تحميل رواية «لحن الحياة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف بعيدًا يجفف دموعه وهو يرى آخر غير والده يحتضن والدته ويقبّل جبينها، ووالدته تبتسم باستحياء وكأنه الرجل الأول في حياتها. الفرحة كانت تعم المكان، فالكل سعيد بهذا الزواج من أقاربهم. ابن العم الأرمل قد عاد ليتزوج بأمه الأرملة، وكأن القدر أراد أن يلتقيا بعد أن افترقا. وبعد وفاة أبيه منذ عامين، عاد الحبيب يدق أبواب حبيبته من جديد، فالفرصة قد سنحت له ولها. ولكن والدته في البداية رفضت بشده، أما الآن هاهي سعيدة وقد نسيت أبيه. دموعه انسابت دون توقف رغم محاولته المُميتة بأن يمنع هبوطها، فوالده ذات يوم...
رواية لحن الحياة الفصل الحادي والستون 61 - بقلم سهام صادق
أحياناً يقودك قدرك للحقيقة المجهولة، حقيقة إذا عُرضت عليك من باب المزح لضحكت وأنت تنفض رأسك منها.
وقفت ورد بالقرب من الغرفة التي دلف لها كنان، لتتسع عيناها بأكثر صدمة لم تظن يوماً أنها ستعيشها. فقد أخبروها أن الحب لا يأتي منه الجرح، لا يطعنك، لا يجعلك تتألم، وأن قصة والدها ووالدتها كانت قصة محكوم عليها بالفشل.
"أين كنت بابا؟"
الألم اخترق جسدها وهي تتقدم أكثر لتتضح لها الصورة. كنان يعانق طفلاً على سرير المستشفى يهمس له أنه معه ويحبه، وأيلا تجلس على الطرف الآخر من الفراش مبتسمة. ثم أمسك الصغير يدها ويد والده ليضمهما بكفيه، يبتسم بسعادة لرؤية والديه بجانبه. فتعلقت عين كنان بأيلا بتوتر، ولكن ماذا سيفعلون غير الصمت؟
مشهد بعيد أتى إليها وهي تتذكر حينما أخذتها والدتها يوماً لحديقة هي ومهرة ليتنزهوا بها بمناسبة احتفال العيد. سعادتهم كانت لا توصف، ولكن للحظة انطفأت ملامحهم وهم يرون والدهم مع سهير وأولاده "كرم وأكرم" يحملون ألعاباً قد اشتروها، وهي ومهرة يمسكان يد بعضهما ووالدتهم تلحقهم بما أرادوا أن تشتريه لهم.
ذكريات كانت مرسخة، دمرت طفولتهم، جعلتهم دوماً يحيون بالنقص.
وعندما عاد المشهد يدور أمامها، ووالدها يقترب منهم يسألهم وكأنه يسأل شخصاً غريباً عن احتياجهم لشيء، عادت تسمع هتاف الصغير وكنان يمسح على وجهه.
"سنعيش معاً بابا."
فدارت عيناها وهي تتذكر كلمة والدها لوالدتها: "خدي البنات روحيهم كفاية عليهم كده."
ليعود لسهير وأولادها، فيسير بهم متجهاً لسيارته، أما هم فوقفوا كالغرباء.
وهوت بجسدها أرضاً بعد أن اتسعت عين أيلا عندما انتبهت لوجودها.
"ورد."
***
جلست مرام في المقهى الذي أخبرتها عنه بسمة في رسالتها، انتظرتها بلهفة، انتظرت أن تعرف منها لما طعنتها تلك الطعنة دون أن تنصحها. دوماً كانت تؤيدها أن تبحث عن أهدافها، كانت تنصحها لتسرق منها زوجها. حكاية مضحكة ستعيش حياتها تتعلم منها، وستعلم ابنتها حين تكبر أن لا تكون مثلها مغفلة.
وحدقت بها وهي تتقدم منها ببطء، تداري عيناها بنظارة سوداء. ومع اقتراب خطوات، كان آخر خيط ينفك عقدته في حكايتها. لم تنتظر منها بسمة أن تنهض لمصافحتها، حتى هي لم تفكر أن تمد لها يدها لتصافحها، فهي متأكدة أن مرام لم تكره أحداً مثلما كرهتها.
وجلست بسمة تطالع الجالسين حولهما، ثم أزاحت نظارتها.
"خير يا بسمة؟ طلبتي تقابليني ليه؟ عايزة تقوليلي إني كنت أغبى مغفلة؟"
فأشاحت بسمة عيناها بعيداً عنها، فاليوم جاءت لتخبرها عن كل شيء كي تتخلص من ذنبها، كي تخبرها أنها كانت داخل لعبة مرتبة، وللأسف كانت ستنجح.
"هجاوبك على كل حاجة يا مرام."
وبدأت تسرد لها كيف أدخلتها مشيرة للعب عليها لتمثل دور الصديقة المخلصة، لتنتهي حياة مشيرة. ولكن هي أعجبتها اللعبة، فقد أحبت زوجها.
ذهول قوي أصابها وهي تستمع لكل كلمة.
"انتوا لدرجة دي مرضى نفسيين؟ إيه الشر والحقد اللي كان مالي قلوبكم؟ استغليتوا أكتر نقط ضعفي عشان أخسر كريم."
وتابعت وهي تشعر بالصدمة من كل ما سمعته.
"مش معقول تكونوا ناس طبيعية."
لتهتف بسمة بعدما سقطت دموعها: "انتي اللي عملتي كده، انتي واللي زيك صنعتونا عشان ندمركم. لما تلاقي ست زيك متقدملها كل حاجة وهي برضه عايزة؟ حب موجود، مال موجود، زوج موجود، أولاد موجودين. كنتي عايزاني أبصلك إزاي؟ قولولي."
إجابة كانت تحمل حقداً دفيناً، فنهضت مرام من أمامها وطالعتها بأسف.
"اتعالجي يا بسمة، اتعالجي يمكن قلبك ينضف."
وألتفت بجسدها كي ترحل، فالصفعة قد وشمت داخلها للنهاية.
"شكراً على الدرس، كنت محتاجة فعلاً أفوق."
وسارت من أمامها، لتسلط بسمة عيناها عليها بضياع.
***
تبدلت ملامحها للصدمة وهي لا تصدق هل ما تراه أمامها وتسمعه حقيقة أم عقلها يهيئه. ورفعت عيناها لتجده ما زال على وضعه ينظر إليها بجمود، فعادت تطالع الفيديو الذي أمامها. كرم بالمستشفى يصرخ بعلو صوته.
وارتعشت شفتيها وهي لا تعرف كيف ستخرج الكلمات منها.
"جاسم أنا..."
فطالعها بسخرية لم تراها منه من قبل ونهض وهو يسحب هاتفه منها.
"انتي إيه يا مهره؟ انتي إيه يا مدام؟"
ثم تابع بوجه جامد متذكراً لقاءه بأكرم هذا الصباح عندما أخبره كل شيء مبرراً له كذبة شقيقته.
"أصدقك إزاي بعد كده؟"
فسقطت دموعها ونهضت نحوه ترتعش بخطواتها.
"غصب عني، مكنتش عارفة هقولك إزاي، خبيت عنك عشانك، انت حذرتني كتير بس مسمعتش كلامك."
استمع لها وهو يحرك رأسه وكأنه اعتاد على مبرراتها تلك.
"كرم أخويا يا جاسم، كان لازم أساعده، مكنتش فاكرة إنه هيعمل فيا كده."
فتحركت شفتيه بنبرة مستاءة.
"أخوكي؟ أنا ساعدته ولتاني مرة بتنازل عن حقي اللي عمري ما اتنزلت عليه إلا عشانك انتي، مش عايز أكسرك بذنب مالكيش دخل فيه."
وقبل أن تبدأ بتبرير فعلتها، أشار إليها بتحذير.
"عارفة مشكلتك إيه يا مهره؟ إنك ديماً شايفة إنك صح، غلط مش غلط، انتي حاطة نفسك إنك صح."
فأقتربت منه تمسك ذراعيه بتشبث.
"جاسم افهمني."
فأزاحها عنه بجمود.
" أفهم إيه؟ أفهم إني في النهاية راجل مغفل في بيتي."
وضحك وهو يتحرك دون هوادة.
"مش عارف أعاقبك إزاي."
فتمتمت برجاء.
"عاقبني بأي حاجة غير إنك تبعد عني."
***
ضرب الحائط بقبضة يده بقوة، ومشهد سقوطها أمامه يجثم على روحه. فأقترب بشير منه يربت على ظهره بدعم.
"سيسير كل شيء على ما يرام."
فأشاح كنان عيناه يخفي دموع عجزه.
"إذا حدث لها شيء لن أسامح نفسي."
وانسابت دموعه، فالانتظار يقتله. فوقعت عيناه على أيلا التي وقفت بجانب شقيقته مطأطأة الرأس تشعر بالندم.
***
جلس عمار بضيق أمام ناريمان ينتظر أن يسمع حديثها الهام الذي جلبته من أجله. لا يعلم كيف وصلت لرقم هاتفه.
"مستني أسمع الحديث المهم، اللي سبت شغلي عشانه."
فصدحت ضحكات ناريمان بصخب ثم حركت خصلات شعرها بدلال.
"لديها حق رفيف تحبك."
ومالت نحوه تسلط عيناها على جسده.
"وسيم وتملك جسد رائع."
ضاق صدره من حديثها ونظراتها، ولكن ماذا سينتظر من امرأة وقحة مثلها؟ وعندما تذكر أن رفيف ما زالت على علاقة بها عزم على إنهاء صداقتهما.
"شكل مفيش موضوع مهم."
وكاد أن ينهض إلا أنها ألتقطت يده هاتفه.
"زواج رفيف منك كان مجرد رهان."
***
لم يكن ينقصه إلا مهاتفة عايدة تخبره عن أسفها عما حدث لزوجته، وابتسم بتهكم بعد أن أنهى مكالمته معها، والتي كان يتضمن أن السارق قريب منه وفعلها مسبقاً. وكأنه لم يعد يعلم بهوية السارق، فتنهد بضيق وهو يلقي هاتفه على سطح مكتبه.
"آه منك يا مهره."
***
سقطت دموعه وهو يسمع صوت صياحها الخافت بعد أن نُقلت لغرفة عادية وتمت ولادتها.
"لا أريد رؤيته عائشة، لا أريد."
فوجد بشير يسحبها بعيداً عن غرفتها.
"تعالى معي كنان، اتركها الآن."
فنفض كنان ذراعه بألم.
"جرحتها بشير، جرحتها للمرة الثانية."
ليجد أيلا تتقدم منه بخوف، متمتمة باعتذار.
"أنا آسفة كنان، لم أقصد حدوث ذلك."
***
غضب حارق كان يمتلكه، لم يعد يرى ما أمامه وكلمات ناريمان تتردد في أذنيه. دبرت لزواجهم حتى تكسب رهانها، فلا أحد رفضها من قبل. جعلها أضحوكة رفيقاتها لتقسم بعدها أنها ستتزوجه وستجعله يحبها.
ودلف للشقة ينظر إليها وهي تجلس بجانب شقيقته تمازحه. لا يصدق أنها أوقعتته في سم سحرها. وعندما وقعت عيناها عليه، ركضت نحوه تنظر لعلياء غامزة لها.
"ستعجبها المفاجأة بالتأكيد."
وكادت أن تلتقط كفه لتضعها على بطنها فتخبره بحملها، إلا أنه أزاحها عنه بقسوة صارخاً.
"لمي هدومك وامشي، مش عايز أشوف وشك تاني."
فاتسعت عين علياء وهي تنظر لحالة شقيقها.
"عمار انت بتقول إيه؟"
فحدق بها صارخاً.
"علياء اسكتي خالص."
فطالعته رفيف بذهول وارتعشت شفتيها.
"عمار ماذا فعلت؟"
فتعالت ضحكاته بقهر.
"صاحبتك المخلصة كشفت لعبتك الرخيصة."
فاتسعت عيناها بذهول، ولكن تمالكت حالها سريعاً.
"أقسم لك عمار أنه كان مجرد حديث لأنك جرحت كرامتي برفضك، أنا أحبك عمار، لا أعلم كيف ولكن أحببتك."
فضحك حتى قطعت أنفاسه.
"انتي..."
وقبل أن ينطق الكلمة التي خشت منها.
"أنا حامل عمار."
***
وضعت الحذاء الصغير الذي كان بالصندوق أمامها تحركه بين يديها، فشعرت بصوت أنفاسه الهادرة وقد وقعت عيناه على ما تحمله.
"طلعتيه من الصندوق ليه؟"
فرفعت عيناها نحوه متسائلة.
"ذكرى جميلة مش كده؟"
فأبتسم وهو يتذكر ذلك اليوم الذي اشترته له "مريم"، كان نفس اليوم الذي علمت بحملها. وضعته أمامه كي يفهم رسالتها منه، ولكن كالعادة كان أغبى شخصاً بتلك الأمور. فلمس الحذاء وعاد به الحنين وهو يقص عليها ذكراه. كانت تعلم أن البوح هو علاجه من سجن الماضي. أخبرها بكل ما كانت تريد معرفته.
لتسقط دموعها وهي تسمعه كيف حكى لها عن حياة من كانت زوجته يوماً. فمن ربتها هي والدته بعد أن توفت خالته وزوجها. حلمها الوحيد كان أن تكون لها أسرة صغيرة وطفلاً تعوضه عن مرارة اليتم الذي عاشته، ولكن في النهاية تركت الحياة بأحلامها.
وسمع صوت بكائها، ليمد كفه نحو وجهها يمسح دموعها.
"انتي بتعيطي ياريم؟"
فانحدرت دموعها على الحذاء الصغير. ولم تكف عن البكاء، فجذبها نحوه يحتضنها.
"انتي ومريم نسخة صح مش في الملامح والحكاية، لكن نفس الحب والعطاء. وللأسف نصيبكم كان لواحد زي... تفتكري أنا أستاهلكم؟"
فابتعدت عنه تطالع نظرة عيناه المهززة من أثر الزمن. ثم عادت تدفن وجهها بجسده متمتمة.
"أنا راضية بنصيبي، انت أمير حكايتي."
***
أغلقت الهاتف بقلق رغم أنها أطمأنت على صحة شقيقتها وطفلتها، ولكن تشعر بوجود شيء بها. ونهضت بثقل من فوق الفراش وخرجت من غرفتها التي تعتكف بها منذ أمس حتى لا ترى نظراته المتهمة لها بما فعلته.
وهبطت الدرج بتوتر، ثم اتجهت نحو غرفة مكتبه وطرفت الباب بخفوت. ودلفت بعدها بتخبط تخشى صراخه. فألتف بجسده وهو يضع الهاتف على أذنه.
ثم أشاح عينيه بعيدًا عنها، يكمل محادثته مع كنان، يطمئن منه على صحة ورد، ويخبره أنه سيأتي إليها، ثم يتجه بعدها إلى لندن في رحلة عمل.
أنهى اتصاله، ليسير نحو مقعد مكتبه.
"في حاجة يا مهرة؟"
فابتلعت غصتها بألم من برود حديثه معها.
"عايزة أسافر معاك لورد."
كانت تعلم أنه سيرفض الأمر بسبب وضعها الحالي، خصوصًا بعد أن حذرها الطبيب أن وضع ولادتها سيكون عسيرًا إذا لم تلتزم تعليماته.
وجاء رده كبرود عينيه: "انتي سمعتي رأي الدكتور بعد آخر متابعة.. لو مافيش حاجة تانية اتفضلي عشان مش فاضي."
فأقتربت منه تخفض رأسها بخزي.
"طيب خلاص.. انت طمني على ورد لما تسافر ليها.. بس سامحني."
فطالعها ببطء، وهو يرى انكسارها أمامه وكأنها طفلة صغيرة تخشى عقاب والدها.
"ارفعي راسك يا مهرة.. واختفي من قدامي، أظن من حقي ما أطقش أشوفك الأيام دي."
هتف بجدية رسمها على ملامحه بإتقان.
فوقفت مكانها ساكنة، ثم استدارت بجسدها كي تنصرف من أمامه بعد كلماته الجارحة.
ليصدح رنين هاتفه، فنظر للمتصل ثم فتح الخط. واتسعت عيناه وهو ينظر لها بعد أن عادت تلتف نحوه على أثر صوته.
"بتقول إيه..!"
رواية لحن الحياة الفصل الثاني والستون 62 - بقلم سهام صادق
وقفت بجانب الباب تنظر إليه بألم، بعد أن صرخ بضحي التي حملت حقيبتها وركضت من أمامه تمسح دموعها من قسوة كلماته.
فتعلقت عيناها به وهي تضع بيدها على بطنها المنتفخة بإرهاق.
"أمشي، أنا كمان يا أكرم."
للحظات ظنت أنه سيطردها هي الأخرى، ولكن وجدته يفتح لها ذراعيه.
فخطت نحوه بحب، ترمي نفسها بين أحضانه.
"أمي ماتت، أمي كسرتني يا مهره... أمي كان لها عشيق. دفنتها وأنا راسي في الأرض خجلان من الناس."
وابتعد عنها يصرخ من شدة ما يشعر به، متذكرًا ما حدث منذ أسبوعين عندما دلف لشقتهم يهتف باسمها.
لترتطم قدمه بجسدها الملقى على الأرض، فانحنى يناديها بقلق ظنًا منه أنها قد فقدت وعيها.
ولكن صدمة احتلت عقله وهو يرى آثار حبل على عنقها وعيناها مفتوحة على أوسعها.
جريمة سرقة لمصوغاتها، وورقة كانت لديها تضمن حقها من تلك الصفقة المدبرة التي خطط لها ذلك العامل.
والذي لم يعمل بمتجرهم مجرد صدفة، إنما كان يخطط لذلك منذ زمن.
والحقيقة التي كانت أبشع، أن العامل كان يتردد على منزلهم بكثرة.
ولكن تلك الليلة أتى متخفيًا بزي سيدة منتقبة لينهي أمرها.
ليوسم حكاية والدته بأبشع شيء: "امرأة قتلها عشيقها بعد سرقة مصوغاتها".
أثر صراخه جعل جاسم يصعد لهم، ليجدها تقف أمامه تحاول تهدئته وتبكي.
فجذبها نحوه محتضنًا إياها.
"مهره اخرجي أنتِ."
فبكت بين ذراعيه.
"جاسم، اعمل حاجة... عشان خاطري."
تعلم أنه فعل الكثير من أجلها، حتى أنه هو من بحث عن الحقيقة من أجل شقيقها.
وقد خدمهم فيها بأن سهير عندما كان يخنقها، غرزت أظافرها في رقبته، ليجدوا آثار من جلده في أظافرها.
وتم غلق القضية بعد أن أدلت زوجة القاتل بمكانه بعدما تزوج عليها غيرها.
وخرج بها من الغرفة خوفًا عليها، متجهًا لغرفتهما.
"سيبيه لواحدة دلوقتي، مجرد وقت وهيفوق. ظهور الحقيقة بالشكل ده صعبة يا مهره."
فرفعت عيناها نحوه بحب.
"رغم كل المصايب والمشاكل اللي جابها لي بسببي... ديما جانبي. هو أنت حقيقي يا جاسم؟"
فأبتسم رغماً عنه.
"لا خيال يا حبيبتي."
فاتسعت ابتسامتها، رغم كل شيء يبقى معها دائمًا في مصابها ويزيح ما يزعجه منها جانبًا.
أصبحت تتأكد أن والده كان فعلاً رجلاً عظيمًا، ليترك ذكرى منه في زوجها.
وطالعت كفه التي تمسح على بطنها برفق.
"مهره، أنتِ متأكدة إنك كويسة؟ مش قادر أسافر وأسيبك خايف تولدي في لحظة."
فرفعت إحدى حاجبيها بحنق.
"فاكر من أسبوعين كنت عايز تسافر وتسيبني؟ سبحان مغير الأحوال."
فأقترب منها يطوقها مبتسمًا وعيناه مسلطة على بطنها التي تفصل بينهما.
"كان نفسي أعاقبك بس للأسف المصايب بتحل علينا من كل ناحية، لبكون عارف أعاقب ولا أربيكي."
فتعلقت عيناها به بندم، ثم طأطأت رأسها أرضًا تشعر بالخزي.
"مهره خلاص الحكاية اتنسيت، المهم إنك اتعلمتي."
فسقطت دموعها وهي تتذكر هروب نادر وشريكته الأخرى بالمال بعد اعتراف كرم الذي وقع ضحية لعبتهم من موت الرجل، بعدما جعلوه يظن أنه قتله.
"مهره ارفعي راسك وبطلي عياط، مبحبش أشوفك مكسورة قدامي."
فهوت بجسدها على الفراش تبكي بحرقة، وكأن دموعها اليوم أرادت أن تشكي حالها.
"كان نفسي أكون الزوجة اللي تفتخر بأهلها قدام الناس، بس غصب عني، مش اختياري إني أجيب لك المشاكل ولا اختياري إني أكون كده."
منذ أن تزوجها، كان لاول مرة يراها مهزومة وضعيفة هكذا، تشكيه حالها.
فجلس بجانبها يضم كفيها بكفوفه.
"بصيلي يا مهره واسمعيني كويس."
فطالعته بأعين يهطل منها الدموع.
"أنا فعلاً مبحبش الفضايح والشوشرة، يمكن اتربيت إني دايما حياتي قدامها مليون خط. بس يوم ما قررت أتزوجك، كنت عارف كويس أنا بتزوج مين. عيوبك وحياتك كانت قدامي. وأنا اخترت مهره من جوه قبل من بره."
تراقص قلبها من أثر كلماته، ولكن شيئًا آخر بدأ يتراقص داخلها بقوة.
فتأوهت بألم.
"جاسم."
فمال نحوها يحاصرها بدفء أنفاسه.
"نعم."
هتف وهو يطبع بقبلات رقيقة على خدها.
"جاسم."
فأبتسم وهو يداعب وجهها بيديه.
"مالك يا مهره؟"
وانصدم فجأة بعد أن صرخت بوجهه.
"جاسم أنا شكلي هولد."
فاتسعت عيناه وهو ينهض من جانبها يحدق بها.
"تولدي؟ وفي اللحظة دي؟ حتى ابني برضه متفق عليا."
***
نظرت لطفلتها وهي ترضعها وتتلاعب بأصابعها الصغيرة.
أصبحت منزوية على نفسها بغرفتها، بعد أن علمت أن الجميع كان يعرف بأمر الطفل.
أقسموا لها أنهم انصدموا وأرادوا إخبارها، ولكن الأمر كان صعبًا للغاية عليهم.
"أنا مش زعلانة إن طلع لكِ أخ... خايفة مصيرك يبقى زي، يزهق مني ويرميني ويرجع لحبه القديم. تفتكري بابا هيعملها فيا؟ هعيش نفس إحساسي من تاني."
كان يقف على أعتاب الغرفة يطالعها بانكسار.
أخبرته عن حياتها كثيرًا وما عانته.
دوماً كانت طفلة هادئة هشة، تكسرها كلمة كما تسعدها.
لم يكن يقصد جرحها، ولكن الأيام يبدو كانت تختبر حبهم مجددًا، والاختبار يأتي دائمًا صعبًا.
هو بين زوجة وابن وابنه رضيعة.
وشعر بيد شقيقته تربت على ظهره بدعم.
"اصبر يا كنان، اتركها تستوعب الأمر. لا تنسى أنها متعبة. ورد لا تكره أحد، فلا أتوقع أنها ستكره أيهم."
فتنهد بأسى.
"لكن ستكرهني عائشة."
***
تحرك دون هوادة في ممر المستشفى، يستمع لصراخها، بعد أن أمهلها الطبيب بضع الوقت من أجل أن تلد طبيعيًا.
لم يتحمل رؤيتها وهي تتألم، ففضل الوقوف بالخارج، وترك المهمة لأكرم.
فخرج أكرم يهندم ملابسه، وعلى وجهه آثار التعب والشحوب.
"لا، أنت تدخل لمراتك، أو أقولهم يولدوها."
فطالعه جاسم وهو يضغط على أسنانه بقوة.
ثم سمع صراخها باسمه، فاتجه إليها بلهفة وانحنى نحوها.
"مهره، ربع ساعة بس استحملي وهتدخلي غرفة العمليات."
فدفعته بيدها بقوة من شدة الألم.
"جاسم، ألحقني، هموت."
وصرخت ببكاء.
"انده الدكتور، بدل ما أرفع عليك وعليهم قضية."
فاتسعت عيناه وضحك من همه.
فدلف الطبيب ينظر إلى حالتها.
وعندما أخبرهم بأن تنقل لغرفة العمليات، التقطت يده برجاء.
"مش عايزة أولد خلاص."
***
ضحكت ورد بسعادة وهي تحمل صغيرتها بين يديها وتحدث شقيقتها باكية.
ورقية وريم، كل منهما تجلس جانبها على طرفي الفراش.
"بتعيطي ليه يا ورد دلوقتي؟ ما أنتِ شيفاني أهو كويسة."
فمسحت دموعها.
"كان نفسي أكون معاكي."
فتنهدت مهره بتعب.
"وأنا كمان، بس نعمل إيه؟ إحنا بعد كده نتفق."
فضحكت رقيه وهي تتلاعب بالصغير القابع بين ذراعيها.
*
لتهتف ريم بملل.
"تعالي امسكي التليفون وأنا أشيله شوية."
*
فنظرت ورد لتجمعهم حول شقيقتها براحة عبر الهاتف.
"شفتي يا ورد عاملين فيا إيه؟ دول بيتخانقوا على 'مالك'."
فأبتسمت ورد وهي تستمع لها وتضحك.
حتى انتهت المكالمة.
فتنهدت وهي تعود لملامحها الحزينة، فقد أخفت كل شيء على شقيقتها، فما أصبحوا يتوالون به يكفيهم لتعود لهم بخيبة هي الأخرى.
***
نظرت لهيئتها عبر المرآة برضى، متنهدة بضيق.
لم ينفذ مراد قرارها بها، ولكن منذ تلك الليلة التي أخبرته فيها عن الرسائل، وهو بعيد عنها.
فسمعت خطواته بعدما عاد من عمله، لتخرج من غرفتها، فوجدته يجلس مغمض العينين بوجه مرهف.
"مراد."
ففتح عيناه للحظات، ثم عاد يغلقهما دون رد.
واقتربت منه.
"مراد، اعمل إيه أكتر من كده؟"
فنظر إليها وهو يزفر أنفاسه ببطء.
"متعمليش حاجة يا رقيه."
فهتفت بصياح بعدما شعرت ببروده حديثه.
"أنت بتعمل معايا كده ليه؟ أكتر من أسبوعين بتتعامل معايا ببرود."
فضحك وهو يطالعها.
"الحب والدلع مش نافع يا رقيه، خلينا نجرب الوضع ده شوية."
فتعلقت عيناها به.
*
فنهض من جانبها ثم استدار نحوها يلقي عليها كلمات أراد أن يصيب بها هدفه.
"إلهام بتكثف جهودها عشان ترجع، بس ما عرفت تستغل تلعب بيكي."
***
تنهدت عايدة بضيق وهي ترى شقيقتها تبكي أمامها.
"أعمل إيه أكتر من كده عشان يقدر يشوفني يا عايدة؟ لو تشوفي فرحته إزاي بأبنه، حتى رحلة لندن لغاها للمرة التانية."
فأبتسمت عايدة وهي تتذكر رغبة شقيقتها القوية بتلك الرحلة.
"بصراحة يا نرمين، أنا الموضوع ده طلعته من دماغي. أنا دلوقتي داخلة على الانتخابات مش فاضية."
فأبتسمت نرمين بحزن بعد أن أصبح الحديث مع شقيقتها بهذا الأمر ينتهي بنفس الكلمة.
وكادت أن تنهض، فهتفت متسائلة.
"عايدة، هو أنتِ كنتِ تعرفي موضوع السرقة؟ مش نادر ده كان السواق بتاعك؟"
فلوت عايدة شفتيها باستنكار.
"ده كان المتوقع من الواحد زيه."
فاستاءت نرمين من إجابتها، لتنهض من مكانها تجر أذيال الخيبة على حالها، فلم تعد محاولاتها تجدي نفعًا.
فألتقطت عايدة فنجان قهوتها ترتشفه، تتذكر تلك المكالمة التي استمعت إليها من قبل نادر مع أحدهم عن استغلال كرم، فهو لقرابته من جاسم.
لتُقرر طرده من عمله معها، حتى تعطيه الفرصة بأن ينفذ خطته.
وانفرجت شفتيها بابتسامة متكمة وهي تتذكر رسالته التي أراد بها أن يثبت التهمة على كرم، فهو يعلم كرهها لمهره.
ولكن هي الآن تحسم قراراتها بدقة حتى تكسب عضويتها بمجلس الشعب.
***
نظر للصغير بسعادة وهو يحمله بين ذراعيه مداعبًا إياه بأنامله هاتفا.
"أهلاً بك في حياة بابا، أستاذ مالك. هبقى عندنا أسرار كتير مع بعض، بس أنت اكبر بسرعة."
فأبتسمت مهره وهي تستمع إليه، فضمه إليه بحب، ثم اتجه ليعطيه لها.
ثم مال على جبينها يلثمه بحنان وجلس جانبه يطالعها وهي تنظر لابنهم.
فأرتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة.
"أنت بتبصيلي كده ليه؟"
فأبتسم أكثر وهو يتأملها.
"افتكرتك يوم حفلة جواز كريم ومرام لما اتخانقتي مع أشكي."
فلاحت الذكرى أمام عينيها وابتسمت.
"بتفتكر ذكريات مشرفة ليا حبيبي."
فضحك وهو يرفع كفها ليقبلها.
"آه ذكرياتنا دي هي اللي بتغفر لك، لما بفضل أضحك من غير سبب."
واضحك أكثر عندما تذكر ما فعلته مع الوفد الإيطالي.
لتضحك هي الأخرى حتى بكى الصغير بصخب ليقطع لحظتهم.
فطالعته وهي تمد له به.
"سكتة بقى يابتاع الذكريات، الأبوة مش ببلاش."
فألتقطه وهو يتذكر تلك الجملة، ثم نظر إليها وتعالت صوت ضحكاته أكثر وهو يحرك صغيره بين يديه.
"قصدك الأمومة يا حبيبتي، تعالا يا حبيبي بابا، أربيك أنا أفضل منها، دي كتلة من المصايب."
فأبتسمت وهي ترى حبه لطفلهم.
أكبر سعادة منحتها لها الحياة ولم تشعر بعدها، فقد سقطت في عالم الأحلام.
أقترب ريان من شقيقته التي زادت ذبولاً وشحوباً بعد أن طردتها عمار من حياته، رغم أنه عرف بحملها.
فربت على ظهرها بحنان.
- رفيف، ليه البكاء حبيبتي؟ هو لا يستحقك.
فمسحت عيناها بحزن.
- ما صدقت إنه سابني هكذا يا ريان، حتى طفله... عمار قاسي.
وعادت تبكي بألم.
- ما يريد ابن مني يا ريان، ما صدق إنه منه.
فأغمض ريان عيناه بضيق، فما يمنعه عن عمار هي علياء، علياء التي لم يعد يلتقي بها وقرر المحاربة من أجل الوصول إليها، ولكن حكاية شقيقته جعلت الوضع صعباً.
- هذه نهاية صداقتك من ناريمان.
فسلطت أنظارها على الفراغ الذي أمامها وهي تتذكر ما فعلته بها.
لينتبه ريان لرنين جرس المنزل، فنهض من جانبها لتهتف بأمل.
- بالتأكيد عمار.
شعر بالأسى تجاهها، فهذا حالها منذ أن أتت إليه... إلى الآن لا يصدق أن شقيقته التي كانت تتفاخر بجمالها وسحرها على الرجال، أصبحت محطمة الآن من رجل.
وخرج من غرفته يزفر أنفاسه مفكراً بحل لها. ووقف مصدوماً بعدما فتح الباب، ليطالع تلك الواقفة أمامه بتوتر تخفض عيناها.
- ممكن أدخل أطمّن على رفيف؟
فأبتسم ريان وهو لا يصدق أنها أمامه.
- بالتأكيد يا علياء، تفضلي.
لتدلف علياء بخطوات مرتبكة دون أن تطالعه، رغم رغبتها الشديدة في رؤية ملامحها. لتتعلق عيناه بحركة يديها المتشابكة، ثم تحرك أمامها متجهاً لغرفة رفيف.
فرفعت رفيف عيناها الذابلة نحوها، فأتجهت علياء لضمها باكية.
- عمار غبي صدقيني، بس ما تعرفيش هو حالته إيه من ساعة اللي حصل، بقى شخص تاني مهموم يا رفيف، انتي دوستي على أكتر جزء بيجرحه كرامته.
فبكت رفيف وهي تقسم الله.
- ما كانت لدي نية لشيء سيء.
لتتعلق عين ريان بهما، ثم غادر بعدها لاعناً غباء عمار وتسلطه القاسي.
شعرت بأنفاسه بالقرب منها، ثم لمسات يده الحانية على وجهها.
- اشتقت لكِ يا ورد.
كان يظنها أنها غافية، ولكنها كانت تشعر به كل ليلة عندما يدلف لغرفتهما، يقف بجانب فراش صغيرتهم يتأملها في الظلام. ثم يقترب منها يمسح على وجهها برفق ويغادر.
أستمعت لكلمات شوقه والألم يمزق قلبها، وداخلها صراع قوي.
هل تغفر كما اعتادت، أم تصبح قاسية القلب كما تريد؟
وقفت ريم بالمطبخ تحضر الكثير من الأصناف بحماس بعدما دعت والديها وشقيقها. كانت لأول مرة تشعر حقيقة أن هذا المنزل مملكتها. لتجد ياسر يقف خلفها مبتسماً.
- ريحتك الأكل تجنن.
وألتقط من كل صنف شيئاً يتذوقه متلذذاً.
- اممم، لا أنا ممكن ما أستناش حد وأخلص الأكل ده كله.
فصفعته على يده كأنه تعاقب طفلاً.
- عيب يا حبيبي.
فضحك بسعادة وهو ينظر لفعلتها. ثم ألتقط أحد الأطباق هاتفا بتذمر.
- ماشي يا ريم، أنا هاخد بقى طبق كامل.
وغادر من أمامها، لتركض خلفه.
- ياسر هات الطبق.
وأخذ يتحرك أمامها يميناً ويساراً بالطبق وهي تتحرك معه.
- مهما حاولتِ مش هتوصلِ.
فتشبثت بذراعه كالطفلة، فضحك وهو يستمر بما يفعله.
- وطي شوية وأنا هعرفك أطولك.
فتصدحت ضحكاته بعلو.
- لا حاولي انتِ.
أعجبته مشاكستها، حتى أنه شعر وكأنه عاد مراهقاً. لتلمع عيناه وهو يطالعها كيف تميل معه بتذمر. فأزاح ما بيده جانباً، ثم مال عليها غامزاً لها بمكر.
وقف أكرم يطالع شقيقه من خلف زجاج غرفته بالمشفى، يصرخ مطالباً بجرعته. فسقطت دموعه وهو لا يقوى على تحمل رؤيته هكذا، رغم أن الطبيب أخبرها أن حالته أصبحت أفضل عن قبل.
ليمسح دموعه داعياً لوالدته بالرحمة عما فعلته بحياتهم. ليشعر بيد تربت على ظهره، فأستدار ببطء ليجد ضحى خلفه.
- مهرة قالت لي على مكانك.
وألتقطت أنفاسها وهي تطالعه بحزن على حالته.
- أكرم، أنا هفضل معاك وعمري ما هسيبك.
فأبتسم بمرارة.
- موافقة تكملي عمرك مع إنسان بقى ضايع؟
فدمعت عيناها وهي تطالعه.
- هستحملي نظرة أهلك لكِ، مع شخص أمه قاتلها.
ولم يستطع إكمال كلمته، فأبتعد عنها لا يرى شيئاً. فهتفت به.
- أيوه موافقة يا أكرم، مش هتخلي عنك مهما كان، وهستناك.
لتسقط دموعه بحجز، ولكن أكمل طريقه.
هبطت ورد الدرج بخطوات هادئة وهي تحمل طفلتها. كانت فريد تأخذ أيهم بين أحضانها تقبله، وكنان منحني نحوه يستمع إلى ما يخبره به، وعائشة وجواد يجلسون بصمت ويبتسمون، وإيلا تجلس جانبهم بملامح مشرقة وهي ترى سعادة صغيرها. ولكن عندما ألتقطت عيناه تلاشت ابتسامتها وأشاحت عيناها بهروب عنها.
فأعتدل كنان في وقفته، وألتقطت عيناه بها.
رواية لحن الحياة الفصل الثالث والستون 63 - بقلم سهام صادق
الصدمة جالت على أوجههم وعيونهم عالقة على خطواتها.
تتقدم منهم ببطء قاتل وملامح يتمنوا تفسيرها.
لم تستطع فريدة رفع عينيها نحوها، تشعر بالخزي من فعلتها.
ولكن "أيهم" حفيدها، وندمت من أجله أشد الندم على ما اقترفته بالماضي مع والدته.
لم تخطئ عائشة حينما أخبرتها يوماً أنها سبب دمار الكثير.
عائشة نهضت سريعاً نحوها، كما فعل جواد.
حتى لو أحبوا الصغير وكان حقيقة بحياتهم.
لم يقف إلا كنان وحده ساكناً، لا يقوى على الحركة أو الحديث.
وفاقوا جميعهم حينما ركض أيهم نحوها.
"أنتي صاحبة الحلوي، أليس كذلك؟"
فابتسمت ورد وداعبت خصلات شعره بحنان، جعلت عين الجميع تتسع من فعلتها.
"نعم، هي أنا."
فطالعها الصغير براءة، ثم وجه حديثه لوالدته.
"هي من حدثتك عنها ماما، وأعطتني الحلوي بالحديقة حينما كنت أنتظرك."
كانت تعلم "إيلا" بهويتها من قبل.
فهي لن تنسى يوماً بحياتها ذلك المشهد الذي أزال جميع حقدها عنها، حتى رغبتها في استرداد كنان محتها تلك الذكرى.
فهل ستبغض امرأة بمثل هذا العطاء؟
فأشار لها الصغير وهو يشب على قدميه.
"من هذه الصغيرة؟"
وهنا خرج صوت كنان أخيراً، وهو يتقدم منهم.
"هذه شقيقتك زينب، حبيبي."
فاتسعت عين الصغير بصدمة، إلى أن أكمل كنان.
"تلك المرأة العظيمة التي رأيتها بالحديقة.. زوجتي."
كان صادقاً بكلماته.
فمشهد ورد الحاني وابتسامتها التي خصصتها لطفلة رغم روحها المتألمة، جعلته يعلم حقاً معنى العطاء الحقيقي النابع من الألم.
فدار الصغير بعينيه يبحث عن والدته التي وقفت تفرك يديها بتوتر.
"ماما، ألم تقولي لي أننا سنعيش مع بابا معاً؟"
شهقة صدرت عن جواد وهو يختبئ خلف ورد متمتماً.
"ورد، لا نريد أحداً معنا."
فضمته ورد بحنان.
فهي أكثرهم إدراكاً بمشاعر جواد وتعلقه بخاله، حتى أنه غار من طفلتها في البداية.
ولكنها عاشت تلك المشاعر يوماً.
عاشت أن تطالع الأطفال حول آبائهم تتساءل عن شعورهم.
فاتجهت إيلا إلى طفلها، تضمه إليها بحنان.
تطالع فريدة بعتاب، فهي من جعلت حياتهم هكذا.
"سأشرح لك الأمر فيما بعد، حبيبي."
فطأطأت فريدة رأسها بعدما التقت بعينيها مع ابنها الذي وقف كالضائع.
ومشهد جميل حفر ذكراه في تلك اللحظة، عندما انحنت ورد قليلاً بابنتها نحو أيهم تعطيها له.
"إنها شقيقتك.. ألن ترحب بها؟"
فوقعت عين الصغير على الطفلة، ثم رفع عينيه نحو والدته.
ليتبع بنظراته لنظرات المحدقة.
ويمد يديه الصغيرتين وقد تحولت ملامحه الخائفة مما لا يفهمه، إلى ملامح سعيدة.
هو الشقيق الأكبر لتلك الصغيرة.
ليهمس بأذن الصغيرة بعد أن ساعدته ورد بحملها تحت نظرات كنان المصوبة بترقب لأفعال ورد مع صغيره.
"مرحباً بكِ.. أنا أيهم."
فسقطت دموع فريدة وتحركت بمقعدها المتحرك بعيداً عنهم.
متذكرة الماضي.
...................................................
رغم تعبها، وقفت تحضر له حقيبة سفره بأرهاق.
فقد تأجلت سفرته كثيراً، ولكن يجب عليه الذهاب للندن لإنهاء إحدى الصفقات التي تتطلب حضوره.
ومع كل التفافة منه حينما تسأله عن أي شيء آخر يريده، كانت تبتسم لانشغاله في مداعبة الصغير.
سعادة لم تعشها لا هي ولا شقيقتها في كنف حنان الأب.
ولكن اليوم رأت صغيرها ينعم بذلك الحنان، فنست الماضي بأوجاعه.
وكأن الحاضر أتى بترياقه، يضمد الشرخ الذي رسخه الزمن داخلها.
وضحكة خافتة صدرت منها عندما سمعت بكاء الصغير وجاسم يهتف به.
"آسفين يا أستاذ مالك، هبوسك براحة خلاص."
وعاد يمدغه بقبلاته، فتعالت ضحكاتها.
"أنت داخل مسابقة بوس يا حبيبي؟"
فألتف نحوها بعد أن هدء الصغير من بكائه.
"قولي إنك غيرانة يا أستاذة."
فأشارت نحو حالها باستنكار وهي تلوي شفتيها بتذمر.
"أنا أغير؟ لا طبعاً."
فنهض يتلاعب بحاجبيه وهو يطالعها مبتسماً.
"عيني في عينك كده."
وعندما هربت بعينيها عنه، مد ذراعيه يطوق خصرها ضاحكاً.
"لأ، إحنا لازم نصالح ماما يا مالك."
ومال نحوها يطبع بقبلات متفرقة على صفحات وجهها وهو يضحك، فتبادله ضحكاته.
"جاسم خلاص.. لأ كده كان الله في عون ابني."
فتعالت ضحكاته أكثر وهو يغمرها بقبلاته المشاكسة على كلتا خديها.
"بحاول أراضيكي أنتي كمان."
لحظات بدأ الزمن يسجلها في مخزون الذكريات.
ذكرى وراء ذكرى كانت تمحي ماضي أليم.
مشاعر دافئة دغدغت حواسها لتهتف بنبرة جياشة من شدة الشغف.
"أنت إزاي كده يا جاسم؟"
فأبتعد عنها ضاحكاً.
"مش عارف ليه السؤال ده بقى يتسأل كتير."
وداعب وجنتيها مبتسماً بخفة وزفر أنفاسه متنهداً.
"عاوز أعوض أحلامي معاكي أنتي وابني. أنا اتحرمت من معنى العيلة وده كان قدري. بس جاتلي الفرصة إني أعوض اللي اتحرمت منه معاكم."
واتجه نحو طفله ينظر إليه.
"نجحت ووصلت عشان في يوم لما ولادي يقولوا اسمي يقولوه بفخر، زي ما أنا لحد الآن فخور إن كان ليا أب عظيم وناجح."
وشعر بيديها تطوق خصره بتملك ودفء، ثم مالت برأسها على ظهره.
"مالك محظوظ بيك، وأم مالك كمان."
فأبتسم بعد أن طرد ذكريات وحدته مع جدته العجوز التي كانت تفعل ما تستطيع لأجله.
واستدار بجسده نحوها يعبث بخصلات شعرها المعقودة.
"شوفي أه، أنتي بقيتي تموتي في الدراما. لأ، أنا عايز مراتي المجنونة من تاني."
وتذكر أحد مشاهدهم، فأنفجر ضاحكاً.
"فاكرة يا مهرة يوم ما قفلتي الباب عليا وقعدتي ورا الباب بطبق البرتقال وبتاكلي بكل ثقة؟"
فتذكرت ذلك المشهد المخزي الذي انبطحت فيه على ظهرها وأحد فصوص البرتقال بفمها، وهو يطالعها من علو.
"ما شاء الله عليك يا حبيبي، مش فاكرلي غير أسوأ ذكرياتي الهبلة."
فقهقه بقوة وألتف نحو صغيره الذي يتلاعب بقدميه.
"أنتي كل ذكرياتك هبلة يا حبيبتي. احمدي ربنا إني حبيتك بعيوبك، دي النقطة الصح في علاقتنا."
فأحتقن وجهها بشر وكادت أن تتذمر وترد له كلماته، ولكن بكاء الصغير أنهى كل شيء.
ليبتعد عنها ضاحكاً وهو يهرب من نظراتها التي ستصعقه.
"شوفي مالك بيعيط ليه، واكمل أنا تحضير الشنطة."
...........................................
دلف من باب المنزل بأرهاق قد زال فور أن وجد صغيريه يركضان نحوه، ومرام تركض خلفهم بطعامهم هاتفة.
"مش هتهربوا مني غير لما تخلصوا الأكل كله."
فتعلق الصغيران بساقيه، يرغبان بحملهم.
فألقى كريم حقيبة عمله وانحنى يحملهما بين ذراعيه.
"حبايب بابا الحلوين.. تعبان ماما ليه؟"
فأتجهت مرام نحوه تقبله على خده بحب.
"حمد الله على السلامة يا حبيبي."
فبادلها قبلتها بمحبة وحنان، وصغيريه يعانقاه مخبئين وجههم بصدره حتى لا يأكلوا طعامهم.
فضحك كريم على فعلتهم.
"أنتي كنتي بتعذبيهم ولا بتاكليهم يا مرام؟"
فضحكت وهي تسحب منه أحدهما ثم الآخر.
"والله أبداً، ده أنا طول اليوم بجري وراهم في البيت. غير هدومك لحد ما أحضرلك الغدا."
عادت حياتهم القديمة كما كانت.
لا خادمة ولا مربية.
حياة أدركت معناها بعد درسها القاسي.
مدام الله لم يحرمها من العيشة الرغدة والحب، لا بأس أن تتنازل عن أحد أحلامها لترى حلم آخر يتحقق بعد رمي بذوره.
وأولادها هم تلك البذور.
وبعد مرور ساعة كانوا يتناولون طعامهم، ليسألها وهي مندمجة في تذوق الطعام.
"في حملة دعاية عاملها الشركة للمنتج الجديد.. عايزك تصممي لينا اللوحات الدعائية."
وتابع مازحاً وهو يطالع دهشتها في تذكره تلك الهواية التي كانت بارعة فيها.
"ولا روح المصمم اللي عندك ذهب مع الريح؟"
فأبتلعت طعامها مندهشة من طلبه الذي لم تتوقعه بعد أن استقالت من الشركة.
"كريم، أنت بتتكلم جد؟"
فأبتسم وهو يمازحها.
"لأ، بتكلم بهزار يا مرام."
وصدحت صوت ضحكاته عندما وكزته بشراسة.
"بتهزر يا أستاذ.. قول بجد إن العرض حقيقي وأنت واثق فيا."
فمال نحوها يداعب وجنتيها بحنو.
"بعد ما نخلص أكل هقولك عن فكرة المنتج."
فلم تجد ما تخبره به إلا أنها نهضت تحتضنه بسعادة وحب.
......................................................
وقف يسترق السمع بخوف من رحيلها.
كانت يده ساكنة على مقبض الباب المنفتح بعض الشيء.
كل كلمة كانت تخرج منها وهي تخبر شقيقتها عن راحتها والاهتمام والحب الذي يغمرها به كنان هي وطفلتها كانت تقتله.
وفي نفس الوقت كانت مهرة تخبرها عن أفعال جاسم منذ أن وضعت الصغير، حتى أنه أجل سفرة عمله كثيراً وسافر مرغماً.
كان مكبر الصوت يجعله يسمع حديث مهرة وقلبه يتألم على محبوبته التي لم تسرد أي شيء عما حدث ولا سبب ولادتها في غير موعدها، بل لم تطلب من أحد أن يأتي إليها لمعرفتها بظروفهم والأحداث التي مروا بها بمصر.
ألم جثم على قلبه بثقل وهي يستمع لتلك المحادثة الهاتفية.
لتسكن جميع حواسه وهو يسمعها تخبر شقيقتها.
"لأ يا مهرة، متجيش أنتي تركيا. أنا هنزل مصر بعد شهر.. أحضر فرح عائشة وأجيلك. ماما وحشتني وعايزة أزور قبرها وبيتنا كمان وحشني. أنا ومرام اتفقنا ننزل مع بعض نفس اليوم."
وضحكت بمزاح جعلته طبيعياً بعض الشيء.
"فهمي جاسم من دلوقتي إننا هنقعد في الحارة في بيت ماما."
فتعالت ضحكات مهرة وهي تعلم صعوبة الأمر حالياً.
"هو الموضوع بقى صعب، بس أنا هكثف مجهودي الشخصي من دلوقتي."
فأبتسمت ورد وهي ترى ملامح شقيقتها السعيدة.
"أيوه كثفي جهودك، بس من غير ما تزعلي جاسم. إلا جاسم مفهوم."
فصدحت صوت ضحكاتها متذكرة حديث أكرم معها منذ قليل بعدما شعر بحنقها من أمر سفر نرمين معه.
"هو إيه حكايتكم؟ أكرم يقولي إلا جاسم، وأنتي كمان."
فهتفت ورد بامتنان وحب.
"جاسم أخويا قبل ما يكون جوز أختي. متعرفيش أنا هنا وسط أهل كنان بكون فخورة بيه إزاي. لو تشوفي الهدايا بتاعت الولادة اللي جابهالي.. حتى مخللي حد من معارفه هنا في تركيا ديما يسأل عني."
فلمعت عين مهرة بحب جارف وهي تستمع لكل كلمة عن زوجها.
سنين صبرها وتحمل كل الأذى من ألسن الكثير وكفاحها المبكر بالحياة، أتى بعوض.
بكت يوماً تدعو الله فيه أن يجعل لها نصيب من عوضه في الحياة.
دعوة أخرجها القلب في لحظة شقاء وكسر.
جاسم كان يستحق صبرها طيلة السنين العطشة.
طرف آخر كان يقف ممزقاً وهو يستمع إلى زوجته التي وجدت في زوج شقيقتها رجلاً حقيقياً تفتخر به.
ولكن ماذا عنه هو؟
ماذا أضاف لها بحبه الذي لم يجلب إلا الندوب.
وانتهت المكالمة التي شملتها مهرة بوصاية كثيرة والاهتمام بصحتها إلى أن يلتقوا.
فألتفت ورد نحو الباب بعد أن فتحه كنان بأكمله ودلف للغرفة بملامح مرهقة.
اشفقت عليه ولكن قلبها مازال يؤلمها من معرفتها للحقيقة في ذلك اليوم.
هتف بصوت خافت:
- دوما تدهشيني بعطاءك وحنانك ورد... لو أخبرتك بكل كلمات الشكر والامتنان عما فعلته مع أيهم لن أوفيكي حقك. لم أعد أجد الحب والعشق كافيين لامرأة مثلك.
عم الصمت للحظات، إلى أن صدرت ضحكة خافتة من بين شفتيها.
- لم أفعل ذلك لأجلك يا كنان. أنا فعلته من أجل أيهم ونفسي. لن أكون زوجة الأب التي لا ترى إلا نفسها وأولادها. لن أكرر حكايتي أنا وشقيقتي.
ضحك وهو يجدها تندس بجانبه على الفراش حتى التصقت به.
- مالك يا ريم؟ أوعي تقولي إنك خايفة من فيلم.
فانكمشت على نفسها وهي تشيح بنظراتها الخائفة عنه.
- لا أبداً. أنا أخاف برضه.
فطالعها بتحديق يتفرس ملامحها، ثم لمعت عيناه بمكر.
- هو المفرش بيتحرك كده ليه؟
فتشبثت به بصراخ.
- الأشباح طلعت من الفيلم! أنا قلتلك.
ضحك وكأنه يضحك لأول مرة بحياته، وضمها إليه مازحاً.
- يا جبانة! أشباح إيه دي اللي تطلع من الفيلم؟ خيالك واسع أوي يا حبيبتي.
فأبتعدت عنه حانقة من مزاحه الثقيل.
- أنت بتخوفني يعني؟ طب أنا سيبالك الأوضة وهروح أنام في الأوضة التانية.
وقبل أن تنهض من فوق الفراش، صرخ بها وهو يضحك.
- ريم! الأشباح تحت رجلك.
وفي لحظة، وجدها تدفن نفسها بين ذراعيه، تزفر أنفاسها الدافئة بعنقه. فأبتسم وهو يضمها إليه.
- عملتي فيا إيه يا بنت الناس الطيبين؟
وفكت حصار تعلقه به، لتنظر لعينيه. ثم ابتسمت وهي تتذكر دعاءها في جنح الليل.
- دعيت ربنا إنك تحبني لو أنت سعادتي.
أستند على الجدار بملامح أهلكها الأرق، لتفتح الباب. فوقف يشبع عينيه بملامحها التي اشتاق إليها وهتف بهمس.
- رفيف.
فأستدارت بجسدها الذي زاد ضعفاً وسارت للداخل، تاركة له الباب مفتوحاً. فأتبعها بخطوات نادمة. لقد أوجعها حقاً بكلماته. كيف يخبّرها أن الطفل ليس بطفله وهو يعلم أنها له وحدها، بل وتغيرت من أجله؟ لقاءه الأخير مع ريان أوضح له أهم نقطة بحياتها، وللأسف هو ضغط على الزر المؤلم. "عاهرة ابنة عاهرة" تلك الجملة التي وُسِمت بها حياتها من قبل زوجة أبيها منذ الصغر، إلى أن أصبحت بالفعل تريد أن تكون مثلما وُسِمت. أراه صوراً لها قديمة بالجامعة، كانت فتاة هادئة بملابس محتشمة بالنسبة لفتاة غير محجبة، لا زينة تضعها على وجهها ولا أناقة تبحث عنها. ولكن كل شيء تبدل عندما تقدم لخطبتها ابن خالتها. ثارت والدته هي وشقيقتها. فكيف لابنة مغنية في الملهى أن تظل دوماً عالقة بحياتهم؟ يكفي أنهم تقبّلوها في العائلة. والده لم يتحدث بشيء منذ أن فعل فعلته الشنيعة بأمه وخطيئته مع أخرى.
وجاء صوتها المفعم بالألم.
- لماذا جئت يا عمار؟
فتنهد بثقل وهو لا يعرف كيف سيجيبها. وطأطأ رأسه بخجل، متذكراً أنه لم يفرق عنهم.
- رفيف، أنا آسف. بس خليكي مكاني. حكايتنا بدايتها كانت غلط. أنا حبيتك، بس في جزء جوايا كان شايفك البنت المتحررة اللي عايشة حياتها من غير حساب.
فضغطت على شفتيها بقهر وهي تلتف إليه.
- وعاهرة أيضاً؟ أنسيت يا عمار؟
وسقطت دموعها بعجز، تضغط على شفتيها أكثر.
- بدايتنا بالفعل خاطئة يا عمار. أنا سأرحل وأعود لكندا. طلقني يا عمار.
الكلمة سقطت على قلبه كنصل السكين. أي يطلقها الآن بعد أن أصبح أسير عشقها، بعد أن أصبح بداخلها نطفة منه؟ واقترب منها بملامح جامدة.
- لا، هي مش لعبة. اتجوزني وبعدين طلقني. يلا قدامي على بيتنا، ما عندناش ستات بترفض رضا جوزها.
رغم جمود كلماته بالبداية، إلا أنه أنهاها بمزاح جعلها دون قصد تبتسم. ثم تابع بمرح ليرى ابتسامتها.
- ضحكت يعني قلبها مال؟
فأشاحت عيناها عنه، فقد فضحتها ابتسامتها. فمد كفه نحو خدها حتى تلتقي عيناهما.
- أنا آسف يا رفيف على أي كلمة وجعتك بها.
وضم وجهها بين راحتي كفيه، يزيل عنها دموعها بأنامله الحانية.
- تعالي نبدأ من أول وجديد.
استمعت لشقيقها بألم عما يخبرها به عن حالة كرم. اليوم أصر عليه كثيراً أن يعرف سبب عدم مجيء والدته إليه. لتكون الإجابة صادمة، تمنت لو لم تعلمها. والدته فارقت الحياة.
- لو شوفتي حالته يا مهرة... صمته وجعني. ضم نفسه على السرير زي الجنين.
فبكت وهي تتخيل المشهد.
- قلتلها إن نهاية الظلم وحشة. شوفي نهايتنا وصلت لإيه أنا، وحاسس إني بموت بالبطيء. المحلات بتخسر، ديون على المحل، ناس بقت تبص في وشي وفاهم عينيهم بتقول إيه عن أمي. وكرم يا مهرة... حاسس إنه بيضيع هو كمان مني.
فلم تجد شيئاً تفعله له إلا أن تقترب منه، تحتضنه بقوة متمتمة.
- أنسي يا أكرم وادعيلها بالرحمة.
فضم نفسه أكثر إليها وهو ينتحب.
- كرم عايز يشوفك.
فأنصدمت مما قال. لتبتعد عنه، متذكرة وعدها لجاسم بأن تنسى شقيقها هذا. فابتلعت ريقها وهي تتهرب بنظراتها. فلم يحتاج أكرم للفهم.
- جاسم عنده حق.
فزفرت أنفاسها بضياع.
- مش عايزة أعمل حاجة تاني تهدم اللي صلحناه.
وأبتسمت بعد أن وجدت ضحى تقترب منهم بتوتر. فألتف أكرم، يطالع ما تطالعه هي. فنهضت من جانبه مرحبة.
- تعالي يا ضحى.
ونظرت لأكرم الذي أشاح عينيه هنا، ثم طالعها بعتاب على جلبها لضحى.
- أتفاهموا انتوا الاتنين براحة. وحذاري أرجع ألاقيكم مكشرين ولسه زعلانين.
وكزت أكرم على كتفه.
- مش دي حب حياتك اللي كنت هتوت عليها؟ فاكر يوم مرضتش تاخدني وأخدت جاسم بس، عشان ما أبوظش ليك الجوازة؟
فابتسمت ضحى رغماً عنها وهي تستمع لما تقصه عليها لأول مرة.
- هطلع أشوف مالك.
وطالعت ضحى التي جلست على أحد المقاعد تفرك يديها بتوتر.
- لو بس قالك كلمة تزعلك، نادي عليا أنزله بـ "مالك" وهو عارف إيه اللي هيحصل.
فأتسعت عين أكرم وهو يتذكر ليلة أمس وما فعله به الصغير.
- لا، إلا مالك.
ونظر لضحى وهو يقص عليها.
- أنتي متعرفيش من ساعة ما اتولد بتعمل فيا إيه أنا وجاسم. هي تنام واحنا نغير ونيم ونلاعب ونكست.
وحدق بها بشر. لتهرب هاربة من أمامه. أما ضحى، فأخذت تضحك. لينظر أكرم لملامحها. وشوق، ومن دون وعي هتف.
- وحشتيني.
خرجت علياء من بوابة المعهد الذي تدرس فيه، وقد أنهت أخيراً آخر امتحان لها، بل وسنتها الأخيرة بالمعهد. لتقف مع بعض زميلاتها تصافحهم وتودعهم على أمل اللقاء. لتقع عيناها على ذلك القابع في سيارته، يخفي عينيه بنظارته السوداء ويطالعها. فلم يسافر كما أخبرها، مما جعل حبه يزيد داخلها. تعلم أنه يفعل المستحيل من أجل أن يقنع عمار الذي يخبرها كل يوم أنه لن يوافق عليه أبداً، ويسألها إذا كانت تحبه أم لا. لا تعطيه إجابة، ولكن تصمت. وقعت بين أصعب خيارين بحياتها. أن تجد الشخص الذي يشعرها بحبه، وحبها لشقيقها الذي يرفضه ريان بشدة. أرادت أن تقترب منه، حتى أن قدماها أخذتها نحوه. ولكن تذكرت شقيقها ووعدها له. وبعد أن كان الأمل نبضاً بداخلها لقربها، وكاد أن يخرج من سيارته، تجمدت عيناه على خطواتها الهاربة.
هتفت بحب وهي تستمع لصوته.
- زوجي الحبيب، عامل إيه؟
فضحك وهو يتخيلها أمامه.
- زوجك الحبيب مقضيها اجتماعات مع الشركاء الجدد. مالك نايم ولا صاحي؟
فأنتحب الصغير وكأنه سمع سؤال والده عنه.
- آه، صاحي وبيسلم عليك بالعياط.
وفتحت مكبر الصوت واقتربت بالهاتف من صغيرها.
- ده كأنه بيحس إن فيه كلام عليه.
فقهقه جاسم بصخب وهو يعدل ما ربطه عنقه، ويسترخي بجسده على أحد المقاعد.
- مش ابن جاسم الشرقاوي؟ لازم يبقى حاضر في كل كلمة.
كانت نرمين تقف خلفه تحمل فنجان قهوته، لتتجمد ملامحها وهي تستمع للمكالمة، وعيناها تترقرق بها الدموع من إثبات آخر إليها أن لا تضيع حياتها على الوهم وتحلم بما ليس ملك لها.
عادت من معهدها تهلل بأنها أصبحت حرة طليقة الآن. لتتسع عيناها وهي تجد رفيف أمامها.
- رفيف! إنتي جيتي إزاي؟
فضحكت رفيف على عبارتها، لتجد شقيقها يخرج من المطبخ ويعمل في يده السكين وواحدة من البطاطس يقشرها، هاتفا.
- سؤال ذكي يا آنسة علياء.
فضحكت علياء بسعادة وركضت نحوها تعانقها.
- البيت كان وحش من غيرك، والواد ده كان كئيب ومكتئب وبيشغل أم كلثوم كل يوم وبيشرب عرق سوس.
لم تتمالك رفيف حالها، وابتعدت عنها تضحك بقوة حتى تألمت معدتها.
- اشتقت إليكِ حقاً يا علياء، ولمرحك الجميل.
فضاقت عين عمار وهو يرفع السكين مصوباً هدفه نحو شقيقته.
- ماشي يا علياء... محرومة من الأكل النهاردة.
واقترب منها بشر. فأختبأت خلف رفيف التي وقفت بينهم.
- لقد فضحتِ مشاعرك. أنا سأعطيكِ طعامي يا علياء.
فحدق بهم بوعيد وقد استاء من دفاع كل منهما عن الآخر.
- طيب انتوا الاتنين، تروحوا زي الشاطرين تحضروا الأكل. كانت مساهمة مني لطيفة النهارده، بس خلاص جنيتوا على نفسكم.
وسحب كف رفيف ليعطيها ما بيده.
- كملي الأكل ياللي عايزة تديها من أكلك، يا أم قلب حنين.
لتكتم علياء صوت ضحكاتها وهي تطالع مزاح شقيقها بأعين متسعة. فمن يراه الأيام الماضية لا يراه اليوم.
كانت جالسة على الفراش تخطط بقلمها على الورقة، لتشعر بوجوده. فألتفتت بوجهها قليلاً لتجده يقف مستنداً على باب الغرفة، عاقداً ساعديه أمام صدره ويطالعها. فأبتلعت ريقها بتوتر. لتصدر تصفيقة صاخبة منه.
- هايل يا رقية. روحتي ليها البيوتي سنتر بتاعها تهزقيها قدام زباينها.
فهتفت بتعلثم وهي تداري عنه نظراتها المرتبكة.
- أنا روحت أعمل شعري زي أي زبونة عندها. هي اللي بدأت، فأنا رديت عليها.
فضاقت عين مراد وهو يتفحصها.
- يعني من قلة المكان رحتي عندها؟
فأستاءت من تلميحاته ودافعت عنه.
- أيوه روحت قصد. ما أنا لو ما كنتش عملت كده، كنت هفرقع من الغيظ. بسببها أنت مخاصمني.
فك أسر ساعديه، واقترب منها يحدق بها.
- والخصام ده أنتِ تستاهليه ولا لأ؟
فطأطأت عيناها للأسفل وعضت على شفتيها بقوة.
- أستاهل يا مراد. بس أنت السبب.
فطالعها دون فهم بعد أن جعلت سبب فعلتها عليها، لتجف الكلمات بحلقه وهو يسمعها.
- أيوه أنت السبب. ومن وأنا طفلة بتدلع عليكي وبتسامحني. أي تصرف غلط بتفهميني غلطي، وبعدين برضه تسامحيني.
عمرك ما قسيت عليا، اتعودت على حنانك، بقيت عارفة إنّي هغلط وهتسامحني، جاي دلوقتي تعاقبني على حاجة أنت السبب فيها؟
وانحدرت دموعها بسبب قسوتها الأيام الماضية.
"لو كنت أعرف إن دي ضريبة الجواز، كنت فضلت رقية البنت اللي ربيتها بنت خالتك وبس."
فالتقط يدها لتستند بركبتيها فوق الفراش، ثم ضمها إليه بحنان.
"خلاص، متعيطيش. يمكن كلامك صح، بس انتي المفروض تفهمي. فيه فرق بين رقية البنت ورقيه اللي بقت زوجة دلوقتي."
فشهقت بشهقات متقطعة.
"أفهم منين؟ أنا كل اللي بفهمه إنّي بسمع وبس. الأم الوحيدة هي اللي بتعلّم بنتها، وأنا معنديش أم. أما أنا يا مراد، اتولدت لقيت نفسي بتنقل من بيت لبيت في العيلة بتربي فيه."
لم يستطع منع دموعه وهو يجدها أمامه بكل هذا الضعف، فضمها بقوة إليه متمتماً.
"أنا معاكي يا رقية، أنا كل حاجة ليكي. المهم ثقي فيا وفي حبي."
وأبعدها عنه بعدما شعر بحركة وجهها صعوداً وهبوطاً على كتفه.
"انتي بتعملي إيه؟"
فتعلقت عيناها به، ثم بقميصه هاتفة ببرآءة.
"بمسح دموعي اللي انت سبب فيها في قميصك يا حبيبي."
................................................
كان يتحدث معها ويضحك عما تفعله بأكرم كل ليلة منذ أن سافر.
"مفترية يا حبيبتي، ومدام مش هتتعبي في تربية مالك، يبقى نكثف جهودنا ونجيب التاني."
فصدرت همهمة منها يعلم أنها تسخر من حديثه.
"اسمع كده، كلمة اعتراض."
فهتفت بعلو صوتها.
"أعترض وبشدة."
فضحك، وقبل أن يعترض هو الآخر، هتفت وهي تنظر لهاتفها فوجدت أكرم يدق عليها.
"جاسم، هشوف أكرم وأرجعلك تاني."
وفي نفس التوقيت صدرت طرقات خافتة على باب غرفته المقيم بها بالفندق. تذكر أنه طلب وجبة العشاء.
"فترك هاتفه على الفراش دون أن يلاحظ أن المكالمة مازالت مستمرة، ولكن على خاصية الانتظار، واتجه نحو الباب يفتحه فوجد موظف الخدمة يدلف بعربة الطعام ويتبعه. أعطاه البقشيش ولم ينتبه أن الموظف ترك باب الغرفة مفتوحاً لتدلف رفيف بزي نومها القصير تغلق الباب خلفها. واقتربت ببطء تنظر إليه وهو يقف أمام عربة الطعام يلتقط بعض حبات العنب. واحتضنته من الخلف دون شعور منها، حتى أنه انصدم من سماع صوتها."
"بحبك يا جاسم، ومش قادرة أشوف راجل غيرك."
فأتسعت عيناه. وفي تلك اللحظة قد عادت مهرة للخط ومكبر الصوت كان مفتوحاً في عادت حديثهم. وكأن تأخيرها في الحديث مع أكرم ثم والدته ضحى ووالدها كان من سوء وحسن حظها. فكتمت أنفاسها وابتعدت عن صغيرها النائم تستمع لما يدور.
أزاحها عنه بغضب وهو لا يصدق فعلتها.
"انتي اتجننتي؟ إزاي تجيلي أوضتي والشكل ده؟ اطلعي بره يا نرمين."
فأقتربت منه برجاء بعد أن أشار إليها بالخروج.
"أنا مش قادرة أشوفك مع واحدة غيري. أنا موافقة أكون ليك زوجة بالسر يا جاسم."
انقطع الاتصال بتلك اللحظة لتنظر لهاتفها. تضيق عيناها بقهر. فأهم لحظة قد انقطعت. حاولت الاتصال ولكن الهاتف أصبح مغلقاً.
ودارت حول نفسها. نرمين تعرض عليه زواجها، الزواج. تخبره بحبها. الغضب كان يتآكلها وهي تعاود الاتصال مرات ومرات.
إلى أن صدح صراخ الصغير. فأتجهت إليه تحمله باكية.
ولا تعلم لما تبكي.
...................................................
ألتقطت عايدة الجريدة بغضب من يدها بعد أن رأت مشهد ألتقط لها وهي تزيح طفلة صغيرة عنها بقوة حتى أسقطتها أرضاً، والطفلة تمد لها يدها بأحد علب المناديل الذي تبيعه.
خبر أخذ ضجة عالية. فالكل يتساءل كيف لمن تمتلك عضوية بجمعيات حقوق الإنسان والطفل وجمعيات الرفق بالحيوان ومن تدافع عن حق المواطن، تمتلك تلك القسوة بأن تنبذ طفلة مشردة أتت إليها تعطيها علبة مناديل في نفس الوقت الذي كانت تبكي فيه.
المشهد فُسّر بجداره حتى من اتخذ الصورتان. ألتقطها بعناية ودقة.
ظهرت عايدة وهي تخرج من أحد المطاعم الفاخرة تقف تمسح دموعها وطفلة تقترب منها بعلبة المناديل. ثم إسقاط عايدة لها.
ليصدح رنين هاتفها. فتنظر إلى رقم المتصل بتوتر بعد أن أخذت تدور حول نفسها تفكر بتلك المصيبة.
وعاد الهاتف يعلن رنينه مجدداً. لتضغط على زر الإجابة تستمع لما يخبرها به المتصل.
لقد تم إلغاء عضويتها ببعض الجمعيات. وتم وقف برنامجها.
ليسقط الهاتف من يدها وهي تصرخ تلعن مدحت زوجها. فلولا دعوته لها لذلك المطعم واحتفاله بخبر حمل زوجته ما كان وصل لتلك الحالة. ولكن هل للإنسانية مبرر أو ظروف؟
.......................................................
نهضت أيلا بعد أن أنهت كل حديثها الذي أتت من أجله.
لتنظر ورد لخطأها وصدا حديثها يتردد بأذنيها.
أخبرتها أنها لم تقصد تدمير حياتهم، ولكن هي مثلها كمثل أي امرأة غارت عندما وجدت أخرى تنعم بمن كان زوجها يوماً. بل وتحدت مع الصعاب وجعلت عائلته يحبونها، حتى فريدة بجبروتها أحبتها.
رغبة بأن تجعل طفل يعيش بأسرة مكتملة. ولكن وقت الرجوع لم يعد، فهناك امرأة أخرى احتلت قلبه وعقله.
جملتها أخذت تدب على قلبها بقوة فتجعله يخفق بجنون.
"كنان لم يحب مثلها. تراها في عينيه. انطفأ لمعانه بمجرد هجرها له."
ونهضت هي الأخرى من فوق مقعدها تبحث بعينيها عن كنان الذي وقف يطالعها هي وأيلا من الشرفة.
وتحركت لداخل المنزل. فوجدته أمامه يحاول سبر أغوارها.
وقبل أن تتخطاه وقفت ترطب شفتيها بلسانها. إلى أن خرجت الكلمات من حلقها.
"أجلب أيهم للعيش معنا. فـ أيلا ستسافر خارج البلاد."
....................................................
هتف مازحاً وهو يلقي سترته على الأريكة.
"ده استقبال لواحدة جوزها جاي من السفر."
فنظرت إلى طفلها الذي ترضعه ثم أشاحت عيناها عنه. فأقترب منها بهدوء.
"ليلتها التليفون فصل شحن يا ‘مهرة."
فهتفت وقد ألمها رده عليها ليلة أمس.
"ولما شحنت تليفونك، مردتش عليا ليه؟"
فمسح على وجهها برفق ثم نظر إلى صغيره.
"كنت مصدوم من اللي حصل. ما كنتش متوقع إن مشاعر نرمين ناحيتي وصلت لكده. كنت فاكر إنها مجرد نظرات فخر أو إعجاب."
ونهض من جانبها بندم وهو يمسح وجهها.
"حسيت بالذنب تجاهها أوي، عشان أنا السبب في كل ده."
فأتسعت عيناها من اعترافه. إلى أن بدأ يوضح لها الأمر.
"نسيت إن الإعجاب في يوم ممكن يتحول لحب. نسيت إنها بشر، والإنسان للحظة بيضعف."
وتذكر صورتها الباكية وهي تكتم صوت شهقاتها عندما رفض حبها معترفاً بحبه لزوجته.
تفهمت كلماته بهدوء.
"كنت فاكرني بغير من غير سبب. كويس إنها فاقت في النهاية."
ونهضت إليه بعدما وضعت الصغير جانباً واحتضنته بشوق.
"حمد الله على سلامتك يا حبيبي."
وقبل أن يطوقها بذراعيه تابعت.
"هو أنا أه زعلانة منك، بس هحاول أعمل نفسي عندي زهايمر وهنسي الحكاية."
فأبعدها عنه ليعقد حاجبيه مستفهماً. وقد أضاعت عبوسه.
"ده كرم أخلاق منك يا ‘مهرة."
فوجدت الخيط الذي ستبدأ به طلبها. ثم دارت وجهها عنه وهي تتوقع رد فعله العنيف.
"كرم عايز يشوفني."
....................................................
وقفت جانبه في المقبرة وهي تنظر لقبر زوجته بشرود ثم إلى ملامحه الجامدة. وأمسدت على ذراعه بدعم.
لتتجه عين ياسر إليها وهو يخبرها أنه على ما يرام.
فتقدم منهم أحد المقرئين يرتل بعذوبة.
"كل من عليها فان ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام."
وبعد دقائق كان يسير بها خارجاً من المقبرة متجهاً نحو سيارته.
ودلفت للسيارة لتجده يطالع الفراغ الذي أمامه بشرود. لتربت على يده القابضة على عجلة القيادة.
"وقت ما تكون عايز تزورها هاجي معاك. مش هزعل لما تفضل فاكرها يا ياسر. في يوم كانت مراتك."
فطالعها للحظات. لتختصر قبلته التي وضعها على يدها كل معاني الحب.
.......................................................
خرجت من غرفته بالمصحة. لتجد جاسم واقفاً مع الطبيب يتحدث معه. لينتبه لقدومها. فصافح الطبيب منهياً حديثهم واقترب منها.
لترتمي على صدره باكية.
"طلب مني أخرجه من هنا. ده كان هيبوس إيدي يا جاسم."
وكتمت صوت شهقاتها بكفها.
"بكى زي الطفل الصغير وهو بيطلب مني."
لم يلومها على مشاعرها. ففي النهاية هو شقيقها. دماؤهم.
......................................................
وضعت علياء صنية الضيافة أمام ريان بخجل. ليحدق بها عمار مشيراً لها بأن تنصرف. فأنصرفت على الفور تحت نظرات ريان الذي أخذ يطالعها بحب.
وتنحنح ريان حرجا.
"انت تعلم أنا هنا لماذا يا عمار. أتمنى أن تقبل عرضي تلك المرة."
فداعب عمار لحيته. لتحرك له رفيف رأسه بأن يوافق ولكن.
"معلش يا بشمهندس فين الوالد والوالدة؟ دي الأصول."
فصمت ريان وهو يعلم أن والده لن يمانع. ولكن والدته ستكون المشقة معها.
ونهض عمار بعد أن طال الصمت من ريان.
"عرضك هيفضل متعلق لحد ما أهلك يجوا يتقدموا."
وكادت أن تتحدث رفيف. إلا أنه أشار إليها بأن تصمت. فأبتلعت كلامها بصمت.
فلم يجد ريان ما يقوله. ففي النهاية لديه كل الحق.
..................................................
ابتسم كريم وهو يطالع العرض الذي قدم إليه بعد أن نفذت تصميم منتجهم. مرام التي لم تصدق أنه سيدعمها بتلك الهواية. حتى أنه قدم لها بأحد المراكز حتى تتمكن أكثر في مجال تصميم الدعاية الإعلانية.
..................................................
كانت فاتنة ببساطتها التي تخطف الأنفاس. طيلة حفل زفاف شقيقته وعيناه عالقة بها حتى أنه لم يعد يرى غيرها. أيهم وجواد أصبحوا أصدقاء. أصبحوا يتقاسموا حبها. أيلا قد رحلت حيث عملها كمراسلة في إحدى القنوات الأجنبية وتنتقل من بلد لأخرى. كان يمنع تنقلها أيهم ولكن الآن أصبحت مطمئنة عليه. ترى صورته التي تبعثها لها ورد. سيعيش حياته يحمد الله على زوج مثلها تمنح دون مقابل. تمنح برضى وحب.
وابتسم وهو يجدها تنحني وتلتقط صغيرتها من والدته. والصغيرة ذات الشهرين تبتسم. أخذته قدماه نحوهم فوق خلفها يطوق خصرها بذراعه هامساً.
"لم أعد قادر على بعدك يا ورد. أصعب عقاب حصلت عليه بحياتي."
لن تنكر أن كلماته ذبذبت روحها. حتى لمسته جعلت معدتها ترفرف. هي تعاقبه فقط على إخفاء الحقيقة وصدمتها في ذلك اليوم. ولكن لن تتخلى عن حياتها معه. لن تحرم ابنتها من والدها ولن تحرم قلبها من حبه. فعلى أي سبب ستهجره وحكياته مع أيلا انتهت من زمان بعيد. زمن لم يكن فيه هي وهو.
وفاقت على التصفيق القوي للمدعوين حينما ألتقطت ليليان باقة الورد الخاصة بالعروس.
ضحكت دون شعور وهي ترى ليليان تصوب عيناها على أحدهم. فيبدو أن العرس القادم قد اقترب.
حاصرها بذراعيه بعدما أغلق باب الغرفة، يطالعها بشوق.
"كفى ورد.. انتهى مخزون تحملي."
فأشاحت عيناها عنه حتى لا تضعف، ولكن الأمر قد انتهى عندما انحنى يداعب عنقها بشفتيه.
استيقظت على صوت تذمر وهو يدفعها برفق.
"مهرة قومي، مالك بيعيط."
فهتفت بنعاس وهي تتثاوب.
"مالك مين؟"
فضاقت عيناه وبكاء الصغير يزداد.
"مهرة ركزي، مالك ابنك."
ففتحت عيناها على وسعهما ورفعت جسدها بفزع.
"مالك ابني."
ونهضت من فوق الفراش متجهة لمهد الصغير تلتقطه بتعب.
"خلاص أنا جيت أه."
وأبعدته عنه قليلاً لتنظر إليه.
"قولي بتعيط ليه دلوقتي.. نفسي أنام ساعتين متواصلين."
واتجهت بعيناها نحو جاسم بغل. ليهتف بنعاس وهو يضع الوسادة فوق رأسه.
"عايزة أنام.. عندي اجتماع بكرة الصبح بدري."
فكادت أن تتحدث ولكن ابتلعت كلامها وخرجت من الغرفة تدب أقدامها أرضًا.
ووقفت بالممر تسير بطفلها وبكاءه يزداد. ليخرج أكرم من غرفته وهو يحمل هاتفه يحادث ضحى. وابتسم وهو يجد شقيقته تدور حول نفسها.
"مهرة حاليًا يا ضحى، ينطبق عليها مثل: ياعيني على الحلو لما تبهدله الأيام."
لتحدق به مهرة بنظرات نارية وطالعت صغيره الذي بدأ يهدأ قليلاً.
"جيه الزمن اللي بقيت تريق عليا من اللي رايح واللي جاي."
واقتربت منه تعطيه الصغير قبل أن يغلق عليه غرفته.
"سكتيه لحد ما أختطف حلم سريع.. انت خاله برضوه والخال والد." وركضت من أمامه. فوقف أكرم يحدق بخطاها متسع العينين من قدرتها السريعة في تدبيسه. ليسمع ضحكات ضحى والصغير على أحد ذراعيه عيناه متعلقة به بصمت.
وأتاه صوت ضحى الضاحك.
"اتعلم يا أكرم عشان المستقبل."
أيقظته بصراخ تهتف به وهي تضع أمامه اختبار الحمل.
"أنا حامل يا مراد."
فنظر لها مراد بتشويش وهو يفرك عيناه ثم عاد لينام مجددًا.
"اشربي دوا يا حبيبتي وهتبقي كويسة."
فطالعتها بأعين متسعة مذهولة من ردت فعله العجيبة، ما دخل حملها بالدواء.
ووجدته يفتح عيناه فجأة يحدق بها بعدما تردد صدى كلماتها. ورفع جزعه العلوي من فوق الفراش متسائلاً.
"رقية انتي قولتي إيه؟"
فعادت تخبره بخبر حملها منتظرة حماسها.
"أنا حامل."
ولكن ردود أفعاله أصابتها بالصدمة.
"نبقى نحتفل الصبح يا حبيبتي.. تصبحي على خير."
ولم تجد إلا الوسادة تدفعها عليه حانقة.
وقفت كل منهما تحمل طفلها أمام قبر والدتهم. ورد بطفلتها ومهره بطفلها.
تتذكر نظرتهم لهم على فراش الموت. ليلتها بكت ورد تسألها ماذا سيحدث لهم إذا تركتهم بمفردهم. لم تنطق إلا جملة واحدة قبل أن تفارق روحها الحياة.
"اللي خلقكم مش هينساكم يا بنتي."
اليوم أدركوا المعنى، وكل منهم أصبح لديها زوج يعشقها وطفل تحمله بين ذراعيها.
وعادوا لمنزلهم في حارتهم البسيطة كما اتفقتا في بيت والدتهم.
لتلتقي عين ورد بماجد خطيبها السابق الذي أخذ يطالعها بندم.
أكملت سيرها دون التفات، فوجدت ماجد والدته تربت على ظهره بأسف.
"أنا السبب يا حبيبي فضلت أتباهى ببنت المستشار لحد ما بهدلتنا في المحاكم وأخدت ابنك منك وحرمتنا إننا نشوفه."
أما مهرة وقفت أمام محل البقالة تبتسم. ثم طالعت طفلها.
"ده كان عالم ماما الصغير."
عامان قد مرا.
جلست ورد تثرثر مع عائشة بعد أن هاتفت ليليان التي انتقلت للعيش بأمريكا بعدما تزوجت.
عائشة أصبح لديها فتاة صغيرة سمتها "ورد"، حتى أنها لا تغفو إلا في أحضان ورد.
"سمعتي عن طلاق سيلا؟"
فأرتشفت ورد من فنجان قهوتها.
"هذا الطلاق الثالث على ما أظن."
فضحكت عائشة.
"لا أعلم."
وانتبهوا على صوت أيهم وجواد اللذان يعنفان بعضهما، وأيهم يحمل شقيقته يخبئها من جواد.
"لا أزوجها لك."
فأحتقن وجه جواد ودفعه بيده.
"هي لي، أنت لا دخل لك."
واتجه إلى ورد يسألها.
"ورد سأتزوج زينب، أليس كذلك؟"
فضحكت عائشة. أما ورد طالتهم بصدمة ثم ضحكت ليأتي صوت كنان الذي هبط من أعلى بعد أن أطمئن على والدته.
"لا ابنتي ستظل معي."
وأخذ الصغيرة من شقيقها ليحتضنها. فقبلته على خده.
"أميرة بابا."
لتلطمه الصغيرة على خديه مبتسمة.
صرخ عمار بعلياء التي أتت تزف خبر حملها من ريان لرفيف.
"حامل من مين يا أختي؟"
فأنكمشت على حالها وهي تحتضن الصغيرة ألين ذات الأعين الزرقاء كوالدتها.
"من ريان.. من جوزي يا عمار، أنت نسيت إني اتجوزت؟"
فأتفف عمار حانقًا ينظر إلى زوجته التي كتمت صوت ضحكاتها بصعوبة.
"متفكرنيش.. أنا مش عارف وقفت إزاي أجوزك ليه."
فضحكت وهي تتذكر كل أفعاله مع ريان، حتى تزوجها أخيرًا من بضعة أشهر.
"ماذا عمار.. إنه شقيقي، أكبر العائلات تتمناه."
فأمتعض عمار بنظراته وهو يقترب منها يجلس جانبها.
"بلا أكبر بلا أصغر."
ثم نظر لعلياء مبتسمًا.
"سيبك منه وتعالي يا لولو بيت أخوكي."
ولكن عندما دق هاتفها برقم ريان، نهضت على الفور تضع ألين على ساقي رفيف. ثم طبعت قبلة سريعة على خد شقيقها.
"ريان مستنيني تحت.. عشان نروح معرض روقية."
وهربت من أمام شقيقها الذي طالعها بتوعد.
"ماشي يا علياء."
وهبطت لزوجها لتدلف سيارته تضحك على أفعال شقيقها تخبره.
"مش عايزة أقولك ردة فعل عمار كانت إيه لما عرف إني حامل."
فقهقه ريان وهو يعلم برد فعله، فعمار هو ضرته.
وقف ياسر مبتسمًا يتأملها وهي تهندم لطفلهم "جاسر" ملابسه.
والصغير سعيد يحمل حذائه يعضعه. لتسحب منه ريم الحذاء تعنفه برفق.
"مش عارفة إيه عشقك في الجزم يا حبيبي."
فصدحت ضحكات ياسر متذكرًا ما أخبرته حماته عن ريم، حمل صفاتها رغم أنه نسخة مصغرة منه.
"في ناس كده كانت بتحب تاكل الصنادل."
فزمت ريم شفتيها بحنق متمتمة.
"ماشي يا ماما.. ديما فضحاني."
واقترب منها يحضتنها بعشق هامساً.
"حماتي ديه أنا بموت فيها.. عشان أدتني أجمل وأرق هدية."
لتشتعل وجنتيها خجلًا من أثر كلماته.
نظرت مرام لوالدتها وسعادتها مع صغيريها. فبعد وفاة والدها منذ عام أصرت عليها أن تأتي للعيش معها بكندا. رحب كريم بوجودها ولن تنسى ذلك اليوم الذي أخبرها فيه أنه يحملها فوق رأسه وليس تعيش فقط معهم.
وشعرت بقبلة خاطفة وضعت على خدها.
"حببتي سرحانة في إيه؟"
فألتفت نحوه مبتسمة.
"سرحانة فيك يا حبيبي."
لتلمع عين كريم وهو يسحبها معه لغرفتهما.
"الولاد مع مامتك.. ودي فرصتنا."
فكتمت ضحكاتها وهي تتبعه.
تحركت ببطنها المنتفخة، تتأمل اللوحات بتدقيق. إلى أن جاءت إليها رقيه ضاحكة.
"مش عارفة ليه قلبي حاسس إنك هتولدي دلوقتي."
فطالعتها مهرة بأستياء، فحتى أكرم أخبرها بنفس الجملة. فالكل متوقع ولادتها اليوم ولكن هي أصرت أن تشارك رقيه افتتاحها لمعرضها وعودتها للرسم.
وألتفت بعينها لتجد مالك مع خاله كرم. كرم الذي أصبح شخصًا آخر. حتى جاسم أصبح متعجبًا من تغيره وتقربه من الله. متاجرهم بدأت تربح وأصبح لمهرة وورد ورث في مال والدهم.
واقترب أكرم منها ومعه ضحى وقد تزوجا من عام ولم يرزقوا بأطفال بعد. فمدحت ضحى برسومات رقيه.
"اللوحات جميلة أوي يا روقية."
فأبتسمت رقيه بسعادة وهي تنظر بعينها نحو مراد الذي عاد يشجعها بعد أن أنجبت طفلهم "فيراس".
وصرخة مكتومة خرجت من تلك التي وقفت تتألم، لتتسع عين رقيه وهي تطالعها.
"أنا قولت هتعمليها النهاردة.. شوفي سبتي الأيام كلها وجيتي يوم الافتتاح.. أنا عارفة إني فقر."
كانت ريم تتقدم منهم لتضحك على مزاح رقيه. لتدفعها مهرة بيدها هاتفة بحنق.
"فين جاسم؟"
لتجده يقف أمامها بعد أن ترك أحد معارفه.
"ألحقني يا جاسم."
نظر لها بحب بعدما انصرفوا جميعهم من غرفتها. وقبل أن يقترب منها.
"مبروك يا حبيبتي.. عقبال الطفل الرابع.. كده مالك ومهاب."
فحدقت به تضغط على أسنانها بقوة.
"لا شوفلك واحدة غيري.. أنا كده قدمت استقالتي."
فضحك وهو يميل نحوها يلثم جبينها بحنان.
"ما أنا عايز بنت يا مهرة."
فأغمضت عيناها بتعب وهي تعلم أن الجدال معه لن ينفع.
"وافرض جبت ولد."
فألتقط كفها يقبله بحب.
"نجرب تالت ورابع وخامس."
لتفتح عيناها على وسعهما وقبل أن تهتف بكلمة من كلماتها النارية وضع بيده على فمها يغلقه.
"موافقة طبعًا يا حبيبتي.. أنا عارفك زوجة مطيعة."
ومع تحريك رأسها بالاعتراض وهمهمتها، انفجرت شفتيه بضحكة رجولية صاخبة.