلقت تنهيدة محملة بالشوق.
- صفا الأنصاري!
رواية للقدر حكاية الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهام صادق
خفق قلبها مع كل خطوة كانت تخطوها لغرفة مكتبه.. صوت حذائها تناغم مع دقات قلبها بلحن الماضي الذي عبق رائحته فؤادها.. شريط من الذكريات مر أمام عينيها بلمحة خاطفة.
حب، لهفة، أول قبلة لهم، كانت هي المبادرة فيها.
أصبحت أقدامها في عرينه.. عيناها وقعت عليه بشوق وابتسمت وهي ترى أثر الزمن على ملامحه ولم يزيده الزمن إلا رجولة ووسامة.
كانت تتابع أخباره وصوره عن طريق وردة رفيقتها بالسجن، ولكن رؤية ملامحه صوب عينيها شيء آخر.
دقيقة مرت اتبعتها أخرى وهي غارقة في تأمله وهو قابع خلف مكتبه لا يعيرها أي اهتمام، حتى أنه لم يرفع عيناه نحوه.
برودة احتلت كامل جسدها وهي تراه يُقلب في الملف الذي أمامه دون أن يُخاطبها بأي كلمة، وكأنها أمامه كالهواء لا رؤية له.
بللت طرفي شفتيها بلسانها بتوتر جليّ فوق ملامحها وهتفت بنبرة خافتة:
- لو مش فاضي أجيلك وقت تاني.
رفع عيناه نحوها خلسة ثم عاد يُسلط عيناه على الأوراق التي أمامه:
- اتفضلي اقعدي يامدام صفا.. ثواني وهكون معاكي.
الكلمة جثمت على قلبها فأدمته، فقد علم بزواجها الذي لم يدم إلا يومان وبعدها قُتل زوجها ووالدها في مداهمة بين الشرطة، وأصبحت هي المدانة بقضية التورط في تجارة المخدرات التي تم ضبطها في قبو المنزل المسجل بأسمها.
عماد زوجها الماكر لم يرحمها وهو حي ولا بعد مماته، وأصبحت في النهاية سجينة تحمل اسم والد وزوج من تجار المخدرات.
تقدمت بضعة خطوات من أحد المقاعد ونظرت إليه ثم جلست وهي لا تعرف من أين تبدأ الحديث معه.. كانت تعد لذلك اللقاء قبل إطلاق سراحها من مسجنها، ولكن اليوم كل شيء قد ذهب ولم يبقى على طرفي شفتيها إلا الجفاف.
أغلق الملف الذي كان يُدققه ورفع عيناه نحوها يرسم ابتسامة جامدة على ملامحه ثم استرخى بجسده فوق مقعده:
- خير يامدام صفا.
هتف عبارته ببرودة أثلجت روحها... يداها تشبكت ببعضهما فأخذت تفركهما:
- صحيح حمدلله على السلامة.
صوته اللامبالي ضغط على آلامها ولكنه تعذره.
استنشقت الهواء المختلط برائحة عطره وتعلقت عيناها به:
- أنا عارفة إنك بتكرهني ياحمزة... بس أنا كنت زيك ضحية صدقني واه اخدت عقابي.
ابتسامة لزجة أجاد رسمها فوق شفتيه ومال للأمام قليلاً ينظر لها وكأنه يخبر قلبه أن سحرها عليه قد انتهى وتحرر من آسر عيناها:
- كره إيه اللي بتتكلمي عنه.
بصيص من الأمل رُسم أمامها وهي تسمعه ينفي عنها شعور الكره واردف بباقي عباراته:
- شعور الكره ده نقوله لناس حاسين اتجاهم بحاجة.
صدمها حديثه ولكنها اليوم أخبرت قلبها الصمود حتى يعود إليه الحبيب:
- حمزة أنا مستعدة أتحمل أي عقاب منك... قلبي لسا بيحبك.
ضحكة صاخبة صدحت بالغرفة فنهض من فوق مقعده يُطالع عيناها المُرتكزه عليه:
- حب إيه يامدام صفا اللي بتتكلمي عنه... الحب ده وفريه لنفسك.
نهضت تقترب منه بلهفة تعتذر عما مضى:
- أنا اتظلمت زيك والله.... مكنتش فاكرة إنهم بيستغلوا قربنا في صالحهم بعد ما قولتلهم إني مش هكمل في لعبتهم.
يداه وقفت حائل بينهم... ارتسم التقزز على قسمات وجهه.
بكت بحرقة لعلها تثير استعطافه:
- اديني فرصة تسمعني.
تجمدت ملامحه بقسوة، هو يعلم أنها صادقة بأنها ضحية مثله، ولكنها كانت ضحية الجبن والخضوع... لن ينسى أنها شاركتهم في لعبتهم. دمائه كان يسير بها ذلك المخدر اللعين... كان يعشق مذاق القهوة في منزلها.
يسأل نفسه كلما صنعت له والدته أو شقيقته لما تلك القهوة الوحيدة التي تجعل الصداع يزول من رأسه، والحقيقة التي لم يحب لليوم تذكرها هو أنه كان مدمن.
أدخلته عالمهم بلعبة رسمها لها والدها.. ضابط له مستقبل يعمل في مكافحة المخدرات قادته يتنبئون له بالمستقبل المبهرواللعبه أصبحت حقيقة فسقطت في حبه ولكن هل أصحاب اللعبه نسوا أن يجروه لهم... يجعلوه تحت سيطرتهم.
فاق على لمست يداها فوق ذراعيه.. فنفض يداها من عليه:
- صفا كل اللي بينا انتهى من زمان أوي واتمنى مشوفكيش تاني... حمزة الزهدي بتاع دلوقتي مش حمزة اللي عرفتيه زمان.
انسابت دموعها بغزارة فوق وجنتيها دون توقف متمتمة:
- أنا مستعدة أكون ليك خادمة وأقضي الباقي من عمري تحت رجليك.
قست ملامحه وكأن قلبه بات يخبره أنه ينفرها، أنها تذكره بالماضي والندوب:
- للأسف ياصفا أنا ميشرفنيش حتى تكوني خدامة عندي.
الكلمة اعتصرت روحها بل أماتتها، طالعته بأمل أن تكون توهمت حديثه إلا أنه:
- أتمنى ماشوفكيش تاني.
تقدمت منه خطوتان حتى أصبح لا يفصل بينهم سوا خطوة واحدة:
- أنا خرجت من السجن على أمل إني هلاقي حمزة اللي حبني وحبيته... أنت كده بتموتني ياحمزة.
للحظة خفق قلبه بالحنين.. أراد الخضوع ولكن عاد الماضي يتجسد أمامه وهو يتهم بين زملائه وقادته بأنه هو الخائن، بأن حمالات المداهمة هو من كان يفشي سرها:
- حمزة ارجوك اسمعني... أنا حبيتك بجد... لما عرفتك حبيتك... آذوك من ورايا لما وقفتلهم وقولتلهم هبلغك هددوني بموتك عشانك.
خرج صوتها بصعوبة وعيناها قد أغشاها الدمع:
- حمزة بيه اجتماع حضرتك بعد دقايق.
أشار نحو سكرتيره بأنه سيتبعه ثم نظر لتلك التي وقفت تنتظر كلمة تحيي داخلها الأمل:
- وقتي مش ملكي ياصفا... اعذريني.
قالها وانصرف بخطوات جامدة... الضعف والحب أصبحوا خارج حياته.. ولا سبيل للعودة.
جمدت عباراته قدميها وشعور المرارة أصبح بحلقها، خرجت من مكتبه وأعين الكثير ترمقها بفضول.
***
دَلفت للشركة بأخطوات أشبه بالركض وهي تحمل الملف الذي أمرها به شهاب أن تأتي به للشركة الرئيسية وتحضر الاجتماع الذي يُقام بدلاً عنه.. ألتقطت أنفاسها عند الطابق الذي يضم غرفة الاجتماعات ومكتب حمزة... أرشدها مدير مكتبه نحو الغرفة التي دخلتها من قبل وهتف ملقياً إحدى الداعبات وهو ينظر لساعة يده:
- عدى على الاجتماع عشر دقايق يا أستاذة.
رمقته ياقوت بابتسامة مذعورة ثم اتجهت نحو الغرفة.. طرقت على الباب طرقتان ثم دلفت بتوتر تُطالع أعين الموجودين.
لم ترجف نظراتهم جسدها كما فعلت نظرات ذلك القابع على مقعده يُناقش أحد مدراء الأقسام ولكن فور دلوفها.. اتجهت عيناه نحوها يرمقها بنظرة خشت أن يأتي بعدها أعصاره:
- أتمنى ميبقاش في تأخير تاني يا أستاذة ياقوت.
اتسعت حدقتيها من هدوئه كما تعجب الجالسين.. كان مقعد شهاب فارغ ولكنها لم تجرؤ على التقدم نحو المقعد وإعطائه الملف الذي أمرها شهاب بأحضاره وإعطائه لشقيقها.
أخرجها من تشتتها هذا وهو يعاود مطالعتها:
- هتفضلي واقفة كتير مكانك... اتفضلي.
أشار نحو المقعد الذي يقبع على يمينه بالقرب منه.. فتقدمت بتوتر تعطيه الملف وجلست.. ليبدأ الاجتماع مرة أخرى.
انتهى الاجتماع أخيرًا... وتم نهوض الجميع.
- أستاذة ياقوت ثواني.
كان هدوئه ولطفه يزيدها ارتباكاً.. فحتى أمام الجميع يتعامل معها بلطف.. ظنت أن لطفه هذا منصب على وجودها معه وحده.
انصرف آخر فرد من الغرفة ولم تبقى إلا هي.. وضعت دفترها وقلمها داخل حقيبتها وانتظرت حديثه.
ابتسامة لطيفة بصعوبة أجاد رسمها بعد لقاءه بصفا... لعبته أصبحت تتطلب منه أن يحكم قواعد الخطة فلا بأس أن يغدق عليها لطفه وتودده:
- مالك قلقانة كده ليه.
ضحك وهو يهتف عباراته فتمتمت بخجل:
- أبداً يا فندم مش قلقانة ولا حاجة.
مال نحوها يرمقها بنظرات عابثة:
- مش باين يا ياقوت.
وسريعاً أردف:
- لو مش عاجبك انده اسمك من غير ألقاب قوليلي.
تعلقت عيناها خلسة به ثم عادت تطرقهما نحو الطاولة:
- لا يا فندم مافيش مشكلة.
قهقه بعلو وأرخى جسده فوق مقعده متلذذًا بتأثيره الطاغي عليها:
- صديق ليا زوجته عاملة معرض لعرض رسوماتها.. هي فنانة زيك.
انتبهت لحديثه وانتظرت أن يُكمل:
- لما الدعوة اتبعتتلي افتكرتك.. شايف إن ممكن تستفيدي من كده.
ابتسامة واسعة احتلت شفتيها... لم تصدق أن لطفه سيصل معها لهذا الحد:
- أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. أنا كان نفسي من زمان أحضر معرض زي ده.
ابتسم وهو يرى سعادتها... شعر بالندم وهو يعلم أن السعادة التي يعطيها له ماهي إلا مصيدة يقعها فيها حتى تسقط في حبه ويتم الزواج برضاها وتتحمل هي نتيجة اختيار قلبها:
- هكتبلك مكان المعرض وهستناكي هناك... أتمنى تيجي ومتضيعيش الفرصة دي.
وتناول أحد الكروت ثم قلمه وأخذ يدون العنوان... أما هي جلست كالتائهة بعقلها أما قلبها كان كالسعيد بما يحدث.
***
نظر مراد لوالده ثم اقترب منه يرمي نفسه عليه هاتفاً بحزن:
- أنت كويس دلوقتي... لو تعبان قول.
كان التعب والإنهاك واضح على ملامح فؤاد الراقد فوق سرير المشفى.. انتقلت عيناه لأعين نادية الحمراء من أثر البكاء:
- طلعت غالي عندك يا مراد... كنت خايف لتكون بطلت تحبني يا ابني.
عاتبه شقيقه على ما تفوه به واقترب من مراد يربت على كتفه:
- إيه اللي بتقولوا ده يا فؤاد... ده مراد روحه فيك.
كان يعلم بحب ابنه إليه ولكن خشي من قيوده أن تبعده عنه ولكن اليوم ومع مرضه علم بمكانته.
التقط مراد كف والده وقبله:
- ربنا يخليك لينا يا بابا.
ابتسم فؤاد وهو سعيد بقربه وحنانه عليه ليسأل مراد عن سبب تعبه المفاجئ:
- الدكتور بيقول إن في حاجة زعلتك وصلتك للحالة دي.
تعلقت عين نادية به في صمت لا تعلم بما سينوي فؤاد فعله:
- شوية تعب بسيط من ضغط الشغل... كويس إنك رجعت بالسلامة عشان تشيل عني.
***
نظرت لها سماح بتعجب وهي تخبرها عن الدعوة التي دعاها إليها رب عملها:
- غريبة حمزة الزهدي بقى عجيب... لولا إن سمعته معروفة في السوق كنت قولت بيلعب بيكي... بس الصراحة محدش عمره قال عليه أي كلمة غير أخلاقية.
ارتسم القلق على ملامح ياقوت وسألتها بخوف:
- يعني إيه مروحش... تفتكري ممكن يكون بيختبر أخلاقي.
صدحت ضحكات سماح حتى شعرت بالألم في معدتها من أثر الضحك:
- روحي على أوضتك يا ياقوت ونامي... قال يختبر أخلاقك هو عريس متقدملك... تفتكري واحد في مكانته هيفكر كده.
وأردفت بتفكير تُحاول فيه تفسير لطفه الحالي معها:
- مش يمكن بقى يعاملك كويس لما عم هناء وصاه عليك.
طالعتها ياقوت مطمئنة وكأنها أردت أن تخبرها أن هذا هو السبب ليس أكثر... فهي لن تضع أي احتمال أن حمزة يحبها كما يحدث بالروايات:
- أكيد هو ده السبب.
***
وقفت في الشرفة تنتظر عودته... إلى أن لمحت سيارته تدلف من باب الفيلا.
أزالت مئزرها عنها ووضعته فوق الأريكة القابعة في أحد أركان الغرفة.. ثم اتجهت نحو الفراش تتسطح عليه لتجيد رسم خطتها الليلة.
رفعت ثوبها قليلاً فأظهرت بياض ساقيها ومالت بحمالاته الرفيعة نحو كتفيها... تصنعت النوم إلى أن شعرت بدلوفه الغرفة يحمل سترته على كتفه بأرهاق... وقبل أن يصيح بها غاضباً من نومها وعدم انتظاره فقد أوصاها بهذا قبل قدومه.
سقطت عيناه على جسدها ونومتها ليبتلع ريقه بتوتر ثم ألقى سترته بأهمال واقترب من جهتها هامساً:
- ندي... ندي اصحي.
تململت في رقدتها ولكن لم تفتح عيناها... فمد كفيه نحو وجهها يمسح عليه:
- مش معقول ياندي كل ما أرجع ألاقيكي نايمة... لشعر عسل دوقت عسله ولا حتى دلوقتي عارف أدوق.
وفور تذكره رحلة زواجهما.. ضغط على شفتيه بقوة حانقاً:
- يعني بعد اللبس الحلو اللي لبساهولي الليلة دي نمتي... أموت مقهور أنا.
ظل لدقائق يندب حظه واتجه بعدها للمرحاض.. لتسمع لصوت المياه... فنهضت من فوق الفراش تتقافز بمرح:
- هجننك ياشهاب.
***
دلف شريف بسيارته منطقتهم الشعبية... ثم ترجل من سيارته بعدما ألتقط علبة الحلوى التي أحضرها معه.
تعجب من اتصال ماجدة به اليوم تخبره بالعزيمة التي أعدتها له بالمنزل إكراماً للخدمة التي قدمها لها بواسطة سلطته.
تعلقت عيناه بالبنايات القديمة المصطفة بجانب بعضها وقبل أن يسأل أحدهم عن المسكن وجد يد تحط على كتفه:
- أنت حضرت الظابط.
تفوه بها سالم وهو يتفحص هيئته التي لا تدل على وضعه الاجتماعي المرموق.. حرك شريف رأسه ولم يكن بحاجة لتعريف سالم له فهو قد أصبح يعلم بهويته:
- أنا سالم خطيب ماجدة.
ثم تفوه بترحيب:
- تعالا ياباشا نورت المنطقة.
وقاده نحو البناية العتيقة إلى أن وصلوا للشقة التي كان بابها مفتوحاً.
فور دلوفهم تقدمت ماجدة مرحبة بصوت عال:
- أهلاً يا حضرة الظابط.
مد شريف بعلبة الحلوى متمتماً:
- أهلاً بيكي يا ماجدة هانم.
ضحكت ماجدة كما ضحك سالم:
- هانم إيه الله يعزك يا باشا.
لم يكن يوماً من محبي تلك المظاهر الفارغة:
- مدام مش هتتقبلي مني كلمة هانم... يبقى بلاش باشا دي.
شعرت ماجدة بالزهو من حديثه ونظرت ل سالم الذي لم يكن بتوقع ذلك الرابط القوي بينهم... لم تخبره أنه تعرف على شقيقتها أثناء جلوسهم إنما هو من أحد أقاربهم وقد اجتمع الشمل بالمصادفة:
- والله أنا قولت عليك ابن أصول يا شريف باشا.
هتف بها سالم الذي لطم كتفه بخفة... فألتف نحوه شريف وهو يشعر بالمقت اتجاهه.
تقدمت ماجدة نحو غرفة الجلوس مشيرة لشريف:
- تعالا اتفضل أنت مبقتش غريب يا شريف.
وأردفت تهتف على شقيقتها:
- مها إنتي فين تعالي.
خرجت مها من غرفتها تتحسس طريقها الذي تعرفه:
- أيوه يا ماجدة.
تعلقت عين شريف عندما ظهرت أمامه وأيضاً سالم الذي وقف يتفحصها بنظرات ماكرة.
اقتربت منهم.. واعين شريف جاحظة نحوها بغضبً ساحق من الثوب اللعين الذي ترتديه رغم طوله وتقفيلته إلا أنه أجاد رسم منحنيات جسدها جعلته للحظة يتخيل ما وراء ذلك الثوب.
قبض على كفه ثم أشاح عيناه عنها.. لتبتسم ماجدة وهي تتقدم نحو شقيقتها تمسك يدها ثم أفلتت المشبك من شعرها الطويل لينساب على كتفها.. عاد شريف بعيناه مجدداً نحوها فأنبهرت عيناه وهو يرى طول شعرها الذي لم يراها به إلا معقوداً.
اختلست ماجدة النظر نحو نظرات شريف لشقيقتها فشعرت بالزهو من أثر خطتها... ولم تنتبه لنظرات سالم العابثة نحو شقيقتها.
***
خرج فؤاد من المشفى لبيت شقيقه.. اجتمعت عائلة شقيقه وعائلته حوله في الغرفة التي أعدتها سلوى زوجة شقيقه له.
كانت هناء وتقي ينثرون جو من الفكاهة وشقيق هناء ياسر يشاركهم الضحك لكن مراد كان جالس صامتاً على طرف فراش والده ومهاب على الطرف الآخر:
- بما إننا متجمعين وأنا مبسوط بوجودنا مع بعض كعيلة واحدة.
ساد الصمت حتى أن نادية تركت الحديث مع سلوى وانتبهت له بتوجس:
- أنا بطلب إيد هناء رسمي منك يامهاب لمراد ابني.
خرجت هناء من الغرفة خافضة عيناها خجلاً فأتبعتها تقي.
وتابع فؤاد معلقاً عيناه بمراد:
- ولا أنت إيه رأيك يا مهاب أنت وسلوي.
***
نظر إلى ساعته ثم للطريق وهو يخشى عدم قدومها... ألتقطتها عيناه وهي قادمة اتجاهه فأبتسم.
كما ابتسمت هي عندما وجدته يقف بجانب سيارته منتظراً قدومها:
- تأخير خمس دقايق.
ابتسمت بخجل من أثر مزيحه معها:
- هما تلت دقايق بس.
فنظر لساعة يده نافياً:
- ده أنا كمان كرمك... ده الساعة بتقول تأخير سبع دقايق.
ضحكت وهي لا تعلم كيف تبادله المزاح... فهم ما تفكر به فمال عليها رغم بعده عنها إلا أن قربه ذبذب جسدها:
- إحنا دلوقتي مش في الشغل يا ياقوت.. تقدري تبادليني المزاح وتقولي حمزة كمان عادي.
رواية للقدر حكاية الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام صادق
عيناها تعلقت به بقلب مرتجف. لم تكن نظرتها إليه إلا نظرة قلق وخوف. فعباراته لا معنى لها غير أنه يريدها للتسلية قليلاً. لم تطربها كلماته، بل أوضحت لها مكانتها ونظرته نحوها.
أطرقت عيناها بحياء.
"مقدرش أرفع الألقاب يا فندم. ومقدرش أتجاوز حدودي مع حد مهما كان."
عادت ترفع عيناها نحوه لتجده مثبت عينيه عليها يرمقها في صمت. ظنت لوهلة أن حديثها لم يعجبه، فتمتمت:
"حضرتك مش أي حد طبعاً. بس الحلال والحرام والصح والغلط مش بيتجزأوا على مكانة الأشخاص."
ابتسم وهو يسمعها، ولكن صفحة الماضي كانت تعمي بصيرته. لم يزده كلامها إلا أنها بالفعل ستكون زوجة مناسبة لنيل اسمه لا أكثر. لا حب رآها تستحقه، ولا ندم أنه أخطأ حين اختارها في لعبته.
ضحك وهو يحرر ساعديه من عقدتهما، ثم وضع كفيه في جيبي سرواله.
"ياقوت، انتي فهمتيني غلط. أنا بس مش عايزك تبقي خايفة مني وتتعاملي معايا ببساطة."
أردف بنبرة ودودة يحمل لطفها نغمات رصدت قلبها المعتطش.
"مش عايز أحس وأنا معاكي إن فيه فرق بينا. وصدقيني أنا مش مع أي حد برفع الكلفة وبتعامل بالود ده. بس انتي مش أي حد يا ياقوت، انتي مميزة."
رمقته بتردد، ولكن أجاد تصويب كلماته.
"وقبل ما تفهمي غلط، اللي أقصدُه إنك بنت محترمة ومكافحة. وأنا بحترم وبقدر دايماً الشباب سواء بنت أو شاب بيتحدوا ظروفهم وحياتهم."
انقلبت مشاعرها نحو ما أراده. عيناها هذه المرة تعلقت به بتقدير وشكر، ولمعة أفشتها عيناها ذو اللون الأسود. خبرته جعلته يدرك أن لعبته تسير نحو خطوات متقدمة.
شعر الزهو اخترق قلبه، وهو يرى مدى تأثيره عليها بمجرد عبارات ودعوة لمعرض رسوم. هو من الأساس يكره تلك الدعوات، فماذا لو أغدق عليها ببعض الهدايا القيمة. انتبه لإشارة يدها نحو الوافدين للمعرض.
"إحنا مش هندخل؟"
قالتها بخجل. ليبتسم وهو يطالع المكان.
"أكيد طبعاً. يلا."
سارت جانبه بتوتر تخفض عيناها نحو خطواتها. كانت تعلم أن لا ثوبها الطويل داكن اللون ذو الورود المنقوشة يناسب ذلك المكان، ولا هيئتها بالمجمل. ولكن أصرت ذهنها عن تلك الأفكار.
لما تفكر بهذا الأمر، ولكل منهم حياة. وهي راضية سعيدة بحياتها مادام تطعم نفسها وتعيش بمال هي من تكافح من أجله.
انتبهت على ترحيب أحدهم بحمزة، وكان بجانبه امرأة أنيقة. وما زادها أناقة حجابها الملفوف على خصلات شعرها.
"مش معقول حمزة الزهدي شرفنا بذات نفسه. أنا قولت عادتي هتكون مش فاضي أو معندكش وقت للتفاهات دي."
هتف بها مروان، صديقه الذي كان من دفعته في كلية الشرطة. لتلطم زوجته ذراعه.
"ماشي يا مروان، أنا رسوماتي القيمة تفاهة."
أردفت متسائلة بعبوس مصطنع.
"يرضيك يقول على فني تفاهة يا حمزة؟"
ضحك حمزة كما ضحكت ياقوت رغماً عنها.
"لا طبعاً يا هند، بس انتي عارفة مروان دبش في كلامه حبتين."
ضحك الصديقان لتتعلق عين هند ب ياقوت.
"مين الحلوة دي؟"
تعلق عين مروان وزوجته ب ياقوت منتظرين تعريف حمزة لهم عنها.
"ياقوت قريبة فؤاد جوز نادية أختي. بتحب الرسم فقولت فرصة تحضر المعرض وتتعرف عليك."
اقتربت منها هند وصافحتها.
"حيث كده أخد ياقوت بقى وأشوف رؤيتها الفنية. أصل الفنانين بيفهموا بعض."
ألقت هند عبارتها الأخيرة ضاحكة وانصرفت وهي تجر ياقوت خلفها. فضحك حمزة مخاطباً صديقه.
"مجنونة مراتك دي. إمتى هتعقل؟"
تنهد مروان وهو يطالع زوجته بعشق.
"عمري ما هلاقي زيها يا حمزة. عشر سنين جواز ومفكرتش في يوم تسبني ورضيت تعيش مع واحد عقيم."
حزن حمزة وهو يرى انطفاء صديقه. فهم لا يلتقون إلا إذا سمحت لهم الفرص.
"إن شاء الله ربنا هيكرمك يا مروان. بس افتكر لو جبت ولد هتسميه حمزة فاكر؟"
عاد مروان لوجهه البشوش الضحك.
"ياااا يا حمزة إنت لسه فاكر. آه من ساعة ما اخترنا أسامي العيال من 14 سنة وهما مش عايزين يجوا."
أدمعت عين حمزة من أثر الضحك كما كان هذا حال مروان. لتعلق عين حمزة ب ياقوت التي كانت من حين لآخر تبحث عنه بعينيها كأنها طفلة صغيرة تبحث عن والدها.
"إيه النظام؟"
رمق حمزة مروان دون فهم.
"قصدك إيه؟"
وعندما أدرك مقصده من غمزة عينيه، ربت على كتفه مبتسماً.
"بلاش شغل الظباط يطلع عليا."
ضحك مروان وهو يعدل من هندام قميصه.
"ماشي يا سي."
وأردف وهو يرمق هيئة ياقوت.
"أكيد بعد مدام سوسن الله يرحمها مش هتجيب مكانها أي واحدة. وباين على البنت إنها على قد حالها."
طالع حمزة صامتاً ثم دار بعينيه نحو ياقوت التي وقفت بمفردها بعدما تركتها هند تأخذ حريتها بمعرضها.
"عن إذنك يا مروان."
أماء مروان له برأسه واتجاه نحو أحد ضيوف زوجته.
واقترب حمزة من ياقوت التي كانت تطالع أبعاد إحدى الرسومات.
"عجبك التابلوه؟"
انتفضت ثم التفتت نحوه. فضحك على فزعها.
"معلش خضيتك. قوليلي التابلوه عجبك يا ياقوت."
ابتسمت وهي تعود لمطالعة الرسمة التي تعكس هدوء وصفاء الطبيعة في لمحة فنية.
"آه جداً. رسمي ميجيش حاجة مع الحاجات الحلوة دي."
وأردفت مازحة وهي تطالع اللوحات بنظرة خاطفة.
"بس أنا كمتفرج مش أكتر. مقدرش أشتري حاجة."
ضحك وهو يرى انخفاض صوتها مع تلك العبارة.
"وأنا متفرج برضو. قوليلي بقى نظرتك وسبب انبهارك للتابلوه ده بالخصوص."
عادت تنظر للوحة بأعين لامعة.
"فيها هدوء وراحة عجيبة. بتاخدك لعالم مسالم."
وقف يستمع إليها ومن حين لآخر يختلس النظرات نحوها. زفر أنفاسه بهدوء وهو تارك حاله يعيش معها تلك اللحظة.
"تعرف نفسي يبقى عندي كوخ زي ده أعيش فيه."
نظر نحو الكوخ الخشبي الصغير الذي يحتل أطراف اللوحة.
"نفسك تعيشي في كوخ؟ أتمنى طيب تعيشي في قصر."
ضحكت بخفوت وآلم استوطن قلبها منذ تلك الليلة التي سحبت زوجة أبيها من فوق جسدها الغطاء لتدفئ ابنتها وكأن هي لا حق لها أن تشعر بالدفء. وأرتكزت عيناها نحو اللوحة.
"بس يبقى عندي زيه وأنا راضية."
وقف بجانب سيارته يفتح لها بابها كدعوة لتوصيلها. وقبل أن يهتف.
"مش هقدر أركب معاك."
طالعها حمزة مرتبكاً وأسند يده على باب السيارة.
"ما أنا مقدرش أخليكي تروحي لوحدك."
ونظر لساعته يده التي وقف عقربها عند العاشرة مساءً.
"أنا فاهم وجهة نظرك. بس الظروف تحكم يا ياقوت."
نفت برأسها عباراته.
"أنا زي ما جيت هعرف أروح."
وكادت أن تنصرف من أمامه، فأوقفها صوته.
"خلاص استنى أوقفلك تاكسي."
حركت رأسها معتذرة.
"صدقني أنا عارفة طريقي. شكراً على الدعوة."
لم يجد كلمة أخرى يصر بها عليها. فمن نظرة عينيها الجادة علم أنها لن تقبل أي من عروضه التي تتوجب عليه شهامته.
سارت في الشارع الذي أتت منه بخطوات مستقيمة تعرف هدفه. لم تلاحظ سيره خلفها بسيارته إلى أن وجدها أخيراً تقف بجانب أحد الأرصفة ثم أشارت لإحدى وسائل المواصلات المارة في الطريق.
اطمأن على صعودها لسيارة ممتلئة بالركاب، فأكمل قيادته ولكن هذه المرة بالسرعة المعتاد عليها.
زافراً أنفاسه بقوة مخاطباً حاله.
"لازم أنجز في التمثيلية دي. مبقاش لايق عليا دور المراهق الحبيب."
وضحك وهو يتذكر حاله في زمن مضى أوانه.
"اعذريني يا ياقوت الاختيار جه عليكي إنتي. بس الحياة اللي هتدخليها حلم لأي ست مهما دفعت من تمنها."
دلفت لغرفتها بالسكن بعد أن أعطت التمام لقدومها للسيدة سميرة الحنونة. أضاءت نور غرفتها، لتنتفض فزعاً من وضع سماح ليدها على كتفها صائحة دون مراعاة.
"عملتي إيه؟"
شهقت ياقوت بشهقات فزعة ثم رفعت حقيبتها تلطمها بها.
"يا شيخة حرام عليكي فزعتيني. هموت بسببك."
قهقهت سماح من هيئة ياقوت المذعورة ورفعت كفيها تقرص وجنتيها بداعبة.
"بتتخضي يا كميلة؟ لا اكبري كده."
دفعتها ياقوت عنها ثم ابتسمت على مشاكستها.
"إنتي سيبك من الصحافة يا سماح. واشتغلي حرامية أحسن تنفعي صدقيني."
صدحت ضحكات سماح فاتجهت ياقوت نحو فراشها تجلس عليه.
"ضحكتك تجيب بوليس الآداب."
اقتربت منها سماح تقاوم ضحكاتها من مشاكستها معها.
"قوليلي ومتغيريش الموضوع. إيه أخبار المعرض؟ كان حلو؟ استفدتي ولا طلعت حجة؟"
تنهدت سماح بعباراتها الأخيرة رافعة إحدى حاجبيها منتظرة الإجابة.
"لا متقلقيش. المعرض كان هايل. واتعرفت على مدام هند صاحبة المعرض وجوزها السيد مروان رائد شرطة. وكان في ناس كده تحسي بيلمعوا من النضافة."
صفرت سماح بشفتيها ثم ضحكت على عبارتها الأخيرة.
"ما لازم يلمعوا يابنتي دي ناس واصلة. حمزة الزهدي عايزاه يروح معرض رسومات لحد عادي يعني."
تنهدت ياقوت ونظرت لثوبها الذي لم يكن يليق بالمكان وقد نظرت لها إحدى صديقات هند بنظرة ازدراء.
"هي هدومي شكلها وحش يا سماح؟"
جلست سماح جانبها وربتت على كفها هاتفة.
"خليكي ديما واثقة في نفسك. إنتي مختلفة عنهم لأن عالم كل واحد فينا مختلف. إحنا عايشين على قد الموارد اللي في إيدينا ومبسوطين. وسيبي اللي عايز يبص يبص."
ابتسمت وقد لمعت عيناها بالدمع.
"إنتي جميلة أوي يا سماح. عوضتيني عن بعد أهلي."
تذكرت سماح رغبتها في السفر لبلدتها.
"صحيح هتسافري إمتى؟"
لمعت عين ياقوت وهي تتذكر اتصال هناء بها عند عودتها.
"هناء هتتخطب لمراد ابن عمها. مراد طلبها رسمياً."
اتسعت عين سماح ثم قفزت تهلل.
"يا أخيراً حلم صاحبتك اتحقق. عقبالنا بقى مع إن أنا مش هفلح في جواز. أنا جعفر في نفسي."
ضحكت ياقوت بقوة حتى دمعت عيناها.
"إنتي مصيبة يا سماح."
انصدم حمزة من جلوس مريم لذلك الوقت ونظر لساعته يده واقترب منها.
"صاحية ليه لحد دلوقتي يا مريم؟"
نهضت نحوه بلهفة ثم بكت وهي تتذكر حال صديقتها.
"هديل صاحبتي في المدرسة مامتها تعبت وهي في المدرسة أصلها شغالة داده هناك. بابا ساعدهم أرجوك. المستشفى اللي رحتيها وحشة أوي مش راضيين يعملولها العملية غير بفلوس وهما معهمش الفلوس دي."
وألقت حالها بين ذراعيه متذكرة والدتها.
"مش عايزة داده حليمة يحصلها زي ماما وتموت."
ذبذبت العبارة كيانه. صغيرته ما زال جرحها بفقد والدته لم يندمل. فمجرد مرض والدة صديقتها تذكرت مصابهم الذي مر عليه عام ونصف. وفاق على رجائها وصوت شهقاتها.
"أهدي يا مريم. حاضر يا حبيبتي. بكرة نروح سوا ليها المستشفى. لو احتاجت نقلها لمستشفى تاني هنقلها وهتكفل بكل المصاريف. المهم بطلي عياط."
ابتعدت عنه وجذبت أكمام منامتها تمسح دموعها.
"بجد يا بابا؟"
ابتسم بحنان ومدّ كفيه يمسح دموعها بأبوة وضعت بقلبه منذ أول يوم حملها فيه بين ذراعيه حين تزوج سوسن.
"بجد يا حبيبتي. هو أنا عندي كام مريم؟"
دلف شريف المنزل تلك اللحظة ضاحكاً.
"كده هتتغر علينا أكتر. وهتشيل ذنب جوزها لما تتجوز."
ضحك حمزة حين رآها تخرج لسانها لشقيقها.
"ملكش دعوة. لو مكنتش أدلع على بابا هدلع على مين."
بهتت ملامح شريف قليلاً وهو يرى تعلق مريم بحمزة. رغم أنه أخبرها كثيراً أن حمزة ليس والدها وأنه يوماً سيكون له زوجة وأطفال فوالدتهم قد رحلت. إلا أنها ترفض تلك الحقيقة. فهي عاشت عمرها لا ترى إلا هو.
لاحظ حمزة صمت شريف ففهم شعوره. فتعلقت عيناه بمريم.
"اطلعي نامي عشان مشوارنا بكرة."
تقافزت مريم بسعادة أمامهما ثم اتجهت نحو الدرج صاعدة لغرفتها.
"مش عايزها تفضل رافضة الحقيقة. مريم بتنسى إن ليها أب شايل اسمها."
اقترب منه حمزة متفهماً إحساسه.
"شريف أنا فاهم شعورك كويس. بس مريم في الوقت الحالي مينفعش نأذي مشاعرها ونقولها لبقي عندك أب ولا أم. إنت فاهمني يا شريف."
لم يتمالك شريف دموعه حين تذكر موت والدته. فضمه حمزة إليه بأخوة كشهاب شقيقه. فشريف مدرك وضعه بالنسبة إليهم.
"إيه يا حضرة الظابط. اتمالك نفسك."
ابتعد عنه شريف مغمضاً عينيه ثم فتحهما بثبات.
"في موضوع عايز آخد رأيك فيه."
نظر شهاب نحو ندي الغافية جانبه يرمقها بحنق.
"متجوز أنا عشان كل ما أرجع البيت ألاقيكي نايمة."
وزفر أنفاسه بقوة ثم أشاح عينيه عنها، لتفتح عيناها ثم أغلقتهم.
تملل في رقدته. ينفض رأسه من أفكار الشيطان ليعود لعبثه ولكنه أقسم لشقيقه أنه لن يخذله.
"أستغفر الله العظيم."
عاد يرمقها ثم التقط هاتفه من جانبه. يتصفح صفحته على موقع التواصل الاجتماعي. رفعت جسدها قليلاً كي ترى ما يفعله، لتشهق بفزع وهي تجده يميل عليها بكامل جسده.
غامزاً لها بعينيه هاتفاً بوقاحة.
"بتعملي نفسك نايمة يا ندي وفكراني أهبل. أنا سايبك بمزاج."
أغمضت عينيها بخوف مما سيفعله وارتجفت شفتيها.
"شريف بلاها."
نفخ بأنفاسه على وجهه ثم رفع يده يداعب خصلات شعرها هامساً بشوق.
"وحشتيني."
كان خبيراً في تحريك رغبتها بها. تعمق في النظر لها وهو يلقي بسحره عليها.
"ندمت على كل لحظة كنت السبب في بعدك عني. وحشني حبك ليا."
ما زال أناني في حبه رغم إخلاصه منذ أن تزوجوا، ولكن لا يريد الاعتراف بحبه. وامتدت يده نحو وجهها يداعب وجنتيها وشفتيه. لم يعطها حق اعتراضها ولم تعترض هي الأخرى وهي تسلم له حالها. أدغمها بامتلاكه وكانت كالمرحبة. فالعقل انسحب وترك القلب في هواه ومتعته.
أغلقت صفا الباب بقوة بعدما دفعت عزيز خارج الشقة. جاء إليها مخموراً يتفوه ببعض العبارات التي لم تفهمها، ولكن هيئته أثارت الرعب داخلها.
هوت بكامل جسدها خلف الباب تكتم صوت شهقاتها.
"أنا لازم أمشي من هنا. لازم أدور على مكان تاني."
وتذكرت أمر العمل الذي لم يساعدها عزيز في إيجاده. لم يأت في عقلها إلا حمزة. ستذهب إليه مرة أخرى رغم أنها عاهدت نفسها أنها لن تعود له إلا عندما تصبح صفا القديمة بجمالها الآخاذ وسحرها.
وقف مراد شارداً في الشرفة ينفث دخان سيجارته. متذكراً توريط والده له بخطبة ابنة عمه وتحديد موعد الزواج. لم يرحم حزنه على زوجته ولا طفله الذي عرف بوجوده عند وفاتها.
احتدمت عيناه وهو يتذكر فرحة هناء. وقد تمنى أن يرى على ملامحها الرفض والاعتراض، ولكنها كانت سعيدة حتى لم تعترض حين سألها والده عن موافقتها لتسريع الزواج قبل ذهابه لاستلام إدارة فرع الشركة الخاص بهم بمدينة الإسكندرية.
دهس عقب سيجارته بقوة أسفل حذائه متمتماً.
"إنتي اللي اخترتي يا هناء. ومتلوميش إلا نفسك. حياتك هتكون جحيم معايا وهطفي السعادة المرسومة على وشك."
تعجبت ياقوت من اللفافة الموضوعة على مكتبها. حملت اللفافة تتحسس ما بداخلها ولكنها لم تخمن شيئاً.
نظرت حولها مندهشة.
"يمكن للبشمهندس شهاب؟"
أردفت مفكرة.
"هسأل مين طيب. بشمهندس شهاب لسه مجاش مكتبه."
اتسعت عيناها وهي تجد ظرف صغير مثبت عليها. ولم تنتبه إليه فمن وضع الهدية وضعها دون وضعها الصحيح.
التقطت الظرف ثم أخرجت الورقة المطوية لتنظر للكلمات المكتوبة عليها مع إمضاء صاحبها.
رواية للقدر حكاية الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهام صادق
لم يدق قلبها تلك المرة بدقات السعادة وحدها، إنما كانت دقاته تحمل مزيجاً من المشاعر... لهفة، امتنان، وفرحة طفلة.
أزالت غطاء اللفافة لتشهق دون تصديق مما رأت.
نفس اللوحة التي كانت عيناها متعلقة بها، ووصف له شعورها نحوها.
إحساس جميل دغدغ كيانها.
وداخلها كان صوت يصرخ بها: "أصبحتِ اليوم محور اهتمام أحدهم".
لمعت عيناها بدموع الفرح، وضمت الهدية بين ذراعيها متمتمة:
"مش معقول".
والخطوة حُسمت لصالحه، رغم أنه لم يفعلها من أجل خطته.
ولكن ارتبطت النوايا ببعضها، وأصبح ما تعيشه ظناً منها أنها تلك السعادة التي تمنتها طويلاً.
وما هي إلا لعبة لنيل الهدف.
***
فتح شهاب عينيه بابتسامة واسعة وهو يراها غافية على صدره.
داعب وجنتها بأنامله وضمها أكثر إليه هامساً:
"ندي".
نادى اسمها لمرتين، ثم دنا منها يُقبلها على خدها مُتمتماً باسمها ثانية:
"ندي".
تَململت في رقدتها وفتحت عينيها ببطء لتنظر لوضعها وقربهم، فانتفضت من جانبه:
"هو إيه اللي حصل بينا؟"
صدحت ضحكاته بصخب، فسؤالها لا يستحق إلا ردة فعله تلك.
"محصلش بينا أي حاجة، اطمني".
وأردف مازحاً وهو يجدها تضم شرشف الفراش على جسدها:
"مالك يا ندي؟ بتحصل في أحسن العائلات يا حبيبتي".
تقع وجهها من أثر عباراته التي لا تفسر إلا تهكمه.
"انت بتهزر يا شهاب؟"
احتَدت عيناه وهو يرمقها:
"عايزاني أقولك إيه، وانتي بتتنفضي من جانبي بالشكل ده؟"
غامت عيناها بالدمع، فهي لم تكن تُريد حدوث شيء بينهم إلا إذا أحبها بالفعل، وليس مجرد زيجة مبنية على الاحترام وحسب.
عندما رأى دموعها تنساب بضعف، جذبها نحوه.
"بتعيطي ليه دلوقتي؟ انتي بتعشقي تنكدي على نفسك؟"
دفعته عنها، ولكنه لم يُحررها من آسر ذراعيه.
"أنا مش نكدية".
أبعدها عنه قليلاً ينظر لعيناها الدامعة، ورفع كفيه نحو وجنتيها يمسح دموعها.
"بالمنظر ده... مينفعش أقول غير كده".
شاحت عيناها بعيداً عنه، ولكنه عاد يجذبها إليه مُداعباً إياها:
"ممكن مراتي الحلوة تسيب النكد النهاردة وأعزمها على أحلى فطار؟"
كان بارعاً في جعلها له ومنه وإليه... يعرف كيف يجعلها عاشقة متيمة به.
حاله كان كالسخرية حين يتذكر سنوات عمره بالجامعة وأول حب بحياته، كان محط السخرية وسط أصدقائه.
لا فتيات يعرف يتعامل معهما، ولا حتى يعرف يجذب أنظار إحداهن إليه.
ما عليه إلا الاستماع لمغامرات أصدقائه.
واتى اليوم الذي أصبح فيه هو الخبير في أمور النساء.
وفي لحظة تبدل حالها لا قرار استمرت به، وفي النهاية أكمل القلب ضياعه.
***
مر الوقت وهي تجلس خلف مكتبها تنتظر مجيء السيد شهاب.
لمطالعة بعض الأوراق التي طلب منها أمس طباعتها فور قدومها صباحاً.
ملت من جلستها دون عمل تفعله.
ونظرت لجانب المكتب نحو اللوحة مبتسمة:
"أخد الهدية وأشكره ولا أرجعها؟ ما أنا مش هعرف أهادي بحاجة".
أخرجها من شرودها رنين هاتف المكتب، لترفع سماعة الهاتف سريعاً:
"أيوه يا باشمهندس... حاضر هروح أودي الورق".
وأردفت سائلة:
"حضرتك مش جاي النهارده؟"
نظر شهاب نحو ندي التي تتناول فطورها بسعادة:
"لا يا ياقوت، ألغيت كل مواعيدي النهارده... ولو عايزة تروحي بعد ما تودي الورق للسيد أشرف، روحي مافيش مشكلة".
انتهت المكالمة لتبتسم على فرصتها بأنها ستذهب للشركة الرئيسية.
جمعت أوراقها في ملف ونظرت للوحة، ثم انصرفت بعد أن حسمت أمرها أنها ستعود لأخذها بعد شكره عليها.
***
تعَلقت عين سماح برئيس الجريدة التي تعمل بها حالياً.
"مهمتك المرة دي سبق صحفي عن لاعب كورة واسمه في غنى عن التعريف".
مقتته سماح بامتعاض لكرهها لكرة القدم.
"مباهتمش أنا بالكورة يا فندم".
طرق رئيسها على سطح مكتبه بيده ممتعضاً من ردها.
"بتحبي ولا مبتحبيش، ده شغلك يا أستاذة".
وأردف موضحاً مهمتها:
"الشهر الجاي هو نازل مصر إجازة... إجازته هيقضيها في الأقصر وأسوان... دي مهمتك الجديدة، وأتمنى تنجحي فيها زي لقائك مع حمزة الزهدي".
زفرت أنفاسها مُخاطبة نفسها بأن تلتزم الهدوء، وابتسمت وهي تحدق بنظراته المتحدية.
"اسمه إيه اللعب يا فندم؟"
مخاطبها رئيسها بهدوء:
"سهيل نايف".
***
أسند شريف رأسه على سطح مكتبه مُفكراً في حديث حمزة معه.
"مدام لم يعرف ماذا يريد من تلك الفتاة التي عرفها في لحظات ضعفه، فليتركها. لا يُنكر أنه كان يشعر معها بشعور جميل، لا يعرف أهو حب أم إعجاب أم راحة. ولكن تصرفات شقيقتها جعلته ينفر من الوضع. هو ضابط ويفهم أفعال شقيقتها. تريد توريطه بالزيجة من شقيقتها، وما هو إلا رجلاً لا يحب فرض الأشياء عليه. لم تصل معه لمرحلة أن يفكر بها كزوجة".
"والحل النهائي الذي اتخذه بعد حديثه مع حمزة وكلام صديقه أنه لن يُقابلها ثانية. ولكن قلبه كان له رأي آخر".
"لا يا شريف، ودعها لمرة أخيرة... جاب لها هدية ذكرى".
اقتنع برغبة عقله وقلبه معاً.
ليدلف سيف لغرفة المكتب ناظراً له:
"سمعت الخبر ده... عندنا شهر تدريب مكلفين بيه من الإدارة".
***
وضعت أمامه قهوته بخجل وتوتر.
"عايز مني حاجة تانية؟"
نظر مراد إليها بجمود.
وكادت أن تسأله عن سبب معاملته تلك، إلا أن عمها خرج من غرفته مستنداً على والدها.
وحين وقعت عيناه عليهما، نظر لشقيقه:
"إيه رأيك الأولاد ينزلوا يجيبوا الشبكة النهارده يا مهاب؟"
كاد أن يعترض مراد، إلا أنه وجد والده يسعل بحشرجة.
"عايز أرجع بيتي بكرة وأنا فرحان".
لينظر مهاب لابنته متسائلاً:
"إيه رأيك يا هناء؟"
خجلت هناء من الأمر وأطرقت عيناها أرضاً.
"اللي تشوفوه يا بابا".
وانصرفت على الفور دون أن تنتبه لنظرات مراد المشتعلة.
"وانت إيه رأيك يا مراد؟"
هتف بها مهاب مُخاطباً ابن شقيقه تلك المرة.
"مافيش مشكلة، أنا برضو رأيي من رأي بابا، عايزين نفرح".
كانت الكلمات تخرج منه عكس ما بداخله.
فسيحقق لهم الفرح الذي يريدوه... ليذيقها هي كل عذابه.
***
وقفت للمرة الثانية أمام مدير مكتبه تطلب منه مقابلته.
"للأسف حمزة بيه مش فاضي".
تعَلقت عين صفا به وشعرت بوخزات تطرح قلبها.
خشيت أن يكون أخبر سكرتيره بهذا الأمر، فتساءلت بنبرة مذبذبة:
"ينفع استناه؟ أنا محتاجة أقابله ضروري".
طالعها الرجل وهو يتذكر أنها أتت من قبل وقد دلفت لرب عمله حين أخبره باسمها.
"هو حالياً عنده اجتماع خارج الشركة... تقدري تجيله في وقت تاني".
طالعته صفا بتفهم وجالت عيناها بالمكان.
ثم جرت أقدامها بتخاذل.
وقبل أن تخرج من غرفة المكتب، كان حمزة يخرج من المصعد متجهاً نحو غرفة مكتبه.
ألتقطته عيناها كما رآها هو، فتجمد في وقفته.
واتجهت نحوه بخطي سريعة، وقبل أن يسألها عن سبب مجيئها لهنا، هتفت برجاء:
"حمزة أرجوك أنا محتاجة مساعدتك.. مبقاش ليا حد وعزيز أنا قلقانة منه.. ساعدني!"
اقترب منها متنهداً وهو يسمعها:
"عايزة إيه يا صفا... لو دي خطة منك، إنك تظهريني بصورة الست الضعيفة بلاش".
سابت دموعها من قسوته، وأطرقت عيناها أرضاً.
"أنا صحيح لسا بحبك يا حمزة... بس أنا اتعلمت الدرس.. محدش بيدوق مرارة الخداع إلا صاحبه... أنا عايزة أحب صفا الإنسانة الجديدة".
وأردفت بأمل:
"هستنى تحبني تاني، الأمل لسا جوايا".
أصابته كلماتها.
هو يلعب نفس اللعبة بياقوت.
دار بعقله في تخيل لحظة وقوعه بحبها، فلم يجد إلا نفض تلك الفكرة وهو ساخر من نفسه.
فهو لا يرى ياقوت إلا فتاة ضعيفة بأحلام بسيطة.
فهل بعد كل ما أصبح عليه سيحبها هي؟
وسيلة لا أكثر.
وسيلة من سحر صفا يعود له ثانية.
وسيلة لراحة عقله من زن شقيقته.
ووسيلة لتنفيذ وصية سوسن التي يذكره بها شريف دوماً.
فاق من شروده وتجمدت ملامحه وهي تخبره:
"عزيز حاول يعتدي عليا امبارح... أنا مش محتاجة غير شغل بس أقدر أعيش منه وأدور على مكان أعيش فيه... أي شغل يا حمزة حتى لو خدامة عندك".
عَيناها الدامعة وكسرتها أمامه جعلته يرى صدقها.
لا يحب إذلال أحد له حتى لو كان عدوه.
مبادئ رباها عليه والديه.
ورغم سطوة الزمن عليه ودخوله دائرة الحياة، إلا أن بعض المبادئ ترسخت بداخله.
"هحاول أصدقك يا صفا... وهساعدك لوجه الله، مش هكون أنا والزمن عليك".
تنهدت بألم وهي تستمع لعبارته الأخيرة.
الزمن كلمة في قاب قوسين لا نفهمه إلا عندما نذوق علقمه.
ماتت برأسها شاكرة وتعَلقت عيناها به وهو يخرج أحد الكروت من داخل سترته يدون لها عنواناً ثم أعطاه لها.
"ده عنوان شركة الحراسات بتاعتي... بكرة الساعة 9 تكوني هناك وهتعرفي منهم مهام وظيفتك".
ألتقطت منه الكارت مبتسمة تشعر بالسعادة، ليس لحصولها على العمل، أنما لأنه لم يخذلها حين لجأت إليه مستنجدة.
قلبها تقافز بين أضلعها يرسم لها أنه مازال يحبها.
ضمت الكرت بيدها ثم شكرته بامتنان.
"شكراً يا حمزة".
الطابق كان معروفاً بخلوه من الموظفين.
ابتعد عنها منصرفاً نحو غرفة مكتبه.
"حمزة".
التف نحوها منتظراً معرفة ما تريده.
فوجدها تلقي نفسها بين ذراعيه.
كانت ياقوت صاعدة تلك اللحظة على الدرج، فقد أعطت الأوراق للسيد أشرف كما أمرها شهاب وقررت أن تصعد له كي تشكره.
لتقع عيناها على المشهد، فتوارت خلف أحد الجدران تغمض عينيها من الألم الذي اخترق قلبها ولا تعرف سببه.
ولم تكمل المشهد وعادت تهبط الدرج بخطي سريعة.
توقفت عين حمزة على رؤيتها لهم، ثم انصرافها السريع.
نفضت صفا عنه، لينظر إلى المكان الذي كانت فيه.
رواية للقدر حكاية الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهام صادق
وقف في منتصف غرفة مكتبه يزفر أنفاسه كلما جال أمامه هيئتها وهي تختفي من الطابق بل وخرجت من الشركة بعد رؤية صفا بين ذراعيه.
لا يعلم كيف حدث ذلك ولكن الحقيقة التي يعلمها أن صفا مازالت عالقة في قلبه بجزء ذكرياته المظلمة.
اقترب من مكتبه بخطى حانقة من حاله.
وأسند كفيه على سطح مكتبه مائلاً بجذعه العلوي قليلاً.
أغمض عينيه كي يريح عقله.
أنفاسه خرجت من بين شفتيه ببطء ثم فتح عينيه متمتماً:
- لازم تتصرف ياحمزة. ياقوت مش لازم تخرج من لعبتك.
***
نظرت صفا نحو عزيز الجالس واضعاً ساق فوق الأخرى وينفث دخان سيجارته.
اتجهت أنظارها نحو الخادمة التي تعيش معها وقد تركتهم واتجهت نحو المطبخ بعدما أشار لها عزيز بالانصراف.
نهض بثبات فأبتعدت عنه صفا خائفة منه.
فأقترب منها بعدما دهس عقب سيجارته في المنفضة.
- صفا أنا آسف على اللي حصل. كنت سكران ومش حاسس بنفسي.
أشاحت عيناها بعيداً عنه.
- كويس إنك جيت عشان أبلغك إني هسيب الشقة وهدور على أي مكان أعيش فيه.
اتسعت عيناه من فكرة رحيلها.
انتظرها لسنوات.
أصبح سيد بعدما كان مجرد عامل والآن تخبره أنها تنوي الرحيل.
مجرد تخيله أن حلمه بها سيضيع جعل عقله يقف.
- لا تسيبي الشقة إزاي. أوعدك إني مش هاجي هنا تاني بس إنتي متبعديش.
حاوط كتفيها بذراعيه بطريقة مُتملكة.
فأنفضت حالها وابتعدت.
طالعها مصدوماً من نفورها منه بعد أن كانت لا تخشاه.
شعر بأن خطوات قربه منها وجعلها تطمئن له أضاعتها فعلته.
أمسك عيناه أرضاً يُحاول رسم ندمه على محياه.
- وترضيلي ياست صفا أخلف وصية رأفت باشا. ده إنتي بنت الراجل اللي كانت أفضاله عليا.
تف عبارته الأخيرة وداخله يسخر من حاله.
فهو لم يكره مثل والدها قط بحياتها.
حست بندمه.
- موافقة أقعد هنا ياعزيز لحد بس ما أظبط أموري بس ياريت متجيش هنا. ممكن؟
رمقها بصمت وابتلع حديثها رغماً عنه.
لم ينهي ذلك الحوار إلا رنين هاتفه.
- أيوه. تمام أنا جاي.
أنهى مكالمته.
ثم تعمق في النظر إليها.
يشتهيها بكل ما تحمل الكلمة من معنى ولكن ما عليه إلا الصبر.
- أنا مسافر اليابان. لو نفسك في حاجة قوليليه.
تف عبارته بابتسامة واسعة.
- متتكسفيش ياست صفا. إنتي تشاوري بس وأنا عليا التنفيذ.
عاد شعورها بالقلق منه ينتابها ثانية.
حديثه أحياناً لا يشعرها أنه مجرد جميل يرده إكراماً لوالدها الذي تعلم أنه كان رجلاً غليظ القلب.
- شكراً ياعزيز.
وقبل أن يسألها من أين كانت آتية عاد رنين هاتفه يعلو ثانية.
فطالع رقم المتصل بتوتر وما كان إلا شقيق زوجته "فرات النويري".
مالك إحدى شركات النفط.
رجلاً لا يعرف قلبه رحمة ولا شفقة.
الحياة العسكرية تُشكل كيانه رغم أنه خرج منها بعد إصابته بحادث أدى لعرج بساقه اليمنى.
- معلش ياست صفا أنا لازم أمشي.
سار خطواتان ثم عاد يُطالعها.
- واحد من رجالتى هيكون في خدمتك. لحد ما أرجع من السفر.
ودون أن ينتظر ردها انصرف.
لتزفر أنفاسها بقوة متمتمة:
- هتعملي إيه ياصفا.
***
احتدت عين فرات بعدما سمع بكاء شقيقته الذي يمقته.
- خلاص يافادية. مبحبش عياط الستات ده. مش إنتي اللي صممتي تتجوزيها.
طرقت فادية بيداها على فخذيها بعويل.
- بقولك جوزي جايب شقة لواحدة في الزمالك يا فرات وتقولي مبحبش عياط الستات. شكراً ياخويا يا ابن أبوي.
انفث فرات دخان سيجارته بقوة حانقاً من حب شقيقته لزوجها بطريقة تزيده مقتاً منها.
- أنا جوزك ده مبحبش أتعامل معاه. أنا مش عارف إزاي قبلت أنسب واحد زيه.
طالعته فادية بضيق متمتمة.
- يعني كنت عايزني أقعد جانبك. عزيز هو الراجل الوحيد اللي حبني من غير الأملاك اللي عندي.
تجلجلت ضحكات فرات بصخب.
- ومدام البيه بيحبك خانك ليها؟
طرقت فادية عيناها نحو المنديل الذي تحمله ثم هتفت صائحة بعد أن بحثت لزوجها عن سبب لا يجعله مداناً أمام شقيقها.
- أكيد هي اللي أغوته وضحكت عليه.
لم يتحمل فرات حديثها فأطرق بعصاه التي يستند عليها أرضاً بقوة.
- فادية أنا زهقت من مشاكلك. وفي الآخر جوزي أبو عيالي. خلي مشاكلك لوحدك يافادية.
فور أن سمعت عبارته تلك التي يُخبرها بها عند أي مشكلة تحدث لها ومجرد أن تلقى جسدها بين ذراعيه تطلب منه حمايته وتقويم عزيز يلين نحوها.
- كده يافرات. كده ياخويا أنا ليا مين غيرك.
وألقت جسدها بين ذراعيه ليضمها إليه مغمضاً عينيه.
- خلاص يافادية. هقرص لك ودنه عشان يبطل يلعب بديله.
***
زفرت ياقوت أنفاسها ومازالت لا تعرف سبب ألمها منذ رؤية تلك المرأة بين أحضانه.
الصورة لم تصل إليها بالكامل ولم تتبين حقيقة الوضع.
اقتربت منها سماح بعد أن جلبت لهما كوبان من حمص الشام من أحد الباعة.
- أحلى كوباية حمص الشام لأحلى ياقوت.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي ياقوت وتناولت منها الكوب.
فأردفت سماح متسائلة.
- مالك بقى. قولتي مخنوقة ومحتاجة أشَم هوا. آه جينا نتمشى على الكورنيش.
طالعتها ياقوت وهي لا تعلم بما ستخبرها به.
أتخبرها بالمشهد الذي رأته ولكن ماذا ستفسره لها.
هي لا تعلم سبب ضيقها.
- ياقوت مين زعلك. اللي اسمه حمزة ده رجع يزعلك من تاني؟
وقفت ياقوت تأخذ أنفاسها.
- مافيش ياسماح. بس أنا مخنوقة من غير سبب.
تعمقت عين سماح بها تحاول سبر ما بداخلها.
- هحاول أصدق إن مافكيش حاجة.
وفردت ذراعيها نحوها تحتضنها.
- تعالي بقى آخدك بالحضن. ده حضني ميتعوضش.
هتفت سماح ضاحكة لتضحك ياقوت على عبارتها متمتمة.
- ليه يعني ميتعوضش. حضن الأم مثال.
لطمتها سماح على ظهرها بخفة.
- بالظبط يا ست النكدية. يلي مخلياني آكل حمص الشام مع إني مبحبهوش.
***
اقتربت مريم من شهاب وندى الجالسين متشابكين الأيدي يتهامسون.
- بتتكلموا تقولوا إيه؟
ابتعدت ندى عن شهاب بخجل.
ليُطالعها شهاب ضاحكاً.
- ده كلام كبار. مالكيش دعوة بيه.
عقدت مريم كلتا حاجبيها ومدت يديها تُزيحهم عن بعضهم.
- حيث كده وسعوا بقى عشان أقعد معاكم وأسمع.
ضحكت ندى رغماً عنها.
وطالعت زوجها الذي أخذ إحدى الوسادات من خلف ظهره دافعاً بها مريم على وجهها.
- قومي يارخمة.
على هتافه تلك الجملة دلف حمزة المنزل.
رغم إرهاقه اليوم إلا أنه ترك كل شيء خلف ظهره وأبتسم عندما تعالت صيحة مريم.
- مش عايزة أقعد معاكم. بابا خلاص جه.
نهضت من جانبهم لتتجه نحو حمزة الذي فتح لها ذراعيه ثم قبل قمة رأسها.
- تعالي ياحببتي.
لم يكن حال ندى يختلف عن حال شريف كلما وجدوا مريم يزداد تعلقها بحمزة.
أصبح هو كل عالمها.
تذكرت حديث نادية معها من قبل عندما أوضحت لها رغبتها الشديدة في تزويج حمزة.
تلك الفكرة لا تعلم كيف ستتقبلها الصغيرة وكيف سيرحبون بالعروس إذا تزوج حمزة وجلبها للمنزل.
داخلها يرفض دخول امرأة أخرى لعائلتهم وأحياناً تشعر بأنانيتها حين لا تتمنى الزواج له.
نفضت الأفكار سريعاً وهي ترى حمزة يتقدم منهم.
- ندي لو فاضية عايزك في موضوع.
تعمقت عين شهاب بزوجته ثم بشقيقه.
- في إيه ياحمزة؟
نظر حمزة بحاجب مرفوع نحو شقيقه.
- مش هخطف مراتك متخافش.
توترت ندى من الأمر الذي يُريدها فيه.
فأشار لها حمزة بأن تتبعه.
فأتبعته.
واقتربت الصغيرة مريم من شهاب تتعلق بذراعه.
- زعلانة منك ياشهاب. بجد زعلانة.
كانت عين شهاب مرتكزة على غرفة مكتب شقيقه ولم يغلق حمزة الباب.
رمق مريم بعد أن دفعته على ذراعه.
- إنتي ياعم. بقولك زعلانة منك مش هتصالحني؟
طالعها شهاب بحنق.
- إنتي مراتي يابنتى.
ثم اردفت متسائلة بعدما عبست بشفتيها.
- زعلانة ليه يا برنسيسة مريم؟
ظلت مريم تُحادثه عن سبب غضبها منه والذي يتلخص أنه لم يعد يصطحبها من مدرستها ولكن هو كانت عيناه ثاقبة على شقيقه وهو يُحاور زوجته.
***
طالع شهاب ندى بعدما أخبرته بحديث حمزة عن إدارتها لأسهمها بالشركة.
- لا طبعاً مش عايز مراتي تشتغل.
تلك المرة لم ترغب بالخضوع لأوامره.
- بس أنا عايزة أشتغل ياشهاب.
رأى العند في عينيها مما زاده حنقاً.
- وأنا قولت لااا. إنتي ناقصك حاجة؟
صاحت وقد كلت من خضوعها الدائم معه.
- آه ناقصني. ناقصني أكون أنا.
وأردفت بعد أن التقطت ملابسها من الخزانة.
- وعلى فكرة أنا مش عايزة أشتغل في الشركة ولا عايزة أدير الأسهم. أنا عايزة أشتغل في التدريس.
واتجهت نحو المرحاض.
غالقة الباب خلفها بقوة.
وقف يُحدق بالفراغ الذي تركته وتنهد وهو يتجه نحو الفراش يجلس عليه واضعاً وجهه بين كفيه زافراً أنفاسه.
مرت نصف ساعة وهو جالس هكذا إلى أن خرجت من المرحاض ولم تلقى نظرة عليه.
اتجهت نحو المرآة تمشط شعرها تشعر بنظراته تخترقها.
أنهت تمشيط شعرها واتجهت نحو الفراش لتتسطح عليه دون كلمة.
تجاهلها كان أكثر الأشياء التي يمقتها.
طالعها ثم تنهد بقوة.
- وطبعاً حضرتك هتنامي وأنا هقعد أغني مع نفسي. إنتي بقيتي جايبة البرود ده منين؟
غامت عيناها بالدمع وهي تُطالع جموده.
- أنا مش باردة ياشهاب. بس إنت عمرك ما حسستني إني إنسانة وليا أحلام. عمرك سألتني نفسي ف إيه وبحب إيه؟
اخترقت العبارات قلبه.
وجدها تغمض عيناها ودموعها تنساب على وجنتيها.
كانت صادقة في كل كلمة أخبرته بها.
عطاؤها الزائد له جعله شخصاً أنانياً لا يرى.
احتقر نفسه وضرب الفراش بقبضة يده بقوة ثم نهض تاركاً الغرفة.
اعتدلت في رقدتها تمسح دموعها.
- حبي ليك خلاك شخص أناني ياشهاب.
***
مجرد أن أغمضت ياقوت عيناها وأصرفت ذهنها عن حزنها وجدت رنين هاتفها يعلو.
ابتسمت وهي تجد رقم هناء.
فأجابت على الفور واعتدلت في رقدتها.
- ياقوت أنا ومراد جبنا الشبكة.
دق قلب ياقوت بسعادة لصديقتها.
- مبروك ياهناء. أحلى خبر سمعته النهارده.
تنهدت هناء وهي تنظر لخطبتها المزين بدبلتها.
- بس أنا حاسة إني مش فرحانة يا ياقوت. حاسة إن فرحتي ناقصة.
شعرت بحزن صديقتها من صوتها.
- ليه يا هناء مش ده مراد الراجل اللي عيشتي ترسمي أحلامك معاه؟
سقطت دموع هناء وهي تُطالع باقة الأزهار التي جلبها لها.
- قلبي وجعني من غير سبب. تفتكري دي علامة من ربنا إني مش هكون سعيدة مع مراد؟
لم ترد كسر فرحة صديقتها وارادت طمئنتها.
- قومي صلي وادعي ربنا إنه لو كان خير ليكي ربنا يكمله ولو شر يبعده عنك.
هتفت هناء بلهفة بعد سماع تلك الجملة.
- بس أنا عايزة مراد. عايزاه خير ليا يا ياقوت. أنا عمري ما حبيت غيره. رغم إني اتخطبت وكانوا ناس متتُرفضش بس هو الوحيد اللي قلبي عايزها.
أغمضت ياقوت عيناها تُقاوم ذرف دموعها الحبيسة.
- قومي صلي وادعي ربنا ياهناء.
مسحت هناء دموعها وهتفت بحب.
- حاضر يا ياقوت.
تركت ياقوت الهاتف جانبها ثم أعطت الحرية لدموعها كي تتساقط.
- في ناس عمرهم ما يحبوا حتى ومستنين على أمل حد يحبهم.
وأردفت داعية لصديقتها.
- ربنا يسعدك ياهناء.
***
ألقى مراد جسده فوق الفراش بعدما انتهى مكوثهم في بيت عمه وتمت الخطبة التي تمناها والده.
- إنت السبب يابابا. ذنبها إيه أظلمها معايا. لا خلتني أحزن على مراتي اللي ماتت وابني اللي كان في بطنها. ولا خلتني حتى أصالحها.
وأغمض عيناه متذكراً لحظاته القليلة مع جاكي مبتسماً.
أما هناء كانت بعيدة عن عقله وقلبه لا يراها إلا أنه فرض أجبر عليه إرضاءً لوالده.
***
طالعها وهي تخرج من المدرسة التي تعمل بها وإحدى العاملات تُساعدها في الخروج من البوابة.
اقترب منها فشعرت بوجوده من رائحة عطره.
- شريف.
مد كفه نحوها يُعاونها على السير.
- كلمت ماجدة وقولتلها إني هأخرك شوية النهارده. إيه رأيك أعزمك على الغدا؟
ارتبكت من الفكرة فهي لا تحب تناول الطعام خارج البيت حتى لا تُسبب للجالس معها الحرج.
ولكن معه تشعر أنها أنثى كاملة لا ينقصها شيء.
حتى فقد بصرها تناسته.
أومأت برأسها بسعادة واتجهت معه نحو سيارته.
عاونها على الجلوس.
ثم نظر إليها طويلاً هاتفاً داخله.
- سامحيني يامها على البعد لكن ولا أنا هناسبك ولا إنتي هتناسبيني.
يتجه نحو الباب الآخر للسيارة لينطلق بعدها بسيارته نحو المطعم الذي حجزه لهما بمفردهما.
حتى يجعلها تجلس بحريتها دون أن تخشى أعين الناس.
وصلوا وجهتهما فتمتم.
- وصلنا.
ابتسمت ببرائة ووضعت يدها على زجاج السيارة تنتظر مساعدته لها.
رجل من سيارته ثم ساعدها على الهبوط منها.
- شريف أنا مش عايزة آكل. مبعرفش آكل بره بيتنا.
كانت كالطفلة الصغيرة وهي تُخبره عن عدم رغبتها في تناول الطعام حتى لا تشعر بالحرج.
تألم قلبه فكيف سينساها ويزيلها من حياته.
قبض على يدها مطمئناً.
- متقلقيش طول ما أنا معاكي.
لو علم كيف سقطت الكلمة على قلبها فروته لكان ندم على السعادة التي أصبح يهبها لها.
جعلها تتعلق به وتبني أحلاماً ظنت لسنين أن الأحلام حُرمت عليها.
- حاضر. قولي بقى شكل المطعم إيه؟
دلفوا لداخل المطعم فرحب بهما النادل.
- حاضر هوصفهولك. بس تعالي نقعد. على فكرة أنا حاجز المطعم لينا لوحدنا.
هتفت بطفولة.
- كويس عشان أعرف آكل من غير ما حد يبص عليا.
ابتسم على طفولتها وازاح لها المقعد ليجلسها عليه.
طلب وجبتهما وجلس يصف لها المطعم.
إلى أن أتى النادل بوجبة الطعام.
- عايزك تاكلي براحتك يامها ومتتكسفيش مني.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها.
- أنا مبقتش أتكسف منك ياشريف. عشان عارفة لو شوفتني بأي وضع عمرك ما هتبصلي بشفقة وهتمد إيدك ليا وتساعدني.
أصابت الكلمة قلبه.
فالتقط كفيها وضمهما بكفيه معتذراً.
- أنا آسف يامه.
تعجبت من اعتذاره وانكمش وجهها وهي تسأله.
- آسف على إيه. إنت عملت إيه يزعلني عشان تعتذر؟
أغمض عينيه بقوة ثم أبعد عينيه عنها.
- آسف على أول لقاء بينا.
ضحكت وحررت أحد كفيها من راحتي كفيه.
- ياا إنت لسه فاكر. ده أنا نسيت.
بدأوا يتناولون طعامهم.
أخذ يساعدها في تناول الطعام ووضع الأطباق أمامها.
إلى أن أنهوا طعامهم.
مسح فمها بالفوطة الموضوعة فأبتسمت.
طلب لها كأس من المثلجات وطلب لنفسه فنجان قهوة.
وجلس ينظر لها وهي تتناول كأس المثلجات بنهم ويستمع إليها.
- إنت مش هتتكلم بقى. أنا من الصبح بتكلم.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه ومال نحو الطاولة.
- عايز أسمعك النهارده يامه.
تورّدت وجنتاها خجلاً.
- مش ماجدة وسالم حددوا ميعاد جوازهم بعد شهر. هيتجوزوا.
حرك رأسه وداخله يتمنى أن يكون اختيار شقيقتها بسالم صحيحاً.
أخرج العلبة التي تحتوي على العقد الذي اشتراه لها من جيب سترته.
وأخرجه من علبته.
- ممكن يامها ألبسك السلسلة؟
اندهشت مما أخبرها به ونهض من فوق مقعده ثم وقف خلفها وازاح خصلات شعرها.
فهمت ما أراد فهمه وهي تشعر ببرودة العقد على جيدها.
وضعت يدها على العقد مبتسمة.
- مش هقلعه خالص من رقبتي.
***
وقعت عيناه عليها وهي جالسة منكبة على بعض الملفات.
وجوده اليوم بالشركة التي يُديرها شقيقه كان من أجله.
تقدم من مكتبها.
فرفعت عيناها نحوه ليتعمق بالنظر إليها وقبل أن يهتف بشيء.
نهضت من فوق مقعدها بثبات.
- اتفضل يافندم. بشمهندس شهاب في مكتبه.
هتفت عباراتها وهي تتحاشى النظر إليه.
طالع شحوب وجهها يسألها.
- مشيتي ليه امبارح؟
تعمقت عيناها به ثم أطرقتهم سريعاً نحو الأوراق الموضوعه فوق سطح مكتبها.
كانت تظن أنه لم ينتبه إليها ولكن حدث ما تمنت عدم حدوثه.
لم تعرف الجواب فظلت صامتة.
تفرك كفيها ببعضهما بتوتر لم يخرجها من مأزقها هذا إلا خروج شهاب من مكتبه.
- ياقوت هاتي الملف ال....
انتبه لوجود شقيقه.
- حمزة إنت هنا. غريبة.
تقدم حمزة من شقيقه.
- كنت قريب من الشركة. فقولت أعدي على الفرع هنا.
أومأ شهاب برأسه نحو شقيقه بتفهم ثم طالع ياقوت التي مازالت تقف تخفض عيناها حرجاً.
- اطلبنا اتنين قهوة يا ياقوت.
دلفا الشقيقان للغرفة.
فزفرت أنفاسها المحبوسة.
ف خروج شهاب هو من أنقذها.
جلبت القهوة ثم طرقت باب الغرفة ودلفت بعدها.
وضعت الفنجانين أمام كل منهما.
فصدح رنين هاتف شهاب.
فتح الخط ثم خرج من الغرفة يتحدث.
كادت أن تخرج من الغرفة إلا أن صوته أوقفها.
- مش هتقوليلي إيه اللي مشاكي امبارح؟
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تُطالعه ثم أشاحت عيناها بعيداً عنه.
- مافيش سبب يافندم.
تنهد وهو يضع فنجان قهوته على الطاولة بعدما ارتشف منه رشفة بسيطة.
- ياقوت مبحبش أكرر سؤالي كتير.
صمتت فلا إجابة لديها تخبره بها.
- ياقوت.
تعمقت عيناها به.
اليوم علمت الحقيقة التي وقعت بها.
سقطت في لعنة الحب.
الشخص الذي كانت تهابه وتخشي بطشه قلبها بدأ يخفق بجنون بل وبدأ يهواه.
حلمت به أمس وهو يُقبلها حلم استيقظت منه تلطم وجهها رافضة اياه.
تحركت شفتيها بصعوبة متمتمة.
- معرفش.
ثم هربت من أمامه.
لتتسع ابتسامته وهو يعلم أن ما أراده تم ولم يظل إلا التنفيذ.
رواية للقدر حكاية الفصل العشرون 20 - بقلم سهام صادق
انحدرت دموعها وهي تحكي لسماح عن مشاعرها المضطربة.
أصبحت لا تعي ما ينتابها في وجوده. حب يقنعها به قلبها، ولكن عقلها يرفضه.
أغمضت عيناها تلوم نفسها على تفكيرها به ورسم أفعاله معها وكأنها بطولات، وقد نسيت أنه في البداية كان يُعاملها أسوأ معاملة.
"في حاجة غلط يا سماح؟ أنا مبقتش قادرة أفهم نفسي."
واردفت بعدما مسحت دموعها بقسوة من فوق وجنتيها:
"هو اللي أنا فيه اسمه إيه يا سماح؟ متقوليش إنه حب."
طَرقت سماح عيناها نحو الوسادة التي تضعها فوق فخذيها، شارِدة مُفكرة في أفعال حمزة اللطيفة مع صديقتها في الآونة الأخيرة. لطفه أنبت أملاً داخل قلب تلك المسكينة التي تنظر إليها تنتظر نصحها.
زفرة طويلة خرجت من بين شفتيها، ثم تعلقت عيناها بياقوت.
"اللي انتي فيه ده سراب يا ياقوت، ومحدش هيتوجع غيرك انتي... فوقي دلوقتي أحسن ما الأحلام تاخدك وتلاقي نفسك قدام الحقيقة."
واردفت وهي تعلم بقسوة كلماتها:
"حمزة الزهدي بعد مراته الأولى، أكيد يوم ما هييجي يتجوز هيتجوز واحدة من العالم بتاعه... قلوبنا هشة وضعيفة يا ياقوت وبتدور على اللي بيجرحها."
كلماتها أعادت الذكريات لكلتيهما، سماح التي أحبت يوماً، أما ياقوت عادت لها ذكرى حبها الصامت لابن بلدتها.
"قصص الروايات مبتتحققش غير في الروايات يا ياقوت... الأمير بيروح للأميرة اللي زيه، اقنعي قلبك بكده."
ضغطت ياقوت على شفتيها بقوة تُذكر قلبها بالألم الذي ستحصده إذا ظلت في أحلامها، وخرج صوتها بضعف:
"أنا مش محتاجة وجع فوق وجعي يا سماح."
وأخذت تردد داخلها:
"فوقي يا ياقوت."
أخذتها سماح بين ذراعيها تربت على كتفها.
"إحنا جاين هنا ومغتربين ليه؟"
دمعت عين ياقوت وهي تتشبث بها.
"جاين عشان نشتغل."
واردفت سماح تسألها وكأنها طفلة صغيرة:
"الحب ده إيه؟"
ابتعدت عنها ياقوت تُطالعها لتبتسم إليها.
"رفاهية متصلحش لينا."
فابتسمت سماح ومدت كفيها تمسح على خديها.
"كل ما تلاقي قلبك بدأ يرسم ليكي أحلامه واحتياجه، أوجعي قبل ما يوجعك."
أومأت لها ياقوت برأسها وقد جفت دموعها داخل مقلتيها.
لن تجني من الحب إلا وجعاً آخر يضاف إلى أوجاعها.
تعلقت عين ريما بذلك القادم نحوهم بخطى ثابتة يتحدث في هاتفه بحزم. ابتسمت ريما وهي تُهندم خصلات شعرها وتعدل من سترتها. لم تنتبه مريم لقدومه فقد كانت غارقة في حل المسألة الحسابية، ولكن حين صدرت نحنحة رجولية رفعت عيناها نحوه ثم اتجهت أنظارها نحو ريما الغارقة في تأمله بهيام.
"مساء الخير."
هتفت بها حمزة مبتسماً لتنهض ريما من فوق مقعدها هاتفه:
"مساء النور."
تعلقت نظرات مريم بينهم تتخيل لو تزوج والدها بمعلمتها، ولكن نفضت رأسها من أفكارها ونهضت سريعاً تاركة ما كانت تفعله.
"بابا وحشتني."
ألقت نفسها بين ذراعيه فأحتواها إليه متسائلاً:
"مريم عاملة إيه في مذاكرتها؟"
طالعته ريما بأحلامها الوردية المتعلقة به.
"متقلقش مستر حمزة، أوعدك أن مريم هتقفل المادة السنادي... ومش مادتي بس باقي المواد كمان."
طالع حمزة صغيرته بفخر مُقبلاً قمة رأسها.
"وأنا متأكدة من كده... شكراً ميس ريما."
هتفت ريما معترضة من مُنادته بالألقاب.
"ريما بس يا فندم... واتمنى إنك تسمح لي أقولك كمان حمزة من غير ألقاب."
ألقت عبارتها الأخيرة وهي تضغط على شفتيها بحرج وتضع خصلة شعرها خلف أذنها.
اتسعت عين مريم ذهولاً وانتقلت بعيناها نحو ملامح ريما.
حدق بها حمزة مُتعجباً.
"أكيد مفيش مشكلة من ناحيتي إنك تندهيلي من غير ألقاب ميس ريما."
تمتم كلمته الأخيرة بحزم ليجعلها تُدرك أنه لا يراها إلا معلمته الصغيرة وأنه سيناديها كما يناديها دوماً دون رفع الكلفة.
تصبغت وجنتا ريما حرجاً من الموقف الذي وضعت نفسها فيه.
أما مريم ابتسمت بزهول.
انسحب حمزة من بينهم مُتمتماً لصغيرته:
"كملي مذاكرتك يا حبيبتي."
أومأت له برأسها سعيدة وتنفست براحة وطالعت ريما التي عادت تجلس على مقعدها متوترة وأخرجت ما بجعبتها، ولكن بمكر وهي تعاود الجلوس لمقعدها هي الأخرى.
"تعرفي يا ميس ريما، عمتو نادية حاولت كتير تخلي بابا يتجوز ولكنه رفض."
واردفت بخبث وهي تُشبع عيناها بملامح ريما التي تبدلت.
"أصل بابا كان بيحب ماما أوي وقال إنه هيعيش على ذكراها."
كانت نادية تلك اللحظة قادمة نحوهم، ولكن وقفت مصدومة من سماع عبارات مريم.
حاوطها بذراعيه فأنتفضت فزعاً من لمسته مُتمتمة:
"حرام عليك يا شهاب، خضتني."
كانت رقيقة وهي تهتف عبارتها تلك، ولكن هي دوماً كانت رقيقة ناعمة.
داعب وجنتيها بيديه مبتسماً.
"مالك بقيتي رقيقة كده يا ندي؟"
مطت شفتيها مُستنكرة وابعدت عنه.
"أنا متغيرتش يا شهاب، انت ظاهر كنت أعمى."
ضحك بقوة وهو يجذبها إليه ثانية.
"لو أنا أعمى في رقتك بس، طول لسانك ده بقى جديد يا ندي."
صمتت للحظات تُفكر في خطوتها معه.
ومدت ذراعيها تُطوّق عنقه.
"لأ يا حبيبي، أنا لساني مطولش بس أنا بدلع عليك، حرام يعني الست تدلع على جوزها شوية."
رفع شهاب إحدى حاجبيه وقد أدهشته طريقتها.
"أنا مبقتش فاهمك يا ندي... بقيتي كتاب مقفول قدامي."
ابتسمت بألم لم يُخفى عليه.
"ما أنا كنت قدامك كتاب مفتوح... وانت اللي قفلته ورميته يا شهاب."
لم يُمهلها إكمال عبارتها لتجده يغرقها في عناق وقبلات محمومة وكأنه يُعبر لها أن حبه لها هكذا. مادام يُريدها بين ذراعيه هكذا يكون الحب.
بدأت صفا عملها في شركة الحراسات الخاصة كموظفة استقبال.
تُجيب على الهاتف وتستعلم عن البيانات.
تعلم أن تلك الوظيفة أكرمها فيها حمزة، فمن سيوظف لديه خريجة سجون.
انسدلت أهدابها تخفي دموعها الحبيسة. أعوام قضتها ظلماً وثمن تدفعه عن أب وزوج لم يرحموها حتى بعد موتهم.
وقفت جانبها إحدى الموظفات تلتقط بعض الأوراق من جانبها لتسألها صفا بلهفة.
"هو حمزة مش هيجي النهارده؟"
طالعتها الفتاة بنظرات متعجبة من مناداتها باسم صاحب الشركة مُجرداً، فأدركت صفا خطأها سريعاً.
"أقصد حمزة بيه."
قَهرَمَتها الفتاة ثم رتبت الأوراق وهي تُجيبها ببرود.
"حمزة بيه مش بيجي هنا غير يومين في الأسبوع وممكن يوم واحد... ياريت تكملي شغلك من غير أسئلة كتير."
وانصرفت الفتاة التي تُدعى مروة تلوي شفتيها ممتعضة.
تنهدت صفا تضغط على كفوفها بقوة حتى لا تنساب دموعها.
"يعني رمتني هنا يا حمزة عشان متشوفنيش... لدرجة إيه مش طايق وجودي."
طرق حمزة على سطح مكتبه مُنتظراً قدومها.
استدعاها بحجة أنه يريد بعض الأوراق الهامة من لدى شقيقه ولابد أن يجلبها معها هي لأهمية الأوراق.
لم يُعلق شهاب على الأمر ولم يركز بشيء.
فأبعد شيء سيفكر به أن شقيقه لا يريد الأوراق إنما يريد من ستُبعث معها الأوراق.
مر الوقت ببطء إلى أن طرقت غرفة مكتبه ودلفت بعده.
نهض فور رؤيتها لتقترب منه مطأطئة عيناها نحو الأوراق التي تحملها.
"اتفضل يا فندم، ده الورق اللي حضرتك طلبته."
مدت يدها نحوه بالاوراق دون أن تُطالعه، فألتقت حمزة منها الورق ثم نظر إليها.
"انتي مزعلانة مني ولا إيه يا ياقوت؟"
هتف بلطف مُمازحاً حتى يعيد لعبته إليه بعد ما حدث.
"وهازعل حضرتك ليه يا فندم... أي أوامر تانية؟"
تعجب من لهفتها في المغادرة وتركيز عيناها بعيداً عن مُطالعته.
تجمدت ملامحه ثم هتف بصرامة.
"اتفضلي."
كادت أن تنصرف من أمامه إلا أن صوته أوقفها.
"استني يا ياقوت."
عاد لمقعده خلف مكتبه وجلس يُطالع الأوراق حتى يعيد لنفسه حصونه.
انتظر أن يتحدث إلى أن خرج أخيراً من ثورة أفكاره.
"هند مرات مروان صديقي عندها مركز للمهارات الفنية... ممكن أساعدك تشتغلي في المركز."
واردف وهو يتفرس ملامحها الساكنة.
"أنا شايف إنها فرصة ليكي لأنك بتحبي الرسم وقبل كده كنتي بتعلمي أطفال الملجأ غير شغلك اليدوي."
ابتسمت وقد ظن أنه ألقى بهدف آخر وسينال ما أراد.
استرخى جسده على مقعده وهو يرى شفتيها تتحرك كي تعطيه الإجابة.
"شكراً يا فندم... حضرتك أديتني فرصة قبل كده أشتغل بواسطة في شركتك، لكن المرادي أنا هدور لنفسي على المكان المناسب لمهاراتي."
تعلقت نظراته الجامدة بها.
أخفى صدمته في ردها على عرضه الذي كان يُظن أنها ستقبله بابتسامة واسعة، ولكن الخيبة أصابته.
"أقدر أمشي يا فندم؟"
أشار إليها بالانصراف من أمامه دون حديث لتُغادر مكتبه.
فالتقط الأوراق التي أمامه مُلقياً بها بعنف.
ليُطالع الفراغ الذي تركته مُتمتماً.
"مش هطلع خسران يا ياقوت... انتي المناسبة للجوازة دي... أنا محتاج ضعفك اللي بتحاولي تخفيه عني."
بمجرد أن خرجت من الشركة، رفعت عيناها نحو السماء مُبتسمة تتنفس بسعادة من الثبات الذي خاضته أمامه ورفضها لعرضه.
ألقى فرات الملف الذي أمامه على سطح مكتبه بعدما أشار لأحد رجاله بالانصراف.
عاد يُطالع الملف ثانية حانقاً.
"جايب واحدة سوابق يا عزيز... ريحتك فااحت وبقت قذرة."
نظر لاسم صفا وصورتها بجمود.
"أما نشوف آخرته إيه معاكي."
اتسعت ابتسامة سماح وهي تسمع ردها عن عرضه.
"مش معقول يا ياقوت... لا قلبي مش مصدق."
قالتها سماح بدراما لتدفعها ياقوت بالوسادة.
"ليه يعني؟ أنا بس بتكسف، ده مش ضعف مني."
ضحكت سماح وهي تومئ لها برأسها.
"أسفين ليكي."
فأردفت ياقوت وهي تتمنى أن تجد مكان مثل هذا تمارس فيه هوايتها التي افتقدتها رغماً عنها.
"تفتكري هلاقي مكان زي ده أنمي فيه هوايتي؟"
ربتت سماح على كتفها بابتسامة حانية.
"إن شاء الله هندور واكيد هنلاقي..."
واردفت بمقت.
"تعالي ساعديني نجمع معلومات عن لاعب الكورة الجزائري... أنا مش عارفة أنا كان مالي ومال الكورة."
ضحكت ياقوت على تذمر صديقتها.
ليبداوا في جمع المعلومات عنه متفاجئين بأول أخباره أنه أعزب في السابعة والعشرين من عمره.
اقترب سالم من مها التي جلست تنتظر قدوم شريف.
مدت يداها نحو القادم بلهفة تتمنى أن يكون هو.
"شريف."
ابتسم سالم بمكر وهو يقترب منها.
"أنا سالم يا مها... يادي شريف اللي بقى واخد عقلك."
وضعت يدها على العقد الذي أعطاه لها في آخر لقاء بينهم.
"فين ماجدة؟"
طالعها سالم مُقترباً منها.
"ماجدة هي اللي بعتاني أجيبك... أصلها راحت تعبانة من شغلها."
اقتربت منه بلهفة وخوف على شقيقتها.
"ماجدة تعبانة إيه اللي حصل؟"
لمعت عين سالم بالشهوة وهو يسندها إليه.
"متقلقيش هي كويسة، ده مجرد صداع."
تنهدت مطمئنة أن شقيقتها بخير.
وامسك يدها يقودها نحو سيارته.
أجلسها برفق وهو يضغط على طرف شفتيه وشعوره بالرغبة نحوها يتدفق.
اتجاه نحو مقعد القيادة ليقود بها السيارة.
إلى أن وصل لأحدي المناطق المعزولة ومال نحوها.
"معلش يا مها، هربطلك حزام الأمان أصلنا داخلين على كمين."
حجة اخترعها كي يترك ليداه حرية ملامسة جسدها.
تجمد جسدها وهي تجد يده تتحرك أسفل جيدها.
فتشبثت في مقعدها.
"انت بتعمل إيه يا سالم، ابعد عني."
ابتعد وهو يمسح عرقه وتمالك نفسه حتى لا يُخطئ.
"في إيه يا مها، أنا كنت بربطلك حزام الأمان."
وأكمل قيادة سيارته.
لتضم ذراعيها حول جسدها خائفة متمتمة باسمه.
"انت روحت فين يا شريف."
نظرت هناء للهدايا التي بعثها السائق مُخبراً إياها أنها من السيد مراد.
لمعت السعادة في عينيها وهي ترى والدتها ما جلبه لها مراد.
"جميل يا حبيبتي... اتصلي بي واشكريه."
أسرعت هناء لحجرتها فطالعتها سلوى داعية.
"ربنا يسعدك يا بنتي."
أطمأنت قلبها كأي أم تريد سعادة ابنتها وهي ترى الهدايا واهتمام مراد بابنتها.
وقعت عين مراد على ياقوت الجالسة خلف مكتبها كسكرتيرة لشهاب.
ابتسم لها بلطف.
"إزيك يا ياقوت."
ميزت ياقوت صوته فرفعت عيناها نحوه.
"أستاذ مراد... مبروك لك."
كانت نظراته خالية من أي مشاعر إلا أنه يراها فتاة مكافحة عكس ابنة عمه المدللة.
"الله يبارك فيكي... عقبالك."
طَرقت ياقوت عيناها خجلاً ثم عادت تُطالعه توصية على صديقتها.
"هناء طيبة وجميلة أوي، مش هتلاقي زيها."
لم يرد العبوس بوجهها عندما ذكرت اسمها وتسأل وكأنه لم يسمع شيئاً.
"شهاب في مكتبه."
أومأت له برأسها وقبل أن يتجه نحو غرفة شهاب، دق هاتفه برقمها.
نظرت هناء لهاتفها بعدما انفصل الرنين.
"هو كنسل عليا ليه؟ ممكن مش فاضي."
هتفت سماح برجاء.
"عشان خاطري يا ياقوت تعالي معايا... يرضيكي أقابل راجل لوحدي وأنا عارفة نيته مني."
ضحكت ياقوت وهي تُطالعها.
"دي حجة يا سماح... انتي مش عايزة تديه فرصة يتعرف عليكي."
نفت سماح برأسها وحكت فروة رأسها وهي لا تعلم لماذا خبأت عليها هوية من ستُقابله.
"أقولك الصراحة بس متسأليش كتير."
رفعت ياقوت إحدى حاجبيها منتظرة سماع الحقيقة.
"أنا مستنية الصراحة من الصبح... قوليا."
طَرقت سماح عيناها.
"ده الشخص اللي كنت بحبه زمان وسابني واتجوز وأنا عايزكي معايا عشان محتاجة وجودك يا ياقوت."
واردفت بنبرة مثقلة.
"فاكرني لسه زي ما أنا... ياقوت دي عشاء ببلاش وملوكي في أفخم مطعم، نضيعها؟ لا طبعاً، خليه يغرم."
لم تعلم ياقوت أتبكي على صديقتها أم تضحك.
"حاضر يا سماح، هاجي معاكي."
أنهوا ارتداء ملابسهم وخرجوا من السكن ليستقلوا سيارة أجرة.
مرت دقائق إلى أن وصلوا إلى وجهتهم.
"كان غني أوي حبيبك ده."
ضحكت سماح وهي تنظر للمطعم ساخرة.
"أبوه كان وزير، ساب."
تشبثت ياقوت في مكانها ثم رمقتها.
"ياخوفي لندفع تمن الأكلة غسيل الأطباق."
أكملوا سيرهم للداخل وسماح كانت تقودها عنوة.
عندما رأت رجلاً يقف لهما علمت أنه المدعو "ماهر" حبيب صديقتها السابق.
تمتمت إليها سماح بخفوت.
"هنطلب أفخم وأغلى وجبة واوعي تسيبيني معاه."
حركت ياقوت لها رأسها للمرة التي لا تعرف عددها واتجهت معها نحو الطاولة.
لم تنتبه لنظرات ذلك القابع بالقرب منهم مع ضيوفه.
"دي ياقوت صديقتي."
أومأ ماهر رأسه إليها مرحباً رغم أن داخله كان مُمتعضاً.
فقد كان يريد الحديث معها وحدهما.
جلسوا على مقاعدهم.
فتعلقت عين ماهر بسماح أما ياقوت جلست ترمقهم بتوتر.
"عاملة إيه يا سماح... تعرفي إنك وحشتيني."
طالعت سماح المطعم دون أن تنظر إليه ثم أجابته ببرود.
"انت شايفني إيه قدامي؟"
ارتبك ماهر من ردها وطالع ياقوت التي أبعدت أنظارها عنهم كي لا تشعره بالحرج من وجودها بينهم.
"بقيتي جميلة."
قَهرَمَته سماح بملل تخفي خلفه قناع جرحها.
"طول عمري جميلة يا ماهر، مش محتاجة تعرفيني بنفسي ولا بشكلي."
كانت ردودها جافة إلا أنه تقبل كل شيء منها بصدر رحب، فهو من طعنها قديماً وتركها ليتزوج بأخرى اختارها له والده.
صدح رنين هاتف ياقوت.
لتُطالعها سماح مُحركة لها عيناها أن لا تنهض.
فتعلقت عين ياقوت برقم شقيقتها ياسمين قلقاً ومالت نحوها هامسة.
"دي ياسمين... لازم أقوم أرد عليها يا سماح، ليكون بابا في حاجة."
نهضت ياقوت بعدما أطلقت سماح سراحها.
فتعلقت عين ماهر بها.
"أنا انفصلت عن مراتي يا سماح."
دفع حمزة مقعده ناهضاً من أمام ضيوفه.
"ثواني وراجع."
اتبع تلك التي خرجت من المطعم تضع هاتفها على أذنها.
وقفت ياقوت خارج المطعم تُحادث شقيقتها.
"بابا كويس وانتوا كويسين؟"
أخبرتها ياسمين بوضعهما وحالهما التام وهتفت بخجل.
"ياقوت أنا مكسوفة أطلب منك اللي هطلبه ده."
صمتت ياسمين لتحثها ياقوت على إكمال حديثها وإخبارها بما تريده.
"قولي يا ياسمين."
أكملت ياسمين حديثها بخجل.
"أنا محتاجة فستان لكتب كتابي يا ياقوت ومعيش حاجة مناسبة ألبسها وبابا رفض يشتري... قالي ألبسي بتاع الخطوبة."
تَهَلّلت أسارير ياسمين وهي تُسمع والدتها المكالمة تؤكد لها حب وحنان شقيقتها.
امتعضت سناء من الأمر.
"مش مهم يا ياقوت... مادام معكيش فلوس."
ابتسمت ياقوت وقد لمع الدمع داخل عينيها فرحة بسعادة شقيقتها.
"مش مهم أنا... المهم انتي يا عروسة."
انتهت المكالمة بعدما أخبرتها ياسمين أنها تُحبها.
لتلتف عائدة إلى سماح، فأتسعت عيناها ذهولاً وهي تجده واقف خلفها يُطالعها.
يتبع بأذن الله.