الفصل 18 | من 70 فصل

رواية للقدر حكاية الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
33
كلمة
1,953
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

لم يدق قلبها تلك المرة بدقات السعادة وحدها، إنما كانت دقاته تحمل مزيجاً من المشاعر... لهفة، امتنان، وفرحة طفلة. أزالت غطاء اللفافة لتشهق دون تصديق مما رأت. نفس اللوحة التي كانت عيناها متعلقة بها، ووصف له شعورها نحوها. إحساس جميل دغدغ كيانها. وداخلها كان صوت يصرخ بها: "أصبحتِ اليوم محور اهتمام أحدهم". لمعت عيناها بدموع الفرح، وضمت الهدية بين ذراعيها متمتمة: "مش معقول".

والخطوة حُسمت لصالحه، رغم أنه لم يفعلها من أجل خطته. ولكن ارتبطت النوايا ببعضها، وأصبح ما تعيشه ظناً منها أنها تلك السعادة التي تمنتها طويلاً. وما هي إلا لعبة لنيل الهدف. *** فتح شهاب عينيه بابتسامة واسعة وهو يراها غافية على صدره. داعب وجنتها بأنامله وضمها أكثر إليه هامساً: "ندي". نادى اسمها لمرتين، ثم دنا منها يُقبلها على خدها مُتمتماً باسمها ثانية: "ندي". تَململت في رقدتها وفتحت عينيها ببطء لتنظر لوضعها وقربهم،

فانتفضت من جانبه: "هو إيه اللي حصل بينا؟ صدحت ضحكاته بصخب، فسؤالها لا يستحق إلا ردة فعله تلك. "محصلش بينا أي حاجة، اطمني". وأردف مازحاً وهو يجدها تضم شرشف الفراش على جسدها: "مالك يا ندي؟ بتحصل في أحسن العائلات يا حبيبتي". تقع وجهها من أثر عباراته التي لا تفسر إلا تهكمه. "انت بتهزر يا شهاب؟ احتَدت عيناه وهو يرمقها: "عايزاني أقولك إيه، وانتي بتتنفضي من جانبي بالشكل ده؟

غامت عيناها بالدمع، فهي لم تكن تُريد حدوث شيء بينهم إلا إذا أحبها بالفعل، وليس مجرد زيجة مبنية على الاحترام وحسب. عندما رأى دموعها تنساب بضعف، جذبها نحوه. "بتعيطي ليه دلوقتي؟ انتي بتعشقي تنكدي على نفسك؟ دفعته عنها، ولكنه لم يُحررها من آسر ذراعيه. "أنا مش نكدية". أبعدها عنه قليلاً ينظر لعيناها الدامعة، ورفع كفيه نحو وجنتيها يمسح دموعها. "بالمنظر ده... مينفعش أقول غير كده".

شاحت عيناها بعيداً عنه، ولكنه عاد يجذبها إليه مُداعباً إياها: "ممكن مراتي الحلوة تسيب النكد النهاردة وأعزمها على أحلى فطار؟ كان بارعاً في جعلها له ومنه وإليه... يعرف كيف يجعلها عاشقة متيمة به. حاله كان كالسخرية حين يتذكر سنوات عمره بالجامعة وأول حب بحياته، كان محط السخرية وسط أصدقائه. لا فتيات يعرف يتعامل معهما، ولا حتى يعرف يجذب أنظار إحداهن إليه. ما عليه إلا الاستماع لمغامرات أصدقائه.

واتى اليوم الذي أصبح فيه هو الخبير في أمور النساء. وفي لحظة تبدل حالها لا قرار استمرت به، وفي النهاية أكمل القلب ضياعه. *** مر الوقت وهي تجلس خلف مكتبها تنتظر مجيء السيد شهاب. لمطالعة بعض الأوراق التي طلب منها أمس طباعتها فور قدومها صباحاً. ملت من جلستها دون عمل تفعله. ونظرت لجانب المكتب نحو اللوحة مبتسمة: "أخد الهدية وأشكره ولا أرجعها؟ ما أنا مش هعرف أهادي بحاجة".

أخرجها من شرودها رنين هاتف المكتب، لترفع سماعة الهاتف سريعاً: "أيوه يا باشمهندس... حاضر هروح أودي الورق". وأردفت سائلة: "حضرتك مش جاي النهارده؟ نظر شهاب نحو ندي التي تتناول فطورها بسعادة: "لا يا ياقوت، ألغيت كل مواعيدي النهارده... ولو عايزة تروحي بعد ما تودي الورق للسيد أشرف، روحي مافيش مشكلة". انتهت المكالمة لتبتسم على فرصتها بأنها ستذهب للشركة الرئيسية.

جمعت أوراقها في ملف ونظرت للوحة، ثم انصرفت بعد أن حسمت أمرها أنها ستعود لأخذها بعد شكره عليها. *** تعَلقت عين سماح برئيس الجريدة التي تعمل بها حالياً. "مهمتك المرة دي سبق صحفي عن لاعب كورة واسمه في غنى عن التعريف". مقتته سماح بامتعاض لكرهها لكرة القدم. "مباهتمش أنا بالكورة يا فندم". طرق رئيسها على سطح مكتبه بيده ممتعضاً من ردها. "بتحبي ولا مبتحبيش، ده شغلك يا أستاذة". وأردف موضحاً مهمتها:

"الشهر الجاي هو نازل مصر إجازة... إجازته هيقضيها في الأقصر وأسوان... دي مهمتك الجديدة، وأتمنى تنجحي فيها زي لقائك مع حمزة الزهدي". زفرت أنفاسها مُخاطبة نفسها بأن تلتزم الهدوء، وابتسمت وهي تحدق بنظراته المتحدية. "اسمه إيه اللعب يا فندم؟ مخاطبها رئيسها بهدوء: "سهيل نايف". *** أسند شريف رأسه على سطح مكتبه مُفكراً في حديث حمزة معه.

"مدام لم يعرف ماذا يريد من تلك الفتاة التي عرفها في لحظات ضعفه، فليتركها. لا يُنكر أنه كان يشعر معها بشعور جميل، لا يعرف أهو حب أم إعجاب أم راحة. ولكن تصرفات شقيقتها جعلته ينفر من الوضع. هو ضابط ويفهم أفعال شقيقتها. تريد توريطه بالزيجة من شقيقتها، وما هو إلا رجلاً لا يحب فرض الأشياء عليه. لم تصل معه لمرحلة أن يفكر بها كزوجة".

"والحل النهائي الذي اتخذه بعد حديثه مع حمزة وكلام صديقه أنه لن يُقابلها ثانية. ولكن قلبه كان له رأي آخر". "لا يا شريف، ودعها لمرة أخيرة... جاب لها هدية ذكرى". اقتنع برغبة عقله وقلبه معاً. ليدلف سيف لغرفة المكتب ناظراً له: "سمعت الخبر ده... عندنا شهر تدريب مكلفين بيه من الإدارة". *** وضعت أمامه قهوته بخجل وتوتر. "عايز مني حاجة تانية؟ نظر مراد إليها بجمود.

وكادت أن تسأله عن سبب معاملته تلك، إلا أن عمها خرج من غرفته مستنداً على والدها. وحين وقعت عيناه عليهما، نظر لشقيقه: "إيه رأيك الأولاد ينزلوا يجيبوا الشبكة النهارده يا مهاب؟ كاد أن يعترض مراد، إلا أنه وجد والده يسعل بحشرجة. "عايز أرجع بيتي بكرة وأنا فرحان". لينظر مهاب لابنته متسائلاً: "إيه رأيك يا هناء؟ خجلت هناء من الأمر وأطرقت عيناها أرضاً. "اللي تشوفوه يا بابا". وانصرفت على الفور دون أن تنتبه لنظرات مراد المشتعلة.

"وانت إيه رأيك يا مراد؟ هتف بها مهاب مُخاطباً ابن شقيقه تلك المرة. "مافيش مشكلة، أنا برضو رأيي من رأي بابا، عايزين نفرح". كانت الكلمات تخرج منه عكس ما بداخله. فسيحقق لهم الفرح الذي يريدوه... ليذيقها هي كل عذابه. *** وقفت للمرة الثانية أمام مدير مكتبه تطلب منه مقابلته. "للأسف حمزة بيه مش فاضي". تعَلقت عين صفا به وشعرت بوخزات تطرح قلبها. خشيت أن يكون أخبر سكرتيره بهذا الأمر، فتساءلت بنبرة مذبذبة: "ينفع استناه؟

أنا محتاجة أقابله ضروري". طالعها الرجل وهو يتذكر أنها أتت من قبل وقد دلفت لرب عمله حين أخبره باسمها. "هو حالياً عنده اجتماع خارج الشركة... تقدري تجيله في وقت تاني". طالعته صفا بتفهم وجالت عيناها بالمكان. ثم جرت أقدامها بتخاذل. وقبل أن تخرج من غرفة المكتب، كان حمزة يخرج من المصعد متجهاً نحو غرفة مكتبه. ألتقطته عيناها كما رآها هو، فتجمد في وقفته. واتجهت نحوه بخطي سريعة، وقبل أن يسألها عن سبب مجيئها لهنا، هتفت برجاء:

"حمزة أرجوك أنا محتاجة مساعدتك.. مبقاش ليا حد وعزيز أنا قلقانة منه.. ساعدني! اقترب منها متنهداً وهو يسمعها: "عايزة إيه يا صفا... لو دي خطة منك، إنك تظهريني بصورة الست الضعيفة بلاش". سابت دموعها من قسوته، وأطرقت عيناها أرضاً. "أنا صحيح لسا بحبك يا حمزة... بس أنا اتعلمت الدرس.. محدش بيدوق مرارة الخداع إلا صاحبه... أنا عايزة أحب صفا الإنسانة الجديدة". وأردفت بأمل: "هستنى تحبني تاني، الأمل لسا جوايا". أصابته كلماتها.

هو يلعب نفس اللعبة بياقوت. دار بعقله في تخيل لحظة وقوعه بحبها، فلم يجد إلا نفض تلك الفكرة وهو ساخر من نفسه. فهو لا يرى ياقوت إلا فتاة ضعيفة بأحلام بسيطة. فهل بعد كل ما أصبح عليه سيحبها هي؟ وسيلة لا أكثر. وسيلة من سحر صفا يعود له ثانية. وسيلة لراحة عقله من زن شقيقته. ووسيلة لتنفيذ وصية سوسن التي يذكره بها شريف دوماً. فاق من شروده وتجمدت ملامحه وهي تخبره: "عزيز حاول يعتدي عليا امبارح...

أنا مش محتاجة غير شغل بس أقدر أعيش منه وأدور على مكان أعيش فيه... أي شغل يا حمزة حتى لو خدامة عندك". عَيناها الدامعة وكسرتها أمامه جعلته يرى صدقها. لا يحب إذلال أحد له حتى لو كان عدوه. مبادئ رباها عليه والديه. ورغم سطوة الزمن عليه ودخوله دائرة الحياة، إلا أن بعض المبادئ ترسخت بداخله. "هحاول أصدقك يا صفا... وهساعدك لوجه الله، مش هكون أنا والزمن عليك". تنهدت بألم وهي تستمع لعبارته الأخيرة.

الزمن كلمة في قاب قوسين لا نفهمه إلا عندما نذوق علقمه. ماتت برأسها شاكرة وتعَلقت عيناها به وهو يخرج أحد الكروت من داخل سترته يدون لها عنواناً ثم أعطاه لها. "ده عنوان شركة الحراسات بتاعتي... بكرة الساعة 9 تكوني هناك وهتعرفي منهم مهام وظيفتك". ألتقطت منه الكارت مبتسمة تشعر بالسعادة، ليس لحصولها على العمل، أنما لأنه لم يخذلها حين لجأت إليه مستنجدة. قلبها تقافز بين أضلعها يرسم لها أنه مازال يحبها.

ضمت الكرت بيدها ثم شكرته بامتنان. "شكراً يا حمزة". الطابق كان معروفاً بخلوه من الموظفين. ابتعد عنها منصرفاً نحو غرفة مكتبه. "حمزة". التف نحوها منتظراً معرفة ما تريده. فوجدها تلقي نفسها بين ذراعيه. كانت ياقوت صاعدة تلك اللحظة على الدرج، فقد أعطت الأوراق للسيد أشرف كما أمرها شهاب وقررت أن تصعد له كي تشكره. لتقع عيناها على المشهد، فتوارت خلف أحد الجدران تغمض عينيها من الألم الذي اخترق قلبها ولا تعرف سببه.

ولم تكمل المشهد وعادت تهبط الدرج بخطي سريعة. توقفت عين حمزة على رؤيتها لهم، ثم انصرافها السريع. نفضت صفا عنه، لينظر إلى المكان الذي كانت فيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...