الفصل 28 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
28
كلمة
3,967
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

جلست على فراشها بأعين شارده. إلى الآن صدى عبارته تخترق قلبها. اليوم علمت أبشع حقيقة لم تتخيلها. تحجرت دموعها في مقلتيها، ولأول مرة تأبى الهطول. حلمها سرقته أخرى من قبلها، وسرقت ما تمنته لسنوات، ولم يكن لها قلبه الذي تمنت أن يُحبها ولو قليلاً. أغمضت عيناها بقوة، وصَدَى كلماته لا يتوقف في اقتحام أذنيها. "مراتي ياهناء... اتجوزتها قبل ما أتجوز." من قال يوماً أن الكلمة تقتل؟

لقد قُتل هو الآخر من قبل آلاف المرات، وها هي تقتلها حقيقة أرادت معرفتها. وسقطت من برج أحلامها العالي. شعرت بوجوده من صوت أنفاسه الهادرة. لم تصرخ كما ظن، إنما انسحبت تُداري كسرتها بعيداً عنه. "هناء انتي كويسة؟ سؤاله كان ليس له جواب. لو أجابت لصرخت حتى تقطعت أنفاسها. "هناء ردي عليا.. أنا مفكرتش إن ديه هتكون ردة فعلك." وا اقترب منها، يجلس أمامها فوق الفراش، ينظر لعينيها الثابتة نحو نقطة ما. "هناء." طالعته بقهر.

لقد أعطاها اهتماماً أخيراً. وأي اهتمام تلقته منه؟ اهتمام المواساة. كان متزوجاً من غيرها، ولم يكن يُريدها. خرج صوتها أخيراً. "أنا كويسة ياابن عمي، مجرد بس سكينة اتغرست في قلبي." "بس هو يستاهل عشان يبني حياته على أحلامه." وأشارت نحو قلبها تضرب عليه بضعف. "خليه يتوجع وينزف عشان يفوق... كان محتاج الصدمة ديه لأنه مكنش مصدق... كان أهبل وغبي." ولم تعد تتحمل كبت دموعها، فحررتها بضعف. لينظر إليها بحزن، وصرخت بوجع.

"ياريتني متمنيتك... ياريتني سمعت كلام عقلي." ألمه كسرتها. لم يكن يظن أنه سيشفق عليها يوماً. تنهد وهو يلعن تلك اللحظة التي قلبت حياته، ولعن اللحظة التي جعلته يترك غربته ويعود لموطنه. "هناء أنا آسف.. انتي تستحقي الاعتذار." ضحكت وهي تسمع كلمته التي يراها كبيرة عليها. "آسف.. كتر خيرك ياابن عمي." تعمقت عيناه بها. كاد أن يُخبرها أنها هي من وضعت نفسها في حياته لو كانت رفضت خطبتهم من البداية.

لكن كل واحد منهم يعيش حياته سعيداً. "ممكن تخرج من الأوضة... محتاجة أقعد مع نفسي." نظر لها طويلاً. فأشاحت عيناها عنه، وتكورت بجسدها فوق الفراش الذي تغفو عليه كل يوم باكية منذ زواجهم. فلا بأس من ليلة أخرى ترثي فيها حاله. انهض من جانبها وطالعها ملياً، ثم غادر الغرفة عندما وجدها تعطيه ظهرها. وقف على الباب سانداً ظهره عليه بعد أن غادر غرفتها ليسمع صوت بكائها وآنينها. كتمت صوت صراخها أسفل وسادتها وهي تعض يدها.

نيران كانت تشتغل داخلها. لقد كسر حبها وأطفأ سعادتها. وفي النهاية اكتشفت أنه تزوجها من أجل والده. فعمها هو من أرادها، حتى أنه كان يعلم بزواج ابنه من قبل. قضمت شفتاها بقوة وجسدها أخذ يرتجف والوجع يسري في جسدها. *** وقفت ياقوت خلف باب الغرفة تستمع لصياح زوجة أبيها عندما علمت بخبر طلب زواج ابنة صباح كما تنعتها دوماً. "انت بتقول إيه يازيدان؟ مين ديه اللي تتجوز قبل بنتي وتاخد فلوس جهازها؟

أغمضت ياقوت عيناها ألماً، فهي كانت تنتظر والدها حتى تخبره أنها ليست موافقة على عرضه. ولكن كلمات زوجة أبيها كانت كالسم تسقط على مسمعها. "قوله معندناش بنات للجواز... إحنا حيلتنا إيه عشان نجهزها هي كمان." سمعت صراخ والدها بها لأول مرة لترتجف في وقفتها. "لمي لسانك ياولية... إيه بنت صباح ديه؟ ياقوت زي ياسمين عندي...

ولعلمك هتتجوز قبل ياسمين وهجهزها أحلى جهاز. أنا لسا عايش وماموتش مش عشان سيبك طحناها في شغل البيت وإنتي قاعدة متبغدده. وقول ياراجل سيبها مهما كان في مقام أمها، لكن لحد هنا ومسمعش صوتك." كتمت سناء حقدها ورسمت الوداعة فوق شفتيها. "نجوز ياسمين الأول وبعدين نشوف... لو عايز يشيلها كده يشيلها، آه نرتاح من الهم." تحركت ياقوت بصعوبة نحو الباب وفتحته تنظر إليهم.

فتعلقت عيناها بوالدها الذي جلس على أحد المقاعد وأرخى رأسه لأسفل يلتقط أنفاسه بصعوبة. رمقتها سناء بغل ثم سبحت أشقائها الصغار نحو غرفتها وصفعت الباب خلفها. "بابا أنا مش موافقة." رفع زيدان عيناه وقد قطب حاجبيه. "مش موافقة على العريس عشان الكلام اللي سمعتيه؟ لا يابنتي أبوكي قدها، صحيح أنا راجل على باب الله بس عمري ما أكسرك قدام حد." سقطت دموعها تلك المرة حباً، وركضت لاحتضانه. كلماته أحيتها وأزالت آلام سنين طويلة.

ربت زيدان على ظهرها بسعادة. "أنا فرحان أوي يابنتي... الراجل ماشاء الله باين عليه حاجة كبيرة زي ما عمك مهاب قالي... وأنا راجل ابن سوق ونظرتي في الناس متخيبش." ابتعدت ياقوت عنه كي تخبره أنها لا تريد. فقد طردها من العمل دون رحمة دون أن يسمع دفاعها عن نفسها. فهل سيكون زوجاً تأمن حياتها معه؟ لو يوماً نظرت إليه بأعجاب خالص، لكن بعد فعلته في مكتبه وطردها استحقرته ولم تعد تحمل له سوى النفور. "بابا أنا... لم تُكمل كلماتها.

فوجدت يده تمسح على وجهها بحنان. "الحمد لله ربنا استجاب لدعائي وهفرح بيكي قبل أختك الصغيرة وأطمن عليكي." أغمضت عيناها بقوة. وابتلعت كلماتها التي وقفت على طرفي شفتيها. وسمعته يهتف بسعادة. "أخيراً هسلمك لجوزك يا ياقوت." ودلفت شقيقتها الشقة بعدما عادت من الخارج. فتعلقت عيناهما بها. وقبل أن تسأل عن سبب هذا العناق. خرجت والدتها من الغرفة هاتفة. "كويس إنك جيتي من عند خالتك يا ياسمين...

تعالي شوفي أبوكي عايز يجوز ياقوت قبلك وتاخد فلوس جهازها." اتسعت ابتسامة ياسمين مما زاد سناء مقتً. وهتفت بسعادة حقيقية. "هي ديه الأخبار اللي تفرح... وماله ياماما أنا وياقوت واحد." وعانقتها ياسمين وهمست بأذنها. "أخيراً هتهربي من ماما وجالك الفرج يابنتي." ولم تعرف أتضحك على حديث شقيقتها أم تدمع عيناها. *** جمع شريف متعلقاته ثم أغلق حقيبة ثيابه ووضعها جانباً. فقد انتهى تدريبهم وقد حان وقت عودتهم.

وجد سيف يقف على أعتاب الغرفة يطوي ساعديه أمامه يرمقه بتفحص. "هتطلب إيد بنت سيادة اللواء؟ طالعت شريف بطرف عيناه ثم أخذ يعدل من هندام قميصه. نفى برأسه الأمر. فأقترب منه سيف وطالت نظراته نحوه. "لسه هتفكر ولا صرفت نظر خالص عن الحكاية ديه حالياً." ابتسم شريف وهو يُرتب خصلات شعره. "هتجوز مها ياسيف." تنهد بشوق. فسيجعل لقاءه بها مفاجأة. لن يهاتف شقيقتها حتى لا يُفسد مفاجأته. سيذهب لها بباقة أزهار وخاتم الخطبة.

رسم كل شيء بحب وندم على ما فكر به من قبل. لن يتخلى عنها مهما حدث. بعده عنها جعله يُدرك أنها لم تكن مجرد محطة عابرة، إنما جمعهم قدر سيربط أسمهم معاً. ربت سيف على كتفه مُبتسماً. "اذهب حيث يرتاح قلبك ياصديقي." وكانت لعبارته ألف معنى وحكاية. *** سمع ضحكتها المُجلجلة في أرجاء الغرفة وهي تُحادث إحدى المعلمات زميلتها بالمدرسة. "متفكرنيش يارفيف ده حتة موقف آه. لو شهاب عرف بيوقف." شهاب جامداً ينتظر سماع باقي المُكالمه.

"مامت الولد كانت عايزة تخطبني لأخوها... اتصدمت لما عرفت إني متجوزة." اتسعت عين شهاب بقوة وجذبها نحوه. فشهقت بصدمة وهي تراه أمامها. أنهت المُكالمه بخوف ونظرت إليه تبتلع ريقها. "انت هنا من امتى ياشهاب؟ رمقها شهاب وهو يقطب حاجبيه ساخراً. "من ساعة عرض الجواز اللي جالك من المدرسة يا أستاذة." وصرخ بوجهها، فأنتفضت فزعاً. "انت بتصرخ فيا كده ليه ياشهاب... موقف وعدي خلاص؟ ضغط على أكتافها حانقاً فتأوهت آلماً.

"موقف وعدي ياسلام... لا مش موقف وعدي يا ندي. إيه رأيك مافيش شغل تاني." لم تتملك نفسها عند تلك الجملة. فنفضت جسدها من حصاره. "أسيب الشغل عشان موقف زي ده... طب ياشهاب قرر براحتك وشوف مين هيقولك نعم وحاضر... ندي بتاعت زمان خلاص بح." تجمدت ملامحه ورفع كفه وكاد أن يصفعها، إلا أنه تمالك نفسه في آخر لحظة. غادر غرفتهما. فهوت بجسدها فوق الفراش تُحاسب نفسها على ما قالته. ***

دقت سماح كثيراً على هاتف ياقوت حتى شعرت باليأس وقد انتابها القلق عليها. كادت أن تدق على السيدة سميرة، إلا أنها وجدت رسالة من رقم لا تعرفه. ولم تكن قد رأت الرسالة رغم أنها بُعثت إليها. تعمقت عيناها بصورة ماهر وزوجته التي تعرف ملامحها. وقد كانوا مُتعانقين. نظرت إلى رسالتها المُصاحبة للصورة. "أنا وماهر رجعنا لبعض... مش هنولهولك." تجلجلت ضحكات سماح حتى فاضت عيناها بالدمع من الضحك. "سبحان الله طول عمره واطي...

مش عارفة إزاي أنا حبيته واتجوزته في يوم." *** مر الوقت على مغادرته. ساعة، صحبتها أخرى، إلى أربع ساعات وهي تنتظره. حتى جاء. وعندما وقعت عيناه عليها. "منمتيش ليه؟ اقتربت منه دون أن تنتظر كلمة أخرى وألقت نفسها في أحضانه. "متزعلش مني مكنش قصدي أعلى صوتي عليك." ورفعت عيناها نحوه ببرأة. ثم لثمت خده بقبلة رقيقة وابتسمت.

ضمها إليه وقد قضى على شيطانه الذي أخذ يخبره طيلة ساعات غضبه منها أنها تمردت عليه، أنها لن تكون ندي الفتاة التي أقنعه بها عقله حتى يتزوجها. وقد بات قلبه ملكاً لها، مع أنه مازال لا يُريد الاعتراف بذلك. يُخبره أن الحب ليس كلمة، إنما أشياء أخرى أكبر. ولكنه نسي أن عقول النساء أبسط من ذلك، وكلمة تزيل كل شيء. "خلاص ياندي مش زعلان." رفعت عيناها نحوه ثانية تمسح على وجهه. "بجد ولا هتنام زعلان مني؟

أزاح عيناه عنها حتى يُمثل غضبه قليلاً، ولكنه تلاشى وهو يراها تجذب رأسه نحوها. ثم أزالت كتف منامتها العلوية. "شوفت إيدك علمت إزاي." وأزالت الجزء الآخر. لتنظر إليه ترى نظراته نحو ما فعله. "معلش ياندي، انتي برضوه عصبتيني." وانحنى نحو كتفيها يلثم كل منهما. لتتسع ابتسامتها وهي تهتف داخلها. "ده نصايح نادية بتيجي بالنفع." ظل يطبع قبلاته على كتفيها حتى وصل لعنقها وهمس. "مبقتش زعلان خالص...

وهوديكي المدرسة وأجيبك بعد كده عشان يعرفوا إنك متجوزة." أبعدته عنها تضحك بقوة. فجذبها نحوه ثانية ذائباً معها في دلالها ونعومتها والأكثر مكرها. *** نظر حمزة نحو أفراد عائلته ومن ضمنهم عائلة شقيقته. لم يعلم أحد بقرار زواجه وطلب يد ياقوت إلا فؤاد. وقد تلقى اليوم الموافقة من والدها. وقد جاء وقت أخبارهم. تناولوا العشاء مع الضحكات ومزاح كلا من مريم وندى وتقي مع شهاب وشريف الذي عاد اخيراً من تدريبه.

كان هو الآخر لديه حديث، ولكنه قرر أن ينتظر أن ينتهي عشائهم ويخبرهم بما نوى عليه. انتهى العشاء بعد وقت وانتقلوا لغرفة الجلوس كي يتناولوا قهوتهم والعصائر على حسب ما يهوي كلا منهم. صعدت تقي مع مريم لأعلى كي تريها مريم آخر أبيات شعر قد كتبتها في كشكولها. أخذهم الحديث لأمور عدة، منهم عن مراد وأخرى عن العمل. إلى أن نهض حمزة من فوق مقعده مُتنحنحاً حتى يجذب انتباههم. "بما إننا متجمعين عندي ليكم خبر واتمنى تتقبلوه."

نظروا إليه وكل منهم ينتظر أن يسمع ذلك الخبر بتلهف. انتقلت عين ناديه نحو زوجها الذي أخذ يرتشف قهوته بهدوء. فعلمت أنه لديه علم بما يُريد شقيقها إخبارهم به. "أنا قررت اتجوز." شهقة صدرت من أفواه البعض، ولم تكن إلا ناديه وندى، ولكن بمشاعر مختلفة. نهضت ناديه تُعانق شقيقها بسعادة. "أخيراً ياحبيبي... ألف مبروك." تعمقت عين شهاب بشقيقه، فابتسم وقد علم بهوية العروس.

فلا شيء سيحتاج للاكتشاف بعد غضب شقيقه عندما علم أن الموظف الذي طرده لم يكن إلا هي. نهض شريف هو الآخر يُبارك له بثبات دون رد فعل. أما ندي فركت يداها بقوة تُريد الصراخ. فلن تتحمل أن تأتي أخرى تعيش معهم وتأخذ مكان شقيقته. نزلت مريم الدرج وهي تضحك مع تقي. "هو في إيه؟ مالكم؟ وهتفت تقي هي الأخرى. "في إيه ياخالو؟ واقتربت منهم بأبتسامة واسعة. فتجمدت عين حمزة عليها. ولم يعد قادر على إبلاغها بأمر زواجه. طالعها الجميع بصمت.

فهم يُدركون تعلقها به وانتظروا أن يُخبرها كما أخبرهم. تقدم منها حتى يأخذها لغرفة مكتبه. ولكن الإجابة خرجت من بين شفتي أحدهم ولم تكن إلا ندي. "حمزه هيتجوز يا مريم." مذهولاً أصابها وهي تُعلق نظراتها نحوه تسأله. "صحيح الكلام ده يا بابا؟ وعندما أومأ لها برأسه. هرولت نحو غرفتها باكية. وصوته يعلو من خلفها. "مريم استنى." نظرت إليه ناديه وهي تتنهد. وتعلقت عيناها بندي التي اتبعت مريم هي وشريف.

فأدركت أن شقيقها لن يواجه مريم وحدها، أنما باقي أفراد العائلة. *** أنهت سماح مدة إقامتها بالفندق. فلم يعد لديها مهمة. فقد أصبحت هي حديث الصحافة وزملائها. تعالى رنين هاتفها الذي لم يعد يصمت من الرنين. فالكل لديه فضول بما صرح به سهيل. فلا أحد يُصدق كيف يترك فتيات لندن بلد إقامته وفتيات موطنه ويقع في حبها. وتخفي عنهم قصة حبهم التي نُشئت منذ عام. جزت على أسنانها بقوة وهي تتذكر كل خبر قرأته متمتمة. "الوقح...

آه ياناري أنا قربت أموت بغيظي." صدح رنين هاتفها ثانية. لتنظر لرقم السيد فهيم رئيس الجريدة التي تعمل بها. ثم تعلقت عيناها بمن يدلف الفندق ولم يكن إلا زميل لها بالجريدة. فتقدمت منه. "انت بتعمل إيه هنا يامعاذ؟ طالعها معاذ بأبتسامة واسعة. "جاي أعمل معاكي لقاء صحفي انتي وكابتن سهيل." كان الحماس ظاهر على ملامح معاذ. رغبت أن تصرخ بوجهه وتخبره أن كل هذا ماهو إلا مكيدة لا تعرف لها معنى. إلا أنها وقاحة وأنه مريضاً نفسياً.

تركها معاذ مُتجهاً نحو سهيل الذي دلف الفندق بعد تمرين ركضه الصباحي. صافح سهيل معاذ بعدما أبلغه بهويته. ونظر نحو سماح التي وقفت ترمقهم بأعين يتدفق منها اللهيب. وتقدمت نحوهم لتسمع ما يُصرح به. "لقد أتيت لهنا لاستعيدها لي... وسنتزوج ونرحل معاً ل لندن." *** نظرت ياقوت صباحاً إلى وجهها في المرآة تسأل نفسها ماذا رأي بها. لا ترى نفسها إلا فتاة عادية لا بها شيء يُجذب. دلت زوجة أبيها لغرفتها مُتمتمة. "هتعملنا فيها عروسة...

قومي نضفي البيت خلي يلمع. هما جاين يخطبوا مين؟ مش انتي." التفت نحو زوجة أبيها صامتة. لتجد ياسمين شقيقتها تدلف الغرفة تحمل أدوات التنظيف. "سيب ياقوت ياماما ترتاح... أنا اللي هنضف. ديه عروسة." وحركت حاجبيها بتراقص. واتجهت نحو ياقوت تُعانقها. لتضغط سناء على كفوفها حانقة وداخلها تسب ابنتها. "حاضر يامرات أبويا هنضف البيت." كادت أن تعترض ياسمين. "هنساعد بعض يا ياسمين عشان نخلص بسرعه."

ولم تتلقى من زوجة أبيها إلا صفع باب الغرفة خلفها. *** نظر حمزة نحو مريم القابعة فوق فراشها بعدما أخبره شريف قد أفهم شقيقته أنه لديه حياة مثلهم. تعلقت عيناه بصغيرته واحمرار عيناها. "أنا موافقة بس متجبهاش تعيش معانا هنا أرجوك." هتفت بها مريم وهي تتحاشى النظر إليه. فجلس جانبها يدير وجهها نحوه. "بصيلي يامريم." نظرت إليه وهي تترجاه بعيناها أن لا ينساها ويحرمها من حبه.

"عايزك تتأكدي إن مافيش حاجة هتنسيني إنك بنتي اللي ربيتها.. هفضل أبوكي وصديقك وكل حاجة." *** وقف شريف مصدوماً وهو يتلقى الخبر من حارس المدرسة. "آنسة مها سابت الشغل هنا يابيه." وتعلقت عين الحارس بباقة الأزهار. فأبتعد عنه شريف ونظر حوله وقد انتابه القلق عليها. وفي غرفة صغيرة بدورة مياه خاصة كانت مها قابعة فوق سريرها تبكي. فقد نقلتها شقيقتها لتلك الغرفة وبدأت في إعداد عش الزوجية الخاصتها.

نهضت من فوق فراشها تستكشف غرفتها الجديدة. فـ تعثرت في البساط المفروش على أرضية الغرفة فسقطت أرضاً. وعادت تنهض ثانية تبحث عن زجاجة مياه حتى تروي حلقها الذي جف من العطش. ظلت تدور في الغرفة دون أن تجد ضالتها. تسقط دموعها بقله حيلة وتهتف باسم شقيقتها. "ياماجده." *** خرجت من غرفتها أخيراً. فبعد أن كانت هي من لا تراه وتبحث عن وجوده انقلبت الأدوار وأصبح هو ينتظر خروجها من الغرفة ويشعر بالقلق عليها.

فمنذ ذلك اليوم وهي قابعة بحجرتها صامتة. يضع لها الطعام بجانب باب غرفتها ويمطرها بكلمات الاعتذار. تعلقت عيناه بها فأصبحت شاحبة ذابلة ولكنها كانت قوية. هتف براحة وهو يجدها أمامه قبل أن يُغادر للشركة التي يُديرها. "كويس إنك خرجتي... بقيتي كويسة ياهناء." طالعته بجمود واشاحت عيناها بعيداً عنه. "عايزة أتكلم معاك ياابن عمي." رفع حاجبه مُتعجباً من لهجتها. "تمام تعالي نقعد ونتكلم."

اتجاهت نحو أحد المقاعد تجلس عليه فأتبعها ينتظر سماع ما ستخبره به. "اتكلمي ياهناء... سامعك." حدقت به بكبرياء رغم ضعفها. "لازم نحط حدود لعيشتنا مع بعض." وقبل أن يتكلم أوقفته متمتمة. "ياريت متقطعنيش... هنعيش مع بعض ولاد عم وبس وبعد سنة كل واحد يشوف حياته." واردفت بعدما نظر إليها بتعمق. "للأسف كنت أتمنى أطلق منك من اللحظة ديه... بس مجتمعنا عقيم ومش هيرحمني وخصوصا إنك ابن عمي...

انفصالنا هيكون بسبب إننا مننفعش لبعض لأننا مش هنعرف نخلف من بعض." تعلقت عين مراد بها بقوة. "أنتي مخططة ومرتبة لكل حاجة." ابتسمت وقد لمعت عيناها بالكره. "واعمل حسابك أنا السنة ديه هشتغل فيها وهبني حياتي ومستقبلي. كفاية غباء لحد كده." تجمدت ملامحه عليها ليري امرأة أخرى تُطالعه بتحدي وليست هناء ابنة عمه الهائمة في حبه ونظرة واحدة منه تخطفها. *** صممت نادية أن تنتقي معها فستان الزفاف.

وأخذتها لنفس المتجر الذي رأتها تُطالع فيه الثوب. كانت نادية متحمسة لتلك الزيجة وتهتم بكل شيء يخصها. بل هي من أقنعت والد ياقوت بتعجيل الزواج وأنهم لا يريدوا العروس إلا بحقيبة ثيابها لا أكثر. انتقت ياقوت نفس الثوب الذي تمنته ذلك اليوم الذي أتت فيه مع هناء تنتقي معها ثوب زفافها. اشتاقت لصديقتها التي هاتفتها لمرات من رقم شقيقتها ولكن هاتفها لا يعطي إلا رسالة واحدة أنه مُغلق. جلبوا كل ما يخص الثوب وخرجوا من المتجر.

لتنظر ناديه نحو سيارة شقيقها مُبتسمة. ثم تعلقت عيناها بـ ياسمين ويا ياقوت. "ياقوت حببتي أنا هاخد ياسمين نقعد في أي كافيه وإنتي روحي لحمزه." نظرت إليها ياقوت مُستفهمة لتفهم عبارتها بعدما وجدت سيارته مصطفة على جانب الطريق وينتظرها. "أنا مقولتش لبابا مقدرش أعمل حاجة من غير إذنه." تعلقت عين نادية بها ثم ضحكت.

"ياقوت ياحببتي حمزه بقي جوزك دلوقتي انتي ناسيه كتب الكتاب اللي اتكتب امبارح. غير إنكم لحد دلوقتي مقعدتوش مع بعض واتكلمتوا... أنا عارفة كل حاجة جات بسرعة بس لازم تقربوا من بعض الشهر ده عشان تفهموا بعض أكتر وتشيلوا الخلافات اللي بينكم." ألقت نادية العبارات بمقصد. فهي تعلم أنها تتحاشى الاختلاط بشقيقها وكأنها غصبت على تلك الزيجة ولا تعلم السبب. وشقيقها صامت يتقبل الأمر بهدوء وكأنه يعلم السبب وراء ذلك.

عقد القران كانت فكرتها أيضاً، ومع دعم مهاب وسلوي وافق والدها. وأردفت وهي تدفعها برفق. "ومتقلقيش حمزه بلغ ولدك مع إنه مش محتاج يعني... يلا بقى ولا انتي إيه رأيك يا ياسمين." تعلقت عين ياقوت بشقيقتها التي ابتسمت على حديث ناديه بل ووافقت. تمتمت داخلها حانقة. "ماشي يا ياسمين حسابك معايا في البيت." وسارت بخطى مرتبكة نحو سيارته ليُغادر السيارة مُقترباً منها وأومأ برأسه لشقيقته وشقيقتها التي تراه كبطل من أبطال الروايات.

مال نحوها بخفة هامساً. "بتهربي مني يا ياقوت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...