تحميل رواية «للقدر حكاية» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتقلت عيناه ببطء بين تلك التي تجلس منزويه في ركن بعيد تضم طفليها إليها، طفلة لم تتجاوز الخمس أعوام وآخر قد بلغ للتو عامه الثاني عشر. وبين وثيقة الزواج التي أمامه، ليرفع رأسه قليلًا فيجد أحدهم يُطالعه برجاء وأمل. دار عقله في كل أحداث ذلك العام منذ بدايته. زيه الرسمي للضباط، والسلاح الذي بحوزته، واسمه الذي كان يندرج ضمن ضباط الشرطة، وصوت رئيسه يخبره بقسوة: "أنت مرفوض يا حضرة الظابط.. سلم كل متعلقاتك". وصوت آخر يأتي: "لو عايز ترد الجميل اتجوز بنتي". صراع داخله كان قوي، وعادت عيناه تنتقل لتلك الأرم...
رواية للقدر حكاية الفصل الأول 1 - بقلم سهام صادق
المقدمة
******
حكايات نسجها القدر... ولم يكن للعقل او القلب اي اختيار
الحياه تسير بنا هكذا تقودنا لمصايرنا وأما يكون مصيرك سعاده او حزن يحطم القلب وبين هذا وهذا ما علينا الا الرضى بقلوب حامدة
الفصل الأول
********
انتقلت عيناه ببطئ بين تلك التي تجلس منزويه في ركناً بعيد تضم طفليها إليها طفله لم تتجاوز الخمس أعوام واخر قد بلغ للتو عامه الثاني عشر وبين وثيقة الزواج التي أمامه ليرفع رأسه قليلا فيجد أحدهم يُطالعه برجاء وأمل
ودار عقله في كل أحداث ذلك العام منذ بدايته.. زيه الرسمي للضباط والسلاح الذي بحوذته واسمه الذي كان يندرج ضمن ضباط الشرطه وصوت رئيسه يخبره بقسوة
" انت مرفوض ياحضرة الظابط.. سلم كل متعلقاتك"
وصوت اخر يأتي
" لو عايز ترد الجميل اتجوز بنتي"
صراع داخله كان قوي وعادت عيناه تنتقل لتلك الارمله التي تبكي وتتشبث بطفليها الي ذلك الرجل الذي اعده كأبيه رحمه الله منذ أن ألتقي به من عام في المسجد وقد كان إنسانً يائساً من الحياه يبحث عن طريق يعيده وفي ظل ضياعه كان الصلاح في الإيمان في الوقوف بين يدي الله
أحداث مرت أمامه من لحظه دخوله لكليه الشرطه ثم وفاه ابيه وتخرجه وفرحه والدته حين تخرج وحصل على اللقب الذي تمناه له والده الي الفتاه التي احبها وخدعته بل لدعته بسمها ليسقط في بئر عميق ويضيع كل شئ
وفاق على صوت الشيخ الذي قد مل من الانتظار
- امضي يابني
لتتعلق عيناه مره اخرى بالحاج عبدالله ذلك الرجل الطيب... وفي دقائق كان يضمه عبدالله شاكرا يربت على كتفه بدفئ وحنان ابوي
- جميلك عمري ما هنساه ياحمزة
وكانت تلك هي البدايه
................................
في عتمه الظلام لا ينيره الا ضوء خافت دلفت سيده تضم شالها الصوفي على جسدها الممتلئ بعض الشئ وتحركت بالغرفه المظلمه تلوي شفتيها ممتعضة وهي ترى الغطاء لا يدثر ابنتها جيدا وابنة غريمتها يضم جسدها بالكامل وتنعم بالدفئ.. واقتربت من الفراش تسحب الغطاء بحنق من فوق جسد تلك المنكمشه لتضعه على ابنتها وتدثرها بأحكام.. وألقت نظره سريعه على ابنتها ثم انصرفت وهي تتنهد بمقت لتلك الايام التي تستضيف فيها ابنه زوجها
وانغلق الباب لتفتح النائمه عيناها تنظر على حالها بحسرة من فعلة زوجة ابيها.. فنظرت لشقيقتها بآلم وقد نعمت بالغطاء بالكامل اما هي ماعليها الا ان تبقى مرتجفه ليس من برودة الشتاء ولكن من قسوة ما تعيش
......................................
وبعد مرور عشر سنوات.. كانت الحكايه تسطر حصاد ما يُزرع
جلست وسط أطفال الملجأ تعلمهم الرسم وهي تبتسم من حيناً للآخر وهي ترى السعاده على وجوه الأطفال.. موهبه انعمها الله عليها لتُعلمها بحب للصغار بعدما وجدت حاجتها ان تخرج من دائرة النبذ التي تعيشها لا زوج ام يرحب بها ولا زوجه اب تطيقها ولولا عمتها ما كانت وجدت مكان يضمها حتى لو كانت إقامتها ماهي إلا خادمه ولكن عمتها رغم صعوبه معشرها الا انها تحبها وتعتني بها فلا بأس أن تظل طيلة اليوم تنظف وتطهو وتربى الطيور وفاقت على صوت احد الصغار يهتف بحماس
- ابله ياقوت شوفي انا رسمت ايه
فنظرت للصغير بأبتسامه صادقه ومسحت على شعره بدفئ
- شاطر يامصطفى
وفتحت حقيبتها الصغيره لتخرج له الحلوى وتعطيها له ك مكافأه
لتتعلق أعين الباقين وقد كانوا منكبين على رسوماتهم ثم صاحوا
- واحنا كمان عايزين ياابله
فضحكت ياقوت وهي تجدهم قد تعلقوا بها... لتقترب مشرفه الدار منها وعلي وجهها ابتسامه طيبه
- ياقوت
انتهت الحلوى على اخر فرد منهم.. لتنفض ياقوت ملابسها وتنهض من بينهم متجها لمشرفه الدار وتنظر للصغار وتبتسم
صوره كانت تحكي ألف معنى وحكاية
- انا مبسوطه بيكي يا ياقوت يابنتي
قالتها السيده "سلوى" وهي تربت على كتفها بحنو.. سلوى هي والده احدي صديقاتها وقد اقترحت عليها العمل في الدار بأجر زهيد للغايه تستخدمه في جلب الهدايا الرمزية للصغار
واتسعت ابتسامه ياقوت وعيناها مازالت متعلقه على مايفعله الصغار
- انا فرحانه اوي ياابله سلوى الساعتين اللي بقضيهم وسطهم بنسى الدنيا كلها
نظرت سلوى صوب الصغار وتنهدت بحب لتتذكر ابنتها
- ابقى تعالى عقلي صاحبتك لاني تعبت منها خلاص
ولم يكن تعب سلوى من ابنتها الا رفضها لمقابله عريس اخر يتقدم إليها
.........................................
في افخم المطاعم التي لا يرتادها الا صفوة المجتمع المخملي كانت تجلس عائله رجل الأعمال "حمزه الزهدي" يحتفلون بمناسبة تخرج احد افراد العائله.. عائله مثالية من ينظر إليهم يرى الترابط القوي بينهم
وفي ظل ذلك الاندماج الرائع والضحكات التي لا تنقطع.. اتكأت السيدة سوسن بظهرها علي مقعدها تتأمل كيف تعانق ابنتها التي لا تتجاوز عمر الخامسة عشر شقيقها ويلتقطون الصور معا ثم يميلوا على زوجها يلتقطوا معه بعض الصور بحماس وابتسمت وهي تستمع لابنتها المدلله تهتف بتذمر طفولي
" صوره كمان يا بابا عشان خاطري.. يلا ابتسم بقى"
ليرسم حمزه على شفتيه ابتسامه واسعه خصيصاً لمدللته وطفلته رغم أنها ليست من صلبه الا انه يراها ابنته التي لم ينجبها
سعاده كانت تغمر تلك العائله وسوسن تبتسم من حين الي اخر وهي ترى أولادها كيف هم سعداء فلم يخطئ والدها حين أصر عليها ان تتزوج حمزه كي تصبح هي وأولادها في مأمن وحمي رجلا ولم يخيب ظن والدها رحمه الله...
لتشعر بيد شقيقتها على كتفها والتي تعلقت عيناها هي الأخرى نحو نظرات شقيقتها فأبتسمت
- سرحتي في ايه ياسوسن
ألتفت سوسن نحو شقيقتها الصغرى
- كلمتي شهاب
فأبتمست ندي بخجل وهي تطالع أبناء شقيقتها
- اه كلمته راجع بكره من لندن
وتعالت ضحكات حمزه بعد مزاح الصغيره مريم مع شقيقها الذي رفع لها رأسه بفخر
" انا الظابط شريف نور الدين يتقالي ياولد "
.......................................
هبطت من سطح المنزل بخطوات متلهفة فوجدت عمتها تجلس ارضاً تنقي حبات الرز لتهتف
- انا اكلت الحمام ياعمتي.. في حاجه تانيه عايزاها مني قبل ما اروح الملجأ
لترفع السيدة خديجه عيناها نحوه تنظر للمنزل النظيف
- لا خلاص روحي مشوارك وانا هبقي احضر الغدا
فأبتمست بحب لعمتها فلو قارنت الحنو الذي تتلقاه من والدها ووالدتها لوجدت ان عمتها هي الاحن ولكن حبها للنضافه والترتيب سمه فيها منذ زمن لتفعل لها ياقوت كل ما يرضيها ففي النهايه هي تضيفها في منزلها منذ اكثر من ٦ سنوات لا تأخد تمن لمأكلها ولا مسكنها حتى ملابسها احيانا كثيرا تجلبها لها
ووقفت ياقوت تفرك يداها بأرتباك.. فصوبت خديجة انظارها عليها
- عايزه ايه تاني يابنت زيدان
وقبل ان تهتف ياقوت بطلبها.. ألتقطت خديجة حافظة نقودها التي تضعها جانبها وكادت ان تخرج لها المال
- لا ياعمتي انا مش عايزه فلوس.. انا كنت عايزه أقولك يعني ان بعد مشوار الملجأ هروح ل هناء بنت ابله سلوى
فصمتت خديجة للحظات واخدت تحدق بها إلى أن
- روحي بس اوعي تتأخري
واشارت إليها محذره
- عارفه لو اتأخرتي يا ياقوت زي المره اللي فاتت مافيش مرواح تاني
لتتسع ابتسامه تلك الواقفه واتجهت نحو عمتها تقبلها بسعاده
- لا مش هتأخر ساعه واحده بس هقعدها معاها
..........................
اندفعت ندي راكضة فوق الدرج بعدما سمعت صوت ابن شقيقتها يعانق من اشتاقت له
- شهاب
ليتجه شهاب بعينيه نحوها ثم فتح له ذراعيه على وسعهما.. فأكملت ركضها الي ان أصبحت بين احضانه تهتف بشوق
- وحشتني اووي
فبادلها بكلمات الشوق.. ليقطع لحظتهم تلك صوت شريف المازح
- طب احترموني وانا واقف... خالتي في حضن راجل غريب
فأبتعدت ندي بخجل عن شهاب.. لينظر شهاب لها بغيظ ثم جذبها اليه دافعاً الذي يقف جانبه
- واحد ومراته انت واقف بينا ليه... امشي ياهادم اللحظات الحلوه
ليقهقه شريف عاليا وهو يجذب ندي اليه
- مكنش كتب كتاب ده.. تعالي انتي هنا معندناش بنات تتحضن
وفور ان تبدلت ملامح شهاب.. حرك شريف كلتا حاجبيه كي يزيد حنقه.. فألتقطه من ملابسه صائحاً
- امشي من قدامي ولا عشان اتخرجت خلاص وبقيت ظابط هترسم عليا الدور
وغمز له وهو يتذكر أفعاله الطائشه
- افتح الدفاتر ولا اسكت
فتنحنح شريف ورفع كفه يداعب عنقه ممتعضاً
- ياساتر مبتسترش عليا خالص
ودفع ندي اليه التي كانت تقف وتكتم صوت ضحكاتها بصعوبه
فخرجت سوسن من المطبخ بعد أن ألقت بتعليماتها على الغدا وتقدمت مبتسمه وهي تطالع شهاب
- حمدلله على السلامة ياشهاب
فأبتسم شهاب بحب اخوي اليها وتقدم منها ممازحاً بمحبه
- الله يسلمك يامرات اخويا ياغاليه
وتابع مداعباً اياها
- بس ايه الحلاوه ديه... مش عارف ندي مطلعتش زيك ازاي
لتضحك سوسن بقوة من مزاحه اما ندي وقفت تعقد ساعديها تُطالعه بشر
- وحشتني يابكاش.. طول عمرك بكاش ياواد انت
كانت سوسن تمثل له ليس زوجه اخ او اخت زوجته بأعتباراً ما سيكون ولكن يراها كشقيقته ناديه التي تعيش في احد الدول الاوربيه مع زوجها
وانقضي المزاح حين دلفت مريم عائدة من مدرستها لتركض نحو شهاب بصياح
- شهاب
......................................
جلس حمزة منهمك بين أوراق تلك الصفقة لتدلف اليه سكرتيرته تخبره بأدب
- مستر حمزة في ضيف بره عايز يقابل حضرتك... اسمه اللواء ناصف المحمدي
ليرفع حمزة عيناه من فوق الأوراق مائلا بظهره للخلف قليلا ونهض غير مصدقا بوجود ذلك الضيف في شركته
فأتبعته سكرتيرته متعجبه من خروجه بنفسه
لتجده يرحب بالضيف بحماس وحب
- سيدة اللواء ناصف المحمدي هنا.. الشركه نورت يافندم
تعالت البسمه على وجه ناصف وهو يري تقدير حمزه اليه
- بقيت لواء متقاعد دلوقتي ياحمزه
ليدلفوا معاً مكتبه وحمزة يسأله عن حاله فبعد ان تقاعد ناصف من عمله منذ اربع سنوات أبتعد عن صخب العاصمه وذهب للعيش في مزرعته
- انت عامل ايه ياحمزه..ماشاءالله اسمك كل يوم بقى في الطالع ولادي ديما بيتكلموا عنك بفخر
وابتسم وهو يسترخي في جلسته ثم ضحك
- شغل رجال الأعمال افضل من شغل الداخليه
فتعالت ضحكات حمزه ورفع سماعه هاتف مكتبه ليأمر سكرتيرته ام تجلب له قهوته التي لم ينسى كيف كان يفضلها
- اكيد افضل مافيهوش ظلم يافندم
قالها معاتباً فرغم وقوف ناصف معه وتصديقه انه وقع ضحية لخطة محكمه الا ان القانون اخذ مجراه وتم فصله عن عمله ليتنهد ناصف بحزن متذكراً ما حدث منذ سنين
- لسا منستش ياحمزة مع ان برأتك ظهرت ورفضت ترجع شغلك في الداخليه
ليتوقف الحديث بينهم عند دخول الساعي الذي وضع فنجاني القهوة أمامهم وانصرف
فألتقط ناصف فنجان قهوته وعادوا لحديثهم
- القانون تطبيقه صعب على المظلوم
فحرك ناصف رأسه بآلم متفهماً ذلك الشرخ الذي حدث له
- بس انا فخور بيك ياحمزة قدرت تكون حاجه كبيره يابني.. سمعت انك فتحت شركه للحراسات الخاصه
فأتكئ حمزة بجسده وحدق ببطئ في ملامح من كان يوماً قائده وهتف بنبرة عمليه
- مدام جات سيرة الشركه .. فأنا عايزك تديرها بنفسك... محتاج خبرتك ياسيدة اللواء
ضغط على حروف كلماته بمقصد فظهرت ابتسامه ناصف وهذا ما كان ينتظره
....................................
جلست بجانب صديقها تحذرها بمزاح
- قدامنا ساعه لاقنعك لتقنعيني
لتنفرج شفتي هناء بضحكه رقيقه.. فحركت ياقوت كتفيها ييأس
- مع اني عارفه انتي اللي هتقنعيني
ف سألتها هناء
- ماما اكيد قالتلك على حوار العريس مش كده.. متحاوليش يا ياقوت مش موافقه
لتتنهد ياقوت وهو تقترب من صديقتها الغاليه
- ليه بس يا هناء.. طنط بتقول عليه شخص محترم وابن ناس
وغمزت بعيناها تسألها
- هو اسمه ايه صحيح
لتتسع عين هناء ثم ضحكت بصخب
- يعني انتي جايه تقنعيني ومش عارفه اسم العريس حتى
فوكظتها ياقوت بخفه على ذراعها لتهتف هناء بملل
- العريس ياستي يا احمد صاحب ماجد اخويا
شحب وجه ياقوت بصدمه بعدما سمعت بأسم ذلك العريس... لتطالعها هناء متسائله
- مالك يا ياقوت
تمنت ياقوت لحظتها ان تفر هاربه من أمام صديقتها كي تلتقط أنفاسها وتترك لدموعها حرية السقوط.. ف احمد ذلك الصيدلي الوسيم ابن قريتهم الذي قضت سنوات من عمرها تحبه في صمت.. يطلب الزواج من صديقتها
آه مكتومه لم تستطع إخراجها من حلقها
- ياقوت مالك فيكي ايه.. انتي اتصدمتي كده.. اكيد استغربتي زي ما انا استغربت
وتابعت ضاحكه
- احمد المغرور اللي مش بطيقه وكنت فاكره انه بيبادلني نفس الشعور.. عايز يتجوزني
وضربت كفوفها ببعضهم وهي الي الان لا تُصدق.. لتبتلع ياقوت ريقها بعد أن شعرت بجفافه
- أنتي تقصدي الدكتور أحمد مش كده
فحركت هناء رأسها ثم ألتقطت هاتفها تعبث به
- ايوه هو
وتعلقت عيناها على احد الصور لتريها لصديقتها
- لسا بحبه يا ياقوت.. بحبه من وانا طفله
وتابعت وهي تزفر أنفاسها بحنين لابن عمها
- بابا بيقول احتمال عمي ينزل مصر ويستقر هنا عندي امل ان عمي يطلبني لمراد
فشعرت ياقوت بالآلم على حال صديقتها وبحبها الذي لا يعرفه احد الا هي فربتت على كفها تدعمها فحالهم كحال بعض هي تحب من لا يراها وصديقتها تحب غائب لا يتذكرها
- خليني نقفل الموضوع ده... احكيلي عامله ايه مع أطفال الملجأ
وانقلب الحديث لتأخذ هناء دور المتسائل وياقوت تُجيبها مع وخزات قلبها ومازال اسم أحمد يتردد داخلها
.........................................
دلفت لمنزل عمتها بخطي تعبر عن حال صاحبتها.. كانت ملامحها المبهجة منطفئه... لتقترب منها عمتها وقد لفت حجابها الأسود على رأسها
- كويس انك جيتي يا ياقوت... انا رايحه أزور واحده جارتنا.. ابقى نضفي المطبخ
لتلتف ياقوت نحوها وهي تُغادر فجثت على ركبتيها أرضا تترك لدموعها الحريه على حب كانت تعلم أنه ليس لها والان تأكدت من الحقيقه
......................................
في احد الدول الاوربيه كانت تجلس السيدة " ناديه" بجانب ابنتها يثرثرون في أمور عده.. ليدلف زوجها وقد زاده الشيب وقاراً
- عندي ليكم خبر هيفرحكم
فتمنت زوجته ان يكون ذلك الخبر عودتهم للوطن كما أخبرها منذ شهر انه يفكر في الأمر بجديه
- هننزل مصر خلاص... ونستقر هناك
لتتهلل اسارير ناديه فنهضت من فوق الاريكه نحو زوجها تحتضنه بسعاده
- اخيرا يافؤاد
كان سعيد لسعادتها فهى رفيقة الدرب مروا معا بكل ظروف الحياة ربت ابنه وكأنه أبنها الذي انجبته
ليدلف في تلك اللحظه شابً يشبه والده في شبابها مُطالعا المشهد بحماس
- ايه ياناديه ديما كده بتعيطي في الفرح والحزن
لتبتعد ناديه عن زوجها الذي ابتسم ومد ذراعه لابنته كي يحتويها داخل احضانه هامسا لها
- خليني نتفرج على مسرحية ناديه ومراد اليوميه
وبالفعل بدأت مسرحية نادية مع مراد
- ناديه مش عيب كده ياولد فين ماما
ومراد يُشاكسها بحب
- ماما ايه ده اللي بيشوفك معايا بيفتكرك اختي الصغيره
لتنظر ناديه على حالها بفخر ثم نظرت لزوجها
- الولد ده بيعرف يضحك عليا وياكل بعقلي حلاوه
وتحولت الجلسة العائليه الي مرح ومزاح
................................
وقفت سوسن أمام المرآة تنظر لبشرتها التي ظهرت بها بعض التجاعيد... فتنهدت بسأم تخبر نفسها
- ما انتي كبرتي ياسوسن خلاص مريم وبقت عروسه وشريف اتخرج من الجامعه
وملست على وجهها ثم زفرت أنفاسها بقوة.. لينفتح باب الغرفه فيدلف حمزة مُطالعا اياها وهي تقف امام المرآة
- مساء الخير
فألتفت نحوه وتقدمت منه تُعاونه على خلع سترته
- شكلك مرهق
فألقي حمزه جسده على الفراش
- الشركه الجديده عايزه متابعه قويه.. قوليلي مريم نامت
فضحكت سوسن وجلست جانبه
- هتفضل مدلع البنت ديه لحد امتى دلعك ليها بقى مرعها علينا
ليبتسم بحنو لها ومسح على خدها
- لحد اخر يوم في عمري
فمدت كفها نحو شفتيه تؤنبه
- بعد الشر عنك
لتتعلق عيناهم معاً وأقتربت منه ببطئ تُطالبه برغبتها به لم ينطق اللسان بشئ ولكن العين قد صرحت بكل ما يريده القلب
وبعد وقت كان يغفو جانبها وهي تُطالعه... زوجها ينبض بالشباب والوسامه وما هي إلا امرأة في منتصف الأربعين
يتبع بأذن الله
رواية للقدر حكاية الفصل الثاني 2 - بقلم سهام صادق
الفصل الثاني
**********
احتضنت شقيقتها بمحبه صادقه ومسحت على وجهها الطفولي
- طالعه قمر يا ياسمين.. مبروك ياحببتي
ابتعدت عنها ياسمين تسألها بسعاده
- فعلا طالعه حلوه يا ياقوت
فتعود ياقوت لضمها
- واحلى من القمر كمان
ولم تقطع لحظتهم الجميله تلك الا دخول زوجه ابيها بوجه محتقن.. ورمقت ياقوت بنظرات اعتادت عليها.. نظرات دوما كانت تحمل الكره وحقد لا تعلم سببه
- حبيبت ماما جهزت خلاص.. العريس وصل
فحركت ياسمين رأسها بخجل.. وألتقطت يد ياقوت
- خليكي معايا النهاردة متمشيش
فأرتسمت ابتسامه ساخره على شفتي " سناء " زوجه ابيها
- خليكي يا ياقوت ياحببتي... افرحي معانا
وضمت ابنتها بمكر
- وعقبالك كده.. اه اختك الصغيره هتتقري فاتحتها.. الدور اللي جاي عليكي
كانت ياقوت تعلم بتلميحاتها ولكن تجاوزت كل ذلك من اجل شقيقتها ونظرت الرجاء التي تحملها عيناها
وتعالا نداء والدها بأسم زوجته
- يا سناء.. اختك وجوزها وصلوا
ولم يكن العريس الا ابن شقيقه سناء
لتخرج سناء من الغرفه بعدما نظرت لابنتها بنظره متفحصه وتدقيق على وجهها وملابسها
فتعلقت عين ياقوت عليها وهي تغادر ثم حررت أنفاسها براحه.. فلو ظلت زوجه ابيها اكثر من ذلك لاسمعتها من الكلام ما يجثم على الروح
- اوعي تزعلي من ماما يا ياقوت
نظرات شقيقتها الدافئه جعلتها تنسى نظرات سناء العدائيه وتعود لضم شقيقتها متسائله
- فرحانه يا ياسمين... ياسمين انتي لسا مخلصتيش مدرستك
لترتبك ياسمين من سؤال شقيقتها ولكنها كانت سعيده بخطبتها حتى لو لم تتجاوز عمر السابعه عشر
وعندما وجدت ياقوت صمت شقيقتها علمت انها بالفعل مقتنعه ولم يعد لسؤالها نفع او كما ستظن زوجة ابيها انها حاقدة على ابنتها التي ستتزوج في عمر صغير اما هي قد أصبحت في الرابعه والعشرون ولم ترتدي دبلة أحدهم في اصبعها بعد
...............................
دلفت سناء المطبخ وهي تنظر لصنية الضيافه التي جهزتها ياقوت بل وأخذت تعد قطع الجاتوه ثم هتفت
- اوعي تكوني مديتي ايدك على حاجه يا بنت صباح
فنظرت ياقوت للقطع واشاحت عيناها بآلم
- انا مش محرومه من حاجه عشان أمد ايدي
لتطالعها سناء بنبرة مستنكره
- ارسمي يابت الأدب وعزة النفس عليا.. ماشي ياختي نضفي بقى المطبخ وانتي واقفه وحذاري المحك قبل ما كل حاجه تتم على خير ونقرا الفاتحه
وتابعت بغل وهي تحمل ما جهزته
- حاكم انا بتشأم منك... احفظنا يارب من عيون الناس
وخرجت سناء تتمتم بعض الآيات القرآنية كى لا يصيبها الحسد لتنظر ياقوت نحوها بحسرة فهى تعلم مقصدها تماماً ولكن ماعليها الا الصمت حتى لا تجلب المشاكل لوالدها..فأقامتها مع عمتها لم تأتي من عدم... فقد وضعتها سناء بينها وبين طلاقها وفي النهايه كانت هي من تخرج من تلك المقارنه
وزفرت أنفاسها بندم لمجيئها فقد حذرتها عمتها قبل ان تأتي متمتمه
" انا بتشأم منها ومن عينها " ثم لطمت فخذيها
" كان عقلك فين ياخويا وانت بتتجوزها "
.................................
وقفت سوسن أمام الدرج تنظر لابنتها المتعلقة بذراع حمزة وتخبره بحماس عن خطتها في قضاء يوم العطله
- نفسي اعرف البنت ديه بتعرف ازاي تأثر عليك
ليضحك حمزة غامزا لطفلته فمهما كبرت مريم ستظل تلك الصغيره التي حين تزوج والدتها كانت كعقلة الإصبع تسير خلفه متعلقه بساقيه.. ومرت السنين وزاد تعلقها به هي لا تراه الا والدها رغم أنها تعلم الحقيقه التي صدمتها حين بدأت تقارن اسم حمزة مع اسم والدها لتعلم ماهي إلا ابنة رجلا اخر
- ماما شكلها غيرانه يا مريومه ولا انتي ايه رأيك
لتُحرك مريم حاجبيها وتداعب ذقنها بأصبعها بتفكير
- شكلها كده يا بابا... ايه رأيك ناخدها معانا حرام نسيبها لوحدها
فأتسعت عين سوسن ورمقت ابنتها وهي تعقد ساعديها
- والله ماشي انتوا الاتنين
فصوب حمزة نظراته نحو صغيرته.. لتقفز مريم عليها ضاحكه
- بنهزر معاكي.. الفسحه المرادي ليكي انتي ياسوسو انا بس هكون عزول بينكم
فرقتهم سوسن بحنق فمنذ الصباح يتحدثون عن جولتهم ومن حين لاخر يلقوا بعض الكلمات انهم سيستمتعون بمفردهم وما هي الا طفله صغيره تسعد من قبله على وجنتها يقدمها لها حمزة مثلما يفعل مع صغيرتها
حمزة الذي يصغرها بعشرة أعوام هي تراه وكأنه والدها
وشعرت بألتفاف ذراعه على خصرها ومريم تقف أمامها تهتف برجاء
- يلا ياماما وافقي ومتزعليش
فأرتخت ملامحها المحتدة بعبوس مصطنع
- اتحيلوا عليا شويه طيب
لتدب مريم أقدامها أرضاً ثم انصرفت من أمامهم
- لا حايل انت بقى يا بابا
ليضحك حمزة علي فعله صغيرته
- يلا ياسوسن ولا تحبي اخليكي توافقي بمعرفتي
وقبل ان ينحني عليها يقبلها اندفعت سوسن من بين احضانه راكضه ببطئ يناسب سنها.. فتعالت ضحكاته وهو يهتف بعلو
- بسرعه ياسوسن
لتدلف للغرفه وهي تضع يدها على قلبها من أثر تلك المشاعر التي تعيشها معه وتعيدها للشباب..وازدادت وخزات قلبها لتلتقط دوائها سريعا تسأل نفسها
" هتفضل لحد امتى مش شايف عمرك اللي بيجري ياحمزة"
.................................
نظرت لها عمتها بنظرات متوجسة
- مرجعتيش حتى بحتتين جاتوه.. انا قولت مدام باتت عندهم هترجع محمله
ثم لوت شفتيها بأمتعاض بعدما مضغت الطعام بفمها
- طول عمرها سناء بخيله الفار لو دخل عندها يهرب جعان
وعندما لاحظت خديجة شرودها هتفت بتسأل
- اوعي تقوليلي قالتلك كلمه تضايقك وسمت بدنك بكلامها
وكادت ان تنهض خديجه من الأرض فمسكت ياقوت يدها
- مافيش حاجه ياعمتي حصلت
لترمقها خديجه بتحديق
- يابت قولي بس عملتلك ايه.. انتي عارفه عمتك لسا بصحتها هجيبلك شعرها تحت رجلي
فأتسعت ابتسامتها وهي تعلم حقيقه ما تخبرها به عمتها.. هي لا تحب زوجه ابيها وتعرف طباعها المتبجحه
- قوليلي يا ياقوت عريس اختك حلو
فعادت تتناول ياقوت طعامها ثم أجابت
- اكيد حلو في عينيها هي
لتزم خديجة شفتيها بأستنكار ونظرة لها بأسي
- ياعيني عليكي يابنت اخويا... بقى بنت سناء تتخطب وانتي لسا مع انك حلوه مش عارفه محدش ليه من اللي بيتقدموا بيوافق عليكي
وملئت معلقتها بالشربه وأخذت ترتشف منها بصوت مسموع
- يكونش معمولك عمل موقف حالك
فتنهدت ياقوت ف نفس الجمله التي تخبرها بها عمتها يوميا رغم أنها تعرف انها تتمنى ان تفرح بها الا ان الكلمه تسقط على قلبها كالسوط فهي متيقنه بأن نصيبها لن يأخذه غيرها ونهضت من فوق الأرض بعد أن حملت طبقها
- كل شئ قسمه ونصيب ياعمتي محدش بياخد اكتر من نصيبه.. الحمدلله
كلمات راضيه اخرجتها واتجهت نحو المطبخ تضع طبقها بالحوض ترفع عيناها لأعلى داعيه
- يارب
لتنظر خديجه في اثرها متعجبه ثم صاحت
- اعملينا الشاي وتعالي دلكيلي رجلي
....................
وقفت في الشرفه تنتظر قدومه وتُطالع هاتفها على أمل أن يُجيب عليها ولكن الاجابه لا تكون الا رنين طويل ثم تنقطع المكالمه.. البروده حاوطت جسدها بالكامل فرغم الحب الذي يجمعهم الا انها تعلم اسوء صفه في طباع شهاب ضعفه أمام النساء.. حبها القوي ومحاربتها هما من أتوا به اليها ولولا ذلك ماكانت حصلت عليه..واهتز هاتفها بين يديها لترفع الهاتف وعيناها تحدق بالصوره بشحوب
شهاب يراقص احدي الفتيات التي تعرف هويتها تماما فماهي إلا ابنه احد رجال الأعمال
وسقطت دموعها بعجز فقد أخبرها حمزة انها ستتحمل نتيجة حبها من شهاب ورغم انه شقيقه ولكن كان يتمنى لها رجلا اخر جدير بها وبطيبة قلبها
وبعد دقائق كنت بوابة الفيلا تفتح ويدلف كل من شهاب وشريف بسياراتهم لتبعد قليلا عن الشرفه وتنظر إليهم وصوت ضحكاتهم تتعالا ويبدو انهم كانوا معاً
ازداد حنقها فهى تظل تنتظره بقلق وهو يعبث كعادته دون مراعاه شعورها
لم تتحمل مكوثها في غرفتها فخرجت بخطوات سريعه تزفر أنفاسها بغضب... لتتعلق عين شريف بها وهي تقف اعلي الدرج ثم نظر خلفه لشهاب هاتفا
- استقبل ياسيدي
واكمل شريف صعوده ليتخطي ندي هامسا
- علميه الأدب... عايزك ريا في نفسك كده واضربي وانا احبسهولك علطول
لتتسع عين شهاب وهو يسبه داخله... فقد زاد الأمر صعوبا الان وندى بشكوكها الدائمه به لن تظن به الا السوء والسوء معه ماهو الا حقيقه
- ايه اللي مصحيكي لحد دلوقتي
قالها وقد أصبح أمامها ومد كفه نحو وجنتها لتنفض يده بضيق
- كنت فين
لتتعلق عين شهاب بها
- مالك ياندي هو احنا ميعديش يومين الا ونتخانق
فرفعت هاتفها ووضعته أمام عيناه
- ممكن تفهمني ايه ده
فنظر للصوره بلامبالاه
- كنت معزوم في حفله ورقصت فيها ايه
فسقطت دموعها وهي تخاطبه
- بتخوني وتقولي فيها ايه.. ليه بتعمل كده ياشهاب ليه كل ما بحس انك بتحبني بكتشف اني غبيه
فأغمض عيناه بقوه وهو لا يعرف الاجابه خطبته من ندى وعقد قرانه ماهما إلا اقناع من شقيقته ناديه حتى لا يدخل غريب بينهم ويأخذ ندي ويُطالب بحقها في الاسهم التي تمتلكها
لم تقصد ناديه ذلك الهدف وإنما أرادت ان تعطي شقيقها امرأة تحبه فقد صارحتها سوسن بمشاعر شقيقتها لشهاب وعلى اثره ابعد حمزة شهاب من المنزل عندما علم بتلك المشاعر وكي يعود للمنزل ويبقى ضمن العائله ماعليه الا ان يتوج ذلك الحب بأطار الحلال
وفي لحظات كان يأخذها بين ذراعيه متمتماً
- اهدي ياندي
ورفع وجهها نحوه يلمس احدي وجنتيها بخفه
- أيه رأيك نحدد ميعاد جوازنا... حاولي تقنعي حمزة
فهتفت بصوت ضعيف وساخر
- نقدم ميعاد جوازنا وانت لحد دلوقتي مش قادر تحترمني
فأبتسم وهو يدنو منها يقبل شفتيها برقه
- هتقنعي حمزة مش كده
كانت تضيع تحت سحرة لينظر لعيناها المغلقه وقد علم انه وصل لهدف...فحرك يده ببطئ على خصرها لتهتف بأرتباك بعدما ابتعدت عنه تلتف يمينا ويسارا
- هحاول.. تصبح على خير
وفرت من أمامه ليقف يحدق بأثرها يفرك عنقه بأرهاق ثم اكمل سيره نحو غرفته
.....................................
سارت ياقوت بالطريق تحمل أكياس الخضار لعمتها بعدما تسوقت لها ووقفت مبتسمه عندما لمحت احمد يُصافح احد الأشخاص أمام صيدليته... كانت تنظر له دون شعور منها وادركت الأمر سريعا لتخفض عيناها ارضاً وتكمل سيرها ولكن صوت صديقتها أوقفها فألتقطت هناء أنفاسها بصعوبه
- روحتلك عند عمتك قالتلي في السوق
ثم هتفت بسعاده
- ياقوت انا فرحانه اوي عمي نزل مصر ومراد كمان
تعلقت عين ياقوت بصديقتها بسعاده
- انا فرحانه عشانك ياهناء.. يارب تاخدي الإنسان اللي بتحبيه
فأبتمست هناء بهيام
- يارب... هاتي اشيل معاكي
وألتقطت هناء بعض الأكياس منها... لتزفر بضيق بعدما لاحظت نظرات احمد المصوبه عليها.. فألتفت ياقوت نحو نظرات صديقتها.. لينقبض قلبها بآلم وهي ترى احمد كيف يُطالع هناء بحب.. حب تمنته ولكن لم تحظى به ولكن كما اعتادت ستودع حلمها في صمت
......................................
نظرت ناديه نحو شقيقيها بسعاده ثم تعلقت عيناها على زوجها ومراد الذي يتحدث بخبرة رغم عمره الثلاثون وانه يصغر حمزة بخمسة أعوام الا من يراه يشعر انهم متماثلين بالعمر.. فوضعت سوسن يدها على يد ناديه
- سرحت في ايه ياناديه
فأبتمست ناديه لزوجه شقيقها
- سرحت في لمتنا ياسوسن
ثم حدقت بندي متسائله
- ايه ياندي مش ناوين تحددوا ميعاد الفرح
فحركت ندي رأسها بقلة حيله
- ابيه حمزة مش موافق
لتصمت ناديه وهي تُدرك ان هناك خطب ما وعودتها ستجعلها تفهم الكثير عن اشقائها
وتعلقت عيناها بمريم التي اقتربت من حمزة مثلما فعلت ابنتها واقتربت من والدها تتدلل عليه... لم تكره سوسن وأولادها يوما ولكن احيانا ينتابها شعور بالضيق وهي لا ترى طفلا لشقيقها تعلم أن سوسن لن تستطيع تحقيق تلك الامنيه التي تتمناها له ف سوسن قد تم اسئصال رحمها بعد ولادتها لمريم
...................................
اقترب منها يعطيها دوائها قبل أن تغفو
- النهارده كان يوم طويل
فأرتشفت سوسن الماء الذي قدمه لها
- كان طويل لكن جميل.. مش مصدقه ان فؤاد اخد القرار اخيرا وهيستقر هنا
ليبتسم حمزة وقد جلس جانبها
- شكرا ياسوسن
فمدت كفها تلمس خده بحنو
- مين فينا اللي مفروض يشكر مين
ومالت نحوه بعدما اعتدلت في رقدتها فوق الفراش ولثمت خده هامسه
- اللي بينا بقى اكبر من حاجات كتير ياحمزة
وألقت نفسها بين ذراعيه وهي تشعر بأنانيتها في ملكيته..
......................................
وضعت الظرف الذي يحتوي على بعض المال بين يدي خالتها العجوز
- مش محتاجه حاجه تاني مني ياخالتي
لتحدق بها خالتها وقد نست من هي
- أنتي مين يابنتي
فأبتمست سوسن لخالتها التي أصابها الزهايمر منذ زمن فتتذكرها تارة ثم تنساها في لحظتها
- انا سوسن ياخالتي بنت اختك جميله
فتمتمت خالتها قبل أن تغفو
- اه بنت جميله امك متسألش عني ليه
وكادت ان تخبرها ان والدتها توفت من زمن ولكن خالتها قد ذهبت في سبات عميق.. لتربت نجوى ابنه خالتها على كتفها
- تعالي نشرب قهوتنا بره
فأماءت لها سوسن برأسها وهي تشعر بالاسي نحو خالتها ثم اتبعتها لخارج الغرفه لتبدء نجوى في اسئلتها عن حالها وحال أولادها وزوجها الذي دوما تركز عليه في معرفه اخباره وكعادتها دست السم في حديثها
- مش خايفه واحده صغيره وحلوه تخطفه منك ياسوسن.. جوزك لسا شباب في التلاتين
لتتجمد عين سوسن عليها بملامح باهته ثم تمالكت حالها حتى لا تهتز ثقتها أمامها فهى تعلم نواياها
- انا والأولاد مالين حياة حمزة... احنا حياته كلها
لترمقها نجوى بنظرات ممتعضه وهي ترتشف من فنجان قهوتها
- انا خايفه عليكي بس.. مفكرتيش تعملي عمليه تجميل ياسوسن.. ليه مستختره في نفسك ياحببتي وانتوا ماشاءالله الفلوس زي الرز معاكم
لم تكن نجوى الا امرأة حاقده.. لتشعر سوسن بضيق أنفاسها من حديثها فنهضت تحمل حقيبتها ولولا صله الرحم ما كانت دخلت هذا البيت
- شكرا على النصيحه يانجوي ابقى سلميلي على ولادك
....................................
لم تصدق سلوى مجئ ناديه للبلد بل واتت إليها الملجأ ولم تنتظر عودتها للمنزل... كانوا أصدقاء قبل أن تتزوج كل منهن الشقيقان ... ضمتها ناديه بشوق
- كبرتي وعجزتي ياسلوي
لتوكظها سلوى على كتفها
- شوفي نفسك الأول
فتعالت ضحكاتهم وجلسوا يثرثرون في ذكرياتهم..وانتبهت سلوى لنحنحت ياقوت الخجله
- ابله سلوى انا خلصت شغلي مع الاولاد.. في حاجه تانيه محتاجاها مني
لتشير سلوى إليها سلوى مبتسمه
- تعالي يا ياقوت سلمي على صحبة عمري
فرمقت ناديه ياقوت بنظرات متفحصه ثم ابتسمت على خجلها
- شكلها بتتكثف ياسلوي بتفكرني بيكي
لتتعالا ضحكاتهم مجددا فأقتربت ياقوت من ناديه تصافحها
امتدت يد ناديه إليها وتعلقت عيناها بها
يتبع بأذن الله
**********
رواية للقدر حكاية الفصل الثالث 3 - بقلم سهام صادق
الفصل الثالث
**********
ثبتت ناديه انظارها على ياقوت لتلتف نحو سلوي بعدما غادرت
- شكلها طيبه وهاديه
فأبتمست سلوى بمحبه تحملها لها كأبنتها
- بنت متربيه وعينها مليانه رغم الظروف اللي هي فيها الا انها عزيزة النفس اوي ياناديه
وتابعت وهي تتنهد
- مامتها وباباها منفصلين وعايشه مع عمتها
فأماءت ناديه رأسها بتفهم وتمتمت
- ربنا معاها
واخذهم الحديث للذكريات وشبابهم..ومع الماضي بدأت عيناهم تلمع الي ان نهضت سلوى تجذب حقيبتها من فوق مكتبها
فوقت انصرافها قد اتي فأداره الملجأ ليست مقتصره عليها وحدها
......................................
وقفت هناء بالمطبخ تطهو الطعام بحماس لعائله عمها الي ان تعود والدتها فتكمل ما بدأت.. واخذ قلبها يخفق بجنون وهي تتذكر مراد رغم انه لم يتحدث معها إلا ببعض الكلمات وتفاجأ بشكلها الذي تغير ف هناء كانت بدينة في طفولتها حتى أنه كان يطلق عليها بالدبه اما الان أصبح جسدها متناسق
وشعرت بيد أحدهم على كتفها لتنتفض فزعاً
- بسم الله الرحمن الرحيم
لتتعالا ضحكات تقي ابنه عمها
- سوري يا هناء مكنش قصدي اخضك.. ابيه مراد عايز كوبايه مايه ممكن
فألتقطت هناء أنفاسها ببطئ ثم ابتسمت واسم مراد يخترق حواسها
- حاضر
وداخلها يهتف
" عنيا لأبيه مراد"
...................................
عادت من الملجأ لتجد عمتها تنفض المراتب وقد أزالت بساط المنزل.. فعلمت ان مهمتها قد وضحت أمامها.. عمتها عاشقه للنضافه ولن تقف تنظر لعمتها التي آوتها بمنزلها وتجلس كالملكه
- بتعميلي ايه ياعمتي... انا ماسحه البيت ومنضفاه امبارح
فألتفت نحوها خديجه وهي تسعل
- لا البيت مترب يا ياقوت.. انتي مش شايفه التراب
فتنهدت بقلة حيله واقتربت منها
- عنك انتي اقعدي استريحي وانا هعمل بدالك
اعترضت خديجه في البدايه ولكن سريعا ما تلاشي اعتراضها
- خلاص انتي نضفي وانا هروح لجارتنا ام إسماعيل اقعد معاها شويه أصلها تعبانه
وألتقطت خديجه حجابها وانصرفت.. فتأملت ياقوت حال المنزل الذي انقلب رأس على عقب ولكن كما يقولون لا باليد حيله وقد بدأت مهمتها في التنظيف الذي لا ينتهي
................................
جلست على احد المقاعد الخشبيه في إحدى الحدائق العامه تتأمل الناس من خلف نظراتها السوداء التي تغطي عيناها
مازالت كلمات الطبيب تتردد في اذنيها قلبها لا يحتمل الجهد والقلق ومدام ترفض الخضوع لعمليه جراحيه ف لتلتزم بتعليماته... تنهدت بضياع وكلمات ناديه أيضا تقتحم عقلها
" حمزة نسي نفسه ياسوسن...اخويا فين من كل ده.. شعره الأبيض بدء يظهر وهو عايش يدي ويضحي"
ولم يتركها الماضي من دوامتها لتعود بالسنين للخلف.. يوم ان دخل عليها والدها يخبرها بعرضه على حمزة وانه هو الجدير بحفظ مالها ومال شقيقتها وأولادها.. حمزة ذلك الشاب الذي شارك والدها في مصنعه رغم ان والدها كان لا يحب شراكه احد الا انها مع الزمن علمت سبب إعطاء والدها تلك الفرصه
خضعت لقرار والدها وخاصة انه جاء في وقت صراع ورغبه عم أولادها بالزواج منها...
أغمضت عيناها بقوه وهي لا تُصدق ان زوجها الذي كان بينها وبينه قصه حب احسدوها الجميع عليها... نسته وعاشت الحياه بل واكملتها مع آخر أصبحت تتزين له لترى إعجابه بها
وما كان حمزة الا رجلا لم يجرح كبريائها يوما ولم يسئ إليها... اعطها حقها فيه وقد طالبته به بعدما مات والدها وشعرت انها هكذا ستمتلكه
وآه خافته خرجت من فاها ليعلو رنين هاتفها فأخرجت الهاتف من حقيبتها لتنظر لصوره حمزة وكل من مريم وشريف متعلقين به من يراهم لا يرى الا حمزة كشقيق وليس اب كما تناديه مريم وعم مثلما يخصه شريف الذي لم ينسى والده قط رغم حبه الكبير لحمزة
................................
اجتمعوا جميعهم حول مائدة الطعام الشهيه لتنظر ناديه نحو هناء بفخر وهي تمضغ الطعام بتذوق
- الاكل يجنن ياهناء.. طالعالك ياسلوي
فحدقت سلوى بأبنتها التي اخفضت عيناها حرجاً
- حبيبت عمها تسلم ايدك يانونه
قالها فؤاد وهو يرمقها بنظرات حانيه.. كان مراد يأكل بصمت غير عابئاً بذلك المديح على هناء.. تمنت ان يختلس النظرات إليها او حتى يخاطبها بكلمه ولكن كلامه كان محدودا ومخصص لوالديها.. عيناها كانت من حين لآخر تأخذها اليه أما هو وكأنه لا يراها
..........................
تسطحت ياقوت على الفراش بجسد منهك لتجد هاتفها الذي لا يقتني ان نوع من انواع الرفاهية يعلن عن رنينه.. فألتقطته من أسفل وسادتها وقبل ان تهتف هناء تمتمت ياقوت مازحه
- حبيب القلب هنا مش كده
فضحكت هناء بصوت خافت
- اكيد شوفتي طنط ناديه في الملجأ
كان بالفعل لقائها ب نادية ومعرفتها بهويتها هما من جعلها تعرف بزيارة عائله عمها لهم
وتنهدت هناء بهيام وهي تسند ظهرها على باب غرفتها
- ملامحه في الحقيقه احلى من الصور يا ياقوت
وتحركت نحو فراشها وأخذت توصف لها شعورها حين وقعت عيناها عليه
- قلبي اول ماشافه فضل يدق جامد
ابتسمت ياقوت وهي تسمعها وتخيلت شعورها مع احمد الذي قررت نسيانه بعدما رأت حبه لصديقتها
وصمتت هناء للحظات تسألها وهي تلوي خصله من شعرها علي اصبعها
- سكتي ليه يا ياقوت
صمتها لم يكن الا غفوة قصيره اخذتها لعالم بعيد عالم تكون فيه هي الحبيبه ترى حبها في أعين أحدهم
وانتبهت علي سؤال صديقتها
- معاكي ياهناء
وبدأت تتثاوب بنعاس لتهتف هناء ضاحكه
- ايه ياعم الكتكوت.. مش معقول يا ياقوت بتنامي بعد العشا
فأغمضت ياقوت عيناها بأرهاق
- من التعب طول اليوم مبحسش بنفسي
شعرت هناء بالاسي على حال صديقتها التي لا تملك اي سبل الراحه الا وقت نومها وغيرت الحديث حتي لا تضغط على وجعها
- ايه رأيك تيجيلي بكره واعرفك على تقي بنت عمي
فضحكت ياقوت وعادت تتثاوب
- مش لسا كنت عندك من يومين... عمتي مش هترضي انتي ناسيه الجدول بتاع خروجي
فأستاءت هناء من تسلط السيده خديجه عليها
- والله مش عارفه قدرتي تعيشي سبع سنين مع قوانين وأفكار السيده العظيمه خديجه ديه ازاي انا لو كنت مكانك كنت هربت
وقبل ان ترد عليها ياقوت هتفت هناء وهي تنظر نحو باب غرفتها الذي تم طرقه للتو
- ادخل
وتابعت سريعا
- هقفل انا دلوقتي
لتنظر ياقوت نحو هاتفها متمتمه لحالها
" ههرب اروح فين ياهناء"
................ .....................
اغلق حمزة الملف الذي كان يُطالعه ونظر لشقيقه الجالس أمامه وقد كان يُناقشه بصفقتهم الجديده التي يحتويها ذلك الملف
- بنود الصفقه مقنعه بس مش معنى كده اني وافقت
قالها حمزة بغرور لينظر اليه شهاب يُحرك رأسه يميناً ويساراً
وكاد ان ينهض من أمامه
- استنى ياشهاب لسا مخلصناش كلامنا
فطالعه شهاب للحظات يُحاول ان يفهم نظرات شقيقه
- ندي كلمتني تاني في موضوع ميعاد فرحكم
فلمعت عين شهاب متسائلا
- والمرادي ردك هيكون ايه ياحمزة
لم يفهم شهاب نظرات شقيقه القاتمه ولكن كان رده لا يُصدق
- لو مش عايز ندي ياشهاب طلقها.. انتوا لسا على البر
لتحتد عين شهاب ونهض من فوق مقعده صائحا
- انت بتقول ايه ياحمزة ندي مراتي وبحبها
ليضحك حمزة على كذبه شقيقه
- بتحبها ولا بتحب حبها ليك ياشهاب
تجمدت نظرات شهاب نحو الفراغ الذي أمامه... فتلك هي الحقيقه التي لم يكذب فيها شقيقه.. وزفرة طويله خرجت من بين شفتيه
- ندي قبل ما تكون اخت مراتي ندي امانه عندي ياشهاب..ومش معنى لما عرفت انها بتحبك وبعدتك عن الفيلا فأنا رافض وجودك جانبي انت فاهم السبب اللي خلاني اعمل كده كويس
تعلقت عين الشقيقتان للحظات
- حمزة انا عايزه اتمم جوازي ب ندي.. سيبنا نكمل اللي بدء
............................. .....
كانت تقف وسط الارض الزراعيه التابعه لهم مع أبناء عمها.. لترفع يدها ملوحة نحو ياقوت هاتفه بأسم والدها
فأنتبهت ياقوت على ندائها اما مراد وقف مستنكراً من فعلتها ولكنه اكمل سيره وسط الزرع يعبئ رئتيه بالهواء النقي
- مين ديه يا هناء
فألتفت هناء نحو تقي التي تُطالع ياقوت القادمه نحوهم
- ديه اقرب صاحبه ليا
اقتربت منهم ياقوت وقد وقعت عيناها علي مراد الذي وقف معطياً ظهره لهم.. لتبدء هناء بتعريف ابنه عمها على صديقتها
- أنتي جميله اوي ياتقي
قالتها ياقوت بصدق ثم نظرت لملابسها بخجل فعبائتها السوداء لا تناسب رفقه أقارب صديقتها
- اسمك حلو اوي ومميز
وقبل ان ترد ياقوت على اطراء تقي.. كان مراد يلتف بجسده نحوهم
- مش كفايه كده
ووقعت عيناه على ياقوت التي اخفضت عيناها حرجاً.. أما هناء هتفت مبتسمه
- كفايه احنا لسا هنبدء جولتنا وسط الزرع
وانتبهت الي همس صديقتها
- انا همشي ياهناء... عمتي قالتلي نص ساعه وارجع
وقبل ان تبدي هناء اي ردت فعل انصرفت ياقوت من أمامهم بخطوات سريعه.. لتهتف هناء أسمها بخفوت ولكنها أشارت لها انها لا بد أن ترحل
لتلمع عين مراد وهو يُطالعها كيف تسير بخطوات اشبه بالركض.. وانتبه على حاله وصوت شقيقته
- خلينا نكمل جولتنا ياابيه المكان هنا ممتع اوي
فنظرت نحوه هناء لعله يُطالعها ولكن عيناه كانت بعيده عنها وكأنها سراب أمامه الا انها توهم نفسه انه يختلس إليها بعض النظرات
- قولت كفايه ويلا بينا
وتقدم نحوهم ثم عاد يلتف مجددا وتساءل
- هي صاحبتك اسمها زيدان
فضحكت تقي لتُجيب هناء بأبتسامه واسعه
- اسمها ياقوت.. زيدان اسم باباها
................. .....................
اكتملت سعاده سوسن اليوم واطمن قلبها على شقيقتها رغم أنهم ليسوا أشقاء من الأم فقد تزوج والدها بعد وفاة والدتها بأم ندى وانجب منها ندي ثم رحلت هي الأخرى لتترك ندي وعمرها عامان... احبت ندي وكأنها ابنتها وليست شقيقتها فهى تقارب عمر شريف ولدها
- اخيرا ياحمزة وافقت ان جوازهم يكمل
واقتربت منه تلقى برأسها على صدره ليضمها اليه
- مدام اختيارهم ومتأكدين انهم قادرين يكملوا حياتهم سوا.. ماليش غير اني اتمنى ليهم السعاده
فأبتعدت عنه سوسن ومدت كفيها تمسح بهما على خديه
- ربنا يخليك لينا
شعرت بنغزة مؤلمه بقلبها فتأوهت بخفوت ليسألها بقلق
- مالك ياسوسن..اخدتي دواكي ولا لسا
لتضم نفسها بين احضانه تغمض عيناها براحه
- متقلقش عليا انا كويسه
................ .................
عادت عائله فؤاد للعاصمه بعد أن يومان في إحدى قري محافظه الغربيه.. ولكن لم يحدث اي شئ يقرب هناء من مراد
جلست هناء على فراشها تُحادث ياقوت بصوت مخنوق
- مش هو ده مراد اللي كنت بلعب معاه واحنا صغيرين.. حاسه انه واحد غريب
فضحكت ياقوت على عبارات صديقتها لتهتف هناء بحنق
- بتضحكي على ايه
لتجيبها ياقوت بعد أن تمالكت صوت ضحكاتها
- اكيد ابن عمك هيكون اتغير ياهناء ماهو مش هيفضل الطفل اللي كنتي بتلعبي معاه وبيجري وراكي
فزمت هناء شفتيها بتذمر..فهي مازالت ترى مراد الطفل الذي يكبرها ب ستة أعوام ولكن الآن أصبح رجلا يافع
- اعمل ايه يا ياقوت قوليلي.. تقي اخته قالتلي انه كان بيحب واحده وعمو فؤاد رفض علاقتهم لانها مش من بلده.. لو كان بيحبني مكنش حبها
وساد الصمت لتشعر ياقوت بتخبط صديقها وعيشها في إطار حب تقنع نفسها انه لها... تخشي عليها ان تفيق يوماً فتجد نفسها هي وحدها الخاسرة
..............................
ذهبت ياقوت لوالدتها التي تعيش في قرية مجاورة منها كي تزورها وتُهديها الوشاح الذي صنعته لها بيدها..قضت يوم جميل مع اشقائها الثلاث من والدتها الي ان جاء وقت النوم وقد أصرت والدتها عليها ان تظل معها بضعة ايام .. فرحت بذلك بشده فأصرار والدتها جعلها تشعر انها لم ولن تنساها
شاركت شقيقتيها الغرفه..وقد سعدوا بوجودها كعادتهم بينهم حتى الصغير حسام لم يرغب بالنوم بغرفته المستقله إنما أراد المبيت معهم فتسطحت ياقوت وبجانبها حسام علي فراش ونهي ونعمه على الآخر وظلوا يثرثرون الي ان غفو جميعا... وفي ساعه متأخرة من الليل نهضت ياقوت من فوق الفراش وقد انتابها العطش.. سارت خارج الغرفه نحو المطبخ.. لكن اقتحم اذنيها حديث زوج والدتها وقد كان صوته عالي بعض الشئ
" ارجع من وردية الشغل تسدي نفسي من وجود بنتك... مش قولتلك آخرها تيجي الايام اللي برجع فيها من الشغل متأخر ومتفضلش هنا غير سواد الليل وتمشي "
وتابع بمقت
- والكلام يوم اللي هتقعدهم اد ايه بقى
سقطت العبارات علي قلبها كالسوط لتهتف والدتها برجاء
- ديه بنتي ياسعيد وكانت وحشاني اوي.. مش كفايه مش بتخليني ازورها عند عمتها غير كل كام شهر.. اعتبرها زي نعمه ونهي
فصاح بها سعيد بضيق
- انا عيالي مش برميهم ياصباح ومش ملزوم ب بنتك اللي ابوها راميها عند اخته ومش مهتم بيها
ثم تابع ساخراً وهو يُلقي بجسده فوق الفراش
- يبقى انا يا جوز امها هراعيها
صمتت صباح بقله حيله وكادت ان تهتف الا انه هتف بعدما جذبها اليه يُداعب جسدها بيديه
- بكره الصبح تاخد واجبها وتمشي وعشان اكون راجل جدع تتغدى مع العيال الأول .. عداني العيب كده وديها قرشين كمان
- ربنا يخليك لينا يا ابو العيال
سقطت دموعها بصمت وارتعشت شفتيها من الآلم واغمضت عيناها بقوه وهي تتمنى ان يأتي الصباح سريعا وتذهب لبيت عمتها تخدمها وتلبي طلباتها بكل طاعه فعلي الاقل هي لا تُعايرها بكفالتها لها
..............................
مضي اسبوعان انشغلت فيهم سوسن مع شقيقتها في اختيار مستلزماتها
كانت سوسن وناديه ينتظروها حتى يروا فستان الزفاف عليها والذي اختاروه سويا والمصممه تقف معهم تنتظر خروج العروس... لتخرج ندي اخيرا سعيده بفستانها ولكن فجأه انقلب كل شئ حين مالت سوسن على ناديه ثم انبطحت أرضاً لتصرخ ندي بفزع.. واعين ناديه متسعه على وسعهما
يتبع بأذن الله
رواية للقدر حكاية الفصل الرابع 4 - بقلم سهام صادق
وقف أمام شقيقته الباكية مصدوماً مما أخبرته به عبر الهاتف. ترك كل شيء وأتى راكضاً، وما زال بكاء شقيقته وصوتها يتردد بأذنيه.
"سوسن يا حمزة.. سوسن في المستشفى، وقعت من طولها.. ألحقنا بسرعة."
"نادية، حصل إيه لسوسن؟ انطقي."
وقعت عيناه على ندي المنزوية جانباً تبكي، وقد صوبت عيناها نحو القادم. ليسمع صوت شقيقه القلق.
"مالها سوسن يا حمزة؟"
واتبعه شريف الذي وقف يلتقط أنفاسه بصعوبة.
"أمي مالها؟"
الكل وقف يسأل وينتظر الإجابة، ولكن لا رد يحدث من نادية التي ما زالت مصدومة مما حدث وتشعر بانقباض قلبها وأن القادم ليس بالهين.
وكان خروج الطبيب هو النجدة بالنسبة لهم، ليقترب حمزة من الطبيب.
"مراتي فيها إيه؟"
دارت أعين الطبيب بينهم وهو لا يعلم بما يجيبهم.
"ممكن أعرف كانت بتتابع مع دكتور مين؟"
وقبل أن ينطق حمزة باسم الطبيب الذي هاتفه فور أن علم بحالتها، ليتبعهم للمستشفى التي نُقلت إليها.
"أنا الدكتور المسؤول."
تعجب الآخر من إشراف أستاذه على تلك الحالة، فكيف لأستاذه أن لا يعرف مدى تدهور حالة سوسن وأنها كانت لابد أن تخضع لعملية جراحية.
"حد يفهمنا أمي فيها إيه؟"
كان هذا سؤال شريف الذي لم يعد يحتمل وقوفه هكذا وهو لا يعلم شيئاً عن حالة والدته.
"مدام سوسن قلبها تعبان أوي، كان لازم تعمل العملية من فترة قبل ما حالة القلب توصل للمرحلة دي."
لتتسع أعين شريف وحمزة، الذي سلط أنظاره على الطبيب الذي يتابع حالة زوجته منذ أن اكتشفوا ضعف قلبها.
"مدام سوسن كانت رافضة الخضوع لأي عملية جراحية."
قالها الطبيب المختص بأعين مثبتة على الواقفين، فتلك كانت رغبة سوسن التي لم يقتصر مرضها على القلب فقط، إنما كان السرطان هو صراعها الآخر والذي لا يعرفه إلا هو.
***
تفاجأت عمتها بقدومها اليوم. لتنظر إليها وهي تدلف بحقيبة ملابسها الصغيرة التي تحتوي على القليل من الملابس، فقد كانت ستقضي بضعة أيام لدى والدته. لم تفر في الصباح كما تمنت، فاستيقاظ أشقائها قبل رحيلها وإصرارهم على مكوثها معهم جعلها تنصاع للبقاء بضعة ساعات. وقد أعطتها والدتها حرية الانصراف دون الإلحاح عليها، والسبب كان معروف.
"مدام، دي رغبتك يا حبيبتي، خلاص يا ولاد بلاش تضغطوا على أختكم... المهم اقعدي اتغدى معانا، ده أنا هعملك الأكل اللي بتحبيه."
أكل ومال اندس في حقيبتها وهي لا تشعر إلا أنها تريد أن تصرخ باكية تخبرها أنها سمعت كل شيء وأنها تختنق، ولكن ما بيدها حيلة إلا أن تتمتع بلحظات دافئة مع أشقائها ثم ترحل كالغريبة.
"إنتي جيتي يا ياقوت؟ مش قولتي هتقعدي عند أمك كام يوم؟"
فهربت بعينيها بعيداً من مطالع وجه عمتها تُخبرها كاذبة.
"عمي سعيد جاتله أخته وأولادها، فمكناش ينفع أفضل... البيت مش ناقص زحمة."
فحركت خديجة رأسها بتفهم، وقد صدقت كذبتها، ثم سألتها.
"غدوكي ولا لأ؟ أوعي يكونوا مشوكي جعانة؟"
فانفرجت شفتيها بضحكة ساخرة لم تفهمها عمتها.
"أكلت كل الأكل اللي بحبه."
ولكن في الحقيقة، رغم صنيع والدتها لكل الطعام الذي تحبه، إلا أنها ابتلعت بعض اللقيمات بصعوبة دون شعور بأي مذاق. فالمذاق الذي كان في حلقها هو مذاق العلقم.
"طب كويس... المهم تكوني اتبسطي مع أخواتك. ومدام جيتي روحي للخياطة هاتي منها العباية بتاعتي."
ولم يكن منها إلا أن تخرج كلمتها المعتادة لعمتها.
"حاضر."
***
فتحت عيناها بتعب وهي تشعر بملامس كفه على وجهها.
"حمزة."
فجاهد على رسم ابتسامته.
"كده تقلقينا عليكي يا سوسن."
فرطت شفتيها بلسانها وعيناها أخذت تحدق به بابتسامة متسعة.
"أنا حبيتك أوي يا حمزة... حبيتك وظلمتك معايا."
هتفت بعبارتها الأخيرة وقد تبادلت ابتسامتها للندم، رغم أنه لا ندم كان يوجد، فهو لا يرى نقصاً بحياته معها.
"إنتي ظلمتيني يا سوسن... إنتي من ضمن الستات اللي قلبي قفل عليهم بعيد عن عتمته بعد ما كره وجود أي ست... عمري ما حسيت معاكي بالظلم، طول عمري حاسس بالكمال وبرجولتي."
فسقطت دموعها وهي تسمعه، لا يوم جرحها بكلمة ولا يوم أشعرها أنه نادم عن زواجهما، إنما كانوا يمضون سوياً بطريق كُتب عليهم أن يسيروه معاً. وألتقطت كفه تلثمه.
"إنت راجل عظيم."
وقبل أن تلثم كفه مرة أخرى، جثى على ركبتيه أمام فراشها وجذب كفها لينثر عليه قبلات متفرقة ممتنة.
"إنتي اللي ست عظيمة يا سوسن... ست بمعنى الكلمة."
لحظة جمعت عشر سنوات مضت، عشر سنوات مضت من نجاح يخطيه هو وهي خلفه زوجة وافية مخلصة محبة. لا يوم أخبرته أن لوالدها فضلاً عليه ليصبح "حمزة الزهدي"، ولا هو أخبرها يوماً أنه تزوجها إكراماً لوالدها الرجل الذي سانده بماله وأخرجه من ظلام محنته.
وأغمضت عيناها وهي تتذكر حسد البعض لها أنها زوجة رجل مثله يمتلك كل المميزات "الشباب، المال، الوسامة، الحضور الطاغي، والذكاء"، والأهم هو احترامه وتقديره لها، ولكن هل كل هذا لم يكن له مقابل؟ لا استطاعت أن تنجب مجدداً بعد ابنتها، ثم جاء مرض قلبها، ومن ثم اكتشافها منذ شهرين لورم خبيث يسير بدمائها. والبعض لا يخبرها إلا أنها تملك الكثير وهي صامتة تسمعهم وتضحك داخلها. فأين كل هذا وهي ترى الموت قريباً منها، ولكنها تحيا حياتها وتنعم بدفء عائلتها.
"تعرف يا حمزة، كانوا بيحسدوني عليكِ، وأنا كمان كنت بحسد نفسي."
لم يتمالك لحظتها دموعه، فبكى وهو يمرر يده على وجهها الشاحب.
"أنا اللي بحسد نفسي عليكي يا سوسن."
ابتسامة باهتة رُسمت على شفتيها.
"لو مت، اتجوز يا حمزة... كفاية إني سرقت عمرك معايا ومع ولادي."
ليتمالك دموعه وقد ذبذبت كلمة الموت كيانه، فوضع يده على شفتيها.
"أوعي تنطقي كلمة موت... هنفرح بجواز شهاب وندى، وبعدين شريف ومريم."
تابع وهو يرسم ابتسامته بصعوبة.
"خفي بس واخرجي لينا بالسلامة وهنسافر لأي مكان تشاوري عليه."
لينفتح باب الغرفة فتدلف الممرضة تنظر نحوهم.
"كفاية كده لو سمحت."
***
خرج من غرفتها ليجد الجميع ينظر إليه، فطالعهم بصلابة واهية.
"سوسن قوية وهتكون كويسة إن شاء الله."
حاول طمأنتهم كعادته، ولكن نادية كانت تعلم أن شقيقها ما هو إلا يبث الأمان لهم. ندمت على تفكيرها للحظات أن تتزوج شقيقها وإخبار سوسن دون قصد أنها أنانية في حق شقيقها.
وانتبه حمزة لصوت مريم، والتي أتت للتو مع السائق وركضت نحوه باكية تسأله.
"ماما مالها يا بابا... قولي إنها هتكون كويسة."
ضمها حمزة بقوة إليه وهو يشعر بأبوته نحوها، يخاف من القادم، فكلام سوسن معه لا يطمئنه.
"هتبقى كويسة يا حبيبتي، متقلقيش."
فتعلقت عين شريف بشقيقته، لم ترمي نفسها بين أحضانه، إنما ركضت نحو من أحسن تربيتها ورعاها وكأنها ابنته.
***
مضى يومان والقرار الأخير كان أن تسافر سوسن للخارج. أغلق حمزة باب غرفة مريم بعدما غفت وترك معها الخادمة. فبصعوبة يجعلونها بالمنزل بعيداً عن المستشفى ورؤية والدتها هكذا. ليمسد وجهه بإرهاق وهو يتجه نحو غرفته، ولكن انتبه لرنين هاتفه، فأخرج هاتفه من جيب سرواله وأجاب بلهفة.
"أيوه يا شريف."
ليتحرك بخطوات سريعة نحو الدرج وصوت شريف الباكي.
"ماما عايزة تشوفك... ارجوك بسرعة."
وبسرعة بالغة تعدت اللا معقول وصل للمستشفى، ليدخل المستشفى بخطوات متلهفة وقلب خائف. فوقعت عيناه على شقيقته التي تقف خارج غرفة سوسن تمسح دموعها.
"سوسن مالها يا نادية؟ كنت معاكم من ساعتين وكانت كويسة."
فخرج شريف من غرفة والدته، وأشار له بالدخول إليها. فالوقت لم يعد يسمح والطبيب بالداخل يعاين مؤشرات سوسن الحيوية. ولحظات مرت ببطئها، وكانت النهاية الحقيقية موت سوسن ووصيتها لحمزة على أولادها وزواجه من أخرى.
***
بعد مرور عام.
وقف أمام قبرها يُخاطبها.
"إمبارح كان عيد ميلاد مريم، وشريف اتعلق ليه نجمة تانية على بدلته وبقي ملازم أول، وندى وشهاب فرحهم بعد شهرين... محدش نساكي يا سوسن."
أخرج كل ما بجعبته من حديث ليدعو لها بصوت خافت، ثم ارتدى نظارته وخرج بعدها من المقابر بملامح جامدة، ملامح أصر الزمن أن يجعله هكذا دوماً.
***
داعبت هناء ملامح الصغير الذي تحمله ياقوت، وقد كان أصغر أطفال الملجأ. لم يعد يقتصر عملها على تعليمهم الرسم فقط، بل أصبحت تعتني بالأطفال مع المشرفات وتصنع لهم بعض المشغولات الصوفية. إدارة سلوى للدار ورحمتها هي من جعلت تلك الدار تصبح كاسمها دار الرحمة.
"تعبت أوي يا ياقوت... الأمل لسه عندي إنه يخطبني، بس مراد مبيتكلمش ولا حتى بيلمح... تقى عرفت بمشاعري ناحيته وحتى ماما، وهو مافيش أكتر من إني بنت عمه وبنتقابل غير في المناسبات."
وزفرت أنفاسها بألم وهي تتذكر أحمد الذي أحبها، ولكن الآن قد أصبح خطيباً لأخرى.
"الحب مؤلم... اتحبيت ومحبتش، وأحب ومتحبش... الحب ده عجيب."
فابتسمت لها ياقوت، فهي عانت من ذلك وفي النهاية أغلقت قلبها.
"مدام الحب مؤلم، خلينا منحبش أحسن."
فأومأت هناء برأسها ويداها ما زالت تداعب وجنتي الصغير.
"يختك يا ياقوت بتقولي كده عشان عمرك ما حبيتي، ياريتني كنت زيك."
وضحكت ضحكتها القلب، فحالها كحال صديقتها، ولكن الفرق هناء تمنح لسانها حرية التعبير عن حال قلبها، أما هي لا تفعل شيئاً غير الصمت ورسم البسمة على شفتيها.
واتسعت عين هناء وهي لا تُصدق ما تراه، فمراد يدلف من بوابة الملجأ ومعه شاب قد رآته يوم أن ذهبت مع والدتها منذ عام لتقدم واجب العزاء لأهل زوجة عمها السيدة نادية.
"ياقوت.. مراد."
دغدغت ياقوت الصغير الذي تحمله وشاكستها.
"يادي مراد.. اقفلي بقى الموضوع وانسى شوية."
فدفعته هناء بيدها هاتفة.
"مراد هنا في الملجأ."
لتلتف ياقوت نحو الاتجاه الذي تُسلط عليه صديقتها عيناها، وكان بالفعل مراد الذي لم تراه إلا مرتين لا أكثر، وكلتاهما كانت نظرات عابرة، وباقي ما تعرفه عنه من حديث هناء. والحديث يتلخص "مراد أسس شركة... مراد سافر... مراد عاد... مراد سيأتي"، وهي ليست إلا مستمعة لصديقتها تدعو لها بقلب صادق أن تتحقق أمنيتها.
ووقف مراد للحظات ينظر لتلك التي تحمل طفلاً صغيراً بين يديها، ثم سريعاً ما أشاحت عيناها عنه، ارتسمت ابتسامة على شفتيه، وقد وقف شهاب متسائلاً.
"وقفت ليه يا مراد؟"
وعندما رأى تسلط عيناه نحو إحداهن، ضحك بخفة.
"شكل الصنارة غمزت."
وقد ظن شهاب أن مراد ابتسم لابنة عمه.
فتنحنح مراد بتنحنة رجولية وعدل من هندام قميصه وأكمل سيره.
"خلينا في مهمتنا."
قفزت هناء كالاطفال تهتف بقلب يخفق من شدة السعادة، فمجرد ضحكة خيلها لها قلبها أبدلت حالها.
"مراد ضحك لي يا ياقوت."
ومثلما ظنت هناء، ظنت ياقوت، فشعرت بالسعادة لأجل صديقتها.
ولاحظت ياقوت حركة صديقتها المرتبكة، فضحكت وهي تعلم أنها تريد أن تذهب خلفه.
"روحي ليه يا هناء، أكيد جاي لأبلة سلوى."
ولم تنتظر هناء أكثر، بل أسرعت نحو من تنتظر قدومه بفارغ الصبر لبلدتهم.
***
رحبت سلوى بضيوفها بسعادة وجلست تسمعهم. فنادية أخبرتها برغبة شقيقها حمزة بفعل مستوصف خيري لأهل القرية، كما أنه سيتولى رعاية الملجأ بكل احتياجاته وسيعول الأسر التي تحتاج للمساعدة.
"نادية كلمتني وقالتلي على اللي هتقدموه للقرية يا أستاذ شهاب."
فقدم لها شهاب مبلغاً مالياً مدوناً على شيك قد بعثه شقيقه معه.
"اتفضلي يا مدام سلوى، دي مساهمة مبدئية من شركتنا."
فالتقطت منه سلوى الشيك لتنظر للمبلغ المالي المدون فيه.
"شكراً على مساهمتكم... عمل طيب ربنا يجازيكم خير عليه."
وعلقت أنظارها على مراد.
"هتيجوا طبعاً تتغدوا معايا... إنت عارف عمك يا مراد."
فأبتسم مراد وهو يعرف طباع عمه، فلو علم بمجيئه للبلدة ورحل دون زيارته، سيقلب عليه بل وسيظل يذكره بفعلته طيلة العمر.
"هو أنا أقدر على زعل عمي."
ودلفت تلك اللحظة هنا مبتسمة.
"مدام قولت كده يبقى هتيجي تتغدا معانا."
هتف مراد بابتسامة مجاملة.
"إزيك يا هناء."
وأشار نحو شهاب ليعرفها عليه، لتُحرك هناء رأسها مرحبة بشهاب.
"أهلاً يا أستاذ شهاب."
وسلط مراد أنظاره على باب الغرفة لعله من ينتظر رؤيتها تدلف هي الأخرى، فهو يعلم بصداقة هناء وياقوت القوية.
وألقى سؤاله دون شعور.
"أومال فين صاحبتك اللي كانت واقفة معاكي بره؟" فطالعته هناء على الفور، فحديثه معها يسعدها.
"ياقوت عندها حصة رسم مع الأطفال."
أما سلوى كانت تدون المبلغ المالي الذي أعطاه لها شهاب ولم تنتبه لشيء، لكن شهاب استرخى في جلسته وحدق بمراد وهنا، وعلم لمن كانت ابتسامة مراد.
***
دلف إليه بعدما وجدت مكتب سكرتيرته فارغاً، لتقف تنظر نحو الواقفة بجانب مقعده تشير على العقود التي سيوقعها. فرفعت سيلين عيناها نحو نادية وهي تشعر بالتوتر من أنظارها المسلطة عليها. ولم تكن نادية غبية من فهم نظرات سيلين نحو شقيقها الأرمل الذي أصبح محط أنظار الكثير، وسامة ومال ومكانة، ولم يعد زوجاً، فماذا سيريدون أكثر من ذلك؟
سيلين تم تعيينها منذ شهرين وهي ابنة السيد ناصف الذي يدير شركة الحراسات الخاصة بحمزة، وقد طلب منه تعيين ابنته لديه، فلم يرفض حمزة طلبه، فهي تمتلك الخبرة والمهارات المطلوبة، وقد كان أيضاً يحتاج لسكرتيرة في أسرع وقت. وها هي تثبت مكانتها كموظفة ليس أكثر.
ونهض حمزة من فوق مقعده متجهاً إليها.
"لو مش فاضي، امشي."
فاحتضنها حمزة وقبل خديها.
"لو مش فاضي، أفضل لك يا حبيبتي."
شعرت بالزهو وهي ترى تعزيز شقيقها لها أمام سكرتيرته التي جمعت الأوراق من فوق مكتبه.
"محتاج حاجة تانية يا فندم؟"
فأحاط حمزة كتف شقيقته وسار بها نحو أحد المقاعد.
"لا، اتفضلي إنتي يا سيلين، بس ابعتي لنا الساعي."
فهتفت نادية وهي تجلس على المقعد باسترخاء وتضع حقيبتها على الطاولة الزجاجية التي أمامها.
"يا ريت قهوة مظبوط يا سيلين."
فأومأت سيلين برأسها، فخبرتها جعلتها تفهم إذا أرادت أن تقترب من تلك العائلة فلابد أن تظهر أمام نادية الشقيقة الكبرى بمظهر المرأة المهذبة الرقيقة.
وانصرفت سيلين، ولكن نادية رمقتها بعدم ارتياح.
"طمنيني عليكي يا حمزة... هتفضل كده لحد امتى؟ عدى سنة على موت سوسن وأنت زي ما أنت."
فتنهد حمزة بضيق، فأمس شريف أخبره عن وصية والدته التي كان حاضراً فيها أن يتزوج، وليت تكون فتاة طيبة وتكون كالشقيقة لأولادها.
"نادية، مش معقول إيه اللي جرالكم انتي وشريف نفس الموضوع."
ونهض من فوق مقعده بتأفف.
"جواز مش هتجوز، والسبب إنتي عارفاه، السبب قديم أوي يا نادية... جوازي من سوسن الله يرحمها كان ليه أسبابه، لكن أفكر بجواز ورغبة في ست انتهى، زمان دمرتني ست ومش هدخل حياتي واحدة تدمر كل اللي بنيته."
لتتجمد ملامح نادية وهي تتذكر الماضي وكيف هدم الحب حياة شقيقها، ونفضت أفكارها سريعاً.
"مش كل الستات زي بعضها يا حمزة، ما أنت عشت مع سوسن وكانت ونعمة الزوجة."
فتعلقت أعين حمزة بها، لتنفرج شفتيه بابتسامة محبة.
"سوسن ست أصيلة، حبي ليها كان زي حبي ليكي ولامي ومريم وندى، بصرف النظر عن علاقتنا الزوجية... بس إنتوا حبكم بعيد عن أي سواد في قلبي... فانسى فكرة الجواز دي."
لتنظر إليه بنظرات جامدة، والحل ليس إلا الانتظار قليلاً، ولكن لن تنسى فكرة تزويجه وهي من ستختار العروس، مدام شقيقها ما زال في ظلامه الذي مر عليه السنين، وقد ظنت أنه نسيه، وهل ينسى المرء الصفعة التي بعدها يولد من جديد.
***
وقعت عيناها على والدتها التي تجلس مع عمتها وترتشف من كأس الشاي خاصتها، لتهتف خديجة بحماس.
"تعالي يا عروسة."
فتجمدت حواس ياقوت وهي تسمع للقب التي تناديها به عمتها، والأمر كان لا يحتاج لتفسير.
"تعالي يا ياقوت يا حبيبتي."
فتقدمت ياقوت منهم بقلب يخفق بخوف. فجذبتها صباح لاحضانها.
"ربنا يجعل العريس ده من نصيبك يا حبيبتي، ده زينة شباب القرية."
وانتظرت أن تعرف هوية العريس، وعلى أمل أن يفرح قلبها، ولكن...
"عبدالله ابن أخو عمك سعيد أتقدم ليكي."
ليسقط اسم عبدالله على مسمعها وهي لا تصدق أن والدتها تتمنى لها ذلك الزوج، عبدالله الذي لديه زوجة أخرى، والدتها تتمناه زوجاً لها.
وطالعت عمتها ومن ثم والدتها. لتنفض نفسها من ذراعي والدتها واتجهت لعمتها تلتف كفها ثم انحنت تلثمه برجاء.
"أبوس إيدك يا عمتي، قولي لأ."
رواية للقدر حكاية الفصل الخامس 5 - بقلم سهام صادق
تكورت على حالها واتخذت وضع الجنين كما اعتادت منذ الصغر. تشعر أنها هكذا تحمي نفسها من قسوة الحياة. دموعها تنساب دون توقف، وشفتيها ترتعش كحال جسدها.
تقف عمتها على أعتاب غرفتها بعدما انصرفت والدتها وألقت على مسمعها ما ألقت.
"حالك غريب يابنت صباح.. مش عايزه تفرحي يابت زي باقية البنات؟"
فأزداد انكماش تلك الراقده فوق فراشها، متمتمة بضعف:
"هو انا امتى فرحت زي البنات ياعمتي؟"
وعندما بدأت ترثي حالها من الهم، شعرت بالبغض من نفسها. فهل أحداً يعيش في الحياة خالي من الهموم؟ فلم تكتب على الدنيا الراحة، إنما هي رحلة تسير بنا بأحمالها أما المثقلة أو الهينة.
واعتدلت في رقدتها تمسح دموعها.
"ساعديني ياعمتي.. متخلهومش يرموني الرميه ديه..."
وعاد رد والدتها يتردد في أذنيها عندما سألتها عن موافقة والدها. وكان الجواب عكس ما تمنت. فالأب لم يعترض، والحقيقة كانت أن سناء هي من جعلته يُرحب بالأمر رغم بغضه لزوج طليقته.
"ما انا لو وقفت جانبك يا ياقوت هيفتكروا اني عايزاكي تفضلي جانبي عشان تخدميني."
وجلست خديجة جانبها تزفر أنفاسها حانقة.
"وهو ده اللي اتقالي من امك قبل ما تيجي انتي."
لتلتقط ياقوت كفها بيديها المترجفة ومالت على كفها تلثمه وتهتف بصوت شجن:
"انا راضيه اكون ليكي خدامه واخدمك طول العمر.. بس متجوزش عبدالله."
فتعلقت أعين خديجة بأبنته شقيقها لتنظر لملامحها ببطء. ثم نهضت من جانبها بعد أن لطمت فخذيها بخفة.
"وانا هساعدك يابنت اخويا... اسمعي عمتك براحه وركزي..."
***
ضمت نادية مريم الباكية إليها وعيناها قد دمعت.
"ياحبيبتي بكره هاجي معاكي المدرسة وهكلم المديره.. والبنت ديه لازم تتحاسب او تترفد على سوء سلوكها."
وابتعدت عنها نادية تمسح دموعها برفق.
"ازاي تقولك كده... متعرفش انتي بنت مين."
فتعلقت أعين مريم بها وقلبها مازال يؤلمها من تفوه إحدى الفتيات بأنها أصبحت بلا أم، وأن حمزة ليس والدها وإنما زوج والدتها، وفي يوم ما سيصبح له أطفال من أخرى يكون هو أباهم ويتركها.
"طنط ناديه هو بابا حمزة ممكن في يوم يتجوز ويسبني؟"
قالتها الصغيرة مريم التي أتمت منذ أيام عامها السادس عشر. ومهما كبرت ونضج عقلها فحمزة ليس إلا أباها. الرجل الوسيم الذي يظنه البعض خالها أو عمها وليس أب كما تناديه.
فدارت عين نادية على ملامحها وابتسمت وهي تتجاوز ذلك السؤال.
"بابا حمزة هيفضل بابا يامريم... وانا عمتو وشهاب عمك احنا كلنا عيلتك."
فدلف في تلك اللحظة ندي التي كانت تحمل كأس من العصير الطازج من أجل ابنة شقيقتها الراحلة. ولكن انتظرت بالخارج تتمالك دموعها بعد أن سمعت ما قصته مريم على نادية.
"وانا روحت فين.. نسيتوني من شجرة العيله."
فضحكت نادية بخفة على مزاح ندي وألتقطت منها كأس العصير ثم أعطته لمريم.
"حببتي يلا اشربي العصير... ومتفكريش في حاجه واوعى تحكي حاجه من اللي حصلت لحمزة."
ثم تابعت وهي تطالع الصغيرة التي بدأت ترتشف من كأس العصير.
"عشان منضيقهوش يامريم."
فهزت مريم رأسها بتفهم. أما ندي فقد جلست في الجهة الأخرى للفراش تمسح على شعر مريم بحب.
***
وقفت أمام محل الفاكهة الخاص بوالدها تفرك يداها بتوتر. تخشى من عدم تأثيرها عليه بمشاعر العطف والضغط عليه بنقطة الأبوة كما أخبرها عمتها. وستكمل هي الأخرى عليه في الهاتف من حديث يثير رجولته. فكيف يقبل بأن يربط عائلة زوج طليقته بعائلتهم.
ألتف زيدان بجسده بعدما رتب بعض الفاكهة في أماكنها. لتقع عيناه على ياقوت التي وقفت تطالعه بتخبط وتشبك يداها ببعضهم. فأبتسم وكأنه يدعوها لقدومها نحوه.
فهتدمت منه ببطء وقد جذب لها مقعداً خشبياً ونفضه وهتف.
"خطوه عزيزه يا بنتي."
ضميره يصحو كلما أدرك أن زواجه الأول راح ضحيته أول فرحته. ولكن وقت الندم قد انتهى وقد رأي حياته كما رأتها طليقته من بعده وعاشوا في دوامة الحياة.
"عمتك عامله ايه."
ثم سألها وهو يجذب إليه مقعد يجلس عليه.
"انتي كنتي جايه في مشوار هنا."
لتنظر إليه ياقوت وقد توقف الحديث على طرفي شفتيها.
"انا جايلك عشان تساعدني يا بابا."
وضغطت على كلمتها الأخيرة بقوة لتجعله يشعر بالكلمة التي منحها بالأفعال لأولاده من زوجته الأخرى وليس مثلها منحها الاسم فقط.
***
دلف فؤاد لمكتب مراد فنصدم من تعلق جاكي بعنقه. فاتسعت عيناه بضيق. كان متأكد أن تلك الفتاة لن تترك ولده هكذا. يعلم باتصالاتها له ولكن مراد دوما يخبره أن علاقتهما كمحبين انتهت. أما الآن لا يجمعهما سوى صداقة. وأبعدها مراد عنه بعدما سمع نحنة والده الغاضبة من الأمر.
"جاكي جايه زيارة لمصر... وهتفضل فترة هنا."
فألتفت جاكي نحو فؤاد بابتسامة واسعة وتقدمت منه كي تعانقه وتقبله. إلا أنه أوقفها بيده قبل أن تقترب منه.
"أهلاً يا جاكي... مراد عايزك في مكتبي."
وانصرف فؤاد دون كلمة أخرى. لتحدق جاكي بالباب الذي غادر منه ثم عادت تنظر لمراد بملامح باهته.
"والدك لم يحبني يوماً ولن يحبني."
وأرخت كتفيها ومطت شفتيها بعبوس ثم ألقت بنظرة عابرة على ملابسها.
"تنورتي طويلة مراد وايضا الجاكت الذي أرتديه انه بأكمام طويلة."
فأبتسم على برائتها ثم ألتقط هاتفه من فوق سطح مكتبه وامسك كفها.
"سأجعلكي تستمتعي بسياحتك بمصر."
فوقفت متشبثة بأقدامها تضحك بعذوبة.
"ووالدك مراد... انه يريدك."
ليجذبها مغادراً بها أمام سكرتيرته وهتف بها عقب ما تسألت به هي.
"بلغي فؤاد بيه اني خرجت."
***
نهض زيدان من فوق مقعده الخشبي يهتف متسائلاً.
"وراقضة العريس ليه يا ياقوت... اوعي تكوني عارفة حد تاني ضاحك عليكي... أمك قالتلي ان في نظرات إعجاب بينكم لما بتروحي عندها."
فاتسعت عين ياقوت بصدمة. فوالدها يشك بها ولم يكن شكه إلا سم دسّته زوجته. ولكن ما أوجعها حقاً تأليف والدتها لحديث لم يكن ولن يكون. وكل ذلك من أجل إرضاء زوجها.
"سيبوني اختار حاجة في حياتي ارجوك يا بابا. ان لا يوم حملت همي ولا بتكلم... ليه ديما ماليش حق في اي حاجة."
وأنسابت دموعها وقد أخبرتها عمتها أن والدها سيرق لها عندما تشعره بذنب أنه لديه منزل آخر ويتركها تعيش معها.
"انا من دمكم ولحمكم ليه بتعملوا فيا كده."
ثم ضغطت على العبارات التي أحفظتها لها عمتها.
"عمتي جابتني ليك.. قالتلي روحي لابوكي وقوليله انك مش عايزاه... ما الاب سند ولا أنا هكون يتيمة وأبويا عايش على وش الدنيا وجوز أمي هيتحكم في حياتي."
وعند تلك العبارة تبادلت ملامح زيدان وقد أثارته كلماتها.
"أبوكي عايش على وش الدنيا.. مين ده اللي يتحكم في حياتك... سعيد مين ده اللي ياخدك لابن أخوه."
وكان هذا ما تمنت حدوثه لترمي نفسها بين ذراعيه بعدما فاق ضميره كأب.
***
وقفت في شرفتها تتأمل الظلام بعد أن هرب النوم من جفونها. لتبتسم بحب وهي تجد شهاب جالس بالأسفل يدخن بشرود.
فأغلقت الشرفة سريعاً وأحكمت ارتداء حجابها. حبه في قلبها كل يوم يكبر. وخاصة تلك السنة التي أثبت فيها لها أنه بالفعل رجلاً حقيقياً. ولكن دوما تشعر أن حبه لها ما هو واجب أو دور متقن يؤديه. وما هي إلا عاشقة محبة لأقصى درجة.
وهتفت باسمه بعدما أصبحت أمامه.
"سرحان في ايه."
فرفع عيناه التي كانت مسلطة نحو قدميه.
"صاحيه ليه لحد دلوقتي يا ندى."
فأقتربت منه ببطء وجلست جانبه تمسك كفه.
"مجاليش نوم وبالصدفة لمحتك قاعد في الجنينة."
لتتعلق أعين شهاب بها ثم انتبه لدخان سيجارته. فألقى السيجارة أرضاً ودهسها تحت قدمه. فاليوم رأي الفتاة التي أحبها يوماً تلتبط ذراع زوجها. والزوج لم يكن إلا الحبيب الذي اختارته عنه رغم أنه يفوقه مالاً. ولكن ليس كل شيء مقياسه المال.
وفي لحظة كانت ندي تلثم خده بحب.
"بحبك أوي يا شهاب."
***
نظر إلى الأخبار المدونة عنه في أحد المواقع الإلكترونية.
فوقوفه بابتسامة مجاملة مع ابن شريكه الجديد جعلهم يتساءلون هل سيسمعوا قريباً خبر خطبة أم زواج لرجل الأعمال حمزة الزهدي الذي أصبح أرمل الآن ودون زوجه.
وابتسامة متهمة رسمت على شفتيه اتبعها إلقاء الجهاز اللوحي على سطح مكتبه. لتدلف بعدها سيلين تحمل له ظرف اعتادت منذ عملها هنا تجلبه إليه كل شهر ولا أحد يعلم بهوية المرسل.
"ظرف كل شهر يافندم."
وتقدمت من مكتبه تعطيه له. ليلتقطه منها بجمود وقد عجز عن معرفة صاحبة الرسالة التي تبثه مشاعرها فيها.
كان فضول سيلين يأخذها لتعرف ما تحتويه تلك الرسالة. ولكن إشارة من حمزة جعلتها تتنحنح بحرج وانصرفت بصمت.
لتفتح حمزة الرسالة وفضوله يقتله أن يعرف ما تخبره به صاحبتها. الكلمات تلك المرة لم تكن كما اعتاد إنما كان وعد باللقاء.
"لقائنا قرب... ساعتها هتعرف أنا مين... أحبك وسأظل أحبك."
***
تنهدت براحة قوية بعدما قصت على السيدة سلوى ما حدث في أمر ذلك العريس والذي رفضه والدها. ولم يخذلها حتى أنه أخبر والدتها صراحة أن لا دخل لزوجها سعيد بشؤون ابنته.
"طب وبعدين يا ياقوت المرادي العريس جا من طرف والدتك وقدرتي تتخلصي منه... افرض المرة الجاية جا عن طريق أبوكي ومراته والموافقة من العريس كانت موجودة."
لتتجمد ملامح ياقوت. فلا شك أن يحدث ذلك. فمدام زوجة أبيها فازت بخطبة ابنتها والتي اقترب زواجها قبلها ستتفرغ لها وستزوجها. واختيار زوجة أبيها لن يكون إلا لتكسر أنفها.
"قوليلي حل يا ابلة سلوى هعمل ايه... حتى عمتي قالتلي لو العريس ده لقينا حجة نرفضه لو حد جا تاني وعجبتيه وكلم أبوكي ايه الحجة."
وطأطأت رأسها أرضاً بألم.
"انا ممتلكش الحق اني ارفض عريس."
ثم تابعت بنبرة منكسرة.
"بس لو اترفضت عادي انا المعيوبة."
لتضمها سلوى بقوة إليها.
"ياحبيبتي انتي زينة البنات."
وابتعدت عنها سلوى قليلاً ثم اخذت تطالعها.
"انتي لازم تشتغلي يا ياقوت... واقناع الحج زيدان سبيه عليا."
قالتها السيدة سلوى وهي تضم كفيها بحنو وبملامح جادة ونظرت لعيناها.
"طيب هشتغل فين.. انتي عارفه يا ابلة سلوى مفيش شغل في القرية مناسب.. ولو بعدت عن البلد هلاقي شغل فين وهعيش فين."
وتابعت بنبرة منكسرة.
"نفسي يبقى ليا مكان محسش فيه اني عبء على حد."
لتلقمها سلوى بصمت ولم يأتي أمامها إلا نادية فستجد الحل معها.
***
تحرك فؤاد في غرفته بغضب بعدما تعلقت عيناه على الوقت في ساعة يده. فالساعة تخطت الثانية صباحا ومراد لم يأتي بعد.
لتستيقظ نادية بعدما استمعت لارتطام شيء أرضاً.
فعدل فؤاد المزهرية التي سقطت دون قصد منه من فوق الطاولة.
"انت صاحي لسا يافؤاد... هي الساعة كام دلوقتي."
فأطلق فؤاد أنفاسه مستاءً من عناد مراد معه.
"الاستاذ لسا مرجعش البيت."
فصدحت ضحكات نادية بعدما اعتدلت في رقدتها فوق الفراش.
"مراد بقى راجل يافؤاد.. ده اللي قده اتجوز معاهم عيال وانت صاحي مستني تعاقبه على تأخيره."
لتحتد نظرات فؤاد ورمقه بضيق.
"محدش مدلعه غيرك وشايفه كل تصرفاته صح... وأولهم سكوتك على البنت اللي اسمها جاكي."
فهبطت من فوق الفراش وابتسمت وهي تقترب منه ثم مازحته بلطف.
"قول كده.. انت مضايق من وجود جاكي في مصر.. البنت ايام وهتمشي مش هتعيش هنا."
ومدت كفيها تمسح على وجهه برفق كما اعتادت.
"لو لسا عايز يرتبط بيها وافق يا فؤاد."
لتتعلق عين فؤاد بها وبحديثها. فأرتسمت ابتسامة جادة على شفتيه والاجابة كانت صادمة.
"مراد هيتجوز هناء بنت اخويا يا نادية."
رواية للقدر حكاية الفصل السادس 6 - بقلم سهام صادق
دارت عيناها على ملامح زوجها الجامدة بعدما ألقى كل ما يعتريه ويخطط له.
فؤاد، الرجل الذي سقط في بئر الخيانة يوماً من حبيبته وزوجته الأولى، مازال يفكر أن الرجل لا يجب أن يتزوج على أهواء قلبه. رغم أنه عشق نادية وأحبها، إلا أن هناك جزء مظلم بداخله لا يريد أن يعيد ولده تجربته. ولم يرَ غير هناء، ابنة شقيقه، العروس المطلوبة.
وضع خيوط لعبته بإتقان، ولكن هل هناك شيء يسير وفقاً لتدبير عقولنا؟ وإذا سار، فهل سينجح أم سيصحبه الفشل؟
كعادة نادية، تعرف كيف تحتوي الأمر بهدوء معه.
"فؤاد، بلاش دايماً تحط مراد في دايرة محسوم فيها القرار ليك. من وهو طفل بتتعامل معاه كده. حرمته من دراسة الطب وخليته يدرس هندسة عشان أنت عايز كده. حبه لجاكي اللي ممكن ما يكونش من الأساس حب، رفضته. من صغره وأنت تقول "اعمل كده، ما تعملش كده". ده حتى طفولته كلها كانت "أنت راجل، والرجالة مينفعش تعمل ده". القيود الكتير بتصنع منا ناس تانية، ناس يوم ما هتتمرد هتتمرد على اللي حطوا عليهم القيود، وأنت أول واحد. مراد بقى يتمرد عليك يا فؤاد."
وتابعت وهي تسلط أنظارها عليه بعدما أعطاها ظهره معلنة أنه لا يرغب بسماع المزيد.
"قرار جوازه من هناء مش صح يا فؤاد. ما يمكن في يوم هو اللي يجيلك ويقولك عايز أتجوزها."
أدار فؤاد الحديث بعقله قليلاً، ولكن بصلابة عقل لم ترَ إلا صوابه. والتفت نحوها يحسم قراره.
"القرار في الموضوع ده انتهى يا نادية. أخلص بس من سفريته الصين وهفتح الموضوع مع مهاب أخويا."
ولم تكن سفريته الصين إلا شهراً واحداً.
تُطالعه نادية بهدوء، ولكنها صمتت وداخلها تفكر كيف ستجعل فؤاد ينسى ذلك الأمر ويترك حق الاختيار لمراد.
***
استيقظ حمزة فزعاً، يرفع جزعه العلوي قليلاً. ينظر حوله يبحث عن سوسن والطفل الذي كانت تعطيه له. ارتفع صوت أنفاسه الهادرة وهو لا يفهم سبب ذلك الحلم العجيب. سوسن تعطيه طفل! لمن هذا الطفل؟
اعتدل في رقدته فوق الفراش وأخذ يمسح على وجهه بقوة، وعقله يقنعه بالإجابة المقنعة. الطفل ما هو إلا طفل ندي وشهاب. فعرسهما هو المنتظر.
***
في الصباح، وقفت سيارة حمزة أمام مدرسة مريم لتهبط مريم بابتسامة متسعة تحمل حقيبتها المدرسية خلف ظهرها.
حمزة أبوها مهما قالوا، ودوماً هي طفلته المدللة.
التفت بجسدها تلوح له بيدها تودعه، ليفعل لها بالمثل مع ابتسامة حنونة ارتسمت على شفتيه. فقد انتبه لحالة مريم المنزوية بعدما بدأ ينشغل عنها في وسط أعماله التي اتسعت خلال تلك السنة.
لتقف مريم أمام إحداهن ترمقها بتحدي، ثم أكملت سيرها.
فالتفتت رؤى نحوها بغيظ هاتفة بوعيد:
"عيشي الدور علينا يا مريم."
ولم يكن حقدها على مريم خصوصاً، ولكن الحقد كان منصباً على حصول مريم على الحب الذي تتمناه هي. والحب لم يكن إلا حب الأسرة. وأين هذا الحب؟ فوالداها يعملان بأحدي دول الخليج وهي تعيش مع جدتها.
***
التقطت أذنيه بعض الكلمات من تلك المحادثة الهاتفية:
"فتاة بحاجة لعمل.. من البلدة."
لم يعره الأمر اهتماماً، وأشار لـ نادية التي مهما مرت السنون فهي والدته وليست زوجة أبيه، ولكنه يناديها باسمها كما اعتاد منذ الصغر.
"سيبي طنط سلوى لحظة واسمعيني."
فانتبهت له نادية وأزاحت الهاتف عن أذنها.
"ثواني بس يا حبيبي... هخلص مع سلوى."
ثم عادت تحدث سلوى. فتنّهد مراد بملل ونظر لساعة يده.
وقبل أن يطلب منها أن تؤجل حديثها مع زوجة عمه وتسمع ما سيخبرها به:
"اسمها إيه البنت دي... آه عرفاها يا سلوى.. مش دي صديقة هناء؟ ياقوت."
فتعلقت عين مراد بها، وأخذ يربط كل شيء ببعضه: العمل ويا ياقوت، وكأن الفرصة قد أتته في اكتشاف سبب جذبه لتلك الفتاة دون عن غيرها.
وفكرة لمعت بعينيه. فالعمل لن يكون إلا معه. فلقاءاتهم المعدودة وهروبها الدائم من نظراته ورؤيته جعلته راغباً بها، رغبة ليست بالجسد، فرغبة الجسد لم يشعر بها مع أي امرأة قط، حتى جاكي، حبه لها ما هو إلا عناداً مع والده.
وهتف بداخله بحماس:
"الفرصة جاتلي معاكي يا ياقوت... لازم أفهم سبب انجذابي ليكي."
وأخذ يحرك كفه على لحيته المنمقة بعناية، ولم يشعر بـ نادية التي وقفت ترمقه ببطء متسائلة بغمزة ماكرة:
"إيه اللي شغال عقلك.. جاكي مش كده؟"
فتعلت ضحكات مراد ومد كفيه يداعب وجنتيها.
"شقية أنتِ يا نادية."
فلطمت نادية كفيه.
"ولد عيب.. كل يوم بكتشف إني معرفتش أربيك."
كانت الدراما تتخلل نبرة نادية الحنونة، فمراد طفلها، طفلها الذي لم تنجبه.
ورسمت العبوس على شفتيها وسارت مبتعدة عنه بغنج. ليتعبها محيطاً كتفيها بدلال.
"لأ، مسمحش ليكي تغلطي في تربية نادية جميلة الجميلات."
تلتفت إليه نادية تكتم ضحكتها بصعوبة.
"يا واكل بعقلي حلوة.. عنده حق فؤاد يقولي بيضحك عليكي بكلمتين حلوين."
فصدحت ضحكات مراد، ثم رفع كفها يلثمه.
"ده أنتِ الغالية."
لتدفعه عنها ضاحكة.
"عايز إيه يا مراد قول... أنا عارفة الأسطوانة الناعمة دي.. آه يا قلبي الضعيف منك."
وعندما وصل الأمر إلى ما يريده هتف مشاكساً.
"دايماً فهيماني."
ثم أردف بطلبه الذي يعلم أن والده سيقبله بمقت.
"أنا عزمت جاكي على العشا الليلة في البيت."
فأومأت نادية رأسها بتفهم، فمهما كان فجاكي ضيفه وهي تراها فتاة لطيفة.
فالتقط مراد كفها يلثمه مجدداً بحب.
"أحلى نادية في الدنيا."
وكاد أن ينصرف إلا أنه عاد يلتف إليها.
"بمناسبة موضوع الشغل... قولي لصاحبتك هناك تبعت ورقها."
وانصرف دون كلمة أخرى. لتُحدق به بذهول، ولكن سريعاً تلاشى ذهولها. فألتقطت هاتفها كي تحدث سلوى وتخبرها أن أمر العمل قد وجد.
***
حملت حصتها بعد معاناة من السلع الغذائية التي تمنحها الدولة للمواطنين. لتجد هاتفها يعلن رنينه. فوقفت على جانب الطريق وأخرجته بحرص وهي تظن أن عمتها من تهاتفها كي تجعلها تتعجل في عودتها. لتقع عيناها على اسم هناء، فتمنت لو أتاها ما أرادت.
"أيوه يا هناء... بجد هشتغل... طب ومكان إقامتي؟"
وجاءها رد هناء الفرح من أجل صديقتها.
"كل حاجة اتدبرت يا ياقوت... السكن لقيناه الحمد لله... أصدقاء ماما القدام طلعوا جامدين أوي."
قالته هناء مازحة، ولكن تلك هي الحقيقة. نادية وجدت لها وظيفة، وأخرى لديها بناية تحتوي على طابقين أعدته للمغتربين.
"أنا مش مصدقة نفسي يا هناء... الحمد لله."
وتصاعدت أصوات المارة لتهتف هناء متسائلة.
"إنتي في شارع يا ياقوت؟"
فأجابتها ياقوت بابتسامة مشرقة.
"بجيب السلع لـ عمتي... هروح وأكلمك."
وسارت بخطوات فرحة حالمة وتفكر كيف ستقنع عمتها وتجعلها تقنع والدها.
***
وقف بسيارته يُحادث صديقه بالهاتف منتظراً أن تُفتح إشارة المرور.
"إزاي طلب نقلي متوفقش عليه؟"
ليأتيه صوت صديقه وهو يحاول تهدئته.
"اهدِ يا شريف.. أنا مش عارف ليه أنت عاوز تتنقل.. عايز تخدم في العريش؟ في حد عاقل يطلب كده؟"
فتنهد شريف بسأم، يعلم أن حمزة لديه دخل بذلك الأمر وكل شيء يصل إليه عنه بسهولة. فالكثير بالداخلية يخدمه. فمنذ زمن كان هو أيضاً ضابطاً.
"اقفل دلوقتي يا سيف."
وأغلق الهاتف بحنق. وانفتحت الإشارة وكاد أن يسوق سيارته ليجد أحداهن تمر الشارع ببطء وتخفي عينيها بنظارة سوداء، بل وتقف ثواني ثم تكمل السير ولا تستمع لبوق السيارات والسباب التي تخرج من الألسنة.
واندفع من سيارته حانقاً ليجذب ذراعها بغضب.
"إنتي طرشة ولا عامية؟ الطريق كان فاضي قدامك."
فدفعت يده بعنف عنها بعدما شعرت بالألم من قبضته.
"لأ، أنا مش طرشة بس عامية."
تركته مذهولاً وأكملت سيرها بخطوات سريعة تمسح عينيها بعنف من دموعها التي أخذت تتساقط. لا تعلم لماذا اليوم حظها هكذا، فكل يوم تمر الطريق دون أن تسمع سباب أحد فيشعرها بعجزها.
وأكملت سيرها تحت نظراته، ولكن تصاعد بوق السيارات جعله يعود لسيارته يقودها لجانب الطريق وألتف بجسده داخل السيارة ليجدها بعدما مرت الطريق سارت لخطوات معدودة ويبدو أنها حفظت خطواتها، ثم جلست على مقعد خشبي تعلم موضعه وكأنها تنتظر أحداً.
وزفرة طويلة خرجت من بين شفتيه وقد شعر بالذنب. فهو أخرج غضبه بها وليته لم يخرجه.
***
سقط ما تحمله أرضاً وهي تجد الكثير يقفون أمام منزل عمتها ووالدها بينهم ويبكون. لتركض نحوهم وكل ما تتذكره أن عمتها كانت ذاهبة لتقديم واجب العزاء مع بعض النسوة لقرية مجاورة.
"هو في إيه.. فين عمتي؟"
ووجدت والدتها تأخذها بين أحضانها تُخبرها بآخر شيء تمنت سماعه.
"عمتك ماتت يا ياقوت."
***
ارتشف قهوته بملل ينظر من حين لآخر لساعة يده، فنادية أخبرته أنها تريد لقائه في أحد المطاعم. بدأ الشك يمتلكه ليتأكد بالفعل من خطة شقيقته.
"أسفة على التأخير يا حمزة بيه.. معلش عربيتي اتعطلت."
قالتها برقة وجلست بغنج. ليرمقها حمزة بنظرات متفحصة وزمجر بحنق من فعله شقيقته به.
"مافيش مشكلة."
أخذت المرأة التي تبدو في الثلاثين من عمرها تصفف شعرها بيديها وتتفحصه بوقاحة.
"من زمان نفسي أقابلك... آخر مرة قابلتك فيها كانت في حفلة جواز حازم الأسيوطي. أصل أنا أبقى بنت خالة العروسة."
فأومأ برأسه بصمت وداخله يلعن شقيقته متوعداً لها حين رؤيتها.
ومال نحو الطاولة يرمق الجالسة أمامه ببطء، فأقتربت منه مبتسمة تظن أنه سيهمس لها بكلمات غزل.
"حلال عليكي سهرة النهارده واعتبرِ العشا حسابه مدفوع."
واعتدل في جلسته لينهض بعدها.
"معلش أنا راجل بحب أنام بدري."
وغادر بحضوره الطاغي لتتسع عين الجالسة.
"ده مشي وسابني."
***
مرت أيام العزاء ببطء لم تتركها فيهم هناء ولا السيدة سلوى.
وقفت هناء جانبها تعد معها حقيبتها فالآن سوف تنتقل لبيت والدها فلا داعي للجلوس هنا. فالبيت به ورثة والكل سيطالب بحقه فيه. فعمتها لم يكن لديها أولاد.
إلى الآن لا تصدق أنها توفت. فالوفاة جاءت صادمة للجميع.
الحادث لم يُصب عمتها وحدها إنما امرأتان أخريان بالقرية. فبجانب الطريق الذي كانوا ينتظرون عليه وسيلة مواصلات، انصدمت إحدى عربات النقل بعمود الإنارة ليسقط عليهم وانتهى كل شيء في ثوانٍ معدودة.
ودمعت عين ياقوت وهي تودع كل أنس بذلك المنزل الذي احتواها ويد هناء تربت على كتفها.
"أمر الله يا ياقوت... ادعيلها بالرحمة."
لترمِ ياقوت نفسها بين ذراعي صديقتها.
"مش قادرة أصدق يا ناس."
وبكت بحرقة ليدلف والدها غرفتها بوجه حزين على شقيقته.
"يلا يا ياقوت يا بنتي.. معدش ينفع أسيبك في البيت."
وازداد انهمار دموعها واليوم شعرت أنها بلا مأوى. فهي تعلم الحقيقة، لن ترحب بها زوجة أبيها ولا زوج أمها، وخاصة بعد أن رفضت ابن شقيقه.
***
وقف شريف بسيارته بجانب الطريق وهو لا يعلم لماذا يأتي هنا. كانت جالسة نفس جلستها تطأطأ عيناها أرضاً ولم تعد ترتدي تلك النظارة السوداء. وبعد وقت تأتي سيدة تأخذها وترحل.
وخرج السؤال الذي أراقه لأيام.
"ياترى إنتي مين وحكاياتك إيه؟ وليه بقيت آجي كل يوم أشوفك؟"
***
أسبوعاً مر على مكوثها في بيت والدها ولم تعرف كيف تفاتحه بأمر عملها. رغم أن كل يوم هناء تصر عليها أن تبلغ والدها، ولكن ردها لا يكون إلا:
"إزاي عايزاني أقوله عايزة أنزل مصر أشتغل وعمتي مبقاش ليها أسبوع ميتة يا هناء؟"
شعرت بيد سناء تدفعها وهي بين الغفوة واليقظة. لتنتفض فزعاً من رقدتها. ولكن كما اعتادت، ميعاد استيقاظها المعتاد الثامنة صباحاً فور أن يرحل والدها لفتح محل الفاكهة خاصته.
تأتي زوجة أبيها تُوقظها لتبدأ مهام اليوم من مسح وتنظيف وطبخ وركض وراء التوأم ذو العشر سنوات والمذاكرة لهم.
"اصحى يلا... مش عارفة إنتي مدلعة كده ليه.. شكل خديجة كانت مدلعاكِ."
تُمسح عيناها من نعاسها، ف ياسمين ظلت طوال الليل تُحاكيها وقد غفوا في وقت متأخر.
وانصرفت سناء خارج الغرفة لتلتف نحو شقيقتها تحكم عليها الغطاء بحنان. فالخدمة لها وحدها. وحين تسأل ياسمين عن سبب استيقاظها المبكر يكون رد زوجة أبيها:
"أصل ياقوت اتعودت على كده.. ماشاء الله نشيطة من ساعة ما جت مريحاني.. اتعلمي بقى منها يا حبيبتي ولا أقولك بلاش تتعبي نفسك كلها شهور وتتجوزي وتشيلي المسئولية... ادلعي في بيت أبوكي شوية ده إنتي الدلوعة بتاعتي."
وتنطلي الكذبة الماكرة على ياسمين التي تُخبرها بحب أن لا تستيقظ في وقت مبكر وتستيقظ معها في الظهيرة وستساعدها.
وخرجت من الغرفة لتجد سناء أمامها.
"الست سلوى قالتلي على موضوع الشغل اللي جبته لكِ."
تعجبت ياقوت من أخبار والدة صديقتها لزوجة أبيها بأمر عملها لترمقها سناء بنظرة طويلة.
"هقولك لـ أبوكي وهساعدك تمشي من هنا لكن بشرط..."
ولم يكن الشرط إلا.....
رواية للقدر حكاية الفصل السابع 7 - بقلم سهام صادق
اغمضت عينيها بروح مفقوده خائفة من المجهول. ورغم كل ذلك، إلا أنها كانت سعيدة، تشعر بالحرية من قيود حاوطتها طيلة سنوات عمرها. وما كان عليها إلا الصمت والرضى بما يُمنح لها.
أقل القليل كان في عينيها كثيراً دوماً، مدام لا تسمع إهانة من زوج أم أو زوجة أب لا يرونها إلا كعبء على مال أولادهم.
دمعة انحدرت على وجنتها اليسرى، أزالتها سريعاً.
وصوت نادية يفيقها من شرودها.
- وصلنا بالسلامة... نورتي القاهرة يا ياقوت.
قالتها نادية وهي تقود السيارة، وبجانبها كانت ابنتها تقي تضع السماعات في أذنيها غير منتبهة لشيء. فقد كانوا في زيارة سريعة للبلدة وجاءوا بها معهم.
- إحنا وصلنا.
هتفت ياقوت وعيناها تدور بعينيها في الشوارع، فلم تشعر بمرور الوقت الذي لم يتجاوز الساعتان.
- آه يا حبيبتي... ورايحين على سكن المغتربات.
ضمت ياقوت يداها برهبة من الحياة الجديدة التي ستعول فيها نفسها بمفردها دون الحاجة لأحد.
خاطبتها نادية بلطف وهي تُحرك يدها على عجلة القيادة ببراعة.
- أنا اديتك عنوان الشركة اللي هتقدمي فيها ومتقلقيش... شهاب أخويا هو المدير، قولي بس إنك تبعي.
ابتسمت ياقوت وهي لا تعرف كيف تشكرها على مساعدتها هي والسيدة سلوى.
- أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي.
ابتسامة حانية رُسمت على شفتي نادية، وعاد الصمت مجدداً إلى أن وقفت السيارة أمام السكن.
لتتعلق عين ياقوت بالسكن الجديد الذي ستعيش فيه. وكانت هذه بداية لحياة جديدة.
وبعد مرور الدقائق، وقفت ياقوت خلف نادية التي اندفعت نحو امرأة تُماثلها بالعمر تحتضنها بحنو.
- أخيراً اتقابلنا يا نادية... سلوى وبتسأل عليا في التليفون، أما انتي الدنيا خدتك.
فضحكت نادية بقوة وهي تنظر لصديقتها.
- ما انتي عارفة يا سميرة، كنت مسافرة بره... وأه رجعت وهنرجع أيام زمان تاني.
فأماءت لها سميرة برأسها وانتقلت بعينيها نحو ياقوت التي وقفت تُسلط عينيها نحو حقيبة ملابسها بحرج. واقتربت منها مبتسمة.
- نورتي السكن يا ياقوت.
فرفعت ياقوت رأسها لتشعر بطيبة سميرة التي أخبرتها عنها سلوى، والتي لم تكف عن مهاتفتها يومياً لتطلب منها الاهتمام بها.
عادت نادية لسيارتها وأستقلتها على الفور فقد انتهى دورها. ولم يتبقى عليها إلا مُهاتفة شقيقها والتأكيد عليه بمُراعاتها.
وشردت في فعلتها التي لم يعرفها مراد. فقد أخبرته أن الفتاة في فترة حداد على عمتها ولم تعد تفكر حالياً بأمر العمل. وأتت الصفقة الجديدة وقرار فؤاد أن يسافر هو بدلاً عنه الصين لإتمام الصفقة في صالحه.
لا تعلم لما أحست أن اهتمام مراد ب ياقوت وسؤاله الدائم عنها تلك الفترة ورائه شيء تخشى حدوثه. والشئ الذي تخشاه أن يكون بداية حب سيظن فؤاد أنها السبب. بل وسيحملها حدوثه. فأسلم طريق وجدته أن توظف ياقوت لدي شقيقها وتنتهي مخاوفها.
بين جدران زنزانة قد مُلئت جدرانها بكتابات عبرت عن أوجاع من أخذتهم الحياة بذنب إما لم يقترفوه أو اقترفوه مجبرين. دلفت إحدى السيدات بزي السجن الخاص بالمسجونات بعد أن أنهت عملها في المشغل الخاص بالسجن.
لتجلس على فراشها تمسح وجهها. بأنهاك تُطالع الباب الذي غلق بعد أن خطت للداخل.
ثمانية أعوام مرت وهي تتمنى الحرية. تتمنى أن تفتح جميع الأبواب والنوافذ. تتمنى أن تركض في الشوارع تصرخ أنها حرة.
وشعرت بيد إحداهن على كتفها.
- هانت يا صفا، كلها أربع شهور وتخرجي من هنا.
فطالعتها صفا ومازالت جميلة كما هي بعينيها الزرقاء وبشرتها شديدة البياض. ولكن جمالها هذا كان في يوم من الأيام هو لعنتها.
- نفسي أخرج من هنا يا وردة عشان أقوله بس يسامحني. تفتكري هيسامحني؟
جاوراتها وردة على الفراش وربتت على خدها بحنان.
- لما هيعرف الحقيقة أكيد هيسامحك.
ثم عاتبتها مؤنبة.
- ما قولتيلي آخر مرة كنت بره السجن قبل ما ألبس في قضية تانية أروحه وأقوله على الحقيقة.
وأردفت تلوي شفتيها بأمتعاض.
- قولتيلي لا، لازم يسمع الحقيقة مني أنا.
تُطالعها صفا بألم وألتقطت من أسفل وسادتها صورته تضمها لصدرها.
- ياترى ممكن تسامحني يا حمزة.
طالعت الغرفة الصغيرة التي قادتها إليها سميرة صاحبة المسكن. رغم صغر الغرفة إلا أنها شعرت وكأنها قصر. مدام ابتعدت عن قسوة كلمات زوجة أبيها.
وشردت في الأسبوعان الماضين بعد وفاة عمتها وإقامتها مع زوجة والدها. والتي كانت سعيدة حين اقتنع والدها بذهابها للعمل. وأقناعه كان يتقطر من كلامها المسموم.
"خليها يا زيدان تروح تشتغل، آه يمكن حد يشوفها وتتجوز. وأه تجهز نفسها وتساعد في مصاريف جهاز ياسمين، ما انت شايف حال السوق واقف إزاي ويوم في ويوم مافيش".
وألقت بجسدها على الفراش بحسرة تُطالع سقف الغرفة.
- لازم تبقي قوية يا ياقوت.
نهض حمزة بغضب من فوق مقعده وهو لا يرى أمامه. وصوت كلمات شريف تتردد في أذنيه.
- أيوه أنا اللي بوقف قرار ناقلك وبستخدم اسمي في كده... اتأكدت من إجابة سؤالك يا شريف.
ليُطالعه شريف بتحديق وهو لا يجد سبب مقنع لذلك. ثم صاح.
- ليه بتعمل كده؟
ونهض هو الآخر واردف دون شعوراً منه.
- مش معنى إني شايفك أخ كبير ده يديك الحق... الست اللي كنت بتحبنا عشانها ماتت.
جمت الكلمات حمزة وهو لا يُصدق أن شريف الذي كان يعتبره كابن له. حتى لو لم يكن فارق العمر بينهم إلا ثلاثة عشر عاماً.
- مش هعاتبك على كلامك ده يا شريف... عشان أنا أكتر واحد عارف شريف.
واقترب منه ببطء يربت على كتفه الأيسر.
- شريف اللي ربيته وشوفته ابن وأخ وصديق.
فتعلقت عين شريف به بألم. فلم يكن يقصد ما قاله. ولم يستوعب معنى كلماته إلا عندما خرجت من بين شفتيه. وتعالى صوت أنفاسه. ثم ألقى نفسه بين ذراعيه.
- أنا تعبان أوي يا حمزة... موت أمي كسرني... مش قادر أعيش هنا... عايز أهرب بعيد... خدمتي في مكان بعيد عن هنا هيريحني.
كان يشعر بوجعه وسبب رغبته في الابتعاد. ولكن لن يجعله يبتعد. فالبعد لا يشفي الألم وإنما الحياة تمضي.
- الهروب مش حل يا شريف... سوسن عمرها ما هتكون فرحانة ببعدك ولا مريم. أوووعى تنسى مريم يا شريف. أوووعى تنسى واجبك ناحيتها... مريم بقت محتاجة ليك انت أكتر واحد.
وعن الحديث عنها كانت تندفع من باب الغرفة بعدما فتحتها ومسحت دموعها. فقد كانت تقف بجانب الباب تسمع حديثهم. ومن دون حديث كانت تتعلق بعنق شقيقها كطفلة صغيرة.
- أوووعى تسبني وتمشي يا شريف.
جلسوا يتمازحون وقد مر وقت طويل على جلوسهم هكذا. دوماً حمزة كان يأخذ ركناً بعيداً عنهم مع أحد كتب الفلسفة ويحتسي من فنجان قهوته. ومن حيناً لآخر يُطالعهم مبتسماً.
- انت بتخم يا شهاب.
لتتسع عين شهاب وهو يرمق الصغيرة مريم.
- شهاب حاف كده.
فمازحته بلطافة وهي تتوسط خصرها بذراعيها.
- لا شهاب بالجبنة.
كان شريف جالساً بجانب ندي يضحكون على مشاكسة مريم وشهاب. وانتهى الأمر كالمعتاد.
مريم تركض نحو حمزة فور أن يرفع شهاب يداه.
- الحقني يا بابا.. شهاب عايز يضربني.
فوقف شهاب أمام شقيقه يرمقها بتوعد.
- محدش مدلع البت دي غيرك.. محرومة من فسحة الملاهي يا مريم وهاخد ندي حبيبتي بس.
وقبل أن يلتف نحو ندي غامزاً لها. كانت تتعلق بعنقه.
- عمو شهاب حبيبي.
وتتعالى ضحكاتهم مع دلال الصغيرة. ودلفت نادية نحوهم بعد أن رحبت بها الخادمة. لتتعلق عيناها بحمزة الذي رمقها بمقت على فعلتها التي لم يُحاسبها عليها بعد.
نظر إليها بغضب بعدما أصبحوا بمفردهما.
- بتلعبي بيا يا نادية.
فأشاحت عيناها عنه تكتم صوت ضحكاتها.
- ما أنا هجوزك يعني هجوزك يا حمزة... لا تتجوز بمزاجك أو غصب عنك.
ليرمقها بحنق جليّ.
- ده على أساس إني عيل صغير هتغصب على حاجة.
فضحكت بدلال وطالعته مُفكرة.
- إيه رأيك تتجوز سيلين السكرتيرة، عينها منك على فكرة.
ثواني وقف يطالعها يزفر أنفاسه بقوة حانقاً.
- نادية الموضوع ده محسوم بالنسبالي ومش هعيد كلامي. تاني وبطلي ألاعيبك السخيفة دي.
اغمض عيناه بقوة وهو ينظر لجاكي النائمة على صدره العاري. لم يشعر بأستيقاظها ولا بيدها التي أخذت تتحرك بعبث على وجهه.
- مراد.. مابك؟
فانتبه مراد إليه واخذ يتأملها بصمت. كان الأول بحياتها رغم انه ظن عكس ذلك.
- لم أصدق إلى الآن أننا تزوجنا... وأننا هنا معاً بالصين.
ولثمت خده بقبلة خاطفة وتسألت.
- متى سنخبر عائلتك؟
كان ضائعاً في أفكاره لا يعرف كيف فعل ذلك ولكنه الان غاضب من نفسه ومن والده. ومازالت كلمات فؤاد تتردد في عقله.
"اعمل حسابك بعد رجوعك من الصين هتجوز هناء بنت عمك".
عناد أطاح عقله ليتزوج جاكي ضارباً قرار والده عرض الحائط. ولم يخلق ذلك العند داخله إلا هو.
- مراد سرحت في إيه!
يداها اخذت تتحرك ببطء على عنقه لينظر لها مبتسما.
- مكنتش فاكر إنك عذراء.
فتوردت وجنتاها بخجل وتعلقت عيناهما معاً لتسأله بابتسامة أنارت وجهها الجميل أكثر.
- يعني انت مبسوط؟
ومراد. وكانت اجابته على سؤالها ما هي إلا إجابة جعلتها تُحلق عالياً بسعادة وهي بين ذراعيه.
وقفت أمام المرآة التي تحتويها خزانتها الصغيرة. لتنظر إلى فستانها البسيط وحجابها برضى كامل. لتلتقط أوراقها من فوق الفراش وحقيبتها. وقبل أن تخرج من غرفتها صدح صوت هاتفها برسالة نصية من صديقتها الشقية هناء.
"ابقي طمنيني بعد ما تخلصي المقابلة".
واتبعت الرسالة أخرى.
"أيوه يا عم هتشتغلي في شركة الزهدي".
لتبتسم ياقوت على أفعال صديقتها المُحبة وانصرفت من غرفتها. متجهة إلى مكتب السيدة سميرة.
- أبلة سميرة.
كانت سميرة تتناول فطورها وترتشف من كأس الشاي خاصتها.
- تعالي يا ياقوت افطري معايا.
خجلت ياقوت وطأطأت رأسها أرضاً. ورغم جوعها إلا أنها أجابت.
- شكراً... كنت عايزة أعرف بس أروح عنوان الشركة إزاي.
وقبل أن تُجيبها سميرة. كانت تدلف إحدى المقيمات في السكن وتمسك مالاً بيدها.
- ادي الشهرين المتأخرين عليا يا سوسو.
فضحكت سميرة وهي تنظر للمال.
- متخبي ياحضرة الصحفية.
فألتقطت سماح أحد السندوتشات من أمامها وأخذت تقضمه. فتعجبت ياقوت من الأمر. ولكن ابتسمت وهي تستمع لحديثهم.
- لازم تفضحينا قدام الغرب كده وتعرفيهم إني صحفية وعليا إيجار متأخر.
ومدّت سماح كفها نحو ياقوت.
- صحفية شهر بتقبض وشهر بتترفد وشهر على ما تفرج.
لم تتمالك ياقوت حالها وابتسمت ثم صافحتها.
- وأنا ياقوت.
- سماح خدي ياقوت معاكي في طريقك ووريها مكان شغلها فين لأنها مش من هنا ولسة ياحبيبتي بتتعلم تروح وتيجي إزاي.
وجهت سميرة حديثها لسماح التي وقفت تُدقق النظر ب ياقوت قليلاً ثم هتفت مازحة.
- طب يلا بينا بقى... عشان لسا هاكل من على عربية الفول بتاعت عم سيد... يااا عليه طبق فول بيسد المعدة لحد الليل.
وألتفت نحو ياقوت التي اتبعتها تكتم صوت ضحكتها.
- انتي هتشتغلي فين؟
لتخرج ياقوت الكارت الشخصي الذي أعطته لها نادية. فطالعت سماح اسم الشركة ثم اخذت تُصفر بعلو.
- شركة الزهدي.. يابنت الايه عملتيها إزاي دي.
أشارت سماح اليها على مقر الشركة التي يبدو أنها فرع جديد لمجموعة الزهدي.
- أطير أنا على الجرنال بتاعي لأحسن يتخصم مني.
وألقت لها قبلة في الهواء واسرعت بخطاها. فضحكت ياقوت على لطافتها وعادت تنظر للشركة بتوتر والموظفين يدلفون إليها بملابس راقية. لتسقط عيناها على ملابسها السوداء وحذائها. فضمت ساقيها ببعضهم. وأخيراً تحركت وهي تتمنى أن يقبلوها. رغم توصية نادية إلا أنها تخشى أن لا يرونها مناسبة للمكان.
سمعت صوت تهامسهم عليها.
- يا عيني الراجل اللي طالعة بيه للسما وبابا بابا مطلعش أبوها.. مش عارفة إزاي قاعدة في بيته ما خلاص مامتها ماتت.. وقريب هيتجوزوا.
وأخذوا يضحكون بعلو. فرؤى لا يُحاط بها إلا أمثالها.
ضاقت أنفاسها وانحدرت دموعها. لتجد تلك الفتاة التي لم تكف يوماً عن نبذها ومعايرتها بفقرها. فهي لم تكن إلا ابنة إحدى عاملات النظافة بمدرستهم. ودراستها بتلك المدرسة حصلت عليها كعمل خيري لتفوقها.
- فين مريم القديمة؟ البنت القوية اللي كنت بحسدها على قوتها وأنها عاملة زي الفراشة الكل بيحب يقرب منها.
لترفع مريم عيناها بصمت نحوها وهي لا تعلم الإجابة. ف مريم القديمة انكسرت برحيل والدتها.
حدق بالفتاة التي أمامه ببطء متذكراً طلب شقيقته في تعيينها في الفرع الجديد الذي تم افتتاحه في الأيام الماضية ضمن شركتهم الأم وتولى هو إدارتها. كان بحاجة ل سكرتيرة لمكتبه بهذا الفرع. وعلى حظها قد اعتذرت السكرتيرة التي وقع عليها الاختيار لحدوث ظرف ما لها.
- انتي ياقوت.
قالها شهاب بهدوء وهو ينظر للملف الخاص بها. هو رآها من قبل ويعلم سبب مساعدة شقيقته والسيدة سلوى. عيناها الذابلة وملابسها السوداء التي ترتديه تعبر عما تمر به.
وحركت ياقوت رأسها بتوتر تخشى رفضها. فهي لا تمتلك الخبرة المطلوبة.
فأماء شهاب رأسه بعملية وهو يُطالع ملفها.
- خريجة كلية أدب قسم لغة إنجليزية.
ورفع عينيه نحوها.
- اشتغلتي كام سنة كمتطوعة في الملجأ الخيري؟
فأسبلت جفنيها بحرج لتُجيبه.
- سنة ونص.
وبعد صمت دام للحظات ابتسم ليُعبر لها عن موافقته.
- تقدري تبدأي شغلك من بكرة يا آنسة ياقوت.
تجمدت عيناه وهو لا يُصدق اليافطة المُعلقة على باب المبنى. مدرسة خاصة تعمل بها كما أخبره حارسها. لذلك تمر من ذلك الطريق كل يوم. ليجد إحدى العاملات تخرج بها من المدرسة وتسير بها نحو الطريق العمومي. وأخبرتها أن تسير فالسيارات واقفه.
وكالعادة تخطو بخطوات معدودة نحو المقعد الخشبي الذي اعتادت الجلوس عليها.
حار في أمرها وقبل أن تأخذه قدماه إليها. أعلن هاتفه عن رنينه لينظر للرقم وأجاب بأحترام. ثم ألقى نظرة خاطفة على تلك الجالسة التي تتحسس المقعد بجانبها.
- نص ساعة وأكون عندك يا فندم.
كان هذا هو اليوم الثالث لها بالعمل. كل شيء جديد عليها. ولكنها ستسعى جاهدة أن تستمر في وظيفتها مهما حل بها من متاعب. فالراتب يستحق التعب والتحمل. وتستطيع بعث المال منه لوالدها ودفع إيجار الغرفة واحتياجاتها. ولو استطاعت أن تجد عملاً آخر ستعمل حتى يصبح لها منزل مستقل تعيش به.
خطط كثيرة رسمتها في عقلها وهي تحلم بالغد.
ولم تشعر بدلوف حمزة بعنجهيته ونظراته الجامدة. شخصية يتقن رسمها أمام العالم. فقديمًا كان شخصاً شفافاً مرحاً محباً. ولكن الألم علمه أن يكون ما هو عليه الآن.
تقدم بخطواته نحو مكتب شقيقه وألقى بنظرة عابرة نحو تلك المُنهمكة بين الملفات وكأنها في ساحة حرب.
وسقط الملف منها فانحنت لأسفل تلتقطه.
فسلط حمزة عينيه عليها بعدم رضا وصدح صوته بخشونة.
- شهاب في مكتبه.
وبمجرد أن أجابته أكمل خطواته نحو غرفة شقيقه.
فأنتفضت من فوق مقعدها راكضة نحوه.
- لازم أبلغه الأول بوجودك يا فندم وأشوف لو كان فيه ميعاد سابق.
أخبرته بعملية كما حفظت. ليرمقها حمزة ببطء واضعاً إحدى يديه في جيب سرواله. وابتعد مشيراً لها.
- اتفضلي.
لتشعر ياقوت بالتوتر من نظراته الحادة.
- أبلغه مين؟
رفع حمزة حاجبه الأيسر وأخذ يُطالعها من علو ثم هتف ساخراً.
- حمزة الزهدي.
فاتسعت عيناها وهي لا تُصدق هي أمام من. فهتفت دون وعي مكررة سؤالها.
- مين؟
رواية للقدر حكاية الفصل الثامن 8 - بقلم سهام صادق
قهقه شهاب وهو مازال يتذكر مشهد ياقوت أمام شقيقه. لم تكف عن تكرار معرفة هويته. ولولا خروج شهاب من غرفة مكتبه ذلك الوقت لكان انفجر شقيقه بها.
"دي كتلة من الغباء... إنت إزاي توافق على توظيفها؟" هتف حمزة عباراته حانقاً من غباء ياقوت وضحكات شقيقه.
عادت ضحكات شهاب تتصاعد وهو يسمعه.
"حصل خير يا حمزة خلاص... وكمان دي متوصي عليها من نادية وسلوى."
فارتسمت السخرية على شفتي حمزة وجلس بفخامة.
"كمان جاية بواسطة... خد بالك إحنا مبنفرقش بين الموظفين. أي غلطة منها إنت عارف إيه اللي هيحصل. طرد على طول."
تعالت ضحكات شهاب مجدداً.
"متقلقش، البنت شكلها بتاعت شغل وعايزة تشتغل."
لا يعلم لما أثارت غضبه، ولكن حظها جعلها تلتقي به في الوقت الخطئ. فيكفيه انحدار مريم بمستواها الدراسي وحديث أخصائية المدرسة عنها.
"إيه الموضوع اللي كنت عايزني فيه وضروري؟"
صمت شهاب للحظات وهو لا يعلم كيف يخبره.
"اللي بتبعت لك الرسايل هي صفا يا حمزة."
فاحتَدت عيناه بكره لم يعرفه إلا معها. الحبيبة الخائنة هي صاحبة الرسائل المجهولة. وتعلقت عيناه بأعين شقيقه وكأن الماضي أمامه من جديد. والكلمة عادت تخترق أذنيه.
"إنت مرفود يا حضرة الظابط."
وشعر بالاختناق، فنهض مشيراً لشقيقه بالصمت. وتحرك بخطى جامدة. ولحظها العسر اليوم معه فتح الباب في نفس اللحظة التي كانت ستطرقه وتدلف.
فارتطمت بصدره الصلب لتسكب قطرات من القهوة التي كانت تحملها على قميصه.
فسقطت عيناه على فعلتها صارخاً بها وقد أعماه الغضب.
"إنتي غبية!"
صراخه أفزعها وجعلها تتراجع للخلف بخطوات خائفة.
"أنا آسفة... مكنش قصدي."
خرجت الكلمات من شفتيها بصعوبة وعيناها انخفضت لأسف. وظهر الخوف على ملامحها ليندفع كالاعصار مغادراً المكان.
كان شهاب واقفاً يتابع المشهد بصمت. واقترب منها معتذراً بلباقة.
"متزعليش يا ياقوت، حمزة كان خارج غضبان من مكتبي."
فلم تتمالك دموعها أكثر من ذلك، فكل شيء أصبح يجثم على روحها. زوجة أبيها هاتفتها أمس تسألها عن كم ستتقاضى من راتبها، ووالدتها اليوم هاتفتها تخبرها عن عدم رضا زوجها بأمر عمله.
دموعها أخذت تتدفق بغزارة وهي لا تشعر بحالها. فتقدم منها شهاب لا يعرف ماذا يفعل لها.
"ياقوت خلاص الحكاية عدت... لو عايزة تاخدي نص يوم تروحي تمام مافيش مشكلة."
هتفت بنبرة باكية كالاطفال.
"أنا معملتش حاجة والله يا أستاذ شهاب... هو إنتوا ممكن تطردوني؟"
فانفرجت شفتي شهاب بضحكة قوية وأخرج من جيب سترته منديلاً يعطيه لها.
"تطردي إيه بس يابنتي... خدي امسحي دموعك."
وأردف مازحاً.
"أصل أنا ضعيف قدام دموع الستات."
التقطت منه المنديل سريعاً وطأطأت عيناها أرضاً تشعر بالخجل من حديثه.
فوقفت ندي على أعتاب الغرفة تُطالع المشهد بوجه محتقن.
"شكلي جيت في وقت مش مناسب."
لـتـلـتـفـت شهاب على سماع صوتها مندهشاً من قدومها واقترب منها بابتسامة ثم عانقها.
"أهلاً ياحبيبتي."
تعـلـقـت عين ياقوت بهم. ومن نظرات ندي النارية نحوها أشاحت عيناها سريعاً تلوم نفسها على بكائها أمام شهاب.
صرخت ندي بوجهه وقد فسرت الأمر كما خيله لها عقلها.
"عايز تفهمني إنها كانت صعبة عليك وبـتـراضيها.. ولا البنت عجبتك يا شهاب؟"
فـتـنهـد شهاب مُغمضاً عيناه. لقد تغير بالفعل من مُطالعة النساء بنظرات عابثة وأصبح يقدر حبه. لم يحبها أو مازال يرى ذلك.
"ندي أنا مش هحاسبك على الكلام اللي بتقوليه عشان عارف إنك مش في وعيك."
لـتـقـتـرب منه تدفعه على صدره بغضب.
"حط نفسك مكاني."
دفـعـاتـه كان يتلقاها بهدوء يجعلها تخرج جنونها به. حبها له هوس يعلم صدقه.
"هتحبيني إمتى ياشهاب وتحس بيا؟"
سؤالها صدمة. فحاوط خصرها بذراعيه وترك قبلته تفسر لها ما يريد إخبارها به.
وأبتعد عنها بأنفاس لاهثة يسند جبينه على جبينها وهي كالضائعة معه.
أوقف سيارته في مكان خالٍ زافراً أنفاسه بقوة. كان صدره يعلو ويهبط من أثر الماضي الذي مازال محفور بداخله. حب قضى على وظيفته التي عاش يحلم بها في طول سنوات دراسته، ولم يكن حلمه وحده إنما كان حلم والديه. وفي النهاية ماذا حدث؟ مرضت والدته بعدما فصل من الداخلية ولم تتحمل رؤيته هكذا فماتت وهي ترى مستقبله قد هدما.
أخـنـقـته الذكريات فـتـرجـل من سيارته يطلق الحرية لأنفاسه الهائجة. ومـر الوقت وهو يقف في ذلك المكان المنعزل يتأمل ما أمامه بشرود مُتذكراً اليوم الذي عرف بمحاكمتها وأن والدها قد قتل. أخبروه زملاؤه وقد ظنوا أنه سيرتاح حين يعلم بهذا، ولكن ليلتها عاد إلى سوسن يرمي نفسه بين ذراعيها يضمه وكأنه طفلاً صغيراً. لم تكن قد تطورت علاقتهما ولكن تلك كانت البداية إلى أن صارت حياتهم الزوجية كأي رجل وامرأته.
لم يخرجه من شروده إلا رنين هاتفه. ليلتقط الهاتف من جيب سترته مُطالعاً رقم المتصل بغرابة.
"أنا اتجوزت يا حمزة."
ولم يكن المتصل إلا مراد يخبره بآخر شيء توقع حدوثه.
رمقت ندي ياقوت بنظرات قاتمة بعدما خرجت من غرفة مكتب شهاب. واقتربت منها بخطى بطيئة تتفرس ملامحها.
فـنـهـضـت ياقوت سريعاً فور رؤيتها تتقدم منها وقبل أن تخرج كلمات الاعتذار لها موضحة المشهد الذي رأته.
"انتبهي على شغلك.. وبلاش عينك تبص لحاجة مش بتاعتك."
قالتها ندي وانصرفت دون أن تلتف نحوها مرة أخرى.
لـتـحـدّق ياقوت بخطاها وعلى ملامحها معالم الصدمة. فقد فسرت ندي المشهد كما ظنت.
وقف شريف بسيارته أمام المكان الذي اعتاد رؤيتها فيه ولكن اليوم لم يجدها. نظر لساعته يده متنهداً فهو لا يعلم سر قدومه هنا ومطالعتها من بعيد. عندما قص على شهاب مشاعره تلك أخبره أن شعوره ليس إلا شعوراً بالذنب واشفاقاً على حالتها.
عادت ياقوت من عملها تحمل بعض المعلبات. وضعت الأكياس التي كانت تحملها على الطاولة الصغيرة التي تأخذ ركناً جانباً في غرفتها وجلست على الفراش تنظر للغرفة التي تقيم بها بشرود. ثم انفجرت باكية دون شعور. فقد ظنت أن خروجها للعالم الخارجي بعيداً عن أهل قريتها البسطاء سيكون سهلاً. ولكن كل يوم تكتشف أنها دخلت بقدميها أصعب مراحل الحياة.
لم تنتبه لطرقات سماح على باب غرفتها ودخولها للغرفة. وعندما رأتها سماح هكذا ركضت نحوها تسألها بقلق.
"ياقوت مالك فيكي إيه؟"
فـأدارت عيناها عنها ومسحت دموعها.
"مفيش حاجة أنا كويسة."
فـأاتجـهـت سماح للجهة الأخرى ونظرت لها بتمعن.
"مش إحنا اتفقنا هنكون صحاب.. وتحكيلي اللي يضايقك؟"
فلم تشعر بحالها إلا وهي تندفع لأحضان سماح وتحكي لها عن كل ما مرت به اليوم.
لـتـصـدح ضحكات سماح عالياً.
"بتعيطي عشان كده... ياااا ياما هتشوفي."
فـأتـسـعـت عين ياقوت وهي تخشى أن يلحق بها المزيد من الأذى.
"أنا كنت فاكرة إن كل الناس طيبة زي أهل القرية عندنا."
فـحـركـت سماح رأسها ضاحكة من برائتها في فهم البشر.
"الحياة شبه المعركة والبشر مبقوش زي زمان.. الكل دلوقتي بقى بيصارع عشان يعيش. الطيبين موجودين بس بيداس عليهم."
نـصـتـت لحديث سماح. فأبتسمت سماح وهي تراها تركز في حديثها ثم هتفت مازحة.
"يخربيت الغم والنكد خلتيني أقول كلام عميق مش بتاعي.. بقولك إيه أنا جعانة عندك أكل ناكل؟"
فـضـحـكـت ياقوت على تحولها السريع.
"مش بقول بتفكريني بـ هناء."
و نهضت نحو المعلبات التي جلبتها والخبز وأشارت للطعام.
"جيتي في وقتك أنا كنت جايبة معايا الأكل."
لـتـقـتـرب منها سماح وتنظر إلى ما تشير إليه بسخط.
"تونه بقولك جعانة... إنتي هتأكلي قطة."
وألتقطت ما بيدها ووضعته في مكانه.
"يلا يابنتي أنا هعزمك وأمري لله.. سيبك من أكل القطط ده مبيسدش الجوع."
جلست على فراشها تتأمل صورة على هاتفها. كانت صور عائلية ولكن عيناها لا تقع إلا عليه وحده. وأبتسمت وهي تُحرك أناملها على ملامحه. فالحديث الذي سمعته اليوم بين والدها ووالدتها دون قصد منها أعاد إليها روحها من جديد. وسريعاً ما تذكرت ياقوت لتدق عليها وتخبرها ما سمعت.
"ياقوت عمي طلب إيدي من بابا لـ مراد."
كانت ياقوت تسير خلف سماح بعدما أخبروا سميرة بوجهتهم.
"بجد يا هناء... احكيلي ده حصل إمتى وإزاي؟"
فـحـركـت هناء أصابعها على خصلات شعرها بهيام. ولكن قبل أن تخبرها بتفاصيل ما سمعته كان شقيقها يدلف لغرفتها.
"هكلمك بكرة أحكيلكم."
وأغلقت هناء لتنظر سماح التي توقفت عن السير وتتمعن النظر في ملامح ياقوت المبتسمة.
"شكلك سمعتي خبر حلو."
تـتـسـع ابتسامة ياقوت بسعادة.
"هناء هتتخطب قريب.. أنا فرحانة أوي يا سماح."
فـأرتـسـمـت السعادة على وجه سماح هي الأخرى.
"أنا بقيت شاهدة على قصة الحب العجيبة دي بين هناء وابن عمها... لازم أكون أول المعازيم مفهوم؟"
و وضحت كلتاهما ليكملوا سيرهم في الطريق فالمطعم قريب من المسكن.
وقفت مريم أمامه في غرفة مكتبه بعدما طلب منها اتباعها. كانت تعرف بما سيحادثها فيه. فحضوره للمدرسة قد ذاع، وخاصة من مدرستها الحالمه به منذ زمن. ولكن لم تظهر مشاعرها إلا بعد وفاة والدتها، وكأن والدتها كانت حاجز بينه وبين النساء.
"ارفعي عينك ليا يا مريم."
فـرفـعـت عيناها بتوتر وهمست بخفوت.
"هو أنا عملت حاجة تزعلك يا بابا؟"
فـأقـتـرب منها حمزة بهدوء.
"ليه بتعملي في نفسك كده... مش دي مريم اللي ربيتها.. وبقول إنها شبهي."
لم تتحمل كلماته. حمزة قدوتها. والدها الذي تُدرك تماماً أنها ليست من دمه. وما هو إلا زوج أم أعطاها أبوته بمحبة خالصة.
وبكت بحرقة وهي تخبره باشتياقها لوالدتها. بخوفها أن يتزوج بأخرى فيسمع وترى. ولكن تصمت.
"عمتو نادية عايزة تجوزك... إنت كمان هتروح مني. وشريف بقى بعيد عني مبيرجعش البيت غير على النوم. وندي بقت مشغولة مع شهاب.. وتقي بقى ليها صحابها اللي بتحبهم... كلهم بيبعدوا... ماما هي اللي كانت بتجمعهم."
ضـمـهـا حمزة إليه وهو يرى انشغال الجميع عن صغيرته وإشعارها بغياب سوسن.
"وتفتكري أنا في يوم هتخلي عن بنت؟"
فـتـرفـعـت مريم عيناها نحوه.
"بيقولولي إنك مش بابا... أنا عارفة كده بس إنت بابا صح."
مـعـت عيناه وهو يسمعها. فأبعدها عنه يمسح على وجهها.
"إنتي بنتي يا مريم وهتفضلي بنتي... أنا عايز مريم ترجع زي ما كانت شاطرة في مدرستها متعملش مشاكل مع حد ولا بتتخانق."
فـخـجـلـت من تلميحه لمشاجرتها مع رؤى بعدما طفح الكيل ولم تعد تحتمل حديثها.
"أوعدك هرجع مريم القديمة... بنت حمزة الزهدي."
نـطـقـت اسمه بفخر. ليبتسم على عفوية صغيرته.
"طب اعملي حسابك مس ريما هتيجي تذاكرلك مادتها.. مستواكي نزل فيها خالص."
وابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتي مريم لتُحرك رأسها مُرددة.
"مس ريما اه."
اتبع خروجها من المدرسة وقد ارتاح قلبه عندما رآها اليوم. فقد تغيبت يومان عن المدرسة التي تعمل بها مدرسة موسيقى. خرجت اليوم بمفردها تتحسس الطريق الذي حفظت خطواته. ولم تنتبه لدراجة الهوائية التي مرت بجانبها فدفعتها لتسقط على ركبتيها.
ركض شريف نحوها فالأمر فلم يكن يتوقع حدوث ذلك. ولكن صاحب الدراجة البخارية مال قليلاً فدفعها دون عمد. ورغم الدفعة لم تكن قوية إلا أنها تعرقلت في خطواتها.
"إنتي كويسة؟"
لم ينسى صوته طيلة الأيام الماضية. فخشت أن يكون هو صاحب الدراجة ويعنفها مثل المرة القادمة.
"آه كويسة."
وشعرت بقربه الشديد منها. وقبل أن يمد يداه ليساعدها. اقتربت شقيقتها راكضة نحوها.
"مالك يامها إيه اللي حصلك؟ مش قولتلك متخرجيش من المدرسة لوحدك."
وألتقطت شقيقتها يدها وعنفتها كأنها طفلة صغيرة. ولم تهتم بوقوف شريف الذي كاد يطمئنها عليها. فـوـقـف يُطالع المشهد صامتاً. ولأول مرة يشعر أن بداخله إحساس بدأ يسير في اتجاه جديد عليه.
ذهبت لعملها بحماس. فصحبتها مع سماح عادت عليها بفعل. دلف شهاب مكتبه أمامها بعدما ألقى عليها تحية الصباح. ومر الوقت إلى أن جاءت ساعة الظهيرة. فخرج من غرفة مكتبه يطلبها بعمليته وهو ينظر إلى ساعته.
"ياقوت هاتي الملف اللي قولتلك أطبعه وحصليني عشان رايحين على الفرع الكبير في اجتماع مهم."
تـجـمـع الأوراق سريعاً في ملفها المخصص وحملت حقيبة يدها تتبعه بصمت.
تقدمت سيلين من الطاولة التي تجلس عليها نادية وتنتظر قدومها.
"آسفة يا مدام نادية اتأخرت عليكي."
وجلست تلتقط أنفاسها.
"مش قدامي غير نص ساعة بس."
لـتـبـتـسـم نادية متفهمة وأسندت ذراعيها على الطاولة وظلت للحظات تُطالعها بتفحص ومالت نحوها.
"من غير لف ودوران... أنا عارفة إنك معجبة بحمزة."
ألقت نادية كلماتها ببطء ثم عادت تسند ظهرها على ظهر مقعدها. فأرتبكت سيلين من صراحتها.
"أي حد بيشتغل مع مستر حمزة لازم يعجب بشخصيته يافندم."
فـضـحـكـت نادية بخفوت وهي تسمع عباراتها المنمقة.
"يعني أسحب عرضي ونشرب بس القهوة سوا؟"
تـلـمـع عين سيلين غير مصدقة لما تشير إليه نادية.
"حضرتك تقصدي إيه؟"
فـدابـعـت نادية ذقنها مُفكرة.
"تقربي من حمزة... وأنا هساعدك."
رواية للقدر حكاية الفصل التاسع 9 - بقلم سهام صادق
جالت عيناها بالحضور وهي تشعر بالرهبه من حضورها ذلك الاجتماع.
حاولت بث الطمأنينة في نفسها، تُذكر حالها بنصائح سماح التي باتت تعطيها دفعاً، وتمتمت داخلها لتزيد من عزيمتها:
"أنتي دلوقتي بتشتغلي يا ياقوت والشغل هنا غير شغل الملجأ، لازم تبقي واثقة في نفسك."
حقيقة لم تكن تلك عباراتها، بل سماح التي أخذت تحفظها لها.
وفي ظل تردديها ما يطمئنها، دلف حمزة غرفة الاجتماعات بهيبته المعهودة، تتبعه سيلين مديرة مكتبه.
مال نحوها شهاب قليلاً يُخبرها:
"ركزي في كل كلمة بتتقال واكتبي الملاحظات.. تمام."
فأومأت برأسها سريعاً.
وما هي إلا لحظات، كانت تسمع وتدون ما يجب عليها تدوينه.
عيناها وقعت على آخر شخص تُريد أن تُطالعه، ولسوء حظها المعتاد، تقابلت عيناهما.
ثبّت حمزة نظراته عليها، ولكنها أشاحت عيناها عنه خجلاً.
واكتمل الاجتماع، ليستدير شهاب نحو ياقوت مُتسائلاً:
"دونتي النقاط المهمة يا ياقوت؟"
فتُحرك رأسها إيجاباً.
ومر الوقت وشهاب جالس مع حمزة يُناقشه في عمله.
نظرات ياقوت كانت تلك المرة نحو سيلين التي تعمدت القرب من حمزة، فتتلامس كتفها بكتفه بعض الأحيان.
تعجبت من ذلك التحرر، ولكن أبعدت ذهنها عما ترى، ففي النهاية هي ليست أكثر من موظفة.
***
ضحكت سماح بصخب وهي تستمع إليها عندما بدأت تصف لها شعورها اليوم:
"يعني حمزة الزهدي بعبع بالنسبالك؟"
قزفرت ياقوت أنفاسها بأرهاق:
"بخاف منه أوي يا سماح.. البشمهندس شهاب مش كده خالص.. راجل ذوق."
فحركت سماح حاجبيها بنظرة عابثة:
"قولتيلي ذوق؟"
فسرعت تُحرك رأسها نافيه:
"لا مش قصدي اللي فهمتيه.. أنا بس بحكي عن شخصيته.. بشمهندس شهاب خاطب ندي اللي حكيتلك عنها."
فأبتسمت سماح وهي تضحك على وداعتها:
"ما أنا عارفه بس برخم عليكي... المهم سيبك من العيلة دي بقى.. إيه رأيك تيجي معايا حفلة المفروض هعمل لقاء صحفي فيها؟"
وقبل أن تنطق ياقوت برأيها، أردفت سماح بحماس:
"دي مش أي حفلة يا ياقوت.. هتتبسطي وتقولي سماح قالت."
انتابها الحماس، ولكنها تذكرت موت عمتها وحزنها عليها، ولم تنسى هدفها الأساسي في المجيء للعاصمة.. الهدف لم يكن إلا العمل لا أكثر.
"مش هينفع يا سماح... روحي انتي ده شغلك."
كانت تعلم داخلها أن سماح تفعل ذلك معها لتجعلها تخرج من قوقعتها المغلقة.
سماح فيما مضى لم تكن إلا كشخصية ياقوت الفتاة الهادئة المنطوية، ولكن الحياة تُعلم أن تصبح مع مرور الأيام شخص آخر.
***
في مكان آخر مظلم والكل في ثبات عميق، كان هناك صوت خافت يصدر عن صاحبته بكلمات متقطعة:
"مظلومة.. متسبنيش.. حمزة."
نطقت اسمه بصرخة ضعيفة، ثم انتفضت من غفوتها، تضع بيدها على قلبها وتدور بعينيها يميناً ويساراً... لتجد جميع النساء في العنبر نائمين بعمق.
فالتقطت صورته من أسفل وسادتها وداعبت ملامحه بأناملها:
"خايفة يكون فات الأوان يا حمزة.. بس أنا زيك اتظلمت، محدش بيختار أهله."
وسقطت دموعها وهي تتذكر والدها، فلم تكن إلا ابنة تاجر مخدرات لسنوات، ترى والدها أشرف رجال، وفي النهاية انكشف الستار.
***
اليوم كان أسعد يوم بحياتها.
لم تعد تتذكر كم يوم بعمرها فرحت، ولكن اليوم مختلف.
شقيقتها الحنونة المعطاءة سوف يتم خطبتها غداً، وكل جيرانهم وأصدقائهم سعداء ويجلسون يغنون ويرقصون على أصوات الموسيقى العالية.
تلك عادات منطقتهم البسيطة، فكل شيء يأخذ حقه على أكمل وجه.. الفرح فرح والحزن حزن.
الضحكات كانت تتعالى بين فتيات المنطقة ويجذبونها لترقص معهم:
"يلا يا مها انتي هتفضلي قاعدة كده... ده انتي أخت العروسة."
أطربتها الكلمة، وتمنت لو كانت مبصرة.. لترى سعادة شقيقتها التي كانت تجلس على أحد المقاعد تدندن مع الفتيات وتحرك كتفيها بدلال، وإحداهن تقف أمامها تنظف لها حاجبيها ووجهها.
فدارت بجسدها بين الفتيات تتخبط وترقص، وكل عالمها يتلخص في سماع الأصوات والضحكات، حتى تعبت من الرقص والغناء.
وعادت لمكانها بصعوبة، وكادت أن تجلس على المقعد، ولكن أحد أطفال جيرانهم سحب المقعد لتهوي على الأرض.
لم يرَ المشهد أحد، فنهضت سريعا من فوق الأرض تُلملم شتات نفسها قبل أن ينتبه إليها الجالسين ويشفقون على وضعها الذي تقبلته بكل رضي وحمد.
واتجهت لغرفتها تتواري خلف الباب باكية، تكتم صوت شهقاتها، وكأن قلبها بدأ يشعر بأن القادم ليس هين.
***
أشاحت مريم رأسها للجهة الأخرى بملل بعدما ملت من تكرار سؤال الأستاذة ريما، معلمة الرياضيات، المادة التي لا تتفوق فيها إلا إذا تولى حمزة مذاكرتها لها:
"إمتى حمزة بيه هيجي يا مريم؟"
فأطلقت مريم أنفاسها ثم هتفت بصفاقة:
"بابا مش بيجي دلوقتي... عنده شغل مهم."
فلمعت عين ريما وأخرجت تنهيدة حالمة:
"ده المتوقع من حد زي حمزة بيه، أكيد وقته مش ملكه."
فحركت مريم رأسها بفتور وأكملت حل مسألتها بسرعة، فموعد وصول حمزة قد اقترب وهي تريد رحيلها قبل قدومه.
وناولتها كشكولها:
"أنا كده خلصت يا مس."
تثاءبت لتشعرها بأنها بالفعل انتابها النعاس.
وبعد دقائق كانت تجمع ريما أوراقها، ولكن ببطء شديد للغاية.
ومريم تجلس تراقب الوقت وتنظر لمعلمتها المعجبة بوالدها الأرمل.
اتسعت عين ريما عندما سمعت صوت حمزة والخادمة تحمل حقيبة عمله وترحب به.
فانتفضت مريم من مكانها واتجهت نحوه وكأنها تريد أن تُخفيه من أعين معلمتها التي وقفت تتابع المشهد بابتسامة متسعة.
غير مصدقة أنه يُدللها هكذا، وهو زوج أمها الراحلة ليس أكثر، فماذا ستكون معاملته نحو أطفاله مستقبلاً؟
تخيلت منظر أولادها منه في تلك اللحظة ورسمت نفسها الزوجة.
ليقترب منها متسائلاً:
"آنسة ريما، إنتي سمعاني؟"
فانتبهت ريما وأدركت أنه واقف أمامها منذ مدة يُحادثها وهي ليست معه.
وعدلت ريما نظارتها تهتف بحرج:
"أيوه معاك.. حضرتك كنت بتقول إيه؟"
فأبتسم حمزة بلطافة رغم تعجبه من أمرها:
"بسألك عن مستوى مريم."
فتعلق عين ريما بمريم الواقفة بجانب حمزة ترمقها بنظرات متلاعبه.
واقتربت منها تداعب خدها:
"مريومة بنوتة شاطرة.. اطمن يا فندم."
فأرمق صغيرته بنظرات فخورة، ثم عاد ينظر نحو ريما:
"أكيد أنا مطمن طول ما إنتي معاها."
قالها بلطف وتقدير لها، ولكنها فسرتها بطريقة أخرى.
فحدقت مريم بـ ريما التي اتسعت ابتسامتها فور أن سمعت مديح حمزة.
ولم يقطع ذلك الحديث إلا رنين هاتفه.
فأستأذن منها قبل أن يصعد الدرج متجهاً نحو غرفته ليقابل ندي على الدرج وهي تهبط لأسفل:
"ندي، اعرضي على مس ريما تتعشى معانا.. وادي خبر للسواق يبقى جاهز عشان يوصلها."
فأومأت ندي برأسها مبتسمة.
والتقت بـ ريما التي كانت مريم تسرع بتوديعها:
"أستاذة ريما، حمزة موصي إنك لازم تتعشي معانا، مش معقول تمشي كده."
تهتفت مريم داخلها:
"تتعشى.. يا ريتك يا ندي ما نزلتي."
وتهللت أساريرها وهي تسمع ريما تُجيب معتذرة:
"شكراً يا آنسة ندي.. مقدرش أتأخر على البيت أكتر من كده."
ولكن داخلها كان رأي آخر:
"لازم تتقلي يا ريما، مش معقول من أولها أقبل عزومته، هو فاكرني إيه."
"طب خلاص هخلي السواق يجهز عشان يوصلك، دي أوامر حمزة."
فأستاءت مريم من حديث ندي وحملت كتبها حانقة وغادرت.
تنفض رأسها من أفكارها بأن يتزوج حمزة مس ريما التي لا تطيقها.
أما الأخرى غادرت بأحلام وردية لاهتمامه بها وخوفه عليها، ولم يكن ذلك إلا واجب يفعله.
***
أغلقت ياقوت مع هناء التي ظلت لساعة تُحادثها وتُخبرها عن حلمها بيوم زفافها بمراد، ولكن ثوب زفافها قد أفسدها بقعة متسعة لا تعلم من أين أتت، ولكنها أفسدت مظهر ثوب زفافها.
لم تجد ياقوت إلا كلمات الاطمئنان لصديقتها، وانقلب الحديث إلى ضحكات بعدها:
"ربنا يسعدك يا هناء وتحققي حلمك وتتجوزي الإنسان اللي بتحبيه."
دعت ياقوت لصديقتها بإخلاص.
وانتبهت لطرقات الباب، ثم دلفت سماح غرفتها بطريقة مسرحية، واتسعت عيناها بصدمة وهي ترمق ياقوت ساخطة:
"إنتي هتروحي معايا الحفلة بالبيجاما؟"
ثم أشارت نحو حذائها المنزلي:
"وبالشبشب ده؟"
فضحكت ياقوت على ظن سماح أنها وافقت على قدومها لذلك الحفل الذي لا تعرف لما تذهب إليه، ف سماح صحفية وهذا هو عملها، أما هي ماذا سيكون سبب ذهابها؟
"عندي شغل بدري يا سماح وكمان هاجي معاكي بصفتي إيه؟"
فأشارت سماح نحو حالها باعتزاز:
"بصفتك صاحبتي، ولا دي حاجة قليلة؟"
فصدحت ضحكات ياقوت، سماح تخرجها من أي حالة هي فيها بأسلوب دعابتها المرح:
"روحي انتي يا سماح، أنا هصلي العشاء وأنام."
ومع إلحاح سماح، لم تذهب ياقوت لفراشها كما كانت تخطط، إنما وقفت أمام مكان الحفل متسعة العين من هيئة الوافدين للحفل.
فنظرت لهيئتها بملابسها المحتشمة، ثم تعلقت عيناها نحو سماح التي انشغلت مع مصور الجريدة في الحديث قبل دخولهم الحفل.
***
خرجت من غرفتها تبحث عن شقيقتها بعدما بدلت ملابسها وانتهت الخطبة على خير وقد سعد الجميع.
كانت تمسك في المقاعد التي مازالت مصطفة في شقتهم تهتف باسم شقيقتها:
"ماجدة، إنتي فين؟"
لم تسمع شقيقتها صوتها، فقد كانت في صراع بين إقناع خطيبها أن علاقتهما ليست إلا عابرة، فمجرد قبلات ولمسات ومداعبات ليس أكثر وسيستمتعان.
تركت نفسها له وقد أخمدت عقلها.
وعاد هتاف مها باسمها إلى أن اقتربت من الغرفة لتسمع صوت تأوه، ففتحت الباب بقلق وفزع:
"ماجدة، إنتي فيكي حاجة؟ مالك؟"
فانتفضت ماجدة بعيداً عن خطيبها الذي يدعي سالم، تخفي بيدها ما أزاله عنها من ملابسها وتشير له أن يصمت:
"إنتي لسه صاحية يا مها؟"
فهتفت مها بطفولة لم تضيع من برائتها:
"أصل عايزة آكل من جاتوه الخطوبة.. مأكلتش في الخطوبة خوفت أوقع على نفسي وأنا باكل قدام الناس."
تألمت ماجدة على شقيقتها وقد ارتدت بلوزتها سريعاً:
"حاضر يا حبيبتي تعالي هجيبلك من التلاجة وأكلك كمان."
هتفت عبارتها بأرتباك، ومسكت يدها تخرجها من غرفتها.
وعادت للجالس على فراشها متكئاً بأستمتاع وأخرج سيجارته ليُدخن:
"إنتي بتعمل إيه يلا امشي من هنا بدل ما تاخد بالها..."
وتابعت بأرتباح:
"الحمد لله إنها ملاحظتش حاجة."
لترتسم السخرية على شفتي سالم:
"تشوف إيه؟ أختك عامية... يلا روحي حطيلها الأكل وتعالى عشان نكمل."
ألقى عبارته وهو يرمقها بنظرات خبيثة، ولكنها تمالكت حالها سريعاً:
"لا يا سالم أنا مش هعمل كده تاني... لما نتجوز... حرام."
أستاء سالم منها وأخذ يهندم من أزرار قميصه ونهض من فوق الفراش ومال برأسه نحوها:
"حرام؟ بكرة إنتي اللي تطلبي مني كده يا بتاعة الحرام والحلال."
وانصرف بهدوء.
فتعلقت عيناه بـ مها:
"حلوة بس الحلو مبيكملش."
***
وقفت تتأمل الحفل الصاخب الذي دعتها إليه سماح كي تريها بعض من مظاهر العالم الخارجي.
ليلة رائعة بكل ما فيها، ورغم الانبهار الذي ظهر في عينيها وهي تُشاهد مظاهر الحفل، إلا أنها لم تشعر أنها ضمن هذا العالم، وأن الحياة ليست كما ترى الآن، إنما هذا مظهر من مظاهر الخدع.
كأس العصير المثلج ارتفع لشفتيها ترتشف منه بأستمتاع وتتابع بعينيها الحفل على بعد أمتار.
سماح وزميلها بالجريدة يتنقلون بين رواد الحفل يلتقطون الصور والأخبار الحصرية.
خطواتها تعثرت قليلاً لتنحني نحو حذائها تحكم ربطه جيداً:
"إنتي بتعملي إيه هنا؟"
صوته جعل ملامحها تتجمد.
رفعت عيناها تتمنى أن لا يكون هو، ولكن سوء حظها معه يجمعها به في أوقات عجيبة:
"حمزة بيه."
وأدركت وضعها سريعاً لتعتدل في وقفتها:
"أنا.. أصل..."
كنت.
فأقترب منها متفحصاً هيئتها المُرتبكه:
"إنتي إيه..؟"
ثم أردف وهو يرمقها ساخراً:
"حتى مش عارفة تجمعي كلمتين على بعض."
تُهكمه جعلها تشيح عيناها عنه سريعاً قبل أن تصرخ به، ولكنها للحظة فكرت في وظيفتها ولم تجد إلا الصمت:
"ساعات بحس إنك خرسا."
فهتفت حانقة:
"بس أنا مش خرسا وبتكلم عادي."
فضحك حمزة مستمتعاً بزعرها منه:
"لا كده عرفنا إن ليكي صوت."
وتركها وانصرف دون كلمة أخرى... لتتعلق عيناها به وهي تستعجب من بغضه العجيب لها.
"ياقوت، إنتي مالك واقفة كده ليه.. ومين اللي كان واقف معاكي ده؟"
فالتفت نحو سماح وكأنها وجدت نجدتها كي تغادر الحفل:
"إنتي مقولتيش ليه إن حمزة الزهدي من ضيوف الحفلة؟"
فأبتسمت سماح وهي تقترب منها وضحكت مازحة:
"ما لازم تتوقعي حضوره، هو مش من صفوة المجتمع ولا إيه؟"
وأردفت بجوع وهي تتحسس على معدتها:
"يلا عشان البوفيه اتفتح وده أحلى أكل يا بنتي... بدل أكل المعلبات والشارع اللي وجع بطننا."
فأرمقت سماح بأعين ضائقة:
"لا روحي انتي كلي وأنا هستناكي هنا... أكل المعلبات أحسن عندي من الأكل ده."
ولم تُجادلها سماح بقرارها، فانصرفت نحو الطعام الشهي مشيرة لها:
"استنيني هنا أوعي تتحركي."
***
تابع بعيناه مكان وقوفها بعيداً وابتعاد صديقتها عنها ثم اتجاهها نحو المكان المخصص للطعام وانهماكها في تذوق كل ما يقع تحت يدها... ارتسمت السخرية على شفتيه وحرك رأسه وقد عرف سبب قدومها الحفل.
***
ابتسم شريف وهو يجدها تجلس في مكانها وترجل من سيارته وقراره أن اليوم سيعتذر لها عن وقاحته فيما مضى.
وبخطوات معدودة كان يقف بجانب مقعدها ثم جلس جانبها:
"إنتي مين؟"
وكادت أن تنهض من جانبه:
"اقعدي يا مها متخافيش."
لم تعرف صوته كما أن رائحة عطره لم تنساها:
"إنت عايز مني إيه... أنا قاعدة في حالي موقفتش قدام عربيتك وعطلتك."
فأبتسم وهو يسمع صوتها واعتدل في جلسته ليصبح وجهه مقابل لوجهها:
"أنا جاي أعتذر منك على أول لقاء بينا."
وتابع وهو يجدها صامتة وعيناها التي ضاع نورها تُقابل عيناه:
"أنا ملازم أول شريف نور الدين.. عرفتي اسمي وشغلي أه عشان متخافيش مني."
فدارت بعينيها بعيداً عنه:
"أنا مش خايفة منك... ممكن تقوم بقى من جانبي."
فأرتسمت ابتسامة صادقة على شفتيه:
"ولو مقومتش؟"
فنهضت وهي تسند يدها على ظهر المقعد الخشبي:
"هقوم أنا."
فنهض شريف وهو يعتذر:
"خلاص تعالي اقعدي مكانك... أنا كنت جاي أعتذر منك وماشي."
ثم تابع وهو يرمقها بابتسامة ذات مغزى:
"مع إني كنت جايبلك حاجة وقعت منك يوم ما وقعتي وأختك أخدتها."
فتقف في مكانها تمد يدها نحوه:
"إنت لقيت الآلة بتاعتي؟"
رأي اللهفة في عينيها.
فأعطاها لها متعجباً فهو يعلم أنها نوع من أنواع الآلات الموسيقية القديمة:
"بتعرفي تعزفي عليها؟"
فعادت تجلس على المقعد وبدأت تعزف وكأنها وجدت نفسها معها، ومع كل لحن يخرج من بين شفتيها كان يغمض عيناه مستمتعاً.
***
وقفت خلفه تحتضنه من خصره:
"الوقت بدأ يمضي يا مراد."
كان يعرف مغزى سؤالها.. فرفر أنفاسه بقوة من المواجهة الحقيقية التي سيواجه بها والده... فوالده طلب ابن عمه إليه وأصبح أمر الخطبة علانياً، حتى حمزة لم يستطع مساعدته بعد عرض فؤاد على شقيقه الوحيد أمر خطبة ابنتها.
هناء اسمها بات في الأيام الأخيرة يقتحم مخيلته ببغض ولا يعلم السبب، يراها المذنبة فيما وصل إليه.
وعندما شعر بلمسات جاكي العابثة على صدره من فتحتي قميصه، أغمض عيناه بقوة لعله يطرد أفكاره.
وألتف نحوه مبتسماً:
"جاكي، إنتي مراتي دلوقتي وجوازنا مش سر هخاف منه... هننزل مصر سوا والكل هيعرف إنك مراتي."
فتسعت ابتسامتها سعادة وألقت نفسها بين ذراعيه تخبره بحقيقة مشاعرها نحوه:
"أنا أحبك يا مراد ولم أحب أن أكون مجرد رفيقة، أردت أن أكون امرأتك... أنا في غاية السعادة الآن حبيبي."
وابعدت عنه قليلاً وقبلة طويلة راغبة وضعتها على شفتيه.
لم يشعر بها لا بمذاق الحلوى الذي كان يسمع عنه ولا أنفاسه كانت تلهث من المشاعر... فكل مشاعره تلخصت في ليلتنا فقط منذ زواجهم.
لحظتها شغفه بها انتهى وكأن إعجابه بها لم يكن إلا فتنة ورغبة.
***
أخفضت عيناها بحرج وهي تتناول من الطعام الشهي.
العزيمة لم تأت لها بالمقصد، ولكن مهاتفة نادية للسيدة سميرة وعزيمتها لها في وجودها جعل نادية تُخبر سميرة أن تجلبها معها.
وانتهى العشاء الهادئ.
فأخذت نادية سميرة جانباً يحتسون القهوة معاً.
ونظرت لياقوت التي جلست تضم يداها بحرج وتخفض عيناها:
"تقى حبيبتي، سيبي التليفون شوية واتكلمي مع ياقوت... أنا وطنط سميرة هنقعد مع بعض نتكلم شوية."
واقتربت من ابنتها تُقبل وجنتها بحب، فأبتسمت تقي برقة لوالدتها:
"حاضر يا ماما."
انجذبت عين ياقوت إليهم ولمعت عيناها وهي تتخيل نفسها مع والدتها في مشهد هكذا.
لتنتبه لصوت تقي بعدما انصرفت نادية نحو سميرة:
"إحنا شوفنا بعض كتير بس متعرفناش ولا مرة على بعض."
فأبتسمت لها ياقوت وقد شعرت بلطافتها.
وقد ظنت أنها لا تحب الحديث معها:
"أنا عارفة عنك حاجات كتير من هناء."
فأقتربت منها تقي بحماس:
"هناء بقى حكتلك إيه عني؟ قوليلي وأنا هقولك هي حكتلي إيه كمان."
ضحكت ياقوت على حديثها كما ضحكت تقي:
"هتحسي إني طفولية شوية بس أنا مش كده إطلاقاً."
وعادت ضحكتهم تتعالى ثانية.
وفي نفس اللحظة كان يدلف فؤاد المنزل وخلفه حمزة:
"أختك النهاردة مش هتصدق إني جبتك معايا."
فنهضت تقي على الفور نحو والدها تتعلق بعنقه، ثم اتجهت لخالها تحتضنه وتقبله:
"خالو وحشتني."
فضمها حمزة إليه، ثم انتبه لياقوت التي اقترب منها فؤاد مرحباً بها، فهو يعلم بهويتها وصداقتها من ابنة شقيقه:
"أهلاً يا بنتي."
ونظر فؤاد نحو حمزة:
"أكيد عارف ياقوت يا حمزة... موظفة عندكوا."
وأردف مبتسماً:
"موصيك عليها بقى."
فضاقت عين حمزة ورمقها ببطء... فأشاحت عيناها عنه.
لتأتي نادية بلهفة نحو شقيقها:
"حبيبي وحشتني... عاش من شافك."
فحضرن شقيقته وهمس بأذنها وقد ضغط على شفتيه حانقاً:
"ليلتك سودة يا نادية."
فابتعدت عنه نادية بارتباك وأدركت أنه عرف مخططها مع سيلين:
"تعالى أعرفك على سميرة صديقتي."
فرحب حمزة بـ سميرة متجاوزاً شقيقته تلك اللحظة، ثم أشارت نادية نحو ياقوت التي وقف فؤاد يُحادثها قليلاً:
"تعالي يا ياقوت أوصيك أعرفك على حمزة أخويا صاحب الشركة اللي إنتي شغالة فيها."
أرادت نادية أن تلطف الجو بأي شكل.
وانصرف فؤاد مستأذناً منهم كي يبدل ملابسه، واتبعت تقي والدها كي تخبره برحلتها الجامعية مع زملائها.
فتقدمت ياقوت منهم بارتباك من نظرات حمزة، فأومأ برأسه قائلاً بلامبالاة:
"مش دي سكرتيرة شهاب؟"
شعرت أنها يقصد تقليلها، فضمت نادية ياقوت إليها:
"مردتش أطلب منك إنت تعينها.. أصل عارفاك."
فحدق بها حمزة وقد وقفت تتلاعب بيدها:
"كويس إنك عارفاني إني مبوظفش أي حد عندي غير مؤهل."
شحب وجهها من عبارته العدوانية... ورفعت عيناها نحوه فوجدته يُطالعها بنظرات غامضة مستمتعاً.
رواية للقدر حكاية الفصل العاشر 10 - بقلم سهام صادق
جلست بهدوء تستمع لتوبيخه بشأن فعلتها واتفاقها مع سيلين.
أقترب منها، وعندما تعلقت عيناه بملامح وجهها الهادئة، قال غاضباً:
"مش هتردي لأنك عارفة نفسك غلطانة يا نادية."
ألتقطت نادية هاتفها تعبث به قليلاً حتى تجعله يخرج كل ما بجعبته نحوها دون جدال تعرف نهايته.
"نادية، أنا مش بكلمك، ما ترديش."
فطالعت نادية نادية بهدوء جعل صدره يضيق منها.
"انت ليه جرحت البنت كده يا حمزة؟ مهما كان، كانت ضيفة عندي."
لتتسع عيناه ثم ضرب على فخذيه من تغيرها لموضوعهما.
"بنت مين دي؟ أنا بتكلم في إيه دلوقتي؟ موضوعنا، تدخلك في حياتي يا نادية، وبلاش تلعبي من ورايا."
وأبتسمت وكأنها تلاعبه.
"ياقوت يا حمزة، إنت لحقت تنساها؟"
فأنتفض من جلسته ورمقه بغيظ قبل أن يُغادر.
"أنا ماشي قبل ما أتشل بسببك."
وأردف بمقت يُخرج فيه حنقه منها:
"ياقوت دي مرفوضة عشان ترتاح."
وغادر.
لتنفجر نادية ضاحكة.
فوقف فؤاد خلفها يعقد ساعديه بقله حيلة من أفعالها.
"أنا لو مكانه، أتبرى منك يا نادية."
لتلتف نحوه زوجها بوداعة.
"كده يا فؤاد يا حبيبي."
فأقترب منها فؤاد مبتسماً.
"عمرك ما هتتغيري، بس هفضل أحبك لآخر يوم في عمري."
وأنتهت عبارته وهو يمسك يداها يطبع بقبلات متفرقة عليهما. فمعها ينسى فؤاد أفكاره المعقدة وكيانه.
***
أخفضت عيناها تقاوم ذرف دموعها، تتذكر حديثه ونظراته المتهكمة نحوها.
شهقات متتالية خرجت من بين شفتيها.
ثم تكورت فوق الفراش تضم جسدها.
بكت. بكاء متواصل بكته. مجبرة هي على هذا العالم بكل قسوته، ولكنها ضعيفة، هشة.
دوماً حياتها كانت قائمة على "افعلي، اصمتي، ارضي بما نعطيه لكِ"، فهل ستتدللي؟
كانت تقبل كل شيء بأبتسامة صادقة. نعم، هي كلمتها الوحيدة.
وشعرت بقدوم سماح غرفتها.
لتقترب منها سماح ثم جثت على ركبتيها أمامها تمسح دموعها.
"أبويا كان تاجر مواشي كبير. كنت عايشة زي البرنسيسات. مخلفش غيري. حياتي كانت تتلخص في إني بنت دلوعة، أهلها هما حياتها وبس. كانوا فاكرين لما يقفلوا عليا بيحافظوا عليا من الدنيا، لكن الحقيقة كانت غير كده. كانوا بيطروا عضمي للدنيا عشان يوم ما تضربني صح، هتكسر على طول. مات الحاج حسين."
وأبتسمت بمرارة وهي تتذكر والدها.
"يوم موته، الدنيا ورتني أنا وأمي الحياة صح. عمي سرق فلوسنا وبقينا عايشين على الحسنة اللي بيرميها لينا كل شهر. الأمانة اللي وصاه عليها أخوه نساها والطمع عماه. أمي مكملتش بعد موت أبويا كتير. ماتت وسبتني. ماتت قدام عيني وأنا بترجى عمي يجبلها الدوا. علبة دوا يا ياقوت. مقدرتش أجيبها لأمي."
وبكت بمرارة وهي تتذكر تلك اللحظة وكأنها كالأمس.
"مأخدتش حاجة من الضعف والسكوت. محسيتش بنفسي غير وأنا بخنقه بإيدي."
وعندما ظهر التساؤل على وجه ياقوت التي انتفضت من رقدتها، فضحكت سماح بمرارة.
"متخافيش، ممُتتش. مقدرتش أعملها."
وفي ثواني معدودة كانت سماح تمسح دموعها.
"لازم تقوي يا ياقوت. لو عشتي في الحياة بدور الضحية، هتفضلي طول عمرك ضحية. الحياة مليانة حكايات ومعارك. ابكي بين إيدينا ربنا وبس. اطّلعي للناس قوية، دافعي عن نفسك."
لم تعلم سماح لماذا أخبرتها بحكايتها اليوم، ولكن داخلها شعرت أنها بحاجة أن تُخبر أحداً بحقيقتها وحياتها التي هربت منها يوماً.
"إنتي طيبة أوي يا سماح."
***
جلس في غرفة مكتبه شارداً. رغم كل ما وصل إليه من نجاح، إلا أنه يشعر أن بداخله شيئاً قد نقص. مازال مذاق الظلم والخذلان اللذان عاشهم قديماً كالعلقم في حلقه.
وقعت عيناه على إطار الصورة الموضوعة على مكتبه، تجمعه بسوسن وشريف ومريم وندى، والابتسامة مرسومة على شفتيهم.
أبتسم من قلبه، ثم رفع الصورة ونظر لملامح سوسن.
"وحشتيني أوي يا سوسن. وجودك كان فارق في حياتي."
ولم يدري لما ملامح ياقوت ظهرت أمام عينيه.
لينفض رأسه سريعاً، ناهضاً من فوق مقعده، مُغادراً غرفة مكتبه المظلمة.
***
عاد شهاب ليلاً بعد سهرة ممتعة قضاها في أحد الملاهي. هو لا يشرب الخمر، ولكنه يعشق تلك الأجواء. حتى علاقته بالنساء أصبحت لا تتخطى الضحكات وعبارات الغزل.
ووقعت عيناه عليها، فوجدها جالسة في حديقة الفيلا تضم جسدها بشال صوفي خفيف، شاردة.
أقترب منها ببطء يشعر بالقلق.
"مالك يا ندي؟"
فأنتفضت ندي على صوته ومسحت دموع عيناها، ثم ألتفت نحوه وملامحها يظهر عليها الألم.
"مالي يا شهاب؟ لا، أنا مافيش حاجة."
شعر بمقصد كلامها فتقدم منها خطوتان.
"ندي، فيكي إيه؟"
دموعها عادت تتساقط وهي تُطالع ملامحه.
"شهاب القديم رجع من تاني."
أغمض عيناه بقوة. شعوره بعدم قيمتها يجعله لا يراها. أصبح مقتنعاً أن حبها سيغفر له كل شيء.
"ندي، بلاش لف ودوران. قوليلي اللي مزعلك، أو اطلعي نامي. الجو برد عليكِ."
تعلقة عيناها به، وكادت أن تطلب منه طلاقها وعدم أكتمال زواجهم، ولكنها لم تجد الشجاعة الكافية لتفعلها.
يداه جذبتها من رقدتها.
لتجول عيناه على ملامحها.
"هننزل امتى نختار فستان الفرح؟ ولا أجيبهولك من باريس؟"
***
نظرت هناء لرسالتها التي تم فتحها. سألته عن حاله ومتى سيعود. ولكنه قرأها دون أن يجيب. لم يقرأها هو، إنما جاكي هي من طالعتها ثم حذفتها.
تعلم برغبة والد مراد في تزويجه منها، حتى أنها تخشى أن يصر على الأمر ويزوجها له.
والفكرة الأصعب أن يرغمه على طلاقها.
أفكار كانت تقتحم عقلها وتخشاها. ولكن الحل الأمثل الذي قررت فعله منذ أول ليلة لهم معاً، أن لا تتناول حبوب منع الحمل التي اتفقوا عليها. فهو لا يريد أطفالاً الآن.
وافقته، ولكنها داخلها لم تقتنع.
وجدته يخرج من المرحاض يلف جسده بمنشفة ويفرك شعره بمنشفة أخرى.
فأقتربت منه تقبله.
تعجب من فعلتها متسائلاً:
"ما الأمر جاكي؟"
توقعت سؤاله، فعانقته بدلال.
"اشتقت إليك مراد."
أرتفع أحد حاجبيه من عبث الكلمة وهتف بوقاحة:
"إنتي كنتي لسه في حضني، لحقت أوحشِك."
تمايلت أمامه بغنج، وقبل أن ترفع جسدها نحوه وتقبله، صدح رنين هاتفه.
لينظر لرقم المتصل، ثم نظر إليها مشيراً لها أن لا تتحدث وتلتزم الصمت.
"دي نادية."
ولم يكن اتصال نادية إلا اطمئناناً عليه.
***
رفعت ياقوت عيناها نحو ندي التي لم تنساها منذ أول لقاء كان سيئاً بينهم.
رمقتها ندي بنظرة ملتوية وسألتها:
"شهاب موجود؟"
فنهضت ياقوت من فوق مقعدها ورسمت ابتسامة مرحبة.
"لا يا فندم. تقدري تتفضلي في المكتب تستني حضرته."
فأقتربت منها ندي بخطواتها تتفحص هيئتها البسيطة. نفس الزي الذي رأتها به كانت ترتديه اليوم.
"مش محتاجة آخد إذنك. خليكي في شغلك."
وأكملت ندي خطواتها نحو غرفة مكتبه، لتزفر أنفاسها بحنق من غيرتها التي تصبها على كل من يقترب من حلمها، ولم يكن الحلم إلا شهاب الذي وجدت نفسها تحبه، بل تعشقه.
ومر الوقت وهي تجلس تنتظره ليذهبوا معاً لاختيار ثوب الزفاف. ووجدت نفسها تتذكر يوم سقوط سوسن أمام عيناها ذلك اليوم، لتتبدل فرحتها لحزن لم ينطفئ.
طرقات خافتة طرقتها ياقوت، ثم دلفت لها بكأس عصير طازج.
"أنا جبتلك عصير."
وفزعت من مظهر ندي وبكائها، فأقتربت منها.
"ندي هانم، مالك؟ إنتي تعبانة؟"
أغمضت ندي عيناها بقوة صارخة بها.
"إنتي إيه اللي دخلك المكتب؟"
ونظرت للعصير شزراً.
"أنا طلبت منك حاجة."
أوجعتها عباراتها، ولكنها تذكرت كلام سماح، فأبتسمت وهي تترك كأس العصير.
"لا، مطلبتيش مني. على العموم، أنا جبته كحجة عشان أتكلم معاكي وأوضح سوء التفاهم."
تعجبت ندي من صراحتها، فتابعت ياقوت:
"باشمهندس شهاب يومها كان بيراضيني بكلمتين بسبب غضب حمزة بيه عليا من غير ذنب."
كانت عيناها مرفوعة لأول مرة بثقة، ورغم أنها ثقة واهية، إلا أنها أكملت.
"حضرتك عايزة تصدقيني، ده يرجعلك. مش عايزة برضوه، يرجعلك يا فندم."
لم تكن ندي شخصية ذات طبع قاسٍ. وقبل أن تغادر ياقوت غرفة المكتب هاربة من صراخ ندي الذي توقعته، ولكن حدث ما لم تتوقعه.
"استني عندك يا..."
فألتفت نحوها ياقوت تُطالعها مُندهشة، ولكن تجاوزت دهشتها سريعاً بأبتسامة ودودة.
"ياقوت..."
***
ضحكت سماح بأستمتاع وهي تمضغ قطع البسكوت بعد أن غمرتها بكأس الحليب المخلوط بالشاي.
"مش معقول يا ياقوت، قولتلها كده."
فشردت ياقوت في أحداث اليوم.
"محبتش تاخد عني فكرة مش تمام يا سماح."
فتعالت ضحكات سماح.
"إنتي عفوية وطيبة يا ياقوت. أتمنى تلاقي الإنسان اللي يقدر طيبتك."
كتبت ياقوت بمرارة متذكرة حبيبها القديم الذي لم ينظر إليها، بل نظر إلى صديقتها. وانتبهت على حالها.
"هو أنا اللي عملته ده صح يا سماح؟"
تنهدت سماح بفتور وربتت على ذراعها بحنو.
"بصي يا ياقوت، مش كل الناس ردود أفعالها زي ندي. ندي باين عليها لطيفة وسوء الفهم كان غيره مش أكتر."
حركت رأسها مؤكدة.
"آه، ندي فعلاً لطيفة ورقيقة أوي. دي عزمتني على فرح."
نظرات السعادة التي احتلت ملامح ياقوت من أبسط شيء قد قُدم إليها، جعل سماح تُدرك أن ياقوت مازالت تحتاج إلى مواجهات عدة مع الحياة. طبيعتها العفوية لن تصلح مع هذا الزمن. أرادتها قوية، عفيفة النفس مثلما تكون.
"بقيتوا صحاب يعني؟ طب وأنا محدش هيعزمني؟"
لتصدح ضحكات ياقوت من عبس سماح المصطنع.
"لا، هبقى آخدك معايا عشان معرفش السكة."
فمسحت سماح فمها بكفها بعدما ابتلعت كأس المشروب خاصتها وحدقت بها بتلاعب.
"يعني وجودي معاكي أوريكي السكة بس؟"
وأنتهى الحوار بضحكات الصديقتين. إلى أن تثاءبت ياقوت ونهضت من فوق فراش سماح.
"كفاية سهر لحد كده. هرجع على أوضتي."
أنصرفت ياقوت. لتتسطح سماح على فراشها تُفكر في مهمتها الجديدة التي أوكلتها جريدتها. تلك المهمة، ولن تُساعدها بها إلا ياقوت. ولكنها لم تستطع اليوم إخبارها، فهي أكثر دراية باضطهاد حمزة الزهدي لها، فلا بأس أن تنتظر قليلاً.
***
وضعت دفترها الذي تدون فيه ملتزماتها من راتبها. الراتب الذي اقترب موعده، ويجب عليها تدبير أمرها به وإرسال المال لزوجة والدها كي تساعد في مصاريف أشقائها وتدفع ثمن حريتها من قيود زوجة أبيها وسم لسانها.
ووضعت رأسها على الوسادة وهي تحسب المال الذي سيكفي مأكلها وسكنها ورغبتها في شراء ثوب جديد بعيداً عن أثوابها التي هلكت.
دون إرادة منها، أصبحت تنظر للفتيات بالشركة التي تعمل بها، ترى أناقتهم فتتمنى لو ارتدت مثلهم أثواباً جديدة راقية، ولكن محتشمة كما اعتادت.
فستان جديد. فلوس للأكل. فلوس للمسكن. فلوس عشان جهاز ياسمين.
هكذا غفت ياقوت. وانتقلت لعالم أحلامها الذي لم ترَ فيه إلا صراخ حمزة بها، وأصبح عقلها الباطن يصور لها رهبتها منه حتى في النوم.
***
أقترب من شقيقه بعدما أنصدم من رده.
"جوازكم بعد أسبوع، ولسا محبتهاش يا شهاب؟"
وأردف صارخاً به:
"إنت إيه يا أخي؟ أول مرة أشوفك أناني كده."
كان كالضائع وهو يستمع إلى شقيقه. فحركه حمزة بذراعيه بمقت.
"ندي أمانة عندي. عارف يعني إيه؟"
ضاق صدر شهاب من اللوم الذي يتلقاه دوماً منه ومن شقيقته نادية، التي هي أساس هذه الزيجة. فلولا استماعه لها، ما استغل حب ندي إليه. فقد أصبح مدمناً لحبها وضعفها أمامه، ولكنه لم يحبها. فالحب جربه قديماً وقد فشل فيه. وحياة اللهو والعبث هي من جاءت بالنفع، وأصبح معشوق النساء.
أفكاره كانت تقوده وهو لا يشعر أنه سيكون في النهاية هو الأغبي والأحمق.
فاق على صراخ حمزة.
"إنت يا بشمهندس، أنا واقف بكلم مين؟"
فدفعه شهاب عنه وهو يهوي بجسده على المقعد الذي خلفه.
"كفاية يا شهاب. أنا مش عيل صغير قدامك. جوازي من ندى هيتبني على الاحترام والتقدير، وده كفاية أوي."
أرتسم الجمود على ملامح حمزة ورمقه ساخراً.
"كمل يا شهاب، وهيتَبنى على حبها ليك."
للحظة، أدرك صدق كلمات شقيقه. ولكن نهض بجدية كي ينهي ذلك الحديث.
"حمزة، أنا مقتنع بـ ندي زوجة. وياريت ننهي حوارنا لحد كده. وياسيّدي، أمانتك محفوظة، ارتحت؟"
لم ينتبهوا لتلك التي وقفت تستمع لحديثهم ودموعها تتساقط بألم على حبها الذي لم تجد له مقابل.
***
جلس جانبها يخشى أن تنفره، ولكنها ابتسمت.
"إنت جاي ترجعلي إيه تاني؟"
ضحك على سؤالها.
"الحقيقة، أنا جاي معجب."
قالها صراحة، ولكن عندما وجدها أشاحت بوجهها عنه، أبَدل حديثه.
"بهزر معاكي. الحقيقة، أنا لقيت نفسي سايب شغلي وجاي على هنا."
ألتفت نحوه وهي تتبع صوته مندهشة.
"ممكن تعتبريني عابر سبيل يا..."
تعجبت من معرفته باسمها.
"إنت عرفت اسمي منين؟"
ليضحك على سؤالها.
"إنتي ناسيه إني ظابط."
وأردف ممازحاً وهو يتأمل ملامحها يتمنى لمسها بأنامله.
"عرفت اسمك يوم ما أختك أخدتك ونادت عليكي."
كلمة وراء كلمة، سار معها حديثهم، وكان كعابر السبيل معها.
***
لاحت له بيدها قبل أن تختفي من صالة المطار نحو الطائرة المتجهة لسويسرا. تم استدعاؤها في عملها، فأجازتها الممتدة قد أنتهت. وقد قررت أن تُقدم استقالتها وتعود إليه، ثم يعودوا معاً.
ليتوقف مراد للحظات ساكن في مكانه، وانسحب مغادراً من المطار.
ليعلو رنين هاتفه، فنظر لرقم المتصل ثم أجاب.
"إنت مش عريس يابني، والنهاردة فرحك."
أجابه شهاب ضاحكاً وهو ينظر لهيئته بالمرآة.
"المفروض كنت تبقى موجود، ده أنا في مقام خالك حتى."
***
وقفت أمام القاعة الفخمة مع السيدة سميرة التي اتجهت على الفور نحو إحداهن، ويبدو أنها تعرفها. ندي قد داعبتها بدعوة رسمية، تعجبت من الأمر وظنت أنها كانت مجرد كلمة، ولكن دعوة العرس بعثتها لها مع شهاب.
كانت القاعة راقية ومبهرة، لأول مرة ترى مثلها.
"ياقوت..."
هتفت بها هناء، فوجودها بالعرس شيء محسوم، فنادية زوجة عمها.
أحتضنوا بعضهم بشوق.
لتبعد هناء عنها ونظرت له بتدقيق وتفحص.
"إيه الشياكة دي؟ لا، القاهرة غيرتك."
رغم بساطة الثوب ولونه الهادئ وعدم وضع الزينة على ملامحها، إلا أنها شعرت بالحرج. سماح هي من أعطتها إياه وأصرت على ارتدائه.
"دي سماح اللي خلتني ألبسه."
طالعتها هناء بسعادة وهي ترى جمالها الذي أظهره الثوب.
"بس إنتي طالعة قمر يا ياقوت."
ثم أردفت بعدما غمزتها بنظرة لعوبة.
"كنتي مخبية عنا الجمال ده كله فين؟"
***
استمعت إلى حديث خطيب شقيقتها وقد بدأ يرسم عليهم محبته. خطبة اقترحها عليه أحد أصدقائه. عروس تخطت منتصف الثلاثون، لديها وظيفة وشقة، وشقيقة كفيفة. من السهل التخلص منها إذا استولى على قلب الشقيقة الكبرى.
وماجدة كانت امرأة مشتاقة لمشاعر النساء التي تسمع عنها من صديقاتها المتزوجات. ورجل خبير مثل سالم كان يعرف من أين يصل إليها ويخضعها له. كلام معسول، مداعبات ستتمنع عنها في البداية، ولكنها ستريد ولن تمانع بعد التجربة.
وها هو جالس يُحادث مها بلطف، ويداه تجول على فخذ ماجدة بحرية، والأخرى تجلس جانبه تعض على شفتيها مستمتعة.
"بس إنتي صوتك حلو يا مها. ما تغني لينا أغنية كده تاني لام كلثوم."
أبتسمت مها بسعادة لإطراء خطيب شقيقتها. لتتمالك ماجدة حالها وهتفت فخورة وسعيدة بشقيقتها.
"مها جميلة وشاطرة في كل حاجة."
العلاقة بين الشقيقتين كانت قوية. ليُطالع سالم سعادة مها وعيناها التي لمعت من مديح شقيقتها. فأرتسم المكر على شفتيه وتمتم وهو يقترب من ماجدة أكثر.
"مها، أنا دلوقتي زي أخوكي. أوعي تتكسفي مني. أي حاجة عايزاها، اطلبيها."
***
جلست على أحد الطاولات البعيدة بعض الشئ تتأمل العرس. وهناء صديقتها التي اندمجت مع تقي ابن عمها وفتاة أخرى عرفت اسمها من هناء ولم تكن الفتاة إلا مريم، التي كانت أغلب الوقت متعلقة بذراع حمزة أو شقيقها.
ونادية، المرأة الجميلة تسير بين الحضور.
ترابط جميل كانت تراه.
لم ترَ السيدة سلوى اليوم لعدم مجيئها من البلدة.
ودارت عيناها بين الضيوف، ثم عادت تبتسم وهي ترى هناء تراقص ندي التي كانت تتحمل تلك الليلة بصعوبة بعد الحديث الذي سمعته بين شهاب وحمزة.
اهتزاز هاتفها أخرجها من تأملها، فنظرت لرقم والدها لتخرج من الحفل بعيداً عن أصوات الموسيقى.
أتاها صوت زوجة أبيها التي تسألت:
"إيه الدوشة دي؟ إنتي فين؟"
لم تمهلها الرد لتردف سناء حاقدة.
"إنتي رايحة تشتغلي ولا رايحة تدوري على حل لشعرك."
بهتت ملامحها من الكلمات. لو كانت تعلم أن زوجة أبيها هي المتصلة، ما أجابت عليها.
"بابا عارف إني في فرح. خير يا مرات أبويا."
أحتدت ملامح سناء من الرد، وأبدلت الحديث بمهارة امرأة ماكرة.
"أبوكي عيان بس مش راضي يقولك ومحتاجين فلوس عشان التحاليل وكشف الدكتورة."
وتابعت وهي تلوي شفتيها بأستنكار.
"هتبعتي الفلوس امتى؟ ولا إحنا بعتينك تشتغلي من غير فايدة؟ لو مش هتيجي من الشغلانة دي فايدة، أقول لأبوكي وترجعي البلد."
تجمدت يد ياقوت على هاتفها وقد وصلتها رسالة زوجة أبيها. أما الاستجابة لتدبير المال، أو بث السموم في أذن والدها لعودتها وترك العمل والمشوار الذي بدأته.
"فاضل لسه أسبوع على المرتب. هجيب فلوس منين أنا؟ أول ما آخد مرتبي هبعت الفلوس علطول."
لم يعجب سناء الحديث لتهتف بأنفعال قبل أن تغلق الهاتف.
"اتصرفي، ولا أبوكي يضيع مننا."
كانت آخر كلمة سمعتها، ليصلها بعدها انغلاق الخط. وصوت لم تتوقع سماعه.
"ابقى عدي على الحسابات بكرة وخدي الفلوس اللي هيحتاجها علاج والدك."
عينيها اتسعت بصدمة وألتفت بجسدها. لتجده خلفها يمسك هاتفه وكأنه أنهى مكالمته للتو. وقبل أن تهتف بشيء، انصرف من أمامها بثقته المعهودة وهيبته.
وخطت بأقدام سريعة تتبعه واسمه يخرج من بين شفتيها بهتاف خافت.
"حمزة بيه..."